{"ً":{"ٌ":10091,"ٍ":"تفسير الكتاب العزيز وإعرابه","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/022-025_085-100","files":["022-025_085-100_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: تفسير الكتاب العزيز وإعرابه\nالمؤلف: عبيد الله بن أحمد بن عبيد الله، ابن أبي الربيع القرشي الأموي العثماني الإشبيلي (ت ٦٨٨هـ)\nالمحقق: علي بن سلطان الحكمي\nالناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\nالطبعة: الأعداد ٨٥ - ١٠٠ السنوات ٢٢ - ٢٥ المحرم ١٤١٠ هـ - ذو الحجة ١٤١٣ هـ\nعدد الصفحات: ٤٠٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1598,"ٕ":3,"ٖ":1770155693,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"ابن الربيع: حياته وآثاره","level":1,"page":4},{"title":"اسمه ونسبه ونشأته","level":2,"page":4},{"title":"شيوخه","level":2,"page":6},{"title":"تلاميذه","level":2,"page":11},{"title":"مكانته العلمية","level":2,"page":14},{"title":"وفاة ابن أبي الربيع وآثاره","level":2,"page":16},{"title":"دراسة المسائل العربية في تفسير الكتاب العزيز وإعرابه","level":1,"page":22},{"title":"توثيق نسبة الكتاب لمؤلفه ابن أبي الربيع","level":2,"page":22},{"title":"منهج ابن أبي الربيع في عرض مادة الكتاب","level":2,"page":26},{"title":"دراسة المسائل النحوية وأثر الإعراب في توجيه المعنى","level":2,"page":28},{"title":"المسائل الصرفية","level":2,"page":40},{"title":"الاشتقاق","level":2,"page":45},{"title":"موقف ابن أبي الربيع من النحويين البصريين والكوفيين وبعض المتأخرين","level":2,"page":50},{"title":"عناية ابن أبي الربيع بالقراءات","level":2,"page":65},{"title":"الاحتجاج بالشعر","level":2,"page":70},{"title":"القياس عند ابن أبي الربيع","level":2,"page":74},{"title":"الاتساع","level":2,"page":77},{"title":"مذهب ابن أبي الربيع النحوي","level":2,"page":80},{"title":"مصادر ابن أبي الربيع في تفسير الكتاب العزيز وإعرابه","level":2,"page":83},{"title":"النص المحقق","level":1,"page":87}],"ٛ":{"1,301":1,"1,302":2,"1,303":3,"1,304":5,"1,305":7,"1,306":8,"1,307":9,"1,308":10,"1,309":12,"1,310":13,"1,311":14,"1,312":15,"1,313":17,"1,314":18,"1,315":19,"1,316":20,"1,317":21,"1,318":22,"1,319":23,"1,320":24,"1,321":25,"1,322":27,"1,323":29,"1,324":30,"1,325":31,"1,326":32,"1,327":33,"1,328":34,"1,329":35,"1,330":36,"1,331":37,"1,332":38,"1,333":39,"1,334":41,"1,335":42,"1,336":43,"1,337":44,"1,338":45,"1,339":46,"1,340":47,"1,341":48,"1,342":49,"1,343":51,"1,344":52,"1,345":53,"1,346":54,"1,347":55,"1,348":56,"1,349":57,"1,350":58,"1,351":59,"1,352":60,"1,353":61,"1,354":62,"1,355":63,"1,356":64,"1,357":66,"1,358":67,"1,359":68,"1,360":69,"1,361":71,"1,362":72,"1,363":73,"1,364":75,"1,365":76,"1,366":78,"1,367":79,"1,368":81,"1,369":82,"1,370":84,"1,371":85,"1,373":86,"1,377":87,"1,378":88,"1,379":89,"1,380":90,"1,381":91,"1,382":92,"1,383":93,"1,384":94,"1,385":95,"1,386":96,"1,387":97,"1,388":98,"1,389":99,"1,390":100,"1,391":101,"1,392":102,"1,393":103,"1,394":104,"1,395":105,"1,396":106,"1,397":107,"1,398":108,"1,399":109,"1,400":110},"ٜ":{"1":[301,400]},"ٝ":["1,301","1,302","1,303","1,303","1,304","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,321","1,322","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,360","1,361","1,362","1,363","1,363","1,364","1,365","1,365","1,366","1,367","1,367","1,368","1,369","1,369","1,370","1,371","1,373","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2,3],"6":[4],"11":[5],"14":[6],"16":[7],"22":[8,9],"26":[10],"28":[11],"40":[12],"45":[13],"50":[14],"65":[15],"70":[16],"74":[17],"77":[18],"80":[19],"83":[20],"87":[21]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\n\nتفسير الكتاب العزيز وإعرابه\nلأبي الحسين عبيد الله بن أبي جعفر بن أحمد بن أبي الربيع القرشي الأموي الأندلسي الإشبيلى\nالمتوفى سنة ٦٨٨ هـ\nتحقيق ودراسة الجزء الأول\nالدكتور علي بن سلطان الحكمي\nالأستاذ المشارك في كلية اللغة العربية\n(أ)\nبين يدي تفسير الكتاب العزيز وإعرابه\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.\nأما بعد: فإن أبا الحسن عبيد الله بن أبي الربيع الأشبيلي الأندلسي كان إمام عصره في بلاد الأندلس، اشتهر بدروسه في مدينة إشبيلية قبل سقوطها في أيدي الفرنجة، وفي مدينة سبتة بعد هجرته إليها. وقد امتد الزمن بدروسه أكثر من نصف قرن وقصده الدّارسون من كل أوب وفج يقيدون عنه ويفيدون منه، ويروون ويحملون ما يجيزهم روايته وحمله. وقد تخرج به الجمع الغفير من العلماء الذين صاروا به أئمة في مختلف الفنون، وكان لبعض منهم مؤلفات لا يحصرها ديوان، ويعز جمعها على ذي البحث والتنقير والافتنان، وقد كان لانقطاعه للعلم والدرس ومباعدته أهل الدنيا أثر واضح في تمكنه العلمي ورسوخه في مختلف الفنون التي كانت شغل الدارسين وحديثهم، ولئن انحصر نشاطه العلمي في التأليف والشرح والتّقيْيد على النحو","vol":"1","page":301},{"text":"والصرف، وما يتصل بهما إن له لقدمًا راسخة في مختلف العلوم لكنّ علوم العربية كانت تُمَثِّلُ التخصُّص الدقيق الذي تأكد فيه رسوخه وأحاط به معرفة وفهمًا، لذلك خصه بالتأليف والشرح والتقييد على أمهات المصادر والأصول، إسعافًا للدارسين، وإثراءً لجوانب من هذا العلم بالتحقيق المستقصي والبحث الموفّي لما بدأه السلف من أئمة هذا الشأن، وقد أراد أن يختم نشاطه العلمي في آخر أيّامِه بمؤلف يجمع فيه ما كان حصله في رحلته الطويلة مع الدرس والمراجعة فكان هذا الكتاب الموسوم بتفسير الكتاب العزيز وإعرابه الذي شرع في إملائه في الأيام الأخيرة من حياته، وسلك فيه النهج الوسط مُتحاميًا الإطناب المُمِلّ والإيجاز المخل، لكنَّ القدر لم يُمْهل ابن أبي الربيع كثيرًا من الوقت ليتَسنَّى له إتمام هذا التفسير بل عاقته المنية وهو مازال يملي على طلابه ما أعدّهُ من تفسير وبيان وإعراب على آية المائدة (١٠٩): ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ قَالُوا لا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ﴾ فرحم الله ابن أبي الربيع وأجزله مثوبته.\nأما العمل في هذا السفر من تفسير الكتاب العزيز وإعرابه فيتلخص فيما يلي:\nأولا: التعريف بمؤلفه تعريفًا موجزًا امتدّ إلى شيوخه وما حمله ورواه عنهم، أمّا تلاميذه فقد اقتصر البحثُ على بعض المشاهير من تلاميذه، لأنَّ العدد الحاصر لطلابه ليس بُمِتَأت جمعُهُ، فعالم تمتدُّ حلقته للدرس والإقراء واِلإجازة المروية أكثر من نصف قرن، وفي مدينتين من أعظم المدن الأندلسية، ويقصده أفواج الدارسين من الأندلس والمغرب يتعذر حصر طلابه بعد فقد الكثير من المصادر وكتب الفهارس والبرامج التي يظن أن بها الجمع الغفير من طلابه الذين لم يُهتد إليهم بعد، ولذلك فما ذكر له في دراسة كتابه الملخص في ضبط قوانين العربية عددٌ تقريبي، وكذا ما توصل إليه الزميل الدكتور عياد الثبيتي فيما أعدّه على كتاب البسيط هو عدد تقريبي أيضًا وليس حاصرًا لهم. وقد كان في ذكر ما سبق في هذين الكتابين غُنيَة عن هذا التّعريف لولا خشية أن يقع هذا البحث بين أيدي من لم يكن لديهم الكتابان السابقان، فيكون في ذلك نقصٌ بالغرض الذي يَهدِفُ إليه هذا التعريف.","vol":"1","page":302},{"text":"ثانيًا: دراسة النص الذّي عثر عليه من تفسير ابن أبي الربيع وتوثيق نسبته إليه، وتصحيح ما وقع فيه بعض الباحثين عن حجم هذا التفسير أو كمه.\nثالثًا: تحقيق النص وفق المنهج الذي ترسمه أئمة التحقيق، والضوابط التي وضعوها ما أمكن، ولا ادّعي أني وفيته حقه، لكن حرصت على ذلك جهد الطاقة، وقد وجدت صعوبة بالغة في قراءة النص وردّ شوا رده مما أضيف إليه في المقابلة التي ذهب جزءٌ كبير منها بسبب الرطوبة وتقادم النسخ لهذا الكتاب.\nهذا والله أسأل أن يعظم الأجر لأبي الحسين عبيد الله بن أبي الربيع وأن يتقبل منه عمله في خدمة العلم وطلابه.","vol":"1","page":303},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>ابن الربيع: حياته وآثاره</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>اسمه ونسبه ونشأته</span>\n\nالفصل الأول: ابن أبي الربيع: حياته وآثاره، وفيه مباحث:\nالمبحث الأول: اسمه ونسبه ونشأته:\nهو أبو الحسين عبيد الله بن أبي جعفر بن أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عبيد الله بن أبي الربيع القرشي الُأمَويّ ثم العثماني الأندلسي الإشبيلي، يتصل في سلسلة نسبه بالخليفة الراشد عثمان بن عفان ﵁.\nكان موطن أجداده قرطبة إبان أزدهارها واستقرار الأمن فيها، فلمّا اجتاحها الصليبيون خرج جده فيمن خرج من أهل قرطبة فقصد لبلة حيث أقام بها فترة هو وبنوه، ثم ما لبث أنْ غادرها إلى مدينة إشبيلية قاعدة دولة الموحدين يومئذ، وفي مدينة إشبيلية كانت ولادة ابن أبي الربيع سنة ٥٩٩هـ ولا تذكر المصادر شيئًا عن كيفية نشأته الأولى، ولا يبعد أن يكون قد أخذ من حداثة سنه قدرًا كبيرًا من حفظ القرآن الكريم وتجويده أو حفظه كاملا، ثم امتد به الدرس إلى العلوم الأولية التي تعدّ الدارس لما بعدها من الدراسة الموسَّعة في أمهات الكتب والمصادر المبسوطة في مختلف الفنون التي كانت مقصد الدارسين في الأندلس وشغلهم الشاغل.","vol":"1","page":303},{"text":"وقد قدر لابن أبي الربيع الاتصال بنخبة لامعة من أئمة العلم البارزين في الأندلس وأن يأخذ عنهم ويحمل ما أجازوه حمله وروايته من مصنّفاتهم وسائر الكتب التي رووها عن أشياخهم ودرسوها في مجالسهم وحلقات دروسهم العامة، وقد ساعده على جودة التحصيل طموح قاده إلى التّفوق العلمي، وكفاءة سمت به إلى ذروة المجد يوم خلف شيخه أبا علي الشلوبين على درسه في الجامع الأعظم بإشبيلية بتوجيه من شيخه أبي علي فوصل درسه بدرس شيخه وسنده بسنده في كفاءة نادرة لا يجارى فيها وبراعة فائقة لا يشق له غبار، وأداء ما يتقاصر فيه عن شيخه أبي علي الشلوبين، إن لم يكن فاقة في رجاحة العقل ونباهة الضمير وحسن الممالحة، في مقابل الغفلة والبَلَه اللّذين نحس حظ أبي علي الشلوبين بهما، وغيرهما من الصّفات المنغصة في حياة أبي علي الشلوبين ﵀.","vol":"1","page":304},{"text":"المبحث الثاني:<span data-type=\"title\" id=toc-4> شيوخه</span>\nحفل برنامج ابن أبي الربيع الذي رواه عن شيوخه، وأملاه على تلميذه أبي القاسم ابن الشاط الأنصاري - بأسماء نخبة من العلماء الّذين التقى بهم وصحبهم وقرأ عليهم، أو سمع ما يُقرأ في مجالسهم، أو أجازوه رواية ما روَوه عن أشياخهم أو أذنوا له برواية مصنفاتهم وغير ذلك من طرق الأداء والتحمل وفيما يلي تعريف موجز بأشياخه الذين ورَدَ ذِكْرُهم في برنامجه بحسب الكنية التي تصدرت اسم كلّ شيخ منهم.\n١- أبو بكر محمد بن عبد الله الأنصاري الإشبيلي المعروف بالقرطبي المقري ١.\nكان عالمًا مقرئًا مجوّدًا ورعًا مُتَقَلّلا مِن الدُّنيا عاكفًا على التقييد، حريصًا على استفادة العلم..\nقال ابن أبي الربيع فيما أخذ عنه: لزمتُه وحضرتُ مجلَسَهُ وقرأتُ عليه بعض كتاب\n_________\n١ ينظر ترجمته في الذيل والتكملة ٦/ ٢٤٠، وبرنامج شيوخ الرعيني: ١١- ١٤.","vol":"1","page":304},{"text":"الموطّأ، وسمعتُ عليه بعض تأليفه في التفسير، وأجازني جميع ما رواه عن جميع شيوخه١. توفى سنة ٦٢٨هـ.\n٢- أبوبكر ٢محمد بن نبيل الغافقي الإشبيلي. (..- ٦٣٠هـ) كان قاضيًا وفرضيَّا مقصودًا في درسه.\nقال ابن أبي الرّبيع: تَعلّمتُ عليه الفرائض ٠٠) ٢.\n٣- أبو الحسن علي بن جابر اللّخمي الإشبيلي المعروف بابن الدبّاج٣. (٥٥٦-٦٤٦ هـ) . كان إمامًا في النحو، حُجّة في النّقل مُسدّدًا في البحث، تخَرّجَ به عدد كبيرٌ من العلماء.\nقال ابْنُ أبي الرَّبيع: \"حضرت مجلَسه في جامع العدَبَّسْ وسمعتُ عليه بَعضَ كتاب سيبويه، وأجازني في جميع ما رواه عن شيوخه\"٤.\n٤- أبو العبّاس أحمد بن محمد اللّخمي العَزَفي السَّبتي٥ (٥٥٧-٦٣٣ هـ) عالم بالسنة والفقه، لزم التدريس بجامع سَبّتَة طيلة حياته، وقَصدَهُ الدَّارسون يفيدون منه ويقيدون عنه.\nقال عنه ابن أبي الربيع: (كَتَبَ إليَّ بإجازة، ما رواه عن جميع شيوخه) ٦.\n٥- أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن خلفون الأزدي الأندلسي الأونْبي\n(٥٥٥ - ٦٣٣ هـ) ٧ كان عالمًا حافظًا ناقدًا بصيرًا بالحديث ورجاله، وله فيه مصنفات\n_________\n١ برنامج ابن أبى الربيع ٢٥٦- ٢٥٧.\n٢ برنامج ابن أبى الربيع ٢٦٢.\n٣ ينظر: صلة الصلة ١٣٧، واختصار القدح المعلى ١٥٥، والعبر للذهبي٥/ ١٩٠، وسير أعلام النبلاء ٢٣/٢٠٩، وغاية النهاية١/ ٥٢٨، ونفح الطيّب ٣/ ١ ٤٦-٤٧٨.\n٤ برنامج ابن أبي الربيع ٢٥٧- ٢٥٨.\n٥ برنامج أبن أبي الربيع ٢٦١.\n٦ برنامج أبن أبي الربيع ٢٦١.\n٧ ينظر: التكملة٢/ ٦٤٣،والذيل والتكملة٦/١٢٨- ١٢٩، وشيوخ الرعينى ٥٤- ٥٥.","vol":"1","page":305},{"text":"مشهورة، منها المنتقى في الرجال، والمفهم في شيوخ البخاري ومسلم، وكتاب علوم الحديث، وغيرها.\nقال ابن أبي الربيع: \"لقيته بإشبيلية، وأجازني في جميع ما رواه عن شيوخه\"١.\n٦- أبو علي الشلوبين عمر بن محمد الأزدي٢ (٥٦٢-٦٤٦ هـ) كان إمامًا في علوم العربية، تصدّر للتدريس سِنِىّ حياته، له العديد من المصنفات والشروحات.\nقال ابن أبي الربيع: \"لزمت مجلسه وقرأت عليه جميع كتاب الإيضاح وأكثر كتاب سيبويه، وسمعت بعضه بقراءة غيري، وقرأت عليه بعض الحماسة الأعلمية، وبعض الأمثال لأبي عبيد، وسمعت عليه بقراءة غيري بعض شعر حبيب، وبعض الأمالي للبغدادي، وبعض المفصل للزمخشري ... إلى أن يقول: وكانت الجزولية تقرأ عليه وأنا أسمعُ، وأجازني جميع ما رواه عن شيوخه\"٣.\n٧- أبو عمر محمد بن إبراهيم الإشبيلي المعروف بابن زغلل٤. كان فقيهًا حافِظًا، عارفًا بالنوازل، فرضيًا.\nقال ابن أبي الربيع: فيما حمله عنه: \"حملتُ عنه إجازة كتاب ابن القاسم الحوفي في الفرائض، وحدّثني به عن القاضي أبي القاسم المذكور) ٥.\n٨- أبو عمر محمد بن أحمد بن هارون التميمي الإشبيلي٦. أخذ عن أبيه أبي القاسم، وأبي الحسن بن خروف، وابن طلحة، وغيرهم.\nقال ابن أبي الربيع فيما قرأه وسمعه عليه وأجازه روايته: \"قرأت عليه الكتاب\n_________\n١ برنامج ابن أبي الربيع ٢٦٢.\n٢ ينظر اختصار القدح المعلى ٢ ٥ ١، وصلة الصلة ٠ ٧- ١ ٧، وشيوخ الرعينى ٨٣، وإنباه الرواة ٢/٣٣٢، ووفيات الأعيان ٣/ ١ ٤٥- ٢ ٤٥، وسير أعلام النبلاء٢٣/ ٧ ٠ ٢- ٨ ٠ ٢.\n٣ برنامج ابن أبى الربيع ٢٥٨- ٢٥٩.\n٤ ينظر الذيل والتكملة ٦/ ١٠٥.\n٥ برنامج أبن أبى الربيع ٢٦٢.\n٦ ينظر: الذيل والتكملة ٦/ ٣٢، وغاية النهاية ٢/ ٩٠.","vol":"1","page":306},{"text":"العزيز بقراءات السّبعة حسب ما تضمَّنَهُ كتاب الكافي، وبالإدغام الكبير، وبقراءة يعقوب، وسمعت منه كتاب الكافي لأبي عبد الله بن شريح، وقرأت عليه كتاب المفردات من تأليفه وتأليف ابنه شريح، والجمل مَرّتين، والتّبصرة للصّيمري والأشعار السّتةَ والفصيح وعرضتها عليه، وأدب الكاتب وعرضته عليه من أوله إلى (إقامة الهجاء)، وإصْلاح المنطق، وعرضته عليه دولا، والحماسة الأعلميّة وعرضتها عليه دولا إلاَّ يسيرًا من آخرها، وأجازني جميع مما رواه عن جميع شيوخه\"١.\n٩- أبو الفتوح عمر بن فاخر العبدري٢ (... - ٦٣٦ هـ) كان فقيهًا أصوليًا، عالمًا بالنحو.\nقالت ابن أبي الربيع: \".. أخذت عنه المستصفى بين قراءة وسماع، وسمعت عليه أبعاضًا من كتب الفقه\"٣.\n١٠- أبو القاسم أحمد بن يزيد بن عبد الرحمن القرطبي الأموي قاضي الجماعة المعروف بابن بقي (٥٣٧-٦٢٥ هـ) .\nقال الرعيني في برنامجه: \"بيته بقرطبة معروفٌ بالعلم والنّباهة، لم تزل خطَّة القضاء متداولة في سلفه ٠٠\"٤.\nوكان عالمًا باللغة العربية، ألف كتابًا في الآيات المتشابهات أحسنُ شيَءٍ في بابه٥.\nقال ابن أبي الربيع: \"قدمَ علينا إشبيلية وهو شيخٌ كبير فسمعت عليه بعض كتاب الكافي لأبي عبد الله بن شريح، وبعض كتاب الموطأ رواية يحيى بن يحيى وأجاز لي جميع ما رواه عن جميع شيوخه. ..\"٦.\n_________\n١ ينظر: برنامج ابن أبى الربيع ٢٥٦.\n٢ ينظر: صلة الصلة ٢١٩، وبغية الوعاه ٢٥/ ٢٤٤.\n٣ ينظر: برنامج ابن أبى الربيع ٢٦٢.\n٤ برنامج شيوخ الرعينى ٥٠- ٥٣.\n٥ تاريخ قضاة الأندلس ١٧.\n٦ برنامج ابن أبى الربيع ٢٦٠.","vol":"1","page":307},{"text":"١١- أبو محمد عبد الله بن محمد الجذامي الشّلطيشي. قال عنه الرعيني: \"هذا رجلٌ من خيار المسلمين وصلحائهم\"١.\nكان عالمًا بالفقه المالكي، محصلاَ له حفظًا وإتقانًا، مجودًا لتوجيه أقوال أصحابه، مستقلًا بترجيح ما يجري على أصوله..\"٢.\nقال ابن أبي الربيع: \"قرأت عليه بعضًا من كتاب المختصر لأبي محمد بن زيد، وسمعت منه بعضًا ولم أكمله، وسمعت عليه بعضًا من كتب الفقه\"٣.\n١٢- أبو محمد عبيد الله بن علي بن محمد الأنصاري الأشجعي المعروف بابن سناري (٥٧٦-٦٤٧ هـ) .\nيعد من أهل النباهة والفهم والتيقظ والاستنباط الحسن، له جوابات فيما سئل عنه تدل على متانة علمه٤.\nقال ابن أبي الربيع: \"سمعت عليه المستصفى وأبعاضًا من كتب فقهيّة، وأجازني كتاب البراذعي، حدَّثني به عن أبي الحسن الأبياري\"٥.\n_________\n١ برنامج شيوخ الرعينى ٤٢.\n٢ المصدر السابق، والتكملة ٢/ ٩٠٨.\n٣ برنامج أبن أبى الربيع ٢٦٣.\n٤ ينظر: التكملة ٥/٩٠٨.\n٥ برنامج ابن أبى الربيع ٢٦١- ٢٩٢.","vol":"1","page":308},{"text":"المبحث الثالث:<span data-type=\"title\" id=toc-5> تلاميذه</span>\nامتدّت الحياة بابن أبي الربيع نحوًا من تسعين سنة قضاها أو قضى جُلّها في ميدان العلم الواسع، تحصيلًا له في مرحلة التحصيل وبذلًا له في مجال التعليم والتدريس \"معانًا على علمه بما جبل عليه من انقباض عن الناسِ ومباعدة أهل الدنيا وقلّة العيال وشغل البال، منعكفًا على التدريس والتعليم\"٦.\n_________\n١ برنامج شيوخ الرعينى ٤٢.\n٢ المصدر السابق، والتكملة ٢/ ٩٠٨.\n٣ برنامج أبن أبى الربيع ٢٦٣.\n٤ ينظر: التكملة ٥/٩٠٨.\n٥ برنامج ابن أبى الربيع ٢٦١- ٢٩٢.\n٦ برنامج أبن أبى الربيع مقدمة ابن الشاط ٢٥٥.","vol":"1","page":308},{"text":"وهذا العمر الطويل في ميدان العلم لعالم كابن الربيع قد هيأ الفرصة لجمع غفير من الطلاب والدارسين الذين قصدوا مجلسه وحلقة دروسه في مدينة إشبيلية قبل انتقاله منها، وفي مدينة سبتة بعد هجرته إليها، لكنّ العدد الذي أوردته بعض المصادر وكتب البرامج والفهارس الأندلسية أقلّ بكثير ممّا يتوقع، وربما كان له طلاب غير من ذكروا. وقد سبق لي حديث عن تلاميذه الذين وقفت عليهم في دراسة السفر الأولى من كتاب الملخص في ضبط قوانين العربية١، واكتفي بذكر بعض مشاهير طلابه الذين عرفوا بعلمهم وخلدوا بآثارهم الباقية من بعدهم.\nأبو إسحاق الغافقي الإشبيلي (٦٤١ - ٧١٦ هـ) ٢:\nهو إبراهيم بن أحمد بن عيسى الغافقي الإِشبيلي يكنى بأبي إسحاق، خرجت به أسرته من إشبيلية بعد سقوطها في أيدي الصليبيين، فقصدت به سبتة مهاجر الأندلسيين أيام المحنة، وفي سبتة قدر له الاتصال بابن أبي الربيع وملازمته والأخذ عنه حتى استكمل تحصيله في مختلف العلوم التي واظب على تحصيلها، وقد خلف ابن أبي الربيع للتدريس، فكان منه مكان ابن أبي الربيع من شيخه أبي علي الشلوبين يوم خلفه على كرسي الدرس في جامع إشبيلية، أخذ عنه أبو عبد الله محمد البيري٣، وشمس الدين محمد بن جابر الوادي آشي٤، ويوجد الجزء الرابع من الكافي في الإفصاح عن مسائل كتاب الإيضاح بخط إبراهيم الغافقي هذا بالخزانة العامة بالرباط تحت الرقم ٣٧٩ ك.\nأبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي الأندلسي٥ (٦٢٧-٧٠٨ هـ): قال عنه ابن جابر في برنامجه: \"أشهر من أن يعرف به، ذو التواليف الجمة، والعلم الغزير، أستاذ بلده\"٦.\n_________\n١ ينظر الملخص ٢٦-٣٧، والبسيط ١/ ١ ٥-٦٧.\n٢ برنامج الوادي آشي ١٦٦، وغاية النهاية ١/٨، وبغية الوعاة ١/ ٥ ٠ ٤، ودرة الحجال ١/١٧٦..\n٣ برنامج المجاري ٩٨، ١٠٠، ١٠١، ١٠٣.\n٤ برنامج الوادي آشي ١١٦.\n٥ المصدر السابق ٠٣ ١- ٤ ٠ ١، الديباج المذهب ا/ ٨٨ا، غاية النهاية ١/٣٢.\n٦ المصدر السابق ٠٣ ١- ٤ ٠ ١، الديباج المذهب ا/ ٨٨ا، غاية النهاية ١/٣٢.","vol":"1","page":309},{"text":"أخذ عن جماعة من العلماء، فيهم ابن أبي الربيع، وأبو الحجاج يوسف بن إبراهي المالقي، وأبو عبد الله محمد بن يوسف المالقى، وابن سيد الناس، ومن تلاميذه ابن جابر الوادي آشي.\nابن الشاط (٦٤٣- ٧٢٣ هـ) ١:\nهو قاسم بن محمد الأنصاري السبتي المعروف بابن الشاط، صحب ابن أبي الربيع وأخذ عنه، صنف مصنفات منها كتاب الإشراف على الشرف برجال سند البخاري.\nالتجيبي (- ٧٣٠ هـ) ٢:\nهو القاسم بن يوسف بن محمد التجيبي البلنسي السبتي. كان عالمًا ضابطًا، أخذ عن طائفة من أئمة العلم في عصره، ولازم ابن أبي الربيع أخذًا عنه، وراويًا أو سامعًا، وهو آخر من درسوا في حلقة ابن أبي الربيع، وروى عنه تفسير الكتاب العزيز وإعرابه، قال يا صفة أخذه: \"سمعت طائفةً منه من لفظه، وأجازني جميعه\".\nابن رشيد (٦٥٧- ٧٢١ هـ) ٣:\nهو محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن إدريس الفهري أبو عبد الله المشهور بابن رشيد، أخذ العلم عن أئمة عصره، فأخذ عن أبي الربيع النحو والقراءات، وقيد تقييدًا حسنًا على سيبويه، له مؤلفات نافعة، من أشهرها ملء العيبة، وتقييد على سيبويه، والسنن الأبينَ في السند المعَنْعَنْ.\n_________\n١ ينظر برنامج ابن جابر الوادى آشي ٠ ٧ ١، والاحاطة ٢/ ٩ ٥ ٢، ودرة الحجال ٣/ ٠ ٣٧.\n٢ ينظر الدرر الكامنة ٣/ ٣٤٠، وفهرس الفهارس والأثبات ١/ ١٩.\n٣ الوافي بالوفيات ٤/ ٢٨٤، والاحاطة ٣/ ١٥٣، وأزهار الرياض ٢/ ٣٤٧.","vol":"1","page":310},{"text":"المبحث الرّابع:<span data-type=\"title\" id=toc-6> مكانته العلمية</span>\nقُدِّرَ لابن أبي الربيع نشأة علمية متميّزة حَقَّقتْ له طموحه في التّحصيل العلمي، والاطلاع الواسع على موارد العلم المختلفة، والإحاطة بأكثر العلوم العقلية والنقلية التي كانت شغل العالمين والدارسين في عصره. ولذا نجده ينعت باللغوي والنحوي، والفرضي، وإمام المقرئين، الحافظ، الحسابي المتقن.\nوهذه النعوت تدل على تمكنه من أكثر الفنون وتحقيقه فيها، وَلَئن كانت السمة الغالبة على آثاره الموجودة والمذكورة في مصادر ترجمته تنحصر في علم النحو والتصريف وما يتصل بهما إنَّ له مشاركة وتمكنًا في أكثر العلوم التي واظب على دراستها طالبًا يتلقىَّ، وعالمًا يُعطى ثمرة تحصيله العلمي ونتيجة نشاطه وعصارة فكره لطلابه في الحديث وفقه ورجاله إسناده، والفقه وأصوله، وفي القراءات والتفسير، والفرائض، بله النحو والصرف وعلوم اللغة العربية وقد أفاضت كتب التراجم والفهارس والبرامج بابن أبي الربيع وأبانت عن مكانته بين علماء عصره، فتلميذه ابن الشاط يقول: في شأنه: \"أعلم مَن لقيناه، وأعظم مَنْ روينا عنه العلم ولقنّاه، وأجلُّ مَنْ نظم بين يديه اجتماعنا وعظم بما لديه انتفاعنا\"١.