{"ً":{"ٌ":1041,"ٍ":"الإمامة العظمى - الريس","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/immozma/immozma.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الإمامة العظمى -تأصيلات أهل السنة السلفيين والرد على الشبهات المخالفين-\nالمؤلف: عبد العزيز بن ريس الريس\nالناشر: (دار البرازي - سوريا)، (دار الإمام مسلم - المدينة المنورة)\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٧ هـ\nعدد الصفحات: ٤٢٦\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":3093,"ٕ":1,"ٖ":1780758892,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة","level":1,"page":1},{"title":"وجوب التحاكم للكتاب والسنة عند النزاع","level":2,"page":1},{"title":"حرمة ترك الدليل تقليدا لعالم","level":2,"page":5},{"title":"ابن القيم: أنوع الاعتراضات على الدليل","level":2,"page":5},{"title":"الحرية والحقوق من الأسماء التي امتطيت لتحريف شرع الله","level":2,"page":7},{"title":"وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة بفهم السلف","level":2,"page":8},{"title":"ابن تيمية؛ مجرد نزاع المتأخرين في مسألة لا يجعلها اجتهادية","level":2,"page":10},{"title":"الخروج أعظم من مفسدة الصبر على جور الحاكم","level":2,"page":11},{"title":"بيان فصول الكتاب","level":2,"page":13},{"title":"بيان سبب الاكتفاء بالإشارات في الرد على كتاب أسئلة الثورة بدلا من الاستدراكات","level":2,"page":14},{"title":"السمعاني؛ اتفاق كلمات أهل السنة على اختلاف أماكنهم أمارة على صحة مذهبهم","level":2,"page":14},{"title":"بدعة الخوارج أول بدعة فرقت الأمة وتحزبت عليه جماعة","level":2,"page":16},{"title":"الفصل الأول: تأصيلات في الإمامة عند أهل السنة","level":1,"page":18},{"title":"التأصيل الأول: أهل السنة على وجوب تنصيب إمام وحاكم","level":2,"page":19},{"title":"التأصيل الثاني: مقاصد نصب الإمامة","level":2,"page":21},{"title":"التأصيل الثالث: لا تصح ولاية الكافر، ولا يجوز اعتقاد بيعة له","level":2,"page":24},{"title":"تنبيه: بيان العلماء للكفر البواح وانه الذي يوجب الخلع","level":3,"page":25},{"title":"تنبيه: بيان أن وجوب الخلع لابد فيه القدرة","level":3,"page":26},{"title":"التأصيل الرابع: بشترط في التولية ابتداء أن يكون عادلا فلا تصح ولاية الفاسق","level":2,"page":27},{"title":"تنبيه: اشتراط العدالة عند التولية لا يعني العزل بالفسق الطارئ","level":3,"page":28},{"title":"تنبيه: اشتراط العدالة عند التولية بالاختيار بخلاف الغلبة","level":3,"page":28},{"title":"التأصيل الخامس: أهل السنة على حرمة الخروج على الحاكم الفاسق أو المبتدع","level":2,"page":29},{"title":"فائدة: الإجماع بعد خلاف حجة وإجماع","level":3,"page":29},{"title":"نقول عن العلماء في حكاية الاجماع على حرمة الخروج على الحاكم الفاسق","level":3,"page":33},{"title":"التأصيل السادس: بيان خطأ بعض المتأخرين ممن قرر جواز العزل بفسق أو بدعة","level":2,"page":38},{"title":"التأصيل السابع: تحرم إشاعة وإشهار عيوب ولاة الأمور ولو باسم النصيحة","level":2,"page":40},{"title":"ابن القيم: فرق بين النصيحة والغيبة لأن النصيحة تكون لمصلحة دينية أو دنيوية","level":3,"page":41},{"title":"فائدة ذكر بعض أهل العلم ممن كتب في الاعتقاد الدعاء لولاة الأمور","level":3,"page":42},{"title":"التأصيل الثامن: مناصحة ولاة الأمور تختلف عن غيرهم فهي لا تكون إلا أمامهم","level":2,"page":44},{"title":"بيان الضابط في التفريق بين الوسائل الشرعية والمحدثة","level":3,"page":46},{"title":"الجواب على أمور اعترض به بها البعض على حرمة مناصحة الإمام من ورائه","level":3,"page":49},{"title":"ابن تيمية؛ المنكر العلانية ينكر عليه علانية","level":3,"page":49},{"title":"تنبيه: فرق بين الإنكار على ولي أمر إذا فعل منكرا والإنكار العام دون نسبته لولي الأمر","level":3,"page":50},{"title":"التأصيل التاسع: لتولي الولاية والحكم في الإسلام طريقتان","level":2,"page":53},{"title":"مراد العلماء بأهل الحل والعقد","level":3,"page":56},{"title":"تنبيه: الرد على من لبس بأن الانتخابات والديمقراطية من الطرق الشرعية للولاية","level":3,"page":59},{"title":"الإجماع على صحة إمامة المتغلب","level":3,"page":61},{"title":"الفصل الثاني: كشف شبهات تثار في أصل الإمامة","level":1,"page":64},{"title":"الشبهة الأولى: لا سمع ولا طاعة إلا في المعروف وهو الواجب والمستحب","level":2,"page":67},{"title":"الشبهة الثانية: المراد من حكم الله كقطع يد السارقإقامة العدل فإذا وجد العدل لم يكن تحكيمه لازما","level":2,"page":70},{"title":"الشبهة الثالثة: مفهوم المخالفة في «إن أمر عليكم عبد يقودكم بكتاب الله فاسمعوا وأطيعوا»","level":2,"page":74},{"title":"تقرير قول أهل السنة في مسالة الحكم بغير ما أنزل الله","level":3,"page":76},{"title":"لا تكفير في المسائل الخلافية","level":3,"page":78},{"title":"الشبهة الرابعة: نسبة عدم وجوب السمع والطاعة للفاسق إلا في المستحب والواجب لابن تيمية","level":2,"page":82},{"title":"الشبهة الخامسة: لا تنعقد إمامتان للمسلمين بالنص والإجماع","level":2,"page":85},{"title":"الشبهة السادسة: السمع والطاعة والبيعة للحاكم العام دون غيره استدلالا بحديث «اسمعوا للأمير الأعظم»","level":2,"page":88},{"title":"الشبهة السابعة: كلام لابن حزم مخالف لأهل السنة في هذا الباب","level":2,"page":90},{"title":"فائدة: الإجماع لا ينسخ ولا يخصص لأنه قطعي","level":3,"page":94},{"title":"فائدة: يشترط في النسخ معرفة المتقدم من المتأخر","level":3,"page":96},{"title":"الشبهة الثامنة: يخرج على الحاكم إذا حكم بغير ما أنزل الله أو استعان بالكفارأو","level":2,"page":96},{"title":"الشبهة التاسعة: أمر الله بطاعة (أولو الأمر) ولم يقل (ولي الأمر) المقصود الجماعة كمجلس الشورى وما أشبه","level":2,"page":97},{"title":"الشبهة العاشرة: لا تصح البيعة إلا لمن اجتمع عليه الناس لقول أحمد «الإمام الذي يجمع عليه الناس»","level":2,"page":98},{"title":"الشبهة الحادية عشرة: ذكر العلماء شروطا مجمعا عليها في الحاكم فلا بيعة لمن لم توجد فيه","level":2,"page":101},{"title":"الشبهة الثانية عشر: لا يشترط أن تكون الإمامة في قريش والنصوص من باب الإخبار","level":2,"page":101},{"title":"الشبهة الثالثة عشر: لا يشترط أن تكون الإمامة في قريش","level":2,"page":105},{"title":"فائدة: المرسل لا يقوي بعضه بعضا إذا خالف ما هو أقوى منه","level":3,"page":111},{"title":"الشبهة الرابعة عشرة: لا سمع ولا طاعة إلا لمن يحكم بكتاب الله لأثر علي ابن أبي طالب","level":2,"page":116},{"title":"الشبهة الخامسة عشرة: يشترط في الحاكم أن يكون عالما","level":2,"page":117},{"title":"الشبهة السادسة عشرة: لا طاعة لمن عصى اعتمادا على حديث «لا طاعة لمن عصى»","level":2,"page":117},{"title":"الشبهة السابعة عشر: لا تصح ولاية المتغلب لأمور","level":2,"page":120},{"title":"الشبهة الثامنة عشرة: لا يرى مالك إمامة المتغلب","level":2,"page":121},{"title":"الشبهة التاسعة عشرة: إجماع الصحابة على عدم صحة إمامة المتغلب لأثر أبي بكر","level":2,"page":123},{"title":"الشبهة العشرون: لا تصح إمامة المتغلب قياسا على عدم صحة البيع مع عدم التراضي","level":2,"page":125},{"title":"الشبهة الحادية والعشرون: اذا كان الله لم يرض إكراه العباد على طاعته فكيف يرضى طاعة المتغلب","level":2,"page":126},{"title":"الشبهة الثانية والعشرون: الانتخابات البرلمانية شرعية لأنها مبنية على الاختيار","level":2,"page":128},{"title":"بطلان الاستدلال بسؤال عبد الرحمن بن عوف أهل المدينة على الانتخابات","level":3,"page":128},{"title":"الشبهة الثالثة والعشرون: طرق الولاية ليست محصورة ويدخل فيها الانتخابات أيضا","level":2,"page":129},{"title":"الشبهة الرابعة والعشرون: أخطأ معاوية ومن بعده لما جعلوا الحكم بالتوريث","level":2,"page":129},{"title":"الشبهة الخامسة والعشرون: البيعة تلزم من باشرها دون من لم يباشرها","level":2,"page":133},{"title":"الشبهة السادسة والعشرون: الإمامة عقد بين الحاكم والمحكوم فإذا أخل أحد الطرفين بما اتفق عليه بطل العقد","level":2,"page":135},{"title":"الشبهة السابعة والعشرون: الإمامة عقد وكالة اعتمادا على قول أبي مسلم لمعاوية السلام عليك أيها الأجير","level":2,"page":137},{"title":"الشبهة الثامنة والعشرون: السمع والطاعة مقايضة بين الحاكم والمحكوم","level":2,"page":138},{"title":"الشبهة التاسعة والعشرون: لا يصح تقييد اختيار الحاكم بأهل الحل والعقد دون سائر الأمة","level":2,"page":140},{"title":"تنبيه: شغب بعضهم بقوله: إن لفظ «أهل الحل والعقد» لم يرد في الكتاب والسنة","level":3,"page":142},{"title":"الشبهة الثلاثون: أن في مسالة الخروج خلافا سائغا لأنه ورد عن بعض السلف","level":2,"page":143},{"title":"تنبيه: ضل في قتل الحسين طائفتان","level":3,"page":153},{"title":"الشبهة الحادية والثلاثون: نسبة بعضهم القول بالخروج إلى الأئمة الأربعة","level":2,"page":156},{"title":"الشبهة الثانية والثلاثون: تشكيكهم في إجماع السلف على حرمة الخروج اعتمادا على كلام لابن حزم","level":2,"page":165},{"title":"الشبهة الثالثة والثلاثون: الخروج منع لما تترتب عليه من مفاسد، فإذا غلب على الظن أن المصلحة راجحة فلا مانع","level":2,"page":170},{"title":"الشرائع العامة لم تبن على الصور النادرة. قاله ابن القيم","level":3,"page":171},{"title":"الشبهة الرابعة والثلاثون: جواز عزل الحاكم بفسق اعتمادا على بعض أهل العلم المتأخرين","level":2,"page":172},{"title":"الشبهة الخامسة والثلاثون: للشافعي كلام في عزل الحاكم لفسقه اعتمادا على نقل الزبيدي والتفتازاني","level":2,"page":174},{"title":"الشبهة السادسة والثلاثون: لا إثم على من لم يبايع حاكما معينا اعتمادا على أن ابن تيمية قرر عدم قتل من لم يبايع حاكما معينا","level":2,"page":175},{"title":"الشبهة السابعة والثلاثون: لا يصح قتل من خرج على الحكام في عصرنا لأنهم ليسوا خوارج يكفرون بكل كبيرة","level":2,"page":177},{"title":"ضابط الخارجي","level":3,"page":177},{"title":"بيان من هم الخوارج القعدية","level":3,"page":180},{"title":"الشبهة الثامنة والثلاثون: ليس كل من خرج على الحاكم فهو خارجي يصح قتاله","level":2,"page":180},{"title":"فائدة: هل يصح قتل الواحد من الخوارج؟","level":3,"page":186},{"title":"الشبهة التاسعة والثلاثون: تجوز المظاهرات على ولي الأمر لأنها ليست خروجا، وإنما إعلام بعد الرضا على قرار معين","level":2,"page":187},{"title":"الشبهة الأربعون: أن الصحابة قالوا لعمر: لو رأينا منك منكرا لقومناك بسيوفنا","level":2,"page":188},{"title":"الشبهة الحادية والأربعون: يجوز الخروج اعتمادا على حديث «فمن جاهدهم بيده» أي أمراء السوء","level":2,"page":189},{"title":"الشبهة الثانية والأربعون: يجوز الخروج اعتمادا على أثر لعمر قال فيه بقتل من جار من الحكام","level":2,"page":192},{"title":"الشبهة الثالثة والأربعون: يجوز الخروج اعتمادا على أثر عمر: لا تكونوا شهداء في الأرض حتى","level":2,"page":193},{"title":"الشبهة الرابعة والأربعون: الطعن في الولاة والتشهير بأخطائهم من الاحتساب المطلوب شرعا","level":2,"page":195},{"title":"الشبهة الخامسة والأربعون: قتل أحمد بن نصر الخزاعي بسبب خروجه على الواثق وأثنى عليه الإمام أحمد","level":2,"page":195},{"title":"الشبهة السادسة والأربعون: خرج الإمامان محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب على الدولة العثمانية","level":2,"page":197},{"title":"الشبهة السابعة والأربعون: لا إجماع على حرمة الخروج لأن للصحابة والتابعين قولين","level":2,"page":200},{"title":"الشبهة الثامنة والأربعون: الخروج المحرم ما كان بالسيف فحسب","level":2,"page":201},{"title":"الشبهة التاسعة والأربعون: يجوز مقاتلة السلطان الظالم اعتمادا على عموم حديث «من قتل دون ماله فهو شهيد»","level":2,"page":202},{"title":"الشبهة الخمسون: يجوز الخروج اعتمادا على لفظ «إلا أن يكون معصية» في بعض أحاديث السمع والطاعة","level":2,"page":206},{"title":"الشبهة الحادية والخمسون: يجوز الخروج اعتمادا على حديث «فمن نابذهم نجا» أي أمراء السوء","level":2,"page":207},{"title":"الشبهة الثانية والخمسون: أفتى مالك بن أنس بالخروج مع ذي النفس الزكية","level":2,"page":209},{"title":"الشبهة الثالثة والخمسون: قال العلامة المعلمي بجواز الخروج","level":2,"page":212},{"title":"الشبهة الرابعة والخمسون: غلاة الطاعة هم الذين يدعون للسمع والطاعة","level":2,"page":215},{"title":"الشبهة الخامسة والخمسون: كما أنه تحرم إمامة الرجل للناس في الصلاة وهم له كارهون فكذلك تولي الحاكم","level":2,"page":215},{"title":"الشبهة السادسة والخمسون: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا﴾ الآية فيها بيان علة السمع والطاعة فلا يطاعون حتى يؤدوا ما عليهم","level":2,"page":217},{"title":"الشبهة السابعة والخمسون: من الخطأ أن يستمر الرئيس أو الملك إلى الممات بل لابد من تداول السلطة","level":2,"page":217},{"title":"الشبهة الثامنة والخمسون: من المفترض أن تكون الدول الإسلامية دولا دستورية","level":2,"page":218},{"title":"الشبهة التاسعة والخمسون: قول بعضهم: المطلوب دولة مدنية لا دولة دينية لأن الدينية تعني تعطيل الحياة","level":2,"page":219},{"title":"سمات الدولة الإسلامية","level":3,"page":220},{"title":"الشبهة الستون: أن هناك فرقا بين الحاكم المسلم السياسي والشرعي","level":2,"page":225},{"title":"الشبهة الحادية والستون: الصبر على أذى الحاكم إذا كان شخصيا أما جماعيا فلا صبر","level":2,"page":226},{"title":"الشبهة الثانية والستون: تقرير إسقاط الإمارة بمظلمة اعتمادا على أثر عمر «من ظلمه أميره فلا إمرة له عليه دوني»","level":2,"page":228},{"title":"الشبهة الثالثة والستون: ضعف رواية «وإن جلد ظهرك أو أخذ مالك»","level":2,"page":229},{"title":"الشبهة الرابعة والستون: حديث «وإن جلد ظهرك وأخذ مالك» محمول على الفرد لا الجماعة","level":2,"page":231},{"title":"الشبهة الخامسة والستون: عزل الإمام إذا ترك الشورى اعتمادا على إجماع حكاه ابن عطية","level":2,"page":233},{"title":"الشبهة السادسة والستون: جواز غيبة الحاكم كما صدر من بعض التابعين","level":2,"page":235},{"title":"الفصل الثالث: استدراكات على كتاب الإمامة العظمى","level":1,"page":237},{"title":"الاستدراك الأول: حاول أن يجعل خلافا بين أهل العلم في تولي الحكم بالغلبة","level":2,"page":238},{"title":"الاستدراك الثاني: أورد أثر علي: «يحق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله» فحمله على ما لا يصح","level":2,"page":239},{"title":"الاستدراك الثالث: إذا حكم الحاكم بمعصية فلا سمع له ولا طاعة مطلقا","level":2,"page":239},{"title":"الاستدراك الرابع: نقل عن المودودي قوله: وألزم الحكومة باتباع القانون الأعلى والتزام الشورى","level":2,"page":240},{"title":"الاستدراك الخامس: خطأ الدكتور الدميجي في ضابط المعروف المذكور في الحديث","level":2,"page":241},{"title":"الاستدراك السادس: تقريره أنه لا طاعة لمن لا يحكم بكتاب الله","level":2,"page":242},{"title":"تنبيه: عزا الدميجي لفظ «ما أقام فيكم كتاب الله» إلى البخاري بالرقم مما يفيد","level":3,"page":244},{"title":"الاستدراك السابع: قرر أن من أطاع غير الله في معصية فقد اتخذه ربا من دون الله","level":2,"page":245},{"title":"الاستدراك الثامن: تقريره اختلاف السلف في وجوب الصبر على الأذى الشخصي","level":2,"page":246},{"title":"الاستدراك التاسع: بتر كلام ا للنووي فأظهره يقرر عزل الحاكم العاصي","level":2,"page":248},{"title":"الاستدراك العاشر: نقله لكلام للقاضي عياض حوى مخالفة عقدية ولم يستدركه","level":2,"page":249},{"title":"الاستدراك الحادي عشر: نقل خطأ عقديا عن ابن التين السفاقسي ولم يتعقبه، بل وبتر تعقيب القسطلاني له","level":2,"page":250},{"title":"الاستدراك الثاني عشر: قرر جواز الخروج بغير السيف على الحاكم العاصي أو الفاسق أو المبتدع","level":2,"page":252},{"title":"الاستدراك الثالث عشر: حاول أن يقوي قوله البدعي بنقولات عمن لا يعتد بهم","level":2,"page":252},{"title":"الاستدراك الرابع عشر: جعله القول بعزل السلطان بفسق قولا للشافعي والمشهور عن أبي حنيفة","level":2,"page":253},{"title":"الاستدراك الخامس عشر: بتر كلاما للنووي أظهره بأنه يقرر أن عزل الحاكم بالفسق اجتهادي","level":2,"page":254},{"title":"الاستدراك السادس عشر: قرر عدم جواز خروج العدل على العدل دون الخروج على الفاسق من العدل","level":2,"page":255},{"title":"لا يعتمد على المتأخرين من أهل العلم فيما خالفوا السلف فيه","level":3,"page":258},{"title":"الاستدراك السابع عشر: قرر أن المخالف في مسألة الخروج مخطئ ولا يبدع","level":2,"page":259},{"title":"الاستدراك الثامن عشر: لم يتعقب ابن حزم في نسبة الخروج لعلي ومعاوية وغيرهما من الصحابة","level":2,"page":260},{"title":"الاستدراك التاسع عشر: نسب القول بالخروج للأئمة الأربعة","level":2,"page":261},{"title":"الاستدراك العشرون: نسبته الخروج لأحمد بن نصر الخزاعي","level":2,"page":261},{"title":"الفصل الرابع: الاستدراكات على مقالين للدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف","level":1,"page":262},{"title":"الاستدراك الأول: لا تكاد تعرف الإمامة الفاجرة فضلا عن البرة في هذا الزمن","level":2,"page":263},{"title":"الاستدراك الثاني: اعتماده على من لا يعتد بهم في الباب","level":2,"page":264},{"title":"بعض الأخطاء العقدية للعز بن عبد السلام","level":3,"page":266},{"title":"بعض الأخطاء العقدية لأبي العباس القرطبي صاحب كتاب المفهم","level":3,"page":267},{"title":"الاستدراك الثالث: إجمال يلبس به على الشباب","level":2,"page":268},{"title":"ذكر الألفاظ المجملة هي طريقة أهل البدع في التلبيس على الناس","level":3,"page":268},{"title":"الاستدراك الرابع: لا طاعة لجهال الحكام إلا فيما يعلم أنه جائز شرعا","level":2,"page":269},{"title":"الاستدراك الخامس: اعتماده في قوله السابق على كلام لأبي العباس القرطبي في المفهم","level":2,"page":270},{"title":"الاستدراك السادس: عدم نقله لكلام القرطبي الذي فسر فيه قوله «بما يقتضيه العلم» حيث وافق فيه الحق","level":2,"page":270},{"title":"الاستدراك السابع: نقله عن العز كلاما غير دقيق","level":2,"page":271},{"title":"لا يجوز العمل بمسألة لا يعتقد حلها ولو كان فيها خلاف","level":3,"page":272},{"title":"تنبيه حول قاعدة «حكم الحاكم يرفع الخلاف»","level":3,"page":274},{"title":"الاستدراك الثامن: نقله لكلام ابن تيمية وعنون له بما يورث إيهاما ويقوي ضلال من ضل","level":2,"page":279},{"title":"الاستدراك التاسع: ضلاله في حديث «إنما الطاعة في المعروف»","level":2,"page":279},{"title":"الاستدراك العاشر: ذكر أن عمر قال: «من ظلمه أميره فلا إمرة له عليه دوني»","level":2,"page":280},{"title":"الاستدراك الحادي عشر: فهم كلام ابن القيم خطأ","level":2,"page":280},{"title":"الاستدراك الثاني عشر: بيان خطأ فهمه لكلام ابن تيمية: أنه طاعة لغير العدل في غير الطاعة","level":2,"page":282},{"title":"الاستدراك الثالث عشر: ذكر قاعدة فهمها خطأ من كلام ابن تيمية","level":2,"page":283},{"title":"الاستدراك الرابع عشر: نقل كلاما لابن القيم عن الامام مالك أنه لم يترك الفتيا لأجل منع السلطان","level":2,"page":284},{"title":"الفصل الخامس: استدراكات على كتاب (الحرية والطوفان) لحاكم العبيسان","level":1,"page":286},{"title":"الاستدراك الأول: قرر أن إقامة الدولة الإسلامية غاية باعتبار ووسيلة باعتبار","level":2,"page":288},{"title":"الاستدراك الثاني: استدل بأدلة لا دلالة فيها ألبتة على أن قيام الدولة الإسلامية مراد لذاته","level":2,"page":289},{"title":"الاستدراك الثالث: قرر أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم تقوم على عقد بين طرفين أصيل ووكيل","level":2,"page":293},{"title":"الاستدراك الرابع: عقد الإمامة كعقد الوكالة","level":2,"page":293},{"title":"الاستدراك الخامس: نقله عن أبي مسلم الخولاني قوله السلام عليك أيها الأجير","level":2,"page":293},{"title":"الاستدراك السادس: زعمه أن لا خلاف في كون الحاكم وكيلا عن الأمة","level":2,"page":294},{"title":"الاستدراك السابع: قرر عدم صحة ولاية المتغلب","level":2,"page":296},{"title":"الاستدراك الثامن: الصحابة مجمعون على عدم صحة ولاية المتغلب","level":2,"page":296},{"title":"الاستدراك التاسع: إذا اشترط في عقد البيع التراضي فالبيعة من باب أولى","level":2,"page":297},{"title":"الاستدراك العاشر: لم يرض الله إكراه العباد على طاعته فكيف تجوز طاعة الحاكم بالإكراه","level":2,"page":297},{"title":"الاستدراك الحادي عشر: نسب القول بعدم صحة ولاية المتغلب لمالك بن أنس","level":2,"page":298},{"title":"الاستدراك الثاني عشر: جعل الشورى ملزمة","level":2,"page":298},{"title":"الاستدراك الثالث عشر: جازف وحكى إجماعا في مسائل فيها خلاف أهل العلم","level":2,"page":299},{"title":"الاستدراك الرابع عشر: عثمان لم يتنازل لأن الذين طالبوه أهل الفتن لا أكثر الأمة أو كلها","level":2,"page":299},{"title":"الاستدراك الخامس عشر: قرر نقد الحاكم والاعتراض على سياسته وجعل الحرية السياسية أساسا","level":2,"page":301},{"title":"الاستدراك السادس عشر: عاد متوهما يستدل بآية ﴿لا إكراه في الدين﴾ على إبطال ولاية المتغلب","level":2,"page":302},{"title":"الاستدراك السابع عشر: قرر أنه لا طاعة لأحد في غير طاعة الله","level":2,"page":303},{"title":"الاستدراك الثامن عشر: عاد متوهما في حصر المعروف في الواجب والمستحب","level":2,"page":303},{"title":"الاستدراك التاسع عشر: عدم قتل المنافقين دليل على الحرية","level":2,"page":304},{"title":"الاستدراك العشرون: ثناؤه على الذين ثاروا على عثمان","level":2,"page":310},{"title":"الاستدراك الحادي والعشرون: قرر الرجوع للأمة عند الاختلاف بين الحاكم والثوار اعتمادا على كلام منسوب لعثمان","level":2,"page":312},{"title":"الاستدراك الثاني والعشرون: استدلاله بفعل طلحة والزبير وعائشة على المعارضة السياسية","level":2,"page":313},{"title":"الاستدراك الثالث والعشرون: قرر مشروعية الانتماء السياسي","level":2,"page":314},{"title":"الاستدراك الرابع والعشرون: أنكر أن يكون الحاكم من قريش","level":2,"page":316},{"title":"الاستدراك الخامس والعشرون: مما يدل على الحرية السياسية فعل الخوارج مع علي بن أبي طالب","level":2,"page":318},{"title":"الاستدراك السادس والعشرون: قرر حرية الاعتقاد وأن قتال علي للخوارج ليس لعقيدتهم","level":2,"page":320},{"title":"الاستدراك السابع والعشرون: تعلقه بكلام للشافعي في دعوته للحرية السياسية","level":2,"page":321},{"title":"الاستدراك الثامن والعشرون: غلوه في الحاكمية","level":2,"page":324},{"title":"الاستدراك التاسع والعشرون: قرر أن الطاعة لا تكون لفرد بل لجماعة كمجلس الشورى ونحوه","level":2,"page":325},{"title":"الاستدراك الثلاثون: قرر عدم صحة ولاية من خالف الكتاب والسنة","level":2,"page":325},{"title":"الاستدراك الحادي الثلاثون: تقييده الطاعة بإقامة الصلاة","level":2,"page":326},{"title":"الاستدراك الثاني والثلاثون: تقييده الطاعة بالحكم بكتاب الله","level":2,"page":327},{"title":"الاستدراك الثالث والثلاثون: الذين اعتزلوا الفتنة من الصحابة لم يكونوا طائعين لعلي أبي طالب","level":2,"page":327},{"title":"الاستدراك الرابع والثلاثون: لا طاعة لمن عصى","level":2,"page":331},{"title":"الاستدراك الخامس والثلاثون: المعصية سبب للخلع لأن المعاصي من الكفر البواح","level":2,"page":333},{"title":"الاستدراك السادس الثلاثون: الإجماع عن الداوودي في وجوب خلع أمراء الجور إذا لم تكن فتنة","level":2,"page":334},{"title":"الاستدراك السابع والثلاثون: الإجماع على وجوب خلع من غير الشريعة","level":2,"page":335},{"title":"الاستدراك الثامن والثلاثون: قرر مشروعية الإنكار على الولاة علانية اعتمادا على قصة تنسب لعبادة بن الصامت","level":2,"page":337},{"title":"الاستدراك التاسع والثلاثون: استدلاله بحديث «فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن»","level":2,"page":338},{"title":"الاستدراك الأربعون: نقل كلاما عن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب يقرر فيه أن الخروج مسألة خلافية","level":2,"page":340},{"title":"الاستدراك الحادي والأربعون: اعتماده على كلام ابن حزم خالف فيه أهل السنة","level":2,"page":341},{"title":"الاستدراك الثاني والأربعون: لا يقتل بمعارضة السلطان أو بمحاولة الاعتداء على رجال السلطة دون القتل","level":2,"page":341},{"title":"الاستدراك الثالث والأربعون: اعتماده على قصة إرسال عثمان عمار إلى المعارضين في مصر ثم إنكاره أن يعاقب عمار لانضمامه إليهم","level":2,"page":342},{"title":"الاستدراك الرابع والأربعون: يكرر أن الشريعة لم تأت بقتل المعارض للسلطة فيجعله دليلا على جواز المعارضة السياسية","level":2,"page":344},{"title":"الاستدراك الخامس والأربعون: قرر عدم منع الأحزاب السياسية وجواز الانتماء الحزبي ولو لأحزاب كافرة","level":2,"page":345},{"title":"الاستدراك السادس والأربعون: طعنه في معاوية مستدلا بحديث «أول من يغير سنتي رجل من بني أمية»","level":2,"page":350},{"title":"الاستدراك السابع والأربعون: حاول بتدليس إثبات حديث «أول من يغير سنتي ..»","level":2,"page":353},{"title":"الاستدراك الثامن والأربعون: نقله آثارا لعلي من كتاب نهج البلاغة وهو كتاب لا يعتمد عليه","level":2,"page":354},{"title":"الاستدراك التاسع والأربعون: شكك في شرعية أن يعهد حاكم إلى من بعده","level":2,"page":355},{"title":"الاستدراك الخمسون: عاب على معاوية أن عهد لابنه يزيد","level":2,"page":356},{"title":"الاستدراك الحادي والخمسون: ذم عدم جعل الشورى ملزمة","level":2,"page":356},{"title":"الاستدراك الثاني والخمسون: لا يصح أن يكون المرجع في الرضا هم أهل الحل والعقد وإنما الأمة كلها","level":2,"page":357},{"title":"الاستدراك الثالث والخمسون: نقل عن ابن حزم حكاية الإجماع على عدم جواز التوارث والغلبة والقهر في الحكم","level":2,"page":358},{"title":"الاستدراك الرابع والخمسون: حاول نسبة عدم صحة الحكم غلبة لبعض الأئمة","level":2,"page":359},{"title":"الاستدراك الخامس والخمسون: ثناؤه على كل حركة خروج ومنازعة للحاكم ولو على مثل عمر بن عبد العزيز","level":2,"page":360},{"title":"الاستدراك السادس والخمسون: نقل عن ابن عطية حكايته للإجماع على وجوب عزل من لا يستشير أهل العلم","level":2,"page":361},{"title":"الاستدراك السابع والخمسون: جعل عقيدة السمع والطاعة للحاكم عقيدة جبرية بدعية أحدثها الحسن البصري","level":2,"page":361},{"title":"الاستدراك الثامن والخمسون: قرر أن مالكا يجوز الخروج على الحاكم المتغلب","level":2,"page":365},{"title":"الاستدراك التاسع والخمسون: سفيان الثوري أفتى بجواز الخروج مع إبراهيم","level":2,"page":365},{"title":"الاستدراك الستون: نقل كلاما لابن حزم فيه نسبة الخروج لبعض الصحابة وغيرهم","level":2,"page":367},{"title":"الاستدراك الواحد والستون: نقل كلام ابن حجر في التفريق بين الخوارج والبغاة","level":2,"page":367},{"title":"الاستدراك الثاني والستون: ذكر كلام الجصاص في نسبة الخروج لأبي حنيفة","level":2,"page":367},{"title":"الاستدراك الثالث والستون: نقل كلام ابن العربي في قول مالك: إنما يقاتل مع الامام العدل","level":2,"page":367},{"title":"الاستدراك الرابع والستون: حكايته الإجماع على حرمة القتال مع الحاكم الجائر اذا نازعه عدل","level":2,"page":368},{"title":"الاستدراك الخامس والستون: نقل كلام الزبيدي في نسبة الخروج إلى الشافعي في القديم","level":2,"page":370},{"title":"الاستدراك السادس والستون: ذكر عقيدة الصبر على جور الحاكم نتيجة عن ضغط الواقع","level":2,"page":371},{"title":"الاستدراك السابع والستون: عقيدة الصبر على جور الحاكم صارت قطعية إجماعية بعدما كانت خلافية اجتهادية","level":2,"page":373},{"title":"الاستدراك الثامن والستون: استدراكه على ابن القيم أن الخروج أساس كل شر وفتنة","level":2,"page":374},{"title":"الاستدراك التاسع والستون: جعل من أسباب القول بالصبر على جور الأئمة الخلط بين الخروج لمجرد رفع الظلم والخروج المتضمن لعقيدة الخوارج","level":2,"page":377},{"title":"الاستدراك السبعون: عقيدة الصبر على جور الأئمة كانت بعد ظهور الأشاعرة","level":2,"page":380},{"title":"الاستدراك الواحد والسبعون: لاخلاف في أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم علاقة وكالة أو ولاية","level":2,"page":381},{"title":"الاستدراك الثاني والسبعون: نقل ما ينسب لعمر من ظلمه أمير فلا إمرة له علي دوني","level":2,"page":381},{"title":"الاستدراك الثالث والسبعون: استنكاره لظاهر حديث «ولو جلد ظهرك وأخذ مالك»","level":2,"page":382},{"title":"الاستدراك الرابع والسبعون: المنع من الخروج كان لعلة فإذا ذهبت ذهب المنع","level":2,"page":383},{"title":"الاستدراك الخامس والسبعون: فرحه بنقل للمعلمي خالف فيه أهل السنة في الخروج","level":2,"page":383},{"title":"الاستدراك السادس والسبعون: محاولة إظهار دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب السلفية موافقة لهواه","level":2,"page":384},{"title":"الاستدراك السابع والسبعون: أكد أن الإمام محمد بن عبد الوهاب خرج على العثمانيين","level":2,"page":387},{"title":"الاستدراك الثامن والسبعون: نسب للعلامة عبد الرحمن بن حسن أن الجهاد لا يحتاج لإذن الإمام","level":2,"page":388},{"title":"الاستدراك التاسع والسبعون: نقل عن عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن ما ظنه مؤيدا له","level":2,"page":391},{"title":"الاستدراك الثمانون: قرر أن أكثر الحكومات اليوم كفرية","level":2,"page":393},{"title":"الاستدراك الواحد والثمانون: الأئمة أوجبوا السمع والطاعة للأمراء لمن ليس فوقهم سلطة كفرية","level":2,"page":395},{"title":"الفصل السادس: إشارات لكتاب (أسئلة الثورة)","level":1,"page":396},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":402},{"title":"المراجع","level":1,"page":403}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,23":18,"1,25":19,"1,26":20,"1,27":21,"1,28":22,"1,29":23,"1,30":24,"1,31":25,"1,32":26,"1,33":27,"1,34":28,"1,35":29,"1,36":30,"1,37":31,"1,38":32,"1,39":33,"1,40":34,"1,41":35,"1,42":36,"1,43":37,"1,44":38,"1,45":39,"1,46":40,"1,47":41,"1,48":42,"1,49":43,"1,50":44,"1,51":45,"1,52":46,"1,54":47,"1,55":48,"1,56":49,"1,57":50,"1,58":51,"1,59":52,"1,60":53,"1,61":54,"1,62":55,"1,63":56,"1,64":57,"1,65":58,"1,66":59,"1,67":60,"1,68":61,"1,69":62,"1,70":63,"1,71":64,"1,73":65,"1,74":66,"1,75":67,"1,76":68,"1,77":69,"1,78":70,"1,79":71,"1,80":72,"1,81":73,"1,82":74,"1,83":75,"1,84":76,"1,85":77,"1,86":78,"1,87":79,"1,88":80,"1,89":81,"1,90":82,"1,91":83,"1,92":84,"1,93":85,"1,94":86,"1,95":87,"1,96":88,"1,97":89,"1,98":90,"1,99":91,"1,100":92,"1,101":93,"1,102":94,"1,103":95,"1,104":96,"1,105":97,"1,106":98,"1,107":99,"1,108":100,"1,109":101,"1,110":102,"1,111":103,"1,112":104,"1,113":105,"1,114":106,"1,115":107,"1,116":108,"1,117":109,"1,118":110,"1,119":111,"1,120":112,"1,121":113,"1,122":114,"1,123":115,"1,124":116,"1,125":117,"1,126":118,"1,127":119,"1,128":120,"1,129":121,"1,130":122,"1,131":123,"1,132":124,"1,133":125,"1,134":126,"1,135":127,"1,136":128,"1,137":129,"1,138":130,"1,139":131,"1,140":132,"1,141":133,"1,142":134,"1,143":135,"1,144":136,"1,145":137,"1,146":138,"1,147":139,"1,148":140,"1,149":141,"1,150":142,"1,151":143,"1,152":144,"1,153":145,"1,154":146,"1,155":147,"1,156":148,"1,157":149,"1,158":150,"1,159":151,"1,160":152,"1,161":153,"1,162":154,"1,163":155,"1,164":156,"1,165":157,"1,166":158,"1,167":159,"1,168":160,"1,169":161,"1,170":162,"1,171":163,"1,172":164,"1,173":165,"1,174":166,"1,175":167,"1,176":168,"1,177":169,"1,178":170,"1,179":171,"1,180":172,"1,181":173,"1,182":174,"1,183":175,"1,184":176,"1,185":177,"1,186":178,"1,187":179,"1,188":180,"1,189":181,"1,190":182,"1,191":183,"1,192":184,"1,193":185,"1,194":186,"1,195":187,"1,196":188,"1,197":189,"1,198":190,"1,199":191,"1,200":192,"1,201":193,"1,202":194,"1,203":195,"1,204":196,"1,205":197,"1,206":198,"1,207":199,"1,208":200,"1,209":201,"1,210":202,"1,211":203,"1,212":204,"1,213":205,"1,214":206,"1,215":207,"1,216":208,"1,217":209,"1,218":210,"1,219":211,"1,220":212,"1,221":213,"1,222":214,"1,223":215,"1,224":216,"1,225":217,"1,226":218,"1,227":219,"1,228":220,"1,229":221,"1,230":222,"1,231":223,"1,232":224,"1,233":225,"1,234":226,"1,235":227,"1,236":228,"1,237":229,"1,238":230,"1,239":231,"1,240":232,"1,241":233,"1,242":234,"1,243":235,"1,244":236,"1,245":237,"1,247":238,"1,248":239,"1,249":240,"1,250":241,"1,251":242,"1,252":243,"1,253":244,"1,254":245,"1,255":246,"1,256":247,"1,257":248,"1,258":249,"1,259":250,"1,260":251,"1,261":252,"1,262":253,"1,263":254,"1,264":255,"1,265":256,"1,266":257,"1,267":258,"1,268":259,"1,269":260,"1,270":261,"1,271":262,"1,273":263,"1,274":264,"1,275":265,"1,276":266,"1,277":267,"1,278":268,"1,279":269,"1,280":270,"1,281":271,"1,282":272,"1,283":273,"1,284":274,"1,285":275,"1,286":276,"1,287":277,"1,288":278,"1,289":279,"1,290":280,"1,291":281,"1,292":282,"1,293":283,"1,294":284,"1,295":285,"1,297":286,"1,299":287,"1,300":288,"1,301":289,"1,302":290,"1,303":291,"1,304":292,"1,305":293,"1,306":294,"1,307":295,"1,308":296,"1,309":297,"1,310":298,"1,311":299,"1,312":300,"1,313":301,"1,314":302,"1,315":303,"1,316":304,"1,317":305,"1,318":306,"1,319":307,"1,320":308,"1,321":309,"1,322":310,"1,323":311,"1,324":312,"1,325":313,"1,326":314,"1,327":315,"1,328":316,"1,329":317,"1,330":318,"1,331":319,"1,332":320,"1,333":321,"1,334":322,"1,335":323,"1,336":324,"1,337":325,"1,338":326,"1,339":327,"1,340":328,"1,341":329,"1,342":330,"1,343":331,"1,344":332,"1,345":333,"1,346":334,"1,347":335,"1,348":336,"1,349":337,"1,350":338,"1,351":339,"1,352":340,"1,353":341,"1,354":342,"1,355":343,"1,356":344,"1,357":345,"1,358":346,"1,359":347,"1,360":348,"1,361":349,"1,362":350,"1,363":351,"1,364":352,"1,365":353,"1,366":354,"1,367":355,"1,368":356,"1,369":357,"1,370":358,"1,371":359,"1,372":360,"1,373":361,"1,374":362,"1,375":363,"1,376":364,"1,377":365,"1,378":366,"1,379":367,"1,380":368,"1,381":369,"1,382":370,"1,383":371,"1,384":372,"1,385":373,"1,386":374,"1,387":375,"1,388":376,"1,389":377,"1,390":378,"1,391":379,"1,392":380,"1,393":381,"1,394":382,"1,395":383,"1,396":384,"1,397":385,"1,398":386,"1,399":387,"1,400":388,"1,401":389,"1,402":390,"1,403":391,"1,404":392,"1,405":393,"1,406":394,"1,407":395,"1,409":396,"1,411":397,"1,412":398,"1,413":399,"1,414":400,"1,415":401,"1,416":402,"1,417":403,"1,418":404,"1,419":405,"1,420":406,"1,421":407,"1,422":408,"1,423":409,"1,424":410,"1,425":411,"1,426":412},"ٜ":{"1":[5,426]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,23","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,297","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,409","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426"],"ٞ":{"1":[1,2],"5":[3,4],"7":[5],"8":[6],"10":[7],"11":[8],"13":[9],"14":[10,11],"16":[12],"18":[13],"19":[14],"21":[15],"24":[16],"25":[17],"26":[18],"27":[19],"28":[20,21],"29":[22,23],"33":[24],"38":[25],"40":[26],"41":[27],"42":[28],"44":[29],"46":[30],"49":[31,32],"50":[33],"53":[34],"56":[35],"59":[36],"61":[37],"64":[38],"67":[39],"70":[40],"74":[41],"76":[42],"78":[43],"82":[44],"85":[45],"88":[46],"90":[47],"94":[48],"96":[49,50],"97":[51],"98":[52],"101":[53,54],"105":[55],"111":[56],"116":[57],"117":[58,59],"120":[60],"121":[61],"123":[62],"125":[63],"126":[64],"128":[65,66],"129":[67,68],"133":[69],"135":[70],"137":[71],"138":[72],"140":[73],"142":[74],"143":[75],"153":[76],"156":[77],"165":[78],"170":[79],"171":[80],"172":[81],"174":[82],"175":[83],"177":[84,85],"180":[86,87],"186":[88],"187":[89],"188":[90],"189":[91],"192":[92],"193":[93],"195":[94,95],"197":[96],"200":[97],"201":[98],"202":[99],"206":[100],"207":[101],"209":[102],"212":[103],"215":[104,105],"217":[106,107],"218":[108],"219":[109],"220":[110],"225":[111],"226":[112],"228":[113],"229":[114],"231":[115],"233":[116],"235":[117],"237":[118],"238":[119],"239":[120,121],"240":[122],"241":[123],"242":[124],"244":[125],"245":[126],"246":[127],"248":[128],"249":[129],"250":[130],"252":[131,132],"253":[133],"254":[134],"255":[135],"258":[136],"259":[137],"260":[138],"261":[139,140],"262":[141],"263":[142],"264":[143],"266":[144],"267":[145],"268":[146,147],"269":[148],"270":[149,150],"271":[151],"272":[152],"274":[153],"279":[154,155],"280":[156,157],"282":[158],"283":[159],"284":[160],"286":[161],"288":[162],"289":[163],"293":[164,165,166],"294":[167],"296":[168,169],"297":[170,171],"298":[172,173],"299":[174,175],"301":[176],"302":[177],"303":[178,179],"304":[180],"310":[181],"312":[182],"313":[183],"314":[184],"316":[185],"318":[186],"320":[187],"321":[188],"324":[189],"325":[190,191],"326":[192],"327":[193,194],"331":[195],"333":[196],"334":[197],"335":[198],"337":[199],"338":[200],"340":[201],"341":[202,203],"342":[204],"344":[205],"345":[206],"350":[207],"353":[208],"354":[209],"355":[210],"356":[211,212],"357":[213],"358":[214],"359":[215],"360":[216],"361":[217,218],"365":[219,220],"367":[221,222,223,224],"368":[225],"370":[226],"371":[227],"373":[228],"374":[229],"377":[230],"380":[231],"381":[232,233],"382":[234],"383":[235,236],"384":[237],"387":[238],"388":[239],"391":[240],"393":[241],"395":[242],"396":[243],"402":[244],"403":[245]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>مقدمة</span>\nسلام عليكم ورحمة الله وبركاته … أما بعد:\nفإنَّ كلَّ ما حكمَ الله ورسولُه فيه من أمور الحياة = واجبٌ علينا الإيمانُ به والامتثالُ له.\nقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].\nوقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦].\nوإنَّ التحاكم للكتاب والسُّنة والرجوع إليهما أصلٌ عظيم يجب أن يكون نصبَ عين كلِّ متكلم في الشرع، فلا حقَّ، ولا راجحَ إلَّا ما دلَّ عليه الوحي.\nوقد تكاثرت الأدلة من الكتاب والسنة على أنَّ الرجوع والتحاكم عند النزاع والاختلاف إنما يكون إلى كتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وإنما يفصل بين الناس فيما تنازعوا فيه الكتابُ المنزل من السماء، والرسولُ المؤيَّد بالأنباء كما قال تعالى: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأحقاف: ٤].\nوقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].","vol":"1","page":5},{"text":"وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾» (^١).\nقال الحافظ ابن كثير -﵀- في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾:\n«قال مجاهد وغير واحد من السلف: أي إلى كتاب الله وسنة رسوله؛ وهذا أمرٌ من الله -﷿- بأنَّ كل شيء تنازعَ الناسُ فيه من أصول الدين وفروعه أن يُردَّ التنازُع في ذلك إلى الكتاب والسُّنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾، فما حكم به الكتابُ والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحقُّ، وماذا بعد الحق إلَّا الضلال!، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي رُدُّوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجرَ بينكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾؛ فدلَّ على أنَّ من لم يتحاكم في محلِّ النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك = فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر.\nوقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، والرجوع إليهما في فصل النزاع خيرٌ ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: وأحسَنُ عاقبةً ومآلًا، كما قاله السُّدي وغير واحد، وقال مجاهد: وأحسَنُ جزاءً؛ وهو قريب».\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٦٥).","vol":"1","page":6},{"text":"وقال العلامة محمد الأمين الشنقيطي -﵀-: «والحاصل أن نصوص الكتاب والسنة التي لا تُحصى واردةً بإلزام جميع المكلَّفين بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-، وليس في شيءٍ منها التخصيصُ بمن حصَّلَ شروط الاجتهاد المذكورة، وسنذكر طرفًا منها لنبيِّن أنه لا يجوز تخصيصُها بتحصيل الشروط المذكورة.\nقال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٤].\nوالمراد بـ ﴿مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ هو القرآن والسنة المبيِّنة له؛ لا آراء الرجال.\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١].\nفدلَّت هذه الآية الكريمة أنَّ من دُعي إلى العمل بالقرآن والسنة وصَدَّ عن ذلك، أنه من جملة المنافقين؛ لأنَّ العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.\nوقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.\nوالردُّ إلى الله والرسول هو الردُّ إلى كتابه، والردُّ إلى الرسول بعد وفاته -ﷺ- هو الردُّ إلى سُنَّته.\nوتعليقُه الإيمان في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ على ردِّ التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله، يُفهم منه أن مَنْ يردُّ التنازع إلى غيرهما لم يكن يؤمن بالله.\nثم قال: وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٧١].","vol":"1","page":7},{"text":"ولا شكَّ عند أحدٍ من أهل العلم أنَّ طاعة الله ورسوله المذكورة في هذه الآيات ونحوها من نصوص الوحي، محصورةٌ في العمل بكتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-» (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «قال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد: نظرتُ في المصحف فوجدتُ طاعة الرسول -ﷺ- في ثلاثةٍ وثلاثين موضعًا» (^٢).\nوقال الآجري: «فَرضَ على الخلق طاعته -ﷺ- في نيِّفٍ وثلاثين موضعًا من كتابه -﷿-» (^٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وقد ذكرَ الله طاعة الرسول -ﷺ- وأتباعَهُ في نحوٍ من أربعين موضعًا من القرآن كقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾» (^٤).\nوقال أيضًا: «وقد أمر الله بطاعة رسول الله -ﷺ- في أكثر من ثلاثين موضعًا من القرآن» (^٥).\nوليس لأحدٍ أن يقلِّد عالمًا معظَّمًا أو غيره، وقد بان له الدليل في خلاف قوله ورأيه، وقد نقل الإمام ابن القيم -﵀- عن الإمام محمد بن إدريس الشافعي -﵀- أنه قال: «أجمعَ الناس على أنَّ من استبانت له سُنَّةٌ عن رسول الله -ﷺ- لم يكن له أن يدَعَها لقول أحدٍ من الناس» (^٦).\n_________\n(^١) أضواء البيان (٧/ ٣٠٠ - ٣٠٤).\n(^٢) الصارم المسلول (١/ ٥٩).\n(^٣) الشريعة (١/ ٤١١).\n(^٤) مجموع الفتاوى (١/ ٤).\n(^٥) مجموع الفتاوى (١٩/ ١٠٣).\n(^٦) إعلام الموقعين (٢/ ٢١١).","vol":"1","page":8},{"text":"وممَّا حكمَ الله ورسوله فيهما ما يتعلَّق بأحكام الإمامة العظمى والولاية والسلطان، فلا يصحُّ لمن أراد نجاة الدنيا والآخرة أن يخالف حكمَ الله ورسوله -ﷺ- في هذا الباب إلى حكم غيره من الآراء البشرية الناقصة، أو الاستحسانات المتوهَّمة.\nقال الإمام ابن القيم: «والاعتراضُ ثلاثة أنواع سارية في الناس؛ والمعصومُ من عصَمهُ الله منها:\nالنوع الأول: الاعتراض على أسمائه وصفاته بالشُّبه الباطلة، التي يسمِّيها أربابها قواطع عقلية، وهي في الحقيقة خيالات جهلية، ومُحالات ذهنية.\nالنوع الثاني: الاعتراض على شرعهِ وأمره؛ وأهلُ هذا الاعتراض ثلاثة أنواع:\nأحدها: المعترضون عليه بآرائهم وأقيسَتهِم، المتضمِّنة تحليلَ ما حرَّم الله -﷾-، وتحريمَ ما أباحه، وإسقاطَ ما أوجَبه، وإيجابَ ما أسقَطه، وإبطالَ ما صحَّحه، وتصحيحَ ما أبطَلُه، واعتبارَ ما ألغاهُ، وإلغاءَ ما اعتبرَهُ، وتقييدَ ما أطلقَهُ، وإطلاقَ ما قيَّده.\nوهذه هي الآراء والأقيسة التي اتفق السلفُ قاطبةً على ذمِّها، والتحذير منها، وصاحوا على أصحابها من أقطار الأرض، وحذَّروا منهم، ونفَّروا عنهم، ثم قال:\nالنوع الثالث: الاعتراض على ذلك بالسياسات الجائرة، التي لأربابِ الولايات التي قدَّموها على حكم الله ورسوله، وحكَموا بها بين عباده، وعطَّلوا لها وبها شَرعَهُ وعَدلَهُ وحُدودَه.\nفقال الأولون: «إذا تعارضَ العقلُ والنقل أيُّهما يُقدَّم؟: قدَّمنا العقل».\nوقال الآخَرون: «إذا تعارض الأثر والقياس، قدَّمنا القياس».","vol":"1","page":9},{"text":"وقال أصحاب الذوق والكشف والوجد: «إذا تعارضَ الذوقُ والوجد والكشف وظاهرُ الشرع، قدَّمنا الذوق والوجد والكشف».\nوقال أصحاب السياسة: «إذا تعارضت السياسة والشرع، قدَّمنا السياسة».\nفجعلت كلُّ طائفة قُبالةَ دينِ الله وشرعهِ طاغوتًا يتحاكمون إليه.\nفهؤلاء يقولون: «لكم النقلُ ولنا العقل»، والآخَرون يقولون: «أنتم أصحابُ آثارٍ وأخبار، ونحنُ أصحابُ أقيسة وآراء وأفكار»، وأولئك يقولون: «أنتم أربابُ الظاهر، ونحن أهلُ الحقائق»، والآخَرون يقولون: «لكم الشرعُ ولنا السياسة».\nفيا لها من بليَّةٍ عمَّتْ فأعمت، ورزَّيةٍ رمَتْ فأصمَّت، وفتنةٍ دعَتِ القلوبَ فأجابها كلُّ قلبٍ مفتون، وأَهويةٍ عَصفَتْ فصُمَّتْ منها الآذانُ وعَميت منها العيون، عُطِّلَتْ لها - والله - معالمُ الأحكام، كما نُفيتْ لها صفاتُ ذي الجلال والإكرام، واستند كلُّ قومٍ إلى ظُلمِ وظُلماتِ آرائهم، وحكَموا على الله وبين عبادهِ بمقالاتهم الفاسدة وأهوائهم، وصار لأجلها الوحيُ عُرضةً لكلِّ تحريفٍ وتأويل، والدينُ وقفًا على كلِّ إفساد وتبديل» (^١).\nولا يزال الحال كما أخبر الإمام ابن القيم، فكم رأينا مَنْ يعارض شرعَ الله ودينَه بمثل ما ذكر.\nومن الأمثلة على ذلك ما نحن بصدد الحديث عنه؛ ألا وهو مسألة الإمامة والولاية، فقد وقع فيها من الخلط والتلبيس ما الله به عليم، فقد وقع من الناس في هذا تحريفٌ وتبديل بدوافعَ شتَّى، وامتطوا في ذلك من الأسماء البراقة ليروجَ\n_________\n(^١) مدارج السالكين (٢/ ٦٨).","vol":"1","page":10},{"text":"على الناس باطلُهم، ومن الأسماء التي تزيَّنوا بها اسمُ الحرية والحقوق وهكذا.\nوقد نسوا أو تناسوا أن شرع الله ضبطَ الحقوق والحريات بميزان عدلٍ وحكم قسطٍ؛ قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ﴾ [الشورى: ١٧].\nوقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: ٢٥]، فكلُّ حقٍّ أو حرية تعارضُ الشريعة المحمدية فهي عبودية، إمَّا للهوى، أو للنفس، أو للحزب، أو غيرها.\nألا يعلم أولئك أننا عباد لله، والعبدُ لا يخرج عما يريد سيِّدُه ومولاه سبحانه، ومَن فعل ذلك وخرج عما يريده الله فقد خالف الحرية الحقَّة والحقوق المنضبطة.\nلذا كل ما جاء به الشرع في باب الإمامة والولاية، فهو عدلٌ وعين الحكمة، ومَن خالف ذلك ضلَّ وأضلَّ.\nويجب لمن درس أبواب الإمامة والولاية أن يدرسها بالنظر إلى أدلة الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وتمييز الأقوال السلفية من الأقوال الدخيلة البدعية.\nوقد وقع بعض المتأخرين في أقوال محدَثة في باب الإمامة والولاية، كما وقع ذلك من بعض المتأخرين في باب أسماء الله وصفاته؛ لذا يجب أن يتحاكم الجميعُ إلى الكتاب والسنة الصحيحة بفهم سلف هذه الأمة.\nفكم نحن في حاجة أن نتذكر ونذكِّر بأهمية الاعتصام بالكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وأنهما الحجَّة في باب الإمامة، كما كنَّا نحاجُّ غيرنا من أهل البدع بهذه الأصول الثلاثة في إثبات أسماء الله وصفاته، ونتناقل ما ذكره العلماء في ذلك، كقول ابن قدامة في مقدمة اللمعة: «وقد أُمرنا بالاقتفاء لآثارهم، والاهتداء","vol":"1","page":11},{"text":"بمنارهم، وحُذِّرنا المحدثات وأُخبرنا أنها من الضلالات.\nفقال النبي -ﷺ-: «فعليكم بسُنَّتي وسنَّة الخلفاء الراشدينَ المهديين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثاتِ الأمور، فإنَّ كلَّ محدثة بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة» (^١).\nقال عبد الله بن مسعود -﵁-: «اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كُفيتم» (^٢).\nوقال عمر بن عبد العزيز -﵁- كلامًا معناه: «قِفْ حيث وقفَ القوم، فإنهم عن علمٍ وقَفوا، وببصَرٍ نافذٍ كفُّوا، ولهم على كشفها كانوا أقوى، وبالفضل لو كان فيها أحرى، فلئن قلتم: حدثَ بعدَهُم، فما أحدَثه إلَّا مَنْ خالف هديهم ورغبَ عن سُنَّتهم، ولقد وصَفوا منه ما يشفي وتكلَّموا منه بما يكفي، فما فوقهم محسِّر، وما دونهم مقصِّر، لقد قصَّر عنهم قومٌ فجفَوا، وتجاوزَهُم آخرون فغلَوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدًى مستقيم» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود (٤٦٠٧) والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢)، وأحمد (٤/ ١٢٦) من حديث العرباض بن سارية -﵁-، وقال الترمذي: «حسن صحيح»، وصححه أبو نعيم والبزار والحاكم وابن عبدالبر والضياء المقدسي والشيخ الألباني، وحسَّنه البغوي وابن القيم، انظر جامع العلوم والحكم (١/ ٢٥٨)، وجامع بيان العلم وفضله (٢/ ٣٤٨)، وشرح السنة (١/ ٩٧)، وإعلام الموقعين (٤/ ١٤٨)، واتباع السنن واجتناب البدع (ص ٢٠)، وإرواء الغليل (٨/ ١٥٠).\n(^٢) أخرجه الدارمي (٢١١)، والطبراني في الكبير (٩/ ١٤٥)، ومحمد بن نصر المروزي في السنة (٧٩)، وإسناده صحيح.\n(^٣) أخرجه أبوداود (٤٦١٢)، والآجري في الشريعة (٢/ ٩٣٠).","vol":"1","page":12},{"text":"وقال الإمام أبو عمر الأوزاعي -﵁-: «عليك بآثار مَنْ سلف وإنْ رفضَكَ الناس، وإياكَ وآراءَ الرجال، وإن زخرفوه لك بالقول» (^١) انتهى المقصودُ نقله من كلام ابن قدامة» (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإنما المتبع في إثبات أحكام الله كتابُ الله وسنةُ رسوله -ﷺ-، وسبيلُ السابقين أو الأولين، لا يجوز إثباتُ حكم شرعيٍّ بدون هذه الأصول الثلاثة، نصًّا واستنباطًا بحال» (^٣).\nوقال في أوائل الفتوى الحموية مبيِّنًا أهمية علم السلف ووجوب الرجوع إليه خلافًا لأقوال المتكلمين:\n«ثم من المحال أيضًا أن تكون القرون الفاضلة - القرن الذي بُعث فيه رسول الله -ﷺ- ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم - كانوا غيرَ عالمين وغير قائلين في هذا الباب بالحق المبين؛ لأن ضدَّ ذلك إما عدمُ العلم والقول، وإمَّا اعتقادُ نقيض الحقِّ وقولُ خلافِ الصِّدق، وكلاهما ممتنع» (^٤).\nإن هذا الأصل - وهو التمسك بطريقة السلف في فهم الدين كله - مهمٌّ للغاية؛ نحتاج أن نذكّر به أهل السنة اليوم كثيرًا؛ لأنه بدأ كثير منهم يضعفُ عن معرفته والتمسك به، ومن ذلك الاستمساك بمنهج السلف وفهمهم لباب الإمامة والولاية التي قلَّ أن يؤلَّفَ كتابٌ عقَدي إلَّا ويذكر منهجَ السلف في باب\n_________\n(^١) الآجري في الشريعة (١/ ٤٤٥).\n(^٢) لمعة الاعتقاد (ص: ٨).\n(^٣) اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٢٠٧).\n(^٤) ص: ٣.","vol":"1","page":13},{"text":"الإمامة، ومن خالف في ذلك فهو مبتدع ضال.\nلذا احذروا - عباد الله - مخالفة سبيل السلف إلى شواذِّ بعض الخلف في أبواب الدين ومنها هذا الباب العظيم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإذا ذكروا نزاع المتأخرين لم يكن بمجرَّد ذلك أن يجعل هذه من مسائل الاجتهاد التي يكون كلُّ قول من تلك الأقوال سائغًا لم يُخالف إجماعًا؛ لأن كثيرًا من أصول المتأخرين محدَثٌ مبتدعٌ في الإسلام مسبوقٌ بإجماع السلفِ على خلافهِ، والنزاعُ الحادث بعد إجماع السلف خطأ قطعًا، كخلاف الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة ممن قد اشتهرت لهم أقوالٌ خالفوا فيها النصوصَ المستفيضة المعلومة وإجماعَ الصحابة» (^١).\nوإن مما يجب إدراكُه والإحاطة به أن الإخلالَ بأصل الإمامة سببٌ لفساد الدنيا والدين.\nقال ابن عبدالبر: «لأن في منازعته والخروجِ عليه استبدالَ الأمن بالخوف؛ ولأن ذلك يحمل على هِراقِ الدماء، وشنِّ الغارات والفساد في الأرض، وذلك أعظمُ من الصَّبر على جَوره وفسقهِ، والأصولُ تشهدُ والعقلُ والدينُ أنَّ أعظَمَ المكروهَين أَولاهُما بالترك» (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف، وإن كان فيهم ظُلم، كما دلَّت على ذلك الأحاديثُ الصحيحة المستفيضة عن النبي -ﷺ-؛ لأن الفساد في القتال\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٦).\n(^٢) التمهيد (٢٣/ ٢٧٩).","vol":"1","page":14},{"text":"والفتنة أعظمُ من الفساد الحاصل بظُلمهم بدون قتال ولا فتنة؛ فيُدْفَعُ أعظَمُ الفسادين بالتزام أدناهُما، ولعلَّه لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان، إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته، والله تعالى لم يأمر بقتال كلِّ ظالم وكلِّ باغٍ كيفما كان، ولا أمرَ بقتال الباغين ابتداءً» (^١).\nوقال الإمام ابن القيم: «فإذا كان إنكار المنكر يستلزمُ ما هو أنكَرُ منه، وأبغَضُ إلى الله ورسوله = فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقُتُ أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم؛ فإنه أساس كلِّ شرٍّ وفتنةٍ إلى آخر الدهر، وقد استأذن الصحابة رسولَ الله -ﷺ- في قتال الأمراء الذين يؤخِّرون الصلاة عن وقتها، وقالوا: أفلا نُقاتلهم؟ فقال: «لا، ما أقاموا الصَّلاة» (^٢)، وقال: «مَنْ رأى من أميرهِ ما يكرهُه، فليصبر» (^٣)، «ولا ينزعنَّ يدًا من طاعته» (^٤).\nومَن تأمَّلَ ما جرى على الإسلام في الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعةِ هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر؛ فطلب إزالته فتولَّد منه ما هو أكبر منه؛ فقد\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٣/ ٣٩١).\n(^٢) هذا عبارة عن حديثين: أخرج مسلم (٦٤٨) عن أبي ذر قال: قال رسول الله -ﷺ- وضربَ فخذي: «كيف أنتَ إذا بقيتَ في قوم يؤخِّرون الصلاة عن وقتها؟» قال: قال: ما تأمر؟ قال: «صَلِّ الصلاة لوقتها ..»، وأخرج مسلم (١٨٥٥) عن عوف بن مالك، عن رسول الله -ﷺ- قال: «خيارُ أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلُّون عليكم وتصلُّون عليهم، وشِرارُ أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم» قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة».\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٠٥٣) ومسلم (١٨٤٩)، من حديث ابن عباس -﵁-.\n(^٤) أخرجه مسلم (١٨٥٥) من حديث عوف بن مالك -﵁-.","vol":"1","page":15},{"text":"كان رسول الله -ﷺ- يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها، بل لما فتح الله مكة وصارت دارَ إسلام عزمَ على تغيير البيت وردِّه على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك - مع قدرته عليه - خشيةُ وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريشٍ لذلك؛ لقرب عهدهم بالإسلام وكونهم حديثي عهدٍ بكفر، ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد؛ لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظمُ منه كما وجد سواء» (^١).\nإنَّ ما يذكره ابن عبدالبر وابن تيمية وابن القيم وغيرهم من أهل العلم من الفساد المترتِّب على عدم الالتزام بمنهج السلف في أصل الإمامة = نراهُ بأعيينا اليوم فيما يسمَّى بالربيع العربي؛ الذي أُزهقت فيه أنفس عشرات الآلاف من المسلمين، بل وتجاوزت مائة ألف نفس في دولة مسلمة واحدة، فكيف إذا جمع ضحاياها بضحايا الدول الأخرى.\nكل هذا عدا الأعراض المنتهكة والأموال المتلَفة، ومع وضوح هذه المفاسد وضوحَ الشمس في رابعة النهار، إلَّا أن دعاة الفتنة يزدادون عمايةً ونفخًا في هذه الفتنة التي أكلت الأخضر واليابس بتأصيلاتٍ بدعيةٍ عن مذهب السلف أجنبية، بل وصاروا يُحيون كتبًا أُلِّفت على طريقة أهل البدع في أصل الإمامة.\nلذا عزمتُ - مستعينًا بمولاي سبحانه - على ذكر تأصيلات السلف في أصل الإمامة والولاية، وتنقية ذلك من أصولٍ بدعية دخيلة سواءٌ كانت بدعًا خارجية - أو غيرها - قدر استطاعتي.\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٣/ ١٢).","vol":"1","page":16},{"text":"فقمت بتوثيق النقول عن السلف، ثم كشف شبهات مثارة على هذا الأصل، ثم أعقبتُ ذلك بردودٍ على كتابين عصريين معتمدَين في تأصيل الأصول البدعية في أصل الإمامة والولاية.\n١ - الكتاب الأول: «الإمامة العظمى» للدكتور عبد الله الدميجي.\n٢ - والكتاب الثاني: «الحرية والطوفان» للدكتور حاكم العبيسان.\nورددت على مقالين متضمِّنين لأصولٍ بدعية في مسألة الإمامة للدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف، فصار الكتاب على النحو التالي:\nالفصل الأول: ذكرت فيه تسعة تأصيلات في الإمامة والولاية.\nالفصل الثاني: ذكرت فيه أكثر من ستين شبهة في أصل الإمامة، وبيَّنتُ زَيفها بحمد الله تعالى.\nالفصل الثالث: استدراكات على كتاب «الإمامة العظمى» لعبد الله الدميجي، وقد بلغ عدد الاستدراكات عشرين استدراكًا.\nالفصل الرابع: استدراكات على مقالين في الإمامة لعبد العزيز آل عبد اللطيف، وقد بلغ عددها أربعة عشر استدراكًا.\nالفصل الخامس: استدراكات على كتاب «الحرية والطوفان» لحاكم العبيسان.\nالفصل السادس: إشارات لكتاب «أسئلة الثورة» لسلمان العودة (^١).\n_________\n(^١) وليعلم القارئ أنَّ كثيرًا من الحركيين المخالفين في هذا الأصل دافِعُهم الحزبية، والهوى، ولكي تدرك ذلك تأمل في مواقفهم من الثورات عند ظهورها، فقد كانوا ينفخون فيها ويشجعون عليها، متجاهلين أحاديث السمع والطاعة، فلما تولى حكم مصر الإخواني «محمد مرسي» وقامت الثورة ضدَّه أشاعوا أحاديثَ السمع والطاعة، فلما سقط حكم «محمد مرسي» رجعوا للنفخ في الثورات، وتهييج الناس على حكامهم!.","vol":"1","page":17},{"text":"وقد كنت بدأت بالرد على كتاب «أسئلة الثورة»، وكتبت أكثر من عشرين استدراكًا، لكن منعني من الإكمال أمور ثلاثة:\nالأمر الأول: أنه معتمد كثيرًا على كتاب (الحرية والطوفان) لحاكم عبيسان، فالرُّد على أصلهِ كافٍ في الردِّ عليه.\nالأمر الثاني: أنه قد كفاني الردَّ عليه الشيخ الفاضل الدكتور «فهد بن سليمان الفهيد» عميد كلية أصول الدين سابقًا في كتابه «الجناية على الإسلام في أسئلة الثورة»، وأيضًا: ما كتبه الشيخ علي أبا بطين في كتابه «كشف أبرز شُبه كتاب أسئلة الثورة»، وامتاز كتاب الدكتور فهد الفهيد بتعقُّبه لسلمان العودة في كلِّ خطأ وقف عليه، وقدَّم للكتابين فضيلة شيخنا العلامة صالح بن فوزان الفوزان حفظه الله.\nالأمر الثالث: أني بعد أن كتبتُ أكثر من عشرينَ استدراكًا على كتاب «أسئلة الثورة» نظرتُ في كتاب «الجناية على الإسلام في أسئلة الثورة»، فوجدتُ ما كتبتهُ موافقًا ومتَّفقًا مع ما كتبه الشيخ فهد، فرأيتُ أنه لا داعي للتكرار، ثم حمدت الله؛ لأن من علامة صحَّة مذهب أهل السنة اتفاقهم وعدم اختلافهم.\nقال أبو المظفر السمعاني: «ومما يدلُّ على أنَّ أهل الحديث هم على الحق: أنك لو طالعتَ جميعَ كتبهم المصنفة من أولهم إلى آخرهم؛ قديمِهم وحديثهم، مع اختلافِ بلدانهم وزمانهم وتباعُدِ ما بينهم في الديار وسكونِ كلِّ واحدٍ منهم قطرًا من الأقطار = وجدتهم في بيان الاعتقاد على وتيرة واحدة، ونمطٍ واحد يجرون فيه على طريقة، لا يحيدون عنها، ولا يميلون فيها، قولُهم في ذلك واحد، وفعلُهم واحد، لا ترى بينهم اختلافًا ولا تفرُّقًا في شيء ما وإنْ قلَّ؛ بل لو جمعت","vol":"1","page":18},{"text":"جميعَ ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء من قلبٍ واحد، وجرى على لسانٍ واحد، وهل على الحقِّ دليلٌ أبيَنُ من هذا» (^١).