{"ً":{"ٌ":10066,"ٍ":"تصديق القرآن للكتب السماوية وهيمنته عليها","َ":2,"ُ":2,"ّ":"الكتاب: تصديق القرآن للكتب السماوية وهيمنته عليها\nالمؤلف: إبراهيم عبد الحميد سلامة\nالناشر: الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة\nالطبعة: السنة الثانية عشرة - العدد السادس والأربعون - ربيع الآخر- جمادى الأولى - جمادى الثانية، ١٤٠٠هـ/١٩٨٠م\nعدد الصفحات: ٨٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1953,"ٕ":4,"ٖ":1770155778,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تصديق القرآن الكريم للكتب السماوية","level":1,"page":1},{"title":"هيمنة القرآن على الكتب السماوية","level":1,"page":6},{"title":"علاقة الهيمنة بالتصديق","level":1,"page":7},{"title":"مظاهر هيمنة القرآن على الكتب السماوية","level":1,"page":9},{"title":"خاتمة","level":1,"page":13}],"ٛ":{"1,79":1,"1,80":2,"1,81":3,"1,82":4,"1,83":5,"1,84":6,"1,85":8,"1,86":10,"1,87":11,"1,88":12},"ٜ":{"1":[79,88]},"ٝ":["1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,84","1,85","1,85","1,86","1,87","1,88","1,88"],"ٞ":{"1":[1],"6":[2],"7":[3],"9":[4],"13":[5]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>تصديق القرآن الكريم للكتب السماوية </span>وهيمنته عليها\nد. إبراهيم عبد الحميد سلامة أستاذ التفسير المشارك بكلية الدعوة وأصول الدين\nلقد اشتمل القرآن الكريم على كثير من الآيات التي تفيد أنه تصديق أو مصدق لما تقدمه من كتب الله.\nولقد تعلق بهذه الآيات أعداء الإسلام وخصومه من غلاة المستشرقين والمبشرين فراحوا يزعمون أنها تعني سلامة الكتب السابقة من التحريف والنسخ، وأن ذلك يستتبع وجوب العمل بهذه الكتب كالقرآن سواء بسواء، وقد وضعوا في هذا المعنى بعض الكتب والرسائل كرسالة \"أبحاث المجتهدين في الخلاف بين النصارى والمسلمين\"١.\nومن هنا يتحتم علينا أن نبين المعنى الصحيح لهذا التصديق حتى يتبين كل منصف أن هؤلاء قد حمّلوا آيات الله ما لا تحتمل، وزاغوا بها عن معناها الحق، ومرادها الصدق، وأرادوا بذلك تحريف كلام الله عن مواضعه كما فعلوا في كتبهم، ليتعللوا بذلك في عدم إيمانهم بخاتم الرسل ﷺ، وبما أنزل الله عليه من كتاب.\nمن هذه الآيات، قوله تعالى: ﴿ألم اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ..﴾ ٢.\nوقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ ٣.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ٤.\nإلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي وصف فيها القرآن الكريم بأنه مصدق لما بين يديه من كتب الله ٥.\n_________\n١ مؤلف هذه الرسالة هو (نيقولا يعقوب غبريل) وطبعت بمصر سنة ١٩٠١م.\n٢ آل عمران ١-٤.\n٣ الأنعام ٩٢.\n٤ يونس ٣٧.\n٥ تكرر هذا الوصف في ست عشرة آية، انظر المعجم المفهرس ٦/٤٠٦.","vol":"1","page":79},{"text":"فقوله -جل وعلا- ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي مبينا صدق ما تقدمه من الكتب المنزلة على رسل الله ﵈.\nوبيان القرآن الكريم لصدق ما سبقه من كتب الله، من جهات متعددة:\nالأولى: أنه أثبت الوحي، وقرر إمكانه ووقوعه فعلا، حيث أخبر في كثير من آياته أن الله أرسل رسلا كثيرين قبل محمد ﷺ وأوحى إليهم، يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ ...