{"ً":{"ٌ":10174,"ٍ":"حمد الله ذاته الكريمة في آيات كتابه الحكيمة","َ":2,"ُ":1,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/036_122","files":["036_122_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: حمد الله ذاته الكريمة في آيات كتابه الحكيمة\nالمؤلف: عماد بن زهير حافظ\nالناشر: الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة\n السنة:السادسة والثلاثون العدد (١١٢) ١٤٢٤هـ/٢٠٠٤م\nعدد الصفحات: ٩٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1603,"ٕ":3,"ٖ":1770155693,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"تمهيد","level":1,"page":3},{"title":"الفصل الأول: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة الكتاب","level":1,"page":7},{"title":"المبحث الأول: في وجه الحكمة بافتتاح الفاتحة بحمد الله ذاته الكريمة","level":2,"page":7},{"title":"المبحث الثاني: في وجه الحكمة في إسناد الحمد إلى اسم الذات الإلهية وماجاء بعده من أوصاف","level":2,"page":11},{"title":"الفصل الثاني: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة الأنعام","level":1,"page":15},{"title":"المبحث الأول: في مناسبة فاتحة السورة بالحمد بخاتمة السورة قبلها.","level":2,"page":15},{"title":"المبحث الثاني: في غاية حمد الله ذاته بالآية وصلته بما بعده","level":2,"page":17},{"title":"المبحث الثالث: في بيان قوله تعالى: ﴿الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾","level":2,"page":19},{"title":"المبحث الرابع: في وجه العطف بقوله تعالى ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾","level":2,"page":21},{"title":"الفصل الثالث: حمد الله ذاته الكريمة عند هلاك الظالمين في آية سورة الأنعام","level":1,"page":23},{"title":"المبحث الأول: في وجه صلة آية الحمد بما قبلها","level":2,"page":23},{"title":"المبحث الثاني: في بيان حمد الله ذاته العلية في الآية وغايته","level":2,"page":25},{"title":"الفصل الرابع: حمد الله ذاته الكريمة عند إظهار الحجة في آية سورة النحل","level":1,"page":27},{"title":"المبحث الأول: في بيان الآية وصلتها بما قبلها","level":2,"page":27},{"title":"المبحث الثاني: في بيان موضع الحمد وغايته","level":2,"page":31},{"title":"الفصل الخامس: حمد الله ذاته الكريمة على إنزال كتابه في فاتحة سورة الكهف","level":1,"page":33},{"title":"المبحث الأول: في بيان موضع حمد الله ذاته وغايته","level":2,"page":33},{"title":"المبحث الثاني: في ذكر أوصاف الكتاب وصلتها باستحقاق الحمد","level":2,"page":36},{"title":"الفصل السادس: حمد الله ذاته في معرض إثبات إلهيته بآية سورة القصص","level":1,"page":38},{"title":"المبحث الأول: في بيان صلة الآية بما قبلها وغاية حمد الله ذاته فيها.","level":2,"page":38},{"title":"المبحث الثاني: في بيان جملة الحمد (له الحمد في الأولى والآخرة) وما بعدها","level":2,"page":39},{"title":"الفصل السابع: حمد الله ذاته إثر الوعد والوعيد في آية سورة الروم","level":1,"page":41},{"title":"المبحث الأول: في بيان مناسبة مجيء الحمد وعطفه على التسبيح في موضعه من السورة","level":2,"page":41},{"title":"المبحث الثاني: في بيان حمد الله لذاته وصلته بما بعده","level":2,"page":43},{"title":"الفصل الثامن: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة سبأ","level":1,"page":46},{"title":"المبحث الأول: في بيان الموضع الأول وغايته وصلته","level":2,"page":46},{"title":"المبحث الثاني: في بيان الموضع الثاني للحمد وغايته","level":2,"page":50},{"title":"المبحث الثالث: في وجه ختم الآية بصفتي (الحكيم الخبير)","level":2,"page":51},{"title":"الفصل التاسع: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة فاطر","level":1,"page":52},{"title":"المبحث الأول: في بيان حمد الله ذاته في افتتاح السورة وغايته.","level":2,"page":52},{"title":"المبحث الثاني: في صلة آية الحمد بالآية بعدها","level":2,"page":55},{"title":"الفصل العاشر: حمد الله ذاته الكريمة في خاتمة سورة الصافات","level":1,"page":56},{"title":"المبحث الأول: في بيان موضع الحمد ومناسبته لما قبله","level":2,"page":56},{"title":"المبحث الثاني: في وجه ذكر السلام على المرسلين بين التسبيح والحمد","level":2,"page":58},{"title":"الفصل الحادي عشر: حمد الله ذاته الكريمة عند ضرب المثل بآية سورة الزمر","level":1,"page":60},{"title":"المبحث الأول: في صلة آية الحمد بما قبلها وبيان المثل فيها","level":2,"page":60},{"title":"المبحث الثاني: في بيان موضع الحمد وغايته","level":2,"page":64},{"title":"الفصل الثاني عشر: حمد الله ذاته الكريمة في آية سورة غافر","level":1,"page":66},{"title":"المبحث الأول: في صلة آية الحمد بما قبلها","level":2,"page":66},{"title":"المبحث الثاني: في بيان موضع الحمد وغايته","level":2,"page":67},{"title":"الفصل الثالث عشر: حمد الله ذاته الكريمة في خاتمة سورة الجاثية","level":1,"page":69},{"title":"المبحث الأول: في بيان موضع الحمد وصلته بما قبله","level":2,"page":69},{"title":"المبحث الثاني: في صلة آية الحمد بما بعدها","level":2,"page":71},{"title":"الفصل الرابع عشر: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة التغابن","level":1,"page":75},{"title":"المبحث الأول: في وجه الحكمة بافتتاح السورة بهذه الآية","level":2,"page":75},{"title":"المبحث الثاني: في بيان موضع حمدالله ذاته الكريمة في الآية وغايته","level":2,"page":77},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":79},{"title":"مصادر ومراجع","level":1,"page":80}],"ٛ":{"1,13":1,"1,14":2,"1,15":3,"1,16":4,"1,17":5,"1,18":6,"1,19":7,"1,20":8,"1,21":9,"1,22":10,"1,23":11,"1,24":12,"1,25":13,"1,26":14,"1,27":15,"1,28":16,"1,29":17,"1,30":18,"1,31":19,"1,32":20,"1,33":21,"1,34":22,"1,35":23,"1,36":24,"1,37":25,"1,38":26,"1,39":27,"1,40":28,"1,41":29,"1,42":30,"1,43":31,"1,44":32,"1,45":33,"1,46":34,"1,47":35,"1,48":36,"1,49":37,"1,50":38,"1,51":39,"1,52":40,"1,53":41,"1,54":42,"1,55":43,"1,56":44,"1,57":45,"1,58":46,"1,59":47,"1,60":48,"1,61":49,"1,62":50,"1,63":51,"1,64":52,"1,65":53,"1,66":54,"1,67":55,"1,68":56,"1,69":57,"1,70":58,"1,71":59,"1,72":60,"1,73":61,"1,74":62,"1,75":63,"1,76":64,"1,77":65,"1,78":66,"1,79":67,"1,80":68,"1,81":69,"1,82":70,"1,83":71,"1,84":72,"1,85":73,"1,86":74,"1,87":75,"1,88":76,"1,89":77,"1,90":78,"1,91":79,"1,92":80,"1,93":81,"1,94":82,"1,95":83,"1,96":84,"1,97":85,"1,98":86},"ٜ":{"1":[13,98]},"ٝ":["1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98"],"ٞ":{"1":[1],"3":[2],"7":[3,4],"11":[5],"15":[6,7],"17":[8],"19":[9],"21":[10],"23":[11,12],"25":[13],"27":[14,15],"31":[16],"33":[17,18],"36":[19],"38":[20,21],"39":[22],"41":[23,24],"43":[25],"46":[26,27],"50":[28],"51":[29],"52":[30,31],"55":[32],"56":[33,34],"58":[35],"60":[36,37],"64":[38],"66":[39,40],"67":[41],"69":[42,43],"71":[44],"75":[45,46],"77":[47],"79":[48],"80":[49]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ال<span data-type=\"title\" id=toc-1>مقدمة</span>\nالحمد لله الذي حمد ذاته الكريمة قبل أن يحمده الحامدون، وأشهد أن لا إله إلا الله سبّحت بحمده الملائكة المقربون، وأشهد أنّ نبينا وسيدنا محمدًا عبد الله ورسوله الصادق المأمون، صلّى الله وسلّم عليه وعلى آله وصحبه عدد ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره الغافلون.\nوبعد؛ لمّا منّ الله ﵎ بما يسّر لي من الدراسة والبحث حول مواضع تسبيحه لذاته العليّة في آيات كتابه السنيّة؛ عقدت العزم على تتبّع مواضع حمده تعالى لذاته؛ لِما أنّ الحمد صنو التسبيح وقرينه من جهة، ولِما أنّ حمده سبحانه لذاته في أمر من الأمور يدلّ على أهمية وعظم شأن ذلك الأمر من جهة أخرى؛ إذ يخصّه ﷿ بهذا المقام الخاص اللائق بجلاله وعظمته.\nهذا وقد قيل في سبب حمده لذاته تعالى أنه لمّا علم عجز عباده عن القيام بواجب حمده مع عظم نعمه وآلائه حمد نفسه بنفسه في الأزل، وليدلّ على كونه محمودًا أزلًا وأبدًا بحمده سواء حمد أو لم يحمد، فهو مستغن بذلك عن حمد الحامدين، وليومئ - أيضًا - أنه لايليق بذاته إلا حمده الصادر عنه سبحانه.\nوعلى هذا فحريّ بي أن أتأمّل في هذه المواضع القرآنية وأفيد منها في إظهار عظمة الله ﵎ بصفاته العليا وآياته الكبرى ونعمه العظمى التي لا تعدّ ولاتحصى.\nومن بعد التتبع لتلك المواضع وجدت أن الله عزوجلّ حمد ذاته الكريمة في خمسة عشر موضعًا عند أمور مختلفة وشؤون شتى. فشرعت في دراستها وتحليلها وكشف لطائفها وأسرارها متوكلًا على الله تعالى طالبًا منه السداد والهدى.\nولقد قسّمت هذه الدراسة إلى أربعة عشر فصلًا، لكلّ موضع فصل مستقلّ","vol":"1","page":13},{"text":"- به، إلا موضعي سورة سبأ فقد جعلتهما في فصل واحد لورودهما في آية واحدة. ومن ثمّ بينتُ تلك المواضع حسب ترتيب سورها في المصحف الشريف.\n- ومهّدت لهذه الدراسة بتمهيد في معنى الحمد وتعريفه ومشتقاته والفرق بينه وبين الشكر والمدح. وأتبعت فصولها بخاتمة للبحث ذكرت فيها أهمّ النتائج والمقترحات.\n- أمّا منهجي في بيان هذه المواضع الكريمة فإني أذكر وجه الحكمة في مجيء الحمد في موضعه وغاية إيراده، وهذا يُلْزِمُنِي أن أبيِّن ما قبل الموضع وما بعده في أغلب الأحيان لكشف وجه الصلة والمناسبة، وأذكر في ذلك كلام المفسرين بما أراه مناسبًا وراجحًا وقريبًا من المعنى الظاهر دون اللجوء إلى مناسبات بعيدة في التأويل ومتكلّفة.\n- كما أني أعمد إلى ذكر بعض اللطائف حول الآيات التي أتناولها بالبيان، والتي أرى من المناسب ذكرها لما فيها من زيادة إيضاح أو تأكيد لمعنى أو كشف لسرٍّ بلاغي أو لغوي يبيِّن جمال النصّ القرآني الكريم.\n- ثم إني قد أذكر في الهامش بعض الاستطرادات التي أرى أنه ليس من المناسب إدخالها في متن الفقرات الأصلية للبحث، ولكن إيرادي لها بسبب ما أخشاه من لبس عند القارئ أو وهم يزول بها. هذا مع ما أذكر فيه من التعريف بالأعلام الوارد ذكرهم في المتن.\nوأخيرًا أسأل الله تعالى أن يتقبل بحثي هذا في ميزان حسناتي يوم ألقاه وأن يغفر لي ما كان فيه من خطأ أو نسيان.آمين\nوصلى الله وسلّم وبارك على نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين\nومن اهتدى بهديه واستنّ بسنته إلى يوم الدين.","vol":"1","page":14},{"text":"ال<span data-type=\"title\" id=toc-2>تمهيد</span>\n(في معنى الحمد وتعريفه ومشتقاته والفرق بينه وبين الشكر والحمد)\nيحسن بي وأنا أتعرض للحديث عن حمد الله ذاته الشريفة أن أمهِّد له ببيان معنى الحمد وتعريفه وذكر أهم مشتقاته والفروق بينه وبين الشكر والمدح للتقارب المعنوي بينها. فأقول والله المستعان سبحانه:\nالحمد في اللغة: مصدر حَمِد. وهو ضد الذم ومنه المحمدة خلاف المذمّة.\nوعُرِّف بأنّه: الثناء باللسان على الجميل الاختياري. فيقال: حمدتُ الرّجل أي أثنيت عليه بفعله الجميل الصادر عن اختياره (١) .\nـ هذا ولقد كثرت مشتقاته التي ارتبط أكثرها بحمد الله تعالى خاصة. ومنها: التحميد. وهو أبلغ من الحمد، والمراد به حمد الله مرّة بعد مرّة. ومنها: رجلٌ حُمَدَة وحمّاد ومحمّد، وذلك بأنه يحمد الله مرة بعد مرة، أو أنه كثير الحمد. و\" محمد\" - أيضًا - هو من كثُرت خصاله المحمودة - و\"أَحمد\" صار أمره إلى الحمد، أو فعل ما يحمد عليه - وفي المثل: والعَوْدُ أحمدُ (٢)، أي أكثر حمدًا؛ لأنّ الإنسان لايعود إلى شيء غالبًا إلا بعد خيريته، أو معناه: إذا ابتدأ المعروف جلب الحمد لنفسه؛ فإذا أعاد كان أحمد أي أكسب للحمد له، أو هو أفعَل من المفعول، أي الابتداء محمود والعود أحقّ بأن يحمدوه.\n- وفلان محمود إذا حُمِد.\n- والحَمْدلة هي حكاية قول (الحمد لله) .\n_________\n(١) انظر: لسان العرب لابن منظور ج٣ ص١٥٥؛ البحر المحيط لأبي حيان ج١ ص١٨؛ فتح القدير للشوكاني ج١ ص٦٨.\n(٢) هو من قول الشاعر: فلم تجرِ إلا جئت في الخير سابق ولا عُدْتَ إلا أنت في العود أحمد. (لسان العرب ج٣/ص١٥٨) .","vol":"1","page":15},{"text":"- وحُماداك أن تفعل كذا أي: غايتك المحمودة.\n- والحميد هو الله تعالى، وهو من صفاته العليا وأسمائه الحسنى، بمعنى المحمود على كلّ حال (١) .\n- وقد اختلف في الحمد والشكر والمدح هل هي ألفاظ متباينة أم مترادفة أم بينها عموم وخصوص مطلق أو من وجه؟ فمن قال بالتباين نظر إلى ما انفرد به كل واحد منها من المعنى، ومن قال بالترادف نظر إلى جهة اتحادها واستعمال كل واحد منها في مكان الآخر، وأما من قال باجتماعها وافتراقها ما بين خصوص وعموم فقد نظر إلى الأمرين المذكورين آنفًا. وهذا هو الأولى وهو ما عليه الأكثر. وعلى هذا فيسوغ - ههنا - النظر إلى ما تميّز به كلّ لفظ عن الآخر وبيان الفرق بينها؛ لما يترتّب عليه من وضع رسم وحدٍّ لمعنى حمد الله تعالى الذي هو مقصود هذا البحث وغايته.\n- أما الفرق بين الحمد والشكر فخلاصة ما قيل فيه أن الحمد هو الثناء على المحمود بجميل صفاته وأفعاله وإنعامه؛ والشكر هو الثناء على المحمود بإنعامه فقط. وعلى هذا فالحمد أعمّ من الشكر فكلّ شكر حمد وليس كل حمد شكرًا. ولذلك ورد حمد الله تعالى نفسه ولم يرد شكرها.\nوأما الفرق بين الحمد والمدح فإن المدح أعم من الحمد؛ وذلك لأن المدح يحصل للعاقل ولغير العاقل، ولايلزم فيه كون الممدوح مختارًا، ولهذا يكون وصف اللؤلؤة بصفائها مدحًا لا حمدًا، وقد يكون المدح - أيضًا - عن ظن وبصفة\n_________\n(١) انظر: لسان العرب لابن منظور ج٣ ص ١٥٥ – ١٥٧؛ مختار الصحاح للرازي ص ١٥٣؛ تهذيب الصحاح لمحمود الزنجاني ج١ ص٢١٥؛ ترتيب القاموس المحيط للطاهر الزاوي ج ١ص ٧٠٢-٧٠٤؛ المفردات للراغب الأصفهاني ص١٣١؛ الكليات لأبي البقاء الكفوي ص ٣٦٥.","vol":"1","page":16},{"text":"- مستحسنة وإن كان في الممدوح نقص ما، أما الحمد فإنّه لايكون إلا للفاعل المختار على كون الصفات المحمودة له صفات كمال، كما يكون صادرًا عن علم لا عن ظن؛ وعلى ما يكون منه من نعمة أو إحسان.\n- وبهذا يقال في الفرق بين هذه الثلاثة: المدح أعمّ من الحمد؛ والحمد أعمّ من الشكر (١) .\n- وعلى ما سبق بيانه فإنّ قول القائل: (الحمد لله) يعني الثناء على الله - تعالى - بصفاته الذاتية الكاملة التي لا يشوبها نقص؛ وبنعمه التي لا تعدّ ولاتحصى.\n- ولهذا فإنّ (أل) التعريف في (الحمد) هي لاستغراق جميع أفراده، واللام في (لله) لام الملك والاختصاص أو الاستحقاق، فجميع أفراد الحمد مختصة بالله تعالى؛ إذ هو المنعم الكامل في صفاته؛ وحمد غيره لا اعتداد به؛ لأنّ ما صدر منه من نعمة فإنما مرجعها حقيقة إلى الله تعالى، وهو سبحانه الذي أجراها على يديه. فالحمد الكامل الخالص لايكون إلا لله تعالى وهو المستحق له دون سواه (٢) .\nوقد دلّ إعراب هذه الجملة الكريمة - أيضًا - إلى هذا المعنى؛ فقد أشار\n_________\n(١) انظر: تفسير البغوي ج١ ص٣٩؛ الكشاف للزمخشري ج١ ص٧؛ النكت والعيون للماوردي ج١ ص٥٥؛ التفسير الكبير للفخر الرازي ج١٢ ص١٤٢؛ البحر المحيط لأبي حيان ج١ ص١٨؛ زاد المسير لابن الجوزي ج١ ص١١؛ المفردات للراغب الأصفهاني ص ١٣١؛ لسان العرب لابن منظور ج٣ص١٥٦-١٥٧؛ مختار الصحاح للرازي ص١٥٣؛ فتح القدير للشوكاني ج١ ص٦٨.\n(٢) انظر: تفسير ابن جرير الطبري ج٧ ص٨٢؛ تفسير البغوي ج١ ص٣٩؛ فتح القدير للشوكاني ج١ ص٦٨؛ أضواء البيان للشنقيطي ج١ ص١٠١.","vol":"1","page":17},{"text":"- ابن الجوزي (١) في تفسيره إلى هذا بقوله: «الحمد رفع بالابتداء، ولله الخبر، والمعنى الحمد ثابت لله ومستقرّ له (٢») .\nوبهذه الأسطر أرجو أن أكون قد مهدت للحديث عن مواضع حمد الله ذاته في كتابه الكريم. ولله الحمد والمنّة.\n_________\n(١) هو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي القرشي البغدادي، أبو الفرج (٥٠٨-٥٩٧؟): علامة عصره في التاريخ والحديث، كثير التصانيف، مولده ووفاته ببغداد، ونسبته إلى\n(مشرعية الجوز) من محالّها. من أشهر مصنفاته: زاد المسير في علم التفسير - صيد الخاطر - مناقب بغداد - نزهة الأعين النواظر في علم الوجوه والنظائر. (انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان ج١ ص٢٧٩؛ البداية والنهاية لابن كثير ج١٣ ص٣١-٣٣؛ الكامل لابن الأثير ج١٠ ص٢٢٨؛ الأعلام للزركلي ج٣ص٣١٦-٣١٧) .\n(٢) زاد المسير لابن الجوزي: ج ١ ص ١١.","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>الفصل الأول: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة الكتاب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>المبحث الأول: في وجه الحكمة بافتتاح الفاتحة بحمد الله ذاته الكريمة</span>\n...\nالفصل الأول:\nحمد الله ذاته الكريمة في فاتحة الكتاب\nقال الله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ (١) .\nالمبحث الأول:\nفي وجه الحكمة بافتتاح الفاتحة بحمد الله ذاته الكريمة\nمما يدلّ على عظم مقام الحمد عند الله - تعالى - أن افتتح به كتابه الكريم وصدّر آياته به.\nهذا وقد اجتهد أهل التفسير في بيان أوجه الحكمة في ذلك، منها: أنّ نعمة تنزيل القرآن الكريم هي أعظم النعم الدالة على جلائل صفاته تعالى وكمالها؛ خاصة وأنّه قد اشتمل القرآن الكريم على كمال المعنى واللفظ والغاية؛ فكان افتتاحه أولى المواطن بثناء الله ﵎ على ذاته.\nوهو في ذات الوقت أمرٌ لعباده بحمده وتذكير لهم بعظمة وجمال صفات منزِّله - سبحانه - وجزيل نعمته عليهم بإنزال كتابه عليهم وحفظه وتوفيقهم لتلاوته وسماعه وفهمه؛ وإذ فيه سعادتهم في الدارين (٢) .