{"ً":{"ٌ":1,"ٍ":"الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"shamela","files":["1/41557.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكّم السنة والكتاب\nالمؤلف: حمد بن ناصر بن عثمان آل معمر التميمي الحنبلي (١١٦٠ - ١٢٢٥ هـ)\nالمحقق: عبد السلام بن برجس بن ناصر العبد الكريم\nتقريظ: صالح بن إبراهيم البليهي\nالناشر: دار العاصمة\nالطبعة: الأولى، ١٤٠٧ هـ\nعدد الصفحات: ٩٩\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[الفواكه العذاب - حمد بن ناصر]\n\n• في ١٢١١ هـ طلب غالب بن مساعد شريف مكة من الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود أن يبعث إليه عالمًا ليناظر علماء الحرم الشريف في شيء من أمور الدين\n\n• فبعث إليه المترجم الشيخ حمد بن ناصر بن معمر على رأس ركب من العلماء، فلما وصلوا إلى الحرم الشريف أناخوا رواحلهم أمام قصر الشريف غالب فاستقبلهم بالحفاوة والإكرام وأنزلهم منزلا محترما يليق بهم، فلما طافوا وسعوا للعمرة ونحروا الجزر التي أرسلها معهم الأمير سعود بن عبد العزيز هديا للحرم واستراحوا أربعة أيام من عناء السفر جمع الشريف غالب علماء الحرم الشريف من أرباب مذاهب الأئمة الأربعة ما عدا الحنابلة فوقع بين علماء الحرم ومقدمهم يومئذ في الكلام الشيخ عبد الملك القلعي الحنفي وبين الشيخ حمد بن ناصر مناظرة عظيمة في مجالس عديدة بحضرة والي مكة الشريف غالب وبمشهد عظيم من أهل مكة وذلك في شهر رجب من السنة المذكورة سنة ١٢١١ هـ فظهر عليهم الشيخ حمد بن ناصر بن معمر بالحجة وقهرهم بالحق فسلموا له وأذعنوا\n\n• وقد سألهم -رحمه الله تعالى- ثلاث مسائل:\nالأولى: ما قولكم فيمن دعا نبيا أو وليا واستغاث به في تفريج الكربات كقوله: يا رسول الله، أو يا ابن عباس، أو يا محجوب، أو غيرهم من الأولياء الصالحين.\nوالثانية: من قال لا إله إلا الله، محمدا رسول الله، ولم يصل ولم يزك هل يكون مؤمنا؟\nوالثالثة: قال هل يجوز البناء على القبور؟\n\n• فعكس علماء الحرم هذه الأسئلة على الشيخ حمد المذكور، وطلبوا منه الإجابة عليها فأجاب عنها -﵀- بما يشفي الغليل، ويبتهج به من يتبع الدليل، وأصَّلَ الإجابة وحرَّرها لهم في رسالة سماها علماء الدرعية \"الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب\" وقد أوردها بكاملها الشيخ حسين بن غنام في الجزء الثاني من تاريخه (وحذفت من التاريخ المذكور المطبوع بمطبعة المدني بمصر)، واختارها الشيخ سليمان بن سحمان مع مختاراته التي جمعها في رسالة وسماها «الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية» فطبعت عدة مرات\n\n• وقد أشار الشوكاني في «البدر الطالع» (٢/ ٧) إلى المناظرة بين الشيخ حمد بن ناصر، وعلماء مكة، فقال بعد ترجمته للشريف غالب بن مساعد، ما نصه: «وبلغنا أنه وصل إلى مكة بعض علماء نجد لقصد المناظرة فناظر علماء مكة بحضرة الشريف في مسائل، تدل على ثبات قدمه، وقدم صاحبه في الدين».\n\n[باختصار من: مشاهير علماء نجد وغيرهم، للشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ]","ٓ":"5.0","ٔ":513,"ٕ":1,"ٖ":1770154825,"ٗ":20},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقريظ الشيخ العلامة الجليل صالح بن إبراهيم البليهي","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة المحقق","level":1,"page":5},{"title":"ترجمة المؤلف","level":2,"page":9},{"title":"سبب تأليف هذه الرسالة وصفتها","level":2,"page":16},{"title":"المسألة الأولى [ما قولكم فيمن دعا نبيا أو وليا واستغاث بهم في تفريج الكربات","level":1,"page":20},{"title":"المسألة الثانية [من قال لا إله إلا الله، محمد رسول الله، ولم يصل، ولم يزك هل يكون مؤمنا]","level":1,"page":51},{"title":"المسألة الثالثة: هل يجوز البناء على القبور؟","level":1,"page":82},{"title":"أهم المراجع حسب ورودها في الكتاب","level":1,"page":89}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,27":20,"1,28":21,"1,29":22,"1,30":23,"1,31":24,"1,32":25,"1,33":26,"1,34":27,"1,35":28,"1,36":29,"1,37":30,"1,38":31,"1,39":32,"1,40":33,"1,41":34,"1,42":35,"1,43":36,"1,44":37,"1,45":38,"1,46":39,"1,47":40,"1,48":41,"1,49":42,"1,50":43,"1,51":44,"1,52":45,"1,53":46,"1,54":47,"1,55":48,"1,56":49,"1,57":50,"1,59":51,"1,60":52,"1,61":53,"1,62":54,"1,63":55,"1,64":56,"1,65":57,"1,66":58,"1,67":59,"1,68":60,"1,69":61,"1,70":62,"1,71":63,"1,72":64,"1,73":65,"1,74":66,"1,75":67,"1,76":68,"1,77":69,"1,78":70,"1,79":71,"1,80":72,"1,81":73,"1,82":74,"1,83":75,"1,84":76,"1,85":77,"1,86":78,"1,87":79,"1,88":80,"1,89":81,"1,91":82,"1,92":83,"1,93":84,"1,94":85,"1,95":86,"1,96":87,"1,97":88,"1,98":89,"1,99":90},"ٜ":{"1":[3,99]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99"],"ٞ":{"1":[1],"5":[2],"9":[3],"16":[4],"20":[5],"51":[6],"82":[7],"89":[8]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,89,90]},"pages":[{"text":"تقريظ الشيخ العلامة الجليل\nصالح بن إبراهيم البليهي\nبسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله. ﷺ وعلى آله وأصحابه أجمعين.\nأما بعد، فمن المعروف بأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب -﵀- يعتبر من المجددين لدين الإسلام. وكذلك أولاده وأحفاده وتلامذة الجميع قاموا بما قام به ودعوا إلى ما دعا إليه من توحيد الله وإفراده بالعبودية بجميع أنواعها. ومن تلامذته عالم فاضل متبحر في فنون العلم هذا العالم هو \"حمد بن ناصر بن عثمان آل معمر\" -﵀- هذا العالم الذي هو من فطاحلة العلماء له أجوبة سديدة وحكيمة في الرسائل المشهورة التي رتبها الشيخ عبد الرحمن بن قاسم -﵀-. وله رسالة جيدة ونافعة ومفيدة ينبغي لطالب العلم أن يقرأها ويتأملها جيدًا لما فيها من العلم النافع. هذه الرسالة أسماها \"الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب\" وسبب كتابة الرسالة هو أن غالبًا الشريف أمير مكة أرسل إلى الإمام عبد العزيز بن سعود يطلب منه أن يرسل إليه من العلماء لديه من يناظر علماء الحرم. وذلك في سنة ١٢١١ هـ وحيث إن هذه مهمة عظيمة ولها نتائجها ولها","vol":"1","page":3},{"text":"ما بعدها أرسل إليه الإمام عالمًا متضلعًا ومتبحرًا في فنون العلم:\nوخاصة علم العقائد والتوحيد هو \"حمد بن ناصر آل معمر\".\nفلما وصل حمد بن ناصر مع رفقائه إلى مكة وقضوا عمرتهم. جمع الشريف علماء مكة ثم جرت المناظرة في جلسات عديدة. وحضر هذه المناظرة من أهالي الحجاز الخلق الكثير. والجم الغفير: وبعد مساجلات وأخذ ورد ومناظرات حارةٍ طار شررها: وثار دخانها بعد ذلك كانت أعلام النصر ترفرف في جانب الشيخ حمد بن معمر: حيث ظهر على المناظرين: بالدليل والبرهان: والحجة والبيان: وهكذا كان وهكذا يكون كل من كان في جانب الحق سوف يعلوا وسوف يكون مرفوع الرأس وسوف ينتصر: وسوف يكون غلابًا لخصمه. تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nومما جرى في جلسات المناظرة أن علماء مكة من الحنفية والمالكية والشافعية سألوا حمد بن ناصر عن مسائل عديدة فأجابهم عن ثلاث مسائل.\nأجابهم بما يشفي العليل ويروي الغليل. ويزيل الشبهات. ويحرق المغالطات: وقال إذا أجبتم على هذه المسائل الثلاث أجبناكم عن بقية المسائل: كما قيل ويقال ليس الخبر كالعيان بعد ذلك أفسح المجال للقارئ الكريم ليقرأ المسائل الثلاث ويقرأ جوابها: حيث كانت بين يديه والله الموفق والهادي إلى طريق الرشاد.\nوبعدما تقدم أقول للقراء الأفاضل لنا جميعًا أخ في الله. هو الأستاذ عبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم. وفيما أعتقد أنه وفقه الله فكر في موضوع ما فكر فيه غيره وقد تحققت فكرته المباركة بالعمل وها هو سدد الله خطاه في بداية الطريق","vol":"1","page":4},{"text":"هذه الفكرة هي إيجاد وإظهار الكتب والرسائل التي كتبها علماء الدعوة السلفية: وهم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وتلامذته وتلامذة التلاميذ فقام الأستاذ عبد السلام بنشر هذه الرسائل وتحقيقها وتخريج أحاديثها. وترقيم الآيات القرآنية الموجودة فيها وما ذاك إلا لأن الكتب والرسائل التي كتبها هؤلاء العلماء الأفاضل أكثر العلماء وطلبة العلم الذين درسوا في المعاهد والكليات والجامعات والمتوسطات والثانويات، لا يعرفون عن هذه الكتب القيمة شيئًا. وهي من تراثنا النفيس الغالي فجزى الله الأخ الفاضل الأستاذ عبد السلام بن برجس خير جزاء وأثابنا الله وإياه ثواب المحسنين والمصلحين ورزقنا الله وإياه الإخلاص في النية والقول والعمل.\nوأول رسالة حققها الأخ عبد السلام وخرّج أحاديثها وأبرزها للوجود هي دحض شبهات على التوحيد للشيخ العلامّة مفتي الديار النجدية في زمنه عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين.\nوالرسالة الثانية التي حققها الأخ عبد السلام هي سؤال وجواب في أهم المهمات للشيخ عبد الرحمن بن سعدي.\nوالرسالة الثالثة هي تحقيق الكلام في مشروعية الجهر بالذكر بعد السلام للعالم العلامة سليمان بن سحمان.\nوالرسالة الرابعة التي هي الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب للشيخ العلامة ابن معمر وهي التي بين يدي القارئ.\nفجزى الله الأخ عبد السلام عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وأعظم الله لنا وله الأجر والثواب.","vol":"1","page":5},{"text":"وهكذا ينبغي لطلاب العلم أن ينزلوا إلى ميادين العلم ليستفيدوا ويفيدوا أمة الإسلام بما ينفعها في عقائدها وأحكام دينها.\nوصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.\nقال ذلك وأملاه الفقير إلى الله صالح بن إبراهيم البليهي. الجمعة ٢٠/ ٧/ ١٤٠٧ هـ.","vol":"1","page":6},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n\"<span data-type='title' id=toc-2>مقدمة المحقق</span>\"\nالحمد لله الذي أرسل رسله مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتب والموازين، لتقوم الحجة على جميع العالمين، وليتميز حزب الله من حزب الشياطين.\nأحمده سبحانه على ما أولانا من النعم الظاهرة والباطنة، ودفع عنا من الشرور والنقم المتغايرة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الحمد في الأولى والآخرة، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمد الذي محا الله به عبادة الأوثان والأشجار والأصنام، وأزال به معالم الكفر والفجور والأنصاب والأزلام، وأبطل به ما عليه أهل الجاهلية من ظلم وإجرام، فأشاد الله به الحنيفية ملة إبراهيم ﵊، بعد أن أضحت مطموسة الأعلام، ووعده بحفظها ونشرها على مدى السنين والأيام، فأيّده بالقرآن الذي فيه الهدى والبيان والشفاء للأسقام، وآتاه معه جوامع النطق والكلام، فأزكى الله وأتمّ سلامة عليه وعلى أصحابه الأجلاّء الكرام، الذين حقّقوا التوحيد وقاموا به حق القيام، وناضلوا عنه بكل ما أتوا من قوة وحسن خصام، وحاربوا من حد وانحرف عنه وصرف العبادة لغير الملك العلاّم حتى استقام عليه الحاضر والباد كما ينبغي ويرام فلا ترى في وقتهم من يهرع إلى أصحاب القبور في المُدْلهمّات الجسام، ولا من يفزغ إلى الدعاء والتوسل بالأنبياء والصالحين في النكبات العظام، ولا","vol":"1","page":7},{"text":"من يُشِيد القبور بالقباب والحرير والرّخام، فرضي الله عنهم كما حفظوا لنا دين الإسلام، ورضي الله عمّن اتبعهم واقتفى أثرهم إلى يوم القيام.\nأما بعد، فهذه هي الرسالة الثانية من سلسلة رسائل وكتب علماء نجد الأعلام، وهي من كتابات الشيخ العالم العلاّمة حمد بن ناصر آل معمر -رحمه الله تعالى- اسمها \"الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب\".\nوهذه الرسالة فريدة في بابها، بديعة في أسلوبها وخطابها، مهذّبة ومنقّحة لطلاّبها، اشتملت مع صغر حجمها على تقرير التوحيد، ونقض جذور الشرك والتنديد، وذلك بالأدلّة الواضحة من الكتاب والمجيد، ومن صحيح سنة أفضل الخلق والعبيد -ﷺ- فهي رسالة جديرة بالاهتمام، رفيعة القدر والمقام، ينبغي أن يستعين بها الطلاّب، وأن لا يرغب عنها العلماء أولو الألباب.","vol":"1","page":8},{"text":"النسخ المعتمد عليه في التحقيق\nتوفر لدي عند الشروع في تحقيق هذا الكتاب عدة نسخ:\nالأولى: نسخة خطية محفوظة في مكتبة الرياض السعودية تحت رقم \"٨٦/ ٦١٣\" تقع في أربع وعشرين لوحة. وهي نسخة حسنة الخط، لم يذكر فيها اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ. لكن ذكر الناسخ ما يدل على أنها كتبت في عهد الإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود -﵀- وذلك في قوله:\n\" … طلب غالب والي مكة المشرفة من عبد العزيز بن محمد بن سعود والي نجد، متعنا الله بحياته … \" فعلى هذا تكون هذه النسخة قد كتبت في حياة المؤلف -﵀- لأن الإمام عبد العزيز توفي سنة \"١٢١٨ هـ\" وتوفي المؤلف بعده بسبع سنين فهذه النسخة كتبت قطعًا قبل سنة \"١٢١٨ هـ\" والرمز إلى هذه النسخة بحرف \"أ\".\nالثانية: نسخة خطية أيضًا محفوظة في مكتبة الرياض السعودية تحت رقم \"٨٦/ ٦٠٧\" تقع في خمس وعشرين لوحة. وهي نسخة حسنة الخط، كثيرة الأخطاء الإملائية، كتبت بخط المسمّى \"عبد الله بن أحمد\" ولم يذكر ناسخها تاريخ النسخ.\nوهذه النسخة كتبت بعد وفاة الإمام بعد العزيز بن محمد أي بعد سنة \"١٢١٨\" كما يشعر بذلك قول الناسخ: \" … والي نجد -﵀- وتغمده برحمته … \" والإشارة إلى هذه النسخة بحرف \"ب\".","vol":"1","page":9},{"text":"الثالثة: النسخة المطبوعة في مطبعة المنار بمصر سنة \"١٣٤٤ هـ\" ضمن كتاب الشيخ العلامة سليمان بن سحمان \"الهدية السنية والتحفة الوهابية النجدية\". وهناك نسخة رابعة طبعت في الرياض قديمًا بمطبعة \"النور\" وهي صورة من النسخة الثالثة تمامًا.\nتنبيه وقع في جميع النسخ غلط في اسم المؤلف حيث كتب \"أحمد\" والصواب \"حمد\" ووقع في \"ب\" و\"المطبوعة\" \"المعمري\" والصواب \"المعمّر\" بدون ياء النسب ..\nتنبيه ثان: نظرًا لكثرة الأغلاط الإملائية في نسخة \"ب\" والزيادات التي تكون غالبًا من النساخ كـ\"سبحانه\" عند لفظ الجلالة و\"﵁\" عند ذكر الصحابة وما شابه ذلك مما لا أثر له لم أذكر تغاير النسخ فيه.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>ترجمة المؤلف</span>\" (*)\nهو الإمام العالم العلاّمة، الحبر البحر الفهامة، المحقق المجتهد، الحافظ المتفنن، قامع المشبهين، ورافع راية الموحدين، الشيخ الجليل، المدقق النبيل، حمد بن ناصر بن عثمان بن حمد بن عبد الله بن محمد (**) بن حمد بن حسن بن طوق بن سيف آل معمّر (^١) العنقري السَّعدي\" (^٢) التميمي النجدي الحنبلي.\nوحسن بن طوق هذا هو الذي نزح من \"ثرمداء\" إلى \"ملهم\" ثم أتى إلى \"العيينة\" وكان فيها آل يزيد من بني حنيفة فاشتراها منهم عام \" (٨٥٠) هـ\" واستوطنها هو وأولاده. وما زالت تنمو شيئًا فشيئًا حتى بلغت الذروة -بين بلدان نجد- في التقدم العمراني وكثرة السكان\n_________\n(*) مصادر الترجمة:\n١ - روضة الناظرين عن مآثر علماء نجد وحوادث السنين للقاضي.\n٢ - الدرر السنية في الأجوبة النجدية جـ ١٢ للشيخ ابن قاسم.\n٣ - علماء نجد خلال ستة قرون للبسام.\n٤ - عنوان المجد لابن بشر.\n(**) وقع في شجرتنا \"راجح\" بدل \"محمد\". وقد كتب لي بعض كبار آل معمّر هذا النسب وأثبت اسم \"محمد\" بدل \"راجح\" وهذا هو الذي أثبته المؤرخ حسين بن حسن في كتابه \"أعلام تميم- ص ٣٩١\".\nقلت ولعلّ لقبه \"راجح\" و\"محمد اسمه والله تعالى أعلم.\n(^١) ويجتمع كاتب هذه الترجمة مع المؤلف في الجدّ السابع.\n(^٢) نسبة إلى بني سعد بن زيد مناة بن تميم.","vol":"1","page":11},{"text":"والحركة التجارية والعلمية لا سيما في زمن الأمير -عبد الله بن محمد بن معمر- كما قاله ابن بشر في عنوان المجد.\nوذكر الشيخ الفاضل عبد الله بن بسام -حفظه الله- في كتابه علماء نجد \"١/ ٢٣٩\" أن بين المترجم له، وحسن بن طوق قرابة من عشرة أجداد لم يستطع العثور على أسمائهم. هكذا قال: والصواب أن بينه وبين حسن خمسة أجداد، وأسماؤهم معروفة، وقد أثبتها من شجرتنا \"آل عبد الكريم\"، ومن كبار أسرة \"آل معمّر\".\nولد هذا العالم الجليل في مدينة \"العيينة\" سنة \"١١٦٠ هـ\" وكانت يومؤذ أكبر مدن نجد، كما أنها بلد عشيرته آل معمّر -حكّام العيينة- فكان من بيت حكم وإمارة.\nومن المعلوم أن العيينة بعد قيام دعوة الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب تأثرت بدعوته، وصار فيها أناس من أنصار منهجه، فنشأ المترجم فيها وأخذ العلم عن علمائها الذين هم أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب.\nولما شبّ رغب في التزود من العلم فرحل إلى \"الدرعية\" مقرّ دعوة شيخ الإسلام. ولازم فيها شيخ الإسلام ملازمة الظل، فانتفع بذلك أعظم الإنتفاع، كما أخذ العلم عن غيره من علماء الدرعية كالشيخ سليمان بن عبد الوهاب، والشيخ حسين بن غنام.\nوثابر على تحصيل العلم بجد واجتهاد، ووافق ذلك منه فهمًا جيدًا، وذكاء حادًا، وحفظًا قويًا، فبرز في العلوم الشرعية عامة، وأدرك في العلوم العربية إدراكًا جيدًا، وبلغ مبلغًا كبيرًا حتى صار من أكابر علماء نجد، ومن أوسعهم إطلاعًا، وأطولهم باعًا، وأجوبته أكبر شاهد على ذلك.","vol":"1","page":12},{"text":"قال ابن قاسم: بلغ في العلوم العقلية والنقلية مبلغًا، له اليد الطولي في الأصول، والفروع، والحديث، واللغة العربية، وغيرها، قليل المثل في الديانة والعبادة، جمع أنواع المحاسن والمعالي، قرن بين خلتي العلم والحلم، والحسب والنسب، والعقل والفضل، والتدريس والتصنيف، والفتاوى والنصائح، أوحد العصر في أنواع الفضائل، مجالسه بالعلم معمورة، وبالفقهاء مشحونة، وأوقاته بالخير مقرونة، وأخلاقه بالذكاء مشهورة، اهـ.