﴾ ١.\nفهذا تصديق لأصل الوحي وللرسالات السابقة، وبذلك يكون القرآن مصدقا لما بين يديه، ويكون محمد ﷺ كذلك مصدقا لمن سبقه من رسل الله.\nالثانية: أن القرآن الكريم جاء حسب وصفه الموجود في تلك الكتب، حيث اشتمل على وصف خاتم الرسل، وأنه يأتي بكتاب من عند الله، فنزول القرآن على وفق هذه النعوت تصديق لهذه الكتب.\nقال الإمام ابن كثير في معنى قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي من الكتب المتضمنة ذكره ومدحه، وأنه سينزل من عند الله على عبده ورسوله، فكان نزوله كما أخبرت به مما زادها صدقا عند حامليها من ذوي البصائر الذين انقادوا لأمر الله واتبعوا شرائع الله٢.\nالثالثة: أن القرآن الكريم قد وافق هذه الكتب في مقاصد الدين الإلهي وأصوله التي لا تختلف باختلاف الشرائع والرسالات، وفي هذا الصدد نلاحظ اتفاق القرآن مع غيره من كتب الله فيما يلي:\n١- الدعوة إلى الإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله واليوم الآخر، وما يتصل بذلك من تنزيه الله تعالى عن النقائص، ووصفه بكل كمال يليق بذاته المقدسة.\n٢- وتتفق الكتب المنزلة كذلك في أصول الشرائع كالصلاة والصيام والزكاة... حيث أخبر القرآن الكريم أن الله تعبّد بها من قبلنا فقال في الصوم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ٣ وقال في الصلاة والزكاة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ..﴾ ٤.\nفأصول الشرائع قدر مشترك بين كتب الله، أما تفاصيلها وهيئاتها، وما يتصل بذلك من تفاريع أخرى، فتختلف فيها الكتب اختلافا يتناسب مع أحوال الناس في كل الأزمنة ويتفق مع مصالحهم.\nفأصول العقيدة والشريعة إذًا واحدة في جميع الكتب السماوية، لا يختلف في ذلك كتاب لاحق عن كتاب سابق، فلا يعقل أن يعرفنا الله على لسان نوح مثلا أن وجوده حقيقة من الحقائق التي يجب\n_________\n١ سورة النساء ١٦٣.\n٢ ابن كثير المجلد الثالث /١١٩، وانظر الوحي المحمدي لرشيد رضا ص١٠٦.\n٣ البقرة ١٨٣.\n٤ البقرة ٨٣.","vol":"1","page":80},{"text":"الإيمان بها١، ثم يبلغنا على لسان غيره من الرسل أنها ليست كذلك؛ لأن الحقائق الثابتة لا تتغير، ولا يمكن أن يحصل فيها اختلاف، تبعا لاختلاف الزمان أو المكان أو المبلغ، وكذلك ما جاءت به كل كتب الله من بعث الناس بعد موتهم، فتلك حقيقة يقررها كل رسل الله فلا تختلف باختلاف الكتب أو الرسل.\nيقول صاحب كتاب (الإسرائيليات في التفسير والحديث): \"تقوم جميع الكتب السماوية على أساس واحد هو الدعوة إلى الإيمان بالله تعالى، والأخذ بما جاء عنه من تعاليم تقود الإنسانية إلى طريق الخير والرشاد.\nفأصول العقيدة والشريعة واحدة في جميع الأديان، كما يصرح بذلك قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ..﴾ ٢.\nأما تفصيلات الشرائع العملية فتختلف فيها الكتب السماوية اختلافا يتلاءم مع زمان كل منها، ويتفق مع مصالح أتباعها، فما يصلح لزمان قد لا يصلح لآخر، وما يلائم طبيعة قوم قد لا يلائم طبيعة قوم آخرين. مصداق ذلك قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ٣.