{"ً":{"ٌ":1007,"ٍ":"شرح التدمرية - محمد بن خليفة التميمي","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/shtdmrea/shtdmrea.pdf"]},"ّ":"الكتاب: شرح التَّدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀\n(تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع)\nالمؤلف: محمد بن خليفة التميمي\nالناشر: دار إيلاف الدولية للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٤٢ هـ - ٢٠٢١ م\nعدد الأجزاء: ٢ (متسلسلة الترقيم)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1083,"ٕ":1,"ٖ":1780758884,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"مقدمة الشارح","level":1,"page":1},{"title":"المقدمة الأولى: أهمية طلب العلم","level":2,"page":1},{"title":"المقدمة الثانية: مناهج الناس في مسائل العقيدة.","level":2,"page":17},{"title":"المقدمة الثالثة: بيان قاعدة مهمة بين يدي شرح الكتاب","level":2,"page":23},{"title":"بيان القوة العلمية والقوة العملية في القلب","level":3,"page":26},{"title":"المقدمة","level":1,"page":31},{"title":"أولا: سبب التسمية","level":2,"page":31},{"title":"ثانيا: مادة الرسالة ومحتواها","level":2,"page":32},{"title":"الكلام في التوحيد والصفات والشرع والقدر","level":1,"page":34},{"title":"مبحث أقسام الكلام من حيث كونه خبرا أو إنشاءا","level":2,"page":36},{"title":"تعريفه عند أهل اللغة","level":3,"page":36},{"title":"أ - تعريفه","level":3,"page":39},{"title":"ب - أمثلة للإنشاء","level":3,"page":39},{"title":"ج- ما سبب كون الإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب لذاته","level":3,"page":39},{"title":"د- أقسام الإنشاء","level":3,"page":40},{"title":"القسم الأول: الإنشاء الطلبي","level":4,"page":40},{"title":"أولا: الأمر","level":5,"page":40},{"title":"ثانيا: النهي","level":5,"page":41},{"title":"ثالثا: الاستفهام","level":5,"page":41},{"title":"رابعا: التمني","level":5,"page":41},{"title":"خامسا: النداء","level":5,"page":42},{"title":"القسم الثاني: الإنشاء غير الطلبي","level":4,"page":42},{"title":"أساليبه","level":5,"page":42},{"title":"ما يجب على العبد في الصفات والشرع والقدر","level":1,"page":46},{"title":"الأصل في الأسماء والصفات وطريقة السلف في إثباتهما","level":1,"page":55},{"title":"المسألة الأولى: أهمية معرفة باب أسماء الله وصفاته.","level":2,"page":56},{"title":"أولا: هذا التوحيد شطر باب الإيمان بالله تعالى","level":3,"page":56},{"title":"ثانيا: توحيد الأسماء والصفات أشرف العلوم وأهمها على الإطلاق","level":3,"page":58},{"title":"ثالثا: توحيد الأسماء والصفات هو أصل العلوم الدينية","level":3,"page":59},{"title":"رابعا: معرفة أسماء الله وصفاته أصل عظيم في منهج السلف","level":3,"page":60},{"title":"خامسا: العلم بأسماء الله وصفاته يفتح للعبد باب معرفة الله","level":3,"page":64},{"title":"سادسا: أساس العلم الصحيح هو الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته","level":3,"page":65},{"title":"سابعا: العلم بأسماء الله وصفاته هو حياة القلوب","level":3,"page":67},{"title":"ثامنا: ثمرة معرفة أسماء الله وصفاته","level":3,"page":71},{"title":"تاسعا: ضرورة تجنب الباطل، وعدم مخالفة طر يق الحق في هذا الباب","level":3,"page":73},{"title":"المسألة الثانية: التعريف بالسلف الصالح وبأهل السنة والجماعة.","level":2,"page":79},{"title":"أولا: التعريف بالسلف","level":3,"page":79},{"title":"أ- معنى السلف لغة","level":4,"page":80},{"title":"ب- المقصود بالسلف الصالح","level":4,"page":80},{"title":"ج- قواعد المنهج السلفي","level":4,"page":81},{"title":"أولا: ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها.","level":5,"page":81},{"title":"ثانيا: التقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث","level":5,"page":81},{"title":"ثالثا: العمل بذلك والاستقامة عليه اعتقادا وتفكيرا وسلوكا وقولا والبعد عن كل ما يخالفه ويناقضه.","level":5,"page":81},{"title":"رابعا: الدعوة إلى ذلك باللسان والبنان.","level":5,"page":81},{"title":"د- الأدلة على وجوب اتباع السلف الصالح ولزوم منهجهم","level":4,"page":81},{"title":"أولا: من القرآن الكريم","level":5,"page":82},{"title":"ثانيا: الأدلة من السنة","level":5,"page":82},{"title":"ثالثا: من أقوال السلف الصالح وأتباعهم","level":5,"page":83},{"title":"ثانيا: التعريف بأهل السنة","level":3,"page":86},{"title":"أ- المعنى الأخص","level":4,"page":86},{"title":"٢ - المعنى الأعم","level":4,"page":87},{"title":"المسألة الثالثة: عقيدة أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات.","level":2,"page":88},{"title":"المسألة الرابعة: الأسس التي ارتكز عليها معتفد السلف في باب أسماء الله وصفاته","level":2,"page":94},{"title":"المسألة الخامسة: أهمية التمسك بنصوص الكتاب والسنة.","level":2,"page":100},{"title":"المسألة السادسة: معنى قوله: \"من غير تكييف ولا تمثيل\".","level":2,"page":108},{"title":"أولا: تعريفه.","level":3,"page":109},{"title":"ثالثا: الفرق بين التمثيل والتشبيه.","level":3,"page":110},{"title":"ثانيا: مثال ذلك","level":3,"page":110},{"title":"رابعا: معنى التمثيل، الذي نفته النصوص، والفرق بينه وبين التشبيه.","level":3,"page":112},{"title":"خامسا: ضابط التمثيل المنفي عن الله","level":3,"page":113},{"title":"سادسا: معنى التشبيه","level":3,"page":115},{"title":"سابعا: التفصيل في معنى التشبيه.","level":3,"page":119},{"title":"ثامنا: مقصود المخالفين بمعنى التشبيه","level":3,"page":121},{"title":"تاسعا: أقسام التمثيل","level":3,"page":122},{"title":"عاشرا: أصل مقالة المشبهة.","level":3,"page":126},{"title":"الحادي عشر: فرق المشبهة ومقالاتهم","level":3,"page":129},{"title":"الثاني عشر: براءة أهل السنة من التشبيه.","level":3,"page":134},{"title":"الثالث عشر: \"كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل\".","level":3,"page":135},{"title":"المسألة السابعة: معنى قوله: \"ومن غير تحريف ولا تعطيل\".","level":2,"page":138},{"title":"الفقرة الأولى: قوله: \"ومن غير تحريف\"","level":3,"page":138},{"title":"أولا: معنى التحريف","level":4,"page":138},{"title":"ثانيا: أنواع التحريف","level":4,"page":139},{"title":"الفقرة الثانية: قوله: \"ولا تعطيل\".","level":3,"page":142},{"title":"أولا: معنى التعطيل","level":4,"page":143},{"title":"ثانيا: طوائف المعطلة.","level":4,"page":143},{"title":"المسألة الثامنة: معنى قوله: \"وكذلك ينفون عنه ما نفاه عن نفسه مع إثبات ما أثبته من الصفات","level":2,"page":145},{"title":"ضابط النفي في صفات الله","level":3,"page":149},{"title":"أولا: تعريف الإلحاد.","level":3,"page":153},{"title":"ثانيا: معنى الإلحاد في أسماء الله تعالى","level":3,"page":155},{"title":"الألفاظ المجملة وحكم دخولها في باب الصفات وموقف أهل السنة من استعمالها.","level":3,"page":160},{"title":"أولا: ألفاظ ورد استعمالها ابتداء في بعض كلام السلف.","level":4,"page":160},{"title":"ثانيا: ألفاظ ورد استعمالها في كلام بعض السلف تارة لإثباتها وتارة لنفيها.","level":4,"page":162},{"title":"ثالثا: ألفاظ ورد استعمالها في كلام بعض السلف وفي كلام خصومهم.","level":4,"page":162},{"title":"رابعا: ألفاظ ورد استعمالها في كلام الخصوم ولم يرد استعمالها في كلام السلف.","level":4,"page":163},{"title":"أوجه الجمع والفرق بين الأسماء والصفات الإلهية.","level":3,"page":168},{"title":"أولا: من جهة اللغة","level":4,"page":168},{"title":"ثانيا: من جهة مصادر إثباتها.","level":4,"page":169},{"title":"ثالثا: تحديد ضابط الأسماء الحسنى.","level":4,"page":169},{"title":"رابعا: باب الأفعال أوسع من باب الأسماء","level":4,"page":171},{"title":"خامسا: الفرق بين الاسم والصفة؟","level":4,"page":176},{"title":"سادسا: أقسام الصفات","level":4,"page":179},{"title":"تفصيل الإثبات وإجمال النفي في رسالة الرسل","level":1,"page":191},{"title":"الأمر الأول: أن معرفة الله ليست بمعرفة صفات السلب، بل الأصل فيها صفات الإثبات، والسلب تابع، ومقصوده: تكميل الإثبات.","level":2,"page":194},{"title":"الأمر الثاني: أن صفات التنزيه يجمعها معنيان: الأول: نفي النقائص عنه، وذلك من لوازم إثبات صفات الكمال. الثاني: إثبات أنه ليس كمثله شييء في صفات الكمال الثابتة له.","level":2,"page":198},{"title":"الأمر الثالث: الصفات السلبية تذكر غالبا في الأحوال التالية","level":2,"page":198},{"title":"الأولى: بيان عموم كماله","level":3,"page":198},{"title":"الثانية: نفي ما ادعاه في حقه الكاذبون","level":3,"page":198},{"title":"الثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين","level":3,"page":199},{"title":"الأمر الرابع: أن الصفات السلبية إنما تكون كمالا إذا تضمنت أمورا وجودية.","level":2,"page":199},{"title":"الأمر الخامس: أن الرسل عليهم صلوات الله جاءوا بإثبات مفصل ونفي مجمل.","level":2,"page":201},{"title":"الأمر السادس: ضابط النفي في صفات الله","level":2,"page":204},{"title":"الأمر السابع: للتفريق بين الصفات السلبية التي ورد بها النص والصفات السلبية التي أحدثها المعطلة النفاة","level":2,"page":205},{"title":"الأمر الثامن: إن سلب النقائص والعيوب عن الله نوعان","level":2,"page":206},{"title":"الأمر التاسع: الأدلة السمعية التي وردت في نفي المماثلة تنقسم إلى قسمين","level":2,"page":207},{"title":"الأمر العاشر: استخدام السلف لهذه الطريقة","level":2,"page":208},{"title":"الأمر الحادي عشر: دلالة العقل السليم على هذه القاعدة","level":2,"page":208},{"title":"الأمر الثاني عشر: فوائد الالتزام بالقاعدة.","level":2,"page":209},{"title":"الفرق والطوائف التي زاغت عن سبيل المرسلين","level":1,"page":211},{"title":"الصابئة","level":2,"page":212},{"title":"الأمر الأول: أن لفظ الصابئة جاء في القرآن في موضعين","level":3,"page":212},{"title":"الموضع الأول: وفي موضع مدح.","level":4,"page":212},{"title":"الموضع الثاني: في موضع ذم.","level":4,"page":212},{"title":"الأمر الثاني: حال الصنفين.","level":3,"page":213},{"title":"أما الصنف الأول: الصابئة الموحدين.","level":4,"page":213},{"title":"أما الصنف الثاني: الصابئة المشركين.","level":4,"page":213},{"title":"الأمر الثالث: أن حران كانت مركز الصابئة.","level":3,"page":213},{"title":"الأمرالرابع: عقيدة الصابئة في باب صفات الله تعالى.","level":3,"page":214},{"title":"قوله: \"والمتفلسفة\"","level":2,"page":224},{"title":"أولا: التعريف بكلمة فلسفة والمقصود بهم.","level":3,"page":224},{"title":"١ - التعريف بكلمة فلسفة","level":4,"page":224},{"title":"٢ - المقصود بهم هنا.","level":4,"page":225},{"title":"ثانيا: عقائدهم في الإلهيات.","level":3,"page":226},{"title":"ثالثا: عقائدهم في الملائكة.","level":3,"page":228},{"title":"رابعا: عقائدهم في الكتب.","level":3,"page":229},{"title":"خامسا: عقائدهم في الرسل.","level":3,"page":229},{"title":"سادسا: عقائدهم في اليوم الآخر.","level":3,"page":230},{"title":"سابعا: المبادئ الفلسفية جميعها تقوم على أصلين.","level":3,"page":230},{"title":"ثامنا: أصنافهم.","level":3,"page":231},{"title":"وقوله: \"والجهمية\"","level":2,"page":231},{"title":"أولا: مصطلح الجهمية.","level":3,"page":231},{"title":"ثانيا: درجات الجهمية.","level":3,"page":232},{"title":"أصول معتقداتهم","level":3,"page":236},{"title":"شبهة غلاة القرامطة ومن شابههم","level":1,"page":243},{"title":"الأمر الأول: نبذة عن المدارس الفلسفية اليونانية.","level":2,"page":244},{"title":"الأمر الثاني: العلاقة بين الفلاسفة القدماء وبين الفلاسفة الذين يزعمون أنهم انتسبوا إلى الإسلام.","level":2,"page":246},{"title":"أولا: المدرسة السوفسطائية","level":3,"page":246},{"title":"ثانيا: المدرسة الإشراقية","level":3,"page":247},{"title":"ثالثا: المدرسة المشائية","level":3,"page":248},{"title":"مذهب المعتزلة في نفي الصفات","level":1,"page":259},{"title":"الأمر الأول: الفرق بين الفلاسفة وأهل الكلام","level":2,"page":260},{"title":"الأمر الثاني: الفرق بين الجهمية وبين باقي فرق أهل الكلام.","level":2,"page":261},{"title":"الأمر الثالث: أهل الكلام ليسوا صنفا واحدا بل هم عدة أصناف، وهم","level":2,"page":263},{"title":"أولا: الجهمية.","level":3,"page":263},{"title":"ثانيا: المعتزلة.","level":3,"page":264},{"title":"النجارية","level":4,"page":266},{"title":"الضرارية","level":4,"page":267},{"title":"ثالثا: متكلمة الصفاتية (الكلابية -الأشاعرة -الماتريدية).","level":3,"page":267},{"title":"الكلابية","level":4,"page":267},{"title":"الأشاعرة","level":4,"page":270},{"title":"الماتريدية","level":4,"page":271},{"title":"السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات","level":1,"page":282},{"title":"التوطئة","level":2,"page":288},{"title":"أولا: أن القدر المشترك يراد به: ما تشترك فيه الموجودات من: معاني، ذهنية، كلية، مطلقة","level":2,"page":289},{"title":"ثانيا: أن نعلم أن المعنى العام لا يقتضي تماثلا من كل وجه.","level":2,"page":290},{"title":"ثالثا: أن الكليات التي يتفق فيها الشيئان إنما هي في الأذهان لا في الأعيان.","level":2,"page":290},{"title":"رابعا: \"أن من قال: إنه يوجد في الخارج كليا، فقد غلط.","level":2,"page":291},{"title":"خامسا: \"ما كان لازما لهذا المعنى العام كان لازما للموصوف به، وهذا لا محذور فيه، بل هو حق.","level":2,"page":291},{"title":"سادسا: أنه \"ليس في الموجودات الخارجية اثنان اشتركا في شيء فضلا عن أن يكون الخالق تعالى مشاركا لغيره في شيء من الأشياء ﷾\".","level":2,"page":293},{"title":"سابعا: مسألة القدر المشترك لا تختص باب الأسماء والصفات وحده بل هي مسألة أعم وهذا ما يوضحه كلام الإمام ابن القيم حيث يقول","level":2,"page":293},{"title":"ثامنا: أن وجه خطأ الذين ضلوا في هذا الباب أن \"هؤلاء أخذوا قدرا مشتركا بين ما أثبته الله لنفسه من الصفات والأفعال وبين ما للمخلوقين من ذلك","level":2,"page":295},{"title":"تاسعا: أن الصواب والحق في هذه المسألة يوضحه: إنك إذا أخذت لوازم المشترك والمميز وميزت هذا من هذا صح نظرك ومناظرتك","level":2,"page":295},{"title":"عاشرا: اصطلاحات هذه المسألة تختلف مسمياتها بحسب الفنون","level":2,"page":297},{"title":"الجوانب التفصيلية لمسألة القدر المشترك","level":1,"page":300},{"title":"الجانب الأول: الجانب الاصطلاحي للمسألة.","level":2,"page":301},{"title":"أولا: مراتب وجود الشيء.","level":3,"page":301},{"title":"ثانيا: الكليات الخمس.","level":4,"page":305},{"title":"ثالثا: الفرق بين القدر المشترك والقدر المميز.","level":4,"page":308},{"title":"رابعا: أقسام المشترك.","level":4,"page":311},{"title":"الجانب الثاني: الجانب اللغوي للمسألة.","level":3,"page":312},{"title":"أولا: أن فهم المراد من نصوص الكتاب والسنة بأن تجري على لغة العرب ووفق لسانها.","level":4,"page":312},{"title":"ثانيا: أن فهم النصوص يعتمد على معنى سياق الكلام.","level":4,"page":313},{"title":"ثالثا: أقسام الألفاظ من حيث دلالتها على المعنى.","level":4,"page":315},{"title":"أولا: الألفاظ المختلفة.","level":5,"page":315},{"title":"ثانيا: الألفاظ المتفقة في اللفظ والرسم.","level":5,"page":316},{"title":"النوع الأول: المشترك اللفظي (بكسر الراء)","level":6,"page":316},{"title":"النوع الثاني: المتواطئة","level":6,"page":317},{"title":"النوع الثالث: المشككة","level":6,"page":317},{"title":"الجانب الثالث: الجانب الشرعي للمسألة.","level":3,"page":318},{"title":"المسألة الأولى: مواقف الناس من نصوص الأسماء والصفات هل هي على الحقيقة أم على المجاز.","level":4,"page":318},{"title":"المسألة الثانية: الأسماء المتواطئة إما أن تستعمل مطلقة وعامة وإما أن تستعمل مقيدة خاصة.","level":4,"page":323},{"title":"المسألة الثالثة: أن إثبات القدر المشترك فيه رد على المشبهة والمعطلة.","level":4,"page":325},{"title":"المسألة الرابعة: مسألة الحال.","level":4,"page":326},{"title":"المسألة الخامسة: هل العموم يكون في عوارض المعاني.","level":4,"page":327},{"title":"المسألة السادسة: إذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا إلا بمعرفة المشهود لنا.","level":4,"page":328},{"title":"المسألة السابعة: التفاوت والتمايز أولى أن يكون بين صفات الخالق سبحانه وصفات خلقه.","level":4,"page":331},{"title":"المسألة الثامنة: القدر المشترك أو ما يسمى المعنى العام ليس من لوازمه ما ينفى عن الله، بل لوازمه كلها صفات كمال يوصف الله بها.","level":4,"page":332},{"title":"المسألة التاسعة: الأسماء والصفات","level":4,"page":333},{"title":"المسألة العاشرة: أن بين المخلوقات قدرا مميزا، فالخالق أولى بذلك.","level":4,"page":335},{"title":"مناظرة مع الأشعري","level":1,"page":336},{"title":"المسألة الأولى: موقف الصفاتية-وهم الكلابية والأشاعرة والماتريدية-من صفات الله.","level":2,"page":338},{"title":"القسم الأول: صفات المعاني.","level":3,"page":340},{"title":"القسم الثاني: الصفات المعنوية وضابطها","level":3,"page":340},{"title":"القسم الثالث: الصفات السلبية","level":3,"page":341},{"title":"القسم الرابع: الصفة النفسية وضابطها","level":3,"page":341},{"title":"المسألة الثانية: استعمال هذا الرد على جميع نفاة الصفات.","level":2,"page":345},{"title":"المسألة الثالثة: الرد على شبهة من زعم أن إثبات ما أثبته من الصفات هو أن العقل دل عليه.","level":2,"page":360},{"title":"أولا: عرض الشبهة.","level":3,"page":360},{"title":"المسألة الأولى: أقسام الصفات باعتبار أدلتها.","level":4,"page":360},{"title":"القسم الأول: الصفات الشرعية العقلية وضابطها: هي التي يشترك في إثباتها الدليل الشرعي السمعي والدليل العقلي، والفطرة السليمة.","level":5,"page":360},{"title":"القسم الثاني: الصفات الخبرية وتسمى النقلية والسمعية وضابطها: هي التي لا سبيل إلى إثباتها إلا بطريق السمع والخبر عن الله أو عن رسوله الأمين عليه الصلاة والتسليم.","level":5,"page":361},{"title":"المسألة الثانية: شبهة المعطلة.","level":4,"page":361},{"title":"المسألة الثالثة: الرد على شبهة الاعتماد على العقل وحده.","level":4,"page":363},{"title":"ثانيا: الرد على شبهتهم.","level":3,"page":367},{"title":"أولا: توضيح المسألة.","level":4,"page":367},{"title":"مسمياتها","level":5,"page":368},{"title":"استعمالاتها","level":5,"page":369},{"title":"أمثلتها","level":5,"page":369},{"title":"ثانيا: تقرير المصنف لهذه القاعدة في كتبه.","level":4,"page":369},{"title":"ثالثا: وجه الرد بهذه القاعدة على المخالف.","level":4,"page":370},{"title":"رابعا: ما يستثنى من هذه القاعدة.","level":4,"page":371},{"title":"خامسا: هذه القاعدة من القواعد العقلية ومما يقر به المخالف.","level":4,"page":371},{"title":"دحض شبه المعتزلة","level":1,"page":385},{"title":"الجانب الأول: بيان أصحاب هذا القول، وأصل عقيدتهم في باب الأسماء والصفات.","level":2,"page":386},{"title":"أولا: أصحاب هذا القول.","level":3,"page":386},{"title":"ثانيا: أصل عقيدتهم في باب الأسماء والصفات.","level":3,"page":387},{"title":"الاتفاق في المسميات في بعض الأسماء والصفات لا يوجب تماثلها","level":1,"page":413},{"title":"مناقشة نفاة الصفات في تسمية تعطيلهم توحيدا","level":1,"page":417},{"title":"الأمر الأول: تعريف حجة التركيب.","level":2,"page":419},{"title":"الأمر الثاني: الرد عليهم.","level":2,"page":419},{"title":"معنى قوله: (ليس كمثله شيء) لا في ذاته ولا في صفاته","level":1,"page":435},{"title":"الأمر الأول: المقصود بلفظ الذات.","level":2,"page":435},{"title":"١) المعنى اللغوي.","level":3,"page":435},{"title":"٢) المعنى الشرعي.","level":3,"page":436},{"title":"٣) المعنى الاصطلاحي.","level":3,"page":436},{"title":"الأمر الثاني: معنى عبارة: \"القول في الصفات كالقول في الذات\".","level":2,"page":436},{"title":"الأمر الثالث: أدلة هذه القاعدة.","level":2,"page":437},{"title":"أولا: الدليل من الكتاب العزيز","level":3,"page":437},{"title":"ثانيا: الإجماع","level":3,"page":439},{"title":"الأمر الرابع: تقرير العلماء لهذه القاعدة في عباراتهم.","level":2,"page":439},{"title":"١ - قول الإمام أبي الحسن عبد العزيز الكناني المكي (ت ٢٤٠ هـ)","level":3,"page":440},{"title":"٢ - قول الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ)","level":3,"page":440},{"title":"٣ - قول الإمام أبي سليمان الخطابي (ت ٣٨٨ هـ)","level":3,"page":440},{"title":"٤ - قول الإمام أبي نصر السجزي (ت ٤٤٤ هـ)","level":3,"page":441},{"title":"٥ - قول شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني (ت ٤٤٩ هـ)","level":3,"page":441},{"title":"٦ - قول أبي يعلى الحنبلي (ت ٤٥٧ هـ)","level":3,"page":442},{"title":"٧ - قول الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ)","level":3,"page":442},{"title":"٨ - قول الإمام محيي السنة البغوي (ت ٥١٦ هـ)","level":3,"page":443},{"title":"٩ - قول ابن أبي يعلى (ت ٥٢٦ هـ)","level":3,"page":443},{"title":"١٠ - قول الإمام قوام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني (ت ٥٣٥ هـ)","level":3,"page":443},{"title":"١١ - قول الحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ)","level":3,"page":444},{"title":"١٢ - قول الإمام ابن القيم (ت ٧٥١ هـ)","level":3,"page":445},{"title":"الأمر الخامس: فوائد هذه القاعدة.","level":2,"page":445},{"title":"تفسير الاستواء والنزول","level":1,"page":447},{"title":"الأمر الأول: توطئة.","level":2,"page":448},{"title":"الأمر الثاني: تعريف التكييف.","level":2,"page":448},{"title":"١ - الجانب اللغوي","level":3,"page":449},{"title":"٢ - الجانب الاصطلاحي.","level":3,"page":449},{"title":"الأمر الثالث: تقرير قول السلف في تقرير مسألة عدم معرفة كيفية ذات الله وصفاته.","level":2,"page":449},{"title":"الأمر الرابع: كيفية الصفات من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله -﷿-.","level":2,"page":451},{"title":"الأمر الخامس: العلم بالكيفية فرع عن العلم بالذات.","level":2,"page":452},{"title":"الأمر السادس: نفي العلم بالكيفية ليس فيه تعطيل لمعاني الصفات.","level":2,"page":453},{"title":"الأمر السابع: معنى قول السلف \"بلا كيف\".","level":2,"page":454},{"title":"الأمر الثامن: عدم العلم بالكيفية لا يقدح في الإيمان بالصفات، ومعرفة معانيها.","level":2,"page":454},{"title":"منهج الأشاعرة فيما ينفونه إما التأويل أو التفويض","level":1,"page":456},{"title":"الأمر الأول: أنواع المضافات إلى الله.","level":2,"page":459},{"title":"الأمر الثاني: بيان اضطراب الصفاتية في باب الصفات.","level":2,"page":461},{"title":"الأمر الثالث: بيان تناقض الصفاتية في النفي.","level":2,"page":465},{"title":"الأمر الرابع: تناقضهم في الإثبات.","level":2,"page":466},{"title":"أقسام الناس في الإيمان بالله واليوم الآخر","level":1,"page":478},{"title":"الفريق الأول: وهم الذين قال عنهم المصنف: \"فالسلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وإن مباينة الله لخلقه أعظم\".","level":2,"page":478},{"title":"والفريق الثاني: وهم الذين قال عنهم المصنف: \"الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب والعقاب، ونفوا كثيرا مما أخبر به من الصفات، مثل طوائف من أهل الكلام: المعتزلة ومن وافقهم\".","level":2,"page":480},{"title":"الفريق الثالث: وهم الذين قال عنهم المصنف: \"نفوا هذا وهذا، كالقرامطة الباطنية والفلاسفة أتباع المشائين، ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر\".","level":2,"page":482},{"title":"قياس التمثيل والشمول","level":1,"page":498},{"title":"الأمر الأول: توضيح مسألة قياس الأولى.","level":2,"page":500},{"title":"الأمر الثاني: لا يجوز استعمال قياس الشمول والتمثيل في حق الله تعالى.","level":2,"page":502},{"title":"الأمر الثالث: القياس الذي يجوز استعماله في حق الله تعالى هو قياس الأولى","level":2,"page":503},{"title":"الأمر الرابع: قياس الأولى من الأقيسة البرهانية اليقينية","level":2,"page":504},{"title":"الأمر الخامس: توضيح هذا القياس.","level":2,"page":505},{"title":"الأمر السادس: أوجه الأولوية في هذا القياس","level":2,"page":506},{"title":"الأمر السادس: استعمال النفاة لقياس التمثيل والشمول في حق الله -﷿- أدى إلى نفيهم الصفات","level":2,"page":507},{"title":"الأمر السابع: احتراز مهم في هذه القاعدة","level":2,"page":508},{"title":"الأمر الثامن: أدلة القاعدة.","level":2,"page":512},{"title":"الأمر التاسع: استعمال السلف لهذا النوع من القياس","level":2,"page":516},{"title":"وصف الروح في النصوص","level":1,"page":523},{"title":"الأمر الأول: معاني الروح والنفس في النصوص الشرعية.","level":2,"page":523},{"title":"الأمر الثاني: حقيقة الروح عند أهل السنة والجماعة.","level":2,"page":527},{"title":"الروح عند الفلاسفة","level":1,"page":530},{"title":"المعاني الاصطلاحية في الجسم","level":1,"page":541},{"title":"الفرقة الأولى: أنكرت تأثير النفس","level":2,"page":545},{"title":"الفرقة الثانية: أنكرت وجود النفس الإنسانية المفارقة للبدن وهذا قول كثير من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم","level":2,"page":546},{"title":"الفرقة الثالثة: بالعكس أقرت بوجود النفس الناطقة المفارقة للبدن وأنكرت وجود الجن والشياطين","level":2,"page":546},{"title":"الفرقة الرابعة: وهم أتباع الرسل وأهل الحق أقروا بوجود النفس الناطقة المفارقة للبدن","level":2,"page":546},{"title":"وجه ضرب المثل بالروح","level":1,"page":547},{"title":"خاتمة جامعة فيها قواعد نافعة","level":1,"page":549},{"title":"القاعدة الأولى: أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي.","level":2,"page":551},{"title":"القسم الأول: الصفات الثبوتية","level":3,"page":552},{"title":"القسم الثاني: الصفات السلبية","level":3,"page":552},{"title":"النوع الأول: سلب لمتصل.","level":4,"page":552},{"title":"النوع الثاني: سلب لمنفصل.","level":4,"page":552},{"title":"حقيقة مذهب المعطلة","level":1,"page":561},{"title":"أربعة أوجه يرد بها شيخ الإسلام على اعتذار النفاة","level":1,"page":567},{"title":"تساوي قول: ليس بمتحيز مع قول: لاداخل العالم ولا خارجه","level":1,"page":578},{"title":"لا يتوقف الإيمان بما جاء به الرسول على معرفة المعنى","level":1,"page":581},{"title":"الأمر الأول: أن الواجب في نصوص الصفات إجراؤها على ظاهرها.","level":2,"page":581},{"title":"الأمر الثاني: الأبواب الثلاثة التي يشتمل عليها توحيد الأسماء والصفات.","level":2,"page":582},{"title":"الأمر الثالث: إن باب الأسماء والصفات توقيفيان.","level":2,"page":584},{"title":"الأمر الرابع: أن باب الإخبار فالسلف لهم فيه قولان","level":2,"page":585},{"title":"الأقوال المجملة تشتمل على الحق والباطل","level":1,"page":589},{"title":"ثالثا: ألفاظ ورد استعمالها في كلام بعض السلف وفي كلام خصومهم.","level":2,"page":589},{"title":"رابعا: ألفاظ ورد استعمالها في كلام الخصوم ولم يرد استعمالها في كلام السلف.","level":2,"page":589},{"title":"النوع الأول: نوع مذكور في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل الإجماع.","level":2,"page":589},{"title":"النوع الثاني: الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع","level":2,"page":590},{"title":"لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك","level":1,"page":602},{"title":"الجانب الأول: توطئة في أقسام الناس في نصوص الصفات عموما.","level":2,"page":603},{"title":"القسمان اللذان يقولان تجرى على خلاف ظاهرها.","level":3,"page":605},{"title":"الجانب الثاني: أن التعامل مع نصوص الشرع تحكمه عدة ضوابط","level":2,"page":609},{"title":"الجانب الثالث: استعمال لفظ الظاهر والمقصود به.","level":2,"page":616},{"title":"الفروق بين آيتي (ص)، (يس)","level":1,"page":632},{"title":"المقام الأول: أن لفظ \" اليدين \" بصيغة التثنية لم يستعمل في النعمة ولا في القدرة؛ لأن من لغة القوم","level":2,"page":635},{"title":"المقام الثاني: أن يقال: هب أنه يجوز أن يعني باليد حقيقة اليد وأن يعني بها القدرة أو النعمة","level":2,"page":637},{"title":"المقام الثالث: قلت له: بلغك أن في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ أو عن أحد من أئمة المسلمين","level":2,"page":637},{"title":"(المقام الرابع): قلت له: أنا أذكر لك من الأدلة الجلية القاطعة والظاهرة ما يبين لك أن لله \" يدين \" حقيقة. فمن ذلك","level":2,"page":638},{"title":"النصوص المتفق على معناها بين أهل السنة والأشاعرة","level":1,"page":646},{"title":"أربعة محاذير يقع فيها من من نفى شيئا من الصفات","level":1,"page":660},{"title":"الفريق الأول: نفاة جميع الصفات وهم المعتزلة ومن وافقهم","level":2,"page":661},{"title":"الفريق الثاني: نفاة بعض الصفات.","level":2,"page":665},{"title":"والفرق بينهم وبين المعتزلة","level":3,"page":666},{"title":"الفريق الثالث: نفاة أكثر الصفات.","level":2,"page":667},{"title":"نصوص فوقية الله على خلقه واستوائه على عرشه","level":1,"page":676},{"title":"تنوعت عبارات القرآن في إثبات صفة العلو","level":2,"page":677},{"title":"الأدلة من السنة على إثبات صفة العلو.","level":2,"page":679},{"title":"أولا: أما السنة القولية","level":3,"page":679},{"title":"ثانيا: وأما أدلة السنة الفعلية","level":3,"page":679},{"title":"ثالثا: ومن أدلة السنة التقريرية","level":3,"page":680},{"title":"أقوال المخالفين","level":2,"page":697},{"title":"الفريق الأول: نفاة الاستواء","level":3,"page":697},{"title":"الفريق الثاني: القول بالتفويض","level":3,"page":709},{"title":"الفريق الثالث: قول المشبهة.","level":3,"page":712},{"title":"النصوص الداله على تدبر القرآن وتفهم معانيه","level":1,"page":741},{"title":"فالمسألة الأولى: مسألة الوقف في الآية","level":1,"page":747},{"title":"المسألة الثانية: معاني التأويل عموما وفي الآية خصوصا","level":1,"page":748},{"title":"المسألة الثالثة: الاتفاق في الاسم لا يلزم منه تماثل المسمى","level":1,"page":757},{"title":"المسألة الرابعة: أن الله يخبر عن الغائب بالمعنى المعلوم في الشاهد وإن كانت الحقيقة مختلفة","level":1,"page":760},{"title":"المسألة الخامسة: بعض حقائق الأشياء لا يمكن للخلق العلم بكنهها وكيفيتها","level":1,"page":762},{"title":"المسألة السادسة: أسماء الله وصفاته متنوعة في معانيها متفقة في دلالتها على ذات الله","level":1,"page":773},{"title":"المسألة السابعة: المحكم والمتشابه","level":1,"page":779},{"title":"الاعتماد على الاثبات المجرد عن نفي التشبيه طريقة المشبهة","level":1,"page":824},{"title":"المحذور الذي نفته الأدلة هو أن يكون له شريك أو مثيل","level":1,"page":843},{"title":"من الصفاتية من لا يصف الصفات بالقدم","level":1,"page":849},{"title":"اصطلاح المعتزلة والجهمية في مسمى التشبيه","level":1,"page":855},{"title":"فساد القول بتماثل الأجسام","level":1,"page":866},{"title":"معنى الأفعال الاختيارية","level":1,"page":872},{"title":"معنى الهيولى","level":1,"page":876},{"title":"معنى قول الروافض: لا ولاء إلا ببراء","level":1,"page":884},{"title":"بيان فساد طريقة المعطلة","level":1,"page":889},{"title":"من نفى اشتراك الموجودات في المعنى العام لزمه التعطيل المحض","level":1,"page":896},{"title":"الأشاعرة يجمعون بين الأمرين المتناقضين","level":1,"page":905},{"title":"اضطراب أساطين الكلام في المسائل الخمس","level":1,"page":906},{"title":"الأعتماد على مجرد نفي التشبيه لا يكفي في إثبات الصفات","level":1,"page":922},{"title":"تتمة لكلام الآمدي","level":1,"page":1007},{"title":"تتمة لبداية رد ابن تيمية لكلام الآمدي","level":1,"page":1009},{"title":"الأصل الثاني من نوعي التوحيد","level":1,"page":1038},{"title":"أدلة مراتب الإيمان بالقدر","level":2,"page":1042},{"title":"الركن الأول: العلم","level":3,"page":1043},{"title":"الركن الثاني: الكتابة","level":3,"page":1044},{"title":"الركن الثالث: المشيئة","level":3,"page":1045},{"title":"الركن الرابع: الخلق","level":3,"page":1046},{"title":"الفرق بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي للعبادة","level":2,"page":1050},{"title":"معنى حديث الأنبياء اخوة لعلاة","level":1,"page":1055},{"title":"دين الأنبياء واحد","level":1,"page":1062},{"title":"ما يضاد الإسلام يعود في إصله إلى أمرين هما","level":2,"page":1065},{"title":"أولا: الكبر.","level":3,"page":1065},{"title":"ثانيا الشرك","level":3,"page":1066},{"title":"أقسام المحبة من حيث العموم","level":2,"page":1070},{"title":"القسم الأول: المحبة المشتركة.","level":3,"page":1070},{"title":"القسم الثاني: المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله.","level":3,"page":1071},{"title":"يبشر أول الرسل بآخرهم","level":1,"page":1079},{"title":"أولا: الأدلة من القرآن","level":2,"page":1082},{"title":"ثانيا: الأدلة من السنة","level":2,"page":1083},{"title":"ثالثا: دليل الإجماع.","level":2,"page":1084},{"title":"تنازع الناس في إسلام من تبقى من أمة موسى وعيسى","level":1,"page":1095},{"title":"أولا: التمثيل في جانب الربوبية","level":2,"page":1120},{"title":"القسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومثاله","level":3,"page":1120},{"title":"القسم الثاني: التشبه بالخالق، ومن أمثلته","level":3,"page":1121},{"title":"ثانيا: التمثيل في جانب الألوهية.","level":2,"page":1121},{"title":"القسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومن أمثلة ذلك","level":3,"page":1121},{"title":"القسم الثاني: التشبه به، ومثاله","level":3,"page":1122},{"title":"معنى الجبر","level":1,"page":1151},{"title":"من أشهر معتقداتهم","level":2,"page":1151},{"title":"النجارية","level":2,"page":1152},{"title":"الضرارية","level":2,"page":1152},{"title":"مذهب القدرية والجهمية في الوعد والوعيد","level":1,"page":1171},{"title":"مقالة الخوارج","level":2,"page":1175},{"title":"مقالة الشيعة","level":2,"page":1176},{"title":"مقالة القدرية","level":2,"page":1179},{"title":"مقالة المعتزلة","level":2,"page":1182},{"title":"مقالة المرجئة","level":2,"page":1183},{"title":"تحقيق التوحيد","level":1,"page":1193},{"title":"١ - التوكل","level":2,"page":1199},{"title":"٢ - الخوف والخشية","level":2,"page":1200},{"title":"القدر","level":1,"page":1215},{"title":"ففي الجانب الكوني القدري","level":2,"page":1219},{"title":"وأما في الجانب الديني الشرعي","level":2,"page":1219},{"title":"الخصلة الأولى: الابتداع.","level":2,"page":1222},{"title":"والخصلة الثانية: الاحتجاج بالقدر.","level":2,"page":1223},{"title":"الإيمان بالقدر ركن من أركان الإيمان، والقدر له أربع مراتب","level":2,"page":1233},{"title":"المرتبة الأولى: مرتبة العلم","level":3,"page":1233},{"title":"المرتبة الثانية: فهي أن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ","level":3,"page":1234},{"title":"المرتبة الثالثة: المشيئة فالله ﷾ كما قال: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله﴾","level":3,"page":1234},{"title":"المرتبة الرابعة: الخلق كما قال تعالى: ﴿الله خالق كل شيء﴾","level":3,"page":1234},{"title":"بيان القوة العلمية والقوة العملية في القلب","level":2,"page":1272},{"title":"اتفاق الناس على أن الفعل يلائم الفاعل أو ينافره يعلم بالعقل","level":1,"page":1276},{"title":"خطأ من شهد الربوبية العامة فقط","level":1,"page":1282},{"title":"المراد بالفناء","level":1,"page":1289},{"title":"مخالفة الجبرية للعقل والقياس","level":1,"page":1296},{"title":"المؤمن مأمور أن يفعل المأمور ويترك المحذور","level":1,"page":1299},{"title":"لابد للعبد في الأمر من أصلين وفي القدر من أصلين","level":1,"page":1309},{"title":"[أولا: روايات الحديث].","level":2,"page":1320},{"title":"[ثانيا: موقف المعتزلة ومن وافقهم من الحديث].","level":2,"page":1321},{"title":"ثالثا: الأقوال في بيان معنى الحديث.","level":2,"page":1322},{"title":"رابعا: القول الراجح في معنى الحديث.","level":2,"page":1330},{"title":"شروط صحة العبادة","level":3,"page":1337},{"title":"الشرط الأول: الإخلاص، وهو لب الدين، وعموده الأعظم.","level":4,"page":1337},{"title":"الإخلاص لغة","level":5,"page":1337},{"title":"الإخلاص شرعا","level":5,"page":1337},{"title":"أهل الإخلاص","level":5,"page":1338},{"title":"الأدلة على شرط الإخلاص","level":5,"page":1338},{"title":"ومن السنة","level":5,"page":1338},{"title":"أهمية الإخلاص","level":5,"page":1339},{"title":"أثر الإخلاص في الأعمال","level":5,"page":1341},{"title":"الشرط الثاني: المتابعة","level":4,"page":1342},{"title":"تعريف المتابعة","level":5,"page":1342},{"title":"الأدلة على وجوب هذا الشرط","level":5,"page":1342},{"title":"انقسام الناس في عبادة الله والاستعانة إلى أربعة أقسام","level":1,"page":1346},{"title":"دين الله هو ما بعث به رسله","level":1,"page":1358},{"title":"ومن الأدلة على فضل الصحابة من القرآن الكريم","level":2,"page":1363},{"title":"أدلة فضل الصحابة من السنة النبوية","level":2,"page":1363},{"title":"أدلة فضل الصحابة من أقوال السلف","level":2,"page":1364}],"ٛ":{"1,3":1,"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,20":18,"1,21":19,"1,22":20,"1,23":21,"1,24":22,"1,25":23,"1,26":24,"1,27":25,"1,28":26,"1,29":27,"1,30":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,63":61,"1,64":62,"1,65":63,"1,66":64,"1,67":65,"1,68":66,"1,69":67,"1,70":68,"1,71":69,"1,72":70,"1,73":71,"1,74":72,"1,75":73,"1,76":74,"1,77":75,"1,78":76,"1,79":77,"1,80":78,"1,81":79,"1,82":80,"1,83":81,"1,84":82,"1,85":83,"1,86":84,"1,87":85,"1,88":86,"1,89":87,"1,90":88,"1,91":89,"1,92":90,"1,93":91,"1,94":92,"1,95":93,"1,96":94,"1,97":95,"1,98":96,"1,99":97,"1,100":98,"1,101":99,"1,102":100,"1,103":101,"1,104":102,"1,105":103,"1,106":104,"1,107":105,"1,108":106,"1,109":107,"1,110":108,"1,111":109,"1,112":110,"1,113":111,"1,114":112,"1,115":113,"1,116":114,"1,117":115,"1,118":116,"1,119":117,"1,120":118,"1,121":119,"1,122":120,"1,123":121,"1,124":122,"1,125":123,"1,126":124,"1,127":125,"1,128":126,"1,129":127,"1,130":128,"1,131":129,"1,132":130,"1,133":131,"1,134":132,"1,135":133,"1,136":134,"1,137":135,"1,138":136,"1,139":137,"1,140":138,"1,141":139,"1,142":140,"1,143":141,"1,144":142,"1,145":143,"1,146":144,"1,147":145,"1,148":146,"1,149":147,"1,150":148,"1,151":149,"1,152":150,"1,153":151,"1,154":152,"1,155":153,"1,156":154,"1,157":155,"1,158":156,"1,159":157,"1,160":158,"1,161":159,"1,162":160,"1,163":161,"1,164":162,"1,165":163,"1,166":164,"1,167":165,"1,168":166,"1,169":167,"1,170":168,"1,171":169,"1,172":170,"1,173":171,"1,174":172,"1,175":173,"1,176":174,"1,177":175,"1,178":176,"1,179":177,"1,180":178,"1,181":179,"1,182":180,"1,183":181,"1,184":182,"1,185":183,"1,186":184,"1,187":185,"1,188":186,"1,189":187,"1,190":188,"1,191":189,"1,192":190,"1,193":191,"1,194":192,"1,195":193,"1,196":194,"1,197":195,"1,198":196,"1,199":197,"1,200":198,"1,201":199,"1,202":200,"1,203":201,"1,204":202,"1,205":203,"1,206":204,"1,207":205,"1,208":206,"1,209":207,"1,210":208,"1,211":209,"1,212":210,"1,213":211,"1,214":212,"1,215":213,"1,216":214,"1,217":215,"1,218":216,"1,219":217,"1,220":218,"1,221":219,"1,222":220,"1,223":221,"1,224":222,"1,225":223,"1,226":224,"1,227":225,"1,228":226,"1,229":227,"1,230":228,"1,231":229,"1,232":230,"1,233":231,"1,234":232,"1,235":233,"1,236":234,"1,237":235,"1,238":236,"1,239":237,"1,240":238,"1,241":239,"1,242":240,"1,243":241,"1,244":242,"1,245":243,"1,246":244,"1,247":245,"1,248":246,"1,249":247,"1,250":248,"1,251":249,"1,252":250,"1,253":251,"1,254":252,"1,255":253,"1,256":254,"1,257":255,"1,258":256,"1,259":257,"1,260":258,"1,261":259,"1,262":260,"1,263":261,"1,264":262,"1,265":263,"1,266":264,"1,267":265,"1,268":266,"1,269":267,"1,270":268,"1,271":269,"1,272":270,"1,273":271,"1,274":272,"1,275":273,"1,276":274,"1,277":275,"1,278":276,"1,279":277,"1,280":278,"1,281":279,"1,282":280,"1,283":281,"1,284":282,"1,285":283,"1,286":284,"1,287":285,"1,288":286,"1,289":287,"1,290":288,"1,291":289,"1,292":290,"1,293":291,"1,294":292,"1,295":293,"1,296":294,"1,297":295,"1,298":296,"1,299":297,"1,300":298,"1,301":299,"1,302":300,"1,303":301,"1,304":302,"1,305":303,"1,306":304,"1,307":305,"1,308":306,"1,309":307,"1,310":308,"1,311":309,"1,312":310,"1,313":311,"1,314":312,"1,315":313,"1,316":314,"1,317":315,"1,318":316,"1,319":317,"1,320":318,"1,321":319,"1,322":320,"1,323":321,"1,324":322,"1,325":323,"1,326":324,"1,327":325,"1,328":326,"1,329":327,"1,330":328,"1,331":329,"1,332":330,"1,333":331,"1,334":332,"1,335":333,"1,336":334,"1,337":335,"1,338":336,"1,339":337,"1,340":338,"1,341":339,"1,342":340,"1,343":341,"1,344":342,"1,345":343,"1,346":344,"1,347":345,"1,348":346,"1,349":347,"1,350":348,"1,351":349,"1,352":350,"1,353":351,"1,354":352,"1,355":353,"1,356":354,"1,357":355,"1,358":356,"1,359":357,"1,360":358,"1,361":359,"1,362":360,"1,363":361,"1,364":362,"1,365":363,"1,366":364,"1,367":365,"1,368":366,"1,369":367,"1,370":368,"1,371":369,"1,372":370,"1,373":371,"1,374":372,"1,375":373,"1,376":374,"1,377":375,"1,378":376,"1,379":377,"1,380":378,"1,381":379,"1,382":380,"1,383":381,"1,384":382,"1,385":383,"1,386":384,"1,387":385,"1,388":386,"1,389":387,"1,390":388,"1,391":389,"1,392":390,"1,393":391,"1,394":392,"1,395":393,"1,396":394,"1,397":395,"1,398":396,"1,399":397,"1,400":398,"1,401":399,"1,402":400,"1,403":401,"1,404":402,"1,405":403,"1,406":404,"1,407":405,"1,408":406,"1,409":407,"1,410":408,"1,411":409,"1,412":410,"1,413":411,"1,414":412,"1,415":413,"1,416":414,"1,417":415,"1,418":416,"1,419":417,"1,420":418,"1,421":419,"1,422":420,"1,423":421,"1,424":422,"1,425":423,"1,426":424,"1,427":425,"1,428":426,"1,429":427,"1,430":428,"1,431":429,"1,432":430,"1,433":431,"1,434":432,"1,435":433,"1,436":434,"1,437":435,"1,438":436,"1,439":437,"1,440":438,"1,441":439,"1,442":440,"1,443":441,"1,444":442,"1,445":443,"1,446":444,"1,447":445,"1,448":446,"1,449":447,"1,450":448,"1,451":449,"1,452":450,"1,453":451,"1,454":452,"1,455":453,"1,456":454,"1,457":455,"1,458":456,"1,459":457,"1,460":458,"1,461":459,"1,462":460,"1,463":461,"1,464":462,"1,465":463,"1,466":464,"1,467":465,"1,468":466,"1,469":467,"1,470":468,"1,471":469,"1,472":470,"1,473":471,"1,474":472,"1,475":473,"1,476":474,"1,477":475,"1,478":476,"1,479":477,"1,480":478,"1,481":479,"1,482":480,"1,483":481,"1,484":482,"1,485":483,"1,486":484,"1,487":485,"1,488":486,"1,489":487,"1,490":488,"1,491":489,"1,492":490,"1,493":491,"1,494":492,"1,495":493,"1,496":494,"1,497":495,"1,498":496,"1,499":497,"1,500":498,"1,501":499,"1,502":500,"1,503":501,"1,504":502,"1,505":503,"1,506":504,"1,507":505,"1,508":506,"1,509":507,"1,510":508,"1,511":509,"1,512":510,"1,513":511,"1,514":512,"1,515":513,"1,516":514,"1,517":515,"1,518":516,"1,519":517,"1,520":518,"1,521":519,"1,522":520,"1,523":521,"1,524":522,"1,525":523,"1,526":524,"1,527":525,"1,528":526,"1,529":527,"1,530":528,"1,531":529,"1,532":530,"1,533":531,"1,534":532,"1,535":533,"1,536":534,"1,537":535,"1,538":536,"1,539":537,"1,540":538,"1,541":539,"1,542":540,"1,543":541,"1,544":542,"1,545":543,"1,546":544,"1,547":545,"1,548":546,"1,549":547,"1,550":548,"1,551":549,"1,552":550,"1,553":551,"1,554":552,"1,555":553,"1,556":554,"1,557":555,"1,558":556,"1,559":557,"1,560":558,"1,561":559,"1,562":560,"1,563":561,"1,564":562,"1,565":563,"1,566":564,"1,567":565,"1,568":566,"1,569":567,"1,570":568,"1,571":569,"1,572":570,"1,573":571,"1,574":572,"1,575":573,"1,576":574,"1,577":575,"1,578":576,"1,579":577,"1,580":578,"1,581":579,"1,582":580,"1,583":581,"1,584":582,"1,585":583,"1,586":584,"1,587":585,"1,588":586,"1,589":587,"1,590":588,"1,591":589,"1,592":590,"1,593":591,"1,594":592,"1,595":593,"1,596":594,"1,597":595,"1,598":596,"1,599":597,"1,600":598,"1,601":599,"1,602":600,"1,603":601,"1,604":602,"1,605":603,"1,606":604,"1,607":605,"1,608":606,"1,609":607,"1,610":608,"1,611":609,"1,612":610,"1,613":611,"1,614":612,"1,615":613,"1,616":614,"1,617":615,"1,618":616,"1,619":617,"1,620":618,"1,621":619,"1,622":620,"1,623":621,"1,624":622,"1,625":623,"1,626":624,"1,627":625,"1,628":626,"1,629":627,"1,630":628,"1,631":629,"1,632":630,"1,633":631,"1,634":632,"1,635":633,"1,636":634,"1,637":635,"1,638":636,"1,639":637,"1,640":638,"1,641":639,"1,642":640,"1,643":641,"1,644":642,"1,645":643,"1,646":644,"1,647":645,"1,648":646,"1,649":647,"1,650":648,"1,651":649,"1,652":650,"1,653":651,"1,654":652,"1,655":653,"1,656":654,"1,657":655,"1,658":656,"1,659":657,"1,660":658,"1,661":659,"1,662":660,"1,663":661,"1,664":662,"1,665":663,"1,666":664,"1,667":665,"1,668":666,"1,669":667,"1,670":668,"1,671":669,"1,672":670,"1,673":671,"1,674":672,"1,675":673,"1,676":674,"1,677":675,"1,678":676,"1,679":677,"1,680":678,"1,681":679,"1,682":680,"1,683":681,"1,684":682,"1,685":683,"1,686":684,"1,687":685,"1,688":686,"1,689":687,"1,690":688,"1,691":689,"1,692":690,"1,693":691,"1,694":692,"1,695":693,"1,696":694,"1,697":695,"1,698":696,"1,699":697,"1,700":698,"1,701":699,"1,702":700,"1,703":701,"1,704":702,"1,705":703,"1,706":704,"1,707":705,"1,708":706,"1,709":707,"1,710":708,"1,711":709,"1,712":710,"1,713":711,"1,714":712,"1,715":713,"1,716":714,"1,717":715,"1,718":716,"1,719":717,"1,720":718,"1,721":719,"1,722":720,"1,723":721,"1,724":722,"1,725":723,"1,726":724,"1,727":725,"1,728":726,"1,729":727,"1,730":728,"1,731":729,"1,732":730,"1,733":731,"1,734":732,"1,735":733,"1,736":734,"1,737":735,"1,738":736,"1,739":737,"1,740":738,"1,741":739,"1,742":740,"2,743":741,"2,744":742,"2,745":743,"2,746":744,"2,747":745,"2,748":746,"2,749":747,"2,750":748,"2,751":749,"2,752":750,"2,753":751,"2,754":752,"2,755":753,"2,756":754,"2,757":755,"2,758":756,"2,759":757,"2,760":758,"2,761":759,"2,762":760,"2,763":761,"2,764":762,"2,765":763,"2,766":764,"2,767":765,"2,768":766,"2,769":767,"2,770":768,"2,771":769,"2,772":770,"2,773":771,"2,774":772,"2,775":773,"2,776":774,"2,777":775,"2,778":776,"2,779":777,"2,780":778,"2,781":779,"2,782":780,"2,783":781,"2,784":782,"2,785":783,"2,786":784,"2,787":785,"2,788":786,"2,789":787,"2,790":788,"2,791":789,"2,792":790,"2,793":791,"2,794":792,"2,795":793,"2,796":794,"2,797":795,"2,798":796,"2,799":797,"2,800":798,"2,801":799,"2,802":800,"2,803":801,"2,804":802,"2,805":803,"2,806":804,"2,807":805,"2,808":806,"2,809":807,"2,810":808,"2,811":809,"2,812":810,"2,813":811,"2,814":812,"2,815":813,"2,816":814,"2,817":815,"2,818":816,"2,819":817,"2,820":818,"2,821":819,"2,822":820,"2,823":821,"2,824":822,"2,825":823,"2,826":824,"2,827":825,"2,828":826,"2,829":827,"2,830":828,"2,831":829,"2,832":830,"2,833":831,"2,834":832,"2,835":833,"2,836":834,"2,837":835,"2,838":836,"2,839":837,"2,840":838,"2,841":839,"2,842":840,"2,843":841,"2,844":842,"2,845":843,"2,846":844,"2,847":845,"2,848":846,"2,849":847,"2,850":848,"2,851":849,"2,852":850,"2,853":851,"2,854":852,"2,855":853,"2,856":854,"2,857":855,"2,858":856,"2,859":857,"2,860":858,"2,861":859,"2,862":860,"2,863":861,"2,864":862,"2,865":863,"2,866":864,"2,867":865,"2,868":866,"2,869":867,"2,870":868,"2,871":869,"2,872":870,"2,873":871,"2,874":872,"2,875":873,"2,876":874,"2,877":875,"2,878":876,"2,879":877,"2,880":878,"2,881":879,"2,882":880,"2,883":881,"2,884":882,"2,885":883,"2,886":884,"2,887":885,"2,888":886,"2,889":887,"2,890":888,"2,891":889,"2,892":890,"2,893":891,"2,894":892,"2,895":893,"2,896":894,"2,897":895,"2,898":896,"2,899":897,"2,900":898,"2,901":899,"2,902":900,"2,903":901,"2,904":902,"2,905":903,"2,906":904,"2,907":905,"2,908":906,"2,909":907,"2,910":908,"2,911":909,"2,912":910,"2,913":911,"2,914":912,"2,915":913,"2,916":914,"2,917":915,"2,918":916,"2,919":917,"2,920":918,"2,921":919,"2,922":920,"2,923":921,"2,924":922,"2,925":923,"2,926":924,"2,927":925,"2,928":926,"2,929":927,"2,930":928,"2,931":929,"2,932":930,"2,933":931,"2,934":932,"2,935":933,"2,936":934,"2,937":935,"2,938":936,"2,939":937,"2,940":938,"2,941":939,"2,942":940,"2,943":941,"2,944":942,"2,945":943,"2,946":944,"2,947":945,"2,948":946,"2,949":947,"2,950":948,"2,951":949,"2,952":950,"2,953":951,"2,954":952,"2,955":953,"2,956":954,"2,957":955,"2,958":956,"2,959":957,"2,960":958,"2,961":959,"2,962":960,"2,963":961,"2,964":962,"2,965":963,"2,966":964,"2,967":965,"2,968":966,"2,969":967,"2,970":968,"2,971":969,"2,972":970,"2,973":971,"2,974":972,"2,975":973,"2,976":974,"2,977":975,"2,978":976,"2,979":977,"2,980":978,"2,981":979,"2,982":980,"2,983":981,"2,984":982,"2,985":983,"2,986":984,"2,987":985,"2,988":986,"2,989":987,"2,990":988,"2,991":989,"2,992":990,"2,993":991,"2,994":992,"2,995":993,"2,996":994,"2,997":995,"2,998":996,"2,999":997,"2,1000":998,"2,1001":999,"2,1002":1000,"2,1003":1001,"2,1004":1002,"2,1005":1003,"2,1006":1004,"2,1007":1005,"2,1008":1006,"2,1009":1007,"2,1010":1008,"2,1011":1009,"2,1012":1010,"2,1013":1011,"2,1014":1012,"2,1015":1013,"2,1016":1014,"2,1017":1015,"2,1018":1016,"2,1019":1017,"2,1020":1018,"2,1021":1019,"2,1022":1020,"2,1023":1021,"2,1024":1022,"2,1025":1023,"2,1026":1024,"2,1027":1025,"2,1028":1026,"2,1029":1027,"2,1030":1028,"2,1031":1029,"2,1032":1030,"2,1033":1031,"2,1034":1032,"2,1035":1033,"2,1036":1034,"2,1037":1035,"2,1038":1036,"2,1039":1037,"2,1040":1038,"2,1041":1039,"2,1042":1040,"2,1043":1041,"2,1044":1042,"2,1045":1043,"2,1046":1044,"2,1047":1045,"2,1048":1046,"2,1049":1047,"2,1050":1048,"2,1051":1049,"2,1052":1050,"2,1053":1051,"2,1054":1052,"2,1055":1053,"2,1056":1054,"2,1057":1055,"2,1058":1056,"2,1059":1057,"2,1060":1058,"2,1061":1059,"2,1062":1060,"2,1063":1061,"2,1064":1062,"2,1065":1063,"2,1066":1064,"2,1067":1065,"2,1068":1066,"2,1069":1067,"2,1070":1068,"2,1071":1069,"2,1072":1070,"2,1073":1071,"2,1074":1072,"2,1075":1073,"2,1076":1074,"2,1077":1075,"2,1078":1076,"2,1079":1077,"2,1080":1078,"2,1081":1079,"2,1082":1080,"2,1083":1081,"2,1084":1082,"2,1085":1083,"2,1086":1084,"2,1087":1085,"2,1088":1086,"2,1089":1087,"2,1090":1088,"2,1091":1089,"2,1092":1090,"2,1093":1091,"2,1094":1092,"2,1095":1093,"2,1096":1094,"2,1097":1095,"2,1098":1096,"2,1099":1097,"2,1100":1098,"2,1101":1099,"2,1102":1100,"2,1103":1101,"2,1104":1102,"2,1105":1103,"2,1106":1104,"2,1107":1105,"2,1108":1106,"2,1109":1107,"2,1110":1108,"2,1111":1109,"2,1112":1110,"2,1113":1111,"2,1114":1112,"2,1115":1113,"2,1116":1114,"2,1117":1115,"2,1118":1116,"2,1119":1117,"2,1120":1118,"2,1121":1119,"2,1122":1120,"2,1123":1121,"2,1124":1122,"2,1125":1123,"2,1126":1124,"2,1127":1125,"2,1128":1126,"2,1129":1127,"2,1130":1128,"2,1131":1129,"2,1132":1130,"2,1133":1131,"2,1134":1132,"2,1135":1133,"2,1136":1134,"2,1137":1135,"2,1138":1136,"2,1139":1137,"2,1140":1138,"2,1141":1139,"2,1142":1140,"2,1143":1141,"2,1144":1142,"2,1145":1143,"2,1146":1144,"2,1147":1145,"2,1148":1146,"2,1149":1147,"2,1150":1148,"2,1151":1149,"2,1152":1150,"2,1153":1151,"2,1154":1152,"2,1155":1153,"2,1156":1154,"2,1157":1155,"2,1158":1156,"2,1159":1157,"2,1160":1158,"2,1161":1159,"2,1162":1160,"2,1163":1161,"2,1164":1162,"2,1165":1163,"2,1166":1164,"2,1167":1165,"2,1168":1166,"2,1169":1167,"2,1170":1168,"2,1171":1169,"2,1172":1170,"2,1173":1171,"2,1174":1172,"2,1175":1173,"2,1176":1174,"2,1177":1175,"2,1178":1176,"2,1179":1177,"2,1180":1178,"2,1181":1179,"2,1182":1180,"2,1183":1181,"2,1184":1182,"2,1185":1183,"2,1186":1184,"2,1187":1185,"2,1188":1186,"2,1189":1187,"2,1190":1188,"2,1191":1189,"2,1192":1190,"2,1193":1191,"2,1194":1192,"2,1195":1193,"2,1196":1194,"2,1197":1195,"2,1198":1196,"2,1199":1197,"2,1200":1198,"2,1201":1199,"2,1202":1200,"2,1203":1201,"2,1204":1202,"2,1205":1203,"2,1206":1204,"2,1207":1205,"2,1208":1206,"2,1209":1207,"2,1210":1208,"2,1211":1209,"2,1212":1210,"2,1213":1211,"2,1214":1212,"2,1215":1213,"2,1216":1214,"2,1217":1215,"2,1218":1216,"2,1219":1217,"2,1220":1218,"2,1221":1219,"2,1222":1220,"2,1223":1221,"2,1224":1222,"2,1225":1223,"2,1226":1224,"2,1227":1225,"2,1228":1226,"2,1229":1227,"2,1230":1228,"2,1231":1229,"2,1232":1230,"2,1233":1231,"2,1234":1232,"2,1235":1233,"2,1236":1234,"2,1237":1235,"2,1238":1236,"2,1239":1237,"2,1240":1238,"2,1241":1239,"2,1242":1240,"2,1243":1241,"2,1244":1242,"2,1245":1243,"2,1246":1244,"2,1247":1245,"2,1248":1246,"2,1249":1247,"2,1250":1248,"2,1251":1249,"2,1252":1250,"2,1253":1251,"2,1254":1252,"2,1255":1253,"2,1256":1254,"2,1257":1255,"2,1258":1256,"2,1259":1257,"2,1260":1258,"2,1261":1259,"2,1262":1260,"2,1263":1261,"2,1264":1262,"2,1265":1263,"2,1266":1264,"2,1267":1265,"2,1268":1266,"2,1269":1267,"2,1270":1268,"2,1271":1269,"2,1272":1270,"2,1273":1271,"2,1274":1272,"2,1275":1273,"2,1276":1274,"2,1277":1275,"2,1278":1276,"2,1279":1277,"2,1280":1278,"2,1281":1279,"2,1282":1280,"2,1283":1281,"2,1284":1282,"2,1285":1283,"2,1286":1284,"2,1287":1285,"2,1288":1286,"2,1289":1287,"2,1290":1288,"2,1291":1289,"2,1292":1290,"2,1293":1291,"2,1294":1292,"2,1295":1293,"2,1296":1294,"2,1297":1295,"2,1298":1296,"2,1299":1297,"2,1300":1298,"2,1301":1299,"2,1302":1300,"2,1303":1301,"2,1304":1302,"2,1305":1303,"2,1306":1304,"2,1307":1305,"2,1308":1306,"2,1309":1307,"2,1310":1308,"2,1311":1309,"2,1312":1310,"2,1313":1311,"2,1314":1312,"2,1315":1313,"2,1316":1314,"2,1317":1315,"2,1318":1316,"2,1319":1317,"2,1320":1318,"2,1321":1319,"2,1322":1320,"2,1323":1321,"2,1324":1322,"2,1325":1323,"2,1326":1324,"2,1327":1325,"2,1328":1326,"2,1329":1327,"2,1330":1328,"2,1331":1329,"2,1332":1330,"2,1333":1331,"2,1334":1332,"2,1335":1333,"2,1336":1334,"2,1337":1335,"2,1338":1336,"2,1339":1337,"2,1340":1338,"2,1341":1339,"2,1342":1340,"2,1343":1341,"2,1344":1342,"2,1345":1343,"2,1346":1344,"2,1347":1345,"2,1348":1346,"2,1349":1347,"2,1350":1348,"2,1351":1349,"2,1352":1350,"2,1353":1351,"2,1354":1352,"2,1355":1353,"2,1356":1354,"2,1357":1355,"2,1358":1356,"2,1359":1357,"2,1360":1358,"2,1361":1359,"2,1362":1360,"2,1363":1361,"2,1364":1362,"2,1365":1363,"2,1366":1364,"2,1367":1365,"2,1368":1366,"2,1369":1367},"ٜ":{"1":[3,742],"2":[743,1369]},"ٝ":["1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","1,721","1,722","1,723","1,724","1,725","1,726","1,727","1,728","1,729","1,730","1,731","1,732","1,733","1,734","1,735","1,736","1,737","1,738","1,739","1,740","1,741","1,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,756","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,790","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,796","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,808","2,809","2,810","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,832","2,833","2,834","2,835","2,836","2,837","2,838","2,839","2,840","2,841","2,842","2,843","2,844","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,850","2,851","2,852","2,853","2,854","2,855","2,856","2,857","2,858","2,859","2,860","2,861","2,862","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,872","2,873","2,874","2,875","2,876","2,877","2,878","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,886","2,887","2,888","2,889","2,890","2,891","2,892","2,893","2,894","2,895","2,896","2,897","2,898","2,899","2,900","2,901","2,902","2,903","2,904","2,905","2,906","2,907","2,908","2,909","2,910","2,911","2,912","2,913","2,914","2,915","2,916","2,917","2,918","2,919","2,920","2,921","2,922","2,923","2,924","2,925","2,926","2,927","2,928","2,929","2,930","2,931","2,932","2,933","2,934","2,935","2,936","2,937","2,938","2,939","2,940","2,941","2,942","2,943","2,944","2,945","2,946","2,947","2,948","2,949","2,950","2,951","2,952","2,953","2,954","2,955","2,956","2,957","2,958","2,959","2,960","2,961","2,962","2,963","2,964","2,965","2,966","2,967","2,968","2,969","2,970","2,971","2,972","2,973","2,974","2,975","2,976","2,977","2,978","2,979","2,980","2,981","2,982","2,983","2,984","2,985","2,986","2,987","2,988","2,989","2,990","2,991","2,992","2,993","2,994","2,995","2,996","2,997","2,998","2,999","2,1000","2,1001","2,1002","2,1003","2,1004","2,1005","2,1006","2,1007","2,1008","2,1009","2,1010","2,1011","2,1012","2,1013","2,1014","2,1015","2,1016","2,1017","2,1018","2,1019","2,1020","2,1021","2,1022","2,1023","2,1024","2,1025","2,1026","2,1027","2,1028","2,1029","2,1030","2,1031","2,1032","2,1033","2,1034","2,1035","2,1036","2,1037","2,1038","2,1039","2,1040","2,1041","2,1042","2,1043","2,1044","2,1045","2,1046","2,1047","2,1048","2,1049","2,1050","2,1051","2,1052","2,1053","2,1054","2,1055","2,1056","2,1057","2,1058","2,1059","2,1060","2,1061","2,1062","2,1063","2,1064","2,1065","2,1066","2,1067","2,1068","2,1069","2,1070","2,1071","2,1072","2,1073","2,1074","2,1075","2,1076","2,1077","2,1078","2,1079","2,1080","2,1081","2,1082","2,1083","2,1084","2,1085","2,1086","2,1087","2,1088","2,1089","2,1090","2,1091","2,1092","2,1093","2,1094","2,1095","2,1096","2,1097","2,1098","2,1099","2,1100","2,1101","2,1102","2,1103","2,1104","2,1105","2,1106","2,1107","2,1108","2,1109","2,1110","2,1111","2,1112","2,1113","2,1114","2,1115","2,1116","2,1117","2,1118","2,1119","2,1120","2,1121","2,1122","2,1123","2,1124","2,1125","2,1126","2,1127","2,1128","2,1129","2,1130","2,1131","2,1132","2,1133","2,1134","2,1135","2,1136","2,1137","2,1138","2,1139","2,1140","2,1141","2,1142","2,1143","2,1144","2,1145","2,1146","2,1147","2,1148","2,1149","2,1150","2,1151","2,1152","2,1153","2,1154","2,1155","2,1156","2,1157","2,1158","2,1159","2,1160","2,1161","2,1162","2,1163","2,1164","2,1165","2,1166","2,1167","2,1168","2,1169","2,1170","2,1171","2,1172","2,1173","2,1174","2,1175","2,1176","2,1177","2,1178","2,1179","2,1180","2,1181","2,1182","2,1183","2,1184","2,1185","2,1186","2,1187","2,1188","2,1189","2,1190","2,1191","2,1192","2,1193","2,1194","2,1195","2,1196","2,1197","2,1198","2,1199","2,1200","2,1201","2,1202","2,1203","2,1204","2,1205","2,1206","2,1207","2,1208","2,1209","2,1210","2,1211","2,1212","2,1213","2,1214","2,1215","2,1216","2,1217","2,1218","2,1219","2,1220","2,1221","2,1222","2,1223","2,1224","2,1225","2,1226","2,1227","2,1228","2,1229","2,1230","2,1231","2,1232","2,1233","2,1234","2,1235","2,1236","2,1237","2,1238","2,1239","2,1240","2,1241","2,1242","2,1243","2,1244","2,1245","2,1246","2,1247","2,1248","2,1249","2,1250","2,1251","2,1252","2,1253","2,1254","2,1255","2,1256","2,1257","2,1258","2,1259","2,1260","2,1261","2,1262","2,1263","2,1264","2,1265","2,1266","2,1267","2,1268","2,1269","2,1270","2,1271","2,1272","2,1273","2,1274","2,1275","2,1276","2,1277","2,1278","2,1279","2,1280","2,1281","2,1282","2,1283","2,1284","2,1285","2,1286","2,1287","2,1288","2,1289","2,1290","2,1291","2,1292","2,1293","2,1294","2,1295","2,1296","2,1297","2,1298","2,1299","2,1300","2,1301","2,1302","2,1303","2,1304","2,1305","2,1306","2,1307","2,1308","2,1309","2,1310","2,1311","2,1312","2,1313","2,1314","2,1315","2,1316","2,1317","2,1318","2,1319","2,1320","2,1321","2,1322","2,1323","2,1324","2,1325","2,1326","2,1327","2,1328","2,1329","2,1330","2,1331","2,1332","2,1333","2,1334","2,1335","2,1336","2,1337","2,1338","2,1339","2,1340","2,1341","2,1342","2,1343","2,1344","2,1345","2,1346","2,1347","2,1348","2,1349","2,1350","2,1351","2,1352","2,1353","2,1354","2,1355","2,1356","2,1357","2,1358","2,1359","2,1360","2,1361","2,1362","2,1363","2,1364","2,1365","2,1366","2,1367","2,1368","2,1369"],"ٞ":{"1":[1,2],"17":[3],"23":[4],"26":[5],"31":[6,7],"32":[8],"34":[9],"36":[10,11],"39":[12,13,14],"40":[15,16,17],"41":[18,19,20],"42":[21,22,23],"46":[24],"55":[25],"56":[26,27],"58":[28],"59":[29],"60":[30],"64":[31],"65":[32],"67":[33],"71":[34],"73":[35],"79":[36,37],"80":[38,39],"81":[40,41,42,43,44,45],"82":[46,47],"83":[48],"86":[49,50],"87":[51],"88":[52],"94":[53],"100":[54],"108":[55],"109":[56],"110":[57,58],"112":[59],"113":[60],"115":[61],"119":[62],"121":[63],"122":[64],"126":[65],"129":[66],"134":[67],"135":[68],"138":[69,70,71],"139":[72],"142":[73],"143":[74,75],"145":[76],"149":[77],"153":[78],"155":[79],"160":[80,81],"162":[82,83],"163":[84],"168":[85,86],"169":[87,88],"171":[89],"176":[90],"179":[91],"191":[92],"194":[93],"198":[94,95,96,97],"199":[98,99],"201":[100],"204":[101],"205":[102],"206":[103],"207":[104],"208":[105,106],"209":[107],"211":[108],"212":[109,110,111,112],"213":[113,114,115,116],"214":[117],"224":[118,119,120],"225":[121],"226":[122],"228":[123],"229":[124,125],"230":[126,127],"231":[128,129,130],"232":[131],"236":[132],"243":[133],"244":[134],"246":[135,136],"247":[137],"248":[138],"259":[139],"260":[140],"261":[141],"263":[142,143],"264":[144],"266":[145],"267":[146,147,148],"270":[149],"271":[150],"282":[151],"288":[152],"289":[153],"290":[154,155],"291":[156,157],"293":[158,159],"295":[160,161],"297":[162],"300":[163],"301":[164,165],"305":[166],"308":[167],"311":[168],"312":[169,170],"313":[171],"315":[172,173],"316":[174,175],"317":[176,177],"318":[178,179],"323":[180],"325":[181],"326":[182],"327":[183],"328":[184],"331":[185],"332":[186],"333":[187],"335":[188],"336":[189],"338":[190],"340":[191,192],"341":[193,194],"345":[195],"360":[196,197,198,199],"361":[200,201],"363":[202],"367":[203,204],"368":[205],"369":[206,207,208],"370":[209],"371":[210,211],"385":[212],"386":[213,214],"387":[215],"413":[216],"417":[217],"419":[218,219],"435":[220,221,222],"436":[223,224,225],"437":[226,227],"439":[228,229],"440":[230,231,232],"441":[233,234],"442":[235,236],"443":[237,238,239],"444":[240],"445":[241,242],"447":[243],"448":[244,245],"449":[246,247,248],"451":[249],"452":[250],"453":[251],"454":[252,253],"456":[254],"459":[255],"461":[256],"465":[257],"466":[258],"478":[259,260],"480":[261],"482":[262],"498":[263],"500":[264],"502":[265],"503":[266],"504":[267],"505":[268],"506":[269],"507":[270],"508":[271],"512":[272],"516":[273],"523":[274,275],"527":[276],"530":[277],"541":[278],"545":[279],"546":[280,281,282],"547":[283],"549":[284],"551":[285],"552":[286,287,288,289],"561":[290],"567":[291],"578":[292],"581":[293,294],"582":[295],"584":[296],"585":[297],"589":[298,299,300,301],"590":[302],"602":[303],"603":[304],"605":[305],"609":[306],"616":[307],"632":[308],"635":[309],"637":[310,311],"638":[312],"646":[313],"660":[314],"661":[315],"665":[316],"666":[317],"667":[318],"676":[319],"677":[320],"679":[321,322,323],"680":[324],"697":[325,326],"709":[327],"712":[328],"741":[329],"747":[330],"748":[331],"757":[332],"760":[333],"762":[334],"773":[335],"779":[336],"824":[337],"843":[338],"849":[339],"855":[340],"866":[341],"872":[342],"876":[343],"884":[344],"889":[345],"896":[346],"905":[347],"906":[348],"922":[349],"1007":[350],"1009":[351],"1038":[352],"1042":[353],"1043":[354],"1044":[355],"1045":[356],"1046":[357],"1050":[358],"1055":[359],"1062":[360],"1065":[361,362],"1066":[363],"1070":[364,365],"1071":[366],"1079":[367],"1082":[368],"1083":[369],"1084":[370],"1095":[371],"1120":[372,373],"1121":[374,375,376],"1122":[377],"1151":[378,379],"1152":[380,381],"1171":[382],"1175":[383],"1176":[384],"1179":[385],"1182":[386],"1183":[387],"1193":[388],"1199":[389],"1200":[390],"1215":[391],"1219":[392,393],"1222":[394],"1223":[395],"1233":[396,397],"1234":[398,399,400],"1272":[401],"1276":[402],"1282":[403],"1289":[404],"1296":[405],"1299":[406],"1309":[407],"1320":[408],"1321":[409],"1322":[410],"1330":[411],"1337":[412,413,414,415],"1338":[416,417,418],"1339":[419],"1341":[420],"1342":[421,422,423],"1346":[424],"1358":[425],"1363":[426,427],"1364":[428]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة الشارح</span>\nالحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفرُه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا؛ مَنْ يهده الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد:\nأَوَدُّ قَبل الشروع-بإذن الله تعالى-في شرح الرسالة التدمرية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، أن أُقَدِّم بثلاث مقدمات:\n\n<span data-type='title' id=toc-2>المقدمة الأولى: أهمية طلب العلم.</span>\nلا بد أن نُذَكِّر أنفسنا بِعِظَم الأمانة التي نَصَّبنا أنفسنا لها، واستجبنا فيها لنداء الله تعالى، وهي: حمل العلم وتعليمه.\nقال الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٢].\nفهذه الآية الكريمة قد أشارت إلى أمرين:\nالأمر الأول: أمانة التحمل في قوله: ﴿ليتفقهوا﴾.\nوالأمر الثاني: مسئولية الأداء في قوله: ﴿ولينذروا﴾.\nولا بد من التحمل والفقه أَوَّلًا قبل الأداء والبلاغ والبيان، ونحن نعلم أن هذا الأمر شريف وعظيم، فالله قد امتن على نبيه بتعليمه ما لم يعلم من قبل، فقال جل وعلا: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣].","vol":"1","page":3},{"text":"ونحن طلبة العلم إذ نسلك هذا المَسلك فإننا نزداد من هذا العلم ونتزود منه ولا شك، وكلما ازددنا علمًا كلما ازددنا شرفًا ورفعة في الدنيا والآخرة وقربًا من الله تعالى؛ وذلك لابد فيه من شرطين:\nالشرط الأول: الإخلاص.\nوالشرط الثاني: إتباع العلم العمل.\nقال ﷻ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة ١١].\nوفي الحديث: «أن نافع بن عبد الحارث لقي عُمر بعُسْفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: مَنْ استعملت على أهل الوادي؟ فقال: ابن أبزى. قال: ومَن ابن أبزى؟ قال: مَولى من موالينا. قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنَّه قارئ لكتاب الله ﷿، وإنه عالم بالفرائض، قال عمر: أَمَا إنَّ نبيَّكم -ﷺ- قد قال: «إنَّ اللهَ يَرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويَضع به آخرين» (^١).\n\nوطالب العلم حري أن يكون أخشى الناس لله، وأَتْبَع الخلق لطاعته؛ قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: ٢٨]، وتأَمَّل قولَه تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]؛ لتتبين الفرق بين مَنْ عَلِم وبَين مَنْ لم يَعلم.\nوقد قرن الله ﷻ شهادته بشهادة الملائكة الذين هم عباده المكرمون وشهادة أهل العلم له جل وعلا بالألوهية؛ فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: ١٨].\nوالإنسان يجب أن ينظر إلى نفسه قبل سلوك طريق طلب العلم؛ هل حاله بعد\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٨١٧).","vol":"1","page":4},{"text":"أن قطع فيه مراحل كحاله قبل الطلب!\nوالطالب الذي وَفَّقَه الله وحَصَّل شيئًا من العلم الشرعي؛ عليه أن يَنظر إلى أقرانه الذين كانوا معه في الدراسة أو في بداية الطلب ونشأ بينهم، ولم يُكملوا السَّير فيه؛ ليعلم أن الله قد اختاره دون غيره من أقرانه؛ لسلوك ذلك السبيل العظيم المُوَصِّل إلى الجنة؛ وليضع نُصب عينيه ما رواه أبو داود والترمذي عن كثير بن قيس، قال: «كنت جالسًا مع أبي الدرداء في مسجد دمشق، فجاءه رجل، فقال: يا أبا الدرداء: إني جئتك من مدينة الرسول -ﷺ- لحديثٍ بَلغني أنَّك تُحدثه عن رسول الله -ﷺ- ما جئت لحاجة، قال: فإني سمعتُ رسولَ الله -ﷺ- يقول: «مَنْ سلك طريقًا يَطلب فيه علمًا سَلَك الله به طريقًا مِنْ طُرُق الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له من في السموات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء، وإنَّ فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، وإنَّ العلماء ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يُوَرِّثوا دينارًا ولا دِرهمًا؛ وَرَّثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظٍّ وافر» (^١).\nفلا شكَّ أن ميراث المرء يناله في الدنيا أقرب الناس إليه؛ وهذا يدل على أن أهل العلم هم أقرب الناس للنبي -ﷺ-، والنبي إنما وَرَّث هذا العلم وخَلَّفه؛ وطلاب العلم هم الذين حملوا ميراثه، وهذا فضل عظيم وشرف رفيع.\nففضل العلم معلوم، ومهما بذل طالب العلم مِنْ وقت وجهد فهو في نجاح وفلاح، وهو في طريق عليه أن يلزمه ولا يحيد عنه أبدًا؛ فإن نهايته إلى جنة الله ورضوانه، وقد بَشَّره النبيُّ -ﷺ- بقوله: «مَنْ يُرِد الله به خيرًا يُفقهه في الدين، وإنما أنا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٦٤١) والترمذي (٢٦٨٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وصححه الألباني في «المشكاة» (٢١٢).","vol":"1","page":5},{"text":"قاسم والله يعطي، ولن تزال هذه الأمة قائمة على أمر الله، لا يَضُرهم مَنْ خالفهم، حتى يأتي أمر الله» (^٢)، فالله قد أراد بطالب العلم الخير وأراده له.\nولينظر طالب العلم إلى حاله وحال عَوَامِّ الناس وجُهَّالهم؛ ليعلم أنه في منزلة رفيعة وشأن عظيم قد اختاره الله له ويَسَّره وهَيَّأه له، لذا يقول ﷻ: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨].\nوهذا الشرف الذي جاءت به النصوص لا شك أنه عظيم، وفضل من الله جليل، حقه أن يُرعى، وأن يُحرص على نَيله وتحصيله، وقد قَسَّم النبيُّ -ﷺ- الناس إلى ثلاثة أصناف؛ فقال: «مَثَلُ ما بَعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نقيَّة، قَبِلت الماء، فأنبتت الكلأ والعُشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع الله بها الناس؛ فشَربوا وسَقُوا وزرعوا، وأصابت منها طائفة أخرى، إنما هي قِيعان لا تُمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مَثَلُ مَنْ فقه في دين الله، ونفعه ما بعثني الله به فعَلِم وعَلَّم، ومَثَل مَنْ لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يَقبل هدى الله الذي أرسلت به» (^١)؛ فقسم النبيُّ -ﷺ- السامعين لهذا العلم والهدى إلى ثلاثة أصناف:\nالأول: (الأرض الطيبة)، وهم مَنْ أعطاهم الله ذكاء وزكاء؛ فأعطاهم ذكاء استطاعوا به أن يحفظوا العلم وأن يحصلوه ويدركوا به مسائله. وأعطاهم زكاء حملهم على العمل بالعلم والدعوة إليه وتبليغه.\nوالثاني: (أجادب، أمسكت الماء)، وهم الذين أُوتوا ذكاء ولم يُؤتوا زكاء؛ فاستطاعوا بذكائهم أن يحفظوا العلم، وأن يدركوا مسائله، لكنهم لم يستفيدوا به في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧١) ومسلم (١٠٣٧) من حديث معاوية ﵁.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٩) ومسلم (٢٢٨٢) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.","vol":"1","page":6},{"text":"ذات أنفسهم، وإنما حفظوه ليستفاد منه غيره؛ كما قال -ﷺ-: «نَضَّر الله امرءًا سمع منا حديثًا، فحفظه حتى يبلغه، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه» (^١).\nوالثالث: (قيعان)، وهم مَنْ حرموا الذكاء والزكاء، فلم يُحَصِّلوا العلم وبالتالي لم يعملوا به.\nلذلك لا بد أن يحرص طالب العلم على أن يكون من الصنف الأول.\nوأما أفضل طريقة لتحصيل العلم والاستفادة منه: هي كما قال ابن القيم: «وللعلم سِتُّ مَرَاتِب:\nأولها: حُسْن السُّؤَال.\nالثَّانِيَة: حُسْن الإنصات.\nالثَّالِثَة: الاستماع.\nالرَّابِعَة: حُسْن الفَهم.\nالْخَامِسَة: الحِفْظ.\nالسَّادِسَة: التَّعْلِيم، وَهِي ثَمَرَته، وَهِي الْعَمَل بِهِ ومراعاة حُدُوده.\nفَمن النَّاس مَنْ يُحرمه لعدم حُسْن سُؤَاله، إمَّا لأنه لَا يَسأل بِحَال أَوْ يسأل عَنْ شَيْء وَغَيره أهم إليه مِنْهُ؛ كمن يَسْأَل عَنْ فضوله الَّتِي لَا يَضر جَهلُه بهَا ويدع مَالا غِنى لَهُ عَنْ مَعْرفَته. وَهَذِه حَال كثير من الْجُهَّال المُتعلمين.\nوَمن النَّاس مَنْ يُحرمه لِسُوء إنصاته؛ فَيكون الْكَلَام والممارات آثرَ عِنْده وَأحبَّ إليه من الإنصات، وَهَذِه آفَة كامنة فِي أكثر النُّفُوس الطالبة للْعلم، وَهِي تمنعهم علمًا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٣٦٦٠) والترمذي (٢٦٥٦) من حديث زيد بن ثابت ﵁.","vol":"1","page":7},{"text":"كثيرًا» (^١).\nفإذا طبق طالب العلم هذه المراتب فهو أهل لِنَيْل العِلم.\nفأولًا: حُسن الإنصات، وهذا يُستفاد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]، فليحرص طالب العلم جيدًا على أن يسمع قبل أن يتكلم.\nثانيًا: حُسن السؤال، فعَنْ مُغِيرَةَ قَالَ: قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ أَصَبْتَ هذا العِلمَ؟ قال: «بِلِسَانٍ سَؤُولٍ، وَقَلْبٍ عَقُولٍ» (^٢).\nوقالت عائشة ﵂: «نِعم النساءُ نِساءُ الأنصار؛ لم يَمنعهن الحياء أن يَتفقهن في الدِّين» (^٣).\nوقال مجاهد: «لا يتعلم العلمَ مُستحي ولا مستكبرٌ» (^٤).\nوكما جاء في الحديث: «شِفَاءُ العِيِّ السُّؤال» (^٥).\nثالثًا: حُسن الفهم، ويستفاد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧]؛ فلا بد من حسن الفهم ومعرفة المسائل والأقوال والأدلة.\nرابعًا: الحفظ والكتابة، فعن أنس بن مالك ﵁، قال: قال النَّبِيُّ -ﷺ-: «قَيِّدُوا\n_________\n(^١) «مفتاح دار السعادة» لابن القيم، بتصرف يسير (١/ ١٦٩).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في «فضائل الصحابة» (٢/ ٩٧٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (١/ ٣٨) تعليقًا، ومسلم موصولًا (٣٣٢).\n(^٤) أخرجه البخاري (١/ ٣٨) تعليقًا.\n(^٥) أخرجه أبو داود (٣٣٦) والدارمي (٧٧٩) وابن ماجه (٥٧٢) من حديث أبي هريرة ﵁، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٤٦٤).","vol":"1","page":8},{"text":"العِلْمَ بِالْكِتَابِ» (^١).\nوكما روي عن الإمام الشافعي ﵀ أنه قال:\nالعِلمُ صَيدٌ والكِتابةُ قَيدُهُ … قَيِّدْ صيودكَ بالحِبالِ الواثِقَه\nفَمِنْ الحَماقَةِ أَنْ تَصيدَ غَزالَةً … وتَرُدَّها بَينَ الخَلائقِ طالِقه\nوكما قال الخليل بن أحمد: «ما سمعت شيئًا إلا كتبتُه، ولا كتبت شيئًا إلا حفظته، ولا حفظت شيئًا إلا انتفعتُ به» (^٢).\nخامسًا: السعي لتعليمه، فإذا أرادت طالب العلم أن يبقى ما تعَلَّمه، فعليه أن يبذله، كما قال عليٌّ ﵁: «العلم يزكو على الإنفاق» (^٣).\nفالشيخ والمُعَلِّم هو الطالب الأول، وهو أول مُستفيد من العلم الذي يشرحه ويَنشره.\nومن نظر إلى من اشتغل عن العلم بوظيفة ودنيا يرى أنه ينسى العلم سريعًا، ويرجع إلى الحال التي كان عليها قبل الطلب.\nسادسًا: العمل به، كما قال عليُّ بن أبي طالب ﵁: «هتف العلم بالعمل؛ فإن أجابه، وإلَّا ارتحل» (^٤).\nفإذا حرص طالب العلم على تطبيقه والعمل به، فهذا أدعى لبقائه؛ فقدر العلم ومنزلته وطلبه يرتقي بهها المرتبة.\n_________\n(^١) أخرجه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» (١١/ ٢٣٤)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٠٢٦).\n(^٢) أخرجه الخطيب البغدادي في «تقييد العلم» (ص ١١٤).\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٨٠)، والخطيبُ البغدادي في «الفقيه والمتفقه» (١/ ١٨٢ - ١٨٣) برقم (١٧٦)، والمزي في «تهذيب الكمال» (٢٤/ ٢٢٠).\n(^٤) «اقتضاء العلم العمل» (ص ٣٥).","vol":"1","page":9},{"text":"وضد هذه المراتب الست موانع تصد عن تحصيل العلم وتصرف عن طلبه أو بقائه.\nولا بد لطالب العلم من آداب حتى يتأدب بأخلاق أهل العلم، وأهمها:\nأولها: الإخلاص، وهو عزيز، وعلى الإنسان أن يجاهد أن يكون نفسه في تحصيله؛ ليكون كل عمله لوجه الله، وخاصة طلبه للعلم وبذله، والأمر- كما قال عن سفيان الثوري-: «ما عالجتُ شيئًا أشدَّ عليَّ مِنْ نيتي؛ لأنَّها تَنقلب عليَّ». وعن يوسف بن أسباط، قال: تخليص النية من فسادها أشد على العاملين من طول الاجتهاد» (^١).\nويُشترط في العبادات- حتى يَقبلها الله ﷿، ويُثيب عليها العبد- شرطان:\nالشرط الأول: الإخلاص لله ﷿؛ قال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء﴾ [البينة: ٥]، ومعنى الإخلاص هو: أن يكون مراد العبد بجميع أقواله وأعماله الظاهرة والباطنة ابتغاء وجه الله تعالى؛ قال تعالى: ﴿إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا﴾ [الإنسان: ٩]، وعن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ» (^٢).\nوعن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «قَالَ اللَّهُ ﵎: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ» (^٣).\nالشرط الثاني: مُوافقة العمل للشرع الذي جاء به النبيُّ -ﷺ-؛ فقد جاء في الحديث\n_________\n(^١) انظر: «جامع العلوم والحكم» لابن رجب (١/ ٧٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (بدء الوحي/ ١).\n(^٣) أخرجه مسلم برقم (٢٩٨٥).","vol":"1","page":10},{"text":"عن النبي -ﷺ-: «مَنْ عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» (^١).\nقال الإمام ابن رجب ﵀: «هذا الحديث أصلٌ عظيم من أصول الإسلام، وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها، كما أن حديث: «إنما الأعمال بالنيات» ميزان للأعمال في باطنها، فكما أن كل عمل لا يُراد به وجه الله تعالى فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك كلُّ عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل مَنْ أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله، فليس من الدين في شيء» (^٢).\nوقال الإمام ابن القيم ﵀: «فإن الله جعل الإخلاص والمتابعة سَبَبَا لقبول الأعمال، فإذا فقد لم تُقبل الأعمال» (^٣).\nفاحرص- يا طالب العلم- على الإخلاص وإصلاح الطوية وترك المعاصي؛ فقد قال الإمام الشافعي ﵀:\nشَكَوْتُ إلَى وَكِيعٍ سُوءَ حِفْظِي … فَأرْشَدَنِي إلَى تَرْكِ المعَاصي\nوَأخْبَرَنِي بأَنَّ العِلْمَ نُورٌ … ونورُ الله لا يُهدى لعاصي\nفلا يمكن أن يجتمع النور والظلمة معًا.\nفليس من الحكمة أن يقوم الغارس ببذر الأرض قبل حرثها وإصلاح بيئتها؛ لذا مَنْ طلب العلم فعليه أن يُصلح نيته ويَعمل على تهذيب نفسه؛ لكي يُحَصِّل العلم ويعود عليه بالنفع.\nوليس طالب العلم بمعصوم، ولكن حياة القلب كحياة البدن، فالبدن لا يقوم إلا بالغذاء النافع (الطعام والشراب) وحميته مما يضرُّه، واستفراغ الفاسد منه؛ كالبول\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧١٨) من حديث عائشة ﵂.\n(^٢) «جامع العلوم والحكم» (ص ٥٩).\n(^٣) «الروح» (ص ١٣٥).","vol":"1","page":11},{"text":"والبراز والعرق. وهذا ما يحرص عليه أطباء البدن.\nويقابل إصلاح البدن إصلاح الرُّوح والنفس، وهو ما يقوم به العلم النافع والعمل الصالح.\nفالله قد أودع في الإنسان قُوَّتين: قوة في النظر وقوة في الإرادة، والشيطان لا يَدخل على الإنسان إلا منهما؛ أي: من باب الشبهة التي تتسلط على نظره، ومن باب الشهوة في الحرام التي تتسلط على إرادته.\nوالشبهات المُضللة تُدفع بالعلم النافع، والشهوات المحرمة تدفع بالعمل الصالح.\nفالدواء النافع هو في طلب العلم ولزوم الطاعة والحرص عليها.\nوالأمر ليس هينًا في البداية، ولكنه يحتاج إلى مجاهدة حتى تألفه النفس؛ وساعتها لن تبغي به بديلًا.\nفإذا صحت النفس واستقامت على العلم النافع والعمل الصالح لن تبغي به بديلًا.\nفهذا سبيل طالب العلم الذي يجب عليه أن يجاهد في مدارسته، وأن يثني الركب في مجالس العلماء من أجل تحصيله.\nفإذا انشغل المسلم بطلب العلم فلن يكون عنده وقت لتفكير فاسد في شبهة أو انشغال بشهوة محرمة.\nفالنفس إن لم تشغلها بالطاعة شغلتك بالمعصية، ولذلك قال -ﷺ-: «أصدق الأسماء: حارثٌ وهَمَّامٌ» (^١)؛ لأن الإنسان في فكر دائم وعمل دائب.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٨١٤)، وأحمد في «المسند» (١٩٠٣٢)، وأبو داود في «سننه» (٤٩٥٠)، وحسنه الألباني في «الصحيحة» (١٠٤٠).","vol":"1","page":12},{"text":"ثم لا بد من استفراغ الفاسد؛ لأن الإنسان من طبعه التقصير، والخطأ يلازمه في كثير من أحواله، فيستفرغ ما دخل على النفوس من أمور لا يرضاها الله تعالى- بالتوبة والاستغفار، فعن أبي مُوسى الأَشْعَرِيِّ ﵁، عن النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ؛ لِيَتُوب مُسيءُ النَّهَارِ، وَيبْسُطُ يَدهُ بالنَّهَارِ ليَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مغْرِبِها» (^١). فباب التوبة مفتوح على مدار الوقت، وليس بين العبد وبين ربه واسطة، وهو جل وعلا ينادي على عباده كل ليلة ليسألوه ويستغفروه؛ فعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله -ﷺ- قال: «يَنزل ربُّنا﵎- كُلَّ ليلة إلى السماء الدُّنيا حِين يَبقى ثُلُثُ الليل الآخر يقول: مَنْ يَدعوني، فأستجيبَ له؟ مَنْ يسألني فأعطيَه؟ مَنْ يَستغفرني فأغفرَ له؟» (^٢).\nفالله غفور رحيم؛ يغفر الذنوب، بل يُبدلها حسنات كرمًا منه سبحانه، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨ - ٧٠].\nفطالب العلم بحاجة بعد الإخلاص إلى تطهير النفس وتهيئتها لتَقَبُّل العلم.\nوالذي يفسد على طلاب العلم أمر التحصيل: أمراض النفوس وعللها التي تحمل على الكسل، ومصاحبة رفقاء السوء، والوقوع في المعاصي.\nولا نجاة لنا في الدنيا ولا في الآخرة إلا بصلاح النفوس؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٨٩]؛\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٧٥٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨).","vol":"1","page":13},{"text":"والقلب لا يكون سليما إلا بالسلامة من الشرك والشبهة والحسد والغل والمعاصي.\nومن حفظ طالب العلم لنفسه وعمله على صلاحها: ألا يصاحب إلا الأخيار الذين يعينونه على الطلب؛ لقوله -ﷺ-: «المَرْءُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ» (^١).\nوأما ما يفعله طلاب العلم من الجلوس مع أقرانهم؛ ليتدارسوا مسائل العلم، دون الذهاب إلى مجالس العلماء؛ فهذه آفة يجب التنبه لها؛ لأنهم جميعًا صغار أَغْرار في بداية الطلب؛ فيُضيعون الأوقات، ولا يُحْكِمون ما يتدارسونه، وقد يكون فهم أحدهم أسوأ من فهم الآخر، فلا يزدادون إلا سوء فهم وبُعد عن الطلب الصحيح، وقد يكون هذا سببًا في انحرافهم عن الفهم المستقيم.\nوكذلك لا بد أن يكون لطالب العلم أن يكون كسبه طيبًا حلالًا، فإن هذا مما يعينه على الطلب والتحصيل؛ فعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله -ﷺ-: «إنَّ الله تعالى طَيِّبٌ لا يَقبل إلا طيبًا، وإنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المُرسلين؛ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ثم ذكر الرجلَ يُطيل السفر، أشعث، أغبر، يَمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومَطعمه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنَّى يُستجاب له؟!» (^٢).\nثم على طالب العلم بعد حفظ نفسه من فتنة الشبهات والشهوات: أن يحفظ وقته؛ فلا يضيعه فيما لا يفيد، ولا يضيع لحظة بدون فائدة، وليحذر فضول الطعام والشراب والنوم، وليأخذ نفسه بالمجاهدة حتى تألف الطاعة وحفظ الوقت؛ كما قيل:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «مسنده» (٨٣٩٨)، والترمذي (٢٣٧٨)، وأبو داود (٤٨٣٣)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٥٤٥)، و«الصَّحيحة» (٩٢٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠١٥).","vol":"1","page":14},{"text":"والنفس كالطفل إن تهمله شَبَّ على … حُبِّ الرضاع وإن تَفطمه ينفطم\nوجاهد النفس والشيطان واعصهما … وإن هما مَحَضَّاك النصح فاتَّهِم\nفعليك بتنظيم الوقت، فأول النهار بعد الفجر للحفظ والاستذكار. ووسط النهار للكتابة والتصنيف.\nإلى جملة آداب يجدها طالب العلم مبسوطة في كتب أهل العلم التي ذكرت آداب طلب العلم والسبيل إلى تحصيله.\nهذا، والعلم يحتاج إلى الصبر وحبس النفس عليه وتحمل المشقة على سبيل تحصيله؛ ليكون ما يطلبه معينًا له على فهم هذا الدين؛ وقد قال ابن القيم عن الصبر: «إنَّه يُورث صاحبه درجة الإمامة؛ سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية- قَدَّس الله رُوحه- يقول: بِالصَّبر واليقين تُنال الإمامة في الدِّينِ. ثم تلا قوله تعالى: ﴿وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون﴾ [السجدة: ٢٤]» (^١).\nفالأمر جِدٌّ لا هزل فيه، على حَدِّ قول الشاعر:\nقد هَيَّئوك لأمرٍ لو فَطنت له … فأربأ بنفسك أن تَرعى مع الهَمَلِ\nوعن إبراهيم بن عيسى، عن عبد الله بن مسعود أنه قال لأصحابه: «كُونوا ينابيع العلم، مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سُرُج الليل، جُدُد القلوب، خُلْقان الثياب؛ تُعرفون في السماء وتَخفون على أهل الأرض» (^٢).\nلذا نجد طالب العلم من أحسن الناس، وقلبه من أطهر القلوب ونفسه من أنقى النفوس؛ لأنه دائمًا متجدد في إيمانه يسمع ويدرس ويذاكر كلام الله وكلام رسوله -ﷺ-.\nوهناك أنواع لا يَصلحون لحمل العلم:\n_________\n(^١) «مدارج السالكين» لابن القيم (٢/ ١٥٣).\n(^٢) أخرجه ابن عبد البر في «جامع بيان العلم وفضله» (١/ ٥٠٧).","vol":"1","page":15},{"text":"النوع الأول: مَنْ جعل هذا العلم مطيَّة لدنياه.\nالنوع الثاني: رجل مُنقاد لشهوته.\nالنوع الثالث: رجل ذو هِمَّة وَضِيعة.\nالنوع الرابع: ورجل همه كسب المال وجمعه؛ فهو يريد أن يكون صاحب دنيا؛ كتاجر ونحو ذلك.\nفإذا أراد أحد هذه الأصناف أن يطلب العلم؛ فليعلم أنه سيكون في واد والعلم في واد آخر.\nوهناك أربعة أصناف ضد أهل العلم؛ يقول ابن القيم ﵀: «قال محمدُ بن الفضل: ذهابُ الإسلام على يدي أربعة أصنافٍ من الناس: صنفٍ لا يعملون بما يعلمون. وصنفٍ يَعملون بما لا يعلمون. وصنفٍ لا يتعلَّمون ولا يعملون. وصنفٍ يمنعونَ الناسَ من التعلُّم» (^١).\nقلتُ- أي: القيم-: الصنفُ الأول: مَنْ له علمٌ بلا عمل؛ فهو أضرُّ شيءٍ على العامَّة، فإنه حجَّةٌ لهم في كلِّ نقيصةٍ ومَبْخَسَة\nوالصنفُ الثاني: العابدُ الجاهل؛ فإنَّ الناسَ يُحسنون الظنَّ به؛ لعبادته وصلاحه، فيقتدون به على جهله.\nوهذان الصنفان هما اللذان ذكرهما بعضُ السَّلف في قوله: «احذروا فتنةَ العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإنَّ فتنتهما فتنةٌ لكل مفتون» (^٢)؛ فإنَّ الناسَ إنما يقتدون\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ٢٣٣)، والبيهقي في «الشُّعب» (٤/ ٤٣٠).\n(^٢) أخرجه نعيم بن حماد في زوائده على «الزهد» لابن المبارك (٧٥)، وأحمد في «العلل» (٣/ ١١٨ - رواية عبد الله)، وابن أبي حاتم في «تقدمة الجرح والتعديل» (٨٨)، وغيرهم عن سفيان الثوري قال: «كان يُقال …»، فذكره.\nوأخرجه البيهقي في \"المدخل\" (٤٤٣) عن الشعبي.","vol":"1","page":16},{"text":"بعلمائهم وعبَّادهم، فإذا كان العلماءُ فَجَرةً والعبَّادُ جَهَلةً عمَّت المصيبةُ بهما وعَظُمَت الفتنةُ على الخاصَّة والعامَّة.\nوالصنفُ الثالث: الذين لا علمَ لهم ولا عمل؛ وإنما هم كالأنعام السائمة.\nوالصنفُ الرابع: نُوَّابُ إبليس في الأرض؛ وهم الذين يثبِّطون الناسَ عن طلب العلم والتفقُّه في الدين، فهؤلاء أضرُّ عليهم من شياطين الجنِّ، فإنهم يحُولون بين القلوب وبين هدى الله وطريقه.\nفهؤلاء الأربعةُ أصنافٍ الذين ذكرهم- رحمةُ الله عليه- كلُّهم على شفا جُرفٍ هار، وعلى سبيلِ هَلَكة، وما يَلقى العالِمُ الداعي إلى الله ورسوله ما يلقاه من الأذى والمحاربة إلا على أيديهم، والله يَستعملُ من يشاءُ في سخطه كما يستعملُ مَنْ يحبُّ في مرضاته؛ إنه بعباده خبيرٌ بصير.\nولا ينكشفُ سرُّ الطوائف المنحرفة وطريقتُهم إلا بالعلم؛ فعاد الخيرُ بحذافيره إلى العلم ومُوجَبه، والشرُّ بحذافيره إلى الجهل ومُوجَبه» (^١).\nوقال عمر ﵁: «إنَّ أخوف ما أخاف عليكم ثلاثة: منافق يَقرأ القرآن لا يخطئ فيه واوًا ولا ألفًا؛ يجادل الناس أنه أعلم منهم؛ ليضلهم عن الهدى. وزَلَّة عالم. وأئمة مُضلون» (^٢).\nوقال ابن المبارك:\nوهلْ أفسدَ الدينَ إلا الملوكُ … وَأحبارُ سُوءٍ وَرُهبانها\nفباعُوا النفوسَ ولمْ يربحَوا … ولمْ تغلُ في البيعِ أثمانها\nلقد وقع القوم في جيفةٍ … يَبين لذي اللُّبِّ إنتانُها\n_________\n(^١) «مفتاح دار السعادة» لابن القيم (١/ ٤٥٥، ٤٥٦)، بتصرف واختصار.\n(^٢) أخرجه الفريابي في «صفة النفاق وذم المنافقين» (ص ٧١).","vol":"1","page":17},{"text":"لذلك كان هم السلف الصالح هو قيام الدِّين.\nفالعبرة بقيام هذا الدين وإرجاع الناس إليه، وليس العبرة بتكثير الأتباع والاغترار بهم؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].\nفلا ينبغي أن نجمع الناس كيفما اتفق، وإنما الواجب أن نعمل أن يهتدي الناس للدين الحق القائم على التمسك بالكتاب والسنة.\nوكما يقول عليٌّ ﵁: «النَّاس ثلاثة: فعالم ربَّانيٌّ. ومتعلِّم على سبيل نجاة. وهمج رعاع أتباع كلِّ ناعق؛ لم يَستضيئوا بنور العلم، ولم يَلجؤوا إلى ركن وثيق …» (^١).\nفالعالم الرباني: هو الذي عَلِم وعمل ودعا وعَلَّم.\nوالمتعلم على سبيل نجاة: هو الذي في طريق أن يكون في طريق العلماء الرَّبانيين.\nوهمج رعاع: هم كَذُباب القُرى، حمقى لا عقول لهم؛ لذا فهم أتباع كل ناعق لا يُميزون بين الحق والباطل.\nوبالمجمل فإن طلب العلم لا شك أنه عظيم، ومع ذلك فمسئوليته كبيرة فإذا لم يعطه الطالب حقه من الرعاية تَحَمُّلًا؛ فكيف في المستقبل يكون أهلًا لأدائه؟! إذ فاقد الشيء لا يعطيه، وكل إناء بالذي فيه يَنضح.\nفهذه مقدمة أردت أن أُقَدِّم بها بين يدي شرح هذا الكتاب؛ لتكون حافزًا لإخواني على طلب العلم، والمثابرة عليه والجد في تحصيله، والله الموفق والهادي على سواء السبيل.\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ٧٩)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٥٠/ ٢٥٥).","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type='title' id=toc-3>المقدمة الثانية: مناهج الناس في مسائل العقيدة.</span>\nفلابد من إعطاء نبذة عن المناهج التي انقسم إليها الناس عند الخوض في هذه المسائل: فحقيقة الخلاف والنزاع قائم بين منهجين لا ثالث لهما، قال شيخ الإسلام ابن تيمية موضحًا هذه الأقسام: \"الْفِرَقِ بَيْنَ الْمِنْهَاجِ النَّبَوِيِّ الْإِيمَانِيِّ الْعِلْمِيِّ الصلاحي وَالْمِنْهَاجِ الصَّابِئِ الْفَلْسَفِيِّ (^١) وَمَا تَشَعَّبَ عَنْهُ مِنْ الْمِنْهَاجِ الْكَلَامِيِّ\n_________\n(^١) هناك نوعان من الفلاسفة:\n١ - الفلسفة اليونانية\n٢ - الفلسفة الهندية\nفالفلسفة اليونانية: قامت على جانب العلم، فهي تنبني على أمور علمية، ويقسمون العلوم إلى ثلاثة أقسام: (علوم إلهية، وعلوم رياضية، وعلوم طبيعية)\nفالعلوم الطبيعية: كطبيعة الأرض وطبيعة الإنسان، وتسمى حديثًا: (علوم الفيزياء)، والعلوم الرياضية: كالحساب والهندسة، والعلوم الإلهية هي ما يتعلق بالله تعالى وشريعته،\nوهذه القسمة لا إشكال فيها، ولكن الإشكال في أنهم يقولون: إن العلوم الرياضية والعلوم الطبيعية علوم صادقة، وأما العلوم الإلهية فإنها علوم كاذبة.\nوهذا يرجع إلى مبدأين عندهم:\nالمبدأ الأول:\nوهو أن العلم إنما يطلق على المحسوس المشاهد فقط (والذي يسمى اليوم بالعلم التجريبي) وهذا معناه إلغاء (عالم الغيب).\nالمبدأ الثاني:\nأن مصدر العلم هو الإنسان ذاته، وهذا معناه (إبطال الوحي).\nهذان هما الأساسان اللذان تقوم عليهما فلسفة اليونان، والتي تأثر بها أهل البدع والضلال.\nوإذا تكلم هؤلاء الفلاسفة في الإلهيات فإنما يتكلمون على طريقة الفرضيات، أي على سبيل التوهم، لا على الحقيقة، لأن هذه الأمور ليس لها وجود في الخارج، فإذن هي غير موجودة عندهم.\nلأن مراتب الوجود أربعة: الوجود الذهني والوجود العيني والوجود اللفظي والوجود الخطي) فالشيء الموجود في الذهن فقط، وليس له وجود في الخارج يسمى وجوده بالوجود الذهني، وإذا كان هذا الشيء موجودًا في الخارج يسمى وجوده بالوجود العيني، وعندما تتكلم به يسمى وجوده بالوجود اللفظي، وعندما تكتبه يسمى وجوده بالوجود الخطي.\nوعند هؤلاء الفلاسفة أنه لا وجود حقيقي لله، والكلام عنه إنما هو في الأذهان فقط، وكل من تأثر بفلاسفة اليونان لن يخرج عن هذا الفكر، ولذلك تجد أن أعظم مسألتين طال الكلام فيهما في العقيدة (صفة الكلام وصفة العلو)، وذلك لتأثر منكري هاتين الصفتين بفلاسفة اليونان.\nوأما الفلسفة الهندية: فإنها قامت على العمل بدون العلم، وممن تأثر بهم الصوفية أصحاب البدع ممن لا علم عندهم، ولهذا تجدهم يعظمون المشاهد والقبور، وغير ذلك من الأعمال التي تهدم جناب التوحيد.\nوأما أهل السنة فقد جمعوا بين العلم النافع والعمل الصالح.","vol":"1","page":19},{"text":"وَالْعِبَادِيِّ الْمُخَالِفِ لِسَبِيلِ الْأَنْبِيَاءِ وَسُنَّتِهِمْ. وَذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ دَعَوْا النَّاسَ إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ أَوَّلًا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَعِبَادَتُهُ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْرِفَتِهِ وَذِكْرِهِ. فَأَصْلُ عِلْمِهِمْ وَعَمَلِهِمْ: هُوَ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ وَالْعَمَلُ لِلَّهِ (^١) \".\nفالمنهج الأول: المنهاج النبوي الإيماني\nوهو منهج الأنبياء والرسل من أولهم إلى أخرهم القائم على العلم والعمل معًا وهذا ما عناه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: \"وَذَلِكَ أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ ﵈ دَعَوْا النَّاسَ إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ أَوَّلًا بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَعِبَادَتُهُ مُتَضَمِّنَةٌ لِمَعْرِفَتِهِ وَذِكْرِهِ. فَأَصْلُ عِلْمِهِمْ وَعَمَلِهِمْ: هُوَ الْعِلْمُ بِاَللَّهِ وَالْعَمَلُ لِلَّهِ\".\nوهؤلاء هم أهلُ السنَّة الذين اعتنوا بالعلمٌ والعمل معًا.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ٢/ ١٦.","vol":"1","page":20},{"text":"والمنهج الثاني: المنهج الصابئ الفلسفي.\nوهذا المنهج مخالف لمنهج الأنبياء والرسل وهو منقسم إلى قسمين: وهو ما عناه شيخ الإسلام بقوله: \"وَمَا تَشَعَّبَ عَنْهُ مِنْ الْمِنْهَاجِ الْكَلَامِيِّ وَالْعِبَادِيِّ\".\nويفهم منه أن المنهاج الفلسفي منقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: المنهج الكلامي. وهم أهل الكلام ومن وافقهم.\nوهؤلاء قومٌ اعتنوا بالعلم دونَ العمل وإن كان علمهم لم ينبنِ على الكتابِ والسنَّة:\nوهم أهلُ الكلام الذين بنوا علمهم على الرأيِ والقياس وعلى الفلسفة وخلا علمهم من العمل، إذ لا يوجد عندهم منهج عمل.\nالقسم الثاني: المنهج العبادي. وهؤلاء هم المتصوفة.\nوقومٌ اعتنوا بالعمل دون العلم: وهم المتصوفة وأشباههم فهؤلاءِ عملٌ بلا علم.\nوهؤلاء وقعوا في مفسدتين:\nفالمتكلم لم يبنِ علمه على الكتابِ والسنَّة، ثم إنه تركَ العمل.\nوالمتصوِّف لم يبنِ عمله على الكتابِ والسنَّة، ثم إنه تركَ العلم فبالتالي ضلوا وأضلوا.\nوأما أهل السنَّة فإن منهجهم يقومُ على العلمِ والعمل معًا، وهذا العلمُ والعمل مبنيٌ على كتابِ الله ﷿ وسنَّةِ نبيه ﷺ وعلى ما كان عليه السلفُ الصالح.\nقال ابن تيمية: \"وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَة: كَانُوا يَقُولُونَ مَنْ فَسَدَ مِنْ عُلَمَائِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ الْيَهُودِ وَمَنْ فَسَدَ مِنْ عُبَّادِنَا فَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ النَّصَارَى. وَكَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ السَّلَفِ يَقُولُ: \"احْذَرُوا فِتْنَةَ الْعَالِمِ الْفَاجِرِ وَالْعَابِدِ الْجَاهِلِ فَإِنَّ فِتْنَتَهُمَا فِتْنَةٌ لِكُلِّ","vol":"1","page":21},{"text":"مَفْتُونٍ\".\nفَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ أَشْبَهَ الْيَهُودَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾.\nوَمَنْ عَبَدَ اللَّهَ بِغَيْرِ عِلْمٍ بَلْ بِالْغُلُوِّ وَالشِّرْكِ أَشْبَهَ النَّصَارَى الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.\nفَالْأَوَّلُ مِنْ الْغَاوِينَ، وَالثَّانِي مِنْ الضَّالِّينَ. \" (^١)\nولذلك كان منهج السلف في التوحيد يقوم على أمرين؛ هما:\n١ - العلم بالله.\n٢ - والعمل لله.\nفجمعوا بذلك بين التصديق العِلمي والعَمل الحُبِّي، وبذلك تميز منهج أهل السنة والجماعة (السلف) عن المناهج الأخرى.\nحيث حققوا كِلا الأمرين؛ من القول التصديقي المعتمد على معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله الواردة في الكتاب والسنة. والعمل الإرادي، وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهي وفق ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.\nولذلك كان كلامهم وعملهم باطنًا وظاهرًا بعلم، وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونًا بالآخر، وهؤلاء هم المسلمون حقًّا؛ الذين سَلِموا من آفات منحرفة المتكلمة والمتصوفة.\nفوقعت كل طائفة من هاتين الطائفتين المنحرفتين في مفسدتين:\nإحداهما: القول بلا علم إن كان متكلمًا، والعمل بلا علم إن كان متصوفًا.\nوالمفسدة الثانية: فوت المتكلم العمل، وفوت المتصوف القول والكلام (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ١٩٦ - ١٩٧.\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٢/ ٤١) بتصرف.","vol":"1","page":22},{"text":"وهو ما وقع من البدع الكلامية والعملية المخالفة للكتاب والسنة.\nفالكلاميون: ويدخل فيهم الفلاسفة ومن سار على نهجهم، أو على بعض مناهجهم من المتكلمين، كمتكلمة الفرق من المعتزلة والجهمية والفرق الكلامية التي جاءت بعدها، والتي تسمى بالفرق الصفاتية الكلامية (الكلابية والأشاعرة والماتريدية)، وكذلك من دخل منهم أو معهم في هذا المجال من متكلمة الخوارج ومتكلمة الشيعة الرافضة ومتكلمة القدرية ومتكلمة المرجئة وغيرهم، فكلهم يجمعهم وصف واحد، أعني: وصفهم بأنهم أهل النظر.\nغالب نظرهم وقولهم في الثبوت والانتفاء، والوجود والعدم، والقضايا التصديقية؛ فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر؛ فاعتنوا بجانب علمي لم يَنْبَنِ على الكتاب والسنة؛ لذلك عَطَّلوا أسماء الله تعالى، وعَطَّلوا صفاتِه ﷿.\nوعندما عَرَّفوا التوحيد؛ قالوا: «واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله». وأهملوا جانب توحيد العبادة: «واحد في ذاته» قالوا: «لا شريكَ له». و«واحد في صفاته»: «لا نظير له». و«واحد في أفعاله»: «لا نِدَّ له». فهذا تقسيمهم للتوحيد (^١).\nويُلاحظ أنه قد خلا في هذه الثلاثة من الجانب العملي، فلا يوجد عمل، ثم إذا تحدثوا عن ذات الله تعالى تحدثوا بالتعطيل؛ فقالوا بما قالوا: \"ليس في جهة، ولا في عُلو، ولا في مكان، ولا في حيز\" ولا إلى غير ذلك؛ فجعلوه والعدم سواء، وإذا تحدثوا عن صفات الله تعالى تحدثوا عن سبع صفات فقط، وإذا تحدثوا عن أفعال الله تعالى وهذا هو الذي سَلِم لهم: «توحيد الربوبية»؛ فلم يَسلم لهم إلا توحيد الربوبية، ونحن نعلم أن كفار قريش كانوا مُقِرِّين بتوحيد الربوبية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]؛ فهذا حاصل توحيد هؤلاء.\n_________\n(^١) انظر: «المِلل والنِّحَل» للشهرستاني (١/ ٤٢)، مؤسسة الحلبي.","vol":"1","page":23},{"text":"وأمَّا الصُّوفيون: فغالب طلبهم وعملهم في المحبة والبغضة، والإرادة والكراهة، والحركات العملية؛ فاعتنوا بجانب العمل، وأهملوا جانب العلم، وكذلك عملهم لم ينبنِ على السنة، وإنَّما انبنى على البدعة؛ إذ غايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة.\nوهكذا إذا جئنا إلى أهل التصوف لم نجد عندهم من حقيقة التوحيد شيء.\nأمَّا توحيدُ أهل السُّنَّة فيقوم على هذين الأصلين العظيمين: أن تَعرف اللهَ، وذاك بمعرفة أسمائه وصفاته التي وردت في الكتاب والسُّنَّة. وأن تعبد الله، وهذا باتِّباع شرع الله ﷿ على لسان رسوله -ﷺ-.\nفالسلف وأتباعهم جعلوا من توحيد الأسماء والصفات إحدى الرَّكيزتين التي قام عليها منهجهم المعتمد على نصوص الكتاب والسنة، وذلك لما لهذا التوحيد من أهمية ومنزلة، وهذا ما تشهد له كثرة النصوص الشرعية الواردة في هذا الشأن.\nفلذلك لا بد لصاحب السُّنَّة أن يدرس هذا الباب، وأن يَبني هذه الدراسة على الكتاب والسنة؛ ليعرف الله ﷿، فلن تكون من أصحاب السنة ولن تكون من أتباع السلف حتى تُعنى بهذا الباب، والعلم بهذا الباب-كما ذكر العلماء- مطلوب لذاته، ليس وسيلة للعمل كما يزعم البعض؛ فكلٌّ من العِلم بالله والعمل لله مطلوب لذاته؛ فقد يكون منه ما هو وسيلة، ومنه ما هو غاية؛ فيجب أن نعلم أنه لا بد من معرفة هذا الباب وتعلمه؛ باعتبار أنه أمر مطلوب لذاته، وإن كان لا يُكتفى به وحده، بل لا بد وأن يجتمع معه عبادة الله ﷿، وإلا فإن العبد لا يكون مؤمنًا، وبهذا نعلم أن من أهمية هذا الباب أنه أصلٌ عظيمٌ في منهج أهل السنة والجماعة.","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>المقدمة الثالثة: بيان قاعدة مهمة بين يدي شرح الكتاب:</span>\nهناك قاعدة مهمة يجدر التنبه لها لفهم مسائل هذا الباب بل ولفهم جميع مسائل الدين، فإذا كانت الحكمة هي وضع الشيء في موضعه والله يقول: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا) [البقرة: ٢٦٩].\nقال أبو إسماعيل الهروي: \"الحِكْمَة اسم لإحكام وضع الشيء في موضعه\" (^١).\nوقال ابن القيِّم: \"الحِكْمَة: فعل ما ينبغي، على الوجه الذي ينبغي، في الوقت الذي ينبغي. (^٢) \"\nفإن من الحكمة أن تدرك أن هذه القسمة الثنائية للتوحيد يرجع أصلها إلى أن النظر إلى الشريعة يكون من عدة اعتبارات، ومن بين تلك الاعتبارات أننا لو نظرنا للشرع من جهة ما يجب على الإنسان، باعتبار أن هذا الوحي أنزل ليخاطب الإنسان، كما قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣].\nوبما أن الإنسان مركب من (جسد وروح).\nوهذا الجسد خلق من تراب؛ قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، وقد جعل الله غذاء هذا الجسد وقوامه إنما يكون من الأرض وما يخرج منها، وما يعيش عليها. فهذا هو أصل الجسد أصله من التراب، ويعيش على ما يخرج من التراب.\n_________\n(^١) «منازل السائرين» للهروي (ص ٧٨).\n(^٢) «مدارج السالكين» لابن القيم (٢/ ٤٤٩).","vol":"1","page":25},{"text":"وأما الجزء الثاني من الإنسان فهو (الروح)؛ فقد قال جل وعلا: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩]، وهذه الروح نحن لا نعلم طبيعتها ولا حقيقتها، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]، ولكن الروح لها غذاء كغذاء البدن، وحياة كحياة البدن، ولكن غذاء الروح هو العلم النافع والعمل الصالح، وإذا لم تتناول الروح هذا الغذاء فإنها سوف تمرض أو تموت، كما أن الجسد إذا لم يتناول غذاءه سيمرض أو يموت.\nقال ابن القيم ﵀: «ومدار الصحة على حفظ القوة، والحمية عن المؤذي، واستفراغ المواد الفاسدة … فالقلب محتاج إلى ما يحفظ عليه قوته، وهو الإيمان وأوراد الطاعات، وإلى حمية عن المؤذي الضار، وذلك باجتناب الآثام والمعاصي، وأنواع المخالفات، وإلى استفراغه من كل مادة فاسدة تعرض له، وذلك بالتوبة النصوح» (^١).\nوحياة القلب والروح وغذاؤهما إنما يكون بما أنزله الله تعالى من دينه وشرعه.\nوهذه الروح قد تكلم العلماء في بعض ما يتعلق بها كالعقل، وهل هو هذه المضغة التي تسمى بالقلب والتي قال عنها النبي ﷺ: «ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله» (^٢)، أم هي ما يدور في الدماغ من الأفكار والإرادات ونحوها، أم هو مجموع الأمرين؟\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" لفظ القلب قد يُرَادُ به:\nا-المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجانب الأيسر من البدن، التي جوفها علقة سوداء، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ: \"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان لابن القيم (١/ ١٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١/ ٢٠ رقم ٥٢) ومسلم (٣/ ١٢١٩ رقم ١٥٩٩) عن النعمان بن بشير ﵁.","vol":"1","page":26},{"text":"صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب\" متفق عليه (^١).\n٢ - وقد يراد بالقلب باطن الإنسان مطلقًا، فإن قلب الشيء باطنه، كقلب الحنطة، واللوزة والجوزة، ونحو ذلك، ومنه، سمي القُليب قُليبًا، لأنه أخرج قلبه وهو باطنه، وعلى هذا فإذا أريد بالقلب هذا فالعقل متعلق بدماغه أيضًا، ولهذا قيل: إن العقل في الدماغ كما يقوله كثير من الأطباء، ونقل ذلك عن الإمام أحمد، ويقول طائفة من أصحابه: (إن أصل العقل في القلب، فإذا كمل انتهى إلى الدماغ).\nوالتحقيق \"أن الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا، وما يتصف من العقل به يتعلق بهذا وهذا، لكن:\nمبدأ الفكر والنظر في الدماغ.\nومبدأ الإرادة في القلب.\nوالعقل يراد به العلم، ويراد به العمل، فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة، وأصل الإرادة في القلب، والمريد لا يكون مريدًا إلا بعد تصور المراد، فلابد أن يكون القلب متصورًا، فيكون منه هذا وهذا، ويبتدئ ذلك من الدماغ وآثاره صاعدة إلى الدماغ، فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء.\nوكلا القولين له وجه صحيح\" (^٢).\nولو نظرنا إلى طبيعة الإنسان لوجدنا أن الله ﷿ ركب ركَّب في الإنسان:\n- قوةً في التفكير والعلم والنظر.\n- وقوةً في الإرادة والعمل.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه ١/ ١٢٦ ح ٥٢، ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات ٥/ ٥٠ - ٥١\n(^٢) رسالة في العقل والروح ٢/ ٤٨ - ٤٩ (مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية)","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>بيان القوة العلمية والقوة العملية في القلب</span>\nالقلب معناه: الباطن، ومنه سمي البئر قليبًّا؛ لأنه يحتوي على الماء في باطنه.\nوهل القلب هو الباطن فقط أم يتعلق به الأفكار التي هي في الدماغ؟\nعندما ننظر نجد أنه يقصد به مجموع الأمرين، فعندما زكى ربنا تعالى النبي ﷺ زكاه بأمرين فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢].\nوعندما زكى النبي ﷺ الخلفاء زكاهم بقوله: «الرَّاشدين المهديين» (^١)، فعندما تجمع بين الآية والحديث تجد أنهما متقابلين فنفي الضلال هو الرشد ونفي الغواية هو الهدى.\nوالرشد يكون في العقل، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦].\nوهاتان القوتان (قوة العلم وقوة العمل) جمع بينهما النبي بقوله (أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ\" (^٢) لأن معنى (حارث) أي: عامل، ومعنى (همام): مريد.\nقال ابن القيم ﵀: «وينبغي أن يعرف أن هاتين القوتين لا تتعطلان في القلب، بل إن استعمل قوته العلمية في معرفة الحق وإدراكه، وإلا استعملها في معرفة ما يليق به ويناسبه من الباطل، وإن استعمل قوته الإرادية العملية في العمل به، وإلا استعملها في ضده، فالإنسان حارث هَمَّام بالطبع، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: «أَصْدَقُ الأَسْمَاءِ: حَارِثٌ وَهَمَّامٌ\"، فالحارث: الكاسب العامل، والهمام: المريد، فإن النفس متحركة بالإرادة، وحركتها الإرادية لها من لوازم ذاتها، والإرادة تستلزم مرادًا يكون متصوَّرًا لها، متميزًا عندها، فإن لم تتصور الحق وتطلبه وتريده\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٤ رقم ٢٦٧٦) عن العرباض بن سارية ﵁.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤/ ٢٨٧ رقم ٤٩٥٠).","vol":"1","page":28},{"text":"تصورت الباطل وطلبته، وأرادته ولا بد\" (^١).\nوتأمل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾] الحاقة: ٤٠ - ٤١ - ٤٢ [\nوقوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾] الشعراء: ٢٢١ - ٢٢٢ - ٢٢٣ [.\nوالسؤال: لماذا جمع بين الشاعر والكاهن في السورتين؟\nالجواب: جمع بينهما لأن كلًّا منهما يؤثر على العلم والإرادة، فالشاعر يؤثر على الجانب العملي في القلب، الذي هو الإرادة، فيلهب المشاعر، ويحرك القلوب، وأما الكاهن فإنه يؤثر على الجانب العلمي فيتلاعب بالحقائق العلمية.\nوالخلاصة: أن الإنسان فيه قوتان: قوة العلم والفكر والنظر، وقوة الإرادة والعمل، ولذلك قال أهل السنة: الإيمان قول وعمل، فيقصدون بالقول: العلم، وقول القلب هو التصديق الذي هو العلم بالله تعالى وشرعه.\nوالإسلام منهج كامل يحوي جانب العلم وجانب العمل، فإذا صلح القلب الذي هو الباطن فلا بد أن يصلح الظاهر، فما الذي يجعل شخصًا يمر على الأغاني فيحبها ويطرب لها، ويمر عليها آخر فيبغضها ويتضجر منها؟\nإن الفرق هو ما اشتمل عليه قلب كل منهما من العلم والعمل.\nومن النصوص الدالة على وجود هاتين القوتين:\nقول الله تعالى: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢].\nوقول النبي ﷺ: ««اللهم إني أستهديك لأرشد أموري وأعود بك من شر\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (١/ ٢٥).","vol":"1","page":29},{"text":"نفسي»» (^١)،\nوقول النبي ﷺ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (^٢).\nوضع خطوطًا تحت ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، وقوله ﷺ: «اللهم إني أستهديك لأرشد أموري وأعود بك من شر نفسي»» (^٣)، وقوله ﷺ: «الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ» (^٤).\nستجد إرشادًا ودليلًا على أن في الإنسان:\nقوةً في العلم: فإذًا هو أُلهِم الرشد، وسَلِم من الغواية؛ استقامت عنده قوة العلم.\nوقوة في العمل: فإذا هو هُدِي لطريق الحق وعرفه، وسَلِم من الضلال، فعند ذلك تسقيم عنده قوة العمل.\nفإذًا قوله: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢]، دليل على سلامة علمه وفكره واعتقاده، وسلامة عمله وسلوكه.\nولذلك قال النبي -ﷺ- في تزكية أصحابه: «الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ»، والرشد ضد الغواية، والهدى ضده الضلال، فلذلك كما نعلم أن النبي -ﷺ- أوتي جوامع الكلم، فكان يدعو بهذا الدعاء ««اللهم إني أستهديك لأرشد أموري وأعود بك من شر نفسي»».\nلأنك إذا أُلهمت الرشد استقام وسُدِّد فكرك، وإن سلمت من شر النفس؛ فبالتالي استقام عملك وسلوكك، وبعد ذلك حصلت لك الهداية في الدنيا وفي\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان في صحيحه، برقم: (٨٩٨).\n(^٢) انظر سنن أبي داود برقم (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٣)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الشَّامِيِّينَ (١٧١٤٢)، والدارمي (٩٦)، قال الشيخ الالباني في صحيح الجامع الجزء الثاني صفحة (٨٠٥): صحيح.\n(^٣) تقدم تخريجه انظر الصفحة رقم (٣).\n(^٤) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":30},{"text":"الآخرة؛ لأن الإنسان يُخشى عليه من أمرين: الشهوات والشبهات، فهما جيشان من الباطل الشيطان يغزوك بهما، جيش الشهوات المحرمة، وجيش الشبهات المضللة، فأنت إن نجوت من الشهوات المحرمة ومن الشبهات المضللة؛ فبالتالي تكون قد نلت الخير كله.\nفلا بد أن تسقيم عند الإنسان كل من القوَّتين.\nفقوة التفكير والعلم: يتم بناؤها على كلام الله تعالى وكلام رسوله ﵌، وليس على الفلسفة والمنطق، وعلى آراء الرجال.\nوقوة العمل والسلوك: ينبغي كذلك أن يكون العمل الذي يطبِّقه العبد ويعمله مبنيًا على نصوص الكتاب والسُنَّة.\nفينبغي ألا تغيب هذه المسألة؛ لأنها مسألة أساسية، ما دام العبد قد اختار لنفسه طريق العلم، فعليه أن يدخل من باب السُنَّة، ويتعمق ويقرأ، ويستقرئ هذا المنهج من خلال القرآن، ومن خلال السُنَّة ومن خلال كلام السلف الصالح، وحينها سيجد ينابيع العلم.\nوعلى هذا الأساس فما من مسألة من مسائل الدين إلا وهي تخاطب الإنسان في هذين الجانبين وتجد فيها هذه القسمة الثنائية، ومن الأمثلة على ذلك\nمسألة الإيمان بالله فإن الإنسان لا يعد مؤمنًا بالله إلا بأمرين هما:\nأن يعرف الله.\nوأن يعبد الله.\nوكذلك الإيمان بالقرآن لا يتم إلا بأمرين هما:\nأن يصدق بأخباره.\nوأن يتبع أوامره.","vol":"1","page":31},{"text":"وهكذا الإيمان بالنبي ﷺ لا يتم إلا بأمرين هما:\nأن يصدقه بما أخبر.\nوأن يتطيعه فيم أمر.\nتقسيم آيات القرآن إلى أخبار وأوامر هو من هذا الباب:","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>المقدمة</span>\nمتن الكتاب\nقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ ابْنِ تيمية الحَرَّاني ﵁ وَأَرْضَاهُ:\n«الحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا بَعْدُ:\nفَقَدْ سَأَلَنِي مَنْ تَعَيَّنَتْ إجَابَتُهُمْ أَنْ أَكْتُبَ لَهُمْ مَضْمُونَ مَا سَمِعُوهُ مِنِّي فِي بَعْضِ الْمَجَالِسِ؛ مِنْ الْكَلَامِ (فِي التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ) وَفِي (الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ) لِمَسِيسِ الْحَاجَةِ إلَى تَحْقِيقِ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ وَكَثْرَةِ الِاضْطِرَابِ فِيهِمَا. فَإِنَّهُمَا مَعَ حَاجَةِ كُلِّ أَحَدٍ إلَيْهِمَا وَمَعَ أَنَّ أَهْلَ النَّظَرِ وَالْعِلْمِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعِبَادِ: لَا بُدَّ أَنْ يَخْطِرَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ الْخَوَاطِرِ وَالْأَقْوَالِ مَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُ إلَى بَيَانِ الْهُدَى مِنْ الضَّلَالِ لَا سِيَّمَا مَعَ كَثْرَةِ مَنْ خَاضَ فِي ذَلِكَ بِالْحَقِّ تَارَةً وَبِالْبَاطِلِ تَارَاتٍ وَمَا يَعْتَرِي الْقُلُوبَ فِي ذَلِكَ: مِنْ الشُّبَهِ الَّتِي تُوقِعُهَا فِي أَنْوَاعِ الضَّلَالَاتِ».\nالشرح\n\n<span data-type='title' id=toc-7>أولًا: سبب التسميةُ</span>\nسمِّيَت هذه الرسالة بـ «التَّدْمُرِيَّة»؛ لأن المصنف ﵀ ألفها إجابة على سؤال","vol":"1","page":33},{"text":"ورده من أهل (تَدْمُرَ) (^١) وهي بلدة من بلاد الشام.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>ثانيًا: مادة الرسالة ومحتواها:</span>\nتُعد هذه الرسالة من أهم المراجع التي أَصَّلت لاعتقاد أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات والقَدَر.\nوبين المصنف أن مادة هذه الرسالة ستتناول بيان أصلين مهمين من أصول الاعتقاد، وهما:\nالأصل الأول: التوحيد والصفات.\nالأصل الثاني: الشرع والقدر.\nثالثًا: سبب تأليف الكتاب:\nبدأ المصنف ﵀ كتابه ببيان السبب والداعي إلى تصنيف هذا الكتاب، وقد ذكر أن هناك عدة أسباب دعته إلى تأليفه، وهي كما يلي:\n١ - أنه قد سأله بعض الفضلاء ممن تعينت إجابتهم أن يكتب لهم كتابًا في بيان العقيدة الصحيحة وخاصة مسألة (التوحيد والصفات) ومسألة (الشرع والقدر).\n٢ - مسيس الحاجة إلى تحقيق هذين الأصلين السابق ذكرهما.\n٣ - كثرة الاضطراب في هذين الأصلين، مع شدة الحاجة إليهما لكل أحد.\n٤ - أن أهل النظر والعلم والإرادة والعباد لا بد أن يخطر لهم في ذلك ما يحتاجون معه إلى بيان الهدى من الضلال.\n٥ - وقوع الخلط والتخبط والشبهات في قلوب البعض بسبب كثرة الخائضين في\n_________\n(^١) هي بلدة من أعمال (حِمْص) بالشام قريبة من (حَلَب). قال ياقوت الحموي في معجم البلدان (٢/ ١٧): «هي مدينة قديمة مشهورة في برّية الشام، بينها وبين حلب خمسة أيام». وقد سمي هذا الكتاب (العقيدة التدمرية) نسبة إلى هذه البلدة التي كان صاحب السؤال منها.","vol":"1","page":34},{"text":"هذين الأصلين بغير علم ولا هدى.\nلهذه الأسباب السابقة صنف شيخ الإسلام كتابه هذا.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type='title' id=toc-9>الكلام في التوحيد والصفات والشرع والقدر</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: «فَالْكَلَامُ فِي بَابِ (التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ) هُوَ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ الدَّائِرِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالْكَلَامُ فِي (الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ) هُوَ مِنْ بَابِ الطَّلَبِ وَالْإِرَادَةِ الدَّائِرُ بَيْنَ الْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَبَيْنَ الْكَرَاهَةِ وَالْبُغْضِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، وَالْإِنْسَانُ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَبَيْنَ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ، وَالْحَضِّ وَالْمَنْعِ، حَتَّى إنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا النَّوْعِ وَبَيْنَ النَّوْعِ الْآخَرِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَمَعْرُوفٌ عِنْدَ أَصْنَافِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْعِلْمِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الأيمَانِ، وَكَمَا ذَكَرَهُ الْمُقَسِّمُونَ لِلْكَلَامِ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالنَّحْوِ وَالْبَيَانِ، فَذَكَرُوا أَنَّ الْكَلَامَ نَوْعَانِ: خَبَرٌ وَإِنْشَاءٌ، وَالْخَبَرُ دَائِرٌ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالْإِنْشَاءُ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ أَوْ إبَاحَةٌ».\nالشرح\nفقول المصنف: \"فَالْكَلَامُ فِي بَابِ (التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ) هُوَ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ الدَّائِرِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالْكَلَامُ فِي (الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ) هُوَ مِنْ بَابِ الطَّلَبِ وَالْإِرَادَةِ الدَّائِرُ بَيْنَ الْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَبَيْنَ الْكَرَاهَةِ وَالْبُغْضِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا\".\nبدأ المصنف رحمه الله تعالى هذا الكتاب ببيان الأصلين اللذين يشتمل عليهما هذا الكتاب، وهما:\nالأصل الأول: (باب التوحيد والصفات)","vol":"1","page":36},{"text":"الأصل الثاني: (باب الشرع والقدر).\nوهذا نوع من أنواع تقسيمات التوحيد\nوأهل السنة عندما يقسمون التوحيد يقسمونه إلى قسمين:\n- التوحيد العلمي الخبري.\nوالتوحيد الإرادي الطلبي.\n- أو يقولون: توحيد المعرفة والإثبات.\nوتوحيد القصد والطلب.\n- أو يقولون: التوحيد العلمي.\nوالتوحيد العملي.\n- أو يقولون: توحيد السيادة.\nوتوحيد العبادة.\nفأكثرهم على هذه القسمة الثنائية.\nومنهم من يقسمه إلى ثلاثة أقسام:\nتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وتوحيد الألوهية.\nوهي تقسيمات وإن اختلفت في عباراتها، فإنها متحدة في مضموناتها.\nوقد قال ﵀: «إن الحاجة ماسة إلى تحقيق هذين الأصلين».\nفقول المصنف: \"فَالْكَلَامُ فِي بَابِ (التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ) \" يقابله في التقسيمات الأخرى من حيث التقسيم الثنائي:\nالتوحيد العلمي الخبري.\nأو توحيد المعرفة والإثبات.","vol":"1","page":37},{"text":"أو التوحيد العلمي.\nأو توحيد السيادة.\nومن حيث التقسيم الثلاثي:\nتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.\nفقول المصنف: \"وَالْكَلَامُ فِي (الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ) \" فقوله (الشرع) المقصود به هنا (الاتباع) ويقابله في التقسيمات الأخرى من حيث التقسيم الثنائي:\nالتوحيد الإرادي الطلبي.\nأو توحيد القصد والطلب.\nأو التوحيد العملي.\nأو توحيد العبادة.\nومن حيث التقسيم الثلاثي:\nتوحيد الألوهية.\nوقول المصنف: \"بَابِ (التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ) هُوَ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ الدَّائِرِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ\"\n\n<span data-type='title' id=toc-10>مبحث أقسام الكلام من حيث كونه خبرًا أو إنشاءًا،</span> يتناوله علماء اللغة، والمعاني، والأصول، والكلام، وغيرهم، ويَرِد كثيرًا في كتب العقائد.\nأما<span data-type='title' id=toc-11> تعريفه عند أهل اللغة:</span>\nالخبر في لغة العرب يطلق ويراد به: النبأ والعلم، ذكر في اللسان: (الخَبَر: النَّبأ، والجمع: أَخْبار، وأَخابير جمع الجمع … وخَبَّرَه بكذا وأَخْبَره: نَبَّأه) (^١)، وقال\n_________\n(^١) لسان العرب ٤/ ٢٢٧ - مادة \"خ ب ر\".","vol":"1","page":38},{"text":"ابن فارس: (أما أهل اللغة فلا يقولون في الخبر أكثر من أنه إعلام، تقول: أَخْبَرتُه أُخْبِرُه، والخُبْر هو العلم) (^١).\nوللفرق بين الاستعمالين اللغوي من جهة والبلاغي والأصولي وغيره من الاستعمالات الأخرى.\nقال ابن فارس\": أما أهل اللغة فلا يقولون في الخبر أكثر من أنه: إعلام، تقول: أخبرته، أُخْبِره، والخبر هو العلم.\nوأهل النظر يقولون: الخبر ما جاز تصديق قائله أو تكذيبه.\nوهو إفادة المخاطب أمرًا في ماض من زمان، أو مستقبل، أو دائم نحو: قام زيد، ويقوم زيد، وقائم زيد.\nثم يكون واجبًا وجائزًا، وممتنعًا؛ فالواجب قولنا: النار محرقة، والجائز قولنا: لقي زيد عمرًا، والممتنع قولنا: حَمَلَتْ الجَبَلُ) (^٢)\nفقد عرف بعدة تعريفات عند الأصوليين والبلاغيين لا تخلو من وجود استدراك عليها (^٣).\nفقيل الخبر: تعريفه: عرف بأنه: ما يحتمل الصدق والكذب لذاته.\nوقيل: الخبر ما يصح أن يقال لقائله: إنه صادق فيه أو كاذب؛ فإن كان مطابقًا\n_________\n(^١) الصاحبي ص ٢٨٩.\n(^٢) الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها لأحمد بن فارس ص ١٣٣.\n(^٣) ويرى بعض الباحثين أن الكلام حول مفهوم الخبر والإنشاء قد نشأ مع نشأة الجدل في عصر المأمون حول فتنة القول بخلق القرآن؛ حيث بنى المعتزلة قولهم بخلق القرآن على أساس أن ما تضمنه لا يخرج عن واحد من ثلاثة: أمر، ونهي، وخبر.\nوذلك مما ينفي عنه صفة القدم-بزعمهم-\" انظر علم المعاني د. عبدالعزيز عتيق ص ٤٣.","vol":"1","page":39},{"text":"للواقع كان قائله صادقًا، وإن كان غير مطابق للواقع كان قائله كاذبًا\" (^١)\nوذكر الشيخ ابن عثيمين في الخبر أنه: \"الكلام الدائر بين النفي والإثبات من قبل المتكلم، المقابل بالتصديق أو التكذيب من قبل المخاطب\" (^٢)\nوهذا التعريف يجمع بين بعض التعريفات التي ذكرها العلماء، ولا يرد عليه كثير إشكال، ولو اقتصر على الجزء الثاني لكان أسهل وأضبط، فيقال:\nالخبر هو: الكلام الذي يقابل بالتصديق أو بالتكذيب.\nوهذا ضابط سهل للمتعلمين، لأنه يضبط الخبر بأخص أوصافه الظاهرة (^٣)\nوقد ذكر عبد القاهر الجرجاني أن العقلاء \"جعلوا من خاص وصفه أنه يحتمل الصدق والكذب\" (^٤)\nوقال ابن وهب: \"وليس في صنوف القول وفنونه ما يقع فيه الصدق والكذب غير الخبر والجواب؛ إلا أن \"الصدق والكذب\" يستعملان في الخبر، ويستعمل مكانهما في الجواب: \"الخطأ والصواب\"، والمعنى واحد وإن فرق اللفظ بينهما، وكذلك يستعمل في الاعتقاد في موضع \"الصدق والكذب\": \"الحق والباطل\"، والمعنى قريب\" (^٥)\nوقول المصنف: \"وَالْكَلَامُ فِي (الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ) هُوَ مِنْ بَابِ الطَّلَبِ وَالْإِرَادَةِ\"\nالطلب هو قسيم الخبر، وقد يعبر عنه أحيانًا بالإنشاء، والحديثُ عنه سيتناول ما يلي:\n_________\n(^١) انظر علم المعاني د. عبدالعزيز عتيق ص ٤٨.\n(^٢) تقريب التدمرية ص ١٣.\n(^٣) المصدر موقع ملتقى أهل التفسير\n(^٤) دلائل الإعجاز ص ٥٣١ و٥٣٣.\n(^٥) البرهان في وجوه البيان [نقد النثر/ ٤٥ [.","vol":"1","page":40},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>أ - تعريفه:</span> قيل: هو الكلام الذي لا يحتمل الصدق والكذب لذاته.\nوعلى حد تعبير البلاغيين: هو ما يستدعي مطلوبًا غير حاصل في وقت الطلب.\nأو-كما يقولون بعبارة أخرى-: هو ما يتأخر وجود معناه عن وجود لفظه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-13>ب - أمثلة للإنشاء:</span>\n١ - قال أحد الحكماء لابنه: \"يا بني تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الحديث\".\n٢ - قال ابن عباس﵄يوصي رجلًا: \"لا تتلكم بما لا يعنيك، ودع الكلام في كثير مما يعنيك حتى تجد له موضعًا\" (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-14>ج- ما سبب كون الإنشاء لا يحتمل الصدق والكذب لذاته؟:</span> لأنه ليس لمدلول لفظه قبل النطق واقع خارجي يمكن أن يقارن به؛ فإن طابقه قيل: إنه صادق، وإن خالفه قيل: إنه كاذب.\nولمزيد من التوضيح يمكننا النظر إلى المثالين الماضيين في فقرة (ب).\nففي المثال الأول نداء وأمر، وفي المثال الثاني نهي وأمر.\nوأنت لا تستطيع أن تقول لمن ينادي شخصًا، ويأمره، وينهاه: إنك صادق أو كاذب؛ لأنه لا يُعلمنا بحصول شيء أو عدم حصوله.\nإن من ينادي أو يأمر أو ينهى ليس لندائه، أو أمره، أو نهيه وجود خارجي قبل حصول النداء أو الأمر أو النهي؛ فكيف يحتمل كلامه الصدق أو الكذب، وذلك لا يكون إلا بمطابقة الواقع، أو عدم المطابقة.\nوفي مثل هذه الأساليب لا واقع تعرض عليه مدلولاتها وتقارن به.\n_________\n(^١) انظر علم المعاني ص ٨٠.\n(^٢) انظر معجم البلاغة العربية د. بدوي طبانة ص ٦٦٥.","vol":"1","page":41},{"text":"ومثل هذا القول ينطبق على سائر أساليب وأنواع الإنشاء الأخرى من استفهام، وتمنٍّ، وغيرها.\nوعدم احتمال الأسلوب الإنشائي للصدق والكذب إنما هو بالنظر إلى ذات الأسلوب بغض النظر عما يستلزمه.\nوإلا فإنه يستلزم خبرًا يحتمل الصدق والكذب؛ فقول القائل: (يا بني تعلم) يستلزم خبرًا هو: أنا طالب منك التعلم، وقول القائل: (لا تتكلم) يستلزم خبرًا هو: أنا طالب منك عدم التكلم، وهكذا …\nولكن ما تستلزمه الصيغة الإنشائية من الخبر ليس مقصودًا ولا منظورًا إليه.\nإنما المقصود والمنظور إليه هو ذات الصيغة الإنشائية.\nوبذلك يكون عدم احتمال الإنشاء للصدق والكذب إنما هو بالنظر إلى ذات الإنشاء\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-15>د- أقسام الإنشاء:</span> ينقسم الإنشاء إلى قسمين: طلبي وغير الطلبي.\n<span data-type='title' id=toc-16>القسم الأول: الإنشاء الطلبي:</span>\nوتعريفه هو: الذي يستدعي مطلوبًا غير حاصل وقت الطلب.\nوأنواعه: هو خمسة أنواع:\n\n<span data-type='title' id=toc-17>أولًا: الأمر:</span> وهو طلب الفعل على وجه الاستعلاء والإلزام نحو قوله - تعالى -: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُوا) [آل عمران: ٢٠٠].\nوللأمر أربع صيغ تنوب كل منها مناب الأخرى في طلب أي فعل من الأفعال على وجه الاستعلاء والإلزام، وهي:\nأ - فعل الأمر: كما في المثال الماضي، وكما في قوله -تعالى-: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ\n_________\n(^١) انظر البلاغة العربية ص ٦٦٥، وعلم المعاني ص ٧٤ - ٧٥.","vol":"1","page":42},{"text":"صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا) [التوبة: ١٠٣].\nب - المضارع المقرون بلام الأمر: كما في قوله-تعالى-: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ) [قريش: ٣].\nج- اسم فعل الأمر: كما في قوله - تعالى -: (عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) [المائدة: ١٠٥].\nد- المصدر النائب عن فعل الأمر كما في قوله-تعالى-: (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) [البقرة: ٨٣].\nوقوله: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ) [محمد: ٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-18>ثانيًا: النهي:</span> وهو طلب الكف عن الفعل، أو الامتناع عنه على وجه الاستعلاء والإلزام.\nوللنهي صيغة واحدة وهي المضارع المقرون بـ: لا الناهية الجازمة، نحو قوله -تعالى-: (وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا) [الحجرات: ١٢].\n\n<span data-type='title' id=toc-19>ثالثًا: الاستفهام:</span> وهو طلب العلم بشيء لم يكن معلومًا من قبل بأداة خاصة.\nوأدوات الاستفهام كثيرة منها الهمزة، وهل، نحو قوله - تعالى -: (أَئِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ) [النازعات: ١٠].\nوقوله: (هَلْ جَزَاء الإِحْسَانِ إِلاَّ الإِحْسَانُ) [الرحمن: ٦٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-20>رابعًا: التمني:</span> وهو طلب أمر محبوب لا يرجى حصوله إما لكونه مستحيلًا-والإنسان كثيرًا ما يحب المستحيل ويطلبه- ومثاله: كقول الشاعر:\nألا ليت الشباب يعود يومًا … فأخبره بما فعل المشيب\nوإما لكونه ممكنًا غير مطموع في نيله، ومثاله: قوله - تعالى -: (يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ","vol":"1","page":43},{"text":"قَارُونُ) [القصص ٧٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-21>خامسًا: النداء:</span> وهو طلب إقبال المدعو على الداعي بأحد حروف النداء.\nوهذه الحروف ينوب كل حرف منها مناب الفعل (أدعو).\nوهي: الهمزة، وأي، ويا، وأيا، وهيا، وآ، وآي، ووا، نحو قوله -تعالى-: (يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا) [الأحزاب: ١٣].\nهذه هي أنواع الإنشاء الطلبي على سبيل الإجمال، ولها في كتب اللغة والبلاغة وعلم المعاني على وجه التحديد تفصيلات يطول ذكرها. (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-22>القسم الثاني: الإنشاء غير الطلبي:</span>\nوتعريفه: هو: ما لا يستدعي مطلوبًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-23>أساليبه:</span> وله أساليب وصيغ كثيرة منها:\n١ - صيغ المدح والذم، مثل: نعم وبئس، وحبذا ولا حبذا.\n٢ - وصيغ العقود نحو: بعت، واشتريت، ووهبت، وأعتقت.\n٣ - القسم: بالواو، أو بالباء، أو بالتاء.\n٤ - التعجب، نحو: ما أكرمه، وأكرم به.\n٥ - الرجاء بـ: عسى، أو اخلولق، وحرى مثل: (فَعَسَى اللّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ) [المائدة: ٥٢].\nولا يبحث علماء البلاغة في الإنشاء غير الطلبي؛ لأن أكثر صيغه في الأصل أخبار نقلت إلى الإنشاء\" (^٢). (^٣)\n_________\n(^١) انظر الصاحبي ص ١٣٤ - ١٤١، وعلم المعاني ص ٧٥ - ١٢٩.\n(^٢) انظر البلاغة العربية ص ٤٨٠ - ٤٨١.\n(^٣) المصدر: بحث بعنوان: معاني الكلام: الخبر والإنشاء لمحمد بن إبراهيم الحمد في موقع ملتقى أهل التفسير.","vol":"1","page":44},{"text":"وقول المصنف: \"الدَّائِرُ بَيْنَ الْإِرَادَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَبَيْنَ الْكَرَاهَةِ وَالْبُغْضِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا وَالْإِنْسَانُ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ الْفَرْقَ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ، وَبَيْنَ الْحُبِّ وَالْبُغْضِ، وَالْحَضِّ وَالْمَنْعِ،\nسيأتي مزيد بيان وتوضيح لهذا الأمر في كلام المصنف بعد قليل لهذه العبارة.\nوقول المصنف: \"حَتَّى إنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ هَذَا النَّوْعِ وَبَيْنَ النَّوْعِ الْآخَرِ مَعْرُوفٌ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَمَعْرُوفٌ عِنْدَ أَصْنَافِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي الْعِلْمِ، كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الأيمَانِ، وَكَمَا ذَكَرَهُ الْمُقَسِّمُونَ لِلْكَلَامِ مِنْ أَهْلِ النَّظَرِ وَالنَّحْوِ وَالْبَيَانِ، فَذَكَرُوا أَنَّ الْكَلَامَ نَوْعَانِ: خَبَرٌ وَإِنْشَاءٌ\".\nمسألة الخبر والإنشاء وتعريف كل منهما، والفرق بينها تناولها الأصوليون ومن بعدهم البلاغيون بالبحث والجدل الذي لم ينفك عن منهج المتكلمين-وكثير من الأصوليين والبلاغيين منهم-في ضبط الحدود بالجمع والمنع وغيرها مما لا يسلم معه كثير من التعريفات، حتى اضطر بعضهم إلى ترك حد الشيء لعسره، وأظن أن العسر في المنهج الكلامي لا في الأشياء التي يراد تعريفها، والذين قالوا بعدم حد الخبر لضرورته، ربما قال بعضهم ذلك تخلصًا من العسر الذي يشعر بالعقم في المنهج، وإلا فإن المقصود بالتعريف -وخاصة ما كان مفهومًا في الذهن- التوضيح والتقريب والتنبيه، وقد قال الإيجي: \"الخبر تصوره ضروري في الأصح، وتعريفاته تنبيهات، فإن التعريف قد لا يراد به إحداث تصور، بل الالتفات إلى تصور حاصل في الذهن، ليتميز من بين تلك التصورات، فيعلم أنه المراد، وكذلك الطلب بأقسامه، فإن كلا يميز بينها ويورد كلا في موضعه، ويجيب عنه بما يطابقه، حتى الصبيان ومن لا يتأتى منه النظر\" (^١)\n_________\n(^١) الفوائد الغياثية: ص ١١١.","vol":"1","page":45},{"text":"وقول المصنف: \"كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْفُقَهَاءُ فِي كِتَابِ الأيمَانِ\"\nالأيمان\" هي جمع يمين وهو القسم، فالفقهاء ذكروا في هذا الكتاب أن الكلام ينقسم إلى خبر وطلب.\nلأنهم يقسمون اليمين إلى يمين مكفرة، ويمين غير مكفرة، واليمين المكفرة هي التي تدخلها الكفارة، وغير المكفرة هي التي لا تدخلها الكفارة، فالحلف على المستقبل علي فعل أو ترك، هذا هو الإنشاء، والحلف على أمر واقع هو الخبر.\nفاليمين المكفرة: هي الحلف على مستقبل كأن يقول قائل: والله لأفعلن كذا، أو والله لا أفعل كذا؛ فإن حنث بأن حصل خلاف ما حلف عليه وجبت عليه الكفارة، وإن تحقق ما حلف على فعله أو تركه كان بارًا بيمينه ولا كفارة عليه.\nأما إذا حلف على أمر واقع فهو اليمين التي لا تدخلها الكفارة، لأنها إن كانت صدقًا فلا موجب للكفارة، وإن كانت كذبًا فالكذب لا تمحوه الكفارة بل لا تمحوه إلا التوبة إلى الله تعالى\". (^١)\nوقول المصنف: \"وَالْخَبَرُ دَائِرٌ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالْإِنْشَاءُ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ أَوْ إبَاحَةٌ\".\nوقد تقدم بيان ذلك عند التعريف بهما،\nفقوله: \"وَالْخَبَرُ دَائِرٌ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ\" مثال ذلك في نصوص القرآن النصوص الواردة في باب التوحيد والصفات فهي من باب الخبر الدائر بين الإثبات والنفي.\nمثال ذلك: سورة الإخلاص فهي من باب الإخبار وفقد تضمنت الأمرين:\nالإثبات: في قوله: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ)] الإخلاص: ١ - ٢ [\n_________\n(^١) شرح الرسالة التدمرية لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك ص ٤١ - ٤٢.","vol":"1","page":46},{"text":"والنفي: في قوله: (لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ)] الإخلاص: ٣ [.\nفهذا الإثبات والنفي يكون من جانب الله تعالى.\nأما من جانب المخلوق فيكون بالتصديق أو التكذيب.\nفإذا سأل سائل كيف نتعامل مع أخبار القرآن؟\nفيقال له:\nأما الأخبار فنصدقها ونؤمن بها. فلابد للعبد أن يثبت لله ما يجب إثباته له من صفات الكمال، وينفى عنه ما يجب نفيه مما يضاد هذا الحال.\nقال في التحفة المهدية: «وقوله في الأول (نفيًا، وإثباتًا) معناه أن منه ما يثبت كإثبات أن الله الخالق الرازق، الموصوف بصفات الكمال، ومنه ما ينفى كنفي الشريك له والمثل والكفؤ\" (^١)\nوقوله: \"وَالْإِنْشَاءُ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ أَوْ إبَاحَةٌ\".\nوالكلام في الشرع الوارد في النصوص فهو دائر بين الأوامر أو النواهي أو الإباحة\nومثال ذلك في الشرع: آيات القرآن الكريم فإنها تنقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة، وأما الأوامر فنمتثل لها، وإن كان نهيًا ابتعدت عنه.\nومن النصوص في جانب الأمر: قوله تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)] المزمل: ٢٠ [.\nوفي جانب النهي: قوله تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)] النساء: ٢٩ [.\nوفي جانب الإباحة: قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا)] البقرة ١٦٨ [.\n_________\n(^١) انظر: التحفة المهدية ١/ ٢١.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type='title' id=toc-24>ما يجب على العبد في الصفات والشرع والقدر</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: «وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلَا بُدَّ لِلْعَبْدِ أَنْ يُثْبِتَ لِلَّهِ مَا يَجِبُ إثْبَاتُهُ لَهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَيَنْفِي عَنْهُ مَا يَجِبُ نَفْيُهُ عَنْهُ مِمَّا يُضَادُّ هَذِهِ الْحَالَ، وَلَا بُدَّ لَهُ فِي أَحْكَامِهِ مِنْ أَنْ يُثْبِتَ خَلْقَهُ وَأَمْرَهُ فَيُؤْمِنَ بِخَلْقِهِ الْمُتَضَمِّنِ كَمَالَ قُدْرَتِهِ وَعُمُومَ مَشِيئَتِهِ، وَيُثْبِتَ أَمْرَهُ الْمُتَضَمِّنَ بَيَانَ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَيُؤْمِنَ بِشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ إيمَانًا خَالِيًا مِنْ الزَّلَلِ.\nوَهَذَا يَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ فِي عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ فِي الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعَمَلِ، وَالْأَوَّلُ يَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ فِي الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ، كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ سُورَةُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَدَلَّ عَلَى الْآخَرِ سُورَةُ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَهُمَا سُورَتَا الْإِخْلَاصِ، وَبِهِمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ».\nالشرح\nقوله: \"وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ\" أي بعد أن قرر المصنف ﵀ هذين الأصلين العظيمين، وبَيَّنَ أن الأصل الأول (التوحيد والصفات) راجعٌ إلى الخبر، وأن الأصل الثاني (الشرع والقدر) راجعٌ إلى الإنشاء.\nأراد أن بَيَّنَ ما الذي يجب على المكلف تجاه كل نوع منهما،\nفقوله: \"فَلَا بُدَّ لِلْعَبْدِ أَنْ يُثْبِتَ لِلَّهِ مَا يَجِبُ إثْبَاتُهُ لَهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَيَنْفِي عَنْهُ مَا يَجِبُ نَفْيُهُ عَنْهُ مِمَّا يُضَادُّ هَذِهِ الْحَالَ\".\nفأوضح أنه يجب على العبد في الأصل الأول وهو باب (التوحيد والصفات)","vol":"1","page":48},{"text":"الذي هو الجانب العلمي الخبري أن يؤمن به وأن يثبت ما أثبته الله لنفسه وأن ينفي ما نفاه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأصل دين المسلمين أنهم … يثبتون له تعالى ما أثبته لنفسه، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه\" (^١)\nفقوله: \"وَلَا بُدَّ لَهُ فِي أَحْكَامِهِ مِنْ أَنْ يُثْبِتَ خَلْقَهُ وَأَمْرَهُ فَيُؤْمِنَ بِخَلْقِهِ الْمُتَضَمِّنِ كَمَالَ قُدْرَتِهِ وَعُمُومَ مَشِيئَتِهِ، وَيُثْبِتَ أَمْرَهُ الْمُتَضَمِّنَ بَيَانَ مَا يُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَيُؤْمِنَ بِشَرْعِهِ وَقَدَرِهِ إيمَانًا خَالِيًا مِنْ الزَّلَلِ\"\nوأنه يجب عليه في الأصل الثاني الذي هو باب (الشرع والقدر) والذي هو الجانب العملي أن يؤمن به وأن ينقاد له ويستسلم له في:\n١ - في قدره الذي هو أحكامه الكونية.\n٢ - وفي شرعه الذي هو أحكامه الدينية.\nوقوله: وَهَذَا يَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ فِي عِبَادَتِهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَهُوَ التَّوْحِيدُ فِي الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعَمَلِ، وَالْأَوَّلُ يَتَضَمَّنُ التَّوْحِيدَ فِي الْعِلْمِ وَالْقَوْلِ\"\nفيه إشارة إلى أقسام التوحيد وقد تَنَوَّعَت عباراتُ علماء أهل السُّنَّة في التعبير عن أنواع التوحيد، ولكنها مع ذلك التنوع متفقة في المضمون، ولعل السبب في ذلك هو أن تلك التقسيمات مأخوذ من استقراء النصوص، ولم يُنص عليها باللفظ مباشرة، ولذلك فمن العلماء (^٢) مَنْ قَسَّم التوحيد إلى ثلاثة أقسام، هي:\n_________\n(^١) الجواب الصحيح (٤/ ٤٠٥).\n(^٢) انظر: «طريق الهجرتين» (ص. ٣)، و«شرح الطحاوية» (ص ٧٦)، و«لوامع الأنوار» للسفاريني (١/ ١٢٨)، و«تيسير العزيز الحميد» (ص ١٧ - ١٩).","vol":"1","page":49},{"text":"١ - توحيد الرُّبوبية: وهو إفراد الله بأفعاله كالخلق والرزق.\n٢ - توحيد الأسماء والصفات: وقد تقدم ذكر تعريفه.\n٣ - توحيد الألوهية: وهو إفراد الله بأفعال العباد التعبدية؛ كالصلاة، والصوم، والدعاء.\nومن العلماء من قَسَّم التوحيد إلى قسمين، وهذا هو الأغلب في كلام أهل العلم المتقدمين؛ لأنهم يَجمعون بين توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وذلك بالنظر إلى أنهما يُشكلان بمجموعهما جانب العلم بالله ومعرفته ﷿؛ فجمعوا بينهما لذلك، بينما توحيد الألوهية يُشكل جانب العمل لله.\nوتَقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام راجع إلى اعتبار مُتَعَلَّق التوحيد، وتقسيمه إلى قسمين راجع إلى اعتبار ما يجب على المُوَحِّد.\nفمن العلماء من يقول: التوحيد قسمان (^١):\nالقسم الأول: توحيد المعرفة والإثبات:\nويُريد به توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وسُمِّي بتوحيد المعرفة؛ لأن معرفة الله ﷿ إنما تكون بمعرفة أسمائه وصفاته وأفعاله.\nوالإثبات: أي: إثبات ما أثبته اللهُ لنفسه من الأسماء والصفات والأفعال.\nالقسم الثاني: توحيد القَصد والطَّلب:\nويُراد به الألوهية، وسُمِّي بتوحيد القصد والطلب؛ لأن العبد يتوجه بقلبه ولسانه وجوارحه بالعبادة لله وحده؛ رغبة ورهبة، ويُقصد بذلك وجه الله وابتغاء مرضاته.\n_________\n(^١) مِمَّنْ ذكر ذلك ابنُ القيم في كتابه «مدارج السالكين» (٣/ ٤٤٩).","vol":"1","page":50},{"text":"ومن العلماء مَنْ يُقَسِّم التوحيد إلى قِسمين هما (^١):\nالقسم الأول: التوحيد العلمي الخبري:\nوالمقصود به: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.\nوسُمِّي بالتوحيد العلمي: لأنَّه يَعتني بجانب معرفة الله، فالعلمي أي: (العلم بالله).\nوالخبري: لأنَّه يَتوقف على الخبر، أي: (الكتاب والسنة).\nالقسم الثاني: التوحيد الإرادي الطلبي:\nوالمقصود به: توحيد الألوهية، وسُمِّي بالتوحيد الإرادي؛ لأن العبد له في العبادات إرادة، فهو إمَّا أن يقوم بتلك العبادة أو لا يقوم بها، وسمي بالطلبي؛ لأن العبد يطلب بتلك العبادات وجه الله ويقصده ﷿ بذلك.\n_________\n(^١) مِمَّنْ ذكر ذلك ابنُ القيم في كتابه «مدارج السالكين» (٣/ ٤٥٠)، وابن تيمية في «الصَّفدية» (٢/ ٢٢٨).","vol":"1","page":51},{"text":"ومِن العلماء مَنْ يُقَسِّم التوحيد إلى قسمين؛ فيقول (^١):\nالقسم الأول: التوحيد القولي:\nوالمراد به: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وسُمِّي بالقولي؛ لأنه في مقابل توحيد الألوهية الذي يُشكل الجانب العلمي من التوحيد، وأما هذا الجانب فهو مختص بالجانب القولي العلمي.\nالقسم الثاني: التوحيد العملي:\nوالمراد به: توحيد الألوهية، وسُمِّي بالعملي؛ لأنه يشمل كلًّا من عمل القلب وعمل اللسان وعمل الجوارح التي تشكل بمجموعها جانب العمل من التوحيد.\nفالتوحيد له جانبان: جانب تصديقي علمي. وجانب انقيادي عملي.\nومِن العلماء مَنْ يُقَسِّم التوحيد إلى قسمين؛ فيقول:\nالقسم الأول: توحيد السِّيادة:\nويُعنى بذلك: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، وسُمِّي بذلك؛ لأن تفرد الله بأفعاله وأسمائه وصفاته يُوجب له القيادة المطلقة والتصرف التام في هذا الكون خلقًا ورزقًا وإحياء وإماتة وتصرُّفًا وتدبيرًا ﷾، فمن واجب الموحد أن يُفرد الله بذلك.\nوالقسم الثاني: توحيد العبادة:\nالمراد به: توحيد الألوهية، وتسميته بذلك واضحة لا تحتاج إلى مزيد تفصيل.\nوهذا ما وقفت عليه من تقسيمات العلماء للتوحيد، وهي واحدة من حيث مضمونها، كما سبق إيضاح ذلك من خلال ربطها بالتقسيم الأول، ولذا فإن الاختلاف بينها مُنحصر في الألفاظ فقط، والله أعلم.\nقال المصنف: \"كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ سُورَةُ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وَدَلَّ عَلَى الْآخَرِ سُورَةُ: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وَهُمَا سُورَتَا الْإِخْلَاصِ\".\nأراد المصنف أن يستدل على صحة هذا التقسيم، وأن القرآن اشتملت سوره على تقسيم التوحيد إلى قسمين:\nفبَيَّن المصنف ﵀ أن سورة الإخلاص (قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ) تشتمل على بيان النوع الأول من أنواع التوحيد وهو التوحيد العلمي الخبري، فإن السورة تقرر وحدانية الله، وتصفه بأنه الصمد الذي يصمد إليه الخلائق في قضاء حوائجهم، وتنزهه جل وعلا عن الولد والوالد، وتقرر أنه لا نظير له ولا ند له ﵎.\nقال شيخ الإسلام﵀-: \"فهذان الاسمان العظيمان \"الأحد الصمد\" يتضمنان تنزيهه عن كل نقص وعيب، وتنزيهه في صفات الكمال أن لا يكون له مماثل في شيء\n_________\n(^١) ممن ذكر ذلك شيخُ الإسلام ابنُ تيمية. انظر: «مجموع الفتاوى» (١/ ٣٦٧).","vol":"1","page":52},{"text":"منها، واسمه الصمد يتضمن إثبات جميع صفات الكمال، فتضمن ذلك إثبات جميع صفات الكمال ونفي جميع صفات النقص، فالسورة تضمنت كل ما يجب نفيه عن الله، وتضمنت أيضًا كل ما يجب إثباته من وجهين:\nمن اسمه الصمد، ومن جهة أن ما نفي عنه من الأصول والفروع والنظراء مستلزم ثبوت صفات الكمال أيضًا؛ فإن كل ما يُمدح به الرب من النفي فلابد أن يتضمن ثبوتًا، بل وكذلك كل ما يُمدح به شيء من الموجودات من النفي فلابد أن يتضمن ثبوتًا، وإلا فالنفي المحض معناه عدم محض والعدم المحض ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون صفة كمال\" (^١).\nوأن سورة الكافرون- والتي سماها المصنف سورة الإخلاص الثانية لأنها تأمر بإخلاص العبادة لله وحده- تشتمل على النوع الثاني من أنواع التوحيد وهو توحيد القصد والطلب وهو توحيد الألوهية والعبادة، بأن لا يقصد العبد إلا ربه، وهذا هو الذي أمره به الله تعالى وطلبه منه، وأمره أن يتبرأ مما يعبده الكافرون بقوله لهم: لا أعبد ما تعبدون، وهو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله.\nوالقرآن كله دعوة للتوحيد.\nقال ابنُ القيم ﵀: «كلُّ سُورة في القرآن هي متضمنة للتوحيد، بل نقول قولًا كليًّا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه.\nفإن القرآن:\n١ - إمَّا خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري.\n٢ - وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو التوحيد الإرادي الطلبي.\n_________\n(^١) تفسير سورة الإخلاص، ضمن مجموع الفتاوى (١٧/ ١٠٨ - ١٠٩).","vol":"1","page":53},{"text":"٣ - وإمَّا أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته.\n٤ - وإمَّا خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يُكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده.\n٥ - وإمَّا خبر عن أهل الشرك، وما فُعل بهم في الدنيا من النِّكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم توحيده.\nفالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجَزائهم» (^١).\nوأما عن (العلاقة بين هذه الأقسام للتوحيد)، فأقول:\nهذه الأقسام تُشكل بمجموعها جانب الإيمان بالله الذي نُسميه التوحيد، فلا يكمل لأحد توحيده إلا باجتماع أنواع التوحيد الثلاثة، فهي متكافلة متلازمة يكمل بعضها بعضًا، ولا يمكن الاستغناء ببعضها عن الآخر، فلا ينفع توحيد الربوبية بدون توحيد الألوهية، وكذلك لا يصح-ولا يقوم-توحيد الألوهية بدون توحيد الربوبية، وكذلك توحيد الله في ربوبيته وألوهيته لا يستقيم بدون توحيد الله في أسمائه وصفاته، فالخلل والانحراف في أيِّ نوع منها هو خلل في التوحيد كله، (فمعرفة الله لا تكون بدون عبادته، والعبادة لا تكون بدون معرفة الله، فهما متلازمان) (^٢).\nوقد أوضح بعضُ أهل العلم العلاقة بين أنواع التوحيد بقوله: «هي علاقة تلازم وتضمن وشمول».\nفتوحيد الربوبية مُستلزم لتوحيد الألوهية.\nوتوحيد الألوهية متضمن لتوحيد الربوبية.\nوتوحيد الأسماء والصفات شامل للنوعين معًا.\n_________\n(^١) «مدارج السَّالكين» (٣/ ٤٤٩، ٤٥٠).\n(^٢) «تحذير أهل الإيمان» (١/ ١٤٠)، (ضمن «مجموعة الرسائل المنيرية»).","vol":"1","page":54},{"text":"بيان ذلك: أنَّ مَنْ أقرَّ بتوحيد الربوبية، وعلم أنَّ الله سبحانه هو الرب وحده لا شريك له في ربوبيته لَزمه (^١) من ذلك الإقرار أن يُفرد الله بالعبادة وحده ﷾؛ لأنه لا يصلح أن يعبد إلا من كان ربًّا خالقًا مالكًا مدبرًا، وما دام كله لله وحده وجب أن يكون هو المعبود وحده.\nولهذا جَرَت سُنَّة القرآن الكريم على سوق آيات الربوبية مَقرونة بآيات الدعوة إلى توحيد الألوهية، ومن أمثلة ذلك:\nقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nوأمَّا توحيد الألوهية فهو متضمن لتوحيد الربوبية؛ لأنَّ مَنْ عبد الله ولم يُشرك به شيئًا فهذا يدل ضمنًا على أنه قد اعتقد بأن الله هو ربه ومالكه الذي لا ربَّ غيره.\nوهذا أمر يشاهده المُوحد من نفسه، فكونه قد أفرد الله بالعبادة ولم يَصرف شيئًا منها لغير الله، ما هو إلا لإقراره بتوحيد الربوبية، وأنه لا ربَّ ولا مالك ولا متصرف إلا الله وحده.\nوأمَّا توحيد الأسماء والصفات فهو شامل للنَّوعين معًا، وذلك لأنه يقوم على إفراد الله تعالى بكلِّ ما له من الأسماء الحسنى والصفات العُلى التي لا تنبغي إلا له ﷾، والتي من جملتها: الرَّب-الخالق-الرازق-الملك، وهذا هو توحيد الربوبية.\nومن جملتها: الله-الغفور-الرحيم-التَّواب، وهذا هو توحيد الألوهية (^٢)\n_________\n(^١) اللازم هنا قد يتخلف، كما هو الحال في كفار قريش؛ فهم يُقرون بتوحيد الربوبية، كما دَلَّت على ذلك النصوص، ولكنهم لم يُحققوا اللازم مِنْ إقرارهم بتوحيد الربوبية.\n(^٢) انظر: «الكواشف الجلية عن معاني الواسطية» للشيخ عبد العزيز السلمان (ص ٤٢١، ٤٢٢).","vol":"1","page":55},{"text":"وقول المصنف: \"وَبِهِمَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَغَيْرِ ذَلِكَ\"\nأولًا: قوله: \"فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ\" ثبت ذلك عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ (قَرَأَ فِي رَكعَتَي الفَجرِ \"قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ \" و\" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ \") (^١)\nثانيًا: \"وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ\" ثبت ذلك في حديث جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي ﷺ: (كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد، وقل يا أيها الكافرون) (^٢).\nوعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵄ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُوتِرُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (^٣)\nوقوله: \"وَغَيْرِ ذَلِكَ\" يعني بذلك:\nثالثًا: الوتر، ثبت ذلك عن عدد من الصحابة ومن ذلك ما ورد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ: بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) (^٤)\nرابعًا: الركعتان بعد المغرب، وثبت ذلك عن ابن عمر ﵄ قال: (رَمَقتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عِشرِينَ مَرَّةً يَقرَأُ فَي الرَّكعَتَينِ بَعدَ المَغرِبِ، وَفِي الرَّكعَتَينِ قَبلَ الفَجرِ: \" قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ \" و\" قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ \") (^٥)\n_________\n(^١) رواه مسلم: (١/ ٥٠٢) رقم: (٧٢٦)، وابن عمر كما في الترمذي: (٢/ ٤٧٠).\n(^٢) رواه مسلم: (٢/ ٨٨٦). رقم: (١٢١٨) وغيره.\n(^٣) رواه النسائي (١٧٣٠) وابن ماجه (١١٧١) وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه.\n(^٤) رواه أحمد (٢٧١٥) والترمذي (٤٦٢) وصححه الألباني في صحيح الترمذي، وأبو داود: (٤/ ٢٩٩)،، وابن ماجه: (١١٧٣) وانظر صفة صلاة النبي ﷺ (٩٧).\n(^٥) رواه النسائي (٩٩٢) وقال النووي في \"المجموع\" (٣/ ٣٨٥): إسناده جيد. وصححه الألباني في \"السلسلة الصحيحة\" (٣٣٢٨) والشيخ أحمد شاكر في تحقيق المسند (٨/ ٨٩). وأحمد (٤٧٦٣)، ورواه ابن مسعود في الترمادي: (٥٠٦/ ٢)، وابن ماجه (١١٦٦)، وانظر صحيح سنن النسائي (١/ ٢١٤) رقم (٩٤٨).","vol":"1","page":56},{"text":"<span data-type='title' id=toc-25>الأصل في الأسماء والصفات وطريقة السلف في إثباتهما</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"فَأَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ (التَّوْحِيدُ فِي الصِّفَاتِ) فَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ: أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَبِمَا وَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا؛ فَيُثْبِتُ لِلَّهِ مَا أَثْبَتَهُ لِنَفْسِهِ وَيَنْفِي عَنْهُ مَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ طَرِيقَةَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا إثْبَاتُ مَا أَثْبَتَهُ مِنْ الصِّفَاتِ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ وَمِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ، وَكَذَلِكَ يَنْفُونَ عَنْهُ مَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ مَعَ إثْبَاتِ مَا أَثْبَتَهُ مِنْ الصِّفَاتِ\".\nالشرح\nهنا انتقل المصنف من الإجمال إلى التفصيل وبدأ يقرر مسائل هذا النوع من التوحيد الذي أطلق عليه مسمى (الأصل الأول) بقوله: \"فَأَمَّا الْأَوَّلُ وَهُوَ (التَّوْحِيدُ فِي الصِّفَاتِ) \".\nويمكن تناول شرح هذا النص من خلال المسائل الآتية:\nالمسألة الأولى: أهمية معرفة باب أسماء الله وصفاته.\nالمسألة الثانية: التعريف بالسلف الصالح وبأهل السنة والجماعة.\nالمسألة الثالثة: عقيدة أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات.\nالمسألة الرابعة: الأسس التي ارتكز عليها معتفد السلف في باب أسماء الله وصفاته","vol":"1","page":57},{"text":"المسألة الخامسة: أهمية التمسك بنصوص الكتاب والسنة.\nالمسألة السادسة: معنى قوله: \"مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ\".\nالمسألة السابعة: معنى قوله: \"وَمِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ\".\nالمسألة الثامنة: معنى قوله: \"وَكَذَلِكَ يَنْفُونَ عَنْهُ مَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ مَعَ إثْبَاتِ مَا أَثْبَتَهُ مِنْ الصِّفَاتِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-26>المسألة الأولى: أهمية معرفة باب أسماء الله وصفاته.</span>\nتتجلى أهمية توحيد الأسماء الحُسنى والصِّفات العُلى في الأمور الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-27>أولًا: هذا التوحيد شَطر باب الإيمان بالله تعالى:</span>\nلا يخفى على المسلم أهمية الإيمان بالله، فهو أول أركان الإيمان، بل هو أعظمها، فما بقية الأركان إلا تَبَع له وفرع عنه، وهو أهم ما خُلق لها الخلق، وأُرسلت به الرسل، وأُنزلت به الكتب، وأُسِّست عليه الملة؛ فالإيمان بالله هو أساس كل خير، ومصدر كل هداية، وسبب كل فلاح، ذلك لأنَّ الإنسان لما كان مخلوقًا مَربوبًا عاد في علمه وعمله إلى خالقه وبارئه؛ فبه يهتدي، وله يعمل، وإليه يصير، فلا غِنى له عنه، وانصرافه إلى غيره هو عين هلاكه وفساده، والإنسان له بالله عن كل شيء عِوض، وليس لكل شيء عن الله عوض؛ فليس للعبد صلاح ولا فلاح إلا بمعرفة ربِّه وعبادته، فإذا حصل له ذلك فهو الغاية المرادة له والتي خُلق من أجلها، فما سوى ذلك إما فضل نافع، أو فُضول غير نافعة، أو فضول ضارة، ولهذا صارت دعوة الرسل لأممهم إلى الإيمان بالله وعبادته؛ فكل رسول يبدأ دعوته بذلك كما يُعلم من تَتبع دعوات الرسل في القرآن.\nوملاك السعادة والنجاة والفوز يكون بتحقيق التوحيدين اللذين عليهما يقوم الإيمان بالله تعالى، وبتحقيقهما بَعث الله ﷾ رسوله ﷺ، وإليه دَعت الرسل","vol":"1","page":58},{"text":"-صلوات الله وسلامه عليهم-من أولهم إلى آخرهم.\nوأحدهما: التوحيد العِلمي الخبري الاعتقادي المتضمن إثبات صفات الكمال لله تعالى، وتنزيهه فيها عن التشبيه والتمثيل، وتنزيهه عن صفات النقص.\nقال الإمامُ ابنُ القَيِّم رحمه الله تعالى: «ولا ريبَ أنَّ العِلم به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أَجَلُّ العلوم وأَفضلها، ونِسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات، وكما أنَّ العلمَ به أَجَلُّ العلوم وأشرفُها، فهو أصلها كلها، كما أنَّ كل موجود فهو مستند في وجوده إلى الملك الحق المبين ومفتقر اليه في تحقق ذاته وأينيته، وكل علم فهو تابع للعلم به مُفتقر في تحقق ذاته إليه، فالعلم به أصل كل علم، كما أنَّه-سبحانه-ربُّ كل شيء ومليكه ومُوجده …»، إلى أن قال: «فالعِلم بذاته-سبحانه-وصفاته وأفعاله يستلزم العلم بما سواه فهو-في ذاته-ربُّ كل شيء ومليكه، والعلم به أصل كل علم ومَنشؤه؛ فمَن عَرف الله عرف ما سواه، ومَن جهل ربَّه فهو لما سواه أجهل» (^١).\nوالتوحيد الثاني: عبادته وحده لا شريك له، وتجريد محبته والإخلاص له وخوفه ورجاؤه والتوكل عليه، والرضا به ربًّا وإلهًا ووليًّا، وأن لا يَجعل له عدلًا في شيء من الأشياء.\nوقد جمع ﷾ هذين النوعين في سورتي الإخلاص، وهما سورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ المتضمنة للتوحيد العملي الإرادي.\nوسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ المتضمنة للتوحيد العلمي الخبري.\nفسورة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فيها بيانُ ما يجب لله تعالى من صفات الكمال، وبيان ما يجب تنزيهه عنه من النقائص والأمثال.\n_________\n(^١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦)، دار الكتب العلمية -بيروت.","vol":"1","page":59},{"text":"وسورة ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ فيها إيجاب عبادته وحده لا شريك له، والتبري من عبادة كل ما سواه.\nولا يتمُّ أحدُ التوحيدين إلا بالآخر، ولهذا كان النبي ﷺ يقرأ بهاتين السورتين في سُنَّة الفجر والوتر والمغرب، وقد ورد كذلك في سُنَّة المغرب القراءة بهاتين السورتين (^١)؛ ليكون فاتحة العمل وخاتمته توحيدًا؛ إذ مبدأ النهار توحيدًا وخاتمته توحيدًا (^٢).\nفالتوحيد المطلوب من العبد شَطره هو توحيد الأسماء والصفات.\n\n<span data-type='title' id=toc-28>ثانيًا: توحيد الأسماء والصِّفات أشرف العلوم وأهمها على الإطلاق:</span>\nإنَّ شرف العلم تابع لشرف معلومه؛ لوثوق النفس بأدلة وجوده وبراهينه، ولشدة الحاجة إلى معرفته وعِظم النفع بها.\nولا ريب أن أَجَلَّ مَعلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلا هو ربُّ العالمين، وقَيُّوم السموات والأرضين، الملك الحق المبين، الموصوف بالكمال كله، المنزه عن كل عيب ونقص وعن كل تشبيه وتمثيل في كماله.\n_________\n(^١) قد ثبت في «صحيح مسلم» (٧٢٦) عن أبي هريرة ﵁: «أنَّ رسول الله -ﷺ- قَرَأَ فِي رَكعَتَي الفَجرِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾».\nوأخرج الترمذي (٤٦٢) عن ابن عباس ﵄، قال: «كان النبي -ﷺ- يقرأ في الوتر: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في ركعة ركعة»، وأخرجه الدارمي بنحوه (١٦٣٠)، وصححه الألباني في «صلاة التراويح» (ص ١٠٨).\nوأخرج النسائي (٩٢٢) عن ابن عمر ﵄ قال: «رَمَقتُ رَسُولَ اللهِ -ﷺ- عِشرين مَرَّةً يقرأ في الرَّكعَتَينِ بعد المغرب، وفي الرَّكعَتَين قبل الفجرِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، وقال النووي في «المجموع» (٣/ ٣٨٥): «إسناده جيد»، وصححه الشيخ أحمد شاكر في «تحقيق المسند» (٨/ ٨٩)، والألباني في «السلسلة الصحيحة» (٣٣٢٨).\n(^٢) انظر «اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة الجهمية» لابن القيم (ص ٣٥، ٣٦).","vol":"1","page":60},{"text":"فلا ريب أن العلمَ به وبأسمائه وصفاته وأفعاله أَجَلُّ العلوم وأفضلها، ونسبته إلى سائر العلوم كنسبة معلومه إلى سائر المعلومات (^١).\nفإن قيل: فالعلم إنما هو وسيلة إلى العمل ومراد له، والعمل هو الغاية، ومعلوم أنَّ الغاية أشرف من الوسيلة؛ فكيف تُفضل الوسائل على غاياتها؟\nقيل: كل مِنْ العلم والعمل ينقسم إلى قسمين؛ منه ما يكون وسيلة، ومنه ما يكون غاية، فليس العلم كله وسيلة مرادة لغيرها، فإنَّ العلم بالله وأسمائه وصفاته هو أشرف العلوم على الإطلاق، وهو مطلوب لنفسه، مراد لذاته؛ قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، فقد أخبر-سبحانه-أنه خلق السموات والأرض، ونَزَّل الأمر بينهن؛ ليَعلم عباده أنه بكل شي عليم، وعلى كل شي قدير؛ فهذا العلم هو غاية الخلق المطلوبة، وقال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾؛ فالعلم بوحدانيته تعالى وأنه لا إله إلا هو مطلوب لذاته وإن كان لا يُكتفى به وحده، بل لابد معه من عبادته وحده لا شريك له؛ فهما أمران مطلوبان لأنفسهما.\nالأمر الأول: أن يُعرف الربُّ تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله وأحكامه.\nوالأمر الثاني: أن يُعبد بمُوجبها ومُقتضاها.\nفكما أنَّ عبادته مطلوبة مرادة لذاتها، فكذلك العلم به ومعرفته أيضًا، فإنَّ العلم من أفضل العبادات (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-29>ثالثًا: توحيد الأسماء والصفات هو أصل العلوم الدينية:</span>\n_________\n(^١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦).\n(^٢) «مفتاح دار السعادة» (١/ ١٧٨).","vol":"1","page":61},{"text":"كما أن العلم بأسماء الله وصفاته وأفعاله أجل العلوم وأشرفها وأعظمها فهو أصلها كلها، فكل علم هو تابع للعلم به، مفتقر في تحقق ذاته إليه، فالعلم به أصل كل علم ومَنشؤه؛ فمَن عرف الله عَرف ما سواه، ومَن جهل ربَّه فهو لما سواه أجهل؛ قال تعالى: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾، فتأمل هذه الآية: تجد تحتها معنى شريفًا عظيمًا، وهو: أنَّ مَنْ نسي ربَّه أنساه ذاته ونفسه، فلم يَعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نَسي ما به صلاحه وفلاحه في معاشه ومعاده؛ لأنَّه خرج عن فطرته التي خلق عليها، فنسي ربَّه فأنساه نفسه وصفاتها وما تكمل به وتزكو به وتسعد به في معاشها ومعادها؛ قال تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾، فغفل عن ذكر ربه؛ فانفرط عليه أمره وقلبه، فلا التفات له إلى مصالحه وكماله وما تزكو به نفسه وقلبه، بل هو مُشتت القلب مُضيعه، مفرط الأمر حيران لا يهتدي سبيلًا.\nفالعِلم بالله أصل كل علم، وهو أصل علم العبد بسعادته وكماله ومصالح دنياه وآخرته، والجهل به مُستلزم للجهل بنفسه ومصالحها وكمالها وما تزكو به وتفلح به، فالعلم به سعادة العبد والجهل به أصل شقاوته (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-30>رابعًا: معرفة أسماء الله وصفاته أصل عظيم في منهج السلف:</span>\nمعرفة أسماء الله وصفاته هي الأساس الذي يَنبني عليه عمل العبد، ومن خلالها تتحدد العلاقة التي تربط العبد بربه، وعلى ضوئها يَعبد المسلم ربَّه، ويتقرب إليه.\nقال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله تعالى: «وأصلُ الإيمان: قولُ القلب الذي هو التَّصديق. وعمل القلب الذي هو المحبة على سبيل الخضوع؛ إذ لا مُلائمة\n_________\n(^١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦).","vol":"1","page":62},{"text":"لأرواح العباد أتم من ملاءمة إلهها؛ الذي هو الله الذي لا إله إلا هو».\nولذلك كان منهج السلف يقوم على أمرين؛ هما:\n١ - العلم بالله.\n٢ - والعمل لله.\nفجمعوا بذلك بين التصديق العِلمي والعَمل الحُبِّي، وبذلك تميز منهج أهل السنة والجماعة (السلف) عن المناهج الأخرى.\nوحققوا كِلا الأمرين؛ من القول التصديقي المعتمد على معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله الواردة في الكتاب والسنة. والعمل الإرادي، وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهي وفق ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.\nولذلك كان كلامهم وعملهم باطنًا وظاهرًا بعلم، وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونًا بالآخر، وهؤلاء هم المسلمون حقًّا؛ الذين سَلِموا من آفات منحرفة المتكلمة والمتصوفة.\nفوقعت كل طائفة من هاتين الطائفتين المنحرفتين في مفسدتين:\nإحداهما: القول بلا علم إن كان متكلمًا، والعمل بلا علم إن كان متصوفًا.\nوالمفسدة الثانية: فوت المتكلم العمل، وفوت المتصوف القول والكلام (^١).\nوهو ما وقع من البدع الكلامية والعملية المخالفة للكتاب والسنة.\nفالكلاميون: غالب نظرهم وقولهم في الثبوت والانتفاء، والوجود والعدم، والقضايا التصديقية؛ فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر؛ فاعتنوا بجانب علمي\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢/ ٤١) بتصرف.","vol":"1","page":63},{"text":"لم يَنْبَنِ على الكتاب والسنة؛ لذلك عَطَّلوا أسماء الله ٥، وعَطَّلوا صفاتِه ﷿.\nوعندما عَرَّفوا التوحيد؛ قالوا: «واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله». وأهملوا جانب توحيد العبادة: «واحد في ذاته» قالوا: «لا شريكَ له». و«واحد في صفاته»: «لا نظير له». و«واحد في أفعاله»: «لا نِدَّ له». فهذا تقسيمهم للتوحيد (^١)، ويُلاحظ أنه قد خلا في هذه الثلاثة من الجانب العملي، فلا يوجد عمل، ثم إذا تحدثوا عن ذات الله تعالى تحدثوا بالتعطيل؛ فقالوا بما قالوا: «ليس في جهة، ولا في عُلو، ولا في مكان، ولا في حيز» ولا إلى غير ذلك؛ فجعلوه والعدم سواء، وإذا تحدثوا عن صفات الله تعالى تحدثوا عن سبع صفات فقط، وإذا تحدثوا عن أفعال الله تعالى هذا هو الذي سَلِم لهم: «توحيد الربوبية»؛ فلم يَسلم لهم إلا توحيد الربوبية، ونحن نعلم أن كفار قريش كانوا مُقِرِّين بتوحيد الربوبية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]؛ فهذا حاصل توحيد هؤلاء.\nوأمَّا الصُّوفيون: فغالب طلبهم وعملهم في المحبة والبغضة، والإرادة والكراهة، والحركات العملية؛ فاعتنوا بجانب العمل، وأهملوا جانب العلم، وكذلك عملهم لم ينبنِ على السنة، وإنَّما انبنى على البدعة؛ إذ غايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة.\nوهكذا إذا جئنا إلى أهل التصوف لم نجد عندهم من حقيقة التوحيد شيء.\nأمَّا توحيدُ أهل السُّنَّة فيقوم على هذين الأصلين العظيمين: أن تَعرف اللهَ، وذاك بمعرفة أسمائه وصفاته التي وردت في الكتاب والسُّنَّة. وأن تعبد الله، وهذا باتِّباع شرع الله﷿على لسان رسوله -ﷺ-.\nفالسلف وأتباعهم جعلوا من توحيد الأسماء والصفات إحدى الرَّكيزتين التي\n_________\n(^١) انظر: «المِلل والنِّحَل» للشهرستاني (١/ ٤٢)، مؤسسة الحلبي.","vol":"1","page":64},{"text":"قام عليها منهجهم المعتمد على نصوص الكتاب والسنة، وذلك لما لهذا التوحيد من أهمية ومنزلة، وهذا ما تشهد له كثرة النصوص الشرعية الواردة في هذا الشأن.\nفلذلك لا بد لصاحب السُّنَّة أن يدرس هذا الباب، وأن يَبني هذه الدراسة على الكتاب والسنة؛ ليعرف الله ﷿، فلن تكون من أصحاب السنة ولن تكون من أتباع السلف حتى تُعنى بهذا الباب، وطبعًا العلم بهذا الباب-كما ذكر العلماء مطلوب لذاته، ليس وسيلة للعمل كما يزعم البعض؛ فكلٌّ من العِلم بالله والعمل لله مطلوب لذاته؛ فقد يكون منه ما هو وسيلة، ومنه ما هو غاية؛ فيجب أن نعلم أنه لا بد من معرفة هذا الباب وتعلمه؛ باعتبار أنه أمر مطلوب لذاته، وإن كان لا يُكتفى به وحده، بل لا بد وأن يجتمع معه عبادة الله ﷿، وإلا فإن العبد لا يكون مؤمنًا، وبهذا نعلم أن من أهمية هذا الباب أنه أصلٌ عظيمٌ في منهج أهل السنة والجماعة؛ فبالتالي لا بد من الاعتناء به، ولا بد من الاهتمام به، ولا بد من تعلُّمِه، وكذلك لوقوع الاختلاف والافتراق في هذا الباب بين الفِرَق والطوائف لا بد من مزيد جهد وعناية بفهمه وتوضيحه ودراسته وتعلمه وتطبيقه.\nوالله تعالى ليس له مَثيل حتى يُقاس عليه، وعقول البشر لا يمكن أن تستقلَّ بمعرفة الله تعالى استقلالًا؛ لأنها قاصرة عاجزة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]؛ فالله تعالى تَعَرَّف إليك! فضلًا منه ومِنَّة عليك عَرَّفك بأسمائه وصفاته، عَرَّفك بأنه العليم، وأنه السميع، وأنه البصير، وأنه القدير، وأنه الغفور، وأنه الرحيم، وأنه الجبَّار، وأنه المتكبر. إلى غير ذلك مِنْ أسماء الله ٥ وصفاتِه الواردة في الكتاب والسُّنَّة؛ فمِنَّةٌ عُظمى فتحها الله عليك! بالله عليك كيف تُغلقها على نفسِك؟! بل إن الله رَغَّبك في هذه المعرفة فقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، وقال: ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الحشر: ٢٤]، وقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨] .. إلى غير ذلك من المواطن التي ذُكرت فيها","vol":"1","page":65},{"text":"أسماء الله ﷿؛ إمَّا جملة وإما تفصيلًا.\nفافتح بابَ معرفة الله تعالى! لا تُغلقه على نفسك! لا تحرم هذا القلب من أن يَعرف ربَّه، ويَعرف معبودَه!\n\n<span data-type='title' id=toc-31>خامسًا: العلم بأسماء الله وصفاته يَفتح للعبد باب معرفة الله:</span>\nإنَّ محبة الشيء فرع عن الشعور به، وأعرف الخلق بالله أشدهم حُبًّا له، فكل من عرف الله أحبه، والعلم يَفتح هذا الباب العظيم الذي هو سِرُّ الخَلق والأمر (^١)؛ فمن أعظم أصول الدين: المحبة، بل هي قاعدة العبادة، فكيف يكون حبٌّ في قلب العبد المؤمن وهو لم يعرف الله ٥؛ فالله تعالى فتح لنا باب معرفته من هذا الطريق، فإن شأت فادخل وتعَرَّف على أسماء الله وصفاته وأفعاله، وإلا فإنك محروم مِنْ ضِمن مَنْ حُرم مِنْ هذا الخير العظيم؛ فطمأنينة القلب وحياته هي في هذا الأمر العظيم: في معرفة الله ﷿، ولا سبيل للحصول على هذه المعرفة إلا من باب العلم بأسماء الله وصفاته، فلا تَستقر للعبد قَدَم في معرفة الله إلا بالتعرف على أسمائه وصفاته الواردة في القرآن والسنة؛ فالعلم بأسماء الله وصفاته يَفتح للعبد هذا البابَ العظيمَ، فالله ﷿ لم يجعل السبيل إلى معرفته من طريق الاطلاع على ذاته، فهذا الباب موصود إلى قيام الساعة، كما أخبرنا بذلك نبينا محمد ﷺ حيث قال: «تَعَلَّمُوا أنَّه لن يَرى أحدٌ مِنكم ربَّه ﷿ حتى يَموت» (^٢).\nوكذلك فإنَّ من المحال أن تَستقل العقول البشرية بمعرفة ذلك وإدراكه على وجه التفصيل، فهي عاجزة عن ذلك لكونه من المُغيبات التي لا سبيل إلى معرفتها إلا من طريق الوحي، والله ﷿ يقول: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾،\n_________\n(^١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٣١) من حديث عبد الله بن عمر ﵄.","vol":"1","page":66},{"text":"فهذه الآية: تُبين محدودية علم الإنسان.\nوقد اقتضت رحمة العزيز الحكيم أن بَعث الرسل به مُعَرِّفين وإليه داعين، وجعل معرفته سبحانه بأسمائه وصفاته، أفعاله هي مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم، فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم والأصل الأول فيها: معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله. ثم يتبع هذا الأصل أصلان عظيمان هما:\n١ - تعريف الناس الطريق الموصلة إلى الله، وهي: «شريعته المتضمنة لأمره ونهيه».\n٢ - تعريفهم مآلهم في الآخرة.\nوهذان الأصلان تابعان للأصل الأول مَبنيان عليه، فأعرف الناس بالله أتبعهم للطريق الموصلة إليه، وأعرفهم بحال الناس عند القدوم عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-32>سادسًا: أساس العلم الصحيح هو الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته:</span>\nعلى أساس العلم الصحيح بالله وبأسمائه وصفاته يقوم الإيمان الصحيح والتوحيد الخالص، وتنبني مطالب الرسالة جميعها؛ فهذا التوحيد هو أساس الهداية والإيمان، وهو أصل الدين الذي يقوم عليه، ولذلك فإنه لا يتصور إيمان صحيح ممن لا يعرف ربه، فهذه المعرفة لازمة لانعقاد أصل الإيمان، وهي مهمة جدًّا للمؤمن لشدة حاجته إليها؛ لسلامة قلبه، وصلاح معتقده، واستقامة عمله، فهذه المعرفة لأسماء الله وصفاته وأفعاله تُوجب للعبد التمييز بين الإيمان والكفر، والتوحيد والشرك، والإقرار والتعطيل، وتنزيه الرب عما لا يَليق به، ووصفه بما هو أهله من الجلال والإكرام.\nوذلك يتم بتدبر كلام الله تعالى، وما تعَرَّف به سبحانه إلى عباده على ألسنة رسله من أسمائه وصفاته وأفعاله، وما نَزَّه نفسه عنه مما لا ينبغي له ولا يليق به سبحانه.","vol":"1","page":67},{"text":"والجدير ذِكره أن معرفة الله نوعان:\nالنوع الأول: المعرفة الإجمالية:\nوهي التي تَلزم العبد المؤمن؛ لينعقد بها أصلُ الإيمان، وهي تتحقق بالقدر الذي يميز العبد به بين ربه وبين سائر الآلهة الباطلة، ويتحقق بها الإيمان المجمل، وتجعله في سلامة من الكفر والشرك المُخرجين من الإيمان، وتُخرجه من حدِّ الجهل بربه وما يجب له.\nوهذه المعرفة يتحصل عليها من قراءة سورة الإخلاص وآية الكرسي وغيرها من الآيات، ومعرفة معانيها.\nولكن هذه المعرفة لا تُوجب قوة الإيمان والرسوخ فيه.\nالنوع الثاني: المعرفة التفصيلية:\nوهذه تكون بمعرفة الأدلة التفصيلية الواردة في هذا الباب، وتعلمها واعتقاد اتصاف الله بها، ومعرفة معانيها، والعمل بمقتضياتها وأحكامها.\nوهذه المعرفة هي التي يحصل بها زيادة الإيمان ورسوخه، فكلما ازداد العبد علمًا بالله زاد إيمانه وخشيته ومحبته لربِّه وتَعلقه به؛ قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، كما تجلب للعبد النور والبصيرة التي تُحَصِّنه من الشبهات المضللة والشهوات المحرمة.\n«والعلم بالله يُراد به في الأصل نوعان:\nأحدهما: العلم به نفسه، أي: بما هو متصف به مِنْ نُعوت الجلال والإكرام، وما دَلَّت عليه أسماؤه الحسنى.\nوهذا العلم إذا رَسخ في القلب أوجب خشية الله لا محالة، فإنه لابد أن يعلم أن الله يُثيب على طاعته، ويعاقب على معصيته.","vol":"1","page":68},{"text":"والنوع الثاني: يُراد بالعلم بالله: العلم بالأحكام الشرعية من الأوامر والنواهي والحلال والحرام.\nولهذا قال بعض السلف: العلماء ثلاثة:\n١ - عالم بالله ليس عالمًا بأمر الله.\n٢ - عالم بأمر الله ليس عالمًا بالله.\n٣ - عالم بالله وبأمر الله.\nفالعالم بالله: الذي يخشى الله. والعالم بأمر الله: الذي يعرف الحلال والحرام» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-33>سابعًا: العلم بأسماء الله وصفاته هو حياة القلوب:</span>\nيجب أن نعلم أنَّ معرفة الله تعالى هي حياة قلوبنا؛ فلا حياة للقلوب ولا نعيم ولا سرور ولا أمان ولا طمأنينة إلا بأن تَعرف ربها ومعبودها وفاطرها، ويكون أحب إليها مما سواه، ولا يمكن أن تنجو وأن تَسعد في الآخرة إلَّا بهذه المعرفة والمحبة.\nوالإنسان بدون الإيمان بالله لا يمكنه أن ينال معرفة ولا هداية، وبدون اهتدائه إلى ربِّه لا يكون إلا شقيًّا مُعذَّبًا كما هو حال الكافرين.\nفالله﵎خلق هذا الإنسان ورَكَّبه من الجسد والروح، وشاء أن يكون قَوَام هذا الجسد من هذه الأرض؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِنْ تُرَابٍ﴾ [الحج: ٥]، وجعل حياة هذا الجسد من التراب؛ فهو يأكل ويشرب ويكتسي من الأرض وما فيها.\nوجعل في هذا الجسد الروح؛ قال تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٣٣) بتصرف بسير.","vol":"1","page":69},{"text":"لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٢٩].\nأمَّا أصل هذه الروح ومادتها فهذا لا علم لنا به: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]؛ فأمرٌ استأثر الله تعالى به في علم الغيب عنده.\nلكن الله ﷿ شاء أن يكون قِوام هذه الروح وحياتها في معرفة الله وعبادته؛ قال ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]؛ فلا شيء أطيب للعبد ولا ألذ ولا أهنأ ولا أنعم لقلبه وعيشه من محبَّة فاطره وبارئه، ودوام ذِكره، والسعي في مرضاته، لذلك فإنَّ مَنْ في قلبه أدنى حياة أو محبة لربه وإرادة لوجهه وشوق إلى لقائه، فطلبه لهذا الباب وحرصه على معرفته وازدياده من التَّبَصُّر فيه وسؤاله واستكشافه عنه هو أكبر مقاصده وأعظم مطالبه وأجل غاياته، فهذا هو الكمال الذي لا كمال للعبد بدونه، وله خُلق الخلق، ولأجله نزل الوحي، وأُرسلت الرسل، وقامت السموات والأرض، ووُجدت الجنة والنار، ولأجله شُرعت الشرائع، وأُسِّست الملة، ونُصبت القِبلة، وهو قطب رحى الخلق والأمر الذي مدارهما عليه.\nوهو بحقٍّ أفضل ما اكتسبته القلوب، وحصَّلته النفوس، وأدركته العقول، وليست القلوب الصحيحة والنفوس المطمئنة إلى شيء من الأشياء أشوق منها إلى معرفة هذا الأمر، ولا فرحها بشيء أعظم من فرحها بالظفر بمعرفة الحق فيه (^١).\nوإذا تأملت أعمال القلوب وجدت-مثلًا-أن كل حبٍّ هو تَبَعٌ لحبِّ الله ﷿؛ وكذلك الخوف، والرجاء، والتوكل، والإنابة، والإخلاص، والرغبة، والرهبة .. إلى غير ذلك.\n_________\n(^١) انظر: «الفتوى الحموية الكبرى» (ص ٢٨، ٢٩).","vol":"1","page":70},{"text":"فلا يمكن أن تتحرك أعمال القلوب في القلب ولا أن تقوم بواجبها ما لم تكن على معرفة بالله ﷿!\nإذًا، كيف تتحقق في القلب أعمال القلوب؟\nفمثلًا إذا علمت أن الله هو الخالق، وهو الرازق، وهو المحيي، وهو المُميت، وهو النَّافع، وهو الضَّار، وهو القابض، وهو الباسط. إذا علمت هذا أَثْمَر في قلبك توكلًا على الله ﷿. هذه المعرفة تُوَلِّدُ التوكل. ممن تخاف ومَن ترجو والرزق بيد الواحد الأحد ﷿؟! يرزق من يشاء بغير حساب. وكيف ترجو ما في يد الناس؟ أو حتى كيف تحسد فلانًا من الناس: أن أعطاه الله تعالى من فضله؛ ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦]؛ فالخير بيد الله ﷿، والله يختص برحمته مَنْ يشاء؛ فكيف لقلبٍ أن يحسد لو كان على إيمان؟! ويحسد مَن؟! كأنما يعترض على حكم الله ﷿: أن أعطى فلانًا ومنع فلانًا!\nفصلاح قلوبنا وحمايتها من تلك الأمراض التي تضرها، وتفسد على الإنسان حياته مِنْ غِلٍّ وحسد وحقد وغِيبة ونميمة. إلى غير ذلك من أمراض-سببها هو: أن الإنسان ما عرف الله تعالى حقَّ المعرفة، ومثلًا الله ﷿ أخبرك بأنه عليم، وأنَّه سميع، وأنه بصير؛ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ومُطَّلِع على عملك وعلى فعلك؛ أفَلَا يحملُك هذا على الحياء منه؟!\nفيجب أن يحمل هذا العبدَ على خوف الله تعالى، على مراقبته، على خشيته؛ فلو أن النفوس استحضرت هذه المعاني لَمَا أَقْدَمَت على فِعل معصية، ولذلك يقول النبي -ﷺ-: «لا يَزني الزَّاني حين يَزني وهو مؤمن، ولا يَشرب الخمرَ حين يَشرب وهو مُؤمنٌ،","vol":"1","page":71},{"text":"ولا يَسرق السارق حين يَسرق وهو مؤمن …»، الحديث (^١)؛ لأنه لو قام الإيمان كما يجب-وكما ينبغي-في نفسِه في تلك اللحظات لَمَا أقدم على فَعلته.\nأنت لو لَمَحت أحدًا من الناس وأنت على معصية لربما استحييت منه، ولربما خِفت أن يُفشي سِرَّك! فكيف وأنت أمام عالم الغيب والشَّهادة، المُطَّلِع على جميع أحوالك وعلى جميع أمورك وعلى جميع سكناتك وعلى جميع حركاتك؛ ألا تستحي مِنْ الله ﷿؟! وكما يذكرون أنَّ رجلًا لقي أعرابية فأرادها على نفسها فأَبَت وقالت: أي ثكلتك أمك، أَمَا لك زاجر من كرم؟ أما لك ناهٍ مِنْ دين؟ قال: قلت: واللهِ إنَّه لا يَرانا إلا الكواكب، قالت: ها بأبي أنت، وأين مُكوكبها» (^٢)؛ فأراد أن يُطمأنها أنَّه لا يراهم أحد إلا هذه الكواكب! فقالت له: «وأين مُكوكبُها؟!»؛ فذكَّرَته بالله ﷿ في تلك اللحظة؛ فقام عنها، وكان ذلك سببًا في هدايته.\nفنحن لو استحضرنا معاني أسماء الله وصفاته لكان هذا سببًا في حياة قلوبنا، ولكنَّ قلوبَنا مُلئت بالغفلة عن الله ﷿ والإعراض عن معرفة أسمائه وصفاته؛ فأصابها ما أصابها من أمراض أثقلت كواهلنا، وأفسدت علينا أمر ديننا، وأفسدت علينا أمر دنيانا، بل إن الواحد منا يقف في الصلاة ويسمع آيات الله سبحانه تُتلى عليه، ومع ذلك قلبه قاسٍ، وأصبح قلبًا متحجرًا مهما ذُكِّر بآية عذاب أو وعيد لا يهتز لها، ولا يتحرك لها شعور في قلبه من ذِكر شيء من آيات الله ﷿؛ فأصابنا ما أصابنا من أمراض في قلوبنا وفي نفوسنا بسبب أننا غفلنا عن معرفة الله ﷿.\nفليتنا نعودُ إلى أسماء الله وصفاته! ليتنا نتدبر ما جاء فيها من معانٍ، وما تُثمره من ثمرات! أنت إذا أثمرت هذه المعرفة في قلبك التوكل حصلت عِزَّة للمؤمن،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٧٥) ومسلم (٥٧) من حديث أبي هريرة؟.\n(^٢) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢/ ٢٦٥) عن العتبي.","vol":"1","page":72},{"text":"وحصلت طمأنينة للنفس، وكذلك إذا حصل حياء وإذا حصل خوف وإذا حصلت خشية-منعك هذا مِنْ أن تقترف معصية؛ لا في السر ولا في العلن. إذا حصلت هذه المعرفة قامت بك محبةٌ لله تعالى وتعظيم وإجلال.\nهذه المعرفة وهذه المحبة وهذا التعظيم وهذا الإجلال يحملك على أن تُراقب الله ﷿ في جميع أحوالك، وأن يكون اللهُ تعالى أحبَّ إليك مِنْ كل شيء وأعظم وأكبر وأجَل من كل شيء، لكن للأسف حَرمنا قلوبنا من ذلك، فلربما استحقت وعيدَ الله ﷿: ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٢٢]؛ فقست القلوب، والقلوب تقسو، بل وتمرض وتموت، والله تعالى قد قال: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [المطففين: ١٤]؛ فالران: هو الصدأ؛ يعلو على هذه القلوب حتى تصبح هذه القلوب صَدِأَة، هذه القلوب قاسية مُبتعدة عن ذكر الله ﷿.\nفأين النفس المطمئنة التي ستنادى كما قال الله ﷿: ﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧]؟!\nفمعرفةُ الله ﷿ حياةٌ لقلوبنا، وستثمر لنا من أنواع الإيمان وأنواع العمل ما يكون-بإذن الله تعالى-سببًا في صلاحنا وصلاح أحوالنا وصلاح مَعاشنا وصلاح معادنا؛ لو أننا عرفنا ذلك وعملنا به!\n\n<span data-type='title' id=toc-34>ثامنًا: ثمرة معرفة أسماء الله وصفاته:</span>\nمما يدلل ويؤكد أهمية هذا التوحيد هو ما تُثمره معرفة أسماء الله وصفاته في قلب المؤمن من زيادة في الإيمان ورسوخ في اليقين، وما تَجلبه له من النور والبصيرة التي تحصنه من الشبهات المضللة والشهوات المحرمة.\nفهذا العلم إذا رسخ في القلب أوجب خشيةَ الله لا محالة؛ فلكلِّ اسم من أسماء الله تأثير معين في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه","vol":"1","page":73},{"text":"واستشعر ذلك-تجاوب مع هذه المعاني، وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه.\nولكل صفة عبودية خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها؛ فالأسماء الحسنى والصفات العُلى مقتضية لآثارها من العبودية، وهذا مُطَّرِد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح؛ فمثلًا: علم العبد بتفرد الرب تعالى بالضر والنفع والعطاء والمنع والخلق والرزق والإحياء والإماتة يُثمر له عبودية التوكل عليه باطنًا، ولوازم التوكل وثمراته ظاهرًا.\nوعلمه بسمعه تعالى وبصره وعلمه، وأنَّه لا يخفى عليه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، وأنه يعلم السر وأخفى، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه عن كل ما لا يُرضي الله، وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه؛ فيثمر له ذلك الحياء باطنًا، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح.\nومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبِرِّه وإحسانه ورحمته تُوجب له سعة الرجاء، ويثمر له ذلك من أنواع العبودية الظاهرة والباطنة بحسب معرفته وعلمه. وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعِزِّه تُثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعًا من العبودية الظاهرة هي موجباتها.\nوكذلك علمه بكماله وجماله وصفاته العُلى يوجب له محبة خاصة بمنزلة أنواع العبودية.\nفرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات وارتبطت بها (^١).\nوبهذا يتبين أنَّ معرفة العبد لأسماء الله وصفاته على الوجه الذي أخبر الله ﷿ به\n_________\n(^١) «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٩٠).","vol":"1","page":74},{"text":"في كتابه وسنة رسوله ﷺتُوجب على العبد القيام بعبودية الله على الوجه الأكمل، فكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان الحب والإخلاص والتعبد أقوى، وأكمل الناس عبودية المتعبد بجميع الأسماء والصفات التي يطلع عليها البشر؛ إذ كل اسم من أسمائه ﷿ له تَعَبُّد مُختص به؛ علمًا ومعرفة وحالًا.\n(علمًا ومعرفة): أي: إنَّ مَنْ عَلِم أنَّ الله مسمى بهذا الاسم، وعرف ما يتضمنه من الصفة، ثم اعتقد ذلك-فهذه عبادة.\nو(حالًا) أي: إن لكل اسم من أسماء الله مدلولًا خاصًّا وتأثيرًا معينًا في القلب والسلوك، فإذا أدرك القلب معنى الاسم وما يتضمنه واستشعر ذلك-تجاوب مع هذه المعاني، وانعكست هذه المعرفة على تفكيره وسلوكه.\nوهذه الطريقة مُشتقة من قلب القرآن؛ قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾.\nوالدعاء بها يتناول: دعاء المسألة. ودعاء الثناء. ودعاء التعبد.\nوهو-سبحانه-يدعو عباده إلى أن يَعرفوه بأسمائه وصفاته، ويُثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظِّهم من عبوديتها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-35>تاسعًا: ضرورة تجنُّب الباطل، وعدم مخالفة طر يق الحق في هذا الباب:</span>\nقد وقع الخلاف في هذا الباب، وكَثُر كلام أهل الباطل فيه؛ لما عرفوا من أهميته، فبالتالي ازداد تسلطهم عليه، وأرادوا أن يَحجبوا الناس عن معرفة الله تعالى؛ لأنهم بهذا سيوصدون الباب، وإذا أُوصد الباب لم يمكن الدخول! فَكَثُر الخلاف والافتراق، فكان لا بد مِنْ مَعرفة تَنبني على الكتاب والسنة، وكان لا بد من فهم للحقِّ حتى يُتَّبع، ولا بد من معرفة للباطل حتى يُجتنب.\n_________\n(^١) «مدارج السالكين» (١/ ٤٢٠).","vol":"1","page":75},{"text":"فباب الأسماء والصفات من أكثر الأبواب خطورة ومَزلة؛ من جهة كونه محل خلافات شديدة ومعقدة دارت رحاها بين علماء السلف من جهة والفلاسفة وأهل الكلام والمُشبهة من جهة أخرى.\nفمن واجب طالب العلم: أن يَتعمق في فهم الحق المَبني على الكتاب والسنة؛ قال تعالى: ﴿إِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فالرد إلى الله يكون بالرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول بعد وفاته يكون بالرد إلى سنته ﷺ، وقد قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾، فالله أعلم بنفسه، وهو الذي أخبر بأسمائه وصفاته في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، وكذلك فإن النبي ﷺ أعلم الناس بربِّه وأصدقهم خبرًا، وقد قال الله في حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.\nفمن الواجب على المسلم: أن يدرس هذا الباب وأن يتعمق في فهمه وفق ما ورد في الكتاب والسنة، وأن يحذر من التيارات الفلسفية التي أضَرَّت أصحابها، وأدخلتهم في دوامة الانحراف والضياع، فحالت بين قلوبهم وبين معرفة ربهم، فأصبحت قلوبهم مظلمة جاهلة بحقائق الإيمان، فترتب على ذلك إعراضهم عن الله وعن ذكره ومحبته والثناء عليه بأوصاف كماله، ونعوت جلاله، فانصرفت قُوى حُبِّهم وشوقهم وأنسهم إلى سواه.\nومعلوم: أنه لا يستقر للعبد قَدَمٌ في المعرفة-بل ولا في الإيمان-حتى يؤمن بأسماء وصفات الربِّ ﷻ، ويَعرفها معرفة تُخرجه عن حدِّ الجهل بربه، فالإيمان بالأسماء والصفات وتَعَرُّفها هو أساس الإسلام وقاعدة الإيمان وثمرة شجرة الإحسان؛ فمَن جَحدها فقد هدم أساس الإسلام والإيمان، وثمرة شجرة الإحسان، فضلًا عن أن يكون من أهل العرفان.\nفينبغي للمؤمن أن يَبذل مقدوره ومستطاعه في معرفة الأسماء والصفات، وأن","vol":"1","page":76},{"text":"تكون معرفته سالمة من داء التعطيل وداء التمثيل اللذين ابتُلي بهما كثير من أهل البدع المخالفة لما جاء به الرسول ﷺ، فالمعرفة الصحيحة هي المُتلقاة من الكتاب والسنة، وما رُوي عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فهذه هي المعرفة النافعة التي لا يزال صاحبها في زيادة إيمانه وقوة يقينه، وطمأنينة أحواله.\nومما يذكره العلماء في أهمية هذا العلم-الذي هو العلم بأسماء الله وصفاته-بالإضافة إلى كونه شطر باب (الإيمان بالله تعالى): أنه أشرف العلوم؛ فهو أشرف العلوم وأعظمها وأجلها وأكبرها؛ فإذا قلنا: إن شرف العلم تابع لشرف المعلوم، فالمعلوم هنا: هو ما يليق بأسماء الله تعالى من أسمائه وصفاته ﷿، وما تَعَرَّف به إلى خلقه مما أخبر به في كتابه وعلى لسان رسوله -ﷺ-؛ من أسمائه الحسنى وصفاته العُلى؛ فأنت أمام أشرف علم تكتسبُه؛ فلا شك أن العلم شرفٌ لصاحبه، وأشرف علم يكتسبُه العبد المؤمن هو معرفة الله ﷿؛ لأن شرف العلم تابع لشرف المعلوم.\nوالمعلوم هنا: هو الله ﷿ وما يليق به من الأسماء والصفات والأفعال؛ فلذلك ينبغي على المؤمن مع حرصه على إكمال توحيده أن يحرص كذلك على نيل هذا الشرف العظيم، وهو أن يكتسب هذا العلم الصحيح بأسماء الله وصفاته، كذلك مما يدل على شرف هذا العلم: أنه أصل العلوم وأساسها، كما يقول العلماء: «مَنْ عرف الله عرف ما سواه، ومَن جهل ربَّه فهو لما سواه أجهل» (^١).\nوتأمل هذا وخذه من قول الله ﷿ حيث قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]، وقد قال النبيُّ -ﷺ- في وصيته لابن عباس: «يا غلام-أو-يا غُلَيِّم: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تَجده تُجاهك» (^٢)، ونحن نعلم أنَّ حفظ الله\n_________\n(^١) انظر «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٥١٦)، وأحمد في «مسنده» (٢٦٦٩) من حديث ابن عباس -﵄-، وقال: «حسن صحيح»، وصححه الألباني في «المشكاة» (٥٣٠٢).","vol":"1","page":77},{"text":"﷿ بمعرفته وعبادته، فإذا ما العبدُ حَفِظ الله ﷿ فإن الله تعالى تعَهَّد بحفظِه، وتعهد بصلاح أمره؛ فيجب أن نعلم أن هذا العلمَ هو أصلُ العلوم الدينية.\nفنسيان العبد لربه عقوبته أن الله ﷿ يُنسيه أمرَ نفسِه وصلاحَ نفسه؛ يقول ابن القيم في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]: «تأمل هذه الآية: تجد تحتها معنى شريفًا عظيمًا، وهو أنَّ مَنْ نَسِي ربَّه أنساه ذاتَه ونفسَه؛ فلم يَعرف حقيقته ولا مصالحه، بل نَسِيَ ما به صلاحُه وفلاحُه في معاشه ومَعاده؛ فصار مُعَطَّلًا مُهملًا بمنزلة الأنعام السَّائبة، بل ربُّما كانت الأنعام أخبر بمصالحها منه؛ لبقائها هداها الذي أعطاها إيَّاه خالقُها» (^١)، وهذا تجده-كذلك-في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، قال قتادة: «أضاع أكبر الضَّيعة؛ أضاع نفسه وعسى مع ذلك أن تجده حافظًا لما له، مُضَيِّعًا لدينه» (^٢).\nفإذا أنت علمت هذا الباب أصلحت أساس العلم عندك؛ فعلمك ومعرفتك بالله ﷿ ستنبني عليها جميعُ المعارف؛ لأن هذا أصلُ العلم وأصلُ الدِّين، وإن كنت مضيعًا لهذا الباب ضَيَّعت جميعَ أحوالك وجميع أمورك وجميع مصالحك في دنياك وفي أُخراك.\nوتأمل مَنْ كان غافلًا عن الله ﷿، وعن معرفته، وعن الإيمان بأسمائه وصفاته، ولو نظرنا إلى عينة من أحوال بعض الناس الذين غَفلوا عن الله ﷿، وغفلت قلوبهم\n_________\n(^١) «مفتاح دار السعادة» (١/ ٨٦).\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في «محاسبة النفس» (ص ٢٥)، وقال الإمام ابن كثير: «﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾، أي: شغل عن الدين وعبادة ربه بالدنيا، ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، أي: أعماله وأفعاله سفه وتفريط وضياع، ولا تكن مطيعًا له ولا محبًّا لطريقته، ولا تغبطه بما هو فيه» «تفسير ابن كثير» (٥/ ١٥٤).","vol":"1","page":78},{"text":"عن ذِكر الله ﷿، وما يُصيبهم من القلق والضياع والحسرة والنَّدامة؛ فمثلًا صاحبُ المُخَدِّرَات-والعياذ بالله-يظن أن طريق سعادته عن طريق هذا الأمر الذي يُهلك صحته، ويهلك عقله، بل ويفسد عليه الضرورات الخمس المعلومة (^١)؛ فيظل صاحب هذه المخدرات يتعاطى تلك الحقنة-مثلًا-حتى يصل إلى مرحلة هو يعلم-ويجزم-أنها قد تكون أقوى من أن يتحملها هذا الجسم؛ فتكون سببًا في هلاكه، فيُختم له-والعياذ بالله-بخاتمة سوء؛ فتجده قد مات في دورة المياه-دورة الخلاء-أصبحت نهايته في ذلك المكان، وقتل نفسه بيده، وهذا مصداق قول الله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الحشر: ١٩]، فإذا ما اعتنى المسلم بأصل العلم وبأصل الدين-وهو العلم بأسماء الله وصفاته-فإن ذلك سيحرك كوامن الإيمان في النفس، وسيأتي تفصيل ذلك قريبًا؛ فإذا ما ضيع هذا، فإن ذلك يكون سببًا في ضياعه في دنياه وفي أُخراه، فكما يقول ابن القيم: «بل نَسِيَ ما به صلاحُه وفلاحُه في معاشه ومَعاده» (^٢)، والعياذ بالله.\nفخلاصة الأمر: ضرورة معرفة الحق بدليله، وضرورة معرفة الباطل بِشُبهه حتى يُمكن التصدي له.\nوهذا الباب-بحمد الله-أُحكم إحكامًا عظيمًا، ومن آية واحدة تستطيع أن تَستخرج عِدَّة قواعد، كما سيأتيك الآن في بعض هذه القواعد؛ انظر قول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]، و﴿وَلِلَّهِ﴾ هذه فيها قاعدة. ﴿الْأَسْمَاءُ﴾ فيها قاعدة. ﴿الْحُسْنَى﴾ فيها قاعدة. ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ فيها قاعدة. ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي\n_________\n(^١) وهي: (الدِّين والنَّفْس والعقل والعِرض والمال)، وقد جاء الإسلام بحفظها؛ قال الإمام الشاطبي ﵀: «اتفقت الأمة-بل سائر الملل-على أنَّ الشريعة وُضِعَت للمحافظة على هذه الضروريات الخمس …، وعِلْمُها عند الأُمَّة كالضَّروري». «الموافقات» (١/ ٣١).\n(^٢) تَقَدَّم كلامه قريبًا.","vol":"1","page":79},{"text":"أَسْمَائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠] فيها قاعدة. في آية واحدة تستخرج جملة من القواعد وجملة من المعاني، ولو أنَّنا تدبرنا كلام الله وكلام رسوله -ﷺ- سيكون هذا-بإذن الله تعالى-سببًا في أن تلين هذه القلوب: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]، ستلين هذه القلوب، وسيكون هذا سببًا في فلاحها وسعادتها.\nبل ونحن نشاهد في عصرنا الحاضر كيف أن القلوب مَرضت حتى كثرت العيادات النفسيَّة؟! وتأسف كيف لأمة أن يكون هذا هو حالها، مع أنَّ نَبِيَّها -ﷺ- أرشدَها إلى ما فيه دواء هذه النُّفوس، حيث قال: «ما أصابَ عبدًا قط هَمٌّ ولا غَمٌّ ولا حَزَنٌ ..»، هذه ثلاثة أحوال تصيب النفس: الهم والغم والحزن، ما الفرق بينها؟ الهم يأتي قبل المكروه؛ فأنت إذا توقعت مكروهًا أصابك الهم؛ تهتم له. والغم يأتي أثناء المكروه؛ أثناء المصيبة. والحزن يأتي بعد وقوع المصيبة. والإنسان دائمًا بين هَمٍّ؛ يعني يتوقعه مستقبلًا، أو أمر قد فاته قد حَزن عليه، أو في غَمٍّ أصابه في ذلك الوقت؛ فيقول النبيُّ -ﷺ- وهو الطبيب لهذه الأمة؛ التي أعرضت هذه الأمة عن طِبِّه وعن دوائه-يقول لنا: «ما أصاب عبدًا قطٌّ هَمٌّ ولا غَمٌّ ولا حَزن، ثم قال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أَمَتك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حُكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك؛ أسألك بكلِّ اسمٍ هو لك سَمَّيْتَ به نفسَك ..» -انظر بماذا سأل؟ سأل الله بأسمائه تصديقًا وتطبيقًا لقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠]- «أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سَمَّيْتَ به نفسَك، أو أنزلته في كتابِك، أو عَلَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في عِلم الغيب عندك: أن تَجعل القرآنَ العظيم ربيعَ قلبي …» إلى آخر الحديث (^١).\nانظر كيف أعطى النبي -ﷺ- تطبيقًا لهذه الآية: ومصداقًا لهذه الآية:؛ فسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى. فهل الأمة تُطبق هذا في حالها؟!\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في «المسند» (٣٧١٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٩٧٢) من حديث ابن مسعود؟، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٩٩).","vol":"1","page":80},{"text":"فهذا الدواء! بدلًا عن هذه العيادات النفسية التي في غالب الأحيان تعطيك مسكنات وأدوية حسيَّة قد يكون وبالها عليك أكثر من نفعها لك؛ فلو أنك داومت على هذا الدواء الشافي-بإذن الله تعالى-لأصبحت في غُنية عما يُواجهه الكثير من الناس من حالة اضطراب وقلق نفسي وأمراض نفسية؛ بسببها تجد هذه العيادات وهذه المستشفيات وما أكثرَها، ووالله ما كان مجتمع المسلمين يعرف هذا إلا في حالات من الجنون ونحوه، لكن اليوم يتردد كثير حتى الصِّغار-حتى الصبية-يَترددون على هذه العيادات، مع أننا-بحمد الله تعالى-قد نكون نحن في غنية عن كثير مما يدعو إلى اللجوء إليها، لكننا هجرنا مثل هذا الخير؛ فحُرمنا الخير، ونالنا ما نالنا مِنْ بلاء في هذا الشيء.\nفإذًا وجه الاستشهاد من قوله ﷾: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾: أن الله يدعو عباده إلى أن يعرفوه بأسمائه وصفاته، ويُثنوا عليه بها، ويأخذوا بحظهم من عبوديتها، فالدعاء بها يتناول:\n-دعاء المسألة (^١): كقولك: ربي ارزقني.\nودعاء الثناء (^٢): كقولك: سبحان الله.\nودعاء التعبد (^٣): كالركوع والسجود (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-36>المسألة الثانية: التعريف بالسلف الصالح وبأهل السنة والجماعة.</span>\n<span data-type='title' id=toc-37>أولًا: التعريف بالسلف:</span>\n_________\n(^١) دعاء المسألة: ما كان فيه طلب جلب نفع أو دفع مضرة.\n(^٢) دعاء الثناء: ما كان فيه التمجيد والثناء على الله، وخلا من السؤال.\n(^٣) دعاء التعبد: الحركات التعبدية؛ كالصلاة، فهي الدعاء.\n(^٤) «مدارج السالكين» (١/ ٤٢٠).","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>أ- معنى السلف لغة:</span>\n(السلف: جمع سالف على وزن حارس وحرس، وخادم وخدم، والسالف المتقدم، والسلف … الجماعة المتقدمون) (^١).\nقال ابن فارس: (السين، واللام، والفاء) أصل يدل على تقدم وسبق، من ذلك السلف الذين مضوا، والقوم السلاف: المتقدمون) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-39>ب- المقصود بالسلف الصالح:</span>\n(تعددت أقوال العلماء في تحديد ذلك من حيث المدى الزمني:\nا- فمن العلماء من قصر ذلك على، الصحابة -رضوان الله عليهم- فقط.\n٢ - ومن العلماء من قال بأنهم هم: الصحابة والتابعون.\n٣ - ومن العلماء من قال بأنهم هم: الصحابة والتابعون وتابعو التابعين (^٣).\nوالقول الصحيح المشهور الذي عليه جمهور أهل السنة هو أن المقصود بالسلف الصالح هم القرون الثلاثة المفضلة الذين شهد لهم النبي ﷺ بالخيرية، حيث قال: \"خير القرون القرن الذي بعثت فيهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم\"، متفق عليه (^٤)، فالسلف الصالح هم الصحابة والتابعون وتابعو التابعين.\nوكل من سلك سبيلهم وسار على نهجهم فهو سلفي نسبة إليهم.\nوالسلفية: هي المنهج الذي سار عليه النبي ﷺ والقرون المفضلة من بعده\n_________\n(^١) لسان العرب ٩/ ١٥٨\n(^٢) معجم مقاييس اللغة ٣/ ٩٥ مادة \"سلف\"\n(^٣) وسطية أهل السنة بين الفرق د. محمد باكريم ص ٩٢ - ٩٤، وكتاب لزوم الجماعة ص ٢٧٦ - ٢٧٧ تأليف جمال بادي.\n(^٤) أخرجه البخاري ٥/ ١٩٩، ١١/ ٤٦٠، ومسلم ٧/ ١٨٤، ١٨٥","vol":"1","page":82},{"text":"والذي أخبر النبي ﷺ بأنه باق إلى أن يأتي أمر الله، لحديث: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتي أمر الله وهم كذلك\" (^١).\nفيصح الانتساب إلى هذا المنهج متى التزم الإنسان بشروطه وقواعده، فكل من حافظ على سلامة العقيدة طبقًا لفهم القرون الثلاثة المفضلة فهو ذو نهج سلفي.\n\n<span data-type='title' id=toc-40>ج- قواعد المنهج السلفي:</span>\nيمكن حصر ركائز وقواعد المنهج السلفي على سبيل الاختصار في النقاط التالية:\n\n<span data-type='title' id=toc-41>أولًا: ضبط نصوص الكتاب والسنة وفهم معانيها.</span>\n<span data-type='title' id=toc-42>ثانيًا: التقيد في ذلك بالمأثور عن الصحابة والتابعين وتابعيهم في معاني القرآن والحديث،</span> وذلك يتم بـ:\nأ- الاجتهاد في تمييز صحيحه من سقيمه.\nب- الاجتهاد في الوقوف على معانيه وتفهمه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-43>ثالثًا: العمل بذلك والاستقامة عليه اعتقادًا وتفكيرًا وسلوكا وقولًا والبعد عن كل ما يخالفه ويناقضه.</span>\n<span data-type='title' id=toc-44>رابعًا: الدعوة إلى ذلك باللسان والبنان.</span>\nفمن التزم هذه القواعد في الاعتقاد والعمل فهو على النهج السلفي بإذن الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-45>د- الأدلة على وجوب اتباع السلف الصالح ولزوم منهجهم:</span>\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه ٣/ ١٥٢٣\n(^٢) بيان فضل السلف على الخلف لابن رجب ص ١٥٠ - ١٥٢، وأصول اعتقاد أهل السنة للالكائي ١/ ٩ - ١٠","vol":"1","page":83},{"text":"<span data-type='title' id=toc-46>أولًا: من القرآن الكريم:</span>\nقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (^١).\nفرضي ﷿ عن السابقين الأولين رضاءً مطلقًا، ورضي عن التابعين لهم بإحسان.\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (^٢).\nفتوعد الله من اتبع غير سبيلهم بعذاب جهنم، ووعد في الآية السابقة متبعهم بالرضوان.\n\n<span data-type='title' id=toc-47>ثانيًا: الأدلة من السنة:</span>\n١ - قوله ﷺ: \"خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم\" (^٣).\nفهذه \"الخيرية\" التي شهد النبي ﷺ بها لهذه القرون الثلاثة تدل على تفضيلهم وسبقهم وجلالة قدرهم وسعة علمهم بشرع الله، وشدة تمسكهم بسنة رسوله ﷺ، وهذا ما تؤكده الأحاديث التالية.\n٢ - قوله ﷺ: \"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق هذه ا لأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة\" قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: \"من كان على مثل ما أنا عليه اليوم\n_________\n(^١) الآية ١٠٠ من سورة التوبة\n(^٢) الآية ١١٥ من سورة النساء\n(^٣) أخرجه البخاري ٥/ ١٩٩، ٧/ ٦، ١١/ ٤٦٠، وأخرجه مسلم ٧/ ١٨٤، ١٨٥","vol":"1","page":84},{"text":"وأصحابي\" (^١) حديث صحيح مشهور.\n٣ - قوله ﷺ: \" … فإنه من يعش بعدي فسيرى اختلافا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، فتمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة\" (^٢).\nفحث ﷺ بأن يتبعوا سنته وسنة من بعده من الخلفاء الراشدين، عند وقوع التفرق والاختلاف.\n\n<span data-type='title' id=toc-48>ثالثًا: من أقوال السلف الصالح وأتباعهم:</span>\nعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: \"لا يزال الناس بخير ما أتاهم العلم من أصحاب محمد ﷺ ومن أكابرهم، فإذا أتاهم العلم من قبل أصاغرهم وتفرقت أهواؤهم هلكوا\" (^٣).\nوعنه ﵁ قال: \"من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد ﷺ، أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم\" (^٤).\nوعنه ﵁ قال: \"إنا نقتدي ولا نبتدي، ونتبع ولا نبتدع، ولن نضل ما تمسكنا\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود ٤٥٩٦، ٤٥٩٧، والترمذي ٢٦٤٠، ٢٦٤١، والإمام أحمد ٢/ ٣٣٢، ٣/ ١٢٠، ١٤٥، ٤/ ١٢٠، وابن ماجه ٣٩٩١ - ٣٩٩٣\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد ٤/ ١٢٦، ١٢٧، وأبو داود ٤٦٠٧، والترمذي ٢٦٧٦، والدارمي ١/ ٤٤، وغيرهم\n(^٣) الزهد لابن المبارك ص ٢٨١ ح ٨١٥\n(^٤) جامع بيان العلم وفضله ٢/ ٨٧","vol":"1","page":85},{"text":"بالأثر\" (^١).\nوعنه ﵁ قال: \" اتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم\" (^٢).\nوقال حذيفة بن اليمان ﵁: \"يا معشر القراء استقيموا وخذوا طريق من كان قبلكم، فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولئن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا\" (^٣).\nوقال مجاهد: \"العلماء أصحاب محمد ﷺ\" (^٤).\nوقال الأوزاعي: \"العلم ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ، فما كان غير ذلك فليس بعلم\"، وكذا قال الإمام أحمد ﵀ (^٥).\nوقال أيضًا: \"اصبر نفسك على السنة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم\" (^٦).\nوكان الحسن البصري في مجلس فذكر أصحاب محمد ﷺ فقال: \"إنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفا، قومًا اختارهم الله لصحبة نبيه ﷺ، فتشبهوا بأخلاقهم وطرائقهم، فإنهم ورب الكعبة على الهدى المستقيم\" (^٧).\nوقيل لأبي حنيفة ﵀: ما تقول فيما أحدث الناس من الكلام في الأعراض والأجسام؟\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي (ح ١١٥)\n(^٢) البدع والنهي عنها لابن وضاح ص ١٣\n(^٣) جامع بيان العلم ٢/ ٢٩\n(^٤) جامع بيان العلم ٢/ ٢٩\n(^٥) جامع بيان العلم ٢/ ٢٩\n(^٦) الشريعة للآجري ص ٥٨\n(^٧) جامع بيان العلم ٢/ ٩٧","vol":"1","page":86},{"text":"قال: \"مقالات الفلاسفة، عليك بالأثر وطريقة السلف، وإياك وكل محدثة، فإنها بدعة\" (^١).\nوقال الأوزاعي: \"عليك بآثار السلف وإن رفضك الناس، وإياك ورأي الرجال وإن زخرفوه لك بالقول، فإن الأمر ينجلي وأنت منه على طريقٍ مستقيم\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وحدة لا شريك له وطاعة رسوله، يدور على ذلك، ويتبعه أين وجده، ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخص انتصارا مطلقًا عامًّا إلا لرسول الله ﷺ، ولا لطائفة انتصارًا مطلقًا عامًّا إلا للصحابة ﵃ أجمعين. فإن الهدي يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا، فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط، بخلاف أصحاب عالم من العلماء، فإنهم قد يجمعون على خطأ، بل كل ما قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ، فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليست مسلما إلى عالم واحد وأصحابه، ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيرًا لرسول الله ﷺ، وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم.\nولابد أن يكون الصحابة والتابعون يعرفون ذلك الحق الذي بعث الله به الرسول، قبل وجود المتبوعين الذين تنسب إليهم المذاهب في الأصول والفروع، ويمتنع أن يكون هؤلاء جاءوا بحق يخالف ما جاء به الرسول، فإن كل ما خالف الرسول فهو باطل، ويمتنع أن يكون أحدهم علم من جهة الرسول ما يخالف الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإن أولئك لم يجتمعوا على ضلالة، فلابد أن يكون\n_________\n(^١) صون المنطق للسيوطي ٣٢٢\n(^٢) المدخل إلى السنن للبيهقي رقم ٢٣٣","vol":"1","page":87},{"text":"قوله- إن كان حقا- مأخوذًا عما جاء به الرسول، موجودًا فيمن قبله، وكل قول قيل في دين الإسلام، مخالف لما مضى عليه الصحابة والتابعون، لم يقله أحد منهم بل قالوا خلافه، فإنه قول باطل\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-49>ثانيا: التعريف بأهل السنة:</span>\nيستعمل العلماء تارة مسمى \"أهل السنة والجماعة\" بدلًا من عبارة \"السلف\".\nوهذه العبارة وردت في استعمال العلماء لمعنيين هما:\n\n<span data-type='title' id=toc-50>أ- المعنى الأخص:</span>\nوهو بعينه مدلول لفظة السلف، فأهل السنة والجماعة هم الصحابة والتابعون وتابعوهم ومن سلك سبيلهم وسار على نهجهم من أئمة الهدى ومن اقتدى بهم من سائر الأمة أجمعين.\nفيخرج من هذا المعنى كل طوائف المبتدعة وأهل الأهواء.\nفالسنة هنا في مقابل البدعة.\nوالجماعة هنا في مقابل الفرقة.\nفعن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ (^٢) قالت: \"تبيض وجوه أهل السنة والجماعة، وتسود وجوه أهل البدعة والفرقة\" (^٣).\nوهذا المعنى هو المقصود في الأحاديث التي وردت في لزوم الجماعة. والنهي عن التفرق.\n_________\n(^١) منهاج السنة ٥/ ٢٦٢ - ٢٦٣\n(^٢) الآية ١٠٦ من سورة آل عمران\n(^٣) تفسير ابن كثير ١/ ٣٩٠","vol":"1","page":88},{"text":"وهذا المعنى وإن كان أخص من جهة معناه لكنه هو الأكثر ورودًا واستعمالًا في كلام العلماء.\n\n<span data-type='title' id=toc-51>٢ - المعنى الأعم:</span>\nوالذي يدخل فيه بعض طوائف المبتدعة في حالة موافقة قولهم لقول السلف في مسألة بعينها في مقابلة طائفة بعينها.\nوهذا المعنى أقل استعمالًا لتقيده بشروط معينة هي:\n١ - كونه في مسائل اعتقادية معينة.\n٢ - كونه في مقابل طوائف معينة.\nمثاله: استعمال هذا المسمى في مقابل الرافضة في مسألتي \"الخلافة\" و\"الصحابة\".\nفيقال هنا: المنتسبون للإسلام قسمان:\n١ - أهل السنة.\n٢ - ا لرافضة.\nفيدخل هنا مع أهل السنة بعض طوائف المبتدعة كالأشاعرة وغيرهم، وقد أدخلوا هنا لموافقة قولهم لقول السلف في مسألتي \" الخلافة\" و\" الصحابة\" لما حصل فيهما النزاع مع الرافضة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فلفظ (أهل السنة) يراد به:\n١ - من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة، فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة.\n٢ - وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة، فلا يدخل فيه إلا من يثبت","vol":"1","page":89},{"text":"الصفات لله تعالى ويقول: (إن القرآن غير مخلوق، وإن الله يرى في الآخرة، ويثبت القدر، وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة) \" (^١).\nوقد عبر شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذين القسمين بتسمية:\nأهل القسم الأول: بأهل \"السنة العامة\" وهو كل ما ليس برافضي (^٢).\nوأهل القسم الثاني: بأهل \" السنة الخاصة\" أي أهل الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-52>المسألة الثالثة: عقيدة أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات.</span>\nقرر المصنف عقيدة السلف وطريقتهم في باب (التوحيد والصفات) وهو التوحيد العلمي الخبري، فبين أنهم يثبتون لله تعالى كل ما أخبر به عن نفسه ﷾، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه ﷾.\nوقد نقل عن غير واحد من أهل السنة هذا المعتقد ومن ذلك:\nقول الإمام أبو حنيفة: \" لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء، بل يصفه بما وصف به نفسه\" (^٣)\nقول عبد الرحمن بن قاسم العُتَقي من كبار فقهاء المالكية، صحب مالكًا -﵀-: «لا ينبغي لأحد أن يصف الله إلا بما وصف به نفسه في القرآن» (^٤).\n_________\n(^١) منهاج السنة ٢/ ٢٢١، ط: جامعة الإمام محمد بن سعود\n(^٢) قال شيخ الإسلام: \"ولا ريب أنهم (أي الروافض) أبعد طوائف المبتدعة عن الكتاب والسنة، ولهذا كانوا هم المشهورين عند العامة بالمخالفة للسنة، فجمهور العامة لا تعرف ضد السني إلا الرافضي، فإذا قال أحدهم: أنا سني، فإنما معناه: لست رافضيا .. \" مجموع الفتاوى ٣/ ٣٥٦\n(^٣) ذكره في جلاء العينين (٣٦٨)، وقال نقله القاضي أبو العلاء في كتاب الاعتقاد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة، وانظر شرح الطحاوية (ص ٤٢٧).\n(^٤) انظر: رياض الجنة بتخريج أصول السنة ص (٧٥) برقم (٢٥)، والصفات أيضًا تؤخذ من السنة الصحيحة، ولعل قول عبد الرحمن بن القاسم جاء على الغالب، والله أعلم.","vol":"1","page":90},{"text":"وقال الإمام الشافعي -﵀-: «حرامٌ على العقول أن تُمثِّل الله تعالى، وعلى الأوهام أن تحدَّه، وعلى الظنون أن تقطع، وعلى النفوس أن تفكِّر، وعلى الضمائر أن تعمَّق، وعلى الخواطر أن تحيط، وعلى العقول أن تعقل إلا ما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ» (^١).\nوقال سحنون -﵀-: «من العلم بالله السكوت عن غير ما وصف به نفسه» (^٢).\nوقال الإمام أحمد -﵀-: «ولا يوصف الله تعالى بأكثر مما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله بلا حد ولا غاية، … ولا نتعدى القرآن والحديث، فنقول كما قال، ونصفه كما وصف نفسه ولا نتعدى ذلك، نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابهه، ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شُنِّعت» (^٣).\nوقال العلامة البربهاري ﵀: «واعلم- رحمك الله- أن الكلام في الرب محدث، وهو بدعة وضلالة، ولا يتكلم في الرب إلا بما وصف به نفسه في القرآن، وما بين رسول الله ﷺ لأصحابه، وهو- جل ثناؤه- واحد ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]، ربنا أول بلا متى، وآخر بلا منتهى، يعلم السر وأخفى، وهو على عرشه استوى، وعلمه بكل مكان، ولا يخلو من علمه مكان، ولا يقول في صفات الرب: كيف؟ ولم؟ إلا شاكٌّ في الله\" (^٤).\nوقال الإمام الخطابي﵀-: «إن صفات الله تعالى لا تؤخذ إلا من كتاب أو من قول رسول الله ﷺ دون قول أحد من الناس كائنًا من كان علت درجته أو نزلت\n_________\n(^١) انظر: ذم التأويل لابن قدامة ص (٢٣٤ - ٢٣٥) برقم (٣٤).\n(^٢) انظر: التمهيد (٧/ ١٤٦)، ذم التأويل لابن قدامة ص (٢٣٦) برقم (٣٨).\n(^٣) انظر: ذم التأويل لابن قدامة ص (٢٣٤) برقم (٣٣). وانظر: المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد (ص: ١١٦).\n(^٤) انظر: شرح السنة للبربهاري (ص: ٤٠).","vol":"1","page":91},{"text":"تقدم زمانه أو تأخر لأنها لا تدرك من طريق القياس والاجتهاد فيكون فيها لقائل مقال ولناظر مجال» (^١).\nوقال أيضًا: «ومن علم هذا الباب -أعني الأسماء والصفات-ومما يدخل في أحكامه، ويتعلق به من شرائط، أنه لا يتجاوز فيها التوقيف، ولا يستعمل فيها القياس، فيلحق بالشيء نظيره في ظاهر وضع اللغة ومتعارض الكلام» (^٢).\nوقال الإمام السجزي﵀-: «وقد اتفقت الأئمة على أن الصفات لا تؤخذ إلا توقيفًا، وكذلك شرحها لا يجوز إلا بتوقيف … ولا يجوز أن يوصف الله سبحانه إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ» (^٣).\nوقال الإمام ابن عبد البر -﵀-: «… ما غاب عن العيون فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله تعالى إلا ما وصف نفسه به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ» (^٤).\nوقال الإمام ابن قدامة المقدسي﵀-: «فإن صفات الله تعالى لا تُثبت ولا تُنفى إلا بالتوقيف» (^٥).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وباب الأسماء والصفات يُتَّبَع فيها الألفاظ الشرعية، فلا نطلق إلا ما يرد به الأثر» (^٦).\nوقال أيضًا: «ومن الوجوه الصحيحة أن معرفة الله بأسمائه وصفاته على وجه\n_________\n(^١) نقلًا عن بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٤٢).\n(^٢) شأن الدعاء ص (١١١).\n(^٣) الردّ على من أنكر الحرف والصوت ص (١٢١).\n(^٤) التمهيد (٧/ ١٤٥).\n(^٥) ذم التأويل لابن قدامة ص (١٢١).\n(^٦) قاعدة في المحبة، ضمن جامع الرسائل (٢/ ٢٣٩).","vol":"1","page":92},{"text":"التفصيل لا تعلم إلا من جهة الرسول ﵊، إما بخبره وإما بخبره وتنبيهه ودلالته على الأدلة العقلية، ولهذا يقولون لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ قال الله تعالى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١) (^٢).\nوقال -﵀-: «ومعلوم أن الوصف بالنفي كالوصف بالإثبات» (^٣). أي يحتاج فيهما إلى دليل من الكتاب والسنة.\nوقال أيضًا: «فالأصل في هذا الباب (^٤)، أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله: نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه» (^٥).\nقال ابن عقيل﵀- في الكفاية (^٦): «فصل عجيب يخفى على كثير من الأصوليين: وذلك أنه لا يجوز الإغراق في الإثبات مجاوزة لما أثبته الشرع ودلَّ عليه، كذلك لا يجوز الإغراق في النفي ولا الإقدام على نفي شيء عن الله إلا بدليل؛ لأن النفي أيضا لا يؤمن معه إزالة ما وجب له سبحانه، فالنفي يحتاج إلى دليل كما أن الإثبات يحتاج إلى دليل، كما أن إثبات ما لا يجب له كفر، فنفي ما جُوِّزَ عليه خطأ وفسق، ومثال ذلك: أن يغرق هؤلاء الخطباء والقصاص في نفي النقائص، ثم يدرجون فيها ما وردت به السنن ويقولون ليس بفوق ولا تحت ولا يدرك ولا يعلم\n_________\n(^١) الآية [١٨٠ - ١٨٢] من سورة الصافات.\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٢٤٨).\n(^٣) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٤٤).\n(^٤) وهو باب توحيد الأسماء والصفات.\n(^٥) التدمرية ص (٦ - ٧).\n(^٦) \"كفاية المفتي\" في عشر مجلدات، ويسمى أيضًا: \"الفصول\"، معظمه مفقود، وتوجد منه قطعتان مخطوطتان، إحداهما: بدار الكتب المصرية، والأخرى بالمكتبة الظاهرية بدمشق، انظر: مقدمة تحقيق كتاب \"الواضح في أصول الفقه\" (١/ ١٩).","vol":"1","page":93},{"text":"ولا يعرف ولا ولا، فربما ساقوا في نفيهم نفي صفة وردت بها السنن» (^١).\nوعلق عليه شيخ الإسلام -﵀-: «وهذا هو الصواب عند السلف والأئمة وجماهير المسلمين أنه لا يجوز النفي إلا بدليل كالإثبات، فكيف ينفى بلا دليل ما دل عليه دليل إما قطعي وإما ظاهري، بل كيف يقال: ما لم يقم دليل قطعي على ثبوته من الصفات يجب نفيه أو يجب القطع بنفيه، ثم يقال في القطعي إنه ليس بقطعي، فهذه المقدمات الفاسدة هي وسائل الجهل والتعطيل وتكذيب المرسلين» (^٢).\nوقال شيخ الإسلام أيضًا: «فنثبت ما علمنا ثبوته، وننفي ما علمنا نفيه، ونسكت عما لا نعلم نفيه ولا إثباته» (^٣).\nوقال أيضًا: «بل النافي عليه الدليل على نفي ما نفاه، كما على المثبت الدليل على ثبوت ما أثبته، ومن ليس عنده دليل على النفي والإثبات، فعليه أن لا ينفى ولا يثبت فغاية ما عنده التوقف في نفي ذلك وإثباته» (^٤).\nوقال أيضًا: «وأصل دين المسلمين أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه في كتبه وبما وصفته به رسله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، بل يثبتون له تعالى ما أثبته لنفسه، وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، ويتبعون في ذلك أقوال رسله، ويجتنبون ما خالف أقوال الرسل، كما قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي: عما يصفه الكفار المخالفون للرسل، ﴿وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾، لسلامة ما قالوه من النقص والعيب، ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^٥)،\n_________\n(^١) نقله عنه شيخ الإسلام ابن تيمية كما في بيان تلبيس الجهمية (١/ ٧٩).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٧٩).\n(^٣) التدمرية ص (١٤٦).\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٤٤).\n(^٥) الآية [١٨٠ - ١٨٢] من سورة الصافات.","vol":"1","page":94},{"text":"فالرسل وصفوا الله بصفات الكمال ونزهوه عن النقائص المناقضة للكمال، ونزهوه عن أن يكون له مثل في شيء من صفات الكمال، وأثبتوا له صفات الكمال على وجه التفصيل، ونفوا عنه التمثيل، فأتوا بإثبات مفصَّل ونفي مجمل، فمن نفى عنه ما أثبته لنفسه من الصفات كان معطلًا، ومن جعلها مثل صفات المخلوقين كان ممثلًا، والمعطِّل يعبد عدمًا والممثل يعبد صنمًا، وقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، وهو ردٌّ على الممثلة، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]، وهو ردٌّ على المعطِّلة» (^١).\nوقال أيضًا: «فالواجب أن ينظر في هذا الباب فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي، فنثبت ما أثبتته النصوص من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته النصوص من الألفاظ والمعاني» (^٢).\nوقال الإمام ابن القيم -﵀-: «إن ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي» (^٣).\nوقال الإمام ابن أبي العز الحنفي﵀-: «فالواجب أن ينظر في هذا الباب، أعني باب الصفات، فما أثبته الله ورسوله أثبتناه، وما نفاه الله ورسوله نفيناه، والألفاظ التي ورد بها النص يُعتصم بها في الإثبات والنفي، فنُثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني، وننفي ما نفته نصوصهما من الألفاظ والمعاني» (^٤).\nوقال ابن الوزير اليمني﵀-: «وأيضا فأسماء الله وصفاته توقيفية شرعية وهو\n_________\n(^١) الجواب الصحيح (٤/ ٤٠٥).\n(^٢) منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٥٤).\n(^٣) بدائع الفوائد (١/ ١٤٧).\n(^٤) شرح العقيدة الطحاوية (٢٦١).","vol":"1","page":95},{"text":"أعز من أن يطلق عليه عبيده الجهلة ما رأوا من ذلك» (^١).\nوقال الملا علي القاري﵀-: «حيث إن أوصاف الله تعالى توقيفية» (^٢).\nهذه بعض النقول من بعض الأئمة فيها بيان أن توحيد الأسماء والصفات عمومًا وباب الصفات منه، توقيفيٌ لا يؤخذ إلا من الكتاب والسنة، وهذا شاملٌ للنفي والإثبات، فكما أننا لا نثبت لله -﷿- شيئًا إلا إذا ورد في الكتاب والسنة، فكذلك لا ننفي عن الله -﷿- شيئًا إلا إذا ورد نفيه في الكتاب والسنة.\nفكلام هؤلاء الأئمة صريح في أن هذا الباب توقيفي؛ لأنه من باب الغيب الذي لا يُعْلَم إلا بخبر من الله -﷿- على لسان رسوله ﷺ، في كتابه -﷿- أو سنة نبيه ﷺ الصحيحة، والكلام فيه دون توقيف من أعظم الافتراء على الله -﷿-، وهو من الأبواب التي لا يصلح معها النظر العقلي الصِّرف؛ لأن الله -﷿- قرر بأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، وإذا كان كذلك، كان لابد من اعتماد على النصوص الشرعية.\nوقوله: \"وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ طَرِيقَةَ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا إثْبَاتُ مَا أَثْبَتَهُ مِنْ الصِّفَاتِ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-53>المسألة الرابعة: الأسس التي ارتكز عليها معتفد السلف في باب أسماء الله وصفاته:</span>\nارتكز معتقد أهل السنة في باب أسماء الله وصفاته على ثلاثة أسس رئيسية، هي (^٣):\nالأساس الأول: الإيمان بما ورددت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة من\n_________\n(^١) إيثار الحق على الخلق ص (٣٠٨).\n(^٢) الردّ على القائلين بوحدة الوجود ص (١١٣).\n(^٣) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص ٢٥","vol":"1","page":96},{"text":"أسماء الله وصفاته إثباتًا ونفيًا.\nالأساس الثاني: تنزيه الله جل وعلا عن أن يشبه شيء من صفاته شيئًا من صفات المخلوقين.\nالأساس الثالث: قطع الطمع عن إدراك كيفية اتصاف الله بتلك الصفات.\nوهذه الأسس الثلاثة هي التي تفضل وتميز عقيدة أهل السنة في هذا الباب عن عقيدة أهل التعطيل (من الفلاسفة وأهل الكلام) من جهة.\nوعن عقيدة أهل التمثيل (من الكرامية والهشامية وغيرهم) من جهة أخرى.\nفالأساس الأول: فيه تمييز لعقيدة أهل، السنة عن عقيدة المعطلة، فأهل السنة يجعلون الأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيها عن الله تعالى هو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، ولا يتجاوزونها، فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه.\n(وأما ما لم يرد إثباته ونفيه فلا يصح استعماله في باب الأسماء وباب الصفات إطلاقًا، وأما في باب الأخبار فمن السلف من يمنع ذلك، ومنهم من يجيزه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله عر وجل وجب رده) (^١).\nومجمل القول إن في الأمر ثلاثة أبواب:\nا-باب الأسماء: وهذا يجب الاعتماد فيه على الكتاب والسنة فقط.\n٢ - باب الصفات: وهذا كذلك يجب الاعتماد فيه على الكتاب والسنة فقط.\n٣ - باب الأخبار: وهذا لا يشترط فيه ورود النص الشرعي، ولكن يشترط أن\n_________\n(^١) رسالة في العقل والروح ٢/ ٤٦ - ٤٧ لابن تيمية (ضمن مجموعة الرسائل المنيرية)","vol":"1","page":97},{"text":"يكون معنى اللفظ المستعمل ليس بسيء.\nأما أهل التعطيل: فقد جعلوا \"العقل\" وحده هو أصل علمهم، فالشبه العقلية هي الأصول الكلية الأولية عندهم، وهي التي تثبت وتنفي، ثم يعرضون الكتاب والسنة على تلك الشبه العقلية، فإن وافقتها قبلت اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضتها ردت تلك النصوص الشرعية وطرحت، وفي هذا يقول قائلهم: (كل ما ورد السمع به ينظر فإن كان العقل مجوزا له وجب التصديق به.\nوأما ما قضى العقل باستحالته فيجب فيه تأويل ما ورد السمع به، ولا يتصور أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول.\nوظواهر أحاديث التشبيه-يعني بها أحاديث الصفات-أكثرها غير صحيحة، والصحيح منها ليس بقاطع، بل هو قابل للتأويل) (^١).\nفهذا النقل يبين لك مدى تقديم هؤلاء لشبههم العقلية وتعصبهم لها، وكيف أنهم يجعلونها هي الأصول والسمع معروضا عليها، فما أجازته عقولهم قبلوه، وما لم تجزه عقولهم شككوا فيه وانتقصوه، ومن ثم سعوا في تأويله وتحريفه، ومن يلقي نظرةً على كتب الأشاعرة مثلًا يجد أن القوم يقسمون أبواب العقيدة إلى إلهيات-ونبوَّات-وسمعيات، وهم في باب الإلهيات والنبوات لا يقبلون نصوص الكتاب والسنة، ولذلك لن تجد في هذين البابين إلا الشبه العقلية المركبة وفق القواعد المنطقية، ويا عجبا أنأخذ ديننا من كلام الله ورسوله، أم من ملاحدة اليونان وتلاميذهم!\n_________\n(^١) الاقتصاد في الاعتقاد لأبي حامد الغزالي ص ١٣٢ - ١٣٣. وقال في كتابه المستصفى ٢/ ١٣٧ - ١٣٨: \"كل ما دل العقل فيه على أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال، إذ الأدلة العقلية يستعجل نسخها وتكاذبها، فإن ورد دليل سمعي على خلاف العقل، فإما أن لا يكون متواترًا فيعلم أنه غير صحيح، وإما أن يكون متواترًا فيكون مؤولًا ولا يكون متعارضًا\"","vol":"1","page":98},{"text":"وأما باب السمعيات-أي البعث والحشر والجنة والنار والوعد والوعيد-فهم يقبلون فيه النصوص الشرعية، وبالتالي سموا هذا الباب بالسمعيات. في مقابل باب الإلهيات والنبوات، إذ إنهم يعتمدون فيهما على العقليات، وهؤلاء شابهوا حال من قال الله تعالى فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (^١).\nوأما الأساس الثاني: وهو تنزيه الله عن مشابهة المخلوقين، ففيه تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة المعطلة من جهة، وعن عقيدة المشبهة من جهة أخرى.\nفأهل السنة: يعتقدون أن ما اتصف الله به من الصفات لا يماثله فيها أحد من خلقه، فالله ﷿ قد أخبرنا بذلك بنص كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]، فإذا ورد النص بصفة من صفات الله تعالى في الكتاب أو السنة فيجبب الإيمان به والاعتقاد الجازم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والشرف والعلو مما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فالشر كل الشر في عدم تعظيم الله، وأن يسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فعلى القلب المؤمن المصدق بصفات الله التي تمدح بها أو أثنى عليه بها نبيه ﷺ، أن يكون معظمًا لله جل وعلا غير متنجس بأقذار التشبيه، لتكون أرض قلبه طيبة طاهرة قابلة للإيمان بالصفات على أساس التنزيه، أخذا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١ (^٢).\nقال الإمام إسحاق بن إبراهيم بن راهويه﵀-: «إنما يكون التشبيه إذا قال يد\n_________\n(^١) الآية ٨٥ من سورة البقرة\n(^٢) انظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص ٢١ - ٢٢","vol":"1","page":99},{"text":"كيد أو مثل يد، أو سمع كسمع أو مثل سمع، فإذا قال: سمع كسمع أو مثل سمع، فهذا التشبيه، وأما إذا قال كما قال الله تعالى: يد وسمع وبصر، ولا يقول: كيف، ولا يقول: مثل سمع ولا كسمع، فهذا لا يكون تشبيهًا، وهو كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]) (^١).\nفحدَّد الإمام إسحاق بن راهويه المعنى الدقيق للتنزيه، واستدلّ على ذلك بالآية: حيث إنها جمعت بين التنزيه والإثبات، فقدمت التنزيه، ثم أثبت الله لنفسه السمع والبصر على قاعدة التنزيه، ليفيد أن ما وصف الله به نفسه لا يكون تشبيهًا ولا تمثيلًا له بشيء من مخلوقاته.\nأما أهل التعطيل: فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات التي لا وجود لها إلا في أفهامهم الفاسدة، فعقيدة هؤلاء المعطلة جمعت بين التمثيل والتعطيل، وهذا الشر إنما جاء من تنجس قلوبهم وتدنسها بأقذار التشبيه، فإذا سمعوا صفة من صفات الكمال التي أثنى الله بها على نفسه كاستوائه على عرشه ومجيئه يوم القيامة وغير ذلك من صفات الجلال والكمال، فإن أول ما يخطر في أذهانهم أن هذه الصفة تشبه صفات الخلق، فيتلطخ القلب بأقذار التشبيه لم يقدر الله حق قدره ولم يعظم الله حق عظمته حيث سبق إلى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فيكون أولًا نجس القلب بأقذار التشبيه ثم دعاه ذلك إلى أن ينفي صفة الخالق جلَّ وعلا عنه بادعاء أنها تشبه صفات المخلوق، فيكون فيها أولًا مشبهًا، وثانيًا معطلًا ضالاًّ ابتداءً وانتهاءً متهجمًا على رب العالمين ينفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفة لا تليق (^٢).\n_________\n(^١) سنن الترمذي (٣/ ٥٠).\n(^٢) انظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص ١٩ - ٢٠","vol":"1","page":100},{"text":"وأما عقيدة أهل التمثيل: فهي تقوم على دعواهم أن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا أخبرنا عن اليد فنحن لا نعقل إلا هذه اليد الجارحة، فشبهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، فقالوا: له يد كيدي، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nوأمَّا العارفون به، المصدقون لرسله، المقرون بكماله فهم يثبتون لله جميع صفاته، وينفون عنه مشابهة المخلوقات، فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه، وبين التنزيه وعدم التعطيل، فمذهبهم حسنة بين سيئتين، وهدًى بين ضلالتين.\nوأما الأساس الثالث: ففيه تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة المشبهة، فأهل السنة يفوضون علم كيفية اتصاف الباري ﷿ بتلك الصفات إلى الله ﷿، فلا علم للبشر بكيفية ذات الله﵎ (ولا تفسير كنه شيء من صفات ربنا تعالى كأن يقال استوى على هيئة كذا، وكل من تجرأ على شيء من ذلك فقوله من الغلو في الدين والافتراء على الله ﷿، واعتقاد ما لم يأذن به الله ولا يليق بجلاله وعظمته ولم ينطق به كتاب ولا سنة، ولو كان ذلك مطلوبًا من العباد في الشريعة لبينه الله تعالى ورسوله ﷺ، فهو لم يدع ما بالمسلمين إليه حاجة إلا بينه ووضحه، والعباد لا يعلمون عن الله تعالى إلا ما علمهم كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ (^١) فليؤمن العبد بما علمه الله تعالى وليقف معه، وليمسك عما جهله وليكل معناه إلى عالمه) (^٢).\nوأما المشبهة فقد تعمقوا في شأن كيفيات صفات الله وتقولوا على الله بغير علم، فقالوا: له بصر كبصري، ويد كيدي، وقدم كقدمي، تعالى الله عمّا يقولون علوًّا كبيرًا\n_________\n(^١) الآية ٢٥٥ من سورة البقرة\n(^٢) انظر: معارج القبول ١/ ٣٢٦ - ٣٢٧","vol":"1","page":101},{"text":"<span data-type='title' id=toc-54>المسألة الخامسة: أهمية التمسك بنصوص الكتاب والسنة.</span>\nتقدم في بيان الأساس الأول من الأسس الثلاثة التي قام عليها معتقد السلف في باب الأسماء والصفات وهو: الإيمان بما وردت به نصوص القرآن والسنة الصحيحة من أسماء الله وصفاته إثباتا ونفيا.\nوهذا الأساس لابد فيه من مراعاة ما يلي:\nأولًا: إن طلب العلم في المطالب الإلهية إنما يكون عن طريق الكتاب والسنة وكلام سلف الأمة.\nفالذي يجب اعتقاده هو أن معرفة هذا النوع من أنواع التوحيد تتوقف على دراسة الكتاب والسنة، لأن هذا التوحيد يتطلب، أسماء وصفات معينة، وهذه لا سبيل إلى معرفتها والحصول عليها إلا من طريق الكتاب والسنة (فنحن نؤمن بالله تعالى وبما أخبر به عن نفسه سبحانه على ألسنة رسله من أسمائه الحسنى وصفاته العلى بلا تكييف ولا تمثيل، وننفي عنه ما نفاه عن نفسه مما لا يليق بجلاله وعظمته، فإنه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلًا وأبين دليلًا من غيره) (^١)، ولذلك كان معتقد أهل السنة هو الإيمان بما سمى ووصف الله به نفسه إثباتًا ونفيًا، لأنه لا يسمي الله أعلم بالله من الله، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّه﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (^٣)، وقال تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ (^٤)، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ (^٥)، فالله ﷿، هو الذي سمى ووصف نفسه بما جاء في نص كلامه الذي هو القرآن.\nولا يسمي ويصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله ﷺ، الذي قال الله في\n_________\n(^١) معارج القبول ١/ ٣٣٠ - ٣٣١\n(^٢) الآية ١٤٠ من سورة البقرة\n(^٣) الآية ١٢٢ من سورة النساء\n(^٤) الآية ١٤ من سورة فاطر\n(^٥) الآية ٥٩ من سورة الفرقان","vol":"1","page":102},{"text":"حقه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (^١)، ولقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصلًا على وجه ثلجت به الصدور واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، وفصلت ذلك أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررته أكمل تقرير في أبلغ لفظ، ولذلك كان لزامًا على كل مسلم أن يؤمن بأسماء الله وصفاته الواردة في الكتاب والسنة من غير زيادة ولا نقصان.\nثانيًا: تقديم الشرع على العقل، فالأصل في الدين الاتباع والمعقول تبع. فمعتقد أهل السنة في هذا الباب وفي غيره من أبواب العقائد والأحكام أن العقل المجرد ليس له إثبات شيء من العقائد والأحكام، وإنما المرجع في ذلك إلى القرآن والسنة.\nفالعقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات فوجب الوقوف في ذلك على النص، لأن العقل يقصر عن إدراك حقيقة المغيبات حتى وإن كانت تلك المغيبات أقرب شيء إليه، فهو قاصر عن أن يحيط علمًا بحقيقة روحه التي بين جنبيه لما أخفى الله أمرها عنه، قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (^٢)، فإذا كان الإنسان يجهل أمر روحه فكيف يحيط علمًا بذات الله وما يصلح وما لا يصلح لذاته من الأسماء والصفات، والله قد أخفى عن الخلق كيفية ذاته؟!.\n(ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله، وما تعبد الناس باعتقاده من ذكر عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، والحوض، والميزان، والصراط، وصفة الجنة وصفة النار، وجدناها أمورًا لا ندرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها، فإذا سمعنا شيئا من أمور الذين، وعقلناه، وفهمناه، فلله الحمد في\n_________\n(^١) الآيتان ٣، ٤ من سورة النجم\n(^٢) الآية ٨٥ من سورة الإسراء","vol":"1","page":103},{"text":"ذلك، والشكر ومنه التوفيق، وما لم يمكنَّا إدراكه ولم تبلغه عقولنا آمنا به، وصدقناه، واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته، واكتفينا في ذلك بعلمه، ومشيئته، قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء﴾ (^١) (^٢).\n(واعلم أن فصل ما بيننا وبين المعطلة هو \"مسألة العقل\"، فإنهم أسسوا دينهم على المعقول، وجعلوا الاتباع والمأثور تبعًا للمعقول.\nوأما أهل السنة فقالوا: الأصل في الدين الإتباع، والمعقول تبع، ولو كان أساس الدين على المعقول لاستغنى الخلق عن الوحي، وعن الأنبياء، ولبطل معنى الأمر والنهي، ولقال من شاء ما شاء) (^٣).\nفالتقرير بأن النقل مقدم على العقل لا ينبغي أن يفهم منه أن أهل السنة ينكرون العقل والتوصل به إلى المعارف والتفكير به في خلق السموات والأرض، وفي الآيات الكونية الكثيرة، فأهل السنة لا ينكرون استعمال العقل، ولكتهم توسطوا في شأن \"العقل\" بين طائفتين ضلتا في هذا الباب، هما:\nأهل الكلام: الذين يجعلون العقل وحده أصل علمهم، ويفردونه، ويجعلون الإيمان والقرآن تابعين له، والمعقولات عندهم هي الأصول الكلية الأولية، المستغنية بنفسها عن الإيمان والقرآن.\nفهؤلاء جعلوا عقولهم هي التي تثبت وتنفي والسمع معروضا عليها، فإن وافقها قيل اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضها رُدَّ وطُرِحَ، وهذا من أعظم أسباب الضلال التي دخلت على هذه الأمة.\n_________\n(^١) الآية ٢٥٥ من سورة البقرة\n(^٢) الحجة في بيان المحجة ١/ ٣٢١ بتصرف\n(^٣) المصدر السابق ١/ ٣٢٠","vol":"1","page":104},{"text":"وأهل التصوف: الذين يذمون العقل ويعيبونه، ويرون أن الأحوال العالية، والمقامات الرفيعة، لا تحصل إلا مع عدمه، ويقرون من الأمور بما يكذب صريح العقل.\nويمدحون السكر والجنون والوله، وأمورًا من المعارف والأحوال التي لا تكون إلا مع زوال العقل والتمييز، كما يصدقون بأمور يعلم بالعقل الصريح بطلانها.\nوكلا الطرفين مذموم.\nوأما أهل السنة: فيرون أن العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، لكنه ليس مستقلاًّ بذلك.\nفالعقل غريزة في النفس، وقوة فيها، بمنزلة قوة البصر التي في العين.\nفإن اتصل به نور الإيمان والقرآن، كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس أو النار.\nوإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها.\nوإن عزل بالكلية كانت الأقوال والأفعال مع عدمه أمورًا حيوانية.\nفالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة، والرسل جاءت بما يعجز العقل عن دركه، ولم تأت بما يعلم بالعقل امتناعه (^١).\nفائدة: \"مسكن العقل\":\nسُئِل شيخ الإسلام ابن تيمية: أين مسكن العقل في الإنسان؟\nفأجاب بقوله: \"العقل قائمٌ بنفس الإنسان التي تعقل، وأمَّا البدن فهو متعلق\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩ بتصرف","vol":"1","page":105},{"text":"بقلبه، قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ (^١).\nوقيل لابن عباس: بماذا نلت العلم؟\nقال: \"بلسانٍ سؤولٍ وقلبٍ عقولٍ\"، لكن لفظ القلب قد يُرَادُ به:\nا-المضغة الصنوبرية الشكل التي في الجانب الأيسر من البدن، التي جوفها علقة سوداء، كما في الصحيحين عن النبي ﷺ: \"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب\" متفق عليه (^٢).\n٢ - وقد يراد بالقلب باطن الإنسان مطلقًا، فإن قلب الشيء باطنه، كقلب الحنطة، واللوزة والجوزة، ونحو ذلك، ومنه، سمي القُليب قُليبًا، لأنه أخرج قلبه وهو باطنه، وعلى هذا فإذا أريد بالقلب هذا فالعقل متعلق بدماغه أيضًا، ولهذا قيل: إن العقل في الدماغ كما يقوله كثير من الأطباء، ونقل ذلك عن الإمام أحمد، ويقول طائفة من أصحابه: (إن أصل العقل في القلب، فإذا كمل انتهى إلى الدماغ).\nوالتحقيق \"أن الروح التي هي النفس لها تعلق بهذا وهذا، وما يتصف من العقل به يتعلق بهذا وهذا، لكن:\nمبدأ الفكر والنظر في الدماغ.\nومبدأ الإرادة في القلب.\nوالعقل يراد به العلم، ويراد به العمل، فالعلم والعمل الاختياري أصله الإرادة، وأصل الإرادة في القلب، والمريد لا يكون مريدًا إلا بعد تصور المراد، فلابد أن يكون القلب متصورًا، فيكون منه هذا وهذا، ويبتديء ذلك من الدماغ وآثاره صاعدة\n_________\n(^١) الآية ٤٦ من سورة الحج\n(^٢) أخرجه البخاري في الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه ١/ ١٢٦ ح ٥٢، ومسلم، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات ٥/ ٥٠ - ٥١","vol":"1","page":106},{"text":"إلى الدماغ، فمنه المبتدأ وإليه الانتهاء.\nوكلا القولين له وجه صحيح\" (^١).\nثالثًا: الإيمان بما دلت عليه نصوص الأسماء والصفات من المعاني والأحكام.\nفالسلف يؤمنون بأسماء الله وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيتها فيفوضون علمها إلى الله.\nوهم برآء مما اتهمهم به المعطلة الذين زعموا أن السلف يؤمنون، بألفاظ نصوص الأسماء والصفات، ويفوضون معانيها.\nوهذا الزعم جهل على السلف، فإنهم كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ، خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، فكانوا يدرون معاني ما يقرأون ويحملون من العلم، ولكنهم لم يكونوا يتكلفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضون في كيفيات الصفات شأن أهل الكلام والبدع، فإنهم حين خاضوا في ذات الله وصفاته وقعوا في التأويل والتعطيل، وإنما ألجأهم إلى ذلك، الضيق الذي دخل عليهم بسبب التشبيه، فأرادوا الفرار منه فوقعوا في التعطيل،، ولم يقع تعطيل إلا بتشبيه، ولو أنهم نزهوا الله تعالى ابتداء عن مشابهة الخلق، وأثبتوا الصفة مع نفي المماثلة لسلموا ونجوا، ولوافقوا اعتقاد السلف ولبان لهم أن السلف لم يكونوا حملة أسفار لا يدرون ما فيها.\nومن تدبر كلام أئمة السلف المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب، وأن الذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، ولذلك صار أولئك الذين خالفوا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب،\n_________\n(^١) رسائل في العقل والروح ٢/ ٤٨ - ٤٩ (مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية)\n(^٢) الآية ١٧٦ من سورة البقرة\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٣٠١\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٢/ ١١٣ - ١١٤ بتصرف","vol":"1","page":107},{"text":"وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ (^٢).\nومن له اطلاع على أقوال الأسف المدونة في كتب العقيدة والتفسير والحديث عند الحديث عن نصوص الصفات يعلم أن السلف تكلموا في معاني الصفات وبينوها ولم يسكتوا عنها، وهذه الأقوال هي أكبر شاهد على فهم السلف لمعاني الصفات وإيمانهم بها.\nرابعًا: رفض التحريف والتعطيل لنصوص الأسماء والصفات.\nفالسلف يعتقدون أن الواجب في نصوص القرآن والسنة بما في ذلك نصوص الأسماء والصفات هو إجراؤها على ظاهرها، وذلك بأن تُفهتم وفق ما يقتضيه اللسان العربي، وأن لا يتعرض لها بتحريف أو تعطيل كما فعل المعطلة، الذين تلاعبوا بظواهر النصوص! لمجرد أنها خالفت باطلهم ومناهجهم الفاسدة (^٣).\nفنصوص الصفات ألفاظ شرعية يجب أن تحفظ لها حرمتها، وذلك بأن نفهمها وفق مراد الشارع، فلا نتلاعب بمعانيها لنصرفها عن مراد الشارع.\nفمن الأصول الكلية عند السلف أن الألفاظ الشرعية لها حرمتها، ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد الله ورسوله بها ليثبت ما أثبته الله ورسوله من المعاني، وينفى ما نفاه الله ورسوله من المعاني (^٤).\nوبحمد الله وفضله نجد أن نصوص الصفات الواردة في القرآن والسنة هي من الوضوح والكثرة بمكان، بحيث يستحيل تأويلها والتلاعب بنصوصها، فلقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلًا على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء،\n_________\n(^٢) الآية ١٧٦ من سورة البقرة\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٣٠١\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٢/ ١١٣ - ١١٤ بتصرف","vol":"1","page":108},{"text":"وحصل به العلم اليقيني، ورفع الشك والريب، فثلجت به الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، فلقد فصلت رسالة نبينا محمد ﷺ الأسماء والصفات والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ.\nفالمطلع على نصوص القرآن والسنة الخبير بهما، لا يزيده تحريف المعطلة لتلك النصوص إلا احتقارًا لهم، ويقينًا بفساد معتقدهم وبطلانه.\nولا تروج تحريفات المعطلة إلا على الجاهل بمعرفة تلك النصوص قليل البضاعة فيها، فهذا الصنف! أتي من جهة جهله لا من قلة النصوص الواردة في هذا الباب، والله أعلم.\nقال المقريزي -﵀في كلامه على افتراق الناس في نصوص الصفات: (فصار للمسلمين في ذلك خمسة أقوال:\nأحدها: اعتقاد ما يفهم مثله من اللغة.\nوثانيها: السكوت عنها مطلقا،\nوثالثها: السكوت عنها بعد نفي إرادة الظاهر،\nورابعها: حملها على المجاز،\nوخامسها: حملها على الاشتراك) (^١).\nوقال الشيخ أحمد بن إبراهيم الواسطي الشافعي (^٢): (وكنت متحيرًا في الأقوال\n_________\n(^١) الخطط المقريزية ٣/ ٣١٩.\n(^٢) أحمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن عماد الدين الواسطي، البغدادي، فقيه كان شافعا، قدم دمشق فتتلمذ على ابن تيمية وانتقل إلى المذهب الحنبلي ورد على المبتدعة الذين خالطهم. من كتبه اختصار دلائل النبوة»، و«شرح منازل السائرين وغيرها. الأعلام ١/ ٨٩، الدرر الكامنة ١/ ١١، الشذرات ٩/ ٢٩.","vol":"1","page":109},{"text":"المختلفة الموجودة في كتب أهل العصر في جميع ذلك: من تأويل الصفات وتحريفها، أو إمرارها، أو الوقوف فيها، أو إثباتها بلا تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل (^١).\nفمن الواجب على كل مُكَلَّف أن يُجري نصوص القرآن والسُّنَّة على ظاهرها دون تحريف، لا سيما نصوص الصفات، حيث لا مجال للرأي فيها.\n\n<span data-type='title' id=toc-55>المسألة السادسة: معنى قوله: \"مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ\".</span>\nهذه العبارة فيها تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة المشبهة.\nشرح الفقرة الأولى: قوله: \"مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ\"\nويمكن توضيح ذلك في النقاط الآتية:\nأولًا: تعريفه:\n\"التكييف\"هو: جعل الشيء على حقيقة معينة من غير أن يقيدها بمماثل (^٢).\nثانيًا: مثال ذلك:\nقول الهشامية عن الله: \"طوله كعرضه \" (^٣).\nأو قولهم: \" طوله طول سبعة أشبار بشبر نفسه\".\nثالثًا: الفرق بينه وبين التمثيل.\nوعلى هذا التعريف يكون هناك فرق بين التكييف والتمثيل.\nفالتكييف: ليس فيه تقيد بمماثل.\n_________\n(^١) النصيحة في صفات الرب جل وعلا ص ٩.\n(^٢) القواعد المثلى ص ٢٧\n(^٣) مقالات الإسلاميين ص ٣١","vol":"1","page":110},{"text":"وأما التمثيل فهو اعتقاد أنها مثل صفات المخلوقين.\nولعل الصواب أن التكييف أعم من التمثيل.\nفكل تمثيل تكييف، لأن من مثل صفات الخالق بصفات المخلوقين فقد كيف تلك الصفة أي جعل لها حقيقة معينة مشاهدة.\nوليس كل تكييف تمثيلًا، لأن من التكييف ما ليس فيه تمثيل بصفات المخلوقين، كقولهم: طوله كعرضه.\nرابعًا: معنى قول أهل السنة: \"من غير تكييف\"\nأي من غير كيف يعقله البشر، وليس المراد من قولهم: \"من غير تكييف\" أنهم ينفون الكيف مطلقًا، فإن كل شيء لابد أن يكون على كيفية ما، ولكن المراد أنهم ينفون علمهم بالكيف، إذ لا يعلم كيفية ذاته وصفاته إلا هو سبحانه (^١).\nفمن المعلوم أنه لا علم لنا بكيفية صفاته ﷿، لأنه تعالى أخبرنا عن الصفات ولم يخبرنا عن كيفيتها، فيكون تعمقنا في أمر الكيفية قفوًا لما ليس لنا به علم، وقولًا بما لا يمكننا الإحاطة به.\nوقد أخذ العلماء من قول الإمام مالك: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\" قاعدة ساروا عليها في هذا الباب.\nشرح الفقرة الثانية: قوله: \"وَلَا تَمْثِيلٍ\":\nويمكن توضيح ذلك في النقاط الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-56>أولًا: تعريفه.</span>\nالمثيل لغة: هو الند والنظير.\n_________\n(^١) شرح العقيدة الواسطية ص ٢١","vol":"1","page":111},{"text":"والتمثيل: هو الاعتقاد في صفات الخالق، أنها مثل صفات المخلوقين.\n\n<span data-type='title' id=toc-58>ثانيًا: مثال ذلك:</span>\nقول الممثل: له يد كيدي وسمع كسمعي، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-57>ثالثًا: الفرق بين التمثيل والتشبيه.</span>\nالتمثيل والتشبيه هنا بمعنى واحد، وإن كان هناك فرق بينهما في أصل اللغة (^١).\nفالمماثلة: هي مساواة الشيء لغيره من كل وجه.\nوالمشابهة: هي مساواة الشيء لغيره في أكثر الوجوه.\nولكن التعبير هنا بنفي \"التمثيل\" أولى لموافقة لفظ القرآن.\nفي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١ [.\nوقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾] النحل الآية: ٧٤ [.\nويخلط كثير من الناس في هذا المقام بين مفهوم (التمثيل) ومفهوم (التشبيه).\nفالأول هو الذي نفته النصوص الشرعية، كقوله تعالى: (لَيس كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ.\nبخلاف لفظ (التشبيه) فإنه لفظ مجمل، قد يراد به التمثيل، وقد يراد به ما ليس تمثيلًا، وقد فرّق-تعالى-بينهما في قوله: (وَقَالَ الَذِينَ لا يَعلَمُونَ لَولا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تًَاتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَذِينَ مِنْ قَبلِهِم مِّثلَ قَولِهِم تَشَابَهَت قُلُوبُهُمْ).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فوصفَ القولين بالتماثل، والقلوب بالتشابه لا بالتماثل، فإن القلوب - وإن اشتركت في هذا القول - فهي مختلفة لا متماثلة، وقال النبي: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من\n_________\n(^١) القواعد المثلى ص ٢٧","vol":"1","page":112},{"text":"الناس»، فدل على أنه يعلمها بعض الناس، وهي في نفس الأمر ليست متماثلة بل بعضها حرام وبعضها حلال\" (^١)\nفالتشابه، إذا أطلق، يتضمن الموافقة من بعض الوجوه دون بعض، أما المماثلة فهي الموافقة من جميع الوجوه، بحيث يستوي الشيء ومثله في كل جانب ويجوز ويمتنع على أحدهما من الخصائص واللوازم.\nفالمحذور شرعًا هو التمثيل، أما (التشبيه (فإن أريد به التمثيل فهو ممتنع، وإن أريد به الموافقة من بعض الوجوه دون بعض فليس في ذلك محذور، وذلك أن جماهير العقلاء يعلمون أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، ونفس ذلك القدر المشترك ليس هو نفس التمثيل والتشبيه الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه، وإنما التشبيه الذي قام الدليل على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله﷾إذ هو-سبحانه-ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله\" (^٢).، وشبه الشيء بالشيء يكون لمشابهته له من بعض الوجوه، وذلك لا يقتضي التماثل الذي يوجب أن يشتركا فيما يجب ويجوز ويمتنع. وإذا قيل هذا حي عليم قدير، وهذا حي عليم قدير، فتشابها في مسمى الحي والعليم والقدير، لم يوجب ذلك أن يكون هذا المسمى مماثلًا لهذا المسمى من كل وجه، بل هنا ثلاثة أشياء:\nأحدها: القدر المشترك الذي تشابها فيه، وهو معنى كلي لا يختص به أحدهما، ولا يوجد كليًّا عامًّا إلا في علم العالم (^٣)\n_________\n(^١) الجواب الصحيح، جـ ٣ ص ٤٤٦.\n(^٢) درء التعارض، جـ ٥ ص ٢٢٧.\n(^٣) أي في الذهن وليس في الخارج","vol":"1","page":113},{"text":"الثاني: ما يختص به هذا، كما يختص الرب بما يقوم به من الحياة والعلم والقدرة.\nالثالث: ما يختص به ذاك، كما يختص به العبد، من الحياة والعلم والقدرة، فما اختص به الرب﷿لا يشركه فيه العبد، ولا يجوز عليه شيء من النقائص التي تجوز على صفات العبد، وما يختص به العبد لا يشركه فيه الرب، ولا يستحق شيئًا من صفات الكمال التي يختص بها الرب﷿-. وأما القدر المشترك كالمعنى الكلي الثابت في ذهن الإنسان، فهذا لا يستلزم خصائص الخالق ولا خصائص المخلوق، فالاشتراك فيه لا محذور فيه\". (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-59>رابعًا: معنى التمثيل، الذي نفته النصوص، والفرق بينه وبين التشبيه </span>(^٢).\n• أن الذي ورد ذمه في الكتاب والسنة هو التمثيل وكذلك ما يوافق معناه، كالكفء، والند، والسمي، كما تقدم في النصوص السالفة.\n• أن مثل الشيء في لغة العرب: هو نظيره ومكافئه الذي يقوم مقامه، ويسد مسده.\nقال ابن فارس: (مثل) الميم والثاء واللام أصل صحيح يدل على: مناظرة الشيء للشيء، وهذا مثل هذا: أي نظيره، والممثل والمثال في معنى واحد) (^٣).\nقال الشاعر:\nليس كمثل الفتي زهير … خلق يدانيه في الفضائل\nوقال غيره:\n_________\n(^١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ٣/ ٤٤٠.\n(^٢) المصدر: قلب أدلة المخالفين في باب الصفات: ص: ٦٤٨ - ٦٥٣.\n(^٣) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٢٩٦)، وانظر: القائد إلى تصحيح العقائد للمعلمي (١١٤).","vol":"1","page":114},{"text":"سعد بن زيد إذا أبصرت جمعهم … ما إن مثلهم في الناس من أحد (^١)\nقال تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القران لا يأتون بمثله) [الإسراء: ٨٨ [.\nوقال: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد)] الفجر: ٦ - ٨ [.\nأي في القوة والأجسام، وذلك لشدة أبدانهم وقواهم، والله أعلم\" (^٢).\nفالتمثيل إذا أطلق يراد به: مشابهة الشيء للشيء ومشاركته له في جميع الصفات الذاتية التي يقوم بها أحدهما مقام الآخر، فلا يكون بمجرد الموافقة في بعض الصفات (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-60>خامسًا: ضابط التمثيل المنفي عن الله:</span>\nضابط التمثيل المنفي عن الله: ما تضمن أو استلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين الله تعالى، في ذاته، أو أسمائه، أو صفاته، أو أفعاله، وذلك فيما يجب له تعالى، أو يجوز له، أو يمتنع عليه.\nوكذلك ما تضمن أو استلزم ثبوت شيء من خصائص الله تعالى في ذاته، أو أسمائه، أو صفاته، أو أفعاله لشيء من المخلوقات.\nوذلك أن كل ما كان مختصًا بالمخلوق فلا بد أن يكون فيه نقص، والله تعالي\n_________\n(^١) انظر: تفسير الثعالبي (٨/ ٣٠٦)، تفسير البحر المحيط (٧/ ٤٨٨ - ٤٨٩)، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٦/ ١١٣)، درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١١٤)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥٣٣)، الصواعق المرسلة (٤/ ١٣٦٨)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٥٨٢)، روح المعاني الألوسي (٢٥/ ١٨)، القائد للمعلمي (١١٥).\n(^٢) انظر: تفسير الطبري (٢٤/ ٤٠٦)، تفسير ابن كثير (٨/ ٣٩٥)، وانظر: القائد للمعلمي\n(١١٥ - ١١٦).\n(^٣) بيان تلبيس الجهمية-ط: القاسم (١/ ٤٧٧)، وفي طبعة المجمع (٣/ ١٣٥).","vol":"1","page":115},{"text":"منزه تنزيهًا مطلقًا عن كل نقص، وواجب له كل كمال، ومنزه في كماله عن كل مثال، فامتنع أن يضاف ذلك إلى الله تعالي\" (^١).\nوهذا الحد هو ما أراده أئمة السنة، ممن بين معنى التشبيه بأنه قول المشبه: يد الله كيدي، أو مثل يدي، وسمع الله كسمعي، أو مثل سمعي، كما بين ذلك الإمام إسحاق بن راهويه (^٢)، وأحمد بن حنبل (^٣)، وعثمان بن سعيد الدارمي (^٤)، ﵏، وغيرهم، مما يبين أن المحذور إنما هو في إضافة شيء من خصائص صفة المخلوق إلى صفة الخالق، إذ هذا ما يفه من قولهم عن المشبهة: (يد الله كيدي)، كما يبين أن مفهوم التشبيه عندهم لا يتحقق بمجرد إضافة الصفة الله، بل غالب أقوالهم في نفي التشبيه تتضمن الدلالة على أن إثبات الصفة الله لا يعتبر تشبيها.\nوبهذا يتبين أن المحذور: إثبات شيء من خصائص أحدهما للآخر، وقولنا: إثبات الخصائص إنما يراد: إثبات مثل تلك الخاصة، وإلا فإثبات عينها ممتنع مطلقا (^٥)، وسيأتي البيان بأن التمثيل منفي بين الخالق والمخلوق جملة وتفصيلا، سواء كان تمثيلا من كل وجه، أو تمثيلا من وجه دون وجه، لأن لفظ التمثيل قائم على اشتراك المتماثلين في الحقيقة والكيفية.\n_________\n(^١) انظر: تحريم النظر في كتب الكلام لابن قدامة (٧٩)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥٨٨)، درء تعارض العقل والنقل (٤/ ١٤٦) (٥/ ٨٤، ٣٢٧)، منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٢٩، ٥٩٥)، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٦/ ٣٥ - ٣٦)، التدمرية (٣٩ - ٤٠، ١٢٤).\n(^٢) انظر: جامع الترمذي (٣/ ٥٠)، اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (١٥٣)، فتح الباري (١٣/ ٤٠٧).\n(^٣) انظر: إبطال التأويلات لأبي يعلى (/ ١/ ٤٣ - ٤٥)، المختار في أصول السنة لابن البنا (٩١)، درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣٢)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٧٦ - ٤٧٧).\n(^٤) انظر: نقض الدارمي على المريسي (١/ ٤٣٥ - ٤٣٦).\n(^٥) منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٩٦).","vol":"1","page":116},{"text":"- هذا ما يتعلق بمعنى التمثيل المنفي عن الله تعالي.\n\n<span data-type='title' id=toc-61>سادسًا: معنى التشبيه:</span>\nوأما لفظ التشبيه فيشار فيه إلى ما يلي:\nأولا: أن لفظ (التشبيه) لم يرد نفيه وذمه في الكتاب والسنة، وإنما الوارد نفي التمثيل.\nثانيا: أن لفظ (التشابه) ليس مطابقًا في المعنى للفظ (التماثل) الذي ورد نفيه.\nقال أبو هلال العسكري في فروقه اللغوية: \"إن الشيء يشبه بالشيء من وجه واحد لا يكون مثله في الحقيقة إلا إذا أشبهه من جميع الوجوه لذاته\" (^١).\nويقال في اللغة: إن هذا يشبه هذا، وفيه شبه من هذا: إذا أشبهه من بعض الوجوه، وإن كان مخالفة له في الحقيقة (^٢)، فالتشبيه في اللغة .. قد يقال بدون التماثل في شيء من الحقيقة، كما يقال للصورة المرسومة في الحائط: إنها تشبه الحيوان، ويقال: هذا يشبه هذا في كذا وكذا، وإن كانت الحقيقتان مختلفتين» (^٣).\nومما يبين ذلك أن الله تعالى قد قال في كتابه عن نعيم أهل الجنة: (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها) [البقرة: ٢٠].\nقال قتادة وعكرمة (^٤): \"يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنة أطيب\" (^٥)، وهذا أحد\n_________\n(^١) الفروق للعسكري (١٧٦)، وانظر: نقد الشعر لقدامة بن جعفر (١٢٤)، سر الفصاحة للخفاجي (٢٤٦).\n(^٢) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٤٤٥).\n(^٣) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٧٧).\n(^٤) عكرمة بن عبد الله، أبو عبد الله البربري، المدني، الحبر، العالم، المفسر، الثقة، مولي ابن عباس، روى عن مولاه، وعائشة، وأبي هريرة، مات سنة (١٠٤ هـ). ينظر: طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٢٨٦)، وطبقات المفسرين للأدنه وي (١٢).\n(^٥) تفسير الطبري (١/ ٣٩١)، تفسير ابن كثير (١/ ٢٠٥).","vol":"1","page":117},{"text":"التفسيرين في الآية، فقد وصفت الآية ثمر الجنة بمشابهته لثمر الدنيا، وهي مشابهة واشتراك من بعض الوجوه، مع القطع بنفي المماثلة بينهما، بل بينهما تباين عظيم في الكيفية والحقيقة، فالمشابهة ها هنا ثابتة، والمماثلة منفية، مما يدل على ثبوت الفرق بين المشابهة والمماثلة (^١).\nوقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أقوال الناس في لفظي (التشبيه) و(التمثيل)، وهل هما بمعنى واحد، فقال:\nوقد تنازع الناس: هل لفظ (الشبه) و(المثل) بمعنى واحد أو معنيين، على قولين:\nأحدهما: أنهما بمعنى واحد، وأن ما دل عليه لفظ (المثل) مطلقا ومقيدًا يدل عليه لفظ (الشبه)، وهذا قول طائفة من النظار.\nوالثاني: أن معناهما مختلف عند الإطلاق لغة، وشرعا، وعقلًا، وإن كان مع التقيد والقرينة يراد بأحدهما ما يراد بالآخر، وهذا قول أكثر الناس».\nثم بين ﵀ مبنى هذا الاختلاف في الإطلاق فقال:\n\"وهذا الاختلاف مبني على مسألة عقلية، وهو أنه هل يجوز أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه؟ وللناس في ذلك قولان:\nفمن منع أن يشبهه من وجه دون وجه قال: المثل والشبه واحد.\nومن قال إنه قد يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه فرق بينهما عند الإطلاق، وهذا قول جمهور الناس.\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٥/ ٣٤٧) (٦/ ١١٣) (١٣/ ٢٧٩)، درء تعارض العقل والنقل (٦/ ١٢٣ - ١٢٥).","vol":"1","page":118},{"text":"فإن العقل يعلم أن الأعراض -مثل الألوان-تشتبه في كونها ألوانًا، مع أن السواد ليس مثل البياض، وأيضًا فمعلوم في ظاللغة أنه يقال: (هذا يشبه هذا)، و(فيه شبه من هذا) إذا أشبهه من بعض الوجوه، وإن كان مخالفة له في الحقيقة» (^١).\nوهذا التفريق بين معنى التشبيه والتمثيل قد أقر به جمع من المتكلمين، فقد قرر ابن الهمام الحنفي من الماتريدية أن «المثلية تقتضي المساواة في كل الصفات، والتشبيه لا يقتضيه» (^٢)، وبين أبو المعين النسفي أن الشخصين لو اشتركا في الفقه أو الطب أو غير ذلك من العلوم والصناعات، ولم يكن بينهما في ذلك النوع مساواة ينوب أحدهما مناب صاحبه ويسد مسده، فإنه لا يستجيز أحد من أرباب اللسان أن يقول: فلان مثل فلان في علم كذا، أو صنعة كذا (^٣).\nفتحصل بذلك أن لفظ التشابه والتماثل غير متطابقين في المعنى، بل لفظ التشابه أعم من لفظ التماثل، إذ التشابه يطلق على مطلق مشاركة الشيء للشيء ولو من بعض الوجوه، وأما التماثل فهو مشاركة الشيء للشيء من كل الوجوه، وإن كان قد يطلق لفظ التشبيه ويراد به التمثيل، وكذا العكس، وذلك يعلم بسياق الكلام وقرائنه.\nثالثًا: ومع ذلك يقال: إن مسمى (التشبيه) قد ورد نفيه في كلام جمع من السلف، مثل: عبد الرحمن بن مهدي (^٤)، ويزيد بن هارون (^٥)، وأحمد بن حنبل،\n_________\n(^١) الجواب الصحيح (٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥).\n(^٢) المسامرة شرح المسايرة (٣٠٨)، وانظر: تبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي (١/ ١٥٠ - ١٥١).\n(^٣) انظر: تبصرة الأدلة (١/ ١٥٠).\n(^٤) هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن، أبو سعيد العنبري البصري، من كبار حفاظ الحديث، وأئمة السنة، ولد بالبصرة سنة ١٣٠ هـ، توفي سنة ١٩٨ هـ انظر: طبقات ابن سعد (٧/ ٢٩٧)، تاريخ بغداد (١٠/ ٢٤٠)، سير أعلام النبلاء (٩/ ١٩٢).\n(^٥) هو يزيد بن هارون بن وادي، ويقال: زاذان بن ثابت السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ولد سنة (١١٨ هـ)، وكان أحد الاعلام الحفاظ المشاهير الثقات العلماء بالسنة، وكان عابدًا عرف بحسن الصلاة وطولها، وكان يعد من الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر مات سنة (٢٠٦ هـ). انظر: التاريخ الكبير (٨/ ٣٦٨)، طبقات ابن سعد (٧/ ٣١٤)، تاريخ بغداد (١٤/ ٣٣٧)، تذكرة الحفاظ (١/ ٣١٧)، تهذيب التهذيب (١١/ ٣٢١).","vol":"1","page":119},{"text":"وإسحاق بن راهويه، ونعيم بن حماد الخزاعي، وعثمان بن سعيد الدارمي، وغيرهم، وقد تقل جمع من الأئمة اتفاق السلف على نفي التشبيه، كما ذكر ذلك الإمام الصابوني، والحافظ عبد الغني المقدسي (^١)، وابن قدامة المقدسي -﵏وغيرهم (^٢)، بل إن السلف قد حكموا بكفر من شبه صفات الله بصفات خلقه، وقالوا بردته ووجوب قتله (^٣).\n_________\n(^١) هو تقي الدين عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور لمقدسي، أبو محمد الجماعيلي ثم الدمشقي الصالحي الحنبلي، الحافظ الإمام محدث الإسلام، ولد سنة (٥٤١ هـ)، كان غزير الحفظ، من أهل الإتقان والتجويد، قيمًا بجميع فنون الحديث، وكان كثير العبادة ورعًا متمسكًا بالسنة على قانون السلف، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، وكتب ما لا يوصف كثرة، ومن ذلك: الكمال في أسماء الرجال، والمصباح ونهاية المراد في السنن، قال ابن رجب: امتحن الشيخ ودعي إلى أن يقول: لفظي بالقرآن مخلوق، فأبي، فمنع من التحديث وأفتي أصحاب التأويل بإراقة دمه، فسافر إلى مصر، وأقام بها إلى أن مات، وكانت وفاته كل سنة (٦٠٠ هـ). انظر: العبر في خبر من غبر (٤/ ٣١٣)، تاريخ الإسلام (٤٢/ ٤٤٢)، تذكرة الحفاظ (٤/ ١٣٧٢)، شذرات الذهب (٤/ ٣٤٥)، الوافي بالوفيات (٣/ ٢١٩).\n(^٢) انظر: عقيدة السلف وأصحاب الحديث للصابوني (١٦٠ - ١٦٣)، الاقتصاد في الاعتقاد للحافظ عبد الغني المقدسي (٧٨)، لمعة الاعتقاد لابن قدامة (١٤)، ذم التأويل له (١١، ١٥، ١٦).\n(^٣) انظر في ذلك: نقض الدارمي على المريسي (١/ ٢١٨ - ٢١٩)، (٢/ ٩٠٩)، أصول السنة لابن أبي زمنين (٧٤)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي-في سياق ما روي في تكفير المشبهة (٣/ ٥٢٨ - ٥٣٣)، شرح السنة للبغوي (١٧٠)، المختار في أصول السنة لابن البنا الحنبلي (٩١)، الحجة في بيان المحجة (٢/ ١٩٦)، تحريم النظر في كتب الكلام لابن قدامة (٥٠ - ٥٩)، لمعة الاعتقاد له (٧)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ١٠٩)، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٤/ ١٥٣)، بدائع الفوائد لابن القيم (١/ ١٧٢ - ١٧٣)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢٣٧)، شرح القواعد المثلى (الكتاب والشرح لابن عثيمين) (٢١٣ - ٢١٤).","vol":"1","page":120},{"text":"ولذلك يقال: إن نفي مسمى التشبيه عن الله حق، وهو لازم وواجب (^١). وإنما وجب نفي مسمى (التشبيه) على ما فيه من إجمال، لأن الإجمال الذي لحق بهذا الاسم لم يكن من جهة لفظ (التشبيه ومسماه، وإنما كان من جهة ما ألحقه به النفاة من معان غير داخلة فيه بأصل الوضع، وقد بين شيخ الإسلام ذلك في موضع آخر حيث قال: «لفظ التشبيه في كلام هؤلاء النفاة المعطلة لفظ مجمل» (^٢)، فبين أن الإجمال الذي في لفظ (التشبيه) إنما هو في عرف خاص خاطئ، فلا يمنع ذلك من نفيه باعتبار معناه الصحيح الذي قصده السلف من نفيهم للتشبيه، ولذا قال شيخ الإسلام بعد كلامه السابق بأسطر في ذكر مذهب أهل السنة: \"ينزهونه عن النقص والتعطيل، وعن التشبيه والتمثيل، إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل\" ..\nرابعًا: وإذا كان نفي مسمى التشبيه لازمًا، فإن الألزم من ذلك هو بيان معنى التشبيه الذي ذمه السلف.\nوذلك أن التشبيه-وإن كان نفيه صحيحًا-إلا أنه كما تقدم قد دخل عليه من جهة الاصطلاح معان باطلة جعلته من الألفاظ المجملة التي يلزم فيها التفصيل؛ إذ لفظ التشبيه فيه إجمال واشتراك وإيهام، بخلاف لفظ التمثيل الذي دل عليه القرآن، ونفي موجبه عن الله ﷿» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-62>سابعًا: التفصيل في معنى التشبيه.</span>\nلفظ (التشبيه) يطلق في الاصطلاح على عدة معان:\nالمعنى الأول: التماثل من كل وجه. فهذا المعنى منفي عن الله باتفاق، ولم يقل\n_________\n(^١) انظر: منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٢٦).\n(^٢) منهاج السنة النبوية (٢/ ١١٠).\n(^٣) بيان تلبيس الجهمية (١/ ١٠٩)، وانظر: درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٨٣)، منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٢٦).","vol":"1","page":121},{"text":"به أحد، حتى الممثلة.\nالمعنى الثاني: التماثل من وجه دون وجه، وهذا منفي عن الله أيضًا.\nوخالف في ذلك الممثلة، ممن وصفهم الأئمة -كالإمام أحمد وغيره -بأنهم يقولون: لله يد كيدي، وسمع كسمعي، وقدم كقدمي.\nوهذان الإطلاقان يتضمنان التماثل في الحقيقة والكيفية، بأن يوصف الباري بشيء من خصائص المخلوق، وهما اللذان دل الدليل على نفيهما، فمن قال بأحدهما فقد شبه الله بخلقه.\nالمعنى الثالث: التشابه من وجه دون وجه، وهو الاشتراك في أصل المعنى، أي في المعنى الكلي الذهني المطلق، وهو ما عرف بمسألة: (القدر المشترك في الصفات).\nوهذا النوع من التشبيه غير منفي عن الله بإطلاق، بل هو ثابت، وهو لا يستلزم التمثيل المنفي عن الله ..\nوالسلف في نفيهم للتشبيه إنما أرادوا نفي التمثيل الذي نفته النصوص، سواء كان تمثيلا من كل وجه، أو من وجه دون وجه، ولم يريدوا المعنى الثالث -والذي هو التشابه من وجه دون وجه-إذ نفي هذا النوع مستلزم النفي الصفات، وهذا ما لم يقصده السلف بحال (^١).\nفلا يصح نفي التشبيه مطلقة ولو من بعض الوجوه، كما لا يصح إثباته مطلقا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إن نفي التشبيه من كل وجه هو التعطيل والجحود لرب العالمين، كما عليه المسلمون متفقون، كما أن إثباته مطلقا هو جعل الأنداد لرب العالمين لكن من الناس من لا يفهم هذا، ولا يعتقد ان لفظ التشبيه يدل على\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٤/ ١٥٣)، شرح العقيدة الطحاوية (٩٩).","vol":"1","page":122},{"text":"التمثيل المنفي عن الله لفظ التشبيه فيه عموم وخصوص … ومن هنا ضل فيه أكثر الناس، إذ ليس له حد محدود.\nومنه ما هو منتف، بالاتفاق بين المسلمين، بل بين أهل الملل كلهم، بل بين جميع العقلاء المقرين بالله، معلوم بضرورة العقل.\nومنه ما هو ثابت بالاتفاق بين المسلمين، بل بين أهل الملل كلهم، بل بين جميع العقلاء المقرين بالصانع.\nفلما كان لفظ (التشبيه) يقال على ما يجب انتفاؤه، وعلى ما يجب إثباته، لم يرد الكتاب والسنة به مطلقًا، لا في النفي ولا الإثبات، ولكن جاءت النصوص في النفي بلفظ: المثل والكفو والند والسمي …\nبخلاف لفظ التشبيه، فإنه يقال على ما يشبه غيره ولو من بعض الوجوه البعيدة، وهذا مما يجب القول به شرعًا وعقلًا بالاتفاق.\nولهذا لما عرف الأئمة ذلك، وعرفوا حقيقة قول الجهمية، وأن نفيهم لذلك من كل وجه مستلزم لتعطيل الصانع ووجوده: كانوا يبينون ما في كلامهم من النفاق والتعطيل، ويمتنعون عن إطلاق لفظهم العليل، لما فهموه من مقصودهم، وإن لم يفهمه أهل التجهيل والتضليل» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-63>ثامنًا: مقصود المخالفين بمعنى التشبيه:</span>\nالتشبيه في اصطلاح المتكلمين وغيرهم هو التمثيل، والمتشابهان هما المتماثلان، وهما ما سد أحدهما مسد صاحبه وقام مقامه وناب منابه (^٢).\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية -ط (المجمع) (٦/ ٤٨٤ - ٤١٩)، وانظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة -د. عبد الرحمن المحمود (٣/ ٩٦٢ - ٩٦٤).\n(^٢) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٧٦).","vol":"1","page":123},{"text":"ومقصود المتكلمين بنفي التشبيه:\nأن يراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات، فلا يقال له قدرة، ولا علم، ولا حياة، لأن العبد موصوف بهذه الصفات، ولازم هذا القول أنه لا يقال له حي، عليم، قدير، لأن العبد يسمى بهذه الأسماء وكذلك كلامه وسمعه وبصره وإرادته وغير ذلك (^١).\nوأصل الخطأ والغلط توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتًا في هذا المعين وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقًا كليًا، بل لا يوجد إلا معينًا مختصًا، وهذه الأسماء إذا سمي الله بها كان مسماها معينًا مختصًا به.\nفإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصًا به، فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشاركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق.\nوبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى فزادوا فيه على الحق فضلوا. وأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا. وإن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-64>تاسعًا: أقسام التمثيل:</span>\nقال ابن القيم: \"حقيقة الشرك هو:\n١ - التشبه بالخالق.\n٢ - التشبيه للمخلوق به.\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٩٩).\n(^٢) شرح الطحاوية (ص ١٠٤) بتصرف.","vol":"1","page":124},{"text":"هذا هو التشبيه في الحقيقة\" (^١).\nوإذا كان التشبيه هو حقيقة الشرك كما ذكر ابن القيم، فإنه يمكن توضيح صوره بناءً على أقسام التوحيد الثلاثة المعروفة وذلك على النحو التالي:\nأولًا: التمثيل في جانب الربوبية\nوينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومثاله:\n١ - شرك القدرية القائلين بأن العبد هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته.\n٢ - شرك غلاة عباد القبور الذين يعتقدون في أصحاب القبور أنهم يتصرفون وينفعون ويضرون من دون الله.\nولا شك أن من خصائص الرب التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل به وحده. فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، -فضلًا عن غيره-شبيهًا لمن له الأمر كله، فأزمة الأمور كلها بيده، ومرجعها إليه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.\nفمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات (^٢).\nالقسم الثاني: التشبه بالخالق، ومن أمثلته:\n١ - من تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم (^٣).\n_________\n(^١) الجواب الكافي (١٥٩).\n(^٢) الجواب الكافي (ص ١٥٩ - ١٦٠).\n(^٣) المصدر السابق (ص ١٦١).","vol":"1","page":125},{"text":"ففي الصحيح عنه ﵁ قال: \"يقول الله ﷿: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته\".\nثانيًا: التمثيل في جانب الألوهية.\nوينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومن أمثلة ذلك:\nالسجود لغير الله، والذبح لغير الله، والتوبة لغير الله، والحلف بغير الله.\nفمن خصائص الإلهية، العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما:\n١ - غاية الحب\n٢ - مع غاية الذل\nهذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه في خالص حقه.\nفإذا عرف هذا، فمن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به.\nومنها التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به.\nومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به.\nومنها الحلف باسمه تعظيمًا وإجلالًا له، فمن حلف بغيره فقد شبهه به (^١).\nالقسم الثاني: التشبه به، ومثاله:\n_________\n(^١) انظر الجواب الكافي (ص ١٦٠ - ١٦١).","vol":"1","page":126},{"text":"من دعا الناس إلى تعليق القلب به خوفًا، ورجاءً، وتوكلًا، والتجاءً، واستعانةً (^١)، كما يفعله بعض مشايخ طرق الصوفية مع مريديهم.\nأقسام التمثيل في باب الأسماء والصفات:\nينقسم التمثيل في باب الأسماء والصفات إلى قسمين:\nالقسم الأول: تمثيل المخلوق بالخالق.\nوهذا ما زعمه النصارى في شأن عيسى ﵇ إذ أعطوه خصائص الخالق ﷿ وجعلوه إلهًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والنصارى يصفون المخلوق بصفات الخالق التي يختص بها، ويشبهون المخلوق بالخالق، حيث قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، وإن الله ثالث ثلاثة، وقالوا المسيح ابن الله\" (^٢).\nومن هذا القسم كذلك السبيئة (^٣) من غلاة الروافض: الذين شبهوا عليًا ﵁ بالله، وجعلوه إلهًا، وقالوا: أنت الله حتى حرقهم، فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له. فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت الله الذي لا إله إلا هو.\nفقال: ويحكم هذا كفر، فارجعوا عنه، وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام -لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام- فلما لم يرجعوا، أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كندة، وقذفهم في تلك النار، وروي عنه أنه قال:\n_________\n(^١) المصدر السابق (ص ١٦١).\n(^٢) منهاج السنة (٥/ ١٦٩).\n(^٣) السبيئة: نسبة إلى عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي أظهر الإسلام، وكاد للمسلمين كيدًا عظيمًا، وهو الذي قال لعلي: أنت الله. انظر: الفرق بين الفرق (ص ٢٣٣)، والملل والنحل (١/ ١٧٤).","vol":"1","page":127},{"text":"لما رأيت الأمر أمرًا منكرًا … أججت ناري ودعوت قنبرًا\" (^١)\nالقسم الثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق\nوهذا ما زعمه اليهود قاتلهم الله إذ وصفوا الخالق ببعض صفات المخلوقين، كما ذكر الله ذلك عنهم في كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقال تعالى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فاليهود تصف الرب بصفات النقص التي يتصف بها المخلوق، كما قالوا: إنه بخيل، وإنه فقير، وإنه لما خلق السموات والأرض تعب\" (^٢).\nوإنّه رمد وعادته الملائكة وإنّه بكى على طوفان نوح ﵇ (^٣).\nويدخل في هذا القسم المشبهة الذين جعلوا ما ورد من صفات الله جل وعلا مماثلًا ومشابهًا لصفات المخلوقين كقولهم له يد كيدي، وسمع كسمعي، وبصر كبصري.\n\n<span data-type='title' id=toc-65>عاشرًا: أصل مقالة المشبهة.</span>\nوقد وقع في التمثيل والتكييف \"المشبهة\" الذين بالغوا في إثبات الصفات إلى درجة تشبيه الخالق بالمخلوق.\nوالتمثيل نزعة يهودية الأصل، \"فإن اليهود كثيرا ما يعدلون الخالق بالمخلوق ويمثلونه به حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل ونحو ذلك من النقائص التي\n_________\n(^١) منهاج السنة (١/ ٣٠٧).\n(^٢) منهاج السنة (٥/ ١٦٨).\n(^٣) منهاج السنة (٢/ ٦٢٧).","vol":"1","page":128},{"text":"يجب تنزيهه عنها، وهي من صفات خلقه\" (^١)\nفقد حكي الله عنهم ذلك في كتابه، كقوله -تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].\n، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقوله ردًا على وصفه سبحانه بالتعب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق الآية: ٣٨].\nوأول ظهوره في هذه الأمة على يد الرافضة الغلاة. قال البغدادي -﵀-: \"وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \"أول من قال: إن الله جسم هشام بن الحكم الرافضي (^٣) \" (^٤).\nولعل سبب ظهور مقالة التمثيل راجع إلى أمرين:\nالأمر الأول: مضاهاة أهل الكتاب -وخاصة اليهود-في مقالاتهم؛ حيث إن الإسرائيليات طافحة بتمثيل الباريء سبحانه بالمخلوقين، كما أن اليهود والنصارى ضاهوا الرومان والإغريق والهنود وغيرهم في عقائدهم. قال -تعالى-: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) [التوبة:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوي ١٠/ ٥٥.\n(^٢) الفرق بين الفرق ٣٢٥.\n(^٣) هشام بن الحكم الكوفي الرافضي، المشبه المعثر، وله نظر وجدل وتواليف كثيرة قال في مختلف الحديث: كان من الغلاة ويقول بالجبر الشديد، وذكر عنه ابن حزم أنه يزعم أن ربه طوله سبعة أشبار بشبر نفسه، ويزعم أن علم الله محدث. مات بعد نكبة البرامكة بمديدة مستترًا وقيل عاش إلى خلافة المأمون. لسان الميزان ٦/ ١٩٤.\n(^٤) الفتاوي ٣/ ١٨٦.","vol":"1","page":129},{"text":"الآية: ٣٠].\nفاليهود وقعوا في تمثيل الخالق بالمخلوق، والنصارى وقعوا في تمثيل المخلوق بالخالق. وكذلك جرى في هذه الأمة -كما سيأتي عند ذكر فرق الممثلة - قال ﷺ: «لتبعن سنن الذين من قبلكم، شبرا بشبر، وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب تبعتموهم، قلنا: با رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟!» (^١).\nالأمر الثاني: مقابلة التعطيل بضده، فقد ظهر مذهب التعطيل فقوبل بالتمثيل، وإلى هذا المعني بشير الذهبي -﵀بقوله: (وظهر بخراسان: الجهم بن صفوان، ودعا إلى تعطيل الرب ﷿ وخلق القرآن، وظهر بخراسان في قبالته مقاتل بن سليمان المفسر، وبالغ في إثبات الصفات حتى جسم) (^٢).\nقال ابن رجب الحنبلي: \"وأما ما أحدث بعد الصحابة من العلوم التي توسع فيها أهلها وسموها علوما وظنوا أن من لم يكن عالمًا بها فهو جاهل أو ضال فكلها بدعة وهي من محدثات الأمور المنهي عنها. فمن ذلك ما أحدثته المعتزلة من الكلام في القدر وضرب الأمثال للَّه\". (^٣)\nإلى أن قال ﵀: \"وينقسم هؤلاء إلى قسمين:\nأحدهما: من نفى كثيرًا مما ورد به الكتاب والسنة من ذلك لاستلزامه عنده للتشبيه بالمخلوقين كقول المعتزلة لو رؤي لكان جسما لأنه لا يرى إلا في جهة: وقولهم لو كان له كلام يسمع لكان جسما ووافقهم من نفى الاستواء فنفوه لهذه الشبهة: وهذا طريق المعتزلة والجهمية وقد اتفق السلف على تبديعهم\n_________\n(^١) رواه البخاري: كتاب الاعتصام ٨/ ١٥١، ورواه مسلم، كتاب العلم ٦.\n(^٢) تذكرة الحفاظ ١٥٩، ١٦٠.\n(^٣) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٢","vol":"1","page":130},{"text":"وتضليلهم وقد سلك سبيلهم في بعض الأمور كثير ممن انتسب إلى السنة والحديث من المتأخرين.\nوالثاني: من رام إثبات ذلك بأدلة العقول التي لم يرد بها الأثر ورد على أولئك مقالتهم كما هي طريقة مقاتل بن سليمان ومن تابعه كنوح بن أبي مريم وتابعهم طائفة من المحدثين قديمًا وحديثًا. وهو أيضًا مسلك الكرامية فمنهم من أثبت لإثبات هذه الصفات الجسم إما لفظا وإما معنى. ومنهم من أثبت للَّه صفات لم يأت بها الكتاب والسنة كالحركة وغير ذلك مما هي عنده لازم الصفات الثابتة.\nوقد أنكر السلف على مقاتل قوله في رده على جهم بأدلة العقل وبالغوا في الطعن عليه (^١). \"\nقال ابن رجب الحنبلي: \"الصواب في ذلك ما تضمنه كلام السلف والأئمة مع اختصاره وإيجازه فما سكت من سكت من كثرة الخصام والجدال من سلف الأمة جهلا ولا عجزًا ولكن سكتوا عن علم وخشية للَّه. وما تكلم من تكلم وتوسع من توسع بعدهم لاختصاصه بعلم دونهم ولكن حبًا للكلام وقلة ورع كما قال الحسن وسمع قوما يتجادلون هؤلاء قوم ملوا العبادة وخف عليهم القول وقل ورعهم فتكلموا. \" (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-66>الحادي عشر: فرق المشبهة ومقالاتهم:</span>\nالتشبيه نوعان:\nالنوع الأول: تشبيه المخلوق بالخالق: ومعناه إثبات شيء للمخلوق مما يختص\nالخالق من الأفعال والحقوق والصفات.\n_________\n(^١) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٣\n(^٢) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٤","vol":"1","page":131},{"text":"النوع الثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق: ومعناه أن يثبت الله -تعالى-في ذاته أو صفاته من الخصائص مثل ما يثبت للمخلوق من ذلك (^١).\nوقد وقع كلا النوعين في هذه الأمة على درجات متفاوتة بين الكفر والبدعة. ونسوق ها هنا تصنيف عبد القاهر البغدادي -﵀لفرق المشبهة مختصرًا: (المشبهة الذين ضلوا بتشبيه ذاته بغيره أصناف مختلفة، وأول ظهور التشبيه صادر عن أصناف من الروافض الغلاة:\n• فمنهم «السبئية»: الذين سموا عليا إلها، وشبهوه بذات الله …\n• ومنهم «البيانية»: أتباع بيان بن سمعان (^٢) الذي زعم أن معبوده إنسان من نور على صورة الإنسان في أعضائه، وأنه يفني كله إلأ وجهه.\n• ومنهم «المغيرية» أتباع المغيرة بن سعيد العجلي، الذي زعم أن معبوده ذو أعضاء وأن أعضاءه على صور حروف الهجاء.\n• ومنهم «المنصورية»، أتباع أبي منصور العجلي (^٣)، الذي شبه نفسه بربه وزعم أنه صعد إلى السماء …\n• ومنهم «الخطابية»، الذين قالوا بإلهية الأئمة، وبإلهية أبي الخطاب\n_________\n(^١) ن فتح رب البرية بتلخيص الحموية ١٥.\n(^٢) بيان بن سمعان التيمي النهدي اليمني، ظهر بالعراق في أوائل القرن الثاني الهجري، زعم أن جزءًا إلهيًا حل في علي ثم في محمد بن الحنفية ثم في ابنه أبي هاشم ثم في بيان نفسه، فلما ظفر به خالد بن عبد الله القسري قتله. الفرق بين الفرق ٢٣٧، الملل والنحل ١/ ١٥٢، مقالات الإسلاميين ٥.\n(^٣) أبو منصور العجلي، رجل من عبد القيس، عزا نفسه إلى أبي جعفر الباقر أولا، فلما تبرأ منه زعم أنه هو الإمام ودعا الناس إلى نفسه. وزعم أن عليا هو الكسف الساقط، وأنه عرج به إلى السماء، حتى وقف على قصته يوسف بن عمر الثقفي فصلبه. الملل والنحل ١/ ١٧٨، مقالات الإسلاميين ٩، الفرق بين الفرق ٢٤٣.","vol":"1","page":132},{"text":"الأسدي (^١)، ومنهم الذين قالوا بإلهية عبد الله بن معاوية بن عبد الله ابن جعفر (^٢).\n• ومنهم «الحلولية»، الذين قالوا بحلول الله في أشخاص الأثمة، وعبدوا الأئمة لأجل ذلك.\n• ومنهم «الحلولية الحلمانية»، المنسوبة إلى أبي حلمان الدمشقي (^٣) الذي زعم أن الإله بحل في كل صورة حسنة، وكان يسجد لكل صورة حسنة.\n• ومنهم «المقنعية المبيضة» في دعواهم أن المقنع (^٤) كان إلها، وأنه مصور في كل زمان بصورة مخصوصة.\n• ومنهم «العذافرة»، الذين قالوا بإلهية ابن أبي العذافر المقتول ببغداد.\nوهذه الأصناف خارجون عن دين الإسلام وإن انتسبوا في الظاهر إليه …\nوبعد هذا فرق من المشبهة عدهم المتكلمون في فرق الملة لإقرارهم بلزوم أحكام القرآن، وإقرارهم بوجوب أركان شريعة الإسلام من الصلاة والزكاة والصيام والحج عليهم، وإقرارهم بتحريم المحرمات عليهم، وإن ضلوا وكفروا في بعض\n_________\n(^١) محمد بن أبي زينب الأسدي، كان يزعم أولا أن الأئمة أنبياء، ثم زعم أنهم آلهة، ثم ادعى الألوهية لنفسه، وخرج في أيام المنصور فقتله عيسي بن موسي والي الكوفة سنة ١٤٣ هـ. الملل والنحل ١/ ١٧٩، الفرق بين الفرق ٢٤٧، مقالات الإسلاميين ١٠.\n(^٢) عبد الله بن معاوية بن جعفر بن أبي طالب. كان فتاكا سيء الحاشية واتهم بالزندقة، طلب الخلافة في أواخر دولة بني أمية سنة ١٢٧ هـ بالكوفة. مات سنة ١٣١ هـ. الأعلام ٤/ ١٣٩، تاريخ ابن خلدون ٣/ ١٢١، لسان الميزان ٣/ ٢٦٣.\n(^٣) أبو حلمان الدمشقي، كان أصله من فارس، ومنشؤه حلب، وأظهر بدعته بدمشق، وكان يقول بحلول الإله في الأشخاص ذوي الصور الحسنة، وكان يقول بالإباحية. الفرق بين الفرق ٢٥٩.\n(^٤) اسمه عطاء ويعرف بالمقنع الخراساني مشعوذ مشهور، ادعى الربوبية من طريق التناسخ، وتبعه قوم وقاتلوا في سبيله وكان مشوه الخلقة فاتخذ وجهًا من ذهب تقنع به، واشتهر أمره سنة ١٦١ هـ فثار الناس عليه فاعتصم بقلعة فاحتسي سما فمات بها سنة ١٦٣ هـ.\nالأعلام ٤/ ٢٣٥، الكامل ٦/ ١٧، وفيات الأعيان ١/ ٣١٩.","vol":"1","page":133},{"text":"الأصول العقلية، ومن هذا الصنف:\n• «الهشامية» منتسبة إلى هشام بن الحكم الرافضي الذي شبه معبوده بالإنسان، وزعم لأجل ذلك أنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وأنه جسم ذو حد ونهاية، وأنه طويل عريض، عميق، وذو لون وطعم ورائحة.\nوقد روي عنه أن معبوده كسبيكة الفضة، وكاللؤلؤة المستديرة، وروي عنه أنه أشار إلى أن جبل أبي قبيس أعظم منه. وروي عنه أنه زعم أن الشعاع من معبوده متصل بما يراه …\n• ومنهم «الهشاميةة، المنسوبة إلى هشام بن سالم الجواليقي (^١) الذي زعم أن معبوده على صورة الإنسان، وأن نصفه الأعلى مجوف، ونصفه الأسفل مصمت، وأن له شعرة سوداء وقلبًا تنبع منه الحكمة.\n• ومنهم «اليونسية» المنسوبة إلى يونس بن عبد الرحمن القمي (^٢) الذي زعم أن الله-تعالى-بحمله حملة عرشه، وإن كان هو أقوى منهم كما أن الكركي تحمله رجلاه وهو أقوى من رجليه.\n• ومنهم «المشبهة»، المنسوبة إلى داود الجواربي (^٣)، الذي وصف معبوده بأن\n_________\n(^١) هشام بن سالم الجواليقي، نسج على منوال هشام بن الحكم في التشبيه، وزعم أن الله نور ساطع يتلألأ وله حواس خمس … إلخ تخريفاته وضلالاته. الملل والنحل ١/ ١٨٤، مقالات الإسلاميين ٢٠٩.\n(^٢) يونس بن عبد الرحمن مولي علي بن يقطين، فقيه إمامي عراقي، من أصحاب موسي بن جعفر، له نحو ثلاثين كتابًا، توفي سنة ٢٠٨ هـ، الأعلام ٨/ ٢٦١، ابن النديم ٢٢٠.\n(^٣) داود الجواربي مشبه أخذ مفالته عن هشام بن سالم الجواليقي، وزعم أن الله جسم وأنه جثة على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم … إلخ. وقال ابن حجر: رأس في الرافضة والتجسيم من مرامي جهنم، وقال يزيد بن هارون: الجواربي والمريسي كافران. انظر مقالته في: الملل والنحل ١/ ١٨٧، مقالات الإسلاميين ٢٠٩، لسان الميزان ٢/ ٤٢٧.","vol":"1","page":134},{"text":"له جميع أعضاء الإنسان إلأ الفرج واللحية.\n• ومنهم «الإبراهيمية» المنسوبة إلى إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي (^١).\n• ومنهم «الخابطية»، من القدرية وهم منسوبون إلى أحمد ابن خابط (^٢) … شبه عيسى ابن مريم بربه، وزعم أنه الإله الثاني، وأنه هو الذي يحاسب الخلق في القيامة.\n• ومنهم «الكرامية»، في دعواها أن الله-تعالى-جسم له حد ونهاية وأنه محل الحوادث، وأنه مماس لعرشه … فهؤلاء مشبهة له-تعالى-بخلقه في ذاته.\nفأما المشبهة لصفاته بصفات المخلوقين فأصناف:\n• فمنهم الذين شبهوا إرادة الله -تعالى-بإرادة خلقه، وهذا قول المعتزلة البصرية … ومنهم الذين شبهوا كلام الله -﷿بكلام خلقه …\n• ومنهم «الزرارية، أتباع زرارة بن أعين الرافضي (^٣) في دعواها حدوث جميع صفات الله -﷿وأنها من جنس صفاتنا …\n• ومنهم الذين قالوا من الروافض بأن الله -تعالى-لا يعلم الشيء حتى يكون،\n_________\n(^١) إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، مولاهم، قال فيه الإمام أحمد: كان قدريًا جهميًا معتزليًا كل بلاء فيه، وقال البخاري: جهمي تركهـ ابن المبارك والناس، وقال العجلي: كان قدريا معتزليا رافضيًا، توفي سنة ١٨٤ هـ. تهذيب التهذيب ١/ ١٥٨.\n(^٢) أحمد بن خابط: معتزلي منتسب إلى النظام، له مقالات شنيعة وغيره، منها قوله: إن للعالم خالقين الله هو القديم، والثاني محدث وهو الكلمة، ومن ضلالاته قوله بالتناسخ، وينفي قدرة الله على زيادة نعيم أهل الجنة أو عذاب أهل النار. الفرق بين الفرق ٢٧٣، لسان الميزان ١/ ١٤٨.\n(^٣) زرارة بن أعين الشيباني بالولاء، رأس الفرقة الزرارية، من غلاة الشيعة، ونسبتها إليه، كان متكلمًا شاعرًا، وهو من أهل الكوفة، وكانت وفاته سنة ١٥٠ هـ. الأعلام ٣/ ٤٣، لسان الميزان ٢/ ٤٧٣، اللباب ١/ ٤٩٨، خطط المقريزي ٢/ ٣٥٣.","vol":"1","page":135},{"text":"فأوجبوا حدوث علمه كما يجب حدوث علم العالم منا (^١)\nويلاحظ من هذا السياق لفرق المشبهة الملاحظات الآتية:\nا-أن التشبيه نشأ في أحضان الرافضة وترعرع فيها.\n٢ - تفاوت هذه الفرق على النحو التالي:\n(١) الغلاة: وهم الذين مثلوا ذات الخالق بذات مخلوق معين، أو زعموا أن الله حاك فيه -سبحانه-وهؤلاء خارجون عن الملة إجماعًا، وغالبا ما يجمعون إلى هذا الكفر كفرًا آخر من الزندقة الباطنية كالفرق العشر الأولى.\n(ب) المكيفة: وهم الذين يكيفون صورة معبودهم بأوصاف وكيفيات معهودة في الذهن والخارج لكن غير مقيدة بمماثل معين، كالهشاميين.\n(ج) ممثلة الأفعال: الذين يمثلون الخالق بالمخلوق، والمخلوق بالخالق في الأفعال كالمعتزلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-67>الثاني عشر: براءة أهل السنة من التشبيه.</span>\nأهل السنة مبرؤن من تهمة التشبيه التي حاول بعض نفاة الصفات من المتكلمين نبزهم بها. فليس في هذه الفرق المذمومة طائفة من أهل السنة، إلا أن المتكلمين بناء على أصولهم الفاسدة عدوا إثبات الصفات الخبرية تمثيلًا، فوصموا المثبتين لها بوصمة التمثيل، كما صنع الشهرستاني (^٢) في مبحث «المشبهة،\n_________\n(^١) الفرق بين الفرق ٢٢٥ - ٢٣٠، مختصرًا. وانظر: مقالات الإسلاميين ١/ ١٠٦، ٢٨١، والملل والنحل ١/ ١٠٣.\n(^٢) محمد بن عبد الكريم بن أحمد، أبو الفتح، الشهرستاني، كان إمامة في علم الكلام وأديان الأمم ومذاهب الفلاسفة، ولد سنة ٤٧٩ هـ في شهر ستان، وله من المؤلفات: «الملل والنحل»، و«نهاية الإقدام في علم الكلام، والإرشاد إلى عقائد العبادة وغيرها، وتوفي في بلده سنة ٥٤٨ هـ. الأعلام ٦/ ٢١٥، وفيات الأعيان ١/ ٤٨٢، مفتاح السعادة ١/ ٢٦٤، آداب اللغة ٣/ ٩٩، لسان الميزان ٥/ ٢٦٣، طبقات السبكي ٤/ ٧٨.","vol":"1","page":136},{"text":"حيث أدخل في مقالات المشبهة ما هو من صريح مذهب السلف (^١) \" (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-68>الثالث عشر: \"كل معطل ممثل، وكل ممثل معطل\".</span>\nفكل واحد من فريق التعطيل والتمثيل جامع بين التعطيل والتمثيل.\nأولًا: -بيان جمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل:\nأما تمثيل المعطلة: فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات.\nفهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم.\nوتعطيل المعطلة: في نفيهم لما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات اللائقة به سبحانه.\nوبذلك جمعوا بين التعطيل والتمثيل: مثلوا أولًا، وعطلوا آخرًا.