{"ً":{"ٌ":10055,"ٍ":"تدارك بقية العمر في تدبير سورة النصر","َ":2,"ُ":1,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/036_125","files":["036_125_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تدارك بقية العمر في تدبير سورة النصر\nالمؤلف: سليمان بن إبراهيم بن عبد الله اللاحم\nالناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nالطبعة: السنة السادسة والثلاثون العدد (١٢٥) ١٤٢٤هـ/٢٠٠٤م\nعدد الصفحات: ٤٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2123,"ٕ":3,"ٖ":1770155804,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"تدارك بقية العمر في تدبير سورة النصر","level":1,"page":3},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":29}],"ٛ":{"1,13":1,"1,14":2,"1,15":3,"1,16":4,"1,17":5,"1,18":6,"1,19":7,"1,20":8,"1,21":9,"1,22":10,"1,23":11,"1,24":12,"1,25":13,"1,26":14,"1,27":15,"1,28":16,"1,29":17,"1,30":18,"1,31":19,"1,32":20,"1,33":21,"1,34":22,"1,35":23,"1,36":24,"1,37":25,"1,38":26,"1,39":27,"1,40":28,"1,41":29,"1,42":30},"ٜ":{"1":[13,42]},"ٝ":["1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"29":[3]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nالحمد لله الذي اختص بالبقاء والدوام، وكتب على جميع الخليقة الفناء والزوال، والصلاة والسلام على الهادي البشير، والسراج المنير، وعلى آله وأصحابه خير صحب وآل ... أما بعد:\nفإن الله ﷿ خلق الخليقة وجعل الموت والحياة للابتلاء والامتحان، كما قال ﷿ ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ ١.\nوحكم بأن مصير الخلائق كلها ومردها إليه سبحانه ليجازي كلًا بما عمل كما قال ﷿: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ ٢.\nوجعل هذه الحياة الدنيا مزرعة للآخرة، يتزود فيها المؤمن العمل الصالح للدار الآخرة: ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ٣، وجعل الدار الآخرة دار الجزاء والثواب أو العقاب، وأرسل ﷿ الرسل، وأنزل عليهم الكتب، إرشادًا للخلق وإقامة للحجة عليهم، كما قال ﷿: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٤.\nولم يلحق رسول الله ﷺ بالرفيق الأعلى إلا بعد أن بلغ أمته البلاغ المبين، وتركها على المحجة البيضاء ليلها كنهارها سواء لا يزيغ عنها إلا هالك وقد أعلمه ربه - بأبي هو وأمي - صلوات الله وسلامه عليه بدنوّ أجله\n_________\n١ سورة الملك، آية: ٢.\n٢ سورة البقرة، آية: ٢٨١.\n٣ سورة الشعراء، الآيتان: ٨٨ - ٨٩.\n٤ سورة النساء، آية: ١٦٥.","vol":"1","page":13},{"text":"ليكثر من العبادة، وتسبيح الله، وتحميده، واستغفاره استعدادًا للقاء ربه - وهو الذي غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر - فكان ﷺ أكثر ما يكون اجتهادًا في أمر الآخرة استجابة لأمر الله ﷿ له بقوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ولنا فيه صلوات الله وسلامه عليه الأسوة والقدوة. فينبغي للمسلم أن يستعد لهذا اللقاء العظيم، ويزداد استعدادًا كلما تقدم به العمر ليتدارك بقية عمره ويعوض عما فاته.\nفتدبر أخي الكريم هذه السورة العظيمة التي آذن الله بها رسوله ﷺ بدنو أجله ليتهيأ ويستعد للقاء ربه، وتدبر كلام أهل العلم عليها الذي لخصته في هذا الكتاب وسميته “تدارك بقية العمر في تدبر سورة النصر” عسى الله أن ينفعني وإياك بذلك، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتي ووالدي إنه جواد كريم ملك بر رؤوف رحيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>تدارك بقية العمر في تدبير سورة النصر</span>\n...\nسورة النصر، وتسمى سورة “ التوديع “١\nقال الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ .\nوقت نزولها:\nعن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال لي ابن عباس: يا ابن عتبة، أتعلم آخر سورة من القرآن نزلت؟ قلت: نعم: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال: صدقت ٢.\nوعن ابن عمر ﵁ قال: \"نزلت هذه السورة: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ على رسول الله ﷺ أوسط أيام التشريق، فعرف أنه الوداع٣، فأمر براحلته القصواء فرُحلت، ثم قام فخطب الناس..\" فذكر خطبته المشهورة ٤.\n_________\n١ روي هذا عن ابن مسعود ﵁. انظر (الكشاف) ٤/١٤٠، (الجامع لأحكام القرآن) ٢٠/٢٢٩.\n٢ أخرجه النسائي فيما ذكر ابن حجر في (فتح الباري) ٨/٧٣٤، والطبراني فيما ذكر ابن كثير في (تفسيره) ٨/٥٣١،.\nوقد خرج البخاري في التفسير ٤٦٥٤ عن (البراء أن آخر سورة نزلت براءة) . والمراد به والله أعلم بعضها، وأن آخر سورة نزلت كاملة هي النصر. انظر (فتح الباري) ٨/٣١٦، ٧٣٤.\n٣ وروي أنها لما نزلت بكى عمر والعباس فقيل لهما: إن هذا يوم فرح، فقالوا: بل فيه نعي النبي ﷺ. انظر: (الجامع لأحكام القرآن) ٢٠/٢٣٢.\n٤ أخرجه البيهقي في الحج، باب خطبة الإمام بمنى أوسط أيام التشريق ٥/١٥٢، وذكره ابن كثير في (تفسيره) ٨/٥٢٩.","vol":"1","page":15},{"text":"موضوعها:\nالإيذان بقرب وفاته ﷺ، وحثه على لزوم التسبيح بحمد الله، واستغفاره.\nعن ابن عباس ﵄ قال: “لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ دعا رسول الله ﷺ فاطمة وقال: “ إنه قد نعيت إلي نفسي “ فبكت ثم ضحكت، وقالت: أخبرني أنه نعيت إليه نفسه فبكيت، ثم قال: “اصبري فإنك أول أهلي لحاقًا بي” فضحكت”١.