\nوالقرآن باعتباره خاتم الكتب جاء يجدد دعوة الكتب السماوية السابقة إلى أصول العقيدة والشريعة، ويؤكد وحدتها في جوهر الدعوة إلى الله لتحقق الحياة الطيبة في الدنيا والآخرة، ثم هو بعد ذلك يخالف كل ما سواه من الكتب المنزلة بما ينفرد به من نظم التشريع وألوان العبادات وكيفيات المعاملات التي تلائم عصره وتتفق وصالح الإنسانية في مرحلتها الأخيرة؛ مرحلة النضج والكمال\"٤.\n٣- وتتفق الكتب المنزلة كذلك في الدعوة إلى الفضائل والترغيب فيها، والترهيب من الرذائل والتنفير منها، فكل كتب الله أمرت بالعدل والإحسان، والصدق والصبر والأمانة والوفاء والرحمة، وما إلى ذلك من الفضائل ومكارم الأخلاق التي تسعد بها البشرية في كل زمان ومكان، وكل كتب الله كذلك قد نهت عن الظلم والخيانة والكذب والغدر والقسوة وما إلى ذلك من الرذائل التي تورد البشرية موارد الهلاك، ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٥.\n_________\n١ ذكر القرآن نوحا ﵇ في دعوة قومه إلى عبادة الله تعالى وحده، وذلك في مثل قوله ﷿: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (الأعراف آية ٥٩)، ولم يذكره وهو يدعو إلى أن الله موجود، إذ أن وجوده تقر به الفطر السليمة كما في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ (لقمان آية ٢٥)، والإقرار بوجود الله تعالى لا يغني عن تجريد العبادة له سبحانه. (المجلة) .\n٢ الشورى ١٣.\n٣ المائدة ٤٨.\n٤ الإسرائيليات في التفسير والحديث للأستاذ الدكتور محمد حسين الذهبي ١٢-١٣.\n٥ البقرة ٨٣.","vol":"1","page":81},{"text":"قال الإمام ابن كثير في قوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أي: كلموهم طيّبا، ولينوا لهم جانبا، ويدخل في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر...\"١.\nوقوله تعالى أيضا في حق إبراهيم وإسحاق وإسماعيل ويعقوب: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ ٢، فالنص القرآني صريح في أن الله أوحى إلى هؤلاء الرسل الكرام فعل الخيرات، وفعل الخيرات يشمل كل الفضائل التي تسعد بها البشرية، وتأخذ بيدها إلى ما فيه عزها وصلاحها.\nوقال كذلك في سياق قصة زكريا ﵇: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ ٣.\nالجهة الرابعة: من جهات تصديق القرآن الكريم لما سبقه من كتب الله، أن الله قد جمع فيه ما توزع في هذه الكتب من فضائل، وصاغها في قوالب جديدة، فأنقذ بذلك أصول من سبقه من كتب الله وحفظه وصدقه، ولولا القرآن الكريم ما بقي لهذا التراث وجود.\nفالقرآن الكريم لذلك خلاصة كاملة للرسالات الأولى وللنصائح التي بذلت للإنسانية من فجر وجودها، وهو ملتقى رائع للحكم البالغة التي قرعت آذان الأمم في شتى العصور، واستعراض دقيق للأشفية السماوية التي احتاجت إليها البشرية جيلا بعد جيل.\nإن القرآن الكريم -بهذه الاعتبارات- مجمع حقائق الثابتة، ومجلى عناية الله بعباده، وإظهارا لهذا المعنى، يقول الله ﷿ وصفا لبعض عظات القرآن: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ ٤.\nويقول بعد سرد لتاريخ الأمم والمرسلين، أحصى هذا السرد عددا كبيرا من تلك الأمم، وهؤلاء الرسل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ﴾ ٥.\nفالمراد بالزبر ها هنا الكتب المنزلة على الرسل المتقدمين.\nفالنبي الخاتم مجدد لدين الله، ومقيم لما انهدم من أركانه ومن ثم يقول ﷺ: \"لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو أن موسى حي ما وسعه إلا اتباعي\" ٦.