\nوامتاز أهل التعطيل عن أهل التمثيل بنفيهم المعاني الصحيحة للصفات.\nمثال لجمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل:\nنصوص الاستواء، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٣).\nفإن المعطل يقول: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا، وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام. فهذا المعطل لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا\n_________\n(^١) انظر: الملل والنحل ١/ ١٠٥، وما بعدها.\n(^٢) المصدر: مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات ص ٧٩ - ٨٢.\n(^٣) الآية ٥ من سورة طه","vol":"1","page":137},{"text":"اللازم الذي جاء به المعطل تابع لهذا المفهوم.\nوكان الواجب عليه أن يثبت لله استواء يليق بجلاله ويختص به، فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي هي من لوازم المخلوقات، ويجب نفيها في حق الله.\nفأهل التعطيل وقعوا في أربعة محاذير:\nالأول: كونهم مثلوا ما فهموه من النصوص بصفات المخلوقين، وظنوا أن مدلول النصوص هو التمثيل.\nالثاني: أنهم عطلوا النصوص عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله.\nالثالث: أنهم بنفي تلك الصفات صاروا معطلين لما يستحقه الرب من صفات الكمال.\nالرابع: أنهم وصفوا الرب بنقيض تلك الصفات، من صفات الأموات والجمادات والمعدومات (^١).\nثانيًا: -بيان جمع أهل التمثيل بين التعطيل، والتمثيل (^٢):\nأما تعطيل الممثل فمن وجوه ثلاثة:\nأحدها: أنه عطل نفس النص الذي أثبت الصفة، حيث صرفه عن مقتضى ما يدل عليه، فإن النص دال على إثبات صفة تليق بالله لا على مشابهة الله لخلقه.\nالثاني: أنه إذا مثل الله بخلقه فقد عطله عن كماله الواجب، حيث شبه الرب الكامل بالمخلوق الناقص.\nالثالث: أنه إذا مثل الله بخلقه فقد عطل كل نص يدل على نفي مشابهة الله لخلقه،\n_________\n(^١) الرسالة التدمرية ٧٩ - ٨٠\n(^٢) انظر: الفتوى الحموية ص ٦٢ - ٦٣ ط: دار فجر للتراث","vol":"1","page":138},{"text":"مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤].\nأما تمثيل أهل التمثيل: فإنهم يقولون: إن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا كان مستويًا على العرش فهو كاستواء الإنسان على السرير، إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا، فامتاز هؤلاء الممثلة بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين، كما امتاز المعطلة بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي.\nوالقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير ونحو ذلك، ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها.\n(فقد هدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة المثلى فأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، وتفوا عنه مماثلة المخلوقات، فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهديا بين ضلالتين.\nفقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف.\nبل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات، فلا نعطل ولا نؤول ولا نمثل ولا نجهل.\nولا نقول: ليس له يدان، ولا وجه، ولا سمع، ولا بصر، ولا حياة، ولا قدرة، ولا استوى على عرشه.\nولا نقول: له يدان كأيدي المخلوقين، ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة","vol":"1","page":139},{"text":"وقدرة واستواء، كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم.\nبل نقول: له ذات حقيقة ليست كذوات المخلوقين.\nوله صفات حقيقة ليست كصفات المخلوقين.\nوكذلك قولنا: في وجهه ﵎، ويديه، وسمعه، وبصره، وكلامه، واستوائه.\nولا يمنعنا ذلك أن نفهم المراد من تلك، الصفات وحقائقها، كما لم يمنع ذلك من أثبت لله شيئا من صفات الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها، فإن من أثبت له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقة وفهم معناهما، فهكذا سائر الصفات المقدسة، يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله سبحانه لم يكلف العباد ذلك، ولا أراده منهم، ولم يجعل لهم إليه سبيلا) (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-69>المسألة السابعة: معنى قوله: \"وَمِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ\".</span>\nهذه العبارة فيها تمييز لعقيدة أهل السنة عن عقيدة أهل التعطيل، وهذه العبارة يمكن توضيحها من خلال الفقرات الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-70>الفقرة الأولى: قوله: \"وَمِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-71>أولًا: معنى التحريف:</span>\nالتحريف لغة: التغيير والتبديل والإمالة.\nفهو في الأصل مأخوذ من قولهم: حرفت الشيء عن وجهه إذا أملته وغيرتة.\nوالتحريف شرعًا: الميل بالنصوص عما هي عليه، إما بالطعن فيها، أو بإخراجها عن حقائقها مع الإقرار بلفظها.\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة ٢/ ٤٢٥ - ٤٢٧","vol":"1","page":140},{"text":"أو نقول بعبارة مختصرة: هو العدول بالكلام عن وجهه وصوابه إلى غيره (^١).\nوالتحريف في باب الأسماء والصفات: هو تغيير ألفاظ نصوص الأسماء والصفات أو معانيها عن مراد الله بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-72>ثانيًا: أنواع التحريف:</span>\nالتحريف نوعان:\nالنوع الأول: تحريف اللفظ:\nوتعريفه: هو العدول باللفظ عن جهته إلى غيرها، وله أربع صور:\nا-الزيادة في اللفظ.\n٢ - النقصان في اللفظ.\n٣ - تغيير حركة إعرابية.\n٤ - تغيير حركة غير إعرابية.\nومن أمثلة تحريف اللفظ:\nالمثال الأول: تحريف إعراب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (^٢) من الرفع إلى النصب، وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ أي موسى كلم الله، ولم يكلمه الله، ولما حرفها بعض الجهمية هذا التحريف قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تصنع بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾] الأعراف الآية: ١٤٣]، فبهت المحرف.\nمثال آخر: إن بعض المعطلة سأل بعض أئمة العربية: هل يمكن أن يقرأ العرش بالرفع في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٣) وقصد بهذا التحريف أن يكون\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة ١/ ٢١٥\n(^٢) الآية ١٦٤ من سورة النساء\n(^٣) الآية ٥ من سورة طه","vol":"1","page":141},{"text":"الاستواء صفة للمخلوق لا للخالق (^١).\nالنوع الثاني: تحريف المعنى:\nوتعريفه: هو صرف اللفظ عن معناه الصحيح إلى غيره مع بقاء صورة اللفظ (^٢). أو نقول: تعريفه: هو العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته، وإعطاء اللفظ معنى لفظ آخر بقدر ما مشترك بينهما.\nوهذا النوع هو الذي جال فيه أهل الكلام من المعطلة وصالوا وتوسعوا وسموه تأويلًا، وهو اصطلاح فاسد حادث لم يعهد به استعمال في اللغة (^٣).\nومن أمثلة تحريف المعنى:\nكقول المعطلة في معنى استوى: استولى في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^٤).\nوفي معنى اليد في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَان﴾ (^٥) النعمة والقدرة.\nوفي معنى المجيء في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ (^٦) وجاء أمر ربك.\nوقد ذكر الله التحريف وذمه حيث ذكره، وهو مأخوذ في الأصل عن اليهود، فهم الراسخون فيه، وهم شيوخ المحرفين وسلفهم، فإنهم حرفوا كثيرًا من ألفاظ التوراة وما غلبوا عن تحريف لفظه حرفوا معناه، ولهذا وصفوا بالتحريف في القرآن دون غيرهم من الأمم.\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة ١/ ٢١٨\n(^٢) الصواعق المنزلة ١/ ٢٠١\n(^٣) مختصر الصواعق ٢/ ١٤٧\n(^٤) الآية ٥ من سورة طه\n(^٥) الآية ٦٤ من سورة المائدة\n(^٦) الآية ٢٢ من سورة الفجر","vol":"1","page":142},{"text":"وقد درج على آثارهم الرافضة، فهم أشبه بهم من القذة بالقذة، وكذلك الجهمية، فإنهم سلكوا في تحريف النصوص مسالك إخوانهم في اليهود (^١).\nوأصحاب تحريف الألفاظ شر من أصحاب تحريف المعنى من وجه.\nوأصحاب تحريف المعنى شر من أصحاب تحريف اللفظ من وجه.\nفأصحاب تحريف اللفظ عدلوا باللفظ والمعنى جميعًا عما هما عليه فأفسدوا اللفظ والمعنى، بينما أصحاب تحريف المعنى أفسدوا المعنى وتركوا اللفظ على حاله فكانوا خيرًا من أولئك من هذا الوجه.\nفأصحاب تحريف اللفظ لما أرادوا المعنى الباطل حرفوا له لفظًا يصلح له لئلا يتنافر اللفظ والمعنى، بحيث إذا أطلق ذلك اللفظ المحرف فهم منه المعنى المحرف، فإنهم رأوا أن العدول بالمعنى عن وجهه وحقيقته مع بقاء اللفظ على حاله مما لا سبيل إليه، فبدأوا بتحريف اللفظ ليستقيم لهم حكمهم على المعنى الذي قصدوا (^٢).\nوأما كون أصحاب تحريف المعنى شرا من أصحاب تحريف اللفظ من وجه، فلأن تحريف المعنى هو الأكثر استعمالا عند أصحاب التحريف، ولأنه أسهل رواجا وسوقًا عند الجهلة والعوام من الناس، فيفتتن به من ليس لديه زاد من العلم الصحيح المعتمد على الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة.\nفالسلف يعتقدون أن الواجب في نصوص القرآن والسنة بما في ذلك نصوص الأسماء والصفات هو إجراؤها على ظاهرها، وذلك بأن تُفهم وَفق ما يقتضيه اللسان العربي، وأن لا يُتعرض لها بتحريف أو تعطيل كما فعل المعطلة، الذين تلاعبوا\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة ١/ ٢١٥ - ٢١٦\n(^٢) مختصر الصواعق ٢/ ١٤٧، ١٤٨","vol":"1","page":143},{"text":"بظواهر النصوص لمجرد أنَّها خالفت باطلهم ومناهجهم الفاسدة (^١).\nفنصوص الصفات ألفاظ شرعية يجب أن تُحفظ لها حُرمتها، وذلك بأن نفهمها وَفق مراد الشارع؛ فلا نتلاعب بمعانيها لنصرفها عن مراد الشارع.\nفمن الأصول الكلية عند السلف أن الألفاظ الشرعية لها حرمتها، ومِن تمام العلم أن يُبحث عن مراد الله ورسوله بها ليُثبت ما أثبته الله ورسوله من المعاني، ويُنفى ما نفاه الله ورسوله من المعاني (^٢).\nوبحمد الله وفضله نجد أن نصوص الصفات الواردة في القرآن والسنة هي من الوضوح والكثرة بمكان، بحيث يستحيل تأويلها والتلاعب بنصوصها، فلقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلًا على وجهٍ أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل به العلم اليقيني، ورفع الشك والريب؛ فثلجت به الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، فلقد فَصَّلت رسالة نبينا محمد ﷺ الأسماء والصفات والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقَرَّرت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ.\nفالمُطَّلع على نصوص القرآن والسنة الخبير بهما، لا يزيده تحريف المعطلة لتلك النصوص إلا احتقارًا لهم، ويقينًا بفساد معتقدهم وبطلانه.\nولا تَرُوج تحريفات المعطلة إلا على الجاهل بمعرفة تلك النصوص قليل البضاعة فيها، فهذا الصنف أُتِي مِنْ جهة جهله لا مِنْ قِلَّة النصوص الواردة في هذا الباب، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-73>الفقرة الثانية: قوله: \"وَلَا تَعْطِيلٍ\".</span>\n_________\n(^١) «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ٣٠١).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (١٢/ ١١٣، ١١٤) بتصرف.","vol":"1","page":144},{"text":"<span data-type='title' id=toc-74>أولًا: معنى التعطيل:</span>\nالتعطيل لغة: مأخوذ من \"العطل\": الذي هو الخلو والفراغ والترك، ومنه قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ (^١) أي أهملها أهلها وتركوا وردها (^٢).\nوالتعطيل في جانب الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه، وهو المتمثل فيمن ينكر وجود خالق لهذا الكون، وهو قول الدهرية الملاحدة.\nالقسم الثاني: تعطيل عبادته ﷿، أي ما يجب له ﷿ على عباده من حقيقة التوحيد وإفراده بالعبادة، وهو المتمثل في أهل الشرك الذين صرفوا شيئا من العبادة لغير الله ﷿.\nالقسم الثالث: تعطيل الله سبحانه عن كماله المقدس بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله (^٣).\nوهذا القسم الثالث هو الذي نقصده هنا.\nفالمراد بالتعطيل في باب الأسماء والصفات هو: نفي الأسماء والصفات أو بعضها وسلبها عن الله.\nأو نقول: هو نفي الصفات الإلهية، وإنكار قيامها بذات الله تعالى (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-75>ثانيًا: طوائف المعطلة.</span>\nوقد وقع في التحريف والتعطيل طوائف، يجمعهم أهل العلم تحت مسمى\n_________\n(^١) الآية ٤٥ من سورة الحج\n(^٢) شرح الواسطية ص ٢٠\n(^٣) الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص ١٥٣\n(^٤) شرح الواسطية ص ٢٠","vol":"1","page":145},{"text":"\"المعطلة\".\nوينقسم المعطلة إلى قسمين رئيسيين هما:\nالقسم الأول: الفلاسفة.\nوهم صنفان:\nالصنف الأول: أهل الفلسفة البحتة.\nالصنف الثاني: أهل الفلسفة الباطنية، وهي نوعان:\nأ-رافضية. ب-صوفية.\nوالقسم الثاني من المعطلة هم: أهل الكلام.\nوهم خمسة أصناف:\nا-الجهمية.\n٢ - المعتزلة.\n٣ - الكلابية.\n٤ - الأشاعرة.\n٥ - الماتريدية.\nوينقسم التعطيل إلى قسمين:\nالتعطيل عند طوائف أهل الكلام ينقسم إلى قسمين هما:\nأولًا: تعطيل جميع صفات الله ﷿ وهو تعطيل الجهمية والمعتزلة (^١).\nثانيًا: تعطيل بعض الصفات وإثبات بعضها وهذا قول الكلابية والأشاعرة\n_________\n(^١) ينظر: أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء (ص: ٩١) نشر وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - المملكة العربية السعودية.","vol":"1","page":146},{"text":"والماتريدية وغيرهم، الذين ينكرون بعض الصفات ويؤولونها، ويثبتون بعض الصفات.\nوأول من عرف بالتعطيل من هذه الأمة هو الجعد بن درهم، وكل من جاء بعده من المعطلة فهو مقلد له متأس به في كل ما جاء به من التعطيل أو في بعضه (^١).\nفالمعطِّلة: هم نفاة الصفات.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «ولهذا كان السلف والأئمة يُسَمُّون نُفاة الصفات: معطلة؛ لأن حقيقة قولهم تعطيل ذات الله تعالى، وإن كانوا هم قد لا يعلمون أن قولَهم مستلزمٌ للتعطيل» (^٢).\nفإن قلت: ما الفرق بين التَّعْطِيل والتَّحْرِيف؟\nقلنا: التَّحْرِيف في الدليل، والتَّعْطِيل في المدلول فمثلًا:\nإذا قال قائل: معنى قول تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، أي: بل قوَّتاه، هذا محرف للدليل ومعطل للمراد الصحيح؛ لأن المراد اليد الحقيقية، فقد عطَّل المعنى المراد، وأثبت معنًى غير المراد.\nوإذا قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، لا أدري، أفوِّض الأمر إلى الله، لا أثبت اليد الحقيقية ولا اليد المحرف إليها اللفظ، نقول: هذا معطِّل، وليس بمحرِّف؛ لأنه لم يغير معنى اللفظ ولم يفسِّره بغير مراده، لكن عطَّل معناه الذي يراد به، وهو إثبات اليد لله\" (^٣).\nالمسألة الثامنة: معنى قوله: \"وَكَذَلِكَ يَنْفُونَ عَنْهُ مَا نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ مَعَ إثْبَاتِ مَا\n_________\n(^١) انظر: تسهيل العقيدة الإسلامية للجبرين (ص: ١٠٠).\n(^٢) انظر: مجموع فتاوى شيخ الإسلام (٥/ ٣٢٦).\n(^٣) انظر: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (١/ ٩٢).","vol":"1","page":147},{"text":"أَثْبَتَهُ مِنْ الصِّفَاتِ\".\nوهنا تجدر الإشارة إلى أمور مهمة، وهي:\nالأمر الأول: أنَّ معرفة الله ليست بمعرفة صفات السلب، بل الأصل فيها صفات الإثبات، والسلب تابع، ومقصوده: تكميل الإثبات (^١).\n«فإنَّ السلب لا يُراد لذاته، وإنما يقصد لما يتضمنه من إثبات الكمال، فكل ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من صفات النقص-فإنه متضمن للمدح، والثناء على الله بضد ذلك النقص من الأوصاف الحميدة والأفعال الرشيدة» (^٢).\nالأمر الثاني: أنَّ صفات التنزيه يجمعها معنيان:\nالأول: نفي النقائص عنه، وذلك مِنْ لوازم إثبات صفات الكمال.\nالثاني: إثبات أنَّه ليس كمثله شييء في صفات الكمال الثابتة له.\nالأمر الثالث: الصفات السلبية تُذكر غالبًا في الأحوال التالية:\nالأولى: بيان عموم كماله؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤].\nوالثانية: نفي ما ادَّعاه في حقه الكاذبون؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾.\nوالثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾] الدخان الآية: ٣٨ [.\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١١٢).\n(^٢) «شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ٥٥).","vol":"1","page":148},{"text":"الأمر الرابع: أنَّ الصفات السلبية إنما تكون كمالًا إذا تضمنت أمورًا وجودية (^١).\nفلا يُوصف الرب من الأمور السلبية إلا بما يتضمن أمورًا وجودية، وإلا فالعدم المحض لا كمال فيه.\nفينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال.\nوالعدم المحض ليس بشييء، وما ليس بشييء-فهو كما قيل: ليس بشييء؛ فضلًا عن أن يكون مدحًا وكمالًا.\nلأنَّ النفي المَحض يُوصف به المعدوم والممتنع؛ والمعدوم والممتنع لا يُوصف بمدح ولا كمال.\nولهذا كان عامة ما يصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾؛ فنفي السِّنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام.\nوكذلك قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، أي: لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها؛ بخلاف المخلوق القادر إذا كان يَقدر على الشييء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته وعيب في قوته.\nوكذلك قوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْض﴾، فإن نفي العُزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض.\nوكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾، فإن نفي مس اللغوب-الذي هو التعب والإعياء-دلَّ على كمال قدرته ونهاية القوة بخلاف المخلوق الذي يلحقه من التعب والكلال ما يلحقه.\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١٤٤).","vol":"1","page":149},{"text":"وكذلك قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ -إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء، ولم يَنف مجرد الرؤية؛ لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يرى مدح؛ إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُؤي، كما أنه لا يحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رؤي لا يحاط به رؤية، فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك دليلًا على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة. وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.\nوإذا تأملت ذلك وجدت كلَّ نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف به نفسه» (^١).\nثم إن النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه-فيه إساءة أدب مع الله سبحانه؛ فإنك لو قلت لسلطان: أنت لستَ بزبَّال ولا كسَّاح ولا حَجَّام ولا حائك؛ لأَدَّبَك على هذا الوصف وإن كنت صادقًا.\nوإنما تكون مادحًا إذا أجملت النفي؛ فقلت: أنت لستَ مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجَل، فإن أَجملت في النفي أجملت في الأدب (^٢).\nفأهل الكلام المذموم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المُجمل؛ فيقولون: ليس بجسم ولا شَبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عَرَض .. إلى آخر تلك السُّلوب الكثيرة التي تَمُجُّها الأسماع، وتأنف مِنْ ذكرها النفوس، والتي تتنافى مع تقدير الله تعالى حقَّ قدره (^٣).\nالأمر الخامس: أن الرسل عليهم صلوات الله جاءوا بإثبات مُفَصَّل ونفي\n_________\n(^١) «الرسالة التدمرية» (ص ٢١ - ٢٣).\n(^٢) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص ١٠٨ - ١١٠).\n(^٣) «الصفات الإلهية» (ص ٢٠٢).","vol":"1","page":150},{"text":"مجمل.\nوالمعطلة ناقضوهم؛ فجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل.\nفإنَّ الرسل أخبرت كما أخبر الله في كتابه الذي بعث به رسوله: أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه حكيم عزيز، غفور ودود، وأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأنه كلم موسى تكليمًا، وتجلى للجبل فجعله دكًّا، وأنه أنزل على عبده الكتاب. إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته.\nوقال في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ الآية: ٦٥].\nوهؤلاء الملاحدة جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، فقالوا في النفي: ليس بكذا ولا كذا، فلا يَقرب من شيء ولا يَقرب منه شيء، ولا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام يقوم به، ولا له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا غير ذلك، ولا يُشار إليه ولا يتعين، ولا هو مُباين للعالم ولا حالٌّ فيه، ولا داخله ولا خارجه.\nإلى أمثال العبارات السلبية التي لا تَنطبق إلا على المعدوم.\nثم قالوا في الإثبات: هو وجود مُطلق، أو وجود مقيد بالأمور السلبية (^١).\nوبذلك عكسوا منهج القرآن والسنة؛ فأكثروا مِنْ وصف الله تعالى بالأمور السلبية التي لم يَرد بها النص، وأفرطوا في ذلك إفراطًا عجيبًا، بينما أنكر بعضهم جميع الصفات الثبوتية، والبعض الآخر لم يُثبت سوى القليل منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-77>ضابط النفي في صفات الله:</span>\n_________\n(^١) «الصفدية» (١/ ١١٦).","vol":"1","page":151},{"text":"«أن ينفى عن الله تعالى:\nأولًا: كل صفة عيب؛ كالعمى، والصمم، والخرس، والنوم، والموت … ونحو ذلك.\nومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾] النحل الآية: ٦٠]، فإن ثبوت المثل الأعلى له-وهو الوصف الأعلى-يستلزم انتفاء كل صفة عيب.\nثانيًا: كل نقصٍ في كماله؛ كنقص حياته، أو علمه، أو قدرته، أو عزّته،\nأو حكمته … أو نحو ذلك.\nومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾] ق الآية: ٣٨ [.\nثالثًا: مماثلة المخلوقين؛ كأن يجعل علمه كعلم المخلوق، أو وجهه كوجه المخلوق، أو استواءه على عرشه كاستواء المخلوق … ونحو ذلك.\nومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾] الشورى الآية: ١١\" (^١).\nالأمر السادس: للتفريق بين الصفات السلبية التي ورد بها النص والصفات السلبية التي أحدثها المعطلة النفاة-نقول: إن الصفات السلبية التي ورد بها النص متضمنة لثبوت كمال الضد كما تقدم شرح ذلك.\nوأمَّا الصفات السلبية التي هي مِنْ نسج المعطلة واختراعهم-فلا تتضمن ثبوت كمال الضد.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «كل تنزيه مُدح به الرب ففيه إثبات، فلهذا كان قول: (سبحان الله) متضمنًا تنزيه الرب وتعظيمه، ففيه تنزيهه من العيوب والنقائص،\n_________\n(^١) تقريب التدمرية ص (٨٥ - ٨٦).","vol":"1","page":152},{"text":"وفيه تعظيمه ﷾ (^١).\nفالذين لا يَصفونه إلا بالسُّلوب لم يثبتُوا في الحقيقة إلهًا محمودًا، بل ولا موجودًا.\nوكذلك مَنْ شاركهم في بعض ذلك؛ كالذين قالوا: لا يتكلم، ولا يُرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يَستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا مجانب له.\nإذ هذه الصفات يمكن أن يُوصف بها المعدوم، وليس هي صفة مُستلزمة صفة ثبوت.\nفقولهم: إنه لا يتكلم، أو لا يَنزل، ليس في ذلك صفة مدح، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات (^٢).\nالأمر السابع: إن سلب النقائص والعيوب عن الله نوعان:\nالنوع الأول: سلب لمتصل.\n«وضابطه: نفي كل ما يناقض صفة من صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ؛ كنفي الموت المنافي للحياة، والعجز المنافي للقدرة، والسِّنة والنوم المنافي لكمال القيومية، والظلم المنافي للعدل، والإكراه المنافي للاختيار، والذل المنافي للعزة …»، إلخ.\nالنوع الثاني: سلب لمنفصل.\nوضابطه: تنزيه الله سبحانه عن أن يشاركه أحد مِنْ خلقه في شييء من خصائصه التي لا تَنبغي إلا له.\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١١٢).\n(^٢) «الرسالة التدمرية» (ص ٢٣).","vol":"1","page":153},{"text":"وذلك كنفي الشريك له في ربوبيته؛ فإنَّه منفرد بتمام الملك والقوة والتدبير.\nوكنفي الشريك له في أُلوهيته، فهو وحده الذي يجب أن يُؤلهه الخلق، ويُفردوه بكل أنواع العبادة والتعظيم.\nوكنفي الشريك له في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فليس لغيره من المخلوقين شِركة معه سبحانه في شيء منها.\nوكذلك نفي الظَّهير الذي يُظاهره أو يعاونه في خلق شيء أو تدبيره؛ لكمال قدرته وسَعة علمه ونفوذ مشيئته، وغيره من المخلوقين عاجز فقير لا حول له ولا قوة إلا بالله؛ فالشريك والظهير مَنفيان عنه بإطلاق.\nوكذلك ينفى عنه سبحانه اتخاذ الصاحبة والولد الذي نَسَبه إليه النصارى عابدو الصُّلبان، والصابئة الذين يقولون: إن الملائكة بنات الله؛ قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلّ﴾] الإسراء الآية: ١١١ [. (^١).\nالأمر الثامن: الأدلة السمعية التي وردت في نفي المماثلة تنقسم إلى قسمين:\n١ - خبر.\n٢ - وطلب.\nقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين﵀-: «الأدلة السمعية (^٢) تنقسم\nإلى قسمين: خبر، وطلب.\nـ فمن الخبر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]، فالآية: فيها نفي صريح للتمثيل.\nوقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ الآية: ٦٥]، فإن هذا وإن كان إنشاء، لكنه بمعنى\n_________\n(^١) انظر: «شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ٥٦ - ٥٨).\n(^٢) على نفي المماثلة.","vol":"1","page":154},{"text":"الخبر؛ لأنه استفهام بمعنى النفي.\nوقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤]، فهذه كلها تدل على نفي المماثلة، وهي كلها خبرية.\nـ وأما الطلب؛ فقال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^١)، أي: نظراء مماثلين.\nوقال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾] النحل الآية: ٧٤]) (^٢).\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"مِنْ غَيْرِ إلْحَادٍ، لَا فِي أَسْمَائِهِ وَلَا فِي آيَاتِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ الْآيَةَ\".\nالشرح\n\n<span data-type='title' id=toc-78>أولًا: تعريف الإلحاد.</span>\nالإلحاد لغة:\nقال ابن فارس: \" (لَحَدَ) اللَّامُ وَالْحَاءُ وَالدَّالُ أَصْلٌ يَدُلُّ عَلَى مَيْلٍ عَنِ اسْتِقَامَةٍ. يُقَالُ: أَلْحَدَ الرَّجُلُ، إِذْ مَالَ عَنْ طَرِيقَةِ الْحَقِّ وَالْإِيمَانِ. وَسُمِّيَ اللَّحْدُ لِأَنَّهُ مَائِلٌ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْجَدَثِ. يُقَالُ: لَحَدْتُ الْمَيِّتَ وَأَلْحَدْتُ. وَالْمُلْتَحَدُ: الْمَلْجَأُ، سُمِّيَ بِذَلِكَ\n_________\n(^١) الآية [٢٢] من سورة البقرة.\n(^٢) شرح العقيدة الواسطية (١/ ١٠٣).","vol":"1","page":155},{"text":"لِأَنَّ اللَّاجِئَ يَمِيلُ إِلَيْهِ\" (^١).\nفالإلحاد مأخوذ من المَيل، كما يدل عليه مادته (ل- ح- د)؛ فمنه: اللحد، وهو الشَّق في جانب القبر الذي قد مال عن الوَسط.\nومنه المُلحد في الدين: المائل عن الحقِّ إلى الباطل؛ قال ابن السِّكِّيت: «الملحد: المائل عن الحقِّ المُدخِلُ فيه ما ليس فيه (^٢).\nوعلى هذا فلفظ الإلحاد في اللغة يعني الميل والعدول عن الاستقامة أو عن الدين أو عن طريق الحق والمنهج الصحيح، وهو معناه في كتاب الله تعالى.\nالإلحاد شرعًا:\nالمعنى الشرعي للفظ الإلحاد لا يخرج عن معناه اللغوي،\nوقد رد لفظ (إلحاد) في كتاب الله تعالى في سورة الحج [آية: ٢٥] قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾.\nوورد منه الفعل المضارع (يلحدون) كما في قوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل- ١٠٣].\nقال الطبري ﵀: «الإلحاد في الدين وهو المعاندة بالعدول عنه والترك له\" (^٣).\nوقال الراغب الأصفهاني: «أَلْحَدَ فلانٌ: مال عن الحقّ، والْإِلْحَادُ ضربان: إلحاد إلى الشّرك بالله، وإلحاد إلى الشّرك بالأسباب.\nفالأوّل ينافي الإيمان ويبطله، والثاني: يوهن عُراهُ ولا يبطله، ومن هذا النحو قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، وقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ﴾ [الأعراف: ١٨٠]، والْإِلْحَادُ في أسمائه على وجهين:\n_________\n(^١) انظر: مقاييس اللغة لابن فارس (٥/ ٢٣٦).\n(^٢) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٩).\n(^٣) انظر: تفسير الطبري (١٧/ ٦٥٢).","vol":"1","page":156},{"text":"أحدهما: أن يوصف بما لا يصحّ وصفه به.\nوالثاني: أن يتأوّل أوصافه على ما لا يليق به\" (^١).\nفلفظ الإلحاد يقتضي ميلًا عن طريق الحق إلى طريق الباطل.\n\n<span data-type='title' id=toc-79>ثانيًا: معنى الإلحاد في أسماء الله تعالى:</span>\nيقول الإمام ابن القيم: \"الإلحاد في أسمائه: هو العدول بها وبحقائقها ومعانيها عن الحق الثابت لها\" (^٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].\nقال الإمام البغوي: \"قال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله: تسميته بما لم يَتَسَمَّ به، ولم ينطق به كتابُ الله ولا سُنَّة رسوله ﷺ\" (^٣).\nوقال ابن حجر: \"قال أهل التفسير: مِنْ الإلحاد في أسمائه: تسميته بما لم يَرد في الكتاب أو السنة الصحيحة\" (^٤).\nثالثًا: أنواع الإلحاد في أسماء الله تعالى وصفاته:\nقال ابن القيم: الإلحاد في أسمائه تعالى أنواع:\nأحدها: أن يسمى الأصنام بها كتسميتهم اللات من الإله، والعزى من العزيز، وتسميتهم الصنم إلها، وهذا إلحاد حقيقة فإنهم عدلوا بأسمائه إلى أوثانهم وآلهتهم الباطلة.\n_________\n(^١) انظر: المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني (ص: ٧٣٧).\n(^٢) انظر: بدائع الفوائد لابن القيم (١/ ١٦٩).\n(^٣) «معالم التنزيل» (٣/ ٣٥٧).\n(^٤) «فتح الباري» (١١/ ٢٢١).","vol":"1","page":157},{"text":"قال ابن عباس ومجاهد: «عدلوا بأسماء الله تعالى عما هى عليه، فسموا بها أوثانهم؛ فزادوا ونقصوا، فاشتقوا اللات من الله، والعُزَّى من العزيز، ومَناة من المنَّان» (^١).\nالثاني: تسميته بما لا يليق بجلاله كتسمية النصارى له (أبًا) وتسمية الفلاسفة له (موجبا بذاته) أو (علة فاعلة بالطبع) ونحو ذلك، وذلك لأنَّ أسماء الله- تعالى- توقيفية، فتسميته تعالى بما لم يُسَم به نفسه ميلٌ بها عما يجب فيها، كما أنَّ هذه الأسماء التي سَموه بها نفسها باطلة يُنزه الله تعالى عنها.\nقال ابن حزم: «مَنع تعالى أن يُسَمَّى إلا بأسمائه الحسنى، وأخبر أنَّ مَنْ سَمَّاه بغيرها فقد ألحد» (^٢).\nوفي قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ومَن جعله تسبيحًا للاسم يقول: المعنى: إنَّك لا تسم به غير الله، ولا تُلحد في أسمائه، فهذا ما يستحقُّه اسم الله» (^٣).\nفأسماء الله توقيفية، ومخالفة ذلك وتسميته تعالى بما لم يُسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها؛ فالإقدام على فِعل شيء من ذلك هو نوع من الإلحاد في أسماء الله.\nوثالثها: وصفه بما يتعالى عنه ويتقدس من النقائص كقول أخبث اليهود إنه فقير وقولهم إنه استراح بعد أن خلق خلقه وقولهم: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] وأمثال ذلك مما هو إلحاد في أسمائه وصفاته.\nورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها وجحد حقائقها كقول من يقول من\n_________\n(^١) «مدارج السالكين» (١/ ٣٠).\n(^٢) «المحلى» (١/ ٢٩).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٩٩).","vol":"1","page":158},{"text":"الجهمية وأتباعهم إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد ويقولون لا حياة له ولا سمع ولا بصر ولا كلام ولا إرادة تقوم به وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلًا وشرعًا ولغة وفطرة وهو يقابل إلحاد المشركين فإن أولئك أعطوا أسماءه وصفاته لآلهتهم وهؤلاء سلبوه صفات كماله وجحدوها وعطلوها فكلاهما ملحد في أسمائه ثم الجهمية وفروخهم متفاوتون في هذا الإلحاد فمنهم الغالي والمتوسط والمنكوب وكل من جحد شيئا عما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله فقد ألحد في ذلك فليستقل أو ليستكثر.\nوخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه تعالى الله عما يقول المشبهون علوا كبيرًا، فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة فإن أولئك نفوا صفة كماله وجحدوها وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه فجمعهم الإلحاد وتفرقت بهم طرقه وبرأ الله أتباع رسوله وورثته القائمين بسنته عن ذلك كله فلم يصفوه إلا بما وصف به نفسه ولم يجحدوا صفاته ولم يشبهوها بصفات خلقه ولم يعدلوا بها عما أنزلت عليه لفظا ولا معنى بل أثبتوا له الأسماء والصفات ونفوا عنه مشابهة المخلوقات فكان إثباتهم بريئا من التشبيه وتنزيههم خليا من التعطيل لا كمن شبه حتى كأنه يعبد صنما أو عطل حتى كأنه لا يعبد إلا عدما وأهل السنة وسط في النحل كما أن أهل الإسلام وسط في الملل\" (^١).\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"فَطَرِيقَتُهُمْ تَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مَعَ نَفْيِ مُمَاثَلَةِ الْمَخْلُوقَاتِ، إثْبَاتًا بِلَا تَشْبِيهٍ وَتَنْزِيهًا بِلَا تَعْطِيلٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ\n_________\n(^١) انظر: بدائع الفوائد لابن القيم (١/ ١٦٩ - ١٧٠).","vol":"1","page":159},{"text":"وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١ [. فَفِي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ رَدٌّ لِلتَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ رَدٌّ لِلْإلْحَادِ وَالتَّعْطِيلِ».\nالشرح\nوفيه هذا النص مسائل:\nالمسألة الأولى: تعريف الأسماء والصفات والفرق بينهما.\nالمسألة الثانية: أن قول أهل السنة في هذا الباب مبني على أصلين هما:\nأحدهما: أن الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا كالسنة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.\nوالثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات.\nالمسألة الأولى: تعريف الأسماء والصفات والفرق بينهما.\nويمكن توضيح هذه المسألة من خلال الجوانب الآتية:\nالجانب الأول: أن النصوص جاءت بثلاثة أبواب هي:\n\"باب الأسماء\"\nو\"باب الصفات\"\nو\"باب الإخبار\".\nوعليه يجب أن يعلم:\nأولًا: أن باب الأسماء هو أخص تلك الأبواب، فما صح اسما صح صفة وصح خبرا وليس العكس.\nوباب الصفات أوسع من باب الأسماء، فما صح صفة فليس شرطا أن يصح اسما، فقد يصح وقد لا يصح، مع أن الأسماء جميعها مشتقة من صفاته.\nأن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته،","vol":"1","page":160},{"text":"فالله يخبر عنه بالاسم وبالصفة وبما ليس باسم ولا صفة كألفاظ \"الشيء\" و\"الموجود\" و\"القائم بنفسه\" و\"المعلوم\"، فإنه يخبر بهذه الألفاظ عنه ولا تدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا.\nالجانب الثاني: كل من باب الأسماء والصفات توقيفيان.\nفالأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيهما عن الله تعالى هو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه\nوأما ما لم يرد إثباته ونفيه فلا يصح استعماله في باب الأسماء والصفات إطلاقًا (^١)\nقال الإمام أحمد ﵀: \"لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة\"\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وطريقة سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ\" (^٢)\nأما باب الإخبار فالسلف لهم فيه قولان:\nالقول الأول: أن باب الإخبار توقيفي، فإن الله لا يُخْبَرُ عنه إلا بما ورد به النص، وهذا يشمل الأسماء والصفات، وما ليس باسم ولا صفة مما ورد به النص كـ (الشييء) و(الصنع) ونحوها\n_________\n(^١) -رسالة في العقل والروح لشيخ الإسلام ابن تيمية، مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (٢/ ٤٦ - ٤٧).\n(^٢) منهاج السنة (٢/ ٥٢٣).","vol":"1","page":161},{"text":"وأما مالم يرد به النص فإنهم يمنعون استعماله (^١)\nالقول الثاني: إن باب الإخبار لا يشترط فيه التوقيف، فما يدخل في الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كـ (الشيء) و(الموجود) و(القائم بنفسه)، فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فالإخبار عنه قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيِّئ، أي باسم لا ينافي الحسن، ولا يجب أن يكون حسنًا، ولا يجوز أن يخبر عن الله باسم سيِّئ (^٢) فيخبر عن الله بما لم يرد إثباته ونفيه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حَقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله ﷿ وجب رده (^٣).\n\nالجاب الثالث:<span data-type='title' id=toc-80> الألفاظ المجملة وحكم دخولها في باب الصفات وموقف أهل السنة من استعمالها.</span>\nيمكن تقسيم الألفاظ المجملة-أي التي لم يرد استعمالها في النصوص-على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-81>أولًا: ألفاظ ورد استعمالها ابتداءً في بعض كلام السلف.</span>\nومن أمثلة ذلك لفظ (الذات) و(بائن)\nوهذه الألفاظ تحمل معاني صحيحة دلت عليها النصوص\nوهذا النوع من الألفاظ يجيز جمهور أهل السنة استعمالها\nوهناك من يمنع ذلك بحجة أن باب الإخبار توقيفي كسائر الأبواب\nوالصواب أنه ما دام المعنى المقصود من ذلك اللفظ يوافق ما دلت عليه النصوص، واستعمل اللفظ لتأكيد ذلك فلا مانع\nكقول أهل\n_________\n(^١) انظر رسالة في العقل والروح (٢/ ٤٦ - ٤٧).\n(^٢) بدائع الفوائد (١/ ١٦١)، مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٢ - ١٤٣)\n(^٣) رسالة في العقل والروح (٢/ ٤٦ - ٤٧).","vol":"1","page":162},{"text":"السنة: \"إن الله استوى على العرش بذاته\"\nفلفظة (بذاته) مراد بها أن الله مستو على العرش حقيقة وأن الاستواء صفة له.\nوكقولهم: \"إن الله عالٍ على خلقه بائن منهم\"\nفلفظة (بائن) يراد بها إثبات العلو حقيقة، والرد على زعم من قال إن الله في كل مكان بذاته\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والمقصود هنا أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما تُوقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة، والألفاظ التي بينت معانيها، فإن ما كان مأثورًا حصلت به الألفة، وما كان معروفًا حصلت به المعرفة\" (^١)\nوقال أيضًا: \"فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل\nويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا\nومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه\nومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقًا وباطلًا نسبوه إلى البدعة، وقالوا إنما قابل البدعة ببدعة ورد باطلًا بباطل\" (^٢)\nفيستفاد من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن الألفاظ على أربعة أقسام:\nالقسم الأول: الألفاظ المأثورة وهي التي وردت بها النصوص\nالقسم الثاني: الألفاظ المعروفة وهي التي بُيِّنَت معانيها\nالقسم الثالث: الألفاظ المبتدعة التي تدل على معنى باطل\nالقسم الرابع: الألفاظ المبتدعة التي تحتمل الحق والباطل\nفلفظ (الذات) و(بائن) هي من القسم الثاني\nوهذه الألفاظ كما أسلفنا إنما\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧١).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٤).","vol":"1","page":163},{"text":"تستعمل في باب الإخبار ولا تستعمل في باب الأسماء والصفات، ولذلك لما اعترض الخطابي على استعمالها بقوله: \"وزعم بعضهم أنه جائز أن يقال له تعالى حد لا كالحدود كما نقول يد لا كالأيدي فيقال له: إنما أُحْوِجْنَا إلى أن نقول يد لا كالأيدي لأن اليد قد جاء ذكرها في القرآن وفي السنة فلزم قبولها ولم يجز رَدُّها. فأين ذكر الحد في الكتاب والسنة حتى نقول حد لا كالحدود، كما نقول يد لا كالأيدي؟! \" (^١)\nفرد شيخ الإسلام ابن تيمية على قول الخطابي من وجوه منها: \"أن هذا الكلام الذي ذكره إنما يتوجه لو قالوا: إن له صفة هي الحد، كما توهمه هذا الراد عليهم. وهذا لم يقله أحد، ولا يقوله عاقل؛ فإن هذا الكلام لا حقيقة له إذ ليس في الصفات التي يوصف بها شييء من الموصوفات-كما وصف باليد والعلم-صفة معينة يقال لها الحد، وإنما الحد ما يتميز به الشييء عن غيره من صفته وقدره\" (^٢)\nفأهل السنة لم يثبتوا بهذه الألفاظ صفة زائدة على ما في الكتاب والسنة، بل بينوا بها ما عطله المبطلون من وجود الرب تعالى ومباينته من خلقه وثبوت حقيقته\" (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-82>ثانيًا: ألفاظ ورد استعمالها في كلام بعض السلف تارة لإثباتها وتارة لنفيها.</span>\nومن أمثلة ذلك: لفظ (الحد) ولفظ (المماسة)، فإطلاق السلف لها ليس من باب الصفات وإنما هو من باب الإخبار، ولهم في حال الإثبات والنفي توجيه ليس هذا محل بسطه\n\n<span data-type='title' id=toc-83>ثالثًا: ألفاظ ورد استعمالها في كلام بعض السلف وفي كلام خصومهم.</span>\n_________\n(^١) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٤٢).\n(^٢) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٤٢ - ٤٤٣).\n(^٣) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٤٥).","vol":"1","page":164},{"text":"ومن أمثلة ذلك: لفظة (الجهة)\n\n<span data-type='title' id=toc-84>رابعًا: ألفاظ ورد استعمالها في كلام الخصوم ولم يرد استعمالها في كلام السلف.</span>\nومن أمثلة ذلك: لفظ (الجسم) و(الحيز) و(واجب الوجود) و(الجوهر) و(العرض)\nوأما النوعان الثالث والرابع فالجواب عن ذلك أن نقول الأصل في هذا الباب أن الألفاظ نوعان:\nالنوع الأول: نوع مذكور في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل الإجماع.\nفهذا يجب اعتبار معناه، وتعليق الحكم به، فإن كان المذكور به مدحًا استحق صاحبه المدح، وإن كان ذمًا استحق الذم، وإن أثبت شيئا وجب إثباته، وإن نفى شيئا وجب نفيه، لأن كلام الله حق، وكلام رسوله حق، وكلام أهل الإجماع حق\nوهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ١ - ٤]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِن﴾ [الحشر ٢٢ - ٢٣]، ونحو ذلك من أسماء الله وصفاته\nوكذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، وقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار﴾ [الأنعام ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢ - ٢٣]، وأمثال ذلك مما ذكره الله تعالى ورسوله ﷺ، فهذا كله حق.\nالنوع الثاني: الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع\nفتلك لا يجوز تعليق المدح والذم والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه","vol":"1","page":165},{"text":"يوافق الشرع، والألفاظ التي تعارض بها النصوص هي من هذا الضرب، كلفظ (الجسم) و(الحيز) و(الجهة) و(الجوهر) و(العرض) (^١). فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ينفونه أمورًا مما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، فيدخلون فيها نفي علمه وقدرته وكلامه، ويقولون إن القرآن مخلوق، ولم يتكلم الله به، وينفون رؤيته لأن رؤيته على اصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم، ثم يقولون: والله منزه عن ذلك فلا تجوز رؤيته. وكذلك يقولون إن المتكلم لا يكون إلا جسمًا متحيزًا، والله ليس بجسم متحيز فلا يكون متكلمًا، ويقولون: لو كان فوق العرش لكان جسمًا متحيزًا، والله ليس بجسم متحيز، فلا يكون متكلمًا فوق العرش وأمثال ذلك (^٢)\nالموقف من هذا النوع: \"إذا كانت هذه الألفاظ مجملة-كما ذُكر-فالمخاطب لهم إما:\n١ - أن يفصل لهم ويقول: ما تريدون بهذه الألفاظ؟ فإن فسروها بالمعنى الذي يوافق القرآن قُبلت. وإن فسروها بخلاف ذلك رُدَّت\n٢ - وأما أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا. ولكن يلاحظ\nأن الإنسان إذا امتنع عن التكلم بها معهم فقد ينسبونه إلى الجهل والانقطاع\nوأن الإنسان إذا تكلم بها معهم نسبوه إلى أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقًا وباطلًا، وأوهموا الجهال باصطلاحهم أن إطلاق تلك الألفاظ يتناول المعاني الباطلة التي ينزه الله عنها\" (^٣)\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٤١ - ٢٤١)\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٨).\n(^٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٩).","vol":"1","page":166},{"text":"ولعل الراجح في المسألة أن الأمر يختلف باختلاف المَصْلَحَةِ\n١ - فإن كان الخصم في مقام دعوة الناس إلى قوله وإلزام الناس بها أمكن أن يقال له: لا يجب على أحد أن يجيب داعيًا إلا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلى ذلك، ولو قدر أن ذلك المعنى حق\nوهذه الطريق تكون أصلح إذا لَبَّسَ مُلَبِّسٌ منهم على ولاة الأمور، وأدخلوه في بدعتهم، كما فعلت الجهمية بمن لبسوا عليه من الخلفاء حتى أدخلوه في بدعتهم من القول بخلق القرآن وغير ذلك، فكان من أحسن مناظرتهم أن يقال: إئتونا بكتاب أو سنة حتى نجيبكم إلى ذلك وإلا فلسنا نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب والسنة\nوهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل، وهؤلاء المختلفون يدعي أحدهم أن العقل أدَّاه إلى علم ضروري ينازعه فيه الآخر، فلهذا لا يجوز أن يجعل الحاكم بين الأمة في موارد النزاع إلا الكتاب والسنة\nوبهذا ناظر الإمام أحمد الجهمية لما دعوه إلى المحنة، وصار يطالبهم بدلالة الكتاب والسنة على قولهم\nفلما ذكروا حججهم كقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٠٢]، وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء ٢]، وقول النبي ﷺ: \"تجيء البقرة وآل عمران\"، وأمثال ذلك من الأحاديث.\nأجابهم عن هذه الحجج بما بين به أنها لا تدل على مطلوبهم\nولما قالوا: ما تقول في القرآن أهو الله أو غير الله؟ عارضهم بالعلم فقال: ما تقولون في العلم أهو الله أو غير الله؟ ولما ناظره أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث-وكان من أحذقهم بالكلام-ألزمه التجسيم،","vol":"1","page":167},{"text":"وأنه إذا أثبت لله كلامًا غير مخلوق لزم أن يكون جسمًا\nفأجابه الإمام أحمد: بأن هذا اللفظ لا يُدرى مقصود المتكلم به، وليس له أصل في الكتاب والسنة والإجماع، فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به ولا بمدلوله\nوأخبره أني أقول: هو أحد، صمد، لم يلد ولم يلد، ولم يكن له كفوًا أحد، فبين أني لا أقول هو جسم ولا ليس بجسم، لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإسلام، فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب على الناس إجابة من دعا إلى موجبها، فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه وإجابة من دعاهم إليه رسول الله ﷺ، لا إجابة من دعاهم إلى قول مبتدع، ومقصود المتكلم بها مجمل لا يُعرف إلا بعد الاستفصال والاستفسار، فلا هي معروفة في الشرع، ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها\nفهذه المناظرة ونحوها هي التي تصلح إذا كان المناظر داعيًا\n٢ - وأما إذا كان المناظر معارضًا للشرع بما يذكره، أو ممن لايمكن أن يرد إلى الشريعة\nمثل من لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلى ما يزعمه من العقليات أو ممن يدَّعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك.\nأو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء\nفهؤلاء لابد في مخاطبتهم من الكلام على المعاني التي يدعونها إما:\n١ - بألفاظهم\n٢ - وإما بألفاظ يوافقون على أنها تقوم مقام ألفاظهم، وحينئذ يقال لهم الكلام إما:\nأ-أن يكون في الألفاظ.\nب-وإما أن يكون في المعاني.\nجـ-وإما أن يكون فيهما.","vol":"1","page":168},{"text":"فإن كان الكلام في المعاني المجردة من غير تقييد بلفظ كما تسلكه المتفلسفة ونحوهم ممن لا يتقيد في أسماء الله وصفاته بالشرائع بل يسميه علة وعاشقًا ومعشوقًا ونحو ذلك\nفهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة الشرعية كان حسنًا\nوإن لم يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم، فبيان ضلالهم ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ. كما لو جاء جيش كفار ولا يمكن دفع شرهم عن المسلمين إلا بلبس ثيابهم، فدفعهم بلبس ثيابهم خير من ترك الكفار يجولون في خلال الديار خوفًا من التشبه بهم في الثياب\nوأما إذا كان الكلام مع من قد يتقيد بالشريعة\nفإنه يقال له: إطلاق هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا بدعة، وفي كل منها تلبيس وإيهام، فلابد من الاستفسار والاستفصال؛ أو الامتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات.\nوقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام إنما لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة كلفظ (الجوهر) و(الجسم) و(العرض)، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحًا يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره\nوليس الأمر كذلك: بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث الألفاظ، فذموه لاشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة، ومخالفته للعقل الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل قطعًا. ثم من الناس من يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك\nوأيضًا: فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئًا، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا","vol":"1","page":169},{"text":"الله\nفإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة (^١).\n\nالجانب الرابع:<span data-type='title' id=toc-85> أوجه الجمع والفرق بين الأسماء والصفات الإلهية.</span>\nيتبين أوجه الجمع والفرق بين الأسماء والصفات في الأوجه التالية:\n\n<span data-type='title' id=toc-86>أولًا: من جهة اللغة:</span> يتبين الفرق بين الاسم والصفة في اللغة من خلال ستة فروق (^٢):\n١ - الأسماء لا يلحقها ضمير الغائب فيقال رحيمه، أو عليمه، بل تلحق الصفات فيقال رحمته وعلمه.\n٢ - الصفات لا تضاف إلى الأسماء، فيقال: الله رحمة، بل تضاف الأسماء إلى الصفات فيقال: رحمة الله، والله أعلم.\n٣ - الأسماء تنعت بالأسماء فيقال: الله الرحمن الرحيم، وأما الصفات فلا تنعت بالصفات فلا يقال: الرحمة العلم ورحمة علم!!.\n٤ - الأسماء لا تضاف إلى لفظ (ذو) فيقال ذو رحيم بل تضاف إليها الصفات فيقال ذو الرحمة (^٣).\n٥ - الصفات لا يدخل عليها لفظ (اسم) فيقال اسم رحمة أو اسم علم، بل يدخل على الأسماء فيقال اسم الرحمن واسم العليم.\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٨ - ٢٣٣).\n(^٢) هذه الفروق على وجه العموم وقد تكون هناك شذوذات في اللغة أو أوجه لبعضه لكنها خلاف المشهور إذ المقصود وضع فوارق على وجه التقريب والشمول.\n(^٣) انظر «أسماء الله الحسنى» للأشقر (٦٤).","vol":"1","page":170},{"text":"٦ - الأسماء لا يلحقها لفظ (صفة) فيقال: الرحمن صفة والعليم صفة، بل تلحق الصفات فيقال: الرحمة صفة والعلم صفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-87>ثانيا: من جهة مصادر إثباتها.</span>\nوهنا تتفق الأسماء والصفات تمامًا، لأن جميع الأسماء والصفات الإلهية توقيفية، قال الإمام أحمد (^١): «لا يوصف الله -﵎ بأكثر مما يوصف به نفسه ولا يتعدى القرآن والحديث» (^٢). قال الخطابي (^٣): «ومن علم هذا الباب أعني الأسماء والصفات ومما يدخل في أحكامه ويتعلق به من شرائط أنه لا يتجاوز فيها التوقيف» (^٤) قال شيخ الإسلام: «صفات الله -﷿توقيفية فلا يثبت منها ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله» (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-88>ثالثًا: تحديد ضابط الأسماء الحسنى.</span>\nلعل أنسب تعريف للأسماء الحسنى، هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية فيها:\n_________\n(^١) هو الإمام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الدهلي الشيباني المروزي ثم البغدادي، أحد أئمة الأعلام. ولد في الربيع الأول سنة (١٦٤ هـ)، وتوفي ببغداد يوم الجمعة لاثنتي عشرة خلت من الربيع الأول سنة (٢٤١ هـ). ومن أشهر مؤلفاته المسند انظر: \"تاريخ بغداد للخطيب البغدادي (٤/ ٤١٢ - ٤٢٣)، و\"طبقات الحنابلة\" لأبي يعلى (١/ ٤ - ٢١)، و\"مناقب الإمام أحمد\" الابن الجوزي، و\"السير\" (١١/ ١٧٧ - ٣٥٨).\n(^٢) مسائل أبي داود للإمام أحمد (٢٦٢).\n(^٣) هو الإمام العلامة الحافظ اللغوي الرحال أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن حطاب البستي الخطابي صاحب التصانيف ولد سنة بضع عشرة وثلاث مائة وتوفي ببست في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. انظر: \"السير\" (١٧/ ٢٣ - ٢٨)، و\"العبر\" (٢/ ١٧٤)، و\"وفيات الأعيان\" (٢/ ٢١٤ - ٢١٦)، و\"طبقات ابن السبكي\" (٣/ ٢٨٢ - ٢٩٠).\n(^٤) «شأن الدعاء» (١١١).\n(^٥) «مجموع الفتاوي» (٥/ ٢٦) وانظر «منهاج السنة» (٢/ ٥٢٣) و«مجموع الفتاوي» (٦/ ٣٠٠) و«معالم التنزيل» للبغوي (٣/ ٣٠٧) و«بدائع الفوائد» لابن القيم (١/ ١٦٢).","vol":"1","page":171},{"text":"\"الأسماء الحسنى المعروفة: هي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها\" (^١).\nوهذا التعريف في اعتقادي هو أصلح وأفضل تعريف للأسماء الحسنى وذلك:\nأولا: لموافقته للنص الشرعي، ولعل شيخ الإسلام ابن تيمية استقاه من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ الأعراف: الآية: ١٨٠.\nفقوله في التعريف: \"هي التي يدعى بها\" مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾.\nوقوله: \"هي التي وردت في الكتاب والسنة\" مأخوذ من قوله: ﴿الأَسْمَاءُ﴾ (فالألف واللام هنا للعهد، فالأسماء بذلك، تكون معهودة ولا معروف في ذلك إلا ما نص الله عليه في كتابه أوسنة رسوله ﷺ) (^٢).\nوقوله: (وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها) مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الْحُسْنَى﴾ فالحسنى تأنيث الأحسن، والمعنى أن أسماء الله أحسن الأسماء وأكملها، (فما كان مسماه منقسما إلى كمال ونقص وخير وشر لم يدخل اسمه في الأسماء الحسنى) (^٣).\nوبهذا يتضح لك أن ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريف الأسماء الحسنى هو مطابق لما ذكره الله في كتابه العزيز. وهذا وحده يكفي في اختيار هذا التعريف.\nثانيا: مما يؤكد صحة هذا التعريف اشتماله على شرطين للاسم هما:\nالشرط الأول: ورود النص من القرآن أو السنة بذلك الاسم.\nوالشرط الثاني: صحة الإطلاق، وذلك أن يقتضي الاسم المدح والثناء بنفسه.\n_________\n(^١) شرح العقيدة الأصفهانية ص ٥\n(^٢) المحلى لابن حزم ١/ ٢٩\n(^٣) مدارج السالكين ٣/ ٤١٥، ٤١٦.","vol":"1","page":172},{"text":"وهذان الشرطان يحققان للتعريف مقوماته بأن يكون جامعا لجوانب الشيء ومانعا من دخول غيره فيه.\nفالشرط الأول: يؤكد على كون أسماء الله توقيفية، وأنه لا يجوز استعمال القياس فيها.\nوالشرط الثاني: يؤكد على خاصية باب الأسماء وأنه أخص من باب الصفات وباب الإخبار.\n\n<span data-type='title' id=toc-89>رابعًا: باب الأفعال أوسع من باب الأسماء:</span>\nإذا كان الاسم مشتقا من أفعاله القائمة به، فإن كان الفعل ورد مقيدا فإنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدا أن يشتق له منه اسم مطلق، كما غلط فيه بعض المتأخرين فجعل من أسمائه الحسنى \"المضل، الفاتن، الماكر تعالى الله عن قوله، فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها إلا أفعالا مخصوصة معينة فلا يجوز أن يسمى بأسمائها المطلقة، والله أعلم) ٢.\nقال ابن القيم ﵀: (الفعل أوسع من الاسم، ولهذا أطلق الله على نفسه أفعالا لم يتسم منها أسماء الفاعل، كأراد، وشاء، وأحدث. ولم يسم \"بالمريد\" و\"الفاعل\" و\"المتمن\" وغير ذلك من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه. فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء. وقد أخطأ-أقبح خطأ-من اشتق له من كل فعل اسما، وبلغ بأسمائه زيادة على الألف فسماه \"الماكر، والمخادع، والفاتن، والكائد\" ونحو ذلك) (^١).\nوقال الشيخ حافظ حكمي: (اعلم أنه قد ورد في القرآن أفعال أطلقها الله ﷿ على نفسه على سبيل الجزاء والعدل والمقابلة، وهي فيما سيقت فيه مدح وكمال،\n_________\n(^١) مدارج السالكين ٣/ ٤١٥.","vol":"1","page":173},{"text":"لكن لا يجوز أن يشتق له تعالى منها أسماء ولا تطلق عليه في غير ما سيقت فيه من الآيات، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم﴾ النساء: الآية: ١٤٢. وقول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ الأنفال: الآية: ٣٠. وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ التوبة: الآية ٦٧.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ البقرة: الآيتان ١٤ - ١٥. ونحو ذلك، فلا يجوز أن يطلق على الله تعالى مخادع، ماكر، ناس، مستهزئ، ونحو ذلك مما تعالى الله عنه، ولا يقال: الله يستهزئ ويخادع ويمكر وينسى على سبيل الإطلاق، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) (^١).\nوقال ابن القيم ﵀: (إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقا، ولا ذلك داخل في أسمائه الحسنى، ومن ظن من الجهال المصنفين في شرح الأسماء الحسنى أن من أسمائه تعالى الماكر، المخادع، المستهزئ، الكائد- فقد فاه بأمر عظيم تقشعر منه الجلود، وتكاد الأسماع تصم عند سماعه، وغز قذا الجاهل أنه ﷾ أطلق على نفسه هذه الأفعال، فاشتق له منها أسماء، وأسماؤه تعالى كالها حسنى فأدخلها في الأسماء الحسنى وقرنها بالرحيم، الودود، الحكيم، الكريم، وهذا جهل عظيم، فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقا، بل تمدح في موضع وتذم في موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله تعالى مطلقًا، فلا يقال إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد، فكذلك بطريق الأولى لا يشتق له منها أسماء ويكفى بها، بل إذا كان لم يأت في أسمائه الحسنى المريد والمتكلم ولا الفاعل ولا الصانع لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم، وإنما يوصف بالأنواع المحمودة منها كالحليم والحكيم والعزيز والفعال لما يريد، فكيف يكون منها الماكر والمخادع والمستهزئ.\n_________\n(^١) معارج القبول (١/ ٧٦).","vol":"1","page":174},{"text":"ثم يلزم هذا الغالط أن يجعل من أسمائه الحسنى الداعي، والآتي، والجائي، والذاهب، والقادم، والرائد، والناسي، والقاسم، والساخط، والغضبان، واللاعن، إلى أضعاف ذلك من التي أطلق تعالى على نفسه أفعالها من القرآن، وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل، والمقصود أن الله سبحانه لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد علم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق فكيف من الخالق ﷾) اهـ (^١)\nومن هنا يتبين لك خطأ ما عده بعضهم ومنهم ابن العربي المالكي في كتابه أحكام القرآن، حيث سماه بالفاعل والزارع، فإن الفاعل والزارع إذا أطلقا بدون متعلق ولا سياق يدل على وصف الكمال فيهما فلا يفيدان مدحا، أما في سياقها من الآيات التي ذكرت فيها فهي صفات كمال ومدح وتوحد كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ الأنبياء: الآية ١٠٤، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ الواقعة: الآيتان ٦٣، ٦٤. الآيات، بخلاف ما إذا عدت مجردة عن متعلقاتها وما سيقت فيه وله، وأكبر مصيبة أن عد في الأسماء الحسنى رابع ثلاثة، وسادس خمسة مصرحا قبل ذلك بقوله: وفي سورة المجادلة اسمان فذكرهما. وهذا خطأ فاحشة، فإن الآية لا تدل على ذلك ولا تقتضيه بوجه، لا منطوقا ولا مفهوما، فإن الله ﷿ قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ =-هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أنى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾] المجادلة: الآية ٧ [. الآية. وأين في هذا سياق رابع ثلاثة، سادس خمسة؟ وكان حقه اللائق بمراده أن يقول: رابع كل ثلاثة في نجواهم وسادس كل خمسة كذلك، فإنه تعالى يعلم أفعالهم ويسمع\n_________\n(^١) مختصر الصواعق ٢/ ٣٤.","vol":"1","page":175},{"text":"أقوالهم كما هو مفهوم صدر الآية، ولكن لا يليق بهذا المعنى إلا سياق الآية والله تعالى أعلم) (^١).\nأقسام الأسماء بحسب ورودها.\nتنقسم الأسماء الحسنى بحسب ورودها إلى ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: الأسماء المفردة.\nالقسم الثاني: الأسماء المقترنة.\nالقسم الثالث: الأسماء المزدوجة.\nفالقسم الأول: الأسماء المفردة.\nوضابطها: ما يسوغ أن يطلق عليه مفردا.\nوهذا يقع في غالب الأسماء.\nمثالها: الرحمن، السميع، الرحيم، القدير، الملك …\nوهذا القسم يسوغ أن يُدعى به مفردًا، فتقول: يا عزيز، أو يا حكيم، أو يا غفور، أو يا رحيم.\nومقترنا بغيره، فتقول: يا عزيز يا حكيم، يا جواد يا عظيم.\nوهكذا في حال الثناء عليه أو الخبر عنه بما يسوغ لك الإفراد مثل أن تقول: الله غفور، أو الله رحيم.\nأو الجمع، مثل أن تقول: الله غفور رحيم، الله عزيز حكيم.\nالقسم الثاني: الأسماء المقترنة.\nوضابطها: ما يُطلق عليه مقترنا بغيره من الأسماء.\n_________\n(^١) معارج القبول ١/ ٧٦، ٧٨.","vol":"1","page":176},{"text":"وهذا أيضا يقع في غالب الأسماء.\nمثالها: العزيز الحكيم، الغفور الرحيم، الرحمن الرحيم، السميع البصير.\nوهذا القسم يسوغ أن يُدعى به مفردا، فتقول: يا عزيز، أو يا حكيم، أو يا غفور، أو يا رحيم.\nومقترنا بغيره فتقول: يا عزيز يا كريم، أو يا غفور يا رحيم\nوهكذا في حال الثناء عليه أو الخبر عنه بما يسوغ لك:\nالإفراد مثل أن تقول:\nالله عزيز، الله كريم.\nأو الجمع:\nمثل أن تقول: الله العزيز الحكيم، الله الرحمن الرحيم.\nوكما يكون الحسن في أسماء الله باعتبار كل اسم على انفراده فكذلك يكون باعتبار جمعه إلى غيره فيحصل بجمع الاسم إلى الآخر كمالٌ فوق كمال.\nمثال ذلك: \"العزيز الحكيم\" فإن الله تعالى يجمع بينهما في القرآن كثيرا، فيكون كل منهما دالا على الكمال الخاص الذي يقتضيه وهو: العزة في العزيز؛ والحُكمُ والحكمة في الحكيم.\nوالجمع بينهما دال على كمال آخر وهو أن عزته تعالى مقرونة بالحكمة، فعزته لا تقتضي ظُلما وجورا وسوء فعل كما قد يكون من أعزّاء المخلوقين. فإن العزيز منهم قد تأخذه العزة بالإثم فيظلم ويجور ويسيءُ التَّصرف.\nوكذلك حكمه تعالى وحكمته مقرونان بالعزِّ الكامل بخلاف حكم المخلوق وحكمته، فإنهما يعتريهما الذُّلُّ (^١).\nقال ابن القيم ﵀: \"وهناك صفة تحصل من اقتران أحد الاسمين والوصفين بالآخر وذلك قدر زائد على مفرديهما نحو: الغني الحميد، العفو القدير، الحميد\n_________\n(^١) القواعد المثلى: ص: ٧ - ٨","vol":"1","page":177},{"text":"المجيد؛ وهكذا عامة الصفات المقترنة والأسماء المزدوجة في القرآن، فإن الغنى صفة كمال، والحمد كذلك، واجتماع الغِنى مع الحمد كمال آخر، فله ثناء من غناه وثناء من حمده وثناء من اجتماعهما، وكذلك العفوُّ القدير، الحميد المجيد، العزيز الحكيم، فتأمله فإنه من أشرف المعارف\" (^١)\nالقسم الثالث: الأسماء المزدوجة:\nوضابطها: ما لا يُطلق عليه بمفرده بل مقرونا بمقابله؛ لأن الكمال في اقتران كل اسم منها بما يقابله.\nالأسماء المزدوجة يجب أن تجري مجرى الاسم الواحد ولا يُفصل بينها.\nمثل: \"الأول-الآخر\" ودليله: قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ﴾ (الحديد: الآية: ٣).\nومثل: \"الظاهر-الباطنُ\" ودليله: قوله تعالى: ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (الحديد: الآية: ٣) ..\n\n<span data-type='title' id=toc-90>خامسًا: الفرق بين الاسم والصفة؟</span>\nالاسم: هو اللفظ الموضوع للشيء للتعيين والتمييز.\nوأسماء الله تعالى: هي ما دلَّت على الذات وما قام بها من الصفات.\nوأما صفات الله تعالى: فهي ما قام بالذات.\nوفي أسماء الله تعالى قاعدة مهمة وهي: (العَلَمِيَّةُ لا تُنافي الوصفية)، أما في أسماء الناس فقد يسمى الرجل شجاعًا، وهو لا يعرف شيئًا عن الشجاعة، فله الاسم دون الصفة، أما أسماء الله تعالى فالعلمية لا تنافي الوصفية، فالله تعالى له الأسماء وله ما اشتملت عليها من الصفات.\nقال ابن القيم ﵀: «أسماء الله الحسنى هي أعلامٌ وأوصافٌ، والوصفُ بها\n_________\n(^١) بدائع الفوائد ١/ ١٦١.","vol":"1","page":178},{"text":"لا ينافي العلمية؛ بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم؛ لأن أوصافهم مشتركة، فَنَافَتْها العلمية المختصة، بخلاف أوصاف الله تعالى» (^١).\nوقال ﵀: «أسماء الرب تعالى، وأسماء كتابه، وأسماء نبيه ﷺ: هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف، فلا تضاد فيها العلميةُ الوصفَ بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو الله الخالق البارئ المصوِّر القهَّار؛ فهذه أسماء له دالة على معان هي صفاته …» (^٢).\nقال شيخ الإسلام: «أسماء الله الحسنى هي التي وردت في الكتاب والسنة والتي يُدعى بها، والتي تقتضي المدح والثناء بنفسها» (^٣).\nوقوله: \"تقتضي المدح والثناء بنفسها\"، أي: أن أسماءه كلها حسنى، وكلمة (حسنى) تصريفها: حُسنَى على وزن \"فُعلَى\" تأنيث أفعل التفضيل، فحسنى تأنيث أحسن، ككبرى تأنيث (أكبر)، وصغرى تأنيث أصغر، ولذلك يخطئ من يقول: إنها تأنيث (حسن)، لأن تأنيث (حسن) (حسنة)، ومن أجل ذلك لا يصح أن نقول: إن أسماء الله حسنة، والصَّواب هو أن نقول: إن أسماء الله حسنى كما وصفها الله بذلك.\nومعنى حسنى: المفضلة على الحسنة، أي: البالغة في الحسن غايته.\nوالمعنى العام للآية: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾: لله أحسن الأسماء وأجلها لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها.\nوقد ورد ذكر الأسماء الحسنى في القرآن في أربعة مواضع:\n- قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠].\n_________\n(^١) بدائع الفوائد ١/ ١٦٢.\n(^٢) جلاء الأفهام ص ١٣٣، ١٣٤.\n(^٣) انظر: شرح العقيدة الأصفهانية لابن تيمية (ص: ٣١).","vol":"1","page":179},{"text":"- وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠].\n- وقال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨].\n- وقال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنى﴾ [الحشر: ٢٤].\nوقد ورد في هذه المواضع الأربعة ذكر خاصية متعلقة بالأسماء دون الصفات، وهي أن الأسماء كلها حسنى، وأما الصفات فليست فيها هذه الخاصية، ولذلك فإن الصفات لا يُشتق منها أسماء لله تعالى، فالأسماء أخصُّ من الصفات.\nوقولنا في تعريف الصفة: \"ما قام بالذات\" يخرج من هذا التقييد ما كان من إضافة المُلْك والتشريف، إذ الإضافة إلى الله نوعان:\nالنوع الأول: إضافة مُلْك وتشريف وضابطها: كل ما يضاف إلى الله ويكون عينًا قائمة بنفسها، أو حالًا في ذلك القائم بنفسه.\nومثال ما يضاف ويكون عينًا قائمة بنفسها قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾.\nومثال ما يكون حالًا في ذلك القائم بنفسه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: ٢٩] فهذا لا يكون صفة؛ لأن الصفة قائمة بالموصوف.\nالنوع الثاني: إضافة الصفة إلى الله وضابطها: ما كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به وهي المقصودة هنا.\nفالله تعالى لا يتصف إلا بما قام به، لا بما يخلقه في غيره، وهذا حقيقة الصفة، فإن كل موصوف لا يوصف إلا بما قام به لا بما هو مباين له، صفة لغيره.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما إضافة الوصف إلى الله فتعريفها: ما كان صفة","vol":"1","page":180},{"text":"قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-91>سادسًا: أقسام الصفات:</span>\nتنقسم الصفات باعتبار ورودها في النصوص إلى ثلاثة أقسام:\n١ - الصفات الثبوتية\n٢ - الصفات السلبية (أي: المنفية عن الله تعالى).\n٣ - صفات من باب الإخبار عن الله تعالى.\nالقسم الأول: الصفات الثبوتية\nتعريفها: أنها هي ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.\nوالصفات الثبوتية كثيرة جدًّا؛ منها: العلم- والحياة- والعزة- والقدرة- والحكمة- والكبرياء- والقوة- والاستواء- والنزول- والمجيء، وغيرها.\nوالصفات الثبوتية صفات مدح وكمال، فكلما كثرت وتنوعت دلالتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر بكثير من الصفات السلبية.\nإضافة إلى أن معرفة الله تعالى الأصل فيها صفات الإثبات، وأما السلب فهو تابع ومقصوده تكميل الإثبات، بل كل تنزيه مدح به الرب ففيه إثبات.\nأقسام الصفات الثبوتية:\nالصفات الثبوتية تنقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: الصفات الذاتية:\nوهي الصفات التي لا تنفكُّ عن الذَّات (^٢). أو: التي لم يَزل- ولا يزال- الله\n_________\n(^١) انظر: رسالة العقل والروح مطبوعة ضمن الرسائل المنيرية (٢/ ٣٨ - ٣٩).\n(^٢) «الكواشف الجلية» (٤٢٩).","vol":"1","page":181},{"text":"متصفًا بها. أو: الملازمة لذات الله تعالى (^١).\nومنها: (الوجه- اليدين- العينين (^٢) - الأصابع- القَدَم- العِلم- الحياة- القدرة- العزة- الحكمة).\nفهذه الصفات لا تنفك عن الذات، وملازمة لها لا تنفك عنها.\nالقسم الثاني: الصفات الفعلية:\nوهي الصفات التي تنفكُّ عن الذَّات. أو: التي تتعلق بالمشيئة والقدرة (^٣).\nومنها: (الاستواء- المجيء- الإتيان- النزول- الخلق- الرزق- الإحسان- العدل).\nوكِلا النوعين يجتمعان في أنَّهما صفات له تعالى أزلًا وأبدًا، لم يزل متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال ربِّ العالمين (^٤).\nوالفرق بين القسمين:\nأنَّ الصفات الذاتية لا تنفكُّ عن الذات، أمَّا الصفات الفعلية يمكن أن تنفك عن الذات على معنى: أنَّ الله إذا شاء لم يفعلها.\nولكن مع ذلك فإنَّ كلا النوعين يجتمعان في أنَّهما صفات لله تعالى أزلًا وأبدًا لم يزل- ولا يزال- متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال الله ﷿ (^٥).\n_________\n(^١) «التعريفات» للجرجاني (ص ١٣٣).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٦٨).\n(^٣) «التعريفات» للجرجاني (ص ١٣٣).\n(^٤) شرح العقيدة الطحاوية» (١٢٧).\n(^٥) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص ١٢٧).","vol":"1","page":182},{"text":"صفة ذاتية وفعلية معًا:\nوهناك صفات يصدق عليها أنها ذاتية وفعلية معًا مثل صفة الكلام، فإنها باعتبار أصلها صفة ذات، وباعتبار تعلقها بالمشيئة صفة فعل.\nفالكلام (صفةُ ذاتٍ وفعلٍ)؛ فهو- سبحانه- يتكلم بمشيئته وقدرته كلامًا قائمًا بذاته.\nوكلُّ ما كان بعد عدمه- فإنَّما يكون بمشيئة الله وقدرته (^١)، وما تعلق بالمشيئة مما يتصف به الرب فهو مِنْ الصفات الاختيارية (^٢)، والصفات الصادرة عن الأفعال موصوف بها في القِدَم، ولم تتغير ذاته من أفعاله، ولم يكتسب عن أفعاله صفات كمال، فهو- سبحانه- لم يزل كريمًا خالقًا.\nتقسيم آخر للصفات الثبوتية:\nتنقسم الصفات الثبوتية باعتبار لزومها وتعديها إلى قسمين:\n١ - صفات متعدية\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢١٩).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٤٤).","vol":"1","page":183},{"text":"٢ - صفات لازمة\nوتنقسم الصفات الثبوتية أيضًا من جهة أخرى إلى قسمين:\n١ - صفات لازمة: أي لازمة للذات لا تنفك عنها.\n٢ - صفات عارضة: أي متعلقة بالمشيئة.\nوتنقسم هذه الصفات اللازمة إلى قسمين:\n١ - صفات ذاتية\n٢ - صفات معنوية\nوتنقسم الصفات العارضة (وتسمى: الاختيارية) إلى قسمين:\n١ - صفات من باب الأفعال\n٢ - صفات من باب الأقوال\n٣ - صفات من باب الأحوال\nشرح هذا التقسيم السابق:\nتنقسم الصفات من جهة تعلقها بمتعلقها إلى قسمين:\n١ - الصفات المتعدية: وهي ما تعدَّت لمفعولها بلا حرف جرٍّ؛ مثل: (خَلَقَ، ورَزَقَ، وهَدَى، وأَضَلَّ)، ونحوها.\n٢ - الصفات اللازمة: وهي ما تتعدى لمفعولها بحرف جر؛ كـ (الاستواء والمجيء والإتيان والنزول)، ونحوها.\nوإنَّما قسمت كذلك نظرًا للاستعمال القرآني من جهة، ولكونها في اللغة كذلك (^١)؛ قال ابن القيم: «فأفعاله نوعان: لازمة ومتعدية، كما دلَّت النصوص التي هي أكثر من أن تُحصر على النوعين» (^٢).\nوقال ﵀: «(المجيء والإتيان والذهاب والهبوط) هذه من أنواع الفعل اللازم القائم به، كما أنَّ (الخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء، والقبض، والبسط) أنواع الفعل المتعدي، وهو- سبحانه- موصوف بالنوعين، وقد يجمعهما كقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾» (^٣).\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٣٣)، (٥/ ٥١٨)، «التنبيهات السنية» (ص ٦٩).\n(^٢) «مختصر الصواعق» (٢/ ٢٢٩).\n(^٣) «مختصر الصواعق (٢/ ٢٥٤)، بتصرف يسير.","vol":"1","page":184},{"text":"فأثبت أهلُ السنة جميع الصفات؛ الذاتية- منها- والفعلية، وأثبتوا أن الله متصف بذلك أزلًا، وأنَّ الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القِدَم، وإن كانت المفعولات مُحدثة (^١).\nشرح التقسيم الآخر للصفات الثبوتية:\nوتنقسم الصفات الثبوتية من جهة أخرى إلى قسمين:\nالقسم الأول: الصِّفات اللازمة\nوتعريفها: هي الصفات اللازمة للموصوف لا تُفارقه إلا بعدم ذاته.\nأو بعبارة أخرى: هي الصفات التي لا تنفكُّ عن الذات (^٢).\nوتنقسم هذه الصفات اللازمة إلى قسمين:\n١ - الصفات الذاتية:\nوهي التي لا يُمكن تصور الذات مع تصور عدمها.\nومنها: (الوجه- اليد- الأصبع- العين- القَدَم) (^٣).\n٢ - الصفات المعنوية:\nوهي ما يُمكن تصور الذات مع تصور عدمها.\nومنها: (الحياة- العلم- القدرة- العزة- العظمة- الكبرياء- الملك- الحكمة- السمع- البصر). فإنها أمور معنوية.\nالقسم الثاني: الصفات العارضة\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٤٩، ٥٢٠، ٥٢٥).\n(^٢) «درء تعارض العقل والنقل» (٣/ ٣٢١ - ٣٢٤).\n(^٣) ليس المقصود بالذاتية: ما يَلزم الذَّات؛ إذ الجميع لازم الذات.","vol":"1","page":185},{"text":"وتسمى الصفات الاختيارية، وهي الصفات التي يُمكن مفارقتها للذات مع بقاء الذات. أو: الصفات التي تنفكُّ عن الذات. أو: الصفات التي تتعلق بالمشيئة والقدرة.\nتقسيم الصفات العارضة (الاختيارية)\n١ - صفات مِنْ باب الأفعال: كـ (الاستواء، والاتيان، والمجيء، والنزول).\n٢ - صفات من باب الأقوال والكلمات: (التَّكليم والنداء، والمناجاة، والقول).\n٣ - صفات من باب الأحوال: كـ (الفرح، والغضب، والرِّضا، والضحك) (^١).\nفكلُّ ما كان بعد عدمه، فإنَّما يكون بمشيئة الله وقدرته، وهذا ضابط ما يدخل في الصفات الاختيارية (^٢). وضابطها: هي الأمور التي يتصف بها الربُّ ﷿؛ فتقوم بذاته بمشيئته وقدرته (^٣).\nوالصفات الاختيارية أعمُّ من الصفات الفعلية؛ لأنها تشمل بعض الصفات الذاتية التي لها تعلق بالمشيئة؛ مثل: (الكلام، السمع، البصر، الإرادة، المحبة، الرضا، الرحمة، الغضب، السخط).\nكما أنها- أي: الصفات الاختيارية- تشمل الصفات الفعلية غير الذاتية.\nمثل: (الخلق، الإحسان، العدل)، وهذه فعلية متعدية.\nومثل: (الاستواء، المجيء، الإتيان، النزول)، وهذه فعلية لازمة.\nالقسم الثاني: الصفات السلبية:\nتعريفها: هي ما نفاه الله سبحانه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.\n_________\n(^١) «درء تعارض العقل والنقل» (٤/ ٢٣)، بتصرف.\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٤٤)، بتصرف.\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٢١٧).","vol":"1","page":186},{"text":"والصفات المنفية كلها صفات نقص في حقه، ومن أمثلتها: النوم- الموت- الجهل- النسيان- العجز- التعب - الظلم. فيجب نفيها عن الله ﷿ مع إثبات أن الله موصوف بكمال ضدها.\nتقسيم الصفات السلبية:\nإن سلب النقائص والعيوب عن الله نوعان:\nالنوع الأول: سلبٌ لمُتَّصِل:\nوضابطه: نفي كل ما يناقض صفة من صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ؛ كنفي الموت المنافي للحياة، والعجز المنافي للقدرة، والسِّنة والنوم المنافي لكمال القيومية، والظلم المنافي للعدل، والإكراه المنافي للاختيار، والذل المنافي للعزة …، إلخ.\nالنوع الثاني: سلبٌ لِمُنفصل:\nوضابطه: تنزيه الله سبحانه عن أن يشاركه أحد مِنْ خلقه في شيء من خصائصه التي لا تَنبغي إلا له.\nوذلك كنفي الشريك له في ربوبيته؛ فإنَّه منفرد بتمام الملك والقوة والتدبير.\nوكنفي الشريك له في أُلوهيته، فهو وحده الذي يجب أن يُؤلهه الخلق، ويُفردوه بكل أنواع العبادة والتعظيم.\nوكنفي الشريك له في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فليس لغيره من المخلوقين شِركة معه سبحانه في شيء منها.\nوكذلك نفي الظَّهير الذي يُظاهره أو يعاونه في خلق شيء أو تدبيره؛ لكمال قدرته وسَعة علمه ونفوذ مشيئته، وغيره من المخلوقين عاجز فقير لا حول له ولا قوة إلا بالله؛ فالشريك والظهير مَنفيان عنه بإطلاق.","vol":"1","page":187},{"text":"وكذلك ينفى عنه سبحانه اتخاذ الصاحبة والولد الذي نَسَبه إليه النصارى عابدو الصُّلبان، والصابئة الذين يقولون: إن الملائكة بنات الله؛ قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلّ﴾ (^١).\nتقسيم الأشاعرة للصفات:\nقسم الأشاعرة الصفات إلى أربعة أقسام:\n١ - صفات المعاني ٢ - الصفات المعنوية\n٣ - الصفات السلبية ٤ - الصفة النفسية.\nويثبتون من صفات المعاني سبعة منها فقط، وهي: (الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام). ونفوا ما عداها من صفات المعاني كالرأفة والرحمة والحلم، وغيرها.\nالمسألة الثانية: أن قول أهل السنة في هذا الباب مبني على أصلين هما:\nأحدهما: أن الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا كالسنة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.\nوالثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات.\nبين المصنف الفرق بين عقيدة أهل السنة وعقيدة أهل التعطيل من جهة وعقيدة أهل التمثيل من جهة أخرى.\nالجانب الأول: موقف أهل السنة.\n_________\n(^١) انظر: «شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ٥٦ - ٥٨)، و«الصفات الإلهية- تعريفها، أقسامها»، للشارح (ص ٦٣، ٦٤)، نشر دار أضواء السلف، الرياض، السعودية، الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ/ ٢٠٠٢ م.","vol":"1","page":188},{"text":"فأهل السنة قولهم في الصفات مبني على أصلين:\nأحدهما: أن الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا كالسنة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.\nوالثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات\" (^١).\nفيعتقدون أن ما اتصف الله به من الصفات لا يُماثله فيها أحد من خلقه، فالله ﷿ قد أخبرنا بذلك بنصِّ كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]، فإذا ورد النص بصفة من صفات الله تعالى في الكتاب أو السنة-فيجب الإيمان به والاعتقاد الجازم بأن ذلك الوصفَ بالغٌ من غايات الكمال والشرف والعلو مما يَقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين؛ فالشر كل الشر في عدم تعظيم الله، وأن يَسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تُشبه صفة المخلوق، فعلى القلب المؤمن المُصَدِّق بصفات الله التي تمدح بها أو أثنى عليه بها نبيه ﷺ، أن يكون معظِّمًا لله جل وعلا غير مُتنجس بأقذار التشبيه؛ لتكون أرضُ قلبِه طيبةً طاهرة قابلة للإيمان بالصفات على أساس التنزيه أخذًا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١ (^٢).\nفمن أصول أهل السنة والجماعة وجوب صيانة توحيد الأسماء والصفات مما يضاده، وعقيدة المسلم من أن يتطرق إليها ما يُناقضها من الاعتقاد الفاسد في ذات الله تعالى وصفاته؛ لأن من الواجب أن يُقَدِّر الله حق قدره، ويُعظِّمَهُ حق تعظيمه، ولا يتأتى ذلك إلا بإثبات صفات الله تعالى كما وردت، وتنزيهه عن التعطيل\n_________\n(^١) منهاج السنة (٢/ ٥٢٣).\n(^٢) انظر: «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» (ص ٢١، ٢٢).","vol":"1","page":189},{"text":"والتمثيل، وعدم وصفه بما لم يصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ﷺ، والحذر من الأمور المفضية إلى التشبيه أو التعطيل، من تحريف مفضٍ إلى التعطيل، أو تكييف مفضٍ إلى التمثيل\" (^١).\nومن تقرير العلماء لهذين الأصلين في باب أسماء الله وصفاته:\n• قال الإمام أبو عثمان الصابوني (^٢) -﵀-: «وقد أعاذ الله أهل السنة من التحريف، والتشبيه، والتكييف، ومَنَّ عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبيل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله -﷿-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]) (^٣).\n• وقال الإمام أبو القاسم التيمي الأصبهاني (^٤) -﵀-: «وإنما نقول: وجب إثباتها (^٥)؛ لأن الشرع ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]، كذلك قال علماء السلف في أخبار الصفات: أمروها كما جاءت» (^٦).\n• وقال الخطيب البغدادي﵀مشيرًا إلى هذا المعنى الجليل: \"أما الكلام في\n_________\n(^١) مقالة التشبيه (١/ ٣٥٧).\n(^٢) إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد النيسابوري، أبو عثمان الصابوني، الإمام المفسر المحدث الواعظ، من أئمة أهل السنة في زمانه، له كتاب عقيدة السلف وأصحاب الحديث، توفي سنة ٤٤٩ هـ.\nانظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٠)، شذرات الذهب (٣/ ٢٨٢).\n(^٣) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص (١٦٢ - ١٦٤).\n(^٤) إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي، أبو القاسم الأصبهاني، الإمام العلامة الحافظ، الملّقب بقَوَّام السُنَّة، صاحب الترغيب والترهيب، والحجة في بيان المحجة، ودلائل النبوة، توفي سنة ٥٣٥ هـ.\nانظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٨٠)، الوافي بالوفيات (٩/ ٢١١).\n(^٥) أي: الصفات.\n(^٦) الحجة في بيان المحجة (٢/ ٢٨٨).","vol":"1","page":190},{"text":"الصفات، فإن ما رُوي منها في السنن الصحاح، مذهب السلف إثباتها، وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها، وقد نفاها قومٌ فأبطلوا ما أثبته الله، وحقّقها قومٌ من المثبتين فخرجوا في ذلك إلى ضروب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي والمقصر عنه … \" (^١).\n• وقال الإمام ابن القيم﵀-\"فلم يتلوثوا بشيء من أوضار هذه الفرق وأدناسها، وأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، ونفوا عنه مماثلة المخلوقات، فكان مذهبهم وسطًا بين مذهبين، وهدًى بين ضلالتين، خرج من بين مذاهب المعطلِّين، والمخيِّلين، والمجهلِّين، والمشبِّهين، كما خرج اللبن من بين فرثٍ ودمٍ لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين، فقالوا نصف الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله، من غير تحريفٍ ولا تعطيلٍ، ومن غير تشبيهٍ ولا تمثيل، بل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات\" (^٢).\nفقد بيّنوا﵏منهج السلف في الصفات، فذكروا أنه منهج يتميز بالوسطية؛ لجمعه بين الإثبات والتنزيه، إثبات صفات الله -﷿- كما وردت، مع تنزيه الله تعالى عن مماثلة المخلوقين.\nالجانب الثاني: مواقف المخالفين.\nكل من فريقي التعطيل والتشبيه قد كذَّب بمضمون قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١ [.\nفالمشبِّهة: كذَّبوا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، وبكل نصوص تنزيه الله -﷿- عن مماثلة المخلوقين.\n_________\n(^١) جواب سؤال بعض أهل دمشق عن الصفات ص (٦٤ - ٦٥).\n(^٢) الصواعق المرسلة (٢/ ٤٢٦)، وانظر: (١/ ٢٢٩).","vol":"1","page":191},{"text":"والمعطِّلة: كذَّبوا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وبكل نصوص إثبات الصفات لله -﷿- على الوجه اللائق به سبحانه.\nأمَّا أهل التعطيل: فإنَّهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات التي لا وجود لها إلا في أفهامهم الفاسدة.\nفعقيدة هؤلاء المعطلة جمعت بين التمثيل والتعطيل، وهذا الشر إنَّما جاء من تنجس قلوبهم وتدنسها بأقذار التشبيه، فإذا سمعوا صفة من صفات الكمال التي أثنى الله بها على نفسه؛ كاستوائه على عرشه ومجيئه يوم القيامة وغير ذلك من صفات الجلال والكمال.\nفإن أول ما يخطر في أذهانهم أن هذه الصفة تشبه صفات الخلق؛ فيتلطخ القلب بأقذار التشبيه؛ فلم يقدر الله حقَّ قدره، ولم يُعَظِّم الله حقَّ عظمته؛ حيث سبق إلى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فيكون أولًا نجَّس القلب بأقذار التشبيه، ثم دعاه ذلك إلى أن ينفي صفة الخالق جلَّ وعلا عنه بادِّعاء أنها تشبه صفات المخلوق، فيكون فيها أولًا مشبهًا، وثانيًا معطلًا ضالًّا ابتداءً وانتهاءً متهجمًا على ربِّ العالمين يَنفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفة لا تليق (^١).\nوأمَّا عقيدة أهل التمثيل: فهي تقوم على دعواهم أن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نَعقل، فإذا أخبرنا عن اليد فنحن لا نعقل إلا هذه اليد الجارحة؛ فشَبَّهوا صفات الخالق بصفات المخلوقين، فقالوا: له يد كيدي، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.\nفالمشبهة تعمقوا في شأن كيفيات صفات الله وتَقَوَّلوا على الله بغير علم، فقالوا: له بصرٌ كبصري، ويدٌ كيدي، وقَدَمٌ كقدمي، تعالى الله عمَّا يقولون علوًّا كبيرًا.\nوكل مَنْ تجرأ على شيء من ذلك فقوله من الغُلو في الدين والافتراء على الله\n_________\n(^١) انظر: «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» (ص ١٩، ٢٠).","vol":"1","page":192},{"text":"﷿، واعتقاد ما لم يأذن به الله ولا يليق بجلاله وعظمته ولم ينطق به كتاب ولا سنة، ولو كان ذلك مطلوبًا من العباد في الشريعة لبَيَّنه الله تعالى ورسوله ﷺ، فهو لم يَدَع ما بالمسلمين إليه حاجة إلا بَيَّنه ووَضَّحه، والعباد لا يعلمون عن الله تعالى إلا ما عَلَّمَهم، كما قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾؛ فليؤمن العبد بما عَلَّمه الله تعالى وليقف معه، وليُمسك عما جهله، وليكل معناه إلى عالمه» (^١).\nوخلاصة القول: أن عقيدة أهل السنة تتميز عن عقيدة المشبهة، بأن أهل السنة يُفَوِّضون علم كيفية اتصاف الباري ﷿ بتلك الصفات إلى الله ﷿، فلا عِلم للبشر بكيفية ذات الله ﵎، «ولا تفسير كُنه شيء من صفات ربنا تعالى؛ كأن يقال: استوى على هيئة كذا.\nفالعارفون به، المُصدقون لرسله، المُقرون بكماله فهم يُثبتون لله جميع صفاته، ويَنفون عنه مشابهة المخلوقات، فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه، وبين التنزيه وعدم التعطيل، فمذهبهم حسنة بين سَيئتين، وهدًى بين ضلالتين.\n\n<span data-type='title' id=toc-92>تفصيل الإثبات وإجمال النفي في رسالة الرسل</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه تعالى: \"والله﷾- بَعَثَ رُسُلَه بإثبات مفصَّل، ونفي مجمل؛ فأثبتوا له الصفات على وجه التفصيل، ونفوا عنه ما لا يصلح له من التشبيه والتمثيل، كما قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ الآية: ٦٥]، قال أهل اللغة: ﴿هل تعلم له سميًّا﴾، أي: نظيرًا يستحق مِثْل اسمه، ويقال: مُسامِيًا يُسامِيه. وهذا\n_________\n(^١) انظر: «معارج القبول» (١/ ٣٢٦، ٣٢٧).","vol":"1","page":193},{"text":"معنى ما يروى عن ابن عباس: هل تعلم له مِثْلًا أو شبيهًا. وقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ • وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ • بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا • الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ • أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ • أَلَا إِنَّهُمْ مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ • وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ • أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ • مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ • أَفَلَا تَذَكَّرُونَ • أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ • فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ • وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ • سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ • إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ إلى قوله: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ • وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ • وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فَسَبَّح نفسَه عما يصفه المفترون المشركون، وسلَّم على المرسلين؛ لسلامة ما قالوه من الإفك والشرك، وحَمِد نفسه؛ إذ هو سبحانه المستحق للحمد بما له من الأسماء والصفات وبديع المخلوقات.\nوأما الإثبات المفصَّل؛ فإنه ذكر من أسمائه وصفاته ما أنزله في محكم آياته، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الآية بكمالها] البقرة: الآية ٢٥٥]، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ • اللَّهُ الصَّمَدُ • لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ • وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾] الإخلاص الآيات: ١ إلى ٤ [وقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾] التحريم الآية: ٢]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾] الروم الآية: ٥٤]، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾] الشورى الآية: ١١]، ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾] الجاثية الآية: ٣٧]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾] يونس الآية: ١٠٧]، ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ • ذُو","vol":"1","page":194},{"text":"الْعَرْشِ الْمَجِيدُ • فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾] البروج الآيات: ١٣ - ١٤ - ١٥]، ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ • هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَمَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾] الحديد الآيات: ٣ - ٤ [. وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾، وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾] المائدة الآية: ٥٤]، وقوله: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾] التوبة الآية: ١٠٠]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾] النساء الآية: ٩٣]، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾] غافر الآية: ١٠]، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾] البقرة الآية: ٢١٠]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾] فصلت الآية: ١١] ..\nوقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾] النساء الآية: ١٦٤]، وقوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾] مريم الآية: ٥٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾] القصص الآية: ٦٢]، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾] يس: ٨٢ [.\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ • هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ • هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾] الحشر الآيات: ٢٢ - ٢٣ - ٢٤ [.\nإلى أمثال هذه الآيات والأحاديث الثابتة عن النبي ﷺ في أسماء الرب تعالى وصفاته، فإن في ذلك من إثبات ذاته وصفاته على وجه التفصيل، وإثبات وحدانيته","vol":"1","page":195},{"text":"بنفي التمثيل ما هدى الله به عباده إلى سواء السبيل، فهذه طريقة الرسل صلى الله عليهم أجمعين».\nالشرح\nإن الله -﷿- جمع فيما وصف به نفسه بين النفي والإثبات، ويقرر أهل السنة أن النفي والإثبات على حد سواء في وجوب الوقوف فيهما على ما ورد في الكتاب الكريم، والسنة النبوية الصحيحة، وقد جاءت نصوص الكتاب والسنة على طريقة النفي المجمل والإثبات المفصّل لصفات الله -﷿-، فلابد من أن يكون إيماننا بصفات الله -﷿- مبنيًا على هذا الأصل؛ لما فيه من كمال تعظيم الله -﷿-، ووصفه بما يليق به من صفات الكمال ونعوت الجلال، وتنزيهه عن النقائص والعيوب.\nفالصفات الثُّبوتية صفات مدح وكمال، فكلما كثرت وتنوعت دلالاتها ظهر من كمال الموصوف بها ما هو أكثر.\nوهي أكثر من الصفات السلبية، إذ معرفة الله قائمة على الصفات الإثبات، وأما الصفات السَّلبية فلا تراد لذاتها، وإنما لأنها تابعة للثبوتية ومكملة لها، وفي الحقيقة أن كلَّ تنزيهٍ مُدِح به الربُّ ففيه إثباتٌ (^١).\nوهنا تجدر الإشارة إلى أمور مهمة، وهي:\n\n<span data-type='title' id=toc-93>الأمر الأول: أنَّ معرفة الله ليست بمعرفة صفات السلب، بل الأصل فيها صفات الإثبات، والسلب تابع، ومقصوده: تكميل الإثبات </span>(^٢).\nفالإجمال في النفي أدلُّ على التنزيه فإنه كلّما كثرت صفات الكمال الثبوتية، مع\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١١٢) بتصرف.\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١١٢).","vol":"1","page":196},{"text":"تنوّع دلالاتها، كلّما ظهر من كمال الموصوف بها -وهو الله -﷿- ما هو أكثر وأعظم، وكلّما أُجمل في النفي، كان أدلّ على التنزيه من كل وجه، وأبلغ في تعظيم الموصوف، فإن تفصيلها لغير سبب يقتضيه فيه سخرية وتنقُّص للموصوف (^١).\n«فإنَّ السلب لا يُراد لذاته، وإنما يقصد لما يتضمنه من إثبات الكمال، فكل ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من صفات النقص-فإنه متضمن للمدح، والثناء على الله بضد ذلك النقص من الأوصاف الحميدة والأفعال الرشيدة» (^٢).\nومقصود أهل السنة والجماعة بأن النفي يكون مجملًا: أن ينفى عن الله -﷿- كل ما يضاد كماله من أنواع العيوب والنقائص (^٣)، وذلك بتسليط النفي على ما يُضاد الكمال من النقائص والعيوب في سياق عام مستغرق لأفراده بلا تعيين (^٤).\nومرادهم من أن النفي يأتي مجملًا، والإثبات مفصلًا، إنما ذلك لو فيما قارنا جانب النفي مع جانب الإثبات، ولا يقال أبدًا أن ما ذُكر من أمثلة قد تظهر أنها كثيرة، معارض لهذه القاعدة؛ فإن جانب الإثبات لا يمكن أن يحاط به بحال، وله -﷾- من الكمالات التي يحمد عليها ما لم يطلِّع عليه أحد، وما لا يُطلَّع عليه إلا يوم القيامة، كما دل على ذلك الحديث المشهور بسيد الاستغفار، وفيه عن النبي ﷺ أنه قال: «مَا أَصَابَ عَبْدًا قَطٌ هَمٌّ وَلَا غَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمِ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ\n_________\n(^١) انظر: تقريب التدمرية ص (١٨ - ١٩).\n(^٢) «شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ٥٥).\n(^٣) انظر: شرح العقيدة الواسطية للهراس ص (٢٩).\n(^٤) انظر: القواعد الكلية ص (١٥٣).","vol":"1","page":197},{"text":"فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ …» الحديث (^١).\nوالشاهد من الحديث قوله: «أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ …»، دليل على أن أسماء الله -﷿- منها ما هو غير معلوم للبشر، وأسماؤه -﷾- مشتقة\nمن صفاته، فدلَّ على أنَّ له صفات أخرى لم يطلع عليها أحد.\nوقوله ﷺ في سجوده: «اللَّهُمَ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (^٢).\nووجه الشاهد قوله: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»، فإنه لو أحصى ثناءً عليه، لأحصى أسماءه، وبالتالي يحصي صفاته؛ لأنها مشتقة منها.\nومما يدلّ على كثرة الإثبات أيضًا أن ما من نفي ورد في النصوص إلا وهو متضمن لإثبات كمال ضد ذلك الأمر المنفي.\nوهذا كله يدلُّ على أن صفاته الثبوتية أكثر مما نعلم ولا يطيق أحدٌ حصرها\nولا عدَّها، وفي ذلك دليل على قلة ما ورد من النفي بجانب الإثبات (^٣).\nطريقة القرآن والسنة الإجمال في النفي والتفصيل في الإثبات\nفهذا هو المنهج الذي جاءت به الرسل، ودلَّ عليه القرآن الكريم والسنة الصحيحة، وسار عليه السلف الصالح -رضوان الله عليهم- أهل السنة والجماعة، حيث آمنوا بما أخبر الله به في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ، بأنه الله الواحد الأحد،\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٦/ ٢٤٦) برقم (٣٧١٢) (ط/ الرسالة)، وابن حبان، انظر: موارد الظمآن رقم (٢٣٧٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٠٩)، والطبراني في الكبير رقم (١٠٣٥٢)، وصححه الألباني -﵀كما في السلسلة الصحيحة (١/ ٣٣٦) رقم (١٩٩).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٤٢٦ مع النووي)، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم (١٠٩٠).\n(^٣) انظر: شرح العقيدة الواسطية للهراس ص (٣٠).","vol":"1","page":198},{"text":"خالق السموات والأرَضين، المستوي على عرشه الكريم، بكل شيءٍ عليم، وعلى كل شيءٍ قدير، عزيز حكيم، غفور رحيم، سميع بصير، يحب تعالى عباده المؤمنين ويرضى عنهم، ويكره الكفر والكافرين ويسخط عليهم، كلَّم موسى تكليمًا، وخلق آدم بيده، ينزل إلى السماء الدنيا كل ليلة يستجيب لعباده ويغفر لهم، صفات الكمال كلها له، ولا تنبغي على الوجه اللائق به لأحد سواه، من تدبر الكتاب والسنة، وجدهما يدلان على ذلك غاية الدلالة.\nوأما النفي والتنزيه؛ فإنه جاء على طريق الإجمال، فقال عزَّ من قائل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، وقال تعالى: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ الآية: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤]، وقال ﵎: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾] النحل الآية: ٧٤]، ونحوها من الآيات الدالة على نفي ما لا يليق بالله -﷿- على وجه الإجمال، فنفى المماثلة مطلقًا، والمشابهة مطلقًا، والمساماة مطلقًا، ولم ينف المماثلة في شيء معيَّن، كأن يقول: لا سمي له في علمه، أو في قدرته، أو في استوائه، أو لا مثل له في رضاه، ومحبته، ونحو ذلك.\nأما التفصيل في النفي، فهو: أن ينزه الله عن كل واحد من هذه العيوب والنقائص بخصوصه (^١).\nوهو قليل، بالنسبة للإثبات، ولا يأتي إلا لسبب معيَّن، وهو إنما يراد به إثبات كمال ضدّ ما نُفِيَ عن الله -﷿-؛ لأن النفي المحض ليس فيه مدح، ولا يدل على كمال المنفي عنه ذلك الأمر، إلا إذا تضمن إثبات ضده.\nقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين -﵀- في بيان هذه القاعدة وتوضيحها: «واعلم أن الصفات الثبوتية التي وصف الله بها نفسه كلها صفات كمال، والغالب فيها\n_________\n(^١) انظر: شرح العقيدة الواسطية للهراس ص (٢٩).","vol":"1","page":199},{"text":"التفصيل؛ لأنه كلما كثر الإخبار عنها وتنوعت دلالتها ظهر من كمال الموصوف به، وعُلِم ما لم يكن معلومًا من قبل، ولهذا كانت الصفات الثبوتية التي أخبر الله بها عن نفسه أكثر من الصفات التي نفاها عن نفسه.\nوأما الصفات المنفية التي نفاها الله عن نفسه، فكلها صفات نقص، ولا تليق به تعالى، كالعجز، واللّغوب، والظلم، ومماثلة المخلوقين، والغالب فيها الإجمال؛ لأن ذلك أبلغ في تعظيم الموصوف، وأكمل في التنزيه، فإن تفصيلها لغير سبب يقتضيه المقام فيه سخرية وتنقص بالموصوف.\nولهذا جاء النفي المفصّل في تنزيه الله تعالى عما نسبه إليه المشركون من الولد والصاحبة، فقال تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآيات: ٣ - ٤].، فهذا النفي اقتضاه المقام، وهو قليل جدًا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-94>الأمر الثاني: أنَّ صفات التنزيه يجمعها معنيان:\nالأول: نفي النقائص عنه، وذلك مِنْ لوازم إثبات صفات الكمال.\nالثاني: إثبات أنَّه ليس كمثله شييء في صفات الكمال الثابتة له.</span>\n<span data-type='title' id=toc-95>الأمر الثالث: الصفات السلبية تُذكر غالبًا في الأحوال التالية:</span>\n<span data-type='title' id=toc-96>الأولى: بيان عموم كماله</span>؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤].\nو<span data-type='title' id=toc-97>الثانية: نفي ما ادَّعاه في حقه الكاذبون</span>؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾.\n_________\n(^١) تقريب التدمرية ص (١٧)، وانظر: شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين -﵀ - (١/ ١٤٣ - ١٤٤).","vol":"1","page":200},{"text":"و<span data-type='title' id=toc-98>الثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين</span>؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾] الدخان الآية: ٣٨ [.\n<span data-type='title' id=toc-99>الأمر الرابع: أنَّ الصفات السلبية إنما تكون كمالًا إذا تضمنت أمورًا وجودية </span>(^١).\nفلا يُوصف الرب من الأمور السلبية إلا بما يتضمن أمورًا وجودية، وإلا فالعدم المحض لا كمال فيه.\nفينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال.\nوالعدم المحض ليس بشييء، وما ليس بشييء-فهو كما قيل: ليس بشييء؛ فضلًا عن أن يكون مدحًا وكمالًا.\nلأنَّ النفي المَحض يُوصف به المعدوم والممتنع؛ والمعدوم والممتنع لا يُوصف بمدح ولا كمال.\nولهذا كان عامة ما يصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾؛ فنفي السِّنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام.\nوكذلك قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، أي: لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها؛ بخلاف المخلوق القادر إذا كان يَقدر على الشييء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته وعيب في قوته.\nوكذلك قوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْض﴾، فإن نفي العُزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض.\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١٤٤).","vol":"1","page":201},{"text":"وكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾، فإن نفي مس اللغوب-الذي هو التعب والإعياء-دلَّ على كمال قدرته ونهاية القوة بخلاف المخلوق الذي يلحقه من التعب والكلال ما يلحقه.\nوكذلك قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ -إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء، ولم يَنف مجرد الرؤية؛ لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يرى مدح؛ إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُؤي، كما أنه لا يحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رؤي لا يحاط به رؤية، فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك دليلًا على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة. وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.\nوإذا تأملت ذلك وجدت كلَّ نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف به نفسه» (^١).\nثم إن النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه-فيه إساءة أدب مع الله سبحانه؛ فإنك لو قلت لسلطان: أنت لستَ بزبَّال ولا كسَّاح ولا حَجَّام ولا حائك؛ لأَدَّبَك على هذا الوصف وإن كنت صادقًا.\nوإنما تكون مادحًا إذا أجملت النفي؛ فقلت: أنت لستَ مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجَل، فإن أَجملت في النفي أجملت في الأدب (^٢).\nفأهل الكلام المذموم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المُجمل؛ فيقولون: ليس بجسم ولا شَبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عَرَض .. إلى آخر تلك السُّلوب الكثيرة التي تَمُجُّها الأسماع، وتأنف مِنْ ذكرها\n_________\n(^١) «الرسالة التدمرية» (ص ٢١ - ٢٣).\n(^٢) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص ١٠٨ - ١١٠).","vol":"1","page":202},{"text":"النفوس، والتي تتنافى مع تقدير الله تعالى حقَّ قدره (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-100>الأمر الخامس: أن الرسل عليهم صلوات الله جاءوا بإثبات مُفَصَّل ونفي مجمل.</span>\nوالمعطلة ناقضوهم؛ فجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل.\nوقد جاء التنصيص على هذه القاعدة في كلام شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، وتلميذه ابن القيم -﵀-، ومن بعدهما.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «من أبلغ العلوم الضرورية: أنّ الطريقة التي بعث الله بها أنبياءه ورسله، وأنزل بها كتبه، مشتملة على الإثبات المفصّل، والنفي المجمل» (^٢).\nوقال في موضع آخر: «فالله سبحانه بعث الرسل بما يقتضي الكمال من إثبات أسمائه وصفاته على وجه التفصيل، والنفي على طريق الإجمال للنقص والتمثيل، فالرب تعالى موصوف بصفات الكمال التي لا غاية فوقها، منزه عن النقص بكل وجه ممتنع، وأن يكون له مثيل في شيء من صفات الكمال، فأما صفات النقص فهو منزه عنها مطلقًا، وأما صفات الكمال فلا يماثله، بل ولا يقاربه فيها شيء من\n_________\n(^١) «الصفات الإلهية» (ص ٢٠٢).\n(^٢) الفتاوى الكبرى (٦/ ٣٣٧)، وانظر: منهاج السنة النبوية (٢/ ١٥٦ - ١٥٧، ١٨٥، ٥٦٢)، مجموع الفتاوى (٢/ ٤٧٨ - ٤٧٩، ٦/ ٣٧، ٦٦، ٥١٥، ١١/ ٤٨٠، ٢٠/ ١١١، ١٢٦)، درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٦٣، ٦/ ٣٤٨)، الصفدية (١/ ١١٦)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٦٣)، النبوات (٢/ ٦٤٣)، التسعينية (١/ ١٧١)، الجواب الصحيح (٤/ ٤٠٦)، التدمرية ص (٨)، الكيلانية، ضمن مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٣٢)، الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٠٩)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٦٩)، توضيح المقاصد (١/ ١٤٨، ٢/ ٤٣٦)، شرح القصيدة النونية (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨)، الرد على القائلين بوحدة الوجود ص (٤٢)، التحفة المهدية ص (٣٦)، شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (١/ ١٤٥ - ١٤٦).","vol":"1","page":203},{"text":"الأشياء» (^١).\nفإنَّ الرسل أخبرت كما أخبر الله في كتابه الذي بعث به رسوله: أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه حكيم عزيز، غفور ودود، وأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأنه كلم موسى تكليمًا، وتجلى للجبل فجعله دكًّا، وأنه أنزل على عبده الكتاب. إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته.\nوقال في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ الآية: ٦٥].\nوهؤلاء الملاحدة جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، فقالوا في النفي: ليس بكذا ولا كذا، فلا يَقرب من شيء ولا يَقرب منه شيء، ولا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام يقوم به، ولا له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا غير ذلك، ولا يُشار إليه ولا يتعين، ولا هو مُباين للعالم ولا حالٌّ فيه، ولا داخله ولا خارجه.\nإلى أمثال العبارات السلبية التي لا تَنطبق إلا على المعدوم.\nثم قالوا في الإثبات: هو وجود مُطلق، أو وجود مقيد بالأمور السلبية (^٢).\nوبذلك عكسوا منهج القرآن والسنة؛ فأكثروا مِنْ وصف الله تعالى بالأمور السلبية التي لم يَرد بها النص، وأفرطوا في ذلك إفراطًا عجيبًا، بينما أنكر بعضهم جميع الصفات الثبوتية، والبعض الآخر لم يُثبت سوى القليل منها.\nفأهل السنة والجماعة حينما استنبطوا هذه القاعدة وطبقوها، خالفوا بذلك منهج المعطِّلة في الصفات، حيث جاءوا بعكس طريقة الأنبياء، فنجدهم يجملون في\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٢/ ١٥٦ - ١٥٧).\n(^٢) «الصفدية» (١/ ١١٦).","vol":"1","page":204},{"text":"الإثبات ويفصِّلون في النفي، زعمًا منهم أن ذلك أعظم وأبلغ في التنزيه، وأحوط في تفادي تشبيه الله -﷿- بخلقه، وبتطبيقهم لطريقتهم هذه، حصل عكس مرادهم، فوقعوا في شر من الذي فروا منه، فأساءوا الأدب مع مليكهم، وجردوه من كماله الذي وصف به نفسه، فشبهوه بالناقصات من مخلوقاته، بل نفيهم لصفاته أوقعهم في تشبيهه بالمعدومات والممتنعات، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.\nفالمعطِّلة النفاة إذا تكلموا في النفي، وصفوه -﷾- بالسُّلوب على وجه التفصيل؛ فيقولون مثلًا: ليس بكذا، ولا بكذا … يقولون: ليس بجسم، ولا شبح، ولا جثة، ولا صورة، ولا لحم، ولا دم، ولا شخص، ولا جوهر، ولا عرض، ولا بذي لون، ولا طعم، ولا رائحة، ولا طول، ولا عرض، ولا عمق، ولا اجتماع، ولا افتراق، ولا يتبعض، ولا يتجزأ، ولا يقرُب من شيء، ولا يقرُب منه شيء، ولا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته، ولا له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ونحو ذلك، ولا يُشار إليه، ولا هو مباين للعالم، ولا داخله، ولا خارجه … إلى أمثال هذه العبارات السلبية التي لا تنطبق إلا على المعدوم بل الممتنع.\nوإذا أرادوا الإثبات: أثبتوا شيئًا مجملًا يجمعون فيه بين النقيضين، ويُقدرون وجودًا مطلقًا لا حقيقة له إلا في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان، فبعضهم يصفونه بالسُّلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وبعضهم يثبت له الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات، وبعضهم يثبت له الأسماء وعددًا محدودًا من الصفات (^١).\n_________\n(^١) انظر: مقالات الإسلاميين ص (١٥٥ - ١٥٦)، منهاج السنة النبوية (٢/ ١٨٧، ٥٦٢)، الصفدية (١/ ١١٦)، مجموع الفتاوى (٦/ ٦٦، ٥١٦، ١١/ ٤٨٣ - ٤٨٤، ٢٠/ ١١١ - ١١٢، ١٢٦)، درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٦٣)، النبوات (٢/ ٦٤٣)، الفتاوى الكبرى (٦/ ٣٣٧ - ٣٣٨)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٦٣)، التدمرية ص (١٢ - ١٩)، التسعينية (١/ ١٧٢ - ١٧٤)، الكيلانية، ضمن مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٣٢)، الحجج العقلية والنقلية فيما ينافي الإسلام من بدع الجهمية والصوفية، ضمن مجموع الفتاوى (٢/ ١٩٨)، الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٠٩)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٦٩ - ٧٠)، توضيح المقاصد (١/ ١٤٨، ٢/ ٤٣٦)، شرح القصيدة النونية (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨).","vol":"1","page":205},{"text":"وحقيقة حالهم كما ذكر شيخ الإسلام -﵀-: «وهؤلاء جميعًا (^١)، يفرون من شيء، فيقعون في نظيره وفي شر منه، مع ما يلزمهم من التحريفات والتعطيلات، ولو أمعنوا النظر لسوَّوا بين المتماثلات، وفرَّقوا بين المختلفات، كما تقتضيه المعقولات، ولكانوا من الذين أوتوا العلم الذين يرون أن ما أُنزل إلى الرسول هو الحق من ربه ويهدي إلى صراط العزيز الحميد (^٢)، ولكنهم من أهل المجهولات المُشَبَّهَة بالمعقولات، يسفسطون في العقليات، ويقرمطون في السمعيات» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-101>الأمر السادس: ضابط النفي في صفات الله:</span>\n«أن ينفى عن الله تعالى:\nأولًا: كل صفة عيب؛ كالعمى، والصمم، والخرس، والنوم، والموت … ونحو ذلك.\nومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾] النحل الآية: ٦٠]، فإن ثبوت المثل الأعلى له-وهو الوصف الأعلى-يستلزم انتفاء كل صفة عيب.\nثانيًا: كل نقصٍ في كماله؛ كنقص حياته، أو علمه، أو قدرته، أو عزّته،\nأو حكمته … أو نحو ذلك.\n_________\n(^١) أي المعطلة بمختلف أصنافهم من غالية، وفلاسفة، وجهمية، ومعتزلة، وصفاتية، ومن اتبعهم.\n(^٢) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ الآية [٦] من سورة سبأ.\n(^٣) التدمرية ص (١٩)، وانظر: رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية لنصر المنجبي، ضمن مجموع الفتاوى (٢/ ٤٧٨)، توضيح المقاصد (١/ ١٤٨).","vol":"1","page":206},{"text":"ومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾] ق الآية: ٣٨ [.\nثالثًا: مماثلة المخلوقين؛ كأن يجعل علمه كعلم المخلوق، أو وجهه كوجه المخلوق، أو استواءه على عرشه كاستواء المخلوق … ونحو ذلك.\nومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١ [\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-102>الأمر السابع: للتفريق بين الصفات السلبية التي ورد بها النص والصفات السلبية التي أحدثها المعطلة النفاة</span>-نقول: إن الصفات السلبية التي ورد بها النص متضمنة لثبوت كمال الضد كما تقدم شرح ذلك.\nوأمَّا الصفات السلبية التي هي مِنْ نسج المعطلة واختراعهم-فلا تتضمن ثبوت كمال الضد.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «كل تنزيه مُدح به الرب ففيه إثبات، فلهذا كان قول: (سبحان الله) متضمنًا تنزيه الرب وتعظيمه، ففيه تنزيهه من العيوب والنقائص، وفيه تعظيمه ﷾ (^٢).\nفالذين لا يَصفونه إلا بالسُّلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودًا، بل ولا موجودًا.\nوكذلك مَنْ شاركهم في بعض ذلك؛ كالذين قالوا: لا يتكلم، ولا يُرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يَستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا مجانب له.\nإذ هذه الصفات يمكن أن يُوصف بها المعدوم، وليس هي صفةمُستلزمة صفة\n_________\n(^١) تقريب التدمرية ص (٨٥ - ٨٦).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١١٢).","vol":"1","page":207},{"text":"ثبوت.\nفقولهم: إنه لا يتكلم، أو لا يَنزل، ليس في ذلك صفة مدح، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات (^١).\nفالنفي البدعي فلا يثبت كمالًا لله تعالى، فهو كقول الشاعر:\nقُبَيِّلَةٌ لا يَغدرون بذمة … ولا يظلمون الناس حبة خردل\nفالشاعر لا يريد مدحهم، وإنما يريد أن يبين أنهم من المهانة والمذلة بحيث لا يستطيعون الغدر، ولا يَقدرون على ظلم أحد لضعفهم وهوانهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-103>الأمر الثامن: إن سلب النقائص والعيوب عن الله نوعان:</span>\nالنوع الأول: سلب لمتصل.\n«وضابطه: نفي كل ما يناقض صفة من صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ؛ كنفي الموت المنافي للحياة، والعجز المنافي للقدرة، والسِّنة والنوم المنافي لكمال القيومية، والظلم المنافي للعدل، والإكراه المنافي للاختيار، والذل المنافي للعزة …»، إلخ.\nالنوع الثاني: سلب لمنفصل.\nوضابطه: تنزيه الله سبحانه عن أن يشاركه أحد مِنْ خلقه في شييء من خصائصه التي لا تَنبغي إلا له.\nوذلك كنفي الشريك له في ربوبيته؛ فإنَّه منفرد بتمام الملك والقوة والتدبير.\nوكنفي الشريك له في أُلوهيته، فهو وحده الذي يجب أن يُؤلهه الخلق، ويُفردوه بكل أنواع العبادة والتعظيم.\n_________\n(^١) «الرسالة التدمرية» (ص ٢٣).","vol":"1","page":208},{"text":"وكنفي الشريك له في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فليس لغيره من المخلوقين شِركة معه سبحانه في شيء منها.\nوكذلك نفي الظَّهير الذي يُظاهره أو يعاونه في خلق شيء أو تدبيره؛ لكمال قدرته وسَعة علمه ونفوذ مشيئته، وغيره من المخلوقين عاجز فقير لا حول له ولا قوة إلا بالله؛ فالشريك والظهير مَنفيان عنه بإطلاق.\nوكذلك ينفى عنه سبحانه اتخاذ الصاحبة والولد الذي نَسَبه إليه النصارى عابدو الصُّلبان، والصابئة الذين يقولون: إن الملائكة بنات الله؛ قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلّ﴾] الإسراء الآية: ١١١ [. (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-104>الأمر التاسع: الأدلة السمعية التي وردت في نفي المماثلة تنقسم إلى قسمين:</span>\n١ - خبر.\n٢ - وطلب.\nقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين﵀-: «الأدلة السمعية (^٢) تنقسم\nإلى قسمين: خبر، وطلب.\nـ فمن الخبر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]، فالآية: فيها نفي صريح للتمثيل.\nوقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ الآية: ٦٥]، فإن هذا وإن كان إنشاء، لكنه بمعنى الخبر؛ لأنه استفهام بمعنى النفي.\nوقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤]، فهذه كلها تدل على نفي المماثلة، وهي كلها خبرية.\n_________\n(^١) انظر: «شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ٥٦ - ٥٨).\n(^٢) على نفي المماثلة.","vol":"1","page":209},{"text":"ـ وأما الطلب؛ فقال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^١)، أي: نظراء مماثلين.\nوقال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾] النحل الآية: ٧٤]) (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-105>الأمر العاشر: استخدام السلف لهذه الطريقة</span>\nوممن جاء عنهم من السلف الإشارة إلى هذه القاعدة إمام أهل السنة والجماعة، أحمد بن حنبل -﵀-.\nفقد قال -﵀-: «﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، في ذاته كما وصف به نفسه، قد أجمل الله ﵎ بالصفة لنفسه، فحدَّ لنفسه صفةً ليس يشبهه شيء، فنعبد الله بصفاته غير محدودة ولا معلومة، إلا بما وصف به نفسه» (^٣).\nفهذا نص من الإمام أحمد -إمام أهل السنة والجماعة-، يستدل فيه بآية الشورى، بأن الله -﷿- أجمل في نفي صفات النقص عنه، وأما الإثبات فكثيرٌ، غير معلوم لنا بكامله، لكن لا نثبت منه إلا ما أثبته الله لنفسه.\nوقد سبق إيراد بعض كلام شيخ الإسلام، والإحالة إلى المواضع التي تكلم فيها عن هذه القاعدة، فلا داعي لإعادته هنا، وقد أشار إليها أيضا جملة من الأئمة بعده، كالإمام ابن القيم، وابن أبي العز، والملا علي بن سلطان القاري، وغيرهم من المعاصرين، -رحم الله أمواتهم وحفظ أحياءهم-.\n\n<span data-type='title' id=toc-106>الأمر الحادي عشر: دلالة العقل السليم على هذه القاعدة</span>\n_________\n(^١) الآية [٢٢] من سورة البقرة.\n(^٢) شرح العقيدة الواسطية (١/ ١٠٣).\n(^٣) نقل هذا القول عنه: أبو يعلى كما في إبطال التأويلات (١/ ٤٣، ٤٥)، وشيخ الإسلام ابن تيمية، انظر: بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٣١)، درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣١).\nونقله أيضًا ابن القيم مع اختلاف طفيف، انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية ص (٢١٢).","vol":"1","page":210},{"text":"وهذه الطريقة التي سلكها السلف الصالح، في التنزيه المجمل، والإثبات المفصّل -كما أن القرآن الكريم جاء بها، والسنة النبوية الصحيحة دلت عليها- فإن العقل الصريح يشهد بصحتها، وسلامتها، وأن ضدها مما سلكه النفاة للصفات، طريقة منكرة وفيها انتقاص أعظم من الذي فروا منه لخالقهم -﷾-، وذلك أنه من المعلوم بالفطرة السليمة والعقول المستقيمة أن النفي المفصّل مسبة وإساءة أدب، حتى في حق المخلوق الذي له شأن بين الناس، فلو قلت مثلًا لسلطان في سياق المدح: أنت لست بزبال، ولا كَسَّاح (^١)، ولا حَجَّام، ولا حائك … إلخ، من ذكر الأوصاف التي لا تليق بالسلطان؛ لأدبك على هذا الوصف، ولما اعتبره مدحًا أبدًا، وأنت ترى أنك صادق في وصفك هذا.\nوإنما تكون مادحًا له على الوجه الذي يرضاه من هو في مقامه، إذا أجملت في النفي، فقلت: أنت لست مثل أحدٍ من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف، ونحو ذلك من الإجمال المناسب للمقام، فإذا أجملت في النفي، أجملت في الأدب (^٢).\nهذا مما دلَّ عليه العقل، ومما يدلُّ عليه أيضًا: أن النفي المحض الذي يصفه به المبطلون من المعطِّلة النفاة، ليس فيه مدح، إنما المدح في نفي شيء يتضمن إثبات كمال ضده، وهذا موضوع القاعدة السادسة بإذن الله وسيأتي هناك تفصيله، ولعل في ما ذكر كفاية في الإشارة إلى دلالة العقل السليم على صحة هذه القاعدة.\n\n<span data-type='title' id=toc-107>الأمر الثاني عشر: فوائد الالتزام بالقاعدة.</span>\nأما فوائد الالتزام بهذه القاعدة فعديدة، منها:\n١ - الالتزام بقاعدة النفي المجمل، والإثبات المفصّل، فيه من التعظيم لله -﷿-،\n_________\n(^١) الكَسَّاح: الكنَّاس، مأخوذ من الفعل: كَسَح، إذا كَنَس. انظر: المعجم الوسيط (٢/ ٧٨٦).\n(^٢) انظر: شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٧٠)، الرد على القائلين بوحدة الوجود ص (٤٤).","vol":"1","page":211},{"text":"ووصفه بما يليق به من صفات الكمال، ونعوت الجلال، وتنزيهه عن النقائص والعيوب من كل وجه.\n٢ - الالتزام بهذه القاعدة، فيه اتباع لطريق الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم-، حيث جاءوا بالنفي المجمل، والإثبات المفصّل، وفي اتباع طريقهم، والالتزام بهيدهم الفلاح والنجاح في الدنيا والآخرة، وضمان السلامة من الزيغ والضلال في العلم والعمل.\n٣ - الإجمال في النفي له دلالة على غاية الأدب مع الله -﷿- في تنزيهه عن النقائص والعيوب على وجه الإجمال، وذلك أبلغ في تعظيمه -﷾-، وأكمل في تنزيهه، عكس التفصيل في النفي لغير سبب يقتضيه المقام، فإنه دليل على سوء الأدب مع الله -﷿-، وغاية التنقص لجنابه العظيم ﵎.\n٤ - تطبيق هذه القاعدة الموافقة لنصوص الكتاب الكريم والسنة النبوية الصحيحة، والفطر السليمة، والعقول المستقيمة، وأقوال الأئمة من سلف هذه الأمة، فيه مخالفة لطريقة المعطِّلة النفاة، الذين جاءوا بعكس هذه القاعدة، ففصَّلوا في النفي، وأجملوا في الإثبات، زاعمين أن ذلك أبلغ في التنزيه، فوقعوا في نقيض قصدهم، من وصف الله -﷿- بالنقائص والعيوب، وتعطيله عن صفات كماله ونعوت جلاله التي لا تنبغي لأحد سواه.","vol":"1","page":212},{"text":"<span data-type='title' id=toc-108>الفرق والطوائف التي زاغت عن سبيل المرسلين</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وأما مَنْ زاغ وحاد عن سبيلهم من الكفار والمشركين والذين أُوتوا الكتاب، ومَن دخل في هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة والجهمية، والقرامطة الباطنية، ونحوهم فإنهم على ضد ذلك، يصفونه بالصفات السلبية على وجه التفصيل، ولا يثبتون إلا وجودا مطلقا لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان يمتنع تحققه في الأعيان، فقولهم يستلزم غاية التعطيل وغاية التمثيل، فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات، ويعطلون الأسماء والصفات تعطيلًا يستلزم نفي الذات\".\nالشرح\nلما ذكر المصنف رحمه الله تعالى طريقة السلف في إثبات الصفات شرع هنا في بيان طريقة مخالفي الرسل، وهم المعطلة على اختلاف درجاتهم، فقال: \"وأمَّا مَنْ زاغ وحاد عن سبيلهم\" يعني: عن سبيل السلف الصالح \"من الكفار والمشركين والذين أوتوا الكتاب\" قدم الكفار والمشركين على أهل الكتاب؛ لأن الفلاسفة كانوا أسبق من اليهود والنصارى، فدخل قول الفلاسفة على اليهود عن طريق رجل يهودي يسمى (فيلون)؛ هو الذي أدخل التعطيل على اليهود، ولذلك لما ذكر العلماء الجعد بن درهم قالوا: إنه أخذ مقالة التعطيل عن أبان بن سمعان، وأخذها أبان عن طالوت اليهودي ابن أخت لبيد بن الأعصم، وهو اليهودي الذي سحر النبي ﷺ، واليهود أخذوها عن فلاسفة اليونان.","vol":"1","page":213},{"text":"قوله: \"ومن دخل في هؤلاء من الصابئة والمتفلسفة والجهمية، والقرامطة الباطنية، ونحوهم فإنهم على ضد ذلك\".\n\n<span data-type='title' id=toc-109>\"الصابئة\":</span>\nويمكن الحديث عن الصابئة من خلال الأمور الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-110>الأمر الأول: أن لفظ الصابئة جاء في القرآن في موضعين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-111>الموضع الأول: وفي موضع مدح.</span>\nلأن أوائل الفلاسفة كانوا يقرُّون بوجود الله تعالى، وإنما عُرِف القول بقدم العالم وإنكار وجود الله من عهد أرسطو، فأرسطو هو الذي كان ينكر وجود الله ﷾.\nفالصابئة الذين أثني الله عليهم في القرآن، كانوا أناسًا يعبدون الله تعالى على غير شريعة، أي على غير اتباع نبيٍّ بعينه، فهذا قسْمٌ من هؤلاء، وقد ذكرهم الله ﷾ فيمن ذكر من الأصناف الأخرى كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، فكانوا يتعبَّدون لله تعالى على غير شريعة بعينها، وهذا الذي قيل في هذا الصنف من الصابئة: قوم يعبدون الله تعالى على غير شريعة بعينها، فهؤلاء صنف قد دخلوا في هذا الحال الذي هو حال مدح.\n\n<span data-type='title' id=toc-112>الموضع الثاني: في موضع ذم.</span>\nوذمُّوا في مواضع: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧]، هذه ستة أصناف كما يقول عنها ابن عباس: \"الأديان ستة خمسة للشيطان، وواحد للرحمن\" (^١)، فهذا مقام ذمِّ لهؤلاء.\n_________\n(^١) انظر كتاب الدر المنثور للسيوطي الجزء السادس، صفحة (١٦).","vol":"1","page":214},{"text":"فإذًا لفظ الصابئة يطلق أحيانًا ويراد به، الصنف منهم الذين عبدوا الله تعالى على غير شريعة بعينها، وصنف مذموم وهم الذين كانوا على دين النمرود.\n\n<span data-type='title' id=toc-113>الأمر الثاني: حال الصنفين.</span>\n<span data-type='title' id=toc-114>أما الصنف الأول: الصابئة الموحدين.</span>\nالذين كانوا يتعبدون الله على غير شريعة فقد انتهى هذا الصنف، فلا يكون ولا يعقل أن يكون لهؤلاء وجود أو أمر يُمدحون عليه بعد بعثت النبي ﷺ، إذ إن نبوءة النبي ﷺ كانت عامة لكل الخلق، ولا يسع أحد أن يخرج عنها.\n\n<span data-type='title' id=toc-115>أما الصنف الثاني: الصابئة المشركين.</span>\nفهم بقايا أهل دين النمرود الكنعانيين، ونعرف أن إبراهيم ﵇ دعا النمرود ودعا قومه إلى الإسلام، وكانوا -أي هؤلاء-يبنون الهياكل، ويعبدون الكواكب.\nفكان لهؤلاء خطَّان: خط فلسفي، وخط وثني يتخذ من الهياكل أماكن للعبادة، فهناك هيكل للقمر، وهيكل للشمس، وهيكل للزهرة، وهيكل … هكذا للكواكب، كانوا يعبدون تلك الكواكب. وهم بَقَايَا أَهْلِ دِينِ نمرود والكنعانيين الَّذِينَ صَنَّفَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي سِحْرِهِمْ وهو الرازي الذي نسب إليه أنه صنف كتابًا في ذلك، وهو كتاب مشهور ومعروف إلى يومنا هذا، واسمه: السر المكتوم في السحر ومخاطبة النجوم، حيث صنف مصنفه على مذهب هؤلاء المشركين عباد الهياكل والكواكب.\n\n<span data-type='title' id=toc-116>الأمر الثالث: أن حران (^١) كانت مركز الصابئة.</span>\nفإن حران كانت دار الصابئة المشركين (^٢)، وفيها خلق كثير من الصابئة\n_________\n(^١) \"حَرّان\": بتشديد الراء، بلدة في الجزيرة بين الشام والعراق، وهي مدينة قديمة \"بين الرها والرقة، وقيل إن هاران عم ابراهيم الخليل ﵇ عمرها، فسميت باسمه وقيل \"هاران\" ثم إنها عربت فقيل \"حران\" (معجم البلدان ٢/ ٢٣٥، معجم ما استعجم ١/ ٤٣٥، الأنساب ٤/ ٩٦. \"\n(^٢) الرد على المنطقيين ص ٢٨٧","vol":"1","page":215},{"text":"والفلاسفة بقايا أهل دين نمرود والكنعانيين المشركين، وكانت الصابئة إلا قليلًا منهم إذ ذاك على الشرك، وعلماؤهم هم الفلاسفة وكانوا يعبدون الكواكب ويبنون لها الهياكل (^١) وكان بها هيكل \"العلة الأولى\" هيكل \"العقل الأول\" هيكل \"النفس الكلية\" هيكل \"زحل\" هيكل \"المشترى\" هيكل \"المريخ\" هيكل \"الشمس\" وكذلك \"الزهرة\" و\"عطارد\" و\"القمر\". وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانية فيهم، ثم ظهرت النصرانية فيهم مع بقاء أولئك الصابئة المشركين حتى جاء الإسلام. ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في دولة الإسلام إلى آخر وقت، ولذا لما قدم الفارابي حران في أثناء المائة الرابعة دخل عليهم، وتعلم منهم، وأخذ عنهم ما أخذ من الفلسفة. (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-117>الأمرالرابع: عقيدة الصابئة في باب صفات الله تعالى.</span>\nومذهب النفاة من هؤلاء الذين هم فلاسفتهم: أنه ليس له إلاَّ صفات سلبية أو إضافية أو مركَّبة منهما، ويقصد بهؤلاء الذين تلقَّى عنهم الجعد وأخذ منهم الجعد، فقد كانوا أصحاب فلسفة صابئة، وفلاسفة الصابئة كان قولهم في هذه المسائل: عدم إثبات صفات الله تعالى، إذ أنه كما أسلفنا الفلاسفة عمومًا لا يرون أن هناك وجودًا لله تعالى على الحقيقة.\nوبالتالي يدور كلامهم بين صفات سلبية أو إضافية.\nفالسلبية مثل قولهم: لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوقه، ولا تحته، ولا مباين، ولا، ولا … وتأتي اللاأت اللامتناهية، هذا جانب.\nوالإضافية مثل قولهم عنه: واجب الوجود، هي عبارات في حقيقتها لا تدل على أنه له صفة ثابتة، وهي عبارات يثبتونها، المقصد منها أنه ليس لله ﷿ صفات\n_________\n(^١) الفتوى الحموية الكبرى ص ٤٨ - ٤٩\n(^٢) الرد على المنطقيين ص ٢٨٧ - ٢٨٨","vol":"1","page":216},{"text":"والإضافات عندهم هي أمر لا يتعلق بالذات، لأنهم في حقيقتهم لا يريدون إثبات ذاته، بل أمر خارج عن الذات كما يقولون: واجب الوجود.\nفإذا قلت لهم: ما واجب الوجود؟ قال قائلهم: \"واحد بسيط لا تكثر فيه بوجه من الوجوه، ولا قسمة له لا في الكَمِّ، ولا في الكيف، ولا في المعقول، ولا في اللامعقول، ولا في الهيلولي، ولا في الصورة، ولا، ولا، ولا … \" عبارات منتهاها أنه في الذهن دون الخارج، أنه موجود وجودًا ذهنيًا في الخيال لا حقيقة له، فهذا كلامهم يقول لك: \"واحد بسيط\"، وهذه عبارات فلسفية، لابد لفهمها أن تنظر إلى تفسير معنى الواحد عندهم، فهم لا يقصدون بالواحد الوحدانية، وهكذا معنى البسيط عندهم؟\nإذًا قولهم \"واحد بسيط\" معناه: أن وجوده وجودًا مطلقًا أي وجود ذهني، فلو فسرت هذا في عباراتهم لوجدت أن معنى الواحد عندهم: هو الوجود المطلق الذي هو في الخيال لا في الحقيقة.\nوهذا هو السِتَار الذي استطاع به هؤلاء أن ينشروا كتبهم، ويبثوا مقالاتهم لأن كل حرف، وكل كلمة تحتاج إلى قاموس لا يستطيع فهمه إلا من تربى على أيديهم، فلا يمكن أن يأتيك الواحد منهم ويقول لك مباشرة: إن وجود الله تعالى وجود ذهني لا حقيقة له في الخارج، هذه المسألة لا يمكن أن يقولها صراحة لكن يغلِّفها بغلاف فلسفي وعبارات فلسفية، حتى إذا قرأتها لم تفهم منها حرفًا، فمعنى \"واحد بسيط لا تكثر فيه\"؟! وما معنى \"الوجود\"؟! وما معنى \"لا قسمة له لا في الكَمِّ ولا في الكيف؟! ولا في المعقول ولا في اللامعقول؟! ولا في المتناهي ولا في اللامتناهي؟! ولا في الهيلولي ولا في الصورة\"؟!\nكل هذا الكلام بحاجة إلى قاموس يوضح معنى كل عبارة وماذا تعني.\nفإذًا هذا هو أصل كلام هؤلاء، ومن يدرس طريقة الفلسفة، وحبذا لو يقرأ كتاب","vol":"1","page":217},{"text":"ابن تيمية [الرد على المنطقيين] فقد أشار إلى شيء من تاريخ الفلاسفة، ومن أقوالهم، ومقالاتهم، ومن ضمنهم هؤلاء فلاسفة حران.\nالأمر الخامس: تأثير الصابئة على فرق المعطلة.\nقال ابن تيمية: \"قيل إن أرسطو بدل طريقة الصابئة الذين كانوا قبله والذين كانوا مؤمنين بالله واليوم الآخر الذين أثنى عليهم القرآن فهذا الكلام المنقول عنه يوافق ذلك وهؤلاء المحرفة المبدلة في هذه الأمة من الجهمية وغيرهم اتبعوا سنن من كان قبلهم من اليهود والنصارى وفارس والروم فغيروا فطرة الله تعالى وبدلوا كتاب الله والله ﷾ خلق عباده على الفطرة التي فطرهم عليها وبعث إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه فصلاح العباد وقوامهم بالفطرة المكملة بالشريعة المنزلة وهؤلاء بدلوا وغيروا فطرة الله وشرعته خلقه وأمره\" (^١)\nكان تأثير الصابئة على فرق المعطلة على مستويين:\nالمستوى الأول: على مستوى الأفراد.\nوكان تأثير الصابئة قد ظهر على شكل أفراد يتلقون قول الصانئة ويعملون على نشره، ومن هؤلاء:\nالجعد بن درهم:\nفالجعد بن درهم فيما قيل من أهل \"حران\" كما ذكر ذلك غير واحد من أهل العلم\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الجعد بن درهم هذا فيما قيل من أهل حران) (^٢)\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية ٢/ ٤٧٠\n(^٢) منهاج السنة ٢/ ١٩٢","vol":"1","page":218},{"text":"وقال ابن عساكر: (وقيل إنه كان من أهل حران) (^١)\nوقال الذهبي: (وأصله من حران) (^٢)\nفالجعد بن درهم حراني المولد والنشأة، وكان يسكن الجزيرة الفراتية في أول أمره، وعمل في تلك الفترة معلمًا ومؤدبًا لمروان بن محمد لما كان واليًا على الجزيرة أيام هشام بن عبد الملك (^٣) ثم انتقل بعد ذلك إلى دمشق وسكن فيها (^٤) ثم هرب من دمشق إلى الكوفة (^٥).\nوإذا كان الجعد قد نشأ بحران وتعلم فيها، فيكون الجعد قد أخذ مقالته عن هؤلاء الصابئة الفلاسفة الذين يقولون: إنه ليس للرب إلا صفات سلبية أو إضافية أو مركبة منهما. (^٦)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (قال الإمام أحمد: وكان يقال إنه [أي الجعد] من أهل حران، وعنه أخذ الجهم بن صفوان مذهب نفاة الصفات وكان بحران أئمة هؤلاء الصابئة الفلاسفة، بقايا أهل هذا الدين أهل الشرك ونفي الصفات والأفعال ولهم مصنفات في دعوة الكواكب) (^٧)\nذكر العلماء جملة من الأفكار المنحرفة التي كان الجعد كان ينادي بها ويظهرها ويدعو إليها. ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:\n_________\n(^١) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠\n(^٢) تاريخ الإسلام وفيات ١٠١ - ١٢٠، ٧/ ٣٣٧ - ٣٣٨\n(^٣) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠ تاج العروس ٢/ ٣٢١\n(^٤) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠ والبداية ٩/ ٣٥٠\n(^٥) مختصر تاريخ دمشق ٦/ ٥٠ والبداية ٩/ ٣٥٠\n(^٦) الفتوى الحموية الكبرى ص ٤٩\n(^٧) درء تعارض العقل والنقل ١/ ٣١٣","vol":"1","page":219},{"text":"١ - إنكاره لصفات الخالق، ولا شك أن جحود صفاته مستلزم لجحود ذاته (^١)\nفأراد الجعد بذلك هدم الأصل الأول من أصلي الدين الذي هو \"الإيمان بالله\"\nفالجعد وأمثاله لا يؤمنون بوجود حقيقي لله تعالى، ويجعلون وجود الله أمرًا مقدرًا في الذهن والخيال لا حقيقة له في الخارج، فلذلك هم لا يصفونه بصفة ثبوتية، ويقتصرون على وصفه بالصفات السلبية أو الإضافية أو المركبة منهما.\nوالجعد أول من أحدث ذلك في الإسلام، وقد كان أسبق من الجهم ابن صفوان، ولكن الجهم كان له في هذه البدعة مزية المبالغة في النفي وكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه ولذلك اشتهر نسبة هذه المقالة إليه (^٢)\nفقيل مقالة الجهمية، ولم يقل مقالة الجعدية.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهاتان الصفتان -أي كلامه ورضاه الذي يتضمن محبته ومشيئته-هما اللتان أنكرهما الجعد بن درهم أول الجهمية، لما زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا، إذ لا محبة له ولا رضا؛ ولم يكلم موسى تكليما) (^٣)\n٢ - إنكاره أن الله يتكلم حقيقة، وهذا إنكار لحقيقة الرسالة. (^٤)\nفالصابئة المتفلسفة شيوخ الجعد لا يثبتون وجود الله على الحقيقة فضلًا أن يثبتوا له صفة الكلام، ولذلك هم يقولون: (إن الله ليس له كلام في الحقيقة، وإن كلام الله اسم لما يفيض على قلب النبي من \"العقل الفعال\" أو غيره. و\"ملائكة الله\" اسم لما يتشكل في نفسه من الصور النورانية ولهذا يقول هؤلاء إن خاصية النبي\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥١.\n(^٢) لوامع الأنوار البهية ١/ ١٦٣، ١٦٤ \"بتصرف\"\n(^٣) الاستقامة ١/ ٢١٥.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥٠","vol":"1","page":220},{"text":"التخييل (^١)، وإن ما جاء به النبي ليس كلامًا لله على الحقيقة، وإنما هو تخييل للحقائق لينتفع به الجمهور، لا أنه بين به الحق، ولا هدى به الخلق ولا أوضح به الحقائق (^٢).\n٣ - إنكاره محبة الله لأحد من عباده، وبالتالي أنكر أن الله اتخذ إبراهيم خليلًا، وهو يريد بذلك الطعن في نبي الله إبراهيم الخليل إمام الحنفاء، ولا غرابة في ذلك فأئمة الجعد هم الصابئة المشركون عباد الكواكب، وهؤلاء هم أعداء إبراهيم الخليل ﵇ إمام الحنفاء، وهم ينكرون في الحقيقة أن يكون إبراهيم خليلًا. (^٣) بل إن هؤلاء يقولون إن الله لا يُحِبُ ولا يُحَبُ، فلا يحب الرب عبده، ولا يحب العبد ربه.\nوهدفهم هو التعطيل والجحود، لأن إنكار محبة العبد ربه هو في الحقيقة إنكار لكونه إلها معبودًا.\nكما أن إنكار محبته لعبده يستلزم إنكار مشيئته وهو يستلزم إنكار كونه ربًا خالقًا.\nفصار إنكار المحبة مستلزمًا لإنكار كونه رب العالمين، ولكونه إله العالمين. وهذا هو قول أهل التعطيل والجحود (^٤) ولذا أطلق إمام المعطلة الجعد بن درهم القول بأن الله لم يتخذ إبراهيم خليلًا. (^٥)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الجعد بن درهم من أهل حران، وكان فيهم بقايا من الصابئين والفلاسفة -خصوم إبراهيم الخليل ﵇فلهذا أنكر تكليم موسى وخلة إبراهيم، موافقة لفرعون ونمرود، بناءً على أصل هؤلاء النفاة، وهو أن الرب تعالى لا يقوم به كلام، ولا يقوم به محبة لغيره، فقتله المسلمون، ثم انتشرت\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٢/ ٣٥١، ٣٥٢.\n(^٢) ذم الكلام ص ٣٠٦.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٧، ٦٩.\n(^٤) مجموع الفتاوى ١٠/ ٧٣، منهاج السنة ٥/ ٣٢٢.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١٠/ ٧١.","vol":"1","page":221},{"text":"مقالته فيمن ضل من هذا الوجه. والمحبة متضمنة للإرادة، ومسألة الكلام والإرادة ضل فيهما طوائف). (^١)\nوقال ﵀: (وكان أول من أنكر المحبة الجعد بن درهم، فضحى به خالد بن عبد الله القسري، وقال: «ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليمًا، ولا اتخذ إبراهيم خليلًا تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا» ثم نزل فذبحه. فإن الخلة من توابع المحبة، فمن كان من أصله أن الله لا يُحِبُ ولا يُحَبُ، لم يكن للخلة عنده معنى. (^٢)\n٤ - من بدع الجعد معارضته للنصوص بالعقليات، وهو أول من أحدث هذه البدعة، وفتح بابًا من أبواب الشر على المسلمين.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومعلوم أن عصر الصحابة وكبار التابعين لم يكن فيه من يعارض النصوص بالعقليات، فإن الخوارج والشيعة حدثوا في آخر خلافة علي ﵁، والمرجئة والقدرية حدثوا في أواخر عصر الصحابة، وهؤلاء كانوا ينتحلون النصوص ويستدلون بها على قولهم، لا يدَّعون أنهم عندهم عقليات تعارض النصوص. ولكن لما حدثت الجهمية في أواخر عصر التابعين، كانوا هم المعارضين للنصوص برأيهم، .... وأولهم الجعد بن درهم) (^٣)\nفأول ما ظهر علم الكلام في الإسلام بعد المائة الأولى، من جهة الجعد بن درهم والجهم بن صفوان، ثم صار إلى أصحاب عمرو بن عبيد، كأبي الهذيل العلاف وأمثاله. (^٤)\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٧/ ١٧٥، ١٧٦، وانظر منهاج السنة ٣/ ١٦٥، ١٦٦.\n(^٢) منهاج السنة ٥/ ٣٢١، ٣٢٢، وانظر كتاب: مدارج السالكين ١/ ٩٢.\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٤٤.\n(^٤) منهاج السنة ٨/ ٥.","vol":"1","page":222},{"text":"فالجعد هو مشعل نار هذه الفتنة، وعلم الكلام جر على المسلمين الكثير من البلايا والمحن والفتن التي لا نزال إلى يومنا هذا نعاني منها.\n٥ - من بدع الجعد إنكاره للقدر.\nفقد ذكره البغدادي في عداد القدرية حيث قال: (ثم حدث في زمان المتأخرين من الصحابة خلاف القدرية في القدر والاستطاعة من معبد الجهني، وغيلان الدمشقي، والجعد بن درهم). (^١)\nوذكر أن الحمارية من القدرية قد تأثروا ببعض أفكار الجعد في هذه المسألة فقال: (وأخذوا من جعد بن درهم الذي ضحى به خالد بن عبد الله القسري قوله بأن النظر الذي يوجب المعرفة تكون تلك المعرفة فعلًا لا فاعل لها.) (^٢)\nالجهم بن صفوان\nفالجهم كان تلميذا للجعد بن درهم، ومن خاصته بحيث لم يشتهر بين تلاميذ الجعد سواه.\nقال البخاري: «قال قتيبة بن سعيد: بلغني أن جهمًا كان يأخذ الكلام من الجعد بن درهم» (^٣)، فالجعد إذا هو الشيخ الأساسي للجهم بن صفوان.\nوذكر بعض المؤرخين أن الجهم لقي الجعد في الكوفة، بعد ما هرب الجعد من بني أمية، حيث نص ابن كثير أن الجعد «أقام بدمشق حتى أظهر القول بخلق القرآن، فطلبته بنو أمية فهرب منهم فسكن الكوفة، فلقيه فيها الجهم بن صفوان فتقلد هذا\n_________\n(^١) الفرق بين الفرق ص ١٨ - ١٩.\n(^٢) الفرق بين الفرق ص ٢٧٨ - ٢٧٩.\n(^٣) خلق أفعال العباد للبخاري (ص ٨)، وذكره كذلك السمعاني في الأنساب (١/ ٤٦٨).","vol":"1","page":223},{"text":"القول منه» (^١).\nيقول شيخ الإسلام: «فإن جهما أول من ظهرت عنه بدعة نفي الأسماء والصفات، وبالغ في نفي ذلك، فله في هذه البدعة مزية المبالغة في النفي والابتداء بكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه، وإن كان الجعد بن درهم قد سبقه إلى بعض ذلك» (^٢).\nوبين شيخ الإسلام أن «… أصل قولهم هذا مأخوذ من المشركين والصابئة من البراهمة والمتفلسفة ومبتدعة أهل الكتاب الذين يزعمون أن الرب ليس له صفة ثبوتية أصلًا» (^٣).\nوذكر في موضع آخر أن إسناد جهم في مقالاته متلقي من الصابئة الفلاسفة، والمشركين البراهمة، واليهود السحرة (^٤).\nالفارابي:\nفأَبُو نَصْرٍ الْفَارَابِيُّ دَخَلَ حَرَّانَ وَأَخَذَ عَنْ فَلَاسِفَةِ الصَّابِئِينَ تَمَامَ فَلْسَفَتِهِ\"\nوالفارابي هو أول من ترجم كتب أرسطو، وأرسطو هو أول الفلاسفة القائلين بقدم العالم، فقد أخذ الفارابي كتب أرسطو وترجمها إلى العربية، وحاول أن يصبغها بصبغة الإسلام.\nفالفارابي معروف تاريخه أنه من الفلاسفة الزنادقة، وكما يقول ابن كثير: \"إن كان مات على ما كان عليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\" فهو أول من ترجم كتب أرسطو وصبغها بصبغة إسلامية، وابن سينا عيال على الفارابي في هذه المسألة،\n_________\n(^١) البداية والنهاية (٩/ ٤٠٥).\n(^٢) مجموع فتاوى شيخ الإسلام (١٢/ ١١٩).\n(^٣) مجموع فتاوى ابن تيمية (١٠/ ٩٧).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية (٦/ ٥١).","vol":"1","page":224},{"text":"فأول من ترجم كتب هذا الملحد من ملاحدة اليونان الذي كان ينكر وجود الله تعالى؟ وهو أول من قال بقدم العالم، وأراد بهذا أن يخضع الإسلام للفلسفة.\nفالفارابي دخل حران وأخذ عن فلاسفة الصابئين تمام فلسفته، وهذا يشير إلى استمرار هذه المدرسة حتى إلى عهد الفارابي، فالفارابي كان متأخرا، ومع ذلك ما زال في حران من يدعو إلى تلك الفلسفات.\nالمستوى الثاني: مستوى انتشار أفكار الصابئة\nقال ابن تيمية: \"وأنه بعد ذلك أواخر المائة الثانية وقبلها وبعدها اجتلبت كتب اليونان وغيرهم من الروم من بلاد النصارى وعربت وانتشر مذهب مبدلة الصابئة مثل أرسطو وذويه، ظهر في ذلك الزمان الخرمية، وهم أول القرامطة الباطنية الذين كانوا في الباطن يأخذون بعض دين الصابئين المبدلين، وبعض دين المجوس، كما أخذوا عن هؤلاء كلامهم في العقل والنفس، وأخذوا عن هؤلاء كلامهم في النور والظلمة، وكسوا ذلك عبارات وتصرفوا فيه وأخرجوه إلى المسلمين، وكان من القرامطة الباطنية في الإسلام ما كان، وهم كانوا يميلون كثيرا إلى طريقة الصابئة المبدلين، وفي زمنهم صنفت رسائل إخوان الصفا، وذكر ابن سينا أن أباه كان من أهل دعوتهم من أهل دعوة المصريين منهم، وكانوا إذ ذاك قد ملكوا مصر وغلبوا عليها، قال ابن سينا وبسبب ذلك اشتغلت في الفلسفة لكونهم كانوا يرونها، وظهر في غير هؤلاء من التجهم ما ظهر، وظهر بذلك تصديق ما أخبر به النبي ﷺ كما ثبت في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله ﷺ \"لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه\" قالوا يا رسول الله: اليهود والنصارى\" قال فمن\"، وروى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة عن","vol":"1","page":225},{"text":"النبي ﷺ أنه قال: \"لا تقوم الساعة حتى تأخذ أمتي مأخذ القرون شبرا بشبر وذراعا بذراع\" فقيل يا رسول الله كفارس والروم قال: \"فمن الناس إلا أولئك\" ومعلوم أن أهل الكتاب أقرب إلى المسلمين من المجوس والصابئين والمشركين فكان أول ما ظهر من البدع فيه شبه من اليهود والنصارى.\nوالنبوة كل ما ظهر نورها انطفت البدع، وهي في أول الأمر كانت أعظم ظهورا فكان إنما يظهر من البدع ما كان أخف من غيره، كما ظهر في أواخر عصر الخلفاء الراشدين بدعة الخوارج والتشيع، ثم في أواخر عصر الصحابة ظهرت القدرية والمرجئة، ثم بعد انقراض أكابر التابعين ظهرت الجهمية، ثم لما عربت كتب الفرس والروم ظهر التشبه بفارس والروم.\nوكتب الهند انتقلت بتوسط الفرس إلى المسلمين، وكتب اليونان انتقلت بتوسط الروم إلى المسلمين، فظهرت الملاحدة الباطنية الذين ركبوا مذهبهم من قول المجوس واليونان، مع ما أظهروه من التشيع، وكانت قرامطة البحرين أعظم تعطيلا وكفرا، كفرهم من جنس كفر فرعون بل شر منه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-118>قوله: \"والمتفلسفة\":</span>\n<span data-type='title' id=toc-119>أولًا: التعريف بكلمة فلسفة والمقصود بهم.</span>\n<span data-type='title' id=toc-120>١ - التعريف بكلمة فلسفة</span>\n\"الفلسفة، اسم جنس لمن يُحِبُ الحكمة ويُؤثِرُها.\nوأصل كلمة \"فلسفة\": هي كلمة يونانية مكونة من جزأين (فيلو) بمعنى: محب أو بيت، و(سوفيا) بمعنى: الحكمة، فالفلسفة معناها: محبة الحكمة، أو بيت\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية ٢/ ٤٧٨.","vol":"1","page":226},{"text":"الحكمة، والفلاسفة: هم الحكماء أو محبو الحكمة، هذا هو المعنى العربي للفلسفة.\n\n<span data-type='title' id=toc-121>٢ - المقصود بهم هنا.</span>\nالمعنى الأعم:\nوقد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس مختصًا بمن خرج عن ديانات الأنبياء، ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل في زعمه، ففي الأمور الشرعية قد عرف الفلاسفة بمخالفة الرسل، وأنهم يأخذون دينهم من عقولهم.\nالمعنى الأخص:\nوأخص من ذلك أنه في عرف المتأخرين اسم لأتباع أرسطو، وهم المَشَّاؤُون خاصة وهم الذين هذب ابن سينا طريقتهم وبسطها وقررها. وهي التي يعرفها، بل لا يعرفُ سواها، المتأخرون من المتكلمين\" (^١).\nفعندما تُطلق كلمة فلاسفة، فالمراد نوع من الفلاسفة، وهم الفلاسفة المشَّائين، -وسموا بذلك؛ لأن أرسطو كان يُعَلِّمهم وهو يمشي-.\nوالفلاسفة كانوا في الأصل على نوعين:\nالنوع الأول: الفلاسفة المتألهة.\nفهناك نوع يسمى الفلاسفة المتألهة: وهم يعبدون الله تعالى.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وقد ذكر محمد بن يوسف العامري-وهو من المصنفين في مذاهبهم-أن قدماءهم دخلوا الشام وأخذوا عن أتباع الأنبياء داود وسليمان وأن فيثاغورس معلم سقراط أخذ عن لقمان الحكيم وسقراط هو\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان ٢/ ٢٥٧).","vol":"1","page":227},{"text":"معلم أفلاطن وأفلاطن معلم أرسطو\". (^١)\nالنوع الثاني: الفلاسفة الدهريين.\nفمن الفلاسفة نوع يسمى الفلاسفة الدهريين، وهم الذين ينكرون وجود الله تعالى، وهؤلاء هم الذين غلب عليهم إطلاق الفلاسفة، وأول مَنْ أنكر وجود الله وزعم قِدَم العالم هو أرسطو؛ فهو زعيم هؤلاء الفلاسفة،\nقال ابن تيمية: \"واتباع أرسطو من الأولين أشهرهم ثلاثة برقلس والإسكندر الإفرديوسي وثامسطيوس صاحب الشروح والترجمة وإذا قال الرازي في كتبه: \"اتفقت الفلاسفة\" فهم هؤلاء وإلا فالفلاسفة طوائف كثيرون وبينهم اختلاف كثير في الطبيعيات والإلهيات وفي الهيئة أيضا وقد ذكروا أنه أول من قال منهم بقدم العالم أرسطو\" (^٢)\nوكان أرسطو يسمى: المعلم الأول، والفارابي هو الذي أدخل هذه الفلسفة على المسلمين، وكان يسمى المعلم الثاني، وكان قد جلب هذه الفلسفة من بلد (حران)، ومعلوم أن الجعد بن درهم كان من أهل (حران)، وحران: هي مكان الفلاسفة الصابئة.\n\n<span data-type='title' id=toc-122>ثانيًا: عقائدهم في الإلهيات.</span>\nأما الفلاسفة فإن إيمانهم بالله ﵎ لا يكاد يتعدى الإيمان بوجوده المطلق، -أي بوجوده في الذهن والخيال دون الحقيقة-، وأما ما عدا ذلك فلا يكادون يتفقون على شيء، فالمباحث العقدية عندهم من أسخف وأفسد ما قالوا به.\n_________\n(^١) الرد على المنطقيين ١/ ٣٣٤/ ٣٣٧.\n(^٢) الرد على المنطقيين ١/ ٣٣٤/ ٣٣٧.","vol":"1","page":228},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"أما الإلهيات فكلياتهم فيها أفسد من كليات الطبيعة، وغالب كلامهم فيها ظنون كاذبة فضلًا عن أن تكون قضايا صادقة\" (^١).\nويتجلى فساد معتقد الفلاسفة في الله أكثر عندما نعرض لك بعض أقوالهم في ذات الله وصفاته.\nفالفلاسفة يطلقون على الله مسمى (واجب الوجود)، وتوحيد واجب الوجود عندهم يكفي مجرد تصوره للعلم الضروري بفساده.\nفالتوحيد عندهم يقتضي تجريده من كل صفات الكمال اللازمة له، فهو ليس له حياة ولا علم ولا قدرة ولا كلام، ولا غير ذلك من الصفات، ويقولون بدلًا من ذلك: (إنه عاقل ومعقول وعقل، ولذيذ وملتذ ولذة، وعالم ومعلوم وعلم)، وجعلوا كل ذلك أمورًا عدمية.\nودفعهم إلى ذلك زعمهم أن تعدد الصفات موجب للتركيب في حق الله، وفساد هذا القول جلي واضح.\nفالله وصف نفسه بالصفات، ووصفه بها رسوله ﷺ وثبت ذلك في الكتاب والسنة نقلًا.\nكما أن العقل يشهد بفساد قولهم، فإن تعدد الصفات لم تقل لغة ولا شرع ولا عقل سليم إنه يوجب تركيب الموصوف إلا عند الفلاسفة (^٢).\nومن شنيع كلامهم كذلك زعمهم أن الله لا يعلم الجزئيات، فهو عندهم لا يعرف عين موسى، ولا عيسى، ولا محمدًا عليهم الصلاة والسلام، فضلًا عن الوقائع التي قصها القرآن وغيرها من أمور المخلوقات. وفساد هذا القول واضح\n_________\n(^١) الرد على المنطقيين (ص ١١٤).\n(^٢) انظر الرد على المنطقيين ص ٣١٤.","vol":"1","page":229},{"text":"جلي في النقل والعقل.\nأما النقل فالله يقول: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩]. وكذا العقل أيضًا شاهد بفساد هذا المعتقد، فكيف يجهل الله أمورًا سيرها بأمره وأجراها بقدره وأخبر عنها في كتابه (^١).\nومن شنيع قولهم ما قالوه في قدرة الله من أنه فاعل بالطبع لا بالاختيار لأن الفاعل بالطبع يتحد فعله، والفاعل بالاختيار يتنوع فعله، وما دروا أنهم بهذا جعلوا الإنسان الفاعل بالاختيار أكمل من الله الفاعل بالطبع على حد زعمهم. وهذا القول مردود بقول الله ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَار﴾ [القصص ٦٨]. ومردود بالعقل لأن الله هو أكمل الفاعلين فكيف يُشبَّه فعله بفعل الجماد.\nوالفلاسفة يدأبون حتى يثبتوا واجب الوجود، ومع إثباتهم له فهو عندهم وجود مطلق، لا صفة له ولا نَعْتَ، ولا فعل يقوم به، لم يخلق السموات والأرض بعد عدمها، ولا له قدرة على فعل، ولا يعلم شيئًا.\nولا شك أن الذي كان عند مشركي العرب من كفار قريش وغيرهم أهون من هذا، فعباد الأصنام كانوا يثبتون ربًا خالقًا عالمًا قادرًا حيًا، وإن كانوا يشركون معه في العبادة.\nففساد أقوال الفلاسفة في الله لا يضاهيه فساد، وسنعرض لأقوالهم في أسماء الله وصفاته فيما بعد إن شاء الله تعالى.\nفهذا ما عند هؤلاء من خبر الإيمان بالله ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-123>ثالثًا: عقائدهم في الملائكة.</span>\n_________\n(^١) انظر الرد على المنطقيين ص ٤٦١.","vol":"1","page":230},{"text":"\"وأما الإيمان بالملائكة فهم لا يعرفون الملائكة، ولا يؤمنون بهم. وإنما الملائكة عندهم ما يتصوره النبيُّ بزعمهم في نفسه من أشكال نُورانِية، هي العقول عندهم، وهي مجرَّدات ليست داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوق السموات ولا تحتها، ولا هي أشخاص تتحرك، ولا تصعد، ولا تنزل، ولا تدبِّر شيئًا، ولا تتكلم، ولا تكتب أعمال العبد، ولا لها إحساس ولا حركة البتة، ولا تنتقل من مكان إلى مكان، ولا تُصَفُّ عند ربها، ولا تصلي، ولا لها تصرف في أمر العالم البتة، فلا تقبض نفس العبد، ولا تكتب رزقه وأجله وعمله، ولا عن اليمين وعن الشمال قعيد، كل هذا لا حقيقة له عندهم البتة.\nوربما تقرب بعضهم إلى الإسلام، فقال: الملائكة هي القوى الخَيِّرة الفاضلة التي في العبد، والشياطين هي القوى الشريرة الرَّديئة، هذا إذا تقربوا إلى الإسلام وإلى الرسل.\n\n<span data-type='title' id=toc-124>رابعًا: عقائدهم في الكتب.</span>\nوأما الكتب فليس لله عندهم كلام أنزله إلى الأرض بواسطة الملك، فإنه ما قال شيئًا، ولا يقول، ولا يجوز عليه الكلام. ومن تقرب إليهم ممن ينتسب للمسلمين يقول: الكتب المنزلة فَيْضٌ فاضَ من العقل الفَعَّال على النفس المستعدة الفاضلة الزكية، فتصورت تلك المعاني، وتشكلت في نفسه بحيث توهم أصواتًا تخاطبه، وربما قَوِيَ الوهم حتى يراها أشكالا نورانية تخاطبه، وربما قوي ذلك حتى يُخَيِّلها لبعض الحاضرين، فيرونها ويسمعون خطابها، ولا حقيقة لشيء من ذلك في الخارج.\n\n<span data-type='title' id=toc-125>خامسًا: عقائدهم في الرسل.</span>\nوأما الرسل والأنبياء فللنبوة عندهم ثلاث خصائص، من استكملها فهو نبيُّ:\nأحدها: قوة الحدس، بحيث يدرك الحد الأوسط بسرعة.","vol":"1","page":231},{"text":"الثانية: قوة التخيل والتخييل، بحيث يتخيل في نفسه أشكالًا نورانية تخاطبه، ويسمع الخطاب منها، ويخيلها إلى غيره.\nالثالثة: قوة التأثير بالتصرف في هيولي العالم. وهذا يكون عنده بتجرد النفس عن العلائق، واتصالها بالمفارقات، من العقول والنفوس المجردة.\nوهذه الخصائص تحصل بالاكتساب؛ ولهذا طلبَ النبوة من تصوف على مذهب هؤلاء كابن سبعين، وابن هود، وأضرابهم. والنبوة عند هؤلاء صنعةٌ من الصنائع، بل من أشرف الصنائع، كالسياسة، بل هي سياسة العامة، وكثير منهم لا يرضى بها، ويقول: الفلسفة نبوة الخاصة. والنبوة: فلسفة العامة.\n\n<span data-type='title' id=toc-126>سادسًا: عقائدهم في اليوم الآخر.</span>\nوأما الإيمان باليوم الآخر فهم لا يقرون بانفطار السموات، وانتثار الكواكب، وقيامة الأبدان، ولا يقرون بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأوجد هذا العالم بعد عدمه.\nفلا مبدأ عندهم، ولا معاد، ولا صانع، ولا نبوة، ولا كتب نزلت من السماء، تكلم الله بها، ولا ملائكة تنزلت بالوحي من الله تعالى.\nفدين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خير من دين هؤلاء.\nوحَسبُكَ جهلًا بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، من يقول: إنه سبحانه لو علم الموجودات لحقه الكلال والتعب، واستكمل بغيره. وحسبك خذلانًا، وضلالًا وعمى: السير خلف هؤلاء، وإحسان الظن بهم، وأنهم أولو العقول\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-127>سابعًا: المبادئ الفلسفية جميعها تقوم على أصلين.</span>\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢).","vol":"1","page":232},{"text":"والذي ينبغي معرفته أن الفلاسفة لا يؤمنون بوجود الله حقيقة، ولا يؤمنون بوحي ولا نبوة ولا رسالة، وينكرون كل غيب، فالمبادئ الفلسفية جميعها تقوم على أصلين هما:\nالأصل الأول: أن الأصل في العلوم هو عقل الإنسان، فهو عندهم مصدر العلم.\nالأصل الثاني: أن العلوم محصورة في الأمور المحسوسة المشاهدة فقط.\nفتحت الأصل الأول أبطلوا الوحي، وتحت الأصل الثاني أبطلوا الأمور الغيبية بما فيها الإيمان بالله واليوم الآخر.\nوقد تسلط الفلاسفة على المسائل الاعتقادية وزعموا أنها مجرد أوهام وخيالات لا حقيقة لها ولا وجود لها في الخارج، فلا الله موجود حقيقة، ولا نبوة ولا نبي على التحقيق، ولا ملائكة، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا نشور.\n\n<span data-type='title' id=toc-128>ثامنًا: أصنافهم.</span>\nوهم ينقسمون إلى قسمين:\nالقسم الأول: أهل فلسفة محضة كالفارابي والكندي وابن رشد الحفيد (^١).\nالقسم الثاني: أهل فلسفة باطنية وتنقسم إلى قسمين:\nالأول: فلسفة باطنية إسماعيلية قرمطية كابن سينا وإخوان الصفا (^٢).\nالثاني: فلسفة صوفية اتحادية كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض.\n\n<span data-type='title' id=toc-129>وقوله: \"والجهمية\"</span>\n<span data-type='title' id=toc-130>أولًا: مصطلح الجهمية.</span>\n_________\n(^١) -منهاج السنة ٢/ ٥٢٣، ٥٢٤.\n(^٢) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.","vol":"1","page":233},{"text":"مصطلح الجهمية: يطلق عند العلماء ويراد به أحد الأمرين:\nالأمر الأول: الإطلاق الخاص فالمقصود به: الجهمية الفرقة بعينها أي أتباع الجهم بن صفوان.\nالأمر الثاني: أو الإطلاق العام والمقصود به: الجهمية المقالة ويشمل ذلك مع الجهمية غيرهم من الفرق الذين شاركوا الجهمية في مقالة تعطيل الصفات كالمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية وغيرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-131>ثانيًا: درجات الجهمية.</span>\nقال ابن تيمية: \"الجهمية على ثلاث درجات:\nفشرها الغالية: الذين ينفون أسماء الله وصفاته، وإن سموه بشيء من أسمائه الحسنى، قالوا: هو مجاز فهو في الحقيقة عندهم ليس بحي ولا عالم ولا قادر ولا سميع ولا بصير ولا تكلم ولا يتكلم، وكذلك وصف العلماء حقيقة قولهم كما ذكره الإمام أحمد فيما أخرجه في الرد على الزنادقة والجهمية:\nقال: فعند ذلك تبيّن للناس أنهم لا يثبتون شيئًا، ولكنهم يدفعون عن أنفسهم الشنعة بما يقرون في العلانية، فإذا قيل لهم: فمن تعبدون؟ قالوا: نعبد من يدبر أمر هذا الخلق.\nفقلنا: فهذا الذي يدبر أمر هذا الخلق، هو مجهول لا يعرف بصفة؟\nقالوا: نعم. قلنا: قد عرف المسلمون أنكم لا تثبتون شيئًا، إنَّما تدفعون عن أنفسكم الشنعة بما تظهرون.\nفقلنا لهم: هذا الذي يدبر هو الذي كلم موسى.\nقالوا: لم يتكلم ولا يتكلم، لأنَّ الكلام لا يكون إلّا بجارحة والجوارح عن الله منتفية، وإذا سمع الجاهل قولهم يظن أنهم من أشد النَّاس تعظيمًا لله، ولا يعلم أنهم","vol":"1","page":234},{"text":"إنَّما يعود قولهم إلى ضلالة وكفر.\nوقال أبو الحسن الأشعري في كتاب \"الإبانة\" باب الرد على الزنادقة الجهمية، في نفيهم علم الله وقدرته، قال الله ﷿: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، وقال ﷾: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إلا بِعِلْمِهِ﴾ وقال سبحانه: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ﴾ وذكر العلم في خمسة مواضع من كتابه، وقال سبحانه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلا بِمَا شَاءَ﴾ وذكر تعالى القوة، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ وقال: ﴿ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾.\nوزعمت الجهمية والقدرية أن الله لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر، وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير، فمنعهم خوف السيف من إظهار نفي ذلك، فأتوا بمعناه لأنهم إذا قالوا: لا علم ولا قدرة لله، فقد قالوا: إنه ليس بعالم ولا قادر، ووجب ذلك عليهم.\nقال: وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل، لأنَّ الزنادقة قال كثير منهم: ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك، فاتت بمعناه، وقالت: إن الله ﷿ عالم قادر حي سميع بصير من طريق التّسمية، من غير أن تثبت له علمًا أو قدرة أو سمعًا أو بصرًا.\nوكذلك قال في كتاب \"المقالات\": الحمد لله الذي بصرنا خطأ المخطئين، وعمى العمين، وحيرة المتحيرين، الذين نفوا صفات رب العالمين، وقالوا: إن الله -جل ثناؤه وتقدست أسماؤه-لا صفات له، وإنه لا علم له، ولا قدرة له، ولا حياة له، ولا سمع له، ولا بصر له، ولا عزة له، ولا جلال له، ولا عظمة له، ولا كبرياء له، وكذلك قالوا في سائر صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه.\n\"قال\": وهذا قول أخذوه عن إخوانهم من المتفلسفة، الذين يزعمون أن للعالم","vol":"1","page":235},{"text":"صانعًا لم يزل، ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير ولا قدير، وعبروا عنه بأنَّ قالوا نقول: عين لم يزل، ولم يزيدوا على ذلك، غير أن هؤلاء الذين وصفنا قولهم من المعتزلة في الصفات، لم يستطيعوا أن يظهروا من ذلك ما كانت الفلاسفة تظهره، فأظهروا معناه فنفوا أن يكون للباري علم وقدرة وحياة وسمع وبصر، ولولا الخوف لأظهروا ما كانت الفلاسفة تظهره من ذلك ولأفصحوا به، غير أن خوف السيف يمنعهم من إظهار ذلك.\n\"قال\": وقد أفصح بذلك رجل يعرف بابن الإيادي، كان ينتحل قولهم، فزعم أن الباري عالم قادر سميع بصير في المجاز لا في الحقيقة.\nوهذا القول الذي هو قول الغالية النفاة للأسماء حقيقة هو قول القرامطة الباطنية، ومن سبقهم من إخوانهم الصابئة الفلاسفة.\nوالدرجة الثَّانية من التجهم: هو تجهم المعتزلة ونحوهم الذين يقرون بأسماء الله الحسنى في الجملة، لكن ينفون صفاته، وهم -أيضًا-لا يقرون بأسماء الله الحسنى كلها على الحقيقة، بل يجعلون كثيرًا منها على المجاز، وهؤلاء هم الجهمية المشهورون.\nوأمَّا الدرجة الثالثة: فهم الصفاتية المثبتون المخالفون للجهمية، لكن فيهم نوع من التجهم، كالذين يقرون بأسماء الله وصفاته في الجملة، لكن يردون طائفة من أسمائه وصفاته الخبرية، أو غير الخبرية، ويتأولونها كما تأول الأولون صفاته كلها، ومن هؤلاء من يقر بصفاته الخبرية الواردة في القرآن دون الحديث، كما عليه كثير من أهل الكلام والفقه وطائفة من أهل الحديث، ومنهم من يقر بالصفات الواردة في الأخبار -أيضًا- في الجملة، لكن مع نفي لبعض ما ثبت بالنصوص وبالمعقول، وذلك كأبي محمد بن كلاب ومن اتبعه، وفي هذا القسم يدخل أبو الحسن الأشعري","vol":"1","page":236},{"text":"وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف، وهؤلاء إلى أهل السنة المحضة أقرب منهم إلى الجهمية والرافضة والخوارج والقدرية، لكن انتسب إليهم طائفة هم إلى الجهمية أقرب منهم إلى أهل السنة المحضة، فإن هؤلاء ينازعون المعتزلة نزاعًا عظيمًا فيما يثبتونه من الصفات وأعظم من منازعتهم سائر أهل الإثبات فيما ينفون.\nوأمَّا \"المتأخرون\" فإنهم والوا المعتزلة وقاربوهم أكثر، وقدموهم على أهل السنة والإثبات، وخالفوا أوليهم، ومنهم من يتقارب نفيه وإثباته، وأكثر النَّاس يقولون: إن هؤلاء يتناقضون فيما يجمعونه من النفي والإثبات. \" (^١)\nوعليه يعلم أن لفظ الجهمية يطلق أحيانًا على وجه أخصّ، وأحيانًا يطلق على وجه أعمّ، فمثلًا ابن كثير يكتب في الرد على الجهمية، وهو لا يعني الفرقة بعينها أتباع الجهم، وإنما يريد كذلك المعتزلة، ويريد كذلك الكلابية، وأحيانًا يريد معهم الأشاعرة، والماتريدية.\nوقوله: \"والقرامطة الباطنية\"\nأصل تسميتهم:\nوالقرامطة من الباطنية وهم ينتسبون إلى حمدان بن الأشعث الذي كان يلقب بقرمط لقرمطة في خطه أو خَطْوِه. (^٢)\nأصل نشأتهم:\nالقرامطة تدعي النسبة إلى إسماعيل بن جعفر الصادق، وكانت بداية ظهورهم\n_________\n(^١) التسعينية ١/ ٢٦٤ - ٢٧٩\n(^٢) انظر الفرق بين الفرق (٢٨١، ٢٩٣)، المنتظم لابن الجوزي (٥/ ١١٠، ١١١).","vol":"1","page":237},{"text":"في عام (٢٧٨) هـ، في عهد الخليفة العباسي المعتضد أحمد بن الموفق طلحة (^١).\nوقد ملك القرامطة الأحساء والبحرين وعمان وبلاد الشام وحاولوا ملك مصر ففشلوا، واستمرت دولتهم حتى سنة (٤٦٦) هـ حيث قضى عليها عبيد الله بن علي محمد عبد القيسي بمساعدة ملك شاه السلجوقي (^٢).\nوأما تسميتهم بالباطنية فلأنهم ادعوا أن لظواهر القرآن والأخبار بواطن، تجري مجرى اللب من القشر، وكان ظاهرهم التشيع لآل البيت والانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق وحقيقتهم الإلحاد والإباحية وهدم الأخلاق والقضاء على الدولة الإسلامية.\n\n<span data-type='title' id=toc-132>أصول معتقداتهم:</span>\nيمكن النظر لأصول معتقداهم بعدة اعتبارات.\nالاعتبار الأول: الأصل الخرمي.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى: \"ومن شر طوائف المجوس الذين لا يقرون بصانع ولا معاد ولا حلال ولا حرام، الخرمية أصحاب بابك الخرمي، وعلى مذهبهم طوائف القرامطة والإسماعيلية والنصيرية والدرزية، وسائر العبيدية الذين يسمون أنفسهم الفاطمية، وهم من أكفر الكفار، وهؤلاء لا يتقيدون بدين من ديانات العالم، ولا بشريعة من الشرائع. \" (^٣)\nقال ابن تيمية: \"وأنه بعد ذلك أواخر المائة الثانية وقبلها وبعدها اجتلبت كتب\n_________\n(^١) «الكامل في التاريخ» لـ/ ابن الأثير (٦/ ٣٦٣).\n(^٢) انظر «وجاء دور المجوس» (١/ ٧٠، ٧١) لـ/ عبد الله محمد الغريب. \"علمًا بأن القضاء على القرامطة من الناحية العقائدية، فقد اختلطت بفرق باطنية كالنصيرية والدرزية ولا تزال بعض هذه الأفكار موجودة إلى الآن في بعض البلاد.\n(^٣) إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان لابن القيم - ٢/ ٢٤٧","vol":"1","page":238},{"text":"اليونان وغيرهم من الروم من بلاد النصارى وعربت وانتشر مذهب مبدلة الصابئة مثل أرسطو وذويه، ظهر في ذلك الزمان الخرمية، وهم أول القرامطة الباطنية الذين كانوا في الباطن يأخذون بعض دين الصابئين المبدلين، وبعض دين المجوس، كما أخذوا عن هؤلاء كلامهم في العقل والنفس، وأخذوا عن هؤلاء كلامهم في النور والظلمة، وكسوا ذلك عبارات وتصرفوا فيه وأخرجوه إلى المسلمين، وكان من القرامطة الباطنية في الإسلام ما كان، وهم كانوا يميلون كثيرا إلى طريقة الصابئة المبدلين، وفي زمنهم صنفت رسائل إخوان الصفا، وذكر ابن سينا أن أباه كان من أهل دعوتهم من أهل دعوة المصريين منهم، وكانوا إذ ذاك قد ملكوا مصر وغلبوا عليها، قال ابن سينا وبسبب ذلك اشتغلت في الفلسفة لكونهم كانوا يرونها، وظهر في غير هؤلاء من التجهم ما ظهر\" إلى أن قال: \"لما عربت كتب الفرس والروم ظهر التشبه بفارس والروم.\nوكتب الهند انتقلت بتوسط الفرس إلى المسلمين، وكتب اليونان انتقلت بتوسط الروم إلى المسلمين، فظهرت الملاحدة الباطنية الذين ركبوا مذهبهم من قول المجوس واليونان، مع ما أظهروه من التشيع، وكانت قرامطة البحرين أعظم تعطيلا وكفرا، كفرهم من جنس كفر فرعون بل شر منه\" (^١).\nالاعتبار الثاني: الاعتبار الرافضي الشيعي\nفالقرامطة كانوا ينتسبون إلى التشيع فكانوا يلبسون لباسه، فقد كان التشيع لم يزل يتطور بتطرفه وتشيعه، حتى صار ملجأً لكل من يريد أن يحارب الإسلام والمسلمين، فقد دخل في الرافضة أهل الزندقة والإلحاد من \"النصيرية\" و\"الإسماعيلية\" وأمثالهم من الملاحدة \"القرامطة\" وغيرهم ممن كان بخراسان\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية ٢/ ٤٧٨.","vol":"1","page":239},{"text":"والعراق والشام وغير ذلك. (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكانت «محنة الإمام أحمد» سنة عشرين ومائتين، وفيها شرعت القرامطة الباطنية يظهرون قولهم، فإن كتب الفلاسفة قد عربت وعرف الناس أقوالهم فلما رأت الفلاسفة أن القول المنسوب إلى الرسول ﷺ وأهل بيته هو هذا القول الذي يقوله المتكلمون الجهمية ومن اتبعهم، ورأوا أن هذا القول الذي يقولونه فاسد من جهة العقل؛ طمعوا في تغيير الملة. فمنهم من أظهر إنكار الصانع، وأظهر الكفر الصريح، وقاتلوا المسلمين، وأخذوا الحجر الأسود، كما فعلته قرامطة البحرين.) (^٢)\nالاعتبار الثالث: الاعتبار الفلسفي.\nقولهم في الإلهيات يشاركون فيه قول الثنوية من جهة وقول الفلاسفة من جهة أخرى، فالقرامطة، فلم يُثبتوا له اسمًا ولا صفة، كما سيأتي بيانه عند الكلام عن عقيدتهم في الإلهيات.\nويقول أبو حامد الغزالي معلقًا على مذهبهم في المعاد: \" فهذا مذهبهم في المعاد وهو بعينه مذهب الفلاسفة وإنما شاع فيهم لما انتدب لنصرة مذهبهم جماعة من الثنوية والفلاسفة فكل واحد نصر مذهبهم طمعا في أموالهم وخلعهم واستظهارا باتباعهم لما كان قد ألفه في مذهبه فصار أكثر مذهبهم موافقا للثنوية والفلاسفة\" (^٣)\nوقال أيضًا في التعليق على مذهبهم في النبوات: \"وهذه المذاهب مستخرجة من\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٥٢٨.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٥/ ٥٥٨.\n(^٣) فضائح الباطنية لأبي حامد الغزالي - ص ٤٤","vol":"1","page":240},{"text":"مذاهب الفلاسفة في النبوات مع تحريف وتغيير (^١).\nفصار أكثر مذهبهم موافقا للثنوية والفلاسفة في الباطن وللروافض والشيعة في الظاهر وغرضهم بهذه التأويلات انتزاع المعتقدات الظاهرة عن نفوس الخلق حتى تبطل به الرغبة والرهبة ثم ما أوهموه وهذوا به لا يفهم في نفسه ولا يؤثر في ترغيب وترهيب (^٢).\nمعتقداتهم:\nكان القرامطة يجمعون بين الانحراف العقدي والدعوة للانحلال الخلقي\nففي الجانب العقدي\nقال شيخ الإسلام مبينا كفر القرامطة: \"وأما هؤلاء القرامطة فإنهم في الباطن كافرون بجميع كتب والرسل، ويخفون ذلك ويكتمونه عن غير من يثقون به، لا يظهرونه كما يظهر أهل الكتاب دينهم\"\nثم يقول شيخ الإسلام بعد عرضه لعقائدهم: \"فكيف بالقرامطة الباطنية الذين يكفرهم أهل الملل كلها من المسلمين واليهود والنصارى\" (^٣)\nوقال أيضا: \"فهؤلاء القرامطة في الباطن والحقيقة أنهم أكفر من اليهود والنصارى وأما في الظاهر فيدعون الإسلام. (^٤) \"\nوكان غاية القرامطة الباطنية والمعطلة الدهرية أنهم يبقون في ظلمة الجهل وضلال الكفر، لا يعرفون الله ولا يذكرونه. (^٥).\n_________\n(^١) المصدر: فضائح الباطنية لأبي حامد الغزالي - ص ٤٠\n(^٢) فضائح الباطنية لأبي حامد الغزالي - ص ٤٤\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٤١).\n(^٤) «مجموع الفتاوى» (٣٥/ ١٤٢).\n(^٥) «مجموع الفتاوى» ٦/ ٤٨. «بتصرف»","vol":"1","page":241},{"text":"ومعتقدهم في الإلهيات:\nتارة يقولون بقول الثنوية: أنهم قائلون بإلهين قديمين لا أول لوجودهما من حيث الزمان إلا أن أحدهما علة لوجود الثاني واسم العلة السابق واسم المعلول التالي وأن السابق خلق العالم بواسطة التالي لا بنفسه وقد يسمى الأول عقلا والثاني نفسا ويزعمون أن الأول هو التام بالفعل والثاني بالإضافة إليه ناقص لأنه معلوله\" (^١)\nوتارة يقولون بقول الفلاسفة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم ولا ليس بحي عالم، ولا يقال هو عليم قدير ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد، قالوا لأن في الإثبات تشبيهًا بما تثبت له هذه الصفات، وفي النفي تشبيه له بما ينفي عنه هذه الصفات) (^٢)\nفالقرامطة، لم يُثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه؛ إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.\nوَلِهَذَا كَانَتْ \" الْقَرَامِطَةُ الْبَاطِنِيَّةُ \" مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ شِرْكًا وَعِبَادَةً لِغَيْرِ اللَّهِ؛ إذْ كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَ فِي إلَهِهِمْ أَنَّهُ يَسْمَعُ أَوْ يُبْصِرُ أَوْ يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا.\nومعتقدهم في النبوات: المنقول عنهم قريب من مذهب الفلاسفة وهو أن النبي عبارة عن شخص فاضت عليه من السابق بواسطة التالي قوة قدسية صافية مهيأة لأن تنتقش عند الاتصال بالنفس الكلية بما فيها من الجزئيات كما قد يتفق ذلك\n_________\n(^١) التنبيه والرد على أهل البدع لأبي الحسين محمد الملطي\n(^٢) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.","vol":"1","page":242},{"text":"لبعض النفوس الزكية في المنام حتى تشاهد من مجاري الأحوال في المستقبل إما صريحا بعينه أو مدرجا تحت مثال يناسبه مناسبة ما فتفتقر فيه إلى التعبير إلا أن النبي هو المستعد لذلك في اليقظة فلذلك يدرك النبي الكليات العقلية عند شروق ذلك النور وصفاء القوة النبوية كما ينطبع مثال المحسوسات في القوة الباصرة من العين عند شروق نور الشمس على سطوح الأجرام السفلية.\nوزعموا أن جبريل عبارة عن العقل الفائض عليه ورمز إليه لا أنه شخص متجسم متركب عن جسم لطيف أو كثيف يناسب المكان حتى ينتقل من علو إلى أسفل. وأما القرآن فهو عندهم تعبير محمد عن المعارف التي فاضت عليه من العقل الذي هو المراد باسم جبريل، ويسمى كلام الله تعالى مجازا فإنه مركب من جهته وإنما الفائض عليه من الله بواسطة جبريل بسيط لا تركيب فيه وهو باطن لا ظهور له، وكلام النبي وعبارته عنه ظاهر لا بطون له وزعموا أن هذه القوة القدسية الفائضة على النبي لا تستكمل في أول حلولها كما لا تستكمل النطفة الحالة في الرحم إلا بعد تسعة أشهر فكذلك هذه القوة كمالها في أن تنتقل من الرسول الناطق إلى الأساس الصامت وهكذا تنتقل إلى أشخاص بعضهم بعد بعض فيكمل في السابع … وهذه المذاهب مستخرجة من مذاهب الفلاسفة في النبوات مع تحريف وتغيير (^١).\nومعتقدهم في اليوم الآخر: أنهم كلهم أنكروا القيامة، وقالوا: هذا النظام، وتعاقب الليل والنهار، وتولد الحيوانات لا ينقضي أبدا. وأولوا القيامة بأنها رمز إلى خروج الإمام، ولم يثبتوا الحشر ولا النشر ولا الجنة ولا النار (^٢)\n_________\n(^١) المصدر: فضائح الباطنية لأبي حامد الغزالي - ص ٤٠\n(^٢) القرامطة لابن الجوزي - ص ٦٠.","vol":"1","page":243},{"text":"قال الملطي: \"وزعموا أنه لا جنة ولا نار ولا بعث ولا نشور أن من مات بلى جسده ولحق روحه بالنور الذي تولد منه حتى يرجع كما كان\" (^١)\nوفي جانب العبادات\nآل الأمر القرامطة الباطنية إلى تأويل جملة الشريعة حتى ما يتعلق منها بالأحكام الشرعية كالصلاة والزكاة والصيام والحج، وجعل ذلك كله من قبيل الباطن المخالف للظاهر.\n\"فإنهم يدعون أن للقرآن والإسلام باطنًا يخالف الظاهر؛ فيقولون: الصلاة المأمور بها ليست هذه الصلاة، أو هذه الصلاة إنما يؤمر بها العامة، وأما الخاصة فالصلاة في حقهم معرفة أسرارنا. والصيام: كتمان أسرارنا. والحج: السفر إلى زيارة شيوخنا المقدسين\nويقولون: إن الجنة للخاصة: هي التمتع في الدنيا باللذات، والنار هي التزام الشرائع والدخول تحت أثقالها\". (^٢)\nقال الملطي: \" يزعمون أن الصلاة والزكاة والصيام والحج وسائر الفرائض نافلة لا فرض وإنما هو شكر للمنعم وأن الرب لا يحتاج إلى عبادة خلقه وإنما ذلك شكرهم فمن شاء فعل ومن شاء لم يفعل والاختيار في ذلك إليهم\" (^٣)\nوفي الجانب الخلقي:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما القول بالإباحة وحل المحرمات -أو بعضها-للكاملين في العلم والعبادة فهذا أكثر من الأول، فإن هذا قول أئمة الباطنية القرامطة الإسماعيلية وغير الإسماعيلية وكثير من الفلاسفة، ولهذا يُضرب بهم المثل\n_________\n(^١) التنبيه والرد على أهل البدع لأبي الحسين محمد الملطي\n(^٢) مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية -٢/ ٢٠٣\n(^٣) التنبيه والرد على أهل البدع لأبي الحسين محمد الملطي","vol":"1","page":244},{"text":"فيقال: فلان يستحل دمي كاستحلال الفلاسفة محظورات الشرائع\" (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-133>شبهة غلاة القرامطة ومن شابههم</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"فغاليتهم يسلبون عنه النقيضين، فيقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم - بزعمهم - إذا وصفوه بالإثبات شبّهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبّهوه بالمعدومات، فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بدائه العقول، وحرّفوا ما أنزل الله تعالى من الكتاب، وما جاء به الرسول ﷺ، ووقعوا في شرٍّ مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات، إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات.\nوقد علم بالاضطرار أن الوجود لا بدّ له من موجد، واجب بذاته، غني عما سواه، قديم، أزلي، لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم. فوصفوه بما يمتنع وجوده، فضلًا عن الوجوب أو الوجود أو القدم.\nوقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم، فوصفوه بالسلوب والإضافات، دون صفات الإثبات، وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق.\nوقد عُلم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات، وجعلوا الصفة هي الموصوف، فجعلوا العلم عين العالم، مكابرة للقضايا البديهيات، وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى فلم يميزوا بين العلم والقدرة والمشيئة جحدًا للعلوم الضروريات\".\n_________\n(^١) انظر: منهاج السنة (٢/ ٦٢٢ - ٦٢٥).","vol":"1","page":245},{"text":"الشرح\nقبل الشروع في بيان كلام المصنف يحسن إعطاء نبذة عن الأمور الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-134>الأمر الأول: نبذة عن المدارس الفلسفية اليونانية.</span>\nوقد مرت الفلسفة اليونانية في مسارها الفكري بثلاث مراحل أساسية:\n١) طور النشأة أو مايسمى بفلسفة ما قبل سقراط.\n٢) طور النضج والازدهار ويمتد هذا الطور من سقراط حتى أرسطو.\n٣) طور الجمود والانحطاط وقد ظهر هذا الطور بعد أرسطو وأفلاطون وامتد حتى بداية ما يسمونه العصور الوسطى. (^١)\nفالفلاسفة القدماء لم يكونوا على درجة واحدة في معتقداتهم فهم مدارس متعددة من أشهرها:\nأولًا: المدرسة الطبيعية أو الكوسمولوجية (^٢)\nثانيًا: المدرسة الفيتاغورية (^٣)\nثالثًا: المدرسة السفسطائية أو مدرسة الشكاك. (^٤)\n_________\n(^١) د. محمد عبد الرحمن مرحبا: من الفلسفة اليونانية إلى الفلسفة الإسلامية، منشورات عويدات بيروت، باريس، ط ٢، ١٩٨١، ص: ٨٥؛\n(^٢) وهم مجموعة من الحكماء الطبيعيين الذين بحثوا عن العلة الحقيقية للوجود الذي أرجعوه إلى أصل مادي، وكان ذلك في القرن السابع والسادس قبل الميلاد. انظر: د. نجيب بلدي: دروس في تاريخ الفلسفة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط ١، ١٩٨٧، ص: ١٣.\n(^٣) تنسب المدرسة الفيتاغورية إلى العالم الرياضي اليوناني الكبير فيتاغورس الذي يعد أول من استعمل كلمة فيلسوف، وكانت بمعنى حب الحكمة، وتتسم الفيتاغورية بأنها مذهب ديني عميق الرؤية والشعور، كما أنها مدرسة علمية تعنى بالرياضيات والطب والموسيقا والفلك.\n(^٤) ظهرت المدرسة السفسطائية في القرن الخامس قبل الميلاد ومن أهم الفلاسفة السفسطائيين نذكر جورجياس وكاليكيس وبروتاغوراس. وقد سبب هذا التيار الفلسفي القائم على الشك والتلاعب اللفظي وتضييع الحقيقة وعدم الاعتراف بها.","vol":"1","page":246},{"text":"رابعًا: المدرسة السقراطية. (^١)\nخامسًا: المدرسة المثالية الأفلاطونية. (^٢)\nسادسًا: مدرسة أرسطو المادية. (^٣)\nسابعًا: المدرسة الرواقية. (^٤)\n_________\n(^١) يعد سقراط (٤٨٦ - ٣٩٩ م) أب الفلاسفة اليونانيين، وقد أنزل الفلسفة من السماء إلى الأرض. ويعني هذا أن الحكماء الطبيعيين ناقشوا كثيرا من القضايا التي تتعلق بالكون وأصل الوجود وعلته الحقيقية التي كانت وراء انبثاق هذا العالم وهذا الوجود الكوني. وعندما ظهر سقراط غير مجرى الفلسفة فحصرها في أمور الأرض وقضايا الإنسان والذات البشرية فاهتم بالأخلاق والسياسة. والهدف من الفلسفة لدى سقراط هو تحقيق الحكمة وخدمة الحقيقة لذاتها.\n(^٢) جاء أفلاطون بعد سقراط ليقدم تصورا فلسفيا عقلانيا مجردا ولكنه تصور مثالي؛ لأنه أعطى الأولوية للفكر والعقل والمثال بينما المحسوس لا وجود له في فلسفته المفارقة لكل ماهو نسبي وغير حقيقي. ولأفلاطون نسق فلسفي متكامل يضم تصورات متماسكة حول الوجود والمعرفة والقيم.\nففلسفة أفلاطون فلسفة مثالية مفارقة للمادة والحس، تعتبر عالم المثل العالم الأصل بينما العالم المادي هو عالم زائف ومشوه وغير حقيقي. انظر: أفلاطون: جمهورية أفلاطون، ترجمة حنا خباز، دار القلم، بيروت، لبنان، بدون تاريخ للطبعة؛\n(^٣) يعد أرسطو فيلسوفا موسوعيا شاملا، وقد وضع المنطق الصوري الذي كان له تأثير كبير على كثير من الفلاسفة إلى أن حل محله المنطق الرمزي مع برتراند راسل ووايتهاد.\nيذهب أرسطو إلى أن العالم الحقيقي هو العالم الواقعي المادي، أما العالم المثالي فهو غير موجود. وأن الحقيقة لا توجد سوى في العالم الذي نعيش فيه، وعد أرسطو فيلسوفا ماديا اكتشف العلل الأربع: العلة الفاعلة والعلة الغائية والعلة الصورية الشكلية والعلة المادية. فإذا أخذنا الطاولة مثالا لهذه العلل الأربع، فالنجار يحيل على العلة الفاعلة والصانعة، أما الخشب فيشكل ماهية الطاولة وعلتها المادية، أما صورة الطاولة فهي العلة الصورية الشكلية، في حين تتمظهر العلة الغائية في الهدف من استعمال الطاولة التي تسعفنا في الأكل والشرب.\n(^٤) تعد الفلسفة عند الرواقيين مدخلا أساسيا للدخول إلى المنطق والأخلاق والطبيعة. وقد كان المنطق الرواقي مختلفا عن المنطق الأرسطي الصوري، وقد أثر منطقهم على الكثير من الفلاسفة والعلماء.\nوتعتمد المدرسة الرواقية التي ظهرت بعد فلسفة أرسطو على إرساء فن الفضيلة ومحاولة اصطناعها في الحياة العملية، ولم تعد الفلسفة تبحث عن الحقيقة في ذاتها، بل أصبحت معيارا خارجيا تتجه إلى ربط الفلسفة بالمقوم الأخلاقي، وركز الكثيرون دراساتهم الفلسفية على خاصية الأخلاق كما فعل سنيكا الذي قال: \" إن الفلسفة هي البحث عن الفضيلة نفسها، وبهذا تتحقق السعادة التي تمثلت في الزهد في اللذات ومزاولة التقشف والحرمان\"د. توفيق الطويل: الفلسفة في مسارها التاريخي، دار المعارف القاهرة، مصرط ١، ١٩٧٧، ص: ١٤","vol":"1","page":247},{"text":"ثامنًا: المدرسة الأبيقورية. (^١)\nتاسعًا: المدرسة الإسكندرية. (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-135>الأمر الثاني: العلاقة بين الفلاسفة القدماء وبين الفلاسفة الذين يزعمون أنهم انتسبوا إلى الإسلام.</span>\nالمدارس السابق ذكرها يمكن تقسيمها فكريًا إلى ثلاث مدارس رئيسة هي:\n\n<span data-type='title' id=toc-136>أولًا: المدرسة السوفسطائية:</span> والسوفسطائية أو مدرسة الشكاك ومن أبرز\n_________\n(^١) تنسب الفلسفة الأبيقورية إلى أبيقور (٣٤١ - ٢٧٠ ق. م)، وتتميز فلسفته بصبغة أخلاقية عملية، وترتبط هذه الفلسفة باللذة والسعادة الحسية. وتسعى الفلسفة في منظور هذه المدرسة إلى الحصول على السعادة باستعمال العقل التي هي غاية الفلسفة يخدمها المنطق وعلم الطبيعة. أي إن المنطق هو الذي يسلم الإنسان إلى اليقين الذي به يطمئن العقل والذي بدوره يؤدي إلى تحقيق السعادةد. توفيق الطويل: الفلسفة في مسارها التاريخي، دار المعارف القاهرة، مصرط ١، ١٩٧٧، ص: ١٤\n(^٢) وقد انتعشت هذه المدرسة في القرون الميلادية الأولى وامتزجت بالحضارة الشرقية مع امتداد الفكر الديني والوثني وانتشار الأفكار الأسطورية والخرافية والنزعات الصوفية.\nومن وتميزات هذه المدرسة التوفيق بين آراء أفلاطون المثالية وأرسطو المادية، والتشبع بالمعتقدات الدينية المسيحية واليهودية والأفكار الوثنية من زرادشتية ومانوية وبوذية، والفصل بين العلم والفلسفة بعد ظهور فكرة التخصص المعرفي.، والاهتمام بالتصوف والتجليات العرفانية والغنوصية والانشغال بالسحر والتنجيم والغيبيات والإيمان بالخوارقد. محمد عبد الرحمن مرحبا: نفس المرجع، ص: ٢٢٨","vol":"1","page":248},{"text":"مشاهيرهم جورجياس وبروتاغورايس.\nوعرف عن المغالطين أنهم يتقصدون استعمال الكلمات المتقاربة في اللفظ والمشتركة في المعنى والغامضة في الدلالة الذين أطلق عليهم المغالطين في ذلك الوقت والذين كانوا يميلون في جدالهم إلى الإبهام في الألفاظ والإيهام في المعاني.\nمن أهم السفسطائيين أيضًا، وربما على الإطلاق، سقراط الذي شاركهم الاهتمام بالإنسان وحده وبالمجادلة عن الآراء ثم خالفهم في أنه جعل قيمة الأشياء مطلقة وقد جعل جداله محاذيًا للمنطق فامتاز عنهم في الجدل بأنه جعل رد السؤال بسؤال من جنسه ليثير التفكير عند السائل ثم مزج الجد في الجدال بشيء من التهكم. كما أن كثيرًا من الفلاسفة المعاصرين تبنوا أو تأثروا بهذا المذهب ولعل أهمهم كان فريدريك نيتشة وديكارت وغيرهم. وطور السفسطائيون من أسلوبهم في التعامل بالمنطق فكانوا يميلون إلى المنطق الممزوج بالخيال أحيانًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-137>ثانيًا: المدرسة الإشراقية:</span> التي نادى بها أفلاطون، الذي كان يرى بأنّ المعارف بالخصوص الإلهية منها، لا تتأتى عن طريق الاستدلال العقلي فحسب، بل لابد وأن يوجد إلى جانب ذلك سير وسلوك وتهذيب أخلاقي يبعث إشراقات وإفاضات للمعارف الإلهية على القلب.\nوالمَدرسة الإشراقيَّة: مدرسة ترى أن المعرفة تتمّ عن طريق ظهور الأنوار العقليّة ولمعانها وفيضانها بالإشراقات على النُّفوس عند تحرّرها.\nوالإشراقية هو مذهب فلسفي، وهو كلمة مشتقة من «الإشراق» وهي في اللغة الإضاءة والإنارة. (^١)\nواصطلاحا عرّفه البعض بأنه «ظهور الأنوار الإلهية في قلب الإنسان الصوفي\n_________\n(^١) انظر: المعجم الفلسفي. موسوعة شبكة المعرفة الريفية.","vol":"1","page":249},{"text":"(العارف) \" (^١).\nفيما عرفه آخرون بأنه «معرفة الله من طريق الكشف أو نتيجة لانبعاث نور من العالم غير المحسوس إلى الذهن\". (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-138>ثالثًا: المدرسة المشائيّة:</span> وتتمثل بفلسفة أرسطو طاليس حيث كان يعتمد على الأسلوب الاستدلالي وسميّت فلسفته بهذا الاسم، لأنه كان يسير من المقدمات إلى النتيجة على حد قولهم.\nوقد تشعب الفلاسفة الذين ينتسبون إلى المسلمين على غرار ذلك إلى:\n١ - فلاسفة مشائين: وأبرز علماء المدرسة المشائية بين المسلمين هم: يعقوب بن إسحاق الكندي، وأبي نصر الفارابي، وأبي علي بن سينا، ونصير الدين الطوسي، والميرداماد، وابن رشد الأندلسي، وابن باجة الأندلسي. (^٣)\nولكن هؤلاء لم يكونوا جميعهم يوافقونهم في كل شيء وفي هذا يقول ابن تيمية في ذكر هذا الصنف: \" وعلى طريقهم:\n١) مشى أبو البركات صاحب \"المعتبر\" لكن لم يقلدهم تقليد غيره بل اعتبر ما ذكروه بحسب نظره وعقله.\n_________\n(^١) انظر: علاء الدين، بكري \"الإشراقية\". الموسوعة العربية. هئية الموسوعة العربية سورية- دمشق.\n(^٢) البعلبكي، منير (١٩٩١). \"الإشراق\". موسوعة المورد. موسوعة شبكة المعرفة الريفية.\n(^٣) انظر: باب المدرسة المشائية، كتاب علم الفلسفة، ٢٠١٠، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية. قال ابن تيمية: \"مذهب الفلاسفة الذين نصره الفارابي وابن سينا وأمثالها كالسهروردي المقتول على الزندقة وكأبي بكر بن الصائغ وابن رشد الحفيد هو مذهب المشائين اتباع أرسطو صاحب المنطق وهو الذي يذكره الغزالي في كتاب \"مقاصد الفلاسفة\" وعليه رد في \"التهافت\" وهو الذي يذكره الرازي في \"الملخص\" و\"المباحث المشرقية\" ويذكره الأمدى في \"دقائق الحقائق\" و\"رموز الكنوز\" وغير ذلك. \" الرد على المنطقيين ١/ ٣٣٤/ ٣٣٧","vol":"1","page":250},{"text":"٢) وكذلك الرازي والأمدى يعترضان عليهم في كثير مما يذكرونه بحسب ما يسنح لهم.\n٣) وابن سينا أيضا قد يخالف الأولين في بعض ما ذكروه ولهذا ذكر في كتابه المسمى ب \"الشفاء\" أن الحق الذي ثبت عنده ذكره في \"الحكمة المشرقية\".\n٤) والسهروردي ذكر ما ثبت عنده في \"حكمة الاشراق\"\n٥) والرازي في \"المباحث المشرقية. \"\nوالمقصود هنا أن نظار المسلمين ما زالوا يصنفون في الرد عليهم في المنطق وغير المنطق ويبينون خطاهم فيما ذكروه في الحد والقياس جميعًا، كما يبينون خطأهم في الإلهيات وغيرها ولم يكن أحد من نظار المسلمين يلتفت إلى طريقتهم بل المعتزلة والأشعرية والكرامية والشيعة وسائر طوائف النظر كانوا يعيبونها ويثبتون فسادها وأول من خلط منطقهم بأصول المسلمين أبو حامد الغزالي وتكلم فيه علماء المسلمين بما يطول ذكره\" (^١).\n٢ - وفلاسفة إشراقيين: ويطلق اسم الإشراقيين بالأخصّ على السّهرورديّ وأتباعه (^٢)، ففي أواسط القرن السادس الهجري، شرح شهاب الدين السهروردي (^٣) أفكار أفلاطون بعد أن هواها ودافع عنها، وبذلك أسس الفلسفة الإشراقية في البلاد الإسلامية ونقد الفلسفة المشائيّة.\n_________\n(^١) الرد على المنطقيين ١/ ٣٣٤/ ٣٣٧.\n(^٢) انظر: معجم المعاني الجامع تعريف ومعنى المدرسة الإشراقيّة.\n(^٣) شهاب الدين السهروردي: «٥٥٠ - ٥٨٧ هـ» صاحب مدرسة الإشراق، وله مصنفات منها: التلويحات اللوحية والعرشية، والألواح العمادية وهياكل النور.\nنشر أفكاره في حلب مما ألب الناس عليه واتهموه بالكفر مما دعى صلاح الدين الأيوبي أن يأمر ابنه الملك الظاهر بقتله فقتله في قلعة حلب وفي شهر رجب.","vol":"1","page":251},{"text":"٣ - وفلاسفة سفسطائيين: وقد كان هذا التيار الفلسفي يقوم على الشك والتلاعب اللفظي وتضييع الحقائق وعدم الاعتراف بها، فالسفسطة في المعجم الوسيط تعني من أتى بالحكمة المموّهة ..\nوالذي يهمنا في هذا االمقام هم هؤلاء\nوذلك ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية إن السفسطة أربعة أنواع.\nالنوع الأول: قول المتجاهلة اللا أدرية، أصحاب الجهل البسيط والكفر البسيط، ويقولون لا نحكم بهذا ولا نحكم بهذا.\nالنوع الثاني: قول أهل التكذيب والجحود والنفي، والذين يجزمون بنفي الحقائق والعلم بها.\nالنوع الثالث: الذين يجعلون الحقائق تتبع العقائد، فمن اعتقد ثبوت شيء كان في حقه ثابتًا، ومن نفاه كان في حقه منتفيًا، ولا يجعلون للحقائق أمرًا هي عليه في أنفسها.\nالنوع الرابع: من يقول: الحقائق موجودة لكن لا سبيل إلى العلم بها، إما لكون العالم في السيلان فلا يمكن العلم بحقيقته، وإما لغير ذلك\nوهذه الأنواع الأربعة موجودة في هؤلاء الملاحدة الذين ينتسبون للإسلام:\nفمنهم: الواقفة المتجاهلة الذين يقولون: لا نثبت ولا ننفي.\nومنهم: المكذبة الذين ينفون.\nومنهم: من يجعل الحقائق تتبع العقائد، كما يحكى عن طائفة تصوب كل واحد من القائلين للأقوال المتناقضة، وكما يقوله من يقوله من أصحاب وحدة الوجود-ابن عربي ونحوه-بأن كل من اعتقد في الله عقيدة فهو مصيب فيها حتى قال:","vol":"1","page":252},{"text":"عقد الخلائق في الإله عقائد .... وأنا اعتقدت جميع ما عقدوه\nوأما الرابع فهو منتهى قول أئمة الجهمية، وهو الحيرة والشك لتكافؤ الأدلة عند بعضهم، أو لعدم الدليل المرشد عند بعضهم؛ وهذا عند أصحاب وحدة الوجود هو أعلى العلم بالله تعالى\" (^١).\nالأمر الثالث: بيان مقولات غلاة المعطلة.\nلما ذكر المصنف ﵀ أسماء الفرق الضالة في باب تعطيل الصفات.\nوأنهم ينقسمون إلى قسمين رئيسيين هما:\nالقسم الأول: الفلاسفة.\nوهم صنفان:\nالصنف الأول: أهل الفلسفة البحتة؛ كابن سينا، ومن على شاكلته.\nالصنف الثاني: أهل الفلسفة الباطنية، وهي نوعان:\nأ-رافضية: ومنهم القرامطة والإسماعيلية.\nب- صوفية: ومنهم فرق الاتحادية؛ كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض.\nالقسم الثاني من المعطلة هم: أهل الكلام.\nوهم خمسة أصناف:\nا-الجهمية.\n٢ - المعتزلة.\n٣ - الكلابية.\n٤ - الأشاعرة.\n_________\n(^١) الرسالة الصفدية - قاعدة في تحقيق الرسالة وإبطال قول أهل الزيغ والضلالة ص ٧٠، ٧١.","vol":"1","page":253},{"text":"٥ - الماتريدية.\nشرع في بيان مقولاتهم وبدأ ببيان القسم الأول من أقسام المعطلة (غلاة المعطلة):\nغلاة المعطلة ليسوا على درجة واحدة في تعطليهم فهم على أربع درجات، وقد أشار المصنف في هذا النص إلى درجتين هما:\nالدرجة الأولى: المتجاهلة الواقفة:\nقال المصنف: \"فغاليتهم يسلبون عنه النقيضين، فيقولون: لا موجود ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم - بزعمهم - إذا وصفوه بالإثبات شبّهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبّهوه بالمعدومات، فسلبوا النقيضين\".\nفهؤلاء هم الذين يقولون: لا نُثبت ولا نَنفي، وهذه الدرجة للقرامطة الباطنية المتفلسفة (^١)، فهؤلاء يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود، ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول؛ وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب وما جاء به الرسول ﷺ، فوقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم ولا ليس بحي عالم، ولا يقال هو عليم قدير\n_________\n(^١) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٣/ ٧ - ٨.","vol":"1","page":254},{"text":"ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد، قالوا: لأن في الإثبات تشبيهًا بما تثبت له هذه الصفات، وفي النفي تشبيه له بما ينفي عنه هذه الصفات» (^١).\nوقد رد المصنف على أصحاب هذا القول فقال: \"وهذا ممتنع في بدائه العقول، وحرّفوا ما أنزل الله تعالى من الكتاب، وما جاء به الرسول ﷺ، ووقعوا في شرٍّ مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات، إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات\".\nلأنهم إن فروا من تشبيهه بالموجودات، وفروا من تشبيهه بالمعدومات بأن زعموا أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين فإنهم بقولهم هذا وقعوا في شر مما فروا منه لأنهم بهذا القول شبههوه بالممتنعات.\nوقوله: \"وقد علم بالاضطرار أن الوجود لا بدّ له من موجد، واجب بذاته، غني عما سواه، قديم، أزلي، لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم. فوصفوه بما يمتنع وجوده، فضلًا عن الوجوب أو الوجود أو القدم\".\nوهنا يستخدم المصنف تعبيرات هؤلاء الفلاسفة ومصطلحاتهم إذ يطلقون مسمى \"واجب الوجود\" على الله ﷿ بحسب تعبيراتهم، وهم كذلك يقسمون الكون إلى قسمين هما: واجب الوجود ويعنون به الخالق، وممكن الوجوب ويعنون به المخلوق.\nوعلى هذا التقسيم لابد لكل واحد منهما من وجود يخصه ويميزه عن غيره.\nوالفطر السليمة تقر \"بأن الوجود لا بدّ له من موجد، واجب بذاته، غني عما\n_________\n(^١) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.","vol":"1","page":255},{"text":"سواه، قديم، أزلي، لا يجوز عليه الحدوث ولا العدم\". وهؤلاء النفاة عطلوا ذلك كله بل ووصفوه بالممتنعات، وسلبوا عنه صفة الوجود والوجوب والقدم.\nالدرجة الثانية: درجة المكذبة النفاة:\nوهذه الدرجة هي التي عناها المصنف بقوله: \"وقاربهم طائفة من الفلاسفة وأتباعهم، فوصفوه بالسلوب والإضافات، دون صفات الإثبات، وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق\".\nوهي الدرجة عليها غُلاة الجهمية وطائفة من الفلاسفة (^١)، وهو كذلك قول ابن سينا وأمثاله (^٢).\nفهم يصفون الله بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون له إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان (^٣)، فهؤلاء وصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات (^٤).\nوقد رد المصنف على أصحاب هذه الدرجة من درجات التعطيل فقال: \"وقد عُلم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات، وجعلوا الصفة هي الموصوف، فجعلوا العلم عين العالم، مكابرة للقضايا البديهيات، وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى فلم يميزوا بين العلم والقدرة والمشيئة جحدًا للعلوم الضروريات\".\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٣/ ٧ - ٨.\n(^٢) -الصفدية ١/ ٢٩٩، ٣٠٠.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٣/ ٧، شرح الأصفهانية ص ٥١، ٥٢.\n(^٤) -مجموع الفتاوى ٣/ ٨.","vol":"1","page":256},{"text":"فمن المعلوم أن مراتب وجود الشيء أربعة\nالمرتبة الأولى: مرتبة في الأعيان والمراد. بها وجوده العيني.\nوالمرتبة الثانية: مرتبة في الأذهان، والمراد. بها وجوده الذهني.\nوالمرتبة الثالثة: مرتبة في اللسان، والمراد بها وجوده اللفظي.\nوالمرتبة الرابعة: مرتبة في الخط، والمراد بها وجوده الرسمي. \" (^١).\nفهذا الذي ذكره أصحاب هذه الدرجة من المعطلة هم في الحقيقة لم يخرجوا وجوده عن الوجود الذهني المقدر في الذهن، ولم يجعلوا له وجودًا حقيقيًا.\nوقوله: \"وجعلوا الصفة هي الموصوف، فجعلوا العلم عين العالم، مكابرة للقضايا البديهيات، وجعلوا هذه الصفة هي الأخرى فلم يميزوا بين العلم والقدرة والمشيئة جحدًا للعلوم الضروريات\".\nقال ابن تيمية: \"وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الذَّاتَ الْمَوْصُوفَةَ لَا تَنْفَكُّ عَنْ الصِّفَاتِ أَصْلًا وَلَا يُمْكِنُ وُجُودُ ذَاتٍ خَالِيَةٍ عَنْ الصِّفَاتِ. فَدَعْوَى الْمُدَّعِي وُجُودُ حَيٍّ عَلِيمٍ قَدِيرٍ بَصِيرٍ بِلَا حَيَاةٍ وَلَا عِلْمٍ وَلَا قُدْرَةٍ؛ كَدَعْوَى قُدْرَةٍ وَعِلْمٍ وَحَيَاةٍ لَا يَكُونُ الْمَوْصُوفُ بِهَا حَيًّا عَلِيمًا قَدِيرًا بَلْ دَعْوَى شَيْءٍ مَوْجُودٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ قَدِيمٍ أَوْ مُحْدَثٍ عَرِيَ عَنْ جَمِيعِ الصِّفَاتِ مُمْتَنِعٌ فِي صَرِيحِ الْعَقْلِ. (^٢) \"\nوبقى درجتان لم يذكرهما المصنف هنا وهما:\nالدرجة الثالثة: المتجاهلة اللا أدرية:\nوهم الذين يقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت، فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين،\n_________\n(^١) انظر: مختصر الصواعق ٢/ ٣٠٤، ٣٠٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٣٥.","vol":"1","page":257},{"text":"لا نحكم بهذا ولا بهذا، فلا نقول: ليس بموجود ولا معدوم ولكن لا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم.\nومن الناس من يحكي نحو هذا عن الحلاج، وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط، الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله ومعرفته وحبه وذكره وعبادته ودعائه (^١).\nالدرجة الرابعة: أصحاب وحدة الوجود:\nوهم الذين لا يميزون الخالق بصفات تميزه عن المخلوق، ويقولون بأن وجود الخالق هو وجود المخلوق. فعلى سبيل المثال هم يقولون بأن الله هو المتكلم بكل ما يوجد من الكلام وفي ذلك يقول ابن عربي:\nألا كل قول في الوجود كلامه … سواء علينا نثره ونظامه\nيعم به أسماع كل مكون … فمنه إليه بدؤه وختامه (^٢)\nفيزعمون أنه هو المتكلم على لسان كل قائل. ولا فرق عندهم بين قول فرعون: ﴿أنا ربُّكم الأعلى﴾ [النازعات: ٢٤] ﴿وما علمت لكم من إله غيري﴾ [القصص: ٢٨] وبين القول الذي يسمعه موسى ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ [طه: ١٤]. بل يقولون: إنه الناطق في كل شيء، فلا يتكلم إلا هو، ولا يسمع إلا هو، حتى قول مسيلمة الكذاب، والدجال، وفرعون، يصرحون بأن أقوالهم هي قوله) (^٣).\nوهذا قول أصحاب وحدة الوجود كابن عربي، وابن سبعين وابن الفارض،\n_________\n(^١) -الصفدية ١/ ٩٦، ٩٨.\n(^٢) -الفتوحات المكية ٤/ ١٤١ ط: دار صادر، بيروت.\n(^٣) -بغية المرتاد ص ٣٤٩.","vol":"1","page":258},{"text":"والعفيف التلمساني.\nوأصل مذهبهم: أن كل واحد من وجود الحق، وثبوت الخلق يساوي الآخر ويفتقر إليه، وفي هذا يقول ابن عربي:\nفيعبدني وأعبده … ويحمدني وأحمده (^١)\nويقول: إن الحق يتصف بجميع صفات العبد المحدثات، وإن المحدث يتصف بجميع صفات الرب، وإنهما شيء واحد إذ لا فرق في الحقيقة بين الوجود والثبوت (^٢) فهو الموصوف عندهم بجميع صفات النقص والذم والكفر والفواحش والكذب والجهل، كما هو الموصوف عندهم بصفات المجد والكمال فهو العالم والجاهل، والبصير والأعمى، والمؤمن والكافر، والناكح والمنكوح، والصحيح والمريض، والداعي والمجيب، والمتكلم والمستمع، وهو عندهم هوية العالم ليس له حقيقة مباينة للعالم، وقد يقولون لا هو العالم ولا غيره، وقد يقولون: هو العالم أيضا وهو غيره، وأمثال هذه المقالات التي يجمع فيها في المعنى بين النقيضين مع سلب النقيضين. (^٣)\nوهؤلاء الاتحادية يجمعون بين النفي العام والإثبات العام فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال وليس له اسم ولا صفة ولا نعت، إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يرى ولا اسم له.\nويقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى\n_________\n(^١) -فصوص الحكم ١/ ٨٣.\n(^٢) -بغية المرتاد ص ٣٩٧، ٣٩٨.\n(^٣) -بغية المرتاد ص ٤٠٨.","vol":"1","page":259},{"text":"نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون يرى هو في الأشياء وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:\n\"عين ما ترى ذات لا ترى … وذات لا ترى عين ما ترى\".\nوهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقًا بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود. (^١)\nوفي هذا يقول ابن عربي:\nفإن قلت بالتنزيه كنت مقيدًا … وإن قلت بالتشبيه كنت محددًا\nوإن قلت بالأمرين كنت مسددًا … وكنت إمامًا في المعارف سيدًا\nفمن قال بالإشفاع كان مشركًا … ومن قال بالإفراد كان موحدًا\nفإياك والتشبيه إن كنت ثانيًا … وإياك والتنزيه إن كنت مفردًا\nفما أنت هو بل أنت هو وتراه … في عين الأمور مسرحا ومقيدًا (^٢)\n«خلاصة أقوال غلاة المعطلة»\nكلام غلاة المعطلة المتقدم ذكره يدور على أحد أصلين:\n١ - الأصل الأول:\nالنفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه، بأن جعلوا الحق لا وجود له، ولا حقيقة له في الخارج أصلًا وإنما هو أمر مطلق في الأذهان. وهذا الذي عليه المكذبة النفاة، والمتجاهلة الواقفة، والمتجاهلة اللا أدرية.\n_________\n(^١) -بغية المرتاد ص ٤٧٣.\n(^٢) -بغية المرتاد ص ٥٢٧.","vol":"1","page":260},{"text":"٢ - الأصل الثاني:\nأن يجعلوا الحق عين وجود المخلوقات، فلا يكون للمخلوقات خالق غيرها أصلًا، ولا يكون رب كل شيء ولا مليكه. وهذا الذي عليه حال أهل وحدة الوجود الاتحادية في أحد حاليهم فهذا حقيقة قول القوم وإن كان بعضهم لا يشعر بذلك.\nولذلك كان الغلاة من القرامطة والباطنية والفلاسفة والاتحادية نسخة للجهمية الذين تكلم فيهم السلف والأئمة، مع كون أولئك كانوا أقرب إلى الإسلام. فقد كان كلام الجهمية يدور أيضًا على هذين الأصلين فهم يظهرون للناس والعامة أن الله بذاته موجود في كل مكان، أو يعتقدون ذلك.\nوعند التحقيق يصفونه بالسلب الذي يستوجب عدمه كقولهم: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ومحايث، ولا متصل به ولا منفصل عنه، وأشباه هذه السلوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-139>مذهب المعتزلة في نفي الصفات</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام من المعتزلة ومن اتّبعهم فأثبتوا له الأسماء دون ما تضمنته من الصفات، فمنهم من جعل العليم والقدير والسميع والبصير كالأعلام المحضة المترادفات، ومنهم من قال: عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بصير بلا سمع ولا بصر، فأثبتوا الاسم دون ما تضمّنه من الصفات.\nوالكلام على فساد مقالة هؤلاء وبيان تناقضها بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول مذكور في غير هذه الكلمات\".","vol":"1","page":261},{"text":"الشرح\nبعد أن فرغ المصنف من الكلام عن القسم الأول والثاني من المعطلة وهم غلاة المعطلة الذين هم (الفلاسفة سواء كانوا أهل فلسفة بحتة أم فلسفة الباطنية سواء كانت رافضية كالقرامطة أو صوفية كالاتحادية، ويضاف معهم الجهمية) فهؤلاء جميعهم يجمعهم وصف غلاة المعطلة.\nشرع هنا في بيان القسم الثالث من المعطلة وهم أهل الكلام من المعتزلة ومن تبعهم فقال: \"وقاربهم طائفة ثالثة من أهل الكلام من المعتزلة ومن اتّبعهم\".\nوالكلام على هذا القسم يكون في الأمور الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-140>الأمر الأول: الفرق بين الفلاسفة وأهل الكلام:</span>\nالوجه الأول:\n• أن الفلاسفة يعمِّمون قولهم في كل غيب، فيتكلمون بهذا الزعم في مسائل الإيمان بالله وفي مسائل الإيمان باليوم الآخر، بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى الأمور العملية.\n• أما أهل الكلام فيطلقون هذه العبارات في أبواب دون أبواب، فهم دونهم في هذا الأمر، فهم يعمِّمون مثل هذه الأقوال في مسائل الصفات دون مسائل الإيمان باليوم الآخر، مع ما عند الجهمية والمعتزلة من خلل في بعض مسائل المعاد كمسائل عذاب القبر، وكذلك الشفاعة وفناء الجنة والنار وغيرها من المسائل التي تتعلق باليوم الآخر.\nفإطلاقهم بمثل هذه العبارات خاص في باب الصفات فخصوا بالذكر باب الصفات دون غيره من الأبواب.\nالوجه الثاني: من الفروق بين مسلك الفلاسفة ومسلك أهل الكلام: هو أن","vol":"1","page":262},{"text":"الطريقة اختلفت.\n• فالفلاسفة يقولون: إن ما جاء به الرسول وهم وخيال.\n• أما أهل الكلام فيقولون: إن الرسول -ﷺ- لم يقصد أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني، ولم يبين تلك المعاني ولا دل الناس عليها ولكن ترك ذلك امتحانًا لعقولهم.\nفلم يقصد بها الرسول ﷺ أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دَلَّهم عليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم إتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوا كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرفوا الحق من غير جهته، وهذا قول المتكلمة، والجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-141>الأمر الثاني: الفرق بين الجهمية وبين باقي فرق أهل الكلام.</span>\nحيث يلاحظ أن شيخ الإسلام هنا ضم الجهمية إلى غلاة المعطلة وفصل قولهم عن قول المعتزلة ومن تبعهم\nوالسبب في ذلك يعود إلى أن الغلاة من القرامطة والباطنية والفلاسفة والاتحادية نسخة للجهمية الذين تكلم فيهم السلف والأئمة، مع كون أولئك كانوا أقرب إلى الإسلام. فقد كان كلام الجهمية يدور أيضًا على هذين الأصلين فهم يظهرون للناس والعامة أن الله بذاته موجود في كل مكان، أو يعتقدون ذلك.\nوعند التحقيق يصفونه بالسلب الذي يستوجب عدمه كقولهم: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين له ومحايث، ولا متصل به ولا منفصل عنه،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣/ ١٩.","vol":"1","page":263},{"text":"وأشباه هذه السلوب.\nفكلام أول الجهمية وآخرهم يدور على هذين الأصلين:\n١ - إما النفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه.\n٢ - وإما الإثبات الذي يقتضي أنه هو المخلوقات. أو جزء منها أو صفة لها.\nوكثير منهم يجمع بين هذا النفي وهذا الإثبات المتناقضين، وإذا حوقق في ذلك قال: ذاك السلب مقتضى نظري. وهذا الإثبات مقتضى شهودي وذوقي. ومعلوم أن العقل والذوق إذا تناقضا لزم بطلانهما أو بطلان أحدهما. (^١)\nوهذا حال الجهمية دائمًا يترددون بين هذا النفي العام المطلق، وهذا الإثبات العام المطلق، وهم في كليهما حائرون ضالون لا يعرفون الرب الذي أمروا بعبادته. (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والجهمية نفاة الصفات تارة يقولون بما يستلزم الحلول والاتحاد، أو يصرحون بذلك. وتارة بما يستلزم الجحود والتعطيل، فنفاتهم لا يعبدون شيئًا، ومثبتتهم يعبدون كل شيء.) (^٣)\nولا ريب أن هؤلاء المعطلة بصنيعهم هذا قد أعرضوا عن أسمائه وصفاته وآياته وصاروا جهالًا به، كافرين به، غافلين عن ذكره، موتى القلوب عن معرفته ومحبته وعبادته، وهذا هو غاية القرامطة الباطنية والمعطلة الدهرية أنهم يبقون في ظلمة الجهل وضلال الكفر، لا يعرفون الله ولا يذكرونه. (^٤).\n_________\n(^١) -بغية المرتاد ص ٤١٠، ٤١١.\n(^٢) -نقض تأسيس الجهمية ٢/ ٤٦٧.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٦/ ٣٩.\n(^٤) -مجموع الفتاوى ٦/ ٤٨. «بتصرف»","vol":"1","page":264},{"text":"وأما بقية أهل الكلام فقد شاركوا الفلاسفة في بعض أصولهم، وأخذوا عنهم القواعد المنطقية والمناهج الكلامية، وتأثروا بها إلى درجة كبيرة.\nوسلكوا في تقرير مسائل الاعتقاد المسلك العقلاني على حد زعمهم، وهم وإن كانوا يخالفون الفلاسفة في قولهم إن هذه الحقائق مجرد وهم وخيال، إلا أنهم شاركوهم في تشويه كثير من الحقائق الغيبية، فلا تجد في كتب أهل الكلام على اختلاف طوائفهم تقريرًا لمسائل الاعتقاد كما جاءت بها النصوص الصحيحة، فبدل أن تسمع أو تقرأ \"قال الله\" أو \"قال رسوله ﷺ\" أو \"قال الصحابة\"، فإنك لا تجد في كتبهم إلا \"قال الفضلاء\"، \"قال العقلاء\"، \"قال الحكماء\"، ويعنون بهم فلاسفة اليونان من الوثنيين، فكيف جاز لهم ترك كلام الله وكلام رسوله ﷺ والأخذ بكلام من لا يعرف الله ولا يؤمن برسوله؟!\nوالمطَّلِع على كتب أهل الكلام يدرك عِظَم الضرر الذي جَنَتْهُ على الأمة المسلمة، إذ تسببت تلك الكتب في حجب الناس عن المعرفة الصحيحة لله ورسوله ولدينه، وجُعِلَ بدل ذلك مقالات التعطيل والتجهيل والتخييل.\n\n<span data-type='title' id=toc-142>الأمر الثالث: أهل الكلام ليسوا صنفًا واحدًا بل هم عدة أصناف، وهم:</span>\n١ - الجهمية، ٢ - المعتزلة، ٣ - الكلابية، ٤ - الأشاعرة، ٥ - الماتريدية.\nوهذه الأصناف الخمسة كل له قوله ورأيه بحسب الشبه العقلية التي استند إليها.\n\n<span data-type='title' id=toc-143>أولًا: الجهمية.</span>\nفأما الجهمية فهم أتباع جهم بن صفوان الذي أخذ عن الجعد ابن درهم مقالة التعطيل عندما التقى به بالكوفة (^١)، وقد نشر الجهم مقالة التعطيل وامتاز عن شيخه الجعد بمزية المغالاة في النفي وكثرة إظهار ذلك والدعوة إليه نظرًا لما كان عليه من\n_________\n(^١) مختصر تاريخ دمشق (٦/ ٥٠)، والبداية (٩/ ٣٥٠).","vol":"1","page":265},{"text":"سلاطة اللسان وكثرة الجدال والمراء.\nمن أشهر معتقداتهم:\n١ - إنكارهم لجميع الأسماء والصفات كما سيأتي تفصيله.\n٢ - أنهم في باب الإيمان مرجئة، يقولون: إن الإيمان يكفي فيه مجرد المعرفة القلبية، وهذا شر أقوال المرجئة.\n٣ - أنهم في باب القدر جبرية، ينكرون قدرة العبد واختياره في فعله.\n٤ - ينكرون رؤية الخلق لله يوم القيامة.\n٥ - يقولون إن القرآن مخلوق.\n٦ - يقولون بفناء الجنة والنار.\nإلى غير ذلك من المعتقدات الباطلة التي قال بها الجهمية.\n\n<span data-type='title' id=toc-144>ثانيًا: المعتزلة.</span>\nوهم أتباع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وهم فرق كثيرة يجمعها ما يسمونه بأصولهم الخمسة وهي:\n١ - التوحيد، ٢ - العدل، ٣ - الوعد والوعيد، ٤ - المنزلة بين المنزلتين، ٥ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوالاعتزال في حقيقته يحمل خليطًا من الآراء الباطلة التي كانت موجودة في ذلك العصر، فقد جمع المعتزلة بين أفكار الجهمية، والقدرية، والخوارج، والرافضة.\nفقد شاركوا الجهمية في بعض أصولهم، فوافقوهم في إنكار الصفات، فزعموا أن ذات الله لا تقوم بها صفة ولا فعل، كما سيأتي تفصيله. وقالوا بإنكار رؤية الله يوم القيامة وقالوا إن القرآن مخلوق إلى غير ذلك.","vol":"1","page":266},{"text":"كما شاركوا القدرية في إنكارهم لقدرة الله في أفعال العباد، وأخذوا عنهم القول بأن العباد يخلقون أفعالهم.\nكما شاركوا الخوارج في مسألة الإيمان، وقالوا بقولهم إن الإيمان قول، واعتقاد، وعمل، لا يزيد ولا ينقص، وأنه إذا ذهب بعضه زال كلّه.\nوبناءً على ذلك شاركوهم في مسألة مرتكب الكبيرة، فالمعتزلة وإن قالوا بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، لكنهم وافقوا الخوارج في قولهم بأن مرتكب الكبيرة في الآخرة خالد مخلد في النار.\nوأخذوا كذلك عن الخوارج رأيهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nكما أنهم شاركوا الروافض في الطعن في أصحاب النبي ﷺ، فقد كان من كلام واصل بن عطاء في أهل صفين قوله: \"إن كليهما فاسق لا بعين\" وقوله عن علي ومعاوية ﵄: \"لو أن كليهما جاء عندي يشهد على حزمة بقل ما قبلت شهادتهما\"، وأواخر المعتزلة كانوا أقرب إلى التشيع.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وقدماء الشيعة كانوا مخالفين للمعتزلة بذلك (يعني مسائل الصفات والقدر)، فأما متأخروهم من عهد بني بويه ونحوهم من أوائل المائة الرابعة ونحو ذلك، فإنهم صار فيهم من يوافق المعتزلة في توحيدهم وعدلهم، والمعتزلة شيوخ هؤلاء إلى ما يوجد في كلام ابن النعمان المفيد وصاحبيه أبي جعفر الطوسي، والملقب بالمرتضى ونحوهم هو من كلام المعتزلة، وصار حينئذ في المعتزلة من يميل إلى نوع من التشيع إما تسوية علي بالخليفتين، وإما تفضيله عليهما، وإما الطعن في عثمان، وإن كانت المعتزلة لم تختلف في إمامة أبي بكر وعمر.\nوقدماء المعتزلة كعمرو بن عبيد وذويه كانوا منحرفين عن علي حتى كانوا","vol":"1","page":267},{"text":"يقولون: لو شهد هو وواحد من مقاتليه شهادة لم نقبلها، لأنه قد فسق أحدهما لا بعينه. فهذا الذي عليه متأخرو الشيعة والمعتزلة خلاف ما عليه أئمة الطائفتين وقدماؤهم\" (^١).\nكما أخذوا عن الشيعة الرافضة أكثر آرائهم الخاصة بالإمامة.\nوعلى هذا فأفكار المعتزلة إنما هي خليط من آراء الفرق المخالفة في عصرهم.\nوأفكار المعتزلة يحملها اليوم كل من: الرافضة الإمامية، والزيدية، والإباضية، وكذلك من يسمون بالعقلانيين.\nفالمعتزلة ومعهم النجارية والضرارية والرافضة الإمامية والزيدية والإباضية وغيرهم. وهؤلاء مشتركون مع الجهمية والفلاسفة في نفي الصفات (^٢) وإن كان بين الفلاسفة والمعتزلة نوع فرق (^٣)\nوهذا هو المقصود بقول المصنف: \"من المعتزلة ومن اتّبعهم\"\nفهذه الآراء للمعتزلة حملها عنهم الزيدية والرافضة الإمامية (^٤) والإباضية. وابن تومرت (^٥)، وابن حزم. (^٦)\nووافق المعتزلة في بعض أقوالهم كل من:\n\n<span data-type='title' id=toc-145>النجارية:</span>\n_________\n(^١) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٥٤ - ٥٥).\n(^٢) -مجموع الفتاوى ١٣/ ١٣١.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥١.\n(^٤) -لم يكن في قدماء الرافضة من يقول بنفي الصفات بل كان الغلو في التجسيم مشهورًا عن شيوخهم هشام بن الحكم وأمثاله، شرح الأصفهانية ص ٦٨.\n(^٥) -كان أبو عبد الله محمد بن تومرت على مذهب المعتزلة في نفي الصفات، شرح الأصفهانية ص ٢٣.\n(^٦) -درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٤٩، ٢٥٠.","vol":"1","page":268},{"text":"وهم أتباع حسين بن محمد بن عبد الله النجار المتوفى سنة (٢٢٠ هجرية) تقريبًا\nوكان يزعم أن الله سبحانه لم يزل جوادًا بنفي البخل عنه، وأنه لم يزل متكلمًا بمعنى أنه لم يزل غير عاجز عن الكلام، وأن كلام الله سبحانه محدث مخلوق، وكان يقول بقول المعتزلة في التوحيد، إلا في باب الإرادة والجود، وكان يخالفهم في القدر ويقول بالإرجاء. (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-146>الضرارية:</span>\nوهم أتباع ضرار بن عمرو الغطفاني المتوفى سنة (١٩٠ هجرية) تقريبًا وكان يزعم أن معنى أن الله عالم قادر أنه ليس بجاهل ولا عاجز وكذلك كان يقول في سائر صفات الباري لنفسه) (^٢)\nفكل من النجارية والضرارية يحملون النصوص الثبوتية على المعاني السلبية، كما قال البغدادي عنهم: (من غير إثبات معنى أو فائدة سوى نفي الوصف بنقيض تلك الأوصاف عنه) (^٣)\nوكان الجهمية والمعتزلة والنجارية والضرارية هم خصوم أهل السنة زمن فتنة القول بخلق القرآن. (^٤)\n\n<span data-type='title' id=toc-147>ثالثًا: متكلمة الصفاتية <span data-type='title' id=toc-148>(الكلابية </span>-الأشاعرة -الماتريدية).</span>\n١ - أما الكلابية:\n_________\n(^١) -مقالات الإسلاميين ١/ ٣٤١ - ٣٤٢، وانظر الفرق بين الفرق ص ٢٠٧، والملل والنحل ١/ ٨٩، ٩٠.\n(^٢) -مقالات الإسلاميين ١/ ٣٣٩.\n(^٣) -الفرق بين الفرق ص ٢١٥.\n(^٤) -مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٥١، ٣٥٢.","vol":"1","page":269},{"text":"فهم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان (^١) (ت ٢٤٣ هـ).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"كان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين:\nفأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها.\nوالجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا.\nفأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها. ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري، وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله (^٢) \" (^٣).\nوهو قول وقدماء الأشاعرة كأبي الحسن الطبري والباقلاني وابن فورك، وأبي جعفر السمناني ومن تأثر بهم من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني والتميميين وغيرهم. (^٤)\nفهؤلاء يجمعهم أنهم نفاة الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة، وهؤلاء\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٥٥).\n(^٢) -قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الحارث المحاسبي يوافقه -أي يوافق ابن كلاب -ثم قيل إنه رجع عن موافقته؛ فإن أحمد بن حنبل أمر بهجر الحارث المحاسبي وغيره من أصحاب ابن كلاب لما أظهروا ذلك، كما أمر السري السقطي الجنيد أن يتقى بعض كلام الحارث؛ فذكروا أن الحارث ﵀ تاب من ذلك. وكان له من العلم والفضل والزهد والكلام في الحقائق ما هو مشهور وحكى عنه أبوبكر الكلاباذي صاحب (مقالات الصوفية): (أنه كان يقول إن الله يتكلم بصوت)، وهذا يوافق قول من يقول: إنه رجع عن قول ابن كلاب). مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢١، ٥٢٢.\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ١).\n(^٤) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١١، ٦/ ٥٢، ٥٣، ٤/ ١٤٧، شرح الأصفهانية ص ٧٨","vol":"1","page":270},{"text":"يسموْن الصفاتية لأنهم يثبتون صفات الله تعالى خلافًا للمعتزلة، لكنهم لم يثبتوا لله أفعالًا تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته، بل ولا غير الأفعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته. (^١)\nفأصلهم الذي أصلوه في هذا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته (^٢) لا فعل ولا غير فعل. (^٣)\nفهذا النهج الذي أحدثه ابن كلاب هو ما صار يعرف فيما بعد بمنهج متكلمة الصفاتية لأن ابن كلاب كان في طريقته يميل إلى مذهب أهل الحديث والسنة، لكن كان في طريقته نوع من البدعة، لكونه أثبت قيام الصفات بذات الله، ولم يثبت قيام الأمور الاختيارية بذاته.\nوقد كانت له جهود في الرد على الجهمية (^٤) ولكنه ناظرهم بطريق قياسية سلم لهم فيها أصولًا هم واضعوها من امتناع تكلمه تعالى بالحروف، وامتناع قيام الصفات الاختيارية بذاته مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك. (^٥) فأصبح بعد ذلك قدوة وإمامًا لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات وناقضوا نفاتها، لكن شاركوهم في بعض أصولهم الفاسدة التي أوجبت فساد بعض ما قالوه من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول\". (^٦)\nفابن كلاب أحدث مذهبًا جديدًا، فيه ما يوافق السلف وفيه ما يوافق المعتزلة\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٤.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٢.\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٦).\n(^٥) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧٦).\n(^٦) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٦).","vol":"1","page":271},{"text":"والجهمية. وبذلك يكون قد أسس مدرسة ثالثة وهي مدرسة «الصفاتية» التي اشتهرت بمذهب الإثبات، لكن في أقوالهم شيء من أصول الجهمية. (^١)\n\n٢ -<span data-type='title' id=toc-149> الأشاعرة.</span>\nوقد سار على هذا النهج الكلابي القلانسي، والأشعري، والمحاسبي، وغيرهم، وهؤلاء هم سلف الأشعري والأشاعرة القدماء.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكان أبو محمد بن كلاب هو الأستاذ الذي اقتدى به الأشعري في طريقه هو وأئمة أصحابه، كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، وأبي سليمان الدمشقي، وأبي حاتم البستي\" (^٢)\nفابن كلاب هو إمام الأشعرية الأول، وكان أكثر مخالفة للجهمية، وأقرب إلى السلف من الأشعري (^٣).\nولكن هذا النهج الكلابي ابتعد شيئًا فشيئًا عن منهج السلف، وأصبح يقرب أكثر فأكثر إلى نهج المعتزلة وذلك على يد وارثيه من الأشاعرة.\nفابن كلاب كما أسلفنا كان أقرب إلى السلف من أبي الحسن الأشعري، وأبو الحسن الأشعري أقرب إلى السلف من القاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي أبو بكر وأمثاله أقرب إلى السلف من أبي المعالي الجويني وأتباعه (^٤).\nولهذا يوجد في كلام الرازي والغزالي ونحوهما من الفلسفة مالا يوجد في كلام أبي المعالي الجويني وذويه، ويوجد في كلام الرازي والغزالي والجويني من مذهب\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٦).\n(^٢) منهاج السنة (٢/ ٣٢٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٢، ٢٠٣).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٣).","vol":"1","page":272},{"text":"النفاة المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري وقدماء أصحابه، ويوجد في كلام أبي الحسن الأشعري من النفي الذي أخذه من المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي محمد بن كلاب الذي أخذ أبو الحسن طريقته.\nويوجد في كلام ابن كلاب من النفي الذي قارب فيه المعتزلة ما لا يوجد في كلام أهل الحديث والسنة والسلف والأئمة. وإذا كان الغلط شبرًا صار في الأتباع ذراعًا ثم باعًا حتى آل إلى هذا المآل والسعيد من لزم السنة (^١).\nوقد تلاشت الكلابية كفرقة، لكن أفكارها حملت بواسطة الأشاعرة، فقد احتفظ الأشعري وقدماء أصحابه بأفكار الكلابية ونشروها، وبذلك اندرست المدرسة الكلابية الأقدم تاريخًا والأسبق ظهورًا في الأشعرية.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والكلابية هم مشايخ الأشعرية، فإن أبا الحسن الأشعري إنما اقتدى بطريقة أبي محمد بن كلاب، وابن كلاب كان أقرب إلى السلف زمنًا وطريقة. وقد جمع أبو بكر بن فورك (ت ٤٠٦ هـ) كلام ابن كلاب والأشعري وبين اتفاقهما في الأصول\" (^٢).\nفالكلابية أسبق في الظهور من الأشاعرة و<span data-type='title' id=toc-150>الماتريدية،</span> فقد نشأت الكلابية في منتصف القرن الثالث، وهي أول الفرق الكلامية بعد الجهمية والمعتزلة، فقد توفي ابن كلاب سنة (٢٤٣ هـ).\n٣ - الماتريدية:\n\nتُعَدُّ الماتريدية شقيقة الأشعرية، وذلك لما بينهما من الائتلاف والاتفاق حتى لكأنهما فرقة واحدة، ويصعب التفريق بينهما. ولذلك يصرح كل من الأشاعرة\n_________\n(^١) بغية المرتاد (ص ٤٥١).\n(^٢) الاستقامة (١/ ١٠٥).","vol":"1","page":273},{"text":"والماتريدية بأن كلًا من أبى الحسن الأشعري وأبي منصور الماتريدي هما إماما أهل السنة على حد تعبيرهم (^١).\nوالماتريدية تنسب إلى أبي منصور محمد بن محمد بن محمود بن محمد الماتريدي المتوفى سنة (٣٣٣ هـ) (^٢) كان معدودًا في فقهاء الحنفية، وكان صاحب جدل وكلام ولم يكن له دراية بالسنن والآثار (^٣)، وقد نهج منهجًا كلاميًّا في تقرير العقيدة يشابه إلى حد كبير منهج متأخري الأشاعرة، وعداده في أهل الكلام من الصفاتية من أمثال ابن كلاب وأبي الحسن الأشعري وأمثالهما. وقد تابع الماتريدي ابن كلاب في مسائل متعددة من مسائل الصفات وما يتعلق بها (^٤).\nومن المعلوم أن الأحناف وأهل المشرق عمومًا كانوا من أسبق الناس تأثرًا بعلم الكلام، فقد كانت بداية الجهم من تلك الجهات، وفي هذا يقول الإمام أحمد في معرض كلامه عن الجهم: «وتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة …» (^٥).\nفبشر بن غياث المريسي (٢٢٨ هـ) والقاضي أحمد بن أبي دؤاد (٢٤٠ هـ) وغيرهما كانوا من الأحناف، فلا غرابة أن يكون الماتريدي الحنفي من أولئك الذين ناصروا علم الكلام وسعوا في تأسيسه وتقعيده، إلى أن أصبح علمًا من أعلامه وصاحب إحدى مدارس الكلام التي صارت فيما بعد تعرف باسمه.\n_________\n(^١) مفتاح السعادة (٢/ ١٥١، ١٥٢) تأليف: طاش كبرى زاده\n(^٢) انظر ترجمته في كتاب: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات (١/ ٢٠٩) للدكتور شمس الدين الأفغاني.\n(^٣) العقيدة السلفية في كلام رب البرية (ص ٢٧٩) تأليف: عبد الله بن يوسف الجديع.\n(^٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٣٣)، كتاب الإيمان (ص ٤١٤)، منهاج السنة (٢/ ٣٦٢).\n(^٥) الرد على الجهمية (ص ١٠٣ - ١٠٥).","vol":"1","page":274},{"text":"فالماتريدي لا يبعد كثيرًا عن أبي الحسن الأشعري (في طوره الثاني) فهو خصم لَدُود للمعتزلة، إلا أنه كان متأثرًا بالمنهج الكلامي على طريقة ابن كلاب من الاعتماد على المناهج الكلامية في تقرير المسائل الاعتقادية شأنه في ذلك شأن أبي الحسن الأشعري، فكلاهما يعتبر امتدادًا لمدرسة ابن كلاب التي عرفت كمدرسة ثالثة بعد أن كان الخلاف دائرًا بين أهل السنة والجماعة من جهة، والجهمية والمعتزلة من جهة أخرى، فجاء ابن كلاب وأحدث منهجًا ثالثًا حاول فيه التلفيق بين النصوص الشرعية والمناهج الكلامية كما سبق الإشارة إلى ذلك عند الحديث عن الكلابية.\nفالمذهب الكلابي كان له وجوده في العراق والري وخراسان وكان له انتشار في بلاد ما وراء النهر التي كانت تغص بمختلف الطوائف والفرق (^١).\nولم تتعرض الماتريدية للتطور الذي حصل على العقيدة الأشعرية والذي سبق بيانه في الحديث عن الأشعرية فالماتريدية بقيت على ما كانت عليه.\nوقول المصنف: \"فأثبتوا له الأسماء دون ما تضمنته من الصفات، فمنهم من جعل العليم والقدير والسميع والبصير كالأعلام المحضة المترادفات، ومنهم من قال: عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بصير بلا سمع ولا بصر، فأثبتوا الاسم دون ما تضمّنه من الصفات.\nوالكلام على فساد مقالة هؤلاء وبيان تناقضها بصريح المعقول المطابق لصحيح المنقول مذكور في غير هذه الكلمات\".\nويمكن توضيح هذا النص من خلال الأمور الآتية\"\nالأمر الأول: أقسام الناس في قيام الصفات بالذات.\n_________\n(^١) انظر: «أحسن التقاسيم» للمقدسي (ص ٣٢٣).","vol":"1","page":275},{"text":"والخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال:\n١ - قول المعتزلة ومن وافقهم: أن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث).\n٢ - قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل.\n٣ - قول الكرامية ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.\n٤ - قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة. وهذا هو الصحيح. (^١)\nالأمر الثاني: قول المعتزلة في باب الصفات.\nفالمعتزلة تجمع على غاية واحدة وهي نفي إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها. ولكنهم سلكوا طريقين في موقفهم من الصفات.\nالطريق الأول: الذي عليه أغلبيتهم وهو نفيها صراحة فقالوا: إن الله عالم بذاته لا بعلم وهكذا في باقي الصفات.\nوالطريق الثاني: الذي عليه بعضهم وهو إثباتها اسمًا ونفيها فعلًا فقالوا: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته وهكذا بقية الصفات، فكان مجتمعًا مع الرأي الأول في الغاية\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢٥، ١٤٩.","vol":"1","page":276},{"text":"وهي نفي الصفات.\nوهناك آراء أخرى للمعتزلة لكنها تجتمع في الغاية مع الرأيين الأولين، وهو التخلص من إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها. (^١)\nوالمقصود بنفي الصفات عندهم: هو نفي إثباتها حقيقة في الذات ومتميزة عنها، وذلك أنهم يجعلونها عين الذات فالله عالم بذاته بدون علم أو عالم بعلم وعلمه ذاته. (^٢)\nفالمعتزلة يرون امتناع قيام الصفات به، لاعتقادهم أن الصفات أعراض، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه فقالوا حينئذ إن القرآن مخلوق، وإنه ليس لله مشيئة قائمة به، ولا حب ولا بغض ونحو ذلك.\nوردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق، أو إضافة وصف من غير قيام معنى به. (^٣)\nالأمر الثالث: الفرق بين المعتزلة من جهة وبين قول الكلابية وقدماء الأشاعرة من جهة أخرى في مسألة قيام الصفات بالذات:\nأن المعتزلة تقول: (لا تحله الأعراض والحوادث) فالمعتزلة لا يريدون [بالأعراض] الأمراض والآفات فقط، بل يريدون بذلك الصفات. ولا يريدون [بالحوادث] المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك -مما يريده الناس بلفظ الحوادث-بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم،\n_________\n(^١) -المصدر السابق ص ١٠١.\n(^٢) -المعتزلة وأصولهم الخمسة ص ١٠٠.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٧، ١٤٨، ٣٥٩.","vol":"1","page":277},{"text":"ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه.\nولكن ابن كلاب ومن وافقه خالفوا المعتزلة في قولهم: \"لا تقوم به الأعراض\" وقالوا: \"تقوم به الصفات ولكن لا تسمى أعراضًا\".\nووافقوا المعتزلة على ما أرادوا بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته. (^١)\nففرقوا بين الأعراض -أي الصفات-والحوادث-أي الأمور المتعلقة بالمشيئة. (^٢)\nفالكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله (^٣)، ويقولون: \"لو قامت به لكان محلًا للحوادث. والحادث إن أوجب له كمالًا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالًا لم يجز وصفه به. (^٤)\nولتوضيح أقوالهم نقول: إن المضافات إلى الله سبحانه في الكتاب والسنة لا تخلو من ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: إضافة الصفة إلى الموصوف\nكقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء مِنْ علمه﴾ (^٥) وقوله: ﴿إن الله هو الرَّزَّاق ذو القوَّة﴾ (^٦) فهذا القسم يثبته الكلابية ولا يخالفون فيه أهل السنة، وينكره المعتزلة.\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢١.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٥.\n(^٣) -الصفات الفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، أو التي تنفك عن الذات: كالاستواء، والنزول، والضحك، والإتيان، والمجيء، والغضب والفرح. مجموع الفتاوى ٦/ ٦٨، ٥/ ٤١٠.\n(^٤) -مجموع الفتاوى ٦/ ٦٩، وانظر الرد على هذه الشبهة ٦/ ١٠٥.\n(^٥) -الآية ٢٥٥ من سورة البقرة.\n(^٦) -الآية ٥٨ من سورة الذاريات.","vol":"1","page":278},{"text":"والقسم الثاني: إضافة المخلوق.\nكقوله تعالى: ﴿ناقة الله وسقياها﴾ (^١) وقوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ (^٢) وهذا القسم لا خلاف بين المسلمين في أنه مخلوق.\nوالقسم الثالث: -وهو محل الكلام هنا-ما فيه معنى الصفة والفعل.\nكقوله تعالى: ﴿وكلَّم الله موسى تكليما﴾ (^٣) وقوله تعالى: ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾ (^٤) وقوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بغضب على غضب﴾ (^٥)\nفهذا القسم الثالث لا يثبته الكلابية ومن وافقهم على زعم أن الحوادث لا تحل بذاته. فهو على هذا يلحق عندهم بأحد القسمين قبله فيكون:\n١ - إما قديمًا قائمًا به.\n٢ - وإما مخلوقًا منفصلًا عنه.\nويمتنع عندهم أن يقوم به نعت أو حال أو فعل ليس بقديم ويسمون هذه المسألة: «مسألة حلول الحوادث بذاته» (^٦) وذلك مثل صفات الكلام، والرضا، والغضب، والفرح، والمجيء، والنزول والإتيان، وغيرها. وبالتالي هم يؤولون النصوص الواردة في ذلك على أحد الوجوه التالية:\n(١) -إرجاعها إلى الصفات الذاتية واعتبارها منها، فيجعلون جميع تلك الصفات قديمة أزلية، ويقولون: نزوله، ومجيئه وإتيانه، وفرحه، وغضبه، ورضاه، ونحو\n_________\n(^١) -الآية ١٣ من سورة الشمس.\n(^٢) -الآية ٢٦ من سورة الحج.\n(^٣) -الآية ١٦٤ من سورة النساء.\n(^٤) -الآية ١ من سورة المائدة.\n(^٥) -الآية ٩٠ من سورة البقرة.\n(^٦) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٤، ١٤٧.","vol":"1","page":279},{"text":"ذلك: قديم أزلي (^١) وهذه الصفات جميعها صفات ذاتية لله، وإنها قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته واختياره. (^٢)\n(٢) -وإما أن يجعلوها من باب «النسب» و«الإضافة» المحضة بمعنى أن الله خلق العرش بصفة تحت فصار مستويًا عليه، وأنه يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه فيصير جائيًا إليهم ونحو ذلك. وأن التكليم إسماع المخاطب فقط. (^٣)\nفهذه الأمور من صفات الفعل منفصلة عن الله بائنة وهي مضافة إليه، لا أنها صفات قائمة به. ولهذا يقول كثير منهم: \"إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات، وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات. (^٤)\n(٣) -أو يجعلوها «أفعالًا محضة» في المخلوقات من غير إضافة ولا نسبة. (^٥)\nمثل قولهم في الاستواء إنه فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قربًا فيصير مستويًا عليه من غير أن يقوم بالله فعل اختياري. (^٦)\nوكقولهم في النزول إنه يخلق أعراضًا في بعض المخلوقات يسميها نزولًا. (^٧)\nونفاة الصفات الاختيارية يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء.\nويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٢.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٠.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٩.\n(^٤) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١١، ٤١٢.\n(^٥) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٩.\n(^٦) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤٣٧، الأسماء والصفات للبيهقي ص ٥١٧.\n(^٧) -مجموع الفتاوى ٥/ ٣٨٦.","vol":"1","page":280},{"text":"مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض.\nوأما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم، والأصابع فأغلب هؤلاء يتأولها. (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن.\nوأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (^٢)\nالأمر الثالث: أن متأخري الأشاعرة مالوا إلى أقوال المعتزلة.\nفالأشعرية المتأخرة مالوا إلى نوع التجهم بل الفلسفة وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه (^٣).\nفهؤلاء يثبتون الذات ولكن لا يثبتون إلا الصفات العقلية، وأما الخبرية فمنهم من ينفيها ومنهم من يتوقف فيها.\nفقدماء الأشاعرة كانوا يثبتون الصفات الخبرية بالجملة، كأبي الحسن الأشعري وأبي عبد الله بن مجاهد، وأبي الحسن الباهلي والقاضي أبي بكر\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ١٠٣٤، ١٠٣٦.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٤/ ١٤٧، ١٤٨.\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٩٧).","vol":"1","page":281},{"text":"الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي وغير هؤلاء (^١).\nلكن المتأخرين من أتباع أبي الحسن الأشعري كأبي المعالي الجويني وغيره لا يثبتون إلا الصفات العقلية، وأما الخبرية فمنهم من ينفيها ومنهم من يتوقف فيها كالرازي والآمدي وغيرهما.\nونفاة الصفات الخبرية منهم من يتأول نصوصها ومنهم من يفوض معناها إلى الله تعالى.\nوأما من أثبتها كالأشعري وأئمة أصحابه. فهؤلاء يقولون: تأويلها بما يقتضي نفيها تأويل باطل، فلا يكتفون بالتفويض بل يبطلون تأويلات النفاة (^٢).\nوهذا الاضطراب في العقيدة الأشعرية بين المتقدمين والمتأخرين سببه ميل الأشاعرة بأشعريتهم إلى الاعتزال أكثر فأكثر بل إنهم خلطوا معها الفلسفة.\nقول الأشعرية في الصفات:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالأشعرية وافق بعضهم المعتزلة في الصفات الخبرية، وجمهورهم وافقهم في الصفات الحديثية، وأما الصفات القرآنية فلهم قولان:\nفالأشعري والباقلاني وقدماؤهم يثبتونها، وبعضهم يقر ببعضها؛ وفيهم تجهم من جهة أخرى.\nفإن الأشعري شرب كلام الجبائي شيخ المعتزلة، ونسبته في الكلام إليه متفق عليها عند أصحابه وغيرهم.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ١٤٧، ١٤٨).\n(^٢) منهاج السنة (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤).","vol":"1","page":282},{"text":"وابن الباقلاني أكثر إثباتًا بعد الأشعري، وبعد ابن الباقلاني ابن فورك، فإنه أثبت بعض ما في القرآن.\nوأما الجويني ومن سلك طريقته فمالوا إلى مذهب المعتزلة فإن أبا المعالي كان كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، قليل المعرفة بالآثار، فأثر فيه مجموع الأمرين (^١).\nفما إن جاء أبوبكر الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، فتصدى للإمامة في تلك الطريقة وهذبها ووضع لها المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وجعل هذه القواعد تبعًا للعقائد الإيمانية من حيث وجوب الإيمان بها (^٢) وأسهم إلى حد كبير في تنظير المذهب الأشعري الكلامي وتنظيمه مما أدى إلى تشابه منهجي بين المذهب الأشعري والمذهب المعتزلي فقد كان الأشعري يجعل النص هو الأساس والعقل عنده تابع، أما الباقلاني فالعقيدة كلها بجميع مسائلها تدخل في نطاق العقل (^٣)، ويعتبر الباقلاني المؤسس الثاني للمذهب الأشعري (^٤).\nثم جاء بعده إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨ هـ) فاستخدم الأقيسة المنطقية في تأييد هذه العقيدة، وخالف الباقلاني في كثير من القواعد التي وضعها. وإن كان الجويني قد استفاد أكثر مادته الكلامية من كلام الباقلاني، لكنه مزج أشعريته بشيء من الاعتزال استمده من كلام أبي هاشم الجبائي المعتزلي على مختارات له، وبذلك خرج عن طريقة القاضي وذويه في مواضع إلى طريقة المعتزلة.\nوأما كلام أبي الحسن الأشعري فلم يكن يستمد منه، وإنما ينقل كلامه مما\n_________\n(^١) منهاج السنة (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤).\n(^٢) مقدمة ابن خلدون (ص ٤٦٥)، ط: مصطفى محمد.\n(^٣) مقدمة التمهيد للباقلاني (ص ١٥)، بتحقيق الخضيري وأبو ريدة.\n(^٤) نشأة الأشعرية وتطورها (ص ٣٢٠).","vol":"1","page":283},{"text":"يحكيه عنه الناس (^١) وعلى طريقة الجويني اعتمد المتأخرون من الأشاعرة، كالغزالي (ت ٥٠٥ هـ) وابن الخطيب الرازي (ت ٦٠٦ هـ) وخلطوا مع المادة الاعتزالية التي أدخلها الجويني مادة فلسفية، وبذلك ازدادت الأشعرية بعدًا وانحرافًا.\nفالغزالي مادته الكلامية من كلام شيخه الجويني في \"الإرشاد\" و\"الشامل\" ونحوهما مضمومًا إلى ما تلقاه من القاضي أبي بكر الباقلاني. ومادته الفلسفية من كلام ابن سينا، ولهذا يقال: أبو حامد أمرضه \"الشفا\"، ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا ورسائل أبي حيان التوحيدي ونحو ذلك.\nوأما الرازي فمادته الكلامية من كلام أبي المعالي والشهرستاني فإن الشهرستاني أخذه عن الأنصاري النيسابوري عن أبي المعالي، وله مادة اعتزالية قوية من كلام أبي الحسين البصري (ت ٤٣٦ هـ)، وفي الفلسفة مادته من كلام ابن سينا والشهرستاني ونحوهما (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-151>السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وهؤلاء جميعهم يفرون من شيء فيقعون في نظيره وفي شر منه، مع ما يلزمهم من التحريفات والتعطيلات، ولو أمعنوا النظر لسوّوا بين المتماثلات، وفرقوا بين المختلفات، كما تقتضيه المعقولات، ولكانوا من الذين أوتوا العلم الذين يرون أن ما أنزل إلى الرسول هو الحق من ربه ويهدي إلى صراط\n_________\n(^١) بغية المرتاد (ص ٤٤٨، ٤٥١)، بتصرف.\n(^٢) بغية المرتاد (ص ٤٤٨)، بتصرف.","vol":"1","page":284},{"text":"العزيز الحميد، ولكنهم من أهل المجهولات المشبَّهة بالمعقولات، يسفسطون في العقليات، ويقرمطون في السمعيات.\nوذلك أنه قد عُلم بضرورة العقل أنه لا بد من موجود قديم غني عما سواه، إذ نحن نشاهد حدوث المحدثات كالحيوان والمعدن والنبات، والحادث ممكن ليس بواجب ولا ممتنع، وقد عُلم بالاضطرار أن المحدَث لا بد له من محدِث، والممكن لا بد له من واجب، كما قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: ٣٥]، فإذا لم يكونوا خلقوا من غير خالق ولا هم الخالقون لأنفسهم تعين أن لهم خالقا خلقهم.\nوإذا كان من المعلوم بالضرورة أن في الوجود ما هو قديم واجب بنفسه، وما هو مُحْدَث ممكن، يقبل الوجود والعدم، فمعلوم أن هذا موجود وهذا موجود ولا يلزم من اتفاقهما في مسمى «الوجود» أن يكون وجود هذا مثل وجود هذا، بل وجود هذا يخصّه ووجود هذا يخصه، واتفاقهما في اسم عام لا يقتضي تماثلهما في مسمى ذلك الاسم عند الاضافة والتقييد والتخصيص ولا في غيره، فلا يقول عاقل- إذا قيل: إن العرش شيء موجود وإن البعوض شيء موجود- إن هذا مثل هذا لاتفاقهما في مسمى «الشيء»، و«الوجود»، لأنه ليس في الخارج شيء موجود غيرهما يشتركان فيه، بل الذهن يأخذ معنى مشتركا كليا هو مسمى الاسم المطلق، وإذا قيل: هذا موجود وهذا موجود، فوجود كلّ منهما يخصه لا يشركه فيه غيره، مع أن الاسم حقيقة في كل منهما.\nولهذا سمى الله نفسه بأسماء وسمّى صفاته بأسماء، فكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أضيفت إليه لا يشركه فيها غيره، وسمّى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم توافق تلك الأسماء إذا قطعت عن الإضافة والتخصيص،","vol":"1","page":285},{"text":"ولم يلزم من اتفاق الاسمين تماثل مسماهما واتحاده عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص، لا اتفاقهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص، فضلا عن أن يتحد مسماهما عند الإضافة والتخصيص.\nفقد سمّى الله نفسه حيًّا، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾] البقرة: الآية: ٢٥٥ [. وسمّى بعض عباده حيًا، فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ وليس هذا الحيّ مثل هذا الحي، لأن قوله ﴿الْحَيُّ﴾ اسم لله مختص به، وقوله ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسم للحي المخلوق مختص به، وإنما يتفقان إذا أُطلقا وجُرِّدا عن التخصيص، ولكن ليس للمطق مسمّى موجود في الخارج، ولكن العقل يفهم من المطلق قدرًا مشتركا بين المسميين، وعند الاختصاص يقيّد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق، والمخلوق عن الخالق.\nولا بدّ من هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يُفهم منها ما دلّ عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دلّ عليه بالإضافة والاختصاص، المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه ﷾.\nوكذلك سمّى الله نفسه عليمًا حليمًا، وسمّى بعض عباده عليمًا، فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ يعني إسحق، وسمّى آخر حليمًا، فقال: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ يعني إسماعيل، وليس العليم كالعليم، ولا الحليم كالحليم.\nوسمّى نفسه سميعًا بصيرًا، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وسمّى بعض خلقه سميعًا بصيرًا فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وليس السميع كالسميع، ولا البصير كالبصير.\nوسمّى نفسه بالرءوف الرحيم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وسمّى","vol":"1","page":286},{"text":"بعض عباده بالرءوف الرحيم فقال: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وليس الرءوف كالرءوف، ولا الرحيم كالرحيم.\nوسمى نفسه بالملك، فقال: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ وسمّى بعض عباده بالملك، فقال: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾، ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ وليس الملك كالملك.\nوسمى نفسه بالمؤمن، فقال: ﴿الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ﴾ وسمّى بعض عباده بالمؤمن، فقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ﴾ وليس المؤمن كالمؤمن. وسمّى نفسه بالعزيز، فقال: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾، وسمّى بعض عباده بالعزيز، فقال: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ وليس العزيز كالعزيز.\nوسمّى نفسه الجبار المتكبر، وسمّى بعض خلقه بالجبار المتكبر، فقال: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ وليس الجبار كالجبار، ولا المتكبر كالمتكبر.\nونظائر هذا متعددة.\nوكذلك سمّى صفاته بأسماء، وسمّى صفات عباده بنظير ذلك، فقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾، وقال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾.\nوسمّى صفة المخلوق علمًا وقوة، فقال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾، وقال: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾، وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾، وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾، وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ","vol":"1","page":287},{"text":"بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أي: بقوة، وقال ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ﴾ أي: ذا القوة، وليس العلم كالعلم، ولا القوة كالقوة.\nوكذلك وصف نفسه بالمشيئة، ووصف عبده بالمشيئة، فقال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ • وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وقال: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا • وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾.\nوكذلك وصف نفسه بالإرادة، ووصف عبده بالإرادة، فقال: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. ووصف نفسه بالمحبة، ووصف عبده بالمحبة، فقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾] المائدة الآية: ٥٤]، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ..\nووصف نفسه بالرضا، ووصف عبده بالرضا، فقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾] التوبة الآية: ١٠٠ [.\nومعلوم أن مشيئة الله ليست مثل مشيئة العبد، ولا إرادته مثل إرادته، ولا محبته مثل محبته، ولا رضاه مثل رضاه.\nوكذلك وصف نفسه بأنه يمقت الكفار، ووصفهم بالمقت، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إلى الإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾، وليس المقت مثل المقت.\nوهكذا وصف نفسه بالمكر والكيد، كما وصف عبده بذلك، فقال: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا • وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾، وليس المكر كالمكر، ولا الكيد كالكيد.\nووصف نفسه بالعمل، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾] يس. الآية: ٧١]، ووصف عبده بالعمل فقال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾","vol":"1","page":288},{"text":"] السجدة الآية: ١٧]، وليس العمل كالعمل.\nووصف نفسه بالمناداة والمناجاة، في قوله: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾] مريم الآية: ٥٢]، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ﴾] القصص الآية: ٦٢]، وقوله: ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا﴾] الأعراف الآية: ٢٢ [ووصف عبده بالمناداة والمناجاة، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾] الحجرات الآية: ٤]، وقال: ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾] المجادلة الآية: ١٢]، وقال: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾] المجادلة الآية: ٩]، وليس المناداة كالمناداة، ولا المناجاة كالمناجاة.\nووصف نفسه بالتكليم في قوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾] النساء الآية: ١٦٤]، وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾] الأعراف الآية: ١٤٣]، وقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾] البقرة الآية: ٢٥٣]، ووصف عبده بالتكليم في مثل قوله: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ﴾] يوسف الآية: ٥٤]، وليس التكليم كالتكليم.\nووصف نفسه بالتنبئة، ووصف بعض الخلق بالتنبئة، فقال: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾] التحريم الآية: ٣ [وليس الإنباء كالإنباء.\nووصف نفسه بالتعليم، ووصف عبده بالتعليم، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ • عَلَّمَ الْقُرْآنَ • خَلَقَ الإِنسَانَ • عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾] الرحمن الآيات: ١ إلى ٤]، وقال: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾] المائدة الآية: ٤]، وقال: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾] آل عمران الآية: ١٦٤]، وليس التعليم كالتعليم. وهكذا وصف نفسه بالغضب، في قوله: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾] الفتح الآية: ٦]، ووصف عبده بالغضب في قوله: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ","vol":"1","page":289},{"text":"أَسِفًا﴾] الأعراف الآية: ١٥٠]، وليس الغضب كالغضب.\nووصف نفسه بأنه استوى على عرشه، فذكر في سبع آيات من كتابه أنه استوى على العرش، ووصف بعض خلقه بالاستواء على غيره، في مثل قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾] الزخرف الآية: ١٣]، وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾] المؤمنون الآية: ٢٨]، وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾] هود الآية: ٤٤ [وليس الاستواء كالاستواء.\nووصف نفسه ببسط اليدين، فقال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾] المائدة الآية: ٦٤]، ووصف بعض خلقه ببسط اليد، في قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾] الإسراء الآية: ٢٩]، وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم. ونظائر هذا كثيرة.\nفلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي ماثلته لخلقه، فمن قال: ليس لله علم، ولا قوة، ولا رحمة، ولا كلام، ولا يحب، ولا يرضى، ولا نادى، ولا ناجى، ولا استوى-كان معطلًا جاحدًا ممثلًا له بالمعدومات والجمادات.\nومَن قال: له علم كعلمي أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو رضاء كرضائي، أو يَدَان كيداي، أو استواء كاستوائي-كان مشبهًا ممثلًا لله بالحيوانات، بل لا بد من إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل\".\nالشرح\nالمصنف يتكلم هنا عن مسألة القدر المشترك، وهذه المسألة لها تشعباتها وتفرعاتها ومصطلحاتها، وأحاول هنا شرح تلك المسألة وجوانبها فأقول:\n\n<span data-type='title' id=toc-152>التوطئة:</span>","vol":"1","page":290},{"text":"تعد مسألة القدر المشترك من أهم مسائل باب الأسماء والصفات وأدقها، ولها تعلقها بعدة مسائل في هذا الباب، وبفهمها تزول إشكالات كثيرة كانت سببًا لغلط كثير من المخالفين في هذا الباب، وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية لأهمية ذلك في الكثير من كتبه ومن ذلك قوله: «وهذا الموضع من فهمه جيدًا، وتدبره، زالت عنه عامة الشبهات، وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام» (^١)، «فإنه مقام زلت فيه أقدام، وظلت فيه أحلام، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم» (^٢).\nوقال عنها كذلك: «ومن فهم هذه الحقائق الشريفة، والقواعد الجليلة النافعة: حصل له من العلم والمعرفة والتحقيق والتوحيد والإيمان، وانجاب عنه من الشبه والضلال والحيرة ما يصير به في هذا الباب من أفضل الذين أنعم الله عليهم، غير المغضوب عليهم، ولا الضالين، ومن سادة أهل العلم والإيمان» (^٣).\nوفي هذه التوطئة لهذه المسألة يجدر التنبيه إلى أن علماء أهل السنة قرروا الحقائق الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-153>أولًا: أن القدر المشترك يراد به: ما تشترك فيه الموجودات من: معاني، ذهنية، كلية، مطلقة</span>\nفما من مسميين إلا وبينهما:\n• قدر مشترك.\n• وقدر مميز.\n_________\n(^١) التدمرية، ص: (١٢٨).\n(^٢) اقتضاء الصراط المستقيم-ت: الفقي، ص: (٤٦٤).\n(^٣) شرح حديث النزول، ص: (١١٢)، وضمن مجموع الفتاوي (٥/ ٣٥١)، وانظر: المرجع السابق (٥/ ٣٣٠ - ٣٣١)، منهاج السنة النبوية (٢/ ١١٨)، بدائع الفوائد (١/ ١٧٣). (٢/ ٣١٤).","vol":"1","page":291},{"text":"<span data-type='title' id=toc-154>ثانيًا: أن نعلم أن المعنى العام لا يقتضي تماثلًا من كل وجه.</span>\nوذلك أن لكل ماهيتين:\n• معنى عامًا اشتركا فيه.\n• ومعنى خاصًا افترقا فيه.\n• فالمعنى العام: الذي اشتركا فيه هو (القدر المشترك) الذي لا يقتضي تماثلا من كل وجه.\n• والمعنى الخاص: وحين تكون الخصائص والإضافات تتمايز هاتان الماهيتان وهو (القدر المميز).\n\n<span data-type='title' id=toc-155>ثالثًا: أن الكليات التي يتفق فيها الشيئان إنما هي في الأذهان لا في الأعيان.</span>\nفليس في الموجودات الخارجية اثنان اشتركا في شيء فضلا عن أن يكون الخالق تعالى مشاركا لغيره في شيء من الأشياء ﷾\" (^١).\nفالمقصود بالقدر المشترك هو المعنى العام الكلي المقدر في الذهن.\nومثال ذلك: لفظ أو مسمى \"الوجود\" فهذا اللفظ يطلق على الخالق والمخلوق فيقال الله موجود والمخلوق موجود.\nولكن هذا الإطلاق أو هذا القدر المشترك هو في الوجود الذهني فقط لا في الوجود العياني أو الخارجي.\nيقول ابن قدامة ﵀: \" والرجل له وجود في:\n• الأعيان،\n• والأذهان،\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٨٣)","vol":"1","page":292},{"text":"• واللسان.\n• فوجوده في الأعيان لا عموم له إذ ليس في الوجود رجل مطلق بل إما زيد وإما عمرو.\n• وأما وجوده في اللسان فلفظة (الرجل) قد وضعت للدلالة عليه.\n• وأما الذي في الأذهان من معنى الرجل فيسمى كليا، فإن العقل يأخذ من مشاهدة زيد: حقيقة الإنسان وحقيقة الرجل، فإن رأى عمرا لم يأخذ منه صورة أخرى، وكان ما أخذه من قبل نسبته إلى عمرو الحارث كنسبته إلى زيد الذي عهده أولا … \" (^١).\nقال شيخ الإسلام ﵀: \"والقدر المشترك كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه .. \" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-156>رابعًا: \"أن من قال: إنه يوجد في الخارج كليا، فقد غلط.</span>\nفإن الكلي لا يكون كليا قط إلا في الأذهان لا في الأعيان، وليس في الخارج إلا شيء معين، إذا تصور منع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه، ولكن العقل يأخذ القدر المشترك الكلي بين المعينات، فيكون كليا مشتركا في الأذهان\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-157>خامسًا: \"ما كان لازما لهذا المعنى العام كان لازما للموصوف به، وهذا لا محذور فيه، بل هو حق.</span>\nومثاله الذي يوضحه:\n_________\n(^١) روضة الناظر لابن قدامة: ٢/ ٥ - ٦، ت: النملة.\n(^٢) التدمرية: ١٢٥ - ١٢٩.\n(^٣) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٤/ ٣٠٨)","vol":"1","page":293},{"text":"• إذا كان الخالق (موجودا) والمخلوق (موجودا).\n• أو هذا (قائم بنفسه)، وهذا (قائم بنفسه).\n• أو قيل: هذا (حي عليم رحيم)، وقيل: (هذا حي عليم رحيم).\nكان القدر العام الكلي المتفق هو: مسمى (الوجود) و(القيام بالنفس) و(الحياة) و(العلم) و(الرحمة) أو مسمى أنه (موجود) (قائم بنفسه) (حي) (عالم) (رحيم).\nوهذا المعنى العام ليس من لوازمه ما ينفى عن الله، بل لوازمه كلها صفات كمال يوصف الله بها.\no  وإنما يكون لوازمه صفة نقص إذا قيّد بالعبد فقيل: وجود العبد وعلم العبد ورحمة العبد، فالنقص يلزمه إذا كان مقيدا مختصا بالعبد، والله منزه عما يختص به العبد.\no  وأما إذا:\n- اتصف الرب به.\n- أو أُخذ مطلقا غير مختص بالعبد.\nففي هذين الحالين لا يلزمه شيء من النقائص أصلا، فتبين أن إثبات القدر العام المتفق عليه لا محذور فيه أصلا (^١) \".\nخامسًا: أن المقصود بالقدر المميز: أن بين الموجودين في الوجود الخارجي قدر مميز وفارق بينهما، وعليه فإن لله وجودًا يختص به وللمخلوق وجود يختص به.\n_________\n(^١) الصفدية (٢/ ٩).","vol":"1","page":294},{"text":"• فأما وجود الله فمعلوم أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، فلا يجوز أن يثبت له شيء من خصائص المخلوقين ولا يمثل بها.\n• وهكذا الشأن في وجود المخلوق العياني فلا أن يثبت لشيء من الموجودات مثل شيء من صفاته ولا مشابهة في شيء من خصائصه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.\nوإذا كان المثل هو الموافق لغيره فيما يجب ويجوز ويمتنع، فهو سبحانه لا يشاركه شيء فيما يجب له ويمتنع عليه ويجوز له.\nبل إن المخلوق لا يشارك مخلوقا في شيء من صفاته، فكيف يكون للخالق شريك في ذلك، لكن المخلوق قد يكون له من يماثله في صفاته، والله تعالى لا مثل له أصلا.\n• وأما ما يتقدس الرب تعالى ويتنزه عنه من النقائص والآفات فهي ليست من لوازم ما يختص به، ولا من لوازم القدر المشترك الكلي المطلق أصلا، بل هي من خصائص المخلوقات الناقصة، والله تعالى منزه عن كل نقص وعيب \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-158>سادسًا: أنه \"ليس في الموجودات الخارجية اثنان اشتركا في شيء فضلا عن أن يكون الخالق تعالى مشاركا لغيره في شيء من الأشياء ﷾\"</span> (^٢).\n<span data-type='title' id=toc-159>سابعًا: مسألة القدر المشترك لا تختص باب الأسماء والصفات وحده بل هي مسألة أعم وهذا ما يوضحه كلام الإمام ابن القيم حيث يقول:</span>\n\"فأحظى الناس بالحق وأسعدهم به الذي يقع على الخصائص المميزة الفارقة ويلغي القدر المشترك فيحكم بالقدر الفارق على القدر المشترك ويفصله به.\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٨٣ - ٨٥) بتصرف.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٨٣)","vol":"1","page":295},{"text":"وأبعدهم عن الحق والهدى من عكس هذا السير وسلك ضد هذه الطريق فألغى الخصائص الفارقة وأخذ القدر المشترك وحكم به على القدر الفارق.\nوأضل منه من أخذ خصائص كل من النوعين فأعطاها للنوع الآخر.\nفهذان طريقا أهل الضلالة اللتان يرجع إليهما جميع شعب ضلالهم وباطلهم.\nمثال ذلك: أن أعداء الرسل المكذبين لهم الجاحدين لما جاءوا به من الحق لما أرادوا تلبيس الحق الذي جاءوا به بالباطل أخذوا بينه وبين الباطل قدرا مشتركا ثم ألغوا القدر الفارق وما اختص به أحد النوعين فقالوا هذا الرسول شاعر وكاهن ومجنون وطالب ملك ورياسة وصيت في العالم؛ فأخذوا قدرا مشتركا بين الشعر وبين كلامه الذي جاء به من الترغيب والترهيب وحسن التعبير عن المعاني باللفظ الذي يروق المسامع ويهز القلوب ويحرك النفوس.\nفقالوا: هو شاعر وهذا شعر وضربوا عن الخصائص الفارقة صفحا.\nوقالوا: هو كاهن لأن الكاهن كان عندهم معروفا بالإخبار عن الأمور الغائبة التي لا يخبر بها غيره وكذلك هذا المدعي لذلك مثله.\nوقالوا: مجنون لأن المجنون يقول ويفعل خلاف ما اعتاده الناس.\nوقالوا: ساحر لأن الساحر يأخذ بالقلوب والعيون ويحبب تارة وينفر أخرى؛ ولهذا قال لهم الوليد بن المغيرة وقد سألوه ماذا يقولون للناس في أمر محمد، ففكر وقدر ورأى أن أقرب ما يقولون هو ساحر لأنه يفرق بين المرء وزوجه، ومحمد يفعل ذلك فإن المرأة إذا أسلمت دون زوجها أو أسلم زوجها دونها وقعت الفرقة بينهما والعداوة.\nوكذلك قولهم عن القرآن: أساطير الأولين أخذوا قدرا مشتركا بينهما وهو جنس الإخبار عما أخبر عنه الأولون.","vol":"1","page":296},{"text":"وهكذا قولهم: هو طالب ملك ورياسة وصيت.\nوالمقصود أن كل مبطل فإنه يتوصل إلى باطله بهذه الطريق، ثم يلبس ما يدعو إليه خصائص الحق وما ينفر عنه خصائص الباطل، وهذا شأن الساحر فكلامه يخرج الحق في صورة الباطل فينفر عنه، والباطل في صورة الحق فيرغب فيه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-160>ثامنًا: أن وجه خطأ الذين ضلوا في هذا الباب أن \"هؤلاء أخذوا قدرا مشتركا بين ما أثبته الله لنفسه من الصفات والأفعال وبين ما للمخلوقين من ذلك </span>وحكموا بذلك القدر المشترك على خصائص الرب سبحانه، ثم ألغوا حكم تلك الخصائص واعتبارها، ثم جعلوا حكمها حكم خصائص المخلوقين.\nفأخطأوا من أربعة أوجه مثاله:\n• أنهم أخذوا قدرا مشتركا بين اليد القديمة والحادثة.\n• ثم حكموا بما فهموه من ذلك القدر المشترك على القديمة.\n• ثم ألغوا القدر الفارق بين اليد واليد.\n• ثم جعلوا خصائص أحدهما هي خصائص الأخرى واعتبر هذا منهم في كل صفة يريدون نفيها\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-161>تاسعًا: أن الصواب والحق في هذه المسألة يوضحه: إنك إذا أخذت لوازم المشترك والمميز وميزت هذا من هذا صح نظرك ومناظرتك،</span> وزال عنك اللبس والتلبيس، وذلك أن الصفة يلزمها لوازم من حيث هي هي فهذه اللوازم يجب إثباتها ولا يصح نفيها إذ نفيها ملزوم كنفي الصفة.\nمثاله: الفعل والإدراك للحياة فإن كل حي فعال مدرك؛\nوإدراك المسموعات\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٤/ ١٢١٦ - ١٢١٨\n(^٢) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٤/ ١٢١٦ - ١٢١٨","vol":"1","page":297},{"text":"بصفة السمع، وإدراك المبصرات بصفة البصر، وكشف المعلومات بصفة العلم؛ والتمييز لهذه الصفات فهذه اللوازم ينتفي رفعها عن الصفة فإنها ذاتية لها ولا يرتفع إلا برفع الصفة، ويلزمها لوازم من حيث كونها صفة للقديم مثل كونها واجبة قديمة عامة التعلق فإن صفة العلم واجبة لله قديمة غير حادثة متعلقة بكل معلوم على التفصيل.\nوهذه اللوازم منتفية عن العلم الذي هو صفة للمخلوق، ويلزمها لوازم من حيث كونها صفة له مثل كونها ممكنة حادثة بعد أن لم تكن مخلوقة غير صالحة للعموم مفارقة له.\nفهذه اللوازم يستحيل إضافتها إلى القديم.\nواجعل هذا التفصيل ميزانا لك في جميع الصفات والأفعال واعتصم به في نفي التشبيه والتمثيل؛ وفي بطلان النفي والتعطيل.\nمثاله: واعتبره في العلو والاستواء تجد هذه الصفة يلزمها كون العالي فوق السافل في القديم والمحدث فهذا اللازم حق لا يجوز نفيه. (وهذا مايسمى القدر المشترك).\nويلزمها كون السافل حاويا للأعلى محيطا به حاملا له، والأعلى مفتقر إليه، وهذا في بعض المخلوقات لا في كلها، بل بعضها لا يفتقر فيه الأعلى إلى الأسفل، ولا يحويه الأسفل ولا يحيط به ولا يحمله، كالسماء مع الأرض. (وهذا ما يسمى القدر المميز للمحدث الذي هو المخلوق).\nفالرب تعالى أجل شأنا وأعظم أن يلزم من علوه ذلك، بل لوازم علوه من خصائصه، وهي حمله للسافل، وفقر السافل إليه، وغناه سبحانه عنه، وإحاطته ﷿ به، فهو فوق العرش مع حمله العرش وحملته، وغناه عن العرش، وفقر العرش إليه،","vol":"1","page":298},{"text":"وإحاطته بالعرش، وعدم إحاطة العرش به، وحصره للعرش، وعدم حصر العرش له، وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق. (وهذا مسمى بالقدر المميز للخالق).\nوأصحاب التلبيس واللبس لا يميزون هذا التمييز ولا يفصلون هذا التفصيل، ولو ميزوا وفصلوا لهدوا إلى سواء السبيل وعلموا مطابقة العقل الصريح للتنزيل، ولسلكوا خلف الدليل، ولكن فارقوا الدليل وضلوا عن سواء السبيل. \" (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-162>عاشرًا: اصطلاحات هذه المسألة تختلف مسمياتها بحسب الفنون</span>\nفالقدر المشترك يراد به: ما تشترك فيه الموجودات من: معاني، ذهنية، كلية، مطلقة ولا بد من تفصيل المراد بهذه الألفاظ (مشترك، معني، ذهني، كلي، مطلق) وبيان محترزاتها:\nفأما (المشترك): فإنه اللفظ الموضوع لمعان متعددة (^٢).\nوالمراد بالاشتراك هنا ما يسميه النحاة: (اسم جنس)، ويسمي معانيه المنطقيون: (كليات)، كما يسميه المناطقة أيضا: (المتواطئ المشكك)، وهو اللفظ المفرد الدال على أعيان متعددة، بمعني عام مشترك بين تلك الأفراد لا على السواء، بل على التفاوت والتفاضل «لكن هذا التفاضل في الأسماء المشتكة لا يمنع أن يكون أصل المعنى مشتركًا كليًا، فلا بد في الأسماء المشككة من معني كلي مشترك، وإن كان ذلك لا يكون إلا في الذهن (^٣). - وقريب من هذا قولنا: (كلي) فإن (المشترك)\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٤/ ١٢١٦ - ١٢١٨\n(^٢) انظر: التعريفات للجرجاني (٢٧٤).\n(^٣) مجموع الفتاوي (٩/ ١٤٥). وانظر: مجموع الفتاوي (٥/ ١٠٥، ٣٢٨) (٩/ ١٤٧)، الصفدية (٢/ ٦)، درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٣٢٥)، بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣٧٨)، منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٨٦).\nوإنما أطلق على هذه المسألة: (القدر المشترك) -مع أنها من قبيل المتواطئ المشكك كما تقدم-لأن الكلام بعد هذا الإطلاق يوضح المراد به، وهو القول بأن الاشتراك كان في (معان) ذهنية، فليس الاشتراك هنا في مجرد اللفظ الذي لا يكون معه أدنى علاقة في المعنى بين المشتركين. على أن شيخ الإسلام قد بين في بعض مناظراته صحة التعبير بالاشتراك عن الأشياء المتواطئة باعتبار القدر المميز بينها، انظر: مناظرة في الحمد والشكر ضمن مجموع الفتاوي (١١/ ١٤١ - ١٤٢)، وعلى العموم فإذا فهم المعني تجوز في التعبير عنه بالمصطلحات المقاربة.","vol":"1","page":299},{"text":"أحد أنواع (الكلي)، واللفظ الكلي هو: «ما لا يمنع تصور معناه من وقوع الشركة فيه (^١).\n- وقولنا: (معني) بين، ويخرج به أمران:\n١ - أن يكون الاشتراك باللفظ فحسب، فيكون من باب المشترك اللفظي (كما يقول بذلك بعض المعطلة).\nمثل قولهم: إن تسمية الله (سميعًا) وتسمية المخلوق (سميعًا) هو مشترك لفظي، بل منهم من زعم أن لفظ (الوجود) مقول بذلك الاشتراك اللفظي، من جنس تسمية المبتاع (مشتريا) وتسمية الكوكب المعروف (المشتري)، فلا يكون هناك أدني علاقة في المعنى بين هذين الأمرين (^٢).\n٢ - أن يكون الاشتراك في الحقيقة (الكيفية)، كما يقول به بعض الممثلة.\nوقولنا (الذهني): أي إن هذا المعنى المشترك غير موجود في الخارج، وإنما هو معنى يفهم في الذهن، والذهن يفهمه مطلقة، أي غير مختص بواحد من الأشياء المعينة، بل يفهم منه الذهن قدرة يوجد في الأشياء المتباينة (وهذا معنى القول بأنه:\n_________\n(^١) شرح حديث النزول ضمن مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٥/ ٣٤٣)، وانظر: معيار العلم في المنطق للغزالي (٤٥)، المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي ضمن مجموع: المصطلح الفلسفي عند العرب للأعسم (٣١٨)، التعريفات للجرجاني (٢٣٩)، الكليات للكفوي (٧٤٥).\n(^٢) انظر قولهم بالاشتراك اللفظي في الصفات مع الرد عليه في: مجموع الفتاوي (٥/ ٢١٠)، شرح حديث النزول ضمن مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٥/ ٣٣١ - ٣٣٢)، درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٣٢٤ - ٣٢٥)، بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣٧٨)، منهاج السنة النبوية (٢/ ٥١٨).","vol":"1","page":300},{"text":"مطلق (^١)، وإنما الذي يكون في الخارج هو القدر المختص المعين، المقيد) (^٢).\nوعليه فإن ذلك القدر المشترك الكلي لا يكون ثابتًا بعينه في الأمور المتعينة في الوجود الخارجي (^٣)، فالاشتراك إنما يكون في الوجود الذهني، وأما الوجود الخارجي فلا اشتراك فيه، بل كل موجود فله ما يخصه من حقيقته مما لا يشركه فيه غيره، بل ليس بين موجودين في الخارج شيء بعينه اشتركا فيه، ولكن تشابها، ففي هذا نظير ما في هذا، كما أن هذا نظير هذا، وكل منهما متميز بذاته وصفاته عما سواه، فكيف الخالق سبحانه وتعالي (^٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «المعاني لا تكون مطلقة وعامة إلا في الأذهان، لا في الأعيان، فلا يكون موجود وجودًا مطلقًا أو عامًا إلا في الذهن، ولا يكون مطلق أو عام إلا في الذهن، ولا يكون إنسان أو حيوان مطلق وعام إلا في الذهن، وإلا فلا تكون الموجودات في أنفسها إلا معينة مخصوصة متميزة عن غيرها) (^٥).\nفالذهن يفهم من (السميع) قدرًا مطلقًا، وهو (مطلق السمع)، ولا يوجد في الخارج شيء يسمى: (سمعًا) بهذا الإطلاق، بل لا يوجد إلا مضافًا معينًا (سمع الله) أو (سمع المخلوق)، فهذا اللفظ المشترك المطلق يتناول الاثنين، لكن هذا المشترك\n_________\n(^١) قال يوسف ابن الجوزي: «المطلق: ما دل على شيء غير معين باعتبار حقيقة شاملة لجنسه، الإيضاح لقوانين الاصطلاح (١٩)، وانظر: التعريفات للجرجاني (٢٨٠).\n(^٢) انظر: التدمرية (١٢٨)، مجموع الفتاوي (٩/ ١٤٧)، اقتضاء الصراط المستقيم-ت: الفقي (٤٦٤)، بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣٧٩)، منهاج السنة النبوية: ٢/ ١١٩ - ١٢٠، ٥٢٦)، الرد على الشاذلي في حزبه (٢١٩).\n(^٣) انظر: منهاج السنة النبوية (٢/ ١١٩).\n(^٤) اقتضاء الصراط المستقيم -ت: الفقي (٤٦٤)، وانظر: درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٨٤).\n(^٥) شرح حديث النزول ضمن مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٥/ ٣٣٠)، وانظر: مجموع الفتاوي (٩/ ٦٠).","vol":"1","page":301},{"text":"لا وجود له في الخارج عقلا، ولا لفظه موجود في الكلام سمعًا، بل موجود مطلق يتناولهما جميعًا، لا يختص بخالق ولا مخلوق، ولا يوجد في الخارج، ولا هو موجود في كلام الله ورسوله (^١).\nوبهذا يتبين معنى القدر المشترك بين الأشياء، وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور: هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا، لا أن الموجودات في الخارج يشارك أحدهما الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز عن غيره بذاته، وصفاته، وأفعاله» (^٢).\nفهذه بعض النقاط العامة في هذه مسألة القدر المشترك، ولكل جانب منها تفاصيل سيتم توضيحها وبسطها في الجوانب الآتية.\n\n<span data-type='title' id=toc-163>الجوانب التفصيلية لمسألة القدر المشترك</span>\nقد تم مراعاة أن تعرض المسألة في جوانبها الثلاث وهي:\n* الجانب الاصطلاحي.\n* والجانب اللغوي.\n* والجانب الشرعي.\nوذلك لتعلق المسألة بهذه الجوانب جميعها، فقد ألبست المسألة هذه الأبواب جميعها، فتارة تناقش وتعرض في جانبها الاصطلاحي، وتارة أخرى في جانبها اللغوي، وتارة ثالثة في جانبها الشرعي، وتارة رابعة تعرض من جميع هذه الجوانب كلها.\n_________\n(^١) الرد على الشاذلي في حزبيه لشيخ الإسلام -ت: العمران (٢٢٠).\n(^٢) التدمرية، ص: (١٢٨)، وانظر: بيان تلبيس الجهمية-ط: القاسم (١/ ٣١٥)، وط (المجمع) (٦/ ٤٨٩)، جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية (١٣١ - ١٣٣).","vol":"1","page":302},{"text":"وجعلت البداية للحديث عن الجانب الاصطلاحي لأنه الجانب الأكثر استعمالًا في الكلام عن هذه المسألة أثناء عرضها ومناقشتها، ثم يأتي الجانب اللغوي، ويليه الجانب الشرعي الذي لا يمكن فيه أن يتصور ويفهم إلا مع الجانبين السابقين، وأرجو أن أكون قد وفقت في شرح جوانب المسألة، فبعض المسائل دقيقة فيحتاج الأمر فيها إلى شيء من البسط والشرح والتفصيل وتسليط الضوء على أكثر من جانب وبشكل مستقل بغية الوصول إلى الهدف والغاية.\n\n<span data-type='title' id=toc-164>الجانب الأول: الجانب الاصطلاحي للمسألة.</span>\nيجد الباحث في هذه المسألة الحاجة إلى استحضار عدد من المصطلحات العقلية المستعملة في هذه المسألة والتي ترتبط في النقاش الدائر فيها فلابد من تصورها قبل الخوض في تفاصيل النزاع الواقع فيها ومن تلك المصطلحات:\n\n<span data-type='title' id=toc-165>أولًا: مراتب وجود الشيء.</span>\nثانيًا: القدر المشترك والقدر المميز.\nثالثًا: الكليات الخمس.\nوسأتكلم عن هذه المصلحات مع ربطها بموضوع هذه القاعدة لتقريب فهمها.\nأولًا: مراتب وجود الشيء.\nلكل شيء أربع مراتب:\n• وجود في الأعيان.\n• ووجود في الأذهان.\n• ووجود في اللسان.\n• ووجود في البنان.","vol":"1","page":303},{"text":"وجود عيني وعلمي ولفظي ورسمي (^١).\nقال ابن القيم ﵀: \"الشيء له أربعة مراتب:\nالمرتبة الأولى: مرتبة في الأعيان والمراد. بها وجوده العيني.\nوالمرتبة الثانية: مرتبة في الأذهان، والمراد. بها وجوده الذهني.\nوالمرتبة الثالثة: مرتبة في اللسان، والمراد بها وجوده اللفظي.\nوالمرتبة الرابعة: مرتبة في الخط، والمراد بها وجوده الرسمي. \" (^٢).\nوهذا التقسيم الإحاطة به مفيدة لأنه يرد كثيرًا في هذه المسألة حيث يفرق بين الوجود الذهني والوجود العياني أو الخارجي، ومن ذلك على سبيل المثال:\n• قول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والكليات التي يتفق فيها الشيئان إنما هي في الأذهان لا في الأعيان، فليس في الموجودات الخارجية اثنان اشتركا في شيء فضلا عن أن يكون الخالق تعالى مشاركا لغيره في شيء من الأشياء ﷾\" (^٣).\nويلاحظ في هذا النص استعمال مصطلح \"الكليات\" وهذا يقودنا لشرح هذا المصطلح كما سيأتي.\n• وقوله أيضًا: \"وبينّا أن الصواب هو أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته الموجودة في الخارج، بخلاف الماهية التي في الذهن، فإنها مغايرة للموجود في الخارج، وأن لفظ الذات والشيء والماهية والحقيقة ونحو ذلك\" (^٤)\nقال ابن تيمية ﵀: \"قَدْ عُرِفَ أَنَّ الْأَشْيَاءَ لَهَا: وُجُودٌ فِي \" الْأَعْيَانِ \"\nوَوُجُودٌ فِي\n_________\n(^١) مجموع القتاوى ٢/ ١٥٧.\n(^٢) انظر: مختصر الصواعق ٢/ ٣٠٤، ٣٠٥، ومجموع الفتاوى ٦/ ٦١.\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٨٣)\n(^٤) الرسالة التدمرية (١/ ١٢٥ - ١٣١)","vol":"1","page":304},{"text":"\" الْأَذْهَانِ \" وَوُجُودٌ فِي \" اللِّسَانِ \" وَوُجُودٌ فِي \"الْبَنَانِ \" وَهُوَ: الْعَيْنِيُّ وَالْعِلْمِيُّ وَاللَّفْظِيُّ وَالرَّسْمِيُّ.\nثُمَّ قَالَ: مَنْ قَالَ: إنَّ الْوُجُودَ الْعَيْنِيَّ وَالْعِلْمِيَّ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَعْصَارِ وَالْأَمْصَارِ وَالْأُمَمِ؛ بِخِلَافِ اللَّفْظِيِّ وَالرَّسْمِيِّ فَإِنَّ اللُّغَاتِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأُمَمِ كَالْعَرَبِيَّةِ وَالْفَارِسِيَّةِ وَالرُّومِيَّةِ وَالتُّرْكِيَّةِ. وَهَذَا قَدْ يَذْكُرُهُ بَعْضُهُمْ فِي \" كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى \" أَنَّهُ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأُمَمِ دُونَ الْحُرُوفِ الَّتِي تَخْتَلِفُ؛ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ وَيَضُمُّونَ إلَى ذَلِكَ أَنَّ كُتُبَهُ إنَّمَا اخْتَلَفَتْ لِاخْتِلَافِ لَفْظِهَا فَقَطْ؛ فَكَلَامُهُ بِالْعِبْرِيَّةِ هُوَ التَّوْرَاةُ وَبِالْعَرَبِيَّةِ هُوَ الْقُرْآنُ كَمَا يَقُولُونَ: إنَّ \" الْمَعْنَى الْقَدِيمَ \" يَكُونُ أَمْرًا وَنَهْيًا وَخَبَرًا؛ فَهَذِهِ صِفَاتٌ عَارِضَةٌ لَهُ؛ لَا أَنْوَاعٌ لَهُ. وَيَذْكُرُ بَعْضُهُمْ هَذَا الْقَوْلَ مُطْلَقًا فِي \" أُصُولِ الْفِقْهِ \" فِي مَسَائِلِ اللُّغَاتِ وَيَذْكُرُهُ بَعْضُهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الِاسْمِ وَالْمُسَمَّى وَأَسْمَاءِ اللَّهِ\"الْحُسْنَى كَأَبِي حَامِدٍ.\nقُلْت: وَهَذَا الْقَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ وَبَعْضُهُ بَاطِلٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ أَلْفَاظَ اللُّغَاتِ (مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ كَالتَّنُّورِ وَكَمَا يُوجَدُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُتَّحِدَةِ فِي اللُّغَاتِ. وَمِنْهَا: مُتَنَوِّعٌ كَأَكْثَرِ اللُّغَاتِ وَاخْتِلَافُهَا اخْتِلَافَ تَنَوُّعٍ لَا تَضَادَّ؛ كَاخْتِلَافِ الِاسْمَيْنِ لِلْمُسَمَّى الْوَاحِدِ. وَكَذَلِكَ مَعَانِي اللُّغَاتِ؛ فَإِنَّ \" الْمَعْنَى الْوَاحِدَ \" الَّذِي تَعْلَمُهُ الْأُمَمُ؛ وَتُعَبِّرُ عَنْهُ كُلُّ أُمَّةٍ بِلِسَانِهَا؛ قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَاحِدًا بِالنَّوْعِ فِي الْأُمَمِ؛ بِحَيْثُ لَا يَخْتَلِفُ كَمَا يَخْتَلِفُ اللَّفْظُ الْوَاحِدُ بِالْعَرَبِيَّةِ. وَقَدْ يَكُونُ تَصَوُّرُ ذَلِكَ الْمَعْنَى مُتَنَوِّعًا فِي الْأُمَمِ مِثْلَ: أَنْ يَعْلَمَهُ أَحَدُهُمْ بِنَعْتِ وَيُعَبِّرَ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ النَّعْتِ وَتَعْلَمُهُ الْأُمَّةُ الْأُخْرَى بِنَعْتِ آخَرَ وَتُعَبِّرُ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ ذَلِكَ النَّعْتِ كَمَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَأَسْمَاءِ رَسُولِهِ وَكِتَابِهِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَسْمَاءِ الْمُعَبَّرِ بِهَا عَنْ الْأَشْيَاءِ الْمُتَّفَقِ عَلَى عِلْمِهَا فِي الْجُمْلَةِ \" فَتُكْرِي وَخَدَّايَ وَنَسَتْ شَكَّ \" وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِنْ كَانَتْ أَسْمَاءَ لِلَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ مَعْنَاهَا مُطَابِقًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِمَعْنَى اسْمِ\" \"اللَّهِ؛ وَكَذَلِكَ \" بيغنير وَبِهَشِمِ \" وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَلِهَذَا إذَا تَأَمَّلْت الْأَلْفَاظَ الَّتِي يُتَرْجَمُ بِهَا الْقُرْآنُ - مِنْ الْأَلْفَاظِ الْفَارِسِيَّةِ وَالتُّرْكِيَّةِ وَغَيْرِهَا - تَجِدْ بَيْنَ الْمَعَانِي نَوْعَ","vol":"1","page":305},{"text":"فَرْقٍ وَإِنْ كَانَتْ مُتَّفِقَةً فِي الْأَصْلِ كَمَا أَنَّ اللُّغَتَيْنِ مُتَّفِقَتَانِ فِي الصَّوْتِ وَإِنْ اخْتَلَفَتَا فِي تَأْلِيفِهِ؛ وَقَدْ تَجِدُ التَّفَاوُتَ بَيْنَهَا أَكْثَرَ مِنْ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ \" الْمُتَكَافِئَةِ \" - الْوَاقِعَةِ بَيْنَ الْمُتَرَادِفَةِ وَالْمُتَبَايِنَةِ - كَالصَّارِمِ وَالْمُهَنَّدِ؛ وَكَالرَّيْبِ وَالشَّكِّ وَالْمَوْرِ وَالْحَرَكَةِ وَالصِّرَاطِ وَالطَّرِيقِ.\nوَتَخْتَلِفُ اللُّغَتَانِ أَيْضًا فِي قَدْرِ ذَلِكَ الْمَعْنَى وَعُمُومِهِ وَخُصُوصِهِ؛ كَمَا تَخْتَلِفُ فِي حَقِيقَتِهِ وَنَوْعِهِ وَتَخْتَلِفُ أَيْضًا فِي كَيْفِيَّتِهِ وَصِفَتِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. بَلْ النَّاطِقَانِ بِالِاسْمِ الْوَاحِدِ بِاللُّغَةِ الْوَاحِدَةِ يَتَصَوَّرُ أَحَدُهُمَا مِنْهُ مَا لَمْ يَتَصَوَّرْ الْآخَرُ حَقِيقَتَهُ وَكَمِّيَّتَهُ وَكَيْفِيَّتَهُ وَغَيْرَ ذَلِكَ؛ فَإِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ بِالِاسْمِ الْوَاحِدِ لَا يَتَّحِدُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فِي قَلْبِ النَّاطِقِينَ؛ بَلْ وَلَا فِي قَلْبِ النَّاطِقِ الْوَاحِدِ فِي الْوَقْتَيْنِ؛ فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهُ يَجِبُ اتِّحَادُهُ فِي اللُّغَاتِ الْمُتَعَدِّدَةِ. يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّ مَا تَعْلَمُهُ الْمَلَائِكَةُ مِنْهُ لَيْسَ عَلَى حَدِّ مَا يَعْلَمُهُ الْبَشَرُ وَمَا يَعْلَمُهُ اللَّهُ فِيهِ لَيْسَ عَلَى حَدِّ مَا تَعْلَمُهُ الْمَلَائِكَةُ؛ لَكِنَّ الِاخْتِلَافَ اخْتِلَافُ تَنَوُّعٍ لَا تَضَادَّ.\nوَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إنَّ مَعَانِيَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ سَوَاءٌ فَفَسَادُهُ مَعْلُومٌ بِالِاضْطِرَارِ فَإِنَّا لَوْ عَبَّرْنَا عَنْ مَعَانِي الْقُرْآنِ بِالْعِبْرِيَّةِ وَعَنْ مَعَانِي التَّوْرَاةِ بِالْعَرَبِيَّةِ لَكَانَ أَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ لَيْسَ هُوَ الْآخَرَ بَلْ يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ تَنَوُّعُ مَعَانِي الْكُتُبِ وَاخْتِلَافُهَا اخْتِلَافَ تَنَوُّعٍ أَعْظَمَ مِنْ اخْتِلَافِ حُرُوفِهَا؛ لِمَا بَيْنَ الْعَرَبِيَّةِ وَالْعِبْرِيَّةِ مِنْ التَّفَاوُتِ؛ وَكَذَلِكَ مَعَانِي الْبَقَرَةِ لَيْسَتْ هِيَ مَعَانِي آل عِمْرَانَ. وَأَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ جَعْلُ الْأَمْرِ هُوَ الْخَبَرُ. وَلَا يُنْكَرُ أَنَّ هَذِهِ الْمُخْتَلِفَاتِ قَدْ تَشْتَرِكُ فِي حَقِيقَةٍ مَا كَمَا أَنَّ اللُّغَاتِ تَشْتَرِكُ فِي حَقِيقَةٍ مَا فَإِنْ جَازَ أَنْ يُقَالَ: إنَّهَا وَاحِدَةٌ مَعَ تَنَوُّعِهَا: فَكَذَلِكَ اللُّغَاتُ سَوَاءٌ بَلْ اخْتِلَافُ الْمَعَانِي أَشَدُّ. أَمَّا دَعْوَى كَوْنِ أَحَدِهِمَا صِفَةً حَقِيقِيَّةً وَالْأُخْرَى وَضْعِيَّةً: فَلَيْسَ كَذَلِكَ وَهَذَا مَوْضِعٌ يُنْتَفَعُ بِهِ فِي \" الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ \" وَ\" فِي أُصُولِ الدِّينِ \" وَ\" الْفِقْهِ \" وَفِي مَعْرِفَةِ \" تَرْجَمَةِ اللُّغَاتِ \". وَأَيْضًا: لَمْ يَجْرِ الْعُرْفُ بِأَنَّ اللُّغَةَ الْوَاحِدَةَ وَاللَّفْظَ الْوَاحِدَ يَكُونُ النُّطْقُ بِهِ مِنْ جَمِيعِ النَّاطِقِينَ عَلَى حَدٍّ وَاحِدٍ لَيْسَ فِيهِ تَفَاوُتٌ","vol":"1","page":306},{"text":"أَصْلًا فَإِنْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْجَمِيعِ فَكَذَلِكَ الْمَعْنَى الْوَاحِدُ فَإِنَّ اللُّغَاتِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فَقَدْ يَحْصُلُ أَصْلُ الْمَقْصُودِ بِالتَّرْجَمَةِ فَكَذَلِكَ الْمَعَانِي: فَإِنَّ التَّرْجَمَةَ تَكُونُ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى. وَلِهَذَا سَمَّى الْمُسْلِمُونَ ابْنَ عَبَّاسٍ تُرْجُمَانَ الْقُرْآنِ وَهُوَ يُتَرْجِمُ اللَّفْظَ. \" (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-166>ثانيًا: الكليات الخمس.</span>\nالكليات في المنطق الصوري: هي الحقائق المجردة التي لا تقع تحت حكم الحواس، وتدرك بالعقل.\nهي خمس:\n• (النوع): كالإنسان،\n• و(الجنس): كالحيوان.\n• و(الفصل): كالنطق للإنسان.\n• و(الخاصة: (كالضاحك للإنسان.\n• (العامة (: كالماشي للإنسان أيضا.\nويقال لها باليونانية إيساغوجي.\nالكليات الخمس المشتركة في الخارج هي خمس كليات: الجنس، والنوع، والفصل، والعرض الخاص، والعرض العام.\nوالكلي ينقسم إلى:\n- (ذاتي)\n- و(عرضي).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ٦/ ٦١ - ٦٥.","vol":"1","page":307},{"text":"• فـ (الذاتي): محمول يقوم به الموضوع في ماهيته. وهو أقسام ثلاثة: (نوع) و(جنس) و(فصل).\n• أما (العرضي): فهو محمول لا تتقوّم به ماهية الموضوع. أو هو محمول خارجٌ عن الموضوع. وهو قسمان: (عرض خاص) و(عرض عام)\nوهذه الكليات يطلق عليها مسمى القدر المشترك أي أن بينها قدر مشترك في الذهن لا في الخارج.\nأما عن تعريفاتها وأمثلتها:\nالأول: (النوع).\nوتعريفه: هو الكلي الذي كانت أفراده متفقة في الحقيقة، وكان هو تمام حقيقة أفراده.\nمثاله: (الإنسان) الذي أفراده: (زيد، وعمرو، وخالد) وغيرهم فإن حقيقتهم واحدة والاختلافات الموجودة بينهم في الطول والقصر، واللون، وغيرهما إنما هي اختلافات عارضية، لا ذاتية، فذات الطويل، وذات القصير، وذات الأبيض اللون، وذات الأسود كلها (إنسان) لا اختلاف فيها.\nالثاني: (الجنس).\nتعريفه: هو الكلي الذي كانت أفراده مختلفة في حقايقها وكان جزءً لحقيقة أفراده.\nمثاله: (الحيوان) الذي أفراده (الإنسان، والفرس، والبقر) وغيرها فإن حقائقهم مختلفة، فحقيقة (الإنسان) غير حقائق بقية الحيوانات، وكذلك حقيقة (الفرس) غير حقائق بقية الحيوانات، وهكذا غيرهما، إلاّ أن الحيوانية جزء لجميع هذه الحقائق المختلفة.","vol":"1","page":308},{"text":"الثالث: (الفصل).\nتعريفه: هو الكلي الذي كانت أفراده متفقة في الحقيقة، وكان هو جزء حقيقة أفراده.\nمثاله: (الناطق) الذي هو جزء حقيقة (الإنسان) والإنسان أفراده متفقة في الحقيقة.\nالرابع: (العرض الخاص).\nتعريفه: هو الكلي الذي كان مختصًا بحقيقة واحدة وخارجًا عن الحقيقة.\nمثاله: (الضاحك) الذي هو كلي مختص بحقيقة الإنسان - إذ ليس غير الإنسان ضاحكًا - مع أنه ليس داخلًا في حقيقة الإنسان وجزءًا لذاته.\nالخامس: (العرض العام).\nتعريفه: هو الكلي الذي كان غير مختص بحقيقة واحدة وكان خارجًا عن الحقيقة.\nمثاله: الماشي (الذي) هو كلي يشمل (الإنسان) و(الفرس) و(البقر) وغيرها مع أن حقائقها مختلفة، وهو ليس داخلًا في حقيقتها، ولا جزءًا لذاتها.\nوهذه الكليات تجتمع بأنها موجودة في الأذهان لا في الأعيان. قال ابن تيمية: \"ومن قال: إنه يوجد في الخارج كليا، فقد غلط، فإن الكلي لا يكون كليا قط إلا في الأذهان لا في الأعيان، وليس في الخارج إلا شيء معين، إذا تصور منع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه، ولكن العقل يأخذ القدر المشترك الكلي بين المعينات، فيكون كليا مشتركا في الأذهان\" (^١).\n_________\n(^١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٤/ ٣٠٨)","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type='title' id=toc-167>ثالثًا: الفرق بين القدر المشترك والقدر المميز.</span>\nفما من موجودين إلا بينهما قدر مشترك، وقدر مميز.\nوتارة يعبر عن القدر المشترك:\no  بـ \"القدر المشترك\" (^١).\no  بـ \" الاسم المطلق\" (^٢)\no  أو \" الاسم العام\" (^٣).\no  بـ \"القدر المطلق\" (^٤).\no  وبـ \"القدر المشترك المطلق\"\no  أو \"القدر المطلق المشترك\".\no  أو \" القدر المشترك الكلي المطلق\" (^٥)\no  وبـ \"القدر العام الكلي\".\no  وبـ \"المعنى العام الكلي\" (^٦).\no  أو \"المعنى العام\" (^٧).\no  أو \" المعنى المشترك الكلي\" (^٨).\no  أو \"المعنى العام الكلي الشامل\" (^٩)\no  وبـ \"الكلي المطلق\".\no  وبـ \"الجامع\" (^١٠).\no  وبـ \"المتفق\" (^١١).\nوأما القدر المميز فتارة يعبر عنه:\no  بـ \"القدر المميز\".\no  وبـ \" الفارق\".\nأما القدر المشترك:\n_________\n(^١) التدمرية (١٢٠ - ١٢٨)، مجموع الفتاوي (٢/ ١٢).\n(^٢) كما في التدمرية (٢١) وكذا في: نفس المرجع (١٢٦)، وشرح حديث النزول ضمن مجموع الفتاوي (٥/ ٣٣١، ٣٥٠)، ومجموع الفتاوي (٩/ ١٤٥، ١٤٧)، ومنهاج السنة النبوية (٢/ ١١٨)، واقتضاء الصراط المستقيم ت: الفقي (٤٦٤)، والرد على الشاذلي في حزبيه ت: العمران ص: (٢١٦).\n(^٣) التدمرية ص: (٢٠)، و: الصفدية (٢/ ٦) ومنهاج السنة النبوية (٢/ ١١٩).\n(^٤) درء التعارض (٥/ ٨٤).\n(^٥) درء التعارض (٥/ ٨٠).\n(^٦) بيان تلبيس الجهمية ط: المجمع (٦/ ٤٨٢).\n(^٧) التدمرية ص: (١٢٨)، ومنهاج السنة النبوية (٨/ ٣١)، والرد على الشاذلي في حزبيه ت: العمران (٢١٩) وكقوله في الصفدية (٢/ ٩).\n(^٨) شرح الطحاوية ص: (٥٢٦).\n(^٩) مجموع الفتاوي (٥/ ٣٤٢).\n(^١٠) مجموع الفتاوي ٢/ ٦٣.\n(^١١) الصفدية ٢/ ٩.","vol":"1","page":310},{"text":"القدر المشترك هو: مسمى الاسم المطلق، وهذا المسمى هو معنى كلي لا يوجد إلا في الأذهان.\nفإنه ما من موجودين إلا ولا بد أن يشتركا في أنهما موجودان ثابتان حاصلان، وأنّ كلا منهما له حقيقة هي ذاته ونفسه وماهيته، حتى لو كان الموجودان مختلفين اختلافا ظاهرا كالسواد والبياض فلا بد أن يشتركا في مسمى الوجود والحقيقة ونحو ذلك، بل وفيما هو أخص من ذلك مثل كون كل منهما لونا وعرضا وقائما بغيره ونحو ذلك وهما مع هذا مختلفان.\nوإذا كان بين كل موجودين جامع وفارق، فمعلوم أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، فلا يجوز أن يثبت له شيء من خصائص المخلوقين ولا يمثل بها، ولا أن يثبت لشيء من الموجودات مثل شيء من صفاته ولا مشابهة في شيء من خصائصه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.\nوإذا كان المثل هو الموافق لغيره فيما يجب ويجوز ويمتنع، فهو سبحانه لا يشاركه شيء فيما يجب له ويمتنع عليه ويجوز له.\nوإذا أُخذ القدر المطلق الذي يتفق فيه الخالق والمخلوق، مثل مسمى الوجود والحقيقة والعالم والقادر ونحو ذلك، فهذا لا يكون إلا في الأذهان لا في الأعيان، والمخلوق لا يشارك مخلوقا في شيء من صفاته، فكيف يكون للخالق شريك في ذلك، لكن المخلوق قد يكون له من يماثله في صفاته، والله تعالى لا مثل له أصلا.\nوالقدر المشترك المطلق كالوجود والعلم والحقيقة ونحو ذلك لا يلزمه شيء من صفات النقص الممتنعة على الله تعالى، فما وجب للقدر المطلق المشترك لا نقص فيه ولا عيب، وما نفي عنه فلا كمال فيه، وما جاز له فلا محذور في جوازه.\nوأما ما يتقدس الرب تعالى ويتنزه عنه من النقائص والآفات فهي ليست من","vol":"1","page":311},{"text":"لوازم ما يختص به، ولا من لوازم القدر المشترك الكلي المطلق أصلا، بل هي من خصائص المخلوقات الناقصة، والله تعالى منزه عن كل نقص وعيب، وهذه معاني شريفة بسطت في غير هذا الموضع\" (^١).\nفيمتنع أن تقوم هذه الصفات إلا بموصوف قائم بنفسه، وهذا المطلق الكلي هو الذي من خلاله نفهم ما خوطبنا به\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام ﵀: «القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معينا مقيدا، ومعنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا لا أن الموجودات في الخارج يشارك أحدها الآخر شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله» (^٣).\nوكل واحد من هذين المشتركين له المعنى المطلق في الذهن لكل واحد منهما حصة هما ممتازتان عن بعضهما \" (^٤).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والكليات الخمسة: كليات الجنس، والنوع، والفصل، والخاصة، والعرض العام، والقول فيها واحد، فليس فيها ما يوجد في الخارج كليا مطلقا، ولا تكون كلية مطلقة إلا في الأذهان لا في الأعيان.\nوما يدعى فيها من عموم وكلية أو من تركيب كتركيب النوع من الجنس والفصل، هي أمور عقلية ذهنية لا وجود لها في الخارج، فليس في الخارج شيء يعم هذا وهذا، ولا في الخارج إنسان مركب من هذا وهذا، بل الإنسان موصوف بهذا\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٨٣ - ٨٥).\n(^٢) انظر مجموع الفتاوي ٢/ ٦٢ - ٦٣، منهاج السنة ٢/ ٥٩٦ - ٥٩٨. وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ١٠٨٢ - ١٠٨٣، التدمرية ٣٩ - ٤٠، وشرحها للبراك ١٠١ - ١٣٧.\n(^٣) التدمرية: ١٢٨.\n(^٤) انظر: منهاج السنة: ٢/ ٥٨٩.","vol":"1","page":312},{"text":"وهذا بصفة يوجد نظيرها في كل إنسان، وبصفة يوجد نظيرها في كل حيوان، وبصفة يوجد نظيرها في كل نام.\nوأما نفس الصفة التي قامت به، ونفس الموصوف الذي قامت به الصفة، فلا اشتراك فيه أصلا ولا عموم، ولا هو مركب من عام وخاص.\n\n<span data-type='title' id=toc-168>رابعًا: أقسام المشترك.</span>\nيقسم المنطقيون المشترك إلى قسمين (لفظي ومعنوي):\n• المشترك اللفظي: وهو: اللفظ المفرد الدال على أعيان متعددة، بمعاني تختلف اختلافا لا تشابه فيه، فلا يكون بين تلك الأعيان اتفاق وتشابه في المعنى البتة.\nوذلك كلفظ (العين) التي تقال على: الباصرة، وعلى ينبوع الماء، وعلى قرص الشمس.\n• المشترك المعنوي: وهو: اللفظ المفرد الدال على أعيان متعددة، بمعني عام مشترك بين تلك الأفراد (سواء كان ذلك المعنى في تلك الأفراد على السوية، أو على التفاوت).\nوينقسم المشترك المعنوي إلى قسمين (متواطئ ومشكك):\nأ - المتواطئ: وهو: اللفظ المفرد الدال على اعيان متعددة، بمعني عام مشترك بين تلك الأفراد على السواء.\nكالإنسان، فهو يتضمن معنى (الإنسانية)، وهذا المعنى يصدق على جميع أفراد الإنسان على السوية.\nب-المشكك: وهو: اللفظ المفرد الدال على اعبان متعددة، بمعني عام مشترك بين تلك الأفراد لا على السواء، بل على التفاوت.","vol":"1","page":313},{"text":"فيكون وجوده في بعض تلك الأفراد أولى، أو أقدم، أو أشد من البعض الآخر.\nكالموجود، فإنه يتضمن معنى (الوجود)، وهذا المعنى هو في واجب الوجود أولي وأقدم وأشد مما هو في ممكن الوجود (^١).\nوقد أشار شيخ الإسلام إلى أن هناك من جعل المشكك نوعا من المتواطئ -لا قسيمًا له كما سلف-ثم قال: «وبالجملة فالنزاع في هذا لفظي، فالمتواطئة العامة تتناول المشككة، وأما المتواطئة التي تتساوي معانيها فهي قسيم المشككة، وإذا جعلت المتواطئة نوعين: متواطئة عامة، وخاصة -كما جعل الإمكان نوعين: عاما وخاصًا -زال اللبس (^٢)، فكان مقصوده بالمتواطئ العام ما سمي في التقسيم السابق ب (المشترك المعنوي).\n\n<span data-type='title' id=toc-169>الجانب الثاني: الجانب اللغوي للمسألة </span>(^٣).\nويمكن توضيح المسألة في جانبها اللغوي من خلال النقاط الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-170>أولًا: أن فهم المراد من نصوص الكتاب والسنة بأن تجري على لغة العرب ووفق لسانها.</span>\nفالألفاظ جارية على لغة العرب-كما يقول الشاطبي ﵀ (^٤) -فحتى نفهم المراد من نصوص الكتاب والسنة فلا بد أن تجري على لغة العرب ووفق لسانها،\n_________\n(^١) انظر: معيار العلم في المنطق للغزالي (٥٢، ٥٣)، الإيضاح لقوانين الاصطلاح ليوسف ابن الجوزي (١٤، ١٥)، المبين في شرح ألفاظ الحكماء والمتكلمين للآمدي-ضمن مجموع: المصطلح الفلسفي عند العرب للأعسم (٣١٧)، التعريفات للجرجاني (٢٧٤، ٢٧٦)، الكليات للكفوي (١١٨، ٨٤٦)، المعجم الفلسفي لجميل صليبا (١/ ٨٧).\n(^٢) (منهاج السنة: ٢/ ٥٨٦)، وانظر: مجموع الفتاوي (٥/ ٣٢٨ - ٣٣٢)، التدمرية، ص: (١٣٠).\n(^٣) المصدر: القدر المشترك في معاني الصفات بين أهل السنة ومخالفيهم ص: ٧٩ - ٩١.\n(^٤) انظر: الموافقات: ٢/ ١٢٧.","vol":"1","page":314},{"text":"وليس لأحد أن يسخر اللغة وفق هواه وعلى ما جرى به اعتقاده، فاللغة حاكمة ليس لأحد أن يطوعها لأمر بغير أساليب أهلها (^١).\nقال الإمام الشافعي ﵀: \" إنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها \" .. ثم ذكر وجوها لاتساع لسانها وضروبه المتنوعة في دلالتها على المعاني\". ثم قال: \" وكانت هذه الوجوه التي وصفت اجتماعها في معرفة أهل العلم منها به معرفة واضحة عندها ومستنكرا عند غيرها ممن جهل هذا من لسانها، وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة، فتكلف القول في علمها تكلف ما يجهل بعضه\" (^٢).\nوقال بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ: (\"وقد روى عبد الرزاق في \" تفسيره \": حدثنا الثوري عن ابن عباس، \" أنه قسم التفسير إلى أربعة أقسام): قسم تعرفه العرب في كلامها، وقسم لا يعذر أحد بجهالته؛ يقول من الحلال والحرام، وقسم يعلمه العلماء خاصة، وقسم لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه فهو كاذب). وهذا تقسيم صحيح.\nفأما الذي تعرفه العرب، فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم، وذلك شأن اللغة والإعراب. فأما اللغة فعلى المفسر معرفة معانيها، ومسميات أسمائها\" (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-171>ثانيا: أن فهم النصوص يعتمد على معنى سياق الكلام.</span>\nوهذه الدلالة هي من الأهمية بمكان، إذ يتضح من خلالها فهم الكلام الوارد وتنزيله على معانيه الصحيحة، قال الإمام الشاطبي ﵀: \" كلام العربي على الإطلاق\n_________\n(^١) انظر: بيان تلبيس الجهمية: ١/ ٤٩٢.\n(^٢) الرسالة للشافعي: ص ٥١ - ٥٣، ت: أحمد شاكر.\n(^٣) البرهان في علوم القرآن: ٢/ ٣٠٧.","vol":"1","page":315},{"text":"لابد فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ وإلا صار ضحكة وهزءة. \" (^١) ودلالة السياق دلالة معتبرة عند أهل السنة استخدموها في توضيح النصوص على معانيها المناسبة لها.\nويقصد بالسياق هنا هو المعنى الذي جرت فيه الألفاظ محتفة بقرائنها التي تؤكد دلالة هذا المعنى وتستبعد ما سواه، ويسمي بعض الباحثين السياق بأنه: \" الموقف الكلامي بجميع عناصره \" (^٢).\nفالسياق إذن يعرف من خلال الكلام سابقه ولاحقه وما احتف به من قرائن سواء كانت واضحة في النص أم كانت خارجة عنه كأسباب النزول.\nيقول السيوطي ﵀ وهو يذكر مصادر المفسر وأنه يبدأ بالقرآن ثم السنة \" فإن لم يجده في السنة رجع إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله. (^٣)\nوقد يطول الكلام عن السياق، والمقصود هنا بيان أن النصوص حتى تفهم فلا بد من اعتبار سياقاتها، ولذا يقول شيخ الإسلام ﵀: إن الدلالة في كل موضع\n_________\n(^١) الموافقات: ٣/ ٤١٩ - ٤٢٠.\n(^٢) انظر: علم الدلالة دراسة نظرية وتطبيقية: ص ١٧١، د/ فريد عوض حيدر، وانظر: دلالة السياق لردة الله الطلحي: ص ٤٦، وقد لخص الطلحي مفهوم السياق من خلال تراث العرب ويقصد به السياق عند علماء الشرع وعلماء اللغة بأنه يرجع إلى ثلاثة أمور:\n١ - السياق هو الغرض.\n٢ - السياق هو الظروف والمواقف التي ورد فيها النص.\n٣ - السياق هو السياق اللغوي المعروف الآن وهو ما يمثله الكلام في موضع النظر والتحليل.\nانظر: دلالة السياق: ٥٠ - ٥١.\n(^٣) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، تعليق: د. مصطفى البغا: ١/ ١١٩٧.","vol":"1","page":316},{"text":"بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية \" (^١).\nوعند ذكر بعض النصوص فإنه قد يظهر فيها أنها من نصوص الصفات وقد لا يثبت من خلالها صفة كقوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله) (البقرة: ١١٥)، وكقوله: (فأتى الله بنيانهم بين القواعد) (النحل: ٢٦)، فالأولى تعني وجه الله أي قبلته، فأضيفت إلى الله تعالى للتخصيص والتشريف، والثاني المقصود به إتيان أمره المتمثل في عقوبته، وقد يستدل بعض النفاة بمثل آية (فأتى الله بنيانهم) … على نفي صفة الإتيان الله تعالى حقيقة الواردة في قوله تعالى: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله) جاعلًا من معنى الآية الأولى معنى للآية الثانية من أن الإتيان لله تعالى إنما هو إتيان أمره\" (^٢).\nومن خلال دلالة السياق يتبين لنا أثر فهم هذه الدلالة في إثبات صفات الله تعالى وأن لا يجعل ما لا يدل على صفة من النصوص دليلا على نفي الصفة المثبتة من النصوص الأخرى.\nوما سبق هو إشارة للمقصود وتبيان لأهمية هذه الدلالة\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-172>ثالثًا: أقسام الألفاظ من حيث دلالتها على المعنى.</span>\n<span data-type='title' id=toc-173>أولًا: الألفاظ المختلفة.</span>\nالألفاظ عند اختلافها في اللفظ فهي على نوعين من حيث دلالتهما على المعاني:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوي لابن تيمية: ٦/ ١٢. وانظر: الرسالة المدنية لابن تيمية: ص: ٣١، ت: الوليد الفريان. انظر: الصواعق المرسلة: ٧١٤.\n(^٢) انظر: نقض الدارمي، ومجموع الفتاوي لابن تيمية: ٢/ ٤٢٩، و٣/ ١٩٣، ومختصر الصواعق لابن الموصلي: ١/ ٢٩.