\nويقول تلميذه التجيبي: \"شيخ الأستاذين، وإمام المقرئين، وخاتمة المعربين العلامة الأوحد، الحافظ النحوي اللغوي الحسابي، الفرضي\"٢.\nوقال السيوطي: \"إمام أهل النحو في زمانه، ولم يكن في طلبة الشلوبين أنجب منه\"٣.\nوقال ابن القاضي: \"كان إليه المفزع في المشكلات بصيرًا بالفقه وأصوله والقراءات والحساب، والفرائض، وإمام الناس في النحو.\"٤.\n_________\n١ مقدمة برنامج ابن أبى الربيع ٢٥٥.\n٢ برنامج التجيبى ١٦.\n٣ بغية الوعاة ٢/ ١٢٥.\n٤ درة الحجال ٣/ ٧١.","vol":"1","page":311},{"text":"هذه أمثلة من شهادات بعض العلماء الذين اتّصلوا به وقيدوا عنه، والذين رووا طرفًا من سيرته العلمية، وَهِي تدلّ على ما بلغه قَدْرُهُ، وما انتهت إليه شهرتُهُ في العلم والتدريس والإجازة، فقد كان مقصد الدارسين من كل فج، وحديث العلماء في المشرق والمغرب، الذين تناقلوا أخباره وتداولوا كتبه يفيدون منها ويتدارسونها ويفزعون إليها في مواطن الاختلاف وتحرير المسائل، وحسبه أن يَسْتخلفه شيخه أبو علي الشلوبين على كرسيه في الجامع الأعظم بإشبيلية ليقوم بدرسه من بعده، فقام به خير قيام وأدّى أداءهُ في توجيه المسائل الدقيقة، باستقصاء أطرافها واستجلاء غوامضها، مِماَّ أعلى قدره يومئذٍ بين الدارسين فاشرأبت إليه الأعناق، وتزاحمت في حلقة دروسه مناكب طلاب العلم على مختلف مراحلهم ودرجاتهم، وحسبه أن كان من آخر المقرئين لكتاب سيبويه العارفين بغوامضه الفاتحين مغاليقه المقربين ما تناء من مسائله، العالمين بعويصه ومشكله، وقد أُعين على ذلك بالانقطاع إلى العلم ومباعدة أهل الدنيا وقلة الصوارف والعيال١.\n_________\n١ صلة الصلة ٨٣.","vol":"1","page":312},{"text":"المبحث الخامس:<span data-type=\"title\" id=toc-7> وفاة ابن أبي الربيع وآثاره</span>\nأ- وفاته: كان ابن أبي الربيع مِمّنْ نسأ الله له في الأجل وبارك له في حسن العمل، فقد أمضى سِنيّ حياته- التي قاربت التسعين عامًا في محراب العلم، طالبًا يتلقىّ وعالمًا يعطى ثمار ما حَصَّلَه من العلم لطلاب العلم والدّارسين علمًا منظمًا ورواية مُسنَدةً، وإجازةً باقيةً، وكان آخر عمل أراد أنْ يَطْوي به رحلته الطويلة في الدرس والتأليف، ويختم به نشاطه العلمي هو تفسير الكتاب العزيز وإعرابه، فقد شرع في إملاء ما أَعدَّهُ في آخر أيامه من تفسير وإعرابِ وقراءاتٍ على القرآن الكريم، وفيما كان يتوجه هذا العمل بين يديه أتاه اليقين صبيحةَ يوم الجمعة السّادس عشر من شهر صفر من سنة ٦٨٨ هـ.","vol":"1","page":312},{"text":"ب- آثاره: يكاد نشاط ابن أبي الربيع في التأليف، وما أعدَّه من شروحاتٍ على بعض كتب المتقدمين، وتقييدات ينحصر في مجال النحو والصرف وما يتصلُ بهما، أمّا في مجال التدريس فقد امتدّت دروسه إلى العلوم العقلية والنقلية فكان له دروس في القراءات، وفي الحديث ورجاله، والفقه وأصوله، وفي التفسير، والفرائض، وغيرها. ولكن دروسه في النحو والصرف كانت تستأثر باهتمام أكبر منه، لأنَّ هذا الميدان كان ميدان تخصصه، فقد حققّ العلم بهذا الفن وأحاط بشوارده، لذلك كان نشاطه في التأليف والشروح منحصرًا فيهما، ولا يبعد أن تكون له آثار في بعض الفنون التي أفسح لها في حلقات دروسه، وأعطى فيها إجازة باقية ورواية متصلة لأنَّ المصادر التي بين أيدينا، وكتب البرامج الموجودة لا تنفي أن يكون له نشاط علمي في غير النحو والصرف ولكنها غير صريحة في ما تعزو إليه فيما عدا الرواية وإجازتهُ لبعض العلوم، فيْبقى البحث مع ما ذكر له من الآثار الباقية والمفقودة، المطبوعة والمخطوطة، وقدْ سبق لنا دراسة هذه الآَثار في السفر الأوَّل من كتابه الملخَّص في ضبط قوانين العربية بما يغني عن الإِعادة والتكرار لما تطرّق إليه البحث هناك، وإنما نُشير في البحث هنا إشارة موجوزة إلى هذه الآثار، ونتوجه بالدراسة لكتابه (تفسير الكتاب العزيز وإعرابه) موضوع هذه الدراسة، وبخاصة ما يتعلق بالقضايا النحوية والصرفية في السفر الموجود من هذا الكتاب. والسمة الغالبة على ابن أبي الربيع في أعماله وآثاره الموجودة أو المفقودة هي الشرح والتقييد على كتب المتقدمين التي كانت تقرأ عليه في حلقة دروسه، ولذا تعددت شروحاته عليها، حسب ما يقتضيه حال الدارسين في الإِيجاز والبيان والتفصيل، ونعرض هنا لآثار ابن أبي الربيع وفق ما أوردته المصادر التي وقفنا عليها:\nكتاب البسيط:\nوهو شرحٌ على كتاب الجمل للزجاجي، وله على هذا الكتاب عِدّة شروحات فيها المختصر والمبسوط، وقد أورده بهذا الاسم غير واحد من علماء عصره وممّن جاء من بعده، قال تلميذه القاسم بن يوسف التجيبي في برنامجه: (وله على كتاب الجمل","vol":"1","page":313},{"text":"المذكور عدة شروحات أعظمها الكتاب الموسوم بالبسيط، وَهُو في عدّة مُجلّدات ظَهَرَ فِيهِ حفظُهُ وتبريزه.\nويبدو أنه شرع في هذا الشّرح وهو في مدينة إشبيلية، وأتّمهُ في مدينة سبته، هذا ما توصل إليه مُحقّق الكتاب الزميل الدكتور عياد الثبيتي لقول ابن أبي الربيع في مقدمة الكتاب: (..وكان الذّي أعانني على إكماله وتتميمه الذّي اتفق الأنام على فضله وتقديمه، فخر الزّمان المذكور بكل مكان، المشكور على كلّ لسان، الّذي عَمّت فضائله، وانتشرت في الورى فواضله.. الفقيه الأوحد، الأسنى الأفضل أبو القاسم محمد ابن الإمام العلامة المحدث الراوية أبو العباس أحمد ...) .\nوأبو القاسم هذا هو أمير سبتة وطنجة إبّان قدوم ابن أبي الربيع إليها، ولا يبعدُ ما ذُكِر في زمن تأليف هذا الشرح عن الصواب، فإن الفترة التي أمضاها ابن أبي الربيع في مدينة إشبيلية أكثر من الفترة التي قضاها في مدينة سبتة، والمظنون أنّ حياته في مجال التدريس في مدينة إشبيلية لا تقل عن خمس وعشرين سنة، وهي فترة حافلة بالحيوية وحسن الأداء في الدرس والتأليف والشرح والتقييد.\nيُوجدُ من هذا الكتاب السفر الأول يبدأ بالكلام على قول الزجاجي: (أقسام الكلام ثلاثة) (١) وينتهي بالكلام على قول الزجاجي في الصفة المشبهة (والوجه الحاد عشر أجازه سيبويه، وهو قولك: مررت برجلٍ حسنٍ وجههِ ٠٠) (٢) . (وقد قام بتحقيقه ونال به درجة الدكتوراه الزميل عياد الثبتي وهو مطبوع في دار العرب الإسلامي في مجلدين) .\nالشرح الأوسط على كتاب الجمل:\nأورده التجيبي في برنامجه (٣) ويوجد الجزء الأول منه في المغرب بخزانة ابن يوسف بمراكش، تحت الرقم (١٠٠) كتب سنة ٧٢٤ هـ بخط أندلسي، واسم الناسخ محمد بن أحمد بن مخلوف، وعليها تملك باسم إبراهيم الرشيد بن عبد الله بن محمد (٤) .\n_________\n(١) البسيط ١/١٥٧. (٢) البسيط ٢/١٠٩٩- ١١ ١٠.\n(٣) برنامج التجيبى ٢٨٠. (٤) ينظر البسيط ١/ ٧٠.","vol":"1","page":314},{"text":"كتاب الكافي في الإِفصاح عن مسائل كتاب الإيضاح (١):\nهذا هو عنوان الكتاب وفق ما أثبته ابن أبي الربيع في المقدمة التي استهل العمل بها في هذا الشرح، وسمَّاه القاسم بن يوسف التجيبي في برنامجه الكافي في الإفصاح عن نكت الإِيضاح (٢)، وفي بعض المصادر سُمِّيَ بالإفصاح (٣)، وربّما سُمّي شرح الإِيضاح في أكثر المصادر التي تورده أو تورد نقلًا عنه، والكتاب من أوسع الشروحات التي قدمت على كتاب الإيضاح وأفضلها في عَرْض المادة العلمية ومناقشتها وتَقصِيّ مسائل الخلاف، وتحرير القول فيه بالدليل وبالقياس.\nوقد سبق لي حديث عنه فيما كتبته على الملخص في ضبط قوانين العربية (٤) .\nتوجد لهذا الكتاب نسخ مفرقة في مكتبات وخزائن المغرب، وهي تكمل الكتاب بأجزائه الأربعة.\nفيوجد منه الجزء الأول في خزائن القرويين تحت الرقم (٥١٣)، وله نسخة ثانية في الخزائن الحمزية تحت الرقم (١٧)، وله نسخة ثالثة في مكتبة الجامع الكبير بمكناس تحت الرقم (٤١١) .\nالجزء الثاني. توجد له نسختان: الأولى بالخزانة الملكية تحت الرقم (٥٢٩٨)، والثانية بالزاوية الحمزية تحت الرقم (١٧) .\nالجزء الثالث، توجد له نسخة نادرة بخط ابن آجروم. بفاس.\nوله نسخة ثانية بالخزانة الحمزية تحت الرقم (٤١)، وبها خرمٌ من أولها وآخرها.\nالجزء الرابع، توجد له نسخة نادرة كتب بخط أحمد بن إبراهيم الغافقي تلميذ ابن أبي الربيع كتبت في شهر شوال سنة ٦٥٨ هـ. توجد في صدر هذا الجزء إجازة لأبي مروان\n_________\n(١) اللوحة ٤ من الكافى السفر الأول.\n(٢) برنامج التجيبى ٢٨٧.\n(٣) تاريخ الإِسلام للذهبى حوادث سنة ٦٨٨هـ.\n(٤) الملخص ١/٥١.","vol":"1","page":315},{"text":"عبد الملك بن شعيب القشتالي بخط ابن أبي الربيع نفسه. والنسخة بالخزانة العامة بالمغرب تحت الرقم (٣٧٩) .\nوله نسخة ثانية بالخزانة الحمزية تحت الرقم (٤١) .\nكتاب الملخص في ضبط القوانين العربية:\nوله نسخُ في المغرب وأسبانيا ويقع في جزء ين، الأول خاص بالنحو، والثاني خاص بالصرف، وقد حقق الأول لدرجة علمية وطبع في عالم الكتب سنة ١٤٠٥ هـ.\nوحقق الثاني وطبع في الباكستان طباعة مشوهة تداخلت فيها نصوص الكتاب بالحواشي والتعليقات مما دعا إلى إيقاف توزيع الكتاب.\nتقييد على كتاب سيبويه:\nتذكره بعض المصادر بهذا العنوان (١)، وبعض منها يذكر أنَّه تعليق على سيبويه (٢)، وبعض منها يورده بعنوان شرح سيبويه (٣)، ولعلّ القول بأنه تقييد على كتاب سيبويه هو الأقرب إلى الصحة من سائر العنوانان التي ذكرت، ولم يرد نقل عن هذا الكتاب في المصادر والكتب التي تورد أقوال ابن أبي الربيع، ممّا يدلّ على اختفاء هذا التقييد في فترة متقدمة من التاريخ قبل أن تتداوله أيدي النُّساخ والوراقين وربما يوجد تحت غير هذا العنوان من الشروح والتقييدات المجهولة المؤلف.\nكان ماذا:\nهذا كتاب ردّ به ابن أبي الرّبيع على مالك ابن المرحل لورود هذا التركيب في قول مَالِك هذا:\nوإذا عشقت يكون ماذا، هل لّه ... دين علىَّ فيفتدى ويروحُ\n_________\n(١) ينظر الإحاطة ٣/ ١٤٦.\n(٢) ينظر تاريخ الإسلام للذهبي حوادث سنة ٦٨٨ هـ.\n(٣) بغية الوعاة ٢/ ١٢٥.","vol":"1","page":316},{"text":"فأنكر ابن أبي الربيع هذا التركيب بقوله: لحن هذا الناظم، لا يقال كان ماذا، ولا يكون ماذا، ولا أفعل ماذا، ولا يجوز ما كان على هذه الطريقة (١) .\nوهذا الكتاب مفقود مع باقي آثار ابن أبي الربيع المفقودة ومن المحتمل يكون هذا الرد رسالة صغيرة الحجم لا كتابًا مبسوطًا.\nالشرح الصّغير على كتاب الإِيضاح:\nهذا الكتاب من آثار ابن أبي الربيع التي مازالت مفقودة، ولعلّ الله أن يظهره للباحثين والدّارسين، ويبدو أنه من كتبه التي لم يجر تداولها كثيرًا بين العلماء بدليل عدم ذكره في أكثر الكتب التي أوردت كتب ابن أبي الربيع، كما لم يرد عنه نقل كما نقل عن غيره، ويكاد القاسم بن يوسف التجيبي ينفرد بذكره فقد أورده لا مقام الاستدراك على شيخه أبي الحسن بن أبي الربيع في عدّهِ عبد الله بن مسعود من العبادلة، وهو ليس منهم، ومما قاله التجيبي:\n(وقد سها شيخنا الإمام أبو الحسن بن أبي الربيع﵀- في ذلك فعدّه فيهم في شرحه الصغير لكتاب إيضاح الفارسي وفي غيره من تآلفه ٠٠) (٢) .\nتفسير الكتاب العزيز وإعرابه:\nوهو آخر أعمال ابن أبي الربيع العلمية، وخاتمة نشاطه العلمي في الدرس والمراجعة والتأليف، وسيفرد ببحث في هذه الدراسة إن شاء الله، يتناول توثيق نسبته والقدر الذي انتهى إليه فيه ابن أبي الربيع، ودراسة المسائل النحوية والصرفية في الجزء الموجود منه.\n_________\n(١) النبوغ المغربي ٦٤.\n(٢) برنامج التجيبي ٢٨٠.","vol":"1","page":317},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>دراسة المسائل العربية في تفسير الكتاب العزيز وإعرابه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>توثيق نسبة الكتاب لمؤلفه ابن أبي الربيع</span>\n...\nالفصل الثاني\nدراسة المسائل العربية في تفسير الكتاب العزيز وإعرابه، وفيه مباحث\nالمبحث الأول: توثيق نسبة الكتاب لمؤلفه ابن أبي الربيع\nهذا الكتاب هو آخر أعمال ابن أبي الربيع، وخاتمة نشاطه العلمي في الدرس والمراجعة والتصنيف، وهو من مُصنّفات ابن أبي الربيع التي لم يرد لها ذكر في أكثر كتب التراجم والبرامج التي ترجمت ابن أبي الربيع وأوردت أسماء مؤلفاته أو شروحا ته على كتب المتقدمين، كما لم يرد عنه نقل في المصادر التي أوردت أقوالا ونقولات عن كتب ابن أبي الربيع، وإنما أورده تلميذه القاسم بن يوسف التجيبي في برنامجه، وقد وثق نسبته إلى شيخه توثيقًا لا يأفكه ارتياب ولا تسنح فيه شبهة، فذكر عنوان هذا التفسير وبدايته ونهايته، والقدر الذي سمعه من إملاء شيخه، ثم إجازته له رواة جميع تفسيره وجميع ما رواه وألفه، وفيما يلي نص كلام التجيبي عن هذا التفسير:\n(.. ما تسنى لشيخنا العلامة أبي الحسن القرشي المذكور﵀- تعالى من تفسير الكتاب العزيز وإعرابه، وذلك من فاتحته إلى قوله تعالى في سورة المائدة (١٠٩): (ويَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ، قَالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب) وعاقته المنية عن إتمامه﵀- ورضى عنه وقدس روحه وبرد ضريحه. وهوَ آخرُ ما ألف. سمعت طائفة منه مِن لفظه في الإملاء وأجازني في جميعه..) .\nوأحسب أنّ هذا النص كافٍ في نسبة هذا التفسير لابن أبي الربيع، وهناك من الأدلة التي توثق هذه النسبة وتؤكدها ما يلي:\nأولا: ورود اسم هذا التفسير في اللوحة الأخيرة من هذا الكتاب، ونصها: الأول من تفسير القرآن لابن أبي الربيع﵀- وإن كان في هذه قصور في","vol":"1","page":318},{"text":"البيان ونقص في العنوان فمرده إلى الاختصار أو إلى معلومات الناسخ عن العنوان الحقيقي للكتاب.\nثائيًا: بعض الأقوال والآراء التي ناقشتها في هذا التفسير نجدها بنصها أو بنص مقارب في كتبه السابقة على هذا التفسير، ومن الأمثلة التي تؤكد ما أسلفناه ما يلي:\nأولا: ما قرره في إضافة الوصف- اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال والاستقبال وأضيف إلى المعرفة، كانت إضافة على التعريف والتَّخفيف، وهذا القول أورده في كتابه البسيط بعرض أشمل، وبيان مفصل.\nثانيًا: إضافة اسم الفاعل إلى الضّمير.\nأورد الخلاف في موضعِ الضمير عند الكلام على قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسَ إِمَاماَ) وهذا الخلاف أورده في كتابه البسيط (٢/١٠٤٨/٢-١٠٤٩)، والملخص (١/١٩٢) .\nثالثًا: خَرّجَ الباء في قوله تعالى: (ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم) على أنها بمعنى الهمزة، قال: والمعنى: أذهب الله نورهم، وأورد شاهدين على مجيء الباء بمعنى الهمزة، ونقل عن ثعلب قوله: ذهبت به وأذهبته، ودخلت به الدار وأدخلته.. إلى أن يقول: ولا أَعلَمُ خلافًا بين النحويين خلافًا في أنَّ الباء تكون بمعنى الهمزة إلا المبر، قال بين الهمزة والباء هنا فرق، وذلك أنك إذا قلت: أذهبت زيدًا، المعنى جعلته يذهب وإن كنت غير ذاهبٍ معه، وإذا قلت: ذهبت بزيدٍ فلا تقوله حتّى تذهب معه.\nوهذا القول والتوجيه أورده ابن أبي الربيع في كتاب البسيط (١/٤١٧) و(٢/٩٩٥) .\nرابعًا: وجّه قراءة النصب في \"غشاوة\" من قوله تعالى: (خَتَمَ اللَّهُ عَلى","vol":"1","page":319},{"text":"قُلُوبهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) على إضمار فعلٍ دلّ عليه وختم، قال: لأِنَّ الختم في القلب والعين نظير جعل الغشاوة على العين..) واحتج لذلك بقول امرئ القيس:\nوريح سنا في حقّة حميرّية ... تخصّ بمفروك من المسك أذفرا\nالمعنى: ويضمّخْن ريح سنا، وحذف يُضمَّخْنَ، لأَن ما قبله وهو يُحلّينْ يَدُلّ عليه.\nوهذا التوجيه للشاهد أورده في كتاب الملخص (١/ ٣٨٥) في احْتِجاجه به على نصب \"شركاءهم \" من قوله تعالى: (فَأَجْمعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَآءكُمْ) حيث جعل النصب هنا على إضمار فعل تقديره، وأَجمعوا شركاءَ كم بوصل الألف، ويكون بمنزلة قول امرئ القيس:\nريح سنا في حقّة حميرية ... البيت\nقال في توجيه البيت: التقدير: ويضَمِّخْن رِيْحَ سَنَا، وحذف لدلالة ما قبلها عليه.\nتلك أهم الأدلة التي تثبت نسبة هذا التفسير لابن أبي الربيع إضافة إلى ما أورده القاسم بن يوسف التجيبي تلميذ ابن أبي الربيع، وقد أفاد نص التجيبي بالإضافة إلى نِسْبَهِّ الكتاب أمرين مُهَميْن في التوثيق:\nالأول: أن هذا التفسير كان آخر ما ألفه ابن أبي الربيع.\nالثاني: تحديد القدر الذي انتهى إليه في هذا التفسير، فهو لم يتمكّن من إتمامه، بل وقف به الجهد عند آية (١٠٩) من سورة المائدة كما سبق في نص التجيبي، ورأيت بحثًا للدكتور محمد حجي بعنوان (ابن أبي الربيع السبتي إمام أهل النحو في زمانه) يُقَدّرُ هذا التفسير بما يَنيف عن ثلاثين جزءًا (١)، ويبدو أنه لم يطلع على ما أورده التجيبي في\n_________\n(١) مجلة المناهل العدد ٢٢ الصادرة في عام ١٤٠٢ هـ عن وزارة الشؤون الثقافية المغربية.","vol":"1","page":320},{"text":"برنامجه عن هذا التفسير، وإنما بَنَى حُكَمُهُ على الظَّنّ والتّخمين وليس على الحقيقة واليقين، فهذا التّقدير الذي انتهى إليه الدكتور محمد حجي مَبْنيُّ على تفسير القرآن كاملاَ، والّذي ثبت أنّ ابن أبي الربيع لم يكمل الجزء السّابع من أَجزاء القرآن الكريم للسَّبب الّذي أورده التجيبي، وهو ثقة فيما أخبر به، وعليه يُعَوّل فيما يَتَعلّق بهذا التفسير، وَصفًا وتوثيقًا.","vol":"1","page":321},{"text":"المبحث الثاني:<span data-type=\"title\" id=toc-10> منهج ابن أبي الربيع في عرض مادة الكتاب</span>\nتناول ابن أبي الربيع في هذا السفر من تفسير الكتاب العزيز وإعرابه العلوم المساعدة على فهم نصوص الكتاب الحكيم وبيان مقاصده، وهي علوم العربية من نحو وصَرفٍ وبلاغة، لأن تحصيل هذه العلوم مُعينٌ على فهم آيات الكتاب الحكيم، وعلى فهم سائر النصوص العربيّة نثرًا وشعرًا، ويبيّن فحواها ومنطوقها، لأنَّ المعاني تبقى مُستكِنّة في النص حتى تكشف بأنه البيان من تفسير الغريب، وتحليل التراكيب، وتوجيه النص على مقتضى العربيّة في وضوح العبارة وسلامة التراكيب وحسن البيان، ولما كانت مُهِمّة العربيّة هي فهم النصوص وتحرير معانيها أهتم بها سلفنا من العلماء، وأوصوا الدَّارسين بالنظر في علوم العربيّة قبل غيرها من العلوم ليتأتى لهم فهم العلوم الشرعية فهمًا سليمًا، لأن مَنْ حَسُنَ نظره في علوم العربية توجه له النظر في غيرها، وجرى في تحصيله على وجه السداد، وأخذ في المعرفة مأخذ أهل التّحقيق والاجتهاد ومن هذا التوجه عند المتقدمين ينطلق عمل ابن أبي الربيع في هذا السفر من تفسيره فقد رأى أنها وسيلة الفهم في تجلية معاني النصوص وكشف مكنونها، فأولى القضايا النحوية والصرفية واللغوية جلّ عنايته، وناقش أكثر المسائل مناقشة تنم عن علمٍ وَسِعة اطّلاع على مصادر التراث في مختلف فنونه، كما برزتْ شخصيته العلميّة في المناقشة ونقد الأقوال التي لا تقف مع منهج المتقدمين في الاحتكام إلى الأصول المعتَبرة من السماع والقياس الصحيح أو الاتساع فيما لم يرد به سماع موثوق ولا يُحملُ على وجه في القياس.","vol":"1","page":321},{"text":"وقد تنوّع أسلوب ابن أبي الربيع في عرض المادة العلمية التي أوردها في تفسيره، وبخاصةٍ ما يتعلّق بالعربيّة أداةِ الفهم والبيان، فتارةً يستهل الكلام على الآية بتفسير غريبها وما يتبع ذلك من توجيه المعنى، وتارة يأخذ في تفصيل المسائل النحوية والصرفية معرجًا على ما فيها من خلاف أو مُتَوخّيًا له ليحكم فيه بما يراه وتارةً تتواردُ القضايا النحوية والصرفية، والبلاغية على النص فيأخذ في بيان كل قضية منها، وغرضه من التنوّع في العرض تقريب المعنى بما يُعينُ على استنباط الحكم الذي تحتمله الآية أو تدلُّ عليه وقد كان هذا الكتاب- أعني تفسير الكتاب العزيز وإعرابه -خاتمة أعمال ابن أبي الربيع في الدرس والتأليف ونتيجة نشاطه الطويل في هذا الميدان، فهو يمثل قمة النُّضج العلمي الذي انتهى إليه في تحرير المسائل العلمية وتوجيه أقوال المتقدمين وتقويمها وفق منهجه الذي ترَسَّمَهُ في دروسه وتواليفه.","vol":"1","page":322},{"text":"المبحث الثالث:<span data-type=\"title\" id=toc-11> دراسة المسائل النحوية وأثر الإعراب في توجيه المعنى</span>\nأ- المسائل النحوية:\nيتناول هذا المبحث قضيَّتين: الأولى: المسائل النحوية التي تَعرّض لها ابن أبي الربيع في هذا السفر من تفسير الكتاب العزيز وإعرابه.\nالثانية: الإعراب وأثره في توجيه المعنى، وهذه المسألة أساس في تفسير ابن أبي الربيع كما هو واضح من العنوان.\nفأمّا المسائل النحويّة التي تطرق لها ابن أبي الربيع فكثيرة في هذا السفر وليس من غرض هذا البحث حصرها، ولكني أقف عند مسائل بعينها، منها السهلة التي لا يختلف في فهمها حذاق العربية وعامة الدّارسين لعلم العربية، ومنها الدَّقيقة التي كانت معترك الاقتران، وقد عرض ابن الربيع كل ذلك بشيءٍ من البسط تارة وأوجز القول تارة أخرى، وكان له موقفٌ من كل ما عرضه، إمّا الترجيح لمذهب ورد ما يعارضه، وإمّا ردّ القول واختيار ما يراه متوجهًا نحو الصحة، وذلك بعد مراجعة طويلة للمسألة أفضت","vol":"1","page":322},{"text":"به إلى ما انْتَهى إليه في ترجيح ما رجحه واختيار ما اختاره، ويعرضُ البحث فيما يلي بعضًا من المسائل التي تناولها ابن أبي الربيع في هذا السفر من تفسيره.\nأولًا: الخلاف في مُتَعلّق الجار والمجرور:\nاسْتهلّ ابن أبي الربيع تفسير الكتاب العزيز وإعرابه بذكر الخلاف في متعلَّقِ الجار والمجرور بين البصريين والكوفيين في \"بِسْمِ \" ثُمَّ أورد قَوْلًا ثالثًا في المسألة نسبة لبعض المتأخرين ظاهر الموطأة لمذهب الكوفيين، وقد أبدى ابن أبي الربيع على كِلّ قولٍ من الأقوال الثلاثة مأخذًا لكنَّهُ مال إلى ما ذهب إليه البصريون، وَوَهَّن ما ذهبَ إليه الكوفيون، وردّ قول بعض المتأخرين ووجّه ردّه لذلك القول بما أسعفه به فقهه للمسألة ودقّة فهمه، ومِمَّا قاله في المسألة:\n(ذهبَ البَصرِيُّون إلى أنَّه في تقدير: ابْتدائي بِسْمِ اللَّهِ، فبسم اللَّهِ عِندَهُم خَبَرْ مُبْتَدَأٍ مَحذُوفٍ.\nوذهب الكُوفِيُّونَ إلى أنَّه في تَقْدِيْر: أُبْدَأً بِسم اللَّهِ (١) .\nوالفعلُ الّذي لا يَصِلُ إلاَّ بِحرْفِ الجرّ يَضْعُفُ حَذْفهُ، وقَدْ جاءَ لكنّهُ قليلٌ.\nوجاء بعضُ المَتأَخِّرِينَ وذَهَبَ إلى أنه يَجُوزُ أن يكونَ المجرور مُتعلِّقًا بفعلٍ تَدُلُّ عليهِ الحال، تَقْدِيرُهُ: أقرأ بهذا، وأكتب بهذا، على معنى مُسْتعينًا. ويُحذَفُ الفعل لِدلاَلَةِ الحالَ عَليهِ.\nوهذا لا يصح لأن الحال لا تدل على الفعل حتى يصل بنفسه لا تقول: بزيد، تريد، مرّ بزيد وإن كان معك من الحال ما يدل على ذلك تقول لمن شال سوطا أو أشهر سيفًا: زيدًا، على معنى: اضرب زيدا، فالحال لا تدل على الفعل حتى يكون الفعل يصل بنفسه، ولا يتصرفون في الضعيف تصرفهم في القوى من الإضمار والإظهار، إلا\n_________\n(١) ينظر تفسير الطبري ١/ ١١٥، ومعاني القرآن وإعرابه ١/ ٣٦، وإعراب القرآن للنحاس ١/ ١١٦، وإعراب ثلاثين سورة لابن خالويه ص ٩، والبيان في غريب إعراب القرآن ١/ ٣١- ٣٢، والكشاف ١/ ٢٦- ٣٢.","vol":"1","page":323},{"text":"إنهم يقولون: بمن تمر أو بمن مررت؟ فيقول المسؤول: بزيد، وهو على تقدير: مررت بزيد، لأن هذا وإن كان محذوفًا فكأنه ظاهر لأنه مكنون في السؤال، وليس هذا بمنزلة ما استعملته الأحوال، ولا بمنزلة ما أُخِذَ لِيفَسّرَ.\nوأما قوله: (في تِسْعِ آيَاتٍ إلَى فِرْعَوْنَ) (١) فقوله: \"في تِسْعِ آيات \" خبر لمبتدأ محذوف، أيْ هذه الآيات في تسع آيات، فقد نزل هذه منزلة قد أرسلت أو ترسل، فجاز حذف الفعل هنا وإن كان لا يصل إلا بحرف الجر، لأنه تنزل منزلة بمن مررت؟ فنقول: بزيد.\nومع هذا لا ينكر حذف الفعل الواصل بحرف الجر لكنه قليلٌ لا يُحملُ عليه ما قُدِّر على غيره (٢) .\nثانيًا: متعلق الظرف (إذا):\nأورد ابن أبي الربيع الخلاف في متعلق الظرف إذا المتضمنة معنى الشرط، ورجح أن يكون متعلقها جواب الشرط، وهو قول أبي على الفارسي في المسألة، ومما ذكره ابن أبي الربيع في المسألة: (.. وإذا اختلف الناس في الفعل الذي تتعلق به على ثلاثة مذاهب):\nفمنهم من قال تتعلق بفعل الشرط، لأن فيها معنى السبب، فإذا قلت: إذا جئتني جئتك فإذا تتعلق بجئتني، وهي بمنزلة أن لو قلت: متى جئتني جئتك.\nومنهم من قال هي متعلقة بالجواب، والجملة التي بعدها في موضع خفض بإذا، إلا إنها لا يقع بعدها إلا جملة فعلية، لأجل ما فيها من السبب، ولا يقع بعدها المبتدأ أو الخبر إلا في ضرورة الشعر.. إلى أن يقول:\nوعلى هذا أكثر النحويين؛ لأنّ إذا في الأصل ظرف، والظرف يطلب ما يضاف\n_________\n(١) سورة النمل آية: ١٢.\n(٢) من قوله: وجاء بعض المتأخرين، وما تعقب به على هذا القول إلى هنا المعنى بهذا الزمخشرى، فالقول قوله في المسألة كما في الكشاف ١/٢٦-٣٢.","vol":"1","page":324},{"text":"إليه، والسببية تطلب مرد الكلام، فيلزم لهذا أن يكون جوابها مؤخرًا، فإن جاء: أكرمُك إذا جئتني فجوابها محذوف، تقديره: أكرمك إذا جئتني يكون ذلك، ولا تتعلق بأكرمك، كما أنك إذا قلت: أكرمك إن أكرمتني، فجواب إن محذوف، تقديره: أكرمك إن أكرمتني يكن ذلك، فالفعل الأول دل على الجواب لا هو الجواب.\nوتقول العرب: إن زيد قام فأكرمه، فزيد فاعل بفعل مضمر دلت عليه قام الظاهر، ويكون هذا بمنزلة قوله تعالى: (وَإنْ أَحَدٌ منَ اْلمُشْرِكِينَ استجارك فَأَجِرْهُ) (١) فأحد فاعل بفعل مضمر، وكذلك قوله تعالى: (إذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ، وَإذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ، وَإذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ) (٢) .\nفهذه كلها مرفوعات بفعل محذوف دلت عليه هذه الظواهر، فتعرب الشمس كورت مفعولًا لم يسم فاعله لا مبتدأ، لأن السببية تمنع من ذلك، وقد نص أبو على في الإيضاح (٣) على هذا وهو الصواب.\nومنهم من قال: إذا تضاف إلى الجملة الفعلية وإلى الجملة الاسمية، وتتعلق بما قبلها وبما بعدها لأنها ظرف، والظرف يتعلق بما قبله وبما بعده، فجعل \"إذا الشمس كورت \" الشمس: مبتدأ، كورت خبره، وفي هذا بعد، إذا لو كان كما قيل لجاز: إذا زيد قائمٌ. أكرمك، وهذا لا يقع إلا في ضرورة الشعر، وهو قليل في الضرورة والذي ذهب إليه أبو على (٤) أصح الأقوال الثلاثة- والله أعلم. (٥٤) .\nثانيًا: مجيءُ نائب الفاعل والمفعول به جملة:\nخرّج ابن أبي الربيع الجمل الواقعة بعد أفعال القول المبنية للمجهول على أنها بلفظها نائب فاعل وليست جملة في موضع رفع نائب فاعل، قال في توجيه الآية الكريمة: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا في الأرْضِ..) (٥): (.. لا تُفْسِدوا) في\n_________\n(١) سورة التوبة آية: ٦.\n(٢) سورة التكوير آية: ١، ٢، ٣.\n(٣، ٤) ينظر الِإيضاح العضدي ٣٠.\n(٥) سورة البقرة الآية: ١٣.","vol":"1","page":325},{"text":"موضع المفعول الذي لم يُسمّ فاعله بقيل، َ لأنه عينُ المفعول فيجري مجرى: \"سُبْحانَ اللَّهِ تَمْلأ الميزان \" (١) ومجرى: زعموا مطيَّة الكذب. وليس في موضع مفردٍ هو المفعول الذي لم يُسمَّ فاعلهُ؛ لأنَّ هذا لا يكون في المبتدأ ولا في الفاعل ولا في المفعول الذي لم يُسمَّ فاعلهُ ويكون في الأخبار، وقد مضى الكلام على هذا في: (أأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ..) (٢) (٣٦) .\nوقال في توجيه الآية الكريمة: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَاَ آمَنَ النَّاسُ..):\n(.. و(آمِنوا) هو المفعول الذي لم يُسمَّ فاعله بقيل..) (٦١) .\nوقال في توجيه الآية الكريمة: (إِنَّمَا نَحنُ مُصْلِحُونَ):\n(إنما نحنُ مصلحون) في موضع المفعول به لـ\"قالوا\" وموضعه نصب لأنّ قالوا أخذ عمدته بخلاف \"لا تفسدوا، موضعه رفع، لأنه عمدة قيل \".\nوبمثل هذا التوجيه عرض لقوله تعالى: (قَالُوا أنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهَاء) فقال: \"أنؤمن\": هي مفعول \"قالوا\" بنفسه وليس موضوعًا موضع المفعول به على حسب ما تقدم في قول العرب: زعموا مطية الكذب، وكما قال ﷺ: \"الحمدُ لِلّهِ تَملأُ الميزان وسبحان اللَّه تملأ أو تملاَن ما بين السماء والأرض.. \".\nوقد سبق إلى قريب من هذا القول الزمخشري، قال توجيه الآية الكريمة: (وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُوا فِي اَلأرْضِ..):\n(وإذا قلت: كيف صح أن يُسند \"قيل \" إلى \"لا تفسدوا\" و\"آمنوا\" وإسنادُ الفعل إلى الفعل لا يصح؟.\nقلت: الذي لا يصح إسناد الفعل إلى معنى الفعل، وهذا إسنادُ إلى لفظة، كأنه قيل: لهم هذا القول أو هذا الكلام. فهو نحو: ألِفٌ ضرب من ثلاثة أحرف، ومنه: زعموا مطية الكذب (٣) .\n_________\n(١) الحديث بتمامه في صحيح مسلم كتاب الطهارة ١/ ٥٠٠ هـ.\n(٢) سورة البقرة آية: ٦.\n(٣) ينظر الكشاف ١/ ١٨١.","vol":"1","page":326},{"text":"وقد رد العكبري ما ذهب إليه الزمخشري وجعل القائم مقام الفعل مضمر يفسره سوق الكلام، وتابعه أبو حيان مع زيادة في البيان وتوجيه الرد على الزمخشري (١) .\nرابعًا: تَعدي الفعل \"زاد\" ولزومه:\nيأتي الفعل \"زَادَ\" مُتعديًا ولازمًا، والأكثر في المتَعَدِّي أنْ يأتي من باب كسا وأعطى، ولكنَّ ابن أبي الربيع أورد قسمًا ثالثًا يكون فيه هذا الفعل مُتعديًّا لمفعولٍ واحد.. وهذا التقسيم قلمّا رُوعي في تصانيف المتقدمين وتفاسير المفسرين ولا أظنّ ابن أبي الربيع انفرد به، وإنما له سلفٌ فيما ذهب إليه لكنه لم يشتهر به، وأكثر ما يرد هذا التقسيم في كتب اللغة فلعلّ ابن أبي الربيع أفاد منها وأخذ عنها ما أضافه هنا. قال في توجيه الآية الكريمة: (فَزَادهمُ اللَّهُ مَرَضًا) (٢):\nاعْلم أنّ زاد يأتي على ثلاثة أقسام:\nأحدُها: أن يكون غير مُتعدٍ، فنقول: زاد المالُ بمعنى كثُرَ، هذه لا تتعدَّى كما أنَّ كثُرَ لا تتعدى، ومن هذا زاد إيمانُ زيد على إيمان عمرو، فإذا قلت: زاد المالُ درهما فالدّرْهمُ اسمٌ في موضع المصدر بمنزلة قوله: ضربت سوطًا، وبمنزلة قوله تعالى: (فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا) فشيءٌ على هذا وُضِعَ موضعَ المصدر، والمعنى: لَنْ يَضُرَّ ضررًا قليلًا ولا كثيرًا، ومِنْ هذا: ما زدته زيالًا، والزيال ما تحمله النملة في فيها. هذه كلها أسماءٌ وضعت موضع المصدر.\nالثاني: أن تكون متعدية إلى مفعولٍ واحدٍ، فتقول!: زدت المال، أيّ جعلتُهُ يزيدُ.\nالثالث: أن تتعدى إلى مفعولين، قال تعالى: (وَإذَا مَا أُنزِلَتْ سُوَرَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيَّكُمْ زَادَتْهُ هَذهِ إِيمَانًا، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادْتُهْم إيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ) (٣) .\n_________\n(١) ينظر إملاء ما من به الرحمن ١/١٨، والبحر المحيط١/١٠٦، والدر المصون١/١٣٦.\n(٢) سورة البقرة آية: ١٠.\n(٣) سورة التوبة آية: ١٢٤، ١٢٥.","vol":"1","page":327},{"text":"فزاد في هذه الآية تتعدى إلى مفعولين، وكذلك (فَزَادهمُ اللَّهُ مَرَضًا) تتعدى إلى مفعولين (١) .\nخامسًا: مجيء الباء بمعنى الهمزة:\nذهب ابن أبي الربيع إلى أنَّ الباء الجارة بعد الفعل اللازم تكون بمعنى الهمزة في إيصال الفعل اللازم إلى المفعول به، واحتج بالسّماع وإجماع النحويين، وردَّ ما ذهب إليه المبرد والزمخشري في القول بالفرق بين الحرفين. قال في توجيه الآية الكريمة: (فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بنُورِهِمْ):\n(.. الباءُ بمعنى الهمزةَ، والمعنى: أذْهب اللَّهُ نُورهُم، والباءُ بمعنى الهمزة جاء كثيرًا، قال امرؤ القيس:\nكما زَلَّتِ الصَّفْواءُ بالمتَنَزّلِ.\nوأنشد أبو على:\nدِيارُ التَّي كادَتْ ونَحنُ على مِنًى ... تَحُلُّ بنا لَولا نَجاءُ الرَّكائِبِ\nوقال تعالى: (ما إِنّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالْعُصْبَةِ..) .\nوقال ثعلبُ: ذهبتُ به وأذهَبْتُهُ، وَدخَلْتُ به الدّارَ وأَدْخلْتُهُ.. إلى أَنْ يَقُول:\nولا أعلم بين النحويين خلافًا في أن الباء تكون على معنى الهمزة إلاّ المُبرِّد قال: بين الهمزة والباء هنا فرق. وذلك أنك إذا قلت: أَذْهَبْتُ زيدًا، المعنى: جَعَلْتَهُ يَذْهبُ وإنْ كُنتَ غير ذاهِبٍ؛ وإذا قلت: ذهبت بزيدٍ، فلا تقولُ حتى تذهب معه (٢)، وتَبعهُ على ذلك الزمخشري (٣) . واعْتلال محمد بن يزيد لما سَبقَ- حُجَّةَ عَلَيْهِ- أنَّه على القَلْبِ، وهذا اعْتِلاَلٌ بعيدٌ؛ لأنَّ القلبَ قليلٌ، وهذا كثير، فقد جاء في القرآن في مواضع عدّةٍ. (٧٧)\n_________\n(١) ينظر معاني القرآن للأخفش ١/ ٣٩، ومعاني القرآن وإعرابه للزجاج ٨٦/١، وإعراب القرآن للنحاس ١/١٣٦، والحجة لأبى على الفارسي ١/٣٢٥.\n(٢) ١ أقف على ما نسب للمبرد في المقتضب ولا يى الكامل، لكنّ ذكر له هذا القول في البحر المحيط ١/ ١٣٠، والجنى الدانى ١٠٧، وقد تابعه السّهيلي في روض الأنف ٣/٤١٢- ٤١٣.\n(٣) ينظر الكشاف ١/ ٢٠٠- ٢٠١.","vol":"1","page":328},{"text":"ب- الإِعراب:\nالإِعراب ثمرة الدروس النحوية ونتيجة ضوابطها، وخلاصة ما يُنتهي إليه في تحرير المعنى عند الخلاف. فليس الإعراب نشاطًا ذهنيًا يُقصد به شحذ أذهان المتعلمين وإيقاظ الوسنانين، بل هو وسِيلةٌ ماضية في توجيه النصوص وبيان المراد منها، وَرُبّما يصبح غاية في إيضاح ما في الكتاب العزيز من البيان وفصل الخطاب.\nوقد حث المتقدمون من أئمة العلم على الأخذ بالإعراب والتبصّرَ فيه والوقوف على أثره في توجيه المعاني وتحرير النصوص من اللبس والغموض.\nوفي هذا السفر من تفسير ابن أبي الربيع نجد اهتمامًا بالإعراب، وإبرازًا لأثره أحيانًا في توجيه النصوص واستنباط الحكم، وقد توخى في الإِعراب أقرب الوجوه وأعدل الأقوال، ولم يوغل لا المسائل المشكلة من دقائق الإعراب وعويصه، بل اعتام السهولة حتى فيما أشكل إعرابه توخى له أقرب الوجوه وأسلمها من الغموض، وفيما يلي نورد نماذج مما أعربه من الآيات، ومما وجه به لإِبراز معنى أو استنباطِ حكم.\nقال﵀ في توجيه الآية الكريمة: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلمْتُقَّينَ) (١):\n\"ذا\" إشارة وَهو الاسم المبتدأ، واللاّمُ زائدة، والكاف حرف خطاب، وَلَيْسَتْ هنا باسم، إذْ لو كانت اسمًا لكانت في موضع خفض أو نصب، ولا خافض لها ولا نَاصِب، فهي حرف خطاب، ونظير هذه التاءُ من كنت وَأَنت، والضمير أنْ خاصة، وكذلك رأيتك، الكاف حرف خطاب، والضمير التاء، وكذلك رُويدك، الضمير مستتر والكاف حرف خطاب.\nوهذا يكمل في كتب العربية. وللنحويين في هذا كله خلاف، والأحسنُ فيها ما ذكرتُ لك.\n_________\n(١) سورة البقرة آية: ٢.","vol":"1","page":329},{"text":"والكتاب: عَهْدٌ في المتلُوِّ أو بالعكس، يُريد عهدٌ في الموعُود و\"ذلِكَ \" إشارةٌ لِلمتْلُوّ، والكتاب عهدٌ في المتْلُوّ.. والكتابُ على هذين الوجْهَينْ خبر \"ذلك \" وقد يكونُ ذلك الكتابُ الذي تقرؤونه وتتلُونهُ هُدىً للمتّقين، ويكونُ على هذا الكتاب نعتًا لـ\"ذلِكَ \" ويكونُ العهدُ في الإشارة، ويكون هذا بمنزلة قولِكَ: هذا الرّجُلُ الصّالحُ ...\n\"لاَ رَيْبَ \": رُكِّبَتْ \"لا\" مع \"رَيْبَ\" وأصلُها أن تكون ناصبةً كأنَّ لأِنها تقابلُ مِنْ، وَمِنْ عاملةٌ في النكرة، ولا تُركّبُ \"لا\" مع المنصوب بها إلاَّ إذا كان مفردًا، ولا يُفصلُ بينها وبين معمولها. فَقولُ مَنْ قال: ِ لمَ لَمْ يُقدم \"فيه\" على \"رَيْبَ \" ضعُفَ كأنه توهم أنّ التقديم جائز وليس بجائز؛ لأنه لا يفصلُ بين لا ومعمولها، كما لا يفصل بين \"مِنْ \" ومعمولها، ولا خلاف في هذا بين النحويين.\n\"فيه\" خبر \"لا\" فيتعلق بمحذوف، وكذلك المجرور والظرف إذا وقعا خبَرْين أو صِفَتَينْ أو حالينْ يتعلقان بمحذوف لا يَظهَرُ.\n\"هُدىً لِلمتّقين\" هُدىً: مصدر هديت وهو خبر مبتدأ محذوف أي هو هُدىً إذا جعلت \"الكتاب\" نعتًا لـ\"ذلك \" فقد يكون \"هُدىً\" خبرًا عنه، و\"للمتَّقين \" من صِلَةِ \"هُدىً\" فيتعلّق بمحذوف.\nوقال في إعراب: (سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) (١):\n\"سَواءٌ \" في الأكثر لا ترفع الظاهر إلا أن يكون معطوفًا على المضمر، نحو: مررت برجلٍ سواء هُوَ والعَدمُ، ولاتجدُ صِفةً هكذا، وهو هنا مبتدأ و\"عَلَيهم\" من صلته و(أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) في موضع خبره، ويكون بمنزلة إنْ خيرٌ منك زيدٌ! ان مثلُك عمرو.\nوكان الأصل أن يكون \"خَيْرُ\" هُوَ الخبرُ وعمروٌ المبتدأ، لأن عمرًا المخبرُ عنهُ في المعنى لكنهم لمَّا أرادوا تقديم خير للاعتناء به وخبر إن لا يتقدم على اسمها قلبوا فجعلوا (خيراَ مِنْكَ) مبتدأ وعمرو الخبر، وكذلك الآية؛ لأنَّ الإنذار وعدم الإنذار هو المخبر عنه لا\n_________\n(١) سورة البقرة آية: ٦.","vol":"1","page":330},{"text":"\"سواء\" فلما أرادوا أن يضعوا الإنذار وعدم الإنذار موضع ذلك (أَأَنْذَرتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُم) قلبُوا وجعلُوا المخبر عنه خبرًا لأنَّ الجملة لا تقعُ موقع المبتدأ وتقع موقع الخبر.\nفإن قلت: قد جاء: \"الحمدُ لِلَّهِ تَمْلأ الميزانَ.. \" وما أشْبَهَ هذا.\nقلت: الحمدُ لِلَّهِ هُنا هو المخبرُ عنهُ وليست جملة وُضِعت موضع المخبر عنه كما في (أأنذرتهم أمْ لَمْ تنذرهم) .\nومن قال: إنّ \"أأنذرتهم\" في موضع المبتدأ و\"سَوَاءٌ\" خبر فقد قال ما لا نظير له. وكذلك من قال: \"إنَّ أأنذرتَهُم\" فاعل بـ\"سَواء\" و\"سواء\" خبر \"إنّ مقدمٌ فقد أخطأ، لأنَّ الجملة لا تقع موقع الفاعل فلَيْسَ في هذا إلا ما ذكرته مِنْ جعل الخبر مُبتدأ وجعل المخبر عنه خبرًا على جَهِةِ الاتساع، فتكون بمنزلة: إنْ خْيرًا مِنك زَيدٌ وانْ مِثْلَك عمروٌ، ولمَّا لم يكن الخبرُ يحتاجُ إلى ضمير يعود إليه من المبتدأ لم يكن في هذه الجملة ضميرٌ يعودُ إلى \"سواء\"، لأنَّ الإِنذار وعدم الإنذار هو المبتدأ في الأصل و\"سَواءٌ عَلَيهم \" هو الخبر في الأصل فلا يحتاجُ \"سَواء\" إلى ضمير يعود إليه من المبتدأ، وهذا بَيّن.. (٣٦) .\nترجيح العطف على التوهم:\nأورد ابن أبي الربيع وجهين من الإِعراب للفعل المضارع المقرون بالفاء \"فَتكُونا\" من الآية الكريمة: (ولاَ تَقْرَبَا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ) (١) وَرَجَّحَ النَّصبَ عَطْفًا على التَّوهِمّ على العطف بالجزم، وَوَجَّه النَّصب في الآية، على أنَّه بحرف أنْ مُضمرة لا بالفاء، ومما قاله هنا: (.. فقوله \"فتكونا\" منصوبٌ بالفاءِ في جواب النّهي كما تقول: لا تَدْنُ من الأسَدِ فَيَأْكُلكَ، والعطف في هذا الموضع جائز (٢)، ويكون مثل قول امرئ القيس:\nفَقُلْتُ له: صَوِّبْ ولا تجهدنه ... فيُذْرِكَ من أخرى القطاه فتزلْقٍ\n_________\n(١) سورة البقرة آية: ٣٥.\n(٢) يريد العطف بالجزم على \"تقربا\" وله استشهد ببيت امرئ القيس.","vol":"1","page":331},{"text":"والأحسن ما ذكرته أولًا، ويكونا منصوب بإضمارِ أنْ.. واَنْ مع الفعل في تأويل المصدر، وهو معطوف على المصدر المتوهم من الفعل المقدم، والفاء هنا عاطفة، وأن لا تظهر، ومَنْ جَعَلَ الفاء هِي النّاصبة، هذا يريد أنها قامت مقام الناصب، فصارت كأنها الناصبة، وإن لم ير هذا فهو قول فاسد.. (١٤٦) .\nما اسْتَشْكل إعرابه\nأورد ابن أبي الربيع قراءة غير سبعيه في الآية الكريمة: (ياَ أيّها النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) بفتح الميم في \"مَنْ \" اسمًا موصولًا وقبلها \"الذين \" فالموصولان تواردا على صلة واحدة، هي شبه الجملة \"قَبْلِكُم ل\" وقد أورد هذا الإشكال أبو القاسم الزمخشري في كشافه عند تعرضه للقراءة المذكورة آنفًا، فقرر أن هذا من باب االإقحام، فقد أُقْحِم الموصولُ الثاني بين الموصول الأول \"الذين\" وصلته \"قبلكم \": تأكيدًا، كما أَقْحم جريرٌ في قوله:\nيا تيم- تيمَ- عَدىٍّ لا أيا لكم\nتَيمًْا الثاني بين الأول وما أضيف إليه (١) .\nولم يسلم هذا التوجيه للزمخشري، بل رده أبو حيان لمخالفته القياس، إذ القياس تكرار الموصول مع صِلَتِهِ لأنها من كماله.. وخرج الآية على جعل \"قبلكم\" صلةً للموصول الثاني \"مَنْ\" و\"مَنْ\" خبرُ مبتدأٍ محذوف، وذلك المبتدأ وخبره صلة للموصول الأول، وهو \" الّذينَ \"، والتقدير: والذين هم مَن قبلكم (٢) .\nأما ابن أبي الربيع فقد قرر الإشكال على مقتضى ظاهر القراءة، لكنّه خرجها على وجه أقرب مأخذ وأحسنَ في الحمل، فقال:\n(وأمّا (والذينَ مَنْ قبلكم) فمشكلة، وهي عندي بمنزلة قول زهير:\nلَدَى حيثُ أَلْقَتْ رحْلَها أمُّ قشعم\n_________\n(١) ينظر الكشاف ١/٢٢٨.\n(٢) ينظر البحر المحيط ١/ ١٥٤، والدر المصون١/١٨٧.","vol":"1","page":332},{"text":"المعنى- والله أعُلَمُ- لَدَى إلقاءِ أم قَشْعِمِ، فأتى بلدى وحيثُ والمعنى واحدٌ، ثم جاء بعدَ حيثُ بجملةٍ في مَوْضِعِ خفضٍ دلّت على مخفوضِ لَدى، ولدَى تطلبُ مخفوضًا، وحيثُ تطلبُ جُملة في موضع خفضٍ، فأتى بالجملةِ لحيثُ ودَلّ على مخفوضِ لدَى، فقولك: (والّذين مَنْ قبلكم) الّذين ومَنْ معناهما واحدٌ، فكأنَّ مَنْ بدلٌ مِن الّذين، وكِلاهما يَطْلبُ الصِّلَة فأتوا بالصلةِ لِمَنْ فَدَلّت على صِلةِ الّذين. وقد تحذفُ الصِّلةُ إذا عُلِمَتْ.\nوهذا تعليلٌ ما سُمِعَ ولا يُقالُ بالقياس، وإذا تَتَبَّعْتَ مَا قَلْتُ لكَ وجَدْتَهُ.","vol":"1","page":333},{"text":"المبحث الرابع\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>المسائل الصّرفيّة</span>\nأورد ابن أبي الربيِع في هذا السفر من تفسير الكتاب العزيز وإعرابه مسائل في التصريف، تناول بعضاَ منها بشيءٍ من الإيجاز وبسط القول في بعضٍ بسطًا قلمّا وُجدَ عند غيره في كتب التفاسير وإعراب القرآن، ووقف عند دقائق من التصريف فجلَّى مبهمها وفصلَ مجملها تفصيلًا يعزّ وجوده في غير الكتب المتخصصة، وعزا الأقوال والآراء التي تذكر في بعض القضايا الصّرفية إلى أصحابها ليمكن للباحث والدارس من المراجعة والنظر على ضوء ما ناقشه من المسائل في هذا السفر، وفيما يلي نوردُ بعضًا من المسائل الصرفية التي تناولها ابن أبي الربيع بالمناقشة والتحليل في هذا السفر من تفسيره.\nقال في تصريف كلمة \"رَبِّ\" من الآية (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ):\n(.. رَبّ \" وَزْنُهُ فَعِلٌ بكسرِ العَين، والأصلُ: رَبُبَ، ثُمَّ أدغم، وليْسَ فعلًا بسكونِ العَينَ، لأنهم قالوا في الجمع: أرْبابٌ، وليسَ الأصلُ فعلًا بفتح العين، إذ لو كان كذلك لم يُدغَمْ، ألا ترى الطّللَ والشّررَ لم يُدغما، وليس الأصلُ فعُلَ بضم العين؛ لأن هذا يَقلُّ في الصِّفات، وفعِلٌ بكسر العين يكثُرُ فيه. قالوا: حَذِرًا، وبَطِرًا، وأشرًا","vol":"1","page":333},{"text":"ولم يدغم (١)، وعثرًا وهو كثير ولا ينبغي أن يُحمل على الأقل ما قدّرا على الأكثر.\nوقول من قال: إنّه وصْفٌ بالمصدر (٢) فيه بُعْدٌ، إذّ لو كان كذلك لم يُثَنّ ولم يُجْمع، ومَنْ ثنّى مثل هذا في المصادر ثنّاه على القياس، والقياسُ في فَعْل أفْعُلُ نحو كفِّ وأكُفٌّ، فكونه قد جمع على أرْبابٍ يدل على بُعدِ هذا القول. (٧) .\nالإعلال في \"نَسْتَعِين \"\nقال في توجيه الإعلال في كلمة \"نستعين\" من الآية: (إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نستعين)\nونَسْتَعين اعتْلَّ، لأنَّ ماضِيهُ اعتْلّ بالحمل على الثلاث وأصلهُ نَسْتَعْوِن ثم اعتُل بنقل حركة العين إلى الفاء، وتقلبُ الواو ياء للكسرَة التي قبلها، وهذا الإعلالُ مُطِّردٌ وقياسيٌ في هذا النوع وما جرى مجراه. فإن جاء صحيحًا فعلى غير قياس، نحو: اسْتَنْوَقَ الجملُ، واستَتْيَست الشاة، فهذا يحفظ ولا يقاس عليه. (٤) .\nالإعلال في \" بالغيب \"\nوقال في بيان الِإعلال في كلمة \"الغيب لما من الآية الكريمة: (الَّذينَ يؤمون بالغيب) (٣):\nالغيب يُمكنُ أن يكون وزْنُهُ فَعْلًا، ويكونُ مَصدرًا لِغابَ يغيبُ غيبًا، ولذلك يقال للمُطْئِنُّ مِن الأرض غيبًا لانخفاضه، ويمكن أن يكون الغيبُ وَزْنهً فَيعَلٌ بمنزلة سَيّدٌ وميتٌ فحذفت الياءُ المتحركة طلبًا للتخفيف وإن كانت أصلًا، لأنك لوْ حَذفْتَ الساكنة\n_________\n(١) لأنه لا وجه للإدغام.\n(٢) القول هنا للزمخشرى كما في الكشاف ١/٥٣.\n(٣) سورة البقرة آية:٣.","vol":"1","page":334},{"text":"الزائدة لبقيت الياء المتحركة بالأصْلِ بعد فتحة، وهذا مستثقلٌ، يدلُّ على ذلك أن سيّدًا وميتًا وزنهما فيعلٌ، وليس وزنهما فعلًا أن عْينهما واوٌ، وانقلبت الواو ياءً في فيعل لاجتماع الواو والياء وسبق الياء بالسكون (٢٧/٢٨) .\nالإِعلال في \"صَيّب \"\nأورد ابن أبي الربيع نوعين من الإِعلال في كلمة \"صيب\" من قوله تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ منَ السَّمَاءِ) (١):\nالأول في إبدال الواو ياء، والثاني إبدالهما همزة، قال مفصلًا ذلك:\nوالأصل: صَيْوب، ومتى اجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون قلبت الواو ياءً إذا كانت الواو متقدِّمَةً أو متأخرة، فمثال المتأخرة: سيّد وميّت، والأصل: سَيود، مَيْوتِ، ومثال المتقدمة: طَويت طياّ، ولَويت ليَّا والأصل طَوْيًا ولَوْيًا. وإنّما قلبوا ياءً مُتقدِّمة كانت أو مُتأخّرةً، لأنَّ الياء عندهم أخف من الواو وقلبت ياءً ليصح الإدغام، وأدغمت الواو في الياء والياء في الواو (٢) وإنْ بَعدتا في المخرج لِقُرْبهما في الصفة، والواو حرف مدّ ولين والياء كذلك. ألا تراهما يًترادفانِ في الرّدفِ فيأتيَ العير مع المور ولا يأتيانِ مع العار لزيادة مَدّةِ الألف، واستيعاب هذا في موضعه.\nالثاني: إبدال الواو همزة في جمع \"صيب \".\nقال في بيان هذا الإِبدال: (وجمع \"صيب \" صيائب بالهمزة، والأصل: صياوب، وألف الجمع إذا اكتنفها ياءان أو واوان، أو ياء وواو، والأخيرة تلي الطّرف وجودًا وحكمًا تقلبُ الأخيرة همزة، نحو: أوائل وحيائر وصيائب، وأما قوله:\n........................ ... وكَحل العينين بالعواور\n_________\n(١) سورة البقرة آية: ١٩.\n(٢) هكذا جاء في الأصل، والأظهرُ هنا أن لا وجه للإدغام؛ لأن قلب الواو ياء جاء لهذا الغرض، والتعليل بقرب الصفة مع تباعد المخرج ليس مسوغاَ لهذا الإِدغام، فهذا من الاتساع عند ابن أبى الربيع.","vol":"1","page":335},{"text":"فالأصل: عواوير، وحذفت الياء للقافية، فلم تل الواو الطّرف على هذا في الحكم، لأنَّ حذف الياء للضرورة؛ لأَنَّه جمع عُوَّارٍ وعلى هذا جمهور النحويين، وقد نقل عن الأخفش خلاف هذا ولم يتابع على ذلك، ووافق في الواوين؛ لأنّ العرب قالت: أوائل، والأصل: اَواوِل. (٧٩) .\nالإعلال في \"يستحي \" من الآية الكريمة\n(إنَّ اْللَّهَ لاَ يستحي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً) (١):\nأورد ابن أبي الربيع قولين في المسألة: أحدهما لسيبويه والآخر للخليل، ودور ابن أبي الربيع هو النقل ولم يرجح أحد القولين، وإنما وجه الِإعلال يا قول الخليل، بنحو ما وجه به قول سيبويه، فقال:\n(وحكى سيبويه: استحيت فأنا استحي. وذهب فيه سيبويه إلى أنّ الياءين استثقلتا مع الكسرة فحذفت المكسورة، وجعلت حركتها على الحاء للاستثقال مع كثرة الاستعمال (٢) .