\nوعن ابن عباس ﵄ قال: “كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فكأن بعضهم وجد في نفسه، فقال: لم يدخل هذا معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال إنه من علمتم. فدعاهم ذات يوم فأدخله معهم، فما رأيت أنه دعاني فيهم يومئذ إلا ليريهم. فقال: ما تقولون في قول الله ﷿: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفُتح علينا، وسكت بعضهم فلم يقل شيئًا، فقال لي: أكذلك تقول يا ابن عباس؟ فقلت: لا. فقال: ما تقول؟ فقلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه له قال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، فذلك علامة أجلك ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ فقال عمر بن الخطاب ﵁: “لا أعلم منها إلا ما تقول”٢.\n_________\n١ أخرجه البيهقي - فيما ذكر ابن كثير في (تفسيره) ٨/٥٢٩. وأخرجه أحمد ١/٢١٧، ٣٤٤، ٣٥٦ مختصرًا دون ذكر فاطمة، وقال أحمد شاكر في تخريج المسند ١٨٧٣: (إسناده صحيح) . وأخرج ابن أبي حاتم في (تفسيره) ١٠/٣٤٧٢ - الأثر ١٩٥٢١ من حديث أم حبيبة ﵂ قصة بكاء فاطمة ... الخ. وانظر (تفسير ابن كثير) ٨/٥٣٢.\n٢ أخرجه البخاري في تفسير سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ٤٩٦٩، ٤٩٧٠، والترمذي في التفسير ٣٣٦٢، والطبري في (جامع البيان) ٣٠/٢١٥ - ٢١٦","vol":"1","page":16},{"text":"قال ابن كثير ١: “فالذي فسر به بعض الصحابة من جلساء عمر ﵃ أجمعين من أنه قد أمرنا إذا فتح الله علينا المدائن والحصون أن نحمد الله ونشكره؛ يعني: ونصلي له، ونستغفره معنى مليح صحيح، وقد ثبت له شاهد من صلاة النبي ﷺ يوم فتح مكة ثماني ركعات. وفي سنن أبي داود: “ أنه ﷺ كان يسلم يوم الفتح من كل ركعتين”٢.\nوهكذا فعل سعد بن أبي وقاص ﵁ يوم فتح المدائن”.\nقال ابن كثير: “وأما ما فسر به ابن عباس وعمر ﵄ من أن هذه السورة نعي فيها إلى رسول الله ﷺ نفسه الكريمة: واعلم أنك إذا فتحت مكة - وهي قريتك التي أخرجتك - ودخل الناس في دين الله أفواجًا فقد فرغ شغلنا بك في الدنيا، فتهيأ للقدوم علينا والوفود إلينا، فالآخرة خير لك من الدنيا، ولسوف يعطيك ربك فترضى، ولهذا قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ”.\nوروي أنها لما نزلت خطب رسول الله ﷺ: “ إن عبدًا خيره الله بين الدنيا وبين لقائه، فاختار لقاء الله\". ف علم أبو بكر ﵁ فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا وأموالنا” ٣.\n_________\n١ في (تفسيره) ٨/٥٣٢.\n٢ أخرجه البخاري في الصلاة ٣٥٧، ومسلم في الحيض ٣٣٦، وأبو داود في الصلاة ١٢٩٠، ١٢٩١، والنسائي في الطهارة ٢٢٥، والترمذي في الصلاة ٤٧٤، وابن ماجه في إقامة الصلاة والسنة فيها ١٣٢٣ عن أم هانئ: (أنه ﷺ عام الفتح قام فصلى ثمان ركعات ... قالت: وذاك ضحى) .\n٣ أخرجه الترمذي في المناقب ٣٦٥٩، ٣٦٦٠ - من حديث ابن المعلى عن أبيه وقال: “حديث حسن غريب” ومن حديث أبي سعيد الخدري ﵁، وقال: “حديث حسن صحيح”. وانظر “الكشاف “ ٤/٢٤٠.","vol":"1","page":17},{"text":"وهكذا روي عن جميع المفسرين من التابعين ومن بعدهم١ أنها في الإخبار بدنو أجله ﷺ والاستعداد للقاء ربه.\nمعاني المفردات والجمل:\nقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (إذا) ظرفية شرطية غير عاملة قال الزمخشري ٢: “منصوب بسبح وهو لما يستقبل. قال: والإعلام بذلك قبل كونه من أعلام النبوة “ ٣.\nو“ جاء “ فعل ماضٍ مبني على الفتح، وهو فعل الشرط.\nقوله: ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾ عونه لك على الأعداء من كفار قريش وغيرهم.\nقوله: ﴿وَالْفَتْحُ﴾ فتح مكة.\nقال ابن كثير ٤: “والمراد بالفتح ههنا فتح مكة قولًا واحدًا، فإن أحياء العرب كانت تتلوم بإسلامها فتح مكة، يقولون إن ظهر على قومه، فهو نبي، فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجًا”.\nوكان فتح مكة لعشر مضين من شهر رمضان سنة ثمان من الهجرة، وحين دخلها ﷺ وقف على باب الكعبة ثم قال: “لا إله إلا الله\n_________\n١ انظر (جامع البيان) ٣٠/٢١٥ - ٢١٦.\n٢ في (الكشاف) ٤/٢٣٩.\n٣ ويحتمل كونها للماضي، بمعنى: إذ قد جاء، وعليه تكون متعلقة بمقدر ككمل الأمر أو أتم النعمة على العباد أو نحو ذلك لا بسبح. انظر (روح المعاني) ٣٠/٢٥٦.\n٤ في (تفسيره) ٨/٥٣٠. وقيل المراد فتح مكة وغيره من الفتوح.","vol":"1","page":18},{"text":"وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده” ١.\nقوله تعالى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ .\nقوله ﴿وَرَأَيْتَ﴾ الخطاب للنبي ﷺ.\nو﴿النَّاسَ﴾ البشر، بنو آدم من العرب وغيرهم.\nقوله: ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ يدخلون في محل نصب على الحال، على اعتبار أن (رأيت)، بصرية أو هي مفعول ثان على اعتبار (رأيت) علمية ٢.\nومعنى ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ أي: يسلمون، فيدخلون في دين الله (الإسلام) الذي لا يقبل الله الآن من أحد سواه، قال تعالى: ﴿ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الآسْلامُ﴾ ٤.\nقوله: ﴿أَفْوَاجًا﴾ جمع فوج، والفوج الجماعة، أي جماعات.\nعن عمرو بن سلمة ﵁ قال: “لما كان الفتح بادر كل قوم بإسلامهم إلى رسول الله ﷺ، وكانت الأحياء تتلوم ٥ بإسلامها فتح مكة، يقولون: دعوه وقومه، فإن ظهر عليهم، فهو نبي “ ٦.\nعن ابن عباس ﵄ قال: بينما رسول الله ﷺ\n_________\n١ أخرجه البخاري في العمرة ١٧٩٧، ومسلم في الحج ١٣٤٤ - من حديث ابن عمر مطولًا، وانظر (الكشاف) ٤/٢٣٩.\n٢ انظر (الكشاف) ٤/٢٣٩.\n٣ سورة آل عمران، آية: ٨٥.\n٤ سورة آل عمران، آية: ١٩.\n٥ تتلوم، أي: تنتظر. انظر (لسان العرب) مادة (لوم) .