\nومنها - كذلك - أنّه لما كانت سورة الفاتحة مُنَزَّلةً من القرآن منزلة الديباجة من الكتاب، أو المقدّمة للخطبة، جعل افتتاحها بالحمد لله؛ وليكون سنة ماضية من بعد في افتتاح كل كلام مهم وعظيم، يقول ابن عاشور (٣) (رحمه الله تعالى) في\n_________\n(١) سورة الفاتحة: الآية (١) أو (٢) على الخلاف المشهور هل البسملة آية من الفاتحة أم لا؟\n(٢) انظر: تفسير الطبري ج١ ص ٤٦؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج١ ص ١٥٨.\n(٣) هو محمد الطاهر بن عاشور (١٢٩٧-١٣٩٣؟): رئيس المفتين المالكيين بتونس، وشيخ جامع الزيتونة وفروعه بتونس، مولده ووفاته ودراسته بها. عيّن عام (١٩٣٢م) شيخًا للإسلام مالكيًا، وهو من أعضاء المجمعين العربيين في دمشق والقاهرة. له مصنفات مطبوعة من أشهرها: مقاصد الشريعة – التحرير والتنوير في التفسير – أصول النظام الاجتماعي في الإسلام. (انظر: الأعلام للزركلي ج٦ ص ١٧٤) .","vol":"1","page":19},{"text":"ذلك: «فكان افتتاح الكلام بالتحميد سنة الكتاب المجيد لكل بليغ مجيد، فلم يزل المسلمون من يومئذ يلقِّبون كل كلام نفيس لم يشتمل في طالعه على الحمد بالأبتر أخذًا من حديث أبي هريرة (١) ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «كلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أو بالحمد فهو أقطع (٢»)\n_________\n(١) هو عبد الرحمن بن صخر الدوسي (٢١ق –٥٩؟) صحابي جليل، أكثر الصحابة حفظًا للحديث ورواية له، نشأ يتيمًا ضعيفًا في الجاهلية، وقدم إلى المدينة ورسول الله ﷺ بخيبر، فأسلم سنة ٧هـ، ولزم النبي ﷺ فروى عنه (٥٣٧٤) حديثًا، نقلها عنه أكثر من ثمانمائة رجل من صحابي وتابعي، ولي إمرة المدينة مدة، واستعمله عمر ﵁ فترة على البحرين، وكان أكثر مقامه بالمدينة وتوفي بها. (انظر: صفة الصفوة ج١ ص٦٨٥-٦٩٤؛ الإصابة في الكنى ج٤ ص ٢٠١-٢٠٨؛ أسد الغابة ج٥ ص٣١٨-٣٢١؛ الأعلام للزركلي ج٣ ص ٣٤) .\n(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب النكاح (٩) باب (١٩) خطبة النكاح، حديث\n(١٨٩٤) بهذا اللفظ (أقطع) والمراد أي مقطوع من البركة. وقال السندي في سنده: الحديث قد حسّنه ابن الصلاح والنووي. وأخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه (سنن ابن ماجه. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي ج١ ص٦١٠) .ولقد صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه رقم ٢٠٦٥. ورواه أبو داود بلفظ (كل كلام لايبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم) أي منقطع أبتر لا نظام له. والمعنى متقارب لما سبق. قال أبو داود: رواه يونس وعقيل وشعيب وسعيد بن عبد العزيز عن الزهري عن النبي ﷺ مرسلًا. وقال الحافظ المنذري: وأخرجه النسائي مسندًا ومرسلًا. (انظر: سنن أبي داود، إعداد وتعليق: عزت عبيد الدعاس وعادل السيد. ج ٥ كتاب الأدب (٣٥) باب في الخطبة (٢٢) حديث (٤٨٤١) ص ١٧٣، وانظر (مختصر سنن أبي داود للمنذري ج٧ ص١٨٩ حديث (٤٦٧٣) .","vol":"1","page":20},{"text":"وقد لُقِّبت خطبة زياد بن أبي سفيان التي خطبها بالبصرة بالبتراء لأنه لم يفتتحها بالحمد.. (١») .\nومنها - أيضًا - أنه لما كانت الفاتحة مناجاة للخالق –عزوجل - بما لايهتدي إلى الإحاطة بها في كلامه غيره - تعالى - قدّم الحمد لذاته وجعله في أولها، وليضعه المناجون له في كلّ مناجاتهم ودعائهم له؛ جريًا على طريقة بلغاء العرب عند مخاطبة العظماء بافتتاح خطابهم إياهم وطلبتهم بالثناء والذكر الجميل. قال أمية بن أبي الصلت يمدح عبد الله بن جدعان:\nأأذكر حاجتي أم قد كفاني ... حياؤك إنّ شيمتك الحياء\nإذا أثنى عليك المرء يومًا ... كفاه عن تعرّضه الثناء (٢)\nوقد دلّ على كون الفاتحة مناجاة لله عزوجل الحديث المروي عن أبي هريرة ﵁ وفيه قوله: فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، فإذا قال: مالك يوم الدين. قال: مجدني عبدي، وقال مرة: فوّض إليّ عبدي، فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط\n_________\n(١) انظر: التحرير والتنوير ج ١ ص ١٥٤.\n(٢) انظر: المرجع السابق ج١ ص ١٥٤، وأمية بن عبد الله أبي الصَّلت بن أبي ربيعة بن عوف الثقفي: شاعر جاهلي حكيم من أهل الطائف، وهو ممّن حرّموا على أنفسهم الخمر ونبذوا عبادة الأوثان في الجاهلية، أدرك النبي ﷺ ولكنه لم يسلم، توفي عام ٥؟. (انظر: الأعلام للزركلي ج٢ ص٢٣) وعبد الله بن جدعان هو التيمي القرشي أحد الأجواد المشهورين في الجاهلية، أدرك النبي ﷺ قبل النبوة، له أخبار كثيرة، وسمّاه اليعقوبي بين حكام العرب في الجاهلية. (انظر: الأعلام للزركلي ج٤ ص٧٦) .","vol":"1","page":21},{"text":"المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولاالضالين. قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل (١») .\nومن ذهب إلى أنّ قوله تعالى ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾ أوّل آية من سورة الفاتحة؛ فيكون قوله تعالى ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ الآية الثانية، وقد ذكروا مناسبة ورود الحمد بعد البسملة بأنه لما كانت البسملة نوعًا من الحمد ناسب تعقيبها وإردافها باسم الحمد الكليّ ﴿الحمد لله﴾ الجامع لجميع أفراده البالغ أقصى درجات الكمال (٢) . وهي مناسبة لطيفة سائغة.\nوإضافة إلى ما سبق ذكره فبالنظر إلى ما من أجله سميت الفاتحة بأمّ القرآن لاشتمال محتوياتها على أنواع مقاصد القرآن وهي ثلاثة أنواع: الثناء على الله ثناء جامعًا لوصفه بجميع المحامد وتنزيهه عن جميع النقائص، ولإثبات تفرّده بالإلهية وإثبات البعث والجزاء، وذلك من قوله ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ إلى قوله ﴿مالك يوم الدين﴾، والأوامر والنواهي من قوله ﴿إياك نعبد﴾، والوعد والوعيد من قوله ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ إلى آخرها، فهذه هي أنواع مقاصد القرآن (٣) . فبذلك كان الحمد لله هو أحد أركان هذه المقاصد بل من أولاها وأحراها بالتقديم لصلته وارتباطه بذات الله - تعالى - وإثبات صفات الكمال لها وتنزيهه عن كل نقص. وبهذا النظر يثبت للمتأمّل من هذه الجهة سرٌّ آخر من أسرار تقدّم الحمد ووجوده في هذا المقام الأعلى. والله أعلم بمراده.\n_________\n(١) رواه مسلم في صحيحه: كتاب الصلاة – باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة، حديث (٣٥) (صحيح مسلم بشرح النووي ج٢ ص٢٧) .\n(٢) انظر: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي ج١ ص ١٤؛ روح المعاني للآلوسي ج١ ص ٦٧.\n(٣) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج١ ص ١٣٣.","vol":"1","page":22},{"text":"المبحث الثاني:\nفي وجه الحكمة في إسناد الحمد إلى اسم الذات الإلهية\nوما جاء بعده من أوصاف.\nالذي يلحظه المتأمّل أنّ الحمد أُسْنِد أوّل ما أُسْنِد إلى اسم الذات الإلهية (الله)؛ وهذا هو شأن الحمد في جميع مواضع ذكره في القرآن الكريم، والحكمة في ذلك - والله أعلم بمراده - التنبيه على استحقاقه تعالى للحمد أوّلًا لذاته لا لشيء غيرها، باعتبار أنها حائزة لجميع الكمالات الإلهية؛ وأنها مصدر جميع الوجود وما فيه من الخيرات والنعم (١) .\nومن بعد إسناد الحمد لاسم ذاته تنبيهًا على الاستحقاق الذاتي أتبعه - سبحانه - بأربعة أوصاف له تعالى؛ ليؤذن باستحقاقه الوصفي للحمد - أيضًا - كما استحقّه بذاته؛ وذلك باعتبار تعلّقها وآثارها (٢) .\nوهذه الأوصاف أوّلها (ربّ العالمين) وقد تكرّر هذا الوصف لله تعالى في القرآن الكريم بشأن استحقاق الحمد في سبعة مواضع (٣)، ولا ريب أنّ هذا يدلّ على\n_________\n(١) انظر: تفسير أبي السعود ج ٣ ص ١٠٤؛ نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي ج١ ص ١٤؛ تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ج١ ص ٥٠؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج١ ص ١٦٦.\n(٢) انظر: تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ج١ ص٥٠؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج١ ص ١٦٦.\n(٣) في سورة الفاتحة، وسورة يونس الآية (١٠) في قوله ﴿..وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾، وفي سورة الصافات الآية (١٨٢) في قوله تعالى ﴿والحمد لله رب العالمين﴾، وفي سورة الزمر الآية (٧٥) بقوله ﴿وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾، وبسورة غافر الآية (٦٥) في قوله ﴿فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين﴾، وفي سورة الجاثية الآية (٣٦) بقوله ﴿فلله الحمد رب السموات ورب الأرض رب العالمين﴾ .","vol":"1","page":23},{"text":"أنّ استحقاق الله تعالى للحمد بربوبيته للعالمين (١) هو في أوّل درجات الاستحقاق الوصفي وأعلاها؛ ذلك بأنّ ربوبيته تعالى للعالمين تقتضي تربيته لهم وتدبيره وإصلاحه لأمورهم وشؤونهم بما أسبغ عليهم من نعمه الظاهرة والباطنة (٢) .\nوثاني الأوصاف وثالثها الوصفان الجليلان (الرحمن الرحيم)، والإتيان بهما في مقام الحمد - هنا - لتأكيد استحقاقه تعالى له؛ إذ إنّ من رحمته تعالى بخلقه ما يتقلّبون فيه من نعمه وإحسانه صباح مساء.\nقال الفخر الرازي (٣) في تفسيره الكبير: «فاعلم أنّ الرحمن الرحيم عبارة عن التخليص من أنواع الآفات؛ وعن إيصال الخيرات إلى أصحاب الحاجات (٤») .\nوفي وجه الحكمة في ذكر هاتين الصفتين الجليلتين لله تعالى بعد وصفه برب العالمين ذكر المفسرون أمرين: (أحدهما) الإشارة إلى أن تربيته سبحانه للعالمين ليست لحاجة به إليهم كجلب منفعة أو دفع مضرّة، وإنّما هي لعموم رحمته وشمول إحسانه. و(ثانيهما) البيان بأنّ ربوبيته ربوبية رحمة وإحسان لا ربوبية قهر\n_________\n(١) الراجح في معنى (العالمين) أنّه جمع العالَم (بفتح اللام) وهو كل موجود سوى الله تعالى. وهو مأخوذ من العلم والعلامة لأنه يدل على موجده. ودليله قوله تعالى ﴿قال فرعون وما رب العالمين. قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين﴾ الشعراء ٢٣ – ٢٤. (انظر: فتح القدير للشوكاني ج١ ص٧١؛ أضواء البيان للشنقيطي ج١ص١٠١) .\n(٢) انظر: تفسير الطبري ج١ ص٤٨؛ تفسير البغوي ج١ ص٣٩-٤٠؛ نظم الدرر للبقاعي ج١ ص١٤؛ تفسير المراغي ج١ ص٣٠.\n(٣) هو محمدبن عمربن الحسن بن الحسين التيمي البكري، أبو عبد الله (٥٤٤-٦٠٦هـ): الإمام المفسر، قرشي النسب، أصله من طبرستان، ومولده في الريّ وإليها نسبته، ويقال له: (ابن خطيب الريّ)، رحل إلى خوارزم وما وراء النهر وخراسان وتوفي في هراة. من أشهر مصنفاته: مفاتيح الغيب (التفسير الكبير) والمحصول في علم الأصول (انظر: لسان الميزان لابن حجر ج ٤ ص ٤٢٦؛ طبقات الشافعية للسبكي ج ٥ ص ٣٣؛ البداية والنهاية لابن كثير ج ١٣ ص ٦٠؛ الأعلام للزركلي ج٦ ص ٣١٣) .\n(٤) التفسير الكبير للفخر الرازي: ج١ ص ٧.","vol":"1","page":24},{"text":"وجبروت كما قد يفهمه البعض، وفي هذا جمع لهم بين الترغيب والترهيب ليقبلوا على ما يرضيه بنفوس مطمئنة وصدور منشرحة (١) .\nوآخر الأوصاف الإلهية في هذا المقام (مالك يوم الدين)، ولا ريب أنّ هذا الوصف يدلّ - أيضًا - على استحقاقه - تعالى - الحمد دون سواه؛ فمن كان مالكًا ليوم الثواب والعقاب وبيده جزاء خلقه على ما قدّموه في دنياهم مع بسطه لهم من نعمه وإحسانه فهو حقيق بأن لا يحمد إلا هو. وقد أشار إلى ذلك قوله عزوجل بآخر سورة الزمر في ختام مشهد القضاء: ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾ (٢) .\nوإجمالًا لما سبق ذكره - من البيان والتفصيل - أقول: إنّ هذه الصفات هي بمثابة التعليل لاستحقاقه الوصفي للحمد بعد استحقاقه الذاتي، وفي ذات الوقت تدلّ على أنّ من كان هذه صفاته لم يكن أحد أحقّ منه بالحمد والثناء. وفي هذا يقول ابن عاشور: «إجراء هذه الأوصاف الجليلة على اسمه تعالى إيماء بأنّ موصوفها حقيق بالحمد الكامل الذي أعربت عنه جملة (الحمد لله)؛ لأنّ تقييد مفاد الكلام بأوصاف متعلّق ذلك المفاد يشعر بمناسبة بين تلك الأوصاف وبين مفاد الكلام» (٣) .\nلطائف:\nالأولى: لابن قيم الجوزية (٤) كلام حسن حول ما تدلّ عليه هذه الأوصاف في\n_________\n(١) انظر: فتح القدير للشوكاني ج١ ص٧١؛ تفسير المنار لمحمد رشيد رضا ج١ ص ٥١؛ تفسير المراغي ج١ص ٣١.\n(٢) سورة الزمر: الآية (٧٥) .\n(٣) التحرير والتنوير: ج١ ص ١٧٧.\n(٤) هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي الدمشقي، أبو عبد الله، شمس الدين\n(٦٩١-٧٥١هـ): الإمام المشهور بابن قيم الجوزية، مولده ووفاته بدمشق، تتلمذ لشيخ الإسلام ابن تيمية حتى كان لايخرج عن شيء من أقواله؛ بل ينتصر له في جميع ما يصدر عنه، وهو الذي هذّب كتبه ونشر علمه، وسجن معه في قلعة دمشق، وأطلق بعد موته.\nمن أشهر مؤلفاته: إعلام الموقعين – زاد المعاد- مدارج السالكين. (انظر: الدرر الكامنة لابن حجر ج٣ ص٤٠٠؛ البداية والنهاية لابن كثير ج١٤ ص ٢٤٦؛ شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي ج٦ ص١٦٨؛ الأعلام للزركلي ج٦ ص ٥٦) .","vol":"1","page":25},{"text":"هذا المقام إذ يقول: «في ذكر هذه الأسماء بعد الحمد، وإيقاع الحمد على مضمونها ومقتضاها ما يدلّ على أنّه محمود في إلهيته، محمود في ربوبيته، محمود في رحمانيته، محمود في ملكه، وأنه إله محمود، ورب محمود، ورحمان محمود، وملك محمود. فله بذلك جميع أقسام الكمال: كمال من هذا الاسم بمفرده، وكمال من الآخر بمفرده، وكمال من اقتران أحدهما بالآخر..» (١) .\nالثانية: وفي وجه افتتاح الفاتحة بالحمد دون التسبيح مع كون التخلية مقدّمة على التحلية قال الفخر الرازي: «إنّ التحميد يدلّ على التسبيح دلالة التضمّن، فإن التسبيح يدلّ على كونه مبرءًا في ذاته وصفاته عن النقائص والآفات، والتحميد يدلّ مع حصول تلك الصفة على كونه محسنًا إلى الخلق منعمًا عليهم رحيمًا بهم، فالتسبيح إشارة إلى كونه تعالى تامًا والتحميد يدلّ على كونه تعالى فوق التمام» (٢) .\nوالثالثة: في وجه تقديم الرحمن على الرحيم بقوله تعالى: ﴿الرحمن الرحيم﴾ يقول ابن عاشور: «تقديم الرحمن على الرحيم لأنّ الصيغة الدالة على الاتصاف الذاتي أولى بالتقديم في التوصيف من الصفة الدالة على كثرة متعلّقاتها» (٣) .\nوبهذه اللطائف المفيدة المعتبرة أختم الحديث عن هذا الموضع من مواضع حمد الله ذاته الكريمة، وهو فاتحة المواضع كما هو فاتحة الكتاب ولله الحمد والمنة.\n_________\n(١) مدارج السالكين: ج١ ص ٣٥.\n(٢) التفسير الكبير للفخر الرازي: ج١ ص ٢٢٤.\n(٣) التحرير والتنوير لابن عاشور: ج١ ص ١٧٢.","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الفصل الثاني: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة الأنعام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>المبحث الأول: في مناسبة فاتحة السورة بالحمد بخاتمة السورة قبلها</span>.\n...\nالفصل الثاني:\nحمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة الأنعام\nقال الله تعالى ﴿الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ (١) .\nالمبحث الأول: في مناسبة فاتحة السورة بالحمد بخاتمة السورة قبلها.\nذكر السيوطي (٢) في كتابه (أسرار ترتيب القرآن) أنه قال بعض أهل العلم في مناسبة فاتحة هذه السورة بخاتمة سورة المائدة قبلها أنّ هذه افتتحت بالحمد وتلك خُتِمت بفصل القضاء للتلازم بين الأمرين كما قال تعالى ﴿وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين﴾ (٣) .وأضاف على ما ذكره سابقًا فقال: «وقد ظهر لي - بفضل الله - أنّه لما ذكر في آخر المائدة ﴿لله ملك السموات والأرض وما فيهن﴾ (٤) على سبيل الإجمال افتتح هذه السورة بشرح ذلك وتفصيله، فبدأ\n_________\n(١) سورة الأنعام: الآية (١) .\n(٢) هو عبد الرحمن بن أبي بكر محمد بن سابق الدين الخضيري السيوطي، جلال الدين\n(٨٤٩-٩١١؟): إمام حافظ مؤرخ أديب، نشأ في القاهرة يتيمًا، ولما بلغ أربعين سنة اعتزل الناس فألف أكثر كتبه، وبقي على ذلك إلى أن توفي، له نحو ٦٠٠ مصنف، من أشهرها: الإتقان في علوم القرآن – تاريخ الخلفاء – الدر المنثور في التفسير المأثور – الجامع الصغير في الحديث – تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي في مصطلح الحديث. (انظر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب ج٨ ص٥١؛ الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ج٤ ص٦٥؛ الأعلام للزركلي ج٣ ص ٣٠١-٣٠٢) .\n(٣) سورة الزمر: الآية (٧٥) .\n(٤) سورة المائدة: الآية (١٢٠) .","vol":"1","page":27},{"text":"بذكر أنه خلق السموات والأرض وضمّ إليه أنّه جعل الظلمات والنور وهو بعض ما تضمنه قوله (ومافيهن) في آخر المائدة، وضمّن قوله (الحمد لله) أوّل الأنعام أنّ له ملك جميع المحامد وهو من بسط ﴿لله ملك السموات والأرض وما فيهن﴾» (١)، فهذه المناسبة خاصة في وجه ارتباط السورتين من حيث ختام السابقة وابتداء اللاحقة وهي مناسبة لطيفة أحببت الإشارة إليها والتذكير بها.\n_________\n(١) أسرار ترتيب القرآن للسيوطي: ص ٩٧.","vol":"1","page":28},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>المبحث الثاني: في غاية حمد الله ذاته بالآية وصلته بما بعده</span>\nإنّ سورة الأنعام التي جاءت هذه الآية في فاتحتها تعدّ أصلًا عظيمًا في محاجة المشركين وغيرهم من المكذبين والمبتدعين (١)، وكانت هذه الآية هي بداية المحاجة لهم والردّ عليهم بما يبطل شركهم ويدحض ضلالهم.وافتتاحها بحمد الله ذاته الكريمة يعتبر أول سبل إقامة الحجة على المشركين الذين اتخذوا شركاء لله من أوثان وأصنام؛ ذلك أنّ هذه الجملة (الحمد لله) تفيد - كما بينت سابقًا - استحقاقه تعالى الحمد وحده واختصاصه به دون غيره، وبذلك فهي ردٌّ عليهم في حمدهم لأصنامهم وأوثانهم بما تخيّلوه من إسدائها إليهم نعمًا ونصرًا وتفريج كربات، وما اقتضاه ذلك من عبادتهم إياها؛ ولا ريب أنّ العبادة هي أقصى غايات الشكر الذي رأسه الحمد (٢) . ولهذا قال ابن جرير الطبري (٣) في هذا المقام: «الحمد الكامل لله وحده لا شريك له دون جميع الأنداد والآلهة ودون ما سواه مما تعبده كفرة خلقه من الأوثان والأصنام. وهذا كلام مخرجه مخرج الخبر ينحى به نحو الأمر يقول: أخلصوا الحمد والشكر للذي خلقكم وخلق السموات والأرض ولا\n_________\n(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ج٦ ص ٣٨٣.