\nوذهب الخليل إلى أنّ \"يستحي \" جاء على إعلال العين وترك اللام، كما جاء استقمْتُ لإِعلال قام، واعتلال العين واللام يتطلب بالاعتلال، ولم يثبت من كلام العرب متى اجتمعت العين مع اللام في طلب الاعتلال أعلّوا اللاّم وتركوا العين، نحو الهوى والحيا، ولا تقول حاى ولا هاى (٢)، فيعلون العين ويتركون اللام.. (١١٩) .\nالإبدال في \"خطاياكم \" من الآية: (وَقُولُوا حِطَّةٌ نغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ) (٣):\nتناول ابن أبي الربيع صور الإبدال في كلمة خطايا واصفًا كلّ صورة بالصفة التي أفضت بها إليها من القلب، وختم المسألة بالعلة التي قلبت بها الهمزة ياء ولم تقلب واوًا، فقال:\n_________\n(١) سورة البقرة آية: ٢٦.\n(٢) ينظر الكتاب ٤/ ٣٩٩، والأصول ٣/ ٢٤٩-٠ ٢٥، وإعراب القرآن للنحاس ١/١٥٢، والمنصف ٢/٢٠٤-٢٠٥.\n(٣) سورة البقرة آية: ٥٨.","vol":"1","page":336},{"text":"(وهي جمع خطيئة، والأصل خطائىُ بمنزلة قرائىُ فاجتمع همزتان يا كلمة واحدةٍ قلبت الأخيرة ياءً للكسرة قبلها فصار خطائى، استثقلت الياء بعد الكسرة في جمع لا نظير له في الآحاد ففتحت الهمزة فصار خطاءَي، تحركت الياء وقبلها فتحة فقلبت ألفًا فصار خطاءا، جاءت الهمزة بين الفين والألف قريبة من الهمزة فقلبت ياءً، ولم تقلب واوًا؛ لأنَّ الياء أنسَبُ إلى الألف وأقرب من الواو، فصار خطايا. (١٧٨) .\nأصل الياء في الدنيا من الآية الكريمة: (فَمَا جزاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خزي في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (١):\nقال في بيان أصل الياء في كلمة الدنيا وما طرأ عليها من قلب:\n(والياء في الدّنيا منقلبةُ عن واوٍ ليفرق بين الصفة الجارية مجرى الاسم والصفة التي لم تجر مجرى االاسم؛ لأنَّ الصفة التي لم تجر مجرى الاسم لا تقلبُ فيها الواو ياءً، والصفة التي جرت مجرى الاسم قلبت فيها الواو أبدا، كذلك نص عليه أبو علي في الإيضاح (٢) . واختلف في فعلى إذا كانت اسمًا هل تقلب واوها ياءً أو لا تقلب، فعلى ما ذكره أبو علي ينبغي ألا تقلب، ويقوى قول أبي علي قولهم: حزوى وهو اسم مكان ولم يقل فيه حزيا.\nومنهم من قال: حزوى شاذ، والقياسُ أن تُقلب في الاسم، وكذلك قلبت في الصفة الجارية مجرى الاسم.\nوالذي يظهر أنها لا تقلب في الاسم ولا في الصفة التي لم تجر مجرى الاسم.\nفإن قلت: سيبويه﵀- قال: تُقْلَبُ في الاسم.\nقلت: قيل بالصفة الجارية مجرى الاسم، قال ذلك، على أنه أطلق الاسم وهو يريد الصفة الجارية مجرى الاسم- والله أعلم-.\n_________\n(١) سورة البقرة آية: ٨٥.\n(٢) التكملة ٢٦٩.","vol":"1","page":337},{"text":"المبحث الخامس\n\"<span data-type=\"title\" id=toc-13> الاشتقاق </span>\"\nتناول ابن أبي الربيع طائفة من الكلمات في آي القرآن الكريم بشيء من التحليل والمناقشة والتحقيق في أصولها في الاشتقاق، وعرض للخلاف الوارد في اشتقاق بعض الأسماء، وناقش ذلك مناقشة علميّة مدركة مساقط الخلل وجوانب الصحة والصواب، فضعف ما رآه ضعيفًا ورجح ما استقر عنده رجحانه، مبينًا سبب الضعف وحجته فيما ضعّفه، ووجه الصواب فيما رجحه، وفيما يلي أمثلة ونماذج من مسائل الاشتقاق التي أوردها ابن أبي الربيع.\nاشتقاق الاسم\nقال في بيان اشتقاق الاسم في مُسْتَهَلّ كلامه على (بسم) اختلف البصريون والكوفيون فيه:\nفذهب البصريّون إلى أنه من سَما يَسْمو، وأنّ اللاّم فيه محذوفة، وهو بمنزلة ابن واسْت، واستدلّوا على ذلك بالجمع والتصغير، قالوا في الجمع: أسماء وفي التّصغير سمىّ، وقالوا: سميت فردوا اللاّم فيها فدَلّ على أنّ اللاّم هي المحذوفة.\nوذهب الكوفيون إلى أنه من الوسم، وهو العلامة، وأنَّ فيه تقديمًا وتأخيرًا. وأمّا أسماء وسُمَيّ فهو مقلوب، وأصلهُ وسم ثمّ أخِّرت الفاءُ وجُعِلَت مكان اللاّم، وقالوا: أسماء، وقالوا: سُمِي، وقول الكوفيون أقربُ مِن جهة الاشتقاق، وهو مع ذلك أضعف مِن جهة القلب، وقول البصريون أقرب؛ لأنه ليس عندهم فيه قلب، والاسم يظهر مُسمّاهُ ويصيره بحيث تراه، فالاشتقاق فيه قريب، وإن كان اشتقاق الكوفيين أقرب إلى إنّ هذا القرب مِن إدْعاء القلب. (٤) .","vol":"1","page":338},{"text":"اشتقاق لفظ الجلالة\nأورد ابن أبي الربيع ثلاثة أقوال في اشتقاق لفظ الجلالة: \"اللَّه \" ولم يعز تلك الأقوال، وإنما عرض في شيء من الإِيجاز لما في بعض من النقل والقلب، وبينّ القول الأقرب إلى الاشتقاق وجهة القلب ومما قاله:\n(ومنهم من ذهب إلى أنّه مِن الوله، وهو التّحّير، فالعقولُ تتحير عن إدْراكهِ ﷾ ثمّ جُعِلَتْ الفاءُ عينًا ثُمَّ تحرّكت الياء وقَبْلَها فتحة انقلبت ألفًا.\nومنهم من قال: هو أله إذا تحّير، وَهُوَ أقْرَبُ، لأنه لَيْس فيه قلب.\nويمكن أن يكون لاه يليه إذا استتر، قالوا تَأَلّه الرّجلُ يَتأَلّهُ مشتق مِن هذا. (٤) .\nاشتقاق \" الْعَالمِينَ \"\nقال في توجيه الاشتقاق في كلمة \"العالمين \" من الآية: (الحمد لِلَّهِ رَبّ العالمين):\nفاعل بفتح العين لا يكُون في الصّفاتِ ويكونُ في الأسماء قليلًا، وأكثر ما يوجد هذا البناء في الفعل إذا أرادوا أنه فعل بك مثل ما فعلته، نحو: ضاربني زيدٌ وضاربت زيدًا، وقد يأتي على غير ذلك، قالوا: عافاك اللَّهُ، وداينت زيدًا، هذا قليل وإذا صح ما ذكرته فالعالم اسم لا صفة، وهو اسم لكل مخلوق، لأنَّ المخلوق يدلّ على خالقه، فصار علامة تدل عليه سبحانه، فاشتقاقهُ من هذا وقد قيل: إنه مشتق من العلم، لأن من نظر فيه تحصل له العلم.. والاشتقاق الأول أقرب. (٨) .\nاشتقاق كلمة النَّاس\nتناول ابن أبي الربيع مادة \"الناس \" الواردة في الآية الكريمة: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله) وأصلها في الاشتقاق وما حذف منها، ثم عرض للخلاف في تصغيرها.","vol":"1","page":339},{"text":"والغرض هنا بيان الاشتقاق، فقد قالت ابن أبي الربيع في أصل كلمة الناس واشتقاقها: (وناس أَصْلُهُ أناس، وهو مشتقٌّ من الإنس، ويقال: أنس وآنس، وتحذف الهمزة كثيرًا مع الألف واللام، وقد جاءت غير محذوفة قال:\nإنّ المنَايَا يطَّلِعـ ... ـن على الأنُاسِ الآمنينا\nتداخل الاشتقاق مع القلب والإعلال.\nوقد تَتَوارد المسائل التصريفية في كلمة واحدة، فيأتي الاشتقاق مع القلب والإعلال، وذلك لِقُوّة الارتباط والتلازم بَيْنها، وهذا ما نراه في تصريف كلمة النّار الواردة في الآية الكريمة: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فاتقوا النَّارَ..) فقد تناول ابن الربيع مسائل التصريف الواردة فيها بشيء من الإيجاز فقال: (.. والنّار عينها واو، والأصلُ نور، فانقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، يدلك على ذلك في الجمع أنوار إلى أن يقول: واشتقاق النّار من نارت تنور نور ونيارًا، والأصل في نيار نوار لكنها اعتلت لاعتلالها في الماضي، ولو لم تعتل في الماضي لم تعتل في المصدر، قالوا: لاوذ لواذًا فلم تعتل في (لواذًا) لِصحتها في الماضي، وقالوا قام قياما اعتلت في فعال لاعتلالها في الماضي.\nالاشتقاق في كلمة شيطان الواردة في الآية الكريمة: (وَإِذَا خَلَوْا إلى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مستهزئون):\nأورد ابن أبي الربيع اشتقاقين مختلفين في كلمة شيطان وبين ما يرد على كلّ منهما وما يقوى به كل منهما ومادة كلّ في الاشتقاق، ثم ختم الحديث بذكر المصدر لهذين الاشتقاقين، قال في تفصيل ما أجمل هنا:\n(.. اختلف النحويَّون في الشيطان، فمنهم مَنْ جعله مشتقًا مِنْ شَطَن إذا أبعدَ، فيكون وزنه فيعالًا بمنزلة بيطار، وهذا القولُ يَقْوى بقولهم: شيطن الرّجل إذا تمرد؛لأنَّ تَفْعِيل مِن كلام العرب وتَفَعْلَنَ ليْسَ مِن كَلامهِم، وجعلهما من مادةٍ واحدةٍ هُوَ البين،","vol":"1","page":340},{"text":"وأمَّا جعلهما من مادَّتَينْ مُخَتلِفَتين فبعيدٌ، لأنَّ معنى تشَيْطَن صار شَيْطانًا فالأصولُ في شَيْطان هي الأصولُ في تشيطن، والزوائد هي الزوائد في تشيطن.\nومنهم من قال: إنَّ شيطانا فعلانٌ وجعل الياءَ أصْلية، وجعلهُ من شاط يشيط إذا احترق، فإذا اعُترِضَ عليه، بتشيطن قال: تَشَيْطنَ من شَطَنَ إذا أبْعدَ وجَعَلَهما من مادتين مختلفتين.\nوهذا القولُ يقوى؛ لأنَّ بناء فعلان أكثر من بناء فيعال، لأنّ النون إذا كانت طرفًا بعد ألِفٍ وقبلها ثلاثة أحرف فأكثر فالغالب عليها أن تكون زائدة.\nفهذان قولانِ في شيطان مُزجّحان، فيعال أكثر ترجيح بتشيطن، وفعلان ترجّح بأنَّ الزيادة على النّون في هذا الموطن أغَلبُ من الأصالةِ، فهُمَا قَوْلاَنِ مُتساوِيانِ لِما ذَكَرْتُهُ وبناء فعلان أكثر من بناء فيعالٍ، والقولان لسيبويه في الكتاب ١ (١) (٦٣) .\nالاشتقاق في \"ذُرِّيّهْ \"\nمن قوله ﷿: (قَالَ وَمِن ذريتي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّاِلمِينَ) (٢) ٣:\nأورد ابن أبي الربيع ثلاثة أقوال في اشتقاق \"ذُرِّيّه \" رجح الأوَّل منها، واستبعد الأخير منها مع ما أورده له من توجيه، وجعل الثاني في درجة القلة لكونه موجودًا في كلام العرب، ومما قاله في هذا الصدد:\n.. والذًّرية يمكنُ أنْ تكُونَ من ذرَّ كما تقول: كُلَّما ذَرَّ شارف، أَيّ طَلعَ، وهذا البيّن، فتكون الذُّرية مُشْتقّةُ من هذا، فتكون الياءان لِلنّسب، ويكون كأحمري وكُرْسيّ، ودوارِيّ اللَّفظُ لَفظَ النّسبِ والمعنى على النّسب.\nويمكن أنْ يكونَ مِن ذرا يذرو، تَقولُ: ذرَّت الرّيح الحَبَّ إذا أزالت عنْها التّبْنَ، فيكون وزنه على هذا فعيلة، وفعيل موجود في كلام العرب لكِنَّهُ قليلٌ، فيكون بمنزلةِ دُرِّيِّ ومُرِّيقٌ (١)، فتكون الياءُ الأخيرةُ مُنْقَلِبةً عن واوٍ.\n_________\n(١) ينظر الكتاب ٤/ ٢٦٠، ٢٨٦.\n(٢) سورة البقرة آ (ي) ة: ١٢٤.","vol":"1","page":341},{"text":"ويمكن أن يكون مِن ذرأ يذرأ إذا خَلَقَ، ويكون الأصْلُ ذُرْئِيّة بهمزةٍ ثم أبْدِلَتْ الهمزة ياءً للتسهيل، كما قالوا: في النّبىء، والنّبيّ، فجاء فُرّية فأدغمت الياء في الياء الأخيرة، وهذا الأخير عندي أبعدُ الثلاثة ة لأنّهُ قضى فيه! بالهمزة، ولو كان من الهمزة لنطق به، ففي هذا زيادة على فعيل. (٢٨٦-٢٨٧) .\n_________\n١ ينظر الكتاب ٤/٢٦٨.","vol":"1","page":342},{"text":"المبحث السَّادس\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>موقف ابن أبي الربيع من النحويين البصريين والكوفيين وبعض المتأخرين</span>\nأورد ابن أبي الربيع في هذا السفر من تفسير الكتاب العزيز وإعرابه أقوالا لبعض أئمة النحو المتقدمين كالخليل، ويونس وسيبويه والكسائي والأخفش والفراء، والمازني، وغيرهم ممن وصفهم بالمتأخرين كالزمخشري، وقد تبينّ من مناقشاته ونقده لبعض الأقوال التي أوردها أنَّ له منهجًا وأسلوبًا في المراجعة والترجيح والاختيار ينفرد به، ولا يمنع أن يكون في كثير مما رجّحَ واختار قد تأثر بمذهب أئمة البصريين، وبخاصة سيبويه، فكثيرًا ما نراه يُغلّب قول سيبويه ويقدمه في الترجيح والاختيار في مقابل أقوال الأخفش الذي يقف في كثيرٍ من آرائه موقف المعارض للبصريين أو المخالف، فضلًا عن أقوال الكوفيين التي تقف في مقابل أقوال منافسيهم من البصريين.\nوأما بعض المتأخرين الذين لم يصرح بأسمائهم إلَّا في موضع واحد، وهو الزمخشري\nفقد كان نقده له شديدًا، وحجته في أكثر المآخذ التي أخذها عليه دامغة، وإن شابه في بعض المآخذ تَعسُّفٌ لا يحمدُ، وتحمّلٌ لا يقبل في ميزان النقد العلمي، وفيما يلي تفصيلٌ لما أجملته هذه التوطئة:","vol":"1","page":342},{"text":"أولًا: ما خالف فيه سيبويه الأخفش وغيره من النحويين.\nتناول ابن أبي الربيع طائفة من المسائل جرى فيها الخلاف بين النحويين سيبويه والأخفش، وغيرهما، وقد كان موقف ابن أبي الربيع إلى جانب سيبويه، وبالأخص في المسائل التي كان طرف الخلاف فيها الأخفش، فقد رجح مذهب سيبويه مبينًا سبب الترجيح غالبًا، وضعف مذهب الأخفش مبينًا سبب الضعف وجهته، ومن أمثلة ذلك: أولًا: الخلاف في تسهيل الهمزة في \"مُسْتهزئِون\" الواردة في قوله تعالى: (إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ)\nأورد ابن أبي الربيع ثلاثة أقوال في هذه الهمزة، هي: إبدالها ياءً، وجعلها بين الهمزة والياء، وبين الهمزة والواو، ثم رجح ما قرره سيبويه في المسألة، ومما قاله في المسألة:\n(ونقل عن الأخفش أنه يبدلُ الهمزة ياءَ عند التسهيل، فيقول: \"مُسْتَهزِيون \" ٢وهذا ليس من كلام العرب) .\nوأمّا سيبويه فجعلها بين الهمزة والواو٣\nومنهم مَنْ جعلها بين الهمزة والياء٤، وهذا منقول عن العرب، وعلى مذهب سيبويه أكثر النحويين (٦٥) .\nثانيًا: الخلافُ في مَوضعِ الضّميرِ المضافِ إليه بعد اسم الفاعل.\nاختلف النَّحويّونَ في موضع الضمير المضاف إليه بعد الوصف في قوله تعالى:\n(قَالَ إني جَاعِلُكَ للنَّاسِ إمَامًا..) ٥وكذا ما شابهه من كل وصف أضيف إلى معموله الضمير المتصل، وأظهر صور الخلاف وأقدمها ما كان بين سيبويه والأخفش،\n_________\n١ سورة البقرة آية: ١٤ ١\n٢ ينظر معاني القرآن للأخفش١/٤٤، والمقتضب ١/٢٦٤، والحجة لأبى على الفارسي ١/٣٥٨- ا ٣٦.\n٣ ينظر الكتاب٣/٥٤٣-٥٤٤.\n٤ المصادر السابقة.\n٥ سورة البقرة آية: ١٢٤.","vol":"1","page":343},{"text":"التي أوردها ابن أبي الربيع بشيء من الِإيجاز في كلامه على الآية السابقة، وقد رَجّح ما ذهب إليه سيبويه، ولم يبين وجّه الضعف لا مذهب الأخفش في المسألة. ومما قاله﵀:\n(.. والكاف مِن ْ (إنّي جَاعِلكَ) مخفُوضَة بالإضافة، والأخفش جعلها مُفّعُولة ١. وسيبويه اعْتَدّها بالظّاهر العاري عن الألفِ واللام٢وهو الصواب إن شاء الله. (٢٨٥) .\nقياس ما يُجَمعُ عليه فَعَل جمع تكسير:\nتناولت في كلامه على قوله تعالى: (.. فَاتَّقُوا النَّارَ التي وَقُودُهَا الناس وَالْحِجَارَةُ..) ٣ما يجمع عليه فَعَل بفتح الفاء والعين، نحو جمل، وحجر، وجبل، وقرر أن القياس فيه أن يجمع على فعال، لأنَّ هذا الجمع هو الَّذي رجحه سيبويه، ومما أورده في المسألة: (.. والحجارة جاءت بالتاء على تأنيث الكلمة، والأكثرُ والأقيس في فَعَلٍ أنْ يُجمع على فعال بغير تاءٍ، قال سيبويه: وقد جاءت حجارة قليلًا، وجاء في الشعر ضرورة، وأنشد:\nكأنها من حجار النيل ألَبَسها ... مضارِبُ الماء لَوْن الطَّحْلب اللزب ٤\nورأيتُ بعض المتأخرين يقول: إنَّ حجارة بغير تاء لم يأت إلاَّ في الشّعر للضّرورة، وقال سيبويه ما ذكرته أنها جاءت في القليل من الكلام (ْ٤)، وهو بلا شك أعرف، لأنه ناشد العرب وعلم مِن كلامها ما لم يَعلَمه غيره. (١٠٧) .\n_________\n١ينظر معاني القرآن للأخفش١/٨٣ - ٨٧\n٢ينظر الكتاب١/١٨٧.\n٣سورة البقرة آية: ٢٤.\n٤ينظر الكتاب ٣/ ٥٧٠-٥٧٢.\n٥ رجح سيبويه أن ما جاء على فعل كجمل وجبل وحجر وذكر أن يجمع على فعال فيقال: جمال، وجبال، وحجار، ثم ذكر أنهم يلحقونه الهاء، نحو جمل: جمالة، وحجر: حجارة، وذكر ذكاره وذلك قليل، والقياس ما ذكر أولا. المصدر السابق بتصرف.","vol":"1","page":344},{"text":"ثانيًا: حذف حرف الجرو بقاء عمله:\nاختلف النحويون في موضع أنّ المشدة وما دخلت عليه في قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالحات أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ..) (١) ١بعد سقوط حرف الجر، فمنهم ذهب إلى أن موضع أنّ وما دخلت عليه النصب، ومنهم ذهب إلى أن الموضع جر، وهو سيبويه، وقد رجح ابن أبي الربيع ما ذهب إليه سيبويه ولم يذكر أصحاب القول المعارض لقول سيبويه، وقد ذكر سيبويه أنّه قول الخليل، ومما قاله ابن أبي الربيع في المسألة: (.. اختلف النحويّون في أنَّ إذا سَقَطَ حرف الجر أتكون في موضع نصب؟ أو تكون في موضع جر؟.\nفذهب سيبويه إلى أنَّها في موضع جر، وأن حرف الجر وإنْ حُذِف بقى عمله، كما بقي عمل \"رُبَّ \" بعد حذفها، وحمله على هذا الحكم تقولُ العربُ لأنكَ فاضلٌ أتيتُ، ولا تقول: لأنك فاضلٌ عَرَفْتُ، لأنَّ المفتوحة لابدَّ أنْ تعتمد على ما قبلها فاعتمادها على (أنَّ) هنا على حَرْفِ الجر وإنْ حُذفَ دليلٌ على أنّه في حكم الموجود، وإذا كان كذلك فعمله باقٍ٢.\nومنهم من ذهب إلى أنَّ حرف الجر إذا حذف صار الموضعُ موضع نصب (٣) ٣وبكون بِمَنْزلة: أمرتك الخير.\nوكلاهما له وجه، وما ذكر سيبويه عندي أَقْوى- والله أعلم-.\n_________\n١سورة البقرة آية: ٢٥\n٢ينظر الكتاب ٢٨/٣ ١، والبسيط لابن أبى الربيع ٢/١٠٤٨، والكافي ١ق ٣١٣-٤ ٣١.\n٣هذأ القول للخليل بن أحمد كما في الكتاب ١٢٧/٣، وقد اضطرب نقل العلماء لهذه المسألة، حتى قال في ذلك بن هشام في المغنى ٢٨٢: وأمّا نقل جماعة منهم ابن مالك أن الخليل يرى أن الموضع جر، وأنَ سيبويه يرى أنّه نصب فهو سهو.. ومما وقع فيه الإِضطراب نقلُ أبو حيان في البحر ١/ ١٨١ فعزا إلى الخليل والكسائي أن موضع \"أنَّ لهم جنات \"جر، وعزا إلى سيبويه والفراء أنّ موضعه نصب، لكنه في النهر ١١٢/١ عزا النصب إلى الخليل فقال: قوله: \"أن لهم جنات \" وحذف منه الحرف، وهوفي موضع نصب على مذهب الخليل خلافًا لمن قال: مذهب الخليل أنه في موضع جر، وهو أبن مالك، قاله في التسهيل: وهو كان قليل إلمام بكتاب سيبويه ...","vol":"1","page":345},{"text":"وتكرر هذا التوجيه في أن المصدرية الناصبة للمضارع في قوله تعالى: (وإنَّ الله لا يستحي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً) فقال:\n(.. إنّ \"يَضْرِبَ \" على إسقاط حرف الجر، وأصله إنَّ لا يَسْتحي من أن يَضْرِبَ، ثم حُذفت مِنْ، وقد تقدم أن حذفها في هذا الموطن قياسٌ، واختلف الناس في بقاء عمله وزواله، كما اختلفوا في أنْ، وكلا القولين له وجه. والأظهر عندي أن يبقى العمل فيما حذفه كثير، ويجرى مجرى ربّ، فإنها حذفتْ وبقى عملها (١٢٠) .\nثانيًا: تصغير كلمة \" ناس \"\nعرض ابن أبي الربيع لتصغير بعض الأسماء والأعلام التي جرى فيها خلاف بين أئمة النحو المتقدّمين وقد رَجّح ما ذهب إليه سيبويه، لأن عليه أكثر النحويين، ومن أمثلة ذلك تصغير كلمة النّاس الواردة في قوله ﷿: (وَمِنَ النَّاس مَن يَقُولُ آمَنَّا بالله..) ١قال في تصغيرها:\n(.. يقالُ: ناسٌ قليلًا بغيرِ هَمْزةٍ، ويقالُ في تَصْغِيرِهِ نُوَيْسْ، ولا تُرَدُّ الهمزةُ للتصغير؛ لأنَّ بناء التصغير يقومُ مِمَّا بقي من الحروف، فإن لم يكن بناءُ التصغير يقومُ مِمَّا بقيَ من الحرُوفِ رُدَّ المحذوفَ، كقوله: دُمَيٌّ وُيدَيٌّ هذا هو مذهب سيبويه والخليل. ويونُسُ يذهبُ إلى رَدِّ المحذوفِ من المكَبّرِ سَواء كان بناءُ التصغير يقومُ مِمَّا بقي فن الحروف أو لا يقومُ، فيقولُ في هار: هُوَيْئِرٌ، فيلزم أنْ يقولَ في ناسٍ: أنيسٍ، وعلى مذهب سيبويه أكثرُ النحويين، وهو أصح، وبيانُ هذا في كُتُبهم٢ (٤٣) .\n_________\n١سورة البقرة آية: ٨.\n٢ينظر الكتاب ٣/ ٤٥٦، والأصول لابن السهل ٣/ ٦١، وشرح السيرافي ٦٢٧/٢! ٦٢، وشرح الشافية ٢٢٤/١، والملخص ٢/١٥٣.","vol":"1","page":346},{"text":"تصغير إبراهيم وإسماعيل\nأورد ابن أبي الربيع في تصغير إبراهيم، وإسماعيل خلافًا بين المتقدمين ورجح ما قَرَّرَهُ سيبويه في تصغيرهما مُبّينًا وجه الترجيح، ومما قاله في تفسيره للآية الكريمة: (واتخذوا مِن مَّقَام إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إلَى إِبْرَاهِيمَ وَإسْمَاعيلَ أَن طَهِّرَا بيتي لِلطَّائِفِينَ والعاكفين والرُّكَّعِ السجود) ١.\n(.. حُكي في تَصْغيرِ إبراهيم وإسماعيل: بُرَيْهٍ وسُمَيْعٍ، ذكر ذلك سيبويه٢، فالهمزُة والميمُ زائِدتانِ، وكذلك إسماعيلُ الهمزُة واللامُ زائدتان. وتصغير الّترخيمِ هُوَ على حذف الزائد، فَلَوْ صَغّرتَهُ على غير الّترخيم لقلت: بُرَيْهيم وسُمَيعيل ٣ وحذفت الهمزة. وقال المبُرِّدُ: أبَيْرِه واُسَيْمِع٤، والأول أدلُّ على المكُبّرِة لأنه يمكن أنْ يكونَ أُبَيْرِه واسيْمع تصغير إبْره واسمع، وبالقول الَأوّلِ قال سيبويه وعليه أكثرُ النّحويين لما ذكرتُهُ مِن الدّلالَةِ على المكَبَّرِ. أ،.\nموقفه من الفراء\nأورد ابن أبي الربيع توجيهًا للفراء لكلمة (مَثَلًا ما بعُوضةً) هو الواردة في قوله ﷿: (إِنَّ اْللَّهِ لاَ يستحي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَهَا..) ٥ وَرَدّ ما استدّل به؛ لأنه دليلُ يدخله الاحتمال مِمّا يقتضي بُطْلان الاسْتِدْلال به، ومما قاله في رده. (وأما ما ذهب إليه الفراء، وهو أنَّ المعنى: ما بين بَعُوضَةً فما فوقها خارِجٌ عن طريق كلام العرب؛ لأنَّ الظّرفَ لا يُحذَفُ وُيقامُ مَقامهُ مخفوضُهُ، لا تقول: جلستُ زَيدًا تريد جَلَسْتُ عند زيدٍ، هذا ليس من كلامِ العرب، واستدلا له بقول العرب: له عشرون\n_________\n١سورة البقرة آية: ١٢٥.\n٢ينظر الكتاب ٣/ ٤٧٦، وشرح السيرافي ٦٦٨/٢.\n٣المصدر السابق ٣/ ٤٤٦، وشرح السيرافي ٢/ ٦١٠.\n٤ينظر شرح السيرافي ٢/ ٠ ١ ٦، وشرح الشافية ٢٦٣/١، وارتشاف الضرب ١/١ ١٩.\n٥ سورة البقرة آية: ٢٦.","vol":"1","page":347},{"text":"ما ناقةً فجملًا (١) ١استدلالا ضعيفٌ، فإنّ ما هنا زائدة، والأصل له عشرون ناقةً فجملًا، والفاءُ جاءتْ لِترتْيب الأخبار، وإلاَّ فكيْفَ تأتي الفاء مع بينَ؟ لا تقل جَلَسْتُ بَيْنَ زيد فعمروٌ، ولا يقولُ أحدٌ جَلَسْتُ القومَ زيدٍ جَلستُ بين القوم، فإذا بَطَلَ هذا كلّهُ بطَلَ قوله. ولا يَصِحُّ الاستدلال على القواعد إلاَّ بغير مُحتَمَل، ومتى احتملَ بطل الاستِدْلال (١٢١) .\nموقفه في المازني\nتناول ابن أبي الربيع علة البناء في تابع أيّ المقترنة بأل في النداء عند كلامه على الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدوا رَبَّكُمُ..) ٢وتطرق به الحديث إلى رأْيِ المازني في المسألة، وردّهُ لعدم الدليل على القياس الذي صَوَّغ له ما ذهب إليه، ومما قاله ابن أبي الربيع في المسألة في الرد على المازني ...\n(.. يا التي للنداء إذا وقع بعدها اسم مبني على الضم على أنه معرفة فهي مع ضمتها كالألف واللام يفهم ضمنها التعريف، إلى أن يقول:\nفإذا قلت: يا أيَّها الرجلُ، فأىَّ هنا هي الرّجلُ، وإذا قلت: يا أيها الناس، فأيّ واقعة على شيء مبهم يَتَبَيّن بما يجرى عليها، وأي مفردة بنيت على الضم؛ لذلك يكون المبين لها مرفوعًا ولم يسمع فيه النصب، لأن المنادى بالحقيقة إنما هو الاسم الذي فيه الألف واللام التابع لها، وأنت لو ناديت ذلك الاسم لم يكن إلاّ مبنيًا على الضم، فلم تكن أي وتابعها إلاَ مرفوعين.\nوأجاز أبو عثمان المازني النصب في أي تابع٣، ولم ينقله وإنما أجازه قياسًا.\nوبما ذكرته يمتنع القياس، لأنك إذا قلت، يازيدُ الظريف، فزيد المقصود بالنداء\n_________\n١ينظر معاني القرآن ٢٢/١-٢٣.\n٢سورة البقرة آية: ٢١.\n٣ ينظر المقتصد ٢/٧٧٨، وارتشاف الضّرب ٣/١٢٧.","vol":"1","page":348},{"text":"لا الظريف، وإذا قلت: يا أيّها الرجلُ، فالرجل هو المقصود بالنداء، وأيّ صلة١. (١٨٩)\nموقِفُهُ مِن الزَّمَخْشَريّ\nوقف ابن أبي الربيع على كتاب الكشاف لجار الله الزمخشري، وأفاد منه، وترسم نهجه في المناقشة واستجلاء المعاني البلاغيّة والصّور البيانية، لكنَّ إفادته من كشاف الزمخشري لم تكن مانعتُهُ من الأخذ عليه والنقد لبعض أقواله التي نثرها في كتاب الكشاف، وأكثر المسائل التي تناولها ابن أبي الربيع في اللغة والنحو والتصريف، ولم يصرح باسم الزمخشري إلا في مواضع قليلة من هذا السفر في تفسير الكتاب، وإنما ورد نقده له تحت قوله: بعض المتأخرين، ولمّا عُرِضَتْ الأقوال موضع الملاحظة على مواطنها في كتاب الكشاف تبيّن أنه المقصود بذلك، فالأقوال أقوال الزمخشري إن لم تكن بلفظها فهي بلفظ مقارب، أما المعنى فواحد، ونورد فيما يلي أهم المسائل التي تناولها ابن أبي الرّبيع في تعقبه على الزمخشري:\nلم كان الرّحمن أبلغ من الرّحيم؟