\n٦ أخرجه البخاري في المغازي ٤٣٠٢، والنسائي في الأذان ٦٣٦.","vol":"1","page":19},{"text":"في المدينة إذ قال: “الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، جاء نصر الله والفتح، جاء أهل اليمن\". قيل يا رسول الله، وما أهل اليمن؟ \"قال قوم رقيقة قلوبهم، ليِّنة طباعهم، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية” ١. وروي زيادة “سخية قلوبهم عظيمة خشيتهم، فدخلوا في دين الله أفواجًا” ٢.\nوعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: “لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية” ٣.\nوقال ابن كثير ٤: “فلما فتح الله عليه مكة دخلوا في دين الله أفواجًا، فلم تمض سنتان حتى استو سقت ٥ جزيرة العرب إيمانًا، ولم يبق في سائر قبائل العرب إلا مظهر للإسلام، ولله الحمد والمنة”.\nوعن جابر بن عبد الله ﵁ أنه بكى ذات يوم فقيل له: ما يبكيك؟ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: “إن الناس دخلوا في دين الله أفواجًا، وسيخرجون من دين الله أفواجًا” ٦.\nوالمعنى: إذا أتم الله لك النصر على الأعداء وفتح مكة ودخل الناس في دين الله جماعات جماعات فسبح بحمد ربك الخ. ويؤيد هذا ظاهر السياق، وإجراء “إذا” على معناها للاستقبال ويكون في هذا البشارة بحصول ذلك، وذلك علم من أعلام نبوته ﷺ، ويكون نزول السورة قبل فتح مكة.\n_________\n١ أخرجه الطبري في (جامع البيان) ٣٠/٢١٥. وانظر (تفسير ابن كثير) ٨/٥٣١.\n٢ ذكرها القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن) ٢٠/٢٣٠.\n٣ أخرجه البخاري في الجهاد، فضل الجهاد والسير ٢٥٧٥، ومسلم في الحج ١٣٥٣، وأبوداود في المناسك ٢٤٨٠، والنسائي في البيعة ٤١٧٠، والترمذي في السير ١٥٩٠.\n٤ في (تفسيره) ٨/٥٣٣، وانظر (الكشاف) ٤/٢٣٩، (الجامع لأحكام القرآن) ٢٠/٢٣٠.\n٥ أي: امتلأت إيمانًا، انظر: (لسان العرب) مادة (وسق) .\n٦ أخرجه أحمد ٣/٣٤٣، وانظر (الكشاف) ٤/٢٣٩.","vol":"1","page":20},{"text":"ويحتمل أن المعنى: قد جاء نصر الله والفتح ودخل الناس في دين الله أفواجًا. ويؤيد هذا ما جاء في أن هذه السورة نزلت في حجة الوداع، وفتح مكة قبل ذلك بسنتين تقريبًا، ويكون في ذلك الامتنان عليه ﷺ بما تم من النصر والفتح، ودخول الناس في دين الله أفواجًا ١.\nقوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ .\nقوله (فسبح) هذا أمر، والأمر في الأصل للوجوب.\nوالتسبيح: هو تنزيه الله عن النقائص والعيوب، وعن مشابهة المخلوقين.\nوقوله ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ .\nأي: متلبسًا بحمده، أي: حامدًا له قارنًا بين تسبيحه ﷿ وحمده، بقولك: “سبحان الله وبحمده” “سبحانك ربنا وبحمدك” ونحو ذلك، وبما هو أعم من ذلك، بذكره وشكره ﷿، وعبادته والصلاة له وغير ذلك، ولهذا لما فتح ﷺ الكعبة صلى ثماني ركعات ٢.\nواستغفره أي: سله واطلب منه المغفرة.\nوالمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته كما جاء في حديث ابن عمر ﵁ في المناجاة: “أن الله ﷿ يدني المؤمن يوم القيامة حتى يضع عليه كنفه (أي ستره ورحمته) فيقرره بذنوبه، فيقول: أتذكر يوم كذا وكذا حين فعلت كذا وكذا؟ فيقول: أي رب نعم. فيقول الله ﷿: أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم” ٣.\n_________\n١ انظر (الجامع لأحكام القرآن) ٢٠/٢٣٠.\n٢ انظر (الكشاف) ٤/٢٣٩.\n٣ أخرجه البخاري في التفسير ٤٦٨٥، ومسلم في التوبة ٢٧٦٨، وابن ماجه في المقدمة ١٨٣، وأحمد ٢/٧٤.","vol":"1","page":21},{"text":"وقَرَن التسبيح والتحميد باسم الرب وصفة الربوبية تذكيرًا بنعمه ﷿، وهو أنه هو المربي بنعمه.\nقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ .\nكان: مسلوبة الزمان، أي: كان ومازال ﷾ توابًا.\nو﴿تَوَّابًا﴾: اسم من أسماء الله ﷿ على وزن فعّال، صفة مشبهة، أو صيغة مبالغة، يدل على أنه ﷿ من صفته التوبة الواسعة الكثيرة العظيمة، فهو كثير التوفيق لعباده للتوبة، كثير القبول لتوبة من تاب منهم.\nوتوبة الله على العبد تنقسم إلى قسمين: توفيقه ﷿ للعبد أن يتوب، كما قال ﷿ عن الثلاثة الذين خلفوا ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ ١ أي: وفقهم للتوبة ليتوبوا، والقسم الثاني. قبوله توبة عبده إذا تاب، كما قال ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ ٢.\nعن عائشة ﵂ قالت: ما صلى رسول الله ﷺ بعد إذ أنزلت عليه سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلا يقول: فيها: “سبحانك ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي” ٣.\nوعنها قالت: “كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: “سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي” يتأول القرآن “٤.\n_________\n١ سورة التوبة، آية: ١١٨.\n٢ سورة الشورى، آية: ٢٥.\n٣ أخرجه البخاري في التفسير، تفسير سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ٤٩٦٧، ومسلم في الصلاة ٤٨٤.\n٤ أخرجه البخاري في التفسير، تفسير سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ٤٩٦٨، ومسلم في الصلاة، ما يقال في الركوع والسجود ٤٨٤، وأبوداود في الصلاة - الدعاء في الركوع والسجود ٨٧٧، والنسائي في التطبيق ١٠٤٧، وابن ماجه في إقامة الصلاة - التسبيح في الركوع والسجود ٨٨٩، وأحمد ٦/٤٣، ٤٩، ١٩٠. ومعنى (يتأول القرآن) أي: يرى أن ذلك معنى قوله ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ وعملا بمقتضاه.","vol":"1","page":22},{"text":"وعنها ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر في آخر أمره من قول “سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه” وقال: “إن ربي كان أخبرني أني سأرى علامة في أمتي، وأمرني إذا رأيتها أن أسبح بحمده وأستغفره إنه كان توابًا، فقد رأيتها: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ” ١.