\n(٢) انظر: تفسير أبي السعود ج٣ ص ١٠٤؛ فتح القدير للشوكاني ج٢ ص ١٠٢؛ محاسن التأويل للقاسمي ج٦ ص ٤٥٥؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج٧ ص ١٢٥ –١٢٦.\n(٣) هو محمد بن جرير بن يزيد الطبري، أبو جعفر (٢٢٤-٣١٠هـ): المؤرخ المفسر الإمام، ولد في آمل طبرستان واستوطن بغداد وتوفي بها، عرض عليه القضاء فامتنع والمظالم فأبى، من أشهر مؤلفاته: أخبار الرسل والملوك (تاريخ الطبري) – جامع البيان في تفسير القرآن – اختلاف الفقهاء (انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ج٢ ص٣٥١؛ البداية والنهاية ج١١ ص١٥٦-١٥٨؛ لسان الميزان لابن حجر ج٥ ص ١٠٠-١٠٣؛ سير أعلام النبلاء للذهبي ج١٤ ص٢٦٧-٢٨٢؛ الأعلام للزركلي ج٦ ص٦٩) .","vol":"1","page":29},{"text":"تشركوا معه في ذلك أحدًا شيئًا فإن المستوجب عليكم بالحمد بأياديه عندكم ونعمه عليكم لامن تعبدونه من دونه وتجعلونه له شريكًا من خلقه» (١) .\nوبعد حمده تعالى لذاته ذكر بعضًا من عظائم آثاره وجلائل أفعاله وآلائه الدالّة على قدرته العظيمة الكاملة الموجبة لاستحقاقه الحمد واستقلاله به إضافة إلى الاستحقاق الذاتي، وذلك هو قوله تعالى ﴿الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ وهذه الجملة من الآية هي بمثابة الوصف له تعالى؛ إذ الموصول - ههنا - في محلّ الصفة لاسم الجلالة، وهي في نفس الأمر لها مفهوم العلة للحمد؛ فهو حقيق بالحمد وحدد دون سواه بسبب ما عُلِم من صفاته الذاتية الكاملة وأفعاله وآلائه ونعمه الجسيمة (٢) .\n_________\n(١) تفسير الطبري: ج٧ ص٩٢.\n(٢) انظر: تفسير أبي السعود ج٣ ص١٠٤؛ تفسير الآلوسي ج٧ ص٨٠؛ فتح القدير للشوكاني ج٢ ص١٠٢؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ح٧ ص١٢٦؛ محاسن التأويل للقاسمي ج٦ ص٤٥٠.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>المبحث الثالث:\nفي بيان قوله تعالى: ﴿الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾</span>\nأخبر الله تعالى عن قدرته العظيمة الكاملة بخلق السموات والأرض وجعله الظلمات والنور، وإنّما خصّ خلق السموات والأرض بالذكر دون غيرهما من المخلوقات - في هذا المقام لكونهما أعظمها ولاشتمالهما على جملة الآثار العلوية والسفلية وعامة الآلاء والنعم الجليّة والخفيّة التي أجلّها نعمة الوجود الكافية في إيجاب حمده تعالى على كلّ موجود، هذا بالإضافة إلى ما فيهما من أنواع وفنون النعم الأنفسية والآفاقية المنوط بها مصالح العباد ومنافعهم في المعاش والمعاد (١) .\nوأما الظلمات والنور فجمهور المفسرين على أن المراد بهما سواد الليل وضياء النهار (٢)، وتخصيص جعلهما بالذكر في هذا المقام لاستواء جميع الناس في إدراكهما والشعور بهما (٣)، مع كونهما أمرين خطيرين ونعمتين عظيمتين مرتبطتين بانتظام الحياة والمعاش على هذا الكون. قال الله تعالى ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلًا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب..﴾ الآية (٤) .\nلطائف:\nالأولى: إنّ في ذكر هذه المخلوقات الأربعة (السموات والأرض والظلمات والنور) تعريضًا بإبطال عقائد كفار العرب من مشركين وصابئة ومجوس\n_________\n(١) انظر: تفسير البغوي ج٢ ص ٨٣؛ تفسير أبي السعود ج٣ ص ١٠٤.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي ج٦ ص ٣٨٦.\n(٣) انظر: التحرير والتنوير ج٧ ص١٢٧.\n(٤) انظر: تفسير ابن كثير ج٢ ص ١٢٣. والآية بسورة الإسراء رقم:١٢.","vol":"1","page":31},{"text":"ونصارى، إذ إنّهم قد أثبتوا آلهة غير الله تعالى من هذه الأربع، فالمشركون أثبتوا آلهة من الأرض، والصابئة أثبتوا آلهة من الكواكب السماوية، والنصارى أثبتوا إلهية عيسى ﵇ أو عيسى ومريم ﵉ وهما من الموجودات الأرضية، والمجوس وهم المانوية ألّهوا النور والظلمة فجعلوا النور إله الخير والظلمة إله الشر؛ فأخبرهم الله عزوجل أنه خالق السموات والأرض أي وبما فيهن وخالق الظلمات والنور، فكيف يجعلون المخلوق إلهًا ويساوونه بالخالق سبحانه؟! (١)\nالثانية: إنّ التعبير بالخلق في شأن السموات والأرض؛ وبالجعل في شأن الظلمات والنور دلالة على فرق دقيق بين الكلمتين أشار إليه ابن عاشور إذ قال: «التفرقة بين جعل وخلق معدود من فصاحة الكلمات، وإن لكل كلمة مع صاحبتهما مقامًا، وهو ما يسمى برشاقة الكلمة، ففعل (خَلَق) أليق بإيجاد الذوات، وفعل (جَعَل) أليق بإيجاد أعراض الذوات وأحوالها ونظامها» (٢) .\nالثالثة: وإنّ في تقديم السموات على الأرض والظلمات على النور مراعاة لترتيب الوجود، فإنّ السموات تقدّم وجودها على الأرض كما هي على حالها الآن، والظلمات سابقة النور، فإن النور حصل بعد خلق الذوات المضيئة وكانت الظلمة عامة (٣) .والله أعلم بمراده.\n_________\n(١) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج٧ ص ١٢٧.\n(٢) المرجع السابق: ج٧ ص ١٢٧.\n(٣) انظر: تفسير أبي السعود ج٣ ص ١٠٥؛ التحرير والتنوير ج٧ ص ١٢٧.","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-10>المبحث الرابع:\nفي وجه العطف بقوله تعالى ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾</span>\nيجيء ختام هذه الآية الكريمة - عطفًاعلى ما سبق ذكره في أولها بقوله ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ ويحتمل أن يكون معطوفًا على قوله (الحمد الله) على معنى أنّ الله حقيق بالحمد على كل ما خلق لأنه ما خلقه إلا نعمة منه ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ (١) أي يسوّون بينه تعالى وبين غيره في العبادة فيكفرون بنعمته، ويحتمل أن يكون معطوفًا على قوله ﴿الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ على معنى أنه خلق هذه الأشياء العظيمة التي لا يقدر عليها أحد سواه؛ ثم إنّهم يعدلون به جمادًا لا يقدر على شيء أصلًا (٢) .\nوالإتيان بحرف العطف (ثم) للتعجب من حال هؤلاء المشركين؛ والإنكار عليهم؛ واستبعاد أن يعدلوا به تعالى غيره مع وضوح وبيان آيات قدرته ودلائل نعمته وإحسانه (٣) . وبالتالي فهي دالة على قبح المشركين وسوء طويتهم. وفي هذا يذكر القرطبي (٤) قول\n_________\n(١) قال البغوي في تفسيره: (يعدلون) يشركون، وأصله خلق مساواة الشيء بالشيء ومنه العدل، أي يعدلون بالله غير الله تعالى، يقال عدلت هذا بهذا إذا ساويته (تفسير البغوي ج٢ ص٨٤) وانظر (المفردات للراغب ص ٣٢٥) .\n(٢) انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ج١٢ ص١٥٢؛ فتح القدير للشوكاني ج٢ ص١٠٣\n(٣) انظر: تفسير الطبري ج٧ ص٩٢-٩٣؛ التفسير الكبير الفخر الرازي ج١٢ ص١٥٢؛ تفسير النسفي ج٢ص٢؛فتح القدير للشوكاني ج٢ص١٠٣؛ التحرير والتنوير ج٧ ص١٢٨-١٢٩.\n(٤) هو محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي الأندلسي، أبو عبد الله، القرطبي: من كبار المفسرين، صالح متعبد، من أهل قرطبة، رحل إلى الشرق واستقر بمنية ابن خصيب في شمالي أسيوط بمصر وتوفي بها عام ٦٧١هـ. (انظر: الأعلام للزركلي ج٥ ص٣٢٢) .","vol":"1","page":33},{"text":"ابن عطية (١) إذ قال: «فـ (ثم) دالة على قبح المشركين؛ لأن المعنى: أنّ خلق السموات والأرض قد تقرر وآياته قد سطعت وإنعامه بذلك قد تبين، ثم بعد ذلك كله عدلوا بربهم، فهذا كما تقول: يا فلان أعطيتك وأكرمتك وأحسنت إليك ثم تشتمني. ولو وقع العطف بالواو في هذا ونحوه لم يلزم التوبيخ كلزومه بثمّ» (٢) .\nلطائف:\nالأولى: إنّ تقديم (بربهم) على الفعل (يعدلون) لزيادة الاهتمام والمسارعة إلى تحقيق مدار الإنكار والاستبعاد؛ مع المحافظة والمراعاة للفواصل.\nالثانية: وإنّ حذف المفعول - ههنا - لظهوره، أو لتوجيه الإنكار إلى نفس الفعل بتنزيله منزلة اللازم إيذانًا بأنه المدار في الاستبعاد والإنكار لا خصوصية المفعول.\nالثالثة: ثم إن في وضع الربّ في قوله: (بربّهم) موضع ضميره زيادة للتشنيع على المشركين والتقبيح لهم (٣) .\nوبهذه اللطائف يتم الكلام حول هذا الموضع من مواضع حمد الله ذاته الشريفة ولله الحمد والمنة.\n_________\n(١) هو عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن بن عطية المحاربي، من محارب قيس، الغرناطي، أبو محمد (٤٨١-٥٤٢؟): مفسر وفقيه، أندلسي من أهل غرناطة، وله شعر، ولي قضاء المرية، وكان يكثر الغزوات في جيوش الملثمين وتوفي بلورقة. من أشهر كتبه: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. (انظر: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي ص ٢٩٥؛ نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب للمقري ج١ ص٥٩٣؛ الأعلام للزركلي ج٣ ص٢٨٢) .\n(٢) تفسير القرطبي: ج٦ ص ٣٨٧.\n(٣) انظر: تفسير أبي السعود ج٣ ص ١٠٥.","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>الفصل الثالث: حمد الله ذاته الكريمة عند هلاك الظالمين في آية سورة الأنعام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الأول: في وجه صلة آية الحمد بما قبلها</span>\n...\nالفصل الثالث:\nحمد الله ذاته الكريمة عند هلاك الظالمين في آية سورة الأنعام\nقال الله تعالى ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله ربّ العالمين﴾ (١)\nالمبحث الأول: في وجه صلة آية الحمد بما قبلها\nتأتي هذه الآية الكريمة في ختام آيات أخبر الله فيها عن أمم من خلقه - ممن كفر به وأشرك في عبادته وعصاه - بما ابتلاهم به من حال الضرّاء وحال السرّاء لعلهم يرجعون عن كفرهم وشركهم؛ ولكنهم ازدادوا بعدًا وقست قلوبهم ونسوا ما ذُكِّروا به وجحدوا نعمة الله بعد أن جاءتهم فأخذهم الله بغتة وأهلكهم بسبب عنادهم وإصرارهم على كفرهم به. وتلكم الآيات هي قوله تعالى ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم ممن قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرّعون. فلولا إذ جاءهم بأسنا تصرّعوا ولكن قست قلوبهم وزيّن لهم الشيطان ما كانوا يعملون.فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أؤتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون﴾ (٢) . فكانت من بعد هذه الآية، وصُدِّرت بحرف العطف (الفاء) لعطفها على ما قبلها إذ قال تعالى (فقطع دابر القوم الذين ظلموا)،\nوالعطف على جملة (أخذناهم بغتة) أي فأخذناهم أخذ الاستئصال فلم يبق منهم أحد أبدًا (٣) .\n_________\n(١) سورة الأنعام: الآية (٤٥) .\n(٢) سورة الأنعام: الآيات (٤٢-٤٤) . ومعنى (مبلسون) أي: آيسون من كلّ خير (تفسير ابن كثير: ج٢ ص ١٣٢) .\n(٣) انظر: محاسن التأويل للقاسمي ج٦ ص٥٢٠؛ التحرير والتنوير ج٧ ص ٢٣١.والدابر اسم فاعل من دَبَره إذا مشى وراءه، والمصدر الدبُور، ودابر الناس آخرهم، وهو مشتق من الدُبُر وهو الوراء. وقطع الدابر كناية عن استئصال الجميع لأن ذهاب آخر الشيء يستلزم ذهاب ما قبله. وقال الأصمعي: الدابر الأصل، ومنه قطع الله دابره أي أصله. (انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ج١٢ ص٢٢٦؛ محاسن التأويل ج٦ ص٥٢٠؛ التحرير والتنوير ج٧ ص٢٣١) .","vol":"1","page":35},{"text":"لطيفة: إنّ الإتيان بالاسم الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلة الحكم، فإنّ هلاكهم بسبب ظلمهم الذي هو وضع الكفر موضع الشكر وإقامة المعاصي مقام الطاعات (١) . وإنّما وُصِف المشركون بالذين ظلموا لأن الشرك هو أعظم الظلم إذ هو اعتداء على حق الله على عباده من التوحيد، كما أنه يستتبع مظالم عدة لأن أصحابه لا يؤمنون بشرع يزع الناس عن الظلم (٢) .\n_________\n(١) انظر: تفسير أبي السعود ج٣ ص ١٣٤.\n(٢) التحرير والتنوير لابن عاشور: ج٧ ص ٢٣١.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المبحث الثاني: في بيان حمد الله ذاته العليّة في الآية وغايته</span>\nيحمد الله ذاته العليّة في الشطر الثاني من الآية بقوله: ﴿والحمد لله رب العالمين﴾، ويجوز أن تكون معطوفة على قوله تعالى ﴿ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك﴾ وما اتصل بعدها من الآيات عطف غرض على غرض، ويجوز أن تكون اعتراضًا تذييليًا فتكون الواو اعتراضية (١) .\nوعلى كلّ حال فإنّ حمد الله ذاته في هذا الموضع له غاية وحكمة والظاهر في ذلك أنه إنّما حمد الله ذاته - ههنا - لِما قضى به من إهلاك الظالمين؛ إذ إنّ في هلاكهم إصلاحًا لأهل الأرض وتخليصًا لهم من سوء عقائدهم وشرّ أعمالهم وظلمهم، وبه يعود العدل والحقّ بعد الجور والضلال.. ولاريب أنّ هذا من عظيم نعم الله على خلقه، وهو مقام من مقامات استحقاق الله سبحانه للحمد والثناء.\nكما أنّ هلاك الكفرة الظالمين يستتبع نعمًا أخرى غير ما ذكر بشأن الناس عامة، إذ فيه أيضًا إنعام على رسل الله ﵈ ودعاته الصالحين بإظهار حججهم ونصرهم على أعدائهم وإعلاء كلمة الحق التي جاءوا بها. وكل ذلك نعم جليلة حقيق به تعالى أن يحمد ذاته عليها (٢) .\nونظير ذلك قوله تعالى بشأن هلاك قوم لوط ﵇: ﴿وأمطرنا عليهم مطرًا فساء مطر المنذرين. قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى..﴾ الآية (٣)، فإن قوله تعالى ﴿قل الحمد لله﴾ جاء بعد بيانه - عزّوجلّ - لما حلّ من الهلاك بقوم لوط،\n_________\n(١) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج٧ ص٢٣٢.\n(٢) انظر: تفسير الطبري ج٧ ص ١٢٤-١٢٥؛ التفسير الكبير للفخر الرازي ج ١٢ ص ٢٢٦-٢٢٧؛ تفسير أبي السعود ج٣ ص ١٣٤؛ تفسير القرطبي ج٦ ص٤٢٧؛ زاد المسير لابن الجوزي ج ٣ ص ٤١؛ تفسير الخازن ج٢ ص١٣٤؛ تفسير الآلوسي ح٧ ص ١٥٢؛ فتح القدير للشوكاني ج٢ ص١٢١؛ التحرير والتنوير ج٧ ص ٢٣٢.\n(٣) سورة النمل: الآيتان (٥٨-٥٩)، وانظر: محاسن التأويل للقاسمي ج٦ ص٥٢١.","vol":"1","page":37},{"text":"وإن كان في هذا المقام أمر منه سبحانه لحمده؛ ولكن يدلّ على حمده لذاته إذ إنّه هو الآمر به والمريد له تعالى.\nهذا وإن تعلّق الحمد لذاته بوصف رب العالمين ناسب هذا المقام؛ لما أن ربوبيته تعالى للعالمين - كما سبق بيانه - تقتضي تدبير شؤونهم ورعاية أحوالهم ومصالحهم وتربيتهم بالعدل، ولاشك أنّ هلاك الظالمين الكفرة هو من أعظم ما يكون من تدبير شؤون العالمين ورعاية مصالحهم وإقامة الحق والعدل وتربيتهم عليه وبه؛ فلله الحمد رب العالمين.\nلطيفتان:\nالأولى: قال الزمخشري (١) في شأن حمد الله لذاته الكريمة ههنا أنه «إيذان بوجوب الحمد عند هلاك الظلمة؛ وأنه من أجلّ النعم وأجزل القِسَم» (٢) .\nوالثانية: قال القرطبي فيما عرّضت به هذه الآية: «وتضمنت هذه الآية الحجة على وجوب ترك الظلم لما يعقب من قطع الدابر إلى العذاب الدائم مع استحقاق القاطع الحمد من كلّ حامد» (٣) .\nوبهاتين اللطيفتين يتم الكلام حول هذا الموضع ولله الحمد والمنة.\n_________\n(١) هو: محمود بن عمر بن محمد بن أحمد الخوارزمي الزمخشري، جار الله، أبو القاسم\n(٤٦٧-٥٣٨): ولد في زمخشر (من قرى خوارزم) وسافر إلى مكة وجاور بها زمنًا فلقب بجار الله، وتنقل إلى البلدان ثم عاد إلى الجرجانية (من قرى خوارزم) فتوفي بها. أشهر كتبه: الكشاف في تفسير القرآن – أساس البلاغة – المقامات. وكان معتزلي المذهب مجاهرًا شديد الإنكار على المتصوّفة. (انظر: لسان الميزان لابن حجر ج٦ ص٤؛ وفيات الأعيان لابن خلكان ج٢ ص٨١؛ مفتاح السعادة ومصباح السيادة لطاش كبرى زادة ج ١ ص ٤٣١؛ الأعلام للزركلي ج٧ ص ١٧٨) .\n(٢) تفسير الكشاف: ج٢ ص ١٤.\n(٣) تفسير القرطبي: ج٢ ص ٤٢٧.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>الفصل الرابع: حمد الله ذاته الكريمة عند إظهار الحجة في آية سورة النحل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>المبحث الأول: في بيان الآية وصلتها بما قبلها</span>\n...\nالفصل الرابع:\nحمد الله ذاته الكريمة عند إظهار الحجة في آية سورة النحل\nقال الله تعالى ﴿ضرب الله مثلًا عبدًا مملوكًا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقًا حسنًا فهو ينفق منه سرًا وجهرًا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ (١) .\nالمبحث الأول: في بيان الآية وصلتها بما قبلها\nلما نهى الله - تعالى - المشركين عن ضرب الأمثال المتضمنة للتسوية بينه وبين خلقه وهو ما جاء في قوله تعالى ﴿ويعبدون من دون الله مالا يملك لهم رزقًا من السموات والأرض شيئًا ولا يستطيعون. فلا تضربوا لله الأمثال إنّ الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ (٢) فلمّا نهاهم عن ذلك ضرب - سبحانه - مثلًا (٣) له ولمن يُعبد من دونه من الأوثان والأصنام برجلين أحدهما عبد مملوك أي رقيق لا يملك نفسه ولا يملك من المال والدنيا شيئًا، والثاني حرّ غني قد رزقه الله رزقًا حسنًا من جميع أصناف المال وهو كريم محبٌّ للإحسان فهو ينفق منه سرًا وجهرًا، وإظهارًا للحجة في هذا المثل المضروب قال تعالى بعده (هل يستوون)، أي هل يستوي هذا وذاك؟! والجواب بلا شك: لا يستويان؛ مع أنهما مخلوقان وغير محال\n_________\n(١) سورة النحل: الآية (٧٥) .\n(٢) سورة النحل: الآيتان (٧٣-٧٤) .\n(٣) في لسان العرب لابن منظور: «ضرب الله مثلًا أي وصف وبيّن، وقولهم: ضرب له المثل بكذا إنّما معناه بيّن له ضرْبًا من الأمثال أي صنفًا منها، وقد تكرر في الحديث ضرب الأمثال، وهو اعتبار الشيء بغيره وتمثيله به» (لسان العرب: ج١ ص ٥٤٩-٥٥٠) . ولقد ذكر الله تعالى في كتابة ثلاثة وأربعين مثلًا في موضوعات شتى. ومن الكتب التي أفردت في هذا الباب كتاب (الأمثال في القرآن الكريم) لابن قيم الجوزية، وقد حقّقه: سعيد محمد نمر الخطيب، طبعة دار المعرفة ببيروت.","vol":"1","page":39},{"text":"استواؤهما، فإذا كان لايستويان فكيف يستوي المخلوق والعبد الذي ليس له ملك ولاقدرة ولا استطاعة بل هو فقير من كل الوجوه بالربّ المالك لجميع الممالك القادر على كل شيء سبحانه، بل وكيف بالأوثان والأصنام الجامدة العاجزة عن كل شيء؟!\nوالمراد: فكيف تجعلونها أيها المشركون شركاء لي تعبدونها من دوني مع هذا التفاوت العظيم والفرق المبين (١) .