\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٦/ ١٥ - ٢٣، لتبيان أمثلة توضح دلالة السياق وأثرها في فهم النص، وانظر كذلك: الدراسات اللغوية والنحوية في مؤلفات ابن تيمية للشجيري: ٩١ - ٩٥.","vol":"1","page":317},{"text":"• -الألفاظ المترادفة: وهي الألفاظ المختلفة الدالة على معنى يندرج تحت واحد، أي أن الأسماء المترادفة اختلفت ألفاظها واتفقت معانيها كـ:\n• الخمر.\n• والراح.\n• والعقار. (^١)\n• -المتباينة أو المتزايلة: وهي الألفاظ المختلفة الدالة على معان مختلفة بالحد والحقيقة كـ:\n• الفرس\n• والذهب\n• والثياب (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-174>ثانيًا: الألفاظ المتفقة في اللفظ والرسم.</span>\nالألفاظ عند اتفاقها في اللفظ والرسم فهي على ثلاثة أنواع من حيث دلالتها على المعاني:\n\n<span data-type='title' id=toc-175>النوع الأول: المشترك اللفظي (بكسر الراء):</span>\nوهو اللفظ الواحد المتفق الذي يطلق على أشياء مختلفة بالحد والحقيقة إطلاقا متساوية.\nكـ \"العين\" تطلق على:\n• آلة البصر.\n_________\n(^١) انظر: معيار العلم للغزالي: ص: ٨١ ت: سليمان دنيا.\n(^٢) انظر: معيار العلم للغزالي: ص: ٨١ ت: سليمان دنيا.","vol":"1","page":318},{"text":"• وينبوع الماء.\n• وقرص الشمس.\nوهذه مختلفة الحدود والحقائق\" (^١).\nوعند ابن تيمية ﵀ فإن الأسماء المشتركة هي الأسماء المتفقة اللفظ التي يكون معناها متباينا وهي مشتركة اشتراكا لفظيا كلفظ \"سهيل\" المقول على \"الكوكب\" وعلى \"الرجل\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-176>النوع الثاني: المتواطئة:</span> وهي الألفاظ الكلية التي يكون حصول معناها وصدقها على أفرادها الخارجية والذهنية على السوية كدلالة اسم الإنسان على أفراده الخارجيين (^٣)، وهذه الأسماء المتواطئة هي جمهور الأسماء الموجودة وهي أسماء الأجناس اللغوية، وهو الاسم المطلق على الشيء وما أشبهه سواء كان اسم عين أو اسم صفة جامدا أو مشتقا … كلها أسماء متواطئة وأعيان مسمياتها في الخارج متميزة (^٤).\n<span data-type='title' id=toc-177>النوع الثالث: المشككة:</span> وهي الألفاظ الكلية التي لم يشأ صدقها على أفرادها، بل حصولها في بعضها أولى أو أشد من بعضها الآخر كدلالة اسم النور على نور الشمس ونور السراج فإنه في الشمس أشد منه وأقوى من نور السراج (^٥).\nوسمي المشكك مشككا لأن الناظر فيه يتردد ويتشكك هل هو من المتباين أو من المتواطئ، فإذا نظر إلى التفاوت ظن أنه من المتباين وإذا نظر إلى الاتفاق في\n_________\n(^١) انظر: معيار العلم للغزالي: ص: ٥٢، والمعجم الفلسفي لصليبا: ٢/ ٣٧٦.\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوي لابن تيمية: ٢٠/ ٢٣٤.\n(^٣) انظر: معيار العلم: ص: ٨١، التعريفات للجرجاني: ص: ٢٥٧، والمعجم الفلسفي: ٢/ ٣٣٤.\n(^٤) مجموع الفتاوي لابن تيمية: ٣/ ١٢٣، ١٢٩، ٢٠/ ٢٤٣.\n(^٥) انظر: التعريفات للجرجاني: ص: ٢٧٦، المعجم الفلسفي: ٢/ ٣٧٨.","vol":"1","page":319},{"text":"المعنى جعله من المتواطئ، فالإنسان باعتبار أفراد الإنسان يعد متواطئا، والضوء باعتبار التفاضل والتفاوت فيه يعد مشككا \" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فالمتواطئة العامة تتناول المشككة، وأما المتواطئة التي تتساوى معانيها فهي قسيم المشككة، وإذ جعلت المتواطئة نوعين: متواطئا عاما وخاصا، كما جعل الإمكان نوعين: عاما وخاصا، زال اللبس (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-178>الجانب الثالث: الجانب الشرعي للمسألة.</span>\nمسألة القدر المشترك لها تعلق بأكثر من مسألة شرعية، وفي هذا الصدد يقول ابن تيمية: \" فمسألة الكليات والأحوال وعروض العموم لغير الألفاظ من جنس واحد، ومن فهم الأمر على ما هو عليه، تبين له أنه ليس في الخارج شيء هو بعينه موجود في هذا وهذا\". (^٣)\nوالسؤال الذي يتبادر للذهن هنا ما المسائل المتعلقة بهذه المسألة، وما الأقوال الواردة في كل مسألة؟\nودونك الجواب على ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-179>المسألة الأولى: مواقف الناس من نصوص الأسماء والصفات هل هي على الحقيقة أم على المجاز.</span>\nفنصوص الأسماء والصفات التي أطلقت على الله تعالى وعلى خلقه، وقد وقف الناس منها مواقف (^٤):\n_________\n(^١) انظر: شرح التدمرية للشيخ البراك: ٣٦٥.\n(^٢) منهاج السنة: ٢/ ٥٨٥.\n(^٣) منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٨٥ - ٥٩٢).\n(^٤) مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٨/ ١٤٦، والرد على المنطقيين ١/ ١٦٢ - ١٦٣، وانظر: مقالات الإسلاميين: ص: ٣٧٢، والصواعق المرسلة: ٤/ ١٥١١، ودلالة الأسماء الحسنى على التنزيه: ٨٢ - ٨٣.","vol":"1","page":320},{"text":"• فطائفة قالت: إن هذه الأسماء والصفات هي مجاز في حق الخالق، حقيقة في حق المخلوق.\nوهذا قول غلاة المعطلة من فلاسفة باطنيين وجهمية وغيرهم، وقولهم هذا يعني أن هذه الأسماء والصفات المتواطئة هي أتم وأكمل عند المخلوق منفية عن الخالق سبحانه وهي بالنسبة له ﷻ مجرد تمثيل وتقريب لما هو حقيقة في العبد.\n• وطائفة قالت: هي حقيقة في الخالق، مجاز في المخلوق.\nوهذا قول أبي العباس الناشئ (^١) ومن وافقه \" وهو قول باطل فإنه يلزمهم صحة نفي هذه الأسماء عن المخلوق مع أنها حقيقة فيه، ويلزمهم التناقض أيضا، فإنهم إن أثبتوا للرب تعالى حقائقها المفهومة منها امتنع أن تكون مجازا في المخلوق، لأن المعنى الذي كانت به حقيقة في الغائب موجود في الشاهد وإن كان غير مماثل، وإن أثبتوها على غير حقائقها المفهومة، وجعلوا معناها ما تأولوها قلبوا الحقائق وعكسوا اللغة وجعلوا المجاز حقيقة، والحقيقة مجازا (^٢).\n• وطائفة ثالثة قالت: إن هذه الأسماء والصفات هي حقيقة في الخالق والمخلوق.\nوهذا القول هو قول جمهور الطوائف.\nوعلاقة هذه المسألة بمسألة القدر المشترك أنه إذا تأملنا في قول الطائفة الثالثة وهو القول الصواب، نجد أن القائلين اختلفوا في كيفية الجمع بين قولهم هذا بإطلاقه\n_________\n(^١) أبو العباس عبد الله بن محمد المعتزلي، كان متكلما، وعالمًا في عدة فنون، كان به ولع بمناقضة الأقوال وإحداث أقوال خاصة به. توفي عام ٢٩٣ هـ. انظر: الأعلام: ٤/ ١١٨.\n(^٢) دلالة الأسماء الحسنى على التنزيه: ص: ٨٣.","vol":"1","page":321},{"text":"وبين انتفاء تماثل الحقيقتين:\no  فمنهم من قال هذه الأسماء والصفات مقولة على الله تعالى وعلى خلقه من باب الاشتراك اللفظي.\no  وقال آخرون إنها من باب التواطؤ.\no  وثالثهم رأى أنها من باب الألفاظ المشككة.\nفكان الجمع على ثلاثة أقوال (^١):\nالقول الأول: أن هذه الأسماء والصفات مقولة على الخالق والمخلوق من باب الاشتراك اللفظي، ولا يعرف هذا القول عن طائفة كبيرة ولا نظار مشهورين كما يقوله ابن تيمية ولكنه عرف عن بعض المتأخرين (^٢) كأمثال الشهرستاني (^٣) والرازي (^٤) والآمدي (^٥)، وقول هؤلاء مبني على اختلاف الحقيقة بين الخالق\n_________\n(^١) انظر: الصواعق المرسلة: ٤/ ١٥١٢.\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوي لابن تيمية: ٢٠/ ٢٤١، وانظر: منهاج السنة: ٢/ ٥٨١ - ٥٨٤.\n(^٣) أبو الفتح محمد بن عبد الكريم بن أحمد، عالم متكلم على منهج الأشاعرة، ندم في آخر عمره على طريقته التي سار عليها وله في ذلك شعر، من أبرز مصنفاته: نهاية الأقدام، والملل والنحل-توفي ﵀ عام ٥٤٩ هـ. انظر: السير: ٢٠/ ٢٨٦.\n(^٤) أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن التميمي الرازي المعروف بابن خطيب الري، من أكابر أئمة الأشاعرة وممن كان له أثر واضح على المذهب، وهو من الأذكياء الذين أضاعوا أعمارهم في ضلالات الفلسفة والكلام، ووضح هذا في تخبطه فتارة يقول بقول الأشاعرة، وأخرى بقول الفلاسفة وثالثة يظهر فيها تأثره بالمعتزلة، صنف كثيرا في علوم متفرقة حتى صنف كتابا في السحر والنجوم، ومن أشهر كتبه: مفاتيح الغيب في التفسير والمطالب العالية والمباحث المشرقية وأساس التقديس وهو الكتاب الذي رد عليه شيخ الإسلام في بيان التلبيس، وله محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين وغيرها، قال عنه الذهبي: \" وقد بدت منه في تواليفه بلايا وعظائم وسحر وانحرافات عن السنة، والله يعفو عنه، فإنه توفي على طريقة حميدة \"، توفي عام ٦٠٦ هـ. انظر: السير: ٢١/ ٥٠٠، طبقات الشافعية: ٨/ ٨١، الوافي بالوفيات: ٤/ ٢٤٨، وللاستزادة عن منهج الرازي انظر رسالة: فخر الدين الرازي وآراؤه الكلامية والفلسفية، تأليف: محمد صالح الزركان، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة للمحمود: ٢/ ٦٥١ - ٦٧٨.\n(^٥) أبو الحسن علي بن أبي محمد بن سالم (سيف الدين) الآمدي، امتحن في مصر أثناء تدريسه بها حيث نسب إليه فساد عقيدته لغلوه في الفلسفة، وذكر الذهبي عن شيخ الإسلام ابن تيمية قوله \" يغلب على الآمدي الحيرة والوقف \". توفي عام ٦٣١ هـ. انظر: السير: ٢٢/ ٣٦٤، وشذرات الذهب: ٥/ ١٤٤.","vol":"1","page":322},{"text":"والمخلوق فلا يمكن أن تكون هذه الأسماء والصفات إلا من باب الاشتراك اللفظي-عندهم-وقولهم هذا يستلزم التعطيل الكلي بنفي الصفات أو التعطيل الجزئي بنفي المعنى وهو التفويض المعروف\" (^١).\nالقول الثاني: أنها مقولة على الله تعالى وعلى عباده من باب التواطؤ، وهو ما رجحه شيخ الإسلام ﵀، وقال: \"وإذا لم تكن أسماؤه متواطئة لم يفهم العباد من أسمائه شيئا أصلا إلا أن يعرفوا ما يخص ذاته، وهم لم يعرفوا ما يخص ذاته فلم يعرفوا شيئًا (^٢).\nالقول الثالث: أنها مقولة على الله تعالى وعلى العبد بطريق التشكيك، وقالوا لأن هذه الأسماء والصفات في حق الخالق هي أتم وأكمل منها في حق المخلوق.\nوالراجح: ولا إشكال هنا كبير بين القولين الثاني والثالث، إذا عرفنا أن المشكك نوع خاص من المتواطئ، يقول شيخ الإسلام ﵀ في سياق ذكر الخلاف في المشككة هل هي نوع من المتواطئ أم لا، قال: \"والراجح الذي عليه المحققون أن المشككة ليست خارجة عن جنس المتواطئة، إذ واضع اللغة إنما وضع اللغة بإزاء\n_________\n(^١) انظر: رسالة صفة النزول الإلهي ورد الشبهات حولها، لعبد القادر الغامدي: ٣٥٩ - ٣٦٠، وانظر كذلك: التوضيحات الأثرية لمتن الرسالة التدمرية لفخر الدين بن الزبير المحسي: ص: ٨٧ - ٨٨.\n(^٢) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٥/ ٢١٠.","vol":"1","page":323},{"text":"القدر المشترك وإن كانت نوعا مختصا من المتواطئة فلا بأس بتخصيصها بلفظ، ولذلك كان المتقدمون من نظار الفلاسفة وغيرهم لا يخصون المشككة باسم بل لفظ المتواطئ يتناول ذلك كله، فهي إذا قسم المتواطئ الخاص الذي هو قسم من أقسام المتواطئ العام \" (^١).\nومع هذا فإننا لو قلنا إنها تطلق على الله تعالى وعلى خلقه من باب التشكيك فإن معاني الصفات في حق الله تعالى أولى منها في العبد، وهي حقيقة فيهما (^٢).\nبعد هذا، بقي معنا أن نقول إن هذه الأسماء والصفات المقولة على الله تعالى وعلى عباده هي من قبيل الألفاظ المتواطئة أي أن هذه الأسماء اتفقت ألفاظها وانطبقت على أفرادها في الخارج بالسوية، ولقائل أن يقول كيف يمكن أن تنطبق هذه الألفاظ وقد أطلقناها على أفرادها وهم هنا الخالق سبحانه والعبد المخلوق-بالسوية-وقد علمنا انتفاء تماثل الحقيقتين هاتين؟؟\nفنقول إن الذي يوضح هذه بجلاء هو إثبات القدر المشترك ويتضح بما يلي:\nأولا: أن هذه الألفاظ هي موضوعة للقدر المشترك وهو المسمى الكلي العام، فبهذا تكون متواطئة بالمعنى العام أي أنها متساوية الأفراد في المعنى الكلي العام، وإذا جاءت الخصائص فإنها لا تدخل في هذا المسمى العام. يقول ابن قدامة ﵀: \" والرجل له وجود في الأعيان، والأذهان، واللسان، فوجوده في الأعيان لا عموم له إذ ليس في الوجود رجل مطلق بل إما زيد وإما عمرو، وأما وجوده في اللسان فلفظة (الرجل) قد وضعت للدلالة عليها. وأما الذي في الأذهان من معنى الرجل فيسمى\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى لابن تيمية: ١١/ ١٤٤، ٢/ ٤٢٧، ٨/ ١٤٥ - ١٤٧، ٥/ ١٠٥، وانظر: التدمرية: ١٣٠، منهاج السنة: ٢/ ٥٨٦، وانظر بيان تلبيس الجهمية: ٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩، الصواعق المرسلة: ٤/ ١٥١٣.\n(^٢) انظر: بيان التلبيس: ٢/ ٣٧٨.","vol":"1","page":324},{"text":"كليا، فإن العقل يأخذ من مشاهدة زيد: حقيقة الإنسان وحقيقة الرجل، فإن رأى عمرا لم يأخذ منه صورة أخرى، وكان ما أخذه من قبل نسبته إلى عمرو الحارث كنسبته إلى زيد الذي عهده أولا … \" (^١).\nوبهذا نعلم أن لكل ماهيتين معنى عامًا اشتركا فيه ومعنى خاصًا افترقا فيه، فالمعنى العام الذي اشتركا فيه هو القدر المشترك الذي لا يقتضي تماثلا من كل وجه، وحين تكون الخصائص والإضافات تتمايز هاتان الماهيتان وهو القدر المميز.\nيقول شيخ الإسلام ﵀ وهو يحاور ابن المرحل (^٢) الشافعي: \" المعاني الدقيقة تحتاج إلى إصغاء واستماع وتدبر، وذلك أن الماهيتين إذا كان بينهما قدر مشترك وقدر مميز، واللفظ يطلق على كل منهما، فقد يطلق عليها باعتبار ما تمتاز كل ماهية عن الأخرى، فيكون مشتركا كالاشتراك اللفظي، وقد يكون مطلقا باعتبار القدر المشترك بين الماهيتين فيكون لفظا متواطئة … \" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-180>المسألة الثانية: الأسماء المتواطئة إما أن تستعمل مطلقة وعامة وإما أن تستعمل مقيدة خاصة </span>(^٤).\no  ففي حال استعمالها مطلقة لا تدل إلا على القدر المشترك، إذ أن هذا الإطلاق لا يكون تصوره إلا في الذهن ولا يمكن وجوده في الخارج كليا مطلقا، \" ومعنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا لأن الموجودات في الخارج لا يشارك أحدها\n_________\n(^١) روضة الناظر لابن قدامة: ٢/ ٥ - ٦، ت: النملة.\n(^٢) محمد بن الشيخ زيد عمر بن المرحل، من كبار فقهاء الشافعية، توفي عام ٧٣٨ هـ. انظر: طبقات الشافعية: ٩/ ٢٥٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى لابن تيمية: ١١/ ٨٣.\n(^٤) انظر: دلالة الأسماء الحسنى على التنزيه: ٨٥ - ٨٧.","vol":"1","page":325},{"text":"الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته \" (^١).\no  وفي حال استعمالها مقيدة بإضافة تعريف فإنها تدخلها الخصائص، فإذا كان العلم هو معنى مطلقا فإننا نخصه بعلم البشر إن أضفناه لزيد ونجعل له من الخصائص ما يليق بعلم البشر وكذا الأمر عندما نقيد العلم ونضيفه إلى الله تعالى فإنه سيكون على ما يليق به سبحانه. فإذا إذا استعملت هذه الألفاظ خاصة معينة دلت على ما يختص به المسمى لم تدل على ما يشركه فيه غيره في الخارج، فإن ما يختص به المسمى لا شركة فيه بينه وبين غيره (^٢).\nونشير هنا إلى نقطة مهمة أشار إليها شيخ الإسلام ﵀ بقوله: \" فإذا قيل: علم زيد، ونزول زيد، واستواء زيد، ونحو ذلك لم يدل هذا إلا على ما يختص به زيد من علم ونزول واستواء ونحو ذلك، لم يدل على ما يشركه فيه غيره، لكن لما علمنا أن زيدا نظير عمرو، علمنا أن علمه نظير علمه، ونزوله نظير نزوله .. فهذا علمناه من جهة القياس والمعقول والاعتبار لا من جهة دلالة اللفظ فإذا كان هذا في صفات المخلوق فذلك في صفات الخالق أولى، فإذا قيل: علم الله، وكلام الله، ونزوله … ونحو ذلك على ما يشركه فيه أحد من المخلوقين بطريق الأولى، ولم يدل ذلك على مماثلة الغير له في ذلك كما دل في زيد وعمرو، لأنا هناك علمنا التماثل من جهة الاعتبار والقياس لكون زيد مثل عمرو، وهنا نعلم أن الله لا مثل له ولا كفؤ ولا ند، فلا يجوز أن نفهم من ذلك أن علمه مثل علم غيره، ولا كلامه مثل كلام غيره، ولا نزوله مثل نزول غيره … ولهذا كان مذهب السلف والأئمة إثبات الصفات ونفي مماثلتها لصفات المخلوقات … \" (^٣).\n_________\n(^١) التدمرية: ٣/ ٧٧.\n(^٢) شرح حديث النزول: ٧٩ - ٨٠.\n(^٣) شرح حديث النزول: ٧٩ - ٨٠. وانظر: التدمرية: ٢١ - ٣١، ٤٦ - ٤٧، ٩٦ - ٩٧.","vol":"1","page":326},{"text":"<span data-type='title' id=toc-181>المسألة الثالثة: أن إثبات القدر المشترك فيه رد على المشبهة والمعطلة.</span>\nفمما سبق يتبين أن إثبات القدر المشترك لازم لإثبات الصفات، وأنه من خلاله عرفنا الله ﷿ وعرفنا بنفسه سبحانه، وليس ثمة محذور يخشى من إثباته لأمور (^١).\n١ - معرفتنا بحقيقة القدر المشترك المعرفة التامة تعطينا التصور الصحيح للعلاقة في هذه الأسماء المتواطئة بين الخالق والمخلوق، وأن القدر المشترك هو اشتراك في معنى اللفظ العام (^٢)، وهو يطلق على الله تعالى وعلى العبد بإطلاق كلي وأما الاشتراك بينهما في الخارج فلا يكون بكلي أبدًا بل لا بد من وقوعه في الخارج متميزا متعينا، وهذا القدر المشترك لا يقتضي أبدا الاشتراك فيما يختص به أحدهما، قال شيخ الإسلام ﵀: \"والقدر المشترك كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه .. \" (^٣).\n٢ - لا يلزم من إثبات القدر المشترك الوقوع في التشبيه الممتنع شرعا وعقلا فإن اتفاق المسميين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل الذي نفته الأدلة السمعية والعقلية وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه فلا يجوز أن يشركه مخلوق في شيء من خصائصه ﷾ (^٤).\n٣ - إثبات القدر المشترك من لوازم الوجود، فكل موجودين لابد بينهما من\n_________\n(^١) دلالة الأسماء الحسنى على التنزيه: ٨٥ - ٨٦ (بتصرف).\n(^٢) يمكن إطلاق لفظ المشترك المعنوي على المتواطئ في مقابل لفظ (المشترك اللفظي)، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ﵀ ويفهم من كلامه، انظر: مجموع الفتاوي له: ٢٠/ ٢٣٩.\n(^٣) التدمرية: ١٢٥ - ١٢٩.\n(^٤) التدمرية: ١٢٥ - ١٢٩.","vol":"1","page":327},{"text":"مثل هذا، ومن نفى هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود، ولهذا لما اطلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية سموهم معطلة؛ لأن رفع القدر المشترك ألزمهم تعطيل وجود كل موجود\" (^١).\nهذه أهم النقاط المتعلقة بإثبات القدر المشترك وأنه لا يوجد ما يمنع من إثباته، وتلك أهم المسائل المتعلقة بدلالات الألفاظ على هذه المسألة ذكرناها-هنا-ليتم بها الحديث عن طريقة أهل السنة في إثباتهم للقدر المشترك.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وآخرون توهموا أنه إذا قيل: الموجودات تشترك في مسمى الوجود، لزم التشبيه والتركيب، فقالوا: لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي، فخالفوا ما اتفق عليه العقلاء مع اختلاف أصنافهم من أن الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث، ونحو ذلك من أقسام الموجودات.\nوطائفة ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في مسمى الوجود، لزم أن يكون في الخارج عن الأذهان موجود مشترك فيه، وزعموا أن في الخارج عن الأذهان كليات مطلقة، مثل وجود مطلق، وحيوان مطلق، وجسم مطلق ونحو ذلك، فخالفوا الحس والعقل والشرع، وجعلوا ما في الأذهان ثابتًا في الأعيان، وهذا كله من نوع الاشتباه.\nومن هداه الله فرق بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه، وعلم ما بينهما من الجمع والفرق، والتشابه والاختلاف\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-182>المسألة الرابعة: مسألة الحال.</span>\nوهذا الموضع منشأ زلل كثير من المنطقيين في الكليات، وكثير من المتكلمين في مسألة الحال. وبسبب ذلك غلط من غلط من هؤلاء وهؤلاء في الإلهيات فيما يتعلق\n_________\n(^١) التدمرية: ١٢٥ - ١٢٩.\n(^٢) الرسالة التدمرية (١/ ١٠٨ - ١٠٩).","vol":"1","page":328},{"text":"بهذا، فإن المتكلمين أيضا رأوا أن الأشياء تتفق بصفات وتختلف بصفات، والمشترك غير المميز، فصاروا حزبين:\nالحزب الأول: أثبت هذه الأمور في الخارج، لكنه قال: لا موجودة ولا معدومة، لأنها لو كانت موجودة لكانت أعيانا موجودة أو صفات للأعيان، ولو كانت كذلك لم يكن فيها اشتراك وعموم، فإن صفة الموصوف الموجودة لا يشركه فيها غيره.\nالحزب الثاني: وآخرون علموا أن كل موجود مختص بصفة فقالوا: لا عموم ولا اشتراك إلا في الألفاظ دون المعاني.\nوالتحقيق: أن هذه الأمور العامة المشترك فيها هي ثابتة في الأذهان، وهي معاني الألفاظ العامة، فعمومها بمنزلة عموم الألفاظ، فالخط يطابق اللفظ، واللفظ يطابق المعنى، والمعنى عام، وعموم اللفظ يطابق عموم المعنى، وعموم الخط يطابق عموم اللفظ.\n\n<span data-type='title' id=toc-183>المسألة الخامسة: هل العموم يكون في عوارض المعاني.</span>\nوقد اتفق الناس على أن العموم يكون من عوارض الألفاظ، وتنازعوا هل يكون من عوارض المعاني؟\nالقول الأول: فقيل: يكون أيضا من عوارض المعاني، كقولهم مطر عام، وعدل عام، وخصب عام.\nالقول الثاني: وقيل: بل ذلك مجاز؛ لأن المطر الذي حل بهذه البقعة ليس هو المطر الذي حل بهذه البقعة، وكذلك الخصب والعدل.\nوالتحقيق: أن معنى المطر القائم بقلب المتكلم عام كعموم اللفظ سواء، بل اللفظ دليل على ذلك المعنى، فكيف يكون اللفظ عاما دون معناه الذي هو المقصود بالبيان!","vol":"1","page":329},{"text":"فأما المعاني الخارجية فليس فيها شيء بعينه عام، وإنما العموم للنوع: كعموم الحيوانية للحيوان، والإنسانية للإنسان.\nفمسألة الكليات والأحوال وعروض العموم لغير الألفاظ من جنس واحد، ومن فهم الأمر على ما هو عليه، تبين له أنه ليس في الخارج شيء هو بعينه موجود في هذا وهذا\". (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-184>المسألة السادسة: إذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا إلا بمعرفة المشهود لنا.</span>\nقال ابن تيمية: \" فإذا أخبرنا الله تعالى عن الأمور الغائبة فلابد من تعريفنا المعاني المشتركة بينها وبين الحقائق المشهودة، والاشتباه الذي بينهما، وذلك بتعريفنا الأمور المشهودة، ثم إن كانت مثلها لم يحتج إلى ذكر الفارق كما تقدم في قصص الأمم، وإن لم يكن مثلها بين ذلك بذكر الفارق بأن يقال: ليس ذلك مثل هذا ونحو ذلك، وإذا تقدر انتفاء المماثلة كانت الإضافة وحدها كافية في بيان الفارق، وانتفاء التساوي لا يمنع منه وجود القدر المشترك الذي هو مدلول اللفظ المشترك، وبه صرنا نفهم الأمور الغائبة ولولا المعنى المشترك ما أمكن ذلك قط.\nومثل هذه المعاني تسير وفق ترتيب نستطيع من خلاله إدراكها:\nفأولا: لابد من إدراك المعاني الحسية المشاهدة.\nوثانيا: أن يعقل معانيها الكلية.\nوثالثا: تعريف الألفاظ الدالة على تلك المعاني الحسية والعقلية.\nفهذه المراتب الثلاثة لابد منها في كل خطاب.\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٨٥ - ٥٩٢).","vol":"1","page":330},{"text":"وخلاصة الأمر أن الإخبار عن الغائب لا يفهم إن لم يعبر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد مع العلم بالفارق المميز، وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يعلم في الشاهد\" (^١).\nفنحن نعلم أن الله سبحانه لما خلق الخلق جعله على قسمين: غيب وشهادة، فأما عالم الشهادة، فهو مدرك لرؤيته أو لرؤية نظيره، «والشيء إنما تدرك حقيقته إما بمشاهدته أو بمشاهدة نظيره» (^٢).\nومن الغيب: الله ﷾، ومنه ما هو مخلوق كالملائكة والجنة والنار، وما بعد الموت، وعلى هذا جرى تفسير بعض السلف، قال الربيع بن أنس ﵀: (الذين يؤمنون بالغيب) (البقرة: ٣)، آمنوا بالله وملائكته ورسله واليوم الآخر وجنته وناره ولقائه وآمنوا بالحياة بعد الموت، فهذا كله غيب (^٣).\nوعن قتادة (^٤) ﵀ قال في قوله تعالى: (الذين يؤمنون بالغيب) قال: «آمنوا بالجنة والنار والبعث بعد الموت وبيوم القيامة، وكل هذا غيب (^٥).\nوقال عطاء بن أبي رباح (^٦) ﵀: «من آمن بالله فقد آمن بالغيب» (^٧)،\nفلما كان\n_________\n(^١) انظر: شرح حديث النزول، ١٠٤ - ٢٠٦. والتدمرية، ٤٢ - ٤٦ و٩٧. ومجموع الفتاوى: ١٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠ وشرح الطحاوية: ٦٤ - ٦٨، بتصرف يسير.\n(^٢) التدمرية: ٥٦.\n(^٣) تفسير ابن جرير: ١/ ١٣٩.\n(^٤) أبو الخطاب قتادة بن دعامة السدوسي، إمام حافظ مفسر كان ضريرًا، وكان من أوعية العلم وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ، جالس الحسن ثنتي عشرة سنة، يصلي معه الصبح ثلاث سنين توفي ﵀ عام ١١٨ هـ. انظر: السير: ١/ ١٥٣.\n(^٥) تفسير ابن جرير: ١/ ١٣٤.\n(^٦) أبو محمد عطاء بن رباح المكي، العالم الجليل، مفتي مكة، سيد التابعين علما وعملا، وإتقانه أخذ عنه أبو حنيفة وأدرك مئتين من الصحابة، توفي ﵀ عام ١١٤ هـ. انظر: السير: ٥/ ٧٨، وفيات الأعيان: ٣/ ٢٦١.\n(^٧) تفسير ابن كثير: ١/ ٦٧.","vol":"1","page":331},{"text":"الله تعالى غيبا عنا لم نحط به ولم ندركه، وقد ذكر لنا سبحانه، كثيرا من أسمائه وصفاته لنتعبد بها فإنا نعتبر الغائب بالمشاهد وإن كنا نؤمن أن ما أخبرنا الله تعالي به عن نفسه سبحانه لم يدرك العباد مثله الموافق له في الحقيقة من كل وجه، لكن في مفرداته ما يشبه مفرداتهم من بعض الوجوه (^١).\nويتبين هذا بأن في معارفنا أمورًا لم تخرج من أذهاننا، وإنما هي باقية فيها بالمعنى الكلي لها، وإذا خوطبنا بوصف ما غاب عنا لم نفهم ما قيل لنا إلا بمعرفة المشهود لنا، فلولا أننا رأينا الناس وأدركنا الأمور الحسية كالجوع والعطش لم نفهم ما يقال لنا في هذه الأمور، لولا أننا رأيناها وأدركناها ووقع لنا ما يشابهها، وكل خطاب يحمل معان لا يمكن فهمها إلا أن يعرف عينها أو ما يناسب عينها، ويكون بينهما قدر مشترك ومشابهة في أصل المعنى وإلا فلا يحصل للخطاب مقصود البتة «لأن القصد بالإخبار والوصف تعريف المخاطبين، والمخاطبون لا يعرفون الخصوصيات التي هي خصوص ذات الله وصفاته، فلو أخبروا بذلك وحده مجردًا لم يعرفوا شيئا، بل ربما أنكروا ذلك، فإذا خوطبوا بالمعاني المشتركة وأزيل مفسدة الاشتراك بما يقطع التماثل بقي المخاطبون أحد رجلين …» (^٢).\nومن هنا قرر شيخ الإسلام ﵀ أنه لابد فيما شهدناه وما غاب عنا من قدر مشترك هو مسمى اللفظ المتواطئ، فبهذه الموافقة والمشاركة المشابهة والمواطأة نفهم الغائب ونثبته، وهذه خاصة العقل، ولولا ذلك لم نعلم ما نحسه ولم نعلم أمورا عامة ولا أمورا غائبة عن إحساسنا الباطن والظاهر، ولهذا من لم يحس الشيء ولا نظيره لم يعرف حقيقته.\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٥/ ٢٥١ - ٢٥٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٢/ ٦٨.","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-185>المسألة السابعة: التفاوت والتمايز أولى أن يكون بين صفات الخالق سبحانه وصفات خلقه.</span>\nوفي ذكر القدر المشترك بين صفات الله سبحانه وصفات خلقه إنما نذكرها من باب قياس الأولى (^١)، حتى لا يكون هناك تشبيه له سبحانه بخلقه، ويمكن أن ينطبق هنا ما قرره الإمام أحمد ﵀ عندما قال: «اعلم أن الشيئين إذا اجتمعا في اسم يجمعهما فكان أحدهما أعلى من الآخر، ثم جرى عليهما اسم مدح فكان أعلاهما أولى بالمدح، وأغلب عليه، وإن جرى عليه اسم ذم فأدناهما أولى به» (^٢) مع-بداهة العلم-أن الله تعالى وتقدس أن يجري عليه اسم ذم سبحانه، فكما مر معنا - التفاوت بين حقائق المسميات المشتركة بين خلقه مع وجود قدر مشترك علمنا منه تلك الأسماء ومعانيها.\n- فإن التفاوت والتمايز أولى أن يكون بين صفات الخالق سبحانه وصفات خلقه، ذلك أن: «الله تعالى لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن الله سبحانه لا مثيل له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يشترك هو والمخلوق في قياس تمثيل ولا في قياس شمول (^٣) تستوي أفراده، ولكن يستعمل في حقه المثل الأعلى وهو: أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به، وكل ما تنزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزه عن مماثلة المخلوق مع المماثلة في الاسم، فالخالق أولى أن ينزه عن مماثلة\n_________\n(^١) قياس الأولى: هو أن يكون الغائب أولى بالحكم من الشاهد. انظر: الدرء: ١/ ٢٩، والمذكرة في أصول الفقه للشنقيطي: ٣٣٩ - ٣٤٢، طبعة المجمع.\n(^٢) الرد على الجهمية والزنادقة: ص: ١٢٢.\n(^٣) قياس الشمول هو: قول مؤلف من قضايا إذا سلمت لزم عنها لذاتها قول آخر وهو محل عناية المناطقة. انظر: معيار العلم: ٩٨، التعريفات: ١٨١.\nوأما قياس التمثيل فهو حمل فرع على أصل حكم بجامع بينهما وهو محل عناية الفقهاء. انظر: المذكرة للشنقيطي: ٤١٨.","vol":"1","page":333},{"text":"المخلوق وإن حصلت موافقته في الاسم» (^١).\nوالله سبحانه أخبر أنه لا مثل له ولا كفؤ ولا نظير فإن «اسم الله (الصمد) يتضمن صفات الكمال، والاسم (الأحد) يتضمن نفي المثل (^٢).\nوقد علم أن أهل السنة والجماعة أثبتوا لله تعالى الصفات مع نفي مماثلتها الصفات خلقه، فهو سبحانه ذو الجلال وذو الكمال، المتصف بالكمال المطلق، المنزه عن النقص مطلقا.\nقال أبو يوسف (^٣) ﵀: «قد أمرنا الله أن نوحده، فليس التوحيد بالقياس؛ لأن القياس يكون في شيء له شبه ومثل، فالله تعالى وتقدس لا شبه له ولا مثل له، تبارك الله أحسن الخالقين، ثم قال: ويدرك التوحيد بالقياس وهو خالق الخلق بخلاف الخلق، ليس كمثله شيء ﵎» (^٤)\n\n<span data-type='title' id=toc-186>المسألة الثامنة: القدر المشترك أو ما يسمى المعنى العام ليس من لوازمه ما ينفى عن الله، بل لوازمه كلها صفات كمال يوصف الله بها.</span>\nقال ابن تيمية: \"أن يقال هب أنه حصل بين المسميين قدر مشترك هو ما اتفقا فيه، وهو المعنى العام الكلي، لكن هذا المعنى العام الكلي لا يكون كليا إلا في الذهن لا في الخارج، لكن ما كان لازما لهذا المعنى العام كان لازما للموصوف به، وهذا لا محذور فيه، بل هو حق، فإذا كان الخالق موجودا والمخلوق موجودا، أو\n_________\n(^١) التدمرية: ٥٠.\n(^٢) شرح حديث النزول: ٧٨.\n(^٣) أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري الكوفي، إمام مجتهد من أخص أصحاب أبي حنيفة، وأحد تلاميذه البارزين، صحبة سبع عشرة سنة، كان الرشيد يبالغ في إجلاله، توفي عام ١٨٢ هـ. انظر: السير: ٨/ ٥٣٥، وفيات الأعيان: ٦/ ٣٧٨.\n(^٤) التوحيد لابن منده: ٣/ ٣٠٦.","vol":"1","page":334},{"text":"هذا قائم بنفسه وهذا قائم بنفسه، أو قيل: هذا حي عليم رحيم، وقيل: هذا حي عليم رحيم، كان القدر العام الكلي المتفق هو مسمى الوجود والقيام بالنفس والحياة والعلم والرحمة أو مسمى أنه موجود قائم بنفسه حي عالم رحيم.\nوهذا المعنى العام ليس من لوازمه ما ينفى عن الله، بل لوازمه كلها صفات كمال يوصف الله بها، وإنما يكون لوازمه صفة نقص إذا قيّد بالعبد فقيل: وجود العبد وعلم العبد ورحمة العبد، فالنقص يلزمه إذا كان مقيدا مختصا بالعبد، والله منزه عما يختص به العبد.\nوأما إذا اتصف الرب به أو أُخذ مطلقا غير مختص بالعبد ففي هذين الحالين لا يلزمه شيء من النقائص أصلا، فتبين أن إثبات القدر العام المتفق عليه لا محذور فيه أصلا (^١) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-187>المسألة التاسعة: الأسماء والصفات </span>تنقسم إلى قسمين:\nقسم يختص به الله.\nوقسم يوصف به الله ويوصف به العبد.\n• وقد بين شيخ الإسلام ﵀ أن الأسماء والصفات نوعان:\n• فنوع يختص بالله تعالى مثل الإله، ورب العالمين، ونحو ذلك، فهذا لا يثبت للعبد بحال.\n• ونوع يوصف به العبد في الجملة كالحي والعالم، فهذا لا يجوز أن يثبت للعبد مثل ما يثبت للرب أصلا.\nثم بين ﵀ أن هذا النوع الثاني لا يلزم منه التماثل، وبين ذلك بأمور:\n_________\n(^١) الصفدية (٢/ ٩).","vol":"1","page":335},{"text":"١ - أن ما يختص به الرب سبحانه، فهذا ما يجب له ويجوز ويمتنع عليه، ليس للعبد فيه نصيب.\n٢ - وما يختص بالعيد كعلمه وقدرته وحياته، فهذا إذا جاز عليه الحدوث والعدم لم يتعلق ذلك بعلم الرب وقدرته، وحياته، فإنه لا اشتراك فيه.\n٣ - المطلق الكلي، وهو مطلق الحياة والعلم والقدرة، فهذا المطلق ما كان واجبًا له كان واجبا فيها، وما كان جائزًا عليه كان جائزًا عليها، وما كان ممتنعا عليه كان ممتنعا عليهما، فالواجب أن يقال: هذه صفة كمال حيث كانت، ويجوز أن تقارن هذه في كل محل، وأما الممتنع عليهما فيمتنع أن تقوم هذه الصفات إلا بموصوف قائم بنفسه، وهذا المطلق الكلي وهو الذي من خلاله نفهم ما خوطبنا به\" (^١).\nفعلم من هذا القدر المشترك أن وجوده الذهني على الإطلاق، وأما إذا خرج وأضيف فإنه يدخله الخصائص، فظاهر ما أضيف لله مختص به على ما يليق به سبحانه، وظاهر ما أضيف للمخلوق مختص به لائق به (^٢).\n• ومما يزيد الأمر وضوحا أن الحس والواقع يشهد بأن تماثل الأسماء لا يقتضي التشابه، والأمثلة كثيرة جدا، ومنها: للإنسان يد وللحيوان يد، فلا هذه تشبه هذه ولا تلك تشبه تلك، وإنما بينهما فارق ملموس، وهذا إنما علمناه بالمشاهدة، فإذا تصورنا هذا الفارق بين المخلوقات، فإن الفارق بين الخالق والمخلوق من باب أولى.\nومما يجدر التنبيه له أن إثبات الصفات الله تعالى لا تقتضي بالضرورة مشابهتها\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى: ٢/ ٦٢ - ٦٣، منهاج السنة: ٢/ ٥٩٦ - ٥٩٨، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة: ١٠٨٢ - ١٠٨٣، التدمرية: ٣٩ - ٤٠.\n(^٢) شرح الطحاوية: ٦١ - ٦٣ بتصرف. وانظر: دعوة التوحيد للهراس ١٧ - ١٨.","vol":"1","page":336},{"text":"للعبد، وهذا هو الذي جعل النافين للصفات يصلون لهذا، ذلك أنهم ظنوا أن ما وصف الله به نفسه من جنس ما توصف به أجسام العباد، فيرون ذلك مستلزما للجمع بين النقيضين، وذلك مثل إنكارهم لنزول الله تعالى؛ لأنهم رأوا فيه جمعا بين كونه فوق العرش ومع نزوله، وهذا ممتنع في مثل أجسامهم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-188>المسألة العاشرة: أن بين المخلوقات قدرًا مميزًا، فالخالق أولى بذلك.</span>\nإذا تأملنا في مخلوقات الله تعالى نجد أن هناك مخلوقات لم يستطع العباد أن يدركوا كنهها مع قربها منهم، ومن أوضح ما يدل على ذلك: الروح (^٢)، فإنها مخلوقة، ولم يدرك العبد كنهها، بل إنها تختلف عن البدن، مع أن كليهما ملاصق للإنسان، فالروح تتكلم وتسمع وتبصر وتنزل وتصعد؛ كما ثبت بالنصوص الصحيحة والمنقولات الصريحة، ومع ذلك فليست صفاتها وأفعالها كصفات البدن وأفعاله، فإذا لم يجز أن يقال: إن صفات الروح وأفعالها مثل صفات الجسم الذي هو الجسد وهي مقرونة به، وهما جميعا الإنسان، فإذا لم يكن روح الإنسان مماثلا للجسم الذي هو بدنه، فكيف يجوز أن يجعل الرب ﵎ وصفاته وأفعاله مثل الجسم وصفاته وأفعاله (^٣)، وأهل القول هم أعجز عن أن يحدوه أو يكيفوه سبحانه منهم عن أن يحدوا الروح أو يكيفوها (^٤).\n_________\n(^١) انظر: شرح حديث النزول ٣٩٥ - ٣٩٦.\n(^٢) ضرب شيخ الإسلام ﵀ لتقرير هذه المسألة ثلاثة أمثال: مثالان ذكرهما في كتاب (التدمرية) وهما الروح والجنة، ومثال ثالث وهو الملائكة ذكره في مجموع الفتاوى: ٥/ ٢١١، والأمر منطبق على الغيبيات عموما، ويتضح منها -كالجن مثلا -لتقرير هذه المسألة.\n(^٣) انظر: شرح حديث النزول: ١١٨ - ١١٩، ٣٩٦\n(^٤) انظر: التدمرية، ٥٠ - ٥٧.","vol":"1","page":337},{"text":"<span data-type='title' id=toc-189>مناظرة مع الأشعري</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"يتبين هذا بأصلين شريفين، ومثلين مضروبين- ولله المثل الأعلى- وبخاتمة جامعة.\nفصل:\nفأما الأصلان: فأحدهما- أن يقال: القول في بعض الصفات كالقول في بعض.\nفإن كان المخاطب ممن يقرّ بأن الله حي بحياة، عليم بعلم، قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة. ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات.\nقيل له: لا فرق بين ما نفيتَه وبين ما أثبتَّه، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن قلت: إن إرادته مثل إرادة المخلوقين، فكذلك محبته ورضاه وغضبه، وهذا هو التمثيل.\nوإن قلت: له إرادة تليق به، كما أن للمخلوق إرادة تليق به. قيل لك: وكذلك له محبة تليق به، وللمخلوق محبة تليق به، وله رضا وغضب يليق به، وللمخلوق رضا وغضب يليق به.\nوإن قال: الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام.\nقيل له: والإرادة ميل النفس إلى جلب منفعة أو دفع مضرة، فإن قلت: هذه إرادة","vol":"1","page":338},{"text":"المخلوق. قيل لك: وهذا غضب المخلوق.\nوكذلك يُلْزَم بالقول في كلامه وسمعه وبصره وعلمه وقدرته، إن نفى عن الغضب والمحبة والرضا ونحو ذلك ما هو من خصائص المخلوقين، فهذا منتف عن السمع والبصر والكلام وجميع الصفات، وإن قال: إنه لا حقيقة لهذا إلا ما يختص بالمخلوقين فيجب نفيه عنه. قيل له: وهكذا السمع والبصر والكلام والعلم والقدرة.\nفهذا المُفرِّق بين بعض الصفات وبعض، يقال له فيما نفاه كما يقوله هو لمنازعه فيما أثبته، فإذا قال المعتزلي: ليس له إرادة ولا كلام قائم به، لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بالمخلوقات، فإنه يُبَيِّنْ للمعتزلي أن هذه الصفات يتصف بها القديم، ولا تكون كصفات المحدثات. فهكذا يقول له المثبتون لسائر الصفات من المحبة والرضا ونحو ذلك.\nفإن قال: تلك الصفات أثبتها بالعقل، لأن الفعل الحادث دل على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك.\nقال له سائر أهل الإثبات: لك جوابان:\nأحدهما: أن يقال: عدم الدليل المعيَّن لا يستلزم عدم المدلول المعيَّن، فهب أن ما سلكته من الدليل العقلي لا يثبت ذلك فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليل، كما على المثبت. والسمع قد دل عليه، ولم يعارض، ذلك معارض عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالمُ عن المعارِض المقاوم.\nالثاني: أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبتَّ به تلك من العقليات، فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة، كدلالة التخصيص على المشيئة،","vol":"1","page":339},{"text":"وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكفار يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهد والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته- وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة- تدل على حكمته البالغة كما يدل التخصيص على المشيئة وأَوْلَى، لقوة العلة الغائية، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة\".\nالشرح\nلما ذكر المصنف جوانب التأصيل والتقرير لمسائل إثبات الصفات شرع هنا في بيان جوانب الردود على أهل التعطيل على اعتبار أن المعطلة هم درجات في تعطيلهم لأسماء الله وصفاته:\nفمنهم من ينفي جميع أسماء الله وصفاته وهم الجهمية.\nومنهم من يثبت الأسماء وينفي جميع الصفات وهم المعتزلة ومن وافقهم.\nومنهم من يثبت بعض الصفات وينفي بعضها على تفاوت في مقدار ذلك وهم الكلابية والأشاعرة والماتريدية ومن وافقهم.\nوفي كلام المصنف هنا مسائل:\n\n<span data-type='title' id=toc-190>المسألة الأولى: موقف الصفاتية-وهم الكلابية والأشاعرة والماتريدية-من صفات الله.</span>\nفالمصنف بدأ بالرد على متأخري الأشاعرة وعلى الماتريدية، من خلال الأصل الأول الذي عقده لهذا الغرض وهو \"القول في بعض الصفات كالقول في بعض\".\nفقول المصنف: \"فإن كان المخاطب ممن يقرّ بأن الله حي بحياة، عليم بعلم،","vol":"1","page":340},{"text":"قدير بقدرة، سميع بسمع، بصير ببصر، متكلم بكلام، مريد بإرادة. ويجعل ذلك كله حقيقة، وينازع في محبته ورضاه وغضبه وكراهيته، فيجعل ذلك مجازا، ويفسره إما بالإرادة، وإما ببعض المخلوقات من النعم والعقوبات\". يعني به تحديدًا قول الأشاعرة المتأخرين ومعهم الماتريدية، ولمعرفة موقف الأشاعرة والماتريدية من صفات الله يحسن إعطاء نبذة مختصرة عن عقيدتهم في صفات الله:\nفالأشاعرة ينقسمون إلى متقدمين ومتأخرين\nأما قدماء الأشاعرة ومعهم الكلابية ومن وافقهم فهؤلاء: يتلخص قولهم في النقاط الآتية:\nأولًا: يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء.\nثانيًا: ويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض.\nثالثًا: أما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم، والأصابع فأغلب هؤلاء يتأولها. (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ١٠٣٤، ١٠٣٦.","vol":"1","page":341},{"text":"عندهم: إثبات كل صفة في القرآن.\nوأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (^١)\nأما المتأخرين من الأشاعرة ومعهم الماتريدية:\nفالمعروف عن متأخري الأشاعرة والماتريدية من أهل الكلام تقسيمهم الصفات إلى أربعة أقسام:\n١ - صفات المعاني. ٢ - الصفات المعنوية\n٣ - الصفات السلبية. ٤ - الصفة النفسية\n\n<span data-type='title' id=toc-191>القسم الأول: صفات المعاني.</span>\nوضابطها في اصطلاحهم هي: ما دل على معنى وجودي قائم بالذات ولم يقر هؤلاء إلا بسبع منها هي، الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. ونفوا ما عداها من صفات المعاني كالرأفة والرحمة والحلم (^٢)\nوهي القدر الذي عند هؤلاء من الإثبات، أما الأقسام الثلاثة الباقية ليس فيها إثبات على الحقيقة\n\n<span data-type='title' id=toc-192>القسم الثاني: الصفات المعنوية وضابطها:</span> هي الأحكام الثابتة للموصوف بها معللة بعلل قائمة بالموصوف وهي كونه (حيًا، عليمًا، قديرًا، مريدًا، سميعًا، بصيرًا، متكلمًا) وهذا العد لا وجه له لأنه في الحقيقة تكرار لصفات المعاني المتقدم ذكرها\nثم إن من عدها من هؤلاء عدوها بناءً على ما يسمونه الحالة المعنوية التي\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٤/ ١٤٧، ١٤٨.\n(^٢) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات (ص ٥)","vol":"1","page":342},{"text":"يزعمون أنها واسطة ثبوتية لا معدومة ولا موجودة (^١)\nوالتحقيق أن هذا خرافة وخيال. وأن العقل الصحيح لا يجعل بين الشييء ونقيضه واسطة البتة فكل ما ليس بموجود فهو معدوم قطعًا، وكل ما ليس بمعدوم فهو موجود قطعًا ولا واسطة البتة كما هو معروف عند العقلاء (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-193>القسم الثالث: الصفات السلبية:</span> وضابطها عندهم: ما دل على سلب ما لا يليق بالله عن الله من غير أن يدل على معنى وجودي قائم بالذات\nوالذين قالوا هذا جعلوا الصفات السلبية خمسًا لا سادس لها (^٣) وهي عندهم: القِدَمُ، البقاء، والمخالفة للحوادث، والوحدانية، والغنى المطلق الذي يسمونه القيام بالنفس الذي يعنون به الاستغناء عن المخصص والمحل (^٤)\nوعلى ضابطهم الذي ذكروه فإن هذه الخمس لا تتضمن معنى وجوديًا. وإنما تتضمن أمرًا سلبيًا فعلى سبيل المثال: القدم: المقصود بها نفي الحدوث\nوالبقاء: المقصود بها نفي الفناء\nوالوحدانية: المقصود بها نفي النظير المساوي له\nوالقيام بالنفس: عدم افتقاره للمحل وعدم افتقاره للمخصص: أي الموجد\n\n<span data-type='title' id=toc-194>القسم الرابع: الصفة النفسية وضابطها </span>هي: كل صفة إثبات لنفس لازمة ما\n_________\n(^١) تحفة المريد (ص ٧٧)\n(^٢) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات (ص ١٠)\n(^٣) يرى بعضهم أنها ليست منحصرة في هذه الخمسة، إلا أن ما عداها راجع إليها ولو بالالتزام، أو أن هذه مهماتها. انظر تحفة المريد (ص ٥٤).\n(^٤) منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات (ص ٨).","vol":"1","page":343},{"text":"بقيت النفس غير معللة بعلل قائمة بالموصوف\nوهي عندهم صفة واحدة هي: الوجود. وهي عندهم لا تدل على شيء زائد على الذات\nيقول شارح جوهرة التوحيد: \"واعلم أن الوجود صفة نفسية وإنما نسبت للنفس أي الذات، لأنها لا تتعقل إلا بها فلا تتعقل نفس إلا بوجودها، والمراد بالصفة النفسية: صفة ثبوتية يدل الوصف بها على نفس الذات دون معنى زائد عليها\nفقولنا: \"صفة\" كالجنس\nوقولنا: \"ثبوتية\" يخرج السلبية كالقدم والبقاء.\nوقولنا: \"يدل الوصف بها على نفس الذات\" معناه أنها لا تدل على شييء زائد على الذات\nوقولنا: \"دون معنى زائد عليها\" تفسير مراد لقولنا (على نفس الذات) ويخرج بذلك المعاني لأنها لا تدل على معنى زائد على الذات، وكذلك (المعنوية) فإنها تستلزم المعاني فهي تدل على معنى زائد على الذات لاستلزامها المعاني\" (^١)\nوبهذا يعلم أنه ليس عند هؤلاء من الإثبات إلا الصفات السبع التي يسمونها صفات المعاني وهي، الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام وما عداها من الصفات الثبوتية لا يثبتونها ولهم في نصوصها أحد طريقين إما التأويل أو التفويض وفي هذا يقول قائلهم:\nوكل نص أوهم التشبيها … أَوِّلْهُ أو فَوِّضْ ورم تنزيها (^٢)\nفنصوص الصفات التي وردت في إثبات ما عدا الصفات السبع التي يثبتونها،\n_________\n(^١) تحفة المريد شرح جوهرة التوحيد (ص ٥٤)\n(^٢) المصدر السابق (ص ٩١)","vol":"1","page":344},{"text":"يسمونها نصوصًا موهمة للتشبيه، فهم يصرفونها عن ظاهرها، ولكنهم تارة يعينون المراد كقولهم استوى: استولى، واليد: بمعنى النعمة والقدرة؛ وتارة يفوضون فلا يحددون المعنى المراد ويكلون علم ذلك إلى الله ﷿. ولكنهم يتفقون على نفي الصفة لأن ناظمهم يقول: \"ورم تنزيهًا\" وشارح الجوهرة يقول: \"أو فوض\" أي بعد التأويل الإجمالي الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فبعد هذا التأويل فوض المراد من النص الموهم إليه تعالى (^١).\nفهم بذلك متفقون على نفي تلك الصفات، ويخيرون في تحديد المعنى المراد أو السكوت عن ذلك\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات -أي الصفات الخبرية- موافقة للمعتزلة والجهمية. ثم لهم قولان:\nأحدهما: تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد\nوالثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في \"الرسالة النظامية\" وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب\nثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات. ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي، لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي\" (^٢)\nوقال العلامة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في كتابه أضواء البيان: \"اعلم أن المتكلمين قسموا صفاته جلا وعلا إلى ستة أقسام:\n_________\n(^١) تحفة المريد (ص ٩١).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٢٤٩).","vol":"1","page":345},{"text":"١ - صفة نفسية\n٢ - صفة سلبية\n٣ - صفة معنى\n٤ - صفة معنوية\n٥ - صفة فعلية\n٦ - صفة جامعة مثل العلو والعظمة مثلًا.\nوالصفة الإضافية هي تتداخل مع الفعلية\nلأن كل صفة فعلية من مادة متعدية إلى المفعول كالخلق والإحياء والإماتة فهي صفة إضافية، وليست كل صفة إضافية فعلية، فبينهما عموم وخصوص من وجه، يجتمعان في نحو الخلق والإحياء والإماتة\nوتتفرد الفعلية في نحو الإستواء وتتفرد الإضافية في نحو كونه تعالى موجود قبل كل شييء، وأنه فوق كل شييء، لأن القَبْلِيَّةَ والفوقيَّةَ من الصفات الإضافية وليستا من صفات الأفعال\" (^١).\nاحتج الأشاعرة في إثباتهم للصفات السبع بأن العقل قد أثبت هذه الصفات ودل عليها كما يلي:\nالقدرة: دل عليها الفعل الحادث: والفعل هنا مصدر بمعنى المفعول، والمقصود وجود المخلوقات.\nوالإرادة: دل عليها التخصص: أي تميز كل شيء بميزة تخصه من صفة أو وقت أو مكان دليل على إرادة الله لذلك.\nالعلم: دل عليه الإحكام والإتقان في المخلوقات، فهذا لا يكون إلا بكمال\n_________\n(^١) أضواء البيان ٢/ ٣٠٦.","vol":"1","page":346},{"text":"العلم.\nالحياة: لأن القدرة والإرادة والعلم لا تقوم إلا بالحي فهي مستلزمة للحياة.\nالسمع والبصر والكلام: لأن الحي لا يخلو من السمع والبصر.\nوالكلام أو ضدها من الصمم والعمى والخرص، وهذه الأضداد نقائص يتنزه الله عنها فوجب إثبات الكمال له.\nوبهذه الدلالات العقلية أثبت الأشاعرة تلك الصفات\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-195>المسألة الثانية: استعمال هذا الرد على جميع نفاة الصفات.</span>\nوالرد عليهم من وجوه:\nالوجه الأول: قول المصنف: \"قيل له: لا فرق بين ما نفيتَه وبين ما أثبتَّه، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر\".\nهذا الرد استعمله علماء أهل السنة باعتباره أحد الأدلة في الرد على من أنكر إثبات الصفات، فهو من أقوى ما يرد به على نفاة الصفات جميعها: كالمعتزلة والجهمية، ومن أحكم ما يرد به على نفاة بعض الصفات: كالأشاعرة والماتريدية، من أجل ذلك جعلها شيخ الإسلام ابن تيمية الأصل الأول الذي بنى عليه جوابه لمن سأله أن يجمع له مضمون القول في التوحيد والصفات، وفي الشرع والقدر؛ فيقول ﵀: \"ويتبين هذا بأصلين شريفين، ومثلين مضروبين - ولله المثل الأعلى-، وبخاتمة جامعة؛ فأما الأصلان:\nفأحدهما أن يقال: \"القول في بعض الصفات كالقول في بعض\" (^٢).\nفصفات الله تعالى: هي نعوت الكمال القائمة بالذات: كالعلم والحكمة والسمع\n_________\n(^١) أصول الدين للبغدادي ١٠٥، شرح الجوهرة ١/ ٣٥٩.\n(^٢) التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع (ص: ٣١).","vol":"1","page":347},{"text":"والبصر (^١).\nوأسماء الله تعالى تتضمن صفات له سبحانه: فأسماء الله تعالى هي كل ما دلَّ على ذات الله مع صفات الكمال القائمة به: مثل القادر، العليم، الحكيم، السميع، البصير، فإن هذه الأسماء دلت على ذات الله، وعلى ما قام بها من العلم والحكمة والسمع والبصر (^٢).\nفلا فرق في إثبات صفات الله تعالى؛ إذ الأصل في إثباتها هو الكتاب والسنة، فما أثبته الله تعالى في كتابه وصفًا له سبحانه أثبتناه، وكذا ما أثبته له رسوله - ﷺ-.\nوعليه فإن أهل السنة والجماعة يسوقون الكلام في صفات الله تعالى سوقًا واحدًا، فلا يفرقون بين إثبات صفة السمع والبصر لله تعالى وسائر الصفات الأخرى؛ لأنهم يصفون الله ﷾ بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيثبتون للهما أثبته لنفسه مما ورد في الكتاب السنة الصحيحة من الأسماء والصفات، وينفون عنه مماثلة المخلوقات، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل.\nفهذا الرد لا يقتصر فيه على متأخري الأشاعرة، فهو يستدل به في الرد على المخالفين من نفاة صفات الله تعالى جميعًا، أو نفاة بعضها.\nولهذا قال المصنف: \"فهذا المُفرِّق بين بعض الصفات وبعض، يقال له فيما نفاه كما يقوله هو لمنازعه فيما أثبته.\nفإذا قال المعتزلي: ليس له إرادة ولا كلام قائم به، لأن هذه الصفات لا تقوم إلا بالمخلوقات، فإنه يُبَيِّنْ للمعتزلي أن هذه الصفات يتصف بها القديم، ولا تكون\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة (٣/ ١١٦ - فتوى رقم ٨٩٤٢).\n(^٢) المرجع السابق.","vol":"1","page":348},{"text":"كصفات المحدثات. فهكذا يقول له المثبتون لسائر الصفات من المحبة والرضا ونحو ذلك\".\nفبهذا نرد على عدة طوائف:\nأ-فالذين يثبتون بعض الصفات وينفون بعضها، كالذين يثبتون لله الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، والإرادة، ويجعلونها صفات حقيقية، ثم ينازعون في محبة الله ورضاه، وغضبه وكراهيته، ويجعلون ذلك مجازًا، أو يفسرونه بالإرادة، أو يفسرونه بالنعم والعقوبات.\nفيقال لهؤلاء: لا فرق بين ما أثبتموه وما نفيتموه، بل القول في أحدهما كالقول في الآخر، فإن كنتم تقولون: حياته وعلمه كحياة المخلوقين وعلمهم، فيلزمكم أن تقولوا في رضاه ومحبته كذلك. وإن قلتم له حياة وعلم وإرادة تليق به ولا تشبه حياة المخلوقين وعلمهم وإرادتهم، فيلزمكم أن تقولوا في رضاه ومحبته وغضبه كذلك.\nوإن قلتم: إن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام، فكذلك يقال: الإرادة ميل النفس إلى جلب مصلحة أو دفع مضرة، فإن قلتم: هذه إرادة مخلوق، قلنا: هذا غضب مخلوق.\nب-الذين يثبتون الأسماء وينفون الصفات، فيقولون حي بلا حياة، عليم بلا علم … الخ.\nفهؤلاء يقال لهم: لا فرق بين إثبات الأسماء، وإثبات الصفات، فإنك إن قلت إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي التشبيه أو التجسيم لأنا لا نجد متصفًا بالصفات إلا وهو جسم، قلنا: وكذلك في الأسماء، إذ لا نجد ما هو مسمى بحي وعليم وقدير إلا ما هو جسم، فانف أسماء الله، فإن قالوا: هذه الأسماء تليق بكماله وجلاله، قلنا: وكذلك صفاته.","vol":"1","page":349},{"text":"ج-الذين ينفون الأسماء والصفات، فإنهم بزعمهم ينفون ذلك حتى لا يشبهوا الله بالموجودات.\nفيقال لهم: نفيتم علمه وحياته كما نفيتم أنه عليم حي خشية أن تشبهوه بالموجودات، ولكن يلزم قولكم هذا تشبيه الله بالمعدومات.\nوهذا الرد قد استعمله أئمة قبل شيخ الإسلام ابن تيمية ومن بعده.\nفمن المتقدمين:\nقال الإمام يحيى ابن أبي الخير العِمراني شيخ الشافعيين باليمن المتوفى عام: (٥٥٨ هـ):\n\"ويقال للأشعري: قد أقررتَ بأن لله سمعًا وبصرًا وعلمًا وقدرة وحياة وكلامًا، لتنفي عنه ضد هذه الصفات.\nفلما كان السمع الذي أثبتّه لله هو السمع المعهود في لغة العرب، وهو إدراك المسموعات، وكذلك ضده المنفي عنه هو المعهود في كلام العرب وهو الصمم، وكذلك البصر الذي أثبتَّه لله هو المعهود في كلام العرب وهو إدراك المبصرات، والعلم هو إدراك المعلومات.\nوجب أن يكون الكلام لله هو الكلام المعهود في كلام العرب، وهو ما كان بحرف وصوت، كما أن ضده المنفي عنه وهو الخرس المعهود عندهم.\nفأما إثبات كلام لا يفهم ولا يعلم فمحال، ولا يلزم على ما قلنا إذا أثبتنا لله كلامًا بحرف وصوت أن يثبت له آلة الكلام؛ لأنه لا يتأتى الكلام بذلك إلا من له آلة الكلام؛ لأنا قد أثبتنا نحن والأشعري لله السمع والبصر والقدرة، وإن لم نصفه بأن له آلة ذلك، وعلى أن الله سبحانه قد أخبر أن السموات والأرض ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وأخبر أن جهنم تقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠]، وأخبر أن الجوارح تنطق يوم القيامة بالشهادة، وأخبر النبي - ﷺ - أن الذراع المشوية أخبرته أنها مسمومة، وشيء","vol":"1","page":350},{"text":"من هذا كله لا يوصف بأن له آلة الكلام، فبطل قوله بذلك\" (^١).\nومن التأخرين:\nقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في معرض رده على المتأخرين من الأشاعرة:\n\"وسنبين لك أن جميع الصفات على تقسيمهم لها جاء في القرآن وصف الخالق والمخلوق بها، وهم في بعض ذلك يقرون بأن الخالق موصوف بها، وأنها جاء في القرآن أيضا وصف المخلوق بها، ولكن وصف الخالق مناف لوصف المخلوق، كمنافاة ذات الخالق لذات المخلوق، ويلزمهم ضرورة فيما أنكروا مثل ما أقروا به؛ لأن الكل من باب واحد، لأن جميع صفات الله جل وعلا من باب واحد؛ لأن المتصف بها لا يشبهه شيء من الحوادث.\nفمن ذلك: الصفات السبع، المعروفة عندهم بصفات المعاني وهي: القدرة، والإرادة، والعلم، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام.\nفقد قال تعالى في وصف نفسه بالقدرة: (الله على كل شيء قدير)\nوقال في وصف الحادث بها: (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) فأثبت لنفسه قدرة حقيقية لائقة بجلاله وكماله، وأثبت لبعض الحوادث قدرة مناسبة لحالهم من الضعف والافتقار والحدوث الفناء، وبين قدرته، وقدرة مخلوقه من المنافاة ما بين ذاته وذات مخلوقه.\nوقال في وصف نفسه بالإرادة:) فعال لما يريد)، (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون)، (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)، ونحو ذلك من الآيات.\nوقال في وصف المخلوق بها: (تريدون عرض الدنيا) الآية، (إن يريدون إلا فرارا)، (يريدون ليطفئوا نور الله (، ونحو ذلك من الآيات.\n_________\n(^١) الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٥٦٨ - ٥٦٩).","vol":"1","page":351},{"text":"فله جل وعلا إرادة حقيقية لائقة بكماله وجلاله، وللمخلوق إرادة أيضا مناسبة لحاله، وبين إرادة الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.\nوقال في وصف نفسه بالعلم: (والله بكل شيء عليم)، (لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه) الآية (فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين).\nوقال في وصف الحادث به: (قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم)، وقال: (وإنه لذو علم لما علمناه)، ونحو ذلك من الآيات.\nفله جل وعلا علم حقيقي لائق بكماله وجلاله، وللمخلوق علم مناسب لحاله، وبين علم الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.\nوقال في وصف نفسه بالحياة: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم)، (هو الحي لا إله إلا هو) الآية، (وتوكل على الحي الذي لا يموت) الآية، ونحو ذلك من الآيات.\nوقال في وصف المخلوق بها: (وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا)، (وجعلنا من الماء كل شيء حي)، (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت).\nفله جل وعلا حياة حقيقية تليق بجلاله وكماله، وللمخلوق أيضا حياة مناسبة لحاله؛ وبين حياة الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.\nوقال في وصف نفسه بالسمع والبصر: (ليس كمثله شيء وهو السميع","vol":"1","page":352},{"text":"البصير)، (إن الله سميع بصير)، ونحو ذلك من الآيات.\nوقال في وصف الحادث بهما:) إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا)، (أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا) الآية، ونحو ذلك من الآيات.\nفله جل وعلا سمع وبصر حقيقيان يليقان بكماله وجلاله، وللمخلوق سمع وبصر مناسبان لحاله، وبين سمع الخالق وبصره، وسمع المخلوق وبصره من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.\nوقال في وصف نفسه بالكلام (وكلم الله موسى تكليما)، (إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي)، (فأجره حتى يسمع كلام الله)، ونحو ذلك من الآيات.\nوقال في وصف المخلوق به: (فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين)، (اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم) الآية، (قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا)، ونحو ذلك من الآيات.\nفله جل وعلا كلام حقيقي يليق بكماله وجلاله؛ وللمخلوق كلام أيضا مناسب لحاله، وبين كلام الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.\nوهذه الصفات السبع المذكورة يثبتها كثير ممن يقول بنفي غيرها من صفات المعاني.\nوالمعتزلة ينفونها ويثبتون أحكامها فيقولون: هو تعالى حي قادر، مريد عليم، سميع بصير، متكلم بذاته لا بقدرة قائمة بذاته، ولا إرادة قائمة بذاته، هكذا فرارا منهم من تعدد القديم!!","vol":"1","page":353},{"text":"ومذهبهم الباطل لا يخفى بطلانه وتناقضه على أدنى عاقل؛ لأن من المعلوم أن الوصف الذي منه الاشتقاق إذا عدم فالاشتقاق منه مستحيل فإذا عدم السواد عن جرم مثلا استحال أن تقول هو أسود، إذ لا يمكن أن يكون أسود ولم يقم به سواد، وكذلك إذا لم يقم العلم والقدرة بذات، استحال أن تقول: هي عالمة قادرة لاستحالة اتصافها بذلك، ولم يقم بها علم ولا قدرة، قال في \" مراقي السعود \":\nوعند فقد الوصف لا يشتق … وأعوز المعتزلي الحق\nوأما الصفات المعنوية عندهم: فهي الأوصاف المشتقة من صفات المعاني السبع المذكورة، وهي كونه تعالى: قادرا، مريدا، عالما حيا، سميعا بصيرا، متكلما.\nوالتحقيق أنها عبارة عن كيفية الاتصاف بالمعاني، وعد المتكلمين لها صفات زائدة على صفات المعاني مبني على ما يسمونه الحال المعنوية، زاعمين أنها أمر ثبوتي ليس بموجود، ولا معدوم؛ والتحقيق الذي لا شك فيه أن هذا الذي يسمونه الحال المعنوية لا أصل له، وإنما هو مطلق تخييلات يتخيلونها؛ لأن العقل الصحيح حاكم حكما لا يتطرقه شك بأنه لا واسطة بين النقيضين البتة، فالعقلاء كافة مطبقون على أن النقيضين لا يجتمعان، ولا يرتفعان، ولا واسطة بينهما البتة، فكل ما هو غير موجود، فإنه معدوم قطعا، وكل ما هو غير معدوم، فإنه موجود قطعا، وهذا مما لا شك فيه كما ترى.\nوقد بينا في اتصاف الخالق والمخلوق بالمعاني المذكورة منافاة صفة الخالق للمخلوق، وبه تعلم مثله في الاتصاف بالمعنوية المذكورة لو فرضنا أنها صفات زائدة على صفات المعاني، مع أن التحقيق أنها عبارة عن كيفية الاتصاف بها.\nوأما الصفات السلبية عندهم: فهي خمس، وهي عندهم: القدم، والبقاء،","vol":"1","page":354},{"text":"والوحدانية، والمخالفة للخلق، والغنى المطلق، المعروف عندهم بالقيام بالنفس.\nوضابط الصفة السلبية عندهم: هي التي لا تدل بدلالة المطابقة على معنى وجودي أصلا، وإنما تدل على سلب ما لا يليق بالله عن الله.\nأما الصفة التي تدل على معنى وجودي: فهي المعروفة عندهم بصفة المعنى، فالقدم مثلا عندهم لا معنى له بالمطابقة، إلا سلب العدم السابق، فإن قيل: القدرة مثلا تدل على سلب العجز، والعلم يدل على سلب الجهل، والحياة تدل على سلب الموت، فلم لا يسمون هذه المعاني سلبية أيضا؟\nفالجواب: أن القدرة مثلا تدل بالمطابقة على معنى وجودي قائم بالذات، وهو الصفة التي يتأتى بها إيجاد الممكنات وإعدامها على وفق الإرادة، وإنما سلبت العجز بواسطة مقدمة عقلية، وهي أن العقل يحكم بأن قيام المعنى الوجودي بالذات يلزمه نفي ضده عنها لاستحالة اجتماع الضدين عقلا، وهكذا في باقي المعاني.\nأما القدم عندهم مثلا: فإنه لا يدل على شيء زائد على ما دل عليه الوجود، إلا سلب العدم السابق، وهكذا في باقي السلبيات، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن القدم، والبقاء اللذين يصف المتكلمون بهما الله تعالى زاعمين، أنه وصف بهما نفسه في قوله تعالى: (هو الأول والآخر) الآية.\nجاء في القرآن الكريم وصف الحادث بهما أيضا،\nقال في وصف الحادث بالقدم: (والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم)، وقال: (قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم)، وقال:) أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون)، وقال في وصف الحادث بالبقاء:) وجعلنا ذريته هم الباقين)، وقال: (ما عندكم ينفد وما عند الله باق)، وكذلك وصف الحادث بالأولية والآخرية","vol":"1","page":355},{"text":"المذكورتين في الآية، قال: (ألم نهلك الأولين ثم نتبعهم الآخرين).\nووصف نفسه بأنه واحد، قال:) وإلهكم إله واحد).\nوقال في وصف الحادث بذلك:) يسقى بماء واحد).\nوقال في وصف نفسه بالغنى:) والله هو الغني الحميد)، (وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد).\nوقال في وصف الحادث بالغنى: (ومن كان غنيا فليستعفف)، (إن يكونوا فقراء يغنهم الله) الآية.\nفهو جل وعلا موصوف بتلك الصفات حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله، والحادث موصوف بها أيضا على الوجه المناسب لحدوثه وفنائه، وعجزه وافتقاره، وبين صفات الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين الخالق والمخلوق، كما بيناه في صفات المعاني.\nوأما الصفة النفسية عندهم، فهي واحدة، وهي: الوجود، وقد علمت ما في إطلاقها على الله، ومنهم من جعل الوجود عين الذات فلم يعده صفة، كأبي الحسن الأشعري، وعلى كل حال، فلا يخفى أن الخالق موجود، والمخلوق موجود، ووجود الخالق ينافي وجود المخلوق، كما بينا.\nومنهم من زعم أن القدم والبقاء صفتان نفسيتان، زاعما أنهما طرفا الوجود الذي هو صفة نفسية في زعمهم.\nوأما الصفات الفعلية، فإن وصف الخالق والمخلوق بها كثير في القرآن، ومعلوم أن فعل الخالق مناف لفعل المخلوق كمنافاة ذاته لذاته، فمن ذلك:\nوصفه جل وعلا نفسه بأنه يرزق خلقه، قال:) إن الله هو الرزاق)","vol":"1","page":356},{"text":"الآية، (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين)، وقال:) وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها) الآية.\nوقال في وصف الحادث بذلك: (وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منها) الآية، وقال:) وعلى المولود له رزقهن) الآية.\nووصف نفسه بالعمل، فقال:) أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما) الآية.\nوقال في وصف الحادث به:) إنما تجزون ما كنتم تعملون).\nووصف نفسه بتعليم خلقه فقال:) الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان).\nوقال في وصف الحادث به: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) الآية.\nوجمع المثالين في قوله تعالى: (تعلمونهن مما علمكم الله).\nووصف نفسه بأنه ينبئ.\nووصف المخلوق بذلك، وجمع المثالين في قوله تعالى: (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير).\nووصف نفسه بالإيتاء، فقال: (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك)، وقال:) يؤتي الحكمة من يشاء)، وقال:) ويؤت كل ذي فضل فضله)، وقال: (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء).","vol":"1","page":357},{"text":"وقال في وصف الحادث بذلك:) وآتيتم إحداهن قنطارا)، (وآتوا اليتامى أموالهم)، (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة)، وأمثال هذا كثيرة جدا في القرآن العظيم.\nومعلوم أن ما وصف به الله من هذه الأفعال فهو ثابت له حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله؛ وما وصف به المخلوق منها فهو ثابت له أيضا، على الوجه المناسب لحاله، وبين وصف الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.\nوأما الصفات الجامعة، كالعظم والكبر والعلو، والملك والتكبر والجبروت، ونحو ذلك. فإنها أيضا يكثر جدًا وصف الخالق والمخلوق بها في القرآن الكريم.\nومعلوم أن ما وصف به الخالق منها مناف لما وصف به المخلوق، كمنافاة ذات الخالق لذات المخلوق.\nقال في وصف نفسه جل وعلا بالعلو والعظم والكبر: (ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم)، (إن الله كان عليا كبيرا)، (عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال).\nوقال في وصف الحادث بالعظم: (فكان كل فرق كالطود العظيم)، (إنكم لتقولون قولا عظيما)، (ولها عرش عظيم)، (عليه توكلت وهو رب العرش العظيم) إلى غير ذلك من الآيات.\nوقال في وصف الحادث بالكبر:) لهم مغفرة وأجر كبير)، وقال:) إن قتلهم كان خطئا كبيرا)، وقال: (إلا تفعلوه تكن فتنة في","vol":"1","page":358},{"text":"الأرض وفساد كبير)، وقال: (وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله)، وقال: (وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين).\nوقال في وصف الحادث بالعلو:) ورفعناه مكانا عليا)، (وجعلنا لهم لسان صدق عليا)، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقال في وصف نفسه بالملك: (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس)، (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس)، وقال: (في مقعد صدق عند مليك مقتدر).\nوقال في وصف الحادث به: (وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان)، (وقال الملك ائتوني به)، (وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا)، (أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه)، (تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء)، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقال في وصف نفسه بالعزة:) فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم)، (يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم)، (أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب).\nوقال في وصف الحادث بالعزة:) قالت امرأة العزيز)، (فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب).\nوقال في وصف نفسه جل وعلا بأنه جبار متكبر: (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر).\nوقال في وصف الحادث بهما:) كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار)،","vol":"1","page":359},{"text":"(أليس في جهنم مثوى للمتكبرين)، (وإذا بطشتم بطشتم جبارين)، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقال في وصف نفسه بالقوة:) إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)، (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز).\nوقال في وصف الحادث بها: (وقالوا من أشد منا قوة أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة)، (ويزدكم قوة إلى قوتكم)، (إن خير من استأجرت القوي الأمين)، (الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة) الآية إلى غير ذلك من الآيات.\nوأمثال هذا من الصفات الجامعة كثيرة في القرآن، ومعلوم أنه جل وعلا متصف بهذه الصفات المذكورة حقيقة على الوجه اللائق بكماله، وجلاله. وإن ما وصف به المخلوق منها مخالف لما وصف به الخالق، كمخالفة ذات الخالق جل وعلا لذوات الحوادث، ولا إشكال في شيء من ذلك، وكذلك الصفات التي اختلف فيها المتكلمون؛ هل هي من صفات المعاني أو من صفات الأفعال، وإن كان الحق الذي لا يخفى على من أنار الله بصيرته أنها صفات معان أثبتها الله-جل وعلا-لنفسه، كالرأفة والرحمة.\nقال في وصفه -جل وعلا-بهما:) فإن ربكم لرءوف رحيم)،\nوقال في وصف نبينا ﷺ بهما:) لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم)،\nوقال في وصف نفسه بالحلم: (ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم حليم).","vol":"1","page":360},{"text":"وقال في وصف الحادث به:) فبشرناه بغلام حليم)، (إن إبراهيم لأواه حليم).\nوقال في وصف نفسه بالمغفرة:) إن الله غفور رحيم)،) لهم مغفرة وأجر عظيم)، ونحو ذلك من الآيات.\nوقال في وصف الحادث بها: (ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور)، (قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله) الآية، (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى)، ونحو ذلك من الآيات.\nووصف نفسه جل وعلا بالرضى ووصف الحادث به أيضا فقال: (رضي الله عنهم ورضوا عنه).\nووصف نفسه جل وعلا بالمحبة، ووصف الحادث بها، فقال:) فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم)، (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله).\nووصف نفسه بأنه يغضب إن انتهكت حرماته فقال: (قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه) الآية، (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه) الآية.\nوقال في وصف الحادث بالغضب (ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا)؛ وأمثال هذا كثير جدا.\nوالمقصود عندنا ذكر أمثلة كثيرة من ذلك، مع إيضاح أن كل ما اتصف به جل وعلا من تلك الصفات بالغ من غايات الكمال والعلو والشرف ما يقطع علائق جميع","vol":"1","page":361},{"text":"أوهام المشابهة بين صفاته جل وعلا، وبين صفات خلقه، ﷾ عن ذلك علوا كبيرا\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-196>المسألة الثالثة: الرد على شبهة من زعم أن إثبات ما أثبته من الصفات هو أن العقل دل عليه.</span>\nوقد بين المصنف هذه الشبهة ورد عليها\n\n<span data-type='title' id=toc-197>أولًا: عرض الشبهة.</span>\nفقال المصنف: \"فإن قال: تلك الصفات أثبتها بالعقل، لأن الفعل الحادث دل على القدرة، والتخصيص دل على الإرادة، والإحكام دل على العلم، وهذه الصفات مستلزمة للحياة، والحي لا يخلو عن السمع والبصر والكلام أو ضد ذلك\".\nوفي هذا النص مسائل:\n\n<span data-type='title' id=toc-198>المسألة الأولى: أقسام الصفات باعتبار أدلتها.</span>\nتنقسم الصفات من حيث أدلة ثبوتها إلى قسمين:\n\n<span data-type='title' id=toc-199>القسم الأول: الصفات الشرعية العقلية وضابطها: هي التي يشترك في إثباتها الدليل الشرعي السمعي والدليل العقلي، والفطرة السليمة.</span>\nوهي أكثر صفات الرب تعالى، بل أغلب الصفات الثبوتية يشترك فيها الدليلان السمعي والعقلي (^٢) وإن كان الأصل في ثبوتها الدليل الشرعي.\nومنها: العلم، السمع، البصر، العلو، القدرة، الإرادة، الخلق، الحياة.\nوسميت \"شرعية عقلية\" شرعية: لأن الشرع دل عليها أو أرشد إليها.\n_________\n(^١) أضواء البيان: ٢/ ٢٠ - ٢٢.\n(^٢) الصفات الإلهية في الكتاب والسنة في ضوء الإثبات والتنزيه ص ٢٠٧","vol":"1","page":362},{"text":"وعقلية: لأنها تعلم صحتها بالعقل ولا يقال إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر\nفإذا أخبر الله بالشييء، ودل عليه بالدلالات العقلية صار مدلولا عليه بخبره، ومدلولا عليه بدليل العقل الذي يعلم به، فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى الدلالة الشرعية (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-200>القسم الثاني: الصفات الخبرية وتسمى النقلية والسمعية وضابطها: هي التي لا سبيل إلى إثباتها إلا بطريق السمع والخبر عن الله أو عن رسوله الأمين عليه الصلاة والتسليم </span>(^٢).\nومنها: الوجه - اليد - العين - الرضا - الفرح - الغضب - القَدَم - الاستواء - النزول - المجيء - الضحك\nوهي تنقسم إلى قسمين:\n١ - صفات ذاتية مثل: الوجه - اليد - العين - القَدَم\n٢ - صفات فعلية مثل: النزول - الاستواء - الغضب - الفرح - الضحك\n\n<span data-type='title' id=toc-201>المسألة الثانية: شبهة المعطلة.</span>\nفهذه الشبهة هي عند جميع المعطلة الذين اعتمدوا على عقولهم فقط فيما يثبتون وفيما ينفون، فأهل التعطيل جعلوا أقوال البشر أو ما يسمونه \"العقل\" وحده هو أصل علمهم، فالشبه العقلية هي الأصول الكلية الأولية عندهم، وهي التي تثبت وتنفي، ثم يعرضون الكتاب والسنة على تلك الشبه العقلية، فإن وافقتها قبلت اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن عارضتها ردت تلك النصوص الشرعية وطرحت، وفي هذا يقول قائلهم: (كل ما ورد السمع به ينظر فإن كان العقل مجوزا له وجب التصديق به،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ٧١، ٧٢\n(^٢) الصفات الإلهية ص ٢٠٧.","vol":"1","page":363},{"text":"وأما ما قضى العقل باستحالته فيجب فيه تأويل ما ورد السمع به، ولا يتصور أن يشمل السمع على قاطع مخالف للمعقول. وظواهر أحاديث التشبيه -يعني بها أحاديث الصفات-أكثرها غير صحيحة، والصحيح منها ليس بقاطع، بل هو قابل للتأويل) (^١).\nوقال: \"كل ما دل العقل فيه على أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال، إذ الأدلة العقلية يستعجل نسخها وتكاذبها، فإن ورد دليل سمعي على خلاف العقل، فإما أن لا يكون متواترًا فيعلم أنه غير صحيح، وإما أن يكون متواترًا فيكون مؤولًا ولا يكون متعارضًا\" (^٢)\nفهذا النقل يبين لك مدى تقديم هؤلاء لشبههم العقلية وتعصبهم لها، وكيف أنهم يجعلونها هي الأصول والسمع معروض عليها، فما أجازته عقولهم قبلوه، وما لم تجزه عقولهم شككوا فيه وانتقصوه، ومن ثم سعوا في تأويله وتحريفه، ومن يلقي نظرةً على كتب الأشاعرة مثلًا يجد أن القوم يقسمون أبواب العقيدة إلى إلهيات- ونبوَّات- وسمعيات، وهم في باب الإلهيات والنبوات لا يقبلون نصوص الكتاب والسنة، ولذلك لن تجد في هذين البابين إلا الشبه العقلية المركبة وفق القواعد المنطقية، ويا عجبا أنأخذ ديننا من كلام الله ورسوله، أم من ملاحدة اليونان وتلاميذهم!\nوأما باب السمعيات-أي البعث والحشر والجنة والنار والوعد والوعيد-فهم يقبلون فيه النصوص الشرعية، وبالتالي سموا هذا الباب بالسمعيات. في مقابل باب الإلهيات والنبوات، إذ إنهم يعتمدون فيهما على العقليات، وهؤلاء شابهوا حال من\n_________\n(^١) الاقتصاد في الاعتقاد لأبي حامد الغزالي ص ١٣٢ - ١٣٣.\n(^٢) المستصفى ٢/ ١٣٧ - ١٣٨","vol":"1","page":364},{"text":"قال الله تعالى فيهم: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ٢.\n\n<span data-type='title' id=toc-202>المسألة الثالثة: الرد على شبهة الاعتماد على العقل وحده.</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وجوب تصديق كل مسلم بما أخبر الله به ورسوله من صفاته ليس موقوفًا على أن يقوم عليه دليل عقلي على تلك الصفة بعينها فإنه مما يعلم بالضطرار من دين الإسلام أن الرسول ﷺ إذا أخبرنا بشيء من صفات الله تعالى وجب علينا التصديق به وإن لم نعلم ثبوته بعقولنا ومن لم يقر بما جاء به الرسول حتى يعلمه بعقله فقد أشبه الذين قال الله عنهم (وقالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته) ومن سلك هذا السبيل فهو في الحقيقة ليس مؤمنا بالرسول ولا متلقيًا عنه الأخبار بشأن الربوبية ولا فرق عنده بين أن يخبر الرسول بشيء من ذلك أو لم يخبر به فإن ما أخبر به لا يقتدي به بل يتأوله أو يفوضه، وما لم يخبر به إن علمه بعقله آمن به وإلا فلا فرق عند من سلك هذا السبيل بين وجود الرسول وإخباره وبين عدم الرسول وعدم إخباره وكان ما يذكره من القرآن والحديث والإجماع في هذا الباب عديم الأثر عنده\" (^١)\nوشبهة الاعتماد على العقل في أثبات الصفات هي شبهة مردودة يردها النص الشرعي قولًا ومعنى\nفمن حيث النص: فلو كان الحق فيما يزعم هؤلاء فالنصوص تقول شيئًا، وهم يقولون شيئًا آخر، فالحق واحد لا يتعدد، فإما أن يكون الحق في صف هذه النصوص، وإما أن يكون الحق في صف هؤلاء، فأنت اجمع واعقد مقارنة، اجمع\n_________\n(^١) شرح الأصفهانية ص ١٢.","vol":"1","page":365},{"text":"النصوص واقرأها، ثم انظر في قول هؤلاء، هل تجد في قول هؤلاء ما يدل عليه النصُّ ويؤكده؟ أم أن قولهم على خلاف ما يقول النصُّ؟\nفإذًا بعد ذلك، فماذا بعد الحق إلا الضلال، فإما أن يكون الكتاب والسُنَّة وسلف الأمة على الخطأ وحاشا أن يكون الأمر كذلك، وإما أن يكون هؤلاء على الخطأ، وهذا الأمر من أوضح وأبين ما يكون، فإنهم على الخطأ البيِّن، إذا كان الأمر في مثل هذه المقارنة.\nفإذًا كيف يُعقل أن الحق يكون على خلاف ما جاء في النصوص، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يبوحون به قط، هل نقول بعد ذلك إن للشريعة ظاهرًا وباطنًا؟، ونزعم كما زعم الباطنية من الرافضة والصوفية، أو أن للنصوص شريعة وحقيقة.\nويرد بعض الناس النصوص لأن عقله لم يستطع أن يستوعب ذلك النص، ومعلوم أنا مأمورون بأن نسلم ونصدق، فأحيانًا قد لا يصل الإنسان إلى فهم النص، أو معرفة معنى النص، أو أن هناك في النص أمرًا متعلقًا بالكيفية، وهذا لا تبلغه عقول البشر.\nفالواجب على الإنسان أن يُسلم ويصدق بهذا الجانب، فالنصوص لم تأتي بما ترده العقول، ولم تأتي بما يصادم العقل، لكن أحيانًا لا تبلغ العقول مبلغ فهم هذا النص، فهذا يأتي من حالين:\nإما حال المعنى أو حال الكيف،\nفحال المعنى فقد يكون بسبب ما يسمى الاشتباه النسبي، بمعنى: أن النص قد يتضح لك ويخفى علي أو العكس، يتضح لي ويخفى عليك، فالمعنى قد لا يبلغه عقلك أو فهمك، وهذا وقع حتى لبعض أصحاب النبي ﷺ.\nفالصحابة رضوان الله عليهم لما سمعوا قول الله ﷿: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا","vol":"1","page":366},{"text":"إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، جاءوا يبكون ويقولون للنبي: \"وأينا لم يظلم نفسه\" ففهموا من الظلم ظلم النفس، فأرشدهم النبي ﷺ إلى المعنى الحق، وقال: «ألم تسمعوا لقول العبد الصالح يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلمٌ عظيم» (^١)، فأفهمهم بأن المراد من الظلم هنا هو الشرك؛ لأن الظلم على ثلاثة أنواع:\nظلم النفس، وظلم الغير، والظلم بمعنى الشرك.\nوهذا عدي بن حاتم عربي قُح، عندما سمع قول الله ﷿: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، جاء بحبلين بعقالين أحدهما أسود والثاني أبيض ووضعهما تحت وسادته وأخذ ينظر إليهما، يريد أن يتبين إليه الأبيض من الأسود، فلما جاء إلى النبي ﷺ قال: «إن قفاك لعريض ألم يقل من الفجر» (^٢)، فبين له أن المعنى هنا بياض النهار وسواد الليل.\nفيقع التباس وعدم قدرة على الفهم من جهة المعنى.\nأو أن الأمر متعلق بالكيفية كقوله: «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» فنحن لا نعلم كيف نزوله، ولا كيف استوائه فلا نعلم هذه الكيفيات فبعض الأمورٌ أحيانًا لا تبلغها عقولنا، فما جاء النص بما يصادم العقل، لكن قد يأتي النص بما لم\n_________\n(^١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الإِيمَانِ، بَابٌ: ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ برقم (١٥)، ومسلم كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ صِدْقِ الْإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ (١٢٤)، والترمذي (٣٠٦٧)، والإمام أحمد في المسند مسند المكثرين من الصحابة (٣٥٨٩).\n(^٢) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، برقم (١٩١٦)، ومسلم كِتَاب الصِّيَامِ، بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدُّخُولَ فِي الصَّوْمِ يَحْصُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ … برقم (١٠٩٠)، والترمذي (٢٩٧٠)، والنسائي (٢١٦٩)، والإمام أحمد في المسند أَوَّلُ مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ (١٩٣٧٥).","vol":"1","page":367},{"text":"يبلغه العقل، وما لم يصل إليه عقل الإنسان، إما معنىً من جهة قصور فهمنا أو حقيقة من جهة أن هذا الأمر غيبٌ من الغيوب.\nفهذه النصوص نقابلها بالتسليم والتصديق، وإذا كان الأمر متعلقًا بالمعنى سألنا من كان فيها أفقه وأعلم وأعرف، فبالتالي سيبين لك ما هو المعنى المراد من هذا النص، وإن كان أمرًا متعلقًا بالكيفية فليس لك إلا القبول والتسليم، فهذه النصوص التي ذكرها من نزول الله ﷿ وكذلك من قوله «من آتاني يمشي أتيته هرولة» ونحو ذلك فهذه النصوص بعضها متعلق بالكيف وبعضها متعلق بالمعنى.\nفما كان متعلقًا بالكيف فليس لك إليه سبيل؛ لأنه محجوبٌ عنا، والله تعالى قد قال: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فليس لك أن تتخوض أو تخوض في شأن الكيف ولا سبيل لك إليها.\nفلا سبيل لك إلى هذه الكيفيات، فمثلًا الروح بين جنبيك وأقرب شيء إليك ومع ذلك لا سبيل إلى معرفة كنهها وكيفيتها مع أنها مخلوقة وبين جنبي الإنسان، فإذًا علينا التسليم والتصديق والتفويض، فالتفويض هنا متعلقٌ بالكيف.\nقال العلامة ابن خلدون: «واتبعْ ما أمرك الشارع به في اعتقادك وعملك، فهو أحرص على سعادتك، وأعلم بما ينفعك، لأنه من طور فوق إدراكك، ومن نطاق أوسع من نطاق عقلك، وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، وأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد، والآخرة، وحقيقة النبوة، وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال، ومثال ذلك رجلٌ رأى الميزان الذي يوزن به الذهب فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حد يقف عنده","vol":"1","page":368},{"text":"ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وبصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود» (^١).\nفمنهج طوائف المعطلة يقوم على أن ما أجازته عقولهم قالوا به، فالعقول أجازت سبع صفات إذًا سبع صفات، ما عداها بين خيارين:\nإما التحريف الذي يسمونه التأويل.\nأو التجهيل الذي يسمونه التفويض، ومضمونه أن كتاب الله تعالى لا يبتدأ به في معرفة الله، فمضمون كلامهم نبذ الكتاب والسنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-203>ثانيًا: الرد على شبهتهم.</span>\nرد المصنف على شبهة الأشاعرة من وجهين\nأما الوجه الأول: فقال المصنف: \"قال له سائر أهل الإثبات: لك جوابان:\nأحدهما: أن يقال: عدم الدليل المعيَّن لا يستلزم عدم المدلول المعيَّن، فهب أن ما سلكته من الدليل العقلي لا يثبت ذلك فإنه لا ينفيه، وليس لك أن تنفيه بغير دليل، لأن النافي عليه الدليل، كما على المثبت. والسمع قد دل عليه، ولم يعارض، ذلك معارض عقلي ولا سمعي، فيجب إثبات ما أثبته الدليل السالمُ عن المعارِض المقاوم.\nويمكن شرح هذا النص من خلال الأمور الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-204>أولًا: توضيح المسألة.</span>\nاستدل المصنف بقاعدة [انتفاء الدليل المعيَّن لا يستلزم انتفاء المدلول] (^٢)،\n_________\n(^١) مقدمة ابن خلدون: ص ٦٨٨، وانظر «الصواعق» ٤٥٩.\n(^٢) انظر: الشرح الممتع لابن عثيمين ٢/ ٤٢٥.\nفإنَّ عدم السَبَبِ المعينِ لا يقتضي انتفاء المُسَبِّبِ المعين، لأن المؤثر قد يكون شيئا آخر (الشرح الممتع (١/ ٢٧٦»\nوتُبيِّن القاعدة أنَّ عدم تأثير سببٍ معيَّنٍ لا يمنع من تأثيرِ آخر؛ لأنَّه قد يكون هناك مسببًا غيره، أو نقول: قد يكون المؤثر شيئًا آخر. والقاعدة هنا استخدمت لفظ السبب بمقابلة لفظ المُسبب؛ وقد علل هذا الاستخدام السبكيُّ بقوله: \"التجوز بلفظ السبب عن المسبب أولى من العكس؛ لأنَّ السبب المعين يستدعي مسببًا معينًا والمسبب المعين لا يستدعي سببًا معينًا، بل سببًا ما (أي: قد تكون أسبابًا عامة متنوعة) ألا ترى أن اللمس يدل على انتقاض الوضوء وانتقاض الوضوء لا يدل على اللمس؟ لجواز أن يكون بمس أو بول أو غيرهما، فلما كان فهم المسبب من السبب أسرع، كان التجوز به في حالة الإطلاق أولى\" (الإبهاج في شرح المنهاج للسبكي (١/ ٣٠١).) \". ـ\nتطبيقات فقهية على القاعدة:\nالمثال الأول: إذا زالت النجاسة بأي مزيل كان، صح ذلك، ولا يلزم لإزالة النجاسة الماء، وقد علل الشيخ ابن عثيمين -﵀- بقوله (الشرح الممتع (١/ ٢٧٦).):\n١ - أن النجاسة عين خبيثة نجاستها بذاتها، فإذا زالت عاد الشيء إلى طهارته.\n٢ - أن إزالة النجاسة ليست من باب المأمور، بل من باب اجتناب المحظور، فإذا حصل بأي سبب كان ثبت الحكم، ولهذا لا يشترط لإزالة النجاسة نية، فلو نزل المطر على الأرض المتنجسة وزالت النجاسة طهرت، ولو توضأ إنسان وقد أصابت ذراعه نجاسة ثم بعد أن فرغ من الوضوء ذكرها فوجدها قد زالت بماء الوضوء فإن يده تطهر.\nوقال: لا يُنكر أن الماء مطهر، وأنه أيسر شيء تطهر به الأشياء، لكن إثبات كونه مطهرًا، لا يمنع أن يكون غيره مطهرًا، لأن لدينا قاعدة وهي: أن عدم السبب المعين لا يقتضي انتفاء المسبب المعين، لأن المؤثر قد يكون شيئاٍ آخر. وهذا الواقع بالنسبة للنجاسة.\nالمثال الثاني: لو قُتِلَ شخصٌ ما وتبيَّن أنَّه لم يُقتلْ بسكين، فهذا النفي لا يمنع من أن يكون قُتِلَ بأداة أُخرى. وقسْ على هذا.","vol":"1","page":369},{"text":"ولتوضيح هذه القاعدة على وجه العموم: يمكن إجمال ذلك في النقاط الآتية\n\n<span data-type='title' id=toc-205>مسمياتها</span>\nتسمى: قاعدة انتفاء الدليل المعيَّن لا يستلزم انتفاء المدلول.\nوبعضُ أهلِ العلمِ يعبِّر عن هذه القاعدة بقوله (عدم السبب المعيَّن لا يقتضي انتفاء المسبَّب المعين).","vol":"1","page":370},{"text":"<span data-type='title' id=toc-206>استعمالاتها:</span>\nهذه قاعدةٌ جليلةٌ في \"الردِّ والمناظرةِ\".\nوتستخدم في الرد على جميع الطوائف والفرق التي تقدِّسُ (العقل) وتقدمه على (النقل)،\nومضمونها: أن انتفاءَ مسألةٍ ما من دليلٍ معيَّن لا يستلزمُ انتفاءَ المدلول أي المسألةِ، بل إنَّ غاية أمرنا أن ننفي دليل المسألة من هذا الدليل المعين، ثم نثبتها من طرقٍ أخرى.\n\n<span data-type='title' id=toc-207>أمثلتها:</span>\nمثالٌ ذلك: لو كان الطريق الرئيس الذي يوصِل إلى مكةَ مغلق الآن، هل معناهُ أنه يمتنع الوصول إلى مكة؟\nفالجواب: لا، لأنه يمكن الوصول إليها من طريق آخر.\nمثال آخر: لو قال قائلٌ: الأكل من لحم الإبل لا ينقضُ الوضوء لأنَّ الإجماعَ لا يدل عليه، فنقول له: إن لم يثبت انتقاض الوضوء من لحم الإبل بدليل الإجماع فإنَّ (دليل السنة) قد أثبتت انتقاض الوضوء، فانتفاء الدليل المعين-الذي هو الإجماع- لا يستلزم انتفاء المدلول -وهو انتقاض وضوء من أكل رحم إبل عن طريق السنة-\nفالخلاصةُ: أنه إذا انتفى أحدُ الدليلين ثبتَ المدلولُ بالدليل الآخر، فلو أبطلَ إثباتُ هذا الإثبات عن طريق العقلِ فإن النقلَ يقبله لأنه ثبت به.\n\n<span data-type='title' id=toc-208>ثانيًا: تقرير المصنف لهذه القاعدة في كتبه.</span>\nوقرر المصنف هذه المسألة في مواضع من كتبه، فقال: \"فمن المعلوم أن الدليل يجب طرده، وهو ملزوم للمدلول عليه، فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه،","vol":"1","page":371},{"text":"ولا يجب عكسه، فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول عليه\" (^١)\nوأضاف المصنف تفصيلًا مهمًا في ذلك، حيث قال: \"عدم الدليل المعيّن لا يستلزم عدم المدلول عليه، فإن كل ما خلقه الله دليل عليه، ثم إذا عدم ذلك، لم يلزم عدم الخالق، فلا يجوز نفي الشيء لعدم الدليل الدالّ عليه، إلا أن يكون عدم الدليل مستلزمًا لعدمه، كالأمور التي تتوفر الهمة على نقلها، إذا لم ينقل، عُلم انتفاؤها\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-209>ثالثًا: وجه الرد بهذه القاعدة على المخالف.</span>\nوالمقصود أن كثيرًا من المتناظرين قد يجعل عمدته في نفي وجود أمر ما، عدم علمه بالدليل على وجوده، والأصل أن عدم العلم بالدليل ليس علمًا بالعدم، وعدم الوجدان ليس نفيًا للوجود، فكما أن الإثبات يحتاج إلى دليل، فكذلك النفي يحتاج إلى دليل، وإلا فما لم يعلم وجوده بدليل معين، قد يكون معلومًا بأدلة أخرى، فمثلًا: عدم الدليل العقلي على وجود أمر ما، لا يعني عدم وجوده، لأنه قد يكون ثابتًا بالدليل السمعي، أو غيره.\nفالدليل يجب فيه الطرد لا العكس، بمعنى أنه يلزم من وجوده الوجود، ولا يلزم من عدمه العدم، أي عدم المدلول عليه، قال تعالى: (بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ)] يونس: ٣٩ [فهذا نعي على كل من كذب بما قصر عنه علمه.\nفمن نفى كثيرًا من الغيبيات كالصفات، والقدر، والملائكة، والجن، وأحوال البرزخ، والمعاد، لعدم قيام دليل الحس والمشاهدة، أو دليل العقل-كما يزعم-كان غالطًا، لأنه أخبر عن نفسه، ولا يمنع أن يكون غيره قد قام عنده دليل العقل، أو\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل: ٥/ ٢٦٩.\n(^٢) الجواب الصحيح ٣/ ١٧٥، وانظر: ٤/ ٢٩١","vol":"1","page":372},{"text":"دليل السمع، أو دليل المشاهدة كما وقع ذلك للرسول ﷺ في مشاهدة الجن والملائكة وأحوال البرزخ والمعاد (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-210>رابعًا: ما يستثنى من هذه القاعدة.</span>\nويستثنى من هذه القاعدة ما إذا كان وجود المدلول مستلزمًا لوجود الدليل، وقد علم عدم الدليل، فيقع العلم بعدم المدلول المستلزم لدليله، لأن عدم اللازم دليل على عدم الملزوم،\nمثاله: قد ثبت توافر الدواعي على نقل كتاب الله تعالى ودينه، فإنه لا يجوز على الأمة كتمان ما يحتاج الناس إلى نقله، فلما لم ينقل ما يحتاجون إليه في أمر دينهم نقلًا عامًا، علمنا يقينًا عدم ذلك، نحو سورة زائدة، أو صلاة سادسة ونحو ذلك (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-211>خامسًا: هذه القاعدة من القواعد العقلية ومما يقر به المخالف.</span>\nوقد رد الفخر الرازي على النصارى دعواهم إلهية عيسى ﵇ لظهور الخوارق على يديه، بأن عدم ظهور هذه الخوارق في حق غيره لا يلزم منه عدم إلهية ذلك الغير، بل غاية ما هناك أنه لم يوجد هذا الدليل المعين، وعليه، فيجوز - كما هو لازم قولهم - حلول الله تعالى في كل مخلوق من مخلوقاته، إذ لا دليل على اختصاص عيسى ﵇ بذلك، لأنه لا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول (^٣).\nوأما الوجه الثاني: فقول المصنف:\n\"الثاني: أن يقال: يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبتَّ به تلك من العقليات، فيقال: نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة، كدلالة التخصيص على المشيئة،\n_________\n(^١) انظر: «مجموعة تفسير ابن تيمية» (ص: ٣٥٠ - ٣٥١)، و«الرد على المنطقيين» (ص: ١٠٠)، «ورفع الملام» (ص: ٧٣).\n(^٢) انظر: «رفع الملام» (ص: ٧٣، ٧٤).\n(^٣) انظر: «مناظرة في الرد على النصارى» (ص: ٢٦ - ٢٧).","vol":"1","page":373},{"text":"وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكفار يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهد والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته- وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة- تدل على حكمته البالغة كما يدل التخصيص على المشيئة وأَوْلَى، لقوة العلة الغائية، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة\".\nويمكن توضيح المقصود هنا من خلال معرفة الأمور الآتية:\nالأمر الأول: معرفة قول المتأخرين من الأشاعرة في باب الصفات.\nمن المعلوم-كما تقدم-أن المتأخرين من الأشاعرة والماتريدية أنهم يقولون بإثبات سبع صفات فقط أو ثمان ونفي ما عداها، فهم بزعمهم لم يثبتوا من الصفات إلا ما أثبته العقل فقط، وأما ما لا مجال للعقل فيه عندهم فتعرضوا له بالتأويل والتعطيل.\nفلا يستدل هؤلاء بالسمع في إثبات الصفات، بل عارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات.\nوهذا القول لمتأخري الأشاعرة إنما تلقوه عن المعتزلة، لما مالوا إلى نوع التجهم، بل الفلسفة، وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه، الذين لم يكونوا يقرون بمخالفة النقل للعقل، بل انتصبوا لإقامة أدلة عقلية توافق السمع، ولهذا أثبت الأشعري الصفات الخبرية بالسمع، وأثبت بالعقل الصفات العقلية التي تعلم بالعقل والسمع، فلم يثبت بالعقل ما جعله معارضًا للسمع، بل ما جعله معاضدًا له، وأثبت بالسمع ما عجز عنه العقل.\nوهؤلاء خالفوه وخالفوا أئمة أصحابه في هذا وهذا، فلم يستدلوا بالسمع في","vol":"1","page":374},{"text":"إثبات الصفات، وعارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات. (^١)\nفالصفات الثبوتية عند متأخري الأشاعرة هي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. (^٢) وزاد الباقلاني وإمام الحرمين الجويني صفة ثامنة هي الإدراك. (^٣)\nوالصفات الثبوتية عند الماتريدية (^٤) هي ثمان: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والتكوين. (^٥) وهم قد خصوا الإثبات بهذه الصفات دون غيرها، لأنها هي التي دل العقل عليها عندهم، وأما غيرها من الصفات فإنه لا دليل عليها من العقل عندهم، فلذا قالوا بنفيها. (^٦)\nوهؤلاء لا يجعلون السمع طريقًا إلى إثبات الصفات ولهم فيما لم يثبتوه طريقان.\n١ - منهم من نفاه.\n٢ - ومنهم من توقف فيه فلم يحكم فيه بإثبات ولا نفي ويقولون بأن العقل دلّ على ما أثبتناه ولم يدل على ما توقفنا فيه. (^٧)\nوعلى حد تقريرهم هذا أوضح المصنف أنه لا فرق بين ما أثبتوه من الصفات\n_________\n(^١) -درء تعارض العقل والنقل ٧/ ٩٧.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥٨، ٣٥٩.\n(^٣) -تحفة المريد ص ٧٦، وبعض الأشاعرة توقف فيها والبعض نفاها.\n(^٤) -انظر إشارات المرام ص ١٠٧، ١١٤، جامع المتون ١٢٠٨، نظم الفرائد ص ٢٤، الماتريدية دراسة وتقويم ص ٢٣٩.\n(^٥) -أثبت الماتريدية صفة التكوين وعليه فهي صفة قديمة قائمة بذاته تعالى. وأما الأشاعرة فقد نفوها. انظر تحفة المريد ص ٧٥.\n(^٦) -الماتريدية دراسة وتقويم ص ٢٣٩.\n(^٧) -شرح الأصفهانية ص ٩، مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥٩.","vol":"1","page":375},{"text":"وبين ما نفوه.\nالأمر الثاني: بيان المقصود بالعلة الغائية في قول المصنف: \"لقوة العلة الغائية\" من الناحية الاصطلاحية.\nالمقصود بالعلة الغائية الغاية التي من أجلها وُجد الفعل المختار.\nوهو مفهوم فلسفي يوناني ابتكره أرسطوطاليس ثم وصل إلى العالم الإسلامي بواسطة الترجمة.\nفقد قسم أرسطوطاليس العلل إلى أربع:\n١ - علة مؤثرة.\n٢ - علة مادية.\n٣ - علة صورية.\n٤ - علة غائية.\nوالمثال الذي مثّل به هو صنم الرخام؛\nفالنحات علته المُؤثرة.\nوالرخام علته المادية.\nوشكل الصنم علته الصورية.\nوتخليد ذكرى الشخص الذي نُحت الصنم على صورته علته الغائية.\nوفي كتب علم الكلام أمثلة على هذا المنوال كخاتم الفضة وكرسي الخشب إلخ.\nالأمر الثالث: الأقوال في تعليل أفعال الله وإثبات الحكمة فيها.\nكل ما خلقه الله تعالى فله فيه حكمة، والحكمة تتضمن شيئين:\nأحدهما: حكمة تعود إليه تعالى، يحبها ويرضاها.\nوالثاني: حكمة تعود إلى عباده، هي نعمة عليهم، يفرحون بها، ويلتذون بها،","vol":"1","page":376},{"text":"وهذا يكون في المأمورات وفي المخلوقات (^١).\nفهو \"سبحانه حكيم، لا يفعل شيئًا عبثًا ولا بغير معنى ومصلحة وحكمة، هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة لأجلها فعل، كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل، وقد دل كلامه وكلام رسوله على هذا وهذا في مواضع لا تكاد تحصى\" (^٢)، وقد ذكر ابن القيم بعضها. (^٣)\nوقد وقع الخلاف في مسألة تعليل أفعال الله على أقوال:\nالقول الأول: قول من نفى الحكمة وأنكر التعليل، وهؤلاء يقولون: إن الله تعالى خلق المخلوقات، وأمر المأمورات، لا لعلة ولا لداع ولا باعث، بل فعل ذلك لمحض المشيئة، وصرف الإرادة، وهذا مذهب الجهمية والأشاعرة وهو قول ابن حزم وأمثاله. (^٤)\nالقول الثاني: إن الله فعل المفعولات وخلق المخلوقات، وأمر بالمأمورات لحكمة محمودة، ولكن هذه الحكمة مخلوقة، منفصلة عنه، لا ترجع إليه، وهذا قول المعتزلة ومن وافقهم (^٥).\nالقول الثالث: قول من يثبت حكمة وغاية قائمة بذاته تعالى، ولكن بجعلها قديمة غير مقارنة للمفعول.\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ٣٥ - ٣٦).\n(^٢) شفاء العليل» لابن القيم (ص: ٤٠٠) - ط التراث.\n(^٣) انظر: «شفاء العليل» لابن القيم (ص: ٤٠٠ - ٤٣٤) - التراث.\n(^٤) انظر: «الإرشاد» للجويني (ص: ٢٦٨ وما بعدها)، و«نهاية الإقدام» (ص: ٢٩٧)، و«محصل أفكار المتقدمين» للرازي (ص: ٢٠٥)، «الفصل» (٣/ ١٧٤) - ط دار المعرفة. «الأحكام» لابن حزم (٨/ ١١١٠ وما بعدها).\n(^٥) انظر: «المغني في أبواب التوحيد والعدل». لعبد الجبار الهمذاني (٦/ ٤٨، ١١/ ٩٢ - ٩٣).","vol":"1","page":377},{"text":"القول الرابع: إن الله فعل المفعولات وأمر بالمأمورات لحكمة محمودة، وهذه الحكمة تعود إلى الرب تعالى، لكن بحسب علمه، والله تعالى خلق الخلق ليحمدوه ويثنوا عليه ويمجدوه، فهذه حكمة مقصودة واقعة، بخلاف قول المعتزلة فإنهم أثبتوا حكمة هي نفع العباد. وهذا قول الكرامية الذين يقولون: من وجد منه ذلك فهو مخلوق له وهم المؤمنون، ومن لم يوجد منه ذلك فليس مخلوقا له. (^١)\nالقول الخامس: قول أهل السنة وجمهور السلف وهو أن لله حكمة في كل ما خلق، بل له في ذلك حكمة ورحمة.\nهذه خلاصة الأقوال في هذه المسألة، ويلاحظ أنها تنتهي إلى قولين:\nأحدهما: نفاة الحكمة، وهو قول الأشاعرة ومن وافقهم.\nوالثاني: قول الجمهور الذين يثبتون الحكمة.\nوهؤلاء على أقوال:\nأشهرها:\n١ - قول المعتزلة الذين يثبتون حكمة تعود إلى العباد ولا تعود إلى الرب.\n٢ - وقول جمهور السلف الذين يثبتون حكمة تعود إلى الرب تعالى. (^٢)\nويلاحظ أن من نفى الحكمة والتعليل - كالأشاعرة - دفعه ذلك إلى الميل إلى الجبر وإثبات الكسب والقدرة غير المؤثرة للعبد.\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ٣٩).\n(^٢) انظر: «أقوم ما قيل في القضاء والقدر - مجموع الفتاوى» (٨/ ٨٣ - ٩٣، ٩٧ - ٩٨)، «منهاج السنة» (١/ ٩٧ - ٩٨) - ط دار العروبة المحققة، و«الاستغاثة» (ص: ٢/ ٢٧)، «جواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى» - (١٧/ ١٩٨ - ٢٠٣)، «درء التعارض» (٨/ ٥٤)، «مجموع الفتاوى» (٨/ ٣٧٧ - ٣٨١)، و«منهاج السنة» (١/ ٩٤ - ٩٥) - ط دار العروبة المحققة.","vol":"1","page":378},{"text":"ومن إثبات حكمة تعود إلى العباد، جعلوا هذه الحكمة لا تتم إلا بأن يكون العباد هم الخالقين لأفعالهم وهذا قول المعتزلة.\nأما أهل السنة فلم يلزمهم لازم من هذه اللوازم الباطلة، ولذلك جاء مذهبهم وسطا في باب القدر.\nالأمر الرابع: توضيح مراد المصنف.\nكلام المصنف هنا هو من باب أنه إذا كان من المعلوم أن الدليل يجب طرده، وهو ملزوم للمدلول عليه، فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه، ولا يجب عكسه، فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول عليه.\nوهذا كالمخلوقات، فإنها آية للخالق، فيلزم من ثبوتها ثبوت الخالق، ولا يلزم من وجود الخالق وجودها.\nفإذا كان دليل المتأخرين من الأشاعرة ومن وافقهم على إثبات تلك الصفات السبع أو الثمان التي أقروا بها هو العقل، فأجاب المصنف بأنه يمكن إثبات الصفات الأخرى التي نفاها هؤلاء بنظير الدليل الذي استدل به هؤلاء على الصفات السبع أو الثمان التي أثبتوها، وذلك من باب طرد الدليل فقال المصنف: \"يمكن إثبات هذه الصفات بنظير ما أثبتَّ به تلك من العقليات\" فكما أثبتم القدرة بالفعل، والتخصيص بالإرادة، والعلم بالإحكام، وبقية الصفات، كالحياة والسمع والبصر؛ لأنها من لوازم الحياة، فكذلك بقية الصفات.\nوضرب أمثلة على ذلك\nالمثال الأول: إثبات \"صفة الرحمة\"\nفإذا كان المخالف يستدل على \"أن الفعل الحادث دل على القدرة\" فإن طرد الدليل يوجب أن \"يقال: نفع العباد بالإحسان إليهم يدل على الرحمة، كدلالة","vol":"1","page":379},{"text":"التخصيص على المشيئة\"\nالمثال الثاني: إثبات \"صفات المحبة والبغض والحكمة\"\nقال المصنف: \"وإكرام الطائعين يدل على محبتهم، وعقاب الكفار يدل على بغضهم، كما قد ثبت بالشاهد والخبر من إكرام أوليائه وعقاب أعدائه، والغايات المحمودة في مفعولاته ومأموراته- وهي ما تنتهي إليه مفعولاته ومأموراته من العواقب الحميدة- تدل على حكمته البالغة كما يدل التخصيص على المشيئة وأَوْلَى، لقوة العلة الغائية، ولهذا كان ما في القرآن من بيان ما في مخلوقاته من النعم والحكم أعظم مما في القرآن من بيان ما فيها من الدلالة على محض المشيئة\"\nوهذا مبني على قول أهل السنة أن لله حكمة في كل ما خلق، بل له في ذلك حكمة ورحمة.\nالمتن\nقال المصنف ﵀: «وإن كان المخاطب ممن ينكر الصفات، ويقر بالأسماء كالمعتزلي، الذي يقول: إنه حي عليم قدير، وينكر أن يتصف بالحياة والعلم والقدرة.\nقيل له: لا فرق بين إثبات الأسماء وبين إثبات الصفات، فإنك إن قلت: إثبات الحياة والعلم والقدرة يقتضي تشبيهًا وتجسيمًا، لأنّا لا نجد في الشاهد متصفًا بالصفات إلا ما هو جسم. قيل لك: ولا تجد في الشاهد ما هو مسمى بأنه حي عليم قدير إلا ما هو جسم، فإن نفيت ما نفيت لكونك لم تجده في الشاهد إلا لجسم فانف الأسماء، بل وكلَّ شيء لأنك لا تجده في الشاهد إلا لجسم.\nفكل ما يحتج به من نفى الصفات، يحتج به نافي الأسماء الحسنى، فما كان جوابًا لذلك كان جوابًا لمثبتي الصفات\".","vol":"1","page":380},{"text":"الشرح\nلما فرغ المصنف ﵀ من الرد على المتأخرين من الأشاعرة ومن وافقهم ممن يثبت بعض الصفات دون بعض شرع هنا يرد على المعتزلة الذين يثبتون الأسماء بدون ما تضمنته من الصفات.\nويمكن توضيح المقصود بهذا النص من خلال الأمور الآتية:\nالأمر الأول: قول المعتزلة في صفات الله.\nوقد تقدم بيان قول المعتزلة في باب الصفات عند شرح قوله: \"فأثبتوا له الأسماء دون ما تضمنته من الصفات\"\nوأن المعتزلة تجمع على غاية واحدة وهي نفي إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها. ولكنهم سلكوا طريقين في موقفهم من الصفات.\nالطريق الأول: الذي عليه أغلبيتهم وهو نفيها صراحة فقالوا: إن الله عالم بذاته لا بعلم وهكذا في باقي الصفات.\nوالطريق الثاني: الذي عليه بعضهم وهو إثباتها اسمًا ونفيها فعلًا فقالوا: إن الله عالم بعلم وعلمه ذاته وهكذا بقية الصفات، فكان مجتمعًا مع الرأي الأول في الغاية وهي نفي الصفات.\nوهناك آراء أخرى للمعتزلة لكنها تجتمع في الغاية مع الرأيين الأولين، وهو التخلص من إثبات الصفات حقيقة في الذات ومتميزة عنها. (^١)\nوالمقصود بنفي الصفات عندهم: هو نفي إثباتها حقيقة في الذات ومتميزة عنها، وذلك أنهم يجعلونها عين الذات فالله عالم بذاته بدون علم أو عالم بعلم وعلمه\n_________\n(^١) -المصدر السابق ص ١٠١.","vol":"1","page":381},{"text":"ذاته. (^١)\nفالمعتزلة يرون امتناع قيام الصفات به، لاعتقادهم أن الصفات أعراض، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه فقالوا حينئذ إن القرآن مخلوق، وإنه ليس لله مشيئة قائمة به، ولا حب ولا بغض ونحو ذلك.\nوردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق، أو إضافة وصف من غير قيام معنى به. (^٢)\nفالمعتزلة ومن وافقهم زعموا أن الصفة هي مجرد قول الواصف (^٣)، فزعموا أن إضافة الصفات هي إضافة وصف من غير قيام معنى به (^٤) وهذا باطل، فإن حقيقة الصفة هي ما قام بالموصوف، فإن كل موصوف لا يوصف إلا بما قام به لا بما هو مباين له (^٥).\nالأمر الثاني: الرد على المعتزلة عمومًا في نفيهم لصفات الله.\nيجب الوقوف في هذا الباب على ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة الصحيحة، فلا نثبت لله تعالى من الصفات إلا ما دل الكتاب والسنة على ثبوته\nقال الإمام أحمد: \"لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا يُتَجاوز القرآن والحديث\" (^٦)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"القول الشامل في جميع هذا الباب أن يوصف الله\n_________\n(^١) -المعتزلة وأصولهم الخمسة ص ١٠٠.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٧، ١٤٨، ٣٥٩.\n(^٣) - انظر مجموع الفتاوى ٦/ ٣١٨، ٣٤١\n(^٤) - انظر مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٧، ١٤٨\n(^٥) - انظر مجموع الفتاوى ٦/ ٣١٨.\n(^٦) - مجموع الفتاوى ٥/ ٢٦.","vol":"1","page":382},{"text":"بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله، وبما وصفه به السابقون الأولون لا يُتَجاوز القرآن والحديث\" (^١)\nوبحمد الله نصوص الكتاب والسنة الواردة في باب صفات الله كثيرة ومتوافرة، ولدلالة الكتاب والسنة على ثبوت الصفات ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: التصريح بالصفة:\nكالعزة في قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾. (^٢)\nوقوله ﷺ: \"أعوذ بعزتك الذي لا إله إلا أنت\". (^٣)\nوالقوة في قوله تعالى: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: الآية: ١٦٥].\nوالرحمة في قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الأنعام الآية: ١٣٣].\nواليدين في قوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة الآية ٦٤].\nوالبطش في قوله تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج الآية: ١٢].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إضافة الصفة إلى الموصوف:\nكقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥].\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ﴾ [الذاريات الآية ٥٨].\nوفي حديث الاستخارة \"اللهم إني أستخيرك بعلمك، واستقدرك بقدرتك\"٩.\nوفي الحديث الآخر \"اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق\"١٠.\nفهذا في الإضافة الاسمية\nوأما بصيغة الفعل فكقوله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾\n_________\n(^١) - الفتوى الحموية ص ٦١.\n(^٢) - الآية ١٠ من سورة البقرة.\n(^٣) - أخرجه البخاري ٤/ ١٩٤، ومسلم ٤/ ٢٠٨٦.","vol":"1","page":383},{"text":"] البقرة الآية: ١٨٧]، وقوله ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل الآية: ٢٠].\nأما الخبر الذي هو جملة اسمية فمثل قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات الآية: ١٦]، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران الآية: ١٨٩].\nوذلك لأن الكلام الذي توصف به الذوات:\n١ - إما جملة.\n٢ - أو مفرد.\nفالجملة:\nإما اسمية: كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات الآية: ١٦].\nأو فعلية: كقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوه﴾ [المزمل الآية: ٢٠].\nأما المفرد فلا بد فيه من:\n١ - إضافة الصفة لفظًا أو معنى كقوله: ﴿بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥].\nوقوله: ﴿هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة﴾ [فصلت الآية: ١٥ [\n٢ - أو إضافة الموصوف كقوله: ﴿ذُو الْقُوَّة﴾ [الذاريات الآية: ٥٨ [\" (^١)\nالوجه الثاني: تضمن الاسم للصفة\nفمن الأمور المتقررة في عقيدة أهل السنة والجماعة أن أسماء الله الحسنى متضمنة للصفات، فكل اسم يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دل عليه الاسم الآخر\nفالعزيز متضمن لصفة العزة وهو مشتق منها\nوالخالق متضمن لصفة الخلق وهو مشتق منها\n_________\n(^١) - مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٤، ١٤٥.","vol":"1","page":384},{"text":"والرحيم متضمن لصفة الرحمة وهو مشتق منها\nفأسماء الله مشتقة من صفاته\nوترجع أسماء الله الحسنى من حيث معانيها إلى أحد الأمور التالية:\n١ - إلى صفات معنوية: كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير.\n٢ - ما يرجع إلى أفعاله: كالخالق، والرازق، والبارئ، والمصور.\n٣ - ما يرجع إلى التنزيه المحض ولا بد من تضمنه ثبوتًا إذ لا كمال في العدم المحض: كالقدوس، والسلام، والأحد.\n٤ - ما دل على جملة أوصاف عديدة ولم يختص بصفة معينة بل هو دال على معنى مفرد نحو: المجيد، العظيم، الصمد\" (^١).\nالوجه الثالث: التصريح بفعل أو وصف دال عليها أي ما فيها معنى الصفة والفعل مثل قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء الآية: ١٦٤ [\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس الآية: ٨٢].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ [المائدة الآية: ١].\nوقوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [الحج الآية: ١٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ﴾ [النساء الآية: ٩٣].\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَه﴾ [محمد الآية: ٢٨].\nوقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة الآية: ١١٩].\nوقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ [المؤمنون الآية: ١١٨].\n_________\n(^١) - بدائع الفوائد ١/ ١٥٩، ١٦٠ (بتصرف)","vol":"1","page":385},{"text":"وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [السجدة الآية: ٤].\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْش﴾ [الأعراف الآية: ٥٤].\nوقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر الآية: ٢٢].\nالأمر الثالث: توضيح ما احتج به المصنف على المعتزلة في إنكارهم للصفات.\nفيقال للمعتزلة: لا فرق بين إثبات الأسماء وإثبات الصفات،\nفإن قالوا: إن إثبات الحياة والعلم ونحوها يقتضي تشبيه الله بالمخلوقين، ويقتضي التجسيم؛ وهذا هو الذي نراه في الواقع المشاهد، أن الذي يوصف بهذه الصفات هو الجسم فقط،\nفيقال للمعتزلة: ولن تجد في الواقع المشاهد ما يسمى بالحي والعليم إلا الجسم أيضًا، وأنت تثبت الأسماء لله وتنفي الصفات فيلزمك أن تنفي الأسماء أيضًا خوفًا من التجسيم الذي تزعمه، فكل ما تقول به لكي تنفي الصفات يلزمك أن تقول به في نفي الأسماء.\nفقول المصنف: \"فكل ما يحتج به من نفى الصفات، يحتج به نافي الأسماء الحسنى، فما كان جوابًا لذلك كان جوابًا لمثبتي الصفات\".\nهذا الكلام فسره المصنف في موضع آخر فقال: \"وهؤلاء نفاة الأسماء من هؤلاء الغالية من الجهمية والباطنية والفلاسفة، وإنما استطالوا على المعتزلة بنفي الصفات، وأخذوا لفظ \"التشبيه\" بالاشتراك والإجمال، كما أن المعتزلة فعلت كذلك بأهل السنة والجماعة مثبتة الصفات، فلما جعلوا إثبات الصفات من التشبيه الباطل، ألزمهم ذلك بطرد قولهم، فألزموهم بنفي الأسماء الحسنى.\nوالأمر بالعكس، فإن إثبات الأسماء حق، وهو يستلزم إثبات الصفات، فإن حي بلا حياة، وعالم بلا علم، وقادر بلا قدرة، كإثبات متحرك بلا حركة، ومتكلم بلا كلام،","vol":"1","page":386},{"text":"ومريد بلا إرادة، ومصل بلا صلاة، ونحو ذلك مما فيه إثبات اسم فاعل ونفي مسمى المصدر اللازم لاسم الفاعل، ومن أثبت الملزوم دون اللازم كان قوله باطلًا.\nوكذلك هؤلاء نفاة الصفات أخذوا يقولون: إثبات الصفات يقتضي التركيب والتجسيم، إما لكون الصفة لا تقوم إلا بجسم في اصطلاحهم، والجسم مركب في اصطلاحهم، وإما لأن إثبات العلم والقدرة ونحوهما يقتضي إثبات أمور متعددة، وذلك تركيب\" (^١).\nوقال ابن تيمية: \"والإنسان قد يعتقد صحة قضية من القضايا وهي فاسدة فيحتاج أن يعتقد لوازمها فتكثر اعتقاداته الفاسدة ومن هذا الباب دخلت القرامطة الباطنية والمتفلسفة ونحوهم على طوائف المسلمين فإن هؤلاء قالوا للمعتزلة ألستم قد وافقتمونا على نفي الصفات حذرا من التشبيه والتجسيم فقالوا نعم فقالوا وهذا المحذور يلزمكم في إثبات أسماء الله تعالى له فإذا قلتم هو حي عليم قدير كان في هذا تشبيه له بغيره ممن هو حي عليم قدير وكان في هذا من التجسيم كما في إثبات الحياة والعلم والقدرة له لأنه لا يعرف مسمى بهذه الأسماء إلا جسم كما لا يعرف موصوفا بهذه الصفات إلا جسم فأخذوا ينفون أسماء الله الحسنى ويقولون ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير\" (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-212>دحض شبه المعتزلة</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: «وإن كان المخاطب من الغلاة، نفاة الأسماء\n_________\n(^١) الرسالة الصفدية - قاعدة في تحقيق الرسالة وإبطال قول أهل الزيغ والضلالة ص ٧٣، ٧٤.\n(^٢) الرسالة الصفدية - قاعدة في تحقيق الرسالة وإبطال قول أهل الزيغ والضلالة ص ٨٨.","vol":"1","page":387},{"text":"والصفات، وقال: لا أقول هو موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي مجاز، لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير.\nقيل له: وكذلك إذا قلت: ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك تشبيها بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات.\nفإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات.\nقيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، أو لا موجودًا ولا معدومًا، ويمتنع أن يوصف باجتماع الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل\".\nالشرح\nلما فرغ المصنف من الرد على المعتزلة الذين يثبتون الأسماء دون ما تضمنته من الصفات شرع في الرد على الغلاة نفاة الأسماء والصفات جميعها.\nولشرح وتوضيح هذا النص أقول:\n\n<span data-type='title' id=toc-213>الجانب الأول: بيان أصحاب هذا القول، وأصل عقيدتهم في باب الأسماء والصفات.</span>\nفقول المصنف: \"وإن كان المخاطب من الغلاة، نفاة الأسماء والصفات\"\n\n<span data-type='title' id=toc-214>أولًا: أصحاب هذا القول.</span>\nتقدم أن المقصود بالغلاة هم الجهمية أتباع الجهم بن صفوان، ومعهم أهل الفلسفة البحتة وأهل الفلسفة الباطنية سواء كانوا قرامطة أو إتحادية.","vol":"1","page":388},{"text":"وتقدم بيان درجات تعطيلهم وأن منهم:\n• المكذبة النفاة.\n• والمتجاهلة الواقفة.\n• والمتجاهلة اللا أدرية.\n• والاتحادية.\nوالمقصود هنا تحديدًا كل من\n١ - المكذبة النفاة، وهي الدرجة عليها غُلاة الجهمية وطائفة من الفلاسفة (^١)، وهو كذلك قول ابن سينا وأمثاله (^٢). وهذا ما ذكره المصنف حيث قال: \"وقال: لا أقول هو موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي مجاز، لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير\".\n٢ - والمتجاهلة الواقفة فهؤلاء هم الذين يقولون: لا نُثبت ولا نَنفي، وهذه الدرجة للقرامطة الباطنية المتفلسفة (^٣). وهذا ما ذكره المصنف بقوله: \"فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات\".\n\n<span data-type='title' id=toc-215>ثانيًا: أصل عقيدتهم في باب الأسماء والصفات.</span>\nأما الصنف الأول: وهم المكذبة النفاة.\nفالمكذبة النفاة أصل عقيدتهم هو النفي والتعطيل الذي يقتضي عدمه، بأن جعلوا الحق لا وجود له، ولا حقيقة له في الخارج أصلًا وإنما هو أمر مطلق في الأذهان.\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٣/ ٧ - ٨.\n(^٢) -الصفدية ١/ ٢٩٩، ٣٠٠.\n(^٣) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.","vol":"1","page":389},{"text":"فهم يقولون: لا هو موجود، ولا حي، ولا عليم، ولا قدير، لأن هذه الأسماء إنما هي من صفات المخلوقات، أو هي مجاز، لأن إثبات هذه الصفات لله تعالى يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير.\nولقد أقدم هؤلاء الغلاة على نفي الأسماء والصفات بمزاعم من أهمها:\nأولًا: أن إثبات الصفات يقتضي أن يكون الله جسمًا؛ لأن الصفات لا تقوم إلا بالأجسام، لأنها أعراض والأعراض لا تقوم بنفسها.\nثانيًا: إرادة تنزيه الله تعالى.\nثالثًا: أن وصف الله تعالى بتلك الصفات التي ذكرت في كتابه الكريم أو في سنة نبيه العظيم يقتضي مشابهة الله بخلقه، فينبغي نفي كل صفة نسبت إلى الله تعالى وتوجد كذلك في المخلوقات لئلا يؤدي إلى تشبيه الله-بزعمهم-بمخلوقاته التي تحمل اسم تلك الصفات.\nلقد عارض الجهمية ومن سار على طريقتهم كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، وقدموا آراءهم وما تراه عقولهم على نصوص الكتاب والسنة فلم يقفوا عند حدود فهم العقل ومدى قدرته، بل تجاوزوا ذلك وظنوا أنهم علي شيء، وزخرفوا القول في ذلك، وتحذلقوا وتنطعوا فخرجوا من نور العلم إلى ظلمات الجهل، ومن اليقين إلى الشكوك عقابًا من الله لهم لعدم تلقي النصوص ومدلولاتها بالطمأنينة والتسليم، وترك التكلف في البحث عن أمور هي من المغيبات ولم يخبرنا الله بتفاصيلها ولا رسوله ﷺ فقد أراد الله أن تكون كيفياتها سرًا مكتومًا عن العباد وهم يريدون الاطلاع عليها بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.\nإن تنزيه الله ﷿ لا يمكن أن يكون بسلب صفاته وما تدل عليه من العظمة والكمال، إنه من الإجرام أن ينزه الله عن ما تمدح به: (قل أأنتم أعلم أم الله)","vol":"1","page":390},{"text":"] البقرة: ١٤٠. [\nفالتنزيه الصحيح إنما يكون في إثبات الصفة في أعلى كمالها؛ لأن الكمال المطلق لا يوصف به أحد غير الله تعالي.\nوأي تنزيه في أن تقول: إن الله ليس فوق ولا تحت ولا عن يمين ولا عن يسار ولا يحس ولا يشم ولا يري أبدًا ولا يكلم أحدًا، وإنه في كل مكان بذاته، وإنه لا سمع ولا بصر له، ولا يوصف بالرحمة ولا بالغضب ولا بالمجيء، إلى آخر تلك الأوصاف التي لا تقال إلا للمعدوم.\nوأما الصنف الثاني: فهم المتجاهلة الواقفة:\nفهؤلاء هم الذين يقولون: لا نُثبت ولا نَنفي، وهذه الدرجة للقرامطة الباطنية المتفلسفة (^١)، فهؤلاء يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود، ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول؛ وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب وما جاء به الرسول ﷺ، فوقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم ولا ليس بحي عالم، ولا يقال هو عليم قدير ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد،\n_________\n(^١) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٣/ ٧ - ٨.","vol":"1","page":391},{"text":"قالوا: لأن في الإثبات تشبيهًا بما تثبت له هذه الصفات، وفي النفي تشبيه له بما ينفي عنه هذه الصفات» (^١).\nوقد رد المصنف على أصحاب هذا القول في بداية الرسالة التدمرية فقال: \"وهذا ممتنع في بدائه العقول، وحرّفوا ما أنزل الله تعالى من الكتاب، وما جاء به الرسول ﷺ، ووقعوا في شرٍّ مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات، إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات\".\nالجانب الثاني: الرد عليهم\nتقدم أن المصنف أورد هنا كلا من:\n١ - قول المكذبة النفاة\n٢ - وقول المتجاهلة الواقفة.\nوأفرد لكل واحد منهم ردًا يتناسب مع قوله.\nأما المكذبة النفاة فهم المقصودون بقوله: \"وقال: لا أقول هو موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي مجاز، لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير.\nقيل له: وكذلك إذا قلت: ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك تشبيها بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات.\nفيقال لهؤلاء النفاة: إذا قلتم: إن الله ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك تشبيهًا بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات.\nوخلاصة هذا الاستدلال: أنكم يا أيها النفاة تزعمون أنكم تفرون من التشبيه\n_________\n(^١) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.","vol":"1","page":392},{"text":"فقد وقعتم في شر منه وهو التعطيل، لأنكم تنفون عن الله جميع الصفات والأسماء التي أثبتها لنفسه في كتابه وأثبتها له نبيه ﷺ، بزعم أنها ثابتة للمخلوقات، وهذا باطل، وكذلك إن نفيتم عنه الصفات فإنكم تكونون قد شبهتموه أيضًا بالمعدومات.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ثم إن قولكم ليس بحي ولا عالم ولا قادر نفس سلب هذه الصفات فيه من النقص ما في قولنا: ميت وجاهل وعاجز وزيادة، ولهذا كان نقص الجماد أعظم من نقص الأعمى. فكل محذور في عدم الملكة هو ثابت في السلب العام وزيادة\" (^١)\nوأما المتجاهلة الواقفة.\nفهم المقصودون بقول المصنف:\nفإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات.\nقيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، أو لا موجودًا ولا معدومًا، ويمتنع أن يوصف باجتماع الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل\".\nوخلاصة هذا الاستدلال: أنهم إن فروا من تشبيهه بالموجودات، وفروا من تشبيهه بالمعدومات بأن زعموا أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين فإنهم بقولهم هذا وقعوا في شر مما فروا منه لأنهم بهذا القول شبههوه بالممتنعات.\nوخلاصة الرد على هذا الفريق من نفاة الأسماء والصفات عمومًا ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية: \"أن يقال لهؤلاء النفاة أنتم نفيتم هذه الأسماء فرارًا من التشبيه\n_________\n(^١) الرسالة الصفدية - قاعدة في تحقيق الرسالة وإبطال قول أهل الزيغ والضلالة ص ٦٩.","vol":"1","page":393},{"text":"فإن اقتصرتم على نفي الاثبات شبهتموه بالمعدوم، وإن نفيتم الاثبات والنفي جميعًا فقلتم: ليس بموجود ولا معدوم شبهتموه بالممتنع، فأنتم فررتم من تشبيهه الكامل، فشبهتموه بالحي الناقص، ثم شبهتموه بالمعدوم، ثم شبهتموه بالممتنع، فكنتم شرًا من المستجير من الرمضاء بالنار.\nوهذا لازم لكل من نفى شيئًا مما وصف الله به نفسه، لا يفر من محذور إلا وقع فيما هو مثله أو شر منه مع تكذيبه بخبر الله وسلبه صفات كماله الثابتة له\" (^١).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"فإن قلت: إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلًا لهما، وهذان يتقابلان تقابل العدم والمَلَكَة، لا تقابل السلب والإيجاب، فإن الجدار لا يقال له: أعمى ولا بصير، ولا حي ولا ميت، إذ ليس بقابل لهما.\nقيل لك:\nأولًا: هذا لا يصح في الوجود والعدم، فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب، باتفاق العقلاء، فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر.\nوأما ما ذكرته من الحياة والموت، والعلم والجهل، فهذا اصطلاح اصطلحت عليه المتفلسفة المشاءون، والاصطلاحات اللفظية ليست دليلا على نفي الحقائق العقلية، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ • أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ فسمى الجماد ميتًا، وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم\".\n_________\n(^١) الرسالة الصفدية - قاعدة في تحقيق الرسالة وإبطال قول أهل الزيغ والضلالة ص ٦٩.","vol":"1","page":394},{"text":"الشرح\nلما ذكر المصنف الرد على الغلاة نفاة الأسماء والصفات شرع هنا في ذكر اعتراضات أوردوها على الاستدلال، ثم قام بالإجابة عليها.\nوقبل الدخول في شرح الاعتراض يجدر التنبيه على ما يلي:\nأولًا: شرح المصطلحات الواردة في النص\nالألفاظ المتباينة هي ما كثرت معانيها بتكثرها، أي أن معانيها متغايرة.\nولما كان التغاير بين المعاني يقع على أقسام، فإن الألفاظ بحسب معانيها أيضًا تنسب لها تلك الأقسام.\nوالتغاير على ثلاثة أنواع: التماثل (^١)، والتخالف (^٢)، والتقابل.\nوالذي يعنينا في هذا المقام هو المتقابلان:\nتعريف التقابل: التقابل هو عدم اجتماع لفظين في شيء واحد في زمان واحد.\n_________\n(^١) (المثلان) هما المشتركان في حقيقة واحدة بما هما مشتركان، أي لوحظ واعتبر اشتراكهما فيها، كمحمد وخالد اسمين لشخصين مشتركين في الإنسانية بما هما مشتركان فيها، وكالإنسان والفرس باعتبار اشتراكهما في الحيوانية. وإلا فمحمد وخالد من حيث خصوصية ذاتيهما مع قطع النظر عما اشتركا فيه هما متخالفان كما سيأتي. وكذا الإنسان والفرس هما متخالفان بما هما إنسان وفرس.\nوالاشتراك والتماثل إن كان في حقيقة نوعية بأن يكونا فردين من نوع واحد كمحمد وخالد يخص باسم المثلين أو المتماثلين ولا اسم آخر لهما. وإن كان في الجنس كالإنسان والفرس سمّيا أيضًا (متجانسين) وإن كان في الكم أي في المقدار سمّيا أيضًا (متساويين)، وإن كان في الكيف أي في كيفيتهما وهيئتهما سمّيا أيضًا (متشابهين). والاسم العام للجميع هو (التماثل).\nوالمثلان أبدًا لا يجتمعان ببديهة العقل.\n(^٢) (المتخالفان) وهما المتغايران من حيث هما متغايران، ولا مانع من اجتماعهما في محل واحد إذا كانا من الصفات، مثل الإنسان والفرس بما هما إنسان وفرس، لا بما هما مشتركان في الحيوانية كما تقدم. كذلك: الماء والهواء، النار والتراب، الشمس والقمر، السماء والأرض.","vol":"1","page":395},{"text":"فنسميها ألفاظا متقابلة.\nمثل: موجود ومعدوم، ومسلم وكافر، وماش وقاعد، ومهتم ولا مهتم .. الخ.\nأنواع التقابل: التقابل أنواع:\nالنوع الأول: (تقابل النقيضين) أو السلب والإيجاب، مثل: إنسان ولا إنسان، سواد ولا سواد، منير وغير منير.\nوالنقيضان: أمران وجودي وعدمي، أي عدم لذلك الوجودي، وهما لا يجتمعان ولا يرتفعان ببديهة العقل، ولا واسطة بينهما.\nأو يقال: النقيضان لفظان لا يجتمعان معًا ولا يرتفعان معًا في موضوع واحد في زمن واحد.\nالنوع الثاني: (تقابل الضدين)، كالحرارة والبرودة، والسواد والبياض، والفضيلة والرذيلة، والتهور والجبن، والخفة والثقل.\nوالضدان: «هما الوجوديان المتعاقبان على موضوع واحد، ولا يتصور اجتماعهما فيه، ولا يتوقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر».\nوفي كلمة (المتعاقبان على موضوع واحد) يفهم أن الضدين لا بد أن يكونا صفتين، فالذاتان مثل إنسان وفرس لا يسميان بالضدين. وكذا الحيوان والحجر ونحوهما. بل مثل هذه تدخل في المعاني المتخالفة.\nوبكلمة «لا يتوقف تعقل أحدهما على تعقل الآخر» يخرج المتضايفان، لأنهما أمران وجوديان أيضًا ولا يتصور اجتماعهما فيه من جهة واحدة، ولكن تعقل أحدهما يتوقف على تعقل الآخر.\nالنوع الثالث: تقابل الضدين: (تقابل المتضايفين) مثل: الأب والابن، الفوق والتحت، المتقدم والمتأخر، العلة والمعلول، الخالق والمخلوق وأنت إذا لاحظت","vol":"1","page":396},{"text":"هذه الأمثلة تجد:\n(أولًا) إنك إذا تعلقت أحد المتقابلين منها لا بد أن تتعقل معه مقابلة الآخر: فإذا تعقلت أن هذا أب أو علة لا بد أن تتعقل معه أن له ابنًا أو معلولًا.\n(ثانيًا) أن شيئًا واحدًا لا يصح أن يكون موضوعًا للمتضايفين من جهة واحدة، فلا يصح أن يكون شخص أبًا وابنًا لشخص واحد، نعم يكون أبًا لشخص وابنًا لشخص آخر. وكذا لا يصح أن يكون الشيء فوقًا وتحتًا لنفس ذلك الشيء في وقت واحد. وإنما يكون فوقًا لشيء هو تحت له، وتحتًا لشيء آخر هو فوقه وهكذا.\nوعلى هذا البيان يصح تعريف المتضايفين بأنهما: «الوجوديان اللذان يتعقلان معًا ولا يجتمعان في موضوع واحد من جهة واحدة ويجوز أن يرتفعا».\nالنوع الرابع: (تقابل الملكة وعدمها) كالبصر والعمى، الزواج والعزوبية، فالبصر ملكة والعمى عدمها. والزواج ملكة والعزوبية عدمها.\nولا يصح أن يحل العمى إلا في موضع يصح فيه البصر، لأن العمى ليس هو عدم البصر مطلقًا، بل عدم البصر الخاص، وهو عدمه فيمن شأنه أن يكون بصيرًا. وكذا العزوبة لا تقال إلا في موضع يصح فيه الزواج، لا عدم الزواج مطلقًا، فهما ليسا كالنقيضين لا يرتفعان ولا يجتمعان، بل هما يرتفعان. وإن كان يمتنع اجتماعهما، فالحجر لا يقال فيه أعمى ولا بصير، ولا أعزب ولا متزوج، لأن الحجر ليس من شأنه أن يكون بصيرًا، ولا من شأنه أن يكون متزوجًا.\nإذن الملكة وعدمها: «أمران وجودي وعدمي لا يجتمعان ويجوز أن يرتفعا في موضع لا تصح فيه الملكة» (^١).\nثانيًا: شرح الرد على الاعتراض\n_________\n(^١) المصدر: المنطق ص ٤٧","vol":"1","page":397},{"text":"وصورة الاعتراض: \"فإن قلت: إنما يمتنع نفي النقيضين عما يكون قابلًا لهما، وهذان يتقابلان تقابل العدم والمَلَكَة، لا تقابل السلب والإيجاب، فإن الجدار لا يقال له: أعمى ولا بصير، ولا حي ولا ميت، إذ ليس بقابل لهما\".\nأراد المعترض هنا التفريق بين نوعين من المتقابلين وهما:\nتقابل (تقابل النقيضين) أو ما يسمى كذلك تقابل السلب والإيجاب وأن هذا النوع -كما تقدم تعريفه- هو تقابل أمرين وجودي وعدمي، أي عدم لذلك الوجودي، وهما لا يجتمعان ولا يرتفعان ببديهة العقل، ولا واسطة بينهما.\nوأن هناك (تقابل العدم والملكة): وهما «أمران وجودي وعدمي لا يجتمعان ويجوز أن يرتفعا في موضع لا تصح فيه الملكة»\nوالفرق بينهما: أن النقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان، وأما في تقابل العدم والملكة فهما يرتفعان. وإن كان يمتنع اجتماعهما.\nواعترض على هذا الفرق بأنه للتشابه القريب بين تقابل الملكة وعدمها من جهة، وبين تقابل الضدين من جهة أخرى، جعل بعض كتب المنطق لا تعدها ضمن التقابل، إذ نجد تقابل المكلة هي تقابلات أضداد، في حين أن الذين ميزوا تقابل الضدين عن تقابل الملكة عللوا بالقول:\n١ - أن تعقل أحد الضدين لا يجب أن يتوقف على الآخر عكس تقابل الملكة. ٢ - كما أن تقابل الملكة وعدمها لا يفترض لهما ثالث عكس الضدين اللذين قد يكون لهما ثالث: فالنعومة والخشونة قد ترتفعا معا بحيث يكون الموضع أملس مثلا .. وهكذا.\nواعتراض هؤلاء يتمثل بأنه يمتنع نفي النقيضين عن الشيء الذي يكون قابلًا لهذين النقيضين أن يرتفع عنه أحدهما فيمتنع الآخر، فهذا الجدار لا يصدق عليه أنه","vol":"1","page":398},{"text":"مبصر أو أعمى، أو أنه حي أو ميت، وكلاهما نقيضان، لكنه ليس بقابل لهما أصلًا. فهم عدوا أن التقابل هنا هو من تقابل العدم والملكة.\nورد شيخ الإسلام على هذا الاعتراض بعدة أجوبة:\nالوجه الأول: وهو مكون من فقرتين:\nالفقرة الأولى: قول المصنف: \"قيل لك: أولًا: هذا لا يصح في الوجود والعدم، فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب، باتفاق العقلاء، فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر\".\nيرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن التقابل هنا هو من باب تقابل السلب والإبجاب-كما تقدم تعريفه-هو تقابل أمرين وجودي وعدمي، أي عدم لذلك الوجودي، وهما لا يجتمعان ولا يرتفعان ببديهة العقل، ولا واسطة بينهما، ولذلك عبر المصنف بقوله: \"فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر\" وليس من تقابل العدم والملكة. والفرق بينهما: أن النقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان، وأما في تقابل العدم والملكة فهما يرتفعان. وإن كان يمتنع اجتماعهما.\nالفقرة الثانية: قول المصنف: \"وأما ما ذكرته من الحياة والموت، والعلم والجهل، فهذا اصطلاح اصطلحت عليه المتفلسفة المشاءون، والاصطلاحات اللفظية ليست دليلا على نفي الحقائق العقلية، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ • أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ فسمى الجماد ميتًا، وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم\".\nوأما الاعتراض بعدم وصف الجدار بالحياة والموت ونحو ذلك، فيمكن أن يجاب عليه بأن القول بتقابل العدم والملكة هو اصطلاح اصطلحه أهل المنطق، وإلا فكل ما لا حياة فيه يسمى مواتًا.","vol":"1","page":399},{"text":"قال الله تعالى: (والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون. أموات غير أحياء)] النحل ٢٠، ٢١]. فسمى الأصنام الجامدات أمواتًا، وتسمى الأرض مواتًا، كما قال النبي ﷺ «من أحيا أرضًا ميتة فهي له» (^١).\nوعليه يمكن أن يقال: كل عين من الأعيان تقبل الحياة، فإن الله قادر على خلق الحياة وتوابعها في كل شيء\" (^٢).\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وقيل لك:\nثانيًا: فما لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت والعمى والبصر، ونحو ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك، فالأعمى الذي يقبل الاتصاف بالبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل واحدًا منهما. فأنت فررت من تشبيهه بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجمادات التي لا تقبل ذلك\".\nالشرح\nأي على فرض التسليم للخصم بأن التقابل هنا هو من باب تقابل العدم والملكة فإن الشيء الذي \"لا يقبل الاتصاف بالحياة والموت والعمى والبصر، ونحو ذلك من المتقابلات أنقص مما يقبل ذلك\".\nوأعطى المصنف مثالًا على ذلك بالأعمى والجماد ليتضح المعنى فقال: \"فالأعمى الذي يقبل الاتصاف بالبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل واحدًا منهما\".\nوالنتيجة التي أراد المصنف الوصول إليها هي أن هؤلاء المعطلة زعموا أنهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم عن عمر في الحرث والمزارعة (٥/ ٢٣).\n(^٢) الرسالة الصفدية - قاعدة في تحقيق الرسالة وإبطال قول أهل الزيغ والضلالة ص ٦٩.","vol":"1","page":400},{"text":"أرادوا الفرار من تشبيه واجب الوجود-على حد تعبيرهم-\"بالحيوانات القابلة لصفات الكمال، ووصفته بصفات الجمادات التي لا تقبل ذلك\".\nأي فروا من تشبيه بصفات الحيوانات ووقعوا في تشبيهه بصفات الجمادات.\nوهو هنا يقصد أما المكذبة النفاة فهم المقصودون بقوله سابقًا عنهم: \"وقال: لا أقول هو موجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، بل هذه الأسماء لمخلوقاته، أو هي مجاز، لأن إثبات ذلك يستلزم التشبيه بالموجود الحي العليم القدير\".\nفهذا الزعم فيه فرار من التشبيه بالمخلوقات ولكنه في الوقت نفسه فيه تشبيه بالجمادات. وهو ما ذكره المصنف سابقًا بقوله: \"قيل له: وكذلك إذا قلت: ليس بموجود ولا حي ولا عليم ولا قدير، كان ذلك تشبيها بالمعدومات، وذلك أقبح من التشبيه بالموجودات\".\nقال ابن تيمية: \"ولما أورد من أورد من الملاحدة نفاة الصفات بأن عدم هذه الصفات إنما يكون نقصًا إذا كان المحل قابلًا لها، وإنما يكون عدم البصر عمى، وعدم الكلام خرسًا، وعدم السمع صممًا: إذا كان المحل قابلًا لذلك كالحيوان، فأما ما لا يقبل ذلك كالجماد، فإنه لا يوصف بهذا ولا بهذا - أجيبوا عن هذا بأن ما لا يقبل الاتصاف لا بهذا ولا بهذا أعظم نقصًا مما يقبلهما ويتصف بأحدهما، وإن اتصف بالنقص، فالجماد الذي لا يقبل الحياة والسمع والبصر الكلام أعظم نقصًا من الحيوان الذي يقبل ذلك، وإن كان أعمى أصم أبكم.\nفمن نفى الصفات جعله كالأعمى الأصم الأبكم، ومن قال: إنه لا يقبل لا هذا ولا هذا جعله كالجماد الذي هو دون الحيوان الأعمى الأصم الأبكم، وهذا بعينه موجود في الأفعال، فإن الحركة بالذات مستلزمة للحياة وملزومة لها، بخلاف الحركة بالعرض كالحركة القسرية التابعة للقاسر، والحركة الطبيعية التي تطلب بها العين","vol":"1","page":401},{"text":"العود إلى مركزها لخروجها عن المركز، فإن تلك حركة بالعرض.\nوالعقلاء متفقون على ما كان من الأعيان قابلًا للحركة فهو أشرف مما لا يقبلها، وما كان قابلًا للحركة بالذات فهو أعلى مما لا يقبلها بالعرض، وما كان متحركًا بنفسه كان أكمل من الموات الذي تحركه بغيره. \" (^١)\nالمتن\n\"وأيضًا: فما لا يقبل الوجود والعدم أعظم امتناعًا من القابل للوجود والعدم، بل ومن اجتماع الوجود والعدم، ونفيهما جميعًا، فما نفيت عنه قبول الوجود والعدم كان أعظم امتناعًا مما نفيت عنه الوجود والعدم. وإذا كان هذا ممتنعًا في صرائح العقول فذلك أعظم امتناعا، فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو أعظم الممتنعات. وهذا غاية التناقض والفساد\".\nالشرح\nانتقل المصنف من مسألة تشبيهه بالجمادت التي عليها طائفة من غلاة المعطلة من (المكذبة النفاة) إلى مسألة تشبيهه بالممتنعات والتي عليها طائفة منهم وهم (المتجاهلة الواقفة)، وهم المقصودون بقول المصنف سابقًا: \"فإن قال: أنا أنفي النفي والإثبات\".\nوقد سبق النقاش مع هؤلاء أساس أن التقابل هو تقابل النقيضين فقال المصنف هناك \"قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، أو لا موجودًا ولا معدومًا، ويمتنع أن يوصف باجتماع الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٣٤١.","vol":"1","page":402},{"text":"والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل\".\nفقوله: \"فما لا يقبل الوجود والعدم أعظم امتناعًا من القابل للوجود والعدم\"\nأي إذا كان الكلام في حق واجب الوجود الذي هو الله على-حد زعم هؤلاء-بأنه لا يقبل الوجود والعدم فإن هذا القول أعظم امتناعًا من القول بأنه يقبل الوجود والعدم معًا، مع أن كلاهما مستحيل ولكن الأول أعظم استحالة في حق الله.\nوقوله: \"بل ومن اجتماع الوجود والعدم، ونفيهما جميعًا\"\nأي بل هو أعظم استحالة في العقول من اجتماع الوجود والعدم بأن تقول موجود ومعدوم في نفس الوقت، أو نفيهما فتقول لا موجود ولا معدوم.\nوقوله: \"فما نفيت عنه قبول الوجود والعدم كان أعظم امتناعًا مما نفيت عنه الوجود والعدم. وإذا كان هذا ممتنعًا في صرائح العقول فذلك أعظم امتناعا، فجعلت الوجود الواجب الذي لا يقبل العدم هو أعظم الممتنعات. وهذا غاية التناقض والفساد\".\nأي أن النتيجة التي يمكن التوصل إليها أن نفي القابلية أعظم امتناعًا من في صرائح العقول من نفي الوجود والعدم معًا.\nوحاصل قولهم كما قال المصنف: \"فجعلت الوجود الواجب-الذي لا يقبل العدم-هو أعظم الممتنعات\". والمعنى أنه إذا عرف واجب الوجود (^١)، كما قال الرازي في تعريفه \"فسرنا واجب الوجود بذاته بأنه الموجود الذي تكون حقيقته غير\n_________\n(^١) لفظ \" واجب الوجود \" غير وارد في كلام الله تعالى، ولا في كلام رسوله ﷺ، وقد استحدثه الفلاسفة المتأخرون. يقول شيخ الإسلام ﵀: \"وأما الكلام بلفظ\"الواجب الوجود\"، و\"ممكن الوجود\": فهذا من كلام ابن سينا وأمثاله، الذين اشتقوه من كلام المتكلمين المعتزلة ونحوهم، وإلا فكلام سلفهم، إنما يوجد فيه لفظ العلة والمعلول\" انتهى من \" الصفدية \" (٢/ ١٨٠)، وانظر: \"منهاج السنة النبوية\" (٢/ ١٣٢).","vol":"1","page":403},{"text":"قابلة للعدم البتة \" (^١). وهو قسيم الممكن الوجود الذي يقولون عنه بأنه يقبل العدم.\nفالوجود نوعان: واجب وممكن.\nفالأول: وجود الله تعالى.\nوالثاني: وجود كل مخلوق سوى الله تعالى، لأن كل مخلوق مسبوق بالعدم، ويجوز أن يلحقه فناء \"فالأشياء في حكم العقل ثلاثة: واجب وممكن وممتنع. فالواجب ما لا يقبل الحدوث ولا العدم، والممكن: ما يقبل الوجود والعدم، والممتنع: ما لا يقبل الوجود\" (^٢)\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وهؤلاء الباطنية منهم من يصرح برفع النقيضين: الوجود والعدم. ورفعهما كجمعهما.\nومنهم من يقول: لا أثبت واحدًا منهما، وامتناعه عن إثبات أحدهما في نفس الأمر لا يمنع تحقق واحد منهما في نفس الأمر، وإنما هو كجهل الجاهل، وسكوت الساكت، الذي لا يعبر عن الحقائق.\nالشرح\nقوله: \"وهؤلاء الباطنية منهم من يصرح برفع النقيضين: الوجود والعدم. ورفعهما كجمعهما\".\nيشير هنا إلى قول المتجاهلة الواقفة الذين يقولون: لا نُثبت ولا نَنفي، وهذه\n_________\n(^١) \"المطالب العالية\" (١/ ١٣٤).\n(^٢) \"شرح الرسالة التدمرية\" للشيخ عبد الرحمن البراك، ص ٩٦","vol":"1","page":404},{"text":"الدرجة للقرامطة الباطنية المتفلسفة (^١)، فهؤلاء يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود، ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل.\nوقوله: \"ورفعهما كجمعهما\" أي أن كلا الأمرين ممتنع في بداهة العقول؛ إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات\nوقوله: \"ومنهم من يقول: لا أثبت واحدًا منهما، وامتناعه عن إثبات أحدهما في نفس الأمر لا يمنع تحقق واحد منهما في نفس الأمر، وإنما هو كجهل الجاهل، وسكوت الساكت، الذي لا يعبر عن الحقائق\".\nيشير هنا إلى المتجاهلة اللا أدرية: الذين يقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت، فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين، لا نحكم بهذا ولا بهذا، فلا نقول: ليس بموجود ولا معدوم ولكن لا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم، وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط، الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله ومعرفته وحبه وذكره وعبادته ودعائه (^٢).\nفالمصنف هنا يقول إن امتناع هؤلاء هو بمثابة جهل الجاهل وسكوت وسكوت الساكت \"لا يعبر عن الحقائق\"، فهذا الجهل والسكوت \"لا يمنع تحقق واحد منهما في نفس الأمر\" ومثاله لو اختلف أناس في تحديد اتجاه القبلة فقال بعضهم هي جهة الشمال وقال البعض هي جهة الجنوب وسكت البعض الآخر، فإن سكوت البعض لا يعبر عن حقيقة أن تكون جهة الشمال أو جهة الجنوب.\nوهكذا الحال في شأن صفات الله فإن امتناع هؤلاء لا يؤثر في اعتبار أن الله\n_________\n(^١) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.\n(^٢) -الصفدية ١/ ٩٦، ٩٨.","vol":"1","page":405},{"text":"موصوف بصفات الكمال اللائق به ﷿.\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وإذا كان ما لا يقبل الوجود ولا العدم أعظم امتناعًا ممّا يُقدَّر قبوله لهما-مع نفيهما عنه-، فما يُقدَّر لا يقبل الحياة ولا الموت، ولا العلم ولا الجهل، ولا القدرة ولا العجز، ولا الكلام ولا الخرس، ولا العمى ولا البصر، ولا السمع ولا الصمم، أقرب إلى المعدوم والممتنع مما يُقدَّر قابلا لهما مع نفيهما عنه. وحينئذ فنفيهما مع كونه قابلا لهما أقرب إلى الوجود والممكن، وما جاز لواجب الوجود قابلا، وجب له، لعدم توقف صفاته على غيره، فإذا جاز القبول وجب، وإذا جاز وجود المقبول وجب.\nوقد بسط هذا في موضع آخر وبيِّن وجوب اتصافه بصفات الكمال التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه\".\nالشرح\nأعاد المصنف تأكيد بطلان أقوال غلاة المعطلة مرة أخرى وأعاد تكرار مسألة التقابل من جهة ما يمتنع وما هو أعظم امتناعًا.\nوأراد أن يؤكد هذا الامتناع من جهة ما يسمى بالواجب والممكن وما يجب في حق كل منهما وما يجوز وما يمتنع، فالإخبار عن الله تعالى بأنه واجب الوجود يراد به عندهم أن وجوده سبحانه لذاته، فيستحيل عليه العدم أزلًا وأبدًا، بخلاف المخلوق فإنه ممكن الوجود أو جائز الوجود، أي يجوز عليه الوجود والعدم، ووجوده لا لذاته، بل بإيجاد الله تعالى، ولذلك قال المصنف: \"وما جاز لواجب الوجود قابلًا، وجب له، لعدم توقف صفاته على غيره، فإذا جاز القبول وجب، وإذا جاز وجود","vol":"1","page":406},{"text":"المقبول وجب\".\nوهذا يعني أن لكل واحد منهما وجود يخصه، والمصنف هنا لم يفصل هذه المسألة وإنما اكتفى بالإشارة إليها وقال بعد ذلك: \"وقد بسط هذا في موضع آخر وبيِّن وجوب اتصافه بصفات الكمال التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه\"\nفالمقصود هنا ما قرره شيخ الإسلام في الرسالة الأكملية حيث قال: \"أن يقال: قد ثبت أن الله قديم بنفسه، واجب الوجود بنفسه، قيوم بنفسه، خالق بنفسه، إلى غير ذلك من خصائصه. والطريقة المعروفة في وجوب الوجود تقال في جميع هذه المعاني.\n(أمثلة ذلك)\n(المثال الأول): فإذا قيل: الوجود إما واجب وإما ممكن، والممكن لابد له من واجب، فيلزم ثبوت الواجب على التقديرين.\n(المثال الثاني): فهو مثل أن يقال: الموجود إما قديم وإما حادث، والحادث لابد له من قديم، فيلزم ثبوت القديم على التقديرين.\n(المثال الثالث): والموجود إما غني وإما فقير، والفقير لابد له من الغنى، فلزم وجود الغنى على التقديرين.\n(المثال الرابع): والموجود إما قيوم بنفسه وإما غير قيوم، وغير القيوم لابد له من القيوم، فلزم ثبوت القيوم على التقديرين.\n(المثال الخامس): والموجود إما مخلوق وإما غير مخلوق، والمخلوق لابد له من خالق غير مخلوق، فلزم ثبوت الخالق غير المخلوق على التقديرين.\nونظائر ذلك متعددة.\nثم يقال: هذا الواجب القديم الخالق، إما أن يكون ثبوت الكمال الذي لا نقص","vol":"1","page":407},{"text":"فيه الممكن الوجود ممكنًا له، وإما ألا يكون.\nوالثاني ممتنع؛ لأن هذا ممكن للموجود المحدث الفقير للممكن، فلأن يمكن للواجب الغني القديم بطريق الأولى والأحرى؛ فإن كلاهما موجود. والكلام في الكمال الممكن الوجود الذي لا نقص فيه.\nفإذا كان الكمال الممكن الوجود ممكنًا للمفضول، فلأن يمكن للفاضل بطريق الأولى؛ لأن ما كان ممكنًا لما هو في وجوده ناقص، فلأن يمكن لما هو في وجوده أكمل منه بطريق الأولى، لاسيما وذلك أفضل من كل وجه فيمتنع اختصاص المفضول من كل وجه بكمال لا يثبت للأفضل من كل وجه، بل ما قد ثبت من ذلك للمفضول فالفاضل أحق به، فلأن يثبت للفاضل بطريق الأولى.\nولأن ذلك الكمال إنما استفاده المخلوق من الخالق، والذي جعل غيره كاملا هو أحق بالكمال منه، فالذي جعل غيره قادرًا أولى بالقدرة، والذي علم غيره أولى بالعلم، والذي أحيا غيره أولى بالحياة، والفلاسفة توافق على هذا، ويقولون: كل كمال للمعلول فهو من آثار العلة، والعلة أولى به.\nوإذا ثبت إمكان ذلك له، فما جاز له من ذلك الكمال الممكن الوجود، فإنه واجب له لا يتوقف على غيره، فإنه لو توقف على غيره لم يكن موجودًا له إلا بذلك الغير، وذلك الغير إن كان مخلوقًا له لزم الدور القبلي الممتنع، فإن ما في ذلك الغير من الأمور الوجودية فهي منه، ويمتنع أن يكون كل من الشيئين فاعلًا للآخر، وهذا هو الدور القبلي فإن الشاء يمتنع أن يكون فاعلًا لنفسه، فلأن يمتنع أن يكون فاعلًا لفاعله بطريق الأولى والأحرى.\nوكذلك يمتنع أن يكون كل من الشيئين فاعلًا لما به يصير الآخر فاعلًا، ويمتنع أن يكون كل من الشيئين معطيًا للآخر كماله، فإن معطي الكمال أحق بالكمال، فيلزم","vol":"1","page":408},{"text":"أن يكون كل منهما أكمل من الآخر، وهذا ممتنع لذاته، فإن كون هذا أكمل يقتضي أن هذا أفضل من هذا، وهذا أفضل من هذا، وفضل أحدهما يمنع مساواة الآخر له، فلأن يمنع كون الآخر أفضل بطريق الأولى.\nوأيضا، فلو كان كماله موقوفًا على ذلك الغير، للزم أن يكون كماله موقوفًا على فعله لذلك الغير، وعلى معاونة ذلك الغير في كماله، ومعاونة ذلك الغير في كماله موقوف عليه؛ إذ فعل ذلك الغير، وأفعاله موقوفة على فعل المبدع لا تفتقر إلى غيره، فيلزم ألا يكون كماله موقوفًا على غيره.\nفإذا قيل: كماله موقوفًا على مخلوقه، لزم ألا يتوقف على مخلوقه، وما كان ثبوته مستلزمًا لعدمه كان باطلًا من نفسه.\nوأيضًا، فذلك الغير كل كمال له فمنه وهو أحق بالكمال منه، ولو قيل يتوقف كماله عليه لم يكن متوقفًا إلا على ما هو من نفسه، وذلك متوقف عليه لا على غيره.\nوإن قيل: ذلك الغير ليس مخلوقًا بل واجبًا آخر قديمًا بنفسه.\nفيقال: إن كان أحد هذين هو المعطي دون العكس، فهو الرب، والآخر عبده.\nوإن قيل: بل كل منهما يعطي للآخر الكمال، لزم الدور في التأثير وهو باطل، وهو من الدور القبلي، لا من الدور المعي الاقتراني فلا يكون هذا كاملا حتى يجعله الآخر كاملًا، والآخر لا يجعله كاملًا حتى يكون في نفسه كاملًا، لأن جاعل الكامل كاملًا أحق بالكمال ولا يكون الآخر كاملًا حتى يجعله كاملًا، فلا يكون واحدًا منهما كاملًا بالضرورة، فإنه لو قيل: لا يكون كاملًا حتى يجعل نفسه كاملًا، ولا يجعل نفسه كاملًا حتى يكون كاملًا لكان ممتنعا، فكيف إذا قيل: حتى يجعل ما يجعله كاملًا كاملًا؟!\nوإن قيل: كل واحد له آخر يكمله إلى غير نهاية لزم التسلسل في المؤثرات، وهو","vol":"1","page":409},{"text":"باطل بالضرورة واتفاق العقلاء. فإن تقدير مؤثرات لا تتناهي: ليس فيها مؤثر بنفسه لا يقتضي وجود شاء منها، ولا وجود جميعها، ولا وجود اجتماعها، والمبدع للموجودات لابد أن يكون موجودًا بالضرورة.\nفلو قدر أن هذا كامل فكماله ليس من نفسه بل من آخر، وهلم جرا، للزم ألا يكون لشاء من هذه الأمور كمال، ولو قدر أن الأول كامل لزم الجمع بين النقيضين، وإذا كان كماله بنفسه لا يتوقف على غيره، كان الكمال له واجبًا بنفسه، وامتنع تخلف شاء من الكمال الممكن عنه، بل ما جاز له من الكمال وجب له، كما أقر بذلك الجمهور من أهل الفقه والحديث، والتصوف والكلام والفلسفة وغيرهم، بل هذا ثابت في مفعولاته، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكان ممتنعًا بنفسه أو ممتنعًا لغيره، فما ثم إلا موجود واجب إما بنفسه وإما بغيره، أو معدوم إما لنفسه وإما لغيره، والممكن أن حصل مقتضيه التام: وجب بغيره، وإلا كان ممتنعًا لغيره، والممكن بنفسه: إما واجب لغيره، وإما ممتنع لغيره.\nوقد بين الله سبحانه أنه أحق بالكمال من غيره، وأن غيره لا يساويه في الكمال، في مثل قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] وقد بين أن الخلق صفة كمال، وأن الذي يخلق أفضل من الذي لا يخلق، وأن من عَدَل هذا بهذا فقد ظلم.\nوقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥]، فبين أن كونه مملوكًا عاجزًا صفة نقص، وأن القدرة والملك والإحسان صفة كمال، وأنه ليس هذا مثل هذا، وهذا لله، وذاك لما يعبد من دونه.\nوقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ","vol":"1","page":410},{"text":"عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦]، وهذا مثل آخر.\nفالأول مثل العاجز عن الكلام، وعن الفعل الذي لا يقدر على شاء.\nوالآخر المتكلم الآمر بالعدل الذي هو على صراط مستقيم، فهو عادل في أمره مستقيم في فعله.\nفبين أن التفضيل بالكلام المتضمن للعدل والعمل المستقيم، فإن مجرد الكلام والعمل قد يكون محمودًا، وقد يكون مذمومًا، فالمحمود هو الذي يستحق صاحبه الحمد، فلا يستوى هذا والعاجز عن الكلام والفعل.\nوقال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَلْ لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم: ٢٨].\nيقول تعالى: إذا كنتم أنتم لا ترضون بأن المملوك يشارك مالكه لما في ذلك من النقص والظلم، فكيف ترضون ذلك لي، وأنا أحق بالكمال والغنى منكم؟\nوهذا يبين أنه تعالى أحق بكل كمال من كل أحد، وهذا كقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاء مَا يَحْكُمُونَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ الْنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٥٨٦٢] حيث كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، وهم يكرهون أن يكون لأحدهم بنت فيعدون هذا نقصًا وعيبًا.","vol":"1","page":411},{"text":"والرب تعالى أحق بتنزيهه عن كل عيب ونقص منكم، فإن له المثل الأعلى، فكل كمال ثبت للمخلوق، فالخالق أحق بثبوته منه إذا كان مجردًا عن النقص، وكل ما ينزه عنه المخلوق من نقص وعيب، فالخالق أولى بتنزيهه عنه.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩]، وهذا يبين أن العالم أكمل ممن لا يعلم، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ [فاطر: ١٩: ٢٢] فبين أن البصير أكمل، والنور أكمل، والظل أكمل، وحينئذ فالمتصف به أولى ﴿وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ﴾ [النحل: ٦٠].\nوقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، فدل ذلك على أن عدم التكلم والهداية نقص، وأن الذي يتكلم ويهدي أكمل ممن لا يتكلم ولا يهدي، والرب أحق بالكمال.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَآئِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّيَ إِلاَّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [يونس: ٣٥] فبين سبحانه بما هو مستقر في الفطر أن الذي يهدي إلى الحق أحق بالاتباع ممن لا يهتدي إلا أن يهديه غيره، فلزم أن يكون الهادي بنفسه هو الكامل، دون الذي لا يهتدي إلا بغيره.\nوإذا كان لابد من وجود الهادي لغير المهتدي بنفسه فهو الأكمل، وقال تعالى في الآية الأخرى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ [طه: ٨٩] فدل على أن الذي يرجع إليه القول، ويملك الضر والنفع، أكمل منه.\nوقال إبراهيم لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢]، فدل على أن السميع البصير الغني أكمل، وأن المعبود يجب أن يكون كذلك.","vol":"1","page":412},{"text":"ومثل هذا في القرآن متعدد من وصف الأصنام بسلب صفات الكمال، كعدم التكلم والفعل، وعدم الحياة، ونحو ذلك مما يبين أن المتصف بذلك منتقص معيب كسائر الجمادات، وإن هذه الصفات لا تسلب إلا عن ناقص معيب.\nوأما رب الخلق الذي هو أكمل من كل موجود فهو أحق الموجودات بصفات الكمال، وأنه لا يستوى المتصف بصفات الكمال والذي لا يتصف بها، وهو يذكر أن الجمادات في العادة لا تقبل الاتصاف بهذه الصفات.\nفمن جعل الواجب الوجود لا يقبل الاتصاف، فقد جعله من جنس الأصنام الجامدة، التي عابها الله تعالى وعاب عابديها.\nولهذا كانت القرامطة الباطنية من أعظم الناس شركًا، وعبادة لغير الله، إذ كانوا لا يعتقدون في إلههم أنه يسمع أو يبصر، أو يغني عنهم شيئًا.\nوالله سبحانه لم يذكر هذه النصوص لمجرد تقرير صفات الكمال له، بل ذكرها لبيان أنه المستحق للعبادة دون ما سواه، فأفاد الأصلين اللذين بهما يتم التوحيد وهما: إثبات صفات الكمال، ردًا على أهل التعطيل، وبيان أنه المستحق للعبادة لا إله إلا هو، ردًا على المشركين.\nوالشرك في العالم أكثر من التعطيل، ولا يلزم من إثبات [التوحيد] المنافي للإشراك إبطال قول أهل التعطيل، ولا يلزم من مجرد الإثبات المبطل لقول المعطلة الرد على المشركين إلا ببيان آخر.\nوالقرآن يذكر فيه الرد على المعطلة تارة، كالرد على فرعون وأمثاله، ويذكر فيه الرد على المشركين وهذا أكثر؛ لأن القرآن شفاء لما في الصدور. ومرض الإشراك أكثر في الناس من مرض التعطيل، وأيضًا فإن الله سبحانه أخبر أن له الحمد، وأنه حميد مجيد، وأن له الحمد في الأولى والآخرة، وله الحكم، ونحو ذلك من أنواع","vol":"1","page":413},{"text":"المحامد\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما المقدمة الثانية فنقول: لابد من اعتبار أمرين:\nأحدهما: أن يكون الكمال ممكن الوجود.\nوالثانى: أن يكون سليمًا عن النقص، فإن النقص ممتنع على الله.\nلكن بعض الناس قد يسمى ما ليس بنقص نقصًا.\nفهذا يقال له: إنما الواجب إثبات ما أمكن ثبوته من الكمال السليم عن النقص، فإذا سميت أنت هذا نقصًا وقدر أن انتفاءه يمتنع، لم يكن نقصه من الكمال الممكن، و[الذات] التي لا تكون حية عليمة قديرة سميعة بصيرة متكلمة، ليست أكمل من الذات التي تكون حية عليمة سميعة بصيرة متكلمة.\nوإذا كان صريح العقل يقضي بأن الذات المسلوبة هذه الصفات ليست مثل الذات المتصفة، فضلًا عن أن تكون أكمل منها، ويقضي بأن الذات المتصفة بها أكمل، علم بالضرورة امتناع كمال الذات بدون هذه الصفات.\nفإن قيل بعد ذلك: لا تكون ذاته ناقصة مسلوبة الكمال إلا بهذه الصفات.\nقيل: الكمال بدون هذه الصفات ممتنع، وعدم الممتنع ليس نقصًا، وإنما النقص عدم ما يمكن.\nوأيضًا، فإذا ثبت أنه يمكن اتصافه بالكمال، وما اتصف به وجب له، وامتنع تجرد ذاته عن هذه الصفات، فكان تقدير ذاته منفكة عن هذه الصفات تقديرًا ممتنعًا. وإذا قدر للذات تقدير ممتنع، وقيل: إنها ناقصة بدونه، كان ذلك مما يدل على امتناع ذلك التقدير، لا على امتناع نقيضه، كما لو قيل: إذا مات كان ناقصًا، فهذا يقتضي\n_________\n(^١) الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال ص ١٢ - ١٩.","vol":"1","page":414},{"text":"وجوب كونه حيًا، كذلك إذا كان تقدير ذاته خالية عن هذه الصفات يوجب أن تكون ناقصة، كان ذلك مما يستلزم أن يوصف بهذه الصفات\" (^١).\nومسألة التقابل سيأتي مزيد ذكر لها في القاعدة السابعة من كلام المصنف كذلك فيحسن التنبه لذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-216>الاتفاق في المسميات في بعض الأسماء والصفات لا يوجب تماثلها</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وقيل له أيضًا: اتفاق المسمّيَين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل، الذي نفته الأدلة السمعيات والعقليات، وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق، مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه، فلا يجوز أن يَشركه فيه مخلوق، ولا يُشركه مخلوق في شيء من خصائصه ﷾.\nوأما ما نفيتَه فهو ثابت بالشرع والعقل، وتسميتك ذلك تشبيهًا وتجسيمًا تمويه على الجهال، الذين يظنون أن كل معنى سماه مسمٍّ بهذا الاسم يجب نفيه. ولو ساغ هذا لكان كل مبطل يسمي الحق بأسماء ينفر عنها بعض الناس، ليكذب الناس بالحق المعلوم بالسمع والعقل.\nوبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف من الناس عقولهم ودينهم، حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة، وأبلغ الغي والضلالة\".\n_________\n(^١) الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال ص ٢٠ - ٢٢.","vol":"1","page":415},{"text":"الشرح\nكلام المصنف سبق توضيحه عند الكلام عن قاعدة القدر المشترك بشكل موسع وشامل.\nوأعيد بعض ما ذكر هناك بشيء من الاختصار فهذه المسألة هي ما يطلق عليه قاعدة أنه لا يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مُسَمَّاهما.\nفالأسماء التي تُطلق على الله وعلى العباد هي من الألفاظ المتواطئة التواطؤ المشُكك؛ فالحق فيها هو أن يقال: إنه بالنسبة للأسماء والصفات التي تُطلق على الله وعلى العباد؛ كـ (الحي، والسميع، والبصير، والعليم، والقدير، والحياة، والسمع، والبصر، والعلم) ونحوها هي حقيقة في الرب وحقيقة في العبد.\nولكن للرب تعالى منها ما يليق بجلاله.\nوللعبد منها ما يَليق به.\nوذلك لأن «الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاثة اعتبارات:\nالاعتبار الأول: اعتبار مِنْ حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب ﵎ أو العبد.\nالاعتبار الثاني: اعتباره مضافًا إلى الربِّ مختصًّا به.\nالاعتبار الثالث: اعتباره مضافًا إلى العبد مقيدًا به.\nفما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتًا للرب والعبد، وللرب منه ما يليق بكماله، وللعبد منه ما يليق به.\nوهذا كاسم (السميع) الذي يلزمه إدراك المَسموعات.\nو(البصير) الذي يلزمه رؤية المُبصرات.","vol":"1","page":416},{"text":"و(العليم) و(القدير) وسائر الأسماء.\nفإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها، فما لزم هذه الأسماء لذاتها؛ فإثباتها للرب تعالى لا محذور فيه بوجهٍ، بل يثبت له على وجهٍ لايماثله فيه خَلْقُه ولا يُشابههم.\nفمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق أَلْحَدَ في أسمائه وجَحَد صفات كماله، ومَن أثبته على وجهٍ لا يُماثل فيه خلقه به-كما يليق بجلاله وعظمته-فقد بَرِئ من فرث التَّشبيه ودم التعطيل، وهذا طريقُ أهل السنة.\nوما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيُه عن الله كما يلزم حياة العبد من النَّوم والسِّنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك، وكذلك ما يَلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به ودفع ما يتضرر به، وكذلك ما يلزم عُلوَّه من احتياجه إلى ما هو عال عليه وكونه محمولًا به، مفتقرًا إليه، محاطًا به، كل هذا يجب نفيه عن القُدُّوس السَّلَام ﵎.\nوما لزم الصفة من جهة اختصاصه تعالى بها فإنَّه لا يثبت للمخلوق بوجهٍ؛ كعلمه الذي يلزمه القِدَم والوجوب والإحاطة بكلِّ معلوم، وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإنَّ ما يختص به منها لا يُمكن إثباته للمخلوق.\nفإذا أحطت بهذه القاعدة خُبرًا وعَقَلْتَها كما ينبغي-خَلصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين:\n١ - آفة التعطيل. ٢ - وآفة التشبيه.\nفإنك إذا وَفَّيت هذا المقام حقَّه من التصور أَثْبَتَّ لله الأسماء الحسنى والصفات العُلى حقيقة؛ فخلصت من التعطيل، ونَفيت عنها خصائص المخلوقين ومُشابهتهم، فخلصت مِنْ التشبيه؛ فتدبر هذا الموضع واجعله جُنَّتك التي تَرجع إليها في هذا الباب، والله الموفق للصَّواب» (^١).\n_________\n(^١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٤ - ١٦٦).","vol":"1","page":417},{"text":"وقول المصنف: \"وبهذه الطريقة أفسدت الملاحدة على طوائف من الناس عقولهم ودينهم، حتى أخرجوهم إلى أعظم الكفر والجهالة، وأبلغ الغي والضلالة\".\nهذا يوضحه كلام الإمام ابن القيم الذي سبق ذكره في تقرير قاعدة القدر المشترك ونعيده هنا لقوة مناسبته لكلام المصنف حيث يقول:\n\"فأحظى الناس بالحق وأسعدهم به الذي يقع على الخصائص المميزة الفارقة ويلغي القدر المشترك فيحكم بالقدر الفارق على القدر المشترك ويفصله به.\nوأبعدهم عن الحق والهدى من عكس هذا السير وسلك ضد هذه الطريق فألغى الخصائص الفارقة وأخذ القدر المشترك وحكم به على القدر الفارق.\nوأضل منه من أخذ خصائص كل من النوعين فأعطاها للنوع الآخر.\nفهذان طريقا أهل الضلالة اللتان يرجع إليهما جميع شعب ضلالهم وباطلهم.\nمثال ذلك: أن أعداء الرسل المكذبين لهم الجاحدين لما جاءوا به من الحق لما أرادوا تلبيس الحق الذي جاءوا به بالباطل أخذوا بينه وبين الباطل قدرا مشتركا ثم ألغوا القدر الفارق وما اختص به أحد النوعين فقالوا هذا الرسول شاعر وكاهن ومجنون وطالب ملك ورياسة وصيت في العالم؛ فأخذوا قدرا مشتركا بين الشعر وبين كلامه الذي جاء به من الترغيب والترهيب وحسن التعبير عن المعاني باللفظ الذي يروق المسامع ويهز القلوب ويحرك النفوس.\nفقالوا: هو شاعر وهذا شعر وضربوا عن الخصائص الفارقة صفحا.\nوقالوا: هو كاهن لأن الكاهن كان عندهم معروفا بالإخبار عن الأمور الغائبة","vol":"1","page":418},{"text":"التي لا يخبر بها غيره وكذلك هذا المدعي لذلك مثله.\nوقالوا: مجنون لأن المجنون يقول ويفعل خلاف ما اعتاده الناس.\nوقالوا: ساحر لأن الساحر يأخذ بالقلوب والعيون ويحبب تارة وينفر أخرى؛ ولهذا قال لهم الوليد بن المغيرة وقد سألوه ماذا يقولون للناس في أمر محمد، ففكر وقدر ورأى أن أقرب ما يقولون هو ساحر لأنه يفرق بين المرء وزوجه، ومحمد يفعل ذلك فإن المرأة إذا أسلمت دون زوجها أو أسلم زوجها دونها وقعت الفرقة بينهما والعداوة.\nوكذلك قولهم عن القرآن: أساطير الأولين أخذوا قدرا مشتركا بينهما وهو جنس الإخبار عما أخبر عنه الأولون.\nوهكذا قولهم: هو طالب ملك ورياسة وصيت.\nوالمقصود أن كل مبطل فإنه يتوصل إلى باطله بهذه الطريق، ثم يلبس ما يدعو إليه خصائص الحق وما ينفر عنه خصائص الباطل، وهذا شأن الساحر فكلامه يخرج الحق في صورة الباطل فينفر عنه، والباطل في صورة الحق فيرغب فيه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-217>مناقشة نفاة الصفات في تسمية تعطيلهم توحيدا</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وإن قال نفاة الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة يستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع.\nقيل: وإذا قلتم: هو موجود واجب، وعقل وعاقل ومعقول، وعاشق ومعشوق،\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٤/ ١٢١٦ - ١٢١٨","vol":"1","page":419},{"text":"ولذيذ وملتذ ولذة، أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا؟، فهذه معان متعددة متغايرة في العقل وهذا تركيب عندكم، وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيدًا.\nفإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة وليس هذا تركيبًا ممتنعًا.\nقيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة وليس هو تركيبًا ممتنعًا.\nوذلك أنه من المعلوم بصريح المعقول أنه ليس معنى كون الشيء عالمًا هو معنى كونه قادرًا، ولا نفس ذاته هو نفس كونه عالمًا قادرًا، فمن جوَّز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى، وأن تكون الصفة هي الموصوف فهو من أعظم الناس سفسطة، ثم إنه متناقض، فإنه إن جوّز ذلك جاز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا، فيكون الوجود واحدًا بالعين لا بالنوع. وحينئذ، فإذا كان وجود الممكن هو وجود الواجب، كان وجود كل مخلوق- يُعدم بعد وجوده، ويوجد بعد عدمه- هو نفس وجود الحق القديم الدائم الباقي، الذي لا يقبل العدم، وإذا قدّر هذا، كان الوجود الواجب موصوفًا بكل تشبيه وتجسيم، وكل نقص وكل عيب، كما يصرح بذلك أهل وحدة الوجود، الذين طردوا هذا الأصل الفاسد، وحينئذ فتكون أقوال نفاة الصفات باطلة على كل تقدير.\nوهذا باب مطرد، فإن كل واحد من النفاة لِما أخبر به الرسول ﷺ من الصفات، لا ينفي شيئًا- فرارًا مما هو محذور- إلا وقد أثبت ما يلزمه فيه نظير ما فرّ منه، فلا بدّ له في آخر الأمر من أن يثبت موجودًا واجبًا قديمًا متصفًا بصفات تميزه عن غيره، ولا يكون فيها مماثلا لخلقه، فيقال له: وهكذا القول في جمع الصفات، وكل ما نثبته من الأسماء والصفات فلا بدّ أن يدل على قدر مشترك تتواطأ فيه المسمّيات، ولولا ذلك لما فُهم الخطاب، ولكن نعلم أن ما اختص الله به، وامتاز عن خلقه أعظم مما","vol":"1","page":420},{"text":"يخطر بالبال أو يدور في الخيال\".\nالشرح\nقول المصنف: \"وإن قال نفاة الصفات: إثبات العلم والقدرة والإرادة يستلزم تعدد الصفات، وهذا تركيب ممتنع\".\nوفي هذا النص عدة أمور:\n\n<span data-type='title' id=toc-218>الأمر الأول: تعريف حجة التركيب.</span>\nحجة التركيب: هي حجة الفلاسفة في نفي الصفات وقال بها ابن سينا وأتباعه، وكذلك الرازي (^١)، وقال بها أبو الهذيل العلاف وهو من أئمة المعتزلة (^٢)\nقال أبو حامد الغزالي، بعد أن فصل القول في حجة التركيب التي احتج بها الفلاسفة وبين حقيقة مذهبهم في الصفات قال: \"إن المعتزلة وافقوا الفلاسفة على قولهم في الصفات\" (^٣).)\nونصها: لو كان له صفة لكان مركبًا، والمركب يفتقر إلى أجزائه، وأجزاؤه غيره، والمفتقر إلى غير لا يكون واجبًا بنفسه (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-219>الأمر الثاني: الرد عليهم.</span>\nأولًا: ألفاظ هذه الحجة كلها ألفاظ مجملة بمعنى أن كل لفظ منها محتمل لعدة معان، ولابد من توضيح المراد من كل لفظ أولًا حتى يتكلم فيها\n• لفظ \"التركيب\"\n_________\n(^١) انظر: الصفدية ص ١٠١.\n(^٢) انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٤٨٥).\n(^٣) المنقذ من الضلال (١٠٧).\n(^٤) منهاج السنة ١/ ١٨٨.","vol":"1","page":421},{"text":"فلفظ التركيب: ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: تركيب في الكيفية، له أنواع\nالنوع الأول: التركيب من الوجود والماهية.\nفلا يكون له حقيقة سوى الوجود المطلق بشرط الاطلاق لأنه لو كان له حقيقة مغايرة لذلك لكانت موصوفة بالوجود وحينئذ فيكون الوجود الواجب لازما ومعلولا لتلك الحقيقة فيكون الواجب معلولا.\nالنوع الثاني: التركيب من العام والخاص.\nكتركيب النوع من الجنس والفصل وهذا يجب نفيه.\nالنوع الثالث: التركيب من الذات والصفات.\nوهذه الثلاث تركيبات في الكيفية.\nالقسم الثاني: التركيب في الكم.\nوهو نوعان:\nالنوع الأول: التركيب الحسي.\nوهو تركيب الجسم من أبعاضه إما من الجواهر المفردة وهو التركيب الحسي.\nالنوع الثاني: التركيب العقلي.\nوهو تركيب الجسم من المادة والصورة\nوحجة التركيب هي من أبطل الكلام وذلك بأن يقال لفظ التركيب يحتمل معان متجددة بحسب الاصطلاحات هي:\n١) فيقال المركب لما ركبه غيره كما قال تعالى ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾.","vol":"1","page":422},{"text":"ويقال ركبت الباب في موضعه ونحو ذلك وهذا هو مفهوم المركب في اللغة.\n٢) وقد يقال: المركب لما كان متفرقا فجمع كجمع الأغذية والأدوية المركبة.\n٣) وقد يقال: المركب لما يمكن تفريق بعضه عن بعض كأعضاء الإنسان وإن لم يعهد له حال تفريق في الابتداء.\n٤) وقد يقال: المركب لما يشار إليه كالشمس والفلك قبل أن يعلم جواز الانفكاك عنه\n٥) وقد يقال: المركب لما جاز أن يعلم منه شيء دون شيء كما يعلم كونه قادرا قبل أن يعلم كونه سميعا بصيرا.\nوإذا كان كذلك فمعلوم أنهم إذا قالوا: إن أثبات الصفات تستلزم التركيب لم يريدوا به الأول والثاني فإن أثبات الصفات لازم لله تعالى فيمتنع زوال صفات الكمال عنه ويمتنع أن يجوز عليه خلاف الصمدية كالتفرق ونحوه فإنه الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد.\nفنقول هذه الأمور ليست تركيبا في الحقيقة وبتقدير أن تكون تركيبا كما تدعونه فلا دليل لكم على نفيها بل الدليل يقتضي إثبات المعاني التي سميتموها تركيبا\n• لفظ \"الجزء\"\nوكذلك إذا قالوا المركب مفتقر إلى أجزائه فلفظ الجزء قد يعني به:\n١) ما جمع إلى غيره حتى حصلت الجملة كالواحد من العشرة وكجزء الطعام والثياب.\n٢) وقد يعني بالجزء ما كان بعضا لغيره وإن لم يعلم انفراده عنه أو لم يمكن انفراده عنه وقد يدخلون في هذه الحياة اللازمة للحي والعلم اللازم للعالم كما يقولون الحيوانية والناطقية جزءا الإنسان وهما نعتان لازمان له لا يمكن وجوده","vol":"1","page":423},{"text":"بدونهما.\n• لفظ \"الافتقار\".\nوكذلك لفظ الافتقار يراد به:\n١) افتقار المعلول إلى علته والمصنوع إلى صانعه.\n٢) ويراد به افتقار الصفة إلى محلها الذي تقوم به.\n٣) وقد يعني به التلازم وهو استلزام الموصوف لصفات كماله.\n• لفظ \"الغير\"\nوكذلك لفظ الغير قد يراد به:\n١) المباين للشيء.\n٢) وقد يعني به ما يعلم الشيء بدونه.\nولهذا لما تنازع الناس في صفات الله تعالى بل في صفة كل موصوف وبعض كل مجموع هل يقال أنه غير له أم لا فقالت طائفة صفة الموصوف وبعض الجملة ليس غيرا له لأنه لا يوجد إلا به وقال بعضهم بل هو غير له لأنه يمكن العلم به دونه كان هذا نزاعا لفظيا فامتنع السلف والأئمة أن يطلقوا على صفات الله كلامه وعلمه ونحو ذلك أنه غير له أو أنه ليس غيره.\nثانيًا: أن نقول لا دليل لكم على نفي هذه المعاني التي سميتموها تركيبا وذلك أن عمدتهم في نفي التركيب أنهم يقولون أن المركب مفتقر إلى جزئه وجزءه غيره وواجب الوجود لا يكون مفتقرا إلى غيره وهذا الكلام اعتمد عليه ابن سينا وأتباعه كالرازي وغيره وبنوا عليه النفي والتعطيل وهو من أبطل الكلام.","vol":"1","page":424},{"text":"ومما يبين ذلك أن النبي ﷺ قال: \"من حلف بغير الله فقد أشرك\" وقد ثبت عنه أنه حلف بعزة الله والحلف بعمر الله، ونحو ذلك من صفاته فعلم أن الحالف بصفاته ليس حالفا بغيره، ولو كانت الصفة يطلق عليها القول بأنها غيره، لكان الحلف بها حلفا بغيره، وإذا قال القائل الحالف بصفته حالف به، لأن الصفة تستلزم الموصوف وهو المقصود باليمين، قيل لهم فلهذا لم يدخل في إطلاق القول بأنها غير الله فعلمه لازم له وملزوم له وكلامه لازم له وملزوم له والصفة داخلة في مسمى الموصوف، فإذا قال القائل عبدت الله وذكرت الله ونحو ذلك فاسم الله متضمن لصفاته اللازمة لذاته فإذا قيل أنها غير الله فقد يفهم منه أنها خارجة عن مسمى اسمه وهذا باطل، ولهذا قد يقال أنها غير الذات، ولا يقال أنها غير الله، لأن لفظ الذات يشعر بمغايرته للصفة، بخلاف اسم الله تعالى فإنه متضمن لصفات كماله، وقولنا أنه مغاير للذات لا يتضمن جواز وجوده دون الذات فإنه ليس في الخارج ذات منفكة عن صفات، ولا صفات منفكة عن ذات، بل ذلك ممتنع لنفسه.\nومن قال من أهل الأثبات أن له صفات زائدة على ذاته فحقيقة قوله أنها زائدة على ما أثبته المثبت من الذات حيث أقر بذات ولم يقر بصفاتها، وإلا ففي الخارج ليس هناك ذات منفكة عن صفات حتى يقال أن الصفات زائدة عليها بل لفظ الذات في الأصل تأنيث ذو كقوله ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ وقوله ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ وهي تستلزم الإضافة، ولكن المتكلمون قطعوه عن الإضافة وعرفوه فقالوا الذات وحقيقته التي لها صفات فحيث قيل لفظ الذات كان مستلزما للصفات ويستحيل وجود ذات منفكة عن الصفات في الخارج وفي العقل وفي اللغة ومن قدر ذاتا بلا صفات فهو تقدير محال كما يقدر سواد ليس","vol":"1","page":425},{"text":"بلون وعلم بلا عالم وعالم بلا علم ونحو ذلك من الأمور الممتنعة وهذه المعاني مبسوطة في غير هذا الموضع\nوالمقصود هنا أن هذه الحجة التي ينفون بها الصفات ويعتمدون على نفي مسمى التركيب هي مبنية على ألفاظ مجملة مشتركة موهمة فإذا قالوا إثبات الصفات تركيب والمركب مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره والمفتقر إلى غيره ليس بواجب بنفسه قيل لهم إن أردتم بالغير غيرًا مباينًا له فهذا باطل وإن أردتم ما هو داخل في مسمى اسمه كان حقيقة قولكم المركب لا يوجد إلا بوجود جزئه والمجموع لا يوجد إلا بوجود بعضه والجملة لا توجد إلا بوجود أفرادها\nومن المعلوم أن القائل إذا قال الشيء لا يوجد إلا بوجود نفسه كان هذا صحيحا وكذلك إذا قيل لا يوجد إلا بوجود ما هو داخل في نفسه مما يسمى صفات وأجزاء ونحو ذلك، فإذا قيل أن هذا يقتضي افتقاره إلى غيره كان من المعلوم أن هذا دون افتقاره إلى نفسه فإن نفسه إذا كانت لا توجد إلا بنفسه فأن لا يوجد إلا بوجود ما يدخل في نفسه أولى، وإذا قيل لم يوجد إلا بنفسه لم يمنع هذا أن يكون واجبا بنفسه، وإذا قيل لا يوجد إلا بوجود ما هو داخل في مسمى نفسه كان هذا أولى أن لا يمنع كونه واجبا بنفسه لأن الافتقار إلى المجموع أعظم من الافتقار إلى الجزء ومن افتقر إلى مجموع العشرة كان افتقاره أبلغ من افتقار من افتقر إلى واحد من العشرة فإذا كان المجموع لا يوجد إلا بالمجموع ولا يمنع هذا أن يكون المجموع مفتقرا إلى نفسه فلأن لا يمنع كون المجموع مفتقرا إلى فرد من أفراده أولى وأحرى\nوإذا قيل جزؤه غيره والمفتقر إلى غيره ممكن بنفسه قيل إن أريد بذلك أن المفتقر إلى المباين له ممكن بنفسه فليس هذا مورد كلامنا، وإن أريد أن المفتقر إلى","vol":"1","page":426},{"text":"ما يدخل في نفسه ممكن بنفسه كان هذا ممنوعا بل كان معلوم الفساد بالضرورة فإن افتقاره إلى ما يدخل في نفسه ليس بأعظم من افتقاره إلى نفسه وإذا كان هو موجود بنفسه بمعنى أنه لا يفتقر إلى مباين له لم يلزم من هذا ألا تفتقر نفسه إلى نفسه فكذلك لا يلزم ألا تفتقر إلى ما يدخل في مسمى نفسه وإذا قيل هو مفتقر إلى نفسه فله معينان أحدهما أنه مفتقر إلى أن يفعل نفسه ونحو ذلك فهذا ممتنع لذاته فإن الشيء لا يكون فاعلا لنفسه والعلم بذلك ضروري وإن أريد بذلك أن نفسه لا تكون إلا بنفسه ولا تستغني عن نفسه ويمتنع وجود نفسه بدون نفسه فهذا صحيح لا بد منه\nوإذا قيل هو مفتقر إلى ما يدخل في نفسه سواء سمي صفة أو جزءا أو غير ذلك قيل أتريد به أن ذلك الجزء يكون فاعلا له أو ما يشبه هذا فهذا ممتنع باطل ولا يقوله عاقل وإن أردت بذلك أنه لا يكون موجودا إلا بوجود ذلك وأنه يمتنع وجوده بدونه ونحو ذلك كان ما يقدر في هذا دون ما يقدر في نفسه وإذا كان لا توجد نفسه إلا بنفسه فأن لا يوجد إلا بما يدخل في نفسه بطريق الضرورة وإذا كان ذلك أمرا واجبا لا محذور فيه فهذا بطريق الأولى وإذا كان تقدير استغناء نفسه عن نفسه يوجب عدمه فكذلك تقدير وجوده بدون ما هو داخل في مسمى نفسه مما هو لازم له يوجب عدمه بالحقيقة فهذه الأمور التي نفوها عن الوجود الواجب توجب عدمه وامتناعه ولهذا كانوا من أعظم الناس تناقضا حيث وصفوا واجب الوجود بممتنع الوجود ولهذا جعلوه وجودا مطلقا بشرط الإطلاق أو بشرط نفي الأمور الثبوتية كما صرح بذلك ابن سينا وأتباعه\nوهم قد قرروا في منطقهم اليوناني ما هو معلوم بصريح العقل أن المطلق بشرط الإطلاق إنما يوجد في الأذهان لا في الأعيان كالإنسان المطلق بشرط الإطلاق والجسم المطلق بشرط الإطلاق والحيوان المطلق بشرط الإطلاق وهذا قصدوا به","vol":"1","page":427},{"text":"التمييز بين هذا وبين الوجود الذي هو موضوع الفلسفة الأولى والحكمة العليا عندهم وهو العلم الأعلى عندهم الناظر في الوجود ولواحقه فإن الوجود ينقسم إلى واجب وممكن وقديم ومحدث وقائم بنفسه وقائم بغيره ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام فكان هذا الوجود يعم القسمين الواجب والممكن وهذا هو المطلق لا بشرط وهو الكلي الطبيعي فجعلوا أحد القسمين وهو الواجب هو المطلق بشرط الإطلاق وكذلك جعل العدم المحض هو المميز للوجود الواجب عن الممكن يوجب كون العدم المحض فصلا أو خاصة وهذا أيضا باطل فإن الأمرين المشتركين في الوجود لا يكون المميز لأحدهما عن الآخر إلا أمرا وجوديا ولو قدر أنه عدمي لكان الواجب قد امتاز بأمر عدمي والممكن امتاز بوجودي والوجود أكمل من العدم فيكون كل ممكن مخلوق على قول ابن سينا أكمل من الموجود الواجب القديم لأنهما اشتركا في الوجود وتميز الرب بعدم الأمور الثبوتية وتميز المخلوق بأمور وجودية\nوهذا الكلام عندهم هو غاية التوحيد والتحقيق والحكمة وهو غاية التعطيل والكفر والجهل والضلال وذلك أن المطلق بشرط الإطلاق وجوده في الأذهان لا في الأعيان وهم يسلمون هذا ويقررونه في منطقهم ويقولون الكلي ثلاثة أنواع\nالكلي الطبيعي\nوالمنطقي\nوالعقلي\nفالطبيعي هو الحقيقة المطلقة كالإنسانية والحيوانية وأما المنطقي فهو ما يعرض لهذه من العموم والكلية\nوالعقلي هو المركب منهما وهو الطبيعي بشرط كونها كلية فهذا العقلي لا يوجد إلا في الذهن وكذلك المنطقي\nوأما الطبيعي فيقولون أنه موجود في الخارج لكن لا يوجد إلا معينا مشخصا","vol":"1","page":428},{"text":"ويقولون أنه جزء المعين وأن الماهية في الخارج زائدة عن الوجود الثابت في الخارج ويذكرون عن أصحاب أفلاطن أنهم أثبتوا الكلي العقلي في الخارج مجردا عن الأعيان وشنعوا عليهم تشنيعا عظيما ومن قال إن الرب هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق ويردون على أصحاب أفلاطن الذين أثبتوا المثل الأفلاطونية وهي الكليات المجردة عن الأعيان ويقولون هي ثابتة في الأذهان لا في الأعيان وعند هؤلاء بتقدير ثبوت هذه الكليات في الخارج فلا بد أن تكون لها أعيان ثابتة في الخارج مجردة فلو قدر أن في الخارج وجودا مطلقا بشرط الإطلاق لكان كليا شاملا عاما وله أعيان ثابتة في الخارج بالضرورة ويكون متناولا للواجب والممكن كتناوله للقديم والحادث والجوهر والعرض وكتناول سائر المعاني الكلية أفرادها سواء سميت جنسا أو نوعا او فصلا أو خاصة أو عرضا عاما فيمتنع أن تكون هذه الكليات العامة هي الأعيان الموجودة الداخلة فيها ولذلك إذا قدر أن المطلق لا بشرط وهو الكلي الطبيعي موجود في الخارج فإنه لا يوجد إلا معينا والمعين ليس هو المطلق غايتهم أن يقولوا هو جزء منه أو صفة له فيلزم أن يكون رب العالمين جزءا من المخلوقات أو صفة لها\nوهؤلاء غلطوا من وجهين من جهة ظنهم أن في الخارج أمورا مطلقة كلية وليس كذلك بل ما يتصوره الذهن مطلقا كليا يوجد في الخارج لكن يوجد معينا مختصا والثاني أنه لو قدر أن في الخارج مطلقا كليا فلا ريب أن كل موجود معين مشخص مختص مميز عن غيره وليس هذا هو هذا ولا وجود هذا وجود هذا فكيف يكون وجودها وجود رب العالمين فلا بد على كل تقدير من إثبات موجود واجب بنفسه مغاير لهذا المطلق سواء قيل بوجود الكليات المطلقة المفارقة للأعيان كما يقوله أصحاب أفلاطن أو قيل بأنها لا توجد إلا مقارنة ملازمة","vol":"1","page":429},{"text":"للأعيان كما يقوله أصحاب أرسطو\nوأهل الوحدة القائلون بوحدة الوجود لما قال من قال منهم أنه الوجود المطلق كابن سبعين والقونوي وأمثالهما قال من قال منهم كالقونوي أنه المطلق لا بشرط ليكون موجودا في الخارج وهذا باطل أيضا فإن الموجود المطلق لا بشرط يتناول القسمين الواجب والممكن فيكون الممكن داخلا في مسمى واجب الوجود\nوهم إنما فرقوا بينهما بناء على أن وجود الممكن زائد على حقيقته وهو باطل وأن الواجب إنما يتميز بقيود سلبية والسلوب لا تكون مميزة عندهم بل لا يحصل التمييز في الموجودين إلا بأمور وجودية ولأن المطلق عند من يقول بوجوده في الخارج جزء من المعين فيكون رب العالمين جزءا من كل مخلوق ولأن الخارج لا يوجد فيه كلي ولا مطلق إلا معينا مشخصا ولكن ما هو كلي في الأذهان يكون موجودا في الأعيان لكن معينا ومشخصا وأيضا فهؤلاء الذين يقولون إن واجب الوجود مطلق أو مقيد بالأمور السلبية كابن سينا وأهل الوحدة وغيرهم هم في الحقيقة لا يثبتون له حقيقة ولا صفة ولا قدرا الموجود لا بد له من حقيقة تخصه مستلزمة لصفته وقدره فهم من أعظم الناس تعطيلا للخالق وجحودا له وإن كانوا يعتقدون أنهم يقرون به وقد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع\nوالرسل عليهم صلوات الله جاءوا بإثبات مفصل ونفي مجمل وهؤلاء ناقضوهم جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل فإن الرسل أخبرت كما أخبر الله في كتابه الذي بعث به رسوله أنه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وأنه حكيم عزيز غفور ودود وأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش وأنه كلم موسى تكليما وتجلى للجبل فجعله دكا وأنه أنزل على عبده الكتاب إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته وقال في النفي والتنزيه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾","vol":"1","page":430},{"text":"[مَرْيَمَ الآية: ٦٥]، وهؤلاء الملاحدة جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل فقالوا في النفي ليس بكذا ولا كذا ولا كذا فلا يقرب من شيء ولا يقرب منه شيء ولا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة ولا له كلام يقوم به ولا له حياة ولا علم ولا قدرة ولا غير ذلك ولا يشار إليه ولا يتعين ولا هو مباين للعالم ولا حال فيه ولا داخلة ولا خارجة إلى أمثال العبارات السلبية التي لا تنطبق إلا على المعدوم ثم قالوا في الإثبات هو وجود مطلق أو وجود مقيد بالأمور السلبية وقالوا لا نقول موجود ولا معدوم أو قالوا هو لا موجود ولا معدوم فتارة يرفعون النقيضين وتارة يمتنعون من إثبات أحد النقيضين ثم تارة يسلكون هذا المسلك في نفي الموجود وتارة فيما يوصف به الموجود من الحياة والعلم والقدرة والكلام وسائر الصفات فنفوا الحقيقة وصاروا يعبرون عن المعاني الثبوتية بأنها تركيب كما تقدم وقد ذكرنا أن تسمية هذا تركيبا أمر اصطلحوا عليه وإلا فإثبات هذه المعاني لا يسمى في اللغة المعروفة تركيبا فإن المركب لا يعقل إلا فيما ركبه مركب وهذا المعنى ممتنع فيما هو موجود بنفسه غني عن كل ما سواه وهو الفاعل لكل ما سواه وكل ما سواه مخلوق له فإذا قدر أنه متصف بصفات متعددة لم يكن أحد ركبه ولا ركبها فيه والناس قد تنازعوا في الأجسام المخلوقة كالكواكب والفلك والهواء والماء وغير ذلك فقيل هي مركبة من الجواهر المنفردة وقيل مركبة من المادة والصورة ومنه من فرق بين الجسم الفلكي والعنصري والصواب عند محققي الطوائف أنها ليست مركبة لا من هذا ولا من هذا وهذا قول أكثر أهل الطوائف أهل النظر مثل الهشامية والضرارية والنجارية والكلابية وطائفة من الكرامية وغيرهم\nوقد تنازع الناس في الجسم هل يقبل القسمة إلى غاية محدودة هي الجوهر الفرد أو يقبل القسمة إلى غير غاية أو يقبل القسمة إلى غاية من غير إثبات الجوهر","vol":"1","page":431},{"text":"الفرد على ثلاثة أقوال\nوالثالث والصواب فإن إثبات الجوهر الفرد الذي لا يقبل القسمة باطل بوجوه كثيرة إذ ما من موجود إلا ويتميز منه شيء عن شيء وإثبات انقسامات لا تتناهى فيما هو محصور بين حاصرين ممتنع لامتناع وجود ما لا يتناهى فيما يتناهى وامتناع انحصاره فيه لكن الجسم كالماء يقبل انقسامات متناهية إلى أن تتصاغر أجزاؤه فإذا تصاغرت استحالت إلى جسم آخر فلا يبقى ما ينقسم ولا ينقسم إلى غير غاية بل يستحيل عند تصاغره فلا يقبل الانقسام بالفعل مع كونه في نفسه يتميز منه شيء عن شيء وليس كل ما تميز منه شيء عن شيء لزم أن يقبل الانقسام بالفعل بل قد يضعف عن ذلك ولا يقبل البقاء مع فرط تصاغر الاجزاء لكن يستحيل إذ الجسم الموجود لا بد له من قدر ما ولا بد له من صفة ما فإذا ضعفت قدره عن اتصافه بتلك الصفة انضم إلى غيره إما مع استحالة إن كان ذلك من غير جنسه وإما بدون الإستحالة إن كان من جنسه كالقطرة الصغيرة من الماء إذا صغرت جدا فلا بد أن تستحيل هواء أو ترابا أو أن تنضم إلى ماء آخر وإلا فلا تبقى القطرة الصغيرة جدا وحدها وكذلك سائر الأجزاء الصغيرة جدا من سائر الأجسام وهذا مبسوط في موضعه ولكن نبهنا عليه هنا لأن هذه الأمور هي مبدأ الاشتباه والتنازع والاضطراب في هذه الأبواب فإذا كان ما ادعوه من التركيب الحسي في الأجسام المشهدوة باطلا فكيف في الأمرو الغائبة التي لا تعلم حقيقتها فكيف بما يدعونه من التركيب العقلي كقولهم لو كان له حقيقة لكان الوجود صفة لها فكان مركبا وكان الوجود الواجب معلولا لغيره فإنه يقال لهم بل له حقيقة تخصه يمتاز بها عن كل ما سواه بل كل موجود له حقيقة تخصه فالخالق أولى بذلك وأما قولهم يكون الوجود صفة لها فهذا إنما يقال أن لو كان الوجود مصدر وجد وجودا أو وجدته وجودا.\nولا ريب أن لفظ الوجود في اللغة هو مصدر وجد يجد وجودا كما في قوله","vol":"1","page":432},{"text":"تعالى ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ ولكن أهل النظر والعلم إذا قالوا هذا موجود لم يريدوا أن غيره وجده يجده ولا يريدون أن غيره جعل له وجودا قائما به بل يريدون به أنه حق ثابت ليس بمعدوم ولا منتف فإذا قيل هذا الإنسان موجود لم يكن المراد أن هذا الإنسان قام به وجود يكون صفة لهذا الإنسان بل قولنا هذا الإنسان موجود أي ثابت متحقق ليس بمعدوم ولا منتف وليس وجوده في الخارج فدرا زائدا على حقيقته الموجودة في الخارج بل الحقيقة التي هي ماهيته الموجودة في الخارج هي وجوده الثابت في الخارج وأما إذا أريد بالحقيقة ما يتصور في الذهن وهي الماهية الذهنية كما يتصور المثلث في الذهن قبل ثبوته في الخارج فالماهية الثابتة في الأذهان مغايرة للحقيقة الموجودة في الأعيان فمن قال أن وجود كل شيء عين ماهيته كما يقوله متكلمو أهل الأثبات فقد أصاب إذا أراد أن الوجود الثابت في الخارج هو الماهية الثابتة في الخارج ومن قال ان وجود كل شيء غير ماهيته كما يقوله أبو هاشم بن الجبائي وأمثاله فقد أصابوا إن أرادوا أن الوجود الثابت في الخارج مغاير للماهية الثابتة في الذهن وأما إن أرادوا ما هو المعروف من مذهبهم أن في الخارج ماهيات ثابتة وهو المعدوم الثابت في حال عدمه وأن الوجود صفة لتلك الماهية فهذا خطأ.\nوأعظم خطأ من هؤلاء من فرق من المتفلسفة كابن سينا وأمثاله وقالوا أن الممكن وجوده في الخارج زائد على ماهيته وأما الواجب فوجوده في الخارج عين ماهيته وإنما كان خطؤهم أعظم لأنهم أخطأوا من وجهين:\nأحدهما إثبات حقائق في الخارج غير الموجودات الثابتة في الخارج\nوالثاني أنهم جعلوا الوجود الواجب وجودا مطلقا ليس له حقيقة سوى مطلق الوجود وأنه إنما يتميز عن غيره بأمور سلبية أو إضافية مع أنهم يقولون في منطقهم","vol":"1","page":433},{"text":"أن الأمور السلبية والإضافية لا تميز بين المشتركين في أمر كلي وجودي وإنما يقع التمييز بأمور ثبوتية\" (^١)\nقول المصنف: \"قيل: وإذا قلتم: هو موجود واجب، وعقل وعاقل ومعقول، وعاشق ومعشوق، ولذيذ وملتذ ولذة، أفليس المفهوم من هذا هو المفهوم من هذا؟، فهذه معان متعددة متغايرة في العقل وهذا تركيب عندكم، وأنتم تثبتونه وتسمونه توحيدًا\".\nأي على فرض التسليم بأن هذا تركيب، فأنتم أيضًا تقولون في الله: هو موجود واجب، وعقل وعاقل ومعقول، وعاشق ومعشوق، ولذيذ وملتذ ولذة، وهذه المعاني متعددة متغايرة المعنى، وأنتم تثبتونها لله فهو تركيب كذلك على مذهبكم وأنتم تسمونه توحيدًا، وهذا غاية الاضطراب.\nوهذه المعاني مع كونها دليلًا عليهم لم يرد بها النص وفيها ما ينزه عنه تعالى من النقص.\nفالعقل: مأخوذ من المنع لأنه يضبط النفس لما فيها من القصور، وهذا لا يليق بالله تعالى.\nوالعشق: هو الحب المفرط المتعلق بالشهوة، وهذا باطل ينزه الله عنه.\nواللذة: لم ترد بها النصوص الشرعية، فجميع هذه المعاني باطلة، وإن تعسفوا في تفسيرها.\nوقول المصنف: \"فإن قالوا: هذا توحيد في الحقيقة وليس هذا تركيبًا ممتنعًا.\nقيل لهم: واتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد في الحقيقة وليس هو تركيبًا ممتنعًا.\nأي لو قال النفاة: إن هذه الإطلاقات (موجود واجب، وعقل عاقل ومعقول ....) توحيد، وليست تركيبًا ممتنعًا.\n_________\n(^١) انظر: الصفدية ص ١٠١، ١٢٠.","vol":"1","page":434},{"text":"فيقال لهم: وكذلك اتصاف الذات بالصفات اللازمة لها توحيد، وليس بتركيب ممتنع، بل هو أولى لدلالة النقل عليها وموافقة العقل لها.\nوقول المصنف: \"وذلك أنه من المعلوم بصريح المعقول أنه ليس معنى كون الشيء عالمًا هو معنى كونه قادرًا، ولا نفس ذاته هو نفس كونه عالمًا قادرًا، فمن جوَّز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى، وأن تكون الصفة هي الموصوف فهو من أعظم الناس سفسطة\".\nأي أن زعمكم بأن جميع الصفات بمعنى واحد، وأنها هي عين ذاتها لا شيئًا زائدًا، ويكون المنع بالإبطال من وجوه:\nالوجه الأول: أنه من المعلوم بصريح العقل الاختلاف بين كون الشيء عالمًا وبين كونه قادرًا وبين نفس الذات ومعاني الصفات، فإن كون الموصوف عالمًا قادرًا زائدًا على مجرد الذات.\nفمن جوَّز أن تكون هذه الصفة هي الأخرى أو هذه الصفة هي الموصوف فهو من أعظم الناس سفسطة وتمويهًا ومكابرة لصريح المعقول وصحيح المنقول.\nوقول المصنف: \"ثم إنه متناقض، فإنه إن جوّز ذلك جاز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا، فيكون الوجود واحدًا بالعين لا بالنوع. وحينئذ، فإذا كان وجود الممكن هو وجود الواجب، كان وجود كل مخلوق- يُعدم بعد وجوده، ويوجد بعد عدمه- هو نفس وجود الحق القديم الدائم الباقي، الذي لا يقبل العدم\".\nالوجه الثاني: إن في قولهم هذا تناقض واضح، ووجهه: أنه إن لم يكن للواجب وهو الله تعالى صفات تميزه عن غيره لم يكن واجبًا لأن الشيء المجرد عن جميع","vol":"1","page":435},{"text":"الصفات ممتنع الوجود فلا يكون واجبًا ضرورة، وهؤلاء إنما نفوا التركيب لأنه يستلزم عندهم نفي الوجوب فوقعوا - بنفي التركيب - في نفي الوجوب الذي فروا منه ووقعوا في التناقض الواضح الفاضح.\nقول المصنف: \"وإذا قدّر هذا، كان الوجود الواجب موصوفًا بكل تشبيه وتجسيم، وكل نقص وكل عيب، كما يصرح بذلك أهل وحدة الوجود، الذين طردوا هذا الأصل الفاسد\".\nالوجه الثالث: ثم إن جوزنا أن تكون الصفة هي عين الذات جاز أن يكون وجود هذا هو وجود هذا؛ لأن صفة الخلق والإحداث تصبح هي عين الخالق فيكون المخلوق هو الخالق، وهذا يقتضي أن الوجود واحد بالعين أي متحد بين الخالق ومخلوقاته وليس مشتملًا على أفراد متنوعة، وهذا مدخل أهل وحدة الوجود، وهم: الذين لا يثبتون وجودًا متنوعًا بل عندهم وجود واحد والخالق هو المخلوق تعالى الله عن قولهم.\nوعليه يكون وجود الممكن المخلوق هو عين وجود الواجب الذي لا يقبل العدم، وهذا القول هو الذي يفضي إليه زعمهم بأن الصفات عين الذات.\nوقول المصنف: \"وحينئذ فتكون أقوال نفاة الصفات باطلة على كل تقدير\"\nوبهذه العبارة ختم المصنف الأصل الأول وهو أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض، وبين أن في هذا الأصل رد وإبطال على كل تقدير لأقوال المعطلة بشتى أصنافهم وعلى اختلاف أقوالهم، ودرجات تعطيلهم سواء كان ذلك التعطيل جزئيًا أم كليًا.\no  فرد بهذا الأصل على من أنكر بعض الصفات وأثبت البعض وهم الصفاتية من الكلابية والأشاعرة والماتريدية ومن وافقهم.","vol":"1","page":436},{"text":"o  ورد على من أنكر الصفات وأثبت الأسماء وهم المعتزلة ومن وافقهم.\no  ورد على من أنكر الأسماء والصفات وهم الجهمية والفلاسفة على تعدد مقولاتهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-220>معنى قوله: (ليس كمثله شيء) لا في ذاته ولا في صفاته</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وهذا يتبين بالأصل الثاني، وهو أن يقال: القول في الصفات كالقول في الذات، فإن الله ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فإذا كان له ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات.\nالشرح\nلما فرغ المصنف﵀من بيان الأصل الأول في الرد على المعطلة، وهو: (القول في بعض الصفات كالقول في بعض) شرع هنا في بيان الأصل الثاني، وهو: (القول في الصفات كالقول في الذات)\nوقد قصد المصنف بهذا الأصل الردَّ على جميع الذين أنكروا قيام الصفات بالذات، سواء كان إنكارهم لجميع الصفات أو لبعضها.\nوفي هذا النص عدة أمور:\n\n<span data-type='title' id=toc-221>الأمر الأول: المقصود بلفظ الذات.</span>\n<span data-type='title' id=toc-222>١) المعنى اللغوي.</span>","vol":"1","page":437},{"text":"لفظ \"الذات\" في أصل اللغة تأنيث ذو، وهذا اللفظ لا يستعمل إلا فيما كان مضافًا إلى غيره كأسماء الأجناس، ويتوصلون به إلى الوصف بذلك فيقال: فلان ذو علم وذو مال وشرف.\n\n<span data-type='title' id=toc-223>٢) المعنى الشرعي.</span>\nوحيث جاء لفظ ذو في القرآن أو لغة العرب وكذا لفظ \"ذات\" لم يجاء مقرونا إلا بالإضافة كقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال الآية: ١]، وقوله: ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [المائدة الآية: ٧]، وقول خُبيب ﵁ الذي في صحيح البخاري\nوذلك في ذات الإله وإن يشأ … يبارك على أوصال شلو ممزع (^١)\nفاسم الذات في كلام النبي ﷺ، والصحابة، والعربية المحضة بهذا المعنى.\n\n<span data-type='title' id=toc-224>٣) المعنى الاصطلاحي.</span>\nأطلقه المتكلمون وغيرهم على النَّفْس، فإنهم لما وجدوا الله في القرآن قال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة الآية: ١١٦]، ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَه﴾ [آل عمران الآية ٢٨ [وصفوها فقالوا: نفس ذات علم، وقدرة، ورحمة، ومشيئة، ونحو ذلك. ثم حذفوا الموصوف وعرفوا الصفة فقالوا: الذات. وهي كلمة مولدة ليست من العربية العرباء\nفهذا لفظ يقتضي وجود صفات تضاف الذات إليها (^٢)، فأطلق بإزاء النفس (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-225>الأمر الثاني: معنى عبارة: \"القول في الصفات كالقول في الذات\".</span>\nمعنى هذا الأصل: أنه إذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين ﷿ إنما هو إثبات\n_________\n(^١) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، ما يذكر في الذات والنعوت وأسامي الله ﷿ ح ٧٤٠٢\n(^٢) - مجموع الفتاوى ٦/ ٩٨، ٣٤١ (بتصرف)\n(^٣) - وانظر: درء تعارض العقل والنقل ٤/ ١٤٠، ١٤١","vol":"1","page":438},{"text":"وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته، إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف.\nفيقال لهؤلاء: كما أنكم تثبتون لله تعالى ذاتًا حقيقة على ما يليق بجلاله من غير تشبيه لذات الخالق بذوات المخلوقين، فكذلك صفاته ثابتة بنفس المنهج وبنفس الطريقة؛ إذ لا يعقل أن توجد ذاتٌ مجردة عن الصفات، فكما أن لله ذاتًا لا تشبه ذوات المخلوقين، فكذلك لله صفاتٌ لا تشبه صفات المخلوقين.\nوبهذه الطريقة نلزمهم إثبات الصفات على ما يليق بجلال الله وكماله، ولا ريب أن هذا الأصل ملزم للمعطلة جميعهم، فإما أن يثبتوا الصفات كما أثبتوا الذات من غير معرفة الكيفية، أو ينفوا الأسماء الواردة والصفات والذات، فيكونوا بذلك نافين لوجود الله؛ لأنه لا فرق بين الذات وبين الصفات من حيث الإثبات.\nقال الخطيب البغدادي ﵀: «أما الكلام في الصفات: فإن ما رُوي منها في السنن الصحاح، مذهب السلف ﵃ إثباتها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها\" (^١)\nوقاعدة: «القول في الصفات كالقول في الذات» من جملة القواعد التي قررها علماء أهل السنة والجماعة وأشهرها، وهي أحد أدلة علماء أهل السنة في تقرير ثبوت الصفات والرد على من أنكرها،\n\n<span data-type='title' id=toc-226>الأمر الثالث: أدلة هذه القاعدة.</span>\nقد دل على هذه القاعدة الكتابُ العزيز، كما أجمع عليها علماء الأمة، وفيما يلي بيان ذلك:\n\n<span data-type='title' id=toc-227>أولًا: الدليل من الكتاب العزيز:</span>\n_________\n(^١) السابق واللاحق للخطيب بتحقيق الزهراني (ص: ١٣).","vol":"1","page":439},{"text":"١ - قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم الآية: ٢٧].\nوجه الدلالة:\n\"فالله تعالى وصف نفسه بأن له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.\nولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان، لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافأ، فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة\" (^١).\n٢ - قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]. يقول ابن قتيبة: \"أي: ليس كهو شيء، والعرب تقيم المثل مقام النفس، فتقول: مثلي لا يقال له هذا، أي: أنا لا يقال لي هذا\" (^٢). ويقول الزجاج: \"هذه الكاف مؤكدة، والمعنى: ليس مثله شيء، ولا يجوز أن يقال: المعنى مثل مثله شيء؛ لأن من قال هذا فقد أثبت المثل لله، تعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا\" (^٣).\nوجه الدلالة:\nفي الآية الكريمة نفي صريح للمماثلة والمشابهة بين الله تعالى وبين مخلوقاته،\n_________\n(^١) الصواعق المنزلة ٣/ ١٠٣٢، وشرح الطحاوية ص ١٤٤.\n(^٢) غريب القرآن لابن قتيبة (ص: ٣٩١).\n(^٣) معاني القرآن وإعرابه للزجاج (٤/ ٣٩٥).","vol":"1","page":440},{"text":"فهو تعالى لا يماثله ولا يشبهه شيء من خلقه، لا في ذاته ولا في صفاته.\nيقول الشيخ عبد الرحمن السعدي: \"أي: ليس يشبهه تعالى ولا يماثله شيء من مخلوقاته، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، لأن أسماءه كلها حسنى، وصفاته صفة كمال وعظمة، وأفعاله تعالى أوجد بها المخلوقات العظيمة من غير مشارك، فليس كمثله شيء؛ لانفراده وتوحده بالكمال من كل وجه\" (^١).\nوفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فإذا كان له [تعالى] ذات حقيقة لا تماثل الذوات، فالذات متصفة بصفات حقيقة لا تماثل صفات سائر الذوات\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-228>ثانيًا: الإجماع:</span>\nيقول ابن أبي يعلى: \"وقد أجمع أهل القبلة: أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وكيفية، وأن إثبات الصفات للباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وكيفية، وأنها صفات لا تشبه صفات البرية، ولا تدرك حقيقة علمها بالفكر والروية\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-229>الأمر الرابع: تقرير العلماء لهذه القاعدة في عباراتهم.</span>\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية - في بيان كثرة من نقل عنه تقرير هذه القاعدة ونصرها-: \"وهذا الكلام الذي ذكره الخطابي قد نقل نحوًا منه من العلماء من لا يحصى عددهم: مثل أبي بكر الإسماعيلي، والإمام يحيى بن عمار السِّجزي، وشيخ الإسلام أبي إسماعيل الهروي صاحب (منازل السائرين) و(ذم الكلام)، وهو أشهر من أن يوصف، وشيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني، وأبي عمر بن عبد البر\n_________\n(^١) تيسير الكريم الرحمن للشيخ السعدي (ص: ٧٥٤).\n(^٢) التدمرية: تحقيق الإثبات للأسماء والصفات وحقيقة الجمع بين القدر والشرع (ص: ٤٣).\n(^٣) ينظر: طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٨).","vol":"1","page":441},{"text":"النمري إمام المغرب، وغيرهم\" (^١). (^٢)\nوفيما يلي ذكر جملة من أقوال العلماء في تقرير هذه القاعدة؛ لبيان شهرتها عندهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-230>١ - قول الإمام أبي الحسن عبد العزيز الكناني المكي (ت ٢٤٠ هـ):</span>\nقال الإمام عبد العزيز الكناني في كتابه (الحيدة): \"فقلت له [أي: لبشر المريسي]: قال الله ﷿. ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْت﴾ [آل عمران: ١٨٥]، أفتقول: إن نفس رب العالمين داخلة في هذه النفوس التي تذوق الموت؟! فصاح المأمون بأعلى صوته-وكان جهير الصوت-معاذَ الله، معاذَ الله، معاذَ الله، فقلت: إذًا-ورفعت صوتي-معاذَ الله معاذ الله أن يكون كلام الله داخلًا في الأشياء المخلوقة، كما أن نفسه ليست بداخلة في الأنفاس الميتة، وكلامه خارج عن الأشياء المخلوقة، كما أن نفسه خارجة عن الأنفس الميتة\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-231>٢ - قول الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ):</span>\nقال الإمام أحمد: \"إنما التشبيه أن يقول: يد كيد أو وجه كوجه. فأما إثبات يد ليست كالأيدي، ووجه ليس كالوجوه، فهو كإثبات ذات ليست كالذوات، وحياة ليست كغيرها من الحياة، وسمع وبصر ليس كالأسماع والأبصار\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-232>٣ - قول الإمام أبي سليمان الخطابي (ت ٣٨٨ هـ):</span>\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٩).\n(^٢) لمزيد من الاطلاع على أقوال العلماء انظر: بحث قاعدة القول في الصفات كالقول في الذات للباحث علاء إبراهيم عبد الرحيم.\n(^٣) الحيدة والاعتذار في الرد على من قال بخلق القرآن (ص: ٥٣ - ٥٤).\n(^٤) ينظر: الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة لابن القيم (١/ ٢٣٠).","vol":"1","page":442},{"text":"قال الخطابي في رسالته المشهورة (الغنية عن الكلام وأهله) (^١): \"والأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلومًا أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف. \". هذا كله كلام الخطابي (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-233>٤ - قول الإمام أبي نصر السِّجزي (ت ٤٤٤ هـ):</span>\nقال أبو نصر السِّجزي: \"واتفق المنتمون إلى السّنة بأجمعهم على أنه [يعني القرآن الكريم] غير مخلوق، وأنّ القائل بخلقه كافر، فأكثرهم قال: إنه كافر كفرًا ينقل عن الملة، ومنهم من قال: هو كافر بقول غير الحق في هذه المسألة. والصحيح الأوّل؛ لأن من قال: إنه مخلوق؛ صار منكرًا لصفة من صفات ذات الله ﷿، ومنكر الصفة كمنكر الذات، فكفره كفر جحود لا غير\" (^٣).\nوقال أيضًا: \"الفصل الثامن: في بيان أن الذي يزعمون بشاعته من قولنا في الصفات ليس على ما زعموه، ومع ذلك فلازم لهم في إثبات الذات مثل ما يلزمون أصحابنا في الصفات\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-234>٥ - قول شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني (ت ٤٤٩ هـ):</span>\nقال الشيخ أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني في كتابه (عقيدة السلف وأصحاب الحديث): \"فلما صحَّ خبر النزول عن الرسول ﷺ أقرَّ به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله رسول الله ﷺ، ولم يعتقدوا تشبيهًا له\n_________\n(^١) انظر: صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام (١/ ١٣٧ - ١٤٧).\n(^٢) ينظر: مجموع فتاوى ابن تيمية (٣/ ١٦٧، ٥/ ٥٨ - ٥٩).\n(^٣) رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص: ١٥٣).\n(^٤) المصدر السابق (ص: ٢٨١).","vol":"1","page":443},{"text":"بنزول خلقه، ولم يبحثوا عن كيفيته؛ إذ لا سبيل إليها بحال، وعلموا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الله سبحانه لا تشبه صفات الخلق، كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق، تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوًّا كبيرًا، ولعنهم لعنًا كثيرًا\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-235>٦ - قول أبي يعلى الحنبلي (ت ٤٥٧ هـ):</span>\nقال ابن أبي يعلى في كتابه (طبقات الحنابلة): \"اعتقد الوالد السعيد [يعني: أبا يعلى محمد بن الحسين] ومن قبله ممن سبقه من الأئمة: أن إثبات صفات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد لها، حقيقة في علمه، لم يُطْلع الباري سبحانه على كنْه معرفتها أحدًا من إنس ولا جان، واعتقدوا: أن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات ويحتذي حذوه ومثاله، وكما جاء\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-236>٧ - قول الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣ هـ):</span>\nأسند الحافظ الذهبي (^٣) عن الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي قوله: \"أما الكلام في الصفات، فأما ما روي منها في السنن الصحاح، فمذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيف والتشبيه عنها.\nوالأصل في هذا: أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذي في ذلك حذوه ومثاله، وإذا كان معلومًا أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، فكذلك إثبات صفاته، فإنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف\". (^٤)\n_________\n(^١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص: ٤٨).\n(^٢) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٢٠٨).\n(^٣) في كتابه العرش (٢/ ٤٥٧ - ٤٥٨)، كما أوردها الحافظ الذهبي في كتبه: العلو للعلي الغفار (ص: ٢٥٣)، وسير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٨٣ - ٢٨٤)، وتاريخ الإسلام (١٠/ ١٧٥)، وتذكرة الحفاظ (٣/ ١١٤٢ - ١١٤٣).\n(^٤) ذكره الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي في جوابه عن سؤال أهل دمشق في الصفات، وقد طبعت هذه الرسالة في مكتبة العلم بجدة سنة ١٤١٣ هـ، كما وضعت في ذيل كتاب اعتقاد أهل السنة للإسماعيلي (ص ٦٤ - ٦٥ ط. دار الريان).","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type='title' id=toc-237>٨ - قول الإمام محيي السنة البغوي (ت ٥١٦ هـ):</span>\nقال الإمام أبو محمد البغوي الشافعي في كتابه (شرح السنة) -بعد ذكره جملةً من صفات الله تعالى-: \"فهذه ونظائرها صفات لله ﷿، ورد بها السمع، يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضًا فيها عن التأويل، مجتنبًا عن التشبيه، معتقدًا أن الباري ﷾ لا يشبه شيءٌ من صفاته صفاتِ الخلق، كما لا تشبه ذاتُه ذواتِ الخلق، قال الله ﷾: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]، وعلى هذا مضى سلف الأمة وعلماء السنة، تلقّوها جميعًا بالإيمان والقَبول، وتجنّبوا فيها عن التمثيل والتأويل، ووكلوا العلمَ فيها إلى الله ﷿\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-238>٩ - قول ابن أبي يعلى (ت ٥٢٦ هـ):</span>\nقال ابن أبي يعلى في (طبقات الحنابلة): \"ومما يدل على أن تسليم الحنبلية لأخبار الصفات من غير تأويل، ولا حمل على ما يقتضيه الشاهد، وأنه لا يلزمهم في ذلك التشبيه: إجماع الطوائف من بين موافق للسنة ومخالف أن الباري سبحانه ذات وشيء وموجود، ثم لم يلزمنا وإياهم إثبات جسم ولا جوهر ولا عرض، وإن كانت الذات في الشاهد لا تنفك عن هذه السمات، وهكذا لا يلزم الحنبلية ما يقتضيه العرف في الشاهد في أخبار الصفات\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-239>١٠ - قول الإمام قوام السنة إسماعيل بن محمد الأصبهاني (ت ٥٣٥ هـ):</span>\nقال أبو القاسم إسماعيل بن محمد الأصبهاني الملقب بقِوام السنة في كتابه (الحجة في بيان المحجة): \"الكلام في صفات الله ﷿ ما جاء منها في كتاب الله، أو\n_________\n(^١) شرح السنة (١/ ١٧٠ - ١٧١).\n(^٢) طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى (٢/ ٢١١).","vol":"1","page":445},{"text":"روي بالأسانيد الصحيحة عن رسول الله ﷺ، فمذهب السلف-رحمة الله عليهم أجمعين-إثباتُها وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها، وقد نفاها قوم فأبطلوا ما أثبته الله، وذهب قوم من المثبتين إلى البحث عن التكييف.\nوالطريقة المحمودة هي الطريقة المتوسطة بين الأمرين؛ وهذا لأن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، وإثبات الذات إثبات وجود، لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات الصفات، وإنما أثبتناها؛ لأن التوقيف ورد بها، وعلى هذا مضى السلف.\nقال مكحول والزهري: \"أمرّوا هذه الأحاديث كما جاءت\"، فإن قيل: كيف يصح الإيمان بما لا نحيط علمًا بحقيقته؟ قيل: إن إيماننا صحيحٌ بحق من كلَّفَناه، وعلمُنا محيطٌ بالأمر الذي ألزمَناه، وإن لم نعرف ما تحتها حقيقة كيفيته، وقد أمرَنا بأن نؤمن بملائكة الله وكتبه ورسله وباليوم الآخر وبالجنة ونعيمها، وبالنار وعذابها، ومعلوم أنا لا نحيط علمًا بكل شيء منها على التفصيل، وإنما كلفناه الإيمان بها جملة\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-240>١١ - قول الحافظ الذهبي (ت ٧٤٨ هـ):</span>\nقال الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء): \"ومعلوم عند أهل العلم من الطوائف أن مذهب السلف إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت، من غير تأويل ولا تحريف، ولا تشبيه ولا تكييف؛ فإن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات المقدسة. وقد علم المسلمون أن ذات الباري موجودة حقيقةً، لا مِثلَ لها، وكذلك صفاته تعالى موجودة، لا مثل لها\" (^٢).\n_________\n(^١) الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٨ - ١٩٠).\n(^٢) سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٠٢).","vol":"1","page":446},{"text":"<span data-type='title' id=toc-241>١٢ - قول الإمام ابن القيم (ت ٧٥١ هـ):</span>\nقال الإمام ابن القيم في (الصواعق المرسلة): \"فكان الباب عندهم [يعني: عند السلف] بابًا واحدًا، قد اطمأنت به قلوبهم، وسكنت إليه نفوسهم، فأنِسوا من صفات كماله ونعوت جلاله بما استوحش منه الجاهلون المعطلون، وسكنت قلوبهم إلى ما نفرَ منه الجاحدون، وعلموا أن الصفات حكمها حكم الذات، فكما أن ذاته سبحانه لا تشبه الذوات، فصفاته لا تشبه الصفات، فما جاءهم من الصفات عن المعصوم تلقَّوه بالقَبول، وقابلوه بالمعرفة والإيمان والإقرار؛ لعلمهم بأنه صفة من لا شبيه لذاته ولا لصفاته\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-242>الأمر الخامس: فوائد هذه القاعدة.</span>\nوقد أفادت القاعدة الجليلة جملة من الفوائد منها (^٢):\nالفائدة الأولى: أنه إذا كانت ذات لله تعالى ثابتة حقيقة، من غير أن تكون من جنس ذوات المخلوقين، فكذلك يقال في صفاته تعالى: إنها ثابتة حقيقة من غير أن تكون من جنس صفات المخلوقين.\nالفائدة الثانية: وبها يرد على من شبه صفات الله تعالى بصفات المخلوقين: فمن قال: لا أعقل علمًا ويدًا إلا من جنس العلم واليد المعهودين. قيل له: فكيف تعقل ذاتًا من غير جنس ذوات المخلوقين؟\nومن المعلوم أن صفات كلِّ موصوف تناسب ذاته وتلائم حقيقته، فمن لم يفهم من صفات الرب سبحانه-الذي ليس كمثله شيء-إلا ما يناسب المخلوق، فقد\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة (١/ ٢٢٩).\n(^٢) المصدر: بحث قاعدة القول في الصفات كالقول في الذات للباحث علاء إبراهيم عبد الرحيم.","vol":"1","page":447},{"text":"ضل في عقله ودينه (^١).\nالفائدة الثالثة: كما أفادت القاعدة أيضًا: أن إثبات الذات لله سبحانه إذا كان إثبات وجود وإيمان، لا إثبات كيفية وتحديد، فكذلك إثبات صفات الباري سبحانه إثبات وجود وإيمان، لا إثبات كيفية وتحديد (^٢).\nقال بعض المحققين: صفات الرب تعالى معلومة من حيث الجملة والثبوت، غير معقولة من حيث التكييف والتحديد، فالمؤمن مبصر بها من وجه، أعمى من وجه، مبصر من حيث الإثباتُ والوجود، أعمى من حيث التكييفُ والتحديد (^٣).\nالفائدة الرابعة: وبها يرد على الجهمية النافين للصفات: فإذا قال الجهمي: كيف استوى على العرش؟ وكيف ينزل إلى السماء الدنيا؟ وكيف يداه؟ ونحو ذلك.\nيقال له-جوابًا عن شبهته-: كيف هو في نفسه؟! تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.\nفإذا قال لك الجهمي: لا يعلم ما هو إلا هو، وكنه الباري غير معلوم للبشر.\nفيقال له: فالعلم بكيفية الصفة مستلزم للعلم بكيفية الموصوف، فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف، ولم تعلم كيفيته، وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة على الوجه الذي ينبغي له (^٤).\nالفائدة الخامسة: وبها يرد على من توهم المماثلة بين صفات الله تعالى وصفات خلقه: فمن توهم في كثير من الصفات أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه، فإنه يقع في محاذير:\n_________\n(^١) الفتوى الحموية الكبرى (ص: ٥٤٣).\n(^٢) ينظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات للشيخ محمد الأمين الشنقيطي (ص: ٣٨).\n(^٣) لوامع الأنوار البهية للسفاريني (١/ ٢٢٦).\n(^٤) ينظر: الفتوى الحموية الكبرى (ص: ٥٤٤).","vol":"1","page":448},{"text":"١ - منها: أنه مثّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.\n٢ - ومنها: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بلا علم، فيكون معطلًا لما يستحقه الرب من صفات الكمال ونعوت الجلال، فيكون قد عطل ما أثبته الله ورسوله من الصفات الإلهية اللائقة بجلال الله وعظمته.\n٣ - ومنها: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الجمادات أو صفات المعدومات، فيكون قد عطّل صفات الكمال التي يستحقها الرب، ومثلَّه بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحدًا في أسمائه وآياته (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-243>تفسير الاستواء والنزول</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"فإذا قال السائل: كيف استوى على العرش؟\nقيل له- كما قال ربيعة ومالك وغيرهما -: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عن الكيفية بدعة، لأنه سؤال عمّا لا يعلمه البشر، ولا يمكنهم الإجابة عنه.\nوكذلك إذا قال: كيف ينزل ربنا إلى سماء الدنيا؟\nقيل له: كيف هو؟\n_________\n(^١) التحفة المدنية في العقيدة السلفية لحمد بن ناصر النجدي (ص: ٤٩ - ٥٠).","vol":"1","page":449},{"text":"فإذا قال: أنا لا أعلم كيفيته.\nقيل له: ونحن لا نعلم كيفية نزوله، إذ العلم بكيفية الصفة يستلزم العلم بكيفية الموصوف، وهو فرع له، وتابع له. فكيف تطالبني بالعلم بكيفية سمعه وبصره وتكليمه ونزوله واستوائه، وأنت لا تعلم كيفية ذاته!\nوإذا كنت تقرّ بأن له ذاتا حقيقة، ثابتة في نفس الأمر، مستوجبة لصفات الكمال، لا يماثلها شيء، فسمعه وبصره، وكلامه ونزوله واستواؤه ثابت في نفس الأمر، وهو متصف بصفات الكمال التي لايشابهه فيها سمع المخلوقين وبصرهم، وكلامهم ونزولهم واستواؤهم\".\nالشرح\nوفي هذا النص جملة من الأمور يحسن معرفتها:\n\n<span data-type='title' id=toc-244>الأمر الأول: توطئة.</span>\nمن الأصول المقررة عند أهل السنة والجماعة في باب الصفات، أن نفي العلم بالكيفية أحد الأصول الثلاثة التي قام عليها معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات، فإثبات أهل السنة والجماعة للصفات أحاطوه بجملة من المحترزات التي جعلته سليمًا من الانحرافات التي وقع فيها المخالفون لهم في هذا الباب، من مشبِّهة ممثِّلة من جهة، ومن نفاة معطِّلة من جهة، وهذا الأصل احتراز من معتقد كلا الفريقين، لكن من جانب آخر، وهو قطع الطمع عن إدراك كيفية الصفات التي اتَّصَف الله -﷿- بها، ونفي إحاطة البشر بالكيفية التي عليها هذه الصفات.\n\n<span data-type='title' id=toc-245>الأمر الثاني: تعريف التكييف.</span>\nمن المناسب في هذا الموضع ذكر تعريف للكيفية والتكيِّيف، قبل الشروع في توضيح باقي الأمور:","vol":"1","page":450},{"text":"<span data-type='title' id=toc-246>١ - الجانب اللغوي</span>\nالكيفية: مصدر صناعي من لفظ \"كيف\"، زِيد عليها ياء النسب وتاءٌ للنقل من الاسمية إلى المصدرية، وكيفية الشيء: حاله وصفته (^١).\nوالتكيِّيف: من الكيف، ومعناه تعيِّين كُنْهِ الصفة، يقال: كيَّف الشيء أي جعل له كيفية معلومة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-247>٢ - الجانب الاصطلاحي.</span>\nأما اصطلاحًا: فهو اعتقاد أن صفات الله -﷿- على هيئة كذا-أي معيَّنة- أو السؤال عنها بكيف (^٣)، وهذا هو المعنى الذي ذمه السلف ومنعوا السؤال عنه كما سيأتي.\n\n<span data-type='title' id=toc-248>الأمر الثالث: تقرير قول السلف في تقرير مسألة عدم معرفة كيفية ذات الله وصفاته.</span>\nكيفية ذات الله -﷿- من الأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله، ولا مجال للعقل فيها\nفمن جهة: \"لم يشأ الله -﷿- أن يجعل للعباد من سبيل إلى معرفة كيفية وكنه صفاته، فقد سدَّ سبحانه الطرق الموصلة إلى ذلك، فهو من جهة لم يطلع الخلق على ذاته، فهذا باب موصود إلى قيام الساعة، كما جاء في الحديث: «تَعَلَّمُوا أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ -﷿- حَتَى يَمُوت» (^٤).\n_________\n(^١) المعجم الوسيط (٢/ ٨٠٧).\n(^٢) انظر: التحفة المهدية شرح الرسالة التدمرية (ص ٣٢)، معارج القبول (١/ ٣٦٣).\n(^٣) انظر: شرح العقيدة الواسطية للهراس (ص ٦٩) بتصرف.\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه (١٨/ ٢٦١ مع النووي) كتاب الفتن باب ذكر ابن صيَّاد برقم (٧٢٨٣).","vol":"1","page":451},{"text":"ومن جهة ثانية: لم يخبرنا الله -﷿- بكيفية وكنه صفاته في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ، فما وردت به النصوص هو إثبات وجود لتلك الصَّفات لا إثبات كيفيتها.\nومن جهة ثالثة: فإن الله لم يكلِّف العباد معرفة كيفية صفاته، ولم يتعبدهم بذلك، ولا أراده منهم، بل قصرهم على الإيمان بما أخبر به، فالواجب عليهم أن يؤمنوا الإيمان الصحيح بما كلفوا به، وأن لا يتجاوزوا حدود ذلك\" (^١).\nفكيفية ذات الله -﷿- وصفاته عند أهل السنة والجماعة من أمور الغيب التي استأثر الله -﷿- بعلمها، ولا مجال للعقل البشري القاصر للخوض فيها؛ لكونها لم ترد في الكتاب الكريم ولا السنة النبوية الصحيحة، فكان البحث عنها لطلب معرفتها بدعة محرمة في الدين (^٢)، ومن الأمور المفضية بصاحبها إلى التمثيل (^٣)؛ من أجل ذلك نهوا عنه وحذروا منه أشدَّ التحذير.\nفالتفكر في ذات الله -﷿- وصفاته، لا يوصل إلى نتيجة صحيحة؛ لأنه -﷾- أعظم من أن تحيط به العقول، أو تدركه الأبصار، وقد قال تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ (^٤)، وهو تكلُّفٌ منهيٌ عنه، ففي الحديث: «تَفَكَرُوا فِي خَلْقِ اللهِ، وَلَا تَفَكَرُوا فِي اللهِ» (^٥).\n_________\n(^١) معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات ص (٩٩)، وانظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٨٨)، درء التعارض (٩/ ٢٣ - ٢٤).\n(^٢) انظر: الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٦٩)، مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٩).\n(^٣) انظر: الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز في الصفات، ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٥).\n(^٤) الآية [١١٠] من سورة طه.\n(^٥) حديث صحيح بمجموع الطرق.\nأخرجه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٦٧)، والطبراني في المعجم الأوسط (٦/ ٢٥٠) برقم (٦٣١٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (١/ ١٣٦) برقم (١٢٠)، وأبو الشيخ في العظمة (١/ ٢١٠) برقم (١).\nوضعف البيهقي إسناده، انظر: شعب الإيمان (١/ ١٣٦).\nوضعف العراقي إسناد أبي نعيم، وقوى إسناد أبي الشيخ، انظر: المغني عن حمل الأسفار (٦/ ٢٤٥٧ - ٢٤٥٩).\nوأورده الحافظ في الفتح (١٣/ ٣٨٣) موقوفًا على ابن عباس -﵄-، وقال: \"إسناده جيد\".\nوقال السخاوي: \" وهذه الأخبار أسانيدها ضعيفة، لكن اجتماعها يكسبه قوة، ومعناه صحيح\"، كشف الخفاء (١/ ٣١١).\nوضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٨١).\nوضعف الألباني إسناد أبي الشيخ، كما في ضعيف الجامع (٢/ ٣٨ - ٣٩)، وصحح إسناد أبي نعيم كما في صحيح الجامع (١/ ٥٧٢)، وأورده في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (١٧٨٨).","vol":"1","page":452},{"text":"وفي بيان حدود العقل.\nيقول الإمام السفاريني﵀-: «إن الله خلق العقول وأعطاها قوة الفكر، وجعل لها حدًا تقف عنده من حيث ما هي مفكرة، لا من حيث ما هي قابلة للوهب الإلهي، فإذا استعملت العقول أفكارها فيما هو في طورها وحدِّها، ووفت النَّظر حقَّه، أصابت بإذن الله تعالى، وإذا سلَّطت الأفكار على ما هو خارج عن طورها، ووراء حدِّها الذي حدَّه الله لها، ركبت متن عمياء، وخبطت خبط عشواء» (^١).\nولا شك أن كيفية ذات الله -﷿- وصفاته، من الأمور التي هي خارجة عن طور العقول وحدِّها الذي حدَّه الله لها، فالتفكر في ذلك من التكلف المذموم، الذي تعجز العقول عن دركه، وتضل الأفهام في قصده، وسبب في الضلال والعياذ بالله.\n\n<span data-type='title' id=toc-249>الأمر الرابع: كيفية الصفات من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله -﷿</span>-.\nفمن الأمور التي قررها أهل السنة والجماعة في منهجهم في الصفات، أن العلم بكيفية الصفات داخل في التأويل الذي لا يعلمه إلا الله -﷿-.\nوذلك أن التأويل يراد به ثلاثة معانٍ:\nالأول: تفسير اللفظ وبيان معناه، وهذا اصطلاح السلف، وجمهور المفسرين، وهو موافق لقول من قال بالوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ (^٢).\nالثاني: الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، وهي وقوع المخبر به في وقته الخاص إذا\n_________\n(^١) لوامع الأنوار البهية (١/ ١٠٥)، وانظر: الفوائد (٢٤٠).\n(^٢) الآية [٧] من سورة آل عمران.","vol":"1","page":453},{"text":"كان الكلام خبرًا، أو امتثال ما دلَّ عليه الكلام إذا كان الكلام طلبًا، وهذا اصطلاح آخر قال به السلف الصالح.\nالثالث: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك، وهذا اصطلاح كثير من المتأخرين (^١).\nوكيفية ذات الله -﷿- وصفاته داخلة في المعنى الثاني من معاني التأويل، الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وهو الكيف المجهول الذي قال به السلف الصالح﵃- (^٢)، كما في أثر الإمام مالك﵀-، وغيره، والتي سيأتي إيرادها.\n\n<span data-type='title' id=toc-250>الأمر الخامس: العلم بالكيفية فرع عن العلم بالذات.</span>\nفكما أن العلم بكيفية الذات من الأمور التي اتفق العقلاء على استحالة حصوله، كذلك قال أهل السنة والجماعة أن العلم بكيفية الصفات من غير الممكن حصوله، إذ إن الصفات تابعة لذات الموصوف بها، فإذا اتفقنا على أن كيفية ذاته من العلم الذي لا يمكن تحصيله، فكذلك فلنقر بأن علم كيفية الصفات من العلم الذي لا يمكن تحصيله.\nوهذا ما أكده المصنف بذكره لهذا الأصل حيث قال: أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، فإثبات ذات الله تعالى إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف،\n_________\n(^١) انظر: في هذه التعريفات: الفتوى الحموية ص (٧٠ - ٧١)، التدمرية ص (٩٠ - ٩٦)، الإكليل في المتشابه والتأويل، ضمن مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٨٨ - ٢٩٤).\nوللتوسع انظر: جناية التأويل الفاسد ص (٨ - ٣٠)، موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة ص (٤٨١ - ٥٠١).\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٠٧، ٥/ ٢٣٤ - ٢٣٥، ٧/ ٣٢٨)، الرد على المنطقيين ص (٦٠)، مناظرة في العقيدة الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٦٧)، تفسير سورة الإخلاص، ضمن مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٧٣ - ٣٧٤، ٤٢٣ - ٤٢٤)، الصواعق المرسلة (٣/ ٩٢٣ - ٩٢٤).","vol":"1","page":454},{"text":"فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف.\nوما أحسن ما قال بعضهم: «إذا قال لك الجهمي كيف استوى، أو كيف ينزل إلى السماء الدنيا، أو كيف يداه، ونحو ذلك؟ فقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال لك لا يعلم ما هو إلا هو، وكنه الباري تعالى غير معلوم للبشر، فقل له: فالعلم بكيفية الصفة، مستلزم للعلم بكيفية الموصوف؛ فكيف يمكن أن تعلم كيفية صفة لموصوف لم تعلم كيفيتُه، وإنما تعلم الذات والصفات من حيث الجملة، على الوجه الذي ينبغي لك» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-251>الأمر السادس: نفي العلم بالكيفية ليس فيه تعطيل لمعاني الصفات.</span>\nمن الافتراءات التي أُلصقت بمذهب السلف أهل السنة والجماعة، أنهم يؤمنون بألفاظٍ مجرَّدة دون التطرق للمعاني، وهو ما يسميه من ينسبه إليهم مذهب التفويض، واستدلوا لذلك بقول أكثر من واحد من أئمة السلف في نصوص الصفات: \"أمروها كما جاءت\"، وهم \"إنما نفوا العلم بالكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصّفة.\nولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرَّد من غير فهم لمعناه-على ما يليق بالله-لما قالوا: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمرُّوها كما جاءت بلا كيف …\nوأيضًا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية، إذا لم يفهم من اللفظ معنى؛ وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات …\nوأيضًا: فقولهم: أمرُّوها كما جاءت يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظًا دالة على معاني؛ فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمرُّوا ألفاظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمرُّوا ألفاظها مع اعتقاد أن الله\n_________\n(^١) الحموية ص (١٥٧)، وانظر: شرح حديث النزول ص (٧٩، ١٣٣)، بيان تلبيس الجهمية (٢/ ١٨٠).","vol":"1","page":455},{"text":"لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول\" (^١).\nوهذا الزعم فيه تجهيل للسلف، واتهام لهم بعدم العلم، وحقيقة الأمر أن السلف كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا للنصوص الشرعية، وبخاصة ما يتعلق منها بمعرفة الله -﷿-، يؤمنون بألفاظها، ويعرفون معانيها، لكن لم يكونوا يتكلفون ما لم يحيطوا به علمًا ولا فهما، ولا يخوضون في كيفية ذات الله -﷿- وصفاته.\nومن له اطِّلاع على أقوال السلف المدونة في كتب العقيدة والتفسير والحديث، يدرك أن السلف تكلموا في معاني نصوص الصفات، وبينوها ولم يسكتوا عنها، وهذه الأقوال أكبر شاهدٍ على فهم السلف لتلك النصوص وإدراك معانيها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-252>الأمر السابع: معنى قول السلف \"بلا كيف\".</span>\nجاءت عبارة \"بلا كيف\" في آثارٍ كثيرةٍ عن السلف الصالح عند حديثهم عن نصوص الصفات، ومعنى قولهم: \"بلا كيف\"، أي: بلا كيف يعقله البشر، لا أن المراد نفي الكيفية مطلقًا، فإن كلَّ شيء لابد وأن يكون على كيفية معيَّنة، ومرادهم هو نفي العلم بهذه الكيفية، فلا يعلم كيف الله -﷿- ولا كيف صفاته إلا هو، وهذا من الغيب الذي استأثر الله بعلمه، فلا سبيل للوصول إليه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-253>الأمر الثامن: عدم العلم بالكيفية لا يقدح في الإيمان بالصفات، ومعرفة معانيها.</span>\n_________\n(^١) الفتوى الحموية ص (٧٩ - ٨٠)، وانظر: شرح حديث النزول ص (١٠٦)، المراكشية، ضمن مجموع الفتاوى\n(٥/ ١٨١ - ١٨٢)، مجموع الفتاوى (١٦/ ٤١٣)، شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (١/ ١٠١ - ١٠٢).\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩، ٧/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٣) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣٥)، مدارج السالكين (٣/ ٣٧٦)، شرح العقيدة الواسطية للهراس ص (٢٢)، شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين (١/ ٩٩).","vol":"1","page":456},{"text":"فمن المقرر في منهج أهل السنة والجماعة في باب الصفات، أن عدم العلم بالكيفية والذي سبق تأكيده من خلال الأمور السابقة، لا يقدح أبدًا في الإيمان بالصفات ومعرفة معانيها، فإن الكيفية وراء ذلك، فإثبات السلف للصفات إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف، يؤمنون بتلك الصفات، ويفهمون معانيهاويفسرونها ويعتقدون ما دلت عليه من الأحكام ويعملون بمقتضياتها من الآثار (^١).\nفكثيرٌ من الأمور التي أخبر الله -﷿- بها، لا تُعلم كيفيَّتها ولا كنهها، ولم يمنع ذلك من الإيمان والتصديق الجازم بها.\nفمنها ما أخبر الله -﷿- به من حقائق الإيمان باليوم الآخر، فإنا نؤمن بها وإن لم نعلم حقيقتها وكيفيتها، ومن ذلك الروح التي بين جنبي الإنسان، كل واحدٍ منا يشعر بها ويوقن بوجودها لكن لا يدرك كنهها وحقيقتها، ومع ذلك لم يمنعه عدم علمه بكيفيتها من الإيمان بوجودها.\nفكان الإيمان بالصفات مع الابتعاد عن طلب كيفيتها من منهج الراسخين في العلم المتبعين لهدي الكتاب والسنة، والذين يقولون وفق هذا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (^٢)، أما طلب علم الكيفية، وما يترتب على ذلك من: إما تعطيل للصفات، أو تمثيلها بالمخلوقات، فهو سبيل أهل الأهواء والبدع، الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٨٨ - ٢٨٩)، بيان تلبيس الجهمية (٢/ ١٨٠)، مدارج السالكين\n(٣/ ٣٧٦)، الصواعق المرسلة (١/ ٢١٠).\n(^٢) الآية [٧] من سورة آل عمرن.\n(^٣) الآية [٧] من سورة آل عمرن.\nانظر: معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات ص (١٠٣ - ١٠٤).","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type='title' id=toc-254>منهج الأشاعرة فيما ينفونه إما التأويل أو التفويض</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: «وهذا الكلام لازم لهم في العقليات وفي تأويل السمعيات، فإن من أثبت شيئًا، ونفي شيئًا بالعقل، إذا ألزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته، وطولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا لم يجد بينهما فرقًا.\nولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض- الذين يوجبون فيما نفوه إما التفويض، وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ- قانون مستقيم، فإذا قيل لهم: لِمَ تأولتم هذا وأقررتم هذا، والسؤال فيهما واحد؟ لم يكن لهم جواب صحيح. فهذا تناقضهم في النفي.\nوكذلك تناقضهم في الإثبات، فإن من تأوّل النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها، فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر، لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه، فإذا قال قائل: تأويل محبته ورضاه وغضبه وسخطه هو إرادته للثواب والعقاب، كان ما يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في الحب والمقت والرضا والسخط. ولو فسَّر ذلك بمفعولاته- وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب- فإنّه يلزمه في ذلك نظير ما فرّ منه، فإن الفعل المعقول لا بدّ أن يقوم أولا بالفاعل، والثواب والعقاب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه ويرضاه، ويسخطه ويبغضه المثيب المعاقب، فهم إن أثبتوا الفعل على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثّلوا، وإن أثبتوه على خلاف ذلك، فكذلك سائر","vol":"1","page":458},{"text":"الصفات\".\nالشرح\nبعد أن انتهى المصنف من ذكر الأصلين وأشار فيهما إلى تناقض هؤلاء المعطلة ختم بهذه الخاتمة في نهاية كلامه عن الأصلين وأكد على أنه \"يقال لهؤلاء النفاة أنتم نفيتم هذه الأسماء فرارًا من التشبيه، فإن اقتصرتم على نفي الأثبات شبهتموه بالمعدوم.\nوإن نفيتم الأثبات والنفي جميعا فقلتم ليس بموجود ولا معدوم شبهتموه بالمتنع. فأنتم فررتم من تشبيهه بالحي الكامل فشبهتموه بالحي الناقص، ثم شبهتموه بالمعدوم، ثم شبهتموه بالممتنع، فكنتم شرا من المستجير من الرمضاء بالنار وهذا لازم لكل من نفى شيئا مما وصف الله به نفسه لا يفر من محذور إلا وقع فيما هو مثله أو شر منه مع تكذيبه بخبر الله وسلبه صفات الكمال الثابتة لله\" (^١)\nووقوعهم في هذا التعطسل إنما هو بسبب أنهم \"سلموا عقولهم لأصول فاسدة في المنطق والطبيعيات والإلهيات ولم يعرفوا ما دخل فيها من الباطل فصار ذلك سببا إلى ضلالهم في مطالب عالية إيمانية ومقاصد سامية قرانية خرجوا بها عن حقيقة العلم والإيمان وصاروا بها في كثير من ذلك لا يسمعون ولا يعقلون بل يتسفسطون في العقليات ويقرمطون في السمعيات\" (^٢).\nوقول المصنف: \"وهذا الكلام لازم لهم في العقليات وفي تأويل السمعيات، فإن من أثبت شيئًا، ونفي شيئًا بالعقل، إذا ألزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته، وطولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا لم يجد\n_________\n(^١) الصفدية ص ٩٥.\n(^٢) الرد على المنطقيين ص ١٤٣.","vol":"1","page":459},{"text":"بينهما فرقًا\".\nعاد مرة أخرى لمناقشة منكري الصفات، فقال لهم: إن من أثبت شيئًا، ونفي شيئًا بالعقل، إذا ألزم فيما نفاه من الصفات التي جاء بها الكتاب والسنة نظير ما يلزمه فيما أثبته، وطولب بالفرق بين المحذور في هذا وهذا لم يجد بينهما فرقًا.\nوأعطى شيخ الإسلام ابن تيمية مثالًا على ذلك التناقض فيما يقع بين طوائف أهل الكلام من جهة بين الباطنية من جهة ثانية فيقول أهل الكلام: \"إن الخالق والمخلوق إذا سمي كل واحد منهما فاعلًا أو قادًرا أو غير ذلك فإنما لم يتماثلا في ذاتيهما، وإنما يكون التماثل في الذات إذا كان هذا جسما أو جوهرا والآخر كذلك، وهؤلاء يقولون كل من قال بأن الرب جسم كان مشبها ومن نفى ذلك لم يكن مشبها ولا ينفصلون بهذا الجواب؛ فإن منازعهم (من الباطنية) يقول: فإذا أثبتم الصفات أو الأسماء لزم أن يكون الموصوف المسمى جسما كما تقولون أنتم ذلك لمن أثبت ما نفيتموه وجعلتموه مجسمًا؛ ولا يمكنهم أن يذكروا فرقًا صحيحا وكل ما يقولونه يمكن المثبت أن يقول لهم مثله فيلزم بطلان هذا الفرق بين ما سموه تجسيما وما لم يسموه تجسيما فلزم إما إثبات الجميع وإما نفي الجميع.\nونفي الجميع ممتنع لأنه قد علم بالضرورة أن الموجود ينقسم إلى واجب قديم قيوم غني خالق وإلى ممكن محدث مدبر فقير مخلوق فلا سبيل إلى جعل الوجود كله واحدا واجبا كما يقوله أهل الوحدة ولا إلى جعله كله مخلوقا مربوبا محدثا كما يذكر عن بعضهم أنه ادعى حدوث الوجود كله بدون محدث فإن فساد كل من القولين من أبين العلوم الضرورية البديهية ولهذا كان أهل الوحدة متناقضين لا يلتزمون قولهم وأما حدوث الوجود جميعه بدون محدث فلا تعرف طائفة قالته وإنما يقدر تقديرا ذهنيا كما تقدر كثير من الأقوال السوفسطائية لتبيين بطلانها","vol":"1","page":460},{"text":"وانتفائها.\nفقد تبين أن أقوال نفاة الصفات كقول أهل الإلحاد المعطلة للصانع وأن القول الثاني قول من يقول بالوجود المطلق عن النفي والإثبات هو أحد قولي القرامطة الباطنية والأول قول القرامطة الباطنية الذين يلونهم نفاة الصفات الثبوتية الذين لا يصفونه إلا بالسلوب.\nفابن سينا وأمثاله من أئمة هؤلاء وكان أهل بيته من أهل دعوة الحاكم وأمثاله من أئمة القرامطة الباطنية الإسماعيلية.\nوقول من قال المطلق لا بشرط الذي يصدق على كل موجود فهو يشبه قول من يجمع بين النقيضين فيصفه بصفة كل موجود وإن كانت متناقضة ويجعل وجود الخالق هو وجود المخلوق أو جزء منه\" (^١)\nوقول المصنف: \"ولهذا لا يوجد لنفاة بعض الصفات دون بعض- الذين يوجبون فيما نفوه إما التفويض، وإما التأويل المخالف لمقتضى اللفظ- قانون مستقيم، فإذا قيل لهم: لِمَ تأولتم هذا وأقررتم هذا، والسؤال فيهما واحد؟ لم يكن لهم جواب صحيح. فهذا تناقضهم في النفي\".\nخص المصنف بالحديث هنا طائفة من طوائف المعطلة وهم الصفاتية-الكلابية والأشاعرة والماتريدية-ومن وافقهم وبيان أنهم متناقضون في النفي والإثبات.\nوفي هذا يحسن معرفة الأمور الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-255>الأمر الأول: أنواع المضافات إلى الله.</span>\nوالمضافات إلى الله سبحانه في الكتاب والسنة لا تخلو من ثلاثة أقسام:\n_________\n(^١) الصفدية ٢/ ١٧ - ٢٠.","vol":"1","page":461},{"text":"القسم الأول: إضافة الصفة إلى الموصوف:\nكقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء مِنْ علمه﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥].\nوقوله: ﴿إن الله هو الرَّزَّاق ذو القوَّة﴾ [الذاريات الآية: ٥٨].\nفهذا القسم يثبته أهل السنة والكلابية، وينكره المعتزلة.\nوالقسم الثاني: إضافة المخلوق.\nكقوله تعالى: ﴿ناقة الله وسقياها﴾ [الشمس الآية: ١٣].\nوقوله تعالى: ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ [الحج الآية: ٢٦].\nوهذا القسم لا خلاف بين المسلمين في أنه مخلوق.\nوالقسم الثالث: ما فيه معنى الصفة والفعل.\nكقوله تعالى: ﴿وكلَّم الله موسى تكليما﴾ [النساء الآية: ١٦٤].\nوقوله تعالى: ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾ [المائدة الآية: ١].\nوقوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بغضب على غضب﴾ [البقرة. الآية: ٩٠].\nفهذا القسم الثالث لا يثبته الكلابية ومن وافقهم على زعم أن الحوادث لا تحل بذاته. فهو على هذا يلحق عندهم بأحد القسمين قبله فيكون:\n١ - إما قديمًا قائمًا به.\n٢ - وإما مخلوقًا منفصلًا عنه.\nويمتنع عندهم أن يقوم به نعت أو حال أو فعل ليس بقديم ويسمون هذه المسألة: «مسألة حلول الحوادث بذاته» (^١) وذلك مثل صفات الكلام، والرضا، والغضب، والفرح، والمجيء، والنزول والإتيان، وغيرها. وبالتالي هم يؤولون النصوص الواردة في ذلك على أحد الوجوه التالية:\nالأول: إرجاعها إلى الصفات الذاتية واعتبارها منها، فيجعلون جميع تلك الصفات قديمة أزلية، ويقولون: نزوله، ومجيئه وإتيانه، وفرحه، وغضبه، ورضاه،\n_________\n(^١) - مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٤، ١٤٧.","vol":"1","page":462},{"text":"ونحو ذلك: قديم أزلي (^١) وهذه الصفات جميعها صفات ذاتية لله، وإنها قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته واختياره. (^٢)\nالثاني: وإما أن يجعلوها من باب «النسب» و«الإضافة» المحضة بمعنى أن الله خلق العرش بصفة تحت فصار مستويًا عليه، وأنه يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه فيصير جائيًا إليهم ونحو ذلك. وأن التكليم إسماع المخاطب فقط. (^٣)\nفهذه الأمور من صفات الفعل منفصلة عن الله بائنة وهي مضافة إليه، لا أنها صفات قائمة به. ولهذا يقول كثير منهم: \"إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات، وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات. (^٤)\nالثالث: أو يجعلوها «أفعالًا محضة» في المخلوقات من غير إضافة ولا نسبة. (^٥)\nمثل قولهم في الاستواء إنه فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قربًا فيصير مستويًا عليه من غير أن يقوم بالله فعل اختياري. (^٦)\nوكقولهم في النزول إنه يخلق أعراضًا في بعض المخلوقات يسميها نزولًا. (^٧)\n\n<span data-type='title' id=toc-256>الأمر الثاني: بيان اضطراب الصفاتية في باب الصفات.</span>\nويحسن إعطاء نبذة عن اضطراب قول هؤلاء الصفاتية في باب الصفات.\nقال ابن تيمية: \"أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاَّب البصري، وأبو الحسن\n_________\n(^١) - مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٢.\n(^٢) - مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٠.\n(^٣) - مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٩.\n(^٤) - مجموع الفتاوى ٥/ ٤١١، ٤١٢.\n(^٥) - مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٩.\n(^٦) - مجموع الفتاوى ٥/ ٤٣٧، الأسماء والصفات للبيهقي ص ٥١٧.\n(^٧) - مجموع الفتاوى ٥/ ٣٨٦.","vol":"1","page":463},{"text":"الأشعري كانا يخالفان المعتزلة ويوافقان أهل السنة في جمل أصول السنة. ولكن لتقصيرهما في علم السنة وتسليمهما للمعتزلة أصولًا فاسدة، صار في مواضع من قوليهما مواضع فيها من قول المعتزلة ما خالفا به السنة، وإن كانا لم يوافقا المعتزلة مطلقًا\" (^١).\nوقال أيضًا: \"والذي كان أئمة السنة ينكرونه على ابن كلاب والأشعري بقايا من التجهم والاعتزال، مثل اعتقاد صحة طريقة الأعراض وتركيب الأجسام، وإنكار اتصاف الله بالأفعال القائمة التي يشاؤها ويختارها، وأمثال ذلك\" (^٢).\nوقد مرت الأشعرية بأطوار ومراحل كان أولها زيادة المادة الكلامية، ثم الجنوح الكبير للمادة الاعتزالية، ثم خلط هذه العقيدة بالمادة الفلسفية.\nفالأشعرية المتأخرة مالوا إلى نوع التجهم بل الفلسفة وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه (^٣).\nفقدماء الأشاعرة يثبتون الصفات الخبرية بالجملة، كأبي الحسن الأشعري وأبي عبد الله بن مجاهد، وأبي الحسن الباهلي والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي وغير هؤلاء (^٤).\nلكن المتأخرين من أتباع أبي الحسن الأشعري كأبي المعالي الجويني وغيره لا يثبتون إلا الصفات العقلية، وأما الخبرية فمنهم من ينفيها ومنهم من يتوقف فيها كالرازي والآمدي وغيرهما.\n_________\n(^١) الاستقامة (١/ ٢١٢).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٩٧).\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٩٧).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٤/ ١٤٧، ١٤٨).","vol":"1","page":464},{"text":"ونفاة الصفات الخبرية منهم:\n• من يتأول نصوصها.\n• ومنهم من يفوض معناها إلى الله تعالى.\nوأما من أثبتها كالأشعري وأئمة أصحابه. فهؤلاء يقولون: تأويلها بما يقتضي نفيها تأويل باطل، فلا يكتفون بالتفويض بل يبطلون تأويلات النفاة (^١).\nوهذا الاضطراب في العقيدة الأشعرية بين المتقدمين والمتأخرين سببه ما أسلفنا من ميل الأشاعرة بأشعريتهم إلى الاعتزال أكثر فأكثر بل إنهم خلطوا معها الفلسفة.\nوأما عن تأثر الأشعرية بالمعتزلة في قولهم في الصفات.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فالأشعرية وافق بعضهم المعتزلة في الصفات الخبرية، وجمهورهم وافقهم في الصفات الحديثية، وأما الصفات القرآنية فلهم قولان:\nفالأشعري والباقلاني وقدماؤهم يثبتونها، وبعضهم يقر ببعضها؛ وفيهم تجهم من جهة أخرى.\nفإن الأشعري شرب كلام الجبائي شيخ المعتزلة، ونسبته في الكلام إليه متفق عليها عند أصحابه وغيرهم.\nوابن الباقلاني أكثر إثباتًا بعد الأشعري، وبعد ابن الباقلاني ابن فورك، فإنه أثبت بعض ما في القرآن.\nوأما الجويني ومن سلك طريقته فمالوا إلى مذهب المعتزلة فإن أبا المعالي كان\n_________\n(^١) منهاج السنة (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤).","vol":"1","page":465},{"text":"كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، قليل المعرفة بالآثار، فأثر فيه مجموع الأمرين (^١).\nفما إن جاء أبوبكر الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، فتصدى للإمامة في تلك الطريقة وهذبها ووضع لها المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وجعل هذه القواعد تبعًا للعقائد الإيمانية من حيث وجوب الإيمان بها (^٢) وأسهم إلى حد كبير في تنظير المذهب الأشعري الكلامي وتنظيمه مما أدى إلى تشابه منهجي بين المذهب الأشعري والمذهب المعتزلي فقد كان الأشعري يجعل النص هو الأساس والعقل عنده تابع، أما الباقلاني فالعقيدة كلها بجميع مسائلها تدخل في نطاق العقل (^٣) ويعتبر الباقلاني المؤسس الثاني للمذهب الأشعري (^٤).\nثم جاء بعده إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨ هـ) فاستخدم الأقيسة المنطقية في تأييد هذه العقيدة، وخالف الباقلاني في كثير من القواعد التي وضعها. وإن كان الجويني قد استفاد أكثر مادته الكلامية من كلام الباقلاني، لكنه مزج أشعريته بشيء من الاعتزال استمده من كلام أبي هاشم الجبائي المعتزلي على مختارات له، وبذلك خرج عن طريقة القاضي وذويه في مواضع إلى طريقة المعتزلة.\nوأما كلام أبي الحسن الأشعري فلم يكن يستمد منه، وإنما ينقل كلامه مما يحكيه عنه الناس (^٥) وعلى طريقة الجويني اعتمد المتأخرون من الأشاعرة، كالغزالي (ت ٥٠٥ هـ) وابن الخطيب الرازي (ت ٦٠٦ هـ) وخلطوا مع المادة الاعتزالية التي أدخلها الجويني مادة فلسفية، وبذلك ازدادت الأشعرية بعدًا وانحرافًا.\n_________\n(^١) منهاج السنة (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤).\n(^٢) مقدمة ابن خلدون (ص ٤٦٥)، ط: مصطفى محمد.\n(^٣) مقدمة التمهيد للباقلاني (ص ١٥)، بتحقيق الخضيري وأبو ريدة.\n(^٤) نشأة الأشعرية وتطورها (ص ٣٢٠).\n(^٥) بغية المرتاد (ص ٤٤٨، ٤٥١)، بتصرف.","vol":"1","page":466},{"text":"فالغزالي مادته الكلامية من كلام شيخه الجويني في \"الإرشاد\" و\"الشامل\" ونحوهما مضمومًا إلى ما تلقاه من القاضي أبي بكر الباقلاني. ومادته الفلسفية من كلام ابن سينا، ولهذا يقال أبو حامد أمرضه \"الشفا\"، ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا ورسائل أبي حيان التوحيدي ونحو ذلك.\nوأما الرازي فمادته الكلامية من كلام أبي المعالي والشهرستاني فإن الشهرستاني أخذه عن الأنصاري النيسابوري عن أبي المعالي، وله مادة اعتزالية قوية من كلام أبي الحسين البصري (ت ٤٣٦ هـ)، وفي الفلسفة مادته من كلام ابن سينا والشهرستاني ونحوهما (^١).\nوالأشعرية الأغلب عليهم أنهم مرجئة في باب الأسماء والأحكام وجبرية في باب القدر، وأما الصفات فليسوا جهمية محضة بل فيهم نوع من التجهم، ولا يرون الخروج على الأئمة بالسيف موافقة لأهل الحديث وهم في الجملة أقرب المتكلمين إلى أهل السنة والحديث (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-257>الأمر الثالث: بيان تناقض الصفاتية في النفي.</span>\nفأما التناقض في النفي: فإنهم يقولون بالتفويض أو التأويل المخالف لمقتضى النص، فيقال لهم: لم أولتم هذا وأقررتم هذا؟ فإنهم لا يجدون جوابًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات -أي الصفات الخبرية-موافقة للمعتزلة والجهمية. ثم لهم قولان:\nأحدهما: تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد.\nوالثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في\n_________\n(^١) بغية المرتاد (ص ٤٤٨)، بتصرف.\n(^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٥).","vol":"1","page":467},{"text":"\"الرسالة النظامية\" وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب.\nثم هؤلاء:\n• منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات.\n• ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي، لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي). (^١)\nويقول ابن أبي العز: «ولا شكَّ أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا عن سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون أن عقلهم دلَّهم عليه» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-258>الأمر الرابع: تناقضهم في الإثبات.</span>\nفقول المصنف: \"وكذلك تناقضهم في الإثبات، فإن من تأوّل النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها، فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر، لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه، فإذا قال قائل: تأويل محبته ورضاه وغضبه وسخطه هو إرادته للثواب والعقاب، كان ما يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في الحب والمقت والرضا والسخط. ولو فسَّر ذلك بمفعولاته- وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب- فإنّه يلزمه في ذلك نظير ما فرّ منه، فإن الفعل المعقول لا بدّ أن يقوم أولا بالفاعل، والثواب والعقاب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه ويرضاه، ويسخطه ويبغضه المثيب المعاقب، فهم إن أثبتوا الفعل\n_________\n(^١) -درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٤٩.\n(^٢) -شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٥.","vol":"1","page":468},{"text":"على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثّلوا، وإن أثبتوه على خلاف ذلك، فكذلك سائر الصفات\".\nوأما التناقض في الإثبات: فالذين سلكوا مسلك التأويل للصفات تنوع تأويلهم وانقسم إلى أقسام:\nومعلوم أن قدماء الأشاعرة والكلابية كانوا يُفَوِّضون، وهكذا تبعهم بعض المتأخرين فسكتوا عن هذه الصفات، وأقوالهم متعددة:\nفتارة يقولون: الله أعلم بمراده منها، وإن كانوا في نفس الأمر لا يُثبتونها، لكنهم لا يحدِّدون معنًى لتلك الصفات.\nوتارةً يقولون: هي صفات ذات لا صفات فعل.\nوبخاصةً في صفات الأفعال ينكرون كونها صفة فِعل، على قول بعضهم: إن الحوادث لا تَحل بذات الله تعالى، فبالتالي لا يُثبتون أيَّ صفة من صفات الأفعال.\nوتارةً يقولون: هذه الصفات إنما هي فِعل يفعله الله في الشيء، فمثلًا قالوا في الاستواء: الاستواء هو فِعل يفعله الله في العرش (^١)؛ فينفون كون الاستواء صفةً لله تعالى. فطرقهم في التأويل متعددة.\nوقد ناقش المصنف قسمين من هؤلاء:\nفالذين ينكرون صفات الأفعال ويؤولها فإن منهم\nالقسم الأول: من يؤولها على أنها صفات ذات لا صفات فعل.\nوهم المقصودون بقول المصنف: \"فإن من تأوّل النصوص على معنى من المعاني التي يثبتها\".\nفمن أرجع معاني تلك الصفات التي نفاها إلى معاني الصفات التي يثبتها، أي أنه\n_________\n(^١) انظر: «شرح حديث النزول» لابن تيمية (ص ٥٨).","vol":"1","page":469},{"text":"أرجعها إلى الصفات الذاتية بناء على إنكاره للصفات الفعلية.\nوأعطى مثالًا على ذلك بتأويل \"محبته ورضاه وغضبه وسخطه هو إرادته للثواب والعقاب\" فهذا نوع من التأويل حيث أرجع معنى صفة المحبة والرضا والغضب والسخط إلى صفة الإرادة، إذ من المعلوم أن صفة الإرادة هي من الصفات الذاتية التي يثبتها هؤلاء.\nفكان جواب المصنف: \"كان ما يلزمه في الإرادة نظير ما يلزمه في الحب والمقت والرضا والسخط\".\nفإنه يقال لهم: تأويل النصوص على معنى من المعاني التي يثبتونها، فإنهم إذا صرفوا النص عن المعنى الذي هو مقتضاه إلى معنى آخر، لزمهم في المعنى المصروف إليه ما كان يلزمهم في المعنى المصروف عنه.\nفإذا قال قائل: تأويل محبته هي إرادته سبحانه للثواب.\nفيقال له: يلزمك أن تؤول الإرادة أيضًا، وإلا فما الفرق بين الإرادة وغيرها من الصفات.\nالقسم الثاني: من يقول هذه الصفات إنما هي فِعل يفعله الله في الشيء.\nوهم المقصودون بقول المصنف: \"ولو فسَّر ذلك بمفعولاته- وهو ما يخلقه من الثواب والعقاب-\".\nفمثلًا قالوا في الاستواء: الاستواء هو فِعل يفعله الله في العرش (^١)؛ فينفون كون الاستواء صفةً لله تعالى.\nوأولوا كل ما ورد في النصوص من الأفعال اللازمة فقالوا في المحبة هي ما\n_________\n(^١) انظر: «شرح حديث النزول» لابن تيمية (ص ٥٨).","vol":"1","page":470},{"text":"يخلقه الله تعالى من الثواب.\nوالرحمة ليست أمرًا يقوم بذات الله ﷿ وإنما خلق مباين يخلقه في خلقه والسخط أمر ضار يخلقه في خلقه وكذلك الرضا، وحتى إذا وجدتهم يتأولون الضحك في النصوص بالرحمة فلا تظنن أنهم يريدون الرحمة التي يفهمها كل مسلم من أن الله ﷿ تقوم به صفة اسمها الرحمة ثم لها آثار في خلقه بل لا يريدون إلا أنه يخلق خلقًا في عبيده اسمه رحمة فحسب.\nفأجاب المصنف عن هذا النوع من التأويل بقوله: \"فإنّه يلزمه في ذلك نظير ما فرّ منه، فإن الفعل المعقول لا بدّ أن يقوم أولا بالفاعل، والثواب والعقاب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه ويرضاه، ويسخطه ويبغضه المثيب المعاقب، فهم إن أثبتوا الفعل على مثل الوجه المعقول في الشاهد للعبد مثّلوا، وإن أثبتوه على خلاف ذلك، فكذلك سائر الصفات\"\nوكذلك لو فسرت المحبة-مثلًا-بالمفعولات، وهي ما يخلقه الله تعالى من الثواب، فإنه يلزمه نظير ما فر منه، فإن الفعل المعقول لا بدّ أن يقوم أولًا بالفاعل، والثواب المفعول إنما يكون على فعل ما يحبه المثيب.\nفالأفعال المنسوبة لله ﷿ على نوعين\nالنوع الأول: فعل متعدي مثل الخلق والرزق والإحياء والإماتة والتعذيب والإثابة وهذا الضرب من الأفعال لم ينازع أحد في إثباته لله ﷿ لا الجهمية ولا المعتزلة ولا الكلابية ولا الأشعرية ولا الماتردية ولا أهل الحديث وإنما نازع المعتزلة في خلق أفعال العباد لا ذواتهم\nالنوع الثاني: فعل لازم يقوم بالذات مبدئيًا وإن كان له أثر على المخلوقات فيما بعد مثل الكلام والرضا والسخط والمحبة والمجيء والنزول والاستواء","vol":"1","page":471},{"text":"وقد استدل عليهم أهل السنة بآيات من القرآن وأخبار من السنة تفرق بين الفعل المتعدي واللازم وتنسب ذلك كله لله ﷿ مثل قوله تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)] يس: ٨٢].\nفقوله: (يقول له كن) هذا الفعل اللازم.\nوقوله: (فيكون) هذا الفعل المتعدي.\nوقوله تعالى: (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)] الأعراف: ٥٤].\nفقوله: (الخلق) الفعل المتعدي.\nوقوله: (الأمر) الفعل اللازم المتعلق بالمشيئة.\nفالله يكلم عبيده بكلام يسمعونه منه أو يسمعونه ممن سمعه منه وأولئك رسله.\nوأيضًا استدلوا بمثل قوله تعالى (فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ)] الزخرف: ٥٥].\nفقوله: (آسفونا) ومعناه: أغضبونا، وهذا هو الفعل اللازم.\nوقوله: (انتقمنا منهم) هذا هو الفعل المتعدي\nثم إنك تجد كلام السلف واضحًا في إثبات النوعين قال البخاري في خلق أفعال العباد: وقال الفضيل بن عياض: إذا قال لك جهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه، فقل: \"أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء\".\nوقول الفضيل \"يفعل ما يشاء\" لا يريد به إلا الفعل اللازم وإلا فالجهمي وكل المنتسبين للملة لا ينكرون الفعل المتعدي، ولو أظهر السلف تفسير الفعل اللازم بالفعل بالمتعدي لانتهى أمرهم مع الجهمية إلى وئام.\nوقد سمى بعض السلف الفعل المتعدي (حركة) مثل الدارمي وحرب\nواستدلوا عليهم بالمعقول وأن الناس لا يعرفون فعلًا متعديًا دون فعل لازم","vol":"1","page":472},{"text":"وهذا ظاهر النصوص القطعي قال ابن تيمية: \"والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله، إذ كان لا بد له من الفاعل.\nوهذا معلوم سمعًا وعقلًا.\nأما السمع: فإن أهل اللغة العربية التي نزل بها القرآن، بل وغيرها من اللغات، متفقون على أن الإنسان إذا قال: (قام فلان وقعد) وقال: (أكل فلان الطعام وشرب الشراب) فإنه لا بد أن يكون في الفعل المتعدي إلى المفعول به ما في الفعل اللازم وزيادة، إذ كلتا الجملتين فعلية، وكلاهما فيه فعل وفاعل، والثانية امتازت بزيادة المفعول، فكما أنه في الفعل اللازم معنا فعل وفاعل ففي الجملة المتعدية معنا أيضًا فعل وفاعل وزيادة مفعول به.\nولو قال قائل: الجملة الثانية ليس فيها فعل قائم بالفاعل، كما في الجملة الأولى، بل الفعل الذي هو (أكل) و(شرب) نصب المفعول - من غير تعلق بالفاعل أولًا - لكان كلامه معلوم الفساد، بل يقال: هذا الفعل تعلق بالفاعل أولًا، كتعلق (قام وقعد)، ثم تعدى إلى المفعول، ففيه ما في الفعل اللازم وزيادة التعدي، وهذا واضح لا يتنازع فيه اثنان من أهل اللسان\" (^١) (وبسط الشيخ الكلام بما يحسن مراجعته).\nوهذا النوع هو الذي نازع فيه الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشعرية ومن تأثر بهم من المنتسبين إلى المذاهب الأربعة وفيهم حنابلة لشبهة كلامية اسمها امتناع حلول الحوادث وملخصها \"ما حلت به الحوادث لم يخل منها وما لم يخل من الحوادث فهو حادث\".\nوملخص الجواب عليها: أن الله ﷿ باتفاق الجميع لا أول له، وجنس أفعاله لا أول له، وكل فعل من أفعاله التي تسمونها حوادث له بداية ونهاية، وحكم الأفراد لا يلزم الجنس، فجنس أحقاب عذاب أهل النار مثلًا لا نهاية لها وكل حقب له بداية\n_________\n(^١) درء التعارض ٢/ ٣ - ٦.","vol":"1","page":473},{"text":"ونهاية؛ وكذلك جنس أكل أهل الجنة لا نهاية له، وكل أكلة لها بداية ونهاية؛ ومن يعتقد أنه لا بد أن يكون أحد الأفراد مشاركًا للجنس بوصفه فقط غلط ونازع ضرورة المعقول وهذان المثالان أمامك يقر بهما جماهير العقلاء.\nوعليه فالقول وما لم تخل منه الحوادث فهو حادث لاستحالة الجمع بين القدم والحدوث، قول باطل إنما يلزم من له بداية، وأما الأول الذي لا بداية له وجنس أفعاله لا بداية له فلا يلزمه شيء من ذلك\"\nوالنزاع في هذه المسألة هو أساس الخلاف في أمر القرآن هل مخلوق أم لا؟ فالذين قالوا هو مخلوق ما قالوا ذلك إلا لأنهم ينكرون أن الله ﷿ يتكلم بما شاء متى شاء فهذا عندهم حلول حوادث ففسروا الكلام على أصلهم في إحالة الأفعال اللازمة إلى الأفعال المتعدية بأنه خلق من خلق الله أسماه كلامًا ولهذا لا يصلح الخوض في مسألة القرآن قبل تحرير هذه المسألة فالقوم دائمًا يغالطون بشبهات فرعية كما في حديثهم على صفة النزول مثلًا والواقع أنهم ينكرون أن يفعل الله ما شاء متى شاء\" (^١).\nوبين شيخ الإسلام ابن تيمية خطورة هذه المقولة وضررها فقال: \"ومن أعظم أصول التفريق بينهم في هذه المسألة-مسألة أفعال الله تعالى وكلام الله ونحوه ذلك مما يقوم بنفسه ويتعلق بمشيئته وقدرته-فإن هذا الأصل لما أنكره من أنكره من أهل الكلام الجهمية والمعتزلة ونحوهم وظنوا أنه لا يمكن إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع إلا إثبات حدوث الجسم ولا يمكن إثبات حدوثه إلا بإثبات حدوث ما يقوم به من الصفات والأفعال المتعاقبة ألجأهم ذلك إلى أن ينفوا عن الله صفاته وأفعاله القائمة به المتعلقة بمشيئته وقدرته أو ينفوا بعض ذلك وظنوا أن\n_________\n(^١) المصدر: الصفحة التابعة لقناة أبي جعفر عبد الله الخليفي على التليجرام.","vol":"1","page":474},{"text":"الإسلام لا يقوم إلا بهذا النفي وأن الدهرية من الفلاسفة وغيرهم لا يبطل قولهم إلا بهذا الطريق وأخطأوا في هذا وهذا\nأما الفلاسفة الدهرية فإن هذه الطريقة زادتهم إغراء وأوجبت لهم حجة عجز هؤلاء عن دفعها إلا بالمكابرة التي لا تزيد الخصم إلا قوة وإغراء فقالو لهم: كيف يحدث الحادث بلا سبب حادث؟ وكيف تكون الذات حالها وفعلها وجميع ماينسب إليها واحدا من الأزل إلى الأبد؟ والعالم يصدر عنها في وقت دون وقت من غير فعل يقوم به ولا سبب حدث؟\nفكان ما جعلوه أصل للدين وشرطا في معرفة الله تعالى منافيا للدين ومانعا من كمال معرفة الله وكان ما أحتجوا به من الحجج العقلية هي في الحقيقة على نقيض مطلوبهم أدل فالحوادث لا تحدث إلا بشرط جعلوه مانعا من الحدوث وأما أمور الإسلام: فإن هذا الأصل اضطرهم إلى نفي صفات الله تعالى لئلا تنتقض الحجة ومن لم ينف الصفات نفى الأفعال القائمة به وغيرها مما يتعلق بمشيئته وقدرته، فلزمهم من عدم الإيمان ببعض ما جاء به الرسول ومن جحد بعض ما يستحقه الله تعالى من أسمائه وصفاته ما أوجب له من من التناقض والإرتياب ما تبين لأولى الألباب فلم يعطوا الإيمان بالله ورسوله حقه ولا الجهاد لعدو الله ورسوله حقه وقد قال تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا﴾ [الحجرات: ١٥].\nهذا مع دعواهم أنهم أعظم علما وإيمانا وتحقيقا لأصول الدين وجهادا لأعدائه بالحجج من الصحابة وإن هم في ذلك إلا كبعض الملوك الذين لم يجاهدوا العدو بل أخذوا منهم بعض البلاد ولا عدلوا في المسلمين العدل الذي شرعه الله للعباد إذا","vol":"1","page":475},{"text":"ادعى أنه أمكن وأعدل من عمر بن الخطاب وأصحابه رضوان الله عليهم\" (^١)\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"فإن الله - ﷾ - أخبرنا عما في الجنة من المخلوقات، من أصناف المطاعم والمشارب والملابس والمناكح والمساكن، فأخبرنا أن فيها لبنًا وعسلًا وخمرًا وماء ولحمًا وفاكهة وحريرًا وذهبًا وفضة وحُورًا وقصورًا.\nوقد قال ابن عباس ﵄: ليس في الدنيا شيء ممّا في الجنة إلا الأسماء، فإذا كانت تلك الحقائق التي أخبر الله عنها، هي موافقة في الأسماء للحقائق الموجودة في الدنيا، وليست مماثلة لها، بل بينهما من التباين ما لا يعلمه إلا الله تعالى - فالخالق ﷾ أعظم مباينة للمخلوقات من مباينة المخلوق للمخلوق، ومباينته لمخلوقاته أعظم من مباينة موجود الآخرة لموجود الدنيا، إذ المخلوق أقرب إلى المخلوق الموافق له في الاسم من الخالق إلى المخلوق. وهذا بيّنٌ واضح.\nالشرح\nبعد أن انتهى المصنف ﵀ من ذكر الأصلين في الرد على المعطلة، شرع هنا في بيان المثلين وهما:\nالمثل الأول: هو الجنة:\nويمكن في هذا النص تقرير الأمور الآتية:\nالأمر الأول: أن الاتفاق في الاسم العام لا يلزم منه التماثل.\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٤.","vol":"1","page":476},{"text":"فما ذكره الله في الجنة من أنواع المطاعم، والمشارب، والمناكح، والملابس، والمساكن، يشبه ما في الدنيا من هذه الأنواع في الاسم، وفي المعنى العام، وهذا التوافق في الاسم وفي الحقيقة من حيث العموم لم يوجب أن تكون حقائق الآخرة مثل حقائق الدنيا من كل وجه، بل بينهما بون شاسع وفرق بعيد، وقول ابن عباس: \"ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء\" (^١) معناه أن التفاوت بينهما كبير في اللذة والكمال والعظمة، حتى أنه لا يكاد التوافق يكون بينهما في الاسم لشدة التفاوت.\nإذا تقرر هذا، فالرب ﵎ وإن كان متصفا بالصفات ومسمى بالأسماء، والمخلوق يسمى بتلك الأسماء ويوصف بتلك الصفات فهما متفقان في الاسم وفي المعنى العام، غير أن هذا الاتفاق ليس معناه أنهما متماثلان، بل بينهما تفاوت عظيم وفرق كبير.\nالأمر الثاني: أن الإنسان يعتبر بما عرفه على ما لم يعرفه.\nقال ابن القيم: \"الإنسان يعتبر بما عرفه على ما لم يعرفه، ولولا ذلك لانسدت عليه طرق المعارف للأمور الغائبة، فإن الإنسان يعلم أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم فيتوصل بذلك إلى أن يفهم ما أخبر الله به عن نفسه من أنه حي عليم قدير سميع بصير، فإنه لولا تصوره لهذه المعاني من نفسه ونظره إليها لم يمكن أن يفهم ما غاب عنه، كما أنه لولا تصوره لما في الدنيا من العسل واللبن والماء والخمر والحرير والذهب والفضة لما أمكنه أن يتصور ما أخبر به من ذلك من الغيب، لكن لا يلزم أن يكون الغيب مثل الشهادة، فقد قال ابن عباس ﵄: \"ليس في الدنيا مما في الجنة إلا\n_________\n(^١) رواه أبو نُعَيْم في \"صفة الجنة\" (٢/ ٢١)، والبيهقي، والضياء المقدسي في \"المختارة\"، والسيوطي في الجامع الصغير:) ٧٦١٤).\nوقال المنذري في \"الترغيب والترهيب\" (٤/ ٢٧٨): \"بإسناد جيد\"، وصحَّحه الألباني في الصحيحة (٢١٨٨)، وفي صحيح الترغيب (٣٧٦٩).","vol":"1","page":477},{"text":"الأسماء\"، فإن هذه الحقائق التي أخبر بها أنها في الجنة ليست مماثلة لهذه الموجودات في الدنيا بحيث يجوز على هذه ما يجوز على تلك، ويجب لها ما يجب لها، ويمتنع ما يمتنع عليها، ويكون مادتها مادتها ويستحيل استحالتها، فإنا نعلم أن ماء الجنة لا يفسد ولا يأسن، ولبنها لا يتغير طعمه، وخمرها لا يصدع شاربها ولا ينزف عقله، فإن ماءها ليس نابعًا من تراب ولا نازلًا من سحاب مثل ما في الدنيا، ولبنها ليس مخلوقًا من أنعام كما في الدنيا وأمثال ذلك.\nفإذا كان المخلوق يوافق ذلك المخلوق في الاسم وبينهما قدر مشترك وتشابه فعلم به معنى ما خوطبنا به، مع أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة.\nفالخالق ﷻ أبعد عن مماثلة مخلوقاته مما في الجنة لما في الدنيا، فإذا وصف نفسه بأنه حي عليم سميع بصير قدير لم يلزم أن يكون مماثلًا لخلقه، إذ كان بعدها عن مماثلة خلقه أعظم من بعد مماثلة كل مخلوق لكل مخلوق، وكل واحد من صغار الحيوان له حياة وقوة وعمل وليست مماثلة للملائكة المخلوقين، فكيف يماثل رب العالمين شيئًا من المخلوقين\" (^١).\nالأمر الثالث: عدم العلم بالكيفية لا يقدح في الإيمان بالمغيبات.\n\"ونحن إذا تدبرنا عامة ما جاء في أمر الدين من ذكر صفات الله، وما تعبد الناس باعتقاده من ذكر عذاب القبر، وسؤال منكر ونكير، والحوض، والميزان، والصراط، وصفة الجنة وصفة النار، وجدناها أمورًا لا ندرك حقائقها بعقولنا، وإنما ورد الأمر بقبولها والإيمان بها، فإذا سمعنا شيئا من أمور الذين، وعقلناه، وفهمناه، فلله الحمد في ذلك، والشكر ومنه التوفيق، وما لم يمكنَّا إدراكه ولم تبلغه عقولنا آمنا به، وصدقناه، واعتقدنا أن هذا من قبل ربوبيته وقدرته، واكتفينا في ذلك بعلمه، ومشيئته، قال تعالى:\n_________\n(^١) رسالة في العقل والروح لابن تيمية ٢/ ٤٢ - ٤٣ (مطبوعة ضمن المجموعة المنيرية) بتصرف","vol":"1","page":478},{"text":"﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء﴾ (^١) \" (^٢).\nفعدم العلم بكيفية صفات الله لا يَقدح في الإيمان بتلك الصفات ومعرفة معانيها؛ لأن الكيفية وراء ذلك، فالسلف يُثبتون لله ما أثبته لنفسه من صفات الكمال ويفهمون معاني تلك الصفات ويُفسرونها، فإذا أثبتوا لله السَّمع والبصر أثبتوهما حقيقية وفهموا معناهما، وهكذا سائر الصفات يجب أن تَجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كُنهها وكيفيتها، فإن الله سبحانه لم يُكَلِّف العباد ذلك ولا أراده منهم ولم يجعل لهم إليه سبيلًا.\nوكثير من المخلوقات لم يجعل الله للعباد سبيلًا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فهذه أرواح الخلائق التي هي أدنى إليهم مِنْ كل دان قد حُجب عنهم معرفة كنهها وكيفيتها، وقد أخبرنا الله عن تفاصيل يوم القيامة وما في الجنة والنار، فقامت حقائق ذلك في قلوب أهل الإيمان وشاهدته عقولهم ولم يَعرفوا كيفيته وكنهه، فلا يشكُّ المسلمون أن في الجنة أنهارًا من خمر وأنهارًا من عسل، ولكن لا يعرفون كنه ذلك ومادته وكيفيته؛ كما قال ابن عباس: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء».\nفكذا الأسماء والصفات لا يَمنع انتفاء نظيرها في الدنيا مِنْ فهم معانيها وحقائقها والإيمان بذلك واعتقاد اتصاف الله بها (^٣).\nفإيماننا صحيحٌ بحقِّ ما كُلِّفنا به وإن لم نَعرف حقيقة ماهيته وكيفيته، والله أعلم.\n_________\n(^١) الآية ٢٥٥ من سورة البقرة\n(^٢) الحجة في بيان المحجة ١/ ٣٢١ بتصرف\n(^٣) «مدارج السالكين» (٣/ ٣٥٨).","vol":"1","page":479},{"text":"<span data-type='title' id=toc-259>أقسام الناس في الإيمان بالله واليوم الآخر</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"ولهذا افترق الناس في هذا المقام ثلاث فرق:\nفالسلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وإن مباينة الله لخلقه أعظم.\nوالفريق الثاني: الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب والعقاب، ونفوا كثيرًا مما أخبر به من الصفات، مثل طوائف من أهل الكلام: المعتزلة ومن وافقهم.\nوالفريق الثالث: نفوا هذا وهذا، كالقرامطة الباطنية والفلاسفة أتباع المشائين، ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر\".\nالشرح\nوقد انقسم الناس في باب الإيمان بالله واليوم الآخر ثلاث فرق:\nافترق الناس فيما أخبر الله به عن نفسه من حقائق الصفات، وما أخبر به عن اليوم الآخر إلى ثلاث فرق:\n\n<span data-type='title' id=toc-260>الفريق الأول: وهم الذين قال عنهم المصنف: \"فالسلف والأئمة وأتباعهم: آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه، وعن اليوم الآخر، مع علمهم بالمباينة التي بين ما في الدنيا وبين ما في الآخرة، وإن مباينة الله لخلقه أعظم\".</span>\nفأهل السنة والجماعة آمنوا بما أخبر الله به عن نفسه من صفات الكمال ونعوت الجلال ونزهوه عن الند والمثال كما آمنوا بما أخبر الله به عن اليوم الآخر، وما أعد الله لمن أطاعه وعصاه من الجزاء.\nوقد قرن الله ﷿ بين باب الإيمان بالله وبين باب الإيمان باليوم الآخر في أكثر","vol":"1","page":480},{"text":"من آية من كتاب الله ﷿، ومما وردت به نصوص الكتاب والسنة:\n• قال تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾.] البقرة: ٦٢].\n• وقال تعالى: ﴿ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر﴾.] البقرة: ٢٢٨].\n• وقال تعالى: ﴿ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر﴾.] البقرة ٢٣٢].\n• وقال تعالى: ﴿ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين﴾.] آل عمران: ١١٣ - ١١٤].\n• وقال تعالى: ﴿لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما﴾.] النساء: ١٦٢].\nوغير ذلك من الآيات التي ورد فيها ذكر الإيمان باليوم الآخر مقترنا بالإيمان بالله في الإثبات.\nومن الآيات التي ذكر فيها الإيمان باليوم الآخر مقترنا بالإيمان بالله في النفي:\n• قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة: ٨].\n• وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر﴾.] البقرة: ٢٦].\n• وقوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا","vol":"1","page":481},{"text":"بعيدا﴾.] النساء: ١٣٦].\n• وقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾.] التوبة: ٥].\n• وقوله تعالى: ﴿لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون﴾.] التوبة: ٤٤ - ٤٥].\nوفي هاتين الآيتين اجتمع النفي والإثبات في اقتران الإيمان باليوم الآخر بالإيمان بالله.\nوأما الأحاديث فهي أيضا كثيرة، ومنها:\no  حديث أبي شريح، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دما، ولا يعضد بها شجرا) (^١).\no  ومنها: حديث أبي هريرة، ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، واستوصوا بالنساء خيرا) (^٢).\no  ومنها حديث أبي سعيد الخدري، ﵁، قال قال رسول الله ﷺ: (لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-261>والفريق الثاني: وهم الذين قال عنهم المصنف: \"الذين أثبتوا ما أخبر الله به في الآخرة من الثواب والعقاب، ونفوا كثيرًا مما أخبر به من الصفات، مثل طوائف من أهل الكلام: المعتزلة ومن وافقهم\".</span>\nفيقر كل من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة باليوم الآخر على خلل عند\n_________\n(^١) البخاري (٢/ ٣٥).\n(^٢) البخاري (٦/ ١٤٥).\n(^٣) مسلم: (١/ ٨٦).","vol":"1","page":482},{"text":"المعتزلة في بعض مسائل هذا الباب، وإذا كانت بعض هذه الطوائف كالأشاعرة والماتريدية يقولون بالأخذ بالنصوص الشرعية في هذا الباب ويدرجونها تحت ما يسمونه باب السمعيات، ومقصدهم بالسمعيات أن أصول هذا الباب تؤخذ من نصوص الكتاب والسنة مع تأكيدهم على أن باب الإلهيات (أي الإيمان بالله) وباب النبوات (أي الإيمان بالنبي) لا يستدل لها بالنص وإنما دليلها عندهم هو العقل وحده.\nوعليه يقال لهم إن النصوص جاءت بالأمرين أي أمر الإيمان بالله، وأمر الإيمان باليوم الآخر، فما بالكم تفرقون بينهما وتجعلون باب الإيمان بالله ﷿ مصدره عقولكم فتثبتون وتنفون بناء عليه، وباب الإيمان باليوم الآخر تقبلون فيه بما وردت به النصوص، فمصدر البابين واحد، وقد بَيَّن الله تعالى على لسان رسوله ﷺ من أَمْرِ الإيمان بالله واليوم الآخر ما هدى الله به عباده، وكشف به مراده\".\nفكيف يفرق بين البابين ومصدرهما واحد وهو النبي ﷺ، فالنصوص جاءت بهذا وهذا، وكلا مسائل البابين من الأمور الغيبية الغير مشاهدة والتي لا سبيل للعلم بها إلا من طريق الوحي.\nوعليه فإن حق باب الإيمان بالله أن يعامل معاملة الإيمان باليوم الآخر بأن يرجع فيه إلى النصوص، والنصوص الواردة فيه أكثر بكثير من نصوص الإيمان باليوم الآخر.\nفهؤلاء المعطلة آمنوا ببعض وهو الإيمان بما أخبر الله به عن اليوم الآخر وامتثال الأمر، واجتناب النهي، والجزاء على الأعمال، بينما نفوا حقائق أسماء الله وصفاته، وهم أهل التحريف والتأويل، الذين يقولون أن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال - ما في نفس الأمر- وأن الحق في نفس الأمر هم ما علمناه بعقولنا، ثم","vol":"1","page":483},{"text":"يجتهدون في تأويل هذه النصوص بأنواع التأويلات التي يحتاجون فيها إلى إخراج اللغات عن طرقها المعروفة، وإلى الاستعانة بغرائب المجازات والاستعارات، فلا يقصدون مراد المتكلم به وحمله على ما يناسب حاله، وكل تأويل لا يقصد به صاحبه بيان مراد المتكلم وتفسير كلامه على الوجه الذي يعرف به مراده فصاحبه كاذب على من تأول كلامه، وقول المؤلف \"مثل طوائف من أهل الكلام\"، يعني كالجهمية والمعتزلية ونحوهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-262>الفريق الثالث: وهم الذين قال عنهم المصنف: \"نفوا هذا وهذا، كالقرامطة الباطنية والفلاسفة أتباع المشائين، ونحوهم من الملاحدة الذين ينكرون حقائق ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر\".</span>\nفهذه الطوائف نفت ما دلت عليه نصوص المعاد، من البعث والنشور والجزاء على الأعمال، كما نفت ما دلت عليه نصوص الصفات من نعوت الجلال وأوصاف الكمال، وهذا ضلال صراح وكفر بواح، وهؤلاء هم الغلاة، من القرامطة والباطنية الإسماعيلية، والفلاسفة المشائين.\nفالفلاسفة إيمانهم بالله ﵎ لا يكاد يتعدى الإيمان بوجوده المطلق، -أي بوجوده في الذهن والخيال دون الحقيقة-، وأما ما عدا ذلك فلا يكادون يتفقون على شيء، فالمباحث العقدية عندهم من أسخف وأفسد ما قالوا به.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"أما الإلهيات فكلياتهم فيها أفسد من كليات الطبيعة، وغالب كلامهم فيها ظنون كاذبة فضلًا عن أن تكون قضايا صادقة\" (^١).\nويتجلى فساد معتقد الفلاسفة في الله أكثر عندما نعرض لك بعض أقوالهم في ذات الله وصفاته.\n_________\n(^١) الرد على المنطقيين (ص ١١٤).","vol":"1","page":484},{"text":"فالفلاسفة يطلقون على الله مسمى (واجب الوجود)، وتوحيد واجب الوجود عندهم يكفي مجرد تصوره للعلم الضروري بفساده.\nفالتوحيد عندهم يقتضي تجريده من كل صفات الكمال اللازمة له، فهو ليس له حياة ولا علم ولا قدرة ولا كلام، ولا غير ذلك من الصفات، ويقولون بدلًا من ذلك: (إنه عاقل ومعقول وعقل، ولذيذ وملتذ ولذة، وعالم ومعلوم وعلم)، وجعلوا كل ذلك أمورًا عدمية.\nودفعهم إلى ذلك زعمهم أن تعدد الصفات موجب للتركيب في حق الله، وفساد هذا القول جلي واضح.\nفالله وصف نفسه بالصفات، ووصفه بها رسوله ﷺ وثبت ذلك في الكتاب والسنة نقلًا.\nكما أن العقل يشهد بفساد قولهم، فإن تعدد الصفات لم تقل لغة ولا شرع ولا عقل سليم إنه يوجب تركيب الموصوف إلا عند الفلاسفة (^١).\nومن شنيع كلامهم كذلك زعمهم أن الله لا يعلم الجزئيات، فهو عندهم لا يعرف عين موسى، ولا عيسى، ولا محمدًا عليهم الصلاة والسلام، فضلًا عن الوقائع التي قصها القرآن وغيرها من أمور المخلوقات. وفساد هذا القول واضح جلي في النقل والعقل.\nأما النقل فالله يقول: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩]. وكذا العقل أيضًا شاهد بفساد هذا المعتقد، فكيف يجهل الله أمورًا سيرها بأمره وأجراها بقدره\n_________\n(^١) انظر الرد على المنطقيين ص ٣١٤.","vol":"1","page":485},{"text":"وأخبر عنها في كتابه (^١).\nومن شنيع قولهم ما قالوه في قدرة الله من أنه فاعل بالطبع لا بالاختيار لأن الفاعل بالطبع يتحد فعله، والفاعل بالاختيار يتنوع فعله، وما دروا أنهم بهذا جعلوا الإنسان الفاعل بالاختيار أكمل من الله الفاعل بالطبع على حد زعمهم. وهذا القول مردود بقول الله ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَار﴾ [القصص ٦٨]. ومردود بالعقل لأن الله هو أكمل الفاعلين فكيف يُشبَّه فعله بفعل الجماد.\nوالفلاسفة يدأبون حتى يثبتوا واجب الوجود، ومع إثباتهم له فهو عندهم وجود مطلق، لا صفة له ولا نَعْتَ، ولا فعل يقوم به، لم يخلق السموات والأرض بعد عدمها، ولا له قدرة على فعل، ولا يعلم شيئًا.\nولا شك أن الذي كان عند مشركي العرب من كفار قريش وغيرهم أهون من هذا، فعباد الأصنام كانوا يثبتون ربًا خالقًا عالمًا قادرًا حيًا، وإن كانوا يشركون معه في العبادة.\nففساد أقوال الفلاسفة في الله لا يضاهيه فساد، وسنعرض لأقوالهم في أسماء الله وصفاته فيما بعد إن شاء الله تعالى.\nفهذا ما عند هؤلاء من خبر الإيمان بالله ﷿.\nوأما الإيمان باليوم الآخر فهم لا يقرون بانفطار السموات، وانتثار الكواكب، وقيامة الأبدان، ولا يقرون بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام، وأوجد هذا العالم بعد عدمه.\nفلا مبدأ عندهم، ولا معاد، ولا صانع، ولا نبوة، ولا كتب نزلت من السماء، تكلم الله بها، ولا ملائكة تنزلت بالوحي من الله تعالى.\n_________\n(^١) انظر الرد على المنطقيين ص ٤٦١.","vol":"1","page":486},{"text":"فدين اليهود والنصارى بعد النسخ والتبديل خير من دين هؤلاء.\nوحَسبُكَ جهلًا بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، من يقول: إنه سبحانه لو علم الموجودات لحقه الكلال والتعب، واستكمل بغيره. وحسبك خذلانًا، وضلالًا وعمى: السير خلف هؤلاء، وإحسان الظن بهم، وأنهم أولو العقول\" (^١).\nوالذي ينبغي معرفته أن الفلاسفة لا يؤمنون بوجود الله حقيقة، ولا يؤمنون بوحي ولا نبوة ولا رسالة، وينكرون كل غيب، فالمبادئ الفلسفية جميعها تقوم على أصلين هما:\nالأصل الأول: أن الأصل في العلوم هو عقل الإنسان، فهو عندهم مصدر العلم.\nالأصل الثاني: أن العلوم محصورة في الأمور المحسوسة المشاهدة فقط.\nفتحت الأصل الأول أبطلوا الوحي، وتحت الأصل الثاني أبطلوا الأمور الغيبية بما فيها الإيمان بالله واليوم الآخر.\nوقد تسلط الفلاسفة على المسائل الاعتقادية وزعموا أنها مجرد أوهام وخيالات لا حقيقة لها ولا وجود لها في الخارج، فلا الله موجود حقيقة، ولا نبوة ولا نبي على التحقيق، ولا ملائكة، ولا جنة ولا نار، ولا بعث ولا نشور.\nوهم ينقسمون إلى قسمين:\nالقسم الأول: أهل فلسفة محضة كالفارابي والكندي وابن رشد الحفيد (^٢).\nالقسم الثاني: أهل فلسفة باطنية وتنقسم إلى قسمين:\nالأول: فلسفة باطنية إسماعيلية قرمطية كابن سينا وإخوان الصفا (^٣).\n_________\n(^١) إغاثة اللهفان (٢/ ٢٦١ - ٢٦٢).\n(^٢) -منهاج السنة ٢/ ٥٢٣، ٥٢٤.\n(^٣) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.","vol":"1","page":487},{"text":"الثاني: فلسفة صوفية اتحادية كابن عربي وابن سبعين وابن الفارض.\nفالفلاسفة دعواهم العريضة في هذا الباب هي قوله: إن ما ذكره الرسول -ﷺ- إنما هو من باب الوهم والتخييل، وهم يقولون: ليس هناك أصلًا نبوَّة على الحقيقة، وأن النبوَّة على زعمهم إنما هي أمرٌ مكتسب كأي مهنة من المهن، وأن هذا النبي استطاع بقوة ذكائه أن يخيِّل للناس أن هناك رباًّ على الحقيقة، وأن نتجلى على الحقيقة، وأن هناك بعثًا وحشرًا وإلى غير ذلك، وهذا كله عندهم من باب الوهم والخيال.\nتحت هذا الزعم يقولون: إن هذه الأمور لا حقيقة لها، وأن هذا الرجل إنما هو مجرد مصلحٍ زعم بأنه بهذه الطريقة استطاع أن يصلح الناس، وعند بعضهم لا بأس بالإبقاء على ذلك لأن في ذلك مصلحة، فعقول عامة الناس لا تتسع لغير ذلك، وليس بمقدور كل أحدٍ أن يدرس الفلسفة التي هم عليها حتى يعرفوا الأمر على حقيقته.\nوهذا مسلك الفلاسفة، ولذلك هم ينكرون كل غيب، فعندهم أن وجود الله -﷿- لا حقيقة له وإنما هو أمر مقدر في الخيال والذهن لا في الخارج، وأن الملائكة هي قوى الخير في النفس، والشياطين هي قوى الشر في النفس، وأن الجنة هي السعادة النفسية، وأن النار هي الشقاء النفسي، إلى غير ذلك من التأويلات التي قالوها تحت هذا الزعم، فهم ليسوا مع ذلك بحاجة إلى أن يؤوِّلوا على وجه التفصيل.\nفهم يقولون: إن ما ذكره الرسول من أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ليس لينتفع به خواص الناس وإنما هو فقط خطابٌ للعوام والجمهور من الناس، لا أنه بين به الحق، ولا هدى به الخلق، ولا أوضح به الحقائق، فإذًا طعنوا في علمه، وطعنوا في بيانه، وطعنوا حتى في قدرته على الحق عند بعضهم.\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"ثم إن كثيرًا منهم يجعلون الأمر والنهي من هذا","vol":"1","page":488},{"text":"الباب، فيجعلون الشرائع المأمور بها، والمحظورات المنهي عنها، لها تأويلات باطنة تخالف ما يعرفه المسلمون منها، كما يتأولون الصلوات الخمس، وصيام شهر رمضان، وحج البيت، فيقولون: إن الصلوات الخمس معرفة أسرارهم، وإن صيام شهر رمضان كتمان أسرارهم، وإن حج البيت السفر إلى شيوخهم، ونحو ذلك من التأويلات التي يعلم بالاضطرار أنها كذب وافتراء على الرسل صلوات الله عليهم، وتحريف لكلام الله ورسوله عن مواضعه، وإلحاد في آيات الله.\nوقد يقولون: إن الشرائع تلزم العامة دون الخاصة، فإذا صار الرجل من عارفيهم ومحققيهم وموحديهم رفعوا عنه الواجبات، وأباحوا له المحظورات. وقد يوجد في المنتسبين إلى التصوف والسلوك من يدخل في بعض هذه المذاهب.\nوهؤلاء الباطنية الملاحدة أجمع المسلمون على أنهم أكفر من اليهود والنصارى\".\nالشرح\nأي إذا جاءوا إلى الأمور العملية فمنهم من يقرِّرها على سبيل أنها رياضات نفسية تستوي كرياضة اليوجا أو غيرها من الرياضات لأنها كلها تصبُّ في بابٍ واحد وهو تزكية النفس.\nومنهم من يقول: هي فقط للعوام وليست للخواص، ولذلك ترسخ هذا الفكر عند بعض الناس فترى أنه لا يصلي ولا يصوم ويزعم أنه مسلم لأنه يرى هذه النظرة أن الصلاة والزكاة لطائفة دون طائفة أخرى.\nفإذًا في العمليات كالصلاة والصوم والزكاة والحج، منهم من يقول: تبقى على ما هي عليه لأنها من سبيل الرياضات النفسية، فالنفس تتروَّض بمثل ذلك وتزكو فلا مانع من بقائها على ما هي عليه، ومنهم من يجريها هذا المجرى ويقول: إنما","vol":"1","page":489},{"text":"يؤمر بها بعض الناس دون بعض، ويؤمر بها العامة دون الخاصة، فهذه طريقة الباطنية الملاحدة والإسماعيلية ونحوهم.\nقال ابن تيمية: \"وكان لهؤلاء الفلاسفة أقوال فاسدة تلقوها من أسلافهم الفلاسفة، ولما رأوا أن ما تواتر عن الرسل يخالفها، سلكوا طريقهم الباطنية فقالوا: إن الرسل لم تبين العلم والحقائق التي يقوم عليها البرهان في الأمور العلمية، ثم منهم من قال: إن الرسل علمت ذلك وما بينته، ومنهم من يقول: إنها لم تعلمه وإنما كانوا بارعين في الحكمة العملية دون الحكمة العلمية، ولكن خاطبوا الجمهور بخطاب تخييلي، خيلت لهم في أمر الإيمان بالله واليوم الآخر ما ينفعهم اعتقاده في سياستهم، وإن كان ذلك اعتقادًا باطلًا لا يطابق الحقائق.\nوهم يقرون بالعبادات، ولكن يقولون مقصودها إصلاح أخلاق النفس، وقد يقولون إنها تسقط عن الخاصة العارفين بالحقائق فكانت بدعة أولئك المتكلمين مما أعانت إلحاد هؤلاء الملحدين\" (^١)\nفهذا الفريق هذا شأنه مع النصوص، طعن في النصوص وطعن في علم الرسول ﷺ، وطعن في إرادته وطعن في قدرته؛ وهذا قولهم في الجملة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وحقيقة الأمر أن اسم الباطنية قد يقال في كلام الناس على صنفين:\nأحدهما: من يقول إن للكتاب والسنة باطنا يخالف ظاهرها فهؤلاء هم المشهورون عند الناس باسم الباطنية من القرامطة وسائر أنواع الملاحدة.\nوهؤلاء في الأصل قسمان:\nقسم يرون ذلك في الأعمال الظاهرة حتى في الصلاة والصوم والحج والزكاة\n_________\n(^١) -منهاج السنة ١/ ٣٢١، ٣٢٢. «بتصرف»","vol":"1","page":490},{"text":"وتحريم المحرمات من الفواحش والظلم والشرك ونحو ذلك فيرون أن الخطاب المبين لوجوب هذه الواجبات وتحريم المحرمات ليس هو على ظاهره المعروف عند الجمهور ولكن لذلك أسرار وبواطن يعرفوهنا كما يقولون الصلاة معرفة أسرارنا والصوم كتمان أسرارنا والحج الزيارة إلى شيوخنا المقدسين فهؤلاء زنادقة منافقون باتفاق سلف أئمة الإسلام ولا يخفى نفاقهم على من له بالإسلام أدنى معرفة.\n(وقسم): وهم خواصهم لا يقولون برفع هذه الظواهر عن الجمهور بل يقولون برفعها عن الخاصة كما يقولون في الأمور العملية فإن من دفع أن يكون الخطاب العلمي مرادا به هذه الأعمال فهو للخطاب العملي أعظم دفعا.\nوهذا الصنف يقع في:\nالقرامطة المظهرين للرفض.\nويقع في زنادقة الصوفية من الاتحادية الحلولية.\nويقع في غالية المتكلمة لكن هؤلاء قد يدعون تخصيص الخطاب العام الموجب للصلاة والزكاة والصيام والحج، وإن كان ذلك كذبا معلوما بالاضطرار من دين الإسلام أنه باطل لا يدعون رفع حكم الخطاب مطلقا.\nوأما عقلاء هذه الطائفة الباطنية مثل ابن رشد هذا وأمثاله فإنهم يقولون بالباطن المخالف للظاهر في العلميات، وأما العمليات فيقرونهاعلى ظاهرها وهذا قول عقلاء الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام، مع أنهم في التزام الأعمال الشرعية مضطربون لما في قلوهبم من المرض والنفاق وتارة يرون سقوطها عنهم أو عن بعضهم دون العامة.\nوابن سينا كان مضطربا في ذلك لكن له عهد قد التزم فيه موافقة الشريعة وهم","vol":"1","page":491},{"text":"في الجملة يرون موافقة الشريعة العملية أولى من مخالفتها.\nوليس هذا موضع تفصيل مقالات الناس ولا يكاد تفصيل الباطل ينضبط.\nوأما القسم الثاني: فالذين يتكلمون في الأمور الباطنة من الأعمال والعلوم لكن مع قولهم إنها توافق الظاهر ومع اتفاقهم على أن من ادعى باطنا يخالف الظاهر فهو منافق زنديق فهؤلاء هم المشهورون بالتصوف عند الأمة وهم في ما يتكلمون فيه من الأعمال الباطنة وعلم الباطن يستدلون على ذلك بالأدلة الشرعية من الكتاب والسنة كما يستدل بذلك على الأعمال الظاهرة وذلك في علم الدين والإسلام كما للإنسان بدن وقلب وهؤلاء من أعظم الناس إنكارا على من يخالف الظاهر ممن فيه نوع تجهم دع الباطنية الدهرية وهم أشد إيمانا بما أخبر به الرسول صلى االله عليه وسلم باطنا وظاهرا من غيرهم وأشد تعظيما للأعمال الظاهرة مع الباطنة من غيرهم، ولكن يوجد فيهم من جنس ما يوجد في بقية الطوائف من البدعة والنفاق مثل من قد يرى الاستغناء بالعمل الباطن عن الظاهر ومن يدعي أن للقرآن باطنا يخالف ظاهره ونحو ذلك من صنوف المنافقين والزنادقة فهؤلاء بالنسبة إلى الصوفية الذين هم مشائخ الطريقة الذين لهم في الأمة لسان صدق بالنسبة إلى المنافقين الزنادقة ومن متكلمي الفلسفة ونحوهم موجودين في الفقهاء بالنسبة إلى الفقهاء الأئمة الذين لهم في الأمة لسان صدق فكما أن أولئك الأئمة الفقهاء برءاء من بدع أهل الكلام فضلا عن بدع الفلاسفة من الباطنية ونحوهم فكذلك المشائخ الصوفية برآء من بدع أهل التصوف فضلا عن من دخل فيهم من المتفلسفة وغيرهم فهذا أصل عظيم ينبغي معرفته (^١)\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ١/ ١١٩.","vol":"1","page":492},{"text":"المتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وما يحتج به أهل الإيمان والإثبات على هؤلاء الملاحدة يحتج به كل من كان من أهل الإيمان والإثبات على من يَشرك هؤلاء في بعض إلحادهم، فإذا أثبت لله تعالى الصفات، ونفى عنه مماثلة المخلوقات، كما دل على ذلك الآيات البينات - كان ذلك هو الحق الذي يوافق المنقول والمعقول، ويهدم أساس الإلحاد والضلالات\".\nالشرح\nأي أن ما يذكره أهل السنة من ردود على غلاة المعطلة، هو كذلك حجة على من شارك هؤلاء المعطلة فيما قالوه، وقد سبق بيان تأثر أهل الكلام بالفلاسفة وأن هذا التأثر كان على درجات متفاوتة.\nفجل ما اعتمد عليه هؤلاء المعطلة من أدلة على نفي الصفات إنما هو عبارة عن حجج عقلية مزعومة ومبتدعة بناها هؤلاء المعطلة على أصول فلسفية كانوا قد تأثروا بها، وليس لهؤلاء المعطلة في نفيهم هذا أساس من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وإذا كان الغلط شبرًا صار في الأتباع ذراعًا ثم باعًا حتى آل إلى هذا المآل والسعيد من لزم السنة (^١).\nوحقيقة الكلام والصراع القائم في هذه المسألة، أي مسألة الأسماء والصفات، إنما هو صراعٌ بين فريقين، فريقٌ اعتمد العقل علمًا وأصلًا، وبعد ذلك بعقله الفاسد أخذ يطعن في الشرع، ويترك نصوص الكتاب والسنة، ويترك ما كان عليه الصحابة والتابعون وتابعو التابعين ومن جاء بعدهم في هذا الباب، واعتمد على ظلمات مركبة من\n_________\n(^١) بغية المرتاد (ص ٤٥١).","vol":"1","page":493},{"text":"المنطق والفلسفة، وعقد عليها أمورًا في هذا الباب أوجبت عند هؤلاء رد كثير من نصوص الصفات، وسبق وأن بينَّا أن هذا الفريق لم يعملوا بنصوص الكتاب والسنة، وأن من يقرأ في كتب القوم، يجد أن هذه الكتب اعتمدت على مقدمات منطقية فلسفية أخذوها من فلاسفة اليونان وفلاسفة الهند وغيرهم، وبنوا عليها معتقدهم في هذا الباب، وبالتالي فإن الصراع قائم بين نصوص الكتاب والسنة وبين فلسفة اليونان وفلسفة الهند وغيرها من الفلسفات التي تأثر بها هؤلاء وأدخلوها على المسلمين على صورة مضيئة توهم أن هذا هو الحق؟\nقال ابن تيمية: \"ومن علم أن المتكلمين من المتفلسفة وغيرهم في الغالب يعلم الذكي منهم والعاقل: أنه ليس هو فيما يقوله على بصيرة، وأن حجته ليست ببينة، وإنما هي كما -قيل فيها: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات: ٨].\nحجج تهافت كالزجاج تخالها حقا وكل كاسر مكسور\nويعلم العليم البصير أنهم من وجه مستحقون ما قاله الشافعي ﵁ حيث قال: \"حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال، ويطاف بهم في القبائل والعشائر، ويقال: هذا جزاء من أعرض عن الكتاب والسنة وأقبل على الكلام \" (^١).\nومن وجه آخر إذا نظرت إليهم بعين القدر-والحيرة مستولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم-رحمتهم وترفقت بهم؛ أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء، وأعطوا فهوما وما أعطوا علوما، وأعطوا سمعا وأبصارا وأفئدة﴾ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون] ﴿الأحقاف: ٢٦. [ومن كان عليما بهذه الأمور: تبين له بذلك حذق السلف وعلمهم وخبرتهم حيث حذروا عن الكلام ونهوا عنه، وذموا أهله وعابوهم، وعلم أن من\n_________\n(^١) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر ٢/ ١٩٣","vol":"1","page":494},{"text":"ابتغى الهدى في غير الكتاب والسنة لم يزدد من الله إلا بعدا\" (^١)\nقال ابن رجب الحنبلي: \"وقد ابتلينا بجهلة من الناس يعتقدون في بعض من توسع في القول من المتأخرين أنه أعلم ممن تقدم.\nفمنهم من يظن في شخص أنه أعلم من كل من تقدم من الصحابة ومن بعدهم لكثرة بيانه ومقاله.\nومنهم من يقول هو أعلم من الفقهاء المشهورين المتبوعين.\nوهذا يلزم منه ما قبله لأن هؤلاء الفقهاء المشهورين المتبوعين أكثر قولا ممن كان قبلهم فإذا كان من بعدهم أعلم منهم لاتساع قوله كان أعلم ممن كان أقل منهم قولًا بطريق الأولى.\nكالثوري والأوزاعي والليث. وابن المبارك. وطبقتهم. وممن قبلهم من التابعين والصحابة أيضًا.\nفإن هؤلاء كلهم أقل كلامًا ممن جاء بعدهم وهذا تنقص عظيم بالسلف الصالح وإساءة ظن بهم ونسبته لهم إلى الجهل وقصور العلم ولا حول ولا قوة إلا باللَه ولقد صدق ابن مسعود في قوله في الصحابة أنهم أبر الأمة قلوبًا. وأعمقها علومًا. وأقلها تكلفًا. وروي نحوه عن ابن عمر أيضًا. وفي هذا إشارة إلى أن من بعدهم أقل علومًا وأكثر تكلفًا.\nوقال ابن مسعودًا أيضًا: \"إنكم في زمان كثير علماؤه قليل خطباؤه وسيأتي بعدكم زمان قليل علماؤه كثير خطباؤه فمن كثر علمه، وقل قوله فهو الممدوح، ومن كان بالعكس فهو مذموم. \" (^٢)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٥/ ١١٩\n(^٢) بيان فضل علم السلف على علم الخلف ص ٤","vol":"1","page":495},{"text":"وهذه المسألة تقودنا إلى أن هناك في الواقع في فكر السلمين هناك ثلاثة مناهج:\nالمنهج الأول: منهجٌ اعتمد الكتاب والسنة وكلام القرون الأولى من الصحابة والتابعين، وعادوا في عامة جميع أمور الدين سواءٌ كانت أمورًا تتعلق بالاعتقاد أو تتعلق بالعبادات أو تتعلق بالمعاملات، أو تتعلق بغير ذلك من أحكام الإسلام كل هذا عادوا فيه إلى منهج الكتاب والسنة، وهذا هو المنهج السليم الذي سار عليه من تمسك بمنهج سلف الأمة وتمسك بكلام الله تعالى وكلام رسوله -ﷺ- وكلام السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضوان الله عليهم أجمعين، وكلام الأئمة الأربعة - رحمهم الله تعالى - ومن صار على نهجهم، وهذا المنهج قائم يدعو الناس جميعًا أن يأخذوا أمر دينهم من كلام ربهم ﷿ ومن سنة نبيهم -ﷺ-، وكلام السلف الصالح والتابعين وتابعي التابعين وأئمة هذا الدين رضوان الله تعالى عيهم أجمعين، فالله ﷾ وأخبر في كتابه فقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢].\nوفي هذه الآية جمع الله ﷾ بين الكتاب والسنة، فقال سبحانه عن كتابه العزيز: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ فسماه الله روحًا، وقال عن رسوله -ﷺ-: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.\nفمن تمسك بكلام الله تعالى وكلام رسوله -ﷺ- وعاد في كل أمرٍ من أمور الدين، سواء كان هذا الأمر يتعلق بجانب بالاعتقاد أو بجانب العبادة، أو بجانب المعاملات والآداب وسائر أمور الدين رجع إلى تلك النصوص وأخذها واعتمد عليها، وكذلك استقرء ما جاء فيها من أحكام، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. اهتدى وسعد في","vol":"1","page":496},{"text":"الدارين.\nالمنهج الثاني: ما يُسمى المنهج الفلسفي أو المنهج العقلي أو المنهج الكلامي، والمقصود به قول الفلاسفة أو قول أهل الكلام أو العقلانيين.\nفهؤلاء قوم جاؤا إلى ميراث أولئك الملاحدة والفلاسفة وأخذوا به، وركبوا تلك القواعد المنطقية الفلسفية، وبعد ذلك جعلوا من هذه القواعد حقائق لا تقبل الشك أو الجدل وجعلوها أمورًا غير قابلة للرد.\nولذلك على هذا الأساس أخذوا يطعنون الكتاب والسنة، فطعنوا في المتواتر، وطعنوا في الآحاد، أما المتواتر فقالوا إنه ظني، والدليل العقلي قطعي، أي تلك القواعد المنطقية الفلسفية التي ركبوها وكانت من صنعهم، هي في ظنهم واعتقادهم أنها قطعية ثابتة لا تقبل النزاع ولا الأخذ ولا الرد.\nأما نصوص الكتاب والسنة، وإن كانت قد ثبتت بالتواتر، فإنها في اعتبارهم ظنية أي ظنية من جهة دلالتها وبذلك لا يمكن أن تعارض الأمور الظنية الأمور القطعية، والظنية في نظرهم المتواتر من نصوص الكتاب والسنة.\nوإذا لم تكن النصوص متواترة وكانت أخبار آحاد فإن القاعدة عندهم تقول إن أخبار الآحاد لا تقبل في باب الاعتقاد بمعنى أنها مرفوضة تمامًا ولا تقبل، وهذا الكلام يقرره هؤلاء في كتبهم، فكتبهم تنص على هذا فيما يسمونه قانون التأويل، فأخذوا يطعنون في نصوص الكتاب والسنة إن استطاعوا أن يطعنوا في ثبوتها طعنوا، وليتهم طعنوا في ثبوتها على قواعد المحدثين لكان الأمر على الرأس والعين، فإذا لم يثبت الحديث ولم تصح الرواية ولم يصل إلى درجة الصحة أو الحسن فلا بأس أن نردها، ولكن وإن جاء في البخاري ومسلم واتفقا عليهما فإنه عند هؤلاء لا يقبل في باب العقائد - على حد قولهم، وهذا المنهج العقلاني ليس مقتصرًا على باب العقائد","vol":"1","page":497},{"text":"بل تجده أيضًا في علوم التفسير وتجده كذلك في أبواب الفقه وتجده في كثير من فنون العلم وخذ مثلًا مدراس التفسير فمدارس التفسير ثلاثة هي:\nالتفسير بالمأثور وهذا منهج أهل الحديث وأهل السنة من الاعتماد على الكتاب والسنة وكلام السلف وجعله أساسًا في تفسير كتاب الله العزيز.\nوهناك التفسير بالرأي وهذا هو المنهج العقلاني الذي يقول به هؤلاء وهو التفسير بالرأي وبما تراه العقول دون الرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة، فهناك من فسر القرآن بالرأي الناشئ عن هوى كما فسرت المعتزلة والخوارج والإباضية والرافضة والأشاعرة والماتريدية القرآن بآرائهم وأهوائهم وتركوا تفاسير السلف إلى تفاسير محدثة فهؤلاء مذمومون، لأنهم فسروا القرآن برأي لا دليل عليه ولا حجة فيه وإنما نشأ ذلك التفسير عن هوى فهذا رأي مذموم ومردود على صاحبه.\nأما من فسر القرآن بالاجتهاد والاستنباط، وكان اجتهادهم واستنباطهم صحيحا، وهذا إنما يسوغ إذا كمل لدي المفسر شروط جواز التفسير بالاجتهاد والاستنباط، وقد جمع الشروط التي بها يجوز للمفسر أن يفسر القرآن بالاجتهاد والاستنباط.\nالمنهج الثالث: هو المنهج الباطني، فبعد أن ذكرنا كلًا من المنهج السلفي والمنهج العقلاني بقي المنهج الباطني.\nوهناك التفسير الباطني الإشاري أو التفسير بالرمز الذي يوجد عند غلاة المتصوفة والرافضة إذ جعلوا لهم رموزًا تخصهم يفسرون على أساسها نصوص الكتاب العزيز، فإنهم يقولون إن الظاهر غير مراد أصلا وإنما المراد الباطن وقصدهم نفي الشريعة\nوالمنهج الباطني إما رافضي أو صوفي، والمنهج الصوفي يقوم على الوجد والذوق والكشف والمنامات والرؤى، فهؤلاء إذا بدى لهم أن يشرعوا أمرًا فإن","vol":"1","page":498},{"text":"قائلهم يقول رأيت النبي ﷺ في المنام والتقيت به وقال لي كذا وكذا، وبعد ذلك خرج للناس بطريقة صوفية جديدة أو بتشريع أمر من الأمور.\nوالناس يدورون بين أحد هذه المناهج أو يكون عند بعضهم خليط بين منهج ومنهج فأحيانا تجد الشخص يجمع بين المنهج الصوفي والمنهج العقلاني.\nولذلك يجد الإنسان نفسه أمام قضية مصيرية، فإما أن نكون عند طلب هذا العلم أن نرتضي لأنفسنا طريقًا ومنهجا يقوم على قال الله تعالى وقال رسوله -ﷺ-، وقال ابن عباس ﵄، وقال ابن جبير، وقال أبو حنيفة، وقال مالك، وقال الشافعي، وقال الإمام أحمد، وقال ابن قتيبة، فإما أن نكون على هذا المنهج في تعلمنا لهذا الدين.\nوإما أن نطوي هذه الصفحة ونستبعدها ونأتي مع من يقول قال الفضلاء قال العقلاء قال الحكماء ونؤسس على ذلك قواعد منطقية وفلسفية نبنيها ونرتبها ثم بعد ذلك نهجر كتاب الله ﷿ ونهجر كلام رسوله ﷺ ونعرض عن كلام السلف الصالح وأئمة هذا الدين.\nوإما أن نأخذ بالمنهج الثالث الذي يقول بأن هذه الأمور تؤخذ عن طريق أنواع من السلوك والطرق ثم بعد ذلك يقول أصحابها حدثني قلبي عن ربي، ورأيت ربي، ورأيت النبي ﷺ في المنام، أو كشف لي الحجاب، وهكذا بالذوق والمنامات وغير ذلك.\nفالناس اليوم لا يخرجون في تلقيهم عن هذه المناهج الثلاثة أو جمعوا بين منهج الصوفي ومنهج الفلسفي وهذا كثير عند طوائف من الناس، وسبب خلطهم بين هذين المنهجين لأن المهج الفلسفي منهج فكري نظري يفتقر للنواحي السلوكية العملية والمنهج الصوفي منهج عملي سلوكي يفتقر للنواحي العلمية.","vol":"1","page":499},{"text":"فالمنهج الصوفي يركز على الناحية السلوكية والتربية العملية، ولكن طرق سلوكية أحدثها هؤلاء من عند أنفسهم وجعلوها من دين الله تعالى وهي لم ترد في دين الله تعالى وصدق المصطفى -ﷺ- إذ يقول: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» (^١).