\nوهذا بخلاف أهل البدع فهم في أمرٍ مريجٍ، كلٌّ منهم على اعتقاد؛ بل الواحد منهم يناقضُ نفسه في اعتقاده، ومن البراهين على هذا ما في ذلك الكتاب من تناقض، واختلافِ المردود عليهم في باب الإمامة.\nوقد أسميت هذا الكتاب:\nالإمامة العظمى -تأصيلات أهل السنة السلفيين والرد على الشبهات المخالفين-\nسيجد القارئ لهذا الكتاب تكرارًا في بعض الردود من جهة إيراد الأدلة وغير ذلك، وهذا ليس غريبًا؛ لأن طبيعة الكتاب الردُّ على أكثر من واحد، وطبيعي أن تكرر الشبهة نفسها، مما يستدعي تكرار الجواب عليها، وقد حاولتُ تفادي هذا إما باختصار الجواب تارةً عند ذكره مرة أخرى، أو بالإحالة على ما سبق ذكره؛ لذا سيجد القارئ إحالات كثيرة، وأيضًا سيجد نقلًا للشبهة، وقد تكون مطولةً والجوابُ عليها مختصرًا؛ لأنه قد سبق ذكرها.\nوقد استطردت قليلًا في أشياء لا تتعلق بصلب الكتاب عند ذكر الشبهات، وعند الرد؛ للحاجة وللأهمية.\n_________\n(^١) الانتصار لأصحاب الحديث (ص: ٤٥).","vol":"1","page":19},{"text":"وإني لأرجو أن يكون هذا الكتاب (^١) مفيدًا للسُّني لمعرفة تأصيلات أهل السنة في باب الإمامة، والرد على المخالفين والمشغِّبين على هذا الأصل، فإنَّ الخطأ في باب الإمامة شنيع، فإنَّ أولَ بدعة فرَّقتِ الأمة وتحزَّبت عليها طائفة هي بدعة الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- وكفّروه، ولم يعتقدوا له إمامة ولا ولاية.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأول مَنْ ضلَّ في ذلك هم الخوارج المارقون حيث حكَموا لنفوسهم بأنهم المتمسكون بكتاب الله وسنته» (^٢).\nوقال أيضًا: «ولهذا كان أول مَنْ فارقَ جماعة المسلمين من أهل البدع (الخوارج) المارقون» (^٣).\nوقال الحافظ ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧]:\n«فإنَّ أول بدعة وقعت في الإسلام فتنة الخوارج، وكان مبدؤهم بسبب الدنيا، حين قسمَ رسولُ الله -ﷺ- غنائم حنين، فكأنهم رأوا في عقولهم الفاسدة أنه لم يعدل في القسمة، ففاجؤوه بهذه المقالة».\n_________\n(^١) ومن الكتب المفيدة المفردة في هذه المسألة كتاب «البيان الواضح لمذهب السلف الصالح» وفيه وقفة مع كتاب «ثورة ٢٥ يناير برؤية شرعية» لممدوح جابر، لمؤلفه الشيخ محمد بن كمال السيوطي، وكتاب «شبهات حول الخروج والثورات» للشيخ محمود الخولي، وقد استفدت من هذين الكتابين.\n(^٢) الاستقامة (ص: ١٣).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٤٩).","vol":"1","page":20},{"text":"وقال الحافظ ابن رجب: «والاختلافُ في مسمَّياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج للصحابة، حيث أخرجوا عصاةَ الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخَلوهم في دائرة الكفر، وعامَلوهم معاملة الكفار، واستحلُّوا بذلك دماء المسلمين وأموالهم» (^١).\nأسأل الله الرحمن الرحيم أن يتقبل هذا الكتاب، ويجعله سببًا لرضاه ولنشر دينه الحق، وسببًا لرجوع المسلمين في أصل الإمامة لما عليه السلف الصالح، إنه الرحمن الرحيم.\n\nكتبه\nد عبد العزيز بن ريس الريس\nالمشرف العام على شبكة الإسلام العتيق\nrayes06@gmail.com\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (١/ ١١٤).","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>الفصل الأول\nتأصيلات في الإمامة\nعند أهل السنة</span>","vol":"1","page":23},{"text":"التأصيل الأول\nقرَّر أهل السنة أنه يجب على المسلمين أن ينصبوا إمامًا وسلطانًا، واستدلوا لتقرير هذا الأصل بأدلة، أكتفي منها بذكر دليلين:\nالدليل الأول: الإجماع:\nفقد أجمع العلماء على وجوب تنصيب سلطانٍ ووالٍ على المسلمين.\nقال الماوردي: «وعَقدُها لمن يقوم بها في الأمة واجبٌ بالإجماع وإن شذَّ عنهم الأصَمُّ» (^١) اهـ.\nقال ابن حزم: «اتفق جميعُ أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة وجميع الخوارج على وجوب الإمامة، وأن الأمة واجبٌ عليها الانقياد لإمامٍ عادل يقيم فيهم أحكام الله، ويسوسهم بأحكام الشريعة، التي أتى بها رسول الله -ﷺ-، حاشا النجدات من الخوارج، فإنهم قالوا: لا يلزم الناسَ فرضُ الإمامة، وإنما عليهم أن يتعاطوا الحق بينهم» (^٢).\nالدليل الثاني: قاعدة «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب» (^٣):\nوذلك أن مصالح العباد في دينهم ودنياهم لا تستقيم ولا تصلح إلا بالإمام\n_________\n(^١) الأحكام السلطانية (ص: ١٥).\n(^٢) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ٧٢)، وراجع للاستزادة: تفسير القرطبي (١/ ٢٦٤)، وشرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٠٥)، والصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة (١/ ٢٥)، وتاريخ ابن خلدون (١/ ٢٣٩).\n(^٣) انظر: روضة الناظر وجنة المناظر (١/ ١١٨)، والبحر المحيط في أصول الفقه (١/ ٢٩٦).","vol":"1","page":25},{"text":"والسلطان.\nقال الشاعر الجاهلي «الأفوه الأودي»:\nلا يصلحُ الناسُ فوضى لا سراةَ لهم … ولا سراةَ إذا جُهَّالهم سادوا (^١)\nوقال الإمام عبدالله بن المبارك (^٢):\nإنَّ الجماعة حبلُ الله فاعتصموا … منهُ بعُروته الوثقى لمن دانا\nكم يدفعُ الله بالسلطان مُعضلةً … في ديننا - رحمةً منه - ودنيانا\nلولا الخلافةُ لم تأمَنْ لنا سُبلٌ … وكان أضعفُنا نهبًا لأقوانا\n_________\n(^١) لسان العرب (٧/ ٢١٠).\n(^٢) غذاء الألباب شرح منظومة الآداب (١/ ٢٣١).","vol":"1","page":26},{"text":"التأصيل الثاني\nمقاصد نصب الأئمة\nمشروعية الولاية والإمامة؛ لأجل إقامة الدين وإصلاح الدنيا، وشرعيتها من باب الوسائل.\nقال الماوردي: «الإمامة موضوعةٌ لخلافة النبوة في حراسةِ الدين وسياسةِ الدنيا» (^١).\nوقال الطيبي: «إن الراعي ليس مطلوبًا لذاته، وإنما أُقيم لحفظِ ما استرعاه المالك، فينبغي أن لا يتصرف إلَّا بما أَذِنَ الشارع فيه» (^٢).\nوقال القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]:\n«الإمام إنما نصب لدفعِ العدو وحماية البيضة وسدِّ الخلل، واستخراجِ الحقوق وإقامةِ الحدودِ، وجباية الأموال لبيت المال وقسمتها على أهلها».\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالمقصود الواجبُ بالولايات: إصلاحُ دين الخلق الذي متى فاتهم خسروا خسرانًا مبينًا، ولم ينفعهم ما نعموا به في الدنيا؛ وإصلاحُ ما لا يقومُ الدينُ إلَّا به من أمرِ دنياهم» (^٣).\n_________\n(^١) الأحكام السلطانية (ص: ١٥).\n(^٢) عمدة القاري (٢٤/ ٢٢١).\n(^٣) السياسة الشرعية (ص: ٢١).","vol":"1","page":27},{"text":"وقال أيضًا: «وولي الأمر إنَّما نُصِّبَ ليأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية، فإذا كان الوالي يُمكِّن من المنكر بمالٍ يأخذه، كان قد أتى بضدِّ المقصود، مثل مَنْ نصَّبتُه ليُعينكَ على عدوك، فأعان عدوك عليك، وبمنزلة من أخذ مالًا ليجاهد به في سبيل الله، فقاتل به المسلمين، يوضح ذلك أن صلاح العباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فإن صلاح المعاش والعباد في طاعة الله ورسوله، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه صارت هذه الأمة خيرَ أمةٍ أُخرجت للناس، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾» (^١).\nوقال الإمام ابن القيم: «وجميع الولايات الإسلامية مقصودُها الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر» (^٢).\nوقال الشوكاني: «والحاصلُ أن الغرض المقصود للشارع من نصب الأئمة هو أمران: أوَّلهما وأهمهما إقامة منار الدين، وتثبيت العباد على صراطه المستقيم، ودفعهم عن مخالفته والوقوع في مناهيه طوعًا وكرهًا.\nوثانيهما تدبير المسلمين في جَلْب مصالحهم، ودفع المفاسد عنهم، وقسمة أموال الله فيهم، وأخذِها ممن هي عليه وردِّها، فيمن هي له وتجنيد الجنود، وإعداد العدة لدفع مَنْ أراد أن يسعى في الأرض فسادًا من بُغاة المسلمين وأهل الجسارة منهم = من التسلط على ضعفاء الرعية، ونهب أموالهم، وهتكِ حرمتهم، وقطعِ سُبلهم، ثم القيام في وجه عدوهم من الطوائف الكفرية إن قصدوا ديارَ الإسلام\n_________\n(^١) السياسة الشرعية (ص: ٥٨).\n(^٢) الطرق الحكمية (ص: ١٩٩).","vol":"1","page":28},{"text":"وغزوهم إلى ديار الكفر إن أطاقَ المسلمون ذلك، ووجدوا من العدد والعدة ما يقوم به، فهذا هو موضوع الإمام الذي وردَ الشرعُ بنصبه» (^١).\nوقال أيضًا: «المقصود بالولاية العامة هو تدبيرُ أمور الناس على العموم والخصوص، وإجراء الأمور مجاريها، ووضعها مواضعها، وهذا لا يتيسر ممن في حواسِّه خلل؛ لأنها تقتضي نقصَ التدبير إمَّا مطلقًا، أو بالنسبة إلى تلك الحاسَّة.\nوأما سلامة الأطراف فلا وجه لاشتراطها، فإنَّ الأعرجَ والأشلَّ لا ينقصُ من تدبيره شيء، ويقوم بما يقوم به من ليس كذلك، ومعلومٌ أنه لا يراد من مثل الإمام السِّباق على الأقدام ولا ضربُ الصَّولجان ولا حملُ الأثقال» (^٢).\n_________\n(^١) السيل الجرار (١/ ٦٤٦).\n(^٢) السيل الجرار (١/ ٩٣٧).","vol":"1","page":29},{"text":"التأصيل الثالث\nلا تصح ولاية الحاكم الكافر (^١) شرعًا، ولا يعتقد في العنق بيعة له (^٢)، ويدلُّ لهذا الأصل أدلة، أكتفي منها بذكر دليلين:\nالدليل الأول:\nقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].\nقال الكاساني: «الكافر ليس من أهل الولاية على المسلم؛ لأنَّ الشرع قطعَ ولاية الكافر على المسلمين؛ قال الله تعالى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾» (^٣).\nوقال الإمام ابن القيم: «لما كانت التولية شقيقة الولاية كانت توليتُهم نوعًا من تَولِّيهم، وقد حكم تعالى بأنَّ مَنْ تولَّاهم فإنه منهم، ولا يتمُّ الإيمانُ إلَّا بالبراءة منهم، والولايةُ تنافي البراءة، فلا تجتمعُ البراءة والولاية أبدًا، والولاية إعزاز، فلا تجتمع هي وإذلال الكفر أبدًا، والولاية صلة فلا تجامع معاداة الكافر أبدًا» (^٤).\n_________\n(^١) ومن منظِّري الإخوان المسلمين مَنْ شذَّ وخالفَ الإجماع كالقرضاوي، فقد جوَّز ولاية الحاكم الكافر على المسلمين.\n(^٢) وليس معنى هذا أن المسلمين في بلاد الكفار - كبلاد أوروبا - لا يحترمون الأنظمة، ولا يطيعون الحاكم الكافر، بل يطيعونه في غير معصية الله؛ وطاعتُهم لأجل المصلحة من غير اعتقاد أنَّ في أعناقهم بيعة له.\n(^٣) بدائع الصنائع (٢/ ٢٣٩).\n(^٤) أحكام أهل الذمة (١/ ٤٩٩).","vol":"1","page":30},{"text":"وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢]:\n«وقد استدل كثير من العلماء بهذا الآية الكريمة على أصحِّ قولي العلماء، وهو المنع من بيع العبد المسلم للكافر، لما في صحة ابتياعه من التسليط له عليه والإذلال، ومَن قال منهم بالصحة، يأمرهُ بإزالة ملكهِ عنه في الحال لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾».\nفكذلك تولِّي الكافر للولاية العامة محرَّمة لعموم الآية، وهي أَولى من الأمثلة التي ذكر ابن كثير.\nالدليل الثاني: الإجماع:\nقال الإمام ابن القيم: «قال ابن المنذر: أجمع كلُّ من يُحفظ عنه من أهل العلم أنَّ الكافر لا ولاية له على مسلمٍ بحال» (^١).\nوقال القاضي عياض: «لا خلاف بين المسلمين أنه لا تنعقدُ الإمامة للكافر، ولا تستديمُ له إذا طرأ عليه» (^٢).\nتنبيهان:\nالتنبيه الأول: بيَّن العلماء أنَّ المراد بالكفر البواح؛ أي: الظاهر البيِّن بلا شك.\nقال أبو العباس القرطبي: «وقوله: «عندكم من الله فيه برهان» (^٣)؛ أي:\n_________\n(^١) أحكام أهل الذمة (٢/ ٧٨٧).\n(^٢) إكمال المعلم (٦/ ٢٤٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٠٥٦)، ومسلم (١٧٠٩) من حديث عبادة بن الصامت -﵁-.","vol":"1","page":31},{"text":"حُجَّة بيِّنة، وأمرٌ لا شكَّ فيه؛ يحصل به اليقين أنه كفر، فحينئذٍ يجب أن يخلع من عُقِدَتْ له البيعة على ما قدَّمناه» (^١).\nالتنبيه الثاني: إذا ثبت كفرُ الحاكم فإنه لا يُخرَجُ عليه إلَّا عند القدرة؛ فهو كغيره من الواجبات معلَّق بالقدرة.\nقال ابن حجر: «وملخَّصه: أنه ينعزل بالكفر إجماعًا، فيجبُ على كل مسلم القيامُ في ذلك؛ فمن قَوِيَ على ذلك فله الثواب، ومن داهنَ فعليه الإثم، ومن عجَز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض» (^٢).\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٤/ ٤٦).\n(^٢) فتح الباري (١٣/ ١٢٣).\nقال العلامة ابن باز في مجموع فتاواه (٨/ ٢٠٣): «قال عبادة بن الصامت -﵁-: بايعنا رسولَ الله -ﷺ- على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعُسرنا ويُسرنا وأثرةٍ علينا، وأن لا ننازعَ الأمر أهله، وقال: إلَّا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان».\nفهذا يدلُّ على أنه لا يجوز لهم منازعة ولاة الأمور، ولا الخروج عليهم، إلَّا أن يروا كفرًا بواحًا عندهم من الله فيه برهان؛ وما ذاك إلا لأن الخروج على ولاة الأمور يسبب فسادًا كبيرًا وشرًّا عظيمًا، فيختلُّ به الأمن، وتضيع الحقوق، ولا يتيسَّر ردعُ الظالم، ولا نصر المظلوم، وتختلُّ السُّبل ولا تأمن، فيترتَّب على الخروج على ولاة الأمور فساد عظيم وشرٌّ كثير، إلَّا إذا رأى المسلمون كفرًا بواحًا عندهم من الله فيه برهان، فلا بأس أن يخرجوا على هذا السلطان لإزالته إذا كان عندهم قدرة، أما إذا لم يكن عندهم قدرة فلا يخرجوا، أو كان الخروج يسبب شرًّا أكثر فليس لهم الخروج؛ رعايةً للمصالح العامة، والقاعدةُ الشرعية المجمَعُ عليها: «أنه لا يجوز إزالة الشَّر بما هو أشرُّ منه، بل يجب درءُ الشرِّ بما يزيله أو يخفِّفه».\nأما درء الشر بشرٍّ أكثر فلا يجوز بإجماع المسلمين، فإذا كانت هذه الطائفة التي تريد إزالة هذا السلطان الذي فعل كفرًا بواحًا عندها قدرةٌ تزيله بها، وتضع إمامًا صالحًا طيبًا من دون أن يترتب على هذا فساد كبير على المسلمين، وشرٌّ أعظم من شرِّ هذا السلطان = فلا بأس، أما إذا كان الخروج يترتَّب عليه فساد كبير، واختلال الأمن، وظلم الناس، واغتيالُ مَنْ لا يستحق الاغتيال … إلى غير هذا من الفساد العظيم، فهذا لا يجوز، بل يجبُ الصبر، والسمعُ والطاعة في المعروف، ومناصحة ولاة الأمور، والدعوة لهم بالخير، والاجتهاد في تخفيف الشر وتقليله وتكثير الخير.\nهذا هو الطريق السَّوي الذي يجب أن يُسلك؛ لأن في ذلك مصالح للمسلمين عامة، ولأن في ذلك تقليل الشرِّ وتكثير الخير، ولأن في ذلك حفظ الأمن وسلامة المسلمين من شرٍّ أكثر.\nقال العلامة ابن عثيمين في لقاء الباب المفتوح (٥١) سؤال (١٢٢٢): «إن كنَّا قادرين على إزالته فحينئذٍ نخرج، وإذا كنا غير قادرين فلا نخرج، لأن جميع الواجبات الشرعية مشروطة بالقدرة والاستطاعة، ثم إذا خرجنا فقد يترتب على خروجنا مفسدة أكبر وأعظم مما لو بقي هذا الرجل على ما هو عليه، لأننا إنْ خرجنا ثم ظهرت العزَّة له، صِرْنا أذلَّةً أكثر، وتمادى في طغيانه وكفره أكثر، فهذه المسائل تحتاج إلى تعقُّل، وأن يقترن الشرع بالعقل، وأن تُبعد العاطفة في هذه الأمور، فنحن محتاجون للعاطفة لأجل تحمُّسنا، ومحتاجون للعقل والشرع حتى لا ننساقَ وراء العاطفة التي تؤدي إلى الهلاك».","vol":"1","page":32},{"text":"التأصيل الرابع\nيشترط في تولية الوالي ابتداءً أن يكون مسلمًا عدلًا، فلا تصحُّ ولاية الفاسق، ويدلُّ لهذا الأصل دليلان:\nالدليل الأول:\nقال تعالى في قصة إبراهيم -﵇-: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٢٤].\nقال ابن جرير في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾:\n«هذا خبر من الله جلَّ ثناؤه عن أن الظالم لا يكون إمامًا يقتدي به أهل الخير، وهو من الله جلَّ ثناؤه جوابٌ لما يُتوهَّم في مسألته إياه، أن يجعل من ذريته أئمة","vol":"1","page":33},{"text":"مثله، فأخبر أنه فاعل ذلك، إلَّا بمن كان من أهل الظلم منهم، فإنه غير مُصَيِّره كذلك، ولا جاعله في محلِّ أوليائه عنده، بالتكرمة بالإمامة، لأن الإمامة إنما هي لأوليائه وأهل طاعته، دون أعدائه والكافرين به».\nثم روى بإسناد ثابت عن مجاهد أنه قال: «لا يكون إمامًا ظالمًا».\nالدليل الثاني: الإجماع:\nقال القرطبي في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾:\n«لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز أن تُعقدَ الإمامة لفاسق».\nتنبيهات:\nالتنبيه الأول: معنى شرط العدالة: أي أن لا يكون فاسقًا عند الاختيار ابتداءً، أما عند الاستدامة، فيسقط هذا الشرط، بمعنى: أنه إذا تولَّى العدلُ اختيارًا، ثم عرضَ له الفسقُ فصار فاسقًا، فإنه لا يُخرَجُ عليه، ولا يُعزل بالإجماع (^١) - كما سيأتي إن شاء الله (^٢) -.\nالتنبيه الثاني: شرط العدالة يُراعى عند الابتداء - كما تقدم -، وفي حال الاختيار، أمَّا عند الغلبة والقهر، فلا يُلتفت لهذا الشرط بما أنه مسلم - كما سيأتي إن شاء الله -.\n_________\n(^١) ولهذه المسألة أشباه ونظائر، وهي من فروع وأمثلة القاعدة الفقهية المشهورة: «يُغتفر في الدوام ما لا يُغتفر في الابتداء»، انظر: «الأشباه والنظائر للسبكي» (١/ ١٢٧)، و«الأشباه والنظائر للسيوطي» (١/ ١٨٦).\n(^٢) سيأتي (ص: ٤٤، ١٨٦).","vol":"1","page":34},{"text":"التأصيل الخامس\nأهل السنة والجماعة يقرِّرون حُرمة الخروج على الحاكم الفاسق الظالم أو المبتدع ما دام مسلمًا، ويوجبون له السمع والطاعة في غير معصية الله، ويدلُّ لهذا الأصل عدة أدلة:\nالدليل الأول:\nمقتضى الأدلة الدالة على وجوب السمع والطاعة للحاكم المسلم وحُرمة الخروج عليه، ولم تفرِّق الأدلة بين العادل والفاسق والظالم والمبتدع، ولو كان هناك فرقٌ لبيَّنتهُ الشريعة، فإنَّ الأصل بقاءُ العامِّ على عمومه، وإليك بعض هذه الأدلة:\n١ - قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.\nوجه الدلالة: أن كلمة ﴿أُولِي﴾ نكرة أُضيفَت إلى معرفة، فأفادت العموم في كلِّ حاكمٍ بما أنه مسلم.\n٢ - وعن عبادة بن الصامت قال: «بايعنا رسولَ الله -ﷺ- على السَّمع والطاعة في المنشَط والمكرَه، وعُسرنا ويُسرنا وأثرةٍ علينا، وأن لا ننازعَ الأمر أهله، فقال رسول الله -ﷺ-: «إلَّا أن تروا كُفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان» (^١).\nومحلُّ الشاهد: قوله -ﷺ-: «وأن لا ننازعَ الأمرَ أهلَه، إلَّا أن تروا كُفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان».\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٠٥٦)، ومسلم (١٧٠٩).","vol":"1","page":35},{"text":"وقد أفاد العموم من جهتين:\nالجهة الأولى: (أهله) لفظ عام، وذلك أنَّ لفظ (أهل) نكرة مضافة إلى معرفة، وهو الضمير، فأفادت العمومَ في كلِّ حاكمٍ مسلم.\nالجهة الثانية: الاستثناء في قوله: «إلَّا أن تروا …» والاستثناء معيار العموم، فيفيد أنه عامٌّ في كلِّ حاكم، إلَّا أن يكون كافرًا كفرًا ظاهرًا.\n٣ - قال علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه: «سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسولَ الله -ﷺ- فقال: يا نبيَّ الله؛ أرأيتَ إن قامت علينا أمراء يسألونا حقَّهم ويمنعونا حقَّنا فما تأمرنا؟ فأعرضَ عنه، ثم سأله، فأعرضَ عنه، ثم سأله في الثانية أو في الثالثة، فجذَبهُ الأشعثُ بن قيس وقال: «اسمَعوا وأطيعوا فإنَّما عليهم ما حُمِّلوا وعليكُم ما حُمِّلتم» (^١).\nوجه الدلالة: أن قوله: «إنْ قامت علينا أمراء» لفظ «أمراء» نكرة في سياق الشرط، فيفيد العموم لكلِّ أمير، ويدخل في هذا العموم أن يكون الأمير فاسقًا وظالمًا، لا سيما وأنه قال في الحديث: «ويمنعونا حقَّنا».\n٤ - قال عوف بن مالك -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: «أَلَا من وَليَ عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصيةِ الله فلْيكرَهْ ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنَّ يدًا من طاعة» (^٢).\nوجه الدلالة: (وال) نكرة في سياق الشرط، فتفيد العموم لكلِّ والٍ، ثم نهى عن أي منازعة في قوله: «يدًا من طاعة»، و(يدًا) عامة؛ لأنها نكرة في سياق النهي.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٤٦).\n(^٢) صحيح مسلم (١٨٥٥).","vol":"1","page":36},{"text":"الدليل الثاني:\nأن الأدلة أمرت بالسمع والطاعة مع وجود المعصية عند الحاكم.\nوالفرقُ بين هذا الدليل والذي قبله: أنَّ هذا الدليل أخَصُّ؛ فقد نصَّ على السمع والطاعة مع ذكره للمعصية، كمثل حديث عبادة المتقدِّم، فقد استثنى أن يُرى منه الكفر البواح، فدلَّ على أنه إذا وقعت منه المعاصي الكبائر والصغائر يُسمَعُ ويُطاع له؛ لأنها ليست كفرًا، ومثله حديث سلمة بن يزيد الجعفي المتقدِّم، فقد نصَّ على السمع والطاعة مع وجود الظلم منهم، ومثله حديث عوف بن مالك المتقدم، فقد نصَّ على السمع والطاعة مع وجود المعصية منهم.\nالدليل الثالث:\nالأدلة التي أمرت بالصبر على ظُلم الحاكم وجَوره، مع أنه بظُلمه صار حاكمًا ظالمًا فاسقًا، من هذه الأدلة ما أخرجه الشيخان عن عبدالله بن مسعود -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «إنكم سَتلقَون بعديْ أَثَرة، وأمورًا تنكرونها»، قالوا: فماذا تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «تؤدُّون الحقَّ الذي عليكم وتسألونَ الله الذي لكم» (^١).\nوقال في حديث أسيد -﵁-: «فاصبروا حتى تلقَوني على الحوض» (^٢).\nومنها ما أخرج الشيخان عن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ رأى من أميرهِ شيئًا يكرهُه، فليصبرْ عليه، فإنه مَنْ فارقَ الجماعة شبرًا، فماتَ إلَّا ماتَ ميتةً جاهلية» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٦٠٣)، ومسلم (١٨٤٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٧٩٢)، ومسلم (١٨٤٥).\n(^٣) أخرجه البخاري (٧٠٥٣)، ومسلم (١٨٤٩).","vol":"1","page":37},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وفي الصحيحين عن ابن مسعود -﵁- قال: قال لنا رسول الله: «إنكم سترونَ بعدي أثرةً وأمورًا تنكرونها»، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «تؤدُّون الحقَّ الذي عليكم وتسألونَ الله الذي لكم» (^١)، فقد أخبر النبي -ﷺ- أنَّ الأمراء يظلمون، ويفعلون أمورًا منكَرة، ومع هذا فأمرَنا أن نؤتيَهُم الحقَّ الذي لهم، ونسأل الله الحقَّ الذي لنا.\nولم يأذنْ في أخذِ الحقِّ بالقتال، ولم يرخِّص في تركِ الحقِّ الذي لهم.\nوفي الصحيحين عن ابن عباس -﵄- عن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ رأى من أميرهِ شيئًا يكرههُ فليصبرْ عليه فإنَّه مَنْ فارقَ الجماعةَ شبرًا فماتَ إلَّا ماتَ ميتةً جاهلية»، وفي لفظ: «فإنَّه مَنْ خرجَ من السلطان شبرًا فماتَ ماتَ ميتةً جاهلية» واللفظ للبخاري، وقد تقدَّم قوله -ﷺ- لما ذكر أنهم لا يهتدون بهديهِ، ولا يستنُّونَ بسُنَّته، قال حذيفة: كيف أصنعُ يا رسولَ الله إنْ أدركتُ ذلك؟ قال: «تسمعُ وتطيعُ للأمير، وإنْ ضربَ ظهركَ، وأخذَ مالكَ فاسمَعْ وأطِعْ» (^٢).\nفهذا أمرٌ بالطاعة مع ظُلمِ الأمير، وتقدَّم قوله -ﷺ-: «مَنْ وليَ عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصية الله، فلْيكرَهْ ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعنَّ يدًا عن\nطاعة» (^٣)، وهذا نهيٌّ عن الخروج عن السلطان، وإن عصى، وتقدَّم حديث عبادة: «بايعنا رسولَ الله -ﷺ- على السَّمعِ والطاعة، في منشَطنا ومكرَهنا، وعُسرنا ويُسرنا، وأثرَةٍ علينا، وأن لا ننازعَ الأمرَ أهله»، قال: «إلَّا إن تروا كفرًا بواحًا عندكم من\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص: ٣٧).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٨٤٧).\n(^٣) سبق تخريجه (ص: ٣٦).","vol":"1","page":38},{"text":"الله فيه برهان»، وفي رواية: «وأن نقولَ - أو نقوم - بالحقِّ حيث ما كنَّا لا نخافُ في الله لومةَ لائم» (^١).\nفهذا أمرٌ بالطاعة مع استئثار ولي الأمر، وذلك ظُلمٌ منه ونهيٌ عن منازعة الأمر أهله، وذلك نهيٌ عن الخروج عليه؛ لأن أهله هم أولو الأمر الذين أمر بطاعتهم، وهم الذين لهم سلطانٌ يأمرون به، وليس المرادُ من يستحقُّ أن يولَّى ولا سلطانَ له، ولا المتولِّي العادل؛ لأنه قد ذكر أنهم يستأثرون، فدلَّ على أنه نهى عن منازعة وليِّ الأمر، وإن كان مستأثرا، وهذا بابٌ واسع» (^٢).\nالدليل الرابع: الإجماع:\nقرر كثيرٌ من أهل السنة في كتب العقائد الإجماع على وجوب السمع والطاعة للحاكم المسلم، وحرمةَ الخروجِ عليه ولو فسق وظلم، فدلَّ هذا على أنَّ المخالف في هذا هم أهلُ البدع والضلال، ودونك شيئًا من نصوصهم في ذلك:\n١ - قال الإمام أحمد: «ومَن خرج على إمامٍ من أئمة المسلمين، وقد كانوا اجتمعوا عليه، وأقرُّوا بالخلافة بأيِّ وجهٍ كان بالرضا أو الغلبة، فقد شقَّ هذا الخارجُ عصا المسلمين وخالفَ الآثار عن رسول الله -ﷺ-، فإنْ ماتَ الخارجُ عليه ماتَ ميتةً جاهلية، ولا يحلُّ قتالُ السلطان، ولا الخروجُ عليه لأحدٍ من الناس، فمَنْ فعلَ ذلك، فهو مبتدع على غير السُّنة» (^٣).\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص: ٣١).\n(^٢) منهاج السنة النبوية (٣/ ٣٩٤).\n(^٣) أصول السنة (ص: ٤٥).","vol":"1","page":39},{"text":"٢ - وقال الإمام علي بن المديني: «السُّنة اللازمة التي مَنْ تركَ منها خصلةً لم يقُلها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها»، فذكر أشياء ثم قال: «ومَن خرجَ على إمام من أئمة المسلمين، وقد اجتمع عليه الناس، فأقرُّوا له بالخلافة بأيِّ وجه كانت؛ برضا كانت أو بغلبة، فقد شقَّ هذا الخارجُ عليه العصا أو خالفَ الآثارَ عن رسول الله -ﷺ-؛ فإنْ ماتَ الخارجُ عليه ماتَ ميتةً جاهلية، ولا يحلُّ قتالُ السلطان ولا الخروجُ عليه لأحدٍ من الناس، فمَن عملَ ذلك فهو مبتدعٌ على غير السُّنة» (^١).\n٣ - وقال الإمامان أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان: «أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا، فكان من مذهبهم»، فذكرا أشياء ثم قالا: «ولا نرى الخروجَ على الأئمة ولا القتالَ في الفتنة، ونسمعُ ونطيع لمن ولَّاه الله -﷿- أمرنا، ولا ننزع يدًا من طاعة، ونتَّبع السُّنة والجماعة ونجتنبُ الشُّذوذَ والخلافَ والفرقة» (^٢).\n٤ - وقال حرب الكرماني في عقيدته التي تعلَّمها عن أهل السنة: «والانقياد لمن ولَّاه الله أمرك، لا تنزع يدكَ من طاعة، ولا تخرج عليه بسيفك حتى يجعل الله لكَ فرَجًا ومخرجًا، وأن لا تخرجَ على السلطان، وتسمع وتطيع، ولا تنكث بيعة، فمَن فعل ذلك فهو مبتدعٌ مخارق مفارق للجماعة، وإن أمركَ السلطان بأمرٍ هو لله معصية، فليس لك أن تطيعه البتة، وليس لك أن تخرج عليه، ولا تمنعه حقَّه» (^٣).\n_________\n(^١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٨٥).\n(^٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٩٨).\n(^٣) كتاب السنة من مسائل الإمام حرب (ص: ٣٤).","vol":"1","page":40},{"text":"٥ - وقال أبو عثمان الصابوني: «يرى أصحاب الحديث: الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كلِّ إمامٍ برًّا كان أو فاجرًا، ويرون جهاد الكفَرة معهم، وإن كانوا جَوَرةً فجَرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبسطِ العدل في الرَّعية، ولا يرون الخروجَ عليهم بالسيف، وإن رأوا منهم العدولَ عن العدل إلى الجور والحيف» (^١).\n٦ - وقال المزني: «والطاعة لأولي الأمر فيما كان عند الله -﷿- مُرضيًا، واجتناب ما كان عند الله مُسخطًا، وترك الخروج عند تعدِّيهم وجَورهم، والتوبة إلى الله -﷿- كيما يعطف بهم على رعيَّتهم» (^٢).\n٧ - وقال ابن أبي زيد القيرواني: «والسمعُ والطاعة لأئمة المسلمين وكلِّ مَنْ وليَ أمرَ المسلمين عن رضا أو عن غلبة، واشتدَّتْ وطأته من بَرٍّ أو فاجر، فلا يخرج عليه، جارَ أو عدل»، ثم قال: «وكلُّ ما قدَّمنا ذِكرَه فهو قولُ أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيَّناه، وكلُّه قولُ مالك؛ فمنه منصوصٌ من قوله، ومنه معلوم من مذهبه» (^٣).\n٨ - وقال ابن حجر: «قال ابن بطال: في الحديث حجَّة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلِّب والجهاد معه، وأن طاعته خيرٌ من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء. وحجَّتهم هذا الخبر وغيره مما يساعده، ولم يستثنوا من ذلك إلَّا إذا وقع\n_________\n(^١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص: ٩٠).\n(^٢) شرح السنة (ص: ٨٤).\n(^٣) الجامع (ص: ١١٦).","vol":"1","page":41},{"text":"من السلطان الكفر الصريح، فلا تجوز طاعته في ذلك، بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها، كما في الحديث الذي بعده» (^١)، وأقرَّه الحافظ ابن حجر.\n٩ - وقال ابن قدامة: «السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين - بَرِّهم وفاجرِهم - ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحدٍ في معصية الله، ومن وَليَ الخلافة واجتمعَ عليه الناس ورضوا به، أو غلَبَهُم بسيفهِ حتى صار الخليفة، وسُمِّي أمير المؤمنين = وجبتْ طاعته وحَرُمتْ مخالفته والخروجُ عليه وشقُّ عصا المسلمين» (^٢).\n١٠ - وقال النووي تعليقًا على حديث عبادة بن الصامت -﵁-: «ومعنى الحديث: لا تُنازِعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلَّا أن تروا منهم منكرًا محقَّقًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم، وقولوا بالحقِّ حيث ما كنتم، وأما الخروجُ عليهم وقتالهم، فحرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسَقةً ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته» (^٣).\n١١ - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «استقر أمرُ أهل السُّنة على ترك القتال في الفتنة؛ للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي -ﷺ-، وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَور الأئمة، وترك قتالهم» (^٤).\n_________\n(^١) فتح الباري (١٣/ ٧)، وانظر: شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٠/ ٨).\n(^٢) لمعة الاعتقاد (ص: ٣٢).\n(^٣) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٢٢٩).\n(^٤) منهاج السنة النبوية (٤/ ٣١٥).","vol":"1","page":42},{"text":"وقال أيضًا: «ولهذا كان مذهبُ أهل الحديث تركَ الخروج بالقتال على الملوك البغاة، والصَّبر على ظُلمهم إلى أن يستريحَ بَرٌّ، أو يُستراحَ من فاجر» (^١).\nوقال أيضًا: «ويقولون: إنه يُعاوَن على البر والتقوى دون الإثم والعدوان، ويُطاع في طاعة الله دون معصيته، ولا يُخرج عليه بالسيف، وأحاديثُ النبي -ﷺ- إنما تدلُّ على هذا، كما في الصحيحين عن ابن عباس -﵄-، عن النبي -ﷺ- قال: «مَنْ رأى من أميره شيئًا يكرههُ فليصبرْ عليه، فإنه ليس أحدٌ من الناس يخرجُ عن السلطان شبرًا فمات عليه إلَّا مات ميتةً جاهلية»، وفي لفظ: «أنه مَنْ فارقَ الجماعة شبرًا فمات عليه إلَّا ماتَ ميتةً جاهلية»، فجعل المحذور هو الخروج عن السلطان ومفارقة الجماعة، وأمرَ بالصبر على ما يُكره من الأمير؛ لم يخصَّ بذلك سلطانًا معيَّنًا ولا أميرًا معيَّنًا ولا جماعةً معيَّنة …» (^٢).\n١٢ - الحافظ ابن حجر؛ فقد نقل الإجماع الذي حكاه ابنُ بطَّالٍ، وأقرَّه عليه (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٢٩).\n(^٢) منهاج السنة النبوية (١/ ٥٥٦).\n(^٣) انظر: (ص: ٤١).","vol":"1","page":43},{"text":"التأصيل السادس\nقرَّر أهل السنة أنه لا يُعزل الإمام والسلطان ولو كان فاسقًا وظالمًا ومبتدعًا بما أنه مسلم، ويدل لذلك ما تقدم ذكره من الأدلة مع إجماع السلف الدالِّ على وجوب السمع والطاعة، والصبر على جَورِ وظلمِ الحاكم المسلم، وقد أكد هذا المعنى النووي فقال: «وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل، وحُكي عن المعتزلة أيضًا = فغلطٌ من قائلهِ مخالفٌ للإجماع، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله، وتحريم الخروج عليه ما يترتبُ على ذلك من الفتن، وإراقة الدماء، وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه» (^١)، ثم نقل عن أبي بكر بن مجاهد حكاية الإجماع.\nقال ابن الهمام: «واتفقوا في الإمرة والسلطنة على عدم الانعزال بالفسق لأنها مبنية على القهر والغلبة» (^٢).\nوقال العيني: «وفيه دليل - عند قوله -ﷺ-: «مَنْ كَرِهَ من أميرهِ شيئًا فليصبر» - على أنَّ السلطان لا ينعزل بالفسق والظلم ولا تجوز منازعته في السلطنة بذلك» (^٣).\nوستجد في كتب بعض المتأخرين ما يخالف هذا، حيث قرروا جوازَ خلع الحاكم لفسقٍ أو بدعة، وهؤلاء مخطئون مخالفون لإجماع السلف، وخطؤهم في\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٢٢٩).\n(^٢) فتح القدير (٧/ ٢٥٤).\n(^٣) عمدة القاري (٢٤/ ١٧٨).","vol":"1","page":44},{"text":"هذا مثل خطأ بعض المتأخرين في تأويل الأسماء أو الصفات، أو في القدر أو الإيمان وهكذا …، فهم محجوجون بإجماع السلف السابق.\nومما يبيِّنُ شذوذَ هذا القول، وأنه مخالفٌ لإجماع السلف: ما تقدَّم نقلهُ في كتب العقائد من وجوب السمع والطاعة، وهذا لا يتوافقُ مع القول بالعزل، وكذلك الأدلة الكثيرة الآمرة بالصَّبر على جَور الحاكم لا تتوافقُ مع القول بالعزل.\nوسيأتي - إن شاء الله - بسطُ هذا أكثر عند كشفِ الشبهات ومناقشتها.","vol":"1","page":45},{"text":"التأصيل السابع\nحُرمة إشاعة عيوب ولاة الأمور وإظهارها ولو باسمِ النصيحة، ويدلُّ لهذا الأصل عدة أدلة:\nالدليل الأول:\nأنَّ إظهارَ عيوبهم وأخطائهم سببٌّ لشحن النفوس عليهم، المؤدِّي للخروج عليهم؛ والوسائلُ المؤدية للمحرَّم محرَّمة لأنَّ للوسائل أحكام الغايات.\nقال التابعي الجليل - وقيل: إنه صحابي - عبدالله بن عكيم: «لا أُعينُ على دمِ خليفةٍ أبدًا بعد عثمان، فيقال له: يا أبا معبد أو أَعنْتَ على دمهِ؟! فيقول: إنِّي أعدُّ ذِكرَ مساويهِ عونًا على دمهِ» (^١).\nالدليل الثاني:\nأنَّ نشرَ أخطاء وعيوب المسلمين منهيٌّ عنه؛ لأنه من الغيبة، فكيف بوليِّ الأمر، هذا على فرضِ أنها حقٌّ، فكيف إذا كانت كذبًا أو مبالغًا فيها.\nوقد حرم الله الغيبة بقوله: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢]، وقد ذكر القرطبي في تفسيره أنَّ الغيبة كبيرةٌ من كبائر الذنوب بإجماع أهل العلم فقال: «لا خِلافَ أنَّ الغيبة من الكبائر، وأنَّ مَنْ اغتابَ أحدًا عليه أن يتوبَ إلى الله -﷿-».\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى (٣/ ٨٥)، والتاريخ الكبير (١/ ٣٢).","vol":"1","page":46},{"text":"فإن قيل: إنَّ هناك فرقًا بين الغيبة والنصيحة، كما قال الإمام ابن القيم: «والفرقُ بين النصيحة والغيبة: أنَّ النصيحة يكون القصدُ فيها تحذيرُ المسلم من مبتدع، أو فتَّان، أو غاشٍّ، أو مفسدٍ، فتذكرُ ما فيه إذا استشاركَ في صُحبته ومعاملته، والتعلُّق به كما قال النبي -ﷺ- لفاطمة بنت قيس وقد استشارته في نكاحِ معاوية وأبي جهم فقال: «أمَّا معاويةُ فصعلوكٌ، وأمَّا أبو جهمٍ فلا يضَعُ عَصاهُ عن عاتقهِ» (^١)، وقال بعضُ أصحابه لمن سافر معه: «إذا هبطتَ بلادَ قومهِ فاحذروه» (^٢).\nفإذا وقعت الغيبة على وجه النصيحة لله ورسوله وعباده المسلمين فهي قربةٌ إلى الله من جملة الحسنات، وإذا وقعت على وجه ذمِّ أخيك، وتمزيقِ عِرْضهِ، والتفكُّه بلحمهِ، والغضِّ منه لتضعَ منزلته من قلوب الناس، فهي الداءُ العضالُ ونارُ الحسنات التي تأكلُها كما تأكلُ النارُ الحطب» (^٣).\nفيقال: هذا حقٌّ لكنه في عامة الناسِ عدا ولي الأمر؛ لما سيأتي في التأصيل الآتي من الأدلة وإجماع السلف، والعجيبُ أنَّ كثيرًا من الناس يتناقضُ في هذا، فإذا ذكرتَ أخطاء مَنْ يحبُّ من الدعاة - ولو كانوا مبتدعة - دافعَ عنهم واستدلَّ على ذلك بحُرمة الغيبة، بخلافِ ما يتعلَّق بولي الأمر؛ فتراه سَبَّاقًا لنشرها وإشاعتها، وهو بهذا خالفَ النصوص الشرعية، وعكَسَ ما جاء به الشرع.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٨٠) من حديث فاطمة بنت قيس.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٨٦١)، وأحمد (٥/ ٢٨٩) من حديث عمرو بن الغفواء -﵁-، وضعفه الشيح الألباني في السلسلة الضعيفة (١٢٠٥).\n(^٣) الروح (ص: ٢٤٠).","vol":"1","page":47},{"text":"فائدة:\nقرر غيرُ واحدٍ من أهل السُّنة ممن كتب في الاعتقاد مشروعية الدعاء للسلطان.\nفمن ذلك ما رُوي عن الفضيل بن عياض بسندٍ صحيح أنه قال: «لو أنَّ لي دعوةً مستجابة ما صيَّرتها إلَّا في الإمام. قيل: وكيف ذلك يا أبا علي؟ قال: متى صيَّرتُها في نفسي لم تُجْزني، ومتى صيَّرتها في الإمام - يعني: عمَّتْ - فصلاحُ الإمام صلاحُ العباد والبلاد … قبَّل ابنُ المبارك جبهته وقال: يا معلِّم الخير! من يُحسِنُ هذا غيرك؟» (^١).\nوأخرج الخلال في كتاب السنة بسند صحيح عن الإمام أحمد أنه قال: «وإني لأدعو له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار والتأييد، وأرى ذلك واجبًا عليّ» (^٢).\nوقال أبو عثمان الصابوني: «ويرون الدعاءَ لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، وبسطِ العدلِ في الرعية» (^٣).\nوقال الإمام البربهاري: «وإذا رأيتَ الرجل يدعو على السلطان فاعلَمْ أنه صاحبُ هوًى، وإذا سمعتَ الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلَمْ أنه صاحبُ سُنَّةٍ إن شاء الله»، ثم قال: «فأمرنا أن ندعو لهم بالصلاح، ولم نؤمر أن ندعو عليهم، وإنْ ظلَموا وجاروا؛ لأنَّ ظُلمهم وجَورَهُم على أنفسهم، وصلاحهم لأنفسهم وللمسلمين» (^٤).\n_________\n(^١) حلية الأولياء (٨/ ٩١).\n(^٢) السنة للخلال (١/ ٨٣).\n(^٣) عقيدة السلف وأصحاب الحديث (ص: ٩٢).\n(^٤) شرح السنة (ص: ١٣٦).","vol":"1","page":48},{"text":"وقال أبو بكر الإسماعيلي: «ويرونَ الدُّعاء لهم بالصلاح والعطف إلى العدل» (^١).\nوقال الطحاوي في عقيدته: «ولا نرى الخروجَ على أئمتنا وولاةِ أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزعُ يدًا من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله -﷿- فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة» (^٢).\n_________\n(^١) اعتقاد أهل السنة (ص: ٥٠).\n(^٢) العقيدة الطحاوية بتخريج الألباني (ص: ٦٨).","vol":"1","page":49},{"text":"التأصيل الثامن\nصفة مناصحة ولاة الأمور المسلمين\nإنَّ من خصائص ولاة الأمور المسلمين أنَّ نُصحَهم والإنكار عليهم لا يكون إلَّا أمامهم، فلا يصحُّ شرعًا خلفهم ووراءهم، وقد دلَّ على تقرير هذا الأصل عدة أدلة:\nالدليل الأول:\nقال أبو رقية تميم بن أوس الداري أن النبي -ﷺ- قال: «الدينُ النصيحة، قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: للهِ ولكتابه ولرسوله ولأئمةِ المسلمين وعامتهم» (^١).\nوجه الدلالة: أنه -ﷺ- غايرَ في النصيحة بين ولاة الأمور وبين غيرهم، فدلَّ على أن نُصحَهم يختلف عن غيرهم، وهذا مفهومٌ من صنيع الإمام ابن أبي عاصم في كتابه السُّنة فإنه لما ذكرَ حديثَ الدين النصيحة بوَّبَ بعد ذلك بقوله: «باب كيف نصيحةُ الرَّعية للولاة؟» (^٢)، ثم ذكر حديث «مَنْ كان عندَهُ نصيحةٌ لذي سلطانٍ فلا يُبدِهِ علانية …».\nوقرر هذا أيضًا شيخنا العلامة المحقق محمد بن صالح العثيمين -﵀- فقال: «ثم إنَّ الرسول ﵊ فرَّقَ بينهم وبين عامة المسلمين، فقال:\n«أئمة المسلمين وعامتهم»، مما يدلُّ على أنَّ النصيحة للأئمة ليست كالنصيحة للعامة؛ لأنه يجبُ عند النصيحة للأئمة أن يُراعيَ الانسان مقامه، بحيث تكون\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٥٥).\n(^٢) السنة لابن أبي عاصم (٢/ ٥٢١).","vol":"1","page":50},{"text":"النصيحة مناسبةً لمقامه، وهذا من تنزيل الناس منازلهم ومن الحكمة» (^١)، وقد بينتُ هذه الطريقة من خلال الأدلة الآتية.\nالدليل الثاني:\nقال عياض بن غنم -﵁-: «قال النبي -ﷺ-: «من أراد أن ينصحَ لسلطانٍ بأمرٍ، فلا يُبْدِ له علانيةً، ولكن ليأخذْ بيده، فيخلو به، فإن قبلَ منه فذاك، وإلَّا كان قد أدَّى الذي عليه له» (^٢)، حسَّنَ الحديثَ العلامة الألباني (^٣)، وسمعت العلامة ابن باز يجوِّده.\nالدليل الثالث:\nقال سعيد بن جبير: «قلتُ لابن عباس: آمرُ إمامي بالمعروف؟ قال: إن خشيتَ أن يقتلكَ فلا، فإن كنتَ ولا بدَّ فاعلًا، ففيما بينكَ وبينه، ولا تغتبْ إمامَكَ» (^٤).\nالدليل الرابع:\nقال أبو وائل: «قيل لأسامة بن زيد: لو أتيتَ عثمان فكلَّمته، قال: إنكم لتُرَوْنَ أنيِّ لا أكلِّمه إلَّا أُسمعكم، إني أكلِّمه في السِّر، دون أن أفتحَ بابًا لا أكونُ أوَّلَ مَنْ فتحَه» (^٥).\n_________\n(^١) شرح بلوغ المرام (١٥/ ٤١١).\n(^٢) أخرجه أحمد (٣/ ٤٠٣).\n(^٣) السنة لابن أبي عاصم (٢/ ٥٢٢).\n(^٤) أخرجه سعيد بن منصور (٨٤٦)، وإسناده صحيح.\n(^٥) أخرجه البخاري (٣٢٦٧) ومسلم (٢٩٨٩).","vol":"1","page":51},{"text":"الدليل الخامس:\nأن هذه طريقة السلف؛ فالمخالفُ لطريقةِ السلف واقعٌ في البدعة؛ لأنَّ هذه الوسيلة - وهي المناصحة من وراء ولي الأمر - لم يفعلْها السلفُ مع وجودِ المقتضي وانتفاءِ المانع؛ وما كان كذلك فهو بدعة (^١).\n_________\n(^١) والضابط في التفريق بين الوسائل المشروعة والمحدثة أمران:\nالأول: أن ينظر في هذا الأمر المُراد إحداثه لكونه مصلحة هل الْمُقتضي لفعله كان موجودًا في عهد الرسول -ﷺ- والصحابة والمانعُ منتفيًا؟\nــــــ فإن كان كذلك ففعل هذه المصلحة - المزعومة - بدعة؛ إذ لو كانت خيرًا لسبقَ القومُ إليها؛ فإنَّهم بالله أعلَمُ وله أخشى وكلُّ خير فِي اتباعهم فعلًا وتركًا.\nــــــ أما لو كان المُقتضي - أي: السبب المحوِجُ - غيرَ موجود في عهدهم أو كان موجودًا لكن هناك مانع يَمنع من اتِّخاذ هذه المصلحة فإنه لا يكون بدعة، بل يكون مصلحةً مرسلة؛ وذلك مثلُ جَمعِ القرآن فِي عهد رسول الله -ﷺ- فإن المُقتضي لفعلهِ غيرُ موجود؛ إذ هو بين أظهُرهم لا يُخشى ذهابه ونسيانه، أما بعد موته فخُشِيَ ذلك؛ لأجلِ هذا جَمعَ الصحابة الكرامُ القرآن.\nومن الأمثلة أيضًا: الأذان فِي مكبرات الصوت، وتسجيل المحاضرات فِي الأشرطة السمعية، وصلاة القيام فِي رمضان جَماعة؛ فكلُّ هذه الأمور كان يوجد مانع فِي عهد رسول الله -ﷺ- من فِعلها، أما الأمران الأوَّلان: فعدمُ إمكانهِ؛ لعدم وجودِها في زمانه، أما الأمر الثالث: فإنه ترك الفعل خشيةَ فرضهِ؛ وبعد موته لَمْ يكن ليُفرَضَ شيءٌ لم يكن مفروضًا من قبل.\nالثانِي: إن كان الْمُقتضي غير موجود فِي عهد النَّبِي -ﷺ- فيُنظر فيه هل الداعي له عندنا بعض ذنوب العباد؟ فمثل هذا لا تُحدثُ له ما قد يسمِّيه صاحبه مصلحةً مرسلةً بل يؤمَرون بالرجوع إلى دين الله والتمسُّك به؛ إذ هذا المطلوب منهم فِعلُه، والمطلوب من غيرهم دعوتُهم إليه، ويُمثَّل لِهذا بتقديْم الخطبة على الصلاة في العيدين لأجلِ حبسِ الناسِ لسماعِ الذِّكرِ؛ فمثلُ هذا من البدَع المحدثة لا من المصالِح المرسلة.\nودونكَ كلام الإمام الْمُحقق ابن تيمية فِي بيان هذا الضابط، قال في اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٢٧٨): والضابط فِي هذا - والله أعلم - أن يُقال: إنَّ الناس لا يُحدِثونَ شيئًا إلَّا لأنَّهم يرونه مصلحةً؛ إذ لو اعتقدوه مفسدةً لَمْ يُحدثوه، فإنه لا يدعو إليه عقلٌ ولا دينٌ فما رآهُ الناسُ مصلحةً نُظِرَ فِي السبب المُحوِج إليه؛ فإن كان السببُ الْمُحوجُ أمرًا حدثَ بعد النَّبِي -ﷺ- من غير تفريط منَّا فهنا قد يَجوز إحداثُ ما تدعو الْحَاجة إليه، وكذلك إن كان المُقتضي لفعلهِ قائمًا على عهد رسول الله -ﷺ- لكن تركه النَّبِي -ﷺ- لِمعارضٍ زالَ بِموته.\nوأمَّا ما لَمْ يَحدث سببٌ يُحوج إليه، أو كان السبب الْمُحوج إليه بعضُ ذنوب العباد فهنا لا يَجوز الإحداث؛ فكلُّ أمرٍ يكون الْمُقتضي لفعله على عهد رسول الله -ﷺ- موجودًا لو كان مصلحةً ولَمْ يُفعل = يُعلم أنه ليس بِمصلحةٍ، وأمَّا ما حدثَ المُقتضي له بعد موتهِ من غير معصية الخلق فقد يكون مصلحة.\nثم قال: «فأما ما كان المُقتضي لفعله موجودًا لو كان مصلحةً وهو مع هذا لَمْ يشرعه = فوضعهُ تغييرٌ لدين الله، وإنَّما دخل فيه من نُسِبَ إلَى تغيير الدِّين من الْمُلوك والعلماء والعبَّاد، أو من زلَّ منهم باجتهادٍ كما روي عن النَّبِي -ﷺ- وغير واحدٍ من الصحابة: «إنَّ أخوفَ ما أخاف عليكم: زلَّة عالِم وجدالُ منافقٍ بالقرآن وأئمةٌ مضلُّون».\nفمثال هذا القسم: الأذان فِي العيدين فإن هذا لمَّا أحدثه بعضُ الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعةٌ؛ فلو لَمْ يكن كونه بدعةً دليلًا على كراهيته وإلَّا لقيل: هذا ذِكرٌ لله ودعاءٌ للخلق إلَى عبادة الله، فيدخل فِي العمومات كقوله: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾] الأحزاب: ٤١ [وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا _[فصلت: ٣٣].\nثُمَّ قال: ومثال ما حدثت الحاجة إليه من البدع بتفريطٍ من الناس: تقديمُ الخطبة على الصلاة فِي العيدين؛ فإنه لمَّا فعله بعضُ الأمراء أنكره المُسلمون؛ لأنه بدعةٌ واعتذر مَنْ أحدَثهُ بأنَّ الناس قد صاروا ينفَضُّون قبل سَماع الخطبة، وكانوا على عهد رسول الله -ﷺ- لا ينفضُّون حَتَّى يسمعوا أو أكثرهم فيُقال له: سببُ هذا تفريطُكَ؛ فإنَّ النَّبِي -ﷺ- كان يَخطبهم خطبةً يقصدُ بِها نفعَهُم وتبليغَهُم وهدايتهم، وأنت قصدُكَ إقامة رياستك، وإن قصدتَ صلاحَ دينهِم فلا تعلِّمهم ما ينفعهم؛ فهذه المعصية منك لا تُبيحُ لكَ إحداثَ معصيةٍ أخرى بل الطريقُ في ذلك أن تتوب إلَى الله وتتَّبعَ سنة نبيِّهِ، وقد استقامَ الأمر؛ وإنْ لَمْ يستقم فلا يسألكَ الله إلَّا عن عَملك لا عن عملهم؛ وهذان المعنيان من فَهِمَهُما انْحلَّ عنه كثيرٌ من شُبهِ البدَع الحادثة» اهـ.","vol":"1","page":52},{"text":"والذي يدل على أن السلف لم يفعلوا ذلك كلامُ ابن عباس وأسامة بن زيد المتقدم، وأيضًا قد حكاه عن السلف جمع من أهل العلم كالشيخ حمد بن عتيق، والشيخ محمد بن إبراهيم والشيخ عبد الله العنقري، والشيخ عمر بن سليم، والشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن صالح العثيمين -﵏-.\nوقال العلَّامتان محمد بن إبراهيم وسعد بن عتيق - رحمهما الله -: «وأما ما قد يقع من ولاة الأمور من المعاصي والمخالفات التي لا توجب الكفر، والخروج من الإسلام، فالواجبُ فيها مناصحتُهم على الوجهِ الشرعي برفق، واتِّباعُ ما كان عليه السلفُ الصالح من عدم التشنيع عليهم في المجالس ومجامع الناس، واعتقاد أنَّ ذلك من إنكار المنكر الواجب إنكاره على العباد، وهذا غلطٌ فاحش، وجهلٌ ظاهر، لا يعلم صاحبهُ ما يترتَّبُ عليه من المفاسد العظام في الدين والدنيا، كما يعرف ذلك من نوَّرَ الله قلبه، وعرفَ طريقة السلف الصالح، وأئمة الدين» (^١).\nوقال الإمام ابن باز -﵀-: «فالنصحُ يكون بالأسلوب الحسن، والكتابة المفيدة، والمشافهة المفيدة وليس من النصح التشهيرُ بعيوب الناس ولا بانتقاد الدولة على المنابر ونحوها، لكن النصح أن تسعى بكلِّ ما يُزيلُ الشرَّ ويثبت الخير بالطرق الحكيمة، وبالوسائل التي يرضاها الله -﷿-» (^٢).\nوقال أيضًا: «ليس من منهج السلف التشهيرُ بعيوب الولاة وذِكرُ ذلك على المنابر؛ لأنَّ ذلك يُفضي إلى الفوضى وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويُفضي إلى الخوض الذي يضرُّ ولا ينفع، ولكن الطريقة المتَّبعة عند السلف: النصيحة\n_________\n(^١) الدرر السنية (٩/ ١١٩).\n(^٢) مجموع فتاواه (٧/ ٣٠٦).","vol":"1","page":54},{"text":"فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتَّصلون به حتى يوجَّه إلى الخير» (^١).\nتأمَّل أن الشيخ ابن باز ذكرَ أن التشهيرَ بعيوب السلطان باسم النصيحة ليست من طريقةِ السلف؛ إذن هي طريقة محدثة.\nوقال الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -﵀- في رسالة (حقوق الراعي والرعية): «فالله الله في فهم منهج السلف الصالح في التعامل مع السلطان، وأن لا يُتَّخذَ من أخطاء السلطان سبيلٌ لإثارة الناس، وإلى تنفير القلوب عن ولاة الأمور، فهذا عينُ المفسدة، وأحد الأسس التي تحصل بها الفتنة بين الناس، كما أن ملء القلوب على ولاة الأمر يُحدث الشرَّ والفتنة والفوضى، وكذا ملء القلوب على العلماء يُحدث التقليل من شأن العلماء، وبالتالي التقليل من الشريعة التي يَحملونها، فإذا حاول أحدٌ أن يقلِّل من هيبة العلماء وهيبة ولاة الأمر ضاعَ الشرعُ والأمن؛ لأن الناس إنْ تكلَّم العلماء لم يثقوا بكلامهم، وإنْ تكلَّم الأمراء تمرَّدوا على كلامهم فحصل الشرُّ والفساد.\nفالواجب أن ننظر ماذا سلكَ السلف تجاه ذوي السلطان، وأن يضبطَ الإنسانُ نفسه وأن يعرف العواقب، وليُعلَم أنَّ مَنْ يَثورُ إنما يخدم أعداء الإسلام، فليست العبرة بالثورة ولا بالانفعال، بل العبرة بالحكمة …».\n_________\n(^١) مجموع فتاواه (٨/ ٢١٠).","vol":"1","page":55},{"text":"وقد رأيتُ كثيرًا من المخطئين يعترضون على ما تقدم ذِكرهُ بما يلي:\nالأمر الأول: أن القاعدة الشرعية أنَّ مَنْ أخطأ علانية فيُردُّ عليه علانية، قالوا: ومن ذلك ولاة الأمور.\nفيُقال: هذه القاعدة صحيحة، وقد ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية فقال:\n«وأمَّا إذا أظهرَ الرجلُ المنكرات وجبَ الإنكارُ عليه علانية، ولم يبقَ له غيبة، ووجبَ أن يُعاقَبَ علانية بما يردعُهُ عن ذلك من هَجْرٍ وغيره» (^١).\nلكن تطبيقها على ولاة الأمور خطأ مخالف للشرع، وذلك لما تقدَّم ذِكرهُ من أنَّ لوليِّ الأمر طريقة في النصح تخالفُ عامة الناس وقد بيَّنها عبد الله بن عباس -﵄-، ودرجَ على ذلك السلف.\nفإذن هذه القاعدة عامة، ويُستثنى منها وليُّ الأمر للأدلة الخاصة، والخاصُّ مقدَّم على العام، هذا إذا كان وراءه، أما إذا كان أمامَهُ فالأصلُ الإنكار عليه علانية، إلَّا إذا اقتضت المصلحة خلافَ ذلك.\nالأمر الثاني: اعترضوا بالنصوص العامة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقالوا: مقتضى عمومها أن تشملَ وليَّ الأمر.\nفيقال: ما تقدَّمَ ذِكرهُ من الأدلة في نُصح ولاة الأمور أمامهم لا وراءهم = أدلة خاصة، فتُقدَّم على الأدلة العامة في الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢١٧).","vol":"1","page":56},{"text":"الأمر الثالث: ثبت عن جمعٍ من السلف أنهم أنكروا أمامَ السلطان، وقد دلَّت الأدلة على ذلك، ومن ذلك حديث: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر» (^١).\nومن ذلك ما ثبت في (مسلم): لمَّا قدَّم الأمير مروان بن الحكم خطبة العيد على الصلاة وأنكر رجل عليه فقال أبو سعيد -﵁-: «أما هذا فقد قضى الذي عليه»، ثم قال: «سمعتُ النبي -ﷺ- يقول: «مَنْ رأى منكم منكرًا … الحديث» (^٢).\nومن ذلك ما ثبت في مسلم أن بشر بن مروان كان يخطب فلما دعا رفعَ يديه فقال عمارة بن رؤيبة: «قبَّحَ الله هاتين اليدين، ما رأيتُ النبي -ﷺ- يزيدُ في الخطبة إذا دعا على أن يُشيرَ بالسبابة» (^٣).\nوالجواب على هذا أن يقال:\nإنَّ هذه الأدلة خارج موردِ النزاع، فإنَّ موردَ النزاع في الإنكار والنُّصحِ وراءه لا أمامه - كما تقدم -.\nتنبيه:\nإنَّ هناك فرقًا بين الإنكار على ولي الأمر، لأنه فعل منكرًا، والإنكارِ على الفعل المنكَر بدون ذِكْرِ وليِّ الأمر، فمثلًا: إذا أتى ولي الأمر بالربا، فيُنكَرُ الرِّبا علانية، ولا يُنكَر على وليِّ الأمر نفسِه علانية. أفاد هذا الإمام العلامة عبد العزيز ابن باز -﵀- حيث قال: «ولكن الطريقة المتَّبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٢١٧٤)، وابن ماجه (٤٠١١)، وأحمد (٣/ ٧) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.\n(^٢) أخرجه مسلم (٤٩).\n(^٣) أخرجه مسلم (٨٧٤).","vol":"1","page":57},{"text":"وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجَّه إلى الخير. أمَّا إنكارُ المنكر بدون ذكرِ الفاعل: فيُنكَر الزنى، ويُنكَر الخمر، ويُنكَر الربا من دون ذِكرِ من فعله، فذلك واجبٌ؛ لعموم الأدلة» (^١).\nوقال العلامة محمد بن صالح العثيمين وهو يتكلم عن حقوق ولي الأمر:\n«رابعًا: إبداءُ خطئهم فيما خالفوا فيه الشرع، بمعنى أن لا نسكت، ولكن على وجه الحكمة والإخفاء، فلهذا أمرَ النبي ﵊ إذا رأى الإنسانُ من الأمير شيئًا أن يمسِكَ بيده، وذكرَها هكذا أن تمسِكَ بيده، وتكلِّمه فيما بينكَ وبينه، لا أن تقوم في الناس، ولا أن تنشر معايبه، لأن هذا يحصل به فتنة عظيمة، فالسكوتُ عن الباطل لا شكَّ أنه خطأ، لكن الكلام في الباطل الذي يؤدي إلى ما هو أشدُّ هذا خطأٌ أيضًا، فالطريق السليم الذي هو النصيحة، وهو من دين الله -﷿- هو أن يأخذَ الإنسان بيده، ويكلِّمه سرًّا، أو يكاتبه سرًّا، فإنْ أمكنَ أن يوصله إيَّاه، فهذا هو المطلوب وإلَّا فهناك قنوات، الإنسانُ البصير يعرفُ كيف يوصِلُ هذه النصيحة إلى الأمير بالطريق المعروف» (^٢).\nوقال أيضًا: «ونحن لا نقول لا تنكر المنكر؛ لكن لا تُهاجم ولاةَ الأمور؛ لأن هذا ما ينفع، ولاة الأمور لا ينفع فيهم المهاجمة؛ لأنَّ الشيطان يُدخل في مُخَيِّلاتهم أشياء قد لا تكون طَرأت على بالك؛ أو أنها طرأت على بالك، لأن بعض الناس الذين ينكرون المنكر، والله أعلَمُ بالنِّيات، قد يكون مقصودهم أن يتولَّوا السُّلطة، ما ندري، الله أعلم، نبرأ إلى الله من هذا الشيء، لكن أنكِر المنكَر،\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز (٨/ ٢١٠).\n(^٢) شرح بلوغ المرام (١٥/ ٤١٣).","vol":"1","page":58},{"text":"مثلًا: البنوك حرام، هل من العقل أن تُهاجِمَ الدولة، لماذا تسمح لها وهي حرام؟ أم من العقل أن تقول: يا أيها الناس احِذَروا هذه البنوك، لا تُعاملوها، اهُجُروها، قاطِعوها، أيُّهما أنفع للمجتمع؟ .. الثاني أنفع للمجتمع.\nالأغاني مثلًا في الإذاعات وغير الإذاعات موجودة، هل من الحكمة أن تُهاجم وزارة الإعلام، تقول: فعلت وتركت، وما أشبه ذلك؟ أو أن تقول: يا أيها الناس، احذَروا هذه المعازفَ فإنها حرام، ولا يغرَّنكم انتهاكُ الناس لها ولا كثرة استعمالها، ولا كثرة بثِّها في الإذاعات، فإنَّ هذا يوجبُ تحليلَ ما حرَّم الله، وتحذِّرهم وتبيِّنُ لهم الأدلة الدالة على المنع، أيُّهما أنفع للناس؟ لا شكَّ أنه الثاني، وأنا لست أقولُ في هذا اسكتوا عن الجهات المسؤولة.\nناصحوها، إمَّا بطريقٍ مباشر، أو غير مباشر، فإنْ حصلَ الهدى فهو للجميع، وإن لم يحصل فأنت سَلِمْت، وبرئتْ ذمَّتك، ومن زعم أننا نريد بذلك أننا نريد أن يبقى المنكر منكرًا ويُسكَتَ عنه فهذا ليس بصحيح» (^١).\n_________\n(^١) مقتطف من شرحه الصوتي لكتاب الصيام من الكافي (الشريط الثاني: الوجه الثاني).","vol":"1","page":59},{"text":"التأصيل التاسع\nطرق تنصيب الأئمة\nلتولي الولاية والحكم في الإسلام طريقتان:\nالأولى: الاختيار.\nالثانية: القهر والغلبة.\nأما الطريقة الأولى: التولي بالاختيار، وهو قسمان:\nالقسم الأول: العهد؛ بأن يعهدَ الحاكم لمن بعده.\nالقسم الثاني: اختيار أهل الحلِّ والعقد؛ بأن يختاروا مَنْ يرونه مناسبًا للحكم والولاية.\nوقد دلَّ على هذه الطريقة - بقسمَيها - فعلُ رسول الله -ﷺ- وأبي بكر وعمر ابن الخطاب -﵄- وإجماعُ أهل العلم.\nقال عبد الله بن عمر -﵄-: «قيل لعمر بن الخطاب: ألا تستخلف؟ قال: إن أستخلف فقد استخلَفَ مَنْ هو خيرٌ مني أبو بكر، وإن أتركْ فقد تركَ مَنْ هو خيرٌ مني رسول الله -ﷺ-» (^١).\nقال أبو العباس القرطبي المالكي: «وقد حصل من هذا الحديث: أنَّ نصبَ الإمام لابدَّ منه، وأنَّ لنصبه طريقين: أحدهما: اجتهاد أهل الحلِّ والعقد، والآخر: النَّصُّ؛ إمَّا على واحدٍ بعينهِ، وإمَّا على جماعةٍ بأعيانها، ويفوَّضُ التخييرُ إليهم في\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢١٨)، ومسلم (٥٦٧).","vol":"1","page":60},{"text":"تعيين واحدٍ منهم، وهذا مما أجمعَ عليه السَّلفُ الصالح، ولا مبالاة بخلافِ أهل البدع في بعض هذه المسائل، فإنهم مسبوقون بإجماع السلف، وأيضًا: فإنهم لا يُعتدُّ بخلافهم على ما تقدَّم» (^١).\nوقال الماوردي الشافعي: «وأما انعقاد الإمامة بعهدٍ من قبله فهو مما انعقد الإجماعُ على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته لأمرين عملَ المسلمون بهما ولم يتناكروهما؛ أحدهما: أنَّ أبا بكر -﵁- عَهِدَ بها إلى عمر، فأثبتَ المسلمون إمامته بعهده، والثاني: أنَّ عمر -﵁- عهدَ بها إلى أهل الشورى، فقَبلت الجماعةُ دخولَهم فيها - وهم أعيان العصر - اعتقادًا لصحة العهد بها وخرج باقي الصحابة منها، وقال علي للعباس رضوان الله عليهما حين عاتبه على الدخول في الشورى كان أمرًا عظيما من أمور الإسلام لم أر لنفسي الخروج منه، فصار العهد بها إجماعًا في انعقاد الإمامة» (^٢).\nوقال النووي: «وأجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادها بعقد أهل الحلِّ والعقد لإنسانٍ إذا لم يستخلف الخليفة، وأجمعوا على جواز جعل الخليفة الأمر شورى بين جماعة، كما فعل عمر بالسِّتة» (^٣).\nوقال أبو زرعة العراقي: «وقد انعقد الإجماع على أنَّ الخليفة يجوز له الاستخلافُ وتركُه، وعلى انعقاد الخلافة بالاستخلاف وعلى انعقادها بعقد أهل الحلِّ والعقد لإنسانٍ إذا لم يستخلفْهُ الخليفة، وعلى جوازِ جعلِ الخليفة الأمرَ شورى بين جماعةٍ\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٤/ ١٥).\n(^٢) الأحكام السلطانية (ص: ٣٠).\n(^٣) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٢٠٥).","vol":"1","page":61},{"text":"كما فعل عمر -﵁- بالستة» (^١).\nوقال ابن حجر: «وقال النووي وغيره أجمعوا على انعقاد الخلافة بالاستخلاف، وعلى انعقادِها بعقد أهل الحلِّ والعقد» (^٢).\nتنبيهان:\nالتنبيه الأول: المراد بطريقة الاختيار اختيارُ أهل الحلِّ والعقد لا عموم الناس:\nقال ابن نجيم الحنفي: «وتنعقد بيعة أهل الحلِّ والعقد من العلماء المجتهدين والرؤساء لما عرف» (^٣).\nوقال الدسوقي المالكي: «لأن العلماء هم أهلُ الحلِّ والعقد» (^٤).\nوتقدَّم نقل كلام أبي العباس القرطبي والماوردي والنووي وابن حجر وأبي زرعة العراقي (^٥).\nوقال أبو يعلى: «فأمّا انعقادُها باختيار أهل الحل والعقد فلا تنعقد إلَّا بجمهور أهل الحلِّ والعقد، قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: «الإمام الذي يَجتمع قولُ أهل الحلِّ والعقد عليه كلّهم»، يقول: هذا إمامٌ، وظاهرُ هذا أنها تنعقد\n_________\n(^١) طرح التثريب (٨/ ٧٤).\n(^٢) فتح الباري (١٣/ ٢٠٨)، وبنحوه قال العيني في عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٢٤/ ٢٧٩)، والشوكاني في نيل الأوطار (٦/ ٦٢).\n(^٣) البحر الرائق (٦/ ٢٩٩).\n(^٤) حاشيته على الشرح الكبير (٤/ ٣٤٨).\n(^٥) تقدم ص: (٦٠ - ٦٢).","vol":"1","page":62},{"text":"بجماعتهم» (^١).\nوقال ابن مفلح الحفيد الحنبلي: «ولا بد من بيعة أهل الحلِّ والعقد من العلماء ووجوه الناس» (^٢).\nوقال الحجاوي الحنبلي: «نصبُ الإمام الأعظم فرضُ كفاية، ويثبتُ بإجماع المسلمين عليه؛ كإمامة أبي بكر من بيعة أهل الحلِّ والعقد من العلماء ووجوه الناس» (^٣).\nالتنبيه الثاني: المراد بأهل الحل والعقد هم العلماء والرؤساء وسائر وجوه الناس:\nقال ابن نجيم - وهو حنفي -: «وتنعقد بيعة أهل الحل والعقد من العلماء المجتهدين والرؤساء لما عرف» (^٤).\nوقال الدسوقي المالكي في مناسبة أخرى: «لأنَّ العلماء هم أهل الحل والعقد» (^٥).\nوقال النووي: «والسادس وهو الأصحُّ أنَّ المعتبرَ بيعة أهل الحلِّ والعقد من العلماء والرؤساء وسائر وجوه الناس الذين يتيسَّر حضورُهم، ولا يُشترط اتفاقُ أهل الحلِّ والعقد في سائر البلاد والأصقاع، بل إذا وصَلَهم خبر أهل البلاد البعيدة لزِمَهُم الموافقة والمتابعة، وعلى هذا لا يتعيَّن للاعتبار عددٌ بل لا يُعتبر العدد حتى لو تعلَّق الحلُّ والعقد بواحدٍ مطاع كفَتْ بيعتُه لانعقادِ الإمامة» (^٦).\n_________\n(^١) الأحكام السلطانية (ص: ٢٣).\n(^٢) المبدع في شرح المقنع (٨/ ١٤٦).\n(^٣) الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (٤/ ٢٩٢).\n(^٤) البحر الرائق (٦/ ٢٩٩).\n(^٥) حاشيته على الشرح الكبير (٤/ ٣٤٨).\n(^٦) روضة الطالبين (١٠/ ٤٣).","vol":"1","page":63},{"text":"وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الإمامة عندهم تثبتُ بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إمامًا حتى يوافقه أهل الشوكة عليها الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة، فإنَّ المقصود من الإمامة إنما يحصل بالقدرة والسلطان، فإذا بويع بيعة حصلت بها القدرة والسلطان صار إمامًا» (^١).\nوقال ابن مفلح الحفيد الحنبلي: «ولا بد من بيعة أهل الحلِّ والعقد من العلماء ووجوه الناس» (^٢).\nوقال الحجاوي الحنبلي: «نصب الإمام الأعظم فرضُ كفاية ويثبتُ بإجماعِ المسلمين عليه كإمامة أبي بكر من بيعة أهل الحلِّ والعقد من العلماء ووجوه الناس» (^٣).\nوقال الشيخ ابن عثيمين -﵀-: «فتحصل الإمامة بأمور:\nأولًا: بالنصِّ عليه، أي: بأن ينصَّ عليه الإمام الذي قبله، وهذا هو العهد كما حصل من أبي بكر لعمر -﵄-.\nثانيا: باجتماع أهل الحلِّ والعقد عليه، يعني وجَهاء البلاد، وشرفاء البلاد، وأعيان البلاد، يجتمعون على هذا الرجل المعين، وينصبونه إمامًا» (^٤).\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (١/ ٥٢٧).\n(^٢) المبدع (٨/ ١٤٦).\n(^٣) الإقناع في فقه الإمام أحمد بن حنبل (٤/ ٢٩٢).\n(^٤) الشرح الممتع (١٤/ ٣٩٦).","vol":"1","page":64},{"text":"أما الطريقة الثانية: القهر والغلبة:\nوهو أخذ الحكم والولاية بالقوة، فمَن فعلَ ذلك واستتبَّ له الأمر فهو حاكمٌ شرعي؛ له الحقوقُ التي للحاكم الذي أخذها بالاختيار ولا فرقَ بينهما، ويدلُّ على ذلك ما يلي:\nالدليل الأول:\nكل ما تقدَّم من النصوص والإجماعات في الأمر بالسمع والطاعة للحاكم المسلم، والصبر على أذاه وظلمه، فلم يشترط أن يكون أخذَ الحكمَ بالاختيار دون القهر والغلبة، فهي عامة تشملُ حتى مَنْ أخذها بالقهر والغلبة، ومن أراد إخراج ولايةِ مَنْ أخذَها بالقهر والغلبة من عموم الأدلة السابقة، فيلزمهُ الدليل المخصوص، فإذا لم يوجد دليل المخصوص - وهو كذلك - دخلت هذه الصورة في العموم.\nالدليل الثاني: آثار الصحابة:\nقال عبد الله بن دينار: «شهدت ابن عمر حيث اجتمع الناس على عبد الملك، كتب إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين على سُنة الله وسُنة رسوله ما استطعت، وإنَّ بَنيَّ قد أقرُّوا بمثل ذلك» (^١).