\nوكذلك يطرد الحكم مع سائر الأنبياء، فإن الرسول الخاتم جاء بالأصول التي جاؤوا بها وبانيا على قواعدها، وكتابه أدق تعبير وأصدقه في بيان ما هدى به كل نبي في الأولين أمته٧.\n_________\n١ تفسير الإمام ابن كثير ١/١٢٠.\n٢ الأنبياء ٧٣.\n٣ الأنبياء ٩٠.\n٤ الأعلى ١٨-١٩.\n٥ الشعراء ١٩٠- ١٩٦.\n٦ مسند أحمد ٣ (٣٨٧) .\n٧ انظر كتاب: (نظرات في القرآن) لفضيلة الشيخ محمد الغزالي (١١- ١٢) .","vol":"1","page":82},{"text":"ومما تقدم يتبين لنا معنى تصديق القرآن الكريم لما تقدمه من كتب الله، ومنه نرى أن هذا التصديق لا يفيد -من قريب أو من بعيد- أعداء الإسلام وخصومه فيما زعموه من بقاء كتبهم سليمة من التحريف والنسخ، وبطلان ما رتبوه على ذلك من وجوب عمل المسلمين بهذه الكتب كعملهم بالقرآن سواء بسواء لأن غاية ما يفيده هذا التصديق أن القرآن قرر إمكان الوحي ووقوعه وجاء حسب وصفه الموجود في تلك الكتب، ووافقها في مقاصد الدين وكلياته إلى آخر المعاني التي قررناها، وليس في ذلك ما يدل على عدم تحريفها، أو عدم نسخها، لا سيما وقد اشتمل القرآن الكريم نفسه على ما يفيد هذا التحريف وذلك النسخ.\nفدعوى ما يخالف ذلك باطلة من أساسها، لأنها معارضة لصريح القرآن الكريم الذي أخبر أن هذه الكتب قد حرفت، وتناولتها أيدي أصحابها بالتفسير والتبديل، مصداقا لقوله في حق اليهود: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ...﴾ ١، وفي حق النصارى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ ...﴾ ٢.\nيقول صاحب (الفارق بين المخلوق والخالق) في الرد على صاحب رسالة (أبحاث مجتهدين) الذي حاول أن يستدل بالآيات القرآنية التي تصفه بأنه مصدق لما بين يديه على سلامة هذه الكتب من التحريف والنسخ يقول: \"ثم إني لا أتردد في أن هذا المصنف إما أن يكون جاهلا أو متجاهلا؛ إذ لا يلزم من تصديق القرآن للكتب المنزلة قبله براءة هذه التوراة والأناجيل الأربعة والرسائل الموجودة الآن بأيديهم من التحريف والتبديل والنسخ، ولا يلزم أيضا وجوب اتباعها، فقوله هذا مغالطة على ضعفة العقول، وهو خلاف الظاهر، والحق أن المفهوم من سياق هذه الآيات أن التصديق كان لثبوت صحة نزولها من الله فقط لا لبراءة هذه الكتب، ولو لزم من التصديق وجود مصدق به للزم من تصديق الرسل وجودهم حين التصديق، وهذا فاسد\"٣.\nوكما جاء القرآن الكريم مصدقا لما سبقه من كتب الله، فقد جاء كذلك مهيمنا عليها، كما صرح بذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ...﴾ ٤.\nفما المقصود بهذه الهيمنة، وما الفرق بين تصديق القرآن الكريم لكتب الله وهيمنته عليها؟ وما الذي يترتب على كون القرآن مصدقا ومهيمنا على ما سبقه من كتب الله؟\nذلك ما سنعرض لبيانه فيما يلي:\n_________\n١ المائدة ١٣.\n٢ المائدة ١٤.\n٣ ذيل كتاب الفارق ص٤٢، لعبد الرحمن باجهجي زاده.