{"ً":{"ٌ":10295,"ٍ":"التشريع الإسلامي صالح للتطبيق في كل زمان ومكان","َ":2,"ُ":1,"ِ":{"root":"الجوامع والمجلات ونحوها/مجلة الجامعة الإسلامية/010_001","files":["010_001_mgi.pdf"]},"ّ":"الكتاب: التشريع الإسلامي صالح للتطبيق في كل زمان ومكان\nالمؤلف: محمد فهمي علي أبو الصفا\nالناشر: الجامعة الإسلامية\nالطبعة: السنة العاشرة، العدد الأول، جمادى الأخرة ١٣٩٧هـ مايو - يونية ١٩٧٧ م\nعدد الصفحات: ١١١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2146,"ٕ":11,"ٖ":1770155804,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"حكمة انبعاث الإسلام من الجزيرة العربية","level":1,"page":4},{"title":"النواحي التي تناولها التشريع الإسلامي","level":1,"page":6},{"title":"النزعة الجماعية في التشريع الإسلامي","level":1,"page":9},{"title":"مميزات التشريع الإسلامي","level":1,"page":11},{"title":"التشريع الإسلامي يحفظ المقاصد التي يقوم عليها أمر الدين والدنيا","level":1,"page":12},{"title":"السنة توضح القرآن","level":1,"page":15},{"title":"التشريع الإسلامي ملائم لكل البيئات","level":1,"page":17},{"title":"أهم المبادئ التي يدعو إليها الإسلام","level":1,"page":19}],"ٛ":{"1,100":1,"1,101":2,"1,102":3,"1,103":5,"1,104":7,"1,105":8,"1,106":10,"1,107":13,"1,108":14,"1,109":16,"1,110":18,"1,111":20},"ٜ":{"1":[100,111]},"ٝ":["1,100","1,101","1,102","1,102","1,103","1,103","1,104","1,105","1,105","1,106","1,106","1,106","1,107","1,108","1,108","1,109","1,109","1,110","1,110","1,111"],"ٞ":{"1":[1],"4":[2],"6":[3],"9":[4],"11":[5],"12":[6],"15":[7],"17":[8],"19":[9]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"موضوعات البحث.\n١<span data-type=\"title\" id=toc-1> المقدمة</span>\n٢ حكمة انبعاث الإسلام من جزيرة العرب\n٣ النواحي التي تناولها التشريع الإسلامي\n٤ النزعة الجماعية في التشريع الإسلامي\n٥ مميزات التشريع الإسلامي\n٦ التشريع الإسلامي يحفظ المقاصد التي يقوم عليها أمر الدين والدنيا\n٧ السنة توضح القرآن\n٨ التشريع الإسلامي ملائم لكل البيئات\n٩ أهم المبادئ التي يدعو إليها","vol":"1","page":100},{"text":"التشريع الإسلامي صالح للتطبيق في كل زمان ومكان\nلفضيلة الشيخ محمد فهمي علي أبو الصفا\nالحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين والمرسلين.\nوبعد..\nفإن من تمام النعمة على الناس ومن مظاهر حكمة الله تعالى في خلقه بعد أن تخطى العقل البشري دور الطفولة وتهيأ الفكر للتدرج في مراقي الحياة. أن يكون الإسلام هو الدين الذي يتعهد الله به بني الإنسان والشريعة التي يختتم بها شرائعه الأولى.\nفلا غرو أن كان تشريعا محكم الأساس وطيد البنيان كامل النظام سامي الأغراض وافيا بحاجات الأفراد والجماعات صالحا للتطبيق في كل زمان ومكان وكيف لا تتسع الشريعة الإسلامية لشئون الناس وهي شريعة الخلود شريعة كتب لها أن تكون خاتمة الشرائع السماوية فلا شريعة بعدها ولا رسالة تخلف رسالة محمد ﷺ ولا وحي يمكن أن يكون بعد الذي أنزل عليه كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ .\nوليس لأحد أن يشرع غير الله تعالى حتى الأنبياء فإنهم مبلغون عن الله واجتهاد الرسول ﷺ واجتهاد أصحابه ليس تشريعا بل هو فهم للكتاب والسنة وتطبيق لمبادئ الدين ولذلك انتهى التشريع بوفاة الرسول ﷺ ثم ابتدأ الفقه يستمد مضمونه من التشريع فشريعة الإسلام هي شريعة السماء الخالدة إلى أهل الأرض ما بقيت وما بقي الناس حتى يوم الدين.\nومن أجل ذلك وجب أن تكون وافية بجميع الأحكام والقوانين التي تحتاج إليها الأمم في تدبير شئونها وتنظيم حياتها","vol":"1","page":101},{"text":"صالحة لمسايرة هذه الحياة في جميع تطوراتها ومراحل تقدمها ورُقِيِّها تزودها في كل عصر وكل جيل بما يكفل لها السعادة ويسبغ ﵍ والأمن وهذا ما يشهد به قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ .\nوقوله ﷺ: \"تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله\".\nوليس معنى أن القرآن تبيان لكل شيء وأنه أحاط بجزيئات الوقائع والحوادث ونص على تفاصيل أحكامها فإن الواقع يشهد بأن في الأغلب لم يعرض لهذه التفاصيل ولم يعن بالجزيئات وإنما أتت الأحكام في صورة قوانين عامة ومبادئ كلية يمكن تحكيمها في كل ما يعرض للناس في حياتهم اليومية فهي قوانين محكمة ثابتة لا تختلف ولا يسوغ الإخلال بشيء منها وعامة كلية يمكن أن تتمشى مع اختلاف الظروف والأحوال.\nفالقرآن الذي هو المصدر الأول للتشريع الإسلامي تبيان لكل شيء من حيث أنه قد أحاط بجميع الأحوال والقواعد التي لابد منها في كل قانون وأي نظام وذلك كوجوب العدل والمساواة والشورى ورفع الحرج ودفع الضرر ورعاية الحقوق لأصحابها وأداء الأمانات إلى أهلها والرجوع بمهام الأمور إلى أهل الذكر والاختصاص.\nوما إلى ذلك من المباد العامة التي لا يستطيع أن يشذ عنها قانون يراد به صلاح الأمم وإسعادها.\nوقد تضافرت النصوص الإسلامية وعلم من الدين بالضرورة عموم رسالة محمد ﷺ.\nقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ .\nلهذا قام محمد رسول الله بتبليغ هذه الرسالة إلى من استطاع تبليغهم من الأمم متمثلين في الحكام كهرقل إمبراطور الروم وكسرى ملك الفرس والنجاشي ملك الحبشة وغيرهم تاركا لخلفائه من بعده القيام بتبليغ الدعوة إلى بقية الأمم.\nوقد اهتدى بعض تلك الأمم فآمن بدعوته إنصافا للحق كما أنصفه من اتبعه من قومه.","vol":"1","page":102},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>حكمة انبعاث الإسلام من الجزيرة العربية</span>\n...\nحكمة انبعاث الإسلام من جزيرة العرب\nكان سكان تلك الجزيرة خليطا على عقائد متباينة وأديان مختلفة فمن عبدة الأوثان إلى عبدة الجن والملائكة إلى معتنقي المجوسية إلى اليهود والنصارى من أهل الكتاب فإذا جاء الإسلام في","vol":"1","page":102},{"text":"هذه البقعة ليرد الناس جميعا إلى الدين الحق.\nاستطاع أن يحاج العقائد جميعها متمثلة في هذا الخليط من أهل الأديان والنحل المختلفة.\nوكان من السهل على حامل تلك الدعوة ومبلغها على ضوء هدايته محاجة العقائد في سائر الأمم والشعوب.\nيضاف إلى هذا أن أهل المنطقة كانوا متفككي الروابط كثيري المشاحنات فهم أحوج ما يكون إلى من يجمع كلمتهم.\nعلى أن الإسلام لم يكن بدعا في انبعاثه من هذه المنطقة. فقد انبعث منها ومما حولها سائر الأديان السماوية ومنها شريعتا موسى وعيسى ﵉.","vol":"1","page":103},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>النواحي التي تناولها التشريع الإسلامي</span>\nجاء الإسلام موجها لاستصلاح الناس فيما يتعلق بشئونهم في دينهم ودنياهم، واعتبر الإسلام كل عمل من أعمال الخير عبادة ودعا الإنسان إلى أن يستعمل نعمة الله في تحسين العلاقات بينه وبين الناس ابتغاء لمرضاة الله مع المحافظة على حقوقه نفسه ومن يلوذون به.