\nوإلى هذا المعنى ذهب جمهور المفسرين، وقد ذهب البعض منهم كابن جرير الطبري إلى أنّ هذا المثل ضربه الله للكافر من عبيده والمؤمن به، فأمّا مثل الكافر فإنه لايعمل بطاعة الله ولا يأتي خيرًا ولاينفق من ماله شيئًا في سبيل الله فهو كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء فينفقه، وأما المؤمن بالله فإنه يعمل بطاعته وينفق ماله في سبيله كالحرّ الذي آتاه الله مالًا فهو ينفق منه سرًا وجهرًا (٢) .\nولكن القول الأول هو الأولى والأقرب؛ لأنّ ما قبل هذه الآية من الآيات - كما بينته سابقًا - بل وما بعدها إنما جاءت في إثبات التوحيد وفي الردّ على القائلين بالشرك، فحمل هذا المثل على هذا المعنى هو الأولى، وما نُقِل عن ابن عباس ﵄ (٣) في القول الثاني لم يصح؛ لأنه روي بسند مسلسل\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي ج١٠ ص ١٤٦-١٤٧؛ تفسير أبي السعود ج٥ ص١٢٩، التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٠ص٨٣؛ أمثال القرآن لابن القيم ص ٢٠٤-٢٠٥؛ تفسير الآلوسي ج١٤ ص١٩٤-١٩٥؛ محاسن التأويل للقاسمي ج١٠ ص١٣٤-١٣٥؛ تفسير السعدي ج٤ ص٢٢١-٢٢٢؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج١٤ ص٢٢٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري ج١٤ ص١٠٠؛ تفسير البغوي ج٣ص٧٨؛ تفسير ابن كثير ج ٢ ص٥٧٨.\n(٣) هو: عبد الله بن عباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي، أبو العباس (٣ق. هـ-٦٨هـ): حبر الأمة، ولد بمكة ونشأ في عصر النبوة فلازم النبي ﷺ وروى عنه الأحاديث، شهد مع علي الجمل وصفين. سكن الطائف ومات بها. (انظر: أسد الغابة لعز الدين بن الأثير أبي الحسن علي بن محمد الجزري ج٣ ص١٨٦-١٩٠؛ الإصابة لابن حجر ج٢ ص٣٢٢-٣٢٦؛ الأعلام للزركلي ج٤ ص٩٥) .","vol":"1","page":40},{"text":"بالضعفاء. ولابن القيم كلام مفيد في ترجيح القول الأول بعد إيراده للقولين حيث قال: «والقول الأول أشبه، فإنه أظهر في بطلان الشرك؛ وأوضح عند المخاطب وأعظم في إقامة الحجة وأقرب نسبًا بقوله تعالى ﴿ويعبدون من دون الله ما لايملك لهم رزقًا من السموات والأرض شيئًا ولا يستطعيون فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ (١) ثم قال ﴿ضرب الله مثلًا﴾، ومن لوازم هذا المثل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحِّد كمن رزقه منه رزقًا حسنًا والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لايقدر على شيء، فهذا ممّا نبّه عليه المثل وأرشد إليه فذكره ابن عباس ﵁ منبهًا على إرادته؛ لأنّ الآية اختصت به فتأمّله فإنّك تجده كثيرًا في كلام ابن عباس ﵁ وغيره من السلف في فهم القرآن فيظنّ الظانّ أنّ ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره فيحكيه قوله» (٢) .\nلطائف:\nالأولى: إنّ في إبهام المثل أولًا (ضرب الله مثلًا) ثم بيانه بما ذكر ما لايخفى من الفخامة والجزالة (٣) .\nالثانية: في قوله تعالى ﴿.. ومن رزقناه منا رزقًا حسنًا فهو ينفق منه سرًا وجهرًا﴾ . إيثار لما عليه النظم الكريم من الجملة الاسمية الفعلية الخبر؛ وذلك للدلالة على ثبات الإنفاق واستمراره التجدّدي (٤) .\n_________\n(١) سورة النحل: الآيتان (٧٣-٧٤) .\n(٢) الأمثال في القرآن الكريم لابن قيم الجوزية: ص ٢٠٥ – ٢٠٦.\n(٣) انظر: تفسير أبي السعود ج٥ ص ١٢٩.\n(٤) انظر: المرجع السابق ج٥ ص ١٢٩.","vol":"1","page":41},{"text":"الثالثة: وإنّ في العدول عن تطبيق القرينتين بأن يقال وحرًا مالكًا للأموال كما قال (عبدًا مملوكًا) - مع كونه أدلّ على تباين الحال بينه وبين قسيمه - توخيًا لتحقيق الحق بأنّ الأحرار أيضًا تحت ربقة عبوديته تعالى، وأنّ مالكيتهم لما يملكونه ليست إلا بأن يرزقهم الله تعالى إياه من غير أن يكون لهم مدخل في ذلك (١) .\nوالرابعة: في قوله تعالى (هل يستوون) الاستفهام للإنكار، وجمع الضمير للإيذان بأنّ المراد بما ذكر من اتصف بالأوصاف المذكورة من الجنسين\nلا فردان معيّنان منهما، هذا مع أنّ (من) اسم يصلح للواحد والاثنين والجمع (٢) .\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق ج٥ ص ١٢٩.\n(٢) انظر تفسير البغوي ج٣ ص ٧٨؛ تفسير أبي السعود ج٥ ص١٢٩.","vol":"1","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المبحث الثاني: في بيان موضع الحمد وغايته</span>\nيحمد الله ذاته الشريفة بعد ضربه لهذا المثل المقصود منه إبطال ما عليه المشركون من الشرك به، وذلك بنفي التساوي بينه تعالى وبين ما يشركون. وقد جاء الحمد بقوله ﴿الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ .\nوإنما حمد الله ذاته - في هذا المقام - لظهور البينة وقوّة الحجة على المشركين بهذا المثل المطابق للغرض والكاشف عن المقصود (١) .\nوقيل - أيضًا - في مناسبة مجيء الحمد هنا: أي على ما هدى أولياءه وأنعم عليهم بالتوحيد، أو الحمد كله لله لا يستحقّه شيء من الأصنام؛ إذ تبيّن من المثل اختصاص الله بالإنعام فوجب أن يختصّ بالحمد وحده (٢) .\nوأرى أنّ المناسبة الأولى هي الأقوى، لِما أنّ المقام - ههنا - في ضرب المثل الذي يراد به إثبات الحجة على المشركين ونقض شركهم، ويؤيده - أيضًا - ما عُقِّب به الحمد بقوله ﴿بل أكثرهم لا يعلمون﴾ والمراد أي أكثرهم لا يعلمون قوة هذه الحجة وظهور البينة عليهم بهذا المثل مع أنها في غاية ظهورها ونهاية وضوحها. وإن كان القولان الآخران مرادين ومعتبرين والله أعلم بمراده.\nلطيفتان:\nالأولى: في حمد الله ذاته في هذا المقام إشارة إلى المؤمنين بأن يحمدوه سبحانه عند ظهور الحقّ وبيان حجّته وإلزام المعرضين به.\nالثانية: في قوله تعالى ﴿بل أكثرهم لايعلمون﴾ أُسْنِد نفي العلم إلى أكثرهم للإشعار\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير ج٢ ص ٥٧٨؛ التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٠ ص٨٥؛ محاسن التأويل للقاسمي ج١٠ ص ١٣٥.\n(٢) انظر: تفسير الطبري ج١٤ ص١٠٠؛ تفسير القرطبي ج١٠ ص ١٤٨؛ تفسير أبي السعود ج٥ ص١٣٠؛ التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٠ ص ٨٥؛ التحرير والتنوير ج١٤ ص ٢٢٦.","vol":"1","page":43},{"text":"بأنّ بعضهم يعلمون الحق، ولكنهم لا يعملون به استكبارًا وعنادًا، ويتضمّن النصّ بهذا ذمًا لأكثرهم بالصراحة وذمًا لأقلّهم بوصمة المكابرة والعناد بطريق التعريض (١) . والله أعلم بمراده.\nوبهاتين اللطيفتين يتم الحديث عن هذا الموضع من مواضع حمد الله لذاته ولله الحمد والمنة.\n_________\n(١) انظر: تفسير أبي السعود ج٥ ص ١٣٠؛ التحرير والتنوير ج١٤ ص ٢٢٦.","vol":"1","page":44},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>الفصل الخامس: حمد الله ذاته الكريمة على إنزال كتابه في فاتحة سورة الكهف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>المبحث الأول: في بيان موضع حمد الله ذاته وغايته</span>\n...\nالفصل الخامس:\nحمد الله ذاته الكريمة على إنزال كتابه في فاتحة سورة الكهف\nقال الله تعالى ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا. قيمًا لينذر باسًا شديدًا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرًا حسنًا، ماكثين فيه أبدا﴾ (١) .\nالمبحث الأول: في بيان موضع حمد الله ذاته وغايته\nتفتتح هذه السورة الكريمة بحمد الله ذاته الشريفة، وجاء من بعد الوصف له تعالى بالموصول ليفيد التنويه بمضمون الصلة؛ وليفيد (أيضًا) بيان سبب استحقاقه تعالى للحمد ههنا. وعلى هذا لمّا كان إنزال القرآن الكريم على النبي ﷺ أجزل وأعظم نعماء الله على عباده المؤمنين لأنه سبيل سعادتهم في الدارين، وهو في نفس الأمر من أعظم نعمه على رسوله صلىالله عليه وسلم بأن جعله واسطة ذلك القرآن ومبلّغه ومبيّنه.. لمّا كان الأمر كذلك حمد الله ذاته على إنزال كتابه على نبيه محمد ﷺ، وفيه - بلا ريب - إشارة إلى عظم شأن القرآن الكريم (٢) .\nوإنّما خصّ رسوله ﷺ بالذكر؛ لأنّ إنزال القرآن عليه كان نعمة عليه بالخصوص - كما بينت سابقًا - وعلى سائر الناس بالعموم (٣) .\n_________\n(١) سورة الكهف: الآيات (١-٣) .\n(٢) انظر: تفسير الطبري ج١٥ ص ١٢٦؛ تفسير البحر المحيط لأبي حيان ج٦ ص٩٥؛ تفسير ابن كثير ج٣ ص ٧١؛ تفسير أبي السعود ج٥ ص ٢٠٢؛ تفسير الخازن ج٤ ص ١٩١؛ حاشية الجمل علىالجلالين ج٣ ص٢؛ محاسن التأويل للقاسمي ج١١ ص٥؛ تفسير السعدي ج٥ ص٥ –٦؛ التحرير والتنوير ج١٥ ص٢٤٦.\n(٣) انظر: تفسير البغوي ج٣ ص ١٤٣.","vol":"1","page":45},{"text":"ولا يخفى أنّ في حمد الله ذاته في هذا الموضع يتضمّن إرشادًا لعباده أن يحمدوه سبحانه على إرسال الرسول ﷺ إليهم وإنزال الكتاب عليهم (١) .\nلطائف:\nالأولى: في مناسبة افتتاح سورة الكهف بالحمد بالسورة قبلها ذكر السيوطي في كتابه أسرار ترتيب القرآن أنّ بعض العلماء قال: مناسبة وضعها بعد سورة الإسراء افتتاح تلك بالتسبيح وهذه بالتحميد، وهما مقترنان في القرآن وسائر الكلام بحيث يسبق التسبيح التحميد.\nثم أضاف إلى قولهم قائلًا: مع اختتام ما قبلها بالتحميد أيضًا. أي في قوله تعالى في خاتمة سورة الإسراء ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا..﴾ الآية (٢)، وذلك من وجوه المناسبة بتشابه الأطراف (٣) .\nالثانية: إنّ في إيثار إنزال القرآن الكريم من بين سائر صفاته تعالى - في هذا المقام - تنبيهًا على أنّه من أعظم نعمائه؛ فإنه الهادي إلى ما فيه كمال العباد والداعي إلى ما به ينتظم صلاح المعاش والعباد ولا شيء في معناه ما يماثله (٤) .\nوالثالثة: إنّ في وصف الرسول ﷺ في هذا الموضع - بوصف العبودية لله تعالى تنبيهًا على بلوغه إلى أعلى معارج العبادة ومقاماتها؛ وتشريفًا له أيّ تشريف. ومثله قوله تعالى ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على\n_________\n(١) انظر: تفسير السعدي ج٥ ص٥.\n(٢) سورة الإسراء: الآية (١١١) .\n(٣) أسرار ترتيب القرآن للسيوطي ص ١١٣-١١٤.\n(٤) محاسن التأويل للقاسمي: ج١١ ص٥.","vol":"1","page":46},{"text":"عبده ليكون للعالمين نذيرًا﴾ (١) ونظيره - أيضًا - في مقام الإسراء والمعراج بقوله تعالى ﴿سبحان الذي أسرى بعبده..﴾ الآية (٢) . وهو في أعلى المقامات والقرب من الله تعالى (٣) .\nوذكر الآلوسي (٤) أنّ في هذا أيضًا إشعارًا بأنّ شأن الرسول أن يكون عبدًا للمرسل لا كما زعمت النصارى في حق عيسى ﵇ (٥) . وهو معنى صحيح؛ ولكن ما ذكر من المعنى السابق أنسب للمقام وأوجه. والله أعلم بمراده.\n_________\n(١) سورة الفرقان: الآية ١.\n(٢) سورة الإسراء. الآية (١) .\n(٣) انظر: تفسير أبي السعود ج٥ ص ٢٠٢.\n(٤) هو محمود بن عبد الله الحسيني الآلوسي، شهاب الدين، أبو الثناء (١٢١٧-١٢٧٠؟)، مفسر ومحدث وأديب، من أهل بغداد، مولده ووفاته بها، كان سلفي الاعتقاد مجتهدًا، تقلّد الإفتاء ببلده عام ١٢٤٨هـ، وعزل فانقطع للعلم ثم سافر عام ١٢٦٢؟ إلى الموصل فالآستانة ومرّ بماردين وسيواس ثم عاد إلى بغداد إلى أن توفي بها. من أشهر كتبه: روح المعاني – المقامات. ونسبته إلى جزيرة (آلوس) في وسط الفرات. (انظر: الأعلام للزركلي ج٧ص١٧٦) .\n(٥) روح المعاني للآلوسي: ج ٣ص ١١.","vol":"1","page":47},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المبحث الثاني:\nفي ذكر أوصاف الكتاب وصلتها باستحقاق الحمد</span>\nوصف الله ﵎ كتابه الكريم في مقام الحمد بإنزاله بصفات تدلّ على أنّه حقيق أن يحمد الله نفسه الشريفة على إنزاله وأن يتمدّح إلى عباده به. وتلكم الصفات (أولها) في قوله تعالى: (ولم يجعل له عوجًا) وهو وصف كمال له بنفي وجود شيء من العوج به كاختلال في النظم وتنافر في المعنى أو انحراف عن الدعوة إلى الحق؛ بل هو في غاية الكمال من صحة المعاني والسلامة من الخطأ والاختلاف والتضاد. وهذا الوصف الذاتي له يقتضي أنه أهلٌ للانتفاع به (١) .\nو(ثانيها) في قوله تعالى (قيّمًا..) والقيِّم: صفة مبالغة من القيام الذي يطلق على دوام تعهّد شيء وملازمة صلاحه؛ لأنّ التعهد يستلزم القيام لرؤية الشيء والتيقظ لأحواله، والمراد بهذا الوصف في شأن القرآن الكريم أنه قيّم على هدي الأمة وإصلاحها بكلّ ما يحقّق لها الخير في مصالحها الدينية والدنيوية. وهذا الوصف يقتضي أنّ كماله متعدٍّ بالنفع (٢) .\nوأقول: إنّ هذين الوصفين بدلالتهما على كمال هذا الكتاب الكريم بكونه في ذاته أهلًا للانتفاع به وكونه متعدّيًا بالنفع فيهما إظهار وإشعار لاستحقاقه تعالى الحمد على إنزال القرآن الكريم، فالإتيان بهما مناسب لمقام الحمد ههنا.\nلطيفة:\nيذكر ابن عاشور في قوله تعالى (ولم يجعل له عوجًا) أنّه إنّما عُدّي الجعل\n_________\n(١) انظر: تفسير أبي السعود ج٥ ص٢٠٢؛ تفسير ابن كثير ج٣ ص ٧١؛ تفسير السعدي ج٥ ص٥-٦؛ التحرير والتنوير ج١٥ ص ٢٤٨.\n(٢) انظر: تفسير أبي السعود ج ٥ ص ٢٠٢؛ التحرير والتنوير ج١٥ ص ٢٤٨.","vol":"1","page":48},{"text":"باللام دون (في) لأنّ العوج المعنوي يناسبه حرف الاختصاص دون حرف الظرفية، لأنّ الظرفية من علائق الأجسام، وأمّا معنى الاختصاص فهو\nأعمّ (١) . وهذا الذي ذكره أمر دقيق يحسن التنبيه إليه.\nوبهذه اللطيفة يتم الكلام حول الموضع ولله الحمد والمنة.\n_________\n(١) انظر: التحرير والتنوير: ج ١٥ص ٢٤٨.","vol":"1","page":49},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>الفصل السادس: حمد الله ذاته في معرض إثبات إلهيته بآية سورة القصص</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الأول: في بيان صلة الآية بما قبلها وغاية حمد الله ذاته فيها</span>.\n...\nالفصل السادس:\nحمد الله ذاته في معرض إثبات إلهيته بآية سورة القصص\nقال الله تعالى ﴿وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم\nوإليه ترجعون﴾ (١)\nالمبحث الأول: في بيان صلة الآية بما قبلها وغاية حمد الله ذاته فيها.\nهذه الآية الكريمة معطوفة على ما قبلها من قوله تعالى ﴿وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون. وربك يعلم ما تكنّ صدورهم وما يعلنون﴾ (٢)؛ ذلك أنه بعد أن أخبر الله تعالى بأنه المنفرد بالخلق والاختيار وليس له في ذلك منازع ولا مزاحم ولا معقّب؛ ثم نزّه ذاته من أن يشرك به من الأصنام أو الأنداد التي لا تخلق ولا تختار شيئًا، ومن بعد أخبر أنه بسبب علمه لما تخفيه صدور عباده وما يعلنونه من أقوال وأفعال فهو المستحقّ والمنفرد بأن يختار لهم ما يشاء دون سواه.. بعد هذا البيان والإخبار منه - عزوجل - عطف عليه إثبات ألوهيته بقوله: (وهو الله لا إله إلا هو)، وهو كالنتيجة والتقرير لما قبله؛ ذلك أنّ من كان بيده الخلق والتقدير والاختيار، ومن كان عليمًا بخفايا الصدور وعلانية الأمور، فهو الإله الواحد الحق الذي لا يكون التوجه إلا إليه ولا تصرف العبادة إلاّ له، ولا يرجع في الحكم إلا لما يختاره ويقضي به.. ومن ثم أتبع إثباته لألوهيته بحمده ذاته الشريفة بقوله ﴿له الحمد في الأولى والآخرة﴾، وهو بمثابة الاستدلال والتعليل لثبوت إلهيته ونفيها عما سواه؛ ذلك أنّه تعالى هو الذي قد أحاط بكلّ أوصاف الكمال والجلال وهو المنعم على خلقه مؤمنهم وكافرهم فله الحمد والثناء التامّان في الدنيا والآخرة، وليس ذلك لشيء سواه؛ وبهذا فهو المستحقّ للألوهية وحده سبحانه (٣) .\n_________\n(١) سورة القصص: الآية (٧٠) .\n(٢) سورة القصص: الآيتان (٦٨-٦٩) .\n(٣) انظر: تفسير ابن كثير ج٣ ص٣٩٧؛ تفسير القرطبي ج١٣ص٣٠٧؛ نظم الدرر البقاعي ج٥ ص٥١٣؛ تفسير الآلوسي ج٢٠ ص١٠٦؛ تفسير المهايمي ج٢ ص١٢٣؛ محاسن التأويل ج١٣ ص١٢٤؛ تفسير المراغي ج٢٠ ص٨٧؛ التحرير والتنوير ج٢٠ ص ١٦٦.","vol":"1","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المبحث الثاني:\nفي بيان جملة الحمد (له الحمد في الأولى والآخرة) وما بعدها</span>\nحمد الله ذاته الكريمة - ههنا - بقوله (له الحمد في الأولى والآخرة)، وقوله\n(له الحمد) هو في معنى قوله (الحمد لله) والتي سبق بيانها؛ وذلك لأن اللام في قوله (له) هي للملك والاستحقاق، والضمير يرجع إلى اسم الجلالة، والتعريف في الحمد للجنس المفيد للاستغراق، هذا مع إفادة تقديم المجرور الاهتمام بضمير الجلالة والاختصاص (١) . وإنّما اختلف التعبير - ههنا - لما اقتضاه سياق الكلام في الآية.\nوأمّا ذِكْرُ أنّ له الحمد في الأولى والآخرة فلإفادة التعميم لاستحقاقه الحمد في الدارين؛ لِما أنه ذو الصفات الكاملة والمنعم على عباده في الدنيا والآخرة، ويحمده المؤمنون في الآخرة كما حمدوه في الدنيا كما أخبر الله عنهم بقوله سبحانه ﴿وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء..﴾ الآية (٢) . أقول: وفيه مزيد تفخيم لشأن حمده ذاته تعالى في مقام إثبات ألوهيته.\nمطلب:\nومن بعد حمده تعالى لذاته يعطف عليه إثبات أنّ الحكم له بقوله (وله\n_________\n(١) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢٠ ص١٦٧؛ ج٢١ ص٦٥-٦٦.\n(٢) انظر: الكشاف للزمخشري ج٣ ص١٧٧؛ التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٥ ص١٠؛ تفسير أبي السعود ج٧ ص٢٣؛ حاشية الجمل على الجلالين ج٣ ص ٣٥٨؛ تفسير الآلوسي ج٢٠ ص ١٠٦؛ محاسن التأويل للقاسمي ج١٣ص١٢٤. والآية بسورة الزمر رقم (٧٤) .","vol":"1","page":51},{"text":"الحكم)، وهو تتمة للاستدلال والتعليل لإثبات ألوهيته ونفيها عمن سواه. والمراد: أي له الحكم في الدارين أيضًا، وحُذِف المتعلق بالحكم لدلالة قوله قبلها (في الأولى والآخرة) (١)؛ فمن كان له الحكم والقضاء في الدنيا والآخرة على عباده فهو المستحق للألوهية وحده.\nويعطف عليه أيضًا بما يكون خاتمة للاستدلال والتعليل على ألوهيته بقوله: (وإليه ترجعون)، أي فمن كان مرجعكم ومصيركم إليه فاتقوه ووحّدوه\nولا تصرفوا شيئًا من الألوهية إلا له؛ فهو المستحق لها الفرد الصمد دون سواه.\nلطيفة:\nإنّ في تقديم المجرور بقوله تعالى (وإليه ترجعون) اهتمامًا بالانتهاء إليه سبحانه وإلى حكمه وقضائه، مع مراعاة الفاصلة (٢) . والله أعلم بمراده.\nوبهذه اللطيفة يتم الحديث عن هذا الموضع ولله الحمد والمنة.\n_________\n(١) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج ٢٠ ص ١٦٧.