\nقال ابن بسام فلما بلغ هذا المبلغ الكبير من العلم، جلس للتدريس في مدينة الدرعية الزاهية بالعلماء والآهلة بالطلاب، والمستمعين، فنفع الله تعالى بعلمه خلقًا كثيرًا، واستفاد منه جم غفير، فصار من طلابه النابهون\nابنه الشيخ عبد العزيز بن معمر -صاحب كتاب \"منحة القريب المجيب في الردّ على عباد الصليب\"-، والشيخ المحدّث الفقيه العلاّمة سليمان بن عبد الله آل الشيخ، والشيخ العلاّمة الإمام عبد الرحمن بن حسن، والشيخ المحقق الجليل عبد الله بن عبد الرحمن أبا بطين، والشيخ عبد العزيز بن حمد بن مشرّف، والشيخ عثمان بن عبد الجبار بن شبانة، والشيخ علي بن حسن اليماني، والشيخ جمعان بن ناصر، وغيرهم من العلماء. كما قصد بالأسئلة والفتاوى من أنحاء الجزيرة العربية فأجاب عنها الأجوبة المحررة السديدة التي تدل على العلم الواسع، والفقه النقي، والباع الطويل في","vol":"1","page":13},{"text":"جميع العلوم الشرعية فجاءت في فتاويه ورسائله فوائد زائدة عما كتبه من قبله من الفقهاء تنبئ عن حسن تصرف، وجمال تخريج على كلام العلماء الذين سبقوه، ففتاويه ورسائله لو جمعت لجاءت سفرًا كبيرًا مفيدًا، ولكنها طبعت مفرقة مع فتاوى ورسائل علماء نجد، اهـ.\nوقال محمد بن عثمان القاضي: وكان ذا مكانة مرموقة، وله شهرة بلغت الآفاق، ولكلمته نفوذ، وكان واعظ زمانه، ولمواعظه وقع في القلوب، غزير الدمعة لا تفارق خدّه … وكان يعظ الناس أدبار الصلوات في الدرعية وفي الحجاز مدة إقامته فيه، ويأمر بالمعروف، ونهي عن المنكر، والولاة يشدّون من أزره، ونفع الله به أممًا لا يحصون، ومحا بدعًا كانت في الحجاز، فهدم الشريف قبابًا كانت على القبور بسبب إرشاداته القيمة، وله هيبة، ولكلامه وقع في القلوب، اهـ.\nقال الشيخ ابن بسام -حفظه الله- حدثني وجيه الحجاز الشيخ السلفي محمد بن حسين نصيف قال حدثني رجل ثقة من آل عطية من أهل جدة عن أبيه قال: جمعنا في مسجد عكاشة حينما قدم حمد بن ناصر بكتاب الصلح بين سعود وغالب فصعد المنبر وخطب خطبة بليغة تدور حول تحقيق التوحيد وإخلاص العبادة، ثم حذّر من ترك الصلوات، وأمر بأدائها في المساجد، ونهى عن شرب الدخان، وبيعه وتعاطيه، كما أمر بهدم القباب التي على القبور، وأمر بالحضور إلى المساجد لسماع رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب فامتثل الناس هذا كله، فصرتَ لا ترى الدخان لا استعمالًا ولا بيعًا، وصارت المساجد تزدحم بالمصلين وهدمت القباب التي على القبور، وصار الناس يحضرون لسماع الدرس، اهـ.","vol":"1","page":14},{"text":"وقد كان موضعَ الثقة من الأمراء، فقد بعثه الإمام عبد العزيز عام \"١٢١١ هـ\" إلى الشريف غالب أمير مكة -وقد تقدم ذكر سبب هذه البعثة وما دار فيها-.\nولولا مكانته العلمية، وعقليته الراسخة، ما اختاره الإمام عبد العزيز وأيده علماء الدرعية على أن يكون السفير الكبير في هذه المهمة العظيمة، فصار يجادل العلماء بمذاهبهم، ويرد عليهم من كتبهم، وأقوال أئمتهم.\nوفي سنة \"١٢٢٢ هـ\" بعثه الإمام سعود رئيسًا لقضاة مكة المكرمة فمكث يقضي، وسدد في أحكامه، وظل في منصبه حتى توفاه الله في العشر الأوسط من ذي الحجة سنة \"١٢٢٥ هـ\" في مكة، وصلى عليه المسلمون تحت الكعبة المشرّفة، ثم خرجوا به من الحرم إلى البيضية، وخرج الإمام سعود بن عبد العزيز من القصر وصلى عليه بعدد كثير ودفن في مكة، اهـ. من ابن بشر كما في الروضة.","vol":"1","page":15},{"text":"وجد بأول النسخ ما نصه (^١):\nبسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين (^٢) الحمد لله الذي نصر الدين، بالحجة والسيف والتمكين، وجعل لدينه من ينفي (^٣) عنه غلو الغالين، وتحريف المحرفين، بالدلائل (^٤) القاطعة والبراهين.\nأما بعد، فلما كان في السنة الحادية عشر بعد المائتين والألف من هجرته ﷺ طلب غالب والي مكة المشرفة من عبد العزيز بن محمد بن سعود والي نجد متعنا الله بحياته (^٥) أن يبعث إليه عالمًا من علمائه، وليناظر علماء الحرم الشريف في شيء من أمور الدين. فبعث إليه عبد العزيز الشيخ حمد (^٦) بن ناصر بن عثمان الحنبلي في ركب فلما وصلوا والي مكة بها جمع علماء الحرم الشريف، وأرباب مذاهب الأئمة الأربعة خلا الحنابلة فوقعت مناظر عظيمة بين الشخ حمد (^٧) المذكور وعلماء الحرم الشريف ومقدمهم يومئذ في الكلام الشيخ عبد الملك الحنفي فوقعت المناظرة في مجالس عديدة لدى والي مكة بمشهد عظيم من أهلها وذلك في شهر رجب من السنة \"١٢١١ هـ\" المذكورة من هجرته ﷺ فظهر الحق وبان، وانخفض الباطل واستكان، وأقرّ الخصم بعد البيان، ومما سألوه عنه ثلاث مسائل فأجاب أيّده الله بروح منه بما يشفي العليل،\n_________\n(^١) وهذا الكلام ليس من كلام المؤلف كما يدل عليه السياق.\n(^٢) \"وبه نستعين\" ليست في \"ب\".\n(^٣) في \"ب\" \"ينافي\".\n(^٤) في \"أ\" \"بالأدلة\".\n(^٥) في \"ب\" \"رحمه الله تعالى وتغمده برحمته\".\n(^٦) وقع في جميع النسخ \"أحمد\" وهو خطأ والصواب ما أثبته.\n(^٧) وقع في جميع النسخ \"أحمد\" وهو خطأ والصواب ما أثبته.","vol":"1","page":16},{"text":"ويبتهج به من يتبع (^١) الدليل، وسميت هذه الأجوبة \"الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب\" (^٢) المسألة الأولى ....\n_________\n(^١) في \"ب\" \"يبتغي\".\n(^٢) سبب تسمية هذه الرسالة بهذا الإسم ما ذكر في حاشية نسخة \"أ\" قال الناسخ: وأخبرني من لا أتهم: لقد قال عبد المالك المشار إليه: لا نسلم لكتاب الله، ولا لسنة، ولا لكلام الأئمة خلا أبا\"*\" حنيفة فهذا سبب إسم الأجوبة انتهى.\nوأظن أن واضع هذا الإسم هو صاحب النسخة \"أ\" أو المؤلف والله أعلم.\n_________\n\"*\" في أصل الحاشية: \"أبي حنيفة\".","vol":"1","page":17},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>سبب تأليف هذه الرسالة وصفتها</span>\nلما كانت السنة الحادية عشرة بعد المائتين والألف \"١٢١١ هـ\" من هجرة المصطفى ﷺ أرسل أمير مكة الشريف غالب بن مساعد إلى الإمام عبد العزيز بن سعود -﵀- يطلب منه أن يبعث إليه بعض علماء بلده، ليتحقق عن كنه دعوتهم التي أوشكت على دخول مصره، وليناظروا علماء الحرم في مسائل من فروع الدين وأصله. فما كان من الإمام عبد العزيز إلا أن أرسل إليه بعض العلماء المحققين، الذين لهم قدم راسخ في المناظرة بالحجج والبراهين، ليمطوا اللثام عن حقيقة دعوة أهل نجد الموحدين، وليرشقوا بنبال التوحيد شبه المشركين، وكان على رأسهم حمد بن معمّر أحد العلماء المبرّزين.\nفلما وصلوا إلى بيت الله الحرام، وأدوا العمرة براحة وسلام، استقبلهم الشريف غالب استقبالًا جميلًا، وأكرمهم إكرامًا جزيلًا. ثم بعد ذلك عقدت المناظرة، واشتدّت الخصومة والمشاجرة -بين الشيخ حمد وعلماء مكة الزاخرة- وقد حشدت الحشود لهذه المساجلة، واجتمع الناس لها من الحاضرة والبادية (^١). فأقام عليهم الشيخ حمد الحجة والدليل، وقطع عليهم المحجة والسبيل، وأبان لهم قبح ما عليه الآباء\n_________\n(^١) وما أحسن ما قاله شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية -﵀- في ردِّه على البكري \"ص ٣٥٩\": وأهل السنة إذا تقابلوا هم وأهل البدعة فلهم نصيب من تقابل المؤمنين والكفار، اهـ.","vol":"1","page":18},{"text":"ومشائخ الجيل، من صرف العبادة لغير الله بدون برهان أو تعليل. فخضعت لأدلّته أعناقهم، وذلّت لها حجتهم (^١) وبرهانهم، وتيقنوا أن الحق فيما جاءهم. ولكن الشيطان أملى لهم، وزيّن لهم سوء أعمالهم، فنكسوا على رؤوسهم، وقالوا ما قاله أشياعهم وأسلافهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [سورة الزخرف- ٢٣]. قال الشيخ حسين بن غنّام في كتابه \"روضة الأفكار والأفهام\" ٢/ ٢٠٢:\nوصفة ما جرى منهم أنهم حضروا ببيت الشريف، تجاه بيت الله المنيف، فأول ما فتتحوا به التكلم والتخاطب، وأجمعوا عليه في المطالب، وجرى بينهم التحاور والمفاوضة، والتخاطب فيه والمراوضة، مسألة قتال الموحدين من الناس، والكشف عن وجهها حجب الإلتباس، فطلب حمد بيان الحجة والدليل، والبرهان السالم من الأعاليل، والنص القاطع للاحتمال والتأويل، والقامع لسائر الأقاويل، على ذلك المنهج والسبيل، فأتى لهم بالنص القاطع القامع، لكل أذن صاغية وسامع، وجلب من الأحاديث الصحيحة الراجحة، والأدلّة الباهرة اللائحة، ما شفى وكفى، وصيرهم من قطع اللسان والحجة على شفا وأزاح عن محياها القتام ونفا، فعصفت على بيت عنكبوتهم نسيم الحق فهفى، ومزّق آثارهم ومنارهم بعدما هبّ عليهم وسفى، وأوقفهم على المنصوص، فأقرّوا وسلموا لتلك النصوص، وصدر منهم إذعان بعدما حملهم الشيطان على كون تلك لم تكن في الكتب مسطّرة، ولا موصولة فيها ومقررة، وتفوهوا بحضرة الشريف بذلك، حتى أوقفهم حمد على ما هنالك، ونقل من الكتب\n_________\n(^١) قال شيخ الإسلام أبو العباس -﵀- في الاقتضاء \"١/ ٨٧ - ط. الرياض\": والحجة: اسم لكل ما يحُتج به من حق وباطل، اهـ. كلامه.","vol":"1","page":19},{"text":"التي عندهم ما ضعضع وِجْدهم، وجلب عليهم علتهم وجهدهم، فوطفت جباههم من العرق، لما داخلهم من الخجل والفرق، فلم يكن لهم حينئذ بدٌ ولا حيلة، حين قرؤا حجته ودليله، ولم يستطع منهم إنسان، على جحود ذلك البرهان، بل صار منهم إقرار وإذعان … إلى أن قال -﵀- ص ٢٠٣:\nفلما انقضت تلك الأيام والليال، وتقضت ساعات المناظرة والجدال، طلبوا من حمد بن ناصر بن معمّر، تأصيل ما برهن به واحتج به وقرّر، وكَتْب ما سجله عليهم وسطر، فانتدب لذلك أدام الله نفعه وكثر، فجمع لديهم عجالة وعجل لهم في سُوحِهِم رسالة، أوجز فيها المقالة، وأتى فيها بما فيه كفاية في الحجة والدلالة، يذعن بعد سمعها كل منصف عاقل، ويشهد بفضل قائلها كل فاضل، ويقر بصدقها وصحة مضمونها الأمثل، ولا عبرة بمنافق أو غبي أو جاهل.\nبنى للحق المبين على أساسها صرحًا، وأجاد فيما أحكمه من التحرير إضاحًا وشرحًا، فأفاد فيما نحاه من التحبير صدعًا وصدحًا، وترك مناظريه يعانون في الجواب عنها كدحًا، فلم يدركوا من سعيهم ربحًا، بل زادوا فيما زخرفوه عن الصواب بعدًا ونزحًا فهي عليك مجلوة، وحججها مقروءة ومتلوة، مميطة لوضيء حسنها النقاب، سافرة الوجه للنقاد والنقاب، خالية من شين الإسهاب والإطناب … انتهى بتصرف كثير.\nولقد صدق هذا الشيخ المنصف فيما قرره، وسيقف القارئ على هذا بقراءة ما كتبه الشيخ حمد وسطّره. والله المسؤول المرجو أن يرينا الحق حقًا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه","vol":"1","page":20},{"text":"وصلى الله وسلم وبارك على سيّد الخلق أجمعين محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه والتابعين (^١).\n\nحرره الفقير إلى عفو ربه القدير\nعبد السلام بن برجس بن ناصر آل عبد الكريم\nالرياض ٢٠/ ١١/ ١٤٠٥ هجرية\n_________\n(^١) ولا يفوتني في هذه المقدمة أن أتقدم بخالص الشكر والثناء لفضيلة شيخنا العلاّمة الجليل صالح بن إبراهيم البليهي -حفظه الله تعالى- حيث تكرم بقراءة هذه الرسالة وتقريظها مع ما أنيط به من المشاغل، وما يقوم به من الافتاء والتدريس والإجابة عن المسائل، والدعوة إلى الله ﷿ بالقلم واللسان في جميع المحافل.","vol":"1","page":21},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالمسألة الأولى\n[قالوا: ما قولكم فيمن دعا نبيًا أو وليًا واستغاث بهم (^١) في تفريج الكربات، كقوله يا رسول الله أو يا ابن عباس أو يا محجوب أو غيرهم من الأولياء والصالحين].\nالجواب: الحمد لله نحمده (^٢)، ونستعينه (^٢)، ونستغفره (^٢)، ونعوذ (^٢) بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه، وعلى آله، وصحبه، ومن تبعهم بإحسان وقفى أثرهم إلى آخر الزمان.\nأما بعد، فإن (^٣) الله تعالى قد أكمل لنا الدين، ورسوله قد بلغ البلاغ المبين، وأنزل عليه الكتب هدى وذكرى للمؤمنين، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة- ٣]، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ [النحل- ٨٩]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ\n_________\n(^١) في \"أ\" به.\n(^٢) وقع في \"أ\" أحمد … أستعينه … أستغفره … بالهمزة.\n(^٣) في \"أ\" فقد.","vol":"1","page":27},{"text":"قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس- ٥٧]، وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه- ١٢٣ - ١٢٤]. قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن واتبع ما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة (^١). وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ، وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ (^٢) [الزخرف- ٣٦ - ٣٧]. وروى الإمام مالك في الموطإ أن رسول الله ﷺ قال: \"تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه -كما في الدر المنثور ٥/ ٦٠٧ - الفريابي وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس.\n(^٢) قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية -﵀- في ردِّه على البكري \"ص ١٨٣ - ط السلفية بمصر- ١٣٤٦ هـ\":\nفمن لم يعبد الرحمن عبد الشيطان ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ …﴾ وذكر الرحمن يراد به الذكر الذي أنزله الله تعالى كما قال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى …﴾ فمن أعرض عن هدى الله الذي أرسل به رسله، وأنزل به كتبه فلم يفرق بين ما أمره الله به، وما نهى عنه كان معرضًا عن ذكره المنزل فيقيض له شيطانًا يصده عن سبيل الله فيفرق -أي بين الأشياء- بمجرد هواه ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ﴾ انتهى.\n(^٣) أخرجه مالك في الموطإ بلاغًا \"٢/ ٨٩٩\":\nورواه الحاكم في مستدركه \"١/ ٩٣\"، وابن عدي في الكامل \"٤/ ١٣٨٦\" وغيرهما من طريق داود بن عمر الضبي ثنا صالح بن موسى الطلحي ثنا عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: \"إني قد خلفت اثنين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله وسنتي ولن يتفرقا حتى يردا عليّ الحوض\". =","vol":"1","page":28},{"text":"وعن أبي الدرداء ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \"لقد تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك\" (^١)، وقال ﷺ: \"ما تركت من شيء يقرب إلى الجنة إلاّ وقد حدثتكم به ولا شيء يقربكم من النار إلاّ\n_________\n= وإسناده ضعيف \"صالح بن موسى الطلحي\". قال أبو حاتم ضعيف الحديث منكر الحديث جدًا كثير المناكير عن الثقات، وقال النسائي: ضعيف وقال أيضًا منكر الحديث \"ينظر التهذيب ٤/ ٤٠٤\" وقال الحافظ في التقريب \"متروك\".\nوقد روى الحاكم هذا الحديث في مستدركه عن ابن عباس ﵄ \"١/ ٩٣\" وفي إسناده إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس. قال أحمد وابن معين لا بأس به وضعفه ابن أبي خيثمة والنسائي، وقال ابن معين يسوى فلسين، وقال الدارقطني لا اختاره في الصحيح، وقال سيف بن محمد كان يضع الحديث \"ينظر التهذيب ١/ ٣١١\" قال الحافظ ابن حجر في التقريب: صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه، اهـ.\nوللحديث شواهد ترفعه إلى درجة الصحة دون لفظه \"وسنتي\" فإن ثبوتها فيه نظر لما رأيت من طرقها والله سبحانه أعلم.\nفمن شواهده ما رواه مسلم في صحيحه -كتاب فضائل الصحابة- ٤/ ٨٧٣/ عن زيد بن أرقم ﵁ وفيه: \"وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به\" فحث على كتاب الله ورغب فيه ثم قال: \"وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي … \" الحديث.\n(^١) أخرجه ابن ماجة في سننه -المقدمة- \"١/ ٤\"، وابن أبي عاصم في السنة \"١/ ٢٦\" قال ابن ماجه: حدثنا هشام بن عمار الدمشقي ثنا محمد بن عيسى بن سُميع حدثنا إبراهيم بن سليمان الأفطس عن الوليد بن عبد الرحمن الحرشي عن جبير بن نفير عن أبي الدرداء قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نذكر الفقر ونتخوفه فقال: \"الفقر تخافون؟ والذي نفسي بيده لتصبن عليكم الدنيا صبّا حتى لا يزيغ قلب أحدكم إزاغة إلاهية. وأيم الله لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها ونهارها سواء\".\nوهذا إسناد حسن: محمد بن عيسى بن القاسم بن سميع فيه كلام يسير، والراجح فيه أن حديثه لا بأس به فقد وثقه ابن شاهين وهاشم بن عمار وقال أبو داود =","vol":"1","page":29},{"text":"وقد حدثتكم به\" (^١)، وقال ﷺ: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة\" (^٢).\n_________\n= وابن عدي ليس به بأس وقال الحاكم مستقيم الحديث وقال الدارقطني ليس به بأس وقال ابن حبان مستقيم الحديث إذا بين السمع في خبره. انظر \"التهذيب ٩/\" وأما قول أبي حاتم: شيخ يكتب حديثه ولا يحتج به. وقول دحيم: ليس من أهل الحديث. فلعلّ ذلك من أجل حديثه عن ابن أبي ذئب عن الزهري في مقتل عثمان فإنه لم يسمع من ابن أبي ذئب وإنما دلس هذا الحديث فأسقط الواسطة بينه وبين ابن أبي ذئب وهو \"إسماعيل بن يحيى\" وكان يضع الحديث.\nقلت: وهذا لا يوجب إطراح حديثه وعدم الاحتجاج به ولكن إذا لم يصرح بالسماع فلا يحتج به كما قاله ابن حبا.\nوأما هشام بن عمار فقد قال عنه الحافظ في التقريب: صدوق مقرئ، كبر فصار يتلقن فحديثه القديم أصح، اهـ. وباقي رجال الإسناد ثقات.\nتنبيه: قال المحدث محمد بن ناصر الدين في سلسلته الصحيحة \"٢/ ٣٠٨\" على هذا الحديث: وهذا إسناد حسن، رجاله كلهم ثقات، وفي هشام بن عمار، وإبراهيم الأفطس كلام لا ينزل الحديث عما ذكرنا، اهـ. وكذا قال تخريج السنة لابن أبي عاصم ١/ ٢٦ هكذا قال -حفظه الله- وهو سبق قلم: فإن إبراهيم بن سليمان الأفطس لم يتكلم فيه أحدّ -فيما أعلم- بل قد قال فيه الحافظ ابن حجر في التقريب \"ثقة ثبت\" وهذه العبارة عند جماعة من أهل الحديث في أعلى مراتب التعديل. والصواب أن الذي فيه كلام لا يضر هو: محمد بن عيسى كما تقدم.\nولقوله ﷺ: \"لقد تركتكم على … \" شاهدًا من حديث العرباض بن سارية الآتي. ولقوله في الحديث \"لتصبن الدنيا صبًا\" شواهد في الصحيحين والمسند والسنن ليس هذا موضع بسطها.\n(^١) قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٢٦٣ - ٢٦٤\": رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري وهو ثقة. اهـ.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده \"٤/ ١٢٦ - ١٢٧\"، وأبو داود في سننه -كتاب السنة- \"٥/ ١٣ - ١٤ - ١٥\"، والترمذي في سننه -كتاب العلم- \"٥/ ٤٤ - =","vol":"1","page":30},{"text":"فمن أصغى إلى كتاب الله وسنة رسوله وجد فيهما الهدي والشفا. وقد ذَمّ الله تعالى من أعرض عن كتابه ودعى عند التنازع إلى حكم غيره فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء- ٦١].