\nفعلى طالب العلم أن يتصور هذه المناهج وهذه المدارس ولا تغب عنه طالما هو في سبيل العلم وطريق العلم، فطالب العلم وهو يدرس فنون العلم من عقيدة وتفسير وفقه وأصول يجد هذه المدارس ماثلة أمامه.\n\n<span data-type='title' id=toc-263>قياس التمثيل والشمول</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"والله ﷾ لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن الله لا مثل له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يشترك هو والمخلوق في قياس تمثيل، ولا في قياس شمول تستوي أفراده، ولكن يُستعمل في حقه المثل الأعلى، وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أَوْلَى به، وكل ما تنزه عنه المخلوق من نقص فالخالق أَوْلَى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزها عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم، فالخالق أَوْلَى أن يُنزه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقة في الاسم\".\n_________\n(^١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الصُّلْحِ، بَابُ إِذَا اصْطَلَحُوا عَلَى صُلْحِ جَوْرٍ فَالصُّلْحُ مَرْدُودٌ، برقم (٢٦٩٧)، ومسلم كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ، بَابُ نَقْضِ الْأَحْكَامِ الْبَاطِلَةِ، وَرَدِّ مُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ (١٧١٨)، وأبو داود (٤٦٠٦)، وابن ماجه (١٤)، والإمام أحمد في المسند الْمُلْحَقُ الْمُسْتَدْرَكُ مِنْ مُسْنَدِ الْأَنْصَارِ بَقِيَّةُ خَامِسَ عَشَرَ الْأَنْصَارِ (٢٦٠٣٣).","vol":"1","page":500},{"text":"الشرح\nلما كان العقل أداة للفهم والإدراك، وما أودع الله فيه من قوة الاستدلال والنظر والمقايسة، جرى استعماله في العقائد لتأييد دلالة الشرع، وقد تضمن الكتاب والسنة جملة من المقاييس العقلية، التي هي بمثابة مقدمات منطقية للوصول إلى النتائج التي جاء بها الشرع، والأمثال المضروبة في القرآن والسنة هي نوع من هذه الأقيسة العقلية (^١)، جاءت لتأكيد مسألة اتفاق العقل الصريح مع النقل الصحيح، فاجتمعت فيها دلالة العقل ودلالة الشرع (^٢).\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «ودلالة القرآن على الأمور نوعان:\n١ - أحدهما: خبر الله الصادق، فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله به.\n٢ - والثاني: دلالة القرآن بضرب الأمثال وبيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب، فهذه دلالة شرعية عقلية، فهي «شرعية»؛ لأن الشرع دلَّ عليها، وأرشد إليها، و«عقلية»؛ لأنها تعلم صحتها بالعقل، ولا يقال: إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر.\nوإذا أخبر الله بشيء، ودلَّ عليه بالدلالات العقلية، صار مدلولًا عليه بخبره، ومدلولًا عليه بدليله العقلي الذي يعلم به، فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما يدخل في دلالة القرآن التي تسمى: \"الدلالة الشرعية\"» (^٣).\nومسألة قياس الأولى التي نحن بصددها، مستفادة من قاعدة الكمال في إثبات\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٣٠٥).\n(^٢) انظر: مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات ص (٤٨٠).\n(^٣) تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل (٥/ ١٩٥ - ١٩٦)، وانظر: درء تعارض العقل والنقل (٩/ ٣٩)، مجموع الفتاوى (٩/ ١٤١ - ١٤٢)، بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٥٣٦).","vol":"1","page":501},{"text":"الصفات لله -﷿-، وهي تستعمل في جانب النفي أيضًا، لتنزيه الله -﷿- عن النقائص، ومبناها على جواز استعمال أحد الأقيسة العقلية في حق الله -﷿-، والذي يسمى «قياس الأولى».\nويمكن توضيح هذه المسألة من خلال الأمور الآتية:\n\n<span data-type='title' id=toc-264>الأمر الأول: توضيح مسألة قياس الأولى.</span>\nمن المقاييس الصحيحة التي يمكن الاستدلال بها في النفي في باب الصفات، قياس الأولى، وقبل الحديث عن قياس الأولى بالتفصيل، لا بد من الحديث عن القياس أولًا، وبيان بعض أنواعه بشكل مختصر، حتى يتضح لنا سبب استعمال هذا النوع من القياس في باب الصفات دون غيره.\nتعريف القياس لغة واصطلاحًا\nالقياس في اللغة: مصدر قَاسَ الشيء على الشيء، إذا قَدَّرَهُ بِقَدْرِه، فالقياس: التقدير (^١).\nوفي الاصطلاح المنطقي: قولٌ مؤلفٌ من قضايا متى سُلِّمت، لزم عنها لذاتها قولٌ آخر (^٢).\nوالقضايا التي يتألف منها القياس ثلاث: مقدمتان ونتيجة لازمة عنهما بالضرورة، بعد التسليم بصحتهما (^٣).\nأقسام القياس\nوينقسم القياس باعتبار صورته إلى قسمين، اقتراني واستثنائي، وما ألحق بهما:\n_________\n(^١) انظر: المعجم الوسيط (٢/ ٧٧٠)، مجموع الفتاوى (٩/ ١١٩)، الكليات ص (٧١٣).\n(^٢) طرق الاستدلال ومقدماتها عند المناطقة والأصوليين ص (٢٢٩).\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":502},{"text":"١ - القياس الاقتراني: (ويسمى أيضًا قياس الشمول)، وهو: ما كانت النتيجة فيه مستخلصة من المقدمات، عن طريق العقل.\nفالنتيجة ليست موجودة بصورتها؛ بل بمادتها، وسمي اقترانيًا لاقتران حدود القياس فيه.\nومثاله: كل عصفور طائر، ولا طائر ذو أذن؛ إذن: لا عصفور ذو أذن (^١).\n٢ - القياس الاستثنائي، وهو: ما كان عين النتيجة، أو نقيضها، مذكورًا في مقدماته بالفعل.\nوسمي استثنائيًا لاشتماله على حرف الاستثناء «لكن»، ومثاله:\nإذا أمطرت السماء، ابتلت الأرض، لكن الأرض غير مبتلة، فالسماء غير ممطرة (^٢).\nهذا القياس عند المناطقة، أما القياس الذي يستعمله الأصوليون فيسمى القياس التمثيلي، وهو الذي يسميه المتكلمون بقياس الشاهد على الغائب.\nوهو: إثبات حكمٍ واحدٍ في جزئي؛ لثبوته في جزئي آخر؛ لمعنى مشترك بينهما.\nومثاله، قياس النبيذ على الخمر في تحريم شربهما؛ لاشتراكهما في علة\n_________\n(^١) المصدر السابق ص (٢٤١ - ٢٤٢).\nوعرَّفه شيخ الإسلام بأنه: «انتقال الذهن من المعيَّن، على المعنى العام المشترك الكلي المتناول له ولغيره، والحكم عليه بما يلزم المشترك الكلي، بأن ينتقل من ذلك الكلي اللازم إلى الملزوم الأول، وهو المعيَّن.\nفهو انتقال من خاص إلى عام، ثم انتقال من ذلك العام إلى الخاص، من جزئي إلى كلي، ثم من ذلك الكلي إلى الجزئي الأول، فيحكم عليه بذلك الكلي»، مجموع الفتاوى (٩/ ١١٩).\n(^٢) طرق الاستدلال ومقدماتها ص (٢٤٢).","vol":"1","page":503},{"text":"الإسكار (^١).\nوأكثر المناطقة يجعلون القياس هو الشمول لا التمثيل في إفادته لليقين، والصحيح أنهما متلازمان، ويمكن ردّ كل واحد منهما إلى الآخر كما يرجح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (^٢).\nيوضح ذلك أن يقال: النبيذ حرام كالخمر بجامع الإسكار، وهذا إلحاق فرع بأصل لعلة جامعة، وهو قياس التمثيل، أو يقال: النبيذ مسكر، وكل مسكر حرام، النتيجة: النبيذ حرام، وهذا قياس شمول.\nفاليقين أو الظن، إنما يستفاد من صدق مقدمات القضية أو عدمه، لا من كون القياس المستعمل شموليًا أو تمثيليًا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-265>الأمر الثاني: لا يجوز استعمال قياس الشمول والتمثيل في حق الله تعالى.</span>\nلما كان كلًا من القياس الشمولي والتمثيلي يستلزم أن يندرج الخالق والمخلوق تحت أصل وفرع، أو تحت قضية كلية يستوي أفرادها، كان كلًا منهما مما لا يجوز استعماله في العلم الإلهي؛ لأنه لا يمكن جمع الخالق والمخلوق تحت أصل وفرع، ولا يجوز أن يمثَّل الله -﷿- بغيره، كما لا يجوز أن يدخل الخالق والمخلوق تحت قضية كلية تستوي أفرادها، لعظم الفرق بين الخالق والمخلوق، بل لا تتصور النسبة الجامعة بينهما، فضلًا عن أن يقاس أحدهما بالآخر.\nقال شيخ الإسلام: «إن العلم الإلهي لا يجوز أن يستدل فيه بقياس تمثيلي\n_________\n(^١) المصدر السابق ص (٢٨٥).\nوعرَّفه شيخ الإسلام بقوله: «وأما قياس التمثيل فهو: انتقال الذهن من حكم معين إلى حكم معين، لاشتراكهما في ذلك المعنى المشترك الكلي»، مجموع الفتاوى (٩/ ١٢٠).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى (٩/ ١٨٨، ١٩٩، ٢٣٤، ٢٥٩)، الرد على المنطقيين ص (١١٥ - ١١٧).\n(^٣) انظر: المصدرين السابقين.","vol":"1","page":504},{"text":"يستوي فيه الأصل والفرع، ولا بقياس شمولي تستوي فيه أفراده، فإن الله سبحانه ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يُمَثَّل بغيره، ولا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قضية كلية تستوي أفرادها.\nولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية، لم يصلوا بها إلى اليقين، بل تناقضت أدلتهم، وغلب عليهم بعد التناهي الحيرة والاضطراب، لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافئها» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-266>الأمر الثالث: القياس الذي يجوز استعماله في حق الله تعالى هو قياس الأولى</span>\nالذي يستعمل في حقه -﷾- قياس الأولى، ومضمون هذا القياس أن يقال: كل نقص وعيب في نفسه -وهو ما تضمن سلب الكمال- إذا وجب نفيه عن شيء ما من أنواع المخلوقات والمحدثات والممكنات، فإنه يجب نفيه عن الرب ﵎ بطريق الأولى (^٢).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٩)، وانظر: (٧/ ٥٩ - ٦٠، ٣٢٢، ٣٦٢)، بيان تلبيس الجهمية\n(١/ ٣٢٧)، مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٤٧)، نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان، ضمن مجموع الفتاوى (٩/ ١٤١)، الرد على المنطقيين ص (١٥٠، ٣٥٠ - ٣٥١)، شرح العقيدة الأصفهانية ص (٤٤، ٧٤)، التدمرية ص (٥٠)، مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٧٩)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٨٧).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٩٧)، وانظر: (٣/ ٣٠٢، ٥/ ٢٠١، ١٢/ ٣٤٧ - ٣٥٠، ٣٥٦)، درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٠، ٢/ ٦، ٣٤١، ٧/ ١٥٤، ٣٢٢، ٣٦٢ - ٣٦٨)، منهاج السنة النبوية (١/ ٣٧١، ٤١٧، ٣/ ١٥١، ٢٢٢)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٢١، ٣٢٨، ٢/ ٣٥٤، ٥٣٦)، الرد على المنطقيين ص (١٥٠، ٣٥٠ - ٣٥١)، شرح العقيدة الأصفهانية ص (٤٤، ٧٤، ١١٧ - ١١٨)، التدمرية ص (٥٠)، أقوم ما قيل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل، ضمن مجموع الفتاوى (٨/ ١٤٩)، نصيحة أهل الإيمان في الرد على منطق اليونان، ضمن مجموع الفتاوى (٩/ ١٤١)، مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٧٩)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٨٧)، شرح القصيدة النونية (٢/ ٢٤٦)، توضيح المقاصد وتصحيح القواعد (٢/ ٣٨٨)، تيسير الكريم الرحمن ص (٥٨٩).\nتنبيه مهم: ذكر الإمام ابن القيم -﵀- في نونيته بيتًا في بيان الطرق التي يعرف بها العبد ربه فقال:\nبالضِّدِّ والأولى كذا بالامتنا ع لعلمنا بالنفس والرحمن\nفي أثناء شرح الشيخ محمد خليل هراس﵀لهذا البيت، عرَّف الطريقة الثالثة، وهي: الامتناع بقوله: \"الوجه الثالث: الاستدلال على تنزيهه سبحانه عن النقص بطريق الامتناع، وذلك أن يقال: كل نقص تنزه عنه المخلوق، فإنه يمتنع أن يتصف به الخالق، إذ الخالق أولى بتنزهه عن النقص من المخلوق\" اهـ شرح القصيدة النونية (٢/ ٣٤٦).\nولعل هذا سهوٌ منه﵀-، فإن هذه الطريقة تسمى قياس الأولى وهي فرع عن الوجه الثاني الذي ذكره الإمام ابن القيم بقوله و\"الأولى\"، والتي شرحها الشيخ محمد في الوجه الثاني، أما الامتناع فطريقة أخرى، مضمونها أن يقال: هذه صفة نقص، فتمتنع في حق الله -﷿-، انظر: توضيح المقاصد (٢/ ٣٨٨).\nوذلك بقطع النظر عن كون المخلوق متصفًا بها أم لا، ولا وجه فيها للأولوية كما ذكر الشيخ، وكما يتبين في تعريف قياس الأولى، ونقول العلماء الذين ذكروا هذا القياس يجمعون فيه النفي والإثبات. والله أعلم.","vol":"1","page":505},{"text":"وبعبارة أخرى: «كل نقص يُنزه عنه مخلوق من المخلوقات، فالخالق تعالى أولى بتنزيهه عنه» (^١).\nوهذا القياس فرع عن قياس الأولى في جانب الإثبات، والذي مضمونه: أن كل كمال لا يستلزم نقصًا بوجه من الوجوه، ثبت للمخلوق، فالخالق أولى بالاتصاف به (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-267>الأمر الرابع: قياس الأولى من الأقيسة البرهانية اليقينية</span>\nفالنقص مناقض الكمال، وإذا كان الله تعالى أحق بثبوت الكمال، كان أحق بنفي النقص عنه، وهذا من الأمور العقلية اليقينية التي لا يمكن دفعها (^٣)، لهذا كان هذا\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٣٦٢).\n(^٢) انظر: المصادر السابقة هامش (٢) من الصفحة السابقة، والصفدية (٢/ ٢٥ - ٢٧)، مجموعة الرسائل والمسائل (٣/ ٤١٢، ٤٥٠)، الصواعق المرسلة (٣/ ١٠١٨، ٤/ ١٣٢٨)، مدارج السالكين (١/ ٤٦٠ - ٤٦١)، جلاء الأفهام ص (١٨٣)، ابن تيمية السلفي ص (١٠٧ - ١٠٨).\n(^٣) انظر: منهاج السنة النبوية (١/ ٣٧١).","vol":"1","page":506},{"text":"النوع من القياس مما يدخل تحت ما يسمى بالقياس البرهاني (^١).\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «وأما هذا القياس \"قياس الأولى\"، ووجوب تنزيه الرب عن كل نقص ينزه عنه غيره ويذم به سواه، فهذا فطري ضروري متفق عليه» (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-268>الأمر الخامس: توضيح هذا القياس.</span>\nويزيد هذا القياس توضيحًا كلام شيخ الإسلام -﵀- حيث قال: «ثم القياس تارة تعتبر (^٣) فيه القدر المشترك من غير اعتبار الأولوية، وتارة يعتبر فيه الأولوية، فيؤلف على وجه قياس الأولى، وهو إن كان قد يجعل نوعًا من قياس الشمول والتمثيل، فله خاصة يمتاز بها عن سائر الأنواع، وهو: أن يكون الحكم المطلوب أولى بالثبوت من الصورة المذكورة في الدليل الدالّ عليه، وهذا النمط هو الذي كان السلف والأئمة كالإمام أحمد وغيره من السلف يسلكونه من القياس العقلي في أمر الربوبية، وهو الذي جاء به القرآن، وذلك أن الله سبحانه لا يجوز أن يدخل هو وغيره تحت قياس الشمول الذي تستوي أفراده، ولا تحت قياس التمثيل الذي يستوي فيه حكم الأصل والفرع، فإن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في نفسه المذكورة بأسمائه، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولكن يسلك\nفي شأنه قياس الأولى» (^٤).\nوقال في موضع آخر: «وأما قياس الأولى الذي كان يسلكه السلف اتباعًا\nللقرآن، فيدلُّ على أنه: يثبت له من صفات الكمال التي لا نقص فيها أكمل مما علموه ثابتًا\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٣٦٢)\nوتقسيم القياس الذي سبق ذكره إلى اقتراني (شمولي)، وتمثيلي، هو تقسيم له باعتبار صورته، ويقسم أيضًا باعتبار مادة مقدماته إلى قسمين: ١ - قياس يقيني المقدمات، ٢ - قياس غير يقيني المقدمات.\nوالأول هو الذي يسمى بالقياس البرهاني: وهو المؤلف من مقدمات قطعية لإفادتها اليقين.\nانظر: الشفاء (٥/ ٤)، الكليات ص (٧١٣)، طرق الاستدلال ومقدماتها ص (٢٦٣).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٥٤٤).\n(^٣) هكذا في المطبوع، والصواب «يعتبر».\n(^٤) شرح العقيدة الأصفهانية ص (٧٤).","vol":"1","page":507},{"text":"لغيره، مع التفاوت الذي لا يضبطه العقل، كما لا يضبط التفاوت بين الخالق وبين المخلوق؛ بل إذا كان العقل يدرك من التفاضل الذي بين مخلوق ومخلوق ما لا ينحصر قدره، وهو يعلم أن فضل الله على كل مخلوق، أعظم من فضل مخلوق على مخلوق، كان هذا مما بين له: أن ما يثبت للرب أعظم من كل ما يثبت لكل ما سواه بما لا يدرك قدره» (^١).\nوهذا يصدق أيضًا على كل نقص تنزه عنه المخلوق، فيعلم أن ما يتنزه الله -﷿- عنه أعظم مما ينزه عنه كل ما سواه.\nففرق بين استعمال هذا النوع من القياس الذي تعتبر فيه الأولوية، واستعمال قياس الشمول والتمثيل على الأصل الذي عرَّفه به المناطقة والأصوليون، بأن يدخل الفرع تحت الأصل لعلةٍ جامعةٍ، أو أن يشمل الحكم الأصل والفرع، فهذا لا بد وأن تكون نتائجه خاطئة إذا استعمل في حق الله -﷿-، أما إذا استعمل هذا القياس مع اعتبار الأولوية، بأن يكون الحكم المطلوب، وهو: التنزه عن النقص في هذه الحال، أولى بالثبوت في حق الله -﷿- من الصورة المذكورة في الدليل الدال عليه، وهي هنا: وجوب تنزه المخلوق عن النقص، فهذا القياس إذا أُلف على هذه الطريقة كانت نتائجه صحيحة، بل غاية في إفادة اليقين، وشدة التعظيم لله -﷿-.\n\n<span data-type='title' id=toc-269>الأمر السادس: أوجه الأولوية في هذا القياس</span>\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أيضًا: «فكل كمال لا نقص فيه بوجه ثبت للمخلوق فالخالق أحق به من وجهين:\nأحدهما: أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم أكمل من المخلوق القابل للعدم المحدث المربوب.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٩/ ١٤٥)، وانظر: الرد على المنطقيين ص (١٥٤).","vol":"1","page":508},{"text":"الثاني: أن كل كمال فيه فإنما استفاده من ربه وخالقه؛ فإذا كان هو مبدعًا للكمال، وخالقًا له، كان من المعلوم بالاضطرار أن معطي الكمال وخالقه ومبدعه أولى بأن يكون متصفًا به من المستفيد المبدع المعطي» (^١).\nويقال أيضًا في الأولوية في جانب النقص، أنها من وجهين:\nالأول: أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم منزه عن النقائص والعيوب.\nالثاني: أن كل نقص تنزه عنه المخلوق المربوب فإنما نزَّهَهُ عنه ربه وخالقه، فإذا كان الله -﷿- هو المُنَزِّهُ غيره عن النقص، كان معلومًا بالاضطرار أن الذي ينزه غيره عن النقائص أولى بالتنزه عنها من غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-270>الأمر السادس: استعمال النفاة لقياس التمثيل والشمول في حق الله -﷿- أدى إلى نفيهم الصفات</span>\nومثال استعمال النفاة لقياس التمثيل والشمول في باب الصفات، على الطريقة المعهودة لدى المناطقة، وما نتج عن هذا الاستعمال الخاطئ من نفي لصفات الله -﷿-:\nقولهم حينما استخدموا قياس التمثيل: لو كان الله متصفًا بالصفات، لكان جسمًا، قياسًا على المخلوق، فأدخلوا الله -﷿- الخالق مع المخلوق المربوب في قضية يستوي فيها الأصل والفرع، فأداهم ذلك إلى الحكم بالمماثلة، التي يوجبها هذا القياس، لاشتراك الخالق والمخلوق في أن كلًا منهما متصف بالصفات، وفرارًا من هذه المماثلة المنتفية في العقل والشرع، رتبوا على ذلك أن الله -﷿- لا يجوز أن يكون متصفًا بالصفات، فرارًا من هذا المحذور الذي أوقعهم فيه استعمالهم لهذا القياس الفاسد.\n_________\n(^١) شرح العقيدة الأصفهانية ص (١١٧ - ١١٨).","vol":"1","page":509},{"text":"وقولهم حينما استخدموا قياس الشمول: المخلوق متصف بالصفات، وكل متصف بالصفات فهو جسم، فالله -﷿- ليس متصف بالصفات؛ لأنه يستحيل أن يكون جسمًا بزعمهم، فنفوا الصفات لئلا يدخل الله -﷿- في عموم قولهم: \"وكل متصف بالصفات فهو جسم\" (^١).\n«فهؤلاء النفاة أشركوا الخالق مع المخلوق، واستعملوا في حقه قياس التمثيل، الذي يستوي فرعه بأصله بجامع العلة المشتركة بينهما، واستعملوا في حقه سبحانه قياس الشمول، الذي تستوي أفراده، وتندرج تحت قضية كلية، وهذا كما أنه مخالف لما جاء في الكتاب والسنة، فهو مخالف أيضًا للفطرة السليمة، والعقول الصحيحة» (^٢).\nفكانت النتيجة كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «ولهذا لما سلك طوائف من المتفلسفة والمتكلمة مثل هذه الأقيسة في المطالب الإلهية، لم يصلوا بها إلى اليقين، بل تناقضت أدلتهم، وغلب عليهم بعد التناهي الحيرة والاضطراب، لما يرونه من فساد أدلتهم أو تكافئها» (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-271>الأمر السابع: احتراز مهم في هذه القاعدة</span>\nإن هذه القاعدة التي يذكرها أهل العلم، لا بد فيها من مراعاة مفهوم النقص في حق الله -﷿-، الذي يجب أن ينزه عنه؛ لأن هناك أمور هي نقص في حق المخلوق، ولكنها كمالٌ في حق الخالق، ومن ذلك:\nالكبرياء والعظمة، فإنه نقص في حق المخلوق لكنه كمال في حق الخالق، فإن\n_________\n(^١) انظر: التحفة المهدية ص (١٣٠)، وانظر: شرح العقيدة الأصفهانية ص (٧٤ - ٧٥)، منهاج السنة النبوية (٢/ ٣١٣).\n(^٢) التحفة المهدية ص (١٣٠ - ١٣١).\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٩).","vol":"1","page":510},{"text":"الله -﷿- يسمى بالمتكبر، ويوصف بالكبرياء، قال تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^١)، وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه: «العِزُّ إِزَارُهُ، وَالكِّبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ» (^٢).\nقال الإمام النووي (^٣) -﵀-: «ومعنى ينازعني: يتخلق بذلك، فيصير في معنى المشارك» (^٤).\nفهذا الوصف إذا صدر عن المخلوق كان نقصًا في حقه، وذلك لضعف الإنسان وافتقاره إلى ربه وحاجته إليه في كل أحواله، فلا يناسب وصفه هذا أن يكون متكبرًا متعاظمًا؛ لأنه خلاف الواقع.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «… فاحترازٌ عما هو لبعض المخلوقات كمال دون بعض، وهو نقص بالإضافة إلى الخالق لاستلزامه نقصًا، كالأكل والشرب مثلًا، فإن الصحيح الذي يشتهي الأكل والشرب من الحيوان، أكمل من المريض الذي لا يشتهي الأكل والشرب؛ لأن قوامه بالأكل والشرب، فإذا قُدِّرَ غير قابلٍ له، كان ناقصًا عن القابل لهذا الكمال، لكن هذا يستلزم حاجة الآكل والشارب إلى غيره، وهو ما يدخل فيه من الطعام والشراب، وهو مستلزم لخروج شيء منه كالفضلات، وما لا يحتاج إلى دخول شيء فيه، أكمل ممن يحتاج إلى دخول شيء فيه، وما يتوقف كماله على غيره أنقص مما لا يحتاج\nفي كماله إلى غيره؛ فإن الغني عن شيء أعلى\n_________\n(^١) الآية [٢٣] من سورة الحشر.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١٦/ ٣٨٩ مع النووي)، كتاب البر والصلة، باب تحريم الكبر، برقم (٦٦٢٣).\n(^٣) يحي بن شرف بن مري الحزامي، أبو زكريا النووي الشافعي، الفقيه المحدث، صاحب التصانيف الجليلة، التي ما كانت لتتفق لغيره فإنه عاش -﵀- خمسة وأربعين سنة فقط، ومع ذلك ألف الدواوين العظيمة، توفي في نوا بسوريا سنة ٦٧٦ هـ.\nانظر ترجمته في: الضوء اللامع (١٠/ ٢٢٦)، الأعلام (٨/ ١٤٩).\n(^٤) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/ ٣٨٩).","vol":"1","page":511},{"text":"من الغني به، والغني بنفسه أكمل من الغني بغيره.\nولهذا كان من الكمالات ما هو كمال للمخلوق وهو نقص بالنسبة إلى الخالق، وهو كل ما كان مستلزمًا لإمكان العدم عليه، المنافي لوجوبه وقيوميته، أو مستلزمًا للحدوث المنافي لقدمه، أو مستلزمًا لفقره المنافي لغناه» (^١).\nوقال في موضع آخر: «إن الذي يستحقه الرب هو الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وأنه الكمال الممكن للموجود، ومثل هذا لا ينتفي عن الله أصلًا، والكمال النسبي، هو المستلزم للنقص، فيكون كمالًا، من وجه دون وجه، كالأكل للجائع كمالٌ له، وللشبعان نقص فيه، لأنه ليس بكمال محض، بل هو مقرون بالنقص.\nوالتعالي والتكبر والثناء على النفس، وأمر الناس بعبادته ودعائه والرغبة إليه، ونحو ذلك، مما هو من خصائص الربوبية، هذا كمال محمود من الرب ﵎، وهو نقص مذموم من المخلوق» (^٢).\n«فالكبرياء والعظمة له، بمنزلة كونه حيًا قيومًا قديمًا واجبًا بنفسه، وأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه العزيز الذي لا ينال، وأنه قهار لكل ما سواه.\nفهذه كلها صفات كمال لا يستحقها إلا هو، فما لا يستحقه إلا هو، كيف يكون كمالًا من غيره وهو معدوم لغيره؟ فمن ادعاه كان مفتريًا منازعًا للربوبية في خواصِّها، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: العَظَمَةُ إِزَارِي، وَالكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا عَذَبْتُهُ» (^٣)، وجملة ذلك أن الكمال\n_________\n(^١) تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل (٥/ ٢٤٠).\n(^٢) تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل (٥/ ٢٣٩).\n(^٣) أخرجه بهذا اللفظ: أبو داود في سننه (٤/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، كتاب اللباس، باب ما جاء في الكبر، برقم (٤٠٩٠)، وابن ماجه في سننه (٤/ ٤٥٧)، كتاب الزهد، باب البراءة من الكبر، والتواضع، برقم (٤١٧٤).","vol":"1","page":512},{"text":"المختص بالربوبية ليس لغيره فيه نصيب، فهذا تحقيق اتصافه بالكمال الذي لا نصيب لغيره فيه، ومثل هذا الكمال لا يكون لغيره، فادعاؤه منازعة للربوبية، وفرية على الله» (^١).\nفهذا القيد مهم جدًا في تطبيق هذه القاعدة وفهمها، واحتراز بالغ الأهمية تجب مراعاته والاعتناء بفهمه ودركه؛ لئلا ينسب إلى الله -﷿- شيء من النقص الذي يتنزه عنه.\nيوضحه أن يقال مثلًا: الولد كمال في المخلوق وعدمه نقص بالنسبة له، فلا يقال بناءً على هذه القاعدة: أن عدم الولد نقص تنزه المخلوق عنه، وكل نقص تنزه عنه المخلوق فتنزيه الله -﷿- عنه من باب أولى، فيجب إذًا إثبات الولد لله -﷿-، وذلك لأمرين:\n١ - أن تنزيه الله -﷿- عن الولد، ثابتٌ في كثيرٍ من نصوص الكتاب والسنة.\n٢ - أن الولد بالنسبة للإنسان كمال، لكنه كمال مقترن بالنقص، لحاجته إليه في بقاء النوع الإنساني، والمعاونة والخدمة حال الكبر، ونحو ذلك، أما الله -﷿- فليس كمثله شيء، ولا يحتاج إلى غيره في شيء، فهو الغني عن كل ما سواه، وكل ما سواه محتاج إليه مفتقرٌ إليه -﷾-.\nومثل هذا يقال في جميع الصفات التي يعد انتفاؤها نقص نسبي في حق المخلوق، وأما هذه القاعدة فتختص بما هو نقص محض: كالظلم، والكذب، والجهل، ونحو ذلك والله أعلم.\n_________\n(^١) تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل (٥/ ٢٤٠).","vol":"1","page":513},{"text":"<span data-type='title' id=toc-272>الأمر الثامن: أدلة القاعدة.</span>\nعلمنا من خلال المطلب السابق معنى قياس الأولى، والذي ورد استعماله في الأمثال المضروبة في القرآن الكريم، فاجتمعت فيه الدلالة الشرعية مع الدلالة العقلية، مما يزيده قوة في الاحتجاج به في مسائل الصفات، وما نحن بصدده من نفي النقائص عن الله -﷿-.\nوهذا القياس مأخوذ من قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل الآية: ٦٠]، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الروم الآية: ٢٧]، فالمثل الأعلى، هو: الوصف الأعلى، الذي وصف الله به نفسه، وجعل مثل السوء المتضمن للعيوب، والنقائص، ونفي الكمال، للمشركين، وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمالات كلها، له وحده، و(الأعلى) أفعل تفضيل، فمعنى ذلك: أنه أعلى من غيره، فكيف يكون أعلى وهو عدم محض، ونفي صرف، تعالى الله عن قول المعطلين علوًا كبيرًا (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «والرب تعالى له المثل الأعلى، وهو أعلى من غيره، وأحق بالمدح والثناء من كل ما سواه، وأولى بصفات الكمال، وأبعد عن صفات النقص، فمن الممتنع أن يكون المخلوق متصفًا بكمالٍ لا نقص فيه والرب لا يتصف إلا بالكمال الذي لا نقص فيه، وإذا كان يأمر عبده أن يفعل الأحسن والخير، فيمتنع أن لا يفعل هو إلا ما هو الأحسن والخير، فإن فعل الأحسن والخير مدح وكمال لا نقص فيه، فهو أحق بالمدح والكمال الذي لا نقص فيه من غيره» (^٢).\nقال الإمام الطبري﵀-: «﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل الآية: ٦٠ [وهو الأفضل والأطيب والأحسن والأجمل» (^٣).\n_________\n(^١) انظر: الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٣٠ - ١٠٣١)، التحفة المهدية (١٣١).\n(^٢) رسالة في معنى كون الرب عادلًا وفي تنزهه عن الظلم، ضمن جامع الرسائل (١/ ١٣٦).\n(^٣) جامع البيان (١٤/ ١٢٥)، وانظر: (٢١/ ٣٨).","vol":"1","page":514},{"text":"وقال الإمام القرطبي﵀-: «﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾: أي الوصف الأعلى» (^١).\nوقال أيضًا: «وقال قتادة: \"هذا مثل ضربه الله للمشركين\"، والمعنى: هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ماله ونفسه مثله فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم فكيف جعلتم لله شركاء» (^٢).\nوقال الحافظ ابن كثير﵀-: «وقوله ها هنا: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾، أي: النقص إنما ينسب إليهم، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل الآية: ٦٠]، أي: الكمال المطلق من كل وجه، وهو منسوب إليه» (^٣).\nوقال الشيخ عبد الرحمن السعدي﵀-: «قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾، أي: المثل الناقص والعيب التام، ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل الآية: ٦٠]، وهو كل صفة كمال، وكل كمال في الوجود، فالله أحق به، من غير أن يستلزم ذلك نقصًا بوجه من الوجوه» (^٤).\nوقال أيضا: «﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم الآية: ٢٧]، وهو كل صفة كمال، والكمال من تلك الصفة …، فالمثل الأعلى، هو وصفه الأعلى، وما ترتب عليه.\nلهذا كان أهل العلم يستعملون في حق الباري، قياس الأولى، فيقولون: كل صفة كمال في المخلوقات، فخالقها أحق بالاتصاف بها، على وجه لا يشاركه فيها أحد. وكل نقص في المخلوق، ينزه عنه، فتنزيه الخالق عنه، من باب أولى وأحرى» (^٥).\n_________\n(^١) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١١٩)، وانظر: (١٤/ ١٦).\n(^٢) الجامع لأحكام القرآن (١٤/ ١٦).\n(^٣) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٥٥٤).\n(^٤) تيسير الكريم الرحمن ص (٣٩٥)، وانظر: ص (٥٨٩).\n(^٥) المصدر السابق ص (٥٨٩).","vol":"1","page":515},{"text":"قال الإمام ابن القيم﵀في بيان المثل الأعلى: «… فجعل مثل السوء المتضمن للعيوب والنقائص، وسلب الكمال للمشركين وأربابهم، وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمالات كلها له وحده؛ ولهذا كان المثل الأعلى، وهو أفعل تفضيل، أي: أعلى من غيره؛ فكيف يكون أعلى وهو عدم محض، ونفي صرف، وأي مثل أدنى من هذا، تعالى الله عن قول المعطلين علوًا كبيرًا.\nفمثل السوء لعادم صفات الكمال؛ ولهذا جعله مثل الجاحدين لتوحيده وكلامه وحكمته؛ لأنهم فقدوا الصفات التي من اتصف بها كان كاملًا، وهي الإيمان، والعلم، والمعرفة، واليقين، والعبادة لله، والتوكل عليه، والإنابة إليه، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والصبر، والرضا، والشكر، وغير ذلك من الصفات، التي اتصف بها من آمن بالآخرة، فلما سلبت تلك الصفات عنهم وهي صفات كمال، صار لهم مثل السوء، فمن سلب صفات الكمال عن الله، وعلوه على خلقه، وكلامه، وعلمه، وقدرته، ومشيئته، وحياته، وسائر ما وصف به نفسه، فقد جعل له مثل السوء، ونزهه عن المثل الأعلى، فإن مثل السوء هو: العدم وما يستلزمه، وضده المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية، والمعاني الثبوتية، التي كلما كانت أكثر في الموصوف وأكمل، كان أعلى من غيره، ولما كان الرب تعالى هو الأعلى، ووجهه الأعلى، وكلامه الأعلى، وسمعه الأعلى، وبصره، وسائر صفاته عليا، كان له المثل الأعلى، وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى اثنان؛ لأنهما إن تكافآ، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ، فالموصوف بالمثل الأعلى أحدهما وحده، يستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير، وهذا برهان قاطع من إثبات صفات الكمال، على استحالة التمثيل","vol":"1","page":516},{"text":"والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة» (^١).\nومن أمثلة ورود هذا القياس على طريقة التنزيه في القرآن الكريم، قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم الآية: ٢٨]، وفي قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل الآيات: ٥٧ - ٦٠].\nفإن الله تعالى احتج على المشركين وأهل الكتاب، فيما يثبتون له من الشريك والبنات، بأنهم يُنزهون أنفسهم عن ذلك؛ لأنهم يعتبرون ذلك نقصًا وعيبًا في حقهم؛ فإذا كانوا لا يرضون بهذا الوصف والمثل السوء لأنفسهم؛ فكيف يصفون به ربهم، ويجعلون له مثل السوء، والرب الخالق أولى بأن ينزه عن الأمور الناقصة منهم؟!.\nوالله -﷿- يستعمل في ذلك استفهام الإنكار، إقامةً للحجة عليهم، وبيانًا لبطلان ما أنكره عليهم وامتناعه، وأن ذلك مما استقر في الفطر والعقول السليمة (^٢).\nسبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا، وصدق الله القائل: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ [الفرقان: الآية ٣٣].\n«ومثل هذا في القرآن متعدد، من وصف الأصنام بسلب صفات الكمال، كعدم التكلم والفعل، وعدم الحياة، ونحو ذلك، مما يبين أن المتصف بذلك منتقص\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٣٠ - ١٠٣٢).\n(^٢) انظر: بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٥٣٥ - ٥٣٦)، درء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٦ - ٣٧)، (٧/ ٣٦٢ - ٣٦٥)، الصواعق المرسلة (٣/ ٩١٦ - ٩١٧، ١٠٣٥ - ١٣٦)، مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٨٠ - ٤٨١).","vol":"1","page":517},{"text":"معيب، كسائر الجمادات، وأن هذه الصفات لا تسلب إلا عن ناقص معيب.\nوأما رب الخلق الذي هو أكمل من كل موجود، فهو أحق الموجودات\nبصفات الكمال، وأنه لا يستوي المتصف بصفات الكمال، والذي لا يتصف بها، وهو يذكر أن الجمادات في العادة لا تقبل الاتصاف بهذه الصفات، فمن جعل الواجب الوجود لا يقبل الاتصاف، فقد جعله من جنس الأصنام الجامدة التي عابها الله تعالى، وعاب عابديها» (^١).\nونظير هذا التمثيل جاء في السنة النبوية الصحيحة، في نفي الشريك عن الله -﷿- باستعمال قياس الأولى.\nوذلك في مثل حديث الصحابي الجليل الحارث الأشعري -﵁- أن نبي الله ﷺ قال: «… أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ مَثَلَ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خَاِلصِ مَالِهِ بِوَرِقٍ أَوْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ يَعْمَلُ، وَيُؤَدِي غَلَّتَهُ إِلَى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأَيُّكُمْ سَرَّهُ أَنْ يَكُونَ عَبْدَهُ كَذَلكَ، وَإِنْ اللهَ -﷿- خَلَقَكُمْ وَرَزَقَكُمْ، فَاعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» الحديث (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-273>الأمر التاسع: استعمال السلف لهذا النوع من القياس</span>\nلقد ورد استعمال هذا القياس في كلام السلف الصالح، مما يعطي قوة في حجية هذا القياس، ويزيده تأكيدًا.\n_________\n(^١) تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل (٥/ ٢٠٤)،\nوانظر: الرد على المنطقيين ص (٣٥٠ - ٣٥١)، النبوات (٢/ ٨٩٠ - ٨٩٣)، شرح العقيدة الأصفهانية ص (١١٧ - ١١٨).\n(^٢) أخرجه الترمذي في جامعه (٥/ ١٣٦ - ١٣٧)، كتاب الأمثال باب ما جاء في مثل الصلاة والصيام والصدقة، برقم (٢٨٦٣)، وصححه الألباني -﵀- كما في صحيح سنن الترمذي برقم (٢٢٩٨)، والإمام أحمد في المسند (٤/ ١٣٠) وغيره، انظر تخريجه بالتفصيل في طبعة مؤسسة الرسالة من المسند (٢٨/ ٤٠٤ - ٤٠٧)، وقد حكم عليه الترمذي، والحاكم، والذهبي، والألباني بالصحة، ووافقهم محقق المسند.","vol":"1","page":518},{"text":"من ذلك ما ورد عن إمام أهل السنة والجماعة الإمام أحمد بن حنبل -﵀-، حيث استعمل هذا القياس أثناء رده على نفاة الصفات من الجهمية، فقال: «… ووجدنا كل شيء أسفل منه مذمومًا، يقول الله جلَّ ثناءه: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ [النساء الآية: ١٤٥]، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت الآية: ٢٩].» (^١).\nقال شيخ الإسلام -﵀- تعليقًا على هذا الاستعمال من الإمام أحمد: «وهذه الحجة من باب قياس الأولى، وهو أن السفل مذموم في المخلوق، حيث جعل الله أعداءه في أسفل السافلين، وذلك مستقر في فطر العباد، حتى إن أتباع المضلين طلبوا أن يُجعلوا تحت أقدامهم؛ ليكونوا من الأسفلين، وإذا كان هذا مما ينزه عنه المخلوق، ويوصف به المذموم المعيب من المخلوق، فالرب تعالى أحق أن ينزه ويقدس عن أن يكون في السفل، أو أن يكون موصوفًا بالسفل، هو أو شيء منه، أو يدخل ذلك في صفاته بوجه من الوجوه، بل هو العلي الأعلى بكل وجه» (^٢).\nواستعمله الإمام أحمد في موطن آخر أيضًا، فقال: «… وخصلة أخرى: لو أن رجلًا بنى دارًا بجميع مرافقها، ثم أغلق بابها، وخرج منها، كان لا يخفى عليه كم بيت في داره، وكم سعة كل بيت، من غير أن يكون صاحب الدار في جوف الدار، فالله سبحانه له المثل الأعلى، قد أحاط بجميع ما خلق، وقد علم كيف هو وما هو، من غير أن يكون في جوف شيء مما خلق» (^٣).\nفقال شيخ الإسلام﵀تعليقًا أيضًا على كلام الإمام أحمد: «وهذا أيضًا قياس\n_________\n(^١) الرد على الجهمية والزنادقة ص (٤٩).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٥٤٣).\n(^٣) الرد على الجهمية والزنادقة ص (٤٩).","vol":"1","page":519},{"text":"عقلي، من قياس الأولى، قرر به إمكان العلم بدون المخالطة، فذكر أن العبد إذا فعل مصنوعًا كدار بناها، فإنه يعلم مقدارها، وعدد بيوتها، مع كونه ليس هو فيها؛ لكونه هو بناها، فالله الذي خلق كل شيء، أليس هو أحق بأن يعلم مخلوقاته، ومقاديرها، وصفاتها، وإن لم يكن فيها، محايثًا لها، وهذا من أبين الأدلة العقلية» (^١).\nوعلَّل شيخ الإسلام سبب استعمال الإمام أحمد -﵀- لهذه الأقيسة العقلية، في باب العقائد، دون غيره من الأئمة الذين سبقوه بقوله: «وأحمد أشهر وأكثر كلامًا في أصول الدين بالأدلة القطعية، نقليها وعقليها، من سائر الأئمة، لأنه ابتلي بمخالفي السنة فاحتاج إلى ذلك، والموجود في كلامه من الاحتجاج بالأدلة العقلية على ما يوافق السنة، لم يوجد مثله في كلام سائر الأئمة، ولكن قياس التمثيل في حق الله تعالى لم يسلكه أحمد، لم يسلك فيه إلا قياس الأولى، وهو الذي جاء به الكتاب والسنة، فإن الله لا يماثل غيره\nفي شيء من الأشياء، حتى يتساويا في حكم القياس، بل هو سبحانه أحق بكل حمد، وأبعد عن كل ذم، فما كان من صفات الكمال المحضة التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه، فهو أحق به من كل ما سواه، وما كان من صفات النقص، فهو أحق بتنزيهه عنه من كل ما سواه» (^٢).\nواستعمله كذلك الإمام أبو سعيد الدارمي -﵀- في إثبات صفة الكمال، بطريق قياس الأولى، فقال: «فالله المتكلم أولًا وآخرًا، لم يزل له الكلام إذ لا متكلم غيره، ولا يزال له إذا لا يبقى متكلم غيره فيقول: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر الآية ١٦]، أنا الملك، أين ملوك الأرض؟ فلا يُنْكِر كلام الله -﷿- إلا من يريد إبطال ما أنزل الله -﷿-. وكيف يَعجَزُ عن الكلام، من علَّم العباد الكلام وأنطق الأنام؟!» (^٣).\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٥٤٧)، وانظر: درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٥٤ - ١٥٥).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١٥٤).\n(^٣) الرد على الجهمية ص (١٥٥)، رقم (٢٧٥).","vol":"1","page":520},{"text":"وقال أيضًا: «وقال لقوم موسى حين اتخذوا العجل: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا﴾ [طه الآية ٨٩]، وقال: ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف الآية: ١٤٨].\nقال أبو سعيد: ففي كل ما ذكرنا تحقيق كلام الله وتثبيته نصًا بلا تأويل، ففيما عاب الله به العجل في عجزه عن القول والكلام، بيانٌ بيِّنٌ أن الله -﷿- غير عاجزٍ عنه، وأنه متكلمٌ وقائلٌ؛ لأنه لم يكن يَعيب العجل بشيء هو موجود به.\nوقال إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ … الآية إلى قوله ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء الآية: ٦٣ - ٦٧]، فلم يُعِبْ إبراهيم أصنامهم وآلهتهم التي يعبدون بالعجز عن الكلام، إلا وأن إلهه متكلمٌ قائلٌ» (^١).\nفالإمام الدارمي﵀أورد هذه الحجة العقلية، ومضمونها أن من علَّم العباد الكلام وأنطق الأنام، كيف يعجز هو عن الكلام، الذي هو صفة كمال في المخلوق استفاده من خالقه، فهو الذي علمه الكلام وأقدره عليه، وعدم الكلام نقصٌ في حق المخلوق، فإذا كان كذلك فواهب هذا الكمال أولى بالاتصاف به على الوجه اللائق به، وأولى بتنزيهه عن النقص المتمثل في عدم الكلام، الذي ينزه عنه المخلوق (^٢).\nومن ذلك أيضًا استعماله من طرف شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في جواز رؤية الله -﷿-، وفي مسألة علو الله تعالى على خلقه، ومبيانته لهم، فقال:\n«فإنا قد قدمنا فيما تقدم، أن الأمثال المضروبة إذا كانت من باب الأولى جاز استعمالها في حق الله تعالى، كما ورد به القرآن والسنة، واستعملها السلف والأئمة، كما يقال: إذا كان العبد ينزه نفسه عن شريك أو أنثى، فتنزيه ربه أولى، وإذا كان العبد\n_________\n(^١) الرد على الجهمية ص (١٥٦ - ١٥٧)، رقم (٢٨٠ - ٢٨٢).\n(^٢) انظر تمثيل مشابه للإمام ابن القيم في: الصواعق المرسلة (٣/ ٩١٤ - ٩١٦).","vol":"1","page":521},{"text":"عالمًا قادرًا فالله أولى.\nوكذلك] مسألة الرؤية [؛ فإن حاصلها أنه إذا جاز رؤية الموجود المحدث الممكن، فرؤية الموجود الواجب القديم أولى. وإذا كان المخلوق الناقص في وجوده يجوز أن يُرى ويُحس به، فالرب الكامل في وجوده أحق بأن يُرى؛ فإن كون الشيء بحيث يُرى كمال في حقه لا نقص؛ لأن كونه لا يُرى، ولا يُحس به، لا يثبت في الشاهد إلا للمعدوم، فكل صفة لم نعلمها تثبت إلا لمعدوم، فإنها لا تكون صفة نقص إلا بالنسبة إلى وجود آخر هو أكمل منها، وكل صفة لا تثبت للمعدوم ولا يختص بها الناقص، فإنها لا تكون إلا صفة كمال، وهذه طريقة في المسألة يتبين بها أن جواز الرؤية من صفات الكمال التي هو الباري أحق بها من المخلوقات.\nونظيرها في مسألة العلو: أن علو الشيء بنفسه على غيره صفة كمال، كما أن قدرته عليه صفة كمال. وإذا كان كذلك فالله أحق بهذه الصفة من جميع ما يوصف بها غيره، فيجب أن يكون عاليًا بنفسه، وكذلك تميزه بذاته عن غيره هي صفة لا يوصف بها المعدوم، ولا تختص بالناقصات فتكون صفة كمال، فيجب اتصاف الله بها، وذلك يوجب مباينته للعالم» (^١).\nواستعمله الإمام ابن القيم -﵀- في بيان حكمته تعالى، فقال:\n«وكذلك إذا استدللنا على حكمته تعالى بهذه الطرائق (^٢)، نحو أن يقال: إذا كان الفاعل الحكيم الذي لا يفعل فعلًا إلا لحكمةٍ وغايةٍ مطلوبةٍ له من فعله، أكمل ممن يفعل لا لغايةٍ ولا لحكمةٍ ولا لأجل عاقبةٍ محمودةٍ، وهي مطلوبة من فعله في الشاهد؛ ففي حقه تعالى أولى وأحرى، فإذا كان الفعل للحكمة كمالًا فينا، فالرب تعالى أولى به وأحق،\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣٥٤).\n(^٢) يقصد طريقة قياس الأولى.","vol":"1","page":522},{"text":"وكذلك إذا كان التنزه عن الظلم والكذب كمالًا في حقنا، فالرب تعالى أولى وأحق بالتنزه عنه» (^١).\nهذه بعض الأمثلة على استعمال هذا النوع من القياس في القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة، وكلام السلف الصالح -رحمهم الله تعالى-، وتركت أشياء غير التي ذكرت مخافة التطويل واكتفاءً بما ذكر، أن ينبه على ما لم يذكر؛ فإنه جارٍ مجراه وسائر على منواله.\nوفي هذه النماذج التي ذكرتها من استعمال السلف الصالح -رحمهم الله تعالى- لهذا النوع من القياس العقلي الصحيح، ردٌ على طوائف النفاة الذين يدَّعون أن السَّلف ليس لهم معرفة بالعقليات، وأنهم ينكرون دور العقل في تحصيل المعرفة والاستدلال عليها، وردٌ أيضًا على طائفة ممن غلت في نفي دور العقل، وبخاصة أهل التصوف منهم، الذين ظنوا أن الكلام في التوحيد، وخاصة باب الصفات منه، لا يكون بالقياس العقلي، وأن استعمال ذلك بدعة وهو المعني من ذم السلف لعلم الكلام.\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «فأما ما يفعله طوائف من أهل الكلام\nمن إدخال الخالق والمخلوقات تحت قياس أو تمثيل يتساويان فيه، فهذا من الشرك والعدل بالله، وهو من الظلم، وهو ضرب الأمثال لله، وهو من القياس والكلام الذي ذمه السلف وعابوه، ولهذا ظن طوائف من عامة أهل الحديث والفقه والتصوف، أنه لا يتكلم في أصول الدين، ولا يتكلم في باب الصفات بالقياس العقلي، وأن ذلك بدعة، وهو من الكلام الذي ذمه السلف، وكان هذا مما أطمع الأولين (^٢) فيهم؛ لما رأوهم ممسكين\n_________\n(^١) مفتاح دار السعادة (٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠).\n(^٢) يقصد المتكلمين والفلاسفة، انظر: بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٥٣٤).","vol":"1","page":523},{"text":"عن هذا كله، إما عجزًا، أو جهلًا، وإما لاعتقاد أن ذلك بدعة وليس من الدين، وقال لهم الأولون: ردُّكم أيضا علينا بدعة، فإن السلف والأئمة لم يردّوا مثل ما رددتم، وصار أولئك يقولون عن هؤلاء: أنهم ينكرون العقليات، وأنهم لا يقولون بالمعقول، واتفق أولئك المتكلمون مع طوائف من المشركين والصائبين والمجوس وغيرهم من الفلاسفة، الروم والهند والفرس وغيرهم، على ما جعلوه معقولًا يقيسون فيه الحق تارة، والباطل أخرى، وحصل من هؤلاء تفريط وعدوان، ومن هؤلاء تفريط وعدوان، أوجب تفرقًا واختلافًا بين الأمة ليس هذا موضعه.\nودين الإسلام هو الوسط، وهو الحق، والعدل، وهو متضمن لما يستحق أن يكون معقولًا، ولما ينبغي عقله وعلمه، ومنزه عن الجهل والضلال والعجز، وغير ذلك مما دخل فيه أهل الانحراف، فسلك الإمام أحمد وغيره، مع الاستدلال بالنصوص وبالإجماع، مسلك الاستدلال بالفطرة، والأقيسة العقلية الصحيحة المتضمنة للأولى» (^١).\nفائدة:\nقال الإمام القرطبي -﵀-: «فإن قيل كيف أضاف المثل هنا (^٢) إلى نفسه، وقد قال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل الآية: ٧٤]، فالجواب: أن قوله: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل الآية: ٧٤]، أي: الأمثال التي توجب الأشباه والنقائص، أي: لا تضربوا لله مثلًا يقتضي نقصًا وتشبيهًا بالخلق، والمثل الأعلى: وصفه بما لا شبيه له، ولا نظير، جل وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا» (^٣).\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٥٣٦ - ٥٣٧).\n(^٢) أي في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل الآية: ٦٠].\n(^٣) الجامع لأحكام القرآن (١٠/ ١١٩).","vol":"1","page":524},{"text":"<span data-type='title' id=toc-274>وصف الروح في النصوص</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وهكذا القول في المثل الثاني - وهو الروح التي فينا، فإنها قد وصفت بصفات ثبوتية وسلبية، وقد أخبرت النصوص أنها تَعرج وتَصعد من سماء إلى سماء، وأنها تُقبض من البدن، وتُسل منه كما تُسل الشعرة من العجين\".\nالشرح\nيجدر الإشارة في شرح هذا النص إلى عدة أمور:\n\n<span data-type='title' id=toc-275>الأمر الأول: معاني الروح والنفس في النصوص الشرعية.</span>\nقال ابن قيم الجوزية \"وَالروح فِي الْقُرْآن على عدَّة أوجه:\nأَحدهَا: الْوَحْي كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿يلقِي الرّوح من أمره على من يَشَاء من عباده﴾ وسمى الْوَحْي روحا لما يحصل بِهِ من حَيَاة الْقُلُوب والأرواح.\nالثَّانِي: الْقُوَّة والثبات والنصرة الَّتِي يُؤَيّد بهَا من شَاءَ من عباده الْمُؤمنِينَ كَمَا قَالَ ﴿أُولَئِكَ كتب فِي قُلُوبهم الْإِيمَان وأيدهم بِروح مِنْهُ﴾.\nالثَّالِث: جِبْرِيل كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿نزل بِهِ الرّوح الْأمين على قَلْبك﴾ [الشعراء الآية: ١٩٣ [وَقَالَ تَعَالَى: ﴿من كَانَ عدوا لجبريل فَإِنَّهُ نزله على قَلْبك﴾ [البقرة الآية: ٩٧ [وَهُوَ روح الْقُدس قَالَ تَعَالَى: ﴿قل نزله روح الْقُدس﴾ [النحل الآية: ١٠٢].\nالرَّابِع: الرّوح الَّتِي سَأَلَ عَنْهَا الْيَهُود فأجيبوا بِأَنَّهَا من أَمر الله وَقد قيل أَنَّهَا الرّوح الْمَذْكُورَة فِي قَوْله تَعَالَى ﴿يَوْم يقوم الرّوح وَالْمَلَائِكَة صفا لَا يَتَكَلَّمُونَ﴾ [النبأ الآية: ٣٨ [","vol":"1","page":525},{"text":"وَأَنَّهَا الرّوح الْمَذْكُور فِي قَوْله ﴿تنزل الْمَلَائِكَة وَالروح فِيهَا بِإِذن رَبهم﴾ [الفجر الآية: ٤].\nالْخَامِس: الْمَسِيح ابْن مَرْيَم قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى ابْن مَرْيَم رَسُول الله وكلمته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وروح مِنْهُ﴾ [النساء الآية: ١٧١].\nوَأما أَرْوَاح بنى آدم فَلم تقع تَسْمِيَتهَا فِي الْقُرْآن إِلَّا بِالنَّفسِ\nقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة﴾ [الفجر الآية: ٢٧].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا أقسم بِالنَّفسِ اللوامة﴾ [القيامة الآية: ٢].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ النَّفس لأمارة بالسوء﴾ [الكهف الآية: ٥٣].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿أخرجُوا أَنفسكُم﴾ [الأنعام الآية: ٩٣].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها﴾ [الشمس الآيات: ٧ - ٨].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿كل نفس ذائقة الْمَوْت﴾ [آل عمران الآية: ١٨٥].\nوَأما فِي السّنة فَجَاءَت بِلَفْظ النَّفس وَالروح\" (^١)\nقال ابن قيم الجوزية: \"\n(أولًا): النَّفس فِي الْقُرْآن تطلق:\n١ - على الذَّات بجملتها:\nكَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَسَلمُوا على أَنفسكُم﴾ [النور الآية: ٦١]\nوَقَوله تَعَالَى: ﴿يَوْم تَأتي كل نفس تجَادل عَنْ نَفسهَا﴾ [النحل الآية: ١١١]\nوَقَوله تَعَالَى: ﴿كل نفس بِمَا كسبت رهينة﴾ [المدثر الآية: ٣٨].\n_________\n(^١) الروح ١/ ١٥٢ - ١٥٤","vol":"1","page":526},{"text":"٢ - وَتطلق على الرّوح وَحدهَا:\n\nكَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة﴾.] الفجر الآية: ٢٧].\nوَقَوله تَعَالَى: ﴿أخرجُوا أَنفسكُم﴾ [الأنعام الآية: ٩٣].\nوَقَوله تَعَالَى: ﴿وَنهى النَّفس عَنْ الْهوى﴾ [النازعات الآية: ٤٠].\nوَقَوله تَعَالَى: ﴿إِنْ النَّفس لأمارة بالسوء﴾ [الكهف الآية: ٥٣].\nوَأما الرّوح فَلَا تطلق على الْبدن لَا بانفراده وَلَا مَعَ النَّفس\n(الإطلاقات الأخرى للروح في القرآن)\n١ - تطلق الرّوح على الْقُرْآن الَّذِي أوحاه الله تَعَالَى إِلَى رَسُوله:\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيْك روحا من أمرنَا﴾ [الشورى: ٥٢].\n٢ - وعَلى الْوَحْي الَّذِي يوحيه إِلَى أنبيائه وَرُسُله:\nقَالَ تَعَالَى: ﴿يلقِي الرّوح من أمره على من يَشَاء من عباده لينذر يَوْم التلاق﴾ [غافر الآية: ١٥ [\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿ينزل الْمَلَائِكَة بِالروحِ من أمره على من يَشَاء من عباده أَنْ أنذروا أَنه لَا إِلَه إِلَّا أَنا فاتقون﴾ [النحل الآية: ٢].\nوسمى ذَلِك روحا لما يحصل بِهِ من الْحَيَاة النافعة فَإِنْ الْحَيَاة بِدُونِهِ لَا تَنْفَع صَاحبهَا الْبَتَّةَ بل حَيَاة الْحَيَوَان البهيم خير مِنْهَا وَأسلم عَاقِبَة\nولفظ الروح له عدة معان غير الروح التي تفارق البدن بالموت التي هي النفس، فمن إطلاقات الروح ما يلي:\n١ - تطلق الروح على الهواء الخارج من البدن والهواء الداخل فيه.\n٢ - وتطلق على البخار الخارج من تجويف القلب من سويداه الساري في العروق.\n٣ - وتطلق الروح على جبرائيل - ﵇","vol":"1","page":527},{"text":"قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ [الشعراء: ١٩٣].\n٤ - وتطلق على ما يؤيد الله به أولياءه من الروح،\nكما قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمْ الإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢].\n٥ - وتطلق على الروح الذي أيد الله به روحه المسيح بن مريم ﵇\nكما قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ [المائدة: ١١٠].\n٦ - وتطلق على الروح التي يلقيها الله على من يشاء من عباده.\n٧ - وتطلق الروح على القوى التي في البدن؛ فإنها تسمى أرواحًا، فيقال: الروح الباصر، والروح السامع، والروح الشامّ؛ فهذه الأرواح قوى مُوْدَعَةٌ في البدن تموت بموت الأبدان، وهي غير الروح التي لا تموت بموت البدن، ولا تبلى كما يبلى.\n٨ - ويطلق الروح على ما هو أخص مما مضى كله، وهو قوة المعرفة بالله والإنابة إليه، ومحبته، وانبعاث الهمة إلى طلبه وإرادته ونسبة هذه الروح إلى الروح كنسبة الروح إلى البدن؛ فإذا فقدته الروح كانت بمنزلة البدن إذا فقد روحه، وهي الروح التي يؤيد الله بها أهل ولايته.\nولهذا يقول الناس: فلان فيه روح، وفلان ليس فيه روح، وهو قصبةٌ فارغة، ونحو ذلك.\n٩ - ويطلق الروح على غير ما ذكر مما فيه معنى الحياة المعنوية، فللعلم روح، وللإحسان روح، وللإخلاص روح، وللمحبة والإنابة روح، وللتوكل والصدق روح.\nوالناس متفاوتون في هذه المعاني أعظم تفاوت؛ فمنهم من تغلب عليه هذه الأرواح، فيصير روحانيًا، ومنهم من يفقدها أو أكثرها فيصير بهيميًا، والله","vol":"1","page":528},{"text":"المستعان\" (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-276>الأمر الثاني: حقيقة الروح عند أهل السنة والجماعة.</span>\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (روح الآدمي مبدعة باتفاق سلف الأمة وأئمتها وسائر أهل السنة، وقد حكى إجماع العلماء على أنها مخلوقة غيرُ واحد من أئمة المسلمين، مثل محمد بن نصر المروزي، الإمام المشهور، الذي هو أعلم أهل زمانه بالإجماع والاختلاف، أو من أعلمهم.\nوكذلك أبو محمد بن قتيبة، قال في (كتاب اللقط) لما تكلم على خلق الروح، قال: \"النسم الأرواح، قال: وأجمع الناس أن الله خالق الجثة وبارئ النسمة، أي: الروح\".\nوقال أبو إسحاق بن شاقلا فيما أجاب به في هذه المسألة: \"سألت رحمك الله عن الروح مخلوقة أو غير مخلوقة، قال: هذا مما لا يشك فيه من وفق للصواب\"، إلى أن قال: \"والروح من الأشياء المخلوقة، وقد تكلم في هذه المسألة طوائف من أكابر العلماء والمشايخ، وردوا على من يزعم أنها غير مخلوقة\".\nوصنف الحافظ أبو عبد الله بن مندة في ذلك كتابًا كبيرًا في (الروح والنفس) وذكر فيه من الأحاديث والآثار شيئًا كثيرًا، وقبله الإمام محمد بن نصر المروزي وغيره، والشيخ أبو يعقوب الخراز، وأبو يعقوب النهرجوري، والقاضي أبو يعلى، وقد نص على ذلك الأئمة الكبار، واشتد نكيرهم على من يقول ذلك في عيسى ابن مريم، لا سيما في روح غيره كما ذكره أحمد في كتابه في (الرد على الزنادقة والجهمية) \" (^٢)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٩/ ٢٩٢ المصدر مصطلحات في كتب العقائد ١/ ١٣٧\n(^٢) مجموع الفتاوى ٤/ ٢١٦ - ٢١٧","vol":"1","page":529},{"text":"وقال ابن قيم الجوزية: \"أصُول أهل السّنة الَّتِي تظاهرت عَلَيْهَا أَدِلَّة الْقُرْآن وَالسّنة والْآثَار وَالِاعْتِبَار وَالْعقل وَالْقَوْل أَنَّهَا ذَات قَائِمَة بِنَفسِهَا تصعد وتنزل وتتصل وتنفصل وَتخرج وَتذهب وتجيء وتتحرك وتسكن وعَلى هَذَا أَكثر من مائَة دَلِيل قد ذَكرنَاهَا فِي كتَابنَا الْكَبِير فِي معرفَة الرّوح وَالنَّفس وَبينا بطلَان مَا خَالف هَذَا القَوْل من وُجُوه كَثِيرَة وَإِنْ من قَالَ غَيره لم يعرف نَفسه.\nوَقد وصفهَا الله ﷾ بِالدُّخُولِ وَالْخُرُوج وَالْقَبْض والتوفي وَالرُّجُوع وصعودها إِلَى السَّمَاء وَفتح أَبْوَابهَا لَهَا وغلقها عَنْهَا فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَو ترى إِذْ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَات الْمَوْت وَالْمَلَائِكَة باسطوا أَيْديهم أخرجُوا أَنفسكُم﴾ [الأنعام الآية: ٩٣].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أيتها النَّفس المطمئنة ارجعي إِلَى رَبك راضية مرضية فادخلي فِي عبَادي وادخلي جنتي﴾ [الفجر الآيات: ٢٧ - ٢٨ - ٢٩ - ٣٠]. وَهَذَا يُقَال لَهَا عِنْد الْمُفَارقَة للجسد، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَفس وَمَا سواهَا فألهمها فجورها وتقواها﴾ [الشمس الآيات: ٧ - ٨]. فَأخْبر أَنه سوى النَّفس كَمَا أخبر أَنه سوى الْبدن فِي قَوْله ﴿الَّذِي خلقك فسواك فعدلك﴾ [الانفطار الآية: ٧].\nفَهُوَ سُبْحَانَهُ سوى نفس الْإِنْسَان كَمَا سوى بدنه بل سوى بدنه كالقالب لنَفسِهِ فتسوية الْبدن تَابع لتسوية النَّفس وَالْبدن مَوْضُوع لَهَا كالقالب لما هُوَ مَوْضُوع لَهُ.\nوَمن هَا هُنَا يعلم أَنَّهَا تَأْخُذ من بدنهَا صُورَة تتَمَيَّز بهَا عَنْ غَيرهَا فَإِنَّهَا تتأثر وتنتقل عَنْ الْبدن كَمَا يتأثر الْبدن وينتقل عَنْهَا فيكتسب الْبدن الطّيب والخبث من طيب النَّفس وخبثها، وتكتسب النَّفس الطّيب والخبث من طيب الْبدن وخبثه فأشد الْأَشْيَاء ارتباطا وتناسبا وتفاعلا وتأثرا من أَحدهمَا بِالْآخرِ الرّوح وَالْبدن وَلِهَذَا يُقَال لَهَا عِنْد الْمُفَارقَة «اخْرُجِي أيتها النَّفس الطّيبَة كَانَتْ فِي الْجَسَد الطّيب النَّفس","vol":"1","page":530},{"text":"واخرجي أيتها النَّفس الخبيثة كَانَتْ فِي الْجَسَد الْخَبيث» \" (^١)\nوقال ابن قيم الجوزية عن الروح بعد أن ذكر الأقوال المختلفة في حقيقتها: \"أَنه جسم مُخَالف بالماهية لهَذَا الْجِسْم المحسوس وَهُوَ جسم نوراني علوي خَفِيف حَيّ متحرك ينفذ فِي جَوْهَر الْأَعْضَاء ويسري فِيهَا سريان المَاء فِي الْورْد وسريان الدّهن فِي الزَّيْتُون وَالنَّار فِي الفحم فَمَا دَامَت هَذِه الْأَعْضَاء صَالِحَة لقبُول الْآثَار الفائضة عَلَيْهَا من هَذَا الْجِسْم اللَّطِيف بَقِي ذَلِك الْجِسْم اللَّطِيف مشابكا لهَذِهِ الْأَعْضَاء وأفادها هَذِه الْآثَار من الْحس وَالْحَرَكَة الإرادية وَإِذا فَسدتْ هَذِه الْأَعْضَاء بسب اسْتِيلَاء الأخلاط الغليظة عَلَيْهَا وَخرجت عَنْ قبُول تِلْكَ الْآثَار فَارق الرّوح الْبدن وانفصل إِلَى عَالم الْأَرْوَاح\nوَهَذَا القَوْل هُوَ الصَّوَاب فِي الْمَسْأَلَة هُوَ الَّذِي لَا يَصح غَيره وكل الْأَقْوَال سواهُ بَاطِلَة وَعَلِيهِ دلّ الْكتاب وَالسّنة وَإِجْمَاع الصَّحَابَة وأدلة الْعقل والفطرة\" (^٢)\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"والناس مضطربون فيها: فمنهم طوائف من أهل الكلام يجعلونها جزءًا من البدن، أو صفة من صفاته، كقول بعضهم: إنها النفس أو الريح التي تتردد في البدن، وقول بعضهم: إنها الحياة، أو المزاج، أو نفس البدن.\nالشرح\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلامه عن أهل الكلام: \"ينكرون وجود النفس وأن لها نعيمًا وعذابًا، ويقولون إن ذلك إنما هو للبدن بلا نفس، ويزعمون أن\n_________\n(^١) الروح لابن القيم ١/ ٣٧ - ٣٨\n(^٢) الروح ١/ ١٧٧ - ١٧٨","vol":"1","page":531},{"text":"الروح عرض من أعراض البدن، ونحو ذلك من المقالات التي خالفوا فيها الكتاب والسنة إذ كانوا فيها هم والفلاسفة على طرفي نقيض وهذا الذي ابتدعه المتكلمون باطل باتفاق سلف الأمة وأئمتها\" (^١)\nقال ابن قيم الجوزية \"قَالَ الرَّازِيّ وَأما الْقسم الثَّانِي وَهُوَ أَنْ الروح عبارَة عَنْ جسم مَخْصُوص مَوْجُود فِي دَاخل هَذَا الْبدن فالقائلون بِهَذَا القَوْل اخْتلفُوا فِي تعْيين ذَلِك الْجِسْم على وُجُوه\nالأول: أَنه عبارَة عَنْ الأخلاط الْأَرْبَعَة الَّتِي مِنْهَا يتَوَلَّد هَذَا الْبدن\nوَالثَّانِي: أنه الدَّم\nوالثَّالِث: أَنه الرّوح اللَّطِيف الَّذِي يتَوَلَّد فِي الْجَانِب الْأَيْسَر من الْقلب وَينفذ فِي الشريانات إِلَى سَائِر الْأَعْضَاء\nوالرَّابِع: أَنه الرّوح الَّذِي يصعد فِي الْقلب إِلَى الدِّمَاغ ويتكيف بالكيفية الصَّالِحَة لقبُول قُوَّة الْحِفْظ والفكرة وَالذكر\nوَالْخَامِس: أَنه جُزْء لَا يتَجَزَّأ فِي الْقلب\nوَالسَّادِس: أَنه جسم مُخَالف بالماهية لهَذَا الْجِسْم المحسوس\" (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-277>الروح عند الفلاسفة</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"ومنهم طوائف من أهل الفلسفة يصفونها بما\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٦٧).\n(^٢) الروح ١/ ١٧٧.","vol":"1","page":532},{"text":"يصفون به واجب الوجود عندهم، وهي أمور لا يتصف بها إلا ممتنع الوجود، فيقولون: لا هي داخل البدن ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة له، ولا متحركة ولا ساكنة، ولا تصعد ولا تهبط، ولا هي جسم ولا عَرَض. وقد يقولون: إنها لا تدرك الأمور المعينة، والحقائق الموجودة في الخارج، وإنما تدرك الأمور الكلية المطلقة. وقد يقولون: إنها لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينة له ولا مداخلة. وربما قالوا: ليست داخلة في أجسام العالم ولا خارجة عنها، مع تفسيرهم للجسم بما يقبل الإشارة الحسية، فيصفونها بأنها لا يمكن الإشارة إليها ونحو ذلك من الصفات السلبية التي تلحقها بالمعدوم والممتنع.\nوإذا قيل لهم: إثبات مثل هذا ممتنع في ضرورة العقل.\nقالوا: بل هذا ممكن، بدليل أن الكليات ممكنة موجودة، وهي غير مشار إليها.\nوقد غفلوا عن كون الكليات لا توجد كلية إلا في الأذهان لا في العيان، فيعتمدون فيما يقولونه في المبدأ والمعاد على مثل هذا الخيال الذي لا يخفى فساده على غالب الجهال\".\nالشرح\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية \"الفلاسفة المشائين وأتباعهم يدعون في النفوس والعقول أنها شيء لا داخل العالم ولا خارجه ولا متحرك ولا ساكن ولا متصل بغيره ولا منفصل عنه وأمثال هذه الترهات\" (^١)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"دعوى الفلاسفة أن النفس ليست بجسم\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٢٠)، بتصرف يسير.","vol":"1","page":533},{"text":"ولا توصف بحركة ولا سكون ولا دخول ولا خروج وأنه لا يحس إلا بالتصور لا غير\" (^١)\nوقال ابن تيمية: \"قالت المثبتة إنما أثبته هؤلاء المتفلسفة من موجودات ممكنة ليست أجساما ولا أعراضا قائمة بالأجسام كالعقل والنفس والهيولى والصورة التي يدعون أنها جواهر عقلية موجودة خارج الذهن ليست أجساما ولا أعرضا لأجسام فإن أئمة أهل النظر يقولون إن فسادها هذا معلوم بالضرورة كما ذكر ذلك أبو المعالي الجويني وأمثاله من أئمة النظر والكلام\" (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ومن أكثر أسباب غلطهم بناؤهم على أن المعقول الموجود يكون له وجوده في الخارج وهم إذا تدبروا ذلك علموا أن المعقولات التي هي أمور كلية إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان وإن الخارج لا يكون فيه شيء مما هو معقول مجرد وهو الأمور الكلية إلا أن يراد بالمعقول في قولهم مثلوا المعقول في صورة المحسوس ما يحسه الإنسان بنفسه دون جسده، فهذا في الحقيقة محسوس موجود لكن بالحس الباطن والوجد الباطن ليس معقولا محضا ولا في تمثل أن الإنسان يحس جوعه وشبعه ولذته وألمه أنه ينتقل حكمه من الباطن إلى الظاهر كما ينتقل حكم الحس بالظاهر إلى الباطن، وإذا قدر وجودالنفس بغير بدن فهو يحس بما يجده من لذة وألم وذلك أمر محسوس لها وبجنس أسباب ذلك لا يكون لها معقولا مجردا كليا فإن ذاك إنما ثبوته في مجرد العلم والاعتقاد ولا بد له من أفراد موجودة في الخارج وإلا لم يكن حقا، ومن المعلوم أن هذا الظان أن النفس تلذذ بهذه الأمور دون إدراك الحقائق الخارجية من أفسد الظن وهو كقول من يقول إن النفس تتلذذ بتمثل المحسوس والمشتهى دون المباشرة لحقيقته\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٩).\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣).","vol":"1","page":534},{"text":"الخارجة فقولهم يمثل المعقول في صورة المحسوس كلام لا حقيقة له، لكن لو قال يمثل الغائب في صورة الشاهد ويمثل الغيب في صورة الشهادة كان هذا حقا، فإن الإنسان إنما يعلم ما يشهده ويحس به بالقياس والتمثيل لما شاهده، لكن هذا لا يقتضي أن تكون الأمور الغائبة المتمثلة ليست في أنفسها مما يحس بل يعقل عقلا مجردا فإن هذا لا يقوله من يفهم ما يقوله\" (^١)\nوقال شيخ الإسلام معلقًا على ما حتج به الجهم بن صفوان على السمنية في أمر الروح (^٢) فقال: \"لكنه هنا ضل فظن أن االله لا يمكن إحساسه ولا رؤيته واحتاج\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٣).\n(^٢) حجة جهم أنه قال للسمنية: ألستم تزعمون أن في أجسادكم أرواحًا؟\nقالوا: نعم.\nقال: هل رأيتم أرواحكم؟\nقالوا: لا.\nقال: أفسمعتم كلامها؟\nقالوا: لا.\nقال: فوجدتم لها حسًا؟\nقالوا: لا.\nقال جهم: فكذلك الله ﷿، لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة، وهو في كل مكان.\nوفي رواية أخرى: لا يرى له وجه، ولا يسمع له صوت، ولا يشم له رائحة، وهو غائب عن الأبصار) ولا يكون في مكان دون مكان. انظر: الرد على الجهمية للإمام أحمد، (ص ١٠٢ ــ ١٠٤)، ورواه ابن بطة في الإبانة، كتاب الرد على الجهمية (٢/ ٨٧ - ٨٩)، مع اختلاف يسير في بعض ألفاظه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية حول هذه المناظرة: \"فهذا الذي ذكره الإمام أحمد من مبدأ حال جهم إمام هؤلاء المتكلمين النفاة يبين ما ذكرته فإنه لما ناظر من ناظره من المشركين السمنية من الهند، وجحدوا الإله، لكون الجهم لم يدركهـ شيء من حواسه، لا ببصره، ولا بسمعه، ولا بشمه، ولا بذوقه، ولا بحسه، كان مضمون هذا الكلام أن كل ما لا يحسه الإنسان بحواسه الخمس، فإنه ينكره ولا يقر به، فأجابهم الجهم: أنه قد يكون في الموجود ما لا يمكن إحساسه بشيء من هذه الحواس، وهي الروح التي في العبد، وزعم أنها لا تختص بشيء من الأمكنة، وهذا الذي قاله هو قول الصابئة الفلاسفة المشائين\". التسعينية (١/ ٢٤٧).","vol":"1","page":535},{"text":"حينئذ إلى إثبات موجود لا يمكن احساسه، فزعم أن روح بني آدم كذلك لا يمكن احساسها بشيء من الحواس، وقاس وجود االله على وجود الروح من هذا الوجه، وهذه هي الطريقة التي سلكها هذا المؤسس في أول تأسيسه حيث اثبت وجود ما لا يكون داخل العالم ولا خارجه بما قال من قال من الفلاسفة وموافقيهم من المسلمين إن الروح الذي في بني آدم لا داخل العالم ولا خارجه ولا يمكن احساسها فقول جهم هو قول هؤلاء كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ] ﴿البقرة الآية: ١١٨]. \" (^١)\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"واضطراب النفاة والمثبتة في الروح كثير، وسبب ذلك أن الروح-التي تسمى بالنفس الناطقة عند الفلاسفة-ليست هي من جنس هذا البدن، ولا من جنس العناصر والمولدات منها، بل هي من جنس آخر مخالف لهذه الأجناس، فصار هؤلاء لا يعرِّفونها إلا بالسلوب التي توجب مخالفتها للأجسام المشهودة، وأولئك يجعلونها من جنس الأجسام المشهودة، وكلا القولين خطأ،\nالشرح\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية - لما قارن بين فلسفة الفلاسفة المنتسيبن للإسلام وفلسفة القدماء فقال: \"بخلاف فلسفة القدماء فإن فيها من التقصير والجهل في العلوم الإلهية ما لا يخفى على أحد، وإنما كلام القوم وعلمهم في العلوم الرياضية\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٠٦)","vol":"1","page":536},{"text":"والطبيعية، وكل فاضل لا يعلم أن كلام أرسطو وأمثاله في الإلهيات قليل نزر جدا. قليل الفائدة مع أنه لا يوصل إليه إلا بتعب كثير مع أنه يقول: هذا غاية فلسفتنا ونهاية حكمتنا. وهو كما قيل: لحم جمل غث على رأس جبل وعر لاسهل فيرتقي ولا سمين فينتقل\" (^١).\nوقد أقر أرسطو نفسه بصعوبة تعريف النفس فقال في كتابه \"النفس\" \"غير أن الحصول على معرفة وثيقة عن النفس أمر على الإطلاق ومن كل وجه شديد الصعوبة\" (^٢)، وليته صدق أكثر فقال مستحيل على العقل البشري ولكنه يقدس عقله فلم يعترف بقصوره الفطري.\nونظرية أرسطو في تعريف النفس تقوم على التفريق بين المادة (الهيولى) (^٣) (والصورة) (^٤) أو (القوة) و(الفعل) (^٥).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٨/ ٢٣٣ - ٢٣٤.\n(^٢) كتاب النفس لأرسطو ص ٤.\n(^٣) الهيولى: لفظ يوناني يعني الأصل وهي مرادفة للمادة وفي الاصطلاح هي: جوهر في الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال، ومحل للصورتين الجسمية والنوعية. انظر: التعريفات للجرجاني. ص ٣٢١.\nوباختصار: فإن الهيولى المطلقة أننا لو جردنا ذهنيا جميع الموجودات الطبيعية من صورها وكيفياتها فالحاصل الذي يبقى بعد رفع صور المائية والهوائية والترابية والنارية والذي لا طبيعة له سوى اللا تعيين يسمى الهيولى فهي استعداد عام لقبول أية صورة؛ أما الهيولى الخاصة فمثل الخشب بالنسبة للمنضدة، لإن المنضدة تتكون من صورة المنضدة، ومن هيولى هي الخشب. انظر. د. مريم الحربي. النفس والروح عند الفلاسفة. ج. ١. ص ١٧٤.\n(^٤) الصورة: فكرة الصورة في علم الطبيعة يسميها أرسطو باسم الكال والكلمة من حيث اشتقاقها في اليونانية تدل على الغاية إذ معناها بالتفصيل: ما يكون حاصلا على الغاية أي ما يكون حاصلا على الصورة والصورة هي الكمال بمعنى أنها غاية الحركة وعلى هذا يجب أن يكون الموضوع النهائي للحركة هو الذي يتمثل فيه الكمال بمعني حصوله على الصورة إلى أعلى درجة. وأما في عالم ما بعد الطبيعة فالصورة المطلوب الوصول إليها هي ماهية الأشياء الحقيقية، ثم الصورة النهائية لكل هذه الماهيات أو صورة الصور وهي الله. انظر: د. عبد الرحمن بدوي. موسوعة الفلسفة. ج. ١. ص ١٣٠.\n(^٥) هذه الطريقة سماها د. محمد البهي في كتابه: الجانب الإلهي فكرة التطور انظر: ص. ١٣٠. القاهرة. دار الكاتب العربي. عام ١٩٦٧\nوسماها د. عبد الرحمن بدوي في موسوعة الفلسفة طريقة التصاعد. انظر ج/ ١. ص. ١١٩.","vol":"1","page":537},{"text":"\"فالهيولى موضوع غير معين فهي ليست ماهية ولا كيفية ولا كمية ولا ما يدخل في المقولات التي هي أقسام الوجود ولكنها قوة صرف ضرورية تكون تارة في صورة وتارة في سواها والصورة كمال أول لهذا الموضوع أو فعل أول لهذه القوة، وباتحاد الهيولى والصورة اتحادا جوهريا ينشأ كائن حي واحد إذ لاتستغني إحداهما عن الأخرى فلا وجود هيولى دون صورة ولا وجود لصورة دون هيولى\"\n٢ - الصورة عند أرسطو \"ليست صورة الإنسان مثلا هي الشكل الذي تعرضه لنا الصورة الشمسية، ولا هي الشكل الذي يعرضه لنا التمثال المنحوت، ولكنها هي كل تركيب الإنسان الذي يميزه من المادة أو يميزه من الموجودات الأخرى، أو هي ماهيته التي يصبح بها إنسانا وبغيرها يزول عنه وصف الإنسان\" (^١).\n٣ - \"الحركة عند أرسطو هي انتقال المادة من الهيولى إلى الصورة ولا يفهم من ذلك أن الهيولى توجد بغير صورة أو أن الصورة توجد بغير الهيولى، بل يفهم منه أن الصورة تسفل في المادة حتى تنزل إلى مرتبة الجمادات الخسيسة التي يخيل إلينا أنها لا صورة لها على الإطلاق وأن الصورة تعلو بالهيولى إلى مرتبة الكائنات التي يخيل إلينا أنها لا مادة لها على الإطلاق، وربما كانت صورة لشيء آخر، فالخشب له صورة تميزه من صور الجمادات الأخرى، ولكنه هو نفسه مادة لصورة التمثال وكلما ارتقت المادة في الصورة اقتربت من العلة الأولى لأنها هي الصورة المحض التي\n_________\n(^١) ابن سينا لعباس العقاد ص ٣١٧.","vol":"1","page":538},{"text":"لا تمتزج بها الهيولى بحال\" (^١)\nوهذه النظرية هي «المفتاح الذي يلجأ إليه من أجل تفسير كل شيء في أية ناحية من نواحي الفلسفة أو العلم، (ولتوضيح معنى المادة نقول «إن الرخام بعد مادة أساسية للتمثال، والخشب مادة للمقعد، ومن الممكن أن يصبح الرخام تمثالا كما يمكن أن يكون شيئا آخر، والخشب قد يصلح مقعدا أو مائدة؛ فالصورة هي التي تخلع على المادة هيئتها وتحددها وهي كمال المادة، ويتبين لنا أن هناك فارقا في الوجود قبل نحت الصورة وبعده، ذلك أن الرخام كان قبل النحت هو مادة غفلًا من الهيئة أو المعنى، فأصبحت بعد النحت معبرة دالة؛ وبدهي أن قطعة الرخام تعبر في الحالة الأخيرة عن وجود أسمى وأرقى منه في حالتها وهي مادة خام قبل النحت والتشكل، وهذا هو معنى الكمال. والأمر عينه بالنسبة للإنسان فالجسم هو المادة والنفس هي الصورة وكلا الاثنين يمثلان جوهرًا واحدًا فلا تنفك إحداهما عن الأخرى بحال من الأحوال ويترتب على ذلك استحالة القول باستقلال النفس عن الجسم، واستحالة وجود الجسم بدون النفس، فليس من الممكن أن نعد النفس جوهرًا مستقلا وهي لا تؤدي وظائفها إلا إذا استعانت بالجسم على نحو ما. فهي تستخدم الحواس في البصر والمس والذوق والشم. وهل لها أن تتخيل أو نحو ما. فهي تستخدم الحواس في البصر واللمس والذوق والشم. وهل لها أن تتخيل أو تشتهي أو تغضب دون أن تكون على صلة وثيقة بالبدن. وكذا الأمر في كل من الخيال والتفكير. فإن هذا الأخير إنما يتخذ الخيال والحس نقطة بدء له، وإن كان لا يستخدم آلة جسمية كما هي الحال في الوظائف النفسية الأخرى. وحينئذ فإذا أردنا أن نعرف النفس وجب القول بأنها الكمال الأول لجسم طبيعي توجد فيه الحياة بالقوة» (^٢)\nوالجدير ذكره أن: \"تقسيم الوجود إلى واجب وممكن هو تقسيم ابن سينا\n_________\n(^١) النفس والعقل لفلاسفة الإغريق والإسلام لمحمود قاسم ص ٦٥ - ٦٧.\n(^٢) ابن سينا لعباس العقاد ص ٣١٧.","vol":"1","page":539},{"text":"وأتباعه وأما أرسطو والمتقدمون فلا يقسمونه إلا إلى جوهر وعرض، والممكن عندهم لا يكون إلا حادثا كما اتفق على ذلك سائر العقلاء وهذا العلم هو علم المقولات العشر وهو المسمى عندهم قاطيغورياس. \" (^١)\nونخلص مما سبق إلى أن أرسطو ينظر للإنسان على أنه مكون من مادة وصورة، المادة هي البدن والصورة هي النفس والصور كلها كمالات أولية لأن وجود الأشياء المختلفة لا يكتمل إلا بها (^٢).\nلتوضيح معنى النفس عند الفلاسفة يحسن التعرف على أقسام العلوم عند الفلاسفة، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ولهذا كانت العلوم عندهم ثلاثة:\nالأول: أما علم لا يتجرد عن المادة لا في الذهن ولا في الخارج وهو (الطبيعي) وموضوعه الجسم.\nالثاني: وأما علم مجرد عن المادة في الذهن لا في الخارج وهو (الرياضي) كالكلام في المقدورات المعدودة والمقدار والعدد.\nالثالث: وأما ما يتجرد عن المادة فيهما وهو (الإلهى) وموضوعه الوجود المطلق بلواحقه التي تلحقه من حيث هو وجود كانقسامه إلى واجب وممكن وجوهر وعرض\" (^٣).\nوما يخصنا هنا هو النوع الثالث وهو العلم الإلهي، وبالأخص ما يتعلق بالجوهر، ويبين شيخ الإسلام هذا الجانب فيقول: \"وانقسام الجوهر إلى:\nالأول: ما هو حال، هو: الصورة.\n_________\n(^١) الرد على المنطقيين ص ١٢٣.\n(^٢) موسوعة الفلسفة د. عبد الرحمن بدوي ١/ ١٣١.\n(^٣) الرد على المنطقيين ص ١٢٢.","vol":"1","page":540},{"text":"والثاني: وما هو محل، هو: المادة وهو الهيولي ومعناه في لغتهم المحل.\nوالثالث: وما ليس بحال ولا محل، بل هو يتعلق بذلك تعلق التدبير، هو: النفس. والرابع: وإلى ما ليس بحال ولا محل ولا هو متعلق بذلك، هو: العقل.\nوالخامس: والمركب منهما هو: الجسم.\nوهذه الخمسة أقسام الجوهر عندهم.\nوالأول مقالي يجعله أكثرهم من مقولة الجوهر، ولكن طائفة من متأخريهم كابن سينا امتنعوا من تسميته جوهرا وقالوا الجوهر ما إذا وجد كان وجوده لا في موضوع أي لا في محل يستغنى عن الحال فيه، وهذا إنما يكون فيما وجوده غير ماهيته والأول ليس كذلك فلا يكون جوهرا، وهذا خالفو مما فيه سلفهم ونازعوهم فيه نزاعا لفظيا، ولم يأتوا بفرق صحيح معقول، فإن تخصيص اسم الجوهر بما ذكروه أمر اصطلاحي.\nوأولئك يقولون بل هو كل ما ليس في موضوع كما يقول المتكلمون كل ما هو قائم بنفسه أو كل ما هو متحيز أو كل ما قامت به الصفات أو كل ما حمل الاعراض ونحو ذلك.\nوأما الفرق المعنوي فدعواهم أن وجود الممكنات زائد على ماهيتها في الخارج باطل ودعواهم أن الأول وجود مقيدة بالسلوب أيضا باطل كما هو مبسوط في موضعه. \" (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"قول من يقول أن الجسم مركب من الهيولى والصورة باطل، كما أن قول من يقول أنه مركب من الجواهر المفردة باطل، وأن\n_________\n(^١) الرد على المنطقيين ص ١٢٢ - ١٢٣","vol":"1","page":541},{"text":"أكثر فرق أهل الكلام من المسلمين وغيرهم كالكلابية والنجارية والضرارية والهشامية وكثير من الكرامية لا يقولون بهذا ولا بهذا كما عليه جماهير أهل الفقه وغيرهم.\nوالكلام على من فرق بين الوجود والماهية مبسوط في غير هذا الموضع والمقصود هنا التنبيه على أن ما ذكروه في المنطق من الفرق بين الماهية ووجود الماهية في الخارج هو مبنى على هذا الأصل الفاسد.\nوحقيقة الفرق الصحيح أن الماهية هي ما يرتسم في النفس من الشيء والوجود هو نفس ما يكون في الخارج منه، وهذا فرق صحيح، فإن الفرق بين ما في النفس وما في الخارج ثابت معلوم لا ريب فيه وأما تقدير حقيقة لا تكون ثابتة في العلم ولا في الوجود فهذا باطل.\nومعلوم أن لفظ الماهية يراد به ما في النفس والموجود في الخارج، ولفظ الوجود يراد به بيان ما في النفس والموجود في الخارج، فمتى أريد بهما ما في النفس فالماهية هي الوجود وإن أريد بهما ما في الخارج فالماهية هي الوجود أيضا وأما إذا بأحدهما ما في النفس وبالآخر ما في الوجود الخارج فالماهية غير الوجود.\nوكلامهم إنما يستلزم ثبوت ماهية في الذهن لا في الوجود الخارجي وهذا لا نزاع فيه ولا فائدة فيه إذ هذا خبر عن مجرد وضع واختراع، إذ يقدر كل إنسان أن يخترع ماهية في نفسه غير ما اخترعه الآخر، وإذا ادعى هذا أن الماهية هي الحيوان الناطق أمكن الآخر أن يقول بل هي الحيوان الضاحك وإذا قال هذا أن الحيوانية ذاتية للإنسان بخلاف العددية للزوج والفرد أمكن الآخر أن يعارضه ويقول بل العدد ذاتي للزوج والفرد واللون ذاتي للسواد بخلاف الحيوان فليس ذاتيا للإنسان إذ مضمون هذا كله أن يأتي شخص إلى صفات متماثلة في الخارج فيدعى أن الماهية","vol":"1","page":542},{"text":"التي يخترعها في نفسه هي هذه الصفة دون هذه فإنه أن جعل هذا مطابقا للأمر في نفسه وهو قولهم كان مبطلا، وإن قال هذا اصطلاح اصطلحته قوبل باصطلاح آخر وكان هذا مما لا فائدة فيه. \" (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-278>المعاني الاصطلاحية في الجسم</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وإطلاق القول عليها بأنها جسم، أو ليست بجسم، يحتاج إلى تفصيل، فإن لفظ «الجسم» للناس فيه أقوال متعددة اصطلاحية غير معناه اللغوي، فأهل اللغة يقولون: الجسم هو الجسد والبدن، وبهذا الاعتبار فالروح ليست جسمًا، ولهذا يقولون: الروح والجسم، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنفقون الآية: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ [البقرة الآية: ٢٤٧].\nوأما أهل الكلام، فمنهم من يقول: الجسم هو الموجود، ومنهم من يقول: هو القائم بنفسه، ومنهم من يقول: هو المركب من الجواهر المنفردة. ومنهم من يقول: هو المركب من المادة والصورة. وكل هؤلاء يقولون: إنه مشار إليه إشارة حسية.\nومنهم من يقول: ليس بمركب لا من هذا ولا من هذا، بل هو ما يشار إليه ويقال: إنه هنا أو هناك\".\nالشرح\nقال ابن تيمية: \"الكلام في الجسم والجوهر، ونفيهما أو إثباتهما، فبدعة ليس لها\n_________\n(^١) الرد على المنطقيين ص ٨٦.","vol":"1","page":543},{"text":"أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك نفيًا ولا إثباتًا.\nوالنزاع بين المتنازعين في ذلك: بعضه لفظي، وبعضه معنوي، أخطأ هؤلاء من وجه وأخطأ هؤلاء من وجه.\nفإن كان النزاع مع من يقول: هو جسم أو جوهر، إذا قال: لا كالأجسام ولا كالجواهر، وإنما هو في اللفظ.\nفمن قال: هو كالأجسام والجواهر، يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى.\nفإن كان فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى، كان قوله مردودًا.\nوذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله، فكل قول تضمن هذا فهو باطل.\nوإن فسر قوله: جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر، مع تنزيه الرب عن خصائص المخلوقين، كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه.\nفلابد أن يلحظ في هذا إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا، وذلك مثل أن يقول: أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر، كما أصفه بالقدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وبين كل حي عليم سميع بصير، وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات، وإلا فلو قال الرجل: هو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين، وعليم لا كالعلماء، وسميع لا كالسمعاء، وبصير لا كالبصراء، ونحو ذلك، وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين، فقد أصاب.\nوإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك، مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله، فقد أخطأ.","vol":"1","page":544},{"text":"إذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته، يقع من جهة المعنى فسر شيئين: أحدهما: أنهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين.\nفمن قال بتماثلها، قال: كل من قال: إنه جسم لزمه التمثيل.\nومن قال إنها لا تتماثل، قال: إنه لا يلزمه التمثيل.\nولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم، كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة، حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة، ومجسمة، وحشوية، وغثاء، وغثراء، ونحو ذلك، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم.\nلكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم، لم يجز نسبتها إليه على أنها قول له، سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانت لازمة مع فسادها، دل على فساد قوله\" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"المتفلسفة الذين قالوا: إن النفس الناطقة لا تتحرك ولا تسكن ولا تصعد ولا تنزل وليست بجسم فإن عمدهتم على ذلك كونها يقوم بها ما لا ينقسم كالعلم بما لا ينقسم وإذا لم تنقسم امتنع كونها جسما وكلا المقدمتين ممنوعة\" (^٢)\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل: ١/ ٢٧٧","vol":"1","page":545},{"text":"المتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"فعلى هذا، إذا كانت الروح مما يشار إليه، ويتَّبِعُهُ بصرُ الميِّتِ - كما قال النبي ﷺ: (إن الروح إذا خرج تبعه البصر)، وإنها تُقبض، ويُعرج بها إلى السماء، كانت الروح جسمًا بهذا الاصطلاح\".\nالشرح\nيقول ابن تيمية: \"الإنسان عبارة عن البدن والروح معًا، بل هو بالروح أخص منه بالبدن، وإنما البدن مطية للروح، كما قال أبو الدرداء: (إنما بدني مطيتي، فإن رفقت بها بلغتني، وإن لم أرفق بها لم تبلغني)، وقد رواه ابن مندة وغيره عن ابن عباس، قال: (لا تزال الخصومة يوم القيامة بين الخلق حتى تختصم الروح والبدن، فتقول الروح للبدن: أنت عملت السيئات، فيقول البدن للروح: أنت أمرتني، فيبعث الله ملكًا يقضي بينهما فيقول: إنما مثلكما كمثل مقعد وأعمى دخلا بستانًا، فرأى المقعد فيه ثمرًا معلقًا، فقال للأعمى: إني أرى ثمرًا ولكن لا أستطيع النهوض إليه، وقال الأعمى: لكني أستطيع النهوض إليه، ولكني لا أراه، فقال المقعد: تعال فاحملني حتى أقطفه، فحمله وجعل يأمره فيسير به إلى حيث يشاء فقطع الثمرة، قال المَلَكُ: فعلى أيهما العقوبة؟ قالا: عليهما جميعًا، قال: فكذلك أنتما\" (^١)\nويقول ابن تيمية: \"لا اختصاص للروح بشيء من الجسد، بل هي سارية في الجسد كما تسري الحياة التي هي عرض في جميع الجسد، فإن الحياة مشروطة بالروح، فإذا كانت الروح في الجسد كان فيه حياة، وإذا فارقته الروح فارقته\n_________\n(^١) مجموع الفتاوي لابن تيمية ٤/ ٢٢٢ - ٢٢٣.","vol":"1","page":546},{"text":"الحياة\" (^١)\nوغالبا ما يتوارد في أذهان الناس السؤال عن كيفية النفس وقد أجاب شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذا السؤال فقال: \"وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: هَلْ لَهَا كَيْفِيَّةٌ تُعْلَمُ؟ فَهَذَا سُؤَالٌ مُجْمَلٌ\nإنْ أَرَادَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا يُعْلَمُ مِنْ صِفَاتِهَا وَأَحْوَالِهَا فَهَذَا مِمَّا يُعْلَمُ.\nوَإِنْ أَرَادَ أَنَّهَا هَلْ لَهَا مِثْلٌ مِنْ جِنْسِ مَا يَشْهَدُهُ مِنْ الْأَجْسَامِ أَوْ هَلْ لَهَا مِنْ جِنْسِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؟ فَإِنْ أَرَادَ ذَلِكَ فَلَيْسَ كَذَلِكَ\nفَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْعَنَاصِرِ: الْمَاءِ وَالْهَوَاءِ وَالنَّارِ وَالتُّرَابِ.\nوَلَا مِنْ جِنْسِ أَبْدَانِ الْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ وَالْمَعْدِنِ.\nوَلَا مِنْ جِنْسِ الْأَفْلَاكِ وَالْكَوَاكِبِ\nفَلَيْسَ لَهَا نَظِيرٌ مَشْهُودٌ وَلَا جِنْسٌ مَعْهُودٌ: وَلِهَذَا يُقَالُ؛ إنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَيْفِيَّتُهَا\" (^٢)\nيقول ابن قيم الجوزية: \"وقد افترق العالم في هذا المقام أربع فرق:\n\n<span data-type='title' id=toc-279>الفرقة الأولى: أنكرت تأثير النفس</span>\nوهم فرقتان:\nفرقة اعترفت بوجود النفوس الناطقة وأنكرت تأثيرها البتة\nوهذا قول طائفة من المتكلمين ممن أنكر الأسباب والقوى والتأثيرات.\nوفرقة أنكرت وجودها بالكلية وقالت: لا وجود لنفس الآدمي سوى هذا الهيكل المحسوس وصفاته وأعراضه فقط.\nوهذا قول كثير من ملاحدة الطبائعيين وغيرهم من الملاحدة المنتسبين إلى الإسلام وهو قول شذوذ من أهل الكلام الذين ذمهم السلف وشهدوا عليهم بالبدعة والضلالة.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوي لابن تيمية ٩/ ٣٠٢ - ٣٠٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٩/ ٢٩٤.","vol":"1","page":547},{"text":"<span data-type='title' id=toc-280>الفرقة الثانية: أنكرت وجود النفس الإنسانية المفارقة للبدن وهذا قول كثير من المتكلمين من المعتزلة وغيرهم</span>\n<span data-type='title' id=toc-281>الفرقة الثالثة: بالعكس أقرت بوجود النفس الناطقة المفارقة للبدن وأنكرت وجود الجن والشياطين </span>وزعمت أنها غير خارجة عن قوى النفس وصفاتها وهذا قول كثير من الفلاسفة الإسلاميين وغيرهم، وهؤلاء يقولون إنما يوجد في العالم من التأثيرات الغريبة والحوادث الخارقة فهي من تأثيرات النفس ويجعلون السحر والكهانة كله من تأثير النفس وحدها بغير واسطة شيطان منفصل.\nوابن سينا وأتباعه على هذا القول حتى أنهم يجعلون معجزات الرسل من هذا الباب ويقولون إنما هي من تأثيرات النفس في هيولي العالم وهؤلاء كفار بإجماع أهل الملل وليسوا من أتباع الرسل جملة\n\n<span data-type='title' id=toc-282>الفرقة الرابعة: وهم أتباع الرسل وأهل الحق أقروا بوجود النفس الناطقة المفارقة للبدن </span>وأثبتوا ما أثبته الله تعالى من صفاتها وشرها واستعاذوا بالله تعالى منها وعلموا أنه لا يعيذهم منه ولا يجيرهم إلا الله تعالى.\nفهؤلاء أهل الحق ومن عداهم مفرط في الباطل أو معه باطل وحق، والله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم\" (^١)\n_________\n(^١) بدائع الفوائد ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦.","vol":"1","page":548},{"text":"<span data-type='title' id=toc-283>وجه ضرب المثل بالروح</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"والمقصود: أن الروح إذا كانت موجودة حية عالمة قادرة، سميعة بصيرة، تصعد وتنزل، وتذهب وتجيء، ونحو ذلك من الصفات، والعقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها، لأنهم لم يشاهدوا لها نظيرًا، والشيء إنما تدرك حقيقته إما بمشاهدته أو بمشاهدة نظيره، فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات، فالخالق أَوْلَى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته، وأهل العقول هم أعجز عن أن يحدّوه أو يكيّفوه منهم عن أن يحدّوا الروح أو يكيفوها.\nفإذا كان مَنْ نَفَى صفاتِ الروح جاحدًا معطلا لها، ومن مثَّلها بما يشاهده من المخلوقات جاهلا ممثلا لها بغير شكلها، وهي مع ذلك ثابتة بحقيقة الإثبات، مستحقة لما لها من الصفات - فالخالق ﷾ أَوْلَى أن يكون من نفى صفاته جاحدًا معطلا، ومن قاسه بخلقه جاهلًا به ممثلا، وهو سبحانه ثابت بحقيقة الإثبات، مستحق لما له من الأسماء والصفات\".\nالشرح\nعقد المصنف هنا مقارنة بين مسألة الروح وبين مسألة صفات الله من جهتين:\nالجهة الأولى: بيان الأقوال الثلاثة الواردة في هذه مسألة الروح وهي:\nالقول الأول: قول أهل السنة: الذين يثبتون أن الروح لها حقيقة تميزها وأنها غير","vol":"1","page":549},{"text":"البدن، وأنها متصفة بصفات متعددة كما جاءت بذلك النصوص الشرعية، وقد سبق بسط قولهم فيما سبق.\nالقول الثاني: قول بعض المتكلمين الذين اعتبروا الروح جزء من أجزاء البدن.\nالقول الثالث: قول الفلاسفة الذين ينكرون حقيقة الروح ويرون أن وجودها أمر مقدر في الذهن لا حقيقة له في الخارج.\nوأما الجهة الثانية: أن مسألة حقيقة الروح ومسألة صفات الله تشتركان في أن كل واحد منهما أمر غيبي لا سبيل إلى الوصول لحقيقته، فحقيقة الروح كما قال المصنف: \"العقول قاصرة عن تكييفها وتحديدها\" على اعتبار أن الخلق \" لم يشاهدوا لها نظيرًا، والشيء إنما تدرك حقيقته إما بمشاهدته أو بمشاهدة نظيره\" هذا مع أنها مخلوقة لكن حقيقتها من المغيبات.\nوكما قال المصنف: \"فإذا كانت الروح متصفة بهذه الصفات مع عدم مماثلتها لما يشاهد من المخلوقات\" فإن من باب أولى أن تعجز تلك العقول عن إدراك حقيقة صفات الله ولذلك قال المصنف: \"فالخالق أَوْلَى بمباينته لمخلوقاته مع اتصافه بما يستحقه من أسمائه وصفاته، وأهل العقول هم أعجز عن أن يحدّوه أو يكيّفوه منهم عن أن يحدّوا الروح أو يكيفوها\".\nثم انتقل المصنف إلى أقوال المخالفين في مسألة الروح الذين خالفوا الشرع وأنكروا ما جاءت به النصوص من إثبات حقيقتها وصفاتها، وهؤلاء كما سبق ينقسمون إلى قسمين:\nالقسم الأول: وهم الفلاسفة وهؤلاء يسمون معطلة، وهم الذين قصدهم هنا بقوله: \"فإذا كان مَنْ نَفَى صفاتِ الروح جاحدًا معطلا لها\"\nالقسم الثاني: أهل الكلام الذين زعموا أنها جزء من البدن، وهم الذين عناهم","vol":"1","page":550},{"text":"بقوله: \"ومن مثَّلها بما يشاهده من المخلوقات جاهلا ممثلا لها بغير شكلها\".\nوهؤلاء خالفوا الشرع وجاؤا بما يناقضه، واستقلوا برأيهم مع أن النصوص في شأن الروح كما قال المصنف: \"ثابتة بحقيقة الإثبات، مستحقة لما لها من الصفات\" التي تقدم الإشارة إليها عند ذكر قول أهل السنة.\nفإذا كان الأمر كذلك في شأن مسألة الروح. فإن مسألة صفات الخالق أولى بأن ينقسم المخالفون فيها إلى قسمين:\nالقسم الأول: المعطلة الذين نفوا صفات الله ﷿ وهم الذين قصدهم المصنف بقوله: \"فالخالق ﷾ أَوْلَى أن يكون من نفى صفاته جاحدًا معطلا\".\nالقسم الثاني: المشبهة الذين شبهوا صفات الله ﷿ بصفات خلقه وهم الذين قصدهم المصنف بقوله \"ومن قاسه بخلقه جاهلا به ممثلا\"\nوكلا القولين باطل فإن الله ﷿ موجود حقيقة وله صفات حقيقة تليق بجلاله وعظمته كما قال المصنف: \"وهو سبحانه ثابت بحقيقة الإثبات، مستحق لما له من الأسماء والصفات\".\n\n<span data-type='title' id=toc-284>خاتمة جامعة فيها قواعد نافعة</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وأما الخاتمة الجامعة ففيها قواعد نافعة:\nالقاعدة الأولى: أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي.\nفالإثبات كإخباره أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك، والنفي كقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥].","vol":"1","page":551},{"text":"وينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال، إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال، لأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء هو كما قيل ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالا. ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال.\nفلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥] ..\nفنفي السِنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبيِّن لكمال أنه الحي القيوم.\nوكذلك قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥ [أي لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها. بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته، وعيب في قوته.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ الآية: ٣ [فإنّ نَفْي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، فإنّ نَفْي مس اللغوب الذي هو التعب والإعياء دل على كمال القدرة، ونهاية القوة.\nبخلاف المخلوق الذي يلحقه من النصب والكلال ما يلحقه.\nوكذلك قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام الآية: ١٠٣]، إنما نفى الإدراك الذي هو","vol":"1","page":552},{"text":"الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء (^١). ولم ينف مجرد الرؤية، لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يُرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُئي، كما أنه لا يُحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رُئي لا يحاط به رؤية.\nفكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك دليلا على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، وإذا تأملت ذلك وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف الله به نفسه\"\nالشرح\nلما فرغ المصنف ﵀ من الكلام عن الأصلين والمثلين اللذين رد بهما على المعطلة، شرع هنا في بيان خاتمة جامعة، وقد ضمنه سبع قواعد مهمة في الأسماء والصفات، ثم شرع في بيان القاعدة الأولى.\n\n<span data-type='title' id=toc-285>القاعدة الأولى: أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي.</span>\nوبيان هذه القاعدة\nقول المصنف: \"أن الله سبحانه موصوف بالإثبات والنفي\".\nأي أن الصِّفات تنقسمُ باعتبار ورودها في النُّصوص إلى قسمين:\n١ - صفات ثبوتية. ٢ - صفات سلبية (أي: منفية).\n_________\n(^١) ورد عن بعض السلف أن الآية تفيد نفي الرؤية في الدنيا، فروى ابن كثير عن إسماعيل بن علية في قول الله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار﴾ أنه قال: «هذا في الدنيا».\nوقد ذهب الآخرون إلى أن هذا النفي العام لرؤية جميع الأبصار له ﷾ مُخَصَّصٌ بما ثبت من رؤية المؤمنين له جل وعلا في الآخرة. انظر: «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٠٩).","vol":"1","page":553},{"text":"<span data-type='title' id=toc-286>القسم الأول: الصفات الثبوتية:</span>\nوتعريفها: هي ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.\n\n<span data-type='title' id=toc-287>القسم الثاني: الصفات السلبية:</span>\nوتعريفها: هي ما نفاه الله سبحانه عن نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ.\nالصفات الثبوتية صفاتُ مدح وكمال، وهي الأكثر من الصفات السلبية، إذ معرفة الله قائمة على الصفات الإثبات.\nوأما الصفات السَّلبية فلا تراد لذاتها، وإنما لأنها تابعة للثبوتية ومكملة لها، وفي الحقيقة أن كلَّ تنزيهٍ مُدِح به الربُّ ففيه إثباتٌ (^١).\nوسلب النقائص والعيوب عن الله نوعان:\n\n<span data-type='title' id=toc-288>النوع الأول: سلب لمتصل.</span>\n«وضابطه: نفي كل ما يناقض صفة من صفات الكمال التي وصف الله بها نفسه، أو وصفه بها رسوله ﷺ؛ كنفي الموت المنافي للحياة، والعجز المنافي للقدرة، والسِّنة والنوم المنافي لكمال القيومية، والظلم المنافي للعدل، والإكراه المنافي للاختيار، والذل المنافي للعزة …»، إلخ.\n\n<span data-type='title' id=toc-289>النوع الثاني: سلب لمنفصل.</span>\nوضابطه: تنزيه الله سبحانه عن أن يشاركه أحد مِنْ خلقه في شييء من خصائصه التي لا تَنبغي إلا له.\nوذلك كنفي الشريك له في ربوبيته؛ فإنَّه منفرد بتمام الملك والقوة والتدبير.\nوكنفي الشريك له في أُلوهيته، فهو وحده الذي يجب أن يُؤلهه الخلق، ويُفردوه بكل أنواع العبادة والتعظيم.\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١١٢) بتصرف.","vol":"1","page":554},{"text":"وكنفي الشريك له في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فليس لغيره من المخلوقين شِركة معه سبحانه في شيء منها.\nوكذلك نفي الظَّهير الذي يُظاهره أو يعاونه في خلق شيء أو تدبيره؛ لكمال قدرته وسَعة علمه ونفوذ مشيئته، وغيره من المخلوقين عاجز فقير لا حول له ولا قوة إلا بالله؛ فالشريك والظهير مَنفيان عنه بإطلاق.\nوكذلك ينفى عنه سبحانه اتخاذ الصاحبة والولد الذي نَسَبه إليه النصارى عابدو الصُّلبان، والصابئة الذين يقولون: إن الملائكة بنات الله؛ قال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلّ﴾ [الإسراء الآية: ١١١]. (^١).\nوالأدلة السمعية التي وردت في نفي المماثلة تنقسم إلى قسمين:\n١ - خبر.\n٢ - وطلب.\nقال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين﵀-: «الأدلة السمعية تنقسم\nإلى قسمين: خبر، وطلب.\nـ فمن الخبر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]، فالآية فيها نفي صريح للتمثيل.\nوقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ الآية: ٦٥] على نفي المماثلة، فإن هذا وإن كان إنشاء، لكنه بمعنى الخبر؛ لأنه استفهام بمعنى النفي.\nوقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤]، فهذه كلها تدل على نفي المماثلة، وهي كلها خبرية.\n_________\n(^١) انظر: «شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ٥٦ - ٥٨).","vol":"1","page":555},{"text":"ـ وأما الطلب؛ فقال تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^١)، أي: نظراء مماثلين.\nوقال: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل الآية: ٧٤] (^٢).\nوقول المصنف: \"فالإثبات كإخباره أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير، ونحو ذلك\".\nالصفات الثبوتية كثيرة جدًّا؛ منها: العلم-والحياة-والعزة-والقدرة-والحكمة-والكبرياء-والقوة-والاستواء-والنزول-والمجيء، وغيرها.\nوقول المصنف: \"والنفي كقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥] ..\nوالصفات المنفية كلها صفات نقص في حقه. فيجب نفيُها عن الله ﷿ مع إثبات أنَّ الله موصوف بكمال ضدها.\nومن أمثلتها: النَّوم-الموت-الجهل-النِّسيان-العجز-التعب-الظلم.\nوهنا تجدر الإشارة إلى أمور مهمة، وهي:\nالأمر الأول: أنَّ معرفة الله ليست بمعرفة صفات السلب، بل الأصل فيها صفات الإثبات، والسلب تابع، ومقصوده: تكميل الإثبات (^٣).\n«فإنَّ السلب لا يُراد لذاته، وإنما يقصد لما يتضمنه من إثبات الكمال، فكل ما نفاه الله عن نفسه أو نفاه عنه رسوله ﷺ من صفات النقص-فإنه متضمن للمدح، والثناء على الله بضد ذلك النقص من الأوصاف الحميدة والأفعال الرشيدة» (^٤).\nالأمر الثاني: أنَّ صفات التنزيه يجمعها معنيان:\n_________\n(^١) الآية [٢٢] من سورة البقرة.\n(^٢) شرح العقيدة الواسطية (١/ ١٠٣).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١١٢).\n(^٤) «شرح القصيدة النونية» للهراس (٢/ ٥٥).","vol":"1","page":556},{"text":"الأول: نفي النقائص عنه، وذلك مِنْ لوازم إثبات صفات الكمال.\nالثاني: إثبات أنَّه ليس كمثله شييء في صفات الكمال الثابتة له.\nالأمر الثالث: الصفات السلبية تُذكر غالبًا في الأحوال التالية:\nالأولى: بيان عموم كماله؛ كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤].\nوالثانية: نفي ما ادَّعاه في حقه الكاذبون؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم الآيات: ٨٨ إلى ٩٢].\nوالثالثة: دفع توهم نقص من كماله فيما يتعلق بهذا الأمر المعين؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ﴾ [الدخان الآية: ٣٨].\nالأمر الرابع: أنَّ الصفات السلبية إنما تكون كمالًا إذا تضمنت أمورًا وجودية (^١).\nفلا يُوصف الرب من الأمور السلبية إلا بما يتضمن أمورًا وجودية، وإلا فالعدم المحض لا كمال فيه.\nوقول المصنف: \"وينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال، إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال.\nلأن النفي المحض عدم محض، والعدم المحض ليس بشيء، وما ليس بشيء هو كما قيل ليس بشيء، فضلًا عن أن يكون مدحًا أو كمالا. ولأن النفي المحض يوصف به المعدوم والممتنع، والمعدوم والممتنع لا يوصف بمدح ولا كمال\".\nأي \"إذا تأملت وجدت كلَّ نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف به نفسه\" (^٢).\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١٤٤).\n(^٢) «الرسالة التدمرية» (ص ٢١ - ٢٣).","vol":"1","page":557},{"text":"ثم إن النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه-فيه إساءة أدب مع الله سبحانه؛ فإنك لو قلت لسلطان: أنت لستَ بزبَّال ولا كسَّاح ولا حَجَّام ولا حائك؛ لأَدَّبَك على هذا الوصف وإن كنت صادقًا.\nوإنما تكون مادحًا إذا أجملت النفي؛ فقلت: أنت لستَ مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجَل، فإن أَجملت في النفي أجملت في الأدب (^١).\nفأهل الكلام المذموم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المُجمل؛ فيقولون: ليس بجسم ولا شَبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عَرَض .. إلى آخر تلك السُّلوب الكثيرة التي تَمُجُّها الأسماع، وتأنف مِنْ ذكرها النفوس، والتي تتنافى مع تقدير الله تعالى حقَّ قدره (^٢).\nوقول المصنف: \"فلهذا كان عامة ما وصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح\"\nالرسل عليهم صلوات الله جاءوا بإثبات مُفَصَّل ونفي مجمل.\nوالمعطلة ناقضوهم؛ فجاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل.\nفإنَّ الرسل أخبرت كما أخبر الله في كتابه الذي بعث به رسوله: أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه حكيم عزيز، غفور ودود، وأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش، وأنه كلم موسى تكليمًا، وتجلى للجبل فجعله دكًّا، وأنه أنزل على عبده الكتاب. إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته.\n_________\n(^١) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص ١٠٨ - ١١٠).\n(^٢) «الصفات الإلهية» (ص ٢٠٢).","vol":"1","page":558},{"text":"وقال في النفي: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ الآية: ٦٥].\nوقول المصنف: \" كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥] ..\nفنفي السِنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبيِّن لكمال أنه الحي القيوم.\nوكذلك قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: الآية: ٢٥٥ [أي لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها. بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته، وعيب في قوته.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ الآية: ٣ [فإنّ نَفْي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، فإنّ نَفْي مس اللغوب الذي هو التعب والإعياء دل على كمال القدرة، ونهاية القوة.\nبخلاف المخلوق الذي يلحقه من النصب والكلال ما يلحقه.\nوكذلك قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام الآية: ١٠٣]، إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء. ولم ينف مجرد الرؤية، لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يُرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُئي، كما أنه لا يُحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رُئي لا يحاط به رؤية.\nفكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك","vol":"1","page":559},{"text":"دليلا على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة\".\nضرب المصنف هنا عدة أمثلة على أن جميع ما وصف الله به نفسه من النفي لا بد أن يكون متضمنًا لإثبات مدح.\nالمثال الأول:\nقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥].\nفنفي السِنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام، فهو مبيِّن لكمال أنه الحي القيوم، وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥ [أي: لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها، بخلاف المخلوق القادر إذا كان يقدر على الشيء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته، وعيب في قوته.\nالمثال الثاني:\nقوله تعالى: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ الآية: ٣ [فإنّ نَفْي العزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض.\nالمثال الثالث:\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]، فإنّ نَفْي مس اللغوب الذي هو التعب والإعياء دل على كمال القدرة، ونهاية القوة.\nبخلاف المخلوق الذي يلحقه من النصب والكلال ما يلحقه.\nالمثال الرابع:\nقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام الآية: ١٠٣]، إنما نفى الإدراك الذي هو","vol":"1","page":560},{"text":"الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء. ولم ينف مجرد الرؤية، فالمراد بالآية ليس نفي الرؤية، وإنما المراد نفي الإدراك؛ لأنها سِيقت مساق المدح، ولو كان المراد نفي الرؤية لما كان في ذلك مدح؛ لأن المعدوم هو الذي لا يُرَى، والكمال في إثبات الرؤية هو نفي الإدراك؛ لأن النفي المحض لا يأتي في صفات الله، وإنما الذي يأتي هو النفي الذي يستلزم إثبات ضده من الكمال.\nفالمعنى: أنه يُرى ولا يحاط به رؤيةً، فـ ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾؛ لكمال عظمته، كما أنه يُعلم ولا يُحاط به علمًا لكمال عظمته، و﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾؛ لكمال قوته واقتداره، وهكذا.\nلأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يُرى مدح، إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُئي، كما أنه لا يُحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رُئي لا يحاط به رؤية.\nفكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك دليلا على إثبات الرؤية لا على نفيها، لكنه دليل على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة، وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، وإذا تأملت ذلك وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف الله به نفسه، فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودًا، بل ولا موجودًا.\nوقول المصنف: \"وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها، وإذا تأملت ذلك وجدت كل نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف الله به نفسه\"\nللتفريق بين الصفات السلبية التي ورد بها النص والصفات السلبية التي أحدثها المعطلة النفاة-نقول: إن الصفات السلبية التي ورد بها النص متضمنة لثبوت كمال الضد كما تقدم شرح ذلك.","vol":"1","page":561},{"text":"وأمَّا الصفات السلبية التي هي مِنْ نسج المعطلة واختراعهم-فلا تتضمن ثبوت كمال الضد.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «كل تنزيه مُدح به الرب ففيه إثبات، فلهذا كان قول: (سبحان الله) متضمنًا تنزيه الرب وتعظيمه، ففيه تنزيهه من العيوب والنقائص، وفيه تعظيمه ﷾ (^١).\nفأهل السنة يجعلون الأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيها عن الله تعالى هو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، ولا يتجاوزونها، فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه.\nوضابط النفي في صفات الله:\n«أن ينفى عن الله تعالى:\nأولًا: كل صفة عيب؛ كالعمى، والصمم، والخرس، والنوم، والموت … ونحو ذلك.\nومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل: الآية: ٦٠]، فإن ثبوت المثل الأعلى له-وهو الوصف الأعلى-يستلزم انتفاء كل صفة عيب.\nثانيًا: كل نقصٍ في كماله؛ كنقص حياته، أو علمه، أو قدرته، أو عزّته،\nأو حكمته … أو نحو ذلك.\nومن الأدلة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق الآية: ٣٨ [\nثالثًا: مماثلة المخلوقين؛ كأن يجعل علمه كعلم المخلوق، أو وجهه كوجه\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١١٢).","vol":"1","page":562},{"text":"المخلوق، أو استواءه على عرشه كاستواء المخلوق … ونحو ذلك.\nومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]. \" (^١).\nفمن توهم في كثير من الصفات أو أكثرها أو كلها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه، فإنه يقع في محاذير:\n١ - منها: أنه مثّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.\n٢ - ومنها: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بلا علم، فيكون معطلًا لما يستحقه الرب من صفات الكمال ونعوت الجلال، فيكون قد عطل ما أثبته الله ورسوله من الصفات الإلهية اللائقة بجلال الله وعظمته.\n٣ - ومنها: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الجمادات أو صفات المعدومات، فيكون قد عطّل صفات الكمال التي يستحقها الرب، ومثلَّه بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، فيكون ملحدًا في أسمائه وآياته (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-290>حقيقة مذهب المعطلة</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"\"فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا\n_________\n(^١) تقريب التدمرية ص (٨٥ - ٨٦).\n(^٢) التحفة المدنية في العقيدة السلفية لحمد بن ناصر النجدي (ص: ٤٩ - ٥٠).","vol":"1","page":563},{"text":"محمودًا، بل ولا موجودًا.\nوكذلك من شاركهم في بعض ذلك كالذين قالوا: إنه لا يتكلم، أو لا يُرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا محايث له؛ إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم، وليست هي مستلزمة صفة ثبوت.\nولهذا قال محمود بن سُبكتكين (^١) لمن ادّعى ذلك في الخالق: ميِّز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم. وكذلك كونه لا يتكلم، أو لا ينزل، ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفات منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلا الجماد أو الناقص.\nفمن قال: لا هو مباين للعالم ولا مداخل للعالم، فهو بمنزلة من قال: لا هو قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدَث، ولا متقدم على العالم ولا مقارن له\".\n_________\n(^١) محمود بن سُبكتكين هو أحد كبار القادة، أمين الدولة وأمين الملة، استولى على الإمارة (سنة ٣٨٩ هـ)، وأرسل إليه القادر بالله الخليفة العباسي خلعة السلطنة، فقصد بلاد خراسان وامتدت سلطنته من أقاصي الهند إلى نيسابور، كان تركي الأصل فصيحًا بليغًا حازمًا صائب الرأي شجاعًا مجاهدًا، فتح في بلاد الكفار من الهند فتوحات هائلة لم تتفق لغيره من الملوك لا قبله ولا بعده، ومع ذلك كان في غاية الديانة والصيانة يكره المعاصي والملاهي وأهلها، ويحب العلماء والصالحين ويجالسهم ويناظرهم، وقال الذهبي: دخل ابن فورك على السلطان محمود، فقال: لا يجوز أن يوصف الله بالفوقية؛ لأن لازم ذلك وصفه بالتحتية، فمن جاز أن يكون له فوق، جاز أن يكون له تحت. فقال السلطان: ما أنا وصفته حتى يلزمني، بل هو وصف نفسه. فبهت ابن فورك.\nمات في غزنة سنة ٤٢١ - ٤٢٢ هـ عن ثلاث وستين سنة، تولى الإمارة فيها ثلاثًا وثلاثين سنة ﵀ وأكرم مثواه. انظر ترجمته في: سير أعلام النبلاء ١٧/ ٤٨٤ - ٤٩٥.","vol":"1","page":564},{"text":"الشرح\nشرع هنا في بيان حقيقة مذاهب المعطلة، وأنها تهدف إلى إنكار وجود الله تعالى.\nفقول المصنف: \"فالذين لا يصفونه إلا بالسلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودًا، بل ولا موجودًا\".\nوالمقصود بهم هنا هم الجهمية وطائفة من الفلاسفة (^١) وهو كذلك قول ابن سينا وأمثاله. (^٢).\nفهم يصفون الله بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون له إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان (^٣) فهؤلاء وصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات وجعلوه هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات. (^٤)\nوقول المصنف: \"وكذلك من شاركهم في بعض ذلك كالذين قالوا: إنه لا يتكلم، أو لا يُرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا محايث له؛ إذ هذه الصفات يمكن أن يوصف بها المعدوم، وليست هي مستلزمة صفة ثبوت\".\nفكما أن الذين يصفون الله بالسلوب لم يثبتوا إلهًا، فكذلك من شاركهم في بعض مقالتهم،\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٣/ ٧ - ٨.\n(^٢) -الصفدية ١/ ٢٩٩، ٣٠٠.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٣/ ٧، شرح الأصفهانية ص ٥١، ٥٢.\n(^٤) -مجموع الفتاوى ٣/ ٨.","vol":"1","page":565},{"text":"وهذا القول هو ما يذهب إليه النظار والمتكلمون من هؤلاء المعطلة (^١)، الذين يقولون إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا هو مباين له ولا محايث له.\nوهم بقولهم هذا قد نفوا الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود منهما، وذلك خشية منهم أن يشبهوا، فهم قالوا بهذه المقالة هربًا منهم-على حد زعمهم-من إثبات الجهة والمكان والحيز، لأن فيها كما يدعون تجسيمًا وهو تشبيه، فقالوا: يلزمنا في الوجود ما يلزم مثبتي الصفات فنحن نسد الباب بالكلية.\nوقول المصنف: \"ولهذا قال محمود بن سُبكتكين لمن ادّعى ذلك في الخالق: ميِّز لنا بين هذا الرب الذي تثبته وبين المعدوم.\nومعنى كلامه ﵀: أنه لا فرق بين الإله الذي تُثبته وبين العدم؛ لأنك تثبت إلهًا لا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، ولا يقدر، ولا يريد، ولا …\nفما الفرق بين هذا الإله وبين العدم؟!\nوقول المصنف: \"وكذلك كونه لا يتكلم، أو لا ينزل، ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفات منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلا الجماد أو الناقص\".\nفهؤلاء المعطلة جاءوا بنفي مفصل وإثبات مجمل، فقالوا في النفي: ليس بكذا ولا كذا، فلا يَقرب من شيء ولا يَقرب منه شيء، ولا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام يقوم به، ولا له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا غير ذلك، ولا يُشار إليه\n_________\n(^١) الرسالة الأضحوية (نقلا عن مختصر الصواعق ١/ ٢٣٧)، والاقتصاد في الاعتقاد (ص ٣٤)، تأويل مشكل الحديث (ص ٦٣ - ٦٤)، مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨، ٥/ ١٢٢ - ١٢٤)، نقض التأسيس (١/ ٦ - ٧).","vol":"1","page":566},{"text":"ولا يتعين، ولا هو مُباين للعالم ولا حالٌّ فيه، ولا داخله ولا خارجه.\nإلى أمثال العبارات السلبية التي لا تَنطبق إلا على المعدوم.\nثم قالوا في الإثبات: هو وجود مُطلق، أو وجود مقيد بالأمور السلبية (^١).\nوبذلك عكسوا منهج القرآن والسنة؛ فأكثروا مِنْ وصف الله تعالى بالأمور السلبية التي لم يَرد بها النص، وأفرطوا في ذلك إفراطًا عجيبًا، بينما أنكر بعضهم جميع الصفات الثبوتية، والبعض الآخر لم يُثبت سوى القليل منها.\nفقولهم: إنه لا يتكلم، أو لا يَنزل، ليس في ذلك صفة مدح، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات (^٢).\nفالمعطلة لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات.\nفهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم.\nوهذا الفهم دعاهم للتعطيل فالمعطلة نفوا ما يستحقه الله تعالى من الأسماء والصفات اللائقة به سبحانه.\nوبذلك جمعوا بين التعطيل والتمثيل: مثلوا أولًا، وعطلوا آخرًا.\nوامتاز أهل التعطيل عن أهل التمثيل بنفيهم المعاني الصحيحة للصفات.\nوكمثال لجمع المعطلة بين التعطيل والتمثيل:\nنصوص الاستواء، كقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه الآية: ٥].\n_________\n(^١) «الصفدية» (١/ ١١٦).\n(^٢) «الرسالة التدمرية» (ص ٢٣).","vol":"1","page":567},{"text":"فإن المعطل يقول: لو كان الله فوق العرش للزم إما أن يكون أكبر من العرش أو أصغر أو مساويًا، وكل ذلك من المحال، ونحو ذلك من الكلام. فهذا المعطل لم يفهم من كون الله على العرش إلا ما يثبت لأي جسم كان على أي جسم كان، وهذا اللازم الذي جاء به المعطل تابع لهذا المفهوم.\nوكان الواجب عليه أن يثبت لله استواء يليق بجلاله ويختص به، فلا يلزمه شيء من اللوازم الباطلة التي هي من لوازم المخلوقات، ويجب نفيها في حق الله.\nوكذلك كونه لا يتكلم، أو لا ينزل، ليس في ذلك صفة مدح ولا كمال، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات، فهذه الصفات منها ما لا يتصف به إلا المعدوم، ومنها ما لا يتصف به إلا الجماد أو الناقص.\nوقول المصنف: \"فمن قال: لا هو مباين للعالم ولا مداخل للعالم، فهو بمنزلة من قال: لا هو قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدَث، ولا متقدم على العالم ولا مقارن له\".\nأي أن من نفي علو الله بقوله إن الله \"لا هو مباين للعالم ولا مداخل للعالم\" هو بمثابة من أنكر وجود الله ولم يجعل له وجودًا يخصه يميزه عن غيره من الموجودات بقوله: \"لا هو قائم بنفسه ولا بغيره، ولا قديم ولا محدَث، ولا متقدم على العالم ولا مقارن له\"\nوخلاصة القول: أن نفي صفات الله تعالى هي طريقة الفلاسفة وأتباعهم ممن يتكلمون في الإلهيات على أنها أوهام وخرافات.","vol":"1","page":568},{"text":"<span data-type='title' id=toc-291>أربعة أوجه يرد بها شيخ الإسلام على اعتذار النفاة</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"ومن قال: إنه ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا متكلم، لزمه أن يكون ميتًا أصم أعمى أبكم.\nفإن قال: العمى عدم البصر عمّا من شأنه أن يقبل البصر، وما لا يقبل البصر كالحائط لا يقال: له أعمى ولا بصير.\nالشرح\nأعاد المصنف تأكيد بطلان أقوال غلاة المعطلة مرة أخرى وأعاد تكرار مسألة التقابل من جهة أن نوع التقابل هنا من نوع تقابل السلب والإيجاب وليس من تقابل العدم والملكة كما يزعم المعطلة.\nوبما أن نوع التقابل هنا هو من تقابل السلب والإيجاب فإن \"من قال: إنه ليس بحي ولا سميع ولا بصير ولا متكلم، لزمه أن يكون ميتًا أصم أعمى أبكم\". باعتبار أن لفظ الحي يقابله الميت فمن لم يكن حيًا فهو ميت، ومن لم يكن سميعًا فهو أصم، ومن لم يكن بصيرًا فهو أعمى، ومن لم يكن متكلمًا فهو أبكم.\nثم ذكر المصنف اعتراض المعطلة وهو زعمهم بأن التقابل هنا هو من تقابل الملكة والعدم فقال عن اعتراضهم: \"فإن قال: العمى عدم البصر عمّا من شأنه أن يقبل البصر، وما لا يقبل البصر كالحائط لا يقال: له أعمى ولا بصير\".\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: قيل له: هذا اصطلاح اصطلحتموه، وإلا فما يوصف بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام يمكن وصفه بالموت والصمم والعمى والخرس والعجمة.","vol":"1","page":569},{"text":"وأيضًا: فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها، فإن الله قادر على جعل الجماد حيًا، كما جعل عصى موسى حيّة، ابتلعت الحبال والعصي.\nهنا دفع المصنف الاعتراض بعدة أمور:\nالأمر الأول: أن هذا الزعم هو اصطلاح اصطلحه -كما قال المصنف سابقًا عند مناقشة هذه المسألة- \"فهذا اصطلاح اصطلحت عليه المتفلسفة المشاءون، والاصطلاحات اللفظية ليست دليلا على نفي الحقائق العقلية\"\nوبين المصنف أن زعمكم بأن التقابل هنا هو تقابل العدم والملكة غير مضطرد، فما زعمتم من أن الجمادات لا يمكن وصفها \"بعدم الحياة والسمع والبصر والكلام\" فإن الأمر على عكس ذلك فالجمادات \"يمكن وصفها بالموت والصمم والعمى والخرس والعجمة\".\nوليس الجمادات فحسب \"فكل موجود يقبل الاتصاف بهذه الأمور ونقائضها\"\nومن الأمثلة على قبول وصف تلك الجمادات بالحياة باعتبار قدرة الله تعالى على ذلك ما ورد في شأن عصى موسى \"فإن الله قادر على جعل الجماد حيًا، كما جعل عصى موسى حيّة، ابتلعت الحبال والعصي\"، وفي هذا دليل على أن القابلية قد تقع في كل موجود وليس في الجمادات فقط.\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وأيضًا: فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصًا ممن يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها، فالجماد الذي لا يوصف بالبصر ولا العمى، ولا الكلام ولا الخرس، أعظم نقصًا من الحي الأعمى","vol":"1","page":570},{"text":"الأخرس\".\nالشرح\nالأمر الثاني: في الرد على زعم المعطلة أن التقابل هنا هو من باب تقابل العدم والملكة، أنه-لو سلم جدلًا-أن التقابل هنا هو من باب تقابل العدم والملكة، فإن \"فالذي لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات أعظم نقصًا ممن يقبل الاتصاف بها مع اتصافه بنقائضها\"\nوأعطى المصنف مثالًا على ذلك بالجماد من جهة والأعمى والأخرس والأبكم فقال: \"فالجماد الذي لا يوصف بالبصر، ولا العمى، ولا الكلام، ولا الخرس؛ أعظم نقصًا من الحي الأعمى الأخرس\".\nوهذا الكلام الذي ذكره المصنف هنا بمثابة المقدمة للنتيجة التي يريد المصنف إليها.\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: فإذا قيل: إن الباري ﷿ لا يمكن اتصافه بذلك، كان في ذلك من وصفه بالنقص أعظم مما إذا وصف بالخرس والعمى والصمم ونحو ذلك، مع أنه إذا جُعل غير قابل لهما كان تشبيهًا له بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منهما، وهذا تشبيه بالجمادات لا بالحيوانات، فكيف ينكر من قال ذلك على غيره ما يزعم أنه تشبيه بالحي! \"\nالشرح\nأعطى المصنف أحد احتمالين لمقصود المخالف:","vol":"1","page":571},{"text":"الاحتمال الأول: أن يقول المخالف \"إن الباري ﷿ لا يمكن اتصافه بذلك\" فإن هذا الزعم القائم على منع اتصاف الله بهذه الصفات، يعد \" من وصفه بالنقص أعظم مما إذا وصف بالخرس والعمى والصمم ونحو ذلك\"\nوالاحتمال الثاني: أن يقول المخالف إنه \"غير قابل لهما\" لأحد هذين الوصفين \"كان تشبيهًا له بالجماد الذي لا يقبل الاتصاف بواحد منهما\".\nوإذا كان الحال كذلك من هذا الزعم \" تشبيه بالجمادات لا بالحيوانات\" \"فكيف ينكر من قال ذلك على غيره ما يزعم أنه تشبيه بالحي! \"\nأي كيف يقبل منه أن ينكر على من أثبت الصفات بأن ذلك تشبيه له بالمخلوقات، في مقابل أنه قبل أن يوصف بصفات الجمادات.\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وأيضًا فنفس نفي هذه الصفات نقص، كما أن إثباتها كمال، فالحياة من حيث هي، هي - مع قطع النظر عن تعيين الموصوف بها - صفة كمال. وكذلك العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والفعل ونحو ذلك. وما كان صفة كمال فهو - ﷾ - أحق بأن يتصف به من المخلوقات، فلو لم يتصف به مع اتصاف المخلوق به لكان المخلوق أكمل منه\".\nالشرح\nأي لو نظرنا إلى الصفة من حيث هي دون إضافتها إلى الخالق أو المخلوق فإن تلك الصفات يعد \"نفي هذه الصفات نقص، كما أن إثباتها كمال\" ومن ذلك على سبيل المثال:\nصفة الحياة: \"فالحياة من حيث هي، هي - مع قطع النظر عن تعيين الموصوف","vol":"1","page":572},{"text":"بها - صفة كمال\"\nوكذلك صفات \"العلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والفعل ونحو ذلك\".\nوبناء على ذلك \"وما كان صفة كمال فهو - ﷾ - أحق بأن يتصف به من المخلوقات، فلو لم يتصف به مع اتصاف المخلوق به لكان المخلوق أكمل منه\".\nفالله -﷿- موصوف بكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه، منزه عن جميع النقائص والعيوب، ومن الطرق التي استخدمها أهل السنة والجماعة في تقرير هذه الحقيقة، مسلك عقلي يقوم على أن نفي الصفة إثبات لنقيضها، وهذه قاعدة عقلية متفق عليها بين جميع العقلاء، أن الذي لا يتصف بالعلم مثلًا فهو جاهل، والذي لا يتصف بالعدل فهو ظالم، وهكذا فالله -﷿- لما كان متصفًا بكل أنواع الكمالات التي يُتصور وجودها من غير استلزامها لأي نقصٍ بوجهٍ من الوجوه، فإن نفي هذا الكمال عنه يستلزم وصفه بنقيضه من النقص الذي هو منزه عنه أصالةً، «وهذه الطريقة هي من أعظم الطرق في إثبات الصفات، وكان السلف يحتجون بها، ويثبتون أن من عبد إلهًا لا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، فقد عبد ربًا ناقصًا معيبًا مؤوفًا (^١)، ويثبتون أن هذه صفات كمال فالخالي عنها ناقص» (^٢).\nفإنه لو لم يكن الله تعالى موصوفًا بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالأخرى.\nفلو لم يتصف بالحياة لوُصف بالموت، ولو لم يتصف بالعلم لوُصف بالجهل، ولو لم يوصف بالقدرة لوُصف بالعجز، ولو لم يُوصف بالسمع والبصر والكلام\n_________\n(^١) مؤوفًا، من الآفة وهي العاهة، انظر: القاموس المحيط ص (١٠٢٦).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣٤٠).","vol":"1","page":573},{"text":"لوُصف بالصمم والخرس والبكم، والله منزه عن ذلك، متصفٌ بصفات الكمال (^١).\nوقال الإمام ابن القيم﵀-: «إنه قد ثبت بصريح العقل أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال، والآخر صفة نقص، فإن الله سبحانه يوصف بالكمال منهما دون النقص، ولهذا لما تقابل الموت والحياة، وُصف بالحياة دون الموت، ولما تقابل العلم والجهل، وُصف بالعلم دون الجهل، وكذلك العجز والقدرة، والكلام والخرس والبصر والعمى، والسمع والصمم، والغنى والفقر، ولما تقابلت المباينة للعالم والمداخلة له، وُصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كانت المباينة تستلزم علوه على العالم أو سفوله عنه، وتقابل العلو والسفول، وُصف بالعلو دون السفول» (^٢).\nوهذه القاعدة يمكن طردها في جميع الصفات، فيقال أن الله -﷿- لو لم يكن متصفًا بالصفة المعيَّنة التي هي كمال في حقه ولا تستلزم نقصًا بوجه من الوجوه، للزم من ذلك اتصافه بنقيضها من النقص، وقد دلَّ الشرع والعقل والفطر السليمة على وجوب تنزهيه -﷾- عن كلِّ نقصٍ أو عيبٍ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية﵀-: «وطرد ذلك: أنه لو لم يوصف بأنه مباين للعالم لكان داخلًا فيه، فسلب إحدى الصفتين المتقابلتين عنه يستلزم ثبوت الأخرى، وتلك صفة نقص ينزه عنها الكامل من المخلوقات، فتنزيه الخالق عنها أولى.\nوهذه الطريق غير قولنا: أن هذه صفات كمال يتصف بها المخلوق، فالخالق أولى، فإن طريق إثبات صفات الكمال بأنفسها مغاير لطريق إثباتها بنفي ما\n_________\n(^١) انظر: التدمرية ص (١٥١)، تقريب التدمرية ص (٦٥).\n(^٢) الصواعق المرسلة (٤/ ١٣٠٧).","vol":"1","page":574},{"text":"يناقضها» (^١).\nوقال﵀أيضًا: «ولهذا كان الصواب أن الله منزه عن النقائص شرعًا وعقلًا؛ فإن العقل كما دلَّ على اتصافه بصفات الكمال، من العلم والقدرة والحياة والسمع والبصر والكلام، دلَّ أيضًا على نفي أضداد هذه. فإن إثبات الشيء يستلزم نفي ضده، ولا معنى للنقائص إلا ما ينافي صفات الكمال» (^٢).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"واعلم أن الجهمية المحضة كالقرامطة ومن ضاهاهم ينفون عنه تعالى اتصافه بالنقيضين حتى يقولوا: ليس بموجود ولا ليس بموجود، ولا حي ولا ليس بحي.\nومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع في بدائه العقول، كالجمع بين النقيضين.\nالشرح\nأعاد المصنف التذكير بقول هذه الطائفة من غلاة المعطلة وهم المتجاهلة الواقفة الذين يقولون: لا نُثبت ولا نَنفي، وهذه الدرجة للقرامطة الباطنية المتفلسفة (^٣)، فهؤلاء يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود، ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل.\nوقوله: \"ومعلوم أن الخلو عن النقيضين ممتنع في بدائه العقول، كالجمع بين النقيضين\".\n_________\n(^١) التدمرية ص (١٥١).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٤/ ٦ - ٧).\n(^٣) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.","vol":"1","page":575},{"text":"وهذا يوضحه تعريف تقابل النقيضين أو ما يسمى تقابل السلب والإيجاب حيث عرف هذا النوع بأن:\nالنقيضان: أمران وجودي وعدمي، أي عدم لذلك الوجودي، وهما لا يجتمعان ولا يرتفعان ببديهة العقل، ولا واسطة بينهما.\nأو يقال: النقيضان لفظان لا يجتمعان معًا ولا يرتفعان معًا في موضوع واحد في زمن واحد.\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وآخرون وصفوه بالنفي فقط، فقالوا: ليس بحي ولا سميع ولا بصير.\nوهؤلاء أعظم كفرًا من أولئك من وجه، وأولئك أعظم كفرًا من هؤلاء من وجه\".\nالشرح\nهذا قول أصحاب درجة المكذبة النفاة: وهي الدرجة عليها غُلاة الجهمية وطائفة من الفلاسفة (^١)، وهو كذلك قول ابن سينا وأمثاله (^٢).\nفهم يصفون الله بالصفات السلبية على وجه التفصيل ولا يثبتون له إلا وجودًا مطلقًا لا حقيقة له عند التحصيل، وإنما يرجع إلى وجود في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان (^٣)، فهؤلاء وصفوه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وجعلوه هو\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٣/ ٧ - ٨.\n(^٢) -الصفدية ١/ ٢٩٩، ٣٠٠.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٣/ ٧، شرح الأصفهانية ص ٥١، ٥٢.","vol":"1","page":576},{"text":"الوجود المطلق بشرط الإطلاق، وقد علم بصريح العقل أن هذا لا يكون إلا في الذهن، لا فيما خرج عنه من الموجودات (^١).\nوقد تقدم الكلام عنهم.\nوقوله: \"وهؤلاء أعظم كفرًا من أولئك من وجه، وأولئك أعظم كفرًا من هؤلاء من وجه\".\nفالمصنف هنا يعقد مقارنة بين طائفتين من المعطلة:\nالطائفة الأولى: المتجاهلة الواقفة. الذين يقولون: لا نُثبت ولا نَنفي، وهذه الدرجة للقرامطة الباطنية المتفلسفة (^٢)، فهؤلاء يسلبون عنه النقيضين فيقولون: لا موجود، ولا معدوم، ولا حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل.\nوالطائفة الثانية: المكذبة النفاة من يصفونه بالنفي فقط؛ وهم الجهمية والمعتزلة فيقولون: ليس بحي ولا سميع ولا بصير.\nفالطائفة الأولى أكفر من جهة أهم شبهوه بالممتنعات وهو أقبح من مجرد العدم.\nوالطائفة الثانية أكفر من جهة أنهم لم يصرحوا بنفي النقائص بل قالوا ليس بحي ولم يقولو بميت، فتتزيههم أقل من الطائفة الأولى التي صرحت بنفي النقائص.\nفكل من الطائفتين أكفر من الأخرى من جهة\" (^٣).\nفالمكذبة النفاة شبهوه بالجمادات، والمتجاهلة الواقفة شبهوه بالممتنعات\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٣/ ٨.\n(^٢) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.\n(^٣) التوضيحات الأثرية على متن الرسالة التدمرية ص: ١٣٨ - ١٣٩.","vol":"1","page":577},{"text":"لأنهم يزعمون أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين، وهذا ممتنع في بداهة العقول؛ وحرفوا ما أنزل الله من الكتاب وما جاء به الرسول ﷺ، فوقعوا في شر مما فروا منه، فإنهم شبهوه بالممتنعات إذ سلب النقيضين كجمع النقيضين، كلاهما من الممتنعات (^١).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"فإذا قيل لهؤلاء: هذا يستلزم وصفه بنقيض ذلك كالموت والصمم والبكم. قالوا إنما يلزم ذلك لو كان قابلا لذلك.\nوهذا الاعتذار يزيد قولهم فسادًا.\nالشرح\nأعاد المصنف ذكر شبهة هؤلاء في شأن نوع التقابل الذي يقولنه عندما يقال لهم بأن هذا من باب تقابل السلب والإيجاب فيقولون بل هو من تقابل العدم والملكة، وقد تقدم الرد على زعمهم.\nوهذا الاعتذار يزيد قولهم فسادًا؛ لأنه قد سبق الرد على مثل هذا كثيرًا بعدة أوجُهٍ، منها: أن هذا اصطلاح خاص بكم، وهذا الاصطلاح لا يقلب الحقائق العلمية.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" وإما أن يلتزم التعطيل المحض فيقول: ما ثم وجود واجب؛ فإن قال بالأول وقال: لا أثبت واحدًا من النقيضين لا الوجود ولا العدم.\nقيل: هب أنك تتكلم بذلك بلسانك، ولا تعتقد بقلبك واحدًا من الأمرين، بل\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٣/ ٧ - ٨.","vol":"1","page":578},{"text":"تلتزم الإعراض عن معرفة اللّه وعبادته وذكره، فلا تذكره قط، ولا تعبده، ولا تدعوه، ولا ترجوه، ولا تخافه، فيكون جحدك له أعظم من جحد إبليس الذي اعترف به\" (^١)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى \" (٥/ ٣٥٦).","vol":"1","page":579},{"text":"<span data-type='title' id=toc-292>تساوي قول: ليس بمتحيز مع قول: لاداخل العالم ولا خارجه</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وكذلك من ضاهى هؤلاء، وهم الذين يقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، إذا قيل لهم: هذا ممتنع في ضرورة العقل، كما إذا قيل: ليس بقديم ولا محدث، ولا واجب ولا ممكن، ولا قائم بنفسه ولا قائم بغيره.\nقالوا: هذا إنما يكون إذا كان قابلا لذلك، والقبول إنما يكون من المتحيز، فإذا انتفى التحيز انتفى قبول هذين النقيضين.\nفيقال لهم: علمُ الخلق بامتناع الخلو من هذين النقيضين هو علم مطلق، لا يستثنى منه موجود.\nوالتحيز المذكور إن أريد به كون الأحياز الموجودة تحيط به، فهذا هو الداخل في العالم، وإن أريد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي: مباين لها، متميز عنها، فهذا هو الخروج.\nفالمتحيز يراد به تارة ما هو داخل العالم، وتارة ما هو خارج العالم، فإذا قيل: ليس بمتحيز، كان معناه ليس بداخل العالم ولا خارجه.\nفهم غيّروا العبارة ليوهموا من لا يفهم حقيقة قولهم أن هذا معنى آخر، وهو المعنى الذي عُلم فساده بضرورة العقل. كما فعل أولئك في قولهم: ليس بحى ولا ميت، ولا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل\".","vol":"1","page":580},{"text":"الشرح\nلما فرغ المصنف من:\n١ - الرد على القائلين بسلب النقيضين عن الله تعالى وهم المتجاهلة الواقفة.\n٢ - وعلى الذين يقولون بالنفي فقط وهم المكذبة النفاة.\n٣ - شرع هنا في الرد على القائلين بأن الله تعالى ليس بداخل العالم ولا خارجه فهذا قولهم.\nوأما أصحاب هذا القول: فهذا القول هو ما يذهب إليه النظار والمتكلمون من هؤلاء المعطلة (^١)، الذين يقولون إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا هو مباين له ولا محايث له.\nوهم بقولهم هذا قد نفوا الوصفين المتقابلين اللذين لا يخلو موجود منهما.\nوشبهتهم: وذلك خشية منهم أن يشبهوا، فهم قالوا بهذه المقالة هربًا منهم-على حد زعمهم-من إثبات الجهة والمكان والحيز، لأن فيها كما يدعون تجسيمًا وهو تشبيه، فقالوا: يلزمنا في الوجود ما يلزم مثبتي الصفات فنحن نسد الباب بالكلية.\nوالرد عليهم: وقد رد عليهم المصنف على شبهتهم هذه بالآتي:\nأولًا: بأن هذا ممتنع في ضرورة العقل، فإنه الموجود إما أن يكون داخل العالم أو خارجه، ولا ثالث لهما في حكم العقل.\nوما هذا إلا كقول من يقول: ليس بقديم ولا محدث، ولا واجب ولا ممكن،\n_________\n(^١) الرسالة الأضحوية (نقلا عن مختصر الصواعق ١/ ٢٣٧)، والاقتصاد في الاعتقاد (ص ٣٤)، تأويل مشكل الحديث (ص ٦٣ - ٦٤)، مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨، ٥/ ١٢٢ - ١٢٤)، نقض التأسيس (١/ ٦ - ٧).","vol":"1","page":581},{"text":"ولا قائم بنفسه ولا قائم بغيره، وهذا من أبطل الباطل.\nثانيًا: ولما ألزمهم شيخ الإسلام بهذا الرد العقلي موهوا بأمر آخر، وهو قولهم:\nهذا إنما يكون إذا كان قابلا لذلك، والقبول إنما يكون من المتحيز، فإذا انتفى التحيز انتفى قبول هذين النقيضين.\nووجه التمويه هنا: أنهم جاءوا بلفظ مبتدع وهو (التحيز)، وهو لفظ غير شرعي ليصلوا به إلى باطلهم\nوبناءً على ما سبق:\nفقد رد عليهم شيخ الإسلام بقوله:\n\"والتحيز المذكور إن أريد به كون الأحياز الموجودة تحيط به، فهذا هو الداخل في العالم.\nوإن أريد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي: مباين لها، متميز عنها، فهذا هو الخروج.\nفالمتحيز يراد به تارة ما هو داخل العالم، وتارة ما هو خارج العالم، فإذا قيل: ليس بمتحيز، كان معناه ليس بداخل العالم ولا خارجه\".\nفألزمهم القولَ بأنه ليس بموجود، وهذا هو عين الضلال.\nفهم غيّروا العبارة ليوهموا من لا يفهم حقيقة قولهم أن هذا معنى آخر، وهو المعنى الذي عُلم فساده بضرورة العقل.\nوقول المصنف: \"وهو المعنى الذي عُلم فساده بضرورة العقل. كما فعل أولئك في قولهم: ليس بحى ولا ميت، ولا موجود ولا معدوم، ولا عالم ولا جاهل\".\nأي فكما أن المتجاهلة الواقفة الذين يقولون ليس بحي ولا ميت، ولا موجود","vol":"1","page":582},{"text":"ولا معدوم، لم يثبتوا إلهًا؛ فكذلك من شاركهم في بعض مقالتهم من هؤلاء النظار والمتكلمون من هؤلاء المعطلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-293>لا يتوقف الإيمان بما جاء به الرسول على معرفة المعنى</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"القاعدة الثانية: أن ما أخبر به الرسول عن ربه - ﷿ - فإنه يجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف، لأنه الصادق المصدوق، فما جاء في الكتاب والسنة وجب على كل مؤمن الإيمان به وإن لم يفهم معناه.\nالشرح\nلما فرغ المصنف من بيان القاعدة الأولى شرع هنا في بيان القاعدة الثانية، وملخصها: الألفاظ نوعان: لفظ شرعي فيجب الإيمان به، ولفظ غير شرعي وهذا يحتاج إلى تفصيل.\nوفي هذا النص يحسن معرفة عدة أمور:\n\n<span data-type='title' id=toc-294>الأمر الأول: أن الواجب في نصوص الصفات إجراؤها على ظاهرها.</span>\nفالسلف يعتقدون أن الواجب في نصوص القرآن والسنة بما في ذلك نصوص الأسماء والصفات هو إجراؤها على ظاهرها، وذلك بأن تُفهتم وفق ما يقتضيه اللسان العربي، وأن لا يتعرض لها بتحريف أو تعطيل كما فعل المعطلة، الذين تلاعبوا بظواهر النصوص! لمجرد أنها خالفت باطلهم ومناهجهم الفاسدة (^١).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٣٠١","vol":"1","page":583},{"text":"فنصوص الصفات ألفاظ شرعية يجب أن تحفظ لها حرمتها، وذلك بأن نفهمها وفق مراد الشارع، فلا نتلاعب بمعانيها لنصرفها عن مراد الشارع.\nفمن الأصول الكلية عند السلف أن الألفاظ الشرعية لها حرمتها، ومن تمام العلم أن يبحث عن مراد الله ورسوله بها ليثبت ما أثبته الله ورسوله من المعاني، وينفى ما نفاه الله ورسوله من المعاني (^١).\nوبحمد الله وفضله نجد أن نصوص الصفات الواردة في القرآن والسنة هي من الوضوح والكثرة بمكان، بحيث يستحيل تأويلها والتلاعب بنصوصها، فلقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلًا على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل به العلم اليقيني، ورفع الشك والريب، فثلجت به الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، فلقد فصلت رسالة نبينا محمد ﷺ الأسماء والصفات والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ.\n\n<span data-type='title' id=toc-295>الأمر الثاني: الأبواب الثلاثة التي يشتمل عليها توحيد الأسماء والصفات.</span>\nيجب أن يُعْلَم أن توحيد الأسماء والصفات يشتمل على ثلاثة أبواب:\nالباب الأول: باب الأسماء\nالباب الثاني: باب الصفات\nالباب الثالث: باب الإخبار\nفنحن إذا وقفنا وقفةَ تأمل عند نصوص الكتاب والسنة الواردة في هذا الشأن نجد الحقائق التالية: أن الله أطلق على نفسه أسماء كـ (السَّميع) و(البصير)، وأوصافًا كـ (السمع) و(البصر)، وهكذا أخبر عن نفسه بأفعالها فقال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٢/ ١١٣ - ١١٤ بتصرف","vol":"1","page":584},{"text":"فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران ١٥]. فاستعملها في تصاريفها المتنوعة، مما يدل على أن مثل ذلك يجوز إطلاقه عليه في أي صورة ورد\nوأطلق على نفسه أفعالًا كـ (الصُّنع) و(الصِّبغة) و(الفعل) ونحوها. قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْء﴾ [النمل ٨٨]، وقال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة ١٣٨] وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧]، لكنه لم يَتَسَمَّ ولم يصف نفسه بها ولكن أخبر بها عن نفسه، ممَّا يدل على أنَّها تخالف الأوَّل في الحكم فوجب الوقوف فيها على ما ورد\nووصف نفسه بأفعال في سياق المدح كـ (يريد) و(يشاء) فقال جلَّ شأنه:\n﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام ١٢٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير ٢٩] إلا أنه لم يشتق له منها أسماء فدل على أن هذا النوع مخالف للقسمين الأولين، فوجب رده إلى الكتاب والسنة وذلك بالوقوف حيث أوقفنا الله ورسوله ﷺ\nووصف نفسه بأفعال أخرى على سبيل المقابلة بالعقاب والجزاء فقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم﴾ [النساء ١٤٢] وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّه﴾ [الأنفال ٣٠]. ولم يشتق منها أسماء له تعالى فدل ذلك على أن مثل هذه الأفعال لها حكمٌ خاصٌ فوجب الوقوف على ما ورد\nفهذه الحقائق السابقة قررت عند العلماء النتائج التالية:\n١ - أن النصوص جاءت بثلاثة أبواب هي (باب الأسماء) و(باب الصفات) و(باب الإخبار)\n٢ - أن باب الأسماء هو أخص تلك الأبواب، فما صح اسمًا صحَّ صفة وصحَّ","vol":"1","page":585},{"text":"خبرًا وليس العكس\n٣ - باب الصفات أوسع من باب الأسماء، فما صحَّ صفة فليس شرطًا أن يصحَّ اسمًا، فقد يصحُّ وقد لا يصح، مع أن الأسماء جميعها مشتقة من صفاته\n٤ - أن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، فالله يُخْبَرُ عنه بالاسم وبالصفة وبما ليس باسم ولا صفة كألفاظ (الشييء) و(الموجود) و(القائم بنفسه) و(المعلوم)، فإنه يخبر بهذه الألفاظ عنه ولا تدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا\n\n<span data-type='title' id=toc-296>الأمر الثالث: إن باب الأسماء والصفات توقيفيان.</span>\nفالأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيهما عن الله تعالى هو كتاب الله وسنة نبيه ﷺ، فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه\nوأما ما لم يرد إثباته ونفيه فلا يصح استعماله في باب الأسماء والصفات إطلاقًا (^١)\nقال الإمام أحمد ﵀: \"لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ لا نتجاوز القرآن والسنة\"\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وطريقة سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ\" (^٢)\n_________\n(^١) - رسالة في العقل والروح لشيخ الإسلام ابن تيمية، مطبوعة ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (٢/ ٤٦ - ٤٧).\n(^٢) منهاج السنة (٢/ ٥٢٣).","vol":"1","page":586},{"text":"<span data-type='title' id=toc-297>الأمر الرابع: أن باب الإخبار فالسلف لهم فيه قولان:</span>\nالقول الأول: أن باب الإخبار توقيفي، فإن الله لا يُخْبَرُ عنه إلا بما ورد به النص، وهذا يشمل الأسماء والصفات، وما ليس باسم ولا صفة مما ورد به النص كـ (الشييء) و(الصنع) ونحوها\nوأما مالم يرد به النص فإنهم يمنعون استعماله (^١)\nالقول الثاني: إن باب الإخبار لا يشترط فيه التوقيف، فما يدخل في الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمائه وصفاته، كـ (الشيء) و(الموجود) و(القائم بنفسه)، فإنه يخبر به عنه ولا يدخل في أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فالإخبار عنه قد يكون باسم حسن، أو باسم ليس بسيِّئ، أي باسم لا ينافي الحسن، ولا يجب أن يكون حسنًا، ولا يجوز أن يخبر عن الله باسم سيِّئ (^٢) فيخبر عن الله بما لم يرد إثباته ونفيه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حَقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله ﷿ وجب رده (^٣).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وكذلك ما ثبت باتفاق سلف الأمة وأئمتها. مع أن هذا الباب يوجد عامته منصوصًا في الكتاب والسنة، متفقا عليه بين سلف الأمة\".\nهناك ألفاظ ورد استعمالها ابتداءً في بعض كلام السلف.\nومن أمثلة ذلك لفظ (الذات) و(بائن)\nوهذه الألفاظ تحمل معاني صحيحة دلت عليها النصوص\nوهذا النوع من الألفاظ يجيز جمهور أهل السنة استعمالها\nوهناك من يمنع ذلك بحجة أن باب\n_________\n(^١) انظر رسالة في العقل والروح (٢/ ٤٦ - ٤٧).\n(^٢) بدائع الفوائد (١/ ١٦١)، مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٢ - ١٤٣)\n(^٣) رسالة في العقل والروح (٢/ ٤٦ - ٤٧).","vol":"1","page":587},{"text":"الإخبار توقيفي كسائر الأبواب\nوالصواب أنه ما دام المعنى المقصود من ذلك اللفظ يوافق ما دلت عليه النصوص، واستعمل اللفظ لتأكيد ذلك فلا مانع\nكقول أهل السنة: \"إن الله استوى على العرش بذاته\"\nفلفظة (بذاته) مراد بها أن الله مستو على العرش حقيقة وأن الاستواء صفة له.\nوكقولهم: \"إن الله عالٍ على خلقه بائن منهم\"\nفلفظة (بائن) يراد بها إثبات العلو حقيقة، والرد على زعم من قال إن الله في كل مكان بذاته\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والمقصود هنا أن الأئمة الكبار كانوا يمنعون من إطلاق الألفاظ المبتدعة المجملة، لما فيها من لبس الحق بالباطل، مع ما تُوقعه من الاشتباه والاختلاف والفتنة، بخلاف الألفاظ المأثورة، والألفاظ التي بينت معانيها، فإن ما كان مأثورًا حصلت به الألفة، وما كان معروفًا حصلت به المعرفة\" (^١)\nوقال أيضًا: \"فطريقة السلف والأئمة أنهم يراعون المعاني الصحيحة المعلومة بالشرع والعقل\nويراعون أيضًا الألفاظ الشرعية، فيعبرون بها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا\nومن تكلم بما فيه معنى باطل يخالف الكتاب والسنة ردوا عليه\nومن تكلم بلفظ مبتدع يحتمل حقًا وباطلًا نسبوه إلى البدعة، وقالوا إنما قابل البدعة ببدعة ورد باطلًا بباطل\" (^٢)\nفيستفاد من كلام شيخ الإسلام المتقدم أن الألفاظ على أربعة أقسام:\nالقسم الأول: الألفاظ المأثورة وهي التي وردت بها النصوص\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧١).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٥٤).","vol":"1","page":588},{"text":"القسم الثاني: الألفاظ المعروفة وهي التي بُيِّنَت معانيها\nالقسم الثالث: الألفاظ المبتدعة التي تدل على معنى باطل\nالقسم الرابع: الألفاظ المبتدعة التي تحتمل الحق والباطل\nفلفظ (الذات) و(بائن) هي من القسم الثاني\nوهذه الألفاظ كما أسلفنا إنما تستعمل في باب الإخبار ولا تستعمل في باب الأسماء والصفات، ولذلك لما اعترض الخطابي على استعمالها بقوله: \"وزعم بعضهم أنه جائز أن يقال له تعالى حد لا كالحدود كما نقول يد لا كالأيدي فيقال له: إنما أُحْوِجْنَا إلى أن نقول يد لا كالأيدي لأن اليد قد جاء ذكرها في القرآن وفي السنة فلزم قبولها ولم يجز رَدُّها. فأين ذكر الحد في الكتاب والسنة حتى نقول حد لا كالحدود، كما نقول يد لا كالأيدي؟! \" (^١)\nفرد شيخ الإسلام ابن تيمية على قول الخطابي من وجوه منها: \"أن هذا الكلام الذي ذكره إنما يتوجه لو قالوا: إن له صفة هي الحد، كما توهمه هذا الراد عليهم. وهذا لم يقله أحد، ولا يقوله عاقل؛ فإن هذا الكلام لا حقيقة له إذ ليس في الصفات التي يوصف بها شييء من الموصوفات-كما وصف باليد والعلم-صفة معينة يقال لها الحد، وإنما الحد ما يتميز به الشييء عن غيره من صفته وقدره\" (^٢)\nفأهل السنة لم يثبتوا بهذه الألفاظ صفة زائدة على ما في الكتاب والسنة، بل بينوا بها ما عطله المبطلون من وجود الرب تعالى ومباينته من خلقه وثبوت حقيقته\" (^٣)\nثانيًا: ألفاظ ورد استعمالها في كلام بعض السلف تارة لإثباتها وتارة لنفيها.\n_________\n(^١) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٤٢).\n(^٢) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٤٢ - ٤٤٣).\n(^٣) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٤٥).","vol":"1","page":589},{"text":"ومن أمثلة ذلك: لفظ (الحد) ولفظ (المماسة)، فإطلاق السلف لها ليس من باب الصفات وإنما هو من باب الإخبار، ولهم في حال الإثبات والنفي توجيه ليس هذا محل بسطه","vol":"1","page":590},{"text":"<span data-type='title' id=toc-298>الأقوال المجملة تشتمل على الحق والباطل</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وما تنازع فيه المتأخرون، نفيًا وإثباتًا، فليس على أحد بل ولا له أن يوافق أحدًا على إثبات لفظ أو نفيه، حتى يعرف مراده، فإن أراد حقًا قُبل، وإن أراد باطلا رُدّ، وإن اشتمل كلامه على حق وباطل لم يُقبل مطلقًا ولم يُرد جميع معناه، بل يُوقف اللفظ ويُفسّر المعنى\".\nالشرح\nبعد أن ذكر المصنف نوعين من الألفاظ شرع هنا في بيان حكم بقية أنواع الألفاظ، وهي النوع الثالث والرابع:\n\n<span data-type='title' id=toc-299>ثالثًا: ألفاظ ورد استعمالها في كلام بعض السلف وفي كلام خصومهم.</span>\nومن أمثلة ذلك: لفظة (الجهة)\n\n<span data-type='title' id=toc-300>رابعًا: ألفاظ ورد استعمالها في كلام الخصوم ولم يرد استعمالها في كلام السلف.</span>\nومن أمثلة ذلك: لفظ (الجسم) و(الحيز) و(واجب الوجود) و(الجوهر) و(العرض)\nوأما النوعان الثالث والرابع فالجواب عن ذلك أن نقول الأصل في هذا الباب أن الألفاظ نوعان:\n\n<span data-type='title' id=toc-301>النوع الأول: نوع مذكور في كتاب الله وسنة رسوله وكلام أهل الإجماع.</span>\nفهذا يجب اعتبار معناه، وتعليق الحكم به، فإن كان المذكور به مدحًا استحق","vol":"1","page":591},{"text":"صاحبه المدح، وإن كان ذمًا استحق الذم، وإن أثبت شيئا وجب إثباته، وإن نفى شيئا وجب نفيه، لأن كلام الله حق، وكلام رسوله حق، وكلام أهل الإجماع حق\nوهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآيات: ١ - ٤]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِن﴾ [الحشر ٢٢ - ٢٣]، ونحو ذلك من أسماء الله وصفاته\nوكذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، وقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَار﴾ [الأنعام ١٠٣]، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢ - ٢٣]، وأمثال ذلك مما ذكره الله تعالى ورسوله ﷺ، فهذا كله حق.\n\n<span data-type='title' id=toc-302>النوع الثاني: الألفاظ التي ليس لها أصل في الشرع</span>\nفتلك لا يجوز تعليق المدح والذم والإثبات والنفي على معناها، إلا أن يبين أنه يوافق الشرع، والألفاظ التي تعارض بها النصوص هي من هذا الضرب، كلفظ (الجسم) و(الحيز) و(الجهة) و(الجوهر) و(العرض) (^١). فإن هذه الألفاظ يدخلون في مسماها الذي ينفونه أمورًا مما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله، فيدخلون فيها نفي علمه وقدرته وكلامه، ويقولون إن القرآن مخلوق، ولم يتكلم الله به، وينفون رؤيته لأن رؤيته على اصطلاحهم لا تكون إلا لمتحيز في جهة وهو جسم، ثم يقولون: والله منزه عن ذلك فلا تجوز رؤيته. وكذلك يقولون إن المتكلم لا يكون إلا جسمًا متحيزًا، والله ليس بجسم متحيز فلا يكون متكلمًا، ويقولون: لو كان فوق العرش لكان جسمًا متحيزًا، والله ليس بجسم متحيز، فلا يكون متكلمًا فوق العرش\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٤١ - ٢٤١)","vol":"1","page":592},{"text":"وأمثال ذلك (^١)\nالموقف من هذا النوع: \"إذا كانت هذه الألفاظ مجملة-كما ذُكر-فالمخاطب لهم إما:\n١ - أن يفصل لهم ويقول: ما تريدون بهذه الألفاظ؟ فإن فسروها بالمعنى الذي يوافق القرآن قُبلت. وإن فسروها بخلاف ذلك رُدَّت\n٢ - وأما أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا. ولكن يلاحظ\nأن الإنسان إذا امتنع عن التكلم بها معهم فقد ينسبونه إلى الجهل والانقطاع\nوأن الإنسان إذا تكلم بها معهم نسبوه إلى أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقًا وباطلًا، وأوهموا الجهال باصطلاحهم أن إطلاق تلك الألفاظ يتناول المعاني الباطلة التي ينزه الله عنها\" (^٢)\nولعل الراجح في المسألة أن الأمر يختلف باختلاف المَصْلَحَةِ\n١ - فإن كان الخصم في مقام دعوة الناس إلى قوله وإلزام الناس بها أمكن أن يقال له: لا يجب على أحد أن يجيب داعيًا إلا إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ، فما لم يثبت أن الرسول دعا الخلق إليه لم يكن على الناس إجابة من دعا إليه، ولا له دعوة الناس إلى ذلك، ولو قدر أن ذلك المعنى حق\nوهذه الطريق تكون أصلح إذا لَبَّسَ مُلَبِّسٌ منهم على ولاة الأمور، وأدخلوه في بدعتهم، كما فعلت الجهمية بمن لبسوا عليه من الخلفاء حتى أدخلوه في بدعتهم من القول بخلق القرآن وغير ذلك، فكان من أحسن مناظرتهم أن يقال: إئتونا بكتاب أو سنة حتى نجيبكم إلى ذلك وإلا فلسنا نجيبكم إلى ما لم يدل عليه الكتاب والسنة\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٨).\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٩).","vol":"1","page":593},{"text":"وهذا لأن الناس لا يفصل بينهم النزاع إلا كتاب منزل من السماء، وإذا ردوا إلى عقولهم فلكل واحد منهم عقل، وهؤلاء المختلفون يدعي أحدهم أن العقل أدَّاه إلى علم ضروري ينازعه فيه الآخر، فلهذا لا يجوز أن يجعل الحاكم بين الأمة في موارد النزاع إلا الكتاب والسنة\nوبهذا ناظر الإمام أحمد الجهمية لما دعوه إلى المحنة، وصار يطالبهم بدلالة الكتاب والسنة على قولهم\nفلما ذكروا حججهم كقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٠٢]، وقوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء ٢]، وقول النبي ﷺ: \"تجيء البقرة وآل عمران\"، وأمثال ذلك من الأحاديث.\nأجابهم عن هذه الحجج بما بين به أنها لا تدل على مطلوبهم\nولما قالوا: ما تقول في القرآن أهو الله أو غير الله؟ عارضهم بالعلم فقال: ما تقولون في العلم أهو الله أو غير الله؟ ولما ناظره أبو عيسى محمد بن عيسى برغوث-وكان من أحذقهم بالكلام-ألزمه التجسيم، وأنه إذا أثبت لله كلامًا غير مخلوق لزم أن يكون جسمًا\nفأجابه الإمام أحمد: بأن هذا اللفظ لا يُدرى مقصود المتكلم به، وليس له أصل في الكتاب والسنة والإجماع، فليس لأحد أن يلزم الناس أن ينطقوا به ولا بمدلوله\nوأخبره أني أقول: هو أحد، صمد، لم يلد ولم يلد، ولم يكن له كفوًا أحد، فبين أني لا أقول هو جسم ولا ليس بجسم، لأن كلا الأمرين بدعة محدثة في الإسلام، فليست هذه من الحجج الشرعية التي يجب على الناس إجابة من دعا إلى موجبها، فإن الناس إنما عليهم إجابة الرسول فيما دعاهم إليه وإجابة من دعاهم إليه رسول الله","vol":"1","page":594},{"text":"ﷺ، لا إجابة من دعاهم إلى قول مبتدع، ومقصود المتكلم بها مجمل لا يُعرف إلا بعد الاستفصال والاستفسار، فلا هي معروفة في الشرع، ولا معروفة بالعقل إن لم يستفسر المتكلم بها\nفهذه المناظرة ونحوها هي التي تصلح إذا كان المناظر داعيًا\n٢ - وأما إذا كان المناظر معارضًا للشرع بما يذكره، أو ممن لايمكن أن يرد إلى الشريعة\nمثل من لا يلتزم الإسلام ويدعو الناس إلى ما يزعمه من العقليات أو ممن يدَّعي أن الشرع خاطب الجمهور، وأن المعقول الصريح يدل على باطن يخالف الشرع، ونحو ذلك.\nأو كان الرجل ممن عرضت له شبهة من كلام هؤلاء\nفهؤلاء لابد في مخاطبتهم من الكلام على المعاني التي يدعونها إما:\n١ - بألفاظهم\n٢ - وإما بألفاظ يوافقون على أنها تقوم مقام ألفاظهم، وحينئذ يقال لهم الكلام إما:\nأ-أن يكون في الألفاظ.\nب-وإما أن يكون في المعاني.\nجـ-وإما أن يكون فيهما.\nفإن كان الكلام في المعاني المجردة من غير تقييد بلفظ كما تسلكه المتفلسفة ونحوهم ممن لا يتقيد في أسماء الله وصفاته بالشرائع بل يسميه علة وعاشقًا ومعشوقًا ونحو ذلك\nفهؤلاء إن أمكن نقل معانيهم إلى العبارة الشرعية كان حسنًا\nوإن لم","vol":"1","page":595},{"text":"يمكن مخاطبتهم إلا بلغتهم، فبيان ضلالهم ودفع صيالهم عن الإسلام بلغتهم أولى من الإمساك عن ذلك لأجل مجرد اللفظ. كما لو جاء جيش كفار ولا يمكن دفع شرهم عن المسلمين إلا بلبس ثيابهم، فدفعهم بلبس ثيابهم خير من ترك الكفار يجولون في خلال الديار خوفًا من التشبه بهم في الثياب\nوأما إذا كان الكلام مع من قد يتقيد بالشريعة\nفإنه يقال له: إطلاق هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا بدعة، وفي كل منها تلبيس وإيهام، فلابد من الاستفسار والاستفصال؛ أو الامتناع عن إطلاق كلا الأمرين في النفي والإثبات.\nوقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام إنما لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة كلفظ (الجوهر) و(الجسم) و(العرض)، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحًا يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره\nوليس الأمر كذلك: بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث الألفاظ، فذموه لاشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة، ومخالفته للعقل الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل قطعًا. ثم من الناس من يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك\nوأيضًا: فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئًا، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله\nفإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما،","vol":"1","page":596},{"text":"والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة (^١).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"كما تنازع الناس في الجهة والتحيز وغير ذلك.\nفلفظ «الجهة» قد يراد به شيء موجود غير الله فيكون مخلوقا، كما إذا أريد بالجهة نفس العرش أو نفس السموات. وقد يراد به ما ليس بموجود غير الله تعالى، كما إذا أريد بالجهة ما فوق العال.\nومعلوم أنه ليس في النص إثبات لفظ «الجهة» ولا نفيه، كما فيه إثبات «العلو» و«الاستواء» و«الفوقية» و«العروج إليه» ونحو ذلك.\nوقد عُلم أن ما ثمّ موجود إلا الخالق والمخلوق، والخالق مباين للمخلوق ﷾، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته.\nفيقال لمن نفى الجهة: أتريد بالجهة أنها شيء موجود مخلوق، فالله ليس داخلا في المخلوقات؛ أم تريد بالجهة ما وراء العالم، فلا ريب أن الله فوق العالَم، بائن من المخلوقات. وكذلك يقال لمن قال: إن الله في جهة: أتريد بذلك أن الله فوق العال، أو تريد به أن الله داخل في شيء من المخلوقات. فإن أردت الأول فهو حق، وإن أردت الثاني فهو باطل\".\nالشرح\nمن المعلوم أن طوائف المعطلة من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من متأخري الأشاعرة والماتريدية ينكرون المباينة بالجهة.\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٨ - ٢٣٣).","vol":"1","page":597},{"text":"فبعضهم ينفي المباينة والمحايثة، فيقولون: لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوقه، ولا تحته، ولا مباين له، ولا محايث له. وهؤلاء هم نظارهم.\nوبعضهم يثبت المحايثة فيقولون: إنه بذاته في كل مكان، وهذا قول طوائف من علمائهم وعبادهم.\nوالاتحادية من المعطلة قالوا: إنه نفس وجود الأمكنة (^١).\nوردًا على مزاعم هؤلاء الباطلة أطلق من أطلق من علماء السلف لفظ المباينة وعدم المماسة تقريرًا منهم لإثبات علو الله على خلقه واستوائه على عرشه ومباينته من خلقه.\nوقد افترق الناس في هذا المقام أربع فرق:\nالقسم الأول: الجهمية النفاة، الذين يقولون: ليس داخل العالم، ولا خارج العالم، ولا فوق ولا تحت، ولا يقولون بعلوه ولا بفوقبته.\nالقسم الثاني: يقولون: إنه بذاته في كل مكان، كما يقوله النجارية، وكثير من الجهمية، عبادهم، وصوفيتهم، وعوامهم.\nالقسم الثالث: من يقول هو فوق العرش وهو في كل مكان، ويقول أنا أقر بهذه النصوص، وهذه لا أصرف واحدًا منها عن ظاهره.\nوهذا قول طوائف ذكرهم الأشعري في مقالاته وهو موجود في كلام طائفة من السالمية والصوفية.\nالقسم الرابع: وهم سلف الأمة وأئمتها، أئمة العلم والدين من شيوخ العلم والعبادة، فإنهم أثبتوا أن الله فوق سمواته وأنه على عرشه بائن من خلقه وهم منه\n_________\n(^١) نقض تأسيس الجهمية (٢/ ٥٣١) بتصرف.","vol":"1","page":598},{"text":"بائنون، وهو أيضًا مع العباد عمومًا بعلمه، ومع أنبيائه وأوليائه بالنصر والتأييد والكفاية، وهو أيضًا قريب مجيب\" (^١).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وكذلك لفظ «المتحيز»، إن أراد به أن الله تحوزه المخلوقات فالله أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيه السموات والأرض، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: (يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض). وفي حديث آخر: (وإنه ليدحوها كما يدحو الصبيان بالكرة) وفي حديث ابن عباس: ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم.\nوإن أراد به أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها، منفصل عنها ليس حالا فيها. فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه\".\nالشرح\nيتحدث المصنف هنا عن شبهة وجوابها.\nفالأمر الأول: من قال بنفي التحيز.\n_________\n(^١) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٥٥٥ - ٥٥٦).","vol":"1","page":599},{"text":"القائلون بنفي التحيز هم المعتزلة وشبهتهم التي اعتمدوا عليها في نفي صفات الباري ﷿ بما فيها صفة العلو هي ما تسمى بطريقة الأعراض، ذلك أنهم يزعمون أن الصفات إنما هي أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث، ومن أجل ذلك كان قول المعتزلة في الله: إنه قديم واحد ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان معه غيره (^١) ولكان جسمًا إذ إن ثبوت الصفات يقتضي كثرة وتعددًا في ذاته ويقتضي أنه جسم وذلك خلاف التوحيد.\nفهم يزعمون أن توحيد الله وتنزيهه متوقف على أنه ليس بجسم، وكونه ليس بجسم موقوف على عدم قيام الأعراض والحوادث به التي هي الصفات والأفعال، ونفي ذلك عندهم موقوف على ما يدل عليه حدوث الأجسام، والذي دلهم على حدوث الأجسام أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث لا يسبقها، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث.\nويزعمون أيضًا أن الأجسام لا تخلو من الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين فهي حادثة، فإذا لم تخل الأجسام منها لزم حدوثها.\nويزعمون أيضًا أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، والمركب مفتقر إلى جزئيه وجزءاه غيره، وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثًا مخلوقًا، فالأجسام متماثلة فكل ما صح على بعضها صح على جميعها، وقد صح على بعضها التحليل والتركيب والاجتماع والافتراق فيجب أن يصح على جميعها (^٢).\n_________\n(^١) بالإضافة إلى زعم المعتزلة أن الصفات لا تقوم إلا بأجسام، فهم أيضًا يزعمون أن في إثبات الصفات قول بكثرة وتعدد ذات الله، لأنهم يقولون: (إن من أثبت لله صفة أزلية قديمة فقد أثبت إلهين)، كما اعتقدوا أن الصفات لو شاركته في القدم لشاركته في الألوهية.\nانظر الملل للشهرستاني (١/ ٤٤ - ٤٦)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٤٥)، منهاج السنة (٢/ ١٦٩).\n(^٢) انظر مختصر الصواعق (١/ ٢٥٤).","vol":"1","page":600},{"text":"والمعتزلة يقولون أننا بهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم ونفي كون الصانع جسمًا وإمكان المعاد.\nومن المعروف عن المعطلة أنهم يستدلون لأقوالهم بعبارات مبتدعة وفيها الكثير من الاشتباه والإجمال، وذلك كلفظ الجهة والجسم والحيز والمركب وغير ذلك، فهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ليخدعوا به جهال الناس بما يشبهون عليهم، وهذه الألفاظ المجملة تتضمن معاني باطلة ومعاني أخرى صحيحة فهم بهذا ينفون كلا المعنيين الحق والباطل.\nوقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- ما في هذه الألفاظ من معانٍ، وما تدل عليه من عبارات (^١)، وكيف استعملها هؤلاء المعطلة في نفي صفات الباري ﷿ حيث ادعوا أن هذه الأمور من مستلزمات الجسمية، والله منزه من ذلك، وقد بين شيخ الإسلام أن استعمال هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا لم يرد عن السلف ولا جاء به أثر صحيح ولم يستعملها الأقدمون بالمعنى الاصطلاحي الذي اتفق عليه هؤلاء، بل جميعهم معترفون بأن العلو صفة كمال كما أن السفل صفة نقص، وما ثبت لله من العلو فهو العلو المناسب لكمال ذاته المنزهة عن اعتبارات المحدثين ومماثلتهم.\nومعلوم أن القول بأن العلو يستلزم هذه المعاني المبهمة إنما هو مأخوذ من قياس الغائب على الشاهد، ومحاولة تطبيق الاعتبارات الإنسانية على الصفات الإلهية، وهذا قياس خاطئ إذ ليس معنى كونه في السماء أن السماء تحويه وتحيط به وتحصره، أو هي محل وظرف له، بل هو سبحانه محيط بكل شيء وسع كرسيه السموات والأرض، وهو فوق كل شيء وعالٍ على كل شيء (^٢).\n_________\n(^١) انظر شرح ابن تيمية لهذه العبارات في نقض التأسيس الجهمية (١/ ٥٠٤، ٥١١)، وفي مجموع الفتاوى (٥/ ٤١٨ - ٤٣٠).\n(^٢) انظر كتاب موقف شيخ الإشلام ابن تيمية من قضية التأويل (٣٨١ - ٣٨٥).","vol":"1","page":601},{"text":"ثانيا: أن ما استدل به المعتزلة لا أصل له من الكتاب أو السنة بل هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعًا ليس بعالم ولا قادر ولا حي (^١).\nكما أن مذهب المعتزلة في الذات قريب من مذهب اليونان القائلين بأن ذات الله واحدة لا كثرة فيها بوجه من الوجوه (^٢).\nثالثًا: أن أصل هذه القاعدة التي اعتمد عليها المعتزلة في نفي الصفات إنما هي مأخوذة من قولهم في دليل حدوث العالم (^٣) الذي أثبتوا فيه حدوث العالم بحدوث الأجسام. وهذا الدليل قد بين الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر: أنه دليل محرم في شرائع الأنبياء، ولم يستدل به أحد من الرسل ولا أتباعهم (^٤)، فهي بهذا طريق يحرم سلوكها لما فيها من الخطر والتطويل وما يلزم عليها من لوازم باطلة لأنها مستلزمة لنفي الصانع بالكلية، وهي مستلزمة لنفي صفاته ونفي أفعاله ونفي المبدأ والمعاد، فهذه الطريق لا تتم إلا بنفي سمع الرب وبصره وقدرته وحياته وإرادته وكلامه فضلًا عن نفي علوه على خلقه ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها، فلو صحت هذه الطريقة لنفت الصانع وأفعاله وصفاته وكلامه وخلقه للعالم وتدبيره له.\nوما يثبته أصحاب هذه الطريقة من ذلك لا حقيقة له بل هو لفظ لا معنى له، وأن الله بذاته في كل مكان، وقال إخوانهم إنه ليس داخل العالم ولا خارج العالم، وقالوا بخلق القرآن إلى غير ذلك من اللوازم الباطلة (^٥).\n_________\n(^١) مقالات الإسلاميين (٢/ ١٧٧)، وموقف المعتزلة من السنة النبوية (٥٣).\n(^٢) موقف المعتزلة من السنة النبوية (٥٣).\n(^٣) انظر الكلام على دليل حدوث العالم في مجموع الفتاوى (١٣/ ١٥٣).\n(^٤) انظر كتاب رسالة إلى أهل الثغر (ص ١٦٤ - ١٧٢) تحقيق عبد الله شاكر الجنيدي، رسالة ماجستير من قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية.\n(^٥) مختصر الصواعق (١/ ٢٥٦، ٢٥٧)، ودرء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٨ - ٤٠).","vol":"1","page":602},{"text":"الأمر الثاني: الجواب على استخدام لفظ التحيز.\nومن الأمثلة التي ساقها شيخ الإسلام أيضًا من هذه الألفاظ المبتدعة لفظ «المتحيز».\nفنقول لمن أثبته: ماذا تريد بهذا اللفظ؟\n- فإن أراد به: أن الله تحوزه المخلوقات، فهذا باطل، فإن الله أعظم وأكبر، بل قد وسع كرسيه السموات والأرض، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. وقد ثبت في الصحاح عن النبي ﷺ أنه قال: (يقبض الله الأرض ويطوي السموات بيمينه ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض) (^١).\nوفي حديث آخر: (وإنه ليدحوها كما يدحو الصبيان بالكرة) (^٢).\nوفي حديث ابن عباس: ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم (^٣).\n- وإن أراد به: أنه منحاز عن المخلوقات، أي مباين لها، منفصل عنها ليس حالًّا فيها. فهو سبحانه كما قال أئمة السنة: فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم حديث رقم (٢٧٨٧) عن أبي هريرة ﵁.\n(^٢) أخرجه بنحوه ابن جرير في تفسيره لسورة الزمر آية ٦٧.\n(^٣) الإبانة الكبرى لابن بطة (٧/ ٣٠٨).","vol":"1","page":603},{"text":"<span data-type='title' id=toc-303>لفظ الظاهر فيه إجمال واشتراك</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"القاعدة الثالثة: إذا قال القائل: ظاهر النصوص مراد، أو ظاهرها ليس بمراد.\nفإنه يقال: لفظ «الظاهر» فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد.\nولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمّون هذا ظاهرا، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلا، والله - ﷾ - أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال.\nوالذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين:\nتارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجًا إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك.\nوتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ، لاعتقادهم أنه باطل.\nالشرح\nللحديث عن شرح هذه القاعدة يمكن تقسيم الشرح إلى عدة جوانب، وقد لا يكون لبعضها علاقة مباشرة بالموضوع، ولكنها ضرورية لفهمه وكما قال النووي «إن المفتي إذا سئل عن شيء، وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل ولم يسأله عنه، يستحب له أن يذكره له، ويكون هذا من النصيحة لا من الكلام فيما","vol":"1","page":604},{"text":"لا يعني\" (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-304>الجانب الأول: توطئة في أقسام الناس في نصوص الصفات عمومًا.</span>\nالأقسام التي يمكن عدُّها في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، فالناس انقسموا في النصوص، أي في نصوص القرآن والسنة المتعلقة بباب الأسماء والصفات، انقسموا إلى ستة أقسام، وهذه الأقسام يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام باعتبار جمع كل قسمين معًا:\n- فقسمان يقولان: تجرى على ظواهرها.\n- وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها.\n- وقسمان يسكتان.\nيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: \"وجماع الأمر: أن الأقسام الممكنة في آيات الصفات وأحاديثها ستة أقسام، كل قسم عليه طائفة من أهل القبلة:\n- قسمان يقولان: تجرى على ظواهرها.\n- وقسمان يقولان: هي على خلاف ظاهرها.\n- وقسمان يسكتون\" (^٢).\nأما القسمان اللذان يقولان: تجرى على ظواهرها.\nالقسم الأول: من يجريها على ظاهرها ويجعل ظاهرها من جنس صفات المخلوقين.\nفهؤلاء هم المشبِّهة.\n_________\n(^١) شرح صحيح مسلم: ٤/ ١٠٨.\n(^٢) مجموع الفتاوى: ٣/ ٧٤.","vol":"1","page":605},{"text":"فالمشبهة أجروا هذه النصوص على ظاهرها، ولكن جعلوا ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، كقولهم: له يد كيدي، وسمع كسمعي، وبصر كبصري، فهم من جهة أثبتوا الصفة فأثبتوا اليد، وأثبتوا السمع، وأثبتوا البصر، وأثبتوا الاستواء، وأثبتوا سائر الصفات، لكنهم تعمقوا في شأن الكيفية وجعلوا تلك الصفات من جنس ما للمخلوق.\nوشبهة هؤلاء أنهم يقولون: إن الله تعالى لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا كلمنا عن يد، فنحن لا نعقل من اليد إلا هذه اليد الجارحة، ولذلك نقول: له يد كيدي، ونقول: له سمع كسمعي، وبصر كبصري.\nوهذه الحجة في غاية الضعف؛ لأنه ليس من شرط الإيمان بالأشياء أن تعقل حقائقها، فهذه الروح بين جنبي الإنسان ولا يمكن للإنسان أن ينكر هذه الروح، ومع ذلك لا يمكن أن يدرك كنهها أو حقيقتها، وكذلك كثير من المغيبات الله ﷾ أخبر عنها، ولكن مع ذلك لا ندرك كيفية تلك المغيبات أو حقيقتها كما في شأن الملائكة، وكما في شأن الجنة والنار، وكما في شأن الكثير من الأمور المغيبة.\nفهذا الصنف لا شك أن مذهبهم باطل، أنكره السلف، فالأئمة نصوصهم في ذلك كثيرة في الإنكار على المشبهة، ولا شك أنه الردود في هذا ذكرها جمع من السلف، وهذا المذهب وهذا القول قال به الهشامية من الروافض، فقدماء الرافضة كانوا على مذهب التمثيل والتشبيه، وكذلك هذا القول موجود عند الكرامية، كما ذكر في كتب المقالات.\nالقسم الثاني: ممن يجريها على ظاهرها، هم أهل السنة والجماعة، وهو مذهب السلف، فالسلف يجرون هذه النصوص على ظاهرها، ولكن الظاهر الذي يليق بجلال الله ﷾ وكماله، فيثبتون اليد، ويثبتون السمع، ويثبتون البصر، ويثبتون العلم،","vol":"1","page":606},{"text":"ويثبتون الاستواء، ويثبتون النزول، ويثبتون سائر الصفات، ولكن على ما يليق بجلال وكمال الله ﷾، فالله ﷾ هو الذي أخبر بهذه الصفات، ووصف نفسه بهذه الصفات، كما وردت بذلك نصوص الكتاب والسنة، ولكن مع هذا لا نعقل كيفية تلك الصفات، والإيمان بهذه الصفات هو إيمان وجود، وأن هذه الصفات صفات ثابتة حقيقة لله ﷾، ولا نعلم كيفية تلك الصفات، فقال هنا: الثاني: أي القسم الثاني، من يجريها على ظاهرها اللائق بجلال الله ﷾ كما يجرى ظاهر اسمه العليم، القدير، الرب، الإله، فهذه الأسماء يعني ثابتة بالنصوص، ونجريها على ظاهرها، ونؤمن بما دلَّت عليه من المعاني.\nوالإيمان بهذه الصفات وإثباتها لله ﷾ حقيقة، نؤمن بوجودها لله حقيقة أي أن هذه الصفات ثابتة في حق الله حقيقة، فإن لله يدًا حقيقة، ولله سمع حقيقة، والله استوى حقيقة، وهذا حدنا في الإيمان.\nأما شأن الكيف فنحن نَكِلُ علمه إلى الله ﷾.\n\n<span data-type='title' id=toc-305>القسمان اللذان يقولان تجرى على خلاف ظاهرها.</span>\nأي اللذان ينفيان ظاهرها ويقولون: ليس لها في الباطن مدلول هو صفة لله تعالى قط، وأن الله لا صفة له ثبوتية، بل صفاته إما سلبية وإما إضافية وإما مركبة منهما، أو يثبتون بعض الصفات وهي الصفات السبعة أو الثمانية أو الخمسة عشر أو يثبتون الأحوال دون الصفات، ويقرون من الصفات الخبرية بما في القرآن دون الحديث، على ما قد عرف من مذاهب المتكلمين فهؤلاء قسمان:\nويقصد بهم المعطِّلة من الفلاسفة وأهل الكلام، الذين يقولون: ليس للنصوص في الباطن مدلول هو صفة لله تعالى قط، أي: يقولون: إن هذه النصوص لا تدل على صفات حقيقة، ثم بعد ذلك هم أصناف:","vol":"1","page":607},{"text":"فالصنف الأول من يقول: أن الله لا صفة له ثبوتية، بل صفاته إما سلبية وإما إضافية أو مركَّبة منهما، أي: من السلب والإضافة، فهذا صنف وهم الجهمية وغلاة المعطِّلة، بما فيهم الجهمية والفلاسفة بحسبب أصنافهم، سواء كانوا أصحاب الفلسفة البحتة أو الباطنية، من باطنية الصوفية أو باطنية الرافضة، فهؤلاء لا يصفون الله ﷿ بصفة ثبوتية، بل غايتهم أنهم إما يصفونه بالسلب أو بالإضافة كما يقولون والإضافة المقصود بها الأمور النسبية، كقولهم: واجد الوجود، أو العلة الفاعلة، أو نحو هذه من العبارات، فهذه يطلقونها على الله ﷾ على أنها أمور نسبية إضافية، فيصفونه بأنه واجب الوجود، ويصفونه بأنه العلة الفاعلة، لكن كل هذه من باب النسب والإضافات وليست من باب الصفات.\nفإما أن يقولوا: لا داخل العالم، ولا خارجه، ولا فوقه، ولا تحته، وهذه السلبيات.\nوإما أن يقولوا: أنه واجب الوجود، أو العلة الفاعلة، وغير ذلك من العبارات الأخرى، وهذه إنما هي من باب النسب والإضافات، وإذا قلنا: نسب وإضافات أنها يعني باعتبار ما للمخلوق، فيسمونه العلة الفاعلة باعتبار أن هناك خلق موجود، فبالتالي ما يضاف إلى هذا الخالق الذي أوجد هذا الخلق يقولون عنه أنه علة فاعلة، يسمونه علة فاعلة، فهذا قول.\nالصنف الثاني: المعتزلة وهؤلاء يثبتون الأحوال دون الصفات.\nالصنف الثالث: الكلابية وقدماء الأشاعرة\nفأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها. ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري وغيرهما، كان الحارث المحاسبي ينتسب إلى قول ابن كلاب","vol":"1","page":608},{"text":"الصنف الرابع: المتأخرين من الأشاعرة والماتريدية.\nوهؤلاء يقولون بإثبات سبع صفات فقط أو ثمان ونفي ما عداها، فهم بزعمهم لم يثبتوا من الصفات إلا ما أثبته العقل فقط، وأما ما لا مجال للعقل فيه عندهم فتعرضوا له بالتأويل والتعطيل.\nولا يستدل هؤلاء بالسمع في إثبات الصفات، بل عارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات.\nوهذا القول لمتأخري الأشاعرة إنما تلقوه عن المعتزلة، لما مالوا إلى نوع التجهم، بل الفلسفة، وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه، الذين لم يكونوا يقرون بمخالفة النقل للعقل، بل انتصبوا لإقامة أدلة عقلية توافق السمع، ولهذا أثبت الأشعري الصفات الخبرية بالسمع، وأثبت بالعقل الصفات العقلية التي تعلم بالعقل والسمع، فلم يثبت بالعقل ما جعله معارضًا للسمع، بل ما جعله معاضدًا له، وأثبت بالسمع ما عجز عنه العقل.\nوهؤلاء خالفوه وخالفوا أئمة أصحابه في هذا وهذا، فلم يستدلوا بالسمع في إثبات الصفات، وعارضوا مدلوله بما ادعوه من العقليات. (^١)\nوما عداها من الصفات الثبوتية لا يثبتونها ولهم في نصوصها أحد طريقين إما التأويل أو التفويض وفي هذا يقول قائلهم:\nوكل نص أوهم التشبيها … أوله أو فوضه ورم تنزيها (^٢)\nفنصوص الصفات التي وردت في إثبات ما عدا الصفات السبع التي يثبتونها، يسمونها نصوص موهمة للتشبيه، فهم يصرفونها عن ظاهرها، ولكنهم تارة يعينون\n_________\n(^١) - درء تعارض العقل والنقل ٧/ ٩٧.\n(^٢) - المصدر السابق ص ٩١.","vol":"1","page":609},{"text":"المراد كقولهم استوى: استولى، واليد: بمعنى النعمة والقدرة؛ وتارة يفوضون فلا يحددون المعنى المراد ويكلون علم ذلك إلى الله ﷿. ولكنهم يتفقون على نفي الصفة لأن ناظمهم يقول: «ورم تنزيهًا»\nوشارح الجوهرة يقول: «أو فوض» أي بعد التأويل الإجمالي الذي هو صرف اللفظ عن ظاهره، فبعد هذا التأويل فوض المراد من النص الموهم إليه تعالى. (^١)\nفهم بذلك متفقون على نفي تلك الصفات، ويخيرون في تحديد المعنى المراد أو السكوت عن ذلك.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات -أي الصفات الخبرية-موافقة للمعتزلة والجهمية. ثم لهم قولان:\nأحدهما: تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد.\nوالثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في \"الرسالة النظامية\" وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس بسائغ ولا واجب.\nثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات. ومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي، لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي). (^٢)\nوالقسمان اللذان يسكتان.\nالواقفان الذين يقفون في هذا على أحد قولين:\nالقسم الأول: يقول: تجرى على ظاهرها، ومع ذلك يجوز أن يكون المراد أمرًا\n_________\n(^١) - تحفة المريد ص ٩١\n(^٢) - درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٤٩.","vol":"1","page":610},{"text":"آخر، فيجوز أحد الاعتبارين، أحد الحالين، يجوز في نفس الوقت إجراؤها على ظاهرها، ويجوز في نفس الوقت أن يكون لها معنى آخر لا يعلمه إلا الله تعالى، فهذا فرق بينه وبين الذي قبله، فالذي قبله يجزم بأنها على خلاف ظاهرها لكن يسكت عن تحديد المراد، أما هذا فيجوِّز الحالين، يجوِّز الحالين معًا وهذا في غاية التناقض لأنه جمع بين ضدين.\nوالقسم الثاني: أصحاب الجهل البسيط الذين يمسكون عن هذا كله، ويقولون: نحن نقرأ القرآن ولا نتجاوز قراءة النص، ونُعرض عن هذا كله، وهذا يعني لا شك أنه إعراض عن ذكر الله ﷾، فهذه الأقسام الستة لا يخرج الرجل من أحد هذه الأقسام الستة. فإما أن يكون مشبِّه أو ممن يثبتها على الوجه اللائق بالله ﷾، أو يكون هذا القسم يأوِّل، ويحرِّف، أو يفوِّض، أو يقول: أنه يجوز أن تكون على ظاهرها وعلى خلاف ظاهرها، أو يسكت عن ذلك كله، لا يمكن أن يخرج الإنسان عن أحد هذه الستة.\n\n<span data-type='title' id=toc-306>الجانب الثاني: أن التعامل مع نصوص الشرع تحكمه عدة ضوابط:</span>\nفيجب أن يراعى في معرفة الظاهر أمور:\n١ - دلالة اللفظ. ٢ - دلالة السياق. ٣ - سائر القرائن المحتفة. ٤ - حال المتكلم. (^١)\nالضابط الأول: فهم المراد من نصوص الكتاب والسنة بأن تجري على لغة العرب ووفق لسانها وهو ما يسمى (دلالة اللفظ).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد ٤/ ٩","vol":"1","page":611},{"text":"فالألفاظ جارية على لغة العرب-كما يقول الشاطبي ﵀ (^١) -فحتى نفهم المراد من نصوص الكتاب والسنة فلا بد أن تجري على لغة العرب ووفق لسانها، وليس لأحد أن يسخر اللغة وفق هواه وعلى ما جرى به اعتقاده، فاللغة حاكمة ليس لأحد أن يطوعها لأمر بغير أساليب أهلها (^٢).\nقال الإمام الشافعي ﵀: \" إنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها على ما تعرف من معانيها، وكان مما تعرف من معانيها اتساع لسانها \". ثم ذكر وجوها لاتساع لسانها وضروبه المتنوعة في دلالتها على المعاني\". ثم قال: \" وكانت هذه الوجوه التي وصفت اجتماعها في معرفة أهل العلم منها به معرفة واضحة عندها ومستنكرا عند غيرها ممن جهل هذا من لسانها، وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة، فتكلف القول في علمها تكلف ما يجهل بعضه\" (^٣).\nوقال بدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (ت: ٧٩٤ هـ: (\"وقد روى عبد الرزاق في \" تفسيره \": حدثنا الثوري عن ابن عباس، \" أنه قسم التفسير إلى أربعة أقسام: (قسم تعرفه العرب في كلامها، وقسم لا يعذر أحد بجهالته؛ يقول من الحلال والحرام، وقسم يعلمه العلماء خاصة، وقسم لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه فهو كاذب). وهذا تقسيم صحيح.\nفأما الذي تعرفه العرب، فهو الذي يرجع فيه إلى لسانهم، وذلك شأن اللغة والإعراب. فأما اللغة فعلى المفسر معرفة معانيها، ومسميات أسمائها\" (^٤)\nالضابط الثاني: كما أن علينا أن نعرف أن فهم النصوص يعتمد على سياق الكلام، وهو ما يسمى (دلالة السياق).\nوهذه الدلالة هي من الأهمية بمكان، إذ يتضح من خلالها فهم الكلام الوارد\n_________\n(^١) انظر: الموافقات: ٢/ ١٢٧.\n(^٢) انظر: بيان تلبيس الجهمية: ١/ ٤٩٢.\n(^٣) الرسالة للشافعي: ص ٥١ - ٥٣، ت: أحمد شاكر.\n(^٤) البرهان في علوم القرآن: ٢/ ٣٠٧.","vol":"1","page":612},{"text":"وتنزيله على معانيه الصحيحة.\nقال الإمام الشاطبي ﵀: \" كلام العربي على الإطلاق لابد فيه من اعتبار معنى المساق في دلالة الصيغ وإلا صار ضحكة وهزءة. \" (^١)\nقال ابن القيم: \"السياق يرشد إلى تبيين المجمل، وتعيين المحتمل، والقطع بعدم احتمال غير المراد وتخصيص العام وتقييد المطلق وتنوع الدلالة؛ وهذا من أعظم القرائن الدالة على مراد المتكلم فمن أهمله غلط في نظره وغالط في مناظرته فانظر إلى قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أنت الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان الآية: ٤٩ [كيف تجد سياقه يدل على أنه الذليل الحقير\" (^٢)\nودلالة السياق دلالة معتبرة عند أهل السنة استخدموها في توضيح النصوص على معانيها المناسبة لها.\nويقصد بالسياق هنا هو المعنى الذي جرت فيه الألفاظ محتفة بقرائنها التي تؤكد دلالة هذا المعنى وتستبعد ما سواه، ويسمي بعض الباحثين السياق بأنه: \" الموقف الكلامي بجميع عناصره \" (^٣).\nفالسياق إذن يعرف من خلال الكلام سابقه ولاحقه وما احتف به من قرائن\n_________\n(^١) الموافقات: ٣/ ٤١٩ - ٤٢٠.\n(^٢) بدائع الفوائد ٤/ ٩\n(^٣) انظر: علم الدلالة دراسة نظرية وتطبيقية: ص ١٧١، د/ فريد عوض حيدر، وانظر: دلالة السياق لردة الله الطلحي: ص ٤٦، وقد لخص الطلحي مفهوم السياق من خلال تراث العرب ويقصد به السياق عند علماء الشرع وعلماء اللغة بأنه يرجع إلى ثلاثة أمور:\n١ - السياق هو الغرض.\n٢ - السياق هو الظروف والمواقف التي ورد فيها النص.\n٣ - السياق هو السياق اللغوي المعروف الآن وهو ما يمثله الكلام في موضع النظر والتحليل.\nانظر: دلالة السياق: ٥٠ - ٥١.","vol":"1","page":613},{"text":"سواء كانت واضحة في النص أم كانت خارجة عنه كأسباب النزول.\nيقول السيوطي ﵀ وهو يذكر مصادر المفسر وأنه يبدأ بالقرآن ثم السنة \" فإن لم يجده في السنة رجع إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرائن والأحوال عند نزوله. (^١)\nوقد يطول الكلام عن السياق، والمقصود هنا بيان أن النصوص حتى تفهم فلا بد من اعتبار سياقاتها.\nالضابط الثالث: دلالة اللفظ على الصفة في موضع ما لا يعني أنه يدل عليها في كل موضع وهو ما يسمى (القرائن).\nولذا يقول شيخ الإسلام ﵀: \"إن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما يحف به من القرائن اللفظية والحالية\" (^٢).\nوالقرائن: فهي الأمارات التي تقارِنُ الخطابَ لتبيِّنه وتصحَبُ الكلمةَ فتدل على معناها، وهي مفيدة جدًا في تعيين المعنى المراد من اللفظِ.\nقال القاضي أبو يعلى: \"وقد اعتبر أحمد القرائن في مثل هذا، فقال في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُم﴾ [المجادلة: ٧]، قال: المراد به علمه؛ لأن الله افتتح الخبر بالعلم، وختمه بالعلم\" (^٣).\nقال الإمام ابن القيم: \"اللَّفْظَ لَا بُدَّ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ، وَالْقَرَائِنُ ضَرْبَانِ: لَفْظِيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ، وَاللَّفْظِيَّةُ نَوْعَانِ: مُتَّصِلَةٌ وَمُنْفَصِلَةٌ، وَالْمُتَّصِلَةٌ ضَرْبَانِ: مُسْتَقِلَّةٌ وَغَيْرُ مُسْتَقِلَّةٍ، وَالْمَعْنَوِيَّةُ إِمَّا عَقْلِيَّةُ وَإِمَّا عُرْفِيَّةُ، وَالْعُرْفِيَّةُ إِمَّا عَامَّةٌ وَإِمَّا\n_________\n(^١) الإتقان في علوم القرآن للسيوطي، تعليق: د. مصطفى البغا: ١/ ١١٩٧.\n(^٢) مجموع الفتاوي لابن تيمية: ٦/ ١٢. وانظر: الرسالة المدنية لابن تيمية: ص: ٣١، ت: الوليد الفريان. انظر: الصواعق المرسلة: ٧١٤.\n(^٣) (إبطال التأويلات (ص: ٤٢٧ - ٤٢٨).","vol":"1","page":614},{"text":"خَاصَّةٌ، وَتَارَةً يَكُونُ عُرْفَ الْمُتَكَلِّمِ وَعَادَتَهُ، وَتَارَةً عُرْفَ الْمُخَاطَبِ وَعَادَتَهُ. (^١) \"اهـ.\nوفي أهمية اعتبار دلالة السياق والقرائن في فهم معاني نصوص القرآن والسنة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"بل يُنْظَرُ فِي كُلِّ آيَةٍ وَحَدِيثٍ بِخُصُوصِهِ وَسِيَاقِهِ وَمَا يُبَيِّنُ مَعْنَاهُ مِنْ الْقُرائنِ وَالدَّلَالَاتِ، فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مُهِمٌّ نَافِعٌ فِي بَابِ فَهْمِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالِاسْتِدْلَالِ بِهِمَا مُطْلَقًا وَنَافِعٌ فِي مَعْرِفَةِ الِاسْتِدْلَالِ وَالِاعْتِرَاضِ وَالْجَوَابِ وَطَرْدِ الدَّلِيلِ وَنَقْضِهِ (^٢). \".\nوقال الإمام الشاطبي: \"فَلَا مَحِيصَ لِلْمُتَفَهِّمِ عَنْ رَدِّ آخِرِ الْكَلَامِ عَلَى أَوَّلِهِ، وَأَوَّلِهِ عَلَى آخِرِهِ، وَإِذْ ذَاكَ يَحْصُلُ مَقْصُودُ الشَّارِعِ فِي فَهْمِ الْمُكَلَّفِ، فَإِنْ فَرَّقَ النَّظَرَ فِي أَجْزَائِهِ فَلَا يَتَوَصَّلُ بِهِ إِلَى مُرَادِهِ، فَلَا يَصِحُّ الاقْتِصَارُ فِي النَّظَرِ عَلَى بَعْضِ أَجْزَاءِ الْكَلَامِ دُونَ بَعْضٍ. (^٣) \".\nوقال شيخ الإسلام: \"فتدبر هذا فإنه كثيرا ما يغلط الناس في هذا الموضع، إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة ودلالة نص عليها، يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ-حيث ورد-دالا على الصفة وظاهرا فيها، ثم يقول النافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا، وقد يقول بعض المثبتة: دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك، بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله تعالى-إضافة صفة-من آيات الصفات. كقوله تعالى: (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ) [الزمر: ٥٦]. وهذا يقع فيه طوائف من المثبتة والنفاة، وهذا من أكبر الغلط فإن الدلالة في كل موضع بحسب سياقه، وما\n_________\n(^١) مختصر الصواعق المرسلة: ٧٨٠ - ٧٨١.\n(^٢) مجموع الفتاوى: ٣/ ٣٥٧.\n(^٣) الموافقات: ٢/ ٢٦٥.","vol":"1","page":615},{"text":"يحف به من القرائن اللفظية والحالية\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام: \"يغلط الناس في هذا الموضع، إذا تنازع النفاة والمثبتة في صفة، ودلالة نص عليها، يريد المريد أن يجعل ذلك اللفظ-حيث ورد-دالا على الصفة وظاهرا فيها، ثم يقول النافي: وهناك لم تدل على الصفة فلا تدل هنا.\nوقد يقول بعض المثبتة: دلت هنا على الصفة فتكون دالة هناك. بل لما رأوا بعض النصوص تدل على الصفة جعلوا كل آية فيها ما يتوهمون أنه يضاف إلى الله تعالى-إضافة صفة-من آيات الصفات\" (^٢)\nوعند ذكر بعض النصوص فإنه قد يظهر فيها أنها من نصوص الصفات وقد لا يثبت من خلالها صفة كقوله تعالى: (فأينما تولوا فثم وجه الله)] البقرة الآية: ١١٥]، وكقوله: (فأتى الله بنيانهم من القواعد)] النحل الآية: ٢٦]، فالأولى تعني وجه الله أي قبلته، فأضيفت إلى الله تعالى للتخصيص والتشريف، والثاني المقصود به إتيان أمره المتمثل في عقوبته، وقد يستدل بعض النفاة بمثل آية﴾ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُم﴾ [النحل الآية: ٢٦] … على نفي صفة الإتيان الله تعالى حقيقة الواردة في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة الآية: ٢١٠ [جاعلًا من معنى الآية الأولى معنى للآية الثانية من أن الإتيان لله تعالى إنما هو إتيان أمره\" (^٣).\nومن خلال دلالة السياق يتبين لنا أثر فهم هذه الدلالة في إثبات صفات الله تعالى وأن لا يجعل ما لا يدل على صفة من النصوص دليلا على نفي الصفة المثبتة من النصوص الأخرى.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوي، ابن تيمية، (٦/ ١٤ - ١٥).\n(^٢) مجموع الفتاوي، ابن تيمية، (٦/ ١٥).\n(^٣) انظر: نقض الدارمي، ومجموع الفتاوي لابن تيمية: ٢/ ٤٢٩، و٣/ ١٩٣، ومختصر الصواعق لابن الموصلي: ١/ ٢٩.","vol":"1","page":616},{"text":"وما سبق هو إشارة للمقصود وتبيان لأهمية هذه الدلالة\" (^١).\nوهكذا في ألفاظ المعية، في كل نص قد تقتضي معنى خلاف الآخر، فمع أن الله ﷾ مع خلقه جميعًا بعلمه، فإنه مع أوليائه وعباده الصالحين بنصره وتأييده إضافة إلى علمه، فهذا النوع يسمى التواطؤ المشكك، فالتواطؤ نوعان: كلِّي ومشكك.\nفلاحظ أن اللبس يأتي في أذهان البعض من فهمه الخاطئ، أو يريد أن يحمِّل النصَّ معنى لا يحتمله، ولو عاد إلى لغة العرب وعاد إلى كلام أهل العلم لوجد أن الأمر في غاية الوضوح والجلاء، فلم يتردد واحد من السلف فيقول: لعلها معية ذاتية، ولم يُنقل هذا عنهم، وهذا ابن عبد البر ينقل إجماع السلف أنهم فسَّروا المعيَّة بمعيَّة العلم، وهكذا ابن تيمية وهكذا تلميذه ابن القيم، وهكذا جمعٌ من أهل العلم، بيَّنوا أن المعيَّة هنا ليست معيَّة ذاتية.\nالضابط الرابع: حال المتكلم.\nأو ما يمسى بمفهوم مقتضى الحال، أو ما يعبر عنه بمطابقة الكلام لمقتضى الحال.\nويعتبر السياق من القرائن الكبرى التي يستند عليها التحليل الدلالي، وعلماء الدلالة حينما يتحدثون عن السياق يقسمونه إلى نوعين:\nالنوع الأول: نوع لغوي يهتم بالسياق واللاحق.\nوالنوع الثاني: وآخر مقامي لا يمكن إغفاله يراعي ملابسات الكلام، وأطلق عليه العلماء-قديما وحديثا-مصطلحات كثيرة، لعل أقدمها مقتضى الحال (^٢).\nوعرف بأنه: \"الخلفية غير اللغوية للكلام أو (النص) ومن خلالها يأخذ تمام\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية: ٦/ ١٥ - ٢٣، لتبيان أمثلة توضح دلالة السياق وأثرها في فهم النص، وانظر كذلك: الدراسات اللغوية والنحوية في مؤلفات ابن تيمية للشجيري: ٩١ - ٩٥.\n(^٢) انظر: مقتضى الكلام بين التراث العربي والدراسات اللغوية الحديثة: ص: ١","vol":"1","page":617},{"text":"معناه في الاستعمال\" (^١)\nومقتضى الحال: \"صورة خاصة ترد في الكلام زائدة على أصل معناه قد اقتضاها الحال واستدعاها المقام. (^٢) \"\nمطابقة الكلام لمقتضى الحال: العناية بحال المستمع أو المتلقِّي بالإضافة إلى جودة اللفظ والموضوع، وبذا يُعدّ الخطيب أو الكاتب بليغًا (^٣)\nقال الشاطبي: \"علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن، فضلًا عن معرفة مقاصد الكلام إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال: حال الخطاب من جهة نفس الخطاب، أو المخاطب أو المخاطب أو الجميع، إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين، وبحسب مخاطبين، وبحسب غير ذلك، كالاستفهام، لفظه واحد، ويدخله معان أخر من تقرير وتوبيخ وغير ذلك؛ وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها، ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة، وعمدتها مقتضيات الأحوال؛ وليس كل حال ينقل ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول، وإذا فات نقل بعض القرئن الدالة فات فهم الكلام جملة، أو فهم شيء منه، ومعرفة الأسباب-يعني أسباب النزول-رافعة لكل مشكل في هذا النمط، فهي من المهمات في فهم الكتاب بلا بد؛ ومعنى معرفة السبب هو معرفة مقتضى الحال\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-307>الجانب الثالث: استعمال لفظ الظاهر والمقصود به.</span>\nولتحرير هذه المسألة وتقريرها يجب الوقوف عند المسائل الآتية:\n_________\n(^١) معجم المصلحات اللغوية لرمزي منير بعلبكي مادة: (س. و. ق).\n(^٢) علوم البلاغة لأحمد مصطفى المراغي: ص ٣٦ - ٣٧.\n(^٣) انظر معجم المعاني مادة (مطابقة).\n(^٤) الموافقات: ٢/ ٢٢١.","vol":"1","page":618},{"text":"المسألة الأولى:\nقول المصنف: \"فإنه يقال: لفظ «الظاهر» فيه إجمال واشتراك، فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد\".\nقول المصنف: \"فإنه يقال: لفظ «الظاهر» فيه إجمال واشتراك\" يؤكد المصنف هنا أن لفظ الظاهر يعد من الألفاظ المجملة، والقاعدة كما تقدم في الألفاظ المجملة أن لا تقبل مطلقًا، ولا ترد مطلقًا، بل لابد من الاستفصال من المتلكم بها ومعرفة مقصوده.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إذا كانت هذه الألفاظ مجملة-كما ذُكر-فالمخاطب لهم إما:\n١ - أن يفصل لهم ويقول: ما تريدون بهذه الألفاظ؟ فإن فسروها بالمعنى الذي يوافق القرآن قُبلت. وإن فسروها بخلاف ذلك رُدَّت\n٢ - وأما أن يمتنع عن موافقتهم في التكلم بهذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا. ولكن يلاحظ\nأن الإنسان إذا امتنع عن التكلم بها معهم فقد ينسبونه إلى الجهل والانقطاع\nوأن الإنسان إذا تكلم بها معهم نسبوه إلى أنه أطلق تلك الألفاظ التي تحتمل حقًا وباطلًا، وأوهموا الجهال باصطلاحهم أن إطلاق تلك الألفاظ يتناول المعاني الباطلة التي ينزه الله عنها\" (^١)\nوالمصنف هنا استخدم طريقة الاستفصال وذلك من خلال ثلاث نقاط:\nالنقطة الأولى: أن الزعم بأن \"ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين، أو ما هو من\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٩).","vol":"1","page":619},{"text":"خصائصهم\" كما قال به كل من المشبهة، والمعطلة.\nفالمشبهة أجروا هذه النصوص على ظاهرها، ولكن جعلوا ظاهرها من جنس صفات المخلوقين، كقولهم: له يد كيدي، وسمع كسمعي، وبصر كبصري، فهم من جهة أثبتوا الصفة فأثبتوا اليد، وأثبتوا السمع، وأثبتوا البصر، وأثبتوا الاستواء، وأثبتوا سائر الصفات، لكنهم تعمقوا في شأن الكيفية وجعلوا تلك الصفات من جنس ما للمخلوق.\nوشبهة هؤلاء أنهم يقولون: إن الله تعالى لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا كلمنا عن يد، فنحن لا نعقل من اليد إلا هذه اليد الجارحة، ولذلك نقول: له يد كيدي، ونقول: له سمع كسمعي، وبصر كبصري.\nوالمعطلة: لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات، فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم.\nوالمعطلة يسمون نصوص الصفات نصوص التشبيه وفي هذا يقول قائلهم: \"وظواهر أحاديث التشبيه-يعني بها أحاديث الصفات-أكثرها غير صحيحة، والصحيح منها ليس بقاطع، بل هو قابل للتأويل\" (^١).\nوبالتالي فإن هذا المعنى كما قال المصنف: \"لا ريب أن هذا غير مراد\".\nالنقطة الثانية: أن هذا الزعم والظن في النصوص أمر لا تدل عليه النصوص.\nولذلك قال المصنف: \"ولكن السلف والأئمة لم يكونوا يسمّون هذا ظاهرا، ولا يرتضون أن يكون ظاهر القرآن والحديث كفرًا وباطلا، والله - ﷾ - أعلم وأحكم من أن يكون كلامه الذي وصف به نفسه لا يظهر منه إلا ما هو كفر وضلال\".\n_________\n(^١) الاقتصاد في الاعتقاد لأبي حامد الغزالي ص ١٣٢ - ١٣٣.","vol":"1","page":620},{"text":"\"وطريقة سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، إثبات الصفات ونفي ممثالة المخلوقات قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١]، فهذا رد على الممثلة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]، رد على المعطلة.\nوقولهم في الصفات مبني على أصلين:\nأحدهما: أن الله ﷾ منزهٌ عن صفات النقص مطلقًا كالسِّنَةِ، والنوم، والعجز، والجهل، وغير ذلك.\nوالثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها، على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات\" (^١).\nالنقطة الثالثة: أن من اعتقد أن ظاهر النصوص هو التشبيه فهؤلاء قال عنهم المصنف: \"والذين يجعلون ظاهرها ذلك يغلطون من وجهين\":\nالوجه الأول: قول المصنف: \"تارة يجعلون المعنى الفاسد ظاهر اللفظ، حتى يجعلوه محتاجًا إلى تأويل يخالف الظاهر، ولا يكون كذلك\".\nأي زعمون أن المعنى الفاسد هو ما دل عليه ظاهر اللفظ حيث زعموا أن نصوص إثبات اليدين مثلًا تدل على أن اليد هي مثل يد المخلوق، وأنهم على زعمهم هذا يرون أن النص بحاجة إلى تأويل يخالف ظاهره فقالوا في تأويل اليد هي القدرة أو النعمة.\nوالوجه الثاني: قول المصنف: \"وتارة يردون المعنى الحق الذي هو ظاهر اللفظ، لاعتقادهم أنه باطل\".\n_________\n(^١) منهاج السنة (٢/ ٥٢٣).","vol":"1","page":621},{"text":"أي أنهم بفهمهم الفاسد يردون معاني النصوص الشرعية الدالة على إثبات صفة الكمال لله ﷿، لاعتقادهم ببطلان تلك الصفات، فلا يثبتون لله صفات أو لا يثبتون له بعض صفاته. فهؤلاء يرون إن الظاهر غير مراد: أي أن المعنى غير مراد، وأن هناك معنى لا نَعلمه.\nأن لفظ (الظاهر) أصبح لفظًا مشتركًا فتارة يراد به معنى صحيحًا، وتارة يراد به خلاف ذلك فلا بد من التفصيل.\nوفي هذا يقول ابن تيمية ردًا على من يقول: \"مَذْهَبُ السَّلَفِ أَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ، وَيَقُولُ: أَجْمَعْنَا عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ.\nوَهَذِهِ الْعِبَارَةُ خَطَأٌ:\nإمَّا لَفْظًا وَمَعْنًى.\nأَوْ لَفْظًا لَا مَعْنًى.\nلفظ (الظَّاهِرَ) قَدْ صَارَ مُشْتَرِكًا بَيْنَ شَيْئَيْنِ:\nالمعنى الأول: أَنْ يُقَالَ: إنَّ الْيَدَ جَارِحَةٌ مِثْلُ جَوَارِحِ الْعِبَادِ، وَظَاهِرُ الْغَضَبِ غَلَيَانُ الْقَلْبِ لِطَلَبِ الِانْتِقَامِ، وَظَاهِرُ كَوْنِهِ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الْمَاءِ فِي الظَّرْفِ.\nفَلَا شَكَّ أَنَّ مَنْ قَالَ: إنَّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ وَشِبْهَهَا مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَنُعُوتِ الْمُحَدِّثِينَ غَيْرُ مُرَادٍ مِنْ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ فَقَدْ صَدَقَ وَأَحْسَنَ؛ إذْ لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لَا فِي ذَاتِهِ وَلَا فِي صِفَاتِهِ وَلَا فِي أَفْعَالِهِ؛ بَلْ أَكْثَرُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ يُكَفِّرُونَ الْمُشَبِّهَةَ وَالْمُجَسِّمَةَ.\nلَكِنَّ هَذَا الْقَائِلَ أَخْطَأَ حَيْثُ ظَنَّ أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ؛ وَحَيْثُ حُكِيَ عَنْ السَّلَفِ مَا لَمْ يَقُولُوهُ؛ فَإِنَّ \"ظَاهِرَ الْكَلَامِ\" هُوَ مَا يَسْبِقُ إلَى الْعَقْلِ السَّلِيمِ مِنْهُ لِمَنْ يَفْهَمُ بِتِلْكَ اللُّغَةِ ثُمَّ قَدْ يَكُونُ ظُهُورُهُ بِمُجَرَّدِ الْوَضْعِ وَقَدْ يَكُونُ بِسِيَاقِ الْكَلَامِ؛ وَلَيْسَتْ \"هَذِهِ الْمَعَانِي\" الْمُحْدَثَةَ الْمُسْتَحِيلَةَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى هِيَ السَّابِقَةَ إلَى عَقْلِ الْمُؤْمِنِينَ بَلْ الْيَدُ عِنْدَهُمْ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالذَّاتِ فَكَمَا كَانَ عِلْمُنَا وَقُدْرَتُنَا وَحَيَاتُنَا وَكَلَامُنَا وَنَحْوُهَا مِنْ الصِّفَاتِ أَعْرَاضًا تَدُلُّ عَلَى حُدُوثَنَا يَمْتَنِعُ أَنْ","vol":"1","page":622},{"text":"يُوصَفَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِمِثْلِهَا؛ فَكَذَلِكَ أَيْدِينَا وَوُجُوهُنَا وَنَحْوُهَا أَجْسَامًا كَذَلِكَ مُحْدَثَةً يَمْتَنِعُ أَنْ يُوصَفَ اللَّهُ تَعَالَى بِمِثْلِهَا.\nثُمَّ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ: إذَا قُلْنَا إنَّ لِلَّهِ عِلْمًا وَقُدْرَةً وَسَمْعًا وَبَصَرًا إنَّ ظَاهِرَهُ غَيْرُ مُرَادٍ ثُمَّ يُفَسِّرُ بِصِفَاتِنَا.\nفَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ ظَاهِرَ الْيَدِ وَالْوَجْهِ غَيْرُ مُرَادٍ؛ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا هُوَ مِنْ صِفَاتِنَا جِسْمٍ أَوْ عَرَضٍ لِلْجِسْمِ وَمَنْ قَالَ: إنَّ ظَاهَرَ شَيْءٍ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ غَيْرُ مُرَادٍ فَقَدْ أَخْطَأَ؛ لِأَنَّهُ مَا مِنْ اسْمٍ يُسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى بِهِ إلَّا وَالظَّاهِرُ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْمَخْلُوقُ غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ فَكَانَ قَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ قَدْ أُرِيدَ بِهَا مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهَا وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْكَلَامِ مِنْ الْفَسَادِ.\nوَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ إنَّمَا هِيَ صِفَاتُ اللَّهِ ﷾ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ نِسْبَتُهَا إلَى ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ كَنِسْبَةِ صِفَاتِ كُلِّ شَيْءٍ إلَى ذَاتِهِ فَيُعْلَمُ أَنَّ الْعِلْمَ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ لِلْمَوْصُوفِ وَلَهَا خَصَائِصُ وَكَذَلِكَ الْوَجْهُ. وَلَا يُقَالُ: إنَّهُ مُسْتَغْنٍ عَنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَاجِبَةٌ لِذَاتِهِ وَ\" الْإِلَهُ \" الْمَعْبُودُ سُبْحَانَهُ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ هَذِهِ الصِّفَاتِ. وَلَيْسَ غَرَضُنَا الْآنَ الْكَلَامَ مَعَ نفاة الصِّفَاتِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا الْكَلَامُ مَعَ مَنْ يُثْبِتُ بَعْضَ الصِّفَاتِ. وَكَذَلِكَ \"فِعْلُهُ\" نَعْلَمُ أَنَّ الْخَلْقَ هُوَ إبْدَاعُ الْكَائِنَاتِ مِنْ الْعَدَمِ وَإِنْ كُنَّا لَا نُكَيِّفُ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَلَا يُشْبِهُ أَفْعَالَنَا إذْ نَحْنُ لَا نَفْعَلُ إلَّا لِحَاجَةِ إلَى الْفِعْلِ وَاَللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ. وَكَذَلِكَ \"الذَّاتُ\" تُعْلَمُ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُمَاثِلُ الذَّوَاتَ الْمَخْلُوقَةَ وَلَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إلَّا هُوَ وَلَا يُدْرِكُ لَهَا كَيْفِيَّةً فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ إطْلَاقِ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَهُوَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَيْهِ.","vol":"1","page":623},{"text":"فَالْمُؤْمِنُ يَعْلَمُ أَحْكَامَ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَآثَارَهَا وَهُوَ الَّذِي أُرِيدَ مِنْهُ فَيُعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وَأَنَّ الْأَرْضَ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ وَأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَنْظُرُونَ إلَى وَجْهِ خَالِقِهِمْ فِي الْجَنَّةِ وَيَتَلَذَّذُونَ بِذَلِكَ لَذَّةً يَنْغَمِرُ فِي جَانِبِهَا جَمِيعُ اللَّذَّاتِ وَنَحْوَ ذَلِكَ. كَمَا يُعْلَمُ أَنَّ لَهُ رَبًّا وَخَالِقًا وَمَعْبُودًا وَلَا يَعْلَمُ كُنْهَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ بَلْ غَايَةُ عِلْمِ الْخَلْقِ هَكَذَا: يَعْلَمُونَ الشَّيْءَ مِنْ بَعْضِ الْجِهَاتِ وَلَا يُحِيطُونَ بِكُنْهِهِ وَعِلْمُهُمْ بِنُفُوسِهِمْ مِنْ هَذَا الضَّرْبِ. قُلْت لَهُ: أَفَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ \" الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ بِهَذَا التَّفْسِيرِ؟ فَقَالَ: هَذَا لَا يُمْكِنُ. فَقُلْت لَهُ: مَنْ قَالَ: إنَّ الظَّاهِرَ غَيْرُ مُرَادٍ بِمَعْنَى أَنَّ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ غَيْرُ مُرَادَةٍ قُلْنَا لَهُ: أَصَبْت فِي \" الْمَعْنَى \" لَكِنْ أَخْطَأْت فِي \" اللَّفْظِ \" وَأَوْهَمْت الْبِدْعَةَ وَجَعَلْت للجهمية طَرِيقًا إلَى غَرَضِهِمْ وَكَانَ يُمْكِنُك أَنْ تَقُولَ: تُمَرُّ كَمَا جَاءَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَتْ كَصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَأَنَّهُ مُنَزَّهٌ مُقَدَّسٌ عَنْ كُلِّ مَا يَلْزَمُ مِنْهُ حُدُوثُهُ أَوْ نَقْصُهُ.\nوَمَنْ قَالَ: \" الظَّاهِرُ غَيْرُ مُرَادٍ \" بِالتَّفْسِيرِ الثَّانِي -وَهُوَ مُرَادُ الْجَهْمِيَّة وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَعْضِ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ-فَقَدْ أَخْطَأَ\" (^١).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"فالأول: كما قالوا في قوله: (عبدي جعت فلم تطعمني …) الحديث، وفي الأثر الآخر: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه)، وقوله: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن). فقالوا: قد عُلم أن ليس في قلوبنا أصابع الحق.\nفيقال لهم: لو أعطيتم النصوص حقها من الدلالة لعلمتم أنها لا تدل إلا على حق.\nأما الحديث الواحد فقوله: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه) صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله، ولا هو نفس يمينه، لأنه قال: (يمين الله في الأرض)، وقال: (فمن قبَّله وصافحه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ٣/ ٥٥٥ - ٥٥٦.","vol":"1","page":624},{"text":"فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه) ومعلوم أن المشبّه غير المشبَّه به، ففي نص الحديث بيان أن مستلمه ليس مصافحًا لله، وأنه ليس هو نفس يمينه، فكيف يجعل ظاهره كفرًا، وأنه محتاج إلى التأويل! مع أن هذا الحديث إنما يعرف عن ابن عباس.\nالشرح\nشرع المصنف هنا في مناقشة بعض ما أورده المعطلة من اعتراضات على بعض النصوص الشرعية والتي زعموا أن ظاهرها يوجب التشبيه، وأنه يلزم تأويلها وصرفها عن ظاهرها، وذكر هنا ثلاثة أمثلة على غلط المتكلمين، وجعلهم المعنى الفاسد هو ظاهر النص وأنه يحتاج إلى تأويل، وقد استعمل المصنف هنا ضابط النظر إلى سياق الكلام الذي سبق ذكره ضمن الضوابط الأربعة للتعامل مع ظواهر النصوص:\nوالمثال الأول: حديث: (الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه) (^١)\nوشبهة هؤلاء: أن ظاهر الحديث أن الحجر هو يمين الله ويده، وهذا محال، فهو يدل على أن ظواهر النصوص محالة وغير مرادة.\nوالجواب على هذه الشبهة من وجهين:\nالوجه الأول: من حيث السند فيقال إن الحديث مرفوعًا ضعيف كما قال عنه المحقوقون.\n_________\n(^١) منكر مرفوعًا. رواه ابن عدي في «الكامل في الضعفاء» (١/ ٥٥٧) من طريق إسحاق بن بشر الكاهلي وقال عنه: (هو في عداد من يضع الحديث)، ورواه الخطيب الغدادي في «تاريخ بغداد» (٦/ ٣٢٦) وقال: منكر، وقال ابن العربي في «عارضة الأحوذي» (٢/ ٣٠٥): باطل، وأخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية (٩٤٤) من حديث جابر، وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٢٢٣) منكر.","vol":"1","page":625},{"text":"قال الخطيب البغدادي: \"منكر\" (^١).\nوقال ابن الجوزي: \"لا يصح\" (^٢).\nوقال ابن العربي: \"هذا حديث باطل فلا يلتفت إليه\" (^٣).\nقال ابن تيمية: \"روى عن النبي بإسناد لا يثبت، والمشهور إنما هو عن ابن عباس\" (^٤)\nوروي موقوفًا عن ابن عباس، ورواه موقوفًا ابن قتيبة (^٥)\nوقال العجلوني: \"ورواه القضاعي أيضا عن ابن عباس ﵄ موقوفا عليه، لكنه صحيح بلفظ (الركن يمين الله ﷿ يصافح بها خلقه والذي نفس ابن عباس بيده ما من مسلم يسأل الله عنده شيئا إلا أعطاه إياه ومثله\". (^٦)\nوصحح وقفه على ابن عباس: شيخ الإسلام ابن تيمية (^٧)، والحافظ ابن حجر (^٨).\nالوجه الثاني: الكلام على المتن.\nعلى القول بصحته موقوفًا فإن النص يدل على أن الحجر ليس يمين الله حقيقة والتي هي صفته القائمة به، وذلك من خلال النص الوارد وذلك من جانبين:\n_________\n(^١) «تاريخ بغداد» (٦/ ٣٢٦)\n(^٢) الواهيات: ٢/ ٨٤.\n(^٣) «عارضة الأحوذي» (٢/ ٣٠٥).\n(^٤) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٩٧، وقال في «تلبيس الجهمية» (٦/ ١٣٧) ليس بثابت.\n(^٥) غريب الحديث: ٣/ ٩٦.، ولكن في سنده إبراهيم الخوزي وهو متروك كما قاله الألباني في الضعيفة: (١/ ٣٩١).\n(^٦) كشف الخفاء: (١/ ٣٤٨).\n(^٧) «شرح العمدة» (٢/ ٤٣٥)\n(^٨) «المطالب العالية» (٢/ ٣٦).","vol":"1","page":626},{"text":"الجانب الأول: كما قال المصنف: \"لأنه قال: (يمين الله في الأرض) \" فهذا كما قال المصنف: \"صريح في أن الحجر الأسود ليس هو صفة لله، ولا هو نفس يمينه\".\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ومن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه إلا على من لم يتدبره، فإنه قال: يمين الله في الأرض، فقيده بقوله: في الأرض، ولم يطلق، فيقول: يمين الله، وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم اللفظ المطلق\" (^١).\nويوضح ذلك أن الإضافة إلى الله نوعان:\nالنوع الأول: إضافة مُلْك وتشريف وضابطها: كل ما يضاف إلى الله ويكون عينًا قائمة بنفسها، أو حالًا في ذلك القائم بنفسه.\nومثال ما يضاف ويكون عينًا قائمة بنفسها قوله تعالى: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا﴾ (^٢)\nومثال ما يكون حالًا في ذلك القائم بنفسه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ (^٣) فهذا لا يكون صفة لأن الصفة قائمة بالموصوف\nالنوع الثاني: إضافة الصفة إلى الله وضابطها: ما كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به (^٤).\nفالله لا يتصف إلا بما قام به لا بما يخلقه في غيره، وهذا حقيقة الصفة، فإن كل موصوف لا يوصف إلا بما قام به لا بما هو مباين له، صفة لغيره (^٥)\nالجانب الثاني: قول المصنف: \"وقال: (فمن قبَّله وصافحه فكأنما صافح الله وقبَّل يمينه) ومعلوم أن المشبّه غير المشبَّه به، ففي نص الحديث بيان أن مستلمه\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٩٧\n(^٢) - الآية ١٣ من سورة الشمس\n(^٣) - الآية ٢٩ من سورة الحجر\n(^٤) - مجموع الفتاوى ١٧/ ١٥٢\n(^٥) - مجموع الفتاوى ٦/ ٣١٨.","vol":"1","page":627},{"text":"ليس مصافحًا لله، وأنه ليس هو نفس يمينه\".\nوالمعنى واضح في قوله \"فكأنما\" أي ليس المراد أن الحجر الأسود هو صفة لله تعالى أو يد له ﷿، بل من قبله فله من الأجر مثل الذي يقبل يد الله تعالى وهذا المفهوم لا يحتاج معه إلى التأويل إذ لا محذور فيه فهو افتراض المقصود به حصول الأجر العظيم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ثم قال: (فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه). ومعلوم أن المشبه غير المشبه به، وهذا صريح في أن المصافح لم يصافح يمين الله أصلا، ولكن شبه بمن يصافح الله، فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله كما هو معلوم عند كل عاقل، ولكن يبين أن الله تعالى كما جعل للناس بيتًا يطوفون به، جعل لهم ما يستلمونه؛ ليكون ذلك بمنزلة تقبيل يد العظماء، فإن ذلك تقريب للمقبل وتكريم له، كما جرت العادة، والله ورسوله لا يتكلمون بما فيه إضلال الناس، بل لابد من أن يبين لهم ما يتقون، فقد بين لهم في الحديث ما ينفى من التمثيل\" (^١).\nقال الشيخ عبد العزيز بن باز: وليس هو يمين الله، ولكن المقصود مشبه، يعني: من صافحه فكأنما صافح الله، ويمين الله صفة ذات له ﷿، وهو سبحانه فوق العرش، ولكن من صافح هذا الحجر كأنما صافح الله، يعني: في حصول الفضل والتقرب إلى الله والأجر؛ ولهذا قال: (فكأنما صافح)، ما قال: فقد صافح الله. (^٢)\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وأما الحديث الآخر: فهو في الصحيح مفسَّرًا:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٩٧.\n(^٢) فتاوى نور على الدرب الحكم على حديث: (إن الحجر الأسود يمين الله في الأرض …)","vol":"1","page":628},{"text":"(يقول الله: عبدي جعت فلم تطعمنى. فيقول: ربِّ كيف أطعمك وأنت رب العالمين؟!. فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي. عبدي مرضت فلم تعدني. فيقول: ربِّ كيف أعودك وأنت رب العالمين؟!. فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض، فلو عدته لوجدتني عنده) (^١). وهذا صريح في أن الله ﷾ لم يمرض ولم يجع، ولكن مرض عبده وجاع عبده، فجعل جوعه جوعه، ومرضه مرضه، مفسِّرًا ذلك بأنك (لو أطعمته لوجدت ذلك عندي، ولو عدته لوجدتني عنده). فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل.\nالشرح\nفالشبهة: قول بعض المغالطين: إن ظتهر الحديث أن الله يمرض ويجوع، وهو محال يجب تأويله، وهذا دليل على أن ظواهر النصوص محالة وتحتاج إلى تأويل.\nوهنا جملتان:\n١ - أن ظاهر الحديث أن الله يمرض ويجوع.\n٢ - أنه محال غير مراد. (^٢)\nوالجواب: أن الحديث صريح في أن الله لم يمرض ولم يجع، وإنما مرض عبده، وجاع عبده؛ فالحديث بمجموع سياقه يفسر بعضه، فسياق الحديث فسر المقصود عبارة عبارة فقوله: «يقول الله: عبدي جعت فلم تطعمنى» جاء تفسيره في نص سياق الحديث بقوله: «فيقول: أما علمت أن عبدي فلانًا جاع، فلو أطعمته لوجدت ذلك عندي (^٣).\n_________\n(^١) صحيح مسلم: ٢٥٦٩.\n(^٢) التوضيحات الأثرية ص: ١٥٢ - ١٥٣\n(^٣) ملاحظة: قوله: «فلو عدته لوجدتني عبده» هذه العندية تتضمن القرب والمعية الخاصة والرعاية ولا تتحقق إلا في عبادة العبد المومن دون الكافر والفاجر، وهذا مثل قوله: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» (\")، وقوله تعالى: (لا تحزن إن الله معنا).\nولم يقل في الإطعام (لوجدتني عنده) وإنما قال: (لوجدت ذلك عندي) أي الأجر والثواب مما يدل على أن الإطعام عام للمؤمن والكافر، أما المعية فخاصة للمؤمن المريض. انظر: التوضيحات الأثرية ص: ١٥٢ - ١٥٣","vol":"1","page":629},{"text":"وقوله: «عبدي مرضت فلم تعدني». جاء تفسيره في نص سياق الحديث بقوله: «أما علمت أن عبدي فلانًا مرض، فلو عدته لوجدتني عنده».\nفالتفسير جاء من الحديث نفسه من رب العالمين، لأن الحديث حديث قدسي الله هو الذي تكلم به سبحانه، فأجمل في أول الحديث، ثم فسر وأوضح فلم يبق شيء يحتاج إلى التأويل، كما قال المصنف: \"فلم يبق في الحديث لفظ يحتاج إلى تأويل\".\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والمقصود هنا أن قوله لو عدته لوجدتني عنده\" … \" ليس ظاهره أن ذات الله تكون موجودة في المكان الذي يكون ذلك فيه، بل يكون الله موجودًا عنده أي في نفسه، إذ هذه العندية أقرب إليه من تلك العندية، فإن الظرف المتصل بالإنسان أقرب إليه من الظرف المنفصل عنه، فحمل الكلام عليه أولى؛ وإذا كان الظرف هو نفسه فقوله: «وجدتني عنده» كقوله: وجدتني في قلبه، ووجدتني في نفسه، ووجدتني حاضرًا في قلبه، ووجدتني ثابتًا في قلبه، ونحو ذلك من العبارات.\nومعلوم أن هذا الخطاب حق على ظاهره كما تقدم من ثبوت تعلقات الظرف بالمظروف وإن ذلك ليس بمنزلة قوله: ﴿كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿[النور ٣٩]، بل باقتران ما أضيف إليه الظرف في الموضعين اقترن تعلقه بالمظروف كما لو قيل لبعض الصحابة وجدت رسول الله ﷺ عند أحد، وقال الآخر وجدت رسول الله عند المتبعين لسنته لاسيما وقد علم المخاطب أنه يمتنع أن يشاهد الموجود عند غيره،","vol":"1","page":630},{"text":"فقد علم المخاطب بقوله «لو عدته لوجدتني عنده» وعلم موسى بن عمران أنهم لا يشهدون الله عيانًا في الدنيا فلا يظهر لهم من قوله لوجدتني عند عبدي المريض وعند المنكسرة قلوبهم من أجلي إلاَّ ما هو المناسب اللائق بهذا المضاف إليه دون المضاف إلى غيره\" (^١).\nوفي هذا تطبيق للضوابط التي يرجع إليها في تفسير ظاهر النص.\nفالحديث سياقه صريح في أن الله لم يمرض ولم يجع، وإنما مرض عبده وجاع عبده، كما\nفي قوله: \"أما علمت أن عبدي فلانًا جاع .. \"، فالظاهر هو مجموع الحديث لا أحاد ألفاظه، ولا يجوز الحكم على أول الكلام دون بقيته كما في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون الآية: ٤]، فيجب تفسيرها بما بعدها، كما قال أبو نواس (١) منتحلًا هذا المبدأ الفاسد:\n\"ما قال ربك ويل للأولى سكروا وإنما قال ويل للمصلين\"\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وأما قوله: (قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن) (^٢)، فإنه ليس في ظاهره أن القلب متصل بالأصابع، ولا مماس لها، ولا أنها في جوفه. ولا في قول القائل: هذا بين يدَيّ. ما يقتضي مباشرته ليديه. وإذا قيل: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [البقرة الآية: ١٦٤]، لم يقتض أن يكون مماسًا للسماء والأرض. ونظائر هذا كثيرة.\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ٦/ ٢٦٥ - ٢٦٩.\n(^٢) صحيح مسلم: ٢٦٥٤.","vol":"1","page":631},{"text":"الشرح\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"هذا الحديث في الصحيح والكلام عليه من وجوه:\nأحدها: أنه ليس ظاهر هذا الحديث أن أصابع الرب في صدور العباد إنما أخبر أن قلوبهم بين أصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء، لم يقل إن الأصابع في صدورهم ولا قال إن قلوبهم معلقة بالأصبع أو متصلة بها بل قال: «إنها بين أصبعين» وكون أن الشيء بين شيئين ليس ظاهره أنه مماس لهما كما في قوله عن الجنة والنار (وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ) [الأعراف الآية: ٤٦]، وكما في قوله تعالى (يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ) [الزخرف الآية: ٣٨].\nالوجه الثاني: أنه لو فرض أنه أخبر عن شيء من الغيب بأنه في قلوب العباد لم يكن ما ذكر من الضرورة مانعة من ذلك، لأن الضرورة تمنع أن تكون الأشياء التي نشاهدها في قلوبنا، ونحن لا نشاهد كذلك، أما إذا أخبرنا بأن الملائكة تنزل على قلوبنا، أو الشياطين تنزل، أو أن على أفواهنا ملائكة تكتب كلامًا، ونحو ذلك من الأمور الغائبة التي ليست من جنس المشاهدات لنا، فإذا أخبرنا بوجودها لم نعلم بالضرورة انتفاء ذلك.\nفقول القائل (^١): نعلم بالضرورة أنه ليس في صدورنا أصبعان بينهما قلوبنا يقال له المعلوم بالضرورة أن الأصابع التي شهدناها مثل أصابع الآدميين ليست في صدورنا. أما لو أخْبِرنا أن أصابع الملائكة أو الجن في صدورنا لم نعلم انتفاء ذلك\n_________\n(^١) القائل هنا هو الرازي، وقد رد عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه بيان تلبيس الجهمية فقال: \"قال الرازي: السابع: قال ﷺ: قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن وهذا لابد فيه من التأويل لأنَّا نعلم بالضرورة أنه ليس في صدورنا إصبعان بينهما قلوبنا\".","vol":"1","page":632},{"text":"كما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «ما من مولود إلاّ يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخًا من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها» ثم قرأ أبو هريرة﴾ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿[آل عمران الآية: ٣٦].\nوكما في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا استيقظ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء فإن الشيطان يبيت على خياشيمه» متفق عليه (^١).\nوفي الصحيحين أيضًا عنه أنه قال: «إن الشيطان يعقد على قافية رأس أحدكم إذا نام ثلاث عقد، يضرب مكان كل عقدة عليك ليل طويل فارقد» (^٢).\nمع أنا لا نشهد هذا المس لجسم المولود، ولا هذا المبيت على الخياشيم، ولا العقد، ولا نحو ذلك؛ وظهر أن هذا الحديث لو كان ما ادعاه لم يكن ذلك معلوم الانتفاء بما ادعاه من الضرورة.\nالوجه الثالث: إنَّ سنبين فساد ما ذكروه من التأويل في ذلك وإبطال السلف له\" (^٣).\nوقال أيضًا:\n\"أحدها: أنه ليس هذا ظاهر هذا الحديث أن الله نزل من فوق العرش وانتقل إلى عند هؤلاء، ولا ظاهره أن جميع الوجود خال عن الله إلا هذا الظرف الخاص، ولا يفهم من إطلاق هذا الحديث هذا المعنى؛ بل هذا المعنى المعلوم فساده بالضرورة والحس، يَعْلَمُ أنه ليس ظاهر الحديث كل من يعلم هذا\" (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري برقم: (١٦١)، وأخرجه مسلم برقم: (٢٤١) والفظ له.\n(^٢) أخرجه البخاري برقم: (١١٤٢)، وأخرجه مسلم برقم: (٧٧٦).\n(^٣) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ٦/ ٢٤٤ - ٢٤٨.\n(^٤) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ٦/ ٢٥٥ - ٢٦٦.","vol":"1","page":633},{"text":"<span data-type='title' id=toc-308>الفروق بين آيتي (ص)، (يس)</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"ومما يشبه هذا القول أن يُجعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله، كما قيل في قوله ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، فقيل: هو مثل قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس. الآية: ٧١].\nفهذا ليس مثل هذا، لأنه هنا أضاف الفعل إلى الأيدي فصار شبيهًا بقوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وهناك أضاف الفعل إليه، فقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ﴾ [ص الآية: ٧٥ [ثم قال: ﴿بِيَدَيَّ﴾.\nوأيضا فإنه هناك ذكر نفسه المقدسة بصيغة المفرد، وفي اليدين ذكر لفظ التثنية، كما في قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة الآية: ٦٤]، وهنا أضاف الأيدي إلى صيغة الجمع، فصار كقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤].\nوهذا في الجمع نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك الآية: ١ [و﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران الآية: ٢٦ [في المفرد.\nفالله﷾يذكر نفسه تارة بصيغة المفرد، مظهرًا أو مضمرًا، وتارة بصيغة الجمع، كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح الآية: ١]. وأمثال ذلك. ولا يذكر نفسه بصيغة التثنية قط، لأن صيغة الجمع تقتضي التعظيم الذي يستحقه، وربما تدل على معاني أسمائه، وأما صيغة التثنية فتدل على العدد المحصور، وهو مقدس عن ذلك.\nفلو قال: ما منعك أن تسجد لما خلقتْ يدِي. كان كقوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١]، وهو نظير قوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك الآية: ١ [و﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران الآية: ٢٦]،","vol":"1","page":634},{"text":"ولو قال: خلقتُ بيدِي. بصيغة الإفراد، لكان مفارقًا له، فكيف إذا قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، بصيغة التثنية.\nالشرح\nذكر المصنف هنا شبهة من شبه المعطلة التي يريدون من ورائها صرف النص عن ظاهره وهو محاولتهم التسوية بين المختلفين وضرب مثالًا لذلك \"ومما يشبه هذا القول أن يُجعل اللفظ نظيرًا لما ليس مثله، كما قيل في قوله ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص. الآية: ٧٥]، فقيل: هو مثل قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس. الآية: ٧١].\nومقصود المخالف من إيراد هذه الشبهة نفي صفة اليدين عن الله ﷿ من خلال التسوية بين خلق آدم وخلق الأنعام، باعتبار أن لفظ اليد ورد في النصيين، وهذا يدل على-حد زعمه-على أن الإضافة في الآيتين مجاز.\nوهذه الشبهة من تأسيسات بشر المريسي (^١) وتابعها عليه شيوخ المعتزلة (^٢) والأشاعرة (^٣).\nوقد بين المصنف غلط هؤلاء وبين أن المشابهة منتفية فقال: \"فهذا ليس مثل هذا\" وبين أن الفرق من ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول: في قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١]. أضاف الفعل إلى الأيدي فهي مثل قوله: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُم﴾؛ وفي قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص الآية: ٧٥ [أضاف الفعل إلى نفسه.\n_________\n(^١) انظر نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد: ١/ ٢٣٠.\n(^٢) متشابه القرآن لعبد الجبار المعتزلي ص: ٢٣١\n(^٣) أساس التقديس للرازي ص: ١٦٥.","vol":"1","page":635},{"text":"الوجه الثاني: في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، عدى الفعل بالباء إلى اليدين، فكان سبحانه هو الخالق وكان خلقه بيديه، كقولنا: كتبت بالقلم، فالكاتب هو الفاعل والقلم هو الذي حصلت به الكتابة، ولم يقل: \"لما خلقت يدي\"، ولو قال ذلك لكان كقوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١]. \"\nالوجه الثالث: في قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، ذكر نفسه بصيغة المفرد في ياء المتكلم، وفي قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١ [ذكر نفسه بالجمع في ضمير المتكلم المفرد المعظم نفسه (نا).\nالوجه الرابع: في قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، ذكر اليدين بصيغة التثنية، وهذا صريح في إرادة الحقيقة فإن الله يذكر ذاته بالإفراد تارة، وبالجمع أخرى للتعظيم كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح الآية: ١]، ونحوها، ولا يذكر ذاته بالتثنية المضافة إلى الضمير ألبتة لأن التثنية لا تستخدم إلا في حقيقة العدد كقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة الآية: ٦٤].\nقال الإمام الدارمي: \"فلما قال الله ﷿: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، استحال فيهما كل معنى إلا اليدين كما قال العلماء الذين نقلنا عنهم\" (^١).\nوأما قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١ [فذكر اليد بصيغة الجمع وكذلك نفسه بصيغة الجمع فأصبح نظير قوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤ [والجمع مثل الإفراد لا يدلان على العدد، وإن دلا على أصل الصفة كقوله: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك الآية: ١ [و﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران الآية: ٢٦].\nولو قال: \"خلقت يدي\" بالإضافة إلى المفرد لكان مفارقًا لقوله: ﴿عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١ [لوجود الباء الدالة على مباشرة الخلق باليدين، فكيف وقد ذكرها بصيغة\n_________\n(^١) نقض عثمان بن سعيد على المريسي العنيد: ١/ ٢٩١.","vol":"1","page":636},{"text":"التثنية الدالة على حقيقة العدد كما سبق\" (^١)\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والمتأولون لِلصِّفَاتِ الَّذِينَ حَرَّفُوا الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَأَلْحَدُوا فِي أَسْمَائِهِ وَآيَاتِهِ تَأَوَّلُوا:\nقَوْلَهُ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤].\nوَقَوْلَهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص الآية: ٧٥].\nعَلَى هَذَا كُلِّهِ فَقَالُوا:\nإنَّ الْمُرَادَ نِعْمَتُهُ أَيْ: نِعْمَةُ الدُّنْيَا وَنِعْمَةُ الْآخِرَةِ.\nوَقَالُوا: بِقُدْرَتِهِ (^٢).\nوَقَالُوا: اللَّفْظُ كِنَايَةٌ عَنْ نَفْسِ الْجُودِ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ يَدٌ حَقِيقَةً؛ بَلْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ قَدْ صَارَتْ حَقِيقَةً فِي الْعَطَاءِ وَالْجُودِ.\nوَقَوْلُهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، أَيْ: خَلَقْته أَنَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ يَدٌ حَقِيقِيَّةٌ.\nقُلْت لَهُ فَهَذِهِ تَأْوِيلَاتُهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْت لَهُ: فَنَنْظُرُ فِيمَا قَدَّمْنَا:\n\n<span data-type='title' id=toc-309>الْمَقَامُ الْأَوَّلُ: أَنَّ لَفْظَ \" الْيَدَيْنِ \" بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ لَمْ يُسْتَعْمَلْ فِي النِّعْمَةِ وَلَا فِي الْقُدْرَةِ؛ لِأَنَّ مِنْ لُغَةِ الْقَوْمِ:</span>\nاسْتِعْمَالَ الْوَاحِدِ فِي الْجَمْعِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر الآية: ٢].\nوَلَفْظُ الْجَمْعِ فِي الْوَاحِدِ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران الآية: ١٧٣].\nوَلَفْظُ الْجَمْعِ فِي الِاثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم الآية: ٤].\nأَمَّا اسْتِعْمَالُ لَفْظِ الْوَاحِدِ فِي الِاثْنَيْنِ أَوْ الِاثْنَيْنِ فِي الْوَاحِدِ فَلَا أَصْلَ لَهُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ عَدَدٌ وَهِيَ نُصُوصٌ فِي مَعْنَاهَا لَا يُتَجَوَّزُ بِهَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: عِنْدِي رَجُلٌ وَيَعْنِي رَجُلَيْنِ وَلَا عِنْدِي رَجُلَانِ وَيَعْنِي بِهِ الْجِنْسَ؛ لِأَنَّ اسْمَ الْوَاحِدِ يَدُلُّ عَلَى الْجِنْسِ وَالْجِنْسُ فِيهِ شِيَاعٌ وَكَذَلِكَ اسْمُ الْجَمْعِ فِيهِ مَعْنَى الْجِنْسِ وَالْجِنْسُ يَحْصُلُ بِحُصُولِ الْوَاحِدِ.\nفَقَوْلُهُ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، لَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقُدْرَةُ؛ لِأَنَّ الْقُدْرَةَ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ بِالِاثْنَيْنِ عَنْ الْوَاحِدِ.\nوَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ النِّعْمَةُ لِأَنَّ نِعَمَ اللَّهِ لَا تُحْصَى؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْ النِّعَمِ\n_________\n(^١) انظر: التوضيحات الأثرية على متن التدمرية: ص: ٢١٣ - ٢١٥.\n(^٢) وقال ابن حجر ﵀: \"لو كانت اليد بمعنى القدرة، لم يكن بين آدم وإبليس فرقٌ لتشاركهما فيما خلق كل منهما به وهي قدرته، ولقال إبليس: وأي فضيلة له علي وأنا خلقتني بقدرتك كما خلقته بقدرتك، فلما قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: ١٢]، دلَّ على اختصاص آدم بأن الله خلقه بيديه، ولا جائز أن يراد باليدين النعمتان؛ لاستحالة خلق المخلوق بمخلوق؛ لأن النعم مخلوقة\" انظر: «فتح الباري» (١٣/ ٢٩٤).","vol":"1","page":637},{"text":"الَّتِي لَا تُحْصَى بِصِيغَةِ التَّثْنِيَةِ.\nوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ \"لِمَا خَلَقْتُ أَنَا\" لِأَنَّهُمْ إذَا أَرَادُوا ذَلِكَ أَضَافُوا الْفِعْلَ إلَى الْيَدِ فَتَكُونُ إضَافَتُهُ إلَى الْيَدِ إضَافَةً لَهُ إلَى الْفِعْلِ كَقَوْلِهِ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ الحج الآية: ١٠]. ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال الآية: ٥١]، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ [يس. الآية: ٧١].\nأَمَّا إذَا أَضَافَ الْفِعْلَ إلَى الْفَاعِلِ وَعَدَّى الْفِعْلَ إلَى الْيَدِ بِحَرْفِ الْبَاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، فَإِنَّهُ نَصٌّ فِي أَنَّهُ فَعَلَ الْفِعْلَ بِيَدَيْهِ وَلِهَذَا لَا يَجُوزُ لِمَنْ تَكَلَّمَ أَوْ مَشَى: أَنْ يُقَالَ فَعَلْت هَذَا بِيَدَيْك وَيُقَالُ: هَذَا فَعَلَتْهُ يَدَاك لِأَنَّ مُجَرَّدَ قَوْلِهِ: فَعَلْت كَافٍ فِي الْإِضَافَةِ إلَى الْفَاعِلِ فَلَوْ لَمْ يُرِدْ أَنَّهُ فَعَلَهُ بِالْيَدِ حَقِيقَةً كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً مَحْضَةً مِنْ غَيْرِ فَائِدَةٍ وَلَسْت تَجِدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَلَا الْعَجَمِ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ فَصِيحًا يَقُولُ: فَعَلْت هَذَا بِيَدَيَّ أَوْ فُلَانٌ فَعَلَ هَذَا بِيَدَيْهِ إلَّا وَيَكُونُ فَعَلَهُ بِيَدَيْهِ حَقِيقَةً.\nوَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَا يَدَ لَهُ أَوْ أَنْ يَكُونَ لَهُ يَدٌ وَالْفِعْلُ وَقَعَ بِغَيْرِهَا.\nوَبِهَذَا الْفَرْقِ الْمُحَقَّقِ تَتَبَيَّنُ مَوَاضِعُ الْمَجَازِ وَمَوَاضِعُ الْحَقِيقَةِ؛ وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْآيَاتِ لَا تَقْبَلُ الْمَجَازَ أَلْبَتَّةَ مِنْ جِهَةِ نَفْسِ اللُّغَةِ. قَالَ لِي: فَقَدْ \"أَوْقَعُوا الِاثْنَيْنِ مَوْقِعَ الْوَاحِدِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ﴾ وَإِنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِلْوَاحِدِ.\nقُلْت لَهُ: هَذَا مَمْنُوعٌ؛ بَلْ قَوْلُهُ: ﴿أَلْقِيَا﴾ قَدْ قِيلَ تَثْنِيَةُ الْفَاعِلِ لِتَثْنِيَةِ الْفِعْلِ وَالْمَعْنَى أَلْقِ أَلْقِ. وَقَدْ قِيلَ: إنَّهُ خِطَابٌ لِلسَّائِقِ وَالشَّهِيدِ. وَمَنْ قَالَ: إنَّهُ خِطَابٌ لِلْوَاحِدِ قَالَ: إنَّ الْإِنْسَانَ يَكُونُ مَعَهُ اثْنَانِ: أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ فَيَقُولُ: خَلِيلَيَّ خَلِيلَيَّ ثُمَّ إنَّهُ يُوقِعُ هَذَا الْخِطَابَ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مَوْجُودَيْنِ كَأَنَّهُ يُخَاطِبُ مَوْجُودَيْنِ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿أَلْقِيَا﴾ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ إنَّمَا هُوَ خِطَابٌ لِاثْنَيْنِ يُقَدَّرُ","vol":"1","page":638},{"text":"وُجُودُهُمَا فَلَا حُجَّةَ فِيهِ أَلْبَتَّةَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-310>الْمَقَامُ الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ: هَبْ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعْنِيَ بِالْيَدِ حَقِيقَةَ الْيَدِ وَأَنْ يَعْنِيَ بِهَا الْقُدْرَةَ أَوْ النِّعْمَةَ </span>أَوْ يَجْعَلَ ذِكْرَهَا كِنَايَةً عَنْ الْفِعْلِ؛ لَكِنْ مَا الْمُوجِبُ لِصَرْفِهَا عَنْ الْحَقِيقَةِ؟\nفَإِنْ قُلْت: لِأَنَّ الْيَدَ هِيَ الْجَارِحَةُ وَذَلِكَ مُمْتَنِعٌ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ.\nقُلْت لَك: هَذَا وَنَحْوُهُ يُوجِبُ امْتِنَاعَ وَصْفِهِ بِأَنَّ لَهُ يَدًا مِنْ جِنْسِ أَيْدِي الْمَخْلُوقِينَ وَهَذَا لَا رَيْبَ فِيهِ؛ لَكِنْ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ \" يَدٌ \" تُنَاسِبُ ذَاتَهُ تَسْتَحِقُّ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ مَا تَسْتَحِقُّ الذَّاتُ؟\nقَالَ: لَيْسَ فِي الْعَقْلِ وَالسَّمْعِ مَا يُحِيلُ هَذَا؛\n\" قُلْت \" فَإِذَا كَانَ هَذَا مُمْكِنًا وَهُوَ حَقِيقَةُ اللَّفْظِ فَلِمَ يُصْرَفُ عَنْهُ اللَّفْظُ إلَى مَجَازِهِ؟ وَكُلُّ مَا يَذْكُرُهُ الْخَصْمُ مِنْ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ وَصْفِهِ بِمَا يُسَمَّى بِهِ -وَصَحَّتْ الدَّلَالَةُ-سُلِّمَ لَهُ أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْمَخْلُوقُ مُنْتَفٍ عَنْهُ وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وَظَاهِرُهُ \" يَدٌ \" يَسْتَحِقُّهَا الْخَالِقُ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ بَلْ كَالذَّاتِ وَالْوُجُودِ.\n\n<span data-type='title' id=toc-311>الْمَقَامُ الثَّالِثُ: قُلْت لَهُ: بَلَغَك أَنَّ فِي كِتَابِ اللَّهِ أَوْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ:</span> أَنَّهُمْ قَالُوا: الْمُرَادُ بِالْيَدِ خِلَافُ ظَاهِرِهِ أَوْ الظَّاهِرُ غَيْرُ مُرَادٍ أَوْ هَلْ فِي كِتَابِ اللَّهِ آيَةٌ تَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ وَصْفِهِ بِالْيَدِ دَلَالَةً ظَاهِرَةً؛ بَلْ أَوْ دَلَالَةً خَفِيَّةً؟ فَإِنَّ أَقْصَى مَا يَذْكُرُهُ الْمُتَكَلِّفُ\nقَوْلُهُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ١].\nوَقَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١].\nوَقَوْلُهُ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ الآية: ٦٥].\nوَهَؤُلَاءِ الْآيَاتُ إنَّمَا يَدْلُلْنَ عَلَى انْتِفَاءِ التَّجْسِيمِ وَالتَّشْبِيهِ. أَمَّا انْتِفَاءُ يَدٍ تَلِيقُ بِجَلَالِهِ فَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ بِوَجْهِ مِنْ الْوُجُوهِ. وَكَذَلِكَ هَلْ فِي الْعَقْلِ مَا يَدُلُّ دَلَالَةً ظَاهِرَةً عَلَى أَنَّ الْبَارِيَ لَا \" يَدَ \" لَهُ أَلْبَتَّةَ؟ لَا \" يَدًا \" تَلِيقُ بِجَلَالِهِ وَلَا \" يَدًا \" تُنَاسِبُ الْمُحْدَثَاتِ وَهَلْ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَصْلًا؛ وَلَوْ بِوَجْهِ","vol":"1","page":639},{"text":"خَفِيٍّ؟ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّمْعِ وَلَا فِي الْعَقْلِ مَا يَنْفِي حَقِيقَةَ الْيَدِ أَلْبَتَّةَ؛ وَإِنْ فُرِضَ مَا يُنَافِيهَا فَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْوُجُوهِ الْخَفِيَّةِ-عِنْدَ مَنْ يَدَّعِيهِ-وَإِلَّا فَفِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ شُبْهَةٌ فَاسِدَةٌ.\nفَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُمْلَأَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ ذِكْرِ الْيَدِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ بِيَدِهِ وَأَنَّ ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وَأَنَّ الْمُلْكَ بِيَدِهِ وَفِي الْحَدِيثِ مَا لَا يُحْصَى ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَأُولِي الْأَمْرِ: لَا يُبَيِّنُونَ لِلنَّاسِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَا يُرَادُ بِهِ حَقِيقَتُهُ وَلَا ظَاهِرُهُ حَتَّى يَنْشَأَ \" جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ \" بَعْدَ انْقِرَاضِ عَصْرِ الصَّحَابَةِ فَيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ عَلَى نَبِيِّهِمْ وَيَتْبَعَهُ عَلَيْهِ \" بِشْرُ بْنُ غِيَاثٍ \" وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ كُلِّ مَغْمُوصٍ عَلَيْهِ بِالنِّفَاقِ. وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُعَلِّمَنَا نَبِيُّنَا ﷺ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى \" الْخِرَاءَةَ \" وَيَقُولَ: ﴿مَا تَرَكْت مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ إلَى الْجَنَّةِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ وَلَا مِنْ \"شَيْءٍ يُبْعِدُكُمْ عَنْ النَّارِ إلَّا وَقَدْ حَدَّثْتُكُمْ بِهِ﴾ ﴿تَرَكْتُكُمْ عَلَى الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا بَعْدِي إلَّا هَالِكٌ﴾ ثُمَّ يَتْرُكَ الْكِتَاب الْمُنَزَّلَ عَلَيْهِ وَسُنَّتَهُ الْغَرَّاءَ مَمْلُوءَةً مِمَّا يَزْعُمُ الْخَصْمُ أَنَّ ظَاهِرَهُ تَشْبِيهٌ وَتَجْسِيمٌ وَأَنَّ اعْتِقَادَ ظَاهِرِهِ ضَلَالٌ وَهُوَ لَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَلَا يُوَضِّحُهُ وَكَيْفَ يَجُوزُ لِلسَّلَفِ أَنْ يَقُولُوا: أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ مَعَ أَنَّ مَعْنَاهَا الْمَجَازِيَّ هُوَ الْمُرَادُ وَهُوَ شَيْءٌ لَا يَفْهَمُهُ الْعَرَبُ حَتَّى يَكُونَ أَبْنَاءُ الْفُرْسِ وَالرُّومِ أَعْلَمُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ؟\n\n<span data-type='title' id=toc-312>(الْمَقَامُ الرَّابِعُ): قُلْت لَهُ: أَنَا أَذْكُرُ لَك مِنْ الْأَدِلَّةِ الْجَلِيَّةِ الْقَاطِعَةِ وَالظَّاهِرَةِ مَا يُبَيِّنُ لَك أَنَّ لِلَّهِ \" يَدَيْنِ \" حَقِيقَةً. فَمِنْ ذَلِكَ:</span>\nتَفْضِيلُهُ لِآدَمَ: يَسْتَوْجِبُ سُجُودَ الْمَلَائِكَةِ وَامْتِنَاعَهُمْ عَنْ التَّكَبُّرِ عَلَيْهِ؛ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِقُدْرَتِهِ أَوْ بِنِعْمَتِهِ أَوْ مُجَرَّدِ إضَافَةِ خَلْقِهِ إلَيْهِ لَشَارَكَهُ فِي ذَلِكَ","vol":"1","page":640},{"text":"إبْلِيسُ وَجَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ.\nقَالَ لِي: فَقَدْ يُضَافُ الشَّيْءُ إلَى اللَّهِ عَلَى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ كَقَوْلِهِ: ﴿نَاقَةُ اللَّهِ﴾ وَبَيْتُ اللَّهِ.\nقُلْت لَهُ: لَا تَكُونُ الْإِضَافَةُ \"تَشْرِيفًا حَتَّى يَكُونَ فِي الْمُضَافِ مَعْنًى أَفْرَدَهُ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي النَّاقَةِ وَالْبَيْتِ مِنْ الْآيَاتِ الْبَيِّنَاتِ مَا تَمْتَازُ بِهِ عَلَى جَمِيعِ النُّوقِ وَالْبُيُوتِ لَمَا اسْتَحَقَّا هَذِهِ الْإِضَافَةَ وَالْأَمْرُ هُنَا كَذَلِكَ فَإِضَافَةُ خَلْقِ آدَمَ إلَيْهِ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ أَنَّهُ قَدْ فَعَلَهُ بِيَدَيْهِ وَخَلَقَ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ: كُنْ فَيَكُونُ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْآثَارُ.\nوَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ إذَا قَالُوا: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك الآية: ١ [أَوْ عَمِلَتْهُ يَدَاك فَهُمَا شَيْئَانِ:\n(أَحَدُهُمَا) إثْبَاتُ الْيَدِ.\nوَ(الثَّانِي) إضَافَةُ الْمُلْكِ وَالْعَمَلِ إلَيْهَا.\nوَالثَّانِي يَقَعُ فِيهِ التَّجَوُّزُ كَثِيرًا أَمَّا الْأَوَّلُ فَإِنَّهُمْ لَا يُطْلِقُونَ هَذَا الْكَلَامَ إلَّا لِجِنْسِ لَهُ \" يَدٌ \" حَقِيقَةً وَلَا يَقُولُونَ: \" يَدُ \" الْهَوَى وَلَا \" يَدُ \" الْمَاءِ فَهَبْ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِيَدِهِ الْمُلْكُ] ﴿الملك الآية: ١ [قَدْ عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقُدْرَتِهِ لَكِنْ لَا يُتَجَوَّزُ بِذَلِكَ إلَّا لِمَنْ لَهُ يَدٌ حَقِيقَةً وَالْفَرْقُ بَيْنَ قَوْله تَعَالَى ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، وَقَوْلِهِ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١ [مِنْ وَجْهَيْنِ:\n(أَحَدُهُمَا): أَنَّهُ هُنَا أَضَافَ الْفِعْلَ إلَيْهِ وَبَيَّنَ أَنَّهُ خَلَقَهُ بِيَدَيْهِ وَهُنَاكَ أَضَافَ الْفِعْلَ إلَى الْأَيْدِي.\n(الثَّانِي): أَنَّ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ أَنَّهُمْ يَضَعُونَ اسْمَ الْجَمْعِ مَوْضِعَ التَّثْنِيَةِ إذَا أُمِنَ اللَّبْسُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة الآية: ٣٨ [أَيْ: يَدَيْهِمَا وَقَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم الآية: ٤ [أَيْ: قَلْبَاكُمَا فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس. الآية: ٧١ [\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٤ - ٣٧٣).","vol":"1","page":641},{"text":"المتن\nقال المصنف ﵀: \"هذا مع دلالة الأحاديث المستفيضة بل المتواترة، وإجماع سلف الأمة على مثل ما دل عليه القرآن، كما هو مبسوط في موضعه، مثل قوله: (المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا). وأمثال ذلك\".\nالشرح\nذكر المصنف دلالة القرآن والسنة والإجماع على إثبات صفة اليد:\nأولًا: الأدلة من القرآن:\nقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].\nوَقَالَ تَعَالَى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا \"خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١].\nوَقَالَ ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: ٧١].","vol":"1","page":642},{"text":"ثانيًا: الأدلة من السنة:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \" وَقَدْ تَوَاتَرَ فِي السُّنَّةِ مَجِيءُ \" الْيَدِ \" فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ. فَالْمَفْهُومُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ: أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى يَدَيْنِ مُخْتَصَّتَيْنِ بِهِ ذَاتِيَّتَيْنِ لَهُ كَمَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ؛ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ دُونَ الْمَلَائِكَةِ وَإِبْلِيسَ وَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقْبِضُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَنَّ ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وَمَعْنَى بَسْطِهِمَا بَذْلُ الْجُودِ وَسَعَةُ الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ وَالْجُودَ فِي الْغَالِبِ يَكُونُ بِبَسْطِ الْيَدِ وَمَدِّهَا؛ وَتَرْكُهُ يَكُونُ ضَمًّا لِلْيَدِ إلَى الْعُنُقِ صَارَ مِنْ الْحَقَائِقِ الْعُرْفِيَّةِ إذَا قِيلَ هُوَ مَبْسُوطُ الْيَدِ فُهِمَ مِنْهُ يَدٌ حَقِيقَةً وَكَانَ ظَاهِرُهُ الْجُودَ وَالْبُخْلَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وَيَقُولُونَ: فُلَانٌ جَعْدُ الْبَنَانِ وَسَبْطُ الْبَنَانِ\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وَأَمَّا السُّنَّةُ فَكَثِيرَةٌ جِدًّا مِثْلُ:\n١. قَوْلِهِ ﷺ «الْمُقْسِطُونَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (^٢).\n٢. وَقَوْلِهِ ﷺ «يَمِينُ اللَّهِ مَلْأَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ وَالْقِسْطُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» متفق عليه (^٣).\n٣. وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً يتكفؤها الْجَبَّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَتَكَفَّأُ أَحَدُكُمْ بِيَدِهِ خُبْزَتَهُ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦٣).\n(^٢) صحيح مسلم: ١٨٢٧.\n(^٣) رواه البخاري (٤٦٨٤)، ومسلم (٩٩٣)، والترمذي (٣٠٤٥).","vol":"1","page":643},{"text":"فِي السَّفَرِ» (^١).\n٤. وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ يَحْكِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «يَأْخُذُ الرَّبُّ ﷿ سَمَوَاتِهِ وَأَرْضَهُ بِيَدَيْهِ -وَجَعَلَ يَقْبِضُ يَدَيْهِ وَيَبْسُطُهُمَا - وَيَقُولُ: أَنَا الرَّحْمَنُ حَتَّى نَظَرْت إلَى الْمِنْبَرِ يَتَحَرَّك أَسْفَلَ مِنْهُ حَتَّى إنِّي أَقُولُ: أَسَاقِطٌ هُوَ بِرَسُولِ اللَّهِ؟» - «وَفِي رِوَايَةٍ-أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى الْمِنْبَرِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ قَالَ: يَقُولُ: أَنَا اللَّهُ أَنَا الْجَبَّارُ» وَذَكَرَهُ (^٢).\n٥. وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَاءَ بِيَمِينِهِ ثُمَّ يَقُولُ: أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ؟» (^٣) وَمَا يُوَافِقُ هَذَا مِنْ حَدِيثِ الْحَبْرِ.\n٦. وَفِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ «إنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ آدَمَ قَالَ لَهُ وَيَدَاهُ مَقْبُوضَتَانِ: اخْتَرْ أَيَّهُمَا شِئْت قَالَ: اخْتَرْت يَمِينَ رَبِّي وَكِلْتَا يَدَيْ رَبِّي يَمِينٌ مُبَارَكَة ثُمَّ بَسَطَهَا فَإِذَا فِيهَا آدَمَ وَذُرِّيَّتُهُ» (^٤).\n٧. وَفِي الصَّحِيحِ «أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ بِيَدِهِ عَلَى نَفْسِهِ لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ: إنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي» (^٥).\n_________\n(^١) رواه البخاري (٦٥٢٠)، ومسلم (٢٧٩٢).\n(^٢) رواه البخاري (٧٤٥١)، ومسلم (٢٧٨٦).\n(^٣) رواه البخاري (٤٨١٢) واللفظ له، ومسلم (٢٧٨٧).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٣٣٦٨) واللفظ له، والبزار (٨٤٧٨)، وابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ١٦٠).\n(^٥) أخرجه البخاري (٧٤٠٤)، ومسلم (٢٧٥١)، والترمذي (٣٥٤٣)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٧٧٥١)، وابن ماجه (٤٢٩٥)، وأحمد (٨٩٥٨) باختلاف يسير، وابن خزيمة في «التوحيد» (١/ ١٩) واللفظ له.","vol":"1","page":644},{"text":"٨. وَفِي الصَّحِيحِ: وحَدِيثِ أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «احتجَّ آدمُ وموسى، فقال موسى: يا آدمُ، أنتَ أبونا، خيَّبْتَنا وأخرجْتَنا منَ الجنَّةِ، فقالَ لَهُ آدمُ: أنتَ موسَى، اصطفاكَ اللهُ بِكَلامِهِ، وخطَّ لَكَ بيدِه (^١).\n٩. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنَّهُ «قَالَ سُبْحَانَهُ: وَعِزَّتِي وَجَلَالِي؛ لَا أَجْعَلُ صَالِحَ ذَرِّيَّةِ مَنْ خَلَقْت بِيَدَيَّ كَمَنْ قُلْت لَهُ: كُنْ فَكَانَ» (^٢).\n١٠. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي السُّنَنِ: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ وَمَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ فَقَالَ: خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَدِهِ الْأُخْرَى فَقَالَ: خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ» (^٣). \" (^٤).\nثالثا: إجماع السلف (^٥):\nقال الإمام الشافعي ﵀: \"لله ﵎ أسماء وصفات جاء بها كتابه، وأخبر بها نبيه ﷺ أمَّته …، وأن له يدين بقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وأن له يمينًا بقوله: ﴿وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر الآية ٦٧]. \" (^٦).\n١ - قال الإمام أبو الحسن الأشعري: \"أجمعوا على أنه ﷿ يسمع ويرى وأن له تعالى يدين مبسوطتين وأن الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٦٥٢).\n(^٢) أخرجه الطبراني (١٣/ ٦٥٨) (١٤٥٨٤)، وفي «المعجم الأوسط» (٦١٧٣).\n(^٣) رواه أبو داود (٤٧٠٣)، والترمذي (٣٠٧٥)، ومالك (٢/ ٨٩٨). والحديث سكت عنه أبو داود. وقال الترمذي: هذا حديث حسن ومسلم بن يسار لم يسمع من عمر وقد ذكر بعضهم في هذا الإسناد بين مسلم بن يسار وبين عمر رجلًا مجهولًا. وحسنه ابن حجر في «هداية الرواة» (١/ ٩٧) - كما أشار لذلك في مقدمته - وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود»: صحيح.\n(^٤) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٤ - ٣٧٣).\n(^٥) المصدر: التوضيحات الأثرية لمتن التدمرية: ص ٢١٦ - ٢١٧\n(^٦) «طبقات الحنابلة» لابن أبي يعلى (١/ ٢٨٢).","vol":"1","page":645},{"text":"بيمينه من غير أن يكون جوازا … \" (^١) أي من غير أن يكون ذلك مجازا.\n٢ - وقال الإمام أبو حنيفة: \"له يد ووجه ونفس كما ذكر الله تعالى في القرآن ذكر الوجه واليد والنفس فهو له صفات بلا كيف ولا يقال: إن بده قدرته لأن فيه إبطال الصفة وهو قول أهل القدر والاعتزال\" (^٢).\n٣ - وقال إمام الأئمة ابن خزيمة: \"باب ذكر إثبات اليد للخالق الباري جل وعلا والبيان أن الله تعالى له يدان كما أعلمنا في محكم تنزيله .. وذكر الأدلة\" (^٣)\n٤ - وقال الإمام الإسماعيلي: \"وخلق آدم بيده ويدان مبسوطتان ينفق كيف يشاء بلا اعتقاد كيف يداه إذ لم ينطق كتاب الله تعالى فيه بكيف\". ذكره في نقله الاعتقاد أئمة أهل الحديث (^٤)\n٥ - وقال قوام السنة الأصبهاني: \"فصل في إثبات اليدين الله تعالى صفة له\" (^٥).\n٦ - قال ابن قتيبة: \"فنحن نقول كما قال الله تعالى وكما قال رسوله ولا نتجاهل ولا يحملنا ما نحن فيه من نفي التشبيه على أن ننكر ما وصف به نفسه ولكنا لا نقول كيف اليدان وإن سئلنا نقتصر على جملة ما قال ونمسك عما لم يقل\" (^٦).\n٧ - قال الإمام الآجري: \"يقال للجهمي الذي ينكر أن الله عزوجل خلق آدم بيده: كفرت بالقرآن ورددت السنة وخالفت الأمة \" (^٧).\n_________\n(^١) رسالة إلى أهل الثغر: ص ٩٩.\n(^٢) الفقه الأكبر شرح القاري: ص ١١٧، الفقه الأبسط: ص ٥٦، شرح الفقه الأكبر: ص ٧١، الرد على الجهمية لابن منده: ص ٢٢.\n(^٣) كتاب التوحيد: (١/ ١١٨).\n(^٤) اعتقاد الإسماعيلي: ص ٥١.\n(^٥) الحجة في بيان المحجة: (١/ ١٨٠).\n(^٦) الاختلاف في اللفظ: ص ٨.\n(^٧) الشريعة ص ٣٢٣.","vol":"1","page":646},{"text":"٨ - وقال الإمام السجزي: \"وأهل السنة متفقون على أن الله سبحانه بدين، بذلك ورد النص في الكتاب والأثر .. \" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"إنَّ لله تعالى يدين مختصتين به، ذاتيتين له، كما يليق بجلاله\" (^٢).\nقال ابن القيم ﵀: \"وَرَدَ لفظ اليد في القرآن، والسنة، وكلام الصحابة والتابعين، في أكثر من مائة موضع ورودًا متنوِّعًا، متصرفًا فيه، مقرونًا بما يدل على أنها يدٌ حقيقية، من الإمساك، والطي، والقبض، والبسط، والمصافحة، والحثيات، والنضح باليد، والخلق باليدين، والمباشرة بهما، وكتب التوراة بيده، وغَرس جنة عدن بيده، وتخمير طينة آدم بيده، ووقوف العبد بين يديه، وكون المقسطين عن يمينه، وقيام رسول الله ﷺ يوم القيامة عن يمينه، وتخيير آدم بين ما في يديه، فقال: «اخترتُ يمينَ ربي»، وأخذ الصدقة بيمينه يربِّيها لصاحبها، وكتابته بيده على نفسه أن رحمته تغلب غضبه، وأنه مَسَحَ ظهرَ آدم بيده، ثم قال له - ويداه مقبوضتان -: \"اختر\"، فقال: «اخترتُ يمين ربي»، وكلتا يديه يمين مباركة، وأن يمينه ملأى، لا يغيضها نفقة، سَحَّاء الليل والنهار، وبيده الأخرى القسط، يرفع ويخفض، وأنه خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، وأنه يطوي السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهنَّ بيده اليُمْنَى، ثم يطوي الأرض باليد الأخرى، وأنه خَطَّ الألواحَ التي كتبها لموسى بيده\" (^٣).\n_________\n(^١) رسالة السجزي لأهل زبيد ص ١٧٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى» (٦/ ٢٦٣ (.\n(^٣) «مختصر الصواعق المرسلة»، ص (٣٤٨).","vol":"1","page":647},{"text":"<span data-type='title' id=toc-313>النصوص المتفق على معناها بين أهل السنة والأشاعرة</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع، فإن الله تعالى لما أخبر أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد - كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا.\nوكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالم حقيقة، قادر حقيقة، لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير.\nفكذلك إذا قالوا في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة الآية: ٥٤]، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة الآية: ١١٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: إنه على ظاهره. لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق، ولا حبًّا كحبه، ولا رضًا كرضاه.\nفإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين، لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مرادًا، وإن كان يعتقد أن ظاهرها هو ما يليق بالخالق ويختص به، لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مرادا إلا بدليل يدل على النفي. وليس في العقل ولا في السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات، فيكون الكلام في الجميع واحدا\".","vol":"1","page":648},{"text":"الشرح\nوقول المصنف: \"فإن الله تعالى لما أخبر أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد - كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا\".\nأي أن إثبات أهل السنة والجماعة كان خاليًا من التشبيه فهم ينفون أن يكون في شيء من تلك الصفات أي تشبيه لصفات الخالق بصفات المخلوق، فهذا المعنى الفاسد لم يريدوه فضلًا عن أنهم قاموا بنفيه وتنزيه صفات الخالق ﷿ من أن تشبه بصفات خلقه كما تقدم ذكره عن بيان مذهب السلف في باب الصفات.\nقوله: \"وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع\"\nيشير المصنف هنا إلى قول أهل السنة والجماعة في نصوص الصفات، فهم يقولون: بأن النصوص المتعلقة بالصفات تجرى على ظاهرها في جميع ما ورد في تلك النصوص بالشروط التي تقدم ذكرها، وقولهم واحد في الجميع سواء في النصوص التي اتفقوا في إثباتها مع من أثبت بعض تلك الصفات كصفة العلم والقدرة والإرادة، أو مع نصوص الصفات التي نفاها بعض أولئك النفاة كصفة الاستواء والمحبة والرضا وغيرها من الصفات التي نفاها أولئك.\nوقوله: \"وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالم حقيقة، قادر حقيقة، لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حي عليم قدير.\nفكذلك إذا قالوا في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة الآية: ٥٤]، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة الآية: ١١٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]: إنه على ظاهره. لم يقتض","vol":"1","page":649},{"text":"ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق، ولا حبًّا كحبه، ولا رضًا كرضاه\".\nأي أن السلف مع نفيهم لتمثيل صفات الخالق بصفات المخلوق، لم يمنعهم هذا النفي للماثلة من إثبات تلك الصفات إثبات وجود على ما يليق بالخالق ﷿ دون تفريق بين نوع ونوع من الصفات.\nوتنقسم الصفات الثُّبوتية من جهة تعلُّقِها بالله إلى قسمين (^١):\nالقسم الأول: الصفات الذَّاتية.\nالقسم الثاني: الصِّفات الفعلية.\nوكِلا النوعين يجتمعان في أنَّهما صفات له تعالى أزلًا وأبدًا، لم يزل متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال ربِّ العالمين (^٢).\nأمَّا القسم الأول: الصفات الذَّاتية وضابطها: هي التي لا تنفكُّ عن الذَّات (^٣). أو: التي لم يَزل-ولا يزال-الله متصفًا بها. أو: الملازمة لذات الله تعالى (^٤).\nومنها: (الوجه-اليدين-العينين (^٥) -الأصابع-القَدَم-العِلم-الحياة-القدرة-العزة-الحكمة).\nوأعطى لها المصنف مثالًا هنا بصفات الحياة والعلم والقدرة فقال: اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالم حقيقة، قادر حقيقة\".\nالقسم الثاني: الصفات الفعلية، وضابطها: هي التي تنفكُّ عن الذَّات. أو: التي\n_________\n(^١) انظر: «الكواشف الجلية» (ص ٤٢٩).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية» (١٢٧).\n(^٣) «الكواشف الجلية» (٤٢٩).\n(^٤) «التعريفات» للجرجاني (ص ١٣٣).\n(^٥) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٦٨).","vol":"1","page":650},{"text":"تتعلق بالمشيئة والقدرة (^١).\nومنها: (الاستواء-المجيء-الإتيان-النزول-الخلق-الرزق-الإحسان-العدل).\nوأعطى المصنف مثالًا لهذا النوع بصفات المحبة والرضا والاستواء فقال: \"فكذلك إذا قالوا في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة الآية: ٥٤]، ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة الآية: ١١٩]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤] \".\nوالفرق بين القسمين:\nأنَّ الصفات الذاتية لا تنفكُّ عن الذات، أمَّا الصفات الفعلية يمكن أن تنفك عن الذات على معنى: أنَّ الله إذا شاء لم يفعلها.\nولكن مع ذلك فإنَّ كلا النوعين يجتمعان في أنَّهما صفات لله تعالى أزلًا وأبدًا لم يزل-ولا يزال-متصفًا بهما ماضيًا ومستقبلًا لائقان بجلال الله ﷿ (^٢).\nفقول أهل السنة في النوعين واحد وهو إثبات تلك الصفات بنوعيها حقيقة، وأنها مع ذلك لا تشابه صفات المخلوقين فالله حي حقيقة، عالم حقيقة قادر حقيقة وهذه صفات ذاتية، وهو كذلك متصف بصفات المحبة والرضا والاستواء حقيقة، ومع إثبات اتصاف الله بتلك الصفات فإنه منزه سبحانه في جميع ما اتصف به عن مشابهة المخلوقين، باعتبار أن لكل موصوف له فيما اتصف به حقيقة تختص به لا يماثله فيها أحد.\nفهم يثبتون لله جميع صفاته، وينفون عنه مشابهة المخلوقات، فيجمعون بين الإثبات ونفي التشبيه، وبين التنزيه وعدم التعطيل، فمذهبهم حسنة بين سيئتين،\n_________\n(^١) «التعريفات» للجرجاني (ص ١٣٣).\n(^٢) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص ١٢٧).","vol":"1","page":651},{"text":"وهدًى بين ضلالتين.\n\"فقد هدى الله أصحاب سواء السبيل للطريقة المثلى فأثبتوا لله حقائق الأسماء والصفات، وتفوا عنه مماثلة المخلوقات، فكان مذهبهم مذهبا بين مذهبين وهديا بين ضلالتين.\nفقالوا: نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله ﷺ، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تمثيل ولا تكييف.\nبل طريقتنا إثبات حقائق الأسماء والصفات، ونفي مشابهة المخلوقات، فلا نعطل ولا نؤول ولا نمثل ولا نجهل.\nولا نقول: ليس له يدان، ولا وجه، ولا سمع، ولا بصر، ولا حياة، ولا قدرة، ولا استوى على عرشه.\nولا نقول: له يدان كأيدي المخلوقين، ووجه كوجوههم وسمع وبصر وحياة وقدرة واستواء، كأسماعهم وأبصارهم وقدرتهم واستوائهم.\nبل نقول: له ذات حقيقة ليست كذوات المخلوقين.\nوله صفات حقيقة ليست كصفات المخلوقين.\nوكذلك قولنا: في وجهه ﵎، ويديه، وسمعه، وبصره، وكلامه، واستوائه.\nولا يمنعنا ذلك أن نفهم المراد من تلك، الصفات وحقائقها، كما لم يمنع ذلك من أثبت لله شيئا من صفات الكمال من فهم معنى الصفة وتحقيقها، فإن من أثبت له سبحانه السمع والبصر أثبتهما حقيقة وفهم معناهما، فهكذا سائر الصفات المقدسة، يجب أن تجري هذا المجرى، وإن كان لا سبيل لنا إلى معرفة كنهها وكيفيتها، فإن الله","vol":"1","page":652},{"text":"سبحانه لم يكلف العباد ذلك، ولا أراده منهم، ولم يجعل لهم إليه سبيلا\" (^١).\nوقول المصنف: \"فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين، لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مرادًا\"\nيشير المصنف هنا إلى قول كل من المشبهة والمعطلة الذين اعتقدوا أن ظاهر النصوص يدل على التشبيه باعتبار أن كلا الفريقين قال بالتشبيه.\nأما المعطلة: فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات. فهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم.\nوبذلك جمعوا بين التعطيل والتمثيل: مثلوا أولًا، وعطلوا آخرًا.\nوامتاز أهل التعطيل عن أهل التمثيل بنفيهم المعاني الصحيحة للصفات.\nأما تمثيل أهل التمثيل: فإنهم يقولون: إن الله ﷿ لا يخاطبنا إلا بما نعقل، فإذا كان مستويًا على العرش فهو كاستواء الإنسان على السرير، إذ لا يعلم الاستواء إلا هكذا، فامتاز هؤلاء الممثلة بإثبات استواء هو من خصائص المخلوقين، كما امتاز المعطلة بتعطيل كل اسم للاستواء الحقيقي.\nوالقول الفاصل هو ما عليه الأمة الوسط من أن الله مستو على عرشه استواء يليق بجلاله ويختص به، فكما أنه موصوف بأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه سميع بصير ونحو ذلك، ولا يجوز أن يثبت للعلم والقدرة خصائص الأعراض التي لعلم المخلوقين وقدرتهم، فكذلك هو سبحانه فوق العرش ولا يثبت لفوقيته خصائص فوقية المخلوق على المخلوق وملزوماتها.\nوقوله: \"وإن كان يعتقد أن ظاهرها هو ما يليق بالخالق ويختص به، لم يكن له\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة ٢/ ٤٢٥ - ٤٢٧","vol":"1","page":653},{"text":"نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مرادًا إلا بدليل يدل على النفي\".\nأي إذا كان النافي لبعض الصفات كمن نفى جميع الصفات ما عدا سبع صفات، أو كمن نفى الصفات الاختيارية، يعتقد في البعض الآخر \"أن ظاهرها هو ما يليق بالخالق ويختص به\" كمن أثبت الصفات السبع، أو الصفات الذاتية.\nفإن هذا التحكم لا دليل عليه لأن الكلام في نصوص الصفات يجب أن يسير على مسار واحد، فهذا النافي لكون نصوص الصفات على ظاهرها \"لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مرادًا إلا بدليل يدل على النفي\"\nوقوله: \"وليس في العقل ولا في السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات، فيكون الكلام في الجميع واحدا\"\nأعاد المصنف ذكر قاعدة (القول في بعض الصفات كالقول في البعض)، فهؤلاء النفاة ليس لهم دليل لا من السمع ولا من العقل على دعواهم بالتفريق بين بعض الصفات والبعض الآخر، فالكلام في الجميع واحد فما يرد على هذا يرد على هذا.\nوالمصنف هنا يخاطب بالتحديد الصفاتية وبالأخص منهم الأشاعرة الذين اضطرب قولهم في باب الصفات، ولم يستقر لهم قول فيه، بل إن بعضهم يقر بما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية، وينص الرازي والأمدي على أنه ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي، لا على إثباتها ولا على نفيها.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأبو المعالي وأتباعه نفوا هذه الصفات -أي الصفات الخبرية-موافقة للمعتزلة والجهمية. ثم لهم قولان:\nأحدهما: تأويل نصوصها، وهو أول قولي أبي المعالي، كما ذكره في الإرشاد.\nوالثاني: تفويض معانيها إلى الرب، وهو آخر قولي أبي المعالي كما ذكره في \"الرسالة النظامية\" وذكر ما يدل على أن السلف كانوا مجمعين على أن التأويل ليس","vol":"1","page":654},{"text":"بسائغ ولا واجب.\nثم هؤلاء منهم من ينفيها ويقول: إن العقل الصريح نفى هذه الصفات.\nومنهم من يقف ويقول: ليس لنا دليل سمعي ولا عقلي، لا على إثباتها ولا على نفيها، وهي طريقة الرازي والآمدي\". (^١)\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وبيان هذا، أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام، وهي أبعاض لنا، كالوجه واليد؛ ومنها ما هي معان وأعراض، وهي قائمة بنا، كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة.\nثم إن من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير، لم يقل المسلمون: إن ظاهر هذا غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا؛ فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه، لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا، بل صفة الموصوف تناسبه.\nفإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، فصفاته كذاته ليست مثل صفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه، كنسبة صفة الخالق إليه، وليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه، كما قال النبي ﷺ: (ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر)، فشبَّه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي\".\nالشرح\nقوله: \"وبيان هذا، أن صفاتنا منها ما هي أعيان وأجسام، وهي أبعاض لنا،\n_________\n(^١) - درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٤٩.","vol":"1","page":655},{"text":"كالوجه واليد؛ ومنها ما هي معان وأعراض، وهي قائمة بنا، كالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة\".\nبين المصنف﵀أن صفات الخلق يمكن تقسيمها إلى قسمين:\nالقسم الأول: الأعيان، والمقصود بها الصفات الذاتية التي لا تنفك عن ذات الإنسان؛ وأعطى مثالًا لها: بالوجه، واليد.\nوالقسم الثاني: الصفات المعنوية، القائمة وهذه يمكن أن تنفك عن الذات، وأعطى مثالًا لها بالسمع والبصر والكلام والعلم والقدرة.\nوقوله: \"ثم إن من المعلوم أن الرب لما وصف نفسه بأنه حي عليم قدير، لم يقل المسلمون: إن ظاهر هذا غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا\".\nوكما قال الإمام ابن عبد البر -﵀-: «… ما غاب عن العيون فلا يصفه ذوو العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله تعالى إلا ما وصف نفسه به في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ» (^١).\nفاذا جاءت النصوص بإثبات الصفات، فالله \"وصف نفسه بأنه حي عليم قدير\" فهذه الصفات وأمثالها \"لم يقل المسلمون: إن ظاهر هذا غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه مثل مفهومه في حقنا\".\nفالسلف الصالح أثبتوا تلك الصفات على الحقيقة بما يليق بجلاله وعظمته ﷾، ولم يمنعهم اتصاف المخلوقين ببعض تلك الصفات، وذلك على اعتبار أن لكل من الخالق والمخلوق له ما يختص به من الصفات.\nوقوله: \"فكذلك لما وصف نفسه بأنه خلق آدم بيديه، لم يوجب ذلك أن يكون ظاهره غير مراد، لأن مفهوم ذلك في حقه كمفهومه في حقنا، بل صفة الموصوف\n_________\n(^١) التمهيد (٧/ ١٤٥).","vol":"1","page":656},{"text":"تناسبه.\nفإذا كانت نفسه المقدسة ليست مثل ذوات المخلوقين، فصفاته كذاته ليست مثل صفات المخلوقين، ونسبة صفة المخلوق إليه، كنسبة صفة الخالق إليه\"\nفالأسماء التي تُطلق على الله وعلى العباد هي من الألفاظ المتواطئة التواطؤ المشُكك؛ فالحق فيها هو أن يقال: إنه بالنسبة للأسماء والصفات التي تُطلق على الله وعلى العباد؛ كـ (الحي، والسميع، والبصير، والعليم، والقدير، والحياة، والسمع، والبصر، والعلم) ونحوها هي حقيقة في الرب وحقيقة في العبد.\nولكن للرب تعالى منها ما يليق بجلاله.\nوللعبد منها ما يَليق به.\nوذلك لأن «الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاثة اعتبارات:\nالاعتبار الأول: اعتبار مِنْ حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب ﵎ أو العبد.\nالاعتبار الثاني: اعتباره مضافًا إلى الربِّ مختصًّا به.\nالاعتبار الثالث: اعتباره مضافًا إلى العبد مقيدًا به.\nفما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتًا للرب والعبد، وللرب منه ما يليق بكماله، وللعبد منه ما يليق به.\nوهذا كاسم (السميع) الذي يلزمه إدراك المَسموعات.\nو(البصير) الذي يلزمه رؤية المُبصرات.\nو(العليم) و(القدير) وسائر الأسماء.\nفإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها، فما لزم هذه","vol":"1","page":657},{"text":"الأسماء لذاتها؛ فإثباتها للرب تعالى لا محذور فيه بوجهٍ، بل يثبت له على وجهٍ لايماثله فيه خَلْقُه ولا يُشابههم.\nفمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق أَلْحَدَ في أسمائه وجَحَد صفات كماله، ومَن أثبته على وجهٍ لا يُماثل فيه خلقه به-كما يليق بجلاله وعظمته-فقد بَرِئ من فرث التَّشبيه ودم التعطيل، وهذا طريقُ أهل السنة.\nوما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيُه عن الله كما يلزم حياة العبد من النَّوم والسِّنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك، وكذلك ما يَلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به ودفع ما يتضرر به، وكذلك ما يلزم عُلوَّه من احتياجه إلى ما هو عال عليه وكونه محمولًا به، مفتقرًا إليه، محاطًا به، كل هذا يجب نفيه عن القُدُّوس السَّلَام ﵎.\nوما لزم الصفة من جهة اختصاصه تعالى بها فإنَّه لا يثبت للمخلوق بوجهٍ؛ كعلمه الذي يلزمه القِدَم والوجوب والإحاطة بكلِّ معلوم، وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإنَّ ما يختص به منها لا يُمكن إثباته للمخلوق.\nفإذا أحطت بهذه القاعدة خُبرًا وعَقَلْتَها كما ينبغي-خَلصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين:\n٢ - آفة التعطيل. ٢ - وآفة التشبيه.\nفإنك إذا وَفَّيت هذا المقام حقَّه من التصور أَثْبَتَّ لله الأسماء الحسنى والصفات العُلى حقيقة؛ فخلصت من التعطيل، ونَفيت عنها خصائص المخلوقين ومُشابهتهم، فخلصت مِنْ التشبيه؛ فتدبر هذا الموضع واجعله جُنَّتك التي تَرجع إليها في هذا الباب، والله الموفق للصَّواب» (^١).\n_________\n(^١) «بدائع الفوائد» (١/ ١٦٤ - ١٦٦).","vol":"1","page":658},{"text":"ومن كلام شيخ الإسلام في هذا الموضوع قوله: «سَمَّى الله نفسه بأسماء وسَمَّى صفاته بأسماء، وكانت تلك الأسماء مختصة به إذا أُضيفت إليه لا يُشركه فيها غيره».\nوسَمَّى بعض مخلوقاته بأسماء مختصة بهم مضافة إليهم، تُوافق تلك الأسماء إذا قُطعت من الإضافة والتخصيص.\nولم يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مُسَمَّاهما واتحاده-عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص-اتَّفاقُهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص؛ فضلًا عن أن يتحد مُسَمَّاهما عند الإضافة والتخصيص.\nفقد سَمَّى الله نفسه حيًّا فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥]، وسَمَّى بعض عباده حيًّا؛ فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ﴾ [يونس: ٣١].\nوليس هذا الحي مثل هذا الحي؛ لأن قوله: (الحي) اسم لله مختص به، وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ [يونس: ٣١] اسم للحيِّ المخلوق مختصٍّ به.\nوإنما يتفقان إذا أُطلقا وجُرِّدا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يَفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المُسميين.\nوعند الاختصاص: يُقَيَّد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق.\nولابد مِنْ هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يُفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه ﷾.\nوكذلك سَمَّى الله نفسه: ﴿عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب الآية: ٥١]، وسَمَّى بعض عباده (عليمًا)؛ فقال: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذريات الآية: ٢٨]. يعني إسحاق، وسمى آخر (حليمًا)، ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات الآية: ١٠١]، يعني إسماعيل؛ وليس العليم","vol":"1","page":659},{"text":"كالعليم، ولا الحليم كالحليم.\nوسَمَّى نفسه (سميعًا بصيرًا)؛ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء الآية: ٥٨]، وسمى بعض عباده (سميعًا بصيرًا)؛ فقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإَنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [الإنسان الآية: ٢]، وليس السميع كالسميع ولا البصير كالبصير …\nوكذلك سَمَّى صفاتِه بأسماء، وسَمَّى صفات عباده بنظير ذلك، فقال: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥]، ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [الإنسان الآية: ١٦٦]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات الآية: ٥٨]، ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّة﴾ [فصلت الآية: ١٥]، وسمى صفة المخلوق علمًا وقوة: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء الآية: ٨٥]، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف الآية: ٧٦]، وقال: ﴿فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [غافر الآية: ٨٣]، وقال: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَة﴾ [الروم الآية: ٥٤]، وقال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ [هود الآية: ٥٢]، وليس العليم كالعلم ولا القوة كالقوة.\nووصف نفسه بأنه استوى على عرشه؛ فذكر ذلك في سبعة مواضع من كتابه أنه استوى على العرش.\nووصف بعض خلقه بالاستواء على غيره في مثل قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِه﴾ [الزخرف الآية: ١٣]، وقوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون الآية: ٢٨]، وقوله: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود الآية: ٤٤]، وليس الاستواء كالاستواء.\nووصف نفسه ببسط اليدين فقال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة: ٦٤].، ووصف بعض خلقه ببسط اليد في قوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾، وليس اليد كاليد، ولا البسط كالبسط، وإذا كان المراد بالبسط الإعطاء والجود، فليس إعطاء الله كإعطاء خلقه، ولا جوده كجودهم، ونظائر هذا كثيرة.","vol":"1","page":660},{"text":"فلا بد من إثبات ما أثبته الله لنفسه ونفي ماثلته لخلقه.\nفمن قال: ليس لله علم، ولا قوة، ولا رحمة، ولا كلام، ولا يحب، ولا يرضى، ولا نادى، ولا ناجى، ولا استوى-كان معطلًا جاحدًا ممثلًا له بالمعدومات والجمادات.\nومَن قال: له علم كعلمي أو قوة كقوتي، أو حب كحبي، أو رضاء كرضائي، أو يَدَان كيداي، أو استواء كاستوائي-كان مشبهًا ممثلًا لله بالحيوانات، بل لا بد من إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل» (^١).\nوليس المنسوب كالمنسوب، ولا المنسوب إليه كالمنسوب إليه، كما قال النبي ﷺ: (ترون ربكم كما ترون الشمس والقمر)، فشبَّه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي\".\nأي هذا تشبيه للرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي، فالله ﷿ لا شبيهَ له، ولكن هذا من باب تشبيه الرؤية بالرؤية، كما أن رؤية الشمس صحوًا ليس دونها سحاب أمر واضح، وكالقمر ليلة البدر في وقت الصَّحو دون غيمٍ أمر واضح، فهكذا رؤية الله يوم القيامة؛ يراه المؤمنون في الجنَّة كما يشاء أمر واضح.\n_________\n(^١) «الرسالة التدمرية» (ص ٨ - ١٢) بتصرف.","vol":"1","page":661},{"text":"<span data-type='title' id=toc-314>أربعة محاذير يقع فيها من من نفى شيئا من الصفات</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وهذا يتبين بالقاعدة الرابعة، وهي أن كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات، أو في كثير منها، أو أكثرها، أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين\"\nالشرح\nقول المصنف: \"كثيرًا من الناس يتوهم في بعض الصفات، أو في كثير منها، أو أكثرها، أو كلها، أنها تماثل صفات المخلوقين\".\nمقصود المصنف بيان أن النصوص الشرعية الواردة في باب الصفات واضحة وثابتة وصريحة وامتلأت بها الكتب التي حوت هذا الأمر، لكن الخلل من أفهامٍ تنظر إلى هذه الأمور بنظرةٍ غير صحيحة وغير سليمة للنصوص فلذلك عزَّ والله من يعرف المعروف وينكر المنكر.\nوعلى القول بأن هناك خلل فالخلل هنا إما أن يكون في النصوص، أو يكون في عقول هؤلاء، وحاشا أن يكون في النصوص، فالنصوص ثابتة والله تعالى أخبر عن استوائه ونبيه -ﷺأخبر عن نزوله، وهكذا في سائر صفاته بين الكتاب والسُنَّة نصوص ثابتة صريحة صحيحة لو أن الإنسان نظر لها النظرة السليمة، ولكن كما قال الشاعر:\nوكمْ من عائِبٍ قوْلًا صَحيحًا … وآفَتُهُ مِنَ الفَهْمِ السّقيمِ\nفالسبب في هذا: أفهام سقيمة.","vol":"1","page":662},{"text":"والخلل الذي وقع فيه المعطلة جاء من عند أنفسهم لأنهم توهموا أن النصوص أنها تماثل صفات المخلوقين وهم في هذا التوهم على درجات.\n١ - فهناك من \"يتوهم في بعض الصفات\": وهؤلاء المقصود بهم الكلابية وقدماء الأشاعرة ومن وافقهم الذين نفوا الصفات الاختيارية.\n٢ - وهناك من توهم ذلك \"في كثير منها، أو أكثرها\" وهؤلاء هم الأشاعرة المتأخرون والماتريدية الذين اقتصروا على إثبات سبع صفات أو ثمان صفات وأنكروا ما عداها.\n٣ - وهناك من توهم ذلك في \"كلها\" وهؤلاء هم الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم.\nوقوله: \"أنها تماثل صفات المخلوقين\"\nاختلفت طرق المعطلة في سبب جعلهم إثبات الصفات يؤدي إلى مثل هذا الفهم الفاسد.\n\n<span data-type='title' id=toc-315>الفريق الأول: نفاة جميع الصفات وهم المعتزلة ومن وافقهم:</span>\nفشبهتهم التي اعتمدوا عليها في نفي صفات الباري ﷿ بما فيها صفة العلو فهي ما تسمى بطريقة الأعراض، ذلك أنهم يزعمون أن الصفات إنما هي أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث، ومن أجل ذلك كان قول المعتزلة في الله: إنه قديم واحد ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان معه غيره (^١) ولكان جسمًا إذ إن ثبوت الصفات يقتضي كثرة وتعددًا\n_________\n(^١) بالإضافة إلى زعم المعتزلة أن الصفات لا تقوم إلا بأجسام، فهم أيضًا يزعمون أن في إثبات الصفات قول بكثرة وتعدد ذات الله، لأنهم يقولون: (إن من أثبت لله صفة أزلية قديمة فقد أثبت إلهين)، كما اعتقدوا أن الصفات لو شاركته في القدم لشاركته في الألوهية.\nانظر الملل للشهرستاني (١/ ٤٤ - ٤٦)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٤٥)، منهاج السنة (٢/ ١٦٩).","vol":"1","page":663},{"text":"في ذاته ويقتضي أنه جسم وذلك خلاف التوحيد.\nفهم يزعمون أن توحيد الله وتنزيهه متوقف على أنه ليس بجسم، وكونه ليس بجسم موقوف على عدم قيام الأعراض والحوادث به التي هي الصفات والأفعال، ونفي ذلك عندهم موقوف على ما يدل عليه حدوث الأجسام، والذي دلهم على حدوث الأجسام أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث لا يسبقها، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث.\nويزعمون أيضًا أن الأجسام لا تخلو من الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين فهي حادثة، فإذا لم تخل الأجسام منها لزم حدوثها.\nويزعمون أيضًا أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، والمركب مفتقر إلى جزئيه وجزءاه غيره، وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثًا مخلوقًا، فالأجسام متماثلة فكل ما صح على بعضها صح على جميعها، وقد صح على بعضها التحليل والتركيب والاجتماع والافتراق فيجب أن يصح على جميعها (^١).\nوالمعتزلة يقولون إننا بهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم ونفي كون الصانع جسمًا وإمكان المعاد.\nالرد عليهم:\nمما تقدم نعلم أن المعتزلة إنما بنوا دليلهم في نفي الصفات على أن القديم لا يكون محلا للصفات والحركات فلا يكون جسمًا ولا محيزًا لأن الصفات أعراض وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات، وأن الجسم لا يخلو منها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.\n_________\n(^١) انظر مختصر الصواعق (١/ ٢٥٤).","vol":"1","page":664},{"text":"فهم بهذا القول نفوا صفات الباري وجعلوا نفيها يتوقف عليه ثبوت الصانع وحدوث العالم، فإذا جاء في القرآن والسنة ما يدل على إثبات الصفات لم يمكن القول بموجبه.\nوالمتدبر لحجج المعتزلة يرى فيها الأمور التالية:\nأولًا: أنهم يستدلون لأقوالهم بعبارات مبتدعة وفيها الكثير من الاشتباه والإجمال، وذلك كلفظ العرش والجسم والحيز والمركب وغير ذلك، فهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ليخدعوا به جهال الناس بما يشبهون عليهم، وهذه الألفاظ المجملة تتضمن معاني باطلة ومعاني أخرى صحيحة فهم بهذا ينفون كلا المعنيين الحق والباطل.\nوقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- ما في هذه الألفاظ من معانٍ، وما تدل عليه من عبارات (^١)، وكيف استعملها هؤلاء المعطلة في نفي صفات الباري ﷿ حيث ادعوا أن هذه الأمور من مستلزمات الجسمية، والله منزه من ذلك، وقد بين شيخ الإسلام أن استعمال هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا لم يرد عن السلف ولا جاء به أثر صحيح ولم يستعملها الأقدمون بالمعنى الاصطلاحي الذي اتفق عليه هؤلاء، بل جميعهم معترفون بأن العلو صفة كمال كما أن السفل صفة نقص، وما ثبت لله من العلو فهو العلو المناسب لكمال ذاته المنزهة عن اعتبارات المحدثين ومماثلتهم.\nومعلوم أن القول بأن العلو يستلزم هذه المعاني المبهمة إنما هو مأخوذ من قياس الغائب على الشاهد، ومحاولة تطبيق الاعتبارات الإنسانية على الصفات الإلهية، وهذا قياس خاطئ إذ ليس معنى كونه في السماء أن السماء تحويه وتحيط به\n_________\n(^١) انظر شرح ابن تيمية لهذه العبارات في نقض التأسيس الجهمية (١/ ٥٠٤، ٥١١)، وفي مجموع الفتاوى (٥/ ٤١٨ - ٤٣٠).","vol":"1","page":665},{"text":"وتحصره، أو هي محل وظرف له، بل هو سبحانه محيط بكل شيء وسع كرسيه السموات والأرض، وهو فوق كل شيء وعالٍ على كل شيء (^١).\nثانيا: أن ما استدل به المعتزلة لا أصل له من الكتاب أو السنة بل هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعًا ليس بعالم ولا قادر ولا حي (^٢).\nكما أن مذهب المعتزلة في الذات قريب من مذهب اليونان القائلين بأن ذات الله واحدة لا كثرة فيها بوجه من الوجوه (^٣).\nثالثًا: أن أصل هذه القاعدة التي اعتمد عليها المعتزلة في نفي الصفات إنما هي مأخوذة من قولهم في دليل حدوث العالم (^٤) الذي أثبتوا فيه حدوث العالم بحدوث الأجسام. وهذا الدليل قد بين الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر: أنه دليل محرم في شرائع الأنبياء، ولم يستدل به أحد من الرسل ولا أتباعهم (^٥)، فهي بهذا طريق يحرم سلوكها لما فيها من الخطر والتطويل وما يلزم عليها من لوازم باطلة لأنها مستلزمة لنفي الصانع بالكلية، وهي مستلزمة لنفي صفاته ونفي أفعاله ونفي المبدأ والمعاد، فهذه الطريق لا تتم إلا بنفي سمع الرب وبصره وقدرته وحياته وإرادته وكلامه فضلًا عن نفي علوه على خلقه ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها، فلو صحت هذه الطريقة لنفت الصانع وأفعاله وصفاته وكلامه وخلقه للعالم وتدبيره له.\nوما يثبته أصحاب هذه الطريقة من ذلك لا حقيقة له بل هو لفظ لا معنى له، وأن\n_________\n(^١) انظر كتاب موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من قضية التأويل (٣٨١ - ٣٨٥).\n(^٢) مقالات الإسلاميين (٢/ ١٧٧)، وموقف المعتزلة من السنة النبوية (٥٣).\n(^٣) موقف المعتزلة من السنة النبوية (٥٣).\n(^٤) انظر الكلام على دليل حدوث العالم في مجموع الفتاوى (١٣/ ١٥٣).\n(^٥) انظر كتاب رسالة إلى أهل الثغر (ص ١٦٤ - ١٧٢) تحقيق عبد الله شاكر الجنيدي، رسالة ماجستير من قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية.","vol":"1","page":666},{"text":"الله بذاته في كل مكان، وقال إخوانهم إنه ليس داخل العالم ولا خارج العالم، وقالوا بخلق القرآن إلى غير ذلك من اللوازم الباطلة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-316>الفريق الثاني: نفاة بعض الصفات.</span>\nوهم الكلابية: أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، وقول الحارث المحاسبي (^٢) وأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري في طوره الثاني، وقدماء الأشاعرة كأبي الحسن الطبري والباقلاني وابن فورك، وأبي جعفر السمناني ومن تأثر بهم من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني والتميميين وغيرهم. (^٣)\nوهؤلاء يجمعهم أنهم نفاة الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة.\nوهؤلاء يسموْن الصفاتية لأنهم يثبتون صفات الله تعالى خلافًا للمعتزلة، لكنهم لم يثبتوا لله أفعالًا تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته، بل ولا غير الأفعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته. (^٤)\nوأصلهم الذي أصلوه في هذا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته (^٥)\n_________\n(^١) مختصر الصواعق (١/ ٢٥٦، ٢٥٧)، ودرء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٨ - ٤٠).\n(^٢) -قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الحارث المحاسبي يوافقه -أي يوافق ابن كلاب -ثم قيل إنه رجع عن موافقته؛ فإن أحمد بن حنبل أمر بهجر الحارث المحاسبي وغيره من أصحاب ابن كلاب لما أظهروا ذلك، كما أمر السري السقطي الجنيد أن يتقى بعض كلام الحارث؛ فذكروا أن الحارث ﵀ تاب من ذلك. وكان له من العلم والفضل والزهد والكلام في الحقائق ما هو مشهور وحكى عنه أبوبكر الكلاباذي صاحب (مقالات الصوفية): (أنه كان يقول إن الله يتكلم بصوت)، وهذا يوافق قول من يقول: إنه رجع عن قول ابن كلاب). مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢١، ٥٢٢.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١١، ٦/ ٥٢، ٥٣، ٤/ ١٤٧، شرح الأصفهانية ص ٧٨.\n(^٤) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠.\n(^٥) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٤.","vol":"1","page":667},{"text":"لا فعل ولا غير فعل. (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-317>والفرق بينهم وبين المعتزلة:</span>\nأن المعتزلة تقول: (لا تحله الأعراض والحوادث) فالمعتزلة لا يريدون [بالأعراض] الأمراض والآفات فقط، بل يريدون بذلك الصفات. ولا يريدون [بالحوادث] المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك -مما يريده الناس بلفظ الحوادث-بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه.\nولكن ابن كلاب ومن وافقه خالفوا المعتزلة في قولهم: \"لا تقوم به الأعراض\" وقالوا: \"تقوم به الصفات ولكن لا تسمى أعراضًا\".\nووافقوا المعتزلة على ما أرادوا بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته. (^٢)\nففرقوا بين الأعراض -أي الصفات-والحوادث-أي الأمور المتعلقة بالمشيئة. (^٣)\nفالكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله (^٤)، ويقولون: \"لو قامت به لكان محلًا للحوادث. والحادث إن أوجب له كمالًا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٢.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢١.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٥.\n(^٤) -الصفات الفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، أو التي تنفك عن الذات: كالاستواء، والنزول، والضحك، والإتيان، والمجيء، والغضب والفرح. مجموع الفتاوى ٦/ ٦٨، ٥/ ٤١٠.","vol":"1","page":668},{"text":"كمالًا لم يجز وصفه به\". (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-318>الفريق الثالث: نفاة أكثر الصفات.</span>\nوهؤلاء هم متأخرو الأشاعرة ومعهم الماتريدية.\nومعلوم أن مذهب متأخري الأشاعرة والماتريدية في الصفات أنهم يثبتون سبع صفات أو ثمان فقط، وهي ما يسمونها بصفات المعاني وهي العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر والكلام، وهم يثبتون لهذه الصفات أربعة أحكام هي:\n١ - أن هذه الصفات ليست هي الذات بل زائدة عليها فصانع العالم عندهم عالم بعلم وحي بحياة وقادر وهكذا.\n٢ - أن هذه الصفات كلها قائمة بذات الله تعالى ولا يجوز أن يقوم شيء منها بغير ذاته لأن الدليل دل على أنه متصف بها ولا معنى لاتصافه بها إلا قيامها بذاته، حتى لو قلنا: إنه عالم كان هو بعينه مفهوم قولنا قام بذاته علم، فلا تكون الصفة لشيء إلا إذا قامت به لا بغيره.\n٣ - أن هذه الصفات كلها قديمة لأنها إن كانت حادثة كان القديم محلًا للحوادث وهذا محال، أو متصف بصفة لا تقوم به وذلك أظهر استحالة.\n٤ - أن الأسماء المشتقة لله تعالى من هذه الصفات السبع صادقة عليه أزلًا وأبدًا فهو في القدم كان حيًا قادرًا عليمًا سميعًا بصيرًا متكلمًا (^٢).\nفهم على قولهم هذا لا يثبتون سوى هذه الصفات السبع فقط لأنها قديمة. أما باقي الصفات التي يسمونها الصفات الخبرية فهم ينفونها جميعها، بدعوى تنزيه ذات الله عن الحوادث.\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٦/ ٦٩، وانظر الرد على هذه الشبهة ٦/ ١٠٥.\n(^٢) انظر الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص ٨٤ - ١٠١)، بتصرف.","vol":"1","page":669},{"text":"ومتأخرو الأشاعرة هؤلاء وإن كانوا يخالفون المعتزلة في جعلهم الصفة غير الذات كما في الحكم الأول فيثبتون الصفات القديمة من هذا الباب، إلا أنهم قد وافقوا المعتزلة في دليلهم المسمى بدليل نفي الحوادث فنفوا باقي الصفات الأخرى، ذلك لأن قولهم في الحكم الثالث من الأحكام الأربعة التي أوردناها إنها لو كانت حادثة لكان القديم محلا للحوادث، هو بعينه ما استدل به المعتزلة على نفي الصفات (^١).\nويقول متأخرو الأشاعرة في دليلهم العقلي على نفي العلو إن إثبات العلو يقتضي إثبات الجهة وإثبات الجهة يقتضي كونه جسمًا، وكونه جسمًا يقتضي كونه مركبًا، والمركب مفتقر إلى جزئيه، والمفتقر إلى جزئيه لا يكون إلا حادثا والله سبحانه منزه عن الحوادث (^٢).\nفعلى قولهم هذا يكونون هم والمعتزلة على دليل واحد، وقد سبق أن ذكرنا الرد على المعتزلة فيكون الرد على هؤلاء من جنس الرد على أولئك، ويضاف إلى ذلك أن القول في الصفات التي نفاها هؤلاء هو كالقول في الصفات التي أثبتوها، فإن كان هذا تجسيمًا وقولا باطلًا فهذا كذلك.\nوإن قالوا: إن إثباتها على الوجه الذي يليق بالرب.\nقيل لهم: وكذلك هذا.\nفإن قالوا: نحن نثبت تلك الصفات وننفي التجسيم.\nقيل لهم: وهذا كذلك، فليس لكم أن تفرقوا بين المتماثلين (^٣).\n_________\n(^١) مختصر الصواعق (١/ ٢٥٥).\n(^٢) نقض التأسيس (١/ ٥٠٣).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٦٥).","vol":"1","page":670},{"text":"المتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه فيقع في أربعة أنواع من المحاذير:\nأحدها: كونه مثَّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل.\nالثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطّله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله- حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل- قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله، والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله سبحانه.\nالثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير علم، فيكون معطلا لما يستحقه الرب تعالى.\nالرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات، أو صفات المعدومات.\nفيكون قد عطَّل صفات الكمال التي يستحقها الرب تعالى، ومثَّله بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، يكون ملحدًا في أسمائه وآياته\".\nالشرح\nمنهج المعطِّلة في الصفات جاء بعكس طريقة الأنبياء، فنجدهم يجملون في","vol":"1","page":671},{"text":"الإثبات ويفصِّلون في النفي، زعمًا منهم أن ذلك أعظم وأبلغ في التنزيه، وأحوط في تفادي تشبيه الله -﷿- بخلقه، وبتطبيقهم لطريقتهم هذه، حصل عكس مرادهم، فوقعوا في شر من الذي فروا منه، فأساءوا الأدب مع مليكهم، وجردوه من كماله الذي وصف به نفسه، فشبهوه بالناقصات من مخلوقاته، بل نفيهم لصفاته أوقعهم في تشبيهه بالمعدومات والممتنعات، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.\nفالمعطِّلة النفاة إذا تكلموا في النفي، وصفوه -﷾- بالسُّلوب على وجه التفصيل؛ فيقولون مثلًا: ليس بكذا، ولا بكذا … يقولون: ليس بجسم، ولا شبح، ولا جثة، ولا صورة، ولا لحم، ولا دم، ولا شخص، ولا جوهر، ولا عرض، ولا بذي لون، ولا طعم، ولا رائحة، ولا طول، ولا عرض، ولا عمق، ولا اجتماع، ولا افتراق، ولا يتبعض، ولا يتجزأ، ولا يقرُب من شيء، ولا يقرُب منه شيء، ولا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته، ولا له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ونحو ذلك، ولا يُشار إليه، ولا هو مباين للعالم، ولا داخله، ولا خارجه … إلى أمثال هذه العبارات السلبية التي لا تنطبق إلا على المعدوم بل الممتنع.\nوإذا أرادوا الإثبات: أثبتوا شيئًا مجملًا يجمعون فيه بين النقيضين، ويُقدرون وجودًا مطلقًا لا حقيقة له إلا في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان، فبعضهم يصفونه بالسُّلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وبعضهم يثبت له الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات، وبعضهم يثبت له الأسماء وعددًا محدودًا من الصفات (^١).\n_________\n(^١) انظر: مقالات الإسلاميين ص (١٥٥ - ١٥٦)، منهاج السنة النبوية (٢/ ١٨٧، ٥٦٢)، الصفدية (١/ ١١٦)، مجموع الفتاوى (٦/ ٦٦، ٥١٦، ١١/ ٤٨٣ - ٤٨٤، ٢٠/ ١١١ - ١١٢، ١٢٦)، درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٦٣)، النبوات (٢/ ٦٤٣)، الفتاوى الكبرى (٦/ ٣٣٧ - ٣٣٨)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٦٣)، التدمرية ص (١٢ - ١٩)، التسعينية (١/ ١٧٢ - ١٧٤)، الكيلانية، ضمن مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٣٢)، الحجج العقلية والنقلية فيما ينافي الإسلام من بدع الجهمية والصوفية، ضمن مجموع الفتاوى (٢/ ١٩٨)، الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٠٩)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٦٩ - ٧٠)، توضيح المقاصد (١/ ١٤٨، ٢/ ٤٣٦)، شرح القصيدة النونية (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨).","vol":"1","page":672},{"text":"وحقيقة حالهم كما ذكر شيخ الإسلام -﵀-: «وهؤلاء جميعًا (^١)، يفرون من شيء، فيقعون في نظيره وفي شر منه، مع ما يلزمهم من التحريفات والتعطيلات، ولو أمعنوا النظر لسوَّوا بين المتماثلات، وفرَّقوا بين المختلفات، كما تقتضيه المعقولات، ولكانوا من الذين أوتوا العلم الذين يرون أن ما أُنزل إلى الرسول هو الحق من ربه ويهدي إلى صراط العزيز الحميد (^٢)، ولكنهم من أهل المجهولات المُشَبَّهَة بالمعقولات، يسفسطون في العقليات، ويقرمطون في السمعيات» (^٣).\nقول المصنف: \"أربعة أنواع من المحاذير:\nأحدها: كونه مثَّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل\".\nالمعطل مثّل ما فهمه من النصوص بصفات المخلوقين، وظن أن مدلول النصوص هو التمثيل (^٤)، فعقيدة هؤلاء المعطلة جمعت بين التمثيل والتعطيل، وهذا الشر إنَّما جاء من تنجس قلوبهم وتدنسها بأقذار التشبيه، فإذا سمعوا صفة من صفات الكمال التي أثنى الله بها على نفسه؛ كاستوائه على عرشه ومجيئه يوم القيامة وغير ذلك من صفات الجلال والكمال.\nفإن أول ما يخطر في أذهانهم أن هذه الصفة تشبه\n_________\n(^١) أي المعطلة بمختلف أصنافهم من غالية، وفلاسفة، وجهمية، ومعتزلة، وصفاتية، ومن اتبعهم.\n(^٢) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ الآية [٦] من سورة سبأ.\n(^٣) التدمرية ص (١٩)، وانظر: رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية لنصر المنجبي، ضمن مجموع الفتاوى (٢/ ٤٧٨)، توضيح المقاصد (١/ ١٤٨).\n(^٤) التحفة المدنية في العقيدة السلفية لحمد بن ناصر النجدي (ص: ٤٩ - ٥٠).","vol":"1","page":673},{"text":"صفات الخلق؛ فيتلطخ القلب بأقذار التشبيه؛ فلم يقدر الله حقَّ قدره، ولم يُعَظِّم الله حقَّ عظمته؛ حيث سبق إلى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فيكون أولًا نجَّس القلب بأقذار التشبيه، ثم دعاه ذلك إلى أن ينفي صفة الخالق جلَّ وعلا عنه بادِّعاء أنها تشبه صفات المخلوق، فيكون فيها أولًا مشبهًا، وثانيًا معطلًا ضالًّا ابتداءً وانتهاءً متهجمًا على ربِّ العالمين يَنفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفة لا تليق (^١).\nفإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات.\nفهذا تشبيه وتمثيل منهم للمفهوم من أسمائه وصفاته، بالمفهوم من أسماء خلقه وصفاتهم.\nوقوله: \"الثاني: أنه إذا جعل ذلك هو مفهومها وعطّله بقيت النصوص معطلة عما دلت عليه من إثبات الصفات اللائقة بالله، فيبقى مع جنايته على النصوص، وظنه السيئ الذي ظنه بالله ورسوله- حيث ظن أن الذي يفهم من كلامهما هو التمثيل الباطل- قد عطل ما أودع الله ورسوله في كلامهما من إثبات الصفات لله، والمعاني الإلهية اللائقة بجلال الله سبحانه\".\nالمعطلة تلاعبوا بظواهر النصوص! لمجرد أنها خالفت باطلهم ومناهجهم الفاسدة (^٢).\nفنصوص الصفات ألفاظ شرعية يجب أن تحفظ لها حرمتها، وذلك بأن نفهمها وفق مراد الشارع، فلا نتلاعب بمعانيها لنصرفها عن مراد الشارع.\nفمن الأصول الكلية عند السلف أن الألفاظ الشرعية لها حرمتها، ومن تمام\n_________\n(^١) انظر: «منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات» (ص ١٩، ٢٠).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٣٠١","vol":"1","page":674},{"text":"العلم أن يبحث عن مراد الله ورسوله بها ليثبت ما أثبته الله ورسوله من المعاني، وينفى ما نفاه الله ورسوله من المعاني (^١).\nوبحمد الله وفضله نجد أن نصوص الصفات الواردة في القرآن والسنة هي من الوضوح والكثرة بمكان، بحيث يستحيل تأويلها والتلاعب بنصوصها، فلقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتًا مفصَّلًا على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل به العلم اليقيني، ورفع الشك والريب، فثلجت به الصدور، واطمأنت به القلوب، واستقر الإيمان في نصابه، فلقد فصلت رسالة نبينا محمد ﷺ الأسماء والصفات والأفعال أعظم من تفصيل الأمر والنهي، وقررت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ لفظ.\nفالمطلع على نصوص القرآن والسنة الخبير بهما، لا يزيده تحريف المعطلة لتلك النصوص إلا احتقارًا لهم، ويقينًا بفساد معتقدهم وبطلانه.\nولا تروج تحريفات المعطلة إلا على الجاهل بمعرفة تلك النصوص قليل البضاعة فيها، فهذا الصنف! أتي من جهة جهله لا من قلة النصوص الواردة في هذا الباب، والله أعلم.\nوقوله: \"الثالث: أنه ينفي تلك الصفات عن الله بغير علم، فيكون معطلا لما يستحقه الرب تعالى\".\nفالذين يصفون الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الجمادات أو صفات المعدومات، فيكون قد عطّل صفات الكمال التي يستحقها الرب، ومثلَّه بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٢/ ١١٣ - ١١٤ بتصرف","vol":"1","page":675},{"text":"فيكون ملحدًا في أسمائه وآياته (^١).\nفالله تعالى وصف نفسه بأن له المثل الأعلى، وهو الكمال المطلق، المتضمن للأمور الوجودية والمعاني الثبوتية، التي كلَّما كانت أكثر في الموصوف وأكمل كان بها أكمل وأعلى من غيره.\nولما كانت صفات الرب ﷾ أكثر وأكمل، كان له المثل الأعلى وكان أحق به من كل ما سواه، بل يستحيل أن يشترك في المثل الأعلى المطلق اثنان، لأنهما إن تكافآ من كل وجه، لم يكن أحدهما أعلى من الآخر، وإن لم يتكافآ، فالموصوف به أحدهما وحده، فيستحيل أن يكون لمن له المثل الأعلى مثل أو نظير، وهذا برهان قاطع على استحالة التمثيل والتشبيه، فتأمله فإنه في غاية الظهور والقوة) (^٢).\nومن ينفي تلك الصفات عن الله بلا علم، فيكون معطلًا لما يستحقه الرب من صفات الكمال ونعوت الجلال، فيكون قد عطل ما أثبته الله ورسوله من الصفات الإلهية اللائقة بجلال الله وعظمته (^٣).\nوقوله: \"الرابع: أنه يصف الرب بنقيض تلك الصفات من صفات الأموات والجمادات، أو صفات المعدومات، فيكون قد عطَّل صفات الكمال التي يستحقها الرب تعالى، ومثَّله بالمنقوصات والمعدومات، وعطَّل النصوص عما دلت عليه من الصفات، وجعل مدلولها هو التمثيل بالمخلوقات، فيجمع في الله وفي كلام الله بين التعطيل والتمثيل، يكون ملحدًا في أسمائه وآياته\".\nفالذين ينفون الأسماء والصفات، فإنهم بزعمهم ينفون ذلك حتى لا يشبهوا الله\n_________\n(^١) التحفة المدنية في العقيدة السلفية لحمد بن ناصر النجدي (ص: ٤٩ - ٥٠).\n(^٢) الصواعق المنزلة ٣/ ١٠٣٢، وشرح الطحاوية ص ١٤٤\n(^٣) التحفة المدنية في العقيدة السلفية لحمد بن ناصر النجدي (ص: ٤٩ - ٥٠).","vol":"1","page":676},{"text":"بالموجودات.\nفيقال لهم: نفيتم علمه وحياته كما نفيتم أنه عليم حي خشية أن تشبهوه بالموجودات، ولكن يلزم قولكم هذا تشبيه الله بالمعدومات.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «كل تنزيه مُدح به الرب ففيه إثبات، فلهذا كان قول: (سبحان الله) متضمنًا تنزيه الرب وتعظيمه، ففيه تنزيهه من العيوب والنقائص، وفيه تعظيمه ﷾ (^١).\nفالذين لا يَصفونه إلا بالسُّلوب لم يثبتوا في الحقيقة إلهًا محمودًا، بل ولا موجودًا.\nوكذلك مَنْ شاركهم في بعض ذلك؛ كالذين قالوا: لا يتكلم، ولا يُرى، أو ليس فوق العالم، أو لم يَستو على العرش، ويقولون: ليس بداخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا مجانب له.\nإذ هذه الصفات يمكن أن يُوصف بها المعدوم، وليس هي صفة مُستلزمة صفة ثبوت.\nفقولهم: إنه لا يتكلم، أو لا يَنزل، ليس في ذلك صفة مدح، بل هذه الصفات فيها تشبيه له بالمنقوصات أو المعدومات (^٢).\nفمن قال: ليس لله علم، ولا قوة، ولا رحمة، ولا كلام، ولا يحب، ولا يرضى، ولا نادى، ولا ناجى، ولا استوى-كان معطلًا جاحدًا ممثلًا له بالمعدومات والجمادات.\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١٧/ ١١٢).\n(^٢) «الرسالة التدمرية» (ص ٢٣).","vol":"1","page":677},{"text":"<span data-type='title' id=toc-319>نصوص فوقية الله على خلقه واستوائه على عرشه</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"مثال ذلك: أن النصوص كلها دلّت على وصف الإله بالعلو والفوقية على المخلوقات، واستوائه على العرش؛ فأما علوه ومباينته للمخلوقات فيُعلم بالعقل الموافق للسمع، وأما الاستواء على العرش فطريق العلم به هو السمع، وليس في الكتاب والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينه ولا مداخله\".\nهذا النص تضمن ثلاثة أمور:\nالأمر الأول: أن صفة العلو من الصفات الثابتة شرعًا وعقلًا.\nفقوله: \"فأما علوه ومباينته للمخلوقات فيُعلم بالعقل الموافق للسمع\".\nقال ابن تيمية: \"قَدْ وَصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ بِالْعُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ وَالْفَوْقِيَّةِ فِي كِتَابِهِ فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ حَتَّى قَالَ بَعْضُ كِبَارِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: فِي الْقُرْآنِ أَلْفُ دَلِيلٍ أَوْ أَزْيَدُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَالٍ عَلَى الْخَلْقِ وَأَنَّهُ فَوْقَ عِبَادِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: فِيهِ ثَلَاثُمِائَةِ دَلِيلٍ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ\" (^١)\nوقال ﵀: \"دَلَالَةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى إثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَأَنَّهُ نَفْسُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ﴾ وَقَوْلِهِ: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إلَيْهِ﴾ وَقَوْلِهِ:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٥/ ٥٢٦","vol":"1","page":678},{"text":"﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾. وَقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ يَبْلُغُ ثَلَاثَمِائَةِ آيَةٍ وَهِيَ دَلَائِلُ جَلِيَّةٌ بَيِّنَةٌ مَفْهُومَةٌ: مِنْ الْقُرْآنِ مَعْقُولَةٌ: مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى. \" (^١)\n\nوقد<span data-type='title' id=toc-320> تنوعت عبارات القرآن في إثبات صفة العلو.</span>\nفالقرآن الكريم من أوله إلى آخره مليء بما هو إما نص ظاهر في أن الله فوق كل شيء، وأنه عال على خلقه ومستو على عرشه، وقد تنوعت تلك الدلالات، فوردت بأصناف من العبارات، فقد أشار العلماء إلى ذلك التنوع في العبارة على إثبات هذه الصفة، ومن ذلك:\n١ - التصريح بالفوقية مقرونة بأداة (من) المعينة لفوقية الذات نحو: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠].\n٢ - ذكرها مجردة عن الأداة، كقوله: ﴿وَهُوَ القَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨].\n٣ - التصريح بالعروج إليه، نحو ﴿تَعْرُجُ المَلَائِكَةُ وَالرُّوُحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤].\n٤ - التصريح بالصعود إليه، كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ اَلكَلِمُ الطّيّبُ﴾ [فاطر: ١٠].\n٥ - التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه، كقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله: ﴿إِنّي مُتَوفَيّكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].\n٦ - التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو، ذاتًا، وقدرًا، وشرفًا، كقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾.\n٧ - التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ [الزمر: ١]، ﴿تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل ١٠٢]. وهذا يدل على شيئين:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٥/ ٢٢٤","vol":"1","page":679},{"text":"الأول: على أنَّ القرآنَ ظَهَر منه لا من غيره، وأَنَّهُ الذي تكلم به، لا غيره.\nالثاني: على عُلُوِّهِ على خَلْقِهِ، وأنَّ كلامَه نزل به الرُّوح الأمين من عنده من أعلى مكان إلى رسوله.\n٨ - التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [فصلت: ٣٨]، وقوله ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩]، ففرَّق بين من له عمومًا، ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصًا.\n٩ - التَّصريح بأنه سبحانه في السَّماء، وهذا عند أَهْل السُّنَّة على أحد وجهين:\nإما أن تكون «في» بمعنى «على».\nوإما أن يراد بالسَّماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حملُ النَّصِّ على غيره.\n١٠ - التَّصريح بالاستواء مقرونًا بأداة «على» مختصًّا بالعرش، الذي هو أعلى المخلوقات، مصاحبًا في الأكثر لأداة «ثُمَّ» الدَّالَّة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السِّياق صريحٌ في معناه الذي لا يفهم المخاطبون غيره من العُلُوِّ والارتفاع، ولا يحتمل غيره البتَّة.\n١١ - إخباره سبحانه عن فرعون أنه رَامَ الصُّعُودَ إلى السماء؛ لِيَطَّلِعَ إلى إله موسى، فيُكذبه فيما أخبر به من أنه فوق السماوات؛ فقال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧]، فكذَّب فرعونُ موسى في إخباره إياَّه بأن ربَّه فوق السماء (^١).\n_________\n(^١) انظر: «إعلام الموقعين» (٢/ ٣١٤ - ٣١٧).","vol":"1","page":680},{"text":"وفي قوله ﷾: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لله وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ -بيَّن أن الملائكة أقرب إليه من غيرهم من خلقه.\nوكذلك قوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، إلى غير ذلك من ألفاظ متنوعة ومتعددة تدل دلالة واضحة على أن الله عال على خلقه مُستو على عرشه.\n\n<span data-type='title' id=toc-321>الأدلة من السنة على إثبات صفة العلو.</span>\nالسنة مليئة بالأحاديث الدالة على علو الله﷾واستوائه على عرشه، وقد تكلم المصنف على إثبات ذلك في خلال الكثير من الأحاديث، كأحاديث المعراج، وأحاديث صعود الملائكة ونزولها من عند الله، وعروج الروح إليه، واستواء الخالق على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، ورؤيته في الآخرة، فالسُّنَّةُ قد دلَّت على عُلُوِّ الله بدلالاتها الثلاث: (القولية، والفعلية، والتقريرية).\n\n<span data-type='title' id=toc-322>أولًا: أما السُّنَّة القولية </span>فمنها:\n١ - حديث الخوارج: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساءً».\n٢ - حديث الرقية الذي رواه أبو داود وغيره: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض».\n\n<span data-type='title' id=toc-323>ثانيًا: وأما أدلة السُّنَّة الفِعلية </span>فمنها:\n١ - ما رواه مسلم من حديث جابر ﵁ في حديث حَجَّةِ الوَدَاعِ، وفيه: أن","vol":"1","page":681},{"text":"رسول الله ﷺ خَطَبَ النَّاسَ، فقال: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا …»، إلى أن قال جابر ﵁: «فقال بإصبعه السَّبَّابَة يَرْفَعُهَا إلى السَّماء وَيَنْكُتُهَا إلى الناس: اللهم اشْهَدْ، اللهُمَّ اشْهَدْ» (^١).\nقال العَلَّامة ابن القَيِّم ﵀ مُعَلِّقًا على هذا الحديث: «ليشهد الجميعُ أن الرَّبَّ الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه» (^٢).\n٢ - ما في الصَّحيحين في رفعه ﷺ يديه إلى السماء قائلًا: «اللهم اسقنا» (^٣). وهكذا رفعه يديه في الاستسقاء وغير ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-324>ثالثًا: ومن أدلة السُّنَّة التقريريَّة </span>وأشهرها:\nما رواه معاوية بن الحَكَم السُّلَمِي ﵁ قال: «كانت لي جاريةٌ تَرْعَى غَنَمًا قِبَلَ أُحُدٍ والجوَّانيَّة، فاطَّلَعْتُ ذات يومٍ فإذا بالذئب قد ذهب بشاةٍ مِنْ غَنَمِهَا، وأنا رجلٌ من بني آدم، آسَفُ كما يَأْسَفُونَ لكني صَكَكْتُهَا، فأتيتُ رسول الله ﷺ فعظَّم ذلك عليَّ، قلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: «ائتني بها»، فأتيتُه بها، فقال لها: «أين الله؟». قالت: في السماء، قال: «ومَن أنا؟». قالت: رسول الله، قال: «أَعْتِقها؛ فإنَّها مؤمنة».\nوقد تقدم ذكر موقف المعطلة عمومًا من نصوص السنة ورفضهم الاحتجاج بها بزعم أنها أخبار آحاد، وأخبار الآحاد لا يحتج بها في باب الاعتقاد، مع وصفهم لها بأنها أحاديث التشبيه كقول الغزالي: \" وظواهر أحاديث التشبيه أكثرها غير صحيحة\" (^٤). وأحاديث التشبيه يقصد بها أحاديث الصفات، والحديث كلام\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢١٨).\n(^٢) «إعلام المُوقعين» (٢/ ٣١٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (١٠١٣) ومسلم (٨٩٥).\n(^٤) انظر كتاب الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي صفحة (١١٦).","vol":"1","page":682},{"text":"المصطفى -ﷺكيف يُنبز بهذا الوصف الذي ينفر السامع؟ ثم كيف تحكم عليها هكذا أنها غير صحيحة؟ ولا يتوهم السامع أن معنى أكثرها غير صحيحة أنها ضعيفة أو موضوعة، بل يقصدون بها أنها أخبار آحاد وعنده أن أخبار الآحاد لا صحة لها.\nفشتان بين من يعظم السنة ويوقرها يحتج بها ويصدرها ويستدل بها، وبين من لا يقيم لها وزنًا أو اعتبارًا، بل ويتهكم بنصوصها وينفر منها بألقاب وأسماء تجعل السامع ينفر منها، بل ويقدم عليها زبالة الأفكار وأقوال من لم يعرف الله ﷿ حق المعرفة.\nالمواقف من صفة العلو وموقفهم من النصوص.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وَقَدْ افْتَرَقَ النَّاسُ فِي هَذَا الْمَقَامِ \" أَرْبَعُ فِرَقٍ \" (^١).\nالقول الأول:\nالقائل: الْجَهْمِيَّة الْنُّفَاةِ\nقولهم: يَقُولُونَ: لَيْسَ دَاخِلَ الْعَالَمِ وَلَا خَارِجَ الْعَالَمِ وَلَا فَوْقَ وَلَا تَحْتَ لَا يَقُولُونَ بِعُلُوِّهِ وَلَا بِفَوْقِيَّتِهِ.\nموقفهم من النصوص: لَمْ يَتَّبِعْوا شَيْئًا مِنْ النُّصُوصِ؛ بَلْ خَالَفَوهَا كُلَّهَا فليس لهم متمسك في النصوص بَلْ الْجَمِيعُ عِنْدَهُمْ مُتَأَوِّلٌ أَوْ مُفَوِّضٌ. وَجَمِيعُ أَهْلِ الْبِدَعِ قَدْ يَتَمَسَّكُونَ بِنُصُوصِ: كَالْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَالرَّافِضَةِ وَالْمُرْجِئَةِ وَغَيْرِهِمْ؛ إلَّا الْجَهْمِيَّة فَإِنَّهُمْ لَيْسَ مَعَهُمْ عَنْ الْأَنْبِيَاءِ كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تُوَافِقُ مَا يَقُولُونَهُ مِنْ النَّفْيِ؛ \"\nالقول الثاني:\nالقائل: النجارية وَكَثِيرٌ مِنْ الْجَهْمِيَّة.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٥/ ٢٢٦ - ٢٣١ بتصرف","vol":"1","page":683},{"text":"قولهم: هم على قسمين:\n١ - عُبَّادُهُمْ وَصُوفِيَّتُهُمْ وَعَوَامُّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ.\n٢ - أَهْلُ الْوَحْدَة يَقُولُونَ: إنَّهُ عَيْنُ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ كَمَا يَقُولُهُ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْوُجُودَ وَاحِدٌ وَمَنْ يَكُونُ قَوْلُهُ مُرَكَّبًا مِنْ الْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ.\nموقفهم من النصوص: هُمْ يَحْتَجُّونَ بِنُصُوصِ \" الْمَعِيَّةِ وَالْقُرْبِ \"؛ وَيَتَأَوَّلُونَ نُصُوصَ \" الْعُلُوِّ وَالِاسْتِوَاءِ فهم تَرَكَوا النُّصُوصَ الْكَثِيرَةَ الْمُحْكَمَةَ الْمُبَيَّنَةَ وَتَعَلَّقَوا بِنُصُوصِ قَلِيلَةٍ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِم مَعَانِيهَا.\nالقول الثالث:\nالقائل: هذا قول جماعة من أهل الكلام والتصوف كأبي معاذ التومني (^١)، وزهير الأثري (^٢)، وأصحابهما (^٣)، وهو موجود في كلام السالمية (^٤) كأبي طالب المكي (^٥) وأتباعه كأبي الحكم برجان (^٦) وأمثاله ما يشير إلى نحو هذا. كما يوجد في\n_________\n(^١) أبو معاذ التومني من أئمة المرجئة ورأس فرقة التومنية منها. انظر ترجمته ومذهبه في مقالات الأشعري (١/ ٢٠٤، ٣٢٦)، (٢/ ٢٣٢)، والملل والنحل (١/ ١٢٨).\n(^٢) زهير الأثري، لم أقف على ترجمته، وقد تكلم الأشعري عن آرائه بالتفصيل في المقالات (١/ ٣٢٦).\n(^٣) انظر نقض تأسيس الجهمية (١/ ٦)، والفتاوى (٢/ ٢٩٩)، ومقالات الإسلاميين (١/ ٣٢٦).\n(^٤) هم أتباع أبي عبد الله محمد بن أحمد بن سالم المتوفى سنة (٢٩٧ هـ) وابنه أبي الحسن أحمد بن محمد بن سالم المتوفى سنة (٣٥٠ هـ)، وقد تتلمذ أحمد بن محمد بن سالم على سهل بن عبد الله التستري، ويجمع السالمية بين كلام أهل السنة وكلام المعتزلة مع ميل إلى التشبيه ونزعة صوفية اتحادية.\nانظر شذرات الذهب (٣/ ٣٦)، وطبقات الصوفية (ص ٤١٤ - ٤١٦)، والفرق بين الفرق (ص ١٥٧ - ٢٠٢).\n(^٥) أبو طالب، محمد بن علي بن عطية الحارثي المكي، صوفي نشأ واشتهر بمكة، وهو صاحب كتاب \"قوت القلوب\" في التصوف وهو من أكبر رجال السالمية، قال عنه الخطيب البغدادي: (ذكر فيه أشياء مستشنعة في الصفات)، توفي سنة (٣٨٦ هـ).\nانظر ترجمته في تاريخ بغداد (٣/ ٨٩)، وميزان الاعتدال (٣/ ٦٥٥)، ولسان الميزان (٥/ ٣٠٠).\n(^٦) أبو الحكم، عبد السلام بن عبد الرحمن بن محمد اللخمي الإشبيلي، متصوف، توفي سنة (٥٣٦ هـ) بمراكش. \"انظر ترجمته في لسان الميزان (٤/ ١٣ - ١٤)، فوات الوفيات (١/ ٥٦٩)، الاعلام (٤/ ١٢٩).","vol":"1","page":684},{"text":"كلامهم ما يناقض هذا (^١)\nقولهم: إن الله بذاته فوق العرش وهو بذاته في كل مكان.\nفهم يقولون بأن الله في كل مكان، وأنه مع ذلك مستو على عرشه وأنه يرى بالأبصار بلا كيف، وأنه موجود الذات بكل مكان، وأنه ليس بجسم ولا محدود ولا يجوز عليه الحلول ولا المماسة، ويزعمون أنه يجيء يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿وَجَاَءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر ٢٢]، وقولهم هذا يشبه قول بعض مثبتة الجسم الذين يقولون إنه لا نهاية له (^٢).\nوالفرق بين هذا القول وقول الجهمية: بأن الله في كل مكان هو أن هؤلاء يثبتون العلو ونوعا من الحلول، أما الجهمية فلا يثبتون العلو على مقصود هؤلاء من الاستواء على العرش والمباينة.\nويزعم أصحاب هذا القول إنهم بقولهم هذا قد اتبعوا النصوص كلها سواء كانت نصوص علو أو معية أو قرب.\nموقفهم من نصوص الصفات: يَقُولُون: نحن نقِرُّ بِهَذِهِ \"لنُّصُوصِ وَهَذِهِ لَا نصْرِفُ وَاحِدًا مِنْهَا عَنْ ظَاهِرِهِ.\nوَهَذَا الصِّنْفُ الثَّالِثُ وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ إلَى التَّمَسُّكِ بِالنُّصُوصِ وَأَبْعَدَ عَنْ مُخَالَفَتِهَا مِنْ الصِّنْفَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ، فهم يَقُولُون: أَنَا اتَّبَعَنا النُّصُوصَ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢/ ٢٩٩)\n(^٢) نقض تأسيس الجهمية (٢/ ٦).","vol":"1","page":685},{"text":"كُلَّهَا لَكِنَّهُم غالطوا أَيْضًا. فَكُلُّ مَنْ قَالَ: إنَّ اللَّهَ بِذَاتِهِ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتِهَا مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِمَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ وَلِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ وَلِلْأَدِلَّةِ الْكَثِيرَةِ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ أَقْوَالًا مُتَنَاقِضَةً يَقُولُونَ: إنَّهُ فَوْقَ الْعَرْشِ. وَيَقُولُونَ: نَصِيبُ الْعَرْشِ مِنْهُ كَنَصِيبِ قَلْبِ الْعَارِفِ كَمَا يَذْكُرُ مِثْلَ ذَلِكَ أَبُو طَالِبٍ وَغَيْرُهُ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَلْبَ الْعَارِفِ نَصِيبُهُ مِنْهُ الْمَعْرِفَةُ وَالْإِيمَانُ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ فَإِنْ قَالُوا: إنَّ الْعَرْشَ كَذَلِكَ نَقَضُوا قَوْلَهُمْ: إنَّهُ نَفْسُهُ فَوْقَ الْعَرْشِ. وَإِنْ قَالُوا بِحُلُولِهِ بِذَاتِهِ فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ كَانَ هَذَا قَوْلًا بِالْحُلُولِ الْخَالِصِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ \" الصُّوفِيَّةِ \" حَتَّى صَاحِبُ \" مَنَازِلِ السَّائِرِينَ \" فِي تَوْحِيدِهِ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ الْمَنَازِلِ فِي مِثْلِ هَذَا الْحُلُولِ؛ وَلِهَذَا كَانَ أَئِمَّةُ الْقَوْمِ يُحَذِّرُونَ مِنْ مِثْلِ هَذَا. سُئِلَ \" الْجُنَيْد \" عَنْ التَّوْحِيدِ فَقَالَ: هُوَ إفْرَادُ الْحُدُوثِ عَنْ الْقِدَمِ. فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لِلْمُوَحِّدِ مِنْ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْقَدِيمِ الْخَالِقِ وَالْمُحْدَثِ الْمَخْلُوقِ \"فَلَا يَخْتَلِطُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ فِي أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ مَا قَالَتْهُ النَّصَارَى فِي الْمَسِيحِ وَالشِّيعَةِ فِي أَئِمَّتِهَا؛ وَكَثِيرٌ مِنْ الْحُلُولِيَّةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ يُنْكِرُ عَلَى الْجُنَيْد وَأَمْثَالِهِ مِنْ شُيُوخِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ الْمُتَّبِعِينَ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا قَالُوهُ مِنْ نَفْيِ الْحُلُولِ وَمَا قَالُوهُ فِي إثْبَاتِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَيَرَى أَنَّهُمْ لَمْ يُكْمِلُوا مَعْرِفَةَ الْحَقِيقَةِ كَمَا كَمَّلَهَا هُوَ وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْحُلُولِيَّةِ وَالْإِبَاحِيَّةِ.\nالرد عليهم:\nإنهم بقولهم هذا جمعوا بين كلام أهل السنة وكلام الجهمية، ولذلك كان قولهم ظاهر الخطأ وغاية في التناقض.\nأما بيان خطئه فيكمن في أن كل من قال بأن الله بذاته في كل مكان فهو مخالف","vol":"1","page":686},{"text":"للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها مع مخالفته لما فطر الله عليه عباده، ولصريح المعقول وللأدلة الكثيرة، فالقرآن الكريم مملوء بالآيات التي تنص على علو الله بذاته فوق خلقه واستوائه على عرشه وبينونته من خلقه، كما أن السنة قد تحدثت عن هذا المعنى في كثير من الأحاديث، كقصة \"المعراج وصعود الملائكة ونزولها من عند الله وعروج الروح إليه واستوائه على عرشه، ونزوله إلى السماء الدنيا، فكل هذه الأدلة تبين بطلان هذا القول ومخالفته.\nوأما استدلال هؤلاء بنصوص المعية والقرب، فقد بينا خطأ هذا الاستدلال وبطلانه عند الرد على الأدلة السمعية لمذهب الجهمية، وقد بينا أنه ليس للمخالفين أي متمسك في جعلها لمعية الذات أو قرب الذات \"أما بيان تناقض هذا القول: فهو واضح من أقوالهم، فهم يجمعون بين أقوال متناقضة، فهم تارة يقولون إنه بذاته فوق العرش، وتارة يقولون إنه فوق العرش ونصيب العرش فيه كنصيب قلب العارف -كما يذكر ذلك أبو طالب المكي وغيره-، ومعلوم أن قلب العارف نصيبه منه المعرفة والإيمان وما يتبع ذلك.\nفإن قالوا: إن العرش كذلك، فقد نقضوا قولهم بأنه بنفسه فوق العرش.\nوإن قالوا بحلول ذاته في قلوب العارفين، كان ذلك قولا بالحلول الخاص، وهذا ما وقع فيه طائفة من الصوفية ومنهم صاحب منازل السائرين (^١).\nالقول الرابع:\nالقائل: سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا: أَئِمَّةُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ مِنْ شُيُوخِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ\nقولهم: أَثْبَتُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَوْقَ سَمَوَاتِهِ وَأَنَّهُ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنٌ مِنْ خَلْقِهِ وَهُمْ مِنْهُ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ١٢٢ - ١٣١).","vol":"1","page":687},{"text":"بَائِنُونَ وَهُوَ أَيْضًا مَعَ الْعِبَادِ عُمُومًا بِعِلْمِهِ وَمَعَ أَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ بِالنَّصْرِ وَالتَّأْيِيدِ وَالْكِفَايَةِ وَهُوَ أَيْضًا قَرِيبٌ مُجِيبٌ.\nموقفهم من نصوص الصفات: يؤمنون بجميع نصوص الصفات ولا يرون أن بينها أي تعارض فأَثْبَتُوا وَآمَنُوا بِجَمِيعِ مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ كُلُّهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ لِلْكَلِمِ\nفإجماع السلف من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم منعقد على إثبات علو الله، واستوائه على عرشه وقد نقل غير واحد من السلف هذا الإجماع عنهم، ومن ذلك ما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن الأوزاعي أنه قال: \"كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله-تعالى-ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت فيه السنة من صفاته\" (^١).\nوقال أبو نصر السجزي: \"فأئمتنا كسفيان الثوري، ومالك، وسفيان ابن عيينة، وحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وفضيل بن عياض، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي: متفقون على أن الله-سبحانه-بذاته فوق العرش، وأن علمه بكل مكان، وأنه يرى يوم القيامة بالأبصار فوق\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢/ ٣٠٤، رقم ٨٦٥). وأخرجه ابن بطة في الشرح والإبانة (ص ٢٢٩). وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتوى الحموية، انظر مجموع الفتوى (٥/ ٣٩)، وصحح إسناده.\nوقال: \"وإنما قال الأوزاعي هذا بعد ظهور جهم المنكر لكون الله فوق عرشه، والنافي لصفاته، ليعرف الناس أن مذهب السلف خلاف ذلك\". وأخرجه الذهبي في السير (٧/ ١٢٠ - ١٢١، ٨/ ٤٠٢). وأورده في تذكرة الحفاظ (١/ ١٧٩ - ١٨٠)، وفي الأربعين (ص ٤٢، برقم ١٣). وفي العلو (ص ١٠٢)، وعزاه للبيهقي في الأسماء والصفات. وأورده ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ١٣١، ١٣٥) وصحح إسناده، وقال الذهبي في كتاب العرش ٢/ ٢٢٣ ورواته أئمة ثقات. وأورده ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٤٠٦).","vol":"1","page":688},{"text":"العرش\" (^١).\nوقال أبو نعيم الأصبهاني في عقيدته المشهورة: \"وطريقتنا طريقة السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة، فما اعتقدوه اعتقدناه، فمما اعتقدوه أن الأحاديث التي تثبت عن النبي ﷺ في العرش والاستواء عليه يقولون بها، ويثبتونها من غير تكييف ولا تشبيه، وأن الله بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم، ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمواته من دون أرضه\" (^٢).\nوكلام السلف من الصحابة والتابعين، من تبعهم في إثبات العلو كثير جدا ولا يتسع المقام ههنا لذكره، وقد \"نقل شيخ الإسلام ابن تيمية الكثير من تلك النصوص الواردة عنهم، وبين إجماعهم على إثبات ذلك (^٣)، وكذلك فعل تلميذه ابن القيم في كتابه \"اجتماع الجيوش الإسلامية\" وكذلك الذهبي في كتابيه \"العلو\" و\"العرش\".\nأما الأدلة العقلية فهي كثيرة وسأورد ههنا ثلاثة منها:\nالدليل الأول: قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: \"إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله تعالى حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟\nفسيقول: نعم.\nفقل له: حين خلق الشيء هل خلقه في نفسه؟ أم خارجًا عن نفسه؟\nفإنه يصير إلى ثلاثة أقوال:\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل\": (٦/ ٢٥٠).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل\": (٦/ ٢٥٠).\n(^٣) انظر: \"مجموع الفتاوى\": (٥/ ٦).","vol":"1","page":689},{"text":"واحد منها: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، كفر حين زعم أنه خلق الجن والشياطين وإبليس في نفسه.\nوإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا أيضًا كفر حين زعم أنه في كل مكان وحش قذر رديء.\nوإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم، رجع عن قوله كله أجمع\" (^١)\nالدليل الثاني: قول ابن القيم: \"إن كل من أقر بوجود رب للعالم مدبر له، لزمه الإقرار بمباينته لخلقه وعلوه عليهم.\nفمن أقر بالرب، فإما أن يقر بأن له ذاتًا وماهية مخصوصة أو لا؟\nفإن لم يقر بذلك، لم يقر بالرب، فإن ربًا لا ذات له ولا ماهية له هو والعدم سواء، وإن أقر بأن له ذاتًا مخصوصة وماهية، فإما أن يقر بتعينها أو يقول إنها غير معينة؟\nفإن قيل إنها غير معينة كانت خيالًا في الذهن لا في الخارج، فإنه لا يوجد في الخارج إلا معينًا، لا سيما وتلك الذات أولى من تعيين كل معين فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها، وأن يوجد لها نظير، فتعيين ذاته سبحانه واجب.\nوإذا أقر بأنها معينة لا كلية، والعالم مشهود معين لا كلي، لزم قطعًا مباينة أحد المتعينين للآخر، فإنه إذا لم يباينه لم يعقل تميزه عنه وتعينه.\nفإن قيل: هو يتعين بكونه لا داخلًا فيه ولا خارجًا عنه.\nقيل: هذا-والله أعلم-حقيقة قولكم، وهو عين المحال، وهو تصريح منكم بأنه\n_________\n(^١) الرد على الزنادقة والجهمية (ص ٩٥ - ٩٦).","vol":"1","page":690},{"text":"لا ذات له ولا ماهية تخصه، فإنه لو كان له ماهية يختص بها لكان تعينها لماهيته وذاته المخصوصة، وأنتم إنما جعلتم تعيينه أمرًا عدميًا محضًا ونفيًا صرفًا وهو كونه لا داخل العالم ولا خارجا عنه، وهذا التعيين لا يقتضي وجوده مما به يصح على العدم المحض.\nوأيضًا فالعدم المحض لا يعين المتعين، فإنه لا شيء وإنما يعينه ذاته المخصوصة وصفاته، فلزم قطعًا من إثبات ذاته تعيين تلك الذات، ومن تعيينها مباينتها للمخلوقات، ومن المباينة العلو عليها لما تقدم من تقريره\" (^١).\nالدليل الثالث: أنه قد ثبت بصريح المعقول أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص، فإن الله يوصف بالكمال منهما دون النقص، فلما تقابل الموت والحياة، وصف بالحياة دون الموت، ولما تقابل العلم والجهل، وصف بالعلم دون الجهل، ولما تقابل القدرة والعجز، وصف بالقدرة دون العجز، ولما تقابل المباينة للعالم والمداخلة له، وصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كان مع المباينة لا يخلو إما أن يكون عاليًا على العالم أو مسامتا له، وجب أن يوصف بالعلو دون المسامتة، فضلًا عن السفول.\nوالمنازع يسلم أنه موصوف بعلو المكانة وعلو القهر، وعلو القهر، وعلو المكانة معناه أنه أكمل من العالم، وعلو القهر مضمونه أنه قادر على العالم، فإذا كان مباينًا للعالم كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم، ولا محاذيًا له ولا سافلا عنه.\nولما كان العلو صفة كمال، وكان ذلك من لوازم ذاته، فلا يكون مع وجود غيره إلا عاليًا عليه، ولا يكون قط غير عالٍ عليه (^٢).\n_________\n(^١) مختصر الصواعق (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٥ - ٦).","vol":"1","page":691},{"text":"وبهذه النماذج التي أوردناها عن الأدلة العقلية يتضح لنا مدى دلالة المعقول الصريح على إثبات علو الله ومباينته لخلقه وكذلك مدى مخالفة أقوال المعطلة والحلولية لصريح المعقول وصحيح المنقول.\nالأمر الثاني: أن صفة الاستواء من الصفات الثابتة بدليل السمع.\nفقوله: \"وأما الاستواء على العرش فطريق العلم به هو السمع\"\nالاستواء صفة ثابتة في القرآن والسنة وقد أجمع سلف الأمة على إثباتها.\nوذكر صفة الاستواء جاء في سبعة مواضع من القرآن الكريم، كما أن السنة مليئة بالأحاديث الثابتة الصحيحة الدالة على علو الله واستوائه على عرشه.\nوالآيات السبع التي جاء فيه ذكر الاستواء على العرش قد جاءت مصحوبة بما يبهر العقول من صفات الله وجلاله وكماله، وسنذكر تلك الآيات وما اقترن بها.\nا- فأول سورة ذكر الله فيها صفة الاستواء حسب ترتيب المصحف سورة الأعراف: قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بأمره أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف، الآية: ٥٤ [\nفهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال (^١).\n٢ - والموضع الثاني في سورة يونس قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِما كَانُوا يَكْفُرُونَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ\n_________\n(^١) \"منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات\": ص ١٥.","vol":"1","page":692},{"text":"وَالْحِسَابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَما خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ [يونس، الآيات: ٣ - ٦].\nفهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الكمال والجلال.\n٣ - الموضع الثالث في سورة الرعد في قوله جل وعلا: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِماءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الرعد الآية: ٢ - ٤].\nفهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال.\n٤ - الموضع الرابع في سوره طه قال تعالى: ﴿طه ما أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إلاَّ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الأَرْضَ وَالسَّماوَاتِ الْعُلَى الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى لَهُ ما فِي السَّماوَاتِ وَما فِي الأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرَى وَإِنْ تَجْهَرْ بالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لا إِلَهَ إلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْماءُ الْحُسْنَى﴾ [طه الآيات ١ إلى ٨].\nفهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الجلال والكمال.\n٥ - الموضع الخامس في سورة الفرقان في قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيرًا الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان الآيات ٥٨ - ٥٩].\nفهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الكمال والجلال.\nوقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي: \"إنه ينبغي للمؤلين أن يتاملوا هذه الآية من سورة الفرقان وهي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ","vol":"1","page":693},{"text":"خَبِيرًا﴾ ويتاملوا معها قوله تعالى: ﴿وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر، الآية: ١٤]، فإن قوله في الفرقان: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ بعد قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ يدل دلالة واضحة أن الله الذي وصف نفسه بالاستواء خبير بما يصف به نفسه، ولا تخفى عليه الصفة اللائقة من غيرها ويفهم منه أن الذي ينفي عنه صفة الاستواء ليس بخبير، نعم هو والله ليس بخبير\" (^١)\n٦ - الموضع السادس: في سورة السجدة في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْما ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّماءِ إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِما تَعُدُّونَ ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة، الآيات: ٣ - ٩].\nفهل لأحد أن ينفي شيئا من هذه الصفات الدالة على الجلال وا لكمال ..\n٧ - الموضع السابع: في سورة الحديد في قوله تعالى: ﴿هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْهَا وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الحديد، الآيتان: ٣ - ٤].\nفالله ﷾ مع استوائه على عرشه لا يخفى عنه شيء من أمور مخلوقاته، فهو يعلم جميع ما يلج في الأرض وما يخرج منها، وجميع ما ينزل من السماء وما يعرج فيها، فسبحان من لا يعزب عن علمه مثقال حبة من خردل لا في السماء ولا في الأرض\n_________\n(^١) \"منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات\": ص ٢٦.","vol":"1","page":694},{"text":"عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم.\nفالشاهد من ذكر آيات الاستواء على العرش وذكر ما اقترن بها من صفات العظمة والجلال بيان أن هذه الصفة التي ظن الجاهلون أنها صفة نقص، ويتهجمون على رب السموات والأرض بأنه وصف نفسه بصفة نقص، ثم يسببون عن هذا أن ينفوها ويؤولوها، مع أن الله- جل وعلا- تمدح بها، وجعلها من صفات الجلال والكمال مقرونة بما يبهر العقول من صفات الجلال والكمال، وهذا يدل على جهل وهوس من ينفي بعض صفات الله جل وعلا بالتأويل\" (^١).\nوالسلف يقولون إن معنى هذا الاستواء الوارد في الكتاب والسنة معلوم في اللغة العربية، كما قال ربيعة بن عبد الرحمن، والإمام مالك: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة\".\nفقولهم: (الاستواء معلوم): أي أن معنى الاستواء معلوم في اللغة، وهو ههنا بمعنى العلو والارتفاع.\nقال ابن القيم ﵀: \"إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله بلغتهم وأنزل به كلامه نوعان: مطلق، ومقيد.\nفالمطلق: ما لم يوصل معناه بحرف مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص ١٤]، وهذا معناه: كمل وتم، ويقال: استوى النبات، واستوى الطعام.\nوأما المقيد فثلاثة أضرب:\nأحدها: مقيد \"بإلى\" كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [فصلت ١١]، واستوى فلان إلى السطح وإلى الغرفة، وقد ذكر الله ﷾ المعدى بإلى في موضعين من كتابه، الأول في سورة البقرة في قوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ\n_________\n(^١) \"منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات\": ص ١٧.","vol":"1","page":695},{"text":"اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [البقرة ٢٩]، والثاني في سورة فصلت ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ [فصلت ١١]، وهذا بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف.\nالثاني: المقيد \"بعلى\" كقوله تعالى ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف ١٣]، وقوله ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود ٤٤]، وقوله ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح ٢٩]، وهذا أيضًا معناه العلو والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة.\nالثالث: المقرون \"بواو مع\" التي تعدى الفعل إلى المفعول معه نحو استوى الماء والخشبة، بمعنى ساواها وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم\" (^١).\nومما يؤكد أيضًا أن السلف يعلمون معنى الاستواء قول ابن عبد البر: \"والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه\".\nقال أبو عبيدة في قوله ﴿اسْتَوَى﴾ قال: علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد، والاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله ﷿ فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف الآية: ١٣]، وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون ٢٨].\nوقال الشاعر:\nفأوردتهم ماء بضبضاء قفرة … وقد حلق النجم اليماني فاستوى\nوهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد: استولى؛ لأن النجم لا يستولي.\nوقد ذكر النضر بن شميل-وكان ثقة مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة-قال: \"حدثني الخليل-وحسبك بالخليل-قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم\n_________\n(^١) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٢٦ - ١٢٧).","vol":"1","page":696},{"text":"من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا فرد علينا السلام وقال لنا: استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال؟ فقال لنا أعرابي إلى جنبه: إنه أمركم أن ترتفعوا، قال الخليل: هو من قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ فصعدنا إليه\" (^١).\nوقال ابن القيم: \"إن ظاهر الاستواء وحقيقته هو العلو والارتفاع كما نص عليه جميع أهل اللغة والتفسير المقبول\" (^٢).\nوقال أبو عمر ابن عبد البر: \" والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عبيدة في قوله تعالى ﴿اسْتَوَى﴾ قال: وتقول العرب استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى: أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد\" (^٣).\nولما كان هذا هو معنى الاستواء في لغة العرب فقد تكلم السلف والمفسرون بهذا المعنى عند تفسير هذه الآية، فقد روي عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾ قال: علا على العرش (^٤).\nوقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عن أبي العالية في تفسير الآية السابقة الذكر قال: ارتفع (^٥).\nوقد روي عن الحسن البصري والربيع بن أنس مثله (^٦).\nوقد روى اللالكائي بسنده عن بشر بن عمر قال: \"سمعت غير واحد من\n_________\n(^١) التمهيد (٧/ ١٣١ - ١٣٢).\n(^٢) انظر مختصر الصواعق (٢/ ١٤٥).\n(^٣) التمهيد (٧/ ١٣١).\n(^٤) انظر فتح الباري (١٣/ ٤٠٣).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٩).\n(^٦) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٩).","vol":"1","page":697},{"text":"المفسرين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال: على العرش استوى: ارتفع\" (^١).\nوفي هذا التفسير لمعنى الاستواء من قبل السلف رد على من زعم أن مذهب السلف هو التقيد باللفظ مع تفويض المعنى المراد، وأنهم كانوا لا يفسرون الاستواء ولا يتكلمون فيه، فمن خلال ما تقدم من الأقوال التي نقلت عن السلف يتضح كذب هؤلاء وزيف ادعائهم.\nومما ينبغي معرفته أن السلف مع إثباتهم لمعنى الاستواء واعتقادهم بأن الله مستو على عرشه ومرتفع عليه، إلا أنهم يكلون علم كيفية ذلك الاستواء إلى الله ﷿ لأن أمره هو مما استأثر الله بعلمه. وفي ذلك يقول القرطبي: \"ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته كما قال الإمام مالك: (الاستواء معلوم-يعني في اللغة-والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة\") (^٢).\nوقال ابن القيم: \"إن العقل قد يئس من تعرف كنه صفات الله وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله. وهذا معنى قول السلف (بلا كيف)، أي: بلا كيف يعقله البشر، فإنه من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته؟ ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك. كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف كيفيتها مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزنا من معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم\" (^٣).\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٣٩٧).\n(^٢) تفسير القرطبي.\n(^٣) مدارج السالكين (٣/ ٣٥٩).","vol":"1","page":698},{"text":"<span data-type='title' id=toc-325>أقوال المخالفين</span>\n<span data-type='title' id=toc-326>الفريق الأول: نفاة الاستواء</span>\nسبق أن ذكرنا أن المعطلة من الفلاسفة، والجهمية، والأشاعرة، والماتريدية، على الرغم من أن لكل واحد منهم منهجًا مستقلًا في مسألة الصفات يتفقون جميعًا على إنكار الصفات الاختيارية بما فيها صفة الاستواء، ويذهبون إلى تأويل الآيات القرآنية الواردة في إثباتها إلى ما أدت إليه عقولهم من المعاني الفاسدة التي يزعمون أن في ذلك تنزيهًا لله عن مشابهة المخلوقين.\nوإن سبب ذلك التأويل الباطل هو اعتقاد هؤلاء المعطلة أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها النصوص، وذلك بسبب الشبهات الفاسدة التي شاركوا فيها إخوانهم من الفلاسفة، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر-وكان مع ذلك لابد للنصوص من معنى-بقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى، وهي التي يسميها هؤلاء المعطلة طريقة السلف، وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف، وهي التي يسمونها طريقة الخلف.\nوبهذا يتبين لنا أن هذا الباطل الذي ذهب إليه هؤلاء المعطلة إنما هو مركب من فساد العقل والكفر بالسمع، وذلك لأنهم إنما اعتمدوا في نفي تلك الصفات على شبه عقلية ظنوها بينات وهي في الحقيقة شبهات.\nوبناء على المسلك الثاني الذي سلكه هؤلاء المعطلة من تأويل تلك النصوص، فقد تعددت أقوالهم واختلفت في المعنى الذي يجب أن يؤول إليه لفظ الاستواء الوارد في الآيات إلى عدة أقوال منها:","vol":"1","page":699},{"text":"القول الأول:\nمن هؤلاء المعطلة من يؤول معنى الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ على الاستيلاء والقهر والغلبة.\nوهذا القول يذهب إليه كثير من الجهمية (^١)، والمعتزلة (^٢)، والحرورية (^٣)، وكثير من متأخري الأشاعرة (^٤)، كسيف الدين الآمدي (^٥)، والغزالي (^٦)، والبغدادي (^٧)، وغيرهم.\nوقد استدل هؤلاء المعطلة على صحة زعمهم هذا بأن تأويل الاستواء بالاستيلاء أمر مشهور في لغة العرب من ذلك:\nقول الشاعر:\nقد استوى بشر على العراق … من غير سيف ولا دم مهراق\nوقال الآخر:\nهما استويا بفضلهما جميعًا … على عرش الملوك بغير زور\nوقال الآخر:\nفلما علونا واستوينا عليهم … تركناهم صرعى لنسر كاسر\nوقد ذكر أبو عمر بن عبد البر -رحمه الله تعالى-أن بعضهم قد احتج بما رواه عبد الله بن داود الواسطي عن إبراهيم بن عبد الصمد عن عبد الوهاب بن مجاهد\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى (٥/ ٩٦)، ومختصر الصواعق (٢/ ١٤٤).\n(^٢) متشابه القرآن للقاضي عبد الجبار (١/ ٧٣، ٣٥١).\n(^٣) انظر مجموع الفتاوى (٥/ ٦٦)، ومختصر الصواعق (٢/ ١٤٤).\n(^٤) انظر تحفة المريد على شرح جوهرة التوحيد (ص ٥٤).\n(^٥) انظر غاية المرام (ص ١٤١).\n(^٦) انظر الاقتصاد في الاعتقاد (ص ١٠٤).\n(^٧) شرح الأصول الخمسة (ص ٢٢٦).","vol":"1","page":700},{"text":"عن أبيه عن ابن عباس ﵄ في تفسير قوله تعالى ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال: \"استولى على جميع بريته فلا يخلو منه مكان\" (^١).\nومن هؤلاء المعطلة من يبقي كلمة العرش الواردة في الآية على معناها الحقيقي الثابت، ويقول إنما خصص العرش بالذكر من بين جميع المخلوقات لكونه أعظم المخلوقات وأرفعها وأوسطها فخصص بالذكر تنبيهًا على ما دونه.\nومنهم من يؤول العرش الوارد في الآية بمعنى الملك (^٢)، ويزعم أن معنى الآية استولى واستعلى على الملك، ويقول أصحاب هذا القول إن الله قد عبر بالعرش كناية على الملك، لأنه يخاطب الناس على الوجه الذي ألفوه من ملوكهم، واستقر في قلوبهم، ذلك أن العرش في كلامهم هو السرير الذي يجلس عليه الملوك، فجعل العرش كناية عن نفس الملك. ويستدل هؤلاء بأن هذا الأمر مشهور في اللغة، وكذلك بقوله تعالى في سورة يونس ﴿ثُم اسْتَوَى عَلَى العَرْش يُدَبِّرُ الأَمْرَ﴾، فقالوا: إن قوله يدبر الأمر جرى مجرى التفسير لقوله: ﴿اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾ (^٣).\nالرد عليهم:\nلقد أجمع السلف على أن هذا التأويل الذي ذهب إليه هؤلاء الجهمية، والمعتزلة، والخوارج، ومتأخرو الأشاعرة، هو تأويل باطل ترده نصوص القرآن\n_________\n(^١) التمهيد (٧/ ١٣٢).\nوقد أجاب ابن عبد البر على استدلالهم هذا بقوله: «إن هذا الحديث منكر على ابن عباس ﵄، ونقلته مجهولون وضعفاء، فأما عبد الله بن داود الواسطي وعبد الوهاب بن مجاهد فضعيفان، وإبراهيم بن عبد الصمد مجهول لا يعرف، وهم لا يقبلون أخبار الآحاد العدول، فكيف يسوغ لهم الاحتجاج بمثل هذا الحديث لو عقلوا وأنصفوا» ا. هـ.\n(^٢) انظر شرح الأصول الخمسة (ص ٢٢٦)، تفسير الرازي (١٤/ ١٥)، وأصول الدين للبغدادي (ص ١١٢).\n(^٣) تفسير الرازي (١٤/ ١١٥).","vol":"1","page":701},{"text":"والسنة وإجماع الأمة، وهو قول لا أصل له في لغة العرب، بل هو تفسير لكلام الله بالرأي المجرد، لم يذهب إليه صاحب ولا تابع، ولا قاله إمام من أئمة المسلمين، ولا أحد من أهل التفسير الذين يحكون قول السلف.\nولبيان فساد هذا القول على وجه التفصيل نقول:\nأولًا: أنه من المعلوم أن لفظ الاستواء قد ورد في القرآن الكريم في سبعة مواضع، وهذه المواضع جميعها قد اطرد فيها لفظ الاستواء دون الاستيلاء، وكذلك الأمر بالنسبة لما ورد في السنة، فلو كان معناه استولى-كما يزعم هؤلاء-لكان استعماله في أكثر موارده كذلك، فإذا جاء في موضع أو موضعين بلفظ استوى حمل على معنى استولى لأنه المألوف المعهود.\nأما أن يُؤتى إلى لفظ قد اطرد استعماله في جميع موارده على معنى واحد فيدعى صرفه في الجميع إلى معنى لم يعهد استعماله فيه، فهذا أمر في غاية الفساد ولم يقصده ويفعله من قصد البيان، هذا لو لم يكن في السياق ما يأبى حمله على غير معناه الذي اطرد استعماله فيه، فكيف وفي السياق ما يأبى ذلك (^١).\nثانيًا: ومما يرد هذا التأويل الباطل أن كلمة استوى قد جاءت بعد \"ثم\" التي حقها الترتيب والمهلة، فلو كان المعنى القدرة على العرش والاستيلاء عليه لم يتأخر ذلك إلى ما بعد خلق السموات والأرض، فإن العرش كان موجودًا قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف عام كما ثبت في صحيح مسلم عنه ﷺ أنه قال: \"إن الله قدر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وعرشه على الماء\" (^٢).\n_________\n(^١) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٢٨ - ١٢٩).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب القدر (٨/ ٥١).","vol":"1","page":702},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء﴾.\nوفي صحيح البخاري عن عمران بن حصين عن النبي ﷺ قال: \"كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض\" (^١).\nفالآيات والحديثان يدلان دلالة واضحة على أن العرش كان موجودًا قبل خلق السموات والأرض فكيف يجوز أن يكون غير قادر ولا مستولٍ على العرش إلى أن خلق السموات والأرض (^٢).\nثالثًا: أن الاستيلاء سواء كان بمعنى القدرة أو القهر أو نحو ذلك عام في المخلوقات كالربوبية، والعرش وإن كان أعظم المخلوقات ونسبة الربوبية إليه لا تنفي نسبتها إلى غيره كما في قوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، فلو كان استوى بمعنى استولى كما هو عام في المخلوقات كلها لجاز مع إضافته للعرش أن يقال: استوى على السماء وعلى الهواء وعلى البحار والأرض، وعليها ودونها ونحوها إذ هو مستو على العرش. فلما اتفق المسلمون على أن يقال: استوى على العرش، ولا يقال استوى على هذه الأشياء مع أنه يقال: استولى على العرش والأشياء، علم أن معنى استوى خاص بالعرش وليس عاما كعموم الأشياء (^٣).\nرابعًا: أنه إذا فسر الاستواء بالغلبة والقهر عاد معنى الآيات كلها إلى أن الله تعالى أعلم عباده بأنه خلق السموات والأرض ثم غلب على العرش بعد ذلك وقهره\n_________\n(^١) سيأتي تخريجه في قسم التحقيق فقرة (١٢٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٥).\n(^٣) المصدر السابق (٥/ ١٤٤).","vol":"1","page":703},{"text":"وحكم عليه! أفلا يستحي من الله من في قلبه أدنى وقار لله ولكلامه أن ينسب ذلك إليه وأنه أراد بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾: أي اعلموا يا عبادي أني بعد فراغي من خلق السموات والأرض غلبت عرشي وقهرته واستوليت عليه (^١).\nخامسًا: إن ما يستند إليه هؤلاء المعطلة في زعمهم هذا من قولهم إن تفسير استوى باستولى أمر مشهور في اللغة، هو قول باطل مردود لأنه لم يثبت عند أحد من أهل اللغة أن لفظة استوى يصح استعمالها بمعنى استولى بل إن هذا القول منكر عند اللغويين.\nفهذا ابن الأعرابي أحد علماء اللغة أتاه رجل فقال له: ما معنى قول الله ﷿ ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ فقال: \"هو كما أخبر ﷿\"، فقال: يا أبا عبد الله ليس هذا معناه، إنما معناه استولى، قال: \"اسكت ما أنت وهذا، لا يقال استولى على الشيء إلا أن يكون له مضادًا فإذا غلب أحدهما قيل استولى، أما سمعت النابغة:\nإلا لمثلك أو من أنت سابقة … سبق الجواد إذا استولى على الأمد (^٢)\n\"وقد سئل الخليل بن أحمد: هل وجدت في اللغة استوى بمعنى استولى؟\nفقال: (هذا ما لا تعرفه العرب ولا هو جائز في لغتها).\nوالخليل إمام في اللغة على ما عرف من حاله، فحينئذ حمله على ما لا نعرف في اللغة هو قول باطل\" (^٣).\nوكذلك فإنه قد روي عن جماعة من أهل اللغة قالوا: لا يجوز استوى بمعنى\n_________\n(^١) مختصر الصواعق (٢/ ١٤٠ - ١٤١).\n(^٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٢/ ٣٩٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٥/ ١٤٤، ١٤٩)","vol":"1","page":704},{"text":"استولى إلا في حق من كان عاجزًا ثم ظهر، والله سبحانه لا يعجزه شيء والعرش لا يغالبه في حال، فامتنع أن يكون بمعنى استولى.\nوقد روي عن أبي العباس ثعلب أنه قال: \"استوى: أقبل عليه وإن لم يكن معوجًا، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [البقرة ٢٩]، و﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾: علا، واستوى الوجه: اتصل، واستوى القمر: امتلأ، واستوى زيد وعمرو: تشابها واستوى فعلاهما وإن لم تتشابه شخوصهما، هذا الذي نعرفه من كلام العرب\" (^١).\nفبما تقدم من أقوال علماء اللغة يتضح لنا فساد زعم هؤلاء المعطلة وكذب ادعائهم بأن هذا القول مشهور في اللغة.\nوأما ما استدل به هؤلاء من أبيات، كقول الشاعر:\nقد استوى بشر على العراق … من غير سيف ولا دم مهراق\nوقول آخر:\nهما استويا بفضلهما جميعًا … على عرش الملوك بغير زور\nفهذان البيتان لم يثبت نقل صحيح على أنهما شعر عربي، وكان غير واحد من أئمة اللغة أنكروهما.\nقال ابن فارس: \"هذان البيتان لا يعرف قائلهما\" (^٢).\nفهما على هذا بيتان مصنوعان، ومعلوم أنه لو احتج بحديث رسول الله ﷺ لاحتاج إلى صحته، فكيف ببيت من الشعر لا يعرف إسناده وقد طعن فيه أئمة اللغة.\nقال أبو عمر بن عبد البر: \"وأما ادعائهم المجاز في الاستواء وقولهم في تأويل استوى: استولى، فلا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للالكائي (٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠).\n(^٢) زاد المسير لابن الجوزي.","vol":"1","page":705},{"text":"المغالبة، والله لا يغالبه أحد ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز، إذ لا سبيل إلى اتباع ما أنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يوجه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم. ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدع ما ثبت شيء من العبارات، وجل الله ﷿ أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطبتها، مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عبيدة في قوله تعالى ﴿اسْتَوَى﴾ قال: وتقول العرب استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى: أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد\" (^١).\nوأما ما استدل به المعطلة من قول ابن عباس ﵄ فقد بين ابن عبد البر أنه مكذوب على ابن عباس ورواته مجهولون وضعفاء كما تقدم ذكره.\nالقول الثاني:\nأن معنى استوى: أقبل على خلق العرش وعمد إلى خلقه كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ [فصلت ١١]، أي عمد إلى خلق السماء.\nوهذا هو قول بعض الجهمية (^٢)، وإليه ذهب الفراء، والأشعري، وابن الضرير، واختاره الثعلبي (^٣).\nالرد عليهم:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وهذا الوجه من أضعف الوجوه، فإنه قد أخبر أن\n_________\n(^١) التمهيد (٧/ ١٣١).\n(^٢) مختصر الصواعق (٢/ ١٢٦).\n(^٣) انظر الإتقان في علوم القرآن للسيوطي (٢/ ٨ - ٩).","vol":"1","page":706},{"text":"العرش على الماء قبل خلق السموات والأرض.\nوكذلك ثبت في صحيح البخاري عن عمران عن النبي ﷺ أنه قال: \"كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء … \" فإذا كان العرش مخلوقًا قبل خلق السموات والأرض، فكيف يكون استواؤه عمده إلى خلقه له؟!\nهذا لو كان يعرف في اللغة أن استوى على كذا، بمعنى أنه عمد إلى فعله، فكيف إذا كان لا يعرف قط في اللغة لا حقيقة ولا مجازًا ولا في نظم ولا في نثر.\nومن قال استوى بمعنى عمد ذكره في قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ لأنه عدى بحرف الغاية، كما يقال: عمدت إلى كذا وقصدت إلى كذا، ولا يقال عمدت على كذا ولا قصدت عليه، مع أن ما ذكر في تلك الآية لا يعرف في اللغة أيضًا ولا هو قول أحد من مفسري السلف بل المفسرون من السلف بخلاف ذلك\" (^١).\nوقال ابن القيم رحمه الله تعالى: \"إن قولهم هذا يتضمن أن يكون خلقه بعد خلق السموات والأرض، وهذا بخلاف إجماع الأمة، وخلاف ما دل عليه القرآن والسنة، وإن ادعى بعض الجهمية المتأخرين أنه خلق بعد خلق السموات والأرض وادعى الإجماع على ذلك، وليس العجيب من جهله، بل من إقدامه على حكاية الإجماع على ما لم يقله مسلم\" (^٢).\nالقول الثالث:\nأن استوى بمعنى علا في هذه الآية، ولكن ليس المراد علو المسافة والمكان، وإنما المراد علو المكانة والقهر، وقد ذهب إلى هذا القول جماعة من الأشاعرة منهم\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٢٠ - ٥٢١).\n(^٢) مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٤٣).","vol":"1","page":707},{"text":"أبو بكر بن فورك (^١)، وهم بهذا القول جعلوا الاستواء صفة ذات وليست صفة فعل.\nالرد عليهم:\nأن الآيات والأحاديث قد أثبتت استواء الله على العرش حقيقة، ولو كان معنى الاستواء ههنا المراد به علو المكانة فإن الله لم يزل متعاليًا على الأشياء قبل خلق العرش، فلما أضاف الاستواء على العرش فيجب على ذلك أن يكون لهذا التخصيص فائدة (^٢).\nالقول الرابع:\nوهو قول من يثبت الاستواء على أنه صفة للعرش وليس صفة لله تعالى.\nوأصحاب هذا القول يقولون: إن الاستواء فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قربًا فيصير مستويًا عليه من غير أن يقوم به-أي بالله-فعل اختياري.\nوهذا القول هو ما يقول به ابن كلاب، والأشعري (^٣)، وأئمة أصحابه المتقدمين كالباقلاني وغيره، وهو أيضًا قول القلانسي، ومن وافق هؤلاء من أتباع الأئمة وغيرهم من أصحاب الإمام أحمد كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني وابن عقيل في كثير من أقواله (^٤).\n_________\n(^١) كتاب مشكل الحديث لابن فورك (ص ١٩٣)، والأسماء والصفات للبيهقي (ص ٥١٨).\n(^٢) المعتمد في أصول الدين للقاضي أبي بعلى (ص ٥٤).\n(^٣) هذا القول لأبي الحسن الأشعري قاله عندما كان على قول ابن كلاب من نفي الأفعال الاختيارية عن الله تعالى.\n(^٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٨٦، ٤٣٧، ٤٦٦)، (١٦/ ٣٩٣).\nالأسماء والصفات (٥١٧).\nاجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٦٤، ٦٥).","vol":"1","page":708},{"text":"والسبب الذي جعل هؤلاء القوم يمنعون جعل الاستواء صفة لله تعالى هو قولهم بنفي قيام الأفعال الاختيارية بذاته ﷾ ولذلك يجعلون أفعاله اللازمة لذاته -كالنزول والاستواء-كأفعاله المتعدية-كالخلق والإحسان-، وقولهم في نفي الأفعال الاختيارية راجع إلى قولهم في صفات الله.\nوهم يقولون: \"إن الله هو الموصوف بالصفات، لكن ليست الصفات أعراضًا، إذ هي قديمة أزلية\" (^١).\nوحجتهم في منع قيام الحوادث بذات الله تعالى أنهم يقولون: \"إن كل ما صح قيامه بالباري تعالى فإما أن يكون صفة كمال أو لا يكون فإن كان صفة كمال استحال أن يكون حادثًا، وإلا كانت ذاته قبل اتصافه بتلك الصفة خالية من صفة الكمال، والخالي من الكمال الذي هو ممكن الاتصاف به ناقص، والنقص على الله محال بإجماع الأمة.\nوإن لم يكن صفة كمال استحال اتصاف الباري بها لأن إجماع الأمة على أن صفات الباري بأسرها صفات كمال، فإثبات صفة لا من صفات الكمال خرق للإجماع وهو أمر غير جائز\" (^٢).\nالرد عليهم:\nلقد اعتمد أصحاب هذا القول في منعهم كون الاستواء صفة لله تعالى على حجة منع قيام الحوادث بذاته تعالى، وهي حجة واهية وقد رد عليها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: \"إن المقدمة التي اعتمد عليها هؤلاء وهي قولهم: إن الخالي من الكمال الذي يمكن الاتصاف به ناقص. فيقال لهم: معلوم أن الحوادث المتعاقبة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦).\n(^٢) انظر كتاب ابن تيمية السلفي (ص ١٣٠).","vol":"1","page":709},{"text":"لا يمكن الاتصاف بها في الأزل، كما لا يمكن وجودها في الأزل، وعلى هذا فالخلو عنه في الأزل لا يكون خلوًا عما يمكن الاتصاف به في الأزل.\nثم إنه لم يثبت امتناع ما ذكر من النقص بدليل عقلي ولا بنص من كتاب ولا سنة، بل بما ادعوه من إجماع، وإذًا فمعلوم أن المنازعين في اتصافه بذلك هم من أهل الإجماع فكيف يحتج بالإجماع في مسألة النزاع.\nوقولهم بإجماع الأمة على أن صفاته صفات كمال، فإن قصد بذلك صفاته اللازمة لم يكن في هذا حجة لهم، وإن قصد بذلك ما يحدث بمشيئته وقدرته لم يكن هذا إجماعًا فإن أهل الكلام يقولون إن صفة الفعل ليست صفة كمال ولا نقص والله موصوف بها بعد أن لم يكن موصوفًا.\nثم إن هذا الإجماع الذي ادعوه حجة عليهم فإنا إذا عرضنا على العقول موجودين: أحدهما يمكنه أن يتكلم ويفعل بمشيئته كلامًا وفعلًا، والآخر لا يمكنه ذلك، بل لا يكون كلامه إلا غير مقدور ولا مراد أو يكون بائنًا عنه، لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل من الثاني.\nوكذلك إذا عرضنا على العقول موجودين من المخلوقين أو مطلقًا أحدهما يقدر على الذهاب والمجيء والتصرف بنفسه والآخر لا يمكنه ذلك لكانت العقول تقصي بأن الأول أكمل، فنفس ما به يعلم أن اتصافه بالحياة والقدرة صفات كمال، به يعلم أن اتصافه بالأفعال والأقوال الاختيارية التي تقوم به والتي يفعل بها المفعولات المباينة له صفات كمال\" (^١).\nوكذلك مما يرد به على هذا القول ما قاله ابن القيم: \"إنه لو كان الاستواء عائدًا على العرش لكانت القراءة برفع العرش، ولم تكن بخفضه، فلما كانت بخفض\n_________\n(^١) الموافقة بين صريح العقل وصحيح النقل (٢/ ٧٣ - ١٧٥)، ط: دار الكتب.","vol":"1","page":710},{"text":"العرش دل على أن الاستواء عائد إلى الله تعالى\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-327>الفريق الثاني: القول بالتفويض</span>\nويذهب أصحاب هذا القول إلى إثبات لفظ الاستواء فقط مع التوقف في المعنى المراد، فهم يقولون: إن الاستواء ثابت في القرآن حيث إنه قد ورد في سبع آيات، وكذلك قد وردت به الأخبار الصحيحة وقبوله من جهة التوقف واجب، والبحث عنه وطلب الكيفية غير جائز وهو استواء لا نعلمه (^٢).\nوقد ذهب إلى هذا القول البيهقي في كتابه الاعتقاد (^٣) وهو أحد قولي الرازي (^٤).\nوهؤلاء في الحقيقة ينفون صفة الاستواء ولكن يتوقفون في المعنى الذي على زعمهم يجب تأويل اللفظ إليه.\nوقد زعم كثير من الأشاعرة أن القول بالتفويض هو قول السلف (^٥).\nويستدلون على نسبة هذا القول إلى السلف بعبارات نقلت عن السلف ظنوا أنها ترمي إلى القول بالتفويض كقول الأوزاعي: \"كنا والتابعون متوافرون نقول أن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته جل وعلا\".\nوقول ربيعة بن عبد الرحمن، والإمام مالك: \"الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به واجب\".\n_________\n(^١) انظر اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٦٤ - ٦٥).\n(^٢) الاعتقاد للبيهقي (ص ١١٥).\n(^٣) المصدر السابق.\n(^٤) تلخيص المحصل (ص ١١٤).\n(^٥) الاعتقاد للبيهقي (ص ١١٧)، الإتقان في علوم القرآن (٢/ ٦)، مناهل العرفان (٢/ ١٨٣ - ١٨٣)، تحفة المريد (ص ٩١ - ٩٢)، شرح الخريدة البهية (ص ٧٥)، الأسماء والصفات (ص ٥١٧).","vol":"1","page":711},{"text":"والقول بالتفويض هو مقصود هؤلاء القوم في قولهم: (إن طريقة السلف أسلم)، حيث إنهم ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ [البقرة ٧٨].\nالرد عليهم:\nمعلوم أن نسبة هذا القول إلى السلف إنما هي محض كذب وافتراء، ومن نسب هذا القول إلى السلف فإنما هو جاهل بطريقة السلف الذين لم يقولوا بهذا القول، ولم يرد عن واحد منهم أنه فوض معنى الاستواء، بل أن الوارد عنهم جميعًا أنهم يفسرون الاستواء بالمعنى المراد وهو العلو والارتفاع على العرش ويؤمنون بأن الله مستو على العرش حقيقة.\nقال شيخ الإسلام: \"وهذا القول على الإطلاق كذب صريح على السلف، أما في كثير من الصفات فقطعًا مثل أن الله فوق العرش فإن من تأمل كلام السلف المنقول عنهم علم بالاضطرار أن القوم كانوا مصرحين بأن الله فوق العرش حقيقة، وأنهم ما قصدوا خلاف هذا قط، وكثير منهم صرح في كثير من الصفات بمثل ذلك\" (^١).\nوقال في موضع آخر: \"وقد فسر الإمام أحمد النصوص التي نسميها متشابهات فبين معانيها آية آية، وحديثًا حديثًا ولم يتوقف فيها هو والأئمة قبله مما يدل على أن التوقف عن بيان معاني آيات الصفات وصرف الألفاظ عن ظواهرها لم يكن مذهبًا لأهل السنة وهم أعرف بمذهب السلف، وإنما مذهب السلف إجراء معاني آيات الصفات على ظاهرها بإثبات الصفات له حقيقة، وعندهم قراءة الآية والحديث\n_________\n(^١) الفتوى الحموية (ص ٦٤).","vol":"1","page":712},{"text":"تفسيرها وتمر كما جاءت دالة على المعاني لا تحرف ولا يلحد فيها\" (^١).\nويقول ابن القيم رحمه الله تعالى: \"تنازع الناس في كثير من الأحكام ولم يتنازعوا في آيات الصفات وأخبارها في موضع واحد، بل اتفق الصحابة والتابعون على إقرارها وإمرارها مع فهم معانيها وإثبات حقائقها، أعني فهم أصل المعنى لا فهم الكنه والكيفية\" (^٢).\nوأما بالنسبة إلى ما استدل به أصحاب هذا القول على أن القول بالتفويض هو مذهب السلف وذكرهم لقول الإمام مالك: (الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة)، فليس المراد ههنا تفويض معنى الاستواء ولا نفي حقيقة الصفة، ولو كان المراد الإيمان بمجرد اللفظ من غير فهم على ما يليق بالله لما قال: (الكيف مجهول)، لأنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى (^٣).\nوالاستواء على هذا المعنى لا يكون معلوما بل هو مجهول بمنزلة حروف المعجم، لكن الأمر على عكس ذلك، فنفى علم الكيفية؛ لأنه أثبت الصفة وأراد بقوله الاستواء معلوم معناه في اللغة التي نزل بها القرآن فعلى هذا يكون معلومًا في القرآن.\nومعلوم أن ادعاء هؤلاء أن مذهب السلف إنما هو القول بالتفويض سببه اعتقاد هؤلاء أنه ليس في نفس الأمر صفة دلت عليها هذه النصوص، فلما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر-كان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى-فبقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٧/ ٤١٤).\n(^٢) مختصر الصواعق (١/ ١٥).\n(^٣) الفتوى الحموية (ص ٢٥).","vol":"1","page":713},{"text":"وهذا التردد هو الذي وقع فيه من قال بالتفويض من هؤلاء كالبيهقي والرازي، فهم لم يلتزموا بهذا القول مطلقًا بل غالبًا ما يخالفونه كما فعل الرازي في تأسيسه حيث جنح إلى التأويل وترك القول بالتفويض.\n\n<span data-type='title' id=toc-328>الفريق الثالث: قول المشبهة.</span>\nوالمقصود بهم الهشامية (^١) من الروافض، والكرامية (^٢)، وغيرهم.\nوهؤلاء يثبتون استواء الله وارتفاعه فوق عرشه، إلا أنهم تعمقوا في الكلام على كيفية ذلك الاستواء.\nفالهشامية مثلًا يقولون: إن الله تعالى مماس لعرشه لا يفضل منه شيء في العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه (^٣).\nوأما الكرامية فقد تعددت أقوالهم في كيفية استوائه:\nفمنهم من يقول: إنه على بعض أجزاء العرش.\nومنهم من يقول: إن العرش مكان له وإن العرش امتلأ به.\nومنهم من يقول: إنه لو خلق بإزاء العرش عروشًا موازية لعرشه لصارت العروش كلها مكانًا له لأنه أكبر منها كلها.\nومنهم من يقول: إن بينه وبين العرش من البعد والمسافة ما لو قدر مشغولا\n_________\n(^١) هم أصحاب هشام بن عبد الحكم الرافضي من الإمامية، وتنسب إليه وإلى هشام بن سالم الجواليقي أحيانا، من الإمامية المشبهة.\nانظر المقالات (١/ ٣١ - ٣٤)، الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).\n(^٢) هم أصحاب محمد بن كرام وهم طوائف يبلغ عددهم اثنتي عشرة فرقة وأصولها ستة هي: العابدية، والنونية، والزرينية، والإسحاقية، والواحدية، وأقربهم الهيصمية.\nانظر الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).\n(^٣) الملل والنحل (٢/ ٢٢).","vol":"1","page":714},{"text":"بالجواهر لاتصلت به (^١).\nوقول هؤلاء المشبهة إنما هو نتيجة لازمة لأقوالهم في صفات الله وكلامهم في ذاته.\nفالهشامية يقولون: \"إن الله جسم ذو أبعاض له قدر من الأقدار، ولكن لا يشبه شيئًا من المخلوقات، ولا يشبهه شيء\".\nونقل عنهم أنهم قالوا إنه سبعة أشبار بشبر نفسه، وإن له مكانًا مخصوصًا ووجهة مخصوصة وإنه يتحرك وحركته فعله، وليست من مكان إلى مكان وهو متناه بالذات غير متناه بالقدرة، وإنه مماس لعرشه ولا يفضل منه شيء من العرش ولا يفضل عن العرش شيء منه\" (^٢).\nوأما الكرامية فيقول ابن كرام: \"إن معبوده مستقر على العرش استقرارًا وإنه بجهة فوقَ ذاتًا وإنه أُحدي الذات أُحدي الجوهر وإنه مماس للعرش من الصفحة العليا\".\nولهم في معنى العظم خلاف فقال بعضهم: \"إنه مع وحدته على جميع أجزاء العرش والعرش تحته وهو فوقه كله على الوجه الذي هو فوق جزء منه\".\nوقال بعضهم: \"أنه يلاقى مع وحدته من جهة واحدة أكثر من واحد، وهو يلاقى جميع أجزاء العرش وهو العلي العظيم\".\nوقالت المهاجرية منهم: إنه لا يزيد على عرشه في جهة المماسة ولا يفضل منه شيء على العرش، وهذا يقتضي أن يكون عرضه كعرض العرش.\n_________\n(^١) الملل والنحل (١/ ١٤٤ - ١٤٧).\n(^٢) المصدر السابق (٢/ ٢٢).","vol":"1","page":715},{"text":"وصار المتأخرون منهم إلى أنه تعالى بجهة فوق وأنه محاذ للعرش\" (^١).\nالرد عليهم:\nهذا القول للمشبهة يتضمن حقًا وباطلًا.\nفالحق فيه هو: اعترافهم بعلو الله واستوائه على عرشه وأنه بائن من خلقه والخلق بائنون عنه.\nوأما الباطل فهو: كلامهم في ذات الله والتعرض لكيفية استوائه، وهو كلام باطل وفاسد ليس لهم به دليل من القرآن أو السنة، بل هو قول على الله بغير علم فالله ﷾ لم يطلعنا على كيفية ذاته فأنّى لنا أن نعلم كيفية صفاته، وأمر الكيفية هو مما استأثر الله بعلمه قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء﴾ [البقرة ٢٥٥].\nومما يدلنا على فساد هذا القول وعدم وجود دليل لأصحابه على ما يقولون هو اختلاف آرائهم وأقوالهم عند الحديث عن ذات الله وكيفية استواءه. فمن خلال عرض أقوالهم يتضح اختلافهم وتناقضهم، وما ذاك إلا لأنّهم يفترون على الله الكذب قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢].\nوالسؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى هؤلاء المشبهة في هذا المقام هو: أين الدليل من الكتاب أو السنة على ما تزعمون؟\nوالجواب معروف وهو أنه لا دليل لهم على ذلك لا من القرآن ولا من السنة.\nومما ينبغي معرفته أن الكلام على كيفية ذات الله أو كيفية استوائه أو غيرها من الصفات هو أمر غير جائز عند السلف ويحرم الخوض فيه بل يبدعون السائل عن ذلك، ولذلك بدع الإمام مالك السائل الذي سأله عن كيفية استواء الباري ﷿، حيث قال له: (الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة، والإيمان به\n_________\n(^١) انظر كتاب التجسيم عند المسلمين (ص ٢٠٥).","vol":"1","page":716},{"text":"واجب، وما أراك إلا رجل سوء، وأمر بإخراجه)، وما قاله الإمام مالك هو الذي جاءت به النصوص وهو الذي سار عليه السلف جميعًا.\nالأمر الثالث: أنه \"ليس في الكتاب والسنة وصف له بأنه لا داخل العالم ولا خارجه، ولا مباينه ولا مداخله\"\nوفي المقابل لو جئت إلى القوم فقلت لهم: أين دليلكم من كلام الله تعالى أو من كلام رسوله -ﷺأو من المأثور عن الصحابة والتابعين أو تابعي التابعين؟، أعطونا دليلًا واحدًا يؤكد على صحة ما تزعمون، وما تقولون؟\nفليس عند القوم الذين خالفوا كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، دليل من كلام الله تعالى ولا من كلام رسوله ﷺ، ولا من كلام السلف الصالح من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، أو من أئمة الدين المشهورين المعروفين كالأئمة الأربعة - رحمهم الله تعالى.\nفهذا يوضح أن هؤلاء ليس لهم في هذا الميراث من نصيب، وليس لهم حظٌّ، بل ساحتهم خالية من كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ، لأنهم لا يرون لهذا قيمة.\nلو قدر وقوع تعارض الشرع والعقل لوجب تقديم الشرع لا العقل وذلك لأمور:\n١ - أن العقل قد صدَّق الشرع ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره، ومعلومٌ أن الشرع لم يصدِّق العقل في كل ما أقرَّه أو أخبر به.\n٢ - أن العقل دلَّ على صدق رسول الله -ﷺ- فيما أخبر، وعلى وجوب طاعته فيما أمر.\n٣ - أن العقل يغلط كما يغلط الحس، بل أكثر، فإذا كان حكم الحس من أقوى الأحكام ويعتريه الغلط؛ فما ظنُّك بالعقل؟","vol":"1","page":717},{"text":"٤ - أن العقل له حدود يقف عندها ولا يستطيع أن يتجاوزها، خصوصًا فيما يتعلَّق بالله وصفاته وما أخبر به من أمور الغيب، وأما الشرع فلا يقارن بالعقل في هذا المجال، بل ولا في غيره، قال ابن القيّم:» إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النَّقل، لأن الجمع يبن المدلولين، جمع بين النقيضين، وإبطالهما معًا إبطال للنقيضين، وتقديم العقل ممتنع، لأن العقل قد دلّ على صحّة السّمع ووجوب قبول ما أخبر الرسول فلو أبطلنا النّقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، وإذا بطلت دلالته لم يصح أن يكون معارضًا للنقل، لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة الدَّليل «.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن تأويلات المعطلة: \"وهم في أكثر ما يتأولونه قد يعلم عقلاؤهم علمًا يقينًا أن الأنبياء لم يريدوا بقولهم ما حملوه عليه، وهؤلاء كثيرًا ما يجعلون التأويل من باب دفع المعارض، فيقصدون حمل اللفظ على ما يمكن أن يريده متكلم بلفظه، لا يقصدون طلب مراد المتكلم وتفسير كلامه بما يعرف به مراده، وعلى الوجه الذي به يعرف مراده، فصاحبه كاذب علي من تأول كلامه، ولهذا كان أكثرهم لا يجزمون بالتأويل، بل يقولون: يجوز أن يراد كذا، وغاية ما معهم إمكان احتمال اللفظ\" (^١).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"فيظن المتوهم أنه إذا وصف بالاستواء على العرش كان استواؤه كاستواء الإنسان على ظهور الفلك والأنعام، كقوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ • لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ فيتخيل أنه إذا كان مستويًا على العرش كان محتاجًا إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام، فلو انخرقت السفينة لسقط المستوي عليها، ولو عثرت الدّابة لخر المستوي عليها.\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل: ١/ ١١","vol":"1","page":718},{"text":"فقياس هذا أنه لو عدم العرش لسقط الرب ﵎، ثم يريد- بزعمه- أن ينفي هذا فيقول: ليس استواؤه بقعود ولا استقرار.\nولا يعلم أن مسمى «القعود» و«الاستقرار»، يقال فيه ما يقال في مسمى «الاستواء»!، فإن كانت الحاجة داخلة في ذلك فلا فرق بين الاستواء والقعود والاستقرار، وليس هو بهذا المعنى مستويا ولا مستقرا ولا قاعدا، وإن لم يدخل في مسمى ذلك، إلا ما يدخل في مسمى «الاستواء» فإثبات أحدهما ونفي الآخر تحكُّم.\nوقد عُلم أن بين مسمى «الاستواء» و«الاستقرار» و«القعود» فروقا معروفة، ولكن المقصود هنا أن يُعلم خطأ من ينفي الشيء مع إثبات نظيره.\nوكان هذا الخطأ من خطئه في مفهوم استوائه على العرش، حيث ظن أنه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفلك.\nوليس في اللفظ ما يدل على ذلك، لأنه أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة، كما أضاف إليها سائر أفعاله وصفاته، فذكر أنه خلق ثم استوى، كما ذكر أنه قدر فهدى، وأنه بنى السماء بأيد، وكما ذكر أنه مع موسى وهارون يسمع ويرى، وأمثال ذلك.\nفلم يذكر استواءً مطلقا يصلح للمخلوق، ولا عاما يتناول المخلوق، كما لم يذكر مثل ذلك في سائر صفاته، وإنما ذكر استواءً أضافه إلى نفسه الكريمة.\nفلو قُدِّر- على وجه الفرض الممتنع- أنه هو مثل خلقه- تعالى الله عن ذلك- لكان استواؤه مثل استواء خلقه.\nأما إذا كان هو ليس مماثلا لخلقه، بل قد عُلم أنه الغني عن الخلق، وأنه الخالق للعرش ولغيره، وأن كل ما سواه مفتقر إليه، وهو الغني عن كل ما سواه، وهو لم يذكر إلا استواءً يخصه، لم يذكر استواءً يتناول غيره ولا يصلح له، كما لم يذكر في علمه وقدرته ورؤيته وسمعه وخلقه إلا ما يختص به- فكيف يجوز أن يُتوهم أنه إذا كان","vol":"1","page":719},{"text":"مستويًا على العرش كان محتاجًا إليه، وأنه لو سقط العرش لخرّ من عليه! سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوًا كبيرًا.\nهل هذا إلا جهل محض وضلال ممن فهم ذلك، أو توهمه، أو ظنه ظاهر اللفظ ومدلوله، أو جوَّز ذلك على رب العالمين الغني عن الخلق. بل لو قُدِّر أن جاهلا فهم مثل هذا، أو توهمه لبُيِّن له أن هذا لا يجوز، وأنه لم يدل اللفظ عليه أصلا، كما لم يدل على نظائره في سائر ما وصف به الرب نفسه.\nفلما قال ﷾: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ فهل يتوهم متوهم أن بناءه مثل بناء الآدمي المحتاج، الذي يحتاج إلى زُبُل ومجارف وأعوان وضرب لبن وجَبْل طين؟\nثم قد عُلم أن الله تعالى خلق العالَم بعضه فوق بعض، ولم يجعل عاليه مفتقرًا إلى سافله، فالهواء فوق الأرض، وليس مفتقرًا إلى أن تحمله الأرض، والسحاب أيضًا فوق الأرض، وليس مفتقرًا إلى أن تحمله، والسموات فوق الأرض، وليست مفتقرة إلى حمل الأرض لها- فالعلي الأعلى رب كل شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه كيف يجب أن يكون محتاجًا إلى خلقه، أو عرشه! أو كيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار وهو ليس بمستلزم في المخلوقات! وقد عُلم أن ما ثبت لمخلوق من الغنى عن غيره فالخالق سبحانه أحق به وأَوْلَى.\nالشرح\nتكلم المصنف على بعض الشبه التي يوردها المعطلة الذين فهموا-خطأ-من قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾. وما في معناه من النصوص أنه تعالى جالس على العرش، وأنه محتاج إليه، فشبهوه بإنسان جالس على سريره، محتاجًا إليه، فأرادوا أن يفروا من هذا التشبيه الذي وقعوا فيه لسوء فهمهم، فوقعوا في","vol":"1","page":720},{"text":"التعطيل.\nفقال المصنف ذاكرًا بعض ما توهمه المعطلة: \"فيتخيل أنه إذا كان مستويًا على العرش كان محتاجًا إليه كحاجة المستوي على الفلك والأنعام، فلو انخرقت السفينة لسقط المستوي عليها، ولو عثرت الدّابة لخر المستوي عليها. فقياس هذا أنه لو عدم العرش لسقط الرب ﵎، ثم يريد- بزعمه- أن ينفي هذا فيقول: ليس استواؤه بقعود ولا استقرار\".\nورد المصنف على هذه الشبهة بعدة ردود\nأولًا: أن ما زعمه هذا المعطل من إعطاء لوازم المخلوق للخالق \"كان هذا الخطأ من خطئه في مفهوم استوائه على العرش، حيث ظن أنه مثل استواء الإنسان على ظهور الأنعام والفلك\".\nأي أنه أتي من جهة فهمه لا من جهة ما دل عليه النص، حيث فهم أن استواء الله كاستواء الإنسان الذي من طبيعته أنه يحتاج إلى ذلك الشيء الذي يحمله سواء كان على ظهر دابة أو على ظهر سفينة أو غير ذلك من الأشياء التي يستوى عليها، وذلك ما يطلق عليه ويصطلح عليه بما يسمى قانون الجاذبية حيث عرف أنّ هناك قوّة جذبٍ للأرض تجذب الأجسام نحوهها.\nوعرف أن هذه الجاذبية للأرض تكون إلى حد معين في الغلاف الجوي للأرض، وبعد هذه المسافة تتلاشى هذه القوة الجاذبة.\nفهذا المعطل وقع في التشبيه أولًا، قال المصنف: \"هل هذا إلا جهل محض وضلال ممن فهم ذلك، أو توهمه، أو ظنه ظاهر اللفظ ومدلوله، أو جوَّز ذلك على رب العالمين الغني عن الخلق\".\nومثل هذا الكلام ما كان ليصدر من شخص يزعم أنه عالم يتكلم في المسائل الإلهية، وقال المصنف: \"بل لو قُدِّر أن جاهلا فهم مثل هذا، أو توهمه لبُيِّن له أن هذا","vol":"1","page":721},{"text":"لا يجوز، وأنه لم يدل اللفظ عليه أصلا، كما لم يدل على نظائره في سائر ما وصف به الرب نفسه\". فهذا الكلام لو صدر من جاهل لعلم وفهم بأن قول مثل هذا الكلام لا يجوز في حق الله، ولوضح له أن اللفظ لا يدل على هذا المعنى لا في هذه الصفة ولا في نظائرها من سائر الصفات الواردة في نصوص القرآن والسنة.\nوقال المصنف\"فلو قُدِّر- على وجه الفرض الممتنع- أنه هو مثل خلقه- تعالى الله عن ذلك- لكان استواؤه مثل استواء خلقه\".\nأي أن هذا الفهم الفاسد لا يقوم إلا افتراض ممتنع أن الله هو مثل خلقه، وبالتالي يكون استواؤه مثل استواء خلقه؛ \"أما إذا كان هو ليس مماثلا لخلقه\" فيجب على ذلك أن نثبت له استواءً يختص به ويليق بجلاله لا يشبه فيه أحدًا من خلقه.\nوقوله: \"ثم يريد- بزعمه- أن ينفي هذا فيقول: ليس استواؤه بقعود ولا استقرار\".\nأي أراد هذا المعطل أن ينفر من إثبات صفة الاستواء باستعمال لفظ القعود والاستقرار، قصدًا منه في تنفير السامع من إثبات الصفة.\nفقال المصنف معلقًا على هذا الاستعمال: \"ولا يعلم أن مسمى «القعود» و«الاستقرار»، يقال فيه ما يقال في مسمى «الاستواء»!، فإن كانت الحاجة داخلة في ذلك فلا فرق بين الاستواء والقعود والاستقرار، وليس هو بهذا المعنى مستويا ولا مستقرا ولا قاعدا، وإن لم يدخل في مسمى ذلك، إلا ما يدخل في مسمى «الاستواء» فإثبات أحدهما ونفي الآخر تحكُّم\".\nأي لو سلم للخصم استعمال هذه الألفاظ-جدلًا-مكان لفظ الاستواء، فإن كان الخصم يعني بذلك أن الله في ذلك سيكون محتاجًا للعرش وأنه محمول عليه،","vol":"1","page":722},{"text":"فلا فرق إذا بين استعمال هذه الألفاظ الثلاثة من جهة رفض المعنى الذي عناه هذا الخصم، وإن كان لم يعني الاحتياج والافتقار وأن المقصود اثبات استواء يليق بجلاله فهكذا الشأن في استعمال لفظ الاستقرار والقعود إذا قصد به المعنى الحق، وعليه فإن إثبات إحد هذه الألفاظ ونفي الآخر يعد تحكمًا.\nوقال المصنف: \"وقد عُلم أن بين مسمى «الاستواء» و«الاستقرار» و«القعود» فروقا معروفة، ولكن المقصود هنا أن يُعلم خطأ من ينفي الشيء مع إثبات نظيره\".\nيشير المصنف إلى أن هناك فروقًا معروفة في اللغة بين مسمى \"الاستواء\" ومسمى \"الاستقرار\" ومسمى \"القعود\"، ومع أن هذه الفروق ليست من مقصود المصنف بيانها إلا أن الشرح يقتضي الحديث عن هذه الألفاظ الثلاثة واستعمالاتها.\nفالاستواء في اللغة فسر بعدة معان تعود إلى الاستعمال الذي ورد فيه هذا اللفظ كما تقدم ذكره من أن لفظ الاستواء يرد مطلقًا ويرد مقيدًا\nقال ابن القيم ﵀: \"إن لفظ الاستواء في كلام العرب الذي خاطبنا الله بلغتهم وأنزل به كلامه نوعان: مطلق، ومقيد.\nفالمطلق: مالم يوصل معناه بحرف مثل قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص ١٤]، وهذا معناه: كمل وتم، ويقال: استوى النبات، واستوى الطعام.\nوأما المقيد فثلاثة أضرب:\nأحدها: مقيد \"بإلى\" كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾، واستوى فلان إلى السطح وإلى الغرفة، وقد ذكر الله ﷾ المعدى بإلى في موضعين من كتابه، الأول في سورة البقرة في قوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [البقرة ٢٩]، والثاني في سورة فصلت ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ [فصلت ١١]، وهذا بمعنى العلو والارتفاع بإجماع السلف.","vol":"1","page":723},{"text":"الثاني: المقيد \"بعلى\" كقوله تعالى ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ [الزخرف ١٣]، وقوله ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود ٤٤]، وقوله ﴿فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ﴾ [الفتح ٢٩]، وهذا أيضًا معناه العلو والارتفاع والاعتدال بإجماع أهل اللغة.\nالثالث: المقرون \"بواو مع\" التي تعدى الفعل إلى المفعول معه نحو استوى الماء والخشبة، بمعنى ساواها وهذه معاني الاستواء المعقولة في كلامهم\" (^١).\nقال أبو عبيدة في قوله ﴿اسْتَوَى﴾ قال: علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد، والاستواء الاستقرار في العلو، وبهذا خاطبنا الله ﷿ فقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف الآية: ١٣]، وقال: ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود ٤٤]، وقال: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ [المؤمنون ٢٨].\nوقال الشاعر:\nفأوردتهم ماء بضبضاء قفرة … وقد حلق النجم اليماني فاستوى\nوقد ذكر النضر بن شميل-وكان ثقة مأمونًا جليلًا في علم الديانة واللغة-قال: \"حدثني الخليل-وحسبك بالخليل-قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي وكان من أعلم من رأيت، فإذا هو على سطح، فسلمنا فرد علينا السلام وقال لنا: استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال؟ فقال لنا أعرابي إلى جنبه: إنه أمركم أن ترتفعوا، قال الخليل: هو من قول الله ﷿: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَان﴾ [فصلت ١١]، فصعدنا إليه\" (^٢).\nوقال ابن القيم: \"إن ظاهر الاستواء وحقيقته هو العلو والارتفاع كما نص عليه\n_________\n(^١) انظر مختصر الصواعق المرسلة (٢/ ١٢٦ - ١٢٧).\n(^٢) التمهيد (٧/ ١٣١ - ١٣٢).","vol":"1","page":724},{"text":"جميع أهل اللغة والتفسير المقبول\" (^١).\nولما كان هذا هو معنى الاستواء في لغة العرب فقد تكلم السلف والمفسرون بهذا المعنى عند تفسير هذه الآية، فقد روي عن مجاهد في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى العَرْش﴾ قال: علا على العرش (^٢).\nوقد روى ابن أبي حاتم في تفسيره بسنده عن أبي العالية في تفسير الآية السابقة الذكر قال: ارتفع (^٣).\nوقد روي عن الحسن البصري والربيع بن أنس مثله (^٤).\nوقد روى اللالكائي بسنده عن بشر بن عمر قال: \"سمعت غير واحد من المفسرين يقولون: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، قال: على العرش استوى: ارتفع\" (^٥).\nولفظ الاستقرار فيه معنى الثبات وهو خلاف الاضطراب، وقد استعمل هذا اللفظ في تفسير معنى الاستواء كما نقله ابن القيم من كلام أبي عبيدة حيث قال: \" قال أبو عبيدة في قوله ﴿اسْتَوَى﴾ قال: علا، قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد، والاستواء الاستقرار في العلو\"\nوقال أبو عمر ابن عبد البر: \"والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه. قال أبو عبيدة في قوله تعالى\n_________\n(^١) انظر مختصر الصواعق (٢/ ١٤٥).\n(^٢) انظر فتح الباري (١٣/ ٤٠٣).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٩).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٥/ ٥١٩).\n(^٥) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٣/ ٣٩٧).","vol":"1","page":725},{"text":"﴿اسْتَوَى﴾ قال: وتقول العرب استويت فوق الدابة واستويت فوق البيت، وقال غيره: استوى: أي انتهى شبابه واستقر فلم يكن في شبابه مزيد\" (^١). وبهذه النقول يتضح أن معنى الاستقرار داخل في تفسير الاستواء.\nوالقعود: هو خلاف القيام.\nوقال الفراء: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ أي صعد (^٢)، قاله ابن عباس وهو كقولك: الرجل كان قاعدًا ثم استوى قائما\" (^٣).\nوقد ورد لفظ القعود نصًا في حديث عمر قال: \"أتت النبي ﷺ امرأة فقالت: ادعُ الله أن يدخلني الجنة. فعظم الرب، فقال: \"إن كرسيه فوق السموات، وإنه يقعد عليه فما يفضل منه إلا أربع أصابع\" (^٤).\n_________\n(^١) التمهيد (٧/ ١٣١).\n(^٢) في (ب) (قعد).\n(^٣) الأسماء والصفات للبيهقي (٢/ ٣١٠).\nوذكره ابن القيم في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص ٢٦٤) وقال: \"قلت: مراد الفراء اعتدال القائم والقاعد في صعوده عن الأرض\".\n(^٤) أخرجه الدارمي في الرد على المريسي (ص ٧٤)، مرسلا. وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٥١ - ٢٥٢، برقم ٥٧٤). وعبد الله بن أحمد في السنة (١/ ٣٠١، ح ٥٨٥) موقوفا من قول عمر. وابن جرير في تفسيره (٣/ ١١) من طريق عبد الله بن أبي الزناد، قال: ثنا يحي بن أبي بكير، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة الهمداني، عن عمر.\nوقد أخرجه ابن خزيمة في كتاب التوحيد (١/ ٢٤٤، ٢٤٥ برقم ١٥٠) وقال: \"وقد روى إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الله بن خليفة أظنه عن عمر \"- وذكره. وقال: حدثنا، يعقوب بن إبراهيم الدورقي، قال حدثنا يحي بن أبي بكير، قال: ثنا إسرائيل، قال أبو بكر: ما أدري، الشك والظن أنه عن عمر، هو من يحي بن أبي بكير، أم من إسرائيل.\nقد رواه وكيع بن الجراح مرسلًا ليس فيه ذكر عمر لا بيقين ولا ظن، وليس هذا الخبر من شرطنا، لأنه غير متصل الإسناد، لسنا نحتج في هذا الجنس من العلم بالمراسيل المنقطعات\" اهـ. والبزار في مسنده (١/ ٤٥٧، برقم ٣٢٥).","vol":"1","page":726},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأخرجه الدارقطني في الصفات (ص ٤٨) موقوفا.\nوابن بطة في الإبانة (كتاب الرد على الجهمية) (٣/ ١٧٨ - ١٨٠).\nوالخطيب في تاريخه (٨/ ٥٢) مرسلا.\nوأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية (١/ ٥) وقال بعد سياقه للحديث: \"هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ وإسناده مضطرب جدًا، وعبد الله بن خليفة ليس من الصحابة، فتارة يرويه ابن خليفة عن عمر، عن رسول الله ﷺ، وتارة يقفه على عمر، وتارة يوقف على ابن خليفة\" اهـ.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٨٤) وقال: \"رواه البزار ورجاله رجال الصحيح\".\nوأورده ابن كثير في تفسيره (١/ ٣١٠) وعزاه للبزار في مسنده، وعبد بن حميد، وابن جرير في تفسيرهما، والطبراني، وابن أبي عاصم في كتاب السنة لهما، والحافظ الضياء في كتاب المختارة. وقال ابن كثير: \"من حديث أبي إسحاق السبيعي، عن عبد الله بن خليفة وليس بذاك المشهور، وفي سماعه من عمر نظر، ثم منهم من يرويه عن عمر موقوفًا، ومنهم من يرويه عن عمر مرسلًا، ومنهم من يزيد في متنه زيادة غريبة ومنهم من يحذفها\" اهـ.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"حديث عبد الله بن خليفة المشهور الذي يروى عن عمر عن النبي ﷺ، وقد رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في \"مختاره\". وطائفة من أهل الحديث ترده لاضطرابه، كما فعل ذلك أبو بكر الإسماعيلي، وابن الجوزي، وغيرهم. لكن أكثر أهل السنة قبلوه. وفيه قال \"إن عرشه\" أو \"كرسيه\" \"وسع السموات والأرض، وإنه يجلس عليه فما يفضل منه قدر أربع أصابع\" أو \"فما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع\" \"وإنه ليئط به أطيط الرحل الجديد براكبه\". ولفظ (الأطيط) قد جاء في حديث جبير بن مطعم. الذي رواه أبو داود في السنن. وابن عساكر عمل فيه جزءًا، وجعل عمدة الطعن في ابن إسحاق. والحديث قد رواه علماء السنة كأحمد، وأبي داود، وغيرهما، وليس فيه إلا ما له شاهد من رواية أخرى. ولفظ \"الأطيط\" قد جاء في غيره. وحديث ابن خليفة رواه الإمام أحمد وغيره مختصرًا، وذكر أنه حدث به وكيع. لكن كثيرًا ممن رواه رووه بقوله: \"إنه ما يفضل منه إلا أربع أصابع\"، فجعل العرش يفضل منه أربعة أصابع. واعتقد القاضي، وابن الزاغوني، ونحوهما، صحة هذا اللفظ، فأمروه وتكلموا على معناه بأن ذلك القدر لا يحصل عليه الاستواء. وذكر عن ابن العايذ أنه قال: \"هو موضع جلوس محمد ﷺ\". والحديث قد رواه ابن جرير الطبري في تفسيره وغيره، ولفظه \"وإنه ليجلس عليه، فما يفضل منه قدر أربع أصابع\" بالنفي. فلو لم يكن في الحديث إلا اختلاف الروايتين -هذه تنفي ما أثبتت هذه-. ولا يمكن مع ذلك الجزم بأن رسول الله ﷺ أراد الإثبات، وأنه يفضل من العرش أربع أصابع لا يستوي عليها الرب. وهذا معنى غريب ليس له قط شاهد في شيء من الروايات. بل هو يقتضي أن يكون العرش أعظم من الرب","vol":"1","page":727},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأكبر. وهذا باطل، مخالف للكتاب والسنة، وللعقل. ويقتضي أيضًا أنه إنما عرف عظمة الرب بتعظيم العرش المخلوق وقد جعل العرش أعظم منه. فما عظم الرب إلا بالمقايسة بمخلوق وهو أعظم من الرب. وهذا معنى فاسد، مخالف لما علم من الكتاب والسنة والعقل. فإن طريقة القرآن في ذلك أن يبين عظمة الرب، فإنه أعظم من كل ما يعلم عظمته. فيذكر عظمة المخلوقات ويبين أن الرب أعظم منها. كما في الحديث الآخر الذي في سنن أبي داود، والترمذي، وغيرهما (حديث الأطيط) لما قال الأعرابي: \"إنا نستشفع بالله عليك، ونستشفع بك على الله تعالى، فسبح رسول الله ﷺ حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه ثم قال: \"ويحك! أتدري ما تقول؟ أتدري ما الله؟ شأن الله أعظم من ذلك. إن عرشه على سمواته هكذا\" -وقال بيده مثل القبة- \"وإنه ليأط به أطيط الرحل الجديد براكبه\". فبين عظمة العرش، وأنه فوق السموات مثل القبة. ثم بين تصاغره لعظمة الله، وأنه يأط به أطيط الرحل الجديد براكبه، فهذا فيه تعظيم العرش، وفيه أن الرب أعظم من ذلك كما في الصحيحين عن النبي ﷺ قال: \"أتعجبون من غيرة سعد! لأنا أغير منه، والله أغير مني\". وقال: \"لا أحد أغير من الله. من أجل ذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن\". ومثل هذا كثير. وهذا وغيره يدل على أن الصواب في روايته النفي، وأنه ذكر عظمة العرش، وأنه مع هذه العظمة فالرب مستوٍ عليه كله لا يفضل منه قدر أربعة أصابع. وهذه غاية ما يقدر به في المساحة من أعضاء الإنسان، كما يقدر في الميزان قدره فيقال: (ما في السماء قدر كف سحابًا). فإن الناس يقدرون الممسوح بالباع والذراع، وأصغر ما عندهم الكف. فإذا أرادوا نفي القليل والكثير قدروا به، فقالوا: (ما في السماء قدر كف سحابًا)، كما يقولون في النفي العام ﴿إِنَّ الله لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَةٍ﴾ و﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِير﴾، ونحو ذلك. فبين الرسول ﷺ أنه لا يفضل من العرش شيء ولا هذا القدر اليسير الذي هو أيسر ما يقدر به وهو أربعة أصابع. وهذا معنى صحيح موافق للغة العرب، وموافق لما دل عليه الكتاب والسنة، موافق لطريقة بيان الرسول ﷺ، له شواهد. فهو الذي يجزم بأنه في الحديث. ومن قال: (ما يفضل إلا مقدار أربع أصابع) فما فهموا هذا المعنى، فظنوا أنه استثنى، فاستثنوا، فغلطوا. وإنما هو توكيد للنفي وتحقيق للنفي العام. وإلا فأي حكمة في كون العرش يبقى منه قدر أربع أصابع خالية، وتلك الأصابع أصابع من الناس، والمفهوم من هذا أصابع الإنسان. فما بال هذا القدر اليسير لم يستو الرب عليه؟. والعرش صغير في عظمة الله تعالى. وقد جاء حديث رواه ابن أبي حاتم في قوله ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام الآية: ١٠٣ [لمعناه شواهد تدل على هذا فينبغي أن نعتبر الحديث، فنطابق بين الكتاب والسنة. فهذا هذا والله أعلم. قال حدثنا أبو زرعة، ثنا منجاب بن الحارث، أنبأ بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ في قوله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ﴾ [الأنعام الآية: ١٠٣]، قال: \"لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فنوا، صفوا صفًا واحدًا ما أحاطوا بالله أبدًا\". وهذا له شواهد، مثل ما في الصحاح في تفسير قوله تعالى ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر الآية ٦٧].، قال ابن عباس: \"ما السموات السبع والأراضون السبع ومن فيهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم\". ومعلوم أن العرش لا يبلغ هذا، فإن له حملة وله حول. قال تعالى ﴿اَلذِينَ يَحْمِلُونَ العَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ﴾ \". اهـ. مجموع الفتاوى (١٦/ ٤٣٤ - ٤٣٩). وانظر المسألة كذلك في منهاج السنة (٢/ ٦٢٨ - ٦٣١).","vol":"1","page":728},{"text":"وقد ورد تفسير لفظ الاستواء بالقعود في كلام بعض العلماء ومن ذلك:\nقال القاضي أبو يعلى: \"فذهب شيخنا أبو عبد الله -يعني ابن حامد- أنه نزول انتقال، وقال: لأن هذا حقيقة النزول عند العرب، وهذا نظير قوله في الاستواء، يعني قعد، وهذا على ظاهر حديث عبادة بن الصامت (^١) \" (^٢).\nفالقعود على الشيء، والاستقرار على الشيء، والاستواء على الشيء، فقد يكون قعودًا بلا استقرار والعكس كذلك. وأما الاستواء فإنه يتضمن الاستقرار، فكل استواء استقرار وليس كل استقرار استواءً.\nثانيًا: أن الله متصف بصفة الغنى وهذا يعني أنه لا يحتاج لأحد من خلقه بل الخلق محتاجون مفتقرون إليه.\nقال المصنف: \"بل قد عُلم أنه الغني عن الخلق، وأنه الخالق للعرش ولغيره، وأن كل ما سواه مفتقر إليه، وهو الغني عن كل ما سواه\" فهو سبحانه الخالق للعرش وما سواه من المخلوقات، وهذه كلها جميعًا مفتقرة إليه سبحانع وتعالى.\nثالثًا: أن صفة الاستواء وردت هنا مضافة إلى الله، وما أضيف إليه يكون مختصًا به لا يلزمه لوازم المخلوقين فقال: \"وليس في اللفظ ما يدل على ذلك، لأنه أضاف الاستواء إلى نفسه الكريمة، كما أضاف إليها سائر أفعاله وصفاته، فذكر أنه خلق ثم\n_________\n(^١) يعني بحديث عبادة بن الصامت الذي فيه \"ثم يعلو ﵎ على كرسيه\".\n(^٢) كتاب اختلاف الروايتين والوجهين -مسائل من أصول الديانات- (ص ٥٥).","vol":"1","page":729},{"text":"استوى، كما ذكر أنه قدر فهدى، وأنه بنى السماء بأيد، وكما ذكر أنه مع موسى وهارون يسمع ويرى، وأمثال ذلك.\nفلم يذكر استواءً مطلقا يصلح للمخلوق، ولا عاما يتناول المخلوق، كما لم يذكر مثل ذلك في سائر صفاته، وإنما ذكر استواءً أضافه إلى نفسه الكريمة\".\nفالقول في إثبات الاستواء صفة لله تعالى كالقول في باقي الصفات هو أن يثبت لله تعالى على الوجه المختص واللائق به، ومن ذلك أن الله في استوائه كما هو الشأن في علوه لا يحتاج إلى أحد من خلقه ولا يفتقر إليه، وأنه سبحاه منزه من جميع لوازم المخلوقين، ومن صفاته ﷿ اللازمة أنه متصف بصفة الغنى فهو لا يحتاج إلى أحد من خلقه.\nفإذًا تُثبتُ ما أثبته الله لنفسه؛ لأن الله أخبر بذلك، ومع إثبات ذلك يجب أن تعتقد أن الله تعالى لا يماثله ولا يساويه في ذلك أحدٌ من خلقه، مع عدم الخوض في كيفية الاستواء.\nفالمقصود والمراد من نفي المماثلة أن لله خصائص، أي أمورٌ يختص بها لا يماثله في ذلك أحدٌ من خلقه.\nرابعًا: قول المصنف: \"أن ما ثبت لمخلوق من الغنى عن غيره فالخالق سبحانه أحق به وأَوْلَى\".\nوضرب المصنف هنا مثالين:\nالمثال الأول: ضرب مثلًا بلفظ: (البناء) من جهة الفرق بين المخلوق والمخلوق. فقال المصنف: \"فلما قال ﷾: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ فهل يتوهم متوهم أن بناءه مثل بناء الآدمي المحتاج، الذي يحتاج إلى زُبُل ومجارف وأعوان وضرب لبن وجَبْل طين؟ \"","vol":"1","page":730},{"text":"أي هل يقال عن بناء السماء أنها مثل بناء الإنسان لبيت ونحوه باعتبار أن لفظ البناء ورد في الأمرين، فلا يعقل أن يتوهم عاقل في السماء أن بناءها \"مثل بناء الآدمي المحتاج، الذي يحتاج إلى زُبُل ومجارف وأعوان وضرب لبن وجَبْل طين؟ \"\nالمثال الثاني: قوله: \"ثم قد عُلم أن الله تعالى خلق العالَم بعضه فوق بعض، ولم يجعل عاليه مفتقرًا إلى سافله\"\nوأعطى أمثلة على ذلك:\nالمثال الأول: \"فالهواء فوق الأرض، وليس مفتقرًا إلى أن تحمله الأرض\".\nالمثال الثاني: \"والسحاب أيضًا فوق الأرض، وليس مفتقرًا إلى أن تحمله\"\nالمثال الثالث: \"والسموات فوق الأرض، وليست مفتقرة إلى حمل الأرض لها\"\nفإذا كان هذا حال المخلوق مع المخلوق \"فالعلي الأعلى رب كل شيء ومليكه إذا كان فوق جميع خلقه كيف يجب أن يكون محتاجًا إلى خلقه، أو عرشه! أو كيف يستلزم علوه على خلقه هذا الافتقار وهو ليس بمستلزم في المخلوقات! وقد عُلم أن ما ثبت لمخلوق من الغنى عن غيره فالخالق سبحانه أحق به وأَوْلَى\".\nفاستخدم المصنف هنا قياس الأولى في إثبات كون اتصاف الله بصفة الاستواء لا يلزم منه الاحتياج والافتقار كما زعم المعطل، فإذا كان بعض المخلوقات كالهواء والسحاب والسموات لا تفتقر في علوها لما هو أسفل منها، فإنه من باب أولى أن يكون الله في استوائه غير مفتقر لا للعرش ولا لحملته ولا إلى غير ذلك من خلقه.","vol":"1","page":731},{"text":"المتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وكذلك قوله: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك الآية: ١٦]، من توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السموات، فهو جاهل ضال بالاتفاق، وإن كنا إذا قلنا: إن الشمس والقمر في السماء، يقتضي ذلك، فإن حرف «في» متعلق بما قبله وما بعده، فهو بحسب المضاف والمضاف إليه. ولهذا يُفرَّق بين كون الشيء في المكان، وكون الجسم في الحَيِّز، وكون العَرَض في الجسم، وكون الوجه في المرآة، وكون الكلام في الورق، فإن لكل نوع من هذه الأنواع خاصية يتميز بها عن غيره، وإن كان حرف «في» مستعملا في ذلك كله.\nفلو قال قائل: العرش في السماء أم في الأرض؟ لقيل: في السماء. ولو قيل: الجنة في السماء أم في الأرض؟ لقيل: الجنة في السماء. ولا يلزم من ذلك أن يكون العرش داخل السموات، بل ولا الجنة.\nفقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سألتم الله الجنة فسلوه الفردوس، فإنها أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن). فهذه الجنة، سقفها الذي هو العرش فوق الأفلاك، مع أن الجنة في السماء، والسماء يراد به العلو، سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها، قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّمَاءِ﴾ [الحج الآية: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان الآية: ٤٨].\nولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء، كان المفهوم من قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾: أنه في السماء، أنه في العلو وأنه فوق كل شيء.\nوكذلك الجارية لما قال لها: (أين الله؟). قالت: في السماء، إنما أرادت العلو مع","vol":"1","page":732},{"text":"عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها.\nوإذا قيل: «العلو»، فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به، إذ ليس فوق العالم شيء موجود إلا الله، كما لو قيل: إن العرش في السماء، فإنه لا يقتضي أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق.\nوإذا قُدِّر أن «السماء» المراد بها الأفلاك كان المراد أنه عليها، كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [سورة طه: ٧١]، وكما قال: ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران الآية: ١٣٧]، وكما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة الآية: ٢]، ويقال: فلان في الجبل، وفي السطح. وإن كان على أعلى شيء فيه\".\nالشرح\nمن الأمثلة التي أوردها المصنف فيما يتعلق بإجراء النصوص على ظاهرها قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾ [الملك الآية: ١٦]،\nوقد أورد المصنف شبهة \"من توهم أن مقتضى هذه الآية أن يكون الله في داخل السموات\"، وبين أن من قال بهذا \"فهو جاهل ضال بالاتفاق\" فالآية لا تدل على ذلك ولا تحتمل هذا المعنى.\nورد على هذا التوهم من عدة أوجه:\nالوجه الأول: إن حرف «في» متعلق بما قبله وما بعده، فهو بحسب المضاف والمضاف إليه.\nفإن \"في\" يختلف معناها بحسب متعلقها، وضرب المصنف عدة أمثلة لذلك:\nالمثال الأول: \"إذا قلنا: إن الشمس والقمر في السماء\". فإن الظرفية تقتضي هنا","vol":"1","page":733},{"text":"أن كلا من الشمس والقمر في داخل السماء وأن السماء تحويهما.\nالمثال الثاني: \"كون الشيء في المكان\". يقتضي ظرفية المكان للشيء، أي أنه قد يتسع لغيره.\nالمثال الثالث: \"وكون الجسم في الحَيِّز\". يقتضي ظرفية الحيز للجسم مع شغل الجسم لكل ذلك المقدار من المكان، فالحيز ما شغله الجسم من الفراغ، وعلى هذا فالحيز لا يسع غير الجسم المتحيز فيه.\nالمثال الرابع: \"وكون العَرَض في الجسم\". يقتضي الاتصال والظرفية، بمعنى أنه قائم به.\nالمثال الخامس: \"وكون الوجه في المرآة\". لا يقتضي الظرفية، أي أن الذي يشاهد في المرآة هو الصورة أي: صورته.\nالمثال السادس: \"وكون الكلام في الورق\". لا يقتضي الظرفية، وإنما المداد بشكله المعين.\nإذن فلكل نوع من هذه الأنواع خاصية يتميز بها عن غيره\" (^١)\nفقال المصنف: \"فإن لكل نوع من هذه الأنواع خاصية يتميز بها عن غيره، وإن كان حرف «في» مستعملا في ذلك كله\".\nحرف \"في\": حرف جر يدل على الظرفية. (^٢) ولها معانٍ أخرى (^٣)، والأصل فيها\n_________\n(^١) انظر: التحفة المهدية شرح العقيدة التدمرية ١/ ١٧٥.\n(^٢) الظرف: اسم منصوب، يقع الحدَث فيه، فيكون كالوعاء له؛ ثم إن دلّ على زمان، سُمّي: [ظرف زمان]، أو على مكان، سُمّي: [ظرف مكان].\n(^٣) (في) لها ستةُ مَعَانٍ:\n١ - الظرفية حقيقيةً مكانيَّةً أو زمانيةً، وهو المعنى الرئيس لها، نحو: (فِي أَدْنَى الأرْضِ)، ونحو: (في بِضْعِ سِنِينَ). أو مجازية، نحو: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ).\n٢ - السّبية، نحو: (لَمَسَّكُمْ فيِمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ).\n٣ - المُصاحبة، نحو: (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ).\n٤ - الاستعلاءُ، نحو: (لأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)] سورة طه: ٧١]،.\n٥ - المُقَايَسَة، نحو: (فَمَا مَتَاعُ الْحَياَةِ الدُّنْيَا فيِ الآخِرَةِ إلاّ قَليِلٌ).\n٦ - بمعنى الباء نحو: (بَصِيرُونَ فِي طَعْنِ الأبَاهِرِ وَالكُلَى).","vol":"1","page":734},{"text":"الظرفية، ولكن هذه الظرفية تختلف بحسب ما قبلها وما بعدها، وهكذا صار لكل تركيب معنى يخصه، وأفادت \"في\" في كل تركيب معنى خاصًا.\nوالتَّصريح بأنه سبحانه في السَّماء، وهذا عند أَهْل السُّنَّة على أحد وجهين:\nالوجه الأول: إما أن تكون «في» بمعنى «على» -كما أشار إلى ذلك المصنف-كما جاءت بمعناها في مثل قوله تعالى: (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ) [آل عمران: ١٣٧]؛ أي: على الأرض، وقوله عن فرعون: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) [طه: ٧١]؛ أي: على جذوع النخل، وعلى هذا فيكون معنى قوله تعالى: (أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ) [الملك: ١٦]؛ أي: على السماء، أي: فوقه، والله تعالي فوق السموات وفوق كل شيء … إلخ\nالوجه الثاني: وإما أن يراد بالسَّماء العلو، لا يختلفون في ذلك.\nولا يجوز حملُ النَّصِّ على غيره.\nليس معنى كونه في السماء أن السماء تحويه وتحيط به وتحصره، أو هي محل وظرف له، بل هو سبحانه محيط بكل شيء وسع كرسيه السموات والأرض، وهو فوق كل شيء وعالٍ على كل شيء (^١).\nوقول المصنف: \"فلو قال قائل: العرش في السماء أم في الأرض؟ لقيل: في السماء. ولو قيل: الجنة في السماء أم في الأرض؟ لقيل: الجنة في السماء. ولا يلزم من\n_________\n(^١) انظر كتاب موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من قضية التأويل (٣٨١ - ٣٨٥).","vol":"1","page":735},{"text":"ذلك أن يكون العرش داخل السموات، بل ولا الجنة.\nفقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سألتم الله الجنة فسلوه الفردوس، فإنها أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن). فهذه الجنة، سقفها الذي هو العرش فوق الأفلاك، مع أن الجنة في السماء، والسماء يراد به العلو، سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها، قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّمَاءِ﴾ [الحج الآية: ١٥]، وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان الآية: ٤٨ [\".\nيشير به هنا إلى المعنى الآخر من معاني الآية كما أسلفنا وهو أن تكون في بمعنى على والسماء المقصود بها العلو.\nوأعطى لذلك مثالين:\nالمثال الأول: (العرش) في قوله: \"فلو قال قائل العرش في السماء أم في الأرض؟ لقيل: في السماء\".\nالمثال الثاني: (الجنة) في قوله: \"ولو قيل: الجنة في السماء أم في الأرض؟ لقيل: الجنة في السماء\".\nفمعنى (في) هنا بمعنى علا، وعلى هذا المعنى \"لا يلزم من ذلك أن يكون العرش داخل السموات، بل ولا الجنة\".\nواستدل المصنف على أن السماء هنا يراد بها العلو بأدلة منها:\nالدليل الأول: \"ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا سألتم الله الجنة فسلوه الفردوس، فإنها أعلى الجنة، وأوسط الجنة، وسقفها عرش الرحمن). فهذه الجنة، سقفها الذي هو العرش فوق الأفلاك، مع أن الجنة في السماء، والسماء يراد به العلو، سواء كان فوق الأفلاك أو تحتها.\nفالعرش هو أعلى المخلوقات، وأعظمها، وسقفها، وهو كالقبة على العالم وما","vol":"1","page":736},{"text":"تحته بالنسبة إليه كحلقة في فلاة:\nقال أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن أبي زمنين في كتابه \"أصول السنة\": \"ومن قول أهل السنة أن الله ﷿ خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق … \" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما العرش فإنه مقبب، لما روي في السنن لأبي داود عن جبير بن مطعم قال: \"أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال: يا رسول جهدت الأنفس، وجاع العيال -وذكر الحديث إلى أن قال رسول الله ﷺ -: إن الله على عرشه وإن عرشه على سمواته وأرضه كهكذا\" وقال بأصابعه مثل القبة … وفي علوه قوله ﷺ: \"إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه وسط الجنة وأعلاها وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة\" (^٢).\nفقد تبين بهذه الأحاديث أنه أعلى المخلوقات، وسقفها، وأنه مقبب … \" (^٣).\nوقال ابن تيمية: \"فقد ثبت في الصحيح أن جنة عدن سقفها عرش الرحمن قال ﷺ: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وفوقه عرش الرحمن» \" (^٤).\nالدليل الثاني: \"قال تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّمَاءِ﴾ [الحج الآية: ١٥]، \"\nالدليل الثالث: \"وقال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان الآية: ٤٨ [\".\n_________\n(^١) أصول السنة (ص ٨٨).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحيه، كتاب التوحيد، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى اَلمَاءِ﴾. فتح الباري (١٣/ ٤٠٤).\n(^٣) الفتاوى (٥/ ١٥١).\n(^٤) نقض التأسيس (١/ ١٥٥).","vol":"1","page":737},{"text":"المراد لو أن قائل قال: قوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، هذا يُفهم منه أن الله داخل السماء وأن السماء مُحيطة به، هل يُقبل هذا؟!\nفيُقال له: هذا فهمك أنت الخاطئ، ولكن الذي يَفهمه العلماء ويفهمه أصحاب المعتقد الصحيح السليم أن قوله: ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾، أي: على السماء.\nفلفظ \"السماء\" هنا في الآية له معنيان:\nالأول: العلو.\nوالثاني: الجرم المخلوق المعروف، الذي هو السقف المحفوظ.\nفإذا قال أهل السنة: \"الله في السماء\" فمعنى السماء هنا: العلو.\nومن أراد بلفظ السماء ذلك الجرم المخلوق: فإنه يجعل \"في\" بمعنى \"على\".\nقال الحافظ ابن عبد البر ﵀\": وأما قوله تعالى: (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ)] الملك الآية: ١٦ [فمعناه: مَنْ على السماء يعني: على العرش.\nوقد يكون \"في\" بمعنى \"على\"، ألا ترى إلى قوله تعالى: (فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ)] التوبة الآية: ٢ [أي: على الأرض، وكذلك قوله: (وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ)] سورة طه: ٧١ [\" انتهى (^١).\nوقال الشيخ محمد بن صالح العثيمين ﵀: \"معنى كون الله في السماء: معناه على السماء أي فوقها، فـ (في) بمعنى \"على\"، كما جاءت بهذا المعنى في قوله تعالى: (قل سيروا في الأرض) أي: عليها.\nويجوز أن تكون (في) للظرفية، و(السماء) على هذا بمعنى العلو، فيكون المعنى: أن الله في العلو، وقد جاءت السماء بمعنى العلو في قوله تعالى: ﴿أنزل من السماء ماء﴾\nولا يصح أن تكون (في) للظرفية إذا كان المراد بالسماء الأجرام المحسوسة؛\n_________\n(^١) \"التمهيد\" (٧/ ١٣٠ (.","vol":"1","page":738},{"text":"لأن ذلك يوهم أن السماء تحيط بالله، وهذا معنى باطل؛ لأن الله أعظم من أن يحيط به شيء من مخلوقاته\" انتهى. (^١)\nوقوله: \"ولما كان قد استقر في نفوس المخاطبين أن الله هو العلي الأعلى، وأنه فوق كل شيء، كان المفهوم من قوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾: أنه في السماء، أنه في العلو وأنه فوق كل شيء.\nوكذلك الجارية لما قال لها: (أين الله؟). قالت: في السماء، إنما أرادت العلو مع عدم تخصيصه بالأجسام المخلوقة وحلوله فيها\".\nأشار المصنف هنا إلى دليل الفطرة على إثبات صفة العلو لله ﷿، فدليل الفطرة أمرٌ الله -﷾جَبَلَ النفوس عليه، فما من قائلٍ يقول: يا الله، إلا ويجد في نفسه ضرورة تطلب جهة العلو، لا يلتفت يمنةً ولا يسرة، فأنت إن شئت انظر بعد أن تصلي في مساجد المسلمين كيف يرفع الناس أيديهم في الدعاء، ويتجهون إلى جهة العلو، ولا يلتفتون يمنةً ولا يسرة.\nفقد قال إمام الأئمة محمد بن خزيمة ﵀: «باب ذكر البيان أن الله ﷿ في السماء، كما أخبرنا في مُحْكَمِ تَنْزِيلِهِ وعلى لسان نبيه ﵇، وكما هو مفهوم في فطرة المسلمين علمائهم وجُهَّالِهِمْ وأَحْرَارِهِمْ وَمَمَالِيكِهِمْ ذُكْرَانِهِمْ وَإِنَاثِهِم بَالِغِيهِم وأَطْفَالِهِم، كل مَنْ دعا الله جل وعلا فإنه يرفع رأسَه إلى السماء ويمد يدَيْه إلى الله إلى أعلاهُ، لا إلى أسفل» (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأمَّا كونه عاليًا على مخلوقاته بائنًا منهم، فهذا أمرٌ معلومٌ بالفطرةِ الضروريةِ التي يشترك فيها جميع بني آدم.\n_________\n(^١) \"مجموع فتاوى الشيخ العثيمين\" (٤/ ٢٨٣).\n(^٢) «التوحيد» (١/ ٢٥٤).","vol":"1","page":739},{"text":"وكُلُّ مَنْ كان بالله أعرفَ وله أَعْبَدَ ودُعَاؤُهُ له أكثرَ وقَلْبُهُ له أَذْكَرَ كان علمُه الضروريُّ بذلك أقوى وأكملَ، فالفطرة مُكَمَّلَةٌ بالفطرة المنزَّلة؛ فإن الفطرةَ تعلم الأمر مُجْمَلًا والشريعة تُفَصِّلُهُ وتُبَيِّنُهُ وتَشْهَدُ بما لا تَسْتَقِلُّ الفطرة به، فهذا هذا، والله أعلم» (^١).\nفالله تعالى فطر القلوب على إثبات علوه عز جل، ولذلك لما تكلم أبو المعالي الجويني في إنكار صفة العلو؛ وقال على المنبر: كان اللهُ ولا عَرْشَ، فقال له أبو جعفر الهمداني: يا أستاذ دَعْنَا مِنْ ذكر العرش- يعني لأن ذلك إنما جاء في السَّمْعِ- أَخْبِرْنَا عن هذه الضرورة التي نَجِدُهَا في قلوبنا، فإنه ما قال عارف قَطُّ (يا الله) إلا وَجَدَ مِنْ قَلْبِهِ ضَرُورَةً تَطْلُبُ العُلُوَّ، لا تلتفت يَمْنَةً ولا يَسْرَةً، فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟ قال: فلطم أبو المعالي على رأسه، وقال: حَيَّرَنِي الهمذانيُّ، حَيَّرَنِي الهمدانيُّ، ونزل (^٢).\nفالله ﷾ فطر هذه القلوب على إثبات علوه ﷿ فأنت في كل أحوالك إذا سألت الله اتَّجهت إلى جهة واحدة، وهي جهة العلو، فلا تلتفت يمنة ولا يسرة؛ لأن الله ﷾ فطر القلوب على معرفته، ومن ذلك جواب الجارية على النبي -ﷺ- لما سألها الجارية: «أين الله؟». فقالت: «في السَّماء». فقال -ﷺ-: «أَعْتِقها؛ فإنَّها مؤمنة» (^٣).\nفإذًا هذا أمرٌ مغروسٌ في الفِطَرِ، الله تعالى فَطَرَ الناس على ذلك، وما من إنسانٍ صاحب فطرةٍ سليمة إلا وهذا الأمر في فطرته، وهذا يؤكده حديث الجارية، لما سألها النبي ﷺ: أين الله؟ قالت: في السماء، وهذا جاء في صحيح مسلم.\nبل إن هذا أمرٌ مغروسٌ في فطر الأمم جميعًا، على اعتقاد بأن الله تعالى في\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٥).\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٤/ ٤٤).\n(^٣) أخرجه مسلم (٥٣٧).","vol":"1","page":740},{"text":"السماء؛ ولذلك ما من إنسان يحزبه أمر إلا إذا أراد أن يدعو الله تعالى وأن يناجي الله -﷾مد يديه إلى السماء، واتجه بقلبه إلى جهة السماء، يسأل الله ﷾، ويطلب الله ﷾.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"علو الخالق على المخلوق وأنه فوق العالم، أمر مستقر في فطر العباد، معلوم لهم بالضرورة، كما اتفق عليه جميع الأمم، إقرارًا بذلك، وتصديقًا من غير أن يتواطؤا على ذلك ويتشاعروا، وهم يخبرون عن أنفسهم أنهم يجدون التصديق بذلك في فطرهم.\nوكذلك هم عندما يضطرون إلى قصد الله وإرادته، مثل قصده عند الدعاء والمسألة، يضطرون إلى توجه قلوبهم إلى العلو، فكما أنهم مضطرون إلى أن يوجهوا قلوبهم إلى العلو إليه، لا يجدون في قلوبهم توجهًا إلى جهة أخرى، ولا استواء الجهات كلها عندها وخلو القلب عن قصد جهة من الجهات بل يجدون قلوبهم مضطرة إلى أن تقصد جهة علوهم دون غيرها من الجهات.\nفهذا يتضمن بيان اضطرارهم إلى قصده في العلو وتوجههم عند دعائه إلى العلو، كما يتضمن فطرتهم على الإقرار بأنه في العلو والتصديق بذلك\" (^١).\nوقول المصنف: \"وإذا قيل: «العلو»، فإنه يتناول ما فوق المخلوقات كلها، فما فوقها كلها هو في السماء، ولا يقتضي هذا أن يكون هناك ظرف وجودي يحيط به، إذ ليس فوق العالم شيء موجود إلا الله، كما لو قيل: إن العرش في السماء، فإنه لا يقتضي أن يكون العرش في شيء آخر موجود مخلوق.\nوإذا قُدِّر أن «السماء» المراد بها الأفلاك كان المراد أنه عليها، كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [سورة طه: ٧١]، وكما قال: ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾\n_________\n(^١) انظر درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٥) بتصرف.","vol":"1","page":741},{"text":"[آل عمران الآية: ١٣٧]، وكما قال: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ﴾ [التوبة الآية: ٢]، ويقال: فلان في الجبل، وفي السطح. وإن كان على أعلى شيء فيه\".\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀\": السلف، والأئمة، وسائر علماء السنَّة إذا قالوا: \" إنه فوق العرش \"، و\" إنه في السماء فوق كل شيء \": لا يقولون إن هناك شيئًا يحويه، أو يحصره، أو يكون محلاًّ له، أو ظرفًا، ووعاءً، ﷾ عن ذلك، بل هو فوق كل شيء، وهو مستغنٍ عن كل شيءٍ، وكل شيءٍ مفتقرٌ إليه، وهو عالٍ على كل شيءٍ، وهو الحامل للعرش، ولحملة العرش، بقوته، وقدرته، وكل مخلوق مفتقرٌ إليه، وهو غنيٌّ عن العرش، وعن كل مخلوق.\nوما في الكتاب والسنة من قوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ ﴿ونحو ذلك: قد يَفهم منه بعضُهم أن \"السماء\" هي نفس المخلوق العالي العرش فما دونه، فيقولون: قوله: ﴿فِي السَّمَاءِ ﴿بمعنى: \"على السماء\"، كما قال: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [سورة طه: ٧١]، أي: على جذوع النخل، وكما قال: ﴿فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ﴾ [آل عمران الآية: ١٣٧]، أي: على الأرض.\nولا حاجة إلى هذا، بل \" السماء \" اسم جنس للعالي، لا يخص شيئًا، فقوله: ﴿فِي السَّمَاءِ ﴿أي: في العلو دون السفل.\nوهو العلي الأعلى فله أعلى العلو، وهو ما فوق العرش، وليس هناك غيره، العلي الأعلى، ﷾\" (^١)\n_________\n(^١) \"مجموع الفتاوى\" (١٦/ ١٠٠، ١٠١).","vol":"1","page":742},{"text":"<span data-type='title' id=toc-329>النصوص الداله على تدبر القرآن وتفهم معانيه</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"القاعدة الخامسة: أنَّا نعلم ما أُخبرنا به من وجه دون وجه، فإن الله تعالى قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء الآية: ٨٢]، وقال: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون الآية: ٦٨]، وقال: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُو الأَلْبَابِ﴾ [ص الآية: ٢٩]، وقال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد الآية: ٢٤]، فأمر بتدبر الكتاب كله.\nالشرح\nمن المعلوم أن الله تعبدنا بهذا القرآن ألفاظًا ومعان، وأننا مأمورون بأن نسلم ونصدق بما ورد فيه، وإن كان أحيانًا قد لا يصل الإنسان إلى فهم النص، أو معرفة معنى النص، أو أن هناك في النص أمرًا متعلقًا بالكيفية لا تبلغه عقول البشر.\nفالواجب على الإنسان أن يُسلم ويصدق بهذا الجانب، فالنصوص لم تأت بما يصادم وترده العقول، لكن أحيانًا لا تبلغ العقول مبلغ فهم هذا النص، فهذا يأتي من حالين:\nإما حال المعنى.\nأو حال الكيف.\nفالحال الأول: حال المعنى.\nفقد يكون الأمر بما يسمى بالاشتباه النسبي، بمعنى: أن النص قد يتضح لك وقد","vol":"2","page":743},{"text":"يخفى علي، أو العكس، بأن يتضح لي ويخفى عليك، فالمعنى قد لا يبلغه عقلك أو فهمك، وهذا وقع حتى لبعض أصحاب النبي -ﷺ-.\nفالصحابة رضوان الله عليهم لما سمعوا قول الله -﷿-: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، جاءوا يبكون ويقولون للنبي: \"وأينا لم يظلم نفسه\" ففهموا من الظلم ظلم النفس، فأرشدهم النبي -ﷺ- إلى المعنى الحق، وقال: «ألم تسمعوا لقول العبد الصالح يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلمٌ عظيم» (^١)، فأفهمهم بأن المراد من الظلم هنا هو الشرك؛ لأن الظلم على ثلاثة أنواع:\nظلم النفس، وظلم الغير، والظلم بمعنى الشرك.\nوهذا عدي بن حاتم عربي قُح، عندما سمع قول الله -﷿-: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، جاء بحبلين بعقالين أحدهما أسود والثاني أبيض ووضعهما تحت وسادته وأخذ ينظر إليهما، يريد أن يتبين إليه الأبيض من الأسود، فلما جاء إلى النبي -ﷺ- قال: «إن قفاك لعريض ألم يقل من الفجر» (^٢)، فبين له أن المعنى هنا بياض النهار وسواد الليل.\nفيقع التباس وعدم قدرة على الفهم من جهة المعنى.\n_________\n(^١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الإِيمَانِ، بَابٌ: ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ برقم (١٥)، ومسلم كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ صِدْقِ الْإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ (١٢٤)، والترمذي (٣٠٦٧)، والإمام أحمد في المسند مسند المكثرين من الصحابة (٣٥٨٩).\n(^٢) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، برقم (١٩١٦)، ومسلم كِتَاب الصِّيَامِ، بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدُّخُولَ فِي الصَّوْمِ يَحْصُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ … برقم (١٠٩٠)، والترمذي (٢٩٧٠)، والنسائي (٢١٦٩)، والإمام أحمد في المسند أَوَّلُ مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ (١٩٣٧٥).","vol":"2","page":744},{"text":"والحال الثاني: حال الكيف.\nأي أن الأمر متعلق بالكيفية كمعرفة كيف ينزل ربنا إلى السماء الدنيا، فنحن لا نعلم كيفية نزوله، ولا كيفية استوائه، لا نعلم هذه الكيفيات فهي أمورٌ لا تبلغها عقولنا، فما جاء النص بما يصادم العقل، لكن قد يأتي النص بما لم يبلغه العقل.\nوما لم يصل إليه عقل الإنسان، إما معنىً من جهة قصور فهمنا، أو حقيقة من جهة أن هذا الأمر غيبٌ من الغيوب، فهذه النصوص نقابلها بالتسليم والتصديق.\nوإذا كان الأمر متعلقًا بالمعنى سألنا من كان فيها أفقه وأعلم وأعرف، فبالتالي سيبين لك ما هو المعنى المراد من هذا النص.\nوإن كان أمرًا متعلقًا بالكيفية من الأمور الغيبية فليس لنا إليه سبيل؛ لأنه محجوبٌ عنا، وقد قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فليس لنا أن تتخوض في شأن الكيف الذي لا سبيل لنا إليه.\nفلا سبيل إلى الكيفيات التي غيبت عنا فهذه الروح بين جنبينا وأقرب شيء إلينا، ومع ذلك لا سبيل إلى معرفة كنهها وكيفيتها مع أنها مخلوقة وبين جنبي الإنسان، فإذًا علينا التسليم والتصديق والتفويض، فالتفويض هنا متعلقٌ بالكيف، أما تفويض المعنى فليس هناك أبدًا في النصوص ما لا يُعلم معناه، اعلم هذا جزما، أنه ليس في النصوص ما لا يُعلم معناه، ولا يقول قائل: هذه الحروف المقطعة في أوائل السور لا يُعلم معناها، فهذه ليست كلامًا وإنما هي حروف، ولذلك أنت تقرأها ألف لام ميم، تقرأها حرفًا حرفًا، ومعلوم أن الكلام مركبٌ من الحروف.\nفأنت عندما تنطقها تنطقها حروفًا لا تنطقها كلمة ليس ألف لام ميم مثل (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل)، فهذه تقرأ حرفًا حرف وهذه تُقرأ كلمة،","vol":"2","page":745},{"text":"فكيف تطلب لها معنى وهي ليست كلمة، وكما قال في ذلك ابن مالك:\nكَلَامُنَا لَفْظٌ مُفِيْدٌ كَاسْتَقِمْ … وَاسْمٌ وَفِعْلٌ ثُمَّ حَرْفٌ الْكَلِمْ (^١)\nفالكلام ما أفاد معنى، ولا يكون كلامًا حتى يكون مركبًا من حروف.\nأما الحروف فهي ليست كلامًا حتى تطلب لها معنى.\nثم من معلوم أن الله تعبدنا بالنصوص ألفاظا تلاوة، وتعبدنا بالقرآن كذلك معنى، فنحن متعبدون بإتباع ما جاء فيه، ولا يُعقل أن الله ﷾ يتعبدنا بأمرٍ ليس لنا سبيل إلى معرفة معناه، فأمر المعنى أهل السنة لا يفوضون فيه المعاني، وإنما يفوضون الكيفيات.\nفليس لإنسان أن يفسر شيئًا من ذلك بهواه أو يرده فإذا رده كان شأنه شأن الجهمية؛ لأن الجهمية هم الذين عطلوا النصوص، عطلوها ألفاظًا بردها، وعطلوها معانٍ بتحريف معانيها، فقالوا: استوى استولى، وقالوا: \"اليد بمعنى النعمة والقدرة\" (^٢) وقالوا: \"وجاء ربك وجاء أمر ربك\" (^٣) فهذا شأن الجهمية رد النصوص، إما ردها ألفاظًا بقوله: \" إنها أخبار آحاد ولا يُحتج بها في باب العقائد أو ردوها معانٍ بحيث أولوا أو حرفوا معانيها من المعاني الحقة إلى المعاني الباطلة\" (^٤)\nوبحمد الله تعالى هذا القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وهو محكم في تنزيله ومحكم في معانيه لكن إذا كان الإنسان يجهل التعامل مع ألفاظ النصوص ومعرفة معانيها فذاك الذي يروج عليه تأويلات هؤلاء، وتأويلاته في غاية من الحمق.\n_________\n(^١) انظر ألفية ابن مالك صفحة (٩).\n(^٢) انظر الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة صفحة (٤٠).\n(^٣) انظر الرد على الجهمية للدارمي صفحة (٧٦).\n(^٤) انظر الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة الجزء الرابع، صفحة (١٥٢٩، ١٥٣٠).","vol":"2","page":746},{"text":"وفي بيان حدود العقل يقول الإمام السفاريني﵀-: «إن الله خلق العقول وأعطاها قوة الفكر، وجعل لها حدًا تقف عنده من حيث ما هي مفكرة، لا من حيث ما هي قابلة للوهب الإلهي، فإذا استعملت العقول أفكارها فيما هو في طورها وحدِّها، ووفت النَّظر حقَّه، أصابت بإذن الله تعالى، وإذا سلَّطت الأفكار على ما هو خارج عن طورها، ووراء حدِّها الذي حدَّه الله لها، ركبت متن عمياء، وخبطت خبط عشواء» (^١).\nوقول المصنف: \"وقد قال: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُو الألْبَابِ﴾ [آل عمران الآية: ٧].\nوجمهور سلف الأمة وخلفها على أن الوقف عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾، وهذا هو المأثور عن أُبَيّ بن كعب وابن مسعود وابن عباس وغيرهم، ورُوي عن ابن عباس أنه قال: التفسير على أربعة أوجه، تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب.\nوقد رُوي عن مجاهد وطائفة أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وقد قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عن تفسيرها\".\nيتحدث المصنف هنا عن مسألة مهمة تتعلق بفهم ظاهر النصوص وفحوى هذه المسألة هل في النصوص ما لا يعلم معناه.\n_________\n(^١) لوامع الأنوار البهية (١/ ١٠٥)، وانظر: الفوائد (٢٤٠).","vol":"2","page":747},{"text":"وقد تقدم بيان أن الفهم إما أن يتعلق بالمعنى أو بالكيف، وذكر الفرق بينهما.\nوهذه الآية يستدل بها كل من أهل السنة من طرف كما يستدل بها أهل التعطيل سواء منهم من يسمون أهل التأويل أو من يسمون أهل التفويض من طرف آخر، ومن باب توضيح المعاني المقصودة بالآية من جهة الوقف في الآية وهل هو على قوله (إلا الله) أو على قوله: (والراسخون في العلم)، من جهة بيان المقصود بالمحكم والمتشابه، والمقصود بمعنى التأويل عمومًا وفي الآية خصوصًا.\nوسيتم شرح النص بحسب نوع المسألة:","vol":"2","page":748},{"text":"<span data-type='title' id=toc-330>فالمسألة الأولى: مسألة الوقف في الآية.</span>\nوقد ذكر المصنف أن لعلماء السلف في مسألة الوقف في الآية قولان معتبران.\nالقول الأول: قول: \"جمهور سلف الأمة وخلفها على أن الوقف عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ \"\nوأشار المصنف إلى أن معنى \"التأويل\" على هذا القول يكون حقيقة الأشياء وكيفياتها التي هي عليها من أمور المغيبات واستشهد المصنف لذلك بما \"رُوي عن ابن عباس أنه قال: التفسير على أربعة أوجه، تفسير تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله من ادعى علمه فهو كاذب\".\nفالنوع الرابع من الأنواع التي ذكرها ابن عباس هو المقصود بالتأيل في هذه الآية إذا كان الوقف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾.\nالقول الثاني: أن الوقف يكون على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ فيكون معنى التأيول في الآية هو التفسير.\nوأشار المصنف إلى أن هذا المعنى روي عن بعض السلف فقال: \"رُوي عن مجاهد وطائفة أن الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وقد قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من فاتحته إلى خاتمته أقف عند كل آية وأسأله عن تفسيرها\".\nوقال المصنف عن الترجيح بين القولين: \"ولا منافاة بين القولين عند التحقيق\" وهذا ما سيأتي توضيحه.","vol":"2","page":749},{"text":"<span data-type='title' id=toc-331>المسألة الثانية: معاني التأويل عموما وفي الآية خصوصًا.</span>\nفإن لفظ «التأويل» قد صار بتعدد الاصطلاحات مستعملا في ثلاثة معان:\nأحدها- وهو اصطلاح كثير من المتأخرين من المتكلمين في الفقه وأصوله- أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به؛ وهذا هو الذي عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في تأويل نصوص الصفات وترك تأويلها، وهل هذا محمود أو مذموم، وحق أو باطل؟ \".\nهذا هو أحد المعاني التي استعمل فيها اصطلاح التأويل، وهذا الاستعمال ليس هو المقصود في الآية بحسب ما فسرت به عند علماء السلف، وإنما اصطلاح حادث يرد في كلام الأصوليين والفقهاء والمتكلمين، وهذا الاصطلاح نصه كما ذكر المصنف: \"أن التأويل هو صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن به\".\nفتخصيص لفظ التأويل بهذا المعني إنما يوجد في كلام بعض المتأخرين، وأما الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم فلا يخصون لفظ التأويل بهذا المعني، بل يريدون المعني الثاني أو الثالث كما سيأتي.\nولهذا لما ظن طائفة من المتأخرين أن لفظ التأويل في القرآن والحديث في مثل قوله تعالي ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾ آل عمران: ٧، أريد به هذا المعني الاصطلاحي الخاص، واعتقدوا أن الوقف في الآية عند قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ لزم من ذلك أن يعتقدوا أن لهذه الآيات والأحاديث معاني تخالف مدلولها المفهوم منها، وأن ذلك المعني","vol":"2","page":750},{"text":"المراد بها لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه الملك الذي نزل بالقرآن، وهو جبريل ولا يعلمه محمدًا صلي الله عليه وسلم ولا غيره من الأنبياء، ولا تعلمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأن محمدًا صلي الله عليه وسلم كان يقرأ قوله تعالي ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ طه: ٥ قوله ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ فاطر: ١٠ وقوله ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ المائدة: ٦٤ وغير ذلك من آيات الصفات، بل ويقول: \"ينزل ربنا كل ليلة إلي السماء الدنيا\" ونحو ذلك، وهو لا يعرف معاني هذه الأقوال، بل معناها الذي دلت عليه لا يعلمه إلا الله، ويظنون أن هذه طريقة السلف.\nمن قول أهل السنة الإيمان بالنصوص على ظاهرها ورد التأويل الفاسد، ويقصد بظاهر النصوص مدلولها المفهوم بمقتضى الخطاب العربي، لا ما يقابل النص عند متأخري الأصوليين، والظاهر عندهم على حد تعريفهم: ما احتمل معنى راجحًا وآخر مرجوحًا، والنص هو ما لا يحتمل إلا معنى واحدا، (فلفظة الظاهر قد صارت مشتركة، فإن الظاهر في الفطر السليمة، واللسان العربي، والدين القيم، ولسان السلف، غير الظاهر في عرف كثير من المتأخرين) (^١).\nفالواجب في نصوص الوحي إجراؤها على ظاهرها المتبادر من كلام المتكلم، واعتقاد أن هذا المعنى هو مراد المتكلم، ونفيه يكون تكذيبًا للمتكلم، أو اتهامًا له بالعي وعدم القدرة على البيان عما في نفسه، أو اتهامًا له بالغبن والتدليس وعدم النصح للمكلف، وكل ذلك ممتنع في حق الله تعالى وحق رسوله الأمين ﷺ.\nومراد المتكلم يعلم:\nأ - إما باستعماله اللفظ الذي يدل بوضعه على المعنى المراد مع تخلية السياق\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣٣/ ى ١٧٥).","vol":"2","page":751},{"text":"عن أية قرينة تصرفه عن دلالته الظاهرة.\nب - أو بأن يصرح بإرادة المعنى المطلوب بيانه.\nت - أو أن يحتف بكلامه من القرائن التي تدل على مراده.\nوعلى هذا فصرف الكلام عن ظاهره المتبادر -من غير دليل يوجبه أو يبين مراد المتكلم-تحكم غير مقبول سببه الجهل أو الهوى، وهذا وإن سماه المتأخرون تأويلًا إلا أنه أقرب إلى التحريف منه إلى التأويل.\nولا يسلم لهذا المتأول تأويله حتى يجيب على أمور أربعة:\nأحدهما: أن يبين احتمال اللفظ لذلك المعنى الذي أورده من جهة اللغة.\nالثاني: أن يبين وجه تعيينه لهذا المعنى أنه المراد.\nالثالث: أن يقيم الدليل الصارف للفظ عن حقيقته وظاهره؛ لأن الأصل عدمه.\nقال ابن الوزير ﵀: \"من النقص في الدين رد النصوص والظواهر، ورد حقائقها إلى المجاز من غير طريق قاطعة تدل على ثبوت الموجب للتأويل\" (^١).\nالرابع: أن يبين سلامة الدليل الصارف عن المعارض، إذ دليل إرادة الحقيقة والظاهر قائم، وهو إما قطعي، وإما ظاهر، فإن كان قطعيا لم يلتفت إلى نقيضه، وإن كان ظاهرًا فلابد من الترجيح (^٢).\nقال ابن القيم: «والمقصود أن التَّأْوِيل يتجاذبه أصلان: التفسير، والتَّحْرِيف.\nفتأويل التفسير هو الحق، وتأويل التَّحْرِيف هو الباطل.\nفتأويل التَّحْرِيف مِنْ جنس الإلحاد؛ فإنه هو الميلُ بالنصوصِ عن ما هي عليه،\n_________\n(^١) «إيثار الحق» لابن الوزير (ص ١٢٩).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٦/ ٣٦٠ - ٣٦٢)، و«الصواعق المرسلة» لابن قيم الجوزية (١/ ٢٨٨ - ٢٩٠)، و«بدائع الفوائد» لابن قيم الجوزية (٤/ ١٠٠٩).","vol":"2","page":752},{"text":"إما بالطعن فيها أو بإخراجها عن حقائقها مع الإقرار بلفظها، وكذلك الإلحاد في أسماء الله يكون بجحد معانيها وحقائقها، وتارةً يكون بإنكار المسمَّى بها، وتارة يكون بالتشريك بينه وبين غيره فيها.\nفالتَّأْوِيل الباطل هو إلحادٌ وتحريفٌ، وإن سماه أصحابه تحقيقًا وعرفانًا وتأويلًا.\nفمِن تأويل التَّحْرِيف والإلحادِ تأويلُ الجهمية قولَه تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، أي: جَرَحَ قلبَه بالحِكم والمعارف تجريحًا.\nومن تحريف اللفظ إعراب قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ﴾ من الرفع إلى النصب، وقال: (وكلَّم اللهَ) أي: موسى كلم اللهَ، ولم يكلمه اللهُ، وهذا من جنس تحريف اليهود، بل أقبح منه، واليهود في هذا الموضع أولى بالحق منهم.\nولما حرَّفها بعضُ الجهمية هذا التَّحْرِيف قال له بعض أهل التوحيد: فكيف تصنعُ بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣]؟! فَبُهِتَ المحرِّف.\nومن هذا أنَّ بعض الفرعونيَّة سأل بعضَ أئمة العربية هل يمكن أن يُقرأ العرش بالرفع في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾؟ وقصد الفرعونيُّ بهذا التَّحْرِيف أن يكون الاستواء صفة للمخلوق، لا للخالق.\nولو تَيَسَّر لهذا الفرعوني هذا التَّحْرِيف في هذا الموضع لم يتيسر له في سائر الصفات» (^١).\nالثاني- أن التأويل بمعنى التفسير، وهذا هو الغالب على اصطلاح مفسري القرآن، كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنِّفين في التفسير: «واختلف علماء التأويل». ومجاهد إمام المفسرين، قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به. وعلى تفسيره يعتمد الشافعي وأحمد بن حنبل والبخاري وغيرهم- فإذا ذكر أنه يعلم\n_________\n(^١) «الصواعق المرسلة» (١/ ٢١٥ - ٢١٨).","vol":"2","page":753},{"text":"تأويل المتشابه، فالمراد به معرفة تفسيره.\nأي أن لفظ التأويل يطلق ويراد به تفسير الكلام وبيان معناه، وهذا اصطلاح السلف، وجمهور المفسرين، وهو موافق لقول من قال بالوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران الآية: ٧]. (^١).\nوضرب المصنف أمثلة على استعمال هذا المعنى في كلام السلف:\nالمثال الأول: قوله: \"كما يقول ابن جرير وأمثاله من المصنِّفين في التفسير: «واختلف علماء التأويل» \". فيستعملون لفظ التأويل ويريدون به التفسير.\nالمثال الثاني: قوله: \"يعلم تأويل المتشابه\" أي يعلم تفسير المتشابه.\nالثالث- من معاني التأويل- هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف الآية: ٥٣]. فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله تعالى به فيه، مما يكون من القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار ونحو ذلك، كما قال في قصة يوسف لما سجد أبواه وإخوته قال: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف الآية: ١٠٠]، فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا.\nفالتأويل الثاني هو تفسير الكلام، وهو الكلام الذي يُفسَّر به اللفظ حتى يُفهم معناه أو تُعرف علته أو دليله، وهذا التأويل الثالث هو عين ما هو موجود في الخارج، ومنه قول عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا\n_________\n(^١) انظر: في هذه التعريفات: الفتوى الحموية ص (٧٠ - ٧١)، التدمرية ص (٩٠ - ٩٦)، الإكليل في المتشابه والتأويل، ضمن مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٨٨ - ٢٩٤).\nوللتوسع انظر: جناية التأويل الفاسد ص (٨ - ٣٠)، موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة ص (٤٨١ - ٥٠١).","vol":"2","page":754},{"text":"وبحمدك، اللهم اغفر لي» يتأول القرآن\" (^١). تعني قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾ [النصر الآية: ٣]. وقول سفيان بن عيينة: \"السُّنة هي تأويل الأمر والنهي\" (^٢)، فإن نفس الفعل المأمور به هو تأويل الأمر به، ونفس الموجود المخبَر عنه هو تأويل الخبر، والكلام خبر وأمر، \".\nالمعنى الثالث من معاني التأويل كما ذكر المصنف: \"هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام، وهي وقوع المخبر به في وقته الخاص إذا كان الكلام خبرًا، أو امتثال ما دلَّ عليه الكلام إذا كان الكلام طلبًا، وهذا اصطلاح آخر قال به السلف الصالح (^٣).\nوبين المصنف أن الكلام ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: الخبر. فإذا كان الكلام من هذا القسم، فإن تأويله هو وقوع المخبر به في وقته الخاص، ومثاله ما وقع في قصة يوسف ﵇ كما ومثاله:\n١ - مثل المعاد وما يكون فيه من القيامة والحساب والجزاء، وهذا القسم هو المقصود بقول المصنف: \"كما قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف الآية: ٥٣]. فتأويل ما في القرآن من أخبار المعاد هو ما أخبر الله تعالى به فيه، مما يكون من القيامة والحساب والجزاء والجنة والنار ونحو ذلك\".\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤).\n(^٢) «غريب الحديث» (٢/ ١١٧ - ١١٨). وانظر: إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات لابن الوزير (ص: ٨٩).\n(^٣) انظر: في هذه التعريفات: الفتوى الحموية ص (٧٠ - ٧١)، التدمرية ص (٩٠ - ٩٦)، الإكليل في المتشابه والتأويل، ضمن مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٨٨ - ٢٩٤).\nوللتوسع انظر: جناية التأويل الفاسد ص (٨ - ٣٠)، موقف المتكلمين من الاستدلال بنصوص الكتاب والسنة ص (٤٨١ - ٥٠١).","vol":"2","page":755},{"text":"٢ - ومنه كذلك قول المصنف: \"كما قال في قصة يوسف لما سجد أبواه وإخوته قال: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف الآية: ١٠٠ [فجعل عين ما وجد في الخارج هو تأويل الرؤيا\".\nوالقسم الثاني: الأمر.\nفإذا كان الكلام من هذا القسم، فإن تأويله امتثال ما دلَّ عليه الكلام إذا كان الكلام طلبًا، كما قال المصنف: \"فإن نفس الفعل المأمور به هو تأويل الأمر به\".\nومثاله: \"قول عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) يتأول القرآن. تعني قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ﴾. وقول سفيان بن عيينة: السُّنة هي تأويل الأمر والنهي\".\nوقول المصنف: \"ولهذا يقول أبو عبيد وغيره: الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة. كما ذكروا ذلك في تفسير اشتمال الصَّمَّاء، لأن الفقهاء يعلمون نفس ما أُمر به ونفس ما نُهي عنه، لعلمهم بمقاصد الرسول ﷺ، كما يعلم أتباع أبقراط وسيبويه ونحوهما من مقاصدهم ما لا يُعلم بمجرد اللغة\".\nأعطى المصنف هنا مثالًا على تأيل الأمر بقول \"أبو عبيد وغيره: الفقهاء أعلم بالتأويل من أهل اللغة\" (^١).\nأي لما كان تأويل الأمر والنهي-وهو امتثالهما-يحتاج إلى العلم به كان الفقهاء أعلم بتأويل الأحكام من أهل اللغة لأنهم يعلمون مقاصد الشريعة، ولهم ممارسة الألفاظ الوحيين، لهذا قال الإمام ابن خزيمة: \"ومحال أن يكون أهل الشعر أعلم بلفظ الحديث من علماء الأثر الذين يعنون بهذه الصناعة يروونها ويسمعونها من ألفاظ العلماء ويحفظونها، وأكثر طلاب العربية إنما يتعلمون من\n_________\n(^١) «غريب الحديث» (٢/ ١١٧ - ١١٨).","vol":"2","page":756},{"text":"الكتب المشتراة والمستعارة من غير سماع\" (^١)\nمثال ذلك:\n«أن النبي نهى عن اشتمال الصماء» (^٢)؟ قال الأصمعي (^٣): أي أن يشتمل الرجل بثوبه فيجلل به جسده كله ولا يرفع منه جانبا ولا يخرج منه يده، فهذا قول أهل اللغة.\nقال أبو عبيد (^٤): \"والفقهاء يقولون: هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه على منكبيه فيبدو منه فرجه. والفقهاء أعلم بالتاويل في هذا، وذاك أصح لغة\" (^٥) ولكن كلا من التفسيرين معمول به عند الفقهاء، والله أعلم.\nوهكذا فإن أهل كل فن أعلم بمقاصده من غيرهم، فمثلا يعلم بقراط (^٦) في الطب ما لايعلمه غيره عن الطب بمجرد معرفته للغة.\nوهكذا سيبويه (^٧) في النحو فمثلا إذا قيل: محمد قائم، أو قام محمد، فالظاهر أن محمدا فاعل في العبارتين لكن عند النحاة محمد مبتدأ في الأولى وفاعل في\n_________\n(^١) كتاب التوحيد واثبات صفات الرب: (١/ ٢٧٧)\n(^٢) البخاري (١/ ٤٢٦) ومسلم (٣/ ١٦٦١).\n(^٣) هو عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أجمع بن ظهر الباهلي لغوي معروف، انظر البيان والتبيين اللجاحظ: ١/ ٩، ٢٣، ٣٧) والفهرست لابن النديم: ص ٧٨.\n(^٤) هو أبو عبيد القاسم بن سلام اشتغل بالحديث والفقه والأدب له تصانيف وتوفي سنة ٢٢٤، السير: (١٠/ ٤٩٠)، البداية والنهاية: (١٠/ ٢٩١).\n(^٥) غريب الحديث لأبي عبيد: (٢/ ١١٧).\n(^٦) هو بقراط بن اير اقليس، انتهت إليه رئاسة الطب وعلمه غيره. توفي سنة ٣٥٧ ق. م. انظر تاريخ الحكماء: ص ٩٠. والفهرست ص: ٣٤٨. ط. الجديدة.\n(^٧) هو أبو بشر عمرو بن عثمان بن قنبر إمام نحاة البصرة وله أعظم كتاب في النحو وهو: (الكتاب). توفي سنة ١٨٠. وفيات الأعيان: (٣/ ٢٩٣).","vol":"2","page":757},{"text":"الثانية (^١).\nوقول المصنف: \"ولكن تأويل الأمر والنهي لا بد من معرفته بخلاف تأويل الخبر\".\nأي أن الفرق بين تأويل الأمر وتأويل الخبر هو:\nأن الأمر يجب معرفته حتى يفعل، فلا بد في الأوامر والنواهي أن تمتثل.\nأما الخبر فلا يجب معرفته، فإنه يقع وإن جهل.\nوقول المصنف: \"إذا عرف ذلك، فتأويل ما أخبر الله به عن نفسه المقدَّسة الغنية بما لها من حقائق الأسماء والصفات هو حقيقة نفسه المقدَّسة المتصفة بما لها من حقائق الصفات، وتأويل ما أخبر الله به من الوعد والوعيد هو نفس ما يكون من الوعد والوعيد\".\nأي أن كيفية ذات الله -﷿- وصفاته داخلة في هذا المعنى من معاني التأويل، الذي لا يعلمه إلا الله تعالى، وهو الكيف المجهول الذي قال به السلف الصالح﵃- (^٢)، كما في أثر الإمام مالك﵀-، وغيره، والتي سيأتي إيرادها.\n_________\n(^١) المصدر التوضيحات الأثرية على متن الرسالة التدمرية ص: ١٨٩، ١٩٠.\n(^٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٠٧، ٥/ ٢٣٤ - ٢٣٥، ٧/ ٣٢٨)، الرد على المنطقيين ص (٦٠)، مناظرة في العقيدة الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٦٧)، تفسير سورة الإخلاص، ضمن مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٧٣ - ٣٧٤، ٤٢٣ - ٤٢٤)، الصواعق المرسلة (٣/ ٩٢٣ - ٩٢٤).","vol":"2","page":758},{"text":"<span data-type='title' id=toc-332>المسألة الثالثة: الاتفاق في الاسم لا يلزم منه تماثل المسمى.</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"ولهذا ما يجيء في الحديث نعمل بمحكمه ونؤمن بمتشابهه، لأن ما أخبر الله به عن نفسه وعن اليوم الآخر فيه ألفاظ متشابهة، تشبه معانيها ما نعلمه في الدنيا، كما أخبر أن في الجنة لحمًا ولبنًا وعسلًا وماء وخمرًا ونحو ذلك، وهذا يشبه ما في الدنيا لفظًا ومعنى، ولكن ليس هو مثله، ولا حقيقته كحقيقته. فأسماء الله تعالى وصفاته أَوْلى- وإن كان بينها وبين أسماء العباد وصفاتهم تشابه- أن لا يكون لأجلها الخالق مثل المخلوق، ولا حقيقته كحقيقته\".\nالشرح\nبين المصنف أننا في شأن ما ورد في كلام الله وكلام زسوله ﷺ الواجب علينا أن نعمل بمحكمه، وأن نؤمن بمتشابهه فإيماننا صحيحٌ بحقِّ ما كُلِّفنا به وإن لم نَعرف حقيقة ماهيته وكيفيته.\nوالموقف الصحيح من الألفاظ المتشابهة سواء ما كان منها يتعلق بالله ﷿ أو ما كان منها يتعلق ببعض المخلوقات يبينه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله:\nفالأسماء التي تطلق على الله وعلى العباد هي من الألفاظ المتواطئة التواطؤ المشكك، فالحق فيها هو أن يقال إنه بالنسبة للأسماء والصفات التي تطلق على الله وعلى العباد كالحي، والسميع، والبصير، والعليم، والقدير، والحياة، والسمع،","vol":"2","page":759},{"text":"والبصر، والعلم ونحوها هي حقيقة في الرب وحقيقة في العبد.\nولكن للرب تعالى منها ما يليق بجلاله.\nوللعبد منها ما يليق به.\nوذلك لأن الاسم والصفة من هذا النوع له ثلاثة اعتبارات:\nالاعتبار الأول: اعتبار من حيث هو مع قطع النظر عن تقييده بالرب ﵎ أو العبد.\nالاعتبار الثاني: اعتباره مضافًا إلى الرب مختصًّا به.\nالاعتبار الثالث: اعتباره مضافًا إلى العبد كل مقيدًا به.\nفما لزم الاسم لذاته وحقيقته كان ثابتًا للرب والعبد، وللرب منه ما يليق بكماله، وللعبد منه ما يليق به.\nوهذا كاسم السميع الذي يلزمه إدراك المسموعات.\nوالبصير الذي يلزمه رؤية المبصرات.\nوالعليم والقدير وسائر الأسماء.\nفإن شرط صحة إطلاقها حصول معانيها وحقائقها للموصوف بها، فما لزم هذه الأسماء لذاتها فإثباتها للرب تعالى لا محذور فيه بوجه، بل يثبت له على وجه لايماثله فيه خلقه ولا يشابههم.\nفمن نفاه عنه لإطلاقه على المخلوق ألحد في أسمائه وجحد صفات كماله، ومن أثبته على وجه لا يماثل فيه خلقه به، كما يليق بجلاله وعظمته فقد بريء من فرث التشبيه ودم التعطيل، وهذا طريق أهل السنة.\nوما لزم الصفة لإضافتها إلى العبد وجب نفيه عن الله كما يلزم حياة العبد من","vol":"2","page":760},{"text":"النوم والسنة والحاجة إلى الغذاء ونحو ذلك، وكذلك ما يلزم إرادته من حركة نفسه في جلب ما ينتفع به ودفع ما يتضرر به، وكذلك ما يلزم علوَّه من احتياجه إلى ما هو عال عليه وكونه محمولًا به، مفتقرًا إليه، محاطا به، كل هذا يجب نفيه عن القدوس السلام ﵎.\nوما لزم الصفة من جهة اختصاصه تعالى بها فإنه لا يثبت للمخلوق بوجه، كعلمه الذي يلزمه القدم والوجوب والإحاطة بكل معلوم، وقدرته وإرادته وسائر صفاته، فإن ما يختص به منها لا يمكن إثباته للمخلوق.\nفإذا أحطت بهذه القاعدة خبرًا وعقلتها كما ينبغي خلصت من الآفتين اللتين هما أصل بلاء المتكلمين:\nا-آفة التعطيل ٢٠ - وآفة التشبيه.\nفإنك إذا وفيت هذا المقام حقه من التصور أثبت لله الأسماء الحسنى والصفات العلى حقيقة فخلصت من التعطيل، ونفيت عنها خصائص المخلوقين ومشابهتهم، فخلصت من التشبيه، فتدبر هذا الموضع واجعله جنتك التي ترجع إليها في هذا الباب، والله الموفق للصواب) (^١).\n_________\n(^١) بدائع الفوائد ١/ ١٦٤، ١٦٦","vol":"2","page":761},{"text":"<span data-type='title' id=toc-333>المسألة الرابعة: أن الله يُخبر عن الغائب بالمعنى المعلوم في الشاهد وإن كانت الحقيقة مختلفة.</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"والإخبار عن الغائب لا يُفهم أن لم يُعبَّر عنه بالأسماء المعلومة معانيها في الشاهد، ويُعلم بها ما في الغائب بواسطة العلم بما في الشاهد، مع العلم بالفارق المميِّز، وأن ما أخبر الله به من الغيب أعظم مما يُعلم في الشاهد، وفي الغائب ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فنحن إذا أخبرنا الله بالغيب الذي اختص به من الجنة والنار، علمنا معنى ذلك وفهمنا ما أريد منّا فهمه بذلك الخطاب، وفسّرنا ذلك\".\nالشرح\nقال ابن تيمية: \"الإنسان يعتبر بما عرفه على ما لم يعرفه، ولولا ذلك لانسدت عليه طرق المعارف للأمور الغائبة، فإن الإنسان يعلم أنه حي عليم قدير سميع بصير متكلم فيتوصل بذلك إلى أن يفهم ما أخبر الله به عن نفسه من أنه حي عليم قدير سميع بصير، فإنه لولا تصوره لهذه المعاني من نفسه ونظره إليها لم يمكن أن يفهم ما غاب عنه.\nكما أنه لولا تصوره لما في الدنيا من العسل واللبن والماء والخمر والحرير والذهب والفضة لما أمكنه أن يتصور ما أخبر به من ذلك من الغيب، لكن لا يلزم أن","vol":"2","page":762},{"text":"يكون الغيب مثل الشهادة، فقد قال ابن عباس ﵄: \"ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء\"، فإن هذه الحقائق التي أخبر بها أنها في الجنة ليست مماثلة لهذه الموجودات في الدنيا بحيث يجوز على هذه ما يجوز على تلك، ويجب لها ما يجب لها، ويمتنع ما يمتنع عليها، ويكون مادتها مادتها ويستحيل استحالتها، فإنا نعلم أن ماء الجنة لا يفسد ولا يأسن، ولبنها لا يتغير طعمه، وخمرها لا يصدع شاربها ولا ينزف عقله، فإن ماءها ليس نابعًا من تراب ولا نازلًا من سحاب مثل ما في الدنيا، ولبنها ليس مخلوقًا من أنعام كما في الدنيا وأمثال ذلك.\nفإذا كان المخلوق يوافق ذلك المخلوق في الاسم وبينهما قدر مشترك وتشابه فعلم به معنى ما خوطبنا به، مع أن الحقيقة ليست مثل الحقيقة.\nفالخالق ﷻ أبعد عن مماثلة مخلوقاته مما في الجنة لما في الدنيا، فإذا وصف نفسه بأنه حي عليم سميع بصير قدير لم يلزم أن يكون مماثلًا لخلقه، إذ كان بعدها عن مماثلة خلقه أعظم من بعد مماثلة كل مخلوق لكل مخلوق، وكل واحد من صغار الحيوان له حياة وقوة وعمل وليست مماثلة للملائكة المخلوقين، فكيف يماثل رب العالمين شيئًا من المخلوقين\" (^١).\n_________\n(^١) رسالة في العقل والروح لابن تيمية ٢/ ٤٢ - ٤٣ (مطبوعة ضمن المجموعة المنيرية) بتصرف.","vol":"2","page":763},{"text":"<span data-type='title' id=toc-334>المسألة الخامسة: بعض حقائق الأشياء لا يمكن للخلق العلم بكنهها وكيفيتها.</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وأما نفس الحقيقة المخبَر عنها، مثل التي لم تكن بعد، وإنما تكون يوم القيامة، فذلك من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله.\nولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان. فبيّن أن الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهولة.\nومثل هذا يوجد كثيرا في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو.\nوقد قال النبي ﷺ: (لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) وهذا في صحيح مسلم وغيره، وقال في الحديث الآخر: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك). وهذا الحديث في المسند وصحيح أبي حاتم.\nوقد أخبر فيه أن لله من الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده، فمعاني هذه الأسماء التي استأثر الله بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره\".","vol":"2","page":764},{"text":"الشرح\nلا زال حديث المصنف موصولًا عن بيان أحد معاني التأويل الذي هو حقيقة الشيء وكيفيته، وقد سبق بيان أن هذا النوع من التأويل ينقسم بحسب نوع الكلام، وأن الكلام ينقسم إلى قسمين فمنه ما هو خبر ومنه ما أمر، وسبق بيان الفرق بين تأويل الأمر وتأويل الخبر هو:\nأن الأمر يجب معرفته حتى يفعل، فلا بد في الأوامر والنواهي أن تمتثل.\nأما الخبر فلا يجب معرفته، فإنه يقع وإن جهل.\nقال ابن القيم: \"وقد أخبرنا الله عن تفاصيل يوم القيامة وما في الجنة والنار، فقامت حقائق ذلك في قلوب أهل الإيمان وشاهدته عقولهم ولم يَعرفوا كيفيته وكنهه، فلا يشكُّ المسلمون أن في الجنة أنهارًا من خمر وأنهارًا من عسل، ولكن لا يعرفون كنه ذلك ومادته وكيفيته؛ كما قال ابن عباس: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء».\nفكذا الأسماء والصفات لا يَمنع انتفاء نظيرها في الدنيا مِنْ فهم معانيها وحقائقها والإيمان بذلك واعتقاد اتصاف الله بها\" (^١).\nويجب على طالب العلم أن يفرق بين معاني التأويل الشرعية عمومًا عمومًا ليعرف مقصود السلف في التعامل مع كل معنى، ومما يوضح ذلك أنه.\nأولًا: إذا قصد بمعنى التأويل التفسير.\nفإنه على هذا المعنى يقال إن السلف يجرون هذه النصوص على ظاهرها، ولكن الظاهر الذي يليق بجلال الله ﷾ وكماله، فيثبتون اليد، ويثبتون السمع،\n_________\n(^١) «مدارج السالكين» (٣/ ٣٥٨).","vol":"2","page":765},{"text":"ويثبتون البصر، ويثبتون العلم، ويثبتون الاستواء، ويثبتون النزول، ويثبتون سائر الصفات، ولكن على ما يليق بجلال وكمال الله ﷾، فالله ﷾ هو الذي أخبر بهذه الصفات، ووصف نفسه بهذه الصفات، كما وردت بذلك نصوص الكتاب والسنة.\nوهذا المعنى هو المقصود بقول الإمام مالك \" الاستواء معلوم\".\nثانيًا: إذا قصد بمعنى التأويل الحقيقة والكيفية.\nفإن السلف يقولون: إن الإيمان بهذه الصفات هو إيمان وجود، لا إيمان بمعرفة حقيقتها وكيفيتها.\nفمع أن هذه الصفات صفات ثابتة حقيقة لله ﷾، ولكن مع هذا لا نعقل ولا نعلم كيفية تلك الصفات.\nوهذا المعنى هو المقصود بقول الإمام مالك: \"والكيف مجهول\".\nوقول المصنف: \"ولهذا لما سئل مالك وغيره من السلف عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قالوا: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وكذلك قال ربيعة شيخ مالك قبله: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، ومن الله البيان، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا الإيمان. فبيّن أن الاستواء معلوم، وأن كيفية ذلك مجهولة.\nقول الإمام مالك﵀- (١٧٩ هـ) حينما سأله رجل عن قوله تعالى:\n﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (^١)، كيف استوى؟ قال: «الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وإني لأخاف أن تكون ضالًا\"، فأمر به فأخرج» (^٢).\nوروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة، قال: \"سُئل\n_________\n(^١) الآية [٥] من سورة طه.\n(^٢) تقدم تخريجه.","vol":"2","page":766},{"text":"ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق\" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة من غير وجه، منها: ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني، وأبو بكر البيهقي، عن يحيى بن يحيى قال: كنا عند مالك بن أنس، فجاء رجل، فقال: يا أبا عبد الله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، كيف استوى؟، فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرُّحَضَاء ثم قال: \"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا، ثم أمر به أن يُخرج\" (^٢).\nفقول ربيعة ومالك: \"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول\" موافقٌ لقول الباقين: \"أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف\"، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة) (^٣).\nوقد علَّق الإمام الذهبي﵀-، على قول الإمام مالك بقوله: «وهو قول أهل السنة قاطبة: أن كيفية الاستواء لا نعقلها بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نعمِّق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيًا ولا إثباتًا، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينًا مع ذلك أن الله لا مثل له لا في صفاته، ولا في استوائه ولا في نزوله -﷾-) (^٤).\n_________\n(^١) انظر: كتاب الفتوى الحموية الكبرى الجزء الأول صفحة (٣٠٦).\n(^٢) انظر: كتاب الأسماء والصفات للبيهقي الجزء الثاني صفحة (٣٠٥).\n(^٣) الفتوى الحموية\n(^٤) العلو (٢/ ٩٥٤).","vol":"2","page":767},{"text":"وقال الوليد بن مسلم﵀-: «سألت مالك بن أنس، وسفيان الثورى، واللَّيث بن سعد، والأوزاعي عن الأخبار التي جاءت في الصفات، فقالوا: \"أمروها كما جاءت\"، وفى رواية فقالوا: \"أمروها كما جاءت بلا كيف» (^١).\nفقولهم: «بلا كيف»، صريح في نفي العلم بالكيفية، وقولهم: «كما جاءت» صريح في إثبات المعنى؛ لأن هذه الأخبار جاءت بلسان عربي مبين، وهم أهل هذا اللسان، فلا يتصور عاقلٌ أنهم لم يدركوا معانيها وسكتوا عن السؤال عنها.\n\"فقولهم ﵃: \"أمِرُّوها كما جاءت\" ردٌّ على المعطلة، وقولهم: \"بلا كيف\" رد على الممثلة. والزهري ومكحول هما أعلم التابعين في زمانهم، والأربعة الباقون هم أئمة الدنيا في عصر تابعي التابعين، ومن طبقتهم حماد بن زيد، وحماد بن سلمة وأمثالهما\" (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا: \"الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول\"، ولما قالوا: \"أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف\" (^٣)، فإن الاستواء حينئذٍ لا يكون معلومًا، بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم.\nوأيضًا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية، إذا لم يفهم من اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.\nوأيضًا: فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقًا لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فمن قال: إن الله ﷾ ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول: بلا كيف، فلو كان\n_________\n(^١) تقدم تخريجه.\n(^٢) الفتوى الحموية ١/ ٣٠١\n(^٣) تقدم الإشارة إليه.","vol":"2","page":768},{"text":"من مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: بلا كيف.\nوأيضًا: فقولهم: أمِرُّوها كما جاءت. يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظًا دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمِرُّوا ألفاظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمِرُّوا ألفاظها مع اعتقاد أن الله لا يُوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أُمِرّت كما جاءت، ولا يقال حينئذ: بلا كيف، إذ نفي الكيفية عما ليس بثابت لغوٌ من القول\" (^١).\nوقول المصنف: \"ومثل هذا يوجد كثيرا في كلام السلف والأئمة، ينفون علم العباد بكيفية صفات الله، وأنه لا يعلم كيف الله إلا الله، فلا يعلم ما هو إلا هو\".\nطلب معرفة كيفية صفات الله -﷿- بدعة، فالله تعالى ما أطلعنا ولا أخبرنا ولا تعبدنا بمعرفة كيفية استوائه. فمعرفة كيفية الصفات غير حاصل للعباد؛ لأن العلم بكيفية الصفات فرع العلم بكيفية الموصوف، فإذا كان الموصوف لا تُعلم كيفيته، امتنع أن تُعلم كيفية صفاته (^٢)،\nوأكدَّ المصنف على اتفاق أهل السنة والجماعة على نفي معرفة حقيقة الله وكيفية صفاته، وقالوا: لا تجري ماهيته في مقال، ولا تخطر كيفيته ببال، ولا يحيط أحد من المخلوقين على حقيقة ذاته (^٣).\nأما أقوال السلف-رحمهم الله تعالى-في تقرير هذه القاعدة، فكثيرة جدًا، ويصعب استقصاؤها، لكن أكتفي بإيراد نماذج منها من مختلف العصور، حتى\n_________\n(^١) الفتوى الحموية: ص ٨٠.\n(^٢) انظر: نقض المنطق، ضمن مجموع الفتاوى (٤/ ٦ - ٧)، مجموع الفتاوى (٦/ ٣٩٩).\n(^٣) انظر: درء التعارض (١٠/ ٢٧٧)، التدمرية ص (١٦ - ١٨)، الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز، ضمن مجموع الفتاوى (٦/ ٣٥٥)، الإكليل في المتشابه والتأويل، ضمن مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٦٤، ١٩٧ - ١٩٩).","vol":"2","page":769},{"text":"يستبين لك التوافق التام بين عقيدة أهل السنة والجماعة، على اختلاف الأزمان وتباعد الأوطان، فمن ذلك:\nما نُقل من اتفاقهم على نفي العلم بالكيفية، مع إثبات الصفات على ظاهرها المتبادر، وقد نقل هذا الاتفاق عنهم، الإمام الخطابي (^١)، والخطيب البغدادي (^٢)، والإمام أبو القاسم التيمي (^٣)، وشيخ الإسلام ابن تيمية (^٤)، والإمام الذهبي (^٥).\n• ومن ذلك: ما روي عن الإمام أبي حنفية﵀- (١٥٠ هـ) عندما سُئل عن النزول، فقال: «ينزل بلا كيف» (^٦).\nفقد أثبت هذا الإمام﵀النزول، لكن نفى العلم بالكيفية، وفق ما سبق بيانه من مراد السلف بقولهم: \"بلا كيف\".\n• وقول عبد العزيز بن الماجشون﵀- (ت ١٦٤ هـ): «… في صفة الرب العظيم، الذي فاتت عظمته الوصف والتقدير، وكلَّت الألسن عن تفسير صفته، وانحسرت العقول دون معرفة قدره؛ فلم تجد العقول مساغًا فرجعت خاسئة حسيرة، وإنما أمروا بالنظر والتفكر فيما خلق، وإنما يقال: كيف؟ لمن لم يكن مرةً ثم كان، أما من لا يحول ولا يزول، وليس له مثل، فإنه لا يعلم كيف هو إلا هو» (^٧).\n_________\n(^١) انظر: الحجة في بيان المحجة (١/ ٣٧١)، درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٢٧٨)، العلو (٢/ ١٢٩٤).\n(^٢) انظر: جواب سؤال بعض أهل دمشق عن الصفات ص (٢٠).\n(^٣) انظر: الحجة في بيان المحجة (٢/ ١٨٦، ٤٧٧)\n(^٤) انظر: بيان تلبيس الجهمية (١/ ٦٤)، مناظرة في العقيدة الواسطية، ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٦٧)، مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٧، ٣٣/ ١٧٧).\n(^٥) انظر: العلو (٢/ ١٢٩٤).\n(^٦) أورده الصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص (٢٢٢)، وابن أبي العز في شرح الطحاوية\n(١/ ٢٦٩)، والملا علي القاري في شرح الفقه الأكبر ص (٣٤).\n(^٧) أورده ابن تيمية في الفتوى الحموية ص (٨٠)، ودرء التعارض (٢/ ٣٦ - ٣٧)، وبيان تلبيس الجهمية (٢/ ١٦٦).\nوالذهبي في العلو (٢/ ٩٦٥) برقم (٣٥١)، وفي السير (٧/ ٣١١ - ٣١٢).","vol":"2","page":770},{"text":"فبيَّن﵀أن الله لا يقال عنه كيف، كما يُسأل بذلك عن المخلوق؛ لأنه تعالى لم يخبرنا بكنه ذاته وصفاته، وقد انحسرت العقول عن معرفة ذلك؛ ولأنه تعالى لا مثيل له ولا نظير، فلا يعلم كيف هو إلا هو.\n• وعن الإمام الفضيل بن عياض﵀- (١٨٧ هـ) قال: «ليس لنا أن نتوهم في الله كيف وكيف؛ لأن الله وصف نفسه فأبلغ، فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآيات: ١ - ٤]، فلا صفة أبلغ مما وصف الله -﷿- نفسه، وكل هذا النزول والضحك، وهه المباهاة، وهذا الاطلاع كما شاء أن ينزل، وكما شاء أن يباهي، وكما شاء أن يضحك، وكما شاء أن يطلع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف» (^١).\n• وقال الإمام ابن قتيبة (^٢) -﵀- (ت ٢٧٦ هـ) أثناء مناقشته لمنكري الرؤية: «فإن قالوا لنا: كيف ذلك المنظور والمنظور إليه؟ قلنا: نحن لا ننتهي في صفاته ﷻ إلا حيث انتهى إليه رسول الله ﷺ، ولا ندفع ما صحَّ عنه؛ لأنه لا يقوم في أوهامنا ولا يستقيم على نظرنا، بل نؤمن بذلك من غير أن نقول فيه بكيفيةٍ وحدٍّ، أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت، ونرجو أن يكون في ذلك من القول والعقد بسبيل النجاة والتخلص من الأهواء كلها غدًا إن شاء الله تعالى» (^٣).\nوذكر﵀-: «أن الله وضع عن عباده أن يفكروا كيف كان، وكيف قدَّر، وكيف\n_________\n(^١) أورده شيخ الإسلام ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٢٣ - ٢٤).\n(^٢) عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، أبو محمد البغدادي، الإمام العلامة، اللغوي، أديب أهل السنة، صاحب المصنفات البديعة في السنة والأدب، توفي سنة ٢٧٦ هـ.\nانظر ترجمته في: تاريخ بغداد (١٠/ ١٧٠)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ٢٩٦).\n(^٣) تأويل مختلف الحديث ص (١٤٠ - ١٤١).","vol":"2","page":771},{"text":"خلق، وأن البحث عن ذلك مستحيل ممتنع؛ لأنه تكليف بما لا يقدر عليه العبد، ولم يكن إدراك ذلك في وسعه ولا في تركيبه» (^١).\n• وعقد الإمام ابن منده (^٢) -﵀- (ت ٣٩٥ هـ) في كتابه \"التوحيد\" فصلًا بعنوان: «ذكر بيان النهي عن تقدير كيفية صفات الله -﷿-، والدليل على إثبات صفاته، وأن الله وصف نفسه بالسمع والبصر واليمين بترك التشبيه والتمثيل» (^٣)، وأورد تحته العديد من النصوص الدالة على ما ذكر.\n• ومن كلام الإمام أبي محمد الجويني (^٤) -﵀- (ت ٤٣٨ هـ)، قال: «صفاته معلومة من حيث الجملة والثبوت، غير معقولة من حيث التكييف والتحديد، فيكون المؤمن بها مبصرًا من وجه، أعمى من وجه، مبصرًا من حيث الإثبات والوجود، أعمى من حيث التكييف والتحديد» (^٥).\n• وقد بيَّن الإمام ابن عبد البر﵀- (ت ٤٦٣ هـ) أن أهل السنة والجماعة لا يخوضون في شأن الكيفية بل: «يفزعون منها؛ لأنها لا تصلح إلا فيما يحاط به عيانًا وقد جلَّ الله وتعالى عن ذلك، وما غاب عن العيون؛ فلا يصفه ذووا العقول إلا بخبر، ولا خبر في صفات الله إلا ما وصف نفسه به في كتابه، أو على لسان رسوله ﷺ،\n_________\n(^١) الاختلاف في اللفظ والرد على الجهمية والمشبهة ص (٤٠).\n(^٢) محمد بن إسحاق بن محمد بن منده العَبْدِي، أبو عبد الله الأصبهاني، الإمام المحدث الحافظ، صاحب التصانيف، ولد سنة ٣١٠، وتوفي سنة ٣٩٥ هـ. من مصنفاته: الإيمان، والتوحيد، والرد على الجهمية.\nانظر ترجمته في: طبقات الحنابلة (٢/ ١٦٧)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٢١).\n(^٣) كتاب التوحيد (٣/ ٢١).\n(^٤) والد إمام الحرمين أبي المعالي الجويني.\n(^٥) رسالة في إثبات الاستواء والفوقية، ضمن مجموعة الرسائل المنيرية (١/ ١٨٢)، وانظر: (١/ ١٧٥، ١٨٧)","vol":"2","page":772},{"text":"فلا نتعدى ذلك إلى تشبيه، أو قياس، أو تمثيل، أو تنظير، فإنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]) (^١).\n• وقال الإمام البغوي﵀- (ت ٥١٠ هـ): «إن الامتناع عن الخوض في صفات الله تعالى بالتكييف والتشبيه واجب، وأن المهتدي من سلك في نصوص الصفات طريق التسليم، وأن الخائض فيها زائغ، والمنكر معطِّل، والمكيِّف مشبِّه، تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١]) (^٢).\n• ومما ذكره الإمام ابن القيم﵀- (ت ٧٥١ هـ) في تقرير هذه المسألة قوله: «إن العقل قد يئس من تعرُّف كنه الصفة وكيفيتها؛ فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف: \"بلا كيف\"، أي: بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته، ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا لا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فَعَجْزُنَا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم» (^٣).\nقال المصنف: \"وقد قال النبي ﷺ: «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» وهذا في صحيح مسلم وغيره، وقال في الحديث الآخر: (اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك). وهذا الحديث في المسند وصحيح أبي حاتم.\nوقد أخبر فيه أن لله من الأسماء ما استأثر به في علم الغيب عنده، فمعاني هذه\n_________\n(^١) التمهيد (٧/ ١٤٥).\n(^٢) شرح السنة (١٥/ ٢٥٧ - ٢٥٨).\n(^٣) مدارج السالكين (٣/ ٣٧٦).","vol":"2","page":773},{"text":"الأسماء التي استأثر الله بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره\".\nجانب الإثبات لا يمكن أن يحاط به بحال، وله -﷾- من الكمالات التي يحمد عليها ما لم يطلِّع عليه أحد، وما لا يُطلَّع عليه إلا يوم القيامة، كما دل على ذلك الحديث المشهور بسيد الاستغفار، وفيه عن النبي ﷺ أنه قال: «مَا أَصَابَ عَبْدًا قَطٌ هَمٌّ وَلَا غَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ، ابْنُ عَبْدِكَ، ابْنُ أَمَتِكَ، نَاصِيَتِي بِيَدِكَ، مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ، عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ، أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمِ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ، أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ، أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ …» الحديث (^١).\nوالشاهد من الحديث قوله: «أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ …»، دليل على أن أسماء الله -﷿- منها ما هو غير معلوم للبشر، وأسماؤه -﷾- مشتقة\nمن صفاته، فدلَّ على أنَّ له صفات أخرى لم يطلع عليها أحد.\nوقوله ﷺ في سجوده: «اللَّهُمَ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ» (^٢).\nووجه الشاهد قوله: «لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ»، فإنه لو أحصى ثناءً عليه، لأحصى أسماءه، وبالتالي يحصي صفاته؛ لأنها مشتقة منها.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٦/ ٢٤٦) برقم (٣٧١٢) (ط/ الرسالة)، وابن حبان، انظر: موارد الظمآن رقم (٢٣٧٢)، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٠٩)، والطبراني في الكبير رقم (١٠٣٥٢)، وصححه الألباني -﵀- كما في السلسلة الصحيحة (١/ ٣٣٦) رقم (١٩٩).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه (٤/ ٤٢٦ مع النووي)، كتاب الصلاة، باب ما يقال في الركوع والسجود، برقم (١٠٩٠).","vol":"2","page":774},{"text":"<span data-type='title' id=toc-335>المسألة السادسة: أسماء الله وصفاته متنوعة في معانيها متفقة في دلالتها على ذات الله.</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"والله ﷾ أخبرنا أنه عليم، قدير، سميع، بصير، غفور، رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته؛ فنحن نفهم معنى ذلك، ونميّز بين العلم والقدرة، وبين الرحمة والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله، مع تنوع معانيها، فهي متفقة متواطئة من حيث الذات، متباينة من جهة الصفات.\nوكذلك أسماء النبي ﷺ مثل محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب.\nوكذلك أسماء القرآن مثل القرآن، والفرقان، والهدى، والنور، والتنزيل، والشفاء، وغير ذلك.\nومثل هذه الأسماء تنازع الناس فيها؛ هل هي من قبيل المترادفة لاتحاد الذات، أو من قبيل المتباينة لتعدد الصفات، كما إذا قيل: السيف، والصَّارِم، والمُهَنَّد؛ وقصد بالصّارم معنى الصّرم، وفي المهند النسبة إلى الهند؟ والتحقيق أنها مترادفة في الذات متباينة في الصفات.\nالشرح\nلا يزال الحديث متصلًا عن ظواهر النصوص وتفسيرها، ويتحدث المصنف هنا عن جانب مهم وهو معرفة أنواع الألفاظ واستعمالاتها، وقد يُشكل على البعض: أن","vol":"2","page":775},{"text":"الله قد سَمَّى نفسه بصفات وسَمَّى عباده بنظير ذلك؛ فيتردد عند ذلك: هل يُثبت تلك الصفات لله حقيقة أم لا؟\nفَمِنْ أجل توضيح هذه المسألة أقول: اعلم-وَفَّقَك الله-أن الألفاظ منها:\n١ - ما هو مترادف: هو ما اختلف لفظه واتَّحد معناه؛ مثال ذلك: الليث-الأسد-أسامة-الغضنفر.\nفهذه ألفاظ مختلفة والمسمى بها واحد؛ لذا تُسَمَّى الألفاظ المترادفة.\n٢ - ما هو مشترك: وهو ما اتَّحد لفظه واختلف معناه؛ مثال ذلك: لفظ: (العين)؛ فهي تُطلق على (العين الباصرة-والعين الجارية-والجاسوس-والحسد).\nفاللفظ واحد والمعاني مختلفة، وهذه تُسَمَّى الألفاظ المشتركة.\n٣ - ما هو متباين: وهو ما اختلف لفظه ومعناه؛ مثال ذلك: (السماء والأرض-والجنة والنار).\nفلكل لفظ من هذه الألفاظ معنى يختلف عن الآخر، فهذه تُسَمَّى الألفاظ المتباينة.\n٤ - ما هو متواطئ: وهو ما اتفق لفظه ومعناه، وهو نوعان:\nالأول: التواطؤ المُطلق: وذلك إذا كان المعنى متساويًا في الجميع؛ مثاله: لفظ (الرجل) يقال: زيد رجل وعمر رجل، فالمعنى متساو في الجميع.\nالثاني: التواطؤ المشكِّك: وذلك إذا كان المعنى متفاوتًا متفاضلًا.\nوسُمِّي بالمشكك؛ لتشكك السامع: هل هذا اللفظ مِنْ قبيل المتواطئ أم من المشترك؟\nمثاله: لفظ (النور)؛ فيقال: (نور الشمس ونور السراج)، فالمعنى في الاثنين","vol":"2","page":776},{"text":"واحد، ولكن هناك تفاوت وتفاضل؛ فشتان بين نور الشمس ونور السِّراج (^١).\nفالأسماء التي تُطلق على الله وعلى العباد هي من الألفاظ المتواطئة التواطؤ المشُكك؛ فالحق فيها هو أن يقال: إنه بالنسبة للأسماء والصفات التي تُطلق على الله وعلى العباد؛ كـ (الحي، والسميع، والبصير، والعليم، والقدير، والحياة، والسمع، والبصر، والعلم) ونحوها هي حقيقة في الرب وحقيقة في العبد.\nولكن للرب تعالى منها ما يليق بجلاله.\nوللعبد منها ما يَليق به.\nوعليه فإن النظر لأسماء الله وصفاته لا يخلو من حالين:\nالحال الأول: باعتبار دلالتها على ذاته ﷿. فهي بهذا الاعتبار تكون من نوع الألفاظ المترادفة.\nقال ابن تيمية: \"فأسماؤه كلها مُتَّفقة في الدلالة على نفسه المقدسة\" (^٢).\nالحال الثاني: باعتبار ما تضمنه كل اسم أو صفة من معنى\nقال ابن تيمية: \"ثم كلُّ اسم يدل على معنى مِنْ صفاته ليس هو المعنى الذي دل على الاسم الآخر\" (^٣).\nومن الأمثلة على ذلك:\nفـ (العزيز) يدل على نفسه مع عِزَّته.\nو(الخالق) يدل على نفسه مع خلقه.\nو(الرَّحيم) يدل على نفسه مع رحمتها.\n_________\n(^١) «التحفة المهدية» (ص ٢٠٩) بتصرف.\n(^٢) «الإيمان» (ص ١٧٥)، ط: المكتب الإسلامي.\n(^٣) «الإيمان» (ص ١٧٥)، ط: المكتب الإسلامي.","vol":"2","page":777},{"text":"ونفسُه تستلزم جميع صفاته؛ فصار كلُّ اسم يدل على ذاته والصفة المختصة به بطريق المطابقة، وعلى أحدهما بطريق التضمن، وعلى الصفة الأخرى بطريق اللزوم» (^١).\nوبذلك تكون الأسماء الحسنى لها اعتباران:\nـ اعتبارٌ من حيث الذات، واعتبارٌ من حيث الصفات.\nفهي أعلام باعتبار دلالتها على الذَّات، وأوصاف باعتبار ما دلَّت عليه من المعاني.\nوهي بالاعتبار الأول مترادفة لدلالتها على مسمى واحد هو الله ﷿، فـ «الحي، العليم، القدير، السميع، البصير، الرحمن، الرحيم، العزيز، الحكيم» كلها أسماء لمسمى واحد هو الله ﷾.\nقال تعالى ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء ١١٠].\nفأسماء الله تعالى تدل كلها على مسمى واحد، وليس دعاؤه باسم من أسمائه الحسنى يضاد دعاءه باسم آخر، بل كل اسم يدل على ذاته.\nوهي بالاعتبار الثاني: متباينة لدلالة كل واحد منها على معناه الخاص، فمعنى الحي غير معنى العليم، ومعنى العليم غير معنى القدير، وهكذا (^٢).\nقال ابن القيم ﵀: «أسماء الله الحسنى هي أعلامٌ وأوصافٌ، والوصفُ بها لا ينافي العلمية؛ بخلاف أوصاف العباد فإنها تنافي علميتهم؛ لأن أوصافهم مشتركة فنافتها العلمية المختصة، بخلاف أوصاف الله تعالى» (^٣).\n_________\n(^١) «الإيمان» (ص ١٧٥)، ط: المكتب الإسلامي.\n(^٢) بدائع الفوائد ١/ ١٦٢، القواعد المثلى ص ٨، جلاء الأفهام ص ١٣٨.\n(^٣) بدائع الفوائد ١/ ١٦٢.","vol":"2","page":778},{"text":"وقال ﵀: «أسماء الرب تعالى، أسماء كتبه، وأسماء نبيه ﷺ هي أعلام دالة على معان هي بها أوصاف، فلا تضاد فيها العلميةُ الوصفَ بخلاف غيرها من أسماء المخلوقين، فهو الله الخالق البارئ المصوذِر القهَّار؛ فهذه أسماء له دالة على معان هي صفاته …» (^١).\nوضرب المصنف عدة أمثلة لهذا النوع من الألفاظ التي ينطبق عليها أنها تكون مترادفة باعتبار دلالتها على الذات، وقد سبق تعريف المترادف بأنه ما اختلف لفظه واتَّحد معناه ومن ذلك:\nالمثال الأول: قول المصنف: \"وكذلك أسماء النبي ﷺ مثل محمد، وأحمد، والماحي، والحاشر، والعاقب\".\nكما ورد في الحديث: عن جبير بن مطعم أن النبي - ﷺ - قال: «لي خمسة أسماء أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب (^٢). (^٣)\nفهذه الأسماء الخمسة هي أسماء لذات واحدة وهو شخص النبي ﷺ، مع أن معنى كل اسم يختلف عن الاسم الآخر، وبالتالي تكون هنا مترادفة أي أن الألفاظ مختلفة والمدلول واخد.\nالمثال الثاني: قول المصنف: \"وكذلك أسماء القرآن مثل القرآن، والفرقان، والهدى، والنور، والتنزيل، والشفاء، وغير ذلك\".\nفالقرآن تعددت أسماؤه ولكل واحد من هذه الأسماء معناه المختص به ولكنها\n_________\n(^١) جلاء الأفهام ص ١٣٣، ١٣٤.\n(^٢) العاقب: وهو الذي يَخْلُفُ من كان قبله في الخَيْرِ، وهو قد عقب الأنبياء، وكان آخرهم عليهم الصلاة والسلام.\n(^٣) صحيح البخاري: ٤٨٩٦، وصحيح مسلم: ٢٣٥٤.","vol":"2","page":779},{"text":"تجتمع في أن المدلول واحد وهو القرآن الكريم،\nالمثال الثالث: قول االمصنف: \"ومثل هذه الأسماء تنازع الناس فيها؛ هل هي من قبيل المترادفة لاتحاد الذات، أو من قبيل المتباينة لتعدد الصفات، كما إذا قيل: السيف، والصَّارِم، والمُهَنَّد؛ وقصد بالصّارم معنى الصّرم، وفي المهند النسبة إلى الهند؟ والتحقيق أنها مترادفة في الذات متباينة في الصفات\".\nفالسيف له أسماء كثيرة ذكر المصنف منها السيف، والصارم، والمهند؛ فلكل لفظ من هذه الألفاظ معناه الخاص به، لكن هذه الألفاظ تجتمع في الدلالة على هذا النوع من السلاح كما هو معروف.\nوقد أشار المصنف إلى الاختلاف في نوع الاعتبار في هذه الألفاظ وهل هي من قبيل المترادف وذلك باعتبار دلالتها على ذات واحدة.\nأما أنها من قبيل الألفاظ المتباينة باعتبار متباينة في الصفات، ورجح المصنف أن كلا الإطلاقين صحيح بالاعتبار الذي يعود إليه.","vol":"2","page":780},{"text":"<span data-type='title' id=toc-336>المسألة السابعة: المحكم والمتشابه.</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"ومما يوضح هذا أن الله وصف القرآن كله بأنه محكم وبأنه متشابه، وفي موضع آخر جعل منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه، فينبغي أن يُعرف الإحكام والتشابه الذي يعمه، والإحكام والتشابه الذي يخص بعضه.\nقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود الآية: ١ [فأخبر أنه أحكم آياته كلها، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر الآية: ٢٣ [فأخبر أنه كله متشابه.\nالشرح\nذكر المصنف هنا مسألة المحكم والمتشابه ولهذه المسألة علاقتها الوثيقة بمسألة معرفة ظواهر النصوص، فقد ذكر بعض المعطلة في تأويلهم لنصوص الصفات أن من النصوص ما يعلم معناه ومن ذلك نصوص الصفات، وهذه الدعوى حاول أولئك تمريرها تحت عدد من المسميات، فقد أثاروا هذه المسألة تحت قضية المحكم والمتشابه، وتحت دعوى التأويل، وتحت دعوى المجاز، وتحت دعوى التفويض، وغيرها من المسائل.\nودعوى أن نصوص الأسماء والصفات غير معلومة المعنى هي دعوى أهل التجهيل الذين قالوا: نصوص الصفات ألفاظ لا تعقل معانيها ولا ندري ما أراد الله ورسوله منها، ولكن نقرأها ألفاظا لا معاني لها، ونعلم أن لها تأويلًا لا يعلمه إلا الله،","vol":"2","page":781},{"text":"وهي عندنا بمنزلة ﴿كهيعص﴾ [مريم الآية: ١]، ﴿حم عسق﴾ [الشورى الآية: ١ - ٢]، ﴿المص﴾ [الأعراف الآية: ١].\nفلو ورد علينا منها ما ورد لم نعتقد فيه تمثيلا ولا تشبيها، ولم نعرف معناه، وننكر على من تأوله ونكل علمه إلى الله، وظنَّ هؤلاء أن هذه طريقة السلف، وأنهم لم يكونوا يعرفون حقائق الأسماء والصفات ولا يفهمون معنى قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيّ﴾ [ص الآية: ٧٥]، وقوله: ﴿وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر الآية ٦٧]، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، وأمثال ذلك من النصوص وبنوا هذا المذهب على أصلين.\nأحدهما: أن هذه النصوص من المتشابه.\nوالثاني: أن للمتشابه تأويلا لا يعلمه إلا الله.\nفنتج من هذين الأصلين استجهال السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأنهم كانوا يقرأون ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥]، و﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤].، ويروون \"ينزل ربُّنا كل ليلة إلى سماء الدُّنيا\" ولا يعرفون معنى ذلك، ولا ما أُريد به، ولازم قولهم أن الرسول كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه\".\nولا شك أن دعوى كون طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك- بمنزلة الأمِّيِّين الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ﴾ - هي دعوى باطلة وفيها من القدح في الدِّين وفي حق الرسول ﷺ والطعن في السابقين الأولين واستجهالهم واستبلاههم، واعتقاد أنهم كانوا قوما أمِّيِّين بمنزلة الصالحين من العامة، لم يتبحَّروا في حقائق العلم بالله،","vol":"2","page":782},{"text":"ولم يتفطنوا لدقائق العلم الإلهى\nوهذا القول إذا تدبَّره الإنسان وجده في غاية الجهالة، بل في غاية الضلالة، فإنه من المعلوم أن الله سبحانه وصف نفسه بأنه بيَّن لعباده غاية البيان، وأمر رسوله ﷺ بالبيان، وأخبر أنه أنزل عليه كتابه ليبيِّن للناس ولهذا قال الزهريُّ: \"من الله البيان وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم\" فهذا البيان الذي تكفل به سبحانه وأمر به رسوله، إما أن يكون المراد به بيان اللفظ وحده، أو المعنى وحده، أو اللفظ والمعنى جميعا.\nولا يجوز أن يكون المراد به بيان اللفظ دون المعنى، فإن هذا لا فائدة فيه ولا يحصل به مقصود الرِّسالة.\nوبيان المعنى وحده بدون دليله، وهو اللفظ الدَّال عليه ممتنع.\nفعلم قطعا أن المراد بيان اللفظ والمعنى.\nوالله تعالى أنزل كتابه- ألفاظه ومعانيه- وأرسل رسوله ليبين اللفظ والمعنى، فكما أنا نقطع ونتيقن أنه بيَّن اللفظ، فكذلك نقطع ونتيقن أنه بيَّن المعنى، بل كانت عنايته ببيان المعنى أشد من عنايته ببيان اللفظ وهذا هو الذي ينبغي، فإن المعنى هو المقصود، وأما اللفظ فوسيلة إليه ودليل عليه، فكيف تكون عنايته بالوسيلة أهم من عنايته بالمقصود؛ وكيف نتيقَّن بيانه للوسيلة ولا نتيقّن بيانه للمقصود؟ وهل هذا إلا من أبين المحال؟.\nولقد جاءت رسالة النبي ﷺ بإثبات الصفات إثباتا مفصلا على وجه أزال الشبهة وكشف الغطاء، وحصل العلم اليقيني، ورفع الشك والرَّيب، فثلجت به الصدور واطمأنت به القلوب واستقرّ الإيمان في نصابه، ففصلت الرسالة الصفات والنعوت والأفعال أعظم من تفصيل، الأمر والنهي، وقرَّرت إثباتها أكمل تقرير في أبلغ","vol":"2","page":783},{"text":"لفظ.\nومن يطَّلع على كلام الصحابة والتابعين ومن بعدهم يعلم أنهم عرفوا معاني تلك النصوص وفهموها.\nويريد المصنف الإجابة عن هذا التساؤل وهو هل في النصوص ما يعلم معناه من جهة التأويل الذي هو النفسير بعد أن بين أن هناك ما لا يعلم معناه من جهة التأويل الذي هو حقيقة الأشياء وكيفيتها.\nومسألة المحكم والمتشابه من المسائل التي طال النقاش حولها والمصنف هنا يفصل القول فيها من خلال عدة نقاط:\nالنقطة الأولى: أن النصوص وصفت القرآن بأوصاف:\nالوصف الأول: أن القرآن كله محكم، وذلك في قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود الآية: ١ [فأخبر أنه أحكم آياته كلها\".\nالوصف الثاني: أن القرآن كله متشابه وذلك في \"قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر الآية: ٢٣].\nالوصف الثالث: وصف القرآن بأن منه ما هو محكم ومنه ما هو متشابه، وذلك في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِيَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران الآية: ٧].\nالنقطة الثانية: بيان معنى هذه الأوصاف.\nقال المصنف بعد ذكره لهذه الأقسام \"فينبغي أن يُعرف الإحكام والتشابه الذي يعمه، والإحكام والتشابه الذي يخص بعضه\".\nأولًا: معنى \"الإحكام\" عمومًا.","vol":"2","page":784},{"text":"قال المصنف: \"والحكم هو الفصل بين الشيئين، والحاكم يفصل بين الخصمين، والحكمة فصل بين المشتبهات علمًا وعملًا، إذا مُيِّز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والنافع والضار، وذلك يتضمن فعل النافع وترك الضار، فيقال: حَكَمْت السَّفيه وأحْكَمْته إذا أخذت على يديه، وحَكَمْت الدَّابَّة وأحْكَمْتها إذا جعلت لها حَكَمَة وهو ما أحاط بالحنك من اللجام، وإحكام الشيء إتقانه، فإحكام الكلام إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره.\nجعل المصنف مدار الكلمة على الفصل وربط استعمالاتها بهذا المعنى وأعطى أمثلة لذلك:\nبالحكم: فقال: \"والحكم هو الفصل بين الشيئين\"\nوالحاكم: فقال: \"والحاكم يفصل بين الخصمين\".\nوالحكمة: فقال: \"والحكمة فصل بين المشتبهات علمًا وعملًا، إذا مُيِّز بين الحق والباطل، والصدق والكذب، والنافع والضار، وذلك يتضمن فعل النافع وترك الضار\".\nوحكمت السفيه، وحكمت الدابة: فقال: \"حَكَمْت السَّفيه وأحْكَمْته إذا أخذت على يديه، وحَكَمْت الدَّابَّة وأحْكَمْتها إذا جعلت لها حَكَمَة وهو ما أحاط بالحنك من اللجام\".\nوإحكام الشيء: فقال: \"وإحكام الشيء إتقانه، فإحكام الكلام إتقانه بتمييز الصدق من الكذب في أخباره، وتمييز الرشد من الغي في أوامره\".\nوهناك من يرى أن مادة \"حكم\" تدور على معنى الصرف والمنع، ومنه:\n١ - (حكمة اللجام) للحديدة التي تمنع الفرس من الاضطراب والجموح.\n٢ - ومنه حكم الحاكم؛ لأنه منع للظالم من وضع يده على حق غيره.\n٣ - ومنه الحكيم؛ لأنه يمنع نفسه من اتباع هواها وارتكاب ما لا يليق، ويرجع إلى هذا المعنى قولهم: أحكمته إحكامًا إذا أخذت على يده، قال جرير:","vol":"2","page":785},{"text":"أَبَنِي حَنِيفَةَ أحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ … إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمُ أَنْ أَغْضَبَا.\n٤ - ومنه الإحكام بمعنى الإتقان؛ لأنه منع للشيء من الخلل والخطأ، يقال: بناء محكم؛ أي متين، لا وهن فيه ولا خلل.\nوكلا المعنيين أي الفصل أو المنع متقاربان في المعنى.\nثانيًا: بيان معنى الإحكام العام الذي يعم جميع القرآن.\nوقول المصنف: \"والقرآن كله محكم بمعنى الإتقان، فقد سماه الله حكيمًا بقوله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس الآية: ١ [فالحكيم بمعنى الحاكم، كما جعله يقص بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل الآية: ٧٦]، وجعله مفتيًا في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء الآية: ١٢٧ [أي: ما يتلى عليكم يفتيكم فيهن، وجعله هاديًا ومبشرًا في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ [الإسراء الآية: ٩].\nهذا هو الإحكام العام حيث جاء وصف القرآن بأنه محكم، كما في أول سورة هود: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُه﴾ [هود الآية: ١]، وفسر المصنف الإحكام في هذه الآية بقوله: \"والقرآن كله محكم بمعنى الإتقان\" فالقرآن كله محكم في جزالة لفظه، ووضوح معانيه، ودقة أحكامه، وصدق أخباره، هذا معنى أنه قرآن محكم.\nوربط المصنف بين المعنى اللغوي الذي يرجع إليه لفظ الإحكام الذي هو الفصل بالمعنى الشرعي واستشهد لذلك بأن الله ﷿:\n١ - سمى القرآن حكيمًا: قال المصنف: \"فقد سماه الله حكيمًا بقوله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس الآية: ١]، فالحكيم بمعنى الحاكم\".\n٢ - وجعل القرآن يقص: قال المصنف: \"كما جعله يقص بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ","vol":"2","page":786},{"text":"يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ \"] النمل الآية: ٧٦].\n٣ - وجعل القرآن مفتيًا: قال المصنف: \"وجعله مفتيًا في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء الآية: ١٢٧ [أي: ما يتلى عليكم يفتيكم فيهن\".\n٤ - وجعله هاديًا ومبشرًا: قال المصنف: \"وجعله هاديًا ومبشرًا في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ \"] الإسراء الآية: ٩].\nوكل هذه المعاني داخلة في المعنى العام للإحكام الذي يعم القرآن جميعه.\nثالثًا: بيان معنى التشابه العام الذي يعم جميع القرآن.\nوقول المصنف: \"وأما التشابه الذي يعمه فهو ضد الاختلاف المنفي عنه في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء الآية: ٨٢]، وهو الاختلاف المذكور في قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُّخْتَلِفٍ • يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ﴾ [الذاريات الآيات: ٨ - ٩].\nالمقصود بهذا النوع هو ما ورد في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر الآية: ٢٣ [فأخبر أنه كله متشابه؛ وقال المصنف: \"فهو ضد الاختلاف المنفي عنه في قوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء الآية: ٨٢].\nوأما عن المعنى المقصود بالتشابه العام فقد بينه المصنف بيانًا شافيًا بما لا مزيد عليه فقال: \"فالتشابه هنا هو تماثل الكلام وتناسبه، بحيث يصدِّق بعضه بعضا، فإذا أمر بأمر لم يأمر بنقيضه في موضع آخر، بل يأمر به، أو بنظيره، أو بملزوماته، وإذا نهى عن شيء لم يأمر به في موضع آخر، بل ينهى عنه، أو عن نظيره، أو عن لوازمه، إذا لم يكن هناك نسخ.\nوكذلك إذا أخبر بثبوت شيء لم يخبر بنقيض ذلك، بل يخبر بثبوته، أو بثبوت ملزوماته، وإذا أخبر بنفي شيء لم يثبته، بل ينفيه، أو ينفي لوازمه، بخلاف القول المختلف الذي ينقض بعضه بعضًا، فيُثبت الشيء تارة وينفيه أخرى، أو يأمر به وينهى","vol":"2","page":787},{"text":"عنه في وقت واحد، أو يفرق بين المتماثلين فيمدح أحدهما ويذم الآخر، فالأقوال المختلفة هنا هي المتضادة، والمتشابهة هي المتوافقة.\nوهذا التشابه يكون في المعاني وإن اختلفت الألفاظ، فإذا كانت المعاني يوافق بعضها بعضًا، ويعضد بعضها بعضًا، ويناسب بعضها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض، ويقتضي بعضها بعضًا- كان الكلام متشابهًا، بخلاف الكلام المتناقض الذي يضاد بعضه بعضًا.\nرابعًا: التشابه العام لا ينفي الإحكام العام.\nقال المصنف: \"فهذا التشابه العام لا ينافي الإحكام العام، بل هو مصدق له، فإن الكلام المحكم المتقن يصدق بعضه بعضًا، لا يناقض بعضه بعضًا\".\nفالقرآن من إحكامه وإتقانه أنه من أوله إلى آخره متشابه، يشبه بعضه بعضا في المعاني التي ذكرها المصنف، من التناسب والتماثل وتصديق بعضه لبعض، وأنه لا يخالف ولا يناقض ولا يضاد بعضه بعضًا.\nخامسًا: الفرق بين الإحكام الخاص والتشابه الخاص.\nقال المصنف: \"بخلاف الإحكام الخاص، فإنه ضد التشابه الخاص، فالتشابه الخاص هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو مثله، وليس كذلك، والإحكام هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر\".\nذكر المصنف الفرق بين التشابه الخاص والإحكام الخاص.\nأولًا: من حيث التعريف:\nالتشابه الخاص: الوارد في النص المقصود به: \"هو مشابهة الشيء لغيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر، بحيث يشتبه على بعض الناس أنه هو أو هو مثله، وليس","vol":"2","page":788},{"text":"كذلك\".\nوالإحكام الخاص: الوارد في النصوص المقصود به: \"هو الفصل بينهما بحيث لا يشتبه أحدهما بالآخر\".\nفالمحكم بهذا المعنى هو: ما اتضح المراد منه.\nوالمتشابه بهذا المعنى: ما لم يتضح المراد منه لبعض دون بعض.\nثانيًا: الفوارق بين النوعين.\nالفرق الأول: أن الله -جل وعلا- ذكر أن المحكم أكثر من المتشابه؛ لأنه سمى المحكم أم الكتاب -يعني معظم الكتاب، وغالب الكتاب-، ومعنى هذا أن الغالب على آيات القرآن الوضوح والبيان.\nوالمتشابه قليل؛ لأن الله -جل وعلا- قال: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران الآية: ٧].\nالفرق الثاني: أن الله -جل وعلا- ذكر أن الناس أمام المتشابه صنفان:\nالصنف الأول: صنف زائغ يتبع المتشابه، ويحرص عليه، ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله؛ ولهذا قال -تعالى-: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْه﴾ [آل عمران الآية: ٧]، ينقبون عن المتشابهات ابتغاء الفتنة، وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله.\nالصنف الثاني: سماهم الله الراسخين في العلم، هؤلاء الذين يردون المتشابه للمحكم، فإذا رُدَّ المتشابه للمحكم اتضح المتشابه، يزول التشابه، وأيضا يعرفون أن خطابهم بالمتشابه اختبار وابتلاء: هل يؤمنون بما لا يعرفون، أو لا يؤمنون؟ والحقيقة أنهم يؤمنون؛ لأنهم ماذا يقولون؟ ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران الآية: ٧].\nمن الأمثلة: قول الله -تعالى-: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ [النحل الآية: ٩٣ [قد يقرأ هذه الآية إنسان في قلبه مرض -والعياذ بالله-، فيظن أن هداية الله -تعالى- وإضلاله جزاف؛ لأنه قال: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاء﴾ [النحل الآية: ٩٣ [","vol":"2","page":789},{"text":"ولا ذكرت الآية أسباب الهداية، ولا أسباب الإضلال.\nلكن الراسخين في العلم ردوا هذه الآية-التي قد يظن فيها التشابه-إلى المحكم من القرآن، فالله -جل وعلا- قال: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَام﴾ (٤) إذن الآية ذكرت أن هداية الله تعالى للعبد لسبب صادر من العبد، وهو قوله: ﴿اتَّبَعَ رِضْوَانَه﴾ (٤) وفي مجال الغواية والإضلال جاءت الآية الثانية: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٥) إذن صارت الهداية لها أسباب والإضلال له أسباب.\nإذن ما المنهج للخروج من التشابه؟ رد المتشابه إلى المحكم.\nالمسألة السادسة: أنواع التشابه الخاص.\nقال المصنف: \"وهذا التشابه إنما يكون لقدر مشترك بين الشيئين مع وجود الفاصل بينهما ثم من الناس من لا يهتدي للفصل بينهما، فيكون مشتبهًا عليه، ومنهم من يهتدي إلى ذلك، فالتشابه الذي لا يتميز معه قد يكون من الأمور النِّسبيّة الإضافية، بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض، ومثل هذا يعرف منه أهل العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه، كما إذا اشتبه على بعض الناس ما وعدوا به في الآخرة بما يشهدونه في الدنيا فظن أنه مثله، فعلم العلماء أنه ليس هو مثله، وإن كان مشبها له من بعض الوجوه\".\nالتشابه الخاص نوعان: باعتبار ما يتعلق بالمعاني والكيفيات.\nفقد لا تبلغ العقول مبلغ فهم هذا النص، فهذا يأتي من حالين:\nإما حال المعنى.\nأو حال الكيف\nفالنوع الأول: يسمى التشابه النسبي: وهو يقع من جهة المعاني-ومعناه الذي","vol":"2","page":790},{"text":"يخفى على أحد دون أحد.\nفالظهور والبطون والوضوح والخفاء في فهم المعاني هي أمور نسبية، فقد يفهم الإنسان من آية فهمًا صحيحًا، وقد يفهم منها فهمًا سقيمًا، وهذا يكون بسبب فهمه، فهذا أمر يختلف فيه الناس، فلذلك إذا كان الفهم فاسدًا فيقال: إن هذا الفهم إذا فهمه البعض فهو فهم فاسد، لا أن يقول: إن ظاهر الآية في هذا هو كذا، وهذا غير صحيح.\nفحال المعنى فقد يكون بما يسمى الاشتباه النسبي، بمعنى: أن النص قد يتضح لك ويخفى عليك أو العكس، يتضح لي ويخفى عليك، فالمعنى قد لا يبلغه عقلك أو فهمك، وهذا وقع حتى لبعض أصحاب النبي -ﷺ-.\nفالصحابة رضوان الله عليهم لما سمعوا قول الله -﷿-: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: ٨٢]، جاءوا يبكون ويقولون للنبي: \"وأينا لم يظلم نفسه\" ففهموا من الظلم ظلم النفس، فأرشدهم النبي -ﷺ- إلى المعنى الحق، وقال: «ألم تسمعوا لقول العبد الصالح يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلمٌ عظيم» (^١)، فأفهمهم بأن المراد من الظلم هنا هو الشرك؛ لأن الظلم على ثلاثة أنواع:\nظلم النفس، وظلم الغير، والظلم بمعنى الشرك.\nوهذا عدي بن حاتم عربي قُح، عندما سمع قول الله -﷿-: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، جاء بحبلين بعقالين أحدهما أسود والثاني أبيض ووضعهما تحت وسادته وأخذ ينظر إليهما، يريد أن يتبين إليه\n_________\n(^١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الإِيمَانِ، بَابٌ: ظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ برقم (١٥)، ومسلم كِتَابُ الْإِيمَانَ، بَابُ صِدْقِ الْإِيمَانِ وَإِخْلَاصِهِ (١٢٤)، والترمذي (٣٠٦٧)، والإمام أحمد في المسند مسند المكثرين من الصحابة (٣٥٨٩).","vol":"2","page":791},{"text":"الأبيض من الأسود، فلما جاء إلى النبي -ﷺ- قال: «إن قفاك لعريض ألم يقل من الفجر» (^١)، فبين له أن المعنى هنا بياض النهار وسواد الليل.\nفيقع التباس وعدم قدرة على الفهم من جهة المعنى.\nالنوع الثاني: التشابه مطلق: وهو الذي يخفى على كل احد.\nوهذا يقع إذا كان الأمر يتعلق بالكيفية ككيفية صفات الله ﷿، فنحن لا نعلم كيفية نزوله، ولا كيفية استوائه، فلا سبيل لأن نعلم هذه الكيفيات فهي أمورٌ لا تبلغها عقولنا، فما جاء النص بما يصادم العقل، لكن قد يأتي النص بما لم يبلغه العقل، وما لم يصل إليه عقل الإنسان. فما كان متعلقًا بالكيف فليس لك إليه سبيل؛ لأنه محجوبٌ عنك، وكما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦]، فليس لك أن تتخوض أو تخوض في شأن الكيف ولا سبيل لك إليها.\nمثال ذلك: آيات الصفات.\nوقد انقسم الناس في آيات الصفات هل هي من المتشابه إلى فريقين:\nفريقٌ أطلق ولم يصب، فقال: آيات الصفات من المتشابه.\nوفريق آخر من المحققين-وعلى رأس القائمة شيخ الإسلام ابن تيمية-قالوا: آيات الصفات من جهة المعاني ليست من المتشابه؛ لأن معانيها معروفة.\nوأما كيفية الصفة فهذا من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.\n_________\n(^١) انظر صحيح البخاري كِتَابُ الصَّوْمِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، برقم (١٩١٦)، ومسلم كِتَاب الصِّيَامِ، بَابُ بَيَانِ أَنَّ الدُّخُولَ فِي الصَّوْمِ يَحْصُلُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ … برقم (١٠٩٠)، والترمذي (٢٩٧٠)، والنسائي (٢١٦٩)، والإمام أحمد في المسند أَوَّلُ مُسْنَدِ الْكُوفِيِّينَ (١٩٣٧٥).","vol":"2","page":792},{"text":"المسألة السابعة: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس.\nقال المصنف: \"ومن هذا الباب الشُّبه التي يضل بها بعض الناس، وهي ما يشتبه فيها الحق بالباطل، حتى يشتبه على بعض الناس، ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل.\nوالقياس الفاسد إنما هو من باب الشبهات، لأنه تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه، فمن عرف الفصل بين الشيئين اهتدى للفرق الذي يزول به الاشتباه والقياس الفاسد.\nوما من شيئين إلا ويجتمعان في شيء، ويفترقان في شيء، فبينهما اشتباه من وجه وافتراق من وجه، ولهذا كان ضلال بني آدم من قبل التشابه- والقياس الفاسد لا ينضبط- كما قال الإمام أحمد ﵀: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس، فالتأويل في الأدلة السمعية، والقياس في الأدلة العقلية، وهو كما قال، والتأويل الخطأ إنما يكون في الألفاظ المتشابهة، والقياس الخطأ إنما يكون في المعاني المتشابهة\".\nأوضح المصنف ﵀ أن أكثر ضلال الناس وقع بسبب أمرين:\nشبه التأويل.\nالقياس الفاسد.\nوبين أن شبه التأويل تقع في الأدلة السمعية، وذلك من جهة الألفاظ المتشابهة. وعرفها المصنف بقوله: \"وهي ما يشتبه فيها الحق بالباطل\"\nوهذا النوع عده المصنف من باب الاشتباه النسبي فقال: \"حتى يشتبه على بعض الناس\"\nوليس الاشتباه المطلق، وذلك أن الاشتباه النسبي قد يعرفه العلماء فقال","vol":"2","page":793},{"text":"المصنف: \"ومن أوتي العلم بالفصل بين هذا وهذا لم يشتبه عليه الحق بالباطل\".\nوأن القياس الفاسد يقع في االأدلة العقلية، وذلك من جهة المعاني المتشابهة. وعرف المصنف القياس الفاسد بقوله: \"تشبيه للشيء في بعض الأمور بما لا يشبهه فيه\"\nوهذا النوع عده المصنف كذلك من باب الاشتباه النسبي وليس الاشتباه المطلق فقال: \"فمن عرف الفصل بين الشيئين اهتدى للفرق الذي يزول به الاشتباه والقياس الفاسد.\nقال ابن القيم: \" فالرأي الباطل أنواع:\nأحدها: الرأي المخالف للنص، وهذا مما يعلم بالاضطرار من دين الإسلام\nفسادُه وبطلانه، ولا تحلُّ الفتيا به ولا القضاء، وإن وقع فيه مَنْ وقع بنوع تأويلٍ وتقليد.\nالنوع الثاني: هو الكلام في الدين بالخرْص والظن، مع التفريط والتقصير في معرفة النصوص وفهمها واستنباط الأحكام منها، فإنَّ مَنْ جهلها وقاسَ برأيه فيما سئل عنه بغير علم، بل لمجرد قدر جامع بين الشَّيئين ألحق أحدهما بالآخر، أو لمجرد قدرٍ فارقٍ يراه بينهما، ففرق بينهما في الحكم، من غير نظر إلى النصوص والآثار؛ فقد وقع في الرأي المذموم الباطل فضلَّ وأضل.\nالنوع الثالث: الرأيُ المتضمنُ تعطيلَ أسماءِ الربِّ وصفاته وأفعاله بالمقاييس الباطلة التي وضعها أهلُ البدع والضلال من الْجَهْمِيَّة والمُعْتَزلة والقَدَريَّة ومن ضَاهَاهُم، حيث استعمل أهله قياساتِهِم الفاسدة وآراءَهم الباطلة وشُبَهَهَم الداحضة في رَدِّ النصوص الصحيحة الصريحة، فردوا لأَجلها ألفاظ النصوص التي وجدوا السبيل إلى تكذيب رواتها وتخطئتهم، ومعاني النصوص التي لم يجدوا إلى رَدِّ","vol":"2","page":794},{"text":"ألفاظها سبيلًا، فقابلوا النوع الأول بالتكذيب، والنوع الثاني بالتحريف والتأويل، فانكروا لذلك رؤية المؤمنين رَبَّهم في الآخرة، وأنكروا كلامه وتكليمه لعباده، وأنكروا مباينته للعالم، واستواءه على عرشه، وعُلوَّهُ على المخلوقات، وعموم قدرته على كل شيء، بل أخرجوا أفعال عباده من الملائكة والأنبياء والجن والإنس عن تعلُّقِ قُدْرَتِه ومشيئته وتكوينه لها، ونَفَوْا لأجلها حَقائقَ ما أَخبرَ به عن نفسه وأَخبرَ به رسولُه من صِفاتِ كَمالهِ ونُعوتِ جَلَاله؛ وحرَّفوا لأجلها النصوص عن مَواضِعِها، وأخرجوها عن معانيها [وحقائقها] (٩) بالرأي المجرد الذي حقيقته أنه زُبالة الأذهان ونُخالة الأفكار وعُفارة الآراء ووساوس الصدور، فملأوا به الأوراق سَوَادًا، والقلوب شُكوكًا، والعالم فسادًا.\nالنوع الرابع: الرأي الذي أُحدثت به البدع، وغُيِّرت به السنن، وعمَّ به البلاء، وتربَّى عليه (٨) الصغير، وهَرِمَ فيه الكبير.\nفهذه الأنواع الأربعة من الرأي الذي اتفق سلف الأمَّة وأئمتها على ذمِّه وإخراجه من الدين.\nالنوع الخامس: ما ذكره أبو عمر بن عبد البر عن جمهور أهل العلم أن الرأي المذموم في هذه الآثار عن النبي -ﷺ- وعن أصحابه والتابعين﵃أنه القول في أحكام شرائع الدين بالاستحسان والظُّنون، والاشتغال بحفظ المعْضِلات والأغلوطات، ورَدِّ الفروع والنوازل بعضها على بعضٍ قياسًا، دون ردها على أصولها والنظر في عللها واعتبارها، فاستُعْمِل فيها الرأي قبل أن تنزل، وفُرِّعت وشُققت قبل أن تقع، وتُكّلِّم فيها قبل أن تكون بالرأي المضارع للظن، قالوا: وفي الاشتغال بهذا والاستغراق فيه تعطيل السنن، والبعث على جهلها، وترك الوقوف على ما يلزم","vol":"2","page":795},{"text":"الوقوف عليه منها، ومن كتاب اللَّه﷿ومعانيه\" (^١)\nالمسألة الثامنة: أمثلة لما وقع من القياس الفاسد من جهة الاشتراك في الألفاظ.\nالمثال الأول: قول الاتحادية.\nقال المصنف: \"وقد وقع بنو آدم في عامة ما يتناوله هذا الكلام من أنواع الضلالات، حتى آل الأمر بمن يدعي التحقيق والتوحيد والعرفان منهم إلى أن اشتبه عليهم وجود الرب بوجود كل موجود فظنوا أنه هو، فجعلوا وجود المخلوقات عين وجود الخالق، مع أنه لا شيء أبعد عن مماثلة شيء، أو أن يكون إياه، أو متحدًا به، أو حالا فيه من الخالق مع المخلوق. فمن اشتبه عليهم وجود الخالق بوجود المخلوقات- حتى ظنوا وجودها وجوده- فهم أعظم الناس ضلالا من جهة الاشتباه، وذلك أن الموجودات تشترك في مسمى «الوجود» فرأوا الوجود واحدًا، ولم يفرقوا بين الواحد بالعين والواحد بالنوع\".\nالاتحادية الذين يقولون: إن وجود الخالق هو وجود الخلق هو من أتباع ابن عربي صاحب فصوص الحكم وصاحب الفتوحات المكية، وخلاصة هؤلاء الاتحادية يجمعون بين النفي العام والإثبات العام فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال وليس له اسم ولا صفة ولا نعت، إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يرى ولا اسم له.\nويقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون يرى هو في الأشياء وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:\n_________\n(^١) إعلام الموقعين عن رب العالمين ١/ ٥٤ - ٥٦","vol":"2","page":796},{"text":"\"عين ما ترى ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ترى\".\nوهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقًا بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود. (^١)\nوفي هذا يقول ابن عربي:\nفإن قلت بالتنزيه كنت مقيدًا … وإن قلت بالتشبيه كنت محددًا\nوإن قلت بالأمرين كنت مسددًا … وكنت إمامًا في المعارف سيدًا\nفمن قال بالإشفاع كان مشركًا … ومن قال بالإفراد كان موحدًا\nفإياك والتشبيه إن كنت ثانيًا … وإياك والتنزيه إن كنت مفردًا\nفما أنت هو بل أنت هو وتراه … في عين الأمور مسرحا ومقيدًا (^٢)\nالمثال الثاني: قول المعتزلة ومن وافقهم.\nقال المصنف: \"وآخرون توهموا أنه إذا قيل: الموجودات تشترك في مسمى «الوجود»، لزم التشبيه والتركيب، فقالوا: لفظ «الوجود» مقول بالاشتراك اللفظي، فخالفوا ما اتفق عليه العقلاء مع اختلاف أصنافهم، من أن الوجود ينقسم إلى قديم ومحدث، ونحو ذلك من أقسام الموجودات.\nوهذا قول المعتزلة ومن وافقهم، وهؤلاء هم نفاة جميع الصفات الذين أخذوا يقولون: إثبات الصفات يقتضي التركيب والتجسيم، إما لكون الصفة لا تقوم إلا بجسم في اصطلاحهم، والجسم مركب في اصطلاحهم، وإما لأن إثبات العلم والقدرة\n_________\n(^١) -بغية المرتاد ص ٤٧٣.\n(^٢) -بغية المرتاد ص ٥٢٧.","vol":"2","page":797},{"text":"ونحوهما يقتضي إثبات أمور متعددة، وذلك تركيب\" (^١).\nهذه الحجة التي ينفون بها الصفات ويعتمدون على نفي مسمى التركيب هي مبنية على ألفاظ مجملة مشتركة موهمة فإذا قالوا إثبات الصفات تركيب والمركب مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره والمفتقر إلى غيره ليس بواجب بنفسه قيل لهم إن أردتم بالغير غيرًا مباينًا له فهذا باطل وإن أردتم ما هو داخل في مسمى اسمه كان حقيقة قولكم المركب لا يوجد إلا بوجود جزئه والمجموع لا يوجد إلا بوجود بعضه والجملة لا توجد إلا بوجود أفرادها. وقد تقدم الكلام على لفظ التركيب فيما سبق.\nالمثال الثالث: قول الفلاسفة.\nقال المصنف: \"وطائفة ظنت أنه إذا كانت الموجودات تشترك في مسمى «الوجود» لزم أن يكون في الخارج عن الأذهان موجود مشترك فيه، وزعموا أن في الخارج عن الأذهان كليات مطلقة: مثل وجود مطلق، وحيوان مطلق، وجسم مطلق، ونحو ذلك؛ فخالفوا الحس والعقل والشرع، وجعلوا ما في الأذهان ثابتًا في الأعيان، وهذا كله من أنواع الاشتباه. \"\nهؤلاء هم الفلاسفة الذين يقولون بموجودات ممكنة ليست أجساما ولا أعراضا قائمة بالأجسام كالعقل والنفس والهيولى والصورة التي يدعون أنها جواهر عقلية موجودة خارج الذهن ليست أجساما ولا أعرضا لأجسام فإن أئمة أهل النظر يقولون إن فسادها هذا معلوم بالضرورة كما ذكر ذلك أبو المعالي الجويني وأمثاله من أئمة النظر والكلام\" (^٢)\n_________\n(^١) الرسالة الصفدية - قاعدة في تحقيق الرسالة وإبطال قول أهل الزيغ والضلالة ص ٧٣، ٧٤.\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣).","vol":"2","page":798},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ومن أكثر أسباب غلطهم بناؤهم على أن المعقول الموجود يكون له وجوده في الخارج وهم إذا تدبروا ذلك علموا أن المعقولات التي هي أمور كلية إنما وجودها في الأذهان لا في الأعيان وإن الخارج لا يكون فيه شيء مما هو معقول مجرد وهو الأمور الكلية إلا أن يراد بالمعقول في قولهم مثلوا المعقول في صورة المحسوس ما يحسه الإنسان بنفسه دون جسده، فهذا في الحقيقة محسوس موجود لكن بالحس الباطن والوجد الباطن ليس معقولا محضا ولا في تمثل أن الإنسان يحس جوعه وشبعه ولذته وألمه أنه ينتقل حكمه من الباطن إلى الظاهر كما ينتقل حكم الحس بالظاهر إلى الباطن، وإذا قدر وجود النفس بغير بدن فهو يحس بما يجده من لذة وألم وذلك أمر محسوس لها وبجنس أسباب ذلك لا يكون لها معقولا مجردا كليا فإن ذاك إنما ثبوته في مجرد العلم والاعتقاد ولا بد له من أفراد موجودة في الخارج وإلا لم يكن حقا، ومن المعلوم أن هذا الظان أن النفس تلذذ بهذه الأمور دون إدراك الحقائق الخارجية من أفسد الظن وهو كقول من يقول إن النفس تتلذذ بتمثل المحسوس والمشتهى دون المباشرة لحقيقته الخارجة فقولهم يمثل المعقول في صورة المحسوس كلام لا حقيقة له، لكن لو قال يمثل الغائب في صورة الشاهد ويمثل الغيب في صورة الشهادة كان هذا حقا، فإن الإنسان إنما يعلم ما يشهده ويحس به بالقياس والتمثيل لما شاهده، لكن هذا لا يقتضي أن تكون الأمور الغائبة المتمثلة ليست في أنفسها مما يحس بل يعقل عقلا مجردا فإن هذا لا يقوله من يفهم ما يقوله\" (^١)\nالمسألة التاسعة: ضرورة التفريق بين الأمور التي اشتركت من بعض الوجوه.\nقال المصنف: \"ومن هداه الله سبحانه فرّق بين الأمور وإن اشتركت من بعض\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٣٣).","vol":"2","page":799},{"text":"الوجوه، وعلم ما بينها من الجمع والفرق، والتشابه والاختلاف، وهؤلاء لا يضلون بالمتشابه من الكلام لأنهم يجمعون بينه وبين المحكم- الفارق الذي يبين ما بينهما من الفصل والافتراق.\nوهذا كما أن لفظ «إنّا» و«نحن» وغيرهما من صيغ الجمع يتكلم بها الواحد الذي له شركاء في الفعل، ويتكلم بها الواحد العظيم، الذي له صفات تقوم كل صفة مقام واحد، وله أعوان تابعون له، لا شركاء له. فإذا تمسك النصراني بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ ونحوه على تعدد الآلهة، كان المحكم كقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ونحو ذلك مما لا يحتمل إلا معنى واحدًا- يزيل ما هناك من الاشتباه، وكان ما ذكره من صيغ الجمع مبينًا لما يستحقه من العظمة والأسماء والصفات وطاعة المخلوقات من الملائكة وغيرهم\".\nبين المصنف﵀- أن من هداه الله للتفريق بين الأمور من اشتباه من بعض الوجوه ممن من الله عليه بمعرفة ما يدل عليه الكتاب والسنة، ومعرفة القدر المشترك بين الشيئين، وما يمتاز كل واحد منهما عن الآخر، وذلك من خلال رد المشكل غير الواضح من النصوص إلى النص الواضح المعنى، بحيث يزول الإشكال والاشتباه، فيعرف الفرق بين الشيئين من جهة الجمع وجهة الافتراق.\nوأعطى المصنف مثالًا لذلك بما ورد بشان لفظ (إنا) و(نحن) في القرآن فكلا اللفظين يسخدم صيغة جمع كقوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح الآية: ١]. وقوله: ﴿إنا أنزَلْنَاهُ قُرْأنًا عَرَبِيا﴾ [يوسف الآية: ٢]، وقوله: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا﴾ [الزخرف الآية: ٣٢]، ونحو ذلك كقوله: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ﴾ [القصص الآية: ٣]، وقوله: ﴿فَرَضْنَا﴾ [الأحزاب الآية: ٥٠]، و﴿وَرَفَعْنَا﴾ [الشرح الآية ٤ [حيث تمسك النصارى بمثل هذه النصوص، واستدلوا بها على أن الله ثالث ثلاثة! تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا وقد","vol":"2","page":800},{"text":"غفلوا عن كون هذه الصيغة في أصل وضعها العربي يتكلم بها الواحد المعظم نفسه، ويتكلم بها الواحد الذي معه شركاء في فعله. فيؤتى لهؤلاء النصارى بالآيات المصرحة بوجدانية الله كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا أن اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة الآية: ٧٣]، و﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة الآية: ١٦٣]، ﴿قُلْ إنما أنا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ إنما إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف الآية: ١١٠]. ونحو ذلك من الآيات المصرحة ببطلان ما يدعون، والمزيلة للاشتباه الذي به يلبسون.\nفهذه الصيغة في كلام العرب للواحد العظيم المتحدث عن نفسه، وللعظيم الذي له أعوان يطيعونه! فإذا فعل أعوانه فعلا بأمره قال: نحن فعلنا كما يقول الملك نحن فتحنا هذا البلد، وهزمنا هذا الجيش ونحو ذلك، وحينئذ فالرب ﵎ يتكلم ب\"أنا\" و\"نحن \" لما له من العظمة والجلال. وعديد الأسماء والصفات التي لا يحصيها إلا هو وما له من الجود الذين هم عبيده وتحت قهره يديرهم كيف يشاء فهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. كما وصفهم الله في سورة الأنبياء، فهو سبحانه أحق بالتكلم ب\"إنا\" و\"نحن\" ونحو ذلك.\nفنحن إذا نفهم مراد الله بقوله: \"إنا\"و\"نحن\" وإن كنا نجهل ما دل عليه ذلك من كيفية صفات الله وحقيقة ذاته المقدسة كما نجهل حقيقة ذوات الملائكة وكيفية صفاتهم، ولا نعلم عددهم ولا كيف يأمرهم الله يفعلون. أما الملك من البشر إذا تكلم ب\" إنا\" و\"نحن\" فقد يكون مراده\" (^١)\nالمسألة العاشرة: حقائق الأسماء والصفات من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله.\n_________\n(^١) التحفة المهدية شرح العقيدة التدمرية ١/ ٢٢٦.","vol":"2","page":801},{"text":"قال المصنف: \"وأما حقيقة ما دل عليه ذلك من حقائق الأسماء والصفات، وما له من الجنود الذين يستعملهم في أفعاله، فلا يعلمه إلا هو ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر الآية: ٣١]، وهذا من تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله.\nبخلاف الملك من البشر إذا قال: قد أمرنا لك بعطاء. فقد عُلم أنه هو وأعوانه- مثل كاتبه، وحاجبه، وخادمه، ونحو ذلك- أمروا به، وقد يُعلم ما صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداته وإراداته ونحو ذلك.\nوالله ﷾ لا يعلم عباده الحقائق التي أخبر عنها من صفاته وصفات اليوم الآخر، ولا يعلمون حقائق ما أراد بخلقه وأمره من الحكمة، ولا حقائق ما صدرت عنه من المشيئة والقدرة.\nأشار المصنف هنا إلى النوع الثاني من أنواع التأويل الذي هو بمعنى الحقيقة والكيفية، وقد تقدم ذكر أنه:\nإما أن يكون المقصود بالتأويل الحقيقة التي تؤول إليها الأمور.\nأو يكون المقصود به جميع التأويل الذي هو التفسير.\nفمعرفة حقيقة صفات الله ومعرفة حقيقة جنوده وصفات اليوم الآخر لا يعلم حقائقها إلا الله تعالى يخلاف الملك البشر إذا ما أمر بعطاء ونحوه فكما قال المصنف: \"فقد عُلم أنه هو وأعوانه- مثل كاتبه، وحاجبه، وخادمه، ونحو ذلك- أمروا به، وقد يُعلم ما صدر عنه ذلك الفعل من اعتقاداته وإراداته ونحو ذلك\".\nالمسألة الحادية عشرة: التشابه يكون الألفاظ المتواطئة، كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليست بمتواطئة.\nقال المصنف: \"وبهذا يتبين أن التشابه يكون في الألفاظ المتواطئة، كما يكون في الألفاظ المشتركة التي ليست بمتواطئة، وإن زال الاشتباه بما يميّز أحد المعنيين من","vol":"2","page":802},{"text":"إضافة أو تعريف، كما إذا قيل: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَّاءٍ﴾ [محمد الآية: ١٥]، فهنا قد خص هذا الماء بالجنة، فظهر الفرق بينه وبين ماء الدنيا، لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلوم لنا، وهو- مع ما أعد الله لعباده الصالحين مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر- من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله\".\nتقدم ذكر الفرق بين الألفاظ المتواطئة والألفاظ المشتركة، فتعريف الألفاظ مشترك: هو ما اتَّحد لفظه واختلف معناه؛ مثال ذلك: لفظ: (العين)؛ فهي تُطلق على (العين الباصرة-والعين الجارية-والجاسوس-والحسد).\nوتعريف الألفاظ المتواطئة وهو ما اتفق لفظه ومعناه، وهو نوعان:\nالأول: التواطؤ المُطلق: وذلك إذا كان المعنى متساويًا في الجميع؛ مثاله: لفظ (الرجل) يقال: زيد رجل وعمر رجل، فالمعنى متساو في الجميع.\nالثاني: التواطؤ المشكِّك: وذلك إذا كان المعنى متفاوتًا متفاضلًا.\nوالشيء المشترك بين النوعين أن اللفظ واحد.\nومقصود المصنف بقوله: \"وبهذا يتبين أن التشابه يكون في الألفاظ المتواطئة\" أي ما أورده من أمثلة فيما سبق من لفظ (إنا) و(نحن) ولفظ (الوجود). فهذه جميعًا تطلق في حق الخالق وحق المخلوق فاللفظ واحد المعنى واحد ولكن بين الاثنين تفاوت في القدر والحفيقة وهو ما يطلق عليه مسمى التواطء المشكك.\nوأعطى المصنف مثالًا توضيحيًا لذلك بقوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَّاءٍ﴾\nفلفظ الماء يطلق على ماء الجنة وعلى ماء الدنيا، فكلاهما يمسى ماءً، ونحن نعرف حقيقة ماء الدنيا، أما ماء الجنة فكما ذكر المصنف: \"لكن حقيقة ما امتاز به ذلك الماء غير معلوم لنا، وهو- مع ما أعد الله لعباده الصالحين مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر- من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله\".","vol":"2","page":803},{"text":"المسألة الثانية عشرة: مدلول أسمائه وصفاته التي يختص بها، التي هي حقيقته، لا يعلمها إلا هو.\nقال المصنف: \"وكذلك مدلول أسمائه وصفاته التي يختص بها، التي هي حقيقته، لا يعلمها إلا هو. ولهذا كان الأئمة كالإمام أحمد وغيره ينكرون على الجهمية وأمثالهم من الذين يحرِّفون الكلم عن مواضعه- تأويل ما تشابه عليهم من القرآن على غير تأويله، كما قال الإمام أحمد في كتابه الذي صنفه «في الرد على الزنادقة والجهمية فيما شكت فيه من متشابه القرآن وتأولته على غير تأويله».\nوإنما ذمهم لكونهم تأوّلوه على غير تأويله، وذكر في ذلك ما يشتبه عليهم معناه، وإن كان لا يشتبه على غيرهم، وذمهم على أنهم تأولوه على غير تأويله، ولم ينف مطلق التأويل، كما تقدم من أن لفظ «التأويل» يراد به التفسير المبيِّن لمراد الله تعالى به، فذلك لا يعاب بل يحمد، ويراد بالتأويل الحقيقة التي استأثر الله بعلمها، فذاك لا يعلمه إلا هو، وقد بسطنا هذا في غير هذا الموضع\".\nأعاد المصنف تأكيد أن لفظ التأويل فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته يراد به أحد أمرين:\nالأمر الأول: \"يراد به التفسير المبيِّن لمراد الله تعالى به\".\nالأمر الثاني: \"ويراد بالتأويل الحقيقة التي استأثر الله بعلمها، فذاك لا يعلمه إلا هو\".\nفيجب التفريق بين التأويلين فالسلف لم يمتنعوا عن تأويل المعنى الذي هو التفسير وإنما امتنعوا عن تأويل الحقيقة والكيفية كما قال المصنف: \"وكذلك مدلول أسمائه وصفاته التي يختص بها، التي هي حقيقته، لا يعلمها إلا هو\" فهي من الأمور التي لا يعلم تأويلها إلا الله ﷿.","vol":"2","page":804},{"text":"وبين المصنف أن ذم السلف للمعطلة لم يكن المقصود به ذم التأويل مطلقًا، فهذا لم يكن مرادهم وإنما المراد ذم تأويلاتهم الباطلة سواء فيما يتعلق بالتأويل الذي هو التفسير حيث أولوا معاني نصوص الاستواء كقولهم استوى استولى، واليد بمعنى النعمة أو القدرة ونحو ذلك. أو بخوضهم في كيفية صفات الله وحقائقها.\nالمسألة الثالثة عشرة: غلط من ينفي التأويل مطلقا.\nقول المصنف: \"ومن لم يعرف هذا اضطربت أقواله، مثل طائفة يقولون: إن التأويل باطل، وإنه يجب إجراء اللفظ على ظاهره؛ ويحتجون بقوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ ويحتجون بهذه الآية على إبطال التأويل.\nوهذا تناقض منهم، لأن هذه الآية تقتضي أن هناك تأويلا لا يعلمه إلا الله، وهم ينفون التأويل مطلقًا\".\nيتحدث المصنف هنا عن صنف من المعطلة وهم أهل التجهيل وهو دعوى التوقف في معنى النصوص، فيقولون: «الله أعلم بمراده» (^١)، فهذه حقيقة الأمر على رأي هؤلاء المتكلمين.\nوحقيقة رأيهم يدور بين التأويل وبين التفويض، أي بين التحريف أو التجهيل، فالتفويض في حقيقته هو دعوى الجهل والتوقف في معاني النصوص، وأن هذه النصوص لا يعلم معناها، وهذا أمرٌ لو طبق في الواقع فلا يمكن أن يطبق، فهل يعقل أنه لا يمكن التفريق بين «استوى» و«نزل»؟ هل نقرأ قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: ٥] فلا نفهم المراد من هذه الآية وتقرأ مثلًا قول النبي -ﷺ-: «يَنْزِلُ رَبُّنَا إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا» (^٢) فلا نفهم مراده.\n_________\n(^١) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية الجزء الأول صفحة (٢٠١).\n(^٢) انظر صحيح البخاري كتاب التهجد، بَابُ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، برقم (١١٤٥)، ومسلم كِتَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِينَ وَقَصْرِهَا، بَابُ التَّرْغِيبِ فِي الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ فِي آخِرِ اللَّيْلِ، وَالْإِجَابَةِ فِيهِ (٧٥٨)، وأبو داود (١٣١٥)، والترمذي (٤٤٦)، وابن ماجه (١٣٦٦)، والإمام أحمد في المسند مُسْنَدُ الْمُكْثِرِينَ مِنَ الصَّحَابَةِ (٧٥٠٩)، والدارمي (١٥١٩).","vol":"2","page":805},{"text":"هل يعقل أن يتكلم الله -﷿- أو يتكلم رسوله -ﷺ- بكلام لا يعرف ولا يعلم معناه؟ فهل عندما نقرأ: (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، هل يعني هذا أننا ما تفهم معنى هذا الكلام؟\nفما من إنسان يعرف لغة العرب وإلا ويعرف معنى «اليد» وما جاءت به من معاني في لغة العرب وأن سياق الكلام هو الذي يحدد المعنى المراد منها، وإن كانت كيفية هذه اليد الله أعلم بها، وكذلك نعلم معنى الوجه، ونعلم معنى العين، ونعلم ونفرق بين هذه الألفاظ؛ لأن كل لفظ له في لغة العرب معنى.\nوالقائلين بالتفويض هم على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: يقولون: الله أعلم بما أراد بها، لكنا نعلم أنه لم يرد إثبات صفة خارجية عما علمناه.\nفهؤلاء سكتوا عن بيان المراد منها زعمًا منهم أنه لا يعلم ذلك إلا الله ﷾، فقالوا: إن هذه النصوص على خلاف ظاهرها، والمراد منها لا يعلمه إلا الله.\nالقسم الثاني: يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز ألا يكون المراد صفة الله ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.\nفيجوز أحد الاعتبارين، وأحد الحالين، يجوز في نفس الوقت إجراؤها على ظاهرها، ويجوز في نفس الوقت أن يكون لها معنى آخر لا يعلمه إلا الله تعالى، والفرق بين هذا وبين الذي قبله، أن الذي قبله يجزم بأنها على خلاف ظاهرها لكن يسكت عن تحديد المراد، أما هذا فيجوِّز الحالين معًا وهذا في غاية التناقض لأنه","vol":"2","page":806},{"text":"جمع بين ضدين.\nالقسم الثالث: يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات.\nوهذا القسم هم أصحاب الجهل البسيط الذين يمسكون عن هذا كله، ويقولون: نحن نقرأ القرآن ولا نتجاوز قراءة النص، ونُعرض عن هذا كله، وهذا يعني لا شك أنه إعراض عن ذكر الله ﷾.\nوالقول بالتفويض لم يكن معروفًا عند الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم، وبخلاف القول بالتأويل فهو السائد بين طوائف المعطلة جميعًا، بل إن تأويلات الأشاعرة بعينها هي تأويلات الجهمية.\nوظهور مقالة التفويض إنما هو مرتبط بالقسم الثالث وهم الصفاتية والمقصود بهم الكلابية والأشاعرة والماتريدية وطوائف من أهل الفقه والكلام والحديث والتصوف.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"كان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين:\nفأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها.\nوالجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا\" (^١).\nولبيان علاقة القول بالتفويض لمعاني النصوص بالصفاتية ومن وافقهم، فهذه العلاقة تتضح من خلال تعامل هؤلاء مع نصوص الكتاب والسنة حيث تمثل هذا التعامل في أن نفاة الصفات الاختيارية يتلخص قولهم في النقاط الآتية:\nأولًا: يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٦).","vol":"2","page":807},{"text":"والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء.\nثانيًا: ويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض.\nثالثًا: أما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم، والأصابع فأغلب هؤلاء يتأولها. (^١)\nلم يعرف القول بالتفويض بهذا المعنى في القرون الثلاثة الأولى، بل ظهر في القرن الرابع، كما قال ابن تيمية وقال: وأول من قال به أبو منصور الماتريدي -المتوفي ٣٣٣ هـ- وأبو الحسن الأشعري -المتوفي ٣٢٤ في محاولة للتوسط بين منهج السلف في إثبات النصوص وبين المنهج العقلي المستمد من الفلسفة اليونانية … وإنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه لذلك، بمنزلة الأميين الذين قال الله تعالى فيهم: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ. انتهى بتصرف.\nوللتفصل بشكل أدق فإن الأشعرية المتأخرة مالوا إلى نوع التجهم بل الفلسفة وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه (^٢).\nفقدماء الأشاعرة يثبتون الصفات الخبرية بالجملة، كأبي الحسن الأشعري وأبي عبد الله بن مجاهد، وأبي الحسن الباهلي والقاضي أبي بكر الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ١٠٣٤، ١٠٣٦.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٩٧).","vol":"2","page":808},{"text":"شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي وغير هؤلاء (^١).\nلكن المتأخرين من أتباع أبي الحسن الأشعري كأبي المعالي الجويني وغيره لا يثبتون إلا الصفات العقلية، وأما الخبرية فمنهم من ينفيها ومنهم من يتوقف فيها كالرازي والآمدي وغيرهما.\nونفاة الصفات الخبرية منهم من يتأول نصوصها ومنهم من يفوض معناها إلى الله تعالى.\nوأما من أثبتها كالأشعري وأئمة أصحابه. فهؤلاء يقولون: تأويلها بما يقتضي نفيها تأويل باطل، فلا يكتفون بالتفويض بل يبطلون تأويلات النفاة (^٢).\nوهذا الاضطراب في العقيدة الأشعرية بين المتقدمين والمتأخرين سببه ما أسلفنا من ميل الأشاعرة بأشعريتهم إلى الاعتزال أكثر فأكثر بل إنهم خلطوا معها الفلسفة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فالأشعرية وافق بعضهم المعتزلة في الصفات الخبرية، وجمهورهم وافقهم في الصفات الحديثية، وأما الصفات القرآنية فلهم قولان:\nفالأشعري والباقلاني وقدماؤهم يثبتونها، وبعضهم يقر ببعضها؛ وفيهم تجهم من جهة أخرى.\nفإن الأشعري شرب كلام الجبائي شيخ المعتزلة، ونسبته في الكلام إليه متفق عليها عند أصحابه وغيرهم.\nوابن الباقلاني أكثر إثباتًا بعد الأشعري، وبعد ابن الباقلاني ابن فورك، فإنه أثبت بعض ما في القرآن.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ١٤٧، ١٤٨).\n(^٢) منهاج السنة (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤).","vol":"2","page":809},{"text":"وأما الجويني ومن سلك طريقته فمالوا إلى مذهب المعتزلة فإن أبا المعالي كان كثير المطالعة لكتب أبي هاشم، قليل المعرفة بالآثار، فأثر فيه مجموع الأمرين (^١).\nفما إن جاء أبوبكر الباقلاني (ت ٤٠٣ هـ)، فتصدى للإمامة في تلك الطريقة وهذبها ووضع لها المقدمات العقلية التي تتوقف عليها الأدلة، وجعل هذه القواعد تبعًا للعقائد الإيمانية من حيث وجوب الإيمان بها (^٢) وأسهم إلى حد كبير في تنظير المذهب الأشعري الكلامي وتنظيمه مما أدى إلى تشابه منهجي بين المذهب الأشعري والمذهب المعتزلي فقد كان الأشعري يجعل النص هو الأساس والعقل عنده تابع، أما الباقلاني فالعقيدة كلها بجميع مسائلها تدخل في نطاق العقل (^٣) ويعتبر الباقلاني المؤسس الثاني للمذهب الأشعري (^٤).\nثم جاء بعده إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨ هـ) فاستخدم الأقيسة المنطقية في تأييد هذه العقيدة، وخالف الباقلاني في كثير من القواعد التي وضعها. وإن كان الجويني قد استفاد أكثر مادته الكلامية من كلام الباقلاني، لكنه مزج أشعريته بشيء من الاعتزال استمده من كلام أبي هاشم الجبائي المعتزلي على مختارات له، وبذلك خرج عن طريقة القاضي وذويه في مواضع إلى طريقة المعتزلة.\nوأما كلام أبي الحسن الأشعري فلم يكن يستمد منه، وإنما ينقل كلامه مما يحكيه عنه الناس (^٥) وعلى طريقة الجويني اعتمد المتأخرون من الأشاعرة،\n_________\n(^١) منهاج السنة (٢/ ٢٢٣، ٢٢٤).\n(^٢) مقدمة ابن خلدون (ص ٤٦٥)، ط: مصطفى محمد.\n(^٣) مقدمة التمهيد للباقلاني (ص ١٥)، بتحقيق الخضيري وأبو ريدة.\n(^٤) نشأة الأشعرية وتطورها (ص ٣٢٠).\n(^٥) بغية المرتاد (ص ٤٤٨، ٤٥١)، بتصرف.","vol":"2","page":810},{"text":"كالغزالي (ت ٥٠٥ هـ) وابن الخطيب الرازي (ت ٦٠٦ هـ) وخلطوا مع المادة الاعتزالية التي أدخلها الجويني مادة فلسفية، وبذلك ازدادت الأشعرية بعدًا وانحرافًا.\nفالغزالي مادته الكلامية من كلام شيخه الجويني في \"الإرشاد\" و\"الشامل\" ونحوهما مضمومًا إلى ما تلقاه من القاضي أبي بكر الباقلاني. ومادته الفلسفية من كلام ابن سينا، ولهذا يقال أبو حامد أمرضه \"الشفا\"، ومن كلام أصحاب رسائل إخوان الصفا ورسائل أبي حيان التوحيدي ونحو ذلك.\nوأما الرازي فمادته الكلامية من كلام أبي المعالي والشهرستاني فإن الشهرستاني أخذه عن الأنصاري النيسابوري عن أبي المعالي، وله مادة اعتزالية قوية من كلام أبي الحسين البصري (ت ٤٣٦ هـ)، وفي الفلسفة مادته من كلام ابن سينا والشهرستاني ونحوهما (^١).\nودعوى القول بالتفويض لم تقتصر على الصفاتية وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما الصنف الثالث: وهم أهل التجهيل: فهم كثير من المنتسبين إلى السنة وأتباع السلف. يقولون: إن الرسول ﷺ لم يكن يعرف معاني ما أنزل الله عليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معاني [تلك] الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك.\nوكذلك قولهم في أحاديث الصفات: إن معناها لا يعلمه إلا الله، مع أن الرسول تكلم بهذا ابتداءً، فعلى قولهم تكلم بكلام لا يعرف معناه.\nوهؤلاء يظنون أنهم اتبعوا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٧]، فإنه وقف كثير من السلف على قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ وهو وقف صحيح\n_________\n(^١) بغية المرتاد (ص ٤٤٨)، بتصرف.","vol":"2","page":811},{"text":"[لكن] لم يفرقوا بين معنى الكلام وتفسيره، وبين التأويل الذي انفرد الله تعالى بعمله، وظنوا أن التأويل [المذكور] في كلام الله تعالى هو التأويل المذكور في كلام المتأخرين، وغلطوا في ذلك\" (^١).\nفمن الافتراءات التي أُلصقت بمذهب السلف أهل السنة والجماعة، أنهم يؤمنون بألفاظٍ مجرَّدة دون التطرق للمعاني، وهو ما يسميه من ينسبه إليهم مذهب التفويض، واستدلوا لذلك بقول أكثر من واحد من أئمة السلف في نصوص الصفات: «أمروها كما جاءت»، وهم إنما نفوا العلم بالكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصّفة.\nوهذا الزعم فيه تجهيل للسلف، واتهام لهم بعدم العلم، وحقيقة الأمر أن السلف كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا للنصوص الشرعية، وبخاصة ما يتعلق منها بمعرفة الله -﷿-، يؤمنون بألفاظها، ويعرفون معانيها، لكن لم يكونوا يتكلفون ما لم يحيطوا به علمًا ولا فهما، ولا يخوضون في كيفية ذات الله -﷿- وصفاته.\nفالسلف يؤمنون بأسماء الله وصفاته، وبما دلت عليه من المعاني والأحكام، أما كيفيتها فيفوضون علمها إلى الله.\nوهم برآء مما اتهمهم به المعطلة الذين زعموا أن السلف يؤمنون، بألفاظ نصوص الأسماء والصفات، ويفوضون معانيها.\nفإنهم كانوا أعظم الناس فهما وتدبرًا لآيات الكتاب وأحاديث النبي ﷺ، خاصة فيما يتعلق بمعرفة الله تعالى، فكانوا يدرون معاني ما يقرأون ويحملون من العلم، ولكنهم لم يكونوا يتكلفون الفهم للغيب المحجوب، فلم يكونوا يخوضون في كيفيات الصفات شأن أهل الكلام والبدع، فإنهم حين خاضوا في ذات الله وصفاته\n_________\n(^١) «الحموية» (ص ٣٦ - ٤٠)، و«ضمن مجموع الفتاوى» (٥/ ٣١ - ٣٥)، وانظر أيضًا «الصواعق المرسلة» (٢/ ٤١٨ - ٤٢٤) «النفائس» (ص ١٠٥ - ١٠٨).","vol":"2","page":812},{"text":"وقعوا في التأويل والتعطيل، وإنما ألجأهم إلى ذلك، الضيق الذي دخل عليهم بسبب التشبيه، فأرادوا الفرار منه فوقعوا في التعطيل،، ولم يقع تعطيل إلا بتشبيه، ولو أنهم نزهوا الله تعالى ابتداء عن مشابهة الخلق، وأثبتوا الصفة مع نفي المماثلة لسلموا ونجوا، ولوافقوا اعتقاد السلف ولبان لهم أن السلف لم يكونوا حملة أسفار لا يدرون ما فيها.\nومن تدبر كلام أئمة السلف المشاهير في هذا الباب علم أنهم كانوا أدق الناس نظرًا، وأعلم الناس في هذا الباب، وأن الذين خالفوهم لم يفهموا حقيقة أقوال السلف والأئمة، ولذلك صار أولئك الذين خالفوا مختلفين في الكتاب، مخالفين للكتاب، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ [البقرة الآية: ١٧٦].\nومن له اطِّلاع على أقوال السلف المدونة في كتب العقيدة والتفسير والحديث، يدرك أن السلف تكلموا في معاني نصوص الصفات، وبينوها ولم يسكتوا عنها، وهذه الأقوال أكبر شاهدٍ على فهم السلف لتلك النصوص وإدراك معانيها (^١).\nودعوى تفويض معاني النصوص دعوى مرفوضة وهي دليل على جهل المخالفين بأقوال السلف في هذا الباب.\nوقد حاول أولئك تمرير هذا الباطل تحت عدد من المسميات، فقد أثاروا هذه المسألة تحت قضية المحكم والمتشابه، وتحت دعوى التأويل، وتحت دعوى المجاز، وتحت دعوى التفويض، وغيرها من المسائل.\nأشار المصنف هنا بشيء من الإجمال إلى أصحاب هذا القول، وبين في أخر الفتوى الحموية تفاصيل بعض قولهم فقال: \"وأما القسمان الواقفان:\n- فقسم يقولون: يجوز أن يكون ظاهرها المراد اللائق بجلال الله، ويجوز ألا\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩، ٧/ ١٠٨ - ١٠٩).","vol":"2","page":813},{"text":"يكون المراد صفة الله ونحو ذلك. وهذه طريقة كثير من الفقهاء وغيرهم.\n- وقسم يمسكون عن هذا كله ولا يزيدون على تلاوة القرآن وقراءة الحديث، معرضين بقلوبهم وألسنتهم عن هذه التقديرات\" (^١).\nالواقفان الذين يقفون في هذا على أحد قولين:\n- قسم يقول: تجرى على ظاهرها، ومع ذلك يجوز أن يكون المراد أمرًا آخر، فيجوز أحد الاعتبارين، أحد الحالين، يجوز في نفس الوقت إجراؤها على ظاهرها، ويجوز في نفس الوقت أن يكون لها معنى آخر لا يعلمه إلا الله تعالى، فهذا فرق بينه وبين الذي قبله، فالذي قبله يجزم بأنها على خلاف ظاهرها لكن يسكت عن تحديد المراد، أما هذا فيجوِّز الحالين، يجوِّز الحالين معًا وهذا في غاية التناقض لأنه جمع بين ضدين.\n- وقسم أصحاب الجهل البسيط الذين يمسكون عن هذا كله، ويقولون: نحن نقرأ القرآن ولا نتجاوز قراءة النص، ونُعرض عن هذا كله، وهذا يعني لا شك أنه إعراض عن ذكر الله ﷾.\nويذكر شيخ الإسلام سبب نشوء هذه الشبهة فيقول عن المفوضة: \"هم طائفة من المنتسبين إلى السنة، وأتباع السلف، تعارض عندهم المعقول والمنقول، فأعرضوا عنها جميعا بقلوبهم وعقولهم، بعد أن هالهم ما عليه أصحاب التأويل من تحريف للنصوص، وجناية على الدين فقالوا في أسماء الله وصفاته، وما جاء في ذكر الجنة والنار، والوعد والوعيد إنما هي نصوص متشابهة لا يعلم معناها إلا الله تعالى.\nوهم طائفتان من حيث إثبات ظواهر النصوص ونفيها.\nالأولى تقول: المراد بهذه النصوص خلاف مدلولها الظاهر، ولا يعرف أحد من\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣/ ٧٦.","vol":"2","page":814},{"text":"الأنبياء، ولا الملائكة، ولا الصحابة، ولا أحد من الأمة، ما أراد الله بها، كما لا يعلمون وقت الساعة.\nالثانية تقول: بل تحري على ظاهرها، وتحمل عليه، ومع هذا، فلا يعلم تأويلها إلا الله تعالى فتناقضوا؛ حيث أثبتوا لها تأويلا يخالف ظاهرها، وقالوا، مع هذا بأنها تحمل على ظاهرها.\nوهم أيضا طائفتان؛ من حيث علم الرسول ﷺ بمعاني النصوص\nالأولى تقول: إن الرسول ﷺ كان يعلم معاني النصوص المتشابهة، لكنه لم يبين للناس المراد منها، ولا أوضحه إيضاحا يقطع النزاع، وهذا هو المشهور عنهم.\nوالثانية تقول: وهم الأكابر منهم، أن معاني هذه النصوص المتشابهة لا يعلمها إلا الله، لا الرسول، ولا جبريل، ولا أحد من الصحابة والتابعين، وعلماء الأمة.\nوعند الطائفتين أن هذه النصوص إنما أنزلت للابتلاء، والمقصود منها تحصيل الثواب بتلاوتها، وقراءتها، من غير فقه، ولا فهم) (^١).\nويرى شيخ الإسلام أن القول بالتفويض يفضي إلى (القدح في الرب جلا وعلا، وفي القرآن الكريم، وفي الرسول ﷺ؛ وذلك بأن يكن الله تعالى أنزل كلامًا لا يفهم، وأمر بتدبر ما لا يتدبر، وبعقل ما لا يعقل، وأن يكون القرآن الذي هو النور المبين والذكر الحكيم سبب لأنواع الاختلافات، والضلالات، بل يكون بينهم، وكأنه بغير لغتهم، وأن يكون الرسول ﷺ لم يبلغ البلاغ المبين، ولا بين للناس ما نزل إليهم، وبهذا يكون قد فسدت الرسالة، وبطلت الحجة، وهو الذي لم يتجرأ عليه صناديد الكفر) (^٢)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٤٢.\n(^٢) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل: ١/ ٢٠٤.","vol":"2","page":815},{"text":"وهذه الشبه يرد عليها من وجهين:\nالوجه الأول: بيان أن النصوص معلومة المعنى، وذلك من خلال بيان معاني لفظ (التأويل) والمقصود منه.\nوالوجه الثاني: النقول الواردة عن سلف الأمة في بيان معاني نصوص الصفات وتفسيرهم لها.\nوقول المصنف: \"وجهة الغلط أن التأويل الذي استأثر الله بعلمه هو الحقيقة التي لا يعلمها إلا هو\".\nأي أن هؤلاء غلطوا في تعريف التأويل الذي استأثر الله بعلمه هو تأويل الحقيقة والكيف، وحملوا التأويل الذي هو بمعى التفسير الذي يعنى بمعاني النصوص على هذا المعنى بأنه لا يعلم معناه إلا الله.\nقال ابن تيمية: \"من أين لهم أنَّ التأويل الذي لا يعلمه إلا الله هو المعنى الذي عني به المتكلمون، وهو مدلول اللفظ الذي قصد المخاطِب إفهام المخاطَب إياه. وهو ﷾ لم يقل: وما يعلم معناه إلا الله، ولا قال: وما يعلم تفسيره إلا الله، ولا قال: وما يعلم مدلوله ومفهومه إلا الله، ولا ما دل عليه إلا الله. قال: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ)، ولفظ التأويل له في القرآن معنى، وفي عرف كثير من السلف وأهل التفسير معنى، وفي اصطلاح كثير من المتأخرين له معنى، وبسبب تعدد الإصطلاحات والأوضاع فيه، حصل اشتراكٌ غلطَ بسببه كثير من الناس في فهم القرآن وغيره\" (^١)\nوقول المصنف: \"وأما التأويل المذموم والباطل فهو تأويل أهل التحريف والبدع، الذين يتأولونه على غير تأويله، ويدّعون صرف اللفظ عن مدلوله إلى غير مدلوله بغير دليل يوجب ذلك، ويدّعون أن في ظاهره من المحذور ما هو نظير\n_________\n(^١) نقض التأسيس» - مخطوط - (٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤).","vol":"2","page":816},{"text":"المحذور اللازم فيما أثبتوه بالعقل! ويصرفونه إلى معان هي نظير المعاني التي نفوها عنه! فيكون ما نفوه من جنس ما أثبتوه، فإن كان الثابت حقًا ممكنًا كان المنفي مثله، وإن كان المنفي باطلا ممتنعًا كان الثابت مثله\".\nبعد أن أشار المصنف إلى مقالة التفويض، أشار هنا إلى مقالة التأويل الفاسد.\nوالمصنف هنا يتعرض للتأويل الذي هو في اصطلاح المتأخرين فالتأويل في اصطلاح كثير من المتأخرين هو: صرف اللفظ عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح لدليل يقترن بذلك.\nفلا يكون معنى اللفظ الموافق لدلالة ظاهره تأويلًا على اصطلاح هؤلاء، وظنوا أن مراد الله بلفظ التأويل ذلك، وأن للنصوص تأويلًا مخالف لمدلولها لا يعلمه إلا الله، أو يعلمه المتأولون (^١).\nفتخصيص لفظ التأويل بهذا المعني إنما يوجد في كلام بعض المتأخرين فأما الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، وسائر أئمة المسلمين كالأئمة الأربعة وغيرهم فلا يخصون لفظ التأويل بهذا المعني، بل يريدون المعني الأول أو الثاني.\nولهذا لما ظن طائفة من المتأخرين أن لفظ التأويل في القرآن والحديث في مثل قوله تعالي ﴿وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا﴾ [آل عمران الآية: ٧]، أريد به هذا المعني الاصطلاحي الخاص، واعتقدوا أن الوقف في الآية عند قوله: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾ لزم من ذلك أن يعتقدوا أن لهذه الآيات والأحاديث معاني تخالف مدلولها المفهوم منها، وأن ذلك المعني المراد بها لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه الملك الذي نزل بالقرآن، وهو جبريل ولا يعلمه محمدًا صلي الله عليه وسلم ولا غيره من الأنبياء، ولا تعلمه الصحابة والتابعون لهم بإحسان، وأن محمدًا صلي الله عليه وسلم\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٥/ ٣٥. و: ٣/ ٥٥، ٦٧. وانظر: شرح العقيدة الطحاوية ص ٢٣٥.","vol":"2","page":817},{"text":"كان يقرأ قوله تعالي ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ [طه الآية: ٥]، قوله: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾ [فاطر الآية: ١٠ [وقوله ﴿بل يداه مبسوطتان﴾ [المائدة الآية: ٦٤ [وغير ذلك من آيات الصفات، بل ويقول: \"ينزل ربنا كل ليلة إلي السماء الدنيا\" ونحو ذلك، وهو لا يعرف معاني هذه الأقوال، بل معناها الذي دلت عليه لا يعلمه إلا الله، ويظنون أن هذه طريقة السلف.\nوقول المصنف: \"وهؤلاء الذين ينفون التأويل مطلقًا، ويحتجون بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ﴾ [آل عمران الآية: ٧]، قد يظنون أنّا خوطبنا في القرآن بما لا يفهمه أحد، أو بما لا معنى له، أو بما لا يُفهم منه شيء\".\nدعوى أن يشتمل القرآن على ما لا يعلم معناه دعوى وضعها المتأخرون من الطوائف بسبب الكلام في آيات الصفات، وآيات القدر، وغير ذلك، وقالوا: إنا تعبدنا بتلاوة حروفه بلا فهم.\nفجوز ذلك طوائف متمسكين بظاهر الآية، وبأن الله يمتحن عباده بما شاء.\nومنعها طوائف ليتوصلوا بذلك إلى تأويلاتهم الفاسدة التي هي تحريف الكلم عن مواضعه.\nوالغالب على كلا الطائفتين الخطأ، أولئك يقصرون في فهم القرآن بمنزلة من قيل فيه: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ)] البقرة: ٧٨ [وهؤلاء معتدون بمنزلة الذين يحرفون الكلم عن مواضعه\" (^١)\nوهذه الدعوى باطلة إذ لابد لكل ما أنزل الله تعالى من معنى يمكن فهمه، وليس هناك فرق بين آيات الصفات وآيات الأحكام.\n_________\n(^١) «الأكليل في المتشابه والتأويل - مجموع الفتاوى» (١٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦).","vol":"2","page":818},{"text":"وبيان بطلان هذه الدعوى من وحوه:\nأولًا: أنه بهذه الدعوى لا يتم بلاغ ولا يكمل إنذار، ولا تقوم الحجة ولا تنقطع المعذرة بكلام لا تفيد ألفاظه اليقين، ولا تدل على مراد المتكلم بها؛ بل على خلاف ذلك، فينتفي عن القرآن-والعياذ بالله -معنى الهداية، وشفاء الصدور، والرحمة، التي وصف الله تعالى بها كتابه الكريم، ومعاني الرأفة والرحمة والحرص على رفع العنت والمشقة عن الأمة، التي وصف الله تعالى بها نبيه ﷺ في كتابه العزيز، وهو الذي ترك الأمة على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فلا التباس في أمره ونهيه، ولا إلغاز في إرشاده وخبره، باطنه وظاهره سواء، كيف لا، وهو القائل: «إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم …» (^١).\nودلالته ﷺ للأمة في شأن اعتقادها أهم أعماله، وأولاها بالإيضاح والإفهام بلسان عربي مبين، والجزم واقع بأن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم فهموها على وجهها الذي يفهمه العربي، بغير تكلف ولا تمحل في صرف ظواهرها، ومن كان باللسان العربي أعرف ففهمه لنصوص الوحي أرسخ، وقد قال عمر ﵁: (يا أيها الناس، عليكم بديوان شعركم في الجاهلية، فإن فيه تفسير كتابكم، ومعاني كلامكم) (^٢).\nثانيًا: أن كثيرًا من الصحابة والتابعين كانوا يعلمون تفسير القرآن، ولا توجد آية ليس لهم فيها تفسير يوضح معناها. وتفسيرهم وفهمهم للنصوص هو الذي يرجع إليه عند الاختلاف. أما ما يدعيه أصحاب التأويلات المحرفة من أن تأويلاتهم هي المعاني الصحيحة للآيات التي أولوها، فهذا خطأ منهم (^٣)\n_________\n(^١) رواه مسلم (١٨٤٤). من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄.\n(^٢) انظر «تفسير القرطبي» (١٠/ ١١١) و«الموافقات» للشاطبي (٢/ ٨٨).\n(^٣) انظر: «نقض التأسيس» -مخطوط- (٢/ ٢٢٣).","vol":"2","page":819},{"text":"فالصحابة والتابعين لم يمتنع أحد منهم عن تفسير آية من كتاب الله، ولا قال هذه من المتشابه الذي لا يعلم معناه، ولا قال قط أحد من سلف الأمة، ولا من الأئمة المتبوعين: إن في القرآن آيات لا يعلم معناها ولا يفهمها رسول الله ﷺ، ولا أهل العلم والإيمان جميعهم، وإنما قد ينفون علم بعض ذلك عن بعض الناس، وهذا لا ريب فيه.\nثالثًا: كذلك عامة أهل العربية الذين قالوا ما يعلم تأويله إلا الله، كالفراء وأبي عبيد وثعلب وابن الأنباري، هم يتكلمون في متشابه القرآن كله، وفي تفسيره ومعناه. وليس في القرآن آية قالوا لا يعلم أحد تفسيرها ومعناها (^١).\nوقال المصنف: \"وهذا مع أنه باطل فهو متناقض\"\nانتقل المصنف من بيان بطلان القول بأن معاني النصوص لا يعلمها إلا الله، إلى بيان تناقض هذا الزعم في نفسه.\nفمن نفى لا بد له من دليل يستدل به على نفاه، ولا دليل لهم، ذلك لأنها مسألة إثبتها الشرع، فهؤلاء لما اعتقدوا انتفاء الصفات في نفس الأمر-كان مع ذلك لا بد للنصوص من معنى-فبقوا مترددين بين الإيمان باللفظ وتفويض المعنى وبين صرف اللفظ إلى معان بنوع من التكلف.\nوهذا التردد هو الذي وقع فيه من قال بالتفويض من هؤلاء كالبيهقي والرازي، فهم لم يلتزموا بهذا القول مطلقًا بل غالبًا ما يخالفونه كما فعل الرازي في تأسيسه حيث جنح إلى التأويل وترك القول بالتفويض.\nفقول هؤلاء المفوضة لا يعدو أن يكون ملأ فراغ بدون مستند شرعي، ولا أدل على ذلك من انقسامهم على أنفسهم وترددهم فيما يدعون كما سبق من بيان أقوالهم.\n_________\n(^١) «نقض التأسيس» - مخطوط - (٢/ ٢٤٧).","vol":"2","page":820},{"text":"فالحجة إنما تكون مع من يملك الدليل قال ابن تيمية: \"الْمُثْبِتَ مُعْتَصِمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ وَمَعَهُ مِنْ الْمَعْقُولَاتِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ صِحَّةَ قَوْلِهِ وَفَسَادَ قَوْلِ مُنَازِعِهِ مَا لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا طَعْنٌ صَحِيحٌ.\nوَأَمَّا النَّافِي فَلَيْسَ مَعَهُ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَإِنَّمَا مَعَهُ مُجَرَّدُ رَأْيٍ يَزْعُمُ أَنَّ عَقْلَهُ دَلَّ عَلَيْهِ؛ وَمُنَازِعُهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَقْلَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى نَقِيضِهِ وَأَنَّ خَطَأَهُ مَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ\" (^١)\nقال ابن تيمية: «بل النافي عليه الدليل على نفي ما نفاه، كما على المثبت الدليل على ثبوت ما أثبته، ومن ليس عنده دليل على النفي والإثبات، فعليه أن لا ينفى ولا يثبت فغاية ما عنده التوقف في نفي ذلك وإثباته» (^٢).\nومن عجيب أمر هؤلاء أن الآية أثبتت تأويلا يعلمه الله، وهم يقولون التأويل باطل؛ فيحتجون بالآية التي أثبتت التأويل على بطلان التأويل مطلقًا، وليس في الآية إبطال للتأويل وإنما غاية ما تدل عليه نفي علم الخلق بالتأويل على قراءة الوقف.\nونأتي بعد ذلك لبيان تناقضهم:\nقال المصنف: \"لأنّا إذا لم نفهم منه شيئًا لم يجز أن نقول: له تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه، لإمكان أن يكون له معنى صحيح، وذلك المعنى الصحيح لا يخالف الظاهر المعلوم لنا، فإنه لا ظاهر له على قولهم، فلا تكون دلالته على ذلك المعنى دلالة على خلاف الظاهر فلا يكون تأويلا، ولا يجوز نفي دلالته على معان لا نعرفها على هذا التقدير، فإنَّ تلك المعاني التي دلت عليها قد لا نكون عارفين بها، ولأنّا إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله المراد فلأن لا نعرف المعاني التي لم يدل عليها اللفظ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٧/ ٨٠\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٤٤).","vol":"2","page":821},{"text":"أَولى، لأن إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من إشعاره بما لا يراد به، فإذا كان اللفظ لا إشعار له بمعنى من المعاني، ولا يُفهم منه معنى أصلا، لم يكن مشعرًا بما أُريد به، فلأن لا يكون مشعرًا بما لم يرد به أَولى. فلا يجوز أن يقال: إن هذا اللفظ متأوّل، بمعنى أنه مصروف عن الاحتمال الراجح إلى الاحتمال المرجوح، فضلًا عن أن يقال: إن هذا التأويل لا يعلمه إلا الله، اللهم إلا أن يراد بالتأويل ما يخالف الظاهر المختص بالمخلوقين، فلا ريب أن من أراد بالظاهر هذا فلا بد أن يكون له تأويل يخالف ظاهره\".\nوهنا ثلاثة أمور:\nالأمر الأول: أن دعوى هؤلاء بأنهم: \"لا يفهمون من النص شيئًا\" فإنهم إن كانوا من أصحاب القسم الذي يقول: تجرى على ظاهرها، ومع ذلك يجوز أن يكون المراد أمرًا آخر، فيجوز أحد الاعتبارين، أحد الحالين، يجوز في نفس الوقت إجراؤها على ظاهرها، ويجوز في نفس الوقت أن يكون لها معنى آخر لا يعلمه إلا الله تعالى\nفإن أهل هذه القسم مخصومون من نفس قولهم، فإنهم إذا كانوا لا يفهمون شيئًا من النص كما قال المصنف هنا: \"لأنّا إذا لم نفهم منه شيئًا\"\nأي أننا إذا لم نفهم من هذه النصوص أي معنى لم يجز أن نقول: إن لها تأويلا يخالف الظاهر أو يوافقه، لأنه قد يكون الظاهر هو معناها الصحيح فنفي العلم بالمعنى مع نفي الظاهر تناقض لأن الجاهل بالمعني جاهل بإرادة الظاهر أو عدم إرادته.\nفيلزم من ذلك أنه لا يجوز لهم التحكم بالزعم بأحد الجانبين بأن يقولوا له تأويل يخالف أو يوافق ظاهره. قال المصنف: \"لم يجز أن نقول: له تأويل يخالف الظاهر ولا يوافقه\".\nفهؤلاء لاحجة لهم في هذا المسلك لأن الظاهر كما ذكره المصنف هنا:","vol":"2","page":822},{"text":"\"لإمكان أن يكون له معنى صحيح، وذلك المعنى الصحيح لا يخالف الظاهر المعلوم لنا\"، فالاحتمال قائم بإمكان أن يكون له معنى صحيح لا يخالف المعنى المعلوم لنا.\nالأمر الثاني: قوله: \"فإنه لا ظاهر له على قولهم، فلا تكون دلالته على ذلك المعنى دلالة على خلاف الظاهر فلا يكون تأويلا، ولا يجوز نفي دلالته على معان لا نعرفها على هذا التقدير، فإنَّ تلك المعاني التي دلت عليها قد لا نكون عارفين بها\".\nأي بما أن هؤلاء سلكوا منهج التجهيل وهو دعوى التوقف في معنى النصوص، فيقولون: «الله أعلم بمراده» (^١)، والتجهيل الذي هو التفويض في حقيقته هو دعوى الجهل والتوقف في معاني النصوص، وأن هذه النصوص لا يعلم معناها، فالتوقف والجهل لا ينفي أن يكون على معنى من المعاني، وهذا يعنى أنه لا ظاهر له، فلا تكون دلالته على المعنى الذي جوزوا حمل النص عليه بزعمهم أنها تجرى على ظاهرها، ومع ذلك يجوز أن يكون المراد أمرًا آخر، فجوزا أحد الاعتبارين، وعليه فإنه على فرض القول بالجواز فإن ذلك يعني إن \"لا تكون دلالته على ذلك المعنى دلالة على خلاف الظاهر فلا يكون تأويلا\".\nأي أن ما لا يفهم منه شيء فالمفروض أنه لا ظاهر له أصلا لأنه لا معنى له، والظاهر والمؤول إنما هما فرعان عن المعنى، فإن لم يكن له ظاهر كان المعنى الذي نثبته غير مخالف للظاهر فينبغي ألا يكون للظاهر تأويلًا عنده لأنه لا يخالف ظاهرًا أثبته.\nالأمر الثالث: على فرض المنع فإنه \"ولا يجوز نفي دلالته على معان لا نعرفها على هذا التقدير، فإنَّ تلك المعاني التي دلت عليها قد لا نكون عارفين بها\". فهو إنما نفى العلم بها ولم ينفي وجودها ومعرفة غيره بها.\n_________\n(^١) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل لابن تيمية الجزء الأول صفحة (٢٠١).","vol":"2","page":823},{"text":"وإذا كان قول هؤلاء المفوضة يقوم على أساس عدم فهم اللفظ ومدلوله \"ولأنّا إذا لم نفهم اللفظ ومدلوله المراد\"\nفهذا الجهل يعني \"فلأن لا نعرف المعاني التي لم يدل عليها اللفظ أَولى، لأن إشعار اللفظ بما يراد به أقوى من إشعاره بما لا يراد به\". فالقول بأن اللفظ يراد به كذا أقوى من إشعاره بأنه لا يراد به كذا.\nفإذا لم نفهم اللفظ ومدلوله المراد فمن باب أولى ألا نعرف المعاني التي لم يدل عليها اللفظ، لأن دلالة اللفظ على ما يراد به أولى من دلالته على ما لا يراد به، فإذا كان اللفظ لا دلالة له على معنى من المعاني ولا يفهم منه معني أصلا لم يكن مشعرًا ما أريد به، فعدم إشعاره بما لم يرد به أولى، فلا يجوز أن يقال هذا اللفظ متأول أي مصروف عن ظاهره فضلًا عن أن يقال إن تأويله لا يعلمه إلا الله. إلا إن أراد ظاهره التمثيل فإنه لابد أن يكون له تاويل يخالف ظاهره، وإن كنا لا نعتقد أن ظاهر النصوص التمثيل كما سبق في القاعدة الثالثة.\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"لكن إذا قال هؤلاء: إنه ليس لها تأويل يخالف الظاهر، أو إنها تجري على المعاني الظاهرة منها، كانوا متناقضين. وإن أرادوا بالظاهر هنا معنى وهنا معنى في سياق واحد من غير بيان كان تلبيسًا، وإن أرادوا بالظاهر مجرد اللفظ، أي تجرى على مجرَّد اللفظ الذي يظهر من غير فهم لمعناه كان إبطالهم للتأويل أو إثباته تناقضًا، لأن من أثبت تأويلا أو نفاه فقد فهم منه معنى من المعاني. وبهذا التقسيم يتبين تناقض كثير من الناس من نفاة الصفات ومثبتيها في هذا الباب\".\nالشرح\nلشرح هذا النص لابد أن نعرف أن المفوضة ليسوا على رأي واحد فيما","vol":"2","page":824},{"text":"يقولون:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن المفوضة: \"وهم طائفتان من حيث إثبات ظواهر النصوص ونفيها\" (^١).\nفقول المصنف: \"لكن إذا قال هؤلاء: إنه ليس لها تأويل يخالف الظاهر، أو إنها تجري على المعاني الظاهرة منها، كانوا متناقضين\".\nوقوله: \"وإن أرادوا بالظاهر هنا معنى وهنا معنى في سياق واحد من غير بيان كان تلبيسًا\".\nأراد به طائفة من المفوضة يقولون: \"بل تحري على ظاهرها، وتحمل عليه، ومع هذا، فلا يعلم تأويلها إلا الله تعالى فتناقضوا؛ حيث أثبتوا لها تأويلا يخالف ظاهرها، وقالوا، مع هذا بأنها تحمل على ظاهرها\" (^٢).\nوقول المصنف: \"وإن أرادوا بالظاهر مجرد اللفظ، أي تجرى على مجرَّد اللفظ الذي يظهر من غير فهم لمعناه كان إبطالهم للتأويل أو إثباته تناقضًا، لأن من أثبت تأويلا أو نفاه فقد فهم منه معنى من المعاني\".\nأراد به طائفة أخرى من المفوضة الذين يقولون: \"المراد بهذه النصوص خلاف مدلولها الظاهر، ولا يعرف أحد من الأنبياء، ولا الملائكة، ولا الصحابة، ولا أحد من الأمة، ما أراد الله بها، كما لا يعلمون وقت الساعة\" (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٤٢.\n(^٢) مجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٤٢.\n(^٣) مجموع الفتاوى: ١٦/ ٤٤٢.","vol":"2","page":825},{"text":"<span data-type='title' id=toc-337>الاعتماد على الاثبات المجرد عن نفي التشبيه طريقة المشبهة</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"القاعدة السادسة: أنّ لقائل أن يقول: لا بدّ في هذا الباب من ضابط يُعرف به ما يجوز على الله ﷾ مما لا يجوز في النفي والإثبات، \".\nالشرح\nفي هذه القاعدة يتناول المصنف شرح بعض الألفاظ والمصطلحات التي يتعين معرفتها لإزالة الإشكال الذي يمكن أن يقع فيها، حيث عرف عن المغالطين أنهم يتقصدون استعمال الكلمات المتقاربة في اللفظ والمشتركة (^١) في المعنى والغامضة في الدلالة وكانوا يميلون في جدالهم إلى الإبهام في الألفاظ والإيهام في المعاني.\nوعلى غرار ما أوضحه المصنف في القاعدة الخامسة فيما وقع في لفظ \"الظاهر\" ولفظ \"التأويل\" من أن \"لفظة (الظاهر) قد صارت مشتركة، فإن الظاهر في الفطر السليمة، واللسان العربي، والدين القيم، ولسان السلف، غير الظاهر في عرف كثير من المتأخرين\" (^٢).\nوكذلك لفظة (التأويل) له في القرآن معنى، وفي عرف كثير من السلف وأهل التفسير معنى، وفي اصطلاح كثير من المتأخرين له معنى، وبسبب تعدد الإصطلاحات والأوضاع فيه، حصل اشتراكٌ غلطَ بسببه كثير من الناس في فهم\n_________\n(^١) الألفاظ المشتركة هي الأسماء المتفقة اللفظ التي يكون معناها متباينًا وهي مشتركة اشتراكا لفظيا\".\nانظر: مجموع الفتاوي لابن تيمية: ٢٠/ ٢٣٤.\n(^٢) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٣٣/ ى ١٧٥).","vol":"2","page":826},{"text":"القرآن وغيره\" (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وَتَحْقِيقُ هَذَا الْمَوْضِعِ بِالْكَلَامِ فِي مَعْنَى التَّشْبِيهِ وَالتَّمْثِيلِ.\nأَمَّا \"التَّمْثِيلُ\" فَقَدْ نَطَقَ الْكِتَابُ بِنَفْيهِ عَنِ اللَّهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [سُورَةُ الشُّورَى: ١١]، وَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مَرْيَمَ الآية: ٦٥]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: ٢٢]، وَقَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [سُورَةُ النَّحْلِ: ٧٤].\nوَلَكِنْ وَقَعَ فِي لَفْظِ \" التَّشْبِيهِ\" إِجْمَالٌ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.\nوَأَمَّا لَفْظُ\" الْجِسْمِ \"وَ\"الْجَوْهَرِ \"وَ\"الْمُتَحَيِّزِ\" وَ\"الْجِهَةِ\" وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْطِقْ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ بِذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا، وَكَذَلِكَ لَمْ يَنْطِقْ بِذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ وَسَائِرِ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ وَغَيْرِ أَهْلِ الْبَيْتِ، فَلَمْ يَنْطِقْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِذَلِكَ فِي حَقِّ اللَّهِ لَا نَفْيًا وَلَا إِثْبَاتًا. (^٢) \"\nوسيتناول المصنف هنا ما يتعلق بألفاظ \"التشبية\" و\"التمثيل\" و\"التجسيم\" وما وقع فيها من اختلاف في الاستعمال، والقواعد المتعين معرفتها لرفع اللبس الواقع في فهم هذه الألفاظ من جهة، ورد وإبطال المعاني الفاسدة من جهة أخرى.\nقول المصنف: \"إذ الاعتماد في هذا الباب على مجرد نفي التشبيه أو مطلق الإثبات من غير تشبيه ليس بسديد\".\nأي أن الاعتماد على النفي المجرد عن الإثبات كما هي طريقة المعطلة لا يكفي، وكذلك الاعتماد على الإثبات المجرد عن نفي التشبيه كما هي طريقة\n_________\n(^١) نقض التأسيس» - مخطوط - (٢/ ٢٢٣ - ٢٢٤).\n(^٢) منهاج السنة النبوية ٣/ ٥٢٧ - ٥٣٠.","vol":"2","page":827},{"text":"المشبهة لا يكفي، بل هذا قول فاسد ورأي ليس بسديد\" (^١)\nوهذا كله من نوع الاشتباه، ومن هداه الله فرق بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه، وعلم ما بينهما من الجمع والفرق، والتشابه والاختلاف\" (^٢).\nوقد تكلم شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه منهاج السنة عن هذه المسألة فقال: \"وَأَوَّلُ مَنْ عُرِفَ عَنْهُ التَّكَلُّمُ بِذَلِكَ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا أَهْلُ الْكَلَامِ الْمُحْدَثِ مِنَ النُّفَاةِ: كَالْجَهْمِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَمِنَ الْمُثْبِتَةِ: كَالْمُجَسِّمَةِ مِنَ الرَّافِضَةِ وَغَيْرِ الرَّافِضَةِ.\nفَالنُّفَاةُ: نَفَوْا هَذِهِ الْأَسْمَاءَ، وَأَدْخَلُوا فِي النَّفْيِ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ صِفَاتٍ كَعِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَعُلُوِّهِ، وَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يَرَى، وَلَا يَتَكَلَّمُ بِالْقُرْآنِ وَلَا غَيْرِهِ، وَلَكِنْ مَعْنَى كَوْنِهِ مُتَكَلِّمًا أَنَّهُ خَلَقَ كَلَامًا فِي جِسْمٍ مِنَ الْأَجْسَامِ غَيْرِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.\nوَالْمُثْبِتَةُ: أَدْخَلُوا فِي ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ مَا نَفَاهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ، حَتَّى قَالُوا: إِنَّهُ يُرَى فِي الدُّنْيَا بِالْأَبْصَارِ، وَيُصَافَحُ، وَيُعَانَقُ، وَيَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ، وَيَنْزِلُ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ رَاكِبًا عَلَى جَمَلٍ أَوْرَقَ يُعَانِقُ الْمُشَاةَ وَيُصَافِحُ الرُّكْبَانَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ يَنْدَمُ وَيَبْكِي وَيَحْزَنُ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَحْمٌ وَدَمٌ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَالَاتِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ وَصْفَ الْخَالِقِ ﷻ بِخَصَائِصِ الْمَخْلُوقِينَ. (^٣) \"\nثم بين منهج أهل السنة فقال: \"وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ أَنْ يُوصَفَ بِشَيْءٍ مِنَ الصِّفَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِالْمَخْلُوقِينَ، وَكُلُّ مَا اخْتَصَّ بِالْمَخْلُوقِ فَهُوَ صِفَةُ نَقْصٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ وَمُسْتَحِقٌّ لِغَايَةِ الْكَمَالِ، وَلَيْسَ لَهُ مِثْلٌ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَهُوَ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ مُطْلَقًا، وَمُنَزِّهٌ فِي الْكَمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ، كَمَا قَالَ\n_________\n(^١) التحفة المهدية شرح العقيدة التدمرية ٢/ ٤.\n(^٢) الرسالة التدمرية (١/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٣) منهاج السنة النبوية ٣/ ٥٢٧ - ٥٣٠.","vol":"2","page":828},{"text":"تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ - اللَّهُ الصَّمَدُ - لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ - وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [سُورَةُ الْإِخْلَاصِ: ١ - ٤]، فَبَيَّنَ أَنَّهُ أَحَدٌ صَمَدٌ، وَاسْمُهُ الْأَحَدُ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الْمِثْلِ، وَاسْمُهُ الصَّمَدُ يَتَضَمَّنُ جَمِيعَ صِفَاتِ الْكَمَالِ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ الْمُصَنَّفِ فِي تَفْسِيرِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. (^١) \"\nوقول المصنف: \"وذلك أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر مميّز\".\nيريد المصنف أن يبين أنه لابد في مسألة الألفاظ والمصطلحات من مراعاة أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك وقدر مميز يميز كل واحد من الشيئين عن الآخر.\nومسألة \"القدر المشترك\" سبق توضيحها بشكل موسع، وأشار المصنف لها في عدة مواطن من هذه الرسالة، ومن ذلك قوله عند الكلام على المحكم والمتشابه: \"ومن هداه الله سبحانه فرّق بين الأمور وإن اشتركت من بعض الوجوه، وعلم ما بينها من الجمع والفرق، والتشابه والاختلاف\".\nالقدر المشترك هو: مسمى الاسم المطلق، وهذا المسمى هو معنى كلي لا يوجد إلا في الأذهان.\nفإنه ما من موجودين إلا ولا بد أن يشتركا في أنهما موجودان ثابتان حاصلان، وأنّ كلا منهما له حقيقة هي ذاته ونفسه وماهيته.\nقال شيخ الإسلام ﵀: «القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معينا مقيدا، ومعنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا لا أن الموجودات في الخارج يشارك أحدها\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية ٣/ ٥٢٧ - ٥٣٠.","vol":"2","page":829},{"text":"الآخر شيء موجود فيه، بل كل موجود متميز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله» (^١).\nوإثبات القدر المشترك لازم لإثبات الصفات، ومن خلاله عرفنا الله ﷿ وعرفنا بنفسه سبحانه، وليس ثمة محذور يخشى من إثباته لأمور (^٢).\n١ - معرفتنا بحقيقة القدر المشترك المعرفة التامة تعطينا التصور الصحيح للعلاقة في هذه الأسماء المتواطئة بين الخالق والمخلوق، وأن القدر المشترك هو اشتراك في معنى اللفظ العام (^٣)، وهو يطلق على الله تعالى وعلى العبد بإطلاق كلي وأما الاشتراك بينهما في الخارج فلا يكون بكلي أبدًا بل لا بد من وقوعه في الخارج متميزا متعينا، وهذا القدر المشترك لا يقتضي أبدا الاشتراك فيما يختص به أحدهما، قال شيخ الإسلام ﵀: \"والقدر المشترك كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه .. \" (^٤).\n٢ - لا يلزم من إثبات القدر المشترك الوقوع في التشبيه الممتنع شرعا وعقلا فإن اتفاق المسميين في بعض الأسماء والصفات ليس هو التشبيه والتمثيل الذي نفته الأدلة السمعية والعقلية وإنما نفت ما يستلزم اشتراكهما فيما يختص به الخالق مما يختص بوجوبه أو جوازه أو امتناعه فلا يجوز أن يشركه مخلوق في شيء من خصائصه ﷾ (^٥).\n_________\n(^١) التدمرية: ١٢٨.\n(^٢) دلالة الأسماء الحسنى على التنزيه: ٨٥ - ٨٦ (بتصرف).\n(^٣) يمكن إطلاق لفظ المشترك المعنوي على المتواطئ في مقابل لفظ (المشترك اللفظي)، وقد أشار إلى هذا شيخ الإسلام ﵀ ويفهم من كلامه، انظر: مجموع الفتاوي له: ٢٠/ ٢٣٩.\n(^٤) التدمرية: ١٢٥ - ١٢٩.\n(^٥) التدمرية: ١٢٥ - ١٢٩.","vol":"2","page":830},{"text":"٣ - إثبات القدر المشترك من لوازم الوجود، فكل موجودين لابد بينهما من مثل هذا، ومن نفى هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود، ولهذا لما اطلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية سموهم معطلة؛ لأن رفع القدر المشترك ألزمهم تعطيل وجود كل موجود\" (^١).\nهذه أهم النقاط المتعلقة بإثبات القدر المشترك وأنه لا يوجد ما يمنع من إثباته.\nقال ابن القيم: \"فأحظى الناس بالحق وأسعدهم به الذي يقع على الخصائص المميزة الفارقة ويلغي القدر المشترك فيحكم بالقدر الفارق على القدر المشترك ويفصله به.\nوأبعدهم عن الحق والهدى من عكس هذا السير وسلك ضد هذه الطريق فألغى الخصائص الفارقة وأخذ القدر المشترك وحكم به على القدر الفارق.\nوأضل منه من أخذ خصائص كل من النوعين فأعطاها للنوع الآخر.\nفهذان طريقا أهل الضلالة اللتان يرجع إليهما جميع شعب ضلالهم وباطلهم\" (^٢).\nوقول المصنف: \"فالنافي إن اعتمد فيما ينفيه على أن هذا تشبيه، قيل له:\nإن أردت أنه مماثل له من كل وجه فهذا باطل.\nوإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه، أو مشارك له في الاسم، لزمك هذا في سائر ما تثبته.\nوأنتم إنما أقمتم الدليل على إبطال التشبيه والتماثل، الذي فسرتموه بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له.\n_________\n(^١) التدمرية: ١٢٥ - ١٢٩.\n(^٢) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٤/ ١٢١٦ - ١٢١٨","vol":"2","page":831},{"text":"ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه، ولا يلزم من نفي هذا نفي التشابه من بعض الوجوه، كما في الأسماء والصفات المتواطئة.\nولكن من الناس من يجعل التشبيه مفسرًا بمعنى من المعاني، ثم إن كل من أثبت ذلك المعنى قالوا: إنه مشبِّه. ومنازعهم يقول: ذلك المعنى ليس هو من التشبيه\".\nطرح المصنف أحد احتمالين لطائفة النفاة\nفي مقصودهم بنفي التشبيه على حد اصطلاحهم ومرادهم في إطلاق هذا اللفظ.\nالاحتمال الأول: \"أنه مماثل له من كل وجه\" ففسروا التماثل بحسب اصطلاحهم \"بأنه يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه، ويجب له ما يجب له\" أي أنه يثبت للمخلوق مثل ما يثبت له، بحيث يجوز على هذا ما يجوز على هذا، ويجب له ما يجب له، ويمتنع عليه ما يمتنع عليه (^١).\nالاحتمال الثاني: قال عنه: \"وإن أردت أنه مشابه له من وجه دون وجه، أو مشارك له في الاسم\". أي أنه يثبت له ما فيه نوع من التشابه (^٢).\nوقال المصنف في الصفدية: \"وإن كان بعض من يثبت له بعض الصفات وينفي بعضها مثل من يثبت لله العلم والقدرة وينفي الرضا والغضب والوجه واليد قد يقول ليس بين علمنا وعلم الله فرق ولا بين سمعنا وسمع الله فرق ولا بين بصرنا وبصر الله فرق إلا في الحدوث والقدم.\nومقصوده بذلك أن ينفصل عن إلزام المثبتة فإنهم يقولون له كما أثبت لله علما وقدرة وسمعا وبصرا وليس مثل سمعنا وبصرنا ولا علمنا وقدرتنا فكذلك أثبت له\n_________\n(^١) الصفدية ٢/ ١٠ - ١١.\n(^٢) الصفدية ٢/ ١٠ - ١١.","vol":"2","page":832},{"text":"رضا وغضبا ووجها ويدا وليس مثل رضانا ولا غضبنا ولا وجوهنا ولا أيدينا فيريد بزعمه أن يذكر الفرق بأن التماثل موجود في الوصفين فليس بين العلمين والقدرتين فرق إلا في الحدوث والقدم\" (^١).\nوهذا إنما ذكرته لأن بعض معتزلة الصفاتية الذين يثبتون الصفات السبعة وينفون الصفات الخبرية ويزعمون أن هذا تشبيه ممتنع أورد عليهم هذا بسبب محنة وقعت بين المثبتة والنفاة وكان قاضي القضاة وقيل بل نثبت هذه الصفات مع انتفاء المماثلة كما أثبتم تلك الصفات مع انتفاء المماثلة فكما أن له علما ولنا علم وليس علمه مثل علمنا ولنا قدرة وله قدرة وليست قدرته مثل قدرتنا فكذلك يقال في الصفات الخبرية.\nفقال ليس بين علمنا وعلمه فرق إلا في الحدوث والقدم فإذا أثبتنا له الوجه ونحوه لزم أن يكون مثل وجوهنا إلا في الحدوث والقدم فعلم المعارضون له فساد هذا القول وقبحه شرعا وعقلا وأن قولا يستلزم مثل هذا من أفسد الأقوال.\nوهذا القول شعبة من قول الباطنية المذكورين نفاة الصفات الثبوتية والسلبية والأسماء فإنهم جردوه عن جميع ذلك حذرا من التشبيه المذكور.\nوالمقصود هنا بيان جواب الباطنية القرامطة وهذا الجواب الذي ذكرناه على أحد القولين وهو جواز كون النفي مشابها لغيره من وجه دون وجه وهذا هو الصحيح الذي عليه أكثر الناس وهو المنصوص عن أحمد وغيره.\nوذهبت طائفة إلى امتناع ذلك وقالوا لا يتصور إلا التماثل من كل وجه أو الاختلاف من كل وجه وقال هؤلاء إن الأجسام متماثلة من كل وجه والأعراض المختلفة والأجناس كالسواد والبياض مختلفة من كل وجه وهؤلاء يقولون إذا كان\n_________\n(^١) الصفدية ٢/ ١٠ - ١١.","vol":"2","page":833},{"text":"هذا حيا عالما وهذا حيا عالما لم يجب أن يكون بينهما تشابه بوجه من الوجوه بل قد يكونان مختلفين من كل وجه لأنهما لم يتماثلا في ذاتهما ولكن في صفتهما وذلك لا يوجب عندهم تماثلا ولا اختلافا ولهذا قالوا الأجسام متماثلة مع اختلاف صفاتهما وزعموا أن الصفات التي اختلفت لأجلها ليست لازمة لشيء منها بل يجوز أن تتبدل على كل من الأجسام مع بقاء حقيقته.\nوهذا القول وإن كان القائل به كثير من الصفاتية كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي وغيرهم فهو من أفسد الأقوال بل هو معلوم الفساد بالضرورة بعد التصور الصحيح.\nوهؤلاء يجيبون هؤلاء الباطنية بجواب خامس وهو أن الخالق والمخلوق إذا سمي كل واحد منهما فاعلا أو قادرا أو غير ذلك فإنما لم يتماثلا في ذاتيهما وإنما يكون التماثل في الذات إذا كان هذا جسما أو جوهرا والآخر كذلك، وهؤلاء يقولون كل من قال بأن الرب جسم كان مشبها ومن نفى ذلك لم يكن مشبها ولا ينفصلون بهذا الجواب فإن منازعهم يقول فإذا أثبتم الصفات أو الأسماء لزم أن يكون الموصوف المسمى جسما كما تقولون أنتم ذلك لمن أثبت ما نفيتموه وجعلتموه مجسما ولا يمكنهم أن يذكروا فرقا صحيحا وكل ما يقولونه يمكن المثبت أن يقول لهم مثله فيلزم بطلان هذا الفرق بين ما سموه تجسيما وما لم يسموه تجسيما فلزم إما إثبات الجميع وإما نفي الجميع\" (^١).\nأما الرد على الاحتمال الأول: فقد رد عليه المصنف بقوله: ومعلوم أن إثبات التشبيه بهذا التفسير مما لا يقوله عاقل يتصور ما يقول، فإنه يعلم بضرورة العقل امتناعه، ولا يلزم من نفي هذا نفي التشابه من بعض الوجوه، كما في الأسماء\n_________\n(^١) الصفدية ٢/ ١١ - ١٩","vol":"2","page":834},{"text":"والصفات المتواطئة.\nوقال المصنف في الصفدية: \"فإن ادعيت الأول كان ممنوعا وممتنعا فإنهم إذا قالوا لله علم وقدرة وللمخلوق علم وقدرة لم يقولوا إن العلمين والقدرتين متماثلان بحيث يجب لأحدهما ما وجب للآخر ويمتنع عليه ما يمتنع عليه ويجوز عليه ما يجوز عليه بل هذا معلوم الفساد بالضرورة\" (^١).\nوقال أيضًا: \"ونفي الجميع ممتنع لأنه قد علم بالضرورة أن الموجود ينقسم إلى واجب قديم قيوم غني خالق وإلى ممكن محدث مدبر فقير مخلوق فلا سبيل إلى جعل الوجود كله واحدا واجبا كما يقوله أهل الوحدة ولا إلى جعله كله مخلوقا مربوبا محدثا كما يذكر عن بعضهم أنه ادعى حدوث الوجود كله بدون محدث فإن فساد كل من القولين من أبين العلوم الضرورية البديهية ولهذا كان أهل الوحدة متناقضين لا يلتزمون قولهم، وأما حدوث الوجود جميعه بدون محدث فلا تعرف طائفة قالته وإنما يقدر تقديرا ذهنيا كما تقدر كثير من الأقوال السوفسطائية لتبيين بطلانها وانتفائها.\nفقد تبين أن أقوال نفاة الصفات كقول أهل الإلحاد المعطلة للصانع وأن القول الثاني قول من يقول بالوجود المطلق عن النفي والإثبات هو أحد قولي القرامطة الباطنية والأول قول القرامطة الباطنية الذين يلونهم نفاة الصفات الثبوتية الذين لا يصفونه إلا بالسلوب.\nوقول من قال المطلق لا بشرط الذي يصدق على كل موجود فهو يشبه قول من يجمع بين النقيضين فيصفه بصفة كل موجود وإن كانت متناقضة ويجعل وجود الخالق هو وجود المخلوق أو جزء منه وعلى كل تقدير فحقيقة قول هؤلاء\n_________\n(^١) الصفدية ٢/ ١٠ - ١١.","vol":"2","page":835},{"text":"نفي الوجود الواجب المباين للوجود الممكن ونفي وجود الخالق المباين للمخلوقات ونفي وجود القديم المباين للمحدثات وهذا قول المعطلة وهذا مبسوط في غير هذا الموضع. \" (^١)\nوأما الرد على الاحتمال الثاني: فقد رد عليه المصنف بقوله: \"ولا يلزم من نفي هذا نفي التشابه من بعض الوجوه، كما في الأسماء والصفات المتواطئة.\nوقال المصنف في الصفدية: \"وهذا القول باطل قطعًا فإنه لو تماثل العلمان والقدرتان لجاز على أحدهما ما يجوز على الآخر وامتنع عليه ما يمتنع عليه ووجب له ما وجب له.\nولو جاز أن يقال ذلك في العلم والقدرة لجاز أن يقال ذلك في الحياة والسمع والبصر والكلام والإرادة وغير ذلك من الصفات.\nوإن جاز أن يقال ذلك في الصفات جاز مثله في الذات لأن نسبة علم الرب إلى ذاته كنسبة علم العبد إلى ذاته فهما علمان وعالمان.\nوإن جاز أن يقال العلم مثل العلم إلا في الحدوث والقدم جاز أن يقال العالم كالعالم إلا في الحدوث والقدم.\nوهذا معلوم الفساد بالضرورة وهو يتبين من وجوه:\n(الوجه الأول): منها أنه لو تماثلت الذاتان لامتنع اختصاص أحدهما بالحدوث والأخرى بالقدم فإن المقتضى لقدم الرب هو نفس ذاته لا يحتاج في ثبوت قدمه إلى غيره.\nوالمقتضى لكون العبد مفتقرا إلى من يخلقه نفس ذاته ليس افتقاره مستفادا من أمر خارج عن ذاته.\n_________\n(^١) الصفدية ٢/ ١١ - ١٩","vol":"2","page":836},{"text":"فإذا كان المثلان يجوز على أحدهما ما يجوز على الآخر وهذه الذات لا يجوز عليها القدم بل يمتنع عليها وتلك يجب لها القدم ويمتنع عليها العدم وإذا امتنع تماثلهما فامتنع تماثل صفاتهما فإن صفة كل موصوف بحسبه\" (^١).\nفإن قيل الأمور المختلفة قد تشترك في لوازم متماثلة كالإنسان والفرس يشتركان في الحيوانية.\nقيل ليست الحيوانية العامة المختصة للإنسان مماثلة من كل وجه للحيوانية المختصة بالفرس بل هما مختلفان حسب اختلاف الحقيقتين وإن اشتركا في الحيوانية العامة فذلك العام لا يوجد عاما إلا في الذهن لا في الخارج.\nتبيين ذلك أن خاصة الحيوانية الحس والحركة الإرادية وإحساس الفرس ليس مثل إحساس الإنسان بل ولا مثل إحساس الهر والفأر وإن اشتركا في الحيوانية ولا حركته الإرادية مثل حركة هذه الحيوانات الإرادية ولو ماثل الإنسان سائر الحيوان في الحس والحركة الإرادية للزم أن تثبت لكل منهما لوازم حس الآخر وحركته الإرادية فإن ثبوت الملزوم بدون اللازم ممتنع وحس الإنسان وحركته الإرادية يلزمهما لوازم يمتنع اتصاف الهر والفأر بها وكذلك بالعكس فعلمنا أن الحس والحركة مختلفان فيهما بالنوع كما أن حقيقتهما مختلفة بالنوع فحيوانيتهما مختلفة بالنوع والمختلف بالنوع والحقيقة ليس متماثلا واشتراكهما في جنس الحيوانية كاشتراك السواد والبياض في جنس اللونية مع أنهما مختلفان بالنوع والحقيقة.\n(الوجه الثاني): وأيضًا فكل ما للرب تعالى من صفات الكمال فهو من لوازم ذاته فلو ماثلته ذات أخرى لاتصفت بمثل ما اتصف به الرب بحيث يكون بكل شيء\n_________\n(^١) الصفدية ٢/ ١٠ - ١١.","vol":"2","page":837},{"text":"عليما وعلى كل شيء قديرا ويكون قادرا على خلق مثل هذا العالم وأمثال ذلك مما يعلم امتناعه.\n(الوجه الثالث): وأيضًا فالرب تعالى لو كان له مثل للزم أن يقدر على ما يقدر عليه وأن يريد كما يريد، وحينئذ فيمتنع وجود العالم لأنه إن أمكن أن يستقل به كل منهما لزم أن يكون كل منهما فاعلًا له كله غير فاعل لشيء منه وهذا جمع بين النقيضين، وإن لم يمكن أن يستقل به أحدهما إلا إذا تركه الآخر كانت قدرته مشروطة بتمكين الآخر له، وكذلك إن لم يمكن أحدهما فعله إلا بمعاونة الآخر لزم أن لا يقدر أحدهما إلا إذا جعله الآخر قادرا وحينئذ فلا يكون أحدهما حال الانفراد قادرا على شيء، وإذا لم يكن أحدهما حال الانفراد قادرا على شيء امتنع حال الاجتماع قدرتهما لأنه ليس هناك شيء غيرهما يجعلهما قادرين وليس لواحد منهما قدرة يعين بها الآخر فلو كان كل منهما صار قادرا بجعل الآخر له لزم الدور في التأثير وهو الدور القبلي الباطل باتفاق العقلاء وهو معلوم الفساد ضرورة بعد التصور\nوهذا بخلاف إذا كان هناك ثالث يجعلهما قادرين بالاجتماع فإن هذا هو الدور المعي وهو جائز ولهذا لا يوجد شيئان من الموجودات يصير لهما قدرة حال الاجتماع إلا بإحداث ثالث ذلك لهما أو بانضمام قوة أحدهما إلى قوة الآخر كالمشتركين من الآدميين لا بد أن يكون لأحدهما عند الإنفراد قدرة على شيء أو عند الإجتماع تقوى قدرتهما\nوالتقدير هنا أنه لا شيء من القدرة ثابت حال الإنفراد وإذا كان تقدير مثل له يستلزم أن يكون قادرا مثله وتقدير ربين قادرين ممتنع علم انتفاء مثله وإذا كان تقديرهما غير قادرين ممتنعا أيضا علم انتفاء شريك على كل وجه وأن تقدير مثل له","vol":"2","page":838},{"text":"أو شريك له ممتنع لذاته سواء قدر المثل مشاركا أو غير مشارك وسواء قدر الشريك مماثلا أو غير مماثل وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.\n(الوجه الرابع): ومما يبين امتناع تماثل العلمين أن الرب بكل شيء عليم سواء قيل إنه عالم بعلم واحد أو بعلوم غير متناهية وليس علم العبد لا هكذا ولا هكذا بل هذا ممتنع فيه ولو قال القائل علم الرب بالشيء المعين كعلم العبد به كان ممتنعا فإن الرب يعلمه علم إحاطة به والعبد لا يحيط به.\n(الوجه الخامس): وأيضا فإنا نعلم بالضرورة أن الله أعلم وأقدر من خلقه كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت الآية: ١٥].\nوقال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم الآية: ٣٢].\nوقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النور الآية: ١٩].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا﴾ [الإسراء الآية: ٨٥].\nوهذا أوضح في المنقول والمعقول وأعظم من أن يحتاج إلى شواهد فكيف يجوز أن يظن التماثل مع ثبوت التفاضل\" (^١).\nوقول المصنف: \"ولكن من الناس من يجعل التشبيه مفسرًا بمعنى من المعاني، ثم إن كل من أثبت ذلك المعنى قالوا: إنه مشبِّه. ومنازعهم يقول: ذلك المعنى ليس هو من التشبيه، وقد يفرَّق بين لفظ «التشبيه» و«التمثيل» \".\nالإجمال الذي لحق بهذا الاسم لم يكن من جهة لفظ (التشبيه) ومسماه، وإنما كان من جهة ما ألحقه به النفاة من معان غير داخلة فيه بأصل الوضع.\n_________\n(^١) الصفدية ٢/ ١٢/ ١٦.","vol":"2","page":839},{"text":"وقد بين شيخ الإسلام ذلك في موضع آخر حيث قال: \"لفظ التشبيه في كلام هؤلاء النفاة المعطلة لفظ مجمل\" (^١)، فبين أن الإجمال الذي في لفظ (التشبيه) إنما هو في عرف خاص خاطئ، فلا يمنع ذلك من نفيه باعتبار معناه الصحيح الذي قصده السلف من نفيهم للتشبيه، ولذا قال شيخ الإسلام بعد كلامه السابق بأسطر في ذكر مذهب أهل السنة: \"ينزهونه عن النقص والتعطيل، وعن التشبيه والتمثيل، إثبات بلا تشبيه، وتنزيه بلا تعطيل\".\nأما الفرق بين المشابهة والمماثلة (^٢).\nوقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أقوال الناس في لفظي (التشبيه) و(التمثيل)، وهل هما بمعنى واحد، فقال:\nوقد تنازع الناس: هل لفظ (الشبه) و(المثل) بمعنى واحد أو معنيين، على قولين:\nأحدهما: أنهما بمعنى واحد، وأن ما دل عليه لفظ (المثل) مطلقا ومقيدًا يدل عليه لفظ (الشبه)، وهذا قول طائفة من النظار.\nوالثاني: أن معناهما مختلف عند الإطلاق لغة، وشرعا، وعقلًا، وإن كان مع التقيد والقرينة يراد بأحدهما ما يراد بالآخر، وهذا قول أكثر الناس».\nثم بين ﵀ مبنى هذا الاختلاف في الإطلاق فقال:\n\"وهذا الاختلاف مبني على مسألة عقلية، وهو أنه هل يجوز أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه؟ وللناس في ذلك قولان:\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٢/ ١١٠).\n(^٢) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٥/ ٣٤٧) (٦/ ١١٣) (١٣/ ٢٧٩)، درء تعارض العقل والنقل (٦/ ١٢٣ - ١٢٥).","vol":"2","page":840},{"text":"فمن منع أن يشبهه من وجه دون وجه قال: المثل والشبه واحد.\nومن قال إنه قد يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه فرق بينهما عند الإطلاق، وهذا قول جمهور الناس.\nفإن العقل يعلم أن الأعراض -مثل الألوان-تشتبه في كونها ألوانًا، مع أن السواد ليس مثل البياض، وأيضًا فمعلوم في اللغة أنه يقال: (هذا يشبه هذا)، و(فيه شبه من هذا) إذا أشبهه من بعض الوجوه، وإن كان مخالفة له في الحقيقة» (^١).\nوهذا التفريق بين معنى التشبيه والتمثيل قد أقر به جمع من المتكلمين، فقد قرر ابن الهمام الحنفي من الماتريدية أن «المثلية تقتضي المساواة في كل الصفات، والتشبيه لا يقتضيه» (^٢)، وبين أبو المعين النسفي أن الشخصين لو اشتركا في الفقه أو الطب أو غير ذلك من العلوم والصناعات، ولم يكن بينهما في ذلك النوع مساواة ينوب أحدهما مناب صاحبه ويسد مسده، فإنه لا يستجيز أحد من أرباب اللسان أن يقول: فلان مثل فلان في علم كذا، أو صنعة كذا (^٣).\nفتحصل بذلك أن لفظ التشابه والتماثل غير متطابقين في المعنى، بل لفظ التشابه أعم من لفظ التماثل، إذ التشابه يطلق على مطلق مشاركة الشيء للشيء ولو من بعض الوجوه، وأما التماثل فهو مشاركة الشيء للشيء من كل الوجوه، وإن كان قد يطلق لفظ التشبيه ويراد به التمثيل، وكذا العكس، وذلك يعلم بسياق الكلام وقرائنه.\nوقول المصنف: \"وقد يفرَّق بين لفظ «التشبيه» و«التمثيل» \".\n_________\n(^١) الجواب الصحيح (٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥).\n(^٢) المسامرة شرح المسايرة (٣٠٨)، وانظر: تبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي (١/ ١٥٠ - ١٥١).\n(^٣) انظر: تبصرة الأدلة (١/ ١٥٠).","vol":"2","page":841},{"text":"هناك فرق بينهما في أصل اللغة (^١).\nفالمماثلة: هي مساواة الشيء لغيره من كل وجه.\nوالمشابهة: هي مساواة الشيء لغيره في أكثر الوجوه.\nولكن التعبير هنا بنفي \"التمثيل\" أولى لموافقة لفظ القرآن.\nفي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١].\nوقوله تعالى: ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال﴾ [النحل الآية: ٧٤].\nويخلط كثير من الناس في هذا المقام بين مفهوم (التمثيل) ومفهوم (التشبيه).\nفالأول هو الذي نفته النصوص الشرعية، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾.\nبخلاف لفظ (التشبيه) فإنه لفظ مجمل، قد يراد به التمثيل، وقد يراد به ما ليس تمثيلًا، وقد فرّق-تعالى-بينهما في قوله: (وَقَالَ الَذِينَ لا يَعلَمُونَ لَولا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تًَاتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَذِينَ مِنْ قَبلِهِم مِّثلَ قَولِهِم تَشَابَهَت قُلُوبُهُمْ).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فوصفَ القولين بالتماثل، والقلوب بالتشابه لا بالتماثل، فإن القلوب - وإن اشتركت في هذا القول - فهي مختلفة لا متماثلة، وقال النبي: «الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات لا يعلمهن كثير من الناس»، فدل على أنه يعلمها بعض الناس، وهي في نفس الأمر ليست متماثلة بل بعضها حرام وبعضها حلال\" (^٢)\nفالتشابه، إذا أطلق، يتضمن الموافقة من بعض الوجوه دون بعض، أما المماثلة\n_________\n(^١) القواعد المثلى ص ٢٧\n(^٢) الجواب الصحيح، جـ ٣ ص ٤٤٦.","vol":"2","page":842},{"text":"فهي الموافقة من جميع الوجوه، بحيث يستوي الشيء ومثله في كل جانب ويجوز ويمتنع على أحدهما من الخصائص واللوازم.\nفالمحذور شرعًا هو التمثيل، أما (التشبيه (فإن أريد به التمثيل فهو ممتنع، وإن أريد به الموافقة من بعض الوجوه دون بعض فليس في ذلك محذور، وذلك أن جماهير العقلاء يعلمون أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، ونفس ذلك القدر المشترك ليس هو نفس التمثيل والتشبيه الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه، وإنما التشبيه الذي قام الدليل على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله﷾إذ هو-سبحانه-ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله\" (^١).، وشبه الشيء بالشيء يكون لمشابهته له من بعض الوجوه، وذلك لا يقتضي التماثل الذي يوجب أن يشتركا فيما يجب ويجوز ويمتنع. وإذا قيل هذا حي عليم قدير، وهذا حي عليم قدير، فتشابها في مسمى الحي والعليم والقدير، لم يوجب ذلك أن يكون هذا المسمى مماثلًا لهذا المسمى من كل وجه، بل هنا ثلاثة أشياء:\nأحدها: القدر المشترك الذي تشابها فيه، وهو معنى كلي لا يختص به أحدهما، ولا يوجد كليًّا عامًّا إلا في علم العالم (^٢)\nالثاني: ما يختص به هذا، كما يختص الرب بما يقوم به من الحياة والعلم والقدرة.\nالثالث: ما يختص به ذاك، كما يختص به العبد، من الحياة والعلم والقدرة، فما اختص به الرب﷿لا يشركه فيه العبد، ولا يجوز عليه شيء من النقائص التي\n_________\n(^١) درء التعارض، جـ ٥ ص ٢٢٧.\n(^٢) أي في الذهن وليس في الخارج","vol":"2","page":843},{"text":"تجوز على صفات العبد، وما يختص به العبد لا يشركه فيه الرب، ولا يستحق شيئًا من صفات الكمال التي يختص بها الرب﷿-. وأما القدر المشترك كالمعنى الكلي الثابت في ذهن الإنسان، فهذا لا يستلزم خصائص الخالق ولا خصائص المخلوق، فالاشتراك فيه لا محذور فيه\". (^١)\n_________\n(^١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ٣/ ٤٤٠.","vol":"2","page":844},{"text":"<span data-type='title' id=toc-338>المحذور الذي نفته الأدلة هو أن يكون له شريك أو مثيل</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وذلك أن المعتزلة ونحوهم من نفاة الصفات يقولون: كل من أثبت لله صفة قديمة فهو مشبِّه ممثِّل، فمن قال: إن لله علما قديمًا، أو قدرة قديمة، كان عندهم مشبهًا ممثلا، لأن «القِدم» عند جمهورهم هو أخص وصف الإله، فمن أثبت لله صفة قديمة فقد أثبت له مِثْلا قديمًا، ويسمونه ممثلا بهذا الاعتبار.\nومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا، بل يقولون: أخص وصفه حقيقة ما لا يتصف به غيره، مثل كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه إله واحد، ونحو ذلك، والصفة لا توصف بشيء من ذلك\".\nالشرح\nشبهة المعتزلة التي اعتمدوا عليها في نفي صفات الباري ﷿ تسمى بطريقة الأعراض، ذلك أنهم يزعمون أن الصفات إنما هي أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث، ومن أجل ذلك كان قول المعتزلة في الله: إنه قديم واحد ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان معه غيره (^١) ولكان جسمًا إذ إن ثبوت الصفات يقتضي كثرة وتعددًا في ذاته ويقتضي أنه\n_________\n(^١) بالإضافة إلى زعم المعتزلة أن الصفات لا تقوم إلا بأجسام، فهم أيضًا يزعمون أن في إثبات الصفات قول بكثرة وتعدد ذات الله، لأنهم يقولون: (إن من أثبت لله صفة أزلية قديمة فقد أثبت إلهين)، كما اعتقدوا أن الصفات لو شاركته في القدم لشاركته في الألوهية.\nانظر الملل للشهرستاني (١/ ٤٤ - ٤٦)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٤٥)، منهاج السنة (٢/ ١٦٩).","vol":"2","page":845},{"text":"جسم وذلك خلاف التوحيد.\nفهم يزعمون أن توحيد الله وتنزيهه متوقف على أنه ليس بجسم، وكونه ليس بجسم موقوف على عدم قيام الأعراض والحوادث به التي هي الصفات والأفعال، ونفي ذلك عندهم موقوف على ما يدل عليه حدوث الأجسام، والذي دلهم على حدوث الأجسام أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث لا يسبقها، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث.\nويزعمون أيضًا أن الأجسام لا تخلو من الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين فهي حادثة، فإذا لم تخل الأجسام منها لزم حدوثها.\nويزعمون أيضًا أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، والمركب مفتقر إلى جزئيه وجزءاه غيره، وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثًا مخلوقًا، فالأجسام متماثلة فكل ما صح على بعضها صح على جميعها، وقد صح على بعضها التحليل والتركيب والاجتماع والافتراق فيجب أن يصح على جميعها (^١).\nوالمعتزلة يقولون إننا بهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم ونفي كون الصانع جسمًا وإمكان المعاد.\nالرد عليهم:\nمما تقدم نعلم أن المعتزلة إنما بنوا دليلهم في نفي الصفات على أن القديم لا يكون محلا للصفات والحركات فلا يكون جسمًا ولا محيزًا لأن الصفات أعراض وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات، وأن الجسم لا يخلو منها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.\nفهم بهذا القول نفوا صفات الباري وجعلوا نفيها يتوقف عليه ثبوت الصانع\n_________\n(^١) انظر مختصر الصواعق (١/ ٢٥٤).","vol":"2","page":846},{"text":"وحدوث العالم، فإذا جاء في القرآن والسنة ما يدل على إثبات الصفات لم يمكن القول بموجبه.\nوالمتدبر لحجج المعتزلة يرى فيها الأمور التالية:\nأولًا: أنهم يستدلون لأقوالهم بعبارات مبتدعة وفيها الكثير من الاشتباه والإجمال، وذلك كلفظ العرض والجسم والحيز والمركب وغير ذلك، فهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ليخدعوا به جهال الناس بما يشبهون عليهم، وهذه الألفاظ المجملة تتضمن معاني باطلة ومعاني أخرى صحيحة فهم بهذا ينفون كلا المعنيين الحق والباطل.\nوقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- ما في هذه الألفاظ من معانٍ، وما تدل عليه من عبارات (^١)، وكيف استعملها هؤلاء المعطلة في نفي صفات الباري ﷿ حيث ادعوا أن هذه الأمور من مستلزمات الجسمية، والله منزه من ذلك، وقد بين شيخ الإسلام أن استعمال هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا لم يرد عن السلف ولا جاء به أثر صحيح ولم يستعملها الأقدمون بالمعنى الاصطلاحي الذي اتفق عليه هؤلاء، بل جميعهم معترفون بأن العلو صفة كمال كما أن السفل صفة نقص، وما ثبت لله من العلو فهو العلو المناسب لكمال ذاته المنزهة عن اعتبارات المحدثين ومماثلتهم.\nومعلوم أن القول بأن العلو يستلزم هذه المعاني المبهمة إنما هو مأخوذ من قياس الغائب على الشاهد، ومحاولة تطبيق الاعتبارات الإنسانية على الصفات الإلهية، وهذا قياس خاطئ إذ ليس معنى كونه في السماء أن السماء تحويه وتحيط به وتحصره، أو هي محل وظرف له، بل هو سبحانه محيط بكل شيء وسع كرسيه\n_________\n(^١) انظر شرح ابن تيمية لهذه العبارات في نقض التأسيس الجهمية (١/ ٥٠٤، ٥١١)، وفي مجموع الفتاوى (٥/ ٤١٨ - ٤٣٠).","vol":"2","page":847},{"text":"السموات والأرض، وهو فوق كل شيء وعالٍ على كل شيء (^١).\nثانيا: أن ما استدل به المعتزلة لا أصل له من الكتاب أو السنة بل هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعًا ليس بعالم ولا قادر ولا حي (^٢).\nكما أن مذهب المعتزلة في الذات قريب من مذهب اليونان القائلين بأن ذات الله واحدة لا كثرة فيها بوجه من الوجوه (^٣).\nثالثًا: أن أصل هذه القاعدة التي اعتمد عليها المعتزلة في نفي الصفات إنما هي مأخوذة من قولهم في دليل حدوث العالم (^٤) الذي أثبتوا فيه حدوث العالم بحدوث الأجسام. وهذا الدليل قد بين الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر: أنه دليل محرم في شرائع الأنبياء، ولم يستدل به أحد من الرسل ولا أتباعهم (^٥)، فهي بهذا طريق يحرم سلوكها لما فيها من الخطر والتطويل وما يلزم عليها من لوازم باطلة لأنها مستلزمة لنفي الصانع بالكلية، وهي مستلزمة لنفي صفاته ونفي أفعاله ونفي المبدأ والمعاد، فهذه الطريق لا تتم إلا بنفي سمع الرب وبصره وقدرته وحياته وإرادته وكلامه فضلًا عن نفي علوه على خلقه ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها، فلو صحت هذه الطريقة لنفت الصانع وأفعاله وصفاته وكلامه وخلقه للعالم وتدبيره له.\nوما يثبته أصحاب هذه الطريقة من ذلك لا حقيقة له بل هو لفظ لا معنى له، وأن الله بذاته في كل مكان، وقال إخوانهم إنه ليس داخل العالم ولا خارج العالم، وقالوا\n_________\n(^١) انظر كتاب موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من قضية التأويل (٣٨١ - ٣٨٥).\n(^٢) مقالات الإسلاميين (٢/ ١٧٧)، وموقف المعتزلة من السنة النبوية (٥٣).\n(^٣) موقف المعتزلة من السنة النبوية (٥٣).\n(^٤) انظر الكلام على دليل حدوث العالم في مجموع الفتاوى (١٣/ ١٥٣).\n(^٥) انظر كتاب رسالة إلى أهل الثغر (ص ١٦٤ - ١٧٢) تحقيق عبد الله شاكر الجنيدي، رسالة ماجستير من قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية.","vol":"2","page":848},{"text":"بخلق القرآن إلى غير ذلك من اللوازم الباطلة (^١).\nوقول المصنف: \"ومثبتة الصفات لا يوافقونهم على هذا، بل يقولون: أخص وصفه حقيقة ما لا يتصف به غيره، مثل كونه رب العالمين، وأنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، وأنه إله واحد، ونحو ذلك، والصفة لا توصف بشيء من ذلك\".\nيجب أن يعلم أن الأسماء والصفات نوعان:\n• نوع يختص بالله تعالى مثل الإله، ورب العالمين، ونحو ذلك، فهذا لا يثبت للعبد بحال.\n• ونوع يوصف به العبد في الجملة كالحي والعالم، فهذا لا يجوز أن يثبت للعبد مثل ما يثبت للرب أصلا.\nثم إنه لا يلزم منه التماثل، وبين ذلك بأمور:\n١ - أن ما يختص به الرب سبحانه، فهذا ما يجب له ويجوز ويمتنع عليه، ليس للعبد فيه نصيب.\n٢ - وما يختص بالعيد كعلمه وقدرته وحياته، فهذا إذا جاز عليه الحدوث والعدم لم يتعلق ذلك بعلم الرب وقدرته، وحياته، فإنه لا اشتراك فيه.\n٣ - المطلق الكلي، وهو مطلق الحياة والعلم والقدرة، فهذا المطلق ما كان واجبًا له كان واجبا فيها، وما كان جائزًا عليه كان جائزًا عليها، وما كان ممتنعا عليه كان ممتنعا عليهما، فالواجب أن يقال: هذه صفة كمال حيث كانت، ويجوز أن تقارن هذه في كل محل، وأما الممتنع عليهما فيمتنع أن تقوم هذه الصفات إلا بموصوف\n_________\n(^١) مختصر الصواعق (١/ ٢٥٦، ٢٥٧)، ودرء تعارض العقل والنقل (١/ ٣٨ - ٤٠).","vol":"2","page":849},{"text":"قائم بنفسه، وهذا المطلق الكلي وهو الذي من خلاله نفهم ما خوطبنا به\" (^١).\nأي مع إثبات حقائق الصفات، فإن أهل السُنَّة يعتقدون في نفس الأمر أن لله تعالى خصائص في تلك الصفات، فمثلًا إذا قلنا: حياة الله تعالى؛ فإن حياةَ اللهِ تعالى لها خصائص يختصُّ الله ﷾ بها دون سائر المخلوقات، فمن خصائص حياة الله ﷾ أن حياته الحياة الكاملة الدائمة التي لم تُسبَق بالعدم ولا يلحقها الزوال ولا يعتريها النقص بأي وجه من الوجوه، وهذا المقصود بنفي المماثلة.\nفإذًا هذه الصفات تثبت لله تعالى على الحقيقة مع اعتقاد أن الله ﷾ منزَّه في ذلك عن مماثلة الخلق، فالله ﷾ يعلم الحقيقة، ولكنه ﷾ في علمه لا يماثله في ذلك أحدٌ من خلقه، وكذلك يتكلم حقيقة، وكذلك ﷾ لا يماثله في ذلك أحدٌ من خلقه، مع الأمر الثالث وهو عدم الخوض في الكيفية، كيف يتكلَّم؟ وكيف استوى؟ وكيف ينزل؟ هذا أمرٌ لا نخوض فيه؛ لأننا لم نطلع عليه ولا سبيل لنا إليه.\nوالتباين الذي يقرُّ به كل مثبتة الذات، بين ذات الله -﷿- وذوات المخلوقين يوجب اضطرارًا التباين بين صفات الخالق والمخلوق (^٢)، ثم إن إثبات المماثلة بين الخالق والمخلوق يستلزم نقص الخالق سبحانه، والله منزه عن كل نقص (^٣).