\n(٢) انظر: المرجع السابق ج٢٠ ص ١٦٨.","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>الفصل السابع: حمد الله ذاته إثر الوعد والوعيد في آية سورة الروم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>المبحث الأول: في بيان مناسبة مجيء الحمد وعطفه على التسبيح في موضعه من السورة</span>\n...\nالفصل السابع:\nحمد الله ذاته إثر الوعد والوعيد في آية سورة الروم\nقال الله تعالى ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون. وله الحمد في السموات والأرض وعشيًا وحين تظهرون﴾ (١) .\nالمبحث الأول: في بيان مناسبة مجيء الحمد وعطفه على التسبيح في موضعه من السورة\nيحمد الله ذاته الكريمة بالعطف على تنزيهه لها قبله؛ بعد أن بيّن سبحانه في الآيات السابقة حال فريقي المؤمنين العاملين بالصالحات والكافرين المكذبين بالآيات وما لهما من الثواب والعقاب وهي قوله تعالى ﴿ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون. فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون. وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون﴾ (٢)؛ وذلك لكي يرشد عباده بما ينجيهم من العذاب ويفضي بهم إلى الثواب، وهو تنزيههم له تعالى عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله؛ وحمدهم له على ما أنعم به عليهم من نعمه العظيمة وآلائه الجليلة إذ قال ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات والأرض وعشيًا وحين تظهرون﴾ (٣) .\nويدلّ على هذه المناسبة اقتران التسبيح بالفاء، وهي لترتيب ما بعدها\n_________\n(١) سورة الروم: الآيتان (١٧-١٨) .\n(٢) سورة الروم: الآيات (١٤-١٦) .\n(٣) انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٥ ص ١٠٤؛ تفسير أبي السعود ج٧ ص٥٤؛ تفسير الثعالبي ج٣ص٢٠٠؛ حاشية الجمل على الجلالين ج٣ ص ٣٨٧؛ محاسن التأويل للقاسمي ج ١٣ ص١٧٠؛ فتح القدير للشوكاني ج٤ ص٢١٢.","vol":"1","page":53},{"text":"على ما قبلها، ومن ثمّ عطف عليه حمده لذاته سبحانه.فقوله تعالى (فسبحان الله) خبر في معنى الأمر بالتسبيح لخلقه، فإذا كان الله تعالى ينزه ذاته عن كل ما لا يليق بها فعباده مأمورون بلا ريب في تحقيق ذلك، وكذلك الشأن في قوله ﴿وله الحمد في السموات والأرض..﴾ فإن حمده لذاته والإخبار عنه فيه إرشاد وأمر لحمده على أبلغ وجه وآكده (١) .\nلطيفتان:\nالأولى: إنّ في توسيط الحمد ومجيئه معترضًا بين أوقات التسبيح اعتناءً واهتمامًا بشأنه؛ وإشعارًا بأنّ حقّهما أن يجمع بينهما (٢) .\nالثانية: وفي حكمة اقتران الحمد بالتسبيح والجمع بينهما في هذا المقام؛ بل وفي غيره من آيات القرآن الكريم يقول ابن كثير (٣) رحمه الله تعالى: «ولمّا كان التسبيح يتضمّن التنزيه والتبرئة من النقص بدلالة المطابقة ويستلزم إثبات الكمال، كما أن الحمد يدلّ على إثبات صفات الكمال مطابقة ويستلزم التنزيه من النقص قُرن بينهما\" (٤) .\n_________\n(١) انظر: تفسير أبي السعود ج ٧ ص ٥٤.\n(٢) انظر: تفسير أبي السعود ج٧ ص٥٤؛ محاسن التأويل ج١٣ ص١٧٠؛ فتح القدير للشوكاني ج٤ ص٢١٢.\n(٣) هو إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضو بن درع القرشي البصروي ثم الدمشقي، أبو الفداء، عماد الدين: حافظ مؤرخ ومفسر وفقيه. ولد في قرية من أعمال بصرى الشام عام ٧٠١؟، وانتقل مع أخ له إلى دمشق عام ٧٠٦؟، ورحل في طلب العلم وتوفي في دمشق عام ٧٧٤؟. ومن أشهر مؤلفاته: البداية والنهاية، تفسير القرآن العظيم، الباعث الحثيث إلى معرفة علوم الحديث، الفصول في اختصار سيرة الرسول (انظر: الدرر الكامنة لابن حجر ج١ ص ٣٧١؛ النجوم الزاهرة لابن تغري بردي ج٩ ص ٢٩٢؛ طبقات الشافعية للسبكي ج٦ ص٨٤؛ الأعلام للزركلي ج١ ص٣٢٠) .\n(٤) تفسير ابن كثير ج٤ ص٢٥. أقول: وأشدّ من ذلك اقترانًا التسبيح بحمد الله مثل قوله تعالى (وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم) ومنه أيضًا إخباره عن الملائكة بقولهم: (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك) وفي ذلك قال الزمخشري: (ونحن نسبح بحمدك) بحمدك في موضع الحال أي نسبح حامدين لك ومتلبسين بحمدك لأنّه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف لم نتمكن من عبادتك (ج١ ص٦١) والفخر الرازي يقول: أي: إنا إذا سبحناك فنحمدك سبحانك يعني ليس تسبيحنا تسبيحًا من غير استحقاق بل تستحق بحمدك وجلالك هذا التسبيح وهو معنى آخر (التفسير الكبير ج٢ ص١٧٣) .","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المبحث الثاني: في بيان حمد الله لذاته وصلته بما بعده</span>\nاعتمادًا على ما سبق ذكره بأنّ حمد الله ذاته الكريمة معطوف على تسبيحه لها؛ فإنّ الأوقات التي ذكرت هي محلٌّ لهما كذلك وهي أربعة أوقات:\n(حين تمسون - حين تصبحون - عشيًا - وحين تظهرون) وقد ذُكر في وجه تخصيصهما بتلك الأوقات أنّه للدلالة على أنّ ما يحدث فيها من آيات قدرته وأحكام رحمته ونعمته هي شواهد ناطقة بتنزهه تعالى واستحقاقه للحمد، وموجبة لتسبيحه وتحميده حتمًا (١) .\nأقول: وهذا الكلام في غاية الصحة وهو مبني على تأمّل وإدراك بالغ، ويضاف إليه ما أشار إليه ابن عاشور في أنّ هذه الظروف متعلّقة بما في إنشاء التنزيه من معنى الفعل، أي ينشأ تنزيه الله في هذه الأوقات وهي الأجزاء التي يتجزأ الزمان منها، والمقصود التأبيد أي على الدوام، وإنّما سلك مسلك الإطناب لأنه مناسب لمقام الثناء (٢) . وهي إشارة حسنة لا تتعارض مع ما ذُكِر قبلها.\nهذا ويرى ابن عباس ﵄ أنّ تسبيح الله تعالى وتحميده في هذه الأوقات إشارة إلى الصلوات الخمس. (٣) وعلى هذا فالتعبير بالتسبيح\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير ج٣ ص٤٢٨؛ تفسير أبي السعود ج٧ ص ٥٤-٥٥؛ تفسير الآلوسي ج٢١ ص٢٩.\n(٢) انظر: التحرير والتنوير ج٢١ ص ٦٥.\n(٣) انظر: تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة لعبد العزيز الحميدي ج٢ ص ٧١٨ –٧١٩. والأثر بهذا عن ابن عباس حسن الإسناد.","vol":"1","page":55},{"text":"والتحميد - ههنا - هو من باب إطلاق الجزء على الكلّ؛ حيث إنّ الصلاة تشتمل عليهما.وللشيخ عبد الرحمن السعدي (١) إضافة متميّزة في ماذكره ابن عباس ﵁ حيث قال: «فهذه الأوقات أوقات الصلوات الخمس أمر الله عباده بالتسبيح فيها والحمد، ويدخل في ذلك الواجب منه كالمشتملة عليه الصلوات الخمس، والمستحب كأذكار الصباح والمساء وأدبار الصلوات وما يقترن بها من النوافل؛ لأنّ هذه الأوقات التي اختارها الله لأوقات المفروضات هي أفضل الأوقات؛ فالتسبيح والتحميد فيها والعبادة فيها أفضل من غيرها» (٢) .\nثمّ إنّ جعل الحمد له سبحانه في السموات والأرض فيه تفخيم وتعظيم لشأن حمده تعالى، فهناك قال: (في الأولى والآخرة) وههنا قال (في السموات والأرض)، وفيه إشارة - أيضًا - إلى أنّه لا يستحقّ الحمد أحدٌ سواه، إذ إنّ حمده قد استغرق وأحاط بكل الأزمنة والأمكنة والأحوال،،وسواءٌ حمده الناس أم لم يحمدوه فهو الغنيّ الحميد.\nوقد ذكر ابن كثير في معنى قوله تعالى ﴿وله الحمد في السموات والأرض﴾ أي هو المحمود على ما خلق في السموات والأرض (٣) . وهو كلام موجزٌ مؤكِّدٌ لما ذكرته آنفًا.\n_________\n(١) هو عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله السعدي التميمي (١٣٠٧ – ١٣٧٨؟) مفسر من علماء الحنابلة، من أهل نجد، مولده ووفاته في عنيزة بالقصيم، وهو أول من أنشأ مكتبة فيها عام ١٣٥٨؟، وله نحو ثلاثون كتابًا منها: تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، القواعد الحسان في تفسير القرآن، القواعد والأصول الجامعة في أصول الفقه. (انظر: الأعلام للزركلي ج٣ ص ٣٤٠) .\n(٢) تفسيرالسعدي: ج ٦ ص١١٧.\n(٣) تفسير ابن كثير: ج٣ص ٤٢٨.","vol":"1","page":56},{"text":"مطلب:\nيجيء بعد التسبيح والحمد قوله تعالى ﴿يخرج الحيّ من الميت ويخرج الميت من الحي ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون. ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم أنتم بشر تنتشرون..﴾ الآيات (١) . وفي هذه الآيات بيان لتصرّفه تعالى في المخلوقات بالإيجاد وبالإحياء بعد الموت، مع ذكره لعدد من نعمه وآلائه، وهي بهذا تُبيّن أنّه سبحانه هو الإله المستحقّ للثناء والتقديس، فلها موقع العلّة لما قبلها من التسبيح والتحميد (٢) .\nلطيفة:\nإنّ في تقديم (عشيًا) على (حين تُظهرون) مراعاة للفواصل وتغيير الأسلوب، ولما أنّه لايجيء منه الفعل بمعنى الدخول في العشي كالمساء والصباح والظهيرة (٣) . والله أعلم بمراده.\nوبهذه اللطيفة أختم الكلام حول هذا الموضع من مواضع حمد الله ذاته\nولله الحمد المنة.\n_________\n(١) انظر: الآيات بسورةالروم من الآية (١٩) إلى الآية (٢٧) .\n(٢) انظر: تفسير التحرير والتنوير ج ٢١ ص ٦٧؛ تفسير المراغي ج ٢١ ص ٣٦.\n(٣) انظر: تفسير أبي السعود ج٧٠ ص ٥٥.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>الفصل الثامن: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة سبأ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>المبحث الأول: في بيان الموضع الأول وغايته وصلته</span>\n...\nالفصل الثامن:\nحمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة سبأ\nقال الله تعالى ﴿الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير﴾ (١) .\nهذه الآية الكريمة اشتملت على موضعين لحمد الله ذاته الشريفة، موضع في افتتاحها وموضع آخر في شطرها الثاني، وسأبيّن كلّ موضع منهما في بحث مستقل به على ما يلي:\nالمبحث الأول: في بيان الموضع الأول وغايته وصلته\nهذه السورة الكريمة هي إحدى خمس سور في القرآن الكريم افتتحت بحمد الله ذاته، وجميعها سور مكية، وهي: الفاتحة - الأنعام - الكهف - وسبأ - وفاطر. ومن حسن وضع ترتيبها في المصحف أنّها جاءت في بداية كلِّ ربع من القرآن، فكانت أرباع القرآن كلّها مفتتحة بالحمد. وفي هذا إشارة لطيفة يدركها المتأمّل في كتاب الله عزّوجلّ، وقد ذكر الفخر الرازي وجهًا في ذلك حيث قال: «والحكمة فيها أنّ نعم الله مع كثرتها وعدم قدرتنا على إحصائها منحصرة في قسمين: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء، فإنّ الله تعالى خلقنا أولًا برحمته وخلق لنا ما نقوم به، وهذه النعمة توجد مرة أخرى بالإعادة فإنه يخلقنا مرة أخرى ويخلق لنا ما يدوم، فلنا حالتان الابتداء والإعادة، وفي كلّ حالة له تعالى علينا نعمتان: نعمة الإيجاد ونعمة الإبقاء فقال في النصف الأول\n(الربع الثاني): ﴿الحمد لله الذي خلق السموات الأرض وجعل الظلمات والنور﴾ الآية (٢)\n_________\n(١) سورة سبأ: الآية رقم (١) .\n(٢) سورة الأنعام: الآية (١) .","vol":"1","page":58},{"text":"إشارة إلى الشكر على نعمة الإيجاد ويدلّ عليه قوله تعالى فيه ﴿هو الذي خلقكم من طين..﴾ الآية (١) . إشارة إلى الإيجاد الأوّل، وقال في السورة الثانية (الربع الثالث) ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب﴾ الآية (٢)، إشارة إلى الشكر على نعمة الإبقاء، فإنّ الشرائع بها البقاء، ولولا شرع ينقاد له الخلق لاتّبع كلّ واحد هواه ولوقعت المنازعات في المشتبهات وأدى إلى التقاتل والتفاني، ثمّ قال في هذه السورة ﴿الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الأرض﴾، إشارة إلى نعمة الإيجاد الثاني، ويدل عليه قوله تعالى (وله الحمد في الآخرة)، وقال في فاطر ﴿الحمد لله فاطر السموات والأرض﴾ (٣) الآية إشارة إلى نعمة الإبقاء ويدل عليه قوله تعالى ﴿جاعل الملائكة رسلًا..﴾ والملائكة بأجمعهم لايكونون رسلًا إلا يوم القيامة يرسلهم الله مسلِّمين كما قال تعالى ﴿وتتلقّاهم الملائكة..﴾ (٤) الآية. وقال تعالى عنهم ﴿سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين﴾ (٥) وفاتحة الكتاب (الربع الأول) لمّا اشتملت على ذكر النعمتين بقوله تعالى ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ (٦) إشارة إلى النعمة العاجلة، وقوله ﴿مالك يوم الدين﴾ (٧) إشارة إلى النعمة الآجلة قرئت في الافتتاح وفي الاختتام» (٨)\nهذا وبالنظر إلى موضوعات هذه السورة الكريمة فإنّ افتتاحها بالحمد\n_________\n(١) سورة الأنعام: الآية (٢) .\n(٢) سورة الكهف: الآية (١) .\n(٣) سورة فاطر: الآية (١) .\n(٤) سورة الأنبياء: الآية (١٠٣) .\n(٥) سورة الزمر: الآية (٧٣) .\n(٦) سورة الفاتحة: الآية (٢) .\n(٧) سورة الفاتحة: الآية (٤) .\n(٨) التفسير الكبير للفخر الرازي: ج٢٥ ص ٢٣٨ – ٢٣٩.","vol":"1","page":59},{"text":"للتنبيه على أنّها تتضمّن من دلائل تفرّده بالإلهية واتصافه بصفات العظمة والكمال مما يقتضي إنشاء الحمد له والإخبار باختصاصه به (١) .\nمطلب:\nيصف الله تعالى ذاته الكريمة بعد حمده لها بقوله ﴿الذي له ما في السموات وما في الأرض﴾، وهذا الوصف يقتضي أنّ كل ما في السموات والأرض ملك له سبحانه، وهو يفيد بذلك بيان علّة استحقاقه للحمد؛ لأن ملكه للسموات والأرض وما فيهما ملك حقيقي؛ إذ هو سبب إيجاد تلك المملوكات، وذلك الإيجاد عمل جميل يستحق صاحبه الثناء والحمد، وأيضًا يتضمّن هذا الإيجاد نعمًا جمة ظاهرة وباطنة وهي تقتضي كذلك الحمد له تعالى، فكان وصفه عزّوجلّ بالملك بيانًا لعلّة الحمد. (٢) والله أعلم.\nثمّ إنّ في هذه الصلة - أيضًا - تعريضًا بكفران الكافرين المشركين الذين حمدوا أشياء في هذا الكون - والتي من جملتها الإنسان - وهي تحت ملكوته سبحانه وحكمه، وليس لها من الملك شيء، وهي ليس لها - في حدّ ذاتها - استحقاق الوجود فضلًا عمّا عداه من صفاتها، بل كلّ ذلك نعم فائضة عليها من جهته تعالى، وما كان هذا شأنه فهو بمعزل عن استحقاق الحمد، وبهذا يظهر لهم اختصاص جميع أفراده به تعالى. (٣)\n_________\n(١) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢٢ ص ١٣٥.\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير ج٣ ص ٥٣٣؛ تفسير القرطبي ج١٦ص٢٥٩؛ تفسير أبي السعود ج٧ ص١٢٠، تفسير الخازن ج٥ ص ٢٨١؛ تفسير السعدي ج٦ ص٢٥٦؛ التحرير والتنوير ج٢٢ ص ١٣٥.\n(٣) انظر: تفسير الطبري ج٢٢ص ٤٢؛ تفسير أبي السعودج٧ ص ١٢٠؛ التحرير والتنوير ج٢٢ص١٣٦.","vol":"1","page":60},{"text":"لطيفة:\nإنّ في وصفه تعالى بأنّ له ما في السموات وما في الأرض إيذانًا بأنّ كونه مالكًا لكلّ الأشياء يوجب كونه محمودًا على كلّ لسان؛ لأنّ الكلّ إذا كان له فكلّ من ينتفع بشيء من ذلك كان منتفعًا بنعمه تعالى. (١)\n_________\n(١) رغائب الفرقان للنيسابوري: ج ٢٢ ص ٤٠.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المبحث الثاني: في بيان الموضع الثاني للحمد وغايته</span>\nقال الله تعالى: ﴿وله الحمد في الآخرة﴾\nلما علم من وصفه تعالى بقوله ﴿الذي له ما في السموات وما في الأرض﴾ أنّ له الحمد في الدنيا أتبعه ببيان أنّ له الحمد في الآخرة كذلك لِما انّه هو المالك لها أيضًا فقال ﷿: ﴿وله الحمد في الآخرة﴾ - هذا مع كونه سبحانه هو المنعم فيهما جميعًا - وذلك تنبيهًا إلى اختصاصه بالحمد في الدارين، فهو المعبود أبدًا والمحمود على طول المدى، ولا يشركه في ذلك أحد من دونه، وإضافة إلى هذه الحكمة فإنه يظهر في الآخرة من حمده سبحانه والثناء عليه ما لايكون في الدنيا، فإذا قضى الله بين الخلائق كلّهم ورأى الناس والخلق كلّهم كمال عدله وقسطه حمدوه على ذلك، وكذلك ما يظهر من حمده في دار النعيم والثواب. وقد أشرت إلى هذا فيما قبل. كما أنّ الإتيان ببيان أنّ له الحمد في الآخرة فيه إشارة إلى أنه يتكشّف لمن كان يحمد غيره في الدنيا ويلتبس عليه ذلك حقيقة ما جهلوه وأنكروه فيتمحّض له الحمد والثناء فلا يحمد في الآخرة أحد إلا هو سبحانه، فالناس يومئذ في عالم الحق ولا تلتبس عليهم الصور (١) .\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري ج٢٢ ص ٤٢؛ تفسير ابن كثير ج٣ ص ٥٣٣؛ تفسير أبي السعود ج٧ ص ١٢٠؛ حاشية الجمل على الجلالين ج٣ ص ٤٥٩؛ فتح القدير للشوكاني ج٤ ص ٣٠٢؛ تفسير السعدي ج٦ ص ٢٥٦-٢٥٧؛ التحرير والتنوير ج٢٢ ص ١٣٦.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المبحث الثالث: في وجه ختم الآية بصفتي (الحكيم الخبير)</span>\nفي وجه ختم هذه الآية الكريمة بهاتين الصفتين لله ﵎ أمران:\n(أحدهما) الإيذان بأنّه سبحانه كما يستحقّ الحمد لأنه منعم في الدنيا والآخرة يستحقّه كذلك لأنّه جلّ شأنه منعوت بالكمال الاختياري (١) .\n(ثانيهما) التتميم لمعنى كونه تعالى منعمًا بأنّه عظيم الحكمة خبير بمواضع الاستحقاق والاستيجاب عالم بدقائق الأشياء وأسرارها، فهو بذلك الحقيق بالحمد دون غيره وبالعبادة دون سواه. ويكون المقصود من هذا التتميم بهاتين الصفتين من بعد استحماق وتقبيح الذين أقبلوا في شؤونهم على آلهة سوى الله، وهو سبحانه المتمكّن بتصرّفه بحكمته وخبرته (٢) .\nوببيان هذه الحكمة في مجيء خاتمة الآية بهاتين الصفتين لله تعالى يتمّ الحديث حول هذا الموضع من مواضع الحمد. ولله الحمد والمنة.\n_________\n(١) انظر: تفسير الآلوسي ج٢٢ ص ١٠٤.\n(٢) انظر: تفسير الآلوسي ج٢٢ ص ١٠٤؛ التحرير والتنوير ج٢٢ ص ١٣٦ – ١٣٧.","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>الفصل التاسع: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة فاطر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>المبحث الأول: في بيان حمد الله ذاته في افتتاح السورة وغايته</span>.\n...\nالفصل التاسع:\nحمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة فاطر\nقال الله تعالى ﴿الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلًا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إنّ الله على كل شيء قدير﴾ (١) .\nالمبحث الأول: في بيان حمد الله ذاته في افتتاح السورة وغايته.\nمطلب: في مناسبة افتتاح السورة بالحمد بالسورة قبلها.