\nوعن زيد بن أسلم أنَّ ابن عمر كان في زمان الفتنة لا يأتي أمير إلَّا صلَّى خلفَهُ، وأدَّى إليه زكاة ماله (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٠٣).\n(^٢) أخرجه ابن سعد (٤/ ١١١)، وصححه الألباني في الإرواء (٢/ ٣٠٤).","vol":"1","page":65},{"text":"وعن سيف المازني قال: «كان ابن عمر يقول: لا أقاتلُ في الفتنة، وأصليِّ وراءَ مَنْ غلَب» (^١).\nوصلَّى ابن عمر خلف الحجاج، وكان متغلبًا نائبًا لعبد الملك بن مروان، بل إنه حجَّ معه، وقد خطبَ الحجاج بعرفة وصلى بالناس، فعن سالم بن عبد الله:\n«إنَّ عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج أن يأتم بعبد الله بن عمر في الحج، فلما كان يوم عرفة جاء ابن عمر -﵄-، وأنا معه حين زاغَتِ الشمسُ أو زالت، فصاحَ عند فسطاطه أين هذا؟ فخرج إليه فقال ابن عمر: الرواح، فقال: الآن؟ قال: نعم، قال: أنظِرني أفيض عليَّ ماء، فنزل ابن عمر -﵄- حتى خرج، فسار بيني وبين أبي، فقلت: إن كنت تريد أن تصيب السنة اليوم، فاقصر الخطبة، وعجِّل الوقوف، فقال ابن عمر: صدق» (^٢).\nتنبيه:\nيلبّس كثير من أهل الباطل، فيزعم أنَّ الانتخابات التي تحصل في الدول المسمَّاة بالديمقراطية هي صورة من صور الولاية بالاختيار.\nوهذا غير صحيح؛ لأن الاختيار الشرعي راجع إلى أهل الحل والعقد لا عامة المسلمين، وفي الدول الديمقراطية يرجع إلى عامة الشعب سُنِّيهم وبدعيِّهم\n_________\n(^١) أخرجه ابن سعد (٤/ ١١١)، الإسناد إلى سيف المازني صحيح كما قاله الألباني في الإرواء (٢/ ٣٠٤)، وأما سيف: فهو مجهولٌ جهالة حال لكن يُصحَّحُ الأثر لأنَّ معناه صحيح بالشاهد السابق واللاحق، وقد احتجَّ به الإمام أحمد كما في الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص: ٢٣) مما يدل على ثبوته عنده.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٦٦٣).","vol":"1","page":66},{"text":"ومسلمِهم وكافرِهم، فهو رجوعٌ إلى الكثرة لا إلى الأعلم والأفهَم والأوجَه الذين هم أهلُ الحلِّ والعقد.\nواستدلَّ هؤلاء بأن عمر لما جعل الأمر في الستة انحصر الأمر في اثنين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، فأخذ عبد الرحمن بن عوف يسأل الناس في المدينة، ثم قال: «ما رأيتهم يعدلونَ بعثمان أحدًا» فبايع عثمان.\nقال المسور بن مخرمة وهو يحكي قصة بيعة عثمان بن عفان -﵁-: فلما اجتمعوا تشهَّد عبد الرحمن، ثم قال: أما بعد؛ يا عليُّ إني قد نظرت في أمر الناس، فلم أرَهُم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا، فقال: أبايعك على سنة الله ورسوله، والخليفتين من بعده، فبايعه عبدالرحمن، وبايعه الناس المهاجرون والأنصار، وأمراء الأجناد والمسلمون (^١).\nوجه الشاهد عندهم أنه قدَّم عثمان على علي بأن رأى الناس لا يقدِّمون على عثمان أحدًا؛ فأرجع الأمر إلى الناس.\nوهذا الأثر حجَّة عليهم لا لهم من أوجه:\nالوجه الأول: أن عمرَ جعلَ الأمر في ستة، وهذا يخالف مبدأ الديمقراطية؛ لأنه يكون في الناس كلِّهم لا ستة.\nالوجه الثاني: أن عبد الرحمن بن عوف -﵁- وأرضاه لم يسأل الشعب كلَّهم، بل سألَ أهل المدينة ومَن جاء فيها من الأجناد والجيش، وعلى مبدأ الديمقراطية يرجع إلى جميع الشعب - كما تقدم -.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٢٠٧).","vol":"1","page":67},{"text":"الوجه الثالث: أن عبد الرحمن بن عوف لم يسأل الناس ابتداءً، وإنَّما لما احتاج للترجيح بينهما، وعلى مبدأ الديمقراطية يسأل الناس ابتداء.\nالوجه الرابع: أن عبد الرحمن بن عوف لم يجعل قرار الشعب مُلزِمًا له بل هو الذي اختاره ورجَّح به، وعلى مبدأ الديمقراطية ما اختاره الشعب مُلزِمٌ للحاكم.\nالدليل الثالث: الإجماع:\nأجمع أهلُ السُّنة على صحَّة إمامة المتغلِّب، ودونكَ بعض من حكى الإجماع:\n١ - الإمام أحمد، قال: «ومَن خرَج على إمامٍ من أئمة المسلمين، وقد كانوا اجتمعوا عليه، وأقرُّوا بالخلافة بأيِّ وجهٍ كان بالرضا أو الغلبة = فقد شقَّ هذا الخارجُ عصا المسلمين، وخالفَ الآثارَ عن رسول الله -ﷺ-: «فإنْ ماتَ الخارج عليه مات ميتة جاهلية»، ولا يحلُّ قتال السلطان، ولا الخروجُ عليه لأحدٍ من الناس، فمَن فعلَ ذلك فهو مبتدعٌ على غيرِ السنة» (^١).\n٢ - الإمام علي بن المديني، قال: «السنة اللازمة التي مَنْ تركَ منها خصلةً لم يقلها أو يؤمن بها لم يكن من أهلها»، ثم قال: «ومَن خرجَ على إمامٍ من أئمة المسلمين، وقد اجتمعَ عليه الناس، فأقرُّوا له بالخلافة بأيِّ وجهٍ كانت برضا كانت أو بغلبة = فقد شقَّ هذا الخارج عليه العصا وخالفَ الآثار عن رسول الله -ﷺ-؛ فإن مات الخارجُ عليه مات ميتةً جاهلية، ولا يحلُّ قتال السلطان ولا الخروجُ عليه لأحدٍ من الناس فمَن عملَ ذلك فهو مبتدعٌ على غير السنة» (^٢).\n_________\n(^١) أصول السنة (ص: ٤٥)، الأصل فيما يذكر في كتب العقائد أنها مسائل مجمَعٌ عليها، والعلماء المؤلِّفون في العقائد يشيرون لهذا لا سيما أنهم يبدِّعون المخالف.\n(^٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٨٥).","vol":"1","page":68},{"text":"٣ - ابن بطال، قال: «أهلُ السُّنة مُجمعون على أنَّ المتغلب يقوم مقامَ الإمام العدلِ فى إقامة الحدود وجهاد العدو، وإقامةِ الجمعات والأعياد وإنكاح مَنْ لا ولي لها» (^١).\n٤ - ابن حجر، نقل كلام ابن بطَّال وأقرَّه فقال: «قال ابن بطال في الحديث حجَّة في ترك الخروج على السلطان ولو جار، وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلِّب والجهاد معه، وأنَّ طاعته خيرٌ من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقنِ الدماء وتسكينِ الدَّهماء» (^٢).\n٥ - ابن قدامة، قال في اللمعة: «السمع والطاعة لأئمة المسلمين وأمراء المؤمنين - بَرِّهم وفاجرِهم - ما لم يأمروا بمعصية الله، فإنه لا طاعة لأحدٍ في معصية الله، ومَن وليَ الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به، أو غلبَهُم بسيفهِ حتى صار الخليفة، وسُمِّي أميرَ المؤمنين = وجبتْ طاعته وحَرُمَتْ مخالفتهُ والخروجُ عليه وشَقُّ عصا المسلمين» (^٣).\n٦ - قال ابن أبي زيد القيرواني: «والسمع والطاعة لأئمة المسلمين وكلِّ مَنْ وليَ أمرَ المسلمين عن رضا أو عن غلبة، واشتدت وطأته من بَرٍّ أو فاجر، فلا يُخرَجُ عليه، جارَ أو عدَل»، ثم قال: «وكلُّ ما قدَّمنا ذكرهُ فهو قولُ أهلِ السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيناه، وكلُّه قولُ مالكٍ؛ فمنهُ منصوصٌ من قوله، ومنه معلومٌ من مذهبه» (^٤).\n_________\n(^١) شرحه على صحيح البخاري (١/ ١٢٥).\n(^٢) فتح الباري (١٣/ ٧).\n(^٣) لمعة الاعتقاد (ص: ٤٠)، فهو يقرر في اللمعة اعتقادَ السلف المجمَع عليه والذي ما عداه بدعة وضلالة.\n(^٤) الجامع (ص: ١١٦).","vol":"1","page":69},{"text":"٧ - الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، قال في الدرر السنية: «الأئمة مُجمعون من كلِّ مذهب، على أنَّ من تغلَّب على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا» (^١).\n٨ - قال الشيخ العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن آل الشيخ: «وأهل العلم مع هذه الحوادث متَّفقون على طاعة مَنْ تغلَّب عليهم في المعروف، يرون نفوذَ أحكامه وصحَّة إمامته؛ لا يختلفُ في ذلك اثنان، ويرونَ المنعَ من الخروج عليهم بالسيف، وتفريقِ الأمة، وإن كان الأئمة ظلَمةً فَسقة، ما لم يروا كفرًا بواحًا؛ ونصوصُهم في ذلك موجودة عن الأئمة الأربعة وغيرهم، وأمثالهم ونظرائهم» (^٢).\nوقد نصَّ على هذا جمعٌ من الأئمة أيضًا كالإمام مالك، قال الشاطبي: «وما قرَّرهُ هو أصلُ مذهب مالك، قيل ليحيى بن يحيى: البيعة مكروهة؟ قال: لا، قيل له: فإن كانوا أئمة جَور؟ فقال: قد بايعَ ابنُ عمر لعبد الملك بن مروان، وبالسيف أخذَ المُلك، أخبرني بذلك مالكٌ عنه أنه كتبَ إليه وأمرَ له بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنة نبيه، قال يحيى: والبيعة خيرٌ من الفرقة» (^٣).\nوقال الشافعي: «كلُّ مَنْ غَلبَ على الخلافة بالسيف حتى يُسمَّى خليفة، ويجتمعَ الناسُ عليه = فهو خليفة» (^٤).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فمتى صار قادرًا على سياستهم بطاعتهم أو بقهره، فهو ذو سلطانٍ مُطاع …» (^٥).\n_________\n(^١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٩/ ٥).\n(^٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٩/ ٢٩).\n(^٣) الاعتصام (٣/ ٣٣).\n(^٤) آداب الشافعي ومناقبه للإمام ابن أبي حاتم (ص: ٢٢٢).\n(^٥) منهاج السنة النبوية (١/ ٥٢٩).","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-38>الفصل الثاني\nكشف شبهات\nتثار في أصل الإمامة </span>والولاية","vol":"1","page":71},{"text":"كشف شبهات\nتثار في أصل الإمامة والولاية\nأثار كثيرٌ من أهل الباطل كثيرًا من الشُّبهات على أصلِ الإمامة عند أهل السنة والجماعة، لأسبابٍ وأغراض متعدِّدة، وتابعهُم بعضُ الجهَلة اغترارًا بحُسن دعواهم وباطلهم، قال الله سبحانه: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ١١٢].\nلاسيما وقد أظهر كثير من هؤلاء باطلَهم باسم الحرية والحقوق، فخدعوا العامة من الناس، وما علموا أن حقيقة هذه الحرية والحقوق المدَّعاة إفسادٌ للدنيا وهلاكٌ للدين، فإنَّ الشريعة ما شَرعت السمعَ والطاعة للإمام والسلطان إلَّا لمصالح العباد، فهي تدفع المفسدة الكبرى بالمفسدة الصغرى.\nقال ابن عبدالبر: «لأن في منازعته والخروج عليه استبدالَ الأمن بالخوف، ولأنَّ ذلك يحمل على هِراقِ الدماء وشَنِّ الغارات والفساد في الأرض، وذلك أعظَمُ من الصبر على جَورهِ وفسقه، والأصولُ تشهد، والعقلُ والدينُ أنَّ أعظم المكروهَين أَولاهما بالترك» (^١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرونَ الخروجَ على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم؛ كما دلَّت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي -ﷺ-؛ لأن الفساد في القتال\n_________\n(^١) التمهيد (٢٣/ ٢٧٩).","vol":"1","page":73},{"text":"والفتنة أعظَمُ من الفساد الحاصل بظُلمهم بدون قتالٍ ولا فتنةٍ؛ فيدفع أعظَمُ الفسادين بالتزام أدناهما، ولعلَّه لا يكاد يُعرف طائفة خرجت على ذي سلطان، إلَّا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظَمُ من الفساد الذي أزالته، والله تعالى لم يأمر بقتال كلِّ ظالمٍ وكلِّ باغٍ كيفما كان، ولا أمرَ بقتالِ الباغين ابتداء» (^١).\nوقال الإمام ابن القيم: «فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكَرُ منه وأبغَضُ إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغُ إنكاره؛ وان كان الله يبغضه ويمقُتُ أهله، وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم؛ فإنه أساسُ كلِّ شرٍّ وفتنةٍ إلى آخر الدهر» (^٢).\nوبعد هذا سأذكر ما وقفتُ عليه من شبهات تُذكَر في أصل السَّمع والطاعة، وأُجيبُ عليها - بحول الله وقوته -، وليس ترتيب هذه الشبهات مقصودًا، بل أذكُرها ثم كشْفَها بحسب ما اتفق لي.\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٣/ ٣٩١).\n(^٢) إعلام الموقعين (٣/ ١٢).","vol":"1","page":74},{"text":"كشف شبهات\nفيما يسمع ويطاع فيه للحاكم\nالشبهة الأولى:\nأنه لا سمع ولا طاعة للحاكم إلَّا في المعروف، والمعروف ما كان واجبًا ومستحبًّا، أو عُرف أنه محمود ومطلوب من أمور الدنيا استدلالًا بحديث «إنما الطاعة في المعروف» (^١)، وما عدا هذا المعروف لا يُسمع ولا يطاع له.\nوكشفُ هذه الشبهة - بحول الله وقوته - ببيان أنَّ المعروف ما ليس محرَّمًا ومعصيةً، ويتبيَّن هذا بوجوه:\nالوجه الأول: أنَّ الأدلة يفسِّر بعضُها بعضًا، وقد بيَّنتِ الأدلة وجوبَ السمع والطاعة، ولم تستثن إلَّا المعصية، والاستثناء معيار العموم، فدلَّ هذا على أنَّ السمع والطاعة في كل شيء إلَّا المستثنى، ومن ذلك قول عبد الله بن عمر -﵁- أنَّ النبي -ﷺ- قال: «على المرء المسلم السمعُ والطاعةُ فيما أحبَّ وكرهَ إلَّا أن يُؤمَر بمعصيةِ الله؛ فإنْ أُمر بمعصية الله فلا سمعَ ولا طاعة» (^٢)، هذا الحديث يدلُّ على أنه يُسمع له في كلِّ شيء إلَّا ما حرَّم الله، وهذا هو المعروف المراد في حديث علي ابن أبي طالب -﵁- المتقدم.\nالوجه الثاني: مناسبة الحديث تدلُّ على أنَّ الذي لا يُطاع فيه الأمير هو ما كان في معصية الله، لأنَّ النبي -ﷺ- ذكر هذا الكلام لأناس أرسلَهم وجعلَ لهم\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٣٤٠)، ومسلم (١٨٤٠) من حديث علي -﵁-.\n(^٢) أخرجه البخاري (٧١٤٤)، ومسلم (١٨٣٩).","vol":"1","page":75},{"text":"أميرًا، فأمرهم الأمير بمعصية، فقال النبي -ﷺ-: «إنَّما الطاعة في المعروف».\nقال علي -﵁-: «إنَّ النبي -ﷺ- بعثَ جيشًا، وأمَّرَ عليهم رجلًا فأوقدَ نارًا، وقال: «اُدخلُوها»، فأرادوا أن يدخلوها، وقال آخرون: إنَّما فررنا منها، فذكروا للنبي -ﷺ-، فقال للذين أرادوا أن يدخلوها: «لو دخلوها لم يزالوا فيها إلى يوم القيامة»، وقال للآخرين: «لا طاعةَ في معصية، إنَّما الطاعة في المعروف» (^١).\nالوجه الثالث: سياق الحديث جعلَ المقابل للمعروف المعصية، فدلَّ هذا على أنَّ كلَّ ما ليس معصية فهو معروف فقال: «لا طاعة في معصية الله إنما الطاعة في المعروف»، وقد نصَّ العيني وأبو العباس القرطبي أن المراد بالمعروف ما ليس معصية.\nقال العيني: «قوله: «إنما الطاعة في المعروف» يعني تجبُ الطاعة في المعروف لا في المعصية وقد مرَّ» (^٢).\nوقال القرطبي: «قوله: «إنّما الطاعة في المعروف»؛ إنّما هذه للتحقيق والحصر؛ فكأنَّهُ قال: لا تكون الطّاعة إلا في المعروف، ويعنى بالمعروف هنا: ما ليس بمنكَرٍ، ولا معصية، فتدخلُ فيه الطاعات الواجبة، والمندوب إليها، والأمور الجائزة شرعًا» (^٣).\nوقال ابن عبدالبر: «وكلُّ إمام يقيم الجمعة والعيد، ويجاهدُ العدو ويقيم الحدود على أهل العداء، وينصفُ الناس من مظالمهم بعضهم لبعض، وتسكن له الدَّهماء وتأمَنُ به السُّبل = فواجبٌ طاعته في كلِّ ما يأمر به من الصلاح أو من المباح» (^٤).\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص: ٧٥).\n(^٢) عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٢٤/ ٢٢٥).\n(^٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٤/ ٤١).\n(^٤) التمهيد (٢٣/ ٢٧٩).","vol":"1","page":76},{"text":"وقال المباركفوري: «قوله: «السمع» الأولى الأمر بإجابة أقوالهم «والطاعة» لأوامرهم وأفعالهم «على المرء المسلم»: أي حقٌّ وواجب عليه، «فيما أحبَّ وكَرِهَ»: أي فيما وافقَ غرَضَهُ أو خالَفه، «ما لم يؤمر»: أي المسلم من قبل الامام، «بمعصية»: أي بمعصية الله، «فإن أُمِرَ»: بضمِّ الهمزة، «فلا سمعَ عليه ولا طاعة»: تجبُ؛ بل يحرُم إذْ لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق، وفيه أنَّ الامام إذا أمر بمندوبٍ أو مباحٍ وجَب» (^١).\nالوجه الرابع: إنه لو قيل إنَّ المراد بالمعروف الواجب والمستحب، وما عُرِفَ أنه معروف من أمور الدنيا؛ لَما كان لولي الأمر مزية على غيره، وهذا يخالفُ الأدلة الخاصة الآمرة بالسمع والطاعة له.\nالوجه الخامس: أن كتب الاعتقاد ذكرت السمعَ والطاعة للحاكم، ولم تستثنِ إلَّا المعصية كما تقدَّم نقلُ كلامهم، فدل هذا على أنه عامٌّ في كل ما ليس معصية، وهذا يعدُّ إجماعًا من أهل السنة.\nوقال شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين -﵀- في تفسير سورة النساء عند قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾: «إنَّ طاعة ولاة الأمور واجبة، حتى وإن لم يأمر الله بذلك الشيء المعين الذي أمروا به، وهنا لا بد من التقسيم فنقول: ما أمر به ولاة الأمور على ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: ما أمر الله به.\nالقسم الثاني: ما نهى الله عنه.\nالقسم الثالث: ما لم يرِدْ به أمرٌ ولا نهي.\n_________\n(^١) تحفة الأحوذي (٥/ ٢٩٨).","vol":"1","page":77},{"text":"ثم قال: وأما القسم الثالث، أن يأمر ولاة الأمور بما لم يتعلَّق به أمر ولا نهي، فهنا معترك القول، فالمتمردون على ولاة الأمور يقولون: لا سمع ولا طاعة، هاتِ دليلًا على أنَّ هذا واجب، والمؤمنون يقولون: سمعًا وطاعة؛ لأننا لو لم نُطِعْهُم إلَّا في أمرٍ وردَ فيه الشرع بعينهِ لكانت الطاعة ليست لهم، بل للأمر الشرعي، فمثلًا لو قال إنسان: أنا لا أخضع للتنظيم، فلو سدَّ المرور هذا الطريق وقال للناس: سيروا في الجهة الأخرى، فقال: أنا لا أخضع لهذا الأمر، ثم جاء ليجادل ويقول: أين الدليل؟ هل قال الله تعالى: إذا قال لك المرور: لا تمش في هذا الخطِّ فلا تمش؟\nالجواب: لم يقل، لكن على سبيل العموم، قال الله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾؛ فيجب أن تمتثل، فإذا قال: ليس في هذا مصلحة، فلماذا أمتثل؟ قلنا: لو جعلنا المصلحة مربوطةً برأي كلِّ واحد من الناس ما عملنا بمصلحةٍ قط؛ لأنَّ أهواء الناس متباينة مختلفة، فالرأي لوليِّ الأمر قبل كلِّ شيء، فإذا كان عندك رأي ترى فيه مصلحةً، وجب عليك - من باب النصيحة - أن ترفعه لولي الأمر، وتقول: نحن نمتثل أمركَ سمعًا وطاعةً لله -﷿- قبل كل شيء، ولكن نرى أنَّ المصلحة في كذا كذا، وحينئذ تكون ناصحًا لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (^١).\nالشبهة الثانية:\nأن المراد من تحكيم أفراد أحكام الله من قطع يد السارق ورجم الزاني المحصن وهكذا … العدلُ؛ فمتى ما وجد العدلُ وجِدَ حكمُ الله، ولسنا ملزمين\n_________\n(^١) تفسير سورة النساء (١/ ٤٥١)، وله كلام نحوه في شرح رياض الصالحين (٢/ ٢٧٨).","vol":"1","page":78},{"text":"أن نُحكِّم أفراد أحكام الله ويدل لذلك ما يلي:\n١ - أن الأحكام الشرعية شُرعت بالتدرُّج ولم تُشرع مرة واحدة.\n٢ - أنَّ عمر بن الخطاب -﵁- تركَ بعضَ الأحكام كقطع يد السارق في المجاعة، وتركَ سهمَ المؤلَّفةِ قلوبهم من الزكاة لمَّا قوِيَ الإسلام.\n٣ - أنَّ الله أمرَ اليهود أن يحكِّموا التوراة لأن المراد العدل لا ذات أفراد حكم الله، قال تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣].\nوكشف هذه الشبهة من أوجه ستة:\nالوجه الأول: أنه حيث كان شرعُ الله كان العدلُ لأنه لا حُكمَ أحسَنُ من حكمهِ ولا عدلَ أكملُ من عدلهِ.\nقال تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].\nالوجه الثاني: أن الله أمرنا بتحكيم شرعه المنزَّل في كتابه، وشرعهُ المنزَّل هو تفاصيلُ الأحكام فقال:\n﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].\nثم قال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩ - ٥٠].\nالوجه الثالث: أن الله جعل المحكِّم لغير كتابه كافرًا.","vol":"1","page":79},{"text":"قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].\nالوجه الرابع: أنه لا يتنافى مع تحكيم الشريعة وجعله أصلًا أن يُتركَ بعضُ شرعِ الله لعارض؛ كقطع يد السارق لضرورة عرضت له؛ وهذه شبهةٌ يُدرأ بالحد، أو ترك سهمِ المؤلَّفة قلوبهم في الزكاة؛ لقوَّة الإسلام وعدم الحاجة لذلك. كما نقل فعل هذا عن عمر.\nالوجه الخامس: إرادة تحكيم الشريعة لا ينافي التدريج في تطبيقها وتهيئة الناس لها؛ بأن يعلموا أن تحكيم الشريعة دينُ الله وأنه خيرٌ لهم.\nالوجه السادس: ليس المراد بقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣] أن تحكيم التوراة كافٍ، لأنَّ المراد العدل كما قال؛ بل المراد ذمُّهم لتركِ تحكيم التوراة في رجم الزاني مع عِلْمهم أنه موجود عندهم في كتابهم وهو حكمُ الله عندهم.\nقال ابن الجوزي: «قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ﴾ قال المفسرون: هذا تعجيبٌ من الله -﷿- لنبيِّه من تحكيم اليهود إيَّاه بعد عِلْمهم بما في التوراة من حكم ما تحاكموا إليه فيه، وتقريعٌ لليهود إذ يتحاكمون إلى من يجحدون نبوته، ويتركون حكمَ التوراة التي يعتقدون صحَّتها.\nقوله تعالى: ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾، فيه قولان: أحدهما: حكم الله بالرجم، وفيه تحاكموا، قاله الحسن، والثاني: حكمه بالقَود، وفيه تحاكموا، قاله قتادة.\nقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ فيه قولان: أحدهما: من بعد حكم الله في التوراة، والثاني: من بعد تحكيمك» (^١).\n_________\n(^١) زاد المسير في علم التفسير (١/ ٥٥٠).","vol":"1","page":80},{"text":"وقال ابن كثير في تفسيره: «ثم قال تعالى منكِرًا عليهم في آرائهم الفاسدة ومقاصدِهم الزائغة، في تركهِم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدًا، ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره، مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدَم لزومه لهم فقال:\n﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: ٤٣].\nثم مدحَ التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران، فقال:\n﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: ٤٤]؛ أي: لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾؛ أي: وكذلك الربانيون منهم - وهم العباد العلماء - والأحبار - وهم العلماء - ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾؛ أي: بما استودعوا من كتاب الله الذي أُمروا أن يُظهِروه ويعملوا به ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾؛ أي: لا تخافوا منهم وخافوني».\nويؤكد هذا أنَّ التوراة حُرِّفت فكيف يُزعَم أنَّ ما فيها بعد التحريف هو عدل.\nوبعد هذا يتبين أن القول بأن التحكيم بالعدل المزعوم - ولو خالف شرعَ الله - هو شرعُ الله = قولٌ باطلٌ لا دليل عليه، ثم الزعم بأنَّ الديمقراطية عدلٌ = هو زعمٌ باطل؛ لأنها قائمة على تحكيم الأكثرية، ويترتبُ على هذا ضياعُ حقِّ الأقلية وإهدارُ قدراتِ الأكفياء؛ لأنَّ العبرة بالأكثر لا بالأميَز؛ ففي دول الديمقراطية يسودُ التجار والأكثر قبلية واتباعًا بحسب حال كلِّ دولة.","vol":"1","page":81},{"text":"شبهات في حال الحاكم\nالشبهة الثالثة:\nأنه جاء في حديث تقييد السمع والطاعة لمن قاد بكتاب الله، ففي صحيح مسلم قالت أم الحصين: قال: رسول الله -ﷺ-: «إنْ أُمِّرَ عليكم عبدٌ مجدَّع يقودكُم بكتاب الله، فاسمَعوا له وأطيعوا» (^١).\nفمفهومُ هذا الحديث: أنه إذا لم يَقُدِ الناس بكتاب الله وبتحكيم الشريعة فلا يُسمع ولا يطاع له.\nوالجواب على هذه الشبهة أن يقال: إنَّ قائل هذه الشبهة له حالان:\nالحال الأولى:\nأنه لا يكفِّر بالحكم بغير ما أنزل الله وإنما يقول هو مسلم لكن لا يُسمَع ولا يطاع له؛ لدلالة هذا الحديث، والجواب على هذا من أوجه:\nالوجه الأول: على فرض دلالة الحديث على عدم السمعِ والطاعة لمن لم يحكمُ بكتاب الله؛ فإنَّ دلالته على عدمِ طاعة مَنْ لم يحكُم بكتاب الله دلالة مفهوم، وهذا المفهوم مخالف لمنطوقاتٍ كثيرة في السمع والطاعة للحاكم العاصي في غير معصية الله، والمنطوقُ عند التعارض مقدَّمٌ على المفهوم عند أهل العلم.\nالوجه الثاني: إنَّ قوله: «ما قادوكم بكتاب الله» قد يُراد به ما جوَّزهُ شرع الله، ويُقابله ما هو محرَّمٌ مما لم يجوِّزهُ شرعُ الله؛ فلا يُطاع الحاكم في معصية الله، وهذا مثل حديث عائشة في قصة بريرة قال النبي -ﷺ-: «ما كان من شرطٍ ليس في\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٢٩٨).","vol":"1","page":82},{"text":"كتابِ الله فهو باطل» (^١).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما إذا كان المشروط مما لم يحرِّمه الله، فلم يخالف كتابَ الله وشرطه، حتى يقال: كتابُ الله أحقُّ، وشرطُ الله أوثق، فيكون المعنى: مَنْ اشترطَ أمرًا ليس في حكم الله ولا في كتابه، بواسطةٍ وبغير واسطة = فهو باطل؛ لأنه لا بد أن يكون المشروطُ مما يباح فِعلُه بدون الشرط، حتى يصحَّ اشتراطه ويجب بالشرط، ولمَّا لم يكن في كتاب الله أنَّ الولاء لغير المعتق أبدًا كان هذا المشروط - وهو ثبوت الولاء لغير المعتق - شرطًا ليس في كتاب الله» (^٢).\nوقال الإمام ابن القيم: «فالصواب الضابط الشرعيُّ الذي دلَّ عليه النصُّ أنَّ كلَّ شرطٍ خالفَ حكمَ الله وكتابه فهو باطل، وما لم يخالفهُ حكمهُ فهو لازم» (^٣).\nوقد فَهِمَ الحديثَ بمعنى عدم طاعة الحاكم في معصية الله الأثرم (^٤) والسنديُ فقال: «وفي قوله: «يقودكُم بكتاب الله» إشارة إلى أنه لا طاعةَ له فيما يُخالف حكمَ الله تعالى» (^٥).\nالوجه الثالث: إن قوله: «يقودكم بكتاب الله» خرجَ مخرجَ الغالب؛ وما خرجَ مخرجَ الغالب فلا مفهومَ له (^٦)، فإنَّ الغالبَ على حكَّام المسلمين قرونًا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٤٥٦)، ومسلم (١٥٠٤).\n(^٢) القواعد النورانية (ص: ٢٨٤).\n(^٣) إعلام الموقعين (٣/ ٣٠٢).\n(^٤) ناسخ الحديث ومنسوخه (٣/ ٣٠٢).\n(^٥) حاشية السندي على سنن النسائي (ص: ٢٥٢).\n(^٦) قال الآمدي في كتابه الإحكام في أصول الأحكام (٣/ ١٠٠): اتفق القائلون بالمفهوم على أنَّ كلَّ خطاب خصَّصَ محلَّ النطق بالذكر لخروجه مخرجَ الأعمِّ بالأغلب = لا مفهوم له. اهـ، ونقل المرداوي كلام الآمدي فقال: «قال الآمدي: ولا خرج مخرج الغالب اتفاقًا». التحبير شرح التحرير (٦/ ٢٨٩٥).","vol":"1","page":83},{"text":"طويلة من بعثةِ رسول الله إلى القرن السابق أنهم يحكمونَ بكتاب الله، فلم يُترك الحكم بكتاب الله من أكثر الحكَّام إلَّا هذين القرنين.\nالحال الثانية:\nأنه يكفِّر بالحكم بغير من أنزل الله. فهذا استدلالُه بالحديث اعتضادًا لا اعتمادًا؛ لأنه تقرَّر عنده أنَّ عدم تحكيم الشرع - بلا اعتقاد - كفرٌ أكبر بأدلة توهَّمها، فيُردُّ عليه ببيان عدم صحة هذا المذهب، وأنه مخالف لما أجمع عليه أهل السنة، كما حكاه غير واحد من أهل العلم كالشيخ عبد العزيز ابن باز والألباني رحمهما الله.\nقال العلامة ابن باز -﵀-: «أمَّا مَنْ حكم بغير ما أنزل الله لهوًى أو لحظٍّ عاجل وهو يعلَمُ أنه عاصٍ لله ولرسوله وأنه فعلَ منكرًا عظيمًا وأن الواجب عليه الحكم بشرع الله = فإنه لا يكفر بذلك الكفرَ الأكبر لكنه قد أتى منكَرًا عظيمًا ومعصيةً كبيرةً وكفرًا أصغر كما قال ذلك ابن عباس ومجاهد وغيرهما من أهل العلم، وقد ارتكبَ بذلك كفرًا دون كفر وظلمًا دون ظلم وفسقًا دون فسق؛ وليس هو الكفر الأكبر؛ وهذا قول أهل السنة والجماعة» (^١).\nوسئل شيخنا العلامة عبدالعزيز بن باز: «هل الشيخ محمد بن إبراهيم -﵀- يرى تكفير الحكام على الإطلاق؟».\nالجواب: «يرى تكفير من استحلَّ الحكم بغير ما أنزل الله؛ فإنه يكون بذلك كافرًا».\nهذه أقوال أهل العلم جميعًا: «من استحلَّ الحكمَ بغير ما أنزل الله كفَر، أمَّا\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز (٥/ ٣٥٥).","vol":"1","page":84},{"text":"مَنْ فعلَهُ لشُبهةٍ أو لأسبابٍ أخرى لا يستحلُّه، يكونُ كفرًا دون كفر» (^١).\nوقرر هذا الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز -﵀- في شريط الدمعة البازية فيمن يضع القوانين الوضعية بدل الحكم الشرعي.\nولسماحة الشيخ عبد العزيز بن باز مقال قال فيه: «اطلعت على الجواب المفيد القيِّم الذي تفضَّل به صاحب الفضيلة الشيخ محمد ناصر الدين الألباني\n- وفَّقه الله - المنشور في جريدة (الشرق الأوسط) وصحيفة (المسلمون) الذي أجاب به فضيلته من سأله عن تكفير مَنْ حكمَ بغير ما أنزل الله من غير تفصيل، فألفَيتُها كلمةً قيِّمة قد أصاب فيها الحق، وسلك فيها سبيلَ المؤمنين، وأوضحَ\n- وفَّقه الله - أنه لا يجوزُ لأحدٍ من الناس أن يكفِّر مَنْ حكم بغير ما أنزل الله بمجرَّد الفعل من دون أن يعلم أنه استحلَّ ذلك بقلبه، واحتجَّ بما جاء في ذلك عن ابن عباس -﵄- وغيره من سلف الأمة، ولا شكَّ أنَّ ما ذكره في جوابه في تفسير قوله تعالى:\n﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].\n﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥].\n﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] = هو الصواب.\nوقد أوضحَ - وفَّقه الله - أنَّ الكفر كفران؛ أكبر وأصغر، كما أنَّ الظُّلمَ ظلمان، وهكذا الفسق فسقان أكبر وأصغر، فمن استَحلَّ الحكمَ بغير ما أنزل الله أو الزنى أو الربا أو غيرهما من المحرَّمات المجمَعِ على تحريمها فقد كفرَ كفرًا أكبر، ومن فعلها بدون استحلال كان كفره كفرًا أصغرَ وظُلمه ظلمًا أصغر،\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٧١).","vol":"1","page":85},{"text":"وهكذا فِسقُه» (^١).\nوقال العلامة ابن عثيمين: «أما فيما يتعلق بالحكم بغير ما أنزل الله: فهو كما في الكتاب العزيز ينقسم إلى ثلاثة أقسام: كفر، وظلم، وفسق؛ على حسب الأسباب التي بُنيَ عليها هذا الحكم، فإذا كان الرجل يحكم بغير ما أنزل الله تبعًا لهواه مع علمهِ بأنَّ الحق فيما قضى الله به: فهذا لا يكفر لكنه بين فاسقٍ وظالم، وأما إذا كان يَشْرَع حكمًا عامًّا تمشي عليه الأمة، يرى أنَّ ذلك من المصلحة، وقد لُبِّس عليه فيه: فلا يكفر أيضًا؛ لأن كثيرًا من الحكام عندهم جهلٌ في علم الشريعة، ويتَّصل بهم مَنْ لا يعرفُ الحكم الشرعي، وهم يرونه عالمًا كبيرًا فيحصلُ بذلك المخالفة، وإذا كان يعلم الشرعَ ولكنه حكَم بهذا، أو شَرَع هذا، وجعله دستورًا يمشي الناس عليه؛ يَعتقدُ أنه ظالم في ذلك، وأنَّ الحقَّ فيما جاء به الكتاب والسنة: فإننا لا نستطيع أن نكفِّر هذا، وإنما نكفِّر: من يرى أنَّ حكمَ غير الله أولى أن يكون الناسُ عليه، أو مثلُ حكم الله -﷿- = فإن هذا كافر» (^٢).\nوأخيرًا على فرض القول بصحة تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله فإنه لا يصحُّ تكفير أعيانِ الحكَّام لأمرين:\nالأمر الأول:\nإنَّ التكفير بالحكم بغير ما أنزل الله تكفيرٌ بمسألة خلافية، ومن المتقرِّر شرعًا أنه لا يصحُّ تكفيرُ الأعيان بما اختلف وتنازع فيه أهلُ العلم؛ لأنه يُعتبر تأويلًا يمنعُ تكفيرَ المعين.\n_________\n(^١) مجموع فتاوى ابن باز (٩/ ١٢٤).\n(^٢) انظر: الحكم بغير ما أنزل الله، للشيخ بندر المحياني العتيبي (ص: ١١٢).","vol":"1","page":86},{"text":"قال الإمام محمد بن عبدالوهاب: «أركانُ الإسلام خمسة، أوَّلها الشهادتان، ثم الأركان الأربعة، فالأربعة إذا أقرَّ بها وتركَها تهاونًا، فنحن وإنْ قاتلناه على فعلها، فلا نكفِّره بتركها، والعلماء اختلفوا في كفرِ التاركِ لها كسلًا من غير جحود، ولا نكفِّر إلَّا ما أجمعَ عليه العلماء كلُّهم، وهو الشهادتان» (^١).\nوقال النووي في كتابه (رياض الصالحين) في تفسير (بواحًا): «أي ظاهرًا لا يحتملُ تأويلًا».\nوتنازُعُ أهل العلم تأويلٌ يمنع التكفير؛ لأنَّ للمكفِّر أن يأخذَ قولَ العلماء الآخرين بما أنَّ الخلاف سائغٌ بين أهل السُّنة؛ وهم من أهل السنة.\nوقد نصَّ على أن الكفر لا يكون في المتنازَع فيه الشيخ محمد بن صالح العثيمين في مواضع من اللقاء المفتوح.\nوقال الشيخ ابن عثيمين -﵀- في (شرح القواعد المثلى): «وكثيرٌ من الناس اليوم ممَّن ينتسبون إلى الدِّين وإلى الغيرة في دين الله -﷿- تجدهم يكفّرون من لم يكفّره الله -﷿- ورسوله، بل - مع الأسف - إنَّ بعض الناس صاروا يناقشون في ولاة أمورهم، ويحاولون أن يُطلقوا عليهم الكفر، لمجرَّد أنهم فعلوا شيئًا يعتقد هؤلاء أنه حرام، وقد يكون من المسائل الخلافية، وقد يكون هذا الحاكم معذورًا بجهله، لأنَّ الحاكم يجالسه صاحبُ الخير وصاحبُ الشَّر، ولكلِّ حاكمٍ بطانتان، إمَّا بطانة خير، وإمَّا بطانة شرّ، فبعض الحكَّام - مثلًا - يأتيه بعض أهل الخير ويقولون: هذا حرام، ولا يجوز أن تفعله، ويأتيه آخرون، ويقولون: هذا حلال ولك أن تفعله!\n_________\n(^١) الدرر السنية (١/ ١٠٢).","vol":"1","page":87},{"text":"ولنضرب مثلًا في البنوك، الآن نحن لا نشكُّ بأن البنوك واقعة في الربا الذي «لعنَ النبيُّ -ﷺ- آكلَهُ، ومُوكِلَه، وشاهدَيه، وكاتبه» (^١)، وأنه يجب إغلاقها واستبدالُ هذه المعاملات بالمعاملات الحلال، حتى يقوم أولًا دينُنا ثم اقتصادنا ثانيًا … فالتعجيلُ في تكفير الحكام المسلمين في مثل هذه الأمور خطأ عظيم، ولا بد أن نصبر، فقد يمكن أن يكون الحاكم معذورًا! فإذا قامت عليه الحجَّة وقال: نعم هذا هو الشرع، وأنَّ هذا الربا حرام، لكن أرى أنه لا يصلح هذه الأمة في الوقت الحاضر إلَّا هذا الربا! حينئذ يكون كافرًا لأنه اعتقد أنَّ دين الله في هذا الوقت غير صالح للعصر، أما أن يشبَّه عليه ويقال: هذا حلال، يعني: الفقهاء قالوا كذا! ولأن الله قال كذا! فهذا قد يكون معذورًا، لأنَّ كثيرًا من الحكَّام المسلمين الآن يجهلون الأحكام الشرعية، أو كثيرًا من الأحكام الشرعية، فأنا ضربتُ هذا المثل حتى يتبين أن الأمر خطير، وأن التكفير يجب أن يعرف الإنسان شروطه قبل كل شيء» (^٢).\nومثله التفسيق لا يكون فيما تنازعَ فيه علماء السنة، فمن رأى أن علَّة جريان الربا في الأصناف الأربعة الطعم والكيل أو الوزن، فليس له أن يفسِّق العامي المقلِّد لعالم معتبر في التعليل بالادِّخار زيادةً على الطعم والكيل أو الوزن إذا تبادل على وجهِ الزيادة فيما هو مطعومٌ غير مدَّخر.\nومما يؤكد هذا أن الحدود تُدرأ بالشبهات، فالتكفير من باب أولى يُدرأ عن المعين بشُبهة الخلاف.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٥٩٨) من حديث جابر بن عبد الله -﵁-.\n(^٢) (ص: ٣٥٦).","vol":"1","page":88},{"text":"الأمر الثاني:\nقد يحكم الحاكم بغير ما أنزل الله مضطرًّا (^١)؛ لأنه لو حكم بما أنزل الله لقامَ عليه قومهُ بالتآمر مع دول الغرب الكافرة لا سيما إذا كانت هذه الدولة من الدول المستعمرة سابقًا.\nقال الإمام ابن تيمية: «كذلك النجاشي هو وإن كان ملكَ النصارى فلم يُطِعهُ قومهُ في الدخول في الإسلام، بل إنما دخل معه نفرٌ منهم، ولهذا لما مات لم يكن هناك من يصلي عليه، فصلَّى عليه النبي -ﷺ- بالمدينة، خرج بالمسلمين إلى المصلَّى فصفَّهم صفوفًا وصلَّى عليه، وأخبرهم بموته يوم مات، وقال: «إنَّ أخًا لكم صالحًا من أهل الحبشة مات» (^٢).\nوكثير من شرائع الإسلام أو أكثرها لم يكن دخلَ فيها لعجزهِ عن ذلك، فلم يهاجر ولم يجاهد ولا حجَّ البيت، بل قد روي أنه لم يكن يصلي الصلوات الخمس، ولا يصوم شهر رمضان، ولا يؤدي الزكاة الشرعية؛ لأن ذلك كان يظهر عند قومه فينكرونه عليه، وهو لا يمكنه مخالفتهم. ونحن نعلم قطعًا أنه لم يكن يمكنه أن يحكم بينهم بحكم القرآن.\nوالله قد فرضَ على نبيِّه بالمدينة أنه إذا جاءه أهل الكتاب لم يحكم بينهم إلَّا بما أنزل الله إليه، وحذَّره أن يفتنوه عن بعض ما أنزلَ الله إليه، وهذا مثلُ الحكم في الزنى للمحصَن بحدِّ الرجم، وفي الدِّيات بالعدل والتسوية في الدماء بين الشريف والوضيع؛ النفس بالنفس، والعين بالعين، وغير ذلك.\n_________\n(^١) هذا ليس تبريرًا للحاكم، فإنَّ الواجب على الحاكم أن يتقي الله وأن يجتهد في الحكم بما أنزل الله، وإنَّما المراد الردُّ على غلاة التكفيرالذين لايراعون ما تراعيه الشريعة.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٣٧٢)، ومسلم (٩٥١) من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"1","page":89},{"text":"والنجاشي ما كان يمكنه أن يحكم بحكم القرآن؛ فإنَّ قومه لا يقرُّونه على ذلك، وكثيرًا ما يتولَّى الرجل بين المسلمين والتتار قاضيًا؛ بل وإمامًا، وفي نفسه أمورٌ من العدل يريد أن يعمل بها، فلا يمكنه ذلك، بل هناك من يمنعه ذلك، ولا يكلِّف الله نفسًا إلَّا وسعها.\nوعمر بن عبد العزيز عُودي وأُوذي على بعض ما أقامه من العدل، وقيل: إنه سُمَّ على ذلك» (^١).\nالشبهة الرابعة:\nقرر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه لا سمع ولا طاعة للحاكم الفاسق إلَّا في الواجب والمستحب.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والإمامُ العدل تجبُ طاعته فيما لم يُعلَم أنه معصية، وغيرُ العدل تجبُ طاعته فيما عُلِمَ أنه طاعة كالجهاد» (^٢).\nوجواب هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أن ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية هذا يخالف النصوصَ المتقدمة في السمع والطاعة للحاكم مطلقًا في غير معصية الله ولو كان فاسقًا وظالمًا، بل وهذا مقتضى العموم في قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، فإن (أولي) نكرة أضيفت إلى معرفة، فأفادت العموم في كل حاكم بما أنه مسلم، سواءٌ كان فاسقًا أو عدلًا؛ وقد تقدَّم.\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٥/ ١١٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٩/ ١٩٦).","vol":"1","page":90},{"text":"ويؤكد ذلك ما في صحيح مسلم عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله -ﷺ- فقال: «يا نبيَّ الله أرأيتَ إنْ قامتْ علينا أمراء يسألونا حقَّهم ويمنعونا حقَّنا فما تأمرنا؟، فأعرضَ عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم سأله في الثانية أو في الثالثة فجَذبهُ الأشعثُ بن قيس وقال: اسمَعوا وأطيعوا فإنَّما عليهم ما حُملوا وعليكم ما حُمِّلتم» (^١).\nالوجه الثاني: أن ظاهر كلام ابن تيمية هذا يخالفُ كلامَ بقية أهل السنة في كتب العقائد في السمع والطاعة للحاكم في غير معصية الله، وقولهم مقدَّم على قوله.\nالوجه الثالث: أن ظاهر كلام شيخ الإسلام هذا يعارضُ كلامه الكثير في السمع والطاعة للحاكم الفاسق في غير معصية الله؛ فقال: ويقولون - أي أهل السنة -: «إنه يُعاوَن على البر والتقوى دون الإثم والعدوان، ويُطاع في طاعة الله دون معصيته» (^٢).\nوقال: «ولكن عليَّ أن أطيع الله ورسوله، وأطيعَ أولي الأمر إذا أمروني بطاعة الله، فإذا أمروني بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. هكذا دلَّ عليه الكتاب والسُّنة، واتفق عليه أئمة الأمة.\nقال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص: ٣٦).\n(^٢) منهاج السنة النبوية (١/ ٥٥٦).","vol":"1","page":91},{"text":"وقد ثبت في الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه قال: «لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الله، إنَّما الطاعة في المعروف» (^١)، وأن أصبر على جَور الأئمة وأن لا أخرجَ عليهم في فتنة» (^٢).\nوقال: «وتقرَّر في غير هذا الموضع ما قد أمر به -ﷺ- من طاعة الأمراء في غير معصية الله؛ ومناصحتهم والصبر عليهم في حكمهم وقسمهم» (^٣).\nوقال: «عُلِمَ أنه قتالُ فتنةٍ فلا تجبُ طاعة الإمام فيه؛ إذْ طاعتهُ إنما تجب في\nما لم يعلم المأمورُ أنه معصية بالنص» (^٤).\nالوجه الرابع: أن كلامه يُحمل على عدم طاعة الحاكم غير العدل في أخذ حقوق الناس إلا بعد التأكد أنه ليس ظلمًا، أما العدل فالأصل صدقهُ وبراءة ذمته، فيُطاع؛ وهو معنى كلامه في أوائل (السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية)؛ قال: «قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور؛ عليهم أن يؤدُّوا الأمانات إلى أهلها، وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم أن يطيعوا أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك؛ إلا أن يأمروا بمعصية الله، فإذا أمروا بمعصية الله، فلا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق» (^٥).\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص: ٧٥).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٤٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٢٠).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٤٣).\n(^٥) ص: ٦.","vol":"1","page":92},{"text":"وبعد هذه الأوجه الأربع إنْ تعلَّق رجل بكلام عالم محتمل أو صريح في الخطأ دون النصوص الشرعية وأقوال علماء السنة الآخرين، بل وأقوال العالم نفسه في مواضع أخرى = يدلُّ على أن هذا الرجل صاحب هوى.\nالشبهة الخامسة:\nأنه لا تصح البيعة لأكثر من حاكم للمسلمين بالنص والإجماع، فبهذا يتبين أن هؤلاء الحكام الموجودين اليوم ليسوا حكَّامًا شرعيين.\nقال ابن حزم: «واتفقوا أنه لا يجوز أن يكون على المسلمين في وقتٍ واحد في جميع الدنيا إمامان، لا متفقان ولا مفترقان، ولا في مكانين ولا في مكان واحد» (^١).\nوقال النووي: «واتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يُعقد لخليفتين في عصرٍ واحد، سواء اتسعت دار الإسلام أم لا، وقال إمام الحرمين في كتابه الإرشاد: قال أصحابنا: لا يجوز عقدُها لشخصين، قال: وعندي أنه لا يجوز عَقدُها لاثنين في صقع واحد وهذا مُجمَعٌ عليه.\nقال: فإنْ بعُدَ ما بين الإمامين وتخللت بينهما شسوع، فللاحتمال فيه مجال؛ قال: وهو خارج من القواطع، وحكى المازري هذا القولَ عن بعض المتأخرين من أهل الأصل، وأراد به إمامَ الحرمين، وهو قولٌ فاسد مخالفٌ لما عليه السلف والخلف، ولظواهر إطلاق الأحاديث والله أعلم» (^٢).\nوقال القرطبي: «فأما إقامة إمامين أو ثلاثةٍ في عصرٍ واحد وبلدٍ واحد =\n_________\n(^١) مراتب الإجماع (ص: ١٢٤).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٢٣٢).","vol":"1","page":93},{"text":"فلا يجوز إجماعًا؛ لما ذكرنا» (^١).\nوأصلُ ذلك ما أخرجه مسلم من حديث أبي سعيد قال النبي -ﷺ-: «إذا بُويعَ لخليفتين فاقتلوا الآخرَ منهما» (^٢).\nوكشف هذه الشبهة هو أن هذا الإجماع محمول على أحد أمرين:\nالأمر الأول: إذا كان المسلمون في ولاية واحدة، فلا يُبايع لأكثر من خليفة بخلاف إذا تعددت الولايات، فإنَّ لكل ولاية حُكمَها، وقد أشار لهذا ابن تيمية لما قال: «وأما أئمة الفقهاء فمذهبُهم أنَّ كلًّا منهما ينفُذ حكمه في أهل ولايته كما ينفُذ حكمُ الإمام الواحد.\nوأما جواز العقد لهما ابتداءً، فهذا لا يُفعل مع اتفاق الأمة، وأمَّا مع تفرقتها فلم يعقد كل من الطائفتين لإمامين» (^٣).\nالأمر الثاني: أن المراد بالحديث والإجماعات ما كان في حال الاختيار بخلاف حال الاضطرار، فتكون شبيهةً بمسألة ثبوت الولاية بالتغلب والقهر، فإنَّ الأصل أن لا تكون للمسلمين إلَّا دولةٌ واحدة؛ وتعدُّدُ الولايات والدول حالةُ اضطرارٍ لها حكمُها، وسواء كان الجواب الأول أو الثاني، فإن ثبوت الولاية للإمامين في الدولتين فأكثر درجَ عليه المسلمون من وقت الصحابة، وتقدَّم نقل كلام ابن تيمية.\nوقال الإمام محمد بن عبد الوهاب: «الأئمة مجمعون من كلِّ مذهب، على أنَّ من تغلَّب على بلد أو بلدان = له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما\n_________\n(^١) تفسير القرطبي (١/ ٢٧٣).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٨٥٣).\n(^٣) نقد مراتب الإجماع (ص: ٢٩٨).","vol":"1","page":94},{"text":"استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا، ما اجتمعوا على إمامٍ واحد، ولا يعرفون أحدًا من العلماء ذكر أن شيئًا من الأحكام، لا يصحُّ إلَّا بالإمام الأعظم» (^١).\nقال الشيخ محمد بن صالح ابن عثيمين -﵀-: «وقوله: «الإمام» هو ولي الأمر الأعلى في الدولة، ولا يشترط أن يكون إمامًا عامًّا للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت من أزمنة متطاولة، والنبي -ﷺ- قال: «اسمَعوا وأطيعوا ولو تأمَّرَ عليكم عبدٌ حبشي» (^٢)، فإذا تأمر إنسانٌ على جهةٍ ما، صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذًا، وأمره مطاعًا، ومن عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان -﵁- والأمة الإسلامية بدأت تتفرق، فابنُ الزبير في الحجاز، وبنو مروان في الشام، والمختار بن عبيد وغيره في العراق، فتفرقت الأمة، وما زال أئمة الإسلام يدينون بالولاء والطاعة لمن تأمر على ناحيتهم، وإن لم تكن له الخلافة العامة؛ وبهذا نعرف ضلالَ ناشئةٍ نشأت تقول: إنه لا إمامَ للمسلمين اليوم، فلا بيعة لأحد!! نسأل الله العافية، ولا أدري أيريد هؤلاء أن تكون الأمور فوضى ليس للناس قائد يقودهم؟! أم يريدون أن يقال: كلُّ إنسان أمير نفسه؟!\nهؤلاء إذا ماتوا من غير بيعة فإنهم يموتون ميتة جاهلية - والعياذ بالله -؛ لأن عمل المسلمين منذ أزمنة متطاولة على أن من استولى على ناحيةٍ من النواحي، وصار له الكلمة العليا فيها، فهو إمام فيها» (^٣).\n_________\n(^١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (٩/ ٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧١٤٢) من حديث أنس بن مالك -﵁-.\n(^٣) الشرح الممتع (٨/ ٩).","vol":"1","page":95},{"text":"الشبهة السادسة:\nأن السمع والطاعة والبيعة إنما تكون للحاكم العام على جميع بلاد المسلمين، أما إذا تعدَّدت الدويلات والحكام، فلا سمعَ ولا طاعة ولا بيعة. واستدلَّ بما أخرج الحاكم والطبراني عن حذيفة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «تسمَعُ للأميرِ الأعظَم وإنْ ضربَ ظهرك وأخذَ مالك» (^١).\nوكشف هذه الشبهة من ثلاث جهات (^٢):\nالجهة الأولى: أن النصوص العامة في السمع والطاعة للحاكم لم تفرِّق بين أن تكون دول المسلمين دولة واحدة أو أكثر، فبدلالة العموم يُسمع ويطاع للحكام في الولايات والدول المتعددة.\nالجهة الثانية: أنَّ على هذا أهلَ العلم كما يدلُّ عليه هديُهم العمليُّ.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية لما قال: «وأما أئمة الفقهاء فمذهبهم أنَّ كلًّا منهما ينفُذ حكمهُ في أهل ولايته كما ينفُذ حكمُ الإمام الواحد، وأما جوازُ العقد لهما ابتداءً، فهذا لا يُفعل مع اتفاق الأمة، وأما مع تفرقتها فلم يعقد كل من الطائفتين لإمامين» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم (٤/ ٥٤٧) والطبراني في الأوسط (٢٨٩٣).\n(^٢) قد كان العلامة الألباني يقرر أنه لا بيعة إلَّا للحاكم العام لكن يمنع الخروج .. الخ، وكلامهُ كاللفظي مع من يرى البيعة لعموم الحكام، ثم تراجع عن هذا تراجعًا واضحًا، وهنا توثيق تراجعه:http://www.islamancienttube.com/video/2330\n(^٣) نقد مراتب الإجماع (ص: ٢٩٨).","vol":"1","page":96},{"text":"وقال شيخنا محمد بن صالح ابن عثيمين: «وقوله: «الإمام» هو ولي الأمر الأعلى في الدولة، ولا يشترط أن يكون إمامًا عامًّا للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت من أزمنة متطاولة، والنبي -ﷺ- قال: «اسمَعوا وأطيعوا ولو تأمَّر عليكم عبد حبشي» (^١)، فإذا تأمَّر إنسان على جهةٍ ما، صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذًا، وأمره مطاعًا، ومن عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان -﵁- والأمةُ الإسلامية بدأت تتفرَّق، فابنُ الزبير في الحجاز، وبنو مروان في الشام، والمختار ابن عبيد وغيره في العراق، فتفرقت الأمة، وما زال أئمة الإسلام يدينون بالولاء والطاعة لمن تأمر على ناحيتهم، وإن لم تكن له الخلافة العامة؛ وبهذا نعرفُ ضلال ناشئةٍ نشأت تقول: إنه لا إمام للمسلمين اليوم، فلا بيعة لأحد! نسأل الله العافية، ولا أدري أيريد هؤلاء أن تكون الأمور فوضى ليس للناس قائد يقودهم؟! أم يريدون أن يقال: كلُّ إنسانٍ أميرُ نفسه؟!\nهؤلاء إذا ماتوا من غير بيعة فإنهم يموتون ميتة جاهلية - والعياذ بالله -؛ لأنَّ عمل المسلمين منذ أزمنة متطاولة على أنَّ من استولى على ناحيةٍ من النواحي، وصار له الكلمة العليا فيها، فهو إمامٌ فيها» (^٢).\nالجهة الثالثة: ضَعفُ الحديث الذي فيه (للأمير الأعظم) لأمرين:\nالأول: أنَّ في إسناده سلام بن أبي سلام؛ مجهول جهالة حال، قال ابن حجر: «مجهول» (^٣)، وقال الذهبي: «ليس بحجة» (^٤).\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص: ٩٥).\n(^٢) الشرح الممتع (٨/ ٩).\n(^٣) تقريب التهذيب (٢٧٠٦).\n(^٤) الكاشف (٢٢٠٨).","vol":"1","page":97},{"text":"الثاني: أنَّ أصل الحديث في صحيح مسلم من رواية الثقات بدون هذه الزيادة، مما يدلُّ على ضعف هذه الزيادة.\nالجهة الرابعة: أنه لو صحَّ الحديث فهو محمولٌ على الأمير الأعظم في الدولة نفسها؛ لأن لكلِّ دولةٍ من الدول المتعددة أمراء وأميرًا عامًّا عليهم.\nالشبهة السابعة:\nحاول ابن حزم في كتابه (الفصل) أن يرد أحاديثَ الصبر على جور الحاكم الفاسق وعدمِ الخروج عليه فقال:\n«كلُّ هذا لا حجَّة لهم فيه لما قد تقصَّيناه غاية التقصِّي خبرًا خبرًا بأسانيدها ومعانيها في كتابنا الموسوم بـ (الاتصال إلى فهم معرفة الخصال)، ونذكر منه - إن شاء الله - هاهنا جملًا كافية وبالله تعالى نتأيَّد؛ أمَّا أمرهُ -ﷺ- بالصبر على أخذ المال وضرب الظهر، فإنما ذلك بلا شك إذا تولَّى الإمام ذلك بحقٍّ، وهذا ما لا شكَّ فيه أنه فرض علينا الصبر له، وإن امتنع من ذلك، بل من ضرب رقبته إن وجب عليه، فهو فاسق عاص لله تعالى، وإمَّا إن كان ذلك بباطلٍ فمعاذ الله أن يأمر رسول الله -ﷺ- بالصبر على ذلك؛ برهانُ هذا قول الله -﷿-:\n﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].\nوقد علمنا أن كلام رسول الله -ﷺ- لا يخالفُ كلام ربِّه تعالى، قال الله -﷿-:\n﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣ - ٤].\nوقال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]، فصحَّ أن كلَّ ما قاله رسول الله -ﷺ- فهو وحيٌ من عند الله -﷿-، ولا اختلافَ فيه ولا تعارض ولا تناقض، فإذا كان هذا كذلك فيقينٌ لا شك فيه يدري كلُّ مسلم","vol":"1","page":98},{"text":"أنَّ أخذَ مال مسلم أو ذميٍّ بغير حقٍّ، وضربَ ظهرهِ بغير حقٍّ إثمٌ وعدوانٌ وحرام، قال رسول الله -ﷺ-: «إنَّ دماءكم وأموالَكُم وأعراضَكم حرامٌ عليكم» (^١)، فإذْ لا شكَّ في هذا، ولا اختلافَ من أحد من المسلمين، فالمسلم مالُه للأخذ ظلمًا وظهرهُ للضَّرب ظلمًا، وهو يقدر على الامتناع من ذلك بأيِّ وجهٍ أمكَنه معاونٌ لظالمه على الإثم والعدوان، وهذا حرامٌ بنصِّ القرآن، ثم قال: وأما الأحاديث فقد صحَّ عن رسول الله -ﷺ-: «مَنْ رأى منكم منكرا فليغيِّرهُ بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلكَ أضعفُ الإيمان، ليس وراء ذلك من الإيمان شيء» (^٢).\nوصح عن رسول الله -ﷺ-: «لا طاعةَ في معصيةٍ؛ إنَّما الطاعة في المعروف» (^٣)، «وعلى أحدكم السَّمع والطاعة ما لم يُؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصيةٍ فلا سمعَ ولا طاعة» (^٤)، وإنه -﵇- قال: «مَنْ قُتل دون مالهِ فهو شهيد، والمقتول دون دينه شهيد، والمقتول دون مظلمة شهيد»، وقال -﵇-: «لتأمرُنَّ بالمعروف ولتنهَوُنَّ عن المنكر، أو ليعُمنَّكُم الله بعذاب من عنده».\nفكان ظاهر هذه الأخبار معارضًا للآخر، فصحَّ أنَّ إحدى هاتين الجملتين ناسخة للأخرى لا يمكن غير ذلك، فوجبَ النظر في أيِّهما هو الناسخ، فوجدنا تلك الأحاديث التي منها النهيُ عن القتال موافقةً لمعهود الأصل، ولما كانت الحال فيه في أول الإسلام بلا شك، وكانت هذه الأحاديث الأُخر واردةً بشريعة\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٦٧)، ومسلم (١٦٧٩) من حديث أبي بكرة -﵁-.\n(^٢) سبق تخريجه (ص: ٥٧).\n(^٣) سبق تخريجه (ص: ٧٥).\n(^٤) سبق تخريجه (ص: ٧٥).","vol":"1","page":99},{"text":"زائدةٍ وهي القتال هذا ما لا شكَّ فيه = فقد صحَّ نسخُ معنى تلك الحاديث ورفعُ حكمها حين نطقهِ -﵇- بهذه الأُخَر بلا شك، فمن المحال المحرَّم أن يؤخذَ بالمنسوخ ويتركَ الناسخ، وأن يؤخذَ الشكُّ ويُترك اليقين.\nومَن ادَّعى أن هذه الأخبار بعد أن كانت هي الناسخة فعادت منسوخة، فقد ادَّعى الباطل وقَفا ما لا علمَ له به، فقال على الله ما لم يعلم. وهذا لا يحلُّ ولو كان هذا لما أخلا الله -﷿- هذا الحكمَ عن دليلٍ وبرهان يبيِّن به رجوعَ المنسوخ ناسخًا؛ لقوله تعالى في القرآن: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾.\nوبرهانٌ آخر وهو أنَّ الله -﷿- قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ﴾ [الحجرات: ٩]، لم يختلف مسلمان في أن هذه الآية التي فيها فرضُ قتالِ الفئة الباغية مُحكَمةٌ غير منسوخة، فصحَّ أنها الحاكمة في تلك الأحاديث، فما كان موافقًا لهذه الآية فهو الناسخ الثابت، وما كان مخالفًا لها فهو المنسوخ المرفوع، وقد ادَّعى قومٌ أن هذه الآية وهذه الأحاديث في اللصوص دون السلطان.\nقال أبو محمد: «وهذا باطلٌ متيقَّن لأنه قولٌ بلا برهان، وما يعجز مدَّعٍ أن يدَّعي في تلك الأحاديث أنها في قومٍ دون قوم، وفي زمانٍ دون زمان، والدَّعوى دون برهان لا تصحُّ، وتخصيصُ النصوص بالدعوى لا يجوز؛ لأنه قولٌ على الله تعالى بلا علم، وقد جاء عن رسول الله -ﷺ- أنَّ سائلًا سأله عَنْ مَنْ طلبَ ماله بغير حقٍّ فقال -﵇-: «لا تُعطِه»، قال: فإنْ قاتلَني؟ قال: «قاتِلْه»، فإنْ قتلتُه؟ قال: «إلى النار»، قال: فإنْ قتَلنَي؟ قال: «فأنت في الجنة» (^١)، أو كلامًا هذا معناه،\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٤٠) من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"1","page":100},{"text":"وصحَّ عنه -﵇- أنه قال: «المسلمُ أخو المسلم لا يسلبهُ ولا يظلمه» (^١).\nوقد صحَّ أنه -﵇- قال في الزكاة: «مَنْ سألهَا على وجهها فلْيُعطَها، ومَن سألَها على غير وجهها فلا يُعطَها» (^٢)، وهذا خبر ثابت رويناه من طريق الثقات عن أنس بن مالك عن أبي بكر الصديق عن رسول الله -ﷺ-، وهذا يُبطلُ تأويلَ من تأوَّل أحاديثَ القتال عن المال على اللصوص لا يطلبون الزكاة، وإنما يطلبه السلطان، فاقتصر -﵇- معها إذا سألَها على غير ما أمرَ به -﵇-، ولو اجتمع أهلُ الحقِّ ما قاومهم أهلُ الباطل؛ نسأل الله المعونة والتوفيق» (^٣).\nإنَّ ملخص كلامه وحُجَجه ما يلي:\nالأول: أن الله يقول: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]، قال: «والسماحُ له بأخذ المال وضَربِ الظهر تعاونٌ على الإثم والعدوان».\nالثاني: استدلَّ بعموم الأدلة في أمورٍ؛ منها وجوبُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال: يجبُ أن يُنكَر على الحاكم ظُلمه.\nالثالث: استدلَّ بأنه لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق وقال: إنَّ عدم إنكار المنكر طاعةٌ له في ترك واجب، وهو إنكار المنكر، وإنَّ عدمَ منعهِ من الضرب بغير حقٍّ، وأخذَ المال بغير حقٍّ = من طاعته في معصية الله؛ لأن الواجب منعه.\nالرابع: تمسَّك بالنسخ فقال إنَّ الأدلة الناهية عن قتاله والخروج عليه منسوخة بمثل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠) من حديث عبد الله بن عمر -﵄-.\n(^٢) أخرجه البخاري (١٤٥٤) من حديث أنس -﵁-.\n(^٣) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ١٣٣).","vol":"1","page":101},{"text":"الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ ونحوها.\nوكشفُ المغالطات في كلام ابن حزم بما يلي:\nأما المغالطة الأولى والثانية؛ وهي الاستدلال بالأدلة في إنكار المنكر وعدم التعاون على الإثم والعدوان، فيقال: الجوابُ عليها من أوجه:\nالوجه الأول: أنها أدلة عامة؛ والأدلة في الصَّبر على جَور الحاكم خاصة، والخاصُّ مقدَّم على العام.\nالوجه الثاني: أنه لو قدّر عدم تخصيصها فإنه يتعينُ عدمُ العمل بها؛ لأن إنكار المنكر إذا ترتَّب عليه منكَرٌ أكبر وجبَ تركُه، وتركُ السمع والطاعة يترتَّب عليه منكر أكبرُ كما تقدَّم نقلُه عن أهل العلم، ودلَّت عليه الحوادثُ والوقائع.\nالوجه الثالث: أنَّ أهل السنة مجمعون على السمع والطاعة للحاكم المسلم والصبر على جَوره، والإجماعُ قطعي الدلالة لا يخصَّصُ ولا يُنسخ (^١).\n_________\n(^١) قال الغزالي في المستصفى (ص: ٢٤٥): «الثالث: دليل الإجماع، ويخصَّصُ به العام، لأنَّ الإجماعَ قاطعٌ لا يمكن الخطأ فيه، والعامُّ يتطرق إليه الاحتمال، ولا تقضي الأمة في بعض مسمَّيات العموم بخلاف موجب العموم إلَّا عن قاطعٍ بلَغَهُم في نسخ اللفظ الذي كان قد أريد به العموم، أو في عدم دخوله تحت الإرادة عند ذكر العموم والإجماعُ أقوى من النصِّ الخاص، لأنَّ النصَّ الخاص محتملٌ نسخه، والإجماعُ لا يُنسَخ، فإنه إنما ينعقد بعد انقطاعِ الوحي» اهـ.\nوقال ابن قدامة في روضة الناظر (٢/ ٦٢): «فإنَّ الإجماع قاطعٌ، والعام يتطرقُ إليه الاحتمال؛ وإجماعُهم على الحكم في بعض صور العام على خلاف موجب العموم لا يكون إلَّا عن دليلٍ قاطعٍ بلَغَهُم في نسخِ اللفظ إن كان أُريد به العموم، أو عدم دخوله تحت الإرادة عند ذكر العموم» اهـ.","vol":"1","page":102},{"text":"الوجه الرابع: كلام الصحابة كثيرٌ في الصَّبر على جَور الحاكم المسلم؛ كعمر ابن الخطاب وأبي مسعود وابن مسعود وابن عباس وغيرهم - وقد تقدَّم - وفهمُ الصحابة مقدَّمٌ على فهم مَنْ بعدهم.\nأما المغالطة الثالثة؛ فكَشفُها يتضح بكشف الشبهتين السابقتين ويُزاد عليهما بأن يقال: لا تجوز طاعة المخلوق في معصية الخالق سواء كان حاكمًا أو محكومًا، لكنْ فرقٌ بين فعل المعصية التي يطلبها السلطان، وبين فعل السلطان المعصية في غيره بأن يضربَ ويأخذ المال بغير حق.\nقال ابن المنذر: «وهذا يقول عوام أهل العلم إنَّ للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله وأهله، إذا أُريد ظلمًا، للأخبار التي جاءت عن رسول الله -ﷺ-، لم تخصَّ وقتًا دون وقت، ولا حالًا دون حال؟ إلَّا السلطان، فإنَّ جماعةَ أهل الحديث كالمجمعين على أنَّ من لم يمكنه أن يمنعَ نفسه وماله إلَّا بالخروج على السلطان ومحاربته: أنه لا يحاربه، ولا يخرج عليه، للأخبار الدالة عن رسول الله -ﷺ- التي فيها الأمرُ بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم، وترك قتالهم، والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة» (^١)، وقد نقل كلامَ ابن المنذر هذا الحافظُ ابن حجر، وأقرَّه (^٢).\nأما المغالطة الرابعة؛ وهو ادعاؤه النسخ فيقال من المتقرِّر أصوليًّا أنه لا يُصار إلى النسخ إلَّا بشرطين:\nالشرط الأول: عدم إمكان الجمع.\n_________\n(^١) الإشراف على مذاهب العلماء (٧/ ٢٤٨).\n(^٢) فتح الباري (٥/ ١٢٤).","vol":"1","page":103},{"text":"والشرط الثاني: معرفة المتقدِّم من المتأخر (^١).\nوكلا هذين الشرطين غيرُ موجودٍ في ما ادَّعاه ابن حزم؛ فليس هناك ما يدلُّ على تأخُّر ما ذكَرهُ من أدلة؛ ثم الجمعُ ممكنٌ وهو بما تقدَّم ذِكرهُ من أن الخاصَّ مقدَّم على العام.\nوالقول بالنسخ لا يُعرف إلَّا عن ابن حزم، ولم أر أحدًا سبقه إليه.\nالشبهة الثامنة:\n«أنه يُخرج على الحاكم إذا حكمَ بغير ما أنزل الله، أو استعان بالكفار وهكذا …».\nوكشف هذه الشبهة اختصارًا أن يقال:\nإنَّ التكفير بمثل هذه الأمور - ما عدا الحكم بغير ما أنزل الله - تكفيرٌ بمسائل فيها خلاف بين أهل العلم، ومن القواعد المتقررة أنَّ اختلاف أهل العلم في التكفير بأمر = تأويلٌ يمنع تكفير المعين - وقد تقدَّم نقلُ كلام أهل العلم في هذا -.\nومما يؤكد هذا أنَّ الحدود تُدرأ بالشبهات، فالتكفير من باب أولى يُدرأ عن المعين بشبهة الخلاف، والله أعلم.\nمع التنبه إلى أنَّ التكفير بالحكم بغير ما أنزل الله لمجرَّد الحكم لم يقُلْ به إلَّا\n_________\n(^١) انظر: المسودة في أصول الفقه (ص: ١٤٢)، والورقات (ص: ٢٣)، وشرح تنقيح الفصول (ص: ٢٩٣).","vol":"1","page":104},{"text":"الخوارج؛ وهو خلافُ قول أهل السنة كما تقدم من كلام الإمام ابن باز (^١).\nالشبهة التاسعة:\nأن الذي أمر الله بطاعته (أولو الأمر)؛ ولفظُ (أولو) لا مفردَ له؛ فليس مفرده (ولي الأمر)، بل هذا لا يُعرف في اللغة، لذا يكون السمع والطاعة لجماعةٍ لا لفرد؛ وهم أهلُ الشورى أو المجلس التشريعي وهكذا …\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أنَّ هذا مخالف للأدلة الشرعية الكثيرة التي علَّقت السمع والطاعة للحاكم المفرد، كحديث عوف بن مالك: «ألَا مَنْ وليَ عليه والٍ، فرآهُ يأتي شيئًا من معصيةِ الله، فليكْرَه ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعنَّ يدًا من طاعة» (^٢).\nوحديث عن أنس بن مالك -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «اسمَعوا وأطيعوا، وإن استُعمِلَ عليكم عبدٌ حبشي، كأنَّ رأسَهُ زبيبة» (^٣).\nالوجه الثاني: أنه مخالف لإجماعات أهل السنة، وعقيدتهم التي علَّقت الأمرَ برجلٍ واحد. وتقدَّم نقله (^٤).\nالوجه الثالث: أن المراد (بأولي الأمر) العلماء والأمراء، وهؤلاء جماعة وليسوا واحدًا.\n_________\n(^١) وقد فصَّلتُ مسألة عدم الكفر بترك الحكم بما أنزل الله في كتابي «تبديد كواشف العنيد»، وكتابي «البرهان المنير في دحض شبهات أهل التكفير والتفجير».\n(^٢) سبق تخريجه (ص: ٣٦).\n(^٣) سبق تخريجه (ص: ٩٥).\n(^٤) تقدم (ص: ٣٩).","vol":"1","page":105},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «و(أولو الأمر) أصحابُ الأمر وذووه، وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشتركُ فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام، فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء، والأمراء» (^١).\nوالتعبير بلفظ (ولي الأمر) وإن لم يكن معروفًا في اللغة إلَّا أنَّ العلماء عبَّروا به؛ ولا مُشاحة في الاصطلاح.\nقال النووي: «وفي مراجعة عائشة جوازُ مراجعة ولي الأمر على سبيل العرضِ والمشاورة والإشارة بما يظهرُ أنه مصلحة، وتكون تلك المراجعة بعبارة لطيفة، ومثلُ هذه المراجعة مراجعة عمر -﵁-» (^٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «كما يطلب الطالبُ من ولي الأمر أن يرسلَ رسولًا، أو يولي نائبًا، أو يعطي أحدًا» (^٣).\nوقال أيضًا: «لأن نصرَ المسلم واجبٌ على كلِّ مسلم بيده ولسانه، فكيف على ولي الأمر» (^٤).\nالشبهة العاشرة:\nلا تُقر البيعة إلا لمن اجتمع عليه الناس كلُّهم، فإنه لما سئل الإمام أحمد عن حديث «مَنْ ماتَ وليس لهُ إمامٌ مات ميتةً جاهلية»، ما معناه؟ قال أبو عبدالله: «تدري ما الإمام؟ الإمامُ الذي يُجمع المسلمون عليه؛ كلُّهم يقول: هذا إمام،\n_________\n(^١) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص: ٥٣).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (٤/ ١٤٠).\n(^٣) الجواب الصحيح (٥/ ٣١٧).\n(^٤) الصارم المسلول (١/ ٤٤٣).","vol":"1","page":106},{"text":"فهذا معناه» (^١).\nفعلى هذا لا بيعة لهؤلاء الحكام؛ لأنه لم يجتمع الناس كلهم عليهم.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: تقدم تقرير جواز البيعة للحكام إذا تعدَّدت الدول (^٢)، فلو قُدِّر أن كلام الإمام أحمد على خلاف هذا لرُدَّ كلامه، فإنَّ العبرة بالحجَّة والدليل. كيف وكلامه ليس كذلك قطعًا وحاشاه أن يتبنَّى ما يخالفُ معتقد أهل السنة وهو إمامٌ في السنة.\nالوجه الثاني: تقدَّم كلامُ الإمام أحمد في صحَّة البيعة للحاكم حتى للمتغلب (^٣)، وأنَّ من خالفَ في ذلك فهو مبتدع، ويدخل في كلامه أهلُ زمانه، ومن المعلوم أنَّ ولايات المسلمين في زمانه متعدِّدة فلم يجتمعوا على حاكمٍ واحد.