\nوحث على العمل والكفاح لكسب العيش مقترنا بالعمل للآخرة فقد علم الإسلام معتنقيه أن كل عمل من أعمال الدنيا من صميم الدين مادام الباعث عليه حب الخير والحرص على الإنتاج الصالح النافع ومصلحة الجماعة وأن العبادة إذا شغلت عن إصلاح شئون الدنيا والعمل المنتج فيها فليست بعبادة وقد دخل النبي ﷺ المسجد فرأى رجلا منقطعا للنسك والزهد وسمع من أصحابه ثناء عاطرا عليه من تلك الناحية فقال لهم: \"من ينفق عليه؟ \". قالوا أخوه. فقال: \"أخوه أعبد منه\".\nوفي هذا المعنى الكثير من الآثار الإسلامية التي ألهبت جذوة النشاط والسعي الكادح بين المسلمين في شئون الدنيا النافعة ليتقربوا بذلك إلى الله سبحانه ومن ذلك قول النبي ﷺ: \"لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خير له من أن يسأل أحدا فيعطيه أو يمنعه\".\nوقوله ﷺ: \"إن من الذنوب ذنوبا لا يكفرها الصوم ولا الصلاة قيل فما يكفرها يا رسول الله قال الهموم في طلب العيش\".\nولذا فإن مفهوم كلمة دين في القرآن الذي عبر عن الإسلام بالدين في قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾ تشمل صلة الإنسان بربه وصلته بنفسه","vol":"1","page":103},{"text":"وصلته بالغير فالدين الإسلامي ينظم سلوك الناس ويهذب أساليب تعاملهم بحيث لا يكون في النفوس سبيل إلى التظالم ولا أثر للضغائن والأحقاد.\nولهذا قال الباحثون في التشريع الإسلامي إنه يرجع إلى ثلاث نواح.\n١_ الأحكام الاعتقادية.\n٢_ الأحكام الخُلقية.\n٣_ الأحكام العملية.\nوإليك صورة موجزة عن كل ناحية منها:\nأولا: الأحكام الاعتقادية.\nالمراد بالأحكام الاعتقادية معرفة ما يتعلق بالله وصفاته وبالرسل الذين أرسلهم إلى خلقه وشئون اليوم الآخر.\nوقد أفرد علماء المسلمين علما خاصا به يسمى علم الكلام أو علم التوحيد.\nثانيا: الأحكام الخُلقية:\nالمراد بها بيان ما ينبغي أن يكون عليه المسلم من الصفات التي ينتج عنها صدور الأفعال الخيرة بسهولة كالحلم والصفح والتواضع ولِين الجانب وتطهير النفس من الغل والحقد والحسد وما إلى ذلك وهي صفات منبثة في ثنايا القرآن الكريم والسنة النبوية.\nوهذه الناحية تعتبر دعامة أصيلة في توجيه الإسلام وهي الأساس لانقياد النفوس للعمل بما جاءت به الشريعة الإسلامية من الأحكام التي تنظم علاقات الناس وتحول بينهم وبين البغي والأثرة اللذين يورثان نيران العداوة والبغضاء ويشيعان الفساد في الأرض.\nوقد تدرك جانبا من ذلك التوجيه الخلقي العظيم فيما أدركه منذ بدء دعوة الإسلام رجل من أتباعه وقف موقفا بين يدي نجاشي الحبشة فدعاه الموقف إلى أن يسرد نواحي التوجيه البارزة في دعوة محمد بقضائه على ما كان شائعا بينهم من مفاسد خلقية إذ يقول: \"كنا قوما أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة فصدقناه وآمنا به\".\nولا غرو فقد كان محمد حامل الرسالة","vol":"1","page":104},{"text":"الإسلامية أول من تخلَّق بأخلاقها فلقد هذبه الله وقوم خلقه ووصفه بأنه على خلق عظيم ولهذا روي أن رسول الله ﷺ قال: \"أدبني ربي فأحسن تأديبي\". وروي أيضا أنه قال: \"إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق\".\nثالثا: الأحكام العملية:\nويراد بها ما يتصل بأعمال المكلفين في عباداتهم لربهم وتعاملهم فيما بينهم أفرادا وجماعات.