\n_________\n(^١) انظر: مجموع الفتاوى: ٢/ ٦٢ - ٦٣، منهاج السنة: ٢/ ٥٩٦ - ٥٩٨، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة: ١٠٨٢ - ١٠٨٣، التدمرية: ٣٩ - ٤٠.\n(^٢) تقريب التدمرية (ص ٢٣ - ٢٤).\n(^٣) تقريب التدمرية (ص ٢٣).","vol":"2","page":850},{"text":"<span data-type='title' id=toc-339>من الصفاتية من لا يصف الصفات بالقدم</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"ثم من هؤلاء الصفاتية من لا يقول في الصفات: إنها قديمة، بل يقول: الرب بصفاته قديم؛ ومنهم من يقول: هو قديم وصفته قديمة، ولا يقول: هو وصفاته قديمان؛ ومنهم من يقول: هو وصفاته قديمان، ولكن يقول: ذلك لا يقتضي مشاركة الصفة له في شيء من خصائصه، فإن القِدم ليس من خصائص الذات المجردة، بل هو من خصائص الذات الموصوفة بصفات، وإلا فالذات المجردة لا وجود لها عندهم، فضلًا عن أن تختص بالقِدم، وقد يقولون: الذات متصفة بالقدم والصفات متصفة بالقدم وليست الصفات إلهًا ولا ربًّا، كما أن النبي محدَث وصفاته محدَثة، وليست صفاته نبيًا\".\nالشرح\nلفهم هذه المسألة يحسن تناولها من جانبين:\nالجانب الأول: من حيث أصلها والجانب التاريخي لها.\n١. مسمياتها:\nلهذه المسألة عدة مسميات منها هل الصفة هي الموصوف أو غيره، ويعبر عنها أحيانًا بالقول: هل الصفات هي الذات أو غيرها.\n٢. منشأ الخلاف فيها.\nأ - والذي يظهر أن ذلك نشأ من خلال ردود أهل الكلام على النصارى:","vol":"2","page":851},{"text":"فالنصارى قالوا: إن كلمة الله التي بها خلق كل شيء تجسدت بإنسان، فكان من ردود أهل الإسلام عليهم-لبيان باطلهم-أن بينوا تهافت قولهم: إن كلمة الله بها خلق كل شيء، لأن الخالق هو الله، وهو خلق الأشياء بقوله \"كن\" وهو كلامه، فالخالق لم يخلق به الأشياء، فالكلام الذي به خلقت الأشياء ليس هو الخالق لها، بل به خلق الأشياء، فضلال هؤلاء أنهم جعلوا الكلمة هي الخلق. والكلمة مجرد الصفة، والصفة ليست خالقة، وإن كانت الصفة مع الموصوف فهذا هو الخالق، ليس هو المخلوق به، والفرق بين الخالق للسموات والأرض والكلمة التي بها خلقت السموات والأرض أمر ظاهر معروف، كالفرق بين القدرة والقادر … (^١) فهؤلاء النصارى جعلوا الصفة غير الموصوف، وجعلوها خالقة، بل جعلوها حلَّت في أحد المخلوقات.\nب - وكان من آثار مناقشة أهل الكلام-وخاصة المعتزلة-للنصارى أن تطرقوا لهذا الموضوع كثيرًا، فنشأت شبهة تعدد القدماء، وأن إثبات صفة لله يلزم منه أن تكون قديمة، وإذا كانت غير الموصوف لزم تعدد القدماء، فظنُّوا-أي المعتزلة-أن تحقيق التوحيد، والخلوص من شرك النصارى لا يتم إلا بنفي جميع الصفات عن الله تعالى، وبنوا ذلك على:\nأن الصفة غير الموصوف، وغير الذات.\nوأن الصفة لله لابد أن تكون قديمة.\nوالنتيجة أن إثبات الصفات لله يلزم منه تعدد القدماء، وهو باطل. (^٢) والعجيب\n_________\n(^١) انظر: «الجواب الصحيح» (٢/ ٢٦٦، ٢٩٢، ٣/ ٥٤ - ٥٥).\n(^٢) انظر: تفصيل مذهب المعتزلة في «المحيط بالتكليف» (ص: ١٧٧ وما بعدها)، ط مصر، و«شرح الأصول الخمسة» (ص: ١٩٥ - ١٩٧)، و«المختصر في أصول الدين» (١/ ١٨٢ - ١٨٣) ضمن رسائل العدل والتوحيد.","vol":"2","page":852},{"text":"أن هؤلاء المعتزلة-هم أرباب الكلام والبحث في المعقولات-لم تستوعب عقولهم أن الذات لا يمكن أن تنفك عن صفاتها، ومن ثمَّ فلا شبهة ولا تعدد.\nت - فلما جاءت الأشعرية وغيرهم اهتموا ببحث هذه المسألة، وصاروا يستخدمون عبارات معينة عن بيان قدم الذات والصفات، كأن يقولوا: الربُّ قديم، وصفته قديمة، ولا يقولون: الربُّ وصفاته قديمان لما في العطف والتثنية من الإشعار بالتغاير، أو يقولون: الربُّ بصفاته قديم، وهكذا. كما بينوا أن الصفات لا يقال هي الذات ولا غيره، حذرًا من هذه الشبهة التي وقع فيها المعتزلة.\nالجانب الثاني: من حيث الأقوال فيها.\nوخلاصة الأقوال في الصفة هل هي الموصوف أو غيره هي:\nالقول الأول: قول من يقول: الصفة غير الموصوف، أو الصفات غير الذات.\nوهذا قول المعتزلة، والكرامية، والمعتزلة تنفي الصفات، والكرامية تثبتها (^١).\nالقول الثاني: قول من يفرق بين الأمرين، ولا يجمع بينهما، فيقول: أنا أقول مفرقًا: إن الصفة ليست هي الموصوف، وأقول: إنها ليست غير الموصوف ولكن لا أجمع بين السلبين فأقول: ليست الموصوف ولا غيره، لأنَّ الجمع بين النَّفي فيه من الإيهام ما ليس في التفريق.\nوهذا قول أبي الحسن الأشعري، الذي يقول على هذا: الموصوف قديم، والصفة قديمة، ولا يقول عند الجمع: قديمان، كما لا يقال عند الجمع: لا هو الموصوف، ولا غيره (^٢).\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٣٦).\n(^٢) انظر: «رسائل إلى أهل الثغر» (ص: ٧٠ - ٧١) (وقد نسب إليه ابن فورك في المجرد ص: ٣٨، أنه يقول: لا يقال لصفاته هي هو ولا غيره) وانظر أيضًا: «الرسالة الأكملية» - «مجموع الفتاوى» (٦/ ٩٦)، و«جواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى» (١٧/ ١٦٠)، و«درء التعارض» (٥/ ٤٩).","vol":"2","page":853},{"text":"القول الثالث: جاء بعد الأشعري من الأشاعرة من يجوز الجمع بين السلبين، وصاروا يقولون: ليست الصفة هي الموصوف ولا غيره، كما صاروا يجوزون إطلاق القول بإثبات قديمين، وصار هؤلاء يردُّون على المعتزلة الذين قالوا لهم: يلزم من ذلك إثبات قديمين بعدة ردود منها أن كونهما قديمين لا يوجب تماثلهما، كالسواد والبياض اشتراكا في كونهما مخالفين للجوهر، ومع هذا لا يجب تماثلهما، وأنَّه ليس معنى القديم معنى الإله … ولأنَّ النَّبيَّ محدث، وصفاته محدثة، وليس إذا كان الموصوف نبيًّا وجب أن يكون صفاته أنبياء؛ لكونها محدثة، كذلك لا يجب إذا كانت الصفات قديمة والموصوف بها قديمًا أن تكون آلهة لكونها قديمة\" (^١).\nوهذا قول الباقلاني (^٢)، والقاضي أبي يعلى (^٣).\nالقول الرابع: أن هذا الكلام فيه إجمال، وأن لفظ \"الغير\" فيه إجمال، ومن ثَمَّ فلابد من التفصيل، وهؤلاء لا يقولون عن الصفة: إنها الموصوف، ولا يقولون: إنها غيره، ولا يقولون: ليست هي الموصوف ولا غيره. ويلاحظ أن المقصود ليس إثبات قول ثالث-كما هو قول الباقلاني والقاضي أبي يعلى الذين قالوا ليست الصفة هي الموصوف ولا غيره-فإن هذا قول ثالث، بل المقصود أنه لا ينبغي الإطلاق: نفيًا وإثباتًا، وهم تركوا إطلاق اللفظين لما في ذلك من الإجمال.\nوهذا قول جمهور أهل السنَّة، كالإمام أحمد وغيره، كما أنَّه قول ابن كلاب. (^٤)\n_________\n(^١) «درء التعارض» (٥/ ٥٠)، وقارن بـ «التدمرية» (ص: ١١٨) - المحققة.\n(^٢) انظر «التمهيد» (ص: ٢٠٦ - ٢٠٧، ٢١٠ - ٢١٢»، و«رسالة الحرة» (المطبوعة باسم الإنصاف) (ص: ٣٨).\n(^٣) انظر: «المعتمد» (ص: ٤٦).\n(^٤) انظر: «جواب أهل العلم والإيمان» (١٧/ ١٥٩ - ١٦٠)، و«درء التعارض» (٢/ ٢٧٠، ٥/ ٤٩)، وانظر: «مقالات الأشعري» (ص: ١٦٩ - ١٧٠) - ريتر.","vol":"2","page":854},{"text":"وهؤلاء قالوا: لفظ \"الغير\" فيه إجمال.\n• فقد يراد به المباين المنفصل، ويعبر عنه بأن الغيرين ما جاز وجود أحدهما وعدمه، أو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر بزمان، أو مكان، أو وجود.\n• وقد يراد بالغير ما ليس هو عين الشيء، ويعبر بأنه ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر (^١).\nوهناك فرق بين الأمرين، وعلى هذا فيفصل الأمر:\n١ - فإذا قيل: هل الصفات هي الموصوف أو غيره؟ قيل: إن أريد بالغير الأول، وهو ما جاز مفارقة أحدهما الآخر، فليست الصفة غير الموصوف، وإن أريد بالغير المعنى الثاني-وهو ما جاز العلم بأحدهما دون الآخر-فالصفة غير الموصوف.\nفمن قال: عن الصفة هي الموصوف، قاصدًا بذلك أنها ليست غيره بالمعنى الأول للفظ الغير، فقوله صحيح، وكذا إن قال: الصفة غير الموصوف قاصدًا بالغير المعنى الثاني فكلامه صحيح أيضًا. وعكس الأمرين باطل، والسلف يقولون بهذا التفصيل، ومن المعلوم أن الموصوف لا تنفك عنه صفاته.\n٢ - وإذا قيل: هل الصفات زائدة على الدليل، أو هل الصفات هي الذات أو غيرها؟ قالوا: إن أريد بالذات المجردة التي يقر بها نفاة الصفات فالصفات زائدة عليها، وهي غير الذات، وإن أريد بالذات الذات الموجودة في الخارج فتلك لا تكون موجودة إلا بصفاتها اللازمة والصفات ليست زائدة على الذات، ولا غيرها بهذا المعنى.\n_________\n(^١) انظر: «درء التعارض» (١/ ٢٨١)، و«جواب أهل العلم والإيمان - مجموع الفتاوى» ١٧/ ١٦٠ - ١٦١، و«المسألة المصرية في القرآن - مجموع الفتاوى» (١٢/ ١٧٠)، و«السبعينية» (ص: ٩٦ - ٩٧) - ط الكردي -.","vol":"2","page":855},{"text":"ومن ذلك يتضح خطأ وصواب من أطلق القول بأن الصفات غير الذات أو هي الذات (^١)، على حسب ما لفظ الغير، والذات من الإجمال.\nوبذلك يتبين أرجحية مذهب السلف حين لم يطلقوا الأمرين في ذلك، بل فصلوا واستفصلوا عن المراد، فإن كان حقًّا قبلوه، وإن كان باطلًا ردُّوه (^٢) (^٣).\n_________\n(^١) لشيخ الإسلام ملاحظة دقيقة هنا، وهي أنه يجب أن يفرق بين قول القائل: إن الصفات غير الذات وقوله: إنها غير الله، لأن لفظ \"الذات\" يشعر بمغايرته للصفة، بخلاف اسم \"الله\" تعالى فإنه متضمن لصفات كماله، وعلى ذلك فإنه لا يقال: إن الصفات غير الله، لما في ذلك من الإيهام. أما القول إنها غير الذات فقد يكون صحيحًا، لما في التعبير بالذات من الإشعار بأن المقصود الذات المجردة دون صفاتها. انظر: «الجواب الصحيح» (٣/ ٣٠٨)، و«الصفدية» (١/ ١٠٨ - ١٠٩) و«درء التعارض» (١٠/ ٧٢).\n(^٢) انظر في هذه المسألة: «التسعينية» (ص: ١٠٨ - ١٠٩)، و«الدرء» (٢/ ٢٣٠ - ٢٣١، ٣/ ٢٠ - ٢٥، ٥/ ٣٧ - ٥٠، ٣٣٨، ٩/ ١٣٦، ١٠/ ١٢٠، ٢٣١، ٢٣٥).\n(^٣) المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود - ٣/ ١٠٩٠","vol":"2","page":856},{"text":"<span data-type='title' id=toc-340>اصطلاح المعتزلة والجهمية في مسمى التشبيه</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم «التشبيه» و«التمثيل»، كان هذا بحسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك، ثم تقول لهم أولئك: هب أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيهًا، فهذا المعنى لم ينفه عقل ولا سمع، وإنما الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية.\nوالقرآن قد نفى مسمَّى «المثل» و«الكفء» و«النِّدّ» ونحو ذلك، ولكن يقولون: الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف ولا كفأه ولا نده، فلا تدخل في النص، وأما العقل فلم ينف مسمَّى «التشبيه» في اصطلاح المعتزلة.\nالشرح\nقول المصنف: \"فهؤلاء إذا أطلقوا على الصفاتية اسم «التشبيه» و«التمثيل»، كان هذا بحسب اعتقادهم الذي ينازعهم فيه أولئك\"\nالتشبيه في اصطلاح المتكلمين وغيرهم هو التمثيل، والمتشابهان هما المتماثلان، وهما ما سد أحدهما مسد صاحبه وقام مقامه وناب منابه (^١).\nومقصودهم بنفي التشبيه: أن يراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات، فلا يقال له قدرة، ولا علم، ولا حياة، لأن العبد موصوف بهذه الصفات، ولازم هذا القول أنه لا يقال له حي، عليم، قدير، لأن العبد يسمى بهذه الأسماء وكذلك كلامه وسمعه\n_________\n(^١) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٧٦).","vol":"2","page":857},{"text":"وبصره وإرادته وغير ذلك (^١).\nوأصل الخطأ والغلط توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتًا في هذا المعين وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقًا كليًا، بل لا يوجد إلا معينًا مختصًا، وهذه الأسماء إذا سمي الله بها كان مسماها معينًا مختصًا به.\nفإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصًا به، فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشاركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق.\nوبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى فزادوا فيه على الحق فضلوا. وأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا. وإن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه (^٢).\nوقول المصنف: \"ثم تقول لهم أولئك: هب أن هذا المعنى قد يسمى في اصطلاح بعض الناس تشبيهًا، فهذا المعنى لم ينفه عقل ولا سمع، وإنما الواجب نفي ما نفته الأدلة الشرعية والعقلية.\nلفظ (التشبيه) يطلق في الاصطلاح على عدة معان:\nالمعنى الأول: التماثل من كل وجه. فهذا المعنى منفي عن الله باتفاق، ولم يقل به أحد، حتى الممثلة.\nالمعنى الثاني: التماثل من وجه دون وجه، وهذا منفي عن الله أيضًا.\nوخالف في ذلك الممثلة، ممن وصفهم الأئمة -كالإمام أحمد وغيره -بأنهم يقولون: لله يد كيدي، وسمع كسمعي، وقدم كقدمي.\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٩٩).\n(^٢) شرح الطحاوية (ص ١٠٤) بتصرف.","vol":"2","page":858},{"text":"وهذان الإطلاقان يتضمنان التماثل في الحقيقة والكيفية، بأن يوصف الباري بشيء من خصائص المخلوق، وهما اللذان دل الدليل على نفيهما، فمن قال بأحدهما فقد شبه الله بخلقه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إن نفي التشبيه من كل وجه هو التعطيل والجحود لرب العالمين، كما عليه المسلمون متفقون، كما أن إثباته مطلقا هو جعل الأنداد لرب العالمين … فلفظ التشبيه فيه عموم وخصوص … ومن هنا ضل فيه أكثر الناس، إذ ليس له حد محدود.\nومنه ما هو منتف، بالاتفاق بين المسلمين، بل بين أهل الملل كلهم، بل بين جميع العقلاء المقرين بالله، معلوم بضرورة العقل.\nومنه ما هو ثابت بالاتفاق بين المسلمين، بل بين أهل الملل كلهم، بل بين جميع العقلاء المقرين بالصانع.\nفلما كان لفظ (التشبيه) يقال على ما يجب انتفاؤه، وعلى ما يجب إثباته، لم يرد الكتاب والسنة به مطلقًا، لا في النفي ولا الإثبات، ولكن جاءت النصوص في النفي بلفظ: المثل والكفو والند والسمي …\nبخلاف لفظ التشبيه، فإنه يقال على ما يشبه غيره ولو من بعض الوجوه البعيدة، وهذا مما يجب القول به شرعًا وعقلًا بالاتفاق.\nولهذا لما عرف الأئمة ذلك، وعرفوا حقيقة قول الجهمية، وأن نفيهم لذلك من كل وجه مستلزم لتعطيل الصانع ووجوده: كانوا يبينون ما في كلامهم من النفاق والتعطيل، ويمتنعون عن إطلاق لفظهم العليل، لما فهموه من مقصودهم، وإن لم يفهمه أهل التجهيل والتضليل» (^١).\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية -ط (المجمع) (٦/ ٤٨٤ - ٤١٩)، وانظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة -د. عبد الرحمن المحمود (٣/ ٩٦٢ - ٩٦٤).","vol":"2","page":859},{"text":"والذي ورد ذمه في الكتاب والسنة هو التمثيل وكذلك ما يوافق معناه، كالكفء، والند، والسمي، كما تقدم في النصوص السالفة.\nكما أن مثل الشيء في لغة العرب: هو نظيره ومكافئه الذي يقوم مقامه، ويسد مسده.\nقال ابن فارس: (مثل) الميم والثاء واللام أصل صحيح يدل على: مناظرة الشيء للشيء، وهذا مثل هذا: أي نظيره، والممثل والمثال في معنى واحد) (^١).\nقال الشاعر:\nليس كمثل الفتي زهير خلق يدانيه في الفضائل\nوقال غيره:\nسعد بن زيد إذا أبصرت جمعهم ما إن مثلهم في الناس من أحد (^٢)\nقال تعالى: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القران لا يأتون بمثله) [الإسراء: ٨٨].\nوقال: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد)] الفجر: ٦ - ٨].\nأي في القوة والأجسام، وذلك لشدة أبدانهم وقواهم، والله أعلم\" (^٣).\n_________\n(^١) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٢٩٦)، وانظر: القائد إلى تصحيح العقائد للمعلمي (١١٤).\n(^٢) انظر: تفسير الثعالبي (٨/ ٣٠٦)، تفسير البحر المحيط (٧/ ٤٨٨ - ٤٨٩)، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٦/ ١١٣)، درء تعارض العقل والنقل (٧/ ١١٤)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥٣٣)، الصواعق المرسلة (٤/ ١٣٦٨)، فتح القدير للشوكاني (٤/ ٥٨٢)، روح المعاني الألوسي (٢٥/ ١٨)، القائد للمعلمي (١١٥).\n(^٣) انظر: تفسير الطبري (٢٤/ ٤٠٦)، تفسير ابن كثير (٨/ ٣٩٥)، وانظر: القائد للمعلمي\n(١١٥ - ١١٦).","vol":"2","page":860},{"text":"فالتمثيل إذا أطلق يراد به: مشابهة الشيء للشيء ومشاركته له في جميع الصفات الذاتية التي يقوم بها أحدهما مقام الآخر، فلا يكون بمجرد الموافقة في بعض الصفات (^١).\nوضابط التمثيل المنفي عن الله: ما تضمن أو استلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين الله تعالى، في ذاته، أو أسمائه، أو صفاته، أو أفعاله، وذلك فيما يجب له تعالى، أو يجوز له، أو يمتنع عليه.\nوكذلك ما تضمن أو استلزم ثبوت شيء من خصائص الله تعالى في ذاته، أو أسمائه، أو صفاته، أو أفعاله لشيء من المخلوقات.\nوذلك أن كل ما كان مختصًا بالمخلوق فلا بد أن يكون فيه نقص، والله تعالي منزه تنزيهًا مطلقًا عن كل نقص، وواجب له كل كمال، ومنزه في كماله عن كل مثال، فامتنع أن يضاف ذلك إلى الله تعالي\" (^٢).\nوهذا الحد هو ما أراده أئمة السنة، ممن بين معنى التشبيه بأنه قول المشبه: يد الله كيدي، أو مثل يدي، وسمع الله كسمعي، أو مثل سمعي، كما بين ذلك الإمام إسحاق بن راهويه (^٣)، وأحمد بن حنبل (^٤)، وعثمان بن سعيد الدارمي (^٥)، رحمهم\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية-ط: القاسم (١/ ٤٧٧)، وفي طبعة المجمع (٣/ ١٣٥).\n(^٢) انظر: تحريم النظر في كتب الكلام لابن قدامة (٧٩)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٥٨٨)، درء تعارض العقل والنقل (٤/ ١٤٦) (٥/ ٨٤، ٣٢٧)، منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٢٩، ٥٩٥)، مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٦/ ٣٥ - ٣٦)، التدمرية (٣٩ - ٤٠، ١٢٤).\n(^٣) انظر: جامع الترمذي (٣/ ٥٠)، اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم (١٥٣)، فتح الباري (١٣/ ٤٠٧).\n(^٤) انظر: إبطال التأويلات لأبي يعلى (/ ١/ ٤٣ - ٤٥)، المختار في أصول السنة لابن البنا (٩١)، درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣٢)، بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٧٦ - ٤٧٧).\n(^٥) انظر: نقض الدارمي على المريسي (١/ ٤٣٥ - ٤٣٦).","vol":"2","page":861},{"text":"الله، وغيرهم، مما يبين أن المحذور إنما هو في إضافة شيء من خصائص صفة المخلوق إلى صفة الخالق، إذ هذا ما يفه من قولهم عن المشبهة: (يد الله كيدي)، كما يبين أن مفهوم التشبيه عندهم لا يتحقق بمجرد إضافة الصفة الله، بل غالب أقوالهم في نفي التشبيه تتضمن الدلالة على أن إثبات الصفة الله لا يعتبر تشبيها.\nوبهذا يتبين أن المحذور: إثبات شيء من خصائص أحدهما للآخر، وقولنا: إثبات الخصائص إنما يراد: إثبات مثل تلك الخاصة، وإلا فإثبات عينها ممتنع مطلقا (^١)، وسيأتي البيان بأن التمثيل منفي بين الخالق والمخلوق جملة وتفصيلا، سواء كان تمثيلا من كل وجه، أو تمثيلا من وجه دون وجه، لأن لفظ التمثيل قائم على اشتراك المتماثلين في الحقيقة والكيفية.\nوأما لفظ التشبيه فيشار فيه إلى ما يلي:\nأولا: أن لفظ (التشبيه) لم يرد نفيه وذمه في الكتاب والسنة، وإنما الوارد نفي التمثيل.\nثانيا: أن لفظ (التشابه) ليس مطابقًا في المعنى للفظ (التماثل) الذي ورد نفيه.\nقال أبو هلال العسكري في فروقه اللغوية: \"إن الشيء يشبه بالشيء من وجه واحد لا يكون مثله في الحقيقة إلا إذا أشبهه من جميع الوجوه لذاته\" (^٢).\nويقال في اللغة: إن هذا يشبه هذا، وفيه شبه من هذا: إذا أشبهه من بعض الوجوه، وإن كان مخالفة له في الحقيقة (^٣)، فالتشبيه في اللغة .. قد يقال بدون التماثل في شيء من\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٩٦).\n(^٢) الفروق للعسكري (١٧٦)، وانظر: نقد الشعر لقدامة بن جعفر (١٢٤)، سر الفصاحة للخفاجي (٢٤٦).\n(^٣) انظر: الجواب الصحيح (٣/ ٤٤٥).","vol":"2","page":862},{"text":"الحقيقة، كما يقال للصورة المرسومة في الحائط: إنها تشبه الحيوان، ويقال: هذا يشبه هذا في كذا وكذا، وإن كانت الحقيقتان مختلفتين» (^١).\nومما يبين ذلك أن الله تعالى قد قال في كتابه عن نعيم أهل الجنة: (كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها) [البقرة: ٢٠].\nقال قتادة وعكرمة (^٢): \"يشبه ثمر الدنيا، غير أن ثمر الجنة أطيب\" (^٣)، وهذا أحد التفسيرين في الآية، فقد وصفت الآية ثمر الجنة بمشابهته لثمر الدنيا، وهي مشابهة واشتراك من بعض الوجوه، مع القطع بنفي المماثلة بينهما، بل بينهما تباين عظيم في الكيفية والحقيقة، فالمشابهة ها هنا ثابتة، والمماثلة منفية، مما يدل على ثبوت الفرق بين المشابهة والمماثلة (^٤).\nوقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية أقوال الناس في لفظي (التشبيه) و(التمثيل)، وهل هما بمعنى واحد، فقال:\nوقد تنازع الناس: هل لفظ (الشبه) و(المثل) بمعنى واحد أو معنيين، على قولين:\nأحدهما: أنهما بمعنى واحد، وأن ما دل عليه لفظ (المثل) مطلقا ومقيدًا يدل عليه لفظ (الشبه)، وهذا قول طائفة من النظار.\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٧٧).\n(^٢) عكرمة بن عبد الله، أبو عبد الله البربري، المدني، الحبر، العالم، المفسر، الثقة، مولي ابن عباس، روى عن مولاه، وعائشة، وأبي هريرة، مات سنة (١٠٤ هـ). ينظر: طبقات المفسرين للداوودي (١/ ٢٨٦)، وطبقات المفسرين للأدنه وي (١٢).\n(^٣) تفسير الطبري (١/ ٣٩١)، تفسير ابن كثير (١/ ٢٠٥).\n(^٤) انظر: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٥/ ٣٤٧) (٦/ ١١٣) (١٣/ ٢٧٩)، درء تعارض العقل والنقل (٦/ ١٢٣ - ١٢٥).","vol":"2","page":863},{"text":"والثاني: أن معناهما مختلف عند الإطلاق لغة، وشرعا، وعقلًا، وإن كان مع التقيد والقرينة يراد بأحدهما ما يراد بالآخر، وهذا قول أكثر الناس».\nوقول المصنف: \"والقرآن قد نفى مسمَّى «المثل» و«الكفء» و«النِّدّ» ونحو ذلك\"\nفنفى مسمى المثل وذلك كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى الآية: ١١].\nونفى مسمى الكفء كما وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤].\nونفى مسمى الند كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة الآية: ٢٢]\nوقول المصنف: \"ولكن يقولون: الصفة في لغة العرب ليست مثل الموصوف ولا كفأه ولا نده، فلا تدخل في النص، وأما العقل فلم ينف مسمَّى «التشبيه» في اصطلاح المعتزلة\".\nهناك ثلاثة أقوال في تعريف الصفة.\nأولًا: قول أهل السنة والجماعة.\nتعريف الصفة هي: ما قام بالذات مما يميزها عن غيرها من أمور ذاتية، أو معنوية، أو فعلية.\nوالوصف والصفة:\n١ - تارة يراد به: الكلام الذي يوصف به الموصوف، مثاله: قول الصحابي في ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية ١]: أحبها لأنها صفة الرحمن (^١)\n_________\n(^١) - أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التوحيد، باب ما جاء في دعاء النبي ﷺ أمته إلى توحيد الله ﵎، ح ٧٣٧٥ ولفظ البخاري \" فقال: لأنها صفة الرحمن، وأنا أحب أن أقرأ بها\".","vol":"2","page":864},{"text":"٣ - وتارة يراد به: المعاني التي دل عليها الكلام كالعلم والقدرة،\nوأما إضافة الوصف إلى الله فتعريفها: ما كان صفة قائمة بغيرها ليس لها محل تقوم به (^١)\nفإذا كان المضاف إليه لا يقوم بنفسه، بل لا يكون إلا صفة كالعلم، والقدرة، والكلام، والرضا، والغضب، فهذا لا يكون إلا إضافة صفة إليه فتكون قائمة به سبحانه (^٢)\nثانيًا: قول الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم.\nوالجهمية والمعتزلة وغيرهم تنكر هذا ويقولون: إنما الصفات مجرد العبارة التي يعبر بها عن الموصوف، فقالوا: إن إضافة الصفات إلى الله من إضافة وصف من غير قيام معنى به (^٣)\nفالقول بأن الصفة غير الموصوف، أو الصفات غير الذات هو قول المعتزلة (^٤).\nفالمعتزلة يرون امتناع قيام الصفات به، لاعتقادهم أن الصفات أعراض، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه، فردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق، أو إضافة وصف من غير قيام معنى به (^٥) لأنهم يقولون إنما الصفات مجرد العبارة التي يعبر بها عن الموصوف، وينفون أن يكون لله وصف قائم به علم أو قدرة أو إرادة أو كلام (^٦)\n_________\n(^١) - رسالة العقل والروح (مطبوعة ضمن الرسائل المنبرية ٢/ ٣٨، ٣٩)\n(^٢) - مجموع الفتاوى ١٧/ ١٥٢\n(^٣) - مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٧ - ١٤٨\n(^٤) انظر: «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٣٦ (.\n(^٥) مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٧، ١٤٨\n(^٦) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٣٥","vol":"2","page":865},{"text":"ثالثًا: متكلمة الصفاتية.\nالكلابية ومن اتبعهم من الصفاتية قد يفرقون بين الوصف والصفة، فيجعلون الوصف: هو القول، والصفة: المعنى القائم بالموصوف (^١).\nفأدخلوا في الوصف (الذي هو القول عندهم) صفات الأفعال حتى ينفوا قيامها بالذات.\nوأدخلوا في الصفة (التي هي المعنى القائم بالذات) ما أثبتوه من الصفات كصفات المعاني السبعة (العلم، الحياة، القدرة، الإرادة، السمع، البصر، الكلام) ليتأتى لهم على هذا التقسيم اعتبار بعض الصفات قائمًا بالذات، وبعضها غير قائم بها، فأرادوا بذلك نفي صفات الأفعال واعتبروها نسبًا وإضافات لا تقوم بالذات\nوقول المصنف: \"فلا تدخل في النص\" أي أنهم يقولون إن نصوص نفي المثل والكفء والند تتعلق بالموصوف أي الذات، وليس الصفة، فهي بهذا ليست داخلة في نص المسألة الذي هو الكلام في الصفات.\nوقول المصنف: \"وأما العقل فلم ينف مسمَّى «التشبيه» في اصطلاح المعتزلة\"\nوقد عرف عن أهل الكلام أنهم لم يقبلوا للنصوص الشرعية قولها في صفات الرحمن جل شأنه. لأنها تثبت له من الصفات ما تقتضي عقولهم نفيه، فهم يرجعون في ذلك إلى حكم العقل وحده إثباتا ونفيا ويرفضون أحكام القرآن (^٢).\nقال ابن تيمية: \"وهذا الاختلاف مبني على مسألة عقلية، وهو أنه هل يجوز أن يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه؟ وللناس في ذلك قولان:\nفمن منع أن يشبهه من وجه دون وجه قال: المثل والشبه واحد.\n_________\n(^١) - مجموع الفتاوى ٣/ ٣٣٥. ٦/ ٣٤١. التمهيد للباقلاني (ص ٢٤٤ - ٢٤٥).\n(^٢) شرح القصيدة النونية ص ٣٨٨.","vol":"2","page":866},{"text":"ومن قال إنه قد يشبه الشيء الشيء من وجه دون وجه فرق بينهما عند الإطلاق، وهذا قول جمهور الناس.\nفإن العقل يعلم أن الأعراض -مثل الألوان-تشتبه في كونها ألوانًا، مع أن السواد ليس مثل البياض.\nوأيضًا فمعلوم في اللغة أنه يقال: (هذا يشبه هذا)، و(فيه شبه من هذا) إذا أشبهه من بعض الوجوه، وإن كان مخالفة له في الحقيقة» (^١).\nوهذا التفريق بين معنى التشبيه والتمثيل قد أقر به جمع من المتكلمين، فقد قرر ابن الهمام الحنفي من الماتريدية أن «المثلية تقتضي المساواة في كل الصفات، والتشبيه لا يقتضيه» (^٢)، وبين أبو المعين النسفي أن الشخصين لو اشتركا في الفقه أو الطب أو غير ذلك من العلوم والصناعات، ولم يكن بينهما في ذلك النوع مساواة ينوب أحدهما مناب صاحبه ويسد مسده، فإنه لا يستجيز أحد من أرباب اللسان أن يقول: فلان مثل فلان في علم كذا، أو صنعة كذا (^٣).\nفتحصل بذلك أن لفظ التشابه والتماثل غير متطابقين في المعنى، بل لفظ التشابه أعم من لفظ التماثل، إذ التشابه يطلق على مطلق مشاركة الشيء للشيء ولو من بعض الوجوه، وأما التماثل فهو مشاركة الشيء للشيء من كل الوجوه، وإن كان قد يطلق لفظ التشبيه ويراد به التمثيل، وكذا العكس، وذلك يعلم بسياق الكلام وقرائنه.\n_________\n(^١) الجواب الصحيح (٣/ ٤٤٤ - ٤٤٥).\n(^٢) المسامرة شرح المسايرة (٣٠٨)، وانظر: تبصرة الأدلة لأبي المعين النسفي (١/ ١٥٠ - ١٥١).\n(^٣) انظر: تبصرة الأدلة (١/ ١٥٠).","vol":"2","page":867},{"text":"<span data-type='title' id=toc-341>فساد القول بتماثل الأجسام</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وكذلك أيضًا يقولون: إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيّز، والأجسام متماثلة، فلو قامت به الصفات للزم أن يكون مماثلا لسائر الأجسام، وهذا هو التشبيه\".\nالشرح\nمعروف عن المعتزلة نفيهم لقيام الصفات بالله تعالى لاعتقادهم أن الصفات أعراض وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه (^١).\nومن أجل ذلك كان قول المعتزلة ومن وافقهم في الله: إنه قديم، واحد، ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان معه غيره، ولكان جسمًا، إذ إن ثبوت الصفات تقتضي كثرة، وتعدادًا في ذاته، وتقتضي أنه جسم، وذلك خلاف التوحيد.\nفبالإضافة إلى زعمهم أن الصفات لا تقوم إلا بأجسام، فهم-أيضًا- يزعمون أن في إثبات الصفات قول بكثرة وتعدد ذات الله، لأنهم يقولون: إن من أثبت لله صفة أزلية قديمة، فقد أثبت الإلهين، كما اعتقدوا أن الصفات لو شاركته في القدم لشاركته في الألوهية (^٢).\nفهم يزعمون أن توحيد الله وتنزيهه متوقف على أنه ليس بجسم، وكونه ليس\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٧ - ١٤٨، ٣٥٩.\n(^٢) انظر: الملل للشهرستاني ١/ ٤٤ - ٤٦، مقالات الإسلاميين ١/ ٢٤٥، منهاج السنة ٢/ ١٦٩.","vol":"2","page":868},{"text":"بجسم موقوف على عدم قيام الأعراض والحوادث التي هي الصفات والأفعال، ونفي ذلك عندهم موقوف على ما يلي عليه حدوث الأجسام، والذي دلهم على حدوث الأجسام أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو من الحوادث لا يسبقها، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث.\nويزعمون أيضا أن الأجسام لا تخلو من الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين؛ فهي حادثة، فإذا لم تخل الأجسام منها لزم حدوثها.\nويزعمون أيضًا أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، والمركب مفتقر إلى جزئيه، وجزاءه غيره، وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثًا مخلوقًا، فالأجسام متماثلة، فكل ما صح على بعضها صح على جميعها، وقد صح على بعضها التحليل، والتركيب، والاجتماع، والافتراق، فيجب أن يصح على جميعها (^١).\nوالمعتزلة يقولون: إننا بهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم، ونفي كون الصانع جسمًا وإمكان المعاد.\nالرد عليهم: مما تقدم نعلم أن المعتزلة بنوا دليلهم في نفي الصفات على أن القديم لا يكون محلًا للصفات والحركات، فلا يكون جسمًا ولا متحيزًا؛ لأن الصفات أعراض وهم يستدلون على حدوث الجسم بحدوث الأعراض والحركات، وأن الجسم لا يخلو منها، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث.\nفهم بهذا القول نفوا صفات البارئ، وجعلوا نفيها يتوقف عليه ثبوت الصانع، وحدوث العالم، فإذا جاء في القرآن والسنة ما يدل على إثبات الصفات لم يكن القول بموجبه.\nوالمتدبر لحجج المعتزلة يرى فيها الأمور التالية:\n_________\n(^١) انظر: مختصر الصواعق ١/ ٢٥٤.","vol":"2","page":869},{"text":"أولًا: أنهم يستدلون لأقوالهم بعبارات مبتدعة، وفيها الكثير من الاشتباه والإجمال، وذلك كلفظ العرض، والجسم، والحيز، والمركب، وغير ذلك، فهم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ليخدعوا به جهال الناس بما يشبهون عليه، وهذه الألفاظ المجملة تتضمن معاني باطلة، ومعاني أخرى صحيحة، فهم بهذا ينفون كلا المعنيين الحق والباطل.\nوقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ ما في هذه الألفاظ من معانٍ، وما تدل عليه من عبارات (^١)، وكيف استعملها هؤلاء المعطلة في نفي صفات البارئ ﷿، حيث ادعوا أن هذه الأمور من مستلزمات الجسمية، والله منزه عن ذلك، وقد بين شيخ الإسلام أن استعمال هذه الألفاظ نفيًا وإثباتًا لم يرد عن السلف، ولا جاء به أثر صحيح، ولم يستعملها الأقدمون بالمعنى الاصطلاحي الذي اتفق عليه هؤلاء، بل جميعهم معترفون بأن العلو صفة كمال، كما أن السفل صفة نقص، وما ثبت لله من العلو فهو العلو المناسب لكمال ذاته، المنزهة عن اعتبارات المحدثين ومماثلتهم.\nوقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام إنما لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة كلفظ (الجوهر) و(الجسم) و(العرض)، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحًا يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره\nوليس الأمر كذلك: بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث الألفاظ، فذموه لاشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة، ومخالفته للعقل الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب\n_________\n(^١) انظر: شرح ابن تيمية لهذه العبارات في نقض تأسيس الجهمية ١/ ٥٠٤، ٥١١، وفي مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٨ - ٤٣٠.","vol":"2","page":870},{"text":"والسنة فهو باطل قطعًا. ثم من الناس من يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك\nوأيضًا: فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئًا، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله\nفإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة (^١).\nومعلوم أن القول بأن العلو يستلزم هذه المعاني المبهمة إنما هو مأخوذ من قياس الغائب على الشاهد، ومحاولة تطبيق الاعتبارات الإنسانية على الصفات الإلهية وهذا قياس خاطئ إذ ليس معنى كونه في السماء أن السماء تحويه، وتحيط به، وتحصره، أو هي محمل وظرف له، بل هو سبحانه محيط بكل شيء، وسع كرسيه السموات والأرض، وهو فوق كل شيء، وعلا كل شيء (^٢).\nثانيًا: إن من استدل به المعتزلة لا أصل له من الكتاب أو السنة بل هو مأخوذ من كلام الفلاسفة الذين يزعمون أن للعالم صانعًا ليس بعالم ولا قادر ولا حي (^٣).\nكما أن مذهب المعتزلة في الذات قريب من مذهب اليونان القائلين بأن ذات الله واحدة، لا كثرة فيها بوجه من الوجوه (^٤).\nثالثًا: أن أصل هذه القاعدة التي اعتمد عليها المعتزلة في نفي الصفات إنما هي\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٨ - ٢٣٣).\n(^٢) انظر: كتاب: موقف ابن تيمية من قضية التأويل ص ٣٨١ - ٣٨٥.\n(^٣) مقالات الإسلاميين ٢/ ١٧٧، وموقف المعتزلة من السنة النبوية ص ٥٣.\n(^٤) موقف المعتزلة من السنة النبوية ص ٥٣.","vol":"2","page":871},{"text":"مأخوذة من قولهم في دليل حدوث العالم (^١)، الذي أثبتوا فيه حدوث العالم بحدوث الأجسام وهذا دليل قد بين الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر: أنه دليل محرم في شرائع الأنبياء، ولم يستدل به أحد من الرسل ولا أتباعهم (^٢)، فهي بهذا طريق يحرم سلوكها لما فيها من لخطر والتأويل، وما يلزم عليها من لوازم باطلة؛ لأنها مستلزمة لنفي الصانع بالكلية، وهي مستلزمة لنفي صفاته، ونفي أفعاله، ونفي المبدأ والمعاد، فهذه الطريق لا تتم إلا بنفي سمع الرب، وبصره، وقدرته، وحياته، وإرادته، وكلامه، فضلًا عن نفي علوه على خلقه، ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها، فلو صحت هذه الطريقة لنفت الصانع، وأفعاله، وصفاته، وكلامه، وخلقه للعالم، وتدبيره له، وما يثبته أصحاب هذه الطريقة من ذلك لا حقيقة له، بل هو لفظ لا معنى له، وبهذه الطريقة قالت الجهمية بفناء الجنة والنار، وأن الله بذاته في كل مكان، وقال إخوانهم: إنه ليس داخل العالم، ولا خارج العالم، وقالوا بخلق القرآن، إلى غير ذلك من اللوازم الباطلة (^٣).\nوأما قولهم: بأن ثبوت الصفات يستلزم تعدد القدماء.\nفهذه العلة عليلة بل ميتة لدلالة السمع والعقل على بطلانها.\nأما السمع: فلأن الله تعالى وصف نفسه بأوصاف كثيرة مع أنه الواحد الأحد، فقال تعالى ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (١٢) إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ (١٣) وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤) ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (١٥) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ [البروج ١٢ - ١٦].\nوقال تعالى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ\n_________\n(^١) انظر الكلام على دليل حدوث العالم في: مجموع الفتاوى ١٣/ ١٥٣.\n(^٢) انظر كتاب: رسالة أهل الثغر ص ١٦٤ - ١٧٢ تحقيق عبدالله شاكر الجنيدي، رسالة ماجستير من قسم الدراسات العليا بالجامعة الإسلامية.\n(^٣) مختصر الصواعق ١/ ٢٥٦، ٢٥٧، ودرء تعارض العقل والنقل ١/ ٣٨ - ٤٠.","vol":"2","page":872},{"text":"الْمَرْعَى (٤) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ [الأعلى ١ - ٥].\nوأما العقل: فلأن الصفات ليست ذوات بائنة من الموصوف حتى يلزم من ثبوتها التعدد، وإنما هي صفات من اتصف بها فهي قائمة به، وكل موجود فلا بد له من تعدد صفاته (^١).\nفبهذا يعلمُ ضلال من سلبوا أسماء الله تعالى معانيها فنفي معاني أسمائه الحسنى من أعظم الإلحاد فيها، قال تعالى ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ [الأعراف ١٨٠].\n_________\n(^١) القواعد المثلى ص ٨.","vol":"2","page":873},{"text":"<span data-type='title' id=toc-342>معنى الأفعال الاختيارية</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وكذلك يقول هذا كثير من الصفاتية الذين يثبتون الصفات وينفون علوه على العرش وقيام الأفعال الاختيارية به ونحو ذلك، ويقولون: الصفات قد تقوم بما ليس بجسم، وأما العلو على العالم فلا يصح إلا إذا كان جسمًا، فلو أثبتنا علوه للزم أن يكون جسمًا، وحينئذ فالأجسام متماثلة فيلزم التشبيه.\nفلهذا تجد هؤلاء يسمُّون من أثبت العلو ونحوه مشبِّهًا، ولا يسمُّون من أثبت السمع والبصر والكلام ونحوه مشبِّهًا، كما يقوله صاحب «الإرشاد» وأمثاله\".\nالشرح\nمعلوم أن مذهب متأخري الأشاعرة في الصفات أنهم يثبتون سبع صفات فقط وهي ما يسمونها بصفات المعاني وهي العلم والقدرة والإرادة والحياة والسمع والبصر والكلام، وهم يثبتون لهذه الصفات أربعة أحكام هي:\n١ - أن هذه الصفات ليست هي الذات بل زائدة عليها فصانع العالم عندهم عالم بعلم وحي بحياة وقادر وهكذا.\n٢ - أن هذه الصفات كلها قائمة بذات الله تعالى ولا يجوز أن يقوم شيء منها بغير ذاته لأن الدليل دل على أنه متصف بها ولا معنى لاتصافه بها إلا قيامها بذاته، حتى لو قلنا: إنه عالم كان هو بعينه مفهوم قولنا قام بذاته علم، فلا تكون الصفة لشيء إلا إذا قامت به لا بغيره.","vol":"2","page":874},{"text":"٣ - أن هذه الصفات كلها قديمة لأنها إن كانت حادثة كان القديم محلًا للحوادث وهذا محال، أو متصف بصفة لا تقوم به وذلك أظهر استحالة.\n٤ - أن الأسماء المشتقة لله تعالى من هذه الصفات السبع صادقة عليه أزلًا وأبدًا فهو في القدم كان حيًا قادرًا عليمًا سميعًا بصيرًا متكلمًا (^١).\nفهم على قولهم هذا لا يثبتون سوى هذه الصفات السبع فقط لأنها قديمة. أما باقي الصفات التي يسمونها الصفات الخبرية فهم ينفونها جميعها، بدعوى تنزيه ذات الله عن الحوادث.\nومتأخرو الأشاعرة هؤلاء وإن كانوا يخالفون المعتزلة في جعلهم الصفة غير الذات كما في الحكم الأول فيثبتون الصفات القديمة من هذا الباب، إلا أنهم قد وافقوا المعتزلة في دليلهم المسمى بدليل نفي الحوادث فنفوا باقي الصفات الأخرى، ذلك لأن قولهم في الحكم الثالث من الأحكام الأربعة التي أوردناها إنها لو كانت حادثة لكان القديم محلا للحوادث، هو بعينه ما استدل به المعتزلة على نفي الصفات (^٢).\nفهم ينفون صفة العلو لأنها من الصفات الخبرية (^٣)، ويقول متأخرو الأشاعرة في دليلهم العقلي على نفي العلو إن إثبات العلو يقتضي إثبات الجهة وإثبات الجهة يقتضي كونه جسمًا، وكونه جسمًا يقتضي كونه مركبًا، والمركب مفتقر إلى جزئيه، والمفتقر إلى جزئيه لا يكون إلا حادثا والله سبحانه منزه عن الحوادث (^٤).\n_________\n(^١) انظر الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (ص ٨٤ - ١٠١)، بتصرف.\n(^٢) مختصر الصواعق (١/ ٢٥٥).\n(^٣) الصفات الخبرية وتسمى الصفات السمعية وهي: ما كان الدليل عليها مجرد خبر الرسول دون استناد إلى نظر عقلي كالاستواء والنزول والمجيء وغير ذلك.\n(^٤) نقض التأسيس (١/ ٥٠٣).","vol":"2","page":875},{"text":"فعلى قولهم هذا يكونون هم والمعتزلة على دليل واحد، وقد سبق أن ذكرنا الرد على المعتزلة فيكون الرد على هؤلاء من جنس الرد على أولئك، ويضاف إلى ذلك أن القول في الصفات التي نفاها هؤلاء هو كالقول في الصفات التي أثبتوها، فإن كان هذا تجسيمًا وقولا باطلًا فهذا كذلك.\nوإن قالوا: إن إثباتها على الوجه الذي يليق بالرب.\nقيل لهم: وكذلك هذا.\nفإن قالوا: نحن نثبت تلك الصفات وننفي التجسيم.\nقيل لهم: وهذا كذلك، فليس لكم أن تفرقوا بين المتماثلين (^١).\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وكذلك قد يوافقهم على القول بتماثل الأجسام القاضي أبو يعلى وأمثاله من مثبتة الصفات والعلو، لكن هؤلاء قد يجعلون العلو صفة خبرية، كما هو أول قولي القاضي أبى يعلى، فيكون الكلام فيه كالكلام في الوجه، وقد يقولون: إن ما يثبتونه لا ينافي الجسم، كما يقولونه في سائر الصفات. والعاقل إذا تأمل وجد الأمر فيما نفوه كالأمر فيما أثبتوه لا فرق\".\nالشرح\nيشير المصنف هنا إلى مسألة القول بتماثل الأجسام من كل وجه وقد \"ذهبت طائفة إلى امتناع ذلك وقالوا لا يتصور إلا التماثل من كل وجه أو الاختلاف من كل وجه وقال هؤلاء إن الأجسام متماثلة من كل وجه والأعراض المختلفة والأجناس كالسواد والبياض مختلفة من كل وجه وهؤلاء يقولون إذا كان هذا حيا عالما وهذا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٣/ ١٦٥).","vol":"2","page":876},{"text":"حيا عالما لم يجب أن يكون بينهما تشابه بوجه من الوجوه بل قد يكونان مختلفين من كل وجه لأنهما لم يتماثلا في ذاتهما ولكن في صفتهما وذلك لا يوجب عندهم تماثلا ولا اختلافا ولهذا قالوا الأجسام متماثلة مع اختلاف صفاتهما وزعموا أن الصفات التي اختلفت لأجلها ليست لازمة لشيء منها بل يجوز أن تتبدل على كل من الأجسام مع بقاء حقيقته.\nوهذا القول وإن كان القائل به كثير من الصفاتية كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وأبي المعالي وغيرهم فهو من أفسد الأقوال بل هو معلوم الفساد بالضرورة بعد التصور الصحيح\" (^١).\nوقول المصنف: \"لكن هؤلاء قد يجعلون العلو صفة خبرية، كما هو أول قولي القاضي أبى يعلى، فيكون الكلام فيه كالكلام في الوجه\"\nأي يقول إن العلو صفة خبرية أي تثبت بالخبر أي بالشرع فقط كما في صفة الوجه فلا تستلزم التجسيم عندهم.\nوهذا هو قول وقدماء الأشاعرة كأبي الحسن الطبري والباقلاني وابن فورك، وأبي جعفر السمناني ومن تأثر بهم من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني والتميميين وغيرهم. (^٢) الذين يثبتون الصفات الخبرية الذاتية مثل الوجه واليدين والعلو ونحوها من الصفات، وإن كانوا ينفون الصفات الاختيارية النزول، الاستواء، الغضب، الفرح، الضحك.\n_________\n(^١) الصفدية ١/ ١١\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١١، ٦/ ٥٢، ٥٣، ٤/ ١٤٧، شرح الأصفهانية ص ٧٨","vol":"2","page":877},{"text":"<span data-type='title' id=toc-343>معنى الهيولى</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وأصل كلام هؤلاء كلهم على أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم، والأجسام متماثلة\".\nالشرح\nمقصود المصنف بقوله: \"وأصل كلام هؤلاء كلهم\" هم طوائف أهل الكلام من الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية، ومن وافقهم، وقد تقدم الحديث عن المعتزلة واستدلالاتهم والرد عليهم باعتبارهم أنهم ينفون جميع الصفات.\nوأما بقية أقوال الصفاتية فيوضحها كلام شيخ الإسلام ابن تيمية في الكلام عن أصناف المثبتين للصفات مع مسألة الجسم حيث قال: \"ولا ريب أن المثبتين لهذه الصفات، أربعة أصناف:\n(الصنف الأول):\nالقول: صنف يثبتونها وينفون التجسيم والتركيب والتبعيض مطلقًا.\nالقائلين به: كما هي طريقة الكلابية والأشعرية، وطائفة من الكرامية كابن الهيصم وغيره، وهو قول طوائف من الحنبلية، والمالكية، والشافعية، والحنفية، كأبي الحسن التميمي، وابنه أبي الفضل، ورزق الله التميمي، والشريف أبي علي بن أبي موسى، والقاضي أبي يعلي، والشريف أبي جعفر، وأبي الوفاء بن عقيل، وأبي الحسن بن الزاغوني، -ومن لا يحصى كثرة-؛ يصرِّحون بإثبات هذه الصفات، وبنفي التجسيم والتركيب والتبعيض والتجزي والانقسام ونحو ذلك، وأول من عُرف أنه قال هذا القول هو أبو محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، ثم اتبعه على ذلك خلائق لا يحصيهم إلا الله.\nالصنف الثاني:\nالقول: وصنف يثبتون هذه الصفات، ولا يتعرضون للتركيب والتجسيم والتبعيض ونحو ذلك","vol":"2","page":878},{"text":"من الألفاظ المبتدعة، لا بنفي ولا إثبات؛ لكن ينزهون الله عما نزه عنه نفسه، ويقولون إنه أحد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ويقول من يقول منهم: مأثور عن ابن عباس وغيره: أنه لا يتبعض فينفصل بعضه عن بعض، وهم متفقون على أنه لا يمكن تفريقه ولا تجزئته بمعنى انفصال شيء منه عن شيء.\nالقائلين به: وهذا القول هو الذي يؤثر عن سلف الأمة وأئمتها، وعليه أئمة الفقهاء وأئمة الحديث، وأئمة الصوفية، وأهل الاتباع المحض من الحنبلية على هذا القول يحافظون على الألفاظ المأثورة، ولا يطلقون على الله نفيًا وإثباتًا إلا ما جاء به الأثر، وما كان في معناه.\nالصنف الثالث:\nالقول: يثبتون هذه الصفات ويثبتون ما ينفيه النفاة لها، ويقولون: هو جسم لا كالأجسام، ويثبتون المعاني التي ينفيها أولئك بلفظ الجسم.\nوهذا قول طوائف من أهل الكلام المتقدمين والمتأخرين.\nالصنف الرابع:\nالقول: يصفونه مع كونه جسمًا بما يوصف به غيره من الأجسام.\nالقائلين به: فهذا قول المشبهة الممثلة، وهم الذين ثبت عن الأمة تبديعهم","vol":"2","page":879},{"text":"وتضليلهم) (^١).\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"والمثبتون يجيبون عن هذا تارة بمنع المقدمة الأولى، وتارة بمنع المقدمة الثانية، وتارة بمنع كلتا المقدمتين، وتارة بالاستفصال\".\nأي أن من الشبه التي يقررون بها أن إثبات االصفات يلزم منه التشبيه هذه الشبهة، وهي مركبة من مقدمتين:\nوالمقصود بالمقدمة الأولى هنا: قولهم: (إن الصفات لا تقوم إلا بجسم متحيز). والتحيز عندهم هو توضيح للجسمية لأنهما متلازمان.\nوالمقصود بالمقدمة الثانية: قولهم: (والأجسام متماثلة).\nوالنتيجة: أن قيام الصفات به يستلزم مماثلته للأجسام وهو التشبيه.\nوهذه شبهة نفاة جميع الصفات وهم المعتزلة ومن وافقهم فشبهتهم التي اعتمدوا عليها في نفي صفات الباري ﷿ هي ما تسمى بطريقة الأعراض، ذلك أنهم يزعمون أن الصفات إنما هي أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث، ومن أجل ذلك كان قول المعتزلة في الله: إنه قديم واحد ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان معه غيره (^٢)\nوبين المصنف أن الرد عليهم جاء من وجوه ثلاثة:\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية ١/ ٢٦٩.\n(^٢) بالإضافة إلى زعم المعتزلة أن الصفات لا تقوم إلا بأجسام، فهم أيضًا يزعمون أن في إثبات الصفات قول بكثرة وتعدد ذات الله، لأنهم يقولون: (إن من أثبت لله صفة أزلية قديمة فقد أثبت إلهين)، كما اعتقدوا أن الصفات لو شاركته في القدم لشاركته في الألوهية.\nانظر الملل للشهرستاني (١/ ٤٤ - ٤٦)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٤٥)، منهاج السنة (٢/ ١٦٩).","vol":"2","page":880},{"text":"الوجه الأول: منع المقدمة الأولى، وهي قولهم: أن إثبات الصفات يستلزم التجسيم\"\nوالوجه الثاني: منع المقدمة الثانية، وهي قولهم: \"والأجسام متماثلة\"\nوهذه الحجة للمعتزلة سبق الرد عليها فيما تقدم من شرح.\nوالوجه الثالث: الاستفصال.\nومن هذا الوجه قال ابن القيم: \"فلفط الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا فتكون له حرمة الإثبات ولا نفيا فيكون له إلغاء النفي.\nفمن أطلقه نفيا أو إثباتا سئل عما أراد به:\n• فإن قال أردت الجسم معناه في لغة العرب وهو البدن الكثيف الذي لا يسمى في اللغة جسم سواه ولا يقال للهواء جسم لغة ولا للنار ولا للماء فهذه اللغة وكتبها بين أظهرنا فهذا المعنى منفي عن الله عقلًا وسمعًا.\n• وإن أردتم به المركب من المادة والصورة أو المركب من الجواهر الفردة فهذا منفي عن الله قطعًا.\n• وإن أردتم بالجسم ما يشار إليه إشارة حسية فقد أشار إليه أعرف الخلق به بأصبعه رافعًا لها إلى السماء يشهد الجمع الأعظم مشيرا له، أو أردتم بالجسم ما يقال أين هو فقد سأل أعلم الخلق به عنه بأين منبها على علوه على عرشه وسمع السؤال بأين وأجاب عنه ولم يقل هذا السؤال إنما يكون عن المجسم.\n• وإن أردتم بالجسم ما يلحقه من وإلى فقد نزل جبريل من عنده ونزل كلامه من عنده وعرج برسوله إليه وإليه يصعد الكلم الطيب وعنده المسيح رفع إليه.\n• وإن أردتم بالجسم ما يتميز منه أمر عن أمر فهو سبحانه موصوف بصفات","vol":"2","page":881},{"text":"الكمال جميعها من السمع والبصر والعلم والقدرة والحياة وهذه صفات متميزة متغايرة ومن قال إنها صفة واحدة فهو بالمجانين أشبه منه بالعقلاء وقد قال أعلم الخلق به «أعوذ برضاك من سخطك وأعوذ بعفوك من عقوبتك وأعوذ بك منك» والمستعاذ به غير المستعاذ منه وأما استعاذته به منه فباعتبارين مختلفين فإن الصفة المستعاذ بها والصفة المستعاذ منها صفتان لموصوف واحد ورب واحد فالمستعيذ بإحدى الصفتين من الأخرى مستعيذ بالموصوف بهما منه.\n• وإن أردتم بالجسم ما له وجه ويدان وسمع وبصر فنحن نؤمن بوجه ربنا الأعلى وبيديه وبسمعه وبصره وغير ذلك من صفاته التي أطلقها على نفسه.\n• وإن أردتم بالجسم ما يكون فوق غيره ومستويا على غيره فهو سبحانه فوق عباده مستو على عرشه.\nوكذلك إن أردتم بالتشبيه والتركيب هذه المعاني التي دل عليها الوحي والعقل فنفيكم لها بهذه الألقاب المنكرة خطأ في اللفظ والمعنى وجناية على ألفاظ الوحي والعقل وحقائق صفات الرب.\n• أما الخطأ اللفظي فتسميتكم الموصوف بذلك جسما مركبا مؤلفا مشبها لغيره وتسميتكم هذه الصفات تجسيما وتركيبا وتشبيها فكذبتم على القرآن وعلى الرسول وعلى اللغة ووضعتم لصفاته ألفاظا منكم بدأت وإليكم تعود.\n• وأما خطأكم في المعنى فنفيكم وتعطيلكم لصفات كماله بواسطة هذه التسمية والألقاب فنفيتم المعنى الحق وسميتموه بالاسم المنكر وكنتم في ذلك بمنزلة من سمع أن في العسل شفاء ولم يره فسأل عنه فقيل له مائع رقيق أصفر يشبه العذرة تتقيأه الزنابير ومن لم يعرف العسل ينفر عنه بهذا التعريف ومن عرفه وذاقه لم يزده هذا التعريف عنده إلا محبة له ورغبة فيه وما أحسن ما قال القائل:","vol":"2","page":882},{"text":"تقول هذا جني النحل تمدحه … وإن تشاء قلت ذا قيء الزنابير\nمدحا وذما وما جاوزت وصفهما … والحق قد يعتريه سوء تعبير\" (^١)\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"ولا ريب أن قولهم بتماثل الأجسام قول باطل، سواء فسروا الجسم بما يشار إليه، أو بالقائم بنفسه، أو بالموجود، أو بالمركب من الهُيولي والصورة، ونحو ذلك. فأما إذا فسروه بالمركب من الجواهر المفردة على أنها متماثلة، فهذا يُبنى على صحة ذلك، وعلى إثبات الجواهر المفردة وعلى أنها متماثلة. وجمهور العقلاء يخالفونهم في ذلك.\nالشرح\nسبق الرد على من زعم القول بتماثل الأجسام، كما سبق الحديث عن هذه المصطلحات جميعها واستعمالاتها لدى الفلاسفة والمتكلمين بما يغني عن إعادة شرحها،\nكلام المصنف هنا في أساسه متوجه لتناول أصل مسألة الكلام في الجسم والجوهر، ونفيهما أو إثباتهما، وأنها بدعة ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك نفيًا ولا إثباتًا.\nوالنزاع بين المتنازعين في ذلك: بعضه لفظي، وبعضه معنوي، أخطأ هؤلاء من وجه وأخطأ هؤلاء من وجه.\nفإن كان النزاع مع من يقول: هو جسم أو جوهر، إذا قال: لا كالأجسام ولا كالجواهر، وإنما هو في اللفظ.\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٣/ ٣٣٨ - ٣٤٤.","vol":"2","page":883},{"text":"فمن قال: هو كالأجسام والجواهر، يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى.\nفإن كان فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى، كان قوله مردودًا.\nوذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله، فكل قول تضمن هذا فهو باطل.\nوإن فسر قوله: جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر، مع تنزيه الرب عن خصائص المخلوقين، كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه.\nفلابد أن يلحظ في هذا إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا، وذلك مثل أن يقول: أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر، كما أصفه بالقدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وبين كل حي عليم سميع بصير، وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات، وإلا فلو قال الرجل: هو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين، وعليم لا كالعلماء، وسميع لا كالسمعاء، وبصير لا كالبصراء، ونحو ذلك، وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين، فقد أصاب.\nوإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك، مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله، فقد أخطأ.\nإذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته، يقع من جهة المعنى فسر بشيئين: أحدهما: أنهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين.\nفمن قال بتماثلها، قال: كل من قال: إنه جسم لزمه التمثيل.\nومن قال إنها لا تتماثل، قال: إنه لا يلزمه التمثيل.\nولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم، كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة، حتى سموا جميع المثبتة للصفات مشبهة، ومجسمة، وحشوية، وغثاء، وغثراء، ونحو ذلك، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم.","vol":"2","page":884},{"text":"لكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم، لم يجز نسبتها إليه على أنها قول له، سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانت لازمة مع فسادها، دل على فساد قوله.","vol":"2","page":885},{"text":"<span data-type='title' id=toc-344>معنى قول الروافض: لا ولاء إلا ببراء</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"والمقصود أنهم يطلقون التشبيه على ما يعتقدونه تجسيمًا بناء على تماثل الأجسام، والمثبتون ينازعونهم في اعتقادهم، كإطلاق الرافضة «للنَصب» على من تولى أبا بكر وعمر ﵄، بناء على أن من أحبهما فقد أبغض عليا ﵁، ومن أبغضه فهو ناصبي؛ وأهل السنة ينازعونهم في المقدمة الأول.\nولهذا يقول هؤلاء: إن الشيئين لا يشتبهان من وجه ويختلفان من وجه. وأكثر العقلاء على خلاف ذلك، وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع، وبينّا فيه حجج من يقول بتماثل الأجسام وحجج من نفى ذلك، وبينّا فساد قول من يقول بتماثلها.\nوأيضًا، فالاعتماد بهذا الطريق على نفي التشبيه اعتماد باطل، وذلك أنه إذا أثبت تماثل الأجسام فهم لا ينفون ذلك إلا بالحجة التي ينفون بها الجسم، وإذا ثبت أن هذا يستلزم الجسم، وثبت امتناع الجسم، كان هذا وحده كافيًا في نفي ذلك، لا يحتاج نفي ذلك إلى نفي مسمى «التشبيه»، لكن نفي الجسم يكون مبنيًا على نفي هذا التشبيه، بأن يقال: لو ثبت له كذا وكذا لكان جسمًا، ثم يقال: والأجسام متماثلة، فيجب اشتراكها فيما يجب ويجوز ويمتنع، وهذا ممتنع عليه. لكن حينئذ يكون من سلك هذا المسلك معتمدًا في نفي التشبيه على نفي التجسيم، فيكون أصل نفيه نفي الجسم، وهذا مسلك آخر سنتكلم عليه إن شاء الله تعالى\".","vol":"2","page":886},{"text":"الشرح\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وفي الجملة الكلام في التمثيل والتشبيه ونفيه عن الله مقام، والكلام في التجسيم ونفيه مقام آخر.\nفإن الأول دل على نفيه الكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، واستفاض عنهم الإنكار على المشبهة الذين يقولون: يد كيدي، وبصر كبصري، وقدم كقدمي.\nوقد قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيء﴾ [الشورى ١١]، وقال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤]، وقال: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِّيَا﴾ [مريم الآية: ٦٥]، وقال تعالى ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لله أَنْدَادًا﴾ [البقرة ٢٢]. وأيضا فنفي ذلك معروف بالدلائل العقلية التي لا تقبل النقيض، وأما الكلام في الجسم والجوهر، ونفيهما أو إثباتهما، فبدعة ليس لها أصل في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تكلم أحد من السلف والأئمة بذلك نفيًا ولا إثباتًا.\nوالنزاع بين المتنازعين في ذلك: بعضه لفظي، وبعضه معنوي، أخطأ هؤلاء من وجه وأخطأ هؤلاء من وجه.\nفإن كان النزاع مع من يقول: هو جسم أو جوهر، إذا قال: لا كالأجسام ولا كالجواهر، وإنما هو في اللفظ.\nفمن قال: هو كالأجسام والجواهر، يكون الكلام معه بحسب ما يفسره من المعنى.\nفإن كان فسر ذلك بالتشبيه الممتنع على الله تعالى، كان قوله مردودًا.\nوذلك بأن يتضمن قوله إثبات شيء من خصائص المخلوقين لله، فكل قول تضمن هذا فهو باطل.","vol":"2","page":887},{"text":"وإن فسر قوله: جسم لا كالأجسام بإثبات معنى آخر، مع تنزيه الرب عن خصائص المخلوقين، كان الكلام معه في ثبوت ذلك المعنى وانتفائه.\nفلابد أن يلحظ في هذا إثبات شيء من خصائص المخلوقين للرب أولا، وذلك مثل أن يقول: أصفه بالقدر المشترك بين سائر الأجسام والجواهر، كما أصفه بالقدر المشترك بينه وبين سائر الموجودات، وبين كل حي عليم سميع بصير، وإن كنت لا أصفه بما تختص به المخلوقات، وإلا فلو قال الرجل: هو حي لا كالأحياء، وقادر لا كالقادرين، وعليم لا كالعلماء، وسميع لا كالسمعاء، وبصير لا كالبصراء، ونحو ذلك، وأراد بذلك نفي خصائص المخلوقين، فقد أصاب.\nوإن أراد نفي الحقيقة التي للحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك، مثل أن يثبت الألفاظ وينفي المعنى الذي أثبته الله لنفسه، وهو من صفات كماله، فقد أخطأ.\nإذا تبين هذا فالنزاع بين مثبتة الجوهر والجسم ونفاته، يقع من جهة المعنى فسر شيئين:\nأحدهما: أنهم متنازعون في تماثل الأجسام والجواهر على قولين معروفين.\nفمن قال بتماثلها، قال: كل من قال: إنه جسم لزمه التمثيل.\nومن قال إنها لا تتماثل، قال: إنه لا يلزمه التمثيل.\nولهذا كان أولئك يسمون المثبتين للجسم مشبهة، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم، كما يسمى نفاة الصفات لمثبتيها مشبهة ومجسمة، حتى سموا جميع المثبة للصفات مشبهة، ومجسمة، وحشوية، وغثاء، وغثراء، ونحو ذلك، بحسب ما ظنوه لازمًا لهم.\nلكن إذا عرف أن صاحب القول لا يلتزم هذه اللوازم، لم يجز نسبتها إليه على أنها قول له، سواء كانت لازمة في نفس الأمر أو غير لازمة، بل إن كانت لازمة مع فسادها، دل على فساد قوله.","vol":"2","page":888},{"text":"وقال ابن تيمية موضحًا أقسام خصوم أهل السنة في هذه المسألة من المعطلة والمشبهة.\nوقسم المعطلة إلى فريقين:\nالفريق الأول: المعتزلة ومن وافقهم.\nوالفريق الثاني: الكلابية ومن وافقهم\nفقال: \"وَكَانَ إمَامُ الْمُعْتَزِلَةِ أَبُو الهذيل الْعَلَّافُ وَنَحْوُهُ مِنْ نفاة الصِّفَاتِ قَالُوا: يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ.\nقَالَ هَؤُلَاءِ (يعني المشبهة): بَلْ هُوَ جِسْمٌ وَالْجِسْمُ هُوَ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ أَوْ الْمَوْجُودُ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَقَالَاتِ وَطَعَنُوا فِي أَدِلَّةِ نفاة الْجِسْمِ بِكَلَامِ طَوِيلٍ لَا يَتَّسِعُ لَهُ الْجَوَابُ هُنَا. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ قَالَ: هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَفَهُ بِخَصَائِصِ الْمَخْلُوقَاتِ وَحُكِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مَقَالَاتٌ شَنِيعَةٌ.\nوَجَاءَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنِ كُلَّابٍ فَقَالَ هُوَ وَأَتْبَاعُهُ: هُوَ الْمَوْصُوفُ بِالصِّفَاتِ وَلَكِنْ لَيْسَتْ الصِّفَاتُ أَعْرَاضًا؛ إذْ هِيَ قَدِيمَةٌ بَاقِيَةٌ لَا تَعْرِضُ وَلَا تَزُولُ وَلَكِنْ لَا يُوصَفُ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِهِ كَالْحَرَكَاتِ؛ لِأَنَّهَا تَعْرِضُ وَتَزُولُ.\nفَقَالَ ابْنُ كَرَّامٍ وَأَتْبَاعُهُ: لَكِنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالصِّفَاتِ وَإِنْ قِيلَ إنَّهَا أَعْرَاضٌ وَمَوْصُوفٌ بِالْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِنَفْسِهِ وَإِنْ كَانَتْ حَادِثَةً. وَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: هَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ جِسْمًا قَالُوا: نَعَمْ هُوَ جِسْمٌ كَالْأَجْسَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مُمْتَنِعًا دَائِمًا وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ أَنْ يُشَابِهَ الْمَخْلُوقَاتِ فِيمَا يَجِبُ وَيَجُوزُ وَيَمْتَنِعُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: أَطْلَقَ لَفْظَ الْجِسْمِ لَا مَعْنَاهُ. وَبَيْنَ هَؤُلَاءِ الْمُتَكَلِّمِينَ النُّظَّارِ بُحُوثٌ طَوِيلَةٌ مُسْتَوْفَاةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.\nوَأَمَّا \"السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ\" فَلَمْ يَدْخُلُوا مَعَ طَائِفَةٍ مِنْ الطَّوَائِفِ فِيمَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ نَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ بَلْ اعْتَصَمُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَرَأَوْا ذَلِكَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِصَرِيحِ الْعَقْلِ فَجَعَلُوا كُلَّ لَفْظٍ جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مِنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ حَقًّا يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهِ وَإِنْ لَمْ","vol":"2","page":889},{"text":"تُعْرَفْ حَقِيقَةُ مَعْنَاهُ وَكُلُّ لَفْظٍ أَحْدَثَهُ النَّاسُ فَأَثْبَتَهُ قَوْمٌ وَنَفَاهُ آخَرُونَ فَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نُطْلِقَ إثْبَاتَهُ وَلَا نَفْيَهُ حَتَّى نَفْهَمَ مُرَادَ الْمُتَكَلِّمِ\" (^١)\nومن بدع الكرامية أنهم يقولون في المعبود إنه جسم لا كالأجسام (^٢).\nومن بدعهم قولهم: إن الأزلي الخالق جسم لم يزل ساكنا (^٣).\nويقولون: إن الله جسم قديم أزلي، وإنه لم يزل ساكنًا ثم تحرك لما خلق العالم، ويحتجون على حدوث الأجسام المخلوقة بأنها مركبة من الجواهر المفردة، فهي تقبل الاجتماع والافتراق، ولا تخلوا من اجتماع وافتراق، وهي أعراض حادثة لا تخلو منها، ومالا يخلو من الحوادث فهو حادث.\nوأما الرب فهو عندهم واحد لا يقبل الاجتماع والافتراق، ولكنه لم يزل ساكنًا. والسكون عندهم أمر عدمي، وهو عدم الحركة عمَّا من شأنه أن يتحرك، كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة. وهؤلاء يقولون: إن الباري لم يزل خاليًا من الحوادث حتى قامت به، بخلاف الأجسام المركَّبة من الجواهر المفردة، فإنها لا تخلو من الاجتماع والافتراق (^٤).\nويقولون: إن الصفات والأفعال لا تقوم إلا بجسم، ويجوزون وجود جسم ينفك من قيام الحوادث به ثم يحدث فتقوم به بعد ذلك (^٥).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ٣٥ - ٣٦.\n(^٢) لسان الميزان (٥/ ٣٥٤).\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٦).\n(^٤) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٢٢٧).\n(^٥) المصدر السابق (٥/ ٢٤٦).","vol":"2","page":890},{"text":"<span data-type='title' id=toc-345>بيان فساد طريقة المعطلة</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وإنما المقصود هنا أن مجرد الاعتماد في نفي ما يُنفى على مجرد نفي التشبيه لا يفيد، إذ ما من شيئين إلا ويشتبهان من وجه ويفترقان من وجه\".\nالشرح\nفرق المصنف هنا بين منهج المعطلة في نفي التشبيه ومنهج أهل السنة والجماعة.\nفأما منهج المعطلة:\nفمن المعلوم أن التشبيه في اصطلاح المتكلمين وغيرهم هو التمثيل، والمتشابهان هما المتماثلان، وهما ما سد أحدهما مسد صاحبه وقام مقامه وناب منابه (^١).\nفمقصود المتكلمين بنفي التشبيه: أن يراد به أنه لا يثبت لله شيء من الصفات، فلا يقال له قدرة، ولا علم، ولا حياة، لأن العبد موصوف بهذه الصفات، ولازم هذا القول أنه لا يقال له حي، عليم، قدير، لأن العبد يسمى بهذه الأسماء وكذلك كلامه وسمعه وبصره وإرادته وغير ذلك (^٢).\nوأما منهج أهل السنة.\n_________\n(^١) نقض تأسيس الجهمية (١/ ٤٧٦).\n(^٢) شرح العقيدة الطحاوية (ص ٩٩).","vol":"2","page":891},{"text":"فيقوم على أنه لا يلزم من اتفاق الاسمين وتماثل مُسَمَّاهما واتحاده-عند الإطلاق والتجريد عن الإضافة والتخصيص-اتَّفاقُهما، ولا تماثل المسمى عند الإضافة والتخصيص؛ فضلًا عن أن يتحد مُسَمَّاهما عند الإضافة والتخصيص.\nفقد سَمَّى الله نفسه حيًّا فقال: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥]، وسَمَّى بعض عباده حيًّا؛ فقال: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيّ﴾ [يونس: ٣١].\nوليس هذا الحي مثل هذا الحي؛ لأن قوله: (الحي) اسم لله مختص به، وقوله: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ اسم للحيِّ المخلوق مختصٍّ به.\nوإنما يتفقان إذا أُطلقا وجُرِّدا عن التخصيص، ولكن ليس للمطلق مسمى موجود في الخارج، ولكن العقل يَفهم من المطلق قدرًا مشتركًا بين المُسميين.\nوعند الاختصاص: يُقَيَّد ذلك بما يتميز به الخالق عن المخلوق والمخلوق عن الخالق.\nولابد مِنْ هذا في جميع أسماء الله وصفاته، يُفهم منها ما دل عليه الاسم بالمواطأة والاتفاق، وما دل عليه بالإضافة والاختصاص المانعة من مشاركة المخلوق للخالق في شيء من خصائصه ﷾.\nأصل الخطأ والغلط عند المخالفين هو توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتًا في هذا المعين وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقًا كليًا، بل لا يوجد إلا معينًا مختصًا، وهذه الأسماء إذا سمي الله بها كان مسماها معينًا مختصًا به.\nفإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصًا به، فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشاركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق.\nوبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى فزادوا فيه على الحق","vol":"2","page":892},{"text":"فضلوا.\nوأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا. وإن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه (^١).\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \" بخلاف الاعتماد على نفي النقص والعيب، ونحو ذلك مما هو ﷾ مقدس عنه، فإن هذه طريقة صحيحة.\nوكذلك إذا أُثبت له صفات الكمال، ونُفي مماثلة غيره له فيها، فإن هذا نفي المماثلة فيما هو مستحق له، وهذا حقيقة التوحيد، وهو أن لا يشركه شيء من الأشياء فيما هو من خصائصه. وكل صفة من صفات الكمال فهو متصف بها على وجه لا يماثله فيه أحد، ولهذا كان مذهب سلف الأمة وأئمتها إثبات ما وصف به نفسه من الصفات، ونفي مماثلته لشيء من المخلوقات\".\nالشرح\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وطريقة سلف الأمة وأئمتها: أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل، إثبات الصفات، ونفي مماثلة المخلوقات، قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ فهذا رد على الممثلة ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١ [رد على المعطلة.\nفقولهم في الصفات مبني على أصلين:\n_________\n(^١) شرح الطحاوية (ص ١٠٤) بتصرف.","vol":"2","page":893},{"text":"أحدهما: أن الله ﷾ منزه عن صفات النقص مطلقًا كالسنة والنوم والعجز والجهل وغير ذلك.\nوالثاني: أنه متصف بصفات الكمال التي لا نقص فيها على وجه الاختصاص بما له من الصفات، فلا يماثله شيء من المخلوقات في شيء من الصفات\" (^١).\nفأهل السنة: يعتقدون أن ما اتصف الله به من الصفات لا يماثله فيها أحد من خلقه، فإذا ورد النص بصفة من صفات الله تعالى في الكتاب أو السنة فيجبب الإيمان به والاعتقاد الجازم بأن ذلك الوصف بالغ من غايات الكمال والشرف والعلو مما يقطع جميع علائق أوهام المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فالشر كل الشر في عدم تعظيم الله، وأن يسبق في ذهن الإنسان أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فعلى القلب المؤمن المصدق بصفات الله التي تمدح بها أو أثنى عليه بها نبيه ﷺ، أن يكون معظمًا لله جل وعلا غير متنجس بأقذار التشبيه، لتكون أرض قلبه طيبة طاهرة قابلة للإيمان بالصفات على أساس التنزيه، أخذا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى الآية: ١١ (^٢).\nأما أهل التعطيل: فإنهم لم يفهموا من أسماء الله وصفاته إلا ما هو اللائق بالمخلوق، ثم شرعوا في نفي تلك المفهومات التي لا وجود لها إلا في أفهامهم الفاسدة، فعقيدة هؤلاء المعطلة جمعت بين التمثيل والتعطيل، وهذا الشر إنما جاء من تنجس قلوبهم وتدنسها بأقذار التشبيه، فإذا سمعوا صفة من صفات الكمال التي أثنى الله بها على نفسه كاستوائه على عرشه ومجيئه يوم القيامة وغير ذلك من صفات الجلال والكمال، فإن أول ما يخطر في أذهانهم أن هذه الصفة تشبه صفات الخلق،\n_________\n(^١) منهاج السنة ٢/ ٥٢٣\n(^٢) انظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص ٢١ - ٢٢","vol":"2","page":894},{"text":"فيتلطخ القلب بأقذار التشبيه لم يقدر الله حق قدره ولم يعظم الله حق عظمته حيث سبق إلى ذهنه أن صفة الخالق تشبه صفة المخلوق، فيكون أولًا نجس القلب بأقذار التشبيه ثم دعاه ذلك إلى أن ينفي صفة الخالق جلَّ وعلا عنه بادعاء أنها تشبه صفات المخلوق، فيكون فيها أولًا مشبهًا، وثانيًا معطلًا ضالاًّ ابتداءً وانتهاءً متهجمًا على رب العالمين ينفي صفاته عنه بادعاء أن تلك الصفة لا تليق (^١).\nولضرب مثال على ذلك عند المعطلة فإن نفاة الصفات الاختيارية من الكلابية وقدماء الأشاعرة ومن وافقهم يقولون: \"إن الله هو الموصوف بالصفات، لكن ليست الصفات أعراضًا، إذ هي قديمة أزلية\" (^٢).\nوحجتهم في منع قيام الحوادث بذات الله تعالى أنهم يقولون: \"إن كل ما صح قيامه بالباري تعالى فإما أن يكون صفة كمال أو لا يكون فإن كان صفة كمال استحال أن يكون حادثًا، وإلا كانت ذاته قبل اتصافه بتلك الصفة خالية من صفة الكمال، والخالي من الكمال الذي هو ممكن الاتصاف به ناقص، والنقص على الله محال بإجماع الأمة.\nوإن لم يكن صفة كمال استحال اتصاف الباري بها لأن إجماع الأمة على أن صفات الباري بأسرها صفات كمال، فإثبات صفة لا من صفات الكمال خرق للإجماع وهو أمر غير جائز\" (^٣).\nالرد عليهم:\nلقد اعتمد أصحاب هذا القول في منعهم للصفات الاختيارية على حجة منع قيام\n_________\n(^١) انظر: منهج ودراسات لآيات الأسماء والصفات ص ١٩ - ٢٠\n(^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦).\n(^٣) انظر كتاب ابن تيمية السلفي (ص ١٣٠).","vol":"2","page":895},{"text":"الحوادث بذاته تعالى، وهي حجة واهية وقد رد عليها شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: \"إن المقدمة التي اعتمد عليها هؤلاء وهي قولهم: إن الخالي من الكمال الذي يمكن الاتصاف به ناقص.\nفيقال لهم: معلوم أن الحوادث المتعاقبة لا يمكن الاتصاف بها في الأزل، كما لا يمكن وجودها في الأزل، وعلى هذا فالخلو عنه في الأزل لا يكون خلوًا عما يمكن الاتصاف به في الأزل.\nثم إنه لم يثبت امتناع ما ذكر من النقص بدليل عقلي ولا بنص من كتاب ولا سنة، بل بما ادعوه من إجماع، وإذًا فمعلوم أن المنازعين في اتصافه بذلك هم من أهل الإجماع فكيف يحتج بالإجماع في مسألة النزاع.\nوقولهم بإجماع الأمة على أن صفاته صفات كمال، فإن قصد بذلك صفاته اللازمة لم يكن في هذا حجة لهم، وإن قصد بذلك ما يحدث بمشيئته وقدرته لم يكن هذا إجماعًا فإن أهل الكلام يقولون إن صفة الفعل ليست صفة كمال ولا نقص والله موصوف بها بعد أن لم يكن موصوفًا.\nثم إن هذا الإجماع الذي ادعوه حجة عليهم فإنا إذا عرضنا على العقول موجودين: أحدهما يمكنه أن يتكلم ويفعل بمشيئته كلامًا وفعلًا، والآخر لا يمكنه ذلك، بل لا يكون كلامه إلا غير مقدور ولا مراد أو يكون بائنًا عنه، لكانت العقول تقضي بأن الأول أكمل من الثاني.\nوكذلك إذا عرضنا على العقول موجودين من المخلوقين أو مطلقًا أحدهما يقدر على الذهاب والمجيء والتصرف بنفسه والآخر لا يمكنه ذلك لكانت العقول تقصي بأن الأول أكمل، فنفس ما به يعلم أن اتصافه بالحياة والقدرة صفات كمال، به يعلم أن اتصافه بالأفعال والأقوال الاختيارية التي تقوم به والتي يفعل بها المفعولات","vol":"2","page":896},{"text":"المباينة له صفات كمال\" (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"كل تنزيه مدح فيه الرب ففيه إثبات، فلهذا كان قول «سبحان الله» متضمنًا تنزيه الرب وتعظيمه، ففيها تنزيهه من العيوب والنقائص، وفيها تعظيمه ﷾\" (^٢)\n_________\n(^١) الموافقة بين صريح العقل وصحيح النقل (٢/ ٧٣ - ١٧٥)، ط: دار الكتب.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٧/ ١١٢","vol":"2","page":897},{"text":"<span data-type='title' id=toc-346>من نفى اشتراك الموجودات في المعنى العام لزمه التعطيل المحض</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"فإن قيل: إن الشيء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك الوجه، ووجب له ما وجب له، وامتنع عليه ما امتنع عليه.\nقيل: هب أن الأمر كذلك، ولكن إذا كان ذلك القدر المشترك لا يستلزم إثبات ما يمتنع على الرب ﷾، ولا نفي ما يستحقه لم يكن ممتنعًا؛ كما إذا قيل: إنه موجود حي عليم سميع بصير وقد سمى بعض المخلوقات حيًا عليمًا سميعًا بصيرًا، فإذا قيل: يلزم أن يجوز عليه ما يجوز على ذلك من جهة كونه موجودًا حيًا عليما سميعًا بصيرًا. قيل لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعًا على الرب تعالى؛ فإن ذلك لا يقتضي حدوثًا، ولا إمكانًا، ولا نقصًا، ولا شيئًا مما ينافي صفات الربوبية.\nوذلك أن القدر المشترك هو مسمى «الوجود» أو «الموجود»، أو «الحياة» أو «الحي»، أو «العلم» أو «العليم»، أو «السمع» و«البصر» أو «السميع» و«البصير»، أو «القدرة» أو «القدير»، والقدر المشترك مطلق كليّ لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدَث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه.\nفإذا كان القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمال: كالوجود والحياة والعلم والقدرة، ولم يكن في ذلك ما يدل على شيء من خصائص المخلوقين، كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق- لم يكن في إثبات هذا محذور أصلا، بل إثبات هذا من لوازم الوجود، فكل موجودَين لا بد بينهما من مثل هذا، ومن نفى هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود\".","vol":"2","page":898},{"text":"الشرح\nسبق الحديث عن مسألة القدر المشترك بشكل موسع ومفصل يتناول هذه المسألة من جميع جوانبها.\nوالمصنف يستدل هنا بهذه المسألة في معرض رده على شبهة المعطلة الذين يقولون \"إن الشيء إذا شابه غيره من وجه جاز عليه ما يجوز عليه من ذلك الوجه، ووجب له ما وجب له، وامتنع عليه ما امتنع عليه\".\nفيقول المصنف لو سلم لكم جدلًا أن هذا هو تعريف التماثل، فإن جماهير العقلاء يعلمون أنه ما من شيئين إلا وبينهما قدر مشترك، ونفس ذلك القدر المشترك ليس هو نفس التمثيل والتشبيه الذي قام الدليل العقلي والسمعي على نفيه، وإنما التشبيه الذي قام الدليل على نفيه ما يستلزم ثبوت شيء من خصائص المخلوقين لله﷾إذ هو-سبحانه-ليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله\" (^١).، وشبه الشيء بالشيء يكون لمشابهته له من بعض الوجوه، وذلك لا يقتضي التماثل الذي يوجب أن يشتركا فيما يجب ويجوز ويمتنع. وإذا قيل هذا حي عليم قدير، وهذا حي عليم قدير، فتشابها في مسمى الحي والعليم والقدير، لم يوجب ذلك أن يكون هذا المسمى مماثلًا لهذا المسمى من كل وجه، بل هنا ثلاثة أشياء:\nأحدها: القدر المشترك الذي تشابها فيه، وهو معنى كلي لا يختص به أحدهما، ولا يوجد كليًّا عامًّا إلا في علم العالم (^٢)\nالثاني: ما يختص به هذا، كما يختص الرب بما يقوم به من الحياة والعلم والقدرة.\n_________\n(^١) درء التعارض، جـ ٥ ص ٢٢٧.\n(^٢) أي في الذهن وليس في الخارج","vol":"2","page":899},{"text":"الثالث: ما يختص به ذاك، كما يختص به العبد، من الحياة والعلم والقدرة، فما اختص به الرب﷿لا يشركه فيه العبد، ولا يجوز عليه شيء من النقائص التي تجوز على صفات العبد، وما يختص به العبد لا يشركه فيه الرب، ولا يستحق شيئًا من صفات الكمال التي يختص بها الرب﷿-. وأما القدر المشترك كالمعنى الكلي الثابت في ذهن الإنسان، فهذا لا يستلزم خصائص الخالق ولا خصائص المخلوق، فالاشتراك فيه لا محذور فيه\". (^١)\nوأعطى المصنف عدة أمثلة فقال: \"كما إذا قيل: إنه موجود حي عليم سميع بصير وقد سمى بعض المخلوقات حيًا عليمًا سميعًا بصيرًا\".\nوبين المصنف أن القدر المشترك بين الخالق والمخلوق في هذه الصفات التي أطلقت على الخالق والمخلوق الذي تشابها فيه، هو معنى كلي لا يختص به أحدهما وبالتالي \"قيل لازم هذا القدر المشترك ليس ممتنعًا على الرب تعالى\"\nفباعتبار أن هذا الإطلاق هو معنى كلي يشترك فيه الخالق والمخلوق \"فإن ذلك لا يقتضي حدوثًا، ولا إمكانًا، ولا نقصًا، ولا شيئًا مما ينافي صفات الربوبية\".\nفيجب الأخذ بالاعتبار أن \"القدر المشترك مطلق كليّ لا يختص بأحدهما دون الآخر\"\nوبالتالي \"فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدَث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه\".\nوأعاد المصنف ذكر الأمثلة التي سبق إيرادها وبين أنه إذا أخذ هذا الاعتبار بالحسبان فإن \"القدر المشترك الذي اشتركا فيه صفة كمال: كالوجود والحياة والعلم والقدرة\" في حال الإطلاق وعدم التخصيص بالخالق أو المخلوق \"لم يكن في ذلك ما يدل على شيء من خصائص المخلوقين، كما لا يدل على شيء من خصائص الخالق\"\nفعلى الأخذ بالقدر المشترك \"لم يكن في\n_________\n(^١) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: ٣/ ٤٤٠.","vol":"2","page":900},{"text":"إثبات هذا محذور أصلا، بل إثبات هذا من لوازم الوجود، فكل موجودَين لا بد بينهما من مثل هذا، ومن نفى هذا لزمه تعطيل وجود كل موجود\".\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"ولهذا لما اطَّلع الأئمة على أن هذا حقيقة قول الجهمية سموهم معطِّلة، وكان جهم ينكر أن يسمّى الله شيئًا، وربما قالت الجهمية: هو شيء لا كالأشياء، فإذا نفى القدر المشترك مطلقًا لزم التعطيل التام.\nوالمعاني التي يوصف بها الرب ﷾، كالحياة والعلم والقدرة، بل الوجود والثبوت والحقيقة ونحو ذلك، تجب له لوازمها؛ فإن ثبوت الملزوم يقتضي ثبوت اللازم، وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم ذلك أصلا، بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوق من وجود وحياة وعلم ونحو ذلك، والله ﷾ منزه عن خصائص المخلوق وملزومات خصائصه\".\nالشرح\nأي أن نفي القدر المشترك هو الذي أدى بالمعطلة إلى القول بنفي الصفات كما قال المصنف \"فإذا نفى القدر المشترك مطلقًا لزم التعطيل التام\".\nوبين المصنف أن هذه الألفاظ في حال إضافتها إلى الله واختصاصه بها تثبت لها جميع لوازمها فقال: \"والمعاني التي يوصف بها الرب ﷾، كالحياة والعلم والقدرة، بل الوجود والثبوت والحقيقة ونحو ذلك، تجب له لوازمها؛ فإن ثبوت الملزوم","vol":"2","page":901},{"text":"يقتضي ثبوت اللازم\".\nوأن ما اختص به المخلوق في حال إضافة تلك الصفات إليه يجب تنزيه الرب ﷿ عنها كما قال المصنف هنا: \"وخصائص المخلوق التي يجب تنزيه الرب عنها ليست من لوازم ذلك أصلا، بل تلك من لوازم ما يختص بالمخلوق من وجود وحياة وعلم ونحو ذلك، والله ﷾ منزه عن خصائص المخلوق وملزومات خصائصه\".\nفهي من جهة تختص بالمخلوق ومن جهة أخرى الله منزه عنها، ومثال ذلك صفة الحياة إذا أضيفت إلى المخلوق فإنها مسبوقة بعدم ويلحقها الزوال ويعتريها النقص من كل وجه، فكل هذه الخصائص لحياة المخلوق الله ﷿ منزه عنها فحياة الله لم يسبقها عدم ولا يلحقها زوال ولا يعتريها النقص بأي وجه من الوجوه.\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وهذا الموضع من فهمه فهمًا جيدًا وتدبره، زالت عنه عامة الشبهات، وانكشف له غلط كثير من الأذكياء في هذا المقام، وقد بسط هذا في مواضع كثيرة، وبُيِّن فيها أن القدر المشترك الكلي لا يوجد في الخارج إلا معيَّنًا مقيَّدًا، وأن معنى اشتراك الموجودات في أمر من الأمور هو تشابهها من ذلك الوجه، وأن ذلك المعنى العام يطلق على هذا وهذا، لا أن الموجودات في الخارج يشارك أحدهما الآخر في شيء موجود فيه، بل كل موجود متميّز عن غيره بذاته وصفاته وأفعاله\".\nالشرح\nيجدر التنبيه إلى أن علماء أهل السنة قرروا الحقائق الآتية:\nأولًا: أن القدر المشترك يراد به: ما تشترك فيه الموجودات من: معاني، ذهنية، كلية، مطلقة","vol":"2","page":902},{"text":"فما من مسميين إلا وبينهما:\n• قدر مشترك.\n• وقدر مميز.\nثانيًا: أن نعلم أن المعنى العام لا يقتضي تماثلًا من كل وجه.\nوذلك أن لكل ماهيتين:\n• معنى عامًا اشتركا فيه.\n• ومعنى خاصًا افترقا فيه.\n• فالمعنى العام: الذي اشتركا فيه هو (القدر المشترك) الذي لا يقتضي تماثلا من كل وجه.\n• والمعنى الخاص: وحين تكون الخصائص والإضافات تتمايز هاتان الماهيتان وهو (القدر المميز).\nثالثًا: أن الكليات التي يتفق فيها الشيئان إنما هي في الأذهان لا في الأعيان.\nفليس في الموجودات الخارجية اثنان اشتركا في شيء فضلا عن أن يكون الخالق تعالى مشاركا لغيره في شيء من الأشياء ﷾\" (^١).\nفالمقصود بالقدر المشترك هو المعنى العام الكلي المقدر في الذهن.\nومثال ذلك: لفظ أو مسمى \"الوجود\" فهذا اللفظ يطلق على الخالق والمخلوق فيقال الله موجود والمخلوق موجود.\nولكن هذا الإطلاق أو هذا القدر المشترك هو في الوجود الذهني فقط لا في الوجود العياني أو الخارجي.\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٨٣)","vol":"2","page":903},{"text":"يقول ابن قدامة ﵀: \" والرجل له وجود في:\n• الأعيان،\n• والأذهان،\n• واللسان.\n• فوجوده في الأعيان لا عموم له إذ ليس في الوجود رجل مطلق بل إما زيد وإما عمرو.\n• وأما وجوده في اللسان فلفظة (الرجل) قد وضعت للدلالة عليه.\n• وأما الذي في الأذهان من معنى الرجل فيسمى كليا، فإن العقل يأخذ من مشاهدة زيد: حقيقة الإنسان وحقيقة الرجل، فإن رأى عمرا لم يأخذ منه صورة أخرى، وكان ما أخذه من قبل نسبته إلى عمرو الحارث كنسبته إلى زيد الذي عهده أولا … \" (^١).\nقال شيخ الإسلام ﵀: \"والقدر المشترك كلي لا يختص بأحدهما دون الآخر، فلم يقع بينهما اشتراك لا فيما يختص بالممكن المحدث، ولا فيما يختص بالواجب القديم، فإن ما يختص به أحدهما يمتنع اشتراكهما فيه .. \" (^٢).\nرابعًا: \"أن من قال: إنه يوجد في الخارج كليا، فقد غلط.\nفإن الكلي لا يكون كليا قط إلا في الأذهان لا في الأعيان، وليس في الخارج إلا شيء معين، إذا تصور منع نفس تصوره من وقوع الشركة فيه، ولكن العقل يأخذ القدر المشترك الكلي بين المعينات، فيكون كليا مشتركا في الأذهان\" (^٣).\n_________\n(^١) روضة الناظر لابن قدامة: ٢/ ٥ - ٦، ت: النملة.\n(^٢) التدمرية: ١٢٥ - ١٢٩.\n(^٣) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٤/ ٣٠٨)","vol":"2","page":904},{"text":"خامسًا: \"ما كان لازما لهذا المعنى العام كان لازما للموصوف به، وهذا لا محذور فيه، بل هو حق.\nومثاله الذي يوضحه:\n• إذا كان الخالق (موجودا) والمخلوق (موجودا).\n• أو هذا (قائم بنفسه)، وهذا (قائم بنفسه).\n• أو قيل: هذا (حي عليم رحيم)، وقيل: (هذا حي عليم رحيم).\nكان القدر العام الكلي المتفق هو: مسمى (الوجود) و(القيام بالنفس) و(الحياة) و(العلم) و(الرحمة) أو مسمى أنه (موجود) (قائم بنفسه) (حي) (عالم) (رحيم).\nوهذا المعنى العام ليس من لوازمه ما ينفى عن الله، بل لوازمه كلها صفات كمال يوصف الله بها.\no  وإنما يكون لوازمه صفة نقص إذا قيّد بالعبد فقيل: وجود العبد وعلم العبد ورحمة العبد، فالنقص يلزمه إذا كان مقيدا مختصا بالعبد، والله منزه عما يختص به العبد.\no  وأما إذا:\n- اتصف الرب به.\n- أو أُخذ مطلقا غير مختص بالعبد.\nففي هذين الحالين لا يلزمه شيء من النقائص أصلا، فتبين أن إثبات القدر العام المتفق عليه لا محذور فيه أصلا (^١) \".\nخامسًا: أن المقصود بالقدر المميز: أن بين الموجودين في الوجود الخارجي\n_________\n(^١) الصفدية (٢/ ٩).","vol":"2","page":905},{"text":"قدر مميز وفارق بينهما، وعليه فإن لله وجودًا يختص به وللمخلوق وجود يختص به.\n• فأما وجود الله فمعلوم أن الله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا صفاته ولا أفعاله، فلا يجوز أن يثبت له شيء من خصائص المخلوقين ولا يمثل بها.\n• وهكذا الشأن في وجود المخلوق العياني فلا أن يثبت لشيء من الموجودات مثل شيء من صفاته ولا مشابهة في شيء من خصائصه، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا.\nوإذا كان المثل هو الموافق لغيره فيما يجب ويجوز ويمتنع، فهو سبحانه لا يشاركه شيء فيما يجب له ويمتنع عليه ويجوز له.\nبل إن المخلوق لا يشارك مخلوقا في شيء من صفاته، فكيف يكون للخالق شريك في ذلك، لكن المخلوق قد يكون له من يماثله في صفاته، والله تعالى لا مثل له أصلا.\n• وأما ما يتقدس الرب تعالى ويتنزه عنه من النقائص والآفات فهي ليست من لوازم ما يختص به، ولا من لوازم القدر المشترك الكلي المطلق أصلا، بل هي من خصائص المخلوقات الناقصة، والله تعالى منزه عن كل نقص وعيب \" (^١).\nسادسًا: أنه \"ليس في الموجودات الخارجية اثنان اشتركا في شيء فضلا عن أن يكون الخالق تعالى مشاركا لغيره في شيء من الأشياء ﷾\" (^٢).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ٨٣ - ٨٥) بتصرف.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٨٣)","vol":"2","page":906},{"text":"<span data-type='title' id=toc-347>الأشاعرة يجمعون بين الأمرين المتناقضين</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"ولما كان الأمر كذلك كان كثير من الناس يتناقض في هذا المقام، فتارة يظن أن إثبات القدر المشترك يوجب التشبيه الباطل، فيجعل ذلك له حجة فيما يظن نفيه من الصفات، حذرًا من ملزومات التشبيه؛ وتارة يتفطن أنه لا بد من إثبات هذا على كل تقدير، فيجيب به فيما يثبته من الصفات لمن احتج به من النفاة\".\nالشرح\nوأصل الخطأ والغلط توهمهم أن هذه الأسماء العامة الكلية يكون مسماها المطلق الكلي هو بعينه ثابتًا في هذا المعين وليس كذلك، فإن ما يوجد في الخارج لا يوجد مطلقًا كليًا، بل لا يوجد إلا معينًا مختصًا، وهذه الأسماء إذا سمي الله بها كان مسماها معينًا مختصًا به.\nفإذا سمي بها العبد كان مسماها مختصًا به، فوجود الله وحياته لا يشاركه فيها غيره، بل وجود هذا الموجود المعين لا يشاركه فيه غيره، فكيف بوجود الخالق.\nوبهذا ومثله يتبين لك أن المشبهة أخذوا هذا المعنى فزادوا فيه على الحق فضلوا.\nوأن المعطلة أخذوا نفي المماثلة بوجه من الوجوه وزادوا فيه على الحق حتى ضلوا. وإن كتاب الله دل على الحق المحض الذي تعقله العقول السليمة الصحيحة، وهو الحق المعتدل الذي لا انحراف فيه (^١).\n_________\n(^١) شرح الطحاوية (ص ١٠٤) بتصرف.","vol":"2","page":907},{"text":"<span data-type='title' id=toc-348>اضطراب أساطين الكلام في المسائل الخمس</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"ولكثرة الاشتباه في هذا المقام وقعت الشبهة في أن وجود الرب هل هو عين ماهيته، أو زائد على ماهيته؛ وهل لفظ «الوجود» مقول بالاشتراك اللفظي، أو بالتواطئ، أو التشكيك، كما وقع الاشتباه في إثبات الأحوال ونفيها، وفي أن المعدوم هل هو شيء أم لا؟، وفي وجود الموجودات هل هو زائد على ماهيتها أم لا؟.\nوقد كثر من أئمة النُظَّار الاضطراب والتناقض في هذه المقامات، فتارة يقول أحدهم القولين المتناقضين، ويحكى عن الناس مقالات ما قالوها، وتارة يبقى في الشك والتحير، وقد بسطنا من الكلام في هذه المقامات، وما وقع من الاشتباه والغلط والحيرة فيها لأئمة الكلام والفلسفة، ما لا تتسع له هذه الجمل المختصرة.\nوبيَّنا أن الصواب هو أن وجود كل شيء في الخارج هو ماهيته الموجودة في الخارج، بخلاف الماهية التي في الذهن فإنها مغايرة للموجود في الخارج، وأن لفظ «الوجود» كلفظ «الذات» و«الشيء» و«الماهية» و«الحقيقة» ونحو ذلك، وهذه الألفاظ كلها متواطئة، وإذا قيل: إنها مشكِّكة، لتفاضل معانيها، فالمشكِّك نوع من المتواطئ العام الذي يراعى فيه دلالة اللفظ على القدر المشترك، سواء كان المعنى متفاضلا في موارده، أو متماثلًا.\nوبيَّنا أن المعدوم شيء أيضًا في العلم والذهن، لا في الخارج، فلا فرق بين الثبوت والوجود، لكن الفرق ثابت بين الوجود العلمي والعيني، مع أن ما في العلم ليس هو الحقيقة الموجودة، ولكن هو العلم التابع للعالم القائم به.","vol":"2","page":908},{"text":"وكذلك الأحوال التي تتماثل فيها الموجودات وتختلف، لها وجود في الأذهان، وليس في الأعيان إلا الأعيان الموجودة، وصفاتها القائمة بها المعيَّنة، فتتشابه بذلك وتختلف به.\nوأما هذه الجمل المختصرة فإن المقصود بها التنبيه على جمل مختصرة جامعة، من فهمها عَلِمَ قدر نفعها، وانفتح له باب الهدى، وإمكان إغلاق باب الضلال، ثم بسطها وشرحها له مقام آخر، إذ لكل مقام مقال.\nوالمقصود هنا أن الاعتماد على مثل هذه الحجة فيما يُنفى عن الرب، وينزَّه عنه- كما يفعله كثير من المصنفين- خطأ لمن تدبَّر ذلك، وهذا من طرق النفي الباطلة\".\nالشرح\nتحدث المصنف عن عدد من المصطلحات المستعملة في هذه المسألة والتي ترتبط بالنقاش الدائر فيها، وكان حديثه فيه شيء من الإجمال لأنه قد تناول هذه المسائل في مواطن أخرى في غير هذه الرسالة، وإنما أراد هنا الإشارة للخلاف الحاصل فيها، وقد سبق شرح مسألة القدر والمشترك من جوانبها الاصطلاحية واللغوية والشرعية\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"فصل: وأفسد من ذلك ما يسلكه نفاة الصفات أو بعضها، إذا أرادوا أن ينزهوه عما يجب تنزيهه عنه مما هو من أعظم الكفر، مثل أن يريدوا تنزيهه عن الحزن والبكاء ونحو ذلك، ويريدون الرد على اليهود الذين يقولون: إنه بكى على الطوفان حتى رمد وعادته الملائكة، والذين يقولون بإلهية بعض البشر، وأنه الله.","vol":"2","page":909},{"text":"فإن كثيرًا من الناس يحتج على هؤلاء بنفي التجسيم أو التحيز ونحو ذلك، ويقولون: لو اتصف بهذه النقائص والآفات لكان جسمًا أو متحيزًا، وذلك ممتنع.\nوبسلوكهم مثل هذه الطريق استظهر عليهم الملاحدة، نفاة الأسماء والصفات، فإن هذه الطريق لا يحصل بها المقصود لوجوه:\nأحدها- أن وصف الله تعالى بهذه النقائص والآفات أظهر فسادًا في العقل والدين من نفي التحيز والتجسيم، فإن هذا فيه من الاشتباه والنزاع والخفاء ما ليس في ذلك، وكفر صاحب ذلك معلوم بالضرورة من دين الإسلام، والدليل معرِّف للمدلول، ومبين له، فلا يجوز أن يُستدل على الأظهر الأبين بالأخفى، كما لا يُفعل مثل ذلك في الحدود.\nالوجه الثاني- أن هؤلاء الذين يصفونه بهذه الآفات يمكنهم أن يقولوا: نحن لا نقول بالتجسيم والتحيز، كما يقوله من يثبت الصفات وينفي التجسيم، فيصير نزاعهم مثل نزاع مثبتة صفات الكمال، فيصير كلام من وصف الله بصفات الكمال وصفات النقص واحدًا، ويبقى رد النفاة على الطائفتين بطريق واحد، وهذا في غاية الفساد.\nالثالث- أن هؤلاء ينفون صفات الكمال بمثل هذه الطريقة، واتصافه بصفات الكمال واجب، ثابت بالعقل والسمع، فيكون ذلك دليلا على فساد هذه الطريقة.\nالرابع- أن سالكي هذه الطريقة متناقضون، فكل من أثبت شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، كما أن كل من نفى شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي، فمثبتة الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر، إذا قالت لهم النفاة كالمعتزلة: هذا تجسيم، لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بالجسم، فإنا لا نعرف موصوفًا بالصفات إلا جسمًا- قالت لهم المثبتة: وأنتم قد","vol":"2","page":910},{"text":"قلتم: إنه حي عليم قدير، وقلتم: ليس بجسم، وأنتم لا تعلمون موجودًا حيًا عالما قادرًا إلا جسمًا، فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم، فكذلك نحن، وقالوا لهم: أنتم أثبتم حيًّا عالما قادرًا، بلا حياة ولا علم ولا قدرة، وهذا تناقض يُعلم بضرورة العقل\".\nالشرح\nبين المصنف فساد الطريق الذي سلكه أهل الكلام باستخدامهم ما يسمى حجة التركيب أو حجة عدم قيام الحوادث.\nوبين المصنف فساد هذا الاحتجاج من وجوه:\nالوجه الأول: أن أهل التعطيل يحتجون على ما هو واضح بما هو خفي، ومن المعلوم أن الدليل معرف للمدلول ومبين له فلا يعقل أن يكون الدليل خفيًا والمدلول واضح.\nوهنا رام أهل الكلام تنزيه الله عن النقائص كالمرض والحزن والبكاء ونحوها وهو المدلول بدليل نفي التجسيم، ونفي التجسيم أخفي عند عامة العقلاء من نفي هذه النقائص. وكما قال المصنف: \"فلا يجوز أن يُستدل على الأظهر الأبين بالأخفى\".\nوكذلك في الحدود والتعريفات يجب أن يكون التعريف أو حد الشيء واضحا لكي يدل على الشيء المعرف، فلا يحسن تعريف الخمر بالعقار (^١)، باعتبار أن إطلاق لفظ العقار لا يعرفه كل أحد كما يعرف الناس الخمر باسمها الذي هو أشهر وأظهر وأعرف. فكذلك الحال لا يحسن إثبات تنزيه الله عن النقائص ببرهان نفي\n_________\n(^١) العقار بالضم الخمر، انظر القاموس المحيط: ص ٠٧٠","vol":"2","page":911},{"text":"التجسيم.\nوالوجه الثاني: أن هؤلاء المستدلين بنفي الصفات بحجة نفي التجسيم هم أمام فريقين:\nالفريق الأول: القائلين بوصف الله بتلك النقائص، وهؤلاء قد يحتجون على هؤلاء بقولهم نحن لا نقول بما نصفه من النقائص بالتجسيم والتحيز.\nوالفريق الثاني: أهل السنة المثبتة الكمال لله فإنهم يقولون ببطلان الملازمة وأن إثبات صفات الكمال لايقتضي تجسيما.\nفيصبح نزاع الفريق الأول الذين يصفونه بالنقص مثل نزاع مع مثبتة الكمال من أهل السنة، والأولون مبطلون وأهل السنة محقون\nوكون رد من سلك مسلك نفي التجسيم في إثبات التنزيه على كلا الطائفتين المحقة والمبطلة واحد هذا في غاية الفساد أن يكون طريق الاستدلال على التنزيه يستوي فيه النقض على الحق وعلى الباطل. فهذا من أفسد مسالك الرد على المخالف.\nالوجه الثالث: أن هؤلاء الذين سلكوا مسلك التنزيه بدليل نفي التجسيم، قاموا في ذات الوقت بنفي صفات الكمال لله ﷿ بنفس هذا الدليل، ومعلوم أن صفات الكمال لله ﷿ واجبة لله بالأدلة العقلية والسمعية.\nفهذه النتيجة التي توصلوا إليها بنفي صفات الكمال هي دليل واضح على فساد استدلالهم بدليل حدوث الأجسام.\nوالوجه الرابع: أن هذا الدليل يستدل به كل من نفاة الصفات من المعتزلة ومن وافقهم، ويستدل به كذلك نفاة بعض الصفات من متكلمة الصفاتية، وهؤلاء متناقضون فيما بينهم، والفرق بين الاثنين من حيث موقف كل واحد منهم في","vol":"2","page":912},{"text":"الصفات. وشرح هذا الوجه يتبين بثلاثة أمور:\nالأمر الأول: موقف الفريقين من الصفات عمومًا.\nوأما موقف المعتزلة ومن وافقهم:\nفالمعتزلة يرون امتناع قيام الصفات به، لاعتقادهم أن الصفات أعراض، وأن قيام العرض به يقتضي حدوثه، فردوا جميع ما يضاف إلى الله إلى إضافة خلق، أو إضافة وصف من غير قيام معنى به (^١) لأنهم يقولون إنما الصفات مجرد العبارة التي يعبر بها عن الموصوف، وينفون أن يكون لله وصف قائم به علم أو قدرة أو إرادة أو كلام (^٢)\nوأما موقف الكلابية ومن اتبعهم من الصفاتية: فيفرقون بين الوصف والصفة\nفيجعلون الوصف: هو القول\nويجعلون الصفة: المعنى القائم بالموصوف (^٣)\nفقالوا: إن الوصف الذي هو القول يراد به الأفعال، وزعموا أنها لا تقوم به، والصفة: هي الصفات اللازمة القائمة بالذات\nفظنوا أن هناك نوعين مختلفين من الصفات:\nأحدهما: قائم بالذات لازم لها، كصفات المعاني السبعة التي هي العلم، والقدرة، والإرادة، والحياة، والسمع، والبصر، والكلام\nوالثاني: صفات أفعال لا تقوم عندهم بالذات، بل هي نسب إضافية عدمية تنشأ من إضافة المفعول لفاعله، ولا يعقل لها وجود إلا بتلك الإضافة، فوجودها أمر\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٧، ١٤٨\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٣٥\n(^٣) مجموع الفتاوى ٣/ ٣٣٥.","vol":"2","page":913},{"text":"سلبي، وليس لها وجود في نفسها، فليس ثمت عندهم موجود إلا المفعولات، وأما الأفعال فنسب وإضافات (^١).\nالأمر الثاني: أن كلا الفريقين يستدل بنفس الدليل ولكن لكل واحد منهما فهمه الخاص.\nوالفرق بينهما\nأن المعتزلة تقول: (لا تحله الأعراض والحوادث) فالمعتزلة لا يريدون [بالأعراض] الأمراض والآفات فقط، بل يريدون بذلك الصفات. ولا يريدون [بالحوادث] المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك -مما يريده الناس بلفظ الحوادث- بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه.\nولكن ابن كلاب ومن وافقه خالفوا المعتزلة في قولهم: \"لا تقوم به الأعراض\" وقالوا: \"تقوم به الصفات ولكن لا تسمى أعراضًا\".\nووافقوا المعتزلة على ما أرادوا بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته (^٢).\nففرقوا بين الأعراض -أي الصفات- والحوادث -أي الأمور المتعلقة بالمشيئة (^٣) (^٤).\n_________\n(^١) - شرح القصيدة النونية للهراس ٢/ ١٢٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٠، ٥٢١).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٥).\n(^٤) تتميمًا للفائدة فإن الخلاف في هذه المسألة على أربعة أقوال:\n١ - قول المعتزلة ومن وافقهم: إن الله لا يقوم به صفة ولا أمر يتعلق بمشيئته واختياره وهو قولهم: (لا تحله الأعراض ولا الحوادث).\n٢ - قول الكلابية ومن وافقهم: التفريق بين الصفات والأفعال الاختيارية فأثبتوا الصفات، ومنعوا أن يقوم به أمر يتعلق بمشيئته وقدرته لا فعل ولا غير فعل.\n٣ - قول الكرامية، ومن وافقهم: يثبتون الصفات ويثبتون أن الله تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأنه يصير موصوفا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا: لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها، فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.\n٤ - قول أهل السنة والجماعة: أثبتوا الصفات والأفعال الاختيارية وأن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة.\nوهذا هو الصحيح. مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٠، ٥٢٥).","vol":"2","page":914},{"text":"فالكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله (^١)، ويقولون: \"لو قامت به لكان محلًا للحوادث. والحادث إن أوجب له كمالًا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالًا لم يجز وصفه به (^٢).\nالأمر الثالث: شرح كلام المصنف.\nكل واحد من الفريقين عنده قدر من الإثبات وقدر من النفي، أما الإثبات فالمعتزلة يثبتون الأسماء، وأما الصفاتية فيثبتون بعض الصفات كصفة الحياة والسمع والبصر.\nوأما النفي فإن المعتزلة ومن وافقهم ينفون جميع الصفات، وأما متكلمة الصفاتية فينفون الصفات الاختيارية كما هو قول قدمائهم، أو ينفون جميع الصفات ما عدا الصفات السبع أو الثمان وهذا قول المتأخرين منهم.\nفكل واحد من الفريقين يحتج بنفس هذا الدليل على القدر الذي يثبته أو ينفيه\n_________\n(^١) الصفات الفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، أو التي تنفك عن الذات: كالاستواء، والنزول، والضحك، والإتيان، والمجيء، والغضب والفرح. مجموع الفتاوى (٦/ ٦٨، ٥/ ٤١٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٦/ ٦٩)، وانظر الرد على هذه الشبهة (٦/ ١٠٥).","vol":"2","page":915},{"text":"الآخر وهذا معنى قول المصنف: \"فكل من أثبت شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من الإثبات، كما أن كل من نفى شيئًا منهم ألزمه الآخر بما يوافقه فيه من النفي\"\nوأعطى المصنف مثالًا لذلك بكون متكلمة الصفاتية قد أثبتوا بعض الصفات فقال المصنف: \"فمثبتة الصفات كالحياة والعلم والقدرة والكلام والسمع والبصر\"\nفيحتج عليهم المعتزلة بما ذكره المصنف بقوله: \"إذا قالت لهم النفاة كالمعتزلة: هذا تجسيم، لأن هذه الصفات أعراض، والعرض لا يقوم إلا بالجسم، فإنا لا نعرف موصوفًا بالصفات إلا جسمًا\"\nفيجيب متكلمة الصفاتية على هذا الاعتراض بأن المعتزلة كذلك يثبتون الأسماء كالحي والعليم والقدير وتقولون إن إثباتها لا يستلزم الجسمية فكذلك نحن نقول بنفس قولكم أن إثبات تلك الصفات لا يستلزم أن يكون جسمًا وهذا ما أشار إليه المصنف بقوله: \"قالت لهم المثبتة: وأنتم قد قلتم: إنه حي عليم قدير، وقلتم: ليس بجسم، وأنتم لا تعلمون موجودًا حيًا عالما قادرًا إلا جسمًا، فقد أثبتموه على خلاف ما علمتم، فكذلك نحن، وقالوا لهم: أنتم أثبتم حيًّا عالما قادرًا، بلا حياة ولا علم ولا قدرة، وهذا تناقض يُعلم بضرورة العقل\".\nفإن كل من أثبت صفة ونفي أخرى مخالفا غيره فيما أثبت ونفى الزم كل منهما صاحبه فيما نفاه بعين ما يلزمه الآخر فيما يثبته لأن كليهما اعتمد على مسلك نفي التجسيم وهذا يكشف بطلان هذا المسلك إذ أصحابه متناقضون. إذ كل يعترض على صاحبه بما هو معارض به من قبل غيره.\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"ثم هؤلاء المثبتة إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب ويحب ويبغض، أو من وصفه بالاستواء والنزول والإتيان والمجيء، أو بالوجه واليد","vol":"2","page":916},{"text":"ونحو ذلك- إذا قالوا: هذا يقتضي التجسيم، لأنَّا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم، قالت لهم المثبتة: فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام، وهذا هكذا، فإن كان هذا لا يوصف به إلا الجسم فالآخر كذلك، وإن أمكن أن يوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك، فالتفريق بينهما تفريق بين المتماثلين.\nالشرح\nانتقل المصنف من اعتراض كل من المعتزلة ومتكلمة الصفاتية على بعضهم البعض على اعتبار أن كل واحد منهما يحمل قدرًا من النفي إلى شأن أخر وهو اعتراض أصحاب منهج السلف مع المتأخرين من الأشاعرة والماتريدية الذين ينفون ما عدا الصفات السبعة، على اعتبار أن كل واحد منهما يحمل قدرًا من الإثبات فأطلق على الفريقين مسمى (المثبتة).\nفمن المعلوم أن منهج السلف هو إثبات جميع الصفات بما فيها الصفات الاختيارية كصفة الرضا، والغضب، والحب، والبغض، والاستواء، والنزول، والإتيان، والمجيء.\nكما أنهم يثبتون الصفات الذاتية كالوجه، واليد، ونحو ذلك.\nفبدأ باعتراض المتأخرين من الأشاعرة ومعهم الماتريدية على أتباع منهج السلف فقال: \"ثم هؤلاء المثبتة\" ويعني بهم المتأخرين من الأشاعرة والماتريدية \"إذا قالوا لمن أثبت أنه يرضى ويغضب ويحب ويبغض، أو من وصفه بالاستواء والنزول والإتيان والمجيء، أو بالوجه واليد ونحو ذلك- إذا قالوا: هذا يقتضي التجسيم\".\nفهذا وجه اعتراضهم أن إثبات هذه الصفات يلزم منه التجسيم لأنهم على-حد","vol":"2","page":917},{"text":"زعمهم-يقولون: \"لأنَّا لا نعرف ما يوصف بذلك إلا ما هو جسم\".\nوقول المصنف: \"قالت لهم المثبتة\" ويعني بهم أتباع منهج السلف. فقد قالوا جوابًا على هذا الاعتراض بجنس ما ذكره هؤلاء وهو أنكم \"فأنتم قد وصفتموه بالحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام\" أي أن المتأخرين من الأشاعرة ومعهم الماتريدية وصفوه بالصفات السبع وذكر ستة منها والصفة السابعة هي صفة الإرادة.\nوقوله: \"وهذا هكذا، فإن كان هذا لا يوصف به إلا الجسم فالآخر كذلك، وإن أمكن أن يوصف بأحدهما ما ليس بجسم فالآخر كذلك\".\nأي إذا كانت تلك الصفات التي نفيتموها مثل النزول والاستواء والمجيء ونحوها لا يوصف بها إلا الجسم، فالواجب أن تقولوا في الصفات التي أثبتموها مثل ذلك أنها لا يوصف بها إلا الجسم.\nوقوله: \"فالتفريق بينهما تفريق بين المتماثلين\". أي كل واحد منهما تسمى صفات وكذلك أطلقت على الله ﷿ فالتفريق بينهما تفريق بين متماثلين.\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"ولهذا لما كان الرد على من وصف الله تعالى بالنقائص بهذه الطريق طريقًا فاسدًا- لم يسلكه أحد من السلف والأئمة، فلم ينطق أحد منهم في حق الله تعالى بالجسم لا نفيًا ولا إثباتًا، ولا بالجوهر والتحيز ونحو ذلك؛ لأنها عبارات مجملة لا تحق حقًا ولا تبطل باطلًا، ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار، ما هو من هذا النوع، بل هذا هو من الكلام المبتَدَع، الذي أنكره السلف والأئمة\".","vol":"2","page":918},{"text":"الشرح\nتقدم ذكر موقف السلف من إطلاق لفظ الجسم نفيًا وإثباتًا فيما تقدم من الشرح، والمصنف هنا يعيد تأكيد الموقف العام للسلف من كل من لفظ الجسم والجوهر والتحيز ونحو ذلك من الألفاظ.\nوقد ظن طائفة من الناس أن ذم السلف والأئمة للكلام إنما لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المحدثة كلفظ (الجوهر) و(الجسم) و(العرض)، وقالوا: إن مثل هذا لا يقتضي الذم، كما لو أحدث الناس آنية يحتاجون إليها، أو سلاحًا يحتاجون إليه لمقاتلة العدو، وقد ذكر هذا صاحب الإحياء وغيره.\nوليس الأمر كذلك: بل ذمهم للكلام لفساد معناه أعظم من ذمهم لحدوث الألفاظ، فذموه لاشتماله على معان باطلة مخالفة للكتاب والسنة، ومخالفته للعقل الصريح، ولكن علامة بطلانها مخالفتها للكتاب والسنة، وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل قطعًا. ثم من الناس من يعلم بطلانه بعقله، ومنهم من لا يعلم ذلك\nوأيضًا: فإن المناظرة بالألفاظ المحدثة المجملة المبتدعة المحتملة للحق والباطل إذا أثبتها أحد المتناظرين ونفاها الآخر كان كلاهما مخطئًا، وأكثر اختلاف العقلاء من جهة اشتراك الأسماء، وفي ذلك من فساد العقل والدين ما لا يعلمه إلا الله\nفإذا رد الناس ما تنازعوا فيه إلى الكتاب والسنة فالمعاني الصحيحة ثابتة فيهما، والمحق يمكنه بيان ما يقوله من الحق بالكتاب والسنة (^١).\nقال ابن القيم: \"فلفط الجسم لم ينطق به الوحي إثباتا فتكون له حرمة الإثبات،\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٢٨ - ٢٣٣).","vol":"2","page":919},{"text":"ولا نفيا فيكون له إلغاء النفي\" (^١)\nوقول المصنف: \"ولهذا لم يذكر الله في كتابه فيما أنكره على اليهود وغيرهم من الكفار\".\nواستدل المصنف لذلك بأن مسألة وصف الله بالنقائص ليست مسألة جديدة بل هي مذكورة في القرآن.\n• أما اليهود فقد قال الله تعالى عن اليهود الذين \"كثيرا ما يعدلون الخالق بالمخلوق ويمثلونه به حتى يصفوا الله بالعجز والفقر والبخل ونحو ذلك من النقائص التي يجب تنزيهه عنها، وهي من صفات خلقه\" (^٢)\nفقد حكي الله عنهم ذلك في كتابه، كقوله -تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: ٦٤].\nوقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وقوله ردًا على وصفه سبحانه بالتعب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].\n• وأما الكفار فقد قال تعالى عن الكفار (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الحشر ٢٣].\nفسبح نفسه عن شرك المشركين به عقب تمدحه بأسمائه الحسنى المقتضية لتوحيده، واستحالة إثبات شريك له (^٣).\nوقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة في الرد على الجهمية والمعطلة ٣/ ٣٣٩.\n(^٢) مجموع الفتاوي ١٠/ ٥٥.\n(^٣) جلاء الأفهام ص ١٤٧.","vol":"2","page":920},{"text":"ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل الآيات ٥٧ - ٦٠].\nفإن الله تعالى احتج على المشركين وأهل الكتاب، فيما يثبتون له من الشريك والبنات، بأنهم يُنزهون أنفسهم عن ذلك؛ لأنهم يعتبرون ذلك نقصًا وعيبًا في حقهم؛ فإذا كانوا لا يرضون بهذا الوصف والمثل السوء لأنفسهم؛ فكيف يصفون به ربهم، ويجعلون له مثل السوء، والرب الخالق أولى بأن ينزه عن الأمور الناقصة منهم؟!.\nقال المصنف: \"ما هو من هذا النوع، بل هذا هو من الكلام المبتَدَع، الذي أنكره السلف والأئمة\".\nأي مع كون هذه دعوى وصف الله بالنقائص قديمة، فإنه لم يرد في النصوص أو في كلام السلف استعمال هذه الألفاظ لا نفيًا ولا إثباتًا.\nيجب أن يعلم أن القول بتنزيه الله ﷿ عن النقائص قد يحتمل وجهًا حقًا وقد يحتمل وجهًا باطلًا.\nأما الوجه الحق: إذا قال القائل: الله يجب تنزيهه عن سمات الحدث، أو علامات الحدث، أو كل ما أوجب نقصًا وحدوثًا فالرب منزه عنه، فهذه كلمة حق معلومة متفق عليه.\nأما الوجه الباطل:\nقول الجهمية: إن قيام الصفات به، أو قول متكلمة الصفاتية أن قيام الصفات الاختيارية، هو من سمات الحدث.\nوهذا باطل عند السلف والإئمة، بل وجمهور العقلاء، بل ما ذكروه يقتضي حدوث كل شيء، فإنه ما من موجود إلا وله صفات تقوم به، وتقوم به أحوال تحصل","vol":"2","page":921},{"text":"بالمشيئة والقدرة.\nفإن كان هذا مسلزمًا للحدوث لزم حدوث كل شيء، وأن لا يكون في العالم شيء قديم (^١).\nومن المعلوم أن طريقة المخالفين لأهل السنة والجماعة وصف الله -﷿- بالنفي المحض.\nفالمخالفون لأهل السنة والجماعة في هذا الباب وهم المعطلة، فقد عكسوا هذه الطريقة الصحيحة ووصفوا الله -﷿- بالنفي المحض الذي لا يتضمن إثباتًا، فيقولون مثلًا: ليس بكذا، ولا بكذا … يقولون: ليس بجسم، ولا شبح، ولا جثة، ولا صورة، ولا لحم، ولا دم، ولا شخص، ولا جوهر، ولا عرض، ولا بذي لون، ولا طعم، ولا رائحة، ولا طول، ولا عرض، ولا عمق، ولا اجتماع، ولا افتراق، ولا يتبعض، ولا يتجزأ، ولا يقرُب من شيء، ولا يقرُب منه شيء، ولا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته، ولا له حياة، ولا علم، ولا قدرة، ونحو ذلك، ولا يُشار إليه، ولا هو مباين للعالم، ولا داخله، ولا خارجه، … إلى أمثال هذه العبارات السلبية التي لا تتضمن إثباتًا.\nوإذا أرادوا الإثبات: أثبتوا شيئًا مجملًا يجمعون فيه بين النقيضين، ويُقدرون وجودًا مطلقًا لا حقيقة له إلا في الأذهان، يمتنع تحققه في الأعيان، فبعضهم يصفونه بالسلوب والإضافات دون صفات الإثبات، وبعضهم يثبت له الأسماء دون ما تتضمنه من الصفات، وبعضهم يثبت له الأسماء وعددًا محدودًا من الصفات (^٢).\n_________\n(^١) انظر دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية ٥/ ٢٥٥ - ٢٥٦.\n(^٢) انظر: مقالات الإسلاميين ص (١٥٥ - ١٥٦)، منهاج السنة النبوية (٢/ ١٨٧، ٥٦٢)، الصفدية\n(١/ ١١٦)، مجموع الفتاوى (٦/ ٦٦، ٥١٦، ١١/ ٤٨٣ - ٤٨٤، ٢٠/ ١١١ - ١١٢، ١٢٦)، درء تعارض العقل والنقل (٥/ ١٦٣)، النبوات (٢/ ٦٤٣)، الفتاوى الكبرى (٦/ ٣٣٧ - ٣٣٨)، اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٦٣)، التدمرية ص (١٢ - ١٩)، التسعينية (١/ ١٧٢ - ١٧٤)، الكيلانية، ضمن مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٣٢)، الحجج العقلية والنقلية فيما ينافي الإسلام من بدع الجهمية والصوفية، ضمن مجموع الفتاوى (٢/ ١٩٨)، الصواعق المرسلة (٣/ ١٠٠٩)، شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٦٩ - ٧٠)، توضيح المقاصد (١/ ١٤٨، ٢/ ٤٣٦)، التحفة المهدية ص (١٥٠ - ١٥١)، شرح القصيدة النونية (٢/ ٢٨٧ - ٢٨٨).","vol":"2","page":922},{"text":"وهذه الطريقة أدتهم إلى عكس مرادهم، فشبهوا الله -﷿- بالمعدومات، وبالممتنعات، في حين أنهم أرداوا التنزيه فرارًا من التشبيه، فوقعوا في شر من الذي فروا منه، وهذا شأن كل من خالف القرآن الكريم والسنة النبوية فإن مصيره إلى الانحراف والبدعة والعياذ بالله.","vol":"2","page":923},{"text":"<span data-type='title' id=toc-349>الأعتماد على مجرد نفي التشبيه لا يكفي في إثبات الصفات</span>\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"فصل: وأما في طرق الإثبات فمعلوم أيضًا أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه، إذ لو كفى في إثباته مجرد نفي التشبيه لجاز أن يوصف الله ﷾ من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه، كما لو وصفه مفتر عليه بالبكاء والحزن والجوع والعطش مع نفي التشبيه، وكما لو قال المفتري: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولاحزنهم، كما يقال: يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم، ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم، كما قيل: له وجه لا كوجوههم، ويدان لا كأيديهم، حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر، وغير ذلك مما يتعالى الله ﷿ عنه، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا\".\nالشرح\nمن سمات الحدث النقائص، كالجهل والعمى، والصمم، والبكم، فإن كل ما كان كذلك فهو لم يكن إلا محدثًا، لأن القديم الأزلي منزه عن ذلك، لآن القديم الأزلي متصف بنقيض هذه الصفات، وصفات الكمال لازمة له، واللازم يمتنع زواله إلا بزوال الملزوم، والذات قديمة أزلية، واجبة بنفسها، غنية عما سواها، يستحيل عليها العدم والفناء بوجه من الوجوه، فيستحيل اتصافها بنقيض تلك اللوازم، فلا يوصف بنقيضها إلا المحدث، فهي من سمات المحدث المستلزمة لحدوث من","vol":"2","page":924},{"text":"اتصف بها.\nوهذا يدخل في قول القائل \"كل ما استلزم حدوثًا أو نقص فالرب منزه عنه\" والنقص المناقض لصفات كماله مستلزم لحدوث المتصف به، والحدوث مستلزم للنقص اللازم للمخلوق، فإن كل مخلوق فهو يفتقر إلى غيره، كائن بعد أن لم يكن، لا يعلم إلا ما علم، ولا يقدر إلا ما أقدر، وهو محاط به مقدور عليه.\nفهذه النقائص اللازمة لكل مخلوق هي ملزومة للحدوث، حيث كان حدوث كانت، والحدوث ملزوم لها فحيث كان محدث كانت هذه النقائص.\nفقولنا: \"ما استلزم حدوثًا أو نقصًا فالرب منزه عنه\" حق، والحدوث والنقص اللازم للمخلوق متلازمان.\nوالرب منزه عن كل منهما من جهتين:\nمن جهة امتناعه في نفسه.\nومن جهة أنه مستلزم للآخر، وهو ممتنع في نفسه.\nفكل منهما دليل ومدلول عليه باعتبارين على أن الرب منزه عنه، وعن مدلوله الذي هو لازمه.\nوالحاجة إلى الغير والفقر إليه مما يستلزم مما يستلزم الحدوث والنقص اللازم للمخلوق.\nوقولي: \"اللازم\" ليعم جميع المخلوقين وإلا فمن النقائص ما يتصف به بعض المخلوقين دون بعض فتلك ليست لازمة لكل مخلوق.\nوالرب منزه عنها أيضًا، ولكن إذا نزه عن النقص اللازم لكل مخلوق فعن ما يختص به بعض المخلوقين أولى وأحرى، فإنه إذا كان مخلوق ينزه عن نقص مخلوق، فالخالق أولى تنزيهه عنه، وهذه طريقة \"الأولى\" كما دل عليها القرآن في غير","vol":"2","page":925},{"text":"موضع (^١).\nفقول المصنف: \"وأما في طرق الإثبات فمعلوم أيضًا أن المثبت لا يكفي في إثباته مجرد نفي التشبيه\" يعنى أن الاعتماد في إثبات الصفات لله لا يكفي فيه مجرد نفي التشبيه، كما عليه حال هؤلاء المعطلة الذين اكتفوا \"في إثباته مجرد نفي التشبيه\".\nلأنه يلزم على مجرد الاقتصار في الإثبات على مجرد نفي التشبيه أن يأتي من يقول بجواز \"أن يوصف الله ﷾ من الأعضاء والأفعال بما لا يكاد يحصى مما هو ممتنع عليه مع نفي التشبيه، وأن يوصف بالنقائص التي لا تجوز عليه مع نفي التشبيه\"\nوأعطى المصنف أمثلة لما قد يجوزه هذا القائل فقال: \"كما لو وصفه مفتر عليه بالبكاء والحزن والجوع والعطش مع نفي التشبيه، وكما لو قال المفتري: يأكل لا كأكل العباد، ويشرب لا كشربهم، ويبكي ويحزن لا كبكائهم ولاحزنهم، كما يقال: يضحك لا كضحكهم، ويفرح لا كفرحهم، ويتكلم لا ككلامهم، ولجاز أن يقال: له أعضاء كثيرة لا كأعضائهم، كما قيل: له وجه لا كوجوههم، ويدان لا كأيديهم، حتى يذكر المعدة والأمعاء والذكر، وغير ذلك مما يتعالى الله ﷿ عنه، سبحانه وتعالى عمّا يقول الظالمون علوًا كبيرًا\".\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات: ما الفرق بين هذا وبين ما أثبته، إذا نفيت التشبيه، وجعلت مجرد نفي التشبيه كافيًا في الإثبات، فلا بد من إثبات فرق في نفس الأمر.\n_________\n(^١) انظر دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية ٥/ ٢٥٥ - ٢٥٦.","vol":"2","page":926},{"text":"فإن قال: العمدة في الفرق هو السمع، فما جاء السمع به أثبته، دون ما لم يجئ به السمع.\nقيل له:\nأولًا: السمع هو خبر الصادق عمّا هو الأمر عليه في نفسه، فما أخبر به الصادق فهو حق من نفي أو إثبات، والخبر دليل على المخبَر عنه، والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه، فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتًا في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع، إذا لم يكن قد نفاه، ومعلوم أن السمع لم ينف كل هذه الأمور بأسمائها الخاصة، فلا بد من ذكر ما ينفيها من السمع، وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها، كما لا يجوز إثباتها\".\nالشرح\nوعليه \"فإنه يقال لمن نفى ذلك مع إثبات الصفات الخبرية وغيرها من الصفات\" ويعني بهم متكلمة الصفاتية من الكلابية والأشاعرة والماتريدية ومن وافقهم.\nفقد زعمت طائفة من أهل الكلام كأبي المعالي والرازي، والآمدي وغيرهم أن ذلك لا يعلم إلا بالسمع الذي هو الإجماع، وإن نفي الآفات والنقائص عنه لم يعلم إلا بالإجماع، وجعلوا الطريق التي بها نفوا عنه ما نفوه، إنما هو نفي مسمى الجسم ونحو ذلك، وخالفوا ما كان عليه شيوخ متكلمة الصفاتية، كالأشعري، والقاضي، وأبى بكر وأبي إسحاق، ومن قبلهم من السلف والأئمة، في إثبات السمع والبصر والكلام له بالأدلة العقلية، وتنزيهه عن النقائص بالأدلة العقلية.\nولهذا صار هؤلاء يعتمدون في إثبات هذه الصفات على مجرد السمع، ويقولون: إذا كنا نثبت هذه الصفات بناءً على نفي الآفات، ونفي الآفات إنما يكون بالإجماع الذي هو دليل سمعي، والإجماع إنما يثبت بأدلة سمعية من الكتاب","vol":"2","page":927},{"text":"والسنة، قالوا: والنصوص المثبتة للسمع والبصر والكلام: أعظم من الآيات الدالة على كون الإجماع حجة، فالاعتماد في إثباتها ابتداء على الدليل السمعي الذي هو القرآن أولى وأحْرَى.\nوالذي اعتمدوا عليه في النفي، من نفي مسمى التحيز ونحوه مع أنه بدعة في الشرع لم يأت به كتاب ولا سنة، ولا أثر عن أحد من الصحابة والتابعين هو متناقض في العقل، لا يستقيم في العقل؛ فإنه ما من أحد ينفي شيئًا خوفًا من كون ذلك يستلزم أن يكون الموصوف به جسمًا، إلا قيل له فيما أثبته نظير ما قاله فيما نفاه، وقيل له فيما نفاه نظير ما يقوله فيما أثبته\" (^١).\nوقول المصنف: \"ما الفرق بين هذا وبين ما أثبته، إذا نفيت التشبيه، وجعلت مجرد نفي التشبيه كافيًا في الإثبات\". فهنا استفسار يوجه لمن نفي النقائص عن الله بمجرد نفي التشبيه مع إثباته للصفات الخبرية وهي التي لا طريق إلى معرفتها إلا بالسمع وهي قسمان:\nالأول: الصفات الذاتية. كالوجه واليدين.\nوالثاني: الصفات الفعلية. كالمجيء والنزول.\nوالاستفسار هو: أي إذا جعلتم مجرد نفي التشبيه كافيًا في إثبات الصفات، فما الفرق بين قول من وصف الله بصفات النقص مع ادعاء نفي التشبيه وقولكم، فإن من أثبت النقائص لله بإمكانه أن يقول أثبتها بلا تشبيه. \"فلا بد من إثبات فرق في نفس الأمر\".\nوقوله: \"فإن قال: العمدة في الفرق هو السمع، فما جاء السمع به أثبته، دون ما لم يجئ به السمع\".\n_________\n(^١) الأكملية ص ٩ - ١١.","vol":"2","page":928},{"text":"فإن قال العمدة في التفريق بين وصفه بتلك النقائص وما أثبته من الصفات الخبرية هو السمع أي الشرع، فما أثبته السمع أثبته وما لم يثبته أنفيه.\n\"قيل له:\nفيجاب عليه بجوابين وخلاصتهما كما يلي:\n\"أولًا: السمع هو خبر الصادق عمّا هو الأمر عليه في نفسه، فما أخبر به الصادق فهو حق من نفي أو إثبات، والخبر دليل على المخبَر عنه\"\nأي أن الدليل الشرعي هو خبر الصادق عما عليه الأمر فما أخبر به من نفي أو إثبات فهو حق وهو دليل على المخبر به.\n\"والدليل لا ينعكس، فلا يلزم من عدمه عدم المدلول عليه، فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتًا في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع، إذا لم يكن قد نفاه، ومعلوم أن السمع لم ينف كل هذه الأمور بأسمائها الخاصة،\nوالدليل لا ينعكس أي إذا انعدم الدليل لا يلزم منه انعدام المدلول، فإذا لم يرد السمع بصفة جاز أن تكون ثابتة في نفسها مالم يكن نفاها السمع، ومعلوم أن السمع لم ينف الصفات بأسمائها الخاصة؛ فلم يقل إن الله لا يبكي ولا يأكل ونحو ذلك مما نقطع جميعا ببطلانه.\n\"فلا بد من ذكر ما ينفيها من السمع، وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها، كما لا يجوز إثباتها\".\nأي لابد من أمر يوجب ينفي ما يجب نفيه عن الله وما يجب إثباته لله (^١).\nفلا يجوز الاكتفاء فيما ينزه الرب عنه على عدم ورود السمع والخبر به، فيقال:\n_________\n(^١) التوضيحات الأثرية على متن الرسالة التدمرية ٢/ ٣٤١ - ٣٤٢.","vol":"2","page":929},{"text":"كل ما ورد الخبر به أثبتناه، وما لم يرد لم نثبته بل ننفيه، وتكون عمدتنا في النفي على عدم الخبر.\nبل هذا غلط لوجهين:\nأحدهما: أن عدم الخبر هو عدم دليل معين، والدليل لا ينعكس (^١)، فلا يلزم إذا لم يخبر هو بالشيء أن يكون منتفيا في نفس الأمر (^٢).\nولله أسماء سمي بها نفسه واستأثر بها في علم الغيب عنده. فكما لا يجوز الإثبات إلا بدليل، لا يجوز النفي إلا بدليل. ولكن إذا لم يرد به الخبر ولم يعلم ثبوته يسكت عنه فلا يتكلم في الله بلا علم.\nالثاني: أن أشياء لم يرد بها الخبر بتنزيهه عنها ولا بأنه منزه عنها، لكن دل الخبر على اتصافه بنقائضها فعلم انتفاؤها. فالأصل أنه منزه عن كل ما يناقض صفات كماله (^٣). وهذا مما دل عليه السمع والعقل.\nوما لم يرد به الخبر إن علم انتفاؤه نفيناه، وإلا سكتنا عنه. فلا نثبت إلا بعلم ولا تنفي إلا بعلم.\n_________\n(^١) أوضحه في موضع آخر بقوله: أما جنس الدليل فيجب فيه الطرد، لا العكس. فيلزم من وجود الدليل وجود المدلول عليه، ولا يلزم عدمه عدم المدلول عليه.\n(^٢) أوضحه في موضع آخر ما خلاصته: فما لم يرد به السمع يجوز أن يكون ثابتًا في نفس الأمر، وإن لم يرد به السمع إذا لم يكن نفاه، ومعلوم أن السمع لم ينف عنه أشياء هو منزه عنها كاتصافه بالبكاء والحزن، والجوع والعطش، والأكل والشرب والنكاح، أو أن يقال: له أعضاء كثيرة كالطحال، والمعدة، والأمعاء، والذكر، وغير ذلك مما يتعالى الله ﷿ عنه. فلا بد إذا من ذكر ما ينفي هذه الأمور بأسمائها الخاصة من السمع، وإلا فلا يجوز حينئذ نفيها كما لا يجوز إثباتها.\n(^٣) وذلك مثل أنه قد علم أنه الصمد، والصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب، فهو منزه عن الأكل والشرب وعن آلات ذلك كالكبد والطحال والمعدة. وكذلك هو منزه عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك وأسبابه. وكذلك البكاء والحزن هو مستلزم للضعف والعجز الذي ينزه عنه.","vol":"2","page":930},{"text":"ونفى الشيء من الصفات وغيرها كنفي دليله طريقة طائفة من أهل النظر والخبر. وهي غلط إلا إذا كان الدليل لازما له. فإذا عدم اللازم عدم الملزوم.\nوأما جنس الدليل فيجب فيه الطرد، لا العكس. فيلزم من وجود الدليل وجود المدلول عليه، ولا ينعكس (^١).\nوخلاصة ذلك أن الصفات قد تثبت وتنفى بطريق السمع، ولكن الأمر لا يتوقف على هذا الطريق وحده، وأنه بالإمكان الاستدلال على نفي بعض الصفات وإثبات أخرى، وذلك بالاستدلال بما يقابل النفي، أو بما يضاد الكمال.\nفمما ورد في طريقة التنزيه: استعمال بعض النصوص في الدلالة على بعض ما ينفى عن الله وذلك مثل أنه قد علم أنه الصمد، والصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب، فهو منزه عن الأكل والشرب وعن آلات ذلك كالكبد والطحال والمعدة.\nوكذلك هو منزه عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك وأسبابه، وكذلك البكاء والحزن هو مستلزم للضعف والعجز الذي ينزه عنه.\nوسيأتي في كلام المصنف المزيد من البيان والتوضيح لهذه المسألة.\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وأيضًا، فلا بدّ في نفس الأمر من فرق بين ما يثبت له وينفى عنه، فإن الأمور المتماثلة في الجواز والوجوب والامتناع يمتنع اختصاص بعضها دون بعض بالجواز والوجوب والامتناع، فلا بدّ من اختصاص المنفي عن المثبَت بما يخصه بالنفي، ولا بد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت.\n_________\n(^١) انظر دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية ٥/ ٢٥٥ - ٢٥٦.","vol":"2","page":931},{"text":"وقد يعبر عن ذلك بأن يقال: لا بد من أمر يوجب نفي ما يجب نفيه عن الله تعالى، كما أنه لا بد من أمر يُثبت له ما هو ثابت، وإن كان السمع كافيًا كان مخبِرًا عما هو الأمر عليه في نفسه، فما الفرق في نفس الأمر بين هذا وهذا؟\nالشرح\nيشير المصنف إلى وجوب التفريق بين ما يثبت وبين ما ينفى فلكل واحد من الاثنين له اختصاصه \"فلا بدّ من اختصاص المنفي عن المثبَت بما يخصه بالنفي، ولا بد من اختصاص الثابت عن المنفي بما يخصه بالثبوت\".\nأو بعبارة أخرى أنه يجب النظر إلى مضمون ما ورد نفيًا أو إثباتًا وليس مجرد الاقتصار على ما نص عليه النص فقط، وهذا يتأتى بالنظر إلى قاعدة التنزيه وقاعدة الكمال كما سيأتي تفصيله في السياق التالي.\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"فيقال: كل ما نافى صفات الكمال الثابتة للَّه فهو منزه عنه، فإن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الآخر، فإذا عُلم أنه موجود واجب الوجود بنفسه، وأنه قديم واجب القدم- عُلم امتناع العدم والحدوث عليه، وعُلم أنه غني عمّا سواه، فالمفتقر إلى ما سواه في بعض ما يحتاج إليه نفسه ليس هو موجودًا بنفسه، بل بنفسه وبذلك الآخر الذي أعطاه ما تحتاج إليه نفسه، فلا يوجد إلا به، وهو ﷾ غني عن كل ما سواه، فكل ما نافى غناه فهو منزه عنه، وهو ﷾ قدير قوي فكل ما نافى قدرته وقوته فهو منزه عنه، وهو سبحانه حيّ قيوم فكل ما نافى حياته وقيوميته فهو منزه عنه.\nوبالجملة فالسمع قد أثبت له من الأسماء الحسنى وصفات الكمال ما قد ورد، فكل ما ضاد ذلك فالسمع ينفيه، كما ينفي عنه المثل والكفؤ، فإن إثبات الشيء نفي","vol":"2","page":932},{"text":"لضده ولما يستلزم ضده، والعقل يعرف نفي ذلك، كما يعرف إثبات ضده، فإثبات أحد الضدين نفي للآخر ولما يستلزمه.\nفطرق العلم بنفي ما ينزه الرب عنه متسعة، لا يحتاج فيها إلى الاقتصار على مجرد نفي التشبيه والتجسيم كما فعله أهل القصور والتقصير، الذين تناقضوا في ذلك وفرّقوا بين المتماثلين، حتى إن كل من أثبت شيئًا احتج عليه من نفاه بأنه يستلزم التشبيه.\nالشرح\nلفهم هذه المسألة بشكل واضح ودقيق لابد من استعراض الأمور الآتية:\nالأمر الأول: يجب أن يعلم أن الكمال ثابت لله، بل الثابت له هو أقصى ما يمكن من الأكملية، بحيث لا يكون وجود كمال لا نقص فيه إلا وهو ثابت للرب تعالى يستحقه بنفسه المقدسة\" (^١).\n\"فالرب تعالى مستحق للكمال مختص به على وجه لا يمثاله فيه شاء، فليس له سَمِيٌّ ولا كُفْؤ، سواء كان الكمال مما لا يثبت منه شاء للمخلوق كربوبية العباد والغنى المطلق ونحو ذلك.\nأو كان مما يثبت منه نوع للمخلوق، فالذي يثبت للخالق منه نوع هو أعظم مما يثبت من ذلك للمخلوق، عظمة هي أعظم من فضل أعلى المخلوقات على أدناها\" (^٢)\nالأمر الثاني: أن ثبوت ذلك مستلزم نفي نقيضه؛ فثبوت الحياة يستلزم نفي\n_________\n(^١) الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال ١/ ٧ - ٩.\n(^٢) الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال ١/ ٧٢.","vol":"2","page":933},{"text":"الموت، وثبوت العلم يستلزم نفي الجهل، وثبوت القدرة يستلزم نفي العجز، وإن هذا الكمال ثابت له بمقتضى الأدلة العقلية والبراهين اليقينية، مع دلالة السمع على ذلك (^١). \"ولذلك فإن كل ما نافي صفات الكمال الثابتة لله تعالى فهو منزه عنه لأن ثبوت أحد الضدين يستلزم نفي الآخر كالنقص والعيب والمماثلة للمخلوق، فمثلا: إذا علم أنه قديم قائم بنفسه علم امتناع العدم والحدوث والافتقار.\nفكل ما نافي غناه فهو منزه عنه، وكذلك كل ما نافي قدرته وقوته فهو منزه عنه، وكل ما نافي حياته وقيوميته فهو منزه عنه، وهكذا فهذه هي القاعدة العامة في التنزيه لا طريقة نفي التشبيه أو التجسيم التي تناقض فيها المتكلمون كما سبق.\nالأمر الثالث: أن ثبوت الكمال له، ونفي النقائص عنه، مما يعلم بالعقل\" (^٢).\nفيجب أن يعلم أن تصريح السمع لا يكفي في النفي أو الإثبات بل هناك لوازم عقلية تتوافق مع الأدلة النقلية فتثبت بمجموعها كمال الصفات الإلهية.\nفدلالة القرآن على الأمور نوعان:\nأحدهما: خبر الله الصادق، فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله به.\nوالثاني: دلالة القرآن بضرب الأمثال وبيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب. فهذه دلالة شرعية عقلية؛ فهي [شرعية] لأن الشرع دل عليها، وأرشد إليها؛ و[عقلية] لأنها تعلم صحتها بالعقل.\nولا يقال: إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر. وإذا أخبر الله بالشاء، ودل عليه بالدلالات العقلية، صار مدلولًا عليه بخبره، ومدلولًا عليه بدليله العقلي الذي يعلم به، فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تسمى [الدلالة\n_________\n(^١) الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال ١/ ٧ - ٩.\n(^٢) الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال ١/ ٧ - ٩.","vol":"2","page":934},{"text":"الشرعية].\nوثبوت [معنى الكمال] قد دل عليه القرآن بعبارات متنوعة، دالة على معاني متضمنة لهذا المعنى، فما في القرآن من إثبات الحمد له، وتفصيل محامده، وأن له المثل الأعلى، وإثبات معاني أسمائه، ونحو ذلك، كله دال على هذا المعنى.\nوقد ثبت لفظ [الكامل] فيما رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢]: أن [الصمد] هو المستحق للكمال، وهو السيد الذي كمل في سُؤْدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم الذي قد كمل في عظمته، والحكم الذي قد كمل في حكمه، والغني الذي قد كمل في غناه، والجبار الذي قد كمل في جبروته، والعالم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي قد كمل في حكمته، وهو الشريف الذي قد كمل في أنواع الشرف والسؤدد، وهو الله ﷾. وهذه صفة لا تنبغي إلا له، ليس له كفؤ ولا كمثله شاء. وهكذا سائر صفات الكمال، ولم يعلم أحد من الأمة نازع في هذا المعنى، بل هذا المعنى مستقر في فطر الناس، بل هم مفطورون عليه، فإنهم كما أنهم مفطورون على الإقرار بالخالق، فإنهم مفطورون على أنه أجل وأكبر، وأعلى وأعلم وأعظم وأكمل من كل شاء.\nوقد بينا في غير هذا الموضع: أن الإقرار بالخالق وكماله، يكون فطريًا ضروريًا في حق من سلمت فطرته، وإن كان مع ذلك تقوم عليه الأدلة الكثيرة، وقد يحتاج إلى الأدلة عليه كثير من الناس عند تغير الفطرة وأحوال تعرض لها.\nومجمل القول أنه ورد في الكتاب والسنة كثير من أسماء الله الحسنى وصفاته العلى، فكل ما نافي ذلك الكمال فإنه ينفي عنه لأن إثبات أحد الضدين نفي للآخر ونفي للوازمه فنفي الظلم إثبات للعدل ونفي المثيل إثبات للتفرد والوحدانية.","vol":"2","page":935},{"text":"الأمر الرابع: طرق التنزيه كثيرة لا يقتصر فيها على نفي التشبيه والتجسيم مع ما فيها من التناقض والقصور.\nوزعمت طائفة من أهل الكلام كأبي المعالي والرازي، والآمدي وغيرهم أن ذلك لا يعلم إلا بالسمع الذي هو الإجماع، وإن نفي الآفات والنقائص عنه لم يعلم إلا بالإجماع، وجعلوا الطريق التي بها نفوا عنه ما نفوه، إنما هو نفي مسمى الجسم ونحو ذلك، وخالفوا ما كان عليه شيوخ متكلمة الصفاتية، كالأشعري، والقاضي، وأبى بكر وأبي إسحاق، ومن قبلهم من السلف والأئمة، في إثبات السمع والبصر والكلام له بالأدلة العقلية، وتنزيهه عن النقائص بالأدلة العقلية.\nولهذا صار هؤلاء يعتمدون في إثبات هذه الصفات على مجرد السمع، ويقولون: إذا كنا نثبت هذه الصفات بناءً على نفي الآفات، ونفي الآفات إنما يكون بالإجماع الذي هو دليل سمعي، والإجماع إنما يثبت بأدلة سمعية من الكتاب والسنة، قالوا: والنصوص المثبتة للسمع والبصر والكلام: أعظم من الآيات الدالة على كون الإجماع حجة، فالاعتماد في إثباتها ابتداء على الدليل السمعي الذي هو القرآن أولى وأحْرَى.\nوالذي اعتمدوا عليه في النفي، من نفي مسمى التحيز ونحوه مع أنه بدعة في الشرع لم يأت به كتاب ولا سنة، ولا أثر عن أحد من الصحابة والتابعين هو متناقض في العقل، لا يستقيم في العقل؛ فإنه ما من أحد ينفي شيئًا خوفًا من كون ذلك يستلزم أن يكون الموصوف به جسمًا، إلا قيل له فيما أثبته نظير ما قاله فيما نفاه، وقيل له فيما نفاه نظير ما يقوله فيما أثبته، كالمعتزلة لما أثبتوا أنه حي عليم قدير؛ وقالوا: إنه لا يوصف بالحياة، والعلم، والقدرة، والصفات؛ لأن هذه أعراض لا يوصف بها إلا ما هو جسم، ولا يعقل موصوف إلا جسم.","vol":"2","page":936},{"text":"فقيل لهم: فأنتم وصفتموه بأنه حي عليم قدير، ولا يوصف شاء بأنه عليم حي قدير إلا ما هو جسم، ولا يعقل موصوف بهذه الصفات إلا ما هو جسم، فما كان جوابكم عن الأسماء كان جوابنا عن الصفات، فإن جاز أن يقال: بل يسمى بهذه الأسماء ما ليس بجسم، جاز أن يقال: فكذلك يوصف بهذه الصفات ما ليس بجسم، وأن يقال: هذه الصفات ليست أعراضًا، وإن قيل: لفظ الجسم [مجمل] أو مشترك وأن المسمى بهذه الأسماء لا يجب أن يماثله غيره، ولا أن يثبت له خصائص غيره، جاز أن يقال: الموصوف بهذه الصفات لا يجب أن يماثله غيره، ولا أن يثبت له خصائص غيره.\nوكذلك إذا قال نفاة الصفات المعلومة بالشرع، أو بالعقل مع الشرع، كالرضا والغضب، والحب، والفرح، ونحو ذلك: هذه الصفات لا تعقل\nإلا لجسم.\nقيل لهم: هذه بمنزلة الإرادة والسمع، والبصر والكلام، فما لزم في أحدهما لزم في الآخر مثله.\nوهكذا نفاة الصفات من الفلاسفة ونحوهم، إذا قالوا: ثبوت هذه الصفات يستلزم كثرة المعاني فيه، وذلك يستلزم كونه جسمًا أو مركبًا.\nقيل لهم: هذا كما أثبتم أنه موجود واجب قائم بنفسه وأنه عاقل ومعقول وعقل، ولذيذ وملتذ ولذة، وعاشق ومعشوق وعشق، ونحو ذلك.\nفإن قالوا: هذه ترجع إلى معنى واحد، قيل لهم: إن كان هذا ممتنعا بطل الفرق، وإن كان ممكنًا أمكن أن يقال في تلك مثل هذه، فلا فرق بين صفة وصفة. والكلام على ثبوت الصفات وبطلان أقوال النفاة مبسوط في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا: أن نبين أن ثبوت الكمال لله معلوم بالعقل، وأن نقيض ذلك مُنْتَفٍ عنه، فإن الاعتماد في الإثبات والنفي على هذه الطريق مستقيم في العقل","vol":"2","page":937},{"text":"والشرع، دون تلك، خلاف ما قاله هؤلاء المتكلمون.\nوجمهور أهل الفلسفة والكلام يوافقون على أن الكمال لله ثابت بالعقل، والفلاسفة تسميه التمام\" (^١).\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وكذلك احتج القرامطة على نفي جميع الأمور حتى نفوا النفي، فقالوا: لا يقال موجود ولا ليس بموجود، ولا حي ولا ليس بحي، لأن ذلك تشبيه بالموجود أو المعدوم. فلزم نفي النقيضين، وهو أظهر الأشياء امتناعًا، ثم إن هؤلاء يلزمهم من تشبيهه بالمعدومات والممتنعات والجمادات أعظم ممّا فروا منه من التشبيه بالأحياء الكاملين، فطرق تنزيهه وتقديسه عمّا هو منزه عنه متسعة لا تحتاج إلى هذا.\nالشرح\nيقصد المصنف قول القرامطة الباطنية الذين بقولون بالوجود المطلق عن النفي والإثبات (^٢)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم ولا ليس بحي عالم، ولا يقال هو عليم قدير ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد، قالوا لأن في الإثبات تشبيهًا بما تثبت له هذه الصفات، وفي النفي تشبيه له بما ينفي عنه\n_________\n(^١) الرسالة الأكملية في ما يجب لله من صفات الكمال ص ٩ - ١١.\n(^٢) الصفدية ٢/ ١١ - ١٩","vol":"2","page":938},{"text":"هذه الصفات) (^١)\nفالقرامطة، لم يُثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه؛ إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.\nوَلِهَذَا كَانَتْ \" الْقَرَامِطَةُ الْبَاطِنِيَّةُ \" مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ شِرْكًا وَعِبَادَةً لِغَيْرِ اللَّهِ؛ إذْ كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَ فِي إلَهِهِمْ أَنَّهُ يَسْمَعُ أَوْ يُبْصِرُ أَوْ يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئًا.\nوقد تقدم ذكر قولهم والرد عليهم في أكثر من موضع من الرسالة التدمرية.\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وقد تقدم أن ما يُنفى عنه ﷾- يُنفى لتضمن النفي الإثبات، إذ مجرد النفي لا مدح فيه ولا كمال، فإن المعدوم يوصف بالنفي، والمعدوم لا يشبه الموجود، وليس هذا مدحًا له، لأن مشابهة الناقص في صفات النقص نقص مطلق، كما أن مماثلة المخلوق في شيء من الصفات تمثيل وتشبيه، ينزه عنه الرب ﵎.\nوالنقص ضد الكمال، وذلك مثل أنه قد عُلم أنه حيّ والموت ضد ذلك فهو منزه عنه، وكذلك النوم والسِّنَةُ ضد كمال الحياة، فإن النوم أخو الموت، كذلك اللُّغُوب نقص في القدرة والقوة، والأكل والشرب ونحو ذلك من الأمور فيه افتقار إلى موجود غيره، كما أن الاستعانة بالغير والاعتضاد به ونحو ذلك يتضمن الافتقار إليه والاحتياج إليه، وكل من يحتاج إلى من يحمله أو يعينه على قيام ذاته أو أفعاله فهو مفتقر إليه ليس مستغنيًا بنفسه، فكيف من يأكل ويشرب، والآكل والشارب أجوف، والمُصْمَتُ الصمد أكمل من الآكل الشارب، ولهذا كانت الملائكة صمدًا لا تأكل\n_________\n(^١) -شرح العقيدة الأصفهانية ص ٧٦.","vol":"2","page":939},{"text":"ولا تشرب\".\nالشرح\nأي ينبغي أن يُعلم أن النفي ليس فيه مدح ولا كمال إلا إذا تضمن إثباتًا، وإلا فمجرد النفي ليس فيه مدح ولا كمال.\nوالعدم المحض ليس بشييء، وما ليس بشييء-فهو كما قيل: ليس بشييء؛ فضلًا عن أن يكون مدحًا وكمالًا.\nلأنَّ النفي المَحض يُوصف به المعدوم والممتنع؛ والمعدوم والممتنع لا يُوصف بمدح ولا كمال.\nولهذا كان عامة ما يصف الله به نفسه من النفي متضمنًا لإثبات مدح؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥ [؛ فنفي السِّنة والنوم يتضمن كمال الحياة والقيام.\nوكذلك قوله: ﴿وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، أي: لا يكرثه ولا يثقله، وذلك مستلزم لكمال قدرته وتمامها؛ بخلاف المخلوق القادر إذا كان يَقدر على الشييء بنوع كلفة ومشقة، فإن هذا نقص في قدرته وعيب في قوته.\nوكذلك قوله: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْض﴾ [سبأ الآية: ٣]، فإن نفي العُزوب مستلزم لعلمه بكل ذرة في السموات والأرض.\nوكذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق الآية: ٣٨]، فإن نفي مس اللغوب-الذي هو التعب والإعياء-دلَّ على كمال قدرته ونهاية القوة بخلاف المخلوق الذي يلحقه من التعب والكلال ما يلحقه.","vol":"2","page":940},{"text":"وكذلك قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام ١٠٣]، إنما نفى الإدراك الذي هو الإحاطة، كما قاله أكثر العلماء، ولم يَنف مجرد الرؤية؛ لأن المعدوم لا يُرى، وليس في كونه لا يرى مدح؛ إذ لو كان كذلك لكان المعدوم ممدوحًا، وإنما المدح في كونه لا يُحاط به وإن رُؤي، كما أنه لا يحاط به وإن عُلم، فكما أنه إذا عُلم لا يحاط به علمًا، فكذلك إذا رؤي لا يحاط به رؤية، فكان في نفي الإدراك من إثبات عظمته ما يكون مدحًا وصفة كمال، وكان ذلك دليلًا على إثبات الرؤية مع عدم الإحاطة. وهذا هو الحق الذي اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها.\nوإذا تأملت ذلك وجدت كلَّ نفي لا يستلزم ثبوتًا هو مما لم يصف به نفسه» (^١).\nثم إن النفي المجرد مع كونه لا مدح فيه-فيه إساءة أدب مع الله سبحانه؛ فإنك لو قلت لسلطان: أنت لستَ بزبَّال ولا كسَّاح ولا حَجَّام ولا حائك؛ لأَدَّبَك على هذا الوصف وإن كنت صادقًا.\nوإنما تكون مادحًا إذا أجملت النفي؛ فقلت: أنت لستَ مثل أحد من رعيتك، أنت أعلى منهم وأشرف وأجَل، فإن أَجملت في النفي أجملت في الأدب (^٢).\nفأهل الكلام المذموم يأتون بالنفي المفصل والإثبات المُجمل؛ فيقولون: ليس بجسم ولا شَبح ولا جثة ولا صورة ولا لحم ولا دم ولا شخص ولا جوهر ولا عَرَض .. إلى آخر تلك السُّلوب الكثيرة التي تَمُجُّها الأسماع، وتأنف مِنْ ذكرها النفوس، والتي تتنافى مع تقدير الله تعالى حقَّ قدره (^٣).\n_________\n(^١) «الرسالة التدمرية» (ص ٢١ - ٢٣).\n(^٢) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص ١٠٨ - ١١٠).\n(^٣) «الصفات الإلهية» (ص ٢٠٢).","vol":"2","page":941},{"text":"المتن\nقال المصنف ﵀: \"وقد تقدم أن كل كمال ثبت لمخلوق فالخالق أولى به، وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق أولى بتنزيهه عن ذلك. والسمع قد نفى ذلك في غير موضع كقوله: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ والصمد الذي لا جوف له ولا يأكل ولا يشرب. وهذه السورة هي نسب الرحمن، وهي الأصل في هذا الباب.\nوقال في حق المسيح وأمه: ﴿مَا الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة الآية: ٧٥ [فجعل ذلك دليلا على نفي الألوهية، فدل ذلك على تنزيهه عن ذلك بطريق الأَوْلَى والأحرى.\nوالكبد والطحال ونحو ذلك هي أعضاء الأكل والشرب، فالغني المنزه عن ذلك منزه عن آلات ذلك، بخلاف اليد فإنها للعمل والفعل، وهو ﷾ موصوف بالعمل والفعل، إذ ذلك من صفات الكمال، فمن يقدر أن يفعل أكمل ممن لا يقدر على الفعل.\nوهو سبحانه منزه عن الصاحبة والولد وعن آلات ذلك وأسبابه، وكذلك البكاء والحزن هو مستلزم للضعف والعجز، الذي ينزه الله عنه، بخلاف الفرح والغضب فإنه من صفات الكمال، فكما يوصف بالقدرة دون العجز، وبالعلم دون الجهل، وبالحياة دون الموت، وبالسمع دون الصمم، وبالبصر دون العمى، وبالكلام دون البكم- فكذلك يوصف بالفرح دون الحزن، وبالضحك دون البكاء، ونحو ذلك\".\nالشرح\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أيضًا: «فكل كمال لا نقص فيه بوجه ثبت","vol":"2","page":942},{"text":"للمخلوق فالخالق أحق به من وجهين:\nأحدهما: أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم أكمل من المخلوق القابل للعدم المحدث المربوب.\nالثاني: أن كل كمال فيه فإنما استفاده من ربه وخالقه؛ فإذا كان هو مبدعًا للكمال، وخالقًا له، كان من المعلوم بالاضطرار أن معطي الكمال وخالقه ومبدعه أولى بأن يكون متصفًا به من المستفيد المبدع المعطي» (^١).\nويقال أيضًا في الأولوية في جانب النقص، أنها من وجهين:\nالأول: أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم منزه عن النقائص والعيوب.\nالثاني: أن كل نقص تنزه عنه المخلوق المربوب فإنما نزَّهَهُ عنه ربه وخالقه، فإذا كان الله -﷿- هو المُنَزِّهُ غيره عن النقص، كان معلومًا بالاضطرار أن الذي ينزه غيره عن النقائص أولى بالتنزه عنها من غيره.\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وأيضًا فقد ثبت بالعقل ما أثبته السمع من أنه سبحانه لا كفؤ له، ولا سمي له، وليس كمثله شيء، فلا يجوز أن تكون حقيقته كحقيقة شيء من المخلوقات، ولا حقيقة شيء من صفاته كحقيقة شيء من صفات المخلوقات، فيُعلم قطعًا أنه ليس من جنس المخلوقات، لا الملائكة ولا السموات ولا الكواكب، ولا الهواء ولا الماء ولا الأرض، ولا الآدميين ولا أبدانهم ولا أنفسهم، ولا غير ذلك، بل يُعلم أن حقيقته عن مماثلة شيء من الموجودات أبعد من سائر الحقائق، وأن مماثلته لشيء منها أبعد من مماثلة حقيقة شيء من المخلوقات لحقيقة مخلوق\n_________\n(^١) شرح العقيدة الأصفهانية ص (١١٧ - ١١٨).","vol":"2","page":943},{"text":"آخر.\nفإن الحقيقتين إذا تماثلتا جاز على كل واحدة ما يجوز على الأخرى، ووجب لها ما وجب لها، وامتنع عليها ما امتنع عليها فيلزم أن يجوز على الخالق القديم الواجب بنفسه ما يجوز على المحدَث المخلوق من العدم والحاجة، وأن يثبت لهذا ما يثبت لذاك من الوجوب والغنى، فيكون الشيء الواحد واجبًا بنفسه غير واجب بنفسه، موجودًا معدومًا، وذلك جمع بين النقيضين.\nوهذا مما يعلم به بطلان قول المشبهة الذين يقولون: بصر كبصري، ويد كيدي ونحو ذلك، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.\nالشرح\nفالله -﷿- موصوف بكل كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه، منزه عن جميع النقائص والعيوب، فمن الطرق التي استخدمها أهل السنة والجماعة في تقرير هذه الحقيقة، مسلك عقلي يقوم على أن نفي الصفة إثبات لنقيضها، وهذه قاعدة عقلية متفق عليها بين جميع العقلاء، أن الذي لا يتصف بالعلم مثلًا فهو جاهل، والذي لا يتصف بالعدل فهو ظالم، وهكذا فالله -﷿- لما كان متصفًا بكل أنواع الكمالات التي يُتصور وجودها من غير استلزامها لأي نقصٍ بوجهٍ من الوجوه، فإن نفي هذا الكمال عنه يستلزم وصفه بنقيضه من النقص الذي هو منزه عنه أصالةً، «وهذه الطريقة هي من أعظم الطرق في إثبات الصفات، وكان السلف يحتجون بها، ويثبتون أن من عبد إلهًا لا يسمع، ولا يبصر، ولا يتكلم، فقد عبد ربًا ناقصًا معيبًا مؤوفًا (^١)، ويثبتون أن هذه صفات كمال فالخالي عنها ناقص» (^٢).\n_________\n(^١) مؤوفًا، من الآفة وهي العاهة، انظر: القاموس المحيط ص (١٠٢٦).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣٤٠).","vol":"2","page":944},{"text":"فإنه لو لم يكن الله تعالى موصوفًا بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالأخرى.\nفلو لم يتصف بالحياة لوُصف بالموت، ولو لم يتصف بالعلم لوُصف بالجهل، ولو لم يوصف بالقدرة لوُصف بالعجز، ولو لم يُوصف بالسمع والبصر والكلام لوُصف بالصمم والخرس والبكم، والله منزه عن ذلك، متصفٌ بصفات الكمال (^١).\nوقال الإمام ابن القيم﵀-: «إنه قد ثبت بصريح العقل أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال، والآخر صفة نقص، فإن الله سبحانه يوصف بالكمال منهما دون النقص، ولهذا لما تقابل الموت والحياة، وُصف بالحياة دون الموت، ولما تقابل العلم والجهل، وُصف بالعلم دون الجهل، وكذلك العجز والقدرة، والكلام والخرس والبصر والعمى، والسمع والصمم، والغنى والفقر، ولما تقابلت المباينة للعالم والمداخلة له، وُصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كانت المباينة تستلزم علوه على العالم أو سفوله عنه، وتقابل العلو والسفول، وُصف بالعلو دون السفول» (^٢).\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وليس المقصود هنا استيفاء ما يثبت له، وما ينزه عنه، واستيفاء طرق ذلك، لأن هذا مبسوط في غير هذا الموضع، وإنما المقصود هنا التنبيه على جوامع ذلك وطرقه، وما سكت عنه السمع نفيًا وإثباتًا، ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه سكتنا عنه فلا نثبته ولا ننفيه، فنثبت ما علمنا ثبوته، وننفي ما علمنا نفيه، ونسكت عما لا نعلم نفيه ولا إثباته، والله ﷾ أعلم\".\n_________\n(^١) انظر: التدمرية ص (١٥١)، تقريب التدمرية ص (٦٥).\n(^٢) الصواعق المرسلة (٤/ ١٣٠٧).","vol":"2","page":945},{"text":"الشرح\nكلام المصنف هنا متوجه لنوع من الألفاظ وهو ما سكت عنه السمع نفيًا أو إثباتًا ولم يكن في العقل ما يثبته ولا ينفيه، وقد تقدم الكلام على الصفات التي ظاهرها الكمال، مما لم يرد فيها نفيًا ولا إثباتًا.\nوكذلك الكلام على صفات النقص التي دلت النصوص بمعمومها على نفيها وأنها تنفى مطلقًا، وذلك لأن صفات الله كلها صفات حسن وكمال وجلال وعظمة.\nفالألفاظ التي تطلق على الله على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: ما علم ثبوته أثبت.\nالقسم الثاني: ما علم انتفاؤه نفي.\nالقسم الثالث: ما لم يعلم نفيه ولا إثباته سكت عنه، هذا هو الواجب، والسكوت عن الشيء غير الجزم بنفيه أو ثبوته\" (^١).\nفـ\"ما لم يرد به الخبر إن علم انتفاؤه نفيناه وإلا سكتنا عنه فلا نثبت إلا بعلم ولا ننفي إلا بعلم\" (^٢)\nقال ابن تيمية: «بل النافي عليه الدليل على نفي ما نفاه، كما على المثبت الدليل على ثبوت ما أثبته، ومن ليس عنده دليل على النفي والإثبات، فعليه أن لا ينفى ولا يثبت فغاية ما عنده التوقف في نفي ذلك وإثباته» (^٣)\nوالمسكوت عنه من الصفات على ثلاثة أحوال:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٩/ ١٩٠.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٩/ ١٩٠.\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٤٤.","vol":"2","page":946},{"text":"الحال الأول: ما لم يأت به نفي ولا إثبات في لفظه، فإن أفاد نقصًا كمرض أو خرفٍ .. الخ! تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا فإنه ينفى بدلالة النصوص في تنزهه تعالى عن مثل هذه النقائص، التي لا تليق بالخالق، وذلك كصفة الاستلقاء حيث تفوح منها رائحة اليهودية الذين يزعمون أن الله ﵎ بعد أن فرغ من خلق السموات والأرض استراح! تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا، وهذا المعنى يكاد يكون صريحا في الحديث فإن الاستلقاء لا يكون إلا من أجل الراحة ﷾ عن ذلك\".\nالحال الثاني: ما لم يأت به نفي ولا إثبات لا في اللفظ ولا المعنى، ولم يفد نقصًا في حال النفي والإثبات، كالفم والأذن والشعر .. الخ؛ فيتوقف فيه بلا نفي ولا إثبات؛ إذ الطرفان علم، ولا علم لمن قال بأحدهما.\nو\"النافي لصفة من صفات الله ﷿ إن أراد عدم علمه بها، لم يلزمه الدليل، ولا يجوز له أن ينكر وجودها لمجرد انتفاء علمه بها، وإن أراد عدم اتصاف الله ﷿ بها طالبناه بالدليل الدال على نفيه؛ لأنه أمر غيبي لا يمكن الاطلاع عليه إلا عن طريق الوحي\".\nالحال الثالث: ما لم يأت بها نفي ولا إثبات في لفظه، ولكن ورد بمعناه ما يدل عليه، كالعروج الذي يدل على الصعود والارتفاع، فإننا نثبت المعنى، ولا نستعمل اللفظ في حقه تعالى وقوفا مع النص.\nولقد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية الكلام على النوع الثاني من الصفات المسكوت عنها \"وهي التي لم ترد لا نفيا ولا إثباتا وليس فيها كمالا ولا نقص\"\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية عن مذهب أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات: \"فيما لم يرد نفيه ولا إثباته مما تنازع الناس فيه كالجسم والحيز والجهة","vol":"2","page":947},{"text":"ونحو ذلك، فطريقتهم فيه التوقف في لفظه، فلا يثبتونه ولا ينفونه لعدم ورود ذلك، وأما معناه فيستفصلون عنه فإن أريد به باطل يُنزه الله عنه ردوه، وإن أريد به حق لا يمتنع على الله قبلوه).\nفيقتصرون في ذلك على ما ورد، فلا يثبتون ولا ينفون إلا بالألفاظ الشرعية التي أثبتها أو نفاها الشارع، وإذا تكلم بغيرها استفسر واستفصل، فإن وافق المعنى الذي أثبته الشرع أثبته باللفظ الشرعي، فاعتصموا بالشرع ألفاظًا ومعني، وهذه سبيل من اعتصم بالعروة الوثقي.\nلكن ينبغي أن يعرف الأدلة الشرعية إسناد ومتنًا؛ فالقرآن معلوم ثبوت ألفاظه، فينبغي أن يعرف وجوه دلالته، والسنة ينبغي معرفة ما ثبت منها وما علم أنه كذب.\nوقد يتذرع البعض بإثبات بعض الصفات بدعوى أنها جاءت في أحاديث عن النبي ﷺ ويتمسك بها رغم أنها جاءت من طرق واهية باطله، وهذه هي أحد جنايات الأحاديث الضعيفة والموضوعة والإسرائيليات التي ابتلينا بها وغزت الكثير من كتب القصص والأخبار حتى كتب التفسير والحديث.\nقال ابن تيمية: \"فإن طائفة ممن انتسب إلى السنة، وعظم السنة والشرع، وظنوا أنهم اعتصموا في هذا الباب بالكتاب والسنة، جمعوا أحاديث وردت في الصفات، منها ما هو كذب معلوم أنه كذب، ومنها ما هو إلى الكذب أقرب، ومنها ما هو إلى الصحة أقرب، ومنها متردد، وجعلوا تلك الأحاديث عقائد، وصنفوا مصنفات، ومنهم من يكفر من يخالف ما دلت عليه تلك الأحاديث (^١).\nوأعطى ابن تيمية أمثلة على هذا القسم فقال: \"وهذه الأحاديث قد ذكر بعضها القاضي أبو يعلى في كتاب \"إبطال التأويل\"، مثل ما ذكر في حديث المعراج حديثًا\n_________\n(^١) انظر دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية ٥/ ٢٥٥ - ٢٥٦.","vol":"2","page":948},{"text":"طويلًا عن أبي عبيدة أن محمدًا رأى ربه. (^١)\nوطائفة ممن يقول بأنه رأى ربه بعينه يكفرون من خالفهم لما ظنوا أنه قد جاء في ذلك أحاديث صحيحة، كما فعل أبو الحسن علي بن شكر، فإنه سريع إلى تكفير من يخالفه لما يدعيه من السنة، وقد يكون مخطئًا فيه، إما لاحتجاجه بأحاديث ضعيفة، أو بأحاديث صحيحة لكن لا تدل على مقصوده، وما أصاب فيه من السنة لا يجوز تكفير كل من خالف فيه. فليس كل مخطاء كافرًا لاسيما في المسائل الدقيقة التي كثر فيها نزاع الأمة، كما قد بسط في مواضع.\nوكذالك أبو علي الأهوازي (^٢) له مصنف في الصفات قد جمع فيه الغث والسمين.\nوكذلك ما يجمعه عبد الرحمن بن مندة (^٣) مع أنه من أكثر الناس حديثأ، لكن يروي شيئًا كثيرًا من الأحاديث الضعيفة، ولا يميز بين الصحيح والضعيف. وربما جمع بابًا وكل أحاديثه ضعيفة، كأحاديث أكل الطين وغيرها، وهو يروي عن أبي علي الأهوازي.\nوقد رفع ما رواه من الغرائب الموضوعة إلى حسن بن عدي (^٤) فبنى على ذلك\n_________\n(^١) انظر دقائق التفسير الجامع لتفسير الإمام ابن تيمية ٥/ ٢٥٥ - ٢٥٦.\n(^٢) هو الحسن بن علي بن إبراهيم بن يزداد بن الأستاذ أبو علي الأهوازي المقراء، صاحب التصانيف ومقراء الشام. قرأ عل جماعة لا يعرفون إلا من جهته وروي الكثير وصنف كتابًا في الصفات لو لم يجمعه لكان خيرًا له، فإنه أتى فيه بموضوعات وفضائح توفي سنة ٤٤٦ هـ. من ميزان الاعتدال، قال المصنف: كان من السالمية.\n(^٣) هو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق بن مندة العبدي الإمام الحافظ بن الحافظ الكبير أبي عبد الله بن مندة، صاحب التصانيف، المتوفي سنة ٤٧٠ هـ وقد ذكر المصنف قوله بخلو العرش بطوله والجواب عنه في شرح حديث النزول، وتقدمت الإشارة إليه.\n(^٤) هو شمس الدين الحسن بن عدي بن أبي البركات بن صخر بن مسافر حفيد أبي البركات أخي الشيخ عدي، شيخ العدوية الأكراد، له تصانيف في التصوف وشعر كثير وأتباع يبالغون فيه للغاية، قتل خنقًا سنة ٦٤٤.","vol":"2","page":949},{"text":"عقائد باطلة، وادعى أن الله يري في الدنيا عيانًا.\nثم الذين يقولون بهذا من أتباعه يكفرون من خالفهم، وهذا كما تقدم من فعل أهل البدع، كما فعلت الخوارج\" (^١).\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"القاعدة السابعة- أن يقال: إن كثيرا مما دل عليه السمع يُعلم بالعقل أيضا، والقرآن يبين ما يستدل به العقل، ويرشد إليه، وينبه عليه، كما ذكر الله ذلك في غير موضع؛ فإنه ﷾ بيّن من الآيات الدالة عليه، وعلى وحدانيته، وقدرته، وعلمه وغير ذلك، ما أرشد العباد إليه ودلهم عليه، كما بيّن أيضا ما دل على نبوة أنبيائه، وما دل على المعاد وإمكانه\".\nالشرح\nلما فرغ المصنف ﵀ من بيان القاعدة السادسة وهي: (قاعدة القدر المشترك والقدر المميز) شرع هنا في بيان القاعدة السابعة، وهي: (دلالة العقل على كثير مما دل عليه السمع).\nالتعريف بهذه القاعدة:\nهذه القاعدة معناها: أن كثيرًا مما دلت عليه الأدلة السمعية يثبت أيضًا بالأدلة العقلية، والقرآن اشتمل على ما يستدل به العقل، وأرشد إليه، وما الأمثال التي ضربها الله تعالى في القرآن إلا أقيسة عقلية.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٣/ ١٩١ - ١٩٢.","vol":"2","page":950},{"text":"فالقرآن الكريم قد بيّن من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية ما لا يوجد مثله في كلام أئمة النظر، فتكون هذه المطالب شرعية عقلية.\nولكن هذا لا يعني أن الأدلة العلقلية تستقل بوحدها في إثبات الصفات، \"فالأصل في هذا الباب (^١)، أن يوصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفته به رسله: نفيًا وإثباتًا، فيثبت لله ما أثبته لنفسه، وينفى عنه ما نفاه عن نفسه» (^٢).\nوقال ابن تيمية -﵀-: «وباب الأسماء والصفات يُتَّبَع فيها الألفاظ الشرعية، فلا نطلق إلا ما يرد به الأثر» (^٣).\nوقال أيضًا: «ومن الوجوه الصحيحة أن معرفة الله بأسمائه وصفاته على وجه التفصيل لا تعلم إلا من جهة الرسول ﵊، إما بخبره وإما بخبره وتنبيهه ودلالته على الأدلة العقلية، ولهذا يقولون لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ﷺ قال الله تعالى ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات الآيات ١٨٠ - ١٨٢]». (^٤).\nوقال -﵀-: «ومعلوم أن الوصف بالنفي كالوصف بالإثبات» (^٥). أي يحتاج فيهما إلى دليل من الكتاب والسنة.\nوإنما المقصود أن الأدلة السمعية اشتملت على أدلة عقلية تدل على أثبات صفات الكمال لله وعلى تنزيهه من كل نقص، وهذا ما سيؤكده المصنف في أثناء بيان هذه القاعدة.\n_________\n(^١) وهو باب توحيد الأسماء والصفات.\n(^٢) التدمرية ص (٦ - ٧).\n(^٣) قاعدة في المحبة، ضمن جامع الرسائل (٢/ ٢٣٩).\n(^٤) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٢٤٨).\n(^٥) بيان تلبيس الجهمية (١/ ٤٤٤).","vol":"2","page":951},{"text":"المتن\nقال المصنف ﵀: \"فهذه المطالب هي شرعية من جهتين:\n• من جهة أن الشارع أخبر بها.\n• ومن جهة أنه بيّن الأدلة العقلية التي يستدل بها عليها.\n- والأمثال المضروبة في القرآن هي أقيسة عقلية، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع -\nوهي أيضا عقلية من جهة أنها تعلم بالعقل أيضا\".\nقال شيخ الإسلام -﵀-: «ودلالة القرآن على الأمور نوعان:\n١ - أحدهما: خبر الله الصادق، فما أخبر الله ورسوله به فهو حق كما أخبر الله به.\n٢ - والثاني: دلالة القرآن بضرب الأمثال وبيان الأدلة العقلية الدالة على المطلوب، فهذه دلالة شرعية عقلية، فهي «شرعية»؛ لأن الشرع دلَّ عليها، وأرشد إليها، و«عقلية»؛ لأنها تعلم صحتها بالعقل، ولا يقال: إنها لم تعلم إلا بمجرد الخبر.\nوإذا أخبر الله بشيء، ودلَّ عليه بالدلالات العقلية، صار مدلولًا عليه بخبره، ومدلولًا عليه بدليله العقلي الذي يعلم به، فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما يدخل في دلالة القرآن التي تسمى: \"الدلالة الشرعية\"» (^١).\nفلما كان العقل أداة للفهم والإدراك، وما أودع الله فيه من قوة الاستدلال والنظر والمقايسة، جرى استعماله في العقائد لتأييد دلالة الشرع، وقد تضمن الكتاب والسنة\n_________\n(^١) تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل (٥/ ١٩٥ - ١٩٦)، وانظر: درء تعارض العقل والنقل (٩/ ٣٩)، مجموع الفتاوى (٩/ ١٤١ - ١٤٢)، بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٥٣٦).","vol":"2","page":952},{"text":"جملة من المقاييس العقلية، التي هي بمثابة مقدمات منطقية للوصول إلى النتائج التي جاء بها الشرع، والأمثال المضروبة في القرآن والسنة هي نوع من هذه الأقيسة العقلية (^١)، جاءت لتأكيد مسألة اتفاق العقل الصريح مع النقل الصحيح، فاجتمعت فيها دلالة العقل ودلالة الشرع (^٢).\nوخلاصة القول: أن العقل يدل على بعض صفات الله ﷾ كما يدل السمع أيضًا، بل إن هناك قواعد عقلية لإثبات صفات الله تعالى، ومن هذه القواعد ما سيأتي تفصيله.\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وكثير من أهل الكلام يسمي هذه «الأصول العقلية» لاعتقاده أنها لا تعلم إلا بالعقل فقط؛ فإن السمع هو مجرد إخبار الصادق وخبر الصادق- الذي هو النبي- لا يعلم صدقه إلا بعد العلم بهذه الأصول بالعقل\".\nالشرح\nبعض أهل البدع ليس لهم متمسك في النصوص أصلًا؛ كنفاة الصفات على اختلاف أنواعهم؛ فهم لا يعتمدون النص أساسًا وأصلًا، وإنما يعتمدون العقل والرأي الذي أحدثوه وابتدعوه، وبالتالي هم لا يعتقدون ولا يعتمدون على النصوص، وإنما يعتمدون على أُسسهم المنطقية الفلسفية، وهؤلاء يأتون إلى نصوص القرآن ويحاولوا أن يُشككوا فيها.\nوذكر ابن القيم أن جميع الفرق الإسلامية قبل الجهمية، إذا تؤملت أصولهم،\n_________\n(^١) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٣٠٥).\n(^٢) انظر: مذهب أهل التفويض في نصوص الصفات ص (٤٨٠).","vol":"2","page":953},{"text":"وجدت أنها كلها متفقة على تقديم الوحي على العقل، فلم يؤسسوا مقالاتهم على ما أسسها المتكلمون، من تقديم عقولهم على نصوص الوحي (^١).\nويؤيد هذا ما حكاه الشهرستاني والصفدي عن الجهم أنه موافق للمعتزلة في إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع (^٢).\nويقول ابن أبي العز: «ولا شكَّ أن مشايخ المعتزلة وغيرهم من أهل البدع معترفون بأن اعتقادهم في التوحيد والصفات والقدر لم يتلقوه لا عن كتاب ولا عن سنة، ولا عن أئمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وإنما يزعمون أن عقلهم دلَّهم عليه» (^٣).\nولا ريب أن عقيدة لم يأخذها صاحبها لا من الكتاب ولا من السنة، ولا من فهم أئمة الصحابة والتابعين لا ريب أنها عقيدة إبليسيَّة مستقاة من منهج إبليسيٍّ،\n_________\n(^١) انظر: الصواعق المرسلة لابن القيم (٣/ ٨٢١).\n(^٢) الملل والنحل (١/ ٧٤)، و: الوافي بالوفيات (١١/ ١٩٠ - ١٩١).\nوهذه الجملة تحتمل معاني عدة:\nالأول: القول بالتحسين والتقبيح العقليين، كما هو قول المعتزلة.\nالثاني: وجوب معرفة الله تعالى بالعقل، بمعنى أن من لم يعرف الله قبل ورود الشرع فهو آثم ويستحق العذاب. وهذا هو أقوى الاحتمالات، لأن مسألة وجوب معرفة الله تعالى، أهو عقلي أم شرعي؟ من أشهر مسائل علم الكلام.\nالثالث: أن هذه الجملة تشير إلى منهج جهم العام في تقديم العقل على النقل. وهذا، وإن كان أضعف من الاحتمال الأول والثاني، إلا أنه لازمه.\nالرابع: حصول معرفة الله تعالى بالعقل، بمعنى أن معرفة الله تعالى أمر عقلي. وهذا الرابع -وإن كان يقول به الجهم-إلا أنه ليس مراد الشهرستاني، بدليل أنه قال إن جهما (موافق للمعتزلة) في هذا الأمر، مخالف للأشعرية، كما يدل السياق على ذلك. فالأشاعرة وافقوا المعتزلة في قولهم إن معرفة الله تعالى أمر عقلي، ولكنهم خالفوهم في وجوب المعرفة: هل هو شرعي أم عقلي؟ فثبت أن هذا المعنى الرابع ليس مرادًا للشهرستاني، والله أعلم.\n(^٣) -شرح العقيدة الطحاوية ص ١١٥.","vol":"2","page":954},{"text":"ليست بأفضل من عقيدة أبي جهل وأضرابه كما قال الحافظ الذهبي: «وإذا رأيت المتكلم المبتدع يقول دعنا من الكتاب وأحاديث الآحاد وهات العقل فاعلم أنه أبو جهل» (^١).\n«ومعلوم أن أئمة الجهمية النفاة والمعتزلة وأمثالهم من أبعد الناس عن العلم بمعاني القرآن والأخبار وأقوال السلف، وتجد أئمتهم من أبعد الناس عن الاستدلال بالكتاب والسنة.\nوإنما عمدتهم في الشرعيات على ما يظنونه إجماعا، مع كثرة خطئهم فيما يظنونه إجماعًا، وليس بإجماع. وعمدتهم في أصول الدين على ما يظنونه عقليات، وهي جهليات» (^٢).\nقال ابن تيمية: \"الْمُثْبِتَ مُعْتَصِمٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْآثَارِ وَمَعَهُ مِنْ الْمَعْقُولَاتِ الصَّرِيحَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ صِحَّةَ قَوْلِهِ وَفَسَادَ قَوْلِ مُنَازِعِهِ مَا لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهَا طَعْنٌ صَحِيحٌ.\nوَأَمَّا النَّافِي فَلَيْسَ مَعَهُ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا حَدِيثٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَا قَوْلُ أَحَدٍ مِنْ سَلَفِ الْأُمَّةِ وَإِنَّمَا مَعَهُ مُجَرَّدُ رَأْيٍ يَزْعُمُ أَنَّ عَقْلَهُ دَلَّ عَلَيْهِ؛ وَمُنَازِعُهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَقْلَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى نَقِيضِهِ وَأَنَّ خَطَأَهُ مَعْلُومٌ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ بِصَحِيحِ الْمَنْقُولِ\" (^٣)\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء ٤/ ٤٧٢\n(^٢) من كلام شيخ الإسلام في درء التعارض (٧/ ٢٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٧/ ٨٠","vol":"2","page":955},{"text":"المتن\nقال المصنف ﵀: \"ثم إنهم قد يتنازعون في الأصول التي يتوقف إثبات النبوة عليها:\nفطائفة تزعم أن تحسين العقل وتقبيحه داخل في هذه الأصول، وأنه لا يمكن إثبات النبوة بدون ذلك، ويجعلون التكذيب بالقدر مما ينفيه العقل. وطائفة تزعم أن حدوث العالم من هذه الأصول، وأن العلم بالصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوثه، وإثبات حدوثه لا يمكن إلا بحدوث الأجسام، وحدوثها يُعلم إما بحدوث الصفات، وإما بحدوث الأفعال القائمة بها، فيجعلون نفي أفعال الرب، ونفي صفاته من الأصول التي لا يمكن إثبات النبوة إلا بها.\nثم هؤلاء لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على نقيض قولهم، لظنهم أن العقل عارض السمع- وهو أصله- فيجب تقديمه عليه، والسمع إما أن يؤوَّل، وإما أن يُفوَّض.\nوهم أيضا عند التحقيق لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على وفق قولهم، لما تقدم.\nوهؤلاء يضلون من وجوه:\nمنها ظنهم أن السمع بطريق الخبر تارة، وليس الأمر كذلك، بل القرآن بيّن من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية ما لا يوجد مثله في كلام أئمة النظر، فتكون هذه المطالب شرعية عقلية.\nومنها ظنهم أن الرسول لا يعلم صدقه إلا بالطريق المعينة التي سلكوها، وهم مخطئون قطعا في انحصار طريق تصديقه فيما ذكروه، فإن طرق العلم بصدق الرسول","vol":"2","page":956},{"text":"كثيرة، كما قد بسط في غير هذا الموضع.\nومنها ظنهم أن تلك الطريق التي سلكوها صحيحة، وقد تكون باطلة.\nومنها ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل، ويكونون غالطين في ذلك، فإنه إذا وزن بالميزان الصحيح وجد ما يعارض الكتاب والسنة من المجهولات لا من المعقولات، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع\".\nالشرح\nقوله: \"ثم إنهم قد يتنازعون في الأصول التي يتوقف إثبات النبوة عليها\"\nفهم يجعلون العقل هو الأصل في إثبات وجود الله تعالى، ويجعلون العقل هو الأصل في إثبات نُبُوَّة النبي -ﷺ-، فبالتالي جعلوا من العقل أصلًا يعتمدون عليه ويرجعون إليه في هذين البابين.\nفبعد هذا، على زعمهم الشرع جاء وَتَفَرَّعَ عن هذا الأصل-أي عن العقل-فإنه إذا أُثبتت نُبُوَّة النبي أثبت ما جاء به النبي، فبالتالي عندهم إثبات ما جاء به النبي متوقفٌ على إثبات نُبُوَّة النبي، وإثبات نُبُوَّة النبي متوقف على العقل.\nفالعقل عندهم هو الأصل، وتفرع عنه إثبات نُبُوَّة النبي، ثم تفرع عنه إثبات ما جاء به النبي الذي هو الوحي.\nفعلى هذا الترتيب عندهم أنه ما دام العقل هو الأصل وما جاء به النبي -ﷺ- هو الفرع، فلو أنك قدَّمت ما جاء به النبي -ﷺ- فإنك بذلك أبطلت الأصل.\n«وإبطال الأصل بالفرع فيه إبطالٌ للأصل والفرع» (^١)، هكذا يرتِّبون هذا الترتيب المنطقي الفلسفي، فعلى هذا الترتيب قالوا يستحيل أن يُقَدَّم النقل على العقل.\n_________\n(^١) انظر كتاب أساس التقديس لفخر الدين الرازي صفحة (٢٢٠).","vol":"2","page":957},{"text":"فعلى زعمهم ما بقي عندهم إلا خيارٌ واحد: أن يقدم العقل على النقل، فهذا أساس ما يسمَّى عندهم بقانون التأويل، الذي من خلاله بعد ذلك طعنوا في النصوص ثبوتًا ودلالة، فحكموا بقطعية العقل، وأما النقل فهو ظنيّ على حد زعمهم، ثم حكموا على الآحاد منها - أي من النصوص - بأنها لا تُقْبَلُ ولا تُعْتَمَدُ في باب الاعتقاد.\nوقوله: \"فطائفة تزعم أن تحسين العقل وتقبيحه داخل في هذه الأصول، وأنه لا يمكن إثبات النبوة بدون ذلك، ويجعلون التكذيب بالقدر مما ينفيه العقل\".\nويعني بهم هنا المعتزلة فقد رتب المعتزلة على القول بالحسن والقبح العقليين أن الإنسان مكلف قبل ورود الشرع بما دل عليه العقل، كوجوب شكر المنعم، ومكلف بمحاسن الأخلاق.\nكما بني المعتزلة على القول بالحسن والقبح الذاتيين للفعل وجوب بعض الأمور على الله تعالى؛ لأن تركها قبيح ومخل بالحكمة، ومن ذلك وجوب الصلاح والأصلح للعباد، ووجوب اللطف والثواب للمطيع، والعقاب للعاصي، وغير ذلك.\nقال الشهرستاني: \"وقال أهل العدل-ويعني بهم المعتزلة-: المعارف كلها معقولة بالعقل، واجبة بنظر العقل، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع، والحسن والقبح صفتان ذاتيتان للقبيح\".\nكما حكى عن أبي الهذيل العلاف المعتزلي قوله: \"إنه يجب على المكلف أن يعرف الله تعالى بالدليل من غير خاطر، وإن قصر في المعرفة استوجب العقوبة.\nكما يجب عليه أن يعلم حسن الحسن وقبح القبيح، فيجب عليه الالتزام بالحسن كالصدق والعدل، والإعراض عن القبيح كالكذب والجور\" (^١).\n_________\n(^١) الشهرستاني، «الملل والنحل» (١/ ٥٢).","vol":"2","page":958},{"text":"أول من اشتهر عنه بحث موضوع التحسين والتقبيح هو الجهم بن صفوان الذي وضع قاعدته المشهورة: \"إيجاب المعارف بالعقل قبل ورود الشرع\" (^١)، وبني على ذلك أن العقل يوجب ما في الأشياء من صلاح وفساد، وحسن وقبح، وهو يفعل هذا قبل نزول الوحي، وبعد ذلك يأتي الوحي مصدقا لما قال به العقل من حسن بعض الأشياء وقبح بعضها، وقد أخذ المعتزلة بهذا القول ووافقهم عليه الكرامية (^٢).\nومن ثم وقع الخلاف حوله على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الحسن والقبح صفتان ذاتيتان في الأشياء، والحاكم بالحسن والقبح هو العقل، والفعل حسن أو قبيح إما لذاته، وإما لصفة من صفاته لازمة له وإما لوجوه واعتبارات أخرى، والشرع كاشف ومبين لتلك الصفات فقط.\nوهذا هو مذهب المعتزلة والكرامية ومن قال بقولهم من الرافضة والزيدية وغيرهم (^٣).\nالقول الثاني: أنه لا يجب على الله شيء من قبل العقل، ولا يجب على العباد شيء قبل ورود السمع، فالعقل لا يدل على حسن شيء، ولا على قبحه قبل ورود الشرع، وفي حكم التكليف، وإنما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع وموجب السمع. قالوا: ولو عكس الشرع فحسن ما قبحه، وقبح ما حسنه لم يكن ممتنعا.\n_________\n(^١) «الملل والنحل» (١/ ٨٨) ت كيلاني.\n(^٢) نظر: «نشأة الفكر الفلسفي للنشار» (١/ ٣٤٦)، و«التجسيم عند المسلمين - مذهب الكرامية» سهير مختار (ص: ٣٦٣).\n(^٣) انظر «المغني» لعبدالجبار (جـ ٦ - القسم الأول - ص: ٢٦ - ٣٤، ٥٩ - ٦٠)، و«المعتمد في أصول الفقه» لأبي الحسين البصري (١/ ٣٦٣)، و«البحر الزخار» لابن المرتضي (١/ ٥٩)، و«العقل عند المعتزلة» (ص: ٩٨ - ١٠٠)، و«المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية» (ص: ١٣٧).","vol":"2","page":959},{"text":"وهذا قول الأشاعرة ومن وافقهم (^١).\nالقول الثالث: التفصيل، لأن إطلاق التحسين والتقبيح على كل فعل من جهة العقل وحده دون الشرع، أو نفي أي دور للعقل في تحسين الأفعال أو تقبيحها، غير صحيح، ويوضح شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب أهل الحق في هذا توضيحا كاملا، فيقسم الأفعال إلى ثلاثة أنواع:\n\"أحدها: أن يكون الفعل مشتملا على مصلحة أو مفسدة، ولو لم يرد الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشتمل على فسادهم، فهذا النوع هو حسن أو قبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك، لا أنه ثبت للفعل صفة لم تكن، لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبًا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك، وهذا ما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح، فإنهم قالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة، ولو لم يبعث الله إليهم رسولا، وهذا خلاف النص، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥ …]\nالنوع الثاني: أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنا، وإذا نهى عن شيء صار قبيحا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع.\nالنوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء يمتحن العبد، هل يطيعه أم يعصيه، ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه﴾ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] حصل المقصود، ففداه بالذبح وكذلك حديث الأبرص والأقرع والأعمى، فلما أجاب الأعمى قال الملك: «أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم، فرضي عنك وسخط على صاحبيك» (^٢)، فالحكمة منشؤها من نفس الأمر\n_________\n(^١) انظر «الإرشاد» (ص: ٢٥٨ وما بعدها)، و«المحصل» للرازي (ص: ٢٠٢)، و«شرح المواقف» (٨/ ١٨١ - ١٨٢).\n(^٢) رواه البخاري (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٩٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":960},{"text":"لا من نفس المأمور به.\nوهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة، وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع.\nوالأشعرية ادعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان، وأن الأفعال ليست صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع.\nوأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة، وهو الصواب\" (^١).\nوشيخ الإسلام يزيد الأمر تحقيقا فيبين أن التحسين والتقبيح قسمان:\nأحدهما: كون الفعل ملائمًا للفاعل نافعًا له، أو كونه ضارًا له منافرًا فهذا قد اتفق الجميع على أنه قد يعلم بالعقل (^٢).\nالثاني: كونه سببا للذم والعقاب، فهذا هو الذي وقع فيه الخلاف:\n• فالمعتزلة قالوا قبح الظلم والشرك والكذب والفواحش معلوم بالعقل، ويستحق عليها العذاب في الآخرة وإن لم يأت رسول.\n• والأشاعرة قالوا: لا حسن ولا قبح ولا شر قبل مجيء الرسول، وإنما الحسن ما قيل فيه افعل، والقبيح ما قيل لا تفعل. ولم يجعلوا أحكام الشرع معللة، وهذا يوافق مذهبهم في التعليل.\n• جمهور أهل السنة قالوا: الظلم والشرك والكذب والفواحش كل ذلك قبيح قبل مجيء الرسول، لكن العقوبة لا تستحق إلا بمجيء الرسول (^٣).\nوقول المصنف: \"وطائفة تزعم أن حدوث العالم من هذه الأصول، وأن العلم\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٨/ ٤٣٤ - ٤٣٦).\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ٩٠، ٣٠٩ - ٣٠١)، و«منهاج السنة» (١/ ٣٦٤) - مكتبة الرياض الحديثة.\n(^٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ٦٧٧ - ٦٨٦، ١١/ ٦٧٦ - ٦٧٧).","vol":"2","page":961},{"text":"بالصانع لا يمكن إلا بإثبات حدوثه، وإثبات حدوثه لا يمكن إلا بحدوث الأجسام، وحدوثها يُعلم إما بحدوث الصفات، وإما بحدوث الأفعال القائمة بها، فيجعلون نفي أفعال الرب، ونفي صفاته من الأصول التي لا يمكن إثبات النبوة إلا بها\".\nالشبهة التي اعتمد عليها المعتزلة في نفي صفات الباري ﷿ تسمى بطريقة الأعراض، ذلك أنهم يزعمون أن الصفات إنما هي أعراض، والأعراض لا تقوم إلا بجسم، والأجسام حادثة، والله منزه عن الحوادث، ومن أجل ذلك كان قول المعتزلة في الله: إنه قديم واحد ليس معه في القدم غيره، فلو قامت به الصفات لكان معه غيره (^١) ولكان جسمًا إذ إن ثبوت الصفات يقتضي كثرة وتعددًا في ذاته ويقتضي أنه جسم وذلك خلاف التوحيد.\nفهم يزعمون أن توحيد الله وتنزيهه متوقف على أنه ليس بجسم، وكونه ليس بجسم موقوف على عدم قيام الأعراض والحوادث به التي هي الصفات والأفعال، ونفي ذلك عندهم موقوف على ما يدل عليه حدوث الأجسام، والذي دلهم على حدوث الأجسام أنها لا تخلو من الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث لا يسبقها، وما لا يسبق الحوادث فهو حادث.\nويزعمون أيضًا أن الأجسام لا تخلو من الأعراض، والأعراض لا تبقى زمانين فهي حادثة، فإذا لم تخل الأجسام منها لزم حدوثها.\nويزعمون أيضًا أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة، والمركب مفتقر إلى جزئيه وجزءاه غيره، وما افتقر إلى غيره لم يكن إلا حادثًا مخلوقًا، فالأجسام متماثلة\n_________\n(^١) بالإضافة إلى زعم المعتزلة أن الصفات لا تقوم إلا بأجسام، فهم أيضًا يزعمون أن في إثبات الصفات قول بكثرة وتعدد ذات الله، لأنهم يقولون: (إن من أثبت لله صفة أزلية قديمة فقد أثبت إلهين)، كما اعتقدوا أن الصفات لو شاركته في القدم لشاركته في الألوهية.\nانظر الملل للشهرستاني (١/ ٤٤ - ٤٦)، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٤٥)، منهاج السنة (٢/ ١٦٩).","vol":"2","page":962},{"text":"فكل ما صح على بعضها صح على جميعها، وقد صح على بعضها التحليل والتركيب والاجتماع والافتراق فيجب أن يصح على جميعها (^١).\nوالمعتزلة يقولون إننا بهذا الطريق أثبتنا حدوث العالم ونفي كون الصانع جسمًا وإمكان المعاد.\nوقول المصنف: \"ثم هؤلاء لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على نقيض قولهم، لظنهم أن العقل عارض السمع- وهو أصله- فيجب تقديمه عليه، والسمع إما أن يؤوَّل، وإما أن يُفوَّض.\nوهم أيضا عند التحقيق لا يقبلون الاستدلال بالكتاب والسنة على وفق قولهم، لما تقدم\".\nأي أنهم بنوا أصول مسائل الاعتقاد على عقولهم وفلسفتهم ومنطقهم، ولم يبنوا أصل هذه المسألة على كتاب أو على سُنَّة، وإن شئت فانظر في كتبهم، لن تجد لهم دليلًا من الكتاب أو السُنَّة في هذه المسائل، بل إنهم لا يقبلون هذا.\nولذلك هم أسَّسوا ما يسمَّى «قانون التأويل»، وقانون التأويل يقول: «إذا تعارض العقل والنقل فأيهما يقدم؟» فقالوا بالترتيب المنطقي - قالوا: «إما أن يُجْمَعَ بين الأمرين» (^٢)، أي نأخذ بالعقل والنقل وهذا لا يمكن؛ لأن العقل مثلًا يقول: لا، والنقل يقول: نعم، فكيف تجمع بين لا ونعم في وقت واحد؟ هل هذا يمكن؟ فقالوا: «لا يمكن الجمع بين النقيضين أو الجمع بين الضدين» (^٣).\nالمقصود بـ «النقيضين» أو بـ «الضدين» أن أحدهما يقول: «لا» والثاني يقول: «نعم»، فلئن كان النص يقول للعلوِّ: «نعم»، أو للاستواء «نعم»، فإن عقولهم تقول:\n_________\n(^١) انظر مختصر الصواعق (١/ ٢٥٤).\n(^٢) انظر كتاب أساس التقديس لفخر الدين الرازي صفحة (٢٢٠).\n(^٣) انظر المصدر السابق.","vol":"2","page":963},{"text":"«لا»، فقالوا: «يستحيل الجمع بين الضدين ويستحيل ترك الأمرين» (^١) أي أن نترك العقل والنقل.\nوقالوا بعد ذلك: «إما أن يقدم العقل على النقل أو يقدم النقل على العقل» (^٢) فقالوا: «لو قدمنا النقل على العقل»، فعلى حد زعمهم، العقل هو الأصل والنقل فرع، فيقولون: «تقديم الفرع على الأصل فيه إبطالٌ للأصل والفرع».\nانظر ترتيبهم! قالوا: «لو قدمنا النقل على العقل فإن في ذلك إبطال للأصل والفرع» (^٣) لأن النقل فرع والعقل أصل.\nوقول المصنف: \"وهؤلاء يضلون من وجوه:\nمنها ظنهم أن السمع بطريق الخبر تارة، وليس الأمر كذلك، بل القرآن بيّن من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية ما لا يوجد مثله في كلام أئمة النظر، فتكون هذه المطالب شرعية عقلية\".\nهذه المسألة هي التي شرحها المصنف في هذه القاعدة وقد تقدم الكلام عليها ورد دعوى من زعم أن النصوص الشرعية لم تشتمل على الأدلة العقلية، وأكد المصنف هنا أن النصوص الشرعية اشتملت على الكثير من الدلائل العقلية التي تعلم بها المطالب الدينية بما لا يوجد مثله في الطرق التي استخدمها أئمة أهل الكلام، وأن الأدلة الشرعية منها ما هو شامل للأمرين الشرعي والعقلي.\nوقول المصنف: \"ومنها ظنهم أن الرسول لا يعلم صدقه إلا بالطريق المعينة التي سلكوها، وهم مخطئون قطعا في انحصار طريق تصديقه فيما ذكروه، فإن طرق العلم بصدق الرسول كثيرة، كما قد بسط في غير هذا الموضع\".\n_________\n(^١) انظر المصدر السابق.\n(^٢) انظر كتاء درء تعارض العقل والنقل لشيخ الإسلام ابن تيمية الجزء الأول صفحة (٤).\n(^٣) انظر المصدر السابق.","vol":"2","page":964},{"text":"فهم يجعلون العقل هو الأصل في إثبات وجود الله تعالى، ويجعلون العقل هو الأصل في إثبات نُبُوَّة النبي -ﷺ-، فبالتالي جعلوا من العقل أصلًا يعتمدون عليه ويرجعون إليه في هذين البابين.\nفبعد هذا، على زعمهم الشرع جاء وَتَفَرَّعَ عن هذا الأصل-أي عن العقل-فإنه إذا أُثبتت نُبُوَّة النبي أثبت ما جاء به النبي.\nفالعقل عندهم هو الأصل، وتفرع عنه إثبات نُبُوَّة النبي، ثم تفرع عنه إثبات ما جاء به النبي الذي هو الوحي.\nفعلى هذا الترتيب عندهم أنه مادام العقل هو الأصل وما جاء به النبي -ﷺ- هو الفرع، فلو أنك قدَّمت ما جاء به النبي -ﷺ- فإنك بذلك أبطلت الأصل.\n«وإبطال الأصل بالفرع فيه إبطالٌ للأصل والفرع» (^١)، هكذا يرتِّبون هذا الترتيب المنطقي الفلسفي.\nقال ابن تيمية: \"وإذا قال القائل الرسول ﷺ إنما عرف صدقه بأدلة عقلية، وأنه لابد له من الأدلة العقلية؛ فهذا صحيح لكن تلك الأدلة العقلية التي بها يعرف صدق الرسل هي مما بينه الرسول ﷺ وأرشد إليها القرآن على أحسن الوجوه وأكملها.\nقال الشيخ صالح آل الشيخ: \"ونبوة الأنبياء أو رسالة الرسل بما تَحْصُل؟ وكيف يُعْرَفُ صدقهم؟ وما الفرق ما بين النبي والرسول وبين عامة الناس أو من يَدَّعِي أَنَّهُ نبي أو رسول أو من يأتي بالأخبار المغيبة أو يجري على يديه شيء من الخوارق؟\nوالجواب عن ذلك: أنَّ المتكلمين في العقائد نظروا في هذا على جهات من النظر.\nونُقَدِّمُ قول غير أهل السنة، ونُبَيِّنْ لكم قول السلف وأهل السنة والجماعة في\n_________\n(^١) انظر كتاب أساس التقديس لفخر الدين الرازي صفحة (٢٢٠).","vol":"2","page":965},{"text":"هذه المسألة العظيمة.\nوهي من المسائل التي يقل تقريرها في كتب الاعتقاد مُفَصَّلَة.\nفنقول: إنَّ طريقة إثبات نبوة الأنبياء وإرسال الرسل للناس فيه مذاهب:\n- المذهب الأول: أنَّ الرسل والأنبياء لديهم استعدادات نفسية راجعة إلى القوى الثلاث والصفات الثلاث وهي السمع والبصر والقلب، فإنه يكون عنده قوة في سمعه، فيسمع الكلام؛ كلام الملأ الأعلى، وعنده قوة في قلبه، فيكون عنده تخيلات أو يتصور ما هو غير مرئي، وعنده بصر أيضا قوي يبصر ما لا يبصره غيره.\nوهذه طريقة باطلة، وهي طريقة الفلاسفة الذين يجعلون النبوة من جهة الاستعدادات البشرية، لا من جهة أنها وحي وإكرام واصطفاء من الله ﷻ.\nالمذهب الثاني: قول من يقول إنَّ النبوة والرسالة طريق إثباتها والدليل عليها هو المعجزات.\nوهذا قول المعتزلة والأشاعرة وطوائف من المتكلمين، وتبعهم ابن حزم وجماعة، وجعلوا الفرق ما بين النبي وغيره هو أنَّ النبي يجري على يديه خوارق العادات.\nفمنهم من التزم -وهم المعتزلة وابن حزم- في أنَّه ما دام الفرق هو خوارق العادات وهي المعجزات فإذًا لا يُثْبَتُ خارقٌ لغير نبي.\nفأنكروا السحر والكهانة، وأنكروا كرامات الأولياء، وأنكروا ما يجري من الخوارق؛ لأجل أن لا يلتبس هذا بهذا وجعلوا ذلك مجرد تخييل في كل أحواله.\nوأما الأشاعرة فجعلوا المسألة مختلفة، وسيأتي تفصيلها في موضعها إن شاء الله عند كرامات الأولياء.\nالمذهب الثالث: هو مذهب أهل السنة والجماعة والسلف الصالح فيما قرره","vol":"2","page":966},{"text":"أئمتهم وهو أنَّ النبوة والرسالة دليلها وبرهانها متنوع، ولا يُحصرُ القول بأنها من جهة المعجزات الحسية التي تُرى أو تجري على يدي النبي والولي.\nفمن الأدلة والبراهين لإثبات النبوة والرسالة:\nأولًا: الآيات والبراهين.\n- ثانيًا: ما يجري من أحوال النبي في خَبَرِهِ وأمره ونهيه وقوله وفعله مما يكون دالاًّ على صدقه بالقطع.\n- ثالثًا: أنَّ الله - ﷿ - ينصر أنبياءه وأولياءه ويمكِّن لهم ويخذل مدعي النبوة ويُبيد أولئك ولا يجعل لهم انتشارا كبيرا.\nوهذه ثلاثة أصول (^١).\nفالأدلة العقلية التي تستحق أن تسمى أدلة عقلية على المطالب العالية الإلهية وهي الإيمان بالرب تعالى والإيمان بكتبه ورسله والإيمان باليوم الآخر والعمل الصالح الذي به يسعد الناس وينجون من العذاب في الدنيا والآخرة قد دل عليه القرآن أحسن دلالة وبينه أحسن بيان بل ضرب الله في القرآن من كل مثل وجميع ما يذكره الناس في هذا الباب متكلمهم ومتفلسفهم ما كان فيه حقّا فقد جاء القرآن به وبأحسن منه على أكمل الوجوه بل ما جاءت به النبوات في التوراة والإنجيل من المطالب الإلهية جاء القرآن بها وما حرفها فكيف بالأمور التي تعرف بمجرد العقل من غير وحي من السماء في هذا الباب فإن معرفة هذه أيسر فإذا كان القرآن قد اشتمل على معاني الكتب فكيف لا يشتمل على هذه\" (^٢)\nوقد جاء الوحي مخاطبا عقول الناس وألبابهم، في إقامة الحجة عليهم فيما\n_________\n(^١) المصدر: شرح العقيدة الطحاوية للشيخ صالح آل الشيخ ضمن الموسوعة الشاملة.\n(^٢) بيان تلبيس الجهمية ٨/ ٥٢٩.","vol":"2","page":967},{"text":"يلزمهم من أمور الاعتقاد ومنها عقيدة النبوة، وهذا أمر مجمع عليه بين كل من طالع نصوص الوحي.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"جميع الطوائف - حتى أئمة الكلام والفلسفة - معترفون باشتمال ما جاءت به الرسل على الأدلة الدالة على معرفة الله وتصديق رسله \" (^١)\nوالوحي في مخاطبته لعقول الناس، خاطبهم بأقرب الطرق إلى العقل وأسهلها؛ حيث يفهم حججه العامي قبل العالم، ويزداد الذكي والعالم يقينا، كلما ازداد مطالعة وتدبرا لها.\nقال ابن القيم: \" والله سبحانه حاج عباده على ألسن رسله وأنبيائه، فيما أراد تقريرهم به وإلزامهم إياه، بأقرب الطرق إلى العقل، وأسهلها تناولا، وأقلها تكلفا وأعظمها غناء ونفعا، وأجلها ثمرة وفائدة، فحججه سبحانه العقلية التي بينها في كتابه، جمعت بين كونها عقلية سمعية ظاهرة، واضحة، قليلة المقدمات، سهلة الفهم، قريبة التناول، قاطعة للشكوك والشبه، ملزمة للمعاند والجاحد، ولهذا كانت المعارف التي استنبطت منها في القلوب أرسخ ولعموم الخلق أنفع.\nوإذا تتبع المتتبع ما في كتاب الله مما حاج به عباده في إقامة التوحيد، وإثبات الصفات، وإثبات الرسالة والنبوة، وإثبات المعاد وحشر الأجساد، وطرق إثبات علمه بكل خفي وظاهر، وعموم قدرته ومشيئته، وتفرده بالملك والتدبير، وأنه لا يستحق العبادة سواه: وجد الأمر في ذلك على ما ذكرناه، من تصرف المخاطبة منه سبحانه في ذلك على أجلّ وجوه الحجاج، وأسبقها إلى القلوب، وأعظمها ملاءمة للعقول، وأبعدها من الشكوك والشبه، في أوجز لفظ وأبينه وأعذبه وأحسنه وأرشقه\n_________\n(^١) \"درء تعارض العقل والنقل\" (٩/ ٥٣).","vol":"2","page":968},{"text":"وأدله على المراد \" (^١)\nفلذا على المسلم وغير المسلم إذا أراد أدلة عقلية على صحة النبوة؛ فعليه أن يطالع نصوص الوحي ويتدبرها؛ فلن يجد أدلة أقوى مما أرشد إليه الوحي.\nثانيا: عند تدبر أدلة الوحي على عقيدة النبوة؛ نراها ترجع إلى أمرين:\nالأمر الأول: شخصية النبي ﷺ.\nوالأمر الثاني: ماجاء به.\nويجمعهما قول الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ، أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ، أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ] ﴿المؤمنون الآيات: ٦٨ - ٧٠. [\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى: \"وقال في إثبات نبوة رسوله باعتبار التأمل لأحواله وتأمل دعوته وما جاء به: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ … ﴿الآيات.\nفدعاهم سبحانه إلى تدبر القول، وتأمل حال القائل، فإن كون القول للشيء كذبا وزورا، يعلم من نفس القول تارة، وتناقضه واضطرابه، وظهور شواهد الكذب عليه، فالكذب باد على صفحاته، وباد على ظاهره وباطنه، ويعرف من حال القائل تارة، فإن المعروف بالكذب والفجور والمكر والخداع، لا تكون أقواله إلا مناسبة لأفعاله، ولا يتأتى منه من القول والفعل ما يتأتى من البار الصادق، المبرأ من كل فاحشة وغدر، وكذب وفجور، بل قلب هذا وقصده وقوله وعمله يشبه بعضه بعضا، وقلب ذلك وقوله وعمله وقصده، يشبه بعضه بعضا.\nفدعاهم سبحانه إلى تدبر القول وتأمل سيرة القائل وأحواله وحينئذ تتبين لهم\n_________\n(^١) \"الصواعق المرسلة\" (٢/ ٤٦٠).","vol":"2","page":969},{"text":"حقيقة الأمر وأن ما جاء به في أعلى مراتب الصدق\" (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"بين سبحانه من حاله، ما يعلمه العامة والخاصة، وهو معلوم لجميع قومه الذين شاهدوه، متواتر عند من غاب عنه، وبلغته أخباره من جميع الناس: أنه كان أميا لا يقرأ كتابا، ولا يحفظ كتابا من الكتب، لا المنزلة ولا غيرها، ولا يقرأ شيئا مكتوبا، لا كتابا منزلا ولا غيره، ولا يكتب بيمينه كتابا، ولا ينسخ شيئا من كتب الناس المنزلة ولا غيرها.\nومعلوم أن من يعلم من غيره: إما أن يأخذ تلقينا وحفظا، وإما أن يأخذ من كتابه، وهو لم يكن يقرأ شيئا من الكتب من حفظه، ولا يقرأ مكتوبا، والذي يأخذ من كتاب غيره، إما أن يقرأه، وإما أن ينسخه، وهو لم يكن يقرأ ولا ينسخ \" (^٢)\nوقال الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف الآية: ٣. [\nوقال الله تعالى مقيما الحجة على أهل الكفر من قريش: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس الآية: ١٦].\nقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى: \"في هذه الآية الكريمة حجة واضحة على كفار مكة؛ لأن النبي ﷺ لم يبعث إليهم رسولا حتى لبث فيهم عمرا من الزمن، وقدر ذلك أربعون سنة، فعرفوا صدقه، وأمانته، وعدله، وأنه بعيد كل البعد من أن يكون كاذبا على الله تعالى، وكانوا في الجاهلية يسمونه الأمين، وقد ألقمهم الله حجرا بهذه الحجة في موضع آخر، وهو قوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ\n_________\n(^١) \"الصواعق المرسلة\" (٢/ ٤٦٩ - ٤٧٠).\n(^٢) \"الجواب الصحيح\" (٥/ ٣٣٨ - ٣٣٩).","vol":"2","page":970},{"text":"مُنْكِرُونَ ﴿ولذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان، ومن معه عن صفاته ﷺ، قال هرقل لأبي سفيان: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا.\nوكان أبو سفيان في ذلك الوقت زعيم الكفار، ورأس المشركين ومع ذلك اعترف بالحق، والحق ما شهدت به الأعداء.\nفقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله. اهـ.\nولذلك وبخهم الله تعالى بقوله هنا: (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) \". (^١)\nوقال ابن القيم رحمه الله تعالى: \"الحجة الثانية: أني قد لبثت فيكم عمري إلى حين أتيتكم به، وأنتم تشاهدوني وتعرفون حالي، وتصحبوني حضرا وسفرا، وتعرفون دقيق أمري وجليله، وتتحققون سيرتي هل كانت سيرة من هو من أكذب الخلق وأفجرهم وأظلمهم؟! فإنه لا أكذب ولا أظلم ولا أقبح سيرة ممن جاهر ربه وخالفه بالكذب والفرية عليه وطلب إفساد العالم وظلم النفوس والبغي في الأرض بغير الحق.\nهذا وأنتم تعلمون أني لم أكن أقرأ كتابا ولا أخطه بيميني، ولا صاحبت من أتعلم منه؛ بل صحبتكم أنتم في أسفاركم لمن تتعلمون منه وتسألونه عن أخبار الأمم والملوك وغيرها ما لم أشارككم فيه بوجه، ثم جئتكم بهذا النبأ العظيم الذي فيه علم الأولين والآخرين وعلم ما كان وما سيكون على التفصيل.\nفأي برهان أوضح من هذا! \". (^٢)\nالأمر الثاني: تأمل ما جاء به النبي ﷺ.\n_________\n(^١) \"أضواء البيان\" (٢/ ٥٦٣ - ٥٦٤).\n(^٢) الصواعق المرسلة\" (٢/ ٤٧١).","vol":"2","page":971},{"text":"فما جاء به النبي ﷺ من أخبار الغيب الماضية والمستقبلة، تقطع بأن هذه الأخبار قد نبئ بها من خالق هذا الكون ﷾ العالم، بما كان وما سيكون.\nكما قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ] ﴿آل عمران الآية: ٤٤].\nوقال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود الآية: ٤٩].\nوقال تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: ١٠٢].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"كان يخبرهم بالأمور الماضية خبرًا مفصلًا، لا يعلمه أحد إلا أن يكون نبيًا، أو من أخبره نبي، وقومه يعلمون أنه لم يخبره بذلك أحد من البشر، وهذا مما قامت به الحجة عليهم، وهم مع قوة عداوتهم له وحرصهم على ما يطعنون به عليه، لم يمكنهم أن يطعنوا طعنا يقبل منهم، وكان علم سائر الأمم بأن قومه المعادين له، المجتهدين في الطعن عليه، لم يمكنهم أن يقولوا: إن هذه الغيوب علمها إياه بشر.\nفوجب على جميع الخلق: أن هذا لم يعلمه إياها بشر؛ ولهذا قال تعالى: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ [هود الآية: ٤٩ [\nفأخبر أنه لم يكن يعلم ذلك هو ولا قومه، وقومه تقر بذلك\" (^١)\nوكان ﷺ يبلغ بما سيقع في المستقبل، فيقع كما نُبئ به.\nكقوله تعالى: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ، فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ، فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴿…] الروم الآيات: ٢ - ٣ - ٤].\n_________\n(^١) \"الجواب الصحيح\" (١/ ٤٠٣).","vol":"2","page":972},{"text":"وإخبار الوحي بمثل هذا كثير فمنه ما وقع، ومنه ما هو واقع ومستمر، يدل دلالة قاطعة لكل عاقل: أن ما جاء به النبي ﷺ هو وحي من خالق هذا الكون العالم به؛ وبهذا ألزم الله عقول الناس.\nقال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان الآيات: ٥ - ٦].\nوالتشريعات التي جاء بها النبي ﷺ قاطعة بصدق نبوته، فقد أتى بنظام تشريعي وأخلاقي وتربوي متكامل لا تنافر فيه، وفي الوقت نفسه قابل للتطبيق وموافق لفطر الناس، وواقع الناس، أفرادا ومجتمعات، على مر التاريخ: شاهد على ذلك؛ فكلما طبّقت هذه التشريعات والآداب في الواقع، صلح الناس وسعدوا، وكلما ابتعدوا عنها فسدوا وشقوا، وهذا كله يظهر صدق قول الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء الآية: ٨٢. [\nوفي المقابل: ما زال أهل الذكاء من الناس يبحثون ويفتشون عن منهج تشريعي وأخلاقي يصلح الناس، يبدأ السابق، ويبني على نتائجه اللاحق، والجهود متظافرة في جميع التخصصات-كما نرى في هذا الزمن-للوصول إلى هذا الهدف، لكنهم عاجزون عن ذلك، لا يرقّعون جانبا إلا وظهر الخرق في جانب آخر، وهذا الواقع يقضي أن ما جاء به النبي ﷺ، ليس مصدره بشريا؛ وإنما نبئ به من خالق هذا الخلق العالم به وبما يصلحه.\nقال الله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف/ ٥٤ [\" (^١).\n_________\n(^١) المصدر: موقع الإسلام سؤال وجواب.\nوللفائدة في مثل هذا الموضوع ينصح بمطالعة كتاب \"النبأ العظيم\" للشيخ محمد بن عبد الله دراز رحمه الله تعالى.\nوكتاب \"الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد\" للشيخ سعود بن عبد العزيز العريفي.\nوكتاب \"براهين النبوة\" للدكتور سامي عامري،","vol":"2","page":973},{"text":"وقول المصنف: \"ومنها ظنهم أن تلك الطريق التي سلكوها صحيحة، وقد تكون باطلة\".\nولمناقشة أصل المتكلمين القاضي بتقديم العقل على النقل عند التعارض يقال:\nهذا القانون مبني على ثلاث مقدمات:\n١ - ثبوت التعارض بين العقل والنقل.\n٢ - انحصار التقسيم في الأقسام الأربعة المذكورة.\n٣ - بطلان الأقسام الثلاثة ليتعيَّن ثبوت القسم الرابع، أي تقديم العقل.\nوهذه المقدمات كلها متهافتة لا تقوم على أساس من الشرع، ولا من العقل السليم، وإثبات تهافتها من وجوه.\nالوجه الأول: أن هذا التقسيم باطلٌ من أصله، والتقسيم الصحيح أن يقال: إذا تعارض دليلان سمعيَّان أو دليلان عقليان أو دليلان سمعي وعقلي، فلا يخلو الأمر إما أن يكونا قطعيين، وإما أن يكونا ظنِّيَّين، وإما أن يكون أحدهما قطعيًّا\nوالآخر ظنيًّا، وعلى هذا الأساس يجري الحكم لأحدهما أو عليه، فيقال: أما القطعيان فلا يمكن تعارضهما؛ لأن الدليل القطعي هو الذي يستلزم مدلوله قطعًا، فلو تعارضا لزم الجمع بين النقيضين، وإن كان أحدهما قطعيًّا والآخر ظنيًّا تعيَّن تقديم القطعي سواء كان عقليًّا أو سمعيًّا، نظرًا لقطعيَّة دلالته لا بكونه عقليًّا أو سمعياًّ وإن كانا ظنِّيَّين صرنا إلى الترجيح،، ووجب تقديم الراجح سمعيًّا كان أو عقليًّا، وعلى هذا فقولهم: إذا تعارض العقل والنقل؛ فإما أن يريدوا القطعيَّين فلا نسلم إمكان التعارض بينهما، وإما أن يريدوا به الظنيين، فالتقديم للراجح، وإما أن يريدوا ما يكون أحدهما قطعيًّا","vol":"2","page":974},{"text":"والآخر ظنيًّا، فالقطعي هو المقدَّم، فإن قُدِّر أن العقلي هو القطعي كان تقديمه لأنه قطعي لا لأنه عقلي، فعلم بهذا أن تقديم العقلي مطلقًا خطأ فادح، وأن جعل جهة الترجيح كونه عقليًّا خطأ، وأن جعل سبب التأخير والإطراح كون النقلي نقليًّا خطأ. وهذا الوجه يقضي على مقدمتهم الثانية والثالثة.\nالوجه الثاني: قولهم: «العقل أصل النقل» ممنوع؛ فإنما هو ثابت في نفس الأمر ليس موقوفًا على علمنا به، فعدم علمنا بالحقائق لا ينفي ثبوتها في نفس الأمر، فما أخبر به الصادق المصدوق هو ثابت في نفسه، سواء علمناه بعقولنا أو لم نعلمه، وسواء صدقه الناس أو لم يصدقوه، كما أن الرسول -ﷺ- حق، وإن كذبه من كذبه، ووجود الرب تعالى وثبوت أسمائه وصفاته حق، وإن جهله من جهله أو جحده من جحده، وعلى هذا فليس القدح في العقل قدحًا في الحقائق الثابتة بالسمع. وهذا واضحٌ إن شاء الله.\nالوجه الثالث: أن العقل الصريح السليم لا يعارض النقل الصحيح، إذا كان الدليل السمعي ثابتًا في نفسه، ظاهر الدلالة بنفسه على المراد، لم يكن ما عارضه من العقليات إلا خيالات فاسدة، وأوهامًا كاسدة، ومقدمات كاذبة، إذا تأملها العاقل حق التأمل وجدها مخالفةً لصريح المعقول، وهذا ثابتٌ في كل دليلٍ عقلي خالف دليلًا سمعيًّا صحيح الدلالة، وعليه إذا عارض هذا المسمى دليلًا عقليًّا السمع وجب إطراحه لفساده وبطلانه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «من أسباب ضلال كثير من الناس أنهم ظنوا أن ما يقوله هؤلاء المبتدعون هو الشرع المأخوذ عن الرسول -ﷺ- وليس الأمر كذلك بل كل ما عُلم بالعقل الصريح فلا يوجد عن الرسول -ﷺ- إلا ما يوافقه ويصدقه» إه.\nوقال ابن القيِّم ﵀: «إن ما عُلم بصريح العقل الذي لا يختلف فيه العقلاء لا يتصور أن يعارضه الشرع البتة، ولا يأتي بخلافه، ومن تأمل ذلك فيما تنازع العقلاء","vol":"2","page":975},{"text":"فيه من المسائل الكبار وجد ما خالف النصوص الصحيحة شبهات فاسدة يعلم بالعقل بطلانها» إه.\nوقد يقال: إن المعارضة ثابتة بين العقل وبين ما يفهم بظاهر اللفظ، وليست ثابتة بين العقل وبين ما أخبر به الرسول -ﷺ-.\nوالجواب: أن هذا الكلام يغير صورة المسألة، فتصير هكذا: إذا تعارض الدليل العقلي وما ليس بدليل صحيح وجب تقديم العقلي، وهذا كلام لا فائدة فيه، ولا حاصل له، وكل عاقلٍ يعلم أن الدليل لا يترك لما ليس بدليل، وكلام المبلغ الأمين يستحيل أن يكون ظاهرًا في غير المراد ويتركه من غير بيان، فإن أمانة التبليغ تنافي ذلك.\nالوجه الرابع: أنه لو قدر وقوع تعارض الشرع والعقل لوجب تقديم الشرع لا العقل وذلك لأمور:\n١ - أن العقل قد صدَّق الشرع ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره، ومعلومٌ أن الشرع لم يصدِّق العقل في كل ما أقرَّه أو أخبر به.\n٢ - أن العقل دلَّ على صدق رسول الله -ﷺ- فيما أخبر، وعلى وجوب طاعته فيما أمر.\n٣ - أن العقل يغلط كما يغلط الحس، بل أكثر، فإذا كان حكم الحس من أقوى الأحكام ويعتريه الغلط؛ فما ظنُّك بالعقل؟\n٤ - أن العقل له حدود يقف عندها ولا يستطيع أن يتجاوزها، خصوصًا فيما يتعلَّق بالله وصفاته وما أخبر به من أمور الغيب، وأما الشرع فلا يقارن بالعقل في هذا المجال، بل ولا في غيره، قال ابن القيّم:» إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النَّقل، لأن الجمع يبن المدلولين، جمع بين النقيضين، وإبطالهما معًا إبطال للنقيضين، وتقديم العقل ممتنع، لأن العقل قد دلّ على صحّة السّمع ووجوب قبول","vol":"2","page":976},{"text":"ما أخبر الرسول فلو أبطلنا النّقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، وإذا بطلت دلالته لم يصح أن يكون معارضًا للنقل، لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة الدَّليل «.\nالوجه الخامس: أن العقل مع الوحي كما العامِّي مع المفتي، بل ودون ذلك بمراتب كثيرة، فإن المقلد يمكن أن يصير عالمًا، ولا يمكن للمفتي أن يصير نبيّا ورسولًا يوحى إليه.\nفلو دلَّ مقلد مقلدًا آخر على مفتٍ عالم فأفتاه، ثم اختلف المفتي والدّال فإن الواجب المحتم على المستفتي قبول قول المفتي دون المقلِّد الذي دلَّ عليه وعرَّفه به، فلو قال له الدالّ: الصواب معي دون المفتي؛ لأني أنا الأصل في علمك بأنه مفتٍ، فإذا قدَّمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفتٍ، فيلزم القدح في فرعه، لقال له المستفتي: أنت لمّا شهدت بأنه مفتٍ، شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك وموافقتي لك في هذا العالم المعين - وهو كونه مفتيًا - لا يستلزم موافقتك في كل مسألة، لأن إصابتك الحق، في إدراك أنه مفتٍ لا يستلزم إصابتك الحق في كل شيء، بل يجب عليك تقليده كما يجب عليّ بشهادتك أنت، هذا مع العلم بأن المفتي يجوز عليه الخطأ، والعقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله ولا يجوز عليه الخطأ.\nوهذا من أحسن الأمثلة المضروبة للنقل مع العقل، ويقضي على أصلهم الذي يقرر أن العقل أصل، والشرع فرع فيجب تقديم العقل.\nالوجه السادس: أن تقديم العقل على الشرع يتضمَّن القدح في العقل والشرع لأن العقل قد شهد للوحي بأنه أعلم منه، وأن نسبة علومه ومعارفه إلى الوحي أقل من خردلة إذا قورنت بجبل، فلو قدم حكم العقل عليه لكان ذلك قدحًا في شهادة العقل، وإذا بطلت شهادته بطل قبول قوله، قال العلامة ابن الوزير اليماني: «فإن قيل: تقديم العقل على السمع أولى عند التعارض، لأن السمع علم بالعقل فهو أصل، ولو","vol":"2","page":977},{"text":"بطل العقل بطل السمع والعقل معًا، وهذه من قواعد المتكلمين، قلنا: قد اعترضهم في ذلك المحققون بأن العلوم يستحيل تعارضها في العقل والسمع فتعارضها تقدير محال، فإنه لو بطل السمع أيضًا بعد أن دلَّ العقل على صحته لبطلا أيضًا معًا، لأن العقل قد كان حكم بصحة السمع وأنه لا يبطل، فحين بطل السمع علمنا ببطلانه بطلان الأحكام العقلية» (^١).\nالوجه السابع: أن الحكم للعقل بالتقديم المطلق ممتنع متناقض، لأن كون الشيء معلومًا بالعقل أو غير معلوم بالعقل ليس صفة لازمة لشيء من الأشياء، بل هو من الأمور النسبية، فإن زيدًا قد يعلم بعقله ما لا يعلمه عمرو، كما أن الإنسان قد يعقل شيئًا ما في وقت، ويجهله في وقت آخر، فأكثر العقلاء - مثلًا - يعلمون أن كون العالم عالمًا بلا علم وحيًّا بلا حياة، ومريدًا بلا إرادة، وسميعًا بصيرًا بلا سمع ولا بصر، محال بضرورة العقل، بينما يقول بعض المتكلمين: إن ذلك هو الواجب في حق الله تعالى مستدلين على ذلك بالعقل، وبهذا تعلم أن الرد إلى العقول عند النزاع لا يزيد المختلفين إلا اختلافًا واضطرابًا، وشكًّا وارتيابًا وعلى هذا لا يمكن الحكم بين الناس في موارد النِّزاع والاختلاف إلا بكتاب منزل من السماء يرجع الجميع إلى حكمه، وإلا فكل واحد من أرباب المعقولات يقول: عقلي بالثقة به أولى من عقل من ينازعني.\nوقول المصنف: \"ومنها ظنهم أن ما عارضوا به السمع معلوم بالعقل، ويكونون غالطين في ذلك، فإنه إذا وزن بالميزان الصحيح وجد ما يعارض الكتاب والسنة من المجهولات لا من المعقولات، وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع\".\nالعقل مع الوحي كما العامِّي مع المفتي، بل ودون ذلك بمراتب كثيرة، فإن\n_________\n(^١) \"إيثار الحق\" صـ ١١٧ إلى ١١٩ وأشار إلى أن ممن ذكر ذلك ابن تيمية وابن دقيق العيد والزركشي.","vol":"2","page":978},{"text":"المقلد يمكن أن يصير عالمًا، ولا يمكن للمفتي أن يصير نبيّا ورسولًا يوحى إليه.\nفلو دلَّ مقلد مقلدًا آخر على مفتٍ عالم فأفتاه، ثم اختلف المفتي والدّال فإن الواجب المحتم على المستفتي قبول قول المفتي دون المقلِّد الذي دلَّ عليه وعرَّفه به، فلو قال له الدالّ: الصواب معي دون المفتي؛ لأني أنا الأصل في علمك بأنه مفتٍ، فإذا قدَّمت قوله على قولي قدحت في الأصل الذي به عرفت أنه مفتٍ، فيلزم القدح في فرعه، لقال له المستفتي: أنت لمّا شهدت بأنه مفتٍ، شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك وموافقتي لك في هذا العالم المعين - وهو كونه مفتيًا - لا يستلزم موافقتك في كل مسألة، لأن إصابتك الحق، في إدراك أنه مفتٍ لا يستلزم إصابتك الحق في كل شيء، بل يجب عليك تقليده كما يجب عليّ بشهادتك أنت، هذا مع العلم بأن المفتي يجوز عليه الخطأ، والعقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله ولا يجوز عليه الخطأ.\nوهذا من أحسن الأمثلة المضروبة للنقل مع العقل، ويقضي على أصلهم الذي يقرر أن العقل أصل، والشرع فرع فيجب تقديم العقل.\nفلو قدر وقوع تعارض الشرع والعقل لوجب تقديم الشرع لا العقل وذلك لأمور:\n١ - أن العقل قد صدَّق الشرع ومن ضرورة تصديقه له قبول خبره، ومعلومٌ أن الشرع لم يصدِّق العقل في كل ما أقرَّه أو أخبر به.\n٢ - أن العقل دلَّ على صدق رسول الله -ﷺ- فيما أخبر، وعلى وجوب طاعته فيما أمر.\n٣ - أن العقل يغلط كما يغلط الحس، بل أكثر، فإذا كان حكم الحس من أقوى الأحكام ويعتريه الغلط؛ فما ظنُّك بالعقل؟\n٤ - أن العقل له حدود يقف عندها ولا يستطيع أن يتجاوزها، خصوصًا فيما","vol":"2","page":979},{"text":"يتعلَّق بالله وصفاته وما أخبر به من أمور الغيب، وأما الشرع فلا يقارن بالعقل في هذا المجال، بل ولا في غيره، قال ابن القيّم:» إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديم النَّقل، لأن الجمع يبن المدلولين، جمع بين النقيضين، وإبطالهما معًا إبطال للنقيضين، وتقديم العقل ممتنع، لأن العقل قد دلّ على صحّة السّمع ووجوب قبول ما أخبر الرسول فلو أبطلنا النّقل لكنا قد أبطلنا دلالة العقل، وإذا بطلت دلالته لم يصح أن يكون معارضًا للنقل، لأن ما ليس بدليل لا يصلح لمعارضة الدَّليل «.\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «فلو قيل بتقديم العقل على الشرع وليست العقول شيئًا واحدًا بيِّنًا بنفسه، ولا عليه دليل معلوم للناس، بل فيها هذا الاختلاف والاضطراب، لوجب أن يحال الناس على شيء لا سبيل إلى ثبوته ومعرفته، ولا اتفاق للناس عليه، وأما الشرع فهو في نفسه قول صادق، وهذه صفة لازمة لا تختلف باختلاف أحوال الناس، والعلم بذلك ممكن ورد الناس إليه ممكن، ولهذا جاء التنزيل برد الناس عند التنازع إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلًا﴾ [سور النساء الآية: ٥٩]، فأمر الله تعالى المؤمنين عند التنازع بالرد إلى الله والرسول، وهذا يوجب تقديم السمع وهذا هو الواجب، إذ لو ردوا إلى غير ذلك من عقول الرجال وآرائهم ومقاييسهم وبراهينهم لم يزدهم هذا الرد إلا اختلافًا واضطرابًا وشكًّا وارتيابًا» اه.\nوممّا يوكِّد عدم انضباط نتائج العقول خاصة في البحوث المتعلقة بأسماء الله تعالى وصفاته ذلك التعارض العجيب الذي نجده عند أهل المدرسة الواحدة من مدارس الكلام، انظر إلى قول الرازي - وهو ينتقض الغزالي _: «من الأصحاب من قال: السميع البصير أكمل ممن ليس بسميع، والواحد منا سميع بصير، فلو لم يكن الله تعالى كذلك لكان الواحد منا أكمل من الله تعالى، وهو محال، وهذا ضعيف، لأن","vol":"2","page":980},{"text":"لقائل أن يقول: الماشي أكمل ممن لا يمشي، والحسن الوجه أكمل من القبيح، والواحد منا موصوف به، فلو لم يكن الله تعالى موصوفًا به لزم أن يكون الواحد أكمل من الله تعالى» (١) اه.\nوبهذا يتبيّن خطورة الاعتماد على العقل المجرد في إثبات الصفات، حيث يفتح بابًا للإلزامات واسعًا. بينما الواقف مع النص لا يمكن إلزامه بشيء من ذلك ولله الحمد والمنَّة\". (^١)\nقال ابن القيم: \"والذين زعموا من قاصري العقل والسمع أن العقل يجب تقديمه على السمع عند تعارضهما، إنما أتوا من جهلهم بحكم العقل ومقتضى السمع، فظنوا ما ليس بمعقول معقولا، وهو في الحقيقة شبهات توهم أنه عقل صريح وليست كذلك، أو من جهلهم بالسمع إما لنسبتهم إلى الرسول ما لم يُرده بقوله، وإما لعدم تفريقهم بين ما لا يدرك بالعقول وبين ما تدرك استحالته بالعقول، فهذه أربعة أمور أوجبت لهم ظن التعارض بين السمع والعقل:\nأحدها: كون القضية ليست من قضايا العقول.\nالثاني: كون ذلك السمع ليس من السمع الصحيح المقبول.\nالثالث: عدم فهم مراد المتكلم به.\nالرابع: عدم التمييز بين ما يحيله العقل وما لا يدركه\" (^٢).\nوالأدلة على بطلان هذا القانون كثيرة، ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه المميز الذي صنفه من أجل نسف هذا القانون، كتاب\" درء تعارض العقل والنقل\"، ومن بعده تلميذه ابن القيم الذي اعتمد على شيخه واختصر ونقح وزاد في كتابه\n_________\n(^١) مقدمة ابن خلدون ص ٦٨٨، وانظر «الصواعق» ٤٥٩.\n(^٢) \"الصواعق المرسلة\" (٢/ ٤٥٩)","vol":"2","page":981},{"text":"\"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة\"، ومن هذه الردود:\nأولًا: الدينُ كاملٌ فلا حاجة إلى عقل أو غيره لاتمامه، فإنه ما انتقل النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى إلا وبلَّغ الرسالة، وأدَّى الأمانة، وأكمل الله به الدين، وأتمَّ به النعمة، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة الآية: ٣].\nقال ابن القيم: \" أن الله تعالى قد تمم الدين بنبيه ﷺ وكمله به، ولم يحوجه هو ولا أمته إلى عقل ولا نقل سواه ولا رأي ولا منام ولا كشف.\nقال الله تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة الآية: ٣] وأنكر على من لم يكتف بالوحي، فقال: ﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون﴾ [العنكبوت الآية: ٥١] ذكر هذا جوابا لطلبهم آية تدل على صدقه، فأخبر أنه يكفيهم من كل آية، فلو كان ما تضمنه من الإخبار عنه وعن صفاته وأفعاله واليوم الآخر يناقض العقل لم يكن دليلا على صدقه فضلا عن أن يكون كافيا\" (^١).\nثانيًا: لم يكن من طريقة السلف الصالح من الصحابة وأتباعهم تقديم معقولهم على النصوص، مع أنهم أكمل الناس عقلا وعلما وفقها، بل كانوا يعلنون النكير على من يقابل النصوص رأيه وعقله.\nقال ابن القيم: \" أن الصحابة كانوا يستشكلون بعض النصوص ويوردون استشكالاتهم على النبي ﷺ فيجيبهم عنها، وكانوا يسألونه عن الجمع بين النصوص، ويوردون التي يوهم ظاهرها التعارض، ولم يكن أحد منهم يورد عليه معقولا يعارض النص البتة، ولا عرف فيهم أحد، وهم أكمل الأمة عقولا، عارض نصا\n_________\n(^١) \"الصواعق المرسلة\" (١١٦)","vol":"2","page":982},{"text":"بعقل، وإنما حكى الله تعالى ذلك عن الكفار …\nوقد كان السلف يشتد عليهم معارضة النصوص بآراء الرجال، ولا يقرون على ذلك، وكان ابن عباس يحتج في متعة الحج بسنة رسول الله ﷺ وأمره لأصحابه بها، فيقولون له: إن أبا بكر وعمر أفردا الحج ولم يتمتعا، فلما أكثروا عليه قال: \"يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر\".\nفرحم الله ابن عباس، كيف لو رأى قوما يعارضون قول رسول الله ﷺ بقول أرسطو وأفلاطون وابن سينا والفارابي وجهم بن صفوان وبشر المريسي وأبي الهذيل العلاف وأضرابهم؟ \" (^١).\nثالثًا: إن تقديم العقل على النقل هو نسفٌ للعقل والنقل معا، فلا حجة بشيء بعد ذلك.\nقال ابن القيم: \"وحينئذ فهذا وجه تاسع مستقل بكسر هذا الطاغوت، وهو أن تقديم العقل على الشرع يتضمن القدح في العقل والشرع; لأن العقل قد شهد الشرع والوحي بأنه أعلم منه، وأنه لا نسبة له إليه، وأن نسبة علومه ومعارفه إلى الوحي أقل من خردلة بالإضافة إلى جبل، فلو قدم حكم العقل عليه لكان ذلك قدحا في شهادته، وإذا بطلت شهادته بطل قبول قوله، فتقديم العقل على الوحي يتضمن القدح فيه وفي الشرع، وهذا ظاهر لا خفاء به\" (^٢).\nرابعا: تقديم العقل على النقل أمر لا ينضبط ولا نهاية له، لأن لكل فرد وجماعة وملة عقلها الذي تعظمه، وهم مختلفون وفي أمر مريج.\n_________\n(^١) \"الصواعق المرسلة\" (١٦٩).\n(^٢) \"الصواعق المرسلة\" (١١٣).","vol":"2","page":983},{"text":"قال شيخ الإسلام: \"وهو أن يقال: القول بتقديم الإنسان لمعقوله على النصوص النبوية قول لا ينضبط، وذلك لأن أهل الكلام والفلسفة الخائضين المتنازعين فيما يسمونه عقليات، كل منهم يقول: إنه يعلم بضرورة العقل أو بنظره ما يدعي الآخر أن المعلوم بضروة العقل أو بنظره نقيضه\" (^١).\nوقال ابن القيم: \"أن المعقولات ليس لها ضابط، ولا هي محصورة في نوع معين، فإنه ما من أمة من الأمم إلا ولهم عقليات يختصمون إليها ويختصون بها، فللفرس عقليات، وللهند عقليات، وللمجوس عقليات، وللصائبة عقليات، وكل طائفة من هذه الطوائف ليسوا متفقين على العقليات، بل فيها من الاختلاف ما هو معروف عند المعتنين به، ونحن نعفيكم من هذه المعقولات واضطرابها ونحاكمكم إلى المعقولات التي في هذه الأمة، فإنه ما من مدة من المدد إلا وقد ابتدعت فيها بدع يزعم أربابها أن العقل دل عليها\" (^٢).\nخامسًا: تقديم العقل على النقل هو اتباع للمتشابهات المجملات وترك المحكمات.\nقال شيخ الإسلام: \" أن يقال: الذين يعارضون الكتاب والسنة بما يسمونه عقليات: من الكلاميات والفلسفيات ونحو ذلك، إنما يبنون أمرهم في ذلك علي أقوال مشتبهة مجملة، تحتملمعاني متعددة، ويكون ما فيها من الاشتباه لفظًا ومعني يوجب تناولها لحق وباطل، فبما فيها من الحق يقبل ما فيها من الباطل لأجل الاشتباه والالتباس، ثم يعارضون بما فيها من الباطل ونصوص الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم.\n_________\n(^١) \"درء تعارض العقل والنقل\" (١/ ١٥٦ - ١٥٨).\n(^٢) \"مختصر الصواعق المرسلة\" (ص: ١٧٤).","vol":"2","page":984},{"text":"وهذا منشأ ضلال من ضل من الأمم قبلنا، وهو منشأ البدع، فإن البدعة لو كانت باطلًا محضًا لظهرت وبانت، وما قبلت، ولو كانت حقا محضا، لا شوب فيه، لكانت موافقة للسنة، فإن السنة لا تناقض حقًا محضًا لا باطل فيه، ولكن البدعة تشتمل علي حق وباطل وقد بسطنا الكلام علي هذا في غير هذا الموضع\" (^١).\nسادسًا: وهذا القانون لا يتأتى على طريقة المؤمنين المصدقين من أتباع المرسلين، بل هو سائر في سبيل أعداء الدين، من الشياطين وأتباعهم من الفلاسفة والكافرين المكذبين.\nقال ابن القيم: \" أن المعارضة بين العقل ونصوص الوحي لا تتأتى على قواعد المسلمين المؤمنين بالنبوة حقًا، ولا على أصول أحد من أهل الملل المصدقين بحقيقة النبوة، ليست هذه المعارضة من الإيمان بالنبوة في شيء، وإنما تتأتى هذه المعارضة ممن يقر بالنبوة على قواعد الفلسفة ويجريها على أوضاعهم\" (^٢).\nوقال شيخ الإسلام: \" أن يقال: معارضة أقوال الأنبياء بآراء الرجال، وتقديم ذلك عليها، هو من فعل المكذبين للرسل، بل هو جماع كل كفر، كما قال الشهرستاني في أول كتابه المعروف بالملل والنحل ما معناه: أصل كل شر هو من معارضة النص بالرأي، وتقديم الهوى على الشرع.\nوهو كما قال، فإن الله أرسل رسله، وأنزل كتبه، وبين أن المتبعين لما أنزل هم أهل الهدى والفلاح، والمعرضين عن ذلك هم أهل الشقاء والضلال …\nقال تعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾ [غافر الآية: ٤]، ومن المعلوم أن كل من عارض القرآن، وجادل في ذلك بعقله ورأيه، فهو داخل في ذلك، وإن لم يزعم\n_________\n(^١) \"درء تعارض العقل والنقل\" (١/ ٢٠٨ - ٢٠٩).\n(^٢) \"مختصر الصواعق المرسلة\" (ص: ١٤٥).","vol":"2","page":985},{"text":"تقديم كلامه على كلام الله ورسوله، بل إذا قال ما يوجب المرية والشك في كلام الله، فقد دخل في ذلك، فكيف بمن يزعم أن ما يقوله بعقله ورأيه مقدم على نصوص الكتاب والسنة\" (^١).\nسابعًا: القول بتقديم العقل على النقل يؤدي إلى عدم الاستدلال بالوحي على شيء من المسائل العلمية مما يؤدي إلى عدم التصديق بالوحي فالكفر بالله ورسوله والعياذ بالله.\nقال شيخ الإسلام: \"وهو أن يقال: حقيقة قول هؤلاء الذين يجوزون أن تعارض النصوص الإلهية النبوية بما يناقضها من آراء الرجال، وأن لا يحتج بالقرآن والحديث على شيء من المسائل العلمية، بل ولا يستفاد التصديق بشيء من أخبار الله ورسوله، فإنه إذا جاز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله في الكتاب والسنة أخبار يعارضها صريح العقل، ويجب تقديمه عليها من غير بيان من الله ورسوله للحق الذي يطابق مدلول العقل، ولا لمعاني تلك الأخبار المناقضة لصريح العقل، فالإنسان لا يخلو من حالين، وذلك لأن الإنسان إذا سمع خطاب الله ورسوله الذي يخبر فيه عن الغيب: فإما أن يقدر أن له رأيًا مخالفًا للنص، أو ليس له رأي يخالفه، فإن كان عنده مما يسميه معقولًا ما يناقض خبر الله ورسوله، وكان معقوله هو المقدم، قدم معقوله وألغى خبر الله ورسوله، وكان حينئذ كل من اقتضى عقله مناقضة خبر من أخبار الله ورسوله قدم عقله على خبر الله ورسوله، ولم يكن مستدلا بما أخبر الله به ورسوله على ثبوت مخبره، بل ولم يستفد من خبر الله ورسوله فائدة علمية، بل غايته أن يستفيد إتعاب قلبه فيما يحتمله ذلك اللفظ من المعاني التي لا يدل عليها الخطاب إلا دلالة بعيدة ليصرف إليها اللفظ\" (^٢).\n_________\n(^١) \"درء تعارض العقل والنقل\" (٥/ ٢٠٤ - ٥٠٦).\n(^٢) \"درء تعارض العقل والنقل\" (٥/ ٢٤٢).","vol":"2","page":986},{"text":"ثامنًا: القول بتقديم العقل على النقل يؤول بصاحبه إما إلى التفويض أو التعطيل.\nقال شيخ الإسلام: \"أن يقال: غاية ما ينتهي إليه هؤلاء المعارضون لكلام الله ورسوله بآرائهم، من المشهورين بالإسلام، هو التأويل أو التفويض، فأما الذي ينتهون إلي أن يقولوا الأنبياء أوهموا وخيلوا ما لا حقيقة له في نفس الأمر، فهؤلاء معروفون عند المسلمين بالإلحاد والزندقة\" (^١).\nوقال ابن القيم: \" إنَّ غاية ما ينتهي إليه من ادعى معارضة العقل للوحي أحد أمور أربعة لا بد له منها:\n- إما تكذيبها وجحدها.\n- وإما اعتقاد أن الرسل خاطبوا الخلق بها خطابا جمهوريا لا حقيقة له وإنما أرادوا منهم التخييل وضرب الأمثال.\n- وإما اعتقاد أن المراد تأويلها وصرفها عن حقائقها وما تدل عليه إلى المجازات والاستعارات.\n- وإما الإعراض عنها وعن فهمها وتدبرها واعتقاد أنه لا يعلم ما أريد بها إلا الله.\nفهذه أربع مقامات، وقد ذهب إلى كل مقام منها طوائف من بني آدم \" (^٢).\nثم فصل ابن القيم في هذه المقامات وأصحابها.\n_________\n(^١) \"درء تعارض العقل والنقل\" (١/ ٢٠١ - ٢٠٢).\n(^٢) \"الصواعق المرسلة \" (٣/ ٩١٧ - ٩٢٥).","vol":"2","page":987},{"text":"المتن\nقال المصنف ﵀: \"والمقصود هنا أن من صفات الله تعالى ما قد يعلم بالعقل، كما يعلم أنه عالم، وأنه قادر، وأنه حي، كما أرشد إلى ذلك قوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾.\nوقد اتفق النُّظَّار من مثبتة الصفات على أنه يعلم بالعقل- عند المحققين- أنه حي عليم قدير مريد، وكذلك السمع والبصر والكلام يثبت بالعقل عند المحققين منهم.\nبل وكذلك الحب والرضا والغضب يمكن إثباته بالعقل\".\nالشرح\nقول المصنف: \"والمقصود هنا أن من صفات الله تعالى ما قد يعلم بالعقل، كما يعلم أنه عالم، وأنه قادر، وأنه حي، كما أرشد إلى ذلك قوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك الآية: ١٤ [\".\nاستدل المصنف بقوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ [الملك الآية: ١٤ [فأثبت الله خلقه للخلق، وهذا يرشدنا إلى اتصافه بالعلم والقدرة والحياة، فإنه لا يخلق إلا قادر على الخلق عالم بما يستحقه ولا يكون ذلك إلا من حي (^١).\nوهذه تسمى دلالة الالتزام واللازم هنا عقلي للتلازم بين الخلق والعلم فالعلم من لوازم الخلق وإلا كيف يخلق من لا يعلم.\nفالدلالة المعنوية العقلية هي أمر خاص بالعقل والفكر الصحيح؛ لأن اللفظ بمجرده لا يدل عليها، وإنما ينظر العبد ويتأمل في المعاني اللازمة لذلك اللفظ الذي\n_________\n(^١) التوضيحات الأثرية على متن التدمرية ص ٢٦٦.","vol":"2","page":988},{"text":"لا يتم معناها بدونه وما يشترط له من الشروط، وهذا يجري في جميع الأسماء الحسنى، كل واحد منها يدل على الذات وحدها أو على الصفة وحدها دلالة تضمن، ويدل على الصفة الأخرى اللازمة لتلك المعاني دلالة التزام، مثال ذلك: \"الرحمن\" يدل على الذات وحدها وعلى الرحمة وحدها دلالة تضمن، وعلى الأمرين دلالة مطابقة، ويدل على الحياة الكاملة والعلم المحيط والقدرة التامة ونحوها دلالة التزام؛ لأنه لا توجد الرحمة من دون حياة الراحم، وقدرته الموصِّلة لرحمته للمرحوم وعلمه به وبحاجته.\nوكذلك استلزام \"الملك\" جميع صفات المُلْك الكامل، واستلزام \"الرب\" لصفات الربوبية و\"الله\" لصفات الألوهية، وهي صفات كمال كلها، وكثير من أسمائه الحسنى يستلزم عدة أوصاف كالكبير والعظيم والمجيد والحميد والصمد، فهذه قاعدة نافعةٌ\".\nقال ابن القيم: \"إن الاسم من أسمائه ﵎ كما يدل على الذات والصفة التي اشتق منها بالمطابقة، فإنه يدل عليه دلالتين أخريين بالتضمن واللزوم.\nفيدل على الصفة بمفردها بالتضمن وكذلك على الذات المجردة على الصفة.\nويدل على الصفة الأخرى باللزوم.\nالأمثلة:\nأ- \"الخالق\":\nويدل على ذات الله وعلى صفة الخلق بالمطابقة يدل على الذات وحدها وعلى صفة الخلق وحدها بالتضمن، ويدل على صفتي العلم والقدرة بالالتزام كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ ذلك لأن العلم والقدرة لازمان","vol":"2","page":989},{"text":"للخلق.\nمثال آخر: \"السميع\":\nيدل على ذات الرب وسمعه بالمطابقة.\nوعلى الذات وحدها وعلى السمع وحده بالتضمن.\nويدل على اسم الحيّ وصفة الحياة بالالتزام.\nوكذلك سائر أسمائه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فأسماؤه كلها متفقة في الدلالة على نفسه المقدسة، ثم كل اسم يدل على معنى من صفاته ليس هو المعنى الذي دل على الاسم الآخر، فالعزيز يدل على نفسه مع عزته، والخالق يدل على نفسه مع خلقه، والرحيم يدل على نفسه مع رحمتها، ونفسه تستلزم جميع صفاته، فصار كل اسم يدل على ذاته والصفة المختصة به بطريق المطابقة، وعلى أحدهما بطريق التضمن وعلى الصفة الأخرى بطريق اللزوم\".\nوقول المصنف: \"وقد اتفق النُّظَّار من مثبتة الصفات على أنه يعلم بالعقل- عند المحققين- أنه حي عليم قدير مريد، وكذلك السمع والبصر والكلام يثبت بالعقل عند المحققين منهم.\nبل وكذلك الحب والرضا والغضب يمكن إثباته بالعقل\".\nمقصود المصنف بالنظار من مثبتة الصفات هم الصفاتية ويدخل في ذلك الكلابية والأشاعرة والماتريدية ومن وافقهم، فهؤلاء يتفقون مع أهل السنة بأن من الصفات ما يمكن إثباته بالعقل.","vol":"2","page":990},{"text":"وتنقسم الصفات من حيث أدلة ثبوتها إلى قسمين:\nالقسم الأول: الصفات الشرعية العقلية:\nوضابطها: هي التي يشترك في إثباتها: الدليل الشرعي السَّمعي، والدليل العقلي، والفطرة السليمة.\nوهي أكثر صفات الرب تعالى، بل أغلب الصفات الثُّبوتية يشترك فيها الدَّليلان السَّمعي والعقلي (^١)، وإن كان الأصل في ثبوتها الدليل الشرعي.\nومنها: (العلم، السَّمع، البصر، العلو، القدرة، الإرادة، الخلق، الحياة).\nوسميت «شرعية عقلية».\nفشرعية: لأنَّ الشرع دلَّ عليها أو أرشد إليها.\nوعقلية: لأنها تُعلم صحتها بالعقل، ولا يقال: إنها لم تُعلم إلا بمجرد الخبر.\nفإذا أخبر الله بالشييء ودل عليه بالدلالات العقلية-صار مدلولًا عليه بخبره، ومدلولًا عليه بدليل العقل الذي يُعلم به؛ فيصير ثابتًا بالسمع والعقل، وكلاهما داخل في دلالة القرآن التي تُسَمَّى الدلالة الشرعية (^٢).\nالقسم الثاني: الصفات الخبرية وتسمى النقلية والسمعية:\nوضابطها: هي التي لا سبيل إلى إثباتها إلا بطريق السمع والخبر عن الله أو عن رسوله الأمين عليه الصلاة والتَّسليم (^٣).\nومنها: (الوجه- اليد- العين- الرِّضا- الفرح- الغضب- القَدَم-الاستواء- النزول- المجيء- الضحك).\n_________\n(^١) «الصفات الإلهية في الكتاب والسنة في ضوء الإثبات والتنزيه» (ص ٢٠٧).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٦/ ٧١، ٧٢).\n(^٣) «الصفات الإلهية» (ص ٢٠٧).","vol":"2","page":991},{"text":"وأهل السنة يجعلون الأصل في إثبات الأسماء والصفات أو نفيها عن الله تعالى هو السمع (أي: كتاب الله وسنة نبيه ﷺ)، ولا يتجاوزونها، فما ورد إثباته من الأسماء والصفات في القرآن والسنة الصحيحة فيجب إثباته، وما ورد نفيه فيهما فيجب نفيه.\n«وأما ما لم يرد إثباته ونفيه فلا يصح استعماله في باب الأسماء وباب الصفات إطلاقًا، وأما في باب الأخبار فمن السلف من يمنع ذلك، ومنهم من يجيزه بشرط أن يستفصل عن مراد المتكلم فيه، فإن أراد به حقًّا يليق بالله تعالى فهو مقبول، وإن أراد به معنى لا يليق بالله عر وجل وجب ردُّه» (^١).\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وكذلك علوه على المخلوقات ومباينته لها مما يعلم بالعقل، كما أثبتته بذلك الأئمة مثل أحمد بن حنبل وغيره، ومثل عبد العزيز المكي وعبد الله بن سعيد بن كُلاَّب\".\nالأدلة العقلية على إثبات صفة العلو كثيرة وسأورد ههنا ثلاثة منها:\nالدليل الأول: قول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: \"إذا أردت أن تعلم أن الجهمي كاذب على الله تعالى حين زعم أنه في كل مكان ولا يكون في مكان دون مكان فقل له: أليس كان الله ولا شيء؟\nفسيقول: نعم.\nفقل له: حين خلق الشيء هل خلقه في نفسه؟ أم خارجًا عن نفسه؟\nفإنه يصير إلى ثلاثة أقوال:\nواحد منها: إن زعم أن الله خلق الخلق في نفسه، كفر حين زعم أنه خلق الجن\n_________\n(^١) «رسالة في العقل والروح» (٢/ ٤٦، ٤٧) لابن تيمية، (ضمن مجموعة الرسائل المنيرية).","vol":"2","page":992},{"text":"والشياطين وإبليس في نفسه.\nوإن قال: خلقهم خارجا عن نفسه ثم دخل فيهم، كان هذا أيضًا كفر حين زعم أنه في كل مكان وحش قذر رديء.\nوإن قال: خلقهم خارجًا عن نفسه ثم لم يدخل فيهم، رجع عن قوله كله أجمع\" (^١)\nالدليل الثاني: قول ابن القيم: \"إن كل من أقر بوجود رب للعالم مدبر له، لزمه الإقرار بمباينته لخلقه وعلوه عليهم.\nفمن أقر بالرب، فإما أن يقر بأن له ذاتًا وماهية مخصوصة أو لا؟\nفإن لم يقر بذلك، لم يقر بالرب، فإن ربًا لا ذات له ولا ماهية له هو والعدم سواء، وإن أقر بأن له ذاتًا مخصوصة وماهية، فإما أن يقر بتعينها أو يقول إنها غير معينة؟\nفإن قيل إنها غير معينة كانت خيالًا في الذهن لا في الخارج، فإنه لا يوجد في الخارج إلا معينًا، لا سيما وتلك الذات أولى من تعيين كل معين فإنه يستحيل وقوع الشركة فيها، وأن يوجد لها نظير، فتعيين ذاته سبحانه واجب.\nوإذا أقر بأنها معينة لا كلية، والعالم مشهود معين لا كلي، لزم قطعًا مباينة أحد المتعينين للآخر، فإنه إذا لم يباينه لم يعقل تميزه عنه وتعينه.\nفإن قيل: هو يتعين بكونه لا داخلًا فيه ولا خارجًا عنه.\nقيل: هذا -والله أعلم- حقيقة قولكم، وهو عين المحال، وهو تصريح منكم بأنه لا ذات له ولا ماهية تخصه، فإنه لو كان له ماهية يختص بها لكان تعينها لماهيته\n_________\n(^١) الرد على الزنادقة والجهمية (ص ٩٥ - ٩٦).","vol":"2","page":993},{"text":"وذاته المخصوصة، وأنتم إنما جعلتم تعيينه أمرًا عدميًا محضًا ونفيًا صرفًا وهو كونه لا داخل العالم ولا خارجا عنه، وهذا التعيين لا يقتضي وجوده مما به يصح على العدم المحض.\nوأيضًا فالعدم المحض لا يعين المتعين، فإنه لاشيء وإنما يعينه ذاته المخصوصة وصفاته، فلزم قطعًا من إثبات ذاته تعيين تلك الذات، ومن تعيينها مباينتها للمخلوقات، ومن المباينة العلو عليها لما تقدم من تقريره\" (^١).\nالدليل الثالث: أنه قد ثبت بصريح المعقول أن الأمرين المتقابلين إذا كان أحدهما صفة كمال والآخر صفة نقص، فإن الله يوصف بالكمال منهما دون النقص، فلما تقابل الموت والحياة، وصف بالحياة دون الموت، ولما تقابل العلم والجهل، وصف بالعلم دون الجهل، ولما تقابل القدرة والعجز، وصف بالقدرة دون العجز، ولما تقابل المباينة للعالم والمداخلة له، وصف بالمباينة دون المداخلة، وإذا كان مع المباينة لا يخلو إما أن يكون عاليًا على العالم أو مسامتا له، وجب أن يوصف بالعلو دون المسامتة، فضلًا عن السفول.\nوالمنازع يسلم أنه موصوف بعلو المكانة وعلو القهر، وعلو القهر، وعلو المكانة معناه أنه أكمل من العالم، وعلو القهر مضمونه أنه قادر على العالم، فإذا كان مباينًا للعالم كان من تمام علوه أن يكون فوق العالم، ولا محاذيًا له ولا سافلا عنه.\nولما كان العلو صفة كمال، وكان ذلك من لوازم ذاته، فلا يكون مع وجود غيره إلا عاليًا عليه، ولا يكون قط غير عالٍ عليه (^٢).\nوبهذه النماذج التي أوردناها عن الأدلة العقلية يتضح لنا مدى دلالة المعقول\n_________\n(^١) مختصر الصواعق (١/ ٢٧٩ - ٢٨٠).\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٥ - ٦).","vol":"2","page":994},{"text":"الصريح على إثبات علو الله ومباينته لخلقه وكذلك مدى مخالفة أقوال المعطلة والحلولية لصريح المعقول وصحيح المنقول.\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"بل وكذلك إمكان الرؤية يثبت بالعقل، لكن منهم من أثبتها بأن كل موجود تصح رؤيته، ومنهم من أثبتها بأن كل قائم بنفسه تمكن رؤيته، وهذه الطريق أصح من تلك.\nوقد يمكن إثبات الرؤية بغير هذين الطريقين، بتقسيم دائر بين النفي والإثبات، كما يقال: إن الرؤية لا تتوقف إلا على أمور وجودية، فإن ما لا يتوقف إلا على أمور وجودية يكون الموجود الواجب القديم أحق به من الممكن المحدَث. والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع\".\nالشرح\nقول المصنف: \"بل وكذلك إمكان الرؤية يثبت بالعقل، لكن منهم من أثبتها بأن كل موجود تصح رؤيته\" استدل الأشاعرة على جواز الرؤية عقلًا بدليل الوجود: قال أبو الحسن الأشعري: \"ومما يدل على رؤية الله ﷿ بالأبصار أنه ليس موجود إلا وجائز أن يريناه الله ﷿ وإنما لا يجوز أن يرى المعدوم، فلما كان الله ﷿ موجودًا مثبتًا كان غير مستحيل أن يرينا نفسه ﷿\" (^١)\nويلتزم أبو الحسن الأشعري كل لازم لهذا الدليل من جواز صحة رؤية كل موجود كالأصوات، والروائح، والملموسات، والطعوم، ويقول لا يلزم من جواز صحة الرؤية لشيء تحقق الرؤية له، وعدم رؤيتنا لهذا اللازم ليس لامتناعه بل لعدم\n_________\n(^١) «الإبانة عن أصول الديانة» (١٦).","vol":"2","page":995},{"text":"جريان العادة من الله تعالى بخلق رؤيته فينا، ولا يمتنع أن يخلق رؤيتها فينا كما خلق رؤية غيرها، وقد نشأ هذا من أنه جعل الرؤية علما مخصوصا فكما يتعلق العلم بالموجودات كذلك الرؤية إلا أن العلم المطلق أعم. (^١)\nوهذا الدليل العقلي أورد عليه المعتزلة وكذلك الأشاعرة اعتراضات كثيرة يطول ذكرها (^٢).\nقال ابن تيمية: \"وأنهم كانوا يحتجون على جواز رؤية الله بأن الله قادر على أن يرينا نفسه لأنه موجود وما لم تمكن رؤيته لا يكون إلا معدوما وهذه الحجة كانوا يتكلمون فيها كنحو كلام أهل الاثبات في مسألة العلو تارة يحتجون فيها بالعلم الضروري بأن الله تعالى قادر على ذلك، وتارة يثبتون ذلك بالقياس فإن الرؤية مما يشترك فيها الجواهر والأعراض فيكون عليها أمر مشترك بينهما ولا مشترك إلا الوجود والحدوث لا يكون علة فثبت أن المصحح للرؤية هو الوجود\nوهذه الطريقة القياسية مشهورة عن أبي الحسن الأشعري وللناس عليها اعتراضات معروفة كما ذكر ذلك الشهرستاني وغيره، ولذلك عدل طائفة من أتباعه كالقاضي أبي بكر إلى أن أثبتوا إمكان الرؤية بالسمع كما أن وقوعها معلوم بالسمع بلا نزاع وأبو عبد الله الرازي قد ذكر طريقة الأشعري هذه في الرؤية في نهايته وذكر ما فيها من القوادح التي يظهر معها وهاها\" (^٣)\nوقال قال ابن تيمية: \"أن الطريقة التي سلكها أهل الإثبات في الرؤية ليست من الضعف كما يظنه أتباع الأشعري مثل الشهرستاني والرازي وغيرهما بل لم يفهموا\n_________\n(^١) «شرح الجرجاني للمواقف» (٨/ ١٢٣)، «نهاية الإقدام في علم الكلام» للشهرستاني (٣٥٧).\n(^٢) انظر: «شرح الجرجاني للمواقف» (٨/ ١٢٤)، «غاية المرام في علم الكلام» للآمدي (١٦٠). «المغني في باب التوحيد والعدل» للقاضي عبد الجبار (٤/ ٨٥).\n(^٣) بيان تلبيس الجهمية ٤/ ٣١١.","vol":"2","page":996},{"text":"قعرها ولم يقدروا الأشعري قدره بل قدروا مقدار كلامه وحججه، وكان هو أعظم منهم قدرًا وأعلم بالمعقولات والمنقولات ومذاهب الناس من الأولين والآخرين كما تشهد به كتبه التي بلغتنا دع ما لم يبلغنا فمن رأى ما في كتبه من ذكر المقالات والحجج ورأى ما في كلام هؤلاء رأى بونًا عظيمًا\" (^١)\nقال ابن تيمية في تقرير الدليل: (فمعلوم أن الرؤية تعلق بالموجود دون المعدوم، ومعلوم أنها أمر وجودي محض لا يسيطر فيها أمر عدمي كالذوق الذي يتضمن استحالة المأكول والمشروب ودخوله في مواضع من الآكل والشارب وذلك لا يكون إلا عن استحالة وخلق، وإذا كانت أمرا وجوديا محضًا، ولا تتعلق إلا بالموجود فالمصحح لها الفارق بين ما يمكن رؤيته وما لا يمكن رؤيته: إما أن يكون وجودا محضًا، أو متضمنًا أمرًا عدميًا. والثاني باطل لأن العدم لا يكون له تأثير في الوجود المحض فلا يكون سببًا له، ولا يكون أيضًا شرطًا أو جزءًا من السبب إلا أن يتضمن وجودًا فيكون ذلك الوجود هو المؤثر في الوجود ويكون ذلك العدم دليلا عليه ومستلزما له ونحو ذلك، وهذا من الأمور البينة عند التأمل.\nومن قال من العلماء: إن العدم يكون علة للأمر الثبوتي أو جزء علة، أو شرط علة، فإنما يقولون ذلك في قياس الدلالة، ونحوه مما يستدل فيه بالوصف على الحكم، لا يقول أحد إن نفس العدم هو المقتضي للوجود. ولا يقول: إن الوصف المركب، من وجود وعدم هما جميعًا مقتضيان للوجود المحض. وشروط العلة هي من جملة أجزاء العلة التامة. وإذا كان المقتضى لجواز الرؤية، والمصحح للرؤية، والفارق بينما تجوز رؤيته وبينما لا تجوز: إما أن يكون وجودا محضا فلا حاجة بنا إلى تعيينه، سواء قيل هو مطلق الوجود أو القيام بالنفس، أو بالعين بشرط المقابلة\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ٤/ ٣١٥","vol":"2","page":997},{"text":"والمحاذاة، أو غير ذلك مما يقال إنه مع وجوده تصح الرؤية ومع عدمه تمتنع، لكن المقصود أنه أمور وجودية، وإذا كان كذلك فقد علم أن الله تعالى هو أحق بالوجود، وكماله من كل موجود، إذ وجوده هو الوجود الواجب، ووجود كل ما سواه هو من وجوده، وله الكمال التام في جميع الأمور الوجودية المحضة فإنها هي الصفات التي بها يكون كمال الوجود، وحينئذ فيكون الله - وله المثل الأعلى - أحق بأن تجوز رؤيته لكمال وجوده، ولكن لم نره في الدنيا لعجزنا عن ذلك وضعفنا كما لا نستطيع التحديق في شعاع الشمس، بل كما لا تطيق الخفاش أن تراها، لا لامتناع رؤيتها، بل لضعف بصره وعجزه. كما قد لا يستطاع سماع الأصوات العظيمة جدا، لا لكونها لا تسمع، بل لضعف السامع وعجزه، ولهذا يحصل لكثير من الناس عند سماع الأصوات العظيمة ورؤية الأشياء الجليلة ضعف أو رجفان أو نحو ذلك مما سببه ضعفه عن الرؤية والسماع، لا لكون ذلك الأمر مما تمتنع رؤيته وسماعه، ولهذا وردت الأخبار في قصة موسى ﵇ وغيره بأن الناس إنما لا يرون الله في الدنيا للضعف والعجز والله ﷾ قادر على أن يقويهم على ما عجزوا عنه) (^١)\nوقول المصنف: \"ومنهم من أثبتها بأن كل قائم بنفسه تمكن رؤيته، وهذه الطريق أصح من تلك\".\nقال ابن تيمية: \"من الجواب السديد لهم أن يقال لهم إلهي سبحانه يمكن إحساسه فتمكن رؤيته وسماع كلامه، وقد كلم في الدنيا بعض خلقه وسوف يكلم عباده ويرونه في الدار الآخرة؛ فإن كانوا ينكرون العلم والإقرار بكل ما لا يحسه الإنسان أمكنه أن يقرر عليهم العلم بالخبريات والمجربات والبديهيات وغير ذلك؛ وإن كانوا يقولون إن كل موجود فلابد أن يمكن إحساسه فهذا الذي قالوه هو\n_________\n(^١) «بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية» لابن تيمية (١/ ٣٥٧)، «مجموع الفتاوى» (٦/ ١٣٦).","vol":"2","page":998},{"text":"مذهب الصفاتية كلهم الذين يقرون بأن الله يرى في الدار الآخرة وهو مذهب سلف الأمة وأئمتها\" (^١)\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"والمقصود هنا أن من الطرق التي يسلكها الأئمة ومن اتبعهم من نُظَّار السنة في هذا الباب- أنه لو لم يكن موصوفا بإحدى الصفتين المتقابلتين للزم اتصافه بالأخرى، فلو لم يوصف بالحياة لوصف بالموت، ولو لم يوصف بالقدرة لوصف بالعجز، ولو لم يوصف بالسمع والبصر والكلام لوصف بالصمم والخرس والبَكَم.\nوطرد ذلك أنه لو لم يوصف بأنه مباين للعالم لكان داخلا فيه، فسلب إحدى الصفتين المتقابلتين عنه يستلزم ثبوت الأخرى، وتلك صفة نقص ينزه عنها الكامل من المخلوقات فتنزيه الخالق عنها أَولى\".\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في جواز رؤية الله -﷿-، وفي مسألة علو الله تعالى على خلقه، ومبيانته لهم، فقال: \"فإنا قد قدمنا فيما تقدم، أن الأمثال المضروبة إذا كانت من باب الأولى جاز استعمالها في حق الله تعالى، كما ورد به القرآن والسنة، واستعملها السلف والأئمة، كما يقال: إذا كان العبد ينزه نفسه عن شريك أو أنثى، فتنزيه ربه أولى، وإذا كان العبد عالمًا قادرًا فالله أولى.\nوكذلك الرؤية؛ فإن حاصلها أنه إذا جاز رؤية الموجود المحدث الممكن، فرؤية الموجود الواجب القديم أولى.\nوإذا كان المخلوق الناقص في وجوده يجوز أن يُرى ويُحس به، فالرب الكامل\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية ٤/ ٤٥٤ - ٤٥٦.","vol":"2","page":999},{"text":"في وجوده أحق بأن يُرى؛ فإن كون الشيء بحيث يُرى كمال في حقه لا نقص؛ لأن كونه لا يُرى، ولا يُحس به، لا يثبت في الشاهد إلا للمعدوم، فكل صفة لم نعلمها تثبت إلا لمعدوم، فإنها لا تكون صفة نقص إلا بالنسبة إلى وجود آخر هو أكمل منها، وكل صفة لا تثبت للمعدوم ولا يختص بها الناقص، فإنها لا تكون إلا صفة كمال، وهذه طريقة في المسألة يتبين بها أن جواز الرؤية من صفات الكمال التي هو الباري أحق بها من المخلوقات.\nونظيرها في مسألة العلو: أن علو الشيء بنفسه على غيره صفة كمال، كما أن قدرته عليه صفة كمال. وإذا كان كذلك فالله أحق بهذه الصفة من جميع ما يوصف بها غيره، فيجب أن يكون عاليًا بنفسه، وكذلك تميزه بذاته عن غيره هي صفة لا يوصف بها المعدوم، ولا تختص بالناقصات فتكون صفة كمال، فيجب اتصاف الله بها، وذلك يوجب مباينته للعالم\" (^١).\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وهذه الطريق غير قولنا: إن هذه صفات كمال يتصف بها المخلوق فالخالق أَولى، فإن طريق إثبات صفات الكمال بأنفسها مغاير لطريق إثباتها بنفي ما يناقضها\".\nالشرح\nمسألة الفرق سبق الحديث عنها وتوضيحها عند شرح قول المصنف: \"وما كان صفة كمال فهو - ﷾ - أحق بأن يتصف به من المخلوقات، فلو لم يتصف به مع اتصاف المخلوق به لكان المخلوق أكمل منه\". فليرجع إليها في ذلك الموضع.\n_________\n(^١) بيان تلبيس الجهمية (٢/ ٣٥٤).","vol":"2","page":1000},{"text":"المتن\nقال المصنف ﵀: \"وقد اعترض طائفة من النفاة على هذه الطريقة باعتراض مشهور لبسوا به على الناس، حتى صار كثير من أهل الإثبات يظن صحته ويُضعف الإثبات به، مثل ما فعل من فعل ذلك من النظار حتى الآمدي وأمثاله، مع أنه أصل قول القرامطة الباطنية وأمثالهم من الجهمية\".\nالشرح\nيتحدث شيخ الإسلام هنا عن قول الأمدي وانتصاره للقول بأن التقابل في صفات الله هو من باب تقابل العدم والملكة وليس من باب تقابل السلب والإيجاب.\nقال ابن تيمية: \"قال وأما قولهم لو لم يتصف بهذه الصفات مع كونه حيًا لكان متصفًا بما يقابلها فالتحقيق فيه موقوف على بيان حقيقة المتقابلين يعني المتنافيين.\nوذكر التقسيم المشهور فيه للفلاسفة وأنه أربعة أقسام:\n] القسم الأول]: تقابل السلب والإيجاب.\nو] القسم الثاني]: العدم والملكة.\nو] القسم الثالث]: التضايف.\nو] القسم الرابع]: التضاد.\nوأن تقابل العلم والجهل، أعمى والبصر، هو عندهم من باب تقابل العدم والملكة.\nوالملكة على اصطلاحهم: كل معني وجودي أمكن أن يكون ثابتًا للشيء.\n• إما بحق جنسه: للإنسان، فإن البصير يمكن ثبوته لجنسه وهو الحيوان.","vol":"2","page":1001},{"text":"• أو بحق نوعه: ككتابة زيد فإن هذا ممكن لنوع الإنسان.\n• أو بحق شخصه: كاللحية للرجل فإنها ممكنة في حق الرجل.\nقال: والعدم المقابل لها ارتفاع هذه الملكة.\nقال: فإن أريد بتقابل الإدراك ونفيه تقابل التناقض بالسلب والإيجاب وهو أنه لا يخلو من كونه سميعًا وبصيرًا ومتكلمًا أو ليس فهو ما يقوله الخصم، ولا يقبل نفيه من غير دليل.\nوإن أريد بالتقابل تقابل العدم والملكة، فلا يلزم من نفي الملكة تحقق العدم ولا بالعكس إلا في محل يكون قابلًا لهما ولهذا يصح أن يقال الحجر لا أعمى ولا بصير والقول بكون البارئ تعالى قابلًا للبصر والعمى، دعوى محل النزاع والمصادرة على المطلوب وعلى هذا فقد امتنع نفي لزوم العمي والخرس والطرش في حق الله تعالى من ضرورة نفي البصر والسمع والكلام عنه.\nقلت: وقد أشكل هذا على كثير من النظار حتى ضل به لاعتقادهم صحته حتى على الآمدي فهذا كلامه في الخلو عن الضدين بالمعنى العام قد أورد عليه ما ذكر فكيف يدعي أنه قرره وهذا الإيراد إيراد معروف للمعطلة نفاة الصفات وهو إيراد فاسد من وجوه\" (^١) وهذا ما سيأتي ذكره فيما سيذكره المصنف من ردود.\nومن المهم جدًا لفهم كلام شيخ الإسلام هنا من عرض قول المخالف (^٢)\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٤/ ٣٤ - ٤٠.\n(^٢) المصنف﵀- يشير هنا إلى مسألة سبق أن طرحها في أول الرسالة التدمرية حيث ذكر المصنف في معرض رده على القرامطة الباطنية الذين يقولون إننا ننفي النفي والإثبات.\nونظرًا لبعد الحديث عن هذه المسألة وللحاجة لاستحضارها هنا لمعرفة أصل الكلام فيها فإنه يمكن عرض الخلاف فيها هنا على وجه الاختصار.\nوهو أن النفاة للصفات الذين نفوا الصفات بالكلية قد انقسموا إلى أربعة أصناف:","vol":"2","page":1002},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\n[الصنف الأول]: طائفة تقول نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت فلا ننفي النقيضين بل نسكت عن هذا وهذا فنمتنع عن كل من المتناقضين لا نحكم لا بهذا ولا بهذا فلا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولكن لا نقول هو موجود ولا نقول هو معدوم ومن الناس من يحكي نحو هذا عن الحلاج وحقيقة هذا القول هو الجهل البسيط والكفر البسيط الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله ومعرفته وحبه وذكره وعبادته ودعائه.\nوهؤلاء من جنس السوفسطائية المتجاهلة اللا أدرية الذين يقولون لا نعلم هل الحقائق ثابتة أو منتفية وهل يمكن العلم أو لا يمكن فإن السفسطة أنواع أحدهما قول هؤلاء\nوالصنف الثاني: قول أهل التكذيب والجحود والنفي الذين يجزمون بنفي الحقائق والعلم بها.\nوالصنف الثالث: الذين يجعلون الحقائق تتبع العقائد فمن اعتقد ثبوت الشيء كان في حقه ثابتا ومن نفاه كان في حقه منتفيًا ولا يجعلون للحقائق أمرا هي عليه في أنفسها.\nوالصنف الرابع: قول من يقول الحقائق موجودة لكن لا سبيل إلى العلم بها إما لكون العالم في السيلان فلا يمكن العلم بحقيقته وإما لغير ذلك.\nوهذه الأنواع الأربعة موجودة في هؤلاء الملاحدة:\nالأول: فمنهم الواقفة المتجاهلة الذين يقولون لا نثبت ولا ننفي.\nالثاني: ومنهم المكذبة الذين ينفون.\nالثالث: ومنهم من يجعل الحقائق تتبع العقائد كما يحكى عن طائفة تصوب كل واحد من القائلين للأقوال المتناقضة وكما يقوله من يقوله من أصحاب الوحدة ابن عربي ونحوه بأن كل من اعتقد في الله عقيدة فهو مصيب فيها حتى قال:\nعقد الخلائق في الإله عقائدا … وأنا اعتقدت جميع ما عقدوه\nوأما الرابع: فهو منتهى قول أئمة الجهمية وهو الحيرة والشك لتكافؤ الأدلة عند بعضهم أو لعدم الدليل المرشد عند بعضهم وهذا عند أصحاب الوحدة هو أعلى العلم بالله تعالى والكلام في هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضع\"\nوالجواب على زعم هؤلاء: فإنه يقال لهؤلاء النفاة أنتم نفيتم هذه الأسماء فرارا من التشبيه فإن اقتصرتم على نفي الأثبات شبهتموه بالمعدوم، وإن نفيتم الأثبات والنفي جميعا فقلتم ليس بموجود ولا معدوم شبهتموه بالممتنع، فأنتم فررتم من تشبيهه بالحي الكامل فشبهتموه بالحي الناقص، ثم شبهتموه بالمعدوم، ثم شبهتموه بالممتنع فكنتم شرًا من المستجير من الرمضاء بالنار وهذا لازم لكل من نفى شيئًا مما وصف الله به نفسه لا يفر من محذور إلا وقع فيما هو مثله أو شر منه مع تكذيبه بخبر الله وسلبه صفات الكمال الثابتة لله\".\nوقال ابن تيمية أيضًا في معرض الرد عليهم: \"قيل له: فيلزمك التشبيه بما اجتمع فيه النقيضان من الممتنعات، فإنه يمتنع أن يكون الشيء موجودًا معدومًا، أو لا موجودًا ولا معدومًا، ويمتنع أن يوصف باجتماع الوجود والعدم، والحياة والموت، والعلم والجهل، أو يوصف بنفي الوجود والعدم، ونفي الحياة والموت، ونفي العلم والجهل\".\nوخلاصة هذا: أنهم إن فروا من تشبيهه بالموجودات، وفروا من تشبيهه بالمعدومات بأن زعموا أنهم إذا وصفوه بالإثبات شبهوه بالموجودات، وإذا وصفوه بالنفي شبهوه بالمعدومات فسلبوا النقيضين فإنهم بقولهم هذا وقعوا في شر مما فروا منه لأنهم بهذا القول شبههوه بالممتنعات.\nوقد اعترض هؤلاء على هذا القول بأن بأن التقابل هنا هو من تقابل العدم والملكة وليس من تقابل السلب والإيجاب.\nوقد أجاب المصنف على هذه الشبهة كذلك فيما سبق من كلامه في أكثر من موطن فليرجع إليها في تلك المواضع، وإن كان الحاجة تمس هنا لإعادة ما سبق بيانه بالنظر إلى الحاجة لفهم النص هنا بالإضافة إلى أن هنا أمورًا لم يسبق التعرض لها في المواطن السابقة فتحتاج إلى بيان وإيضاح.","vol":"2","page":1003},{"text":"بحيث يسبق الرد الذي ذكره المصنف.\nفقال النفاة (^١): «القول بأنه لو لم يكن متصفًا بهذه الصفات-كالسمع والبصر والكلام مع كونه حيًا- (^٢) لكان متصفًا بما يقابلها [وهو يتعالى ويتقدس أن يوصف بما يوجب في ذاته نقصًا] (^٣)، فالتحقيق فيه متوقف على بيان حقيقة المتقابلين وبيان أقسامهما.\n_________\n(^١) هذا النقل من كتاب أبكار الأفكار للآمدي نقله عنه شيخ الإسلام في التدمرية مبتورًا في بعض مقاطعه، وقد اجتهد المحقق، د. محمد بن عودة السعوي -حفظه الله- في تكميل النقص الذي في النص، ومقارنته بما في أبكار الأفكار (الجزء الأول/ الورقة ٥٦) من فيلم في قسم المخطوطات بالمكتبة المركزية لجامعة الملك سعود تحت رقم (٣٤ المجموعة الخاصة)، وهو مصور عن مخطوطة في مكتبة آيا صوفيا بتركيا برقم (٢١٦٥)، وقد قارنت النص أيضًا بما في كتاب غاية المرام في علم الكلام ص (٥٠ - ٥١)، الذي هو تلخيص لكتاب \"أبكار الأفكار\"، فاجتهدت في إثبات أكثر النصوص دلالة على المسألة، مستعينًا بكتب القوم الأخرى،، وأشرت إلى الفوارق في الهامش.\n(^٢) هذا التمثيل من شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-.\n(^٣) ما بين المعكوفتين من غاية المرام ص (٥٠)، وهذه حجة أهل الحق التي سيشرع الآمدي في ردها.","vol":"2","page":1004},{"text":"فنقول: أما المتقابلان فما لا يجتمعان في شيءٍ واحدٍ من جهةٍ واحدةٍ، وهو إما ألا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، أو يصح ذلك في أحد الطرفين (^١).\nفالأول: هما المتقابلان بالسلب والإيجاب، وهو تقابل التناقض، والتناقض هو: اختلاف القضيتين بالإيجاب والسلب على وجه لا يجتمعان في الصدق ولا الكذب لذاتيهما، كقولنا: زيدٌ حيوانٌ، زيدٌ ليس بحيوانٍ.\nومن خاصيته: استحالة اجتماع طرفيه في الصدق أو الكذب، وأنه لا واسطة بين الطرفين ولا استحالة لأحد الطرفين إلى الآخر.\nوالثاني، ثلاثة أقسام:\nالأول: المتقابلان بالتضايف، وهما اللذان لا تعقُّل لكل واحد منهما إلا مع تعقُّل الآخر، كقولنا: زيدٌ أبٌ، زيدٌ ابنٌ، وخاصيته توقف كل واحد من طرفيه على الآخر في الفهم.\nالثاني: المتقابلان بالتضاد، والمتضادان: كل أمرين يُتصور اجتماعهما في الكذب دون الصدق، كالسواد والبياض، ومن خواصه جواز استحالة كل واحد من طرفيه إلى الآخر في بعض صوره، وجواز وجود واسطة بين الطرفين تمر عليه الاستحالة من أحد الطرفين إلى الآخر، كالصفرة والحمرة، بين السواد والبياض.\nـ الثالث: تقابل العدم والمَلَكَة، والمراد بالملكة هنا: كل معنى وجودي أمكن أن يكون ثابتًا للشيء إما بحق جنسه كالبصر للإنسان، أو بحق نوعه ككتابة زيدٍ، أو بحق\n_________\n(^١) في غاية المرام ص (٥٠): \"أما المتقابلان: فهما ما يجتمعان في شيءٍ واحدٍ، من جهةٍ واحدةٍ، وهذا إما أن يكون في اللفظ أو في المعنى، فإن كان في المعنى، فإما أن يكون بين وجودٍ وعدمٍ، أو بين وجودين، إذ الأعدام المحضة لا تقابل بينها\".","vol":"2","page":1005},{"text":"شخصه كاللحية للرجل، وأما العدم المقابل لها فهو ارتفاع هذه الملكة (^١).\nولما لم يكن ملكة البصر بالتفسير المذكور ثابتة للحجر، لا يقال له: أعمى ولا بصير، ومن خواص هذا التقابل جواز انقلاب الملكة إلى العدم ولا عكس.\nفإن أُريد بالتقابل ها هنا تقابل التناقض بالسلب والإيجاب، وهو أنه لا يخلو من كونه سميعًا وبصيرًا ومتكلمًا أو ليس، فهو ما يقوله الخصم، ولا يقبل نفيه من غير دليل (^٢).\nوإن أُريد بالتقابل تقابل المتضايفين فهو غير متحقق ها هنا، ومع كونه غير متحقق فلا يلزم من نفي أحد المتضايفين ثبوت الآخر، بل ربما انتفيا معًا، ولهذا يقال: زيدٌ ليس بأبٍ لعمرو ولا بابنٍ له أيضًا.\nوإن أُريد بالتقابل تقابل الضدين، فإنما يلزم أن لو كان واجب الوجود قابلًا لتوارد الأضداد عليه وهو غير مسلَّمٍ (^٣)، وإن كان قابلًا فلا يلزم من نفي أحد الضدين وجود الآخر؛ لجواز اجتماعهما في العدم، ووجود واسطةٍ بينهما، ولهذا يصح أن يقال: الباري تعالى ليس بأسود ولا أبيض (^٤).\n_________\n(^١) في غاية المرام ص (٥١): \" والمراد بالملكة هاهنا: كل قوةٍ على شيءٍ ما مستحقةٍ لما قامت به، إما لذاته أو لذاتي له، وذلك كما في قوة السمع والبصر ونحوه للحيوان، والمراد بالعدم هو رفع هذه القوة على وجه لا تعود، وسواء كان في وقت إمكان القوى عليه أو قبله، وذلك كما في العمى والطرش ونحوه للحيوان \".\n(^٢) في غاية المرام ص (٥١): \" فعلى هذا إن أريد بالتقابل هاهنا، تقابل السلب والإيجاب في اللفظ، حتى إذا لم يقل: إن الباري ذو سمع وبصر لزم أن يقال: إنه ليس بذي سمع ولا بصر، فهو ما يقوله الخصم، ولا يقبل بعينه من غير دليل \".\n(^٣) في غاية المرام ص (٥١): \" وذلك مما لا يسلمه الخصم وليس عليه دليل \".\n(^٤) في غاية المرام ص (٥١): \"ولهذا يصح أن يقال إن الباري تعالى ليس بأسود ولا أبيض ولو لزم من نفي أحد الضدين وجود الآخر لما صدق قولنا بالنفي فيهما\".","vol":"2","page":1006},{"text":"وإن أُريد بالتقابل تقابل العدم والملكة، فلا يلزم أيضًا من نفي الملكة تحقق العدم ولا بالعكس، إلا في محلٍ يكون قابلًا لهما، ولهذا يصح أن يقال: الحجر لا أعمى ولا بصير.\nوالقول بكون الباري تعالى قابلًا للبصر والعمى دعوى محل النزاع والصادرة\nعلى المطلوب، وعلى هذا فقد امتنع لزوم العمى والخرس والطرش في حق الله تعالى، من ضرورة نفي البصر والسمع والكلام (^١) (^٢) اهـ.\nوالرد على زعم المخالف سيأتي في كلام المصنف التالي:\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"فقالوا (^٣): «القول بأنه لو لم يكن متصفا بهذه الصفات، كالسمع والبصر والكلام، مع كونه حيًّا لكان متصفا بما يقابلها.\nفالتحقيق فيه متوقف على بيان حقيقة المتقابلَيْن وبيان أقسامهما.\n_________\n(^١) في غاية المرام ص (٥١): \"نعم إنما يلزم العدم المذكور من ارتفاع القوة الممكنة للشيء المستحقة له لذاته أو لذاتي له كما بيّنا، والقول بارتفاع مثل هذه القوة في حق الباري يجر إلى دعوى محل النزاع والمصادرة على المطلوب وهو غير معقول\".\n(^٢) هذا النقل كما سبق بيانه هو من: أبكار الأفكار (١/ لوحة ٥٦)، وانظر: غاية المرام في علم الكلام\nص (٥٠ - ٥١)، درء تعارض العقل والنقل (٤/ ٣٤ - ٣٦).\nوللتوسع ومعرفة اختلاف النظار في أنواع التقابل انظر: الإشارات والتنبيهات (١/ ١٣٣، ٣٤٣ - ٣٤٤)، شرح المواقف (٤/ ٣٠ - ٣٣، ٨٦ - ١٠٢، ٥/ ٢٩٨ - ٢٩٩)، الكليات ص (٣١١)، موسوعة مصطلحات علم المنطق عند العرب ص (٢١٢ - ٢١٤، ٥١٧ - ٥١٨)، التحفة المهدية ص (٩٤)، الأجوبة المرضية لتقريب التدمرية ص (٨١ - ٨٣).\n(^٣) من هنا يبدأ نقل الإمام ابن تيمية لكلام الآمدي وبالرجوع إلى أصل كلام الأمدي في كتابه أبكار الأفكار يتضح أن هناك سقط في نقل كلام الآمدي مما يحتاج معه لإكمال النقل قبل الشروع في شرح المتن. انظر: كتاب أبكار الأفكار ١/ ١٩٠ - ١٩٢.","vol":"2","page":1007},{"text":"فنقول: أما المتقابلان فما لا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة، وهو إما أن لا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، أو يصح ذلك في أحد الطرفين.\nفالأول: هما المتقابلان بالسلب والإيجاب، وهو تقابل التناقض، والتناقض هو اختلاف القضيتين بالسلب والإيجاب على وجه لا يجتمعان في الصدق ولا في الكذب لذاتيهما كقولنا: زيد حيوان، زيد ليس بحيوان، ومن خاصيته استحالة اجتماع طرفيه في الصدق والكذب، وأنه لا واسطة بين الطرفين ولا استحالة لأحد الطرفين إلى الآخر … \"","vol":"2","page":1008},{"text":"<span data-type='title' id=toc-350>تتمة لكلام الآمدي</span>\n[والثاني: فلا يخلو: إما أن يتحافظا، أو لا يتحافظا.\nفإن تحافظا: فهما المتقابلان بالتضايف: وهما اللذان لا تعقل لكل واحد منهما إلا مع تعقل الآخر كقولنا: زيد أب، زيد ابن. وخاصيته توقف كل واحد من طرفيه على الآخر في الفهم.\nوإن لم يتحافظا: فإما أن يسد كل واحد منهما الآخر، أو لا يسد.\nفإن كان الأول: فهما المتقابلان بالتضاد.\nوالمتضادان كل أمرين يتصور اجتماعهما في الكذب دون الصدق، وسد كل واحد منهما الآخر. وسواء كانا وجودين: كالسواد، والبياض. أو وجود، وعدم: كالزوجية، والفردية.\nومن خواصه جواز استحالة كل واحد من طرفيه إلى الآخر في بعض صوره، وجواز وجود واسطة بين الطرفين تمر عليه الاستحالة من أحد الطرفين إلى الآخر: كالصفرة، والحمرة بين السواد، والبياض.\nوإن كان لا يسد كل واحد منهما الآخر: فهو تقابل العدم والملكة.\nأما الملكة بالمعنى الخاص: فهو معني وجودي أمكن أن يكون ثابتا للشيء. إما بحق جنسه: كالبصر للإنسان، أو بحق نوعه: ككتابة زيد، أو بحق شخصه: كاللحية للرجل.\nوأما العدم المقابل لها: فهو ارتفاع هذه الملكة. وسواء كان ذلك في وقت الإمكان: كالأمية بعد البلوغ، أو قبله: كعدم الكتابة في حال الصغر.\nوسواء كان مما يزول: كالمرودة، أو لا يزول: كالعمى","vol":"2","page":1009},{"text":"ولما لم تكن ملكة البصر بالتفسير المذكور ثابتة للحجر، لا يقال له أعمى ولا بصير. ومن خواص هذا التقابل: جواز انقلاب الملكة إلى العدم، ولا عكس.\nوعلى هذا إن أريد التقابل ههنا تقابل التناقض بالسلب والإيجاب: وهو أنه لا يخلو من كونه سميعا، وبصيرا، ومتكلما، أو ليس؛ فهو ما يقوله الخصم، ولا يقبل نفيه من غير دليل.\nوإن أريد بالتقابل تقابل المتضايفين: فهو غير متحقق بين البصر، والعمي، والسمع، والطرش، ونحوه.\nثم وإن كان من قبيل تقابل التضايف؛ فلا يلزم من نفي أحد المتضايفين؛ ثبوت الآخر؛ بل ربما انتفيا معا.\nوإن أريد بالتقابل تقابل الضدين: فإنما يلزم أن لو كان واجب الوجود قابلا لتوارد الأضداد عليه؛ وهو غير مسلم. وإن كان قابلا فلا يلزم من نفي أحد الضدين وجود الآخر؛ لجواز اجتماعهما في العدم، ووجود واسطة بينهما. ولهذا يصح أن يقال: الباري - تعالى - ليس بأسود، ولا أبيض.\nوإن أريد بالتقابل تقابل العدم، والملكة: فلا يلزم أيضا من نفي الملكة تحقق العدم، ولا بالعكس؛ إلا في محل يكون قابلا لهما؛ ولهذا يصح أن يقال: الحجر لا أعمى، ولا بصير. والقول بكون الباري تعالي قابلا للبصر والعمي؛ دعوى محل النزاع، والمصادرة على المطلوب.\nوعلى هذا: فقد امتنع لزوم العمي، والخرس، والطرش في حق الله تعالى، من ضرورة نفي البصر، والسمع، والكلام عنه (^١).\n_________\n(^١) نقلًا من كتاب أبكار الأفكار ١/ ١٩٠ - ١٩٢.","vol":"2","page":1010},{"text":"<span data-type='title' id=toc-351>تتمة لبداية رد ابن تيمية لكلام الأمدي</span>\n[والرد عليهم من وجوه:\nالوجه الأول - أن هذا التقسيم غير حاصر، فإنه يقال للموجود: إما أن يكون واجبا بنفسه وإما أن يكون ممكنا بنفسه، وهذان - الوجوب والإمكان - لا يجتمعان في شيء واحد … [من جهة واحدة، ولا يصح اجتماعهما في الصدق ولا في الكذب، إذ كون الموجود واجبا بنفسه وممكنا بنفسه لا يجتمعان ولا يرتفعان.\nفإذا جعلتم هذا التقسيم، وهما النقيضان ما لا يجتمعان ولا يرتفعان، فهذان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وليس هما السلب والإيجاب، فلا يصح حصر النقيضين اللذين لا يجتمعان ولا يرتفعان في السلب والإيجاب.\nوحينئذ فقد ثبت وصفان: شيئان لا يجتمعان ولا يرتفعان، وهو خارج عن الأقسام الأربعة.\nوعلى هذا فمن جعل الموت معنى وجوديا فقد يقول: إن كون الشيء لا يخلو من الحياة والموت هو من هذا الباب. وكذلك العلم والجهل، والصمم، والبكم، ونحو ذلك.\nالوجه الثاني- أن يقال: هذا التقسيم يتداخل، فإن العدم والملكة يدخل في السلب والإيجاب، وغايته أنه نوع منه، والمتضايفان يدخلان في المتضادين، وإنما هو نوع منه.\nفإن قال: أعني بالسلب والإيجاب ما لا يدخل فيه العدم والملكة، وهو أن يسلب عن الشيء ما ليس بقابل له، ولهذا جعل من خواصه أنه لا استحالة لأحد طرفيه إلى الآخر.","vol":"2","page":1011},{"text":"قيل له: عن هذا جوابان:\nأحدهما- أن غاية هذا أن السلب ينقسم إلى نوعين:\nأحدهما: سلب ما يمكن اتصاف الشيء به.\nوالثاني: سلب ما لا يمكن اتصافه به.\nويقابل الأول إثبات ما يمكن اتصافه ولا يجب.\nوالثاني إثبات ما يجب اتصافه به.\nفيكون المراد به سلب الممتنع وإثبات الواجب، كقولنا: زيد حيوان، فإن هذا إثبات واجب، وزيد ليس بحجر، فإن هذا سلب ممتنع.\nوعلى هذا التقدير، فالممكنات التي تقبل الوجود والعدم، كقولنا: المثلث إما موجود وإما معدوم، يكون من قسم العدم والملكة، وليس كذلك، فإن ذلك القسم يخلو فيه الموصوف الواحد عن المتقابلين جميعا، ولا يخلو شيء من الممكنات عن الوجود والعدم.\nوأيضا فإنه على هذا التقدير، فصفات الرب كلها واجبة له، فإذا قيل: إما أن يكون حيا أو عليما أو سميعا أو بصيرا أو متكلما، أو لا يكون- كان مثل قولنا: إما أن يكون موجودا وإما أن لا يكون، وهذا متقابل تقابل السلب والإيجاب، فيكون الآخر مثله، وبهذا يحصل المقصود.\nفإن قيل: هذا لا يصح حتى يُعلم إمكان قبوله لهذه الصفات.\nقيل له: هذا إنما اشتُرِط فيما أمكن أن يثبت له ويزول كالحيوان، فأما الرب تعالى فإنه بتقدير ثبوتها له فهي واجبة ضرورة أنه لا يمكن اتصافه بها وبعدمها باتفاق العقلاء، فإن ذلك يوجب أن يكون تارة حيا وتارة ميتا، وتارة أصم وتارة سميعا، وهذا يوجب اتصافه بالنقائص، وذلك منتف قطعا.","vol":"2","page":1012},{"text":"بخلاف من نفاها، وقال: إن نفيها ليس بنقص، لظنه أنه لا يقبل الاتصاف بها، فإن من قال هذا لا يمكنه أن يقول: إنه مع إمكان الاتصاف بها لا يكون نفيها نقصا. فإن فساد هذا معلوم بالضرورة. وقيل له أيضا: أنت في تقابل السلب والإيجاب، إن اشترطت العلم بإمكان الطرفين لم يصح أن تقول: واجب الوجود إما موجود وإما معدوم، والممتنع الوجود إما موجود وإما معدوم، لأن أحد الطرفين هنا معلوم الوجود، والآخر معلوم الامتناع.\nوإن اشترطت العلم بإمكان أحدهما صح أن تقول: إما أن يكون حيا وإما أن لا يكون، وإما أن يكون سميعا بصيرا وإما أن لا يكون، لأن النفي إن كان ممكنا صح التقسيم، وإن كان ممتنعا كان الإثبات واجبا، وحصل المقصود.\nفإن قيل: هذا يفيد أن هذا التأويل يقابل السلب والإيجاب ونحن نسلم ذلك، كما ذكر في الاعتراض، لكن غايته أنه إما سميع وإما ليس بسميع، وإما بصير وإما ليس ببصير، والمنازع يختار النفي.\nفيقال له: على هذا التقدير فالمثبَت واجب، والمسلوب ممتنع، فإما أن تكون هذه الصفات واجبة له، وإما أن تكون ممتنعة عليه، والقول بالامتناع لا وجه له إذ لا دليل عليه بوجه.\nبل قد يقال: نحن نعلم بالاضطرار بطلان الامتناع، فإنه لا يمكن أن يستدل على امتناع ذلك إلا بما يستدل به على إبطال أصل الصفات، وقد علم فساد ذلك، وحينئذ فيجب القول بوجوب هذه الصفات له.\nواعلم أن هذا يمكن أن يُجعل طريقة مستقلة في إثبات صفات الكمال له، فإنها إما واجبة له، وإما ممتنعة عليه، والثاني باطل فتعيَّن الأول، لأن كونه قابلا لها خاليا عنها يقتضي أن يكون ممكنا، وذلك ممتنع في حقه، وهذه طريقة معروفة لمن سلكها","vol":"2","page":1013},{"text":"من النظار.\nالجواب الثاني- أن يقال: فعلى هذا إذا قلنا: زيد إما عاقل وإما غير عاقل، وإما عالم وإما ليس بعالم، وإما حي وإما غير حي، وإما ناطق وإما غير ناطق، وأمثال ذلك مما فيه سلب الصفة عن محل قابل لها، لم يكن هذا داخلا في قسم تقابل السلب والإيجاب.\nومعلوم أن هذا خلاف المعلوم بالضرورة، وخلاف اتفاق العقلاء، وخلاف ما ذكروه في المنطق وغيره.\nومعلوم أن مثل هذه القضايا تتناقض بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق إحداهما كذب الأخرى، فلا يجتمعان في الصدق والكذب، فهذه شروط التناقض موجودة فيها.\nوغاية فرقهم أن يقولوا: إذا قلنا: هو إما بصير وإما ليس ببصير، كان إيجابا وسلبا، وإذا قلنا: إما بصير وإما أعمى، كان ملكة وعدما.\nوهذا منازعة لفظية، وإلا فالمعنى في الموضعين سواء، فعلم أن ذلك نوع من تقابل السلب والإيجاب، وهذا يبطل قولهم في حد ذلك التقابل: إنه لا استحالة لأحد الطرفين إلى الآخر، فإن الاستحالة هنا ممكنة كإمكانها إذا عبر بلفظ «العمى».\nالشرح\nيمكن تلخيص جواب ابن تيمية على مسألة التقابل في جانبين:\nالجانب الأول: الجانب اللغوي.\nقال ابن تيمية: \"هذا اصطلاح لكم، وإلا فاللغة العربية لا فرق فيها، والمعاني","vol":"2","page":1014},{"text":"العقلية لا يعتبر فيها مجرد الاصطلاحات\" (^١).\nوقال أيضًا: \"لفظ التنافي والتضاد والتناقض والتعارض ألفاظ (متقاربة) في أصل اللغة، وإن كانت تختلف فيها الاصطلاحات، فكل مضاد فهو مستلزم للتناقض اللغوي.\nولهذا يسمي أهل اللغة أحد الضدين نقيض الآخر، وكل تعارض فهو مستلزم للتناقض اللغوي، لأن أحد الضدين ينقض الآخر، أي يلزم من ثبوته عدم الآخر، كما يلزم من ثبوت السواد انتفاء البياض.\nوأما أهل اللغة فالنقيضان عندهم أعم من هذا كله، كالمتنافيين، فكل ما نفى أحدهما الآخر فقد نقضه وأزاله وأبطله، فيسمونه نقيضه\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"والمتلازمان يلزم من ثبوت كل منهما ثبوت الآخر، ومن انتفائه انتفاؤه، فكيف يمكن أن يكون المتلازمان متعارضين متنافيين متناقضين، أو متضادين؟\nولفظ التنافي والتضاد والتناقض والتعارض ألفاظ (متقاربة) في أصل اللغة، وإن كانت تختلف فيها الاصطلاحات، فكل مضاد فهو مستلزم للتناقض اللغوي.\nولهذا يسمي أهل اللغة أحد الضدين نقيض الآخر، وكل تعارض فهو مستلزم للتناقض اللغوي، لأن أحد الضدين ينقض الآخر، أي يلزم من ثبوته عدم الآخر، كما يلزم من ثبوت السواد انتفاء البياض (^٣).\nوقال أيضًا: \"وأما أهل اللغة فالنقيضان عندهم أعم من هذا كله، كالمتنافيين،\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٢٢١ - ٢٢٤.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٧٢ - ٢٧٧.\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٧٢ - ٢٧٧","vol":"2","page":1015},{"text":"فكل ما نفى أحدهما الآخر فقد نقضه وأزاله وأبطله، فيسمونه نقيضه\" (^١).\nالجانب الثاني: الجانب الاصطلاحي.\nأولًا: أن أهل الاصطلاح ليسوا على قول واحد في تعريف النقيضين.\nوفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية:\n\"والنقيضان: في اصطلاح كثير من أهل النظر هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان.\nوالضدان: لا يجتمعان لكن قد يرتفعان.\nوفي اصطلاح آخرين منهم هما: النفي والإثبات فقط، كقولك، إما أن يكون، وإما أن لا يكون.\nولهذا يقولون: التناقض: اختلاف قضيتين بالسلب والإيجاب، على وجه يلزم من صدق إحداهما كذب الأخرى.\nفالتناقض في عرف أولئك أعم منه في عرف هؤلاء، فإن ما لا يجتمعان ولا يرتفعان قد يكونان ثبوتيين، وقد يكونان عدميين، وقد يكونان ثبوتًا وانتفاءً، ولو كان أحدهما وجودًا والآخر عدمًا، فقد يعبر عنهما بصيغة الإثبات التي لا تدل بنفسها على التناقض الخاص، كما إذا قيل للموجود: إما أن يكون قائمًا بنفسه، وإما أن يكون قائمًا بغيره، وإما أن يكون واجبًا بنفسه، وإما أن يكون ممكنًا بنفسه، وإما أن يكون قديمًا، وإما أن يكون محدثًا، ونحو ذلك.\nفمن المعلوم أن تقسم الموجود إلى قائم بنفسه وغيره، وواجب وممكن، وقديم ومحدث، تقسيم حاصر كتقسيم المعلوم إلى الثابت والمنفي.\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٧٢ - ٢٧٧","vol":"2","page":1016},{"text":"وهذان القسمان لا يجتمعان ولا يرتفعان كما أن الوجود والعدم لا يجتمعان ولا يرتفعان. (^١) \"\nثانيًا: لما أراد المخالف التفريق بين نوعين من المتقابلين وهما:\nتقابل (تقابل النقيضين) أو ما يسمى كذلك تقابل السلب والإيجاب وأن هذا النوع -كما تقدم تعريفه- هو تقابل أمرين وجودي وعدمي، أي عدم لذلك الوجودي، وهما لا يجتمعان ولا يرتفعان ببديهة العقل، ولا واسطة بينهما.\nوأن هناك (تقابل العدم والملكة): وهما «أمران وجودي وعدمي لا يجتمعان ويجوز أن يرتفعا في موضع لا تصح فيه الملكة»\nوالفرق بينهما: أن النقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان، وأما في تقابل العدم والملكة فهما يرتفعان. وإن كان يمتنع اجتماعهما.\nواعترض على هذا الفرق بأنه للتشابه القريب بين تقابل الملكة وعدمها من جهة، وبين تقابل الضدين من جهة أخرى، جعل بعض كتب المنطق لا تعدها ضمن التقابل، إذ نجد تقابل الملكة هي تقابلات أضداد، في حين أن الذين ميزوا تقابل الضدين عن تقابل الملكة عللوا بالقول:\n١ - أن تعقل أحد الضدين لا يجب أن يتوقف على الآخر عكس تقابل الملكة. ٢ - كما أن تقابل الملكة وعدمها لا يفترض لهما ثالث عكس الضدين اللذين قد يكون لهما ثالث: فالنعومة والخشونة قد ترتفعا معا بحيث يكون الموضع أملس مثلا .. وهكذا.\nواعتراض هؤلاء يتمثل بأنه يمتنع نفي النقيضين عن الشيء الذي يكون قابلًا لهذين النقيضين أن يرتفع عنه أحدهما فيمتنع الآخر، فهذا الجدار لا يصدق عليه أنه\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٧٢ - ٢٧٧","vol":"2","page":1017},{"text":"مبصر أو أعمى، أو أنه حي أو ميت، وكلاهما نقيضان، لكنه ليس بقابل لهما أصلًا. فهم عدوا أن التقابل هنا هو من تقابل العدم والملكة.\nوالجواب على هذا الاعتراض بعدة أجوبة:\nأولًا: هذا لا يصح في الوجود والعدم، فإنهما متقابلان تقابل السلب والإيجاب، باتفاق العقلاء، فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر\".\nفيرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن التقابل هنا هو من باب تقابل السلب والإبجاب-كما تقدم تعريفه-هو تقابل أمرين وجودي وعدمي، أي عدم لذلك الوجودي، وهما لا يجتمعان ولا يرتفعان ببديهة العقل، ولا واسطة بينهما، ولذلك عبر المصنف بقوله: \"فيلزم من رفع أحدهما ثبوت الآخر\" وليس من تقابل العدم والملكة. والفرق بينهما: أن النقيضان لا يرتفعان ولا يجتمعان، وأما في تقابل العدم والملكة فهما يرتفعان. وإن كان يمتنع اجتماعهما.\nثانيًا: \"أن ما ذكره هؤلاء في الحياة والموت، والعلم والجهل، هذا اصطلاح اصطلحت عليه المتفلسفة المشاءون، والاصطلاحات اللفظية ليست دليلا على نفي الحقائق العقلية، وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ • أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل الآيات: ٢٠ - ٢١ [فسمى الجماد ميتًا، وهذا مشهور في لغة العرب وغيرهم\".\nثالثًا: وأما الاعتراض بعدم وصف الجدار بالحياة والموت ونحو ذلك، فيمكن أن يجاب عليه بأن القول بتقابل العدم والملكة هو اصطلاح اصطلحه أهل المنطق، وإلا فكل ما لا حياة فيه يسمى مواتًا.\nقال الله تعالى: (والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون. أموات غير أحياء)] النحل الآيات: ٢٠، ٢١]. فسمى الأصنام الجامدات","vol":"2","page":1018},{"text":"أمواتًا، وتسمى الأرض مواتًا، كما قال النبي ﷺ «من أحيا أرضًا ميتة فهي له» (^١).\nوعليه يمكن أن يقال: كل عين من الأعيان تقبل الحياة، فإن الله قادر على خلق الحياة وتوابعها في كل شيء\" (^٢).\nوقال أيضًا: \"لا نسلم أن في الأعيان ما لا يقبل الاتصاف بهذه الصفات فإن الله قادر على أن يخلق الحياة في كل جسم، وأن ينطقه كما أنطق ما شاء من الجمادات.\nوقد قال تعالى ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون * أموات غير أحياء﴾ [النحل الآيات: ٢٠، ٢١].\nوإذا كان كذلك فدعواهم أن من الأعيان مالا يقبل الاتصاف بهذه الصفات رجوع منهم إلى مجرد ما شهدوه من العادة وإلا فمن كان مصدقًا بأن الله قلب عصا موسى وهي جماد ثعبانا عظيما ابتلعت الحبال والعصي لم يمكنه أن يطرد هذه الدعوى.\nوإذا كان سبحانه قادرًا على أن يثبت هذه الصفات صفات الكمال لما كان جمادًا من مخلوقاته وكان كل مخلوق يقبل ذلك بقدرة الله تعالى فهو أحق بقبول ذلك، بل بوجود به له، إذ ما كان ممكنًا في حقه من صفات الكمال كان واجبًا، فإنه لا يستفيد صفات الكمال من غيره بل هو مستحق لها بذاته فهي من لوازم ذاته. \" (^٣)\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"الوجه الثالث- أن يقال: التقسيم الحاصر أن يقال: المتقابلان إما أن يختلفا بالسلب والإيجاب، وإما أن لا يختلفا بذلك، بل يكونان\n_________\n(^١) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم عن عمر في الحرث والمزارعة (٥/ ٢٣).\n(^٢) الرسالة الصفدية - قاعدة في تحقيق الرسالة وإبطال قول أهل الزيغ والضلالة ص ٦٩.\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل ٤/ ٣٨ - ٤٢.","vol":"2","page":1019},{"text":"إيجابين أو سلبين.\nفالأول: هو النقيضان.\nوالثاني: إما أن يمكن خلو المحل عنهما، وإما أن لا يمكن، والأول: هما الضدان كالسواد والبياض.\nوالثاني هما في معنى النقيضين وإن كانا ثبوتَين كالوجوب والإمكان، والحدوث والقدم، والقيام بالنفس والقيام بالغير، والمباينة والمجانبة، ونحو ذلك.\nومعلوم أن الحياة والموت، والصمم والبكم والسمع، ليس مما إذا خلا الموصوف عنهما وصف بوصف ثالث بينهما كالحمرة بين السواد والبياض، فعُلم أن الموصوف لا يخلو عن أحدهما فإذا انتفى تعين الآخر\".\nالشرح\nقال ابن تيمية: \"أن يقال هب أنهما متقابلان تقابل العدم والملكة فقولكم لا يلزم من نفي أحدهما ثبوت الآخر إلا إذا كان المحل قابلًا\nجوابه أن يقال:\nالموجودات نوعان:\n• نوع يقبل الاتصاف بأحد هذين كالحيوان.\n• وصنف لا يقبل ذلك كالجماد.\nومن المعلوم أن ما قبل أحدهما أكمل ممن لا يقبل واحدًا منهما وإن كان موصوفًا بالعمى والصم والخرس فإن الحيوان الذي هو كذلك أقرب إلى الكمال ممن لا يقبل لا هذا ولا هذا، إذ الحيوان الأبكم الأعمى الأصم يمكن أن يتصف بصفات الكمال، وما يقبل الاتصاف بصفات الكمال أكمل ممن لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال.","vol":"2","page":1020},{"text":"فإذا كان قد علم أن الرب تعالى مقدس عن أن يتصف بهذه النقائص مع قبوله للاتصاف بصفات الكمال، فلأن يقدس عن كونه لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال أولى وأحرى. وهذا معلوم ببداهة العقول\" (^١).\nوقال أيضًا: \"أن يقال: هب أنهما متقابلان تقابل العدم والملكة فقولكم لا يلزم من نفي أحدهما ثبوت الآخر إلا إذا كان المحل قابلًا.\nجوابه: أن يقال الموجودات نوعان:\nنوع يقبل الاتصاف بأحد هذين كالحيوان.\nوصنف لا يقبل ذلك كالجماد.\nومن المعلوم أن ما قبل أحدهما أكمل ممن لا يقبل واحدًا منهما وإن كان موصوفًا بالعمى والصم والخرس فإن الحيوان الذي هو كذلك أقرب إلى الكمال ممن لا يقبل لا هذا ولا هذا، إذ الحيوان الأبكم الأعمى الأصم يمكن أن يتصف بصفات الكمال، وما يقبل الاتصاف بصفات الكمال أكمل ممن لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال.\nفإذا كان قد علم أن الرب تعالى مقدس عن أن يتصف بهذه النقائص مع قبوله للاتصاف بصفات الكمال، فلان يقدس عن كونه لا يقبل الاتصاف بصفات الكمال أولى وأحرى.\nوهذا معلوم ببداهة العقول\" (^٢).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٤/ ٣٨ - ٤٢.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل ٤/ ٣٤ - ٤٠.","vol":"2","page":1021},{"text":"المتن\nقال المصنف ﵀: \"الوجه الرابع- المحل الذي لا يقبل الاتصاف بالحياة والعلم والقدرة والكلام ونحوها، أنقص من المحل الذي يقبل ذلك ويخلو عنها، ولهذا كان الحجر ونحوه أنقص من الحي الأعمى.\nوحينئذ فإذا كان البارئ منزها عن نفي هذه الصفات- مع قبوله لها- فتنزيهه عن امتناع قبوله لها أَوْلَى وأحرى، إذ بتقدير قبوله لها يمتنع منع المتقابلين، واتصافه بالنقائص ممتنع، فيجب اتصافه بصفات الكمال، وبتقدير عدم قبوله لا يمكن اتصافه لا بصفات الكمال ولا بصفات النقص، وهذا أشد امتناعا، فثبت أن اتصافه بذلك ممكن، وأنه واجب له، وهو المطلوب، وهذا في غاية الحسن\".\nالشرح\nيشير المصنف ﵀ هنا إلى إصل المسألة وهو هل كون الاتصاف بالصفات كمال أم نقص وهذا أصل النزاع بخلاف مسألة التقابل فهي مسألة عارضة، وهذه عادة المصنف في مناقشة هذا الموضوع في أكثر من كتاب من كتبه فهو أحيانًا يناقش أصل المسألة وأحيانًا يناقش الاعتراض الذي أورده المعارض في دعواه أن التقابل هنا هو من باب تقابل العدم والملكة وليس من تقابل السلب والإيجاب. فالمصنف يبين هنا أن مالا يقبل الاتصاف بصفات الكمال أنقص مما يقبل الاتصاف بصفات الكمال، والحي الجاهل الأعمى الأصم لقبوله للعلم والسمع والبصر أكمل من الجماد الذي لا يقبل ذلك ن فإذا كان يمتنع كون الواجب يقبل صفات الكمال","vol":"2","page":1022},{"text":"ولا يتصف بها، فلأن يمتنع كونه لا يقبلها بطريق الأولى\" (^١)\nوقال ابن تيمية في موضع آخر: \"ما لا يقبل هذه الصفات كالجماد أنقص مما يقبلها ويتصف بالناقص منها، فالحي الأعمى أكمل من الجماد الذي لا يوصف ببصر ولا عمى، وهذا بعينه يقال فيما يقوم به من الأفعال ونحوها التي يقدر عليها ويشاؤها، فإنه لو لم يتصف بالقدرة على هذه الأفعال لزم اتصافه بالعجز عنها، وذلك نقص ممتنع كما تقدم، والقادر على الفعل والكلام أكمل من العاجز عن ذلك (^٢).\nوقال أيضًا: \"أن ما لا يقبل صفات الكمال أنقص مما يقبلها ولم يتصف بها، فإن الجماد أنقص من الحيوان الأعمى والأصم والأبكم، فإذا كان اتصافه بصفات النقص، مع إمكان اتصافه بصفات الكمال، نقصًا وعيبًا يجب تنزيهه عنه، فعدم قبوله لصفات الكمال أعظم نقصًا وعيبًا.\nولهذا كان منتهى أمر هؤلاء تشبيهه بالجمادات ثم بالمعدومات، ثم بالممتنعات\". (^٣)\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"الوجه الخامس- أن يقال: أنتم جعلتم تقابل العدم والملكة فيما يمكن اتصافه بثبوت، فإن عنيتم بالإمكان الإمكان الخارجي، وهو أن يعلم ثبوت ذلك في الخارج، كان هذا باطلا من وجهين:\nأحدهما- أنه يلزمكم أن تكون الجامدات لا توصف بأنها لا حيّة ولا ميتة، ولا ناطقة ولا صامتة، وهو قولكم، لكن هذا اصطلاح محض، وإلا [فالعرب]\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٣٦٧ - ٣٧٠.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٢٢١ - ٢٢٤.\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٧٢ - ٢٧٧.","vol":"2","page":1023},{"text":"يصفون هذه الجمادات بالموت والصمت.\nوقد جاء القرآن بذلك، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ • أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾، فهذا في الأصنام وهي من الجمادات، وقد وصفت بالموت.\nوالعرب تقسم الأرض إلى الحيوان والمَوَتان، قال أهل اللغة: المَوَتان، بالتحريك: خلاف الحيوان، يقال: اشْتَرِ المَوَتان ولا تَشْتَر الحيوان، أي: اشتر الأرضين والدّور، ولا تشتر الرقيق والدّواب. وقالوا أيضا: المَوَات: ما لا روح فيه. فإن قيل: فهذا إنما سمي مواتا باعتبار قبوله للحياة، التي هي إحياء الأرض.\nقيل: وهذا يقتضي أن الحياة أعم من حياة الحيوان، وأن الجماد يوصف بالحياة إذا كان قابلا للزرع والعمارة.\nوالخرس ضد النطق، والعرب تقول: لبن أخرس، أي خاثر لا صوت له في الإناء، وسحابة خرساء، ليس فيها رعد ولا برق، وعَلَم أخرس، إذا لم يُسمع له في الجبل صوت صدى، ويقال: كتيبة خرساء، قال أبو عبيد: هي التي صمتت من كثرة الدروع ليس لها قعاقع.\nوأبلغ من ذلك الصمت والسكوت، فإنه يوصف به القادر على النطق إذا تركه، بخلاف الخرس، فإنه عجز عن النطق، ومع هذا فالعرب تقول: ما له صامت ولا ناطق، فالصامت الذهب والفضة، والناطق الإبل والغنم، والصامت من اللبن: الخاثر، والصَمُوت: الدرع التي إذا صُبَّت لم يسمع لها صوت.\nويقولون: دابة عجماء، وخرساء، لما لا ينطق ولا يمكن منه النطق في العادة، ومنه قول النبي ﷺ: (العجماء جبار).","vol":"2","page":1024},{"text":"وكذلك في العمى، تقول العرب: عَمَى الموجُ يَعْمِي عَمْيًا إذا رمى القذى والزَبَدَ، والأعميان: السيل والجمل الهائج، وعَمِيَ عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنبَاءُ يَوْمَئِذٍ﴾.\nوهذه الأمثلة قد يقال في بعضها: إنه عدم ما يقبل المحل الاتصاف به كالصوت، ولكن فيها ما لا يقبل كموت الأصنام.\nالثاني- أن الجامدات يمكن اتصافها بذلك، فإن الله سبحانه قادر أن يخلق في الجمادات حياة، كما جعل عصى موسى حيّة تبلع الحبال والعصي. وإذا كان في إمكان العادات كان ذلك مما قد علم بالتواتر، وأنتم أيضا قائلون به في مواضع كثيرة.\nوإذا كان الجمادات يمكن اتصافها بالحياة وتوابع الحياة ثبت أن جميع الموجودات يمكن اتصافها بذلك، فيكون الخالق أَوْلَى بهذا الإمكان.\nوإن عنيتم الإمكان الذهني، وهو عدم العلم بالامتناع فهذا حاصل في حق الله، فإنه لا يعلم امتناع اتصافه بالسمع والبصر والكلام.\nالشرح\nأي أن ما ذكروه من التفريق بين السلب والإيجاب، والعدم والملكة، بتسمية هذا ميتًا دون هذا، اصطلاح لهم لا يجب اتباعه والله قد سمى الجماد مواتًا في مثل قوله تعالى ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحياء﴾ [النحل الآيات: ٢٠، ٢١]. وفي قوله تعالى ﴿وآية لهم الأرض الميتة﴾ [يس الآية: ٣٣ [وأمثال ذلك\" (^١)\nوقال ابن تيمية: أن يقال: هذا اصطلاح لكم، وإلا فما ليس بحي يسمى ميتًا، كما\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٣٦٧ - ٣٧٠.","vol":"2","page":1025},{"text":"قال تعالى: ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحياء﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١]، وقال تعالى: ﴿وآية لهم الأرض الميتة أحييناها﴾ [يس الآية: ٣٣]، وقال: ﴿اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها﴾ [الحديد الآية: ١٧] (^١).\nوقال أيضًا: \"أن يقال لهؤلاء قولكم إن هذين يتقابلان تقابل العدم والملكة اصطلاح اصطلحتموه وإلا فكل ما لا حياة فيه يسمى مواتا وميتا قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ [النحل الآيات: ٢٠، ٢١]. فسمى الأصنام الجامدات أمواتا وتسمى الأرض مواتا كما قال النبي ﷺ: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» \" (^٢).\nوقال أيضًا: \"نقول: لا نسلم أن في الأعيان مالا يقبل الاتصاف بهذه الصفات فإن الله قادر على أن يخلق الحياة في كل جسم، وأن ينطقه كما أنطق ما شاء من الجمادات.\nوقد قال تعالى ﴿والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئًا وهم يخلقون * أموات غير أحياء﴾ [النحل الآيات: ٢٠، ٢١].\nوإذا كان كذلك فدعواهم أن من الأعيان مالا يقبل الاتصاف بهذه الصفات رجوع منهم إلى مجرد ما شهدوه من العادة وإلا فمن كان مصدقًا بأن الله قلب عصا موسى وهي جماد ثعبانا عظيما ابتلعت الحبال والعصي لم يمكنه أن يطرد هذه الدعوى.\nوإذا كان سبحانه قادرًا على أن يثبت هذه الصفات صفات الكمال لما كان جمادًا من مخلوقاته وكان كل مخلوق يقبل ذلك بقدرة الله تعالى فهو أحق بقبول\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٧٢ - ٢٧٧.\n(^٢) الصفدية ١/ ٨٨ - ٩٩.","vol":"2","page":1026},{"text":"ذلك، بل بوجود به له، إذ ما كان ممكنًا في حقه من صفات الكمال كان واجبًا، فإنه لا يستفيد صفات الكمال من غيره بل هو مستحق لها بذاته فهي من لوازم ذاته\" (^١).\nوقال أيضًا: \"أن يقال كل عين من الأعيان تقبل الحياة فإن الله قادر على خلق الحياة وتوابعها في كل شيء\" (^٢).\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"الوجه السادس- أن يقال: هب أنه لا بد من العلم بالإمكان الخارجي، فإمكان الوصف للشيء يُعلم تارة بوجوده له، أو بوجوده لنظيره، أو بوجوده لما هو الشيء أَوْلَى بذلك منه\".\nالشرح\nقال ابن تيمية: \"والإنسان يعلم الإمكان الخارجي:\nتارة بعلمه بوجود الشيء،\nوتارة بعلمه بوجود نظيره،\nوتارة تعلمه بوجود ما الشيء أولي بالوجود منه، فإن وجود الشيء دليل على أن ما هو دونه أولي بالإمكان منه، ثم إنه إذا تبين كون الشيء ممكنًا فلا بد من بيان قدرة الرب عليه، وإلا فمجرد العلم بإمكانه لا يكفي في إمكان وقوعه، إن لم يعلم قدرة الرب علي ذلك.\nومن الأمثلة على ذلك:\nقوله تعالى: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس﴾ [غافر الآية: ٥٧] فإنه من\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٤/ ٣٨ - ٤٢.\n(^٢) الصفدية ١/ ٨٨ - ٩٩.","vol":"2","page":1027},{"text":"المعلوم ببداهة العقول أن خلق السماوات والأرض أعظم من خلق أمثال بني آدم، والقدرة عليه أبلغ، وأن هذا الأيسر أولى بالإمكان والقدرة من ذلك. \" (^١)\nوقال أيضًا: \"إن كل ما أمكن اتصاف الرب سبحانه فهو واجب له، لامتناع توقف شيء من صفاته على غيره\" (^٢)\nوقال أيضًا: \"أن يقال الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه الممكن للموجود إما أن يكون ممكنا للواجب، وإما أن يكون ممتنعا عليه فإن كان ممتنعا عليه لزم أن يكون الموجود غير قابل للكمال فإن الموجود إما واجب وإما ممكن والواجب إذا لم يقبل الكمال فالممكن أولى ونحن قد ذكرنا الكمال الممكن للموجود الذي لا نقص فيه فيمتنع أن يكون الكمال الممكن للموجود غير ممكن للموجود وإذا كان ذلك ممكنا له فإما أن يكون لازما أو يكون جائزا فإن كان لازما له ثبت أن الكمال الممكن للموجود لازم للقديم تعالى واجب له وهو المطلوب وإن كان جائزا كان مفتقرا في حصوله إلى غيره وحينئذ فذلك الغير أكمل منه لأن معطي الكمال أكمل من الآخذ له وذلك المعطي إن كان مخلوقا له لزم أن يكون المخلوق أكمل من الخالق وأيضا فشرط إعطائه الكمال اتصافه بصفات الكمال والكمال إنما يستفيده من الكامل فيمتنع أن يكون معطيا له لئلا يلزم الدور في الفاعلين والعلل الفاعلة فإنه ممتنع بالضرورة واتفاق العقلاء\nوإن كان الغير ليس مخلوقا له كان واجب الوجود بنفسه وحينئذ فإن كان متصفا بصفات الكمال بنفسه فهو الرب الخالق والأول مفعول له ليس له من نفسه صفات الكمال فهو عبد لا رب وإن لم يكن متصفا بصفات الكمال بنفسه بل هذا يستفيد الكمال من هذا وهذا يستفيده من هذا كان هذا دورا ممتنعا وهذا من أعظم ما يحتج به على توحيد\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ١/ ٣١.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٣٦٧ - ٣٧٠.","vol":"2","page":1028},{"text":"الربوبية وأنه يمتنع أن يكون للعالم صانعان فإن الصانعين إما أن يكون كل منهما فاعلا لجميع العالم وهذا ممتنع بالضرورة فإنه إذا كان هذا فاعلا للجميع لم يكن الآخر فاعلا لشيء منه فضلا عن أن يكون فاعلا لجميعه فلو كان هذا فاعلا لجميعه وهذا فاعلا لجميعه كان كل منهما فاعلا غير فاعل وإن كانا متشاركين فإن كان كل منهما قادرا حين الانفراد لزم امتياز مفعول كل منهما عن الآخر فذهب كل إله بما خلق ولهذا كل مشاركين فلا بد أن يكون فعل كل منهما مميزا عن الآخر وأيضا فإذا كان كل منهما قادرا لزم أن يقدر أحدهما على فعل العالم حين قدرة الآخرة عليه فيلزم كون كل منهما قادرا على فعله كله حال قدرة الآخر على فعله كله وهذا ممتنع كما تقدم فامتنع أن يكون أحدهما قادرا على فعله حال قدرة الآخر على فعله كما هو المعروف في القادرين على تحريك شيء ولا يقدر أحدهما على تحريكه إلا حال ما لا يكون الآخر محركا له فإذن لا يكون أحدهما قادرا إلا عند تمكين الآخر له فلا يكون أحدهما قادرا إلا بأقدار الآخر له فلا يكون قادرا حال الانفراد وأيضا فإذا كان كل منهما قادرا حال الانفراد أمكن أن يفعل ضد مفعول الآخر وأن يريد خلاف مراده مثل أن يريد هذا تحريك جسم والآخر تسكينه فيمتنع وجود المرادين جميعا لامتناع اجتماع الضدين فيلزم تمانعهما فلا يكون واحد منهما قادرا فثبت أنه يمتنع كون كل منهما قادرا حين الانفراد وإن لم يكن واحد منهما قادرا إلا عند الاجتماع كان كل منهما مؤثرا في جعل الآخر قادرا فلا يكون هذا قادرا إلا بأقدار الآخر له ولا هذا قادرا إلا بأقدار الآخر له فيلزم كون كل منهما مؤثرا في الآخر وهذا هو الدور في الفاعلين والعلل وهو ممتنع بالضرورة واتفاق العقلاء من وجوه كثيرة فإن كون الشيء فاعلا لنفسه ممتنع فكيف يكون فاعلا لفاعله ولأن الفاعل متقدم بذاته على المفعول فيلزم تقدم هذا بذاته على هذا وهذا بذاته على هذا فيلزم تقدم الشيء على نفسه بدرجتين والدور كما هو ممتنع في المؤثر فهو ممتنع في تمام كونه مؤثرا","vol":"2","page":1029},{"text":"كما أن التسلسل لما امتنع في المؤثر امتنع في تمام كونه مؤثرًا\nوهذا بخلاف الدور المعي في الآثار فإنه جائز باتفاق العقلاء، وأما التسلسل في الآثار ففيه نزاع مشهور، وهذه الأمور كلها مبسوطة في غير هذا الموضع.\nوالمقصود هنا أن الكمال الذي لا نقص فيه الممكن للموجود هو واجب لواجب الوجود لازم له لا يجوز أن يكون ممتنعا عليه مع كونه ممكنا للموجود، فلا يجوز أن يكون ممكن الوجود والعدم لأنه حينئذ يفتقر في اتصافه به إلى غيره لأنه إما أن يكون كل منهما معطيًا للآخر الكمال، وإما أن يكون هذا الثاني هو المعطي، فإن كان هذا فذلك الغير المتصف بصفات الكمال هو حينئذ الرب الكامل المعطي لغيره الكمال، وإن كان الأول لزم كون كل منهما معطيا للآخر صفات الكمال وهو يقتضي كون كل منهما مؤثرا في الآخر مثل أن يكون كل منهما فاعلًا للآخر عالما قادرًا حيًا وذلك دور ممتنع كما تبين فثبت أن اتصافه بصفات الكمال أمر لازم له يمتنع زواله عنه وهو المطلوب\" (^١).\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"ومعلوم أن الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام ثابتة للموجودات المخلوقة، وممكنة لها، فإمكانها للخالق تعالى أَوْلَى وأحرى، فإنها صفات كمال، وهو قابل للاتصاف بالصفات، وإذا كانت ممكنة في حقه فلو لم يتصف بها لاتصف بأضدادها\".\nالشرح\nاستعمل المصنف هنا قياس الأولى واستخدام هذا الدليل يكون في جانبين\n_________\n(^١) الصفدية ١/ ٨٨ - ٩٩.","vol":"2","page":1030},{"text":"الجانب الأول: في جانب إثبات الكمال.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- أيضًا: «فكل كمال لا نقص فيه بوجه ثبت للمخلوق فالخالق أحق به من وجهين:\nأحدهما: أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم أكمل من المخلوق القابل للعدم المحدث المربوب.\nالثاني: أن كل كمال فيه فإنما استفاده من ربه وخالقه؛ فإذا كان هو مبدعًا للكمال، وخالقًا له، كان من المعلوم بالاضطرار أن معطي الكمال وخالقه ومبدعه أولى بأن يكون متصفًا به من المستفيد المبدع المعطي» (^١).\nوالجانب الثاني: في جانب نفي النقص.\nويقال أيضًا في الأولوية في جانب النقص، أنها من وجهين:\nالأول: أن الخالق الموجود الواجب بذاته القديم منزه عن النقائص والعيوب.\nالثاني: أن كل نقص تنزه عنه المخلوق المربوب فإنما نزَّهَهُ عنه ربه وخالقه، فإذا كان الله -﷿- هو المُنَزِّهُ غيره عن النقص، كان معلومًا بالاضطرار أن الذي ينزه غيره عن النقائص أولى بالتنزه عنها من غيره.\nوهناك احتراز مهم في هذه القاعدة إن هذه القاعدة التي يذكرها أهل العلم، لا بد فيها من مراعاة مفهوم النقص في حق الله -﷿-، الذي يجب أن ينزه عنه؛ لأن هناك أمور هي نقص في حق المخلوق، ولكنها كمالٌ في حق الخالق، ومن ذلك:\nالكبرياء والعظمة، فإنها نقص في حق المخلوق لكنها كمال في حق الخالق، فإن الله -﷿- يسمى بالمتكبر، ويوصف بالكبرياء، قال تعالى: ﴿الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ\n_________\n(^١) شرح العقيدة الأصفهانية ص (١١٧ - ١١٨).","vol":"2","page":1031},{"text":"سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^١)، وقال ﷺ فيما يرويه عن ربه: «العِزُّ إِزَارُهُ، وَالكِّبْرِيَاءُ رِدَاؤُهُ، فَمَنْ يُنَازِعُنِي عَذَّبْتُهُ» (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «… فاحترازٌ عما هو لبعض المخلوقات كمال دون بعض، وهو نقص بالإضافة إلى الخالق لاستلزامه نقصًا، كالأكل والشرب مثلًا، فإن الصحيح الذي يشتهي الأكل والشرب من الحيوان، أكمل من المريض الذي لا يشتهي الأكل والشرب؛ لأن قوامه بالأكل والشرب، فإذا قُدِّرَ غير قابلٍ له، كان ناقصًا عن القابل لهذا الكمال، لكن هذا يستلزم حاجة الآكل والشارب إلى غيره، وهو ما يدخل فيه من الطعام والشراب، وهو مستلزم لخروج شيء منه كالفضلات، وما لا يحتاج إلى دخول شيء فيه، أكمل ممن يحتاج إلى دخول شيء فيه، وما يتوقف كماله على غيره أنقص مما لا يحتاج\nفي كماله إلى غيره؛ فإن الغني عن شيء أعلى من الغني به، والغني بنفسه أكمل من الغني بغيره.\nولهذا كان من الكمالات ما هو كمال للمخلوق وهو نقص بالنسبة إلى الخالق، وهو كل ما كان مستلزمًا لإمكان العدم عليه، المنافي لوجوبه وقيوميته، أو مستلزمًا للحدوث المنافي لقدمه، أو مستلزمًا لفقره المنافي لغناه» (^٣).\nوقال في موضع آخر: «إن الذي يستحقه الرب هو الكمال الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وأنه الكمال الممكن للموجود، ومثل هذا لا ينتفي عن الله أصلًا، والكمال النسبي، هو المستلزم للنقص، فيكون كمالًا، من وجه دون وجه، كالأكل للجائع كمالٌ له، وللشبعان نقص فيه، لأنه ليس بكمال محض، بل هو مقرون بالنقص.\n_________\n(^١) الآية [٢٣] من سورة الحشر.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه (١٦/ ٣٨٩ مع النووي)، كتاب البر والصلة، باب تحريم الكبر، برقم (٦٦٢٣).\n(^٣) تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل (٥/ ٢٤٠).","vol":"2","page":1032},{"text":"والتعالي والتكبر والثناء على النفس، وأمر الناس بعبادته ودعائه والرغبة إليه، ونحو ذلك، مما هو من خصائص الربوبية، هذا كمال محمود من الرب ﵎، وهو نقص مذموم من المخلوق» (^١).\n«فالكبرياء والعظمة له، بمنزلة كونه حيًا قيومًا قديمًا واجبًا بنفسه، وأنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه العزيز الذي لا ينال، وأنه قهار لكل ما سواه.\nفهذه كلها صفات كمال لا يستحقها إلا هو، فما لا يستحقه إلا هو، كيف يكون كمالًا من غيره وهو معدوم لغيره؟ فمن ادعاه كان مفتريًا منازعًا للربوبية في خواصِّها، كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: «يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: العَظَمَةُ إِزَارِي، وَالكِبْرِيَاءُ رِدَائِي، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا عَذَبْتُهُ» (^٢)، وجملة ذلك أن الكمال المختص بالربوبية ليس لغيره فيه نصيب، فهذا تحقيق اتصافه بالكمال الذي لا نصيب لغيره فيه، ومثل هذا الكمال لا يكون لغيره، فادعاؤه منازعة للربوبية، وفرية على الله» (^٣).\nفهذا القيد مهم جدًا في تطبيق هذه القاعدة وفهمها، واحتراز بالغ الأهمية تجب مراعاته والاعتناء بفهمه ودركه؛ لئلا ينسب إلى الله -﷿- شيء من النقص الذي يتنزه عنه.\nوقال أيضًا: \"إن كل صفة من صفات الكمال إذا لم تستلزم نقصًا فالواجب أولى بها من الممكن، واتصافه بها أولى من الممكن لأنه أكمل، ولأن كل كمال حصل\n_________\n(^١) تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل (٥/ ٢٣٩).\n(^٢) أخرجه بهذا اللفظ: أبو داود في سننه (٤/ ٢٢٦ - ٢٢٧)، كتاب اللباس، باب ما جاء في الكبر، برقم (٤٠٩٠)، وابن ماجه في سننه (٤/ ٤٥٧)، كتاب الزهد، باب البراءة من الكبر، والتواضع، برقم (٤١٧٤).\n(^٣) تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال، ضمن مجموعة الرسائل والمسائل (٥/ ٢٤٠).","vol":"2","page":1033},{"text":"للممكن فهو من الواجب، وهم يسلمون أن كل كمال حصل للمعلوم فهو من علته، فالمعلول أولى بذلك\" (^١).\nوقال أيضًا: \"أن يقال كل كمال ثبت للمخلوق فالخالق أحق به، وكل نقص تنزه عنه مخلوق فالخالق أحق بتنزيهه عنه، لأن الموجود الواجب القديم أكمل من الموجود الممكن والمحدث ولأن كل كمال في المفعول المخلوق هو من الفاعل الخالق وهم يقولون: كمال المعلول من كمال العلة فيمتنع وجود كمال في المخلوق إلا من الخالق فالخالق أحق بذلك الكمال.\nومن المعلوم بضرورة العقل أن المعدوم لا يبدع موجودا والناقص لا يبدع ما هو أكمل منه فإن النقص أمور عدمية ولهذا لا يوصف الرب من الأمور السلبية إلا بما يتضمن أمورا وجودية وإلا فالعدم المحض لا كمال فيه كما قال تعالى ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة الآية: ٢٥٥ [فنزه نفسه عن السنة والنوم لأن ذلك يتضمن كمال الحياة والقيومية وكذلك قوله ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق الآية: ٣٨]، يتضمن كمال القدرة وقوله ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ﴾ [سبأ الآية: ٣ [يتضمن كمال العلم وكذلك قوله ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام الآية: ١٠٣]، فمعناه على قول الجمهور لا تحيط به ليس معناه لا تراه فإن نفي الرؤية يشاركه فيه المعدوم فليس هو صفة مدح بخلاف كونه لا يحاط به ولا يدرك فإن هذا يقتضي أنه من عظمته لا تدركه الأبصار وذلك يقتضي كمالا عظيما تعجز معه الأبصار عن الإحاطة فالآية دالة على إثبات رؤيته ونفي الإحاطة به نقيض ما تظنه الجهمية من أنها دالة على نفي رؤيته\" (^٢).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٣٦٧ - ٣٧٠.\n(^٢) الصفدية ١/ ٨٨ - ٩٩.","vol":"2","page":1034},{"text":"المتن\nقال المصنف ﵀: \"الوجه السابع- أن يقال: مجرد سلب هذه الصفات نقص لذاته، سواء سميت عمى وصممًا وبكمًا، أو لم تُسَمَّ، والعلم بذلك ضروري، فإنا إذا قدرنا موجودَين:\nأحدهما: يسمع ويبصر ويتكلم.\nوالآخر: ليس كذلك.\nكان الأول أكمل من الثاني.\nولهذا عاب الله سبحانه من عبد ما تنتفي فيه هذه الصفات، فقال تعالى عن إبراهيم الخليل: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم الآية: ٤٢]، وقال أيضا في قصته: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء الآية: ٦٣]، وقال تعالى عنه: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ • أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ • قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ • قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ • أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ • فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء الآيات: ٧٢ - ٧٧].\nوكذلك في قصة موسى في العجل: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ﴾ [الأعراف الآية: ١٤٨]، وقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [النحل الآية: ٧٦]، فقابل بين الأبكم العاجز وبين الآمر بالعدل الذي هو على صراط مستقيم\".\nالشرح\nقال ابن تيمية: \"أن نفي هذه الصفات نقص، وإن لم يسم جهلًا وصمًا","vol":"2","page":1035},{"text":"وبكمًا\" (^١).\nوقال أيضًا: \"إن نفس عدم الحياة والعلم والقدرة نقص لكل ما عدم عنه ذلك، سواء فرض قابلًا أو غير قابل، بل ما لا يقبل ذلك أنقص مما يقبله، كما أن نفس الحياة والعلم والقدرة صفات كمال فنفس وجود هذه الصفات كمال، ونفس عدمها نقص، سواء سمي موتًا وجهلًا وعجزًا أو لم يسم، وكذلك السمع والبصر والكلام كمال، وعدم ذلك نقص (^٢).\nوقال أيضًا: \"فإذا قال النافي: (إنما يلزم اتصافه بنقيض ذلك لو كان قيام الأفعال به ممكنًا، فأما ما لا يقبل لك كالجدار فلا يقال: هو قادر على الحركة ولا عاجز عنها).\nفيقال: هذا نزاع لفظي كما تقدم، ويقال أيضًا: فما لا يقبل قيام الأفعال الاختيارية به والقدرة عليها كالجماد أنقص مما يقبل ذلك كالحيوان، فالحيوان الذي يقبل أن يتحرك بقدرته وإرادته إذا قدر عجزه هو أكمل مما لا يقبل الاتصاف بذلك كالجماد، فإذا وصفتموه بعدم قبول ذلك كان ذلك أنقص من أن تصفوه بالعجز عن ذلك، وإذا كان وصفه بالعجز عن ذلك صفة نقص، مع إمكان اتصافه بالقدرة على ذلك، فوصفه بعدم قبول الأفعال والقدرة عليها أعظم نقصًا (^٣).\nوقال أيضًا: أن يقال هب أنكم لا تسمونه ميتا ولا جاهلا ولا عاجزا لكن يجب أن يقال ليس بحي ولا عالم ولا قادر ونفس سلب هذه الصفات فيه من النقص ما في قولنا ميت وجاهل وعاجز وزيادة ولهذا كان نقص الجماد أعظم من نقص الأعمى فكل محذور في عدم الملكة هو ثابت في السلب العام وزيادة\" (^٤).\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل ٣/ ٣٦٧ - ٣٧٠.\n(^٢) درء تعارض العقل والنقل ٥/ ٢٧٢ - ٢٧٧.\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل ٢/ ٢٢١ - ٢٢٤.\n(^٤) الصفدية ١/ ٨٨ - ٩٩.","vol":"2","page":1036},{"text":"وأعطى المصنف عدة أمثلة تؤكد على أن اتصاف الله ﷿ بالصفات التي وصف بها نفسه هي صفات كمال له ﷿ على اعتبار أن الشيء إما أن يوصف بتلك الصفة وإما أن يوصف بضدها. ولا شك أن الله مستحق لأن يوصف بصفات الكمال وأن ينفى عنه أضدادها، وفي تقرير هذا الأمر يقول: \"فَإِذَا قُدِّرَ اثْنَانِ:\nأَحَدُهُمَا: مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي هِيَ أَعْرَاضٌ وَحَوَادِثُ عَلَى اصْطِلَاحِهِمْ؛ كَالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْفِعْلِ وَالْبَطْشِ.\nوَالْآخَرُ: يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَّصِفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الَّتِي هِيَ أَعْرَاضُ وَحَوَادِثُ.