\n٤ المائدة ٤٨.","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>هيمنة القرآن على الكتب السماوية:</span>\nتبين لنا مما سبق أن القرآن مصدق لما بين يديه من كتب الله، كما كان شأن غيره من هذه الكتب، يصدق اللاحق منها ما سابقه ويؤيده، فالإنجيل مصدق ومؤيد للتوراة، والقرآن الكريم مصدق ومؤيد للتوراة والإنجيل، ولكل ما بين يديه من كتب الله بالمعنى الذي قررناه آنفا، فليس المراد إذا بهذا التصديق الشهادة بحقية كل ما انتهى إليه من هذه الكتب، كما زعم ذلك خصوم الإسلام وأعداؤه، لأن هذه الكتب قد تناولتها الأيدي الآثمة بالتحريف والتبديل، والحذف والإضافة، فزالت الثقة بها، وانقطعت أو كادت تنقطع صلتها بالوحي السماوي، والتبس الحق النازل من عند الله بباطل أهل الكتاب وزيفهم مصداقا لقوله تعالى:\n﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١.\nومن أجل ذلك جاء هذا الكتاب العزيز مهيمنا على تلك الكتب، فيقر منها ما هو حق وينفي ما عداه، وفي ذلك يقول ربنا -جل في علاه-: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ..﴾ ٢.\nأي أن القرآن أمين وشهيد ورقيب على تلك الكتب، فما وافقه منها فهو حق وما خالفه منها فهو باطل.\nقال صاحب المنار: \"وأما قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ فمعناه أنه رقيب عليها وشهيد بما بينه من حقيقة حالها في أصل إنزالها، وما كان من شأن من خوطبوا بها من نسيان حظ عظيم منها وإضاعته، وتحريف كثير مما بقي منها وتأويله والإعراض عن الحكم والعمل بها، فهو يحكم عليها؛ لأنه جاء بعدها٣.\nويقول ابن كثير: \"...وهذه الأقوال كلها متقاربة المعنى، فإن اسم المهيمن يتضمن هذا كله، فالقرآن أمين وحاكم وشاهد على كل كتاب قبله، وجعل الله هذا الكتاب العظيم آخر الكتب وخاتمها وأشملها وأعظمها وأحكمها حيث جمع فيه محاسن ما قبله وزاده من الكمالات كمالا ليس في غيره، فلهذا جعله شاهدا وأمينا وحاكما عليها وتكفل بحفظه بنفسه\"٤.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>علاقة الهيمنة بالتصديق:</span>\nلعلنا - في ضوء ما تقدم - نستطيع أن نقرر أن مفهوم الهيمنة أتم وأشمل من مفهوم التصديق، لأن الهيمنة لا تقتصر على مجرد الشهادة لهذه الكتب بصحة إنزال أصولها، وتقرير أصول شرائعها، بل ِتتعدى ذلك فتبين ما اعتراها من نسخ أو تحريف وما عرض لها من زيف وفساد، فالقرآن بذلك مهيمن على المعاني الصحيحة التي كانت في تلك الكتب وشاهد بكونها من عند الله، وبذلك تتلاقى الهيمنة مع التصديق، ولكنه كذلك يشهد على هذه الكتب بما أصابها من تحريف، وتسرب إليها من باطل، وبه تنفرد الهيمنة عن التصديق، فمفهومها إذا أتم وأشمل من مفهوم التصديق.\n_________\n١ آل عمران ٧١.\n٢ المائدة ٤٨.\n٣ تفسير المنار ٦/٤١٠-٤١١.\n٤ تفسير ابن كثير المجلد الثالث /١١٩.","vol":"1","page":84},{"text":"ولقد نقل القرطبي في تفسيره: أن بعض العلماء قد فسروا الهيمنة بالتصديق، ونقل الآلوسيّ مثله، واستدل هؤلاء على ما ذكروه من تفسير الهيمنة بالتصديق، بقول الشاعر:\nإن الكتاب مهيمن لنبينا ... والحق يعرفه ذوو الألباب\nثم قال الآلوسي: والعطف حينئذ للتأكيد أي عطف (مهيمنا) على (مصدقا) ١.\nولكني أرجح ما ذكرته أولا: لأن تفسير الهيمنة بالتصديق وإن كان مسلما لغة إلا أن قصر الهيمنة على مجرد التصديق تحكم محض إذ هي -على ما بينا- ليست تصديقا فقط، ولا شهادة لهذه الكتب فحسب، بل هي تصديق لما بقي من أصلها، وتكذيب لما عداه، وشهادة لها بصحة إنزال أصولها، وعليها بالتحريف والتبديل وبذلك يكون العطف للتأسيس لا للتأكيد.