\nقال -﵀-: «ومَن خرجَ على إمام من أئمة المسلمين، وقد كانوا اجتمعوا عليه، وأقرُّوا بالخلافة بأي وجهٍ كان بالرضا أو الغلبة = فقد شقَّ هذا الخارجُ عصا المسلمين وخالفَ الآثار عن رسول الله -ﷺ-، فإنْ ماتَ الخارجُ عليه مات ميتةً جاهلية، ولا يحلُّ قتالُ السلطان، ولا الخروجُ عليه لأحدٍ من الناس، فمَن فعلَ ذلك فهو مبتدع على غير السنة» (^٤).\n_________\n(^١) السنة لأبي بكر بن الخلال (١/ ٨٠).\n(^٢) تقدم (ص: ٩٤).\n(^٣) تقدم (ص: ٣٩).\n(^٤) أصول السنة (ص: ٤٥)، وأؤكد أنَّ الأصل فيما يُذكر في كتب العقائد أنها مسائل مجمَعٌ عليها، والعلماء المؤلفون في العقائد يشيرون لهذا لا سيما أنهم يبدِّعون المخالف.","vol":"1","page":107},{"text":"ويؤيد ذلك أن الإمام أحمد تكلَّم في الحسن بن صالح بن حي - كما سيأتي (^١) - لأنه رأى السيف مع أنَّ الحكام ذاك الزمن متعدِّدون، فلم يجتمع المسلمون كلُّهم على حاكم واحد.\nالوجه الثالث: أنه يريد بهذا - والله أعلم - الردَّ على البيعات السِّرية لتولِّي الحكم، فلو اجتمع قومٌ وجعلوا لهم حاكمًا فلا يعدُّ حاكمًا بهذه البيعة، ويدل لذلك أنَّ الإمام أحمد أثبتَ البيعة لمن غلَب، بل وحكى الإجماعَ عليها - كما تقدَّم - (^٢).\nقال أبو يعلى: «وقد أومَأَ أحمد إلى إبطال الإمامة بذلك في رواية أبي الحارث: في الإمام يخرجُ عليه مَنْ يطلب الملك فيفتتن الناس، فيكون مع هذا قومٌ ومع هذا قومٌ؛ مع من تكون الجمعة؟ قال: مع من غلب.\nوظاهرُ هذا أن الثاني إذا قهر الأول وغلَبهُ زالت إمامةُ الأول، لأنه قال: الجمعة مع مَنْ غلب. فاعتبر الغلبة» (^٣).\nالوجه الرابع: أنه قد يُراد بكلام الإمام أحمد بيانُ بماذا تنعقد البيعة، وأنها لا ترجع إلى عددٍ معين من أهل الحلِّ والعقد، بل ترجعُ إلى جميعهم، قال الماوردي: «فأما انعقادُها باختيار أهل الحلِّ والعقد، فقد اختلف العلماء في عدد مَنْ تنعقدُ به الإمامة منهم على مذاهبَ شتَّى، فقالت طائفة: لا تنعقد إلَّا بجمهور أهل العقد والحلِّ من كلِّ بلد؛ ليكون الرِّضاءُ به عامًّا، والتسليمُ لإمامته إجماعًا، وهذا مذهبٌ مدفوعٌ ببيعة أبي بكر -﵁- على الخلافة باختيار مَنْ حضرها ولم ينتظر ببيعته\n_________\n(^١) ص: ١٧٧.\n(^٢) تقدم (ص: ٣٩، ٦٨).\n(^٣) الأحكام السلطانية (ص: ٢٢).","vol":"1","page":108},{"text":"قدوم غائبٍ عنها.\nوقالت طائفة أخرى: أقلُّ مَنْ تنعقدُ به منهم الإمامة خمسةٌ يجتمعون على عَقدها، أو يعقِدُها أحدُهم برضا الأربعة» (^١).\nوقال أبو يعلى: «فأمّا انعقادها باختيار أهل الحلِّ والعقد فلا تنعقد إلَّا بجمهور أهل الحلِّ والعقد. قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم: «الإمامُ الذي يجتمع قول أهل الحلِّ والعقد عليه كلُّهم»، يقول: هذا إمام، وظاهر هذا أنها تنعقد بجماعتهم. وروي عنه ما دلَّ على أنها تثبت بالقهر والغلبة، ولا تفتقر إلى العقد» (^٢).\nالشبهة الحادية عشرة:\nأن العلماء ذكروا شروطًا مُجمَعًا عليها للحاكم والسلطان، فمن لم توجد فيه هذه الشروط فلا ولاية له.\nوكشفُ هذه الشبهة أن يقال: إنه يرجع إلى هذه الشروط عند الاختيار، أما عند الغلبة والقهر، فلا يُرجع إلى هذه الشروط بما أنه مسلم بالإجماع كما تقدم (^٣).\nالشبهة الثانية عشرة:\nأنه لا يشترط أن تكون الإمامة في قريش وأن الأحاديث إنما ذَكرت القرشية إخبارًا لا حُكمًا شرعيًا يرادُ منه حصرُ الولاية في قريش.\n_________\n(^١) الأحكام السلطانية (ص: ٢٢).\n(^٢) الأحكام السلطانية (ص: ٢٣).\n(^٣) تقدم (ص: ٦٥).","vol":"1","page":109},{"text":"وكشف هذه الشبهة بطريقتين:\nالطريقة الأولى: ثبت بالأدلة أنَّ الحكم والولاية في قريش من أوجه:\nالوجه الأول: الذي قرر أن الأئمة في قريش هو رسول الله -ﷺ-.\nقال معاوية -﵁- قال رسول الله -ﷺ-: «إنَّ هذا الأمرَ في قريش لا يُعاديهم أحد، إلا كبَّهُ الله على وجهه، ما أقاموا الدين» (^١).\nوقال عبد الله بن عمر -﵄- قال رسول الله -ﷺ-: «لا يزالُ هذا الأمرُ في قريشٍ ما بقي منهم اثنان» (^٢).\nوقال أبو هريرة قال رسول الله -ﷺ-: «الناسُ تبَعٌ لقريشٍ في هذا الشأن، مسلمهُم تبَعٌ لمسلمهِم، وكافرُهم تبعٌ لكافرِهم» (^٣).\nالوجه الثاني: أنَّ كتب الاعتقاد ذكرت أن الأئمة من قريش؛ فهي عقيدة مجمَعٌ عليها عند أهل السنة خلافًا لبعض أهل البدعة.\nقال حرب الكرماني وهو يحكي عقيدة السلف: «والخلافة في قريش ما بقيَ من الناس اثنان، ليس لأحدٍ من الناس أن ينازعَهُم فيها، ولا يخرج عليهم، ولا يقرّ لغيرهم بها إلى قيام الساعة» (^٤).\nوقال البربهاري: «والخلافة في قريشٍ إلى أن ينزل عيسى ابن مريم» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٥٠٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٥٠١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٤٩٥)، ومسلم (١٨١٨).\n(^٤) كتاب السنة من مسائل الإمام حرب (رقم: ٢٥).\n(^٥) شرح السنة (رقم: ٢٢).","vol":"1","page":110},{"text":"الوجه الثالث: أن أهل العلم الذين كتبوا في غير الاعتقاد أجمعوا على هذا الشرط، ولم يخالف فيه إلَّا أهل البدع، ومن أهل العلم هؤلاء:\n١ - القاضي عياض، قال: «هذه الأحاديث - وما في معناها في هذا الباب - حجَّةٌ أن الخلافة لقريش، وهو مذهب كافة المسلمين وجماعتهم، وبهذا احتجَّ أبو بكر وعمر على الأنصار يوم السقيفة، فلم يدفعه أحدٌ عنه، وقد عدَّها الناس في مسائل الإجماع؟؛ إذ لم يُؤثَر عن أحدٍ من السلف فيها خلاف، قولًا ولا عملًا؛ قرنًا بعد قرنٍ إلَّا ذلك، وإنكار ما عداه، ولا اعتبارَ بقول النظَّام ومَن وافقه من الخوارج وأهل البدع: إنها تصحُّ في غير قريش، ولا بسخافة ضرار بن عمرو في قوله: إنَّ غير القرشي من النبط وغيرهم يقدَّم على القرشي، لِهَوان خلعهِ إذا وجب ذلك؛ إذ ليست له عشيرة تمنعه، وهذا كلُّه هُزء من القول ومخالفةٌ لما عليه السلف وجماعة المسلمين» (^١).\n٢ - النووي، قال: «هذه الأحاديث وأشباهها دليلٌ ظاهر أنَّ الخلافة مختصَّة بقريش لا يجوز عَقدُها لأحدٍ من غيرهم، وعلى هذا انعقدَ الإجماع في زمن الصحابة؛ فكذلك بعدهم، ومَن خالفَ فيه من أهل البدع أو عرَّضَ بخلافٍ من غيرهم فهو محجوجٌ بإجماع الصحابة والتابعين فمَن بعدهم بالأحاديث الصحيحة» (^٢).\n٣ - وأقرَّ ابن حجر الإجماع، فقال بعد أن نقلَ الإجماع عن القاضي، وذكر ما يُوهِمُ نقضَه: «فيحتمل أن يقال لعلَّ الإجماع انعقدَ بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًّا أو تغيَّر اجتهادُ عمر في ذلك والله أعلم.\nوأمَّا ما احتجَّ به من لم يعيِّن الخلافة في قريش من تأمير عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم في الحروب فليس من الإمامة العظمى في شيء بل فيه أنه يجوز للخليفة استنابة غير القرشي في حياته والله أعلم» (^٣).\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٢١٤).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٢٠٠).\n(^٣) فتح الباري (١٣/ ١١٩).","vol":"1","page":111},{"text":"٤ - المناوي، قال: «فلا يصحُّ عقد الخلافة لغيرهم، وعليه انعقد الإجماعُ في زمن الصحابة ومَن بعدهم؛ وهو حكمٌ مستمرٌّ إلى آخر الدنيا، ومَن خالفَ فيه من أهل البدع فهو محجوجٌ بإجماع الصحابة» (^١).\nالطريقة الثانية: الردُّ على قولهم: «إنَّ النصوص ذكرت القرشية من باب الإخبار وأنه لا يستفاد منها اشتراط القرشية في الولاية» من أوجه:\nالوجه الأول: أنَّ النصوص ظاهرة في توعُّد مَنْ خالفَ هذا، ومثله لا يقال: إنه من باب الإخبار؛ وهو قول النبي -ﷺ-: «لم ينازعهم فيه أحدٌ إلا كبَّهُم الله في النار» (^٢).\nالوجه الثاني: لو قدّر أن النصوصَ ذكرته إخبارًا، فالمرادُ به الطلب كقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]؛ فهذا خبر يُراد به الطلب، كما هو مقرَّر في كتب أصول الفقه.\nالوجه الثالث: أنَّ اشتراط القرشية في الولاية عقيدةٌ سلفية، والسلفُ لا يُجمعون على باطل كما تقدَّم نقله عنهم (^٣).\n_________\n(^١) فيض القدير (٦/ ٤٥٠)\n(^٢) سبق تخريجه (ص: ١١٠).\n(^٣) تقدم (ص: ١١٠).","vol":"1","page":112},{"text":"الوجه الرابع: أنَّ هذا إجماعُ أهل العلم، والإجماعُ حجَّة ولا يكون إلَّا حقًّا وما سواه باطل - وتقدَّم حكاية الإجماعات - (^١).\nتنبيه:\nهذا الشرط يسقط لمن ثبت حكمهُ واستقرَّ بالغلبة بإجماع أهل العلم من أهل السنة، وقد تقدَّم ذِكرُ الإجماعات (^٢).\nالشبهة الثالثة عشرة:\n«أنه لا يشترط أن يكون الحاكم والسلطان من قريش».\nواعتُمد في ذلك على أمور:\nالأمر الأول: أنَّ اشتراط القرشية في الإمامة لم يكن معروفًا، ولا معلومًا بين الصحابة، لذا نازع فيها الأنصار في حادثة السقيفة وطلبوها وهم ليسوا من قريش، وأيضًا لم يحتجَّ عليهم أبو بكر وعمر بالأدلة في أن الأمر في قريش.\nالأمر الثاني: أنه لا إجماع على شرط القرشية لذا شككَّ في هذا الحافظ ابن حجر؛ لما رُوي عن عمر أنه أراد استخلافَ معاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة، وأيضًا يدلُّ على هذا فعلُ الفقهاء الخارجين في فتنة ابن الأشعث فقد استشكل ابن كثير (^٣) كيف بايع فقهاءُ العراق وخيارُ التابعين فيها ابنَ الأشعث ولم يكن من قريشٍ بل من كندة؟ وفيهم عامر الشعبي وسعيد بن جبير وكثير من قريش!\n_________\n(^١) تقدم (ص: ١١١).\n(^٢) تقدم (ص: ٦٨).\n(^٣) البداية والنهاية (٩/ ٥٨).","vol":"1","page":113},{"text":"الأمر الثالث: أن النصوص الواردة أشبه بالأخبار منها بالأحكام، كما فهم هذا الأنصار، وقد روى ابن أبي شيبة (^١) عن عائشة قالت: «لو كان زيدٌ حيًّا لاستخلفه رسول الله -ﷺ-»، وزيد بن حارثة لم يكن من قريش، وقد روى أحمد (^٢) من طريق أبي رافع أن عمر قال: «لو أدركني أحدُ رجلين ثم جعلتُ هذا الأمر له لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح»، قال أحمد شاكر:\n«إسناده صحيح ورواه أحمد (^٣) من طريق شريح بن عبيد وراشد بن سعد وغيرهما أن عمر قال: فإن أدركَني أجَلي وقد توفي أبو عبيدة استخلفتُ معاذَ بن جبل»، قال الحافظ: «رجاله ثقات» (^٤) اهـ.\nوهو مرسل إلَّا أنه عن جماعة من علماء التابعين في الشام فيتقوَّى بطرقه.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: لو قدّر أنه لا إجماعَ على هذا الشرط، لكن قد دلَّت الأدلة على ذلك، ولا يشترطُ في العمل بالدليل واعتقاده أن يكون مُجمعًا عليه، فإنَّ الحجَّة في الدليل إذا ثبتَ روايةً ودرايةً؛ قال معاوية قال رسول الله -ﷺ-: «إنَّ هذا الأمرَ في قريشٍ لا يُعاديهم أحدٌ، إلَّا كبَّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين» (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٤١٥).\n(^٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٠).\n(^٣) مسند أحمد (١/ ١٨).\n(^٤) فتح الباري (١٣/ ١١٩).\n(^٥) سبق تخريجه (ص: ١١٠).","vol":"1","page":114},{"text":"وقال عبد الله بن عمر: قال رسول الله -ﷺ-: «لا يزالُ هذا الأمرُ في قريشٍ ما بقيَ منهم اثنان» (^١).\nوقال أبو هريرة: قال رسول الله -ﷺ-: «الناسُ تبَعٌ لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبعٌ لمسلمهم، وكافرُهم تبعٌ لكافرهم» (^٢).\nالوجه الثاني: أنَّ اعتقاد الإمامة في قريش دون غيرهم مقرَّرٌ في كتب العقائد عند أهل السنة، فهو أمرٌ عقَديٌّ مجمَعٌ عليه عند أهل السنة خلافًا لبعض أهل البدعة. كما تقدم بيانه (^٣).\nالوجه الثالث: حكى الإجماع على هذا المعتقد جمعٌ من أهل العلم في غير كتب الاعتقاد.\n١ - القاضي عياض قال -﵀-: «هذه الأحاديث - وما في معناها في هذا الباب - حجَّة أنَّ الخلافة لقريش، وهو مذهب كافة المسلمين وجماعتهم، وبهذا احتجَّ أبو بكر وعمر على الأنصار يوم السقيفة، فلم يدفعه أحدٌ عنه، وقد عدَّها الناس في مسائل الإجماع؟؛ إذ لم يُؤثَر عن أحدٍ من السلف فيها خلاف، قولًا ولا عملًا قرنًا بعد قرن إلَّا ذلك، وإنكار ما عداه، ولا اعتبارَ بقول النظَّام ومن وافَقه من الخوارج وأهل البدع: إنها تصحُّ في غير قريش.\nوذكرَ أشياء ثم قال: وهذا كله هزء من القول ومخالفةٌ لما عليه السلف وجماعة المسلمين» (^٤).\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص: ١١٠).\n(^٢) سبق تخريجه (ص: ١١٠).\n(^٣) تقدم (ص: ١١١).\n(^٤) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٢١٤).","vol":"1","page":115},{"text":"٢ - النووي قال -﵀-: «هذه الأحاديث وأشباهها دليلٌ ظاهر أن الخلافة مختصَّة بقريش لا يجوز عقدُها لأحد من غيرهم؛ وعلى هذا انعقدَ الإجماعُ في زمن الصحابة فكذلك بعدهم، ومَن خالفَ فيه من أهل البدع أو عرَّضَ بخلافٍ من غيرهم فهو محجوجٌ بإجماع الصحابة والتابعين فمَن بعدهم بالأحاديث الصحيحة» (^١).\n٣ - أقرَّ ابن حجر الإجماع فقال بعد أن نقل الإجماع عن القاضي عياض، وذكر ما يوهِمُ نقضَهُ: «فيحتمل أن يقال لعلَّ الإجماع انعقدَ بعد عمر على اشتراط أن يكون الخليفة قرشيًّا أو تغيَّر اجتهادُ عمر في ذلك والله أعلم.\nوأمَّا ما احتجَّ به من لم يعيِّن الخلافة في قريش من تأمير عبد الله بن رواحة وزيد بن حارثة وأسامة وغيرهم في الحروب فليس من الإمامة العظمى في شيء بل فيه أنه يجوز للخليفة استنابةُ غير القرشي في حياته والله أعلم» (^٢).\n٤ - المناوي قال -﵀-: «فلا يصحُّ عقدُ الخلافة لغيرهم؛ وعليه انعقد الإجماعُ في زمن الصحابة ومَن بعدهم، وهو حكم مستمرٌّ إلى آخر الدنيا، ومَن خالفَ فيه من أهل البدع فهو محجوجٌ بإجماع الصحابة» (^٣).\nوما ذُكر اعتراضًا على هذا الإجماع فهو كالتالي:\nالاعتراض الأول: قصة عمر في أنه أراد استخلافَ معاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة؛ وهم ليسوا من قريش.\nوقد استدلَّ عليه بروايتين عن عمر -﵁-:\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٢٠٠).\n(^٢) فتح الباري (١٣/ ١١٩).\n(^٣) فيض القدير (٦/ ٤٥٠).","vol":"1","page":116},{"text":"الرواية الأولى: أخرج أحمد (^١) أن عمر قال: «لو أدرَكني أحدُ رجلَين، ثم جعلتُ هذا الأمر إليه لوثقتُ به: سالم مولى أبي حذيفة، وأبو عبيدة بن الجراح».\nوهذه الرواية لا تصح؛ لأن في الإسناد علي بن زيد بن جدعان؛ ضعَّفه ابن سعد والإمام أحمد وابن معين والرازيان والجوزجاني والنسائي وابن خزيمة وابن عدي والدار قطني وغيرهم (^٢)؛ لذا قال الحافظ في التقريب: «ضعيف».\nوقال الحافظ ابن كثير في مسند الفاروق (^٣) عند ذكرهِ لهذه الرواية: «هذا الإسناد على شرط السنن، ولم يخرجوه، وعلي بن زيد بن جدعان له غرائب وإفرادات».\nإذا عرف ما تقدَّم ذكرهُ عُرفَ أن قول أحمد شاكر في تخريج المسند: «إسناده صحيح» (^٤)، فيه نظر لما تقدَّم من بيان حال علي بن زيد بن جدعان (^٥).\nثم لو قدّر أن رواية علي بن جدعان صحيحة فإنها مخالفة للأحاديث الأخرى وللإجماع؛ مما يجعلُها من الضعيف الذي أخطأ فيه ابن جدعان؛ لأنه لو قيل بثقة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٢٠).\n(^٢) انظر: تهذيب التهذيب (٧/ ٣٢٢ - ٣٢٤).\n(^٣) ص: ٣٨٠.\n(^٤) تخريج المسند (١/ ٢٢٢).\n(^٥) وهذا يدلُّ على تساهل أحمد شاكر في التصحيح.\nوقد بيَّن تساهلَه في التصحيح العلامة عبد العزيز ابن باز فقال: «من تأمَّل حاشية العلامة أحمد شاكر اتَّضحَ له منها تساهلُه في التصحيح لكثيرٍ من الأسانيد التي فيها بعضُ الضعفاء؛ كابن لهيعة وعلي بن زيد بن جدعان وأمثالهما، والله يغفر له ويشكر له سعيه، ويتجاوز له عما زلَّ به قلمهُ أو أخطأ فيه اجتهادهُ إنه سميع قريب». مجموع فتاوى ابن باز (٢٦/ ٢٥٨).","vol":"1","page":117},{"text":"علي بن زيد فلا بدَّ أنَّ عنده أوهامًا جعلَتْ جمعًا من الأئمة يتكلمون فيه؛ فيكون هذا من أوهامه.\nوأخيرًا قد حملَ ابن قتيبة تولية سالم على تولية إمامة الناس في الصلاة وقتَ الشورى إلى أن يختاروا خليفة. وقد ذكرَ ما يدلُّ على هذا التوجيه (^١).\nالرواية الثانية: قول عمر: «فإن أدركني أجلي وقد توفي أبو عبيدة استخلفتُ معاذ بن جبل» (^٢).\nهذا الأثر مما لا يصح أن يُعترضَ به، لأنه لا يصحُّ، وقول الحافظ: «بسند رجاله ثقات» لا يعني أنه صحيح، فإنه لو كان صحيحًا عنده لبين ذلك، ولما اكتفى بقوله: (رجاله ثقات) (^٣)، أما قوله: «وهو مرسل إلَّا أنه عن جماعة من علماء التابعين في الشام فيتقوَّى بطرقه»، فيقال: إنَّ أكثر هذه المراسيل من\n_________\n(^١) تأويل مختلف الحديث (ص: ٢٥٢).\n(^٢) أخرجه أحمد (١/ ٢٦٣).\n(^٣) قال العلامة الألباني في مقدمة صحيح الترغيب والترهيب (ص: ٤٤): «إنه قد تبين لي بالتتبع والاستقراء أنه كثيرًا ما يكون في السند الذي قيل فيه (رجاله ثقات) من هو مجهول العين أو العدالة، ليس بثقة إلَّا عند بعض المتساهلين في التوثيق كابن حبان والحاكم وغيرهما».\nوهذا الأثر جاء مرسلًا من رواية عدة من التابعين، وهؤلاء التابعون شاميون مثل راشد بن سعد وشريح بن عبيد: أخرجه أحمد (١/ ٢٦٣)، وشهر بن حوشب: أخرجه أحمد في الفضائل (١٢٨٧)، وابن سعد في طبقاته (٣/ ٤٤٣)، وجاء من غير مرسل التابعين والشاميين، مثل ثابت بن الحجاج: أخرجه أحمد في الفضائل (١٢٨٥)، وهذا من الجزيرة كما قاله أبو داود في سؤالات الآجري، ومثل أبي العجفاء السلمي البصري: أخرجه ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٣/ ٤١٨)، لكن فيه ضعف، قال البخاري: «فيه نظر».","vol":"1","page":118},{"text":"مراسيل الشاميين إلَّا اثنين، وأحدهما فيه ضعف، أما الآخر من أوساط التابعين لا من كبارهم.\nوهذه المراسيل لا يقوِّي بعضُها بعضًا؛ لأن أكثرها من مرسل الشاميين؛ فمخرجُها واحد، فيحتمل أخذ كلِّهم عن رجل واحدٍ ضعيف، ثم هذا المرسل مخالفٌ لما هو أقوى منه، وهي الأحاديث المتقدِّمة مع الإجماع، والإجماعُ قطعيُّ الدلالة؛ لذلك من ضوابط المرسل حتى يقوِّي بعضُه بعضًا أن لا يخالفَ ما هو أقوى. وهذا يقال في الأحاديث المتصلة فكيف في المرسل فهو من باب أولى، ولما شرح ابنُ رجب كلامَ الشافعي في تقوية المرسل ذكرَ هذا، ومن ذلك أنه قال: «وظاهرُ كلام أحمد أنَّ المرسل عنده من نوع الضعيف، لكنه يأخذ بالحديث إذا كان فيه ضعف، ما لم يجاء عن النبي -ﷺ- أو عن أصحابه خلافُه».\nقال الأثرم: «كان أبو عبد الله ربما كان الحديث عن النبي -ﷺ-، وفي إسناده شيء، فيأخذ به إذا لم يجاء خلافُه أثبتَ منه، مثل حديث عمرو بن شعيب، وإبراهيم الهجري، وربما أخذ بالحديث المرسل إذا لم يجاء خلافه» (^١).\nالاعتراض الثاني: ذكر أن عائشة قالت: «لو كان زيدٌ حيًّا لاستخلفهُ رسول الله -ﷺ-».\nوالأثر أخرجه ابن أبي شيبة في موضعين (^٢)، وكلاهما من طريق البهي عن عائشة، وقد تنازعَ العلماء في ثقة البهي وسماعه من عائشة، وأنكرَ سماعه من عائشة عبدُ الرحمن بن مهدي وأحمدُ بن حنبل، وأثبته البخاري (^٣).\n_________\n(^١) شرح علل الترمذي (١/ ٥٥٣).\n(^٢) (٦/ ٣٩٢)، (٧/ ٤١٥).\n(^٣) انظر: تهذيب التهذيب (٦/ ٩٠)، والتاريخ الكبير (٥/ ٥٦).","vol":"1","page":119},{"text":"أما ثقته فقد ذكر أبو حاتم أنه لا يُحتجُّ به وأنه مضطرب، ووثَّقه ابن سعد.\nوما كان كذلك من الآثار فإنه لا يقوى على مخالفة الأحاديث الأصحِّ وحدَها؛ كيف وقد انضمَّ لها الإجماعات؟!. فبهذا يتبين ضعفُه وشذوذُه.\nالاعتراض الثالث: استشكال ابن كثير:\nاستشكل ابن كثير فعلهم وعدَّه زلَّة؛ مما يدل على أنه مقرٌّ بشرط القرشية فقال: «والعجبُ كل العجب من هؤلاء الذين بايعوه بالإمارة، وليس من قريش وإنَّما هو كندي من اليمن، وقد اجتمعَ الصحابة يوم السقيفة على أن الإمارة لا تكون إلَّا في قريش، واحتجَّ عليهم الصديق بالحديث في ذلك، حتى إن الأنصار سألوا أن يكون منهم أمير مع أمير المهاجرين، فأبى الصديق عليهم ذلك، ثم مع هذا كلِّه ضربَ سعد بن عبادة - الذي دعا إلى ذلك أولًا، ثم رجع عنه - كما قررنا ذلك فيما تقدم، فكيف يعمدون إلى خليفة قد بويع له بالإمارة على المسلمين من سنين، فيعزلونه وهو من صليبة قريش، ويبايعون لرجلٍ كندي بيعةً لم يتفق عليها أهلُ الحلِّ والعقد؟ ولهذا لما كانت هذه زلَّة وفلتةً نشأ بسببها شرٌّ كثير هلكَ فيه خلقٌ كثير، فإنا لله وإنا إليه راجعون» (^١).\nوقد يقال: إنَّ مبايعتهم له على إمارة القتال لا على الإمارة مطلقًا، ليتفق فعلهم مع الإجماع، ولا يخطَّأُ هؤلاء الفقهاء في هذه المسألة.\nالاعتراض الرابع:\nالقول بأنه لم يكن معروفًا اشتراطُ الإمامة في قريش؛ بدلالة أنهم في سقيفة\n_________\n(^١) البداية والنهاية (١٢/ ٣٥٥).","vol":"1","page":120},{"text":"بني ساعدة، وعند اختلافهم في تولي الأنصار أو المهاجرين، لم يذكروا هذه الأحاديث، فدلَّ على أنها غير معروفة عندهم.\nوالجواب على هذا من وجهين:\nالوجه الأول: إن أبا بكر استدلَّ بأنهم الأمراء، وهذا استدلالٌ بالأحاديث الدالة على ذلك، وليس شرطًا أن يذكر أبو بكر نصَّ نسبته لرسول الله -ﷺ-، فبمجرَّد ذكرِ ذلك على وجه الاستدلال وفي محلِّ النزاع دليلٌ على أنه يستدلُّ بحديث عن رسول الله -ﷺ-.\nوهذا ما فهمهُ القاضي عياض لما قال: «هذه الأحاديث - وما في معناها فى هذا الباب - حجة أن الخلافة لقريش، وهو مذهب كافة المسلمين وجماعتهم. وبهذا احتجَّ أبو بكر وعمر على الأنصار يوم السقيفة، فلم يدفعه أحد عنه» (^١).\nوقال ابن الجوزي: «ربما ظنَّ ظانٌّ بالأنصار أنهم شكُّوا في تفضيل أبي بكر؛ وليس كذلك، إنما جرَوا في هذا على عادة العرب: وهي أن لا يسود القبيلة إلَّا رجلٌ منها، ولم يعلموا أنَّ حكم الإسلام على خلاف ذلك، فلما ثبت عندهم أن النبي -ﷺ- قال: «الخلافة في قريش» (^٢) أذعَنوا له وبايعوه» (^٣).\nالوجه الثاني: أنه لو كان ما ذكرهُ من اعتراض محتملًا، فإنَّ الأحاديث الصريحة والإجماعات لا تردُّ بهذه الأفهام المحتملة، فإنَّ المنطوق الصريح يقدَّم على المنطوق المحتمل، فكيف إذا كان مفهومًا محتملًا فهو أولى أن يقدَّم عليه المنطوق الصريح.\n_________\n(^١) إكمال المعلم بفوائد مسلم (٦/ ٢١٤).\n(^٢) أخرجه أحمد (٤/ ١٨٥).\n(^٣) كشف المشكل من حديث الصحيحين (١/ ٧١).","vol":"1","page":121},{"text":"الاعتراض الخامس:\nأن النصوص المذكورة في أنَّ الولاية لقريش أشبَهُ بالأخبار منها بالأحكام، وأنَّ هذا ما فهمه الأنصار.\nهذا الاعتراض من العجائب لأوجه:\nالوجه الأول: أن ألفاظ الحديث لا تحتمل إلَّا الأحكام والطلب كقوله -ﷺ-:\n«إنَّ هذا الأمر في قريش، لا يُعاديهم أحدٌ إلَّا كبَّه الله على وجههِ ما أقاموا الدين» (^١).\nالوجه الثاني: أنَّ الجزم بأن هذا فهمُ الأنصار ليس أولَى من الجزم بأنه قد خفيَ عليهم أو لهم تأويلٌ لا نعلمه - هذا تنزُّلًا - وإلَّا فالتأويل الذي ذُكِرَ باطلٌ بالمرة لما تقدَّم في الوجه الأول.\nالوجه الثالث: أنهم جهلوه أو تأوَّلوه بتأويلٍ خطأ، ثم رجعوا بدلالة إجماع أهل السنة بعد.\nتنبيه:\nبعد هذا قد يظن أن أحاديثَ السَّمع والطاعة للحاكم، ولو كان عبدًا حبشيًّا تعارضُ ما تقدَّم ذكرهُ من أنه لا تصحَّ الإمامة إلا لقريش، وقد أجابَ على هذا ابن رجب فقال: «وولاية العبيد عليهم، وفي صحيح البخاري (^٢) عن أنس عن النَّبيِّ -ﷺ-، قال: «اسمَعوا وأطيعوا، وإن استُعمل عليكم عبدٌ حبشيٌّ، كأنّ رأسه زبيبةٌ».\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص: ١١٠).\n(^٢) تقدم تخريجه (ص: ٩٥).","vol":"1","page":122},{"text":"وفي صحيح مسلم (^١) عن أبي ذرٍّ -﵁- قال: «إنَّ خليلي -ﷺ- أوصاني أنْ أسمعَ وأُطيع، ولو كان عبدًا حبشيًّا مجدَّعَ الأطراف». والأحاديث في المعنى كثيرة جدًّا.\nولا يُنافي هذا قوله -ﷺ-: «لا يزالُ هذا الأمرُ في قريش ما بقيَ في النَّاس اثنان» (^٢)، وقوله: «النّاسُ تبعٌ لقريش» (^٣).\nوقوله: «الأئمة من قريش» (^٤)؛ لأنَّ ولاية العبيد قد تكون من جهة إمامٍ قرشي، ويشهدُ لذلك ما خَرَّجَه الحاكم (^٥) من حديث عليٍّ -﵁- عن النَّبيِّ -ﷺ- قال: «الأئمة من قريش أبرارُها أمراءُ أبرارِها، وفجَّارُها أمراء فجَّارِها، ولكلٍّ حقّ، فآتوا كلَّ ذي حقّ حقّه، وإنْ أمَّرت عليكم قريشٌ عبدًا حبشيًّا مجدعًا، فاسمعَوا له وأطيعوا» وإسناده جيد، ولكنَّه روي عن عليٍّ موقوفًا، وقال الدارقطني: هو أشبه.\nوقد قيل: «إنّ العبد الحبشيَّ إنَّما ذكر على وجهِ ضربِ المثل وإنْ لم يصحَّ وقوعُه، كما قال: «مَنْ بنى مسجدًا ولو كمفحَصِ قَطاة» (^٦)» (^٧).\n_________\n(^١) رقم (٦٤٨).\n(^٢) سبق تخريجه (ص: ١١٠).\n(^٣) سبق تخريجه (ص: ١١٠).\n(^٤) أخرجه أحمد (٣/ ١٢٩) من حديث أنس بن مالك -﵁-.\n(^٥) (٤/ ٨٥).\n(^٦) أخرجه ابن ماجه (٧٣٨) من حديث جابر بن عبدالله -﵁-.\n(^٧) جامع العلوم والحكم (٢/ ١١٩).","vol":"1","page":123},{"text":"وقد يقال إن هذا في حال التغلُّب؛ فإذا تغلَّب الحاكم المسلم ثبتَ الحكم له بما أنه مسلم، ولا يُنظَر لبقية الشروط - كما تقدم - (^١).\nوقال الكرماني: «فإن قلت: كيف يكون العبدُ واليًا وشرطُ الولاية الحرية؟ قلت: بأن يولِّيه بعضُ الأئمة أو يغلب على البلاد بشوكته» (^٢).\nالشبهة الرابعة عشرة:\nروي عن علي بن أبي طالب -﵁- ما يدلُّ على أنه يشترط للسمع والطاعة للحاكم أن يحكمَ بكتاب الله، فإذا لم يحكم بكتاب الله فلا سمعَ ولا طاعة، قال علي بن أبي طالب -﵁-: «على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحقٌّ على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا ويجيبوه إذا دعا» (^٣).\nوكشف هذه الشبهة:\nإنَّ هذا الأثر لا يصح؛ فإن مصعب بن سعد لم يسمع من علي بن أبي طالب، كما قاله أبو زرعة (^٤).\nثم لو صحَّ الأثر، لكان مفهومه معارضًا لمنطوقاتٍ كثيرة في السمع والطاعة للحاكم المسلم الفاسق العاصي، فالمنطوقُ مقدَّم على المفهوم؛ وهو محمولٌ على السمع والطاعة في غير معصية الله، كما أفاده ابن بطال (^٥).\n_________\n(^١) (تقدم (ص: ٦٥).\n(^٢) شرح صحيح البخاري (٥/ ٧٦)، وانظر عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٥/ ٢٢٨).\n(^٣) انظر: السنة للخلال (١/ ١٠٩)، وابن أبي شيبة (٦/ ٤١٨).\n(^٤) جامع التحصيل (ص: ٢٨٠).\n(^٥) شرح البخاري (٨/ ٢١٥).","vol":"1","page":124},{"text":"الشبهة الخامسة عشرة:\nأنه يشترط للحاكم الذي يُسمع ويُطاع له أن يكون عالمًا قال القرطبي:\n«أن الأمراء شرطُهم أن يكونوا آمرين بما يقتضيه العلم، وكذلك كان أمراءُ رسول الله -ﷺ-، وحينئذٍ تجبُ طاعتهم. فلو أمروا بما لا يقتضيه العلم حَرُمَتْ طاعتهم» (^١).\nوكشف هذه الشبهة أن يقال:\n١ - إنه لا دليل على هذا الشرط، ومَن أراد أن يشترطَ شرطًا فيلزمهُ الدليل.\n٢ - أن ما تقدم من الأدلة في السمع والطاعة للحاكم المسلم عند التغلب يدلُّ على السمع والطاعة للحاكم المسلم ولو لم يكن عالمًا.\n٣ - أن كلام القرطبي فيما يأمر به الحاكم فيشترط أن يكون بمقتضى العلم\n- سواء كان عالمًا أو مقلِّدًا - حتى لا يأمر الحاكم بما يخالف شرع الله مما حرَّمه الله؛ لذا كلامُ القرطبي في المأمور نفسه لا في الأمير والحاكم، فقال: «إنَّ الأمراء شرطُهم أن يكونوا آمرين بما يقتضيه العلم»؛ لذا لو قدِّر أنَّ الحاكمَ عالم، وأمرَ بما يخالفُ العلم بأن أمر بمحرَّمٍ فلا سمعَ ولا طاعة.\nالشبهة السادسة عشرة:\nأنه لا طاعة لمن عصى الله؛ واستدلوا بما أخرج أحمد أن معاوية كتب إلى عثمان: إنَّ عبادة ابن الصامت قد أفسد عليّ الشام وأهله، فلما جاء عبادة إلى عثمان قال له: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «إنَّه سَيَلي أمورَكُم بعدي رجالٌ يعرِّفونكم\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٤/ ٣٥).","vol":"1","page":125},{"text":"ما تنكرون، وينكرونَ عليكم ما تعرفون، فلا طاعةَ لمن عصى الله ﵎، فلا تعتَلُّوا بربِّكُم» (^١).\nوكشف شبهة الاستدلال بهذا الحديث من أوجه:\nالوجه الأول: أنَّ الحديث ضعيف؛ لأنَّ في الإسناد إسماعيل بن عياش وهو ضعيف في روايته عن غير أهل الشام الذين هم أهل بلده، كما بين ذلك يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وهذا الحديث منها.\nفإنه يرويه عن عبد الله بن عثمان بن خيثم وهو من أهل مكة، وأيضًا في الإسناد إسماعيل بن عبيد بن رفاعة عن أبيه.\nوإسماعيل وأبوه مجهولان جهالة حال، فإسماعيل وثَّقه ابن حبان وأبوه وثَّقه العجلي؛ وهما متساهلان في توثيق التابعين. فبهذا يكون الحديث ضعيفًا، وقد ضعَّفه العلامة الألباني في السلسلة الضعيفة (^٢).\nالوجه الثاني: أنه مخالف للأدلة المتواترة في الصبر على جَور الحاكم - وقد تقدم ذكرها - (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٥/ ٣٢٥).\n(^٢) رقم (١٣٥٣)، أما حديث: «سيليكم أمراء بعدي يعرِّفونكم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فمَن أدركَ ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى الله» فقد صحَّحه الإمام الألباني في السلسلة الصحيحة (٥٩٠)، والمراد بالحديث لا طاعة في المعصية نفسها دون غيرها؛ للأدلة الأخرى، والشريعةُ يفسِّر بعضُها بعضًا، وأيضًا لأجل إجماع أهل السنة كما تقدم.\n(^٣) تقدم (ص: ٣٧).","vol":"1","page":126},{"text":"الوجه الثالث: أنه مخالف لإجماع أهل السنة ومعتقدهم - كما تقدم نقله (^١) -.\nتنبيه:\nقد روى ابن أبي شيبة (^٢) حديث عبادة بلفظ آخر قريب:\n«ستكون عليكم أمراء يأمرونكم بما تعرفون، ويعلمون ما تنكرون، فليس لأولئك عليكم طاعة» على أنه لا طاعة لمن عصى الله.\nوهو حديث ضعيف فيه أكثر من علَّة؛ ففيه جهالة الأعشى بن عبد الرحمن ابن مكمل؛ لم يوثِّقه مُعتبرَ، قال الهيتمي: «لم أعرفه» (^٣).\nوفيه أزهر بن عبد الله الراوي عن عبادة بن الصامت.\nقال ابن حجر: «يروي عن عثمان وعبادة بن الصامت. روى عنه الأعشى ابن عبد الرحمن بن مكمل. قال أبو حاتم: لا أدري من هو. وذكره ابن حِبَّان في (الثقات)» (^٤)، فهو بهذا مجهول جهالة حال، فيكون الحديث ضعيفًا.\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٩).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٥٢٦).\n(^٣) مجمع الزوائد (٥/ ٢٢٧).\n(^٤) لسان الميزان (١/ ٣٤٠).","vol":"1","page":127},{"text":"شبهات في طريقة تولي الحكم\nالشبهة السابعة عشرة:\n«أنَّ التولي بالغلبة والقهر لا تثبت به الولاية»، لما يلي:\nالأمر الأول: أنه ظلم وجَور، والشريعة لا تقرُّ الظلم والجور. فعلى ذلك لا تقرُّ تولِّي الحكم بطريق القهر والغلبة.\nالأمر الثاني: أن الإمامة عقدٌ بين الحاكم والمحكوم، وفي العقد يطالَبُ الطرفان بالقيام بحقوق كلِّ طرف، فإذا أخلَّ أحدهم بما اتفق عليه بطلَ العقد.\nوجواب هذه الشبهة بجواب الأمرين:\nأما جواب الأمر الأول فمن وجهين:\nالوجه الأول: أن طريقة التولي بالغلبة دلَّت عليها الأدلة، وأقوال الصحابة، وإجماع أهل العلم - كما تقدم (^١) - فهي دينٌ وشرعٌ؛ والشريعة لا تأتي بالظلم\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٦٥).","vol":"1","page":128},{"text":"والجورالغالب، ويوضِّح ذلك الوجه الثاني.\nالوجه الثاني: أنه وإن كان في إقرار الحكم بالغلبة والسيف ظلم وجور ومفسدة، لكن به تُدفَعُ مفسدة أكبر؛ ودين الله قائمٌ على جلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها، وذلك أنَّ مفسدة الفوضى وذهاب الأمن وسفك الدماء أعظمُ من مفسدة ظلمٍ يأتي من جهة الحاكم، ومن حوله فحسب؛ في مقابل ظلمٍ يأتي من الشعوب كلِّهم، فيأكل القويُّ الضعيف، والكثير القليل وهكذا … وتقدم ذكر هذا (^١).\nأما جواب الأمر الثاني فسيأتي - إن شاء الله - عند بيان أنَّ عقد الولاية لا يبطل إذا أخلَّ الحاكم بحقوق المحكومين (^٢).\nالشبهة الثامنة عشرة:\nأن الإمام مالكًا لا يرى البيعة لمتغلِّب؛ لأن للإمام مالك كلامًا في عدم صحة بيعة المكرَه - ولا يثبت عنه، كما سيأتي إن شاء الله (^٣).\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أنَّ الإمام مالكًا يرى صحة بيعة المتغلِّب ولو لم يرَ صحة بيعة المكره - تنزُّلًا - وإلَّا لم يصح.\nقال الشاطبي: «وما قرره هو أصلُ مذهب مالك: قيل ليحيى بن يحيى:\n«البيعة مكروهة؟ قال: لا، قيل له: فإن كانوا أئمة جَور؟ فقال: قد بايعَ ابنُ عمر\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٢٥).\n(^٢) سيأتي (ص ١٤٦).\n(^٣) سيأتي عدم صحة نسبة هذا القول لمالك (ص: ٢١٧).","vol":"1","page":129},{"text":"لعبد الملك بن مروان، وبالسيف أخذ الملك»، أخبرني بذلك مالكٌ عنه أنه كتب إليه وأمر له بالسمع والطاعة على كتاب الله وسنة نبيه، قال يحيى: «والبيعة خيرٌ من الفرقة» (^١).\nويؤيد ذلك أنه أقرَّ لأبي جعفر المنصور والمهدي بالخلافة، وكان يسمِّي كلًّا منهما أمير المؤمنين.\nقال الذهبي: «وقال موسى بن داود: سمعت مالكًا يقول: قدم علينا أبو جعفر المنصور سنة خمسين ومائة، فقال: يا مالك! كثُرَ شَيبك! قلت: نعم يا أمير المؤمنين، من أتتْ عليه السِّنون، كثُر شَيبه، قال: ما لي أراك تعتمد على قول ابن عمر من بين الصحابة؟ قلت: كان آخرَ من بقي عندنا من الصحابة، فاحتاجَ إليه الناس، فسألوه، فتمسَّكوا بقوله» (^٢)، ونعت الإمام مالك المهدي بأمير المؤمنين أيضًا.\nقال الذهبي: «قدم المهديُّ المدينة، فبعث إلى مالك، فأتاه، فقال لهارون وموسى: اسمعا منه. فبعث إليه، فلم يُجبهما، فأعلَما المهدي، فكلَّمه، فقال: يا أمير المؤمنين! العلم يُؤتى أهله. فقال: صدقَ مالك، صيرا إليه» (^٣).\nالوجه الثاني: أن الإمام مالكًا لو كان يرى عدم صحَّة ولاية المتغلب لبيَّن هذا أئمة السنة، فإنهم قد حكوا إجماعات على صحَّة بيعة المتغلب وثبوت الحكم له كما تقدَّم نقل ذلك.\n_________\n(^١) الاعتصام (٣/ ٣٣).\n(^٢) سير أعلام النبلاء (٨/ ١١٢).\n(^٣) سير أعلام النبلاء (٨/ ٦٣).","vol":"1","page":130},{"text":"إذا تقرَّر هذا فلابد أن يوجَّه كلامُ مالك في عدم صحَّة بيعة المكره على غير ولاية المتغلب، وهذا يتَّضح بما يأتي - إن شاء الله -.\nالوجه الثالث: أنَّ من المالكية مَنْ حكى إجماعًا على صحَّة بيعة المتغلب كابن أبي زيد القيرواني وابن بطال، فلو كان مالك مخالفًا لبيَّنوا ذلك.\nالوجه الرابع: أن كلَّ صورة يمكن معها إثباتُ بيعة المتغلب مع عدم صحة بيعة المُكرَه يصحُّ أن يُحمل عليها كلام الإمام مالك في عدم صحَّة بيعة المكره\n- لو ثبت عنه -، فلو أنَّ مدينةً بين دولتين، وقد استقر الحكم لكلِّ حاكم في هاتين الدولتين، فإنَّ إلزام أحد هذين الحاكمين أحدَ أفراد هذه المدينة بالبيعة وهي ليست تحت حُكمهِ وقهرهِ تكون بيعة مكره، فبهذا يجتمعُ إثبات أنَّ الإمام مالكًا يقول ببيعة المتغلِّب مع عدم صحة بيعة المكره.\nوهذا مثالٌ من الأمثلة، وقد توجد أمثلة أخرى مثل أن ينتقل رجلٌ إلى دولة حاكمٍ آخر لطلب رزقٍ أو غير ذلك، فيُلزِمهُ هذا الحاكم ويُكرِهُه على أن يبايعه، وفي عُنقه بيعةٌ للحاكم الأول فمثل هذا لا تصحُّ بيعته له لأنها بيعة مُكره.\nالشبهة التاسعة عشرة:\nأن الصحابة مُجمعون على عدم صحة الولاية للمتغلب، واستدلُّوا على ذلك بأن أبا بكر قال للصحابة: أترضون بمن استخلف عليكم؟ فإني والله ما ألَوتُ من جهد الرأي، ولا وليت ذا قرابة، وإني استخلفتُ عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا. قالوا: سمعنا وأطعنا. وفي رواية: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم. وقال بعضهم: قد علمنا به. فأقروا بذلك جميعًا ورضوا به وبايعوا.","vol":"1","page":131},{"text":"والجواب على هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أن الأثر ضعيف، فقد أخرجه الخلال (^١)، وابن جرير (^٢)، من طريق أبي السفر عن أبي بكر، ولم تثبت روايته عنه، بل ذكر ابن معين (^٣) أنه لم يسمع عليًّا، فأبو بكر من باب أولى.\nأما الرواية الثانية فقد أخرجها ابن سعد من طريقين ضعيفين - لا يقوي بعضُهما بعضًا لشدة الضعف: أما الطريق الأولى ففيها الواقدي - وهو متروك كما قاله البخاري - وفيها أبو بكر بن أبي سبرة - وهو يضع الحديث كما قاله ابن عدي -.\nأما الطريق الثانية ففيها أكثر من علَّة - وهو عدم سماع عبد الله البهي من أبي بكر - لأنه لم يسمع من عائشة كما قاله أحمد - ثم إنَّ في البهي ضعفًا حتى قال أبو حاتم مضطرب الحديث (^٤) وفي الأثر علل أخرى (^٥) - فكيف يُنفى الخلافُ بين الصحابة اعتمادًا على أثرٍ ضعيف ثم تُترك الآثار الصحيحة عن الصحابة في تصحيح ولاية المتغلب؟!\nالوجه الثاني: لا دلالة في هذا الأثر - لو صحَّ - لأن كلام أبي بكر عن حال الولاية بالاختيار، وقد تقدم أن للولاية طرقًا منها الغلبة، فما دلَّ على الاختيار لا\n_________\n(^١) السنة للخلال (١/ ٢٧٦).\n(^٢) تاريخ الطبري (٣/ ٤٢٨).\n(^٣) تاريخ ابن معين (٢/ ١٩٥) برواية الدّوري.\n(^٤) انظر ما تقدم (ص: ١٢٠).\n(^٥) منها أني لم أجد ترجمة لعمرو بن عبد الله بن عنبسة.","vol":"1","page":132},{"text":"ينفي ما دلَّ على الغلبة، والواجبُ العمل بالأدلة كلِّها وألَّا يُضرَبَ بعضُها ببعض، فقد صحَّحت الشريعة الولاية بالاختيار - وهو الأصل، وصحَّحت الولاية بالتغلُّب، كما دلت على ذلك الأدلة وأقوال الصحابة وإجماع أهل السنة - كما تقدم (^١) -.\nالوجه الثالث: ليس في كلام أبي بكر هذا عدم صحة الولاية مطلقًا إلَّا بالرضا حتى يستفاد منه عدم صحَّة ولاية المتولِّي بالقهر والغلبة، وغاية ما في هذا الأثر - لو صحَّ - أنه طلبَ رضاهُم ففِعلُه لهذه الطريقة لا يمنع غيرها.\nالوجه الرابع: إنه لو صحَّ عن أبي بكر، فإنَّ حكاية نفي الخلاف بين الصحابة تهوُّر واستهانة بالعقول، وذلك أن ابن عمر صحَّح ولاية المتغلب - كما تقدم (^٢) -، فأقل ما يقال - لو صحَّ الأثر روايةً وصحَّ الاستدلالُ به درايةً -: إنَّ في صحَّة ولاية المتغلِّب قولين للصحابة، مع أنه تقدَّم أنَّ العلماء مُجمعونَ على صحَّة ولاية المتغلب.\nالشبهة العشرون:\nأن ولاية المتغلب لا تصحُّ قياسًا على عدم صحة البيع ولو كان قليلًا مع عدم التراضي؛ فإنه إذا لم يصحّ البيع ولو قليلًا مع عدم التراضي فالبيعةُ بالولاية أولى ألَّا تصحَّ.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه ثلاثة:\nالوجه الأول: إن الشريعة صحَّحت ولاية المتغلب بالنصِّ والإجماع، بل أجمعَ أهل السنة أن مَنْ خالفَ فهو مبتدع ضالٌّ - كما تقدم (١) - فهذا مقدَّم على ذلك القياس الفاسد.\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٦٥).\n(^٢) تقدم (ص: ٦٦).","vol":"1","page":133},{"text":"الوجه الثاني: أن هذا الكلام في العقود بصفةٍ عامة، والأصلُ بقاء العموم على عمومهِ ما لم يرِدْ مخصِّص، وقد وردَ المخصِّص في صحَّة ولاية المتغلب - كما سبق إيرادُ الأدلة والإجماع (^١) -.\nالوجه الثالث: أن درءَ المفسدة الكبرى بالصغرى هو عينُ القياس الصحيح، وهذا الذي من أجله صحَّحت الشريعةُ بيعة المتغلِّب مع عدم وجود الرضا؛ بخلاف البيع والشراء ولو في شيء يسير.\nالشبهة الحادية والعشرون:\nإذا كان الله -﷿- الذي أوجبَ طاعته على العباد لم يرضَ إجبارَهُم ولا إكراهَهُم على طاعته؛ حتى قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فكيف يُتصوَّرُ جواز عقد الإمامة - التي تقتضي الطاعة للإمام - دون رضا الأمة، وإكراهها على عقدهِ ثم التزامها بمقتضاه تحت الإكراه؟!\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أن غاية هذا الاستدلال أنه استدلال بالقياس، والقياسُ إذا خالفَ النصَّ صار قياسًا فاسدًا.\nالوجه الثاني: أن العلماء مختلفون في توجيه هذه الآية ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، فقيل: إنها خاصَّة بأهل الكتاب لأنه يجوز أخذُ الجزية منهم، كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٦٥).","vol":"1","page":134},{"text":"[التوبة: ٢٩]، دون بقية الكفار، فإنهم يقاتلون على الإسلام، وقيل: إنها منسوخة، فإذا فسد الأصلُ المقيسُ عليه فسدَ الفرع.\nقال ابن كثير في تفسيره: «وقد ذهب طائفة كثيرة من العلماء، أن هذه محمولةٌ على أهل الكتاب، ومن دخل في دينهم قبل النسخ والتبديل إذا بذلوا الجزية، وقال آخرون: بل هي منسوخة بآية القتال، وأنه يجب أن يُدعى جميع الأمم إلى الدخول في الدين الحنيف، دينِ الإسلام، فإنْ أبى أحدٌ منهم الدخول فيه، ولم ينقَدْ له أو يبذل الجزية، قوتل حتى يقتل، وهذا معنى الإكراه، قال الله تعالى: ﴿سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ [الفتح: ١٦].\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩].\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣].\nوفي الصحيح: «عَجِبَ ربُّكَ من قومٍ يُقادون إلى الجنةِ في السلاسل» (^١) يعني الأسارى الذين يُقدَمُ بهم بلادُ الإسلام في الوثائق والأغلال والقيود والأكبال، ثم بعد ذلك يُسلمون، وتصلُح أعمالهم وسرائرهم فيكونون من أهل الجنة».\nالوجه الثالث: مقتضى القياس الصحيح أن ولاية المتغلِّب تصحُّ لأنَّ الدين قائمٌ على جلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٠١٠) من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"1","page":135},{"text":"الشبهة الثانية والعشرون:\n«أنَّ الانتخابات البرلمانية والوطنية والشعبية طريقةٌ شرعية؛ فهي مبنية على الاختيار»\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أنَّ الانتخابات ليست من الاختيار الشرعي؛ لأنَّ الاختيار الشرعيَّ يرجع إلى اختيار أهل الحلِّ والعقد لا عامة الناس، وفرقٌ بينهما كما تقدم.\nالوجه الثاني: أنَّ الانتخابات قائمة ابتداءً وانتهاءً على الأكثرية، والأكثرُ مخالفون للحقِّ كما بيَّن ذلك القرآن: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].\nالوجه الثالث: أن الحاكم سيحاول إرضاءَ الشعب؛ ليستمروا في انتخابه واختياره، فبذلك يتنازل عن شرع الله، لأجل الشعب.\nالوجه الرابع: أن الحاكم سيجعل شرعَ الله تحتَ اختيار الشعب، فيكون شرعُ الله غيرَ إلزامي، فقد يوافقون عليه وقد يعارضون .. إلى غير ذلك من المفاسد.\nتنبيه:\nحاول بعضهم التدليس بالاستدلال بفعل عبد الرحمن بن عوف لمَّا سألَ أهل المدينة في المفاضلة بين عثمان وعلي -﵄-.\nقال المسور بن مخرمة وهو يحكي قصة بيعة عثمان بن عفان -﵁-: فلما اجتمعوا تشهَّد عبد الرحمن، ثم قال: «أما بعد، يا عليُّ إني قد نظرتُ في أمر الناس، فلم أرَهُم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلًا، فقال: أبايعك","vol":"1","page":136},{"text":"على سنة الله ورسوله، والخليفتين من بعده، فبايعه عبدالرحمن، وبايعه الناس المهاجرون والأنصار، وأمراء الأجناد والمسلمون» (^١).\nوسبق الجوابُ عليها في الفصل الأول عند الكلام على تولِّي الحكم بالاختيار.\nالشبهة الثالثة والعشرون:\nأن طرق تولِّي الخلافة والولاية في الإسلام ليست محصورةً في الطريقتين السابقتين؛ العهد والاختيار من أهل الحلِّ والعقد، بل تدخلُ في ذلك الانتخابات.\nوكشف هذه الشبهة أن يقال:\nإنَّ طريقة تولي الخلافة وسيلةٌ شرعية، والذي جاء عن السلف الصالح هاتان الطريقتان، فإحداثُ طريقةٍ ثالثة غير هاتين الطريقتين بدعةٌ لما تقدَّم تقريرهُ من قاعدة وجود المقتضي وانتفاء المانع في الوسائل.\nثم لو جاز إحداثُ طريقةٍ ثالثة لما جازت طريقةُ الانتخابات؛ لأنها لا تحقِّق عدلًا؛ لما تقدَّم بيانه (^٢).\nالشبهة الرابعة والعشرون:\nأن معاوية بن أبي سفيان -﵁- ومَن بعدَهُ أخطؤوا لمَّا جعلوا تولية الحكم بالتوريث، وقد يبالغ بعضُهم فلا يُثبت الولايةَ بمثل هذا.\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص: ٦٧).\n(^٢) تقدم (ص: ٦٦، ١٣٦).","vol":"1","page":137},{"text":"وكشف هذه الشبهة من وجهين:\nالوجه الأول: أن إثباتَ الولاية بالتوارث لأجل درءِ مفسدةٍ أعظمُ مطلوب شرعًا، فإنَّ خالَ المؤمنين معاوية بن أبي سفيان لو جعلها في غير بني أمية ما تحمَّلوا هذا، وجاءت منهم مفاسدُ عظيمة على المسلمين. ومما يؤكِّد ذلك أنهم استرجعوا حكمَ بلاد المسلمين كلِّها بعد انفلاتها منهم، فقد استردَّ ولايةَ بني أمية مروانُ بن الحكم وعلى إثر هذا سقطت ولاية عبد الله بن الزبير -﵁-.\nقال ابن خلدون في تاريخه: «والكلّ كانوا في مقاصدهم على حقٍّ، ثمّ اقتضت طبيعةُ الملك الانفراد بالمجد واستئثار الواحد به، ولم يكن لمعاوية أن يدفعَ عن نفسه وقومه؛ فهو أمر طبيعيّ ساقتهُ العصبيّة بطبيعتها، واستشعرته بنو أميّة.\nومن لم يكن على طريقة معاوية في اقتفاء الحقّ من أتباعهم فاعْصَوصَبوا عليه واستماتوا دونه، ولو حملهم معاويّة على غير تلك الطّريقة وخالفهم في الانفراد بالأمر لوقَع في افتراق الكلمة الّتي كان جَمعُها وتأليفُها أهمَّ عليه من أمرٍ ليس وراءه كبيرُ مخالفة.\nوقد كان عمر بن عبد العزيز -﵁- يقول إذا رأى القاسم بن محمّد بن أبي بكر: لو كان لي من الأمر شيء لولّيته الخلافة، ولو أراد أن يعهد إليه لفعل، ولكنّه كان يخشى من بني أميّة أهل الحلّ والعقد لما ذكرناه، فلا يقدر أن يحوِّل الأمر عنهم لئلَّا تقع الفرقة.\nوهذا كلّه إنّما حمل عليه منازع الملك الّتي هي مقتضى العصبيّة، فالملكُ إذا حصل وفرضنا أنَّ الواحد انفرد به وصرَفهُ في مذاهب الحقِّ ووجوهه = لم يكن في ذلك نكيرٌ عليه، ولقد انفرد سليمان وأبوه داود صلوات الله عليهما بملك بني","vol":"1","page":138},{"text":"إسرائيل لما اقتضته طبيعة الملك من الانفراد به، وكانوا ما علمتَ من النّبوة والحقّ، وكذلك عَهِدَ معاوية إلى يزيد خوفًا من افتراق الكلمة بما كانت بنو أميّة لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم. فلو قد عَهِدَ إلى غيره اختلفوا عليه مع أنّ ظنَّهم كان به صالحًا ولا يرتاب أحدٌ في ذلك ولا يُظَنُّ بمعاوية غيره، فلم يكن ليعهدَ إليه وهو يعتقد ما كان عليه من الفسقِ حاشا الله لمعاوية من ذلك» (^١).\nوقال ابن خلدون أيضًا: «ولا يتّهم الإمام في هذا الأمر، وإن عَهِدَ إلى أبيه أو ابنه؛ لأنّه مأمونٌ على النّظر لهم في حياته؛ فأَولى أن لا يحتمل فيها تبعةً بعد مماته؛ خلافًا لمن قال باتهامه في الولد والوالد، أو لمن خصَّص التّهمة بالولد دون الوالد، فإنّه بعيد عن الظنّة في ذلك كلِّه لا سيّما إذا كانت هناك داعية تدعو إليه من إيثار مصلحة، أو توقُّع مفسدة، فتنتفي الظنّة في ذلك رأسًا كما وقع في عهد معاوية لابنه يزيد، وإن كان فعلُ معاوية مع وِفاقِ النّاس له حجّةً في الباب، والّذي دعا معاوية لإيثار ابنه يزيد بالعهد دون من سواه إنّما هو مراعاةُ المصلحة في اجتماع النّاس واتّفاق أهوائهم باتّفاق أهل الحلِّ والعقد عليه حينئذٍ من بني أميّة؛ إذ بنو أميّة يومئذٍ لا يرضَونَ سواهم، وهم عصابة قريش وأهلُ الملّة أجمع، وأهلُ الغلب منهم؛ فآثَرهُ بذلك دون غيره ممّن يَظُنّ أنّه أولى بها، وعَدلَ عن الفاضل إلى المفضول حرصًا على الاتّفاق واجتماع الأهواء الّذي شأنه أهمُّ عند الشّارع.\nوإن كان لا يُظَنُّ بمعاوية غير هذا فعدالتهُ وصُحبته مانعةٌ من سوى ذلك، وحضورُ أكابر الصّحابة لذلك وسكوتهم عنه دليلٌ على انتفاء الرَّيب فيه، فليسوا ممّن يأخذهُم في الحقّ هوادةٌ، وليس معاوية ممّن تأخذهُ العزّة في قبول الحقّ؛ فإنّهم\n_________\n(^١) تاريخ ابن خلدون (١/ ٢٥٧).","vol":"1","page":139},{"text":"كلّهم أجلُّ من ذلك وعدالتُهم مانعةٌ منه، وفرار عبد الله بن عمر من ذلك إنّما هو محمول على تورّعه من الدّخول في شيء من الأمور مباحًا كان أو محظورًا كما هو معروف عنه، ولم يبقَ في المخالفة لهذا العهد الّذي اتّفق عليه الجمهور إلّا ابن الزّبير؛ وندور المخالف معروف.\nثمّ إنّه وقعَ مثلُ ذلك من بعد معاوية من الخلفاء الّذين كانوا يتحرّون الحقَّ ويعملون به؛ مثل عبد الملك وسليمان من بني أميّة، والسّفّاح والمنصور والمهديّ والرّشيد من بني العبّاس، وأمثالهم ممّن عرفت عدالتهم وحسنُ رأيهم للمسلمين والنّظر لهم، ولا يُعاب عليهم إيثارُ أبنائهم وإخوانهم وخروجهم عن سنن الخلفاء الأربعة في ذلك، فشأنهم غير شأن أولئك الخلفاء؛ فإنّهم كانوا على حين لم تحدث طبيعة الملك وكان الوازع دينيّا، فعند كلّ أحد وازع من نفسه، فعهدوا إلى من يرتضيه الدّين فقط، وآثروه على غيره، ووكلوا كلَّ من يسمو إلى ذلك إلى وازعه.\nوأمّا مَنْ بعدَهُم من لَدُنْ معاوية، فكانت العصبيّة قد أشرفَتْ على غايتها من الملك الوازع الدّينيّ قد ضعف، واحتيجَ إلى الوازع السّلطانيّ والعصبانيّ، فلو عهد إلى غير من ترتضيه العصبيّة لردَّتْ ذلك العهد وانتفض أمره سريعًا، وصارت الجماعة إلى الفرقة والاختلاف» (^١).\nوهكذا يقال فيمن بعده، فلو ولَّاه بغير طريقة الإرث لصارت المفسدة أكبر، والشريعة تنهى عما كانت مفسدته أكبر.\n_________\n(^١) (١/ ٢٦٢).","vol":"1","page":140},{"text":"الوجه الثاني: أمَّا مَنْ بالغَ ولم يعتبر الولاية صحيحة، فهو مخطئ قطعًا - لما تقدَّم ذكره، فإن لم يقبل ما سبق ذكرهُ فيقال - تنزُّلًا: إنَّ تولِّي الحكم بالتوريث ولاية تغلُّب، وإذا كان كذلك فهي ولايةٌ صحيحة شرعًا، فيجبُ السمع والطاعة للأدلة المتقدمة، ولإجماع أهل السُّنة على صحة ولاية المتغلِّب.\nالشبهة الخامسة والعشرون:\n«أن البيعة إنما تلزم مَنْ باشرها دون من لم يباشرها»\nوكشف هذه الشبهة من وجهين:\nالوجه الأول: إنَّ اعتقاد البيعة لازِمٌ في عنق كل من بايعه أهلُ الحلِّ والعقد، أو أخذ الحكم بالغلبة والقهر كما تقدم بالأدلة والإجماع (^١).\nالوجه الثاني: لا يُشترط لصحَّة البيعة أن يبايع كلُّ واحد بنفسه، قال الشوكاني: «وليس من شرط ثبوت الإمامة أن يبايعه كل مَنْ يصلح للمبايعة، ولا من شرط الطاعة على الرجل أن يكون من جملة المبايعين، فإن هذا الاشتراط في الأمرين مردود بإجماع المسلمين أولهم وآخرهم وسابقهم» (^٢)، وقد نصَّ على ذلك شيخنا الإمام عبدالعزيز بن باز -﵀- (^٣).\nوقال الإمام محمد ابن عثيمين -﵀-: «قد يقول قائل مثلًا: نحن لم نبايع الإمام، فليس كل واحد بايعه.\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٦٠).\n(^٢) السيل الجرار (١/ ٩٤١).\n(^٣) شريط: «أهداف الحملات الأعلامية ضد حكام علماء الحرمين».","vol":"1","page":141},{"text":"فيقال: هذه شبهة شيطانية باطلة، هل الصحابة -﵃- حين بايعوا أبا بكر، هل كلُّ واحدٍ منهم بايعَ حتى العجوز في بيتها، والبائع في سوقه؟ أبدًا؛ المبايعة لأهل الحلِّ والعقد، ومتى بايعوا ثبتت الولاية على كل أهل هذه البلاد شاء أم أبى، ولا أظن أحدًا من المسلمين، بل العقلاء يقول إنه لابد أن يبايع كل إنسان ولو في جحر بيته، ولو عجوزًا أو شيخًا كبيرًا أو صبيًا صغيرًا ما .. قال أحد بهذا» (^١).\n_________\n(^١) شرح رياض الصالحين (٦/ ٦٤٩).","vol":"1","page":142},{"text":"شبهات في عقد الإمامة\nالشبهة السادسة والعشرون:\nأنَّ الإمامة عقدٌ بين الحاكم والمحكوم، وفي العقد يُطالَبُ الطرفان بالقيام بحقوق كلِّ طرف، فإذا أخلَّ أحدُهم بما اتفق عليه بطل العقد. وهؤلاء فريقان؛ فمنهم مَنْ جعل العقدَ عقدَ ولاية، ومنهم من جَعله عقدَ وكالة، وهما قولان عند الحنابلة، ذكرهما أبو يعلى في كتابه المعتمد في أصول الدين.\nقال ابن رجب: «المتصرف تصرُّفًا عامًّا على الناس كلهم من غير ولاية أحدٍ معين وهو الإمام، هل يكون تصرُّفه عليهم بطريق الوكالة لهم أو بطريق الولاية؟.\nفي ذلك وجهان؛ وخرَّجَ الآمديُّ روايتين بناء على أن خطأه هل هو على عاقلته أو في بيت المال؛ لأنَّا إنْ جعلناه على عاقلته فهو متصرِّف بنفسه، وإنْ جعلناهُ في بيت المال، فهو متصرِّفٌ بوكالتهم لهم وعليهم، فلا يضمن لهم ولا يُهدِر خطأه، فيجب في بيت المال. واختيار القاضي في خلافه أنه متصرف بالوكالة لعمومهم.\nوذكر في الأحكام السلطانية روايتين في انعقاد الإمامة بمجرد القهر من غير عقد، وهذا يحسُن أن يكون أصلًا للخلاف في الولاية والوكالة أيضًا، وينبني على هذا الخلاف أيضًا انعزالُه بالعزل؛ ذكَرهُ الآمدي.\nفإن قلنا: هو وكيلٌ = فله أن يعزِلَ نفسه، وإن قلنا: هو والٍ = لم ينعزل بالعزل كما أن الرسول ليس له عزلُ نفسه؛ ولا ينعزلُ بموت من بايعَهُ؛ لأنه وكيلٌ عن الجميع لا عن أهل البيعة وحدهم، وهل لهم عزلُه إذا كان بسؤاله فحكمهُ حكمُ عزلِ نفسه، وإن كان بغير سؤاله لم يجز بغير خلاف، هذا ظاهر ما","vol":"1","page":143},{"text":"ذكره القاضي وغيره» (^١).\nوجواب هذه الشبهة أن يقال:\nإن ما حصل من نزاع عند بعض العلماء المتأخرين في نوع العقد بين الحاكم والمحكوم هل هو عقد وكالة أم ولاية؟ لا يعتد به لسببين:\nالسبب الأول: أنَّ هذا لم يُعرف عند العلماء الأولين، ولم يُلزموا أنفسَهُم بمثلِ هذا؛ ومذهبهم أسلم وأعلم وأحكم. وكل قول في الدين محدثٌ فلا يلتفت إليه.\nالسبب الثاني: أنه يرِدُ على القول بالوكالة إيراداتٌ مخالفة لإجماع أهل السُّنة؛ وكذلك على القول بالولاية:\nأما القول بالوكالة فيلزم عليه أنه يصحَّ للرعية أن يعزلوا الوالي، لأنه يصحُّ للوكيل أن يعزل الموكل، وهذا اللازم باطلٌ؛ لإجماعِ أهل السُّنة على بطلانه - كما سبق - (^٢)، فإذا بطلَ اللازم بطل الملزوم؛ فيبطلُ القول بعقد الوكالة.\nأما القول بالولاية فيلزم عليه: أنه لا يصحُّ للحاكم عزلُ نفسه، والأدلة دلت على صحَّة عزل الحاكم لنفسه، كما فعل هذا الحسن بن علي -﵄- بل ويرِدُ عليه أنه لو أفسدَ في الولاية وساء تصرُّفه جازَ نزعُه وخلعُه من الرعية الذين ولَّوه، وهذا اللازم باطلٌ؛ لإجماع أهل السُّنة على بطلانه - كما سبق - (^٣)، فإذا بطلَ اللازم بطل الملزوم، فيبطلُ القولُ بعقد الولاية.\n_________\n(^١) القواعد لابن رجب (ص: ١١٣).\n(^٢) سبق (ص: ٤٤).\n(^٣) سبق (ص: ٤٤)، ومن ذلك الإجماع على الصبر على جور وظلم الحاكم المسلم (ص: ٣٩).","vol":"1","page":144},{"text":"الشبهة السابعة والعشرون:\nأنَّ عقدَ الإمامة أشبهُ بعقد الوكالة، وأن الإمام وكيل أو أَجير، ويدلُّ لذلك قصة دخول أبي مسلم الخولاني على معاوية بن أبي سفيان فقال: «السلام عليكم أيها الأجير، فقالوا: قل السَّلامُ عليكَ أيها الأمير، فقال السلام عليك أيها الأجير، فقالوا: قل: السَّلام عليك أيها الأمير، فقال السَّلام عليك أيها الأجير، فقالوا قل السلام عليك أيها الأمير، فقال: السلام عليك أيها الأجير، فقال معاوية: دعوا أبا مسلم فإنه أعلَمُ بما يقول، فقال إنما أنت أجيرٌ استأجركَ ربُّ هذه الغنم لرعايتها؛ فإنْ أنتَ هنأت جرباها، وداويتَ مرضاها، وحبستَ أُولاها على أُخراها: وفَّاكَ سيِّدها أجرَكَ، وإن أنتَ لم تهنأ جرباها ولم تداو مرضاها، ولم تحبس أُولاها على أُخراها عاقبكَ سيِّدُها»، ثم قال هذا المستدل: وهذا يؤكد أنَّ عقد الإمامة في نظر الصحابة -﵃- هو عقدٌ أشبه بالوكالة، والإمام كالوكيل أو الأجير.\nوالجواب على هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أن هذا الأثر ضعيف؛ فقد أخرجه ابن عساكر (^١)، ولمَّا ذكرهُ الذهبي في السير (^٢)، وتاريخ الإسلام (^٣)، بين أن في إسناده أبا بكر بن أبي مريم.\nوأبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم ضعيف؛ قد ضعَّفه أحمد بن حنبل وابن معين والرازيان كما في تهذيب التهذيب.\nالوجه الثاني: القول بأن العقد عقد كالوكالة لا يصح؛ لأنه يلزم على هذا أن\n_________\n(^١) تاريخ دمشق (٢٧/ ٢٢٣).\n(^٢) سير أعلام النبلاء (٤/ ١٣).\n(^٣) تاريخ الإسلام (٢/ ٧٤٥).","vol":"1","page":145},{"text":"للوكيل حقًّا في عزلهِ وهذا القولُ أجنبيٌّ عن معتقد أهل السنة كما تقدم، ومثلُه يقال في القول: إنه عقد إجارة فإنه لا يصحُّ أيضًا؛ لأنه يلزم منه ما يلزم من الوكالة.\nالوجه الثالث: أن قول أبي مسلم الخولاني - إن صحَّ - أيها الأجير.\nالمراد من باب التقريب والتشبيه أنه أجيرٌ من الله على الرعية؛ لذا قال أبو مسلم: استأجرك ربُّ هذه الغنم لرعايتها؛ فإن أنت هنأت جرباها، وداويتَ مرضاها، وحبستَ أُولاها على أُخراها: وفَّاك سيِّدُها أجرَك، وإنْ أنت لم تهنأ جرباها ولم تداوِ مرضاها؛ ولم تحبس أُولاها على أُخراها عاقبكَ سيِّدها.\nوهذا الذي فهمه ابن تيمية أنه أجيرٌ من الله، لا كما ظنَّ المستدلُّ أن نوع العقد الذي بين الحاكم والمحكوم عقدُ إجارة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا ظاهر في الاعتبار: فإنَّ الخلق عباد الله، والولاة نوابُ الله على عباده، وهم وكلاء العباد على نفوسهم؛ بمنزلة أحد الشريكين مع الآخر؛ ففيهم معنى الولاية والوكالة» (^١).\nالشبهة الثامنة والعشرون:\nأن السمع والطاعة مقايضةٌ بين الحاكم والمحكوم، فإذا قام الحاكم بالحقوق التي عليه قام المحكومون بالحقوق التي عليهم.\nوكشفُ هذه الشبهة ببيان عدم صحة هذا لأمرين:\nالأمر الأول: أمرت الشريعة بالصبر على جور الحاكم، ومن ذلك إذا قصَّر الحاكم في القيام بحقوق المحكومين، ولم تأمر الشريعة بالصبر على جَور المحكوم،\n_________\n(^١) السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية (ص: ١١).","vol":"1","page":146},{"text":"بل إذا أخطأ أحدٌ من الرعية له أن يؤدِّبهم، بخلاف إذا أخطأ الحاكم وظَلَم، فالرعية مأمورةٌ بالصبر عليه، لما تقدم من الأدلة وإجماع أهل السُّنة (^١)، وللحِكَم العظيمة، وهي درءُ المفسدة الكبرى بالصغرى.\nالأمر الثاني: توعَّدت الشريعة مَنْ تعامل مع الحاكم معاملة مقايضة بوعيدٍ شديد؛ قال أبو هريرة -﵁-: قال رسول الله -ﷺ-: «ثلاثة لا يكلِّمهم الله ولا ينظرُ إليهم ولهم عذابٌ أليم»، ثم قال: «رجلٌ بايعَ رجلًا لا يبايعهُ إلَّا لدنيا فإن أعطاه ما يريد وفى له وإلَّا لم يفِ له» (^٢).\nقال القرطبي: «يعني: أنَّ الله تعالى كلَّف الولاة العدلَ وحسنَ الرعاية، وكلّف المولَّى عليهم الطاعة وحسن النصيحة. فأراد: أنه إن عصى الأمراءُ الله فيكم، ولم يقوموا بحقوقكم: فلا تعصوا الله أنتم فيهم، وقوموا بحقوقهم، فإن الله مُجازٍ كلَّ واحدٍ من الفريقين بما عمل» (^٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وطاعة ولاة الأمور واجبة؛ لأمر الله بطاعتهم، فمن أطاعَ الله ورسوله بطاعة ولاة الأمر لله فأجرهُ على الله، ومَن كان لا يطيعُهم إلَّا لما يأخذه من الولاية والمال؛ فإن أعطَوه أطاعَهُم؛ وإن منعوهُ عَصاهم: فما له في الآخرة من خَلاق» (^٤).\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٧).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٧٢)، ومسلم (١٠٨).\n(^٣) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٤/ ٥٥).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٦).","vol":"1","page":147},{"text":"الشبهة التاسعة والعشرون:\nأن المرجع في اختيار الحاكم إلى الأمة لا إلى أهل الحلِّ والعقد، فلا يصحُّ تقييد الأمر بأهل الحلِّ والعقد دون الأمة.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أن العلماء من المذاهب الأربعة متواردون على هذا، ولم أرَ أحدًا من العلماء ذكر عدمَ تعليق الاختيار بأهل الحلِّ والعقد؛ بل في عبارة بعضهم حكاية الإجماع، ومن المتقرِّر شرعًا أنه لا يجوز لأحدٍ أن يقول قولًا في الشريعة وليس له سلف وإلَّا صار قولُه محدثًا.\nوقد سبق نقلُ كلام العلماء في تعليق الأمر بأهل الحلِّ والعقد (^١).\nالوجه الثاني: أن عمر بن الخطاب -﵁- جعل الأمر في ستةٍ، والشورى فيهم دون عموم الناس وهؤلاء نوعٌ من أهل الحلِّ والعقد، قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: «باجتماع أهل الحلِّ والعقد عليه، يعني وجهاء البلاد، وشرفاء البلاد، وأعيان البلاد، يجتمعون على هذا الرجل المعين، وينصبونه إمامًا، ومن ذلك الصورة المصغَّرة التي اختارها عمر بن الخطاب -﵁-؛ فإنَّ عمر لم يعهد إلى شخص معين، ولم يجعل الأمر عامًّا بين المسلمين، ولكنه جعل الأمر بين ستة أشخاص، تخيَّرهم -﵁-، وعلَّل تخيُّره إيَّاهم بأن النبي -ﷺ- توفي وهو عنهم راضٍ، فجعل الأمر بينهم، وهذا نوع من اختيار أهل الحلِّ والعقد، ونوعٌ من العهد بالخلافة إلى معيَّن؛ لأن الخليفة لا يخرج عن هذه الدائرة الضيقة، وهم ستة فقط،\n_________\n(^١) سبق (ص: ٦٠).","vol":"1","page":148},{"text":"يعني لو أن هؤلاء الستة اختاروا رجلًا من غير الستة فإنه لا يصحُّ اختيارهم؛ لأنه خلافُ ما عهِدَ به الخليفة السابق» (^١).\nالوجه الثالث: لم يكن الخلفاء الراشدون ولا غيرهم يستشيرون الأمة كلَّها، ومن ادعى هذا فعليه بالدليل، فلما عهد أبو بكر لعمر لم يستشر الأمة كلها، ولما جعل عمر -﵁- الأمر في ستةٍ لم يستشر الأمة كلَّها، ولما أراد عبد الرحمن بن عوف -﵁- أن يجعل واحدًا من الستة لم يستشر الأمة كلها، ولما تولَّى علي بن أبي طالب -﵁- لم يستشر الأمة كلها، بل القراء - أي العلماء - أصحابُ مشورة عمر دون الأمة كلِّها.\nعن ابن عباس: «وكان القرَّاء أصحابَ مجلس عمر ومشاورته، كهولًا كانوا أو شُبَّانا» (^٢).\nالوجه الرابع: أن عدم اعتبار أهل الحلِّ والعقد سيُرجع الأمر إلى اعتبار الكثرة، وتقدَّم (^٣) أن الكثرة ليست معتبرة شرعًا ولا عقلًا؛ أما شرعًا فليس هناك دليل بل ذمَّت الشريعة الكثرة: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾، وقال: ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦].\nوأمَّا عقلًا فلا يصح أن يساوى الفاجر بالمتقي ولا الذي تلقَّى الدرجات العُلى في العلم بمن ليس متعلمًا.\n_________\n(^١) الشرح الممتع (١٤/ ٣٩٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٦٤٢).\n(^٣) تقدم ص: ١٣٦.","vol":"1","page":149},{"text":"تنبيه:\nكابَر بعضُهم فقال: «إن لفظ: «أهل الحلِّ والعقد» لم يرد في الكتاب والسنة».\nفيقال: إنه ولو لم يرد في الكتاب والسنة بهذا اللفظ، لكن وردَ ما يدلُّ عليه كما تقدَّم ذِكرُه (^١)، وقد أجمع العلماء عليه، وأيضًا فلا مشاحة في الاصطلاح لا سيما وقد تواردَ العلماء عليه، ثم مما يدلُّ على أن هذا المعترض مماحكٌ أنه يستعمل عبارات كثيرة لم ترد في الكتاب والسنة، بل لم يرد معناها؛ فقد كذبَ وزعمَ أنَّ الصحابة سبقوا إلى البرلمانات وأنَّ للثورات سلفًا!.\nوهذان الأمران لفظًا ومعنًى محرَّمان في الشريعة، فعجبًا له ماحكَ في الألفاظ وأتى بمعانٍ وألفاظ مخالفة للشرع.\n_________\n(^١) تقدم ص: ٦٠.","vol":"1","page":150},{"text":"شبهات في الخروج وما يتعلق به\nالشبهة الثلاثون:\nأن في مسألة الخروج على الحاكم الفاسق خلافًا سائغًا، فلا يصح لأحدٍ أن يشنِّع على مَنْ خالف فيها؛ لأنها مسألة اجتهادية كبقية المسائل الاجتهادية، وهذا القول هو قول الحسين -﵁- فقد خرج على يزيد، وخرج عبد الله بن الزبير على يزيد وابنه معاوية بن يزيد بن معاوية، وخرج جمعٌ من القراء - الفقهاء - على الحجاج.