\nكَانَ الْأَوَّلُ أَكْمَلَ كَمَا أَنَّ الْحَيَّ الْمُتَّصِفَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ: أَكْمَلُ مِنْ الْجَمَادَاتِ. وَكَذَلِكَ إذَا قُدِّرَ \"اثْنَانِ\":\nأَحَدُهُمَا: يُحِبُّ نُعُوتَ الْكَمَالِ وَيَفْرَحُ بِهَا وَيَرْضَاهَا.\nوَالْآخَرُ: لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ صِفَاتِ الْكَمَالِ وَصِفَاتِ النَّقْصِ؛ فَلَا يُحِبُّ لَا هَذَا وَلَا هَذَا وَلَا يَرْضَى لَا هَذَا وَلَا هَذَا وَلَا يَفْرَحُ لَا بِهَذَا وَلَا بِهَذَا.\nكَانَ الْأَوَّلُ أَكْمَلَ مِنْ الثَّانِي.\nوَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ ﵎ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَالْمُتَّقِينَ وَالصَّابِرِينَ وَالْمُقْسِطِينَ وَيَرْضَى عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَهَذِهِ كُلُّهَا صِفَاتُ كَمَالٍ.\nوَكَذَلِكَ إذَا قُدِّرَ اثْنَانِ:\nأَحَدُهُمَا: بِبَعْضِ الْمُتَّصِفِ بِضِدِّ الْكَمَالِ كَالظُّلْمِ وَالْجَهْلِ وَالْكَذِبِ وَيَغْضَبُ عَلَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ.\nوَالْآخَرُ: لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ الْجَاهِلِ الْكَاذِبِ الظَّالِمِ وَبَيْنَ الْعَالِمِ الصَّادِقِ الْعَادِلِ لَا يُبْغِضُ لَا هَذَا وَلَا هَذَا وَلَا يَغْضَبُ لَا عَلَى هَذَا وَلَا عَلَى هَذَا.\nكَانَ الْأَوَّلُ أَكْمَلَ.\nوَكَذَلِكَ إذَا قُدِّرَ اثْنَانِ:","vol":"2","page":1037},{"text":"أَحَدُهُمَا: يَقْدِرُ أَنْ يَفْعَلَ بِيَدَيْهِ وَيُقْبِلَ بِوَجْهِهِ.\nوَالْآخَرُ: لَا يُمْكِنُهُ ذَلِكَ: إمَّا لِامْتِنَاعِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَجْهٌ وَيَدَانِ وَإِمَّا لِامْتِنَاعِ الْفِعْلِ وَالْإِقْبَالِ عَلَيْهِ بِالْيَدَيْنِ وَالْوَجْهِ.\nكَانَ الْأَوَّلُ أَكْمَلَ. فَالْوَجْهُ وَالْيَدَانِ: لَا يُعَدَّانِ مِنْ صِفَاتِ النَّقْصِ فِي شَيْءٍ مِمَّا يُوصَفُ بِذَلِكَ وَوَجْهُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِ مَا يُضَافُ إلَيْهِ وَهُوَ مَمْدُوحٌ بِهِ لَا مَذْمُومٌ كَوَجْهِ النَّهَارِ وَوَجْهِ الثَّوْبِ وَوَجْهِ الْقَوْمِ وَوَجْهِ الْخَيْلِ وَوَجْهِ الرَّأْيِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ وَلَيْسَ الْوَجْهُ الْمُضَافُ إلَى غَيْرِهِ هُوَ نَفْسُ الْمُضَافِ إلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ مَوَارِدِ الِاسْتِعْمَالِ سَوَاءٌ قُدِّرَ الِاسْتِعْمَالُ حَقِيقَةً أَوْ مَجَازًا.\nفَإِنْ قِيلَ: مَنْ يُمْكِنُهُ الْفِعْلُ بِكَلَامِهِ أَوْ بِقُدْرَتِهِ بِدُونِ يَدَيْهِ أَكْمَلُ مِمَّنْ يَفْعَلُ بِيَدَيْهِ. قِيلَ: مَنْ يُمْكِنُهُ الْفِعْلُ بِقُدْرَتِهِ أَوْ تَكْلِيمِهِ إذَا شَاءَ وَبِيَدَيْهِ إذَا شَاءَ: هُوَ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يُمْكِنُهُ الْفِعْلُ إلَّا بِقُدْرَتِهِ أَوْ تَكْلِيمِهِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَفْعَلَ بِالْيَدِ. وَلِهَذَا كَانَ \"الْإِنْسَانُ\" أَكْمَلَ مِنْ الْجَمَادَاتِ الَّتِي تَفْعَلُ بِقُوَى فِيهَا كَالنَّارِ وَالْمَاءِ\nفَإِذَا قُدِّرَ اثْنَانِ:\nأَحَدُهُمَا: لَا يُمْكِنُهُ الْفِعْلُ إلَّا بِقُوَّةِ فِيهِ.\nوَالْآخَرُ: يُمْكِنُهُ الْفِعْلُ بِقُوَّةِ فِيهِ وَبِكَلَامِهِ فَهَذَا أَكْمَلُ.\nفَإِذَا قُدِّرَ آخَرُ يَفْعَلُ بِقُوَّةِ فِيهِ وَبِكَلَامِهِ وَبِيَدَيْهِ إذَا شَاءَ فَهُوَ أَكْمَلُ وَأَكْمَلُ.\nوَأَمَّا صِفَاتُ النَّقْصِ:\nفَمِثْلَ النَّوْمِ فَإِنَّ الْحَيَّ الْيَقْظَانَ أَكْمَلُ مِنْ النَّائِمِ وَالْوَسْنَانِ. وَاَللَّهُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ.\nوَكَذَلِكَ مَنْ يَحْفَظُ الشَّيْءَ بِلَا اكْتِرَاثٍ أَكْمَلُ مِمَّنْ يَكْرُثُهُ ذَلِكَ؛ وَاَللَّهُ تَعَالَى وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا.\nوَكَذَلِكَ مَنْ يَفْعَلُ وَلَا يَتْعَبُ: أَكْمَلُ مِمَّنْ يَتْعَبُ. وَاَللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ السَّمَوَاتِ","vol":"2","page":1038},{"text":"وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّهُ مِنْ لُغُوبٍ.\nوَلِهَذَا وُصِفَ الرَّبُّ بِالْعِلْمِ دُونَ الْجَهْلِ، وَالْقُدْرَةِ دُونَ الْعَجْزِ، وَالْحَيَاةِ دُونَ الْمَوْتِ، وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَالْكَلَامِ دُونَ الصَّمَمِ وَالْعَمَى وَالْبُكْمِ، وَالضَّحِكِ دُونَ الْبُكَاءِ، وَالْفَرَحِ دُونَ الْحُزْنِ\".\nواسستثنى المصنف من ذلك من الصفات ما يكون الكمال في اجتماع الأمرين ومن ذلك قوله: \"وَأَمَّا الْغَضَبُ مَعَ الرِّضَا وَالْبُغْضُ مَعَ الْحُبِّ فَهُوَ أَكْمَلُ مِمَّنْ لَا يَكُونُ مِنْهُ إلَّا الرِّضَا وَالْحُبُّ دُونَ الْبُغْضِ وَالْغَضَبُ لِلْأُمُورِ الْمَذْمُومَةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّ أَنْ تُذَمَّ وَتُبْغَضَ. وَلِهَذَا كَانَ اتِّصَافُهُ بِأَنَّهُ يُعْطِي وَيَمْنَعُ وَيَخْفِضُ وَيَرْفَعُ وَيُعِزُّ وَيُذِلُّ، أَكْمَلَ مِنْ اتِّصَافِهِ بِمُجَرَّدِ الْإِعْطَاءِ وَالْإِعْزَازِ وَالرَّفْعِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ الْآخَرَ-حَيْثُ تَقْتَضِي الْحِكْمَةُ ذَلِكَ-أَكْمَلُ مِمَّا لَا يَفْعَلُ إلَّا أَحَدَ النَّوْعَيْنِ وَيُخِلُّ بِالْآخَرِ فِي الْمَحَلِّ الْمُنَاسِبِ لَهُ وَمَنْ اعْتَبَرَ هَذَا الْبَابَ وَجَدَهُ عَلَى قَانُونِ الصَّوَابِ وَاَللَّهُ الْهَادِي لِأُولِي الْأَلْبَابِ\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٦/ ٨٨ - ٩٤.","vol":"2","page":1039},{"text":"<span data-type='title' id=toc-352>الأصل الثاني من نوعي التوحيد</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"فصل: وأما الأصل الثاني، وهو التوحيد في العبادات، المتضمن للإيمان بالشرع والقدر جميعًا.\nفنقول: إنه لا بدّ من الإيمان بخلق الله وأمره، \"\nالشرح\nلما فرغ المصنف من الكلام عن الأصل الأول في هذا الرسالة وهو (باب التوحيد والصفات) شرع هنا في بيان الأصل الثاني من الكتاب وهو (باب الشرع والقدر).\nوقد سبق أن ذكر المصنف في أول الكتاب الهدف من تأليف هذا الكتاب فبين أنه موضوع لبيان أصلين كبيرين:\nالأصل الأول: التوحيد والصفات.\nالأصل الثاني: الشرع والقدر.\nثم بين أن آيات القرآن الكريم تنقسم إلى قسمين:\n- آيات تشتمل على الأخبار.\n- آيات تشتمل على الأوامر.\nفأما الأصل الأول (وهو التوحيد والصفات) فإنه من باب الأخبار.","vol":"2","page":1040},{"text":"وأما الأصل الثاني (وهو الشرع والقدر) فإنه من باب الأوامر.\nقال المصنف رحمه الله تعالى في بداية الرسالة التدمرية: «فَالْكَلَامُ فِي بَابِ (التَّوْحِيدِ وَالصِّفَاتِ) هُوَ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ الدَّائِرِ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالْكَلَامُ فِي (الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ) هُوَ مِنْ بَابِ الطَّلَبِ وَالْإِرَادَةِ» (^١).\nوقول المصنف: \"فنقول: إنه لا بدّ من الإيمان بخلق الله وأمره\"\nذكر شيخ الإسلام رحمه الله تعالى أننا مأمورون بالإيمان بشيئين:\n١ - الخلق.\n٢ - الأمر.\nوقد جمع بينهما الله تعالى في سورة الأعراف فقال تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤].\nفالخلق: هو القضاء والقدر.\nوالأمر: هو الشرع والعبادة.\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"فيجب الإيمان بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وقد علم ما سيكون قبل أن يكون، وقدّر المقادير وكتبها حيث شاء\"\nالشرح\nشرع المصنف في بيان القسم الأول من هذا الأصل وهو ما عبر عنه في الآية\n_________\n(^١) التدمرية (ص: ٣).","vol":"2","page":1041},{"text":"بلفظ (الخلق) والمقصود به هنا القدر.\nوأشار المصنف في هذا النص إلى مراتب القدر الأربعة، وهي:\n١ - الخلق.\n٢ - المشيئة.\n٣ - العلم.\n٤ - الكتابة.\nفقول المصنف: \"فيجب الإيمان بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه\" هذه مرتبة الخلق.\nوقول المصنف: \"وأنه على كل شيء قدير، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا حول ولا قوة إلا بالله\" هذه مرتبة المشيئة.\nوقول المصنف: \"وقد علم ما سيكون قبل أن يكون\" هذه مرتبة العلم.\nوقول المصنف: \"وقدّر المقادير وكتبها حيث شاء\" هذه مرتبة الكتابة.\nوأما تعريف القدر:\nفالقدر في اللغة: هو القضاء والحكم ومبلغ الشيء، والتقدير: التروية والتفكر في تسوية الأمر (^١).\nوالقدر في الاصطلاح: \"هو ما سبق به العلم، وجرى به القلم مما هو كائن إلى الأبد، وأنه﷿- قدَّر مقادير الخلائق، وما يكون من الأشياء قبل أن تكون في الأزل، وعلم سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده تعالى، وعلى صفات مخصوصة، فهي تقع على حسب ما قدرها\" (^٢).\n_________\n(^١) القاموس المحيط للفيروزآبادي (ص ٥٩١).\n(^٢) عقيدة السفاريني) ١/ ٣٤٨).","vol":"2","page":1042},{"text":"وقال ابن حجر في تعريفه: \"المراد أنّ الله- تعالى- علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها، ثمّ أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد، فكل محدث صادر عن علمه وقدرته وإرادته\" (^١).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وفي الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه قال: (إن الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء) \".\nالشرح\nأشار المصنف-رحمه الله تعالى-هنا إلى بعض أدلة مرتبة العلم ومرتبة الكتابة.\nوأما الأدلة على الإيمان بالقدر:\nفنصوص القرآن والسنة متواترة في وجوب الإيمان بالقدر، وصريحة في أن كل شيء خلقه الله بقدر.\nفأما أدلة القرآن، فمنها ما يلي:\n- قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر الآية: ٤٩].\n_________\n(^١) فتح الباري (١/ ١١٨).","vol":"2","page":1043},{"text":"- وقال تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب الآية: ٣٨].\n- وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال الآية: ٤٢].\n- وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان الآية: ٢].\n- وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى الآيات: ١ - ٣].\nوأما أدلة السنة، فمنها ما يلي:\n- عن عمر بن الخطاب في سؤال جبريل ﵇ الرسول -ﷺ- عن الإيمان قال: \" أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، وتؤمن بالقدر خيره وشره. قال (أي: جبريل ﵇): صدقت \" (^١).\n- وعن طاووس أنه قال: أدركت ناسًا من أصحاب رسول الله -ﷺ-، يقولون: كل شيء بقدر، قال: وسمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله -ﷺ-: «كل شيء بقدر، حتى العجز والكيس» (^٢).\n- وعن أبي هريرة ﵁ قال: \"جاء مشركو قريش يخاصمون رسول الله -ﷺ- في القدر، فنزلت: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ، إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر الآيات: ٤٨: ٤٩] (^٣).\n\nوأما<span data-type='title' id=toc-353> أدلة مراتب الإيمان بالقدر:</span>\nفالإيمان بالقدر له أربعة أركان، ويسميها بعض العلماء أيضًا: (مراتب القدر)،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان باب معرفة الإيمان، والإسلام، والقدر، وعلامة الساعة (١/ ٣٦ رقم ٨).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب القدر باب كل شيء بقدر (٤/ ٢٠٤٥ رقم ٢٦٥٥).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب القدر باب كل شيء بقدر (٤/ ٢٠٤٦ رقم ٢٦٥٦).","vol":"2","page":1044},{"text":"وهذه الأركان الأربعة هي:\n\n<span data-type='title' id=toc-354>الركن الأول: العلم:</span>\nالركن الأول- أو المرتبة الأولى من مراتب الإيمان بالقدر- هو العلم، فيجب الإيمان بأن الله يعلم ما كان وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف سيكون، فالله يعلم القدر قبل وقوعه، ولكن قد أنكر هذا الركن وهذه المرتبة فرقة من الفرق الضالة في باب القدر، وهم القائلون بأنه: (لا قدر، والأمر أُنف) أي: مستأنف، أي أن الله لا يعلم الأمر إلا بعد أن يقع، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا،\nوالأدلة على علم الله تعالى بالمقادير كثيرة، منها:\n- قال تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [الحشر الآية: ٢٢].\n- وقال تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق الآية: ١٢].\n- وقال تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ [سبأ الآية: ٣].\n- وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِين﴾ [النحل الآية: ١٢٥].\n- وقال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ [النجم الآية: ٣٢].\nوقال الله تعالى- مقررًا علمه بما لم يكن لو كان كيف سيكون -: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام الآية: ٢٨]، فالله يعلم أن هؤلاء المكذبين الذين يتمنون في يوم القيامة الرجعة إلى الدنيا أنهم لو عادوا إليها لرجعوا إلى تكذيبهم وضلالهم.","vol":"2","page":1045},{"text":"وقال في الكفار الذين لا يطيقون سماع الهدى: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال الآية: ٢٣].\nومن علمه ﵎ بما هو كائن: علمه بما كان الأطفال الذين توفوا صغارًا عاملين لو أنهم كبروا قبل مماتهم، وبيانه فيما يلي:\n- عن ابن عباس ﵄ قال: \" سئل النبي -ﷺ- عن أولاد المشركين، فقال: الله أعلم بما كانوا عاملين \" (^١).\n- وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ قالت: توفي صبيٌّ، فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة. فقال رسول الله -ﷺ-: \" أَوَلَا تدرين أن الله خلق الجنة والنار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا؟ \" (^٢).\nوفي رواية عند مسلم- أيضًا- عن عائشة ﵂ قالت: \"دُعي رسول الله -ﷺ- إلى جنازة صبي من الأنصار، فقلت: يا رسول الله طوبي لهذا، عصفور من عصافير الجنة، لم يعمل السوء ولم يدركه. قال: «أَوَغَير ذلك يا عائشة، إن الله خلق للجنة أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنار أهلًا، خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-355>الركن الثاني: الكتابة:</span>\nالركن الثاني- أو المرتبة الثانية من مراتب الإيمان بالقدر- هو الكتابة، فيجب الإيمان بأن الله تعالى كتب كل المقادير في اللوح المحفوظ وسطر فيها كل ما هو\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب القدر باب الله أعلم بما كانوا عاملين (٨/ ١٢٢ رقم ٦٥٩٧).\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٤/ ٢٠٥٠ رقم ٢٦٦٢).\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (٤/ ٢٠٥٠ رقم ٢٦٦٢).","vol":"2","page":1046},{"text":"كائن إلى يوم القيامة.\nواللوح المحفوظ الذي كتب الله فيه مقادير الخلائق سماه القرآن بالكتاب، وبالكتاب المبين، وبالإمام المبين وبأم الكتاب، والكتاب المسطور.\n- قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج الآيات: ٢١، ٢٢]، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج الآية: ٧٠]، وقال تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس الآية: ١٢]، وقال تعالى: ﴿وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ * فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ﴾ [الطور الآية: ١ - ٣]، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف الآية: ٤]، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي -ﷺ- أنه قال: «إنَّ الله قدَّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-356>الركن الثالث: المشيئة:</span>\nالركن الثالث- أو المرتبة الثالثة من مراتب الإيمان بالقدر- المشيئة، أي: الإيمان بمشيئة الله النافذة وقدرته التامة، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حركة ولا سكون في السماوات ولا في الأرض إلا بمشيئته، فلا يكون في ملكه إلا ما يريد.\nوالنصوص المصرحة بهذا الركن المقررة له كثيرة، منها:\n- قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَّشَاءَ اللهُ﴾ [التكوير الآية: ٢٩].\n- وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ المْوتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَّشَاءَ اللهُ﴾ [الأنعام الآية: ١١١].\n- وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ) [الأنعام الآية: ١١٢].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم كتاب القدر باب حجاج آدم وموسى برقم (٢٦٥٣).","vol":"2","page":1047},{"text":"- وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس الآية: ٣٦].\n- وقال تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام الآية: ٣٩].\nومشيئة الله النافذة وقدرته الشاملة يجتمعان فيما كان وما سيكون، ويفترقان فيما لم يكن ولا هو كائن، فما شاء الله تعالى كونه فهو كائن بقدرته لا محالة، وما لم يشأ الله تعالى إياه لا يكن لعدم مشيئة الله تعالى ليس لعدم قدرته عليه.\n- قال تعالى: ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) [البقرة الآية: ٢٥٣]،\n- وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة الآية: ٤٨].\n- وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام الآية: ٣٥].\n- وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكُوا) [الأنعام الآية: ١٠٧].\n- وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ﴾ [يونس الآية: ٩٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-357>الركن الرابع: الخلق:</span>\nالركن الرابع- أو المرتبة الرابعة من مراتب الإيمان بالقدر- الخلق، أي: خلق الله ﵎ لكل موجود، لا شريك لله في خلقه.\nوقد قررت النصوص أن الله خالق كل شيء، فهو الذي خلق الخلق وكوَّنهم وأوجدهم، فهو الخالق وما سواه مربوب مخلوق\n- قال تعالى: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الزمر الآية: ٦٢].\n- وقال تعالى: ﴿بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ [يس الآية: ٨١].\n- وقال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام الآية: ١].","vol":"2","page":1048},{"text":"- وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء الآية: ١].\n- وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [الأنبياء الآية: ٣٣].\nفهذه مراتب القدر وأركانه الأربعة التي يجب على العبد أن يؤمن بها حتى يكون مؤمنًا بالقدر.\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"ويجب الإيمان بأن الله تعالى أمر بعبادته وحده لا شريك له، كما خلق الجن والإنس لعبادته، وبذلك أرسل رسله، وأنزل كتبه\".\nالشرح\nشرع المصنف في بيان القسم الثاني من الأصل الثاني: (الأمر) وهو الشرع\nوأعظم الأوامر هو توحيد الله تعالى في أولوهيته ووجوب إفراده بالعبادة، ولذا بدأ المصنف ببيان هذا النوع من التوحيد، وهو توحيد الألوهية.\nوالجدير ذكره أن القرآن كله دعوة للتوحيد:\nقال ابنُ القيم ﵀: «كلُّ سُورة في القرآن هي متضمنة للتوحيد، بل نقول قولًا كليًّا: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه.\nفإن القرآن:\n١ - إمَّا خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري.\n٢ - وإمَّا دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له، وخلع كل ما يعبد من دونه، فهو","vol":"2","page":1049},{"text":"التوحيد الإرادي الطلبي.\n٣ - وإمَّا أمر ونهي، وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته.\n٤ - وإمَّا خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته، وما فعل بهم في الدنيا، وما يُكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده.\n٥ - وإمَّا خبر عن أهل الشرك، وما فُعل بهم في الدنيا من النِّكال، وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم توحيده.\nفالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه، وفي شأن الشرك وأهله وجَزائهم» (^١).\nوأما تعريف توحيد الألوهية\nفتوحيد الألوهية: هو إفراد الله بأفعال العباد التعبدية؛ كالصلاة، والصوم، والدعاء (^٢).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وعبادته تتضمن كمال الذّل له والحب له، وذلك يتضمن كمال طاعته، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٦٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ \" [آل عمران: ٣١].\nالشرح\nيندرج تحت هذا النص جملة مسائل؛ نذكر منها:\n_________\n(^١) «مدارج السَّالكين» (٣/ ٤٤٩، ٤٥٠).\n(^٢) القول المفيد شرح كتاب التوحيد لابن عثيمين (١/ ١٤).","vol":"2","page":1050},{"text":"المسألة الأولى: تعريف العبادة لغة:\nالعبادة في اللغة: مَصدر عَبَدَ.\nوفي «القاموس»: «العَبْدِيَّةُ والعُبودِيَّةُ والعُبودَةُ والعِبادَةُ: الطَّاعَةُ» (^١).\nوفي «الصِّحاح»: «أصلُ العُبودية: الخُضوع والذُّل، والتَّعبيد: التَّذليل.\nيقال: طريق مُعَبَّد، والبَعير المُعبد: المَهنوء بالقَطْرَان المُذَلَّل.\nوالعبادة: الطاعة، والتعبد: التَّنَسُّك».\nفتفترق المعاني بحسب الاشتقاق.\n«وقوله تعالى: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر الآية: ٢٩]، أي: في حِزبي» (^٢)، فأضاف إليها معنى جديدًا، وهو الولاء.\nوفي «المخصص»: «أصل العبادة: التَّذليل، من قولهم: طريق مُعَبَّد، أي: مُذَلَّل بكثرة الوطءِ عليه … ومنه أُخِذ (العبد) لِذِلَّتِه لمَولاه.\nوالعبادة والخضوع والتَّذَلُّل والاستكانة قَرائب في المعاني؛ يقال: تعَبَّد فلان لفلان: إذا تذلل له، وكل خضوع ليس فوقه خضوع فهو عبادة؛ طاعة كان للمعبود أو غيرَ طاعة، وكل طاعة لله على جهة الخُضوع والتَّذَلُّل فهي عبادة، والعبادة نوع من الخضوع، لا يَستحقه إلا الُمنعم بأعلى أجناس النِّعَم؛ كالحياة والفَهم والسَّمع والبَصر» (^٣).\nوفي «اللِّسان»: «أصل العبودية: الخضوع والتذلل …، وفي حديث أبي هريرة:\n_________\n(^١) «القاموس المحيط» للفيروزآبادي (ص ٢٩٦).\n(^٢) انظر: «الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية» للجوهري (٢/ ٥٠٣، ٥٠٤).\n(^٣) انظر: «المخصص»، لابن سيده (٤/ ٦٢).","vol":"2","page":1051},{"text":"«لا يَقل أحدكم لمملوكه: عَبدي وأَمَتي، وليقل: فتاي وفتاتي» (^١)؛ هذا على نفي الاستكبار عليهم، وأن يَنسب عبوديتهم إليه، فإنَّ المستحق لذلك الله تعالى، هو رب العباد كلهم والعبيد» (^٢).\nوجعل بعضهم العبادة لله، بخلاف العبودية وغيرها فهي تجعل لله وللمخلوقين.\nقال الأزهري: «ولا يقال: عبد يَعبد عبادة، إلَّا لمن يعبد الله، ومَن عَبَدَ من دونه إلهًا فهو من الخاسرين، قال: وأمَّا عَبْدٌ خَدَمَ مَولاه، فلا يُقال: عَبَدَه … قال الليث: ويُقال للمشركين: هم عَبَدَة الطاغوت.\nويقال للمسلمين: عباد الله، يَعبدون الله …، والعابد: المُوحِّد» (^٣).\nوعلى هذا، فتعريف العبادة في لغة العرب: هو أن العبادة هي الذلُّ والخضوع المُستلزِم طاعة المَعبود أمرًا ونهيًا، ولذا سُمِّي الرقيق «عبدًا»؛ لأنَّه يَذِلُّ ويخضع لسيده أمرًا ونهيًا فيما يَختص بشئون الحياة.\nفمدار كلمة (العبادة) - في اللغة- على التذلل والخضوع والاستكانة، وهي معان متقاربة.\n\n<span data-type='title' id=toc-358>الفرق بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي للعبادة:</span>\nلكن هذه اللفظة لما استعملت في الشَّرع أُضيف إليها مع الخضوع كمال المحبة، فانتقلت إلى المعنى الشرعي بإضافة المحبة مع الخضوع. ولذلك لما عرَّفها ابنُ كثير ﵀ قال: «العبادة في اللغة: مِنْ الذِّلَّة، يُقال: طريق مُعَبَّد، وبَعير مُعَبَّد، أي:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٥٥٢)، ومسلم (٢٢٤٩).\n(^٢) «لسان العرب» لابن منظور (٣/ ٢٧١).\n(^٣) «تهذيب اللغة» للأزهري (٢/ ١٣٩، ١٤٠).","vol":"2","page":1052},{"text":"مُذَلَّل. وفي الشرع: عِبارة عمَّا يَجمع كمال المحبة والخُضوع والخَوف» (^١)، فعند تعريفها في الشرع زاد فيها معنى آخر، وهو المحبة.\nقال شيخُ الإسلام ابن تيمية ﵀: «والعبادة تجمع كمال المحبة وكمال الذُّلِّ؛ فالعابد محبٌّ خاضع، بخلاف مَنْ يحب مَنْ لا يخضع له، بل يحبه ليتوسل به إلى محبوب آخر، وبخلاف مَنْ يخضع لمن لا يحبه كما يخضع للظالم؛ فإنَّ كلًّا مِنْ هذين ليس عبادة محضة» (^٢).\nوقال ابن القيم ﵀: «والعبودية مَدَارها على قاعدتين هما أصلها: حُبٌّ كاملٌ وذُلٌّ تامٌّ، ومنشأ هذين الأصلين … هما مُشاهدة المِنَّة التي تُورث المحبة ومطالعة عيب النَّفس والعمل التي تورث الذل التَّام، وإذا كان العبد قد بَنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يَظفر عدوه به إلا على غِرَّة وغِيلة، وما أسرع ما يُنعشه الله ﷿ ويجبره ويتداركه برحمته» (^٣).\nالمسألة الثانية: استعمالات كلمة (عبد) في الشرع.\nاستُعملت كلمة (عبد) في الشرع على عِدَّة أقسام:\nالقسم الأول: عبودية الرِّقِّ، كما جاء في قوله: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل الآية: ٧٥]، فالمراد بالعبد هنا: العَبد الرَّقيق المملوك؛ فتُطلق العبودية ويُراد بها عبودية الرِّقِّ.\nالقسم الثاني: العبودية العامَّة؛ حيث تُطلق العبودية ويُراد بها العبودية العامَّة؛ أي: عبودية الربوبية، كما في قوله: ﴿إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدًا﴾\n_________\n(^١) «تفسير ابن كثير» (١/ ١٣٤).\n(^٢) «قاعدة في المحبة» لابن تيمية (ص ٩٨).\n(^٣) «الوابل الصَّيِّب من الكلم الطيب» لابن القيم (ص ٨).","vol":"2","page":1053},{"text":"[مريم الآية: ٩٣]، فالعبد هنا: عَبد القَهر والمُلك لله ﷾، وكلُّنا عبيدٌ لله ﷿.\nوعند جمع كلمة (عبد) يَظهر الفرق بين عبودية الربوبية لله ﷿، وكذلك عبودية الرق، فتقول في جمعها: عَبيد، وأمَّا في عبودية الألوهية فتقول: عِباد، ولذلك قال تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونًا﴾ [الفرقان الآية: ٦٣].\nالقسم الثالث: العبودية الخاصة، أي: عبودية التَّأَلُّه، كما في قوله تعالى: ﴿واذكر عبدنا داود ذا الأيدي﴾ [ص الآية: ١٧]، ﴿واذكر عبدنا أيوب﴾ [ص الآية: ٤١]، ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ [الإسراء الآية: ١]، فهذه العبودية الخاصة.\nالقسم الرابع: عبودية الأشياء؛ كعبد الدنيا وشهواتها، وهو المذكور في قوله -ﷺ-: «تَعِس عبدُ الدِّينار والدِّرهم، والقَطيفة، والخَمِيصة؛ إن أُعطي رَضِي، وإن لم يُعط لم يَرْضَ» (^١)، فهذا فِيمَن استعبدته الدنيا وملذَّاتها فأصبح لها عبدًا.\nلذا يلزم التفريق في استعمالات هذه الكلمة، حتى يتضح المراد بها.\nوهذه المعاني مما يجدر مَعرفتها والعناية بها؛ لأنها سترد خلال سياق هذه الرِّسالة المباركة.\nالمسألة الثالثة: تعريف العبادة شرعًا:\nمع اختلاف عبارات العلماء﵏- في تعريف العِبادة شرعًا إلا أنَّ الجميع يدور حول معنى واحد، والفرق بين تعريفاتهم إنما يقع في الشمول، وسنعرض بعضًا منها:\n١ - قال الإمام القرطبيُّ ﵀: «العبادة: عبارة عن توحيده والتزام شرائع دينه،\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٤٣٥). والقطيفة: كساء أو فراش له أهداب. والخميصة: ثَوب أسود أو أحمر له أعلامٌ.","vol":"2","page":1054},{"text":"وأصل العبادة: الخضوع والتَّذَلُّل» (^١).\n٢ - وقال الإمام ابن كثير ﵀: «العبادة في الشرع: عِبارة عمَّا يَجمع كمال المحبة والخُضوع والخَوف» (^٢)؛ وعليه فَمن اتصف بذلك فإنه يُطلق عليه أنَّه عابد لله ﷿.\n٣ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ هنا: «العبادة: هي اسم جامعٌ لكلِّ ما يُحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة».\nوعلى هذا يتضح أنَّ للعبادة تعريفين.\nأحدهما: باعتبار العابد، وهو كمال الذُّلِّ مع كمال الحب لله ﷿.\nوالآخر: باعتبار المُتَعَبَّد به، وهو ما يُحِبُّه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة؛ لكونه ﷿ شَرَعَه وعُمِل وَفْقَ مُراده.\nقال شيخ الإسلام: \"العبادة: هي اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان للجار واليتيم والمسكين وابن السبيل والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة.\nوكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف\n_________\n(^١) «تفسير القرطبي» (١/ ٢٢٥).\n(^٢) «تفسير ابن كثير» (١/ ١٣٤).","vol":"2","page":1055},{"text":"من عذابه، وأمثال ذلك هي من العبادة لله (^١).\nوالعبادة هي الغاية التي خلق الله من أجلها جميع الجن والإنس.\nقال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات الآية: ٥٦]، وهي تتضمن كمال الذّل لله مع كمال الحب له ﷾، وذلك يتضمن كمال طاعته، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله.\n- قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء الآية: ٦٤]، قال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران الآية: ٣١].\n_________\n(^١) العبودية لشيخ الإسلام (ص: ٤٤).","vol":"2","page":1056},{"text":"<span data-type='title' id=toc-359>معنى حديث الأنبياء اخوة لعلاة</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وقد قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف الآية: ٤٥].، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء الآية: ٢٥].، وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى الآية: ١٣]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ • وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون الآيات: ٥١ - ٥٢]، فأمر الرسل بإقامة الدين وأن لا يتفرقوا فيه، ولهذا قال النبي -ﷺ- في الحديث الصحيح: «إنّا معاشر الأنبياء ديننا واحد، والأنبياء إخوة لعَلاَّت، وأنا أَوْلَى الناس بابن مريم، لأنه ليس بيني وبينه نبي» (^١) \".\nالشرح\nأورد المصنف النصوص الدالة على أن وظيفة الرسل والأنبياء جميعًا هي الدعوة لدين الله الذي هو التوحيد، فالرسل من أولهم إلى آخرهم دعوا أقوامهم إلى توحيد الله ﷿ والخلوص من الشرك بشتى صوره، فالله بعث رسوله -ﷺ- بعبادته وطاعته وطاعة رسوله -ﷺ-، فوظائف الرُّسل هي:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قول الله ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها﴾ [مريم: ١٦] حديث رقم (٣٤٤٣).","vol":"2","page":1057},{"text":"أولًا: تعريف الناس بربِّهم.\nثانيًا: تعريفهم بالطريق الذي يُوَصِّلهم إلى ربِّهم، أي: بعبادته وطاعته.\nثالثًا: بيان حالهم ومآلهم.\nيعني: ما هو المآل؟ وما هي العاقبة التي تعود على الناس بإيمانهم واتِّباعهم الشرع المُنزل، فهذه هي وظيفة الرسل.\nفدعوة الرُّسل- كما هو معلوم- تقوم على دعوة الناس للعبادة، فنوح وغيره من الأنبياء ممن ذكر الله تعالى في القرآن إنما أَمَروا أقوامهم بهذا الأمر: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف الآية: ٥٩].\nفالعِبادة هي ما بُعث به الرسل، ولذلك كان بَعثُ الرسل من أَجْل هذا، قال سبحانه: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾ [النحل الآية: ٣٦]، فدعوة الرسل قائمة على تحقيق العبادة لله ﷿ وحده.\nومعلوم أنَّ الحكمة والغاية مِنْ خلق الله ﷿ للجِنَّ والإنس هي عبادته وحده ﷻ؛ قال الله ﷿: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات الآية: ٥٦]؛ لذلك بَيَّن لهم عن طريق الرسل والكتب ما يُحبه ويرضاه منهم ليَفعلوه، وما يُبغضه ليَجتنبوه.\nوالعبادة كذلك هي حقُّ الله على العبيد كما قال النبي -ﷺ- لمعاذ: «أتدري ما حقُّ الله على العباد؟ وما حقُّ العباد على الله؟». قال معاذ: اللهُ ورسوله أعلمُ. قال: «حَقُّ الله على العباد: أن يَعبدوه ولا يشركوا به شيئًا» (^١)، فمَن أراد أن يُحَقِّق العبادة عليه أن يقوم بحقِّ الله ﷿ عليه من فِعل الأوامر واجتناب النواهي؛ مخلصًا في ذلك عمله لوجه الله؛ قال جل وعلا: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة الآية: ٥].\nوالعبادة هي الصلة بين العبد وبين الله ﷿ فعلاقة العبد بربِّه لا تكون إلا من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٨٥٦) ومسلم (٣٠).","vol":"2","page":1058},{"text":"طريق عبادته ﷿، كما جاء في الحديث القدسي: «وما تَقَرَّب إليَّ عبدي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّه» (^١).\nفمحبة الله لعبده لا تحصل إلا بأن يحقق العبد العبادة لله ﷿، وذلك بفعل الفرائضه واجتناب النواهي، والإكثار من النَّوافل.\nوالعبادة: هي معنى لا إله إلا الله؛ فالإله: هو المعبود، وقيام العبد بحقِّ لا إله إلا الله لا يتأتى إلَّا بإخلاص العبادة لله ﷾ وحده لا شريك له.\nوالعبادة: شَطر الإسلام وأوله وآخره؛ فالإنسان لا يدخل الإسلام إلا بعد أن ينطق بالشهادتين؛ (شهادة أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله)؛ فلا إله إلا الله، معناها: لا معبود بحقٍّ إلا الله، ومحمد رسول الله معناها لا متبوع في أداء العبادة ولا قُدوة للنَّاس إلا رسول الله -ﷺ-؛ قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب الآية: ٢١].\nفمن أراد السعادة في الدنيا والآخرة فعليه باقتفاء أثره -ﷺ-، والعَض على ما جاء به، وأن لا يَعبد اللهَ إلا بما شرع رسولُه -ﷺ-؛ قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر الآية: ٧]، وكذلك من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله وَجَبت له الجنَّةُ، كما جاء في الحديث (^٢).\nوالعبادة ظاهر الدِّين وباطنه، لأنَّ الدِّين يشمل العبادات الظاهرة والعبادات القلبية الباطنة، وستأتي الإشارة إلى ذلك عند بيان تعريف العبادة؛ وأنها أول الدِّين وآخره وظاهره وباطنه.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) أخرجه أحمد (٢٢٠٣٤) وأبو داود (٣١١٦) بلفظ: «دخل الجَنَّة» من حديث معاذ ﵁ وحسنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٦٨٧).","vol":"2","page":1059},{"text":"ومما يجب أن يُعلم: أن الانحراف في هذا الباب- باب العبادة- أعظم من الانحراف في سائر الأبواب؛ فانحراف الناس في باب العبادة أكثر من انحرافهم في باب الأسماء والصفات.\nوسبب ذلك- كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية﵀-: «لأنَّ الانحراف في أمر العبادة انحراف في أمر الإرادة، أمَّا الانحراف في باب الأسماء والصفات فهو انحراف في باب العِلم، وباب العلم كما هو معلوم قد لا يَناله كثيرٌ من الناس، بينما أمر الإرادة أمر مُشترك؛ حتى البهائم لها إرادة، وبالتالي يقع الانحراف كثيرًا في باب العبادة أكثر من وقوع الانحراف في باب الأسماء والصفات، وعلى هذا فالبدع في باب العبادة أكثر من البِدع في باب الأسماء والصفات، وهذا أمرٌ ملموس مشاهد؛ فمن يتأمل أحوال الناس يجد أن عندهم من الانحرافات في باب توحيد العِبادة ما هو أعظم من الانحرافات في باب الأسماء والصفات، وأنواع البدع تشهد بذلك.\nفعلى العبد أن يحقق العبادة؛ التي هي غاية الأمور المحبوبة لله ﷾، والتي مِنْ أجلها خَلَقَ الخَلْقَ، وبها أرسل الرسل، وأَنزل الكتب، حتى إن أول أمر نزل في القرآن هو قوله ﷾ في سورة البقرة: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ [البقرة الآية: ٢١].\nفإذا كانت العبادة بهذه المنزلة- فعلينا أن نحذر ممن يعمل على إسقاطها، أو مَنْ يُقلل من شأنها، وأن نعمل جاهدين لتحقيق العبادة على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه، وأن نسعى كذلك في تعليمها للناس، وفي غرسها في نفوسنا ونفوس أبنائنا ونفوس طُلَّابنا؛ فهي مسئولية عظمى.\nوعلى المسلم أن يُرَتِّب طريقةَ تعليمه للمسلمين على أولويات الدين، إذ هناك مَنْ يسعى لترتيب مسائل وأبواب الاعتقاد بترتيب منكوس؛ فيأتي بمسائل هي من","vol":"2","page":1060},{"text":"لواحق أمور العقيدة ويجعلها أساسًا، ويأتي بمسائل- مثلًا- في الأسماء والأحكام ويُقَدِّمها على مسائل التوحيد، فليس هذا من الحق في شيء، فأوليَّات وأولويات هذا الدِّين مرتبة، كما نبَّه النبيُّ -ﷺ- معاذًا على ذلك؛ فعن ابن عبَّاس ﵄: «أنَّ رسول الله -ﷺ- لمَّا بعث معاذًا؟ على اليَمن، قال: «إنَّك تَقْدُمُ على قومٍ أهل كتاب؛ فَلْيَكُن أولَّ ما تَدعوهم إليه: عبادة الله، فإذا عَرفوا الله، فأخبرهم أنَّ الله قد فَرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فَعلوا، فأخبرهم أنَّ اللهَ فرض عليهم زكاة من أموالهم وتُرد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها، فَخُذ منهم وتَوَقَّ كرائمَ أموال الناس» (^١).\nوأيضًا هذا المقام- مقام العِبادة- مَقام عظيم، وهو شَرف لمن حَقَّقه وانتسب إليه؛ فهو شرفٌ لملائكة الله تعالى المُقربين الذين لهم من المنزلة ما ذكر الله ﷾ من أوصافهم؛ فقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء الآيات: ٢٠، ١٩].\nفمع ما وضع اللهُ فيهم مِنْ عِظم الخلق، وما جعل لهم من المنزلة، إلا أنَّهم لا يستكبرون عن عبادته ﷾!\nفلذلك حق على كل مسلم أن يَعتني بهذا الأمر حق الاعتناء، وان يهتم به غاية الاهتمام؛ علمًا وعملًا، وكذلك دعوة وتطبيقًا.\nوجميع الأنبياء بعثوا بدين واحد وهو الإسلام: وهو إسلام الوجه لله، وإفراد الله بالعبادة، وقد أورد الله ﷾ هذا الأصل في القرآن في مواضع كثيرة، فبين جل وعلا أنه بعث جميع الأنبياء بدين واحد، وهو إفراد الله بالعبادة، وإليك بعض الأدلة على ذلك:\n- قال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٤٥٨) ومسلم (١٩).","vol":"2","page":1061},{"text":"يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف الآية: ٤٥].\nفهذه الآية توضح أن جميع الرسل قبل نبينا محمد -ﷺ- جاءوا بتوحيد العبادة لله تعالى، وأن لا تتخذ من دونه آلهة.\n- وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء الآية: ٢٥].\nوهذه الآية يخبر الله تعالى فيها أنه أوحى إلى جميع الأنبياء بتوحيده وإفراده بالعبادة.\n- وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى الآية: ١٣].\nفبين ربنا جل وعلا في هذه الآية أنه وصى بهذا الدين أولي العزم من الرسل، وأمرهم بإقامته وعدم التفرق والاختلاف فيه.\n- وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ* وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون الآيات: ٥١ - ٥٢].\nوفي هذه الآية أمر الله الرسل بالأكل من الطيبات وأمرهم بالعمل الصالح، وأمرهم بإقامة الدين الذي ارتضاه لهم جميعًا، وهو الإسلام.\n- وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلَّاتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ» (^١).\nوفي هذا الحديث بين نبينا -ﷺ- بأن جميع الأنبياء إخوة لعلات، وهم الإخوة من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب قول الله ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها﴾ [مريم: ١٦] حديث رقم (٣٤٤٣).","vol":"2","page":1062},{"text":"الأب، فكان ذلك تنبيهًا على أن أصل الدين واحد لجميع الأنبياء، ولكن الشرائع مختلفة، وهذا المقصود بأن أمهاتهم شتى.\nقال النووي رحمه الله تعالى: \"قال العلماء: أولاد لعلات بفتح العين المهملة وتشديد اللام هم الإخوة لأب من أمهات شتى، وأما الإخوة من الأبوين فيقال لهم أولاد الأعيان قال جمهور العلماء معنى الحديث: أصل إيمانهم واحد وشرائعهم مختلفة فإنهم متفقون في أصول التوحيد، وأما فروع الشرائع فوقع فيها الاختلاف\" (^١)\n_________\n(^١) شرح صحيح مسلم للنووي: ٨/ ١١١.","vol":"2","page":1063},{"text":"<span data-type='title' id=toc-360>دين الأنبياء واحد</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وهذا الدين هو دين الإسلام، الذي لا يقبل الله دينًا غيره، لا من الأولين ولا من الآخرين، فإن جميع الأنبياء على دين الإسلام، قال تعالى عن نوح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ • فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس الآيات: ٧١ - ٧٢]، وقال عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ • إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ • وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة الآيات: ١٣٠ - ١٣٣]، وقال عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّسْلِمِينَ﴾، وقال في خبر المسيح: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة الآية: ١١١]، وقال فيمن تقدم من الأنبياء: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة الآية: ٤٤]، وقال عن بلقيس أنها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل الآية: ٤٤].\nالشرح\nفجميع الرسل قد أمروا بعبادة الله وحده، والرغبة إليه، والتوكل عليه وطاعتهم في ذلك، وهذا هو دين الإسلام الذي بعث الله به الأولين والآخرين من الرسل، وهو","vol":"2","page":1064},{"text":"الدِّين الذي لا يقبل الله من أحد دينًا سواه، وهو حقيقة العبادة لربِّ العالمين.\nوقد وردت نصوص كثيرة في القرآن تبين أن جميع الرسل ديانتهم هي الإسلام، ومن هذه النصوص ما يلي:\n- قال تعالى عن نوح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ • فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُم مِّنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٧١].\n- وقال عن إبراهيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣١ - ١٣٣].\n- وقال عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٨٤].\n- وقال في خبر المسيح: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة الآية: ١١١].\n- وقال فيمن تقدم من الأنبياء: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾. [المائدة الآية: ٤٤].\n- وقال عن بلقيس أنها قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل الآية: ٤٤].\nفدين الأنبياء واحد، وإن كان لكل نبي شرعة ومنهاجٌ إلا أنهم متفقون على إخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وهو عام في كل زمان ومكان، فمن لم يسلم لله","vol":"2","page":1065},{"text":"﷿ واستكبر عن عبادته كان ممن قال الله فيه ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠] لأن الله ﷿ قد أخذ الميثاق على جميع الأنبياء وعلى أممهم أن يؤمنوا بالرسول ﷺ لأن رسالته عامة إلى الثقلين الإنس والجن، وهو خاتم الرسل عليهم الصلاة والسلام، وقد أتى بالحنيفية السمحة كما صح عنه ﷺ، فمن لم يتبعه لم يكن على دين الله الذي رضيه لعباده ولم يكن مؤمنًا بأحد من أنبياء الله ورسله لأنهم أمة واحدة ودينهم واحد، فمن كفر بواحد منهم كان كافرًا بجميعهم وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ* وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٢].\nوقال تعالى ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٩٢].\nفبين أنهم أمة واحدة ودينهم واحد وإن اختلفت شرائعهم وقال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ [الشورى: ١٣].\nفبين ﷾ أن دين هؤلاء جميعًا واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له فهو الدين الذي شرعه لرسله الأخيار المذكورين في الآية وهم صفوة الصفوة وأولوا العزم من الرسل فلو كان دينًا آخر خير منه لما شرع الله لهم هذا الدين الكامل الذي به سعادة الدنيا والأخرة.\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده، فمن استسلم له ولغيره كان مشركا، ومن لم يستسلم له كان مستكبرًا عن عبادته، والمشرك به والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده\".","vol":"2","page":1066},{"text":"الشرح\nحقيقة الإسلام هي: الاستسلام لله، ومعنى الاستسلام لله: الخضوع والتسليم له ﷻ، فأخبار الشرع حقها التصديق، وأوامر الشرع حقها الرضا بها والعمل بمقتضاها، ونواهي الشرع حقها القبول لها واجتنابها.\n\nوبين المصنف أن<span data-type='title' id=toc-361> ما يضاد الإسلام يعود في إصله إلى أمرين هما:</span>\n<span data-type='title' id=toc-362>أولًا: الكبر.</span>\nثانيًا: الشرك.\nوتفصل ذلك\nأما الكبر: فإن الاعتراض على ما ثبت أنه من دين الإسلام فأصله من الكبر ويوصل إلى الزندقة، وإبليس أول من فعل هذا، حينما أمره الله ﷾ بالسجود لآدم فاعترض وأَبَى أن يسجد، قال الله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٢، ١٣]، فأخرجه الله ﷿ من الجنة، ولعنه وطرده؛ لمَّا أظهر كِبره واستعلن بكفره، وكذلك كل من سار على دربه.\nوفارق بين الاعتراض على الحكم وتركه كبرًا وجحودًا وبين الإذعان للحكم وتركه تهاونًا وكسلًا، فالأول كفر، والثاني معصية.\nلخطورة الكبر قال رسولُ الله -ﷺ-: «لا يَدخل الجَنَّة مَنْ كان في قلبه مثقال ذَرَّة من كبر». فقال رجل: إنَّ الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة! قال: «إنَّ الله جميل يحبُّ الجمال، الكبرُ بَطَرُ الحقِّ، وغَمْطُ الناس» (^١)، فكَما أَنَّ النَّار لَا يُخَلَّد فِيهَا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٩١) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.","vol":"2","page":1067},{"text":"مَنْ كَانَ فِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان فكذلك لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر؛ إذ الكبرُ مناف للإيمَان؛ مباعد عن حَقِيقَةِ العُبُودِيَّة؛ لأنَّه مِنْ خصائص الربوبية.\nوكل مَنْ استكبر عن عبادة الله ولم يكن الله منتهى حبه وإرادته، فلا بد أن يكون له مراد محبوب يستعبده غير الله؛ فيكون عبدًا ذليلًا لذلك المراد المحبوب، وسيذوق وبال ذلك في الدنيا والآخرة؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].\nوكلما كان الإنسان أعظم استكبارًا عن عبادة الله كان أعظم إشراكًا بالله؛ لأنه كلما استكبر عن عبادة الله ازداد فقرًا وحاجةً إلى مراده المحبوب الذي هو مقصود القلب بالقصد الأول؛ فيكون مشركًا بما استعبده من ذلك، ولهذا كان فرعون من أعظم الخلق استكبارًا عن عبادة الله وأشدهم إشراكًا وجحودًا؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٧]، إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر: ٣٥]، ومثل هذا في القرآن كثير.\nوأما الشرك: فإن فهم هذا الأمر يتوقف على فهم موضوع المحبة فأصل المَحابِّ المحمودة: محبة الله تعالى، بل وأصل الإيمان والتوحيد، والنوعان الآخران تَبَعٌ لها.\nكما أنَّ المحبةَ مع الله أصلُ الشرك، والمحاب المذمومة والنوعان الآخران تَبَعٌ لها (^١).\nوالمقصود بالمحبة الشرعية: محبة الله ﷾ ومحبة رسوله -ﷺ- وكل ما يدخل في\n_________\n(^١) راجع: «إغاثة اللهفان» (٢/ ١٤٠، ١٤١)، و«جامع الرسائل» (٢/ ٢٠٢).","vol":"2","page":1068},{"text":"فَلَكها ويدور مع محورها.\nفهذه المحبة مِنْ أعظم واجبات الإيمان وأكبر أصوله، بل ومن أوجب العِبادات المُناطة بقلب المؤمن، ذلك لأنَّه لابد في إيمان القلب من حب الله ورسوله، وأن يكون الله ورسوله -ﷺ- إليه مما سواهما.\nفهي أصلُ كلِّ عمل من أعمال الإيمان والدِّين، كما أن التصديق به أصل كلِّ قول من أقوال الإيمان والدِّين؛ فإنَّ كل حركة في الوجود إنما تَصدر عن محبة؛ إمَّا عن محبة محمودة، أو عن محبة مذمومة.\nفجميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تَصدر إلا عن المحبة المحمودة، وأصل المحبة المحمودة: هي محبة الله ﷾؛ إذ العملُ الصادر عن محبة مذمومة لا يكون عملًا صالحًا عند الله، بل جميع الأعمال الإيمانية الدينية لا تصدر إلا عن محبة الله؛ فإنَّ الله تعالى لا يَقبل مِنْ العمل إلا ما أُريد به وجهه؛ كما ثبت في «الصَّحيح» عن النبي -ﷺ- فيما يَرويه عن ربِّه أنه قال: «أنا أغنى الشُّركاء عن الشرك؛ مَنْ عَمِل عملًا أَشرك فيه معي غيري تَرَكْتُه وشِرْكَه» (^١).\nفإخلاصُ الدِّين لله هو الدِّين الذي لا يَقبل الله سواه، وهو الذي بَعث به الأَوَّلين والآخرين من الرُّسل، وأنزل به جميع الكتب، واتَّفق عليه أهلُ الإيمان.\nوهذا هو خلاصةُ الدَّعوة النبوية، وهو قُطب القرآن الذي تدور عليه رَحاه (^٢)، فأصلُ الدِّين وقاعدته يتضمن أن يكون اللهُ هو المعبود الذي تحبه القلوب وتخشاه ولا يكون لها إله سواه، والإله: ما تألهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاء والخوف والإجلال والإعظام ونحو ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في «صحيحه»، كتاب (الزهد)، باب (مَنْ أشرك في عمله غير الله) (٨/ ٢٢٣).\n(^٢) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٤٨، ٤٩).","vol":"2","page":1069},{"text":"والله سبحانه أرسل الرسل بأنه لا إله إلا هو؛ فتَخلو القلوب عن محبة ما سواه بِمَحَبَّته، وعن رجاء ما سواه برجائه، وعن سؤال ما سواه بسؤاله، وعن العمل لما سواه بالعمل له، وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به (^١).\nفإذا كان أصلُ العمل الديني هو إخلاص الدين لله، وهو إرادة الله وحده فالشيء المراد لنفسه هو المحبوب لذاته، وهذا كمال المحبة، ولكن أكثر ما جاء المطلوب باسم العبادة؛ كقوله تعالى: ﴿ومَا خَلَقْتُ الجِنَّ والأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات الآية: ٥٦]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ والَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة الآية: ٢١]، وأمثال هذا.\nوالعبادة تتضمن كمال الحب ونهايته، وكمال الذل ونهايته، فالمحبوب الذي لا يُعَظَّم ولا يُذَلُّ له لا يكون معبودًا، والمُعَظَّم الذي لا يُحَبُّ لا يكون معبودًا، ولهذا قال تعالى: ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ﴾ [البقرة الآية: ١٦٥].\nفبَيَّن- سبحانه- أنَّ المشركين بربهم الذين يتخذون من دون الله أندادًا وإن كانوا يُحبونهم كما يحبون الله، فالذين آمنوا أشدُّ حُبًّا لله منهم لله ولأوثانهم؛ لأنَّ المؤمنين أعلم بالله، والحب يَتبع العِلم، ولأن المؤمنين جعلوا جميع حُبِّهم لله وحده، وأولئك جعلوا بعضَ حُبِّهم لغيره، وأشركوا بينه وبين الأنداد في الحب، ومعلوم أن ذلك أكمل؛ قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ ورَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الحَمْدُ للهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر الآية: ٢٩].\nواسم المحبة فيه إطلاق وعموم؛ فإنَّ المؤمن يحب الله ويحب رُسلَه وأنبياءه وعبادَه المؤمنين، وإن كان ذلك من محبة الله، وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقُّها غيرُه. ولهذا جاءت محبة الله ﷾ مَقرونة بما يختص به سبحانه من العبادة والإنابة إليه\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (١١/ ٥٢٣، ٥٢٤).","vol":"2","page":1070},{"text":"والتبتُّل له، ونحو ذلك. فكل هذه الأسماء تتضمن محبة الله ﷾.\nوكما أنَّ محبته هي أصلُ الدِّين، فكذلك كمال الدين يكون بكمالها ونقصه بنقصها (^١).\nوكمال هذه المحبة هو بالعبودية والذل والخضوع والطاعة للمحبوب ﷾؛ فالحق الذي خُلِق به ولأجله الخلقُ: هو عبادة الله وحده التي هي كمال محبته والخضوع والذل له، ولوازم عبوديته من الأمر والنهي والثواب والعقاب، ولأجل ذلك أرسل الرسلَ، وأنزل الكتبَ، وخَلَقَ الجَنَّةَ والنارَ (^٢).\nوقد بين الله ﷿ أنه قد خلقَ الناس للابتلاء؛ فقال جل وعلا: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَيَاةَ لِيَبْلُوكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك الآية: ٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف الآية: ٧]، وقال سبحانه: ﴿وهُو الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ والأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وكَانَ عَرْشُهُ عَلَى المَاءِ لِيَبْلُوكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود الآية: ٧].\nفأخبر جل وعلا في هذه الآيات أنَّ خلق العالم والموت والحياة وتَزَيُّنَ الأرض بما عليها: أنه للابتلاء والامتحان؛ ليختبر خلقه أيهم أحسن عملًا، فيكون عمله موافقًا لمحابِّ الرب تعالى، فيوافق الغاية التي خُلِق هو لها وخلق لأجلها العالَم، وهي عبوديته المتضمنة لمحبَّته وطاعته، وهي العمل الأحسن وهو مواقع محبته ورضاه، وقَدَّر سبحانه مقادير تُخالفها بحكمته في تقديرها، وامتحن خلقَه بين أَمْرِه وقَدَرِه؛ ليَبلوهم أيُّهم أحسن عملًا.\nوأصل الشرك الذي لا يَغفره الله هو الشرك في هذه المحبة؛ فإنَّ المشركين لم يزعموا أنَّ آلهتهم وأوثانهم شاركت الربَّ سبحانه في خلق السموات والأرض، وإنَّما\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٥٦، ٥٧).\n(^٢) انظر: «روضة المحبين» (ص ٥٩).","vol":"2","page":1071},{"text":"كان شِركهم بها من جهة محبتها مع الله؛ فَوَالَوْا عليها وعادوا عليها وتألَّهوها، وقالوا: هذه آلهة صِغار تُقَرِّبنا إلى الإله الأعظم؛ قال تعالى: ﴿ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ والَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّه﴾ [البقرة الآية: ١٦٥]، وهذا منهم كحال عبادتهم لهم؛ قال ﷻ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾ [الزمر الآية: ٣].\nففرق بين محبة الله أصلًا، والمحبة له تبعًا، والمحبة معه شركًا، وعليك بتحقيق هذا الموضع فإنه مَفرق الطرق بين أهل التوحيد وأهل الشرك (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-364>أقسام المحبة مِنْ حيث العموم:</span>\nتنقسم المحبة من حيث العموم إلى قسمين: (المحبة المشتركة والمحبة الخاصة).\n\n<span data-type='title' id=toc-365>القسم الأول: المحبة المشتركة.</span>\nوهي ثلاثة أنواع:\nأحدها: محبَّة طبيعية؛ كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، ونحو ذلك، وهذه لا تَستلزم التعظيم.\nالثاني: محبَّة رحمة وإشفاق؛ كمحبَّة الوالد لولده الطفل، وهذه- أيضًا- لا تستلزم التعظيم.\nالثالث: محبة أُنس وإِلْف، وهي محبة المشتركين في صناعة أو عِلم أو مُرافقة أو تجارة أو سفر لبعضهم بعضًا، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضًا.\nفهذه الأنواع الثلاثة التي تَصلح للخَلْق؛ بعضهم من بعض، ووجودها فيهم\n_________\n(^١) انظر: «روضة المحبين» (ص ٢٩٣).","vol":"2","page":1072},{"text":"لا يكون شِرْكًا في محبة الله، ولهذا كان رسول الله -ﷺ- يحبُّ الحلواء والعَسل (^١)، وكان يحبُّ نِساءه (^٢)، وعائشة أحبُّهن إليه، وكان يُحِبُّ أصحابَه، وأحبهم إليه الصِّدِّيق ﵁ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-366>القسم الثاني: المحبة الخاصَّة التي لا تَصلح إلا لله.</span>\nومتى أحبَّ العبدُ بها غيرَه، كان شركًا لا يَغفره الله، وهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره.\nفهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلًا (^٤)، بل يجب إفرادُ الله بهذه المحبة الخاصة التي هي توحيد الإلهية، بل الخلق والأمر والثواب والعقاب إنما نشأ عن المحبة ولأجلها، فهي الحقُّ الذي خُلقت به السموات والأرض، وهي الحق الذي تضمنه الأمر والنهي، وهي سِرُّ التأله، وتوحيدها: هو شهادة أن لا إله إلا الله.\nوليس كما يزعم المنكرون: أن الإله هو الربُّ الخالق؛ فإن المشركين كانوا مُقِرِّين بأنه لا رب إلا الله ولا خالق سواه، ولم يكونوا مُقرين بتوحيد الإلهية الذي هو حقيقة لا إله إلا الله، فإن الإله الذي تألهه القلوب حُبًّا وذُلًّا وخوفًا ورجاء وتعظيمًا وطاعة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٤٣١) ومسلم (١٤٧٤) من حديث عائشة ﵂.\nوقال القاضي عياض عن هذا الحديث: هذا «حُجَّةٌ فى استعمال مباحات الدنيا، وأكل لذيذ الأطعمة. والحلواء هنا: كل طعام مُستحلى». «إكمال المُعْلِم بفوائد مُسْلِم» (٥/ ٢٨).\n(^٢) أخرج النسائي (٣٩٣٩) عن أنس؟ قال: قال رسول الله -ﷺ-: «حُبِّب إليَّ من الدنيا: النِّساء والطِّيب، وجُعل قُرَّة عَيني في الصلاة». وحسنه الألباني في «المشكاة» (٥٢٦١).\n(^٣) أخرج البخاري (٣٦٦٢) ومسلم (٢٣٨٤) عن عمرو بن العاص؟ أنه قال: أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: «عائشة». فقلت: مِنْ الرجال؟ فقال: «أبوها». قلت: ثم مَن؟ قال: «ثم عمر بن الخطاب»، فعَدَّ رجالًا».\n(^٤) انظر: «تيسير العزيز الحميد» (ص ٤١١).","vol":"2","page":1073},{"text":"وإله بمعنى مألوه، أي: محبوب معبود، وأصله من التأله، وهو التعبُّد الذي هو آخر مَراتب المحبة، فالمحبة حقيقة العبودية (^١)، وسيأتي مزيد تفصيل لهذا القسم.\nوتنقسم المحبة باعتبار متعلقها ومحبوبها إلى قسمين: (نافعة محمودة. مذمومة ضارة).\nالقسم الأول: المحبة النافعة\nوهي التي تجلب لصاحبها ما ينفعه وهو السعادة وهي ثلاثة أنواع:\nأ- محبة الله.\nب- محبة في الله.\nج- محبةُ ما يُعين على طاعة الله واجتناب معصيته.\nفيحبُّ الله تعالى حبًّا لا يُشاركه فيه أحد، ويكون الله ﷿ هو المحبوب المراد الذي لا يُحب لذاته ولا يُراد لذاته إلا هو، وهو المحبوب الأعلى الذي لا صَلاح للعبد ولا فلاح ولا نعيم ولا سرور إلا بأن يكون هو محبوبه ومراده وغاية مطلوبه. وتكون هذه المحبة مُستلزمة لما يتبعها من عبادته تعالى وخضوعه له، وتعظيمه ﷿.\nوالمحبة في الله: بأن يحب المؤمنين لا يحبهم إلا لله، ويكون هواه تبعًا لحبِّ الله تعالى ورضاه؛ فلا يُحب إلا ما يحبه اللهُ تعالى.\nومحبةُ ما يُعين على طاعة الله أنواعٌ كثيرة تَندرج فيها جميع العبادات.\nالقسم الثاني: المحبة الضارَّة:\nوهي المحبة المَذمومة التي تَجلب لصاحبها ما يضرُّه، وهو الشقاء.\nوهي ثلاثة أنواع أيضًا:\n_________\n(^١) انظر: «مدارج السالكين» (٣/ ٢٠)، و«روضة المحبين» (ص ٥٩)، و«تيسير العزيز الحميد» (ص ٤١٢).","vol":"2","page":1074},{"text":"النوع الأول: المحبة مع الله. ومنها: محبة المشركين آلهتهم كحبِّ الله.\nالنوع الثاني: محبة ما يُبغضه الله. ومنها: محبة الفواحش والمنكرات التي يُبغضها الله.\nالنوع الثالث: محبة ما تَقطع محبته عن محبة الله تعالى أو تنقصها. ومنها: عِشق النساء الذي يزيد عن حَدِّه حتى يُضيع الأوامر ويُدخل في النواهي، وفي مقدمة ذلك عِشق الفاسقات والعاهرات والوِلْدَان.\nفهذه سِتَّةُ أنواع عليها مدارُ محابِّ الخلق.\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وهذا دين الإسلام الذي لا يقبل الله غيره\".\nالشرح\nيتكلم المصنف عن الإسلام بمفهومه العام وهو المقصود بقول الله ﷿: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران الآية: ١٩. [\nفيخبر ﷿ أنه لا دين مقبول عنده إلا الإسلام، الذي هو الإذعان والاستسلام والخضوع لله تعالى، وعبادته وحده، والإيمان به وبرسله وبما جاءوا به من عند الله، مع كون هذا الإسلام لا يمنع أن يكون لكل رسول شرعة ومنهاجًا، حتى ختمهم بمحمد ﷺ، فأرسله للناس كافة، فلا يقبل الله من أحد دينا بعده إلا الإسلام، الذي جاء به ﷺ وهذا هو الإسلام الخاص.\nفدين الأنبياء واحد، وإن تنوعت شرائعهم، فالمؤمنون من أتباع الأنبياء السابقين كلهم كانوا مسلمين بالمعنى العام، يدخلون الجنة بإسلامهم، فإذا أدرك أحدهم مبعث النبي ﷺ، لم يقبل منه إلا اتباعه.","vol":"2","page":1075},{"text":"قال قتادة في تفسير الآية: \"الإسلام: شهادة أنّ لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودلّ عليه أولياءه، لا يقبل غيرَه ولا يجزى إلا به\".\nوقال أبو العالية: \"الإسلام: الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له\". (^١)\nوقال ابن كثير ﵀: قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران الآية: ١٩. [إِخْبَارٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ لَا دِينَ عِنْدَهُ يَقْبَلُهُ مِنْ أَحَدٍ سِوَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ اتِّبَاعُ الرُّسُلِ فِيمَا بَعَثَهُمُ اللَّهُ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ، حَتَّى خُتِمُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، الَّذِي سَدَّ جَمِيعَ الطُّرُقِ إِلَيْهِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَمَنْ لَقِيَ اللَّهَ بَعْدَ بِعْثَتِهِ مُحَمَّدًا ﷺ بدِين عَلَى غَيْرِ شَرِيعَتِهِ، فَلَيْسَ بِمُتَقَبَّلٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران الآية: ٨٥ [وَقَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُخْبِرًا بِانْحِصَارِ الدِّينِ الْمُتَقَبَّلِ عِنْدَهُ فِي الْإِسْلَامِ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ] آل عمران الآية: ١٩.]. (^٢) ﴿\nوقال ابن الجوزي ﵀\": قال الزجاج: الدين: اسم لجميع ما تعبد الله به خلقه، وأمرهم بالإقامة عليه، وبه يجزيهم.\nوقال شيخنا علي بن عبيد الله: الدين: ما التزمه العبد لله ﷿.\nوقال ابن قتيبة: الإسلام الدخول في السلم، أي: في الانقياد والمتابعة، ومثله الاستسلام، يقال: سلم فلان لأمرك، واستسلم، وأسلم \" (^٣)\nوَدِينُ الْإِسْلَامِ هُوَ دِينُ الْأَوَّلِينَ والآخرين مِنْ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران الآية: ٨٥]، عَامٌّ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ.\n_________\n(^١) \"تفسير الطبري\" (٦/ ٢٧٥ (.\n(^٢) \"تفسير ابن كثير\" (٢/ ٢٥).\n(^٣) \"زاد المسير\" (١/ ٢٦٧).","vol":"2","page":1076},{"text":"فَنُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَيَعْقُوبُ وَالْأَسْبَاطُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَالْحَوَارِيُّونَ كُلُّهُمْ دِينُهُمْ الْإِسْلَامُ الَّذِي هُوَ عِبَادَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ: ﴿يَا قَوْمِ إنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس الآية: ٧١ [إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس الآية: ٧٢]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة الآية: ١٣٠]، ﴿إذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة الآية: ١٣١ [﴿وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ [البقرة الآية: ١٣٢]، وَقَالَ السَّحَرَةُ: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف الآية: ١٢٦]، وَقَالَ يُوسُفُ ﵇ ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف الآية: ١٠١]، وَقَالَتْ بلقيس: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل الآية: ٤٤]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة الآية: ٤٤]، وَقَالَ الْحَوَارِيُّونَ ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران الآية: ٥٢].\nفَدِينُ الْأَنْبِيَاءِ وَاحِدٌ وَإِنْ تَنَوَّعَتْ شَرَائِعُهُمْ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ \" ﴿إنَّا مَعْشَرُ الْأَنْبِيَاءِ دِينُنَا وَاحِدٌ﴾ قَالَ تَعَالَى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ﴾ [الشورى الآية: ١٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون الآية: ٥١]، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون الآية: ٥٢]، ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون الآية: ٥٣]،.","vol":"2","page":1077},{"text":"المتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وذلك إنما يكون بأن يطاع في كل وقت بفعل ما أمر به في ذلك الوقت، فإذا أمر في أول الأمر باستقبال الصخرة، ثم أمر ثانيا باستقبال الكعبة، كان كل من الفعلين حين أمر به داخلا في دين الإسلام، فالدين هو الطاعة والعبادة له في الفعلين، وإنما تنوّع بعض صور الفعل وهو وجهة المصلِّي، فكذلك الرسل دينهم واحد، وإن تنوعت الشرعة والمنهاج والوجهة والمنسك، فإن ذلك لا يمنع أن يكون الدِّين واحدا، كما لم يمنع ذلك في شرعة الرسول الواحد\".\nالشرح\nقال الله سبحانه: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة الآية: ٤٨].\nقال ابن جرير الطبري: \"لكل قوم منكم جعلنا طريقًا إلى الحق يؤمُّه، وسبيلًا واضحًا يعمل به.\nقال قتادة: قوله: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ يقول: سبيلًا وسُنّة.\nوالسنن مختلفة: للتوراة شريعة، وللإنجيل شريعة، وللقرآن شريعة، يحلُّ الله فيها ما يشاء، ويحرِّم ما يشاء بلاءً، ليعلم من يطيعه ممن يعصيه. ولكن الدين الواحد الذي لا يقبل غيره: التوحيدُ والإخلاصُ لله، الذي جاءت به الرسل. وعن علي قال: الإيمان منذُ بَعث الله تعالى ذكره آدم ﷺ: شهادةُ أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء من عند الله، لكلّ قوم ما جاءَهم من شرعة أو منهاج\" (^١)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"أصل الدين الذي هو دين الإسلام واحد، وإنما تنوعت الشرائع؛ قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: \"إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد\" \"الأنبياء إخوة\n_________\n(^١) تفسير الطبري (١٠/ ٣٨٤ - ٣٨٥).","vol":"2","page":1078},{"text":"لعلات\" \"وأنا أولى الناس بابن مريم، فإنه ليس بيني وبينه نبي\" فدينهم واحد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، وهو يعبد في كل وقت بما أمر به في ذلك الوقت، وذلك هو دين الإسلام في ذلك الوقت.\nوتنوع الشرائع في الناسخ والمنسوخ من المشروع كتنوع الشريعة الواحدة، فكما أن دين الإسلام الذي بعث الله به محمدا ﷺ هو دين واحد، مع أنه قد كان في وقت يجب استقبال بيت المقدس في الصلاة، كما أمر المسلمون بذلك بعد الهجرة ببضعة عشر شهرا، وبعد ذلك يجب استقبال الكعبة، ويحرم استقبال الصخرة فالدين واحد وإن تنوعت القبلة في وقتين من أوقاته، فهكذا شرع الله تعالى لبني إسرائيل السبت، ثم نسخ ذلك وشرع الجمعة، فكان الاجتماع يوم السبت واجبًا إذ ذاك، ثم صار الواجب هو الاجتماع يوم الجمعة، وحرم الاجتماع يوم السبت. فمن خرج عن شريعة موسى قبل النسخ لم يكن مسلما، ومن لم يدخل في شريعة محمد ﷺ بعد النسخ لم يكن مسلما\" (^١).\n\"ققد يشرع الله في وقت أمرًا لحكمة، ثم يشرع في وقت آخر أمرًا لحكمة، فالعمل بالمنسوخ، قبل نسخه: طاعة لله، وبعد النسخ يجب العمل بالناسخ، فمن تمسك بالمنسوخ وترك الناسخ؛ ليس هو على دين الإسلام، ولا هو متبع لأحد من الأنبياء، ولهذا كفر اليهود والنصارى؛ لأنهم تمسكوا بشرع مبدل منسوخ.\nوالله تعالى يشرع لكل أمة ما يناسب حالها ووقتها، ويكون كفيلًا بإصلاحها، متضمنا لمصالحها، ثم ينسخ الله ما يشاء من تلك الشرائع لانتهاء أجلها، إلى أن بعث نبيه محمدًا خاتم النبيين إلى جميع الناس على وجه الأرض، وعلى امتداد الزمن إلى\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم ٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩.","vol":"2","page":1079},{"text":"يوم القيامة، وشرع له شريعة شاملة صالحة لكل زمان ومكان؛ لا تبدل ولا تنسخ؛ فلا يسع جميع أهل الأرض إلا اتباعه والإيمان به ﷺ: قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف الآية: ١٥٨ [\" (^١).\n_________\n(^١) \"الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد\" (ص: ١٩٤).","vol":"2","page":1080},{"text":"<span data-type='title' id=toc-367>يبشر أول الرسل بآخرهم</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"والله تعالى جعل من دين الرسل أن أولهم يبشر بآخرهم ويؤمن به، وآخرهم يصدق بأولهم ويؤمن به، قال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران الآية: ٨١]، قال ابن عباس ﵄: لم يبعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بُعث محمد وهو حيّ ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه. وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.\nالشرح\nجميع الرسل قد جاءهم الأمر من الله تعالى أن يؤمنوا بمحمد -ﷺ-، وأخذ عليهم الميثاق بذلك.\n\"فمن الأمور التي تدل على عظيم قدره ﷺ عند ربه ما أخذه الله من العهد له ﷺ على جميع الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام على أنه لو بعث ﷺ وهم أحياء أو أحد منهم فإنه يجب عليهم أن يؤمنوا به ويتبعوه وينصروه. قال تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ","vol":"2","page":1081},{"text":"وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران الآية: (٨١)].\nوقد روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس ﵄ في تفسير هذه الآية قولهما: \"ما بعث الله نبيا من الأنبياء إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمدا وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه\". (^١)\nفهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد لكان هو الواجب الطاعة المقدم على الأنبياء كلهم، ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس (^٢).\nولهذا فقد كان عند أهل الكتاب علم تام به ﷺ وبمبعثه ومكان بعثته ومهاجره، كما ورد وصفه في كتبهم حتى إنهم ليعرفونه كما يعرفون أبناءهم قال تعالى ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة الآية: ١٤٦ [\nوقال تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالأِنْجِيلِ﴾ [الأعراف الآية (١٥٧)].\nوفي الحديث عن عبد الله بن عمرو ﵄ حينما سئل عن وصف النبي ﷺ قال: \"أجل والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للأميين، فأنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر،\n_________\n(^١) أخرجهما ابن جرير في تفسيره (٣/ ٣٣٢) وأوردهما ابن كثير في تفسيره (١/ ٣٧٨).\n(^٢) تفسير ابن كثير (١/ ٣٧٨).","vol":"2","page":1082},{"text":"ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح به أعينا عميا، وآذانا صما وقلوبا غلفا \" … (^١). (^٢).\nقال السعدي ﵀: \"يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق النبيين وعهدهم المؤكد بسبب ما أعطاهم من كتاب الله المنزل، والحكمة الفاصلة بين الحق والباطل والهدى والضلال، إنه إن بعث الله رسولًا مصدًقا لما معهم أن يؤمنوا به ويصدقوه ويأخذوا ذلك على أممهم، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أوجب الله عليهم أن يؤمن بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضا لأن جميع ما عندهم هو من عند الله، وكل ما من عند الله يجب التصديق به والإيمان، فهم كالشيء الواحد\" (^٣).\n- وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة الآية: ٤٨].\nفقد بين الله- جل وعلا- في هذه الآية أنه جعل نبينا محمد -ﷺ- مصدقًا لجميع الرسل الذين بعثوا من قبله.\nفَإِنَّ أَصْلَ الْأُصُولِ تَحْقِيقُ الْإِيمَانِ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِيمَانِ بِأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ إنْسِهِمْ وَجِنِّهِمْ وَعَرِبِهِمْ وَعَجَمِهِمْ عُلَمَائِهِمْ وَعُبَّادِهِمْ مُلُوكِهِمْ وَسُوقَتِهِمْ، وَأَنَّهُ لَا طَرِيقَ إلَى اللَّهِ ﷿ لِأَحَدِ مِنْ الْخَلْقِ إلَّا بِمُتَابَعَتِهِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، حَتَّى لَوْ أَدْرَكَهُ مُوسَى وَعِيسَى وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لَوَجَبَ عَلَيْهِمْ اتِّبَاعُهُ كَمَا قَالَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب البيوع، باب كراهية السخب في الأسواق. انظر: فتح الباري (٤/ ٣٤٢) ح ٢١٢٥\"\n(^٢) انظر: حقوق النبي ﷺ على أمته في ضوء الكتاب والسنة ٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦.\n(^٣) تيسير الكريم الرحمن (ص: ١٣٦).","vol":"2","page":1083},{"text":"تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾ [آل عمران الآيات ٨١ - ٨٢].\nولأن نبينا محمدًا -ﷺ- خاتم الأنبياء، فقد جعل الله شريعته خاتمة الشرائع وناسخة لها؛ فلا يحل لأحد بعد بعثة نبينا محمد -ﷺ- أن يترك الإيمان به زاعمًا أنه يؤمن بنبي سابق، بل يجب الإيمان بهم جميعًا، من تمام الإيمان برسولنا محمد -ﷺ- أن يؤمن بأنه ناسخ لكل من سبقه من الرسل.\nوهذا ما دلت عليه نصوص القرآن والسنة والإجماع.\n\n<span data-type='title' id=toc-368>أولًا: الأدلة من القرآن:</span>\n- قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران الآية: ٨٥].\nقال القاضي عياض: \"كما أن الإيمان به واجب متعين لا يتم إيمان إلا به ولا يصح إسلام إلا معه\" (^١).\n- قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة الآية: ٣].\nقال ابن كثير عند تفسيرها: \"هذه أكبر نعم الله تعالى على هذه الأمة حيث أكمل تعالى لهم دينهم فلا يحتاجون إلى دين غيره ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعله الله تعالى خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن … \" (^٢).\n_________\n(^١) الشفا للقاضي عياض (٢/ ٥٣٨) بتصرف.\n(^٢) تفسير ابن كثير (٢/ ١٢).","vol":"2","page":1084},{"text":"وقال تعالى في حق من لم يؤمن: ﴿وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَعِيرًا﴾ [الفتح الآية: (١٣). [\n\n<span data-type='title' id=toc-369>ثانيًا: الأدلة من السنة:</span>\nوردت في السنة أحاديث كثيرة جدا تدل على وجوب الإيمان به ﷺ على الجن والإنس الذين أدركتهم رسالته، سواء كانوا أهل كتاب، أم ليسوا بأهل كتاب، ويستوي في ذلك عربهم وعجمهم، وذكرهم وأنثاهم، فلا يسع أحدا من هؤلاء الخروج عن شريعته أو التعبد لله بغير ما جاء به. لأن الله لا يقبل من أحد عملا يخالف شرع نبيه محمد ﷺ.\nوسأورد ههنا بعضا من تلك الأحاديث الواردة في هذا الشأن:\nأ- عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال\": أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله\" (^١).\nب- وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله\" (^٢).\nج- وعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: «والذي نفس محمد بيده، لا يَسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي، ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي\n_________\n(^١) أخرجه بهذا اللفظ مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله (١/ ٣٩).\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الإيمان: باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، انظر: فتح الباري (١/ ٧٥) ح ٢٥. وأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، انظر (١/ ٣٩) ..","vol":"2","page":1085},{"text":"أرسلت به، إلا كان من أصحاب النار» (^١).\nد- وعن ابن عباس ﵄ في حديث وفد عبد القيس أن النبي ﷺ قال لهم\": أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟، قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس .... \" الحديث ٣ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-370>ثالثًا: دليل الإجماع.</span>\nإن الإجماع منعقد من أئمة المسلمين وعامتهم على أن محمدا ﷺ أرسل إلى جميع الأمم-أهل الكتاب وغير أهل الكتاب- (^٣)\nفإن الذي يدين به المسلمون هو أن محمدا ﷺ بعث رسولا إلى الثقلين الإنس والجن، أهل الكتاب وغيرهم، وأن من لم يؤمن به فهو كافر مستحق لعذاب الله، مستحق للجهاد، وهو مما أجمع أهل الإيمان بالله ورسوله عليه، لأن الرسول ﷺ هو الذي جاء بذلك وذكره الله في كتابه، وبينه النبي أيضا في سنته.\nوهذا الإجماع تواترت في نقله كتب أهل العلم وهو منقول عندهم نقلا متواترا يعلمونه بالضرورة. وكتب التوحيد السنة مليئة بهذا.\nوالأدلة والنصوص تثبت عموم رسالته وشمولها كما يعلم كذلك انتفاء كل دعوى تخالف هذا الأمر أو تطعن فيه كدعوى أنه رسول للعرب خاصة، أو دعوى أن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان باب وجوب إيمان أهل الكتاب برسالة الإسلام (١/ ١٣٤ رقم ١٥٣).\n(^٢) أخرجه البخارى في صحيحه واللفظ له: كتاب الإيمان، باب أداء الخمس من الإيمان. انظر: فتح الباري (١/ ١٢٩) ح ٥٣، وأخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان، باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله وشرائع الدين والدعاء إليه (١/ ٣٥ - ٣٦).\n(^٣) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ١٢٤).","vol":"2","page":1086},{"text":"رسالته ليست ناسخة لما قبلها من الرسالات وأنه يسع الناس التدين بما جاء في قبله من الرسالات.\nفنصوص القرآن والسنة والإجماع ترد هذه الدعاوى وتفندها وتبطلها.\nولا يتسع المجال هنا لإيراد تلك الشبه وتفنيدها (^١) كما أن معرفة الحق تغني وكما قيل: بضدها تتميز الأشياء.\nوإن الواجب على كل مسلم اعتقاد عموم رسالته وشموليتها وعالميتها لجميع المكلفين وإنه لا يسع أحدا الخروج عنها أو أن يدين لله بغيرها.\nكما أنه لا يسع المسلم أن يجهل مثل هذا الأمر لأنه من الأمور المعلومة من الدين بالضرورة، ومن الواجب عليه كذلك أن يرد على كل من يطعن في هذا الأمر أو يشكك فيه سواء ممن ينتسبون إلى الإسلام أو من غيرهم، وبالخصوص أننا أصبحنا في زمان ظهرت فيه الدعوة إلى وحدة الأديان وتقاربها بدعوى أنها جميعا تدعو إلى عبادة إله واحد وأن مصدرها واحد إلى غير ذلك من الأمور التي يروج لها أصحاب هذه الدعوة والتي لا تنطلي إلا على ساذج لا يعي الأمور الضرورية من دينه.\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وجعل الإيمان بهم متلازمًا، وكفَّر من قال: إنه آمن ببعض وكفر ببعض، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا • أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ [النساء الآيات: ١٥١ - ١٥٢]، وقال تعالى ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ\n_________\n(^١) لمزيد من التفصيل في هذا الموضوع: انظر كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ١٢٨) وما بعدها.","vol":"2","page":1087},{"text":"الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة الآية: ٨٥]، وقد قال لنا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ • فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة الآيات: ١٣٦ - ١٣٧]، فأمرنا أن نقول آمنا بهذا كله ونحن له مسلمون، فمن بلغته رسالة محمد -ﷺ- فلم يقر بما جاء به لم يكن مسلما ولا مؤمنا، بل يكون كافرا، وإن زعم أنه مسلم أو مؤمن.\nالشرح\nأكد الإسلام وجوب الإيمان بالأنبياء جميعًا وإكرامهم ورفع درجتهم وجعلهم في مكانة ومنزلة سامية. فأوجب الإيمان بهم.\nقال تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة الآية: ٢٨٥. [\nقال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: \"فالمؤمنون يؤمنون بأن الله واحد، فرد صمد، لا إله غيره ولا رب سواه.\nويصدقون بجميع الأنبياء والرسل والكتب المنزلة من السماء على عباد الله المرسلين والأنبياء لا يفرقون بين أحد منهم فيؤمنون ببعض ويكفرون ببعض بل الجميع عندهم صادقون بارون راشدون مهديون هادون إلى سبيل الخير، وإن كان بعضهم ينسخ شريعة بعض بإذن الله حتى نسخ الجميع بشرع محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين الذي تقوم الساعة على شريعته، ولا تزال طائفة من أمته على الحق","vol":"2","page":1088},{"text":"ظاهرين\" (^١).\nوفي مقابل ذلك فقد عد تكذيب واحد منهم كفرًا ولو ادعى الإيمان بالله ورسله جميعا إلا ذلك، فإيمان من هذا حاله إيمان زائف لا وزن له ولا خير فيه وصاحبه موسوم بالكفر.\nقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء الآيتان: (١٥٠، ١٥١)].\nقال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: \"والمقصود أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبى بعثه الله إلى أهل الأرض فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي تبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانًا شرعيًا إنما هو عن غرض وهوى وعصبية\" (^٢).\nفلا يقبل الله الإيمان من أحد إلا بأن يؤمن بجميع الرسل، وبين أنه لن يقبل من أحد أن يفرق بين الرسل، فيؤمن ببعضهم ويكفر ببعضهم.\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"كما ذكروا أنه لما أنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران الآية: ٨٥]. قالت اليهود والنصارى: فنحن مسلمون، فأنزل الله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران الآية: ٩٧]، فقالوا: لا نحج، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران الآية: ٩٧].\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير (١/ ٣٤٢).\n(^٢) تفسير ابن كثير (١/ ٥٧٢).","vol":"2","page":1089},{"text":"فإن الاستسلام لله لا يتم إلا بالإقرار بما له على عباده من حج البيت، كما قال النبي -ﷺ-: «بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت»، ولهذا لما وقف النبي -ﷺ- بعرفة أنزل الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة الآية: ٣].\nالشرح\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ: لَمَّا أَنْزَلَ الله هَذِهِ الْآيَةَ قَالَ مَنْ قَالَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى نَحْنُ مُسْلِمُونَ. فَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] فَقَالُوا: لَا نَحُجُّ فَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَرَ حَجَّ الْبَيْتِ وَاجِبًا عَلَيْهِ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ فَهُوَ كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ.\nوَالْيَهُودُ وَالنَّصَارَى لَا يَرَوْنَهُ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ فَهُمْ مِنَ الْكُفَّارِ حَتَّى أَنَّهُ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ الله وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا» وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ جَحَدَ وُجُوبَ مَبَانِي الْإِسْلَامِ الْخَمْسِ الشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ وَصِيَامِ","vol":"2","page":1090},{"text":"شَهْرِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ، فَإِنَّهُ كَافِرٌ» (^١). اهـ\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «لِأَنَّ سَائِرَ أَهْلِ الْمِلَلِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَا يَحُجُّونَ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ يُصَلُّونَ، وَإِنَّمَا يَحُجُّ الْمُسْلِمُونَ خَاصَّةً» (^٢). اهـ\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «فالمقصود من الحج: عبادة الله وحده في البقاع التي أمر الله بعبادته فيها، ولهذا كان الحج شعار الحنيفية، حتى قال طائفة من السلف: «حنفاء لله، أي حجاجا». فإن اليهود والنصارى لا يحجون البيت» (^٣). اهـ\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: «وقال الأصمعي من عدل عن دين اليهود والنصارى فهو حنيف عند العرب.\nقلت: ولهذا يوجد في كتب بعض أهل الكتاب من النصارى وغيرهم وفي كلامهم معاداة الحنيف وهم هؤلاء العرب الذين كانوا يحجون ويختتنون وهم مشركون، فإن النصارى لا يحجون ولا يختتنون ولا يتعبدون بالختان بل أكثرهم ينهى عنه وفيهم من يختتن» (^٤). اهـ\nوقال الحافظ ابن كثير ﵀: «﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران الآيات: ٩٦ - ٩٧].\nيُخْبر تَعَالَى أَنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضع لِلنَّاسِ، أَيْ: لِعُمُومِ النَّاسِ، لِعِبَادَتِهِمْ ونُسُكهم، يَطُوفون بِهِ ويُصلُّون إِلَيْهِ ويَعتكِفُون عِنْدَهُ ﴿لَلَّذِي بِبَكَّةَ﴾ يَعْنِي: الْكَعْبَةَ الَّتِي بَنَاهَا إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ [﵇] الَّذِي يَزْعم كُلٌّ مِنْ طَائِفَتَيِ النَّصَارَى وَالْيَهُودِ أَنَّهُمْ عَلَى دِينِهِ\n_________\n(^١) «الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح» (٢/ ١٢٥)\n(^٢) «شرح العمدة» (١/ ٢١٤)\n(^٣) «اقتضاء الصراط المستقيم» (٢/ ٣٧٠).\n(^٤) «جامع المسائل» (ص: ١٨٤)","vol":"2","page":1091},{"text":"ومنهجِه، وَلَا يَحجُّون إِلَى الْبَيْتِ الَّذِي بَنَاهُ عَنْ أَمْرِ الله لَهُ فِي ذَلِكَ وَنَادَى النَّاسَ إِلَى حَجِّهِ. وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مُبَارَكًا﴾ أَيْ وُضع مُبَارَكًا ﴿وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾» (^١). اهـ\nوقال الإمام ابن القيم ﵀: «وَكَانَتِ الْأَنْصَارُ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ كَمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَحُجُّهُ دُونَ الْيَهُودِ، فَلَمَّا رَأَى الْأَنْصَارُ رَسُولَ الله ﷺ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى الله ﷿، وَتَأَمَّلُوا أَحْوَالَهُ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُونَ وَالله يَا قَوْمِ أَنَّ هَذَا الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ، فَلَا يَسْبِقُنَّكُمْ إِلَيْهِ» (^٢) اهـ.\nوقال شيخ الإسلام ﵀: \" وَالْمُشْرِكُونَ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ مِنْ الْهِنْدِ وَغَيْرِهِمْ يَحُجُّونَ إلَى آلِهَتِهِمْ كَمَا يَحُجُّونَ إلَى سمناة وَغَيْرِهِ مِنْ آلِهَتِهِمْ، وَكَذَلِكَ النَّصَارَى يَحُجُّونَ إلَى قُمَامَةَ وَبَيْتِ لَحْمٍ وَيَحُجُّونَ إلَى الْقَوْنَة الَّتِي بصيدنايا وَالْقَوْنَة الصُّورَةُ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كَنَائِسِهِمْ الَّتِي بِهَا الصُّوَرُ الَّتِي يُعَظِّمُونَهَا وَيَدْعُونَهَا وَيَسْتَشْفِعُونَ بِهَا. \" (^٣)\nقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀: «\nتَنْبِيهٌ:\nقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾، بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران الآية: ٩٧]، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ كَافِرٌ، وَالله غَنِيٌّ عَنْهُ.\nوَفِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ ﴿أَوْجُهٌ لِلْعُلَمَاءِ.\nالْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ كَفَرَ أَيْ: وَمَنْ جَحَدَ فَرِيضَةَ الْحَجِّ، فَقَدْ كَفَرَ وَالله غَنِيٌّ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. وَيَدُلُّ لِهَذَا الْوَجْهِ مَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَمُجَاهِدٍ مِنْ أَنَّهُمَا قَالَا لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ\n_________\n(^١) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٧٧).\n(^٢) «زاد المعاد» (٣/ ٤٠).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» (٢٧/ ٣٥٥).","vol":"2","page":1092},{"text":"يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران الآية: ٨٥]، قَالَتِ الْيَهُودُ: فَنَحْنُ مُسْلِمُونَ.\nفَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الله فَرَضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَقَالُوا: لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْنَا، وَأَبَوْا أَنْ يَحُجُّوا». قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران الآية: ٩٧].\nالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾، أَيْ: وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ الْبَالِغِ فِي الزَّجْرِ عَنْ تَرْكِ الْحَجِّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ كَقَوْلِهِ لِلْمِقْدَادِ الثَّابِتِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» حِينَ سَأَلَهُ عَنْ قَتْلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْكُفَّارِ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ يَدَهُ فِي الْحَرْبِ: «لَا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْكَلِمَةَ الَّتِي قَالَ».\nالْوَجْهُ الثَّالِثُ: حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَدْ كَفَرَ.\nوَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً، وَلَمْ يَحُجَّ بَيْتَ الله فَلَا يَضُرُّهُ، مَاتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا; وَذَلِكَ بِأَنَّ الله قَالَ: وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ» [آل عمران الآية: ٩٧].\nثم ذكر ﵀ تضعيف الحديث فقال: «رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ، كَمَا نَقَلَهُ عَنْهُمُ ابْنُ كَثِيرٍ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ (^١) ..... وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁ - أَنَّهُ قَالَ: مَنْ\n_________\n(^١) جاء حديث مرفوع «من مات ولم يحج فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا»، وقد استدلال بعض أهل العلم بهذا الحديث على ذلك، وهذا الحديث قد\nجاء عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ الله وَلَمْ يَحُجَّ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَمُوتَ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَذَلِكَ أَنَّ الله يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران الآية: ٩٧]» رواه الترمذي في «جامعه» (٣/ ١٦٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٤٤٣) وغيرهما.\nوقال الترمذي ««هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الوَجْهِ، وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ، وَهِلَالُ بْنُ عَبْدِ الله مَجْهُولٌ، وَالحَارِثُ يُضَعَّفُ فِي الحَدِيثِ»","vol":"2","page":1093},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوالحديث ضعيف جدا إن لم يكن موضوعا: فيه هلال بن عبد الله مولى ربيعة، قال البخاري منكر الحديث، وقال ابن عدي: هو معروف بهذا الحديث، وليس بالمحفوظ. وقال العُقَيْلي: «لا يتابع عليه»، وقال البيهقي «شعب الإيمان (٥/ ٤٤٣) «تَفَرَّدَ بِهِ هِلَالٌ أَبُو هَاشِمٍ مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي إِسْحَاق» اهـ، وقال الحافظ ابن حجر «متروك»، وأيضا فيه الحارث الأعور كَذَّبَهُ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ الْمَدِيَنِيِّ، وقد ضعف الحديث الإمام الألباني ﵀.\nوجاء عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ عَنِ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا» رواه الدارمي في «سننه» (٢/ ١١٢٢)، وأبو يعلى في «مسنده» (١/ ١٩٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٥/ ٤٤٣).\nوهذا حديث ضعيف: فيه لَيْثٌ ابن أبي سليم ضعِيف، وشريك سيءُ الحفظ، وعبد الرحمن لم يسمع من أبي أمامة وهو كثير الإرسال.\nقال الحافظ الذهبي ﵀ في «ميزان الاعتدال» (٣/ ١٦٩): «هذا منكر عن شريك». اهـ\nوقال ابن عدي ﵀ في «الكامل» (٦/ ١٣٨): «وهذان الحديثان عَنْ أبي هلال وشَرِيك، غير محفوظين». اهـ\nوقال العراقي ﵀ في «تحفة التحصيل» (ص: ١٩٧): «عبد الرَّحْمَن بن سابط عَنْ أبي بكر الصّديق قَالَ أَبُو زرْعَة مُرْسل وَعَنْ سعد بن أبي وَقاص وَأبي أمامة وَجَابِر، قَالَ ابْن معِين هُوَ مُرْسل لم يسمع مِنْهُم، قَالَ العلائي أرسل عَنْ النَّبِي ﷺ وَعَنْ أبي بكر ومعاذ وَجَمَاعَة من الصَّحَابَة كثيرا قَالَه فِي التَّهْذِيب وَأثبت لَهُ ابْن أبي حَاتِم السماع من جَابر» اهـ وهو هنا عن أبي أمامة ﵁.\nوقد جاء مرسلا:\nرواه الإمام ابن أبي شيبة ﵀ في «مصنفه «(٣/ ٣٠٥) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ مرسلا: فقال: حَدَّثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَابِطٍ عن رسوله الله ﷺ.\nوكذلك أخرجه الإمام الخلال ﵀ في «السنة» (٥/ ٤٦): فقال: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنِ ابْنِ سَابِطٍ عن رسوله الله صلى الله وسلم.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀ في «التلخيص الحبير» (٢/ ٤٨٦): «لَيْثٌ ضَعِيفٌ، وَشَرِيكٌ سيء الْحِفْظِ، وَقَدْ خَالَفَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فَأَرْسَلَهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ لَهُ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ لَيْثٍ عَنْ ابْنِ سَابِطٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ مَرَضٌ حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ ظَالِمٌ أَوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ …» فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ لَيْثٍ مُرْسَلًا» اهـ.\nفالحديث ضعيف مرفوعًا فيه عدة علل لا يصلح بعضها شواهد ومتابعات لبعض.","vol":"2","page":1094},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=\nوقد جاء موقوفًا عن عمر بن الخطاب ﵁\nرواه الإمام ابن أبي شيبة ﵀ في «مصنفه»: (٣/ ٣٠٦): قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ مُوسِرٌ لَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حَالٍ شَاءَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا»\nوقَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَدِيٍّ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَمٍ، عَنْ عُمَرَ، مِثْلَهُ».\nورواه الإمام الخلال ﵀ في «السنة» (٥/ ٤٥) فقال: حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الله، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: ثنا مَنْصُورٌ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عَرْزَمٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵀: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ مُوسِرٌ وَلَمْ يَحُجَّ، فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا».\nوهذا أثر صحيح إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، وقد صحح الموقوف عدد من الأئمة:\nقال الإمام البيهقي ﵀ في «السنن الكبرى» (٤/ ٥٤٦) «وَهَذَا وَإِنْ كَانَ إِسْنَادُهُ غَيْرَ قَوِيٍّ- أبي المرفوع- فَلَهُ شَاهِدٌ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁» اهـ\nوالذي يظهر أن تلك الطرق ليست محفوظة، ولا تنفع في الشواهد والمتابعات، فهي ضعيفة فيها عدة علل كما تقدم.\nقال الحافظ ابن حجر ﵀ في «التلخيص الحبير» (٢/ ٤٢٦): «وَلَهُ طَرِيقٌ صَحِيحَةٌ؛ إلَّا أَنَّهَا مَوْقُوفَةٌ رَوَاهَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ.\nعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: «لَقَدْ هَمَمْت أَنْ أَبْعَثَ رِجَالًا إلَى هَذِهِ الْأَمْصَارِ، فَيَنْظُرُوا كُلَّ مَنْ لَهُ جَدَّةٌ وَلَمْ يَحُجَّ، فَيَضْرِبُوا عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ، مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ، مَا هُمْ بِمُسْلِمِينَ». لَفْظُ سَعِيدِ، وَلَفْظُ الْبَيْهَقِيّ: أَنَّ عُمَرَ قَالَ: «لِيَمُتْ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا». يَقُولُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، رَجُلٌ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ وَوَجَدَ لِذَلِكَ سَعَةً وَخَلَّيْت سَبِيلَهُ» اهـ\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كما سبق: «وَهُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - ﵁» اهـ\nوقال الحافظ ابن كثير ﵀ في «تفسيره» (٢/ ٧٣): «وَقَدْ رَوَى أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْحَافِظُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَمْرٍو الْأَوْزَاعِيِّ: حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُبَيْدِ الله بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ يَقُولُ: مَنْ أَطَاقَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ، فَسَوَاءٌ عَلَيْهِ يَهُودِيًّا مَاتَ أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَهَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ إِلَى عُمَرَ ﵁». اهـ وأخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٢٥٢).\nوقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ﵀ في «أضواء البيان» (١/ ٢٠٥): «وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ أَطَاقَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ فَسَوَاءٌ مَاتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ الله تَعَالَى». اهـ\nوقال الشيخ الألباني ﵀: «الضعيفة» (١٠/ ١٦٦): «وإنما ثبت ذلك من قول عمر بن الخطاب موقوفًا عليه». اهـ\nالمصدر: بحث هل كان اليهود والنصارى يحجون البيت الحرام - من موقع: أبو حمزة محمد بن حسن السوري.","vol":"2","page":1095},{"text":"أَطَاقَ الْحَجَّ فَلَمْ يَحُجَّ فَسَوَاءٌ مَاتَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَالْعِلْمُ عِنْدَ الله تَعَالَى» (^١) اهـ.\n_________\n(^١) «أضواء البيان» (١/ ٢٠٣).","vol":"2","page":1096},{"text":"<span data-type='title' id=toc-371>تنازع الناس في إسلام من تبقى من أمة موسى وعيسى</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وقد تنازع الناس فيمن تقدم من أمة موسى وعيسى هل هم مسلمون أم لا؟ وهو نزاع لفظي، فإن الإسلام الخاص الذي بعث الله به محمدا -ﷺ-، المتضمن لشريعة القرآن- ليس عليه إلا أمة محمد -ﷺ-، والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا، وأما الإسلام العام، المتناول لكل شريعة بعث الله بها نبيا من الأنبياء- فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء\".\nالشرح\nاختلف العلماء في أمة موسى وعيسى هل هم مسلمون أم لا؟\nوأشار المصنف إلى أن النزاع لفظي، فإن الإسلام يطلق ويقصد به أمران:\nأحدهما: الإسلام الخاص الذي بعث الله به محمدًا -ﷺ-، المتضمن لشريعة القرآن ليس عليه إلا أمة محمد -ﷺ-، والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا.\nوالثاني: الإسلام العام، المتناول لكل شريعة بعث الله بها نبيًّا من الأنبياء، فإنه يتناول إسلام كل أمة متبعة لنبي من الأنبياء.\nوبهذا المعنى العام للإسلام يصح أن يقال: كان هناك دين اسمه الإسلام قبل بعثة النبي محمد ﷺ. فجميع الأنبياء المرسلين مسلمون، وأتباعهم على دينهم الصحيح قبل أن يحرف أن ينسخ هم مسلمون. وكان قبل النبي ﷺ يوجد أفراد قليلون من النصارى على الدين الصحيح الذي بعث الله به عيسى ﵇.","vol":"2","page":1097},{"text":"ويدل لذلك ما ورد عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله ﷺ قال ذات يوم في خطبته: «وإن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك … الحديث» (^١)\nقال النووي ﵀: \"المقت: أشد البغض، والمراد بهذا المقت والنظر ما قبل بعثة رسول الله ﷺ، والمراد ببقايا أهل الكتاب الباقون على التمسك بدينهم الحق من غير تبديل\" اهـ.\nوأما الإسلام بالمعنى الخاص فهو الدين الذي بعث الله به رسوله محمدا ﷺ. وبهذا المعنى الخاص للإسلام لا يصح أن يقال كان هناك دين اسمه الإسلام قبل بعثة النبي محمد ﷺ.\nويرى آخرون: أنّه لم توصف به الأمم السّابقة، وإنّما وصف به الأنبياء فقط، وشرّفت هذه الأمّة بأن وصفت بما وصف به الأنبياء، تشريفًا لها وتكريمًا.\nووجه اختصاص الأمّة المحمّديّة بهذا الاسم \" الإسلام \" هو: أنّ الإسلام اسمٌ للشّريعة المشتملة على العبادات المختصّة بهذه الأمّة، من الصّلوات الخمس، وصوم رمضان، والغسل من الجنابة، والجهاد، ونحوها. وذلك كلّه مع كثيرٍ غيره خاصٍّ بهذه الأمّة، ولم يكتب على غيرها من الأمم، وإنّما كتب على الأنبياء فقط. ويؤكّد هذا المعنى - وهو اختصاص الأمّة المحمّديّة باسم الإسلام - قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج الآية: ٧٨]. فالضّمير (هو) يرجع لإبراهيم ﵇، كما يراه علماء السّلف لسابقيّة قوله في الآية الأخرى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَكَ] ﴿البقرة الآية: ١٢٨]. فدعا بذلك لنفسه ولولده، ثمّ دعا لأمّةٍ من ذرّيّته، وهي هذه الأمّة فقال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ] ﴿البقرة الآية: ١٢٨].\n_________\n(^١) رواه مسلم (٢٨٦٥).","vol":"2","page":1098},{"text":"الآية، وهو سيّدنا محمّدٌ ﷺ فاستجاب اللّه دعاءه، فبعث محمّدًا إليهم، وسمّاهم مسلمين. فاتّفق أئمّة السّلف على أنّ اللّه تعالى لم يذكر أمّةً بالإسلام غير هذه الأمّة، ولم يسمع بأمّةٍ ذكرت به غيرها.\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"ورأس الإسلام مطلقًا شهادة أن لا إله إلا الله، وبها بعث الله جميع الرسل\".\nالشرح\nيتحدث المصنف هنا عن الإسلام العام الذي يشترك فيه جميع الأنبياء والرسل وجميع الرسالات قبل أن يحصل الانحراف والتبديل فدعوة الأنبياء واحدة\nفالإسلام العامّ المتناول لكلّ شريعةٍ بعث اللّه بها نبيًّا، فإنّه إسلام كلّ أمّةٍ متّبعةٍ لنبيٍّ من الأنبياء.\nوعلى هذا الأساس يمكن أن تفهم كلّ الآيات الكريمة الّتي تعرّض فيها القرآن الكريم لهذه الكلمة مستعملةً بالنّسبة للأمم الأخرى:\nإمّا على أنّها تشير إلى المعنى اللّغويّ لمادّة أسلم.\nأو أنّها تشير إلى المعنى المشترك بين الشّرائع السّماويّة كلّها الّذي بعث اللّه به جميع الرّسل، وإليه الإشارة في كثيرٍ من الآيات، ومنها قوله تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كلّ أمّةٍ رسولًا أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطّاغوت﴾ [النحل الآية: ٣٦].\nوتوحيد العبادة هو مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله، فإن معناها أنه لا معبود بحق إلا الله، وبها بعث الله جميع الرسل.","vol":"2","page":1099},{"text":"المتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل الآية: ٣٦].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء الآية: ٢٥].\nوقال تعالى عن الخليل: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ • إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ • وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف الآيات: ٢٦ - ٢٧ - ٢٨].\nوقال تعالى عنه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُم مَا كُنتُمْ تَعْبُدُونَ • أَنتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الأَقْدَمُونَ • فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء الآيات: ٧٥ - ٧٦ - ٧٧].\nوقال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة الآية: ٤].\nوقال تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ [الزخرف الآية: ٤٥].\nوذكر عن رسله: كنوح وهود وصالح وغيرهم أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾.\nوقال عن أهل الكهف: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً • وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لَنْ نَّدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا • هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَّوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِم بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ","vol":"2","page":1100},{"text":"أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الكهف الآيات: ١٣ - ١٤ - ١٥].\nوقد قال ﷾: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء الآية: ٤٨]، ذكر ذلك في موضعين من كتابه.\nوقد بَيَّن في كتابه الشرك بالملائكة، والشرك بالأنبياء، والشرك بالكواكب، والشرك بالأصنام.\nوأصل الشرك، الشرك بالشيطان- فقال عن النصارى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ بْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة الآية: ٣١ [\nوقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى بْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ • مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة الآيات: ١١٦ - ١١٧].\nوقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ • وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران الآيات: ٧٩ - ٨٠]، فبيَّن أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر\".\nالشرح\nيشير المصنف إلى الآيات الدالة على أن رسالة جميع الأنبياء والرسل متفقة على الدعوة إلى عبادة الله وتوحيده والخلوص من الشرك.\nفليس للعبد إلا أن يحقق عبودية الله ﷾، وهذا وحده هو سبيل الكمال وسبيل","vol":"2","page":1101},{"text":"النَّجاة، وهو أساس دعوة الرُّسل.\nفإخلاصُ الدِّين لله هو الدِّين الذي لا يَقبل الله سواه، وهو الذي بَعث به الأَوَّلين والآخرين من الرُّسل، وأنزل به جميع الكتب، واتَّفق عليه أهلُ الإيمان.\nوهذا هو خلاصةُ الدَّعوة النبوية، وهو قُطب القرآن الذي تدور عليه رَحاه (^١).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"ومعلوم أن أحدًا من الخلق لم يزعم أن الأنبياء والأحبار والرهبان أو المسيح ابن مريم شاركوا الله في خلق السموات والأرض، بل ولا زعم أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلهًا مساويًا لله في جميع صفاته، بل عامة المشركين بالله مقرّون بأنه ليس شريكه مثله، بل عامتهم مقرون أن الشريك مملوك له سواء كان ملكًا أو نبيًّا أو كوكبًا أو صنمًا، كما كان مشركو العرب يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، فأهلّ رسول الله -ﷺ- بالتوحيد، فقال: (لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك).\nوقد ذكر أرباب المقالات ما جَمعوا من مقالات الأَوَّلين والآخرين في الملل والنحل والآراء والديانات، فلم ينقلوا عن أحد إثبات شريك مشارك له في خلق جميع المخلوقات، ولا مماثل له في جميع الصفات، بل من أعظم ما نقلوا في ذلك قول الثنوية، الذين يقولون بالأصلين: النور والظلمة، وأن النور خلق الخير، والظلمة خلقت الشر، ثم ذكروا لهم في الظلمة قولين: أحدهما أنها محدثة، فتكون من جملة\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٢/ ٤٨، ٤٩).","vol":"2","page":1102},{"text":"المخلوقات له، والثاني أنها قديمة، لكنها لم تفعل إلا الشر، فكانت ناقصة في ذاتها وصفاتها ومفعولاتها عن النور.\nوقد أخبر الله ﷾ عن المشركين من إقرارهم بأن الله خالق المخلوقات ما بيّنه في كتابه، فقال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر الآية: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون • سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ • قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ • سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ • قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ • سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون الآيات: ٨٤ إلى ٨٩]، إلى قوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون الآية: ٩١]، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ \"] يوسف الآية: ١٠٦].\nالشرح\nبين المصنف أن الخصومة بين الرسل وأقوامهم لم تكن أبدًا في أن الكفار يزعمون أن آلهتهم تخلق أو ترزق، ولم يزعموا أن الأنبياء والأحبار والرهبان أو المسيح بن مريم شاركوا الله في خلق السموات والأرض، بل ولا زعم أحد من الناس أن العالم له صانعان متكافئان في الصفات والأفعال، بل ولا أثبت أحد من بني آدم إلهًا مساويًا لله في جميع صفاته، بل عامة المشركين بالله مقرّون بأنه ليس شريكه مثله، بل عامتهم مقرون أن الشريك مملوك له سواء كان ملكًا أو نبيًا أو كوكبًا أو صنمًا، كما كان مشركو العرب يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكا","vol":"2","page":1103},{"text":"هو لك، تملكه وما ملك.\n- عن ابن عباس ﵄، قال: كان المشركون يقولون: لبيك لا شريك لك، قال: فيقول رسول الله -ﷺ-: «ويلكم، قد قد» فيقولون: إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك، يقولون هذا وهم يطوفون بالبيت» (^١).\nوقد أخبر الله ﷾ عن المشركين إقرارهم بأن الله خالق المخلوقات وهو الذي يرزقهم، ونحو ذلك من أفعال الربوبية.\n- قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس الآية: ٣١].\n- وقال الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر الآية: ٣٨].\n- وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُون * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون الآيات: ٨٤ - ٨٩].\n- وقال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون الآية: ٩١].\n- وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف الآية: ١٠٦].\nفهذه الآيات السابقة تبين أن المشركين كانوا مقرين بأن الله هو الذي يخلق\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الحج باب التلبية وصفتعا ووقتها (٢/ ٨٤٣ رقم ١١٨٥).","vol":"2","page":1104},{"text":"ويرزق ويدبر الأمر، ومع ذلك لم يقبل الله منهم إلا أن يضيفوا إلى ذلك إفراده بالعبادة وهو توحيد الألوهية.\nوالشرك شركان: شركٌ أكبر، وشركٌ أصغر.\nوالشرك الأصغر لا يكون إلا في نوعٍ واحد من أنواع التوحيد، وهو توحيد العبادة؛ فتوحيد العبادة فقط هو الذي فيه أكبر وأصغر.\nأمَّا الشرك في توحيد الربوبية وفي توحيد الأسماء والصفات. هذان ما فيهما أكبر وأصغر، فينبغي كذلك أن يتصور ما هو الشرك الأكبر؟ وما هو الشرك الأصغر؟\nفعلى طالب العلم أن يعلم أن كلام أهل العلم في الشرك الأصغر إنما يقصدون به: الشرك في العبادات وتوحيد الألوهية، ويقولون في تعريفه: كل وسيلةٍ تؤدي إلى الشرك الأكبر ولم تبلغ رُتبة العبادة؛ لأنها متى ما بلغت رتبة العبادة فإن ذلك يَنقلها إلى الشرك الأكبر في توحيد العبادة.\nأمَّا الشرك في توحيد الربوبية وفي توحيد الأسماء والصفات، فليس فيهما أكبر وأصغر، إذ كله أكبر.\nلذلك يقول الإمامُ ابنُ القَيِّم ﵀: «الشِّرك شِركان: شرك يتعلق بذات المَعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله.\nوشِرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه-سبحانه-لا شريكَ له في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله.\nوالشِّرك الأول نوعان:\nأحدهما: شرك التَّعطيل: وهو أقبحُ أنواع الشرك؛ كشرك فرعون إذ قال: ﴿وما رب العالمين﴾ [الشعراء: ٢٣].\nوقال-تعالى-مُخبرًا عنه أنه قال لهامان: ﴿وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحًا لعلي أبلغ","vol":"2","page":1105},{"text":"الأسباب أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبًا﴾ [غافر: ٣٦، ٣٧]، فالشرك والتعطيل متلازمان: فكل مُشرك مُعَطِّل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل يكون المشركُ مقرًّا بالخالق-سبحانه-وصفاته، ولكنه مُعطل حق التوحيد.\nوأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها: هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: تعطيل المصنوع عن صانعه وخالقه.\nالقسم الثاني: تعطيل الصانع-سبحانه-عن كماله المقدس؛ بتعطيل أسمائه وصفاته وأفعاله.\nالقسم الثالث: تعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد.\nومِن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون: ما ثَمَّ خالق ومخلوق ولا هاهنا شيئان، بل الحق المُنَزَّه هو عين الخلق المشبه. ومنه شرك الملاحدة القائلين بقِدم العالم وأبديته، وأنه لم يكن معدومًا أصلًا، بل لم يَزل ولا يزال، والحوادث بأسرها مُستندة عندهم إلى أسباب ووسائط اقتضت إيجادها، ويسمونها بالعقول والنفوس. ومن هذا شرك مَنْ عَطَّل أسماء الرب-تعالى-وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يُثبتوا له اسمًا ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه؛ إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.\nالنوع الثاني: شِرك مَنْ جعل معه إلهًا آخر، ولم يُعَطِّل أسماءه وصفاته وربوبيته؛ كشرك النَّصارى الذين جعلوه ثلاثة، فجعلوا المسيح إلهًا، وأمه إلهًا.\nومِن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشَّرِّ إلى الظلمة.\nومِن هذا شرك القدرية القائلين بأنَّ الحيوان هو الذي يَخلق أفعال نفسه، وأنها","vol":"2","page":1106},{"text":"تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته، ولهذا كانوا من أشباه المجوس.\nومِن هذا شرك الذي حاجَّ إبراهيم في ربِّه؛ ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [البقرة الآية: ٢٥٨].\nفهذا جعل نفسه ندًّا لله؛ يُحيي ويميت بزعمه، كما يُحيي الله ويميت، فألزمه إبراهيم أن طَرْدَ قولِك: أن تقدر على الإتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي بها الله منها، وليس هذا انتقالًا، كما زعم بعض أهل الجدل، بل إلزامًا على طرد الدليل إن كان حقًّا.\nومِن هذا شرك كثير ممن يُشرك بالكواكب العُلويات، ويجعلها أربابًا مُدبرة لأمر هذا العالم، كما هو مذهب مُشركي الصابئة وغيرهم.\nومِن هذا شرك عباد الشمس وعباد النار وغيرهم.\nومِن هؤلاء مَنْ يزعم أنَّ معبوده هو الإله على الحقيقة، ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة، ومنهم مَنْ يزعم أنه إله من جملة الآلهة، وأنه إذا خَصَّه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتنى به، ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يُقربه إلى المعبود الذي هو فوقه، والفوقاني يقربه إلى مَنْ هو فوقه، حتى تُقربه تلك الآلهة إلى الله ﷾، فتارة تكثر الوسائط وتارة تقل.\nوأمَّا الشرك في العبادة فهو أسهل من هذا الشرك، وأخف أمرًا، فإنه يُصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره، ولا ربَّ سواه، ولكن لا يخص الله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظِّ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله مِنْ عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحَظِّه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب، وهذا حال أكثر الناس، وهو الشرك الذي قال فيه النبي -ﷺ- فيما رواه","vol":"2","page":1107},{"text":"ابن حبان في «صحيحه»: «الشِّركُ في هذه الأمة أَخفى مِنْ دَبِيب النمل». قالوا: كيف ننجو منه يا رسول الله؟ قال: قل: «اللهم إني أعوذ بك أن أشركُ بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم» (^١).\nفالرياء كله شرك؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ١١٠].\nأي: كما أنَّه إله واحد، ولا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده، فكما تفَرَّد بالإلهية يجب أن يُفرد بالعبودية؛ فالعمل الصالح هو الخالي من الرِّياء المقيد بالسُّنَّة.\nوكان من دعاء عمر بن الخطاب ﵁: «اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا».\nوهذا الشرك في العبادة يُبطل ثواب العمل، وقد يُعاقب عليه إذا كان العمل واجبًا، فإنه يُنَزِّله منزلة مَنْ لم يعمله، فيُعاقب على ترك الأمر، فإن الله-سبحانه-إنما أمر بعبادته عبادة خالصة؛ قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة الآية: ٥].\nفمن لم يُخلص لله في عبادته لم يفعل ما أمر به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور به، فلا يصح ولا يُقبل منه، ويقول الله: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ فمَن عمل عملًا أشرك معي فيه غيري فهو للذي أشرك به، وأنا منه بريءٌ» (^٢).\nوهذا الشركُ ينقسم إلى مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر، والنوع الأول ينقسم\n_________\n(^١) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (٧١٦)، وأبو يعلى في «مسنده» (١/ ٦٠)، وصححه الألباني في «صحيح الأدب المفرد» (٢٦٦).\n(^٢) رواه بهذا اللفظ ابنُ ماجه (٤٢٠٢) ومسلم (٢٩٨٥) من حديث أبي هريرة ﵁، ولفظ مسلم: «قال الله ﵎: أنا أغنى الشركاء عن الشرك؛ مَنْ عمل عملًا أشرك فيه معي غيري تركتُه وشِرْكَه».","vol":"2","page":1108},{"text":"إلى كبير وأكبر، وليس شيء منه مغفور؛ فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم: أن يحب مخلوقًا كما يحب الله، فهذا من الشرك الذي لا يَغفره الله، وهو الشرك الذي قال سبحانه فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة الآية: ١٦٥]، وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعهم الجحيم: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين﴾ [الشعراء الآيات: ٩٧، ٩٨].\nومعلوم أنهم ما سَوُّوهم به-سبحانه-في الخلق والرِّزق والإماتة والإحياء والمُلك والقدرة، وإنما سوُّوهم به في الحبِّ والتأله والخضوع لهم والتذلل، وهذا غاية الجهل والظلم؛ فكيف يُسَوَّى الترابُ بربِّ الأرباب، وكيف يُسَوَّى العبيد بمالك الرِّقاب، وكيف يسوى الفقير بالذات الضعيف بالذات العاجز بالذات المحتاج بالذات، الذي ليس له مِنْ ذاته إلا العدم؛ بالغني بالذات، القادر بالذات، الذي غِناه وقدرته وملكه وجُوده وإحسانه وعِلمه ورحمته وكماله المطلق التام مِنْ لوازم ذاته؟!\nفأيُّ ظلم أقبح مِنْ هذا؟ وأيُّ حكم أشد جَوْرًا منه؟ حيث عَدَل مَنْ لا عِدْلَ له بخلقه، كما قال تعالى: ﴿الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور * ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ [الأنعام الآية: ١].\nفعدل المشركُ مَنْ خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور، بِمَنْ لا يَملك لنفسه ولا لغيره مِثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض؛ فيَا لَكَ مِنْ عَدْل تَضَمَّن أكبرَ الظُّلْم وأقبحَه» (^١).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وبهذا وغيره يعرف ما وقع من الغلط في مسمى\n_________\n(^١) «الجواب الكافي» (ص ١٢٩ - ١٣٣).","vol":"2","page":1109},{"text":"«التوحيد»، فإن عامة المتكلمين الذين يقرّرون التوحيد في كتب الكلام والنظر- غايتهم أن يجعلوا التوحيد ثلاثة أنواع، فيقولون: هو واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته لا شبيه له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وأشهر الأنواع الثلاثة عندهم هو الثالث: وهو توحيد الأفعال وهو أن خالق العالم واحد، وهم يحتجون على ذلك بما يذكرونه من دلالة التمانع وغيرها، ويظنون أن هذا هو التوحيد المطلوب، وأن هذا هو معنى قولنا: لا إله إلا الله، حتى قد يجعلون معنى الإلهية القدرة على الاختراع\".\nالشرح\nالخلاف في مسألة التوحيد يعود في أصله إلى الخلاف في قضية الإيمان وفي هذا الشأن يبين شيخ الإسلام ابن تيمية أصل هذه المسألة فيقول: «وأصلُ الإيمان: قولُ القلب الذي هو التَّصديق. وعمل القلب الذي هو المحبة على سبيل الخضوع؛ إذ لا مُلائمة لأرواح العباد أتم من ملاءمة إلهها؛ الذي هو الله الذي لا إله إلا هو».\nولذلك كان منهج السلف يقوم على أمرين؛ هما:\n١ - العلم بالله.\n٢ - والعمل لله.\nفجمعوا بذلك بين التصديق العِلمي والعَمل الحُبِّي، وبذلك تميز منهج أهل السنة والجماعة (السلف) عن المناهج الأخرى.\nوحققوا كِلا الأمرين؛ من القول التصديقي المعتمد على معرفة أسماء الله وصفاته وأفعاله الواردة في الكتاب والسنة. والعمل الإرادي، وذلك باتباع الأوامر واجتناب النواهي وفق ما شرعه الله في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ.\nولذلك كان كلامهم وعملهم باطنًا وظاهرًا بعلم، وكان كل واحد من قولهم وعملهم مقرونًا بالآخر، وهؤلاء هم المسلمون حقًّا؛ الذين سَلِموا من آفات منحرفة","vol":"2","page":1110},{"text":"المتكلمة والمتصوفة.\nفوقعت كل طائفة من هاتين الطائفتين المنحرفتين في مفسدتين:\nإحداهما: القول بلا علم إن كان متكلمًا، والعمل بلا علم إن كان متصوفًا.\nوالمفسدة الثانية: فوت المتكلم العمل، وفوت المتصوف القول والكلام (^١).\nوهو ما وقع من البدع الكلامية والعملية المخالفة للكتاب والسنة.\nفالكلاميون: غالب نظرهم وقولهم في الثبوت والانتفاء، والوجود والعدم، والقضايا التصديقية؛ فغايتهم مجرد التصديق والعلم والخبر؛ فاعتنوا بجانب علمي لم يَنْبَنِ على الكتاب والسنة؛ لذلك عَطَّلوا أسماء الله تعالى، وعَطَّلوا صفاتِه ﷿.\nوعندما عَرَّفوا التوحيد؛ قالوا: «واحد في ذاته، وواحد في صفاته، وواحد في أفعاله». وأهملوا جانب توحيد العبادة: «واحد في ذاته» قالوا: «لا شريكَ له». و«واحد في صفاته»: «لا نظير له». و«واحد في أفعاله»: «لا نِدَّ له». فهذا تقسيمهم للتوحيد (^٢)، ويُلاحظ أنه قد خلا في هذه الثلاثة من الجانب العملي، فلا يوجد عمل، ثم إذا تحدثوا عن ذات الله تعالى تحدثوا بالتعطيل؛ فقالوا بما قالوا: «ليس في جهة، ولا في عُلو، ولا في مكان، ولا في حيز» ولا إلى غير ذلك؛ فجعلوه والعدم سواء، وإذا تحدثوا عن صفات الله تعالى تحدثوا عن سبع صفات فقط، وإذا تحدثوا عن أفعال الله تعالى هذا هو الذي سَلِم لهم: «توحيد الربوبية»؛ فلم يَسلم لهم إلا توحيد الربوبية، ونحن نعلم أن كفار قريش كانوا مُقِرِّين بتوحيد الربوبية: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٢/ ٤١) بتصرف.\n(^٢) انظر في ذلك من كتب الأشاعرة: «مجرد مقالات الأشعري» لابن فروك (ص: ٥٥)، ورسالة الحرة للباقلاني - المطبوعة باسم «الإنصاف» - (ص: ٣٣ - ٣٤)، و«الاعتقاد للبيهقي» (ص: ٦٣)، و«شرح أسماء الله الحسنى» للقشيري (ص: ٢١٥)، و«الشامل» (ص: ٣٤٥ - ٣٤٨)، و«الإرشاد» (ص: ٥٢)، و«لمع الأدلة» (ص: ٨٦)، و«إحياء علوم الدين» (١/ ٣٣)، و«الاقتصاد في الاعتقاد» (ص: ٤٩)، و«نهاية الإقدام» (ص: ٩٠) «المِلل والنِّحَل» للشهرستاني (١/ ٤٢). وغيرها.","vol":"2","page":1111},{"text":"خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨]؛ فهذا حاصل توحيد هؤلاء.\nوأمَّا الصُّوفيون: فغالب طلبهم وعملهم في المحبة والبغضة، والإرادة والكراهة، والحركات العملية؛ فاعتنوا بجانب العمل، وأهملوا جانب العلم، وكذلك عملهم لم ينبنِ على السنة، وإنَّما انبنى على البدعة؛ إذ غايتهم المحبة والانقياد والعمل والإرادة.\nوهكذا إذا جئنا إلى أهل التصوف لم نجد عندهم من حقيقة التوحيد شيء.\nأمَّا توحيدُ أهل السُّنَّة فيقوم على هذين الأصلين العظيمين: أن تَعرف اللهَ، وذاك بمعرفة أسمائه وصفاته التي وردت في الكتاب والسُّنَّة. وأن تعبد الله، وهذا باتِّباع شرع الله ﷿ على لسان رسوله -ﷺ-.\nفالتوحيد الذي يقرره أهل السنة يقوم على معرفة أسماء الله وصفاته، الإقرار بربوبيته وإفراده بالعبادة، فلا بد من هذه الأمور مجتمعة، فلا يتم توحيد العبد حتى يكون مؤمنًا بأسماء الله تعالى وصفاته، مؤمنًا بربوبيته ومفردًا له بالعبادة والألوهية.\nأما التوحيد الذي عند الأشاعرة (^١) -على سبيل المثال-فهو منحصر في مسألة\n_________\n(^١) الأشاعرة يخالفون أهل السنة في الكثير من مسائل الاعتقاد.\nومنها على سبيل المثال:\n١ - أن مصدر التلقي عندهم في قضايا الإلهيات (أي التوحيد) والنبوات هو العقل وحده، فهم يقسمون أبواب العقيدة إلى ثلاثة أبواب: إلهيات، نبوات، سمعيات، ويقصدون بالسمعيات ما يتعلق بمسائل اليوم الآخر من البعث والحشر والجنة والنار وغير ذلك.\nوسموها سمعيات لأن مصدرها عندهم النصوص الشرعية وأما ما عداها أي الإلهيات والنبوات فمصدرهم فيها العقل.\n٢ - زعمهم أن الإيمان هو مجرد التصديق، فأخرجوا العمل من مسمى الإيمان.\n٣ - بناءً على تعريفهم للإيمان فقد أخرجوا توحيد الألوهية من تقسيمهم للتوحيد، فالتوحيد عندهم هو أن الله واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في أفعاله لا شريك له، وواحد في صفاته لا نظير له. وهذا التعريف خلا من الإشارة إلى توحيد الألوهية، فلذلك فإن أي مجتمع أشعري تجد فيه توحيد الإلهية مختلًا، وسوق الشرك والبدعة رائجة لأن الناس لم يعلّموا أن الله واحد في عبادته لا شريك له.\n٤ - وبناءً كذلك على تعريفهم للإيمان فقد أخرجوا الاتباع من تعريفهم للإيمان بالنبي ﷺ فحصروا الإيمان بالنبي في الأمور التصديقية فقط، ومن أجل ذلك انتشرت البدع في المجتمعات الأشعرية.\n٥ - خالفوا أهل السنة في أسماء الله وصفاته.\n٦ - خالفوا أهل السنة في باب القدر، فقولهم موافق لقول الجبرية.\n٧ - خالفوا أهل السنة في مسألة رؤية الله من جهة كونهم يقولون يرى لا في مكان.\n٨ - خالفوا أهل السنة في مسألة الكلام، فهم لا يثبتون صفة الكلام على حقيقتها بل يقولون بالكلام النفسي. إلى غير ذلك من أنواع المخالفات.","vol":"2","page":1112},{"text":"واحدة وهي قضية الربوبية، فيعرفون التوحيد بقولهم: إن الله واحد في ذاته لا شريك له، وواحد في أفعاله لا ند له، وواحد في صفاته لا نظير له فقولهم: واحد في ذاته؛ فهذا إذا نظرت فيه وتأملت فيه تجد فيه إنكار لأن يكون لله وجودًا يتميز به عن غيره، فهم يحشون هذا الجانب بمسائل إنكار الجهة وإنكار الحيز وإنكار المكان إلى غير ذلك من النفي الذي لو جئت تتأمل فيه تجد أنهم لا يثبتون لله وجودًا يتميز به عن غيره، فإذا كان قائلهم يقول: لا داخل العالم ولا خارجه ولا فوقه ولا تحته ولا مباينًا له ولا محايدًا له (^١). وهذا وصف المعدوم، فهذا حقيقة قولهم \"واحد في ذاته\".\nوأما قولهم \"واحد في أفعاله\" فهذا الذي يسلم لهم من التوحيد، وهذا القدر الموجود عندهم وهو الإقرار بربوبيته.\nوأما واحد في صفاته فهو عند المتأخرين سبع صفات وإن أوصلوها إلى عشرين صفة وهو عدد زائف لا يخلص منه إلا هذه السبع التي ذكروها وإن كان في إثبات صفة الكلام مخالفة للحق.\nأما توحيد الألوهية فلا ذكر له، ولذلك انظر إلى أي مجتمع أشعري أو ماتريدي تجد أن الشرك قد تفشى فيه.\n_________\n(^١) انظر كتاب درء تعارض العقل والنقل الجزء الخامس صفحة (١٢٨).","vol":"2","page":1113},{"text":"إذًا أي توحيد هذا الذي يقرر ويعلم، وفي الوقت نفسه تجد معالم الشرك موجودة ومنتشرة، ولا تجد من يردع ذلك حتى بين بعض علمائهم، وليس الأمر مقتصرًا على جهالهم، لو كان الأمر مقتصرًا على جهالهم لقلنا هذا لجهلهم، ولكن حتى علماؤهم يَدْعون إلى هذا الشرك ولا يرون فيه مخالفةً أو مناقضةً للتوحيد.\nفإذًا فرقٌ بين توحيد أهل السنة وتوحيد الأشاعرة؛ فإن توحيد أهل السنة يعني إفراد الله بأسمائه وصفاته كلها وإفراد الله بربوبيته وإفراد الله بعبادته، فلا يتم توحيد العبد حتى يوحد الله في هذه الأمور مجتمعة، ولذلك تجد أن أهل السنة أبعد الناس عن الشرك ومظاهره حتى عند عوامِّهم، تجد أن العامِّي يعرف أن فعل هذه الأمور يؤدي إلى الشرك ولذلك تختفي معالم الشرك متى ما وجد اعتقاد أهل السنة.\nقال ابن تيمية ﵀: \"وأما التوحيد الذي ذكر الله في كتابه، وأنزل به كتبه، وبعث به رسله، واتفق عليه المسلمون من كل ملة، فهو كما قال الأئمة: شهادة أن لا إله إلا الله، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، كما بين ذلك بقوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة، الآية: ١٦٣]. فأخبر أن الإله إله واحد لا يجوز أن يتخذ إلهًا غيره، فلا يعبد إلا إياه، كما قال في السورة الأخرى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل، الآية: ٥١]. وكما قال: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾ إلى: ﴿فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء، الآيات: ٢٢ - ٣٩].\nوكما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر، الآيات: ١ - ٣].\nوكما قال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان، الآية: ٦٨].\nوالشرك الذي ذكره الله في كتابه، إنما هو عبادة غيره من المخلوقات كعبادة الملائكة أو الكواكب أو الشمس أو القمر أو الأنبياء أو تماثيلهم أو قبورهم، أو","vol":"2","page":1114},{"text":"غيرهم من الآدميين، ونحو ذلك مما هو كثير في هؤلاء الجهمية ونحوهم ممن يزعم أنه محقق في التوحيد، وهو من أعظم الناس إشراكًا\" (^١).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"ومعلوم أن المشركين من العرب الذين بُعث إليهم محمد -ﷺ- أولا- لم يكونوا يخالفونه في هذا، بل كانوا يقرّون بأن الله خالق كل شيء، حتى إنهم كانوا مقرين بالقدر أيضا، وهم مع هذا مشركون\".\nالشرح\nيناقش المصنف تعريف المتكلمين للتوحيد بشكل مفصل ويبين غلطهم في ذلك التعريف على وجه التفصيل، فأهل الكلام يحصرون التوحيد في الأمور الثلاثة التي سبق ذكرها، ومن هذه الثلاثة قولهم \"واحد في أفعاله لا شريك له\"\nقال ابن تيمية ﵀: \"هذا المعنى من معاني التوحيد -عند هؤلاء الأشعرية، كالقاضي أبي بكر (٤) وغيره- هو أنه سبحانه لا شريك له في الملك، بل هو رب كل شيء، وهذا معنى صحيح، وهو حق، وهو أجود ما اعتصموا به من الإسلام في أصولهم، حيث اعترفوا فيها بأن الله خالق كل شيء ومربه، ومدبره.\nوالمعتزلة وغيرهم يخالفون في ذلك، حيث يجعلون بعض المخلوقات لم يخلقها الله ولم يحدثها، لكن مع هذا قد ردوا قولهم ببدع غلوا فيها، وأنكروا ما خلقه الله من الأسباب، وأنكروا ما نطق به الكتاب والسنة من أن الله يخلق الأشياء بعضها ببعض، وغير ذلك مما ليس هذا موضعه. \" (^٢)\n_________\n(^١) التسعينية ٣/ ٧٩٧.\n(^٢) التسعينية ٣/ ٧٩٦.","vol":"2","page":1115},{"text":"ومعلوم أن هذا القدر من التوحيد يقر به المشركون كما تقدم ذكره مما دلت عليه النصوص الشرعية من أن مشركي العرب كانوا يقرون بتوحيد الربوبية وتوحيد الربوبية هو أحد أنواع التوحيد الثلاثة؛ ولذا فإنه لا يصح إيمان أحد، ولا يتحقق توحيده إلا إذا وحد الله في ربوبيته، لكن هذا النوع من التوحيد ليس هو الغاية من بعثة الرسل ﵈، ولا ينجي وحده من عذاب الله ما لم يأت العبد بلازمه توحيد الألوهية.\nولذا يقول الله تعالى﴾: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]، والمعنى أي: ما يقر أكثرهم بالله ربًا وخالقًا ورازقًا ومدبرًا- وكل ذلك من توحيد الربوبية - إلا وهم مشركون معه في عبادته غيره من الأوثان والأصنام التي لا تضر ولا تنفع، ولا تعطي ولا تمنع.\nوبهذا المعنى للآية قال المفسرون من الصحابة والتابعين.\nقال ابن عباس ﵄: \"من إيمانهم إذا قيل لهم من خلق السماء؟ ومن خلق الأرض؟ ومن خلق الجبال؟ قالوا: الله، وهم مشركون\".\nوقال عِكْرِمَة: \"تسألهم من خلقهم، ومن خلق السماوات والأرض، فيقولون الله، فذلك إيمانهم بالله، وهم يعبدون غيره\".\nوقال مجاهد: \"إيمانهم قولهم: الله خالقنا، ويرزقنا، ويميتنا، فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره\".\nوقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم بن زيد: (ليس أحد يعبد مع الله غيره إلا وهو مؤمن بالله، ويعرف أن الله ربُّه، وأنَّ الله خالقُه ورازقُه، وهو يشرك به، ألا ترى كيف قال إبراهيم: قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ الشعراء:] ٧٥ - ٧٧. (^١) \" [\n_________\n(^١) «تفسير ابن جرير» (١٦/ ٢٨٩).","vol":"2","page":1116},{"text":"والنصوص عن السلف في هذا المعنى كثيرة، بل لقد كان المشركون زمن النبي ﷺ مقرين بالله ربًا خالقًا رازقًا مدبرًا، وكان شركهم به من جهة العبادة حيث اتخذوا الأنداد والشركاء، يدعونهم، ويستغيثون بهم، وينزلون بهم حاجاتهم وطلباتهم.\nوقد دل القرآن الكريم في مواطن عديدة منه على إقرار المشركين بربوبية الله مع إشراكهم به في العبادة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [العنكبوت الآية: ٦١]، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت الآية: ٦٣]، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [الزخرف الآية: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون الآيات: ٨٤ - ٨٩].\nفلم يكن المشركون يعتقدون أن الأصنام هي التي تنزل الغيث وترزق العالم وتدبر شؤونه، بل كانوا يعتقدون أن ذلك من خصائص الرب سبحانه، ويقرون أن أوثانهم التي يدعون من دون الله مخلوقة لا تملك لأنفسها ولا لعابديها ضرًا ولا نفعًا استقلالًا، ولا موتًا، ولا حياة، ولا نشورًا، ولا تسمع، ولا تبصر، ويقرون أن الله هو المتفرد بذلك لا شريك له، ليس إليهم ولا إلى أوثانهم شيء من ذلك، وأنه سبحانه الخالق وما عداه مخلوق، والرب وما عداه مربوب، غير أنهم جعلوا له من خلقه شركاء ووسائط، يشفعون لهم بزعمهم عند الله، ويقربونهم إليه زلفى؛ ولذا قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر الآية: ٣]، أي ليشفعوا لهم عند الله في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمر الدنيا.","vol":"2","page":1117},{"text":"ومع هذا الإقرار العام من المشركين لله بالربوبية إلا أنه لم يدخلهم في الإسلام، بل حكم الله فيهم بأنهم مشركون كافرون، وتوعدهم بالنار والخلود فيها، واستباح رسوله ﷺ دماءهم وأموالهم لكونهم لم يحققوا لازم توحيد الربوبية وهو توحيد الله في العبادة.\nوبهذا يتبين أن الإقرار بتوحيد الربوبية وحده دون الإتيان بلازمه توحيد الألوهية لا يكفي ولا ينجي من عذاب الله، بل هو حجة بالغة على الإنسان تقتضي إخلاص الدين لله وحده لا شريك له، وتستلزم إفراد الله وحده بالعبادة. فإذا لم يأت بذلك فهو كافر حلال الدم والمال\" (^١).\nوهذا التوحيد - أي توحيد الربوبية - لا يكفي العبد في حصول الإسلام بل لا بد أن يأتي مع ذلك بلازمه من توحيد الألوهية لأن الله تعالى حكى عن المشركين أنهم مقرون بهذا التوحيد لله وحده قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس الآية: ٣١ [وقال تعالى﴾: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف الآية: ٨٧ [وقال: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [العنكبوت الآية: ٦٣ [وقال تعالى﴾: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ [النمل الآية: ٦٢ [فهم كانوا يعلمون أن جميع ذلك لله وحده ولم يكونوا بذلك مسلمين بل قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف الآية: ١٠٦ [قال مجاهد: في الآية: إيمانهم بالله قولهم: الله [خالقنا] ويرزقنا ويميتنا فهذا إيمان مع شرك عبادتهم غيره رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وعن ابن عباس وعطاء والضحاك نحو ذلك، فتبين أن الكفار يعرفون الله ويعرفون ربوبيته وملكه وقهره وكانوا مع ذلك يعبدونه ويخلصون\n_________\n(^١) المصدر: أصول الإيمان في ضوء الكتاب والسنة لنخبة من العلماء ص ١٥:","vol":"2","page":1118},{"text":"له أنواعا من العبادات كالحج والصدقة والذبح والنذر والدعاء وقت الاضطرار ونحو ذلك ويدَّعون أنهم على ملة إبراهيم ﵇ فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران الآية: ٦٧ [وبعضهم يؤمن بالبعث والحساب وبعضهم يؤمن بالقدر كما قال زهير:\nيؤخر فيوضع في كتاب فيدخر … ليوم الحساب أو يعجل فينقم\nوقال عنترة:\nيا عبل أين من المنية مهرب … إن كان ربي في السماء قضاها\nومثل هذا يوجد في أشعارهم فوجب على كل من عقل عن الله تعالى أن ينظر ويبحث عن السبب الذي أوجب سفك دمائهم وسبي نسائهم وإباحة أموالهم مع هذا الإقرار والمعرفة وما ذاك إلا لإشراكهم في توحيد العبادة الذي هو معنى لا إله إلا الله (^١).\nقال ابن القيم: \"فما كان له سبحانه فهو متعلق بألوهيته وما كان به فهو متعلق بربوبيته وما تعلق بألوهيته أشرف مما تعلق بربوبيته ولذلك كان توحيد الألوهية هو المنجي من الشرك دون توحيد الربوبية بمجرده، فإن عباد الأصنام كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء وربه ومليكه ولكن لما لم يأتوا بتوحيد الألوهية وهو عبادته وحده لا شريك له لم ينفعهم توحيد ربوبيته\" (^٢) (٤)\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وقد تبين أن ليس في العالم من ينازع في أصل هذا الشرك، ولكن غاية ما يقال: إن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقا لغير\n_________\n(^١) المصدر: تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد لسليمان بن عبد الله آل الشيخ - ص ١٧.\n(^٢) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين لمحمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية - ص ٣٥.","vol":"2","page":1119},{"text":"الله، كالقدرية وغيرهم، لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم، وإن قالوا: إنهم خالقوا أفعالهم.\nوكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور، فهم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات مصنوعة مخلوقة، لا يقولون إنها غنيّة عن الخالق، مشاركة له في الخلق.\nفأما من أنكر الصانع فذلك جاحد معطِّل للصانع، كالقول الذي أظهره فرعون، والكلام الآن مع المشركين بالله المقرِّين بوجوده، فإذًا هذا التوحيد الذي قرروه لا ينازعهم فيه هؤلاء المشركون، بل يقرون به مع أنهم مشركون، كما ثبت بالكتاب والسنة والإجماع، وكما علم بالاضطرار من دين الإسلام\".\nالشرح\nالمصنف يتكلم عن نوع من أنواع الشرك كما سيأتي بيانه ومما ينبغي معرفته أن الشرك في أصل تقسيمه ينقسم إلى قسمين:\nالقسم الأول: شرك يتعلق بذات المعبود، أي: ما يتعلق بأفعاله وأسمائه وصفاته.\nالقسم الثاني: شرك يتعلق بعبادته ﷾.\nثم الشرك الذي يتعلق بذات الخالق﷾نوعان:\nالنوع الأول: شرك تمثيل.\nالنوع الثاني: شرك تعطيل.\nففي توحيد الربوبية شركان، وفي توحيد الأسماء والصفات-كذلك-شركان.\nفلذلك ضدُّ التوحيد: الشرك، والشرك-كما قلنا-: شركٌ في الربوبية وشرك في الأسماء والصفات وشرك في الألوهية.","vol":"2","page":1120},{"text":"أما الذي في الربوبية وفي الأسماء والصفات، فهو ينقسم إلى قسمين: شرك في التمثيل، وشرك في التعطيل.\nفالربوبية-مثلًا-الشرك فيها شركان:\nالأول: شرك التمثيل.\nوهذا النوع هو ما قصده المصنف هنا بقوله: ولكن غاية ما يقال: إن من الناس من جعل بعض الموجودات خلقا لغير الله\"\nوتعريفه هو:\nأن يَصرف فعلًا من أفعال الله تعالى لغير الله، مع جعل هذا الفعل لله تعالى؛ كالذي يعتقد أن الله يرزق وصاحب القبر يرزق، أو أن لله قدرة وأنَّ للكواكب قدرة؛ فهذا نسميه شِركًا في الربوبية.\nفمثلًا الذين يعتقدون أن للنجوم وللكواكب تأثيرًا في مجريات الأحداث بالكون، فإن هؤلاء أشركوا شركَ تمثيلٍ في الربوبية؛ لأنهم جعلوا مع الله مُماثلًا في هذا الفعل؛ فاعتقدوا أن الله يؤثر في الكون وأن الكواكب تؤثر كذلك.\nوكالذي يقع فيه بعضُ عُبَّادِ القبور الذين يعتقدون أن صاحب القبر يستطيع أن ينفع وأن يَضر بنفسه، وأنه يرزق بنفسه، وأنه يأتي بالولد بنفسه، وهكذا، فهذا نسميه شركَ التمثيل.\nوالمصنف هنا أشار لبعض الأمثلة على هذا النوع من الشرك:\nالمثال الأول: قوله: \" كالقدرية وغيرهم، لكن هؤلاء يقرون بأن الله خالق العباد وخالق قدرتهم، وإن قالوا: إنهم خالقوا أفعالهم\".\nالمثال الثاني: قوله: \"وكذلك أهل الفلسفة والطبع والنجوم الذين يجعلون بعض المخلوقات مبدعة لبعض الأمور، فهم مع الإقرار بالصانع يجعلون هذه الفاعلات","vol":"2","page":1121},{"text":"مصنوعة مخلوقة، لا يقولون إنها غنيّة عن الخالق، مشاركة له في الخلق\".\nولمزيد من التوضيح لهذا النوع من الشرك يقول ابن القيم: \"حقيقة الشرك هو:\n١ - التشبه بالخالق.\n٢ - التشبيه للمخلوق به.\nهذا هو التشبيه في الحقيقة\" (^١).\nوإذا كان التشبيه هو حقيقة الشرك كما ذكر ابن القيم، فإنه يمكن توضيح صوره بناءً على أقسام التوحيد الثلاثة المعروفة وذلك على النحو التالي:\n\n<span data-type='title' id=toc-372>أولًا: التمثيل في جانب الربوبية</span>\nوينقسم إلى قسمين:\n\n<span data-type='title' id=toc-373>القسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومثاله:</span>\n١ - شرك القدرية القائلين بأن العبد هو الذي يخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته.\n٢ - شرك غلاة عباد القبور الذين يعتقدون في أصحاب القبور أنهم يتصرفون وينفعون ويضرون من دون الله.\nولا شك أن من خصائص الرب التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع، وذلك يوجب تعليق الدعاء، والخوف، والرجاء، والتوكل به وحده. فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وجعل ما لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا، -فضلًا عن غيره-شبيهًا لمن له الأمر كله، فأزمة الأمور كلها بيده، ومرجعها إليه، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، لا مانع لما أعطى، ولا معطي\n_________\n(^١) الجواب الكافي (١٥٩).","vol":"2","page":1122},{"text":"لما منع.\nفمن أقبح التشبيه: تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات، بالقادر الغني بالذات (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-374>القسم الثاني: التشبه بالخالق، ومن أمثلته:</span>\n١ - من تعاظم وتكبر ودعا الناس إلى إطرائه في المدح والتعظيم (^٢).\nففي الصحيح عنه ﵁ قال: \"يقول الله ﷿: العظمة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني واحدًا منهما عذبته\".\n\n<span data-type='title' id=toc-375>ثانيًا: التمثيل في جانب الألوهية.</span>\nوينقسم إلى قسمين:\n\n<span data-type='title' id=toc-376>القسم الأول: التشبيه للمخلوق به، ومن أمثلة ذلك:</span>\nالسجود لغير الله، والذبح لغير الله، والتوبة لغير الله، والحلف بغير الله.\nفمن خصائص الإلهية، العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما:\n١ - غاية الحب\n٢ - مع غاية الذل\nهذا تمام العبودية، وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الأصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه في خالص حقه.\nفإذا عرف هذا، فمن خصائص الإلهية السجود، فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به.\n_________\n(^١) الجواب الكافي (ص ١٥٩ - ١٦٠).\n(^٢) المصدر السابق (ص ١٦١).","vol":"2","page":1123},{"text":"ومنها التوكل، فمن توكل على غيره فقد شبهه به.\nومنها التوبة، فمن تاب لغيره فقد شبهه به.\nومنها الحلف باسمه تعظيمًا وإجلالًا له، فمن حلف بغيره فقد شبهه به (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-377>القسم الثاني: التشبه به، ومثاله:</span>\nمن دعا الناس إلى تعليق القلب به خوفًا، ورجاءً، وتوكلًا، والتجاءً، واستعانةً (^٢)، كما يفعله بعض مشايخ طرق الصوفية مع مريديهم.\nأقسام التمثيل في باب الأسماء والصفات:\nينقسم التمثيل في باب الأسماء والصفات إلى قسمين:\nالقسم الأول: تمثيل المخلوق بالخالق.\nوهذا ما زعمه النصارى في شأن عيسى ﵇ إذ أعطوه خصائص الخالق ﷿ وجعلوه إلهًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والنصارى يصفون المخلوق بصفات الخالق التي يختص بها، ويشبهون المخلوق بالخالق، حيث قالوا: إن الله هو المسيح بن مريم، وإن الله ثالث ثلاثة، وقالوا المسيح ابن الله\" (^٣).\nومن هذا القسم كذلك السبيئة (^٤) من غلاة الروافض: الذين شبهوا عليًا ﵁ بالله، وجعلوه إلهًا، وقالوا: أنت الله حتى حرقهم، فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له.\n_________\n(^١) انظر الجواب الكافي (ص ١٦٠ - ١٦١).\n(^٢) المصدر السابق (ص ١٦١).\n(^٣) منهاج السنة (٥/ ١٦٩).\n(^٤) السبيئة: نسبة إلى عبد الله بن سبأ اليهودي، الذي أظهر الإسلام، وكاد للمسلمين كيدًا عظيمًا، وهو الذي قال لعلي: أنت الله. انظر: الفرق بين الفرق (ص ٢٣٣)، والملل والنحل (١/ ١٧٤).","vol":"2","page":1124},{"text":"فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت الله الذي لا إله إلا هو.\nفقال: ويحكم هذا كفر، فارجعوا عنه، وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام -لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام-فلما لم يرجعوا، أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كندة، وقذفهم في تلك النار، وروي عنه أنه قال:\nلما رأيت الأمر أمرًا منكرًا … أججت ناري ودعوت قنبرًا\" (^١)\nالقسم الثاني: تشبيه الخالق بالمخلوق\nوهذا ما زعمه اليهود قاتلهم الله إذ وصفوا الخالق ببعض صفات المخلوقين، كما ذكر الله ذلك عنهم في كتابه العزيز حيث قال: ﴿لَّقَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران الآية: ١٨١]، وقال تعالى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة الآية: ٦٤].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"فاليهود تصف الرب بصفات النقص التي يتصف بها المخلوق، كما قالوا: إنه بخيل، وإنه فقير، وإنه لما خلق السموات والأرض تعب\" (^٢).\nوإنّه رمد وعادته الملائكة وإنّه بكى على طوفان نوح ﵇ (^٣).\nويدخل في هذا القسم المشبهة الذين جعلوا ما ورد من صفات الله جل وعلا مماثلًا ومشابهًا لصفات المخلوقين كقولهم له يد كيدي، وسمع كسمعي، وبصر كبصري.\n_________\n(^١) منهاج السنة (١/ ٣٠٧).\n(^٢) منهاج السنة (٥/ ١٦٨).\n(^٣) منهاج السنة (٢/ ٦٢٧).","vol":"2","page":1125},{"text":"هذا ما يتعلق ببيان هذا النوع من الشرك الذي هو شرك التمثيل.\nوأما ما يتعلق بشرك التعطيل، فهذا النوع هو الذي أشار له المصنف بقوله: \"فأما من أنكر الصانع فذلك جاحد معطِّل للصانع، كالقول الذي أظهره فرعون\".\nفالنوع الثاني: وهو شرك تعطيل:\nفتعريفه:\n١ - أن يَجحد الخالق ﷾ وهو أن ينكر جميع أفعال الخالق، وهذا الذي نسمِّيه: الملحد.\n٢ - أو أن يُعَطِّل أفعاله إمَّا تعطيلًا كليًّا، وإمَّا تعطيلًا جزئيًّا، فهناك مَنْ يعطِّل بعض أفعال الخالق؛ كالذي يُنكر قدرة الله تعالى في فِعل العبد، فقدرة الله فِعْلٌ من أفعاله، فإذا أنكره يكون بذلك معطِّلًا لهذا الفعل من أفعاله؛ لذلك فالتعطيل إمَّا أن يكون تعطيلًا كليًّا، وإمَّا أن يكون تعطيلًا جزئيًا.\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وكذلك النوع الثاني، وهو قولهم: لا شبيه له في صفاته، فإنه ليس في الأمم من أثبت قديما مماثلا له في ذاته سواء قال: إنه مشاركه، أو قال: إنه لا فعل له، بل من شبّه به شيئا من مخلوقاته فإنما يشبّهه به في بعض الأمور.\nوقد عُلم بالعقل امتناع أن يكون له مِثْلٌ في المخلوقات، يشاركه فيما يجب أو يجوز أو يمتنع، فإن ذلك يستلزم الجمع بين النقيضين كما تقدم، وعلم أيضا بالعقل أن كل موجودَيْن قائمين بأنفسهما فلا بدّ بينهما من قدر مشترك، كاتفاقهما في مسمى «الوجود» و«القيام بالنفس» و«الذات» ونحو ذلك، وأن نفي ذلك يقتضي التعطيل المحض، وأنه لا بدّ من إثبات خصائص الربوبية. وقد تقدم الكلام على ذلك.","vol":"2","page":1126},{"text":"ثم إن الجهمية من المعتزلة وغيرهم أدرجوا نفي الصفات في مسمى «التوحيد»، فصار من قال: إن لله علما أو قدرة، أو إنه يُرى في الآخرة، أو إن القرآن كلام الله منزّل غير مخلوق- يقولون: إنه مشبِّه ليس بموحد.\nوزاد عليهم غلاة الجهمية والفلاسفة والقرامطة فنفوا أسماءه الحسنى، وقالوا: من قال: إن الله عليم قدير عزيز حكيم، فهو مشبِّه ليس بموحد.\nوزاد غلاة الغلاة، وقالوا: لا يوصف بالنفي ولا الإثبات، لأن في كل منهما تشبيها له.\nوهؤلاء كلهم وقعوا من جنس التشبيه فيما هو شر ممّا فروا منه، فإنهم شبّهوه بالممتنعات والمعدومات والجمادات فرارا من تشبيههم- بزعمهم- له بالأحياء.\nومعلوم أن هذه الصفات الثابتة لله لا تثبت له على حد ما يثبت لمخلوق أصلًا، وهو ﷾ ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فلا فرق بين إثبات الذات وإثبات الصفات، فإذا لم يكن في إثبات الذات إثبات مماثلة للذوات لم يكن في إثبات الصفات إثبات مماثلة له في ذلك. فصار هؤلاء الجهمية المعطلة يجعلون هذا توحيدا، ويجعلون مقابل ذلك التشبيه، ويسمون نفوسهم «الموحِّدين».\nالشرح\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"من معاني الواحد عندهم-أي المتكلمين-هو الذي لا شبيه له، وهذه الكلمة أقرب إلى الإسلام، لكن أجملوها فجعلوا نفي الصفات أو بعضها داخلًا في نفي التشبيه، واضطربوا في ذلك على درجات لا تنضبط، والمعتزلة تزعم: أن نفي العلم والقدرة وغير ذلك من التوحيد ونفي التشبيه والتجسيم.","vol":"2","page":1127},{"text":"والصفاتية تقول: ليس ذلك من التوحيد ونفي التجسيم والتشبيه، ثم هؤلاء مضطربون فيما ينفونه من ذلك، لكن أولئك على أن ما نفوه من [التشبيه وما نفوه من] المعنى الذي سموه تجسيمًا هو التوحيد الذي لا يتم الدين إلا به، وهو أصل الدين عندهم.\nوكل من سمع ما جاءت به الرسل يعلم بالاضطرار أن هذه الأمور ليست مما بعث الله به رسوله، ولم يكن الرسول يعلم أمته هذه، الأمور، ولا كان أصحاب رسول الله - ﷺ - عليها، فكيف يكون هذا التوحيد الذي هو أصل الدين لم يدع إليه رسول الله - ﷺ - والصحابة والتابعون؟ بل يعلم بالاضطرار أن الذي جاء به الرسول من الكتاب والسنة يخالف هذا المعنى الذي سماه هؤلاء الجهمية توحيدًا.\nولهذا ما زال سلف الأمة وأئمتها ينكرون ذلك، كما روى الشيخ أبو عبد الرحمن محمد بن الحسين السلمي، في ذم الكلام قال: \"سمعت عبد الرحمن بن جابر السلمي قال: سمعت محمد بن عقيل بن الأزهر الفقيه يقول: جاء رجل إلى المزني فسأله عن شيء من الكلام، فقال: إني أكره هذا، بل أنهى عنه كما نهى عنه الشافعي، ولقد سمعت الشافعي يقول: سئل مالك عن الكلام في التوحيد. قال مالك: محال أن يظن بالنبي - ﷺ - أنه علم أمته الاستنجاء، ولم يعلمهم التوحيد، فالتوحيد ما قاله النبي - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلّا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله\" (^١) [فما] عصم به\n_________\n(^١) الحديث بهذا اللفظ رواه الترمذي عن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أمرت …\nسنن الترمذي ٥/ ٤٣٩ كتاب تفسير القرآن- باب ٧٨ - تفسير سورة الغاشية - الحديث/ ٣٣٤١.\nوأخرجه البخاري مع اختلاف في الألفاظ في كتاب الإيمان- باب: فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم-\".\nوفي كتاب \"الاعتصام بالكتاب والسنة\" باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ - ٨/ ١٦٢.\nومسلم -كتاب الإيمان- باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلّا الله محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة .. ١/ ٥١ - ٥٣ - الأحاديث/ ٣٢ - ٣٦. \"","vol":"2","page":1128},{"text":"الدم والمال فهو حقيقة التوحيد.\nوقد روى ذلك [شيخ الإسلام] أبو إسماعيل الأنصاري في كتاب ذم الكلام، والشيخ أبو الحسن الكرجي في كتاب الفصول في الأصول\" (^١).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وكذلك النوع الثالث، وهو قولهم: هو واحد لا قسيم له في ذاته، أو لا جزء له، أو لا بعض له- لفظ مجمل، فإن الله ﷾ أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد، فيمتنع أن يتفرق، أو يتجزأ، أو يكون قد رُكِّب من أجزاء، لكنهم يدرجون في هذا اللفظ نفي علوه على عرشه، ومباينته لخلقه، وامتيازه عنهم، ونحو ذلك من المعاني المستلزمة لنفيه وتعطيله، ويجعلون ذلك من التوحيد.\nفقد تبين أن ما يسمونه «توحيدًا» فيه ما هو حق وفيه ما هو باطل، ولو كان جميعه حقا، فإن المشركين إذا أقروا بذلك كله لم يخرجوا فيه من الشرك الذي وصفهم الله به في القرآن، وقاتلهم عليه الرسول -ﷺ-، بل لا بدّ أن يعترفوا بأنه لا إله إلا الله\".\nالشرح\nيقول شيخ الإسلام: \"وكان كثير من متكلمة الصفاتية من أصحاب الأشعري ونحوهم فسروا الواحد، والتوحيد، بنحو تفسير المعتزلة وغيرهم من الجهمية، ولم يفسروه بما ذكره ابن كلاب ولا بغير ذلك\" (^٢) ولاشك أن أئمة الأشاعرة المتقدمين\n_________\n(^١) التسعينية ٣/ ٧٨١ - ٧٨٢.\n(^٢) نقلًا عن «نقض التأسيس» - المطبوع - (١/ ٤٦٨ - ٤٦٩).","vol":"2","page":1129},{"text":"كالأشعري وغيره يثبتون لله صفات العلو، والاستواء، والصفات الخبرية، ولا تقتضي عندهم تشبيهًا، كما أن إثباتها لا يعارض ما يقولون به من التوحيد لله تعالى.\nفقولهم: إن الواحد هو الذي لا ينقسم ولا يتجزأ وليس بجسم، ليس معروفًا في لغة العرب، بل المعروف في لغة العرب أنهم يطلقون على كثير من المخلوقات أنه واحد وهو جسم، بل لا يوجد في لغة العرب، بل ولا غيرهم من الأمم استعمال الواحد، الأحد، الوحيد إلا فيما يسمونه هم جسمًا ومنقسمًا، كقوله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر الآية: ١١]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ [النساء الآية: ١١]، وقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ﴾ [الكهف الآية: ٣٢ - [إلى قوله-﴾ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ [الكهف الآية: ٣٧]، وقوله﴾: أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَّخِيلٍ﴾ [البقرة الآية: ٢٦٦]، وقوله تعالى﴾: وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف الآية: ٤٩ [والعرب وغيرهم من الأمم يقولون: رجل، ورجلان اثنان، وثلاثة رجال، وفرس واحد، وجمل واحد، ودرهم واحد، وثوب واحد … فلفظ الواحد وما يتصرف منه في لغة العرب وغيرهم من الأمم لا يطلق إلا على ما يسمونه هم جسمًا منقسمًا، لأن ما لا يسمونه هم جسمًا منقسمًا ليس هو شيئًا يعقله الناس، ولا يعلمون وجوده حتى يعبروا عنه\" (^١).\nوفي موضع آخر يذكر شيخ الإسلام نصوصًا عديدة من الكتاب والسنة، ويعلق عليها. فيقول في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [النساء الآية: ١ [ومعلوم أن النفس الواحدة التي خلق منها زوجها هو آدم، وحواء خلقت من ضلع آدم القصيراء، من جسده خلقت، لم تخلق من روحه، حتى يقول القائل الوحدة هي باعتبار النفس الناطقة التي لا تركيب فيها. وإذا كانت حواء خلقت من\n_________\n(^١) «درء التعارض» (٧/ ١١٤ - ١١٦).","vol":"2","page":1130},{"text":"جسد آدم، وجسد آدم جسم من الأجسام، وقد سماها الله نفسًا واحدة، علم أن الجسم قد يوصف بالوحدة\" (^١).\nويقول معلقًا على استدلال الإمام أحمد: \"وأبلغ من ذلك ما ذكره الإمام أحمد وغيره من قوله: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر الآية: ١١]، فإن الوحيد مبالغة في الواحد، فإذا وصف البشر الواحد بأنه وحيد في صفة فإنه واحد أولى، ومع هذا فهو جسم من الأجسام\" (^٢)، ثم يذكر بعد ذكر نصوص القرآن نصوص عديدة من السنة، منها أحاديث الصلاة في الثوب الواحد، مثل ما ورد في الصحيح أن النبي -ﷺ-» سئل: أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟ فقال: أو لكلكم ثوبان (^٣)، وحديث «نهى أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء» (^٤)، وحديث أن النبي -ﷺ- «كان يصلي في واحد» (^٥)، وحديث مرورهﷺ- بقبرين فقال: «إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة» (^٦) وغيرها من الأحاديث كثير (^٧)، وهي تدل على استخدام لفظ الواحد فيما هو جسم، خلافًا لما يزعمه هؤلاء.\nوإذا كان الأمر كذلك من أن الغالب في اللغة أن اسم الواحد يتناول ما ليس هو الواحد في اصطلاحهم لم يجز أن يحتج بقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [البقرة الآية: ١٦٣ [وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ١]، ونحو ذلك مما أنزله الله\n_________\n(^١) نقض التأسيس» - المطبوع - (١/ ٤٨٨).\n(^٢) «نقض التأسيس» - المطبوع - (١/ ٤٨٨).\n(^٣) «نقض التأسيس» (١/ ٤٨٩) والحديث رواه البخاري (٣٥٨).\n(^٤) رواه البخاري (٣٥٩) ومسلم (٥١٦).\n(^٥) رواه البخاري (٣٥٥) ومسلم (٥١٧).\n(^٦) رواه البخاري (١٣٦١) ومسلم (٢٩٢).\n(^٧) انظر: «نقض التأسيس» - المطبوع - (١/ ٤٨٩ - ٤٩٢).","vol":"2","page":1131},{"text":"بلغة العرب، وأخبرنا فيه أنه واحد، وأنه إله واحد - على أن المراد ما سموه هم في اصطلاحهم واحدًا مما ليس معروفًا في لغة العرب، بل إذا قال القائل: دلالة القرآن على نقيض مطلوبهم أظهر، كان قد قال الحق، فإن القرآن نزل بلغة العرب، وهم لا يعرفون الواحد في الأعيان إلا ما كان قديمًا بنفسه، متصفًا بالصفات، مباينًا لغيره، مشارًا إليه. وما لم يكن مشارًا إليه أصلًا، ولا مباينًا لغيره، ولا مداخلًا له، فالعرب لا تسميه واحدًا ولا أحدًا، بل ولا تعرفه، فيكون الاسم الواحد والأحد دل على نقيض مطلوبهم منه، لا على مطلوبهم\" (^١).\nوشيخ الإسلام بهذه الأدلة الكثيرة إنما يقرر قاعدة من القواعد المهمة في باب الصفات وغيرها، وهي أن تفسير النصوص - في الصفات وغيرها - إنما يرجع فيه إلى لغة الذين خوطبوا به أول مرة، وماذا فهموا من النصوص، أما أن تنشأ مصطلحات جديدة، وتحمل النصوص عليها فهذا مخالف لما هو متواتر من أن القرآن هدى للناس، وفيه البيان التام. وهذه من المسائل الكبرى في الخلاف بين مذهب السلف وغيرهم من أهل البدع، لأنه إذا وقع خلاف حول نص من النصوص، فقال قائل: هذا يدل على إثبات الصفات لله، وقال الآخر: لا يدل، فمن الذي يفصل في المسألة، ويبين الحق فيها، وكل يدعي أن الحق معه؟ أهل البدع من النفاة يرجعون في ذلك إلى عقولهم، أو على أقوال شيوخهم، أو إلى شواذ اللغة، أو إلى مصطلحات أهل الفلسفة التي تلقوها عن غير المسلمين.\nأما السلف فيرجعون إلى النصوص الأخرى، من الكتاب، والسنة التي تبين هذا النص وتوضحه، ويرجعون إلى لغة العرب، وفهم الصحابة والسلف من خير القرون، وما قالوه في بيان معنى هذا النص، ولذلك يقول شيخ الإسلام - في معرض\n_________\n(^١) «درء التعارض» (٧/ ١١٧).","vol":"2","page":1132},{"text":"رده على الرازي حول استدلاله بالواحد والأحد على نفي الصفات-: \"إن الاستدلال بالقرآن إنما يكون على لغة العرب التي أنزل بها، وقد نزل بلغة قريش كما قال تعالى﴾: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم الآية: ٤ [وقال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء الآية: ١٩٥ [فليس لأحد أن يحمل ألفاظ القرآن على غير ذلك من عرف عام واصطلاح خاص - بل ولا يحمله إلا على معاني عنوها بها، إما (أخص) من المعنى اللغوي أو أعم، أو مغايرًا له، لم يكن له أن يضع القرآن على ما وضعه هو، بل يضع القرآن على مواضعه التي بينها الله لمن خاطبه بالقرآن بلغته، ومتى فعل غير ذلك كان ذلك تحريفًا للكلام عن مواضعه، ومن المعلوم أنه ما من طائفة إلا وقد تصطلح على ألفاظ يتخاطبون بها، كما أن من المتكلمين من يقول: الأحد هو الذي لا ينقسم، وكل جسم منقسم، ويقول: الجسم هو مطلق المتحيز، القابل للقسمة، حتى يدخل في ذلك الهواء وغيره، لكن ليس له أن يحمل كلام الله، وكلام رسوله إلا على اللغة التي كان النبي -ﷺ- يخاطب بها أمته، وهي لغة العرب عمومًا، ولغة قريش خصوصًا.\nثم يطبق هذا على المثال المطروح فيقول: \"ومن المعلوم المتواتر في اللغة، الشائع بين الخاص والعام أنهم يقولون: درهم واحد، ودينار واحد، ورجل واحد، وامرأة واحدة، وشجرة واحدة، وقرية واحدة، وثوب واحد، وشهرة هذا عند أهل اللغة شهرة سائر ألفاظ العدد، فيقولون: رجل واحد، ورجلان اثنان، وثلاثة رجال، وأربعة رجال. وهذا من أظهر اللغة، وأشهرها، وأعرفها، فكيف يجوز أن يقال: إن الوحدة لا يوصف بها شيء من الأجسام، وعامة ما يوصف بالوحدة في لغة العرب إنما هو جسم من الأجسام؟ \" (^١).\nفهذه الاصطلاحات الحادثة، التي يحدثها الناس، أو أرباب العلوم المختلفة في\n_________\n(^١) «نقض التأسيس» - المطبوع - (١/ ٤٩٢ - ٤٩٣).","vol":"2","page":1133},{"text":"كل عصر، هي اصطلاحات لهم-ولا مشاحة في أن يتفق أهل فن أو علم على اصطلاح معين يتعارفون عليه-ولكن الخطأ أن يجعل هذا المصطلح الحادث هو المرجع في تفسير النصوص التي نزلت، وتلاها الناس، وفسروها، وفهموها في زمن سابق قبل أن تنشأ تلك المصطلحات الحادثة، فكيف إذا كانت هذه المصطلحات تصادم المعنى الحق الذي دلت عليه النصوص، وقد أورد شيخ الإسلام اعتراضًا حول موضوع الواحد مضمونه: أنه قد يقال: إنه يجوز أن يستعمل لفظ الواحد فيما قصده المتكلمون عن طريق المجاز، أو المشترك اللفظي، أو غيره وقد أجاب بقوله: \"هب أنه يجوز لمن بعدهم أن يستعمل ذلك، لكن نحن نعلم أنهم (أي العرب الذين نزل بلغتهم القرآن) لم يستعملوه في ذلك، لأنهم لم يكونوا يثبتون هذا المعنى\" (^١)، ثم يحسم شيخ الإسلام بيان انتفاء دلالة النص على ما ادعاه هؤلاء في مسمى التوحيد من وجوه عشرة مهمة (^٢) قال في آخرها: \"فتبين أن لفظ التوحيد، والواحد، والأحد في وضعهم واصطلاحهم غير التوحيد، والواحد، والأحد في القرآن، والسنة، والإجماع، وفي اللغة التي جاء بها القرآن، وحينئذ فلا يمكنهم الاستدلال بما جاء في كلام الله ورسله وفي لفظ التوحيد على ما يدعونه هم، لأن دلالة الخطاب إنما تكون بلغة المتكلم وعادته المعروفة في خطابه، لا بلغة وعادة واصطلاح أحدثه قوم آخرون، بعد انقراض عصره، وعصر الذين خاطبهم بلغته وعادته … \" (^٣). وهذا ينطبق على مسألة الواحد، والتوحيد، وعلى غيرها مما جاء به القرآن الكريم مما يتعلق بأسماء الله وصفاته.\nثم إن لفظ \"الأحد\" لم يجئ اسمًا في الإثبات إلا لله تعالى، أما في حق غيره فلم\n_________\n(^١) «درء التعارض» (٧/ ١١٩).\n(^٢) انظرها في «درء التعارض» (٧/ ١٢٠ - ١٢١).\n(^٣) انظرها: في «درء التعارض» (٧/ ١٢٢ - ٢٢٣).","vol":"2","page":1134},{"text":"يستعمل إلا مع الإضافة، أو في غير الموجب، كالنفي، والشرط، والاستفهام.\nفاستعماله في الإثبات لله كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ١].\nأما استخدامه في حق غير الله مضافًا فكقوله تعالى: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف الآية: ٣٦].\nوفي النفي كقوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف الآية: ٤٩].\nوالشرط كقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة الآية: ٦].\nوالاستفهام كما تقدم قريبًا في حديث: أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟ ويقال: هل عندك أحد؟. ونكتة الرد هنا أن لفظ الأحد لم يستعمل فيما ادعاه هؤلاء لا في النفي، ولا في الإثبات، ولو فرض أن معناه - ما ليس بجسم كما يزعم هؤلاء - لوقع تناقض عظيم؛ فإنه يقال: إذا كان في الإثبات معناه إن الله أحد أي ليس بجسم، فهل يكون في النفي كذلك؟ هل يقال: إن معنى قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص الآية: ٤ [لم يكن ما ليس بجسم كفوًا له، ومعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف الآية: ٢٦ [لا يشرك في حكمه ما ليس بجسم، ومعنى قوله: ﴿لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ﴾ [الجن الآية: ٢٢ [أي لن يجيرني من الله ما ليس بجسم؟ هل يكون مفهوم هذه النصوص أنه قد يكون ما هو جسمًا كفوًا له، وقد يشرك في حكمه ما هو جسم وهكذا؟. هل يقول هذا عاقل، وهل يمكن أن تكون النصوص قد جاءت بمثل هذا التناقض والباطل. (^١)\nكما أن قولهم باطل من جهة العقل أيضًا، يقول شيخ الإسلام: \"أما العقل فهذا الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر العقلاء، وأهل الفطر السليمة: إنه أمر\n_________\n(^١) انظر: «تفسير سورة الإخلاص، مجموع الفتاوى» (١٧/ ٢٣٥)، و«درء التعارض» (٧/ ١٢١)، و«نقض التأسيس» - المطبوع - (١/ ٤٩٣ - ٤٩٤).","vol":"2","page":1135},{"text":"لا يعقل، ولا له وجود في الخارج، وإنما هو أمر مقدر في الذهن، ليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر، ولا يتميز منه شيء عن شيء، بحيث يمكن أن لا يرى، ولا يدرك، ولا يحاط به، وإن سماه المسمى جسمًا، وأيضًا فإن التوحيد إثبات لشيء واحد، فلابد أن يكون له في نفسه حقيقة ثبوتية يختص بها، ويتميز بها عما سواه، حتى يصح أنه ليس كمثله شيء في تلك الأمور الثبوتية، ومجرد عدم المثل إذا لم يفد ثبوت أمر وجودي كان صفة للعدم، فنفي المثل والشريك يقتضي ما هو على حقيقة يستحق بها واحدًا\" (^١)، فهؤلاء ظنوا أن ما يتصورونه في أذهانهم موجود في الخارج، وهذا من الأخطاء الكبرى التي وقع فيها أهل الكلام، والتصوف، والفلسفة، ونبه شيخ الإسلام عليها كثيرًا، مثل قول غلاة الصوفية إن الوجود واحد، وإن وجود الله هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، ومثل قول الفلاسفة، بالجواهر، والمجردات العقلية، حيث يزعمون أن الحقائق الموجودة في الخارج كالإنسان، والفرس، مكونة من المادة الكلية، والصورة الجوهرية، ويزعمون أنهما جوهران عقليان، وهذا كله في الذهن، لأن الموجود لا يوجد إلا معينًا، فيقال وجود الواجب، وهو الله، ووجود الممكن، كفلان وفلان، وكذلك هذه العقليات المجردة إنما تتصور في الأذهان، أما في الحقيقة والواقع فليس إلا الموجودات بأعيانها\" (^٢).\nكما أن قول هؤلاء معارض للشرع، يقول شيخ الإسلام في بيان بطلان قولهم لغة، وعقلًا، وشرعًا: \"وأما الشرع فنقول: مقصود المسلمين أن الأسماء المذكورة في القرآن، والسنة، وكلام المؤمنين المتفق عليه بمدح أو ذم تعرف مسميات تلك الأسماء، حتى يعطوها حقها، ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم الواحد في كلام الله لم\n_________\n(^١) «نقض التأسيس» - المطبوع - (١/ ٤٨٣).\n(^٢) انظر: «درء التعارض» (٧/ ١٢٤ - ١٢٧).","vol":"2","page":1136},{"text":"يقصد به سلب الصفات، وسلب إدراكه بالحواس، ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدع نفيها الجهمية وأتباعهم، ولا يوجد نفيها في كتاب، ولا سنة، ولا عن صاحب، ولا أئمة المسلمين\" (^١).\nوبعد أن ينقل شيخ الإسلام نصًا للدارمي في نقضه على المريسي يقول: \"وهذا النفي الذي يذكره النفاة ويفسرون به اسم الله \"الواحد\" وغير ذلك هو عند أهل السنة والجماعة مستلزم العدم، مناف لما وصف به نفسه في كتابه من أنه الأحد، الصمد، وأنه العلي، العظيم، وأنه الكبير المتعال، وأنه استوى على العرش، وأنه يصعد إليه، ويوقف عليه، وأنه يرى في الآخرة كما ترى الشمس والقمر، وأنه يكلم عباده، وأنه السميع البصير\" (^٢).\nفمصادمة قولهم لهذه النصوص الشرعية الكثيرة-مع أنه أيضًا لا يقوم على دليل صحيح-دليل على فساد قولهم (^٣).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وليس المراد «بالإله» هو القادر على الاختراع، كما ظنّه من ظنّه من أئمة المتكلمين، حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع، وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أنه لا إله إلا هو، فإن المشركين كانوا يقرُّون بهذا وهم مشركون كما تقدم بيانه. بل الإله الحق هو الذي يستحق أن يُعبَد فهو إلهٌ بمعنى مألوه، لا إله بمعنى آلِه. والتوحيد أن يعبد الله وحده لا شريك له، والإشراك أن يجعل مع الله إلهًا آخر\".\n_________\n(^١) نقض التأسيس» - المطبوع - (١/ ٤٨٤).\n(^٢) «نقض التأسيس» - المطبوع - (١/ ٤٨٧).\n(^٣) المصدر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة لعبد الرحمن المحمود - ٣/ ٩٤٦.","vol":"2","page":1137},{"text":"الشرح\nعرف كثير من الأشعرية كلمة (إله) بأنه القادر على الاختراع، فمن ذلك ما نسبه البغدادي إلى أبي الحسن الأشعري فقال: \"واختلف أصحابنا في معنى الإله: فمنهم من قال إنه مشتق من الألهية، وهي: قدرته على اختراع الأعيان، وهو اختيار أبي الحسن الأشعري\" (^١)، ثم اختار البغدادي القول بأنه غير مشتق!\nوقد حكى الرازي هذا القول ذاكرًا دليله دون أن يسمي قائله، فقال في صدد حكاية مذاهب الناس في أصل اشتقاق اسم الله تعالى (الله) قال: \"القول السابع: الإله من له الإلهية، وهي القدرة على الاختراع، والدليل عليه أن فرعون لما قال﴾: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء الآية: ٢٣ [قال موسى في الجواب﴾: رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الشعراء الآية: ٢٤ [فذكر في الجواب عن السؤال الطالب لماهية الإله: القدرة على الاختراع، ولولا أن حقيقة الإلهية هي القدرة على الاختراع لم يكن هذا الجواب مطابقًا لذلك السؤال\" (^٢).\nوالجواب من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: إن فرعون كان متظاهرًا بإنكار وجود رب العالمين بل كان يدعي أنه رب العالمين بقوله﴾: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات الآية: ٢ [وقال تعالى﴾: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾ [الزخرف الآية: ٥٤ [وقال: ﴿فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر الآية: ٣٧]، ولذلك كان سؤاله بقوله﴾: وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴿سؤالًا عن وصف الرب تعالى وليس سؤالًا عن الماهية، إذ السؤال عن ماهية الشيء فرع الإقرار به، -وهو\n_________\n(^١) «أصول الدين للبغدادي» (ص: ١٢٣).\n(^٢) «شرح أسماء الله الحسنى للرازي» (ص ١٢٤).","vol":"2","page":1138},{"text":"لا يقر بالله متظاهرًا-فمن لم يقر بشيء لا يسأل عن ماهيته (^١)، فمن سأل عن ماهية الإنسان فقال: ما الإنسان؟ فإن ذلك فرع إقراره بوجوه، وكذلك هنا (^٢).\nولذلك فإن فرعون لم يكن قد سأل عن حقيقة الإلهية إنما سأل عن وصف الرب الذي يتظاهر بإنكاره. ويوضح هذا آية أخرى وهي﴾: قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ [طه الآية: ٤٩]، ومعلوم أن \"مَنْ\" لا يسأل بها عن ماهية الشيء وحقيقته، وإنما حقيقة معنى الإلهية هي: استحقاق الله للعبادة بما له من صفات الكمال وتنزهه عن صفات النقص، وقد دلت الأدلة على ذلك.\nالوجه الثاني: إنه لو كان معنى إله: القادر على الاختراع كان معنى لا إله إلا الله أي: لا خالق إلا الله ولا قادر على الاختراع إلا هو، وهذا المعنى كان يقول به المشركون، ولذلك يحتج الله عليهم بمعرفتهم هذه بقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة الآية: ٢٢ [أي تعلمون أنه لا رب لكم غيره، كما نقل ذلك عن جمع من المفسرين (^٣).\nفلو كان المعنى ما ذكره هؤلاء المتكلمون، لما استقام الإنكار على المشركين الذين يقرون بأن الله هو خالقهم وخالق كل شيء. وإنما كان شركهم في الألوهية (^٤).\nالوجه الثالث: إن هذا القول غير معروف عند أهل اللغة، ولذلك لم يحتج من قال بهذا القول بشاهد من شواهد لغة العرب ولا بنقل إمام معتبر من أئمة اللغة (^٥). (^٦)\n_________\n(^١) انظر «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٣٢).\n(^٢) «مجموع الفتاوى لابن تيمية» (١٦/ ٣٣٤).\n(^٣) «جامع البيان للطبري» (١/ ١/ ١٦٣).\n(^٤) انظر «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٧٦).\n(^٥) انظر «تيسير العزيز الحميد» (ص: ٧٦).\n(^٦) المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف ١/ ١٥٤.","vol":"2","page":1139},{"text":"المتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وإذا تبين أن غاية ما يقرّره هؤلاء النظار، أهل الإثبات للقدر، المنتسبون إلى السنة، إنما هو توحيد الربوبية، وأن الله رب كل شيء، ومع هذا فالمشركون كانوا مقرّين بذلك مع أنهم مشركون\"\nالشرح\nأي خلاصة القول: ليس المراد (بالإله) هو القادر على الاختراع كما ظنه من ظنه من أئمة المتكلمين حيث ظن أن الإلهية هي القدرة على الاختراع دون غيره وأن من أقر بأن الله هو القادر على الاختراع دون غيره فقد شهد أن لا إله إلا هو (^١)\nولو كان هذا معنى لا إله إلا الله؛ لما أنكرت قريش على النبي ﷺ دعوته ولآمنت به وصدقت؛ لأن قريشًا تقول: لا خالق إلا الله، ولا خالق أبلغ من كلمة لا قادر، لأن القادر قد يفعل وقد لا يفعل، أما الخالق؛ فقد فعل وحقق بقدرة منه، فصار فهم المشركين خيرًا من فهم هؤلاء المتكلمين، والمنتسبين للإسلام.\nفالتوحيد الذي جاءت به الرسل في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف الآية: ٥٩ [؛ أي من إله حقيقي يستحق أن يعبد، وهو الله ومن المؤسف أنه يوجد كثير من الكتاب الآن الذين يكتبون في هذه الأبواب تجدهم عندما يتكلمون على التوحيد لا يقررون أكثر من توحيد الربوبية، وهذا غلط ونقص عظيم، فالواجب أن نغرس في قلوب المسلمين توحيد الألوهية أكثر من توحيد الربوبية، لأن توحيد الربوبية لم ينكره أحد إنكارًا حقيقيًا، فكوننا لا نقرر إلا هذا الأمر الفطري المعلوم\n_________\n(^١) الرسالة التدمرية - مجمل اعتقاد السلف لأحمد بن عبدالحليم ابن تيمية - ص ١٠٨","vol":"2","page":1140},{"text":"بالعقل، ونسكت عن الأمر الذي يغلب فيه الهوى هو نقص عظيم، فعبادة غير الله هي التي يسيطر فيها هوى الإنسان على نفسه حتى يصرفه عن عبادة الله وحده، فيعبد الأولياء، ويعبد هواه، حتى جعل النبي ﷺ الذي همه الدرهم والدينار ونحوهما عابدًا، وقال الله ﷿﴾ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية الآية: ٢٣ [\" (^١).\nوالجواب عن قول من قال: بأن معنى الإله القادر على الاختراع، ونحو هذه العبارة قيل: الجواب من وجهين:\nأحدهما: أن هذا قول مبتدع، لا يعرف أحد قاله من العلماء، ولا من أئمة اللغة، وكلام العلماء، وأئمة اللغة هو معنى ما ذكرنا كما تقدم. فيكون هذا القول باطلًا.\nالثاني: على تقدير تسليمه فهو تفسير باللازم للإله الح،، فإن اللازم له أن يكون خالقًا، قادرًا على الاختراع، ومتى لم يكن كذلك فليس بإله حق، وإن سمي إلهًا، وليس مراده أن من عرف أن الإله هو القادر على الاختراع فقد دخل في الإسلام، وأتى بتحقيق المرام من مفتاح دار السلا،، فإن هذا لا يقوله أحد، لأنه يستلزم أن يكون كفار العرب مسلمين، ولو قدر أن بعض المتأخرين أرادوا ذلك فهو مخطئ، يرد عليه بالدلائل السمعية والعقلية\" (^٢)\nوهذا التفسير الذي ذكره أولئك الأشعرية له مفاسد كثيرة، منها أن هذا التفسير يصير توحيد الربوبية هو أول الواجبات، مما يؤدي إلى عدم الاعتناء بتوحيد الألوهية اعتناءًا جيدًا، بل يؤدي إلى عدم معرفته حق المعرفة، إذ يتصور كثير من عوامهم بل من نسب إلى العلم من المتأخرين منهم أن شرك المتقدمين كان لاعتقادهم بعض صفات الربوبية في الأصنام والأوثان، فغفل كثير منهم عن حقيقة الشرك وبعض\n_________\n(^١) القول المفيد على كتاب التوحيد لمحمد بن صالح بن عثيمين - ١/ ٧٠\n(^٢) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد لسليمان بن عبدالله آل الشيخ - ص ٦٠","vol":"2","page":1141},{"text":"مظاهره، فوقعوا في الشرك بالله من الاستغاثة بغير الله والذبح لغيره وغير ذلك (^١).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"فكذلك طوائف من أهل التصوف، المنتسبين إلى المعرفة والتحقيق والتوحيد، غاية ما عندهم من التوحيد هو شهود هذا التوحيد، وهو أن يشهد أن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه، لا سيما إذا غاب العارف بموجوده عن وجوده، وبمشهوده عن شهوده، وبمعروفه عن معرفته، ودخل في فناء توحيد الربوبية، بحيث يفنى مَنْ لم يكن، ويبقى من لم يزل. فهذا عندهم هو الغاية التي لا غاية وراءها، ومعلوم أن هذا هو تحقيق ما أقر به المشركون من التوحيد، ولا يصير الرجل بمجرد هذا التوحيد مسلما، فضلًا عن أن يكون وليًّا لله أو من سادات الأولياء\".\nالشرح\nمن أهل التصوف؛ مَنْ يقول كالهروي: إنَّ «التوحيد: تنزيه الله تعالى عن الحدث، وإنما نطق العلماء بما نطقوا به، وأشار المحققون بما أشاروا إليه في هذا الطريق؛ لقصد تصحيح التوحيد، وما سواه مِنْ حال أو مقام فكله مصحوب العلل.\nوالتوحيد على ثلاثة وجوه:\nالوجه الأول: توحيد العامة الذي يصح بالشواهد.\nوالوجه الثاني: توحيد الخاصَّة، وهو الذي يثبت بالحقائق.\nوالوجه الثالث: توحيد قائم بالقِدم، وهو توحيد خاصَّة الخاصَّة.\n_________\n(^١) المصدر: منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله تعالى لخالد عبداللطيف - ١/ ١٥٤","vol":"2","page":1142},{"text":"فأما التوحيد الأول فهو شهادة أن ﴿لا إله إلا الله﴾ وحده لا شريكَ له، الأحد الصَّمَد، الذي لم يَلد ولم يُولد، ولم يكن له كُفُوًا أحد» (^١).\nفمن المتصوفة مَنْ اعتبروا توحيد العِبادة الذي هو توحيد الرُّسُل هو توحيدُ العَوَام، وجعلوه في المنزلة الدُّنيا، وجعلوا توحيد الربوبية فوق توحيد العبادة، ولذلك جعلوا توحيد الخاصَّة هو شهود الربوبية، والفناء بشهوده عن مشهوده، وبوجوده عن موجوده، بمعنى: أنهم حصروا هذا المقام من التوحيد في شهود مقام الربوبية.\nوتوحيد خاصَّة الخاصة عندهم هو توحيد أهل وحدة الوجود، الذين يقولون: إنَّه ما ثَمَّت خالق ولا مخلوق، ولا عابد ولا معبود، وإنَّ الوجود كله واحد.\nفإذًا كلٌّ من الفريقين (أهل الكلام والمتصوفة) لم يُقم وزنًا لتوحيد العبادة، ولم يُلق له بالًا، ولم يُعطه اهتمامًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"العَبْد يُرَاد بِهِ المعبَّد الَّذِي عبَّده الله، فذلَّلَه ودبَّره وصرَّفه.\nوَبِهَذَا الِاعْتِبَار: فالمخَلوقون كلهم عباد الله: الْأَبْرَار مِنْهُم والفجار، والمؤمنون وَالكفَّار، وَأهل الجَنَّة وَأهل النَّار؛ إِذْ هُوَ رَبُّهم كلهم ومليكُهم، لَا يخرجُون عَنْ مَشِيئَته وَقُدرته، وكلماته التَّامَّات الَّتِي لَا يُجاوزهن بَرٌّ وَلَا فَاجر؛ فَمَا شَاءَ كَانَ وَإِنْ لم يشاءوا. وَمَا شَاءُوا إِنْ لم يشأه لم يكن، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿أفغير دين الله يَبْغُونَ وَله أسلم من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها وَإِلَيْهِ يرجعُونَ﴾ [آل عمران الآية: ٨٣]. فَهُوَ سُبْحَانَهُ ربُّ الْعَالمين، وخالقهم ورازقهم ومحييهم ومُميتهم، ومقلب قُلُوبهم ومصرف أُمُورهم، لَا ربَّ لَهُمْ غَيره، وَلَا مَالك لَهُمْ سواهُ، وَلَا خَالق لَهُمْ إِلَّا هُوَ؛ سَوَاء اعْتَرَفُوا بذلك أَوْ أنكروه، وَسَوَاء علمُوا ذَلِك أَوْ جهلوه؛ لَكِن أهل الْإِيمَان\n_________\n(^١) «منازل السائرين» لأبي إسماعيل الهروي (١٣٥ - ١٣٨)، دار الكتب العلمية- بيروت.","vol":"2","page":1143},{"text":"مِنْهُم عرفُوا ذَلِك وآمنوا بِهِ؛ بِخِلَاف مَنْ كَانَ جَاهِلًا بذلك؛ أَوْ جاحدًا لَهُ مستكبرًا على ربِّه، لَا يُقِرُّ وَلَا يخضع لَهُ؛ مَعَ علمه بِأَنَّ الله ربه وخالقه. فالمعرفة بِالْحَقِّ إِذا كَانَتْ مَعَ الاستكبار عَنْ قبُوله والجحد لَهُ- كَانَ عذَابًا على صَاحبه، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وجحدوا بهَا واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فَانْظُر كَيفَ كَانَ عَاقِبَة المفسدين﴾ [النَّمل الآية: ١٤]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يعرفونه كَمَا يعْرفُونَ أَبْنَاءَهُم وَإِنْ فريقا مِنْهُم ليكتمون الْحق وهم يعلمُونَ﴾ [البقرة الآية: ١٤٦]، وَقَالَ تَعَالَى الآية: ﴿قد نعلم إِنَّه ليحزنك الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُم لَا يكذبُونَك وَلَكِن الظَّالِمين بآيَات الله يجحدون﴾ [الأنعام الآية: ٣٣].\nفَإِذا عَرف العَبْدُ أَنَّ اللهَ ربَّه وخالقه، وَأَنَّه مُفتقر إِلَيْهِ مُحْتَاج إِلَيْهِ- عرف الْعُبُودِيَّة الْمُتَعَلِّقَة بربوبية الله. وَهَذَا العَبْد يَسْأَل ربَّه ويتضرع إِلَيْهِ ويتوكل عَلَيْهِ، لَكِن قد يُطِيع أمره وَقد يَعصيه، وَقد يعبده مَعَ ذَلِك، وَقد يعبد الشَّيْطَانَ والأصنامَ. وَمثل هَذِه الْعُبُودِيَّة لَا تُفَرِّق بَين أهل الجَنَّة وَأهل النَّار، وَلَا يَصير بهَا الرجلُ مُؤمنًا، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون﴾ [يوسف الآية: ١٠٦]؛ فَإِنْ الْمُشْركين كَانُوا يُقِرُّونَ أَنْ الله خالقهم ورازقهم وهم يَعْبدُونَ غَيره؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلتهمْ مَنْ خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله﴾ [لقمان الآية: ٢٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا إِنْ كُنْتُم تعلمُونَ * سيقولون لله قل أَفلا تذكرُونَ * قل من رب السَّمَاوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْعَظِيم * سيقولون لله قل أَفلا تَتَّقُون * قل من بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَهُوَ يجير وَلَا يجار عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُم تعلمُونَ * سيقولون لله قل فَأنى تُسحرون﴾ [المؤمنون الآيات: ٨٤ - ٨٩].\nوَكثير مِمَّنْ يتَكَلَّم فِي الْحَقِيقَة فيشهدها، لَا يَشْهد إِلَّا هَذِه الْحَقِيقَة، وَهِي الحَقِيقَة الكونية الَّتِي يَشْتَرك فِيهَا وَفِي شهودها وَفِي مَعْرفَتهَا الْمُؤمنُ وَالْكَافِرَ وَالْبَرُّ والفاجر. بل وإبليس معترف بِهَذِهِ الْحَقِيقَة وَأهل النَّار؛ قَالَ إِبْلِيس: ﴿رب فأنظرني إِلَى يَوْم يبعثون﴾ [الحجر الآية: ٣٦]، و﴿قَالَ رب بِمَا أغويتني لأزينن لَهُمْ فِي الأَرْض ولأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾","vol":"2","page":1144},{"text":"[الحجر الآية: ٣٩]، وقال: ﴿فبعزتك لأغوينهم أَجْمَعِينَ﴾ [ص الآية: ٨٢]، وَقَالَ: ﴿أرأيتك هَذَا الَّذِي كرمت عَليّ لَئِنْ أخرتن إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لأحتنكن ذُريَّته إِلَّا قَلِيلا﴾ [الإسراء الآية: ٦٢]، وأمثال هَذَا من الْخطاب الَّذِي يُقِرُّ فِيهِ بِأَنَّ الله ربه وخالقه وخالق غَيره، وَكَذَلِكَ أهل النَّار قَالُوا: ﴿رَبنَا غلبت علينا شِقْوَتنَا وَكُنَّا قوما ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون الآية: ١٠٦]، وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على رَبهم قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بلَى وربنا﴾ [الأنعام الآية: ٣٠].\nفَمن وقف عِنْد هَذِه الْحَقِيقَة وَعند شهودها، وَلم يقم بِمَا أَمر الله بِهِ مِنْ الحَقِيقَة الدِّينِيَّة الَّتِي هِيَ عِبَادَته الْمُتَعَلّقَة بألوهيته وَطَاعَة أمره وَأمر رَسُوله، كَانَ من جنس إِبْلِيس وَأهل النَّار.\nفَإِنْ ظَنَّ مَعَ ذَلِك: أَنَّه من خَواص أَوْلِيَاء الله وَأهل الْمعرفَة وَالتَّحْقِيق، الَّذين سَقط عَنْهُم الْأَمر وَالنَّهي الشَّرعيان، كَانَ مِنْ أشر أهل الكفر والإلحاد.\nوَمَنْ ظن أَنْ الخَضِرَ وَغَيره سقط عَنْهُم الْأَمر؛ لمشاهدة الْإِرَادَة وَنَحْو ذَلِك- كَانَ قَوْلُه هَذَا من شَرِّ أَقْوَال الْكَافرين بِاللَّه وَرَسُوله، حَتَّى يَدْخل فِي النَّوْع الثَّانِي من معنى العَبْد، وَهُوَ العَبْد بِمَعْنى العابد؛ فَيكون عابدًا لله، لَا يَعبد إِلَّا إِيَّاه؛ فيطيع أمرَه وَأمرَ رُسُله، ويُوالي أولياءه الْمُؤمنِينَ الْمُتَّقِينَ ويُعادي أعداءه.\nوَهَذِه الْعِبَادَة مُتَعَلِّقَة بالإلهيَّة لله تَعَالَى، وَلِهَذَا كَانَ عنوان التَّوْحِيد: (لَا إِلَه إِلَّا الله)، بِخِلَاف مَنْ يُقر بربوبيته وَلَا يَعبده، أَوْ يَعبد مَعَه إِلَهًا آخر.\nفالإله: هُوَ الَّذِي يألهه الْقلب بِكَمَال الْحبِّ والتعظيم والاجلال وَالْإِكْرَام وَالْخَوْف والرجاء، وَنَحْو ذَلِك.\nوَهَذِه الْعِبَادَة هِيَ الَّتِي يُحِبُّهَا اللهُ ويَرضاها، وَبهَا وصف المُصطفين مِنْ عباده، وَبهَا بعثَ رُسله.\nوَأمَّا العَبْد- بِمَعْنى المعبَّد- سَوَاء أقرَّ بذلك أَوْ أنكرهُ، فَهَذَا الْمَعْنى يَشْتَرك فِيهِ","vol":"2","page":1145},{"text":"الْمُؤمنُ وَالْكَافِر.\nوبالفرق بَين هذَيْن النَّوْعَيْنِ يعرف الْفرق بَين الْحَقَائِق الدِّينِيَّة الدَّاخِلَة فِي عبَادَة الله وَدينه وَأمره الشَّرْعِيّ الَّتِي يُحِبهَا ويَرضاها ويُوالى أَهلهَا ويُكرمهم بجنته، وَبَين الْحَقَائِق الكونية الَّتِي يَشْتَرك فِيهَا الْمُؤمن وَالْكَافِر وَالْبر والفاجر الَّتي مَنْ اكْتفى بهَا وَلم يَتَّبع الْحَقَائِق الدِّينِيَّة كَانَ مِنْ أَتبَاع إِبْلِيس اللعين والكافرين بِرَبِّ الْعَالمين، وَمن اكْتفى فِيهَا بِبَعْض الْأُمُور دون بعضٍ أَوْ فِي مقَام دون مقَام أَوْ حَال دون حَال نقص من إيمَانه وولايته لله بِحَسب مَا نقص من الْحَقَائِق الدِّينِيَّة» (^١).\nوأراد شيخ الإسلام هنا أن يُقَسِّم العبودية إلى قسمين: القسم الأول: العبودية الاضطرارية. والقسم الثاني: العبودية الاختيارية.\nوذلك أنَّ العبد قد يُطلق ويراد به المُعَبَّد، وقد يطلق ويراد به العابد، فإذا أُطلق وأريد به المُعَبَّد، فإن العبودية تكون حينئذ بمعنى: الخلق، وبمعنى الإيجاد والربوبية، وهذا النوع يُطلق عليه (العبودية الاضطرارية)، وهي عبودية الذل والخضوع لله ﷾ قهرًا واضطرارًا، وليس اختيارًا من الإنسان، وهذه العبودية حاصلة لكل مخلوقات الله ﷾، فكل المخلوقات من الإنسن والجن والملائكة والأشجار والأحجار وجميع المخلوقات هي عابدة لله ﷾ بهذا الاعتبار.\nحتى الكفار فهم عابدون لله ﷿ اضطرارًا، أي: خاضعون وذليلون له، وهم في خضوعهم وذلهم هذا ليسوا مختارين، وإنما هم مضطرون إلى ذلك.\nوهذه العبودية الاضطرارية بهذا المعنى هي موافقة لربوبية الله ﷾، أي: أنه رب كل شيء، وأنه خالق كل شيء.\nوهذه العبودية الاضطرارية لا تُفَرِّق بين أهل الجنة وأهل النار، ولا يصير\n_________\n(^١) العبودية: ٩","vol":"2","page":1146},{"text":"الإنسان بها مؤمنًا.\nومشركو مكة مقرون بهذه العبودية الاضطرارية؛ فإنهم كانوا يَعترفون أن الله هو الخالق الرازق المحيي المميت، ومع ذلك كانوا يشركون في عبادتهم معه غيره؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلتهمْ مَنْ خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض ليَقُولن الله﴾ [لقمان: ٢٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا إِنْ كُنْتُم تعلمُونَ * سيقولون لله قل أَفلا تذكرُونَ * قل من رب السَّمَاوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْعَظِيم * سيقولون لله قل أَفلا تَتَّقُون * قل من بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَهُوَ يجير وَلَا يجار عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُم تعلمُونَ * سيقولون لله قل فَأنى تُسحرون﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩].\nومع ذلك لم تنفعهم هذه العبودية وحدها، ولهذا يقول الله ﷾ عنهم: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف الآية: ١٠٦]؛ فأثبت لهم إيمانًا، لكن هذا الإيمان لم يَنفعهم وحده، بل لا بد أن يُضاف إليه إيمان آخر، وهو عبودية الله ﷾ مختارين منقادين لأوامره الشرعية.\nقال شيخ الإسلام: «ومعلوم أنَّ المشركين من العرب الذين بُعِث إليهم محمدٌ -ﷺ- لم يكونوا يخالفونه في هذا [أي: في توحيد الربوبية]، وهم مع هذا مشركون» (^١).\nولهذا جاء عن بعض السلف أنه سمى الإقرار بالربوبية فقط دون الإلهية: إيمان المشركين، وذلك أن الإقرار بالربوبية والإقرار بالعبودية الاضطرارية من الإيمان، لكن ليس هو كل الإيمان، وليس هو الإيمان الذي ينجي الإنسان يوم القيامة، وليس هو الإيمان الذي يُدخل الإنسان الجنة، ويجعله يخرج من دائرة الكفر إلى دائرة الإسلام، بل لابد من الإتيان بالعبودية الاختيارية التي سيأتي الكلام عنها.\nوهذه العبودية الاضطرارية (الجبرية) هي التي جاءت في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ\n_________\n(^١) «مجموع الفتاوى» (٣/ ٩٨) باختصار.","vol":"2","page":1147},{"text":"مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم الآية: ٩٣] يعني: إلا سيأتي إلى الله ﷿ وهو خاضع مُقر، ولن يستطيع الهرب يوم القيامة.\nثم قال شيخ الإسلام: «وَكثير مِمَّنْ يتَكَلَّم فِي الْحَقِيقَة فيشهدها، لَا يَشْهد إِلَّا هَذِه الْحَقِيقَة، وَهِي الحَقِيقَة الكونية الَّتِي يَشْتَرك فِيهَا وَفِي شهودها وَفِي مَعْرفَتهَا الْمُؤمنُ وَالْكَافِرَ وَالْبَرُّ والفاجر. بل وإبليس معترف بِهَذِهِ الْحَقِيقَة وَأهل النَّار؛ قَالَ إِبْلِيس: ﴿رب فأنظرني إِلَى يَوْم يبعثون﴾ [ص الآية: ٧٩]».\nفهذه العبودية الاضطرارية هي التي يُتعب الصوفية أنفسهم في الوصول إليها، فهم يعتبرونها الغاية التي يصل إليها العابد، ويفنون أعمارهم في شهود الحقيقة الكونية، مع أنه يشترك في معرفتها وشهودها المؤمن والكافر والبر والفاجر، حتى إبليس- الشيطان الرجيم- مُعترف بهذه الحقيقة؛ حيث قال إبليس فيما قصَّه الله في كتابه عنه: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر الآية: ٣٦]، فهو مقر بالربوبية، ولكنه لما استكبر عن تنفيذ الأمر ما نفعه هذا الإقرار؛ فكفر، وتوعده الله بالعذاب الأليم؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة الآية: ٣٤].\nوكذلك أهل النار قَالُوا: ﴿رَبنَا غلبت علينا شِقْوَتنَا وَكُنَّا قوما ضَالِّينَ﴾ [١٠٦ المؤمنون الآية: ١٠٦]، وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على رَبهم قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بلَى وربنا﴾ [الأنعام الآية: ٣٠]، فهم معترفون بربوبية الله تعالى، ولكنهم لم يقوموا بعبودية الألوهية (الاختيارية).\nلذلك كان الاشتغال بهذا النوع من العبودية اشتغال بأمر قد فُطر الناس عليه.\nوأما النوع الآخر وهو (العبودية الاختيارية)؛ فهي العبودية التي يفعلها الإنسان عن اختيار وإرادة، ولو شاء لتركها.","vol":"2","page":1148},{"text":"وهذه العبودية لا تكون إلا من المكلفين الذين كلفهم الله ﷾ بالأمر والنهي؛ فهؤلاء هم الذين يعبدون الله ﷿، وهم المختارون لهذه العبادة عن رضا وطواعية.\nومن أجلها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب؛ وقد قص القرآن أن جميع الرسل قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف الآية: ٥٩]، أي: هو وحده المستحق للعبادة دون سواه، ولا يَقبل أن تُشركوا معه غيره فيها.\nفهي التي يسمى بها الإنسان مؤمنًا، وبها ينجو من عذاب الآخرة، ويفوز بالنعيم في الجنة.\nقال ابنُ أبي العِزِّ الحنفي ﵀: «وكذلك كان حال الأمم السالفة المشركين الذين كَذَّبوا الرسل. كما حكى الله تعالى عنهم في قصة صالح ﵇ عن التسعة الرهط الذين تَقاسموا بالله، أي: تحالفوا بالله؛ لنَبيتنَّه وأهله. فهؤلاء المفسدون المشركون تحالفوا بالله على قَتل نَبِيِّهم وأهلِه، وهذا بَيِّنٌ أنَّهم كانوا مؤمنين بالله إيمانَ المشركين.\nفَعُلِم أنَّ التوحيدَ المطلوبَ هو توحيدُ الإلهيَّةِ، الذي يتضمن توحيد الربوبية؛ قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [الروم الآية: ٣٠]» (^١)\nوعلى العبد ألا يخلط بين (الإرادة الكونية القدريَّة) وبين (الإرادة الدِّينية الشرعية).\nفالإرادة الكونية القدريَّة: هي ما يقع في الكون بقدر الله وتدبيره. ويشترك في شهودها البَر والفاجر.\nوأمَّا الإرادة الدِّينية الشرعية: فهي ما شرعه وأمر به سبحانه، ورضيه وأحبَّه من عباده.\n_________\n(^١) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص ٣٣).","vol":"2","page":1149},{"text":"وعدم التفريق بين هذين النوعين جَرَّ طوائف إلى الوقوع في أنواع الإلحاد والكفر؛ يقول شيخ الإسلام ﵀ هنا: «فَمن وَقف عِنْد هَذِه الْحَقِيقَة وَعند شهودها، وَلم يقم بِمَا أَمر الله بِهِ مِنْ الحَقِيقَة الدِّينِيَّة الَّتِي هِيَ عِبَادَته الْمُتَعَلّقَة بألوهيته وَطَاعَة أمره وَأمر رَسُوله، كَانَ من جنس إِبْلِيس وَأهل النَّار.\nفَإِنْ ظَنَّ مَعَ ذَلِك: أَنَّه من خَواص أَوْلِيَاء الله وَأهل الْمعرفَة وَالتَّحْقِيق، الَّذين سَقط عَنْهُم الْأَمر وَالنَّهي الشَّرعيان، كَانَ مِنْ أشر أهل الكفر والإلحاد».\nفبعضُ الصوفية وبعضُ أهل الكلام قد فَسَّروا (لا إله إلا الله) بأنه لا خالق إلا الله.\nويزعمُ أحدهم أن الخضر سقط عنه التكليف؛ لشهوده الإرادة، ويفرقون بين العامة والخاصة، وخلاصة قولهم: أنهم يرون أن العامة هم الذين لم يشهدوا الحقيقة الكونية شهودًا كافيًا، وأن الخاصة هم الذين شهدوا الحقيقة الكونية شهودًا كافيًا.\nووصفهم للمسلمين بأنهم (العامة) وصف انتقاص؛ لأنهم يقولون: إنهم الذين لم يصلوا إلى شهود الحقيقة الكونية، وهي- عندهم- أن يعلم أن الإنسان لا صفات له ولا أفعال له، وإنما الفاعل على الحقيقة هو الله، وأنه عبارة عن محل لفعل الله؛ مثل الإناء عندما يكون محلًّا للماء، وكالريشة التي يحركها الهواء، يعني: ليس فاعلًا فعلًا اختياريًّا، وإنما الله ﷿ هو الذي يحركه، والإنسان مسلوب الإرادة، مجبور على فعله.\nويترتب على هذا القول: أن القول الذي يقوله الإنسانُ ليس قولَه؛ بل هو قولُ الله، وأنَّ الفعل الذي يقوم به الإنسان ليس فعلَه، وإنما هو فعلُ الله.\nويترتب على هذا أيضًا: أنه بسبب شهوده لهذه الحقيقة تَسقط عنه التكاليف؛ لأنه لا فِعل له؛ فالتكليف يحصل عندما يكون للإنسان فِعل، ثم يحاسب على هذا","vol":"2","page":1150},{"text":"الفعل، ولكن إذا لم يكن له فعل؛ فكيف يحاسب عليه؟ وكيف يجازى على فعله مع أنه ليس هو فاعله حقيقة؟ وإنما الفعل الذي فيه هو فِعل الله؛ لذلك أسقطوا التكاليف الشرعية.\nوهذا- لا شكَّ- قولٌ في غاية الكفر، والسبب هو: أنهم جعلوا هذه الأفعال القبيحة التي تَصدر عنهم من كفر أو فسق- هي فعل الله؛ فجَرَّدوا الإنسان من إرادته.\nمع أنَّ هذا مخالف لحقيقة الإنسان في الدنيا الآن، ومخالف لشعوره، ومخالف للواقع الذي يعيشه، وهو أنَّ له إرادة وله عمل، وهو محاسب على إرادته وعمله، بالإضافة إلى النصوص المتوافرة من الكتاب والسنة المثبتة للإنسان إرادة ومشيئة واختيارًا وسعيًا وكسبًا.\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وطائفة من أهل التصوف والمعرفة يقرّون هذا التوحيد مع إثبات الصفات، فيفنون في توحيد الربوبية مع إثبات الخالق للعالم المبائن لمخلوقاته.\nوآخرون يضمّون هذا إلى نفي الصفات فيدخلون في التعطيل مع هذا. وهذا شرّ من حال كثير من المشركين\".\nالشرح\nبعد أن ذكر المصنف قول المتصوفة في التوحيد عمومًا وأنهم يقتصرون فيه على توحيد الربوبية أو ما يسمى الفناء في ذات الله، أراد المصنف هنا أن يبين موقفهم من توحيد الأسماء والصفات وبين أن من انتسب إلى المتصوفة على قسمين فقسم منهم يقرون بتوحيد الأسماء والصفات فيثبتون أن الله مباين لخلقه متصف بصفات","vol":"2","page":1151},{"text":"تخصه وتميزه عن غيره، وإن كانوا قد خالفوا في مفهوم التوحيد وقصروه على توحيد الربوبية،\nوالقسم الثاني من المتصوفة هم الذين ضموا لانحرافهم في مفهوم التوحيد انحرافهم في باب الصفات والمقصود بهم باطمية المتصوفة من الاتحادية كابن عربي وابن سبعين والعفيف التلمساني وابن الفارض وهؤلاء الاتحادية يجمعون بين النفي العام والإثبات العام فعندهم أن ذاته لا يمكن أن ترى بحال وليس له اسم ولا صفة ولا نعت، إذ هو الوجود المطلق الذي لا يتعين، وهو من هذه الجهة لا يرى ولا اسم له.\nويقولون: إنه يظهر في الصور كلها، وهذا عندهم هو الوجود الاسمي لا الذاتي، ومن هذه الجهة فهو يرى في كل شيء، ويتجلى في كل موجود، لكنه لا يمكن أن ترى نفسه، بل تارة يقولون كما يقول ابن عربي: ترى الأشياء فيه، وتارة يقولون يرى هو في الأشياء وهو تجليه في الصور، وتارة يقولون كما يقول ابن سبعين:\n\"عين ما ترى ذات لا ترى وذات لا ترى عين ما ترى\".\nوهم مضطربون لأن ما جعلوه هو الذات عدم محض، إذ المطلق لا وجود له في الخارج مطلقًا بلا ريب، لم يبق إلا ما سموه مظاهر ومجالي، فيكون الخالق عين المخلوقات لا سواها، وهم معترفون بالحيرة والتناقض مع ما هم فيه من التعطيل والجحود. (^١)\nوقد تقدم الحديث عنهم بشكل مفصل في مواطن متعددة من هذا الشرح.\n_________\n(^١) -بغية المرتاد ص ٤٧٣.","vol":"2","page":1152},{"text":"<span data-type='title' id=toc-378>معنى الجبر</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وكان جهم ينفي الصفات، ويقول بالجبر، فهذا تحقيق قول جهم، لكنه إذا أثبت الأمر والنهي، والثواب والعقاب، فارق المشركين من هذا الوجه، لكنّ جهمًا ومَن اتبعه يقول بالإرجاء، فيضعف الأمر والنهي، والثواب والعقاب عنده.\nالشرح\nشرع المصنف في بيان عقيدة عدد من الطوائف المخالفة لمنهج أهل السنة وبيان مواقفهم من باب الصفات، وباب القدر، وباب الأمر والنهي، وبدأ المصنف بذكر معتقد الجهمية\n\n<span data-type='title' id=toc-379>من أشهر معتقداتهم:</span>\n١ - إنكارهم لجميع الأسماء والصفات كما سيأتي تفصيله.\n٢ - أنهم في باب الإيمان مرجئة، يقولون: إن الإيمان يكفي فيه مجرد المعرفة القلبية، وهذا شر أقوال المرجئة.\n٣ - أنهم في باب القدر جبرية، ينكرون قدرة العبد واختياره في فعله.\n٤ - ينكرون رؤية الخلق لله يوم القيامة.\n٥ - يقولون إن القرآن مخلوق.\n٦ - يقولون بفناء الجنة والنار.","vol":"2","page":1153},{"text":"إلى غير ذلك من المعتقدات الباطلة التي قال بها الجهمية.\nالمتن\nقال ال مصنف رحمه الله تعالى: \"والنجارية والضرارية وغيرهم يقربون من جهم في مسائل القدر والإيمان، مع مقاربتهم له أيضا في نفي الصفات\".\n\n<span data-type='title' id=toc-380>النجارية:</span> وهم أتباع حسين بن محمد بن عبد الله النجار المتوفى سنة (٢٢٠ هجرية) تقريبًا\nوكان يزعم أن الله سبحانه لم يزل جوادًا بنفي البخل عنه، وأنه لم يزل متكلمًا بمعنى أنه لم يزل غير عاجز عن الكلام، وأن كلام الله سبحانه محدث مخلوق، وكان يقول بقول المعتزلة في التوحيد، إلا في باب الإرادة والجود، وكان يخالفهم في القدر ويقول بالإرجاء. (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-381>الضرارية:</span> وهم أتباع ضرار بن عمرو الغطفاني المتوفى سنة (١٩٠ هجرية) تقريبًا وكان يزعم أن معنى أن الله عالم قادر أنه ليس بجاهل ولا عاجز وكذلك كان يقول في سائر صفات الباري لنفسه) (^٢)\nفكل من النجارية والضرارية يحملون النصوص الثبوتية على المعاني السلبية، كما قال البغدادي عنهم: (من غير إثبات معنى أو فائدة سوى نفي الوصف بنقيض\n_________\n(^١) -مقالات الإسلاميين ١/ ٣٤١ - ٣٤٢، وانظر الفرق بين الفرق ص ٢٠٧، والملل والنحل ١/ ٨٩، ٩٠.\n(^٢) -مقالات الإسلاميين ١/ ٣٣٩.","vol":"2","page":1154},{"text":"تلك الأوصاف عنه) (^١)\nوكان الجهمية والمعتزلة والنجارية والضرارية هم خصوم أهل السنة زمن فتنة القول بخلق القرآن. (^٢)\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"والكُلاَّبية والأشعرية خير من هؤلاء في باب الصفات، فإنهم يثبتون لله الصفات العقلية، وأئمتهم يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، كما فصلت أقوالهم في غير هذا الموضع. وأما في باب القدر، ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة\".\nالشرح\nالكلابية ومعهم قدماء الأشاعرة، إثباتهم أكثر من إثبات المتأخرين، فهم يثبتون الصفات ما عدا الصفات الاختيارية، صفات الأفعال مثل: النزول، والاستواء، والغضب، والرضا، والضحك، وغير ذلك هذه يحرِّفونها، وأما الصفات الذاتية فإنهم يثبتونها.\nالقسم الثاني: متأخرو الأشاعرة لأن الأشاعرة ينقسمون إلى قسمين: متقدمين، ومتأخرين. فمن طبقة الجويني ومن بعده كالغزالي والرازي، إلى يومنا هذا هؤلاء هم المتأخرون الذين يقولون بإثبات سبع صفات فقط، ونفي ما عدا السبع.\nقال ابن تيمية: \" فَالْأَشْعَرِيَّةُ \" وَافَقَ بَعْضُهُمْ فِي الصِّفَاتِ الْخَبَرِيَّةِ وَجُمْهُورُهُمْ وَافَقَهُمْ فِي الصِّفَاتِ الحديثية؛\n_________\n(^١) -الفرق بين الفرق ص ٢١٥.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ١٤/ ٣٥١، ٣٥٢.","vol":"2","page":1155},{"text":"وَأَمَّا فِي الصِّفَاتِ الْقُرْآنِيَّةِ فَلَهُمْ قَوْلَانِ:\no  فَالْأَشْعَرِيُّ والْبَاقِلَانِي وَقُدَمَاؤُهُمْ يُثْبِتُونَهَا.\no  وَبَعْضُهُمْ يُقِرُّ بِبَعْضِهَا؛\nوَفِيهِمْ تَجَهُّمٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى:\n• فَإِنَّ الْأَشْعَرِيَّ شَرِبَ كَلَامَ الجبائي شَيْخِ الْمُعْتَزِلَةِ وَنِسْبَتُهُ فِي الْكَلَامِ إلَيْهِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ؛\n• وَابْنُ الْبَاقِلَانِي أَكْثَرُ إثْبَاتًا بَعْدَ الْأَشْعَرِيِّ فِي \" الْإِبَانَةِ \".\n• وَبَعْدَ ابْنِ الْبَاقِلَانِي ابْنُ فورك فَإِنَّهُ أَثْبَتَ بَعْضَ مَا فِي الْقُرْآنِ.\n• وَ\" أَمَّا الجُوَيْنِي \" وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقَتَهُ: فَمَالُوا إلَى مَذْهَبِ الْمُعْتَزِلَةِ؛ فَإِنَّ أَبَا الْمَعَالِي كَانَ كَثِيرَ الْمُطَالَعَةِ لِكُتُبِ أَبِي هَاشِمٍ قَلِيلَ الْمَعْرِفَةِ بِالْآثَارِ فَأَثَّرَ فِيهِ مَجْمُوعُ الْأَمْرَيْنِ.\n• والقشيري تِلْمِيذُ ابْنِ فورك؛ فَلِهَذَا تغلظ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ مِنْ حِينَئِذٍ وَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَنْبَلِيَّةِ تَنَافُرٌ بَعْدَ أَنْ كَانُوا متوالفين أَوْ مُتَسَالِمِينَ\" (^١).\nوقول المصنف: \"وأما في باب القدر، ومسائل الأسماء والأحكام فأقوالهم متقاربة\".\nوالأشعرية الأغلب عليهم أنهم مرجئة في باب الأسماء والأحكام وجبرية في باب القدر، وأما الصفات فليسوا جهمية محضة بل فيهم نوع من التجهم، ولا يرون الخروج على الأئمة بالسيف موافقة لأهل الحديث وهم في الجملة أقرب المتكلمين\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ٦/ ٥١ - ٥٦.","vol":"2","page":1156},{"text":"إلى أهل السنة والحديث (^١).\nوالأشعرية قولهم في الإيمان أقرب إلى قول الجهمية، فالجهمي يقول: إيمان المعرفة، والأشعري يقول إيمان التصديق، وهو في حقيقته قول الجهمية.\nلو جئت في القدر لوجدت أن المعتزلة قدرية والجهمية جبرية، والأشاعرة كذلك جبرية، فبعض مسائل الاعتقاد الأشاعرة أقرب إلى الجهمية.\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"والكلابية هم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كُلاّب، الذي سلك الأشعرى خلفه، وأصحاب ابن كلاب، كالحارث المحاسبي وأبى العباس القلانسي ونحوهما- خير من الأشعرية في هذا وهذا، فكلما كان الرجل إلى السلف والأئمة أقرب كان قوله أعلى وأفضل\".\nالشرح\nالكلابية: هم أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب القطان (^٢) (ت ٢٤٣ هـ).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"كان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين:\nفأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها.\nوالجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا.\nفأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به، ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٦/ ٥٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٥/ ٥٥٥).","vol":"2","page":1157},{"text":"وقدرته من الأفعال وغيرها. ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري وغيرهما.\nوأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب، ولهذا أمر أحمد بهجره، وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله\" (^١).\nفهذا النهج الذي أحدثه ابن كلاب هو ما صار يعرف فيما بعد بمنهج متكلمة الصفاتية لأن ابن كلاب كان في طريقته يميل إلى مذهب أهل الحديث والسنة، لكن كان في طريقته نوع من البدعة، لكونه أثبت قيام الصفات بذات الله، ولم يثبت قيام الأمور الاختيارية بذاته.\nوقد كانت له جهود في الرد على الجهمية (^٢) ولكنه ناظرهم بطريق قياسية سلم لهم فيها أصولًا هم واضعوها من امتناع تكلمه تعالى بالحروف، وامتناع قيام الصفات الاختيارية بذاته مما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال والكلام وغير ذلك. (^٣) فأصبح بعد ذلك قدوة وإمامًا لمن جاء بعده من هذا الصنف الذين أثبتوا الصفات وناقضوا نفاتها، لكن شاركوهم في بعض أصولهم الفاسدة التي أوجبت فساد بعض ما قالوه من جهة المعقول ومخالفته لسنة الرسول\". (^٤)\nفابن كلاب أحدث مذهبًا جديدًا، فيه ما يوافق السلف وفيه ما يوافق المعتزلة والجهمية. وبذلك يكون قد أسس مدرسة ثالثة وهي مدرسة «الصفاتية» التي\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٢/ ١).\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٧٦).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٦٦).","vol":"2","page":1158},{"text":"اشتهرت بمذهب الإثبات، لكن في أقوالهم شيء من أصول الجهمية. (^١)\nوقد سار على هذا النهج القلانسي، والأشعري، والمحاسبي، وغيرهم، وهؤلاء هم سلف الأشعري والأشاعرة القدماء.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وكان أبو محمد بن كلاب هو الأستاذ الذي اقتدى به الأشعري في طريقه هو وأئمة أصحابه، كالحارث المحاسبي، وأبي العباس القلانسي، وأبي سليمان الدمشقي، وأبي حاتم البستي\" (^٢)\nفابن كلاب هو إمام الأشعرية الأول، وكان أكثر مخالفة للجهمية، وأقرب إلى السلف من الأشعري (^٣).\nولكن هذا النهج الكلابي ابتعد شيئًا فشيئًا عن منهج السلف، وأصبح يقرب أكثر فأكثر إلى نهج المعتزلة وذلك على يد وارثيه من الأشاعرة.\nفابن كلاب كما أسلفنا كان أقرب إلى السلف من أبي الحسن الأشعري، وأبو الحسن الأشعري أقرب إلى السلف من القاضي أبي بكر الباقلاني، والقاضي أبو بكر وأمثاله أقرب إلى السلف من أبي المعالي الجويني وأتباعه (^٤).\nولهذا يوجد في كلام الرازي والغزالي ونحوهما من الفلسفة مالا يوجد في كلام أبي المعالي الجويني وذويه، ويوجد في كلام الرازي والغزالي والجويني من مذهب النفاة المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي الحسن الأشعري وقدماء أصحابه، ويوجد في كلام أبي الحسن الأشعري من النفي الذي أخذه من المعتزلة ما لا يوجد في كلام أبي محمد بن كلاب الذي أخذ أبو الحسن طريقته.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٦).\n(^٢) منهاج السنة (٢/ ٣٢٧).\n(^٣) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٢، ٢٠٣).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١٢/ ٢٠٣).","vol":"2","page":1159},{"text":"ويوجد في كلام ابن كلاب من النفي الذي قارب فيه المعتزلة ما لا يوجد في كلام أهل الحديث والسنة والسلف والأئمة. وإذا كان الغلط شبرًا صار في الأتباع ذراعًا ثم باعًا حتى آل إلى هذا المآل والسعيد من لزم السنة (^١).\nوقد تلاشت الكلابية كفرقة، لكن أفكارها حملت بواسطة الأشاعرة، فقد احتفظ الأشعري وقدماء أصحابه بأفكار الكلابية ونشروها، وبذلك اندرست المدرسة الكلابية الأقدم تاريخًا والأسبق ظهورًا في الأشعرية.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والكلابية هم مشايخ الأشعرية، فإن أبا الحسن الأشعري إنما اقتدى بطريقة أبي محمد بن كلاب، وابن كلاب كان أقرب إلى السلف زمنًا وطريقة. وقد جمع أبو بكر بن فورك (ت ٤٠٦ هـ) كلام ابن كلاب والأشعري وبين اتفاقهما في الأصول\" (^٢).\nفالكلابية أسبق في الظهور من الأشاعرة والماتريدية، فقد نشأت الكلابية في منتصف القرن الثالث، وهي أول الفرق الكلامية بعد الجهمية والمعتزلة، فقد توفي ابن كلاب سنة (٢٤٣ هـ).\nقولهم في الصفات.\nالكلابية: أتباع أبي محمد عبد الله بن سعيد بن كلاب، وقول الحارث المحاسبي (^٣) وأبي العباس القلانسي، وأبي الحسن الأشعري في طوره الثاني،\n_________\n(^١) بغية المرتاد (ص ٤٥١).\n(^٢) الاستقامة (١/ ١٠٥).\n(^٣) -قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان الحارث المحاسبي يوافقه -أي يوافق ابن كلاب -ثم قيل إنه رجع عن موافقته؛ فإن أحمد بن حنبل أمر بهجر الحارث المحاسبي وغيره من أصحاب ابن كلاب لما أظهروا ذلك، كما أمر السري السقطي الجنيد أن يتقى بعض كلام الحارث؛ فذكروا أن الحارث ﵀ تاب من ذلك. وكان له من العلم والفضل والزهد والكلام في الحقائق ما هو مشهور وحكى عنه أبوبكر الكلاباذي صاحب (مقالات الصوفية): (أنه كان يقول إن الله يتكلم بصوت)، وهذا يوافق قول من يقول: إنه رجع عن قول ابن كلاب). مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢١، ٥٢٢.","vol":"2","page":1160},{"text":"وقدماء الأشاعرة كأبي الحسن الطبري والباقلاني وابن فورك، وأبي جعفر السمناني ومن تأثر بهم من الحنابلة كالقاضي أبي يعلى وابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني والتميميين وغيرهم. (^١)\nوهؤلاء يجمعهم أنهم نفاة الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة.\nوهؤلاء يسموْن الصفاتية لأنهم يثبتون صفات الله تعالى خلافًا للمعتزلة، لكنهم لم يثبتوا لله أفعالًا تقوم به تتعلق بمشيئته وقدرته، بل ولا غير الأفعال مما يتعلق بمشيئته وقدرته. (^٢)\nوأصلهم الذي أصلوه في هذا أن الله لا يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته (^٣) لا فعل ولا غير فعل. (^٤)\nوالفرق بينهم وبين المعتزلة:\nأن المعتزلة تقول: (لا تحله الأعراض والحوادث) فالمعتزلة لا يريدون [بالأعراض] الأمراض والآفات فقط، بل يريدون بذلك الصفات. ولا يريدون [بالحوادث] المخلوقات، ولا الأحداث المحيلة للمحل ونحو ذلك -مما يريده الناس بلفظ الحوادث-بل يريدون نفي ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها فلا يجوزون أن يقوم به خلق، ولا استواء، ولا إتيان، ولا مجيء، ولا تكليم، ولا مناداة، ولا مناجاة، ولا غير ذلك مما وصف بأنه مريد له قادر عليه.\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١١، ٦/ ٥٢، ٥٣، ٤/ ١٤٧، شرح الأصفهانية ص ٧٨\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٤.\n(^٤) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٢.","vol":"2","page":1161},{"text":"ولكن ابن كلاب ومن وافقه خالفوا المعتزلة في قولهم: \"لا تقوم به الأعراض\" وقالوا: \"تقوم به الصفات ولكن لا تسمى أعراضًا\".\nووافقوا المعتزلة على ما أرادوا بقولهم: لا تقوم به الحوادث من أنه لا يقوم به أمر من الأمور المتعلقة بمشيئته. (^١)\nففرقوا بين الأعراض -أي الصفات-والحوادث-أي الأمور المتعلقة بالمشيئة. (^٢)\nفالكلابية ومن تبعهم ينفون صفات أفعاله (^٣)، ويقولون: \"لو قامت به لكان محلًا للحوادث. والحادث إن أوجب له كمالًا فقد عدمه قبله وهو نقص، وإن لم يوجب له كمالًا لم يجز وصفه به. (^٤)\nولتوضيح قولهم نقول: إن المضافات إلى الله سبحانه في الكتاب والسنة لا تخلو من ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: إضافة الصفة إلى الموصوف\nكقوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء مِنْ علمه﴾ (^٥) وقوله: ﴿إن الله هو الرَّزَّاق ذو القوَّة﴾ (^٦) فهذا القسم يثبته الكلابية ولا يخالفون فيه أهل السنة، وينكره المعتزلة.\nوالقسم الثاني: إضافة المخلوق.\nكقوله تعالى: ﴿ناقة الله وسقياها﴾ (^٧) وقوله تعالى: ﴿وطهر بيتي\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٠، ٥٢١.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢٥.\n(^٣) -الصفات الفعلية: هي التي تتعلق بمشيئته، أو التي تنفك عن الذات: كالاستواء، والنزول، والضحك، والإتيان، والمجيء، والغضب والفرح. مجموع الفتاوى ٦/ ٦٨، ٥/ ٤١٠.\n(^٤) -مجموع الفتاوى ٦/ ٦٩، وانظر الرد على هذه الشبهة ٦/ ١٠٥.\n(^٥) -الآية ٢٥٥ من سورة البقرة.\n(^٦) -الآية ٥٨ من سورة الذاريات.\n(^٧) -الآية ١٣ من سورة الشمس.","vol":"2","page":1162},{"text":"للطائفين﴾ (^١) وهذا القسم لا خلاف بين المسلمين في أنه مخلوق.\nوالقسم الثالث: -وهو محل الكلام هنا-ما فيه معنى الصفة والفعل.\nكقوله تعالى: ﴿وكلَّم الله موسى تكليما﴾ (^٢) وقوله تعالى: ﴿إن الله يحكم ما يريد﴾ (^٣) وقوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بغضب على غضب﴾ (^٤)\nفهذا القسم الثالث لا يثبته الكلابية ومن وافقهم على زعم أن الحوادث لا تحل بذاته. فهو على هذا يلحق عندهم بأحد القسمين قبله فيكون:\n١ - إما قديمًا قائمًا به.\n٢ - وإما مخلوقًا منفصلًا عنه.\nويمتنع عندهم أن يقوم به نعت أو حال أو فعل ليس بقديم ويسمون هذه المسألة: «مسألة حلول الحوادث بذاته» (^٥) وذلك مثل صفات الكلام، والرضا، والغضب، والفرح، والمجيء، والنزول والإتيان، وغيرها. وبالتالي هم يؤولون النصوص الواردة في ذلك على أحد الوجوه التالية:\n(١) -إرجاعها إلى الصفات الذاتية واعتبارها منها، فيجعلون جميع تلك الصفات قديمة أزلية، ويقولون: نزوله، ومجيئه وإتيانه، وفرحه، وغضبه، ورضاه، ونحو ذلك: قديم أزلي (^٦) وهذه الصفات جميعها صفات ذاتية لله، وإنها قديمة أزلية لا تتعلق بمشيئته واختياره. (^٧)\n(٢) -وإما أن يجعلوها من باب «النسب» و«الإضافة» المحضة بمعنى أن الله خلق العرش بصفة تحت فصار مستويًا عليه، وأنه يكشف الحجب التي بينه وبين خلقه\n_________\n(^١) -الآية ٢٦ من سورة الحج.\n(^٢) -الآية ١٦٤ من سورة النساء.\n(^٣) -الآية ١ من سورة المائدة.\n(^٤) -الآية ٩٠ من سورة البقرة.\n(^٥) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٤، ١٤٧.\n(^٦) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٢.\n(^٧) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١٠.","vol":"2","page":1163},{"text":"فيصير جائيًا إليهم ونحو ذلك. وأن التكليم إسماع المخاطب فقط. (^١)\nفهذه الأمور من صفات الفعل منفصلة عن الله بائنة وهي مضافة إليه، لا أنها صفات قائمة به. ولهذا يقول كثير منهم: \"إن هذه آيات الإضافات وأحاديث الإضافات، وينكرون على من يقول آيات الصفات وأحاديث الصفات. (^٢)\n(٣) -أو يجعلوها «أفعالًا محضة» في المخلوقات من غير إضافة ولا نسبة. (^٣)\nمثل قولهم في الاستواء إنه فعل يفعله الرب في العرش بمعنى أنه يحدث في العرش قربًا فيصير مستويًا عليه من غير أن يقوم بالله فعل اختياري. (^٤)\nوكقولهم في النزول إنه يخلق أعراضًا في بعض المخلوقات يسميها نزولًا. (^٥)\nونفاة الصفات الاختيارية يثبتون الصفات التي يسمونها عقلية وهي الحياة والعلم والقدرة والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام. واختلفوا في صفة البقاء.\nويثبتون في الجملة الصفات الخبرية كالوجه، واليدين، والعين ولكن إثباتهم لها مقتصر على بعض الصفات القرآنية، على أن بعضهم إثباته لها من باب التفويض.\nوأما الصفات الخبرية الواردة في السنة كاليمين، والقبضة، والقدم، والأصابع فأغلب هؤلاء يتأولها. (^٦)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (بل أئمة المتكلمين يثبتون الصفات الخبرية في الجملة، وإن كان لهم فيها طرق كأبي سعيد كلاب وأبي الحسن الأشعري، وأئمة\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٩.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤١١، ٤١٢.\n(^٣) -مجموع الفتاوى ٦/ ١٤٩.\n(^٤) -مجموع الفتاوى ٥/ ٤٣٧، الأسماء والصفات للبيهقي ص ٥١٧.\n(^٥) -مجموع الفتاوى ٥/ ٣٨٦.\n(^٦) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥٢، وموقف ابن تيمية من الأشاعرة ٣/ ١٠٣٤، ١٠٣٦.","vol":"2","page":1164},{"text":"أصحابه: كأبي عبد الله بن مجاهد وأبي الحسن الباهلي، والقاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي إسحاق الإسفرائيني، وأبي بكر بن فورك، وأبي محمد بن اللبان، وأبي علي بن شاذان، وأبي القاسم القشيري، وأبي بكر البيهقي، وغير هؤلاء. فما من هؤلاء إلا من يثبت من الصفات الخبرية ما شاء الله تعالى. وعماد المذهب عندهم: إثبات كل صفة في القرآن.\nوأما الصفات التي في الحديث فمنهم من يثبتها ومنهم من لا يثبتها. (^١)\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"والكرامية قولهم في الإيمان قول منكر لم يسبقهم إليه أحد، حيث جعلوا الإيمان قول اللسان، وإن كان مع عدم تصديق القلب، فيجعلون المنافق مؤمنا، لكنه يخلد في النار، فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم.\nوأما في الصفات والقدر، والوعد والوعيد، فهم أشبه من أكثر طوائف الكلام التي في أقوالها مخالفة للسنة\".\nالشرح\nالكرامية (^٢) هم أتباع محمد بن كرام بن عراق بن حزبة السجستاني المتوفى سنة (٢٥٥ هـ).\nيقول شيخ الإسلام: \"وقام أيضا أبو عبدالله محمد بن كرام بسجستان ونواحيها\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ٤/ ١٤٧، ١٤٨.\n(^٢) يبلغ عدد طوائف الكرامية اثنتا عشرة فرقة وأصولها ستة هي:\n١ - العابدية، ٢ - النونية، ٣ - الزرينية، ٤ - الإسحاقية، ٥ - الواحدية، ٦ - الهيصمية.\nوانظر الكلام عن الكرامية في الفصل لابن حزم (٤/ ٤٥، ٢٠٤ - ٢٠٥)، لسان الميزان (٥/ ٣٥٣ - ٣٥٦)، والفرق بين الفرق (ص ١٣٠ - ١٣٧)، والملل والنحل (١/ ١٨٠ - ١٩٣).","vol":"2","page":1165},{"text":"ينصر مذهب أهل السنة والجماعة، والمثبتة للصفات والقدر وحب الصحابة وغير ذلك، ويرد على الجهمية والمعتزلة والرافضة وغيرهم، ويوافقهم على أصول مقالاتهم التي بها قالوا ما قالوا، ويخالفهم في لوازمها، كما خالفهم ابن كلاب والأشعري، لكن هؤلاء منتسبون إلى السنة والحديث، وابن كرام منتسب إلى مذهب أهل الرأي. \"\nثم ذكر مخالفته للجماعة في جملة من مسائل الاعتقاد منها مسألة الإيمان وختم كلامه بأن موافقة ابن كرام لأهل السنة أعظم من موافقة المعتزلة والرافضة. (^١)\nوهنا تكلم المصنف عن أقوال الكرامية في عدة مسائل من مسائل العقيدة ومن ذلك قولهم في الإيمان \"فهم في باب الإيمان مرجئة يقولون: إن الإيمان هو القول فقط فمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن إن كان مقرًا بقلبه كان من أهل الجنة، وإن كان مكذبًا بقلبه كان منافقًا مؤمنًا من أهل النار، وبعض الناس يحكي عنهم أنه من تكلم به بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، بل يقولون إنه مؤمن كامل الإيمان وإنه من أهل النار\" (^٢).\nفالمرجئة: هم من قالوا بمقالة الإرجاء: وهي تأخير العمل عن مسمَّى الإيمان، فالمرجئة ليسوا صنفًا واحدًا، وإنما هم أصناف خمسة وهي: الجهمية، والكرامية، والأشاعرة، والماتريدية، ومرجئة الفقهاء، فهم خمسة أصناف، ومقالة الإرجاء تشمل كل هؤلاء.\nوالمرجئة على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، وهؤلاء يسمون\n_________\n(^١) «شرح الأصبهانية» (٢/ ٣٢٨)\n(^٢) انظر مجموع الفتاوى (١٣/ ٥٦).","vol":"2","page":1166},{"text":"مرجئة الفقهاء. وهم علماؤهم وأئمتهم وأحسنهم قولًا.\nوقد استقر إرجاء الفقهاء على ثلاثة أسس هي:\n١ - زعمهم أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان وأن الإيمان هو التصديق.\n٢ - زعمهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.\n٣ - زعمهم أنه لا يجوز الاستثناء في الإيمان.\nالقسم الثاني: الذين قالوا: \"هو تصديق القلب فقط وإن لم يتكلم به\".\nوهذا قول الجهمية، وهو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه. فالجهم كان يقول إن الإيمان مجرد تصديق القلب وإن لم يتكلم به. وهذا القول لا يعرف عن أحد من علماء الأمة وأئمتها، بل أحمد ووكيع وغيرهما كفروا من قال بهذا القول. ولكن هذا هو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه؟! ولكن قالوا مع ذلك إن كل من حكم الشرع بكفره حكمنا بكفره واستدللنا على تكفير الشارع له على خلو قلبه من المعرفة.\nالقسم الثالث: الذين يقولون: \"الإيمان هو القول فقط\".\nفمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن إن كان مقرًا بقلبه كان من أهل الجنة، وإن كان مكذبًا بقلبه كان منافقًا مؤمنًا من أهل النار، وهذا قول الكرامية.\nوهو آخر ما أحدث من الأقوال في الإيمان، وبعض الناس يحكى عنهم أن من تكلم به بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، بل يقولون إنه مؤمن كامل الإيمان، وإنه من أهل النار. (^١) وهذا ما أشار إليه المصنف هنا بقوله: \"فيجعلون المنافق مؤمنا، لكنه يخلد في النار، فخالفوا الجماعة في الاسم دون الحكم\".\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨، ٤٨ - ٥٥، ٥٦.","vol":"2","page":1167},{"text":"وقد بين شيخ الإسلام أن المرجئة فيما أثبتوه من إيمان أهل الذنوب، والرحمة لهم أحسنوا، لكن إنما أصل إساءتهم من جهة ما نفوه من دخول الأعمال في الإيمان وعقوبات أهل الكبائر (^١).\nفالمرجئة مع قولهم بأن الله فرض الصلوات الخمس وغيرها من شرائع الإسلام، وحرم الفواحش (^٢)، إلا أن قولهم بالإرجاء يضعف الإيمان بالوعيد، ويهون أمر الفرائض والمحارم (^٣».\nوأما قول المصنف: \"وأما في الصفات والقدر، والوعد والوعيد، فهم أشبه من أكثر طوائف الكلام التي في أقوالها مخالفة للسنة\".\nبين المصنف أن مذهب الكرامية أقرب إلى الحق من مذهب المعطلة؛ لأنهم وافقوا أهل الإثبات وأهل السنة في إثبات موجود قائم بنفسه، وإن كانوا أخطؤوا في مسائل، فإن شيخ الإسلام لم يصوب مذهب الكرامية بل بين أنهم أقرب إلى الحق من المعطلة، حيث إنهم أثبتوا موجودًا قائمًا بنفسه، والمعطلة لم يثبتوا شيئًا.\nويبين ﵀ أن ما يحمدون عليه أحد أمرين:\nإما موافقة أهل السنة.\nوإما الرد على المبتدعة.\nفقال: \"وكذلك متكلمة أهل الإثبات، مثل الكلابية، والكرامية، والأشعرية، إنما قبلوا واتبعوا واستحمدوا إلى عموم الأمة، بما أثبتوه من أصول الإيمان، من إثبات\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ٢٠/ ١١١.\n(^٢) مجموع الفتاوى: ١٧/ ١٠٥.\n(^٣) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ١٠٥)؛ ومجموع الفتاوى (٣/ ١٠٢)؛ و«درء التعارض» (٨/ ٢٣)؛ و«جامع المسائل» (٥/ ٣٧).","vol":"2","page":1168},{"text":"الصانع وصفاته، وإثبات النبوة، والرد على الكفار من المشركين وأهل الكتاب، وبيان تناقض حججهم، وكذلك استحمدوا بما ردوه على الجهمية والمعتزلة والرافضة والقدرية، من أنواع المقالات التي يخالفون فيها أهل السنة والجماعة، فحسناتهم نوعان: إما موافقة أهل السنة والحديث، وإما الرد على من خالف السنة والحديث بيان تناقض حججهم\" (^١).\nومع ذلك فإن الكرامية لهم وعليهم كما سيأتي بيانه.\nوأما عن قول الكرامية في الصفات فهم في باب الصفات يثبتونها ولكنهم خالفوا أهل السنة في مسألتين:\nالمسألة الأولى: أنهم يبالغون في الإثبات ويخوضون في شأن الكيفية، ودخل عليهم ذلك من جهة إطلاقهم لألفاظ مبتدعة كلفظ (الجسم)، و(المماسة).\nومن بدع الكرامية أنهم يقولون في المعبود إنه جسم لا كالأجسام (^٢).\nومن بدعهم قولهم: إن الأزلي الخالق جسم لم يزل ساكنا (^٣).\nويقولون: إن الله جسم قديم أزلي، وإنه لم يزل ساكنًا ثم تحرك لما خلق العالم، ويحتجون على حدوث الأجسام المخلوقة بأنها مركبة من الجواهر المفردة، فهي تقبل الاجتماع والافتراق، ولا تخلوا من اجتماع وافتراق، وهي أعراض حادثة لا تخلو منها، ومالا يخلو من الحوادث فهو حادث.\nوأما الرب فهو عندهم واحد لا يقبل الاجتماع والافتراق، ولكنه لم يزل ساكنًا. والسكون عندهم أمر عدمي، وهو عدم الحركة عمَّا من شأنه أن يتحرك، كما يقول\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ١٠.\n(^٢) لسان الميزان (٥/ ٣٥٤).\n(^٣) درء تعارض العقل والنقل (٣/ ٦).","vol":"2","page":1169},{"text":"ذلك من يقوله من المتفلسفة. وهؤلاء يقولون: إن الباري لم يزل خاليًا من الحوادث حتى قامت به، بخلاف الأجسام المركَّبة من الجواهر المفردة، فإنها لا تخلو من الاجتماع والافتراق (^١).\nويقولون: إن الصفات والأفعال لا تقوم إلا بجسم، ويجوزون وجود جسم ينفك من قيام الحوادث به ثم يحدث فتقوم به بعد ذلك (^٢).\nويقول ابن كرام: إن الله مماس للعرش من الصفحة العليا (^٣).\nويقول كذلك: له حد من الجانب الذي ينتهي إلى العرش ولا نهاية له (^٤).\nوقد غالى أتباع ابن كرام في شأن الكيفية فزعم بعضهم أنه تعالى على بعض أجزاء العرش (^٥).\nوادعى بعضهم أن العرش امتلأ به بحيث لا يزيد على عرشه من جهة المماسة، ولا يفضل منه شيء على العرش (^٦).\nالمسألة الثانية: إن الكرامية يثبتون الصفات بما فيها أن الله تعالى تقوم به الأمور التي تتعلق بمشيئته وقدرته، ولكن ذلك عندهم حادث بعد أن لم يكن، أنه يصير موصوفًا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك، وقالوا: لا يجوز أن تتعاقب عليه الحوادث، ففرقوا في الحوادث بين تجددها ولزومها، فقالوا بنفي لزومها دون حدوثها.\n_________\n(^١) درء تعارض العقل والنقل (٧/ ٢٢٧).\n(^٢) المصدر السابق (٥/ ٢٤٦).\n(^٣) الفرق بين الفرق (ص ١٩٨)، والملل والنحل (١/ ١٠٨ - ١٠٩).\n(^٤) التبصير في الدين (ص ١١٢).\n(^٥) الملل والنحل (١/ ١٠٩).\n(^٦) الفرق بين الفرق (ص ١٩٩)، وأصول الدين للبغدادي (ص ٧٣، ١١٢)، والملل والنحل (١/ ١٠٩).","vol":"2","page":1170},{"text":"فعندهم أن الله يتكلم بأصوات تتعلق بمشيئته وقدرته، وأنه تقوم به الحوادث المتعلقة بمشيئته وقدرته، لكن ذلك حادث بعد أن لم يكن، وأن الله في الأزل لم يكن متكلمًا إلا بمعنى القدرة على الكلام، وأنه يصير موصوفًا بما يحدث بقدرته ومشيئته بعد أن لم يكن كذلك (^١).\nومعلوم أن عقيدة السلف تقوم على إثبات جميع الصفات الذاتية منها والفعلية، وأثبتوا أن الله متصف بذلك أزلًا، وأن الصفات الناشئة عن الأفعال موصوف بها في القدم، وإن كانت المفعولات محدثة (^٢).\nوأما عن قول الكرامية في باب القدر:\nفقد وافقوا أهل السنة في إثبات القدر إجمالًا: ففي مسألة الظلم وافقوا الجمهور في أن الظلم مقدور لله ﷿، وأن الله تعالى منزه عنه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْمًا وَلا هَضْمًا﴾ [طه: ١٢٢ [\nوفي مسألة المحبة والمشيئة: وافقوا السلف في التفريق بينهما.\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ موافقتهم السلف في الموقف من الخلفاء الراشدين، وتفضيل عثمان ﵁.\nقال ﵀: \"والكرامية وأمثالهم هم - أيضًا - من القائلين بالقدر، المثبتين لخلافة الخلفاء، والمفضلين لأبي بكر، وعمر، وعثمان\" (^٣).\nوفي مسألة الإمامة، ذكر أنهم: يرون أن عليًا ومعاوية ﵄ كلاهما مصيب،\n_________\n(^١) انظر مجموع الفتاوى (٦/ ٥٢٤ - ٥٢٥)، ودرء تعارض العقل والنقل (٢/ ٧٦).\n(^٢) انظر مجموع الفتاوى (٦/ ١٤٩، ٥٢٠ - ٥٢٥).\n(^٣) منهاج السنة ١/ ٥٠.","vol":"2","page":1171},{"text":"وعليه: فيجوز عقد البيعة لإمامين في وقت واحد عند الحاجة (^١).\nوأما عن قولهم في مسألة الوعد والوعيد فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية معلقا على مسألة إثابة الله تعالى للطائع، وعفوه عن العاصي، أو معاقبته:\n\"فهذا مذهب أهل السنة الخاصة، وسائر من انتسب إلى السنة والجماعة، كالكلابية، والكرامية، والأشعرية، والسالمية، وسائر فرق الأمة من المرجئة، وغيرهم.\nوالخلاف في ذلك مع الخوارج والمعتزلة، فإنهم يقولون بتخليد أهل النار\" (^٢).\n_________\n(^١) منهاج السنة ٢/ ٢٩٤.\n(^٢) منهاج السنة: (٢/ ٣٠٢)؛ ونحوه في (٤/ ٥٧٠).","vol":"2","page":1172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-382>مذهب القدرية والجهمية في الوعد والوعيد</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وأما المعتزلة فهم ينفون الصفات، ويقاربون قول جهم، لكنهم ينفون القدر، فهم وإن عظموا الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وغلو فيه، فهم يكذِّبون بالقدر، ففيهم نوع من الشرك من هذا الباب\".\nالشرح\nالمعتزلة وهم أتباع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، وهم فرق كثيرة يجمعها ما يسمونه بأصولهم الخمسة وهي شرط في الانتساب إليهم فيقولون: إن الذي يكون على الاعتزال عليه أن يقول بالأصول الخمسة، وهي:\n١. العدل.\n٢. والتوحيد.\n٣. والمنزلة بين المنزلتين.\n٤. والوعد والوعيد.\n٥. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nفالتوحيد عندهم: نفي الصفات.\nوالعدل: هو القول بالقدر.\nوالوعد والوعيد: هو قولهم في مسائل الإيمان.","vol":"2","page":1173},{"text":"والمنزلة بين المنزلتين: هذه في مسألة مرتكب الكبيرة.\nوالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وهذا هو الأصل الخامس عند هؤلاء.\nفلابد لمن يكون معتزلياًّ أن يكون على هذا.\nوالاعتزال في حقيقته يحمل خليطًا من الآراء الباطلة التي كانت موجودة في ذلك العصر، فقد جمع المعتزلة بين أفكار الجهمية، والقدرية، والخوارج، والرافضة.\nفقد شاركوا الجهمية في بعض أصولهم، فوافقوهم في إنكار الصفات، فزعموا أن ذات الله لا تقوم بها صفة ولا فعل، كما سيأتي تفصيله. وقالوا بإنكار رؤية الله يوم القيامة وقالوا إن القرآن مخلوق إلى غير ذلك.\nكما شاركوا القدرية في إنكارهم لقدرة الله في أفعال العباد، وأخذوا عنهم القول بأن العباد يخلقون أفعالهم.\nكما شاركوا الخوارج في مسألة الإيمان، وقالوا بقولهم إن الإيمان قول، واعتقاد، وعمل، لا يزيد ولا ينقص، وأنه إذا ذهب بعضه زال كلّه.\nوبناءً على ذلك شاركوهم في مسألة مرتكب الكبيرة، فالمعتزلة وإن قالوا بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، لكنهم وافقوا الخوارج في قولهم بأن مرتكب الكبيرة في الآخرة خالد مخلد في النار.\nوأخذوا كذلك عن الخوارج رأيهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\nوعلى هذا فأفكار المعتزلة إنما هي خليط من آراء الفرق المخالفة في عصرهم.\nوأفكار المعتزلة يحملها اليوم كل من: الرافضة الإمامية، والزيدية، والإباضية، وكذلك من يسمون بالعقلانيين.\nفالمعتزلة ومعهم النجارية والضرارية والرافضة الإمامية والزيدية","vol":"2","page":1174},{"text":"والإباضية وغيرهم. وهؤلاء مشتركون مع الجهمية والفلاسفة في نفي الصفات (^١) وإن كان بين الفلاسفة والمعتزلة نوع فرق (^٢)\nوالمعتزلة تعطيلهم أقل درجة، لأنهم يقتصرون على نفي الصفات، ويثبتون الأسماء، وإن كان ينبغي أن تفهم أن إثباتهم للأسماء إنما هو إثبات شكلي، لأنهم يثبتون ألفاظها وينفون معانيها، وهم يقولون: سميع بلا سمع، ويثبتون الأسماء إثباتًا شكليًّا وينفون الصفات.\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"والإقرار بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، مع إنكار القدر، خير من الإقرار بالقدر مع إنكار الأمر والنهي والوعد والوعيد\"\nالشرح\nيعقد المصنف مقارنة بين حال المرجئة وحال القدرية، ومعلوم أن القدرية عظموا الأمر والنهي وهذا ظاهر من خلال قولهم في الإيمان وقولهم في حكم مرتكب الكبيرة فهم يدخلون العمل في مسمى الإيمان ويقولون إن الإيمان قول واعتقاد وعمل وكذلك يقولون بأن مرتكب الكبيرة في منزلة بين منزلتين في الدنيا وهو في الآخرة مخلد في النار، وهذه الأقوال يظهر فيها تعظيم الأمر والنهي وإن كانت أقوالًا خاطئة من جهة أخرى. \"وقول القدرية والْخَوَارِجِ فِي عُمُومِ الْأُمَّةِ يقوم على أَنْ لَا يَكُونَ لِأَحَدِهِمْ ذَنْبٌ، وَمَنْ كَانَ لَهُ ذَنْبٌ كَانَ عِنْدَهُمْ كَافِرًا مُخَلَّدًا فِي النَّارِ. وَهَذَا\n_________\n(^١) -مجموع الفتاوى ١٣/ ١٣١.\n(^٢) -مجموع الفتاوى ٦/ ٥١.","vol":"2","page":1175},{"text":"بَاطِلٌ خِلَافَ مَا خَلَقَهُ اللَّهُ، وَخِلَافَ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ. \" (^١)\nأما المرجئة فإنهم لم يعظموا الأمر والنهي بإخراجهم العمل عن مسمى الإيمان، وقد بين شيخ الإسلام أن المرجئة فيما أثبتوه من إيمان أهل الذنوب، والرحمة لهم أحسنوا، لكن إنما أصل إساءتهم من جهة ما نفوه من دخول الأعمال في الإيمان وعقوبات أهل الكبائر. (^٢)\nفالمرجئة مع قولهم بأن الله فرض الصلوات الخمس وغيرها من شرائع الإسلام، وحرم الفواحش (^٣)، إلا أن قولهم بالإرجاء يضعف الإيمان بالوعيد، ويهون أمر الفرائض والمحارم. (^٤)\nومن المرجئة من تسترسل نفسه في المحرمات وترك الواجبات، حتى يكون من شر الخلق. (^٥)\nفخلاصة الأمر أن المرجئة قصروا في النهي عن المنكر، وفي الأمر بكثير من المعروف. (^٦)\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"ولهذا لم يكن في زمن الصحابة والتابعين من ينفي الأمر والنهي، والوعد والوعيد، وكان قد نبغ فيهم القدرية، كما نبغ فيهم\n_________\n(^١) - منهاج السنة النبوية ٦/ ٣٦٧.\n(^٢) انظر: «الفتاوى» (٢٠/ ١١١).\n(^٣) انظر: «الفتاوى» (١٧/ ١٠٥).\n(^٤) انظر: «الفتاوى» (٨/ ١٠٥)؛ و«التدمرية»، (ص ١٨٩ - ١٩٠) «الفتاوى» (٣/ ١٠٢)؛ و«درء التعارض» (٨/ ٢٣)؛ و«جامع المسائل» (٥/ ٣٧).\n(^٥) انظر: «منهاج السنة» (٥/ ٣٢٧).\n(^٦) انظر: «الفتاوى» (٢٠/ ١١١).","vol":"2","page":1176},{"text":"الخوارج الحرورية، وإنما يظهر من البدع أولًا ما كان أخف، وكلما ضعف من يقوم بنور النبوة قويت البدعة\".\nالشرح\nيشير المصنف إلى ترتيب ظهور المقالات من حيث التسلسل الزمني فمقالة الخوارج ومقالة التشيع وكذلك مقالة مرتكب الكبيرة وكذلك مقالة القَدَر، فهذه المقالات أسبق ظهورًا من مقالةِ الإرجاء\n\n<span data-type='title' id=toc-383>مقالة الخوارج</span>\nفقد كان المسلمون في خلافة أبي بكر وعمر وصدرًا من خلافة عثمان متفقين لا تنازع بينهم، وكانوا على ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول. (^١) إلى أن حدث في أواخر خلافة عثمان ﵁ أمور أوجبت نوعًا من التفرق، وقام قوم من أهل الفتنة فقتلوا عثمان ﵁ سنة (٣٥ هـ)، فتفرق المسلمون بعد مقتل عثمان، ووقعت الفتنة، وأدى ذلك إلى اقتتالهم بصفين سنة (٣٧ هـ)، واتفقوا على تحكيم حكمين، فخرجت الخوارج من ذلك الحين على أمير المؤمنين علي ﵁، وفارقوا جماعة المسلمين.\nإلى مكان يقال له: \"حروراء\" فكف عنهم إلى أن استحلوا دماء المسلمين وأموالهم، فعلم علي ﵁ أنهم الطائفة التي ذكرها رسول الله ﷺ فقاتلهم فهم الفرقة المارقة التي قال فيها النبي ﷺ: \"تمرق مارقة عند فُرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق\". (^٢)\nوكانت بدعتهم إنما هي من سوء فهمهم للقرآن؛ ولم يقصدوا معارضته، ولكن\n_________\n(^١) منهاج السنة ١/ ٣٠٦.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم ٣/ ١١٣ ط ١، دار المعرفة","vol":"2","page":1177},{"text":"فهموا منه ما لم يدل عليه، فظنوا أنه يوجب تكفير أرباب الذنوب، إذ المؤمن هو البر والتقي، فقالوا: فمن لم يكن برًا تقيًا فهو كافر، وهو مخلد في النار؛ ثم قالوا: وعثمان وعلي ومن والاهما ليسوا بمؤمنين لأنهم حكموا بغير ما أنزل الله، فكانت بدعتهم لها مقدمتان:\n\"الأولى\": أن من خالف القرآن بعمل أو برأي أخطأ فيه فهو كافر.\n\"الثانية\": أن عثمان وعليًا ومن والاهما كانوا كذلك. (^١)\nوبذلك خرجت الخوارج بجهلهم وعتوهم وتكفيرهم للمسلمين وقتلهم إياهم. (^٢) وكانت آراؤهم مفرعة على الجهل وقوة النفوس والاعتقاد الفاسد.\n\n<span data-type='title' id=toc-384>مقالة الشيعة</span>\nوحدثت أيضًا في خلافة علي ﵁ (٣٥ - ٤٠ هـ) بدعة (التشيع) لكن أصحابها كانوا مختفين بقولهم لا يظهرونه لعلي وشيعته، بل كانوا ثلاث طوائف.\nالطائفة الأولى:\n\"الغلاة\" المدعين لإلهية علي، وهؤلاء لما ظهر عليهم أحرقهم بالنار، فإنه خرج ذات يوم فسجدوا له، فقال لهم: ما هذا؟ فقالوا: أنت هو. قال: من أنا؟ قالوا: أنت الله الذي لا إله إلا هو. فقال: ويحكم هذا كفر فارجعوا عنه وإلا ضربت أعناقكم، فصنعوا به في اليوم الثاني والثالث كذلك، فأخرهم ثلاثة أيام -لأن المرتد يستتاب ثلاثة أيام-فلما لم يرجعوا أمر بأخاديد من نار فخدت عند باب كنده، وقذفهم في تلك النار، وروى عنه أنه قال:\nلما رأيت الأمر أمرًا منكرًا … أججت ناري ودعوت قنبرًا\nوالطائفة الثانية:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣١، ٣٢.\n(^٢) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/ ١٠.","vol":"2","page":1178},{"text":"\"السابة\" الذين يسبون أبا بكر وعمر، فإن عليًا لما بلغه ذلك طلب ابن السوداء الذي بلغه ذلك عنه، وقيل إنه أراد قتله فهرب منه إلى أرض قرقيسيا أي ما تسمى اليوم (قرغيزيا).\nوالطائفة الثالثة:\n\"المفضلة\" الذين يفضلونه على أبي بكر وعمر، فأمر بجلدهم، فقد روى عنه أنه قال:\n\"فلا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا ضربته حد المفتري.\nوقد تواتر عنه أنه كان يقول على منبر الكوفة: \"خير هذه الأمة بعد نبيها أبوبكر ثم عمر، روى هذا عنه من أكثر من ثمانين وجهًا ورواه البخاري (^١) وغيره)\nقال الهروي: (وأما فتنة قصب السلف [أي الرفض] فإن الكوفة دارها التي حرفتها، ثم طار في الأفاق شررها، واستطار فيها ضررها، وإنما هاجتها أحلام فيها ضيق، وأشربتها قلوب فيها حمق، ولها عروق خفية، السلامة للقلوب في ترك إظهار بعضها، وأربابها أحمق خلق الله تعالى، عرضت تساوى بين علي بن أبي طالب وأبي بكر وعمر، ثم أخذت تفضله عليهما وتخاصمهما وتضلهما وتوليه حقهما، ثم جاءت تعدله بالمصطفى ﷺ وتشركه في وحي السماء، ثم خطأت جبريل ﵇ في نزوله، فخلّت الأمة من النبوة، وأحوجتها إلى علي ﵁، ثم ادعت له الإلهية ثم ادعتها لولده.\nقال الإمام المطلبي: \"لو كانوا دوابًا لكانوا حُمُرًا، ولو \"كانوا طيرًا لكانوا رخمًا\". (^٢)\nفاستظهرت بهؤلاء الغالية أرباب القلوب المريضة، فتظاهرت على قصب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب فضائل أصحاب النبي ﷺ، باب حدثنا الحميدي وعبد الله. ٥/ ٧\n(^٢) منهاج السنة ١/ ٣٠٧، ٣٠٨، مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٣، ٣٤.","vol":"2","page":1179},{"text":"السلف الذين هم الناقلون وفيهم قانون الدين والملة، فهؤلاء الذين قالوا في السلف الصالح بالقول السيئ أرادوا القدح في الناقل لأن القدح في الناقل إبطال المنقول، فأرادوا إبطال الشرع الذي نقلوا، وإنما تعلقوا بعلي بن أبي طالب تسلحًا.\nولم تكابد الأمة من شؤم شيء ما كابدت من شؤم تلك الفتنة. لم يكد قلب مسلم يسلم من شرب منها إلا من رحم ربك فعصم. (^١)\nومنذ أن ظهر التشيع واليهود (^٢) والمجوس (^٣) يوقدون ناره تحت دعوى أن للرسول ﷺ وصيًا هو علي بن أبي طالب، ولكن الصحابة تمالؤا على ظلمه وكتمان الوصية على حد زعمهم الكاذب.\nولم يزل التشيع يتطور بتطرفه وتشيعه، حتى صار ملجأً لكل من يريد أن يحارب الإسلام والمسلمين، فقد دخل في الرافضة أهل الزندقة والإلحاد من \"النصيرية\" و\"الإسماعيلية\" وأمثالهم من الملاحدة \"القرامطة\" وغيرهم ممن كان بخراسان والعراق والشام وغير ذلك. (^٤)\nومن شنيع عقائدهم القول بأن القرآن مبدل ومحرف ومزيد فيه ومنقوص منه، وأن معظم الصحابة ارتدوا بعد إسلامهم إن لم يكونوا كلهم ماعدا علي بن أبي طالب ونفر قليل معهم.\nوقد وصل الضلال ببعضهم والجراءة على الله تعالى، إلى أن يقول بخيانة جبريل للرسالة، وأنه أرسل إلى علي فعدل إلى محمد.\nولم يزل الرفض يبتعد بأهله عن الدين والعقل والفطرة إلى يومنا هذا. (^٥)\n_________\n(^١) ذم الكلام للهروي ص ٣٠٤، ٣٠٥ «بتصرف»\n(^٢) انظر كتاب بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود، لعبد الله الجميلي.\n(^٣) انظر كتاب «وجاء دور المجوس» لعبد الله الغريب.\n(^٤) مجموع الفتاوى ٢٨/ ٥٢٨.\n(^٥) شرح كتاب التوحيد من صحيح البخاري ١/ ١٠.","vol":"2","page":1180},{"text":"فهاتان البدعتان: بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في ذلك الوقت لما وقعت الفتنة، (^١) بعد مقتل عثمان ﵁ فلما قتل ذو النورين بين ظهراني المسلمين في الشهر الحرام، وفي حرم الرسول ﷺ بأعين المسلمين، وانشقت العصا وتفرقت الجماعة، تشاءمت الأعين، وتخاذلت الأنفس، اختلفت الآراء، وتباعدت القلوب، وساءت الظنون، واستعلت الريب، واستقوت التهم، وجدت كل فتنة فرصتها، فلفظت غصتها، واشتغل الرعاع، وأسلم الشارك، وتزاحف أئمة الهدى رغبة في زهرة الدنيا، فأخذت الغواة أزمة الضلالة، فتهوست لها من قلوب أهل الغفلة. (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-385>مقالة القدرية</span>\nثم حدثت بعد ذلك بدعة \"القدرية\" في آخر عصر الصحابة (^٣) وكان القدر قد حدث أهله قبل أهل النفي للصفات، فمقالة القدر ظهرت في خلافة عبد الله الزبير (٦٤ - ٧٣ هـ) بعد موت معاوية. (^٤)\nولهذا تكلم فيهم عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وواثلة بن الأسقع. (^٥) ﵃.\nوابن عباس مات (٦٨ هـ) قبل ابن الزبير وابن عمر مات عقب موته (٧٤ هـ).\nوعقب ذلك تولى الحجاج العراق سنة بضع وسبعين، فبقي الناس يخوضون في القدر بالحجاز، والشام، والعراق، وأكثره كان بالشام والعراق بالبصرة، وأقله كان بالحجاز. (^٦)\n_________\n(^١) منهاج السنة ١/ ٣٠٨.\n(^٢) ذم الكلام للهروي ص ٣٠٣\n(^٣) منهاج السنة ١/ ٣٠٨.\n(^٤) الحسنة والسيئة ص ١٠٣.\n(^٥) منهاج السنة ص ١٠٣.\n(^٦) الحسنة السيئة ص ١٠٣.","vol":"2","page":1181},{"text":"وأول من عرف بنفي القدر، رجل مجوسي يقال سيسويه من الأساورة، وإن كان قد اشتهر أن أول من قال به معبد الجهني. (^١)\nقال الهروي: (فأما القدر فأول من تكلم به معبد الجهني رجل من أهل البصرة، كان عنده حظ من العلم يقال له \"معبد بن خالد، ويقال معبد ابن عبد الله بن عويم، مات بعد الهزيمة وكان يومئذ مع ابن الأشعث، وأصابته جراحة، وهو أول من تكلم بالقدر، وهو الذي تبرأ منه عبد الله ابن عمر بن الخطاب. (^٢) مات قبل التسعين (^٣) قتله الحجاج بن يوسف وقيل صلبه عبد الملك بن مروان سنة ثمانين. (^٤)\nوأخذ غيلان الدمشقي عن معبد الجهني (^٥)\nقال الهروي: (فتكلم عليه عمرو بن عبيد، وجادل به غيلان بن مسلم الدمشقي وغيلان هو ابن أبي غيلان أبو مروان من موالي عثمان، وكان عنده حظ من العلم، تكلم به أيام عبد الملك بن مروان، واستتابه عمر بن عبد العزيز، ثم ظهر منه تكذيب التوبة (^٦) زمن يزيد بن عبد الملك ثم لما ولى هشام بن عبد الملك سنة (١٠٦ هـ) أرسل إلى غيلان وأحضر له الأوزاعي لمناظرته، ثم قتله (^٧) فصلب على باب الشام بأخزى حالة لقيها بشر. (^٨)\n(وأما عمرو بن عبيد فهو عمرو بن كيسان أبو عثمان مولى بني تميم البصري،\n_________\n(^١) تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٥.\n(^٢) ذم الكلام ص ٣٠٣.\n(^٣) سير أعلام النبلاء ٤/ ١٨٧.\n(^٤) تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٥، سير أعلام النبلاء ٤/ ١٨٧.\n(^٥) سير أعلام النبلاء ٤/ ١٨٧.\n(^٦) ذم الكلام ص ٣٠٣.\n(^٧) الشريعة للآجري ص ٢٢٨، التنبيه والرد للملطي ص ١٦٨.\n(^٨) ذم الكلام ص ٣٠٣.","vol":"2","page":1182},{"text":"مات سنة ثلاث وأربعين ومائة في طريق مكة فإنه أول من بسط أساسه فأصبح رأسه، ونظم له كلاما ونصبه إمامًا، ودعا إليه ودل عليه، فصار مذهبًا يسلك، وهو إمام الكلام وداعية الزندقة الأولى رأس المعتزلة، سموا به لاعتزاله حلقة الحسن البصري، وهو الذي لعنه إمام أهل الأثر مالك بن أنس الأصبحي، وإمام أهل الرأي النعمان بن ثابت الكوفي أبو حنيفة، وحذر منه إمام أهل الشرق عبد الله بن المبارك الحنظلي، فسلط الله عليه وعلى من استتبع واخترع، سيفًا من سيوف الإسلام وهو أبوبكر أيوب بن أبي تميمة السختياني، فهتك استاره، وأظهر عواره، ورسمه باللعنة وألحق به بلاء تلك الفتنة) (^١).\nونفاة القدر أرادوا منازعة الله في الربوبية فضاهوا بذلك المجوسية الأولى وهم الزنادقة. (^٢)\nوأصل بدعة القدرية كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أن ذلك ممتنع؛ وكانوا قد آمنوا بدين الله وآمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من يطيع ومن يعصي، لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر وهو يعلم أن المأمور يعصيه، وظنوا أيضًا أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يفسد.\nفلما بلغ قولهم بإنكار القدر الصحابة أنكروه إنكارًا عظيمًا وتبرؤا منهم. ثم كثر الخوض في القدر فصار مقتصدوهم وجمهورهم يقرون بالقدر السابق وبالكتاب المتقدم، وصار النزاع في الإرادة وخلق أفعال العباد فصاروا في ذلك حزبين:\n١ - \"النفاة\": يقولون لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئًا من أفعال العباد.\n_________\n(^١) ذم الكلام ص ٣٠٣.\n(^٢) ذم الكلام ص ٣٠٥.","vol":"2","page":1183},{"text":"٢ - \"المجبرة\" كالجهم بن صفوان وأمثاله، قابلوا الفريق الأول فقالوا ليست الإرادة إلا بمعنى المشيئة، والأمر والنهي لا يستلزم إرادة، وقالوا العبد لا فعل له البتة ولا قدرة، بل الله هو الفاعل القادر فقط. (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-386>مقالة المعتزلة</span>\nثم أحدثت المعتزلة القول بالمنزلة بين المنزلتين وقالوا بإنفاذ الوعيد وخلود أهل التوحيد في النار، وأن النار لا يخرج منها من دخلها. (^٢)\nوكانت \"الخوارج\" قد تكلموا في تكفير أهل الذنوب من أهل القبلة، وقالوا: \"إنهم كفار مخلدون في النار، فخاض الناس في ذلك (^٣) وخاض في ذلك المعتزلة بعد موت الحسن البصري (١١٠ هـ) في أوائل المائة الثانية، ولم يكن الناس إذ ذاك قد أحدثوا شيئًا من نفي الصفات. (^٤)\nفقال عمرو عبيد (١٤٣ هـ) وأصحابه لا هم مسلمون ولا كفار بل هم في منزلة بين المنزلتين، وهم مخلدون في النار. فوافقوا الخوارج على أنهم مخلدون، وعلى أنهم ليس معهم من الإسلام والإيمان شيء، ولكن لم يسموهم كفارًا. واعتزلوا حلقة أصحاب الحسن البصري، مثل قتادة وأيوب السختياني وأمثالهما، فسموا معتزلة من ذلك الوقت بعد موت الحسن، وقيل إن قتادة كان يقول: أولئك المعتزلة. (^٥) والمعتزلة الذين كانوا في زمن عمرو بن عبيد وأمثاله لم يكونوا جهمية، وإنما كانوا يتكلمون في الوعيد وإنكار القدر، وإنما حدث فيهم نفي الصفات بعد هذا، ولهذا لما ذكر الإمام أحمد قول جهم في رده على الجهمية قال: (فاتبعه قوم\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦، ٣٧.\n(^٢) كتاب الحسنة والسيئة ص ١٠٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٧.\n(^٤) كتاب الحسنة والسيئة ص ١٠٣.\n(^٥) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٧، ٣٨.","vol":"2","page":1184},{"text":"من أصحاب عمرو بن عبيد وغيره، واشتهر هذا القول عن أبي الهذيل العلاف والنظام وأشباههم من أهل الكلام. (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-387>مقالة المرجئة</span>\nوحدثت المرجئة، وكان أكثرهم من أهل الكوفة، فصاروا نقيض الخوارج والمعتزلة فقالوا إن الأعمال ليست من الإيمان. (^٢)\nوأول ما ظهرت بدعة الإرجاء بعد فتنة ابن الأشعث سنة (٨٣ هـ) وقيل إن أول من قال به هو ذر بن عبد الله المرهبي الهمداني (توفي قبل المائة).\nفقد أخرج عبد الله بن الإمام أحمد بسنده عن سلمة بن كهيل (قال: وصف \"ذر\" الإرجاء وهو أول من تكلم فيه، ثم قال إني أخاف أن يتخذ هذا دينًا، فلما أتته الكتب من الأفاق قال فسمعته يقول بعد وهل أمر غير هذا)\nوقال أبو داود: كان مرجئًا وهجره إبراهيم النخعي وسعيد بن جبير بالإرجاء. (^٣)\nوذكر شيخ الإسلام ابن تيمية: (أن حماد بن أبي سليمان (ت ١٢٠ هـ) هو أول من قال بالإرجاء) (^٤)\nوكانت بدعة الإرجاء مقتصرة في بدايتها على إرجاء الفقهاء ولذلك كانت هذه البدعة أخف البدع، فإن كثيرًا من النزاع فيها نزاع في الاسم واللفظ دون الحكم، (^٥) إذ كان الفقهاء الذين يضاف إليهم هذا القول مثل حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة وغيرهما مع سائر أهل السنة متفقين على أن الله يعذب من يعذبه من أهل الكبائر\n_________\n(^١) شرح الأصفهانية ص ٦٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨.\n(^٣) السنة لعبد الله بن الإمام أحمد (١/ ٣٢٩ رقم ٦٧٧).\n(^٤) تهذيب التهذيب ٣/ ٢١٨.\n(^٥) مجموع الفتاوى ٧/ ٢٩٧، ٣١١، ٥/ ٥٠٧.","vol":"2","page":1185},{"text":"بالنار ثم يخرجهم بالشفاعة، وعلى أنه لابد في الإيمان أن يتكلم بلسانه، وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة وتاركها مستحق للذم والعقاب. فكان الخلاف معهم في الأعمال هل هي من الإيمان؟، وفي الاستثناء ونحو ذلك عامته نزاع لفظي. (^١)\nوصارت المرجئة بعد ذلك على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: الذين قالوا: الإيمان تصديق القلب وقول اللسان، وهؤلاء يسمون مرجئة الفقهاء. وهم علماؤهم وأئمتهم وأحسنهم قولًا.\nوقد استقر إرجاء الفقهاء على ثلاثة أسس هي:\n١ - زعمهم أن العمل لا يدخل في مسمى الإيمان وأن الإيمان هو التصديق.\n٢ - زعمهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص.\n٣ - زعمهم أنه لا يجوز الاستثناء في الإيمان.\nالقسم الثاني: الذين قالوا: \"هو تصديق القلب فقط وإن لم يتكلم به\".\nوهذا قول الجهمية، وهو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه. فالجهم كان يقول إن الإيمان مجرد تصديق القلب وإن لم يتكلم به. وهذا القول لا يعرف عن أحد من علماء الأمة وأئمتها، بل أحمد ووكيع وغيرهما كفروا من قال بهذا القول. ولكن هذا هو الذي نصره الأشعري وأكثر أصحابه؟! ولكن قالوا مع ذلك إن كل من حكم الشرع بكفره حكمنا بكفره واستدللنا على تكفير الشارع له على خلو قلبه من المعرفة.\nالقسم الثالث: الذين يقولون: \"الإيمان هو القول فقط\".\nفمن تكلم به فهو مؤمن كامل الإيمان، لكن إن كان مقرًا بقلبه كان من أهل الجنة، وإن كان مكذبًا بقلبه كان منافقًا مؤمنًا من أهل النار، وهذا قول الكرامية.\nوهو آخر ما أحدث من الأقوال في الإيمان، وبعض الناس يحكى عنهم أن من\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨، ٤٨.","vol":"2","page":1186},{"text":"تكلم به بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، بل يقولون إنه مؤمن كامل الإيمان، وإنه من أهل النار. (^١)\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"فهؤلاء المتصوفون الذين يشهدون الحقيقة الكونية، مع إعراضهم عن الأمر والنهي شر من القدرية المعتزلة ونحوهم، أولئك يشبَّهون بالمجوس، وهؤلاء يشبَّهون بالمشركين الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام الآية: ١٤٨]، والمشركون شر من المجوس\".\nالشرح\nيشير المصنفُ بهذا إلى بعض كبار شيوخ المتصوفة المُدَّعين للتحقيق والتوحيد والعرفان؛ إذ وقع هؤلاء في هذا المزلق الخطير، وهو إقصاؤهم للأمور الشرعية، وتركيزهم على الحقائق الكونية القدرية، وإن كان نظرهم كذلك هو نظر الجبرية.\n\nفالصوفية والجبرية يتكلمون بلسان واحد في باب القَدَر، فإذا ذكر الصوفية في هذه المسائل فاعلم أنَّهم جبرية؛ فهم والجهمية في خندق واحد، مع تعطيلهم لباب الحقائق الدينية، ومع تعطيلهم للأوامر والنواهي، فما أراده الجَهْمُ- وهو أول مَنْ برز بعد الجعد في مسائل الكلام- أراد هؤلاء أن يحققوه، فالهدف عندهم واحد، والطريق واحد، والمؤدَّى واحد، فانظر كيف يلتقي أهل الباطل مع بعضهم في هذه المسائل.\n\nوقول المصنف: وهؤلاء يشبَّهون بالمشركين\".\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٨، ٤٨ - ٥٥، ٥٦.","vol":"2","page":1187},{"text":"أي أنهم قد يشهدون ما يُقَدَّر على أحدهم من المعاصي والذنوب، أو ما يُقَدَّر على الناس من ذلك؛ بل من الكفر، ويشهدون أن هذا جار بمشيئة الله وقضائه وقدره، داخل في حُكم رُبوبيته ومقتضى مَشيئته؛ فيَظنون الاستسلام لذلك وموافقته والرِّضا به ونَحْو ذَلِك دينًا وطريقًا وعبادَة؛ ويقولون بأن هذا هو شهود الحقيقة الكونية.\n\nوهذا وجه الغلط عندهم.\nأنهم يقررون أن الكُفَّار لا يُلامون على كفرهم، وأنَّ العُصاة لا يلامون على معصيتهم؛ لأنهم- كما يزعمون- قد حَقَّقوا قدرَ الله تعالى!\nفأصبح حالهم كحال القدرية من المشركين الذين قال الله ﷾ فيهم: ﴿لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء﴾ [الأنعام: ١٤٨]، وكذلك في قولهم: ﴿أنطعم مَنْ لو يشاء الله أطعمه﴾ [يس: ٤٧]، وقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]؛ فمقولة هؤلاء وحالهم هي نفس مقولة أولئك وحالهم.\nومعلوم عن طائفة من أهل التصوف أنهم عطلوا العبودية عن معناها الحق؛ فجعلوا أمر التوحيد مقصورًا على الإيمان بالحقائق الكونية القدرية؛ فلهم انحراف في باب القَدَر، وخلاصته أنهم جبرية.\nوكذلك في مقام التوكل أسقطوا الأسباب، ولم يُفَرِّقوا بين مشيئة الله ﷿ الكونية القدرية وبين مشيئته الدينية الشرعية؛ فلم يفرقوا بين ما شاءه الله كونًا وقدرًا، وبين ما أحبَّه دينًا وشرعًا، وجعلوا الأمرين على حدٍّ سواء؛ فتخبطوا وضَلُّوا في هذا الباب.\nونفاة القدر أرادوا منازعة الله في الربوبية فضاهوا بذلك المجوسية الأولى وهم الزنادقة. (^١)\n_________\n(^١) ذم الكلام ص ٣٠٥.","vol":"2","page":1188},{"text":"وأصل بدعة القدرية كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أن ذلك ممتنع؛ وكانوا قد آمنوا بدين الله وآمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من يطيع ومن يعصي، لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر وهو يعلم أن المأمور يعصيه، وظنوا أيضًا أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يفسد.\nفلما بلغ قولهم بإنكار القدر الصحابة أنكروه إنكارًا عظيمًا وتبرؤا منهم. ثم كثر الخوض في القدر فصار مقتصدوهم وجمهورهم يقرون بالقدر السابق وبالكتاب المتقدم، وصار النزاع في الإرادة وخلق أفعال العباد فصاروا في ذلك حزبين:\n١ - \"النفاة\": يقولون لا إرادة إلا بمعنى المشيئة، وهو لم يرد إلا ما أمر به، ولم يخلق شيئًا من أفعال العباد.\n٢ - \"المجبرة\" كالجهم بن صفوان وأمثاله، قابلوا الفريق الأول فقالوا ليست الإرادة إلا بمعنى المشيئة، والأمر والنهي لا يستلزم إرادة، وقالوا العبد لا فعل له البتة ولا قدرة، بل الله هو الفاعل القادر فقط. (^١)\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"فهذا أصل عظيم، على المسلم أن يعرفه، فإنه أصل الإسلام الذي يتميز به أهل الإيمان من أهل الكفر، وهو الإيمان بالوحدانية والرسالة: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله\".\nالشرح\nفلا يدخل الإنسان الإسلام إلا بعد أن ينطق بالشهادتين؛ (شهادة أن لا إله إلا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٦، ٣٧.","vol":"2","page":1189},{"text":"الله وأنَّ محمدًا رسول الله)؛ فلا إله إلا الله، معناها: لا معبود بحقٍّ إلا الله، ومحمد رسول الله معناها لا متبوع في أداء العبادة ولا قُدوة للنَّاس إلا رسول الله -ﷺ-؛ قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١].\nفمن أراد السعادة في الدنيا والآخرة فعليه باقتفاء أثره -ﷺ-، والعَض على ما جاء به، وأن لا يَعبد اللهَ إلا بما شرع رسولُه -ﷺ-؛ قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر الأية: ٧]، وكذلك من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله وَجَبت له الجنَّةُ، كما جاء في الحديث (^١).\nيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر. \" (^٢)\nوقال أيضًا\" \" (فأما الشهادتان) إذا لم يتكلم بهما مع القدرة فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطنًا وظاهرًا عند سلف الأمة وأئمتها وجماهير علمائها\" (^٣)\nوقال أيضًا: \"إن الذي عليه الجماعة أن من لم يتكلم بالإيمان بلسانه من غير عذر لم ينفعه ما في قلبه من المعرفة، وأن القول من القادر عليه شرط في صحة الإيمان\" (^٤)\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٢٠٣٤) وأبو داود (٣١١٦) بلفظ: «دخل الجَنَّة» من حديث معاذ؟، وحسنه الألبانيُّ في «الإرواء» (٦٨٧).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ٣٠٢).\n(^٣) «مجموع الفتاوى» لشيخ الإسلام ابن تيمية (٧/ ٦٠٩ (.\n(^٤) «الصارم المسلول» (ص ٥٢٥) والمقصود بالقول هنا: شهادة ألا إله إلا الله. قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (١/ ٤٦): (فأما القول المراد به النطق بالشهادتين). اهـ. وهذا ليس حصرًا لقول اللسان بالشهادتين وإنما الكلام عن القول الذي هو شرط في الإيمان ..","vol":"2","page":1190},{"text":"قال الإمام النووي تعليقًا على حديث «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» (^١) \"وفيه أن الإيمان شرطه الإقرار بالشهادتين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ما أتى به النبي ﷺ\" (^٢)\nوقال أيضًا: \"واتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين، على أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القبلة، ولا يخلد في النار، لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطق بالشهادتين، فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة أصلا\" (^٣)\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وجماع الدَّين أصلان:\nأَلَّا نَعْبد إِلَّا اللهَ، ولَا نَعبدُه إِلَّا بِمَا شرع، لَا نَعبده بالبدع، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمن كَانَ يَرْجُو لِقَاء ربه فليعمل عملا صَالحا ولَا يُشْرك بِعبَادة ربه أحدًا﴾ [الكَهْف: ١١٠].\nوذَلِكَ تَحْقِيق الشَّهَادَتَيْنِ: شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله، وشَهَادَة أَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله.\nفَفِي الأولى: أَلَّا نَعْبد إِلَّا إِيَّاه.\nوفِي الثَّانِيَة: أَنَّ مُحَمَّدًا هُو رَسُوله المبلِّغ عَنهُ، فعلينا أَنْ نصدق خَبره ونُطيع أمره.\nوقد بَيَّن لنا مَا نَعْبد الله بِهِ، ونهانا عَنْ محدثات الأُمُور، وأخْبر أَنَّهَا ضَلَالَة؛ قَالَ تَعَالَى: ﴿بلَى من أسلم وجهه لله وهُو محسن فَلهُ أجره عِنْد ربه ولَا خوف عَلَيْهِم ولَا هم يَحْزَنُونَ﴾ [البَقَرَة الآية: ١١٢].\nوكما أنَّنا مأمورون أَلَّا نَخَاف إِلَّا الله، ولَا نتوكل إِلَّا على الله، ولَا نَرغب إِلَّا إِلَى الله، ولَا نستعين إِلَّا بالله، وألَّا تكون عبادتنا إِلَّا لله، فَكَذَلِك نَحن مأمورون أَنْ نَتَّبع الرَّسُول ونُطيعه ونتأسى بِهِ؛ فالحلال مَا حَلَّله، والَحرَام مَا حَرَّمه، والدِّين مَا شَرعه؛ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ولَو أَنهم رَضوا مَا آتَاهُم الله ورَسُولهوقَالُوا حَسبنَا الله سيؤتينا الله من فَضله ورَسُوله\n_________\n(^١) رواه البخاري (٢٥)، ومسلم (٢٢). من حديث عبد الله بن عمر ﵁.\n(^٢) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ٢١٢).\n(^٣) «شرح صحيح مسلم» للنووي (١/ ١٤٩).","vol":"2","page":1191},{"text":"إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ [التَّوْبَة الآية: ٥٩]، فَجعل الإيتاء لله ولِلرَّسُولِ، كَمَا قَالَ: ﴿ومَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ ومَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ [الحَشْر الآية: ٧]، وجعل التَّوكُّل على الله وحده بقوله: ﴿وقَالُوا حَسبنَا الله﴾ [التوبة الآية: ٥٩]، ولم يقل: ورَسُوله- كَمَا قَالَ فِي وصف الصَّحَابَة ﵃ فِي الآيَة الأُخْرَى: ﴿الَّذين قَالَ لَهُمْ النَّاس إِنْ النَّاس قد جمعُوا لكم فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُم إِيمَانًا وقَالُوا حَسبنَا الله ونعم الوكِيل﴾ [آل عمرَان الآية: ١٧٣]، ومثله قَوْله: ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حَسبك الله ومن اتبعك من المُؤمنِينَ﴾ [الأَنْفَال الآية: ٦٤]، أَي: حَسبك وحسب المُؤمنِينَ، كَمَا قَالَ: ﴿أَلَيْسَ الله بكاف عَبده﴾ [الزمر الآية: ٣٦]- ثمَّ قَالَ: ﴿سيؤتينا الله من فَضله ورَسُوله﴾ [التوبة الآية: ٥٩]، فَجعل الإيتاء لله ولِلرَّسُولِ، وقدم ذكر الفضل لله؛ لِأَن ﴿الفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء والله ذُو الفضل العَظِيم﴾ [الحديد الآية: ٢٩]، وله الفضل على رَسُوله وعَلى المُؤمنِينَ، وقَالَ: ﴿إِنَّا إِلَى الله راغبون﴾ [التوبة الآية: ٥٩]؛ فَجعل الرَّغْبَة إِلَى الله وحده، كَمَا فِي قَوْله: ﴿فَإِذا فرغت فانصب * وإِلَى رَبك فارغب﴾ [الشَّرْح الآية: ٧، ٨].\nوقَالَ النَّبِي -ﷺ- لِابْنِ عَبَّاس: «إِذا سَأَلت فاسأل الله، وإِذا استعنت فَاسْتَعِنْ باللهِ» (^١)، والقُرْآنُ يدلُّ على مِثل هَذَا فِي غير مَوضِع.\nفَجعل العِبَادَة والخشية والتَّقوى لله، وجعل الطَّاعَة والمحبة لله ورَسُوله، كَمَا فِي قَول نوح ﵇: ﴿أَنْ اعبدوا الله واتقوه وأطيعون﴾ [نوح الآية: ٣]، وقَوله: ﴿ومن يطع الله ورَسُوله ويخش الله ويتقه فَأُولَئِك هم الفائزون﴾ [النُّور الآية: ٥٢]، وأمثال ذَلِك.\nفالرسل أمروا بِعِبَادَتِهِ وحده، والرَّغْبَة إِلَيْهِ، والتوكل عَلَيْهِ وطاعته، والطَّاعَة لَهُم، فأضَلَّ الشَّيْطَانُ النَّصَارَى وأشباهَهم؛ فأشركوا باللهِ وعصوا الرَّسُول، فـ ﴿اتَّخذُوا أَحْبَارهم ورُهْبَانهمْ أَرْبَابًا من دون الله والمسيح ابْن مَرْيَم﴾ [التوبة الآية: ٣١]، فَجعلُوا يرغبون إِلَيْهِم ويتوكلون عَلَيْهِم، ويَسْأَلُونَهُمْ مَعَ معصيتهم لأمرهم ومخالفتهم لسُنَّتهم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٢٦٦٩) والترمذي (٢٥١٦)، وصححه الألباني في «المشكاة» (٥٣٠٢).","vol":"2","page":1192},{"text":"وهدى الله المُؤمنِينَ المخلصين لله؛ أهلَ الصِّرَاط المُسْتَقيم الَّذين عَرفُوا الحقَّ واتَّبعوه، فَلم يَكُونُوا من المَغضوب عَلَيْهِم ولَا الضَّالِّين؛ فأخلصوا دينهم لله، وأَسْلمُوا وُجُوههم لله، وأنابوا إِلَى رَبِّهم، وأحبوه ورَجوه، وخافوه وسألوه، ورَغبُوا إِلَيْهِ، وفَوَّضوا أُمُورهم إِلَيْهِ، وتوكلوا عَلَيْهِ، وأطاعوا رسله وعَزَّروهم ووقَّروهم، وأحبُّوهم ووالوهم، واتَّبَعوهم واقتفوا آثَارهم واهتدَوا بمنارهم.\nوذَلِكَ هُو دينُ الإِسْلَام الَّذِي بعث الله بِهِ الأَوَّلين والآخرين من الرُّسُل، وهُو الدِّين الَّذِي لَا يَقبل اللهُ من أحد دينًا إِلَّا إِيَّاه، وهُو حَقِيقَة العِبَادَة لربِّ العَالمين\" (^١).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وقد وقع كثير من الناس في الإخلال بحقيقة هذين الأصلين، أو أحدهما، مع ظنه أنه في غاية التحقيق والتوحيد والعلم والمعرفة، فإقرار المرء بأن الله رب كل شيء ومليكه وخالقه لا ينجيه من عذاب الله إن لم يقترن به إقراره بأنه لا إله إلا الله، فلا يستحق العبادة أحد إلا هو، وأن محمدًا رسول الله، فيجب تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، فلا بد من الكلام في هذين الأصلين\".\nالشرح\nتقدم ذكر هذه المسألة وشرحها وبيان أن نظار أهل الكلام لما عرَّفوا التوحيد وقَسَّموه قالوا: إنَّ الله واحد في ذاته لا قَسِيم له، وواحدٌ في صِفاته لا نَظِير له، وواحدٌ في أفعاله لا شريكَ له.\nوهم بهذا التعريف أسقطوا ذِكر وعَدَّ توحيد العبادة، ولم يجعلوه قِسْمًا من أقسام التوحيد؛ بل إنهم زيادة على ذلك فسَّرُوا معنى: لا إله إلا الله بقولهم: لا لا ربَّ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ٦/ ١٣٧ - ١٢٨.","vol":"2","page":1193},{"text":"ولا مالك ولا خالق، ولا قادر على الاختراع إلا الله ﷾، ولمَّا عرفوا الإله حصروا معنى الألوهية في الربوبية، وقالوا: إن الإله هو: القادر على الاختراع والخَلْقِ (^١).\nوقد تقدم بيان أن هذا القدر من التوحيد لم ينفع كفار قريشـ وأنه لابد من يجتمع مع هذا الإقرار بتوحيد الألوهية، وبهذا يتضح إخلال نظار أهل الكلام بالأصل الأول الذي هو \"شهادة أن لا إله إلا الله\".\nوأما عن الإخلال بالأصل الثاني الذي هو \"شهادة أن محمدًا رسول الله\" فهذا هو ما وقع فيه طوائف من المتصوفة بابتداعهم أمورًا ما أنزل الله بها من سلطان؛ فحالهم يدور بين البِدعة وإحداث شرع لم يَأذن به الله؛ حيث لا دليل عليه ولا مُستمسك، وإنما هم على باطل.\n_________\n(^١) انظر: «أصول الدين» للبغدادي (ص ١٢٣)، و«المِلل والنِّحل» للشهرستاني (١/ ١٠٠)، و«مجرد مقالات الأشعري» لابن فورك (ص ٤٧).","vol":"2","page":1194},{"text":"<span data-type='title' id=toc-388>تحقيق التوحيد</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"الأصل الأول: توحيد الإلهية، فإنه ﷾ أخبر عن المشركين- كما تقدم- بأنهم أثبتوا وسائط بينهم وبين الله يدعونهم ويتخذونهم شفعاء من دون الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [يونس الآية: ١٨]، فأخبر أن هؤلاء الذين اتخذوا هؤلاء الشفعاء مشركون، وقال تعالى عن مؤمن يس: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ • أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ • إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ • إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ [يس الآيات: ٢٢ إلى ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام الآية: ٩٤]، فأخبر سبحانه عن شفعائهم أنهم زعموا أنهم فيهم شركاء، وقال تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ • قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [الزمر الآيات: ٤٣ - ٤٤]، وقال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ﴾ [السجدة الآية: ٤]، وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام الآية: ٥١].\nوقد قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة الآية ٢٥٥]، وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ • لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ","vol":"2","page":1195},{"text":"يَعْمَلُونَ • يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِّنْخَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء الآيات: ٢٦ - ٢٧ - ٢٨]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَّلَكٍ فِي السَّمَوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم الآية: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِنْ ظَهِيرٍ • وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ الآيات: ٢٢ - ٢٣].\nوقد قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا • أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء الآيات: ٥٦ - ٥٧]، قالت طائفة من السلف: كان أقوام يدعون عزيرًا والمسيح والملائكة، فأنزل الله تعالى هذه الآية بيّن فيها أن الملائكة والأنبياء يتقربون إلى الله ويرجون رحمته ويخافون عذابه\".\nالشرح\nإذا تأملنا قصص المرسلين التي وردت في القرآن الكريم، وما حدث لهم مع أممهم، نجد أنهم اتفقوا جميعًا على دعوة واحدة، هي الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، واجتناب الشرك، وإن اختلفت شرائعهم (^١)\nبل إن مسألة الدعوة إلى التوحيد والتحذير من الشرك ووسائله هي القضية الأولى التي جاء ذكرها في القرآن الكريم بين الرسل وأممهم قال الله -تعالى- مخبرًا عما أرسل به جميع الرسل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء الآية: ٢٥].\n_________\n(^١) انظر: «تطهير الاعتقاد» للصنعاني (ص: ٥).","vol":"2","page":1196},{"text":"وقال -تعالى-: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ﴾ [النحل الآية: ٣٦].\nوقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ﴾ [النحل الآية: ٢].\nفجميع الرسل كان أول وأهم ما دعوا إليه هو التوحيد، توحيد الله بالعبادة وتقواه وطاعته وطاعة رسله.\nفالدعوة إلى التوحيد، والتحذير من الشرك، وصحة العقيدة وسلامتها هما الأصل الأول في دعوة المرسلين، من لدن نوح إلى محمد، ﵈، وهذا هو الغاية الأولى التي بها تصلح كل شئون الدنيا والدين، فإذا صحت العقيدة أذعن الناس لله وحده وأطاعوا رسله واستقاموا على شرعه على هدى وبصيرة، ومن ثم يصلح كل شيء من أمورهم الدينية والدنيوية.\nوهذا لا يعني أن الرسل لم يهتموا بإصلاح المفاسد الأخرى، ولا أنهم لم يدعوا إلى الفضائل الأخرى، بل جاءوا بشرائع ومناهج تسير عليها الأمم وتصلح شئون حياتها الدنيا، وأمروا بالمعروف والإصلاح والعدل، ونهوا عن المنكر والفساد والظلم، وأمروا بكل خير وفضيلة، ونهوا عن كل شر ورذيلة تفصيلًا وإجمالًا.\nلكن أعظم الفضائل توحيد الله - تعالى - وتقواه، وأعظم المفاسد الشرك بالله، وهو الظلم العظيم. فكان ذلك أعظم أول ما أرسل الله به الرسل.\nوهكذا كل دعوة لا تقوم على هذا الأساس - في أي زمان وأي مكان - فإنها دعوة قاصرة وناقصة، ويخشى أن يكون نصيبها إما الفشل، وإما الانحراف عن الصراط المستقيم، أو هما معًا، لأن هذا أصل عظيم من أصول الدين متى غفلت عنه","vol":"2","page":1197},{"text":"الأمم وقعت في كارثة الشرك والابتداع، نسأل الله السلامة والعافية من ذلك (^١).\nفأرسل الله الرسل ليدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وتوحيده، وكانوا يدعوهم أول ما يدعوهم إلى توحيد الله فإذا تم ذلك ووحدوه دعوهم إلى باقي العبادات، فعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: (إنك ستأتي قومًا أهل كتاب، فإذ جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) (^٢).\nوفي حديث الرسول ﷺ توجيه إلى التدرج في دعوة الناس إلى الإسلام، فيبدأ في الأهم فالمهم ولما كان التوحيد هو أصل الاسلام ولا يصح بدونه زكاة ولا صلاة كان هو أول ما يدعى إليه غير المسلم فإن أجاب دُعي إلى باقي العبادات.\nويقول ابن ابي العز الحنفي: \"اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله ﷿\" (^٣).\nوقد تقدم بيان أن الشرك الذي وقع فيه من أشرك من مشركي العرب وما شابههم هو شرك التمثيل وهو أن يَصرف فعلًا من أفعال الله تعالى لغير الله، مع جعل هذا الفعل لله تعالى؛ كالذي يعتقد أن الله يرزق وصاحب القبر يرزق، أو أن لله قدرة وأنَّ للكواكب قدرة؛ فهذا نسميه شِركًا في الربوبية.\n_________\n(^١) انظر: مباحث في عقيدة أهل السنة والجماعة لناصر العقل - ص: ٢٢\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٥٨) ومسلم (١٩).\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية، لابن أبي العزّ الحنفي: (٧٧ (.","vol":"2","page":1198},{"text":"فمثلًا الذين يعتقدون أن للنجوم وللكواكب تأثيرًا في مجريات الأحداث بالكون، فإن هؤلاء أشركوا شركَ تمثيلٍ في الربوبية؛ لأنهم جعلوا مع الله مُماثلًا في هذا الفعل؛ فاعتقدوا أن الله يؤثر في الكون وأن الكواكب تؤثر كذلك.\nوكالذي يقع فيه بعضُ عُبَّادِ القبور الذين يعتقدون أن صاحب القبر يستطيع أن ينفع وأن يَضر بنفسه، وأنه يرزق بنفسه، وأنه يأتي بالولد بنفسه، وهكذا، فهذا يسمى شركَ التمثيل.\nوبهذا المعتقد الفاسد صرفوا لهؤلاء المعبودات أصنافًا من العبادات\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"ومن تحقيق التوحيد: أن يُعلم أن الله تعالى أثبت له حقًّا لا يشركه فيه مخلوق، كالعبادة والتوكل والخوف والخشية والتقوى، قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾ [الإسراء الآية: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ • أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر الآيات: ٢ - ٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر الآية: ١١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ • وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ • بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر الآيات: ٦٤ - ٦٦]، وكل من أرسل من الرسل يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف الآية: ٦٥]. وقد قال تعالى في التوكل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة الآية: ٢٣]، ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: ١٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر الآية: ٣٨ [\"","vol":"2","page":1199},{"text":"الشرح\nدين الحق دين الإسلام هو عبادة الله وحده لا شريك له وتصديق رسله كما يدل عليه قولنا: \"أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله\".\nفهذان الأصلان:\n١ - توحيد الرب بالعبادة.\n٢ - الإيمان برسله.\nلابد منهما، ولهذا لا يدخل أحد في الإسلام حتى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.\nذلك لأن دين الإسلام مبني على هذين الأصلين ومن خرج عن واحد منهما فلا عمل له ولا دين.\nفلا إله إلا الله معناها أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئًا.\nفإن الإله: هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيمًا وخوفًا ورجاءً وإجلالًا وإكرامًا.\nوهو سبحانه له حق لا يشركه فيه غيره، فلا يعبد إلا الله ولا يدعى إلا الله ولا يخاف إلا الله ولا يطاع إلا الله.\nوأما شهادة أن محمدًا رسول الله فهي تعني ألا نعبد الله إلا بما شرعه على لسان رسول الله ﷺ فهو المبلغ عن الله طاعته وأمره ونهيه وتحليله وتحريمه، فهو الواسطة بين الله وبين خلقه في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده.\nفتحقيق التوحيد إفراد الله بجميع أنواع العبادة فالعبادة حق الله تعالى على","vol":"2","page":1200},{"text":"العباد، ومَن صرف شيئًا من أنواع العبادات لغير الله تعالى فقد أشرك بالله تعالى.\n- قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولًا﴾ [الإسراء الآية: ٢٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ • أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر الآيات: ٢ - ٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر الآية: ١١]، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ • وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ • بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر الآيات: ٦٤ - ٦٦].\nفبين الله تعالى أنه أمر بالتوحيد وهو إفراده بالعبادة، ونهى عن الشرك، وبَيَّن أن الشرك محبط لجميع الأعمال الصالحة.\nمن أنواع العبادات:\nذكر الله في القرآن عدة أنواع من العبادات، وبين أن العبادة لا يجوز صرف شيء منها لغير الله تعالى، وأن صرف شيء منها لغير يعد شركًا في عبادة الله تعالى، ومن هذه العبادات ما يلي:\n\n<span data-type='title' id=toc-389>١ - التوكل:</span>\nالتوكل: \"هو اعتماد القلب على الله تعالى واستناده إليه وسكونه إليه\" (^١).\nقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [المائدة الآية: ٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران الآية: ١٢٢]، وَقَالَ لِرَسُولِهِ -ﷺ-: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل الآية: ٧٩]، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ- فِي حَدِيثِ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ-: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَلَا يَكْتَوُونَ،\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ١٢١).","vol":"2","page":1201},{"text":"وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-390>٢ - الخوف والخشية:</span>\nومن أنواع العبادة التي أوجب الله تعالى أن يفرد بها وحده، وأن لا تصرف لغيره سبحانه عبودية الخوف والخوف: \"هُوَ تَوَقُّعُ الْعُقُوبَةِ عَلَى مَجَارِي الْأَنْفَاسِ\" (^٢)؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران الآية: ١٧٥].\nو(الخشية) أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله، قال الله تعالى ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر الآية: ٢٨] فهي خوف مقرون بمعرفة؛ قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة الآية: ٤٤].\nفالعبادة والإستعانة وما يدخل في ذلك من الدعاء والاستغاثة والخشية والرجاء والإنابة والتوكل والتوبة والاستغفار كل، هذا لله وحده لا شريك له. فالعبادة متعلقة بألوهيته، والاستعانة متعلقة بربوبيته، والله رب العالمين لا إله إلا هو، ولا رب لنا غيره، لا ملك ولا نبي ولا غيره، بل أكبر الكبائر الإشراك بالله وأن تجعل له ندا وهو خلقك، والشرك أن تجعل لغيره شركا أى نصيئا في عبادتك، وتوكلك، واستعانتك كما قال من قال ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر الآية: (٣)].\nوأصناف العبادات: الصلاة بأجزائها مجتمعة، وكذلك أجزاؤها التي هي عبادة بنفسها من السجود والركوع والتسبيح والدعاء والقراءة والقيام لا يصلح إلا لله وحده.\nولا يجوز أن يتنفل عن طريق العبادة إلا لله وحده، لا الشمس ولا القمر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري، كتاب الطب، باب من اكتوى أو كوى غيره، وفضل مَنْ لم يكتو (٧/ ١٢٦ رقم ٥٧٠٥). وأخرجه مسلم، كتاب الإيمان، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب (١/ ١٩٩ رقم ٢٢٠).\n(^٢) مدارج السالكين (١/ ٥٠٧).","vol":"2","page":1202},{"text":"ولا الملك ولا لنبي ولا صالح ولا قبر نبي ولا صالح، وهذا في جميع ملل الأنبياء وقد ذكر في شريعتنا حتى نهي أن يتنفل على وجه التحية والإكرام للمخلوقات، ولهذا نهي النبي ﷺ معاذًا أن يسجد له وقال: \"لو كنت آمرًا أن يُسجد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها\" (^١).\nوكذلك الزكاة العامة من الصدقات كلها والخاصة لا يتصدق إلا لله كما قال تعالى ﴿وَمَا لأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى﴾ [الإنسان: الآية: (٩)].\nفلا يجوز فعل ذلك عن طريق الدين لا لملك ولا لشمس ولا لقمر ولا لنبي ولا لصالح، كما يفعل بعض السوال والمعظمين كرامة لفلان وفلان، يقسمون بأشياء إما من الأنبياء وإما من الصحابة وإما من الصالحين.\nوكذلك الحج لا يحج إلا إلى بيت الله، فلا يطاف إلا به، ولا يحلق الرأس إلا به، ولا يوقف إلا بفنائه، ولا يفعل ذلك بنبي ولا صالح ولا بقبر نبي ولا صالح، ولا بوثن.\nوكذلك الصيام لا يصام إلا عبادة لله، فلا يصام لأجل الكواكب والشمس والقمر، ولا لقبور الأنبياء والصالحين ونحو ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٤/ ٣٨١) من حديث عبد الله بن أبي أوفى (٥/ ٢٢٧ - ٢٢٨) من حديث معاذ (٦/ ٧٦) من حديث عائشة. وأخرجه أبو داود في السنن، كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة (٢/ ٦٠٤ - ٦٠٥) ح ٢١٤٠ من حديث قيس بن سعد وأخرجه الترمذي في السنن، كتاب الرضاع، باب ما جاء في حق الزوج على المرأة (٤٦٥١٣) ح ١١٥٩ من حديث أبى هريرة وقال: وفي الباب عن معاذ بن جبل وسراقة بن مالك وعائشة وابن عباس وعبد الله بن أبي أوفى وطلق بن على وأم سلمة وأنس وابن عمر. انتهي كلامه. وأخرجه ابن ماجه فى السنن كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة (١/ ٣٤١ - ٣٤٢) ح ١٨٥٧ من حديث عائشة، و١٨٥٨ من حديث عبد الله بن أبي أوفى. وأخرجه ابن حبان فى صحيحه. انظر موارد الظمآن (ح ١٢٩٠) من حديث عبد الله بن أبي أوفى.","vol":"2","page":1203},{"text":"وهذا كله تفصيل الشهادتين: اللتين هما أصل الدين \"شهادة أن لا إله إلا الله وشهادة أن محمدًا عبده ورسوله\".\nوالإله: من يستحق أن يألهه العباد ويدخل فيه حبه وخوفه.\nفما كان من توابع الألوهية فهو حق محض لله.\nوما كان من أمور الرسالة فهو حق الرسول (^١).\nونصوص القرآن والسنة مليئة بتقريرهذا الأمر ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (^٢).\nفالعبادة والاستعانة لله وحده لا شريك له كما قال ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء الآية: (٣٦)].\n﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة الآية: (٥)].\n﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة الآية: (٥)].\nوقد جمع منهما في مواضع كقوله ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود الآية: (١٢٣)].\nوقوله ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ [الفرقان الآية: (٥٨)].\nوالدعاء لله وحده سواء كان دعاء عبادة أو دعاء المسألة والاستعانة كما قال تعالى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَدًا وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا﴾ [الجن الآيات: (من ١٨ إلى ٢٠)].\nوتوحيد الله وإخلاص الدين له في عبادته واستعانته في القرآن كثير جدًا، بل هو قلب الإيمان، وأول الإسلام وآخره.\nكما قال النبي ﷺ \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١/ ٦٦، ٧٦) بتصرف يسير.\n(^٢) الآية (٤٢) من سورة الأنفال.","vol":"2","page":1204},{"text":"محمدًا رسول الله\" (^١).\nوقال ﷺ \"من كان آخر كلامه لا إلى إلا الله دخل الجنة\" (^٢).\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: الآية (٥٩)]، فقال في الإيتاء: ﴿مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: الآية (٥٩)].، وقال في التوكل: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة: الآية (٥٩)]. ولم يقل: ورسوله، لأن الإيتاء هو الإعطاء الشرعي، وذلك يتضمن الإباحة والإحلال الذي بلغه الرسول، فإن الحلال ما حلله، والحرام ما حرّمه، والدين ما شرعه، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر الأية: ٧]. وأما الحسب فهو الكافي، والله وحده كافٍ عبده، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: الآية (١٧٣)]، فهو وحده حسبهم كلهم.\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: الآية (٦٤)]، أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين هو الله، فهو كافيكم كلكم. وليس المراد أن الله والمؤمنين حسبك، كما يظنه بعض الغالطين، إذ هو وحده كافٍ نبيه وهو حسبه، ليس معه من يكون هو وإياه حسبا للرسول. وهذا في اللغة كقول الشاعر:\n_________\n(^١) تقدم تخريجه ص ٤٥.\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٥/ ٢٣٣).\nوأخرجه أبر داود في السنن، كتاب الجنائز، باب في التلقين (٣/ ٤٨٦) ح ٣١١٦ وأخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ٣٥١) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وحسنه الحافظ في تخريج الأذكار -كما في الفتوحات الربانية (٤/ ١٠٩ - ١١٠) وذكر له شواهد.","vol":"2","page":1205},{"text":"فحسبك والضحاكَ سيف مهند\nوتقول العرب: حسبك وزيدًا درهم، أي يكفيك وزيدًا جميعًا درهم. وقال في الخوف والخشية والتقوى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور الآية: ٥٢]، فأثبت الطاعة لله وللرسول، وأثبت الخشية والتقوى لله وحده، كما قال نوح ﵇: ﴿إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ • أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [هود الآيات: ٢٥ - ٢٦]، فجعل العبادة والتقوى لله وحده، وجعل الطاعة للرسول، فإنه من يطع الرسول فقد أطاع الله.\nوقال تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة الآية: ٤٤]، وقال تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران الآية ١٧٥]، وقال الخليل ﵇: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام الآية: ٨١]، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام الآية: ٨٢].\nوفي الصحيحين عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: لما نزلت هذه الآية شق ذلك على أصحاب رسول الله -ﷺ- وقالوا: أيّنا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي -ﷺ-: (إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى قول العبد الصالح: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان الآية: ١٣]، وقال تعالى: ﴿وَإيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [البقرة الآية: ٤٠]، ﴿وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ البقرة الآية: ٤١].\nومن هذا الباب أن النبي -ﷺ- كان يقول في خطبته: «مَنْ يطع الله ورسوله فقد رشد، ومَن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولن يضر الله شيئًا»، وقال: «لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد». ففي الطاعة قرن اسم الرسول باسمه بحرف «الواو»، وفي المشيئة أمر أن يجعل ذلك بحرف «ثم»، وذلك","vol":"2","page":1206},{"text":"لأن طاعة الرسول طاعة لله، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، وطاعة الله طاعة للرسول. بخلاف المشيئة، فليست مشيئة أحد من العباد مشيئة لله، ولا مشيئة الله مستلزمة لمشيئة العباد، بل ما شاء الله كان وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لم يكن إلا أن يشاء الله\".\nالشرح\nقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة الآية: (١٢٩)].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال الآية: (٦٢)]. إلى قوله ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: الآية (٦٤)].\nوالمعنى: أي حسبك وحسب من اتبعك من المؤمنين كما قاله جمهور أهل العلم. ومن قال إن الله ومن اتبعك حسبك فقد غلط، ولم يجعل الله وحده حسبه بل جعله وبعض المخلوقين حسبه، وهذا مخالف لسائر آيات القرآن.\nوقال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: الآية (٣٦)]. فهو وحده كاف عبده.\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: الآية (٣)].\nفلهذا قال تعالى: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ ولم يقل ورسوله ثم قال ﴿إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ ولم يقل ورسوله بل جعل الرغبة إلى الله وحده كما قال ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: الآيتان (٧ - ٨)].\nفالرغبة تتضمن التوكل وقد أمر أن لا نتوكل إلا عليه كقوله ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا﴾ [المائدة: الآية (٢٣)]. وقوله ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾","vol":"2","page":1207},{"text":"] النحل: الآية (٩٩)].\nفالتوكل على الله وحده، والرغبة إليه وحده، والرهبة منه وحده.\nليس لمخلوق لا الملائكة ولا الأنبياء في هذا حق كما ليس لهم حق في العبادة ولا يجوز أن نعبد إلا الله وحده ولا نخشى ولا نتقى إلا الله وحده كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: الآية (٢)].\nفإذا قال القائل لا يجوز التوكل إلا على الله وحده، ولا العبادة إلا لله وحده ولا يتقى ولا يخشى إلا الله وحده لا الملائك ولا الأنبياء ولا غيرهم كان هذا تحقيقا للتوحيد.\nولم يكن، هذا سبًا لهم ولا تنقصًا بهم ولا عيبًا لهم وإن كان فيه بيان نقص درجتهم عن درجة الربوبية فنقص المخلوق عن الخالق من لوازم كل مخلوق. ويمتنع أن يكون المخلوق مثل الخالق.\nوالملائكة والأنبياء كلهم عباد الله يعبدونه كما قال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: الآية (١٧٢)].\nوقال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: الآيات (٢٦، ٢٧، ٢٨، ٢٩)].\nفإذا نفي عن مخلوق ملك أو نبي أو غيرهما ما كان من خصائص الربوبية وبين أنه عبد الله كان هذا حقا واجب القبول، وكان إثباته إطراء للمخلوق فإن دفعه عن ذلك كان عاصيا بل مشركا.","vol":"2","page":1208},{"text":"ولهذا قال النبي ﷺ \"لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم فإنما أنا عبد الله فقولوا عبد الله ورسوله \".\nفالله تعالى قد وصفه بالعبودية حين أرسله، وحين تحدى، وحين أسرى به فقال تعالى ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ [الجن: الآية (١٩)].\nوقال تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة: الآية (٢٣)].\nوقال تعالى ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: الآية (١)].\nوأهل الباطل يقولون لمن وصفهم بالعبودية إنه عابهم وسبهم ونحو ذلك.\nولهذا لما سأل النجاشي جعفر بن أبي طالب رضي لله عنه ما تقول في المسيح عيسى؟ فقال: هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه رفع النجاشي عودًا وقال: ما زاد المسيح على ما قلت هذا العود فنخرت بطارقته (^١). فقال: وإن نخرتم\" (^٢).\nفهم يجعلون قول الحق في المخلوق سبًا له، وهم يسبون الله ويصفونه بالنقائص والعيوب كما في الحديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: \"يقول الله: كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك. أما تكذبه إياي أن يقول: إني لن أعيده كما بدأته، وأما شتمه إياي أن يقول: اتخذ الله ولذا، وأنا الصمد الذي لم ألد ولم أولد ولم\n_________\n(^١) أي تكلمت، وكأنه كلام مع غضب ونفور. النهاية (٥/ ٣٢).\n(^٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند (١/ ٢٠١ - ٢٠٣) (٥/ ٢٩٠ - ٢٩٢).\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٤ - ٢٧) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٩٣ - ٢٩٥).\nوهو في سيرة ابن هشام (١/ ٢٨٩ - ٢٩١).","vol":"2","page":1209},{"text":"يكن له كفوا أحد \" (^١).\nفقد أخبر سبحانه أن هؤلاء يسبونه، وقد كان معاذ بن جبل يقول عن النصارى: لا ترحموهم فقد سبوا الله سبة ما سبه إياها أحد من البشر. وهذا نظير ما ذكره الله تعالى عن المشركين بقوله ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [الأنبياء: الآية (٣٦)].\nفكانوا ينكرون على محمد ﵇ أن يذكر آلهتهم بما تستحقه وهم يكفرون بذكر الرحمن ولا ينكرون ذلك كما قال تعالى ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: الآية (١٠٨)].\nالمتن\nقال المصنف ﵀: \"الأصل الثاني: حق الرسول -ﷺ-، فعلينا أن نؤمن به، ونطيعه، ونتبعه، ونرضيه، ونحبه، ونسلم لحكمه، وأمثال ذلك، قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء الآية: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنكَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة الآية: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة الآية: ٢٤]، وقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء الآية: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران الآية: ٣١]، وأمثال ذلك\".\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب بدء الخلق، باب ما جاء في قوله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ …﴾ الآية (٦/ ٢٨٧) ح ٣١٩٣ وكذلك في كتاب التفسير، تفسير سورة الإخلاص. انظر فتح الباري (٨/ ٧٣٩) ح ٤٩٧٤، ٤٩٧٥.","vol":"2","page":1210},{"text":"الشرح\nعلى المسلم أن يفرق بين ما هو حق لله وحده وبين ما هو حق لرسله.\nفالله أمرنا أن نؤمن بالأنبياء وما جاؤا به وفرض علينا طاعة الرسول الذي بعث إلينا ومحبته وتعزيره وتوقيره والتسليم لحكمه.\nوأمرنا أيضا أن لا نعبد إلا الله وحده لا نشرك به شيئا ولا نتخذ الملائكة والنبيين أربابًا.\nوفرق بين حقه الذي يختص به الذي لا يشركه فيه لا ملك ولا نبي.\nوبين الحق الذي أوجبه علينا لملائكته وأنبيائه عمومًا ولمحمد ﷺ خاتم الرسل وخير مرسل الذي جاءه بالوحي خصوصا، فإن الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، فاصطفي من الملائكة جبريل لرسالته واصطفي من البشر محمدا ﷺ، وأخبر أن هذا القرآن الذي نزل به هذا الرسول إلى هذا الرسول مبلغا له عن الله قال تعالى ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: الآية (٩٧)]، وقال تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: الآيات (١٩٢ إلى ١٩٥)].\nفالله أوجب علينا الإيمان بمحمد ﷺ خصوصا وبالملك الذي جاءه بالقرآن. وأمرنا بالإيمان بالأنبياء كلهم وبجميع ما أوتوا كما قال تعالى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: الآية (١٣٦)].\nوقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: الآية (١٧٧)].\nوقال تعالى ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ","vol":"2","page":1211},{"text":"وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: الآية (٢٨٥)].\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: الآية (١٣٦)].\nفالأنبياء وسائط بين الله ﷿ وبين عباده في تبليغ أمره ونهيه ووعده ووعيده، وما أخبر به عن نفسه وملائكته وغير ذلك مما كان وسيكون. وسائر الأنبياء علينا أن نؤمن بهم، مجملا وذلك بأن كل ما أخبروا به عن الله فهو حق وأن طاعتهم فرض على من أرسلوا إليهم.\nأما محمد ﷺ فهو الذي أرسل إلينا وإلى جميع الخلق وقد ختم الله به الأنبياء وآتاه من الفضائل ما فضله به على غيره وجعله سيد ولد آدم وخصائصه وفضائله كثيرة وعظيمة لا يسعها هذا الموضع.\nوقد أوجب الله علينا أن نطيعه في كل ما أوجبه وأمر به وأن نصدقه في كل ما أخبر به، كما سبق ذكر ذلك في الباب الأول من هذه الرسالة.\nوهو سبحانه مع هذا كله نهانا عن الشرك بهم والغلو فيهم، وميز بين حقه تعالى وحقهم.\nفقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران الآيتان (٧٩، ٨٠)]. فهذا بيان أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر مع وجوب الإيمان بهم ما لم يحصل بعبادة الأوثان، فإن الأوثان تستحق الإهانة وأن تكسر كما كسر إبراهيم","vol":"2","page":1212},{"text":"الأصنام وكما حرق موسى العجل ونسفه وكما كان نبينا ﷺ يكسر الأصنام ويهدم صوتها وقد قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء الآية (٩٨)]. فإهانتها من تمام التوحيد والإيمان.\nوالملائكة والأنبياء بل الصالحون يستحقون المحبة والموالاة والتكريم والثناء. مع أنه يحرم الغلو فيهم والشرك بهم، فلهذا صار بعض الناس يزيد في التعظيم على ما يستحقونه فيصير شركا، وبعضهم يقصر عما يجب لهم من الحق فيصير فيه نوع من الكفر.\nوالصراط المستقيم صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وهو القيام بما أمر الله به ورسله في هذا وهذا.\nفالرسل كلهم نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم يبينون أن العبادة والتقوى حق لله وحده، وحق الرسل طاعتهم.\nقال نوح ﵇ ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح الآيتان (٢ - ٣)].\nوكذلك قال هود وصالح وشعيب وغيرهم ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف الآيات (٦٥ - ٧٣ - ٨٥)].\nوقال تعالى ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: الآيات (من ١٠٥ إلى ١٠٨)].\nوكذلك قال سائر الرسل هود وصالح وشعيب كل يقول ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء: الآيات (١٢٦ - ١٣١ - ١٤٤ - ١٦٣ - ١٧٩)].\nوكذلك في رسالة محمد ﷺ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: الآية (٥٢)].","vol":"2","page":1213},{"text":"فجعل الطاعة لله والرسول. وجعل الخشية والتقوى لله وحده.\nوقال تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: الآية (٩)] ..\nفالإيمان بالله والرسول، والتعزير والتوقير للرسول، وتعزيره، نصره ومنعه.\nوالتسبيح بكرة وأصيلا لله وحده، فإن ذلك من العبادة لله وحده والعبادة هي لله وحده.\nوقال تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ [النحل: الآيتان (٥١، ٥٢)]. فأنكر سبحانه أن يتقى غيره كما أمر أن لا يرهب إلا إياه.\nوقال تعالى: ﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ [البقرة: الآية (١٥٠)].\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: الآية (١٨)]. فقد أمر الله تعالى في غير موضع بأن يخشى ويخاف ولا يخشى ويخاف غيره. وقال تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: الآية (٥٩)].\nففي الإيتاء قال ﴿مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ كما قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر الأية: ٧] لأن الحلال ما حلله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله.\nفما أعطاه الرسول للناس فهو حقهم بالقول والعمل كالفرائض التي قسمها الله وأعطى كل ذي حق حقه وكذلك من الفيء والصدقات ما أعطى فهو حقه، وما","vol":"2","page":1214},{"text":"أباحه له فهو مباح، وما نهاه عنه فهو حرام عليه فلهذا قال تعالى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [التوبة: الآية (٥٩) [ولم يقل هنا ورسوله لأن الله تعالى وحده حسب عبده أي كافيه. لا يحتاج الرب في كفايته إلى أحد لا رسول ولا نبي، ولهذا لا تجئ هذه الكلمة إلا الله وحده كقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: الآية (١٧٣)].\nوقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التوبة: الآية (١٢٩)].\nوليس للرسول واسطة في إجابة الدعاء، وكشف البلاء، والهداية، والإغناء ونحو ذلك.\nفالله تعالى هو المتفرد بذلك فهو سبحانه الذي يسمع ويرى ويعلم السر والنجوى وهو القادر على إنزال النعم وإزالة الضر من غير احتياج منه إلى أن يعرفه أحد أحوال عباده أو يعينه على قضاء حوائجهم.\nوالأسباب التي بها يحصل ذلك هو خلقها ويسرها، فهو مسبب الأسباب التي يحصل بها ذلك ولهذا فرض سبحانه على المصلى أن يقول في صلاته ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: الآية (٥)].\nفالله سبحانه أجل وأعظم وأغني وأعلى من أن يفتقر إلى شيء، بل هو الأحد الصمد وكل ما سواه مفتقر إليه، وهو مستغن عن كل ما سواه. وعن أبي هريرة ﵁ قال: \" قام فينا النبي ﷺ فذكر الغلول وعظم أمره قال: \"لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته فرس له حمحمة، يقول: يارسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، وعلى رقبته بعير له ركاء، يقول يارسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك","vol":"2","page":1215},{"text":"شيئا، قد أبلغتك\" الحديث (^١).\nفهؤلاء الذين بلغهم أخبر أنهم إذا استغاثوا به يوم القيامة وسألوه الشفاعة يقول لهم لا أملك لكم من الله شيئا قد أبلغتكم (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد، باب الغلول.\nانظر: فتح الباري (٦/ ١٨٥) ح ٣٠٧٣.\nوأخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، باب غلظ تحريم الغلول (٦/ ١٠).\n(^٢) انظر: الرد على البكري (ص ٥٢ - ٥٤) بتصرف.","vol":"2","page":1216},{"text":"<span data-type='title' id=toc-391>القدر</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وأهل الضلال الخائضون في القدر انقسموا إلى ثلاث فرق: مجوسية، ومشركية، وإبليسية.\nفالمجوسية الذين كذَّبوا بقدر الله، وإن آمنوا بأمره ونهيه، فغلاتهم أنكروا العلم والكتاب، ومقتصدتهم أنكروا عموم مشيئة الله وخلقه وقدرته، وهؤلاء هم المعتزلة ومن وافقهم\".