\nقال ابن أبي الربيع في بيان السَّبب الذي صار به الرحمن أبلغ من الرحيم في قول الله ﷿: (الرحمن الرَّحِيمِ):\n(.. (الرّحَمنِ) اسم خاص به سُبْحانه لا يقعُ على غيره وفعلان يأتي عند الامتلاء، نحو غضبان، وسكران، وحيران، وكذلك الرّحمن.\nوالرّحيمُ مبالغةٌ في رَاحمٍ، والرّحمنُ على هَذا أبْلَغُ مِن الرَّحيم، ولذلك يُقالُ رَحمن الدُّنْيا والآخرة، وَلمْ يُقلْ في الرحيم،لأنَّ الرحمن جرِى مجرى الأسماء، والرَّحيم ليس كذلك، بل هو باقٍ على الصِّفة وجريانه على غيره، فلذلك قدِّم على الرَّحيم.\n_________\n١نفس المصدر السابق.","vol":"1","page":349},{"text":"وجاء أبو القاسم الزّمخشري وقال: هو اكثر حروفًا من الرّحيم، فهو لذلك أبلغ كالشقدف والشّقُنْداف١.\nوهذا كلام ليس مِن طريق كلام العرب، ألا ترى فَعِلًا، نحو: حَذِر أبلَغُ من حاذِرٍ، وإن كان أقلَّ مِنهُ حروفًا، وإنّما الأمرُ على ما ذكرت لك. (٥) .\nرَدّ ابن أبي الرَّبيع القول بأنّ \"رَبّ \" وصفٌ بالمصْدَرِ\nوَممّا رَدّ به على الزَّمخشري ولم يُصَرّح باسْمِهِ قوله في تَصْرِيف \"ربّ \" من \"رَبّ العالمين \": رَبّ وَزْنُهُ فَعِلٌ بكسر العين، والأصل رَببَ ثُمَّ أُدغم، وليس أصلهُ فعْلًا بسكون العين؛ لأنَّهم قالوا في الجمع: أرْبَابٌ.. إلىَ أن يقول:\nوقولُ من قال: إنّه وصفٌ بالمصدَرِ٢ فيه بُعدٌ، إذّ لو كان كذلك لم يثنَّ ولم يجمع، ومَنْ ثنَّى مثل هذا في المصادر ثنّاهُ على القياس في فعلِ أفعل، وذلك نحو: كَفٍّ، وَأَكُف، فكونُه قد جُمِعَ على أرباب يَدُلُّ على بعد هذا القول. (٧) .\nإضافة اسم الفاعل إلى معموله في \"مالك يوم الدين \"\nذهب ابن أبي الربيع إلى أن إضافة اسم الفاعل في قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْم الدِّينِ) إضافةً محضة واسم الفاعل بمعنى الحال والاستقبال، وأنَّ هذه الإضافة إلىَ معرفة تفيد التعريف، لأنّ اسم الفاعل إذ أضيف إلى معرفة كان على وجهين: على التعريف وعلى التخفيف، وردَّ قول الزمخشري في جعله الإِضافة هنا غير محضة وأنّها لمجرد التخفيف، ومما أورده في تقرير المسألة والرد على الزمخشري قوله:\nواسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي وأضيف إلى المعرفة تعرّف، وإذا كان بمعنى\n_________\n١ينظر الكشاف ١/٤٢.\n٢المصدر السابق ١/٥٣.","vol":"1","page":350},{"text":"الحال والاستقبال وأضيف إلى المعرفة كان على وجهين: على التّعريف وعلى التخفيف، وتكون هنا الإضافة على التعريف، لأنّه جارٍ على المعرفة.\nوجاء بعض المتأخرين، وقال: إنّ اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال والاستقبال فلا تكون إضافته إلاَّ غير معرفة، وتكون غير محضة، وإنما تكون للتخفيف١.\nوهذا القول فاسد، والصحيح ما ذكرته أولًا، وهو أن اسم الفاعل إذا كان بمعنى الحال والاستقبال فله إضافتان: إضافة تعريف وإضافة تخفيف، والذي يضاف ولا يتعرف أبدًا بالإِضافة الصفة المشبهة باسم الفاعل خاصة ولا يتعرف إلاَّ بالألف والّلام. وجاء (مالِكِ يوم الدّين) على طريقة نهارُه صائم وليله قائم في الاتّساع لمّا كان فيه نُسِبَ إليه إمّا بالفاعلية وإمّا بالمفعولية. على جِهةِ الاتِساع. (١٠) .\nإعراب كلمة \"سواء\" وجملة \" أأنذرتهم \"\nأورد ابن أبي الربيع إعرابًا لكلمة \"سواء\" وجملة \"أأنذرتهم \" من الآية الكريمة: (سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) لم يعزه إلى قائله بل طوى ذكره لَعلّه تكَرّه التشهير به وآثر توجيه النقد إلى فحوى القول ومنطوقه، وهو نهج التزمه كثيرًا في نقده وتعقباته على بعض العلماء. ومما قاله هنا بعد إيراده الإعراب الذي ارتضاه:\n(ومَنْ قال: إنّ (أأنذرتهم) في موضع المبتدأ و(سواء) خبر فقد قال مالا نظير له. وكذلك مَنْ قال إنّ (أأنذرتهم) فاعل (سواء) و(سواء) خبر إنّ مقدم فقد أخطأ (٢) ٢؛ لأنَّ الجملة لا تقع موقع الفاعل فليس في هذا إلّا ما ذكرته، من جعل الخبر\n_________\n١ينظر الكشاف ا/٥٧-٥٨.\n٢والقولان هنا لأبى القاسم الزمخشرى، قال في الكشاف: وسواء بمعنى الاستواء.. وارتفاعه على أنه خبر لإِنّ، وأأنذرتهم أم لم تنذرهم في موضع المرتفع به على الفاعلية، أو يكون أأنذرتهم في موضع الابتداء، وسواء خبر مقدم. بمعنى سواء عليهم الإنذار وعدم الإنذار.. بتصرف من الكشاف ١/ ١هـ ا-١٥٢، وينظر التبيان في غريب إعراب القرآن ١/ ٥٠، وإملاء ما منّ به الرحمن ١/ ٢٠، والدر المصون ١/١٠٥.","vol":"1","page":351},{"text":"مبتدأ والمخبر عنه خبرًا على جهة الاتِّساع، فيكون بمنزلة: إنَّ خيرًا منك زيدٌ، وإنّ مثلك عمرو. (٣٦) .\nمجيء مِنْ لبيان الجنس عند الزمخشري وَردّ ابن أبي الربيع ذلك\nذهب الزمخشري إلى أنّ \"مِنْ \" في قوله تعالى: (وَأَنزَلَ مِنَ السَّماء مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ) ١ تُفِيدُ التّبعْيض، وقد تكُونُ لِلْبَيان، كَقَوْلِكَ: أنفقت مِن الدَّراهم ألفًا٢.\nولم يرتض ابن أبي الربيع معنى البيان في \"مِنْ \" وأثبت لها معنى التبعيض، وزاد ابتداء الغاية، واستند فيما ذهب إليه في ابتداء الغاية إلى سيبويه وأبي علي الفارسي، ومما قاله في المسألة:\n(.. وجاء بعض المتأخرين وقال في \"مِنْ \" هنا إنها للبيان، واسْتَدَلَّ بقولهم: أنفقت من الدَّراهم ألفًا، لا فرق بينه وبين الآية.\nالتبعيض فيها هو البيّن، ولم يذكر سيبويه ولا أبو علي في \"مِنْ \" أَنَّها توجد لِلْبيان، وإنما هي موجودة لابتداء الغاية أو للتبعيض٣، ومَنْ قال: إنّها تكون للبيان اسْتَدَلّ بقوله سبحانه: (فاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ) ٤وهذا التبعيض فيه بينّ، لأنَّ الوثن لا يجتنب فيه إلاّ العبادة والتعظيم وهذا هو الرّجس، وأمّا أَنْ يؤخذ الوثن إذا كان ذهبًا أو فضة فيعمل به ما يجوز أن يعمل فلا يجتنب، وهذا ليس برجس. ٥ (٩٥) .\n_________\n١ سورة البقرة آية: ٢٢\n٢ينظر الكشاف ١/ ٢٣٥.\n٣ ينظر الكتاب ٤/ ٢٢٤-٢٢٥، والإيضاح ٢٥١.\n٤ سورة الحج آية: ٣٠.\n٥ هذا التخريج الذي أورده ابن أبى الربيع لا يمنع مجيء من لبيان الجنس، وكون سيبويه أيقل به لا يلزم منه النفي لهذا المعنى فقد ذهب إليه غير واحد من العلماء كالهروي في الأزهية ٢٣٣، وابن مالك في شرح التسهيل ٣/١٣٤.\\","vol":"1","page":352},{"text":"إعراب \" رِزْقًا \" مفعولٌ من أجله\nأعرْبَ الزمخشريُّ كلمة (رِزْقًا) من الآية الكريمة: (فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ) مفعولًا من أجله، ومِن الجارّة للتَّبعْيضِ، ولم يَرْتض ابن أبي الربيع هذا الإعراب و\"مِن \" للتبعيض، وإنمّا خرجه على أنّه مفعول به؛ لأنه الأظهر في الصورة والأقرب في البيان، قال في تعقبه على إعراب الزمخشري:\n(.. ورأيتُ بعضَ المتأخرين قال: وإنْ كانت \"مِنْ \" مِن قوله سبحانه \"من الثّمراتِ \" للتّبعيضِ فيكونُ \"رِزْقًا\" مفعولًا من أجله١؛ ولا أدْرِي ما حَمَلُه على هذا؟ وإلاّ فقد يقولُ: أكَلْتُ مِن الرَّغيف ثلثه، وأخرجت من النّاسِ زيدًا، وَزَيدٌ مفعولٌ به ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يكونَ مُفْعُولًا من أجْلهِ. وجَعَلُ الرّزَق هنا مفعولًا مِن أجله إنَّما يكونُ بعد جعل الرّزْقَ مَصْدَرًا، وشرطُ المصْدرِ إذا كانَ مفعولًا من أجله ألاَّ يُنصبَ حتّى يكُونَ فاعلًا لِفاعِلِ الفعل المعلل ومع الفعل المعلّل في زمانٍ واحدٍ، نحو: جئتك ابتغاء الخير، فأنا الجائي، وأنا المبتغي والزّمانُ واحد، فالرّزق على هذا هو من الله تعالى، والإخراج منه سبحانه إلاّ إنّ الزّمان مختلف، إلاّ أن يكون المعنى: إعدادًا لرِزْقكم، وفيه اتساع.\nوقال: وإنّ جعلت «مِن» للبيان كان \"رِزْقًا \" مفعول به، وقد جعل \"من \" للبيان وجعل الرزق مفعولًا به، و\"من \" للتبعيض أبين من جعله مفعوًلا مع من التي للبيان عند من يثبت ذلك. (٩٦) .\nرَدّ ابن أبي الربيع إعراب كلمة \"لكم \" مفعولًا لأجله\nخرج ابن أبي الربيع كلمة (لكم) الواردة في الآية الكريمة: (خَلَقَ لَكُم مَّا في الأَرْضِ جَميعًا) على أن اللام لتعدية الفعل قبلها، فهي بمنزلة: جئت لك، فجاء تتعدى بالَلام وليست على معنى جئت لأجلك؛ لأنه لا يعلم الذي جيءَ لأجْلِه، وكذلك (خلق لكم) تتعدى باللاّم، ولَيْسَ المعنى لأجلكم. وبعد أن قرر هذا الوجه\n_________\n١ينظر الكشاف ١/ ١٣٥.","vol":"1","page":353},{"text":"عرض لقول الزمخشري في المسألة دون أنْ يصرح باسمه أو يعزو إلى المصدر، فقال: (.. ورأيت بعض المتأخرين ذهب إلى أن \"لكم \" مفعولًا لأجله١، وهذا ليس بصحيح لما ذكرته..) .\nوما ذهب إليه الزمخشري هو الأظهر في كلمة (لكم) لما فيه من معنى السبب، وقد أخذ به غيرُ واحد من معربي القرآن٢، حتى قال أبو حيان إن (الأحسن حمله على السبب فيكون مفعولًا من أجله؛ لأنه بما يا الأرض يحصلُ الانتفاع الديني والدنيوي٣. أعرب الزمخشري في (سبع سماوات) الواردة في الآية الكريمة: (فسواهن سَبْعَ سَمَواتٍ..) ٤ علما أنها تفسير للضمير المبهم \"هُنَّ \" وأمّا ابن أبي الربيع فقد خَرّجها على وجهين هما: البدلية والحالية، ثم رد قول الزمخشري، وممّا قاله في المسألة:\n(.. وسَبْعَ بدلٌ من \"هُنَّ \" والتقدير: فَسَوّى سَبْعَ سموات، ويمكن أنْ يكون حالًا على تقدير: مقدرًا أن يكون سبع سماوات، كما قال سبحانه: (وجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) أي مقدرًا أن يكون سَكنًا، وهذا بمنزلة قول العرب: مررت برجلٍ معه صقرٌ صائد به غدًا، أي مقدرا به الصّيدِ غدًا، والبدل عندي أحسن. ورأيت بعض المتأخرين يذهب في (سبع سموات) إلى أنه بمنزلة: ربه رجلًا، أضمر على شريطة التفسير (٥) ٥. وهذا قولٌ لا يُعَوّل! عليه ث لأنَّ الضمير على شريطة التفسير يحفظ ولا يقاس عليه، ولا يقال منه إلّا ما قالت العرب ة لأنه خارجٌ عن القياس، والأصل في الضمير الغائب أنه يأتي بعد الظاهر لفظًا أو مرتبةً، أما إتيانُه قبل الظاهر المفسِّر له لفظًا ومَرّتَبةً فَلَمْ يَقَعْ إلّا في أرْبعةِ أبواب، وبَيانُها في كُتُب العربية، وليس هذا مِنْهَا. (١٣١) .\n_________\n١ينظر الكشاف ١/ ٢٧٠.\n٢ ينظر الفريد في إعراب القرآن المجيد ٢٦٢/١.\n٢ينظر البحر المحيط ٢١٥/١.\n٢سورة البقرة آية: ٢٩.\n٣ينظر البحر المحيط ٢١٥/١.\n٤سورة البقرة آية: ٢٩.\n٥ينظر الكشاف ١/ ٢٧٠، والفريد في إعراب القرآن المجيد ٢٦٣/١، والبحر المحيط ١٨/١ ٢، وقد رجح أبو حيان فيه البدلية على التفسير، وبقية الإعرابات التي أوردها.","vol":"1","page":354},{"text":"خرج الزّمَخْشرِيُّ كلمة \"أعْلَم \" من قوله تعالى: (وَأعْلَمُ مَالاَ تَعْلَمُونَ) ١على معنى التفضيل، أمَّا ابن أبي الربيع فجعل \"اعلَمُ \" هنا فعل مضارع واسْتَبْعَدَ ما ذهب إليه الزمخشري، ومما قاله:\n(.. \"اعْلَمُ \" هُنا فِعْلٌ مضارعٌ يُراد به الحالُ المسْتَمِرّة و\"ما\" مفعول بأعْلَمُ، والتقدير: بما تَعْمَلون أبدًا، ودخلَتْ لا هنا لنفي المستقبل، وقدْ قِيلَ في هذا أقوالٌ أحسَنهُا عندي ما ذكرته.\nوجاءَ بعضُ المتأخّرينَ وذهبَ إلى أنَّ \"اعلمُ \" هُنا أفعلَ تفْضيلٍ٢، وهُوَ شيءٌ بعيدٌ، مقصُودُه مُتَعَذّر. (١٣٥) .\nأعربَ الزمخشريّ كلِمة \"وَمِنْ ذُرِّيّتي \" من الآية الكريمة: (قَالَ إِنّىِ جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَامًا، قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِى..) وهو معطُوفةً على الكاف من \"جاعِلُك\" كأنه قال: جاعلٌ بَعْضَ ذُرِّيّتي..\nوقد ردّ ابن أبي الربيع هذا التوجيه بمقتضى الصِّناعة الإِعرابية، والقاعدة النحوية، فقال:\n(.. وذهبَ بعضُ المتأخّرِين إلى أنّه، أيْ (وَمِنْ ذُرِّيتي..) مَعْطُوفٌ على الكافِ مِن (جاعِلُكَ) ٣. ولَيْسَ هذا بالبيّنَ؛ إذْ لو كانَ (وَمِنْ ذُرِّيَّتي) منصوبًا لكانَ وَذُرِّيّتي، لأن الكاف مفعولُهُ فهو يصلُ إليها بنفسه، (وَمِنْ ذُرِّيَّتي) مجرور فكيف يُعطفُ المجرورُ على المنصوب. (٢٥٦) .\nأعرب الزمخشريّ (ومَنْ كَفَر) معطوفة على (مَنْ آمن) في قوله تعالى: (وَإذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْم الآَخِرِ، قَال وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا..) ٤.\n_________\n١ سورة البقرة آية: ٣٠.\n٢ ينظر الكشاف ١/٢٧١.\n٣ المصدر نفسه ٣٠٩.\n٤ سورة البقرة آية: ١٢٦.","vol":"1","page":355},{"text":"ولم يرتض ابن أبي الربيع هذا الإعراب، بل رَدّهُ بقوله:\n(ورأَيتُ بعضَ المتأخّرينَ يذهبُ إلى أنّ (وَمَنْ كَفَرَ) معطوفٌ على (ومَنْ آمن) ١، وحقُّ المعْطُوفِ أنْ يكونَ مُشَرّكًا في العامِلِ، والتّشريك هُنا مُمْتْنعٌ؛ لأنَّ الأوَّل دعاءٌ، والثاني إخبارٌ عن الأصل٢. (٩٨) .\n_________\n١ ينظر الكشاف ١/ ٣١٠.\n٢ ينظر البحر المحيط ٦٠٣/١ فقد ردّ بارد به ابن أبى الربيع هنا، وزاد في البيان وتوجيه المعنى على مقتضى الإعراب.","vol":"1","page":356},{"text":"المبحث السابع\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>عناية ابن أبي الربيع بالقراءات</span>\nأورد ابن أبي الربيع في هذا السفر من تفسيره قراءات مختلفة، فيها المتواترة، والشاذة، وقد تناول الكثير من هذه القراءات بشيء من البيان والتوجيه على مقتضى قواعد العربية، ونبّه على ما خرج من القراءات الشاذة عن أصول العربية والقياس الصحيح.\nومنهجه في الاحتجاج بالقراءات يقوم على تقديم المتواتر والتعويل عليه، وتَوْجيه القراءات الشاذة غالبًا على الأوجه المحتملة في العربية، فإذا لم يجد لها وجهًا في العربية خرجها على قاعدة الاتساع.\nوتارة يورد القراءات متواترة كانت أو شاذة دون أن يتبعها بتوجيه أو بيان، كقوله: لم يقرأ في السبع إلاّ بالتخفيف٣، وأمّا في غير السّبع فقد حكى فيه قراءات (٤) ٤، وقد قرىء في غير السبع (٥) ٥، ومن أمثلة القراءات الموجه ما يلي:\n_________\n٣ص ٣٣ من تفسير ابن أبى الربيع.\n٤ص ٤٧ من تفسير ابن أبى الربيع.\n٥ص ٦٤ من تفسير ابن أبى الربيع.","vol":"1","page":356},{"text":"قال في توجيه القراءة الشاذة في قوله تعالى: (أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ) قُرىءَ في الشّاذّ (أنذرتهم) وهو على حذف همزة الاستفهام، اسْتغنوا عنها بأم، لأنَّ أم طالبة بالاسْتفهام، ثم ثَقُلَ اجتماع الهمزتين، وهذا لا يَكادُ يُعْرَفُ، ولم يجئ في السبع١. وقال في توجيه قراءة (غِشَاوَة) من قوله تعالى: (عَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ) ٢ (.. لم يقرأ هذا في السّبع إلاَّ بالرّفع، وقُرِىءَ في غير السبع بنصب \"غَشِاوَة \" ورُوِيَ ذلك عن عاصم في روايته المشهورة عنه لها وجه، وهو أن يكون منصوبًا بإضمار فعل دَلّ عليه (وخَتَمَ) ٣، لأنَّ الختم في القلب وَالسّمع نظير جعل الغشاوة على العين، فيكون هذا بمنزلة قول امرئ القيس:\n... ... ... ... ... يُحَلّين ياقوتًا وشذرًا مُفَقَّرا\nوَرَيَحَ سَنًا في حِقِّهِ حِمَيريةٍ ... ... ... ... ...\nالمعنى: وُ يضَمّخْنَ ريح سنا، وحذف يضمخْن؛ لأنَّ ما قبله وهو يُحَيّن يَدُلُّ عليه.\nوجاء في غير السّبع \"غَشْوَةٌ \" والمعنى تغطية، وهو مصدر. و\"غُشاوة\" يضم العين، وبالعين غير المعجمة. والواو في عشاوة أصل، لأنّهم قالوا: عشا يعشو، قال:\nمتى تأته تعشو إلى ضَوْءِ نارِه ... تجد.\nوأمَّا مَنْ قَرَأَهُ بالغَيْنِ فالواو مُنْقلبةٌ عَنْ يَاءٍ، لأنّهم قالوا: الغشيان. وقالوا: غَشيَة وقُرىءَ \"غِشْوَةَ \"بكسرِ الغين والواو منقلبة عَنْ ياء، وهذه قراءاتٌ لم تثبت في السبع، والثابت في السَّبع (غِشاوة) بكسر الغين وفتح الواو ورفع التاء. وفِعالة بكسر أوّله يأتي في المصادر إذا كان فيها ولاية، نحو الإِمارة، والحياكة، والكتابة، لأنَّ في هذه كلّها شبهًا بالولاية.٢٩- ٣٠.\n_________\n١ص ٣٣ من تفسير ابن أبى الربيع.\n٢ سورة البقرة آية: ٧.\n٣ينظر التذكرة في القراءات لابن غليون ٣٠٩/٢، والمحرر الوجيز ١/ ١٥٥-١٥٦","vol":"1","page":357},{"text":"تضعيفُ القراءةِ الشَّاذًةِ أو تخريجها على وجه الاتساع\nوتارةً يُورِدُ القراءةَ الشّاذة ويخرجها على مقتضى الصنعة الإعرابية ليظهر وجه الضعف فيها، من ذلك ما أورده في توجيه قراءة الرفعِ لكلمة (بَعُوضَةً) من قوله ﷿: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يستحي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضةً فَمَا فَوْقَهَا) قال توجيه رفع (بَعُوضة):\n(.. لم يَقْرَأُ السبعة إلاّ بنصب \"بَعُوضةً\"، وَقرِىء في غير السّبع بالرّفع ولَيْسَ بالقويّ، لأنَّ (ما) هنا بمعنى الّذي وَصِلَتُها \"بعوضة \" ولابدَّ مِن ضميرٍ محذوف تقديره: الّذي هُوَ بعوضة، وهذا الضّمير يَقِلُّ حذفُهُ، وإنّما هُوَ في الأفْصَح ظاهرِّ كما قال تعالى: (وَرَاوَدتْهُ الَّتِى هُوَ فِي بَيْتِهَا) ١.\nوكذا وجه الرفع في كلمة (أحَسّنُ) من قوله تعالى: (تَمَامًا عَلَى الذي أَحْسَنَ) ٢.\nومِمّا قال هنا: \".. قرىء في الشاذ بالرفع وهو على تقدير: الّذي هو أحسنُ، وحذف الضمير العائد من الصّلة إلى الموصول إذ كان مُبتدأً ضعيفٌ إلا في أَيِّ، وقد حَسُنَ بعض حُسْنٍ إذا طال الكلام. (١٢١) .\nوقال عن توجيه قراءتي الرفع والنصب في كلمة (مُصَدِّقٌ) من الآية الكريمة:\n(ولمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ منْ عِندِ الله مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) ٣.\n(.. لم يقرأ (مُصَدِّقٌ) في السبع إلاّ بالرفع، وهو صفة للكتاب، وقُرىءَ في غير السبع (مصدقًا) بالنّصب، وهُو عِندي حالٌ من الضمير الّذي في (من عندِ اللَّهِ)، لأنه نائب مناب مُسْتَقِرٌّ، فيكون المعنى: وَلمَّا جاءَهُم اسْتقر من عند الله في حال أنه مصدق بالتوراة؛ أيْ موافقًا لما في التَّوْراة. (٢٣٣) .\n_________\n١سورة يوسف آية: ٢٣.\n٢سورة الأنعام آية: ١٥٤.\n٣ سورة البقرة آية: ٨٩.","vol":"1","page":358},{"text":"ومما خرج فيه ابن أبي الربيع القراءة السبعية على خلاف القياس والقراءة غير السبعية على مقتضى القياس كلمة (مَثُّوبة) من قوله ﷿: (وَلَوْ أَنَّهمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ منْ عِندِ الله خَيْرٌ لوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) ١، قال في بيان القياس في (مَثوبةٌ)\n(.. يقالُ مثوبة، ومعناهُ الثَّواب، وكان القياسُ في مثوبة مثابة، ولم يقرأ به في السّبع، وقُرِىء في غيرِ السّبع، لأنَّ الفعل معتل فينبغي أن يكون المصدرُ كذلِكَ، مثل المنابة والمقامة والمقالة والمثابة، لكنّهُ جاء مصححًا على الأصل كما جاء القُصْوَى والقَود. (٢٦١-٢٦٢) .\nوتارة يوجّه المعنى وَفْق القراءة الواردة في الآية، كقوله في كلمة (تسأل) من الآية الكريمة (إِنّا أرْسَلْنَاكَ بالحق بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْألُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم) ٢.\nقُرِىء (تسْأل) بالجزم، ولا نَهْيٌ، وقُرىء (ولا تسألُ) بالرَّفعِ وبناء الفعل للمفعول.\nفمنْ قرأَهُ بالرفع عطفةُ على (بشيرًا) والمعنى: إنَّا أرْسلناك مبشرًا ونذيرًا وغيرَ سائل عن أصحاب الجحيم، أيْ مَنْ كَفَرَ لا تسأل عن كفره.\nومَنْ قرأ \"ولا تسألْ \" بالجزم، ففيه تعظيم الجهة، أي: لا تسأل عن هؤلاء، أي إنَّ أمْرَهُم أكبر من ذلك. (٢٨٣) .\nوتارة يخرج القراءة على قاعدة الاتساع، كقوله في توجيه قراءة الضم في (وُقُودها) من الآية الكريمة: (فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ التي وَقُودُهَا الناس والحجارة..) .٣\n(.. وقرأ جماعة في الشاذ: (وُقُودُها) بضم الواو، والوُقود بضم الواو المصدر فالإخبار عنه بالنَّاس والحجارة فيه اتساع مِنْ وَجْهَين:\n_________\n١سورة البقرة آية: ١٠٣.\n٢سورة البقرة آية: ١١٩.\n٣سورة البقرة الآية: ٢٤.","vol":"1","page":359},{"text":"أحدهما: أنْ يكون على حذف مضاف.\nالثاني: أن يكون جعل النَّاس والحجارة وقودًا لمّا كان الاتّقاد بهما، كما تقول: زيد زين الكلمة، وأطلق الزّين عليه وهو في الأصل مصدر، كما تقول: حياة المصباح السّليط، وُيسمىّ الشيء باسم ملازمه، وقد مضى الكلام في الاتّساع، وأنّه يكونُ على وجوهٍ، هذا أحدها، وهو تَسْمِية الشيءِ بما يلازِمُهُ. (١٠٦) .","vol":"1","page":360},{"text":"المبحث الثامن\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>الاحتجاج بالشعر</span>\nيُعدّ الشعر أحد المصادر السماعية التي أمدّتْ العربية بأفصح التراكيب وأبلغها، وأحسن الأساليب وأجزل المعاني، وأثره في ترسيخ أصول العربية وقواعدها وضبط أقيستها معروف لدى أهل الصنعة، وقد صُنّف في مصادر تثقيف اللسان وتقويمها بعد القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف. وحَسْبُهُ شرفًا وغايةً أن كان رَدِيفَ هذين الْوَحْيَين في حسن البيان، وفصاحة التراكيب والمفردات. وقد عَلا باللغة العربية إبّان عُصورِ الاحتجاج إلى السماكين، ونأبها بعيدًا عن اللحن في البيان والتسكع في الخطأ الذي تفضله سقطات الصّمت..\nواحتجاج ابن أبي الربيع بهذا الرافد يلتزم فيه نهج الرّعيل الأول من أرباب الصنعة فهو لا يحتج إلاَّ بما صَحّت لغتهُ وتقادمت روايته. وقد سلك في الاحتجاج طرائق شتى، فتارة يحتَجُّ بالبيت لبيان مفردةٍ من غريب القرآن، وتارةً يأتي به لتوجيه قراءة من القراءات التي احتجّ بها، وتارةً يحتجُّ به على قَضِيّةٍ نحَوِيَّةٍ أوْ صَرفِيّةٍ.. وفيما يلي يُورِدُ البحثُ أمثلةً تُبينُّ ما ألمحت إليه هذه التوطئة.\nقال في تفسير كلمة \"الصّلاة \" من قوله تعالى: (الذين يُؤْمِنُونَ باَلْغَيْب وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ) ١.\n_________\n١سورة البقرة آية: ٣.","vol":"1","page":360},{"text":"(.. الصّلاة: الدعاء، قال:\nعَليكِ مثل الّذي صَلّيتِ فاغْتَمِضي ... يومًا فإنّ لجنب المرءِ مُضطّجعا\nوقال آخر:\nلها حَارِسٌ لا يَبرُحُ الدّهر بَيْتَها ... وَإنْ ذُبِحَتْ صَلَّى عَلَيْه مَا وزَمْزَما (٢٨)\nوقال في تفسير المفلحون من الآية: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ١:\nالفلاحُ والفَلَحُ: البقاء، قال الأعشى، وأنشدَهُ يعقوب:\nوَلَئِنْ كُنتُ كَقومٍ هَلكوا ... ما لِحْيّ يالَقومِ مِنْ فلح\nأي من بقاء.\nوقال عدي بن زيد:\nثمّ بعد الفَلاَح والملكِ والأمْرِ ... ةِ وَارَتْهُم هُناك القُبُورِ\nوقال غيره:\nوالصّبحُ والمسِىُّ ... لاَ فَلاحَ مَعه.. (٣٤) .\nالمعنى: لا بقاء معه.\nواحتجّ لقراءة فتح الميم في (مَن) من قوله ﷿: (وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) ٢،لبيانِ وَجه الإشكال في إعراب \"مَنْ\" قال في توجيه الإعراب الذي تحتمله \"مَنْ \":\n(. وأمّا (والذين مَنْ قَبْلِكُم) فمشكلة وَهِيَ عِندي بمنزلة قول زُهير:\n... ... ... ... ... ... ... لَدَى حَيْثُ أَلْقَتْ رَحْلَها أُمُّ قشعَمِ\nالمعنى لدى إلقَاء أمَّ قشعم، فأتى بلدى وحيثُ، وهما لمعنى واحدٍ، ثم جاء بعد حيثُ بجملة في موضعِ خفض ودلّتَ على مخفوض لدى، فكأنّها. بدلٌ مِن لَدَى، ولَدَى تطلبُ مَخْفُوضًا، وحيثُ تطلب جملةً في موضع خَفَضِ، فأتى بالجملة لحيثُ، ودَلّ على\n_________\n١سورة البقرة آية: ٥.