\nوعن أم سلمة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد، ولا يذهب ولا يجيء إلا قال: “سبحان الله وبحمده” فقلت يا رسول الله، إنك تكثر من “سبحان الله وبحمده” لا تذهب ولا تجيء، ولا تقوم ولا تقعد إلا قلت: “سبحان الله وبحمده”؟ قال: \"إني أمرت بها، فقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ \" إلى آخر السورة”٢.\nوعن ابن عباس ﵄ قال: “لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال: نعيت لرسول الله ﷺ نفسه حين أنزلت، فأخذ في أشد ما كان اجتهادًا في أمر الآخرة..” ٣.\n_________\n١ أخرجه مسلم في الصلاة - ما يقال في الركوع والسجود ٤٨٤، وأحمد ٦/٣٥.\n٢ أخرجه الطبري في (جامع البيان) ٣٠//٢١٦.\n٣ سبق تخريجه ص ١٩، وانظر (تفسير ابن كثير) ٨/٥٣٢.","vol":"1","page":23},{"text":"الفوائد والأحكام:\nالبشارة بنصر الله لرسوله ﷺ وفتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، بحيث يكون كثير منهم من أهله وأنصاره، بعد أن كانوا من أعدائه. وقد وقع هذا المبشر به ١.\nتحقيق نصر الله ﷿ للرسول ﷺ والمسلمين وتمكينهم من فتح مكة وغيرها لقوله ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال بعضهم: المعنى: قد جاء نصر الله والفتح.\nدخول الناس في دين الله أفواجًا بعد نصر الله لرسوله ﷺ والمسلمين وفتح مكة، بخلاف ما كان عليه الأمر قبل الفتح، ولهذا قال ﷿: ﴿لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ ٢.\nامتنان الله على رسوله ﷺ بنصره لهم، وفتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، وأن ذلك من نعم الله تعالى عليهم الموجبة لشكره، ولهذا قال بعده ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك﴾ .\nأن النصر بيد الله ﷿ لقوله ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ ٣. وقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ٤، وقال\n_________\n١ انظر (تيسير الكريم الرحمن) ٧/٦٨٢.\n٢ سورة الحديد، آية: ١٠.\n٣ سورة آل عمران، آية: ١٦٠.\n٤ سورة محمد، آية: ٧.","vol":"1","page":24},{"text":"تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢.\nالأمر بشكر الله على نعمة النصر، وفتح مكة، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، لقوله ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ ٣.\nوجوب تنزيه الله ﷿ عن النقائص والعيوب وعن مشابهة المخلوقين، مقرونًا ذلك بحمده ﷿ لقوله ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ .\nأن لله ﷿ الكمال المطلق من جميع الوجوه، والحمد المطلق، فهو المنزه عن جميع النقائص والعيوب وعن مشابهة المخلوقين، وهو المحمود في جميع الأحوال وعلى كل حال لقوله ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ .\nالتذكير بنعم الله على العباد التي لا تحصى، من نعمة النصر والفتح، ودخول الناس في دين الله أفواجًا، لقوله ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ فَقَرْنُ الحمد باسم الرب ووصف الربوبية فيه تذكير بنعمه ﷿ كما قال ﷿ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ٤، ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ٥.\nأمر الله ﷿ للرسول ﷺ بالاستغفار وهو أمر له ﷺ ولأمته ممن يصلح له الخطاب لقوله ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ .\nولهذا كان ﷺ يقول: “يا أيها الناس توبوا إلى الله\n_________\n١ سورة الروم، آية ٤٧.\n٢ سورة الحج، آية: ٤٠.\n٣ انظر (تيسير الكريم الرحمن) ٧/٦٨٢.\n٤ سورة إبراهيم، آية: ٣٤، وسورة النحل، آية: ١٨.\n٥ سورة النحل، آية: ٥٣.","vol":"1","page":25},{"text":"واستغفروه، فإني أتوب إلى الله وأستغفره في كل يوم مائة مرة، أو أكثر من مائة مرة” ١.\nوكان يقول ﷺ: “والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة” ٢.\nوكان ﷺ يقول في دعائه: “اللهم اغفر خطئي وعمدي، وجدِّي وهزلي، وإسرافي في أمري، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم، وأنت المؤخر، وأنت على كل شيء قدير” ٣.\nوليس في أمره ﷿ لنبيه ﷺ بالاستغفار ما يلزم منه وقوع الذنب منه ﷺ مع أنه ﷺ وكذا غيره من الأنبياء معصومون من الخطأ في تبليغ ما أرسلوا به، ومن الوقوع في الكبائر، أما الصغائر فقد تقع منهم على الصحيح من أقوال أهل العلم، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لكنهم لا يقرون عليها، بل سرعان ما يتوبون منها ٤.\n_________\n١ أخرجه مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ٢٧٠٢، وأبو داود في الصلاة١٥١٥، وأحمد ٤/٢١١، ٢٦٠ - من حديث الأغر المزني ﵁. وأخرجه ابن ماجه في الأدب ٣٨١٥ - من حديث أبي هريرة ﵁.\n٢ أخرجه البخاري في الدعوات ٦٣٠٧، والترمذي في التفسير ٣٢٥٩، وابن ماجه في الأدب ٣٨١٦ - من حديث أبي هريرة ﵁.\n٣ أخرجه البخاري في الدعوات ٦٣٩٨، ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ٢٧١٩ من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.\n٤ انظر (مجموع الفتاوى) ٤/٣١٩، ١٠/٢٩٣ - ٣١٣، ١٥/١٥٠، (الرسل والرسالات) للأشقر ص١٠٧ - ١١١.","vol":"1","page":26},{"text":"الإشارة إلى أن النصر يستمر للدين، ويزداد عند شكر الله بالتسبيح بحمده واستغفاره، كما قال ﷿: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ ١. ولم يزل نصر الله لدينه في عصر النبوة وعصر الخلفاء الراشدين ومن بعدهم لما كانت الأمة شاكرة لله ﷿، مسبحة بحمده مستغفرة، قائمة بأمره متمسكة بحبله، ولما حدث في الأمة ما حدث من المخالفة لأمر الله أصابها ما أصابها من الضعف والاختلاف والتفرق، ووعد الله بالنصر ثابت لا يتخلف. كما قال ﷿ ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٢.