\nوالجوابُ على هذه الشبهة بطريقين؛ مجمَل ومفصَّل:\nأما الجواب المجمل:\nإنه قد كان للسلف قولان في الخروج على الحاكم الفاسق، ثم بعد فتنة ابن الأشعث انعقد إجماعُ السلف على عدم الخروج على السلطان؛ لذلك تواردَ أئمة السُّنة على ذكر هذه المسألة في كتب الاعتقاد، وجعلوا مَنْ خالف فيها مبتدعًا\n- وقد تقدَّم نقلُ كلامهم - (^١)، وقد نصَّ جمعٌ من العلماء على أنَّ الإجماع انعقد بعد خلاف (^٢)؛ ودونكَ كلامهم:\nالأول: شيخ الإسلام ابن تيمية:\nقال -﵀-: «كان أفاضل المسلمين ينهَون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهَون عام الحرَّة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٩).\n(^٢) الإجماع بعد خلاف حجَّة وإجماع، فإن الأدلة بينت أنَّ الإجماع حجة، ولم تشترط ألا يُسبَق بخلاف، والقول بأنه ليس حجة لم أره منسوبًا لأحد من العلماء الأولين إلَّا رواية عن الإمام أحمد نسَبها إليه أبو يعلى في كتابه العدة في أصول الفقه (٤/ ١١٠٥)، وجعلها ظاهرَ قوله مستنبطًا ذلك من كلامٍ لأحمد، ولم ينسبه لغيره من الأئمة.\nوما اعتمد عليه لا يسلَّم به؛ وقد خالفه أبو الخطاب في التمهيد (٣/ ٢٩٧)، وابن قدامة في الروضة (١/ ٤٢٨) لم يتابعاه على ذلك ولم ينسباه لأحمد.\nوالذي يظهر - والله أعلم - أنَّ القول بأنه ليس حجة قولٌ محدث على خلافِ ما عليه السلف الأولون.","vol":"1","page":151},{"text":"عن الخروج في فتنة ابن الأشعث.\nولهذا استقرَّ أمرُ أهل السنة على ترك القتال في الفتنة؛ للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي -ﷺ- وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم، ويأمرون بالصبر على جَورالأئمة وتركِ قتالهم» (^١).\nالثاني: أبو بكر بن مجاهد، ونقله النووي.\nالثالث: النووي:\nقال النووي: «وأما الخروج عليهم وقتالهم؛ فحرامٌ بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسَقة ظالِمين، وقد تظاهرت الأحاديث بِمعنَى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجهُ المذكور فِي كتب الفقه لبعض أصحابنا - أنه ينعزل وحكي عن المعتزلة أيضًا - فغلطٌ من قائله مُخالف للإجماع.\nقال العلماء: وسببُ عدم انعزاله وتَحريْم الخروج عليه ما يترتبُ على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين، فتكون المفسدة في عزله أكثرَ منها في بقائه.\nثُمَّ قال: قال القاضي: «وقد ادَّعى أبو بكر بن مُجاهد فِي هذا الإجماعَ، وقد رَدَّ عليه بعضُهم هذا بقيام الحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بنِي أمية، وبقيام جماعةٍ عظيمة من التابعين والصَّدر الأول على الحجَّاج مع ابن الأشعث، وتأول هذا القائل قوله: «ألَّا ننازعَ الأمرَ أهلَه» فِي أئمة العدل».\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٤/ ٥٢٩).","vol":"1","page":152},{"text":"ثُمَّ قال: قال القاضي: «وقيل: إنَّ هذا الخلاف كان أولًا ثُمَّ حصل الإجماعُ على منع الخروجَ عليهم، والله أعلم» (^١).\nالرابع: ابن حجر:\nقال: «وقولهم: «كان يرى السيف» - يعني: الحسن بن صالح - يعنِي: كان يرى الخروجَ بالسيف على أئمة الجور، وهذا مذهبٌ للسلف قديْم، لكن استقر الأمر على ترك ذلك لمَّا رأوه قد أفضى إلى أشدَّ منه ففي وقعة الحرة، ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عظةٌ لمن تدبر» (^٢).\nوبعد هذه النقولات الأربعة فإنه يضاف إليها كلُّ مَنْ حَكى عدَم الخروج على الحاكم الفاسق معتقدًا لأهل السنة، أو أن المخالف مبتدع، فهو يرى أنَّ المسألة إجماعية - وتقدَّم النقل عنهم - (^٣).\nوهذا الجواب المجمل كافٍ في كشف هذه الشبهة وردِّها؛ وما يذكر بعد ذلك تفصيلًا فهو تتمة، وإلا فإن الجواب المجمل كاف، وإنَّ من فوائد الجواب المفصَّل أن يعلم أنه لا خلاف بين الصحابة في حُرمة الخروجِ وإنما حصل الخلافُ عند التابعين ثم انعقد الإجماع.\nالجواب المفصل:\nأولًا: الجواب المفصل على خروج الحسين بن علي -﵄- يكون من أوجه:\n_________\n(^١) في شرح مسلم (١٢/ ٢٢٩).\n(^٢) تَهذيب التهذيب (٢/ ٢٨٨).\n(^٣) تقدم (ص: ٣٩).","vol":"1","page":153},{"text":"الوجه الأول:\nأنَّ جمعًا من الصحابة خالفوا الحسين بن علي -﵄-، وفي مقدمهم عمر بن الخطاب، ومنهم ابن مسعود وأبو مسعود البدري وحذيفة وأنس -﵃-، ودونكَ هذه الآثار:\nقال سويد بن غفلة، قال: «قال لي عمر: يا أبا أمية إني لا أدري لعلِّي أن لا ألقاكَ بعد عامي هذا؛ فاسمَع وأطِعْ وإن أُمِّر عليك عبدٌ حبشيٌّ مجدَّع؛ إنْ ضربكَ فاصبرْ، وإنْ حرمكَ فاصبر، وإنْ أراد أمرًا ينتقصُ دينك فقل: سمعٌ وطاعةٌ؛ ودمي دون ديني؛ فلا تفارق الجماعة» (^١)، وهذا حاكمٌ ظالمٌ وأُمر بالصبر عليه.\nعن سماك بن الوليد الحنفي أنه لقي ابنَ عباس بالمدينة فقال: «ما يقولُ في سلطان علينا يظلمونا ويشتمونا ويعتدون علينا في صدقاتنا؛ ألا نمنعهُم؟ قال: لا، أعطِهم يا حنفي … وقال: يا حنفي: الجماعةَ، الجماعة، إنَّما هلكَتِ الأممُ الخالية بتفرُّقها، أما سمعتَ قول الله -﷿-: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾\n[آل عمران: ١٠٣]» (^٢).\nقال زر بن حبيش: «لمَّا أنكرَ الناس سيرة الوليد بن عقبة بن أبي معيط، فزع الناسُ إلى عبد الله بن مسعود، فقال لهم عبد الله بن مسعود: «اصبروا؛ فإنَّ جَورَ إمامٍ خمسين عامًا خيرٌ من هَرجِ شهر» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٥٤٤) وسنده صحيح.\n(^٢) تفسير ابن أبي حاتم (٣/ ٧٢٤) وسنده صحيح.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (١٠/ ١٣٢) وابن عساكر في تاريخه (٦٣/ ٢٤١).\nقال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (١٤٤١): رواه الطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به اهـ.","vol":"1","page":154},{"text":"وثبتَ عن أبي مسعود البدري أنه قال: «اتقوا الله واصبروا حتى يستريحَ بَرٌّ أو يُستراحَ من فاجر؛ وعليكم بالجماعة، فإنَّ الله لا يجمع أمة محمدٍ على ضلالة» (^١).\nعن نعيم بن أبي هند، أنَّ أبا مسعود خرج من الكوفة ورأسُه يقطر، وهو يريدُ أن يُحرم، فقالوا له: «أوصِنا. فقال: أيها الناس اتَّهموا الرأيَ، فقد رأيتُني أهمُّ أن أضربَ بسيفي في معصيةِ الله ومعصيةِ رسوله، قالوا: أوصِنا. قال: عليكُم بالجماعة؛ فإنَّ الله لم يكن ليجمعَ أمة محمدٍ على ضلالة، قال: قالوا: أوصِنا. فقال: بتقوى الله، والصَّبر حتى يستريحَ برٌّ، أو يُستراحَ من فاجر» (^٢).\nعن زيد بن يثيع أنه قال: «قال حذيفة بن اليمان: أيْ قوم؛ كيف أنتم إذا سُئلتم الحقَّ فأعطيتموهُ ثمَّ مُنعتُم حقَّكم؟، قلنا: مَنْ أدركَ ذلك منا صَبرَ، قال حذيفة: دخلتُموها إذًا وربِّ الكعبة - يعني الجنة -» (^٣).\nوعن الزبير بن عدي قال: «أتينا أنسَ بن مالك، فشكَونا إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: اصبروا، فإنَّه لا يأتي عليكم زمانٌ إلَّا الذي بعده شرٌّ منه، حتى\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٤٥٧).\nقال ابن حجر في التلخيص الحبير (٣/ ٢٩٦): «عن يُسير بن عمرو قال: شيَّعنا أبا مسعود حين خرج، فنزل في طريق القادسية، فدخل بستانًا فقضى حاجته، ثم توضَّأ ومسحَ على جوربَيه، ثم خرج، وإنَّ لحيته ليقطرُ منها الماء، فقلنا له: اعهد إلينا فإنَّ الناس قد وقعوا في الفتن، ولا ندري هل نلقاكَ أم لا، قال: اتَّقوا الله واصبروا حتى يستريحَ برٌّ، أو يُستراحَ من فاجر، وعليكم بالجماعة فإنَّ الله لا يجمعُ أمة محمدٍ على ضلالة».\nقال الحافظ: «إسناده صحيح، ومثله لا يُقال من قبل الرأي» اهـ.\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٥٠٨) بسند صحيح.\n(^٣) أخرجه معمر في جامعه الملحق بالمصنف (١١/ ٣٤٣)، والحاكم (٤/ ٥٢١).","vol":"1","page":155},{"text":"تلقوا ربَّكم، سمعتهُ من نبيِّكم -ﷺ-» (^١).\nعن أنس بن مالك -﵁- أنه قال: نهانا كُبراؤنا من أصحاب رسول الله -ﷺ-؛ قالوا: «لا تسبُّوا أمراءَكُم، ولا تغشُّوهم، ولا تعصُوهم، واتَّقوا الله واصبروا؛ فإنَّ الأمر قريب» (^٢).\nبل قد ثبتَ أنَّ جمعًا من الصحابة أنكروا على الحسين بن علي -﵄- لما أراد الخروجَ إلى الكوفة، ودونكَ بعضهم:\nثبت عن ابن عباس أنه قال: «استأذَنَني حسينٌ في الخروج، فقلت: لولا أن يُزرِيَ ذلك بي أو بكَ لشبكتُ بيديَّ في رأسك» (^٣).\nثبت عن عبد الله بن عمرو: «عجَّل حسينٌ قدره، عجَّل حسينٌ قدَره، والله لو أدركتهُ ما كان ليخرجَ إلَّا أن يغلبني» (^٤).\nوقد ذكر ابن سعد عن جمعٍ من الصحابة أنهم أنكروا على الحسين الخروجَ؛ مثل عبدالله بن عمر بن الخطاب وأبي سعيد وأبي واقد الليثي وجابر بن عبدالله وعبدالله بن الزبير والمسور بن مخرمة -﵃- (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٧٠٦٨).\n(^٢) أخرجه ابن أبي عاصم في السنة (٢/ ٤٨٨)، وجوَّد إسناده الشيخ الألباني في (ظلال الجنة).\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير (٣/ ١١٩).\n(^٤) قال ابن كثير في البداية والنهاية (١١/ ٤٩٧): «وقال يحيى بن معين: حدثنا أبو عبيدة، ثنا سليم بن حيان، عن سعيد بن مينا، والإسناد صحيح».\n(^٥) الطبقات الكبرى (٦/ ٤٢٢)، طبعة الخانجي.\nقال ابن سعد: «وغير هؤلاء أيضًا قد حدثني في هذا الحديث بطائفةٍ فكتبتُ جوامع حديثهِم في مقتل الحسين رحمة الله عليه ورضوانه وصلواته»، وقد اعتمدَ على ابن سعد في هذا الذهبيُّ في السير وابن كثير في البداية والنهاية.","vol":"1","page":156},{"text":"فإذا ثبتَ الخلافُ بين الصحابة - تنزُّلًا -، فالمرجع إلى الأدلة الشرعية، وقد تقدَّمت الأدلة الواضحة في وجوب السمع الطاعة للحاكم المسلم وإن كان فاسقًا وظالمًا في غير معصية الله (^١)، ولا يصحُّ لأحدٍ أن يردَّ الدليل بحجَّة الخلاف، بل الواجبُ أن يردَّ الخلاف إلى الدليل؛ قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠]، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].\nوقد حكى غيرُ واحدٍ إجماعَ أهل العلم على أنَّ الدليل لا يُردُّ إلى الخلاف بل يَردُّ الخلافُ إلى الدليل (^٢).\nالوجه الثاني: من الجواب المفصَّل على خروج الحسين:\nأن الحسين بن علي -﵄- لم يبايع يزيدَ بن معاوية بيعةً شرعية؛ متأوِّلًا أنَّ\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٥).\n(^٢) قال ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (٢/ ٩٢٢): «الاختلاف ليس بحجَّة عند أحدٍ علمتُه من فقهاء الأمة إلَّا مَنْ لا بصرَ له، ولا معرفة عنده، ولا حجَّة في قوله».\nوقال الشاطبي في الموافقات (٥/ ٩٣) نقلًا عن الخطابي: «وليس الاختلافُ حجَّةً، وبيان السنة حجَّة على المختلفين من الأولين والآخرين».\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في رفع الملام عن الأئمة الأعلام (ص: ٦١): «هذا هو الذي يُمكن أن يُقالَ في أحاديث الوعيد إذا صادفت محلَّ خلاف، إذ العلماء مجمعونَ على الاحتجاج في تحريم الفعل المتوعَّد عليه، سواءٌ كان محلَّ وِفاقٍ أو خلاف، بل أكثر ما يحتاجون إليه الاستدلال بها في موارد الخلاف، ثم قال: إنَّ جنس التحريم إمَّا أن يكون ثابتًا في محلِّ خلاف، أو لا يكون، فإنْ لم يكن ثابتًا في محلِّ خلافٍ قطُّ لزِمَ أن لا يكون حرامًا إلَّا ما أُجمع على تحريمه، فكلَّ ما اختُلفَ في تحريمهِ يكونُ حلالًا؛ وهذا مخالفٌ لإجماع الأمة وهو معلومُ البطلان بالاضطرار من دينِ الإسلام».","vol":"1","page":157},{"text":"البيعة لا تلزمه، وإنَّما انتهت البيعة التي في عُنقهِ بموت معاوية بن أبي سفيان -﵄-، وأما بيعة ما بعدَه، فلم يرَها مُلزِمةً له، ولما رأى أنَّ عنده قدرةً وقوةً خرج على يزيد لما علِمَ من فسقهِ، وليس في عنقه بيعةٌ له تمنعهُ من الخروج؛ فهو لم يخرج على حاكمٍ بايعَهُ، فلا يُستفاد منه أنَّ مذهبه جوازُ نقضِ البيعة والخروج على حاكمهِ لفسقهِ؛ فخطؤه -﵁- في عدمِ المبايعة ليزيد، وليزيدَ شوكةٌ وقوة، ثم في ظنِّه أن عنده قدرة وليس الأمر كذلك.\nقال ابن خلدون في تاريخه: «وأمّا الحسين فإنّه لمّا ظهرَ فسقُ يزيد عند الكافَّة من أهل عصره بعثتْ شيعةُ أهل البيت بالكوفة للحسين أن يأتيَهُم فيقوموا بأمره، فرأى الحسينُ أنّ الخروج على يزيد متعيّن من أجل فسقهِ لا سيّما مَنْ له القدرة على ذلك؛ وظنَّها من نفسه بأهليّته وشوكته، فأمّا الأهليّة فكانت كما ظنَّ وزيادة، وأمَّا الشّوكة فغلط -﵀- فيها؛ لأنّ عصبيّة مضر كانت في قريش، وعصبيّة عبد مناف إنّما كانت في بني أميّة؛ تعرف ذلك لهم قريش وسائرُ النّاس ولا ينكرونه، وإنَّما نسي ذلك أوَّلَ الإسلام لما شغلَ النّاسَ من الذّهولِ بالخوارق وأمرِ الوحي وتردّد الملائكة لنصرة المسلمين، فأغفَلوا أمورَ عوائدِهم، وذهبت عصبيّة الجاهليّة ومنازعها، ونسيت ولم يبق إلَّا العصبيّة الطّبيعيّة في الحماية والدّفاع يُنتفع بها في إقامة الدّين وجهاد المشركين، والدّين فيها محكَّم والعادة معزولة حتّى إذا انقطع أمرُ النّبوة والخوارق المهولة، تراجعَ الحكمُ بعضَ الشّيء للعوائد، فعادت العصبيّة كما كانت ولمن كانت، وأصبحت مضرُ أطوعَ لبني أميّة من سواهم بما كان لهم من ذلك قبل، فقد تبيَّن لكَ غلطُ الحسين إلَّا أنّه في أمرٍ دنيويٍّ لا يضرُّه الغلط فيه، وأمّا الحكمُ الشّرعيُّ فلم يغلط فيه؛ لأنّه منوطٌ بظنِّه، وكان","vol":"1","page":158},{"text":"ظنُّه القدرة على ذلك، ولقد عذَلَهُ ابن العبّاس وابن الزّبير وابن عمر وابن الحنفيّة أخوه وغيره في مسيرهِ إلى الكوفة، وعلموا غلطَهُ في ذلك ولم يرجع عمَّا هو بسبيله لما أراده الله» (^١).\nالوجه الثالث: من الجواب المفصَّل على خروج الحسين:\nأن الحسين بن علي -﵄- تراجعَ، فكيف يُحتجُّ بفعله، وقد رجع عنه، فإنه خيَّرهم بين أمور ثلاثة؛ إمَّا أن يذهبَ ويبايعَ يزيدَ أو أن يتركوه ليقاتلَ الكفار في الثغور أو أن يرجعَ إلى المدينة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فيقال: إنَّ يزيد لم يأمر بقتل الحسين باتفاق أهل النقل، ولكن كتب إلى ابن زياد أن يمنعَهُ عن ولاية العراق، والحسينُ -﵁- كان يظنُّ أنَّ أهل العراق ينصرونه ويوفون له بما كتبوا إليه، فأرسل إليهم ابنُ عمِّه مسلم بن عقيل، فلما قتلوا مسلمًا وغدروا به وبايعوا ابنَ زياد، أراد الرجوعَ فأدركتهُ السَّرية الظالمة، فطلبَ أن يذهبَ إلى يزيد، أو يذهبَ إلى الثغر، أو يرجع إلى بلده، فلم يمكِّنوه من شيء من ذلك حتى يستأسرَ لهم، فامتنع، فقاتلوه حتى قُتل شهيدًا مظلومًا -﵁-، ولما بلغَ ذلك يزيد أظهرَ التوجُّع على ذلك، وظهر البكاء في داره، ولم يسْب له حريمًا أصلًا، بل أكرمَ أهل بيته، وأجازَهُم حتى ردَّهم إلى بلدهم» (^٢).\nوقال: «والحسين -﵁- ما خرجَ يريدُ القتال، ولكن ظنَّ أن الناس يطيعونه، فلما رأى انصرافَهم عنه، طلب الرجوعَ إلى وطنه، أو الذهابَ إلى الثغر، أو إتيانَ\n_________\n(^١) (١/ ٢٦٩).\n(^٢) منهاج السنة النبوية (٤/ ٤٧٢).","vol":"1","page":159},{"text":"يزيد، فلم يمكِّنه أولئك الظَّلَمة لا من هذا ولا من هذا ولا من هذا، وطلبوا أن يأخذوه أسيرًا إلى يزيد، فامتنعَ من ذلك وقاتلَ حتى قُتل مظلومًا شهيدًا، لم يكن قصدُه ابتداءً أن يقاتل» (^١).\nوقال: «وكذلك الحسين -﵁- لم يُقتل إلَّا مظلومًا شهيدًا، تاركًا لطلب الإمارة، طالبًا للرجوع: إمَّا إلى بلده، أو إلى الثغر، أو إلى المتولِّي على الناس يزيد. وإذا قال القائل: إنَّ عليًّا والحسين إنَّما تركَا القتالَ في آخر الأمر للعجز، لأنه لم يكن لهما أنصار، فكان في المقاتلة قتل النفوس بلا حصول المصلحة المطلوبة.\nقيل له: وهذا بعينه هو الحكمة التي راعاها الشارع -ﷺ- في النهي عن الخروج على الأمراء، وندبَ إلى ترك القتال في الفتنة، وإن كان الفاعلون لذلك يرَونَ أن مقصودَهم الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، كالذين خرجوا بالحرَّة وبدَير الجماجم على يزيد والحجاج وغيرهما.\nلكن إذا لم يُزلِ المنكر إلَّا بما هو أنكرُ منه، صار إزالته على هذا الوجه منكَرًا، وإذا لم يحصل المعروف إلَّا بمنكر مفسدتهُ أعظمُ من مصلحة ذلك المعروف، كان تحصيلُ ذلك المعروف على هذا الوجه منكرًا» (^٢).\nوقال ابن كثير: «فالتجأ الحسين بن علي وأصحابه إلى مقصبةٍ هنالك، وجعلوها منهم بظهر، وواجهوا أولئك، وطلب منهم الحسين إحدى ثلاث، إمَّا أن يدَعوه يرجعُ من حيث جاء، وإمَّا أن يذهبَ إلى ثغرٍ من الثغور فيقاتل فيه، أو يتركوه حتى يذهب إلى يزيد بن معاوية فيضع يدَهُ في يده، فيحكم فيه بما شاء،\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٤/ ٤٢).\n(^٢) منهاج السنة النبوية (٤/ ٥٣٥).","vol":"1","page":160},{"text":"فأبوا عليه واحدةً منهن، وقالوا: لا بدَّ من قدومك على عبيد الله بن زياد فيرى فيكَ رأيه، فأبى أن يقدمَ عليه أبدًا، وقاتلَهُم دون ذلك، فقتلوه، -﵀-» (^١).\nفدلَّ هذا على أنَّ الحسين -﵁- يرى بيعةَ الفاسق كبقية أهلِ السُّنة، فإنه أرادَ بيعة يزيد بن معاوية لكنه قتل.\n\n<span data-type='title' id=toc-76>تنبيه:\nضلَّ في قتل الحسين طائفتان</span>؛ طائفةٌ قالت: قُتلَ بحقٍّ؛ كما يستفاد من كلام ابن العربي المالكي (^٢)، وطائفة قالت: إنَّه الإمام الذي يجبُ أن يُبايع.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وصار الناس في قتل الحسين -﵁- ثلاثة أصناف: طرفَين ووسطًا، أحدُ الطرفين يقول: إنه قُتلَ بحقٍّ؛ فإنه أرادَ أن يشقَّ عصا المسلمين، ويفرِّق الجماعة، وقد ثبت في الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه قال:\n«مَنْ جاءكم وأمركُم على رجلٍ واحدٍ يريدُ أن يفرِّق جماعتكُم فاقتُلوه» (^٣)، قالوا: والحسينُ جاء وأمرُ المسلمين على رجلٍ واحد، فأراد أن يفرِّقَ جماعتهم، وقال بعضُ هؤلاء: «هو أولُ خارجٍ خرجَ في الإسلام على ولاة الأمر، والطرف\n_________\n(^١) البداية والنهاية (٩/ ٢٤٢).\n(^٢) قال في العواصم من القواصم (ص: ٢٣٢): «وما خرجَ إليه أحدٌ إلَّا بتأويل، ولا قاتلوه إلَّا بما سمعوا من جدِّه المهيمن على الرسل، المخبر بفساد الحال، المحذِّر من الدخول في الفتن. وأقواله في ذلك كثيرة: منها قوله -ﷺ-: «إنَّه ستكونُ هناتٌ وهَنات، فمَن أراد أن يفرِّق أمرَ هذه الأمة وهي جميعٌ فاضربوهُ بالسَّيف كائنًا من كان»، فما خرجَ الناسُ إلَّا بهذا وأمثاله؛ ولو أنَّ عظيمَها وابنَ عظيمها وشريفَها وابنَ شريفها الحسين وسِعَهُ بيتهُ أو ضَيعتُه أو إبله …» اهـ.\n(^٣) أخرجه مسلم (١٨٥٢).","vol":"1","page":161},{"text":"الآخر قالوا: بل كان هو الإمام الواجب طاعته، الذي لا يَنفُذ أمرٌ من أمور الإيمان إلَّا به، ولا تُصلَّى جماعة ولا جمعة إلَّا خلف من يولِّيه، ولا يجاهد عدوٌّ إلَّا بإذنه، ونحو ذلك، وأمَّا الوسط فهُم أهلُ السُّنة، الذين لا يقولون لا هذا ولا هذا، بل يقولون: قُتلَ مظلومًا شهيدًا، ولم يكن متولِّيًا لأمر الأمة، والحديثُ المذكور لا يتناوله، فإنه لما بلغهُ ما فُعل بابن عمِّه مسلم بن عقيل تركَ طلبَ الأمر، وطلبَ أن يذهبَ إلى يزيدَ ابنِ عمِّه، أو إلى الثغر، أو إلى بلده، فلم يمكِّنوه، وطلبوا منه أن يستأسِرَ لهم، وهذا لم يكُن واجبًا عليه» (^١).\nوقال أيضًا: «وأهل السُّنة والجماعة يردُّون غلوَّ هؤلاء وهؤلاء، ويقولون: إنَّ الحسين قُتلَ مظلوما شهيدًا، وإن الذين قتلوه كانوا ظالمين معتدين، وأحاديثُ النبي -ﷺ- التي يأمُر فيها بقتالِ المفارقِ للجماعة لم تتناوله؛ فإنه -﵁- لم يفرِّق الجماعة، ولم يُقتل إلا وهو طالب للرجوع إلى بلده، أو إلى الثغر، أو إلى يزيد، داخلًا في الجماعة، مُعرِضًا عن تفريق الأمة. ولو كان طالب ذلك أقلُّ الناس لوجبَ إجابته إلى ذلك، فكيف لا تجبُ إجابةُ الحسين إلى ذلك؟! ولو كان الطالب لهذه الأمور مَنْ هو دون الحسين لم يَجُزْ حبسهُ ولا إمساكُه، فضلًا عن أسرهِ وقتلهِ» (^٢).\nثانيًا: الجواب على فعل عبد الله بن الزبير -﵄-:\nإنَّ عبد الله بن الزبير -﵄- دعا لنفسه الحكم لمَّا انفلت الأمرُ من بني أمية بعد موت معاوية بن يزيد بن معاوية، وقبل ذلك لم يدْعُ لنفسه بالخلافة ولم\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٤/ ٥٥٣).\n(^٢) منهاج السنة النبوية (٤/ ٥٨٥).","vol":"1","page":162},{"text":"يخرج، بل قد بايعَ يزيد بن معاوية، فلمَّا دعا الناسَ لمبايعته استجابوا له حتى إنَّه حكم جميع بلاد المسلمين إلَّا الشام، وقيل إلَّا الأردن، فهو إذًا لم يخرج على حاكمٍ فاسق فلا يصحَّ نسبةُ هذا المذهب له.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ثم إنَّ ابنَ الزبير لما جرى بينه وبين يزيد ما جرى من الفتنة، واتَّبعه مَنْ اتَّبعه من أهل مكة والحجاز وغيرهما، وكان إظهارهُ طلبَ الأمر لنفسه بعد موت يزيد، فإنه حينئذ تَسمَّى بأمير المؤمنين، وبايَعهُ عامة أهل الأمصار إلَّا أهل الشام. ولهذا إنما تعدُّ ولايته من بعد موت يزيد، وأما في حياة يزيد فإنه امتنع عن مبايعته أولًا، ثم بذلَ المبايعة له، فلم يرضَ يزيدُ إلَّا بأن يأتيه أسيرًا، فجرَتْ بينهما فتنة، وأرسل إليه يزيد من حاصرَهُ بمكة، فمات يزيدُ وهو محصور، فلما مات يزيدُ بايعَ ابنَ الزبير طائفةٌ من أهل الشام والعراق وغيرهم. وتولَّى بعد يزيد ابنُه معاوية بن يزيد، ولم تطُلْ أيامه، بل أقامَ أربعين يومًا أو نحوها، وكان فيه صلاحٌ وزهد، ولم يستخلف أحدًا، فتأمر بعده مروان بن الحكم على الشام، ولم تطُلْ أيامه، ثم تأمَّر بعده ابنه عبد الملك» (^١).\nوقال ابن كثير: «ثم انبعثَ مسرفُ بن عقبة إلى مكة قاصدًا عبد الله بن الزبير ليقتله بها؛ لأنه فرَّ من بيعة يزيد، فمات يزيد بن معاوية في غضون ذلك، واستفحل أمرُ عبد الله بن الزبير في الخلافة بالحجاز، ثم أخذ العراق ومصر، وبويع بعد يزيد لابنه معاوية بن يزيد، وكان رجلًا صالحًا، فلم تطُلْ مدَّته؛ مكث أربعين يومًا، وقيل: عشرين يومًا. ثم مات -﵀-، فوثب مروان بن الحكم على الشام فأخذَها، فبقي تسعة أشهر ثم مات، وقام بعده ابنه عبد الملك بن مروان» (^٢).\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٤/ ٥٢٢).\n(^٢) البداية والنهاية (٩/ ٢٤٦).","vol":"1","page":163},{"text":"ثالثًا: خروج القراء على الحجاج في فتنة بن الأشعث:\nيكتفى بالجواب عليها بالجواب المجمل المتقدِّم، وهو كافٍ؛ ثم يقال: إنَّ مَنْ بقيَ ندِمَ.\nذكرَ أيوبُ السختياني القراءَ الذين خرجوا مع ابن الأشعث فقال: لا أعلَمُ أحدًا منهم قُتل إلَّا قد رُغِبَ له عن مصرعه، ولا نجا فلم يُقتل إلَّا قد ندم على ما كان منه (^١).\nقال ابن كثير: «ولهذا لما كانت هذه زلَّة وفلتة نشأ بسببها شرٌّ كبير هلكَ فيه خلقٌ كثير؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون» (^٢).\nالشبهة الحادية والثلاثون:\nحاول بعضُهم أن ينسبَ القول بجواز الخروج على الحاكم الفاسق إلى أئمة المذاهب الأربعة، فقد نسبَهُ إلى أبي حنيفة معتمدًا على كلام الجصَّاص، وكذلك نَسبَ إلى مالك معتمدًا على نقولاتٍ ذكرَها ابنُ العربي ونسبَ القول بالخروج إلى الشافعي معتمدًا على كلام الزبيدي في شرحه على الإحياء، ونسب إلى الإمام أحمد معتمدًا على رواية أبي الفضل التميمي.\nوكشفُ هذه الشبهة بأن يبيَّن بُطلانُ هذه النسبة لكلِّ واحدٍ من هؤلاء الأربعة:\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى (٧/ ١٤٠).\n(^٢) البداية والنهاية (١٢/ ٣٥٥).","vol":"1","page":164},{"text":"١ - أما أبو حنيفة:\nفقد أنكر عليه السلف قولَهُ بالخروج على السلطان؛ قال الجصَّاص: «وكان مذهبهُ مشهورًا في قتال الظَّلمة وأئمة الجور؛ ولذلك قال الأوزاعي: «احتملْنا أبا حنيفة على كلِّ شيء حتى جاءنا بالسيف - يعني قتال الظلمة - فلم نحتمله»، وكان من قوله وجوبُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض بالقول، فإن لم يؤتمر له فبالسيف» (^١).\nقال رجل لابن المبارك ونحن عنده: «إنَّ أبا حنيفة كان مرجئًا يرى السيف، فلم يُنكر عليه ذلكَ ابنُ المبارك» (^٢).\nوقال عبد الله بن أحمد: «سمعت أبا يوسف، يقول: كان أبو حنيفة يرى السيف، قلت: فأنت؟ قال: معاذ الله» (^٣).\nوقال الأوزاعي: «احتملنا عن أبي حنيفة كذا وعقد بأصبعه، واحتملنا عنه كذا وعقد بأصبعه الثانية، واحتملنا عنه كذا وعقد بأصبعه الثالثة العيوبَ، حتى جاء بالسيف على أمة محمد -ﷺ-، فلما جاء بالسيف على أمة محمد -ﷺ- لم نقدر أن نحتمله» (^٤).\nوعن أبي إسحاق الفزاري، قال: «كان أبو حنيفة مرجئًا يرى السيف» (^٥).\n_________\n(^١) أحكام القرآن (١/ ٨٦).\n(^٢) السنة لعبد الله بن أحمد (١/ ١٨٢).\n(^٣) السنة لعبدالله بن أحمد (١/ ١٨٢).\n(^٤) السنة لعبدالله بن أحمد (١/ ١٨٥).\n(^٥) السنة لعبدالله بن أحمد (١/ ٢٠٧).","vol":"1","page":165},{"text":"وبهذا يتبين أنَّ أبا حنيفة كان يرى هذا الرأي لكن لا ممسكَ في كلامه من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ أبا حنيفة رجع عن هذا القول كما في كتاب الفقه الأكبر.\nفقد جاء فيه: «قلت لأبي حنيفة: فما تقول فيمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فيتبعهُ على ذلك ناس، فيخرج على الجماعة هل ترى ذلك؟ قال: لا، قلت: ولم وقد أمرَ الله تعالى ورسولهُ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا فريضة واجبة؟، فقال: هو كذلك، لكن ما يفسدونَ من ذلك أكثر مما يصلحون من سفك الدماء، واستحلالِ المحارم، وانتهاب الأموال، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]، قلت: فنقاتلُ الفئة الباغية بالسيف؟ قال: نعم؛ تأمر وتنهى، فإن قَبل وإلَّا قاتلتَهُ، فتكون مع الفئة العادلة، وإنْ كان الإمام جائرًا لقول النبي ﵊: «لا يضرُّكم جَورُ من جار، ولا عَدلُ منَ عدلَ، لكُم أجرُكُم وعليه وِزرُه» (^١).\nومما يدلُّ على تراجُعهِ أنَّ الطَّحاوي في عقيدته المشهورة نَسبَ لأبي حنيفة وصاحبَيه عدمَ جوازِ الخروج على الحاكم الفاسق.\nالوجه الثاني: أنه لو استقر عليه لكان خطأً أنكَرهُ عليه سلفُ هذه الأمة، فلا يصحُّ الاستدلال بخطأ العالم وزلَّته. وهذا مثلُ خطئه في مسألة الإيمان لمَّا أخرجَ العمل منه.\n_________\n(^١) الفقه الأكبر (ص: ١٠٨).","vol":"1","page":166},{"text":"٢ - أما الإمام مالك:\nفلم أرَ أحدًا نسب للإمام مالك القولَ بالخروج إلَّا ابن حزم، وأحد المعاصرين معتمدين على كلامٍ للإمام مالك في مسألتين: عدم صحَّة بيعة المكرَه، وعدم القتال مع الإمام الظالم على فئة بغَتْ عليه.\nأما المسألة الأولى: فتقدَّم الكلام عليها (^١)، وسيأتي عدمُ ثبوتها عنه (^٢).\nوأما المسألة الثانية: فيتَّضحُ المرادُ منه بنقل نصوصهِ ونصوصِ أصحابه.\nقال ابن العربي: «قال علماؤنا في رواية سحنون: إنَّما يقاتَلُ مع الإمام العدل سواءٌ كان الأولَ أو الخارجَ عليه؛ فإن لم يكونا عدلَين فأمسِكْ عنهُما إلَّا أن تُرادَ بنفسكَ أو مالكَ أو ظُلمِ المسلمين فادفَعْ ذلك».\nثم قال: «لا تقاتل إلَّا مع إمامٍ عادل يقدمه أهلُ الحقِّ لأنفسهم، ولا يكون إلَّا قرشيًّا، وغيره لا حكم له، إلا أن يدعو إلى الإمام القرشي؛ قاله مالك؛ لأنَّ الإمامة لا تكون إلَّا لقرشي».\nوقد روى ابن القاسم، عن مالك: «إذا خرج على الإمام العدل خارجٌ وجبَ الدفعُ عنه، مثل عمر بن عبد العزيز، فأمَّا غيره فدَعْهُ ينتقمُ الله من ظالمٍ بمثلهِ ثم ينتقمُ من كلَيهما، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ٥]».\n_________\n(^١) سبقت (ص: ١٢٩).\n(^٢) ص: ٢١٧.","vol":"1","page":167},{"text":"قال مالك: «إذا بُويعَ للإمام، فقام عليه إخوانه قُوتلوا إذا كان الأولُ عدلًا، فأمَّا هؤلاء فلا بيعةَ لهم إذا كان بُويعَ لهم على الخوف. قال مالك: ولا بدَّ من إمامٍ برٍّ أو فاجر» (^١).\nقال الدردير: «(فللعدل قتالهم، وإن تأوَّلوا) الخروجَ عليه لشبهةٍ قامت عندهم، ويجبُ على الناس معاونته عليهم، وأمَّا غيرُ العدل فلا تجبُ معاونته، قال مالك -﵁-: دَعْهُ وما يُرادُ منه؛ ينتقم الله من الظالم بظالم، ثم ينتقم من كلَيهما.\nكما أنَّه لا يجوز قتالُهم لاحتمال أن يكون خروجُهم عليه لفسقهِ وجَوره، وإن كان لا يجوز لهم الخروج عليه» (^٢).\nهذه النصوص من مالك والمالكية واضحة أنَّ كلام الإمام مالك في عدم المقاتلة مع مَنْ ليس عدلًا تجاه من خرج عليه.\nوصرَّحَ أصحابُه بحُرمةِ الخروج؛ وسيأتي المزيد - إن شاء الله -، وليس في كلامه إشكال إلَّا في نقلِ سحنون: إنَّما يقاتل مع الإمام العدل سواءٌ كان الأولَ أو الخارج.\nونقلُ سحنون هذا مخالفٌ لباقي الروايات، ولكلام مالك الآخر لما قال: لابدَّ للناس من إمامٍ برٍّ أو فاجر. على ما سيأتي بيانه - إن شاء الله - فلأجلِ هذا لا يصحُّ لمنصفٍ أن يعوِّلَ على هذا النقل ويدَعَ باقيَ كلامه.\n_________\n(^١) أحكام القرآن (٤/ ١٥٣).\n(^٢) الشرح الكبير للشيخ الدردير (٤/ ٢٩٩).","vol":"1","page":168},{"text":"ومما يدل على أنَّ الإمام مالكًا لا يرى الخروج أمور:\nالأمر الأول: قول الإمام مالك: ولابدَّ من إمام برٍّ أو فاجر، فإقرارهُ بإمامة الفاجر يدلُّ أنه لايرى الخروجَ عليه.\nالأمر الثاني: طريقة وهَدْيُ الإمام مالك مع حكَّام زمانه الذين عُرفوا بسفكِ الدماء (^١) كأبي جعفر المنصور؛ فقد كان يعتقد لهم الإمامة بل ويدعوهُ بأمير المؤمنين، ولم يثبتْ أنه دعا للخروج عليهم.\nقال الذهبي: «وقال موسى بن داود: سمعتُ مالكًا يقول: قدِمَ علينا أبو جعفر المنصور سنة خمسين ومائة، فقال: يا مالك! كثُرَ شيبُكَ!\nقلت: نعم يا أمير المؤمنين، مَنْ أتتْ عليه السِّنونُ، كثُرَ شَيبهُ.\nقال: ما لي أراك تعتمدُ على قول ابن عمر من بين الصحابة؟\nقلت: كان آخرَ مَنْ بقيَ عندنا من الصحابة، فاحتاجَ إليه الناس، فسألوه، فتمسَّكوا بقوله» (^٢).\nالأمر الثالث: أنَّ مالكًا لو كان يقول بهذا القول لبيَّن ذلك أئمةُ السنة وأنكروه، كما أنكروا على غيره، فعدم إنكارهم عليه يدلُّ على أنه لم يقلْ بهذا القول.\nالأمر الرابع: أنَّ أئمة السنة حكَوا الإجماعَ على عدم جواز الخروج؛ وأنه اعتقاد أهل السنة، ولم يذكروا مخالفة الإمام مالك؛ ولو كان مخالفًا لبيَّنوه؛ فإن للإمام مالك وأقواله المنزلةَ العالية والمكانة الرفيعة بينهم.\n_________\n(^١) قال السيوطي في تاريخ الخلفاء (ص: ٤٢٢): «قتل خلقًا كثيرًا حتى استقام ملكه …» اهـ.\n(^٢) سير أعلام النبلاء (٨/ ١١٢).","vol":"1","page":169},{"text":"الأمر الخامس: أنَّ الإمام مالكًا يرى الخارجَ ظالمًا بفعله، لأنه قال: «ينتقمُ الله من ظالمٍ بمثله»؛ فجعل الخارج ظالمًا.\nالأمر السادس: أنَّ جمعًا من أئمة المالكية، وبعضُهم أئمةٌ في السُّنة حكوا الإجماعَ على عدم الخروج، ووجوب السمع والطاعة؛ ونسبوا ذلك لمالك، ولو كان مالكٌ مخالفًا لبيَّنوا ذلك.\nقال ابن أبي زيد القيرواني: «والسمعُ والطاعة لأئمة المسلمين وكلِّ مَنْ وليَ أمرَ المسلمين عن رضى أو عن غلَبة، واشتدت وطأتهُ من برٍّ أو فاجرٍ فلا يُخرَجُ عليه، جارَ أو عدلَ.\nثم قال: وكلُّ ما قدَّمنا ذكرَهُ فهو قولُ أهل السُّنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيَّناه، وكلُّه قول مالك؛ فمنه منصوصٌ من قوله ومنه معلومٌ من مذهبه» (^١).\nوتقدم نقلُ كلام ابن بطال المالكي، وأيضًا نقلُ ابن حجر عنه (^٢)، وقال ابن عبدالبر المالكي: «وأمَّا أهل الحق وهُم أهل السُّنة فقالوا: هذا هو الاختيار أن يكون الإمامُ فاضلًا عدلًا محسنًا، فإن لم يكن فالصبرُ على طاعة الجائرين من الأئمة أولى من الخروج عليه؛ لأنَّ في منازعته والخروج عليه استبدالَ الأمن بالخوف، ولأن ذلك يحملُ على هِراق الدماء، وشنِّ الغارات، والفساد في الأرض، وذلك أعظمُ من الصبر على جَوره وفسقهِ، والأصولُ تشهد والعقلُ والدينُ أنَّ أعظمَ المكروهَين أَولاهُما بالترك» (^٣).\n_________\n(^١) الجامع (ص: ١١٦).\n(^٢) تقدم (ص: ٤١).\n(^٣) التمهيد (٢٣/ ٢٧٩).","vol":"1","page":170},{"text":"٣ - أما الإمام الشافعي:\nفقد رأيتُ بعض المعاصرين نسبَ إليه القول بالخروج معتمدًا على نقل الزبيدي والتفتازاني، وسيأتي الجواب عليهما (^١)، مع أن كلام الزبيدي في الخلع لا في الخروج، ومما يدل على أنَّ الإمام الشافعي لا يرى الخروج أمور أربعة:\nالأمر الأول: أن هذا لم يثبت عن الإمام الشافعي، ولم ينقله أحد عنه - سوى من تقدَّم - إلَّا ما سيأتي من كلام ابن حزم (^٢).\nالأمر الثاني: أنَّ من أئمة الشافعية مَنْ حكى الإجماع كالنووي، بل من أئمة السُّنة الشافعية كالمزني حكى إجماعَ السلف على العقيدة التي كتبها؛ فقال فيها:\n«والطاعة لأولي الأمر فيما كان عندَ الله -﷿- مرضيًّا، واجتناب ما كان عند الله مسخطًا، وترك الخروج عند تعدِّيهم وجَورهم، والتوبة إلى الله -﷿- كيما يعطف بهم على رعيتهم» (^٣).\nولو كان الشافعي مخالفًا لبيَّن ذلك ولعرَّفه.\nالأمر الثالث: أن الشافعي لو كان يقول بهذا القول لبيَّن ذلك أئمة السُّنة وأنكروه، كما أنكرواعلى غيره، فعدم إنكارهم عليه يدلُّ على أنه لم يقل بهذا القول.\nالأمر الرابع: أنَّ أئمة السُّنة حكوا الإجماع على عدم جواز الخروج وأنَّه اعتقادُ أهل السنة، ولم يذكروا مخالفة الإمام الشافعي؛ ولو كان مخالفًا لبيَّنوه، فإنَّ للإمام الشافعي وأقواله المنزلة العالية والمكانة الرفيعة بينهم.\n_________\n(^١) سيأتي (ص: ١٨٢).\n(^٢) ص: ١٧٣.\n(^٣) شرح السنة (ص: ٨٤).","vol":"1","page":171},{"text":"٤ - أما الإمام أحمد:\nفقد رأيتُ بعض المعاصرين نسبَ له القول بالخروج، وهذا من العجائب والغرائب، فكلام هذا الإمام في تقرير السمع والطاعة وعدم الخروج على أئمة الجور كثيرٌ للغاية، بل ونقلَ على ذلك إجماع السلف كما تقدم (^١).\nوالذي نسَبَ للإمام أحمد هذا القول اعتمدَ على نقل أبي الفضل التميمي في العقيدة الملحقة بذيل الطبقات (^٢)، وذلك في قوله عن عقيدة الإمام أحمد: من دعا منهم إلى بدعةٍ فلا تُجيبوه ولا كرامة، وإنْ قدرتُم على خلعهِ فافعلوا.\nوهذا النقلُ لا يصحُّ أن يُنسَبَ للإمام أحمد لأربعة أمور:\nالأمر الأول: أنه يخالف المشهور المعروفَ عن الإمام أحمد وعن العقيدة التي نقلَها عن السلف، وقد تقدَّم نقلُ بعض ذلك (^٣).\nالأمر الثاني: أنَّ نَقْل أبي الفضل التميمي لا يُعتمَدُ عليه فيما ينقلُه عن الإمام أحمد؛ لأن روايته عن أحمد منقطعة؛ ولأنه ينقلُها عن أحمد بالمعنى.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكان من أعظَم المائلين إليهم - أي الأشاعرة - التميميون: أبو الحسن التميمي وابنُه وابنُ ابنهِ ونحوهم؛ وكان بين أبي الحسن التميمي وبين القاضي أبي بكر بن الباقلاني من المودَّة والصحبة ما هو معروف مشهور. ولهذا اعتمد الحافظ أبو بكر البيهقي في كتابه الذي صنَّفه في مناقب الإمام أحمد - لما ذكر اعتقاده - اعتمدَ على ما نقلَه من كلام أبي الفضل\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٩).\n(^٢) (٢/ ٣٠٥).\n(^٣) تقدم (ص: ٣٩).","vol":"1","page":172},{"text":"عبد الواحد بن أبي الحسن التميمي. ولهُ في هذا الباب مصنف ذكر فيه من اعتقادَ أحمد ما فهِمَهُ؛ ولم يذكر فيه ألفاظَه وإنما ذكرَ جملَ الاعتقاد بلفظِ نفسهِ وجعل يقول: وكان أبو عبد الله، وهو بمنزلة من يصنف كتابًا في الفقه على رأي بعض الأئمة، ويذكر مذهبه بحسب ما فهِمَهُ ورآه، وإن كان غيرُه بمذهب ذلك الإمام أعلمَ منه بألفاظه وأفهم لمقاصده» (^١).\nأما الأمران الباقيان فهما الأمران المشتركان مع الإمام مالك والإمام الشافعي.\nالشبهة الثانية والثلاثون:\nأنه قد ذهب إلى الخروج جمعٌ كبير من أهل العلم بما يدلُّ على أنَّ إجماع السلف لم يستقرَّ كما عزاه لهم ابن حزم فقال: «وذهبت طوائفُ من أهل السُّنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أنَّ سلَّ السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يمكن دفعُ المنكر إلَّا بذلك.\nقالوا: فإذا كان أهل الحقِّ في عصابةٍ يمكنهم الدفع، ولا ييئسون من الظفر، ففرضٌ عليهم ذلك، وإن كانوا في عددٍ لا يرجون لقلَّتهم وضعفهم بظفر كانوا في سعةٍ من تركِ التغيير باليد. وهذا قول علي بن أبي طالب -﵁- وكلُّ من معه من الصحابة، وقول أم المؤمنين عائشة -﵂- وطلحة والزبير وكلُّ من كان معهم من الصحابة، وقولُ معاوية وعمرو والنعمان بن بشير وغيرهم ممن معهم من الصحابة ﵃ أجمعين، وهو قولُ عبد الله بن الزبير ومحمد والحسن ابن علي، وبقية الصحابة من المهاجرين والأنصار، والقائمين يوم الحرة رضي الله عن جميعهم أجمعين، وقولُ كلِّ من أقامَ على الفاسق الحجاج، ومَن والاه من\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ١٦٧).","vol":"1","page":173},{"text":"الصحابة ﵃ جميعهم كأنس بن مالك، وكل مَنْ كان ممَّن ذكرنا من أفاضل التابعين كعبد الرحمن ابن أبي ليلى وسعيد بن جبير وابن البحتري الطائي وعطاء السلمي الأزدي والحسن البصري ومالك بن دينار ومسلم بن بشار وأبي الحوراء والشعبي وعبد الله بن غالب وعقبة بن عبد الغافر وعقبة بن صهبان وماهان والمطرف بن المغيرة ابن شعبة وأبي المعد وحنظلة بن عبد الله وأبي سح الهنائي وطلق بن حبيب والمطرف بن عبد الله بن الشخير والنضر بن أنس وعطاء ابن السائب وإبراهيم بن يزيد التيمي وأبي الحوسا وجبلة بن زحر وغيرهم، ثم من بعد هؤلاء من تابعي التابعين، ومن بعدهم كعبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر وكعبد الله بن عمر ومحمد بن عجلان، ومَن خَرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن وهاشم بن بشر ومطر، ومَن أخرج مع إبراهيم بن عبد الله، وهو الذي تدلُّ عليه أقوالُ الفقهاء كأبي حنيفة والحسن بن حيّ وشريك ومالك والشافعي وداود وأصحابهم، فإنَّ كل من ذكرنا من قديمٍ وحديث إمَّا ناطقٌ بذلك في فتواه، وإمَّا الفاعلُ لذلك بَسلِّ سيفهِ في إنكار ما رآه منكرًا» (^١).\nوكشفُ هذه الشبهة هو ببيان أنَّ الذين نسب لهم الخروج عامَّته لايصحُّ الاستدلالُ به، فإنه ما بين أن يكون قبل الإجماع فلا إشكال فيه، وتقدَّم الجواب عليه، أو أنهم فعلوا فعلًا ظنَّه ابنُ حزم خروجًا وليس كذلك، أو أخطأ في نسبته، فلا يعوَّل عليه، أو لم يخطئ في نسبته، لكنه مما أخذه السلف على مَنْ نُسِبَ إليه، مع كونه مخالفًا للنصوص.\n_________\n(^١) الفصل في الملل والأهواء والنحل (٤/ ١٣٢).","vol":"1","page":174},{"text":"ودونك بعض الأمثلة:\n١ - أخطأ ابن حزم في نسبة الخروجَ إلى علي وكلِّ من معه، وكذلك إلى معاوية وكلِّ من معه، فإن هؤلاء لم يخرجوا على حاكم، وإنَّما حصل الخلافُ بينهم في أمرٍ استغلَّه المندسون بين صفوفهم، ممن كان مريدًا للشرِّ فحصلت الفتنة، فليست صورة المسألة خروجًا ألبته.\n٢ - أخطأ ابن حزم في نسبة الخروج إلى طلحة والزبير وعائشة، ففعلُهم ليس خروجًا على حاكم، وإنما خلافُهم بماذا يُبدأ به بعد قتل عثمان، ولم يكن لهم قصد في القتال.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإنَّ عائشة لم تقاتل ولم تخرج لقتال، وإنما خرجت لقصد الإصلاح بين المسلمين، وظنت أنَّ في خروجها مصلحة للمسلمين، ثم تبيَّن لها فيما بعد أنَّ تركَ الخروج كان أولى، فكانت إذا ذكرت خروجها تبكي حتى تبلَّ خمارها.\nوهكذا عامة السابقين ندموا على ما دخلوا فيه من القتال، فندم طلحة والزبير وعلي ﵃ أجمعين، ولم يكن يومَ الجمل لهؤلاء قصدٌ في الاقتتال، ولكن وقع الاقتتال بغير اختيارهم، فإنه لما تراسل علي وطلحة والزبير، وقصدوا الاتفاق على المصلحة، وأنهم إذا تمكَّنوا طلبوا قتلة عثمان أهلَ الفتنة، وكان علي غيرَ راضٍ بقتل عثمان ولا معينًا عليه، كما كان يحلف فيقول: والله ما قتلتُ عثمان ولا مالأتُ على قتله، وهو الصادق البارُّ في يمينه، فخشي القتلة أن يتفق علي معهم على إمساك القتلة، فحملوا على عسكر طلحة والزبير، فظنَّ طلحة والزبير أنَّ عليًّا حملَ عليهم، فحملوا دفعًا عن أنفسهم، فظنَّ علي أنهم حملوا عليه، فحمل","vol":"1","page":175},{"text":"دفعًا عن نفسه، فوقعت الفتنة بغير اختيارهم، وعائشة -﵂- راكبة: لا قاتلت، ولا أمرت بالقتال. هكذا ذكره غيرُ واحد من أهل المعرفة بالأخبار» (^١).\n٣ - أخطأ ابن حزم في نسبة الخروج إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير - كما تقدم بيانه - (^٢).\n٤ - أخطأ ابن حزم في نسبة الخروج إلى مالك والشافعي - كما تقدم - (^٣).\n٥ - أخطأ ابن حزم في نسبة الخروج إلى أبي حنيفة، فتقدم أنه رجع عنه (^٤).\n٦ - ونسبةُ ابن حزم الخروج إلى الحسن البصري وطلق بن حبيب غريبٌ جدًّا.\nفقد ثبت عن أبي التياح أنه قال: شهدتُ الحسن البصري حين أقبل ابن الأشعث، فكان الحسن ينهى عن الخروج على الحجاج ويأمر بالكفِّ (^٥).\nوقال بكر المزني: «لما كانت فتنة ابن الأشعث قال طلق: اتَّقوها بالتقوى» (^٦).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وكان الحسن البصري يقول: إنَّ الحجَّاج عذابُ الله، فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم، ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع، فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ [المؤمنون: ٧٦].\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٤/ ٣١٦).\n(^٢) تقدم (ص ١٥٣، ١٦٢).\n(^٣) تقدم (ص: ١٦٧، ١٧١).\n(^٤) تقدم (ص: ١٦٥).\n(^٥) طبقات ابن سعد (٧/ ١٢١).\n(^٦) السير (٢/ ٦٠١)، وأخرجه البيهقي في الزهد الكبير (٣٥١).","vol":"1","page":176},{"text":"وكان طلق بن حبيب يقول: اتقوا الفتنة بالتقوى. فقيل له: أجمِلْ لنا التقوى. فقال: أن تعمل بطاعة الله على نورٍ من الله، ترجو رحمة الله، وأن تترك معصية الله على نورٍ من الله تخافُ عذاب الله. رواه أحمد وابن أبي الدنيا» (^١).\n٧ - نسبته إلى الحسن بن صالح صحيحة (^٢)، لكن هذا مما أنكره السلف عليه كالثوري وزائدة بن قدامة والإمام أحمد.\nوهكذا يقال فيمن نسب إليهم ممن هم بعد التابعين من أهل السنة.\nفنخلص من هذا أنه لا يصح الاعتماد على ما نسبه ابن حزم لأهل العلم فيما تقدَّم نقلُه عنه.\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٤/ ٥٢٩).\n(^٢) قال الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (٢/ ٢٨٥): «قال يحيى القطان كان الثوري سيِّء الرأي فيه؛ وقال أبو نعيم: دخل الثوري يوم الجمعة فإذا الحسن بن صالح يصلي فقال: نعوذ بالله من خشوع النفاق؛ وأخذ نعلَيه فتحوَّل، وقال أيضًا عن الثوري: ذاك رجل يرى السيف على الأمة، وقال خلَّاد بن زيد الجعفي: جاءني الثوري إلى ها هنا فقال: الحسن بن صالح مع ما سمعَ من العلم وفقه يترك الجمعة. وقال ابن إدريس: ما أنا وابن حي؟!، لا يرى جمعةً ولا جهادًا. وقال بشر بن الحارث: كان زائدة يجلس في المسجد يحذِّر الناس من ابن حي وأصحابه، قال: وكانوا يرون السيف. وقال أبو أسامة عن زائدة: أنَّ ابن حي استصلب منذ زمان وما نجد أحدًا يصلبه. وقال خلف بن تميم: كان زائدة يستتيب من الحسن بن حي. وقال علي بن الجعد: حدثتُ رائدة بحديثٍ عن الحسن فغضب وقال: لا حدثتك أبدًا» اهـ.\nقال أبو يعلى في طبقات الحنابلة (١/ ٥٨): «قال المروذي: وسمعت أبا عبد اللَّه وذكر الحسن بن حي فقال: لا نرضى مذهبه وسفيان أحبُّ إلينا، وقد كان ابن حي قعد عَنِ الجمعة وكان يرى السيف، وقال: قد فتنَ الناس بسكوته وورعه» اهـ.","vol":"1","page":177},{"text":"الشبهة الثالثة والثلاثون:\nيردِّد بعضهم أنَّ الخروج مُنع لما يترتب عليه من المفاسد، فعلى هذا إذا تيقَّنا أو غلبَ على ظنِّنا أنَّ مصلحته راجحة، فإنه يجوز.\nوكشف هذه الشبهة من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ النصوص متواترة ومتكاثرة في السمع والطاعة للحاكم المسلم الفاسق، والصبر على جَوره، فلا يجوز أن تُترك هذه النصوص وتُخالفَ لأمثال هذه المصالح المظنونة.\nالوجه الثاني: أنَّ العبرة في الشريعة بالنظر إلى الغالب وأما النادر فلا حكم له، والغالبُ أنه يترتب على الخروج فساد أكبر من صلاحه.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولعله لا يكاد يُعرف طائفة خرجت على ذي سلطان، إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته» (^١).\nوقال: «وكلُّ من خرج على إمامٍ ذي سلطان إلَّا كان ما تولَّد على فعلهِ من الشرِّ أعظمَ مما تولَّد من الخير؛ كالذين خرجوا على يزيد بالمدينة، وكابن الأشعث الذي خرج على عبد الملك بالعراق، وكابن المهلب الذي خرج على ابنه بخراسان، وكأبي مسلم صاحب الدعوة الذي خرج عليهم بخراسان أيضًا، وكالذين خرجوا على المنصور بالمدينة والبصرة وأمثال هؤلاء.\nوغاية هؤلاء إمَّا أن يَغلبوا وإمَّا أن يُغلبوا ثم يزول ملكهم فلا يكون لهم عاقبة.\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٣/ ٣٩١).","vol":"1","page":178},{"text":"فإنَّ عبد الله بن علي وأبا مسلم هما اللذان قتلا خلقًا كثيرًا، وكلاهما قتله أبو جعفر المنصور، وأما أهل الحرة وابن الأشعث وابن المهلب وغيرهم فهُزموا وهُزم أصحابهم فلا أقاموا دينًا ولا أبقوا دنيا؛ والله تعالى لا يأمر بأمرٍ لا يحصلُ به صلاح الدين ولا صلاح الدنيا» (^١).\nوهذا كمثل أن يقول قائل: قد حرَّمت الشريعة سفرَ المرأة بلا محرم؛ لسبب وهو أن لا يقع الزنى ومقدماته، وأنا متيقن أو يغلب على ظني أن لا يقع هذا في سفري مع هذه الأجنبية، فيقال: إنَّ هذا السفر محرَّم بالأدلة الواضحة، ثم إنَّ العبرة بالغالب والنادر لا حكم له.\nقال الإمام ابن القيم: «الشرائع العامة لم تُبنَ على الصور النادرة» (^٢).\nوبقراءة كتاب مختصر؛ ككتاب (تاريخ الخلفاء) للسيوطي تظهر أمثلة تدلُّ على مفاسد الخروج (الثورة)؛ وهذان مثالان:\nالمثال الأول: وقعة الحرة:\nقال السيوطي: «وفي سنة ثلاث وستين بلغه أنَّ أهل المدينة خرجوا عليه وخلعوه، فأرسل إليهم جيشًا كثيفًا وأمرهم بقتالهم، ثم المسير إلى مكة لقتال ابن الزبير، فجاءوا وكانت وقعة الحرة على باب طيبة، وما أدراك ما وقعة الحرة؟، ذكرَها الحسن مرة فقال: واللهِ ما كاد ينجو منهم أحد، قُتل فيها خلقٌ من الصحابة -﵃- ومن غيرهم، ونُهبت المدينة، وافتُضَّ فيها ألف عذراء، فإنا لله وإنا إليه\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٤/ ٥٢٧).\n(^٢) إعلام الموقعين (٣/ ٢١٧).","vol":"1","page":179},{"text":"راجعون» (^١).\nالمثال الثاني: قتل المنصور جماعة كثيرة من آل البيت:\nقال السيوطي: «وفي سنة خمس وأربعين كان خروجُ الأخوَين محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فظفر بهما المنصور فقتلهما وجماعة كثيرة من آل البيت، فإنا لله وإنا إليه راجعون.\nوكان المنصور أول من أوقعَ الفتنة بين العباسيين والعلويين، وكانوا قبلُ شيئًا واحدًا، وآذى المنصور خلقًا من العلماء ممن خرج معهما أو أمرَ بالخروج قتلًا وضربًا وغير ذلك» (^٢).\nتنبيه:\nتُطرح هذه الشبهة بأسلوب آخر؛ وهو أنَّ هناك ثورات نجحت؛ فإذن لا تحرم جميع الثورات!، وجلُّ هؤلاء يقيسون النجاح بأمورٍ دنيوية وبعضُها محرمة كالتوسُّع في الحريات والتحاكم للديمقراطية، غير ملتفتين إلى ما تخلفه الثورات من مصائب عظيمة، ثم يقال: إذا كان هناك من نجح فهناك الأكثر والأكثر فشل؛ فلا يصح أن نجعل أمن الناس وأعراضهم ودماءهم مجالًا للتجارب.\nالشبهة الرابعة والثلاثون:\nقرر بعض المعاصرين جوازَ عزل الحاكم لفسقهِ متمسِّكًا ببعض النقولات عن بعض أهل العلم المتأخرين الذين جاءوا بعد السلف.\n_________\n(^١) تاريخ الخلفاء (ص: ١٥٨).\n(^٢) تاريخ الخلفاء (ص: ١٩٤).","vol":"1","page":180},{"text":"وكشف هذه الشبهة وبيان أنها مردودة من أوجه:\nالوجه الأول: ما تقدم (^١) من الأدلة الدالة على السمع والطاعة للولاة ولو فسقوا في غير معصية الله، فدلَّ على حرمة عزله؛ لأنَّ العزل ينافي السمع والطاعة.\nالوجه الثاني: ما تقدم (^٢) من إجماعات أهل السنة على السمع والطاعة للولاة في غير معصية الله ولو فسقوا، وتقريرهم له في كتب الاعتقاد يدلُّ على عدم جواز عزلِ الحاكم لفسقهِ بإجماعهم.\nالوجه الثالث: الإجماع.\nأجمع العلماء على حُرمة عزلِ الحاكم لفسقه.\nقال النووي: «وأجمع أهل السُّنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل - وحكي عن المعتزلة أيضًا - فغلطٌ من قائلهِ مخالفٌ للإجماع» (^٣).\nوأيضًا يدل على الإجماع ما نقلَهُ النوويُّ عن أبي بكر بن مجاهد (^٤).\nوقال ابن الهمام: «واتفقوا في الإمرة والسلطنة على عدم الانعزال بالفسق لأنها مبنيَّة على القهر والغلبة» (^٥).\nويدلُّ على هذا الإجماع الدليلان السابقان.\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٥).\n(^٢) تقدم (ص: ٣٩).\n(^٣) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٢٢٩).\n(^٤) تقدم (ص: ١٥٢).\n(^٥) فتح القدير (٧/ ٢٥٤).","vol":"1","page":181},{"text":"الشبهة الخامسة والثلاثون:\nذكر بعضهم أنَّ الشافعي يرى عزلَ الحاكم لفسقهِ، وتمسكَ بما نسبه إليه الزبيديُّ من جواز خلعِ الحاكم لفسقه، فقال: «أما الفسقُ فقد اختُلف فيه على قولين، فالذي عليه الجمهور أنه لا ينعزل به؛ لأن ذلك قد تنشأ عنه فتنة أعظَمُ من فسقه، وذهبَ الشافعي في القديم إلى أنه ينعزل» (^١).\nوبما ذكر التفتازاني عند قول أبي حفص: «ولا ينعزل الإمام بالفسق والجور: أي بالخروج عن طاعة الله تعالى (والجور) أي الظلم على عباد الله تعالى، لأنه قد ظهر الفسق وانتشر الجور من الأئمة والأمراء بعد الخلفاء الراشدين؛ والسلفُ قد كانوا ينقادون لهم ويقيمون الجُمَعَ والأعياد بإذنهم، ولا يرون الخروجَ عليهم لأن العصمة ليست بشرطٍ للإمامة ابتداءً؛ فببقاء أولى.\nوعن الشافعي أنَّ الإمام ينعزل بالفسق والجور، ثم قال: والمسطور في كتب الشافعية أن القاضي ينعزل بالفسق بخلاف الإمام. والفرقُ أن في انعزالهِ ووجوب نصب غيره إثارةً للفتنة؛ لما له من شوكة؛ بخلاف القاضي» (^٢).\nوجواب هذه الشبهة: هو بيان أنه لا يصحُّ الاعتماد على هذا الكلام في نسبته للشافعي من أوجه:\nالوجه الأول: أنه مذهب الشافعي في القديم لا في الجديد، فدلَّ هذا على أنه رجع عنه، فكيف يُنسب قولٌ لعالم وقد رجع عنه.\n_________\n(^١) إتحاف السادة المتقين (٢/ ٢٣٣).\n(^٢) شرح العقائد النسفية (ص: ٣٣٨).","vol":"1","page":182},{"text":"الوجه الثاني: أن النووي مع سَعةِ اطِّلاعه ومعرفته بمذهب الشافعي والشافعية لم ينسِبْ هذا القول للشافعي، بل نسبَهُ لبعض المتأخرين من الشافعية، وبيَّن أنهم محجوجون بالإجماع السابق. وتقدَّم نقلُ كلامه (^١).\nالوجه الثالث: لم أر أحدًا نسبَ هذا القول للإمام الشافعي - غير ما سبق - من ابن حزم (^٢) والتفتازاني (^٣)، ومن المعلوم أنَّ الشافعي إمامٌ اعتنى الناسُ بأقوالهِ، فلو كان قولًا له لتناقلوه وبيَّنوه.\nالوجه الرابع: أن أئمة السُّنة حكوا إجماعَ السلف على السمع والطاعة للحاكم المسلم ولو فسقَ وجار، وممن حكى ذلك بعضُ الشافعية كما تقدَّم (^٤)، ولم يستثنوا الشافعي ولو في القديم.\nفهذه الأوجه الأربعة تُبين عدمَ صحَّة نسبة هذا القول للإمام الشافعي.\nالشبهة السادسة والثلاثون:\nأنه لا يصحُّ أن يُقتل من لم يبايع حاكمًا معينًا، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وأمَّا القتال لمن لم يخرج إلَّا عن طاعة إمام معين فليس في النصوص أمرٌ بذلك» (^٥) فيتركون ليقوموا بالمظاهرات والتشكيك في الولاية وهكذا …\n_________\n(^١) تقدم (ص: ١٥٢).\n(^٢) تقدم (ص: ١٧٣).\n(^٣) تقدم (ص: ١٨٢).\n(^٤) تقدم (ص: ٤١).\n(^٥) (٤/ ٤٥١).","vol":"1","page":183},{"text":"وكشف هذه الشبهة أن يقال:\nإن كلام الإمام ابن تيمية حق وهو تحديدًا في عدم قتال من لم يبايع حاكمًا معينًا فحسب لكن لابد من معرفة ما يلي:\nأولًا أن كلامه على قتالها لا على عدم تأثيمها وأنها عاصية لعدم بيعة حاكمها؛ فلا تلازمَ بين عدم القتال وعدم التأثيم؛ بل هي آثمة لأحاديث وجوب بيعة الحاكم.\nقال ابن عمر: قال رسول الله -ﷺ-: «من خلعَ يدًا من طاعة، لقيَ الله يومَ القيامة لا حجَّة له، ومَن ماتَ وليس في عُنقه بيعة، ماتَ ميتةً جاهلية» (^١)، فلهذا إذا لم تبايع جماعة أو فردٌ سلطانَهُم وحاكمَهُم فهم آثمون.\nوعجبًا كيف يبلغ الهوى بصاحبه يُسهِّل ارتكابَ الإثم والمعصية بعدم بيعةِ الحاكم بحجَّة أنه لا يقاتل! إذن فليُسهّل في كلَّ ذنبٍ لا قتلَ فيه؛ كالربا وزنى غير المحصن وهكذا … !!\nثانيًا/ أن عدم قتال من لم يبايع لا يعني يسمح له في دعوة الناس للافتيات على الولاية وهكذا …\nثالثًا/ أن عدم قتال من لم يبايع لا يعنى يسمح لهم بالمظاهرات بل يمنعون من ذلك بالقوة.\nتنبيه:\nليس لكلام شيخ الإسلام هذا علاقةٌ في تجويز الخروج - كما يظنُّ بعضهم - لما تقدم أنَّ كلامه في عدم قتال من لم يبايع فقط لا أنَّه في عدم قتال مَنْ خرج؛ فقد قرَّر أنه يقاتل (^٢)، ثم إنَّ كلامه كثيرٌ في عدم جواز الخروج على الحاكم الفاسق، وأنه خلافُ منهج أهل السنة (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٥١).\n(^٢) تقدم (ص: ١٩١).\n(^٣) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة النبوية (٣/ ٣٩١): «ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروجَ على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلمٌ، كما دلَّت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي -ﷺ-».","vol":"1","page":184},{"text":"الشبهة السابعة والثلاثون:\nأنه لا يصحُّ قتلُ الذين يباشرون الخروجَ على الحاكم من أهل عصرِنا، لأنهم ليسوا خوارج فهم لا يعتقدون عقيدة الخوارج في التكفير بكلِّ كبيرة.\nوهذه شبهة يردِّدها بعضُ المعاصرين؛ وهي مبنيَّة على حصول خلْطٍ عند بعضِهم في مفهوم الخارجي.\n\nوكشفُ هذه الشبهة: يكون بمعرفة<span data-type='title' id=toc-85> ضابطِ الخارجيِّ،</span> وأنه لا يُشترط فيه أن يكفِّر بكلِّ تكبيرة، بل لو كفَّر بغير مكفِّرٍ واحدٍ فهو خارجي.\nوهذا يتوافقُ مع حال الخوارج الذي خرجوا على علي -﵁-، فلم يكفِّروا بكلِّ كبيرة، وإنما كفَّروا في أمرٍ واحد غيرِ مكفِّر؛ وهو زعمُهم أنَّ علي بن أبي طالب -﵁- تركَ تحكيمَ كتاب الله، وزعمُهم هذا كذبٌ؛ ثمَّ حكمُهم باطل لأنه مبني على كذبٍ؛ فصاروا خوارج لتكفيرهم بغير حق.\nوإن كان بعد ذلك تفرَّق الخوارج فِرَقًا وتبنَّوا عقائد أخرى بحسب فرقهم؛ فمنهم مَنْ أنكرَ السُّنة، ومنهم من أنكر الحوض والصراط وهكذا … لكن بدعتُهم في الأصل التكفير بما ليس مكفرًا.\nقال ابن قدامة: «الثالث: الخوارج الذين يكفِّرون بالذنب» (^١).\nوقال أيضًا: «وإذا أظهرَ قومٌ رأيَ الخوارج، مثل تكفير من ارتكب كبيرة» (^٢).\nوقال الزركشي: «الخوارج الذين يكفرون بالذنب» (^٣).\n_________\n(^١) المغني (٨/ ٥٢٤).\n(^٢) المغني (٨/ ٥٣٠).\n(^٣) شرح الزركشي على مختصر الخرقي (٦/ ٢١٨).","vol":"1","page":185},{"text":"وقال النووي: «الخوارج صنفٌ من المبتدعة يعتقدون أنَّ من فعل كبيرةً كفرَ وخلد في النار» (^١).\nوقول ابن قدامة والزركشي بالذنب يدخلُ فيه ولو ذنبًا واحدًا، ومثله كلام النووي لما قال كبيرة.\nومثله ما سيأتي نقله عن ابن تيمية.\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وإذا عُرِفَ أصلُ البدع فأصلُ قول الخوارج أنهم يكفرونَ بالذنب، ويعتقدون ذنبًا ما ليس بذنب، ويرون اتِّباع الكتاب دون السنة التي تخالف ظاهر الكتاب - وإن كانت متواترة - ويكفِّرون من خالفهم ويستحلُّون منه لارتدادهِ عندهم ما لا يستحلُّونه من الكافر الأصلي، كما قال النبي -ﷺ- فيهم: «يَقتلونَ أهلَ الإسلام ويدَعون أهل الأوثان» (^٢)، ولهذا كفَّروا عثمان وعليًّا وشيعتهما؛ وكفَّروا أهلَ صفين - الطائفتين - في نحو ذلك من المقالات الخبيثة» (^٣).\nوقال أيضًا: «ولهم خاصَّتان مشهورتان فارقوا بهما جماعة المسلمين وأئمَّتهم: أحدُهما: خروجُهم عن السنة وجعلُهم ما ليس بسيئةٍ سيئةً أو ما ليسَ بحسنةٍ حسنةً، وهذا هو الذي أظهروه في وجه النبي -ﷺ- حيث قال له ذو الخويصرة التميمي: اعِدِلْ فإنك لم تعدل؛ حتى قال له النبي -ﷺ-: «ويلكَ؛ ومَن يعدل إذا لم أَعدل؟ لقد خِبْتُ وخسرتُ إن لم أعدل» (^٤).\nفقوله: فإنك لم تعدل جعلَ منه لفعل النبي -ﷺ- سفهًا وتركَ عدلٍ، وقوله:\n«اعدل» أمرٌ له بما اعتقده هو حسنة من القسمة التي لا تصلح.\n_________\n(^١) روضة الطالبين (١٠/ ٥١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٣٤٤) ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٥٥).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦١٦٣) ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.","vol":"1","page":186},{"text":"ثم قال: الفرق الثاني في الخوارج وأهل البدع: أنهم يكفِّرون بالذنوب والسيئات؛ ويترتب على تكفيرهم بالذنوب استحلالُ دماء المسلمين وأموالهم، وأنَّ دار الإسلام دارُ حرب، ودارهم هي دار الإيمان» (^١).\nوقال: «فمن جعلهم بمنزلة البغاة المتأوِّلين جعلَ فيهم هذين القولين. والصوابُ أن هؤلاء ليسوا من البغاة المتأولين؛ فإنَّ هؤلاء ليس لهم تأويلٌ سائغٌ أصلًا، وإنما هم من جنس الخوارج المارقين، ومانعي الزكاة، وأهل الطائف والخرمية ونحوهم ممَّن قوتلوا على ما خرجوا عنه من شرائع الإسلام» (^٢).\nوقال: «ومن اعتقد من المنتسبين إلى العلم أو غيره أنَّ قتال هؤلاء بمنزلة قتال البغاة الخارجين على الإمام بتأويل سائغ كقتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لأهل الجمل وصفين = فهو غالطٌ جاهلٌ بحقيقة شريعة الإسلام وتخصيصه هؤلاء الخارجين عنها. فإنَّ هؤلاء لو ساسوا البلاد التي يغلبون عليها بشريعة الإسلام كانوا ملوكًا كسائر الملوك؛ وإنما هم خارجون عن نفس شريعة رسول الله -ﷺ- وسنَّتهِ شرًّا من خروجِ الخوارج الحرورية، وليس لهم تأويل سائغ؛ فإنَّ التأويل السائغ هو الجائزُ الذي يُقَرُّ صاحبه عليه إذا لم يكن فيه جواب، كتأويل العلماء المتنازعين في موارد الاجتهاد. وهؤلاء ليس لهم ذلك بالكتاب والسنة والإجماع ولكن لهم تأويلٌ من جنس تأويل مانعي الزكاة والخوارج واليهود والنصارى» (^٣).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١٩/ ٧٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٤٨).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٨٦).","vol":"1","page":187},{"text":"تنبيه:\nلا تلازم بين مباشرة الخروج عمليًّا، وأن يكون الرجلُ خارجيًّا، فقد يكون الرجلُ خارجيًّا، وإنْ لم يخرج عمليًّا، وهؤلاء الذين سمَّاهم السلف بالقعدية؛ وهم الذين يرونَ رأيَ الخوارج ولا يباشرون الخروج.\nقال أبو محمد عبد الله بن محمد الضعيف: قُعَّدُ الخوارج هم أخبثُ الخوارج (^١).\nوقال الأزهري: «والقَعَديُّ من الخوارج: الذي يرى رأيَ القُعَّد الذين يرون التحكيم حقًّا؛ غير أنهم قعدوا عن الخروج على الناس» (^٢).\nوقال ابن حجر: «والقعدية قومٌ من الخوارج كانوا يقولون بقولهم ولا يرون الخروج، بل يُزيِّنونهُ، وكان عمران داعيةً إلى مذهبه، وهو الذي رثى عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي -﵁- بتلك الأبيات السائرة» (^٣).\nالشبهة الثامنة والثلاثون:\nأنه ليس كلُّ من خرج على حاكم فإنه يكون خارجيًّا؛ لأن منهم من لا يُكفِّر هذا الحاكمَ، ومن ليس خارجيًّا فلا يصح قتاله؟!.\nوكشفُ هذه الشبهة أن يقال: إنه ليس كلُّ من خرج على حاكم فإنه يكفِّره لكن ليس القتالُ محصورًا على الخوارج؛ بل إنَّ القتال أيضًا لكلِّ خارجٍ على الحاكم ولو لم يكفِّره؛ لدلالة الأدلة الشرعية على ذلك، ولأنه مفسد في الأرض.\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد (ص: ٣٦٢)، رواية أبي داود.\n(^٢) تهذيب اللغة (١/ ١٣٩).\n(^٣) هدي الساري (٤٣٢).","vol":"1","page":188},{"text":"والمباشرون لفعل الخروج على السلطان أقسام؛ منهم من يكفِّره بكبيرة فيكون خارجيًّا، ومنهم من يخرجُ عليه تديُّنًا لفسقه بلا تكفير، فيبدَّع ويضلَّل ويحذَّر منه وليس خارجيًّا، كما فعل ذلك أئمة السنة كسفيان الثوري والإمام أحمد مع الحسن ابن صالح، بل ونقل الإمام أحمد إجماعَ السلف على هذا.\nقال الإمام أحمد: «ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كانوا اجتمعوا عليه وأقرُّوا له بالخلافة بأيِّ وجهٍ كان بالرضا أو الغلبة، فقد شقَّ هذا الخارجُ عصا المسلمين، وخالفَ الآثار عن رسول الله -ﷺ-، فإن مات الخارج عليه مات ميتةً جاهلية، ولا يحلُّ قتال السلطان، ولا الخروج عليه لأحدٍ من الناس، فمَن فعلَ ذلك فهو مبتدعٌ على غير السنة والطريق» (^١).\nومنهم من يخرج لحظٍّ دنيوي، فهؤلاء يقاتَلون؛ لأنهم مفسدون في الأرض، وليس لأنهم خوارج.\nقال عرفجة بن شريح الأشجعي، قال: سمعت رسول الله -ﷺ-، يقول: «مَنْ أتاكُم وأمرُكم جميعٌ على رجلٍ واحد، يريدُ أن يشقَّ عصاكُم، أو يفرِّق جماعتكُم، فاقتلوه» (^٢).\nودونكَ ما بُيِّن من كلام أهل العلم أنَّ القتال ليس خاصًّا بالخوارج:\nقال ابن قدامة: «والخارجون عن قبضة الإمام، أصنافٌ أربعة، ثم قال: الصنفُ الرابع: قومٌ من أهل الحق، يخرجون عن قبضة الإمام، ويرومون خلعَهُ لتأويلٍ سائغ، وفيهم منعةٌ يحتاج في كفِّهم إلى جمعِ الجيش، فهؤلاء البغاة، الذين\n_________\n(^١) أصول السنة (ص: ٤٥).\n(^٢) سبق تخريجه (ص: ١٦١).","vol":"1","page":189},{"text":"نذكر في هذا الباب حكمَهُم، وواجبٌ على الناس مَعونةُ إمامهم في قتال البغاة؛ لما ذكرنا في أول الباب؛ ولأنهم لو تَركوا معونته، لقهرَهُ أهلُ البغي، وظهرَ الفساد في الأرض» (^١).\nوقال أيضًا: «وإن سَبُّوا الإمامَ أو غيره من أهل العدل، عُزِّروا؛ لأنهم ارتكبوا محرَّمًا لا حدَّ فيه. وإن عرضوا بالسَّب، فهل يُعزَّرون؟ على وجهين.\nوقال مالك في الإباضية، وسائر أهل البدع: يُستتابون، فإن تابوا، وإلَّا ضُربت أعناقهم.\nقال إسماعيل بن إسحاق: رأى مالك قتلَ الخوارج وأهلِ القدر، من أجل الفساد الداخل في الدين، كقُطَّاع الطريق، فإنْ تابوا، وإلَّا قُتلوا على إفسادهم، لا على كُفرهم …» (^٢).\nوقال النووي: ««فإذا لقيتُموهُم فاقتلُوهم فإنَّ في قتلهِم أجرًا» (^٣)، هذا تصريحٌ بوجوب قتال الخوارج والبغاة وهو إجماعُ العلماء، قال القاضي أجمعَ العلماء على أنَّ الخوارج وأشباههم من أهل البدع والبغي متى خرجوا على الإمام وخالفوا رأيَ الجماعة وشقُّوا العصا وجبَ قتالُهم بعدَ إنذارِهم والاعتذارِ إليهم؛ قال الله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾، لكن لا يُجهَز على جريحهم ولا يُتبع منهزمُهم ولا يُقتل أسيرُهم ولا تُباح أموالُهم؛ وما لم يخرجوا عن الطاعة وينتصبوا للحرب لا يُقاتَلون بل يُوعَظون ويُستتابون من بدعتهم وباطلهم؛\n_________\n(^١) المغني (٨/ ٥٢٣).\n(^٢) المغني (٨/ ٥٣٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٦١١)، ومسلم (١٠٦٦) من حديث علي -﵁-.","vol":"1","page":190},{"text":"وهذا كلُّه ما لم يكفروا ببدعتهم» (^١)، ونقل أبوزرعة العراقي كلام النووي وأقرَّه.\nوأفاد شيخُ الإسلام ابن تيمية أنَّ الذين يجب أن يُقاتَلوا وإن كانوا مسلمين - سابقًا أو لا زالوا - ثلاثة أصناف:\nالصنف الأول: المرتدون فقد كانوا مسلمين فكفروا.