\nالشرح\nقال ابن تيمية: \" الْقَدَرِيَّةُ الْمَجُوسِيَّةُ\": الَّذِينَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ شُرَكَاءَ فِي خَلْقِهِ كَمَا جَعَلَ الْأَوَّلُونَ لِلَّهِ شُرَكَاءَ فِي عِبَادَتِهِ. فَيَقُولُونَ: خَالِقُ الْخَيْرِ، غَيْرُ خَالِقِ الشَّرِّ، وَيَقُولُ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ فِي مِلَّتِنَا: إنَّ الذُّنُوبَ الْوَاقِعَةَ لَيْسَتْ وَاقِعَةً بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَرُبَّمَا قَالُوا: وَلَا يَعْلَمُهَا أَيْضًا وَيَقُولُونَ: إنَّ جَمِيعَ أَفْعَالِ الْحَيَوَانِ وَاقِعٌ بِغَيْرِ قُدْرَتِهِ وَلَا صُنْعِهِ فَيَجْحَدُونَ مَشِيئَتَهُ النَّافِذَةَ وَقُدْرَتَهُ الشَّامِلَةَ؛ وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْقَدَرُ نِظَامُ التَّوْحِيدِ فَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ وَآمَنَ بِالْقَدَرِ تَمَّ تَوْحِيدُهُ وَمَنْ وَحَّدَ اللَّهَ وَكَذَّبَ بِالْقَدَرِ نَقَضَ تَكْذِيبُهُ تَوْحِيدَهُ. وَيَزْعُمُونَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْعَدْلُ وَيَضُمُّونَ إلَى ذَلِكَ سَلْبَ الصِّفَاتِ، وَيُسَمُّونَهُ التَّوْحِيدَ كَمَا يُسَمِّي الْأَوَّلُونَ التلحيد التَّوْحِيدَ فَيُلْحِدُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَهَذَا يَقَعُ كَثِيرًا إمَّا اعْتِقَادًا وَإِمَّا حَالًا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ. كَمَا وَقَعَ اعْتِقَادُ ذَلِكَ فِي الْمُعْتَزِلَةِ، وَالشِّيعَةِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَابْتُلِيَ بِبَعْضِ ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ","vol":"2","page":1217},{"text":"الْبَصْرِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَقَدْ يُبْتَلَى بِهِ حَالًا لَا اعْتِقَادًا بَعْضُ مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ تَعْظِيمُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةٍ لِلْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ. وَلِمَا بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ التَّنَافِي تَجِدُ الْمُعْتَزِلَةَ أَبْعَدَ النَّاسِ عَنْ الصُّوفِيَّةِ وَيَمِيلُونَ إلَى الْيَهُودِ وَيَنْفِرُونَ عَنْ النَّصَارَى وَيَجْعَلُونَ إثْبَاتَ الصِّفَاتِ هُوَ قَوْلُ النَّصَارَى بِالْأَقَانِيمِ وَلِهَذَا تَجِدُهُمْ يَذُمُّونَ النَّصَارَى أَكْثَرَ كَمَا يَفْعَلُ الْجَاحِظُ وَغَيْرُهُ كَمَا أَنَّ الْأَوَّلِينَ يَمِيلُونَ إلَى النَّصَارَى أَكْثَرَ. وَلِهَذَا كَانَ هَؤُلَاءِ فِي الْحُرُوفِ وَالْكَلَامِ الْمُبْتَدَعِ كَمَا كَانَ الْأَوَّلُونَ فِي الْأَصْوَاتِ وَالْعَمَلِ الْمُبْتَدَعِ كَمَا اقْتَسَمَ ذَلِكَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى؛ وَالْيَهُودُ غَالِبُهُمْ قَدَرِيَّةٌ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ؛ فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ شَرِيعَةٍ وَهُمْ مُعْرِضُونَ عَنْ الْحَقِيقَةِ الْقَدَرِيَّةِ. وَلِهَذَا تَجِدُ أَرْبَابَ الْحُرُوفِ وَالْكَلَامِ الْمُبْتَدَعِ كَالْمُعْتَزِلَةِ يُوجِبُونَ طَرِيقَتَهُمْ وَيُحَرِّمُونَ مَا سِوَاهَا وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْعُقُوبَةَ الشَّدِيدَةَ لَاحِقَةٌ مَنْ خَالَفَهَا حَتَّى إنَّهُمْ يَقُولُونَ: بِتَخْلِيدِ فُسَّاقِ أَهْلِ الْمِلَلِ وَيُكَفِّرُونَ مَنْ خَرَجَ عَنْهُمْ مِنْ فِرَقِ الْأُمَّةِ وَهَذَا التَّشْدِيدُ وَالْآصَارُ وَالْأَغْلَالُ شِبْهُ دِينِ الْيَهُودِ. وَتَجِدُ أَرْبَابَ الصَّوْتِ وَالْعَمَلِ الْمُبْتَدَعِ لَا يُوجِبُونَ وَلَا يُحَرِّمُونَ؛ وَإِنَّمَا يَسْتَحِبُّونَ وَيَكْرَهُونَ فَيُعَظِّمُونَ طَرِيقَهُمْ وَيُفَضِّلُونَهُ وَيُرَغِّبُونَ فِيهِ حَتَّى يَرْفَعُوهُ فَوْقَ قَدْرِهِ بِدَرَجَاتِ. فَطَرِيقُهُمْ رَغْبَةٌ بِلَا رَهْبَةٍ إلَّا قَلِيلًا كَمَا أَنَّ الْأَوَّلَ رَهْبَةٌ فِي الْغَالِبِ بِرَغْبَةِ يَسِيرَةٍ وَهَذَا يُشْبِهُ مَا عَلَيْهِ النَّصَارَى مِنْ الْغُلُوِّ فِي الْعِبَادَاتِ الَّتِي يَفْعَلُونَهَا مَعَ انْحِلَالِهِمْ مِنْ الْإِيجَابِ وَالِاسْتِحْبَابِ لَكِنَّهُمْ يَتَعَبَّدُونَ بِعِبَادَاتِ كَثِيرَةٍ وَيَبْقَوْنَ أَزْمَانًا كَثِيرَةً عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ. وَالْفَلَاسِفَةُ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ هَذَا الطَّرِيقُ كَمَا أَنَّ الْمُتَكَلِّمِينَ يَغْلِبُ عَلَيْهِمْ الطَّرِيقُ الْأَوَّلُ\" (^١).\nفنفاة القدر أرادوا منازعة الله في الربوبية فضاهوا بذلك المجوسية الأولى وهم\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ٢٥٨ - ٢٥٩.","vol":"2","page":1218},{"text":"الزنادقة. (^١)\nوأول من عرف بنفي القدر، رجل مجوسي يقال سيسويه من الأساورة، وإن كان قد اشتهر أن أول من قال به معبد الجهني. (^٢)\nوشرك القدرية القائلين بأنَّ الحيوان هو الذي يَخلق أفعال نفسه، وأنها تحدث بدون مشيئة الله وقدرته وإرادته، ولهذا كانوا من أشباه المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشَّرِّ إلى الظلمة، فالنور عندهم خَلَقَ الخَيْرَ، والظلمة خلقتِ الشَّرَّ، فصاروا بذلك ثَنَوِيَّةً، وهؤلاء القدرية جعلوا خالقًا مع الله، فزعموا أن العبادَ يَخْلُقُونَ أَفْعَالهم بدون إرادةِ الله ومشيئته.\nوأصل بدعة القدرية كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أن ذلك ممتنع؛ وكانوا قد آمنوا بدين الله وآمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من يطيع ومن يعصي، لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر وهو يعلم أن المأمور يعصيه، وظنوا أيضًا أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يفسد.\nفالقدرية يقولون: إن الله ﷾ ليس له قدرة ولا تصرُّف في فعل العبد وإنما العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وليس لله تعالى قدرة أو تصرُّف في فعل العبد.\nالقدرية الذين ينكرون قدرة الله ﷿ في فعل العبد، تراهم يَحتج بنصوص الأوامر، ويقولون: كيف يأمر الله ﷿ بأمر، ويكون مع ذلك هو الذي يَخلق هذا الأمر أو يُقَدِّره على عبده؟! فلا بد أن العبد هو الذي يَخلق فعله.\nوهكذا نجد أن بعضًا من أهل الباطل يأتون إلى النصوص فيَبترونها من سياقها،\n_________\n(^١) ذم الكلام ص ٣٠٥.\n(^٢) تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٢٥.","vol":"2","page":1219},{"text":"ويحتجُّون بشيء من الآيات ويتركون البعض الآخر، بينما لو جاء هؤلاء إلى بعض النصوص ونظروا فيها نظرةً شاملةً لوجدوا أنها وازنت بين الأمرين؛ كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير الآيات: ٢٩: ٢٨]، فإذًا الله ﷿ لا شك أنه كلَّف العباد وأمرهم، ومعلوم أن هذا الأمر فيه قدرة واختيار للعبد.\nوكذلك هذه القدرة لا تَخرج عن قدرة الله ﷿ وإرادته؛ ويُفهم من هذا أن الإرادة نوعان: إرادة كونية قَدَرِيَّة، وإرادة دينية شرعية؛ فالإرادة الكونية القدرية هي التي ذكرها الله ﷾ في مثل قوله: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ [الأنعام الآية: ١٢٥]، وأمثاله، فهذا في الإرادة الكونية القدرية، بمعنى: أنه لا يكون في مُلك الله ﷿ ما لا يَشاء وما لا يريد.\nومن مشيئته ﷾: أن جعل للعبد قدرة واختيارًا.\nفإذًا هناك ما يتعلق بخلق الله ﷿ وقَدَره الكوني، وهناك ما يتعلق بأمر الله﷿ومشيئته وإرادته الدينية الشرعية، فالله﷾أمر بتلك الأوامر الشرعية، ولذلك يقول الله ﷿: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة الآية: ١٨٥].\nفهذه إرادة لكنَّها إرادة شرعية؛ لأن أوامر الشرع مَبنية على التيسير.\nوكمقارنة بين ما عليه هؤلاء القدرية الذين هم المعتزلة-فقد تلقَّف المعتزلة مقالة القدرية حتى بعد ذلك أصبح إذا قيل: القدرية، فإن الذي يعنى بذلك هم المعتزلة في ذلك الحين-وبين ما عليه هؤلاء الصوفية الجبرية الذين تقدم ذكرهم في الصنف الأول، فإن المقارنة تكون في ناحيتين:\n١ - من ناحية الحقيقة الكونية القدرية.\n٢ - ومن ناحية الحقيقة الدينية الشرعية.","vol":"2","page":1220},{"text":"مع الأخذ في الاعتبار أنَّ المعتزلة عَظَّموا الأمر والنهي، لكن المتصوفة لم يُعَظِّموه.\n\n<span data-type='title' id=toc-392>ففي الجانب الكوني القَدَري:</span>\nفالقدرية الذين هم المعتزلة: لم يعظموا الجانب الكوني القدري؛ لأنهم أنكروا قدرة الله في فعل العبد.\nوهؤلاء الصوفية الجبرية: وافقوا المعتزلة في هذا الجانب، وبالتالي ضاق نطاقهم عن كون العبد يُؤمر بما يُقَدَّر عليه خلافه، فهم لم يَفهموا هذه المسألة وهي: كيف أن العبد يؤمر ثم لا يفعل؛ فكيف يُقَدَّر عليه خلاف هذا الأمر؟\nفلم يُفَرِّقوا بين ما أراده الله كونًا وما أراده دينًا وشرعًا؛ فقد يأمر الله ﷿ بأمر دينًا وشرعًا، ولكن يُقَدِّر على العبد خلافه، فالله أمر العبد أن يصلي، ولكن العبد قد يَعصي ويترك الصلاة، فهؤلاء ضاقت عقولهم عن التفريق بين ما أراده كونًا وما أحبَّه شرعًا، فليس كلُّ ما أراده أحبَّه، وليس كل ما أحبَّه أراده، فيجب التفريق بين البابين.\nفهؤلاء لم يستوعبوا هذه المسألة، كما ضاق في المقابل على المعتزلة ونحوهم من القدرية فَهم ذلك؛ فلم يستوعبوا هذا الأمر في الفرق بين ما أحبَّه وبَيْن ما أراده.\n\n<span data-type='title' id=toc-393>وأمَّا في الجانب الديني الشرعي:</span>\nفالمعتزلة: أثبتت الأمر والنهي الشَّرعيين؛ فَعُرف عنهم إثبات الأمر والنهي الشرعيين؛ فعَظَّموا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهم في باب الإيمان ليسوا بمرجئة؛ فظهر منهم تعظيم الأمر والنهي، وإن كانوا قد أخطأوا من وجه آخر، ففي القضاء والقدر هم قَدَرية، إذ أنكروا قدرة الله في فعل العبد، لكنهم عظموا الأمر والنهي الشرعيين، فقالوا: الإيمان: قول واعتقاد وعمل.\nوهؤلاء المتصوفة: أثبتوا القضاء والقدر، ولكن نفوا الأمر والنهي في حقِّ مَنْ","vol":"2","page":1221},{"text":"شَهِد القَدَر.\nفعندهم إذا وصل الواحد منهم إلى مرحلة الشهود، فعند ذلك لا أمر ولا نهي عليه.\nولمَّا لم يُمكنهم نفي ذلك مطلقًا، أبقوه للعوام كأمر ونهي، وأسقطوه عن الخواص.\nفإذن: قول هؤلاء شر من قول المعتزلة، لأن إسقاط الأوامر والنواهي إسقاط للدِّين، وإذا أسقطت شعائر الدين الظاهرة .. ماذا يبقى من حال الأمة؟!\n\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"والفرقة الثانية: المشركية، الذين أقروا بالقضاء والقدر، وأنكروا الأمر والنهي، قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام الآية: ١٤٨]، فمن احتج على تعطيل الأمر والنهي بالقدر فهو من هؤلاء، وهذا قد كثر فيمن يدّعي الحقيقة من المتصوفة\".\nالشرح\nقال ابن تيمية: \"فَأَمَّا \" القَدَرِيَّةٌ المشركية \": فَهُمْ الَّذِينَ اعْتَرَفُوا بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ وَزَعَمُوا أَنَّ ذَلِكَ يُوَافِقُ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ، وَقَالُوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الآنعام الآية: ١٤٨]، إلَى آخِرِ الْكَلَامِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ. ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [النحل الآية: ٣٥]، فِي سُورَةِ النَّحْلِ، وَفِي سُورَةِ الزُّخْرُفِ ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف الآية: ٢٠].\nفَهَؤُلَاءِ يَئُولُ أَمْرُهُمْ إلَى تَعْطِيلِ الشَّرَائِعِ وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَعَ الِاعْتِرَافِ بِالرُّبُوبِيَّةِ الْعَامَّةِ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ وَأَنَّهُ مَا مِنْ دَابَّةٍ إلَّا رَبِّي آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا، وَهُوَ الَّذِي يَبْتَلِي بِهِ كَثِيرًا -","vol":"2","page":1222},{"text":"إمَّا اعْتِقَادًا وَإِمَّا حَالًا - طَوَائِفُ مِنْ الصُّوفِيَّةِ وَالْفُقَرَاءِ حَتَّى يَخْرُجَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهُمْ إلَى الْإِبَاحَةِ لِلْمُحَرَّمَاتِ وَإِسْقَاطِ الْوَاجِبَاتِ وَرَفْعِ الْعُقُوبَاتِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَسْتَتِبُّ لَهُمْ وَإِنَّمَا يَفْعَلُونَهُ عِنْدَ مُوَافَقَةِ أَهْوَائِهِمْ كَفِعْلِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْعَرَبِ ثُمَّ إذَا خُولِفَ هَوَى أَحَدٍ مِنْهُمْ قَامَ فِي دَفْعِ ذَلِكَ مُتَعَدِّيًا لِلْحُدُودِ غَيْرَ وَاقِفٍ عِنْدَ حَدٍّ كَمَا كَانَتْ تَفْعَلُ الْمُشْرِكُونَ أَيْضًا. إذْ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ تَتَنَاقَضُ عِنْدَ تَعَارُضِ إرَادَاتِ الْبَشَرِ. فَهَذَا يُرِيدُ أَمْرًا وَالْآخَرُ يُرِيدُ ضِدَّهُ، وَكُلٌّ مِنْ الْإِرَادَتَيْنِ مُقَدَّرَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ تَرْجِيحِ إحْدَاهُمَا أَوْ غَيْرِهِمَا أَوْ كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهٍ وَإِلَّا لَزِمَ الْفَسَادُ.\nوَقَدْ يَغْلُو أَصْحَابُ هَذَا الطَّرِيقِ حَتَّى يَجْعَلُوا عَيْنَ الْمَوْجُودَاتِ هِيَ اللَّهُ كَمَا قَدْ ذُكِرَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَيَتَمَسَّكُونَ بِمُوَافَقَةِ الْإِرَادَةِ الْقَدَرِيَّةِ فِي السَّيِّئَاتِ الْوَاقِعَةِ مِنْهُمْ وَمِنْ غَيْرِهِمْ كَقَوْلِ الْحَرِيرِيِّ: أَنَا كَافِرٌ بِرَبِّ يُعْصَى، وَقَوْلِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ لَمَّا دَعَاهُ مكاس فَقِيلَ لَهُ هُوَ مكاس فَقَالَ: إنْ كَانَ قَدْ عَصَى الْأَمْرَ فَقَدْ أَطَاعَ الْإِرَادَةَ وَقَوْلُ ابْنِ إسْرَائِيلَ:\nأَصْبَحْت مُنْفَعِلًا لِمَا يَخْتَارُهُ … مِنِّي فَفِعْلِي كُلُّهُ طَاعَاتٌ\nوَقَدْ يُسَمُّونَ هَذَا حَقِيقَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ حَقِيقَةُ الرُّبُوبِيَّةِ، وَالْحَقِيقَةُ الْمَوْجُودَةُ الْكَائِنَةُ أَوْ الْحَقِيقَةُ الْخَبَرِيَّةُ وَلَمَّا كَانَ فِي هَؤُلَاءِ شَوْبٌ مِنْ النَّصَارَى وَالنَّصَارَى فِيهِمْ شَوْبٌ مِنْ الشِّرْكِ تَابَعُوا الْمُشْرِكِينَ فِي مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ التَّمَسُّكِ بِالْقَدَرِ الْمُخَالِفِ لِلشَّرْعِ.\nهَذَا مَعَ أَنَّهُمْ يَعْبُدُونَ غَيْرَ اللَّهِ الَّذِي قَدَّرَ الْكَائِنَاتِ كَمَا أَنَّ هَؤُلَاءِ فِيهِمْ شَوْبٌ مِنْ ذَلِكَ وَإِذَا اتَّسَعَ زَنَادِقَتُهُمْ الَّذِينَ هُمْ رُؤَسَاؤُهُمْ قَالُوا: مَا نَعْبُدُ إلَّا اللَّهَ إذْ لَا مَوْجُودَ غَيْرَهُ.\nوَقَالَ رَئِيسٌ لَهُمْ إنَّمَا كَفَرَ النَّصَارَى لِأَنَّهُمْ خَصَّصُوا، فَيُشَرِّعُونَ عِبَادَةَ كُلِّ مَوْجُودٍ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَيُقَرِّرُونَ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَحْجَارِ؛ لَكِنَّهُمْ يستقصرونهم حَيْثُ خَصَّصُوا الْعِبَادَةَ بِبَعْضِ الْمَظَاهِرِ وَالْأَعْيَانِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا","vol":"2","page":1223},{"text":"حَاصِلٌ فِي جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ؛ فَإِنَّهُمْ مُتَفَنِّنُونَ فِي الْآلِهَةِ الَّتِي يَعْبُدُونَهَا وَإِنْ اشْتَرَكُوا فِي الشِّرْكِ؛ هَذَا يَعْبُدُ الشَّمْسَ، وَهَذَا يَعْبُدُ الْقَمَرَ، وَهَذَا يَعْبُدُ اللَّاتَ، وَهَذَا يَعْبُدُ الْعُزَّى وَهَذَا يَعْبُدُ مَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، فَكُلٌّ مِنْهُمْ يَتَّخِذُ إلَهَهُ هَوَاهُ وَيَعْبُدُ مَا يَسْتَحْسِنُ، وَكَذَلِكَ فِي عِبَادَةِ قُبُورِ الْبَشَرِ كُلٌّ يُعَلِّقُ عَلَى تِمْثَالِ مَنْ أَحْسَنَ بِهِ الظَّنَّ\" (^١)\nوقد فصَّل شيخ الإسلام ابن تيمية﵀- في كتابه «اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم» باستفاضة أوجه الشبه بين المشركين والفِرق الضالة المنحرفة عن منهج الكتاب والسنة، وهنا يُشَبِّه أعمال المتصوفة المبتدعة بأعمال المشركين.\nفهذه الطائفة تشبَّهت بالمشركين في خصلتين:\n\n<span data-type='title' id=toc-394>الخصلة الأولى: الابتداع.</span>\nوالخصلة الثانية: الاحتجاج بالقدر.\nفأمَّا الخصلة الأولى: الابتداع؛ ومعناه: الإحداث، فكان المشركون إذا فعلوا فاحشة ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف الآية: ٢٨]؛ فنسبوها إلى الله ﷾، فردَّ الله ﷿ عليهم؛ فقال لرسوله -ﷺ-: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف الآية: ٢٨]، ولهذا فمن وقع في البدع فقد شابه المشركين؛ لأنهم أول من ابتدعوا.\nوهذا الخطاب يَصلح أن يُوَجَّه للمتصوفة، فإذا فعل المتصوف فاحشة وشرب خمرًا وادعى أنه من أهل الحقيقة؛ قيل له: ﴿إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون﴾ [الأعراف الآية: ٢٨].\nفهذا الجواب الذي بَكَّت اللهُ به أهلَ الشِّرك يَصلح أن يكون جوابًا لأهل التصوف، فهذا الربط العجيب يبين لك أنَّ أصل ما عند هؤلاء هو\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ٢٥٦ - ٢٥٧.","vol":"2","page":1224},{"text":"أصل ما عند هؤلاء؛ لأنها بضاعة شيطانية، والشيطان يأمر بالفحشاء، والله سبحانه لا يأمر بالفحشاء، والشيطان تَقَوَّل على الله، ولذلك حَرَّم الله ﷾ التَّقَوُّل عليه.\nوكذلك ابتدعوا في الشرع تحليل الحرام وتحريم الحلال، وعبادة الله بما لم يشرع، كما ذكر الله عنهم؛ فقد كانوا يجعلون قسمًا مِنْ زروعهم وحُرُوثهم لله، وقسمًا لأصنامهم لا يأكلونه ويقولون: هذا لله، يتعبدون لله؛ فابتدعوا ما لم يَشرع لهم؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩]؛ فيجعلون من الزروع والمواشي قسمين: قسمًا لله، وقسمًا للأصنام، كل هذا تحكُّم من عندهم، والأنعام التي يملكونها جعلوا منها البَحيرة والوَصِيلة والحامي، أشياء لم يشرعها الله له ﷾.\nوهذا منهم زعم! ولو ترك لكل واحد أن يزعم ما يشاء لصار الدين ألعوبة في أيدي الناس.\nفالله خلق بهيمة الأنعام لمصالحنا ومنافعنا؛ نأكل منها ونشرب من لبنها ونركبها ونستعملها في حاجاتنا ونحمل عليها، ولم يأمرنا أن نسيب منها شيئًا للأصنام أو لله، ونقول: هذه لا تركب، وهذه لا تحلب وهذه لا تؤكل، كل هذ تخبُّط في الحلال والحرام لم يَشرعه الله (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-395>والخصلة الثانية: الاحتجاج بالقدر.</span>\nفالمشركون كذبوا على الله ﷾، كما قال الله عنهم: ﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها﴾ [الأعراف الآية: ٢٨]، أي: أن الله قدَّرها علينا فاحتجوا بالقدر على فعل الفواحش، وأن الله راض عنهم في ذلك، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قل إنَّ الله لا يأمر بالفحشاء﴾ [الأعراف الآية: ٢٨]، والله ﷾ نهى عن كشف العورات، وسمى ذلك فاحشة،\n_________\n(^١) انظر: «شرح العبودية» للفوزان (ص ٧٦، ٧٧).","vol":"2","page":1225},{"text":"﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف الآية: ٢٩].\nأي: أخلصوا الله ﷿؛ فإقامة الوجوه معناها: الإخلاص لله ﷿ بالعمل، فالله أمر بالقسط، وهو العدل، ولم يأمر بالجور وهو الظلم، وأمر بإخلاص العبادة له ﷾، ولم يأمر بالشرك والفواحش.\nوكذلك في قوله سبحانه عن المشركين: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حَرَّمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا﴾ [الأنعام الآية: ١٤٨]، فردَّ عليهم بهذا السؤال: ﴿قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا﴾ [الأنعام الآية: ١٤٨]؛ فالذي يَدَّعي هذه الدعوة بمجرد أن يُسأل هذا السؤال سيفر؛ لأن ادَّعاءه أنه من أهل الحقيقة وتخصيصه بترك التكاليف- ليس عليه دليل من كتاب ولا سنة .. فهي دعوى زائفة وباطلة.\nوانظر هذا السَّرد كيف يوضح هذه العلاقة؟ فهذه الأصناف من المتصوفة فيها شَبَه من المشركين، وكذلك أهل الكلام فيهم شَبَه بالمشركين من هذا الوجه؛ لأن الجهميَّة- أيضًا- جبرية يحتجون بالقَدَر على كفرهم ومعاصيهم، وقد قال الله عن المشركين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل الآية: ٣٥] (^١).\nفكل مخالفة لأوامر الله ﷿ واحتجاج بالقدر- قد أنكره الله على المشركين، وإذا كان هذا مردودًا على المشركين؛ فكيف يصبح جائزًا لهؤلاء المتصوفة؟!\nفقول المصنف هنا ربط للمقولة المتأخرة بالمقولة المتقدمة، والمقولة المتقدمة\n_________\n(^١) انظر: «شرح العبودية» للفوزان (ص ٧٦، ٧٧).","vol":"2","page":1226},{"text":"للمشركين والمقولة المتأخرة للمتصوفة؛ فالمشركين الذين كذَّبوا الرسول -ﷺ- يَترددون بين البدعة المخالفة لشرع الله وبين الاحتجاج بالقدر على مخالفة أمر الله.\nفهنا نَبَّه المصنف على مسألة في غاية الأهمية، وهي أن المقولات قد تكون واحدة؛ ولكن تطبيقاتها تتعدد، فكل قول لأهل الباطل فهو مفند في نص كتاب الله ﷿ ونص كلام رسوله -ﷺ-، وأنَّ كلَّ ما يَدَّعيه أهل الباطل قديمًا وحديثًا فهو مردود عليه في نصوص الكتاب والسنة.\nفعلى العاقل المُتبصر أن يعرف أن مَعين هؤلاء ومعين هؤلاء واحد، ومصدرهم واحد، والرد على هؤلاء من جنس الرد على هؤلاء، وفي كتاب الله ﷿ وسنة رسوله -ﷺ- ما يُغنينا، فهؤلاء قد يسمون ما يُحدثوه من البدع حقيقة، كما يسمون ما يشهدون من القَدَر حقيقة، وفي حقيقته إنما هو من جنس ما عند أهل الباطل من أهل الشرك، فالبضاعة واحدة والمصدر واحد، والله لم يُقر المشركين على باطلهم، فكيف يقر هؤلاء؟!\nقال شيخ الإسلام ﵀: \"وليس لأحد أن يحتج بالقدر على الذَّنب باتفاق المسلمين، وسائر أهل الملل وسائر العقلاء؛ فإنَّ هذا لو كان مقبولًا لأمكن كل أحد أن يفعل ما يخطر له من قتل النُّفوس وأخذ الأموال وسائر أنواع الفساد في الأرض ويحتج بالقدر\" (^١)\nقال ابن تيمية: \"وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ يَظْهَرُ بُطْلَانُهُ مِنْ وُجُوهٍ:\n(أَحَدُهَا): أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ إمَّا أَنْ يَرَى الْقَدَر حُجَّةً لِلْعَبْدِ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَرَاهُ حُجَّةً لِلْعَبْدِ فَإِنْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لِلْعَبْدِ فَهُوَ حُجَّةٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ فَإِنَّهُمْ كُلَّهُمْ مُشْتَرِكُونَ فِي الْقَدَرِ وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ أَنْ لَا يُنْكِرَ عَلَى مَنْ يَظْلِمُهُ وَيَشْتُمُهُ وَيَأْخُذُ مَالَهُ وَيُفْسِدُ حَرِيمَهُ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ٨/ ١٧٩ ..","vol":"2","page":1227},{"text":"وَيَضْرِبُ عُنُقَهُ، وَيُهْلِكُ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَهَؤُلَاءِ جَمِيعُهُمْ كَذَّابُونَ مُتَنَاقِضُونَ؛ فَإِنَّ أَحَدَهُمْ لَا يَزَالُ يَذُمُّ هَذَا وَيُبْغِضُ هَذَا وَيُخَالِفُ هَذَا حَتَّى إنَّ الَّذِي يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ يُبْغِضُونَهُ وَيُعَادُونَهُ وَيُنْكِرُونَ عَلَيْهِ فَإِنْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لِمَنْ فَعَلَ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرَكَ الْوَاجِبَاتِ لَزِمَهُمْ أَنْ لَا يَذُمُّوا أَحَدًا وَلَا يُبْغِضُوا أَحَدًا وَلَا يَقُولُوا فِي أَحَدٍ: إنَّهُ ظَالِمٌ وَلَوْ فَعَلَ مَا فَعَلَ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ أَحَدًا فِعْلُهُ وَلَوْ فَعَلَ النَّاسُ هَذَا لَهَلَكَ الْعَالَمُ فَتَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُمْ فَاسِدٌ فِي الْعَقْلِ كَمَا أَنَّهُ كُفْرٌ فِي الشَّرْعِ وَأَنَّهُمْ كَذَّابُونَ مُفْتَرُونَ فِي قَوْلِهِمْ: إنَّ الْقَدَرَ حُجَّةٌ لِلْعَبْدِ.\n(الْوَجْهُ الثَّانِي): إنَّ هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ إبْلِيسُ وَفِرْعَوْنُ وَقَوْمُ نُوحٍ وَعَادٍ وَكُلُّ مَنْ أَهْلَكَهُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِ مَعْذُورًا وَهَذَا مِنْ الْكُفْرِ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ أَرْبَابُ الْمِلَلِ.\n(الْوَجْهُ الثَّالِثُ): أَنَّ هَذَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَأَعْدَاءِ اللَّهِ وَلَا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ وَلَا أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾. وَذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ جَمِيعَهُمْ سَبَقَتْ لَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ السَّوَابِقُ وَكَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُمْ وَهُمْ مَعَ هَذَا قَدْ انْقَسَمُوا إلَى سَعِيدٍ بِالْإِيمَانِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَإِلَى شَقِيٍّ بِالْكُفْرِ وَالْفِسْقِ وَالْعِصْيَانِ فَعُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْقَضَاءَ وَالْقَدَرَ لَيْسَ بِحُجَّةِ لِأَحَدِ عَلَى مَعَاصِي اللَّهِ.\n(الْوَجْهُ الرَّابِعُ): أَنَّ الْقَدَرَ نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نَحْتَجُّ بِهِ فَمَنْ احْتَجَّ بِالْقَدَرِ فَحُجَّتُهُ دَاحِضَةٌ وَمَنْ اعْتَذَرَ بِالْقَدَرِ فَعُذْرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَلَوْ كَانَ الِاحْتِجَاجُ مَقْبُولًا لَقُبِلَ مِنْ إبْلِيسَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُصَاةِ وَلَوْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لِلْعِبَادِ لَمْ يُعَذَّبْ أَحَدٌ مِنْ الْخَلْقِ لَا فِي الدُّنْيَا","vol":"2","page":1228},{"text":"وَلَا فِي الْآخِرَةِ، وَلَوْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لَمْ تُقْطَعْ يَدُ سَارِقٍ وَلَا قُتِلَ قَاتِلٌ وَلَا أُقِيمَ حَدٌّ عَلَى ذِي جَرِيمَةٍ وَلَا جُوهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا أُمِرَ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا نُهِيَ عَنْ الْمُنْكَرِ.\n(الْوَجْهُ الْخَامِسُ): أَنَّ النَّبِيَّ سُئِلَ عَنْ هَذَا فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَدَعُ الْعَمَلَ، وَنَتَّكِلُ عَلَى الْكِتَابِ؟ قَالَ: لَا، اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ﴾. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي الصَّحِيحِ ﴿أَنَّهُ قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت مَا يَعْمَلُ النَّاسُ فِيهِ وَيَكْدَحُونَ أَفِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَطُوِيَتْ بِهِ الصُّحُفُ؟ أَمْ فِيمَا يَسْتَأْنِفُونَ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ؟ - أَوْ كَمَا قِيلَ - فَقَالَ: بَلْ فِيمَا جَفَّتْ بِهِ الْأَقْلَامُ وَطُوِيَتْ بِهِ الصُّحُفُ فَقِيلَ فَفِيمَ الْعَمَلُ؟ فَقَالَ: اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ﴾.\n(الْوَجْهُ السَّادِسُ): أَنْ يُقَالَ: إنَّ اللَّهَ عَلِمَ الْأُمُورَ وَكَتَبَهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ؛ فَهُوَ سُبْحَانَهُ قَدْ كَتَبَ أَنَّ فُلَانًا يُؤْمِنُ وَيَعْمَلُ صَالِحًا فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَفُلَانًا يَعْصِي وَيَفْسُقُ فَيَدْخُلُ النَّارَ؛ كَمَا عَلِمَ وَكَتَبَ أَنَّ فُلَانًا يَتَزَوَّجُ امْرَأَةً وَيَطَؤُهَا فَيَأْتِيهِ وَلَدٌ وَأَنَّ فُلَانًا يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ فَيَشْبَعُ، وَيُرْوَى وَأَنَّ فُلَانًا يَبْذُرُ الْبَذْرَ فَيَنْبُتُ الزَّرْعُ. فَمَنْ قَالَ: إنْ كُنْت مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَأَنَا أَدْخُلُهَا بِلَا عَمَلٍ صَالِحٍ كَانَ قَوْلُهُ قَوْلًا بَاطِلًا مُتَنَاقِضًا؛ لِأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ الصَّالِحِ فَلَوْ دَخَلَهَا بِلَا عَمَلٍ كَانَ هَذَا مُنَاقِضًا لِمَا عَلِمَهُ اللَّهُ وَقَدَّرَهُ. وَمِثَالُ ذَلِكَ مَنْ يَقُولُ: أَنَا لَا أَطَأُ امْرَأَةً فَإِنْ كَانَ قَدْ قَضَى اللَّهُ لِي بِوَلَدِ فَهُوَ يُولَدُ فَهَذَا جَاهِلٌ فَإِنَّ اللَّهَ إذَا قَضَى بِالْوَلَدِ قَضَى أَنَّ أَبَاهُ يَطَأُ امْرَأَةً فَتَحْبَلُ فَتَلِدُ، وَأَمَّا الْوَلَدُ بِلَا حَبَلٍ وَلَا وَطْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُقَدِّرْهُ وَلَمْ يَكْتُبْهُ كَذَلِكَ الْجَنَّةُ إنَّمَا أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِلَا إيمَانٍ كَانَ ظَنُّهُ بَاطِلًا وَإِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ الْأَعْمَالَ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِهَا لَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْمَلَهَا أَوْ لَا يَعْمَلَهَا كَانَ كَافِرًا وَاَللَّهُ قَدْ حَرَّمَ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ","vol":"2","page":1229},{"text":"فَهَذَا الِاعْتِقَادُ يُنَاقِضُ الْإِيمَانَ الَّذِي لَا يَدْخُلُ صَاحِبُهُ النَّارَ. \" (^١)\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"والفرقة الثالثة: الإبليسية، وهم الذين أقروا بالأمرين، لكن جعلوا هذا تناقضًا من الرب ﷾، وطعنوا في حكمته وعدله، كما يُذكر مثل ذلك عن إبليس مقدمهم، كما نقله أهل المقالات، ونقل عن أهل الكتاب.\nوالمقصود: أن هذا مما يقوله أهل الضلال\".\nالشرح\nهذا الفرقة من المخالفين في باب القدر أقروا بالأمر والنهي وبالقضاء النافذ والقدر السابق ولكن جعلوا الجمع بين هذا وذاك تناقضا من الرب-تعالى وتقدس عن قولهم علوا كبيرا-فطعنوا في حكمة الرب ﷿ وعدله.\nقال ابن تيمية: \"الْقَدَرِيَّةُ الإبليسية الَّذِينَ صَدَّقُوا بِأَنَّ اللَّهَ صَدَرَ عَنْهُ الْأَمْرَانِ. لَكِنَّ عِنْدَهُمْ هَذَا تَنَاقُضٌ وَهُمْ خُصَمَاءُ اللَّهِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ.\nوَهَؤُلَاءِ كَثِيرٌ فِي أَهْلِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ مِنْ سُفَهَاءِ الشُّعَرَاءِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ الزَّنَادِقَةِ كَقَوْلِ أَبِي الْعَلَاءِ المعري:\nصرف الزمان مفرق الإلفين … فاحكم إلهي بين ذاك وبيني\nأنهيت عن قتل النفوس تعمدا … وبعثت أنت لقبضها ملكين\nوزعمت أن لها معادا ثانيا … ما كان أغناها عن الحالين\nوقول بَعْضِ السُّفَهَاءِ الزَّنَادِقَةِ:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ٢٦٢ - ٢٦٥.","vol":"2","page":1230},{"text":"يَخْلُقُ نُجُومًا وَيَخْلُقُ بَيْنَهَا أَقْمَارًا … يَقُولُ يَا قَوْمُ غُضُّوا عَنْهُمْ الْأَبْصَارَ.\nتَرْمِي النسوان وَتَزْعَقُ مَعْشَرَ الْحُضَّارَ … اُطْفُوا الْحَرِيقَ وَبِيَدِك قَدْ رَمَيْت النَّارَ.\nوَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ كُفْرَ صَاحِبِهِ وَقَتْلِهِ\" (^١).\nوقول المصنف: \"كما نقله أهل المقالات، ونقل عن أهل الكتاب\".\nيشير إلى ما حكاه أرباب المقالات كالشهرستاني فقد ذكر في كتابه (الملل والنحل (ما نصه: \"المقدمة الثالثة:\nفي بيان أول شبهة وقعت في الخليقة، ومن مصدرها في الأول ومن مظهرها في الآخر:\nاعلم أن أول شبهة وقعت في الخليقة: شبهة إبليس لعنه الله، ومصدرها استبداده بالرأي في مقابلة النص، واختياره الهوى في معارضة الأمر، واستكباره بالمادة التي خلق منها وهي النار على مادة آدم ﵇ وهي الطين.\nوانشعبت من هذه الشبهة سبع شبهات، وسارت في الخليقة، وسرت في أذهان الناس حتى صارت مذاهب بدعة وضلالة، وتلك الشبهات مسطورة في شرح الأناجيل الأربعة: إنجيل لوقا، ومارقوس، ويوحنا، ومتى، ومذكورة في التوراة متفرقة على شكل مناظرات بينه وبين الملائكة بعد الأمر بالسجود، والامتناع منه.\nقال كما نقل عنه؛ إني سلمت أن الباري تعالى إلهي وإله الخلق، عالم قادر، ولا يسأل عن قدرته ومشيئته، وأنه مهما أراد شيئا قال له كن فيكون، وهو حكيم، إلا أنه يتوجه على مساق حكمته أسئلة، قالت الملائكة: ما هي؟ وكم هي؟ قال لعنه الله: سبعة.\nالأول منها: أنه قد علم قبل خلقي أي شيء يصدر عني ويحصل مني، فلم\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى: ٨/ ٢٦٠.","vol":"2","page":1231},{"text":"خلقني أولا؟ وما الحكمة في خلقه إياي؟\nوالثاني: إذ خلقني على مقتضى إرادته ومشيئته؛ فلم كلفني بمعرفته وطاعته؟ وما الحكمة في هذا التكليف بعد أن لا ينتفع بطاعة، ولا يتضرر بمعصية؟\nوالثالث: إذ خلقني وكلفني فالتزمت تكليفه بالمعرفة والطاعة فعرفت وأطعت، فلم كلفني بطاعة آدم والسجود له؟ وما الحكمة في هذا التكليف على الخصوص بعد أن لا يزيد ذلك في معرفتي وطاعتي إياه؟\nوالرابع: إذ خلقني وكلفني على الإطلاق، وكلفني بهذا التكليف على الخصوص، فإذا لم أسجد لآدم، فلم لعنني وأخرجني من الجنة؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لم أرتكب قبيحا إلا قولي: لا أسجد إلا لك؟\nوالخامس: إذ خلقني وكلفني مطلقا، وخصوصا؛ فلم أطع فلعنني وطردني، فلم طرقني (^١) إلى آدم حتى دخلت الجنة ثانيا وغررته بوسوستي، فأكل من الشجرة المنهي عنها، وأخرجه من الجنة معي؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو منعني من دخول الجنة لاستراح مني آدم، وبقي خالدا فيها؟\nوالسادس: إذ خلقني وكلفني عموما، وخصوصا، ولعنني، ثم طرقني إلى الجنة، وكانت الخصومة بيني وبين آدم؛ فلم سلطني على أولاده حتى أراهم من حيث لا يرونني، وتؤثر فيهم وسوستي ولا يؤثر في حولهم وقوتهم، وقدرتهم واستطاعتهم؟ وما الحكمة في ذلك بعد أن لو خلقهم على الفطرة دون من يحتالهم عنها فيعيشوا طاهرين سامعين مطيعين، كان أحرى بهم، وأليق بالحكمة؟\nوالسابع: سلمت هذا كله: خلقني وكلفني مطلقا ومقيدا، وإذ لم أطع لعنني وطردني وإذ أردت دخول الجنة مكنني وطرقني، وإذ عملت عملي أخرجني ثم\n_________\n(^١) طرقني: جعل لي طريقًا.","vol":"2","page":1232},{"text":"سلطني على بني آدم، فلم إذ استمهلته أمهلني، فقلت: ﴿أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ، إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾. وما الحكمة في ذلك بعد أن لو أهلكني في الحال استراح آدم والخلق مني وما بقي شر ما في العالم؟ أليس بقاء العالم على نظام الخير خيرا من امتزاجه بالشر؟!\nقال: فهذه حجتي على ما ادعيته في كل مسألة.\nقال شارح الإنجيل: فأوحى الله تعالى إلى الملائكة ﵈، قولوا له: إنك في تسليمك الأول أني إلهك وإله الخلق غير صادق ولا مخلص، إذ لو صدقت أني إله العالمين ما احتكمت علي بلم، فأنا الله الذي لا إله إلا أنا، لا أسأل عما أفعل، والخلق مسئولون. وهذا الذي ذكرته مذكور في التوراة، ومسطور في الإنجيل على الوجه الذي ذكرته\" (^١).\nوقد تكلم شيخ الإسلام على هذه القصة ونقدها فقال: \"وَقَدْ ذَكَرَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَبَعْضِ الْمُصَنِّفِينَ فِي الْمَقَالَاتِ كالشَّهْرَستَانِي أَنَّهُ نَاظَرَ الْمَلَائِكَةَ فِي ذَلِكَ مُعَارِضًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ؛ لَكِنَّ هَذِهِ الْمُنَاظَرَةَ بَيْنَ إبْلِيسَ وَالْمَلَائِكَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشِّهْرِسْتَانِيّ فِي أَوَّلِ الْمَقَالَاتِ وَنَقَلَهَا عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَيْسَ لَهَا إسْنَادٌ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ وَلَوْ وَجَدْنَاهَا فِي كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمْ يَجُزْ أَنْ نُصَدِّقَهَا لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: ﴿إذَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ فَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِحَقِّ فَتُكَذِّبُونَهُ وَإِمَّا أَنْ يُحَدِّثُوكُمْ بِبَاطِلِ فَتُصَدِّقُونَهُ﴾.\nوَيُشْبِهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمُنَاظَرَةُ مِنْ وَضْعِ بَعْضِ الْمُكَذِّبِينَ بِالْقَدَرِ إمَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِمَّا مِنْ الْمُسْلِمِينَ.\nوالشَّهْرَستَانِي نَقَلَهَا مِنْ كُتُبِ الْمَقَالَاتِ وَالْمُصَنِّفُونَ فِي الْمَقَالَاتِ يَنْقُلُونَ كَثِيرًا مِنْ الْمَقَالَاتِ مِنْ كُتُبِ الْمُعْتَزِلَةِ كَمَا نَقَلَ الْأَشْعَرِيُّ وَغَيْرُهُ مَا\n_________\n(^١) الملل والنحل ١/ ١٤ - ١٦.","vol":"2","page":1233},{"text":"نَقَلَهُ فِي الْمَقَالَاتِ مِنْ كُتُبِ الْمُعْتَزِلَةِ فَإِنَّهُمْ مِنْ أَكْثَرِ الطَّوَائِفِ وَأَوَّلِهَا تَصْنِيفًا فِي هَذَا الْبَابِ وَلِهَذَا تُوجَدُ الْمَقَالَاتُ مَنْقُولَةً بِعِبَارَاتِهِمْ فَوَضَعُوا هَذِهِ الْمُنَاظَرَةَ عَلَى لِسَانِ إبْلِيسَ كَمَا رَأَيْنَا كَثِيرًا مِنْهُمْ يَضَعُ كِتَابًا أَوْ قَصِيدَةً عَلَى لِسَانِ بَعْضِ الْيَهُودِ أَوْ غَيْرِهِمْ وَمَقْصُودُهُمْ بِذَلِكَ الرَّدُّ عَلَى الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ يَقُولُونَ إنَّ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ لَا تَتِمُّ إلَّا بِالتَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ؛ كَمَا وَضَعُوا فِي مَثَالِبِ ابْنِ كُلَّابٍ أَنَّهُ كَانَ نَصْرَانِيًّا لِأَنَّهُ أَثْبَتَ الصِّفَاتِ وَعِنْدَهُمْ مَنْ أَثْبَتَ الصِّفَاتِ فَقَدْ أَشْبَهَ النَّصَارَى وَتُتَلَقَّى أَمْثَالُ هَذِهِ الْحِكَايَاتِ بِالْقَبُولِ مِنْ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ مِمَّنْ لَمْ يَعْرِفْ حَقِيقَةَ أَمْرِهَا\" (^١)\nوالله سبحانه خالق كل شيء وربه ومليكه وله فيما خلقه حكمة بالغة ونعمة سابغة ورحمة عامة وخاصة وهو لا يسأل عما يفعل وهم يسألون لا لمجرد قدرته وقهره بل لكمال علمه وقدرته ورحمته وحكمته فإنه ﷾ أحكم الحاكمين وأرحم الراحمين.\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وأما أهل الهدى والفلاح فيؤمنون بهذا وهذا، فيؤمنون بأن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وهو على كل شيء قدير، أحاط بكل شيء علمًا، وكل شيء أحصاه في كتاب مبين.\nويتضمن هذا الأصل من إثبات علم الله، وقدرته، ومشيئته، ووحدانيته، وربوبيته، وأنه خالق كل شيء وربه ومليكه ما هو من أصول الإيمان\".\nالشرح\nيؤمن أهل السنة بأن ما في هذا الكون مسخرٌ ومخلوقٌ من الله ﷾، فالله ﷿ كما\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ١١٤ - ١١٥.","vol":"2","page":1234},{"text":"قال: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، ويؤمنون بأن<span data-type='title' id=toc-396> الإيمان بالقدر ركنٌ من أركان الإيمان، والقدر له أربع مراتب:</span>\nالمرتبة الأولى: العلم.\nوالمرتبة الثانية: الكتابة.\nوالمرتبة الثالثة: المشيئة.\nوالمرتبة الرابعة: الخلق.\n\nف<span data-type='title' id=toc-397>المرتبة الأولى: مرتبة العلم.</span>\nفيجب أن تعلم وتوقن بأن الله ﷾ علم الأشياء قبل خلقها، وعلم ما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، فالله ﷾ قد أحاط بكل شيءٍ علما، ولذلك لما ذكر الله تعالى الخلق استدل به على العلم والقدرة ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق الآية: ١٢]، ثم قال بعدها: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق الآية: ١٢].\nفتأمل السياق في الحديث عن الخلق، الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن هذا حديث عن الخلق، لكنه دلالة على أمرين هم؟ لتعلموا أن الله على كل شيء قدير، فالخلق دليل على القدر، فكيف يخلق من لا يقدر، فهل الذي لا يقدر يستطيع أن يخلق؟ فبما أنه هو الخالق فهو قادر، وكيف يخلق ما لا يعلم؟ فبالتالي استشهد بخلقه على قدرته وعلى علمه، لذلك قال: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق الآية: ١٢]،.\nفالله ﷾ علم الأشياء قبل خلقها، وهو ﷾ يعلم ما سيكون، بل ما لم يكن لو كان كيف يكون، فالله ﷾ عندما ذكر أصحاب النار قال عنهم: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [الأنعام الآية: ٢٨]، فلو أُخرج أهل النار من النار وعادوا إلى الدنيا لعادوا","vol":"2","page":1235},{"text":"إلى كفرهم.\nفِإذًا يعلم مالم يكن لو كان كيف يكون، فعلمه ﷾ محيطٌ بكل شيء، وكان أول من أنكره القدرية فأنكروا علم الله السابق، فزعم القدرية الأوائل أن الله ﷾ لا يعلم الأشياء قبل وقوعها، فهذا أول حال القدرية، ثم إن القدرية بعد ذلك تراجعوا عن إنكار العلم السابق وأثبتوا العلم السابق، ولكن أنكروا قدرة الله في فعل العبد، فالله ﷾ علم الأشياء قبل كونها.\n\nوأما<span data-type='title' id=toc-398> المرتبة الثانية: فهي أن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ.</span>\nفعندما خلق الله القلم قال له أكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب كل شيء، فأمره بكتابة كل شيء، كما ورد في حديث عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، قال: رب ماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة … \" الحديث\" (^١).\n\nو<span data-type='title' id=toc-399>المرتبة الثالثة: المشيئة فالله ﷾ كما قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾</span> [التكوير الآية: ٢٩]، فمشيئة الله ﷿ نافذة وتامة وواقعة ولا يقع في هذا الكون ما لا يشاء ﷾،\nو<span data-type='title' id=toc-400>المرتبة الرابعة: الخلق كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾</span> [الزمر الآية: ٦٢]، وكما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات الآية: ٩٦]، فهو ﷾ خالق الأشياء.\nفإذًا لابد أن نؤمن بأن من مراتب القدر العلم السابق، وأن الله ﷾ أحاط بكل شيءٍ علما، فلابد من الايقان بذلك واعتقاد ذلك، وأن الذي قال إن الله لا يعلم فقد كفر بالله العظيم.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٣١٧). وأبو داود في سننه (٥/ ٧٦، رقم ٤٧٠٠). الترمذي في سننه (٥/ ٤٢٤، رقم ٣٣١٩).","vol":"2","page":1236},{"text":"وأما أنواع التقدير:\nفقد ذكر ابنُ القيِّم أقسامَ التَّقدير الخمسة، وأَوْضَحَها بأدلَّتِها، وهي باختصار:\nالتقدير الأول: تقدير المَقادير قبل خَلق السَّماوات والأرض، وهو التقدير العام الشَّامل لكل شيءٍ في اللوح المحفوظ، وقد سبق ذِكر بعض الأدلة عليه.\nالتقدير الثاني: تقدير الرَّبِّ﵎شقاوة العِباد وسَعادتهم وأرزاقهم وآجالهم وأعمالهم قبل خَلْقِهم، وهو تقديرٌ ثَان بعد التقدير الأَوَّل، فعن عِمران بن حُصين قال: «قيل: يا رسول الله، عُلِمَ أهلُ الجَنَّة من أهل النَّار؟ فقال: «نَعَمْ». قيل: فَفِيم يعملُ العاملون؟ قال: «كُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ له» (^١).\nالتقدير الثالث: المُتَعَلِّق بالجنين وهو في بطن أُمِّه، وهو تقدير شقاوته وسعادته ورزقه وأجله وعمله؛ فعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: حَدَّثنا رسولُ الله -ﷺ- وهو الصَّادقُ المَصدوقُ: «إنَّ أحدَكم ليُجمع خَلْقُه في بَطن أُمِّه أربعين يومًا، ثُمَّ يكون في ذلك علقةً مثل ذلك، ثُمَّ يكون في ذلك مُضغةً مثل ذلك، ثُمَّ يُرسل اللهُ إليه المَلك؛ فيَنفخ فيه الرُّوح، ويُؤمر بأربع كلماتٍ؛ بكتبِ رزقِه وأجلِه وعملِه وشقي أو سعيد، فوالذي لا إلهَ غيرُه، إنَّ أحدَكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتَّى ما يكون بينه وبينها إلَّا ذراع فيَسبق عليه الكتابُ فيَعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإنَّ أحدَكم لَيعمل بعمل أهلِ النَّار حتى ما يكون بينه وبينها إلَّا ذِرَاع فيَسبق عليه الكتابُ فيَعمل بعمل أهلِ الجَنَّة فيَدخلها» (^٢).\nالتقدير الرابع: التقدير في ليلة القَدْر؛ قال الله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٥٥١) ومسلم (٢٦٤٩) واللفظ له.\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٢٠٨) ومسلم (٢٦٤٣).","vol":"2","page":1237},{"text":"مُرْسِلِينَ﴾ [الدخان الآيات: ١ - ٥].\nقال أبو عبد الرَّحمن السُّلَمِيُّ: «يُقَدِّر أمرَ السَّنَة كلها في ليلة القَدْر»، وهذا هو الصَّحيح: أنَّ القَدْر مَصدر قَدَرَ الشيء يَقْدُرُهُ قَدْرًا، فهي ليلة الحُكم والتقدير.\nالتقدير الخامس: التقدير اليَومي؛ قال تَعَالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن الآية: ٢٩].\nقال مجاهدٌ والكلبيُّ وعُبيد بن عمير وأبو ميسرة وعطاء ومقاتل: «مِنْ شأنِه: أن يُحيي ويُميت، ويَرزق ويَمنع، ويَنصر، ويُعزُّ ويُذلُّ، ويَفك عانيًا، ويَشفي مريضًا، ويجيب داعيًا، ويُعطي سائلًا، ويَتوب على قومٍ، ويكشف كربًا، ويَغفر ذنبًا، ويضع أقوامًا، ويَرفع آخرين. دخل كلامُ بعضهم في بعض …».\nإلى أن قال ابن القَيِّم ﵀: «فهذا تقديرٌ يوميٌّ، والذي قبله تقديرٌ حَوْلِيٌّ، والذي قبلَه تقديرٌ عُمري عند تَعَلُّق النَّفس به، والذي قبله كذلك عند أَوَّل تخليقه، وكونه مضغة، والذي قبله تقديرٌ سَابق على وجوده، لكن بعد خلق السماوات والأرض، والذي قبله تقديرٌ سابقٌ على خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكل واحد من هذه التقادير كالتفصيل من التقدير السابق، وفي ذلك الدليل على عِلم الرَّبِّ وقُدرته وحكمته، وزيادة التعريف لملائكته وعباده المؤمنين بنفسِه وأسمائه» (^١).\nقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: \"واعلم أنَّ مَذهبَ أهلِ الحَقِّ إثباتُ القَدَر، ومعناه: أنَّ الله﵎قَدَّر الأشياء في القِدَم، وعَلِمَ-سبحانه-أنَّها ستقع في أوقاتٍ معلومة عنده ﷿، وعلى صفاتٍ مخصوصة؛ فهي تقع على حسب ما قَدَّرها ﷿، وأنكرت القدرية هذا، وزعمت أنه ﷿ لم يُقَدِّرها، ولم يتقدم علمُه ﷿ بها، وأنَّها مُستأنفة العلم، أي: إنَّما يَعلمها-سبحانه-بعد وقوعِها، وكذبوا على الله ﷾ وجَلَّ\n_________\n(^١) «شفاء العليل» (ص ٣١ - ٤٩).","vol":"2","page":1238},{"text":"عن أقوالهم الباطلة علوًّا كبيرًا\" (^١).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"ومع هذا لا ينكرون ما خلقه الله من الأسباب، التي يخلق بها المسببات، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف الآية: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة الآية: ١٦]، وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة الآية: ٢٦]، فأخبر أنه يفعل بالأسباب\".\nالشرح\nيناقش المصنف هنا الحلاف في مسألة الأسباب فالناس في هذا الباب طرفان ووسط نعرض أقوالهم هنا على سبيل الإجمال ومن ثم يتم عرض كل قول على سبيل التفصيل.\nفالأقوال على سبيل الإجمال ثلاثة:\nالقول الأول: قول أهل السنة والجماعة.\nوهم يثبتون فاعلية لقدرة الإنسان، وأثرًا للأسباب الطبيعية ولكن يشترطون عدم استقلالية الفاعلية والأثر وهذا هو ظاهر القرآن الذي أثبت للإنسان فعلًا، وللماء أثرًا وهكذا … والجميع في النهاية يكون بخلق الله، فالخلق يتم في بعض صوره بوسائط هي قوى أودعها الله في مخلوقاته، فهو يخلق الأسباب ببعضها.\nومعنى ذلك أنه لا غنى للأسباب عن المسببات ولا المسببات في غنى عن الأسباب، لكن الأسباب ليست علة تامة تستقل بإحداث المسببات\" .. ومعلوم أنه\n_________\n(^١) شرح مسلم للنووي ١/ ١٣٨. ط: دار الكتب العملية.","vol":"2","page":1239},{"text":"ليس في المخلوقات شيء وحده علة تامة وسببًا تامًا للحوادث بمعنى أن وجوده مستلزم لوجود الحوادث، بل ليس هذا إلا لمشيئة الله خاصة\".\nالقول الثاني: قول بعض الأشاعرة.\nمن قال: إن الله يفعل عند الأسباب، ولا يفعل بالأسباب.\nوهؤلاء قد خالفوا ما جاء به القرآن، وأنكروا ما خلقه الله من القوى والطبائع، وقولهم شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى التي في الحيوان، التي يفعل الحيوان بها مثل قدرة العبد.\nالقول الثالث: قول الفلاسفة.\nمن جعل الأسباب هي المبدعة لهذا الكون، فمن قال هذا فهو مشرك بالله، وأضاف فعل الله إلى غيره.\nأما على سبيل التفصيل:\nالقول الأول: قول أهل السنة والجماعة\nفمذهب سلف الأمة وأئمتها يقولون: إن العبد فاعل لفعله حقيقة، وأن له قدرة حقيقية واستطاعة حقيقية ولا ينكرون تأثير الأسباب الطبيعية بل يقرون بما دل عليه الشرع والعقل، ولا يقولون القوى والطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها بل يقرون بأن لها تأثيرًا.\nيقول ابن تيمية: \"والله سبحانه خلق الأسباب والمسببات وجعل هذا سببًا لهذا، فإذا قال القائل: إن كان مقدورًا، حصل بدون السبب وإلا لم يحصل جوابه أنه مقدور بالسبب وليس مقدورًا بدون السبب .. ودلل على ذلك بالأدلة\"\nوهذا هو الإنصاف الذي جاء به القرآن في نسبة الفعل والإحداث، فهو لم يغلُ في نسبته إلى الطبيعة بإنكار صنع الإله الحق كما أنه لم يقض على ما يشاهده الناس","vol":"2","page":1240},{"text":"بعيونهم ويجربونه بأنفسهم بإلغاء أثر القوى الكامنة في الطبيعة فأثبت الجميع وقال للإنسان: ﴿وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾ [الإنسان الآية: ٣٠]، أي لا يتحقق لك صنع وعمل باستقلال حتى أشاء أنا (وهو الذي قدر الأشياء وقضاها ولا يكون في الدنيا ولا في الآخرة شيء إلا بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره وكتبه في اللوح المحفوظ\".\nفالحوادث:\nتضاف إلى خالقها باعتبار. قال تعالى: ﴿كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء الآية: ٧٨]. وقد دلت الدلائل اليقينية على أن كل حادث فالله خالقه وفعل العبد من جملة الحوادث.\nوإلى أسبابها باعتبار. كما قال الله تعالى: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص الآية: ١٥]، وقال﴾ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ [الكهف الآية: ٦٣].\nوأخبر أن العباد يفعلون ويصنعون ويعملون ويؤمنون ويكفرون ويفسقون … وأن العبد فاعل لفعله حقيقة فقولهم: في خلق فعل العبد بإرادته وقدرته كقولهم في خلق سائر الحوادث بأسبابها.\nوالحاصل أن مذهب السلف ومحققي أهل السنة إن الله تعالى خلق قدرة الإنسان وإرادته وفعله، وأن العبد فاعل لفعله حقيقة ومحدث لفعله والله سبحانه جعله فاعلًا له محدثًا له\".\nيقول السفاريني: \"وأمّا مذهب السلف الصالح المثبتون للقدر من جميع الطوائف فإنهم يقولون: إنَّ العبد فاعلٌ لفعله حقيقةً، وإن له قدرة حقيقة واستطاعة حقيقة، ولا ينكرون تأثيرَ الأسباب الطبيعية، بل يقرّون بما دلَّ عليه الشرع والعقل من أن اللَّه تعالى ينبت النبات بالماء، وأن اللَّه يخلق السحابَ بالرياح وينزل الماء بالسحاب، ولا يقولون: القوى والطبائع الموجودة في المخلوقات لا تأثير لها، بل","vol":"2","page":1241},{"text":"يقرُّون بأنَّ لها أثرًا لفظًا ومعنى، ولكن يقولون: هذا التأثير هو تأثيرُ الأسباب في مسبّباتها، واللَّه تعالى خالق السبب والمسبب\" (^١).\nفقول أهل السنة والجماعة يقوم على أنه لا بد للإنسان أن يقوم بأسباب العمل\nسواءً كان ذلك في الأمور الدنيوية أو الدينية.\nففي الأمور الدنيوية: يعلم الإنسان أنه من غير الممكن أن يترك الأسباب ويحصِّل نتائجها، ومن فعل ذلك سخر الناس منه واستهزئوا به؛ كمن يُريد الولد بلا زواج، وكمن يريد المال بدون عمل، وفرق كبير بين التوكل والتواكل؛ فالتواكل يكون بترك الأخذ بالأسباب. وهو مذموم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"ومِمَّا يَنبغي أن يُعلم: ما قاله طائفة من العلماء؛ قالوا: الالتفات إلى الأسباب شِرك في التوحيد. ومحوُ الأسباب أن تكون أسبابًا- نقصٌ في العقل. والإعراضُ عن الأسباب بالكلية قَدْحٌ في الشَّرع. وإنَّما التوكل والرجاء معنى يتألف من موجب التوحيد والعقل والشرع\" (^٢)\nوفي الأمور الدينية: لابد للإنسان أن يقوم بأسباب العمل الصالح؛ لأن الله ﷾ قد ركَّب في الإنسان من المشيئة والإرادة ما هو تَبَع لمشيئته وإرادته جلَّ وعلا، لكن الإنسان يُختبر بهذه الأسباب، فلا يجوز له تعطيلها بأي حال من الأحوال.\nوعلى العبد أن يأخذ بالأسباب الشرعية التي شرعها الله ﷾؛ لكي ينال ما كتبه الله عليه في أمر القَدَر، وقد يناله وقد لا يناله، لكنه مُطالب بأن يأخذ بهذه الأسباب التي أرادها الله ﷾.\nفإنَّ مِنْ خَلْقِ الله تعالى أن ركَّب للأمور أسبابًا، ومِن خلق الله ﷿ أن جعل للعبد\n_________\n(^١) لوائح الأنوار السنية (٢/ ١٤٢).\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٨/ ١٦٩).","vol":"2","page":1242},{"text":"إرادة ومشيئة، وهذه الإرادة والمشيئة لا تخرج عن إرادته ومشيئته ﷾، فعلى هذا أمر الله تعالى العباد واختبرهم وابتلاهم؛ فمنهم مَنْ أطاع-بمعنى: أنه أخذ بأسباب السعادة وقام بهذه الأسباب، وطلبها من الله تعالى؛ فأعانه عليها-ومنهم مَنْ حُرم مِنْ هذا.\nوالفضل مِنْ قبل ومن بَعد لله ﷾ الذي هيَّأ للعبد هذه الأسباب من جهة، والذي أعانه على هذه الأمور من جهة، فعلى العبد أن يُوازن بين هذا وهذا، فالله قد أمر العبد وخَلق له إرادة، كما قال: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان الآية: ٣ [؛ فهداه السبيل وركَّب فيه من أسباب الهداية ما ركَّب، وشاء أن يمتحنه؛ فإما أن يقوم بالطاعة أو يقوم بالمعصية، وكلا العبدين قد أوتي من القوة والصحة والأسباب ما يُعينه على فعل ما أراد، لكن هذا أعان على نفسه فاتَّبع أسباب الهداية فسار عليها، وذاك حَرَم نفسه فَوُكِل إليها، فالعبد بالتالي في حال جهاد مع نفسه، وفي حال مجاهدة مع قَدَر الله ﷾؛ لأنه لا يعلم ما خاتمته التي يموت عليها، ولكنه يعلم أن الله تعالى قد جعل للجنة أسبابًا، وأمره بالأخذ بهذه الأسباب، فسبب دخول الجنة: الاستقامة على أوامر الله ﷾، ولذلك ذكر العلماء أن الباء في قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة الآية: ١٧]، هي باء السبب، وليست باء المقابلة والعِوض، فالجنة ليست ثمنًا لعمل العبد؛ قال فضيلة الشيخ ابن عثيمين ﵀: «﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة الآية: ١٧]، أي: بعملهم، أو بالذي كانوا يعملونه لأن (ما) في قوله: ﴿بما كانوا يعملون﴾ يصح أن تكون مصدرية، ويصح أن تكون اسمًا موصولًا، والباء هنا للسببية» (^١).\nوقال لأهل النار: ﴿جزاء وفاقًا﴾، فكلٌّ يجازيه الله ﷾ بحسب عمله.\n_________\n(^١) «تفسير العلامة محمد العثيمين»، تفسير سورة الواقعة.","vol":"2","page":1243},{"text":"ومدار الثواب والعقاب على العمل؛ فعن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (^١).\nفعلى الإنسان أن يحقق أسباب السعادة ونيل رضوان الله ﷾، فالجنة لا تحصل بالجسم ولا بالمال ولا بالحسب والنسب؛ فعن أبي هريرة ﵁، قال: قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله ﷿: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء الآية: ٢١٤]، قال: «يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم، لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مَناف، لا أُغني عنكم مِنْ الله شيئًا، يا عبَّاس بن عبد المطلب، لا أُغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمَّة رسول الله، لا أُغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد سَلِيني ما شئتِ من مالي؛ لا أُغني عنك من الله شيئًا» (^٢).\nففاطمة ﵂ مع كونها بنت النبي -ﷺ- الذي هو أعظم الخلق عند الله ﷾، إلا أن هذا النسب لا يُغني عنها من الله شيئًا، حتى تؤمن وتعمل صالحًا.\nفعلى هذا يقصد بهذه المنازعة: أن يسعى العبد لأسباب السعادة؛ ويسأل الله القبول، ويحسن ظنه بالله؛ لأنه سبحانه قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف الآية: ٣٠]، وبعد الإيمان والعمل الصالح يرجو أن يكون من أهل الجنة، ولا يقولَنَّ-مثلًا-أنا على قَدَر الله تعالى؛ فإن شاء هداني وإن لم يشأ لم يهدني. فيترك أسباب نَيل الخير.\nويقول شارح «العقيدة الطحاوية»: \"قد ظَنَّ بعضُ الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب، وأن الأمور إذا كانت مُقَدَّرة فلا حاجة إلى الأسباب! وهذا فاسد؛ فإن الاكتساب: منه فرض، ومنه مُستحب، ومنه مباح، ومنه مكروه، ومنه\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٦٤)، وأيضًا بلفظ: «إنَّ الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم»، وأشار بأصابعه إلى صدره».\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٧٥٣) ومسلم (٢٠٦) من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":1244},{"text":"حرام، كما قد عُرف في موضعه. وقد كان النبي -ﷺ- أفضل المتوكلين-يَلبس لَأْمَةَ الحرب، ويمشي في الأسواق للاكتساب، حتى قال الكافرون: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان الآية: ٧]. ولهذا تجد كثيرًا ممن يرى الاكتساب ينافي التوكل يُرزقون على يد مَنْ يُعطيهم؛ إمَّا صدقة، وإمَّا هدية … \" (^١).\nفالتوكل المشروع يكون بالأخذ بالأسباب، مع سؤال الله ﷿ العون والتوفيق والهداية والسداد على فعل الطاعات.\nوقال ابنُ القيم: \"وفي الأحاديث الصَّحيحة الأمر بالتَّداوي، وأنَّه لا يُنافي التوكل، كما لا يُنافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، بل لا تتمُّ حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نَصَبَها الله مقتضيات لمسبباتها قَدَرًا وشرعًا، وأن تعطيلها يَقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة ويُضعفه من حيث يظنُّ مُعطلها أنَّ تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزًا ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يَضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب وإلَّا كان معطلًا للحكمة والشرع؛ فلا يجعل العبد عجزه توكلًا ولا توكله عجزًا» (^٢).\nوقال ابنُ حَجَر: «المراد بالتوكل: اعتقاد ما دَلَّت عليه هذه الآية: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللهِ رِزْقُهَا﴾ [هود الآية: ٦]، وليس المراد به: ترك التسبب والاعتماد على ما يأتي من المخلوقين؛ لأنَّ ذلك قد يَجُرُّ إلى ضِد ما يَرَاه من التوكل، وقد سئل أحمد عن رجل جلس في بيته أو في المسجد، وقال: لا أعمل شيئًا حتى يَأتيني رزقي! فقال: هذا\n_________\n(^١) «شرح العقيدة الطحاوية» لابن أبي العز (ص ٢٧٠)، دار السلام، الطبعة المصرية الأولى، ١٤٢٦ هـ-٢٠٠٥ م.\n(^٢) «زاد المعاد في هدي خير العباد» (٤/ ١٥)، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٤ م.","vol":"2","page":1245},{"text":"رجل جَهِل العلمَ؛ فقد قال النبي -ﷺ-: «إنَّ الله جعل رزقي تحت ظلِّ رُمحي» (^١)، وقال: «لو تَوكلتم على الله حقَّ تَوكله لرزقكم كما يَرزق الطير تَغدو خماصًا، وتَروح بِطانًا» (^٢)، فذكر أنَّها تَغدو وتروح في طلب الرزق، قال: وكان الصحابة يَتَّجِرون ويَعملون في نَخيلهم، والقدوةُ بهم\" (^٣).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"ومن قال: يفعل عندها لا بها، فقد خالف ما جاء به القرآن، وأنكر ما خلقه الله من القوى والطبائع، وهو شبيه بإنكار ما خلقه الله من القوى التي في الحيوان، التي يفعل الحيوان بها مثل قدرة العبد\".\nالشرح\nيتكلم المصنف هنا عن أصحاب القول الثاني القائلين إن الله يفعل عند الأسباب، ولا يفعل بالأسباب.\nوممن قال بهذا القول بعض أئمة الأشاعرة ومنهم أبو حامد الغزالي حيث يقول: \"الاقتران بين ما يُعتَقد في العادَة سببًا وبين ما يُعتقد مُسَبَّبًا ليس ضروريًّا، بل كلُّ شيئين ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمِّنًا لإثبات الآخر، ولا نفيه\n_________\n(^١) جزء من حديث؛ أورده البخاري تعليقًا في باب (مَا قِيل فِي الرِّمَاحِ) (٤/ ٤٠)، وأخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١٩٤٠١)، وأحمد في «المسند» (٥١١٤)، من حديث ابن عمر ﵄، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٢٦٩). ولابن رجب الحنبلي رسالة ماتعة في شرح هذا الحديث، بعنوان: «الحِكَم الجديرة بالإذاعة من قول النبي -ﷺ-: «بُعِثتُ بالسَّيف بين يدي السَّاعة».\n(^٢) أخرجه أحمد في «المسند» (٢٠٥)، والترمذي (٢٣٤٤) من حديث عمر ﵁ وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣١٠).\n(^٣) «فتح الباري» (١١/ ٣٠٥، ٣٠٦)، دار المعرفة، بيروت، ١٣٧٩ هـ.","vol":"2","page":1246},{"text":"متضمِّنًا لنفي الآخر، فليس مِنْ ضرورة وجودِ أحدهما وجود الآخر، ولا مِنْ ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر، مثل: الرِّي والشرب، والشِّبَع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت وجَزِّ الرقبة، والشفاء وشرب الدواء، وإسهال البطن واستعمال المسهِّل، وهلمَّ جرًّا، إلى كلِّ المشاهدات من المقترنات في الطبّ والنجوم والصناعات والحِرَف، فإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه بخلقها على التساوُق لا لكونه ضَروريًّا في نفسِه غير قابل للفوت، بل في المقدور خلق الشِّبع دون الأكل، وخلق الموتِ دون جَزِّ الرقبة، وإدامَة الحياة مع جَزِّ الرقبة، وهلمَّ جرًّا إلى جميع المقترنات\" (^١).\nويحدثنا شيخ الإسلام عن أصل هذه المقولة ودخولها على الأشاعرة فيقول: \"وَ\" الْمُعْتَزِلَةُ \" اسْتَطَالُوا عَلَى \" الْأَشْعَرِيَّةِ \" وَنَحْوِهِمْ مِنْ الْمُثْبِتِينَ لِلصِّفَاتِ وَالْقَدَرِ بِمَا وَافَقُوهُمْ عَلَيْهِ مِنْ نَفْيِ الْأَفْعَالِ الْقَائِمَةِ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَنَقَضُوا بِذَلِكَ أَصْلَهُمْ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ عَلَيْهِمْ فِي أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ وَأَنَّ الْكَلَامَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْأُمُورِ إذَا خُلِقَ بِمَحَلِّ عَادَ حُكْمُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلِّ. وَاسْتَطَالُوا عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ فِي \" مَسْأَلَةِ الْقَدَرِ \" وَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَنْ جَعَلُوا نَفْسَ مَا يَفْعَلُهُ الْعَبْدُ مِنْ الْقَبِيحِ فِعْلًا لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ دُونَ الْعَبْدِ ثُمَّ أَثْبَتُوا كَسْبًا لَا حَقِيقَةَ لَهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يُعْقَلُ مِنْ حَيْثُ تَعَلُّقُ الْقُدْرَةِ بِالْمَقْدُورِ فَرْقٌ بَيْنَ الْكَسْبِ وَالْفِعْلِ؛ وَلِهَذَا صَارَ النَّاسُ يَسْخَرُونَ بِمَنْ قَالَ هَذَا وَيَقُولُونَ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ لَا حَقِيقَةَ لَهَا: طَفْرَةُ النِّظَامِ وَأَحْوَالُ أَبِي هَاشِمٍ وَكَسْبُ الْأَشْعَرِيِّ. وَاضْطَرُّوهُمْ إلَى أَنْ فَسَّرُوا تَأْثِيرَ الْقُدْرَةِ فِي الْمَقْدُورِ بِمُجَرَّدِ الِاقْتِرَانِ الْعَادِيِّ وَالِاقْتِرَانُ الْعَادِيُّ يَقَعُ بَيْنَ كُلِّ مَلْزُومٍ وَلَازِمِهِ وَيَقَعُ بَيْنَ الْمَقْدُورِ وَالْقُدْرَةِ فَلَيْسَ جَعْلُ هَذَا مُؤَثِّرًا فِي هَذَا بِأَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ وَيَقَعُ بَيْنَ الْمَعْلُولِ وَعِلَّتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْهُ مَعَ أَنَّ قُدْرَةَ الْعِبَادِ عِنْدَهُ لَا تَتَجَاوَزُ\n_________\n(^١) تهافت الفلاسفة (ص: ٢٣٩) بتصرف يسير.","vol":"2","page":1247},{"text":"مَحَلَّهَا. وَلِهَذَا فَرَّ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ إلَى قَوْلٍ وَأَبُو إسْحَاقَ الإسفراييني إلَى قَوْلٍ وَأَبُو الْمَعَالِي الجُوَيْنِي إلَى قَوْلٍ؛ لَمَّا رَأَوْا مَا فِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْ التَّنَاقُضِ\" (^١)\nوقد رد شيخ الإسلام هذه المقولة من عدة وجوه في أكثر من موضع في كتبه ومن ذلك:\nقال ابن تيمية: \"وَمَنْ قَالَ إنَّ قُدْرَةَ الْعَبْدِ وَغَيْرَهَا مِنْ الْأَسْبَابِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا الْمَخْلُوقَاتِ لَيْسَتْ أَسْبَابًا أَوْ أَنَّ وُجُودَهَا كَعَدَمِهَا وَلَيْسَ هُنَاكَ إلَّا مُجَرَّدُ اقْتِرَانٍ عَادِيٍّ كَاقْتِرَانِ الدَّلِيلِ بِالْمَدْلُولِ؛ فَقَدْ جَحَدَ مَا فِي خَلْقِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ مِنْ الْأَسْبَابِ وَالْحِكَمِ وَالْعِلَلِ وَلَمْ يَجْعَلْ فِي الْعَيْنِ قُوَّةً تَمْتَازُ بِهَا عَنْ الْخَدِّ تُبْصِرُ بِهَا وَلَا فِي الْقَلْبِ قُوَّةً يَمْتَازُ بِهَا عَنْ الرَّجُلِ يَعْقِلُ بِهَا وَلَا فِي النَّارِ قُوَّةً تَمْتَازُ بِهَا عَنْ التُّرَابِ تُحْرِقُ بِهَا وَهَؤُلَاءِ يُنْكِرُونَ مَا فِي الْأَجْسَامِ الْمَطْبُوعَةِ مِنْ الطَّبَائِعِ وَالْغَرَائِزِ. قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: تَكَلَّمَ قَوْمٌ مِنْ النَّاسِ فِي إبْطَالِ الْأَسْبَابِ وَالْقُوَى وَالطَّبَائِعِ فَأَضْحَكُوا الْعُقَلَاءَ عَلَى عُقُولِهِمْ. ثُمَّ إنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ لَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ شَبِعَ بِالْخُبْزِ وَرُوِيَ بِالْمَاءِ بَلْ يَقُولُ شَبِعْت عِنْدَهُ وَرُوِيت عِنْدَهُ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ الشِّبَعَ وَالرِّيَّ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْحَوَادِثِ عِنْدَ هَذِهِ الْمُقْتَرِنَاتِ بِهَا عَادَةً؛ لَا بِهَا.\nوَهَذَا خِلَافُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف الآية: ٥٧ [وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ [البقرة الآية: ١٦٤]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة الآية: ١٤]، وَقَالَ: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلَّا إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة الآية: ٥٢]،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ١٢٨.","vol":"2","page":1248},{"text":"وَقَالَ: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق الآية: ٩]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام الآية: ٩٩]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ [فاطر الآية: ٢٧]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل الآية: ١٠]، ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [النحل الآية: ١١ [وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ - إلَى قَوْلِهِ - ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة الآية: ٢٦]، وَقَالَ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ [المائدة الآية: ١٥]، ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة الآية: ١٦]، وَمِثْلُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ.\nوَكَذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ كَقَوْلِهِ: «لَا يَمُوتَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ؛ إلَّا آذَنْتُمُونِي بِهِ حَتَّى أُصَلِّيَ عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ بِصَلَاتِي عَلَيْهِ بَرَكَةً وَرَحْمَةً». وَقَالَ ﷺ: «إنَّ هَذِهِ الْقُبُورَ مَمْلُوءَةٌ عَلَى أَهْلِهَا ظُلْمَةً وَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ بِصَلَاتِي عَلَيْهِمْ نُورًا» وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ.\nوَنَظِيرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَبْطَلُوا الْأَسْبَابَ الْمُقَدَّرَةَ فِي خَلْقِ اللَّهِ مَنْ أَبْطَلَ الْأَسْبَابَ الْمَشْرُوعَةَ فِي أَمْرِ اللَّهِ؛ كَاَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّ مَا يَحْصُلُ بِالدُّعَاءِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْخَيْرَاتِ إنْ كَانَ مُقَدَّرًا حَصَلَ بِدُونِ ذَلِكَ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقَدَّرًا لَمْ يَحْصُلْ بِذَلِكَ. وَهَؤُلَاءِ كَاَلَّذِينَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ «أَفَلَا نَدَعُ الْعَمَلَ وَنَتَّكِلُ عَلَى الْكِتَابِ؟ فَقَالَ لَا. اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ». وَفِي السُّنَنِ أَنَّهُ «قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَرَأَيْت أَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا، وَرُقًى نسترقي بِهَا؛ وَتُقَاةً نَتَّقِيهَا؛ هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ فَقَالَ هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ» وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ:","vol":"2","page":1249},{"text":"الِالْتِفَاتُ إلَى الْأَسْبَابِ شِرْكٌ فِي التَّوْحِيدِ وَمَحْوُ الْأَسْبَابِ أَنْ تَكُونَ أَسْبَابًا تَغْيِيرٌ فِي وَجْهِ الْعَقْلِ؛ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْأَسْبَابِ بِالْكُلِّيَّةِ قَدْحٌ فِي الشَّرْعِ.\nوَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْأَسْبَابَ وَالْمُسَبَّبَاتِ؛ وَجَعَلَ هَذَا سَبَبًا لِهَذَا فَإِذَا قَالَ الْقَائِلُ إنْ كَانَ هَذَا مُقَدَّرًا حَصَلَ بِدُونِ السَّبَبِ وَإِلَّا لَمْ يَحْصُلْ؛ جَوَابُهُ أَنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالسَّبَبِ وَلَيْسَ مُقَدَّرًا بِدُونِ السَّبَبِ؛ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ؛ وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ». وَقَالَ ﷺ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ. وَأَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ». وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: «إنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ إلَيْهِ الْمَلَكُ فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ فَيُقَالُ اُكْتُبْ رِزْقَهُ وَعَمَلَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ. قَالَ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا» فَبَيَّنَ ﷺ أَنَّ هَذَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بِالْعَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ وَيُخْتَمُ لَهُ بِهِ وَهَذَا يَدْخُلُ النَّارَ بِالْعَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ وَيُخْتَمُ لَهُ بِهِ كَمَا قَالَ ﷺ: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ» وَذَلِكَ لِأَنَّ جَمِيعَ الْحَسَنَاتِ تُحْبَطُ بِالرِّدَّةِ وَجَمِيعُ السَّيِّئَاتِ تُغْفَرُ بِالتَّوْبَةِ وَنَظِيرُ ذَلِكَ مَنْ","vol":"2","page":1250},{"text":"صَامَ ثُمَّ أَفْطَرَ قَبْلَ الْغُرُوبِ أَوْ صَلَّى وَأَحْدَثَ عَمْدًا قَبْلَ كَمَالِ الصَّلَاةِ بَطَلَ عَمَلُهُ.\nوَبِالْجُمْلَةِ فَاَلَّذِي عَلَيْهِ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ كُتُبَهُ فَيُؤْمِنُونَ بِخَلْقِ اللَّهِ وَأَمْرِهِ بِقَدَرِهِ وَشَرْعِهِ بِحُكْمِهِ الْكَوْنِيِّ وَحُكْمِهِ الدِّينِيِّ وَإِرَادَتِهِ الْكَوْنِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُولَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام الآية: ١٢٥]، وَقَالَ نُوحٌ ﵇: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود الآية: ٣٤]، وَقَالَ تَعَالَى فِي الْإِرَادَةِ الدِّينِيَّةِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة الآية: ١٨٥]، وَقَالَ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء الآية: ٢٦]، وَقَالَ: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة الآية: ٦]. وَهُمْ مَعَ إقْرَارِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَرَبُّهُ وَمَلِيكُهُ وَأَنَّهُ خَلَقَ الْأَشْيَاءَ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ يُقِرُّونَ بِأَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ غَيْرُهُ وَيُطِيعُونَهُ وَيُطِيعُونَ رُسُلَهُ وَيُحِبُّونَهُ وَيَرْجُونَهُ وَيَخْشَوْنَهُ وَيَتَّكِلُونَ عَلَيْهِ وَيُنِيبُونَ إلَيْهِ وَيُوَالُونَ أَوْلِيَاءَهُ وَيُعَادُونَ أَعْدَاءَهُ وَيُقِرُّونَ بِمَحَبَّتِهِ لِمَا أَمَرَ بِهِ وَلِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَرِضَاهُ بِذَلِكَ وَبُغْضِهِ لِمَا نَهَى عَنْهُ وَلِلْكَافِرِينَ وَسُخْطِهِ لِذَلِكَ وَمَقْتِهِ لَهُ وَيُقِرُّونَ بِمَا اسْتَفَاضَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ «أَنَّ اللَّهَ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ التَّائِبِ مِنْ رَجُلٍ أَضَلَّ رَاحِلَتَهُ بِأَرْضِ دَوِيَّةٍ مُهْلِكَةٍ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَطَلَبَهَا فَلَمْ يَجِدْهَا فَقَالَ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ إذَا بِدَابَّتِهِ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَاَللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ». فَهُوَ إلَهُهُمْ الَّذِي يَعْبُدُونَهُ وَرَبُّهُمْ الَّذِي يَسْأَلُونَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة الآية: ٢]، إلَى قَوْلِهِ: ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة الآية: ٥]، فَهُوَ الْمَعْبُودُ","vol":"2","page":1251},{"text":"الْمُسْتَعَانُ. وَالْعِبَادَةُ تَجْمَعُ كَمَالَ الْحُبِّ مَعَ كَمَالِ الذُّلِّ. فَهُمْ يُحِبُّونَهُ أَعْظَمَ مِمَّا يُحِبُّ كُلُّ مُحِبٍّ مَحْبُوبَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة الآية: ١٦٥]، وَكُلُّ مَا يُحِبُّونَهُ سِوَاهُ فَإِنَّمَا يُحِبُّونَهُ لِأَجْلِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَمَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ: وَمَنْ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ» وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ «أَوْثَقُ عُرَى الْإِيمَانِ الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ وَمَنْ أَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ وَأَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ». وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ وَكَمَالُ الْحُبِّ هُوَ الْخِلَّةُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لِإِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ. فَإِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا. وَاسْتَفَاضَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ قَالَ «إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَمَا اتَّخَذَ إبْرَاهِيمَ خَلِيلًا» وَقَالَ «لَوْ كُنْت مُتَّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاِتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ» يَعْنِي نَفْسَهُ وَلِهَذَا اتَّفَقَ سَلَفُ الْأُمَّةِ وَأَئِمَّتُهَا وَسَائِرُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَهْلِ الْمَعْرِفَةِ أَنَّ اللَّهَ نَفْسَهُ يُحَبُّ وَيُحِبُّ\" (^١).\nوقال أيضًا في بيان المقصود بلفظ التأثير: \"وَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ التَّأْثِيرَ إذَا فُسِّرَ بِوُجُودِ شَرْطِ الْحَادِثِ أَوْ سَبَبٍ يَتَوَقَّفُ حُدُوثُ الْحَادِثِ بِهِ عَلَى سَبَبٍ آخَرَ وَانْتِفَاءِ مَوَانِعَ-وَكُلُّ ذَلِكَ بِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى-فَهَذَا حَقٌّ وَتَأْثِيرُ قُدْرَةِ الْعَبْدِ فِي مَقْدُورِهَا ثَابِتٌ بِهَذَا\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ١٣٧ - ١٤١.","vol":"2","page":1252},{"text":"الِاعْتِبَارِ.\nوَإِنْ فُسِّرَ التَّأْثِيرُ بِأَنَّ الْمُؤَثِّرَ مُسْتَقِلٌّ بِالْأَثَرِ مِنْ غَيْرِ مُشَارِكٍ مُعَاوِنٍ وَلَا مُعَاوِقٍ مَانِعٍ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ مُؤَثِّرًا بَلْ اللَّهُ وَحْدَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا شَرِيكَ لَهُ وَلَا نِدَّ لَهُ فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [فاطر الآية: ٢]، قال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ الآية: ٢٢]، قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ الآية: ٢٣ [قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر الآية: ٣٨]، وَنَظَائِرُ هَذَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ.\nفَإِذَا عُرِفَ مَا فِي لَفْظِ \" التَّأْثِيرِ \" مِنْ الْإِجْمَالِ وَالِاشْتِرَاكِ ارْتَفَعَتْ الشُّبْهَةُ وَعُرِفَ الْعَدْلُ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ.\nفَمَنْ قَالَ: إنَّ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرَ سَوَاءٌ فِيمَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْإِيمَانِ وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ لَمْ يَخُصَّهُ اللَّهُ بِقُدْرَةِ وَلَا إرَادَةٍ آمَنَ بِهَا وَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا فَعَلَ لَمْ تَحْدُثْ لَهُ مَعُونَةٌ مِنْ اللَّهِ وَإِرَادَةٌ لَمْ تَكُنْ قَبْلَ الْفِعْلِ: فَقَوْلُهُ مَعْلُومُ الْفَسَادِ. وَقِيلَ لِهَؤُلَاءِ: فِعْلُ الْعَبْدِ مِنْ جُمْلَةِ الْحَوَادِثِ وَالْمُمْكِنَاتِ فَكُلُّ مَا بِهِ يُعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَحْدَثَ غَيْرَهُ يَعْلَمُ بِهِ أَنَّ اللَّهَ أَحْدَثَهُ. فَكَوْنُ الْعَبْدِ فَاعِلًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ أَمْرٌ مُمْكِنٌ حَادِثٌ فَإِنْ أَمْكَنَ صُدُورُ هَذَا الْمُمْكِنِ الْحَادِثِ بِدُونِ مُحْدِثٍ وَاجِبٍ يُحْدِثُهُ وَيُرَجِّحُ وُجُودَهُ عَلَى عَدَمِهِ أَمْكَنَ ذَلِكَ فِي غَيْرِهِ فَانْتَقَضَ دَلِيلُ إثْبَاتِ الصَّانِعِ\" (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وَإِذَا فُسِّرَ التَّأْثِيرُ بِمُجَرَّدِ الِاقْتِرَانِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْفَارِقُ فِي الْمَحَلِّ أَوْ خَارِجًا عَنْ الْمَحَلِّ.\nوَأَيْضًا قَالَ لَهُمْ الْمُنَازِعُونَ: مِنْ الْمُسْتَقِرِّ فِي فِطَرِ النَّاسِ أَنَّ مَنْ فَعَلَ الْعَدْلَ فَهُوَ عَادِلٌ وَمَنْ فَعَلَ الظُّلْمَ فَهُوَ ظَالِمٌ وَمَنْ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ١٣٤ - ١٣٥.","vol":"2","page":1253},{"text":"فَعَلَ الْكَذِبَ فَهُوَ كَاذِبٌ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ الْعَبْدُ فَاعِلًا لِكَذِبِهِ وَظُلْمِهِ وَعَدْلِهِ بَلْ اللَّهُ فَاعِلٌ ذَلِكَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُتَّصِفَ بِالْكَذِبِ وَالظُّلْمِ قَالُوا: وَهَذَا كَمَا قُلْتُمْ أَنْتُمْ وَسَائِرُ الصفاتية: مِنْ الْمُسْتَقِرِّ فِي فِطَرِ النَّاسِ أَنَّ مَنْ قَامَ بِهِ الْعِلْمُ فَهُوَ عَالِمٌ وَمَنْ قَامَتْ بِهِ الْقُدْرَةُ فَهُوَ قَادِرٌ وَمَنْ قَامَتْ بِهِ الْحَرَكَةُ فَهُوَ مُتَحَرِّكٌ وَمَنْ قَامَ بِهِ التَّكَلُّمُ فَهُوَ مُتَكَلِّمٌ وَمَنْ قَامَتْ بِهِ الْإِرَادَةُ فَهُوَ مُرِيدٌ وَقُلْتُمْ إذَا كَانَ الْكَلَامُ مَخْلُوقًا كَانَ كَلَامًا لِلْمَحَلِّ الَّذِي خَلَقَهُ فِيهِ كَسَائِرِ الصِّفَاتِ فَهَذِهِ الْقَاعِدَةُ الْمُطَّرِدَةُ فِيمَنْ قَامَتْ بِهِ الصِّفَاتُ نَظِيرُهَا أَيْضًا مَنْ فَعَلَ الْأَفْعَالَ. وَقَالُوا أَيْضًا: الْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِذِكْرِ إضَافَةِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ إلَى الْعِبَادِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة الآية: ١٧]، وَقَوْلِهِ: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت الآية: ٤٠]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ [التوبة الآية: ١٠٥]، وَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الكهف الآية: ١٠٧]، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.\nوَقَالُوا \"أَيْضًا إنَّ الشَّرْعَ وَالْعَقْلَ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ الْعَبْدَ يُحْمَدُ وَيُذَمُّ عَلَى فِعْلِهِ وَيَكُونُ حَسَنَةً لَهُ أَوْ سَيِّئَةً فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا فِعْلُ غَيْرِهِ لَكَانَ ذَلِكَ الْغَيْرُ هُوَ الْمَحْمُودَ الْمَذْمُومَ عَلَيْهَا\" (^١)\nوقد تنبَّه شيخ الإسلام ﵀ ونبَّه إلى خطر هذا القول في الأسباب بالعادة، وأنَّ فيه إبطالًا للشرع ونفيًا للحكمة، فمن قال: إن وجود الشيء وعدمه سيان فقد أدخل العقلَ في محارات وقال على الشرع بقول لا ينفكّ في جوابه عنه من قول باطل آخر، وقد تنبّه الإمام ابن تيمية إلى خطر هذا المسلك فقال: \"ومن قال: إن قدرة العبد وغيرها من الأسباب التي خلق الله تعالى بها المخلوقات ليست أسبابا، أو إن وجودها كعدمها وليس هناك إلا مجرد اقتران عاديّ كاقتران الدليل بالمدلول؛ فقد جحد ما في خلق الله وشرعه من الأسباب والحكم والعلل، ولم يجعل في العين قوة تمتاز بها عن الخدّ تبصر بها، ولا في القلب قوة يمتاز بها عن الرجل يعقل بها، ولا في النار قوة تمتاز بها عن\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ١١٩ - ١٢٠.","vol":"2","page":1254},{"text":"التراب تحرق بها، وهؤلاء ينكرون ما في الأجسام المطبوعة من الطبائع والغرائز. قال بعض الفضلاء: تكلَّم قوم من الناس في إبطال الأسباب والقوى والطبائع فأضحَكوا العقلاء على عقولهم. ثم إنَّ هؤلاء يقولون: لا ينبغي للإنسان أن يقول: إنه شبع بالخبز ورَوِي بالماء، بل يقول: شبعتُ عندَه ورَوِيت عندَه؛ فإن الله يخلق الشبع والرِّيَّ ونحو ذلك من الحوادث عند هذه المقترنات بها عادة، لا بها\" (^١).\nويضيف أيضا ابن تيمية لهذا القول لازمًا من اللوازم التي تلزم من يقول بالعادة فيقول: \"وكذلك أيضًا لزمت من لا يثبت في المخلوقات أسبابًا وقوى وطبائع، ويقول: إن الله يفعل عندها لا بها، فلزمه أن لا يكونَ فرق بين القادر والعاجز، وإن أثبتَ قدرةً وقال: إنها مقترنة بالكسب، قيل له: لم تثبت فرقا معقولا بين ما تثبته من الكسب وتنفيه من الفعل، ولا بين القادر والعاجز، إذا كان مجرد الاقتران لا اختصاص له بالقدرة، فإن فعل العبد يقارن حياته وعلمه وإرادته وغير ذلك من صفاته، فإذا لم يكن للقدرة تأثيرٌ إلا مجرَّد الاقتران فلا فرق بين القدرة وغيرها\" (^٢).\nويمكن القول: بإنَّ القول في السببية كانت سببًا في نسبة الدين إلى معاداة العقل والتجارب؛ لأن فيها تعطيلا لها ونفيا للحكمةِ؛ مما جعل ضعافَ العقول ومن ليس لهم علم بالشرع ولَمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم حين يرون مكابرةَ هذه النظرية للواقع والحسّ يرونَ أنهم بتبنِّيهم للدين يركبون أمواجًا طامية ويخوضون لجَّة سحيقة، يبحرون فيها ضدَّ العقل، وقد لا يجدون في النقل بُلغة تطمئِنهم، بل هم في أمر مريج من مخالفة صريح العقل وعدم وجود النقل القاطع الذي ينضبط القول به في المسألة.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٣٦ - ١٣٧).\n(^٢) منهاج السنة (٣/ ١١٣).","vol":"2","page":1255},{"text":"وقد أدَّى رأي الغزالي إلى نفيِ الحكمة والتعليل، وهو ما يصطدم بالنصوص الشرعية.\nكما أن الغزاليَّ بقوله هذا يميل إلى الجبر، ونفى تأثير الأسباب والعلاقة بينها وبين مسبباتها، وجعلها مجردَ تساوقٍ فقط، وأغفل الشروطَ والموانع، فجعل قدرة العبد في مقابل قدرة الربِّ فأبطلها.\nقال ابن تيمية: \"تكلم قومٌ من الناس في إبطال الأسباب والقوى والطبائع فأضحكوا العقلاء على عقولهم\".\nقال ابن القيم: \"فإنَّ ضعفاء العقول إذا سمعوا أنَّ النار لا تحرق، والماء لا يغرق، والخبر لا يشبع، والسيف لا يقطع، ولا تأثيرَ لشيء من ذلك البتة، ولا هو سبب لهذا الأثر، وليس فيه قوة، وإنما الخالق المختار يشاء حصول كلَّ أثر من هذه الآثار عند ملاقاة كذا لكذا، قالت: هذا هو التوحيد وإفراد الربّ بالخلق والتأثير، ولم يدر هذا القائل أنَّ هذا إساءة ظن بالتوحيد وتسليط لأعداء الرسل على ما جاؤوا به، كما تراه عيانًا في كتبهم، ينفِّرون به الناسَ عن الإيمان، ولا ريب أنَّ الصَّدِيقَ الجاهل قد يضرُّ ما لا يضرُّه العدو العاقل\" (^١)\nوهذا الذي به يلتئِم العقلُ الصريح والنقل الصحيح، ويتواطَآن مع الفطرة، وبه يُفهم نظام الكون وسنةُ الله التي لا تتغير ولا تتبدَّل.\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"كما أن من جعلها هي المبدعة لذلك فقد أشرك بالله، وأضاف فعله إلى غيره\"\n_________\n(^١) شفاء العليل (ص: ١٨٩).","vol":"2","page":1256},{"text":"الشرح\nهؤلاء هم أصحاب القول الثالث وهم الفلاسفة الذين جعلوا الأسباب هي المبدعة لهذا الكون باعتبار أن الكون عندهم هو مجموعة العناصر والعوالم الكونية التي يزعمون أنها تؤثر في بعضها تأثيرا مستقلا عن إرادة الخالق سبحانه، أو كما يزعم الملاحدة: أنها هي وحدها الوجود، وهي وحدها المؤثر والمؤثر فيه، وليس لها خالق مدبر متصرف، تعالى الله عما يقوله الظالمون علوا كبيرا.\nوالفلسفة تعود في جذورها إلى الفلسفة اليونانية، وفلسفة ما بعد أرسطو هي فلسفة إلحادية لا تؤمن بإله، ولا تؤمن برب ولا بمعبود، فالفلاسفة يزعمون أن للعالم صانعًا ليس بعالم ولا قادر ولا حي (^١).\nوينكرون حقيقة الإيمان بالله وباليوم الآخر ويتعاملون مع نصوصهما كما يتعاملون مع كل أمر غيبي باعتبار أنه عندهم مجرد وهم وخيال لا حقيقة له.\n\"والفلسفة، اسم جنس لمن يُحِبُ الحكمة ويُؤثِرُها.\nوقد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس مختصًا بمن خرج عن ديانات الأنبياء، ولم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل في زعمه.\nوأخص من ذلك أنه في عرف المتأخرين اسم لأتباع أرسطو، وهم المَشَّاؤُون خاصة وهم الذين هذب ابن سينا طريقتهم وبسطها وقررها. وهي التي يعرفها، بل لا يعرفُ سواها، المتأخرون من المتكلمين\" (^٢).\nأما الفلاسفة فإن إيمانهم بالله ﵎ لا يكاد يتعدى الإيمان بوجوده المطلق، -أي بوجوده في الذهن والخيال دون الحقيقة-، وأما ما عدا ذلك\n_________\n(^١) مقالات الإسلاميين (٢/ ١٧٧)، وموقف المعتزلة من السنة النبوية (٥٣).\n(^٢) إغاثة اللهفان ٢/ ٢٥٧).","vol":"2","page":1257},{"text":"فلا يكادون يتفقون على شيء، فالمباحث العقدية عندهم من أسخف وأفسد ما قالوا به.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"أما الإلهيات فكلياتهم فيها أفسد من كليات الطبيعة، وغالب كلامهم فيها ظنون كاذبة فضلًا عن أن تكون قضايا صادقة\" (^١).\nويتجلى فساد معتقد الفلاسفة في الله أكثر عندما نعرض لك بعض أقوالهم في ذات الله وصفاته.\nفالفلاسفة يطلقون على الله مسمى (واجب الوجود)، وتوحيد واجب الوجود عندهم يكفي مجرد تصوره للعلم الضروري بفساده.\nفالتوحيد عندهم يقتضي تجريده من كل صفات الكمال اللازمة له، فهو ليس له حياة ولا علم ولا قدرة ولا كلام، ولا غير ذلك من الصفات، ويقولون بدلًا من ذلك: (إنه عاقل ومعقول وعقل، ولذيذ وملتذ ولذة، وعالم ومعلوم وعلم)، وجعلوا كل ذلك أمورًا عدمية.\nودفعهم إلى ذلك زعمهم أن تعدد الصفات موجب للتركيب في حق الله، وفساد هذا القول جلي واضح.\nفالله وصف نفسه بالصفات، ووصفه بها رسوله ﷺ وثبت ذلك في الكتاب والسنة نقلًا.\nكما أن العقل يشهد بفساد قولهم، فإن تعدد الصفات لم تقل لغة ولا شرع ولا عقل سليم إنه يوجب تركيب الموصوف إلا عند الفلاسفة (^٢).\nومن شنيع كلامهم كذلك زعمهم أن الله لا يعلم الجزئيات، فهو عندهم\n_________\n(^١) الرد على المنطقيين (ص ١١٤).\n(^٢) انظر الرد على المنطقيين ص ٣١٤.","vol":"2","page":1258},{"text":"لا يعرف عين موسى، ولا عيسى، ولا محمدًا عليهم الصلاة والسلام، فضلًا عن الوقائع التي قصها القرآن وغيرها من أمور المخلوقات. وفساد هذا القول واضح جلي في النقل والعقل.\nأما النقل فالله يقول: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام الآية: ٥٩]. وكذا العقل أيضًا شاهد بفساد هذا المعتقد، فكيف يجهل الله أمورًا سيرها بأمره وأجراها بقدره وأخبر عنها في كتابه (^١).\nومن شنيع قولهم ما قالوه في قدرة الله من أنه فاعل بالطبع لا بالاختيار لأن الفاعل بالطبع يتحد فعله، والفاعل بالاختيار يتنوع فعله، وما دروا أنهم بهذا جعلوا الإنسان الفاعل بالاختيار أكمل من الله الفاعل بالطبع على حد زعمهم. وهذا القول مردود بقول الله ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَار﴾ [القصص الآية: ٦٨]. ومردود بالعقل لأن الله هو أكمل الفاعلين فكيف يُشبَّه فعله بفعل الجماد.\nوالفلاسفة يدأبون حتى يثبتوا واجب الوجود، ومع إثباتهم له فهو عندهم وجود مطلق، لا صفة له ولا نَعْتَ، ولا فعل يقوم به، لم يخلق السموات والأرض بعد عدمها، ولا له قدرة على فعل، ولا يعلم شيئًا.\nولا شك أن الذي كان عند مشركي العرب من كفار قريش وغيرهم أهون من هذا، فعباد الأصنام كانوا يثبتون ربًا خالقًا عالمًا قادرًا حيًا، وإن كانوا يشركون معه في العبادة.\nففساد أقوال الفلاسفة في الله لا يضاهيه فساد، فهذا ما عند هؤلاء من خبر الإيمان بالله ﷿.\n_________\n(^١) انظر الرد على المنطقيين ص ٤٦١.","vol":"2","page":1259},{"text":"قال ابن تيمية: \"وَشِرْكُ هَؤُلَاءِ الْمُتَفَلْسِفَةِ وَتَعْطِيلُهُمْ أَعْظَمُ بِكَثِيرٍ مِنْ شِرْكِ الْقَدَرِيَّةِ وَتَعْطِيلِهِمْ، فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَجْعَلُونَ الْفَلَكَ هُوَ الْمُحْدِثُ لِلْحَوَادِثِ الَّتِي فِي الْأَرْضِ كُلِّهَا، فَلَمْ يَجْعَلُوا لِلَّهِ شَيْئًا أَحْدَثَهُ، بِخِلَافِ الْقَدَرِيَّةِ فَإِنَّهُمْ أَخْرَجُوا عَنْ إِحْدَاثِهِ أَفْعَالَ الْحَيَوَانِ وَمَا تَوَلَّدَ عَنْهَا. فَقَدْ لَزِمَهُمُ التَّعْطِيلُ مِنْ إِثْبَاتِ حَوَادِثَ بِلَا مُحْدِثٍ وَتَعْطِيلِ الرَّبِّ عَنْ إِحْدَاثِ شَيْءٍ مِنَ الْحَوَادِثِ، وَإِثْبَاتِ شَرِيكٍ فَعَلَ جَمِيعَ الْحَوَادِثِ.\nوَمِنَ الْعَجَبِ أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ قَوْلَهُمْ: إِنَّ الرَّبَّ مَا زَالَ عَاطِلًا عَنِ الْفِعْلِ حَتَّى أَحْدَثَ الْعَالَمَ، وَهُمْ يَقُولُونَ: مَا زَالَ وَلَا يَزَالُ مُعَطَّلًا عَنِ الْإِحْدَاثِ، بَلْ عَنِ الْفِعْلِ، فَإِنَّ مَا لَزِمَ ذَاتَهُ كَالْعَقْلِ وَالْفَلَكِ لَيْسَ هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ فِعْلًا لَهُ؛ إِذِ الْفِعْلُ لَا يُفْعَلُ إِلَّا شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، فَأَمَّا مَا لَزِمَ الذَّاتَ فَهُوَ مِنْ بَابِ الصِّفَاتِ بِمَنْزِلَةِ لَوْنِ الْإِنْسَانِ وَطُولِهِ، فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا لَهُ، بِخِلَافِ حَرَكَاتِهِ فَإِنَّهَا فِعْلٌ لَهُ، وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَحَرِّكًا كَمَا يُقَالُ فِي نَفْسِ الْإِنْسَانِ: إِنَّهَا لَمْ تَزَلْ تَتَحَوَّلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ، وَإِنَّ الْقَلْبَ أَشَدُّ تَقَلُّبًا مِنَ الْقِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَانًا، فَكَوْنُ الْفَاعِلِ الَّذِي هُوَ فِي نَفْسِهِ يَقُومُ بِهِ فِعْلُهُ يَحْدُثُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ مَعْقُولٍ، بِخِلَافِ مَا لَزِمَهُ لَازِمٌ يُقَارِنُهُ فِي الْأَزَلِ، فَهَذَا لَا يُعْقَلُ أَنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لَهُ.\nفَتَبَيَّنَ أَنَّهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ لَا يُثْبِتُونَ لِلرَّبِّ فِعْلًا أَصْلًا، فَهُمْ مُعَطِّلَةٌ حَقًّا.\nوَأَرِسْطُو وَأَتْبَاعُهُ إِنَّمَا أَثْبَتُوا الْعِلَّةَ الْأُولَى مِنْ جِهَةِ كَوْنِهَا عِلَّةً غَائِيَّةً، كَحَرَكَةِ الْفَلَكِ، فَإِنَّ حَرَكَةَ الْفَلَكِ عِنْدَهُمْ بِالِاخْتِيَارِ كَحَرَكَةِ الْإِنْسَانِ، وَالْحَرَكَةُ الِاخْتِيَارِيَّةُ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ مُرَادٍ، فَيَكُونُ هُوَ مَطْلُوبَهَا.\nوَمَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْفَلَكَ يَتَحَرَّكُ لِلتَّشَبُّهِ بِالْعِلَّةِ الْأُولَى كَحَرَكَةِ الْمُؤْتَمِّ بِإِمَامِهِ وَالْمُقْتَدِي بِقُدْوَتِهِ، وَهَذَا مَعْنَى تَشْبِيهِهِ بِحَرَكَةِ الْمَعْشُوقِ لِلْعَاشِقِ، لَيْسَ الْمَعْنَى أَنْ ذَاتَ اللَّهِ مُحَرِّكَةٌ لِلْفَلَكِ، إِنَّمَا مُرَادُهُمْ أَنَّ مُرَادَ الْفَلَكِ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَهَذَا","vol":"2","page":1260},{"text":"بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ لِبَسْطِهَا مَوْضِعٌ آخَرُ.\nفَقَالُوا: إِنَّ الْعِلَّةَ الْأُولَى وَهِيَ الَّتِي يَتَحَرَّكُ الْفَلَكُ لِأَجْلِهَا عِلَّةٌ لَهُ تُحَرِّكُهُ كَمَا تَحَرَّكَ الْعَاشِقُ لِلْمَعْشُوقِ بِمَنْزِلَةِ الرَّجُلِ الَّذِي اشْتَهَى طَعَامًا، فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيْهِ أَوْ رَأَى مَنْ يُحِبُّهُ، فَسَعَى إِلَيْهِ فَذَاكَ الْمَحْبُوبُ هُوَ الْمُحَرِّكُ؛ لِكَوْنِ الْمُتَحَرِّكِ أَحَبَّهُ، لَا لِكَوْنِهِ أَبْدَعَ الْحَرَكَةَ وَلَا فَعَلَهَا. وَحِينَئِذٍ فَلَا يَكُونُ قَدْ أَثْبَتُوا لِحَرَكَةِ الْفَلَكِ مُحْدِثًا أَحْدَثَهَا\" (^١).\nقال ابن القيم حاكيًا قول الفلاسفة: \"فطائفة جعلت الموجب لذلك مجرد ما رأوه علة وسببا من الحركات الفلكية والقوى الطبيعية والنفوس والعقول فليس عندهم لذلك فاعل مختار مريد\" (^٢).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وذلك أنه ما من سبب من الأسباب إلا وهو مفتقر إلى سبب آخر في حصول مسببه، ولا بدّ له من مانع يمنع مقتضاه إذا لم يدفعه الله عنه، فليس في الوجود شيء واحد يستقل بفعل شيء إلا الله وحده، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الذاريات الآية: ٤٩]، أي: فتعلمون أن خالق الأزواج واحد.\nولهذا من قال: إن الله لا يصدر عنه إلا واحد؛ لأن الواحد لا يصدر عنه إلا واحد- كان جاهلا، فإنه ليس في الوجود واحد صدر عنه وحده شيء، لا واحد ولا اثنان، إلا الله الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون\"\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية ٣/ ٢٨٢ - ٢٨٥.\n(^٢) شفاء العليل ١/ ٢٠٦.","vol":"2","page":1261},{"text":"الشرح\nقبل الخوض في شرح هذه العبارة يحسن التطرق لقول الفلاسفة في معنى الواحد عندهم فأقول موضحا\nيقول ابن سينا: \"إن واجب الوجود بذاته واحد بسيط لا تكثر فيه بوجه من الوجوه، فهو ليس بجسم، ولا صورة جسم، ولا مادة معقولة لصورة معقولة، ولا صورة معقولة في مادة معقولة، ولا له قسمة في الكلم ولا في المبادئ المقومة له، ولا في قول الشارح ولا غير ذلك مما ينافي وحدة واجب الوجود وبساطته المطلقة\" (^١).\nوالمتأمل لهذه العبارات التي أوردها ابن سينا يعرف أنها إنما هي مجرد اصطلاحات اصطلحها هو وأمثاله من الفلاسفة الذين تأثروا بفلسفة اليونان، فجعلوا من تلك العبارات المبتدعة ما أسموه بالتوحيد، وادعوا أن ما تضمنته هو التنزيه، مع أنها في الحقيقة متضمنة لنفي جميع الصفات بما فيها العلو والاستواء.\nفقوله: \"إن واجب الوجود بذاته واحد بسيط لا تكثر فيه بوجه من الوجوه\" يعني به أنه ليس لله تعالى صفة ولا قدر، لأن ذلك على رأيه يستلزم التجسيم والتجزئة والتركيب فيلزم نفيه، لأنه يلزم من ذلك الحدوث والافتقار وذلك ينافي واجب الوجود.\nفابن سينا وأمثاله من الفلاسفة يعتمدون في نفي الصفات على حجة التركيب والتي هي: \"أنه لو كان له صفة لكان مركبًا، والمركب يفتقر إلى جزئيه، وجزؤه غيره، والمفتقر إلى غيره لا يكون واجبًا بنفسه\" وهم بهذا الكلام تجدهم قد نفوا صفات الباري جميعها.\n_________\n(^١) النجاة لابن سينا (ص ٣٧).","vol":"2","page":1262},{"text":"ولو توقفنا عند العبارة السابقة وهي قوله: \"أن واجب الوجود بذاته واحد بسيط … \" من أجل بيان ما فيها من مخالفة لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وحتى مخالفتها للعقل الذي يقدمه هؤلاء على كل شيء. لوجدنا هذه العبارة هي تفسير للواحد بما لا أصل له في الكتاب أو السنة، بل هو تفسير باطل شرعًا وعقلًا ولغة.\nأما في اللغة: فإن أهل اللغة مطبقون على أن هذا القول ليس هو معنى الواحد في اللغة، إذ القرآن ونحوه من الكلام العربي متطابق على ما هو معلوم بالاضطرار في لغة العرب وسائر اللغات أنهم يصفون كثيرًا من المخلوقات بأنه واحد ويكون ذلك جسمًا، إذ المخلوقات إما أجسام وإما أعراض عند من يجعلها غيرها أو زائدة عليها.\nوإذا كان أهل اللغة متفقين على تسمية الجسم الواحد واحدًا، امتنع أن يكون في اللغة معنى الواحد الذي لا ينقسم إذا أريد بذلك أنه ليس بجسم وأنه لا يشار إلى شيء منه دون شيء، ولا يوجد في اللغة اسم الواحد إلاّ على ذي صفة ومقدار لقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء ١]، ومعلوم أن النفس الواحدة المراد بها هنا آدم ﵇، وحواء خلقت من ضلع آدم، فمن جسده خلقت لا من روحه حتى لا يقول القائل: الوحدة هي باعتبار النفس الناطقة التي لا تركيب فيها، وإذا كانت حواء خلقت من جسد آدم، وجسد آدم جسم من الأجسام التي سماها الله نفسًا واحدة علم أن الجسم قد يوصف بالوحدة. وأبلغ من ذلك ما ذكره الإمام أحمد وغيره من قوله تعالى ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ [المدثر الآية: ١١]، فإن الوحيد مبالغة في الواحد فإذا وصف البشر الواحد بأنه وحيد في صفة فإنه واحد من باب أولى، ومع هذا فهو جسم من الأجسام.\nوأما في العقل:\nفإن الواحد الذي وصفوه يقول لهم فيه أكثر العقلاء وأهل الفطر السليمة إنه أمر","vol":"2","page":1263},{"text":"لا يعقل، ولا له وجود في الخارج، وإنما هو أمر مقدر في الذهن، فليس في الخارج شيء موجود لا يكون له صفات ولا قدر ولا يتميز من شيء عن شيء بحيث يمكن أن يرى ولا يدرك ولا يحاط به وإن سماه المسمى جسمًا.\nوأما في الشرع:\nفنقول: إن مقصود المسلمين أن الأسماء المذكورة في القرآن والسنة وكلام المؤمنين المتفق عليه بمدح أو ذم، تعرف مسميات تلك الأسماء حتى يعطوها حقها، ومن المعلوم بالاضطرار أن اسم (الواحد) في كلام الله لم يقصد به سلب الصفات وسلب إدراكه بالحواس ولا نفي الحد والقدر ونحو ذلك من المعاني التي ابتدعها هؤلاء (^١).\nوأما قولهم: الْوَاحِدُ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ فهذه قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ: إِنْ أَدْرَجُوا فِيهَا مَا سِوَى اللَّهِ فَذَاكَ لَا يَصْدُرُ عَنْهُ وَحْدَهُ شَيْءٌ، وَإِنْ لَمْ يُرِيدُوا بِهَا إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ فَهَذَا مَحَلُّ النِّزَاعِ وَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الْمَدْلُولُ عَلَيْهِ هُوَ الدَّلِيلُ، وَذَلِكَ الْوَاحِدُ لَا يَعْلَمُونَ حَقِيقَتَهُ وَلَا كَيْفِيَّةَ الصُّدُورِ عَنْهُ؟.\nوَأَيْضًا: فَالْوَاحِدُ الَّذِي يُثْبِتُونَهُ، هُوَ وُجُودٌ مُجَرَّدٌ عَنِ الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ عند [بَعْضِهِمْ]-كَابْنِ سِينَا وَأَتْبَاعِهِ-أَوْ عَنِ الثُّبُوتِيَّةِ وَالسَّلْبِيَّةِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ، وَهَذَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ، بَلْ يُمْتَنَعُ تَحَقُّقُهُ فِي الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا هُوَ أَمْرٌ يُقَدَّرُ فِي الْأَذْهَانِ، كَمَا تُقَدَّرُ الْمُمْتَنَعَاتُ. وَلِهَذَا كَانَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سِينَا فِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا نَازَعَهُ فِيهِ ابْنُ رُشْدٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا لَيْسَ [هُوَ] قَوْلُ [أَئِمَّةِ] الْفَلَاسِفَةِ، وَإِنَّمَا ابْنُ سِينَا وَأَمْثَالُهُ أَحْدَثُوهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَعْتَمِدْ عَلَيْهِ أَبُو الْبَرَكَاتِ صَاحِبُ \" الْمُعْتَبَرِ \"، وَهُوَ مِنْ أَقْرَبِ هَؤُلَاءِ إِلَى اتِّبَاعِ الْحُجَّةِ الصَّحِيحَةِ بِحَسَبِ نَظَرِهِ، وَالْعُدُولُ عَنْ تَقْلِيدِ سَلَفِهِمْ، مَعَ أَنَّ أَصْلَ\n_________\n(^١) انظر نقض التأسيس (١/ ٤٨٢، ٤٨٤، ٤٨٨).","vol":"2","page":1264},{"text":"أَمْرِهِمْ وَحِكْمَتِهِمْ أَنَّ الْعَقْلِيَّاتِ لَا تَقْلِيدَ فِيهَا.\nوَأَيْضًا: فَإِذَا لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ - كَمَا يَقُولُونَهُ فِي الْعَقْلِ الْأَوَّلِ فَذَلِكَ الصَّادِرُ الْأَوَّلُ إِنْ كَانَ وَاحِدًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لَزِمَ أَنْ لَا يَصْدُرَ عَنْهُ إِلَّا وَاحِدٌ، وَهَلُمَّ جَرًّا.\nوَإِنْ كَانَ فِيهِ كَثْرَةٌ مَا بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ - وَالْكَثْرَةُ وُجُودِيَّةٌ - كَانَ قَدْ صَدَرَ عَنِ الْأَوَّلِ أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ، وَإِنْ كَانَتْ عَدَمِيَّةً لَمْ يَصْدُرْ عَنْهَا وُجُودٌ، فَلَا يَصْدُرُ عَنِ الصَّادِرِ الْأَوَّلِ وَاحِدٌ.\nوَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ: لَوْ صَدَرَ عَنْهُ شَيْئَانِ، لَكَانَ مَصْدَرُ هَذَا غَيْرَ مَصْدَرِ ذَلِكَ، وَلَزِمَ التَّرْكِيبُ.\nفَيُقَالُ أَوَّلًا: لَيْسَ الصُّدُورُ عَنِ الْبَارِي كَصُدُورِ الْحَرَارَةِ عَنِ النَّارِ، بَلْ هُوَ فَاعِلٌ بِالْمَشِيئَةِ وَالِاخْتِيَارِ، وَلَوْ قُدِّرَ تَعَدُّدُ الْمَصْدَرِ فَهُوَ تَعَدُّدُ أُمُورٍ إِضَافِيَّةٍ، وَتَعَدُّدُ الْإِضَافَاتِ وَالسُّلُوبِ ثَابِتَةٌ لَهُ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ تَعَدُّدُ صِفَاتٍ، فَهَذَا يَسْتَلْزِمُ الْقَوْلَ بِثُبُوتِ الصِّفَاتِ، وَهَذَا حَقٌّ.\nوَقَوْلُهُمْ: إِنَّ هَذَا تَرْكِيبٌ، وَالتَّرْكِيبُ مُمْتَنَعٌ، قَدْ بَيَّنَّا [فَسَادَهُ] بِوُجُوهٍ كَثِيرَةٍ [فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ] وَبَيَّنَّا أَنَّ لَفْظَ التَّرْكِيبِ وَالِافْتِقَارِ وَالْجُزْءِ وَالْغَيْرِ أَلْفَاظٌ مُشْتَرَكَةٌ مُجْمَلَةٌ، وَأَنَّهَا لَا تَلْزَمُ بِالْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى نَفْيِهِ، وَإِنَّمَا تَلْزَمُ بِالْمَعْنَى الَّذِي لَا يَنْفِيهِ الدَّلِيلُ، بَلْ يُثْبِتُهُ الدَّلِيلُ.\nوَالْمَقْصُودُ هُنَا أَنَّ الْمُوجِبَ بِالذَّاتِ إِذَا فُسِّرَ بِهَذَا فَهُوَ بَاطِلٌ، وَأَمَّا إِذَا فُسِّرَ الْمُوجِبُ بِالذَّاتِ [بِأَنَّهُ] الَّذِي يُوجِبُ مَفْعُولَهُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ، لَمْ يَكُنْ هَذَا الْمَعْنَى مُنَافِيًا لِكَوْنِهِ فَاعِلًا بِالِاخْتِيَارِ، بَلْ يَكُونُ فَاعِلًا بِالِاخْتِيَارِ، مُوجِبًا بِذَاتِهِ الَّتِي هِيَ فَاعِلٌ قَادِرٌ مُخْتَارٌ، وَهُوَ مُوجِبٌ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.\nوَإِذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمُوجِبَ بِالذَّاتِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:\nأَحَدُهُمَا: لَا يُنَافِي كَوْنَهُ فَاعِلًا","vol":"2","page":1265},{"text":"بِمَشِيئَتِهِ [وَقُدْرَتِهِ].\nوَالْآخَرُ: يُنَافِي كَوْنَهُ فَاعِلًا بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ.\nفَمَنْ قَالَ: الْقَادِرُ لَا يَفْعَلُ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الْجَوَازِ - كَمَا يَقُولُهُ مَنْ يَقُولُهُ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ - يَجْعَلُ الْفِعْلَ بِالِاخْتِيَارِ مُنَافِيًا لِلْإِيجَابِ، لَا يُجَامِعُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ الْقَادِرَ الْمُخْتَارَ لَا يَكُونُ قَادِرًا [مُخْتَارًا] إِلَّا إِذَا فَعَلَ عَلَى وَجْهِ الْجَوَازِ لَا عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ.\nوَالْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ يَقُولُونَ: الْقَادِرُ هُوَ الَّذِي إِنْ شَاءَ فَعَلَ وَإِنْ لَمْ يَشَأْ لَمْ يَفْعَلْ، لَكِنَّهُ إِذَا شَاءَ أَنْ يَفْعَلَ مَعَ قُدْرَتِهِ، لَزِمَ وُجُودُ فِعْلِهِ، فَمَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، فَإِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى مَا يَشَاءُ، وَمَعَ الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ وَالْمَشِيئَةِ الْجَازِمَةِ يَجِبُ وُجُودُ الْفِعْلِ.\nوَلِهَذَا صَارَتِ الْأَقْوَالُ ثَلَاثَةً:\nفَالْفَلَاسِفَةُ يَقُولُونَ بِالْمُوجِبِ بِالذَّاتِ الْمُجَرَّدَةِ عَنِ الصِّفَاتِ، أَوِ الْمَوْصُوفِ بِالصِّفَاتِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُقَارِنَهُ مُوجِبُهُ الْمُعَيَّنُ أَزَلًا وَأَبَدًا.\nوَالْقَدَرِيَّةُ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرِهِمْ [مِنَ الْجَهْمِيَّةِ، وَمَنْ وَافَقَهُمْ مِنْ غَيْرِهِمْ]، يَقُولُونَ بِالْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ الَّذِي يَفْعَلُ عَلَى وَجْهِ الْجَوَازِ لَا عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ.\nثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: يَفْعَلُ لَا بِإِرَادَةٍ، بَلِ الْمُرِيدُ عِنْدَهُمْ هُوَ الْفَاعِلُ الْعَالِمُ.\nوَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِحُدُوثِ الْإِرَادَةِ، وَمَا يُحْدِثُهُ مِنْ إِرَادَةٍ أَوْ فِعْلٍ فَهُوَ يُحْدِثُهُ بِمُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ، فَإِنَّ الْقَادِرَ عِنْدَهُمْ يُرَجِّحُ بِلَا مُرَجِّحٍ.\nثُمَّ الْقَدَرِيَّةُ مِنْ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: يُرِيدُ مَا لَا يَكُونُ، وَيَكُونُ مَا لَا يُرِيدُ، وَقَدْ يَشَاءُ مَا لَا يَكُونُ، وَيَكُونُ مَا لَا يَشَاءُ، بخلاف المجبرة\nوَالْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمُ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ وَالصِّفَاتِ، يَقُولُونَ: إِنَّهُ فَاعِلٌ بِالِاخْتِيَارِ، وَإِذَا شَاءَ شَيْئًا كَانَ، وَإِرَادَتُهُ وَقُدْرَتُهُ مِنْ لَوَازِمِ ذَاتِهِ، سَوَاءٌ قَالُوا بِإِرَادَةٍ وَاحِدَةٍ قَدِيمَةٍ، أَوْ بِإِرَادَاتٍ مُتَعَاقِبَةٍ، أَوْ بِإِرَادَاتٍ قَدِيمَةٍ تَسْتَوْجِبُ حُدُوثَ إِرَادَاتٍ أُخَرَ. فَعَلَى كُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ يَجِبُ عِنْدَهُمْ وُجُودُ مُرَادِهِ.\nوَإِذَا فُسِّرَ الْإِيجَابُ بِالذَّاتِ بِهَذَا الْمَعْنَى كَانَ النِّزَاعُ لَفْظِيًّا، فَالدَّلِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ","vol":"2","page":1266},{"text":"يُمْكِنُ تَصَوُّرُهُ بِلَفْظِ الْمُوجِبِ بِالذَّاتِ، وَلَفْظِ الْعِلَّةِ وَالْمَعْلُولِ، وَلَفْظِ الْمُؤَثِّرِ وَالْأَثَرِ، وَلَفْظِ الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ، وَهُوَ بِجَمِيعِ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ يُبَيِّنُ امْتِنَاعَ قِدَمِ شَيْءٍ مِنَ الْعَالَمِ، وَوُجُوبَ حُدُوثِ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ.\nوَهُنَا أَمْرٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ النَّاسَ تَنَازَعُوا فِي الْفَاعِلِ الْمُخْتَارِ: هَلْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ إِرَادَتُهُ قَبْلَ الْفِعْلِ وَيُمْتَنَعُ مُقَارَنَتُهَا لَهُ؟ أَمْ يَجِبُ مُقَارَنَةُ إِرَادَتِهِ - الَّتِي هِيَ الْقَصْدُ - لِلْفِعْلِ، وَمَا يَتَقَدَّمُ الْفِعْلَ يَكُونُ عَزْمًا لَا قَصْدًا؟ أَمْ يَجُوزُ كُلٌّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ. وَنَحْنُ قَدْ بَيَّنَّا وُجُوبَ حُدُوثِ كُلِّ مَا سِوَى اللَّهِ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ مِنَ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ: قَوْلُ مَنْ يُوجِبُ الْمُقَارَنَةَ، [وَقَوْلُ مَنْ يَقُولُ بِأَنَّ الْمُقَارَنَةَ] مُمْتَنَعَةٌ، وَقَوْلُ مَنْ يُجَوِّزُ الْأَمْرَيْنِ. \"\nوَكَذَلِكَ تَنَازَعُوا فِي الْقُدْرَةِ: هَلْ يَجِبُ مُقَارَنَتُهَا لِلْمَقْدُورِ [وَيُمْتَنَعُ تَقْدِيمُهَا]؟ أَمْ يَجِبُ تَقَدُّمُهَا عَلَى الْمَقْدُورِ وَيُمْتَنَعُ مُقَارَنَتُهَا؟ أَمْ تَتَّصِفُ بِالتَّقَدُّمِ وَالْمُقَارَنَةِ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَيْضًا.\nوَفَصْلُ الْخِطَابِ أَنَّ الْإِرَادَةَ الْجَازِمَةَ مَعَ الْقُدْرَةِ التَّامَّةِ مُسْتَلْزِمَةٌ لِلْفِعْلِ وَمُقَارِنَةٌ لَهُ، فَلَا يَكُونُ [الْفِعْلُ] بِمُجَرَّدِ قُدْرَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ غَيْرِ مُقَارِنَةٍ، وَلَا بِمُجَرَّدِ إِرَادَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ غَيْرِ مُقَارِنَةٍ، بَلْ لَا بُدَّ عِنْدَ وُجُودِ الْأَثَرِ مِنْ وُجُودِ الْمُؤَثِّرِ التَّامِّ، وَلَا يَكُونُ الْفِعْلُ بِفَاعِلٍ مَعْدُومٍ حِينَ الْفِعْلِ، وَلَا بِقُدْرَةٍ مَعْدُومَةٍ حِينَ الْفِعْلِ، وَلَا بِإِرَادَةٍ مَعْدُومَةٍ حِينَ الْفِعْلِ، وَقَبْلَ [الْفِعْلِ] لَا تَجْتَمِعُ الْإِرَادَةُ الْجَازِمَةُ وَالْقُدْرَةُ التَّامَّةُ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُسْتَلْزِمٌ لِلْفِعْلِ، فَلَا يُوجَدُ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ، لَكِنْ قَدْ يُوجَدُ قَبْلَ الْفِعْلِ قُدْرَةٌ بِلَا إِرَادَةٍ، وَإِرَادَةٌ بِلَا قُدْرَةٍ، كَمَا قَدْ يُوجَدُ عَزْمٌ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ، فَإِذَا حَضَرَ وَقْتُ الْفِعْلِ قَوِيَ الْعَزْمُ فَصَارَ قَصْدًا، فَتَكُونُ الْإِرَادَةُ حِينَ الْفِعْلِ أَكْمَلَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَهُ، [وَكَذَلِكَ الْقُدْرَةُ حِينَ الْفِعْلِ أَكْمَلُ مِمَّا","vol":"2","page":1267},{"text":"كَانَتْ قَبْلَهُ [وَبِهَذَا كَانَ الْعَبْدُ قَادِرًا قَبْلَ الْفِعْلِ الْقُدْرَةَ الْمَشْرُوطَةَ فِي الْأَمْرِ الَّتِي بِهَا يُفَارِقُ الْعَاجِزَ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التَّغَابُنِ الآية: ١٦]، وَقَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آلِ عِمْرَانَ الآية: ٩٧]، وَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [الْمُجَادَلَةِ الآية: ٤]. فَإِنَّ هَذِهِ الِاسْتِطَاعَةَ لَوْ لَمْ تَكُنْ [إِلَّا] مُقَارِنَةً لِلْفِعْلِ، لَمْ يَجِبِ الْحَجُّ عَلَى مَنْ لَمْ يَحُجَّ، وَلَا وَجَبَ عَلَى مَنْ لَمْ يَتَّقِ اللَّهَ أَنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ، وَلَكَانَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَصُمِ الشَّهْرَيْنِ الْمُتَتَابِعَيْنِ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ لِلصِّيَامِ، وَهَذَا كُلُّهُ خِلَافُ هَذِهِ النُّصُوصِ وَخِلَافُ إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.\nفَمَنْ نَفَى هَذِهِ الْقُدْرَةَ مِنَ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ، وَزَعَمَ أَنَّ الِاسْتِطَاعَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا مَعَ الْفِعْلِ، فَقَدْ بَالَغَ فِي مُنَاقَضَةِ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: لَا تَكُونُ الِاسْتِطَاعَةُ إِلَّا قَبْلَ الْفِعْلِ.\nفَإِنَّ هَؤُلَاءِ أَخْطَئُوا حَيْثُ زَعَمُوا ذَلِكَ، وَقَالُوا: إِنَّ كُلَّ مَا يَقْدِرُ بِهِ الْعَبْدُ عَلَى الْإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ فَقَدْ سَوَّى اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، بَلْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي كُلِّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يُعْطِيَهُ لِلْعَبْدِ مِمَّا بِهِ يُؤْمِنُ وَيُطِيعُ.\nوَهَذَا الْقَوْلُ فَاسِدٌ قَطْعًا، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَا مُتَسَاوِيَيْنِ فِي جَمِيعِ أَسْبَابِ الْفِعْلِ، لَكَانَ اخْتِصَاصُ أَحَدِهِمَا بِالْفِعْلِ دُونَ الْآخَرِ تَرْجِيحًا لِأَحَدِ الْمُتَمَاثِلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ. وَهَذَا هُوَ أَصْلُ هَؤُلَاءِ الْقَدَرِيَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: إِنَّ الْفَاعِلَ الْقَادِرَ يُرَجِّحُ أَحَدَ طَرَفَيْ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ بِلَا مُرَجِّحٍ، وَهَذَا بَاطِلٌ وَإِنْ وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ.\nوَأَمَّا الْمُثْبِتُونَ لِلْقَدَرِ الْمُخَالِفُونَ لَهُمْ فِي هَذَا الْأَصْلِ، فَمِنْهُمْ طَائِفَةٌ إِذَا تَكَلَّمُوا فِي مَسَائِلِ الْقَدَرِ وَخَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، قَالُوا: إِنَّ الْقَادِرَ لَا يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ عَلَى الْآخَرِ","vol":"2","page":1268},{"text":"إِلَّا بِمُرَجِّحٍ، لَكِنْ إِذَا تَكَلَّمُوا فِي مَسَائِلِ فِعْلِ اللَّهِ، وَحُدُوثِ الْعَالَمِ، وَالْفَرْقِ بَيْنَ الْمُوجِبِ وَالْمُخْتَارِ، وَمُنَاظَرَةِ الدَّهْرِيَّةِ، تَجِدُ كَثِيرًا مِنْهُمْ يُنَاظِرُهُمْ مُنَاظَرَةَ مَنْ قَالَ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ الْمُجْبِرَةِ بِأَنَّ الْفَاعِلَ الْمُخْتَارَ يُرَجِّحُ أَحَدَ مَقْدُورَيْهِ بِلَا مُرَجِّحٍ.\nوَبِهَذَا ظَهَرَ اضْطِرَابُهُمْ فِي هَذِهِ الْأُصُولِ [الْكِبَارِ]، الَّتِي يَدُورُونَ فِيهَا بَيْنَ أُصُولِ الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَهْمِيَّةِ الْمُجْبِرَةِ الْمُعَطِّلَةِ لِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَلِصِفَةِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ، وَبَيْنَ أُصُولِ الْفَلَاسِفَةِ الدَّهْرِيَّةِ الْمُشْرِكِينَ. (^١) \"\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"فالنار التي جعل الله فيها حرارة، لا يحصل الإحراق إلا بها وبمحل يقبل الاحتراق، فإذا وقعت على السَّمَنْدَل والياقوت ونحوهما لم تحرقهما، وقد يُطلى الجسم بما يمنع إحراقه، والشمس التي يكون عنها الشعاع لا بد من جسم يقبل انعكاس الشعاع عليه، وإذا حصل حاجز من سحاب أو سقف لم يحصل الشعاع تحته، وقد بسط هذا في غير هذا الموضع\".\nالشرح\nبالنسبة لتأثير الأسباب في مسبّباتها فقد فقال ابن تيمية ﵀: \"لفظ (التأثير) فيه إجمال، فإن القدرة مع مقدورها كالسبب مع المسبب والعلة مع المعلول والشرط مع المشروط.\nفإن أريد بالقدرة القدرةُ الشرعية المصحِّحة للفعل المتقدِّمة عليه فتلك شرط للفعل وسبب من أسبابه وعلَّة ناقصة له.\nوإن أريد بالقدرة القدرة المقارنة للفعل المستلزمة له فتلك علَّة للفعل وسبب\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية ١/ ٤٠٢ - ٤٠٩.","vol":"2","page":1269},{"text":"تامٌّ، ومعلوم أنه ليس في المخلوقات شيء هو وحدَه علَّة تامَّة وسبب تامّ للحوادث، بمعنى أن وجودَه مستلزم لوجود الحوادث، بل ليس هذا إلا مشيئة الله تعالى خاصَّة، فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.\nوأما الأسباب المخلوقة كالنار في الإحراق والشمس في الإشراق والطعام والشراب في الإشباع والإرواء ونحو ذلك، فجميع هذه الأمور سبب لا يكون الحادث به وحدَه، بل لا بدَّ من أن ينضمَّ إليه سبب آخَر، ومع هذا فلهما موانعُ تمنعهما عن الأثر، فكلُّ سبب فهو موقوفٌ على وجود الشروطِ وانتفاءِ الموانع، وليس في المخلوقات واحدٌ يصدُر عنه وحده شيء.\nوهذا مما يبيِّن لك خطأَ المتفلسفة الذين قالوا: الواحِد لا يصدر عنه إلا واحدٌ، واعتبروا ذلك بالآثار الطبيعيَّة كالمسخن والمبرد ونحو ذلك. فإن هذا غلطٌ؛ فإنَّ التسخينَ لا يكون إلا بشيئين: أحدهما: فاعِل كالنار، والثاني: قابل كالجسم القابل للسخونة والاحتراق، وإلا فالنار إذا وقعت على السَمندل والياقوت لم تحرقه، وكذلك الشمس فإن شعاعَها مشروط بالجسم المقابل للشمس الذي ينعكس عليه الشعاع، وله موانع من السحاب والسقوف وغير ذلك، فهذا الواحِد الذي قدَّروه في أنفسهم لا وجودَ له في الخارج\" (^١).\nوشيخ الإسلام ابن تيمية ضرب مثالًا موضحًا للمسألة فقال: \"وبالتمييز بين هاتين القدرتَين يظهر لك قول من قال: القدرةُ مع الفعل، ومن قال: قبله، ومن قال: الأفعال كلُّها تكليف ما لا يطاق، ومن منَع ذلك؛ وتقف على أسرار المقالات، وإذا أشكل عليك هذا البيانُ فخذ مثلا من نفسك: أنت إذا كتبتَ بالقلم وضربتَ بالعصا ونجرت بالقدوم هل يكون القلَم شريكَك أو يضافُ إليه شيءٌ من نفس الفعل\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٣٣).","vol":"2","page":1270},{"text":"وصفاته؟ أم هل يصلح أن تلغيَ أثره وتقطَع خبرَه وتجعل وجوده كعدمه؟ أم يقال: به فعل وبه صنع -ولله المثل الأعلى- فإنَّ الأسباب بيد العبد ليسَت من فعلِه، وهو محتاج إليها لا يتمكَّن إلا بها، والله سبحانه خلق الأسبابَ ومسبباتها، وجعل خلق البعضِ شرطًا وسببًا في خلق غيره، وهو مع ذلك غنيٌّ عنِ الاشتراط والتسبُّب، ونظم بعضها ببعض، لكن لحكمة تتعلَّق بالأسباب وتعود إليها، والله عزيز حكيم\" (^١)\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"والمقصود هنا: أنه لا بدَّ من الإيمان بالقدر، فإن الإيمان بالقدر من تمام التوحيد، كما قال ابن عباس ﵄: هو نظام التوحيد، فمن وحَّد الله وآمن بالقدر تم توحيده، ومن وحَّد الله وكذب بالقدر نقض تكذيبه توحيده (^٢).\nولا بدَّ من الإيمان بالشرع، وهو الإيمان بالأمر والنهي، والوعد والوعيد، كما بعث الله بذلك رسله، وأنزل كتبه\".\nالشرح\nقال ابن القيم: \"النبي ﷺ أرشد الأمة في القدر إلي أمرين هما سببا السعادة:\n١ - الإيمان بالأقدار فإنه نظام التوحيد.\n٢ - والإتيان بالأسباب التي توصل إلى خيره وتحجز عن شره، وذلك نظام الشرع.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٨/ ٣٩١ (.\n(^٢) قول ابن عباس: \"القدر نظام التوحيد\" أخرجه الفريابي في القدر صفحة (١٤٣)، وضعفه الشيخ الألباني انظر ضعيف الجامع الصغير صفحة (٦٠٢).","vol":"2","page":1271},{"text":"فأرشدهم إلى نظام التوحيد والأمر.\nفأبى المنحرفون إلا القدح بإنكاره في أصل التوحيد\nأو القدح بإثباته في أصل الشرع\nولم تتسع عقولهم التي لم يلق الله عليها من نوره للجمع بين ما جمعت الرسل جميعهم بينه وهو القدر والشرع والخلق والأمر، وهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\nوالنبي ﷺ شديد الحرص على جمع هذين الأمرين للأمة وقد تقدم قوله: «أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز». وإن العاجز من لم يتسع للأمرين\" (^١)\nقال ابن القيم: \"وبالجملة فكل دليل في القرآن على التوحيد فهو دليل على القدر وخلق أفعال العباد ولهذا كان إثبات القدر أساس التوحيد قال ابن عباس: «الإيمان بالقدر نظام التوحيد فمن كذب بالقدر نقض تكذيبه التوحيد» \" (^٢)\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"والإنسان مضطر إلى شرع في حياته الدنيا، فإنه لا بدّ له من حركة يجلب بها منفعته، وحركة يدفع بها مضرته، والشرع هو الذي يميِّز بين الأفعال التي تنفعه، والأفعال التي تضره، وهو عدل الله في خلقه، ونوره بين عباده، فلا يمكن الآدميين أن يعيشوا بلا شرع يميِّزون به بين ما يفعلونه ويتركونه\".\n_________\n(^١) شفاء العليل ١/ ٢٦.\n(^٢) شفاء العليل ١/ ٦٥.","vol":"2","page":1272},{"text":"الشرح\nبين المصنف ﵀ هنا أهمية الشريعة المُلِحَّة بالنسبة للناس؛ فقال: \"والإنسان مضطر إلى شرع في حياته الدنيا\".\nقال ابن تيمية: \"فَالنُّفُوسُ أَحْوَجُ إلَى مَعْرِفَةِ مَا جَاءَ بِهِ وَاتِّبَاعِهِ مِنْهَا إلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَإِنَّ هَذَا إذَا فَاتَ حَصَلَ الْمَوْتُ فِي الدُّنْيَا. وَذَاكَ إذَا فَاتَ حَصَلَ الْعَذَابُ.\nفَحَقَّ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ بَذْلُ جُهْدِهِ وَاسْتِطَاعَتِهِ فِي مَعْرِفَةِ مَا جَاءَ بِهِ وَطَاعَتِهِ إذْ هَذَا طَرِيقُ النَّجَاةِ مِنْ الْعَذَابِ الْأَلِيمِ وَالسَّعَادَةِ فِي دَارِ النَّعِيمِ. وَالطَّرِيقُ إلَى ذَلِكَ الرِّوَايَةُ وَالنَّقْلُ. إذْ لَا يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ مُجَرَّدُ الْعَقْلِ\" (^١)\nوقال ابن القيم ﵀: \"حَاجَة النَّاس إِلَى الشَّرِيعَة ضَرُورِيَّة فَوق حَاجتهم إِلَى كل شَيْء، وَلَا نِسْبَة لحاجتهم إِلَى علم الطِّبّ إِلَيْهَا، ألا ترى أَنْ أَكثر الْعَالم يعيشون بِغَيْر طَبِيب، وَلَا يكون الطَّبِيب إِلَّا فِي بعض المدن الجامعة، وَأما أهل البدو كلهم وَأهل الكفور كلهم وَعَامة بني آدم فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى طَبِيب، وهم أصح أبدانًا، وَأقوى طبيعة مِمَّنْ هُوَ متقيد بالطبيب، وَلَعَلَّ أعمارهم مُتَقَارِبَة، وَقد فطر الله بني آدم على تنَاول مَا يَنْفَعهُمْ وَاجْتنَاب مَا يضرهم، وَجعل لكل قوم عَادَة وَعرفًا فِي اسْتِخْرَاج مَا يهجم عَلَيْهِم من الأدواء، حَتَّى إن كثيرًا من أصُول الطِّبّ إِنَّمَا أخذت عَنْ عوائد النَّاس وعرفهم وتجاربهم.\nوَأما الشَّرِيعَة فمبناها على تَعْرِيف مواقع رضى الله وَسخطه فِي حركات الْعباد الاختيارية، فمبناها على الْوَحْي الْمَحْض، وَالْحَاجة إِلَى [الشريعة أكثر من الحاجة إلى] التنفس فضلًا عَنْ الطَّعَام وَالشرَاب؛ لِأَن غَايَة مَا يقدر فِي عدم التنفس وَالطَّعَام وَالشرَاب موت الْبدن وتعطل الرّوح عَنهُ، وَأما مَا يقدر عِنْد عدم الشَّرِيعَة ففساد الرّوح وَالْقلب جملَة\" (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١/ ٥.\n(^٢) مفتاح دار السعادة (٢/ ٢).","vol":"2","page":1273},{"text":"المتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وليس المراد بالشرع مجرد العدل بين الناس في معاملاتهم، بل الإنسان المنفرد لا بدّ له من فعل وترك، فإن الإنسان همّام حارث، كما قال النبي -ﷺ-: «أصدق الأسماءُ: حارثٌ وهَمَّام»، وهو معنى قولهم: متحرك بالإرادة، فإذا كان له إرادة هو متحرك بها، فلا بد أن يعرف ما يريده هل هو نافع له أو ضار؟ وهل يصلحه أو يفسده؟\nوهذا قد يعرف بعضه الناس بفطرتهم، كما يعرفون انتفاعهم بالأكل والشرب، وكما يعرفون ما يعرفون من العلوم الضرورية بفطرتهم، وبعضه يعرفونه بالاستدلال الذي يهتدون به بعقولهم، وبعضه لا يعرفونه إلا بتعريف الرسل وبيانهم لهم، وهدايتهم إياهم\".\nالشرح\nالله ﷿ ركب ركَّب في الإنسان:\n- قوةً في التفكير والعلم والنظر.\n- وقوةً في الإرادة والعمل.\n\n<span data-type='title' id=toc-401>بيان القوة العلمية والقوة العملية في القلب</span>\nالقلب معناه: الباطن، ومنه سمي البئر قليبًّا؛ لأنه يحتوي على الماء في باطنه.\nوهل القلب هو الباطن فقط أم يتعلق به الأفكار التي هي في الدماغ؟\nعندما ننظر نجد أنه يقصد به مجموع الأمرين، فعندما زكى ربنا تعالى النبي ﷺ","vol":"2","page":1274},{"text":"زكاه بأمرين فقال: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى﴾ [النجم: ٢].\nوعندما زكى النبي ﷺ الخلفاء زكاهم بقوله: «الرَّاشدين المهديين» (^١)، فعندما تجمع بين الآية والحديث تجد أنهما متقابلين فنفي الضلال هو ضد الرشد ونفي الغواية هي ضد الهدى.\nوالرشد يكون في العقل، قال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء الآية: ٦].\nوهاتان القوتان (قوة العلم وقوة العمل) جمع بينهما النبي بقوله (أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ\" (^٢) لأن معنى (حارث) أي: عامل، ومعنى (همام): مريد.\nقال ابن القيم ﵀: \"وينبغي أن يعرف أن هاتين القوتين لا تتعطلان في القلب، بل إن استعمل قوته العلمية في معرفة الحق وإدراكه، وإلا استعملها في معرفة ما يليق به ويناسبه من الباطل، وإن استعمل قوته الإرادية العملية في العمل به، وإلا استعملها في ضده، فالإنسان حارث هَمَّام بالطبع، كما قال النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم: «أَصْدَقُ الأَسْمَاءِ: حَارِثٌ وَهَمَّامٌ\"، فالحارث: الكاسب العامل، والهمام: المريد، فإن النفس متحركة بالإرادة، وحركتها الإرادية لها من لوازم ذاتها، والإرادة تستلزم مرادًا يكون متصوَّرًا لها، متميزًا عندها، فإن لم تتصور الحق وتطلبه وتريده تصورت الباطل وطلبته، وأرادته ولا بد\" (^٣).\nوقال ﵀- تعليقًا على سورة العصر-: \"ولما كان الإنسان له قوتان قوة العلم وقوة العمل وله حالتان حالة يأتمر فيها بأمر غيره وحالة يأمر فيها غيره استثنى\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٥/ ٤٤ رقم ٢٦٧٦) عن العرباض بن سارية ﵁.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤/ ٢٨٧ رقم ٤٩٥٠).\n(^٣) إغاثة اللهفان (١/ ٢٥).","vol":"2","page":1275},{"text":"سبحانه من كمل قوته العلمية بالإيمان وقوته العملية بالعمل الصالح وانقاد لأمر غيره له بذلك وأمر غيره به من الإنسان الذي هو في خسر، فإن العبد له حالتان حالة كمال في نفسه وحالة تكميل لغيره وكماله وتكميله موقوف على أمرين علم بالحق وصبر عليه فتضمنت الآية جميع مراتب الكمال الإنساني من العلم النافع والعمل الصالح والإحسان إلى نفسه بذلك وإلى أخيه به وانقياده وقبوله لمن يأمره بذلك\" (^١).\nفبين ابن القيم﵀- أن مدار كمال العبد وسعادته وصلاحه في الدنيا والآخرة متوقف على الأمور الأربعة التي في سورة العصر، وهي الإيمان بالله (الذي هو قوته العلمية) والعمل الصالح (الذي هو قوته العملية)، والتواصي بالحق، (وهو الدعوة إلى الله)، والتواصي بالصبر، وهذه الأمور الأربعة هي مدار الشريعة.\nوقال ابن القيم عند تفسير قوله تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الأعراف الأيات: ٢٩ - ٣٠].\n\"هذه الآية تضمنت قواعد الدين علمًا وعملًا واعتقادًا.\nفقوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ ﴿أمر سبحانه فيها بالقسط هو الذي هو حقيقة شرعه ودينه، وهو يتضمن التوحيد فإنه أعدل العدل، والعدل في معاملة الخلق، والعدل في العبادة، وهو الاقتصاد في السنة.\nوقوله﴾ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴿يتضمن الأمر بالإقبال على الله وإقامة عبوديته في ثبوته، ويتضمن الإخلاص له وهو عبوديته وحده لا شريك له فهذا ما فيها من العمل.\n_________\n(^١) التبيان في أقسام القرآن (ص: ٨٦).","vol":"2","page":1276},{"text":"ثم أخبر بمبدأهم ومعادهم فتضمن ذلك حدوث الخلق وإعادته فذلك الإيمان بالمبدأ والمعاد فقال: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾.\nثم أخبر عن القدر الذي هو نظام التوحيد فقال ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ فتضمنت الآية الإيمان بالقدر والشرع والمبدأ والمعاد والأمر بالعدل والإخلاص.\nثم ختم الآية بذكر حال من لم يصدق هذا الخبر ولم يطع هنا الأمر بأنه قدوا للشيطان دون ربه وأنه على ضلال وهو يحسب أنه على هدى فقال: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾. والله أعلم\" (^١)\n_________\n(^١) شفاء العليل ١/ ٢٩٢ بتصرف يسير.","vol":"2","page":1277},{"text":"<span data-type='title' id=toc-402>اتفاق الناس على أن الفعل يلائم الفاعل أو ينافره يعلم بالعقل</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وفي هذا المقام تكلم الناس في أن الأفعال هل يعرف حسنها وقبحها بالعقل، أم ليس لها حسن وقبح يعرف بالعقل؟ كما قد بسط في غير هذا الموضع، وبيّنا ما وقع في هذا الموضع من الاشتباه، فإنهم اتفقوا على أن كون الفعل يلائم الفاعل أو ينافره يعلم بالعقل، وهو أن يكون الفعل سببًا لما يحبّه الفاعل ويلتذّ به، وسببًا لما يبغضه ويؤذيه.\nوهذا القدر يعلم بالعقل تارة، وبالشرع أخرى، وبهما جميعا أخرى، لكن معرفة ذلك على وجه التفصيل، ومعرفة الغاية التي تكون عاقبة الأفعال من السعادة والشقاوة في الدار الآخرة لا تعلم إلا بالشرع، فما أخبرت به الرسل من تفاصيل اليوم الآخر، وأمرت به من تفاصيل الشرائع لا يعلمه الناس بعقولهم، كما أن ما أخبرت به الرسل من تفصيل أسماء الله وصفاته لا يعلمه الناس بعقولهم، وإن كانوا قد يعلمون بعقولهم جمل ذلك.\nوهذا التفصيل الذي يحصل به الإيمان، وجاء به الكتاب هو مما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ [الشورى الآية: ٥٢]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾ [سبأ الآية: ٥٠]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء الآية: ٤٥].\nولكن طائفة توهمت أن للحسن والقبح معنى غير هذا، وأنه يعلم بالعقل،","vol":"2","page":1278},{"text":"وقابلتهم طائفة أخرى ظنت أن ما جاء به الشرع من الحسن والقبح يخرج عن هذا، فكلتا الطائفتين اللتين أثبتتا الحسن والقبح والعقليين أو الشرعيين وأخرجتاه عن هذا القسم غلطت.\nثم إن كلتا الطائفتين لما كانت تنكر أن يوصف الله بالمحبة والرضا والسخط والفرح ونحو ذلك مما جاءت به النصوص الإلهية، ودلت عليه الشواهد العقلية- تنازعوا بعد اتفاقهم على أن الله لا يفعل ما هو منه قبيح، هل ذلك ممتنع لذاته وأنه لا تتصور قدرته على ما هو قبيح، أو أنه ﷾ منزه عن ذلك لا يفعله لمجرد القبح العقلي الذي أثبتوه؟ على قولين.\nوالقولان في الانحراف من جنس القولين المتقدمين، أولئك لم يفرقوا في خلقه وأمره بين الهدى والضلال، والطاعة والمعصية، والأبرار والفجار، وأهل الجنة وأهل النار، والرحمة والعذاب، فلا جعلوه محمودًا على ما فعله من العدل أو ما تركه من الظلم، ولا ما فعله من الإحسان والنعمة أو تركه من العذاب والنقمة. والآخرون نزهوه بناء على القبح العقلي الذي أثبتوه، ولا حقيقة له، وسووه بخلقه فيما يحسن ويقبح، وشبهوه بعباده فيما يؤمر به وينهى عنه\".\nالشرح\nسبق الكلام على مسألة التحسين والتقبيح عند قول المصنف: \"فطائفة تزعم أن تحسين العقل وتقبيحه داخل في هذه الأصول، وأنه لا يمكن إثبات النبوة بدون ذلك، ويجعلون التكذيب بالقدر مما ينفيه العقل\".\nوتم ذكر الخلاف والأقوال في هذه المسألة، لكن الحاجة تمس هنا إلى أعادة ذكر الأقوال في المسألة لكون المصنف أشار إليها هنا على وجه التفصيل.\nقبل الشروع في بيان الحكم الشرعي لمسألة التحسين والتقبيح، لا بد من بيان","vol":"2","page":1279},{"text":"محل النزاع في هذه المسألة، وبيان ذلك فيما يلي:\nالحسن والقبح له اعتبارات ثلاثة:\n- الاعتبار الأول: بمعنى ملاءمة الطبع ومنافرته، فما لاءم الطبع فهو حسن؛ كإنقاذ الغريق، وما نافر الطبع فهو قبيح؛ كاتهام البريء.\n- الاعتبار الثاني: بمعنى الكمال والنقص، فالحسن: ما أشعر بالكمال؛ كصفة العلم، والقبيح: ما أشعر بالنقص؛ كصفة الجهل.\nوالحسن والقبح بهذين الاعتبارين: لا خلاف أنهما عقليان، بمعنى أن العقل يستقل بإدراكهما من غير توقف على الشرع.\n- الاعتبار الثالث: بمعنى المدح والثواب، والذم والعقاب.\nوالحسن والقبح بهذا الاعتبار: محل نزاع بين الطوائف (^١)، فقد وقع الخلاف حول هذه المسألة على ثلاثة أقوال:\nالقول الأول: أن الحسن والقبح صفتان ذاتيتان في الأشياء، والحاكم بالحسن والقبح هو العقل، والفعل حسن أو قبيح إما لذاته، وإما لصفة من صفاته لازمة له وإما لوجوه واعتبارات أخرى، والشرع كاشف ومبين لتلك الصفات فقط.\nوهذا هو مذهب المعتزلة والكرامية ومن قال بقولهم من الرافضة والزيدية وغيرهم (^٢).\nالقول الثاني: أنه لا يجب على الله شيء من قبل العقل، ولا يجب على العباد\n_________\n(^١) معالم أصول الفقه للجيزاني (ص: ٣٣٠).\n(^٢) انظر «المغني» لعبدالجبار (جـ ٦ - القسم الأول - ص: ٢٦ - ٣٤، ٥٩ - ٦٠)، و«المعتمد في أصول الفقه» لأبي الحسين البصري (١/ ٣٦٣)، و«البحر الزخار» لابن المرتضي (١/ ٥٩)، و«العقل عند المعتزلة» (ص: ٩٨ - ١٠٠)، و«المعتزلة ومشكلة الحرية الإنسانية» (ص: ١٣٧).","vol":"2","page":1280},{"text":"شيء قبل ورود السمع، فالعقل لا يدل على حسن شيء، ولا على قبحه قبل ورود الشرع، وفي حكم التكليف، وإنما يتلقى التحسين والتقبيح من موارد الشرع وموجب السمع. قالوا: ولو عكس الشرع فحسن ما قبحه، وقبح ما حسنه لم يكن ممتنعا.\nوهذا قول الأشاعرة ومن وافقهم (^١).\nالقول الثالث: التفصيل، لأن إطلاق التحسين والتقبيح على كل فعل من جهة العقل وحده دون الشرع، أو نفي أي دور للعقل في تحسين الأفعال أو تقبيحها، غير صحيح، ويوضح شيخ الإسلام ابن تيمية مذهب أهل الحق في هذا توضيحا كاملا، فيقسم الأفعال إلى ثلاثة أنواع:\n\"أحدها: أن يكون الفعل مشتملا على مصلحة أو مفسدة، ولو لم يرد الشرع بذلك، كما يعلم أن العدل مشتمل على مصلحة العالم، والظلم يشتمل على فسادهم، فهذا النوع هو حسن أو قبيح، وقد يعلم بالعقل والشرع قبح ذلك، لا أنه ثبت للفعل صفة لم تكن، لكن لا يلزم من حصول هذا القبح أن يكون فاعله معاقبًا في الآخرة إذا لم يرد شرع بذلك، وهذا ما غلط فيه غلاة القائلين بالتحسين والتقبيح، فإنهم قالوا: إن العباد يعاقبون على أفعالهم القبيحة، ولو لم يبعث الله إليهم رسولا، وهذا خلاف النص، قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا)] الإسراء الآية: ١٥ … [\nالنوع الثاني: أن الشارع إذا أمر بشيء صار حسنا، وإذا نهى عن شيء صار قبيحا، واكتسب الفعل صفة الحسن والقبح بخطاب الشارع.\nالنوع الثالث: أن يأمر الشارع بشيء يمتحن العبد، هل يطيعه أم يعصيه، ولا يكون المراد فعل المأمور به، كما أمر إبراهيم بذبح ابنه (فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ\n_________\n(^١) انظر «الإرشاد» (ص: ٢٥٨ وما بعدها)، و«المحصل» للرازي (ص: ٢٠٢)، و«شرح المواقف» (٨/ ١٨١ - ١٨٢).","vol":"2","page":1281},{"text":"لِلْجَبِينِ)] الصافات الآية: ١٠٣ [حصل المقصود، ففداه بالذبح وكذلك حديث أبرص وأقرع وأعمى، فلما أجاب الأعمى قال الملك: «أمسك عليك مالك، فإنما ابتليتم، فرضي عنك وسخط على صاحبيك» (^١)، فالحكمة منشؤها من نفس الأمر لا من نفس المأمور به.\nوهذا النوع والذي قبله لم يفهمه المعتزلة، وزعمت أن الحسن والقبح لا يكون إلا لما هو متصف بذلك بدون أمر الشارع.\nوالأشعرية ادعوا أن جميع الشريعة من قسم الامتحان، وأن الأفعال ليست صفة لا قبل الشرع ولا بالشرع.\nوأما الحكماء والجمهور فأثبتوا الأقسام الثلاثة، وهو الصواب\" (^٢).\nوشيخ الإسلام يزيد الأمر تحقيقا فيبين أن التحسين والتقبيح قسمان:\nأحدهما: كون الفعل ملائمًا للفاعل نافعًا له، أو كونه ضارًا له منافرًا فهذا قد اتفق الجميع على أنه قد يعلم بالعقل (^٣).\nالثاني: كونه سببا للذم والعقاب، فهذا هو الذي وقع فيه الخلاف:\n• فالمعتزلة قالوا قبح الظلم والشرك والكذب والفواحش معلوم بالعقل، ويستحق عليها العذاب في الآخرة وإن لم يأت رسول.\n• والأشاعرة قالوا: لا حسن ولا قبح ولا شر قبل مجيء الرسول، وإنما الحسن ما قيل فيه افعل، والقبيح ما قيل لا تفعل. ولم يجعلوا أحكام الشرع معللة، وهذا يوافق مذهبهم في التعليل.\n_________\n(^١) رواه البخاري (٣٤٦٤)، ومسلم (٢٩٦٤) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(^٢) «مجموع الفتاوى» (٨/ ٤٣٤ - ٤٣٦).\n(^٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ٩٠، ٣٠٩ - ٣٠١)، و«منهاج السنة» (١/ ٣٦٤) - مكتبة الرياض الحديثة.","vol":"2","page":1282},{"text":"• جمهور أهل السنة قالوا: الظلم والشرك والكذب والفواحش كل ذلك قبيح قبل مجيء الرسول، لكن العقوبة لا تستحق إلا بمجيء الرسول\" (^١).\n_________\n(^١) انظر: «مجموع الفتاوى» (٨/ ٦٧٧ - ٦٨٦، ١١/ ٦٧٦ - ٦٧٧).","vol":"2","page":1283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-403>خطأ من شهد الربوبية العامة فقط</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"فمن نظر إلى القدر فقط، وعظّم الفناء في توحيد الربوبية، ووقف عند الحقيقة الكونية، لم يميّز بين العلم والجهل، والصدق والكذب، والبر والفجور، والعدل والظلم، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال، والرشد والغي، وأولياء الله وأعدائه، وأهل الجنة وأهل النار، وهؤلاء مع أنهم مخالفون بالضرورة لكتب الله ودينه وشرائعه، فهم مخالفون أيضًا لضرورة الحس والذوق، وضرورة العقل والقياس، فإن أحدهم لا بد أن يلتذ بشيء ويتألم بشيء، فيميّز بين ما يؤكل ويشرب، وما لا يؤكل ولا يشرب، وبين ما يؤذيه من الحر والبرد، وما ليس كذلك، وهذا التمييز بين ما ينفعه ويضره هو الحقيقة الشرعية الدينية.\nومن ظن أن البشر ينتهي إلى حد يستوى عنده الأمران دائمًا فقد افترى، وخالف ضرورة الحس، ولكن قد يعرض للإنسان بعض الأوقات عارض كالسكر والإغماء ونحو ذلك مما يشغله عن الإحساس ببعض الأمور، فأما أن يسقط إحساسه بالكلية مع وجود الحياة فيه فهذا ممتنع، فإن النائم لم يسقط إحساس نفسه، بل يرى في منامه ما يسره تارة وما يسوؤه أخرى، فالأحوال التي يُعبر عنها بالاصطلام والفناء والسكر ونحو ذلك إنما تتضمن عدم الإحساس ببعض الأشياء دون بعض، فهي مع نقص صاحبها لضعف تمييزه لا تنتهي إلى حد يسقط فيه التمييز مطلقًا.\nومن نفى التمييز في هذا المقام مطلقًا، وعظّم هذا المقام فقد غلط في الحقيقة الكونية والدينية قدرًا وشرعًا: غلط في خلق الله وفي أمره، حيث ظن وجود هذا،","vol":"2","page":1284},{"text":"ولا وجود له، وحيث ظن أنه ممدوح، ولا مدح في عدم التمييز والعقل والمعرفة.\nوإذا سمعت بعض الشيوخ يقول: أريد أن لا أريد، أو إن العارف لا حظّ له، أو إنه يصير كالميت بين يدي الغاسل، ونحو ذلك- فهذا إنما يمدح منه سقوط إرادته التي لم يؤمر بها، وعدم حظه الذي لم يؤمر بطلبه، وأنه كالميت في طلب ما لم يؤمر بطلبه، وترك دفع ما لم يؤمر بدفعه.\nومن أراد بذلك أنه تبطل إرادته بالكلية، وأنه لا يحس باللذة والألم، والنافع والضار، فهذا مخالف لضرورة الحس والعقل، ومن مدح هذا فهو مخالف لضرورة الدِّين والعقل\".\nالشرح\nثم قال شيخ الإسلام: «وَكثير مِمَّنْ يتَكَلَّم فِي الْحَقِيقَة فيشهدها، لَا يَشْهد إِلَّا هَذِه الْحَقِيقَة، وَهِي الحَقِيقَة الكونية الَّتِي يَشْتَرك فِيهَا وَفِي شهودها وَفِي مَعْرفَتهَا الْمُؤمنُ وَالْكَافِرَ وَالْبَرُّ والفاجر. بل وإبليس معترف بِهَذِهِ الْحَقِيقَة وَأهل النَّار؛ قَالَ إِبْلِيس: ﴿رب فأنظرني إِلَى يَوْم يبعثون﴾ [ص الآية: ٧٩]».\nفهذه العبودية الاضطرارية هي التي يُتعب الصوفية أنفسهم في الوصول إليها، فهم يعتبرونها الغاية التي يصل إليها العابد، ويفنون أعمارهم في شهود الحقيقة الكونية، مع أنه يشترك في معرفتها وشهودها المؤمن والكافر والبر والفاجر، حتى إبليس- الشيطان الرجيم- مُعترف بهذه الحقيقة؛ حيث قال إبليس فيما قصَّه الله في كتابه عنه: ﴿رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر الآية: ٣٦]، فهو مقر بالربوبية، ولكنه لما استكبر عن تنفيذ الأمر ما نفعه هذا الإقرار؛ فكفر، وتوعده الله بالعذاب الأليم؛ قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة الآية: ٣٤].","vol":"2","page":1285},{"text":"وكذلك أهل النار قَالُوا: ﴿رَبنَا غلبت علينا شِقْوَتنَا وَكُنَّا قوما ضَالِّينَ﴾ [المؤمنون الآية: ١٠٦]، وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُم: ﴿وَلَو ترى إِذْ وقفُوا على رَبهم قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بلَى وربنا﴾ [الأنعام الآية: ٣٠]، فهم معترفون بربوبية الله تعالى، ولكنهم لم يقوموا بعبودية الألوهية (الاختيارية).\nلذلك كان الاشتغال بهذا النوع من العبودية اشتغال بأمر قد فُطر الناس عليه.\nوأما النوع الآخر وهو (العبودية الاختيارية)؛ فهي العبودية التي يفعلها الإنسان عن اختيار وإرادة، ولو شاء لتركها.\nوهذه العبودية لا تكون إلا من المكلفين الذين كلفهم الله ﷾ بالأمر والنهي؛ فهؤلاء هم الذين يعبدون الله ﷿، وهم المختارون لهذه العبادة عن رضا وطواعية.\nومن أجلها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب؛ وقد قص القرآن أن جميع الرسل قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف الآية: ٥٩]، أي: هو وحده المستحق للعبادة دون سواه، ولا يَقبل أن تُشركوا معه غيره فيها.\nفهي التي يسمى بها الإنسان مؤمنًا، وبها ينجو من عذاب الآخرة، ويفوز بالنعيم في الجنة.\nقال ابنُ أبي العِزِّ الحنفي ﵀: «وكذلك كان حال الأمم السالفة المشركين الذين كَذَّبوا الرسل. كما حكى الله تعالى عنهم في قصة صالح ﵇ عن التسعة الرهط الذين تَقاسموا بالله، أي: تحالفوا بالله؛ لنَبيتنَّه وأهله. فهؤلاء المفسدون المشركون تحالفوا بالله على قَتل نَبِيِّهم وأهلِه، وهذا بَيِّنٌ أنَّهم كانوا مؤمنين بالله إيمانَ المشركين.\nفَعُلِم أنَّ التوحيدَ المطلوبَ هو توحيدُ الإلهيَّةِ، الذي يتضمن توحيد الربوبية؛ قال تعالى: ﴿فأقم وجهك للدين حنيفًا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك","vol":"2","page":1286},{"text":"الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ [الروم الآية: ٣٠]» (^١)\nوعلى العبد ألا يخلط بين (الإرادة الكونية القدريَّة) وبين (الإرادة الدِّينية الشرعية).\nفالإرادة الكونية القدريَّة: هي ما يقع في الكون بقدر الله وتدبيره. ويشترك في شهودها البَر والفاجر.\nوأمَّا الإرادة الدِّينية الشرعية: فهي ما شرعه وأمر به سبحانه، ورضيه وأحبَّه من عباده.\nوعدم التفريق بين هذين النوعين جَرَّ طوائف إلى الوقوع في أنواع الإلحاد والكفر؛ يقول شيخ الإسلام ﵀ هنا: «فَمن وَقف عِنْد هَذِه الْحَقِيقَة وَعند شهودها، وَلم يقم بِمَا أَمر الله بِهِ مِنْ الحَقِيقَة الدِّينِيَّة الَّتِي هِيَ عِبَادَته الْمُتَعَلّقَة بألوهيته وَطَاعَة أمره وَأمر رَسُوله، كَانَ من جنس إِبْلِيس وَأهل النَّار.\nفَإِنْ ظَنَّ مَعَ ذَلِك: أَنَّه من خَواص أَوْلِيَاء الله وَأهل الْمعرفَة وَالتَّحْقِيق، الَّذين سَقط عَنْهُم الْأَمر وَالنَّهي الشَّرعيان، كَانَ مِنْ أشر أهل الكفر والإلحاد».\nفبعضُ الصوفية وبعضُ أهل الكلام قد فَسَّروا (لا إله إلا الله) بأنه لا خالق إلا الله.\nويزعمُ أحدهم أن الخضر سقط عنه التكليف؛ لشهوده الإرادة، ويفرقون بين العامة والخاصة، وخلاصة قولهم: أنهم يرون أن العامة هم الذين لم يشهدوا الحقيقة الكونية شهودًا كافيًا، وأن الخاصة هم الذين شهدوا الحقيقة الكونية شهودًا كافيًا.\nووصفهم للمسلمين بأنهم (العامة) وصف انتقاص؛ لأنهم يقولون: إنهم الذين\n_________\n(^١) «شرح العقيدة الطحاوية» (ص ٣٣).","vol":"2","page":1287},{"text":"لم يصلوا إلى شهود الحقيقة الكونية، وهي- عندهم- أن يعلم أن الإنسان لا صفات له ولا أفعال له، وإنما الفاعل على الحقيقة هو الله، وأنه عبارة عن محل لفعل الله؛ مثل الإناء عندما يكون محلًّا للماء، وكالريشة التي يحركها الهواء، يعني: ليس فاعلًا فعلًا اختياريًّا، وإنما الله ﷿ هو الذي يحركه، والإنسان مسلوب الإرادة، مجبور على فعله.\nويترتب على هذا القول: أن القول الذي يقوله الإنسانُ ليس قولَه؛ بل هو قولُ الله، وأنَّ الفعل الذي يقوم به الإنسان ليس فعلَه، وإنما هو فعلُ الله.\nويترتب على هذا أيضًا: أنه بسبب شهوده لهذه الحقيقة تَسقط عنه التكاليف؛ لأنه لا فِعل له؛ فالتكليف يحصل عندما يكون للإنسان فِعل، ثم يحاسب على هذا الفعل، ولكن إذا لم يكن له فعل؛ فكيف يحاسب عليه؟ وكيف يجازى على فعله مع أنه ليس هو فاعله حقيقة؟ وإنما الفعل الذي فيه هو فِعل الله؛ لذلك أسقطوا التكاليف الشرعية.\nوقال ابن تيمية: \"وَالْحَقُّ الْمُبِينُ: أَنَّ كَمَالَ الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْبُدَ اللَّهَ عِلْمًا وَعَمَلًا كَمَا أَمَرَهُ رَبُّهُ وَهَؤُلَاءِ هُمْ عِبَادُ اللَّهِ وَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُسْلِمُونَ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الْمُتَّقُونَ وَحِزْبُ اللَّهِ الْمُفْلِحُونَ وَجُنْدُ اللَّهِ الْغَالِبُونَ وَهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ النَّافِعِ وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ وَهُمْ الَّذِينَ زَكُّوا نُفُوسَهُمْ وَكَمَّلُوهَا كَمَّلُوا الْقُوَّةَ النَّظَرِيَّةَ الْعِلْمِيَّةَ وَالْقُوَّةَ الْإِرَادِيَّةَ الْعَمَلِيَّةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ [ص الآية: ٤٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى *إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى] ﴿النجم الآيات: ١ إلى ٤ [وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة الآيات: ٦ - ٧ [وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه الآية: ١٢٣]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة الآية: ٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ","vol":"2","page":1288},{"text":"الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر الآية: ١٠]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر الآية: ٣]. \" (^١).\nوعرف عن بعض الصوفية المتأخرين انحرافهم في باب الاتباع وهذا خلاف ما كان عليه قدماؤهم وفي هذا قال ابن تيمية: \"وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ كَلَامُهُ كُلُّهُ يَدُورُ عَلَى اتِّبَاعِ الْمَأْمُورِ، وَتَرْكِ الْمَحْظُورِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْمَقْدُورِ وَلَا يُثْبِتُ طَرِيقًا تُخَالِفُ ذَلِكَ أَصْلًا لَا هُوَ وَلَا عَامَّةُ الْمَشَايِخِ الْمَقْبُولِينَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ وَيُحَذِّرُ عَنْ مُلَاحَظَةِ الْقَدَرِ الْمَحْضِ بِدُونِ اتِّبَاعِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ كَمَا أَصَابَ أُولَئِكَ الصُّوفِيَّةَ الَّذِينَ شَهِدُوا الْقَدَرَ وَتَوْحِيدَ الرُّبُوبِيَّةِ وَغَابُوا عَنْ الْفَرْقِ الْإِلَهِيِّ الدِّينِيِّ الشَّرْعِيِّ الْمُحَمَّدِيِّ الَّذِي يُفَرِّقُ بَيْنَ مَحْبُوبِ الْحَقِّ وَمَكْرُوهِهِ، وَيُثْبِتُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ. وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا تَجِبُ رِعَايَتُهُ عَلَى أَهْلِ الْإِرَادَةِ وَالسُّلُوكِ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ زَاغَ عَنْهُ فَضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ وَإِنَّمَا يَعْرِفُ هَذَا مَنْ تَوَجَّهَ بِقَلْبِهِ وَانْكَشَفَتْ لَهُ حَقَائِقُ الْأُمُورِ وَصَارَ يَشْهَدُ الرُّبُوبِيَّةَ الْعَامَّةَ والقيومية الشَّامِلَةَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ نُورُ الْإِيمَانِ وَالْقُرْآنِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْفُرْقَانُ حَتَّى يَشْهَدَ الْإِلَهِيَّةَ الَّتِي تُمَيِّزُ بَيْنَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَالشِّرْكِ وَبَيْنَ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَمَا يُبْغِضُهُ وَبَيْنَ مَا أَمَرَ بِهِ الرَّسُولُ وَبَيْنَ مَا نَهَى عَنْهُ وَإِلَّا خَرَجَ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ بِحَسَبِ خُرُوجِهِ عَنْ هَذَا فَإِنَّ الرُّبُوبِيَّةَ الْعَامَّةَ قَدْ أَقَرَّ بِهَا الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾. وَإِنَّمَا يَصِيرُ الرَّجُلُ مُسْلِمًا حَنِيفًا مُوَحِّدًا إذَا شَهِدَ: أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. فَعَبَدَ اللَّهَ وَحْدَهُ بِحَيْثُ لَا يُشْرِكُ مَعَهُ أَحَدًا فِي تَأَلُّهِهِ وَمَحَبَّتِهِ لَهُ وَعُبُودِيَّتِهِ وَإِنَابَتِهِ إلَيْهِ وَإِسْلَامِهِ لَهُ وَدُعَائِهِ لَهُ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَمُوَالَاتِهِ فِيهِ؛ وَمُعَادَاتِهِ فِيهِ؛ وَمَحَبَّتِهِ مَا يُحِبُّ؛ وَبُغْضِهِ مَا يُبْغِضُ وَيَفْنَى بِحَقِّ التَّوْحِيدِ عَنْ بَاطِلِ الشِّرْكِ؛ وَهَذَا فَنَاءٌ يُقَارِنُهُ الْبَقَاءُ فَيَفْنَى عَنْ تَأَلُّهِ مَا سِوَى اللَّهِ بِتَأَلُّهِ اللَّهِ تَحْقِيقًا لِقَوْلِهِ:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٢/ ٩٦.","vol":"2","page":1289},{"text":"لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَيَنْفِي وَيَفْنَى مِنْ قَلْبِهِ تَأَلُّهَ مَا سِوَاهُ؛ وَيُثْبِتُ وَيُبْقِي فِي قَلْبِهِ تَأَلُّهَ اللَّهِ وَحْدَهُ؛ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ - فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ -: «مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ» وَقَالَ فِي الصَّحِيحِ: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِنَّهَا حَقِيقَةُ دِينِ الْإِسْلَامِ فَمَنْ مَاتَ عَلَيْهَا مَاتَ مُسْلِمًا». وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَمَرَنَا أَلَّا نَمُوتَ إلَّا عَلَى الْإِسْلَامِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ. كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران الآية: ١٠٢]، وَقَالَ الصِّدِّيقُ ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ [يوسف الآية ١٠١]، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ الْمَوْتَ وَلَمْ يَتَمَنَّهُ. وَإِنَّمَا سَأَلَ أَنَّهُ إذَا مَاتَ يَمُوتُ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ فَسَأَلَ الصِّفَةَ لَا الْمَوْصُوفَ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِذَلِكَ؛ وَأَمَرَ بِهِ خَلِيلَهُ إبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ؛ وَهَكَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ؛ مِنْهُمْ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ. وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ\" (^١).\nوهذا- لا شكَّ- قولٌ في غاية الكفر، والسبب هو: أنهم جعلوا هذه الأفعال القبيحة التي تَصدر عنهم من كفر أو فسق- هي فعل الله؛ فجَرَّدوا الإنسان من إرادته.\nمع أنَّ هذا مخالف لحقيقة الإنسان في الدنيا الآن، ومخالف لشعوره، ومخالف للواقع الذي يعيشه، وهو أنَّ له إرادة وله عمل، وهو محاسب على إرادته وعمله، بالإضافة إلى النصوص المتوافرة من الكتاب والسنة المثبتة للإنسان إرادة ومشيئة واختيارًا وسعيًا وكسبًا.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ٣٦٨ - ٣٧٠.","vol":"2","page":1290},{"text":"<span data-type='title' id=toc-404>المراد بالفناء</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"والفناء يُراد به ثلاثة أمور:\nأحدها: وهو الفناء الديني الشرعي، الذي جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب، هو أن يَفنى عما لم يأمر الله به بفعل ما أمر الله به، فيَفنى عن عبادة غيره بعبادته، وعن طاعة غيره بطاعته وطاعة رسوله، وعن التوكل على غيره بالتوكل عليه، وعن محبة ما سواه بمحبته ومحبة رسوله، وعن خوف غيره بخوفه، بحيث لا يتبع العبد هواه بغير هدى من الله، وبحيث يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة الآية: ٢٤]، فهذا كله هو مما أمر الله به ورسوله.\nوأما الفناء الثاني- وهو الذي يذكره بعض الصوفية: وهو أن يفنى عن شهود ما سوى الله تعالى؛ فيفنى بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبمعروفه عن معرفته، بحيث قد يغيب عن شعوره بنفسه وبما سوى الله- فهذا حال ناقص، قد يعرض لبعض السالكين، وليس هو من لوازم طريق الله، ولهذا لم يعرض مثل هذا للنبي -ﷺ- والسابقين الأولين.\nومن جعل هذا نهاية السالكين فهو ضالٌّ ضلالا مبينًا، وكذلك من جعله من لوازم طريق الله فهو مخطئ، بل هو من عوارض طريق الله التي تعرض لبعض الناس دون بعض، ليس هو من اللوازم التي تحصل لكل سالك.","vol":"2","page":1291},{"text":"وأما الثالث: فهو الفناء عن وجود السوى، بحيث يرى أن وجود المخلوق هو عين وجود الخالق، وأن الوجود واحد بالعين، فهذا قول أهل الإلحاد والاتحاد، الذين هم من أضل العباد\".\nالشرح\nيوجد في الصوفية مَنْ يكون عنده شيء من الشرك الأصغر، ويوجد منهم من يكون عنده من الشرك الأكبر مع إقراره بالنبوة وبالإلهية لله ﷿ في الجملة، ويوجد منهم من هو أشد من ذلك، وأمَّا أعلاهم زندقة فهم القائلون بالحلول وأصحاب وحدة الوجود.\nولقد كثرت المصطلحات عند المتأخرين كثرة كبيرة، وأغلبها أراد بها أصحابها التلبس بالحق للوصول إلى الباطل؛ تحقيقًا لأهوائهم المريضة، وعقولهم السقيمة، وأكثر من جاء بهذه المصطلحات هم أهل البدع المحدثة، الذين أرادوا التلبيس على أهل المنهج الحق، ومن هذه المصطلحات مصطلح (الفناء)، وقد بَيَّن شيخُ الإسلام هنا هذا المصطلح، وحقيقته وأقسامه، وما يجوز منه وما لا يجوز.\nوالفناء: اصطلاح صوفي، وهو متعلق بالتعبد ونتيجته عند الصوفية، ونتيجة التعبد عندما يَشتغل به الإنسان- حسب فهمهم وطريقتهم- أن يصل إلى مرحلة الفناء.\nوالمقصود بالفناء: الغَيْبَة، أي: أن يَغيب عقل الإنسان الخارجي وحِسُّه الظاهري الذي يستشعر به من حوله، فلا تكون عنده قدرة على استشعار ما حوله من الأشخاص والأماكن والأحوال التي حوله.\nفما أتى به الصوفية من كون الإنسان يمكن له أن يترك الشريعة لوجود الحقيقة، أو يترك الأحكام، أو تلغى ظواهر النصوص الشرعية من أجل الحقيقة- فاسد","vol":"2","page":1292},{"text":"وباطل، وهذا يُشبه قول الباطنية: بأن النصوص لها ظاهر وباطن، ثم يفسرون الباطن بالطريقة التي يَرونها.\nوليس الفناء كله مذموم، وإن كان الاصطلاح أصلًا اصطلاحًا صوفيًّا، ولكن كون الإنسان يغيب عمن حوله هذا في حد ذاته ليس مذمومًا؛ لأنه قد يَستغرق الإنسان في التعبد إلى درجة أنَّه لا يشعر بمن حوله، وهذا الاستغراق في التعبد وفق ما أمر الله ﷾ به وعلى طريقة النبي -ﷺ- في العبادة ليس فيه إشكال، كما يروى عن بعض الصالحين: أنه كان يصلي في المسجد وسقط الجدار فيه، وفَزع أهل السوق لصوت سقوط الجدار، وهو قائم يصلي في المسجد لم يَنتبه لذلك من خشوعه في صلاته.\nولكن الطامة أن يُعَرَّف الفناء بأنه: اختفاء عن الأمور الظاهرية؛ لاندماجه بها، وأن هذه هي حقيقة الألوهية، كما يقول دعاة وحدة الوجود.\nقال ابن تيمية: \"فَإِنْ الفناء ثَلَاثَة أَنْواع:\nنوع للكاملين من الأَنْبِيَاء والأولياء.\nونَوع للقاصدين من الأَوْلِيَاء والصَّالِحِينَ.\nونَوع لِلمُنَافِقين المُلحِدِينَ المشبهين.\nفَأَما الأول: فَهُو الفناء عَنْ إِرَادَة مَا سوى الله؛ بِحَيْثُ لَا يُحب إِلَّا الله، ولَا يعبد إِلَّا إِيَّاه، ولَا يتوكل إِلَّا عَلَيْهِ، ولَا يطْلب من غَيره. وهُو المَعْنى الَّذِي يجب أَنْ يقْصد بقول الشَّيْخ أبي يزِيد؛ حَيْثُ قَالَ: (أُرِيد ألَّا أُرِيد إِلَّا مَا يُرِيد)، أَي: المُرَاد المحبوب المرضي، وهُو المُرَاد بالإرادة الدِّينِيَّة. وكَمَال العَبْد: أَلا يُرِيد ولَا يُحب ولَا يرضى إِلَّا مَا أَرَادَهُ الله ورَضِيَه وأحبه، وهُو مَا أَمر بِهِ أَمر إِيجَاب أَوْ اسْتِحْبَاب، ولَا يُحب إِلَّا مَا يُحِبهُ الله؛ كالملائكة والأنبياء والصَّالِحِينَ، وهَذَا معنى قَوْلهم فِي قَوْله: ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشُّعَرَاء الآية: ٨٩]، قَالُوا: هُو السَّلِيم مِمَّا سوى الله، أَوْ مِمَّا سوى عبَادَة","vol":"2","page":1293},{"text":"الله، أَوْ مِمَّا سوى إِرَادَة الله، أَوْ مِمَّا سوى محبَّة الله، فَالمَعْنى واحِد، وهَذَا المَعْنى إِنْ سُمِّي فنَاء أَوْ لم يسم، هُو أول الإِسْلَام وآخره، وباطن الدَّين وظَاهره.\nوأمَّا النَّوْع الثَّانِي: فَهُو الفناء عَنْ شُهُود السِّوى، وهَذَا يحصل لكثير من السَّالكين؛ فَإِنَّهُم لفرط انجذاب قُلُوبهم إِلَى ذكر الله وعبادته ومحبته وضعف قُلُوبهم عَنْ أَنْ تَشهد غير مَا تعبد، وترى غير مَا تقصد- لَا يخْطر بقلوبهم غير الله، بل ولَا يَشْعُرُونَ إِلَّا بِهِ، كَمَا قيل فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وأصْبح فؤاد أم مُوسَى فَارغًا إِنْ كَادَت لتبدي بِهِ لَوْلَا أَنْ ربطنا على قَلبهَا﴾ [القَصَص الآية: ١٠]، قَالُوا: فَارغًا من كل شَيْء إِلَّا من ذكر مُوسَى. وهَذَا كثيرًا مَا يعرض لمن دهمه أَمر من الأُمُور؛ إِمَّا حب، وإِمَّا خوف، وإِمَّا رَجَاء؛ يبْقى قلبه منصرفًا عَنْ كل شَيْء، إِلَّا عَمَّا قد أحبَّه أَوْ خافه أَوْ طلبه؛ بِحَيْثُ يكون عِنْد استغراقه فِي ذَلِك لَا يشْعر بِغَيْرِهِ.\nفَإِذا قوي على صَاحب الفناء هَذَا، فَإِنَّهُ يَغيب بموجوده عَنْ وجوده، وبمشهوده عَنْ شُهُوده، وبمذكوره عَنْ ذِكره، وبمعروفه عَنْ مَعْرفَته، حَتَّى يَفنى مَنْ لم يكن، وهِي المَخْلُوقَات؛ العَبْد فَمن سواهُ، ويبقى مَنْ لم يزل، وهُو الرب تَعالَى. والمرَاد: فناؤها فِي شُهُود العَبْد وذِكره، وفناؤه عَنْ أَنْ يُدْرِكهَا أَوْ يشهدها، وإِذا قوي هَذَا ضعف المُحب حَتَّى يضطرب فِي تَمْيِيزه، فقد يظنُّ أَنه هُو محبوبه، كَمَا يُذكر «أَنْ رجلًا ألقى نَفسه فِي اليم، فَألقى مُحِبُّه نَفسه خَلفه، فَقَالَ: أَنا وقعتُ، فَمَا أوقعك خَلفي؟ قَالَ: غِبْتُ بك عني؛ فَظَنَنْت أَنَّك أَنِّي».\nوهَذَا الموضع زَلَّت فِيهِ أَقوامٌ، وظنوا أَنَّه اتِّحَاد، وأَنَّ المُحب يتحد بالمحبوب، حَتَّى لَا يكون بَينهمَا فرقٌ فِي نفس وجودهما. وهَذَا غلط؛ فَإِنْ الخَالِق لَا يتحد بِهِ شَيْء أصلًا، بل لَا يُمكن يَتَّحد شَيْء بِشَيءٍ، إِلَّا إِذا استحَالَا وفسدت حَقِيقَة كلٍّ مِنْهُمَا، وحصل مِنْ اتحادهما أَمر ثَالِث لَا هُو هَذَا ولَا هَذَا، كَمَا إِذا اتَّحد المَاء واللَّبن، والمَاء","vol":"2","page":1294},{"text":"والخمر، ونَحْو ذَلِك، ولَكِن يتحد المُرَاد والمحبوب، والمرَاد والمَكْرُوه، ويتفقان فِي نوع الإِرَادَة والكَرَاهَة؛ فيحب هَذَا مَا يحب هَذَا ويُبغض هَذَا مَا يُبغض هَذَا، ويَرضى مَا يرضى، ويسخط مَا يسْخط، ويَكرهُ مَا يكره، ويُوالي مَنْ يوالي، ويُعادي من يعادي.\nوهَذَا الفناء كُله فِيهِ نقص.\nوأكابر الأَوْلِيَاء- كَأبي بكر وعُمَر والسَّابقين الأَولين من المُهَاجِرين والأَنْصَار- لم يقعوا فِي هَذَا الفناء؛ فضلًا عَمَّن هُو فَوْقهم من الأَنْبِيَاء، وإِنَّمَا وقع شَيْء من هَذَا بعد الصَّحَابَة.\nوكَذَلِكَ كل مَا كَانَ من هَذَا النمط مِمَّا فِيهِ غيبَة العقل وعدم التَّمْيِيز لما يَرِدُ على القلب مِنْ أَحْوال الإِيمَان.\nفَإِنَّ الصَّحَابَة ﵃ كَانُوا أكمل وأقوى وأثبت فِي الأَحْوال الإيمانية من أَنْ تغيب عُقُولهمْ، أَوْ يحصل لَهُمْ غَشي أَوْ صَعْق أَوْ سُكر أَوْ فنَاء أَوْ وَلَه أَوْ جُنُون.\nوإِنَّمَا كَانَ مبادئ هَذِه الأُمُور فِي التَّابِعين من عُبَّاد البَصْرَة؛ فَإِنَّهُ كَانَ فيهم مَنْ يُغشى عَلَيْهِ إِذا سَمِع القُرْآن، ومِنْهُم مَنْ يَمُوت؛ كَأبي جهير الضَّرِير، وزُرارة بن أوفى قَاضِي البَصْرَة.\nوكَذَلِكَ صَار فِي شُيُوخ الصُّوفِيَّة مَنْ يَعرض لَهُ من الفناء والسُّكر مَا يضعف مَعَه تَمْيِيزه، حَتَّى يَقُول فِي تِلكَ الحَال من الأَقْوال مَا إِذا صَحا عرف أَنه غالطٌ فِيهِ، كَمَا يحْكى نَحْو ذَلِك عَنْ مثل أبي يزِيد وأبي الحُسَيْن النوري وأبي بكر الشبلي وأمثالهم، بِخِلَاف أبي سُلَيْمَان الدَّارَانِي، ومعروف الكَرْخِي، والفضيل بن عِيَاض، بل وبِخِلَاف الجُنَيْد وأَمْثَاله، مِمَّنْ كَانَتْ عُقُولهمْ وتمييزهم يَصحبهم فِي أَحْوالهم، فَلَا يَقعون فِي مثل هَذَا الفناء والسُّكر ونَحْوه، بل الكُمَّل تكون قُلُوبهم لَيْسَ فِيهَا سوى محبَّة الله وإرادته وعبادته، وعِنْدهم من سَعَة العلم والتمييز مَا يشْهدُونَ [بِهِ] الأُمُور على مَا هِيَ عَلَيْهِ، بل","vol":"2","page":1295},{"text":"يَشْهدُونَ المَخْلُوقَات قَائِمَة بِأَمْر الله مُدبَّرَة بمشيئته، بل مُستجيبة لَهُ قانتة لَهُ؛ فَيكون لَهُمْ فِيهَا تَبصرة وذكرى، ويكون مَا يَشهدونه مِنْ ذَلِك مؤيدًا ومُمِدًّا لما فِي قُلُوبهم من إخلاص الدِّين، وتَجْرِيد التَّوْحِيد لَهُ والعِبَادَة لَهُ وحده لَا شريك لَهُ.\nوهَذِه هِيَ الحَقِيقَة الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا القُرْآن، وقَامَ بهَا أهلُ تَحْقِيق الإِيمَان والكُمَّل من أهل العرْفَان، ونَبِينَا -ﷺ- إِمَام هَؤُلَاءِ وأكملهم، ولِهَذَا لما عُرج بِهِ إِلَى السَّمَاوات وعاين مَا هُنَالكَ من الآيَات، وأُوحي إِلَيْهِ مَا أُوحِي من أَنْواع المُنَاجَاة- أصبح فيهم وهُو لم يَتَغَيَّر حَاله، ولَا ظهر عَلَيْهِ ذَلِك، بِخِلَاف مَا كَانَ يظْهر على مُوسَى من التَّغَشِّي صلَّى الله عَلَيْهِم وسَلَّم أَجْمَعِينَ.\nوأمَّا النَّوْع الثَّالِث: مِمَّا قد يُسَمَّى فنَاء، فَهُو أَنْ يَشْهد أَنْ لَا مَوْجُود إِلَّا الله، وأَن وجود الخَالِق هُو وجود المَخْلُوق، فَلَا فرق بَين الربِّ والعَبْد، فَهَذَا فنَاء أهل الضلال والإلحاد الواقعين فِي الحُلُول والاتحاد، وهَذَا يبرأ مِنْهُ المَشَايِخ، إِذْ قَالَ أحدهم: مَا أرى غيرَ الله، أَوْ لَا أنظر إِلَى غير الله، ونَحْو ذَلِك؛ فمرادهم بذلك مَا أرى رَبًّا غَيره، ولَا خَالِقًا ولَا مُدبرًا غَيره، ولَا إِلَهًا لي غَيره، ولَا أنظر إِلَى غَيره محبَّة لَهُ، أَوْ خوفًا مِنْهُ، أَوْ رَجَاء لَهُ؛ فَإِنْ العين تَنظر إِلَى مَا يتَعَلَّق بِهِ القلب؛ فَمن أحبَّ شَيْئًا أَوْ رجاه أَوْ خافه التفت إِلَيْهِ، وإِذا لم يكن فِي القلب مَحبَّة لَهُ ولَا رَجَاء لَهُ ولَا خوف مِنْهُ ولَا بغض لَهُ ولَا غير ذَلِك مِنْ تعلق القلب لَهُ- لم يقْصد القلب أَنْ يلتَفت إِلَيْهِ، ولَا أَنْ ينظر إِلَيْهِ، ولَا أَنْ يرَاهُ، وإِن رَآهُ اتِّفَاقًا رُؤْيَة مُجَرَّدَة- كَانَ كمن لَو رأى حَائِطًا ونَحْوه مِمَّا لَيْسَ فِي قلبه تعلُّق بِهِ.\nوالمشايخ الصَّالحون ﵃ يذكرُونَ شَيْئا من تَجْرِيد التَّوْحِيد وتَحْقِيق إخلاص الدَّين كُله؛ بِحَيْثُ لَا يكون العَبْدُ مُلتفتًا إِلَى غير الله، ولَا نَاظرًا إِلَى مَا سواهُ؛ لَا حبًّا لَهُ، ولَا خوفًا مِنْهُ، ولَا رَجَاء لَهُ، بل يكون القلب فَارغًا من المَخْلُوقَات، خَالِيا مِنْهَا لَا ينظر","vol":"2","page":1296},{"text":"إِلَيْهَا إِلَّا بِنور الله، فَبِالحقِّ يَسمع، وبالحق يبصرُ، وبالحق يبطش، وبالحق يَمشي؛ فيحب مِنْهَا مَا يُحِبهُ الله، ويُبغض مِنْهَا مَا يبغضه الله، ويوالي مِنْهَا مَا والَاهُ الله، ويُعادي مِنْهَا مَا عَادَاهُ الله، ويخَاف الله فِيهَا، ولَا يخافها فِي الله، ويرجو الله فِيهَا، ولَا يرجوها فِي الله، فَهَذَا هُو القلب السَّلِيم الحنيف المُوَحِّد المُسلم المُؤمن المُحَقق العَارِف بِمَعْرِفَة الأَنْبِيَاء والمُرْسلِينَ وبحقيقهم وتوحيدهم.\nفَهَذَا النَّوْع الثَّالِث- الَّذِي هُو الفناء فِي الوُجُود- هُو تَحْقِيق آل فِرْعَوْن ومَعرفتهم وتوحيدهم؛ كالقَرَامطة (^١) وأمثالهم.\nوأما النَّوْع الَّذِي عَلَيْهِ أَتْبَاع الأَنْبِيَاء فَهُو الفناء المَحْمُود؛ الَّذِي يكون صَاحبه بِهِ مِمَّنْ أثنى الله عَلَيْهِم من أوليائه المُتَّقِينَ، وحِزبه المُفلحين وجنده الغالبين.\nولَيْسَ مُرَاد المَشَايِخ والصَّالِحِينَ بِهَذَا القَوْل: أَنْ الَّذِي أرَاهُ بعيني من المَخْلُوقَات هُو رب الأَرْض والسَّمَاوات، فَإِنْ هَذَا لَا يَقُوله إِلَّا مَنْ هُو فِي غَايَة الضلال والفساد؛ إِمَّا فَسَاد العقل، وإِمَّا فَسَاد الِاعْتِقَاد؛ فَهُو مُتَرَدِّدٌ بَين الجُنُون والإلحاد\" (^٢).\n_________\n(^١) القرامطة: حركة باطنية، تَنتسب إلى شخص اسمه حمدان بن الأشعث، ويُلَقَّب بقرمط؛ لقصر قامته وساقيه، وهو من خوزستان في الأهواز، ثم رحل إلى الكوفة. وقد اعتمدت هذه الحركة التنظيم السري العسكري، وكان ظاهرها التشيع لآل البيت والانتساب إلى محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وحقيقتها: الإلحاد والإباحية وهدم الأخلاق والقضاء على الدولة الإسلامية.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٦/ ١١٩.","vol":"2","page":1297},{"text":"<span data-type='title' id=toc-405>مخالفة الجبرية للعقل والقياس</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وأما مخالفتهم لضرورة العقل والقياس، فإن الواحد من هؤلاء لا يمكنه أن يطرد قوله، فإنه إذا كان مشاهدًا للقدر من غير تمييز بين المأمور والمحظور، فعومل بموجب ذلك مثل أن يُضرب ويجاع حتى يبتلى بعظيم الأوصاب والأوجاع- فإن لام من فعل ذلك به وعابه فقد نقض قوله، وخرج عن أصل مذهبه، وقيل له: هذا الذي فعله مقضي مقدور، فخلق الله وقدره ومشيئته متناول لك وله وهو يعمّكما، فإن كان القدر حجة لك فهو حجة لهذا، وإلا فليس بحجة لا لك ولا له. فقد تبين بضرورة العقل فساد قول من ينظر إلى القدر، ويعرض عن الأمر والنهي\".\nالشرح\nقال ابن تيمية: \"فَإِنَّ الْقَدَرَ إنْ كَانَ حُجَّةً فَهُوَ حُجَّةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ وَإِلَّا فَلَيْسَ حُجَّةً لِأَحَدِ. فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ الرَّجُلَ ظَلَمَهُ ظَالِمٌ أَوْ شَتَمَهُ شَاتِمٌ أَوْ أَخَذَ مَالَهُ أَوْ أَفْسَدَ أَهْلَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ فَمَتَى لَامَهُ أَوْ ذَمَّهُ أَوْ طَلَبَ عُقُوبَتَهُ أَبْطَلَ الِاحْتِجَاجَ بِالْقَدَرِ.\nوَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْعَارِفَ إذَا شَهِدَ الْقَدَرَ سَقَطَ عَنْهُ الْأَمْرُ كَانَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ الْكُفْرِ الَّذِي لَا يَرْضَاهُ لَا الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى بَلْ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ فِي الْعَقْلِ مُحَالٌ فِي الشَّرْعِ؛ فَإِنَّ الْجَائِعَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْخُبْزِ وَالتُّرَابِ وَالْعَطْشَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالسَّرَابِ فَيُحِبُّ مَا يُشْبِعُهُ وَيُرْوِيهِ؛ دُونَ مَا لَا يَنْفَعُهُ وَالْجَمِيعُ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ تَعَالَى فَالْحَيُّ - وَإِنْ كَانَ مَنْ كَانَ - لَا بُدَّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ مَا يَنْفَعُهُ وَيُنَعِّمُهُ وَيَسُرُّهُ وَبَيْنَ مَا يَضُرُّهُ وَيُشْقِيهِ وَيُؤْلِمُهُ. وَهَذَا حَقِيقَةُ الْأَمْرِ","vol":"2","page":1298},{"text":"وَالنَّهْيِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْعِبَادَ بِمَا يَنْفَعُهُمْ وَنَهَاهُمْ عَمَّا يَضُرُّهُمْ. \" (^١)\nقال ابن القيم: \"فإن العبد ينال ما قدر له بالسبب الذي أقدر عليه ومكن منه وهيئ له فإذا أتى بالسبب أوصله إلى القدر الذي سبق له في أم الكتاب وكلما زاد اجتهادا في تحصيل السبب كان حصول المقدور أدنى إليه.\nوهذا كما إذا قدر له أن يكون من أعلم أهل زمانه فإنه لا ينال ذلك إلا بالاجتهاد والحرص على التعلم وأسبابه.\nوإذا قدر له أن يرزق الولد لم ينل ذلك إلا بالنكاح أو التسري والوطء.\nوإذا قدر له أن يستغل من أرضه من المغل كذا وكذا لم ينله إلا بالبذر وفعل أسباب الزرع.\nوإذا قدر الشبع والري فذلك موقوف على الأسباب المحصلة لذلك من الأكل والشرب واللبس.\nوهذا شأن أمور المعاش والمعاد فمن عطل العمل اتكالا على القدر السابق فهو بمنزلة من عطل الأكل والشرب والحركة في المعاش وسائر أسبابه اتكالا على ما قدر له.\nوقد فطر الله سبحانه عباده على الحرص على الأسباب التي بها مرام معاشهم ومصالحهم الدنيوية بل فطر الله على ذلك سائر الحيوانات، فهكذا الأسباب التي بها مصالحهم الأخروية في معادهم فإنه سبحانه رب الدنيا والآخرة وهو الحكيم بما نصه من الأسباب في المعاش والمعاد وقد يسر كلا من خلقه لما خلقه له في الدنيا والآخرة فهو مهيأ له ميسر له.\nفإذا علم العبد أن مصالح آخرته مرتبطة بالأسباب الموصلة إليها كان أشد\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ١٠٦.","vol":"2","page":1299},{"text":"اجتهادا في فعلها من القيام بها منه في أسباب معاشه ومصالح دنياه وقد فقه هذا كل الفقه من قال: «ما كنت أشد اجتهادا مني الآن»، فإن العبد إذا علم أن سلوك هذا الطريق يقضي به إلى رياض مونقة وبساتين معجبة ومساكن طيبة ولذة ونعيم لا يشوبه نكد ولا تعب كان حرصه على سلوكها واجتهاده في السير فيها بحسب علمه بما يفضي إليه.\nولهذا قال أبو عثمان النهدي لسلمان لأنا بأول هذا الأمر أشد فرحا مني بآخره وذلك لأنه إذا كان قد سبق له من الله سابقة وهيأه ويسره للوصول إليها كان فرحه بالسابقة التي سبقت له من الله أعظم من فرحه بالأسباب التي تأتي بها فإنها سبقت له من الله قبل الوسيلة منه وعلمها الله وشاءها وكتبها وقدرها وهيأ له أسبابها لتوصله إليها.\nفالأمر كله من فضله وجوده السابق فسبق له من الله سابقة السعادة ووسيلتها وغايتها فالمؤمن أشد فرحا بذلك من كون أمره مجعولا إليه كما قال بعض السلف: \"والله ما أحب أن يجعل أمري إلي إنه إذا كان بيد الله خيرا من أن يكون بيدي\" فالقدر السابق معين على الأعمال وما يحث عليها ومقتض لها لا أنه مناف لها وصاد عنها وهذا موضع مزلة قدم من ثبتت قدمه فاز بالنعيم المقيم ومن زلت قدمه عنه هوى إلى قرار الجحيم\" (^١)\nقال ابن القيم: \"وَأَمَّا إذَا ظَلَمَ رَجُلٌ رَجُلًا فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مَظْلِمَتَهُ عَلَى وَجْهِ الْعَدْلِ وَإِنْ عَفَا عَنْهُ كَانَ أَفْضَلَ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ \" (^٢).\n_________\n(^١) شفاء العليل ١/ ٢٥.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٨/ ١٠٨ - ١١٥.","vol":"2","page":1300},{"text":"<span data-type='title' id=toc-406>المؤمن مأمور أن يفعل المأمور ويترك المحذور</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"والمؤمن مأمور بأن يفعل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر على المقدور، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران الآية: ١٢٠]، وقال تعالى في قصة يوسف: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف الآية: ٩٠]، فالتقوى فعل ما أمر الله به، وترك ما نهى الله عنه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ﴾ [غافر الآية: ٥٥]، فأمره مع الاستغفار بالصبر، فإن العباد لا بدّ لهم من الاستغفار أولهم وآخرهم، قال النبي -ﷺ- في الحديث الصحيح: «يا أيها الناس توبوا إلى ربكم، فوالذي نفسي بيده إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة»، وقال: «إنه ليُغَانُ على قلبي، وإني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة»، وكان يقول: «اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي خطئي وعمدي، وهزلي وجدّي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت».\nوقد ذكر عن آدم أبي البشر أنه استغفر ربَّه وتاب إليه، فاجتباه ربُّه فتاب عليه","vol":"2","page":1301},{"text":"وهداه، وعن إبليس أبي الجن أنه أصرَّ متعلقًا بالقَدَر؛ فلَعَنَه وأقصاه، فمن أذنب وتاب وندم فقد أشبه أباه، ومن أشبه أباه فما ظلم؛ قال تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا • لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب الآيات: ٧٢ - ٧٣] ..\nولهذا قرن ﷾ بين التوحيد والاستغفار في غير آية، كما قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد الآية: ١٩]، وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت الآية: ٦]، وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ • أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ • وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [هود الآيات: ١ - ٢ - ٣].\nوفي الحديث الذي رواه ابن أبي عاصم وغيره: «يقول الشيطان: أهلكت الناس بالذنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار، فلما رأيت ذلك بثثت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يتوبون، لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا».\nوقد ذكر الله ﷾ عن ذي النون أنه نادى في الظلمات: ﴿أَنْ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء الآية: ٨٧]، قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنبياء الآية: ٨٨]، قال النبي -ﷺ-: «دعوة أخي ذي النون ما دعا بها مكروب إلا فرَّج الله بها كربه».\nالشرح\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وَلَا بُد للْإنْسَان من شَيْئَيْنِ:\n• طَاعَته بِفعل الْمَأْمُور وَترك الْمَحْظُور.\n• وَصَبره على مَا يُصِيبهُ من الْقَضَاء الْمَقْدُور.\nفَالْأول: هُوَ التَّقْوَى.","vol":"2","page":1302},{"text":"وَالثَّانِي هُوَ الصَّبْر.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم لَا يألونكم خبالا﴾ [آل عمران الآية: ١١٩]، إِلَى قَوْله: ﴿وَإِنْ تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا إِنْ الله بِمَا يعْملُونَ مُحِيط﴾ [آل عمران الآية: ١٢٠]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿بلَى إِنْ تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هَذَا يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف من الْمَلَائِكَة مسومين﴾ [آل عمران الآية: ١٢٥].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿لتبلون فِي أَمْوَالكُم وَأَنْفُسكُمْ ولتسمعن من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من قبلكُمْ وَمن الَّذين أشركوا أَذَى كثيرا وَإِنْ تصبروا وتتقوا فَإِنْ ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾ [آل عمران الآية: ١٨٦]، وَقد قَالَ يُوسُف: ﴿أَنا يُوسُف وَهَذَا أخي قد من الله علينا إِنَّه من يتق ويصبر فَإِنْ الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف الآية: ٩٠].\nوَلِهَذَا كَانَ الشَّيْخ عبد الْقَادِر الجيلاني وَنَحْوه من المشائخ المستقيمين يوصون فِي عَامَّة كَلَامهم بِهَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ المسارعة إِلَى فعل الْمَأْمُور والتقاعد عَنْ فعل الْمَحْظُور وَالصَّبْر وَالرِّضَا بِالْأَمر الْمَقْدُور.\nوَذَلِكَ أَنْ هَذَا الْموضع غلط فِيهِ كثير من الْعَامَّة بل وَمن السالكين:\nفَمنهمْ من يشْهد الْقدر فَقَط وَيشْهد الْحَقِيقَة الكونية دون الدِّينِيَّة فَيرى أَنْ الله خَالق كل شَيْء وربه وَلَا يفرق بَين مَا يُحِبهُ الله ويرضاه وَبَين مَا يسخطه ويبغضه وَإِنْ قدره وقضاه وَلَا يُمَيّز بَين تَوْحِيد الألوهية وَبَين تَوْحِيد الربوبية فَيشْهد الْجمع الَّذِي يشْتَرك فِيهِ جَمِيع الْمَخْلُوقَات سعيدها وشقيها مشْهد الْجمع الَّذِي يشْتَرك فِيهِ الْمُؤمن وَالْكَافِر وَالْبر والفاجر وَالنَّبِيّ الصَّادِق والمتنباء الْكَاذِب وَأهل الْجنَّة وَأهل النَّار وأولياء الله وأعداؤه وَالْمَلَائِكَة المقربون والمردة الشَّيَاطِين\nفَإِنْ هَؤُلَاءِ كلهم يشتركون فِي هَذَا الْجمع وَهَذِه الْحَقِيقَة الكونية وَهُوَ أَنْ الله رَبهم وخالقهم ومليكهم لَا رب لَهُمْ غَيره.\nوَلَا يشْهد الْفرق الَّذِي فرق الله بِهِ بَين أوليائه وأعدائه وَبَين الْمُؤمنِينَ والكافرين والأبرار والفجار وَأهل الْجنَّة وَالنَّار وَهُوَ تَوْحِيد الألوهية وَهُوَ عِبَادَته وَحده لَا شريك لَهُ وطاعته رَسُوله وَفعل مَا يُحِبهُ ويرضاه وَهُوَ مَا أَمر بِهِ وَرَسُوله أَمر إِيجَاب أَوْ أَمر اسْتِحْبَاب وَترك مَا نهى الله عَنهُ وَرَسُوله","vol":"2","page":1303},{"text":"وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنكر وَجِهَاد الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ بِالْقَلْبِ وَالْيَد وَاللِّسَان فَمن لم يشْهد هَذِه الْحَقِيقَة الدِّينِيَّة الفارقة بَين هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاء وَيكون مَعَ أهل الْحَقِيقَة الدِّينِيَّة وَإِلَّا فَهُوَ من جنس الْمُشْركين وَهُوَ شَرّ من الْيَهُود وَالنَّصَارَى.\nفَإِنْ الْمُشْركين يقرونَ بِالْحَقِيقَةِ الكونية إِذْ هم يقرونَ بِأَنْ الله رب كل شَيْء كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلتهمْ من خلق السَّمَاوَات وَالْأَرْض وسخر الشَّمْس وَالْقَمَر ليَقُولن الله﴾ [العنكبوت الآية: ٦١].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿قل لمن الأَرْض وَمن فِيهَا إِنْ كُنْتُم تعلمُونَ سيقولون لله قل أَفلا تذكرُونَ قل من رب السَّمَاوَات السَّبع وَرب الْعَرْش الْعَظِيم سيقولون لله قل أَفلا تَتَّقُون قل من بِيَدِهِ ملكوت كل شَيْء وَهُوَ يجير وَلَا يجار عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُم تعلمُونَ سيقولون لله قل فَأنى تسحرون﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩] ..\nوَلِهَذَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمَا يُؤمن أَكْثَرهم بِاللَّه إِلَّا وهم مشركون﴾ [يوسف الآية: ١٠٦]\nقَالَ بعض السّلف: تَسْأَلهُمْ من خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فَيَقُولُونَ الله وهم مَعَ هَذَا يعْبدُونَ غَيره\nفَمن أقرّ بِالْقضَاءِ وَالْقدر دون الْأَمر وَالنَّهْي الشرعيين فَهُوَ أكفر من الْيَهُود وَالنَّصَارَى فَإِنْ أُولَئِكَ يقرونَ بِالْمَلَائِكَةِ وَالرسل الَّذين جاؤوا بِالْأَمر وَالنَّهْي الشرعيين لَكِن آمنُوا بِبَعْض وَكَفرُوا بِبَعْض كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنْ الَّذين يكفرون بِاللَّه وَرُسُله ويريدون أَنْ يفرقُوا بَين الله وَرُسُله وَيَقُولُونَ نؤمن بِبَعْض ونكفر بِبَعْض ويريدون أَنْ يتخذوا بَين ذَلِك سَبِيلا أُولَئِكَ هم الْكَافِرُونَ حَقًا﴾ [النساء الآيتان: (١٥٠، ١٥١)].\nوَأما الَّذِي يشْهد الْحَقِيقَة الكونية وتوحيد الربوبية الشَّامِل للخليقة ويقر أَنْ الْعباد كلهم تَحت الْقَضَاء وَالْقدر ويسلك هَذِه الْحَقِيقَة فَلَا يفرق بَين الْمُؤمنِينَ والمتقين الَّذين أطاعوا أَمر الله الَّذِي بعث بِهِ رسله وَبَين من عصى الله وَرَسُوله من الْكفَّار والفجار فَهَؤُلَاءِ أكفر من الْيَهُود وَالنَّصَارَى.\nلَكِن من النَّاس من قد لمحوا الْفرق فِي بعض الْأُمُور دون بعض بِحَيْثُ يفرق بَين الْمُؤمن وَالْكَافِر وَلَا يفرق بَين الْبر والفاجر","vol":"2","page":1304},{"text":"أَوْ يفرق بَين بعض الْأَبْرَار وَبَين بعض الْفجار وَلَا يفرق بَين آخَرين اتبَاعا لظَنّه وَمَا يهواه فَيكون نَاقص الْإِيمَان بِحَسب مَا سوى بَين الْأَبْرَار والفجار وَيكون مَعَه من الْإِيمَان بدين الله تَعَالَى الْفَارِق بِحَسب مَا فرق بَين أوليائه وأعدائه\nوَمن أقرّ بِالْأَمر وَالنَّهْي الدينيين دون الْقَضَاء وَالْقدر كَانَ من الْقَدَرِيَّة كالمعتزلة وَغَيرهم الَّذين هم مجوس هَذِه الْأمة فَهَؤُلَاءِ يشبهون الْمَجُوس وَأُولَئِكَ يشبهون الْمُشْركين الَّذين هم شَرّ من الْمَجُوس\nوَمن أقرّ بهما وَجعل الرب متناقضا فَهُوَ من أَتبَاع إِبْلِيس الَّذِي اعْترض على الرب سُبْحَانَهُ وخاصمه كَمَا نقل ذَلِك عَنهُ.\nفَهَذَا التَّقْسِيم فِي القَوْل والاعتقاد\nوَكَذَلِكَ هم فِي الْأَحْوَال وَالْأَفْعَال فَالصَّوَاب مِنْهَا حَالَة الْمُؤمن الَّذِي يَتَّقِي الله فيفعل الْمَأْمُور وَيتْرك الْمَحْظُور ويصبر على مَا يُصِيبهُ من الْمَقْدُور فَهُوَ عِنْد الْأَمر وَالنَّهْي وَالدّين والشريعة ويستعين بِاللَّه على ذَلِك كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إياك نعْبد وَإِيَّاك نستعين﴾ [الفاتحة الآية: ٥].\nوَإِذا أذْنب اسْتغْفر وَتَابَ لَا يحْتَج بِالْقدرِ على مَا يَفْعَله من السَّيِّئَات وَلَا يرى للمخلوق حجَّة على رب الكائنات بل يُؤمن بِالْقدرِ وَلَا يحْتَج بِهِ كَمَا فِي الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي فِيهِ سيد الاسْتِغْفَار أَنْ يَقُول العَبْد «اللَّهُمَّ أَنْت رَبِّي لَا إِلَه إِلَّا أَنْت خلقتني وَأَنا عَبدك وَأَنا على عَهْدك وَوَعدك مَا اسْتَطَعْت أعوذ بك من شَرّ مَا صنعت أَبُوء لَك بنعمتك عَليّ وأبوء بذنبي فَاغْفِر لي فَإِنَّهُ لَا يغْفر الذُّنُوب إِلَّا أَنْت» فَيقر بِنِعْمَة الله عَلَيْهِ فِي الْحَسَنَات وَيعلم أَنه هُوَ هداه ويسره لليسرى ويقر بذنوبه من السَّيِّئَات وَيَتُوب مِنْهَا كَمَا قَالَ بَعضهم: أطعتك بِفَضْلِك والْمنَّة لَك وعصيتك بعلمك وَالْحجّة لَك فأسألك بِوُجُوب حجتك عَليّ وَانْقِطَاع حجتي إِلَّا غفرت لي.\nوَفِي الحَدِيث الصَّحِيح الإلهي «يَا عبَادي إِنَّمَا هِيَ أَعمالكُم أحصيها لكم","vol":"2","page":1305},{"text":"ثمَّ أوفيكم إِيَّاهَا فَمن وجد خيرا فليحمد الله وَمن وجد غير ذَلِك فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه».\nوَهَذَا لَهُ تَحْقِيق مَبْسُوط فِي غير هَذَا الْموضع\nوَآخَرُونَ قد يشْهدُونَ الْأَمر فَقَط فتجدهم يجتهدون فِي الطَّاعَة حسب الِاسْتِطَاعَة لَكِن لَيْسَ عِنْدهم من مُشَاهدَة الْقدر مَا يُوجب لَهُمْ حَقِيقَة الِاسْتِعَانَة والتوكل وَالصَّبْر.\nوَآخَرُونَ يشْهدُونَ الْقدر فَقَط فَيكون عِنْدهم من الِاسْتِعَانَة والتوكل وَالصَّبْر مَا لَيْسَ عِنْد أُولَئِكَ لكِنهمْ لَا يلتزمون أَمر الله وَرَسُوله وَاتِّبَاع شَرِيعَته وملازمة مَا جَاءَ بِهِ الْكتاب وَالسّنة من الدّين فَهَؤُلَاءِ يستعينون الله وَلَا يعبدونه وَالَّذين من قبلهم يُرِيدُونَ أَنْ يعبدوه وَلَا يستعينوه وَالْمُؤمن يعبده ويستعينه.\nوَالْقسم الرَّابِع شَرّ الْأَقْسَام وَهُوَ من لَا يعبده وَلَا يستعينه فَلَا هُوَ مَعَ الشَّرِيعَة الأمرية وَلَا من الْقدر الكوني وانقسامهم إِلَى هَذِه الْأَقْسَام هُوَ فِيمَا يكون قبل وُقُوع الْمَقْدُور من توكل واستعانة وَنَحْو ذَلِك وَمَا يكون بعده من صَبر ورضا وَنَحْو ذَلِك فهم فِي التَّقْوَى وَهِي طَاعَة الْأَمر الديني وَالصَّبْر على مَا يقدر عَلَيْهِ من الْقدر الكوني أَرْبَعَة أَقسَام:\nأَحدهَا: أهل التَّقْوَى وَالصَّبْر وهم الَّذين أنعم الله عَلَيْهِم من أهل السَّعَادَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.\nوَالثَّانِي: الَّذين لَهُمْ نوع من التَّقْوَى بِلَا صَبر مثل الَّذين يمتثلون مَا عَلَيْهِم من الصَّلَاة وَنَحْوهَا ويتركون الْمُحرمَات لَكِن إِذا أُصِيب أحدهم فِي بدنه بِمَرَض وَنَحْوه","vol":"2","page":1306},{"text":"أَوْ فِي مَاله أَوْ فِي عرض أَوْ ابْتُلِيَ بعدو يخيفه عظم جزعه وَظهر هلعه.\nوَالثَّالِث: قوم لَهُ نوع من الصَّبْر بِلَا تقوى مثل الْفجار الَّذين يصبرون على مَا يصيبهم فِي مثل أهوائهم كاللصوص والقطاع الَّذين يصبرون على الآلام فِي مثل مَا يطلبونه من الْغَصْب وَأخذ الْحَرَام؛ وَالْكتاب وَأهل الدِّيوَان الَّذين يصبرون على ذَلِك فِي طلب مَا يحصل لَهُمْ من الْأَمْوَال بالخيانة وَغَيرهَا؛ وَكَذَلِكَ طلاب الرِّئَاسَة والعلو على غَيرهم يصبرون من ذَلِك على أَنْوَاع من الْأَذَى الَّتِي لَا يصبر عَلَيْهَا أَكثر النَّاس؛ وَكَذَلِكَ أهل الْمحبَّة للصور الْمُحرمَة من أهل الْعِشْق وَغَيرهم يصبرون فِي مثل مَا يهوونه من الْمُحرمَات على أَنْوَاع من الْأَذَى والآلام وَهَؤُلَاء هم الَّذين يُرِيدُونَ علوا فِي الأَرْض أَوْ فَسَادًا من طلاب الرِّئَاسَة والعلو على الْخلق وَمن طلاب الْأَمْوَال بالبغي والعدوان والاستمتاع بالصور الْمُحرمَة نظرا أَوْ مُبَاشرَة وَغير ذَلِك يصبرون على على أَنْوَاع من المكروهات وَلَكِن لَيْسَ لَهُمْ تقوى فِيمَا تَرَكُوهُ من الْمَأْمُور وفعلوه من الْمَحْظُور وَكَذَلِكَ قد يصبر الرجل على مَا يُصِيبهُ من المصائب كالمرض والفقر وَغير ذَلِك وَلَا يكون فِيهِ تقوى إِذا قدر.\nوَأما الْقسم الرَّابِع: فَهُوَ شَرّ الْأَقْسَام لَا يَتَّقُونَ إِذا قدرُوا وَلَا يصبرون إِذا ابتلوا بل هم كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِنْ الْإِنْسَان خلق هلوعا إِذا مَسّه الشَّرّ جزوعا وَإِذا مَسّه الْخَيْر منوعا﴾ [المعارج الآيات: ١٩ - ٢٠ - ٢١]، فَهَؤُلَاءِ تجدهم من أظلم النَّاس وأجبرهم إِذا قدرُوا وَمن أذلّ النَّاس وأجزعهم إِذا قهروا إِنْ قهرتهم ذلوا لَك ونافقوك وحابوك واسترحموك ودخلوا فِيمَا يدْفَعُونَ بِهِ عَنْ أنفسهم من أَنْوَاع الْكَذِب والذل وتعظيم المسؤول وَإِنْ قهروك كَانُوا من أظلم النَّاس وأقساهم قلبا وَأَقلهمْ رَحْمَة وإحسانا وعفوا كَمَا قد جربه الْمُسلمُونَ فِي كل من كَانَ عَنْ حقائق الْإِيمَان أبعد مثل التتار الَّذين قَاتلهم الْمُسلمُونَ وَمن يشبههم فِي","vol":"2","page":1307},{"text":"كثير من أُمُورهم وَإِنْ كَانَ متظاهرا بلباس جند الْمُسلمين وعلمائهم وزهادهم وتجارهم وصناعهم فالاعتبار بالحقائق فَإِنْ الله لَا ينظر إِلَى صوركُمْ وَلَا إِلَى أَمْوَالكُم وَإِنَّمَا ينظر إِلَى قُلُوبكُمْ وَأَعْمَالكُمْ فَمن كَانَ قلبه وَعَمله من جنس قُلُوب التتار وأعمالهم كَانَ شَبِيها لَهُمْ من هَذَا الْوَجْه وَكَانَ مَا مَعَه من الْإِسْلَام أَوْ مَا يظهره مِنْهُ بِمَنْزِلَة مَا مَعَهم من الْإِسْلَام وَمَا يظهرونه مِنْهُ بل يُوجد فِي غير التتار المقاتلين من المظهرين لِلْإِسْلَامِ من هُوَ أعظم ردة وَأولى بالأخلاق الْجَاهِلِيَّة وَأبْعد عَنْ الْأَخْلَاق الإسلامية من التتار.\nوَفِي الصَّحِيح عَنْ النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَقُول فِي خطبَته: «خير الْكَلَام كَلَام الله وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد وَشر الْأُمُور محدثاتها وكل بِدعَة ضَلَالَة وَإِذا كَانَ خير الْكَلَام كَلَام الله وَخير الْهَدْي هدي مُحَمَّد» فَكل من كَانَ إِلَى ذَلِك أقرب وَهُوَ بِهِ أشبه كَانَ إِلَى الْكَمَال أقرب وَهُوَ بِهِ أَحَق وَمن كَانَ عَنْ ذَلِك أبعد وَشبهه بِهِ أَضْعَف كَانَ عَنْ الْكَمَال أبعد وبالباطل أَحَق والكامل هُوَ من كَانَ لله أطوع وعَلى مَا يُصِيبهُ أَصْبِر فَكلما كَانَ أتبع لما يَأْمر الله بِهِ وَرَسُوله وَأعظم مُوَافقَة لله فِيمَا يُحِبهُ ويرضاه وصبرا على مَا قدره وقضاه كَانَ أكمل وَأفضل وكل من نقص عَنْ هذَيْن كَانَ فِيهِ من النَّقْص بِحَسب ذَلِك\nوَقد ذكر الله تَعَالَى الصَّبْر وَالتَّقوى جَمِيعًا فِي غير مَوضِع من كِتَابه وَبَين أَنه ينتصر العَبْد على عدوه من الْكفَّار الْمُحَاربين المعاندين وَالْمُنَافِقِينَ وعَلى من ظلمه من الْمُسلمين ولصاحبه تكون الْعَاقِبَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿بلَى إِنْ تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هَذَا يمددكم ربكُم بِخَمْسَة آلَاف من الْمَلَائِكَة مسومين﴾ [آل عمران الآية: ١٢٥]. وَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿لتبلون فِي أَمْوَالكُم وَأَنْفُسكُمْ ولتسمعن من الَّذين أُوتُوا الْكتاب من","vol":"2","page":1308},{"text":"قبلكُمْ وَمن الَّذين أشركوا أَذَى كثيرا وَإِنْ تصبروا وتتقوا فَإِنْ ذَلِك من عزم الْأُمُور﴾ آل عمران الآية: ١٨٦]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تَتَّخِذُوا بطانة من دونكم لَا يألونكم خبالا ودوا مَا عنتم قد بَدَت الْبغضَاء من أَفْوَاههم وَمَا تخفي صُدُورهمْ أكبر قد بَينا لكم الْآيَات إِنْ كُنْتُم تعقلون هَا أَنْتُم أولاء تحبونهم وَلَا يحبونكم وتؤمنون بِالْكتاب كُله وَإِذا لقوكم قَالُوا آمنا وَإِذا خلوا عضوا عَلَيْكُم الأنامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم إِنْ الله عليم بِذَات الصُّدُور إِنْ تمسسكم حَسَنَة تسؤهم وَإِنْ تصبكم سَيِّئَة يفرحوا بهَا وَإِنْ تصبروا وتتقوا لَا يضركم كيدهم شَيْئا إِنْ الله بِمَا يعْملُونَ مُحِيط﴾ آل عمران الآيات: ١١٩ - ١٢٠]،.\nوَقَالَ إخْوَة يُوسُف لَهُ ﴿أئنك لأَنْت يُوسُف قَالَ أَنا يُوسُف وَهَذَا أخي قد من الله علينا إِنَّه من يتق ويصبر فَإِنْ الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف الآية: ٩٠ [\nوَقد قرن الصَّبْر بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَة عُمُوما وخصوصا فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاتبع مَا يُوحى إِلَيْك واصبر حَتَّى يحكم الله وَهُوَ خير الْحَاكِمين﴾ [يونس الآية: ١٠٩]، وَفِي اتِّبَاع مَا أُوحِي إِلَيْهِ التَّقْوَى كلهَا تَصْدِيقًا لخَبر الله وَطَاعَة لأَمره.\nوَقَالَ تَعَالَى ﴿وأقم الصَّلَاة طرفِي النَّهَار وَزلفًا من اللَّيْل إِنْ الْحَسَنَات يذْهبن السَّيِّئَات ذَلِك ذكرى لِلذَّاكِرِينَ واصبر فَإِنْ الله لَا يضيع أجر الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود الآية: ١١٤].\nوَقَالَ تَعَالَى ﴿فاصبر إِنْ وعد الله حق واستغفر لذنبك وَسبح بِحَمْد رَبك بالْعَشي وَالْإِبْكَار﴾ [غافر الآية: ٥٥]،.\nوَقَالَ تَعَالَى ﴿فاصبر على مَا يَقُولُونَ وَسبح بِحَمْد رَبك قبل طُلُوع الشَّمْس وَقبل غُرُوبهَا وَمن آنَاء اللَّيْل﴾ [طه الآية: ١٣٠].\nوَقَالَ تَعَالَى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة وَإِنَّهَا لكبيرة إِلَّا على الخاشعين﴾.\nوَقَالَ تَعَالَى ﴿اسْتَعِينُوا بِالصبرِ وَالصَّلَاة إِنْ الله مَعَ الصابرين﴾ [البقرة الآية: ١٥٣]، فَهَذِهِ مَوَاضِع قرن فِيهِ الصَّلَاة وَالصَّبْر.\nوَقرن بَين الرَّحْمَة وَالصَّبْر فِي مثله قَوْله تَعَالَى ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصبرِ وَتَوَاصَوْا بالمرحمة﴾ [البلد الآية: ١٧].\nوَفِي الرَّحْمَة وَالْإِحْسَان إِلَى الْخلق بِالزَّكَاةِ وَغَيرهَا فَإِنْ الْقِسْمَة أَيْضا ربَاعِية:\nإِذْ من النَّاس من يصبر وَلَا يرحم كَأَهل الْقُوَّة وَالْقَسْوَة.\nوَمِنْهُم من يرحم وَلَا يصبر كَأَهل الضعْف واللين مثل كثير من النِّسَاء وَمن يشبههن.\nوَمِنْهُم من لَا يصبر وَلَا يرحم كَأَهل الْقَسْوَة والهلع.\nوالمحمود هُوَ الَّذِي يصبر وَيرْحَم كَمَا قَالَ الْفُقَهَاء فِي الْمُتَوَلِي","vol":"2","page":1309},{"text":"يَنْبَغِي أَنْ يكون قَوِيا من غير عنف لينًا من غير ضعف فبصبره يقوى وبلينه يرحم وبالصبر ينصر العَبْد فَإِنْ النَّصْر مَعَ الصَّبْر وبالرحمة يرحمه الله تَعَالَى كَمَا قَالَ النَّبِي ﷺ إِنَّمَا يرحم الله من عباده الرُّحَمَاء وَقَالَ من لَا يرحم لَا يرحم وَقَالَ لَا تنْزع الرَّحْمَة إِلَّا من شقي وَقَالَ الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء وَالله أعلم انْتهى\" (^١)\n_________\n(^١) دقائق التفسير ٢/ ٢٩٤ - ٣٠١.","vol":"2","page":1310},{"text":"<span data-type='title' id=toc-407>لابد للعبد في الأمر من أصلين وفي القدر من أصلين</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وجماع ذلك: أنه لا بدّ له في الأمر من أصلين، ولا بدّ له في القدر من أصلين، ففي الأمر عليه الاجتهاد في الامتثال علما وعملا، فلا يزال يجتهد في العلم بما أمر الله به، والعمل بذلك، ثم عليه أن يستغفر ويتوب من تفريطه في المأمور، وتعديه الحدود.\nولهذا كان من المشروع أن تختتم جميع الأعمال بالاستغفار، فكان النبي -ﷺ- إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، وقد قال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ﴾ [آل عمران الآية: ١٨٧]، فقاموا الليل ثم ختموا بالاستغفار، وآخر سورة نزلت قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ • وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا • فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر الآيات: ١ - ٢ - ٣]، وفي الحديث الصحيح أنه كان -ﷺ- يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي» يتأول القرآن.\nوأما في القدر فعليه أن يستعين بالله في فعل ما أمر به، ويتوكل عليه، ويدعوه، ويرغب إليه، ويستعيذ به، فيكون مفتقرًا إليه في طلب الخير وترك الشر، وعليه أن يصبر على المقدور، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وإذا آذاه الناس علم أن ذلك مقدَّر عليه\".","vol":"2","page":1311},{"text":"الشرح\n\"وَالنَّاسُ فِي الشَّرْعِ وَالْقَدَرِ عَلَى \" أَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ \"\nالصنف الأول: فَشَرُّ الْخَلْقِ مَنْ يَحْتَجُّ بِالْقَدَرِ لِنَفْسِهِ وَلَا يَرَاهُ حُجَّةً لِغَيْرِهِ يَسْتَنِدُ إلَيْهِ فِي الذُّنُوبِ والمعائب وَلَا يَطْمَئِنُّ إلَيْهِ فِي الْمَصَائِبِ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: أَنْتَ عِنْدَ الطَّاعَةِ قَدَرِيٌّ وَعِنْدَ الْمَعْصِيَةِ جَبْرِيٌّ أَيُّ مَذْهَبٍ وَافَقَ هَوَاك تَمَذْهَبْت بِهِ.\nالصنف الثاني: وَبِإِزَاءِ هَؤُلَاءِ خَيْرُ الْخَلْقِ الَّذِينَ يَصْبِرُونَ عَلَى الْمَصَائِبِ وَيَسْتَغْفِرُونَ مِنْ المعائب كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر الآية: ٥٥]، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَّبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِّكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد الآيات: ٢٢ - ٢٣]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: هُوَ الرَّجُلُ تُصِيبُهُ الْمُصِيبَةُ فَيَعْلَمُ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَيَرْضَى وَيُسَلِّمُ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران الآية: ١٣٥]. وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ آدَمَ ﵇ أَنَّهُ لَمَّا فَعَلَ مَا فَعَلَ قَالَ ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف الآية: ٢٣]، وَعَنْ إبْلِيسَ أَنَّهُ قَالَ ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر الآية: ٣٩]، فَمَنْ تَابَ أَشْبَهَ أَبَاهُ آدَمَ وَمَنْ أَصَرَّ وَاحْتَجَّ بِالْقَدَرِ أَشْبَهَ إبْلِيسَ.\nوَالْحَدِيثُ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي احْتِجَاجِ آدَمَ وَمُوسَى ﵉ لَمَّا قَالَ لَهُ مُوسَى. «أَنْتَ آدَمَ أَبُو الْبَشَرِ خَلَقَك اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيك مِنْ رُوحِهِ وَعَلَّمَك أَسْمَاءَ كُلِّ شَيْءٍ لِمَاذَا أَخْرَجْتنَا وَنَفْسَك مِنْ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ لَهُ آدَمَ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاك اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ وَخَطَّ لَك التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ","vol":"2","page":1312},{"text":"فَبِكَمْ وَجَدْت مَكْتُوبًا عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه الآية: ١٢١]، قَالَ: بِكَذَا وَكَذَا سَنَةً قَالَ فَحَجَّ آدَمَ مُوسَى».\nوَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ رُوِيَ بِإِسْنَادِ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ﵁. فَآدَمُ ﵇ إنَّمَا حَجَّ مُوسَى لِأَنَّ مُوسَى لَامَهُ عَلَى مَا فَعَلَ لِأَجْلِ مَا حَصَلَ لَهُمْ مِنْ الْمُصِيبَةِ بِسَبَبِ أَكْلِهِ مِنْ الشَّجَرَةِ لَمْ يَكُنْ لَوْمُهُ لَهُ لِأَجْلِ حَقِّ اللَّهِ فِي الذَّنْبِ. فَإِنَّ آدَمَ كَانَ قَدْ تَابَ مِنْ الذَّنْبِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة الآية: ٣٧]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه الآية: ١٢٢]، وَمُوسَى-وَمَنْ هُوَ دُونَ مُوسَى﵇ يَعْلَمُ أَنَّهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ وَالْمَغْفِرَةِ لَا يَبْقَى مَلَامٌ عَلَى الذَّنْبِ وَآدَمُ أَعْلَمُ بِاَللَّهِ مِنْ أَنْ يَحْتَجَّ بِالْقَدَرِ عَلَى الذَّنْبِ وَمُوسَى ﵇ أَعْلَمُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ يَقْبَلَ هَذِهِ الْحُجَّةَ فَإِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ حُجَّةً عَلَى الذَّنْبِ لَكَانَتْ حُجَّةً لإبليس عَدُوِّ آدَمَ وَحُجَّةً لِفِرْعَوْنَ عَدُوِّ مُوسَى وَحُجَّةً لِكُلِّ كَافِرٍ وَفَاجِرٍ وَبَطَلَ أَمْرُ اللَّهِ وَنَهْيُهُ؛ بَلْ إنَّمَا كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لِآدَمَ عَلَى مُوسَى لِأَنَّهُ لَامَ غَيْرَهُ لِأَجْلِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِفِعْلِ ذَلِكَ وَتِلْكَ الْمُصِيبَةُ كَانَتْ مَكْتُوبَةً عَلَيْهِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ [التغابن الآية: ١١]. وَقَالَ أَنَسٌ:» خَدَمْت النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ قَطُّ وَلَا قَالَ لِشَيْءِ فَعَلْته: لِمَ فَعَلْته؟ وَلَا لِشَيْءِ لَمْ أَفْعَلْهُ: لِمَ لَا فَعَلْته؟ وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِهِ إذَا عَاتَبَنِي عَلَى شَيْءٍ يَقُولُ دَعُوهُ فَلَوْ قُضِيَ شَيْءٌ لَكَانَ»، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ «مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ خَادِمًا وَلَا امْرَأَةً وَلَا دَابَّةً وَلَا شَيْئًا قَطُّ إلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَانْتَقَمَ لِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ مَحَارِمُ اللَّهِ فَإِذَا","vol":"2","page":1313},{"text":"اُنْتُهِكَتْ مَحَارِمُ اللَّهِ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَقِمَ لِلَّهِ». وَقَدْ قَالَ ﷺ «لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْت يَدَهَا».\nفَفِي أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ يُسَارِعُ إلَى الطَّاعَةِ وَيُقِيمُ الْحُدُودَ عَلَى مَنْ تَعَدَّى حُدُودَ اللَّهِ وَلَا تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ وَإِذَا آذَاهُ مُؤْذٍ أَوْ قَصَّرَ مُقَصِّرٌ فِي حَقِّهِ عَفَا عَنْهُ وَلَمْ يُؤَاخِذْهُ نَظَرًا إلَى الْقَدَرِ.\nفَهَذَا سَبِيلُ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا.\nوَهَذَا وَاجِبٌ فِيمَا قُدِّرَ مِنْ الْمَصَائِبِ بِغَيْرِ فِعْلِ آدَمِيٍّ كَالْمَصَائِبِ السَّمَاوِيَّةِ أَوْ بِفِعْلِ لَا سَبِيلَ فِيهِ إلَى الْعُقُوبَةِ كَفِعْلِ آدَمَ ﵇ فَإِنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى لَوْمِهِ شَرْعًا-لِأَجْلِ التَّوْبَةِ-وَلَا قَدَرًا؛ لِأَجْلِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ. وَأَمَّا إذَا ظَلَمَ رَجُلٌ رَجُلًا فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ مَظْلِمَتَهُ عَلَى وَجْهِ الْعَدْلِ وَإِنْ عَفَا عَنْهُ كَانَ أَفْضَلَ لَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة الآية: ٤٥].\nوَأَمَّا \"الصِّنْفُ الثَّالِثُ\": فَهُمْ الَّذِينَ لَا يَنْظُرُونَ إلَى الْقَدَرِ لَا فِي المعائب وَلَا فِي الْمَصَائِبِ الَّتِي هِيَ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ بَلْ يُضِيفُونَ ذَلِكَ كُلَّهُ إلَى الْعَبْدِ وَإِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا وَهَذَا حَسَنٌ؛ لَكِنْ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِفِعْلِ الْعَبْدِ لَمْ يَنْظُرُوا إلَى الْقَدَرِ الَّذِي مَضَى بِهِ عَلَيْهِمْ وَلَا يَقُولُونَ لِمَنْ قَصَّرَ فِي حَقِّهِمْ دَعُوهُ فَلَوْ قُضِيَ شَيْءٌ لَكَانَ لَا سِيَّمَا وَقَدْ تَكُونُ تِلْكَ الْمُصِيبَةُ بِسَبَبِ ذُنُوبِهِمْ فَلَا يَنْظُرُونَ إلَيْهَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران الآية: ١٦٥]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى الآية: ٣٠]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ﴾ [الشورى الآية: ٤٨]. وَمِنْ هَذَا قَوْله تَعَالَى ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ","vol":"2","page":1314},{"text":"يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء الآية: ٧٨]، ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء الآية: ٧٩]. فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَنَازَعَ فِيهَا كَثِيرٌ مِنْ مُثْبِتِي الْقَدَرِ ونفاته: هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ الْأَفْعَالُ كُلُّهَا مِنْ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء الآية: ٧٨]. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: الْحَسَنَةُ مِنْ اللَّهِ وَالسَّيِّئَةُ مِنْ نَفْسِك لِقَوْلِهِ ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء الآية: ٧٩]. وَقَدْ يُجِيبُهُمْ الْأَوَّلُونَ بِقِرَاءَةِ مَكْذُوبَةٍ ﴿فَمنْ نَفْسِكَ﴾ بِالْفَتْحِ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِفْهَامِ وَرُبَّمَا قَدَّرَ بَعْضُهُمْ تَقْدِيرًا: أَيْ أَفَمِنْ نَفْسِك؟ وَرُبَّمَا قَدَّرَ بَعْضُهُمْ الْقَوْلَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ فَيَقُولُونَ: تَقْدِيرُ الْآيَةِ ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء الآية: ٧٨ [يَقُولُونَ فَيُحَرِّفُونَ لَفْظَ الْقُرْآنِ وَمَعْنَاهُ وَيَجْعَلُونَ مَا هُوَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ-قَوْلَ الصِّدْقِ-مِنْ قَوْلِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ أَنْكَرَ اللَّهُ قَوْلَهُمْ وَيُضْمِرُونَ فِي الْقُرْآنِ مَا لَا دَلِيلَ عَلَى ثُبُوتِهِ بَلْ سِيَاقُ الْكَلَامِ يَنْفِيهِ؛ فَكُلٌّ مِنْ هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ جَاهِلَةٌ بِمَعْنَى الْقُرْآنِ وَبِحَقِيقَةِ الْمَذْهَبِ الَّذِي تَنْصُرُهُ.\nوَأَمَّا الْقُرْآنُ فَالْمُرَادُ مِنْهُ هُنَا بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ النِّعَمُ وَالْمَصَائِبُ؛ لَيْسَ الْمُرَادُ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِيَ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران الآية: ١٢٠]، وَكَقَوْلِهِ: ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ﴾ [التوبة الآية: ٥٠]، ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ [التوبة الآية: ٥١]، الْآيَةَ.\nوَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف الآية: ١٦٨]، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء الآية: ٣٥]، أَيْ بِالنِّعَمِ وَالْمَصَائِبِ. وَهَذَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إلَّا مِثْلَهَا﴾ [الأنعام الآية: ١٦٠]، وَأَمْثَالُ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهَا الطَّاعَةُ وَالْمَعْصِيَةُ وَفِي كُلِّ مَوْضِعٍ مَا يُبَيِّنُ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى إشْكَالٌ؛ بَلْ هُوَ مُبِينٌ. وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ وَمَا ﴿مِسْكٌ﴾ وَنَحْوَ","vol":"2","page":1315},{"text":"ذَلِكَ كَانَ مِنْ فِعْلِ غَيْرِك بِك كَمَا قَالَ: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء الآية: ٧٩]. وَكَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [التوبة الآية: ٥٠]، وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء الآية: ٧٨].\nوَإِذَا قَالَ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ﴾ [الأنعام الآية: ١٦٠]، كَانَتْ مِنْ فِعْلِهِ لِأَنَّهُ هُوَ الْجَائِي بِهَا فَهَذَا يَكُونُ فِيمَا فَعَلَهُ الْعَبْدُ لَا فِيمَا فُعِلَ بِهِ. وَسِيَاقُ الْآيَةِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ ذَكَرَ هَذَا فِي سِيَاقِ الْحَضِّ عَلَى الْجِهَادِ وَذَمِّ الْمُتَخَلِّفِينَ عَنْهُ فَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء الآية: ٧١ [﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ [النساء الآية: ٧٢ [﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء الآية: ٧٣]. فَأَمَرَ سُبْحَانَهُ بِالْجِهَادِ وَذَمَّ الْمُثَبِّطِينَ وَذَكَرَ مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنِينَ تَارَةً مِنْ الْمُصِيبَةِ فِيهِ وَتَارَةً مِنْ فَضْلِ اللَّهِ فِيهِ كَمَا أَصَابَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ مُصِيبَةٌ فَقَالَ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران الآية: ١٦٥]. وَأَصَابَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ بِنَصْرِهِ لَهُمْ وَتَأْيِيدِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آل عمران الآية: ١٢٣]. ثُمَّ إنَّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء الآية: ٧٤]، ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِين مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ [النساء الآية: ٧٥]، -إلَى قَوْلِهِ- ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء الآية: ٧٩]، فَهَذَا مِنْ كَلَامِ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ إذَا أَصَابَهُمْ نَصْرٌ وَغَيْرُهُ مِنْ النِّعَمِ قَالُوا هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ أَصَابَهُمْ ذُلٌّ وَخَوْفٌ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَائِبِ قَالُوا: هَذَا مِنْ عِنْدِ مُحَمَّدٍ بِسَبَبِ الدِّينِ الَّذِي جَاءَ بِهِ فَإِنَّ الْكُفَّارَ يُضِيفُونَ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ الْمَصَائِبِ إلَى فِعْلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ.\nوَقَدْ ذَكَرَ نَظِيرَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ","vol":"2","page":1316},{"text":"بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف الآية: ١٣٠]، ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأعراف الآية: ١٣٠]. وَنَظِيرُهُ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَةِ يس ﴿قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إنَّا إلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾ [يس الآية: ١٦]، ﴿وَمَا عَلَيْنَا إلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [يس الآية: ١٧ [﴿قَالُوا إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [يس الآية: ١٨]، فَأَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْكُفَّارَ كَانُوا يَتَطَيَّرُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ فَإِذَا أَصَابَهُمْ بَلَاءٌ جَعَلُوهُ بِسَبَبِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَمَا أَصَابَهُمْ مِنْ الْخَيْرِ جَعَلُوهُ لَهُمْ مِنْ اللَّهِ ﷿ فَقَالَ تَعَالَى ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء الآية: ٧٨]، وَاَللَّهُ تَعَالَى نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ فَلَوْ فَهِمُوا الْقُرْآنَ لَعَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ أَمَرَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ أَمَرَ بِالْخَيْرِ وَنَهَى عَنْ الشَّرِّ فَلَيْسَ فِيمَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رُسُلَهُ مَا يَكُونُ سَبَبًا لِلشَّرِّ بَلْ الشَّرُّ حَصَلَ بِذُنُوبِ الْعِبَادِ فَقَالَ تَعَالَى ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء الآية: ٧٩]، أَيْ مَا أَصَابَك مِنْ نَصْرٍ وَرِزْقٍ وَعَافِيَةٍ فَمِنْ اللَّهِ نِعْمَةً أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْك وَإِنْ كَانَتْ بِسَبَبِ أَعْمَالِك الصَّالِحَةِ فَهُوَ الَّذِي هَدَاك وَأَعَانَك ويسرك لِلْيُسْرَى وَمَنَّ عَلَيْك بِالْإِيمَانِ وَزَيَّنَهُ فِي قَلْبِك وَكَرَّهَ إلَيْك الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ. وَفِي آخِرِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْإِلَهِيِّ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﵎ «يَا عِبَادِي إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ» وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُك وَأَنَا عَلَى عَهْدِك وَوَعْدِك مَا اسْتَطَعْت أَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْت أَبُوءُ لَك بِنِعْمَتِك عَلَيَّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي؛ فَاغْفِرْ لِي إنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ. مَنْ قَالَهَا إذَا أَصْبَحَ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَنْ قَالَهَا إذَا أَمْسَى مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ». ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا","vol":"2","page":1317},{"text":"أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ [النساء الآية: ٧٩]، مِنْ ذُلٍّ وَخَوْفٍ وَهَزِيمَةٍ كَمَا أَصَابَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أَيْ بِذُنُوبِك وَخَطَايَاك وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَكْتُوبًا مُقَدَّرًا عَلَيْك فَإِنَّ الْقَدَرَ لَيْسَ حُجَّةً لِأَحَدِ لَا عَلَى اللَّهِ وَلَا عَلَى خَلْقِهِ وَلَوْ جَازَ لِأَحَدِ أَنْ يَحْتَجَّ بِالْقَدَرِ عَلَى مَا يَفْعَلُهُ مِنْ السَّيِّئَاتِ لَمْ يُعَاقَبْ ظَالِمٌ وَلَمْ يُقَاتَلْ مُشْرِكٌ وَلَمْ يُقَمْ حَدٌّ وَلَمْ يَكُفَّ أَحَدٌ عَنْ ظُلْمِ أَحَدٍ وَهَذَا مِنْ الْفَسَادِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا الْمَعْلُومُ ضَرُورَةً فَسَادُهُ لِلْعَالَمِ بِصَرِيحِ الْمَعْقُولِ الْمُطَابِقِ لِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ.\nفَالْقَدَرُ يُؤْمِنُ بِهِ وَلَا يَحْتَجُّ بِهِ،\nفَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِالْقَدَرِ ضَارَعَ الْمَجُوسَ.\nوَمَنْ احْتَجَّ بِهِ ضَارَعَ الْمُشْرِكِينَ.\nوَمَنْ أَقَرَّ بِالْأَمْرِ وَالْقَدَرِ وَطَعَنَ فِي عَدْلِ اللَّهِ وَحِكْمَتِهِ كَانَ شَبِيهًا بإبليس.\nفَإِنَّ اللَّهَ ذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ طَعَنَ فِي حِكْمَتِهِ وَعَارَضَهُ بِرَأْيِهِ وَهَوَاهُ وَأَنَّهُ قَالَ ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ \" (^١).\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"ومن هذا الباب احتجاج آدم وموسى، لما قال: «يا آدم أنت أبو البشر خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسجد لك ملائكته، لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال له آدم: أنت موسى الذي اصطفاك الله بكلامه، فبكم وجدت مكتوبًا علي قبل أن أخلق ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾؟ قال: بكذا وكذا سنة، قال: فحجّ آدم موسى». وذلك أن موسى لم يكن عتبه لآدم لأجل الذنب، فإن آدم كان قد تاب منه، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له- ولكن لأجل المصيبة التي لحقتهم من ذلك، وهم مأمورون أن ينظروا إلى القدر في المصائب، وأن يستغفروا من المعائب، كما قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ﴾ [غافر الآية: ٥٥].\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٨/ ١٠٨ - ١١٥.","vol":"2","page":1318},{"text":"الشرح\nقال ابن تيمية: \"وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «احْتَجَّ آدَمَ وَمُوسَى فَقَالَ مُوسَى أَنْتَ آدَمَ الَّذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ وَأَسْجَدَ لَكَ مَلَائِكَتَهُ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ\" \"كُلِّ شَيْءٍ فَلِمَاذَا أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنْ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ آدَمَ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلَامِهِ فَهَلْ وَجَدْتَ ذَلِكَ مَكْتُوبًا عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ فَحَجَّ آدَمَ مُوسَى».\nوَآدَمُ ﵇ لَمْ يَحْتَجَّ عَلَى مُوسَى بِالْقَدَرِ ظَنًّا أَنَّ الْمُذْنِبَ يَحْتَجُّ بِالْقَدَرِ فَإِنَّ هَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ وَلَا عَاقِلٌ وَلَوْ كَانَ هَذَا عُذْرًا لَكَانَ عُذْرًا لإبليس وَقَوْمِ نُوحٍ وَقَوْمِ هُودٍ وَكُلِّ كَافِرٍ وَلَا مُوسَى لَامَ آدَمَ أَيْضًا لِأَجْلِ الذَّنْبِ، فَإِنَّ آدَمَ قَدْ تَابَ إلَى رَبِّهِ فَاجْتَبَاهُ وَهَدَى.\nوَلَكِنْ لَامَهُ لِأَجْلِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي لَحِقَتْهُمْ بِالْخَطِيئَةِ وَلِهَذَا قَالَ: «فَلِمَاذَا أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنْ الْجَنَّةِ؟ فَأَجَابَهُ آدَمَ أَنَّ هَذَا كَانَ مَكْتُوبًا قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ».\nفَكَانَ الْعَمَلُ وَالْمُصِيبَةُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَيْهِ مُقَدَّرًا وَمَا قُدِّرَ مِنْ الْمَصَائِبِ يَجِبُ الِاسْتِسْلَامُ لَهُ فَإِنَّهُ مِنْ تَمَامِ الرِّضَا بِاَللَّهِ رَبًّا.\nوَأَمَّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يُذْنِبَ وَإِذَا أَذْنَبَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ وَيَتُوبَ فَيَتُوبُ مِنْ المعائب وَيَصْبِرُ عَلَى الْمَصَائِبِ.\nقَالَ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [غافر الآية: ٥٥].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ","vol":"2","page":1319},{"text":"شَيْئًا﴾ [آل عمران الآية: ١٢٠].\nوَقَالَ: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [آل عمران الآية ١٨٦].\nوَقَالَ يُوسُفُ: ﴿إنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف الآية: ٩٠].\nوَكَذَلِكَ ذُنُوبُ الْعِبَادِ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ فِيهَا أَنْ يَأْمُرَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُنْكَرِ - بِحَسَبِ قُدْرَتِهِ - وَيُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَيُوَالِيَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ وَيُعَادِيَ أَعْدَاءَ اللَّهِ وَيُحِبَّ فِي اللَّهِ وَيُبْغِضَ فِي اللَّهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة الآية ١]، إلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ [الممتحنة الآية: ٤].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة الآية: ٢٢]، إلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة الآية: ٢٢]،.\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ [القلم الآية: ٣٥].\nوَقَالَ: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ﴾ [ص الآية: ٢٨].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية الآية: ٢١].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ ﴿وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ﴾ ﴿وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ﴾ ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ [فاطر الآية: ١٩].","vol":"2","page":1320},{"text":"وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ [الزمر الآية: ٢٩].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل الآية: ٧٥].\nوقال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ إلَى قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل الآية: ٧٦].\nوَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر الآية: ٢٠].\nوَنَظَائِرُ ذَلِكَ مِمَّا يُفَرِّقُ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَأَهْلِ الطَّاعَةِ وَأَهْلِ الْمَعْصِيَةِ وَأَهْلِ الْبِرِّ وَأَهْلِ الْفُجُورِ وَأَهْلِ الْهُدَى وَالضَّلَالِ وَأَهْلِ الْغَيِّ وَالرَّشَادِ وَأَهْلِ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ.\nفَمَنْ شَهِدَ \" الْحَقِيقَةَ الْكَوْنِيَّةَ \" دُونَ \" الدِّينِيَّةِ \" سَوَّى بَيْنَ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهَا غَايَةَ التَّفْرِيقِ حَتَّى يَئُولَ بِهِ الْأَمْرُ إلَى أَنْ يُسَوِّيَ اللَّهَ بِالْأَصْنَامِ كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿تَاللَّهِ إنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء الآية: ٩٧]، بَلْ قَدْ آلَ الْأَمْرُ بِهَؤُلَاءِ إلَى أَنْ سَوَّوْا اللَّهَ بِكُلِّ مَوْجُودٍ وَجَعَلُوا مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ الْعِبَادَةِ وَالطَّاعَةِ حَقًّا لِكُلِّ مَوْجُودٍ إذْ جَعَلُوهُ هُوَ وُجُودَ الْمَخْلُوقَاتِ وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْكُفْرِ وَالْإِلْحَادِ بِرَبِّ الْعِبَادِ.\nوَهَؤُلَاءِ يَصِلُ بِهِمْ الْكُفْرُ إلَى أَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ عِبَادٌ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُمْ مُعَبَّدُونَ وَلَا بِمَعْنَى أَنَّهُمْ عَابِدُونَ؛ إذْ يَشْهَدُونَ أَنْفُسَهُمْ هِيَ الْحَقَّ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ طَوَاغِيتُهُمْ كَابْنِ عَرَبِيٍّ صَاحِبِ \" الْفُصُوصِ \" وَأَمْثَالِهِ مِنْ الْمُلْحِدِينَ الْمُفْتَرِينَ كَابْنِ سَبْعِينَ وَأَمْثَالِهِ وَيَشْهَدُونَ أَنَّهُمْ هُمْ الْعَابِدُونَ وَالْمَعْبُودُونَ","vol":"2","page":1321},{"text":"وَهَذَا لَيْسَ بِشُهُودِ لِحَقِيقَةِ؛ لَا كَوْنِيَّةٍ وَلَا دِينِيَّةٍ؛ بَلْ هُوَ ضَلَالٌ وَعَمًى عَنْ شُهُودِ الْحَقِيقَةِ الْكَوْنِيَّةِ حَيْثُ جَعَلُوا وُجُودَ الْخَالِقِ هُوَ وُجُودَ الْمَخْلُوقِ وَجَعَلُوا كُلَّ وَصْفٍ مَذْمُومٍ وَمَمْدُوحٍ نَعْتًا لِلْخَالِقِ وَالْمَخْلُوقِ إذْ وُجُودُ هَذَا هُوَ وُجُودُ هَذَا عِنْدَهُمْ\" (^١).\nوقال ابن القيم: \"في ذكر احتجاج آدم وموسى في ذلك حكم النبي ﷺ لآدم صلوات الله وسلامه عليهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-408>[أولًا: روايات الحديث].</span>\n١ - عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ:» احتج آدم وموسى فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة فقال له آدم أنت موسى اصطفاك الله بكلامه وخط لك التوراة بيده أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة فقال النبي ﷺ فحج آدم موسى فحج آدم موسى فحج آدم موسى».\n٢ - وفي رواية «كتب لك التوراة بيده».\n٣ - وفي لفظ آخر: «تحاج آدم وموسى فحج آدم موسى فقال له موسى أنت آدم الذي أغويت الناس وأخرجتهم من الجنة فقال آدم أنت موسى الذي أعطاه الله علم كل شيء واصطفاه على الناس برسالته قال نعم قال أفتلومني على أمر قدر على قبل أن أخلق\"».\n٤ - وفي لفظ آخر: «احتج آدم وموسى عند ربهما فحج آدم موسى فقال موسى أنت آدم الذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وأسكنك في جنته ثم أهبطت الناس بخطيئتك إلى الأرض قال آدم أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالته وبكلامه وأعطاك الألواح فيها تبيان كل شيء وقربك نجيا فبكم وجدت الله\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٥٩ - ١٦٢.","vol":"2","page":1322},{"text":"كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين عاما قال آدم هل وجدت فيها وعصى آدم ربه فغوى قال نعم قال أفتلومني على أن عملت عملا كتبه الله على أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة قال رسول الله ﷺ فحج آدم موسى».\n٥ - وفي لفظ آخر: «احتج آدم وموسى فقال له موسى أنت الذي أخرجتنا خطيئتك من الجنة» وذكر الحديث.\nمتفق على صحته، وهذا التقدير بعد التقدير الأول السابق بخلق السماوات بخمسين ألف سنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-409>[ثانيًا: موقف المعتزلة ومن وافقهم من الحديث].</span>\nموقفهم: وقد رد هذا الحديث من لم يفهمه من المعتزلة كأبي علي الجبائي ومن وافقه على ذلك وقال لو صح لبطلت نبوات الأنبياء فإن القدر إذا كان حجة للعاصي بطل الأمر والنهي فإن العاصي بترك الأمر أو فعل النهي إذا صحت له الحجة بالقدر السابق ارتفع اللوم عنه.\nالرد عليهم: وهذا من ضلال فريق الاعتزال وجهلهم بالله ورسوله وسنته فإن هذا حديث صحيح متفق على صحته لم تزل الأمة تتلقاه بالقبول من عهد نبيها قرنًا بعد قرن وتقابله بالتصديق والتسليم ورواه أهل الحديث في كتبهم وشهدوا به على رسول الله ﷺ أنه قاله وحكموا بصحته فما لأجهل الناس بالسنة ومن عرف بعداوتها وعداوة حملتها والشهادة عليهم بأنهم مجسمة ومشبهة حشوية وهذا الشأن.\nولم يزل أهل الكلام الباطل المذموم موكلين برد أحاديث رسول الله ﷺ التي تخالف قواعدهم الباطلة وعقائدهم الفاسدة كما ردوا أحاديث الرؤية وأحاديث","vol":"2","page":1323},{"text":"علو الله على خلقه وأحاديث صفاته القائمة به وأحاديث الشفاعة وأحاديث نزوله إلى سمائه ونزوله إلى الأرض للفصل بين عباده وأحاديث تكلمه بالوحي كلاما يسمعه من شاء من خلقه حقيقة إلى أمثال ذلك.\nوكما ردت الخوارج والمعتزلة أحاديث خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة وغيرها. وكما ردت الرافضة أحاديث فضائل الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة.\nوكما ردت المعطلة أحاديث الصفات والأفعال الاختيارية.\nوكما ردت القدرية المجوسية أحاديث القضاء والقدر السابق.\nوكل من أصل أصلا لم يؤصله الله ورسوله قاده قسرا إلى رد السنة وتحريفها عن مواضعها.\nفلذلك لم يؤصل حزب الله ورسوله أصلا غير ما جاء به الرسول فهو أصلهم الذي عليه يعولون وجنتهم التي إليها يرجعون.\n\n<span data-type='title' id=toc-410>ثالثًا: الأقوال في بيان معنى الحديث.</span>\nثم اختلف الناس في فهم هذا الحديث ووجه الحجة التي توجهت لآدم على موسى:\nفقالت فرقة: إنما حجه لأن آدم أبوه فحجه كما يحج الرجل ابنه.\n[والجواب على قولهم]: هذا الكلام لا محصل فيه البتة فإن حجة الله يجب المصير إليها مع الأب كانت أو الابن أو العبد أو السيد ولو حج الرجل أباه بحق وجب المصير إلى الحجة.\nوقالت فرقة: إنما حجه لأن الذنب كان في شريعة واللوم في شريعة.","vol":"2","page":1324},{"text":"[والجواب على قولهم]: هذا من جنس ما قبله إذ لا تأثير لهذا في الحجة بوجه وهذه الأمة تلوم الأمم المخالفة لرسلها المتقدمة عليها وإن كان لم تجمعهم شريعة واحدة ويقبل الله شهادتهم عليهم وإن كانوا من غير أهل شريعتهم.\nوقالت فرقة أخرى: إنما حجه لأنه كان قد تاب من الذنب والتائب من الذنب كمن لا ذنب له ولا يجوز لومه.\n] والجواب على قولهم]: هذا وإن كان أقرب مما قبله فلا يصح لثلاثة أوجه:\nأحدها: أن آدم لم يذكر ذلك الوجه ولا جعله حجة على موسى ولم يقل أتلومني على ذنب قد تبت منه.\nالثاني: أن موسى أعرف بالله سبحانه وبأمره ودينه من أن يلوم على ذنب قد أخبره سبحانه أنه قد تاب على فاعله واجتباه بعده وهداه فإن هذا لا يجوز لآحاد المؤمنين أن يفعله فضلا عن كليم الرحمن.\nالثالث: أن هذا يستلزم إلغاء ما علق به النبي ﷺ وجه الحجة واعتبار ما ألغاه فلا يلتفت إليه.\nوقالت فرقة أخرى: إنما حجه لأنه لامه في غير دار التكليف ولو لامه في دار التكليف لكانت الحجة لموسى عليه.\n] والجواب على قولهم]: هذا أيضا فاسد من وجهين:\nأحدهما: أن آدم لم يقل له لمتني في غير دار التكليف وإنما قال أتلومني على أمر قدر عليّ قبل أن أخلق فلم يتعرض للدار وإنما احتج في القدر السابق.\nالثاني: أن الله سبحانه يلوم الملومين من عباده في غير دار التكليف فيلومهم بعد الموت ويلومهم يوم القيامة.\nوقالت فرقة أخرى: إنما حجه لأن آدم شهد الحكم وجريانه على الخليقة وتفرد","vol":"2","page":1325},{"text":"الرب سبحانه بربوبيته وإنه لا تحرك ذرة إلا بمشيئته وعلمه وأنه لا راد لقضائه وقدره وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن قالوا ومشاهدة العبد الحكم لا يدع له استقباح سيئة لأنه شهد نفسه عدما محضا والأحكام جارية عليه معروفة له وهو مقهور مربوب مدبر لا حيلة له ولا قوة له قالوا ومن شهد هذا المشهد سقط عنه اللوم.\n] والجواب على قولهم]: هذا المسلك أبطل مسلك سلك في هذا الحديث وهو شر من مسلك القدرية في رده وهم إنما ردوه إبطالا لهذا القول وردا على قائليه وأصابوا في ردهم عليهم وإبطال قولهم وأخطأوا في رد حديث رسول الله ﷺ فإن هذا المسلك لو صح لبطلت الديانات جملة وكان القدر حجة لكل مشرك وكافر وظالم ولم يبق للحدود معنى ولا يلام جان على جنايته ولا ظالم على ظلمه ولا ينكر منكر أبدا ولهذا قال شيخ الملحدين ابن سينا في إشارته العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله تعالى في القدر.\nوهذا كلام منسلخ من الملل ومتابعة الرسل وأعرف خلق الله به رسله وأنبياؤه وهم أعظم الناس إنكارا للمنكر وإنما أرسلوا لإنكار المنكر، فالعارف أعظم الناس إنكارا للمنكر لبصرته بالأمر والقدر، فإن الأمر يوجب عليه الإنكار، والقدر يعينه عليه وينفذه له فيقوم في مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة الآية: (٥)]. وفي مقام﴾ فاعبده وتوكل عليه﴾ [هود الآية: (١٢٣)]، فنعبده بأمره وقدره ونتوكل عليه في تنفيذ أمره بقدره فهذا حقيقة المعرفة وصاحب هذا المقام هو العارف بالله وعلى هذا أجمعت الرسل من أولهم إلى خاتمهم وأما من يقول:\nأصبحت منفعلا لما يختاره … منى ففعلي كله طاعات\nويقول: أنا وإن عصيت أمره فقد أطعت إرادته ومشيئته","vol":"2","page":1326},{"text":"ويقول: العارف لا ينكر منكرا لاستبصاره بسر الله في القدر فخارج عما عليه الرسل قاطبة وليس هو من أتباعهم وإنما حكى الله سبحانه الاحتجاج في القدر عن المشركين أعداء الرسل:\nفقال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام الآية: ١٤٨]، إلى قوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام الآية: ١٤٩]،\nوقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء﴾ [النحل الآية: ٣٥]، إلى قوله: ﴿فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ [النحل الآية: ٣٥]،\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس الآية: ٤٧]،\nوقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف الآية: ٢٠].\nفهذه أربع مواضع حكى فيها الاحتجاج بالقدر عن أعدائه وشيخهم وإمامهم في ذلك عدوه الأحقر إبليس حيث احتج عليه بقضائه فقال:: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر الآية: ٣٩]، فإن قيل قد علم بالنصوص والمعقول صحة قولهم﴾ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام الآية: ١٤٨]،﴾ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْء﴾ [النحل الآية: ٣٥ [﴾ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف الآية: ٢٠]، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ [الأنعام الآية: ١١٢]، وقال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة الآية: ١٣]، فكيف أكذبهم ونفى عنهم العلم وأثبت لهم الخرص فيما هم فيه صادقون.\nوأهل السنة جميعا يقولون لو شاء الله ما أشرك به مشرك ولا كفر به كافر ولا عصاه أحد من خلقه فكيف ينكر عليهم ما هم فيه صادقون.","vol":"2","page":1327},{"text":"قيل: أنكر سبحانه عليهم ما هم فيه أكذب الكاذبين وأفجر الفاجرين ولم ينكر عليهم صدقا ولا حقا بل أنكر عليهم أبطل الباطل فإنهم لم يذكروا ما ذكروه إثباتا لقدره وربوبيته ووحدانيته وافتقارا إليه وتوكلا عليه واستعانة به ولو قالوا كذلك لكانوا مصيبين، وإنما قالوه معارضين به لشرعه ودافعين به لأمره فعارضوا شرعه وأمره ودفعوه بقضائه وقدره، ووافقهم على ذلك كل من عارض الأمر ودفعه بالقدر.\nوأيضا فإنهم احتجوا بمشيئتة العامة وقدره على محبته لما شاءه ورضاه به وإذنه فيه فجمعوا بين أنواع من الضلال معارضة الأمر بالقدر ودفعه به والإخبار عن الله أنه يحب ذلك منهم ويرضاه حيث شاءه وقضاه وأن لهم الحجة على الرسل بالقضاء والقدر.\nوقد ورثهم في هذا الضلال وتبعهم عليه طوائف من الناس ممن يدعي التحقيق والمعرفة أو يدعي فيه ذلك وقالوا: العارف إذا شاهد الحكم سقط عنه اللوم وقد وقع في كلام شيخ الإسلام أبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري ما يوهم ذلك وقد أعاذه الله منه فإنه قال في باب التوبة من منازل السائرين ولطائف التوبة ثلاثة أشياء:\nأولها: أن ننظر في الجناية والقضية فنعرف مراد الله فيها إذ خلاك وإتيانها فإن الله تعالى إنما يخلي العبد والذنب لأحد معنيين:\nأن يعرف عبرته في قضائه وبره في مسيره وحلمه في إمهال راكبه وكرمه في قبول العذر منه وفضله في مغفرته.\nوالثاني: ليقيم على العبد حجة عدله فيعاقبه على ذنبه بحجته.\nواللطيفة الثانية: أن يعلم أن طلب البصير الصادق سنته لم تبق له حسنه بحال لأنه يسير بين مشاهدة المنة ويطلب عيب النفس والعمل.","vol":"2","page":1328},{"text":"واللطيفة الثالثة: أن مشاهدة العبد الحكم لم يدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحكم.\nفهذا الكلام الأخير ظاهره يبطل استحسان الحسن واستقباح القبيح والشرائع كلها مبناها على استحسان هذا واستقباح هذا بل مشاهدة الحكم تزيد البصير استحسانا للحسن واستقباحا للقبيح وكلما ازدادت معرفته بالله وأسمائه وصفاته وأمره قوي استحسانه واستقباله فإنه يوافق في ذلك ربه ورسله ومقتضى الأسماء الحسنى والصفات العلى وقد كان شيخ الإسلام في ذلك موافقا للأمر وغضبه لله ولحدوده ومحارمه ومقاماته في ذلك شهيرة عند الخاصة والعامة وكلامه المتقدم بين في رسوخ قدمه في استقباح ما قبحه الله واستحسان ما حسنه الله وهو كالمحكم فيه وهذا متشابه فيرد إلى محكم كلامه والذي يليق به ما ذكره شيخنا أبو العباس أحمد بن إبراهيم الواسطي في شرحه فذكر قاعدة في الفناء والاصطلام فقال الفناء عبارة عن اصطلام العبد لغلبة وجود الحق وقوة العلم به في العبد فيزيد بذلك يقينه به ومعرفته به وبصفاته سبحانه فيذهل بذلك كما يذهل الإنسان في أمر عظيم دهمه فإنه ربما غاب عن شعوره بما دهمه من الأمور المهمة مثاله رجل وقف بين يدي سلطان عظيم قاهر من ملوك الأرض فأذهله ما يلاحظه من هيبته وسلطانه عن كثير مما يشعر به وهذا تقريب والأمر فوق ذلك فكيف بمن أشهده الله ﷿ فردانيته حيث كان ولا شيء معه فرأى الأشياء مواتا لا قوام لها إلا بقدرته فشهدها خيالا كالهباء بالنسبة إلى وجود الحق تعالى وذلك في البصائر القلبية بالكشف الصحيح بعد التصفية والتدرب في القيام بأعباء الشريعة وحمل أثقالها والتخلق بأخلاقها وصفى الله عبده من درنه ويكشف لقلبه فيرى حقائق الأشياء فمتى تجلت على العبد أنوار المشاهدة الحقيقية الروحية الدالة على عظمة الفردانية تلاشى الوجود الذي للعبد واضمحل كما يتلاشى الليل إذا أسفر عليه الصباح ويكون العبد في","vol":"2","page":1329},{"text":"ذلك آكلا شاربا فلا يظهر عليه شيء مغاير لما اعتاده لكن يزداد إيمانه ويقينه حتى ربما غطى إيمانه عن قلبه كل شيء في أوقات سكره ويبقى وجوده كالخيال قائما بالعبودية في حضرة ذي الجلال وتعود عليه البصائر الصحيحة في معرفة الأشياء عند صحوه ثم يزول عنه عدم التمييز ويقوى على حاله فيتصرف وذلك هو البقاء بحيث يتصرف في الأشياء ولا يحجب عنه ما وجده من الإيمان والإيقان في حال البقاء بل يعود عليه شعوره الأول بوجود آخر يتولاه الله ﷿ مشهده فيه قيامه عليه بتدبيره ويصل إلى مقام المراد بعد عبوره على مقام المريد فيصير به يسمع وبه ينطق كما جاء في الحديث الصحيح.\nووجه آخر وهو أن الفاني في حال فنائه قبل أن يبلغ إلى مقام البقاء والصحوة والتمييز فيستر من قلبه محل الزهد والصبر والورع لا بمعنى أن تلك المقامات ذهبت وارتفع عنها العبد لكن بمعنى أن الشهود ستر محلها من القلب وانطوت واندرجت في ضمن ما وجده اندراج الحال النازل في الحال العالي فصارت فيما وجده الواجد من وجود الحق ضمنا وتبعا وصار القلب مشتغلا بالحال الأعلى عن الحال الأدنى بحيث لو فتش قلب العبد لوجد فيه الزهد والورع وحقائق الخوف والرجاء مستورا بأمثال الجبال من الأحوال الوجودية التي يضيق القلب عن الاتساع لمجموعها وفي حال البقاء والصحو والتمييز تعود عليه تلك المقامات بالله لا بوجود نفسه إذا علمت ذلك انحل إشكال قوله إن مشاهدة العبد لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة لصعوده إلى معنى الحكم أي أن صفة حكم الله حشت بصيرته وملأتها فشهد قيام الله على الأشياء وتصرفه فيها وحكمه عليها فرأى الأشياء كلها منه صادرة عن نفاذ حكمه وتقديره وإرادته القدرية فغاب بما لاحظ من الجمع عن التمييز والفرق ويسمى هذا جمعا لأن العبد اجتمع نظره إلى مولاه في كل حكم وقع في الكون وفي ملاحظة هذا الحكم الذي صدرت عنه التصرفات","vol":"2","page":1330},{"text":"اجتمع قلبه ولضعف قلبه حين هذا الاجتماع لم يتسع للتمييز الشرعي بين الحسن والقبيح بمعنى أنه انطوى حكم معرفته بالحسن والقبيح في طي هذه المعرفة الساترة له عن التمييز لا بمعنى أنه ارتفع عن قلبه حكم التحسين والتقبيح بل اندرج في مشهده وانطوى بحيث لو فتش لوجد حكم التحسين والتقبيح مستورا في طي مشهده ذلك وبالله التوفيق.\nوتلخيص ما ذكره شيخنا ﵀ أن للفعل وجهين:\nوجه قائم بالرب تعالى وهو قضاؤه وقدره له وعلمه به والعبد له ملاحظتان: ملاحظة للوجه الأول وملاحظة للوجه الثاني والكمال أن لا يغيب بأحد الملاحظتين عن الأخرى بل يشهد قضاء الرب وقدره ومشيئته ويشهد مع ذلك فعله وجنايته وطاعته ومعصيته فيشهد الربوبية والعبودية فيجتمع في قلبه معنى قوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير الآية: ٢٨] مع قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّه﴾ [التكوير الآية: ٢٩] وقوله: ﴿إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ وَمَا يَذْكُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [المدثر الآيات: ٥٤ - ٥٥ - ٥٦]، فمن الناس من يتسع قلبه لهذين الشهودين ومنهم من يضيق قلبه عن اجتماعهما بقوة الوارد عليه وضعف المحل فيغيب بشهود العبودية والكسب وجهة الطاعة والمعصية عن شهود الحكم القائم بالرب تعالى من غير إنكار له فلا يظهر عليه إلا أثر الفعل وحكمه الشرعي وهذا لا يضره إذا كان الإيمان بالحكم قائما في قلبه ومنهم من يغيب بشهود الحكم وسبقه وأولية الرب تعالى وسبقه للأشياء عن جهة عبوديته وكسبه وطاعته ومعصيته فيغيب بشهود الحكم عن المحكوم به فضلا عن صفته فإذا لم يشهد له فعلا فكيف يشهد كونه حسنا أو قبيحا وهذا أيضا لا يضره إذا كان علمه بحسن الفعل وقبحه قائما في قلبه وإنما توارى عنه لاستيلاء شهود الحكم على قلبه وبالله التوفيق،","vol":"2","page":1331},{"text":"فأين هذا من احتجاج أعداء الله بمشيئته وقدره على إبطال أمره ونهيه وعباد هؤلاء الكفرة يشهدون أفعالهم كلها طاعات لموافقتها المشيئة السابقة ولو أغضبهم غيرهم وقصر في حقوقهم لم يشهدوا فعله طاعة مع أنه وافق فيه المشيئة فما احتج بالقدر على إبطال الأمر والنهي الآمن هو من أجهل الناس وأظلمهم وأتبعهم لهواه وتأمل قوله سبحانه بعد حكايته عن أعدائه واحتجاجهم بمشيئته وقدره على إبطال ما أمرهم به رسوله وأنه لولا محبته ورضاه به لما شاءه منهم: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام الآية: ١٤٩]، فأخبر سبحانه أن الحجة له عليهم برسله وكتبه وبيان ما ينفعهم ويضرهم وتمكنهم من الإيمان بمعرفة أوامره ونواهيه وأعطاهم الأسماع والأبصار والعقول فثبتت حجته البالغة عليهم بذلك واضمحلت حجتهم الباطلة عليه بمشيئته وقضائه ثم قرر تمام الحجة بقوله: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام الآية: ١٤٩]، فإن هذا يتضمن أنه المتفرد بالربوبية والملك والتصرف في خلقه وأنه لا رب غيره ولا إله سواه فكيف يعبدون معه إلها غيره فإثبات القدر والمشيئة من تمام حجته البالغة عليهم وأن الأمر كله لله وأن كل شيء ما خلا الله باطل فالقضاء والقدر والمشيئة النافذة من أعظم أدلة التوحيد فجعلها الظالمون الجاحدون حجة لهم على الشرك فكانت حجة الله هي البالغة وحجتهم هي الداحضة وبالله التوفيق،\n\n<span data-type='title' id=toc-411>رابعًا: القول الراجح في معنى الحديث.</span>\nإذا عرفت هذا فموسى أعرف بالله وأسمائه وصفاته من أن يلوم على ذنب قد تاب منه فاعله فاجتباه ربه بعده وهداه واصطفاه وآدم أعرف بربه من أن يحتج بقضائه وقدره على معصيته بل إنما لام موسى آدم على المعصية التي نالت الذرية بخروجهم من الجنة ونزولهم إلى دار الابتلاء والمحنة بسبب خطيئة أبيهم فذكر الخطيئة تنبيها على سبب المصيبة المحنة التي نالت الذرية ولهذا قال له أخرجتنا ونفسك من الجنة وفي لفظ خيبتنا فاحتج آدم بالقدر على المصيبة وقال أن هذه","vol":"2","page":1332},{"text":"المصيبة التي نالت الذرية بسبب خطيئتي كانت مكتوبة بقدره قبل خلقي والقدر يحتج به في المصائب دون المعائب أي أتلومني على مصيبة قدرت علي وعليكم قبل خلقي بكذا وكذا سنة هذا جواب شيخنا ﵀.\nوقد يتوجه جواب آخر: وهو أن الاحتجاج بالقدر على الذنب ينفع في موضع ويضر في موضع ويضر في موضع فينفع إذا احتج به بعد وقوعه والتوبة منه وترك معاودته كما فعل آدم فيكون في ذكر القدر إذ ذاك من التوحيد ومعرفة أسماء الرب وصفاته وذكرها ما ينتفع به الذاكر والسامع لأنه لا يدفع بالقدر أمرا ولا نهيا ولا يبطل به شريعة بل يخبر بالحق المحض على وجه التوحيد والبراءة من الحول والقوة، يوضحه أن آدم قال لموسى أتلومني على أن عملت عملا كان مكتوبا علي قبل أن أخلق فإذا أذنب الرجل ذنبا ثم تاب منه توبة وزال أمره حتى كأن لم يكن فأنبه مؤنب عليه ولامه حسن منه أن يحتج بالقدر بعد ذلك ويقول هذا أمر كان قد قدر عليّ قبل أن أخلق فإنه لم يدفع بالقدر حقا ولا ذكره حجة له على باطل ولا محذور في الاحتجاج به.\nوأما الموضع الذي يضر الاحتجاج به ففي الحال والمستقبل بأن يرتكب فعلا محرما أو يترك واجبا فيلومه عليه لائم فيحتج بالقدر على إقامته عليه وإصراره فيبطل بالاحتجاج به حقا ويرتكب باطلا كما احتج به المصرون على شركهم وعبادتهم غير الله فقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام الآية: ١٤٨]، ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف الآية: ٢٠]، فاحتجوا به مصوبين لما هم عليه وأنهم لم يندموا على فعله ولم يعزموا على تركه ولم يقروا بفساده فهذا ضد احتجاج من تبين له خطأ نفسه وندم وعزم كل العزم على أن لا يعود فإذا لامه لائم بعد ذلك قال كان ما كان بقدر الله، ونكتة المسألة أن اللوم إذا ارتفع صح الاحتجاج بالقدر وإذا كان اللوم واقعا فالاحتجاج بالقدر باطل،","vol":"2","page":1333},{"text":"فإن قيل فقد احتج عليّ بالقدر في ترك قيام الليل وأقره النبي ﷺ كما في الصحيح عن علي: \"أن رسول الله صلى الله عيه وسلم طرقه وفاطمة ليلا فقال لهم ألا تصلون قال فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثها بعثها فانصرف رسول الله ﷺ حين قلت له ذلك ولم يرجع إلي شيئا ثم سمعته وهو مدبر يضرب فخذه وهو يقول: ﴿وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ \"، قيل علي لم يحتج بالقدر على ترك واجب ولا فعل محرم وإنما قال أن نفسه ونفس فاطمة بيد الله فإذا شاء أن يوقظها ويبعث أنفسها بعثها وهذا موافق لقول النبي ﷺ ليلة ناموا في الوادي: «إن الله قبض أرواحنا حيث شاء وردها حيث شاء» وهذا احتجاج صحيح صاحبه يعذر فيه فالنائم غير مفرط واحتجاج غير المفرط بالقدر صحيح وقد أرشد النبي ﷺ إلى الاحتجاج بالقدر في الموضع الذي ينفع العبد الاحتجاج به فروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير أحرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل قدر الله ما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان». فتضمن هذا الحديث الشريف أصولا عظيمة من أصول الإيمان:\nأحدها: أن الله ﷾ موصوف بالمحبة وأنه يحب حقيقة.\nالثاني: أنه يحب مقتضى أسمائه وصفاته وما يوافقها فهو القوي ويحب المؤمن القوي، وهو وتر يحب الوتر، وجميل يحب الجمال، وعليم يحب العلماء، ونظيف","vol":"2","page":1334},{"text":"يحب النظافة، ومؤمن يحب المؤمنين، ومحسن يحب المحسنين، وصابر يحب الصابرين، وشاكر يحب الشاكرين،\nومنها أن محبته للمؤمنين تتفاضل فيحب بعضهم أكثر من بعض.\nومنها أن سعادة الإنسان في حرصه على ما ينفعه في معاشه ومعاده والحرص هو بذل الجهد واستفراغ الوسع فإذا صادف ما ينتفع به الحريص كان حرصه محمودا وكماله كله في مجموع هذين الأمرين أن يكون حريصا وأن يكون حرصه على ما ينتفع به فإن حرص على مالا ينفعه أو فعل ما ينفعه بغير حرص فاته من الكمال بحسب ما فاته من ذلك فالخير كله في الحرص على ما ينفع ولما كان حرص الإنسان وفعله إنما هو بمعونة الله ومشيئته وتوفيقه أمره أن يستعين به ليجتمع له مقام: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة الآية: (٥)]. فإن حرصه على ما ينفعه عبادة لله ولا تتم إلا بمعونته فأمره بأن يعبده وأن يستعين به ثم قال ولا تعجز فإن العجز ينافي حرصه على ما ينفعه وينافي استعانته بالله فالحريص على ما ينفعه المستعين بالله ضد العاجز فهذا إرشاد له قبل رجوع المقدور إلى ما هو من أعظم أسباب حصوله وهو الحرص عليه مع الاستعانة بمن أزمة الأمور بيده ومصدرها منه ومردها إليه فإن فاته ما لم يقدر له فله حالتان حالة عجز وهي مفتاح عمل الشيطان فيلقيه العجز إلى لو ولا فائدة في لو ههنا بل هي مفتاح اللوم والجزع والسخط والأسف والحزن وذلك كله من عمل الشيطان فنهاه ﷺ عن افتتاح عمله بهذا المفتاح.\nوأمره بالحالة الثانية وهي النظر إلى القدر وملاحظته وأنه لو قدر له لم يفته ولم يغلبه عليه أحد فلم يبق له ههنا أنفع من شهود القدر ومشيئة الرب النافذة التي توجب وجود المقدور وإذا انتفت امتنع وجوده فلهذا قال فإن غلبك أمر فلا تقل","vol":"2","page":1335},{"text":"لو أني فعلت لكان كذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فأرشده إلى ما ينفعه في الحالتين حالة حصول مطلوبة وحالة فواته فلهذا كان هذا الحديث مما لا يستغني عنه العبد أبدا بل هو أشد شيء إليه ضرورة وهو يتضمن إثبات القدر والكسب والاختيار والقيام والعبودية ظاهرا وباطنا في حالتي حصول المطلوب وعدمه وبالله التوفيق\" (^١)\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"فمن راعى الأمر والقدر- كما ذكر- كان عابدًا لله، مطيعًا له، مستعينًا به، متوكلًا عليه، من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.\nوقد جمع الله سبحانه بين هذين الأصلين في غير موضع، كقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة الآية: (٥)]، وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود الآية: (١٢٣)]، وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود الآية: ٨٨]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا • وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق الآيات: ٢ - ٣]، فالعبادة له والاستعانة به، وكان النبي -ﷺ- يقول عند الأضحية: «اللهم منك ولك»، فما لم يكن بالله لا يكون، فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله، وما لم يكن لله لا ينفع ولا يدوم\".\nالشرح\nقال ابن تيمية: \"وَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ عَوَامُّهُمْ وَخَوَّاصُهُمْ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنْ النَّاسِ» قِيلَ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ «قَالَ\n_________\n(^١) شفاء العليل ١/ ١٣ - ١٩.","vol":"2","page":1336},{"text":"أَهْلُ الْقُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ» فَهَؤُلَاءِ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَمَلِيكُهُ وَخَالِقُهُ وَأَنَّ الْخَالِقَ سُبْحَانَهُ مُبَايِنٌ لِلْمَخْلُوقِ.\nوَيَعْلَمُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِطَاعَتِهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ وَنَهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَمَعْصِيَةِ رَسُولِهِ وَأَنَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَأَنَّ عَلَى الْخَلْقِ أَنْ يَعْبُدُوهُ فَيُطِيعُوا أَمْرَهُ وَيَسْتَعِينُوا بِهِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا قَالَ ﴿إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة الآية: (٥)] ..\nوَمِنْ عِبَادَتِهِ وَطَاعَتِهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ - بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ - وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ لِأَهْلِ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ.\nفَيَجْتَهِدُونَ فِي إقَامَةِ دِينِهِ مُسْتَعِينِينَ بِهِ دَافِعِينَ مُزِيلِينَ بِذَلِكَ مَا قُدِّرَ مِنْ السَّيِّئَاتِ دَافِعِينَ بِذَلِكَ مَا قَدْ يُخَافُ مِنْ ذَلِكَ كَمَا يُزِيلُ الْإِنْسَانُ الْجُوعَ الْحَاضِرَ بِالْأَكْلِ وَيَدْفَعُ بِهِ الْجُوعَ الْمُسْتَقْبَلَ وَكَذَلِكَ إذَا آنَ أَوَانُ الْبَرْدِ دَفَعَهُ بِاللِّبَاسِ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَطْلُوبٍ يُدْفَعُ بِهِ مَكْرُوهٌ. كَمَا قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ ﴿يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ أَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا وَرُقًى نسترقي بِهَا وَتُقَاةً نَتَّقِي بِهَا هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ فَقَالَ: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ﴾. وَفِي الْحَدِيثِ ﴿إنَّ الدُّعَاءَ وَالْبَلَاءَ لَيَلْتَقِيَانِ فَيَعْتَلِجَانِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ فَهَذَا حَالُ الْمُؤْمِنِينَ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ الْعَابِدِينَ لِلَّهِ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الْعِبَادَةِ\" (^١)\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ١٦٢ - ١٦٣.","vol":"2","page":1337},{"text":"المتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"ولا بد في عبادته من أصلين:\nأحدهما: إخلاص الدين له.\nوالثاني: موافقة أمره الذي بعث به رسله.\nولهذا كان عمر بن الخطاب ﵁ يقول في دعائه: \"اللهم اجعل عملي كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا، ولا تجعل لأحد فيه شيئًا\". وقال الفضيل بن عياض ﵀ في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢]، قال: \"أخلصه وأصوبه. قيل: يا أبا علي ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إذا كان العمل خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السُّنَّة\".\nولهذا ذم الله المشركين في القرآن على اتباع ما شرع لهم شركاؤهم من الدِّين الذي لم يأذن به الله من عبادة غيره، وفعل ما لم يشرعه من الدِّين، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى الآية: ٢١]، كما ذمهم على أنهم حرموا ما لم يحرمه الله، والدّين الحق أنه لا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله\".\nالشرح\nمن حكمة الله وهو أحكم الحاكمين أنه لَمَّا فرض عليهم عبادته وجعلها مبنيةً على محبَّته ورجائه وخوفه، أوضح لهم بعد ذلك شروط صحة تلك العبادة، وأنها لا تكون صحيحة ومقبولة عنده إلا إذا توافرت فيها هذه الشروط، التي دلَّ عليها الكتابُ والسُّنَّةُ وإجماعُ الأمَّة، وهي:","vol":"2","page":1338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-412>شروط صحة العبادة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-413>الشرط الأول: الإخلاص، وهو لُبُّ الدِّين، وعموده الأعظم.</span>\nتعريف الإخلاص:\n\n<span data-type='title' id=toc-414>الإخلاص لغة:</span>\nوهو لغةً: «تصفية الشيء وتنقيته؛ يقال: خلص الشيء من الشوائب: إذا صفا، وأخلص الشيء: نَقَّاه، وخلَّصه: أزال عنه ما يكدره (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-415>الإخلاص شرعًا:</span>\nتَنَوَّعت عباراتُ العلماء في المراد به شرعًا:\nفقيل: هو «قصد المعبود وحده بالعبادة» كما قال تعالى: ﴿ولَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف الآية: ١١٠] (^٢).\nوقيل: تخليص القلب من كلِّ شوب يُكدِّر صفاءه (^٣).\nوقيل: أن يكون الداعي إلى الإتيان بالمأمور وإلى ترك المنهي إرضاء الله ﷾ (^٤).\nوالتعريفات متقاربة، ومدارها على أن يريد العبد بطاعته التقرُّب إلى الله سبحانه دون أيِّ شيءٍ آخر من تصنُّعٍ لمخلوقٍ أو اكتساب محمدةٍ عند الناس، أو محبة مدحٍ من الخلق، أو معنى من المعاني سِوى التقرُّب به إلى الله تعالى (^٥).\n_________\n(^١) انظر: «معجم مقاييس اللغة» لابن فارس (٢/ ٢٠٨)، و«المصباح المنير» للفيومي (٩٤).\n(^٢) عمدة الحفاظ (١/ ٦٠٠).\n(^٣) التوقيف على مهمات التعريف ص (٤٣).\n(^٤) التحرير والتنوير (٢٣/ ٣١٨).\n(^٥) انظر: «العبادة .. تعريفها. أركانها. شروطها. مبطلاتها» لسليمان العثيم (ص ٣٩، ٤٠).","vol":"2","page":1339},{"text":"<span data-type='title' id=toc-416>أهل الإخلاص:</span>\nأهل الإخلاص للمعبود والمتابعة للنبي -ﷺ- هم: مَنْ كانت أعمالهم كلُّها لله، وأقوالهم لله، وعطاؤهم لله، ومَنعهم لله، وحُبهم لله وبُغضهم لله؛ فمعاملتهم ظاهرًا وباطنًا لوجه الله وحده، لا يريدون بذلك من الناس جزاءً ولا شكورًا، ولا ابتغاء الجاه عندهم وطلب المحمدة والمنزلة في قلوبهم ولا هربًا من ذمِّهم، بل قد عدُّوا الناس بمنزلة أصحاب القبور لا يَملكون لهم ضرًّا ولا نفعًا ولا حياةً ولا نشورًا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-417>الأدلة على شرط الإخلاص:</span>\nوردت أدلَّةٌ كثيرةٌ في الكتاب والسُّنَّة مُقَرِّرةً هذا الشرط؛ فمن الكتاب:\nقوله تعالى آمرًا نبيه محمدًا -ﷺ- أن يُوضِّح لأمته ما أُمر به من قِبل الله ﷿، فقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ ولَا أُشْرِكَ بِهِ﴾ [الرعد الآية: ٣٦]، وقال ﷻ: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر الآية: ١١]، وقال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر الآية: ١٤]، وقال جل وعلا مُوَضِّحًا ما أُمر به المؤمنون: ﴿ومَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ …﴾ [البينة الآية: ٥]، وقال تعالى: ﴿ومَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وجْهِ رَبِّهِ الأَعْلَى * ولَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [الليل الآيات: ١٩ - ٢١]، وقال ﷿: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا ولَا دِمَاؤُهَا ولَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ﴾ [الحج الآية: ٣٧]، وقال جل وعلا: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَليَعْمَل عَمَلًا صَالِحًا ولَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف الآية: ١٠].\n\n<span data-type='title' id=toc-418>ومن السُّنَّة:</span>\nقال ﵊: «إنَّما الأعمال بالنِّيات، وإنَّما لكل امرئ ما نوى؛ فمَن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أو امرأة يَنكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (^٢).\n_________\n(^١) «مدارج السالكين» لابن القَيِّم (١/ ٨٣)، دار الكتاب العربي، بيروت.\n(^٢) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب؟.","vol":"2","page":1340},{"text":"وقال -ﷺ-: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم» (^١).\nوعن أبي موسى الأشعري؟ قال: سئل رسول الله -ﷺ- عن الرجل شَجاعة ويقاتل حَمِيَّة ويقاتل رياءً، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ قَاتَلَ لِتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله» (^٢).\nفهذه الأدلة تدلُّ على وجوب إخلاص النية في جميع العبادات.\n\n<span data-type='title' id=toc-419>أهمية الإخلاص:</span>\nالإخلاص شرط لصحة العمل وقبوله إن كان عبادة محضة؛ كالصَّلاة والزكاة والصيام والحج والطواف وقراءة القرآن، وشرط لحصول الثواب إن كان غير ذلك؛ كالأكل والشرب والنوم والكسب ونحو ذلك.\nوما أعظم مقام الإخلاص عند الله! وما أشقَّه على النفس! لذا جديرٌ بالمسلم أن يجاهد نفسه ويحاسبها في كلِّ قول وعمل، بل وفي كلِّ مقام ولحظة.\nقال سهل بن عبد الله: «ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنَّه ليس لها فيه نصيب» (^٣).\nوقال يوسف بن الحسين الرازي: «أعزُّ شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه يَنبت فيه على لون آخر» (^٤).\nفعمل القلب هو رُوح العبودية ولُبُّها، فإذا خلا عملُ الجوارح منه كان كالجسد\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٦٤) من حديث أبي هريرة؟.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٨١٠) ومسلم (١٩٠٤)، وهذا لفظ مسلم.\n(^٣) ذكره عنه ابنُ رجب في «جامع العلوم والحكم» (١/ ٨٤).\n(^٤) المصدر السابق.","vol":"2","page":1341},{"text":"الميت بلا رُوح، والنية هي عمل القلب.\nوالكلام في مسألة النِّيَّة شديد الارتباط بأعمال القلوب ومعرفة مراتبها وارتباطها بأعمال الجوارح وبنائها عليها وتأثيرها فيها صحةً وفسادًا، وإنَّما هي الأصل المراد المقصود، وأعمال الجوارح تَبَعٌ ومكمِّلة ومتمِّمة، وأنَّ النية بمنزلة الرُّوح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء، الذي إذا فارق الروح فمَوَات، وكذلك العمل إذا لم تَصحبه النية فحركة عابث؛ فمعرفة أحكام القلوب أهم مِنْ معرفة أحكام الجوارح؛ إذ هو أصلُها، وأحكام الجوارح متفرِّعة عنها.\nوالمؤمنون العارفون بالله وبأمره قاموا له بحقيقة العبودية ظاهرًا وباطنًا، وقدَّموا قلوبهم في الخدمة، وجعلوا الأعضاء تبعًا لها، وهي حقيقة العبودية، ومن المعلوم أنَّ هذا هو مقصود الربِّ بإرسال رُسُله وإنزال كُتُبه وشرعه شرائعه. ومَن تأمَّل الشريعة في مصادرها ومواردها علم ارتباط أعمال الجوارح بأعمال القلوب، وأنها لا تنفع بدونها، وأنَّ أعمال القلوب أفرض على العبد من أعمال الجوارح، وهل يُميز المؤمن عن المنافق إلا بما في قلب كلِّ واحد منهما من الأعمال التي ميَّزت بينهما، وهل يمكن لأحدٍ الدخول في الإسلام إلَّا بعمل قلبه قبل جوارحه؛ فعبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح وأكثر وأدوم، فهي واجبة في كلِّ وقت، ولهذا كان الإيمان واجب القلب على الدوام، والإسلام واجب الجوارح في بعض الأحيان، فمركب الإيمان القلب، ومركب الإسلام الجوارح (^١).\nإن أساس القبول لأيِّ عبادة هو إخلاص القلب فيها لله تعالى؛ فإن حقيقة العبادة ليست شكلًا فقط، وإنَّما هي سِرٌّ يتعلق بالقلب، ويَنبع من الرُّوح، فإذا لم يَصْدُق قلب المسلم في عبادته، ولم يُخلص لله في طاعته- صارت كالجسد بلا رُوح، وساعتها\n_________\n(^١) انظر «بدائع الفوائد» لابن القيِّم (٣/ ١٨٧ - ١٩٣).","vol":"2","page":1342},{"text":"يردُّها الله عليه؛ قال تعالى: ﴿ومَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة الآية: ٥]، وقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: ٢]، وقال: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر الآية: ١١]، وقال: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي﴾ [الزمر الآية: ١٤].\nفالقلبُ هو الأساس في الإسلام، وهو مَوضع نظر الله تعالى، ومحل عنايته، وهو مُستند القبول والفلاح في الآخرة، وفي هذا يقول الرسول -ﷺ-: «إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» (^١)، ويقول: «ألا إن في الجسد مُضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله؛ ألا وهي القلب» (^٢)، ويقول الله تعالى: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالغَيْبِ وجَاءَ بِقَلبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الخُلُودِ﴾ [ق الآيات: ٣١ - ٣٤].\n\n<span data-type='title' id=toc-420>أثر الإخلاص في الأعمال:</span>\nإنَّ الإخلاصَ يشترط في كلِّ عمل شرعه الله ليُتعبد به ويُتقرب به إليه، وقد هاجر أحدُ المسلمين في زمن النبي -ﷺ- من مكة إلى المدينة من أجل امرأة يريد الزواج بها تُعرف بأم قيس، فسُمِّي «مهاجر أم قيس» (^٣).\nوفي هذا الشأن حَدَّثهم النبي -ﷺ- ذلك الحديث الجامع الذي عَدَّه بعض المُحَدِّثين ربع الإسلام أو ثُلُثه أو نصفه، والذي افتتح به الإمام البخاري «جامعه الصحيح»: «إنَّما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى؛ فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها أو امرأة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٥٦٤) من حديث أبي هريرة؟، وقد تقدم.\n(^٢) أخرجه البخاري (٥٢) ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير؟.\n(^٣) انظر: «شرح الأربعين النووية» لابن دقيق العيد (ص ٢٧).","vol":"2","page":1343},{"text":"ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (^١).\nوهذا الحديث أجمع علماء الإسلام في كل اختصاص على تلقيه بالقبول (^٢).\nوقيمة (النية) في الإسلام لا تعتمد على هذا الحديث وحده، وإنما تعتمد على نصوص وأحاديث كثيرة مستفيضة، تُعطي في مجموعها يقينًا جازمًا بأن الأعمال بالنيات، وأنَّ لكل امرئ ما نوى، ولو أخذنا كتابًا كـ «الترغيب والترهيب» للحافظ المنذري مثلًا لوجدناه يَذكر في فضل النية الصالحة أحد عشر حديثًا، وفي الترغيب في الإخلاص ثلاثة عشر حديثًا، وفي الترهيب من الرياء أكثر من ثلاثين.\nفهذه المجموعة من الأحاديث وما شابهها- مع ما جاء في القرآن من آيات- هو السند اليقين لقيمة النية في الأعمال.\n\n<span data-type='title' id=toc-421>الشرط الثاني: المتابعة:</span>\n<span data-type='title' id=toc-422>تعريف المتابعة:</span>\nمعنى المتابعة: أن تكون عبادة المسلم تابعةً لِما جاء عن الله ورسوله -ﷺ-، وهذا هو تحقيق شهادة أنَّ محمدًا رسول الله، وهو طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أَخبر، واجتناب ما نهى عنه وزجر، وألَّا يُعبد الله إلَّا بما شرع ﵊.\n\n<span data-type='title' id=toc-423>الأدلة على وجوب هذا الشرط:</span>\nأوَّلًا: من القرآن:\nقوله تعالى: ﴿ومَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ومَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر الآية: ٧]، وقوله جل وعلا: ﴿ومَا أَرْسَلنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ …﴾ [النساء الآية: ٦٤]، وقوله سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ …﴾ [النساء الآية: ٨٠]، وقوله جل وعلا: ﴿ومَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ولَا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧) من حديث عمر بن الخطاب؟، وقد تقدم.\n(^٢) انظر: «شرح الأربعين النووية» لابن دقيق العيد (ص ٢٤، ٢٥).","vol":"2","page":1344},{"text":"مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ ورَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب الآية: ٣٦].\nثانيًا: ومِن السُّنَّة:\nما رواه مسلم في «صحيحه» عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله -ﷺ-: «مَنْ عَمِل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ» (^١).\nوفي رواية عنها﵂- أيضًا: «مَنْ أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردٌّ» (^٢)، أي: مردود عليه غير مُتَقَبَّل منه كائنًا مَنْ كان.\nوفي معرض ذكر أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة قال ابن القيم ﵀: «وكذلك أعمالهم كلها وعبادتهم موافقة لأمر الله ولِما يُحبه ويرضاه، وهذا هو العمل الذي لا يَقبل الله من عاملٍ سواه، وهو الذي ابتلى عباده بالموت والحياة لأجله؛ قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والحَيَاةَ لِيَبْلُوكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك الآية: ٢]. وجعل ما على الأرض زينة لها؛ ليَختبرهم أيهم أحسن عملًا.\nقال الفضيل بن عياض: «العمل الحَسَن هو: أخلصه وأصوبه، قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إنَّ العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يُقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل حتى يكون خالصًا وصوابًا، والخالص: ما كان لله. والصَّواب: ما كان على السُّنَّة» … فلا يَقبل الله من العمل إلَّا ما كان خالصًا لوجهه، على متابعة أمره، وما عدا ذلك فهو مردودٌ على عامله، يُرد عليه أحوج ما هو إليه هباءً منثورًا» (^٣).\nجماع هذه الشروط:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٧١٨).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٧) ومسلم (١٧١٨) من حديث أبي هريرة؟.\n(^٣) «مدارج السالكين» (١/ ١٠٤، ١٠٥)، دار الكتاب العربي- بيروت، الطبعة الثالثة، ١٤١٦ هـ- ١٩٩٦ م.","vol":"2","page":1345},{"text":"وقد جمع الله بين هذه الشروط الثلاثة في آية واحدة؛ فقال تعالى: ﴿ومَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهُو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا واتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء الآية: ١٢٥].\nوبيان ذلك:\nالشرط الأول: الإخلاص، ودليله: قوله تعالى: ﴿أَسْلَمَ وجْهَهُ للهِ …﴾ [النساء الآية: ١٢٥] الآية.\nوالشرط الثاني: المتابعة، ودليلها: قوله سبحانه: ﴿وهُو مُحْسِنٌ﴾ [النساء الآية: ١٢٥]، والمحسن: هو ما كان عمله وَفْق ما جاء عن اللهِ وعن رسولِه -ﷺ-.\nالشرط الثالث: صحَّة المعتقَد، ودليله قوله ﷻ: ﴿واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا …﴾ [النساء الآية: ١٢٥] الآية.\nقال الشيخ السعدي ﵀ في تفسير هذه الآية: \"أي: لا أحدَ أحسن من دينِ مَنْ جَمَع بين الإخلاص للمعبود، وهو إسلام الوجه لله، الدَّال على استسلام القلب وتوجُّهه وإنابته وإخلاصه، وتوجُّه الوجه وسائر الأعضاء لله. ﴿وهو﴾ [النساء الآية: ١٢٥] مع هذا الإخلاص والاستسلام ﴿مُحسِن﴾ [النساء الآية: ١٢٥] أي: مُتَّبِع لشريعة الله التي أَرسل الله بها رُسله، وأنزل بها كتُبه، وجعلها طريقًا لخواص خلقه وأتباعه.\n﴿واتبع ملة إبراهيم﴾ [النساء الآية: ١٢٥] أي: دينه وشرعه.\n﴿حنيفًا﴾ [النساء الآية: ١٢٥] أي: مائلًا عن الشرك إلى التوحيد وعن التوجُّه للخلق، إلى الإقبال على الخالق\" (^١).\nفلا بدَّ من توفُّر هذه الشروط في العبادة حتى تكون صالحةً مقبولةً عند الله ﷿.\n_________\n(^١) «تفسير السعدي» المسمى: «تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان» (ص ٢٠٦)، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، ١٤٢٠ هـ- ٢٠٠٠ م.","vol":"2","page":1346},{"text":"أمَّا إذا اختلَّ شرطٌ من هذه الشروط فإنَّها لا تصحُّ، وبالتالي لا تنفع صاحبها، بل تكون وبالًا عليه في الدِّين والدُّنيا والآخرة (^١).\n_________\n(^١) انظر: «العبادة .. تعريفها. أركانها. شروطها. مبطلاتها» لسليمان العثيم (ص ٤٨ - ٥١).","vol":"2","page":1347},{"text":"<span data-type='title' id=toc-424>انقسام الناس في عبادة الله والاستعانة إلى أربعة أقسام</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"ثم إن الناس في عبادته واستعانته على أربعة أقسام\nفالمؤمنون المتقون هم له وبه، يعبدونه ويستعينونه.\nوطائفة تعبده من غير استعانة ولا صبر، فتجد عند أحدهم تحرِّيًا للطاعة والورع، ولزوم السنة، لكن ليس لهم توكل واستعانة وصبر، بل فيهم عجز وجزع.\nوطائفة فيهم استعانة وتوكل وصبر، من غير استقامة على الأمر ولا متابعة للسنة، فقد يمكَّن أحدهم، ويكون له نوع من الحال باطنًا وظاهرًا، ويعطى من المكاشفات والتأثيرات ما لم يعطه الصنف الأول، ولكن لا عاقبة له، فإنه ليس من المتقين، والعاقبة للتقوى، فالأولون لهم دين ضعيف، ولكنه مستمر باق إن لم يفسده صاحبه بالجزع والعجز، وهؤلاء لأحدهم حال وقوة، ولكن لا يبقى له إلا ما وافق فيه الأمر، واتبع فيه السنة.\nوشر الأقسام من لا يعبده ولا يستعينه، فهو لا يشهد أن علمه لله، ولا أنه بالله\".\nالشرح\nأقسام النَّاس في شروط صحة العبادة\nالناس مُنقسمون في هذا الباب إلى أربعة أقسام:\nأحدها: أهل الإخلاص للمعبود والمتابعة:","vol":"2","page":1348},{"text":"(الإخلاص): إذ إنَّ أعمالهم كلها لله، وأقوالهم لله، وعطاءهم لله، ومنعهم لله، وحُبَّهم لله، وبُغضهم لله؛ فمعاملتهم ظاهرًا وباطنًا لوجه الله وحده، لا يُريدون بذلك من الناس جزاء ولا شكورا، ولا ابتغاء الجاه عندهم، ولا طلب المحمدة، والمنزلة في قلوبهم، ولا هربًا من ذَمِّهم، بل قد عَدُّوا الناس بمنزلة أصحاب القبور، لا يملكون لهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا؛ فالعمل لأجل الناس، وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجاؤهم للضر والنفع منهم- لا يكون مِنْ عارف بهم البتة، بل من جاهل بشأنهم، وجاهل بربِّه؛ فمَن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومَن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله، وعطاءه ومنعه وحبه وبغضه، ولا يُعامل أحد الخلق دون الله إلا لجهله بالله وجهله بالخلق، وإلا فإذا عرف الله وعرف الناس آثرَ معاملة الله على معاملتهم.\n(المتابعة): وكذلك أعمالهم كلها وعبادتهم موافقة لأمر الله، ولما يحبه ويرضاه، وهذا هو العمل الذي لا يَقبل الله مِنْ عامل سواه، وهو الذي ابتلى عباده بالموت والحياة لأجله؛ فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصًا لوجهه، على متابعة أمره، وما عدا ذلك فهو مردود على عامله، يُرد عليه أحوج ما هو إليه هباء منثورًا، وكل عمل بلا اقتداء؛ فإنَّه لا يزيد عامله من الله إلا بُعدًا، فإنَّ الله تعالى إنما يُعبد بأمره، لا بالآراء والأهواء.\nالقسم الثاني: مَنْ لَا إِخْلَاصَ لَهُ ولَا مُتَابَعَةَ:\nفَلَيْسَ عَمَلُهُ مُوافِقًا لِشَرْعٍ، ولَيْسَ هُو خَالِصًا لِلمَعْبُودِ؛ كَأَعْمَالِ المُتَزَيِّنِينَ لِلنَّاسِ، المُرَائِينَ لَهُمْ بِمَا لَمْ يَشْرَعْهُ اللهُ ورَسُولُهُ؛ فَإِنَّهُمْ يَرْتَكِبُونَ الأمور التي لم يَشرعها الله، ويجمعون معها الرِّيَاءَ والسُّمْعَةَ، فَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوهُ مِنَ الِاتِّبَاعِ والإِخْلَاصِ والعِلمِ.","vol":"2","page":1349},{"text":"القسم الثالث: مَنْ هُو مُخْلِصٌ فِي أَعْمَالِهِ، لَكِنَّهَا عَلَى غَيْرِ مُتَابَعَةِ الأَمْرِ:\nبعض الناس يَظهر عليه الإخلاص في عمله، لكنه يفعل أمورًا مخالفةً للشرع؛ كمن يَظُنُّ أَنَّ مُواصَلَةَ صَوْمِ النَّهَارِ بِاللَّيْلِ قُرْبَةٌ، وأَنَّ صِيَامَ يَوْمِ فِطْرِ النَّاسِ قُرْبَةٌ، وأَمْثَالِ ذَلِكَ، وقد جاء الشرعُ بالنَّهي عن مواصلة الصوم؛ فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ -ﷺ- عَنْ الوِصَالِ؛ قَالُوا: إنَّكَ تُواصِلُ. قَالَ: «إنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إنِّي أُطْعَمَ وأُسْقَى» (^١).\nوأمَّا صيام يوم العيد؛ فقد ثبت عن أبي هريرة ﵁: «أن رسول الله -ﷺ- نَهى عن صيام يومين: يوم الأضحى، ويوم الفِطر» (^٢).\nومن هذا الباب ما جاء في حديث أنس ﵁ قال: «جاء ثلاثةُ رهط إلى بيوتِ أزواج النَّبي، يَسألون عن عبادة النَّبي، فلما أُخبروا كأنهم تقالُّوها، وقالوا: أين نحن من النَّبي؛ قد غُفر له تقَدَّم مِنْ ذَنبه وما تأخَّر؟! قال أحدهم: أمَّا أنا فأصلي الليل أبدًا. وقال الآخر: وأنا أصوم الدَّهر ولا أُفطر. وقال الآخر: وأنا أعتزل النِّساء فلا أَتزوج أبدًا. فجاء رسولُ الله إليهم؛ فقال: «أنتم الَّذِين قُلتم كذا وكذا؟! أَمَا والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكِّني أصومُ وأُفطر، وأُصَلِّي وأَرقد، وأتزوج النِّساء؛ فمَن رَغِب عن سُنَّتي فليس مني» (^٣).\nالقسم الرابع: مَنْ أَعْمَالُهُ عَلَى مُتَابَعَةِ الأَمْرِ، لَكِنَّهَا لِغَيْرِ اللَّهِ:\nكَطَاعَةِ المُرَائِينَ، وكَالرَّجُلِ يُقَاتِلُ رِيَاءً وحَمِيَّةً وشَجَاعَةً، ويَحُجُّ لِيُقَالَ، ويَقْرَأُ القُرْآنَ لِيُقَالَ؛ فَهَؤُلَاءِ أَعْمَالُهُمْ ظَاهِرُهَا أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ مَأْمُورٌ بِهَا، لَكِنَّهَا غَيْرُ صَالِحَةٍ، فَلَا تُقْبَلُ؛ لأنَّ الله ﷾ قال: ﴿ومَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة الآية: ٥]؛ فَكُلُّ أَحَدٍ لَمْ يُؤْمَرْ إِلَّا بِعِبَادَةِ اللهِ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١١٠٢).\n(^٢) أخرجه مسلم (١١٣٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٥٠٦٣) واللفظ له، ومسلم (١٤٠١).","vol":"2","page":1350},{"text":"بِمَا أَمَرَ، والإِخْلَاصِ لَهُ فِي العِبَادَةِ (^١).\nودليله: حديث أبي هريرة؟ قال: «حَدَّثني رسولُ الله -ﷺ- أنَّ الله ﵎ إذا كان يوم القيامة يَنزل إلى العباد؛ ليَقضي بينهم وكل أمة جاثية؛ فأَوَّل مَنْ يَدعو به رجلٌ جَمَعَ القرآنَ، ورجلٌ يُقتل في سبيل الله، ورجلٌ كثير المال؛ فيقول الله ﵎ للقارئ: أَلَم أُعَلِّمْك ما أَنزلتُ على رسولي؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عملتَ فِيما عُلِّمْتَ؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار. فيقول الله ﵎ له: كَذَبْتَ، وتقول له الملائكة: كَذَبْتَ، ويقول الله: بل أردتَ أن يُقال: فلان قارئ؛ فقد قيل ذاك! ويؤتى بصاحب المال فيقول الله له: أَلَم أُوَسِّع عليك حتى لَم أَدَعَك تحتاج إلى أحدٍ؟ قال: بلى يا ربِّ. قال: فماذا عملتَ فيما آتيتك؟ قال: كنت أَصِل الرَّحم وأتصدق! فيقول الله له: كَذَبت، وتقول الملائكة له: كذبت، ويقول الله: بل إنَّما أردتَ أن يُقال: فلان جَوَاد فقد قيل ذاك، ويؤتى بالذي قُتِل في سبيل الله؛ فيقال له: في ماذا قتلتَ؟ فيقول: أُمرت بالجهاد في سبيلِك، فقاتلتُ حتى قُتلت! فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردتَ أن يُقال: فلان جَرِيء؛ فقد قيل ذاك». ثم ضرب رسول الله -ﷺ- رُكبتي؛ فقال: «يا أبا هريرة، أولئك الثلاثة أَوَّلُ خَلق الله تُسَعَّر بهم النَّار يوم القيامة» (^٢).\nفإذا أراد الإنسان أن يُحَقِّق عبادة الله ﷿، وأن يَصل إلى هذه الغاية: أن يكون مِنْ أهل هذه الطاعة والعبادة ومِن أهل صِراط الله المستقيم، ممن استقام على شرع الله ﷿؛ فعليه أن يحقق هذين الشرطين-: الإخلاص والمتابعة- في كل عمل.\n_________\n(^١) «مدارج السالكين» (١/ ١٠٤ - ١٠٦).\n(^٢) أخرجه الترمذي (٢٣٨٢) والنسائي في «الكبرى» (٢٣٨٢)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٧١٣).","vol":"2","page":1351},{"text":"المتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"فالمعتزلة ونحوهم من القدرية الذين أنكروا القدر هم في تعظيم الأمر والنهي والوعد والوعيد خير من هؤلاء الجبرية القدرية الذين يعرضون عن الشرع والأمر والنهي، والصوفية هم في القدر ومشاهدة توحيد الربوبية خير من المعتزلة، ولكن فيهم من فيه نوع بدع مع إعراض عن بعض الأمر والنهي، والوعد والوعيد، حتى يجعلوا الغاية هي مشاهدة توحيد الربوبية والفناء في ذلك، فيصيرون أيضًا معتزلين لجماعة المسلمين وسنتهم، فهم معتزلة من هذا الوجه، وقد يكون ما وقعوا فيه من البدعة شرًّا من بدعة أولئك المعتزلة، وكلتا الطائفتين نشأت من البصرة\".\nالشرح\nعقد المصنف مقارنة بين المعتزلة القدرية وبين المتصوفة في جانبين هما:\nجانب القدر.\nوجانب الأمر والنهي.\nوالمعروف عن المعتزلة أنهم في باب القدر كانوا قدرية يقولون: إن الله ﷾ ليس له قدرة ولا تصرُّف في فعل العبد وإنما العبد هو الذي يخلق فعل نفسه، وليس لله تعالى قدرة أو تصرُّف في فعل العبد.\nوأما في باب الأمر والنهي فقد أحدثت المعتزلة القول بالمنزلة بين المنزلتين وقالوا بإنفاذ الوعيد وخلود أهل التوحيد في النار، وأن النار لا يخرج منها من دخلها. (^١)\n_________\n(^١) كتاب الحسنة والسيئة ص ١٠٣.","vol":"2","page":1352},{"text":"وكانت \"الخوارج\" قد تكلموا في تكفير أهل الذنوب من أهل القبلة، وقالوا: \"إنهم كفار مخلدون في النار، فخاض الناس في ذلك (^١) وخاض في ذلك المعتزلة بعد موت الحسن البصري في أوائل المائة الثانية، ولم يكن الناس إذ ذاك قد أحدثوا شيئًا من نفي الصفات. (^٢)\nفقال عمرو عبيد وأصحابه لا هم مسلمون ولا كفار بل هم في منزلة بين المنزلتين، وهم مخلدون في النار. فوافقوا الخوارج على أنهم مخلدون، وعلى أنهم ليس معهم من الإسلام والإيمان شيء، ولكن لم يسموهم كفارًا. واعتزلوا حلقة أصحاب الحسن البصري، مثل قتادة وأيوب السختياني وأمثالهما، فسموا معتزلة من ذلك الوقت بعد موت الحسن، وقيل إن قتادة كان يقول: أولئك المعتزلة. (^٣)\nوأصل بدعة القدرية كانت من عجز عقولهم عن الإيمان بقدر الله والإيمان بأمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أن ذلك ممتنع؛ وكانوا قد آمنوا بدين الله وآمره ونهيه ووعده ووعيده، وظنوا أنه إذا كان كذلك لم يكن قد علم قبل الأمر من يطيع ومن يعصي، لأنهم ظنوا أن من علم ما سيكون لم يحسن منه أن يأمر وهو يعلم أن المأمور يعصيه، وظنوا أيضًا أنه إذا علم أنهم يفسدون لم يحسن أن يخلق من يفسد\".\nوعلى هذا الأساس فالمعتزلة ونحوهم من القدرية الذين أنكروا القدر هم في تعظيم الأمر والنهي والوعد والوعيد خير من هؤلاء الجبرية القدرية الذين يعرضون عن الشرع والأمر والنهي.\nأما المتصوفة فهم في باب القدر جبرية وهم على صنفين:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٧.\n(^٢) كتاب الحسنة والسيئة ص ١٠٣.\n(^٣) مجموع الفتاوى ١٣/ ٣٧، ٣٨.","vol":"2","page":1353},{"text":"أمَّا الصنف الأول المغالي: فهو يشهد أنه مجبور على أفعاله، وأن الله هو المتصرف فيه، كما يحرك سائر المحركات، ويزعم أنه لما شهد ذلك ارتفع عنه الأمر والنهي والوعد والوعيد، لأنه وصل إلى مرتبة في التصوف؛ بحيث لا يرى لنفسه فعلًا، ويرى أنه متحرك كسائر المتحركات، فعند هذا لا يلزمه الأمر والنهي.\nيحتجون بالحقيقة الكونية لا يطردون هذا القول، أي: لا يستمرون عليه، ولا يلتزمونه في كل أمورهم، وإنما يتبعون آراءهم وأهواءهم؛ فمتى ما كان القدر يناسب آراءهم وأهواءهم أخذوا به، وأما إذا كان القدر لا يناسب آراءهم وأهواءهم لم يأخذوا به، كما قال بعض العلماء: «عند الطاعة قدرية، وعند المعصية جبرية»، فأي مذهب وافق أهواءهم تمذهبوا به.\nفترى الواحد منهم عند الأمر يحتج بالقدر؛ فيقول: لو شاء الله أن أُصَلِّي سأصلي، وإن لم يشأ أن أُصلي فلن أصلي!\nوأمَّا في جانب المعصية، فيقول: أنا مجبور على فِعلها، لا أستطيع أن أخالف فِعل الله فيَّ!\nفلماذا لا يقول: أنا مجبور على الطاعة؛ سأقوم وأُصلي؛ لأنني مجبور.\nفهو إذا جاء باب الطاعة أصبح قدريًّا؛ فيحتج بالقدر على تركها.\nوإذا جاء باب المعصية أصبح جبريًّا؛ يزعم أنه مجبور على فعلها ..\nفيتمذهب بالمذهب الذي يُوافق هواه؛ لينسلخ من الأوامر، وليقترف من النواهي ما شاء، والعياذ بالله.\nوأمَّا الصنف الثاني: وهم الذين يدعون التحقيق والمعرفة، ويزعمون أن الأمر والنهي لازم لمن شهد لنفسه أفعالًا وأثبت له صفات، يعني: إذا كان العبد لم يصل إلى الدرجة المطلوبة من التصوف؛ بحيث يرى أنه فاعل لهذه الأشياء، وأن في هذه","vol":"2","page":1354},{"text":"النفس هذه الصفات، فيقولون: هذا يلزمه أن يأتي بالأوامر والنواهي، بمعنى: أنه إذا كان من المريدين، أو كان من عوام الناس فعليه أن يلتزم بالأوامر والنواهي؛ لأن هذا لم يصل إلى درجة ورتبة من هذا الشهود؛ بحيث إنه لا يشهد لذات نفسه فعلًا، فقال: يزعمون أن الأمر والنهي لازم لهذا الصنف من الناس، لمن شهد لنفسه أفعالًا، وأثبت لها صفات.\nفالمتصوفة يرون أنه في حال وصول هذا الشخص إلى رُتبة مُعينة- تسقط عنه الأوامر والنواهي، وقد يقولون: (مَنْ شهد الإرادة سقط عنه التكليف).\nفإذا وصل إلى مرحلة شهود الله ﷿ وأنه الفاعل لكل شي على الحقيقة وأنهم لا فعل لهم ولا مشيئة، على حدِّ زعمهم- فهذا لا تكليف عليه، وكما سيأتي أنهم يقولون في هذا: إنه يصبح مثل البَحر؛ لا تضره الذنوب، كما أن الأوساخ لا تؤثر في البحر الخضم. أي: لا يتأثر بذنب ولا ينتفع بطاعة، وهذا من استدراج الشيطان لهم، والعياذ بالله.\nويزعمون أن الخضر سقط عنه التكليف؛ لشهوده الإرادة؛ لأنه- من الأولياء، والأولياء لهم مَرتبة تُسقط عنهم التكاليف.\nفيُفرقون بين العامَّة والخاصة؛ فالخواص تسقط عنهم الأوامر والنواهي، ويكتفون بشهود الحقيقة الكونية، قال المصنف: «وقد يفرقون بين مَنْ يعلم ذلك علمًا وبين مَنْ يراه شهودًا»، أي: لا يكتفون بمجرد العلم؛ فبعضهم قال: إذا كان هذا الشخص علم هذه الأمور دون أن يشهد ذلك شهودًا، أي: تُكشف له الحجب، ويكون مع الحضرة الإلهية مشافهة، فإذا لم يصل إلى مرحلة الكشف، فيظل على التزام بالأوامر والنواهي، بمعنى: أنه لا يسقط عنه التكليف حتى يُكشف له الحجاب، وحتى يرى الله مشاهدة.","vol":"2","page":1355},{"text":"فلا يُسقطون التكليف عمن يعلم ذلك ويؤمن به فقط، وإنما لا بد من شهوده للحضرة الإلهية، على حدِّ زعمهم.\nولا شك أن هذا من استدراج الشيطان لهم؛ لأن نبينا -ﷺ- قد قال: «تَعَلَّمُوا؛ أَنَّهُ لَنْ يَرَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رَبَّهُ﷿- حَتَّى يَمُوتَ» (^١)، فلا سبيل إلى رؤية الله ﷿ في هذه الحياة الدنيا، فهي أمر ممتنع، ولكن الشيطان يستدرج هؤلاء، ولذلك النبي -ﷺ- عندما تكلم مع ابن صياد، فقال له النبي: «ما ترى؟». قال: أرى عرشًا على الماء! فقال رسول الله -ﷺ-: «تَرى عرشَ إبليس على البَحر» (^٢)، فهذا الذي يراه هؤلاء إنَّما هو شيطان من الشياطين يَتمثل لهم، ويستدرجهم بهذه الأمور والأحوال؛ ليخرجهم عن الدين، مِنْ طريق ترك العبادة؛ فأصبح هؤلاء لا دين لهم، والعياذ بالله.\nوعليه فإن الصوفية هم في القدر ومشاهدة توحيد الربوبية خير من المعتزلة، ولكن فيهم من فيه نوع بدع مع إعراض عن بعض الأمر والنهي، والوعد والوعيد، حتى يجعلوا الغاية هي مشاهدة توحيد الربوبية والفناء في ذلك، فيصيرون أيضًا معتزلين لجماعة المسلمين وسنتهم، فهم معتزلة من هذا الوجه، وقد يكون ما وقعوا فيه من البدعة شرًّا من بدعة أولئك المعتزلة.\nقول المصنف: \"وكلتا الطائفتين نشأت من البصرة\"\nأما المعتزلة فأول ما تأسَّست على يد واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيدـ وكانت البصرة مركزًا للمعتزلة، وكانت كما يقولون: البصرة عشَّ القدرية، والكوفة عشَّ التشيُّع، فكانت مقالة القدرية أظهر في البصرة.\nوكان من أشهر مقالات واصل بن عطاء مسألة المنزلة بين المنزلتين، ومقالة\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٩٣٠) من حديث ابن عمر ﵄.\n(^٢) أخرجه مسلم (٢٩٢٥) من حديث أبي سعيد الخدري ﵁.","vol":"2","page":1356},{"text":"القدرية، وكذلك ميله في مسائل الإيمان إلى قول الخوارج في ذلك لأنهم يقولون: \"إن الإيمان قول واعتقاد وعمل لكن لا يزيد ولا ينقص\" (^١).\nفقد جاء واصل بقول في مرتكب الكبيرة يوافق فيه الخوارج من حيث النتيجة؛ لأن الفرق بين مقالة الخوارج ومقالة المعتزلة في هذه المسألة هو أنهم اختلفوا في حكم مرتكب الكبيرة في الدنيا، وإنما في المآل أي في الآخرة هم على قول واحد، إذ إن كلًّا من الخوارج والمعتزلة يقول: إنه خالد مخلد في النار، لكن المعتزلة يجعلونه في الدنيا لا مؤمن ولا كافر، ويقولون في منزلة بين المنزلتين.\nفأظهر واصل بن عطاء هذه المقالة واعتزل مجلس الحسن البصري، ومن هنا من بعد ذلك سمي أتباعه المعتزلة. فنشأ الاعتزال في البصرة، وكانت في ذلك الوقت مرتع للبدع فكان فيها الخوارج والقدرية والمرجئة، وكذلك كان فيها شيء من التشيُّع.\nفمن هنا كان الاعتزال مركبًا من عدة مقالات، فأخذ شيئًا من القدرية، وأخذ شيئًا من الخوارج، وأخذ كذلك شيئًا من الجهمية وإن كان هذا بعد ذلك. فمثلًا تأثرهم بالخوارج لأن واصل بن عطاء كان يقول في مسألة أهل صفين، ومسألة التحكيم كان يقول: إن أحد الطائفتين يعني فاسق لا بعينه، فيفسق ولكن بدون تحديث أو تعيين أي الطائفتين كذلك. وكان يقال عنه: \"لو جاء علي وأصحابه ومعاوية أصحابه يشهدون عندي على حزمة بقل، لرددت شهادة الاثنين\" (^٢).\nفبالتالي هذا يظهر مدى العلاقة بين الخوارج وبين المعتزلة فيما بعد، لأنه لا يزال إلى اليوم فكر الاعتزال موجودًا عند بقية الخوارج وهم الإباضية، والإباضية\n_________\n(^١) انظر كتاب التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع، صفحة (٤٣).\n(^٢) انظر كتاب العرش للذهبي الجزء الأول، صفحة (٥١).","vol":"2","page":1357},{"text":"اليوم في مسائل الصفات وفي بعض المسائل على عقيدة الاعتزال، يدعون إليها بنفس الكلام الذي يقوله المعتزلة. وللاعتزال كذلك صلة بالتشيُّع لأن المعتزلة لو درسْت في تاريخهم، يزعمون أن واصل بن عطاء تتلمذ على الحسن والحسين ابني عليٍّ ﵃، يزعمون ذلك، يدَّعون ذلك.\nوبالتالي بعد هذا كان هناك تقارب بين المعتزلة والروافض، ولذلك الروافض اليوم الإمامية الاثنا عشرية، والزيدية في مسائل الأسماء والصفات يحملون فكر الاعتزال، فلو جئت إلى الزيدية، ولو جئت إلى الروافض تناقشهم في مسائل الصفات تجد أن ما عندهم هو ما عند المعتزلة.\nوأما التصوف فكان أول ظهوره في البصرة، وكان ممن اشته فيها طلق بن حبيب العنزي، وعطاء السلمي الذي بكى حتى عمش (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"في أواخر عصر التابعين حدث ثلاثة أشياء: الرأي، والكلام، والتصوف، فكان جمهور الرأي في الكوفة، وكان جمهور الكلام والتصوف في البصرة، فإنه بعد موت الحسن وابن سيرين ظهر عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء، وظهر أحمد بن عطاء الهجيمي ت ٢٠٠ هـ، تلميذ عبد الواحد بن زيد تلميذ الحسن البصري، وكان له كلام في القدر، وبنى دويرة للصوفية - وهي أول ما بني في الإسلام - أي دارًا بالبصرة غير المساجد للالتقاء على الذكر والسماع - صار لهم حال من السماع والصوت - إشارة إلى الغناء. وكان أهل المدينة أقرب من هؤلاء في القول والعمل، وَأَمَّا \" الشَّامِيُّونَ فَكَانَ غَالِبُهُمْ مُجَاهِدِينَ وَأَهْلَ أَعْمَالٍ قَلْبِيَّةٍ أَقْرَبَ إلَى الْحَالِ الْمَشْرُوعِ مِنْ صُوفِيَّةِ الْبَصْرِيِّينَ إذْ ذَاكَ. وَلِهَذَا تَجِدُ كُتُبَ \"الْكَلَامِ؛ وَالتَّصَوُّفِ\" إنَّمَا\n_________\n(^١) «سير أعلام النبلاء» الذهبي (١٤/ ٦٠١).","vol":"2","page":1358},{"text":"خَرَجَتْ فِي الْأَصْلِ مِنْ الْبَصْرَةِ.\nفَمُتَكَلِّمَةُ الْمُعْتَزِلَةِ أَئِمَّتُهُمْ بَصْرِيُّونَ: مِثْلُ أَبِي الهذيل الْعَلَّافِ وَأَبِي عَلِيٍّ الجبائي وَابْنِهِ أَبِي هَاشِمٍ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ … وَأَبِي الْحُسَيْنِ، الْبَصْرِيِّ وَكَذَلِكَ مُتَكَلِّمَةُ الْكُلَّابِيَة وَالْأَشْعَرِيَّةِ: كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ كُلَّابٍ؛ وَأَبِي الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيِّ وَصَاحِبِهِ أَبِي الْحَسَنِ الْبَاهِلِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْبَاقِلَانِي وَغَيْرِهِمْ.\nوَكَذَلِكَ كُتُبُ \"الْمُتَصَوِّفَةِ وَمَنْ خَلَطَ التَّصَوُّفَ بِالْحَدِيثِ وَالْكَلَامِ\" كَكُتُبِ الْحَارِثِ بْنِ أَسَدٍ المحاسبي وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ سَالِمٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْأَعْرَابِيِّ وَأَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ. وَقَدْ شَرَكَ هَؤُلَاءِ مِنْ الْبَغْدَادِيِّينَ والْخُراسانِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ خَلْقٌ. لَكِنَّ الْغَرَضَ أَنَّ الْأُصُولَ مِنْ ثَمَّ\" (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ١٠/ ٣٥٨ - ٣٦٠ بتصرف.","vol":"2","page":1359},{"text":"<span data-type='title' id=toc-425>دين الله هو ما بعث به رسله</span>\nالمتن\nقال المصنف رحمه الله تعالى: \"وإنما دين الله ما بعث به رسله، وأنزل به كتبه، وهو الصراط المستقيم، وهو طريق أصحاب رسول الله -ﷺ-، خير القرون، وأفضل الأمة، وأكرم الخلق على الله بعد النبيين، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة الآية: ١٠٠]، فرضي عن السابقين الأولين رضاء مطلقًا، ورضي عن التابعين لهم بإحسان، وقد قال النبي -ﷺ- في الأحاديث الصحيحة: «خير القرون القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم».\nوكان عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: \"من كان منكم مُسْتنّا فليستنّ بمن قد مات، فإن الحيّ لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد -ﷺ-، أبرّ هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه -ﷺ-، وإقامة دينه؛ فاعرفوا لهم حقَّهم، وتَمَسَّكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم\" (^١). وقال حذيفة بن اليمان ﵁: يا معشر القراء استقيموا وخُذوا طريق مَنْ كان قبلكم، فوالله لئن اتبعتموهم لقد سبقتم سبقًا بعيدًا، ولأن أخذتُم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا.\nوقد قال عبد الله بن مسعود ﵁: خَطَّ لنا رسول الله -ﷺ- خطًا، وخَطَّ خطوطًا عن يمينه وشماله، ثم قال: «هذا سبيل الله وهذه سبل على كل سبيل منها شيطان\n_________\n(^١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ٩٦)","vol":"2","page":1360},{"text":"يدعو إليه، ثم قرأ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الآنعام الآية: ١٥٣]).\nوقد أمرنا ﷾ أن نقول في صلاتنا: ﴿اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ • صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة الآيات: ٦ - ٧ [قال النبي -ﷺ-: «اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون»، وذلك أن اليهود عرفوا الحق ولم يتبعوه، والنصارى عبدوا الله بغير علم.\nولهذا كان يقال: تعوذوا بالله من فتنة العالم الفاجر والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون. وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه الآية: ١٢٣]، قال ابن عباس ﵄: \"تكفّل الله لمن قرأ القرآن، وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة\"، وقرأ هذه الآية.\nوكذلك قوله ﵎: ﴿الم • ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ • الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ • والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ • أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة الآية: ١ إلى ٤]، فأخبر ﷾ أن هؤلاء مهتدون مفلحون، وذلك خلاف المغضوب عليهم والضالين.\nفنسأل الله العظيم أن يهدينا وسائر إخواننا صراطه المستقيم: صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه عبده ورسوله محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين\".\nالشرح\nشرع المصنف هنا في ذكر خاتمة هذا الكتاب في بيان فضل التمسك بما كان عليه السلف الصالح وعلى رأسهم الصحابة رضوان الله عليهم، ومن اتبعهم بإحسان.","vol":"2","page":1361},{"text":"فأهل السنة يتميزون باعتقادهم أن الصحابةَ-رضوان الله عليهم-لم يكن أحدٌ منهم على بدعة.\nوما عُرفوا بذلك برغمِ ظهورِ بعض الفرقِ في زمانهم كالخوارجِ والقَدَرِيَة والشيعةِ ونحو ذلك، ومع ذلك ما عُرِفَ عن أحدٍ من أصحاب النبي أنه قد حادَ عن هذا الطريق.\nونؤمنُ بأن أصحابَ النبي كما وصفهم ابن مسعود حينما قال: \"من كانَ مُسْتَنًّا، فَلْيَسْتَنَّ بمن قد ماتَ، فإنَّ الحيَّ لا تؤمن عليه الفتنة\"، وكما أُثِر عنه حيث قال: \"إنا نقتدي ولا نبتدئ، ونتبعُ ولا نبتدع (^١). \"\nفأصحابُ النبي خيرُ هذه الأمة، والله تعالى قد زكَّاهم في كتابه وأمرَ بلزومِ سبيلهم حيث قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة الآية: ١٠٠]، فرضيَ الله عن السابقين من المهاجرين والأنصار رضاءً مطلقا بدونِ قيد، ورضيَ عنهم بعدهم رضاءً مقيَّدًا .. مقيَّدًا بأي أمر؟ باتباعهم بإحسان ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾.\nونهى الله ﷾ عن الافتراقِ عنهم ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء الآية: ١١٥].\nنهى عن الافتراقِ عن هذا الطريقِ وهذا السبيل، والمعالم بحمد لله تعالى واضحة، مرجعيةٌ استقامَ عليها الأوائل وحفظوها لنا بأسانيدها الصحيحةِ الثابتة ونقلوها لنا، وأصبحت-بحمد الله تعالى-ميراثًا سليمًا من كل بدعةٍ ومن كل شائبة يتوارثه أهل السنَّةِ جيلًا بعدَ جيل، وينقله الخيارُ من هذه الأمة، ينقله ورثةُ الأنبياء\n_________\n(^١) أخرجه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ٩٦)","vol":"2","page":1362},{"text":"لكلِّ جيلٍ من هذه الأجيال.\nفلذلك لا عجبَ أن يتسمَ هذا المنهج بثباته وعدمِ اضطرابه، ولا عجبَ أن يتسمَ هذا المنهج بلزومِ كلام الله وبلزومِ كلام رسوله، ولا عجبَ أن يستمرَ هذا الإسناد محفوظًا جيلًا بعدَ جيل.\nفهذه هي مرجعيةُ أهل السنَّة التي بحمد الله تعالى نُقلِت لنا في كتبِ الاعتقاد، ولزِمَها أهلُ السنَّةِ على مدى هذه الأزمانِ وعلى هذه الأعصار.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «والواجب على كل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله أن يكون أصل قصده توحيد الله بعبادته وحده لا شريك له، وطاعة رسوله، يدور على ذلك، ويتبعه أين وجده، ويعلم أن أفضل الخلق بعد الأنبياء هم الصحابة، فلا ينتصر لشخصٍ انتصارًا مطلقًا عامًا، إلا لرسول الله ﷺ، ولا لطائفة انتصارًا مطلقًا عامًا، إلا للصحابة ﵃ أجمعين.\nفإن الهدى يدور مع الرسول حيث دار، ويدور مع أصحابه دون أصحاب غيره حيث داروا؛ فإذا أجمعوا لم يجمعوا على خطأ قط، بخلاف أصحاب عالم من العلماء فإنهم قد يجمعون على خطأ، بل كل قولٍ قالوه ولم يقله غيرهم من الأمة لا يكون إلا خطأ؛ فإن الدين الذي بعث الله به رسوله ليس مُسَلَّمًا إلى عالِمٍ واحدٍ وأصحابه، ولو كان كذلك لكان ذلك الشخص نظيرًا لرسول الله ﷺ وهو شبيه بقول الرافضة في الإمام المعصوم.\nولا بد أن يكون الصحابة والتابعون يعرفون ذلك الحق الذي بعث الله به الرسول، قبل وجود المتبوعين الذين تُنسب إليهم المذاهب في الأصول والفروع، ويمتنع أن يكون هؤلاء جاءوا بحق يخالف ما جاء به الرسول، فإن كل ما خالف الرسول فهو باطل، ويمتنع أن يكون أحدهم علم من جهة الرسول ما يخالف","vol":"2","page":1363},{"text":"الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإن أولئك لم يجتمعوا على ضلالة، فلابد أن يكون قوله إن كان حقًّا مأخوذًا عمَّا جاء به الرسول، موجودًا فيمن قبله، وكل قول قِيلَ في دين الإسلام، مخالف لما مضى عليه الصحابة والتابعون، لم يقله أحد منهم بل قالوا خلافه، فإنه قول باطل (^١).\nقال الله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة الآية: ١٠٠]\nوقال أيضًا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر الآية: ١٠].\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: «فقد تبين أن الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسوله ﷺ من الكتاب والحكمة، ومعرفة ما أراد بذلك كما كان على ذلك الصحابة والتابعون لهم بإحسان، ومن سلك سبيلهم، فكل ما يحتاج الناس إليه في دينهم، فقد بينه الله ورسوله بيانا شافيا، فكيف بأصول التوحيد والإيمان، ثم إذا عرف ما بينه الرسول نظر في أقوال الناس، وما أرادوه بها، فعرضت على الكتاب والسنة» (^٢).\nوأصحاب النبي -ﷺ- هم أفضل الأمة على الإطلاق، ومحبتهم من كمال الإيمان، وبغضهم والوقيعة فيهم من علامات أهل البدع، وقد وردت نصوص كثيرة تبين فضل أصحاب النبي -ﷺ-، ومن هذه النصوص ما يلي:\n_________\n(^١) منهاج السنة ج ٥/ ٢٦١ - ٢٦٣.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٤٤٣/ ١٧.","vol":"2","page":1364},{"text":"<span data-type='title' id=toc-426>ومن الأدلة على فضل الصحابة من القرآن الكريم:</span>\n- قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة الآية: ١٠٠].\n- وقال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح الآية: ٢٩].\n\n<span data-type='title' id=toc-427>أدلة فضل الصحابة من السنة النبوية:</span>\n- عن أبي موسى ﵁، قَالَ: صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللهِ -ﷺ-، ثُمَّ قُلْنَا: لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَهُ الْعِشَاءَ قَالَ فَجَلَسْنَا، فَخَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: «مَا زِلْتُمْ هَاهُنَا؟» قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ، ثُمَّ قُلْنَا: نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّيَ مَعَكَ الْعِشَاءَ، قَالَ «أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ» قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» (^١).\n- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ: \" يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللهِ -ﷺ-؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُفْتَحُ لَهُمْ، ثُمَّ يَغْزُو فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ، فَيُقَالُ لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ مَنْ رَأَى مَنْ\n_________\n(^١) أخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة باب بيان أن بقاء النبي -ﷺ- أمان لأصحابه، وبقاء أصحابه أمان للأمة (٤/ ١٩٦١ رقم ٢٥٣١).","vol":"2","page":1365},{"text":"صَحِبَ مَنْ صَحِبَ رَسُولَ اللهِ -ﷺ-؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ فَيُفْتَحُ لَهُمْ\" (^١).\n- وعن عبد الله بن مسعود ﵁، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: \" قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ: تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ \" (^٢).\n- وعن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: \" خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ- قَالَ عِمْرَانُ: فَمَا أَدْرِي: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- بَعْدَ قَوْلِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا- ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَهُمْ قَوْمٌ يَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ، وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ، وَيَنْذُرُونَ وَلَا يَفُونَ، وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ \" (^٣).\n- وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ، ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ، وَلَا نَصِيفَهُ» (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-428>أدلة فضل الصحابة من أقوال السلف:</span>\n- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: \" إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري كتاب أصحاب النبي -ﷺ- باب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- (٥/ ٢ رقم ٣٦٤٩). وأخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٤/ ١٩٦٢ رقم ٢٥٣٢).\n(^٢) أخرجه البخاري كتاب القدر باب إذا قال: أشهد بالله، أو شهدت بالله (٨/ ١٣٤ رقم ٦٦٥٨).\nوأخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٤/ ١٩٦٢ رقم ٢٥٣٣).\n(^٣) أخرجه البخاري كتاب أصحاب النبي -ﷺ- باب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- (٥/ ٢ رقم ٣٦٥٠). وأخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٤/ ١٩٦٤ رقم ٢٥٣٥).\n(^٤) أخرجه البخاري كتاب أصحاب النبي -ﷺ- باب قول النبي -ﷺ-: «لو كنت متخذا خليلًا» (٥/ ٨ رقم ٣٦٧٣). وأخرجه مسلم كتاب فضائل الصحابة ٥٤ - باب تحريم سب الصحابة ﵃ (٤/ ١٩٦٧ رقم ٢٥٤٠).","vol":"2","page":1366},{"text":"مُحَمَّدٍ -ﷺ- خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ، فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ، فَمَا رَأَى الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا، فَهُوَ عِنْدَ اللهِ حَسَنٌ، وَمَا رَأَوْا سَيِّئًا فَهُوَ عِنْدَ اللهِ سَيِّئٌ \" (^١).\n- وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁: \"مَنْ كَانَ مُسْتَنًّا فَلْيَسْتَنَّ بِمَنْ قَدْ مَاتَ، أُولَئِكَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، كَانُوا خَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ، أَبَرَّهَا قُلُوبًا، وَأَعْمَقَهَا عِلْمًا، وَأَقَلَّهَا تَكَلُّفًا، قَوْمٌ اخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِصُحْبَةِ نَبِيِّهِ -ﷺ-، وَنَقْلِ دِينِهِ، فَتَشَبَّهُوا بِأَخْلاقِهِمْ وَطَرَائِقِهِمْ، فَهُمْ كَانُوا عَلَى الْهَدْيِ الْمُسْتَقِيمِ\" (^٢).\n- وقال الشعبي: قيل لليهود: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى وقيل للنصارى: من خير أهل ملتكم قالوا: أصحاب عيسى، وقيل للرافضة: من شر أهل ملتكم قالوا: أصحاب محمد. لم يستثنوا إلا القليل، وفيمن سبوهم من هو خير ممن استثنوهم بأضعاف مضاعفة\" (^٣).\n- وقال الإمام مالك بن أنس: \"من يبغض أحدًا من أصحاب النبي -ﷺ- وكان في قلبه عليهم غل، فليس له حق في فيء المسلمين ثم قرأ قول الله ﷾ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر الآية: ٧]، إلى قوله ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر الآية: ١٠]، وذكر بين يديه رجل ينتقص أصحاب رسول الله -ﷺ- فقرأ هذه الآية: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح الآية: ٢٩].، ثم قال: من أصبح من الناس في قلبه غل على أحد من أصحاب النبي ﵊ فقد أصابته\n_________\n(^١) أخرجه أحمد بسند حسن (٦/ ٨٤ رقم ٣٦٠٠).\n(^٢) حلية الأولياء لأبي نعيم (١/ ٣٠٥). وشرح السنة للبغوي (١/ ٢١٤).\n(^٣) شرح أصول الاعتقاد للإمام اللالكائي (٨/ ١٥٤٩).","vol":"2","page":1367},{"text":"الآية\" (^١).\n- وقال الطحاوي ﵀: \"ونحب أصحاب رسول الله -ﷺ- ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم، ونبغض من يبغضهم، وبغير الحق يذكرهم، ولا نذكرهم إلا بخير، وحبهم دين وإيمان وإحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان\" (^٢).\n- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: \"ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم وألسنتهم لأصحاب رسول الله -ﷺ- كما وصفهم الله به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر الآية: ١٠]، وطاعة للنبي -ﷺ- في قوله: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (^٣).\nوأهل السنة يتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل، ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ما هو كاذب ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغير عن وجهه، والصحيح منه هم فيه معذورون إما مجتهدون مصيبون وإما مجتهدون مخطئون وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم وصغائره بل يجوز عليهم الذنوب في الجملة ولهم\n_________\n(^١) شرح السنة للبغوي (١/ ٢٢٩).\n(^٢) العقيدة الطحاوية (ص: ٨١).\n(^٣) العقيدة الواسطية (ص: ١١٥).","vol":"2","page":1368},{"text":"من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر حتى إنهم يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات.\nورحم الله القحطاني حين قال:\nقل خير قول في صحابة أحمد … وامدح جميع الآل والنسوان\nدع ما جرى بين الصحابة في الوغى … بسيوفهم يوم التقى الجمعان\nفقتيلهم منهم وقاتلهم لهم … وكلاهما في الحشر مرحومان\nوالله يوم الحشر ينزع كل ما … تحوي صدورهم من الأضغان (^١).\n\nتم شرح التدمرية\nوالحمد لله رب العالمين\nوصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم\n_________\n(^١) نونية القحطاني (ص: ٢٨).","vol":"2","page":1369}]}