\nوجوب شكر الله على نعمة النصر على الأعداء والفتح للمسلمين وعلى كل نعمة من نعمه ﷿ بتسبيحه وتحميده واستغفاره والتوبة إليه، لقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْه﴾ .\nمشروعية سجدة الشكر، وقول “سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي” في الركوع والسجود لقوله ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْه﴾ .\nوفي حديث عائشة ﵂ قالت: وكان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: “سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي\". يتأول القرآن” ٣.\nالإشارة إلى قرب دنو أجله ﷺ، وحثه ﷺ على ختام عمره بالتسبيح بحمد الله واستغفاره، ليستعد ويتهيأ للقاء ربه ٤.\nفضل التسبيح والتحميد والاستغفار، لأن الله أمر بذلك في ختام الأعمار،\n_________\n١ سورة إبراهيم، آية: ٧.\n٢ سورة الروم، آية: ٤٧.\n٣ انظر (تيسير الكريم الرحمن) ٧/٦٨٢ - ٦٨٣.\n٤ انظر (تيسير الكريم الرحمن) ٧/٦٨٣.","vol":"1","page":27},{"text":"كما في هذه السورة، وأمر به في ختام الأعمال، كالصلاة والصوم والحج وغير ذلك.\nوجوب الاستعداد للقاء الله ﷿، والانتقال من هذه الدار الفانية إلى الدار الآخرة الباقية، كما قال ﷿: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ١. أي: لهي الحياة الحقيقية، فيجب على كل إنسان الاستعداد لهذا اللقاء العظيم، ولذلك الانتقال، وأن يزداد في الاستعداد لذلك كلما تقدم به العمر، فيكثر من التسبيح بحمد الله واستغفاره فإن التسبيح والتحميد والاستغفار ختام الأعمال وختام الأعمار، ولنا في نبينا ﷺ خير أسوة فقد أمره الله ﷿ بذلك بعد أن أتم له النصر والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا، وتقدم به العمر صلوات الله وسلامه عليه، فكان يكثر من تسبيح الله ﷿ وحمده واستغفاره وذكره استجابة لأمر الله ﷿ له في هذه السورة، وفي قوله ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ٢. فكان أشد ما كان اجتهادًا في أمر الآخرة كما قال ابن عباس رضي الله عنهما٣.\nوإليك أخي الكريم هذه الفائدة في كيفية الاستعداد للقاء الله ﷿:\nفائدة:\nبم يكون الاستعداد للقاء الله؟\nيكون الاستعداد للقاء الله ﷿ بأمور عدة من أهمها ما يلي:\n_________\n١ سورة العنكبوت، آية: ٦٤.\n٢ سورة الانشراح، الآيتان ٧، ٨.\n٣ سبق تخريجه ص ١٩، ٢٣.","vol":"1","page":28},{"text":"الأمر الأول:\nتقوى الله ﷿ بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهي رأس الأمر كله، ومن أعظم ما يعين على ذلك ما يلي:\nأ - التفكر في عظمة الله ﷿، وما له من صفات الكمال والجلال، مما جاء في الكتاب والسنة، ودلت عليه الآيات الكونية. قال ﷿: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ١.\nب - التفكر في نعم الله ﷿ على العباد التي لا تحصى كما قال ﷿: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾ ٢، وقال ﷿: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ٣ وقد قال ﷿ ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ ٤.\nج - التفكر في حقارة الدنيا ودنو منزلتها وكيف وصفها الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، قال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ ٦، وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاّ مَتَاعُ\n_________\n١ سورة الزمر، آية:٦٧.\n٢ سورة إبراهيم، آية: ٣٤. وسورة النحل، آية: ١٨.\n٣ سورة النحل، آية: ٥٣.\n٤ سورة إبراهيم، آية: ٧.\n٥ سورة الحديد، آية: ٢٠.\n٦ سورة العنكبوت، آية:٦٤.","vol":"1","page":29},{"text":"الْغُرُور﴾ ١، وقال تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاّ مَتَاعٌ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ ٣.\nوقال ﷺ: “لو كانت الدنيا تساوي عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرًا شربة ماء” ٤.\nوعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: نام رسول الله ﷺ على حصير، فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاءً، فقال: “مالي وما للدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركه” ٥.\nوعن ابن عمر ﵄، قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: “كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل” وكان ابن عمر يقول: “إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك”٦.\n_________\n١ سورة آل عمران آية: ١٨٥، وسورة الحديد، آية: ٢٠\n٢ سورة الرعد، آية: ٢٦.\n٣ سورة التوبة، آية: ٣٨.\n٤ أخرجه الترمذي في الزهد ٢٣٢٠، وابن ماجه في الزهد ٤١١٠ من حديث سهل بن سعد ﵁ وصححه الألباني في الأحاديث الصحيحة، حديث: ٦٨٦، ٢٤٨٢، وانظر: (صحيح ابن ماجه) حديث ٣٣١٨.\n٥ أخرجه الترمذي في الزهد ٢٣٧٧، وابن ماجه في الزهد ٤١٠٩ وقال الترمذي (حديث حسن صحيح. وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس)، وصححه الألباني في الصحيحة حديث ٤٣٩، ٤٤٠. وانظر: (صحيح ابن ماجه) حديث ٣٣١٧.\n٦ أخرجه البخاري في الرقاق ٦٤١٦، والترمذي في الزهد ٢٣٣٣، وابن ماجه في الزهد ٤١١٤.","vol":"1","page":30},{"text":"ويا لله ما مدى بركة عمر من وفقه الله لهذا التصور، ثم أعطاه من العمر ما أعطاه، ويا لله ما أقل بركة عمر معمر غاب عنه هذا التصور، وعاش غافلًا لاهيًا حتى فاجأه الأجل.\nولقد أحسن القائل ١.