\nوتقع هذه الناحية في آخر مراتب التشريع كما هو التدرج الطبيعي فإنه بعد أن استصلح العقائد والأخلاق تمهيدا لاستصلاح هذه الناحية عقب بها لينقاد المسلمون إلى تقبل الأحكام العملية المتعلقة بما يصدر عن الشخص المكلف من أقوال وأفعال وتصرفات فعرفهم من هو المكلف الذي يخاطب بأحكام الشريعة ويلزم بها وما هي العوارض التي تؤثر على الشخص فتجعله غير مكلف كما بين لهم الصحيح والباطل في تصرفاتهم والحلال والحرام في أعمالهم واتصالاتهم أفرادا وجماعات.\nكما تناول أحكام العبادات التي يتقربون إلى الله بها من طهارة وصلاة وصوم وزكاة وحج.\nوأشار إلى ما يجب في تملك الأموال من حقوق نحو الفرد ونحو المجتمع وما ينبغي أن يكون عليه التعاقد في ضوء تعاليم الإسلام.\nكما أشار إلى النظم التي تحكم الأسرة من كافة نواحيها وتوضح علاقاتها في حياة الأفراد وبعد مماتهم.\nوبيَّن الجرائم والجنايات وما يقابل ذلك من عقاب وجزاء.\nكما أشار إلى نظام الحكم والتقاضي وطرق إثبات الدعاوى وتنفيذ الأحكام إلى غير ذلك من شئون الحياة.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>النزعة الجماعية في التشريع الإسلامي</span>\nعني التشريع الإسلامي بصالح كل من الفرد والمجتمع ولكنه آثر صالح المجتمع على صالح الفرد وبذا حق أن يوصف بأن نزعته جماعية يوضح هذا أنه يعمل على الحد من سلطان الفرد إذا أساء استعمال حقه فأضر بغيره.\nفحقوق الأفراد في الإسلام منح إلهية قيدت بمراعاة الصالح العام وعدم الإضرار بالآخرين فلهذا يمنع المرء من عمل هو في الأصل مباح له إذا ترتب عليه إضرار بغيره لأن المصالح العامة مقدمة على المصالح الخاصة ولأن الرسول ﷺ روي عنه أنه قال: \"لا ضرر ولا ضرار\".\nومعنى هذا أنه يجب مقاومة كل عمل يترتب عليه الإضرار بالآخرين وإن كان في الأصل مباحا.","vol":"1","page":105},{"text":"وهناك أحاديث تورد بعض تفصيلات لهذه القاعدة كنهي النبي ﷺ أن يبيع أحد على بيع أخيه أو يخطب على خطبته إلا أن يأذن له ومن هذا جاء تشريع الشفعة فإنه حد من حرية المتبايعين وتقييد له يمنع ضرر الشريك أو الجار.\nوعدم المضارة بالأفراد الآخرين مما يوفر الطمأنينة ويحقق ناحية من السعادة وفي هذا صلاح للمجتمع أيضا.\nوهذه النظرة الجماعية نظرة إصلاحية عامة وهامة تبين ما في الإسلام من أحقية وخلود.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>مميزات التشريع الإسلامي:</span>\nتبين لنا من نظرة الإسلام الجماعية أنه دين إنساني جدير بالخلود والبقاء وأنه يثبت جدارته بذلك على مر الأيام لما فيه من دعائم ثابتة وبنيان محكم متين وهذا يثبت لك ما يشتمل عليه التشريع الإسلامي من مطالب البشر وحاجات الناس مما يدعو إلى وجوب التمسك بأهدابه والاحتكام إليه فيما دق وجل فإن كل من تأمل فيه يقف على مدى مكانته في معالجة شئون العالم.\nفالتشريع الإسلامي وهو خاتم الشرائع السماوية وأمها من عند الله علام الغيوب المنزه عن الخطأ والهوى.\nفهو تشريع يحيط بكل شئون الناس وحاجاتهم دون قصور أو زيغ بخلاف القوانين التي هي من وضع الناس وتفكيرهم المحدود الذي من شأنه أن يتحكم فيه الهوى أو يشتمل على نقص في المقدمات وأسباب الأحكام لهذا كان التشريع الإسلامي بما يشتمل عليه من التوجيه الروحي والتهذيب النفسي يربي يقظة الضمير والانتفاع بتوجيه القلب الطاهر الذي أصلحته تلك التوجيهات فهو ينبعث بصفاته إلى حب الخير وجلب النفع ومقاومة الشر.