\nإذا عُرِفَ هذا فنقول: الذي شرعه الله ورسوله ﷺ عند زيارة القبور إنما هو تذكرة الآخرة، والإحسان إلى الميت بالدعاء له، والترحم عليه، والإستغفار له، وسؤال العافية كما في صحيح مسلم عن بريدة قال: كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: \"السلام على أهل الديار-\n_________\n= ٤٥\"، وابن ماجة في سننه -المقدمة- \"١/ ١٥ - ١٦ - ١٧\"، وابن حبان في صحيحه \"١/ ١٠٥\"، والآجري في الشريعة \"ص ٤٧\"، والمروزي في السنة \"ص ٢١ - ٢٢\"، وابن أبي عاصم في السنة -مختصرًا ومطولًا- \"١/ ١٧ - ١٨ - ١٩ - ٢٠ - ٢٦ - ٢٧ - ٢٩ - ٣٠\"، والطبراني في الكبير \"١٨/ ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٤٧\"، والحاكم في مستدركه \"١/ ٩٥ - ٩٦ - ٩٧\"، وفي المدخل إلى الصحيح \"ص ٧٩ - ٨٠ - ٨١\"، والبيهقي في دلائل النبوة \"٦/ ٥٤١\"، وفي مناقب الشافعي \"١/ ١٠ - ١١\". جميعهم من طرق عديدة عن أبي نجيح العرباض بن سارية قال: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب. قلنا: يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فماذا تعهد إلينا. قال: \"قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلاّ هالك ومن يعش منك فسيرى اختلافًا كثيرًا فعليكم بما عرفتم من سنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعليكم بالطاعة … \" الحديث.\nقال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح ليس له علة، وأقرّه الذهبي على هذا. وصححه شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية -﵀- \"في اقتضاء الصراط المستقيم- ٢/ ٥٧٩\"، وقال الحافظ ابن كثير في \"تحفة الطالب ص ١٦٣\" صححه الحافظ أبو نعيم الأصفهاني، والدُغولي، وقال شيخ الإسلام الأنصاري: هو أجود حديث في أهل الشام وأحسنه، اهـ.","vol":"1","page":31},{"text":"وفي لفظ- \"السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون (^١) نسأل الله لنا ولكم العافية\" (^٢).\nوفي سنن أبي داود عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء\" (^٣). وعن عائشة -﵂- عن النبي ﷺ: \"ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له إلا شفعوا فيه\" (^٤) فبعد الدفن أولى وأحرى.\nفبدل أهل الشرك قولاّ غير الذي قيل لهم، بدلوا الدعاء له بدعائه، والشفاعة له بالإستشفاع به، وقصدوا بالزيارة التي شرعها رسول الله ﷺ إحسانًا إلى الميت سؤال الميت، وتخصيص تلك البقعة بالدعاء الذي هو مخ العبادة بنص رسول الله صلى الله عليه سلم، فعن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله ﷺ: \"الدعاء مخ العبادة\" رواه\n_________\n(^١) في \"ب\" \"لاحقون\" وورد هذا اللفظ عن عائشة عند مسلم.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه- كتاب الجنائز \"٢/ ٦٧١\"\n(^٣) أخرجه أبو داود في سننه -كتاب الجنائز- \"٣/ ٥٣٨\"، وابن ماجه في سننه -كتاب الجنائز- \"١/ ٤٨٠\" كلاهما من طريق محمد بن سلمة الحراني عن محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف عن أبي هريرة قال: سمع رسول الله ﷺ .... فذكره.\nوإسناده جيد إلا أن ابن إسحاق مدلّس وقد عنعنه ولكنه قد صرح بالتحديث عند ابن حبان كما في -الموارد- \"ص ١٩٢\" فزالت هذه العلة بحمد الله.\n(^٤) أخرجه الإمام أحمد \"٣/ ٢٦٦\"، \"٦/ ٣٢ - ٤٠ - ٩٧ - ٢٣١\"، ومسلم في صحيحه -كتاب الجنائز- \"٢/ ٦٥٤\" كلاهما من طريق عبد الله بن يزيد عن عائشة … به.","vol":"1","page":32},{"text":"الترمذي (^١)، وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: \"الدعاء هو العبادة\" -ثم قرأ- رسول الله ﷺ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية [غافر- ٦٠]، رواه أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجة (^٢).\nومن المحال أن يكون دعاء الموتى مشروعًا، ويصرف عنه القرون\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في سننه -كتاب الدعاء- \"٥/ ٤٥٦\" وقال: حديث غريب من هذا الوجه لا نعرفه إلاّ من حديث ابن لهَيْعَة، اهـ. وهو ضعيف الحديث عندهم، وفي السند الوليد بن مسلم وهو مدلس وقد عنعنه.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده \"٤/ ٢٦٧ - ٢٧١ - ٢٧٦ - ٢٧٧\"، وأبو داوود في سننه -كتاب الصلاة- \"٢/ ١٦١\"، والترمذي في سننه -كتاب التفسير- \"٥/ ٢١١\" وفي -كتاب الدعاء- \"٥/ ٤٥٦\"، وابن ماجه في سننه -كتاب الدعاء- \"٢/ ١٢٥٨\"، وابن المبارك في الزهد \"ص ٤٥٩\"، والطيالسي في مسنده \"ص ١٠٨\"، وابن أبي شيبة في المصنف \"١٠/ ٢٠٠\"، والبخاري في الأدب المفرد \"٢/ ١٧٨\"، وابن جرير الطبري في تفسيره \"٢٤/ ٧٨ - ٧٩\"، وابن حبان في صحيحه -الموارد- \"ص ٥٩٥\"، والطبراني في الصغير \"٢/ ٩٧\"، والحاكم في مستدركه \"١/ ٤٩٠ - ٤٩١\"، والبغوي في شرح السنة \"٥/ ١٨٤\"، وفي تفسيره -حاشية ابن كثير- \"٧/ ٣٠٩\"، والقضاعي في مسند الشهاب \"١/ ٥١\"، وأبو نعيم في الحلية \"٨/ ١٢٠\" جميعهم من طريق يُسَيْع بن معدان عن النعمان بن بشير مرفوعًا … به وسنده صحيح.\nوصححه الحاكم وأقره الذهبي، وقال الترمذي حسن صحيح، وصححه النووي، كما في الأذكار، وقال الحافظ في الفتح إسناده جيد \"١/ ٤٩\"، وحسنه السخاوي -كما في شرح الأذكار- لابن علاّن \"٧/ ١٩١\".\nوالحديث عزاه السيوطي في الدر المنثور \"٧/ ٣٠١\" لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وأبي حاتم وابن مردوية وأبي نعيم في الحلية \"٨/ ١٢٠\"، والبيهقي في شعب الإيمان كلهم عن النعمان بن بشير .. به.\nوأخرجه الخطيب في تاريخه \"١٢/ ٢٧٩\"، وابن مردوية -كما في الدر- \"٧/ ٣٠١\" وأبو يعلى -كما في شرح الأذكار- \"٧/ ١٩١\" عن البراء بن عازب ﵁.","vol":"1","page":33},{"text":"الثلاثة المفضلة (^١) بنص رسول الله ﷺ (^٢) ثم يتوقف\n_________\n(^١) ليست في \"ب\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد \"١/ ٣٧٨ - ٤١٧ - ٤٣٤ - ٤٣٨ - ٤٤٢\"، والبخاري في صحيحه \"٥/ ٢٥٩\" \"٧/ ٣\" و\"٢٤٤ - ٥٤٣\"، ومسلم في صحيحه \"٤/ ١٩٦٢ - ١٩٦\"، جميعهم من طريق عبيدة السلماني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: \"خير أمتي القرن الذي يلوني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه\" هذا لف مسلم. وفي لفظ له \"قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم … \".\nوأخرجه أحمد في مسنده \"٤/ ٤٢٧ - ٤٣٦\"، والبخاري في صحيحه \"٥/ ٢٥٨\" و\"٧/ ٣\" و\"١١/ ٢٤٤ - ٥٨٠\"، ومسلم في صحيحه \"٤/ ١٩٦٤\" جميعهم من طريق زهدم بن مضرب قال: سمعت عمران بن حصين يحدث أن رسول الله ﷺ قال: \"إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذي يلونهم\". قال عمران: \"فلا أدري أقال رسول الله ﷺ بعد قرنه، قرنين أو ثلاثة … \" الحديث هذا لفظ مسلم.\nوأخرجه الإمام أحمد في مسنده \"٤/ ٤٢٦ - ٤٤٠\"، ومسلم في صحيحه \"٤/ ١٩٦٥\" كلاهما من طريق زرارة بن أوفى عن عمران … به.\nوأخرجه أحمد في المسند \"٤/ ٤٢٦\" من طريق هلال بن يساف عن عمران بن حصين … به.\nوأخرجه أحمد \"٦/ ١٥٦\"، ومسلم في صحيحه \"٤/ ١٩٦٥\" كلاهما من طريق عبد الله البهي عن عائشة قالت: سأل رجل النبي ﷺ أيُّ الناس خير قال: \"القرن الذي أنا فيه، ثم الثاني ثم الثالث\" هذا لفظ مسلم.\nوأخرجه الإمام أحمد \"٤/ ٢٦٧\" من طريق عاصم بن بهدلة عن خيثمة بن عبد الرحمن والشعبي عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: \"خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم … \" الحديث.\nوأخرجه أحمد \"٤/ ٢٧٦ - ٢٧٧\" عن خيثمة بن عبد الرحمن عن النعمان بن بشير … به. وفي الباب عن جماعة من الصحابة غير من ذكرنا.","vol":"1","page":34},{"text":"الخلوف (^١) الذين يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون.\nفهذه سنة رسول الله ﷺ، وهذه (^٢) طريقة الصحابة والتابعين لهم بإحسان هل نقل عن أحد منهم نقل (^٣) صحيح أو حسن (^٤) أنهم كانوا إذا كان لهم حاجة قصدوا القبور فدعوا عندها، وتمسحوا بها فضلًا عن أن يسألوا أصحابها جلب الفوائد وكشف الشدائد، ومعلوم أن مثل هذا مما تتوافر الهمم والدواعي على نقله، وقد كان عندهم من قبور أصحاب رسول الله ﷺ بالأمصار عدد كثير فهم متوافرون، فما منهم من استغاث عند قبر ولا دعاه، ولا استشفى به، ولا استنصر به، ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته، ولا بغيره من الأنبياء، ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء، ولا الصلاة عندها.\nفإن كان في هذا (^٥) أثر صحيح أو حسن فأوقفونا عليه، بل الذي صح عنهم خلاف ما ذهبتم إليه. ولما قحط الناس في زمن (^٦) عمر بن الخطاب استسقى بالعباس وتوسل بدعائه وقال: \"اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنا نتوسل إليك بعمِّ نبينا فأسقنا فيسقون\" كما (^٧) ثبت ذلك في صحيح البخاري في كتاب (^٨) الاستسقاء من صحيحه (^٩).\n_________\n(^١) في \"ب\" \"الخلف\".\n(^٢) في \"ب\" \"فهذه\".\n(^٣) في \"أ\" \"بنقل\".\n(^٤) في \"ب\" \"نقل صحيحًا أو حسنًا\" وهو خطأ. وما أثبته من \"أ\" ومن \"إغاثة اللهفان\" لابن القيم \"١/ ٢٠٢\" الذي نقل المؤلف هذه الأسطر منه بتصرف.\n(^٥) في \"ب\" \"منها\".\n(^٦) في \"أ\" \"زمان\".\n(^٧) سقطت \"كما\" من \"أ\".\n(^٨) في \"ب\" \"باب\" وهو خطأ.\n(^٩) أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب الاستسقاء- \"٢/ ٤٩٤\"، وفي فضائل الصحابة \"٧/ ٧٧\" عن أنس بن مالك ﵁.","vol":"1","page":35},{"text":"ونحن نعلم بالضرورة أنَّ النبي ﷺ لم يشرع لأمته أن يدعوا أحدًا من الأموات، لا الأنبياء، ولا الصالحين، ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة، ولا بغيرها.\nبل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الأكبر الذي حرّمه الله ورسوله (^١). قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا\n_________\n(^١) قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية في ردِّه على البكري \"ص ٢٣٢\":\nسؤال الميت والغائب نبيًا كان أو غيره من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين لم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين. وهذا مما يعلم بالإضطرار من دين المسلمين أن أحدًا منهم ما كان يقول: إذا نزلت به ترة أو عرضت له حاجة لميت يا سيدي فلان أن في حسبك أو اقضِ حاجتي. كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين. ولا أحد من الصحابة ﵃ إستغاث بالنبي ﷺ بعد موته ولا بغيره من الأنبياء لا عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها وقد كانوا يقفون تلك المواقف العظام في مقابلة المشركين في القتال ويشتد البأس بهم ويظنون الظنون ومع هذا لم يستغث أحد منهم بنبي ولا غيره من المخلوقين ولا أقسموا بمخلوق على الله أصلًا ولا كانوا يقصدون الدعاء عند قبور الأنبياء ولا قبور غير الأنبياء ولا الصلاة عندها وقد كره العلماء كمالك وغيره أن يقوم الرجل عند قبر النبي ﷺ يدعو لنفسه وذكروا أن هذا من البدع التي لم يفعلها السلف، اهـ.\nوقال -﵀ وأسكنه الفردوس الأعلى- كما في مجموع الفتاوى لابن قاسم \"١/ ١٥٩\":\nفإن دعاء الملائكة والأنبياء بعد موتهم وفي مغيبهم وسؤالهم والإستغاثة بهم والاستشفاع بهم في هذه الحال ونصب تماثيلهم -بمعنى طلب الشفاعة منهم- هو من الدين الذي لم يشرعه الله ولا ابتعث به رسولًا ولا أنزل به كتابًا وليس هو واجبًا ولا مستحبًا باتفاق المسلمين ولا فعله أحد من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا أمر به إمام من أئمة المسلمين وإن كان ذلك مما يفعله كثير من الناس ممن له عبادة وزهد ويذكرون فيه حكايات ومنامات فهذا كله من الشيطان، اهـ. وانظر الفتاوى \"١/ ١٦٠ - ١٦١ - ١٦٢\".","vol":"1","page":36},{"text":"مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن- ١٨]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٥ - ٦]، وقال تعالى: ﴿فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء- ٢١٣]، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ الآية [الرعد- ١٤]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس- ١٠٦]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ …﴾ [فاطر- ١٣ - ١٤]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء-٥٦ - ٥٧].\nقال مجاهد يبتغون إلى ربهم الوسيلة هو: عيسى وعزير والملائكة (^١)، وكذا قال إبراهيم النخعي قال: كان ابن عباس يقول في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ﴾ [الإسراء- ٥٧] هو: (^٢) عزير والمسيح والشمس والقمر (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن جرير الطبري في التفسير \"١٥/ ١٠٦\" من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد … به. وابن أبي نجيح اسمه عبد الله بن يسار ثقة إلا أنه لم يسمع التفسير من مجاهد قاله يحيى بن سعيد وابن حبان. وقال شيخ الإسلام في ردِّه على البكري \"ص ٢٨٣\": وفي التفسير الصحيح عن مجاهد … فذكره.\n(^٢) في \"ب\" \"عيسى\".\n(^٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره \"١٥/ ١٠٦\" من طريق النخعي إبراهيم يزيد عن ابن عباس ولم يسمع النخعي منه كما نص على ذلك علي بن المديني وغيره. [ينظر التهذيب ١/ ١٧٧]. =","vol":"1","page":37},{"text":"وعن السدي عن أبي صالح (^١) عن ابن عباس قال: عيسى وأمّه والعزير (^٢) وعن عبد الله بن مسعود قال: نزلت في نفر من العرب كانوا يعبدون نفرًا من الجن فأسلم الجنيون والأنس الذين كانوا يعبدونهم لا يشعرون بإسلامهم فنزلت هذه الآية. ثبت ذلك عنه في صحيح البخاري ذكره في كتاب التفسير (^٣).\nوهذا الأقوال في معنى الآية كلها حق فإن الآية تعمّ كل من كان معبوده عابدًا لله سواء كان من الملائكة أو من الجن أو من البشر، فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعوًا، وذلك المدعوّ يبتغي\n_________\n= وأخرج هذا الأثر -كما في الدر- \"٥/ ٣٠٦\" سعيد بن منصور وابن المنذر.\nفائدة: قال إمام أهل السنة أبو عبد الله أحمد بن حنبل -﵀- \"ثلاث علوم ليس لها أصول: المغازي، والملاحم، والتفسير\" وفي لفظ \"ليس لها أسانيد\".\nقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية -﵀- في ردِّه على البكري ١/ ١٨: \"ومعنى ذلك أن الغالب عليها أنها مرسلة ومنقطعة\"، اهـ.\n(^١) في \"ب\" \"عن أبي هريرة\" وفي \"أ\" \"عن أبي\" وكلاهما خطأ والتصويب من تفسير ابن جرير، ومن الرد على البكري لشيخ الإسلام الذي نقل المؤلف منه هذه التفاسير ص ٢٨٤ - ٢٨٥.\n(^٢) أخرجه ابن جرير في تفسيره \"١٥/ ١٠٦\" وسنده ضعيف أبو صالح هو مولى أم هانيء ضعيف مدلس ولم يسمع من ابن عباس. قال شيخ الإسلام أبو العباس في ردِّه على البكري \"١/ ١٧\":\nقال عبد الله بن أحمد سمعت أبي يقول: ترك ابن مهدي أبا صالح باذام. وضعفه سفيان وغيره وكان الشعبي يمسك بإذنه ويقول: \"ويلك أنت لا تحفظ القرآن، وتفسير القرآن\" وكان مجاهد ينهي عن تفسيره قاله البخاري، اهـ.\nوعزا السيوطي هذا الأثر لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردوية.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التفسير- \"٨/ ٣٩٨\"، ومسلم في صحيحه -كتاب التفسير- \"٤/ ٢٣٢١\". واللفظ لمسلم.","vol":"1","page":38},{"text":"إلى الله الوسيلة ويرجو رحمته، ويخاف عذابه، فكل من دعا ميتًا أو غائبًا من الأنبياء والصالحين فقد تناولته هذه الآية.\nومعلوم أن المشركين يسألون الصالحين بمعنى أنهم وسائط بينهم وبين الله، ومع هذا فقد نهى الله عن دعائهم، وبين أنهم لا يملكون كشف الضرّ عن الداعي (^١) ولا تحويله، لا يرفعونه بالكلية، ولا يحولونه من موضع إلى موضع، كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال ﴿وَلَا تَحْوِيلًا﴾ فذكَرَ نكرة (^٢) تعم أنواع التحويل، فكل من دعا ميتًا من الأنبياء، أو الصالحين، أو دعا الملائكة، أو دعا الجن فقد دعا من لا يغيثه، ولا يملك كشف الضر عنه ولا تحويلًا.\nوهؤلاء المشركون اليوم منهم من إذا نزلت به شدّة (^٣) لا يدعو إلا شيخه، ولا يذكر إلى إسمه، قد لهج به كما يلهج (^٤) الصبي بذكر أمّه، فإذا تعس أحدهم قال: يا ابن عباس، أو يا محجوب، ومنهم من يحلف بالله ويكذب، ويحلف بابن عباس أو غيره فيصدق ولا يكذب، فيكون المخلوق في صدره أعظم من الخالق.\nفإذا كان دعاء الموتى يتضمن هذا الاستهزاء بالدين، وهذه المحادة لرب العالمين (^٥)، فأي الفريقين أحق بالاستهزاء (^٦)\n_________\n(^١) في \"ب\" \"الداعين\".\n(^٢) في \"أ\" \"النكرة\".\n(^٣) في \"ب\" \"الشدد\".\n(^٤) في \"أ\" \"كما قد يلهج الضبي\" وما في \"ب\" هو الموافق لما في \"الردّ على البكري\" لشيخ الإسلام \"ص ٣٥٢\" الذي نقل المؤلف منه هذه العبارة.\n(^٥) في \"ب\": \"لله ولكتابه\".\n(^٦) في \"ب\": \"بالله\" وهو خطأ.","vol":"1","page":39},{"text":"والمحادة لله (^١)؟ من كان يدعو الموتى، ويستغيث بهم، أو يأمر بذلك، أو من كان لا يدعو إلاّ الله وحه لا شريك له كما أمرت به رسله، ويوجب طاعة الرسول، ومتابعته في كل ما جاء به.\nونحن بحمد الله من أعظم إيجابًا لرعاية جانب الرسول، تصديقًا له فيما أخبر، وطاعة له فيما أمر، واعتناء بمعرفة ما بعث به، واتباع ذلك دون ما خالفه عملًا بقوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف- ٣]، وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأنعام- ١٥٥].\nومعنا ولله الحمد أصلان عظيمان أحدهما: أنا (^٢) لا نعبد إلاّ الله، فلا ندعو إلاّ هو ولا نذبح النسك إلا لوجهه، ولا نرجو إلاّ هو، ولا نتوكل إلاّ عليه وحده لا شريك له (^٣).\nوالأصل الثاني: أنا (^٤) لا نعبده إلاّ بما شرع، لا نعبده بعبادة مبتدعة. وهذان الأصلان هما تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله محمدًا رسول الله (^٥) فإن شهادة أن لا إله إلاّ الله تتضمن إخلاص الإلهية لله، فلا يتأله القلب، ولا اللسان، ولا الجوارح لغيره (^٦)، لا بحب، ولا خشية، ولا إجلال، ولا رغبة، ولا رهبة (^٧). وشهادة أن محمدًا\n_________\n(^١) لفظة \"لله\" ليست في \"ب\".\n(^٢) ليبست في \"ب\" وفي المطبوعة \"أن\".\n(^٣) قوله \"وحده لا شريك له\" ليست في \"أ\".\n(^٤) في \"ب\" \"أن\".