\nفما نحن في دار المنى غير أننا ... شغفنا بدنيا تضمحل وتذهب\nفحثوا مطايا الارتحال وشمروا ... إلى الله والدار التي ليس تخرب\nد - التفكر في عظمة الآخرة وعلو مكانتها ورفعة منزلتها، وأنها دار القرار ودار الحياة الحقيقة، إما نعيم أبدي، نسأل الله من فضله، أو عذاب سرمدي، نسأل الله السلامة، كما قال ﷿: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ٢.\nهـ - أن يتفكر الإنسان في ضعفه، فهو من أضعف المخلوقات، إن لم يكن أضعفها، وعمره بالنسبة لأعمار من سبق من الأمم لا يساوي شيئًا. قال ﷺ: “أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، وأقلهم من يجوز ذلك” ٣. فيستمد قوته من القوي المتين سبحانه، ويستمد بركة العمر من الحي القيوم الذي لا يموت.\n_________\n١ هذان البيتان من قصيدة الشاعر ابن عثيمين مطلعها:\nهو الموت ما منه ملاذ ومهرب ... متى حط ذا عن نعشه ذاك يركب\nانظر (ديوان ابن عثيمين) ص٤٩٨، طبعة دار المعارف بمصر.\n٢ سورة العنكبوت، آية: ٦٤.\n٣ أخرجه الترمذي في الدعوات ٣٥٥٠، وابن ماجه في الزهد ٤٢٣٦، من حديث أبي هريرة ﵁، وقال: (حديث حسن غريب) وقال الألباني: (حسن صحيح) . انظر: (الأحاديث الصحيحة) ٧٥٧ن (صحيح المشكاة) ٥٢٨٠، (صحيح سنن ابن ماجه) حديث ٣٤١٤.","vol":"1","page":31},{"text":"و- أن يكون فراق هذه الدنيا، والرحيل منها دائمًا منه على بال، وأن يكثر من ذكر هادم اللذات (الموت) كما قال ﷺ “أكثر من ذكر هادم اللذات” ١.\nفمن وفقه الله ﷿ للتفكر في هذه الأشياء كان ذلك - بإذن الله ﷿ من أكبر العون له على تقوى الله.\nفمن عظم الله ﷿ وقدره دعاه ذلك إلى الفرار إليه واللجوء إليه ومحبته وخوفه ورجائه، ومن تفكر في نعمه ﷿ على العباد دعاه ذلك إلى شكره، ومن تفكر في حقارة الدنيا دعاه ذلك إلى عدم الاغترار بها، ومن تفكر في عظمة الآخرة دعاه ذلك إلى الإقبال عليها والتزود لها، ومن تفكر في ضعفه دعاه ذلك إلى استمداد القوة من القوي المتين، ومن تفكر في قصر عمره دعاه ذلك إلى الحرص على استغلاله بالخير والعمل الصالح، ومن تذكر الموت والرحيل من هذه الدار دعاه ذلك إلى المبادرة بالعمل الصالح أيام الحياة، والاستعداد للدار الآخرة.\nالأمر الثاني٢:\nأداء ما عليه من حقوق لله تعالى، أو للخلق، والخروج منها كلها وبخاصة حقوق الخلق من الدماء والأعراض والأموال وغير ذلك، فإن حقوق الخلق مبنية على المشاحة، فأمك وأبوك وولدك كل منهم سيطالبك بحقه إن كان له\n_________\n١ أخرجه الترمذي في الزهد ٢٣٠٧، والنسائي في الجنائز ١٨٢٤، وابن ماجه في الزهد ٤٢٥٨ من حديث أبي هريرة ﵁. وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح غريب)، وقال الألباني: (حسن صحيح) . انظر: (تخريج المشكاة) حديث ١٦١٠، (إرواء الغليل) حديث ٦٨٢، (صحيح سنن ابن ماجه) حديث ٣٤٣٤.\n٢ من الأمور التي يستعد بها للقاء الله والدار الآخرة.","vol":"1","page":32},{"text":"حق عندك ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ ١.\nبل إن العاقل اللبيب يحرص كل الحرص على عدم تحمل أي حق للخلق من الديون وغيرها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، لأن الإنسان لا يدري متى يفجأه الأجل، ونفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه، كما جاء في الحديث ٢.\nومن صدق الثقة بموعود الله ﷿ وجزيل ثوابه أن يعفو الإنسان عما له من حقوق عند الآخرين، من دم أو عرض أو مال ونحو ذلك ما أمكنه ذلك، قال تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ٣.\nوقال تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ٥.\nفاحرص أخي المسلم بارك الله فيك على أن تقدم على ربك وليس لأحد من الخلق عليك حق ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، وتأمل خطورة الأمر، وتذكر قول الناصح الأمين ﷺ لأصحابه: “أتدرون من المفلس؟ \" قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: \"إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك\n_________\n١ سورة عبس، الآيات: ٣٤ - ٣٧.\n٢ أخرجه الترمذي في الجنائز ١٠٧٨، ١٠٧٩، وابن ماجه في الأحكام ٢٤١٣، من حديث أبي هريرة ﵁، وصححه الألباني. انظر: (صحيح المشكاة) حديث ٢٩١٥، (صحيح سنن ابن ماجه) حديث ١٩٥٧.\n٣ سورة الشورى، آية: ٤٠.\n٤ سورة البقرة، آية: ٢٣٧.\n٥ سورة النحل، آية: ١٢٦.","vol":"1","page":33},{"text":"دم هذا، وضرب هذا. فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار” ١.\nواحرص أخي المسلم على مسامحة إخوانك المسلمين والعفو عن هفواتهم وكن من الذين قال الله فيهم: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢.\nنسأل الله الكريم من فضله. واحذر أن يكون في نفسك حقد أو عداوة أو ضغينة أو حسد لأحد من المسلمين، حتى وإن أساء إليك، واعلم أنه قل من يسلم من ذلك، واعلم أن هذا مركب صعب وعقبة كؤود وصدق الله العظيم: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ ٣. نسأل الله الكريم من فضله.\nواعلم أخي المسلم أنك لن تهدأ، ولن تنام قرير العين حتى تجعل العفو والتسامح ديدنك، وما إخالك ترضى بالدون، وأنت تجد ما هو أعظم وأوفى منه، فإن من كان شعاره العفو والتسامح فأجره على العفو الكريم، بلا حد ولا عد ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ٤.\n_________\n١ أخرجه مسلم في البر والصلة والآداب ٢٥٨١، والترمذي في صفة القيامة ٢٤١٨ـ من حديث أبي هريرة ﵁.\n٢ سورة آل عمران، الآيتان: ١٣٣، ١٣٤.\n٣ سورة فصلت، الآيتان: ٣٤، ٣٥.