\nبخلاف قوانين البشر فإنها مقصورة على التوجيه من ناحية الإرهاب والعقاب فكأنما يساق بها الناس سوق الدواب من غير توجيه ضمير إنساني ولا انبعاث خلقي.","vol":"1","page":106},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>التشريع الإسلامي يحفظ المقاصد التي يقوم عليها أمر الدين والدنيا</span>\nجاءت الشريعة الإسلامية رحمة بالعباد وفصلا بينهم فيما يختلفون فيه ومحافظة عليهم فيما هم محتاجون إليه.\nفقد أحاط القرآن بأصول ما يلزم لحفظ المقاصد التي لم تأت الشرائع السماوية ولم تنشأ القوانين إلا لخدمتها والمحافظة عليها فإن عليها يقوم أمر الدين والدنيا.","vol":"1","page":106},{"text":"وبالمحافظة عليها تنظم شئون الأفراد والجماعات.\nوتلك هي المقاصد الخمسة الدين والنفس والعقل والنسل والمال فمهما تنوعت الشرائع واختلفت القوانين فإنها ترمي بأحكامها إلى المحافظة على هذه المقاصد التي عني القرآن بها فوضع من أصول الأحكام ما يحفظ كيانها ويكفل بقاءها ويدفع عنها ما يفسدها أو يضعف ثمرتها.\nثم جاءت السنة تشرح وتفصل وتبيِّن وتكمِّل وتضع للاجتهاد والاستنباط نماذج يحتذيها أولو الأمر فيما يجِّد من الحوادث.\nفالدين لابد منه للإنسان الذي يسمو في معانيه المشخصة له عن الحيوانية إذ التدين خاصة من خواص الإنسان ولابد أن يسلم له دينه من كل اعتداء فللمحافظة على الدين وضع القرآن قواعد الإيمان وفرض أنواع العبادات من الصلاة والصوم والحج ثم حاطها بما يمنع عوامل الشر والفساد أن تعبث بها أو تمتد إليها.\nفأوجب عقوبة من يعتدون على الدين أو يصدون عن سبيله.\nوالمحافظة على النفس هي المحافظة على حق الحياة العزيزة الكريمة.\nوالمحافظة على النفس تقتضي حمايتها من الاعتداء عليها بالقتل أو قطع الأطراف أو الجروح الجسيمة كما أن من المحافظة على النفس المحافظة على الكرامة الإنسانية بمنع السب والقذف وغير ذلك من كل أمر يمس كرامة الإنسان وللمحافظة على النفس أباح القرآن جميع الطيبات وأحل البيع والشراء والرهن والإجارة وما إليها من المعاملات ثم شرع ما يمنع الاعتداء عليها فأوجب القصاص وفرض الديات.\nوالمحافظة على العقل حفظه من أن تناله آفة تجعل صاحبها عبئا على المجتمع ومصدر شر وأذى للناس. وهي تتجه إلى أن يكون كل عضو من أعضاء المجتمع الإسلامي سليما يمد المجتمع بعناصر الخير والنفع فإن عقل كل عضو من أعضاء المجتمع ليس حقا خالصا له بل للمجتمع حق فيه باعتبار أن كل شخص لبنة من بنائه إذ يتولى بعمله سداد خلل فيه فمن حق المجتمع أن يلاحظ سلامته.\nوللمحافظة على العقل أباح الشارع كل ما يكفل سلامته ويزيد نشاطه وحرم ما يفسده ويضعف قوته.\nومن أجل ذلك حرم شرب الخمر وتوعد عليه.\nثم وكل أمر العقوبة الزاجرة فيه إلى بيان النبي ﷺ.","vol":"1","page":107},{"text":"والمحافظة على النسل هي المحافظة على النوع الإنساني وتربية أجياله على المحبة والعطف ليأتلف الناس وذلك بأن يتربى كل ولد بين أبويه ويكون للولد حافظ يحميه.\nوقد اقتضى ذلك تنظيم الزواج واقتضى منع الاعتداء على الحياة الزوجية كما اقتضى منع الاعتداء على الأعراض سواء أكان بفعل الفاحشة أم كان بالقذف وذلك كله لمنع الاعتداء على الأمانة الإنسانية التي أودعها الله تعالى جسم الرجل والمرأة ليكون منهما النسل والتوالد الذي يجعل حياة الإنسان باقية في هذه الأرض على أن تكون متآلفة قوية تعيش عيشة طيبة عالية فيكثر النسل ويكون قويا في جسمه وخلقه وعقله يكون صالحا للامتزاج والائتلاف بالمجتمع الذي يعيش فيه ومن أجل المحافظة على النسل كانت عقوبة الزنى وعقوبة القذف وغير ذلك من العقوبات التعزيرية التي وضعت لحماية النسل.