\n٢سورة البقرة آية: ٢١.","vol":"1","page":361},{"text":"مخفوضِ لَدى كما ذَكَرْتُ لَكَ، فقولك: والّذينَ مَنْ قبلكم، والّذين ومَنْ معناهما واحد، فكأنّ مَنْ بدلْ من الذين، وكلاهما تطلبان الصّلة، فأتوا بالصّلةِ لِمَنْ فدَلّت على صِلَةِ الذين.. (٩٢) .\nواحتجّ لِحمْلِ المضُارِع على الماضي في قوله تعالى: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبيَاءَ الله مِن قَبْلُ) ١فقال:\n(وتقتلون وُضِعَ موضعَ قَتَلْتُم والمضارعُ يُوضَعُ موضِعَ الماضي إذا كان معنا ما يدُلُّ على ذلك، قال امرؤ القيس:\nلَعمري لَقَوْمٌ قَدْ نَرى الأمْسَ فيهُمُ ... مَرابط للأمْهَارِ والعَكَرِ الدَّثرُ ٢.\nفقوله: الأمْسِ يَدُلُّ على أن نَرى في معنى رأينا، وكذلك \"مِنْ قَبْلُ \" في الآية يَدُلَّ على أنَّهُ ماض.\nواحتجَّ لترجيح الاستعارة على التّشبيه في الآية الكريمة: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْ جِعُونَ..) ٣فقال:\nوالأنسب الاسْتِعارَةُ، وَإِنَّما تُسمىَّ الاستعارةُ إذا لم يُترك المشبه وطوى ذكْرُهُ، كما قال:\nلدى أسدٍ شاكي السّلاحِ مقذفٍ ... ... ... ... ... ... ...\nوعرض للإلتفات في الآية الكريمة: (إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) .\nوبين صُورَهُ التي يأتي عليها واحتج لكل منها واصفًا ذلك بما له من الفصاحة وحسن البيان فقال:\nوفي هذا الخروجُ من الغيبة إلى الخطاب، ولو جرى على أوّلِ الكلام لكان إيَّاهُ.\n_________\n١سورة البقرة آية: ٩١.\n٢ البيت في ديوانه: ١١٢، والعَكَرُ جمع عكرة، والمراد القطيع من الإبل، الدّثر: الكثير من الإبل وغيرها من أصناف المال..\n٣سورة البقرة آية: ١٨.","vol":"1","page":362},{"text":"وهذا مِنْ فصيح كلام العرب، قال امرؤ القيس:\nتطاولَ ليلُكِ بالاثمُدِ ... فنام الخليّ ولم تَرْقُدِ\nوبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمدِ\nفانتقل من الخطاب إلى الغيبة، ثم قال في البيت الثالث:\nوَذلِكَ مِن نَبأٍ جاَءني ... وَخُبِّرتُهُ عَنْ أبي الأسودِ\nانتقل إلى التكلم، ويسمى هذا الالتفات، وهو كثير في القرآن، وهذا من فصيح كلام العرب ...","vol":"1","page":363},{"text":"المبحث التَّاسع\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>القياس عند ابن أبي الربيع</span>\nعَرّفه ابن الأنباري بأنه: (حملُ غيرُ المنقُول على المنقول إذا كان في معناه) .\nوقال السيوطي: (وهو معظم أدلة النحو، والمعول في غالب مسائله عليه، كما قيل: إنما النحو قياس يتبع) .\nومن يُقلّب صفحات كتب النحو يجد أنَّ القياس كان أحد الركائز التي قام عليها صرح علم النحو وبُسطت به مسائله وأحكمت قواعده، واسْتقَام به الدرس النّحويُّ، وكان أحد الروافد المعينة لأئمة النحو في توجيه المسائل التي لم يكن لها دليلٌ من نقل فحملوها بمقتضى القياس على ما يماثلها مِمّا استقام نهجها على مجاري كلام العرب. وابن أبي الربيع في مؤلفاته النحوية، وفي هذا السفر من تفسير الكتاب العزيز ينزع منزع السلف من أئمة النحو في التَّعويل على القياس في المسائل التي لا مستند لها من النقل أو السماع الموثوق به، ومِمّا وجهه في هذا الجزء من تفسير الكتاب العزيز وإعرابه على مقتضى القياس ما يلي:\nالجر بحرف الجر المحذوف إذا كان مجروره أنّ أو أن وذلك قياسًا على (ربّ) قال في","vol":"1","page":363},{"text":"توجيه الآية الكريمة: (إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً..) (أن يَضْرِبَ) على إسقاط حرف الجر، وأصله: إنَّ الله لا يستحي من أن يضرب ثم حذف مِنْ.. واختلف الناس في بقاء عمله أو زوال عمله كما اختلفوا في (أنّ) وكلا الوجهين له وجه، والأظهر عندي أن يبقى العمل فيما حَذْفُه كثير، ويجرى مجرِى رُبّ، فإنها حُذِفَتْ وبقى عملها ٠٠) . (١٢٠) .\nالمصدر الموضوع موضع الحال القياس أن يكون مفعولًا لأجله\nقال في توجيه إعراب (بغيًا) من الآية الكريمة: (بئْسَمَا اشترَوا بهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ الله بَغْيًا) .١.\n(.. (وبَغْيًا) مصدرٌ في موضع الحالِ، أيْ باغين لأجلِ أنْ ينِزّل الله من فضلهِ، أو يكونَ مفعولًا لأجلهِ، لأنَّ المصدَرَ الموضوع موضع الحال يُحفظُ ولا يقاس عليه، والمفعول من أجله قياس. (١٣٥) .\nويتكررُ هذا بتفصيل أدق في المصدر (حسدًا) الواردة في قوله ﷿: (وَدَّ كَثِيرٌ منْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا) ٢.\nقال في توجيه إعراب (حسدا):\n(.. و(حسدًا) هو يحتمل أن يكون مفعولًا من أجله، أيْ ودوا بحَسْدِهِم، ويُحتملُ أن يكون \"حسدًا\" مصدرًا في موضع الحالِ، والمعنى: حاسدين لكم. والأوّل أحسنُ، لأن المصدر في موضع الحال يُحفظُ ولا يقاسُ عليه، والمفعول من أجله مطردٌ قياسٌ إذا صحت شروطه، لأنّه مصدرٌ لفاعل الفعل المعلّلِ، وهو معه في زَمن واحدٍ) . (٢٧٢) .\n_________\n١سورة البقرة آية: ٩٠.\n٢سورة البقرة آية: ١٠٩.","vol":"1","page":364},{"text":"القياسُ في وزنِ مَرْيَم\nقال فيما يقاس عليه وزن مريم من قوله تعالى: (وَآتَيْنَا عِيسَى أبْنَ مَرْيَمَ) ١:\n(.. ووزن مريم: مَفْعَل، وشذّ في الصحيح، وكان قياسهُ: مرامًا ولا يُدعى أنه فعيل، وأنّ الميم أصلية، لأن الأكثر على الميم إذ كانت أولًا أن تكون زائدة، ولأن فَعيلا بفتح الفاء معدوم من كلام العرب، وإنما يوجد فِعيل وفُعيل، قالوا عثير للتراب، وقالوا ضُمَيد اسم وادٍ. فتجنّبُ العرب فعيلا دليل على أنه مرفوض من كلامهم، فكأنه منقول من رام يريم، تقول العرب: ما يريم، أي ما يزال ما يبرح ...) . (٢٣١) .\n_________\n١سورة البقرة آية: ٨٧.","vol":"1","page":365},{"text":"المبحث العاشر\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>الاتساع</span>\nالاتِّساعُ ضربٌ من الحذفِ عند سيبويه وغيره من أئمةِ النحو المتقدمين، كحذفِ المضافِ وإقامة المضاف إليه مقامه، وكإقامة الظرف مقام الاسم في الإِعراب، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: (واسأل القرية..) فإنه على تقدير: \"واسألْ أهل القرية\" ومن أمثلة إقامة الظرف مقام الاسم قولهم: صيد عليه يَوْمانِ، وإنما المعنى: صيد عليه الوحش في يومين، ولكنه اتسع فيه واختصر..) ٢.\nأمّا الاتساع عند ابن أبي الربيع فيشمل ما ذكر ويمتد إلى مسائل من الإِعراب والتّصريف لم يكن لها دليلٌ من سماعٍ أو قياسٍ تحمل عليه لذلك نراه يحملها على قاعدة الاتساع، ومن أمثلة الاتساع في هذا السّفْرِ من تفسير ابن أبي الربيع ما يلي:\nأوّلًا: نصبَ (يَومَ الدّين) من قوله تعالى: (مَالِكِ يَوْمِ الدين) على المفعولية في قراءة عاصم والكسائي، قال في بيان هذا الوجه:\n_________\n٢ ينظر الكتاب ١/ ٢١١، ٢١٢، والأصول ٣/ ٢٥٥.","vol":"1","page":365},{"text":"قرأ عاصم والكسائي: (مَلك يوم الدين) فَيُمكِنُ أنْ يكونَ (ملك) بمعنى مالك كما قالوا: حذر بمعنى حاذر، ويكون من الملِك بكسر الميم، ويكون قد أضيف إلى يوم الدّين بعدما انتصب يومَ الدين نَصْب المفعول على جهة الاّتساع، كما قال:\n... ... ... ... ... ... ... ... طبّاخ ساعات الكرى زَادَ الكسل\nعلى نصب (زادَ) إلى أن يقول:\nويكونُ الأصلُ: مالكًا يومَ الدّين، أَيْ في يوم الدّين ثمَّ انتصبت على أنّهُ مفعولٌ به على الاتِّساع كما ذكرت لك. (٨-٩) .\nثانيًا: نصب (رِزْقًا) لا يكون إلا على الاتساع:\nقال في رده على بعض المتأخرين في إعراب (رِزقًا) من قوله ﷿: (فَأَخَرْجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ) ١:\n(.. وجعل \"رزقا\" مفعولًا لأجله إنما يكون بعد جعل الرزق مصدرًا، ومِن شرط المصدر إذا كان مفعولًا من أجله ألا ينصب حتى يكون الفاعلُ للفعل المعُلَّلِ في زمانٍ واحدٍ، والرّزق على هذا هو من الله، والإخراج منه سبحانه إلاّ إنّ الزمانَ مختلفٌ، إلاّ أن يكون المعنى: إعداد الرزق فيكون فيه اتساع. (٩٦) .\nثالثًا: الإخبار عن المصدر في قوله تعالى: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ..) ٢بالناسِ والحجارة فيه اتساع، قال في توجيه الآية السابقة: والْوُقُودُ بضم الواو المصدر، والإخبار عنه بالنّاسِ والحجارة فيه اتّسِاعٌ من وَجْهَين:\nأحدهما: أن يكون على حذف مضاف.\nوالثاني: أن يكون جعلَ الناسَ والحجارة وقودًا لمكان الإتّقاد، كما تقول: زيدٌ زَيْن الكلمة، وأطلق الزّين عليه وهو في الأصل مصدرٌ، كما تقول: حياةُ المصباح السليط. (١٠٦) .\n_________\n١سورة البقرة آية: ٢٢.\n٢سورة البقرة آية: ٢٤.","vol":"1","page":366},{"text":"رابعًا: الاتساع في المصدر (مثابةً) من الآية الكريمة: (وَإذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا) (١) ١.\nقال في توجيه كلمة (مثابة) من الآية السابقة: ويمكنُ أن يكونَ (مثابة) مصدرًا يقع على المكان على جهة الاتّساع. (٢٨٧) .\n_________\n١سورة البقرة آية: ١٢٥.","vol":"1","page":367},{"text":"المبحث الحادي عشر\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>مذهب ابن أبي الربيع النحوي</span>\nلم يصرح ابن أبي الربيع بالانتماء إلى مذهب بعينه من مذاهب النحويين لكنه في عرض المادة العلميّة ومناقشة المسائل التي جرى فيها الخلاف يختار مذهب البصريين وُيرَجّحه على مذهب الكوفيين، وكثيرًا ما عَوّل على ما قرّرَهُ سيبويه، وهذا التوجه عند ابن أبي الربيع لا يقف به عند مسائل بعينها بل يمتد على أكثر المسائل التي كان لسيبويه فيها أثر من اختيار أو قول، ويظهر هذا أكثر ما يظهر في شروحات ابن أبي الربيع ومصنفاته في العربية، ويوجد له في هذا السفر من تفسير الكتاب العزيز بعض الاختيارات والترجحات لمذهب سيبويه ومذهب البصريين، وقد يرجح قولًا أو اختيارًا لأبي علي الفارسي، لأنّ أبا علي الفارسي عَوّل على مذهب سيبويه كثيراَ وترسم نهجه في أكثر المسائل التي كانت موطن الخلاف بين البصريين، واكتفى هنا بعرض نموذج مما يظهر فيه تأثر ابن أبي الربيع بمذهب البصريين، واختياره له، في مجال الترجيح.\nالعطف ضمير الرفع المتصل\nعرض لهذه المسألة عند تفسيره للآية الكريمة: (اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) ففصل القول في المسألة على مذهب البصريين ولم يشر إلى مذهب الكوفيين فيها، إمّا","vol":"1","page":367},{"text":"لأنه لا يرى مساغًا لذكره لأنَّ محِلَّه كُتُبُ العربية، وإمّا لأنّ قولهم في المسألة لم يكن مَحِلّ بحث وموازنة لاشتهاره بين المعربين فاقتصر على ما يراه في المسألة راجحًا، ومما قاله في توجيه الآية:\n(.. (أنت) توكيد للضمير في اسكن بدليل قولهم في التّثنية: اسْكنا أنتما، وفي الجمع: اسْكنوا أنتم. (وَزَوْجُكَ) مَعْطُوفٌ على الضَّمِير المُسْتّتر في اسْكُن لا على (أنْتَ) لأنَّ (أنْتَ) توكيد للضّمير فيجبُ أنْ يكونَ المعْطُوف عَليهِ توكيدًا ولَيْسَ بتوكيد له ولا معنى فيه للتوكيد، فهو معطوفٌ على الضمير المسُتَترِ نفسه، ولا يُعطَفُ على الضمير المرفوع المتَّصل حتَّى يُؤكد أو يُفصلُ بفاصِل يَتَنَزَّلُ منزلة التوكيد، نحو قوله سبحانهَ: (ولَوْ شاء الله ما أَشْرَكْنَا وَلاَ أَبَآؤُنَا) ١. (١٤٤) .\nوما ذكره ابن أبي الربيع هنا هو مذهب البصريين في المسألة أمَّا الكوفيون فَمذهبهم جواز العطف دون فاصل، ولهم شواهد نظمًا ونثرًا، وقد أخذ بمذهبهم ابن مالك في التسهيل (٣٧٤/٣)، وشواهد التوضيح (٢ ١١)، ومن الشواهد على العطف دون فاصل التي أوردها ابن مالك قول عمر ﵁: (كنت وجارٍ لي من الأنصار ٢، وقول علي ﵁ فيما حدث به: (.. كنت وأبو بكر وعمر ولما ٠٠) ٣.\nالجزم على جواب الأمر\nقالت في توجيه الآية الكريمة: (.. وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) ٤:\n(.. أوف مجزوم على جواب الأمر، وأبو علي يرى أنّ الشرط محذوف، والتقدير:\nإنْ وفيتم أوف بعَهِدِكُم، كما تقولُ: ادرسْ تَحفِظْ، التقدير: إنْ تَدْرُسْ تحفظ، وهذا\n_________\n١سورة الأنعام آية: ١٤٨.\n٢ينظر فتح الباري ١١٤/٦ كتاب المظالم.\n٣المصدر السابق ٧/ ٢٢ كتاب فضائل الصحابة.\n٤سورة البقرة آية: ٤٠.","vol":"1","page":368},{"text":"الجزم جائز في جواب الجملة إذا لم تكُنْ خبرًا، فإن كانت خبرًا منفيًّا أو موجبًا لم تجزم وبقَيَ الفعلُ مرفوعًا. وإذا كان جوابًا للنهي فلا يكون مجزومًا حتّى يكونَ جوابًا لعدم النقل. فإن كان جوابًا للواجب لم يجزم، فتقول: لا تدن من الأسَدِ تَسْلَمْ، لأن السّلامة مُسَبّبةٌ عن عدم الدنو ولا تقول: لا تدنُ من الأسَدِ يأكُلْك. والرفعُ في هذا كله هو كلام العرب.\nوقوله ﷺ: \"لاَ تَرْجِعُوا بعدي كفارًا يضرِّبْ بعضكم رِقاب بعض \" ١ إدْغَامٌ وليس بجزم بمنزلة: (وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورَا) ٢ في قراءة أبي عمرو في الإِدغام الكبير.. وفي هذين الفصلين خالف الكوفيون، فأجازوا الجزم، والصحيح ما ذكرته لك. (١٥٣) .\nوالذي صححه هنا أهو قول البصريين في المسألة، وقد نبه عليه في كتابه الملخص (١/١٥٦-١٥٧)، وذكره غيره من النحويين.\nوقد سبق القول في متعلق الجار والمجرور في بسم حيث ظهر ميله إلى مذهب البصريين فيه، وكذلك القول في اشتقاق الاسم، إذ يظهر من مناقشته للمذهبين توجيه قول البصريين في مقابل توهين قول الكوفيين ٣٠ (١٥٣) .\n_________\n١ينظر الحديث في قح الباري كتاب المظالم باب الإنصات للعلماء ٤٣/٣.\n٢سورة الفرقان آية: ١٠، وينظر القراءة المعزوة لأبى عمرو في كتاب السبعة ٤٦٢.\n٣ينظر ص ٣٤٦، ٣٧١.","vol":"1","page":369},{"text":"المبحث الثاني عشر\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>مصادر ابن أبي الربيع في تفسير الكتاب العزيز وإعرابه</span>\nيعد هذا الكتاب خاتمة أعمال ابن أبي الربيع العلمية في الدرس والمراجعة والتّصنيف، ونتيجة نشاطه في هذا الميدان وخلاصة ما انتهى إليه، ولذا جاءت مصادره مُتعدّدة، وفي فنون مختلفة، منها ما صرح بذكره وهو القليلُ، ومنها ما طوى ذكره واكتفى بالإحالة المسندة إلى مؤلفه تارة، وبالِإحالة غير المسندة تارةً أخرى، وأغلب الإِحالات","vol":"1","page":369},{"text":"المرسلة ترد بصيغ: قال بعضهم، ومنهم من قال، وقال بعض المتأخرين، ورأيت بعض المتأخرين، ومنهم من ذهب، فهي تتفاوت قوة وضعفًا.\nوتتلخص مصادره التي أفاد منها في الكتب التالية:\n١- كتب التفسير: وأهم هذه الكتب التي أمعن النظر فيها وأفاد منها، تفسير ابن عطية، فقد وقف على هذا التفسير وأدام النظر فيه وأفاد منه كثيرًا وكانت له عليه تعقبات صَرّح في بعضِ منها بذكر ابن عطية وتفسيره، ولوح إليه في بعض المواضع تلويحا كعادته في التأدب مع أهل العلم. ويلي هذا المصدر تفسير الكشاف للزمخشري، فقد أفاد من هذا المصدر يا المنافسة والتحليل ودقة النظر في توجيه المعاني، وكانت له عليه تعقبات في مواطن مختلفة من الكتاب، وعلى مسائل في النحو والتصريف واللغة والبلاغة ذُكِر بعضُ منها في هذه الدراسة.\nومن المصادر التي أفاد منها في التفسير كتاب أحكام القرآن لأبي بكر محمد بن العربي، وتظهر فائدة هذا الكتاب في الأحكام وحسن استنباطها.\nوهناك تفسير آخر أفاد منه في المسائل الفقهية هو تفسير القرطبي لكنه طوى ذكره فلم يأت له على ذكرٍ في هذا الجزء من تفسيره.\n٢- كتب الحديث: يتردد ذكر الموطأ وصحيح مسلم في هذا الجزء من تفسيره في الاستدلال على حكم فقهي أو حادثة مروية أو استشهاد على مسائل في النحو، ولا يبعد أن يكون قد أفاد من بعض المسانيد أو كتب السنن الأخرى.\n٣- كتب الفقه وأصوله: وردت مسائل فقهية وأصُوليّة عزا بعضًا منها إلى كتاب التلقين لعبد الوهاب المالكي في الفقه، ولم يذكر كتابًا بعينه في أصول الفقه لكنه عزا إلى علماء الأصول في الجملة، وأورد مسائل أصولية في مواضع مختلفة من تفسيره.\n٤- كتب النحو والتصريف: يزدد في هذا السفر من تفسير ابن أبي الربيع سيبويه وكتابه وأبو علي الفارسي وإيضاحه، وصاحب الكراسة، والخليل ويونس والأخفش","vol":"1","page":370},{"text":"والمازني والفراء، والزجاجي، وغيرهم من أئمة النحو، لكنه لم يذكر من مصادر هؤلاء إلا القليل مما تناهى إليه نظره واطلاعه الواسع في هذا المجال، الذي أولاه جلّ عنايته.\n٥- كتب اللغة: لم يُصرح إلا بالقليل النادر ومما يغلب عليه الجانب الصرفي، ولكنه من خلال شرح الغريب يتبيّن رجوعه إلى أمات المصادر فيها، فقد أورد إصلاح المنطق، ونسب إلى ثعلب في أكثر موضع، وقد تبين للبحث أنه أفاد من فصيح ثعلب ومجالسه وغيرهما.\n٦- وهناك مصادر هامة أفاد منها ابن أبي الربيع هو كتب القراءات المتواترة والشاذة، لكنه لم يعز إلى مصدر بعينه، وإنما عزا إلى أئمة القراءة المشهورين، ابن كثير، ويعقوب، وعاصم، وحمزة، والكسائي، ونافع، وقالون وورش، وغيرهم وتارة يكتفي بالِإحالات غير المسندة، كقوله ة وقرء في السبع، ولم يقرأ في السبع إلا بكذا، وقرء في غير السبع، ولعلّ السبب الذي حجب أكثر مصادره التي أفاد منها أنه كان يملي هذا التفسير من ذاكرته، وقد عاجلته المنية قبل إتمام هذا التفسير وتوثيق ما فيه من نقولات مرسلة وأقوال غير مسندة.","vol":"1","page":371},{"text":"حتى تكون المقدمة مفصلة لما احتواه التفسير، شارحة للنهج الذي ترسمه فيه، وما يتبع ذلك من ذكر الأهداف التي قصَد إليها ابن أبي الربيع من هذا التفسير.\nتبدأ اللوحة الأولى بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ثم يَشْرَعُ بعد ابن أبي الربيع في الِإعراب، مبتدأ بالخلاف بين البصريين والكوفيين في متعلق الجار والمجرور.. وتختم هذه النسخة- وهي الجزء الأول من الكتاب- بالكلام على قوله تعالى: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ) . (من الآية ١٢٨ في سورة البقرة) . وتنتهي الصفحة (٢٩٨) بقوله:\n(ولم نقل إنّ (أمة) معطوفة على (نا)، لأنه لا يفصلُ بين حرف العطف والمعطوف لا بالظرف ولا بالجار والمجرور إلا في الشعر، فوجه الكلام أن يقال: إنه منصوب بإضمارٍ..) .","vol":"1","page":373},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>النّصُّ المحقّقّ</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\nوَصَلّى الله على سَيّدنا محمد وعلى آلِهِ وصحبه وَسَلّم..\nبسم الله الرحمن الرحيم\nذهب البصريون إلى أنّ التقدير: ابتدائي بسم الله، فبسم عندهم خبر مبتدأٍ محذوف ١.\nوذهب الكوفيُّون إلى أنه في تقدير: أبدأ بسم الله ٢، والفعل الّذي لا يَصلُ إلاّ بحرف الجر يَضْعفُ حَذْفُهُ وقَدْ جاء ولكنَّه قليلٌ ٣، وأمَّا جَعْلُ المجِرورِ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ فكثير.\nوقد جاء بعضُ المتأخّرِينَ وذَهَبَ إلى أنَّهُ يجوزُ أن يكون المجِرور مُتعلّقًا بفعلٍ تدلّ عليه الحال، تقديره: أقرأ بهذا (٤) ٤وأكتب بهذا، على معنى مُسْتعينًا به، وقد يحذف الفعل لدلالة الحال عليه.\nوهذا لا يصحّ؟ لأنّ الحالَ لا تدُلُّ على الفِعْلِ حتّى يَصلَ بنفسه، لا تقولُ: بزيد، تريدُ مرّ بزيدٍ، وإن كان معك من الحال ما يدلّ على ذلك، وتقولُ لِمَنْ أشالَ سَوْطًا، أو أشَهَرَ سَيْفًا: زَيْدًا، على معنى: اضْرِبْ زيدًا. فالحالُ لا تَدُلُّ على الفِعلِ حتّى يكون\n_________\n١ينظر: إعراب القرآن للنحاس ١/ ١٢٦، ومشكل إعراب القرآن ١/ ٦، والتبيان في غريب إعراب القرآن ٣١/١-٣٢، لإملاء ما منّ به الرحمن ٤/١.\n٢ينظر المصادر السابقة، وتفسير الطبري ١/ ١١٤.\n٣هذا توهن من أبى الربيع لمذهب الكوفيين في المسألة، وترجيح لما قرره البصريون، وقد رد مكى ابن أبى طالب قول البصريين، وقرر ما فصب إليه الكوفيون، فقال: لأنه لا يحسنُ تعليق الباء بالمصدر الذي هو مضمر؛ لأنه داخل في صلته فبقى الابتداء بدون خبر.. ينظر مشكل إعراب القرآن ٦/١.\n٤قريب من هذا القول ما أصرفه الزمخشرى في الكشاف ٢٦/١-٢٧ ويغلب أنه المعني بهذا الرد بدليل ما ورد بعده من تفصيل في بيان متعلق الجار والمجرور في آية النمل (في تسع آيات إلى فرعون) وتوجيه ابن أبى الربيع لذلك.","vol":"1","page":377},{"text":"الفعلُ يَصِلُ بنفسِهِ، وكذلِكَ في باب الاشْتِغالِ لابُدَّ للفعل أنْ يصِلَ بنفسِهِ، لأنَّ حذْفَ الفعلِ الواصِلِ بحرف الجرِّ قليلٌ، لأنَّهُ لَيْسَ بقُوّةِ ما يَصِلُ بنفْسِهِ، ولا يَتصرَّفونَ لا الضّعيفِ تَصَرُّفهم في القويِّ من الإضْمارِ، لأنّهُم يقَولُون: بمَنْ تَمرّ؟ وبمَنْ مَررْتَ؟ فَيقولُ المسؤولُ: بزيدٍ، وهو على تقدير: مررْتُ بزيدٍ، لأنَّ هَذا وإن كانْ محذوفًا كأنَّهُ ظاهر، لأنّهُ مَكْنُونُ في السُّؤالِ، وَلَيْسَ هذا بمنزلة ما اسْتعملته الأحوال، ولا بِمْنزلَةِ ما حُذِفَ ليُفسّرِ.\nوأمّا/ قوله تعالى: (فِى تِسْعِ آيَاتٍ إلَى فِرْعَوْنَ) ١ فَقَولُهُ \"في تِسْعِ آياتٍ \" خبرٌ (٣) لمبتدأٍ محذوفٍ، أيْ هذه الآيات في تِسْعِ آياتٍ، فَقدْ نزّلَ منزلة قد أرْسَلْتُ أو تُرْسِلُ، فجازَ حذفُ الفعلِ هُنا وإنْ كانَ لا يَصلُ إلاَّ بحرفِ الجرّ، لأنَّهُ بمنزلة: بمَنْ مَرَرْت؟ فَتَقُولُ: بزيدٍ، ومعَ هذا كُلِّهِ لا يُنكَرُ حذفُ الفعلِ الواصلِ بحرف الجر، لكَنّه قليلٌ ولا يُحملُ عَليه ما قُدِّر على غيرِهِ.\nوالباء: مَعْناها الإلصاق ٢، وكانَ أصْلُها أنْ تكونَ مَفْتُوحةً لكِنّها كُسِرَت ليوافقَ لفظُها عَملَها ووضْعَها، فَعَمَلُها الجرُّ وَوَضْعُها أنْ تكُوَن مَوْصُولَةً، وَكُلَّ حَرْفٍ مَوصُولٍ فَهُو خَافِضٌ، وأمَّا كاف التّشبيه فقد تُوجَدُ اسمًا، لَيْسَ من شَرْطِ الاسْمِ أنْ يكُونَ خَافِضًا، فَلَيْسَتِ الكَافُ مُلَازِمةً أن تكُون مِن جِنْس ما تَخفِض..\nوأمَّا لاَمُ الجرِّ فَكُسِرتْ لِيُفَرّقَ بَيْنَها وبيْنَ لَامِ الابْتِداءِ في أرْبَعَةِ مَواطِنٍ:\nأحَدُهَا: الأسماء المبنيان، نحو: لَهذا زيدٌ.\nالثاني: الأسماء المقصوراتُ، نحو: لموسى عمرو.\nالثالث: الأسماء المنقُوصَاتُ للقاضي زيدٌ.\nالرابع: عند الِإضافةِ إلى ياء المتكَلِّم، نحو: لِكأبي عمرو.\n_________\n١سورة النمل آية: ١٢.\n٢ينظر الكتاب ٤/ ٢١٧.","vol":"1","page":378},{"text":"فَلمّا رَأَوْها مُلْتبِسةً لو بُنِيَتْ على الفتح بلام الابْتدِاءِ كَسَرُوهَا مُطْلَقًا إذا دخَلَتْ عَلى الظّاهِرِ ليجريَ مجرىً واحدًا.\nاسم: اخْتلَفَ البَصْرِيّون والكُوفيّونَ فيه:\nفذَهَبَ البُصْريُّونَ إلى أنَّهُ مِنْ سَما يَسْمو ١، وأن اللامَ فيه مَحُذوفَةٌ، وَهُوَ بمَنْزلَةِ ابن واست، واسْتَدَلُّوا على ذلِكَ بالجمع والتّصْغير، قالُوا في الجمع: أسْماءُ وفيَ الَتّصْغير سُمَيٌّ، وقَالُوا: سَمَّيْت فَرَدوا اللامَ فيها فَدَلَّ ذلِكَ على أنَّ اللّامَ هي المحذوفةُ.\nوَذَهَبَ الكُوفِيًّونَ إلى أنَّهُ مِن الْوَسْمِ٢، وَهُو العَلامة، وأنَّ فيه تقديمًا وتأخيرًا، وأمَّا أسماء وسُمِيٌّ فهُوَ مَقْلُوبٌ، وأصْلًهُ: وَسْمٌ ثمَّ أُخّرَتِ الْفَاءُ وَجُعَلِتْ مَكانَ الامِ، فقالوا: أسماءٌ /فقَالُوا: سُمَيّ.... (٤)\nوَقَوْلُ الكوفِيينٍّ أَقْرَبُ مِن جِهَة الاشْتِقاقِ، وَهُو مع ذلك ضَعِيفٌ من جهَةِ الْقَلْبِ.\nوَقَوْلُ البَصْريّينَ أقْرَب، لأنَّهُ لَيْسَ عِنْدَهم فيه قَلْبٌ والاسْمُ يُظْهرُ مسماة وَيصِير بحيث تَراهُ فالاشتِقاق فيه قَريب وَإنْ كانَ اشْتِقاقُ الكوفيين أقْرَبَ، إلاّ إنًّ هذا القُربَ مِن ادعاءِ القَلْبِ.\nوَحَذَفُوا الألَفَ من بِسْمِ اللَّهِ، لأَنَّهُمُ بَنَوْهُ على الاتصال، فَفَعلُوا ذَلِك لِكَثرةِ الاسْتعمال ٣، والأصْلُ أنْ تُكْتَبَ الأوائِلُ على حُكْمِ الابْتِدَاءِ، وتُكْتَبُ الأواخِرُ على حُكْمِ الْوَقْفِ، ألا تَرىَ قَوْلُهُ سُبْحانهُ: (سَبِّحِ اسْمَ رَبّكَ، (اقْرَأ باسم رَبّكَ) فهذا كُلُّهُ مَكْتُوبٌ بالألف على الأصْلِ وَلَمْ تُكْتبْ علىَ الاتّصالِ؛ لأنَّهُ لم يَكّثُرَ فيه الاسْتِعمالُ.