\n٤ سورة الشورى، آية: ٤٠.","vol":"1","page":34},{"text":"فعالج قلبك، والعاقبة للمتقين ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إِلاّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ١، عسى أن تلقى الله وقد تخلصت مما عليك من الحقوق فلا أحد يطالبك بشيء، وعفوت عما لك من الحقوق فيكافئك عن ذلك صاحب العفو والفضل والإحسان بكرمه وجوده - وما أراك تعدل بهذا شيئًا - اللهم قنا شح أنفسنا وأعذنا من شرورها.\nالأمر الثالث:\nكتابة وصيته وما عليه من حقوق، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ ٢.\nوعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: “ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده” ٣.\nوالوصية واجبة بالاتفاق إذا كان الإنسان عليه أو له حقوق يجب بيانها وكتابتها كأن يكون عليه ديون للناس أو له عليهم ديون، ليؤدى ما عليه من حقوق من تركته، ولأن الحقوق التي له على الناس تعد من تركته.\nوجمهور العلماء على أنها مستحبة إذا لم يكن عليه حقوق يجب بيانها فيستحب أن يوصي بشيء من ماله للفقراء والمساكين من غير الوارثين. قالوا: لأن وجوب الوصية منسوخ بآيات المواريث.\n_________\n١ سورة الشعراء، الآيتان: ٨٨ - ٨٩.\n٢ سورة البقرة، آية:١٨٠.\n٣ أخرجه البخاري في الوصايا ٢٧٣٨، ومسلم في الوصية ١٦٢٧، وأبو داود في الوصايا ٢١١٨، والنسائي في الوصايا ٣٦١٥، والترمذي في الجنائز ٩٧٤، وابن ماجه في الوصايا ٢٦٩٩.","vol":"1","page":35},{"text":"وذهب بعض أهل العلم إلى أنها واجبة قالوا: لأن آيات المواريث إنما هي مخصصة لآية الوصية خصصتها في الأقربين غير الوارثين. فالميراث للوالدين والأقربين الوارثين، والوصية لغير الوارثين.\nومما ينبغي أن يعلم من أحكام الوصية أمران وهما من الأهمية بمكان؛\nالأول: مقدارها.\nاعلم أخي المسلم - بارك الله فيك - أن الوصية جائزة في الثلث ١ وما دونه لقوله ﷺ لسعد بن أبي وقاص ﵁: “الثلث والثلث كثير” ٢.\nوالأفضل أن تكون في الخمس، كما فعل أبو بكر الصديق ﵁ في وصيته أوصى بالخمس وقال: “رضيت لنفسي بما رضي الله به لنفسه”٣ يعني في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى\n_________\n١ انظر (الإجماع لابن المنذر) ص٨١، (الإفصاح) ٢/٧٠، (المحرر الوجيز) ٤/٣٩، (المغني) ٨/٣٩٥.\n٢ أخرجه البخاري في الوصايا ٢٧٤٢، ومسلم في الوصية ١٦٢٨، وأبو داود في الوصايا ٢٨٦٤، والنسائي في الوصايا ٣٦٢٦، والترمذي في الوصايا ٢١١٦ من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: \"عادني رسول الله ﷺ في حجة الوداع من وجع أشفيت منه على الموت. فقلت يا رسول الله بلغني ما ترى من الوجع وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة واحدة أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا. قلت أفأتصدق بشطره؟ قال: لا. الثلث، والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم يتكففون الناس\".\n٣ أخرجه عبد الرزاق في الوصايا - (المصنف) ٩/٦٦،الأثران ١٦٣٦٣، ١٦٣٦٤، وابن أبي شيبة في الوصايا - (المصنف) ١١/٢٠٠ - الأثر ١٠٩٦٥، والبيهقي في الوصايا - (سنن البيهقي) ٦/٢٧٠.","vol":"1","page":36},{"text":"وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ ١.\nوعامة الفقهاء على أن الأولى الوصية بالخمس، كما هو فعل أبي بكر ﵁، وذلك لأن الرسول ﷺ وإن أجاز لسعد الوصية بالثلث - قال: “والثلث كثير” ٢.\nوالعجيب أن كثيرًا من الناس يعتقدون أن الوصية لابد أن تكون بالثلث، وذلك أمر مشتهر بين عامة الناس من المنتسبين إلى العلم والعوام، ينقله الخلف عن وصايا السلف، وما أدري أين طلبة العلم وأهل المنابر عن هذا.\nالأمر الثاني: مصرفها:\nاعلم أخي - بارك الله فيك - أن الوصية ينبغي أن توجه للأفضل من أعمال البر، وأن تكون مطلقة في وجوه البر كلها يُقدّم الأهم فالأهم، ويترك ذلك للناظر على الوصية.\nوالعجيب في هذا الأمر: أن كثيرًا من الوصايا في السابق مقيدة في جهات - هي بلا شك من البر - لكن نفعها وفضلها أقل، كأن تكون مقيدة في حجة أو أُضحية أو عشاء في رمضان، وهذه وإن كانت من وجوه البر فهناك ما هو أولى منها وأهم كبناء المساجد وتعليم القرآن الكريم ومساعدة الفقراء والمساكين.\nوإنني أقول بهذه المناسبة: يجب على طلبة العلم والمحاضرين والخطباء تنبيه الناس إلى هذه الأحكام وأمثالها التي تخفى على الكثيرين وهي من مهمات أمور\n_________\n١ سورة الأنفال، آية: ٤١.\n٢ انظر (لمصنف) لعبد الرزاق ٩/٦٦ - ٦٧، (المصنف) لابن أبي شيبة ١١/٢١٠ - ٢٠٢، (سنن البيهقي) ٦/٢٧٠.\n(أحكام القرآن) للهراسي ١/٣٧٠، (الكشاف) ١/٢٥٠، (المحرر الوجيز) ٤/٩٣، (تفسير ابن كثير) ٢/١٩٢، (العذب الفائض) ٢/١٨٢.","vol":"1","page":37},{"text":"الدين. وفق الله الجميع لكل خير.\nوأخيرًا، وعودًا على بدء أقول: إن من الاستعداد للقاء الله والدار الآخرة - مع ما سبق ذكره - أن يكون الإنسان كلما تقدم به العمر أكثر تنظيمًا لأحواله وتفرغًا لعبادة ربه، فإن الله ﷿ في هذه السورة العظيمة سورة النصر آذن رسوله ﷺ بقرب وفاته، وبانتهاء مهمته في هذه الحياة، وأمره بالتوجه إلى الله والتفرغ لتسبيح الله وحمده واستغفاره، كما قال تعالى في سورة الانشراح: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ ١.\nولن يتيسر ذلك للإنسان إلا إذا اكتفى من التعلق بالدنيا بما تدعو الحاجة إليه، وهو نصيبه من الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ ٢.\nوأنت أخي المسلم أحد رجلين: إما منعّم موسع عليه في رزقه، وإما مبتلى مضيّق عليه في ذلك - كما ذكر الله عز وجل٣، فإن كنت ممن ابتلي بضيق الحال، وقلة ذات اليد، وتحتاج إلى الكد والعمل الساعات الطويلة للسعي في طلب الرزق، لإعفاف نفسك وأهل بيتك، مما لا تستطيع معه التفرغ للعبادة فالزم أداء الفرائض واجتناب النواهي مع القيام بما قدرت عليه من النوافل، وأبشر بالخير فإنك مثاب مأجور على طلب الرزق لإعفاف نفسك بإذن الله ﷿ فإن السعي لطلب الرزق من طاعة الله تعالى وعبادته.