\nفي مناسبة افتتاح هذه السورة بحمد الله ذاته الشريفة لخاتمة السورة قبلها (سورة سبأ) قال بعض أهل العلم أنّه لما ذُكِر في آخر سورة سبأ هلاك المشركين وإنزالهم منازل العذاب في الآخرة بقوله تعالى ﴿وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب﴾ (٢) ناسب أن يحمد الله تعالى ذاته بعدها على إهلاك المشركين الظالمين وإنزال العذاب بهم، كما مرّ في سورة الأنعام عند قوله تعالى ﴿فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين﴾ (٣) وهو نظير اتصال أول الأنعام بفصل القضاء والمختتم به المائدة (٤) . والله أعلم.\nمطلب:\nوفي مناسبة افتتاح هذه السورة بحمد الله ذاته الكريمة نظرًا إلى ما حوته من موضوعات واشتملت عليه من أغراض فقد قال الصاوي (٥) في حاشيته على\n_________\n(١) سورةفاطر: الآية (١) .\n(٢) سورة سبأ: الآية (٥٤) .\n(٣) سورة الأنعام: الآية (٤٥) .\n(٤) انظر: نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج ٦ ص ٢٠٠؛ أسرار ترتيب القرآن للسيوطي ص ١٣٧؛ روح المعاني للآلوسي ج٢٢ ص ١٦١.\n(٥) هو أحمد بن محمد الخلوتي، الشهير بالصّاوي (١١٧٥-١٢٤١هـ): فقيه مالكي، نسبته إلى صاء الحجر في إقليم الغربية بمصر، من أهم كتبه: حاشية على تفسير الجلالين، وحواش على بعض كتب الشيخ أحمد الدردير في فقه المالكية، وتوفي بالمدينة المنورة (انظر: الأعلام للزركلي ج١ ص ٢٤٦) .","vol":"1","page":64},{"text":"الجلالين: «حكمة افتتاحها بالحمد لأنّ فيها تفصيل النعم الدينية والدنيوية التي احتوت عليها الفاتحة» (١)، وقد نظر ابن عاشور إلى الهدف الأول التي اشتملت عليه السورة والذي كان أحد وسائله ما فُصِّل فيها من النعم الدينية والدنيوية إذ قال: «اشتملت هذه السورة على إثبات تفرد الله تعالى بالإلهية فافتتحت بما يدلّ على أنّه مستحقّ للحمد على ما أبدع من الكائنات الدالّ إبداعها على تفرّده تعالى بالإلهية (٢) .\nوأضاف - أيضًا - قائلًا: «وافتتاحها بالحمد لله مؤذن بأنَّ صفاتٍ من عظمة الله ستذكر فيها، وإجراء صفات الأفعال على اسم الجلالة من خلقه السموات والأرض وأفضل ما فيها من الملائكة والمرسلين مؤذن بأنّ السورة جاءت لإثبات التوحيد وتصديق الرسول ﷺ وإيذان باستحقاق الله الحمد دون غيره» (٣) .\nمطلب:\nفي وجه اقتران الحمد بعد اسم الجلالة بقوله تعالى ﴿فاطر السموات والأرض..﴾ الآية.\nأثنى الله تعالىعلى ذاته المقدّسة ومدحها بوصفه بأنّه فاطر (٤) السموات\n_________\n(١) حاشية الصّاوي على الجلالين: ج٣ ص ٣٠٩.\n(٢) انظر: التحرير والتنوير ج٢٢ ص ٢٤٧.\n(٣) انظر: المرجع السابق ج٢٢ ص ٢٤٨.\n(٤) فاطر: فاعل الفَطْر، وهو الخلق والابتداء والاختراع، وفيه معنى التكون سريعًا؛ لأنه مشتق من الفطر وهو الشقّ، وقيل: الفطر: الشقّ عن الشيء بإظهاره للحسن، يقال: فطر ناب الناقة إذا طلع، وفطر دمه إذا أخرجه. ومنه تفطّر الشيء تشقق، وسيف فُطارأي فيه تشقق. والمراد بفاطر السموات والأرض أي مبدعهما من غير مثال يحتذيه ولا قانون ينتحيه. (انظر: تفسير الماوردي ج٣ص ٣٦٨؛ تفسير القرطبي ج١٤ ص٣١٩؛ تفسير أبي السعود ج٧ ص١٤١؛ لسان العرب ج٥ ص٦٥-٦٦؛ التحرير والتنوير ج٢٢ص٢٤٩) .","vol":"1","page":65},{"text":"والأرض جاعل (١) الملائكة رسلًا..إلخ، وهما وصفان يدلاّن على كمال عظمته وعظيم قدرته، وكذلك يدلان على جزيل نعمائه وجليل آلائه على عباده بما خلق في السموات والأرض وما بينهما وبما أرسل ملائكته إلى رسله بوحيه الهادي وبما يكون لهم من أعمال تكون سببًا في إسعاد العباد في الدنيا والآخرة، وهو سبحانه – بهذين الوصفين الدالّين على ذلك – المستحقّ للحمد الكامل والثناء الشامل دون غيره، وهو بحمده لذاته لاستحقاقه يعلّم عباده أن يحمدوه ويأمرهم أن يوحِّدوه دون سواه (٢) .\n_________\n(١) جاعل: يطلق بمعنى مكوّن وبمعنى مصيّر. وكلاهما صحيح في معنى جاعل الملائكة أولي أجنحة (انظر: التحرير والتنوير ج٢٢ ص ٢٤٩) .\n(٢) انظر: أضواء البيان للشنقيطي ج٦ ص ٦٣٣-٦٣٤؛ تفسير السعدي ج٦ص ٢٩٨؛ حاشية الصاوي علىالجلالين ج٣ ص ٣٠٨-٣٠٩؛ التحرير والتنوير ج٢٢ ص ٢٤٨.","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المبحث الثاني: في صلة آية الحمد بالآية بعدها</span>\nيجيء بعد آية الحمد قوله تعالى ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم﴾ (١) وهو عطف على قوله تعالى ﴿فاطر السموات والأرض...﴾ الآية وتقديره: وفاتح الرحمة للناس وممسكها عنهم فلا يقدر أحد على إمساك ما فتحه ولا فتح ما أمسكه (٢) .\nوالرحمة المذكورة في الآية عامة في كل ما يرحم الله به خلقه من الإنعام الدنيوي والأخروي، وهي من مسوّغات العطف على ما قبلها، إذ إنّه ممّا يستحق به الحمد سبحانه رحمته بخلقه، والرحمة - بلا ريب - هي أمّ النعم وأصلها.\nومن ثمّ جاء الختم مناسبًا بقوله تعالى ﴿وهو العزيز الحكيم﴾؛ وذلك لما حوته هذه الآية الكريمة من شأن فتحه تعالى لرحمته وإمساكها، فهو العزيز أي الغالب القادر على الإرسال والإمساك؛ وهو الحكيم الذي يرسل ويمسك ما تقتضي الحكمة إرساله وإمساكه (٣) .\nلطيفة: قال الآلوسي: «وفي اختيار لفظ الفتح رمز إلى أن الرحمة من أنفس الخزائن وأعزّها منالًا، وتنكيرها للإشاعة والإبهام» (٤) .\nوبهذه اللطيفة المفيدة يتمّ الكلام حول هذا الموضع.. ولله الحمد والمنة.\n_________\n(١) سورة فاطر: الآية (٢) .\n(٢) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢٢ ص ٢٥٢.\n(٣) انظر: الكشاف للزمخشري ج٣ ص ٢٦٧.\n(٤) روح المعاني للآلوسي: ج٢٢ص ١٦٤.","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>الفصل العاشر: حمد الله ذاته الكريمة في خاتمة سورة الصافات</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>المبحث الأول: في بيان موضع الحمد ومناسبته لما قبله</span>\n...\nالفصل العاشر:\nحمد الله ذاته الكريمة في خاتمة سورة الصافات\nقال الله تعالى: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون. وسلام على المرسلين.\nوالحمد لله رب العالمين﴾ (١)\nالمبحث الأول: في بيان موضع الحمد ومناسبته لما قبله\nإنّ موضع حمد الله ذاته الكريمة - ههنا - يجيء في آخر ثلاث آيات كريمات شكّلت بمجموعها خاتمة لسورة الصافات بأجمل وأبدع ما يكون من ختام في تناسق نظم ومعنى وبيان.\nهذا وفي مناسبة حمد الله ذاته - في هذا المقام - وجهان ذكرهما المفسرون. وجه نُظِر فيه إلى مجمل ماحوته سورة الصافات، ووجه روعي فيه النظر إلى أقرب الآيات مكانًا لآية الحمد، وكلا الوجهين هما في محلّ الاعتبار.\nأمّا بالنظر إلى أقرب الآيات مكانًا للحمد فوجهه أنّه بعد أن أخبر الله تعالى عن سنته الماضية بنصرة رسله وأوليائه وإهلاكه لأعداء دينه وشريعته بقوله تعالى ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين.إنهم لهم المنصورون. وإن جندنا لهم الغالبون﴾ الآيات، هذه السنّة التي تترتب عليها نعمٌ جمةٌ ومصالح عظيمة من إظهار أسماء الله الحسنى وشرائعه العليا وإصلاح أمر الدنيا والآخرة (٢) .. حينذاك ناسب أن يحمد الله تعالى ذاته عند ذكره لهذه السنّة الإلهية المنبئة عن كمال عدله وإحسانه، وصفاته العليا كلّها؛ وعظيم إنعامه وكرمه وجوده، وقيل أيضًا: إنّه\n_________\n(١) سورة الصافات: الآيات (١٨٠ – ١٨٢) .\n(٢) انظر: تفسير القرطبي ج١٦ ص١٤٢؛ تفسير أبي السعود ج٧ ص٢١٢؛ تفسير الجلالين ج٣ ص٣٥٠؛ محاسن التأويل للقاسمي ج١٤ص١٤٠؛ فتح القدير للشوكاني ج٤ص٤٠١. والآيات بسورة الصافات (١٧١-١٧٩) .","vol":"1","page":68},{"text":"لمّا أثنى سبحانه على المرسلين بقوله قبل الحمد ﴿وسلام على المرسلين﴾ حمد ذاته على إرسالهم مبشرين ومنذرين، فإن ما بالمرسلين من فضل وشأن إنّما هو من عند الله وهم في ذات الأمر نعمة ورحمة على عباده (١) . وهو وجه لطيف سائغ أيضًا.\nوأمّا بالنظر إلى ما حوته هذه السورة الكريمة من ذكر ما قاله المشركون في الله تعالى، ونسبوا إليه مما هو منزّه عنه، وماعاناه المرسلون من جهتهم، وما خوّلوه في العاقبة من النصرة عليهم، ناسب بذلك ختمها بهذه الآيات الثلاث التي يأتي في بدايتها تنزيه الله ذاته عمّا وصفه به المشركون ومن بعد يتوسّطها التسليم على المرسلين وتُختم بحمده تعالى لذاته على ما قيّض لهم من حسن المآل والعواقب (٢) .\nوفي مثل هذا يقول ابن عاشور: «هذه الآية فذلكة لما احتوت عليه السورة من الأغراض، إذ جمعت تنزيه الله والثناء على الرسل والملائكة وحمد الله على ما سبق ذكره من نعمة على المسلمين من هدى ونصر وفوز بالنعيم المقيم» (٣) .\nوأقول: إنّ جميع ما ذكر من علّة لمجيء الحمد في هذا المقام صالح للاعتبار والاستدلال وإظهار وجه المناسبة والحكمة، ويحتمل أنّ الكلّ مراد،\nوالله أعلم بمراده.\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري ج٢٣ ص٧٤؛ محاسن التأويل للقاسمي ج١٤ ص١٤٠؛ فتح القدير للشوكاني ج٤ ص٤٠١.\n(٢) انظر: الكشاف للزمخشري ج٣ ص٣١٥.\n(٣) التحرير والتنوير: ج٢٣ ص١٩٨-١٩٩.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-35>المبحث الثاني:\nفي وجه ذكر السلام على المرسلين بين التسبيح والحمد</span>\nمع ما ذُكر من قبل في شأن ذكر السلام على المرسلين بالنظر إلى ما حوته سورة الصافات؛ فلعلّ إيراده بين التسبيح والحمد - أيضًا - من وجهة أخرى هو تمهيد لختم السورة الكريمة بالحمد، مع ما فيه من الإشعار بأنّ توفيقه تعالى للتسليم عليهم من جملة نعمه الموجبة للحمد (١) . ويدلّ على هذا الأمر اقتران الحمد بالسلام في غير موضع من القرآن كقوله ﷾ ﴿قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى..﴾ (٢)، ويشبهه كذلك قوله عزوجل: ﴿دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ (٣) .\nوللآلوسي إضافة حسنة في هذا الشأن يجدر ذكرها إذ يقول: «وقد يقال: تقديم التنزيه لأهميته ذاتًا ومقامًا، ولمّا كان التنزيه عمّا يصف المشركون وقد ذكر عزّوجلّ إرشاد الرسل إياهم وتحذيرهم لهم من أن يصفوه سبحانه بما لا يليق به تعالى وضمّن ذلك الإشارة إلى سوء حالهم وفظاعة منقلبهم أردف جلّ وعلا ذلك بالإشارة إلى حسن حال المرسلين الداعين إلى تنزيهه تعالى عما يصفه به المشركون، وفيه من الاهتمام بأمر التنزيه ما فيه، وأتى عزوجل بالحمد للإشارة إلى أنّه سبحانه متصف بالصفات الثبوتية كما أنّه سبحانه متصف بالصفات السلبية، وهذا وإن استدعى إيقاع الحمد بعد التسبيح بلا فصل؛ إلاّ أنّ الفصل بينهما هنا بالسلام على المرسلين مما اقتضاه مقام ذكرهم فيما مرّ..» (٤)\n_________\n(١) انظر: تفسير أبي السعود ج٧ ص٢١٢.\n(٢) سورة النمل: الآية (٥٩) .\n(٣) سورة يونس: الآية (١٠)، وانظر: أضواء البيان للشنقيطي ج٦ ص٦٩٨.\n(٤) روح المعاني للآلوسي: ج٢٣ ص١٥٨.","vol":"1","page":70},{"text":"لطيفتان:\nالأولى: إنّ في قوله تعالى ﴿وسلام على المرسلين﴾ تشريفًا للرسل كلّهم بعد تنزيهه تعالى؛ وتنويهًا بشأنهم؛ وإيذانًا بأنّهم سالمون من كل المكاره فائزون بكل المآرب (١) .\nالثانية: إنّ في الانتقال من الآيات السابقة في السورة إلى التسبيح والتسليم والتحميد إيذانًا بانتهاء السورة على طريقة براعة الختم مع كونها من جوامع الكلم (٢) .\nوبهاتين اللطيفتين ينتهي الحديث عن موضع من مواضع حمد الله ذاته في كتابه الكريم ولله الحمد والمنة.\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق ج٢٣ ص ١٥٨.\n(٢) انظر: المرجع السابق ج٢٣ ص١٥٨؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢٣ ص١٩٩.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-36>الفصل الحادي عشر: حمد الله ذاته الكريمة عند ضرب المثل بآية سورة الزمر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>المبحث الأول: في صلة آية الحمد بما قبلها وبيان المثل فيها</span>\n...\nالفصل الحادي عشر:\nحمد الله ذاته الكريمة عند ضرب المثل بآية سورة الزمر\nقال الله تعالى ﴿ضرب الله مثلًا رجلًا فيه شركاء متشاكسون ورجلًا سلمًا لرجل هل يستويان مثلًا الحمد لله بل أكثرهم لايعلمون﴾ (١) .\nالمبحث الأول: في صلة آية الحمد بما قبلها وبيان المثل فيها\nمطلب: في صلة الآية بما قبلها.\nيذكر الله ﵎ قبل آية الحمد أهمية ضرب الأمثال في القرآن الكريم وحكمته؛ وذلك تمهيدًا لما ذُكر فيها من المثل؛ وليجذب الانتباه للتدبّر والتأمّل وأخذ العبرة؛ إذ قال سبحانه ﴿ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كلّ مثل لعلهم يتذكرون. قرآنًا عربيًا غير ذي عوج لعلهم يتقون﴾ (٢) .فالغاية والحكمة من ضرب الأمثال - كما أخبر سبحانه - هي التذكّر والاتعاظ بها وتحصيل التقوى (٣) . وبهذه الغاية وتلكم الحكمة ينبغي أن تَرِد العقول والأفهام موارد الأمثال القرآنية لتحقق ما أراده الحقّ عزَّوجلَّ في ذلك.\nمطلب: في بيان المثل القرآني في الآية.\nوبعد بيانه - تعالى - لحكمة وأهمية ضرب الأمثال في كتابه الكريم يضرب سبحانه مثلًا للكافر المشرك به والمؤمن الموحّد له؛ ليدلّ على قبح الشرك وشناعته؛ وحسن الإيمان بالله وفضيلته.\nوقدّم مثل المشرك إظهارًا لحقيقة الشرك وسوء حال أهله، وليقارنه بما\n_________\n(١) سورة الزمر: الآية (٢٩) .\n(٢) سورة الزمر: الآيتان (٢٧-٢٨) .\n(٣) انظر: تفسير أبي السعود ج٧ ص ٢٥٣؛ تفسير السعدي ج٦ ص٤٦٨.","vol":"1","page":72},{"text":"بعده من مثل المؤمن، فينجلي من بعد الحقّ وتثبت البيّنة والحجّة.\nأما مثل المشرك بالله فهو ما جاء في قوله تعالى ﴿ضرب الله مثلًا رجلًا (١) فيه شركاء متشاكسون﴾ (٢) والمراد: مثل المشرك بالله كمثل الرجل المملوك الذي يشترك في ملكيته سادة مختلفون متضادون عسرون لايتفقون على شيء؛ وذلك لشكاسة أخلاقهم وسوء طباعهم، فيتجاذبونه ويتعاورونه في مهمّاتهم المتباينة ورغباتهم المختلفة بقدر نصيب كلّ واحد منهم وملكه فيه؛ فيبقى - والحال هذا - ضائعًا حائرًا مترددًا أيّهم يعتمد أمره ويتبع، إن أرضى أحدهم غضب الآخر؛ فهمّه مُشاع وقلبه أوزاع، فأنّىله الراحة والاستقرار والاطمئنان، كذلك حال المشرك بالله في تقسّم عقله وتوزّع قلبه بين آلهة متعددة فهو في شك وحيرة وتخبّط وضلال لايستقيم له حال ولا يطمئن له بال (٣) .\nوأمّا مثل المؤمن بالله فهو ما أخبر عنه تعالى بقوله ﴿ورجلًا سلمًا لرجل﴾ (٤) أي\n_________\n(١) (مثلا) مفعول ثان لضرب، و(رجلًا) مفعوله الأول، أُخِّر عن الثاني للتشويق إليه وليتصل به ما هو من تتمة التي هي العمدة في التمثيل. أو (مثلًا) مفعول ضرب، و(رجلًا) بدل منه. (انظر: تفسير الآلوسي ج٢٣ ص٢٦٢) .\n(٢) قال ابن منظور في لسان العرب: «الشُّكُس والشَّكِسُ والشَّرِسُ جميعًا: السيء الخُلُق» . (لسان العرب: ج٦ ص١١٢) ويمثله قال الرازي في مختار الصحاح: رجل شَكْس بوزن فَلْس أي صعب الخُلُق (ص٣٤٤) .\n(٣) انظر: تفسير الطبري ج٢٣ ص١٣٦-١٣٧؛ تفسير ابن كثير ج٤ ص٥٢؛ تفسير القرطبي ج١٦ ص٢٥٣؛ تفسير أبي السعود ج٧ ص٢٥٣؛ تفسير الآلوسي ج٢٣ص٢٦٢؛ تفسير السعدي ج٦ ص٤٦٨؛ التحرير والتنوير ج٢٣ص٤٠١-٤٠٢.\n(٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: (سالمًا لرجل) بصيغة اسم الفاعل، أي خالصًا من الشركة، وقرأ الجمهور (سلمًا) وهو اسم مصدر: سَلِم له إذا خلص، فهو على حذف مضاف أي ذا سلامة وذا خلوص من الشركة، والوصف به للمبالغة. (انظر: النشر في القراءات العشر لابن الجزري ج٢ ص٣٦٢؛ الغاية في القراءات العشر لأحمد بن الحسين ابن مهران النيسابوري، تحقيق محمد غياث الجنباز ص ٢٥٢؛ رغائب الفرقان للنيسابوري ج٢٣ص١٢؛ التحرير والتنوير ج٢٣ص٤٠١) .","vol":"1","page":73},{"text":"كمثل الرجل المملوك الذي ليس له إلا سيّد واحد فيكون خالصًا له؛ ولا سبيل لغيره عليه البتة، يعرف ما يرضيه فيؤمّل رضاه ويتجنب سخطه وغضبه، فهمّه واحد وقلبه مجتمع، فيكون بهذا مستقرّ الحال ومطمئنّ البال، وكذلك حال المؤمن بالله تعالى الذي اتخذ الله ربًا واحدًا فتوجّه إليه بالعبادة دون سواه خالصًا له من كلّ شريك فاستقامت حاله واطمأنّت نفسه وسعد بربّه وهنأ برضاه وقربه (١) .\nوتتمّة لبيان هذا المثل القرآني أتى سبحانه بما يدلّ علىالتفاوت بين الرجلين المملوكين فقال تعالى ﴿هل يستويان مثلًا﴾؟ ويجوز أن يكون هذا الاستفهام تقريريًا أو إنكاريًا، والإتيان فيه بـ (هل) لتحقيق التقرير أو الإنكار (٢) . وفيه يقول أبو السعود (٣): «إنكار واستبعاد لاستوائهما ونفيٌ له على أبلغ وجه وآكده، وإيذان بأنّ ذلك من الجلاء والظهور بحيث لايقدر أحد\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري ج٢٣ ص١٣٧؛ تفسير الماوردي ج٣ ص٤٦٨، تفسير القرطبي ج١٦ ص٢٥٣؛ تفسير ابن كثير ج٤ ص٥٢؛ تفسير أبي السعود ج٧ص٢٥٣؛ تفسير السعدي ج٦ ص٤٦٩؛ التحرير والتنوير ج٢٣ ص٤٠٢.\n(٢) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢٣ ص ٤٠٢.\n(٣) هو محمد بن محمد بن مصطفى العمادي (٨٩٨-٩٨٢؟): مفسر شاعر، من علماء الترك المستعربين، ولد بقرب القسطنطينية، ودرس ودرّس في بلاد متعددة، وتقلّد القضاء في بروسة فالقسطنطينية فالروم إيلي، وأضيف إليه الإفتاء عام ٩٥٢هـ. من أشهر كتبه: إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم في التفسير (انظر: شذرات الذهب في أخبار من ذهب لابن العماد الحنبلي ج٨ ص٣٩٨؛ الأعلام للزركلي ج٧ص٥٩) .","vol":"1","page":74},{"text":"٣ أن يتفوّه باستوائهما أو يتلعثم في الحكم بتباينهما ضرورة أنّ أحدهما في أعلى عليين والآخر في أسفل سافلين، وهو السرّ في إبهام الفاضل والمفضول» (١) . وانتصاب (مثلًا) على التمييز، والاقتصار فيه على الواحد لبيان الجنس، والمراد: هل يستوي حالاهما وصفتاهما (٢) .\nوبهذا الاستفهام يتمّ المثل المضروب، وبه تقوم الحجّة ويثبت البرهان على المشركين بفساد معتقدهم وقبح حالهم وصنيعهم.\n_________\n(١) تفسير أبي السعود: ج٧ ص٢٥٣.\n(٢) المرجع السابق: ج٧ ص٢٥٣.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>المبحث الثاني: في بيان موضع الحمد وغايته</span>\nوبعد بيان هذا المثل يحمد الله ذاته الكريمة بقوله ﴿الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون﴾ وعلى القول بأنّ الاستفهام الذي سبق الحمد تقريري؛ فتكون جملة الحمد استئنافًا في محلّ الجواب له، وموقعها كموقع النتيجة من الدليل، فيقدّر أنّ المخاطبين قد أقرّوا بعدم استواء حال الرجلين؛ لأنّ مثل هذا الاستفهام لا ينتظر السائل جوابًا عنه، فيصحّ أن يتولى الجواب عنه قبل أن يجيبه المسؤول، ولمّا وافق ما قُدِّر من جوابهم بغيته تعالى حمد سبحانه ذاته على نهوض حجته وإثبات برهانه.