\nالصنف الثاني: أهل البدع كالخوارج.\nالصنف الثالث: المفسدون في الأرض؛ ومنهم الخارجون على السلطان يريدون منازعته في الولاية.\nقال -﵀-: «قد يُستدلُّ على أنَّ المفسدَ متى لم ينقطع شرُّه إلَّا بقتلهِ فإنه يُقتل: بما رواه مسلم في صحيحه عن عرفجة الأشجعي -﵁- قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «مَنْ أتاكُم وأمرُكم جميعٌ على رجلٍ واحد يريدُ أن يشقَّ عصاكُم أو يفرِّقَ جماعتكُم فاقتلوه» (^٢)، وفي رواية: «سَتكون هناتٌ وهنات، فمَن أرادَ أن يفرِّق أمرَ هذه الأمة وهي جميعٌ فاضربوهُ بالسَّيف كائنًا من كان» (^٣)» (^٤).\nوقال: «ولهذا كان أعدل الطوائف» أهل السنة: أصحاب الحديث، وتجدُ هؤلاء إذا أمروا بقتال مَنْ مرقَ من الإسلام أو ارتدَّ عن بعض شرائعه يأمرونَ أن يُسار فيه بسيرة علي في قتال طلحة والزبير؛ لا يُسبى لهم ذرية ولا يُغنم لهم مال ولا يُجهز لهم على جريحٍ ولا يُقتل لهم أسير، ويتركون ما أمرَ به النبي -ﷺ- وسار به\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (٧/ ١٦٩).\n(^٢) سبق تخريجه (ص: ١٦١).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٨٥٢).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٣٤٦).","vol":"1","page":191},{"text":"علي في قتال الخوارج، وما أمر الله به رسوله وسار به الصديق في قتال مانعي الزكاة، فلا يجمعون بين ما فرق الله بينه من المرتدين والمارقين وبين المسلمين المسيئين؛ ويفرقون بين ما جمع الله بينه من الملوك والأئمة المتقاتلين على الملك وإن كان بتأويل. والله -﷾- أعلم» (^١).\nوقال أيضًا: «وهذه النصوص المتواترة عن النبي -ﷺ- في الخوارج قد أدخلَ فيها العلماء لفظًا أو معنًى مَنْ كان في معناهم من أهل الأهواء الخارجين عن شريعة رسول الله -ﷺ- وجماعة المسلمين» (^٢).\nوقال أيضًا: «ثمَّ إن أهل المدينة يرون قتال مَنْ خرج عن الشريعة كالحرورية وغيرهم، ويفرَّقون بين هذا وبين القتال في الفتنة؛ وهو مذهب فقهاء الحديث، وهذا هو الموافقُ لسنَّة رسول الله -ﷺ- وسنة خلفائه الراشدين، فإنه قد ثبت عنه الحديثُ في الخوارج من عشرة أوجهٍ خرَّجها مسلم في صحيحه وخرَّج البخاري بعضَها.\nوقال فيه: «يحقرُ أحدُكم صلاته مع صَلاتهم، وصيامهُ مع صيامهم، وقراءته مع قراءتهم، يقرؤون القرآنَ لا يُجاوز حَناجرهم، يمرقونَ من الإسلام كما يمرقُ السَّهم من الرمية؛ أينما لقيتُموهم فاقتلُوهم، فإنَّ في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلَهُم يومَ القيامة».\nوقد ثبت اتفاقُ الصحابة على قتالهم، وقاتَلَهم أميرُ المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁-، وذكر فيهم سنة رسول الله -ﷺ- المتضمِّنة لقتالهم، وفرحَ بقتلهم وسجدَ لله شكرًا لما رأى أباهم مقتولًا، وهو ذو الثدية؛ بخلافِ ما جرى يوم الجمل وصفين؛\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٥٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٧٦).","vol":"1","page":192},{"text":"فإنَّ عليًّا لم يفرح بذلك، بل ظهر منه من التألم والندم ما ظهر، ولم يُذكر عن النبي -ﷺ- في ذلك سنة؛ بل ذُكر أنه قاتل باجتهاده، فأهلُ المدينة اتبعوا السنة في قتال المارقين من الشريعة وترك القتال في الفتنة، وعلى ذلك أئمة أهل الحديث؛ بخلاف مَنْ سوَّى بين قتال هؤلاء وهؤلاء؛ بل سوَّى بين قتال هؤلاء وقتال الصديق لمانعي الزكاة، فجعل جميع هؤلاء من باب البغاة كما فعل ذلك من فعله من المصنفين في قتال أهل البغي؛ فإن هذا جمع بين ما فرَّق الله بينهما، وأهلُ المدينة والسنة فرَّقوا بين ما فرَّقَ الله بينه واتَّبعوا النصَّ الصحيح والقياس المستقيم العادل» (^١).\nوقال: «وأما المذكورون فهم خارجون عن الإسلام؛ بمنزلةِ مانعي الزكاة وبمنزلة الخوارج الذين قاتلَهُم علي بن أبي طالب -﵁-، ولهذا افترقت سيرة علي -﵁- في قتاله لأهل البصرة والشام وفي قتاله لأهل النهروان؛ فكانت سيرتُه مع أهل البصرة والشاميين سيرةَ الأخِ مع أخيه ومع الخوارج بخلاف ذلك.\nوثبتت النصوصُ عن النبي -ﷺ- بما استقرَّ عليه إجماعُ الصحابة من قتال الصديقِ وقتال الخوارج؛ بخلاف الفتنة الواقعة مع أهل الشام والبصرة؛ فإنَّ النصوص دلَّت فيها بما دلت والصحابة والتابعون اختلفوا فيها. على أن من الفقهاء الأئمة مَنْ يرى أنَّ أهل البغي الذين يجبُ قتالهم هم الخارجونَ على الإمام بتأويلٍ سائغ؛ لا الخارجون عن طاعته.\nوآخرون يجعلونَ القسمَين بغاة؛ وبين البغاة والتتار فرق بين» (^٢).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٣٩٤).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٠٣).","vol":"1","page":193},{"text":"وقال: «وأصحاب الرسول -ﷺ- علي بن أبي طالب وغيره لم يكفِّروا الخوارج الذين قاتلوهم، بل أول ما خرجوا عليه وتحيزوا بحروراء، وخرجوا عن الطاعة والجماعة، قال لهم علي بن أبي طالب -﵁-: «إنَّ لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ولا حقَّكم من الفيء» (^١)، ثم أرسل إليهم ابنَ عباس فناظَرَهُم فرجعَ نحو نصفهم، ثم قاتل الباقي وغلبهم، ومع هذا لم يسْبِ لهم ذرية، ولا غنمَ لهم مالًا، ولا سارَ فيهم سيرةَ الصحابة في المرتدين؛ كمسيلمة الكذاب وأمثاله، بل كانت سيرة علي والصحابة في الخوارج مخالفة لسيرة الصحابة في أهل الردة، ولم ينكرْ أحدٌ على على ذلك، فعُلم اتفاقُ الصحابة على أنهم لم يكونوا مرتدين عن دين الإسلام …» (^٢).\nفائدة:\nتنازعَ العلماء على قولين في قتلِ الواحد من الخوارج؛ فذهب ابنُ تيمية أنه بمجرَّد اعتقادِه يُقتل ولو لم يباشر الخروج؛ وهو أحد قولي العلماء وبه قال أحمد في رواية، وهو الصواب؛ لأن عمر أراد قتل صبيغ بن عسل لو كان محلوقًا أي خارجيًّا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج؛ كالحرورية والرافضة ونحوهم: فهذا فيه قولان للفقهاء هما روايتان عن الإمام أحمد، والصحيح أنه يجوزُ قتلُ الواحد منهم؛ كالداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد. فإن النبي -ﷺ- قال: «أينَما لَقيتمُوهم فاقتلُوهم» (^٣)، وقال: «لئنْ أدركتهُم\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٥٦٢).\n(^٢) منهاج السنة النبوية (٥/ ٢٤١).\n(^٣) سبق تخريجه (ص: ١٩٠).","vol":"1","page":194},{"text":"لأقتلنَّهم قتلَ عاد» (^١)، وقال عمر لصبيغ بن عسل: «لو وجدتكَ محلوقًا لضربتُ الذي فيه عيناك» (^٢).\nولأن علي بن أبي طالب طلبَ أن يقتل عبد الله بن سبأ أول الرافضة حتى هرب منه. ولأن هؤلاء من أعظم المفسدين في الأرض، فإذا لم يندفع فسادُهم إلَّا بالقتلِ قُتلوا، ولا يجبُ قتلُ كلِّ واحدٍ منهم إذا لم يظهر هذا القول أو كان في قتله مفسدةٌ راجحة.\nولهذا تركَ النبي -ﷺ- قتلَ ذلك الخارجي ابتداءً لئلَّا يتحدَّث الناس أن محمَّدًا يقتل أصحابه (^٣)، ولم يكن إذْ ذاك فيه فسادٌ عام؛ ولهذا ترك علي قتلَهم أولَ ما ظهروا؛ لأنهم كانوا خلقًا كثيرًا وكانوا داخلينَ في الطاعة والجماعة ظاهرًا لم يحاربوا أهل الجماعة، ولم يكن يتبين له أنهم هم» (^٤).\nالشبهة التاسعة والثلاثون:\nأن المظاهرات تجوز على ولي الأمر لأنها ليست خروجًا، وإنما إعلامٌ بعدم الرضا على قرار معين.\nوكشفُ هذه الشبهة بأن يقال: إنَّ المظاهرات محرَّمة شرعًا لأمور:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٣٤٤) ومسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.\n(^٢) الإصابة في تمييز الصحابة (٣/ ٣٧١): «أخرجه ابن الأنباري من وجه آخر عن يزيد بن خصيفة، عن السّائب بن يزيد، عن عمر بسند صحيح، وفيه: فلم يزل صبيغ وضيعًا في قومه بعد أن كان سيّدا فيهم» اهـ.\n(^٣) أخرجه البخاري (٤٩٠٥)، ومسلم (٢٥٨٤) من حديث جابر بن عبد الله -﵁-.\n(^٤) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٩٩).","vol":"1","page":195},{"text":"الأمر الأول: أنها مخالفة للأدلة وإجماع السلف الآمرة بالصبر على جَور الحاكم.\nالأمر الثاني: أنها مخالفة للطريقة الشرعية في مناصحة الحاكم، وهي مناصحته أمامه - كما تقدم (^١) -، وما كان كذلك فهو محرَّم.\nالأمر الثالث: أنها وسيلة لم يتَّخذها السلفُ مع وجود المقتضي وانتفاء المانع؛ فتكون بدعة - وقد تقدَّم بيان هذه القاعدة - (^٢).\nالأمر الرابع: أنها وسيلة للفوضى وزعزعة الأمن.\nوتفصيل هذا في الرابط أدناه (^٣).\nالشبهة الأربعون:\nأنَّ الصحابة قالوا لعمر: «واللهِ لو رأينا منك أمرًا ننكره لقوَّمناك بحدِّ سيوفنا، فهذا يدلُّ على أنَّ الخروج بالسيف جائز».\nوكشفُ هذه الشبهة أن يقال:\nإني لم أقف على هذه القصة بسندٍ لا صحيحٍ ولا ضعيف، وإنما الذي رأيتُه ثابتًا هو أنَّ حذيفة قال: «دخلتُ على عمر وهو قاعدٌ على جذع في داره وهو\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٤٠).\n(^٢) تقدم (ص: ٥٢).\n(^٣) كتبت فيما سبق رسالة صغيرة في بيان حرمة المظاهرات، ورددت على بعض الشبهات واسمها «كشف شبهات مجوزي المظاهرات».\nhttp://islamancient.com/play.php?catsmktba=3073\nوألقيت أيضًا درسًا صوتيًا بعنوان: المظاهرات في ميزان الشرع».\nhttp://islamancient.com/play.php?catsmktba=922","vol":"1","page":196},{"text":"يحدِّثُ نفسه، فدنوتُ منه، فقلت: ما الذي أهمَّكَ يا أمير المؤمنين، فقال: هكذا بيده - وأشار بها - قال: قلتُ: الذي يهمُّكَ واللهِ لو رأينا منك أمرًا ننكرهُ لقوَّمناك، قال: آللهِ الذي لا إله إلا هو لو رأيتم مني أمرًا تنكرونه لقوَّمتموه؟، فقلتُ: آللهِ الذي لا إله إلا هو لو رأينا منك أمرًا ننكره لقوَّمناك، قال: ففرح بذلك فرحًا شديدًا، وقال: الحمد لله الذي جعل فيكم أصحابَ محمد من الذي إذا رأى مني أمرًا ينكره قوَّمني» (^١).\nوليس فيها محلُّ الشاهد وهو التقويم بالسيف، فهو إذن محمولٌ على التقويم بالنصيحة على الطرق الشرعية. وهذا الفهمُ هو الذي تجتمع معه بقية الأدلة.\nالشبهة الحادية والأربعون:\nأنه يجوز الخروجُ بالسيف؛ لقول ابن مسعود: قال رسول الله -ﷺ-: «لم يكنْ نبيٌّ قطُّ إلَّا كان له من أمته حَواريون، وأصحابٌ يتبعون أمره، ويهتدون بسنَّته، ثم يأتي من بعد ذلك أمراء يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون يغيِّرون السُّنن، ويُظهرون البدع، فمَن جاهدَهُم بيده، فهو مؤمن، ومَن جاهدَهُم بلسانه، فهو مؤمن، ومَن جاهدهم بقلبه، فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان مثقالُ حبَّة خردل» (^٢).\nفقوله: «فمن جاهدهم بيده» يدلُّ على الخروج بالسيف على الأمراء.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٩٩).\n(^٢) الإبانة الكبرى لابن بطة (١/ ٢١٣).","vol":"1","page":197},{"text":"وكشفُ هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أن أحاديث النبي -ﷺ- يفسِّر بعضُها بعضًا، فقد تقدَّمت الأدلة والإجماعُ على حرمة الخروج على السلطان (^١)، فيُحمَل هذا الحديثُ على إنكار ما أتى به السلطان من المحرَّمات؛ مثل آلات الطرب؛ مع مراعاة المصالح والمفاسد.\nقال ابن رجب: «وقد يُجاب عن ذلك بأنَّ التغيير باليد لا يستلزم القتال. وقد نصَّ على ذلك أحمد أيضًا في رواية صالح، فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح، وحينئذٍ فجهادُ الأمراء باليد أن يُزيلَ بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل أن يُريقَ خمورهم أو يكسرَ آلاتِ الملاهي التي لهم، ونحو ذلك، أو يبطل بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك، وكلُّ هذا جائز، وليس هو من باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي وردَ النهيُ عنه، فإنَّ هذا أكثر ما يُخشى منه أن يُقتلَ الآمرُ وحده» (^٢).\nالوجه الثاني: أن المراد بهذا الحديث الأمم السابقة، فليس المرادُ به شريعتنا، كما قاله ابن الصلاح والنووي.\nقال النووي: «على أنَّ هذا الحديث مَسوقٌ فيمن سبقَ من الأمم، وليس في لفظهِ ذكرٌ لهذه الأمة. هذا آخر كلام الشيخ أبي عمرو وهو ظاهر كما قال» (^٣).\nالوجه الثالث: أنه لما رأى الإمام أحمد ظاهرَ هذا الحديث مخالفًا للأحاديث الكثيرة في الصبر على جَور السلطان وظُلمه = ضعَّفَ هذا الحديث، وفعل مثلَه الأثرم.\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٥، ٣٩).\n(^٢) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٤٨).\n(^٣) شرح النووي على صحيح مسلم (٢/ ٢٨).","vol":"1","page":198},{"text":"قال أحمد: «جعفر هذا هو أبو عبد الحميد بن جعفر، والحارث بن فضيل ليس بمحمود الحديث، وهذا الكلام لا يشبه كلام ابن مسعود، ابن مسعود يقول: قال رسول الله -ﷺ-: «اصبروا حتى تلقوني» (^١).\nوقال الأثرم: «وهذا عن ابن مسعود، وذاك عن ابن مسعود، وهذا أثبتَ الإسنادين، وهو موافقٌ للأحاديث، وذاك مخالف، ثم تواترت الأحاديث عن النبي -ﷺ- فكثرت عنه، وعن الصحابة والأئمة بعدَهم -﵃- يأمرون بالكف، ويكرهون الخروج، وينسبون مَنْ خالفهم في ذلك إلى فراق الجماعة، ومذهبِ الحرورية وتركِ السُّنة» (^٢).\nفائدة:\nأخرج مسلم عن عبد الله بن مسعود قال رسول الله -ﷺ-: «ما من نبيٍّ بعثهُ الله في أمةٍ قبلي إلَّا كان له من أمته حواريون، وأصحابٌ يأخذون بسُنَّته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلفُ من بعدِهم خلوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمَن جاهدَهُم بيدهِ فهو مؤمن، ومَن جاهدَهُم بلسانهِ فهو مؤمن، ومَن جاهدَهُم بقلبهِ فهو مؤمن، وليس وراءَ ذلك من الإيمان حبَّة خردل» (^٣).\nلم يضعِّف الإمام أحمد لفظَ مسلم لأنه ليس فيه ذِكرُ لفظ (أمراء) وإنما ضعَّفَ اللفظ الذي ذُكِرَ فيه الأمراء.\n_________\n(^١) مسائل الإمام أحمد رواية أبي داود السجستاني (ص: ٤١٩)، وانظر للاستزادة: السنة لأبي بكر بن الخلال (١/ ١٤٢)، وجامع العلوم والحكم (٢/ ٢٤٨).\n(^٢) ناسخ الحديث ومنسوخه (ص: ٢٥٧).\n(^٣) أخرجه مسلم (٥٠).","vol":"1","page":199},{"text":"وصنيعُ ابن رجب في (جامع العلوم والحكم) يوهِمُ أنه يضعِّفُ لفظ مسلم وليس الأمر كذلك - والله أعلم - لأنَّ الحديث بدون لفظ الأمراء لا يخالف بقية الأحاديث.\n\nالشبهة الثانية والأربعون:\nأنه يجوز الخروج على الحاكم بالسيف لما أخرج موسى بن عقبة (^١) قال عمر: «لن يعجز الناس أن يولوا رجلًا منهم، فإن استقامَ اتَّبعوه، وإن جنف قتلوه، فقال طلحة: وما عليكَ لو قلت: إن تعوَّجَ عزلوه؟ فقال عمر: لا، القتل أنكَلُ لمن بعدَه».\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: ضعفُ سند القصة فهي مرسلة لأن موسى بن عقبة لم يسمع عمر ولم يدرك زمنه.\nالوجه الثاني: أن هذا الأثر من جهة الدراية مخالفٌ للثابت عن عمر في نصيحته لسويد بن غفلة؛ قال سويد بن غفلة: «قال لي عمر: يا أبا أمية؛ إني لا أدري لعلِّي أن لا ألقاكَ بعد عامي؛ هذا فاسمَعْ وأطِعْ وإنْ أمِّر عليك عبدٌ حبشيٌّ مجدَّع؛ إن ضربكَ فاصبر، وإن حرمكَ فاصبر، وإن أراد أمرًا ينتقصُ دينكَ فقل: سمعٌ وطاعةٌ ودمي دون ديني؛ فلا تفارق الجماعة» (^٢).\n_________\n(^١) كتاب المغازي (ص: ٤٤١).\n(^٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٥٤٤) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":200},{"text":"الوجه الثالث: مخالفٌ للأدلة المتواترة في الصبر على جور الحاكم - وقد تقدم ذكرها - (^١).\nالوجه الرابع: مخالف لإجماع أهل السنة ومعتقدهم - كما تقدم نقله - (^٢).\nالشبهة الثالثة والأربعون:\nاستدلَّ بعضُهم بما أخرج ابن شبة (^٣): «أنه قد جاء الأشعث ومعه جماعة من أهل الكوفة إلى عمر يطلبون منه عزلَ سعد بن أبي وقاص أمير الكوفة، وبطل القادسية، وخال رسول الله -ﷺ-، فعزلَه عمرُ نزولًا عند رغبتهم، مع ثقته بسعد، ثم سألهم فقال: إذا كان الإمام عليكم فجارَ ومنعكُم حقَّكم وأساءَ صحبتكم؛ ما تصنعون به؟ قالوا: إنْ رأينا جَورًا صَبرنا، فقال عمر: لا واللهِ الذي لا إله إلا هو، لا تكونونَ شهداء في الأرض حتى تأخذوهم كأخذِهم إيَّاكم، وتضربوهم في الحقِّ كضربهم إيَّاكم وإلَّا فلا»، فقالوا في هذا جواز الخروج بالسيف على الحاكم الجائر الظالم.\nوكشفُ هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: ضعف سند القصة؛ وذلك أنَّ في إسنادها هارون بن عبد الله الحضرمي؛ لم يوثِّقه إلَّا ابن حبان بذكره في الثقات، وهذا لا يُعتبر توثيقًا لأنَّ ابن حبان متساهل جدًّا في المجاهيل. ولم أرَ أحدًا وثَّقه غيرهُ؛ فهو مجهولٌ جهالة حال.\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٧).\n(^٢) تقدم (ص: ٣٩).\n(^٣) تاريخ المدينة (٣/ ٨١٦).","vol":"1","page":201},{"text":"وفي الإسناد عفيف بن معدي كرب؛ فقد ذهبَ أبو حاتم وابن عبد البر والعجلي وغيرهم إلى أنه ليس صحابيًّا، ومن جعله صحابيًّا لم يأتِ ببيِّنة، وإذا لم يثبت أنه صحابي فهو مجهولٌ جهالة حال، وتوثيقُ العجلي لا يُعتمد عليه؛ لأنه في توثيق المجاهيل من التابعين أكثر تساهلًا من ابن حبان.\nكما أفاده المعلمي في كتابه (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل)؛ إذ قال:\n«فابن حبان قد يذكر في (الثقات) من يجد البخاريَّ سمَّاه في (تاريخه) من القدماء وإنْ لم يعرف ما روى وعمَّن روى ومن روى عنه، ولكن ابن حبان يشدِّد وربما تعنَّت فيمن وجد في روايته ما استنكر وإن كان الرجل معروفًا مكثرًا؛ والعجليُّ قريبٌ منه في توثيق المجاهيل من القدماء، وكذلك ابن سعد» (^١).\nوقال في الأنوار الكاشفة: «وتوثيقُ العجلي وجدتُه بالاستقراء، كتوثيق ابن حبان أو أوسَعُ» (^٢).\nالوجه الثاني: أن هذا الأثر من جهة الدراية مخالف للثابت عن عمر - كما تقدم (^٣) - في نصيحته لسويد بن غفلة قال سويد بن غفلة: «قال لي عمر: يا أبا أمية إني لا أدري لعلِّي أن لا ألقاكَ بعد عامي هذا فاسمَعْ وأطِعْ وإن أمرِّ عليك عبدٌ حبشيٌّ مجدَّع؛ إن ضربكَ فاصبر، وإن حرمكَ فاصبر، وإن أراد أمرًا ينتقصُ دينك فقل: سمعٌ وطاعة ودمي دون ديني؛ فلا تفارق الجماعة».\n_________\n(^١) (١/ ٢٥٥).\n(^٢) (١/ ٦٨).\n(^٣) تقدم (ص: ١٥٤).","vol":"1","page":202},{"text":"الوجه الثالث: أنه مخالف للأدلة المتواترة في الصبر على جَور الحاكم - وقد تقدم ذكرها (^١) -.\nالوجه الرابع: أنه مخالف لإجماع أهل السنة ومعتقدهم - كما تقدم نقله - (^٢).\nالشبهة الرابعة والأربعون:\nأنَّ الطعن في الحاكم وولي الأمر، والكلام عليه، والتشهير بأخطائه داخلٌ تحت الاحتساب المطلوب شرعًا، والممدوح أهله.\nوكشف هذه الشبهة أن يقال:\nإنَّ الاحتساب على الحاكم والسلطان مطلبٌ شرعي، لكن بالطرق الشرعية التي تقدَّم ذكرها (^٣)؛ وهي الإنكار عليه أمامه لا وراءه، فلا يصحُّ أن نسعى في فعلِ طاعةٍ بسلوك طريق معصية.\nالشبهة الخامسة والأربعون:\nأن أحمد بن نصر الخزاعي من أئمة السنة خرج على الواثق؛ لأنه مبتدع؛ وعلى إثرِ خروجهِ قتلَهُ الواثقُ فأثنى عليه أحمد بن حنبل وجمعٌ من الأئمة، فهذا يدلُّ على أنَّ الخروج ليس بدعةً ولا الخارج مبتدعًا.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أنه لم يثبت أنَّ قتل الإمام الكبير أحمد بن نصر الخزاعي كان\n_________\n(^١) ص: ٣٥.\n(^٢) تقدم (ص: ٣٩).\n(^٣) تقدم (ص: ٥٠).","vol":"1","page":203},{"text":"لأجل الخروج؛ فقد روى القصة الخطيب في تاريخه (^١) من طريق محمد بن يحيى الصولي قال: كان أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي من أهل الحديث، وكان جدُّه من رؤساء نقباء بني العباس، وكان أحمد وسهل بن سلامة - حين كان المأمون بخراسان - بايعا الناس على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى أن دخل المأمون بغداد فرفق بسهل حتى لبس السواد، وأخذ الأرزاق، ولزم أحمدُ بيته، ثم إنَّ أمره تحرَّك ببغداد في آخر أيام الواثق، واجتمع إليه خلقٌ من الناس يأمرون بالمعروف إلى أن ملكوا بغداد … ثم حكاها.\nوفي إسنادها محمد بن يحيى الصولي وهو لم يلْقَ زمن أحمد بن نصر الخزاعي؛ لأنَّ أحمد بن نصر توفي عام (٢٣١ هـ) (^٢)، والصولي عام (٣٣٦ هـ) (^٣)، فبين وفاتهما أكثر (^٤) من مائة سنة، وليس في ترجمة الصولي أنه عمر طويلًا؛ ثم في ترجمته أنه روى عن أبي داود السجستاني؛ وهو في طبقة تلاميذ أحمد بن نصر، فهذا يدلُّ على أنه لم يدركه.\nالوجه الثاني: تقدَّم إجماعُ أئمة السنة على تبديع من يخرج على السلطان، وممن حكى هذا الإجماع الإمام أحمد، فيبعد أن يثني عليه؛ لأنه قُتل لفعل بدعةٍ توجبُ تبديعه.\n_________\n(^١) (٥/ ٣٨٤).\n(^٢) سير أعلام النبلاء (١١/ ١٦٩).\n(^٣) تاريخ بغداد (٤/ ٢٠٢).\n(^٤) انظر: كتاب «تنبيهات على كتاب ظاهرة الإرجاء» لأخينا الشيخ أنيس المصعبي (ص: ٢٣)، فقد تنبهت لهذا بعد النظر في كتابه النافع.","vol":"1","page":204},{"text":"الوجه الثالث: أن قتله كان لأجل الصبر على القول بأن القرآن كلامُ الله غير مخلوق، وهذا الذي يتناسب مع ثناء الأئمة عليه، قال الذهبي: «قال ابن الجنيد سمعت يحيى بن معين يترحَّم عليه، وقال: ختمَ الله له بالشهادة، وقال: قال المروذي: سمعتُ أحمد بن حنبل ذكرَ أحمد بن نصر فقال: -﵀- لقد جادَ بنفسه» (^١).\nالشبهة السادسة والأربعون:\nأنَّ الإمامين محمد بن سعود ومحمد بن عبد الوهاب أئمة هدى وقد خرجا على الدولة العثمانية، ولو كان الخروج محرمًّا لما فعلاه.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: تقدم أنَّ الإمام محمد بن عبد الوهاب حكى الإجماعَ على حرمة الخروج، فالقول بالخروج يخالف الاعتقاد الذي كان يتبنَّاه ويدعو إليه.\nقال في رسالة لأهل القصيم: «وأرى وجوبَ السمع والطاعة لأئمة المسلمين برِّهم وفاجرِهم، ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة، واجتمعَ عليه الناس، ورضوا به، وغلبهم بسيفه حتى صار خليفةً وجبتْ طاعته، وحَرُمَ الخروج عليه» (^٢).\nوقال: «الأصل الثالث: أنَّ من تمام الاجتماع، السمعَ والطاعة لمن تأمَّر علينا، ولو كان عبدًا حبشيًّا.\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (١١/ ١٦٧، ١٦٨).\n(^٢) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١/ ٣٣).","vol":"1","page":205},{"text":"فبيَّن الله هذا بيانًا شافيًا كافيًا، بوجوهٍ من أنواع البيان شرعًا وقدرًا، ثم صار هذا الأصل لا يُعرف عند أكثر من يدَّعي العلم، فكيف العمل به؟!» (^١).\nالوجه الثاني: أنه لا يقال خرج إلَّا لمن كان تحت حكمِ حاكم، ثم نزعَ يده من طاعته. وهذا خلافُ حال هذين الإمامين؛ فليسا تحت حكم الدولة العثمانية، فإنه ليس هناك ما يُثبت أنَّ دولة آل سعود في الدرعية يومذاك تحت حكم الدولة العثمانية أصلًا حتى يُقال إنهما خرجا عليها.\nقال العلامة عبد العزيز بن باز -﵀-: «لم يخرج الشيخ محمد بن عبد الوهاب على دولة الخلافة العثمانية فيما أعلم وأعتقد، فلم يكن في نجد رئاسة ولا إمارة للأتراك، بل كانت نجد إمارات صغيرة وقرى متناثرة، وعلى كل بلدة أو قرية\n- مهما صغرت - أمير مستقل .. وهي إمارات بينها قتال وحروب ومشاجرات، والشيخ محمد بن عبد الوهاب لم يخرج على دولة الخلافة، وإنما خرجَ على أوضاعٍ فاسدة في بلده، فجاهدَ في الله حقَّ جهاده وصابرَ وثابرَ حتى امتدَّ نورُ هذه الدعوة إلى البلاد الأخرى» (^٢).\nالوجه الثالث: ومما يؤكد أنَّ نجد اليمامة - بصفة عامة - ودولة آل سعود بالدرعية - بصفة خاصةٍ - ليست تحت إمارة الدولة العثمانية ما قاله الدكتور صالح العبود: «لم تشهد نجد على العموم نفوذًا للدولة العثمانية، فما امتد إليها سلطانها، ولا أتى إليها ولاة عثمانيون، ولا جابت خلال ديارها حامية تركية في\n_________\n(^١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١/ ١٧٣).\n(^٢) محاضرة صوتية، بواسطة: «دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب» (ص: ٢٣٧).","vol":"1","page":206},{"text":"الزمان الذي سبق ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب -﵀-، ومما يدل على هذه الحقيقة التاريخية استقراء تقسيمات الدولة العثمانية الإدارية، فمن خلال رسالة تركية عنوانها (قوانين آل عثمان مضامين دفتر الديوان) - يعني قوانين آل عثمان في ما يتضمَّنه دفتر الديوان، ألَّفها يمين علي أفندي الذي كان أمينًا للدفتر الخاقاني سنة (١٠١٨ هـ) الموافقة لسنة (١٦٠٩ م).\nمن خلال هذه الرسالة يتبيَّن أنه منذ أوائل القرن الحادي عشر الهجري، كانت دولة آل عثمان تنقسم إلى اثنتين وثلاثين إيالة، منها أربع عشرة إيالة عربية، وبلاد نجد ليست منها ماعدا الإحساء، إن اعتبرناه من نجد» (^١).\nقال أمين سعيد: «ولقد حاولنا كثيرًا في خلال دراستنا لتاريخ الدولتين الأموية والعباسية، وتاريخ الأيوبيين، والمماليك في مصر، ثم تاريخ العثمانيين الذين جاءوا بعدهم وورثوهم، أن نعثر على اسم والٍ، أو حاكمٍ أرسله هؤلاء، أو أولئك أو أحدهم إلى نجد أو إحدى مقاطعتها الوسطى، أو الشمالية، أو الغربية أو الجنوبية، فلم نقع على شيء، مما يدلُّ على مزيدِ من الإهمال تحمل تبعته هذه الدول … على أنَّ الذي استنتَجْناه في النهاية هو أنهم تركوا أمرَ مقاطعات نجد الوسطى والغربية إلى الأشراف الهاشميين حكَّام الحجاز الذين جَرَوا على أن يشرفوا على قبائلها إشرافا جزئيًّا» (^٢).\n_________\n(^١) عقيدة الشيخ محمد بن عبدالوهاب (١/ ٢٧)، بواسطة دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص: ٢٣٥).\n(^٢) كتاب تاريخ الدولة السعودية (ص: ٢٣)، بواسطة: دعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ص: ٢٣٦).","vol":"1","page":207},{"text":"الشبهة السابعة والأربعون:\nأن القول بحُرمة الخروج كان فيه خلاف بين الصحابة ومن بعدهم ثم انعقد الإجماع، وأصحُّ القولين (^١) أصوليًّا أنَّ الإجماع بعد الخلاف لا ينعقد، فعلى هذا لا ينعقد هذا الإجماع.\nوكشف هذه الشبهة من وجهين:\nالوجه الأول: حُكي خلافٌ بين أهل العلم في صحة الإجماع بعد الخلاف، وإن كان المعروف من كلام العلماء المتقدمين أنهم يجعلونه إجماعًا (^٢)، لكن لا يصحُّ أن يُتذرَّع بهذا على أن من لم يقرَّ بالإجماع على صحة الخروج فهو معذور؛ لأنه فرع عن هذه المسألة الأصولية، وذلك أنَّ إجماعَ أهل السنة الذي لم ينازع فيه أحد منهم، بل وتوارُدُهم على تبديع المخالف بإجماعهم مستثنى من ذكر الخلاف في هذه المسألة، بل قد يقال: إن إجماع أهل السنة في هذه المسألة يدل على صحة القول بأن الإجماع ينعقد بعد خلاف.\nالوجه الثاني: أنه لا يسلَّم بوجود خلافٍ بين الصحابة في حكم الخروج على الحاكم الفاسق - كما تقدم (^٣) بالتفصيل - فيكون الإجماعُ منعقدًا قبل حصول الخلاف، وهو إجماع الصحابة.\n_________\n(^١) لم أر القول بعدم انعقاد الإجماع منقولًا نقلًا صحيحًا عن أحدٍ من العلماء الأولين وإنَّما اشتهر به المتكلمون والمتأخرون، تقدم (ص: ١٢٨).\n(^٢) وأخطأ أبو يعلى لما نسب هذا القول لأحمد في رواية؛ وأول من لم يوافقه تلميذه أبو الخطاب.\n(^٣) كما تقدم (ص: ١٥١ وما بعدها).","vol":"1","page":208},{"text":"الشبهة الثامنة والأربعون:\nأنَّ الخروج لا يسمَّى خروجًا حتى يكون بالسيف، أما الخروجُ بالمظاهرات والأقوال فلا يسمى خروجًا.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أن المظاهرات محرَّمة، وهي على أقسام كما تقدم، وأقلُّ أحوالها سوءًا ما كان محرَّمًا، فمن ظاهرَ مكفِّرًا للحاكم بغير مكفر، فهو خارجيٌّ، ومن ظاهرَ لإسقاط الحاكم المسلم تديُّنًا فهو مبتدع، ومن ظاهرَ لإسقاط الحاكم لأجل الدنيا فهو مُفسِدٌ في الأرض يستحقُّ القتل - وكلُّ هذه الأقسام قد سبقَ ذِكرُها في موضع آخر - (^١).\nومَن ظاهرَ احتجاجًا على أخطاءٍ في الدولة إنْ كان بدافعٍ دنيوي ففعلُه محرَّم؛ لأنه خالف نصوصَ السمع والطاعة والصبر على جَور الحاكم، وإن كان بدافعٍ دينيٍّ فهو محرَّمٌ وبدعة.\nوبمعرفة هذه الأقسام يتبين أن أقلَّ المظاهرات سوءًا ما كان محرَّمًا، فيكفي أن يكون أقلُّها محرَّمًا، ولو لم يُسمَّ خروجًا، فإنَّ المحرَّم يجبُ تركهُ وإنكاره.\n_________\n(^١) كتبت فيما سبق رسالة صغيرة في بيان حرمة المظاهرات ورددت على بعض الشبهات؛ واسمها: كشف شبهات مجوزي المظاهرات.\nhttp://islamancient.com/play.php?catsmktba=3073\nوألقيت أيضًا درسًا صوتيًا بعنوان: المظاهرات في ميزان الشرع.\nhttp://islamancient.com/play.php?catsmktba=922","vol":"1","page":209},{"text":"الوجه الثاني: إن الرجل يكون خارجيًّا بدون إشهار سيف، وإنما بمجرَّد اعتقاده، ولو لم يخرج ويكون من الخوارج القعدية - كما تقدم بيانه (^١) -، وهؤلاء يستحقون القتل لاعتقادهم عقيدة الخوارج.\nالوجه الثالث: أن المظاهرات - وإن سُمِّيت سلمية - محرَّمة أيضًا؛ لما يترتَّبُ عليها من المفاسد، ولما تؤدي إليه من المفاسد؛ فهي تبدأ سلمية ثمَّ يصحبُها التخريبُ، ثم القتال مع المانعين من رجال الأمن وهكذا …\nالوجه الرابع: أن الكلام في ولي الأمر محرَّم، ولو كان باسم النصيحة، فإنَّ للنصيحة طُرقَها الشرعية - كما تقدم بيان هذه الطرق (^٢) -، وأنَّ مطلق الكلام محرَّم، فإنه يؤدي إلى الخروج العملي، فما من خروجٍ عملي إلَّا وسُبق بكلام مؤدٍّ إليه، وتقدَّم قولُ عبد الله بن عكيم أنه عدَّ ذكرَ مساوي عثمان إعانةً على دمه.\nالشبهة التاسعة والأربعون:\nأن حديث «مَنْ قُتل دونَ مالهِ فهو شهيد» (^٣)، عامٌ في مقاتلة السلطان وغيره، فيقاتَلُ السلطان إذا أرادَ أخذَ المال كما يُقاتَلُ غيره؛ وممن قرَّر هذا ابنُ حزم فقال بعد ذكر حديث «مَنْ قُتل دونَ مالهِ …»: «وهذا أبو بكر الصديق، وعبد الله بن عمرو -﵄- يرَيان السلطان في ذلك وغيرَ السلطان سواء» (^٤).\n_________\n(^١) تقدم (ص: ١٨٨).\n(^٢) تقدم (ص: ٥٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٤٨٠)، ومسلم (١٤١) من حديث عبدالله بن عمرو -﵄-.\n(^٤) المحلى بالآثار (١٢/ ٢٨٥).","vol":"1","page":210},{"text":"وقبل كشف هذه الشبهة فالمرادُ بأثرِ أبي بكر هو كتابه الذي كتبه في الزكاة\n- كما ذكره ابن حزم - ووجه الشاهد منه قول أبي بكر: «فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فلْيُعطِها، ومن سُئلَ فوقها فلا يُعطَ» (^١).\nوالمراد بأثر عبد الله بن عمرو؛ ما أخرجه عبد الرزاق (^٢) أن معاوية أرسل إلى عاملٍ له أن يأخذ الوهط، فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو؛ فلبس سلاحه هو ومواليه وغلمته وقال: إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «من قتل دون ماله مظلومًا فهو شهيد». فكتب الأمير إلى معاوية أن قد تيسر للقتال، وقال إني سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: «من قُتل دون ماله فهو شهيد». فكتب معاوية:\n«أن خل بينه وبين ماله».\nووجهُ الدلالة منه أنَّ عبد الله بن عمرو عملَ بعمومه في عامل السلطان.\nوبعد أن تبيَّن مُراد ابن حزم بأثر أبي بكر وأثر عبد الله بن عمرو فأبدأ\n- بحول الله - بكشف شبهة الاستدلال بأثر عبد الله بن عمرو؛ لأنه أكثر إشكالًا، ثم بأثر أبي بكر.\nوكشف الاستدلال بأثر عبد الله بن عمرو من أوجه:\nالوجه الأول: أن هذا الأثرمخالفٌ للأدلة العامة والخاصة الآمرة بالصبر على جَور الحاكم وظُلمه، والتي أجمعَ عليها أهل السنة، فهذه مقدمة على فهم عبد الله ابن عمرو.\n_________\n(^١) أخرجة البخاري (١٤٥٤).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠/ ١١٥).","vol":"1","page":211},{"text":"الوجه الثاني: أن هذا الأثر مخالفٌ لأثر عمر.\nقال سويد بن غفلة: «قال لي عمر: يا أبا أمية؛ إني لا أدري لعلِّي أن لا ألقاكَ بعد عامي هذا؛ فاسمَعْ وأطِع وإنْ أمِّر عليك عبدٌ حبشيٌّ مجدَّع؛ إنْ ضربكَ فاصبر، وإن حرمكَ فاصبر، وإن أراد أمرًا ينتقصُ دينك فقل: سمعٌ وطاعة ودمي دون ديني، فلا تفارق الجماعة» (^١)، والفاروقُ خليفة راشد، فقولُه مقدَّم على غيره من غير الخلفاء الراشدين كعبد الله بن عمرو.\nالوجه الثالث: أن قول عمر بن الخطاب مقدَّم - أيضًا - على قول عبد الله بن عمرو بن العاص للأدلة الكثيرة العامة والخاصة في الصبر على جَور الحاكم فهي مخصِّصة لحديث «مَنْ قُتل دونَ مالهِ فهو شهيد» فأَخرجت الحاكم من عمومه.\nالوجه الرابع: أن العلماء مجمعون على عدم دخول الحاكم في حديث «مَنْ قُتل دونَ ماله …».\nفقد ثبتَ عن ابنِ سيرين أنه قال في الخوارج: «ما علمتُ أحدًا كان يتحرَّجُ من قتلِ هؤلاء تأثُّمًا ولا من قتلِ من أراد مالك إلَّا السلطان؛ فإنَّ للسلطان لحقًّا» (^٢).\nوقال ابن المنذر: «والذي عليه أهلُ العلم أنَّ للرجل أن يدفع عمَّا ذكر إذا أُريد ظلمًا بغير تفصيل، إلَّا أنَّ كلَّ من يُحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان؛ للآثار الواردة بالأمر بالصَّبر على جَوره، وترك القيام عليه» (^٣).\n_________\n(^١) تقدم (ص: ١٥٤).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠/ ١١٩).\n(^٣) نقله ابن حجر في فتح الباري (٥/ ١٢٤)، شرح ابن بطال (٦/ ٦٠٨) مختصرًا، وهو في الإشراف كما تقدم.","vol":"1","page":212},{"text":"فهذا الإجماع يُبين خطأ عبد الله بن عمرو لمَّا عمَّم حديث: «من قُتل دون ماله فهو شهيد». فإن الإجماع إذا انعقدَ بعد خلافٍ كشف القولَ الراجح من المرجوح.\nفكيف يفزعُ منصفٌ لأثر عن صحابي واحد يخالف نصوصًا كثيرة خاصة وعامة، ويخالف فتاوى صحابة أخرين وإجماعات!!\nأما الجوابُ على قول أبي بكر: «فمن سُئلها من المسلمين على وجهها فليُعطِها، ومن سُئل فوقَها فلا يُعط»، فمن وجهين:\nالوجه الأول: أنه لا إشكال في قول أبي بكر هذا لأنه في عدم إعطاء ما زادَ على الزكاة اختيارًا بغير حقٍّ للحاكم، وذلك عند سؤاله لما زاد من الزكاة، وليس في قوله -﵁- ردُّ الحاكم بالقوة أو مقاتلتُه إذا أرادَ الزائد من الزكاة بالقوة، فإذًا لا وجه لإيراد ابن حزم له في هذا الصَّدد.\nقال ابن حجر: «أي من سُئل زائدًا على ذلك في سنٍّ أو عددٍ فله المنع؛ ونقل الرافعي الاتفاقَ على ترجيحه؛ وقيل معناه فليمنع الساعي وليتولَّ هو إخراجَهُ بنفسه أو بساعٍ آخر، فإن الساعي الذي طلب الزيادة يكون بذلك متعديًا، وشرطُه أن يكون أمينًا، لكنْ محلُّ هذا إذا طلب الزيادة بغير تأويل» (^١).\nالوجه الثاني: ليكن قوله - جدلًا - دالًّا على مقاتلة مَنْ أراد ما زادَ على الزكاة، فإنَّ قوله هذا عامٌّ والحاكمُ مخصوصٌ من هذا العام لسببين:\nالسبب الأول: الأدلة الخاصة الآمرة بالصَّبر على جَور الحاكم.\nالسبب الثاني: إجماعاتُ أهل السُّنة الآمرة بالصَّبر على جَور الحاكم.\n_________\n(^١) فتح الباري (٣/ ٣١٩).","vol":"1","page":213},{"text":"الشبهة الخمسون:\nأنَّ بعضَ الأدلة جوَّزت الخروجَ عند وجود المعصية من الحاكم؛ لما أخرجَ ابنُ حبان (^١) عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله -ﷺ-: «اسمَعْ وأطِعْ في عُسرِكَ ويُسركَ ومنشطكَ ومكرهِكَ وأثَرةٍ عليك، وإنْ أكلوا مالك وضربوا ظهركَ إلَّا أن يكونَ معصية» بلفظ «إلَّا أن يكون معصية»، وفي موضع آخر (^٢) بلفظ: «إلَّا أن تكون معصية لله بواحًا»، وأخرجه أحمد بلفظ «ما لم يأمروك بإثمٍ بواحًا» (^٣)، فدلَّ هذا الحديث على أنه يخرج على الحاكم إذا كانت عنده معصية ظاهرة.\nوكشف هذه الشبهة أن يقال:\nإنه لا تعارضَ بين ألفاظ حديث عبادة؛ فإنَّ المراد بالكفر المعصية، فلفظُ حديث عبادة بن الصامت في الصحيحين: «إلَّا أن تروا كفرًا بواحًا» (^٤)، يفسِّر المعصية المذكورة في رواية ابن حبان وأنها الكفر الأكبر، فبهذا تتفق الألفاظ.\nفإن قيل: لماذا لا يُحمل حديث «كفرًا بواحًا» على المعصية فيكون الكفر بالمعنى العامِّ فيشمل جميع المعاصي، ومنها ما هو دون الكفر الأكبر؟\nفيقال: هذا لا يصحُّ لسببين:\nالسبب الأول: دلت الأحاديث على السمع والطاعة للحاكم ولو كان ظالمًا، أي عنده معاصٍ ظاهرة، قال ابن مسعود: قال -ﷺ-: «إنكم سترونَ بعدي\n_________\n(^١) (١٠/ ٤٢٥).\n(^٢) (١٠/ ٤٢٨).\n(^٣) (٥/ ٣٢١).\n(^٤) سبق تخريجه (ص: ٣٥).","vol":"1","page":214},{"text":"أثَرةً وأمورًا تنكرونها» قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أدُّوا إليهم حقَّهم، وسَلُوا الله حقَّكم» (^١).\nوقال عوف بن مالك: قال رسول الله -ﷺ-: «ألَا مَنْ وليَ عليه والٍ، فرآه يأتي شيئًا من معصيةِ الله، فليكْرَهْ ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعَنَّ يدًا من طاعة» (^٢).\nالسبب الثاني: آثار الصحابة وإجماعات أهل السُّنة التي تقدَّم ذكرها في حُرمة الخروج على الحاكم المسلم ولو كان فاسقًا ظالمًا.\nفبهذا يتعيَّن عدمُ حمله على المعصية الظاهرة لا سيما وفي الحديث ذكر «وأثرة علينا» وهو الظلم، ومع ذلك أمرَ بالصبر ولم يجعله مسوِّغًا ومجوِّزًا للخروج مع أنَّ الظلم معصية.\nالشبهة الحادية والخمسون:\nأن الحكام ينابَذون ويقاوَمون لأجل المعصية؛ قال ابن عباس: قال النبي -ﷺ-: «سيكون أمراءُ تعرفون وتنكرون، فمن نابذَهُم نجا، ومن اعتزَلَهم سَلِمَ، ومن خالَطهُم هلك» (^٣).\nوكشف هذه الشبهة وجوابها من أوجه:\nالوجه الأول: أن هذا الحديث ضعيف (^٤)، وضعَّفه الألباني روايةً ودرايةً فقال -﵀- في السلسة الصحيحة:\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص: ٣٧).\n(^٢) سبق تخريجه (ص: ٣٦).\n(^٣) صححه الألباني في صحيح الجامع، وعزاه لابن أبي شيبة والطبراني.\n(^٤) ضعَّفه العراقي في المغني (١/ ٥٩٣) والهيثمي في المجمع (٩١٥٦).","vol":"1","page":215},{"text":"«(تنبيه): ثم وقفتُ على حديث يخالف ظاهرُه حديثَ عوف بن مالك الناهي عن منابذة الأئمة والحكام بالسيف، فرأيتُ أن أبيِّن حاله خشيَة أن يتشبَّث به بعضُ الجهلة من خوارج هذا الزمان، أو ممَّن لا علمَ عنده بهذا العلم الشريف وفقه الحديث، ألا وهو ما أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» (١١/ ٣٩ - ٤٠) من طريق الهياج بن بسطام عن ليث عن طاوس عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ:\n«سيكونُ أمراءُ تعرفونَ وتنكرون، فمَن نابذَهُم نجا، ومن اعتزَلهم سَلِمَ، ومن خالَطَهُم هلك».\nوهذا إسناد ضعيف بمرة؛ ليث - وهو ابن أبي سليم - ضعيف مختلط، والهياج ابن بسطام - وهو الخراساني - متفق على ضعفه؛ بل اتَّهمه ابنُ حبان؛ فقال:\n«يروي الموضوعات عن الثقات»، وبه أعلَّه الهيثمي (٥/ ٢٢٨).\nأقول: وهذا الحديث قد عزاه السيوطي لابن أبي شيبة أيضًا؛ يعني في (المصنف)، ولم أره فيه بعد البحث الشديد، فإن صحَّ إسناده عنده أو غيره كان لا بد من تأويل قوله: «نابذهم» أي: بالقول والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لا بالسيف؛ توفيقًا بينه وبين حديث عوف كما تقتضيه الأصول العلمية والقواعد الشرعية، وإن لم يصحَّ نبذناه لشدة ضعف إسناده. والله -﷾- أعلم» (^١).\nومقتضى العدل والإنصاف: ألَّا يكتفي منصفٌ بكلام الألباني المختصر في صحيح الجامع، ويدع المفصل الموافق لبقية الأدلة وإجماع أهل السنة.\nالوجه الثاني: أنه مخالف للأدلة المتواترة في الصَّبر على جَور الحاكم - وقد تقدم ذكرها - (^٢).\n_________\n(^١) سلسلة الأحاديث الصحيحة (٧/ ٢١).\n(^٢) تقدم (ص: ٣٧).","vol":"1","page":216},{"text":"الوجه الثالث: أنه مخالف لإجماع أهل السنة ومعتقدهم - كما تقدَّم نقله - (^١).\nالوجه الرابع: أنه لو صحَّ لكان محمولًا على المنابذة بالقول على وجهٍ شرعي بأن ينكر عليهم أمامهم ليتفق مع باقي الأدلة - كما تقدم نقلُ كلام العلامة الألباني في الوجه الأول -.\nقال المناوي: «(سيكون أمراء تعرفون) يعني ترضون بعضَ أقوالهم وأفعالهم لكونه في الجملة مشروعًا (وتنكرون) بعضَها لقُبحهِ شرعًا، (فمن نابذهم) يعني أنكرَ بلسانهِ ما لا يوافقُ الشرع (نجا) من النفاق والمداهنة (ومن اعتزلهم) مُنكِرًا بقلبه (سلم) من العقوبة على ترك المنكر …» (^٢).\nالشبهة الثانية والخمسون:\nأنه قد استفتى أهلُ المدينة مالك بن أنس في الخروج مع ذي النفس الزكية فأفتاهُم مالك بالجواز؛ لأن بيعتهم لأبي جعفر المنصور كانت تحت الإكراه، ولا بيعةَ لمكرَه، فلما أفتاهم مالَ الناس مع محمد ذي النفس الزكية وبايعوه، وقاتلوا معه وقد عُذِّبَ مالك لهذا السبب. فإذا كان كذلك فهناك سلفٌ معتبر لمن أراد الخروجَ على الحاكم المتغلب.\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٩)\n(^٢) فيض القدير (٤/ ١٣٢).","vol":"1","page":217},{"text":"وكشفُ هذه الشبهة من أوجه ثلاثة:\nالوجه الأول: أخرج فتوى مالك ابن جرير في تاريخه (^١) بإسناد فيه سعد بن عبد الحميد، وهو وإنْ كان مقبولًا لكن فيه ضغفٌ مما يتردَّد في قبول تفرُّداته، لذا قال ابن حبان: «كان ممن يروي المناكير عن المشاهير وممن فحُشَ وهمهُ حتى حسنَ التنكيب عن الاحتجاج به» (^٢)، وقال الحافظ في التقريب: «صدوق له أغاليط».\nالوجه الثاني: أنه لو كان مالك مخالفًا في صحَّة بيعة المتغلِّب لبيَّن ذلك أئمَّة السُّنة وجعلوها من شواذِّه لأنه خالفَ في مسألةٍ إجماعية، بل بيَّن ذلك أصحابُه وهم ممن نقلوا إجماعَ العلماء على صحَّة بيعة المتغلِّبين؛ كابن بطال وابن أبي زيد القيرواني وغيرهما وقد تقدَّمت الإشارة لذلك (^٣).\nالوجه الثالث: أنه قد حصل خلافٌ كثير في سبب ضرب مالك، وقد ساق الخلاف القاضي عياض، ولما جاء إلى ذكرِ أنَّ السبب في ضربه أنه أفتى الناس بالقيام مع النفس الزكية لأن بيعة أبي جعفر لا تلزم لأنها على الإكراه = قال القاضي عياض: (وذُكِرَ عنه) بصيغة التمريض. وإليك كلام القاضي عياض.\nقال القاضي -﵁-: «قال الطبري اختُلف فيمن ضرب مالكًا وفي السَّبب في ضربهِ وفي خلافةِ مَنْ ضُرب»، ثم قال: «وذُكِرَ عنه أنه أفتى الناس عند قيام محمد بن عبد الله بن حسن العلوي المسمَّى بالمهدي بأن بيعة أبي جعفر لا تلزم لأنها على الإكراه».\n_________\n(^١) (٧/ ٥٦٠).\n(^٢) المجروحين (١/ ٣٥٧).\n(^٣) تقدم (ص: ٦٩).","vol":"1","page":218},{"text":"قال الليث: «إني لأرجو أن يرفع الله مالكًا بكل ما سوَّد درجةً في الجنة».\nوخالف هذا كلَّه ابنُ بكير، فقال: ما ضُرب إلَّا في تقديمه عثمان على علي؛ فسعى به الطالبيون حتى ضُرب.\nقيل لابن بكير: «خالفتَ أصحابك؛ هم يقولون ضُرِب في البيعة».\nقال: «أنا أعلم من أصحابي».\nوقال أحمد بن صالح: «إنما ضُربَ مالك في الطلاق قبل النكاح، كان لا يراه ثم رآه».\nقال أبو داود: «ولم يصنع أحمد شيئًا».\nوقال ابن كنانة: «ضُرب في أيمان السلطان أنها لا تلزم، وفي دفع الصدقات إليهم» (^١).\nإذا تبين هذا فلا يصحُّ الجزمُ بأن مالكًا أفتى بهذا الخروج لأنه لا يرى بيعة المكره، فلا دليلَ على ثبوت قولِ عدم بيعةِ المكره لمالكٍ وأنه سببُ ضربهِ؛ لأنه لا مستندَ صحيح لذلك، وقد تنازعَ الناسُ في سببِ ضربهِ؛ وأيًّا كان فمن المعلوم أنَّ مالكًا يقرُّ بالخلافة لأبي جعفر المنصور والهادي - كما تقدم - فلذا لا يصحُّ أن يرجعَ سببُ الضرب لما يتنافى مع إقراره بالخلافة.\n_________\n(^١) ترتيب المدارك (٢/ ١٣٤).\nلما انتهيت من ضعف القصة وقفتُ على كلامٍ مؤيد لذلك في كتاب «ضوابط معاملة الحاكم» للدكتور خالد الظفيري - وفقه الله - بواسطة حول الخروج (٢/ ٢٢)؛ فاستفدتُ منه النقل من كتاب ترتيب المدارك.","vol":"1","page":219},{"text":"الشبهة الثالثة والخمسون:\nأن القول بالخروج على الحاكم قال به العلَّامة المعلمي إذ قال: «كان أبو حنيفة يستحبُّ أو يوجبُ الخروج على خلفاء بني العباس لما ظهر منهم من الظلم، ويرى قتالهم خيرًا من قتال الكفار، وأبو إسحاق ينكر ذلك، وكان أهل العلم مختلفين في ذلك فمَن كان يرى الخروج يراه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالحق، ومن كان يكرهه يرى أنه شقٌّ لعصا المسلمين وتفريقٌ لكلمتهم وتشتيتٌ لجماعتهم وتمزيقٌ لوحدتهم وشَغلٌ لهم بقتلِ بعضهِم بعضًا، فتهن قوتهم وتَقوى شوكةُ عدوِّهم وتتعطَّل ثغورهم، فيستولي عليها عدوُّهم …\nهذا والنصوصُ التي يحتج بها المانعون من الخروج والمجيزون له معروفة، والمحقِّقون يَجمَعون بين ذلك بأنه إذا غلبَ على الظَّن أنَّ ما ينشأ عن الخروج من المفاسد أخفُّ جدًّا مما يغلب على الظن أنه يندفع به جازَ الخروجُ وإلَّا فلا. وهذا النظرُ قد يختلف فيه المجتهدان» (^١).\nوهذا هفوة وزلة من العلَّامة المعلمي لا يجوزُ أن يُتابع عليها، وبيانُ ذلك من أوجه:\nالوجه الأول: ذكر أن في مسالة الخروج على الحاكم الفاسق الظالم قولين، وهذا خطأ مخالفٌ لإجماع أهل السنة - كما تقدم بيانه - (^٢).\n_________\n(^١) التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (١/ ٢٨٨).\n(^٢) تقدم (ص: ٣٩).","vol":"1","page":220},{"text":"الوجه الثاني: نسبة جواز الخروج إلى المحقِّقين بالنظر إلى المصلحة لا تصحُّ، فلا أحسنَ تحقيقًا من السلف وأهل السنة؛ وهم مخالفون لهذا بإجماعهم - كما تقدم - (^١).\nالوجه الثالث: تقدم ردُّ القول بأن حكم الخروج يدور مع المصلحة.\nالوجه الرابع: أنه أجمل ولم يُسمِّ هؤلاء المحققين، فلو سماهم لعرفَ حالهم، وقد يريد بذلك ابنَ حزم ومَن تأثر به، وتقدَّم ردُّ كلام ابن حزم (^٢)، وليُعلَم أنه لا يُعتمد على ابن حزم في مسائل الاعتقاد إلَّا تَبعًا فيما وافقَ فيه أهلَ السنة؛ لأن عنده مخالفات عقدية (^٣).\nالوجه الخامس: لا يصحُّ بحالٍ الاستدلالُ بأدلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنها عامة؛ والصبرُ على جَور الحاكم أدلة خاصة، وعليها إجماعُ أهل العلم - وقد تقدم بيان هذا - (^٤).\nوإن نسبة المعلِّمي القولَ بالخروج لأبي حنيفة فيه نظر؛ لأنه رجعَ عنه - كما تقدم - (^٥)، ومَن رجعَ عن قولٍ لم يصحَّ نسبتُه إليه.\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٩).\n(^٢) تقدم (ص: ١٧٣).\n(^٣) قال ابن عبد الهادي - تلميذ ابن تيمية - في طبقات علماء الحديث (٣/ ٣٥٠) عن ابن حزم: «جهمي جلد».\n(^٤) تقدم (ص: ٣٧).\n(^٥) تقدم (ص: ١٦٥).","vol":"1","page":221},{"text":"وللعلامة المعلِّمي كلام آخر في كتابه (العبادة) يخالفُ هذا؛ ففيه بيانُ حرمة الخروج مطلقًا لأنه مصاحبٌ لمفسدة أكبر؛ وأنَّ هذا قولُ أهل السنة فقال: «وهذا هو الذي يدلُّ عليه سياقُ تلك الأحاديث، وقد بيَّن في بعضِها أنَّ المراد الطاعة في غير معصية الله تعالى، وقد دلَّت على ذلك الآية السابقة، وبيَّن في بعضِ الأحاديث أنَّ الخروجَ على الأمير لا يجوز؛ إلَّا أن يكونَ كفرًا بواحًا، أو يترك الصلاة، ثم قال: وبالجملة فالنظر في هذه المسألة مبنيٌّ على الأصل الإسلامي المشهور، وهو أنه إذا تعارضت مفسدتان ولم يكن بدٌّ من ارتكاب إحداهما؛ وجبَ ارتكابُ الصغرى لدرء الكبرى.\nومن هنا يُعلم عذرُ أهلِ السنة بعد القرن الأول في حَظرِ الخروجِ على السلطان ما دام مسلمًا، فإن التجارب علَّمتهم أن نتيجة الخروج تكون أعظمَ فسادًا وشرًّا وضرًّا مما كان قبله» اهـ (^١).\n_________\n(^١) كتاب العبادة (ص: ٢٢٠).","vol":"1","page":222},{"text":"شبهات في أصل السمع والطاعة للحكام\nالشبهة الرابعة والخمسون:\nأن الداعين والمنادين لعقيدة السمع والطاعة للحكام في هذا الزمن هم غلاةُ الطاعة.\nوكشف هذه الشبهة العاطفية من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ هذا كلامٌ مجمل لا يصحُّ التعويل عليه، إذ ما المرادُ بالغلوِّ في الطاعة؟ فهل السمعُ والطاعة في غير معصية الله يعدُّ غلوًّا في الطاعة؟\nالوجه الثاني: أن الضابط في الغلوِّ والجفاء هو الشرعُ لا العواطفُ والحماسات، وما يدعو إليه أهل العلم من العلماء وطلاب العلم من أصل السَّمع والطاعة على منهج السلف ليس فيه غلوٌّ ولا جفاء، بل هو المنهج الرباني الذي جاء به النبي -ﷺ-، كما تقدم ذِكرُ الأدلة من الكتاب والسنة وآثار السلف على ذلك (^١).\nالشبهة الخامسة والخمسون:\nأنه كما تحرُم إمامة قومٍ في الصلاة وهم كارهون، كذلك يحرُم تولِّي الإمامة والحكم على قومٍ وهم كارهون.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: على القول بصحة القياس؛ فإن المشهور في كتب المذاهب الأربعة أنَّ إمامة الصلاة لقومٍ كارهين مكروهٌ لا محرَّم، فإذا كان هذا حكم\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٣).","vol":"1","page":223},{"text":"الأصل فالفرعُ - وهي الإمامة العامة - من باب أولى؛ أن تكون مكروهةً لا محرمة.\nالوجه الثاني: أن هذا القياس قياسٌ فاسد، وذلك أنَّ المعتبر في الإمامة العظمى اختيار أهل الحلِّ والعقد لا عامَّةِ الناس، وهذا بخلافِ الصلاة، فالمعتبر المصلُّون خلفَهُ أيًّا كانوا، فعلى هذا لا يصحُّ القياس.\nالوجه الثالث: أنه لو صحَّ هذا القياس تنزُّلًا، فإنه لا يصحُّ أن يظنَّ أنَّ تجاوبَ بعضِ العامة في كُرهِ حاكمٍ لأجل تحريض الثوريين أن هؤلاء العامة يكونون الأغلبية؛ بل هؤلاء قلَّة، وأكثرُ العامة على خلافهم.\nالوجه الرابع: أنَّ المصلين الكارهين للصلاة خلف إمامٍ يجبُ عليهم عند ائتمامه بهم أن يتابعوه؛ وهكذا يقال في الحاكم المتغلب فإنه يجب السمع والطاعة له وإن كانوا كارهين.\nالوجه الخامس: أنه لو تغلب رجلٌ على الحكم والناسُ كارهون له، فإنَّ حكمه صحيح بإجماع أهل السنة - كما تقدم - (^١)، والواجبُ دعوة الناس للاجتماع عليه لا تحريضُهم، فإنَّ التحريضَ محرَّمٌ كما تقدم (^٢).\nوبعد معرفة بطلانِ هذا القياس، صدق التابعي الجليل محمد بن سيرين لما قال - فيما ثبت عنه -: أول مَنْ قاسَ إبليس، قال: خلقتَني من نارٍ وخلقتَهُ من طين، وإنما عُبِدَت الشمسُ والقمرُ بالمقاييس (^٣).\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٦٨).\n(^٢) تقدم (ص: ٤٦).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٢٥٣).","vol":"1","page":224},{"text":"الشبهة السادسة والخمسون:\nأن الله قبل أن يأمر بطاعة أولي الأمر قدَّم ذلك ببيان الحقوق على ولاة الأمور فقال:\n﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: ٥٨].\nثم قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩].\nفدلَّ هذا على أنَّ وليَّ الأمر لا يُطاع حتى يقومَ بالحقوق التي عليه.\nوكشف هذه الشبهة أن يقال:\nإنه لا شك أنَّ على ولي الأمر حقوقًا يجب عليه أن يأتي بها، وإن لم يأتِ بها فهو آثم، وكذلك على الرعية حقوق وإن لم يأتوا بها فهم آثمون، لكن ليس معنى عدم قيام الراعي والحاكم بحقوقه أنه لا يُسمع ولا يطاع له؛ لأنَّ غاية ما يقال: إنه آثم.\nوقد دلَّت الأدلة وإجماع أهل السنة أنَّ الحاكم الظالم الفاسق يجبُ السمعُ والطاعة له في غير معصية الله، ويجب أن يُعتقد في الأعناق بيعة له. فإنَّ الأدلة الشرعية يفسِّر بعضُها بعضًا ويُردُّ ما اشتبه منها لما أحكم.\nالشبهة السابعة والخمسون:\nأنه من الخطأ أن يستمر الملكُ والرئيسُ ملكًا ورئيسًا، بل المفترضُ أن يكون هناك تداولٌ في السلطة، وألَّا يستمر الملكُ ملكًا والرئيسُ رئيسًا حتى الممات.","vol":"1","page":225},{"text":"وكشف هذه الشبهة من وجهين:\nالوجه الأول: أنه ليس لهذا الاستحسان مستندٌ شرعي، بل هو مخالفٌ للشرع، وهذا يتبين بالوجه الثاني.\nالوجه الثاني: درجَ الخلفاء الراشدون ثم ملوك الإسلام، وفي مقدمهم أفضلُ ملوك الإسلام - بالإجماع - وخالُ المؤمنين معاوية بن أبي سفيان - ﵁ وعن أمه وأبيه - على أنَّ الخلافة والملك مستمرةٌ حتى الممات، وليست تداوليةً كما هي الطريقة الغربية في هذه العصور المتأخرة.\nوالخيرُ كلُّ الخير في اتباع سبيل المؤمنين لا مشاقتهم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥].\nالشبهة الثامنة والخمسون:\nأنه يفترض أن تكون الدول الإسلامية دولًا دستورية، وهي أن يكون الحاكم صوريًّا أو شبه صوري، ويديرُ الأمورَ في الدولة مجلسُ الشعب المنتخب.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أن هذه الطريقة مخالفةٌ للطريقة الشرعية في الولاية والإمامة، بل هي طريقة غربية.\nالوجه الثاني: أن هذه الطريقة قائمة على مبدأ الانتخابات، وتقدَّم بطلانُ الانتخابات من أوجه (^١).\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٦٦).","vol":"1","page":226},{"text":"الوجه الثالث: أن الولاية والإمامة المبنية على الانتخابات سواءٌ للحاكم العام، أو لما يسمَّى بالمجلس التشريعي، أو مجلس الأمة، أو البرلمانات؛ نتيجتُها إضعافُ الدين الذي من أجله شُرعت الإمامة، وذلك أنه يلزم المجلس التشريعي أن يحقق رغباتٍ عامة الناس.\nحتى ينتخب العضو في المرحلة القادمة، وما كان مبنيًّا على تحقيق رضا عامة الناس مؤدٍّ إلى إضعاف الدين؛ لأن أكثر الناس يتبعون أهواءهم وما تشتهيه نفوسُهم الأمَّارة بالسوء، وما كان كذلك فهو مؤدٍّ إلى مخالفة الشريعة؛ لأن الشريعة تصادم أهواء الناس.\nقال تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].\nوقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤٠ - ٤١].\nوقال: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣].\nوقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ١١٦].\nوقال: ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٦].\nالشبهة التاسعة والخمسون:\nأنهم يريدون دولةً مدنية لا دولة دينية؛ لأن الدولة الدينية تعني تعطيل الحياة\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أن هناك فرقًا بين الدولة الدينية على المبدأ النصراني، والدولة","vol":"1","page":227},{"text":"الدينية على مبدأ المسلمين؛ فإن الدولة الدينية على مبدأ النصرانية تعني تعطيلَ الحياة، وإقصاءَ التطور والتقدم والحضارة، وقد قامت بهذا أوروبا في القرون الوسطى؛ مما جعلَ الشعب الأوروبي يحاربُ الدين ويفزع إلى العَلْمَنة التي حقيقتُها فصلُ الدين عن الحياة.\nوهذا خلافُ الدولة الدينية عند المسلمين، فإنها لا تحارب التقدم والتطور ما لم تخالف شيئًا من شرع الله؛ لذا لا تحتاج أن تحارب الدولة بالمعنى الديني كما يحاربه النصارى.\nالوجه الثاني: أنَّ المسلم إذا نادى بالدولة المدنية دون الدينية فسيفهم كثيرون أنه يحاربها لأنها قائمة بتعاليم الإسلام وقد حكمته في شؤون الحياة، فهو في حقيقة حاله قد وضع يده مع العلمانيين والليبراليين الذين ينادون بعزل الدين الإسلامي عن الحياة والدولة؛ لذا من الخطأ أن ينادي مسلمٌ بالدولة المدنية ويزداد الخطأ حقًّا إذا كان المنادى بهذا محسوبًا على الخير والتدين.\nوبعد هذين الجوابين على هذه الشبهة، فإن للدولة الدينية الإسلامية سماتٍ أذكرُ أهمها:\nالسمة الأولى: أنها لا تقدم شيئًا على شرع الله، فالدولة محكومة بكتاب الله وشرعه؛ لذا تحكم بما أنزل الله فيما يتعلق بالراعي والرعية، والتعامل مع الآخرين من الدول الكافرة، ولا ينتقل عن هذا إلا لمصلحة راجحة في حدود ما جوَّزتُه الشريعة بقواعدَ وضوابطَ يعرفُها أهل العلم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «بل واجبٌ على كل أحد إذا تبين له حكمُ الله ورسوله في أمرٍ أن لا يعدل ولا يتَّبع أحدًا في مخالفة حكم الله ورسوله، فإنَّ الله","vol":"1","page":228},{"text":"فرضَ طاعة رسوله -ﷺ- على كلِّ أحدٍ في كلِّ حال، فقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران: ٣١].\nوقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦].\nوقد صنَّف الإمام أحمد كتابًا في طاعة الرسول -ﷺ- وهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين. فطاعةُ الله ورسوله، وتحليلُ ما أحلَّه الله ورسوله، وتحريمُ ما حرَّمه الله ورسوله، وإيجابُ ما أوجبه الله ورسوله واجبٌ على جميع الثقلَين الإنس والجن؛ واجبٌ على كلِّ أحدٍ في كلِّ حال سرًّا وعلانية» (^١).\nوقال الإمام ابن القيم:\n«وقال سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥].\nفأقسمَ سبحانه بنفسه أنَّا لا نؤمنُ حتى نحكِّم رسوله في جميع ما شجَر بيننا، وتتسع صدورُنا بحكمه، فلا يبقى منها حرَجٌ، ونسلِّم لحكمه تسليمًا، فلا نعارضُه بعقلٍ ولا رأي ولا هوى ولا غيره، فقد أقسمَ الربُّ سبحانه بنفسه على نفي الإيمان عن هؤلاء الذين يقدِّمون العقل على ما جاء به الرسول؛ وقد شهدوا هم على أنفسهم بأنهم غير مؤمنين بمعناه، وإن آمنوا بلفظه، وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: ١٠].\n_________\n(^١) الفتاوى الكبرى (٥/ ٩٦).","vol":"1","page":229},{"text":"وهذا نصٌّ صريحٌ في أنَّ حكم جميع ما تنازعنا فيه مردودٌ إلى الله وحدَه، وهو الحاكمُ فيه على لسان رسوله، فلو قُدِّم حكمُ العقل على حُكمهِ لم يكن هو الحاكمَ بكتابهِ، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]» (^١).\nالسمة الثانية: الدولة الإسلامية والدينية تقدِّم العلم الشرعي وعلماءه؛ لأنهم مبلِّغون دين الله، لكن لا تراهم حجة، بل أقوالهم وأفعالهم يُحتجُّ لها لا بها، وغاية وظيفة العلماء البلاغ، أما التغيير والسلطة التنفيذية فهي بيد وليِّ الأمر المسلم.\nوالدولة مطالَبة بالرجوع إلى العلماء وسؤالهم عما جهلوا من شرع الله.\nقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣].\nوقال: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٨٣].\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «والقوة في الحكم بين الناس ترجعُ إلى العلم بالعدل الذي دلَّ عليه الكتابُ والسنة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام» (^٢).\nالسمة الثالثة: الحاكم والسلطان يُسمع ويُطاع له في غير معصية الله، وإذا أمرَ بمعصيةِ الله فلا تجوزُ طاعته في هذه المعصية، ويحفظ مقداره ومنزلته، ولا يجوز الخروجُ عليه ولا نزعهُ بما أنه مسلم ولو فسقَ وظلم، بل يُصبر على أذاه وظُلمهِ حتى يستريح برٌّ، أو يُستراحَ من فاجر.\n_________\n(^١) الصواعق المرسلة (٣/ ٨٢٨).\n(^٢) السياسة الشرعية (ص: ١٣).","vol":"1","page":230},{"text":"السمة الرابعة: لا تُعارض الدولة الدينية الإسلامية الحضارةَ والاختراعاتِ الحديثة، ما لم تخالف شرعَ الله، أو تُستعمل في معصية الله، فإنَّ الأصل فيها الحلُّ والإباحة.\nقال الشيخ سليمان بن سحمان: «والساعة صنعة من الصناعات، التي تدرك بالحذق والفكرة، ليست من البدع، ولا من السحر؛ إذ البدع المذمومة ما كانت في القُرَب الشرعية، وأما العاداتُ والصناعات، فليست من قسيم البدع» (^١).\nقال الشيخ ابن باز: «أما الأمور الأخرى التي لا تعلُّق لها بالعبادات ولا بأمر الجاهلية، فالأصلُ فيها الحلُّ إلا ما حرَّمه الشرع، كأنواع المآكل والمشارب والصناعات ونحو ذلك؛ لأن الناس أعلَمُ بأمور دنياهم. ويُستثنى من ذلك ما حرَّمه الله ورسوله كلُبسِ الذهب والحرير للذكور، وكتشبُّه الرجالِ بالنساء ونحو ذلك مما نصَّ الشرعُ على النهي عنه فهو مستثنًى من هذه القاعدة» (^٢).\nالسمة الخامسة: الدولة الدينية الإسلامية تحفظُ للكفار حقوقهم سواءٌ كانوا ذمِّيين أو معاهدين أو مستأمنين، فلا تسمحُ بظُلمهم ولا قتلهم بلا حقٍّ، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ قتلَ مُعاهَدًا لم يَرَحْ رائحةَ الجنة» (^٣)، والمراد بالمعاهد في لفظ الشرع من ليس حَربيًّا.\nوفي مقابل هذا لا تسمح لهم في نشر كفرهم، والدعوة إلى عقائدهم الكفرية؛ لأن هذا من المنكر الذي يجبُ إنكاره ومنعه.\n_________\n(^١) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (١٠/ ٤٨٧).\n(^٢) مجموع فتاواه (٢/ ٣٥٨).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣١٦٦).","vol":"1","page":231},{"text":"السمة السادسة: الدولة الإسلامية لا تمانع من التعامل مع الكفار وعقد العهود والمواثيق وتبادل التجارة، وتعاملُهم مع الكفار يختلفُ من حيث الجملة بين حال القوة والضعف.\nقالت عائشة -﵂-: «توفي رسول الله -ﷺ- ودرعهُ مرهونةٌ عند يهودي بثلاثينَ صاعًا من شعير» (^١).\nوصالحَ النبي -ﷺ- كفار قريش في صلح الحديبية كما في الصحيحين (^٢).\nوقال الله سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]، وقرَّر هذا الفقهاء منهم ابن قدامة في (المغني) (^٣).\nالسمة السابعة: لا تقرُّ الدولة المسلمة الديمقراطية؛ لأنها مخالفة للشريعة (^٤)، ولا تقرُّ الدولة المسلمة الخروجَ على حكام المسلمين والثورة عليهم، ولا نشرَ الباطل من الأفكار الإلحادية والبدعية والانحلالية باسم الحرية المنفلتة؛ لأن هذه منكرات، والحاكمُ قائد الدولة الإسلامية مأمورٌ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩١٦) من حديث عائشة -﵂-.\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٦٩٨)، ومسلم (١٧٨٣) من حديث البراء بن عازب -﵁-.\n(^٣) (٩/ ٢٩٦).\n(^٤) وقد أبنتُ هذا في مقال: الديمقراطية ليست من الإسلام في شيء.\nhttp://islamancient.com/mod_standitem86.html","vol":"1","page":232},{"text":"قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهذا القسم الذي ذكرناه من الحكم في حدود الله وحقوقه ومقصوده الأكبر هو الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمر بالمعروف مثل: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والصدقة، والأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن العشرة مع الأهل والجيران، ونحو ذلك.\nفالواجبُ على وليِّ الأمر أن يأمر بالصلوات المكتوبات جميعَ مَنْ يقدرُ على أمره، ويعاقبَ التاركَ بإجماع المسلمين، فإن كان التاركون طائفةً ممتنعة قوتلوا على تركها بإجماع المسلمين، وكذلك يُقاتَلون على ترك الزكاة والصيام وغيرهما، وعلى استحلال ما كان من المحرَّمات الظاهرة المجمَع عليها؛ كنكاحِ ذواتِ المحارم والفساد في الأرض ونحو ذلك، فكلُّ طائفةٍ ممتنعة عن التزام شريعةٍ من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة يجب جهادُها حتى يكونَ الدينُ كلُّه لله باتفاق العلماء …» (^١).\nهذه سماتُ الدولة الإسلامية - في الجملة - التي يريدُها الله ونحنُ مأمورون بها.\nالشبهة الستون:\nأن هناك فرقًا بين الحاكم المسلم السياسي، والحاكم المسلم الشرعي، فمَن تولَّى الحكمَ بالانتخابات، فإنَّ حكمَهُ قابلٌ للإزالة، فهو حاكمٌ سياسي وليست في أعناق الناس بيعةٌ له، بخلافِ الحاكم الشرعي فهو مَنْ تولَّى الحكمَ بالطرق الشرعية.\n_________\n(^١) السياسة الشرعية (١/ ٥٩).","vol":"1","page":233},{"text":"وكشف هذه الشبهة من وجهين:\nالوجه الأول: أن من أخذَ الحكم بالانتخابات فقد أخذَها بالغلَبة والقهر، لكن ليس بالسَّيف وإنَّما بالكثرة، فهو حاكمٌ متغلِّب يُسمع ويُطاع له؛ كالذي أخذَها بطريقةٍ شرعية - كما تقدَّم بيان هذا - (^١).\nالوجه الثاني: إنَّ الأدلة والإجماعات بيَّنت اعتقادَ البيعة في أعناقنا لمن تغلَّب، ولم تفرِّق بين طريقةٍ وطريقة، وكذلك لم تشترط أن يكون الحاكم مستمرًّا لا يجدَّد له، ومن ادَّعى هذا لَزِمهُ الدليلُ الشرعي، وإلَّا أصبحت دعوى بلا برهان فلا يُلتفت إليها.