\n(^٥) وهذان الأصلان ذكرهما شيخ الإسلام أبو العباس -رحمه الله تعالى- في مواضع كثيرة من كتبه وقرّرهما وقعّدهما جزاه الله عنا كل خير. انظر الفتاوى لابن قاسم جـ \"١/ ٨٠ - ١٨٩ - ٣١٠ - ٣٣٣ - ٣٦٥\"، جـ \"١٠ - ١٧٢\"، جـ \"١١/ ٥٠ - ٥٣ - ٥٨٥ - ٦١٧ - ٦١٩\"، جـ \"٢٨ - ٢٣\"، جـ \"١٨ - ٣١٧ - ٣٥٢\".\n(^٦) في \"أ\" \"غيره\" وفي المطبوعة \"بغيره\".\n(^٧) في \"ب\" \"ونحوهم\".","vol":"1","page":40},{"text":"رسول الله تتضمن تصديقه في جميع ما أخبر به، وطاعته واتباعه في كل ما أمر به، فما أثبته وجب إثباته، وما نفاه وجب نفيه … وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"كل أمتي يدخلون الجنة إلاّ من أبى\" قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟، قال: \"من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى\" (^١).\nإذا تمهد (^٢) هذا فنقول: الذي نعتقده وندين الله به، أن من دعا نبيًا، أو وليًا، أو غيرهما وسأل منهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، أن هذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا أولياء، وشفعاء يستجلبون بهم المنافع، ويستدفعون بهم المضار بزعمهم. قال الله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ- إلى قوله- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس- ١٨].\nفمن جعل الأنبياء، أو غيرهم، كابن عباس، أو المحجوب، أو أبي طالب (^٣)، وسائط يدعوهم، ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده \"٢/ ٣٦١\"، والبخاري في صحيحه -كتاب الاعتصام- \"١٣ - ٢٤٩\" كلاهما من طريق عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ .. فذكره.\n(^٢) في \"ب\" \"إذا عرف\".\n(^٣) كذا في جميع النسخ. وليس ببعيد على القبوريين أن يدعوا أبا طالب من دون الله مع أنه مات على الشرك إتفاقًا لفساد فطرهم، وكدر أفهامهم، ومحقِ عقولهم وظلمة قلوبهم. وقد قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: إعلم أن شرك الأولين أخف من شرك أهل زماننا بأمرين:\nأحدهما: أن الأولين لا يشركون لا يدعون الملائكة، والأولياء، والأوثان مع الله إلاّ في الرخاء، وأما في الشدّة فيخلصون لله بعكس أهل زماننا.\nالثاني: أن الأولين يدعون مع الله أناسًا مقربين عند الله، إما أنبياء، وإما أولياء، وإما ملائكة، أو يدعون أحجارًا أو أشجارًا مطيعة لله ليست عاصية، وأهل زماننا =","vol":"1","page":41},{"text":"المنافع، ودفع المضار، بمعنى أن الخلق يسألونهم وهم يسألون الله، كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أنْ (^١) يباشروا سؤال الملك، أو لكونهم أقرب إلى الملك، فمن جعلهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك، حلال المال والدم، وقد نص العلماء ﵏ على ذلك وحكوا عليه الإجماع. قال في الإقناع وشرحه (^٢): ومن جعل بينه وبين الله وسائط يتوكل عليهم، ويدعوهم، ويسألهم كفر إجماعًا (^٣)، لأن ذلك كفعل عابدي الأصنام قائلين ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر- ٣]، انتهى.\nوقال الإمام أبو الوفاء علي بن عقيل الحنبلي -رحمه الله تعالى- (^٤):\n_________\n= يدعون مع الله أناسًا من أفسق الناس. إلخ، اهـ. بتصرف من \"كشف الشبهات\".\n(^١) سقطت \"أن\" من \"ب\". وما في \"أ\" هو الموافق لما في فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية المسماة \"الواسطة بين الحق والخلق\". التي نقل المؤلف منها هذه الأسطر. انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام لابن قاسم ١/ ١٢٤ - ١٢٦.\n(^٢) \"٦/ ١٦٨ - ٤٦٩\".\n(^٣) في \"أ\" \"إجماعٌ\" وهو خطأ.\n(^٤) ابن عقيل الحنبلي له مؤلفات كثيرة لم يصلنا منها إلا النزر اليسير، ولعلّ كلامه هذا في كتابه \"الفنون\" الذي فقد أكثره منذ أمدٍ بعيد -فيما أعلم- وقد نقل المؤلفُ عبارةَ ابنِ عقيل هذه من \"إغاثة اللهفان\" للإمام ابن القيم -﵀- \"١/ ١٩٥\".\nتنبيه: ابن عقيل وإن كان حنبليًا في الفروع فإنه ليس بحنبلي في الأصول. قال شيخ الإسلام أبو العباس -﵀- في الدرء \"٨/ ٦٠\":\nولابن عقيل أنواع من الكلام، فإنه كان من أذكياء العالم، كثير الفكر والنظر في كلام الناس، فتارة يسك مسلك نفاة الصفات الخبرية، وينكر على من يسميها صفات، ويقول: إنما هي إضافات، موافقة للمعتزلة، كما فعله في كتابه \"ذم =","vol":"1","page":42},{"text":"لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم، إذْ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع. مثل تعظيم القبور، وإكرامها، والتزامها (^١) بما نهى عنه الشرع، من إيقاد النيران، وأخذ تربتها تبركًا، وإفاضة الطيب على القبور، وشد الرحال إليها، وإلقاء الخِرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى. انتهى كلامه.\nوقال الإمام البكري الشافعي -﵀- في تفسيره عند قوله\n_________\n= التشبيه وإثبات التنزيه\" وغيره من كتبه، وتارة يثبت الصفات الخبرية، ويرد على النفاة والمعتزلة بأنواع من الأدلة الواضحات، وتارة يوجب التأويل كما فعله في \"الواضح\" وغيره، وتارة يحرّم التأويل ويذمه وينهي عنه، كما فعله في كتاب \"الانتصار لأصحاب الحديث\" فيوجد في كلامه من الكلام الحسن البليغ ما هو معظم مشكور، ومن الكلام المخالف للسنة والحق ما هو مذموم مدحور … الخ انتهى بتصرف.\nوهذا يدل على أن الرجل متذبذب الاعتقاد. لكن قال ابن رجب في الذيل على الطبقات \"١/ ١٤٤\": ويظهر منه -أي ابن عقيل- في بعض الأحيان نوع انحراف عن السنة وتأويل لبعض الصفات، ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات -﵀-، اهـ.\nوقال الإمام الذهبي -﵀- في الميزان \"٣/ ١٤٦\": إلا أنه -أي ابن عقيل- خالف السلف، ووافق المعتزلة في عدة بدع نسأل الله العفو والسلامة، فإن كثرة التبحر في كلام ربما أضر بصاحبه، ومن حسن إسلام تركه ما لا يعنيه، اهـ.\nوقد ذكر الذهبي أيضًا في \"معرفة القرّاء الكبار\" ١/ ٣٠٨ أن في ابن عقيل شائبة اعتزال وتجهم وانحراف عن السنة، اهـ.\nواستقصاء كلام العلماء في هذا يطول. والمقصود إنما هو مجرد التنبيه.\n(^١) في \"أ\" \"وإلزامها\".","vol":"1","page":43},{"text":"تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر- ٣].\nوكانت الكفار إذا سئلوا من خلق السموات والأرض قالوا \"الله\" فإذا سئلوا عن عبادة الأصنام قالوا: ما نعبدهم إلى ليقربونا إلى الله زلفى (^١) لأجل طلب شفاعتهم عند الله. فهذا كفرُ منهم. انتهى كلامه.\nفتأمل ما ذكره صاحب الإقناع، وكذا (^٢) ما ذكره ابن عقيل من تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج، وأنّ ذلك كفر.\nوقال الحافظ عماد الدين (^٣) بن كثير -﵀- في تفسيره (^٤) عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾: أي إنما يحملهم على عبادتهم لهم (^٥) أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين بزعمهم، فعبدوا تلك الصور، تنزيلًا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم، ورزقهم، وما ينوبهم من أمور الدنيا.\nفأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به (^٦). قال قتادة والسديّ ومالك عن زيد بن أسلم، وابن زيد ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ﴾ أي\n_________\n(^١) سقطت من \"أ\" \"زلفى\".\n(^٢) في \"أ\" \"وكذلك\".\n(^٣) في \"أ\" \"العماد\" وكلاهما صواب.\n(^٤) ٤/ ٤٥.\n(^٥) سقطت \"لهم\" من النسخ وأثبتها من ابن كثير.\n(^٦) كما قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾.","vol":"1","page":44},{"text":"ليشفعوا لنا، ويقربونا عنده، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم: لبيك لا شريك لك إلاّ شريك هو لك تملكه وما ملك (^١).\nوهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم- بردّها، والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأنّ هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه، ولا رضي به، بل أبغضه، ونهى عنه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل- ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الانبياء- ٢٥]. وأخبر أن الملائكة التي في السموات من المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا يشفعون عنده إلاّ بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وكرهوه (^٢) ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل- ٧٤] تعالى الله عن ذلك علوًا (^٣) كبيرًا. انتهى كلامه.\nوقال الإمام البكري -﵀- عند قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [يونس- ٣١] فإن قلت: إذا أقروا بذلك فكيف عبدوا الأصنام؟ قلت: كلهم\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه -كتاب الحج ٢/ ٨٤٣ عن ابن عباس قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك. قال فيقول رسول الله ﷺ: \"ويلكم! قدٍ قدٍ\" فيقولون إلا شريكًا هو لك. تملكه وما ملك. يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت.\n(^٢) في \"ب\" \"وأبغضوه\" وفي ابن كثير \"وأبوه\" وكل صواب.\n(^٣) \"علوًا كبيرًا\" ليست في \"أ\".","vol":"1","page":45},{"text":"كانوا يعتقدون بعبادتهم الأصنام عبادة الله تعالى والتقرب إليه لكن (^١) بطرق مختلفة. ففرقة قالت: ليست لنا أهلية عبادة الله تعالى بلا واسطة لعظمته، فعبدناها لتقربنا إليه زلفى. وفرقة قال الملائكة ذو وجاهة ومنزلة عند الله فاتخذنا لنا أصنامًا على هيئة الملائكة لتقربنا إلى الله زلفى. وفرقة قالت جعلنا الأصنام قبلة لنا في العبادة كما أن الكعبة قبلة في عبادته. وفرقة اعتقدت أن لكل صنم شيطانًا موكلًا بأمر الله، فمن عبد الصنم حق عبادته قضى الشيطان حوائجه بأمر الله، وإلاّ أصابه شيطانه بنكبة بأمر الله تعالى. انتهى كلامه.\nفانظر إلى كالم هؤلاء الأئمة وتصريحهم بأن المشركين ما أرادوا ممن عبدوا إلاّ التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم عند الله. وتأمل ما ذكره ابن كثير، وما حكاه عن زيد بن أسلم وابن زيد ثم قال: وهذه الشبهة هي (^٢) التي اعتمدها المشكرون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم بردّها والنهي عنها. وتأمل ما ذكره البكري -﵀- عند آية الزمر: أن الكفار ما أرادوا ممن عبدوهم (^٣) إلا الشفاعة. ثم صرّح بأن هذا كفر. فمن تأمل ما ذكره الله تعالى في كتابه تبين له أن الكفار ما أرادوا ممن عبدوا إلا التقرب إلى الله وطلب شفاعتهم عند الله، فإنهم لم يعتقدوا فيها أنها تخلق الخلائق، وتنزل المطر، وتنبت النباتـ بل كانوا مقرين أن الفاعل لذلك هو الله وحده قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ -إلى قوله- فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾\n_________\n(^١) في \"ب\" \"نحن\" وهو خطأ.\n(^٢) \"هي\" ليست في \"أ\".\n(^٣) ليست في \"أ\".","vol":"1","page":46},{"text":"[يونس- ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت- ٦١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ ..﴾ [المؤمنون- ٨٤ - ٨٥] إلى غير ذلك من الآيات التي يخبر الله فيها أن المشركين معترفون أن الله هو الخالق الرازق (^١)، وإنما كانوا يعبدونهم ليقربوهم ويشفعوا لهم، كما ذكره سبحانه ففي قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس- ١٨] فبعث الله الرسل، وأنزل الكتب ليعبدوه (^٢) وحده، ولا يجعل معه إله آخر.\nوأخبر سبحانه أن الشفاعة كلها له، وأنه لا يشفع عنده أحد إلاّ بإذنه، وأنه لا يأذن إلاّ لمن رضِيَ قوله وعمله، وأنه لا يرضى إلاّ التوحيد، فالشفاعة مقيدة بهذه القيود.\nقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر- ٤٣]،\n_________\n(^١) قال شيخ الإسلام في الرد على البكري \"ص ١٨٤ - ١٨٥\":\nوهذا التوحيد توحيد الربوبية العامة كان المشركون يقرون به فهو وحده لا ينجى من النار، ولا يدخل الجنة، بل التوحيد المنجي شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا رسول الله بحيث يقر بأن الله سبحانه هو المستحق للعبادة دون ما سواه، وأن محمدًا رسوله فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، ومن عصى الرسول فقد عصى الله، فيحل ما حلله الله ورسوله، ويحرم ما حرمه الله ورسوله، ويأمر بما أمر الله به ورسوله، وينهى عما نهى الله عنه ورسوله.\nوهذا المقام غلط فيه كثير من السالكين لم يميزوا بين الأول والثاني من توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية ولو طردوا قولهم لخرجوا عن الدين كما تخرج الشعرة من العجين، اهـ.\n(^٢) \"أ\" \"ليعبد وحده\" وكلاهما صحيح.","vol":"1","page":47},{"text":"وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ [الم تنزيل السجدة- ٤]، وقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة- ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا …﴾ [طه- ١٠٩]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم- ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الانبياء- ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ- ٢٣].\nوفي الصحيحين من غير وجه عن رسول الله ﷺوهو سيد ولد آدم، وأكرم الخلق على الله- أنه قال: آتي تحت العرش فأخر لله ساجدًا. فيفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني ما شاء الله أن يدعني ثم يقال: يا محمد ارفع رأسك، وقل يسمع، واشفع تشفع. قال فيحد لي حدًا ثم أدخلهم الجنة ثم أعود -فذكر أربع مرات (^١) - صلوات الله وسلامه عليه، وعلى سائر الأنبياء.\nوقال الإمام البكري الشافعي -﵀- عند قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام- ٥١] نفى الشفيع وإن كانت الشفاعة واقعة في الآخرة، لأنها من حيث أنها لا تقع إلاّ بإذنه كأنها غير موجودة من غيره وهو كذلك، لكن جعل الله ذلك لتبيين الرتب. وجملة النهي حال من ضمير \"يحشروا\" وهي محل الخوف، والمراد به المؤمنون العاصون. انتهى.\nوقال أيضًا عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه- ١٠٩] دلّ أن الشفاعة تكون للمؤمنين فقط.\n_________\n(^١) رواه البخاري في صحيحه ١٣/ ٤٧٣، ومسلم ١/ ١٨٢. ولهذا الحديث طرق وألفاظ في الصحيحين والسنن والمسانيد بلغت حدّ التواتر.","vol":"1","page":48},{"text":"وقال الحافظ عماد الدين بن كثير عند قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ [الرعد- ١٦] (^١) يقرر تعالى أنه لا إله إلاّ هو لأنه معترفون أنه (^٢) هو الذي خلق السموات والأرض، وهو ربها ومدبرها، وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء (^٣) يعبدونهم، وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة يعترفون أنها مخلوقة عبيد له. كما كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلاّ شريكًا هو لك تملكه وما ملك. وكما أخبر عنهم في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر- ٣] فأنكر تعالى ذلك عليهم حيث اعتقدوا ذلك وهو تعالى لا يشفع عنده أحد إلاّ بإذنه ولا تنفع الشفاعة عنده إلاّ لمن أذن له ثم إنه (^٤) قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم يزجرهم عن ذلك وينهاهم عن عبادة من سوى الله فكذبوهم. انتهى (^٥).\nوالمقصود بيان شرك المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ، وأنهم ما أرادوا ممن عبدوا إلاّ التقرب إلى الله، وطلب شفاعتهم عند الله. وبيان أن طلب الحوائج من الموتى والإستغاثة بهم في الشدائد أنه من الشرك الذي كفر الله به المشركين.\nوبيان أن الشفاعة كلها لله ليس لأحد معه من الأمر شيء. وأنه لا شفاعة إلا بعد إذن الله. وإنه تعالى لا يأذن إلاّ لمن رضي (^٦) قوله\n_________\n(^١) ٢/ ٥٠٧.\n(^٢) في ابن كثير \"أنه\".\n(^٣) في \"أ\": \"من دون الله\" وما في \"ب\" هو الموافق لما في تفسير ابن كثير.\n(^٤) \"أنه\" ليست في \"أ\".\n(^٥) بتصرف.\n(^٦) في \"ب\" \"ارتضى\".","vol":"1","page":49},{"text":"وعمله. وأنه لا يرضى إلاّ التوحيد. كما تقدمت الأدلة الدالة على ذلك.\nومعلوم أن أعلى الخلق، وأفضلهم، وأكرمهم عند الله هم: الرسل (^١)، والملائكة المقربون، وهم عبيد محض لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدمون بين يديه، ولا يفعلون شيئًا إلاّ بعد إذنه لهم، وأمرهم فيأذن الله سبحانه لمن شاء أن يشفع، فيه. فصارت الشفاعة فيه الحقيقة إنما هي له تعالى، والذي يشفع (^٢) عنده إنما شفع بإذنه له وأمره بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه، وهي إرادته أن يرحم عبده. وهذا ضد الشفاعة الشركية التي أثبتها المشركون ومن وافقهم، وهي التي أبطلها سبحانه في كتابه بقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ الآية [البقرة- ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ﴾ [البقرة- ٢٥٤].\nولهذا كان أسعد الناس بشفاعة سيد الشفعاء يوم القيامة أهل التوحيد، كما صرحت بذلك النصوص. فروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: \"أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال: لا إله إلاّ الله خالصًا من قلبه\" (^٣).\n_________\n(^١) \"الرسل\" سقطت من \"ب\". وهي في \"أ\" وفي \"إغاثة اللهفان\" لابن القيم ١/ ٢٢١ وقد نقل المؤلف هذه الأسطر منها باختصار وتصرف.\n(^٢) في \"أ\" \"شفع\".\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده ٢/ ٣٧٣، والبخاري في صحيحه -كتاب العلم- ١/ ١٩٣ وفي -الرقاق- ١١/ ٤١٨ كلاهما من طريق المقبري عن أبي هريرة … به.\nوأخرجه الإمام أحمد ٢/ ٣٠٧ - ٥١٨ من طريق معاوية بن مغيث -أو معتب- الهذلي عن أ [ي هريرة بلفظ قريب من هذا.","vol":"1","page":50},{"text":"وعن عوف بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ \"أتاني آتٍ من عندي ربي فخيرني بين أن (^١) يدخل نصف أمتي الجنة، وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة وهي لمن مات لا يشرك بالله شيئًا\". رواه الترمذي وابن ماجه (^٢).