\nوأمَا على أنّ الاستفهام للإنكار فتكون جملة الحمد معترضة بين الإنكار وبين الإضراب الانتقالي، وذلك إثباتًا منه تعالى بأن الحمد له ولا يستحقه أحدٌ سواه بعد بطلان قول المشركين بإثبات الشركاء والأنداد؛ وثبوت أن لا إله إلا هو الواحد الأحد الحقّ (١) .\nوعلى ما سبق ذكره يتبيّن أنّ غاية حمد الله ذاته وحكمته في هذا المقام لأمرين:\n(أحدهما) لظهور الحجة وقيام البيّنة على المشركين بهذا المثل وإلزامهم بالحقّ الذي لامحيد عنه ولا مناص؛ فلم يبق لهم بعده عذر ولا ينهض لهم عقبه برهان.\n(ثانيهما) لإثبات أنّ الله هو المستحقّ له دون سواه بعد بطلان إلهية كلّ الشركاء والأنداد.\nمطلب:\nثم إنّ الإضراب المتصل بالحمد بقوله تعالى ﴿بل أكثرهم لا يعلمون﴾ يحتمل عدة وجوه ذكرها المفسرون على ما يلي:\n_________\n(١) انظر: تفسير الطبري ج٢٣ ص١٣٨؛ تفسير الكشاف للزمخشري ج٣ ص٣٤٦؛ تفسير الماوردي ج٣ ص٤٦٨؛ تفسير ابن كثير ج٤ ص٥٢؛ التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٦ ص٢٧٨؛ تفسير البحر المحيط ج٧ ص٤٢٥؛ تفسير أبي السعود ج٧ ص٢٥٣؛ تفسير السعدي ج٦ ص٤٦٩؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢٣ ص٤٠٣.","vol":"1","page":76},{"text":"(أحدها) أنّ أكثر الناس وهم المشركون لا يعلمون ذلك المثل بما ظهر فيه من الحقّ واليقين مع كمال ظهوره فيبقون في شركهم وضلالهم (١) .\n(ثانيها) أنهم لايعلمون أنه الله سبحانه هو الإله الحقّ المعبود الذي يجب أن يحمد دون سواه؛ فيشركون به غيره تبعًا لذلك (٢) .\nو(ثالثها) أنهم لايعلمون ما يصيرون إليه من العذاب من جرّاء شركهم ولو أيقنوا حقًا لآمنوا ولما بقوا على شركهم ولكنّهم كذّبوا الله ورسوله صلىالله عليه وسلم (٣) .\nأقول: وجميع هذه الوجوه سائغة ومحتملة، وتصدق كلها على حال أولئك المشركين. والله أعلم بمراده.\nلطيفة:\nإنّ في حمد الله ذاته الكريمة - في هذا المقام - تنبيهًا للمؤمنين به على أنّ ما لهم من مزيّة الإيمان هو من توفيقه وفضله تعالى؛ وأنّها نعمة جليلة وكرامة عظيمة موجبة عليهم أن يداوموا على حمده وإخلاص العبادة له، أو على أن بيانه تعالى بضرب المثل أنّ لهم المثل الأعلى وللمشركين مثل السوء صنع جميل ولطف تام منه عزّوجلّ مستوجب لحمده وإخلاص العبادة له أيضًا (٤) .\nوبهذه اللطيفة يكمل الحديث عن هذا الموضع القرآني من مواضع حمد الله ذاته؛ ولله الحمد والمنة.\n_________\n(١) انظر: تفسير الماوردي ج٣ ص٤٦٨؛ تفسير ابن كثير ج٤ ص٥٢؛ التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٦ ص٢٧٨؛ تفسير أبي السعود ج٧ ص٢٥٣.\n(٢) انظر: الكشاف للزمخشري ج٣ ص٣٤٦؛ البحر المحيط لأبي حيان ج٧ ص٤٢٥؛ التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٦ص٢٧٨.\n(٣) انظر: تفسير السعدي: ج٦ ص٤٦٩.\n(٤) انظر: تفسير أبي السعود ج٧ ص٢٥٣؛ فتح القدير للشوكاني ج٤ ص٤٤٥.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-39>الفصل الثاني عشر: حمد الله ذاته الكريمة في آية سورة غافر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>المبحث الأول: في صلة آية الحمد بما قبلها</span>\n...\nالفصل الثاني عشر:\nحمد الله ذاته الكريمة في آية سورة غافر\nقال الله تعالى ﴿هو الحيّ لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين﴾ (١)\nالمبحث الأول: في صلة آية الحمد بما قبلها\nتجيء هذه الآية التي يحمد الله ذاته الشريفة في خاتمتها بعد آيات يذكر الله تعالى فيها عددًا من نعمه على عباده التي جعلها دلائل لإثبات ألوهيته ووحدانيته؛ وتوجيه الخلق إلى عبادته وحده والإخلاص له دون سواه. ولقد ابتدأت هذه الجولة من الآيات في ذكر دلائله في الكون والأنفس والآفاق من قوله تعالى ﴿الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرًا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لايشكرون﴾ (٢)،ثم يأتي بعدها قوله سبحانه ﴿الله الذي جعل لكم الأرض قرارًا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله ربّ العالمين﴾ (٣)، ومن بعدها تجيء آية الحمد وتفتتح بوصفه تعالى (الحيّ) الدالّ والمستلزم لأوصاف الكمال والجلال من العلم والقدرة وغيرها مما يثبت استحقاقه التام لإلهيته ووحدانيته مع ما سبق ذكره من إنعامه وأفضاله. وكان هذا الوصف الجليل (الحيّ) كالمقدّمة والدليل لقوله بعده (لا إله إلا هو)؛ وذلك لأنّ كل من سواه لا حياة له كاملة فهو معرّض للزوال والفناء، وبالتالي فكيف يكون إلهًا مدبرًا للعالم؟!\nوبعد اتضاح الدلالة على انفراده عزّوجلّ بالإلهية فرّع عليه الأمر بعبادته وحده بلا شريك فقال سبحانه ﴿فادعوه مخلصين له الدين﴾ (٤) .\n_________\n(١) سورة غافر: الآية (٦٥) .\n(٢) سورة غافر: الآية (٦١) .\n(٣) سورة غافر: الآية (٦٤) .\n(٤) انظر: التفسير الكبيرللفخر الرازي ج٢٧ ص٨٤؛ نظم الدرر في تناسب الآيات والسور ج ٦ ص٥٣٣؛ فتح القدير للشوكاني ج٤ ص٤٨٠؛ تفسير المراغي ج٢٤ ص٩٠؛ تفسير السعدي ج٦ ص٤٥٤؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢٤ ص١٩٢-١٩٣.","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>المبحث الثاني: في بيان موضع الحمد وغايته</span>\nولما ذكر الله تعالى ما ذكر من نعمه وآلائه على عباده مما جعلها دلائل لإثبات ألوهيته، ووصف بعدها ذاته المقدسة بما يدلّ على إحاطته بأوصاف الكمال والجلال ناسب أن يحمد ذاته الكريمة العليّة إثر ذلك إظهارًا وإثباتًا منه لاستحقاقه الحمد دون سائر ما يعبده المشركون ويتخذونهم أولياء من دونه فقال عزّ من قائل: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾، وبلا شك أنّ في حمده لذاته في هذا المقام أمرًا لعباده أن يحمدوه بما أنّه أهل للحمد والثناء على نعمائه وكمال أوصافه (١) .\nولصاحب نظم الدرر (البقاعي) (٢) نظرة سائغة لطيفة في مجيء الحمد في ختام هذه الآية وهي في محلّ الاعتبار، حيث نظر إلى ما حوته الآية من الأمر بالتوجّه إلى الله وعبادته وتوحيده فقال: «ولمّا أمر بقصر الهمم عليه علّله بقوله\n﴿الحمد لله رب العالمين﴾» (٣) فهو قد جعل بكلامه - هذا - الحمد علّة لِما في الآية\n_________\n(١) انظر: تفسير البغوي ج٤ ص١٠٤؛ التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٧ ص٨٤؛ محاسن التأويل للقاسمي ج١٤ ص٢٤٧؛ تفسير السعدي ج٦ ص٥٤٥-٥٤٦.\n(٢) هو إبراهيم بن عمر بن حسن الرباط بن علي بن أبي بكر البقاعي، أبو الحسن برهان الدين (٨٠٩-٨٨٥؟): مؤرخ أديب مفسر، أصله من البقاع في سورية، سكن دمشق ورحل إلى بيت المقدس والقاهرة، وتوفي بدمشق، له مؤلفات عدة في التاريخ والأدب والتفسير. (انظر: الضوء اللامع لأهل القرن التاسع للسخاوي ج١ ص١٠١-١١١؛ شذرات الذهب ج٧ ص٣٣٩؛ البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع ج١ ص١٩؛ الأعلام للزركلي ج١ ص٥٦) .\n(٣) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي: ج٦ ص٥٣٣.","vol":"1","page":79},{"text":"من الأمر بعبادة الله وتوحيده، أي بما أنّ الله هو المستحقّ للحمد بأوصافه الكاملة ونعمه الجزيلة فهو الذي ينبغي أن يوحّد ويعبد دون سواه.\nلطيفتان:\nالأولى: في قوله تعالى ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ بعد قوله ﴿لا إله إلا هو﴾ قال ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى: «وكان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال: لا إله إلا الله؛ أن يُتبع ذلك الحمد لله ربّ العالمين تأوّلًا منهم هذه الآية بأنّها أمر من الله بقيل ذلك» (١) .\nالثانية: إنّ في إظهار اسم الجلالة في موضع الإضمار بقوله ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ إشارة إلى أنّ له سبحانه من الصفات العلى ما لاينحصر، فالمسمّى بهذا الاسم جامع لجميع معاني الأسماء الحسنى لذاته (٢) .\nوبهاتين اللطيفتين يتم الكلام حول هذا الموضع ولله الحمد والمنة.\n_________\n(١) تفسير الطبري: ج٢٤ ص ٥٣.\n(٢) انظر: نظم الدرر للبقاعي ج٦ ص٥٣٣.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-42>الفصل الثالث عشر: حمد الله ذاته الكريمة في خاتمة سورة الجاثية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>المبحث الأول: في بيان موضع الحمد وصلته بما قبله</span>\n...\nالفصل الثالث عشر:\nحمد الله ذاته الكريمة في خاتمة سورة الجاثية\nقال الله تعالى ﴿فلله الحمد ربّ السموات والأرض ربّ العالمين. وله الكبرياء\nفي السموات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ (١)\nالمبحث الأول: في بيان موضع الحمد وصلته بما قبله\nيجيء حمد الله ذاته الكريمة في هذا الموضع بخاتمة السورة مقترنًا بالفاء تفريعًا على ما احتوت عليه السورة من ذكر آلاء الله وأفضاله وألطافه فيما خلق وأرشد وسخّر وأقام من نظم العدالة؛ وعلى ما انطوت عليه - أيضًا - من الدلائل الآفاقية والأنفسية والبراهين الساطعة والنصوص اللامعة في المبدأ والمعاد، وعلى ما أتى فيها من الوعيد للمعرضين والاحتجاج عليهم.. ولمّا كان ذلك كلّه من الحق ﷾ بما يدلّ على اتصافه بصفات الكمال والعظمة والجلال؛ كان من الحقيق والمناسب في هذا المقام أن يحمد الله ذاته عنده وكان جديرًا بقصره على ذاته دون سواه (٢) .\nلطيفة:\nإنّ في تقديم (لله) بقوله تعالى ﴿فلله الحمد﴾ إفادة للاختصاص والتأكيد، فالحمد الحقّ الكامل مختصّ به تعالى مؤكّد له دون غيره (٣) .\n_________\n(١) سورة الجاثية: الآيتان (٣٦-٣٧) .\n(٢) انظر: تفسير الطبري ج٢٥ ص٩٦؛ التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٧ ص٢٧٥؛ تفسير الآلوسي ج٢٦ ص٢-٣؛ تفسير السعدي ج٧ ص٣٥؛ التحرير والتنوير ج٢٥ ص٣٧؛ التفسير الواضح لمحمد محمود حجازي ج٢ ص٣٩٩.\n(٣) انظر: تفسير الآلوسي ج٢٦ ص٣؛ التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢٥ ص ٣٧٧.","vol":"1","page":81},{"text":"مطلب:\nيصف الله ﵎ ذاته المقدسة بعد حمده لها بـ ﴿ربِّ السموات ورب الأرض رب العالمين﴾ ليشير بذلك إلى علّة قصر الحمد عليه سبحانه، فربوبيته - عزّوجلّ - للسموات والأرض وما فيهما من العالمين سبب لاستحقاقه الحمد وقصره عليه دون سواه؛ إذ الكلّ مربوب لله تعالى وهو المنعم عليهم بفضله وكرمه وإحسانه (١) . وفيه كذلك تعريض بالمشركين الذين اتخذوا مع الله شركاء؛ وهو ربّ كل شيء، فعليهم أن يقلعوا عن شركهم ويوحِّدوه ويخلصوا له العبادة.\nوللآلوسي إضافة حسنة على ما سبق ذكره بهذا الوصف إذ يقول إنّ فيه\nـ أيضًا - إشارة إلى أنّ كفرهم لا يؤثّر شيئًا في ربوبيته تعالى ولا يسدّ طريق إحسانه ورحمته عزّوجلّ؛ وإنما هم قد ظلموا أنفسهم بذلك الكفر. (٢) .\nلطيفتان:\nالأولى: إنّ تكرير الربّ في قوله تعالى (وربِّ الأرض) للتأكيد والإيذان بأنّ ربوبيته تعالى لكلّ منهما بطريق الأصالة، مع ما فيه - أيضًا - من التنويه بشأن الربوبية (٣) .\nالثانية: إنّ في اتباع (ربّ السموات ورب الأرض) بـ (رب العالمين) تأكيدًا لكون سكان السموات والأرض محقوقين بأن يحمدوه سبحانه، لأنّه خالق العوالم التي هم منتفعون بها وخالق ذواتهم فيها كذلك (٤) .\n_________\n(١) انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٧ ص٢٧٥؛ تفسير الآلوسي ج٢٦ ص٣؛ تفسير السعدي ج٧ ص٣٥؛ التحرير والتنوير ج٢٥ ص٣٧٧.\n(٢) انظر: تفسير الآلوسي ج٢٦ ص٣.\n(٣) انظر: تفسير أبي السعود ج٨ ص٧٦؛ التحرير والتنوير ج٢٥ ص٣٧٧.\n(٤) انظر: التحرير والتنوير ج٢٥ ص ٣٧٨.","vol":"1","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-44>المبحث الثاني: في صلة آية الحمد بما بعدها</span>\nمطلب:\nبعد أن حمد الله ذاته في الآية السابقة وأتبع بوصفها بربوبيته للسموات والأرض والعالمين أثبت لها ثلاث صفات جاءت في الآية التي تليها بقوله ﴿وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم﴾ (١) .\n(فأولها): صفة (الكبرياء) وهي مشتقة من الكِبْر، وجاءت على وزن\n(فِعْلِيَاء) وهو بناء مبالغة (٢) . وقال الراغب (٣) في مفرداته: «الكبرياء الترفّع عن الانقياد وذلك لايستحقه غير الله تعالى» (٤) . ومن لوازم هذه الصفة لله تعالى العظمة والجلال والسلطان والعلوّ، وبها فسِّرت هذه الصفة عند أكثر المفسرين (٥) .\nوقد دلّ من الآية على اختصاص الكبرياء به تعالى وحصره في ذاته الشريفة تقديم المجرور في قوله (وله الكبرياء)، ومما دلّ عليه - أيضًا - ما روي في الصحيح عن أبي سعيد الخدري (٦) وأبي هريرة ﵄ قالا: قال رسول الله صلىالله عليه\n_________\n(١) سورة الجاثية: الآية (٣٧) .\n(٢) انظر: لسان العرب لابن منظور ج٥ ص١٢٥-١٢٦؛ تفسير الثعالبي ج٤ ص١٤٨.\n(٣) هو الحسين بن محمد بن المفضل، أبو القاسم الأصفهاني أو الًاصبهاني المعروف بالراغب: أديب من الحكماء العلماء، من أهل (أصبهان) سكن بغداد واشتهر حتى كان يقرن بالإمام الغزالي، توفي عام ٥٠٢؟، من أشهر مؤلفاته: المفردات في غريب القرآن، محاضرات الأدباء، الذريعة إلى مكارم الشريعة. (انظر: بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة للسيوطي ص ٣٩٦؛ كشف الظنون لحاجي خليفة ج١ ص ٣٦؛ الأعلام للزركلي ج٢ ص٢٥٥) .\n(٤) المفردات للراغب الأصفهاني ص ٤٢٢.\n(٥) انظر: تفسير الطبري ج٢٥ ص٩٧؛ محاسن التأويل للقاسمي ج١٤ ص٣٩٨؛ فتح القدير للشوكاني ج٥ ص١٢؛ تفسير السعدي ج٧ ص٣٥.\n(٦) هو سعد بن مالك بن سنان الخدري الأنصاري الخزرجي، أبو سعيد (١٠ق؟–٧٤؟): صحابي جليل، كان من ملازمي النبي ﷺ وروى عنه أحاديث كثيرة غزا اثنتي عشرة غزوة، وتوفي بالمدينة المنورة. (انظر: أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير الجزري ج٢ ص٢١٣ ص١٤٢؛ الأعلام للزركلي ج٣ ص٨٧) .","vol":"1","page":83},{"text":"وسلم: «العزّ إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته» (١)،كيف وهي صفة منبئة عن كمال الذات وكمال الوجود (٢)، ولا يكون هذا إلا لله تعالى وحده.\nوإنّما خصّ ذكر الكبرياء في السموات والأرض لظهور آثارها وأحكامها فيهما (٣) .\nهذا ووجه الحكمة في إثبات هذه الصفة لله تعالى في هذا المقام لأمرين: (أحدهما) الدلالة على أنّه تعالى هو المستحقّ للحمد دون سواه من كلّ ما يُشْرَك به ويُعبد من دونه؛ وذلك لأنّ له الكبرياء وحده لا لغيره.\n(وثانيهما) ليدلّ سبحانه على أنّ استدعاء خلقه لحمده إنّما هو لنفعهم وتزكية نفوسهم وإلاّ فإنّه غني عنهم، وأنّهم إن حمدوه وجب أن يعرفوا أنّه\n_________\n(١) رواه الإمام مسلم في صحيحه: كتاب البر – باب تحريم الكبر، حديث ١٣٣؛ ج٥ ص ٤٨٠ (صحيح مسلم بشرح النووي – طبعة الشعب) وقال النووي: الضمير في (إزاره ورداؤه) يعود إلى الله تعالى للعلم به، وفيه محذوف تقديره. قال الله تعالى (فمن ينازعني ذلك عذبته) وعند أبي داود في سننه عن أبي هريرة قال: قال الرسول ﷺ:\n«قال الله عزوجل: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري فمن نازعني واحدًا منهما قذفته في النار» . كتاب اللباس: باب ما جاء في الكبر، حديث ٣٩٣٢، ج٦ ص٥٣-٥٤. (مختصر سنن أبي داود للمنذري)، وبمثله عند ابن ماجة ولفظه: «ألقيته في جهنم» كتاب الزهد – باب البراءة من الكبر والتواضع، حديث ٤١٤٧، ج٢ ص١٣٩٧.\n(٢) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢٥ ص٣٧٨؛ لسان العرب لابن منظور ج٥ ص١٢٥-١٢٦.\n(٣) انظر: تفسير أبي السعود ج٨ ص٧٦؛ فتح القدير للشوكاني ج٥ ص١٢.","vol":"1","page":84},{"text":"أعلى وأكبر من أن يكون له الحمد الذي ذكروه لائقًا بإنعامه؛ بل هو أكبر من حمدهم وأياديه أعلى وأجلّ من شكرهم (١) .\nلطيفة:\nللشيخ عبد الرحمن السعدي كلام لطيف ومعتبر في اقتران الكبرياء بالحمد في هذا الموضع الكريم إذ يقول: «فالحمد فيه الثناء على الله بصفات الكمال ومحبته وإكرامه؛ والكبرياء فيها عظمته وجلاله. والعبادة مبنية على ركنين: محبة الله والذلّ له. وهما ناشئان عن العلم بمحامد الله وجلاله وكبريائه» (٢) .\nمطلب:\nوثاني الصفات وثالثها في هذه الآية الكريمة للحقّ سبحانه قوله ﴿وهو العزيز الحكيم﴾ وبها تختم الآية والسورة، ومجيء هاتين الصفتين - في هذا المقام الجليل وختامه - لتأكيد استحقاقه تعالى للحمد والثناء مع ما قبلها من الربوبية والكبرياء؛ وذلك أنّ العزّة لله تشمل معاني القدرة والاختيار، والحكمة تجمع معاني تمام العلم وعمومه، وهذا يفيد أنّه - تعالى - لكمال قدرته واختياره يقدر على خلق أيّ شيء أراده؛ ولكمال حكمته بعلمه يخصّ كلّ نوع من مخلوقاته بآثار الحكمة والرحمة والفضل والإنعام، فلا إله إلا هو ولا محسن ولا منعم ومتفضّل إلاّ هو سبحانه (٣) .\nلطيفتان:\nالأولى: إنّ في هاتين الآيتين إرشادًا إلى أوامر جليلة فكأنّه قيل: له الحمد سبحانه\n_________\n(١) انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٧ ص٢٧٥؛ التحرير والتنوير ج٢٥ ص٣٧٨.\n(٢) تفسير السعدي: ٧ ص ٣٥.\n(٣) انظر: التفسير الكبير للفخر الرازي ج٢٧ ص٢٧٥؛ تفسير الآلوسي ج٢٦ ص٣؛ تفسير السعدي ج٧ ص٣٥؛ التحرير والتنوير ج٢٥ ص٣٧٨.","vol":"1","page":85},{"text":"فاحمدوه وحده واعبدوه ولاتشركوا به شيئًا؛ وله الكبرياء فكبِّروه وعظّموه، وهو العزيز الحكيم فأطيعوه في كلّ أمر ولاتعصوه (١) .\nالثانية: وبهذه الخاتمة الرائعة من قوله تعالى: ﴿فلله الحمد رب السموات..﴾ الآيتان؛ آذن الكلام بانتهاء السورة الكريمة، فهو من براعة ختم السور القرآنية (٢) .\nوبهاتين اللطيفتين يتمّ الكلام حول هذا الموضع من مواضع حمد الله ذاته في كتابه ولله الحمد والمنة.\n_________\n(١) انظر: تفسير أبي السعود ج٨ ص٧٦؛ تفسير الآلوسي ج٢٦ ص٣؛ التفسير الواضح لمحمد محمود حجازي ج٢ ص٣٩٩.\n(٢) انظر: التحرير والتنوير ج٢٥ ص٣٧٨؛ التفسير الواضح ج٢ ص٣٩٩.","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>الفصل الرابع عشر: حمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة التغابن</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>المبحث الأول: في وجه الحكمة بافتتاح السورة بهذه الآية</span>\n...