\nالشبهة الحادية والستون:\nأنَّ الصبر على أذى السلطان إذا كان شخصيًّا فلا يلزم بخلاف إذا كان جماعيًّا، واستدل بما أخرج عبد الرزاق (^٢) أن معاوية أرسلَ إلى عاملٍ له أن يأخذَ الوَهْطَ فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو فلبسَ سلاحهُ هو ومواليه وغِلْمَتهُ وقال: إني سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقول: «مَنْ قُتل دون مالهِ مظلومًا فهو شهيد».\nفكتبَ الأميرُ إلى معاوية أن قد تيسَّر للقتال، وقال إني سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقول: «مَنْ قُتلَ دونَ مالهِ فهو شهيد» فكتبَ معاوية: «أنْ خَلِّ بينهُ وبينَ ماله».\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٦٨).\n(^٢) أخرجه عبد الرزاق (١٠/ ١١٥).","vol":"1","page":234},{"text":"وكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أن هذا القول مخالفٌ للأدلة الصريحة في أمر الفرد بالصبر على جَور الحاكم؛ قال عبد الله بن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: «على المرءِ المسلم السمعُ والطاعة فيما أحبَّ وكرهَ إلَّا أن يؤمرَ بمعصيةِ الله، فإنه أُمِرَ بمعصيةٍ فلا سمعَ ولا طاعة» (^١).\nوقال أنس بن مالك، قال النبي -ﷺ- لأبي ذر: «اسمَعْ وأطِعْ ولو لحبشيٍّ كأن رأسَهُ زَبيبة» (^٢).\nالوجه الثاني: أن هذا القول مخالفٌ للأدلة العامة الآمرة - بالصبر على جَور الحاكم وظُلمه، ولم تفرِّق بين الفرد والجماعة - والتي أجمع عليها أهل السنة.\nالوجه الثالث: أن هذا الأثر مخالفٌ لأثر عمر. قال سويد بن غفلة، قال:\n«قال لي عمر: يا أبا أمية إني لا أدري لعلِّي أن لا ألقاكَ بعد عامي هذا؛ فاسمَع وأطِع وإنْ أُمِّرَ عليكَ عبدٌ حبشيٌّ مجدَّع، إنْ ضربكَ فاصبر، وإنْ حرمكَ فاصبر، وإن أرادَ أمرًا ينتقصُ دينكَ فقل: سمعٌ وطاعة ودمي دون ديني؛ فلا تفارق الجماعة» (^٣).\nوالفاروقُ خليفة راشد، فقولُه مقدَّم على غيره؛ وهو صريحٌ في صبر الفرد على جَور الحاكم إذا أراد مَاله؛ فهو مبيِّن أن أحاديث الصبر على جَور الحاكم مخصوصةٌ بالسلطان.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٢٩٥٥)، ومسلم (١٨٣٩).\n(^٢) أخرجه البخاري (٦٩٣).\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٥٤٤) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":235},{"text":"تنبيه:\nلما ضاق أهلُ البدع ذرعًا لأجل صراحة وكثرة نصوصِ السَّمع والطاعة، والصَّبر على جَور الحاكم أصبحوا في أمرٍ مريجٍ تجاهها؛ فمنهم مَنْ حملَها على الفرد دون الجماعة؛ وسيأتي كشفُ هذه الشبهة (^١)، ومنهم من حملَها على الجماعة دون الفرد؛ وتقدَّم كشفُ هذه الشبهة (^٢).\nالشبهة الثانية والستون:\nأنَّ الإمارة تسقط بمظلمة: فقد كتب عمر الفاروق إلى أهل الكوفة: «مَنْ ظلَمهُ أميرهُ فلا إمرةَ له عليه دوني، فكان الرجل يأتي المغيرة بن شعبة فيقول: إمَّا أن تنصفَني من نفسكَ وإلَّا فلا إمرةَ لك علي».\nوكشف هذه الشبهة بأن يقال:\nهذا الأثر أخرجه الخلال بإسناد صحيح (^٣)، ومعناه صحيح وهو أنه إذا ظَلمَ أميرُ على بلدة من بلدان المسلمين رجلًا؛ وهذا الأميرُ تحت إمرة الأمير العام، فإنه يقتصُّ منه مظلمته، فإنْ لم يقتصَّ له فيرجعُ إلى الأمير العامِّ ليقتصَّ له، وليس معناه أنه بالمظلمة المحقَّقة أو المتوهَّمة، أو المدَّعاة - ألَّا يكون أميرهُ الذي على بلدته أميرًا عليه، فيبقى المظلومُ أو المدَّعي للمظلمة بلا أمير في تلك البلدة!!.\n_________\n(^١) سيأتي (ص: ٢٣٩).\n(^٢) تقدم (ص: ٢٣٤).\n(^٣) (١/ ١١٧).","vol":"1","page":236},{"text":"لو كان كذلك لضاعَتْ مصالحُ الناس، ولادَّعى كلُّ أحدٍ من المفسدين أنه مظلوم، وإنما المرادُ أنه يأخذَ مظلمتهُ من الأمير العام.\nثم لو قُدِّر أن معناه أنه بمجرَّد المظلمة تسقط إمارة الأمير الخاص على بلدته، فإن هذه سياسة رآها الفاروق عمر وهي من حقِّه، فإنَّ الإمارة الخاصة تبعٌ للإمارة العامة، وللأمير العام حقٌّ في عزلِ الأمير الخاصِّ أو تضييق حدود إمارته، وليست هذه السياسة - على فرض التسليم بهذا المعنى - مُلزمةً لكلِّ أميرٍ عام، بل هي ترجع لما يراه الأمير العامُّ مصلحة، والله حسيبُه.\nالشبهة الثالثة والستون:\nحاول بعضُهم تضعيفَ حديث حذيفة الذي أخرجه مسلم: «تسمَعُ وتطيعُ للأمير وإنْ جلَدَ ظهركَ وأخذَ مالكَ؛ فاسمَعْ وأطِع» (^١)، رواية ودراية؛ أما الرواية فقد اعتمدوا على كلام الدارقطني في تضعيفه، وقد نقل النووي في شرحه على مسلم كلامَ الدارقطني وخالفه.\nفقال النووي: «قال الدارقطني هذا عندي مرسل؛ لأنَّ أبا سلام لم يسمع من حذيفة؛ وهو كما قال الدارقطني، لكن المتن صحيحٌ متصلٌ بالطريق الأول، وإنما أتى مسلمٌ بهذا متابعةً كما ترى، وقد قدَّمنا في الفصول وغيرها أن الحديث المرسل إذا روي من طريقٍ آخر متَّصلًا تبيَّنَّا به صحةَ المرسل وجاز الاحتجاج به، ويصير في المسألة حديثان صحيحان» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٤٧).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٢٣٧).","vol":"1","page":237},{"text":"ولو كان البحث مع هؤلاء روايةً لكان الأمرُ سهلًا، لكن أن يضعِّفوهُ درايةً ومعنًى فهذا المستنكر.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: إذا كان الأمر راجعًا إلى التقليد فليس قولُ الدارقطني أَولى من قول مسلم في صحيحه، وتأييدِ النووي له؛ أمَّا إذا رجع إلى الحجَّة والبينة، فللباحث بحجَّته وبيِّنتهِ أن يأخذَ قولَ أحدهم بناءً على ما ظهرَ له، ولاسيَّما وله شاهد.\nالوجه الثاني: أنَّ هذا الحديث لم يأتِ بشيء جديد، وإنما هو تفسيرٌ وتفصيل لما جاء في الأدلة من الصَّبر على جَور الحاكم، وقد تقدَّم ذِكرُها وأنَّ هذا مما أجمع عليه أهل السنة، والصَّبر على جَلْدهِ وأخذهِ للمال بغير حقٍّ تدلُّ عليه عمومُ الأدلة المتقدمة مع إجماع أهل السنة؛ فمعناهُ ثابتٌ بدون هذا الحديث، وعلى القول بضعفهِ فإنَّ الأدلة في الصبر على جَور الحاكم، وحُرمةِ الخروج عليه كثيرة.\nالوجه الثالث: أنه بهذا التفصيل والتفسير قال عمر بن الخطاب فيما ثبت عنه: قال سويد بن غفلة، قال: «قال لي عمر: يا أبا أمية إني لا أدري لَعلِّي أن لا ألقاكَ بعد عامي هذا؛ فاسمَعْ وأطِعْ وإنْ أُمِّر عليكَ عبدٌ حبشيٌّ مجدَّع؛ إن ضربكَ فاصبرْ، وإن حرمكَ فاصبر، وإن أرادَ أمرًا ينتقصُ دينكَ فقل: سمعٌ وطاعةٌ، ودمي دون ديني؛ فلا تفارق الجماعة» (^١).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٦/ ٥٤٤) بإسناد صحيح.","vol":"1","page":238},{"text":"قال ابن المنذر: «والذي عليه أهلُ العلم أنَّ للرجل أن يدفَع عمَّا ذكر إذا أُريد ظلمًا بغير تفصيل إلَّا أنَّ كلَّ مَنْ يُحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناءِ السُّلطان؛ للآثارِ الواردةِ بالأمر بالصَّبر على جَوره وتركِ القيام عليه» (^١)، نقله ابن حجر وأقرَّه (^٢).\nالشبهة الرابعة والستون:\nحاول بعضُ الحركيين المعاصرين أن يحمل حديث: «تسمَعُ وتطيعُ للأمير وإنْ جلَد ظهركَ وأخذَ مالكَ، فاسمَعْ وأَطِعْ» (^٣) على الفرد بخلاف الجماعة، فإنَّ لهم أن لا يصبروا على ظُلمه.\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: عموم الأدلة الأخرى في الصبر على جَور الحاكم، ولم تفرِّق بين فردٍ ولا جماعة، فمَن فرَّق فيلزمهُ الدليل، ولا دليل.\n_________\n(^١) قال ابن المنذر في كتابه الإشراف على مذاهب العلماء (٧/ ٢٤٨):\n\"وبهذا يقول عوام أهل العلم إن للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله وأهله، إذا أريد ظلمًا، للأخبار التي جاءت عن رسول الله -ﷺ-، لم تخص وقتًا دون وقت، ولا حالًا دون حال؟ إلا السلطان، فإن جماعة أهل الحديث كالمجمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته: أنه لا يحاربه، ولا يخرج عليه، للأخبار الدالة عن رسول الله -ﷺ- التي فيها الأمر بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم، وترك قتالهم، والخروج عليهم ما أقاموا الصلاة\".\n(^٢) فتح الباري (٥/ ١٢٤).\n(^٣) سبق تخريجه (ص: ٣٨).","vol":"1","page":239},{"text":"الوجه الثاني: أن أدلة كثيرة صرَّحت بصبر الجماعة على جَور الحاكم:\nقال أنس: «إنكُم سترونَ بعدي أثَرةً شديدةً، فاصبروا حتَّى تلقوا الله ورسولَهُ -ﷺ- على الحوض» (^١).\nعن أُسيد بن حضير -﵁-، أنَّ رجلًا من الأنصار قال: يا رسول الله، ألا تستعملُني كما استعملتَ فلانًا؟.\nقال -ﷺ-: «ستلقونَ بعدي أثَرةً، فاصبروا حتَّى تلقَوني على الحوض» (^٢).\nقال عبد الله بن مسعود، قال: قال لنا رسول الله -ﷺ-: «إنكم سترونَ بعدي أثَرةً وأمورًا تُنكِرونها» قالوا: فما تأمرُنا يا رسول الله؟ قال: «أَدُّوا إليهم حقَّهم، وسَلُوا الله حقَّكُم» (^٣).\nقال عبد الله بن زيد قال الرسول الله: «إنكم ستلقونَ بعدي أثَرةً، فاصبروا حتَّى تلقَوني على الحوض» (^٤).\nالوجه الثالث: أنَّ هذا قولٌ منكرٌ لم يُسبقوا إليه؛ بل كلامُ السلف كثيرٌ في كتب الاعتقاد في الصبر على جَور الحاكم؛ ولم يفرِّقوا بين الفرد والجماعة، وقرَّروه إجماعًا من السلف. كما تقدم (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧٩٣).\n(^٢) أخرجه البخاري (٣٧٩٢)، ومسلم (١٨٤٥).\n(^٣) أخرجه البخاري - باب قول النبي -ﷺ-: «سترونَ بعدي أمورًا تنكرونها»، صحيح مسلم (باب الأمر بالوفاء ببيعة الخلفاء، الأول فالأول).\n(^٤) أخرجه البخاري (٤٣٣٠)، صحيح مسلم (١٠٦١).\n(^٥) تقدم (ص: ٣٩).","vol":"1","page":240},{"text":"الوجه الرابع: مما يؤكد خطأ هذا القول البدعي أنه ليس منضبطًا؛ فليس للجماعة ضابطٌ عندهم، فهل ضَربُ اثنين سببٌ لعدم الصبر أو ثلاثة أو أربعة أو عشرة؟.\nالشبهة الخامسة والستون:\nأن الحاكم إذا ترك الشورى يُعزل.\nقال ابن عطية في تفسيره: «الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، مَنْ لا يستشيرُ أهلَ العلم والدين فعزلُه واجبٌ؛ هذا ما لا خلاف فيه» (^١).\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أنه مخالفٌ للأدلة المتواترة في الصبر على جَور الحاكم - وقد تقدَّم ذكرها - (^٢).\nومنها: قال عبد الله بن مسعود، قال: قال لنا رسول الله -ﷺ-: «إنكم سترونَ بعدي أثَرةً وأمورًا تنكرونها» قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أَدُّوا إليهم حقَّهم، وسَلُوا الله حقَّكُم» (^٣).\nقال عبد الله بن زيد قال رسول الله -ﷺ-: «إنكم ستلقَونَ بعدي أثَرةً، فاصبروا حتَّى تلقوني على الحوض» (^٤).\n_________\n(^١) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (١/ ٥٣٤).\n(^٢) تقدم (ص: ٣٦).\n(^٣) سبق تخريجه (ص: ٣٧).\n(^٤) سبق تخريجه (ص: ٣٧).","vol":"1","page":241},{"text":"الوجه الثاني: أنه مخالفٌ لإجماع أهلِ السنُّة ومعتقدهم - كما تقدَّم نقله - (^١).\nالوجه الثالث: هذا خطأ من ابن عطية، كما أخطأ في مسائل عقدية أخرى؛ لأنَّ الأدلة وإجماعَ السلف على أنَّ الحاكم لا يُعزَلُ لمعصية، فكيف بالشورى التي اختلف العلماء فيها ما بين الوجوب أو الاستحباب؟!.\nفكما لم تُقبل تأويلاتُ ابن عطية للصِّفات لأنها مخالفة لعقيدة السلف، فكذلكَ لا يُقبل هذا منه (^٢).\nثم إن هذا الخطأ قد استدركه ابن عرفة على ابن عطية فقال: قال ابن عطية: ومن لَا يستشير أهلَ العلم والدين فعزلُه واجبٌ بلا خلاف.\nقال ابن عرفة: «هذا غيرُ صحيح، ولم أرَهُ لغيره، والمسألة مذكورةٌ في أصول الدين في باب الإمامة، وفي كتب الحديث، وفي الفقه، وذكروا فيها فعل الإمام، ما هو أشدُّ من ذلك لَا يجب عمَّن له بوجه» (^٣).\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٩، ٤٣).\n(^٢) فقد أوَّلَ صفة الاستواء والمجيء لله.\nقال ابن عطية: «وقوله تعالى: ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]، معناه عند أبي المعالي وغيره من حذاق المتكلمين بالملك والسلطان، وخص العرش بالذكر تشريفا له إذ هو أعظم المخلوقات». المحرر الوجيز (٢/ ٤٠٨).\nوقال أيضًا: «وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ [الفجر: ٢٢]، معناه: وجاء قدره وسلطانه وقضاؤه». المحرر الوجيز (٥/ ٤٨٠).\n(^٣) تفسير ابن عرفة (١/ ٤٣٦).","vol":"1","page":242},{"text":"الشبهة السادسة والستون:\nأنه قد روي عن بعض السلف جوازُ غيبة الحاكم الظالم، فدلَّ هذا على جَواز الكلام في الحكَّام من ورائهم.\nقال ابن عيينة: «ثلاثةٌ ليست لهم غيبة: الإمام الجائر، والفاسق المعلِنُ بفسقهِ، والمبتدعُ الذي يدعو الناس إلى بدعته» (^١).\nقال الحسن البصري: «ثلاثةٌ ليست لهم حُرمةٌ في الغيبة: فاسقٌ يعلنُ الفسقَ، والأميرُ الجائر، وصاحب البدعة المعلِنُ البدعة» (^٢).\nقال إبراهيم: قال: «ثلاثٌ كانوا لا يعدُّونهنَّ من الغيبة: الإمامُ الجائر، والمبتدع، والفاسقُ المجاهر بفسقه» (^٣).\nوكشف هذه الشبهة من أوجه:\nالوجه الأول: أنه لايسلَّم بصحة هذه الآثار لأنها ضعيفة.\nالوجه الثاني: أنه إذا كان في الخروج على السلطان خلافٌ بين التابعين فالكلامُ فيه من باب أَولى، لكنْ لما انعقد الإجماعُ بعد التابعين على حُرمة الخروج على\n_________\n(^١) شعب الإيمان (٩/ ١٢٦)؛ في إسناده زكريا بن دلَّوَيه، لم أر من وثَّقه في روايته وضبطه.\n(^٢) شعب الإيمان (٧/ ١١٠) وفي إسناده مندل بن علي وموسى بن عبيدة، وهما ضعيفان. وأخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب «الصمت» (ص: ١٤٥)، وفي إسناده شريك النخعي، وهو ضعيف.\n(^٣) الصمت (ص: ١٤٢) وفي إسناده ابن مغراء؛ صدوق، وفي حديثه عن الأعمش كلامٌ أشار إليه ابن المديني وابن عدي كما في «تهذيب الكمال»، وللأعمش أصحابٌ فلا يحتمل تفرُّد مَنْ في روايتهِ عنه أخطاء.","vol":"1","page":243},{"text":"السلطان الفاسق والظالم تبعَ ذلك حرمةُ الكلام فيه. إلَّا أنَّ هذا لا يصلحُ جوابًا على أثر ابن عيينة لأنه ليس من التابعين؛ ويكفي أنه ضعيف.\nالوجه الثالث: أنَّ الصحابة نهوا عن الكلام في السلطان؛ وقولهم حجَّة على التابعين؛ كقول ابن عباس: «إنْ خشيتَ أن يقتُلكَ فلا، فإنْ كنتَ فاعلًا ففيما بينكَ وبينه، ولا تغتبْ إمامكَ» - وقد تقدم - (^١).\nوروى ابن أبي عاصم في كتاب السنة بسند جيد عن أنس بن مالك قال: نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله -ﷺ-، قال: «لا تسبُّوا أمراءَكُم، ولا تغشُّوهم، ولا تُبغضوهم، واتَّقوا الله واصبروا، فإنَّ الأمرَ قريب» (^٢).\nوقال عبد الله بن عكيم - وهو صحابي على قول - يقول: «لا أُعينُ على دَمِ خليفةٍ أبدًا بعد عثمان». فقيل له: يا أبا معبد أو أَعنْتَ على دمهِ؟! فيقول: «أني أعدُّ ذكرَ مساويهِ عونًا على دمهِ» (^٣)، وقد تقدَّمت هذه الآثار.\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص: ٥١).\n(^٢) سبق تخريجه (ص: ١٥٦).\n(^٣) سبق تخريجه (ص: ٤٦).","vol":"1","page":244},{"text":"<span data-type='title' id=toc-118>الفصل الثالث\nاستدراكات\nعلى كتاب الإمامة العظمى</span>","vol":"1","page":245},{"text":"استدراكات\nعلى كتاب الإمامة العظمى\nإنَّ كتاب الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة للدكتور عبد الله الدميجي (^١) - ردَّه الله لرشده -، من الكتب التي خالفت منهج أهل السنة في باب الإمامة، وقد اعتمد عليه كثيرٌ ممن عندهم خللٌ في هذا الباب فكتبوا كتبًا ومقالات، وممن اعتمد عليه في مقالاته الدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف وسيأتي الردُّ عليه\n- إن شاء الله -.\nفبما أن الكتابَ مرجعٌ عند من ضلَّ في هذا الأصل كان من الواجب نقدُه، والردُّ عليه وسيكون هذا في عدة استدراكات:\nالاستدراك الأول:\nحاول أن يجعل خلافًا بين أهل العلم في تولِّي الحاكم بالغلبة فقال: «وهذا الطريقُ لم يُجمع المسلمونَ على اعتباره مما تنعقد الإمامة عن طريقه، بل هم فيه مذهبان:\nالأول: قالوا لا تنعقدُ إمامته ولا تجبُ طاعته، لأنه لا تنعقد له الإمامة بالبيعة إلَّا باستكمال الشروط؛ فكذا القهر. وذهب إلى هذا القول الخوارجُ والمعتزلة،\n_________\n(^١) زرتُ الدكتور عبد الله الدميجي - هداه الله - وناصحته في كتابه الإمامة العظمى، وقد حكَيتُ ما جرى في هذه الزيارة - وأنه وعدَني بالتوبة من كتابه مكتوبًا ولم يوفِ بوعده - في درسٍ مرئي بعنوان (وقفات مع كتاب الإمامة العظمى) وهو موجود بموقع الإسلام العتيق.","vol":"1","page":247},{"text":"ووجهٌ لبعض الشافعية» (^١).\nوجوابُ كلامه أن يقال: إنَّ ثبوت الولاية بالتغلُّب دلَّت عليه الأدلة الشرعية، وفتاوى الصحابة والإجماع، وخلافُ أهل البدع لا يعتدُّ به، وكذلك بعضُ المتأخرين بعد إجماع الأولين، وإلَّا للزِمَ من هذا أن يُقال: إنَّ في إثبات أسماء الله وصفاته خلافًا؛ لأنه خالفَ بعضُ المتأخرين أو أهلُ البدع؛ وهذا باطل.\nالاستدراك الثاني:\nأوردَ أثرَ علي بن أبي طالب -﵁- قال: كلماتٌ أصابَ فيهنَّ الحق، قال: يحقُّ على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحقُّ على الناس أن يسمعوا له ويُطيعوا ويُجيبوه إذا دعا (^٢)، تقدَّم الجواب على هذا الأثر من بيان ضعفه وغير ذلك (^٣).\nالاستدراك الثالث:\nقال: «وكذلك الحاكم إذا أمرَ بمعصيةٍ فلا سمعَ ولا طاعة له، وإنَّما على الأمة نصحُه وإرشاده، والسعي بكل وسيلةٍ إلى إرجاعه إلى الحقِّ، شريطة ألَّا يكون هناك مفسدةٌ أعظم من مصلحة تقويمهِ، وإلَّا فعلى الرعية الصبر حتى يقضي الله فيه بأمرهِ ويريحَهُم منه» (^٤).\n_________\n(^١) الإمامة العظمى (ص: ٢٢٢).\n(^٢) ص: ٣٨١.\n(^٣) تقدم (ص: ١٢٤).\n(^٤) ص: ٣٨١.","vol":"1","page":248},{"text":"ومثله ما نقله الدميجي عن المودودي لما قال: «والتعاونُ معه في الخير والمعروف، ومنعهُ من إيقاع الخلل في نظامها، وبثِّ الفوضى في أرجائها، والتقاعسِ عن التضحية بالروح والمال والنفس في سبيل حمايتها، والحفاظ عليه» (^١).\nوجوابُ هذا أن يقال: إنَّ تقريره أن على الأمة السعي بكل وسيلةٍ إلى إرجاع الحاكم إلى الحق = خطأٌ قطعًا، ومخالفٌ للأدلة المتقدمة ولمنهج السلف في أنه تُسلك الطريقة الشرعية في نصحِ الحاكم؛ وهي النصحُ أمامه لا أن يكون الأمر بكلِّ وسيلة، فهذا مخالفٌ للأدلة وإجماع السلف - كما تقدم - (^٢).\nوالنقل عن أبي الأعلى المودودي في هذا الأمر خطأ؛ لأنه ليس مرجعًا علميًّا، بل هو غالٍ في الخلافة والإمامة غلوًّا مخالفًا لمنهجِ أهل السنة.\nالاستدراك الرابع:\nنقل عن أبي الأعلى المودودي قوله: «وألزمَ الحكومة باتّباع القانون الأعلى والتزام الشورى» (^٣).\nوهذا خطأ أيضًا؛ لأن الشورى ليست إلزامية؛ لعدم وجود الدليل الدالِّ على هذا، ولم أرَ أحدًا من العلماء المعتبَرين ذهب إلى إلزام الحاكم بما يُشير به المسلمون.\n_________\n(^١) ص: ٣٨٢.\n(^٢) تقدم (ص: ٥٠).\n(^٣) ص: ٣٨٢.","vol":"1","page":249},{"text":"قال الشيخ ابن عثيمين: «قوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، هل إذا صدر من المستشارين أمرٌ هل هو مُلزِمٌ أو كاشف للرأي؟ الجواب: أنه كاشف للرأي، وليس بمُلزِم؛ لأنه لو كان مُلزمًا لكانَ الحكم بأيدي جماعة، والحكم بيدِ واحد، لكن يجبُ على المستشير أن يتبع ما يرى أنه أصلح، ولا يجوز أن ينتصرَ لرأيهِ لأنه رأيهُ، بل الواجب عليه - لحقِّ الله ولحقِّ من ولَّاهم الله عليه - أن يتبع ما هو أصلَحُ حتى لو خالفوه، والأصلح في رأيهم يجبُ عليه أن يتَّبع رأيهم، لكنه ليس بمُلزِم. بمعنى أننا لا نقول: إنَّ هؤلاء لهم سلطة على الحاكم، بل الحاكم له السلطة، ولهذا قال هنا:\n﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٠]، ولم يقل: إذا أشاروا عليكَ فخُذْ به إذا عزمت، وهو قد يعزمُ على ما أشاروا به، وقد يعزم على غيره» (^١).\nالاستدراك الخامس:\nقال الدكتور الدميجي: «فيؤخَذُ من هذا أن طاعة المخلوقين جميعهم: حاكمهِم ومحكوميهم مقيَّدة بأن تكون بالمعروف، والمعروفُ هو ما عُرفَ من الشارع والعقل السليم حسَنُه أمرًا كان أو نهيًا، والحكَمُ في ذلك هم العلماء الذين يستنبطون الحكم من الكتاب والسنة كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣].\nإذا لم يكن الإمام عالمًا - مع أنه من شروطه - وكما شملت الآية السابقة ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ العلماء أيضًا، ولأننا أُمرنا عند التنازع بالتَّحاكم إلى كتاب الله وسُنَّة رسوله، وهذا ما يحملُه علماءُ الشرع ويتعلَّمونه\n_________\n(^١) تفسير آل عمران المجلد الثاني (نقلًا من موقع الشيخ الإلكتروني).","vol":"1","page":250},{"text":"ويعلمونه، لذلك كلِّه تكون طاعة الحكام تبعًا لطاعة العلماء؛ وفي هذا يقول ابن القيم -﵀-: «والتحقيقُ أنَّ الأمراء إنَّما يُطاعون إذا أَمروا بمقتضى العلم، فطاعتهُم تبعٌ لطاعة العلماء، فإنَّ الطاعة إنما تكونُ في المعروف وما أوجبه العلم» (^١).\nفي كلامه هذا أنه ليس المراد بالمعروف في حديث «إنَّما الطاعة في المعروف» ما لم يكن معصية، بل ما كان معروفًا بالشرع والحس والعقل، وتقدَّم (^٢) بالأدلة وإجماعات أهل العلم أنَّ المراد بالمعروف ما لم يكن معصية. وكلامُ ابن القيم الذي نقله حقٌّ؛ لأنه بيانُ أن طاعة الأمراء تبعٌ لطاعة العلماء حتى لا يأمر الأمراء بمعصية؛ فقوله: إنَّ طاعة الأمراء تبعٌ للعلماء = أي لا يصحُّ للأمير ينفردَ عن العلماء، بل لابد أن يكون أمرهُ بمقتضى العلم لئلَّا يأمر بمعصية.\nوليس معنى هذا أن الأمير لا يأمر بشيء مما يراه مصلحة حتى يأذن العلماء، وإنما المراد أنه إذا أمر لا يأمر بمعصية؛ ومعرفةُ ذلك بالعلم الشرعي؛ إمَّا بالأدلة الشرعية أو بالرجوع إلى أهل العلم.\nالاستدراك السادس:\nقال: «فهذا الحديث قيَّد الطاعة للإمام الذي يقود بكتاب الله، وبناءً على ذلك، فلا تجوزُ طاعةُ حاكمٍ يحكم بغير ما أنزل الله في حكمه هذا، سواءٌ كان هذا الحكمُ مخرجًا له من الملَّة أولا - كما سبق بيانه - لأنه في كلتا الحالتين عاصٍ لا يأمرُ بالمعروف، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» (^٣).\n_________\n(^١) ص: ٣٨٥.\n(^٢) تقدم (ص: ٧٥).\n(^٣) ص: ٣٨٨.","vol":"1","page":251},{"text":"وقال: «وهذا السبب أيضًا كالذي قبله تستوي فيه الصور من الحكم بغير ما أنزل الله المخرجة لفاعلها من الإسلام، وكذلك الصور التي لا تخرجه من الملة، وقد سبقَ بحثُ هذه الصور وتفنيدها».\nثم قال: «فهذه الأحاديث واضحة الدلالة على أنه يُشترط للسمع والطاعة أن يقود الإمام رعيَّته بكتاب الله، أمَّا إذا لم يحكِّم فيهم شرعَ الله فهذا لا سمعَ له ولا طاعة، وهذا يقتضي عزلَهُ، وهذا في صور الحكم بغير ما أنزل الله المفسِّقة، أما المكفِّرة فهي توجِبُ عزلَهُ ولو بالمقاتلة كما سبق بيانه في السبب الأول؛ والله أعلم» (^١).\nتقدم بيان معنى الحديث (^٢) الذي ذكر طاعة الحاكم مقيَّدة بالحكم بما أنزل الله؛ كقول أم الحصين أنَّ رسول الله -ﷺ- قال: «إنْ أُمِّر عليكم عبدٌ مجدَّع يقودُكم بكتاب الله، فاسمَعوا له وأطيعوا» (^٣)، وأنه لا دلالة فيه على ما أراد.\nثم مقتضى كلامه الأول: أنَّ كلَّ عاصٍ لا يُسمع ولا يُطاع له؛ لأنه لا يأمرُ بالمعروف، وهذا يحتمل أحد أمرين:\nالاحتمال الأول: أنَّ كل عاصٍ لا يُسمع ولا يُطاع له؛ وهذا عَينُ قول الخوارج.\nالاحتمال الثاني: أنَّ كلَّ عاصٍ لا يأمر إلَّا بمعصية، وهذا يُخالفه الشرع والعقل والواقع.\n_________\n(^١) ص: ٤٧٢.\n(^٢) تقدم (ص: ٨٢).\n(^٣) أخرجه مسلم (١٢٩٨).","vol":"1","page":252},{"text":"أما الشرع فقد قال عوف بن مالك قال رسول الله -ﷺ-: «ألَا مَنْ وليَ عليهِ والٍ فرآهُ يأتي شيئًا من معصيةِ الله فليكْرَه ما يأتي من معصية الله ولا ينزعنَّ يدًا من طاعة» (^١)، فجمع في هذا الحديث بين كون الحاكم عاصيًا ووجوبَ السمع والطاعة له، فهذا يدلُّ على أنه لا يلزم أن يأمر بالمعصية دائمًا، أما العقل فليس هناك دليلٌ عقلي يدلُّ على التلازم بين أن يكون الرجل عاصيًّا ولا يأمر إلا بمعصية، أما الواقع فنرى كثيرًا من العصاة يأمرون بطاعة الله.\nتنبيه:\nذكر الدكتور عبد الله الدميجي حديث أنس فقال: «ومنها ما رواه البخاري عن أنس بن مالك -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: «اسمَعوا وأطيعوا وإن استُعمِلَ عليكُم عبدٌ حبشيٌّ كأنَّ رأسَهُ زبيبة، ما أقامَ فيكُم كتابَ الله» (^٢)، ثم قال في الحاشية: «رواه البخاري في ك: الأحكام. ب: السمع والطاعة للإمام ما لم يأمر بمعصية».\nوالشاهد من هذا الحديث هو قوله: «ما أقامَ فيكُم كتابَ الله» وهذا ليس موجودًا في البخاري، والعجيبُ أنه عزاهُ برقمه إلى المرجع، وليس موجودًا فيه، على أنَّ غيره قد عزاهُ إلى البخاري؛ كابن الأثير في جامع الأصول، وابن حجر في التلخيص الحبير، وأؤكِّد أن العجيبَ في عزوهِ بالرقم وليس موجودًا في البخاري؛ وعَزْوهُ بالرقم يُوهِمُ أنه وقفَ عليه بنصِّه.\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص: ٣٦).\n(^٢) ص: ٣٨٧.","vol":"1","page":253},{"text":"الاستدراك السابع:\nقال الدكتور: «لذلك فَمن أطاعَ العلماءَ والأمراءَ فيما فيه معصيةٌ لله فقد اتَّخذهم أربابًا من دون الله، وهذا شركٌ وعبادة لهم من دون الله»، ثم قال: «والطاعة في المعصية طاعةٌ للطاغوت، وقد أُمِرنا بالكُفر به، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والمطاعُ في معصية الله والمطاعُ في اتِّباع غير الهدى ودين الحق سواءٌ كان مقبولًا خبرهُ المخالفُ لكتاب الله أو مطاعًا أمرهُ المخالفُ لأمرِ الله = هو طاغوت» (^١).\nوجواب هذا أن يقال: «إنَّ جعلَ كلِّ مَنْ أطاعَ غيرَ الله في معصيةٍ متَّخذًا له ربًّا من دونه سبحانه = خطأ قطعًا، وعلى هذا التأصيل لو أطاعَ الابنُ أباهُ في معصيةٍ يكفُر الابنُ ويكونُ الأبُ طاغوتًا»!!.\nإن هذا التقرير من الدكتور شنيع، وكان من المتعيِّن عليه أن يردَّ كلام شيخ الإسلام هذا المجمل إلى كلامه الآخر المفصل الذي قسَّم المطيع لغيره في معصية الله قسمين:\nالقسم الأول: طاعتهم مع اعتقاد إباحة المحرَّم أو تحريم المباح، فهذا كفرٌ وهو اتِّخاذُهم أربابًا من دون الله.\nالقسم الثاني: طاعتُهم مع غيرِ اعتقاد حُرمة المباح ولا إباحةِ المحرَّم؛ فهذا معصيةٌ وليس كفرًا.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وهؤلاء الذين اتَّخذوا أحبارَهُم ورهبانهم أربابًا، حيث أطاعوهم في تحليل ما حرَّم الله وتحريم ما أحلَّ الله = يكونون على\n_________\n(^١) ص: ٣٩٠.","vol":"1","page":254},{"text":"وجهين: (أحدهما): أن يعلموا أنهم بدَّلوا دينَ الله فيتَّبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليلَ ما حرَّم الله وتحريمَ ما أحلَّ الله اتباعًا لرؤسائهم؛ مع عِلْمهِم أنهم خالفوا دينَ الرسل، فهذا كفرٌ.\nوقد جعلَهُ الله ورسولُه شركا - وإن لم يكونوا يصلُّون لهم ويسجدون لهم - فكان مَنْ اتَّبع غيره في خلافِ الدين مع عِلْمهِ أنه خلافُ الدين، واعتقدَ ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله = مشركًا مثل هؤلاء.\nو(الثاني): أن يكون اعتقادهُم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتًا لكنَّهم أطاعوهم في معصية الله؛ كما يفعل المسلم ما يفعلُه من المعاصي التي يعتقدُ أنها معاصٍ؛ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب كما ثبت في الصحيح عن النبي -ﷺ- أنه قال: «إنَّما الطاعة في المعروف» (^١)، وقال: «على المسلمِ السمعُ والطاعةُ فيما أحبَّ أو كَرِهَ ما لم يؤمَر بمعصية» (^٢)» (^٣).\nوتأمل أنَّ شيخ الإسلام ضربَ مثلًا بما نحن بصددهِ وهو طاعةُ الحكَّام في معصية الله.\nالاستدراك الثامن:\nقال الدكتور: «ومع تقرير هذا يجب أن نُنَبِّه إلى أنه ليس متَّفقًا على وجوب الصبر على الأذى الشخصي عند السلف، فقد خالفَ في ذلك ناسٌ منذ عصر الصحابة -﵃-، عملًا بأدلة أخرى مثل:\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص: ٧٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧١٤٤)، ومسلم (١٨٣٩) من حديث ابن عمر -﵄-.\n(^٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٧٠).","vol":"1","page":255},{"text":"١ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩].\n٢ - حديث: «من قُتِلَ دون مالهِ فهو شهيد» (^١).\nوقد سبق كشفُ هذه الشبهة من أوجه (^٢)، والجوابُ على أثر عبد الله بن عمرو بن العاص (٢).\nوقد سبقه لعزوه لعبد الله بن عمرو بن العاص ابنُ حزم فقال:\n«وهكذا إذا أريد بظلمٍ فمنع من نفسه - سواء أراده الإمام أو غيره - وهذا مكانٌ اختلفَ الناس فيه: فقالت طائفة: إنَّ السلطان في هذا بخلافِ غيره، ولا يحارب السلطان وإن أراد ظلمًا.\nكما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب السختياني أنَّ رجالًا سألوا ابن سيرين فقالوا: أتينا الحرورية زمانَ كذا وكذا، لا يسألون عن شيء غير أنهم يقتلون مَنْ لقوا؟.\nفقال ابن سيرين: ما علمتُ أنَّ أحدًا كان يتحرَّجُ من قتلِ هؤلاء تأثُّمًا، ولا من قتلِ مَنْ أراد مالَكَ إلَّا السلطان، فإنَّ للسلطان لَحقًّا».\nوخالفهم آخرون فقالوا: السلطانُ وغيره سواء، كما روينا من طريق عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن أبي قلابة قال: أرسل معاوية بن أبي سفيان إلى عاملٍ له أن يأخذ الوَهْطَ فبلغ ذلك عبد الله بن عمرو بن العاص، فلبس سلاحَه هو ومواليه وغِلْمته، وقال: إني سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقول: «مَنْ قُتلَ دونَ مالهِ - مظلومًا - فهو شهيد».\n_________\n(^١) (ص: ٣٩٦)، تقدم (ص: ١٢٨).\n(^٢) تقدم (ص: ٢١١).","vol":"1","page":256},{"text":"ومن طريق عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرني عمرو بن دينار، قال: إنَّ عبد الله بن عمرو بن العاص تيسَّر للقتال دون الوَهْط، ثم قال: مالي لا أقاتلُ دونه وقد سمعتُ رسول الله -﵌- يقول: «مَنْ قُتلَ دونَ مالهِ فهو شهيد».\nقال ابن جريج: «وأخبرني سليمان الأحول أنَّ ثابتًا مولى عمر بن عبد الرحمن أخبره، قال: لما كان بين عبد الله بن عمرو بن العاص، وبين عنبسة بن أبي سفيان ما كان وتيسَّروا للقتال ركبَ خالد بن العاص - هو ابن هشام بن المغيرة المخزومي - إلى عبد الله بن عمرو فوعَظَهُ، فقال له عبد الله بن عمرو بن العاص: أمَا علمتَ أنَّ رسولَ الله -﵌- قال: «مَنْ قُتلَ على مالهِ فهو شهيد».\nقال أبو محمد -﵀-: فهذا عبد الله بن عمرو بن العاص بقيَّة الصحابة، وبحَضرة سائرهم -﵃- يريدُ قتال عنبسة بن أبي سفيان عاملَ أخيهِ معاوية أمير المؤمنين إذ أمرَهُ بقبض «الوَهْط» ورأى عبدُ الله بن عمرو أنَّ أخْذَهُ منه غيرُ واجب، وما كان معاوية -﵀- ليأخذَ ظلمًا صراحًا، لكن أرادَ ذلك بوجهٍ تأوَّله بلا شكّ، ورأى عبدُ الله بن عمرو أن ذلك ليس بحقٍّ، ولبسَ السلاح للقتال، ولا مخالفَ له في ذلك من الصحابة -﵃-» (^١).\nالاستدراك التاسع:\nنقل الدكتور عن النووي كلامًا بتَرهُ ولم يُكمله، وبسبب بترهِ دلَّ كلامُ النووي أنه يرى عزلَ الحاكم الذي عنده معصية محقَّقة.\n_________\n(^١) المحلى بالآثار (١١/ ٣٣٥)، وسبق مناقشته مناقشة تفصيلية (ص: ٢١١).","vol":"1","page":257},{"text":"قال الدكتور عبدالله الدميجي: «وقال النووي: «المرادُ بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث لا تُنازعوا ولاة الأمور في ولاياتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرًا محقَّقًا تعلَمونه من قواعد الإسلام» (^١).\nوإذا أُكملَ النقل عن النووي تبيَّن بترُ الدكتور الدميجي.\nقال النووي في شرح مسلم: «إلَّا أن تروا منهُم منكرًا محقَّقًا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتُم ذلك، فأنكِروهُ عليهم، وقولوا بالحقِّ حيث ما كنتم، وأمَّا الخروجُ عليهم وقتالُهم فحرامٌ بإجماعِ المسلمين، وإنْ كانوا فسَقةً ظالمين.\nوقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهلُ السنة أنه لا ينعزلُ السُّلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعضِ أصحابنا أنه ينعزل، وحُكي عن المعتزلة أيضًا = فغلَطٌ من قائلهِ مخالفٌ للإجماع» (^٢).\nقارِنْ كلامَ النووي قبلَ إكماله لما كان مبتورًا بكلامهِ كاملًا بلا بتر. فإنه بعدَ إكمالهِ تبيَّن أنه يتكلَّم عن إنكار المنكر لا الخروج.\nالاستدراك العاشر:\nنقل الدكتور قول القاضي عياض، ولم يستدركه مع أنه خطأ عقدي (^٣).\nقال الدكتور: «قال القاضي عياض: «أجمعَ العلماء على أنَّ الإمامة لا تنعقدُ لكافر، وعلى أنه لو طرأَ عليه كُفرٌ وتغييرٌ للشرع أو بدعةٌ = خرجَ عن حكم الولاية وسقطتْ طاعته، ووجبَ على المسلمين القيامُ عليه وخلعهُ ونصبُ إمامٍ عادلٍ إن\n_________\n(^١) (ص: ٤٦٩).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٢٢٩).\n(^٣) (ص: ٤٧٠).","vol":"1","page":258},{"text":"أمكَنهُم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلَّا لطائفةٍ وجبَ عليهم القيامُ بخَلْع الكافر»، ثم قال: «وقد سبقَ ذِكرُ كلامِ القاضي عياض وادِّعاؤه إجماعَ العلماء على عزلِ الإمام «لو ترك إقامةَ الصلاة والدعوة إليها».\nتقدَّم أنَّ هذا الكلام - وهو القول بأنه لا تستمر الولاية لمن يقع في بدعة - مخالفٌ للأدلة وإجماعِ أهل السُّنة (^١)، وكان الواجب أن يردَّه ويبيِّن مخالفته لإجماع أهل السنة.\nوتُعتبر هذه المسألة من شواذِّ القاضي عياض؛ كتأويلهِ بعضَ الصفات كصفة الضحك (^٢)، وصفةِ النزول لله (^٣)، وصفةِ العجب لله (^٤)، وصفة اليد (^٥)، وصفة الدنو (^٦).\nالاستدراك الحادي عشر:\nنقل الدكتور خطأ عقديًّا عند السفاقسي، والمرادُ به ابن التين؛ فقال الدميجي: «وقال السفاقسي: «أجمعوا على أن الخليفة إذا دعا إلى كفرٍ أو بدعةٍ يُثار عليه» (^٧) ولم يتعقَّبه، بل ولم يُكمل النقلَ الذي فيه تعقيبُ القسطلاني عليه، فإن الدميجي\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٢)، وسيأتي (ص: ٢٦٠).\n(^٢) إكمال المعلم (١/ ٥٥٨).\n(^٣) إكمال المعلم (٣/ ١٠٩).\n(^٤) إكمال المعلم (٦/ ٥٤٣).\n(^٥) الشفا (١/ ٥٠).\n(^٦) (الشفا (١/ ٢٠٥).\n(^٧) (ص: ٤٧٠).","vol":"1","page":259},{"text":"نقل كلام السفاقسي ابنِ التين من القسطلاني، ولو أكملَ النقلَ لأوضح أن القسطلاني استدركَ عليه، وكان الواجب على الدميجي أن يتعقَّب ابنَ التين لأنَّ قوله مخالفٌ لإجماعِ أهل السنة وللأدلة المتواترة كما تقدم (^١)، وهذا هو استدراكُ القسطلاني وقبلَهُ ابن حجر.\nقال القسطلاني: «وقول السفاقسي: أجمعوا أن الخليفة إذا دعا إلى كفر أو بدعة يُقام عليه، تُعقِّبَ بأن المأمون والمعتصم والواثق كلٌّ منهم دعا إلى بدعةِ القولِ بخلق القرآن، وعاقَبوا العلماء بسبب ذلك بالضرب والقتل والحبس وغير ذلك، ولم يُقلْ أحدٌ بوجوب الخروجِ عليهم بسبب ذلك» (^٢)، فكلامُ القسطلاني صريحٌ في مخالفة ابن التين، بل وحكى الإجماع على خلافه.\nوقال الحافظ ابن حجر: «ذكرهما ابنُ التين ثم قال: وقد أجمعوا أنه - أي الخليفة - إذا دعا إلى كفرٍ أو بدعةٍ أنه يُقام عليه، واختلفوا إذا غصَب الأموال، وسفكَ الدماء، وانتهكَ؛ هل يُقامُ عليه أو لا؟. انتهى\nوما ادَّعاه من الإجماع على القيام فيما إذا دعا الخليفة إلى البدعة مردود … وإلَّا فقد دعا المأمونُ والمعتصمُ والواثقُ إلى بدعةِ القول بخلق القرآن، وعاقبوا العلماء من أجلها بالقتلِ والضربِ والحبسِ وأنواعِ الإهانة، ولم يقلْ أحدٌ بوجوبِ الخروجِ عليهم بسبب ذلك» (^٣).\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٧)\n(^٢) إرشاد الساري (١٠/ ٢١٧).\n(^٣) فتح الباري (١٣/ ١١٦).","vol":"1","page":260},{"text":"الاستدراك الثاني عشر:\nتكلَّم الدكتور الدميجي على عَزلِ الحاكم لفسقهِ (^١)، وجعلَ المسألة خلافية بين أهل السنة مع أنه مجمَعٌ عليها كما تقدم، ثم نقلَ نقولات، ثم رجَّح (^٢) جوازَ عزلِ الحاكم لفسقهِ وظلمهِ وبدعته فقال:\n«أما الفاسق والظالم والمبتدع: وهو المرتكب للمحظورات والكبائر دون ترك الصلاة؛ لا سيما ظلم الحقوق أو دعوة إلى بدعة = فهذا يُطاعُ في طاعة الله، ويُعصى مع الإنكار عليه في المعصية، ويجوزُ عزلُه إن أمكَنَ بإحدى الطُّرق السلمية السابقة - عدا السيف - بشرط ألَّا يترتَّب على ذلك مفسدةٌ أكبر».\nهذا القول من الدكتور قولٌ بدعيٌّ شاذٌّ مخالفٌ لما عليه أهل السنة كما تقدم (^٣)، بل مخالفٌ للأدلة الشرعية المتواترة؛ وتقدَّم ذِكرُها (^٤)؛ وهو تقريرٌ للخروج، وليس كلامُه في العزل الذي ذكَرهُ بعضُ الفقهاء لأنهم يخصُّونه بأهل الحلِّ والعقد، أمَّا هو فيعمِّمهُ بشرط ألَّا يكون بالسيف.\nالاستدراك الثالث عشر:\nقوَّى الدكتور الدميجي قوله البدعيَّ - في جواز عَزلِ الحاكم بفسقه - بالنقولاتِ عمَّن لا يُعتدُّ بهم؛ لأنهم خالفوا منهجَ أهل السنة والأدلة المتواترة، فقد نقل عن القرطبي فقال: «ونسبَ القرطبيُّ هذا القولَ للجمهور فقال: «قال الجمهور: إنه\n_________\n(^١) (ص: ٤٧٤).\n(^٢) (ص: ٥٤٧).\n(^٣) تقدم (ص: ٣٩).\n(^٤) تقدم (ص: ٣٥).","vol":"1","page":261},{"text":"تنفسخُ إمامته، ويُخلَعُ بالفسقِ الظاهر المعلوم» (^١).\nهذا كلامُ أبي عبد الله القرطبي صاحب التفسير؛ وهو لما ذكرَ المسألة ذكرَ أكثرَ من دليلٍ للقائلين بأنَّ ولايته لا تنفسخُ؛ ولم يتعقَّبْهمُ، وتقدَّم بيانُ أن القول بانفساخ الولاية للفسق خلافُ إجماعِ أهل السنة (^٢).\nوكان الواجب على الدكتور أن يحرِّر هذه المسائل ولا يفزعَ إلى من ليسوا عُمدةً في معتقد أهل السنة، ومثله في هذا مثل من أوَّلَ صفاتِ معتمدًا على المتأخِّرين من بعضِ المفسِّرين وشُرَّاح الأحاديث.\nالاستدراك الرابع عشر:\nلما ذكر الدكتور عزلَ الحاكم بالفسق قال: «ونسبَ الزبيديُّ هذا القولَ إلى الشافعي في القديم، وإليه ذهبَ بعضُ أصحابه، وهو المشهور عن أبي حنيفة» (^٣).\nتقدَّم عدمُ صحَّة النسبة للشافعي من أوجُهٍ (^٤)، وتقدَّم توجيهُ الكلام المنسوبِ لأبي حنيفة وأنَّه رجعَ عنه (^٥).\n_________\n(^١) (ص: ٤٧٤).\n(^٢) تقدم (ص: ٣٩).\n(^٣) (ص: ٤٧٤).\n(^٤) تقدم (ص: ١٧١).\n(^٥) تقدم (ص: ١٦٥).","vol":"1","page":262},{"text":"الاستدراك الخامس عشر:\nدلَّسَ الدكتور في نقله عن النووي إذ استلَّ من كلامه ما يدلُّ على أنَّ في مسألةِ عزلِ الحاكم لفسقهِ خلافًا معتبرًا، ثم لم يأتِ بكلامهِ الآخر الذي يدلُّ على أنَّ المسألة إجماعية، وأنَّ المخالف قال قولًا شاذًّا.\nقال الدكتور: «وقال النووي: إنَّ الإمامَ لا ينعزلُ بالفسق على الصحيح» (^١).\nوعزاهُ إلى روضة الطالبين، وتركَ كلامه في شرح مسلم وقد وقفَ عليه؛ لأنه نقلَ قبل قليل كلام القاضي عياض من شرح النووي على مسلم وهو في الموضع نفسه، بل ومتصل به، قال النووي في شرح مسلم: «وأجمعَ أهلُ السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق؛ وأمَّا الوجهُ المذكور في كتب الفقه لبعضِ أصحابنا أنه ينعزلُ وحُكِيَ عن المعتزلة أيضًا، فغلَطٌ من قائله؛ مخالفٌ للإجماع، قال العلماء: وسببُ عدم انعزالهِ وتحريمِ الخروج عليه ما يترتبُ على ذلك من الفتن، وإراقةِ الدماء، وفسادِ ذات البين، فتكونُ المفسدة في عزلهِ أكثرَ منها في بقائه.\nقال القاضي عياض: أجمعَ العلماء على أنَّ الإمامة لا تنعقد لكافر» (^٢).\nفقول النووي في روضة الطالين: «على الصحيح». لأن هناك من خالفَ من الشافعية المتأخرين؛ وهو يكتب في فقههم، وهذا لايتنافى مع الإجماع السابق لهؤلاء المتأخرين الذي ذكَرهُ في شرحهِ على مسلم.\n_________\n(^١) (ص: ٤٧٥).\n(^٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٢٢٩).","vol":"1","page":263},{"text":"الاستدراك السادس عشر:\nقرر الدكتور الدميجي عدمَ جواز مقاتلةِ مَنْ خرجوا على حاكمٍ جائرٍ لمنازعته في ملكهِ فقال: «وعلى هذا فإنه إذا كان الإمام جائرًا، وخرجَ عليه عادلٌ، فلا تجوز مقاتلة العادل، أمَّا إذا كان الإمام عادلًا وخرَج عليه عادلٌ مثله، أو كان جائرًا وخرج عليه جائرٌ مثله، ففي مثل هذه الحالة يكون القتال قتالَ فتنة» (^١).\nوهذا خطأ كبير، ثم نقل كلامًا عن الحافظ ابن حجر، قال الدكتور: «وهُم أهلُ عدلٍ خرجوا على إمامٍ جائر، أو هُمْ كما قال الحافظ ابن حجر: «قسمٌ خرجوا غضبًا للدِّين من أجل جَور الولاة وتركِ عملهم بالسنة النبوية، فهؤلاء هم أهلُ حقٍّ، ومنهم الحسينُ بن علي وأهلُ المدينة في الحرَّة والقرَّاء الذين خرَجوا على الحجاج» فهؤلاء لا تجوزُ مقاتلتهم على الصحيح، قال الحافظ: «وأمَّا مَنْ خرجَ عن طاعة إمامٍ جائر أرادَ الغلبةَ على مالهِ أو نفسهِ أو أهلهِ فهو معذورٌ ولا يحلُّ قتاله، وله أن يدفعَ عن نفسهِ ومالهِ وأهلهِ بقدرِ طاقته».\nقد أَوْرَدَ على هذا القول ما يدل عليه فقال: «قد أخرج الطبريُّ بسندٍ صحيح عن عبد الله بن الحارث عن رجل من بني نضر عن علي - وذكر الخوارج - فقال: «إنْ خالفوا إمامًا عادلًا فقاتِلوهم، وإن خالفوا إمامًا جائرًا فلا تُقاتلوهم، فإنَّ لهم مقالًا».\nوقال ابن حزم: «وأما الجوَرة من غير قريش فلا يحلُّ أن يُقاتَلَ مع أحدٍ منهم، لأنهم كلُّهم أهلُ منكر إلَّا أن يكون أحدهم أقلَّ جَورًا فيقاتَلُ معه من هو أَجْوَرُ منه» (^٢).\n_________\n(^١) (ص: ٤٩٥).\n(^٢) (ص: ٤٩٤).","vol":"1","page":264},{"text":"تقدَّم من كلام ابن تيمية (^١) أن الذين يقاتلون من المسلمين ثلاث طوائف:\nالطائفة الأولى: الذين ارتدوا؛ كما فعل أبو بكر الصديق.\nالطائفة الثانية: أهل البدع كالخوارج.\nالطائفة الثالثة: المفسدون في الأرض؛ ومنهم الخارجون على السلطان يريدون منازعته في ولايته.\nوتقدَّم أن ضابطَ الخارجي أنه من يكفِّر بما ليس مكفرًّا (^٢)، ومما تقدَّم أيضًا يُعلم أنَّ من خرجَ على السلطان لدافعٍ دينيٍّ؛ لأجلِ المعاصي من غير تكفير، فإنَّه مبتدعٌ ضالٌّ بإجماعِ أهل السُّنة، وبمثلِ هذا ضلَّلَ الإمامُ سفيان الثوري والإمامُ أحمد الحسنَ بنَ صالح.\nإذا تبيَّن هذا ففي الكلام - الذي قرَّره الدكتور ونقَلهُ عن الحافظ - نظَرٌ من جهات:\nالجهة الأولى: تقدم أنَّ فعلَ الحسين بن علي لا يُعدَّ خروجًا (^٣).\nالجهة الثانية: تقدَّم أنه على القول بأنَّ فعل الحسين يعدُّ خروجًا (^٤)، فقد انعقدَ الإجماعُ على خطأ هذا الفعل، ففعلُ أهل المدينة في الحرَّة، وكذلك الذين خرجوا على الحجَّاج خطأ إجماعًا، وعلى هذا أهلُ السنة بعد، لذا لا يُستدلُّ بفعلهم.\n_________\n(^١) تقدم (ص: ١٩١).\n(^٢) تقدم (ص: ١٨٥).\n(^٣) تقدم (ص: ١٥٧).\n(^٤) تقدم (ص: ١٥١).","vol":"1","page":265},{"text":"الجهة الثالثة: تقدَّم أنه لا يصحُّ لأحدٍ أن يدفعَ عن مالهِ ونفسهِ تجاهَ الإمامِ الجائر؛ للأدلَّة، ولقولِ عمر، وللإجماع الذي حكَاهْ ابنُ المنذر عن أهل الحديث (^١).\nالجهة الرابعة: الإسناد الذي ذكره الحافظ عن عليٍّ ضعيف؛ لأن فيه رجلًا مبهمًا لذا لم يحكم الحافظ بصحة السند كلِّه، ثمَّ لو صحَّ فإنَّ المراد بأثر علي بن أبي طالب -﵁- النهيُ عن القتال، ووصفَ الحافظ ابن حجر في كلامه المتقدِّم الحسين وغيره بأنهم خرَجوا لا يعني أنهم خوارج، بل فعلوا الخروجَ، ولا يلزمُ من فعلِ الرجل للخروج أن يكونَ خارجيًّا؛ لأن الشرطَ في وصفِ الرجل أن يكون خارجيًّا لم ينطبق، والمرادُ بخروجهم دفعُ مظلَمةٍ لا منازعة الحاكم في ملكهِ وحكمهِ، فمثلُ هؤلاء يجبُ على الحاكم أن يسمَع لهم ويردَّ مظلمتهُم؛ بخلافِ مَنْ خرجَ لمنازعته في ملكهِ ولو كان ظالمًا.\nقال ابن قدامة: «قومٌ من أهل الحقِّ، يخرجون عن قبضةِ الإمام، ويرومونَ خلعَهُ لتأويلٍ سائغ، وفيهم منعةٌ يحتاجُ في كفِّهم إلى جمعِ الجيش، فهؤلاء البغاة، الذين نذكرُ في هذا الباب حكمَهُم، وواجبٌ على الناس معونةُ إمامهم، في قتال البغاة» (^٢).\nعلى هذا يكون كلامُ الخليفة الراشد علي بن أبي طالب في قومٍ خرجوا للمطالبة بمظلمتهم، فلا يجوزُ للإمام مقاتلتهم ولا تجوزُ إعانته على ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولهذا قال الفقهاء في البغاة إنَّ الإمام يراسلُهم؛ فإنْ ذكَروا شبهةً بيَّنها، وإن ذكروا مظلمةً أزالَها؛ كما أرسل عليٌّ ابنَ عباس إلى الخوارج فناظَرَهُم حتى رجعَ منهم أربعة آلاف، وكما طلب عمر بن عبد العزيز دعاةَ القدرية والخوارجَ\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٢١١).\n(^٢) المغني (٨/ ٥٢٦).","vol":"1","page":266},{"text":"فناظَرهُم حتى ظهرَ لهم الحق وأقرُّوا به» (^١).\nوقال: «ولهذا لما اعتقدت طوائفُ من الفقهاء وجوبَ القتال مع عليٍّ جعلوا ذلك (قاعدة فقهية) فيما إذا خرجت طائفةٌ على الإمام بتأويلٍ سائغٍ وهي عندَهُ راسلَهُم الإمام؛ فإن ذكروا مظلَمة أزالَها عنهم، وإن ذكَروا شبهةً بيَّنها؛ فإن رجَعوا وإلَّا وجبَ قتالُهم عليهِ وعلى المسلمين» (^٢).\nالجهة الخامسة: اعتمد في النقل على ابن حزم؛ وهو ممن زلَّ في هذا الباب، فلا يعتمد عليه كما تقدم (^٣).\nوبعد ما سبق تقريره، فإنه - أيضًا - لا يُعتمد على المتأخرين كالحافظ ابن حجر في أمثالِ هذه المسائل العقدية إذا ثبتَ أنه خالفَ منهجَ السلف؛ كما خالَفهم في بعضِ مسائل الاعتقاد؛ كتأويل بعض الصفات.\nالجهة السادسة: أنَّ عموم حديث عرفجة الأشجعي يدلُّ على قتال العادل إذا خرجَ على الحاكم ولو كان فاسقًا؛ فقد قال: قال رسول الله -ﷺ-: «فمَن أرادَ أن يفرِّقَ أمرَ هذه الأمة وهي جميعٌ، فاضربوهُ بالسَّيف كائنًا من كان»، وفي رواية «مَنْ أتاكُم وأمرُكم جميعٌ على رجلٍ واحد، يريدُ أن يشقَّ عصاكُم، أو يفرِّقَ جماعتَكُم، فاقتلوه» (^٤).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٤٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٥٠)\n(^٣) تقدم (ص: ١٧٥).\n(^٤) سبق تخريجه (ص: ١٦١).","vol":"1","page":267},{"text":"الاستدراك السابع عشر:\nمن أشنع ما في كتاب الدكتور عبد الله الدميجي أنه جعلَ مسألة الخروج على الحاكم الفاسق خلافيةً بين أهل السنة، فيترتَّبُ على هذا أنَّ مَنْ يرى الخروجَ يعدُّ قولُه سائغًا، وغايةُ ما في الأمر أنَّ المخالف مخطئ ولا يبدَّع، لأن الخلاف في المسألة سائغ!!.\nوهذا خطأ قطعًا مخالفٌ للقرآن والسنة الصحيحة وإجماعِ أهل العلم من أهل السنة، بل وأجمعَ السلف على أنَّ المخالف في هذا يضلَّل ويبدَّع كما في كتب العقائد، وكلُّ هذا سبقَ نقلُه وتقريره (^١).\nقال الدكتور: «وبناءً على ذلك الاختلاف اختلفوا أيضًا في الخروج على أئمة الجَور وسلاطين الظلم، والذي يظهر لي أنَّ سبب اختلافهم هو اختلافُ أفهامهِم للنصوص الشرعية الناهية عن الخروج، والأخرى المؤيِّدة له، كما أنَّ أحوال أولئك السلاطين غير منضبطة وغير ثابتة، فمنهم القريبُ إلى العدل، ومنهم القريبُ إلى الكفر، ومنهم الغامضُ، ومنهم من يكون في عصرٍ يندرُ فيه الأخيار، ومنهم من يكون بخلاف ذلك، ثم إنَّ من العلماء من ينظر إلى الحسنات ويقتصرُ على نصوصِ الطاعة، ومنهم من يحصرُ نظَرهُ على السيِّئات ويستشهدُ بأحاديثِ الخروج، ومن ناحيةٍ ثالثة ينظُر بعضُ الفقهاء إلى كونِ الخارج مساويًا للمخروج عليه أو أظلمَ منه؛ بينما يرى الآخرون أنه أعدَلُ وأحقُّ» (^٢).\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٣).\n(^٢) (ص: ٥٠٢).","vol":"1","page":268},{"text":"وقال: «قد ادَّعى الإجماعَ على ذلك بعضُ العلماء كالنووي في شرحه لصحيح مسلم، وكابن مجاهد البصري الطائي، فيما حكاه عنه ابن حزم، ولكن دعوى الإجماع فيها نظر، لأنَّ هناك من أهل السنة مَنْ خالف» (^١).\nوهذا خطأ شنيع كما تقدَّم بالإجماعات الكثيرة عن أهل السنة، وبتبديع السَّلف لمن خالفَ في هذه المسألة (^٢).\nفالقولُ بأنَّ المسألة خلافيةً بوَّابة سوءٍ وشرٍّ؛ ويغترُّ به من لا يغترُّ بالقائلين أنَّ الخروج جائز، وهذا التقرير من الدميجي من أفسَد ما في الكتاب.\nالاستدراك الثامن عشر:\nنقل الدكتور (^٣) كلامَ ابن حزم في نسبة الخروج لعلي بن أبي طالب ومَن معه، ولمعاوية ومَن معه، ولعائشة وطلحة والزبير وآخرين. ولم يستدرك عليه نسبةَ الخروج إلى هؤلاء، وقد سبقَ بيانُ خطأ نسبة الخروجِ إلى هؤلاء (^٤).\n_________\n(^١) (ص: ٥٠٣).\n(^٢) تقدم (ص: ٣٩).\n(^٣) (ص: ٥١٨).\n(^٤) تقدم (ص: ١٧٥).","vol":"1","page":269},{"text":"الاستدراك التاسع عشر:\nنسبَ الدكتور القول بالخروجَ إلى أئمَّة المذاهب الأربعة (^١)، وقد تقدَّم بيانُ أنَّ أبا حنيفة رجعَ عن هذا، وأنَّ نسبة هذا القول لبقية الأئمة الأربعة لا تصحُّ (^٢).\nالاستدراك العشرون:\nنسبَ الدكتور الخروجَ إلى الإمام أحمد بن نصر الخزاعي فقال: «وممن طبَّق الخروجَ فعلًا على السُّلطان المبتدع الواثقِ بالله القائلِ بخلق القرآن = أحمدُ بن نصر الخزاعي» (^٣)، وتقدَّم خطأُ نسبةِ الخروجِ إلى الإمام أحمد بن نصر الخزاعي -﵀- (^٤).\n_________\n(^١) (ص: ٥٣٤).\n(^٢) تقدم (ص: ١٦٥).\n(^٣) (ص: ٥٤٠).\n(^٤) تقدم (ص: ٢٠٣).","vol":"1","page":270},{"text":"<span data-type='title' id=toc-141>الفصل الرابع\nالاستدراكات على مقالين\nللدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف</span>","vol":"1","page":271},{"text":"الاستدراكات على مقالين\nللدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف\nإنَّ للدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف مقالين تكلَّم فيهما عن الإمامة كلامًا مخالفًا لمنهج أهل السنة - كما سيأتي بيانه -، وهو في هذين المقالين متأثِّر بما كتبه الدكتور عبد الله الدميجي في كتابه (الإمامة العظمى).\nالمقال الأول: مقدمات ومسائل في الإمامة.\nالمقال الثاني: ضوابط ومسائل في الطاعة لولاة الأمور.\nواشتهر الدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف بخلَلهِ في هذا الأصل لمَّا كان يدرِّس في أَروِقَة الجامعة، ثم ظهر هذا جليًّا في تغريداته بتويتر.\nوهذه الاستدراكات كلُّها على المقال الثاني إلَّا الاستدراك الأول، فهو متعلِّق بالمقال الأول.\nالاستدراك الأول:\nقال في الحاشية تعليقًا على كلام الإمام علي بن أبي طالب: «لابدَّ للناس من إمارةٍ برَّةٍ كانت أو فاجرة: لكن في مثل هذه الأزمنة لا تكاد تعرف الإمامة الفاجرة فضلًا عن البرَّة».\nوهذا تكفيرٌ لأكثر حكَّام دول العالم الإسلامي إن لم يكن كلهم؛ لأنه لا يكاد يُعرف الإمامة الفاجرة فإذًا لم تبق إلَّا الكافرة، ومما يدلُّ على أنه غالٍ في تكفير الحكومات ما ذكَرهُ في حاشيةِ كتابه (نواقض الإيمان العملية والقولية): «قارِنٍ ما","vol":"1","page":273},{"text":"سبقَ ذكره … بما تراه واقعًا مشاهدًا في مجتمعات المسلمين، عندما (جوَّزت) تلك الأنظمة الحاكمة في بلاد المسلمين أوكارَ الربا والزنى والخمر ونحوها من المحرَّمات الظاهرة، ومنحَت التراخيصَ لتلك الموبقات، بل (فرضت) تلك المحرَّمات القطعية، وقامتْ على رعايتها وحمايتها، ليس هذا فحسب، بل و(سوَّغت) تلك الأنظمة موالاة الكفار باسمِ المصالح المشتركة والتعايش السِّلمي» (^١).\nهذا إقرارٌ منه بكفر الدولة التي توجد بها هذه البنوك الربوية، وتكفيرهُ بمثل هذا تكفيرٌ على طريقةِ الخوارج الذين يكفِّرون بالمعاصي والذنوب، وذلك أنَّه جعلَ المعاصي العملية؛ من السَّماح للمنكرات عمليًّا = لازمًا للاستحلال القلبي ثم كفَّر بهذا، وهذا عَينُ قولِ الخوارج (^٢) كما بيَّنتُ هذا في ردِّي الصَّوتي على مبحث الحاكمية الذي غلا فيه في كتابه (نواقض الإيمان العملية والقولية بعنوان): الحكم بغير ما أنزل الله ومناقشة الدكتور المحمود وآل عبد اللطيف.\nالأول:http://islamancient.com/play.php?catsmktba=51\nالثاني:http://islamancient.com/play.php?catsmktba=49\nالثالث:http://islamancient.com/play.php?catsmktba=50\nالاستدراك الثاني:\nقال في مقدمة مقالهِ (ضوابط ومسائل في الطاعة لولاة الأمور): «نخلُصُ - من خلال استقراء كلامٍ جميل من العلماء المحققين - إلى أن ثمَّة ضوابط ومسائل مهمة\n_________\n(^١) نواقض الإيمان القولية والعملية (ص: ٣٢٨).\n(^٢) وقد رددتُ على هذا التأصيل الخارجي في كتابي «تبديد كواشف العنيد»، وكتابي «البرهان المنير في دحض شبهات أهل التكفير والتفجير».","vol":"1","page":274},{"text":"ينبغي مراعاتها في موضوع طاعة الأئمة والحكام».\nهذا الكلام ظَنَّه مؤيِّدًا لمعتقدهِ البدعي في باب الإمامة والولاية؛ لذا وصفَهُ بأنه جميل، ووصفَ العلماء الذين نقلَ عنهم بأنهم محقِّقون وهم كذلك -﵏- في غير مسائل الاعتقاد لأنَّ كثيرًا من هؤلاء المتأخرين عندهم أخطاء عقدية، فلا يُعَّولُ عليهم في مسائل العقائد، ومبحثُ الإمامة من مسائل العقائد؛ لذا ذكرَها أهلُ السنة في كتب العقائد كما تقدَّم النقلُ عنهم (^١)، وقد تقدَّم بيانُ بعضِ الأخطاءِ العقَدية عند بعض هؤلاء (^٢).\nوسأذكرُ عالميَن ممَّن نقلَ عنهم، وبعضَ أخطائهما العقدية؛ ليعلم أنَّ مثل هؤلاء لا يعوَّلُ عليهم في أمثال هذه المسائل العقدية إلَّا تبعًا؛ لما يقرِّره علماءُ السلف الذين هم أئمة في باب الاعتقاد، والذي يُفترض أن يُجمِّل مقالَهُ بكلامهم - وتقدَّم نقلُ شيء من كلامهم - (^٣)، لكن أنَّى له أن يفعل ذلك وكلامُهم مصادمٌ لكلامه واعتقادهِ في هذا الباب المهمِّ بابِ الإمامة، وليعرف حقيقة مخالفتهِ لكلام السلف قارِنْ منهجَهُ البدعيَّ مع كلامِ إمام السنة في زمانه البربهاري إذْ قال: «وإذا رأيتَ الرجلَ يدعو على السُّلطان فاعلَمْ أنه صاحبُ هوى، وإذا سمعتَ الرجلَ يدعو للسلطان بالصَّلاح، فاعلَمْ أنه صاحبُ سُنَّة - إن شاء الله -» (^٤).\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٩).\n(^٢) تقدم (ص: ٢٥٩).\n(^٣) تقدم (ص: ٣٥).\n(^٤) شرح السنة (١١٦).","vol":"1","page":275},{"text":"والعالمان اللذان أردتُ أن أبيِّن شيئًا من أخطائهم العقدية - ممن نقل عنهم - لئلَّا يُجعلا عمدةً في هذه المسائل هما العز بن عبد السلام وأبو العباس القرطبي:\nالعالم الأول: العزُّ بن عبد السلام، فقد أخطأَ عدَّة أخطاء عقدية منها:\nأوَّلَ صفة الأصابع لله، قال في فتاويه: «معنى قول النبي -ﷺ-: «قلبُ المؤمن بين إصبعين من أصابعِ الرحمن» (^١)، أنَّ الله مستَولٍ عليه بقدرته وتصريفه كيف يشاء من كفرٍ إلى إيمان، ومن طاعةٍ إلى عصيان، أو عكس ذلك» (^٢).\nأوَّلَ عدة صفات؛ كالرضا والسخط والمحبة والرحمة وغيرها، ولم يُثبت من صفاتِ الله الذاتية إلَّا سبعًا (^٣).\nجعلَ قولَ اللسان وعملَ الأركان من الإيمان المجازي لا الحقيقي (^٤).\nجعل زيادة الإيمان ونقصانه راجعًا إلى متعلَّقه لا إلى ذاته (^٥).\nأنه صوفي يعظِّم الصُّوفية، فقد فضَّلَ العارف على العالم (^٦)، وقال: «الضربُ\nالثاني: علوم إلهامية، يكشف بها عمَّا في القلوب، فيرى أحدُهم بعينيه من الغائبات ما لم تجرِ العادةُ بسماع مثله … ومنهم مَنْ يرى الملائكة والشياطين والبلادَ النائية، بل ينظر إلى ما تحت الثَّرى، ومنهم من يرى السماوات وأفلاكَها وكواكبَها وشمسَها\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٢٦٥٤) من حديث عبدالله بن عمرو -﵄-.\n(^٢) (ص: ٥٦).\n(^٣) راجع: الإمام في بيان أدلة الأحكام ص (٢١٩ - ٢٢٦، ٢٣١، ٢٣٣).\n(^٤) انظر فتاواه (ص: ٧٤).\n(^٥) انظر فتاواه (ص: ٧٣).\n(^٦) كما في فتاويه (ص: ١٣٨ - ١٣٩).","vol":"1","page":276},{"text":"وقمرَها على ما هي عليه، ومنهم من يرى اللوحَ المحفوظ ويقرأ ما فيه، وكذلك يسمعُ أحدُهم صريرَ الأقلامِ وأصواتَ الملائكة والجان، ويفهَمُ أحدُهم منطقَ الطير، فسبحانَ مَنْ أعزَّهم وأدناهم» (^١).\nوقد تعقَّب ابنُ تيمية العزَّ بن عبد السلام لمَّا أثنى على الأشاعرة، وذمَّ أهل السنة بأن وصفهم بالحشوية ثم قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأيضًا فيُقال لهؤلاء الجهمية الكُلَّابية - كصاحب هذا الكلام أبي محمد وأمثاله -» (^٢)، والمراد بأبي محمد العز بن عبدالسلام.\nالعالم الثاني: أبو العباس القرطبي صاحب كتاب (المفهم)، فقد أوَّل صفة الضحك (^٣)، وأوَّل صفة النزول لله (^٤)، وأوَّل صفة العجب لله (^٥).\nوبعد بيان ما تقدَّم فإنه يتعيَّن لمن أراد أن يكتب في مسألةٍ لها تعلُّق بالاعتقاد أن يرجعَ إلى كلامِ أئمة السنة الأولين، والسَّالكين طريقتهم في الاعتقاد من المتاخرين، ولا مانع أن يعتضدَ بأقوالِ المتأخرين الذين لهم زلَّات عقدية إذا قالوا قولًا صحيحًا؛ اعتضادًا لا اعتمادًا.\n_________\n(^١) قواعد الأحكام (١/ ١٤٠).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٤/ ١٥٨).\n(^٣) المفهم (١/ ٤٢٤)، (٣/ ٧٢٤).\n(^٤) المفهم (٢/ ٣٨٦).\n(^٥) المفهم (٥/ ٣٣١).","vol":"1","page":277},{"text":"الاستدراك الثالث:\nقوله: «أنَّ الطاعة لأصحاب الولايات الشرعية، وهذا أمرٌ بدهي دلَّت عليه الآية الكريمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].\nقال الشوكاني: «وأُولو الأمر: هم الأئمةُ والسَّلاطين والقضاة وكلُّ مَنْ كان له ولايةٌ شرعية لا ولاية طاغوتية».\nهذا الكلامُ مجمل؛ لأنه لم يبيِّن مَنْ هم أصحابُ الولايات الشرعية وما ضابطهم؟\nفإذا قرأه من غُذِيَ بالأفكار الحركية الثورية أو مَنْ لا يدري في زمنٍ كثُر نقدُ دعاة البدعة للولاة = علمَ أنه لا يُراد بهم الولاة الموجودون؛ لأنهم غيرُ شرعيين - كما ربَّوهم على ذلك تصريحًا أو تلميحًا - لاسيما والدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف لا يرى الحكومات الموجودة مسلمة إن لم يكن كلّها فأكثرها، كما تقدَّم نقله عنه، وإنَّ سلوك طريقة الألفاظ المجملة هي طريقةُ أهل البدع في التلبيس على الناس، قال الإمام أحمد في مقدِّمة الردِّ على الجهمية والزنادقة: «يتكلَّمون بالمتشابه من الكلام ويخدَعون جهَّال الناس بما يشبِّهون عليهم؛ فنعوذ بالله من فتن المضلين» (^١).\nوقول الشوكاني: «لا ولاية طاغوتية» حق أي لا ولاية كفرية، وتقدَّم في التأصيلات أنه لا ولاية للحاكم الكافر، ويجب خلعهُ عند القدرة.\n_________\n(^١) الرد على الزنادقة والجهمية (ص: ٦).","vol":"1","page":278},{"text":"إذًا المراد عدمُ السَّمع والطاعة للحاكم الكافر، وهذا المراد بقول الدكتور: إنَّ الطاعة لأصحاب الولايات الشرعية، وهذا بدهي. أي للمسلم دونَ الكافر، فلو أنَّ الدكتور أراد البيانَ دون الإجمال لقال: لا طاعة للولاية الكافرة.\nالاستدراك الرابع:\nقال الدكتور آل عبد اللطيف: «لا طاعة لجهلة الحكام إلَّا فيما يُعلَم أنه سائغ شرعًا».\nهذا العنوان من الدكتور عبد العزيز آل عبد اللطيف إمَّا أنه تدليس أو جهلٌ منه، أما وجه التدليس: فهو موهِمٌ أنَّ من لم يكن من الحكام عالمًا فلا يُسمعُ ولا يُطاع له إلَّا فيما عُلِمَ أنه سائغٌ شرعًا، فلا يُسمعُ ولا يُطاع لهم إلَّا في الواجب والمستحب، هذا ما يفهمهُ أكثرُ القراء لهذا المقال؛ لكثرة الجهل في الناس، ولوجود من يُفسِدُهم في هذا الباب، أمثال هذا الدكتور.\nأمَّا وجه الجهل: فاعتقادُ الدكتور أنه لا سمَع ولا طاعة للحاكم الجاهل إلَّا فيما عُلِمَ أنه واجبٌ أو مستحب، فإنه قد تقدَّم بيانُ أنَّ قولَ رسول الله -ﷺ-: «إنَّما الطاعة في المعروف» أي فيما ليس محرَّما ولا معصيةً، وأنه لو قيل: لا يُطاع الحاكم إلَّا فيما عُلِمَ أنه واجبٌ أو مستحبٌ لاستوى الحاكمُ مع غيرهِ من عامة الناس. وقد سبقَ الكلامُ على هذا في كشف الشبهات (^١).\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٧٥).","vol":"1","page":279},{"text":"الاستدراك الخامس:\nلمَّا ذكر الدكتور العنوان السابق أوردَ كلامَ أبي العباس القرطبي في المفهم: «أنَّ الأمراء شرطُهم أن يكونوا آمرين بما يقتضيه العلم، وكذلك كان أمراءُ رسول الله -ﷺ-. وحينئذٍ تجبُ طاعتهم. فلو أمروا بما لا يقتضيه العلم حَرُمَتْ طاعتهم» (^١).\nتقدَّم بيانُ هذه الشبهة وكشفُها - والحمد لله - وأن هناك فرقًا بين اشتراط العلم في المأمور واشتراطه في الآمر. وليُراجع ما سبق ذكره (^٢).\nالاستدراك السادس:\nالمراد بكلام أبي العباس القرطبي (بما يقتضيه العلم) ما لم يكن في معصية الله، كما بيَّن ذلك عند حديث «إنما الطاعة في المعروف» وتقدَّم نقل كلامه (^٣)، وأنه مقتضى قولِ أهل السنة، وكلامُ العالم يفسِّر بعضُه بعضًا، وهذا ما لم يبيِّنهُ الدكتور آل عبد اللطيف إمَّا جهلًا أو تلبيسًا، ودافعُ التلبيس التعصُّب إمَّا لحزبٍ بدعيٍّ أو رأيٍ بدعي وهكذا … كلُّ رجلٍ بحسبه.\nقال الإمام ابن القيم في (الكافية الشافية):\nوتعَرَّ من ثوبَينِ مَنْ يَلْبَسْهُما … يلقَى الرَّدى بمذَمَّةٍ وهَوانِ\nثوبٍ من الجهلِ المركَّبِ فوقَهُ … ثوبُ التعصُّب بِئسَتِ الثَّوبانِ\nوتحَلَّ بالإنصافِ أفخَر حلَّةٍ … زِينَتْ بها الأعطافُ والكتفانِ\n_________\n(^١) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٤/ ٣٥).\n(^٢) تقدم (ص: ١٢٥).\n(^٣) تقدم (ص: ٧٦).","vol":"1","page":280},{"text":"الاستدراك السابع:\nنقلَ الدكتور كلامًا غير دقيق عن العز بن عبد السلام قال الدكتور: «ويقول العز بن عبدالسلام في هذه المسألة: «ولو أمرَ الإمام أو الحاكم إنسانًا بما يعتقد الآمر حِلَّه والمأمورُ تحريمَه، فهل له فعلُه نظرًا إلى رأيِ الآمر، أو يمتنع فعلُه نظرًا إلى رأيِ المأمور؟؛ فيه خلافٌ - وهذا مختصٌّ فيما لا ينقض حكمَ الآمر به، فإن كان مما يُنقَضُ حكمُه به فلا سمع ولا طاعة - وكذلك لا طاعة لجهَلة الملوك والأمراء إلَّا فيما يعلَمُ المأمور أنه مأذونٌ في الشرع».\nوعدمُ دقَّتهِ من جهتين:\nالجهة الأولى: أنه جعل خلافًا في عمل المأمور في مسألةٍ لا يعتقد حلَّها إذا أمرَهُ بها مَنْ يعتقد حلَّها.\nوهذه المسالة ليست خلافية، بل إجماعية في عدم جواز عمَلِ المأمور بها؛ لأن عمله بها عملٌ بمعصية الله فيما يعتقد، فلو قال الحاكم: لا تتوضؤوا من أكل لحم الجزور، والمأمورُ يعتقدُ وجوبَ الوضوء، وأن أكلَ لحم الجزور ناقضٌ للوضوء، لما جازَ للمأمور أن يترك ما يعتقدُه لقول هذا الحاكم، ولو فعلَ لخالَفَ إجماعَ أهلِ العلم.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأمَّا إلزامُ السُّلطان في مسائل النزاع التزامَ قولٍ بلا حجَّةٍ من الكتاب والسنة، فهذا لا يجوزُ باتفاق المسلمين، ولا يفيدُ حكمُ حاكمٍ بصحَّة قولٍ دون قولٍ في مثل ذلك، إلا إذا كان معه حجَّة يجب الرجوعُ إليها، فيكون كلامُه قبل الولاية وبعدها سواء.","vol":"1","page":281},{"text":"وهذا بمنزلة الكتب التي يصنفها في العلم. نعم الولاية تمكِّنه من قول حقٍّ ونشرِ علمٍ قد كان يعجز عنه بدونها، وبابُ القدرة والعجز غيرُ باب الاستحقاق وعدمهِ. نعم للحاكم إثباتُ ما قال زيد وعمرو، ثم بعد ذلك إن كان ذلك القولُ مختصًّا به كان مما يحكم فيه الحكام، وإن كان من الأقوال العامة كان من باب مذاهب الناس …» (^١).