\n_________\n١،٢ ينظر: معاني القرآن وإعرابه ١/ ٤٠، واشتقاق أسماء الله ٢٥٥، والإنصات ٦- ا، والتبيين١٣٢/١٣٨.\n٣حذفت الألف من اللفظ لقيام الياء مقامها، أمّا حذفها خطّا فلِلسّبَب الذي أورثه ابن أبى الربيع وغيره. ينظر معاني القرآن للفراء٢/١، ومعاني القرآن وإعرابه ٣٩/١-. ٤، وإعراب القرآن للنحاس ١/ ٤ ١ ١، وإعراب ثلاثين سورة ٤٤.\n٣يعزى هذا القول ليونس والكسائي والفراء وقطرب والأخفش. ينظر: اشتقاق أسماء الله الحسنى ٢٣.","vol":"1","page":379},{"text":"وَمِن الكُتَّابَ مَنْ يَمُدّ الباء، كأنّ تِلْكَ المدَّةَ عِوَضٌ مِن الألِفِ التي يَجِبُ أنْ تُكْتبَ. وَمِنْهُم مَنْ لَمْ يَمُدّ.\n\"الله، أصله: الإله (١) ١فحذفت الهمزة ليختص الاسم به سُبْحانُهُ؟ فإنَّ لاها يُقالُ في الْحَقِّ والْبَاطِلِ، وَكذلِكَ الإلَه، وأمَّا الله فمختصٌّ به سُبْحانهُ وَهُوَ المعبودُ حقًا.\nوَمِنهُم مَنْ ذهَبَ إلى أنَّهُ مِن الْوُلَهِ ٢، وَهو التّحّير فالعُقُولُ تَتَحّيرُ عن إدراكه سُبْحانُهُ ثم جُعلِتْ الفاءُ عَيْنًا ثُمَّ تَحَّركَتْ وقَبْلَها فتحة انقلبتْ ألفًا.\nوَمِنهم مَنْ قال: هُوَ مِن أَلِهَ ٣إذا تَحَّيرَ، وَهُوَ أقْرَبُ، لأنّهُ لَيْسَ عِنْدَهُم فيه قَلْبٌ. وُيمكِنُ أنْ يكُونَ مِن (لاهَ) ٤ يَلِيهُ إذا اسْتترَ، وقالوا تَأَلّهْ الرّجلُ يَتأَله مُشَتَقٌ مِن هذا، كما قالوا: بَسْمَلَ واسْتعاذ.\nوقالوا: يا أللهُ وادْخَلُوا يا على الألفِ واللامِ لأنّهُم اضطرّوا إلى النْداءِ وَلَم يكن إسقاط الألِفِ واللامِ لأنّهما لازِمَتانِ الاسْمَ عوَضٌ من الهمزةِ عِند مَنْ جَعلَ الأصلَ الإله، ولأنَّ هذا الاسْمَ لاَ يَخْتصَّ به سُبْحانُهُ إلا مَعَ الألفِ واللامِ.\nوَمِن العَرَب- وهُوَ الأكْثرُ- مَنْ يُسْقِطُ حرف النّداءِ ويَجعلُ الميم عَوِضًَا من حرف النداء، فيقول: الّلهُمّ، وَلَم يجئ في القرآن إلاَّ هكذا. (٥)\nولا في السُّنةِ إلا هَكَذا، وَهُوَ الأكْثرُ في كَلامِ العرب.\nونظيرُ إسْقَاطِ الهمزةِ وَجَعلِ الألفِ واللامِ عِوَضًا: النّاس، أصْلُهُ أناسٌ، قال امرؤ القيس:\n_________\n١يعزى هذا القول ليونس والكسائي والفراء وقطرب والأخفش. ينظر: اشتقاق أسماء الله الحسنى ٢٣.\n٢أنكر الزجاج هذا القول في اشتقاق لفظ الجلالة، وَممَا قاله في رفه: ولا تعرّج على قول مَنْ ذهب إلى أن مُشتق مِن وَلِهَ يوْله.. ينظر تفسير أسماء اللهّ الحسنى: ٢٥.\n٣، ٤ هذا لقول سيبويه كما في الكتاب ٥٩/٢، ٤٩٨/٣، قال الزجاجي في اشتقاق أسماء الله: والمذهب الثالث مذهب سيبويه بعد أن وافق الجماعة الأوّلين، قال: وجائز أن يكون أصله: لاه على وزن فعل، ثم دخلت عليه الألف واللام للتعريف، فقيل: الله. ينظر ص ٢٧ من اشتقاق أسماء الله.","vol":"1","page":380},{"text":"كبير أناس في بجادٍ مُزَمَّلِ ١\nوَيقلُّ حَذْفُ الهمزة هُنا، لا تَقُول: نَاسَ إلاَ قليلًا، فإذا دَخَلَت الألفُ واللامُ قُلتَ: النّاسَ، وَلا تقُلْ الأناس إلا قليلًا، قال الشاعر ٢:\nإنّ المناياَ يَطَّلِعْـ ... ـن على الأناس الأمنينا\nوهذا قَليلٌ. الأكْثَرُ في النَّاسِ مع الألفِ واللام سُقُوطُ الهمزة، والأكثر في النَّاسِ\nمَعَ عَدمِ الألفِ واللامِ ثبوتُ الهمزة، كأنَّ الألفَ والَلامَ عِوضٌ مِن الهمزةِ في الأكثر.\n(الرِّحمن): اسْمٌ خاصٌ به سُبْحانُهُ لا يَقَعُ على غَيْرِهِ، وفُعْلانُ يأتي عِندَ الامْتِلاءِ، نحو: غِضْبان وسَكْرانَ وَحَيْرانَ وكذلِكَ رحمن..\n(الرّحيم): مبالغةٌ في راحمٍ، والرّحمنُ على هذا أبلغُ مِن الرّحيَّمِ وَلِذلِكَ يُقالُ: رَحْمَنُ الدّنيا والآخرة، وَلَمْ يُقَلْ هذا في الرَّحِيم، وَجَعَلُوا الرّحِيم تابِعاَ للرحمن؛ لأنَّ الرَّحْمَنَ جَرَى مَجْرى الأسماء، والرّحيمُ لَيْسَ كذلِكَ، بل هُوَ باقٍ على صِفتِهِ وَجَرَيانِهِ عَلَى غيرهِ فَلِذَلِكَ قُدِّمَ الرّحْمَنُ على الرَّحيم.\nوَجَاءَ أبو القاسِم الزَّمخشريُّ وقال: هُوَ أكْثَرُ حُرُوفًا مِن الرَّحِيمِ، فَهُوَ لذِلِكَ أبْلَغُ فَهُوَ كالشقدفِ وَالشُّقُنْدافِ ٣.\n_________\n٤صدره: كأنّ أبانا في أفانينَ وَدق.\nالبجاد: كِساءُطَ مخطّط. المزَمّل: الملتِففُ. وجاء المزَمّلُ في البيت مجرورا لمجاورته لكلمةٍ مجرورة هي \"بجاد\" كما قالوا: هذا جحر ضب خربٍ بجر خرب لمجاورته لضب، ومقتضى سوق الكلام أن يكون مزمّل بالرفع لأنه صفة لكبير، وكبير مرفوع لأًنه خبر كأنّ. والبيت في ديوان امرئ القيس ٢٥، والكامل ٨١٥/٣، وشرح القصائد السبع الطفل الجاهليات ١٠٦، والإفصاح ٣١٨.\n٢ هو الملك ذو جدين الحميري كما في المعمرين ٣٣، وخزانة الأدب ٢٨٧/٢، وشرح شواهد الشافية ٢٩٦. والبيت في مجالس العلماء ٧ غير منسوب، والخصَائص ٣/ ١ ١٥، وأمالى ابن الشجري ا/ ١٩٣/٢.\nوالشاهد إثبات الهمزة في كلمة الأناس مع الألف واللام وهو قليل.\n٣النص في الكشاف١/٤١ بتصرف يَسير.. والشقدف مركب مراكب العرب، وهو الحمار، أمّا الشقنداف فليس بعربي. ينظر القاموس ش. دف والمعجم الوسيط ١/ ٤٨٨","vol":"1","page":381},{"text":"وَهَذا كُلّهُ لَيْسَ مِنْ طَرِيقِ كَلام العَرَب؟ ألا تَرى أنَّ فَعِلٌ، نحو: حَذِر أَبْلَغُ مِن حاذر وَإنْ كانَ أقلَّ مِنهُ حُرُوفًا، وإنَّماَ الأمرُ على ما ذكرت لَكَ- والله أعلم-.\nوهذِه الصّفاتُ جَارِيةٌ على اسْمِهِ تَعالَى وَهُوَ اللَّهُ، فهذا هُوَ اسْمُهُ وَمَا عَدَاهُ جارٍ عَلَيْهِ؟ لأَنَّ لَهُ مَعنىً زائدًا على الذّاتِ، فالرّحْمنُ فِيهِ الرَّحْمَةُ، والْعَلِيمُ يَدُلُّ على الْعِلْم والكَرِيمُ يَدُلُّ على الكَرَمَ والعزيز يَدُلُّ على العِزّةِ، والقَاهِرُ يَدُلُّ على القَهْرِ، فهذه صفاتٌ. جارية على الاسْمِ، وهو ما ذَكَرْتُهُ.\n(الحمْدُ لِلَّهِ): قال سيبويه: هذا لا يُستعْمَلُ إلا في حقّه سُبْحانَهُ إذا أَردْتَ العظمَةَ، فإنْ أرَدْتَ بالألف واللام شيئًا مَخْصُوصًا كما تقول: هذا الثّناءُ على فلان إذا سمِعْتَ شَخْصًا يُثْنيَ عَلَيْهِ، فهذا يكَونُ في غيره سبحانَهُ، فإنْ أرَدْت معنى العظمة فهو مختصٌ به ولا يقالَُ في غيره. وما تَجِدْهُ لِبَعض المولِّدِين فَهُوَ تعنّتٌ وإجراءٌ لِلشيءِ على غير ما أجرته العرب.\nقال ثعلبٌ: حمدِت الرّجلَ إذا شكرت له صنيعه، وقال سيبويه وقالوا:: حمدِتُهُ جزيْتُهُ وقضَيْتُهُ حقَّهُ.\nفهذا يَدُلّ على أنّ الحمْدَ والشّكْرَ معناهُما واحد في أصل اللغة، إلا إن العرف خصّصَ الحمد بالمدْحِ ولا يكونُ إلا باللّسانِ، والشكر خصّصَهُ بالجزاء، فيقال على ثلاثة أوجه:\nتقول: شكرت الرّجل إذا شكرته بلسانك.\nوتقول: شكرت الرجل إذا خدمته بإعطائك.\nوتقول: شكرت الرجل إذا اعتقدت أنه قد أحسن إليك، قال الشاعر١:\nأفادتكُمُ النّعماءُ مِنّي ثلاثةً ... يَدي وَلِساني والضَّمِيْرَ المُحَجَّبا\n١البيت من شواهد الزمخشري في الكشاف ٤٧/١ ولم يعزه، وأورده السمين الحلبي في الدر المصون ٣٦/١\nولم يعزه، والشاهد فيه قوله يدي ولساني والضمير حيث أفادت هذه الكلمات الثلاث معنى الشكر في معانيه الثلاثة، فاليد كناية عن العطاء، ولساني كنّى بها عن الشكر، والضمير كناية عن الاعتقاد.","vol":"1","page":382},{"text":"وقال تعالى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا) ١ فتراه واقعًا على العمَلِ.\nفالشّكْرُ على هذا أعَمُّ مِن الحمْدِ، لأنّهُ يكون باللّسانِ وغَيْرِهِ والحمدُ لا يكون إلا باللّسانِ، والحمدُ أَعَمُّ مِن جِهَةٍ أُخْرى، لَأنَّك تحمَدُ على ما فُعِلَ مَعكَ وعلى ما فُعِلَ مَعَ غَيرِكَ، والشُّكرُ إنَّما هُو خاصٌ بما فُعِلَ مَعكَ، لأنَّ شَكَرْتُ بمعنى جازَيْتُ في العرف. وأصلُ الحمد والشّكر في اللّغة أنْ يَكونا لشيءٍ واحدٍ كما ذكرْتُ لك عن سيبويه وثعلب، وهو مُبتدأٌ \"لِلَّهِ\" هو الخبر، والمجرور إذا وقعَ خبرًا أوْ صفةً أوْ صلة تَعلّق بمحذوفٍ لا يَظَهرُ. وسيأتي الكلامُ في قوله تعالى: (فَلَمَّا رآه مُسْتَقِرًّا عِندَهُ) ٢ إنْ شَاء الله ٣.\nوالأكثرُ في الحمدِ الرَّفعُ؛ لأنَّه مَعْرفَةٌ، ويَجوزُ النّصبُ، وإذا كانَ نكرةً فالأكْثرُ فيه النّصبُ، وجاء على طريقة الإخبار كأَنًّ الشيّء قد وَقَعَ والمراد به بالإنشاء وهذا مذكورٌ في كتابِ سيبويه، إلَّا أنّ القُراء لم يقرأه إلا بالرفع، لأنّهُ كلّهُ يصحّ.\nوهُناك قراءةٌ نقُلَت، وهي شاذة فيها الاتباع، اتباع الدّالِ اللامَ ٤، واتباع اللاّم للدّالِ ٥، ومنها النصبُ ٦في الحمد لِلَّهِ.\n\"رَبّ العالمين\": رَبّ وَزْنُهُ فَعِلٌ بِكَسْرِ الْعَين، وَالأصْلُ: رَببَ ثم أُدْغِمِ وَلَيْسَ أصْلُهُ فَعْلًا بسكُونِ العَين، لأَنّهم قالوا في الجمْعِ أَرْبابُ، وَلَيس الأصْلُ فَعَلا بفتحِ العين؛ إذ لو كان كذلِكَ لم يُدْغم أَلا ترى الطّلَلَ والشّرَرَ لم يًدْغما، وَلَيْسَ الأصْلُ فَعُلاَ بضم العن، لأن هذا يَقِلُّ في الصّفاتِ، وفَعِلٌ بكَسْرِ الْعَين يَكْثُرُ فيها، قالوا: حَذِرًا وبَطِرًا، وأشِرًا وعُثِرًا، وهو كثيرٌ، ولا ينبغي أن يُحْمَلَ على الأقَلَِّ ما قدرت على الأكْثَرِ.\n_________\n١سورة سبأ آية: ١٣١.\n٢ سورة النمل آية: ٤٠.\n٣ هذا ما كان يأمله ابن أبى الربيع في إكمال هذا التفسير، لكنَّ المنية عاقته قبل إتمامه، فقد وقف به العمل عند آية المائدة -١٠٩ يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم.. .\n٤هي قراءة زيد بن على، والحسن البصري. ينظر المحتسب ا/ ٣٧كل، ومختصر شواذ القراءات: ا.\n٥قرأ بها إبراهيم بن عبلة، المصدران السابقان، وإعراب شواذ القراءات ق: ٣.\n٦قرأ به رؤية كما في شواذ القراآت لابن خالويه:١.","vol":"1","page":383},{"text":"وقَولُ منَ قالَ: إنَّه وَصْفٌ بالمصْدَرِ (١) ١، فيه بُعْدٌ، إذ لو كان كذلك لم يُثنّ ولم يُجْمَعْ، وَمَنْ ثنّى مثل هذا في المصَادر ثنَّاهُ على القياسِ في فعل أفعل، وذلِكَ نحو: كَفٍّ وَأكفَّ، فكونُهُ قَدْ جُمِعَ على أرْباب يَدُلُّ على بُعْدِ هذا القول.\nوُيقالُ: رَبّهُ يَرُبّه إذا مَلكهُ، ويقال: رَبَّهُ يَرُبّهُ إذا أصْلُحَه. وًيصْلُحُ في رَبَّ هُنا أنْ يكُون معناه الصّلاح ومعناه الملك، لأنّهُ سُبْحانُهُ الّذي يَمْلِكُ العَالمَ والّذي يُصْلحُ العالم.\nوقد نُقِلَ: \"لأن يَرُبّني رجُلٌ من قُرَيشٍ خَيرٌ مِنْ أنْ يُرُبَّنِي رَجلٌ من هوازن\" ٢.\nفَيُحتَمل الملكُ ويُحتَمَلُ الصّلاح، ويكُونُ صِفةً، وَيَجوزُ أن يَكُونَ بدلًا لأنَّهُ اسْتُعْمِلَ\nاستِعْمَالَ الأسماء.\nوالرَّبُّ بالإضافةِ مُختَصٌّ به تَعالى، وَإِذا أطْلَقُوهُ على غيرِهِ أطْلَقُوهُ مُقيّدًا، نحو: رَبِّ الدّارِ، وَرَبّ الأرْضِ، وما أشبَهَ ذَلِكَ، وُيطْلَقُ عليه تعالى مُطْلَقًا ومُقيَدًا ومضافًا.\n/ (العَاَلمِين): فَاعَل بفتح العين لا يكُونُ في الصّفاتِ وَيَكُونُ في الأسماء قليلًا، وأكثر ما يوجد هذا البناءُ في الفعل إذا أردت أنَّهُ فُعِلَ بكَ مثل ما فعَلْتَهُ به، نحو: ضَارَبَني زيدٌ وضارَبْتُ زيدًا، وقاتَلْتُهُ. وَقَدْ يأتي على غَيْرِ ذلك، قالوا: عَافَاكَ اللَّهُ، وَدَاينْت زَيْدًا، وهذا قَليلٌ.\nوإذا صَحّ ما ذَكْرتُهُ فالْعَالَمُ اسْمٌ لا صِفَةٌ، وَهُوَ اسْمٌ لِكلِّ مَخْلُوقٍ، لأنَّ المخْلُوقَ يَدُلًّ على خالقِهِ، فَقَدْ صارَ عَلامَةً تَدُلُّ عَلَيْهِ سُبْحانُهُ، فاشْتِقاقُهُ مِنْ هَذا (٣) ٣. وَقَدْ قيلَ: إنَّهُ\n_________\n١القول للزمخثري كما في الكشاف ١/ ٥٣.\n٢القائل صفوان بن أمية يوم حنين لأخيه أبى سفيان، حين قال أبو سفيان: غلبت- والله- هوازن.. فأجابه صفوان بفيك الكثك، لأن يربني رَجل.. وقريب من هذا ما قاله ابن عباس في ضأن ابن الزبير وعبد الملك بن مروان: وإن كان لابدّ لأن يَربُّني رَجل من بني عمى أحبّ إلىّ من أن يربّني غيره. ينظر فتح الباري ٨/ ٣٢٦، والمحرر الوجيز ١/ ٠٤ ا-١٠٥، وتهذيب اللغة المضعف من حرت الراء١٥/ ٧٦ ا_٨ ١٧.\n٣يريد أنه مُشتق من العلامة، لأنّ المراد بالعالم جميع ما خلق الله، لظهورهم وظهور أثر الصنعة فيهم. ينظر: اشتقاق أسماء الله ٥٨-٥٩، والمحرر الوجيز ١/ ١٠٥، والفريد في إعراب القرآن المجيد ١/ ١٦٥.","vol":"1","page":384},{"text":"مُشْتَقٌ مِن العِلْم١، لأنَّ مَنْ نَظَرَ فِيهِ تَحَصَّلَ لَهُ الْعِلمُ بحُدُوثِهِ وافتقاره إلى موجده، والاشتقاق الأوّل أقرب.\nوقد قيل: إنّ العالم إنما هو لأهل العلم من الملائِكةِ والثّقلَين: الجن والإنس، والقولُ الأوّل أشهر.\nفإن قُلْتَ: فكيفَ جُمعَ بالوَاوِ والنّونِ وليسَ بِعَلمٍ في الأصل وَلا وَصْفٍ؟\nقُلْتُ: هو وإنْ لم يَكُنْ وَصْفًا ففيه مَعنى الوصْفِ، ويمكن عندي أن يكون عالمٌ علمًا، وتكون عَلَمِيَّتُةُ علميّة الجنس، ثمَّ نُكِّرَ ودَخَلَتْهُ الألف واللام عند الجمع والتثنية، كما قالوا: الزيدان، وجمع بالواو والنون وإن كان فيه مالا يعقل، غَلّبوا مَنْ يَعقلُ على مَنْ لا يعقلُ، وهذا على مَنْ جَعلَهُ اسمًا لكلّ مُحدثِ ة وأَمَّا مَنْ جَعلُهُ مختصًا بأهل العلم فلا سؤال فيه.\nوقد تقدّمَ أنَّ الأوَّلَ هُو المشهورُ، وهو الوقوعُ على كِّل مُحَدثٍ عاقلا كان أو غَيْرِ عاقل.\n(مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ): قرأ عاصِمٌ والكسائي (مالِكِ يَوم الدّينِ) . ٢فَيمكِنُ أنْ (مَلكِ) بمعنى مالِك، كما قالوا: حَذِرٌ بمعنى حاذِرٌ، ويكوَن مِن المِلْكِ بكسر الميم، ويكونُ قد أضيف إلى يوم الدّين بعد ما انتصب يومَ الدّين نَصْبَ المفعول به على جهة الاتّساع كما قال:\nطبَّاخ سَاعاتِ الكَرَى زاد الكَسَلْ ٣\n_________\n١على هذا يكون المقصود ذوى العلم من الملائكة والثقلين. ينظر المصادر السابقة.\n٢القراء هنا بألف بعد الميم على وزن فاعل، وقول ابن أبى الربيع: ويمكن أن يكوِن \"مَلك، بمعنى مالك-. يريد أنه صيغة مبالغة ليسوغ معه نصب المفعول به. ينظر القراءة المذكورة وتوجيهاَ لها في السبعة في القراءات ٤ ٥ ١، والحجة لأبى على ١/ ٧-٥ ١، والحجة لابن زنجله ٧٧-٧٩.\n٣البيت لجبارة بن جزء بن ضرار كما في شرح أبيات سيبويه لابن السيرافي ١/ ١٢، ويشرح أبيات الإيضاح لابن برى ١٦٨، ونسبه سيبويه في الكتاب ١٧٧/١، والمبرد في الكامل للشيخ ١/ ١٩٩، وكذا نسب في ديوان الشك ١٠٩.","vol":"1","page":385},{"text":"على نصب \"زَادَ\"، وَأَمَّا/ مَنْ خفض (زادِ الكسل) فَيكونُ سَاعاتُ ظَرْفًا على أصْلِهِ، وَفُصِلَ بين المضافِ والمضافِ إليه في الشّعْرِ، كما قال: ١\n............ ... ... ... ... لِلّهِ دَرُّ الْيَوْمَ مَنْ لامَهَا ٢\nويكونُ الأصْلُ: مالِكًا يَوْمَ الدّينِ، أيْ في يَوْم الدّينِ، ثم انتُصِبَ على أنَّهُ مَفْعُولٌ به على الاتِّساع كَما ذَكَرْتُ لَكَ.\nوَلا تُتَصَوَّرُ الِإضافَةِ وَهُو باقٍ على أصْلِهِ، لأنَّ الظّرْفَ في تَقْدِيرِ حرف الجرِّ، أَلا تَراهُ إذا أُضْمِرَ عَادَ إليهِ حَرْفُ الجرِّ فكأن حرف الجرِّ مُوُجُودٌ.\nولا يُفصَلُ بين المضاف والمضاف إليه بحرفِ الجزِ إلا باللام خَاصّة في بابين: باب ٣النداء وباب النّفي بلا ٤.\nوُيمكِنُ أنْ يكونَ مَلِكَ من المُلكِ في مالك، لَأن فَعِلَاَ من أَمْثلَة المُبالَغَة.\nوُيمكِنُ أن يكونَ مَلِك من المُلكِ ومالكًا مِن المِلك بكسر الميم، فَقيلَ: مِلكِ يوم الدّين والمراد مَلِك أَوْ مالِكَ النّاسِ.\nولا يُتصَوّر أنْ يكون يوْمَ الدّين قد نُصِبَ نَصبَ المفعول به ومَلكَ من المِلْكِ، وإنّما يُتصَوّرُ هذا إذا كان مَلِك مبالغة في مالك ث لأنَّ المفعولَ به تنصبه الصّفاتِ كاسمِ الفاعلِ وَأَمْثِلَة المُبَالَغَةِ، وتكونُ الإِضَافَةُ على تَقْدِيرِ: مَلِك أصْحابَ يوم الدّين والَّذي يَظْهَرُ- والله أعْلَمُ- أنَّ مَلِكَ مُبالغة في مالِك، وَتَكُونُ القراءتان ٥متّفقتينِ، واسمُ\n_________\n١هو عمرو بن قَمِيئة كما في ديوانه ١٨٢ والكتاب ١/ ١٧٨، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٣٦٨.\n٢ صدر البيت: لما رأتْ ساتيدَمَ اسْتعْبَرتْ..\n٢والشاهد قوله: \"در اليومَ مَنْ لامها\" حيث فصل بالظّرفِ اليوم بين المضاف درّ والمضاف إليه مَنْ، وتركيب الكلام قبل الفصل لله درّ مَنْ لامها.\n٣وقد استشهد له ببيت النابغة:\nقالت بنو عامرِ خالوا بنى أسد ... يا يؤس للجهل ضرارًا لأقوام\n٤كقولهم: لا أبا لك. لا أمَ لك.\n٥في الأصل: القراءتين.","vol":"1","page":386},{"text":"الفاعلِ إذا كان بمعنى الماضي وأُضيف إلى المعرفة تعرّف، وإذا كان بمعنى الحال والاستقبال وأُضيفَ إلى المعرفة كان على وجهين: على التّعريف، وعلى التّخفيف، وتكون هناك الِإضافةُ على التّعريف ة لأنَّهُ جارٍ على المعرفة.\nوجَاءَ بَعضُ المتأخِّرينَ وَقَالَ: إنّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كان بمعنى الحالِ والاسْتِقْبالِ فلا تكونُ إضَافَتُهُ إلَّا غَيرَ مُعَرّفة، وَتَكُونُ غيرَ مَحْضَة وَإنّما تَكُونُ للتخفيف ١.\nوهذا القَوْلُ فاسِدٌ، والصَّحِيحُ ما ذَكَرْتُه أوَّلًا، وهو أنَّ اسمَ الفاعِل إذا كانَ بمعنى الحالِ والاستقبال فَلَهُ إضافتان، إضافة تَعْريفٍ وإضافَةُ تخفيف ٢. والّذي يُضافُ وَلا يَتعرّفُ أبدًا بالِإضافة الصفةُ المشبهة باسْمِ الفاعلِ خاصّةً وَلا يَتعَرّف إلّا بالألف واللام.\nوجًاءَ (مَلِك يوم الدّين) على طريقة: نهارُهُ صائِمٌ وَلَيْلُهُ قائم في الاتِّساع لَمّا كان فيه نُسِبَ إليْهِ إمَّا بالفاعِليّة وإمَّا بالمفعُولِيّة على جِهَةِ الاتِّساعِ.\n(الدّين): الجَزاء، وَوَزنُهُ فِعْلٌ، ويمكن عند سيبويه أَنْ يكُونَ وزْنُهُ فُعلا وَرُدَّت الضّمَةُ كَسْرةً لمكان الْياءِ. يُقالُ: دِنْتُهُ بما صَنَعَ إذا جازيتُهُ، وُيقَالُ: كَما تْدِينُ تُدانُ، وَكَما تُجازِي تُجازَي.\nوَلَمْ يُقْرأْ في السَّبْعِ إلَّا بالخفْضِ، وَقَدْ قُرِىء في الشّاذ بالنّصب ٣والرَّفْعِ على القَطْع ٤، تنصبُهُ بإضمار فِعْلٍ أو تَرْفَعُهُ بإضمار المِبْتَدأ، وَلَا يَظْهَرُ الفِعْلُ ولا المبتدأ،\n_________\n١ما ذكره ابن أبى الربيع هو ما ذهب إليه الزمخشرى في الكشاف ١/ ٥.٥٧، وقد أخذ به كثر المتأخرين،\nقال ابن مالك في الخلاصة:\nوَإِنْ يُشابهِ المضاف يفعلُ ... وصفًا فعن تنكيره لايُعَزلُ\n٢هذا ما قدره ابن أبى الربيع في البسيط ٢/ ٤٠ ١٠، والكافي ١/ ٣٠٦، وفي الكتاب لسيبويه ١/ ٤٢٨ ما يدل على ما ذهب إليه ابن أبى الربيع فيما نقل عن الخليل ويونس في الصفات المضافة..\n٣قرأ بالنصب أبو هريرة، وعمر بن عبد العزيز وبألف بعد الميم \"مالِكَ \" وبدون ألف \"ملك \" قراءة أبى حيوة، وَخُرِخت الأولى على النداء، يا مالكَ، وأمّا الثانية فخرجت على إضمار فعل. ينظر مختصر شواذ القرآن لابن خالوية: ا، والمحرر الوجيز ١/ ٠٦ ا-١٠٧، والبحر المحيط ١/ ٣٦- ٣٧.\n٤ينظر المصادر السابقة، وإعراب القراءات الشاذة ١/ ٣٤.","vol":"1","page":387},{"text":"لأنَّ الصفَةَ لِلْمَدْحِ والتّعظيم، وكذلِكَ (الرَّحمنُ الرَّحيم) قُرِىء في الشَّاذِّ بالرّفْع والنصب (١) ١على حَسْبما ذَكَرتُ لَك. وَكَذلِكَ (رَبِّ العالمين) قُرِىء في الشّاذِّ بالرّفع والنّصب، ولم يُقْرَأْ في السّبعِ إلا بالخفض.\nوَقد قُرِئ (مَلَك يومَ الدّين) جَعَلَهُ فِعْلا ٢. والمعنى في هذا كُلِّهِ مَلكَ الخلْقِ يومَ الدّين، وَمَلَك الأمْرَ يومَ الدّين لَكِنّهُ جَعَلَ الدّين هُو المملُوكً على جِهَةِ الاتِّساعِ.\nوَقَدْ يمكنُ أن يكون معنى مَلِك يومَ الدّينِ ومَالِك يوم الدّينِ على مَعَنى أبَرزَهُ وَأَوْجده، والأوَلُ أبْيَنُ.\n(إِيّاكَ نَعْبُدُ): قال سِيْبَويهِ: إيّا هُوَ المُضْمَرُ المنْصُوبُ المنفَصِلُ، وما يَلْحقُهُ حُرُوفٌ تَجرِي مَجْرَى الكَافِ في رُويدَكَ ة إذ الضمير مُسْتَترٌ في جِميعِ الأحْوال، فجرى إيّاكَ مِنْ حَيْثُ كَانَتْ ضمِيرَ منْصُوبِ مجْرى الضمير المسْتَتر في رُوْيدَكَ لَمَّا احْتِيَجَ إلى بَيَانِهِ بالكافِ وبِالكافِ يَقَعُ الفصلُ بًين المذَكِّر والمؤَنَّثِ والمفْرَدِ والمثنّى والجمْعِ، وكَذلِكَ إيَّا، لماَّ كانَتْ تقع لِلمُذكّرِ والمؤَنَّثِ والمفْرَدِ والمثنى والجمْعِ والغائِب والمتكلّم والمخاطَبِ إذا كان مَنْصُوبًا قَرَنوا إيَّا بالكافِ والْهَاءِ والْيَاءِ ليزيل الإشْكًال ٣، وفيها هُنا معنى الاختصاص، أَيْ لاَ أعْبُدُ غيرَكَ، كما حُكِىَ عنِ العَرَب:\nإِيّاكِ أعني واسْمَعي يا جَارَه ٤\nوالمعنى لا أعْنِي غيره.\nوالتّقْدِيْمُ يكونُ على هذا اْلمعَنى في المبتدأ، قال سُبْحانُهُ: (إِنَّهُ هُوَ يُبْدِىءُ وَيُعِيدُ) ٥ أيْ لا يُبْدِىءُ غَيْرهُ، ولا يُعيْدُ، أي هُوَ الّذي اخْتَصَّ بهذا.\n_________\n١ينظر المصادر السابقة، وإعراب القراءات الشاذة ١/ ٣٤.\n٢ تعزى هذه القراءة لعلى بن أبى طالب، وأنا بن مالك، ويحيى بن يعمر.. ينظر المصادر السابقة.\n٣هذا توضيح لما أجمله سيبويه في الضمير إيا وليس الكلام هنا هو نص سيبويه كما يفهم من صنيع ابن أبى الربيع في هذا الإسناد، ينظر الكتاب ٣٥٦/٢-. ٣٦.\n٤هذا توضيح لما أجمله سيبويه في الضمير إيا وليس الكلام هنا هو نص سيبويه كما يفهم من صنيع ابن أبى الربيع في هذا الإسناد، ينظر الكتاب ٣٥٦/٢-. ٣٦.\n٥سورة البروز آية: ١٣.","vol":"1","page":388},{"text":"وَقدْ يُحمَلُ التّقديمُ أنْ يكُونَ للتَّعْظِيمِ، وَقَدْ يكُونُ للاعْتناءِ، وقد يَكُون للتّصرّفِ، وبَيانِ قوَّةِ العَامِلِ، وَقَدْ يكُونُ للاختِصاصِ، وهذا المعنى يتمحضّ في النّكِرة، تَقُولُ: شرٌ أَهَرَ ذا نابٍ، أي ما أهَرَّ ذا نابِ إلا شرٌ، وَتَقُولُ: شئ ما جَاءَ بكَ، مَعناهُ ما جاءَ بكَ إلا شيء. والتّقدْيمُ هُنْا لاَ يَكونُ إلا على هذا المَعْنىَ، لأنَّ المبَتدأَ نكِرةٌ وَلا يبتدأ بَالنّكِرِة إلا في مَواضِع، مِنْها الاخْتِصاص.\nوفي هذا الخروج من الغيبة إلى الخِطَاب، وَلَوْ جَرَى على أوَّلِ الْكَلامِ لَكان أيّاهُ نَعبًدُ وإيَّاهُ نَسْتَعِين، لَكِنّهُ انتقلَ من الغيَبة إلى الخطاب، وهذا من فَصِيحِ كَلامِ العَرَب، قال امْرُؤُ القيسِ:\nتَطاوَل ليلك يالإثْمِدِ ... وَنامَ الخلِيُّ وَلم ترقدِ ١\nفَهذَا عَلى الخِطَابِ، ثُمَّ قال في البيت الثاني:\nوباتَ وبَاتَتَ لَهُ لَيْلةٌ ... كَلَيْلَة ذي العائر الأرمد\nفانتقل من الخطاب إلى الغيبة، ثم قال في البيت الثالث:\nوذلِكَ من نبأٍ جاءني ... وَخبّرتُهُ عن أبي الأسود ٢\n/ انتقل إلى المتكلم، وُيسمىَّ هذا الالتفات، وَهُوَ كَثِيرٌ في القرآنِ.\nقال تعالى: (حَتَّى إِذَا كُنتُمْ في الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بهِم) ٣، انتقل من الخطَاب إلى الغيبة، وَهُو كثِير في القرآنِ، وهذا من فصيح كلام العرَب كما ذَكَرْتُ ذَلِكَ، وُيمكِنُ أنْ يَكُونَ على إيَّاكَ يا مَنْ هذه صِفَاتُهُ، أُعبدُ لأِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ الصّفات، وَهِي صِفَاتُهُ تعالى لا يشاركُ فيها، قالت بعده: إيَّاكَ يَا مَنْ هذه صِفَاتُهُ أعْبُدُ.\n_________\n١،٢ بيت الشاهد مع ما تلاه في ديوانه ١٨٥، والكشاف ٦٤/١، والبحر المحيط ٤٣/١، والدر المصون ٥٧/١-٥٨.\nوالخلى: مَن خلا باله من الهموم، والعائر: قذى في العين، تمجّهُ العين عند شدة الألم، وربما يكون الرّمد المعروف.. ومراده بالنبأ هو مقتل أبيه\n٣سورة يونس آية: ٢٢.","vol":"1","page":389},{"text":"وفي \"إياك\" قراءات، منها:\nهيّاك أبدَلَ من الهمزة هاءٌ ١.\nومنها: أيَاك بفتح الهمزة ٢.