\nفأسعد الناس بشفاعة رسول الله ﷺ أهل التوحيد، والذين جردوا التوحيد لله، وأخلصوه من التعلقات الشركية، وهم الذين ارتضى الله سبحانه، قال تعالى: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الانبياء- ٢٨]، وقال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه- ١٠٩] فأخبر سبحانه أنه لا يحصل يومئذ شفاعة تنفع إلا بعد رضاه قول المشفوع له وإذنه للشافع فيه وأما المشرك فإنه لا يرتضيه، ولا يرضى قوله، فلا يأذن للشفعاء أن يشفعوا فيه، فإنه سبحانه علقها بأمرين رضاه عن المشفوع له، وإذنه للشافع. فما لم يوجد مجموع الأمرين لم توجد الشفاعة، وهذه الشفاعة في الحقيقة هي منه سبحانه، فإنه الذي أذن، والذي قبل، والذي رضي عن المشفوع، والذي وفقه لفعل ما يستحق به الشفاعة.\n_________\n(^١) \"أن\": سقطع من \"ب\".\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده \"٦/ ٢٨ - ٢٩\"، والترمذي في سننه -كتاب صفة القيامة- \"٤/ ٦٢٧\"، وابن حبان -الموارد- \"ص ٦٤٤\" وابن خزيمة -في كتاب التوحيد- \"ص ٢٦٤ - ٢٦٥\"، وقال الحاكم في مستدركه \"١/ ٦٧\" حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، والآجري في الشريعة \"ص ٣٤٥\" كلهم من طريق قتادة عن أبي المليح عن عوف بن مالك … به وفيه قصة.\nوقال الهيثمي في المجمع \"١٠/ ٣٧٠\" رواه الطبراني بأسانيد ورجال بعضها ثقات، اهـ. وللحديث طرق عن عوف بن مالك ليس هذا موضع بسطها.","vol":"1","page":51},{"text":"فالرب ﵎ هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه، فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك ولهذا أثبتها سبحانه بإذنه في مواضع من كتابه، وبين النبي ﷺ انها لا تكون إلاّ لأهل التوحيد كما تقدم في حديث أبي هريرة وعوف بن مالك.\nفمتخذ الشفيع مشرك، لا تنفعه شفاعة، ولا يشفع فيه، ومتخذ الرب وحده إلهة ومعبوده هو الذي يأذن سبحانه للشفيع أن يشفع فيه. قال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ، قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ الآية [الزمر- ٤٣ - ٤٤]، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس- ١٨] فبين أن المتخذين شفعاء مشركون، وأن الشفاعة لا تحصل باتخاذهم، وإنما تحصل بإذنه ﷾ للشافع، ورضاه عن المشفوع له كما تقدم بيانه.\nوالمقصود أن الكتاب والسنة دلاَّ على أن من جعل الملائكة، أو الأنبياء، أو ابن عباس أو أبا طالب، أو المحجوب \"وغيرهم من الأنبياء والصالحين\" (^١) وسائط بينه وبين الله ليشفعوا له عند الله، لأجل قربهم من الله، كما يفعل عند الملوك أنه كافر مشرك، حلال المال والدم، وإن قال: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأشهد (^٢) أن محمدًا رسول الله، وصلى، وصام، وزعم أنه مسلم، بل هو من الأخسرين أعمالًا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.\n_________\n(^١) ما بين القوسين من \"ب\".\n(^٢) وأشهد: سقطت من \"ب\".","vol":"1","page":52},{"text":"ومن تأمل القرآن العزيز وجده مصرحًا بأن المشركين الذين قاتلهم رسول الله ﷺ مقرون بأن اله سبحانه هو الخالق الرازق، وأنا السموات السبع، ومن فيهن، والأرضين السبع ومن فيهن كلهم عبيده، وتحت قهره، وتصرفه، كما حكاه تعالى عنهم في سورة \"يونس\" وسورة \"المؤمنون\" و\"العنكبوت\" وغيرها من السور، ووجده مصرحًا بأن المشركين يدعون الصالحين كما ذكر تعالى ذلك (^١) عنهم في سورة \"سبحان\" و\"المائدة\" وغيرهما من السور، وكذلك أخبر (^٢) عنهم أنهم يعبدون الملائكة، كما ذكر ذلك في \"الفرقان\" (^٣) و\"سبأ\" و\"النجم\"، ووجده مصرحًا أيضًا (^٤) بأن المشركين ما أراد ما ممن عبدوا إلا الشفاعة، والتقرب إلى الله، كما ذكر تعالى ذلك عنهم في سورة \"يونس\" و\"الزمر\" وغيرهما من السور (^٥).\nفإذا تبين لكم أن القرآن قد صرح بهذه المسائل الثلاث أعني:\nاعتراف المشركين بتوحيد الربوبية.\nوأنهم يدعون الصالحين.\nوأنهم ما أرادو (^٦) منهم إلاّ الشفاعة \"التقرب إلى الله\" (^٧).\nتبين لكم أن هذا الذي يفعل عند القبور اليوم، من سؤالهم جلب الفوائد، وكشف الشدائد، أنه الشرك الأكبر الذي كفر الله به\n_________\n(^١) ذلك: ليست في \"ب\".\n(^٢) في \"أ\" \"ذكر\".\n(^٣) في \"أ\" \"الأنبياء\".\n(^٤) أيضًا: ليست في \"ب\".\n(^٥) وقد تقدم ذكر هذه الآيات في متن هذا الكتاب.\n(^٦) في \"ب\" \"يريدون\".\n(^٧) ما بين القوسين من \"ب\".","vol":"1","page":53},{"text":"المشركين، فإن هؤلاء المشركين مشبهون شبهوا الخالق تعالى بالمخلوق (^١) وفي القرآن، وكلام أهل العلم من الرد على هؤلاء ما لا\n_________\n(^١) قال شيخ الإسلام أبو العباس -﵀- في الردّ على البكري \"ص ٦٠ - ٦١ - ٦٢\" ما ملخصه:\nوأصل ضلال المشركين أنهم ظنوا أن الشفاعة عند الله كالشفاعة عند غيره. وهذا أصل ضلال النصارى. فمن ظن أن الشفاعة المعهودة من الخلق للخلق تنفع عند الله مثل أن يشفع الإنسان عند من يرجوه المشفوع إليه أو يخافه كما يشفع عند الملك ابنه أو أخوه أو أهوانه أو نظراؤه الذين يخافهم أو يرجوهم فيجيب سؤالهم -لأجل رجائه وخوفه منهم- فيمن يشفعون فيه عنده، وغن كان الملك أو الأمير أو غيرهما يكره الشفاعة فيمن شفعوا فيه فيشفعهم فيه على كراهة منه، ويشفعون عنده بغير إذنه. فالله تعالى هو رب كل شيء ومليكه وخالقه فلا يشفع أحد عنده إلاّ بإذنه ولا يشفع أحد في أحد إلاّ لمن أذن الله للشفيع أن يشفع فيه، فإذا أذن للشفيع شفع وإن لم يسأله الشفيع ولو سأل الشفيع الشفاعة ولم يأذن الله لم تنفع شفاعته كما لم تنفع شفاعة نوح في ابنه ولا إبراهيم في أبيه ولا لوط في قومه ولا صلاة النبي ﷺ على المنافقين ولا استغفاره لهم. فمن قال من المغالين والجاهلين أن لله عبادًا لو سألوه أن لا يقيم القيامة لما أقامها، فهو مفتر كذاب. فإن أفضل الخلق عنده أجاب أكثر مسائلهم مما يوافق قدره وأمره وردّ بعضها، فما حال من هو دونهم؟ وما أخبر أنه سيفعله فال بد من وقوعه.\nوإنما تقع الشفاعة وتنفع ويظهر جاه الشفيع ووجاهته عند المشفوع إليه إذا شفع فيمن أذن له أن يشفع فيه وفي إجابته سؤاله وقبول شفاعته … الخ، اهـ. كلامه -﵀-.\nولما ذكر الإمام ابن القيم -﵀- في الإغاثة ١/ ٢٢١ خطر قياس الخالق سبحانه على المخلوق في الشفاعة وغيرها قال:\nوبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام، واتخذ المشركون من دون الله الشفيع والوليّ.، اهـ.\nوسيأتي في كلام المؤلف -﵀- ما يبين خطأ هذا الاعتقاد، وخطره، وأنه لا يصح قياس الخالق ﷾ على الملوك والأمراء في الشفاعة وغيرها","vol":"1","page":54},{"text":"يتسع له هذا الموضع، فإن الوسائط التي بين الملوك وبين الناس تكون على أحد وجوه ثلاثة (^١).\nإما لإخبارهم عن (^٢) أحوال الناس بما لا يطلعون عليه (^٣). ومن قال: إن الله لا يطلع على (^٤) أحوال العباد حتى يخبره بذلك بعض الأنبياء، أو غيرهم من الأولياء والصالحين فهو كافر، بل هو سبحانه يعلم السّر وأخفى، لا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.\nالثاني: أن يكون الملك عاجزًا عن تدبير رعيته، ودفع أعدائه إلاّ بأعوان يعاونونه فلا بدّله من أعوان وأنصار لذلّه وعجزه. والله سبحانه ليس له ظهير ولا ولي من الذل وكل ما في الوجود من الأسباب فهو سحبانه ربّه وخالقه فهو الغني عن كل ما سواه وكل ما سواه وكل ما سواه فقير إليه بخلاف الملوك المحتاجين إلى ظهرائهم وهم في الحقيقة شركاؤهم. والله سبحانه ليس له شريك في الملك بل لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد ولهذا لا يشفع عنده أحد إلاّ بإذنه لا ملك مقرّب ولا نبي مرسل فضلًا عن غيرهما فإن من شفع عنده بغير إذنه فهو شريك له في حصول المطلوب أثر فيه بشفاعته حتى يفعل ما يطلب منه. والله تعالى لا شريك له بوجه من الوجوه.\nالثالث: أن يكون الملك ليس مريدًا النفع لرعيته (^٥)، والإحسان إليهم، إلاّ بمحرّك يحركه من خارج، فإذا خاطب الملك من ينصحه،\n_________\n(^١) في \"أ\" \"ثلاث\".\n(^٢) في \"أ\" \"من\" وهو الموافق لما في فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ١/ ١٢٦ التي نقل المؤلف منها هذا التقسيم.\n(^٣) في \"أ\" \"بما لا يعرفونه\" وهو الموافق لما في فتاوى شيخ الإسلام ١/ ١٢٦.\n(^٤) في \"أ\" \"إن الله لا يعرف\" وفي الفتاوى ١/ ١٢٧ \"إن الله لا يعلم\".\n(^٥) في \"أ\" \"مريدًا لنفع رعيته\" وهو موافق لما في فتاوى شيخ الإسلام ١/ ١٢٧.","vol":"1","page":55},{"text":"أو يعظه، أو من يدل عليه (^١)، بحيث يكون يرجوه ويخافه، تحركت إرادة الملك، وهمته في قضاء حوائج رعيته. والله تعالى رب كل شيء، ومليكه، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها (^٢)، وكل الأسباب إنما تكون بمشيئته، وإرادته فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن. وهو سبحانه إذا أراد إجراء نفع العباد بعضهم على يد بعض (^٣) جعل هذا يحسن إلى هذا، أو يدعو له (^٤)، أو يشفع له فهو الذي خلق ذلك كله، وهو الذي خلق في قلب هذا المحسن والداعي إرادة الإحسان، والدعاء، والشفاعة، ولا يجوز أن يكون في الوجود من يكرهه على خلاف مراده، أو يعلمه ما لم يكن يعلم، والشفعاء الذين يشفعون عنده لا يشفعون إلاّ بإذنه كما تقدم إيضاحه (^٥)، بخلاف الملوك المحتاجين، فإن الشافع عندهم يكون شريكًا لهم في الملك، وقد يكون مظاهرًا لهم (^٦) معاونًا لهم على ملكهم، وهم يشفعون عند الملوك بغير إذن الملوك،\n_________\n(^١) في \"أ\" \"أو من يدل عليه بحديث بحيث\" وما في \"ب\" هو الموافق لما في فتاوى شيخ الإسلام ١/ ١٢٧.\n(^٢) كما ورد هذا في الحديث المتفق على صحته عن عمر بن الخطاب ﵁ قال:\nقدم على رسول الله ﷺ سبي، فإذا امرأة من السبي تحلب ثديها تسعى، إذا وجدت صبيًا في السبي أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته. فقال لنا النبي ﷺ: \"أترون هذه طارحة ولدها في النار؟ \" قلنا: لا، وهي تقدر على أن لا تطرحه. فقال: \"لله أرحم بعباده من هذه بولدها\" هذا لفظ البخاري \"١٠/ ٤٢٧ - فتح\". ولفظ مسلم \"فإذا امرأة من السبي، تبتغي، إذا وجدت صبيًا في السبي، أخذته … \" \"٤/ ٢١٠٩\".\n(^٣) في \"ب\" \"بينهم\" بدل قوله: \"بعضهم على يد بعض\".\n(^٤) له: ليست في \"أ\".\n(^٥) في \"أ\" \"بيانه\" ..\n(^٦) في \"ب\" \"إليهم.","vol":"1","page":56},{"text":"والملك يقبل شفاعتهم تارة لحاجته إليهم، وتارة لجزاء إحسانهم، ومكافأتهم حتى أنه يقبل شفاعة ولده وزوجته لذلك، فإنه محتاج إلى الزوجة والولد حتى لو أعرض عنه ولده وزوجته لتضرر بذلك، ويقبل شفاعة مملوكه فإنه إذا لم يقبل شفاعته يخاف أن لا يطيعه (^١)، ويقبل شفاعة أخيه مخافة أن يسعى في ضرره، وشفاعة العباد بعضهم عند بعض كلها من هذا الجنس فلا يقبل أحد شفاعة أحد إلاّ لرغبة أو لرهبة (^٢). والله تعالى لا يرجو أحدًا، ولا يخافه، ولا يحتاج إلى أحد بل هو الغني سبحانه عما سواه، وكل ما سواه فقير إليه، والمشركون يتخذون شفعاء من جنس ما يعهدونه من الشفاعة عند المخلوق، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ -إلى قوله- سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس- ١٨]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا، أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء- ٥٦ - ٥٧] فأخبر سبحانه أن ما يدعى من دونه لا يملك كشف الضر ولا تحويله، وأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، ويتقربون إليه. فقد نفى سبحانه ما أثبتوه من توسط الملائكة والأنبياء. وفيما ذكرنا كفاية لمن أراد الله هدايته (^٣)، وأما من أراد الله فتنته فلا حيلة فيه ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ [الكهف- ١٧].\n_________\n(^١) في \"ب\" \"الآن لا يعطيه\" وهو خطأ ظاهر.\n(^٢) في \"ب\" \"للرغبة أو لرهبة\".\n(^٣) في \"أ\" \"لمن هداه الله\".","vol":"1","page":57},{"text":"المسألة الثانية\n[وهي: من قال لا إله إلاّ الله، محمد رسول الله، ولم يصل، ولم يزك هل يكون مؤمنًا].\nفنقول: أما من قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله وهو مقيم على شركه يدعو الموتى ويسألهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات فهذا كافر مشرك حلال المال والدم وإن قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله وصلى وصام وزعم أنه مسلم كما تقدم بيانه.\nوأما إن وحّد الله تعالى ولم يشرك به لكنه ترك الصلاة ومنع الزكاة، فإن كان جاحدًا للوجوب فهو كافر إجماعًا، وأما أن أقراّ بالوجوب ولكنه ترك الصلاة تكاسلاّ عنها فهذا قد اختلف العلماء في كفره.\nوالعلماء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة لا يجمعون على ضلالة، وإذا تنازعوا في شيء ردّ ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، إذا الواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق بل كل واحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا الله والرسول. قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء- ٥٩]. قال العلماء الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول هو الرد إلى السنة بعد وفاته. وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى- ١٠] وقد ذم الله تعالى من أعرض عن كتابه ودعا عند التنازع إلى غيره، فقال","vol":"1","page":59},{"text":"تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء- ٦١]. إذا عرفت هذا فنقول: اختلف العلماء -﵏- في تارك الصلاة كسلًا من غير جحود، فذهب الإمام أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه ومالك إلى أنه لا يحُكم بكفره واحتجوا بما رواه عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الإمام مالك في الموطأ \"١/ ١٢٣\"، والحميد في مسنده \"١/ ١٩١\"، والإمام أحمد في مسنده \"٥/ ٣١٥ - ٣١٩ - ٣٢٢\"، وأبو داود في سننه -كتاب الصلاة- \"٢/ ١٣٠\"، والنسائي في سننه -كتاب الصلاة- \"١/ ٢٣٠\"، وابن ماجه في سننه -كتاب إقامة الصلاة- \"١/ ٣٠٨\"، والطحاوي في مشكل الآثار \"٤/ ٢٢٣\"، والبيهقي في سنن \"٢/ ٨\"، والبغوي في شرح السنة \"٤/ ١٠٤\"، وابن عدي في مقدمة الكامل \"١/ ٦٢\".\nكلهم من طريق يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبّان عن ابن محيريز أن رجلًا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلًا بالشام يكنى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب.\nفقال المخدجي: فرُحت إلى عبادة بن الصامت، فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد. فقال عبادة: كذب أبو محمد سمعت رسول الله ﷺ يقول … فذكره -هذا سياق مالك- وإسناده ضعيف المخدجي يقال اسمه رفيه لا يعرف قاله الذهبي في الميزان \"٤/ ٦٠٠\". وفي المنهل العذب المورد \"٨/ ٤٧\" قال ابن عبد البر: مجهول، اهـ.\nوللحديث طريقان آخران عن عبادة بن الصامت.\nالطريق الأول:\nأخرجه الإمام أحمد في مسنده \"٥/ ٣١٧\"، وأبو داود في سننه -كتاب الصلاة- \"١/ ٢٩٥\"، والبغوي في شرح السنة \"٤/ ١٠٥\" كلهم عن محمد بن مطرف عن =","vol":"1","page":60},{"text":"وذهب إمامنا أحمد بن حنبل والشافعي في أحد قوليه وإسحاق بن راهويه وعبدا الله بن المبارك والنخعي والحكم وأيوب السختياني وأبو داود الطيالسي وغيرهم من كبار الأئمة والتابعين إلى أنه كافر، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعًا ذكره عنه الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي في شرح الأربعين. وذكره في كتاب الزواجر عن اقتراف الكبائر عن جمهور الصحابة -﵃-.\nوقال الإمام أبو محمد بن حزم: سائر الصحابة -﵃- ومن بعدهم من التابعين يكفرون تارك الصلاة مطلقًا ويحكمون عليه بالإرتداد، منهم أبو بكر وعمر وابنه عبد الله وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله \"وأبو الدرداء\" وأبو هريرة\" (^١) وعبد الرحمن بن عوف \"وغيرهم من الصحابة ولا نعلم لهؤلاء\n_________\n= زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي قال زعم أبو محمد أن الوتر واجب.\nفقال عبادة بن الصامت كذب أبو محمد، أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"خمس صلوات افترضهن الله تعالى من أحسن وضوءهن وصلاهن لوقتهن وأتم ركوعهن وخشوعهن كان له على الله عهد أن يغفر له ومن لم يفعل فليس لله على الله عهد إن شاء غفر له وإن شاء عذبه\" هذا لفظ أبي داود وإسناده جيد.\nالطريق الثاني:\nأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده \"ص ٧٨\" عن زمعة عن الزهري عن أبي إدريس الخولاني قال كنت في مجلس من أصحاب النبي ﷺ فيه عبادة بن الصامت … فقال أشهد أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"أتاني جبريل فقال يا محمد إن الله ﷿ قال: إني قد فرضت على أمتك خمس صلوات … \" فذكر الحديث.\nوإسناده ضعيف زمعة هو ابن صالح ضعفوه. انظر التهذيب \"٣/ ٣٣٨\".\n(^١) ما بين قوسين من: \"ب\".","vol":"1","page":61},{"text":"مخالفًا من الصحابة -﵃ أجمعين\" (^١).\nوأجابوا عن قوله ﷺ: \"من لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له\" أنّ المراد عدم المحافظة عليهن في وقتهن بدليل الآيات والأحاديث الورادة فيها وفي تركها.\nواحتجوا على كفر تاركها بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: \"بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة\" (^٢) وعن بريدة بن الحصيب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر\" رواه الإمام أحمد وأهل السنن وقال الترمذي حديث صحيح إسناده على شرط مسلم (^٣) وعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"بين العبد والكفر والإيمان الصلاة فإذا تركها فقد أشرك\" (^٤).\nوعن عبد الله بن عمرو بن العاص -﵄- عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: \"من حافظ\n_________\n(^١) ما بين قوسين من: \"ب\".\n(^٢) \"١/ ٨٨\".\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده \"٥/ ٣٤٦\"، والترمذي في سننه -كتاب الإيمان- \"٥/ ١٤\" وقال: حديث حسن صحيح غريب، والنسائي في سننه -كتاب الصلاة- \"١/ ٢٣١\"، وابن ماجه في سننه -كتاب إقامة الصلاة- \"١/ ٣٤٢\": وإسناده صحيح. قال الحاكم في مستدركه \"١/ ٦ - ٧\": صحيح الإسناد لا تعرف له علة بوجه من الوجوه، وأقرّه الذهبي.\n(^٤) قال الإمام ابن القيم في كتابه الصلاة -ص ٥٠٨ من مجموعة الحديث النجدية: رواه هبة الله الطبري وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم.، اهـ.","vol":"1","page":62},{"text":"عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا وبرهانًا ونجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف\" رواه الإمام أحمد وأبو حاتم وابن حبان في صحيحه (^١).\nوعن عبادة بن الصامت قال: أوصانا رسول الله ﷺ فقال: \"لا تشركوا بالله شيئًا ولا تتركوا الصلاة عمدًا فمن تركها عمدًا خرج من الملة\" رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه (^٢). وعن معاذ بن جبل قال قال رسول الله ﷺ: \"من ترك صلاة مكتوبة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله\" رواه الإمام أحمد (^٣) وعن أبي الدرداء قال: أوصاني أبو القاسم ﷺ أن لا أترك الصلاة متعمدًا فمن تركها متعمدًا فقد برئت منه الذمة. رواه ابن أبي حاتم (^٤) وعن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه قال:\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده \"٢/ ١٦٩\"، وابن حبان في صحيحه -موراد ص ٨٧ - وقال الهيثمي في المجمع \"١/ ٢٩٢\": رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أحمد ثقات.\nقلت وفي سند أحمد: عيسى بن هلال وثقة ابن حبان!.\n(^٢) لم أقف على سند ابن أبي حاتم.\nوقال الهيثمي في مجمع الزوائد على حديث عبادة هذا:\nرواه الطبراني وفيه سلمة بن شريح. قال الذهبي: لا يعرف، وبقية رجاله رجال الصحيح.، اهـ. \"٥/ ٢٤٦\".\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده \"٥/ ٢٣٨\" مطولًا، والطبراني في الكبير \"كما في المجمع\".\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد \"٦/ ٢١٥\": ورجال أحمد ثقات إلا أن عبد الرحمن بن جبير بن نفير لم يسمع من معاذ. وإسناد الطبراني متصل وفيه عمر وبن واقد القرشي وهو كذاب.، اهـ.\n(^٤) لم أقف على سند ابن أبي حاتم.\nقال الهيثمي في المجمع على حديث أبي الدرداء هذا: =","vol":"1","page":63},{"text":"\"رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة … \" الحديث وعن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي (^١).\nفهذه الأحاديث كما ترى صريحة في كفر تارك الصلاة مع ما تقدم من إجماع الصحابة، كما حكاه إسحاق بن راهويه وابن حزم وعبد الله بن شقيق، وهو مذهب جمهور العلماء من (^٢) التابعين ومن بعدهم.\nثم اعلم \"رحمك الله وأرشدك\" (^٣) أن العلماء كلهم مجمعون على قتل تارك الصلاة كسلًا إلاّ أبا حنيفة ومحمد بن شهاب الزهري وداود فإنهم قالوا يحبس تارك الصلاة المفروضة حتى يموت أو يتوب.\nومن احتج لهذا القول بقوله ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلًا الله فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلًا بحقها\" (^٤) فقد أبعد النجعة، فإن هذا الحديث لا حجة فيه، بل هو حجة لمن يقول بقتله كما سيأتي بيانه إن شاء الله.\nواحتج الجمهور على قتله بالكتاب والسنة. أما الكتاب فقوله\n_________\n= رواه الطبراني وفيه شهر بن حوشب وحديثه حسن وبقية رجاله ثقات.، اهـ\nوالصواب في حال شهرِ أنه حسن الحديث في الشواهد والمتابعات. والله أعلم.\nوحديث أبي الدرداء هذا له شواهد كثيرة يرتفع الضعف عنه بها. انظر مجمع الزوائد \"٥/ ٢١٦ - ٢١٧\".\n(^١) أخرجه الترمذي في سننه -كتاب الإيمان- \"٥/ ١٤\". قال النووي في رياض الصالحين \"ص ٤٤٠\" إسناده صحيح\n(^٢) سقطت \"من\" من \"أ\".\n(^٣) ما بين قوسين من \"ب\".\n(^٤) تقدم الكلام عليه.","vol":"1","page":64},{"text":"تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (^١) إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة- ٥] فشرط الكف التوبة من الشرك وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا لم توجد هذه الثلاث لم يكف عن قتالهم ولم يخل سبيلهم.\nقال ابن ماجه ثنا نصر بن علي ثنا (^٢) أو أحمد ثنا \"أبو جعفر الزازي\" (^٣) عن الربيع بن أنس عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: \"من فارق الدنيا على (^٤) والإخلاص لله وحده وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، مات والله عنه راضٍ\" قال أنس: وهو الدين الله الذي جاءت به الرسل وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء. وتصديق ذلك في كتاب الله، في آخر ما نزل: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ قال: خلعوا الأوثان وعبادتها ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ (^٥) -وقال في آية أخرى- ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة- ١١] (^٦) (^٧).\n_________\n(^١) سقط أو الآية من \"ب\".\n(^٢) في \"ب\" \"أخبرنا\" وفي نسخة ابن ماجه \"ثنا\" وكلاهما بمعنى واحد على قول.\n(^٣) ما بين قوسين سقط من النسخ. والاستدراك من سنن ابن ماجه.\n(^٤) في \"ب\" \"بالإخلاص\".\n(^٥) في \"أ\" \"ب\" \"فخلوا سبيلهم\" وليست في سنن ابن ماجه.\n(^٦) أخرجه ابن ماجه في سننه -\"١/ ٢٧\"- وإسناده ضعيف لأن رواية أبي جعفر الرازي -عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان- عن الربيع بن أنس مضطربة جدًا.\nقال ابن حبان في الثقات \"٤/ ٢٢٨\": والناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر عنه لأن في أحاديثه عنه اضطرابًا كبيرًا.، اهـ. على أن في أبي جعفر والربيع ضعف يسير.\nوقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: إسناده ضعيف.، اهـ.\n(^٧) اقتصر المؤلف -رحمه الله تعالى- على هذا الدليل من الكتاب. وقد واصل =","vol":"1","page":65},{"text":"وأما السنة فثبت في الصحيحين عن ابن عمر -﵄- أن رسول الله ﷺ قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله\" (^١)\nفعلق العصمة على الشهادتين والصلاة والزكاة.\nوقد بعث النبي ﷺ كتابًا فيه: \"من محمد رسول الله إلى أهل عمّان أما بعد: فأقروا بشهادة أن لا إله إلاّ الله. وأني رسول الله. وأدوا الزكاة. وخطوا المساجد. وإلا غزوتكم\" خرّجه الطبراني والبزار وغيرهما ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي في \"شرح الأربعين\" (^٢).\nوروى ابن شهاب عن حنظلة عن علي بن الأشجع أن أبا بكر الصديق بعث خالد بن الوليد وأمره أن يقاتل الناس على خمس. فمن ترك واحدة منهن فقاتله عليها كما تقاتل على الخمس: شهادة أن لا إله إلاّ الله. وأن محمدًا رسول الله. وإقام الصلاة. وإيتاء الزكاة. وصوم رمضان. وحج بيت الله الحرام. وقال سعيد بن جبير: قال عمر بن الخطاب: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم على تركه كما نقاتل على ترك الصلاة والزكاة.\n_________\n= الإمام العلامة شمس الدين ابن القيم -﵀- أدلة الكتاب على كفر تارك الصلاة إلى عشرة أدلة. انظرها في كتابه القيم \"الصلاة\" \"ص ٤٩٩ إلى ص ٥٠٧ من مجموعة الحديث النجدية\".\n(^١) تقدم الكلام عليه.\n(^٢) قال الهيثمي في مجمع الزوائد \"١/ ٢٩\": رواه الطبراني في الأوسط وإسناده لم أر أحدًا ذكرهم إلاّ أن الطبراني قال: تفرد به موسى بن إسماعيل، قلت وليس هو التبوذكي لأن هذا يروي عن التابعين والله أعلم، اهـ.","vol":"1","page":66},{"text":"وبالجملة فالكتاب والسنة يدلان على أن القتال ممدود إلى الشهادتين والصلاة والزكاة وقد أجمع العلماء على ذلك. قال في شرح الإقناع: أجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة عن (^١) شريعة من شرائع الإسلام فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله كالمحاربين وأولى انتهى.\nوأما حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فإذا قالواها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها\" فهذا لا إشكال فيه -بحمد الله- (^٢) وليس لكم فيه حجة بل هو حجة عليكم ولو لم يكن إلاّ قوله: \"إلاّ بحقها\" لكان كافيًا في إبطال قولكم وقد قال علماؤنا -﵏- إذا قال الكافر لا إله إلاّ الله، فقد شرع في العاصم (^٣) لدمه فيجب الكف عنه فإن تم ذلك تحققت العصمة وإلاّ بطلت ويكون النبي ﷺ قد قال كل حديث في وقت. فقال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله\" ليعلم المسلمون أن الكافر المحارب إذا قالها كُفّ عنه وصار دمه وماله معصومًا ثم بين ﷺ في الحديث الآخر أنّ القتال ممدود إلى الشهادتين والعبادتين فقال: \"أمر أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. وأن محمدًا رسول الله. ويقيموا الصلاة. ويؤتوا الزكاة\" فبين أن تمام العصمة وكمالها إنما يحصل بذلك ولئلا تقع الشبهة بأن مجرد الإقرار يعصم على الدوام كما وقعت لبعض الصحابة حتى جلاّها أبو بكر الصديق ثم وافقوه ﵃.\n_________\n(^١) في \"أ\" \"من\".\n(^٢) سقطت من \"أ\".\n(^٣) في \"ب\" \"المعاصم\".","vol":"1","page":67},{"text":"ومما يبين فساد قولكم وخطأ فهمكم في معنى حديث أبي هريرة أن الصحابة -﵃- أجمعوا على قتال مانعي الزكاة بعد مناظرة حصلت بين أبي بكر وعمر -﵄- واستدل عمر على أبي بكر بحديث أبي هريرة فبين صدّيق الأمة -﵁- أن الحديث حجة على قتال مانعي الزكاة وهم يشهدون أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله ويصلون.\nونحن نسوق الحديث ثم نذكر ما قاله (^١) العلماء في شرحه (^٢) ليتبين لكم أن فهمكم الفاسد لم يقل به أحد من العلماء وأنه فهم مشؤم مذموم مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة فنقول:\nثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله ﷺ وكَفَرَ من كفر من العرب قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله. وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها\". فقال أبو بكر: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال فوالله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه. فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.\nوهذا الحديث أخرجه البخاري في كتاب الزكاة ومسلم في كتاب الإيمان. وهو من أعظم الأدلة على فساد قولكم، فإن الصديق -﵁- جعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب.\n_________\n(^١) في \"ب\" \"كلام\".\n(^٢) في \"ب\" \"عليه\".","vol":"1","page":68},{"text":"وقد تكلم النووي -﵀- على هذا الحديث في شرح صحيح مسلم فقال: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله. محمد رسول الله. ويقيم الصلاة. ويؤتوا الزكاة. ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي ﷺ. وأن من قال ذلك عصم نفسه وماله إلاّ بحقها ووكلت سريرته إلى الله تعالى. وقتال من منع الزكاة أو غيرها من حقوق الإسلام. واهتمام الإمام بشرائع الإسلام.\nوساق (^١) الحديث ثم قال: قال الخطابي في شرح هذا الكلام كلامًا حسنًا لا بدّ من ذكره لما فيه من الفوائد. قال -﵀-: مما يجب تقديمه في هذا أن يعلم أن أهل الردة كانوا صنفين صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا (^٢) الملة وعادوا لكفرهم وهم الذين عنى أبو هريرة بقوله: \"وكفر من كفر من العرب\" والصنف الآخر فرقوا بين الصلاة والزكاة فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الإمام وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين للزكاة (^٣) من كان يسمع بالزكاة ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع فإنهم جمعوا زكاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم وفي هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر -﵁- فراجع أبا بكر -﵁- وناظره واحتج عليه بقول النبي ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله فمن قال لا إله إلاّ الله فقد عصم نفسه وماله\" وكان هذا من عمر تعلقًا بظاهر الكلام\n_________\n(^١) في \"أ\" \"ثم\". وقد اختصر المؤلف -﵀- كلام الخطابي. وانظره كاملًا في صحيح مسلم شرح النووي \"١/ ٢٠٢\" إلى \"٢٠٦\".\n(^٢) في \"ب\" \"نبذوا\".\n(^٣) في \"ب\" \"أي مانعي\" وفي \"أ\" \"المانعين الزكاة\".","vol":"1","page":69},{"text":"قبل أن ينظر في آخر ويتأمل شرائطه. فقال له أبو بكر: الزكاة حق المال يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم. ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها وكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعًا من الصحابة –﵃- ولذلك ردّ المختلف فيه إلى المتفق عليه فلما استقر عندهم صحة رأي أبي بكر وبان لعمر صوابه تابعه على قتال القوم وهو معنى قوله: \"فلما رأيت الله شرح صدر أبي بكر للقتال عرفت أنه الحق\" يريد انشراح صدوره بالحجة التي أدلى بها والبرهان الذي أقامه نصًا ودلالة انتهى.\nفتأمل هذا الباب الذي ذكره النووي –﵀- وهو إمام الشافعية على الإطلاق تجده صريحًا في ردّ شبهتكم أن من قال: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله. لا يباح دمه وماله وإن ترك الصلاة ومنع الزكاة فالترجمة بنفسها صريحة في ردّ قولكم فإنه صرح بالأمر بالقتال على ترك الصلاة ومنع الزكاة. وتأمل ما ذكره الخطابي أن الذين منعوا الزكاة منهم من كان يسمع بها ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدّوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم كبني يربوع فإنهم أرادوا أن يبعثوها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم. وأنه عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر في أمر هؤلاء ثم إن عمر وافق أبا بكر على قتالهم.\nوتأمل قوله: احتج عمر بقول النبي ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله\". وكان هذا من عمر تعلقًا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخر ويتأمل شرائطه\" وتأمل قوله: \"أن قتال الممتنع عن الصلاة كان إجماعًا من الصحابة\" وقد أشار","vol":"1","page":70},{"text":"الخطابي إلى أن حديث أبي هريرة مختصر. قال النووي -﵀- قال الخطابي: ويبين لك أن حديث أبي هريرة مختصر أن عبد الله بن عمر وأنسًا -﵄- روياه بزيادة لم يذكرها أبو هريرة. ففي حديث ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حيث يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها\" وفي رواية أنس: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله. وأن يستقبلوا قبلتنا. وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا. فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها. لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين\" انتهى.\nقلت (^١): وقد ثبت في الطريق الثالث المذكور في الكتاب من رواية أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. ويؤمنوا بي وبما جئت به. فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها\". وفي استدلال أبي بكر واعترض عمر -﵁- دليل على أنهما لم يحفظا عن رسول الله ﷺ ما رواه ابن عمر وأنس وأبو هريرة وكأن (^٢) هؤلاء الثلاثة سمعوا هذه الزيادة في روايتهم في مجلس آخر فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف، ولما كان احتج بالحديث فإن هذه الزيادة حجة عليه. ولو سمع أبو بكر هذه الزيادة لاحتج بها، ولما كان احتج بالقياس والعموم والله أعلم. انتهى كلام النووي.\n_________\n(^١) القائل هو النووي -﵀-.\n(^٢) في \"أ\" و\"ب\" \"وكانوا\" وما أثبته من نسخة المنار وشرح مسلم.","vol":"1","page":71},{"text":"فتأمل ما ذكره الخطابي تجده صريحًا في ردّ قولكم. وتأمل قوله: \"فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف ولما كان احتج بالحديث فإن هذه الزيادة حجة عليه\" وبالجملة فحديث أبي هريرة حجة عليكم لا لكم. ولو لم يكن فيه إلاّ قوله: \"بحقها\" لكان كافيًا في بطلان شبهتكم، فإن الصلاة والزكاة من أعظم حقوق لا إله إلاّ الله بل هم أعظمها على الإطلاق.\nومما يد على بطلان قولكم وفساد فهمكم في معنى الحديث أعني حديث أبي هريرة- \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله\" أن جميع الشراح والمحشين لم يتأولوه على هذا التأويل الذي ذهبتم إليه. فإنه حديث صحيح مخرج في الصحاح، هؤلاء شراح البخاري ومحشيه نحوًا (^١) من أربعين كما نبه عليه القسطلاّني في خطبة شرح البخاري وكذا شراح مسلم هل أحد منهم استدل به على ترك قتال (^٢) من ترك الفرائض بل الذي ذكروه خلاف ما ذهبتم إليه ولو لم يكن إلاّ احتجاج عمر به على أبي بكر ثم موافقته لأبي بكر على قتال مانعي الزكاة لكان كافيًا.\nونحن نذكر لكم كلام الشراح عذرًا ونذرًا. قال النووي -رحمه الله تعالى-: قوله ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله، فمن قال: لا إله إلًا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله ﷿\". قال الخطابي: معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون لا إله إلاّ الله ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف. قال ومعنى \"حسابه على الله\" أي\n_________\n(^١) في \"أ\" و\"ب\" \"نحو\" وما أثبته من طبعة المنار.\n(^٢) في \"ب\" \"قتل\".","vol":"1","page":72},{"text":"فيما يسرونه ويخفونه \"دون ما يخلون به في الظاهر.\nقال ففيه أن من أظهر الإسلام وأسر الكفر يقبل منه إسلامه في الظاهر وهذا قول أكثر العلماء وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل ويحكى ذلك عن أحمد بن حنبل (^١) هذا كلام الخطابي. وذكر القاضي عياض -﵀- معنى هذا وزاد عليه وأضحه فقال: اختصاص عصمة المال والنفس لمن قال لا إله إلاّ الله تعبير (^٢) عن الإجابة إلى الإيمان وأن المراد مشركو العرب، وأهل الأوثان ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دعي إلى الإسلام وقوتل (^٣) عليه، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقول لا إله إلاّ الله إذا كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده ولذلك جاء الحديث الآخر: \"وأني رسول الله. ويقيم الصلاة. ويؤتي الزكاة\". هذا كلام القاضي عياض.\nقلت: ولا بد من الإيمان بما جاء به رسول الله ﷺ كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة: \"حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. ويؤمنوا بي وبما جئت به\". انتهى كلام النووي.\nفتأمل ما ذكره الخطابي وما ذكر القاضي أن المراد بقول: \"لا إله إلاّ الله التعبير عن الإجابة إلى الإيمان، واستدل لذلك بالحديث الآخر الذي فيه \"وأني رسول الله. وتقيم الصلاة. وتؤتي الزكاة\".