\n_________\n١ سورة الانشراح، الآيتان: ٧، ٨.\n٢ سورة القصص، آية: ٧٧.\n٣ في قوله تعالى ﴿فَأَمَّا الآنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ سورة الفجر، الآيتان: ١٥ - ١٦.","vol":"1","page":38},{"text":"فإن الإنسان يؤجر حتى على ما يجعل في في امرأته١.\nوإن كنت ممن نعمّه الله ووسع له في رزقه فاحذر أن تبطرك النعمة وتلهيك الدنيا عن طاعة الله ﷿، وفرغ نفسك بعض الوقت لعبادة ربك والاستزادة من نوافل العبادة، واحرص على ذلك كلما تقدم بك العمر، وخذ أكبر نصيب من ربك، واحفظ دينك، وقدم مالك وقاية لدينك، فإن كان لك أموال تشغلك إدارتها، من تجارة، أو زراعة، أو صناعة، أو غير ذلك فشجع أولادك على مساعدتك، بل وعلى النيابة عنك لتتفرغ لما هو أهم وهو عبادة ربك، ولا تبخل على أولادك في هذا ولوشاطرتهم بعض مالك، فالمال إن بخلت به عنهم شغلك عن طاعة الله حتى آخر لحظة من عمرك، ثم تركته وانتقل بعدك إليهم، بل لا تبخل بمالك على من تقيمه يدير أعمالك وإن لم يكن من أولادك مادام أنه يكفيك إدارة تلك الأموال لتتفرغ لعبادة ربك بقلب حاضر خاشع منيب.\nواعلم أن الدنيا بما فيها لا قيمة لها إذا ضيعت نصيبك من ربك، والله المستعان.\nوختامًا أقول: أخي المسلم تذكر أن المفازة بعيدة، وأن السفر شاق وأن العقبة كؤود فأعد للأمر عدته.\nبكى أبو هريرة ﵁ لما حضرته الوفاة، ثم قال ﵁: “والله ما أبكي على دنياكم هذه، وإنما أبكي على طول سفري وقلة زادي”٢.\nوبكى معاذ بن جبل ﵁ عند وفاته، فقيل له: ما يبكيك؟ فقال رضي\n_________\n١ كما في حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال له: \"وإنك لن تنفق نفقه تبتغي بها وجه الله إلا أجرت بها حتى ما تجعل في في امرأتك\" أخرجه البخاري في الوصايا ٢٧٤٢، ومسلم في الوصية ١٦٢٨.\n٢ انظر (سير أعلام النبلاء) ٢/٤٠.","vol":"1","page":39},{"text":"الله عنه: “أبكي إذا صلى المصلون ولست فيهم، وإذا صام الصائمون ولست فيهم وإذا ذكر الذاكرون ولست فيهم”.\nوإن مما يثير العجب أن الواحد منا إذا أراد سفرًا من الأسفار من بلد إلى بلد آخر كالسفر للحج أو العمرة أو غير ذلك يعد للأمر عدته ويتجهز لذلك بإعداد الزاد والمزاد والراحلة واختيار الرفقة، ويتفقد السيارة ومحركاتها وعجلاتها ونحو ذلك.\nبل إن بعض الناس إذا هم بسفر من الأسفار ظل طول ليله يدخل ويخرج، يرقب الصباح، ولم تذق عينه غمضًا اهتمامًا وتحفزًا لهذا السفر - فأين هذا السفر من السفر للقاء الله والدار الآخرة؟\nاللهم ألهمنا رشدنا ووفقنا للاستعداد لما أمامنا، ووفقنا للإخلاص والسداد في القول والعمل، ولا تكلنا إلى أنفسنا ولا إلى أحد من خلقك طرفة عين ولا أقل من ذلك.\nوآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>مصادر ومراجع</span>\n...\nثبت المراجع\nالإجماع لابن المنذر م ٣١٨هـ، تحقيق أبي حماد صغير أحمد - الطبعة الأولى ١٤٠٢هـ - ١٩٨٢م.\nأحكام القرآن للهراسي م ٥٠٤هـ، الطبعة الثانية ١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م، دار الكتب العلمية، بيروت.\nتفسير القرآن العظيم لابن أبي حاتم م ٣٢٧هـ الطبعة الأولى ١٤١٧هـ - ١٩٩٧م مكتبة نزار مصطفى الباز مكة - الرياض.\nتفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير م ٧٧٤ هـ، طبعة دار الشعب، مصر.\nتيسير الكريم الرحمن للسعدي م ١٣٧٦هـ تحقيق محمد زهدي النجار، الطبعة الأولى ١٤٠٨هـ - ١٩٨٨م.\nجامع البيان عن تأويل آي القرآن لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري م ٣١٠هـ تحقيق شاكر طبعة المعارف، والطبعة الثالثة ١٣٨٨هـ - ١٩٦٨م، مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.\nالجامع لأحكام القرآن للقرطبي م ٦٧١هـ طبعة ١٣٨٧هـ - ١٩٦٧م.\nسنن ابن ماجه م ٢٧٥هـ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي طبعة ١٣٧٢هـ - ١٩٥٢م دار إحياء الكتب العربية لعيسى البابي الحلبي.\nسنن أبي داود م ٢٧٥هـ تعليق عزت الدعاس، الطبعة الأولى ١٣٨٨هـ - ١٩٦٩م.\nسنن البيهقي م ٤٥٨هـ دار الفكر بيروت.\nسنن الترمذي م ٢٧٩هـ تحقيق أحمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي - المكتبة الإسلامية.","vol":"1","page":41},{"text":"سنن النسائي م ٣٠٣هـ.\nسير أعلام النبلاء للذهبي م ٧٤٨هـ، الطبعة العاشرة ١٤١٤هـ - ١٩٩٤م، مؤسسة الرسالة.\nصحيح البخاري مع فتح الباري تصحيح وتحقيق بإشراف الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز - رئاسة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.\nصحيح مسلم م ٢٦١هـ تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، الطبعة الثانية ١٣٩٨هـ - ١٩٧٨م، دار الفكر العربي بيروت.\nالكشاف للزمخشري م ٥٣٨هـ - دار المعرفة بيروت.\nلسان العرب لابن منظور م ٧٢١هـ - دار صادر بيروت.\nمجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية - الطبعة الأولى ١٣٩٨هـ.\nالمحرر الوجيز لابن عطية الأندلسي م ٥٤٦هـ تحقيق المجلس العلمي بفاس، ١٣٩٧هـ - ١٩٧٧م.\nمسند الإمام أحمد م ٢٤٢هـ، الطبعة الثانية ١٣٩٨هـ - ١٩٧٨م، المكتب الإسلامي بيروت، والطبعة الرابعة ١٣٧٣هـ - ١٩٥٤م تحقيق أحمد شاكر، دار المعارف بمصر.\nالمصنف - لابن أبي شيبة م ٢٣٥هـ طبعة ١٤٠٢هـ - ١٩٨١م - الدار السلفية.\nالمصنف - لعبد الرزاق م ٢١١هـ، الطبعة الأولى ١٣٩٢؟ - ١٩٧٢م، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، المجلس العلمي.","vol":"1","page":42}]}