\nومنها: إيَاك، بكسر الهمزة والتّخفيف ٣؛ وهذه كلُّها لم يُقرَأ بها في السّبع.\nومعنى نَعْبُدُ: نَتَذَلّلُ، يُقالُ طَرِيْقُ مُعَبَّدة إذا كان يسار عَلَيْها كثيرًا، والمعنى: مُذَلّلٌ ثم قالَ جلَّ ذكْرُهُ: (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينَ) .\nمعنى نستعين نَطْلُبُ العَوْنَ على عبادَتِك، وقُدِّمت العبادةُ على الاسْتِعَانة، ِلأنّ الاسْتِعَانَةَ يُتَوَسَّلُ بها إلى العبادة فَهِيَ أَوْلَى بالتّقديم، وَكُلَّ فِعْلٍ مُضارِعٍ أَوَّلَ ماضِيه أَلفِ وَصْلٍ لَك أَنْ تكْسِرَ حرفَ المضارع منه عَدَى الياء فإنها لا تُكسرُ، فتقولُ: أنا إِنطَلِق، وأَنْتَ تِنْطَلِق، وَنحنُ ننْطَلِق، وَلاَ تَقولُ هذا في الياء، وكذلِكَ كلّ فعلُ مُضَارِعٍ ماضيه على فَعل لك أن تكسر أَوّلَ المضارع منه عدا الياء، وبيان علة ذلك في العربية ٤.\n(ونَسْتَعِين): اعتل لأِن ماضيه قد اعتل بالحمل على الثلاثي، وأصله، \"نَسْتَعْوِن\" ثم أعل بنقل حركة العين إلى الفاء وانقلبت الواو للكسرة التي قبلها، وهذا الاعتلال مُطّردٌ قياسيٌّ في هذا النّوع وما جرى مجراه، فإنْ جاء صحيحًا فعلى غير قياس، نحو: اسْتنوقْ الجمل، واسْتَسْيَسَت الشّاة، فهذا يحفظ ولا يقاس عليه، وسيأتي الكلام في مصدر نستعين وفي اعتِلاله وفي المحذوف بعد إن شاء الله.\n_________\n١القراءة لأبى الثوار الغتوى كما في المحتسب ٣٩/١، ومختصر شواذ القراءات: ا، والمحرر الوجيز ١١٧/١.\n٢قرأ بها الفضل بن زياد الرقاشي. المصادر السابقة.\n٣هذه القراءة تعزى لعمرو بن فائد في المحتسب ١/ ٤٠، ومختصر شواذ القراءات: ا.\n٤ العلة في ذلك هي ثقل الابتداء بالياء مكسورة في الفعل المضارع، ومع هذا فقد أورده سيبويه على أنّها لغة، قالوا في حبّ: يحبًّ، حق علم يعلمُ وأكثر ما جاء هذا في المثال الواوي الذي ماضيه على فعِل بكسر العين، نحو: وجع يجع، ووجع يجع، ومنه قول متم بن نويره:\nقعيدك ألا تسمعيني ملامة ... ولا تنكىء جرح الفوءاد فَييجعا\nينظر الكتاب ٤/ ٠٩ا-١٢٠، والمصنف ١/ ٢٠٥ ط ٢٠، وشرح عيون سيبويه ٢٦٢.","vol":"1","page":390},{"text":"/ قوله (إهْدِنا): لمّا قال سبحانه (إِيَّاكَ نَعْبُد) والعِبادة تحتاج إلى وجوهٍ أربعة بها تكتمل العبادة:\nأحدها: اعتقاد صحيح غير فاسد.\nالثاني: أن يكون على مقتضى الشرع، لأن العبادة لا تؤخذ بالعقل.\nالثالث: حسن النية فيها فالصدق والِإخلاص، قال تعالى: (مُخْلِصيِنَ لَهُ الدين) .\nالرابع: الدوام والبقاء عليها وألّا ينتقل وَيتغْير، وهذه الأربعة لا قدرة لأحدِ عليها إلّا به، فجاء بعد هذا (إياك نستعين) ومعنى \"نَسْتعين\" نطلبُ عونك على العبادة بهذه الوجوه الأربعة. وهذا إِنَّما يكُونُ بهدايته سُبْحانُهُ،، فَمِنْ أجْل هذا جاء: (اهْدِنَا) بَعْدَ (نَسْتعين)، فعَلى هذا يكُونُ: (اهْدِنَا) بمعنى أرشِدْنا وَبيَّن لنا، ويكُونُ: أو اهْدِنَا! هو بمعنى: ثَبّتْنا. وَقَدْ جَاءَ هَذا وهَذا مَنْقُولَين عَنِ السَّلَفِ، وُيمكِنُ أَنْ يَكُونَ (اهْدِنَا) رَاجعًا لهَا كُلَّهَا، أيْ بَيّن لَنا وأرْشِدْنا، وثَبِّتْنا- والله أَعَلَمُ-.\nوهَدَى فِعلٌ يَتَعدَّى إلى وَاحِدٍ بَنِفْسهِ وإلى آخَرَ بحرْفِ الجرِ، وذلِكَ الحرفُ يكُونُ إلى وهو الَأكْثرُ، ويكونُ اللّامُ، قال تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إلى صِرَاطٍ مسْتَقِيمٍ) (١) ١، وَقَالَ جلَّ ذِكُره (قلِ الله يَهْدِى لِلْحَقِ) (٢) ٢، وَقالَ سُبْحانه (إنَّ هذاالقرأن يَهْدِى للتي هي أقْوَمُ) (٣) ٣ ثُمَّ حُذِفَ حَرفُ الجرّفَظَهرَعَمَلُ الفعل لِأنَّ الفعلَ يَطْلُبُه بالنّصْبِ، لِأنَّهُ جاء بعد عمدتِهِ فَهُوَ فَضْلَةٌ فإِعرابُهُ النَّصبُ لكنَّ النّصبَ لم يَظْهَره لِأجلِ الحرَفِ الطَّالِب بالخفض، لِأنّهُ يَطْلُبُ بالِإضَافَة، والخفض مع الإِضافة، وَكان عَمَلُ الحَرْفِ أوْلَى بالظَّهُورِ، لِأنَّهُ أقربُ إلى الاسْمِ مِن الفِعْلِ، وَلَأنَّ التّعْلِيقَ قد وُجدَ في الأفْعالِ وَوُجدَ في الأسْماءِ قَليلَاَ، وً لمْ يُوجَدْ في الحرْفِ س٤، فالمجرُورُ مخفوضٌ في اللَّفْظِ مَنْصُوبٌ\n_________\n١ سورة الشورى آية: ٥٢.\n٢ سورة يونس آية: ٣٥.\n٣ سورة الإسراء آية: ٩.\n٤ لأنّ الحروف لا تُعلَّق عن العمل فيما بَعْدَها","vol":"1","page":391},{"text":"في الموضع، فإذا زال الحرف من اللفظ ظهر عملُ الفعل فجاء \"اهدنا الصراط \"، والأصل إلى الصّراط، أوْ لِلصّرَاط بِمَنْزِلَةِ أمرتُ الرّجال عَمْرًا، وأَمَرْتُ زيدًا الخيْرَ.\n(الصّرَاط): هُوَ الطَّرِيْقُ، وُيذَكّرُ وُيؤَنَّثُ، إلا إن التَّذكِيرَ في الصِّراط أشْهَرُ ١، وَلَمْ يجئ في الْقْرآنِ إلا مُذَكّرًا، وَهُوَ مِن سرَطْتُ الشيَّء أَسْرُطهُ إذا ابتَلَعْتُهُ لِأنّ الطّرِيق يَبْتَلعُ مَنْ يَسِيرُ فيه، ألا ترَى أنَّهُ قَدْ سُمّي اللَّقم كأنّهُ يَلْتَقِمُ، والسّينُ إذَا وَقِع بَعْدَها الطّاءُ والغَين والقافُ والْخَاءُ، هذه الأرْبَعَةُ خاصة فإنَّها يجوزُ فيها أن تُبْدَلَ صَاداَ؛ لأَنَّ السَّنَ غَيرَ مُطْبَق، والطَّاءَ مُطْبَقةٌ، والسّنَ مَهْمُوسَةٌ والطّاءَ مَجْهُورَةٌ فَلَمَّا تنافَرَتْ أَبْدَلُوا مِن السّينِ حَرْفًا يُوافِقُ السّينَ في الْهَمسِ وُيوافقُ الطّاء في الإِطْباق ٢.\nوَمِن العَرب مَنْ يُشْربُ الصّادَ صَوتَ الزّاي، ِلأنَّ الطّاءَ مَجْهُورةٌ والصَّادَ مَهْمُوسَة فاشْرَبوها صَوْت لزّاي لأَنَّ الزّايْ مجهورة، وَمنهُم مَنْ يُبْدِلُهَا زايًا خالِصَةً وَذَلِكَ قَليلٌ، وَذَكَرَ سِيَبَوْيهُ الوجْهَين اَلأوَّلَين، وَلم يذكُرْ إبدالها زايًا خالصةً لِقلّةِ ذلِكَ ٣.\nوَأَمَّا إذا وقَعَ بعد السّين الطّاءِ والضّادِ فَلا تُبْدَلُ صادًا، نصَّ ذلِكَ سيْبَويهُ، والفَرْقُ بينهُمَا بَيّنٌ في الكتاب.٤\nوَقَدْ قُرِىءَ السِّراطَ بالسِّين، قَرَأَهُ قُنْبُلُ وقَرَأَهُ يَعْقُوبُ ٥ أيضًا.\nوَقُرِىء بالصَّادِ مُشْرَبةً صَوْتَ الزَّاي، قَرأَهُ حمزة ٦، وقُرِىءَ بالصّادِ خالِصَةً، قرأهُ الباقون.٧\n_________\n١التأنيث لغة أهل الحجاز، والتذكير لغة تميم. ينظر إعراب القرآن للنحاس ١٢٣/١، والدر المصون ٦٥/١\n٢ينظر كتاب السبعة في القراءات ١٠٧، والحجة لأبى على الفارسي ١/٤٩-٥٠.\n٣ينظر الكتاب ٤/ ٤٧٦-٤٧٩.\n٤ينظر ما سبق في المصدر نفسه.\n٥ينظر: التذكرة في القراءات ١/ ٨٥، والتيسير: ١٨، والتبصرة: ٥٥، والكشف ٤٦/١.\n٦ينظر كتاب السبعة ١٠٦، والتذكرة في القراءات ١/ ٨٥، وبقية المصادر السابقة.\n٧ المصادر السابقة.","vol":"1","page":392},{"text":"أمَّا قَلْبُ الصَّاد زايًا خالِصةً فَلَمْ يُقْرأْ بها في السّبعِ وذلك لَقِلّتِهِ، وقد رُوِىَ في هذا الموضع قراءات شاذة.\nمنها: صِرَاط المستقيم بالإِضافة.١\nومنها: صِراطًا مستقيما.٢\nومنها: بصّرْنا الصّراط.٣\nوهذهِ كلها خارِجة عِن السَّبعِ فلا يعتني بِها.\nوَحُكِيَ في جَمْعِ صِراطٍ صُرُطٌ، وَهُوَ الْقِياسُ في فعالٍ المذكّر، نحو: كِتابٍ وَكُتُبٍ، وَحِمَارٍ وَحُمُرٍ.\nولا يكون فُعَلٌ في المعتل اللام ولا في المضعّف.\n/ (اْلمُسْتَقِيمْ) الَّذِي لَيْسَ فِيهِ انْحِرافٌ، وهو على طَرِيْقَة وَاحِدَةٍ، تقولُ: اسْتَقامَ، اَلأمْر؛ أي لَيْسَ فيه عِوَجٌ، وَأَصْلُة مُسْتَقوم، فأعَلَّوْهُ بنقِلِ حَرَكَةِ الْعَن إلى الْقَافِ فانْقَلَبَتْ الْوَاوُ ياءً، لأنَّ الفِعْلَ هُنا يَعْتَلُّ وهو يَسْتقيم، واعْتُلّ الفِعلُ هنا بالحملِ على غير الزّائِدِ وَهُوَ قامَ.\nوهذا يتبَيّنُ في كُتُبِ العَرَبيّة.\n(صِرَاطَ الّذِيْنَ): بَدَلٌ مِنَ الصِّرَاطِ الأَوّلِ، وَأبْدِلَ مِنْهُ لِيُعْلَمَ أنَّ الصِّرَاطَ المسْتَقيمَ لاَ يقدرُ عَلَيْهِ إلا مَنْ أنْعَمَ الله عَلَيْهِ، وَمَنْ وُكِلَ إلى نَفْسِهِ لا يمْشِي عَلَيْهِ..\n(أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم): (عليهم): في موضِع نَصْبِ لـ (أنْعَمْتَ) لأَنّ الْفِعْلَ قَدْ أَخَذَ عمْدَتَهُ، وَجاءَ بعد ذلك فَضْلهُ فَيَلْزَم أنْ يَكون مَنْصُوبًَا.٤\n(غير المغْضوبِ عَلَيْهِم وَلاَ الضّالِين): اجْمَعَ القُرَّاءُ للسَّبْعُ على خفْضِ الرّاءِ وَلَمْ\n_________\n١تعزى هذه القراءة لجعفر بن محمد الصادق. ينظر المحرر الوجيز ١١٣/١.\n٢هذه القراءة تعزى للحسن والضحاك. ينظر المحتسب ١/ ٤١، والمحرر الوجيز ١٢٢/١.\n٣هي قراءة ثابت بن اسلم البنانى كما في المحرر الوجيز ١٢٣/١.\n٤أورد الناسخ بعد هذا كلاما في الحاشية لم أتبينه للطمْسِ الذي لحق أطراف المخطوط من جراء الرطوبة.","vol":"1","page":393},{"text":"يُقْرَأْ بالْفَتحِ إلا في الشّاذ، ١وَهُوَ نَعْتٌ لِلّذيْنَ على مَعْنَى اْلمَغْضُوب عَلَيْهِم وَلاَ الضالين، وَلِذَلِكَ جِيء بلاَ في وَلاَ الضّالِين كَأنَّها كُرّرَتْ، فَقَدْ صَارَ هذا بمَنْزِلَةِ قَوْلِكَ: مَرَرْتُ بِرَجُلً لا مُسْلمً وَلاَ كَافِرٍ.\nوالمعنى: إنّ المنْعَمَ عليهِم خَرَجَوا عِن الغَضَب والضّلالِ، فمَنْ غَضِبَ الله عَلَيْهِ فَلَيْسَ بمنعَمٍ عَلَيْهِ، وكذلِكَ مَنْ ضَلَّ لَيْسَ بمُنْعَمٍ عًلَيْهِ، وَلاَ إذا دخَلَتْ على الصِّفةِ أو الحال فلابُدَّ فيها مِن التَّكْرار، وَكَأَنَّها جَوابٌَ لمَنْ قالَ: أكذا أم كذا..\nفَإذا قُلْتُ: مَررْتُ برجلٍ لا سَاكتٍ وَلا مُتَكَلّمٍ، كأنَّهُ جوابٌ لِمَنْ قالَ: أَساكِتًا كَانَ أَمْ كِّلمًا، فَيَقُولُ: لا سَاكِتٌ ولا متكلمٌ، أيْ لَمَ يأْتِ في كَلامِهِ بِفَائِدَةٍ.\nوَكَذلِكَ لا مَتى لَزِمَتْ التّكْرارَ إنَّما تَلْزمُ التّكْرارَ على هذا الْوَجْهَ، وَقَدْ يُقالُ غيرُهُ في هذا اْلمَعنى، فتقولُ: مررت برَجُلٍ غيرَ سَاكِتٍ وغيرَ مُتَكلّم، على مَعْنى: لا سَاكِتِ وَلا مُتكلم.٢\nفإذا صَحَّ أنّ غيرَ في هذا اْلموَطِنِ تَقَعُ مَوْقِعَ لا صَحَّ أَنْ تأتي بغيرٍ وَتَأْتي بلا فتقولَ:، مررت بِرَجًلٍ غَيْرُ سَاكِتٍ وَلا مُتكَلَّمٍ، وَعَلَيْهِ جاء: غيرِ اْلمَغْضُوبَِ عَلَيْهِم وَلا الضَّالِين.\nوَقَدْ نُقِلَ في الشَّاذِّ: غير المغضوب عَلَيْهِم وَغير الضَالِين. نقل ذلِكَ عن عمر وعلي وأبيّ ٣، وَهِيَ قِرَاءَةٌ جيدة إلا إنّها لَمْ يُقْرَأْ بها في السَّبْعِ.\nفإنْ قلتَ: كَيْفَ تكونُ غيرُ نعتًا للمعرفة وهي نكرة، لأنّ إضافتَها لَيْسَتْ للتّعريف؟\nقلتُ: غيْرُ هُنا إذا لم تُضفْ إضافَة تعريفٍ تَجرِي على النّكراتِ وعلى المعارِف\n_________\n١هذه القراءة لابن كثير، قال الخليل: وهى جائزة على وجه الصفة للّذين على القطع من الجر إلى النّصب بفعل مقدر. ينظر السبعة: ١١٢، ومختصر شواذ القراءات: ١، وإعراب القراءات ق: ٣٦.\n٢ينظر معاني القرآن وإعرابه ١/ ٥٤.\n٣ينظر المحرر الوجيز ١/ ١٣١، وفتح الباري كتاب التفسير ٨/ ١٥٩.","vol":"1","page":394},{"text":"بالألف واللامِ إذا كان ذلِكَ على طريق الجنس، لأنَّ الجنسَ عامٌ، ولا يتعَينّ ما يقعُ عَليهِ فجرى لذلك مجرى النكرة في هذا.\nوذهب الزّجاجُ إلى أنّ (غيرِ المغْضُوب) هم المنْعَمُ عَلَيْهِم. ١ فقد صار على هذا بهذه الملاحظة غير معرفة، أَلا ترى أنَّك إذا قلتَ: رأيتْ الصّالح غيرَ الطَّالح قد تَعَرَّفَ لأنَّه ماعدا الصّالحين، فَلأَجْلِ هذا وَقَعتْ غَيرُ صفةً للمعرفة بالألف واللام، لأِنَّ الثّاني ضِدَّ الأوّل فوقع بذلك التّعريفُ. وذَكَر هذا القولَ ابن عَطِيّة ٢عن ابن السَّراجِ،٣ وكان الأستاذ أبو علي يَردُّ هذا القولَ، ويقولُ: قَدْ جاء في كِتاب الله ﷿: (نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ) ٤وبلا شَك أنَّ الثّاني ضدّ الأوّلَ، وَقد جرى على النّكِرة فكيف يقول: إنَّ هذا يُوجَدُ للتّعريف؟.\nوالصّحيحُ ما ذكرتُهُ أوّلًا أنّ تعريف الجنسِ لَيْسَ بالقَوِيّ ة لأنّهُ لَيْسَ بمقصودٍ قصْدَهُ. وَقَد يُعاقِبُ النّكرة فيما وُضِعَ ٥ على معنى واحدٍ، ألا ترى أنَّك تَقْولُ: ما يَصْلُحُ بالرّجلِ مِثْلِكَ أَنْ يفعلَ هذا فيكون على معنى مَا يصلُحُ بالرّجلِ الّذي هو مِثلُكُ أنْ يَفْعَلَ هذا، ومعناهما واحد.\nوهذا كُلُّهُ إنّما يحتاجُ إليه عند جعل (غير) نعتًا لـ\"الّذين\" فإنْ جعلتَهُ بدلًا فلا يحتاج إلى هذا، لأنّهُ يجوزُ بدلُ النّكرَة من المعرفة واَلمعرفة من النكرة..\nأمَّا النّصبُ وهي قراءة شاذة لم تثبت في السّبعِ ٦، والظاهر عندي فيها أنَّها استثناء\n_________\n١ينظر معاني القرآن وإعرابه ٥٧/١.\n٢ينظر المحرر الوجيز ١/ ١٢٤.\n٣كلام ابن السراج في المسألة أورد أبو علي في الحجة ١٤٣/١ بشيء من البيان والتمثيل والتنظير.\n٤سورة فاطر آية: ٣٧.\n٥في الأصل: في مواضع.\n٦قرأ بها ابن كثير كما في كتاب السبعة في القراءات ١١٢، ومختصر شهاذ القراءات ا، وإعراب القراءات ٣٦، وإعراب القراءات الشواذ ق ٧.","vol":"1","page":395},{"text":"منقطع ١، و\"لا\" في (ولا الضّالِين) زائدة كزيادة لا في قولهم: ليس زيد ولا عمرو.. وذهب بعض المتأَخِّرين إلى الحال.. ٢ وفيه عندي بعد؛ لأنّ المعنى أَنعمَتْ عَلَيْهِم في هذهِ الْحَالِ. وهَذا مَعْلُومٌ أَنَّ المنعَمَ عَلَيْهِم لا يكُونُ إلاَ في هذه الحالِ، إِلا أَنْ يَقُولَ: هِيَ حَالٌ مُؤكِّدَةٌ.\nوَمَنْ ذهَبَ إلى أنه مَنصُوبٌ بإِضمَارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: أَعْني ٣ غَيْرَ المغضوبِ هذا بَعْدُ أبْينُ لا يَحْتاجُ إلى بَيانٍ. مَعْلُومٌ أنَّ المنعَمَ عَلَيْهِم لَيْسُوا مَنْ غَضِبَ الله عَلَيْهِم، وَلَيْسوا مَنْ ضَلَّ، فَكْيفَ يُقالُ: أعني هذا.\nوَالأَمْرُ بَيّنٌ أنَّ هذا يعني هذا بعيدٌ وَخارِجٌ عَنْ طَريقِ كَلامِ الْعَرَبِ، وَأَبْينُ عندي مَا فيه أَنْ يكونَ استثناءً منقطعًا، وَعَلَيْهِم في مَوْضِعَ رَفِع، لأِنَّهُ مفعولٌ بمغضُوبِ لم يُذكر فاعله. فَيكُونُ مَرْفوعًا كما تَقُولُ: مُرَّ بزيدٍ والهاءُ والميمُ مِنْ عَلَيْهِم تَعوُدُ إلى الأَلِفَ واللاّم فِيْمَنْ جَعَلَها اسْمًا، وَمَنْ جَعَلَها حَرْفًا- وَهُوَ الصّحيحُ، لأنّكَ لا تجَدُ اسمًا لا ظاهِرًا وَلا مُضمَرًا لا مُتّصِلًا وَلا مُنْفَصِلاَ علي حَرفٍ وَاحدٍ ساكنٍ - فَيَكُون الضمير عائدًا على الذين، لأنَّ معنى اْلمغْضُوبِ الَّذِينَ غضِبَ عَلَيْهِم، وكذلِكَ قالَ أبو عليّ في الإِيْضَاحِ: إذا أخبرتَ عَنْ نَفْسِكَ مِن ضرب زيدٍ بالأَلِفِ واللاَّم قُلْتَ: الضَّارِبُ زيدًا أنا، ففي كل واحِدٍ من ضَرَبٍ وَالضَّارِبِ ذِكْرٌ يعوُدُ إلى الذي ٤\nوالمغضُوبُ عَلَيْهِم هُمْ الْيَهُودُ وَمَنْ شَاكَلَهُم في تعنُّتِهِم وتبديلهم الحقّ مَعَ مَعْرِفَتِهِ،\n_________\n١هذا هو الإِعراب الأول لأبي الحسن الأخفش كما في كتابه معاني القرآن ١٨/١، والسبعة في القراءات ١١٢، وبقية المصادر السابقة.\n٢هذا هو الإِعراب الثاني للأخفش. ينظر المصادر السابقة، وإعراب القرآن للنحاس ١/ ١٢٥. وذهب إليه الزجاج في معاني القرآن وإعرابه ٥٣/١، وابن السهل فيما نقل عنه أبو على في الحجة ٤٢/١ ا-١٤٣، وبه قال الزمخشرى في الكشاف ١/ ٧١، وهو المعنى في قول ابن أبى الربيع: وذهب بعض المتأخرين.. ويبدو أن ابن أبى الربيع أيقف على إعراب الأخفش، أو لم يثبت عنده، وبعيد أن يكون قصده ببعض المتأخرين الأخفش.\n٣ ينظر مشكل إعراب القرآن ١٣/١، والتبيان في غريب إعراب القرآن ١/ ٤٠، والفريد في إعراب القرآن المجيد ١٧٦/١.\n٤ينظر الإيضاح ٥٨/١.","vol":"1","page":396},{"text":"قال تعالى: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفونَ أَبْنَاءَهُمْ، وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ/ لَيَكْتُمُونَ ألْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُون) ١..\nوالضالُون: هُمُ النّصارى، لأِنّهم ضَلُّوا بنظَرِهِم الفاسد، قال تعالى: (لا تَغْلُوا في دينِكُمْ غَيْرَ الحق وَلاَ تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضًلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلًّوا عَن سَوَآءِ السَّبِيلِ) ٢.\nلأِنّ عِيْسى ﵇ حيِنَ تكَلّمَ أخَذَوا في الكَلام فيه، فَمِنْهُمْ مَنْ قالَ: هُوَ ابن الله، وَمِنْهم مَنْ قالَ هُوَ الله، وهذا كَلُّهُ فسادٌ في النَّظَرِ- وَالله أعلم- وهو عبد مكرمُ من عبيد الله المكرمين.\nوفي (الضالين) ضَمِيرٌ يَعوُدُ على الألفِ وَاللام عَلى مَنْ جَعَلها اسمًا، وَمن لم يَجْعَلْهَا اسْمًا أعَادَ الضميرَ عَلى الّذيْنَ المَفْهُومِ مِن و(لا الضَّالِيْن) على حَسْبما تَقَدَّمَ في (المغْضُوبِ عَلَيْهِم) .\nوُيقال: ضَلَلْتُ وَضَلِلْتُ بفتح اللام وكسرها، والفتح أفصحُ وبه جاء القرآن.\nوَقُرِىءَ في الشّاذِّ و(لاَ الضّألِينَ) ٣ بَفتح الهمزة، لأِنَّهم كَرِهُوا التِقاء الساكنين. وَحُكِي: دَأبّه وشَأبّه ٤على هذا.\nوَقرأَ ابن كثير: (عَلَيْهُم)، و\"بهُم \"، و\"لهُم \"، و\"إليْهُم \"، و\"لديهُمْ \" وما أشبه ذلك بضمير الجمع مخاطبًا كان أو غائبًا بضَم الهاء والكاف موصولة ٥ بالواو. ما لَم يكُنْ قبل الهاء ياء أو كسرة، فإن كان قبل الهاء ياء ساكنة أو كسرة، كسر الهاء اتباعًا لما قبلها وإبقاء الميم على أصْلِها ولم يتبعها الهاءَ، لأنْ كسرةَ الهاءِ عارضةٌ.\n_________\n١ سورة البقرة آية: ١٤٦.\n٢ سورة المائدة آية: ٧٧.\n٣ قرأ بها أبو أيوب السجّستانى كما في المحتسب ٣٧/٣٩، والمحرر الوجيز١/١٢٦ وإعراب القراءات لابن خالويه ق ٣٨، وإعراب القراءات الشواذ للعكبرى ق ٧.\n٤ ينظر المحتسب ٤٧/١، والخصائص ٣/ ٤٥، والمحرر الوجيز ١٣٢/١.\n٥ ينظر السبعة في القراءات ١٠٨، والحجة لأبى على الفارسي ٣٧/١، والتذكرة في القراءات ١/ ٨٥.","vol":"1","page":397},{"text":"وقرأ الباقون بسكون الميم وضم الهاء ما لم يكن قبلها ياءٌ ساكنةٌ أو كسرةٌ، إلا حمزةَ فإنه ضمَّ الهاءَ من (عَليهم) و\"لديهم \"، \"إليهم \" خاصة ١.\nوقرأ ورش بضمِّ الميم إذا لقيتها همزة القطع ٢ وسَكّن فيما عدا ذلك، وإنما فعل ذلك ليتمكّنَ من النّطْقِ بالهمزةِ لثقلِها، والأصل في هذه الهاء الضّمُّ لأنّهُ المطّردُ والكَسْرُ إنّما هو حيث يَكُونُ قَبْلَها ياءٌ سَاكِنَةٌ أوْ كَسْرَةٌ فعَلِمْنا أنَّ المطَّرِدَ هُوَ الأصْلُ وأنَّ المكْسُورَ إنَّما جَاءَ تابعًاِ لما قَبْلَهُ، وَلأِنَّكَ لَوْ ادَّعَيْتَ أنَّ الكَسْرَ كانَ الأَصْلَ لم تَجدْ لِلكَسْرِ مُوجبًا، وإذَا ادَّعَيْت أنّ الضَمَّ هُوَ الأَصْلُ وَجَدْت لِلكَسْرِ مُوجبًا.\nوحَكَى سِيْبَوْيه عَن بعضِ العَرَبِ: مِنْهِم٣ بكسر الْهَاءِ وَلَمْ يُعْتَدّ بالسّكوُنِ، وَهذا لا يَكادُ يُعَرَف لِقِلّة المتكلمين به.\nوكذلك الميم أصْلُها الضمّ والكسر اتباع، لأنَّ الضمَّ مُطّردٌ والكسرُ غيرُ مُطّرِدٍ، وَلأَنّكَ إذا ادَّعيتَ أنّ الأصلَ الضمَّ وجدت أن للكَسْرِ موجَبًَا هو الاتباع، وَلَوْ جَعل الكَسْرَ هُوَ الأصْلُ لم تجد للضَّمّ موجبًا، وكذلك الضمَّ في الميم والإتيان بالواو بعدها هو الأصلُ، وحذفُ المدّةِ وسكونُ الميم كان ثانيًا ٤، لأنّكَ إذا ادّعيت أنّ السُّكون هو الأصل لم تجد للحركة والمدَّةِ مُوجِبًا، وإذا ادّعَيْتَ أنّ الأَصْلَ هُوَ الحَرَكَةُ والمدّةُ وَجَدْتَ لِلسُّكُونِ مُوجبًا، وَذَلِكَ أنَّ العَرَبَ تَسْتَثْقِلُ توَالي خمس متحركات ألا ترى أنَّها لا تُوجد في أَوْزانِ الشعر، فسكنوا مثل ضَرَبَهم لتوالي ٥ خمس متحركات، ثم جرى غيرهُ مجراه ليجرى على مثالٍ ٦، ولأنَّ المؤنث والمثنى بعد الهاء فيهما حرفان، فيجبُ للمذكّر أنْ يَجْرِىَ على حُكْمِهما.\n_________\n١ينظر المصادر السابقة، والكشف ١/٣٧، ٣٩، والمحرر الوجيز ١/ ١٢٦.\n٢ينظر التيسير ٩ ١، والكشف ١/ ٣٩، والتذكرة ١/ ٨٦، والإقناع في القراءات السبع ٢/ ٥ ٥٩.\n٣هذه لغة لقوم من ربيعة يتبعون الهاء الميم ولا يعتدون بالون الساكنة بينهما، لأنّ الساكن حبر غيرُ حصين عندهم، وهى لغة رديئة عند سيبويه. ينظر الكتاب ٩٦/٤ ا-١٩٧.\n٤ في الأصل: ثانٍ، وهو هنا خبر لكان والمنقوص في النصب يعرب بحركة ظاهرة على يائه. لا يحذفها والتنوين، فلعل هذا من غفلة الناسخ.\n٥في الأصل: ولتولّى.\n٦ في الأصل: فال، وهو تحريف.","vol":"1","page":398},{"text":"وإذا سُكّنت الميم ولقيهَا ساكنٌ من كلمة أُخْرى وَالهاء قبلها مكسورة، فقرأ أبو عمرو بكسر الميم، نحو: (عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) ١، (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ)، ٢.\nوقَرأَ حمزةُ والكسائي بضم الهاء والميم ة ضَمَّا الميمَ ٣، لأنَّ الضمَّ فيها هو الأصلُ فلمّا اضطرَّا ٤إلى التّحريكِ حَرَّكا ٥ بحركَةِ الأصْلِ واتْبَعا ٦ الهاء الميم.\nوقرأَ الباقون بكسر الهاء وَضَمّ الميم ٧، نحو: عَلَيْهِمُ الّذّلَّةُ، حَرّكوا الميم عند الاضْطِرارِ إلى التّحرِيْكِ بحركة الأصْلِ، ولم يُتْبِعوا الهاءَ الميمَ، لأنَّ الحركة في الميم، عَرضتْ لالتقاء السَّاكنين فلا يُعْتدُّ بها.\nوهذا كلّهُ جائزٌ إذا كان قَبلَ الهاءِ ياءٌ سَاكِنةٌ أوْ كَسْرَةٌ وَإِذا كانَ قَبْلَ الْهاءِ غَيرُ ما ذَكَرْتهُ فَلابُدَّ مِنَ ضَمِّ الْهَاءِ واْلميم، نحو: (جَآءتهم البينات) ٨ و(لَهُمُ الدَّرَجَاتُ) ٩ (وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي) ١٠ لا خِلاَفَ في هَذا. وكَأَنَّ قِرَاءَةُ أبي عمرو- والله أعلمُ- مِمّنْ يَقُولُ: (عَلَيْهُمُ) إذا لَمْ يَكُنْ بَعْدَهَا سَاكنٌ. وَقَدْ تَكُونُ قراءةُ أَبي عَمرو مِمَّنْ سَكّن الميمَ مِن \"هُم\" فَلَمَّا اضطّرَّ إلى التحرِيْكَ حَرَّكَ اتْباعًا لِلْهاءِ، وَكانَ هذا أَنْسَب؛\nلأَنّهُ لم يُنْقلْ عَنهُ عليهم إذا لم يكن بَعدَهُ سَاكِنٌ.\nوَأماَّ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ: (عَلَيْهُم) وَ\"إِلَيْهُم\" وَ\"لَدَيْهُم \" بضَمِّ الْهَاءِ هذه الثّلاثةَ خاصّةً، فَوَجْهُ ذلِكَ أنَّ الَأصْلَ هِي الأَلِفُ على وَلَدَى وَإلى، والانقلاب إنَّما دَخلَ عند الضّمير، فالانقِلابُ عَارِضٌ فَلَمْ يُعْتَدّ بهِ وَتَرْكُهَا مَضْمُومَةٌ كَما كَانَتْ تكون مع الألِفِ.\n_________\n١سورة البقرة آية: ٦١.\n٢سورة غافر آية: ٩.\n٣في الأصل: ضموا.\n٤ في الأصل: اضطروا.\n٦،٥ في الأصل: حركوا واتبعوا.\n٧ينظر الحجة لابن زنجلة ٨٢، والتذكرة في القراءات ٨٧/١.\n٨سورة البقرة آية: ٢١٣.\n٩ سورة طه آية: ٧٥\n١٠ سورة التوبة آية: ٦١","vol":"1","page":399},{"text":"وَقِراءَةُ حمزةَ والكِسَائي في (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ) ١ كما اضطَّرَّ إلى تحريْكِ اْلمِيمِ حَرّكَاهَا بحَرَكة الأَصْلِ ثُمَّ اتْبَعا الهاء الميم وإنْ كانت حَركتهُما عَارِضةً لأِنّهما كَرِها الخرُوُجَ مِن كَسْرِ الْهاءِ إلى ضَمِّ اْلمِيمَ، لأنَّهُما مُتَلاَزِمتان.\nوهذا الفصَلُ إنَّما يتبيّنُ مُكَمَّلًا في كُتب العَرَبيَّة، وَفيها تَتَبينُّ لُغَاتُها ٢ مُكَمَّلًا إنْ شَاء.\nوفي الشَّاذِّ قِرَاءاتٌ لا يَلِيقُ ذِكْرُها هنا.\n(آمينَ): رُوِيَ أنّ جِبْريل ﷺ قال لِرسُول الله ﷺ قلْ آمِينْ ٣ بعد قراءته أمّ القُرْآن، وَهِيَ اسمُ فعل، وأسماء الأَفْعالِ مَبْنِيّةٌ؛ لأِنَّ مُوجبَ الإِعراب لَيْسَ فيها، وبُنيَت على الفتح لالتقاء السَّاكِنَيْن، وفيها لُغتانِ: تُمَدّ وَتُقْصَرْ، ذكَرهمَا ثعلب ٤، ومعناها اسْتَجِب وأجب يا رَبّ.\nوَقَد نُقِلَ عَن النبيّ ﷺ، أنّ معناها: أفعلُ.٥\n_________\n١ سورة غافر آية: ٩.\n٢ ينظر الكتاب ٤/١٩٥-١٩٨.\n٣ينظر الموطأ ١/ ١ ٨ ١، وسنن الترمذي ٢٨/٢- ا ٣، وفتح الباري ٥٩/٨ ١، والمحرر الوجيز ١٣٣/١ والحديث بألفاظ مختلفة عما هنا\n٤ينظر فصيح ثعلب ٦ ٨ـ ٨٧.\n٥لم أقف على الحديث بهذا اللفظ.","vol":"1","page":400}]}