\n_________\n(^١) تقدم الكلام في الرسالة الأولى على مذهب الإمام أحمد -﵀- في توبة الزنديق.\n(^٢) في \"ب\" \"تعبيرًا\" وهو خطأ.\n(^٣) في \"ب\" \"قوتلوا\".","vol":"1","page":73},{"text":"وتأمل قوله: \"إن المراد بحديث أبي هريرة مشركو العرب، ومن لا يوحد، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقول لا إله إلاّ الله. إذ كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده\".\nوتأمل قول النووي: \"ولا بد من الإيمان بما جاء به رسول الله ﷺ\" وبالجملة فقوله ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله\" لا (^١) نعلم أحدًا من العلماء أجراه على ظاهره، وقال إن من قال لا إله إلاّ الله يكف عنه ولا يجوز قتاله وإن ترك الصلاة ومنع الزكاة. هذا لم يقل به أحد من العلماء. ولازم قولكم أن اليهود لا يجوز قتالهم لأنهم يقولون لا إله إلاّ الله. \"وأن الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب لا يجوز قتالهم، لأنهم يقولون لا إله إلاّ الله\" (^٢) وأن الصحابة مخطئون في قتالهم لمانعي الزكاة لأنهم يقولون لا إله إلاّ الله. بل ولازم قولكم أن بني حنيفة مسلمون لا يجوز قتالهم لأنهم يقولون لا إله إلاّ الله. سبحان الله ما أعظم هذا الجهل ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم- ٥٩].\nومن العجب أنكم تقرؤون في صحيح البخاري هذا الباب الذي ذكره في كتاب الإيمان. حيث قال: باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ ثنا عبد الله بن محمد المسندي (^٣) ثنا أبو روح الحرمي (^٤) ثنا شعبة عن واقد بن محمد قال: سمعت أبي\n_________\n(^١) في \"ب\" \"لم\".\n(^٢) ما بين قوسين من طبعة المنار.\n(^٣) في طبعة المنار \"السندي\" وهو خطأ.\n(^٤) في طبعة المنار \"الجرمي\" وفي \"ب\" \"الحري\" وكلاهما خطأ.","vol":"1","page":74},{"text":"يحدث عن ابن عمر -﵄- أن رسول الله ﷺ قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. وأن محمدًا رسول الله. ويقيموا الصلاة. ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منهي دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله\" ثم بعد ذلك تقولون من قال: لا إله إلاّ الله حرم ماله ودمه ولا أدري بماذا تجيبون به عن هذه الآية والحديثين اللذين ذكرهما البخاري وبأي شيء تدفعون به هذه الأدلة؟.\nوقال الإمام أبو عيسى الترمذي في سننه باب أمرت أن أقاتل الناس حيت يقولوا لا إله إلاّ الله. ثنا هناد ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلاّ الله\" الحديث ثم أردفه بحديث أبي هريرة في قتال أبي بكر لمانعي الزكاة، وساق الحديث بتمامه. ثم قال: باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. ويقيموا الصلاة. ثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني ثنا ابن المبارك (^١) ثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله. وأن محمدًا عبده ورسوله. وأن تستقبلوا قبلتنا ويأكلوا ذبيحتنا. وأن يصلوا صلاتنا فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلاّ بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين\" وفي الباب عن معاذ بن جبل وأبي هريرة. هذا حديث حسن صحيح.\nوالمقصود بيان فساد هذه الشبهة التي دسها من يدعي أنه من العلماء على الجهلة من الناس أن من قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله\n_________\n(^١) سقط من طبعة المنار \"ابن المبارك\".","vol":"1","page":75},{"text":"فهو مسلم ولا يجوز قتله وإن ترك فرائض الإسلام. فهذا كلام الله وهذا كلام رسوله وهذا كلام العلماء صريحًا (^١) في رد هذه الشبهة بل قد دل الكتاب والسنة والإجماع على أن الطائفة الممتنعة تقاتل على ترك الصلاة ومنع الزكاة وإن أقرّوا بالوجوب كما تقدمت النصوص الدالة على ذلك. بل قد صرح العلماء أن أهل البلد إذا تركوا الأذان والإقامة يقاتلون كما سيأتي. وصرحوا أيضًا بأنهم لو تركوا إقامة صلاة الجماعة يُقاتلون. وكذلك لو تركوا صلاة العيد. وعلماء الحرم الشريف (^٢) يقولون: من قال لا إله إلاّ الله فقد عصم ماله ونفسه وإن لم يُصل ولم يُزك (^٣) فسبحان الله مقلب القلوب والأبصار (^٤) كيف يشاء. وهل هذا إلاّ معارضة لكلام الله وكلام رسول وكلام أئمة المذاهب، وهذا كلامهم موجود في كتبهم يُصرحون بأن من ترك الصلاة قُتل وأن الطائفة الممتنعة من فعل الصلاة والزكاة والصيام والحج تقاتل حتى يكون الدين كله لله، ويحكون عليه الإجماع كما صرح بذلك أئمة الحنابلة في كتبهم فإذا كانوا مصرحين بأن من ترك بعض شعائر الإسلام كأهل قرية إذا تركوا الأذان أو تركوا صلاة الجماعة أو تركوا صلاة العيد أنهم يقاتلون فكيف بمن ترك الصلاة رأسًا. وهؤلاء يقولون: من قال لا إله إلاّ الله محمد رسول الله فقد عصم ماله ودمه وإن كانوا طائفة ممتنعين من فعل الصالة والزكاة. بل يصرحون بأن أهل (^٥) البوادي مسلمون (^٦) حرام علينا دماؤهم وأموالهم مع العلم القطعي بأنهم لا\n_________\n(^١) في \"ب\" \"صريح\".\n(^٢) في \"ب\" والمنار \"حرم الله\".\n(^٣) في \"أ\" و\"ب\" \"ولم يزكي\".\n(^٤) ليست في \"أ\" و\"ب\".\n(^٥) ليست في \"أ\" و\"ب\".\n(^٦) في \"أ\" \"إسلام\".","vol":"1","page":76},{"text":"يؤذنون ولا يصلون ولا يزكون بل الظاهر عنهم أنهم كافرون بالشرائع وينكرون البعث بعد الموت. سبحان الله ما أعظم هذا الجهل. وقد ذكرنا من كلام الله وكلام رسوله وكلام شراح الحديث ما فيه الهدى لمن هداه الله.\nوبينا أن العصمة شرطها التوحيد وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فمن لم يأت بهذه الثلاث لم يكف عنه ولم يخل سبيله وقد قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال- ٣٩]، وقال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة- ٥]، وقال النبي ﷺ: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلاّ بحق الإسلام وحسابهم على الله\".\nوأما كلام الفقهاء فنذكره على التفصيل إن شاء الله! أما كلام المالكية فقال الشيخ علي الأجهوري في شرح المختصر: من ترك فرضًا آخر لبقاء (^١) ركعة بسجدتيها من الضروري قتل بالسيف حدًا على المشهور. وقال ابن حبيب وجماعة ظاهر المذهب كفرًا، واختاره ابن عبد السلام انتهى.\nوقال في فضل الأذان، قال المازري: في الأذان معنيان أحدهما إظهار الشعائر والتعريف بأن الدار دار (^٢) إسلام وهو فرض كفاية\n_________\n(^١) في \"أ\" \"فبقاء\".\n(^٢) سقط من \"أ\" \"دار\".","vol":"1","page":77},{"text":"يقاتل أهل القرية حتى يفعلوه، فإن عجز عن قهرهم على إقامته إلا بقتال قوتلوا (^١)، والثاني الدعاء للصالة والأعلام بوقتها.\nوقال الأبي في شرح مسلم: والمشهور أن الأذان فرض كفاية على أهل المصر لأنه شعار الإسلام، فقد كان رسول الله ﷺ إن لم يسمع الأذان أغار والا أمسك (^٢)، وقال المصنف يقاتلون عليه ليس القتال عليه من خصائص القول بالوجوب لأنه نصّ عن عياض، وفي قول المصنف والوتر غير واجب إلاّ (^٣) أنهم اختلفوا في التمالي على ترك السنن هل يقاتلون عليها؟ والصحيح قتالهم وإكراههم لأن في التمالي على تركها إماتتها. انتهى\nوقال في فضل صلاة الجماعة. قال ابن رشد: صلاة الجماعة مستحبة للرجل في نفسه (^٤) فرض كفاية في الجملة. ويعني بقوله في الجملة أنها فرض كفاية على أهل المصر ولو تركوها قوتلوا كما تقدم انتهى.\nوعبارة غيره وإن تركها أهل بلد قوتلوا وأهل حارة أجبروا عليها. انتهى كلام الشيخ علي الأجهوري.\nفانظر تصريحهم بأن تارك الصلاة يقتل باتفاق أصحاب مالك وإنما اختلفوا في كفره، وأن ابن حبيب وابن عبد السلام اختاروا أنه يقتل كافرًا. وتأمل كلامهم في الطائفة الممتنعة عن الأذان أو عن إقامة الجماعة في المساجد أنهم يقاتلون، فأين هذا من قولكم إن من ترك\n_________\n(^١) سقط من \"أ\" و\"ب\" \"قوتلوا\".\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه \"٢/ ٨٩\" ومسلم في صحيحه ٢/ ٢٨٨.\n(^٣) سقطت \"إلا\" من \"أ\" و\"ب\".\n(^٤) تقدم من الرسالة الأولى بيان أن الصواب وجوب الصلاة على الأعيان.","vol":"1","page":78},{"text":"الفرائض مع الإقرار بوجوبها لا يحلّ قتالهم لأنهم يقولون: لا إله إلاّ الله.\nوأما كلام الشافعية فقال الشيخ الإمام العلامة أحمد بن حمدان الأذرعي -﵀- في كتاب \"قوت المحتاج في شرح المنهاج\". من ترك الصلاة جاحدًا لوجوبها كفر بالإجماع، وذلك جار في كل جحود مجمعٍ عليه معلوم من الدين بالضرورة، فمن تركها كسلًا قتل حدًا على الصحيح أو المشهور. أما قتله فلأن الله أمر بقتل المشركين ثم قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. [التوبة- ٥] فدل على أن القتل لا يرفع إلا بالإيمان وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ولما في الصحيحين \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا من دماءهم وأموالهم إلاّ بحقها\" ثم قال: \"إشارات\" منها جعل قتلة ردة ووجد لشر ذمة منهم منصور التميمي، وابن خزيمة، وقضية كلام الرونق أنه كلام منصوص (^١) حيث قال: فإذا قتل ففي ماله ودفنه بين المسلمين قولان: أحدهما ما رواه الربيع عن الشافعي إن ماله يكون فيئًا ولا يدفن في مقابر المسلمين والثاني ما رواه المزني عن الشافعي أن ماله يكون لورثته ويدفن في مقابر المسلمين. وقال منصور في المستعمل سألت الربيع ما نصنع بماله إذا قتلناه؟ قال يكون فيئًا. \"ومنها\" قال في الروضة: تارك الوضوء يقتل على الصحيح جزم به الشيخ أبو حامد. وفي البيان: لو صلى عريانًا مع القدرة على السترة (^٢) أو الفريضة قاعدًا بلا عذر قتل، وكذلك لو ترك التشهد أو الإعتدال، حكاه ابن الأستاذ عن البحر. فإن صح طُرد في سائر الأركان\n_________\n(^١) في المطبوعة \"منصور\"\n(^٢) في \"أ\" \"الستر\".","vol":"1","page":79},{"text":"والشروط، ويجب أن يكون محله فيما أجمع عليه، ومنها لو امتنع من الصوم والزكاة حسب ومنع المفطرات. وقال إمام الحرمين يجوز أن يجعل الممتنع مما يضيق عليه كالممتنع من الصلاة يجبر عليه فإن أبى ضربت عنقه.\nقال المصنف والصحيح قتله بصلاة واحدة بشرط إخراجها عن وقت الضرورة انتهى كلام الأذرعي فانظر كلامه في قتل من ترك الصلاة كسلًا. وأن ربيع روى عن الشافعي أن ماله يكون فيئًا ولا يدفن في مقابر المسلين.\nوتأمل كلام أبي حمد وكالم صاحب الروضة في قتل تارك الوضوء وكلام صاحب البيان فيمن صلى عريانًا مع القدرة على السترة وصلى الفريضة قاعدًا بلا عذر أنه يقتل فأين هذا من قولكم إن من قال لا إله إلاّ الله كف عنه ولا يجوز قتاله بوجه من الوجوه. وقال الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي (^١) في التحفة في باب حكم تارك الصلاة: ان ترك الصلاة جاحدًا وجوبها كفر بالإجماع، أو تركها كسلًا مع اعتقاده وجوبها قتل للآية ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ وخبر \"أمرت أن أقاتل الناس\" فإنهما شرطان (^٢) في الكف عن القتل والمقاتلة الإسلام وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة لأن الزكاة يمكن الإمام أخذها ولو بالمقاتلة ممن امتنعوا وقاتلوا فكانت فيها على حقيقتها بخلافها في الصلاة فإنه لا يمكن فعلها بالمقاتلة. فكانت فيها بمعن القتل (^٣).\nوقال في باب صلاة الجماعة: قيل وهي فرض للرجل فتجب\n_________\n(^١) في \"أ\" و\"ب\" \"الهيثمي\" وهو خطأ.\n(^٢) في \"أ\" و\"المنار\" شرطا.\n(^٣) هنا سقط كثير من \"أ\".","vol":"1","page":80},{"text":"بحيث تظهر بها الشعائر (^١) في ذلك المحل في البادية أو غيرها فإن لم يظهر الشعار بأن امتنعوا كلهم أو بعضهم -كأهل محلة من قرية كبيرة ولم يظهر الشعار إلا بهم- قتلوا، يقاتلهم (^٢) الإمام أو نائبه لإظهار هذه الشعيرة الكبيرة.\nوقال في باب الأذان: الأذان والإقامة سنة وقيل فرض كفاية فيقاتل أهل بلد تركوهما أو أحدهما بحيث لم يظهروا الشعائر (^٣). وقال في باب صلاة العيدين: هي سنة وقيل فرض كفاية فعليه يقاتل أهل بلد تركوهما أو أحدهما. انتهى كلامه في التحفة (^٤).\nفانظر إلى كلامه في قتل تارك الصلاة كسلًا. وتأمل قوله إن الآية والحديث شرطا في الكف عن القتل والمقاتلة الإسلام وإقام\n_________\n(^١) في النسختين \"الشعار\".\n(^٢) في \"أ\" \"يقاتل\".\n(^٣) فال الإمام ابن قدامة في كتابه المغنى \"١/ ٣٠٢\": وظاهر كلام الخرقي أن الآذان سنةٌ مؤكدة وليس بواجب لأنه جعل تركه مكروهًا. وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، لأنه دعاء إلى الصلاة فأشبه قوله: \"الصلاة جماعة\" وقال أبو بكر بن عبد العزيز هو من فروض الكفايات. وهذا قول أكثر أصحابنا، وقول أصحاب مالك. وقال عطاء ومجاهد والأوزاعي: هو فرض لأن النبي ﷺ أمر به مالكًا وصاحبه. وداوم عليه هو وخلفاؤه وأصحابه، والأمر يقتضي الوجوب … الخ، اهـ. ورجح شيخ الإسالم أبو العباس قول أكثر الأصحاب \"مجموع الفتاوى ٢٢/ ٦٤\" \"حاشية الروض المربع ١/ ٤٢٩\".\n(^٤) الذي عليه أكثر أصحابنا في هذه المسألة -كما في الأصناف- أنها فرض كفاية. وعن الإمام أحمد رواية بوجوبها اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية -كما في الانصاف وهو مذهب الإمام أبي حنيفة.\nوعن الإمام أحمد رواية أخرة بسنيتها وفاقًا لمالك وأكثر أصحاب الشافعي. انظر المغنى لابن قدامة \"٢/ ٢٧٢\" والانصاف للمروادي \"٢/ ٤٢٠\". وحاشية الروض المربع لابن قاسم \"٢/ ٤٩٢\".","vol":"1","page":81},{"text":"الصلاة وإيتاء الزكاة، وإن الإمام يأخذ الزكاة بالمقاتلة ممن امتنعوا أو قاتلوا. وتأمل كلامه في باب صلاة الجماعة، وأنها تجب بحيث يظهر الشعار في ذلك المحل حتى في البادية وأنهم يقاتلون إذا امتنعوا. وتأمل كلامه في الأذان والإقامة، وأن الإمام يقاتل على تركهما وعلى ترك أحدهما على القول بأنهما فرض كفاية. وتأمل كلامه في الطائفة إذا امتنعوا من صالة العيدين، فأين هذا من كلام من يقول: إن أهل البلد والبوادي إذا قالوا: لا إله إلاّ الله محمد رسول الله لم يجز قتالهم وإن لم يصلوا ولم يزكوا، سبحان الله ما أعظم هذا الجهل.\nوأما كلام الحنابة فقال في الإقناع وشرحه في كتاب الصلاة ومن حجب وجوبها كفر، فإن تركها تهونًا وكسلًا لا جحودًا (^١) دعاه الإمام أو نائبه إلى فعلها لاحتمال أن يكون تركها لعذر يعتقد سقوطها به كالمرض ونحوه، فيهدّده فإن أبى أن يصليها حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾. [التوبة- ٥]. فمن (^٢) ترك الصلاة لم يأت بشرط التخلية فيبقى على إباحة القتل وبقوله ﵇: \"ومن ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله ورسوله\".\nرواه الإمام أحمد عن مكحول وهو مرسل جيد (^٣)، ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام كمرتد (^٤) نصًا، فإن تاب بفعلها وإلاّ قتل بضرب عنقه بالسيف لما رواه جابر عن النبي ﷺ أنه قال: \"بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة\" رواه مسلم وروى بريدة\n_________\n(^١) في النسختين \"لا جحود\" وهو خطأ.\n(^٢) في النسختين \"فمتى\".\n(^٣) قاله ابن مفلح في المبدع.\n(^٤) أي كسائر المرتدين.","vol":"1","page":82},{"text":"أن النبي ﷺ قال: \"من تركها فقد كفر\" رواه الخمسة وصححه الترمذي، انتهى وقال –﵀- في باب الأذان والإقامة: فإن تركهما أي الأذان والإقامة أهل بلد قوتلوا، أي يقاتلهم الإمام أو نائبه حتى يفعلوهما، لأنهما من أعلام الدين الظاهرة، فقوتلوا على تركهما كصلاة العيد.\nوقال -﵀- في باب صلاة الجماعة: وهي واجبة وجوب عين، فيقاتل تاركها كالأذان، لكن الأذان إنما يقاتل على تركه إذا تركه أهل البلد كلهم بخلاف الجماعة فإنه يقاتل تاركها وإن أقامها غيره لأن وجوبها على الأعيان بخلافه. وقال -﵀- في باب صلاة العيدين: وهي فرض كفاية إن تركها أهل بلد يبلغون أربعين بلا عذر قاتلهم الإمام كالأذان لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وفي تركها تهاون بالدين.\nوقال -﵀- في \"باب إخراج الزكاة\" ومن منعها بخلًا أو تهاونًا أخذت منه قهرًا كدين الآدمي، وإن غيب ماله أو كتمه وأمكن أخذها بأن كان في قبضة الإمام أخذت منه بغير زيادة، وإن لم يمكن أخذها استتيب ثلاثة أيام وجوبًا، فإن تاب وأخرج كفّ عنه وإلاّ قتل لإتفاق الصحابة على قتال مانعيها وغن لم يمكن أخذها إلاّ بقتال وجب على الإمام قتاله إن وضعها موضعها، انتهى كلامه في الإقناع وشرحه.\nفتأمل كلامه فيمن ترك الصلاة كسلًا من غير جحود أن يستتاب، فإن تاب وإلاّ قتل كافرًا وتأمل كلامه في أهل البلدان، إذا تركوا الأذان والإقامة وصلاة العيد أنهم يقاتلون بمجرد ترك ذلك، فهذا كلام المالكية، وهذا كلام الشافعية، وهذا كلام الحنابلة، الكل منهم قد صرح بما ذكرناه، فإذا كانوا مصرحين بقتال من التزم شرائع","vol":"1","page":83},{"text":"الإسلام، إلاّ أنهم تركوا الأذان أو تركوا صلاة الجماعة أو تركوا صلاة العيد، فكيف بمن ترك الصلاة رأسًا كالبوادي الذين لا يصلون ولا يزكون ولا يصومون، بل ينكرون الشرائع، ويكرون البعث بعد الموت، هذا هو الغاب عليهم إلا من شاء وهم القليل، وإلا فأكثرهم ليس معهم من الإسلام إلاّ أنهم يقولون لا لا إله إلاّ الله ومع هذا يجادل عنهم علماء مكة المشرفة ويقولون: إنهم مسلمون، وإن دماءهم وأموالهم حرام بحرمة الإسلام، وإن لم يصلوا ولم يزكوا ولم يصوموا إلاّ أنهم يقولون لا إله إلاّ الله، وهل هذا إلًا رد على الله تعالى حيث قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة- ٥] وهؤلاء يقولون يخلى سبيلهم وإن لم يصلوا ولم يزكوا. وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منهي دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام\". وهؤلاء يقولون: من قال لا إله إلاّ الله عصم دمه وماله وإن لم يصلّ ولم يزك ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم- ٥٩] فهذا كتاب الله وهذه سنة رسوله وهذا إجماع الصحابة على قتل من ترك الصلاة أو منع الزكاة. قال صدّيق الأمة أبو بكر ﵁: \"والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ وفي رواية عناقًا لقاتلتهم على منعها، وهذا أيضًا إجماع العلماء قال في شرح الإقناع: أجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام فإنه (^١) يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله\n_________\n(^١) في \"أ\" و\"ب\" \"فانهم\".","vol":"1","page":84},{"text":"كالمحاربين وأولى، انتهى. وقال أبو العباس -﵀-: \"القتال واجب حتى يكون الدين كله لله وحتى لا تكون فتنة، فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب فأيما طائفة ممتنعة امتنعت عن بعض الصلوات المفروضات أو الزكاة أو الصيام أو الحج، أو عن التزام تحريم الدماء أو الأموال أو الخمر أو الزنا أو الميسر، أو نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب أو غير ذلك من التزام واجبات الدين أو محرماته التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها، التي يكفر الواحد بجحودها، فان الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء، وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرّت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر أو الأذان أو الإقامة عند من لا يقول بوجوبها ونحو ذلك من الشعائر فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات أو المحرمات المذكورة ونحوها فال خلاف في القتال عليها\"، انتهى كلامه.