\nوللمحافظة على المال والعناية بأمر تدبيره ووجوه الانتفاع به شرع نظام المعاملات وحرم الغش والتغرير والربا وكل ما فيه أكل أموال الناس بالباطل.\nوفرض ضمان المتلفات وشرع الحد في السرقات وهكذا نجد أن الأحكام التي شرعت لخدمة هذه المقاصد الخمسة والمحافظة عليها قصدت في ذلك إلى أمرين: الأول حفظها في أصل وجودها بتقوية أركانها وتمكين قواعدها والثاني حفظ بقائها ونموها لتؤتي الثمرة المرجوة منها وذلك بحمايتها من عوامل الفساد وأسباب الانحلال.\nهذه هي المقاصد الخمسة التي تقوم عليها حياة الإنسان وبصلاحها يستقيم أمر الأفراد ونظام الجماعات.\nوضع لها القرآن القواعد والأصول وقرر لكل نوع ما يناسبه من الأحكام قرر هذه الأحكام كليات وأتى فيها بعمومات لكنه مع ذلك لم يُغفل ما يراه منها في حاجة إلى تفصيل.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>السنة توضح القرآن</span>\nثم جاءت السنة توفي ذلك حقه من الشرح والبيان فقد بيَّن النبي ﷺ بأقواله وأعماله أحكام ما كان يعرض للناس من الحوادث يستقيه من الوحي وقد وضع ﷺ لنا مبادئ حكيمة في الأخلاق وأنواع العبادات وقواعد صالحة في نظام الأسرة وتربية الناشئين وأسسا متينة لأحكام روابط الاجتماع فسنَّ من القوانين في المعاملات والجنايات وعلاقات بعضها ببعض ما هو كفيل بإقرار السلام والأمن في الأرض وحتى","vol":"1","page":108},{"text":"آداب الأكل والشرب وآداب السلام وما ينبغي أن يكون في السفر والإقامة والصحة والمرض والغنى والفقر كل ذلك قد عني به وترك لنا فيه مثلا عالية للتربية والتعليم ونماذج صالحة للتهذيب والتثقيف.\nثم كان ﵊ يجتهد ويجمع في الحكم بين المتماثلات بربط الأشياء بنظائرها ويلحق الفروع بأصولها منبها إلى علل الأحكام وأسرار التشريع وقد علم الصحابة بهذا أن أحكام الشريعة لها حِكمها وأسرارها ولها أسبابها وغاياتها لأنها شريعة خالدة عامة.\nفوجب أن تكون أحكامها وافية بهذه الحاجة في كل عصر وهكذا كان رجال الصدر الأول من المسلمين يفهمون الشريعة من مصادرها ويستنبطون الفروع من أصولها فكانوا يجدون في هذه المصادر والأصول الكفاية بأحكام ما يأتون وما يذرون وما شعروا يوما أنهم مع هذه الشريعة عاجزون أن يواجهوا ما كان يتوارد عليهم من الوقائع ومختلف النوازل.\nوكثير منها لم يكن لهم به عهد من قبل بل كان من نتائج الفتح الإسلامي وأثر من آثار اختلاط العرب بغيرهم من الأمم التي خضعت لسلطان الإسلام.","vol":"1","page":109},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-8>التشريع الإسلامي ملائم لكل البيئات</span>\nمما لا شك فيه أن التشريع الإسلامي الذي نزل الوحي بقواعده وأصوله الكلية صالح كل وقت ملائم لجميع البيئات.\nفقد بني على التيسير ورفع الحرج ودفع الضرر. قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقال جل شأنه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ والنبي ﷺ: \"يسروا ولا تعسروا\".\nوقد ثبت من سيرته أنه ﷺ ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما.\nوالمتتبع لأحكام الشريعة الإسلامية يجد مظاهر هذا الأصل في شتى نواحيها فقلة التكاليف إلى مراعاة أعذار المعذورين إلى رفع التكليف أو عدم المؤاخذة في حالة الضرورة كل ذلك يدل في وضوح إلى اليسر وعدم الحرج أضف إلى ذلك أن القرآن في جانب تشريع المعاملات لم يعمد إلى التفصيل بل أتى بقواعد عامة صالحة للتطبيق في كل حين - قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ وقال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ وقال أيضا: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ .","vol":"1","page":109},{"text":"وهو بهذا يرمي إلى تحقيق مصالح الناس على اختلاف الأزمان والبيئات لأنه تشريع للناس كلهم قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ . فلو لم يكن محققا لمصالح الجميع لكان نقمة عليهم مع أنه جعله رحمة لهم قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ . وهو بحق يحقق العدل والمساواة بين الناس كلهم لأنه ينظر إلى الناس جميعا نظرة المساواة في الخضوع لأحكامه وفي المؤاخذة على مخالفتها لا فرق بين حاكم ومحكوم ولا بين غني وفقير ولا بين شريف ووضيع ولا بين أبيض وأسود. فلا يعفى شخص من المؤاخذة بماله من جاه وسلطان.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ . وقال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ .\nوالنبي ﷺ يقول: \" إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها\".\nوبالجملة فقد قصد الإسلام بتشريعه تحقيق المصالح للناس ودفع المفاسد عنهم وكانت تشريعاته كلها مبنيَّة على أن مصلحة الجماعة مقدَّمة على مصلحة الفرد إذا ما تعارضت المصلحتان وأن دفع الضرر العام مقدم على دفع الضرر الخاص ومن هنا نهى عن احتكار الطعام وأمر ببيعه للناس وقت الحاجة وإن لم يرض صاحبه - كما حرَّم الربا وشدَّد النكير فيه مع ما يحققه من نفع لصاحب المال حماية للمجتمع من جشع المُرَابِين ورحمة بالمحتاجين الذين يضطرون إلى مد أيديهم طلبا للقرض من أولئك المُرَابِين.\nوهذه نزعة جماعية تحمي الجماعة من طغيان الأفراد وتسلط أصحاب الحقوق.","vol":"1","page":110},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>أهم المبادئ التي يدعو إليها الإسلام</span>\nالشريعة الإسلامية جاءت بمبادئ سامية تقود الناس دائما إلى الفلاح وتقضي على عوامل الشر والفساد ومن ذلك:","vol":"1","page":110},{"text":"أولا: مبدأ العدالة والمساواة فإن أحكامها بُنِيَّت على العدالة المطلقة والتسوية التامة بين الناس ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ والرسول ﷺ يقول: \"الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى\".\nثانيا: مبدأ الشورى فقد جعل الإسلام الشورى أساسا للحكم فأمر نبيه بها قال تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْر﴾ وأمتدح المؤمنين بها فقال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم﴾ .\nثالثا: مبدأ التسامح فقد جاد الإسلام يدعو إلى التسامح مع الأفراد قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ ومع الجماعات المخالفة قال تعالى: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ .\nرابعا: مبدأ التضامن الاجتماعي فقد حرص الإسلام من أول الأمر على أن يقرر حق الفقراء في مال الأغنياء ويحمل الأغنياء مسئولية كفايتهم.\nوبما أسلفنا نكون قد أوضحنا أن التشريع الإسلامي صالح للتطبيق في كل زمان ومكان وأن تشريعا يستمد حياته من القرآن والسنة لن يقف في يوم من الأيام عن مسايرة الزمان.\nمحمد فهمي علي أبو الصفا\n٢٠ ربيع الثاني ١٣٩٦ هـ\n١٩ أبريل ١٩٧٦م","vol":"1","page":111}]}