\nالفصل الرابع عشر:\nحمد الله ذاته الكريمة في فاتحة سورة التغابن\nقال الله تعالى ﴿يُسَبِّحُ لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد\nوهو على كل شيء قدير﴾ (١)\nالمبحث الأول: في وجه الحكمة بافتتاح السورة بهذه الآية\nلَمّا كان أكثر ما احتوت عليه سورة التغابن هو إبطال إشراك المشركين بالله تعالى؛ وزجرهم عنه وعمّا يتفرّع منه من إنكارهم للبعث وتكذيبهم للرسول ﷺ والقرآن الذي أنزل عليه، والتي تعدّ أصولًا لضلالهم بدأت السورة بالإعلان عن ضلالهم وكفرانهم بالمنعم عليهم سبحانه، وذلك ببيان أنّ ما في السموات وما في الأرض يسبِّح الله تعالى عمّا لا يليق بجلاله وكماله من الشرك به ومن كلّ شائبة نقص. أي وأنتم أيها المشركون بخلاف ذلك، ففيه معنى التعريض بالمشركين الذين لم ينزِّهوه ولم يوقِّروه فنسبوا إليه الشركاء والأنداد تعالى الله عمّا يقولون علوًا كبيرًا، مع ما يفيده ذلك - أيضًا ابتداءً - من تقرير تنزيه الله تعالى وقوّة سلطانه ليزداد الذين آمنوا إيمانًا وليكون لهم تعليمًا وامتنانًا (٢) .\nويؤيِّد هذا المعنى الذي من أجله افتتحت هذه السورة بهذه الآية ما جاء بعدها مباشرة من قوله تعالى ﴿هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير﴾ (٣)؛ إذ هي تقرير لما أفادته وإبانة للمقصود على وجه التصريح بأنّ الذين\n_________\n(١) سورة التغابن: الآية (١) .\n(٢) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ج٢٨ ص٢٦٠.\n(٣) سورة التغابن: الآية (٢) .","vol":"1","page":87},{"text":"أشركوا بالله قد كفروا بنعمته وبخلقهم زيادة على جحدهم دلائل تنزهه تعالى عن النقص الذي اعتقدوه له، ولذلك قدّم (فمنكم كافر) على (ومنكم مؤمن) لأن الشِّقّ الأوّل هو المقصود بهذا الكلام تعريضًا وتصريحًا (١) .\nلطيفة:\nإنّ مجيء فعل التسبيح في قوله تعالى ﴿يسبح لله ما في السموات وما في الأرض﴾ بصيغة المضارع للدلالة على تجدّده ودوامه، وقد سبق نظيره في فاتحة سورة الجمعة بقوله تعالى ﴿يسبح لله ما في السموات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم﴾، (٢) وإنّما جيء به في فواتح سور المسبِّحات الأخرى (الحديد – الحشر – الصف) بصيغة الماضي للدلالة على أن التسبيح قد استقرّ في قديم الأزمان، فحصل من هذا التنوّع بين الماضي والمضارع كلا المعنيين المرادين (٣) والله أعلم بمراده.\n_________\n(١) انظر: التحرير والتنوير لابن عاشور ٢٨ ص٢٦٢.\n(٢) سورة الجمعة: الآية (١) .\n(٣) انظر: التحريروالتنوير ج٢٨ ص ٢٦٠. وقال أبو يحيى زكريا الأنصاري في كتابه فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن: «عبّر هنا (أي في سورة الحديد) وفي الحشر والصف بالماضي، وفي الجمعة والتغابن بالمضارع، وفي الأعلىبالأمر، وفي الإسراء بالمصدر استيعابًا للجهات المشهورة لهذه الكلمة، وبدأ بالمصدر في الإسراء لأنه الأصل، ثم بالماضي لسبق زمنه، ثم بالمضارع لشموله الحال والمستقبل، ثم بالأمر لخصوصه بالحال مع تأخره في النطق به في قولهم: فعل-يفعل-افعل» (فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن ص ٥٥١) .","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-47>المبحث الثاني:\nفي بيان موضع حمدالله ذاته الكريمة في الآية وغايته</span>\nبعد إيراد الله - عزّوجلّ - لتسبيح ما في السموات ومافي الأرض له سبحانه؛ أتبعه بقوله ﴿له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير﴾ وهو استئناف واقع موقع التعليل لمضمون التسبيح قبله (١)، فإنّ تنزيه جميع الموجودات له تعالى عن الشركاء والنقائص لِمَا أنّه سبحانه هو المالك لكلّ شيء في الوجود والمتصرّف فيه بحكمته وإرادته بما يشاء تصرّف المالك المنفرد في ملكه، ولما أنه كذلك الموصوف بالإحاطة بجميع صفات الكمال والمنعم على خلقه بنعمه التي لا تعدّ ولا تحصى؛ ولِما أنّه أيضًا القدير على كلّ شيء فلا يعجزه أمر أراده. وبهذا كانت هذه الجملة الاستئنافية المعطوفة أجزاؤها على بعض قد شكّلت بمجملها تعليلًا لتنزيه ما في السموات وما في الأرض لله تعالى، فسبحان من له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.\nلطيفة:\nفي وجه اقتران الحمد والملك المنبيء عن الحكم لله تعالى في هذا المقام كلام لطيف للشيخ عطية محمد سالم رحمه الله تعالى (٢) في أضواء البيان إذ يقول:\n_________\n(١) انظر: تفسير ابن كثير ج٤ ص٣٧٤؛ نظم الدرر في تناسب الآيات والسور للبقاعي ج٣ ص٨٠؛ التحرير والتنوير ج٢٨ ص ٢٦١؛ التفسير الواضح لمحمد محمود حجازي ج٢ ص٥٠٨.\n(٢) هو الشيخ عطية محمد سالم، ولد بقرية ريفية في مديرية الشرقية بمصر عام ١٣٤٦؟، بدأ دراسته الدينية بعد مجيئه إلى المدينة المنورة عام ١٣٦٤؟ في المسجد النبوي الشريف، ومن أشهر مشايخه الشيخ محمد الأمين الشنقيطي والشيخ عبد الرحمن الإفريقي والشيخ محمد التركي والشيخ حماد الأنصاري، ودرّس بالمسجد النبوي الشريف لمدة طويلة، وله مؤلفات كثيرة مشهورة، توفي عام ١٤٢٠؟ بالمدينة المنورة.","vol":"1","page":89},{"text":"«والتذييل هنا بصفات الكمال لله تعالى بقوله ﴿له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير﴾ للإشعار بأنّ الملك لله وحده لا شريك له نافذ فيه أمره ماض فيه حكمه بيده أزمّة أمره كما في قوله تعالى ﴿تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير﴾ (١) وكقوله تعالى ﴿إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ (٢)، ومن قدرته على كل شيء وتصريفه لأمور ملكه كيف يشاء أن جعل العالم كله يسبح له بحمده تنفيذًا لحكمه فيه كما في قوله تعالى ﴿له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون﴾ (٣) فجمع الحمد والحكم معًا لجلالة قدرته وكمال صفاته» (٤) .\nوبهذه اللطيفة أختم الكلام حول آخر مواضع حمد الله ذاته الكريمة في آيات كتابه الحكيمة ولله الحمد والمنة.\n_________\n(١) سورة تبارك: الآية (١) .\n(٢) سورةيس: الآية (٨٢) .\n(٣) سورة القصص: الآية (٧٠) .\n(٤) أضواء البيان تكملة الشيخ عطية سالم: ج٨ ص ٣٣١.","vol":"1","page":90},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-48>الخاتمة</span>\nوبعد هذا التطواف في رحاب الآيات القرآنية التي حمد الله تعالى فيها ذاته المقدّسة - بأبلغ وجه وآكده في خمسة عشر موضعًا من أعظم المواضع وأشرفها مكانًا وبيانًا - يدرك المتأمّل أهمية هذه الدراسة بما حوته من إظهار حِكَمه تعالى لحمده ذاته؛ إذ جاء في فاتحة كتابه وأربع سور غيرها وكانت جميعها في بدايات أرباع القرآن الكريم، كما ختم به سبحانه بعض السور وتخلّل بين الآيات في سور أخرى.\nهذا وتنوَّعت حِكَم مجيء الحمد في مواضعه بين إثبات ربوبيّته وألوهيته تعالى، وإظهار أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وعند ذكر أعظم نعمه سبحانه الدينية والدنيوية والأخروية، وعند ظهور الحقّ وإرشاد الخلق بإثبات الحجّة وقيام البيّنة، كما كان من حكَمه في ذكر ما أقامه ﷿ من نظم العدالة وتسخيره هذا الكون بما فيه من النعم، وإظهار الدلائل في الآفاق والأنفس..\nوإني أقترح بعد هذه الدراسة أن تتبع بدراسة المواضع القرآنية الأخرى التي جاءت في شأن حمد الله تعالى من قِبَل ملائكته ورسله والمؤمنين، لِما فيه من إظهار جوانب مهمّة ومتمّمة.\nفلله الحمد كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وسبحانه لا نحصي ثناءً عليه.\nوختامًا أسأل الله تعالى أن يتقبّل عملي هذا وأن يجعله حجّة لي في ميزان حسناتي يوم ألقاه. إنه وليّ ذلك والقادر عليه. وصلّى الله وسلّم وبارك على نبيّنا وسيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.","vol":"1","page":91},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>مصادر ومراجع</span>\n...\nفهرس المراجع\n١- الإتقان في علوم القرآن: السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن. ٢ج. بيروت – لبنان: المكتبة الثقافية.\n٢- إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم: أبو السعود: محمد بن محمد العمادي.٩ج. بيروت – لبنان: دار إحياء التراث العربي.\n٣- أسد الغابة في معرفة الصحابة: ابن الأثير الجزري، أبو الحسن علي بن محمد. ٥ج، دار الفكر.\n٤- أسرار ترتيب القرآن: السيوطي، جلال الدين، تحقيق: عبد القادر أحمد عطا. الطبعة الثانية ١٣٩٨؟، القاهرة: دار الاعتصام.\n٥- الإصابة في تمييز الصحابة: ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي بن محمد ابن علي، بيروت: دار الكتاب العربي، ٤ج.\n٦- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: الشنقيطي، محمد الأمين بن محمد المختار الجكني. ١٠ج. ١٣٩٣؟/١٩٨٣م.\n٧- الأعلام: الزركلي، خير الدين. الطبعة السادسة. ٨ج. بيروت: دار العلم للملايين، ١٩٨٤م.\n٨- الأمثال في القرآن الكريم: ابن قيم الجوزية. تحقيق: سعيد محمد نمر الخطيب، الطبعة الثانية ١٤٠٣؟ – ١٩٨٣م. بيروت: دار المعرفة.\n٩- البداية والنهاية: أبو الفداء، إسماعيل بن كثير الدمشقي، الطبعة الأولى. ٧ج. بيروت: دار الكتب العلمية. تحقيق: أحمد أبو ملحم – علي نجيب – فؤاد السيد – مهدي ناصر الدين.\n١٠- البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع: الشوكاني، محمد بن علي. ٢ج. طبع بمصر ١٣٤٨؟.","vol":"1","page":92},{"text":"١- بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة: السيوطي، جلال الدين، طبع بمصر ١٣٢٦؟.\n٢- تبصير الرحمن وتيسير المنّان: المهايمي، علي بن أحمد بن إبراهيم، الطبعة الثانية. ٢ج. بيروت: عالم الكتب، ١٤٠٣؟ /١٩٨٣م.\n٣- تذكرة الحفاظ: الذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان. ٤ج. طبع في حيدرآباد ١٣٣٣ –١٣٣٤؟.\n٤- ترتيب القاموس المحيط: الزاوي، الطاهر أحمد. الطبعة الثالثة – ٤ج. بيروت: دار الفكر.\n٥- تفسير ابن عباس ومروياته في التفسير من كتب السنة: الحميدي، عبد العزيز ابن عبد الله. ٢ ج. الرياض: طبع بشركة العبيكان للطباعة والنشر – مكة المكرمة: مركز البحث العلمي بجامعة أم القرى.\n٦- تفسير البحر المحيط: أبو حيان، محمد بن يوسف الأندلسي الغرناطي، الطبعة الثانية. ٨ج. بيروت: دار الفكر، ١٤٠٣؟ – ١٩٨٣م.\n٧- تفسير التحرير والتنوير: ابن عاشور، محمد الطاهر. ٣٠ج. تونس: الدار التونسية للنشر، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب ١٩٨٤م.\n٨- تفسير الجلالين: على حاشية الصاوي.\n٩- تفسير القرآن العظيم: أبو الفداء، إسماعيل بن كثير القرشي الدمشقي. ٤ج. بيروت: دار المعرفة، ١٤٠٥؟.\n١٠- تفسير المراغي، أحمد مصطفى. ٢٠ج. بيروت: دار إحياء التراث العربي.\n١١- تفسير المنار: رضا، محمد رشيد. الطبعة الثانية. ١٢ج. بيروت: دار المعرفة.\n١٢- تفسير النسفي، عبد الله بن أحمد بن محمود. الطبعة الأولى. ٢ج. بيروت: دارالكتاب العربي، ١٤٠٢؟ – ١٩٨٢م.\nتهذيب الصحاح: الزنجاني، محمود بن أحمد. تحقيق: عبد السلام هارون – أحمد","vol":"1","page":93},{"text":"١- عبد الغفور عطار. مصر: دار المعارف. ٣ج.\n٢- تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنّان: السعدي، عبد الرحمن بن ناصر. تحقيق: محمد زهري النجار. ٧ج. الرياض: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، ١٤٠٤؟.\n٣- جامع البيان في تفسير القرآن: الطبري، محمد بن جرير. ٣٠ ج. بيروت: دار المعرفة، ١٤٠٣؟/١٩٨٣م.\n٤- الجامع لأحكام القرآن: القرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري. الطبعة الثانية. ٢٠ج. بيروت: دار الكتاب العربي.\n٥- الجواهر الحسان في تفسير القرآن: الثعالبي، عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف. ٤ج. بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات.\n٦- حاشية الجمل على تفسير الجلالين (الفتوحات الإلهية): العجيلي الشافعي، سلمان بن عمر، الشهير بالجمل. ٤ج. بيروت – لبنان: دار إحياء التراث الغربي.\n٧- حاشية الصاوي على تفسير الجلالين: الصاوي، أحمد بن محمد.٤ج. بيروت: دار إحياء التراث العربي.\n٨- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: ابن حجر العسقلاني، أحمد بن علي. ٤ج. طبع في حيدر آباد ١٩٤٥ – ١٩٥٠م.\n٩- روح المعاني في تفسير القرآن الكريم والسبع المثاني: الآلوسي، أبو الفضل، شهاب الدين السيد محمود. ٣٠ج. بيروت: دار إحياء التراث العربي.\n١٠- زاد المسير في علم التفسير: ابن الجوزي، أبو الفرج جمال الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد. الطبعة الثالثة. ٩ج.دمشق – بيروت: المكتب الإسلامي، ١٤٠٤؟.\nسنن أبي داود: أبو داود، سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي. إعداد","vol":"1","page":94},{"text":"١- وتعليق: عزت عبيد الدعاس – عادل السيد. الطبعة الأولى. ٥ج. سوريا – لبنان: دارالحديث، ١٣٨٨؟.\n٢- سنن ابن ماجه: ابن ماجه، أبو عبد الله محمد بن يزيد القزويني. تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي. ٢ج. بيروت: دار الفكر.\n٣- سير أعلام النبلاء: الذهبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان. الطبعة الأولى. بيروت: مؤسسة الرسالة.\n٤- شذرات الذهب في أخبار من ذهب: ابن العماد الحنبلي. بيروت: دار إحياء التراث العربي.\n٥- صحيح مسلم بشرح النووي: القشيري، مسلم بن الحجاج – النووي، يحيى ابن شرف، تحقيق وإشراف: عبد الله أحمد أبو زينة. ٥ج. القاهرة. كتاب الشعب.\n٦- صفة الصفوة: ابن الجوزي، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي ابن محمد. تحقيق: محمود فاخوري – محمد رواس قلعه جي. الطبعة الثالثة. ٤ج. بيروت – لبنان. دار المعرفة ١٤٠٥؟.\n٧- الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: السخاوي. ١٢ج. طبع في مصر ١٣٥٣ –١٣٥٥؟.\n٨- طبقات الشافعية الكبرى: تاج الدين السبكي. ٦ج. طبع بمصر ١٣٢٤؟.\n٩- الغاية في القراءات العشر: النيسابوري، الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن مهران. تحقيق: محمد غياث الجنباز. الطبعة الأولى، ١٤٠٥؟ – ١٩٨٥م. الرياض: شركة العبيكان.\n١٠- غرائب القرآن ورغائب الفرقان: النيسابوري، نظام الدين بن محمد بن حسين القمي. تحقيق: إبراهيم عطوة عوض. الطبعة الأولى. ٣٠ج. مصر: شركة ومكتبة مصطفى البابي الحلبي وأولاده.","vol":"1","page":95},{"text":"١- فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن: الأنصاري، أبو يحيى زكريا. تحقيق: محمد علي الصابوني. الطبعة الأولى. بيروت: دار القرآن الكريم، ١٤٠٣؟ – ١٩٨٣م.\n٢- فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية في علم التفسير: الشوكاني، محمد ابن علي. تحقيق: عبد الرحمن عميرة – الطبعة الأولى. ٦ج، مصر: دار الوفاء، ١٤١٥؟.\n٣- الكامل: ابن الأثير. ١٢ج. طبع بمصر ١٣٠٣؟.\n٤- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: حاجي خليفة. ٢ج. طبع في إسطنبول ١٣٦٠؟.\n٥- الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل: الزمخشري، أبو القاسم جار الله محمد بن عمر.٤ج. بيروت: دار المعرفة.\n٦- الكليات: الكفوي، أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني. تحقيق: عدنان درويش. محمد المصري. الطبعة الثانية، ١٤١٣؟. بيروت: مؤسسة الرسالة.\n٧- لباب التأويل في معاني التنزيل: الخازن، علاء الدين علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي: ٧ج. بيروت: دار الفكر، ١٣٩٩؟.\n٨- لسان العرب: ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم.\n١٥ج. بيروت: دار الفكر – دار صادر.\n٩- لسان الميزان: ابن حجر العسقلاني. الطبعة الثانية، ١٣٩٠؟. ٧ج. بيروت، مؤسسة الأعلمي.\n١٠- محاسن التأويل: القاسمي، محمد جمال الدين، علق عليه: محمد فؤاد\nعبد الباقي. الطبعة الثانية ١٧٠ج. بيروت: دارالفكر، ١٣٩٨؟.\n١١- مختار الصحاح: الرازي، محمد أبو بكر بن عبد القادر. بيروت – دمشق: مؤسسة علوم القرآن،١٣٩٨؟","vol":"1","page":96},{"text":"١- مختصر سنن أبي داود: الحافظ المنذري، عبد العظيم بن عبد القوي بن\nعبد الله بن سلامة بن سعد. تحقيق: أحمد محمد شاكر – محمد حامد الفقي. ٨ ج. بيروت – لبنان: دارالمعرفة، ١٤٠٠؟ –١٩٨٠م.\n٢- مدارج السالكين: ابن قيم الجوزية. تحقيق: محمد حامد الفقي. ٣ج. بيروت – لبنان: دار الكتاب العربي. الطبعة الثانية، ١٣٩٣؟ –١٩٧٣م.\n٣- معالم التنزيل: البغوي، أبو محمد الحسين بن مسعود الفراء. تحقيق: خالد عبد الرحمن العك – مروان سوار. ٤ج. بيروت: دار المعرفة. الطبعة الثانية، ١٤١٣؟ – ١٩٩٢م.\n٤- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم: وضعه محمد فؤاد عبد الباقي. بيروت: دار المعرفة. الطبعة الرابعة ١٤١٤؟ – ١٩٩٤م.\n٥- مفاتيح الغيب (التفسير الكبير):الفخر الرازي، أبو عبد الله محمد بن\nعمر بن حسين. الطبعة الثالثة. ٣٠ج. بيروت: دار إحياء التراث العربي.\n٦- مفتاح السعادة ومصباح السيادة: طاش كبرى زاده. ٢ج. الطبعة الأولى. حيدرآباد: مطبعة دار المعارف النظامية، ١٣٢٩؟.\n٧- المفردات في غريب القرآن: الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد. تحقيق: محمد سيد كيلاني. بيروت: دار المعرفة.\n٨- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: جمال الدين يوسف بن تغري بردي. القاهرة: دار الكتب المصرية.\n٩- النشر في القراءات العشر: ابن الجزري، محمد بن محمد الدمشقي. أشرف على تصحيحه ومراجعته: علي محمد الضَبَّاع. ٢ج. بيروت – لبنان: دار الكتب العلمية.\nنظم الدرر في تناسب الآيات والسور: البقاعي، برهان الدين أبو الحسن إبراهيم بن عمر. الطبعة الأولى. ٨ج. بيروت - لبنان: دار الكتب","vol":"1","page":97},{"text":"١- العلمية، ١٤١٥؟.\n٢- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب: المقري، ٤ج. طبع بمصر ١٣٠٢؟.\n٣- النكت والعيون: الماوردي، أبو الحسن علي بن حبيب. تحقيق: خضر محمد خضر. راجعه: عبد الستار أبوغدة. الطبعة الأولى، الكويت: طباعة مقهوى. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. التراث الإسلامي، ١٤٠٣؟.\n٤- وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان: ابن خلكان. ٢ج. طبع بمصر ١٣١٠؟.","vol":"1","page":98}]}