\nفتأمل كلام إمام الحنابلة وتصريحه بأن من امتنع عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة كالصلوات الخمس أو الصيام أو الزكاة أو الحج، أو عن ترك المحرمات كالزنا أو شرب الخمر أو المسكرات أو غير ذلك، فإنه يجب قتال الطائفة الممتنعة عن ذلك حتى يكون الدين كله الله، ويلتزموا (^١) جميع شرائع الإسلام، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائع الإسلام، وإن ذلك مما اتفق عليه الفقهاء من سائر الصحابة فمن بعدهم فأين هذا من قولكم: إن من قال لا إله إلاّ الله فقد عصم ماله ودمه وإن ترك (^٢) الفرائض وارتكب (^٣) المحرّمات، بل من تأمل سيرة النبي صلى الله\n_________\n(^١) في \"ب\" و\"المنار\" يلتزمون.\n(^٢) في \"أ\" \"ارتكبوا- تركوا\".\n(^٣) في \"أ\" \"ارتكبوا- تركوا\".","vol":"1","page":85},{"text":"عليه وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده عرف أن قولكم هذا مضاد لما فعله النبي ﷺ وما فعله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم. فيا سبحان الله: \"أما علمتم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود وهم يقولون لا إله إلاّ الله وسبي نساءهم، واستحلّ دماءهم وأموالهم\" (^١) أما علمتم أن رسول الله ﷺ أراد أن يغزو بني المصطلق لما قيل له إنهم منعوا الزكاة، وكان الذي قاله كاذبًا، والقصة مشهورة في كتب الحديث والتفسير، ذكرها المفسرون عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات- ٦].\nأما علمتم أن علي بن أبي طالب ﵁ حرق الغالية مع أنهم يقولون لا إله إلاّ الله؟ أما علمتم أن الصحابة ﵁ قاتلوا الخوارج بأمر نبيهم ﷺ، مع أنه ﷺ أخبر أن الصحابة يحقرون صلاتهم مع صلاتهم وصيامهم مع صيامهم، وقراءتهم مع قرآءتهم وقال: \"أينما لقيتموهم فاقتلوهم؟ \" أما علمتم أن الصحابة قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدون أن لا إله إلاّ الله وأن محمدًا رسول الله ويصلون ويؤذنون؟ (^٢).\nأما علمتم أن الصحابة قاتلوا بني يربوع لما منعوا الزكاة، مع أنهم مقرون بوجوبها وكانوا قد جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة وفي أمر هؤلاء عرضت الشبهة لعمر ﵁ حتى جلاها الصديق أبو بكر ﵁ وقال:\n_________\n(^١) ما بين قوسين من المطبوعة.\n(^٢) في المطبوعة \"ويصومون\".","vol":"1","page":86},{"text":"\"والله لو منعوني عقالًا -وفي رواية عناقًا- كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها، فقال عمر: فوالله ما هو إلى أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر لقتال فعرفت أنه الحق، وقد تقدم ذلك مبسوطًا، وذكرنا لفظه في شرح مسلم في \"باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلاّ الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة\".\nأما علمتم أن رسول الله ﷺ بعث صاحب الراية (^١) إلى رجل تزوج امرأة أبيه كما رواه الترمذي في سننه حيث قال: \"باب ما جاء فيمن تزوج امرأة أبيه\". حدثنا أبو سعيد الأشج أخبرنا حفص بن غياث (^٢) عن أشعث عن عدي بن ثبات عن البراء قال: مرّ بي خالي أبو بردة ومعه لواء فقلت أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن آتيه برأسه، حديث حسن غريب، انتهى (^٣).\n_________\n(^١) في \"أ\" و\"ب\" \"الراية\" وفي المطبوعة \"البراء\".\n(^٢) في \"ب\" \"عثمان\".\n(^٣) أخرجه أحمد في مسنده \"٤/ ٢٩٥\"، وأبو داود في سننه -كتاب الحدود- \"٤/ ٦٠٢\"، كلاهما من طريق مطرف بن طريف عن أبي الجهم مولى البراء عنه .. به وإسناده جيد.\nوأخرجه الترمذي في سننه -كتاب الأحكام- \"٣/ ٦٣٤\"، والنسائي في سننه \"٦/ ١٠٩\"، وابن ماجة \"٢/ ٨٦٩\" كلهم من طريق عدي بن ثابت عن البراء فال: مرّ بي خالي فذكر.\nوأخرجه أبو داود \"٤/ ٦٠٢\" من طريق عدي بن ثابت عن يزيد بن البراء عن أبيه قال: لقيت عمي … فذكره.\nوقال الترمذي: وقد روى محمد بن إسحاق هذا الحديث عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد عن البراء …، اهـ.\nقال وفي الباب عن قرّة المزني. =","vol":"1","page":87},{"text":"ولو تتبعنا الآيات والأحاديث والآثار وكلام العلماء في قتال من قال: لا إله إلاّ الله إذا ترك بعض حقوقها لطال الكلام جدًا، فكيف بمن ترك (^١) الإسلام كله، وكذب به، واستهزأ به على عمد إلا أنهم يقولون: لا إله إلاّ الله كهؤلاء البوادي؟ وفيما ذكرنا كفاية لمن طلب\n_________\n= قال المنذري -﵀- في مختصره سنن أبي داود \"٦/ ٢٦٨\" على هذا الحديث: وقد اختلف في هذا اختلافًا كثيرًا.\nفروى عن البراء كما تقدم. وروى عنه عن عمه كما ذكرناه أيضًا. وروي عنه قال: \"مرّ بي خالي أبو بردة بن دينار ومعه لواء\" وهذا لفظ الترمذي فيه.\nوروي عنه عن خاله وسماه \"هشيم في حديثه: الحارث بن عمرو\" وهذا لفظ ابن ماجه فيه.\nوروي عنه قال: مرّ بنا ناسٌ ينطلقون\".\nوروي عنه: \"إني لأطرف على إبل ظلت لي في تلك الأحياء في عهد رسول الله ﷺ إذ جاءهم رهط معهم لواء\" وهذا في لفظ النسائي.، اهـ.\nقال الإمام شمس الدين ابن القيم -﵀-: وهذا كله يدل على أن الحديث محفوظ ولا يوجب هذا تركه بوجه.\nفإن البراء بن عازب حدّث به عن أ [ي بردة بن دينار واسمه الحارث بن عمرو.\nوأبو بردة: كنيته، وهو عمّه وخاله، وهذا واقع في النسب، وكان معه رهط، فاقتصر على ذكر الرهط مرّة، وعين من بينهم أبا بردة بن دينا باسمه مرّة، وبكنيته أخرى، وبالعمومة تارة، وبالخوُلة أخرى.\nفأي علة في هذا توجب ترك الحديث؟ والله الموفق للصواب.\nوالحديث له طرق حسان يؤيد بعضها بعضًا.\nمنها: مطرف عن أبي الجهم عن البراء.\nومنها: شعبة عن الركين بن الربيع عن عدي بن ثابت عن البراء\nومنها: الحسن بن صالح عن السدي عن عدي عن البراء.\nومنها: معمر عن أشعث عن عدي عن يزيد بن البراء عن أبيه.، اهـ.\n(^١) في المطبوعة \"جحد\".","vol":"1","page":88},{"text":"الإنصاف، فقد ذكرنا الأدلة من كلام الله وكلام رسوله ﷺ، وكلام الصحابة، وإجماع العلماء بعدهم. فإن كان هذا الذي ذكرنا له معنى آخر ما فهمناه بينوه لنا من كلام الله وكلام رسوله وكلام العلماء فرحم الله أمرءًا نظر لنفسه، وعرف أنه ملاق الله الذي عنده الجنة والنار.","vol":"1","page":89},{"text":"المسألة الثالثة\nوهي: [أما المسألة الثالثة فقالوا فهل يجوز البناء على القبور؟].\nفنقول: ثبت في الصحيحين والسنن عن رسول الله ﷺ أنه نهى عن البناء على القبور وأمر بهدمه، كما رواه مسلم في صحيحه حيث قال: حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا وكيع عن سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويّته (^١). وقال أيضًا: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ أن يجصص القبر، وأن يبني عليه، وأن يكتب عليه (^٢) قال أيضًا: حدثنا هارون بن سعيد الأيلي قال: حدثنا وهب قال حدثني عمرو بن الحارث أن ثمامة بن شفي حدثه قال: كنا مع فضالة بن عبيد بأرض الروم برودس فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبره فسوي ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها (^٣).\n_________\n(^١) هكذا نقل الشيخ سند مسلم. ولمسلم في هذا الحديث أكثر من شيخ.\nقال -﵀-: حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب.\nقال يحيى أخبرنا. وقال الآخران: حدثنا وكيع … فذكره \"٢/ ٦٦٦\".\n(^٢) الذي في صحيح مسلم \"٢/ ٦٦٧\": وأن يقعد عليه، بدل أن يكتب عليه.\n(^٣) هكذا نقل المؤلف سند مسلم. ولمسلم في هذا الحديث عدة شيوخ قال =","vol":"1","page":91},{"text":"وقال الترمذي: \"باب ما جاء في تسوية القبور\" حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي (^١) وائل أن عليًا ﵁ قال لأبي الهياج الأسدي ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلاّ سوّيته، ولا تمثالًا إلا طمسته. قال: وفي الباب عن جابر.\nوقال ابن ماجه في \"باب ما جاء في النهي عن البناء على القبور وتجصيصها والكتابة عليها\": حدثنا أزهر بن مروان ومحمد بن زياد حدثنا عبد الوارث عن أيوب عبن أبي الزبير عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن تجصيص القبور (^٢). وحدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا حفص بن غياث عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر قال: نهى رسول الله ﷺ أن يكتب على القبر شيء. وحدثنا محمد بن يحيى حدثنا محمد بن عبد الله الرقاشي حدثنا وهب حدثنا عبد الرحمن بن يزيد عن القاسم بن مخيمرة عن أبي سعيد أن النبي ﷺ نهى أن يبنى على القبور (^٣).\n_________\n= -﵀-: حدثنا أبو الطاهر أحمد بن عمر وحدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث ح وحدثني هارون بن سعيد الأيلي ثنا ابن وهب حدثني عمرو بن الحارث \"في رواية أبي الطاهر\" أن أبا علي الهمداني حدثه \"وفي رواية هارون\" أن ثماثمة بن شفي حدثه قال: كنا مع فضالة … فذكره.\nوقوله \"بِرُوْدِس\" قال النووي: هكذا ضبطناه في صحيح مسلم وكذا نقله القاضي عياض في المشارق عن الأكثرين. وهي جزيرة بأرض الروم.\n(^١) في \"أ\" \"عن وائل\" وهو خطأ.\n(^٢) وقع في النسخ تحريف في سند ابن ماجه فاصلحناه من السنن\n(^٣) انظر سنن ابن ماجه \"١/ ٤٩٨\". ويأتي تخريج أحاديث هذه المسألة في الرسائل القادمة إن شاء الله.","vol":"1","page":92},{"text":"وقال النووي -﵀- في شرح مسلم: قال الشافعي -﵀- في الأم: \"رأيت الأئمة بمكة يأمرون بهدم ما يبنى، ويؤيد الهدم قوله: ولا قبرًا مشرفًا إلاّ سوّيته\". وقال الأذرعي -﵀- في \"قوت المحتاج\" ثبت في صحيح مسلم النهي عن التجصيص والبناء. وفي الترمذي وغيره: النهي عن الكتابة. وقال القاضي ابن كج: ولا يجوز أن يبنى عليها قباب ولا غيرها، والوصية عليها باطلة.\nقال الأذرعي: ولا يبعد الجزم بالتحريم في ملكه وغيره من غير حاجة على من علم النهي، بل هو القياس الحق، والوجه في البناء على القبور المباهاة والمضاهاة للجبابرة والكفار، والتحريم يثبت بدون ذلك. وأما بطلان الوصية ببناء القباب وغيرها من الأبنية العظيمة، وانفاق الأموال الكثيرة عليه فلا ريب في تحريمه، والعجب كل العجب من يلزم ذلك الورثة من حكام العصر، ويعمل بالوصية بذلك! انتهى كلام الأذرعي -﵀- ومن جمع بين سنة رسول الله ﷺ في القبور، وما أمر به، وما نهى عنه، وما كان عليه أصحابه، وبين ما أنتم عليه من فعلكم مع قبر أبي طالب والمحجوب وغيرهما وجد أحدهما مضادًا للآخر، مناقضًا له بحيث لا يجتمعان أبدًا، فنهى رسول الله ﷺ عن البناء على القبور كما تقدم ذكره، وأنتم تبنون عليها القباب العظيمة، والذي رأيته في المعلاة أكثر من عشرين قبة، ونهى رسول الله ﷺ أن يزاد عليها غير ترابها وأنتم تزيدون عليها غير التراب التابوت الذي عليه ولباس الجوخ، ومن فوق ذلك القبة العظيمة المبنية بالأحجار والجص.\nوقد روى أبو داود من حديث جابر: أن رسول الله ﷺ نهى أن يجصص القبر، أو يكتب عليه، أو يزاد عليه.","vol":"1","page":93},{"text":"ونهى رسول الله ﷺ عن الكتابة عليها كما تقدم في صحيح مسلم.\nوقال أبو عيسى الترمذي \"باب ما جاء في تجصيص القبور والكتابة عليها\": حدثنا عبد الرحمن بن الأسود ثنا محمد بن ربيعة عن ابن جريج (^١) عن أبي الزبير عن جابر قال: \"نهى رسول الله ﷺ أن تجصص القبور أن يكتب عليها، وأن يبنى عليها، وأن توطأ\" هذا حديث حسن صحيح.\nوهذه القبور عندكم مكتوب عليها القرآن والأشعار.\nوقال أبو داود \"باب البناء على القبور\". حدثنا أحمد بن حنبل ثنا عبد الرزاق قال أخبرني ابن جريج (^٢) حدثني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: سمعت النبي ﷺ نهى أن يقعد على القبر، وأن يجصص، وأن يبنى عليه انتهى.\nولعن رسول الله ﷺ من أسرجها. والذي رأيته ليلة دخولنا مكة -شرفها الله- في المقبرة أكثر من مائة قنديل. هذا مع علمكم بأن رسول الله ﷺ لعن فاعله. فقد روى ابن عباس أن رسول الله ﷺ: لعن زائرات القبور، والمتخذين عليها المساج والسرج. رواه أهل السنن.\nوأعظم من هذا كله وأشد تحريمًا الشرك الأكبر الذي يفعل عندها وهو دعاء المقبورين وسؤالهم قضاء الحاجات، وتفريج الكربات، لكن تقولون لنا: إن هذا لا يفعل عندها وليس عندنا أحد\n_________\n(^١) في \"أ\" و\"ب\" \"جريج\" وهو خطأ.\n(^٢) في \"أ\" و\"ب\" \"جريج\" وهو خطأ.","vol":"1","page":94},{"text":"يدعوها ويسألها. ونقول: اللهم اجعل ما ذكروه حقًا وصدقًا ونسأل الله أن يطهر حرمه من الشرك. ولا ريب أن دعاء الموتى وسؤالهم جلب الفوائد، وكشف الشدائد أنه من الشرك الأكبر الذي كفر الله به المشركين كما تقدم بيانه في المسألة الأولى.\nوقد قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن- ١٨] وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء- ٥٦]، وقال تعالى: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس- ١٠٦] (^١)، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ، إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا ..﴾ الآية [فاطر- ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ، وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الاحقاف- ٥ - ٦]، وقال تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ﴾ [الرعد- ١٤].\nوقد روى الترمذي عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: \"الدعاء مخ العبادة\" (^٢) وعن النهمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ: \"الدعاء هو العبادة\" ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر- ٦٠]. رواه أحمد وأبو داود والترمذي.\n_________\n(^١) سقطت هذه الآية من \"أ\" \"ب\".\n(^٢) تقدم الكلام عليه.","vol":"1","page":95},{"text":"قال العلقمي في شرح الجامع الصغير حديث \"الدعاء مخ العبادة\" قال شيخنا: قال في النهاية: مخ الشيء خالصه. وإنما كان مخها لأمرين: أحدهما أنه امتثال لأمر الله حيث قال: \"ادعوني استجب لكم\" فهو محض العبادة وخالصها. والثاني: أنه إذا رأى نجاح الأمور من الله تعالى قطع عمله عما سواه ودعاه لحاجته وحده وهذا أصل العبادة. ولأن الغرض من العبادة الثواب عليها وهذا هو المطلوب من الدعاء. وقوله: \"الدعاء هو العبادة\" قال شيخنا: قال الطيبي (^١): أتى بالخبر المعرف باللام ليدل على الحصر، وأن العبادة ليست غير الدعاء. وقال شيخنا: قال البيضاوي: لما حم بأن الدعاء هو العبادة الحقيقية التي تتأهل أن تسمى عبادة من حيث أنه يدل على أن فاعله مقبل على الله معرض عما سواه لا يرجو إلاّ إياه ولا يخاف إلاّ منه. واستدل عليه بالآية يعني قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر- ٦٠] فإنها تدل على أنه أمر مأمور به إذا أتى به المكلف قبل منه لا محالة، وترتب عليه المقصود ترتب الجزاء على الشرط، والسبب على المسبب، وما كان كذلك كان أتم العبادة. انتهى كلام العلقمي -﵀-.\nوليكن هذا آخر الكلام على هذه المسائل الثلاث فإن وافقتمونا على أن هذا هو الحق فهو المطلوب. وإن زعمتم أن الحق خلافه فأجيبونا بعلم من الكتاب والسنة فإنهما الحاكمان بين الناس فيما تنازعوا فيه كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. [النساء- ٥٩].\nوقد ذكرنا لكم الأدلة من الكتاب والسنة وكلام الأئمة فإن لم تسلموا لهذه الأدلة فاذكروا لنا جوابها من الكتاب والسنة وكلام\n_________\n(^١) في المطبوعة الطيالسي.","vol":"1","page":96},{"text":"الأئمة. فإذا أجبتم على هذه المسائل الثلاث أجبناكم عن بقية المسائل إن شاء الله.\nولنختم الكلام بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج- ٤٠ - ٤١] والحمد لله أولًا وآخرًا كما يحب ربنا ويرضى وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا والحمد لله رب العالمين.\n_________\nقال محققه عفا الله عنه: تم ما أردت تعليقه على هذه الرسالة النفيسة قبل صلاة العصر من اليوم الثامن والعشرين من شهر الله المحرم سنة سبع وأربعمائة بعد الألف والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.","vol":"1","page":97},{"text":"\"<span data-type='title' id=toc-8>أهم المراجع حسب ورودها في الكتاب</span>\"\nتنبيه: المراجع التي استقيت المعلومات منها في الرسالة الأولى وهي من مراجعي في هذه الرسلة لا أذكرها في هذا الفهرس اكتفاءً بذكري لها في الرسالة الأولى وهكذا في جميع الكتب القادمة من هذه السلسلة إن شاء الله.\n١ - تلخيص الردّ على البكري، لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط. السلفية بمصر ١٣٤٦ هـ.\n٢ - روضة الأفكار والأفهام، لابن غنام، ط. المكتبة السلفية بالرياض.\n٣ - علما نجد، لشيخ ابن بسّام، ط. مكتبة النهضة بمكة ١٣٩٨ هـ.\n٤ - الدرر السنية، للشيخ ابن قاسم، ط. النور.\n٥ - إغاثة اللهفان، لابن القيم، ط. دار المعرفة ببيروت.\n٦ - درء تعارض النقل والعقل، لشيخ الإسلام، ط. جامعة الإمام محمد بن سعود ١٤٠١ هـ.\n٧ - معرفة القرّاء الكبار، للذهبي.\n٨ - الإنصاف، للمرداوي، ط. أنصار السنة ١٣٧٧ هـ.\n٩ - حاشية الروض المربع، للعلامة ابن قاسم، ط. الأهلية ١٣٩٩ هـ.","vol":"1","page":98},{"text":"١٠ - مختصر سنن أبي داود، للمنذري مع تهذيب ابن القيم، ط. أنصار السنة ١٣٦٨ هـ.","vol":"1","page":99}]}