\nيقول الدكتور محمد عبد الله دراز -﵀- بعد أن فسر الهيمنة بالحراسة الأمينة: \"ومن قضية الحراسة الأمينة على تلك الكتب أن لا يكتفي الحارس بتأييد ما خلده التاريخ فيها من حق وخير، بل عليه -فوق ذلك- أن يحميها من الدخيل الذي عساه أن يضاف إليها بغير حق، وأن يبرز ما تمس إليه الحاجة من الحقائق التي عساها أن تكون قد أخفيت منها، وهكذا كان من مهمة القرآن أن ينفى عنها الزوائد، وأن يتحدى من يدعي وجودها في تلك الكتب..\n﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ كما كان من مهمته أن يبين ما ينبغي تبيينه مما كتموه منها\"٢.\n_________\n١ انظر تفسير القرطبي ٤/٢٢٠٧، والآلوسي ٦/١٥٢.\n٢ الدين د. محمد عبد الله دراز /١٨٩.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>مظاهر هيمنة القرآن على الكتب السماوية:</span>\nلهيمنة القرآن على كتب الله المنزلة قبله -فوق ما تقدم من تصديقه لها- مظاهر متعددة منها ما يلي:\n١- أن القرآن الكريم أخبر بتحريف هذه الكتب وتبديلها، وأنها لم تبق على ما كان مفروضا فيها من الثقة بها وحقية كل ما فيها، بل تناولتها أيدي أهل الكتاب الآثمة بالتحريف والتبديل، وتناولوا ما بقي منها بالتأويل الفاسد، طبقا للأهواء والشهوات، أو متابعة لذوي السلطان، أو محاولة لكسب الجدل على أعدائهم وخصومهم، بل أخبر القرآن كذلك أنهم كتبوا الكتب بأيديهم ونسبوها إلى الله زورا وبهتانا: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ ٣.\n٢- بين القرآن الكريم من المسائل الكبرى التي خالفوا فيها الحق واختلفوا فيها.\nففي جانب العقائد -على سبيل المثال– نفى ما صرّحت به الأناجيل من قتل عيسى ﵇ وصلبه فقال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ ٤ وحكم على النصارى بالكفر لقولهم\n_________\n٣ البقرة /٧٩.\n٤ النساء آية ١٥٧.","vol":"1","page":85},{"text":"بالتثليث وألوهية المسيح فقال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ١.\nأما التوراة فإنها تنسِب إلى الله -تعالى- كثيرا من النقائص التي جاء القرآن بدحضها وإبطالها، وتصوره المراجع الإسرائيلية الحالية كالتوراة والتلمود بصورة بشرية محضة، فهو: \"يحب ريح الشواء، ويتمشى في ظلال الحديقة ليتبرد بهوائها، ويصارع عباده ويصارعونه، ويندم على خلق الإنسان، ويمشي على رجليه حتى يصيبه التعب والكلال، فيجلس للراحة في ظل شجرة\"، يحدث سفر التكوين: \"أن إبراهيم رأى الرب ومعه ملكان فاستضافهم وأطعمهم وسقاهم وغسل أرجلهم ثم رحلوا من عنده\"٢.\nوتقول التوراة الحالية: \"فأكملت السموات والأرض وكل جندها وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل، وبارك الله اليوم السابع وقدسه، لأنه فيه استراح من جميع عمله\"٣.\nإلى غير ذلك من المثل الكثيرة الموجودة في التوراة الحالية، تعالى الله عن كل ما قالوا علوا كبيرا، ولقد تكفل القرآن بدحض هذه الأباطيل حيث وصف الحق -جل وعلا- بكل كمال يليق بذاته ونزهه عن كل نقص.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ ٤ فكيف تصفه كتبهم بالتعب والكلال؟ !!.\nولقد أخبر القرآن أنهم نسبوا إلى الله الولد، كما وصفه اليهود المعاصرون للنبي ﷺ بالفقر والبخل وغل اليد ثم كرّ على ذلك بالإبطال والدحض، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ٥.\nوقال: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ ٦.\nوقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ...﴾ ٧.\n_________\n١ المائدة آية ٧٢-٧٣.\n٢ انظر سفر التكوين إصحاح ١٨: ١- ٢٨.\n٣ سفر التكوين إصحاح ٢: ١- ٣.\n٤ قاف آية ٣٨.\n٥ التوبة آية ٣٠.\n٦ آل عمران آية ١٨١.\n٧ المائدة آية ٦٤.","vol":"1","page":86},{"text":"٣- كما بين القرآن كثيرا من المسائل التي أخفوها، أو حاولوا إخفاءها، فمن ذلك أن الدارس لأسفار العهد القديم يرى أنها (قد خلت من ذكر اليوم الآخر ونعيمه وجحيمه -وإذا كانت اليهودية في أصلها تقرر البعث والنشور والحساب والجنة والنار، كما ينبئ بذلك القرآن- فإن ذلك يدل على أن اليوم الآخر وما فيه وما يتصل به من المسائل التي أخفاها أهل الكتاب) ١.\nومن ذلك أيضا إخفاؤهم ما يتصل بخاتم الرسل من بشائر ونعوت وتحريفهم لها بالحذف أو بالتأويل الفاسد، فجاء القرآن بالحق في ذلك كله: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ ٢.\n٤- ومن مظاهر هيمنة القرآن على ما سبقه من كتب، أنه أنهى العمل بها فلا اعتبار لها بجانبه، لأنه شغل الفراغ كله بتشريعه الجديد وليس لأحد أن يركن إلى ما جاء بها بعد أن تسرب الباطل إليها، ولعبت الأيدي الأثيمة بها.\nولا ينافي ما تقدم من أن القرآن الكريم قد أنهى العمل بما سبقه من كتب الله، أنه أقر كثير من أحكامها ولم يتناوله بنسخ، لأنه أمر بهذه الأحكام وأقرها من جديد، فعملنا بها ليس متابعة لهذه الكتب بل لإقرار القرآن لها وأمره بها (لأن هيمنة القرآن على غيره واستئنافه للتشريع، لا يكون بالتقليد لغيره، بل بالإقرار الجديد وإن كان موافقا أحيانا لما سبقه، وهذا معنى قوله تعالى لرسوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ٣، بمعنى بما أنزل عليك، وقد أنزل عليه كل ما في شريعة الإسلام ونسخ به كل ما سبقه ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ ٤.\nوطريق الجمع بين الآيات أن يقال: \"إن كل آية دلت على اتحاد الشرائع فهي محمولة على مقاصد الدين وأصول العبادات، وأما الآيات الدالة على اختلافها فمحمولة على الفروع وما يتعلق بظواهر العبادات، فجائز أن يتعبد الله عباده في كل وقت بما شاء\"٥.\n_________\n١ انظر الأسفار المقدسة، علي عبد الواحد وافي /٢٩.\n٢ المائدة آية ١٥.\n٣ المائدة آية ٤٨.\n٤ انظر (في رياض القرآن) للشيخ عبد اللطيف السبكي /٩٠.\n٥ انظر الفتوحات الإلهية ١/٤٩٨.","vol":"1","page":87},{"text":"وبذلك يزول ما قد يبدو من تعارض بين آيات القرآن الكريم الذي لا يختلف ولا يتعارض ولا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لأنه ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ .","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>خاتمة:</span>\nويترتب على ما تقدم من هيمنة القرآن على ما بين يديه من كتب الله، أننا لا نقبل من هذه الكتب التي وصلت إلينا إلا ما جاء القرآن مصدقا له، فكل رواية صدّقها القرآن فهي مقبولة ويجب علينا تصديقها يقينا، وكل رواية كذبها القرآن فهي مردودة يقينًا ويجب علينا تكذيبها كذلك، وما سكت القرآن عن تصديقه أو تكذيبه، لا نصدقه ولا نكذبه، بل نسكت عنه، لأن القرآن الكريم -كما أسلفنا- هو الحكم والمهيمن على كل الكتب السابقة، وكفى به شاهدًا ودليلا وصلى الله على محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان.","vol":"1","page":88}]}