\nوقال: «إنَّ ما تنازع فيه العلماء ليس لأحدٍ من القضاة أن يفصلَ النزاعَ فيه بحُكم، وإذا لم يكن لأحدٍ من القضاة أن يقول: حكمتُ بأنَّ هذا القول هو الصحيح، وأنَّ القول الآخر مردودٌ على قائله، بل الحكمُ فيما تنازعَ فيه علماء المسلمين أو أجمَعوا عليه، قولُه في ذلك كقولِ آحاد العلماء إنْ كان عالمًا، وإن كان مقلِّدًا كان بمنزلة العامة المقلِّدين، والمنصبُ والولاية لا يجعل مَنْ ليس عالمًا مجتهدًا، ولو كان الكلامُ في العلم والدين بالولاية والمنصب؛ لكان الخليفة والسلطان أحقَّ بالكلام في العلم والدين، وبأن يستفتيَهُ الناس ويرجعوا إليه فيما أشكلَ عليهم في العلم والدين، فإذا كان الخليفة والسلطان لا يدَّعي ذلك لنفسه، ولا يُلزِمُ الرعية حكمَهُ في ذلك بقولٍ دونَ قول إلا بكتاب الله وسنة رسوله -ﷺ-، فمَن هو دونَ السُّلطان في الولاية أولى بأن لا يتعدَّى طوره، ولا يقيمَ نفسه في منصب لا يستحقُّ القيامَ فيه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وهم الخلفاء الراشدون، فضلًا عمَّن دونهم، فإنهم -﵃- إنما كانوا يُلزمون الناسَ باتِّباع كتاب ربِّهم وسُنَّة نبيِّهم -ﷺ-، وكان عمر -﵁- يقول:\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٤٠).","vol":"1","page":282},{"text":"إنما بعثتُ عمالي - أي نَّوابي - إليكم ليعلِّموكم كتابَ ربكم وسنَّة نبيكم، ويقيموا بينكم فيئكم (^١).\nبل هذه يتكلَّم فيها من علماء المسلمين من يعلم ما دلت عليه الأدلة الشرعية الكتاب والسنة. فكلُّ مَنْ كان أعلَمَ بالكتاب والسُّنة فهو أولى بالكلام فيها من غيره، وإن لم يكن حاكمًا، والحاكمُ ليس له فيها كلامٌ لكونهِ حاكمًا، بل إنْ كان عنده علمٌ تكلَّم فيها كآحاد العلماء، فهؤلاء حكموا فيما ليس لهم فيه الحكم بالإجماع، وهذا من الحكم الباطل بالإجماع» (^٢).\nالجهة الثانية: بيان عدم دقَّة كلامِ العز بن عبد السلام، وذلك أنه علَّق الجهلَ بالحكام لا بالأمر، وأنبِّه إلى أنَّ قول العز بن عبد السلام: «وهذا مختصُّ فيما لا ينقضُ حكمَ الآمر به، فإن كان مما يُنقَضُ حكمُه به فلا سمع ولا طاعة» أي في هذا المأمور بعينه لا مطلقًا، ولو أرادَ مطلقًا لكان قوله مخالفًا لإجماع أهل السنة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (١/ ٤١)، وابن أبي شيبة (٦/ ٤٦١)، وأخرجه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/ ٢١٣)، ومن طريقه البلاذري في أنساب الأشراف (٣/ ٣٩٦)، والإسنادُ صحيح إلى الربيع بن زياد الحارثي، والربيع بن زياد الراوي عن عمر اختُلف في صحبته وجزمَ بأنه صحابي ابنُ عبد البر في الا ستيعاب (٢/ ٤٨٨) فقال: له صحبة ولا أقف له على رواية عن النبي -ﷺ- اهـ، ولم يرضَ هذا ابنُ حجر لأنه لم يأت بدليلٍ على أنه صحابي فقال في الإصابة في تمييز الصحابة (٢/ ٣٨٠): قال أبو عمر له صحبة ولا أعرف له رواية؛ كذا قال، وقال أبو أحمد العسكري: أدركَ الأيام النبوية ولم يقدُم المدينة إلَّا في أيام عمر، وذكره البخاري وابن أبي حاتم وابن حبان في التابعين اهـ. لذا الصواب أنه تابعي ولم أقفْ على مَنْ وثَّقه إلَّا ذكر ابن حبان له في الثقات، ولعل رواية الربيع عن عمر مقبولة لأنه من عماله وله أخبار كثيرة عنه. قال ابن حجر في الإصابة (٢/ ٣٨١): وله مع عمر أخبار كثيرة اهـ.\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٢٩٦).","vol":"1","page":283},{"text":"- كما تقدم - (^١)، وكان موافقًا للخوارج.\nوهذا مما لا يريده العزُّ بن عبد السلام - من باب إحسان الظن -، ثمَّ إنَّ هذا اللفظ لم يعلِّق عليه الدكتور آل عبد اللطيف مع أنه موهم، فهل تعمَّد بقاءه ليقوِّيَ قولَهُ البدعيَّ في أصل الإمامة!\nتنبيه:\nيردِّد كثيرٌ من أهل العلم قاعدة (حكم الحاكم يرفع الخلاف)، ويريدون بالحاكم وليّ الأمر، وهذا غير صحيح، بل مرادُ أهل العلم بهذه القاعدة القاضي إذا ترافع إليه رجلان ليتحاكما عنده في مجلس القضاء لا مطلقًا، ثم يُشترط أن يكون حكمهُ بين الخصمين قولًا بما يسوغُ الخلاف فيه، وإلَّا لو قال بقولٍ غير سائغ لما كان نافذًا، فهذه القاعدة مقيَّدة بثلاثة قيود:\nالقيد الأول: المراد بالحاكم القاضي.\nالقيد الثاني: أن هذا عند ترافع الخصمَين إليه لا مطلقًا.\nالقيد الثالث: أن هذا في المسائل التي يسوغ الخلاف فيها.\nوهذا ما يدل عليه كلامُ أهل العلم من المذاهب الأربعة.\nقال الغنيمي الميداني الحنفي -﵀-: «وإذا رفع إلى القاضي (حكم حاكم) مولًى ولو بعد عزلهِ أو موتهِ إذا كان بعد دعوى صحيحة (أمضاه) أي: ألزمَ الحكمَ والعملَ بمقتضاه، سواء وافقَ رأيهُ أو خالفَهُ إذا كان مجتهدًا فيه؛ لأن القضاء متى لاقَى محلًّا مجتهدًا فيه ينفذ ولا يردُّه غيره؛ لأن الاجتهاد الثاني كالاجتهاد الأول\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٩).","vol":"1","page":284},{"text":"لتساويهما في الظن» (^١).\nوقال ابن عابدين -﵀-: «(قوله إلا إذا حكم حاكم) صورته: علَّقَ عتق عبدهِ بصلاتهِ صلاةً صحيحة، فصلَّى بـ (مدهامّتان) غير مكررة أو مكررة، فترافعا إلى حاكمٍ يرى صحة الصلاة بذلك، فقضى بعتقه، فيكون قضاءً بصحة الصلاة ضمنًا، فتصحُّ اتفاقًا، لأنَّ حكمَ الحاكم في المجتهد فيه يرفعُ الخلاف أفاده (ح) (^٢)» (^٣).\nوفي الشرح الصغير للدردير: «(ورفع) حكم العدل العالم (الخلاف) الواقع بين العلماء. وكذا غير العدل العالم إنْ حكمَ صوابًا - كما يُعلم مما تقدم - فإنه يرفع الخلافَ ولا ينقض، وكذا المحكم.\nوالمراد: أنه يرتفع الخلافُ في خصوص ما حكم به أخذًا من قوله الآتي (ولا يتعدَّى لمماثل). فإذا حكم بفسخ عقد أو صحَّته، لكونه يرى ذلك لم يُجزْ لقاضٍ غيره يرى خلافَه - ولا لَه - نقضُه.\nولا يجوز لمفتٍ عَلِمَ بحكمه أن يفتيَ بخلافه، وإذا حكمَ حاكمٌ بصحَّة عقدٍ لكونهِ يراه، وحكَم آخرُ بفساد مثله لكونه يراه، صار كلٌّ منهما كالمجمع عليه في خصوص ما وقع الحكم به. ولا يجوزُ لأحدٍ نقضُه ولا له» (^٤).\nوقال خليل بن إسحاق المالكي: «(ورفع) حُكِمَ الحاكم في نازلةٍ فيها أقوالٌ للأئمة بقولٍ منها، فيرفع (الخلاف) أي العملَ والفتوى في عينِ تلك النازلة التي حُكِمَ فيها بغير ما حكَم به فيها.\n_________\n(^١) كتاب اللباب في شرح الكتاب (٤/ ٨٧).\n(^٢) ومراده برمز (ح) الحلبي المحشي على الدر المختار.\n(^٣) في حاشيته (١/ ٥٣٧).\n(^٤) (٤/ ٢٢١).","vol":"1","page":285},{"text":"(غ) (^١) القرافي الخلاف يتقرَّر في مسائل الاجتهاد قبل حكم الحاكم، ويبطلُ الخلاف فيها، ويتعيَّن قولُ واحد بعد حكم الحاكم، وهو ما حكم به الحاكم: ابن الشاط (^٢) هذا يوهِمُ أنَّ الخلاف يَبطُلُ مطلقًا في المسألة التي تعلَّق بها الحكم، وليس كذلك، بل الخلافُ باقٍ على حالهِ إلَّا أنه إن استفتى المخالف في عَينِ تلك المسألة التي حكم فيها، فلا يسوغ له الفتوى فيها بعينها، لأنه قد نفذ الحكم فيها بقول قائل، ومضى العملُ به فيها وإن استفتى في مثلها قبل الحكم فيه أفتى بمذهبه على أصله.\nثم قال القرافي: حكم الحاكم في مسائل الاجتهاد يرفع الخلاف، ويُرجع المخالفَ عن مذهبه لمذهبِ الحاكم، وتتغيَّر فتياه بعد الحكم عمَّا كانت عليه على القول الصحيح من مذاهب العلماء، فمَن لا يرى وقفَ المشاع إذا حكَمَ حاكمٌ بصحَّة وقفه، ثم رُفعت الواقعة لمن كان يفتي ببطلانه نفذه وأمضاه، ولا يحلُّ له بعد ذلك أن يفتي ببطلانه» (^٣).\nوقال ابن حجر الهيتمي الشافعي: «وقد صرَّح الأصحاب بأن حكمَ الحاكم في المسائل الخلافية يرفعُ الخلاف ويصير الأمر متفقًا عليه» (^٤).\nوقال أحمد شهاب الدين الرملي الشافعي: «وقد قال الأصحاب كما نقله الزركشي وغيره: إنَّ حكمَ الحاكم في المسائل الخلافية يرفعُ الخلافَ، ويصير\n_________\n(^١) المراد به - والله أعلم - «محمد بن أحمد بن غازي الكناسي» من علماء المالكية، له كتاب بعنوان «شفاء العليل في حل مقفل خليل»، توفي عام (٩١٠ هـ).\n(^٢) (المراد به - والله أعلم - «قاسم بن عبد الله بن الشاط السبتي» من علماء المالكية، توفي عام (٧٢٣ هـ).\n(^٣) منح الجليل شرح مختصر خليل (٨/ ٣٥٢).\n(^٤) تحفة المحتاج (٦/ ٢٤٦).","vol":"1","page":286},{"text":"الأمر متفقًا عليه» (^١).\nوقال منصور البهوتي الحنبلي: «وقرعته أي القاضي حكم يرفعُ الخلافَ إن كان ثَمَّ خلاف» (^٢)؛ بل بيَّن شيخ الإسلام ابن تيمية أنَّ وليَّ الأمر كغيره في المسائل الشرعية الاجتهادية، وليس له أن يُلزَم أحدًا بقوله بالإجماع كما تقدَّم نقله (^٣) وقال: «فلو كان الذي حكم به ابن مخلوف هو مذهب مالك أو الأشعري لم يكن له أن يُلزِمَ جميع الناس به، ويُعاقبَ من لم يوافقه عليه بالاتفاق» (^٤).\nوقال: «إنَّ المفتي لو أفتى في المسائل الشرعية - مسائل الأحكام - بما هو أحدُ قولي علماء المسلمين، واستدل على ذلك بالكتاب والسنة، وذكر أن هذا القول هو الذي يدور عليه الكتابُ والسنة دون القول الآخر في أي باب كان ذلكَ في مسائل البيوع والنكاح والطلاق والحج والزيارة وغير ذلك = لم يكن لأحدٍ أن يُلزمه بالقول الآخر بلا حجَّةٍ من كتاب أو سنة، ولا أن يحكم بلزومهِ ولا منعهِ من القول الآخر بالإجماع، فكيف إذا منعّهُ منعًا عامًا، وحكمَ بحبسهِ، فإنَّ هذا من أبطَلِ الأحكام بإجماع المسلمين» (^٥).\n«وسئل -﵀- عمَّن ولي أمرًا من أمور المسلمين ومذهبُه لا يجوز شركة الأبدان، فهل يجوز له منعُ الناس؟\n_________\n(^١) فتاواه (٣/ ٤٤).\n(^٢) شرح منتهى الإرادات (٣/ ٥٠٣).\n(^٣) تقدم (ص: ٢٨١).\n(^٤) مجموع الفتاوى (٣// ٢٦٨).\n(^٥) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٣٠١).","vol":"1","page":287},{"text":"فأجاب: ليس له منعُ الناس من مثل ذلك، ولا من نظائره مما يسوغُ فيه الاجتهاد، وليس معه بالمنع نصٌّ من كتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا ما هو في معنى ذلك، لاسيما وأكثرُ العلماء على جواز مثل ذلك وهو مما يعمل به عامة المسلمين في عامة الأمصار، وهذا كما أن الحاكم ليس له أن ينقضَ حُكمَ غيره في مثل هذه المسائل ولا للعالم والمفتي أن يُلزم الناس باتِّباعه في مثل هذه المسائل.\nولهذا لما استشار الرشيد مالكًا أن يحملَ الناس على موطَّئه في مثل هذه المسائل منعَهُ من ذلك، وقال: إنَّ أصحاب رسول الله -ﷺ- تفرَّقوا في الأمصار وقد أخذ كلُّ قومٍ من العلم ما بلَغهُم. وصنف رجلٌ كتابًا في الاختلاف، فقال أحمد: لا تسمِّه كتاب الاختلاف، ولكن سمِّه كتاب السَّعة، ولهذا كان بعضُ العلماء يقول: إجماعهُم حجَّة قاطعة، واختلافهُم رحمة واسعة، وكان عمر بن عبد العزيز يقول: ما يسرُّني أنَّ أصحابَ رسول الله -ﷺ- لم يختلفوا لأنهم إذا اجتمعوا على قولٍ فخالفهُم رجلٌ كان ضالًّا، وإذا اختلفوا فأخذ رجلٌ بقول هذا ورجلٌ بقول هذا كان في الأمر سعةٌ، وكذلك قال غيرُ مالك من الأئمة: ليس للفقيه أن يحملَ الناسَ على مذهبه.\nولهذا قال العلماء المصنفون في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أصحاب الشافعي وغيره: إنَّ مثل هذه المسائل الاجتهادية لا تُنَكر باليد وليس لأحدٍ أن يُلزمَ الناس باتِّباعه فيها، ولكن يتكلَّم فيها بالحجج العلمية، فمن تبيَّن له صحَّة أحد القولين تَبِعَهُ، ومن قلَّد أهلَ القول الآخر فلا إنكارَ عليه، ونظائرُ هذه المسائل كثيرة» (^١).\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣٠/ ٧٩).","vol":"1","page":288},{"text":"الاستدراك الثامن:\nنقل الدكتور في العنوان السابق قولَ ابن تيمية: «والحاكمُ فيما تنازع فيه علماء المسلمين أو أجمعوا عليه قوله في ذلك كقول آحاد العلماء إن كان عالمًا، وإنْ كان مقلِّدًا كان بمنزلةِ العامة المقلدين، والمنصبُ والولاية لا يجعل مَنْ ليس عالمًا مجتهدًا عالمًا».\nهذا الكلام من ابن تيمية حقٌّ، وذلك أنَّ اختيار الحاكم لقول في مسألة مختلَفٍ فيها لا يجعلُها راجحةً لمجرد اختياره، بل هو كغيره من المجتهدين أو المقلدين من هذه الجهة، ومن رجَّح قولًا في مسألة مختلَفٍ فيها لمجرَّد اختيار الحاكم فهو مخطئ، وهو راجعٌ إلى عدم طاعته في معصية الله؛ لأنَّ طاعته فيما لا يعتقده المأمور راجحًا أو من العبادات هو طاعةٌ في معصيةٍ - كما تقدم - (^١).\nوهذا ليس خاصًّا بالحاكم، كما يدلُّ عليه كلامُ ابن تيمية بل عامٌّ في كلِّ آمرٍ، فتعود هذه النقولات كلُّها إلى أنه لا طاعة للحاكم في معصية الله.\nوعَنونَ الدكتور لهذه النقولات بما يورِثُ إيهامًا وتقويةً لمن عنده خلل في باب الإمامة والولاية، وهذا ما لا يصحُّ شرعًا.\nالاستدراك التاسع:\nذكر الدكتور أن الطاعة إنما تكون بالمعروف، وأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذا حقٌّ، وأؤكد أن المراد بالمعروف ما لم يكن معصية، فيُطاع في كلِّ ما ليسَ معصية، وأنَّ من أمرَ بمعصيةٍ فلا يُطاع في المعصية لكن يُطاع فيما\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٢٨١).","vol":"1","page":289},{"text":"عدا ذلك، وأنَّ ولايته وحُكمَهُ لا تسقط لأنه أمر بمعصية.\nثم نقل عن ابن حجر فقال: «قال الحافظ ابن حجر: ومن بديعِ الجواب قولُ بعض التابعين لبعض الأمراء من بني أمية لما قال له: أليسَ الله أمرَكُم أن تطيعونا في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فقال له: أليسَ قد نُزِعَتْ عنكم - يعني الطاعة - إذا خالفتُم الحقَّ بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾».\nوالمراد بهذا نزعُ الطاعة فيما هو معصية، ويبقى السمعُ والطاعة فيما ليس معصيةً، كما هو معتقد أهل السنة - وقد تقدم - (^١).\nالاستدراك العاشر:\nقال الدكتور آل عبد اللطيف: «وكتب عمر الفاروق إلى أهل الكوفة: «من ظلَمهُ أميرهُ فلا إمرةَ له عليه دوني، فكان الرجل يأتي المغيرةَ بن شعبة فيقول: إمَّا أن تُنصفني من نفسكَ وإلَّا فلا إمرةَ لك عليَّ».\nتقدَّم الكلام على هذا وأنه لادلالة فيه بحال (^٢).\nالاستدراك الحادي عشر:\nنقل الدكتور آل عبد اللطيف كلامًا لابن القيم فهِمَهُ على غير مراده فقال:\n«وقال الإمام ابن القيم: «فإن قيل: فما هي طاعتهم المختصَّة بهم، إذ لو كانوا إنما يُطاعون فيما يُخبرون به عن الله ورسوله كانت الطاعةُ لله ورسوله لا لهم؟ قيل:\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٥).\n(^٢) تقدم (ص: ٢٣٦).","vol":"1","page":290},{"text":"وهذا هو الحقُّ، وطاعتُهم إنَّما هي تبعٌ لا استقلال، ولهذا قرَنَها بطاعة الرسول، ولم يُعد العامل، وأفردَ طاعة الرسول، وأعادَ العامل، لئلَّا يتوهم أنه إنما يُطاع تبعًا، كما يُطاع أولو الأمر تبعًا، وليس كذلك، بل طاعته واجبة استقلالًا».\nإنَّ إيراد الدكتور له في معرض الكلام على الإمام - ولي الأمر العام، وظنَّهُ أنَّ ابن القيم يريد هذا = خطأ فاحش، وذلك أنَّ كلام ابن القيم في ذمِّ التقليد للعلماء، وعند ابن القيم أن العلماء داخلون في قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، فهو يقول: لا يجوز تقليد العلماء في معرفة شرع الله ومراد الله في مقابل تركِ النصِّ والدليل، فكلامُه على تقليدهم في معرفة حكمٍ شرعي، وهذا يتَّضحُ بنقل كلامه السابق.\nقال الإمام ابن القيم: «أن هذه الآية من أكبر الحجج عليهم، وأعظمها إبطالًا للتقليد، وذلك من وجوه؛ أحدها: الأمر بطاعة الله التي هي امتثالُ أمره واجتنابُ نهيه.\nالثاني: طاعة رسوله، ولا يكون العبد مطيعًا لله ورسوله حتى يكون عالمًا بأمر الله ورسوله، ومَن أقرَّ على نفسه بأنه ليس من أهل العلم بأوامر الله ورسوله وإنما هو مقلِّد فيها لأهل العلم لم يمكنه تحقيقُ طاعة الله ورسوله ألبتة.\nالثالث: أن أولي الأمر قد نهوا عن تقليدهم كما صحَّ ذلك عن معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة، وذكرناه نصًّا عن الأئمة الأربعة وغيرهم، وحينئذ فطاعتهُم في ذلك إن كانت واجبةً بطل التقليد، وإن لم تكن واجبة بطل الاستدلال.","vol":"1","page":291},{"text":"الرابع: أنه سبحانه قال في الآية نفسها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وهذا صريحٌ في إبطال التقليد، والمنع من ردِّ المتنازع فيه إلى رأيٍ أو مذهب أو تقليد.\nفإن قيل: فما هي طاعتهم المختصَّة بهم؛ إذ لو كانوا إنما يطاعون فيما يخبرون به عن الله ورسوله كانت الطاعة لله ورسوله لا لهم؟.\nقيل: وهذا هو الحقُّ، وطاعتهم إنما هي تبعٌ لا استقلال، ولهذا قرَنها بطاعة الرسول ولم يُعِد العامل، وأفردَ طاعة الرسول وأعاد العامل لئلَّا يُتوهَّم أنه إنما يُطاع تبعًا كما يُطاع أولو الأمر تبعًا، وليس كذلك، بل طاعته واجبةٌ استقلالًا، سواء كان ما أمر به، ونهى عنه في القرآن أو لم يكن» (^١).\nثم لو قُدِّر جدلًا أنه أراد تقليد الحاكم فيقال: إنَّ كلامه في تقليدهم في معرفة مُراد الله وأحكامه، وتقدَّم أنه لا يصحُّ أن يترك النصُّ والدليل لقول الحاكم، بل هو مثل غيره في هذا الأمر (^٢).\nالاستدراك الثاني عشر:\nقال الدكتور آل عبد اللطيف: «وبيَّن شيخ الإسلام في موطن آخر أنَّ أهلَ السُّنة لا يوجِبونَ طاعة الإمام في كلِّ ما يأمر به، بل لا يوجبون طاعته إلَّا فيما تسوغُ طاعته في الشرعية، فلا يجوّزون طاعته في معصية الله، وإن كان إمامًا عادلًا.\nوقال أيضًا: والإمامُ العدل تجب طاعته فيما لم يُعلم أنه معصية، وغيرُ العدل تجب طاعته فيما عُلم أنه طاعة كالجهاد».\n_________\n(^١) إعلام الموقعين (٢/ ١٦٩).\n(^٢) تقدم (ص: ٢٨١).","vol":"1","page":292},{"text":"هذا النقل يكثر تناقلُه لمن عندهم ضلالٌ في باب الإمامة لظنِّهم أنه يؤيد مذهبهم البدعي، وقد سبق - بفضل الله - ردُّ استغلالهم لهذا النقل من أوجه (^١).\nالاستدراك الثالث عشر:\nذكر الدكتور آل عبد اللطيف قاعدة فهِمَها خطأ من كلام ابن تيمية.\nيقول الدكتور: «ومما يجدرُ تقريرهُ أيضًا ما حرَّره شيخ الإسلام ابن تيمية من عدم العدول عن نصٍّ شرعي معيَّن إلى نصٍّ عامٍّ في طاعة ولاة الأمور، فإنَّ أكثر الصحابة -﵃- اعتزلوا القتال الواقع بين علي ومعاوية -﵄- لأنه قتالُ فتنةٍ فلا تجبُ طاعة الإمام فيه.\nيقول شيخ الإسلام: ومَن رأى أنَّ هذا القتال مفسدتهُ أكثر من مصلحته عَلِمَ أنه قتال فتنة، فلا تجبُ طاعة الإمام فيه، إذ طاعته إنما تجب في ما لم يعلم المأمور أنه معصية بالنصّ، فمَن علم أنه هذا هو قتال الفتنة - الذي تركُه خيرٌ من فعله - لم يجب عليه أن يعدلَ عن نصٍّ معين خالصٍ إلى نصٍّ عام مطلق في طاعة أولي الأمر، ولا سيما وقد أمر الله تعالى عند التنازع بالردِّ إلى الله والرسول».\nإنَّ كلام ابن تيمية حقٌّ، ومراده لا يُصار إلى طاعة الحاكم في معصية الله استدلالًا بالنصوص العامة الآمرة بطاعته، فإنها مقيدة في غير معصية الله، فإنَّ قتال الفتنة الذي تغلب مفسدته مصلحته محرَّم ومعصية، فلا يُطاع الحاكم فيه، لأنه محرَّم ومعصية.\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٩٠).","vol":"1","page":293},{"text":"الاستدراك الرابع عشر:\nذكر الدكتور كلام ابن القيم عن الإمام مالك أنه لم يترك الفتيا لأجل منع السلطان، فقال الدكتور: «وقد سلك هذا المسلك أئمةٌ كبار؛ كالإمام مالك بن أنس عندما منعه السلطان من الفتيا بأنَّ يمينَ المكْرَهِ لا تنعقد فلم يمتنع بدعوى طاعة ولاة الأمور.\nيقول ابن القيم: فهذا مالكُ بن أنس توصَّل أعداؤه إلى ضرِّه بأن قالوا للسلطان: إنه يُحلُّ عليك أيْمان البيعة بفتواه أنَّ يمين المكْرَه لا تنعقد، وهم يحلفون مكرَهين غيرَ طائعين، فمنعه السلطان، فلم يمتنع لما أخذه الله من الميثاق على مَنْ آتاه الله علمًا أن يبيِّنه للمسترشدين».\nإنَّ فعل الإمام مالك حقٌّ لأنه يرى أنَّ امتناعه من الفتيا محرَّم، ولا يجوز السمع والطاعة فيما حرَّم الله، فهذا محمول على تعليم وفتيا لا يقوم بها غيره، فتعيَّنت عليه أو قام بها غيره لكن لا يكفي.\nوهكذا بقية النقول، ومن لم يكن حاله كذلك ولم يمتنع فإنه مخطئ، لأنه إذا كان التعليم مستحبًّا فإن الطاعة للحاكم لما منع معينًا من التعليم واجبة، والواجبُ مقدمٌ على المستحب، والحجَّة في الدليل، وهو وجوبُ السمع والطاعة في غير معصية الله.\nثم ينبغي أن يُعلَم أن من لم يمتنع من السلف عن تعليم العلم الشرعي والفتوى والدعوة إلى السُّنة كانوا يرون هذا واجبًا في علم شرعي ينفع الناس، فلا يصحُّ للدكتور آل عبد اللطيف وأصحابه أن يستندوا على هذه الكلمات من السلف في ألَّا يستجيبوا لمنع ولي الأمر لهم من الدروس؛ لأنه - تنزُّلًا - هناك فرق كبير بين","vol":"1","page":294},{"text":"دروسهم ودروس السلف، فإن دروس هؤلاء في الدعوة إلى الاعتقادات البدعية في باب الإمامة والتحزُّب والدعوة إلى الثورة على الحكام تصريحًا أو تلميحًا، حتى ولو كانت دروسهم في الكتب النافعة، فإنهم يدخلون هذه الاعتقادات الباطلة في هذه الدروس، ففعلُ هؤلاء محرَّم يجبُ عليهم أن يتوقفوا عنه، ولو لم ينهَهُم السلطان وإذا نهاهُم زادت الحرمة حُرمةً وإثمًا لاجتماعِ معصيَتين في حقِّهم.\nومما ينبغي أن يُتنبه له أنَّ الدكتور آل عبد اللطيف لجهله أو بغيهِ يكرِّر كلامَ ابن تيمية في عدم السمع والطاعة في المعصية بعدة طرق.\nمنها: لا طاعة لجهَلَة الحكام إلَّا فيما يُعلم أنه سائغ شرعًا.\nومنها: لا طاعة مطلقة إلَّا للرسل -﵈-.\nومنها: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\nومنها: عدم العدول عن نصٍّ شرعي معين إلى نصٍّ عام في ولاة الأمور.\nوكلُّها راجعة إلى ما هو متفق عليه وهو عدم السمع والطاعة للحاكم في معصية الله، لكن هوَّلَ بهذه العناوين وأوهَم.\nوالملاحظ أنه يتهرَّب من النصوص والأدلة الواضحة إلى الأدلة المشتبهات والنقول المجملات لأهل العلم ويتتبع زلاتهم.","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-161>الفصل الخامس\nاستدراكات على كتاب\n«الحرية والطوفان» لحاكم العبيسان</span>","vol":"1","page":297},{"text":"استدراكات على كتاب\n«الحرية والطوفان» لحاكم العبيسان\nإن كتاب (الحرية والطوفان) من الكتب المخالفة لأهل السنة في أصل السمع والطاعة (^١)، فاشترك - في الجملة - مع الكتب السرورية في هذه المخالفة، لكن زاد عليهم أمورًا تجعل منهجَه منهجًا قريبا لليبرالية، وذلك لما يلي:\nأولًا: غلوُّه في الحرية، فجعل للكفار والمبتدعة حقَّهم في الدعوة إلى باطلهم، وليس للحكام حقُّهم في منعهم من ذلك.\nثانيًا: جعل اختيار الحاكم للأمة؛ لا إلى أهل الحلِّ والعقد.\nثالثًا: نازعَ في شرط القرشية في الإمامة والولاية.\nرابعًا: حرَّف الكلم بأن جعلَ الشورى المرادة في الشريعة هي المجالسَ البرلمانية وأمثالها.\nخامسًا: غلا في إرادة الأمة والشعب؛ بخلاف السروريين فهُم غلاة في تحكيم الشريعة … إلى غير ذلك.\nوفي كتاب (الحرية والطوفان) وكتابه الآخر الذي ألَّفه تدعيمًا له، وهو كتاب (الفرقان بين حقائق الإيمان وأباطيل الشرك والطغيان) مزالقُ وموبقات، وقد استدركتُ عليه واحدًا وثمانين استدراكًا مع إعراضي عن جملةٍ كثيرة من المزالق والمغالطات التي لو ذكرتُها كلَّها لكانت استدراكاتي ما يقارب الضِّعف، والذي\n_________\n(^١) وللشيخ الكويتي الفاضل الدكتور حمد العثمان رد على هذا الكتاب بعنوان «الغوغائية هي الطوفان» وقدَّم له الشيخ العلامة صالح الفوزان.","vol":"1","page":299},{"text":"أذكرهُ مختصرًا في هذه الاستهلالة: أنَّ الدكتور حاكمًا العبيسان لم يستطع أن ينقلَ عن عالمٍ واحد من علماء الأمة سلفًا له فيما يدَّعيه من الحرية، وهذا ليس غريبًا لأنها أشبه بالليبرالية منها بالإسلامية.\nوبعد هذا إليك الاستدراكات على كتاب (الحرية والطوفان):\nالاستدراك الأول:\nقرر أن إقامة الدولة الإسلامية مرادٌ لذاته، مع قوله إنه مراد لغيره، فجعلها غايةً باعتبار، ووسيلةً باعتبار فقال: «وقد أكَّد القرآن ضرورة الدولة في آيات كثيرة كغايةٍ وهدف، كما في قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ [النور: ٥٥].\nوكذلك أكَّد ضرورة الدولة كوسيلةٍ لغاية أخرى، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١]» (^١).\nالقولُ بأنَّ إقامة الدول الإسلامية غايةٌ ومقصدٌ لذاته غلوٌّ لا يدلُّ عليه دليل، بل هو مخالفٌ للأدلة وأقوال علماء الأمة، وقد استدلَّ بوعد الله بالاستخلاف، وهذا لا دلالة فيه ألبتة على أنَّ الاستخلاف غاية، فمن أين استنبط أن الوعد بأمرٍ يعدُّ مرادًا ومقصودًا لذاته؟!\n_________\n(^١) (ص: ١٣).","vol":"1","page":300},{"text":"وقد دلت الأدلة على أنَّ إقامة الدولة مرادٌ لغيره، ومن ذلك أنه قال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، ومن الأدلة أنَّ رسول الله -ﷺ- جلس في مكة ثلاث عشرة سنة، ولم يُنادِ إلى إقامة دولةٍ بل نادى إلى عبادة الله وحده.\nوقد دلَّ على هذا أقوال أهل العلم؛ فكلُّ ما تقدَّم ذِكرهُ في التأصيلات من أقوال أهل العلم في أنَّ الإمامة والولاية مرادةٌ لغيرها يدلُّ على أنَّ الدولة مرادة لغيرها، لأن الدولة لو كانت مرادةً لذاتها لكانت الإمامة كذلك؛ فإنها ركنٌ من أركان الدولة.\nالاستدراك الثاني:\nاستدل بأدلةٍ لا دلالة فيها ألبتة في بيان أن الدولة المسلمة مرادة لذاتها، قال: «وقد عمل النبيُّ -ﷺ- على تحقيق هذه الغاية وهو في مكة، فكان يخرج إلى القبائل في المواسم يبحثُ عمن ينصرهُ لتحقيق هذا الهدف الذي هو أيضًا وسيلة لأهداف أسمى، تتمثل في إقامة الدين والعدل الذي جاء به القرآن، فقد عرضَ النبي -ﷺ- دعوته على بني شيبان، فقال سيِّدهم المثنى بن حارثة: إنما نزلنا في العراق على عهدٍ أخذَهُ كسرى علينا؛ ألَّا نُحدِثَ حدَثًا، ولا نؤوي مُحدثًا؛ وإنى أرى هذا الأمر الذي تدعو إليه مما تكرهُه الملوك، فإن أحببتَ أن نؤيِّدكَ وننصرَكَ مما يلي مياه العرب فعلنا. فقال رسول الله -ﷺ-: «ما أسأتُم بالردِّ إذ أفصحتُم بالصِّدق، وإنَّ دينَ الله لن ينصُرَه إلَّا مَنْ أحاطَهُ من جميع جوانبه» (^١).\nفقد كان واضحًا أن النبي -ﷺ- إنما كان يدعو لدين ودولة، ولهذا أدركَ بنو شيبان أنَّ الملوك لن ترضى بمثل هذا الأمر الذي جاءهم به النبي -ﷺ-، ويؤكد\n_________\n(^١) دلائل النبوة لأبي نعيم (ص: ٢٨٢).","vol":"1","page":301},{"text":"ذلك أن النبي -ﷺ- بايع الأنصار البيعة الثانية بمكة على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره؛ وهي بيعة الحرب.\nففي حديث جابر بن عبدالله: قلنا: يا رسول الله علَامَ نبايعك؟ قال: «تبايعونني على السَّمع والطاعة في النشاطِ والكسَل، والنفقة في العُسرِ واليسْرِ، وعلى الأمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وأن يقولها لا يبالي في الله لومة لائم، وعلى أن تنصُروني وتمنَعوني - إذا قدمت عليكم - مما تمنعون منهُ أنفسَكُم وأزواجَكُم وأبناءكم».\nوقد أدرك هذا الأنصار فقال سيِّدهم أسعد بن زرارة: إنَّ إخراجَهُ اليوم منازعةُ العرب كافة، وقتلُ خياركم، وأن تعضَّكمُ السيوف» (^١).\nفقد كان خطاب النبي -ﷺ- السياسي لهم واضحًا، وأنه يهدف إلى إقامة دولة، وقد هاجر النبي -ﷺ- بعد هذه البيعة لإقامة الدولة والدين معًا، إذ لا يُتصوَّر إقامة الدين لله دون دولة تقوم بهذه المهمة، وقد استطاع النبي -ﷺ- بعد الهجرة أن يحقق هذا الهدف الرئيسي الذي سيسهِّل مهمة إقامة الدين كلِّه لله (^٢).\nالاستدلال بهذين الدليلين على أن الدولة المسلمة مرادة لذاتها، استدلال بما لا يدلُّ عليه الدليل.\nأما وجه الغرابة في الدليل الأول: هو قوله: إنه -ﷺ- عرضَ نفسه على بني شيبان، وأنهم أدركوا أنَّ الملوك لن ترضى بهذا، فهذا إذًا يدلُّ على أنه كان يسعى لإيجاد دولة مسلمة، وهذا استدلالٌ ضعيف للغاية من أوجه:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد (٣/ ٣٢٢).\n(^٢) (ص: ١٣ - ١٤).","vol":"1","page":302},{"text":"الوجه الأول: أنه لا يلزم من معرفة بني شيبان عداء الملوك لهم إذا استجابوا لدعوةِ رسولِ الله أن يكون رسولُ الله عرضَ عليهم إيجادَ دولة، وهذا يتَّضحُ بمايلي:\nوهو أنه لو قام رجلٌ على منع الخمر وتحريمه، فسيُحاربه الملوك الفاسدون، والسببُ في ذلك أنه يدعو إلى ما يخالفُ ملذَّاتهم وأهواءهم، لا أنها مرادة لذاتها.\nومثل هذا دعوة رسول الله -ﷺ-، فإنها تحارب معبوداتهم المحبوبة إليهم أشدَّ من شهواتهم؛ فليس السبب أن الدولة الإسلامية مرادة لذاتها.\nالوجه الثاني: أن الأدلة الأخرى بيَّنت أن وظيفة الرسل أجمعين الدعوة إلى عبادة الله وحده، فهي الغاية فقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦]، وما كان محقِّقًا لها فهو وسيلة لها.\nالوجه الثالث: أن الأدلة الأخرى بيَّنت ما كان يدعو إليه رسول الله -ﷺ-؛ ومن ذلك ما قاله طارق بن عبد الله المحاربي: رأيتُ رسول الله -ﷺ- في سوق ذي المجاز وعليه حُلَّة حمراء وهو يقول: «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تُفلِحوا»، ورجلٌ يتبعهُ يرميه بالحجارة وقد أدمَى عُرقوبَيه وكَعبيه وهو يقول: يا أيها الناس لا تُطيعوه فإنَّه كذَّاب فقلت: من هذا؟ قيل: هذا غلامُ بني عبد المطلب، قلت: فمن هذا الذي يتبعه يرميه بالحجارة؟ قال: هذا عبد العزى أبو لهب (^١).\nفلم يكن يدعوهم إلى إيجاد دولة مسلمة، بل أن يدخلوا الإسلام ويعتنقوا التوحيد.\n_________\n(^١) صححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان رقم (٦٥٢٨).","vol":"1","page":303},{"text":"الوجه الرابع: أن كفار قريش عرضوا على رسول الله -ﷺ- أن يملِّكوه ورفضَ ولم يلتفت إليهم، ولو كان الملك وإيجاد الدولة المسلمة مرادًا لذاته لقبلَ أن يكون ملكًا عليهم (^١).\nأما الدليل الثاني من استدلالاته التي لا دلالة فيها على مرادهِ قولُ رسول الله -ﷺ- للأنصار: «بايعوني على السَّمع والطاعة …» إلى آخر الحديث وإلى آخر ما قال الدكتور حاكم العبيسان.\nقد فهم الدكتور حاكم العبيسان خطأ لمَّا ظنَّ أن معنى الدعوة إلى الدولة المسلمة في هذه الفترة: أنه يعني أن الدولة المسلمة مرادة لذاتها؛ لأن غاية ما في هذا الدليل أنه دعا إليها، وهذا حقٌّ يقول به من يقرِّر أنَّ الدولة مرادة لغيرها، كما يقول به من يقول إنَّ الدولة مرادة لذاتها، فإذًا الدعوةُ إلى إقامة الدولة لا يُفيد أنها مرادة لذاتها؛ لمجرد أن الشريعة دعت إليها، فإنَّ رسول الله -ﷺ- يدعو إلى الدِّين كلِّه سواءٌ كان مرادًا لذاته أو لغيره، فلا يصحُّ أن يُستنبط من دعوته لأمر أنه مرادٌ لذاته لمجرَّد دعوته إليه.\nإذا تبين هذا يتبيَّن غرابة استدلاله بهذا جدًّا، ثم ضعفُ بقية أدلته وغرابةُ استدلاله بها.\n_________\n(^١) سيرة ابن هشام (ص: ٢٩٣)، وحسَّن القصة العلامة لألباني في حاشيته على كتاب فقه السيرة (ص: ١١٦).","vol":"1","page":304},{"text":"الاستدراك الثالث:\nقال حاكم العبيسان: «فالعلاقة بين الأمة والإمام تقوم على أساس عقدٍ بين طرفين، تكون الأمة فيه الأصيل، والإمام هو الوكيل عنها في إدارة شئونها» (^١).\nالقول بأن عقدُ الإمامة عقد وكالة يلزمُ عليه ما هو مخالفٌ لإجماع أهل السنة؛ وهو أنَّ للأمة حقًّا في عزلِ الحاكم؛ وقد سبق بيان بطلان هذا القول ولازمه (^٢).\nالاستدراك الرابع:\nقال الدكتور حاكم: «كل ذلك يؤكِّد أن عقد الإمامة كغيره من العقود، وهو أشبه بعقد الوكالة، ينوب فيه الإمام عن الأمة، فهي التي تختاره كما أنها هي التي لها الحقُّ في عزله» (^٣).\nتقدم أن جعل العقد وكالةً باطلٌ، ثم ترتيب جواز عزلهِ على ذلك باطلٌ أيضًا = مخالفٌ لإجماع أهل السنة وللأدلة الصريحة، وقد سبق بيان هذا (^٤).\nالاستدراك الخامس:\nقال الدكتور حاكم: «وقد دخل عليه أبو مسلَّم الخولاني فسلم عليه فقال: «السلام عليك أيها الأجير! فقيل له: قل الأمير، فقال: بل أنت أجير …» وهذا يؤكِّد أن عقدَ الإمامة في نظر الصحابة -﵃- هو عقدٌ أشبه بالوكالة، والإمام\n_________\n(^١) (ص: ٢١).\n(^٢) تقدم (ص: ٤٤).\n(^٣) (ص: ٢٥).\n(^٤) تقدم (ص: ٤٤).","vol":"1","page":305},{"text":"كالوكيل أو الأجير» (^١).\nوالجواب على هذه الشبهة من أوجه ثلاثة، وقد سبق ذكرها (^٢).\nالاستدراك السادس:\nجازفَ الدكتور حاكم العبيسان وادَّعى أنه لا خلاف بين الفقهاء في أن الإمام وكيل عن الأمة فقال: «ثم تأمَّلْ مدى جناية هذا العَيِي الدَّعي على العلم وأهله كيف يخفى عليه بأن كون الإمام وكيلًا عن الأمة هو كلامُ فقهاء أهل السنة قاطبة لا خلاف فيه بينهم، وقد أوردتُ من نصوص الشافعية والحنابلة والمالكية وغيرهم ما يؤكِّد ذلك» (^٣).\nإنَّ نفيَ الخلاف أمرٌ صعب لا يؤخذ إلَّا ممن كان ذا علمٍ واستقراء، وكلا هذين الأمرين لا يُعرَفان عن الدكتور حاكم، فهو قد شغلَ نفسه وأضاعَ وقته في تتبُّع السياسات والدعوة إلى حريةٍ أشبه ما يصحُّ أن تسمَّى ليبرالية، لذا لم يستطع أن ينقلها عن عالمٍ واحد من علماء السنة الماضين الموثوقين فضلًا عن أن ينقلَ الإجماع عليها.\nوالخلافُ في هذه المسألة معروف عند الحنابلة المتأخرين؛ فقد اختلفوا في عقد الإمامة هل هو عقد ولاية أو وكالة؛ وعلى هذا يكون تصرُّفه عن الرعية، قال ابن رجب: «المتصرِّفُ تصرُّفًا عامًّا على الناس كلِّهم من غير ولاية أحدٍ معيَّن وهو الإمام، هل يكون تصرُّفه عليهم بطريق الوكالة لهم أو بطريق الولاية؟\n_________\n(^١) (ص: ٢٥).\n(^٢) تقدم (ص: ١٤٥).\n(^٣) الفرقان بين حقائق الإيمان وأباطيل الشرك والطغيان (ص: ٤٩)","vol":"1","page":306},{"text":"في ذلك وجهان؛ وخرَّج الآمدي روايتين بناءً على أن خطأه هل هو على عاقلته أو في بيت المال؛ لأنَّا إنْ جعلناه على عاقلته فهو متصرِّفٌ بنفسه، وإن جعلناه في بيت المال، فهو متصرِّف بوكالتهم لهم وعليهم، فلا يضمن لهم ولا يهدر خطأه، فيجب في بيت المال. واختيار القاضي في خلافه أنه متصرِّف بالوكالة لعمومهم.\nوذكر في الأحكام السلطانية روايتين في انعقاد الإمامة بمجرد القهر من غير عقد، وهذا يحسُن أن يكون أصلًا للخلاف في الولاية والوكالة أيضًا، وينبني على هذا الخلاف أيضًا انعزاله بالعزل؛ ذكرَهُ الآمدي، فإن قلنا: هو وكيل فله أن يعزل نفسه.\nوإن قلنا: هو والٍ لم ينعزل بالعزل كما أنَّ الرسول ليس له عزلُ نفسه ولا ينعزلُ بموت مَنْ بايعه؛ لأنه وكيل عن الجميع لا عن أهل البيعة وحدَهم، وهل لهم عزلُه إذا كان بسؤاله فحكمُه حكمُ عزل نفسه، وإن كان بغير سؤاله لم يُجز بغير خلاف، هذا ظاهرُ ما ذكره القاضي وغيره» (^١).\nفكيف يدَّعي حاكم العبيسان أنه لا خلاف في هذه المسألة؟\nوتقدَّم بيان أنه يلزم على القول بأنه عقد ولاية أو وكالة لوازمُ باطلة؛ لذا لسنا مُلزَمين بهذين الأمرين، ثم لم أرَ الأوَّلين عبَّروا بأنه عقدُ وكالة أو ولاية (^٢).\nوما تقدَّم نقله عن الفقهاء إنما هو قولُ المتأخرين دون الأولين، ويلزمُ على قولهم لوازمُ مخالفة لقول أهل السنة - كما تقدم - (^٣).\n_________\n(^١) القواعد (ص: ١١٣).\n(^٢) تقدم (ص: ١٤٣).\n(^٣) تقدم (ص ٤٤).","vol":"1","page":307},{"text":"الاستدراك السابع:\nقال حاكم العبيسان: «كما يدلُّ حرصُ معاوية -﵁- على أخذِ البيعة ليزيد على ضرورة عقد البيعة وأهميته، وأن شرعية أيِّ إمام لا تتمُّ إلَّا به، وأنَّ كونه خليفة للمسلمين لا يخوِّله حقَّ فرضِ ابنه على الأمة، وأنَّ عهده إلى ابنه دون عقد البيعة لا قيمة له، ولهذا حرصَ على عقدها لابنه لضرورتها» (^١).\nهذا الكلام صريح في أنه لا يرى صحَّة الإمامة والولاية للمتغلِّب لما قال: «وأنَّ شرعية أيِّ إمام لا تتمُّ إلَّا به»، وهذا القول باطلٌ مخالفٌ للنصوص الشرعية، ولإجماع أهل السنة في صحَّة ولاية المتغلب - كما تقدم - (^٢).\nوقوله: بردِّ إمامة وولاية المتغلب هو من أفسَدِ ما دعا له في كتابه؛ فبمجرَّد إثبات صحَّة إمامة وولاية المتغلِّب يسقط كتابه، والفكرة التي من أجلها ألَّفه.\nوكفى هذا الكتاب بطلانًا وفسادًا أن يكون قائمًا على مصادمة الأدلة الشرعية وفتاوى الصحابة وإجماع أهل السنة على صحة ولاية المتغلِّب؛ وقد تقدَّم ذكرها (^٣).\nالاستدراك الثامن:\nزعم الدكتور - زورًا وبهتانًا وتدليسًا - أنَّ الصحابة مُجمعونَ على عدم صحَّة الولاية للمتغلِّب فقال: «ولا خلافَ بين الصحابة في أنَّه لابدَّ لصحَّة البيعة من رضا الأمة واختيارها دون إكراهٍ أو إجبار؛ ولهذا قال أبو بكر للصحابة: أترضَونَ بمن استُخلفَ عليكم؟ فإني واللهِ ما ألَوتُ من جهدِ الرأي، ولا ولَّيتُ ذا قرابة،\n_________\n(^١) (ص: ٢٥).\n(^٢) تقدم (ص: ٦٨).\n(^٣) تقدم (ص: ٦٥).","vol":"1","page":308},{"text":"وإني استخلفتُ عمرَ بن الخطاب، فاسمَعوا له وأطيعوا. قالوا: سَمِعْنا وأطعنا. وفي رواية: أتبايعون لمن في هذا الكتاب؟ فقالوا: نعم. وقال بعضُهم: قد عَلمنا به. فأقرُّوا بذلك جميعًا ورضوا به وبايعوا» (^١).\nوقد سبق كشف هذه الشبهة - بفضل الله - من أوجهٍ أربعة (^٢)، وبها يتبين كذبُ كلامه.\nالاستدراك التاسع:\nقال الدكتور: «فقد عقد الصحابة -﵃- البيعة لأبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي دون إكراه ولا إجبار، ولا يُتصوَّر بطلانُ عقد البيع في ربعِ دينار عند انعدامِ رضا أحد الطرفين، وصحَّةُ عقدِ الإمامة مع الإكراه، فهذا يصطدم بنظرية العقود في الشريعة الإسلامية التي تشترط لصحَّةِ كلِّ عقدٍ رضا الطرفين، إذ لا عقدَ لمُكْرَه» (^٣).\nتقدَّم - بفضل الله - كشفُ هذه الشبهة من أوجهٍ ثلاثة (^٤).\nالاستدراك العاشر:\nقال الدكتور حاكم: «وإذا كان الله -﷿- الذي أوجبَ طاعته على العباد لم يرضَ إجبارَهُم ولا إكراهَهُم على طاعته حتى قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، فكيف يُتصوَّر جوازُ عقد الإمامة - التي تقتضي الطاعة للإمام - دون رضا الأمة،\n_________\n(^١) (ص: ٢٦).\n(^٢) تقدم (ص: ١٣١).\n(^٣) (ص: ٢٧).\n(^٤) تقدم (ص: ١٣٣).","vol":"1","page":309},{"text":"وإكراهها على عقده ثم التزامها بمقتضاه تحت الإكراه؟!» (^١).\nتقدَّم - بفضل الله - كشفُ هذه الشبهة من أوجهٍ ثلاثة (^٢).\nالاستدراك الحادي عشر:\nقال الدكتور حاكم العبيسان: «ولوضوح هذا المبدأ أفتى مالك -﵀- فتواه بأنه لا بيعة لمكره» (١).\nوالجوابُ أن يقال: «تقدَّم بيان أن القول بعدم صحَّة بيعة المكره، لا تتنافى مع صحَّة ولاية المتغلِّب (^٣)، وأيضًا فإنَّ الإمام مالكًا صحَّح ولاية المتغلِّب - كما سبق - (^٤)».\nالاستدراك الثاني عشر:\nجعل الدكتور حاكم العبيسان الشورى ملزِمةً فقال: «بل جميعُ تصرُّفات الصحابة تؤكِّد أنها واجبةٌ ملزمة» (^٥).\nليس الإشكال في مبدأ الشورى، بل الإشكالُ في جعلِ الشورى مُلزمةً للحاكم إذا أشاروا عليه بأمرٍ لَزِمهُ الأخذُ به، وهذا ما لم أقفْ على دليلٍ يدلُّ عليه، وأيضًا ما رأيتُ أحدًا من أهل العلم قالَهُ وقرَّره، وقد تقدَّم بيانُ هذا فيما سبق (^٦).\n_________\n(^١) (ص: ٢٧).\n(^٢) تقدم (ص: ١٣٣).\n(^٣) تقدم (ص: ١٣٠).\n(^٤) تقدم (ص: ١٢٩).\n(^٥) (ص: ٣٠).\n(^٦) تقدم (ص: ٢٤٩)","vol":"1","page":310},{"text":"الاستدراك الثالث عشر:\nقال حاكم العبيسان في الفرقان: «وأجمعت الأمة وأهلُ السُّنة على أنَّ خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة كانت بالشورى والرضا والاختيار» (^١).\nهذه أيضًا من المسائل التي يبالغ فيها حاكم عبيسان ويجازفُ بحكاية الإجماعات فيها، فقد أثبتَ الماوردي الخلافَ بين العلماء في هذه المسألة، وبين أنَّ عهدَ أبي بكر لعمر مُلزم فقال: «لكن اختلفوا: هل يكونُ ظهورُ الرضا منهم شرطًا في انعقاد بيعته أو لا؟ فذهبَ بعضُ علماء أهل البصرة إلى أنَّ رضا أهلِ الاختيار لبيعتِه شرطٌ في لزومها للأمة؛ لأنها حقٌّ يتعلَّق بهم، فلم تلزمهم إلَّا برضا أهلِ الاختيار منهم.\nوالصحيح أنَّ بيعته منعقدة وأنَّ الرضا بها غير معتبر؛ لأن بيعة عمر -﵁- لم تتوقَّف على رضا الصحابة؛ ولأن الإمامَ أحقُّ بها، فكان اختيارهُ فيها أمضى، وقوله فيها أنفَذ» (^٢)، فكيف يحكي حاكم العبيسان الإجماعَ عليها، أليس هذا تهوُّرًا ومجازفة؟!\nالاستدراك الرابع عشر:\nقال الدكتور: «وكلُّ ذلك من عثمان وعلي دليلٌ على أنَّ خلع الخليفة حقٌّ للأمة التي اختارته، وإنَّما رفضَ عثمان ما أراده منه أهلُ الفتنة؛ لأنهم ليسوا كلَّ الأمة، بل لم يوافق الصحابة وعامة المسلمين على خلعِ عثمان نفسه من الخلافة، وخشيَ هو إنْ خلعَ نفسه منها أن يُفضيَ ذلك إلى حدوثِ فتنة عظيمة، وتصبح بذلك سُنَّة كلَّما رأتْ شرذمةٌ رأيًا فرضَتهُ على الأمة بقوة السلاح، فلا تستقيمُ\n_________\n(^١) ص: ٩٠.\n(^٢) الأحكام السلطانية (ص: ٣١).","vol":"1","page":311},{"text":"شئون الدولة ولا تصلحُ شئون الأمة على مثل هذا» (^١).\nوالجواب على هذا من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: ليس في كلام عثمان لا لفظًا ولا مفهومًا ما يدلُّ على أنَّ الذي منعَهُ من خَلْعِ نفسهِ أنَّ أهلَ الفتنة ليسوا كلَّ الأمة أو أكثرها كما توهَّم الدكتور.\nالوجه الثاني: تقدَّمت الأدلة والإجماعاتُ في حُرمةِ خَلْعِ الرَّعية للإمام مهما ظلمَ وفسقَ بما أنه مسلم (^٢)، فلا يُترك هذا المتيقَّن إلى ظُنونٍ متوهَّمة، بل أوهامٍ؛ لأنها مخالفةٌ للنصوص والإجماع.\nالوجه الثالث: أنَّ الذي منع عثمان -﵁- من التنازل عن الخلافة هو رسولُ الله -ﷺ- فقد ثبتَ عند الإمام أحمد: عن عائشة، قالت: «أرسَلَ رسولُ الله -ﷺ- إلى عثمان بن عفان، فأقبل عليه رسول الله -ﷺ-، فلمَّا رأينا رسول الله -ﷺ-، أقبلتْ إحدانا على الأخرى، فكان من آخرِ كلامٍ كلَّمه، أنْ ضرَبَ مَنكبهُ، وقال: «يا عثمان، إنَّ الله -﷿- عسى أن يلبسكَ قميصًا، فإن أرادكَ المنافقونَ على خَلعهِ، فلا تَخلَعهُ حتى تلقاني، يا عثمان، إنَّ الله عسى أن يُلبسكَ قميصًا، فإن أرادكَ المنافقونَ على خَلعهِ، فلا تَخلعهُ حتَّى تلقاني» ثلاثًا، فقلت لها: يا أمَّ المؤمنين، فأين كان هذا عنك؟ قالت: نسيتهُ، واللهِ فما ذكرتُه. قال: فأخبرتُه معاوية بن أبي سفيان، فلم يرضَ بالذي أخبرتُه حتى كتبَ إلى أمِّ المؤمنين أن اكتُبي إليَّ به، فكتبتْ إليهِ به كتابًا» (^٣).\n_________\n(^١) (ص: ٤٤).\n(^٢) تقدم (ص: ١٨١).\n(^٣) أخرجه أحمد (٦/ ٨٦)، وهذا إسنادٌ ظاهره الصحة، وقد اختُلفَ فيه على أوجه، وصحَّح الدارقطني (١٤/ ٨٨) هذا الوجه، وسند هذا الوجه صحيح.","vol":"1","page":312},{"text":"الاستدراك الخامس عشر:\nقال حاكم: «فكذا لها الحقُّ في نقدهِ ومناصحته والاعتراضِ على سياسته، فالحريةُ السياسية إحدى الأسس التي قام عليها الخطاب السياسي» (^١).\nوهذه دعاوى عاريةٌ من بيِّنة، قال الشاعر:\nالدَّعاوى ما لم يُقيموا عليها … بيِّناتٍ أصحابُها أدعياءُ\nفقد تقدَّم (^٢) ذِكرُ الأدلة وأقوال السلف في عدم صحَّة مناصحةِ الإمام إلَّا أمامَهُ لا وراءه، وأنَّ الكلام من ورائه باسم النصيحة محرَّمٌ وبدعة، وتقدَّم بيانُ أن سبَّهُ وانتقاصَهُ محرَّم (^٣)، وما ذكرَهُ الدكتور حاكمٌ لا يخرجُ عن أحوالٍ ثلاثة:\nالحال الأولى: كلامُ حماسةٍ وعاطفة. ومن المعلوم أنَّ مثل هذا ليس بيِّنةً ولا حجَّة.\nالحال الثانية: أنَّ أدلته أدلةٌ خارجَ موردِ النزاع، لأنها في النُّصحِ أمامَهُ؛ وهذا جائزٌ وليس ممنوعًا.\nفقد ذكر حديث: «أفضَلُ الجهاد كلمةُ حقٍّ عند سلطان جائر» (^٤)، وحديث: «سيِّدُ الشهداء حمزة، ورجلٌ قامَ إلى إمامٍ جائر فأمرَهُ ونهاه» (^٥).\n_________\n(^١) (ص: ٤٥).\n(^٢) تقدم (ص: ٥٠).\n(^٣) تقدم (ص: ٤٦).\n(^٤) أخرجه الترمذي (٢١٧٤)، وأبو داود (٤٣٤٤)، وابن ماجه (٤٠١١)، وأحمد (٣/ ١٩) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.\n(^٥) أخرجه الحاكم (٣/ ٢١٥).","vol":"1","page":313},{"text":"الحال الثالثة: أنَّ أدلته أدلةٌ عامة في إنكار المنكر.\nفقد ذكر حديث: «مَنْ رأى منكُم منكرًا …» (^١)، وحديث: «لتأخذُنَّ على يدِ الظَّالم ولَتَأطُرنَّه على الحقِّ أَطرًا» (^٢) … وهكذا.\nومعلوم أن الخاصَّ مقدَّم على العام؛ وسبق كشفُ هذه الشبهة (^٣).\nالاستدراك السادس عشر:\nقال الدكتور حاكم: «وقد أرسى القرآنُ مبدأ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ليؤكِّدَ مبدأ الحرية بجميع صُورها، فإذا كان الله -﷿- لا يُكره عبادَهُ على الإيمان به وطاعته، فكيف يُتصوَّر أن يُكرِهَ عبادَهُ على الخضوع والطاعة لغيره من البشر» (^٤).\nتقدَّم في كشف الشبهات الردُّ على الاستدلال بالآية من أوجُهٍ ثلاثة (^٥) ويُزادُ\nوجهان في استدلاله بها على هذه الشبهة:\nالوجه الأول: إنَّ الآيات القرآنية والأحاديثَ النبوية كثيرة في الأمر بطاعة الوالدين في غير معصية الله، ولو كان الأولادُ كارهين لطاعتهما، ولا يصحُّ لأحدٍ أن ينكر هذا استدلالًا بقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، فالذي قال: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ هو الذي قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (٤٩) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.\n(^٢) أخرجه أبو داود (٤٣٣٦)، والترمذي (٣٠٤٨)، وابن ماجه (٤٠٠٦)، وأحمد (١/ ٣٩١) من حديث عبد الله بن مسعود -﵁-.\n(^٣) تقدم (ص: ٥٦، ١٠٢).\n(^٤) (ص: ٤٥).\n(^٥) تقدم (ص: ١٣٤).","vol":"1","page":314},{"text":"فبهذا صحَّ أن يُتصوَّر من الشريعة التي جاءت بقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ الأمرُ بطاعةِ مخلوقٍ وبشرٍ وهما الوالدان، ولم يمتنع هذا التصوُّر إلَّا عند العقول الغالية في الإمامة؛ مثل عقلية الدكتور حاكم.\nالوجه الثاني: إذا تبيَّن أن قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ لا ينافي وجوبَ السَّمع والطاعة لبشر، فإنَّ الأدلة المتواترة مع إجماعاتِ أهل السنة دلَّت على وجوب السَّمع والطاعة للحاكم في غير معصية الله.\nفإنَّ الواجبَ الإيمانُ بالشريعة كلِّها؛ قال تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥].\nوقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨].\nالاستدراك السابع عشر:\nقال الدكتور حاكم العبيسان: «ثم الخلق بعد ذلك بشرٌ لا طاعةَ لأحدٍ على أحدٍ إلَّا بما كان طاعة لله -﷿-» (^١).\nهذا منقوضٌ بطاعةِ الوالدين، فإنه يجبُ طاعتهما في كلِّ ما ليسَ معصيةً؛ للأدلة الدالة على ذلك؛ وليست طاعتُهما مخصوصةً في طاعةِ الله من الواجباتِ والمستحبات، فهل يا تُرى يُكابر الدكتور، ويقول: لا تجبُ طاعةُ الوالدين في المباحات؟\nالاستدراك الثامن عشر:\nقال الدكتور حاكم العبيسان: «ولهذا جاءت النصوص عن النبي -ﷺ- لتحصرَ الطاعةَ بطاعةِ الله -﷿- واتِّباع رسوله، كما قال -ﷺ-: «لا طاعةَ في معصيةِ الله إنَّما\n_________\n(^١) (ص: ٤٥).","vol":"1","page":315},{"text":"الطاعةُ بالمعروف»، وقال: «لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق» ليؤكد بذلك أن حقَّ السلطة بالطاعة إنما هو منوطٌ بما كان معروفًا أنه طاعة لله» (^١).\nتقدَّم بيانُ بطلان حصرِ المعروف فيما كان معروفًا شرعًا، أي في الواجبات والمستحبات وأنه عامٌّ حتى في المباحات بدلالة الأدلة الشرعية وإجماع أهل السنة (^٢).\nالاستدراك التاسع عشر:\nقال الدكتور حاكم العبيسان: «ولهذا تجلَّت الحرية في أوضَح صورها في هذه المرحلة، فقد كان مع النبي -ﷺ- في المدينة مَنْ كان يُضمر العداوة له -ﷺ- ويكيده؛ كالمنافقين في المدينة، وكان يعرفهم ولم يعترَّض لهم، وقد نزل قولُ الله تعالى في شأن زعيمهم عبدالله بن أبي ابن سلول ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨]، وهذا عزمٌ على إسقاط الدولة الإسلامية وإخراجِ النبي -ﷺ- من المدينة، ومع ذلك لم يتعرَّض له النبي -ﷺ- بشيء، بل قال بعد أن بلغه هذا الخبر عن ابن أبي بن سلول وأرادَ بعضُ الصحابه قتله: «لا بلْ نُحْسِنُ صُحبته»، وقال: «لا يتحدَّث الناسُ أنَّ محمدًا يقتلُ أصحابه» (^٣).\nوقد بلغ الأمر بابن سلول أن انسحبَ بثلث الجيش يوم أحد، وتركَ النبيَّ -ﷺ- وهو في طريقه إلى القتال؟! وقد قال رجل للنبي -ﷺ- معترضًا في قسمة: اعِدِلْ يا محمد فإنك لم تعدِلْ، وإنَّ هذه القسمة ما أُريدَ بها وجهُ الله. فقال النبي -ﷺ-:\n«ويحكَ مَنْ يعدِلُ إنْ لم أَعدل»، فأراد الصحابة ضَرْبَهُ فقال -ﷺ-: «معاذَ الله أن\n_________\n(^١) (ص: ٤٥).\n(^٢) تقدم (ص: ٧٥).\n(^٣) سبق تخريجه (ص: ١٩٥).","vol":"1","page":316},{"text":"يتحدَّثَ الناسُ أني أقتلُ أصحابي» (^١).\nوقال له رجلٌ يهودي - وكان النبي -ﷺ- في مجلس مع أصحابه -: يا بني عبدِ المطلب إنكُم قومٌ مُطْل. أي: لا تؤدون الحقوق. وقد كان النبي -ﷺ- قد استلف منه مالًا، فأراد عمر -﵁- أن يضربَ اليهودي، فقال له النبي -ﷺ-: «إنَّا كنَّا أحوجَ إلى غيرِ هذا منكَ يا عمر، أن تأمرَهُ بحُسْنِ الطَّلب، وتأمرني بحُسْن الأداء» (^٢)، وقد اعترضَ عمرُ على النبي -ﷺ- في صلح الحديبية، وقال له: عَلامَ نُعطي الدَّنية في ديننا؟ (^٣).\nوكذلك كان الحال في عهد الخلفاء الراشدين، فقد كان المسلمون يعترضون على سياساتهم، وينتقدون ممارساتهم، ولم يتعرض أحدٌ للأذى بسبب هذه المعارضة، مما يدلُّ على رسوخ مبدأ الحرية السياسية. وقد خطب أبو بكر بعد أن أصبح خليفة فقال: «إنْ أحسنتُ فأعينوني، وإن سألتُ فقوموني» (^٤)، ليؤكد مبدأ الحرية السياسية، وحقَّ الأمة في نقد سياسة الإمام وتقويمه» (^٥).\nإنَّ هذه الأسطر من حاكم العبيسان تدلُّ على أنه يخبط خبطَ عشواء في استدلالاته، وأنه لا يعرف العلاقة بين الدليل ومدلوله فيستدل على دعاويه بما لا دلالة فيها لا من قريب ولا من بعيد.\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص: ١٨٦).\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير (٥/ ٢٢٢)، وضعفه الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة (١٣٤١).\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٧٣١)، ومسلم (١٧٨٥) من حديث سهل بن حنيف -﵁-.\n(^٤) الزهد لأبي داود (ص: ٥٦).\n(^٥) (ص: ٤٧).","vol":"1","page":317},{"text":"فهو يتكلَّم عن حرية شيطانية، ويزعمُ أن الشريعة جاءت بها، وأنَّى لشريعة الرحمن أن تأتي بما يوسوس به الشيطان.\nففي كلامه هذا أمور عدة:\nالأمر الأول: أنه بمقتضى الحرية الحقة - في زعم الدكتور - إذا عرف السلطان من يريد الانقلاب على الحكم والمكيدة له، ولو كانوا جماعة فإنه يتركهم. قال الدكتور حاكم: «فقد كان مع النبي -ﷺ- في المدينة مَنْ كان يضمر العداوة له -ﷺ- ويكيده كالمنافقين في المدينة، وكان يعرفهم ولم يعترض لهم»، وهذا غير صحيح من وجهين:\nالوجه الأول: أنَّ اجتماع أقوام على مثل هذا منكر، وإنكارُ المنكر واجبٌ، قال عرفجة الأشجعي قال رسول الله -ﷺ-: «فمَن أرادَ أن يفرِّق أمرَ هذه الأمة وهي جميعٌ، فاضربوهُ بالسَّيف كائنًا من كان»، وفي رواية: «مَنْ أتاكُم وأمرُكُم جميعٌ على رجُلٍ واحدٍ، يريدُ أن يشقَّ عَصاكُم، أو يفرِّقَ جماعتكُم، فاقتلُوه» (^١)، وكلُّ ما أدَّى إلى منكرٍ ومحرَّمٍ فيجبُ إنكاره.\nالوجه الثاني: لا يلزم حتى يتمَّ الإنكار أن يكونَ القتالُ والقتل، فقد يكونُ الفعلُ منكرًا ولا يقاتَلُ عليه، فإن القتال إنما يكون في الحالات الثلاثة السابقة من كلام ابن تيمية.\nالأمر الثاني: أن رسول الله -ﷺ- لم يقتل المنافقين، ومنهم عبد الله بن أبي سلول لحكمةٍ عظيمة، وهي ألَّا ينفر الكفار من الدين لظنَّهم أنَّ محمدًا -ﷺ- يقتل\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص: ١٦١).","vol":"1","page":318},{"text":"أصحابه كما في الحديث نفسه أنَّ رسول الله -ﷺ- لم يقتله وعلَّل بقوله: «لا يتحدثُ الناسُ أنَّ محمدًا يقتلُ أصحابه» (^١).\nالأمر الثالث: أنَّ الرجل الذي اعترضَ على رسول الله -ﷺ- كفَر لأنه اتَّهم رسولَ الله -ﷺ- بالظُّلم فهو مستحقٌّ للقتل لأنه أظهرَ الرِّدة باتهام رسول الله -ﷺ- أنه لم يعدل، وفي لفظٍ صريحٍ للبخاري «ما عدلت» (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية على قول هذا الرجل «اعِدِلْ يا محمد»: «ومثلُ هذا الكلام لا ريبَ أنه يوجبُ القتل لو قاله اليومَ أحدٌ، وإنَّما لم يقتله النبيُّ -ﷺ- لأنه كان يُظهرُ الإسلام وهو الصلاة التي يقاتَلُ الناس حتى يفعلوها وإنما كان نفاقُه بما يخصُّ النبي -ﷺ- من الأذى، وكان له أن يعفو عنه وكان يعفو عنهم تأليفًا للقلوب لئلَّا يتحدَّثُ الناسُ أنَّ محمدًا يقتلُ أصحابه، وقد جاء ذلك مفسَّرًا في هذه القصة أو في مثلها» (^٣).\nالأمر الرابع: أنَّ الاستدلال بقصَّة اليهودي لا دلالة فيها على الحرية في النقد والمناصحة والاعتراض المزعوم لسببين:\nالسبب الأول: عدمُ صحة الحديث - فيما يظهر - فإن في إسناده حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام، وهو مجهولٌ جهالة حال لم يوثَّق توثيقًا معتبرًا،\nوقد قال الذهبي عن الحديث: «ما أنكَرَهُ وأركَّه» اهـ (^٤)، وقال الألباني في الضعيفة:\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص: ١٩٥).\n(^٢) أخرجه البخاري (٤٦٦٧).\n(^٣) الصارم المسلول (ص: ٢٢٨).\n(^٤) تلخيص المستدرك (٣/ ٧٠٠).","vol":"1","page":319},{"text":"«منكر» (^١)، خلافًا لمن صححه.\nالسبب الثاني: هذا الكلام لو كان نصيحة (مع أنه ليس نصيحة وإنما بغي وفتنة) لكان جائزًا، لأنه أمام الحاكم، ومثلُ هذا جائز لأنه أمامه - كما تقدم (^٢) -، فأين هذا من الكلام في الحاكم من ورائه؟.\nالأمر الخامس: استدلاله على الحرية السياسية باعتراض عمر في صلح الحديبية، وهذا لا دلالة فيه؛ لأنه اعتراضٌ محرَّم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد بحث مفيد: «أنَّ الاعتراض قد يكون ذنبًا ومعصيةً يُخاف على صاحبه النفاق وإن لم يكن نفاقًا؛ مثل قوله تعالى: ﴿يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ ومثلُ مراجعتهم له في فسخِ الحجِّ إلى العمرة وإبطائهم عن الحلِّ، وكذلك كراهتهم للحلِّ عام الحديبية وكراهتهم للصُّلح، ومراجعة مَنْ راجع منهم؛ فإن مَنْ فعلَ ذلك فقد أذنبَ ذنبًا كان عليه أن يستغفرَ الله منه، كما أنَّ الذين رفعوا أصواتهم فوق صوتهِ أذنبوا ذنبًا تابوا منه وقد قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ [الحجرات: ٧].\nقال سهل بن حنيف: «اتَّهموا الرأيَ على الدِّين فلقد رأيتُني يومَ أبي جندل ولو أستطيعُ أن أردَّ أمرَ رسول الله -ﷺ- لفعلت» (^٣).\nفهذه أمورٌ صدرت عن شهوة وعجَلة لا عن شكٍّ في الدين - كما صدرَ عن حاطبٍ التجسُّسُ لقريش - مع أنها ذنوبٌ ومعاصٍ يجبُ على صاحبها أن يتوبَ؛\n_________\n(^١) رقم (١٣٤١).\n(^٢) تقدم (ص: ٥٠).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣١٨١)، ومسلم (١٧٨٥).","vol":"1","page":320},{"text":"وهي بمنزلة عصيان أمرِ النبي -ﷺ-»، ثم قال: «وبالجملة فالكلمات في هذا الباب ثلاثة أقسام:\nإحداهن: ما هو كفرٌ؛ مثل قوله: «إنَّ هذه لقسمةٌ ما أُريدَ بها وجهُ الله».\nالثاني: ما هو ذنبٌ ومعصية يُخافُ على صاحبه أن يحبط عمله؛ مثل رفع الصوت فوق صوته ومثل مراجعة مَنْ راجعَهُ عام الحديبية بعد ثباته على الصلح، ومجادلة مَنْ جادلَهُ يومَ بدرٍ بعد ما تبيَّن له الحقُّ؛ وهذا كلُّه يدخل في المخالفة عن أمره.\nالثالث: ما ليس من ذلك بل يُحمد عليه صاحبه أو لا يُحمد؛ كقول عمر:\n«ما بالُنا نقصُرُ الصَّلاة وقد أمِنَّا؟» (^١)، وكقول عائشة: «ألم يقل الله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة: ١٩]؟ (^٢)»، وكقول حفصة: «ألم يقل الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]؟ (^٣)»، وكمراجعة الحباب في منزل بدر (^٤)» (^٥).\nفإذا ثبت أنه محرم فهو ممنوع في الشريعة، فلا دلالة فيه على الحرية السياسية المزعومة، بل فيه دلالة واضحة على خلاف ذلك ونقيضه، ثم - على التسليم به - فهو من النُّصح الجائز لأنه أمامه لا وراءه.\nالأمر السادس: ذكر أن المسلمين يعترضون على سياسة الخلفاء الراشدين، ولم يعترض عليهم أحدٌ بأذى.\n_________\n(^١) صحيح مسلم (٦٨٦).\n(^٢) أخرجه البخاري (١٠٣).\n(^٣) صحيح مسلم (٢٤٩٦).\n(^٤) البيهقي في السنن الكبرى (٩/ ١٤٤).\n(^٥) الصارم المسلول (ص: ١٩٦).","vol":"1","page":321},{"text":"هذا كلامٌ مجمَل؛ وذلك أنَّ الاعتراض على هؤلاء الخلفاء له صور:\nالصورة الأولى: الإنكارُ أمامَهُم، فهذا لا إشكالَ في جوازه إذا كان بحقٍّ، بخلافِ الإنكار من ورائه فلم يثبت شيءٌ من ذلك البتة، والبيِّنة على المدَّعي.\nالصورة الثانية: أن يطلب الخلفاء الراشدون النصيحة والتقويم، فهذا حقٌّ، لكن - كما تقدَّم - بالطرق الشرعية بأن يكون أمامهم لا وراءهم (^١).\nالصورة الثالثة: منازعتهم بالقتال بأن تكون الفرقة مفسدةً باسم الإصلاح في نظرها، فتُقاتَل كما فعل علي بن أبي طالب مع الخوارج.\nالصورة الرابعة: قاتل أبو بكر المرتدين، ولم يترك لهم الحرية المدَّعاة في تركِ الزكاة والارتدادِ عن الدِّين، وعلَّلَ قتالهم على ترك الزكاة أنهم تركوها على وجهٍ كُفري.\nالاستدراك العشرون:\nأثنى الدكتور حاكم العبيسان على الذين ثاروا على عثمان فقال: «وإذا كانت المعارضة الفردية لسياسة الخلفاء هي الأبرز في عهد أبي بكر وعمر، فقد دخل العملُ السياسيُّ والمعارضة السياسية طورًا جديدًا، وأخذا بُعدًا أكثر تنظيمًا في عهد الخليفتين عثمان وعلي، فقد بدأت المعارضة تأخذُ طابعًا جديدًا، حيث ظهرت جماعات منظَّمة معارضة لسياسة عثمان -﵁-، وقد بدأت في البصرة والكوفة ومصر، ثم أصبحت أكثر انتشارًا، واستطاعت أن تستقطب إلى صفوفها بعضَ الصحابة؛ كعمار بن ياسر الذي أرسلَهُ عثمان -﵁- لمعرفة أخبار هذه\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٥٠).","vol":"1","page":322},{"text":"المعارضة في مصر، فانضمَّ إلى صفوفها.\nوقد كانت المطالب التي طالبَ بها هؤلاء المعارضون لسياسة عثمان محدَّدةً تتمثل في:\n١ - الإصلاح السياسي باختيار أمراء جُدد للأقاليم، وعزلِ الأمراء الذين يشتكي منهم الناس، والموافقة على عودة قادة المعارضة إلى بلدانهم التي نُفوا منها.\n٢ - الإصلاح الاقتصادي بالقسم والعدل وتوزيع الفيء والأموال بالتساوي.\n٣ - الإصلاح الإداري باستعمال ذوي الأمانة والقوة من المسلمين في الأعمال الإدارية للدولة، بدلًا من الأقارب، وهو مبدأ تكافؤ الفرص».\nثم قال: «لقد أدركَ الخليفة والصحابة الذين معه مشروعية ما قام به المعارضون من معارضةٍ جماعيةٍ لسياسة السلطة، ولهذا أقرَّهم عثمان على ما فعلوا، ووافق على شروطهم، وكذا أقرَّهم الصحابة الآخرون، ولو كان ما فعلوه منكرًا لما جلس معهم عثمان، ولما أثنى عليهم، ولما استجاب لشروطهم، ولما كان علي -﵁- هو الواسطة، بل لبادر الصحابة والخليفة إلى منع هذا المنكر وإزالته ومجابهته لقوله -ﷺ-: «مَنْ رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده».\nلقد كانت المعارضة في هذا الطور معارضةً سياسيةً سلميةً ترفع شعار الإصلاح السياسي».\nثم قال: «وقد خرجت هذه الحركة السياسية عن خطِّها بعد ذلك، وانحرفت بعد أن رجعت مرة أخرى إلى المدينة بعد اتِّفاقها مع الخليفة على الإصلاح» (^١).\n_________\n(^١) (ص: ٤٩).","vol":"1","page":323},{"text":"هذا الثناء على الثوار الذين ثاروا على عثمان موبقةٌ ما كنت أصدِّقها لولا أني قرأتها، وهذه الثورة ثورةٌ باطلةٌ جائرة؛ فهي على خليفةٍ راشدٍ عادل، فإنها لو كانت على ظالمٍ فاسقٍ لكانت محرَّمة، فكيف على راشدٍ عادل؟!.\nفكلُّ ما تقدَّم ذِكرهُ من حُرمة الخروج ووجوب السمع والطاعة، فهو دليلٌ على فساد هذه الثورة على من كان ظالمًا، فكيف بذي النورين الخليفة الراشد؟!، قاتلَ الله الحماسة الفكرية والاعتقادات البدعية كيف تهوي بأصحابها في دركات الضلالات والخيالات.\nولعله تأثَّر في هذا بكلام سيد قطب لما قال: «وأخيرًا ثارت الثائرة على عثمان، واختلط فيها الحقُّ بالباطل، والخير بالشر، ولكن لا بدَّ لمن ينظر إلى الأمور بعين الإسلام، ويستشعر الأمور بروح الإسلام، أن يقرِّر أن تلك الثورة في عمومها كانت فورةً من روح الإسلام» (^١).\nولا ينفع الدكتور قوله بعد ذلك: «وقد خرجت هذه الحركة السياسية عن خطَّها بعد ذلك، وانحرفت بعد أن رجعت مرةً أخرى إلى المدينة بعد اتِّفاقها مع الخليفة على الإصلاح»، فإنَّ هذا مؤكِّدٌ ثناءَهُ على الثورة الأولى على عثمان بن عفان - ﵁ وأرضاه - قبل رجوعها.\nالاستدراك الحادي والعشرون:\nقال الدكتور حاكم العبيسان: «وقد قال عثمان -﵁- لمن حاصروه: ما تريدون؟ قالوا: نقتلك أو نعزلك.\n_________\n(^١) العدالة الاجتماعية (ص: ١٦٠).","vol":"1","page":324},{"text":"قال: أفلا نبعثُ إلى الآفاق فنأخذ من كلِّ بلدٍ نفرًا من خيارهم فنحكِّمهم فيما بيني وبينكم؟، فإن كنت منعتكم حقًّا أعطيتكموه (^١).\nوهذا يؤكِّد مبدأ التحاكم إلى الأمة عند وقوع التنازع بين السلطة وبعض فئات المجتمع» (^٢).\nوالجواب على هذا من أوجه:\nالوجه الأول: في إسناد الخبر مَنْ لم أجد له ترجمةً؛ مثل مولى سليمان بن يسار عن أبيه. والدكتور لم يذكر حُكمَهُ على القصة، ولو صحَّت لبيَّن ذلك كما بيَّن حكمَهُ على الأحاديث والآثار في أكثر من حديثٍ وخبر. فإذا لم تثبت عنده فكيف يستدلُّ بها على حكمٍ عظيم كهذا؟!.\nالوجه الثاني: إنَّ فعل عثمان بن عفان -﵁- يرجع إلى اجتهاده في فعل الأصلح، فهو من جنس اجتهادات الولاة لفعلِ الأصلح، وليس مُلزمًا لمن بعدُ ولا حكمًا عامًّا، وإنما راجعٌ - لو صحت القصة - لاجتهادِ الإمام ونظرهِ للأصلح.\nالاستدراك الثاني والعشرون:\nاستدلَّ الدكتور حاكم العبيسان بفعل طلحة والزبير وعائشة، فقال: «وكلُّ ذلك يدخل ضمن دائرة العمل السياسي والمعارضة الجماعية المنظمة للسلطة» (^٣).\n_________\n(^١) تاريخ المدينة لابن شبة (٤/ ١١٩٢).\n(^٢) (ص: ٥٣).\n(^٣) (ص: ٥٤).","vol":"1","page":325},{"text":"تقدم أنهم ما أرادوا القتال، وأنهم ندموا على فعلهم كما بيَّن ذلك ابن تيمية (^١)، فكيف يُحتجُّ بفعلٍ ندمَ صاحبهُ على فعلهِ، وقد تقدم (١).\nالاستدراك الثالث والعشرون:\nقال حاكم عبيسان: «إن قصة التحكيم ذاتها دليلٌ واضحٌ على أنَّ الأمة هي الحكمُ في اختيار مَنْ تختاره للإمامة، كما أنَّ فيما حصلَ بين الحزبين دليل على تجذُّر الحزبية السياسية، ومشروعية الانتماء السياسي، وهو الميل مع طرف دون طرف، بدعوى أنه الأجدر بقيادة الأمة وإدارة شئونها» (^٢).\nفي هذا مؤاخذتان:\nالمؤاخذة الأولى: جعل ما حصل من خلاف بين علي بن أبي طالب -﵁- ومن معه، ومعاوية بن أبي سفيان -﵁- ومن معه = دليلًا على أنَّ اختيار الحاكم راجعٌ للأمة.\nوإنَّ القول بأن الحكم والولاية يكون بطريق الاختيار قولٌ حقٌّ لا مِريَة فيه؛ كما تقدَّم ذِكرُ الأدلة على ذلك من السنة والإجماع، لكن هذا الاختيار ليس من الأمة كلِّها، وليس في القصة ما يدلُّ على ذلك؛ بل فيها أن الأمر راجعٌ لأناس محدودين معينين معروفين. وهذا كافٍ في نقضِ أصلٍ عند الكاتب سبقَ بيانُ فساده، وأيضًا ليس في قصة التحكيم أنَّ تولي الولاية بغير طريق الاختيار لا يصحُّ شرعًا؛ فالعمل بالاختيار لا ينفي غيرَهُ من الطُّرق؛ كالتولِّي بالغلبة.\n_________\n(^١) (تقدم (ص: ١٧٥).\n(^٢) (ص: ٥٥).","vol":"1","page":326},{"text":"المؤاخذة الثانية: استدلاله على تقسم المسلمين في قصة التحكيم إلى صنَفين = على جواز التحزب السياسي.\nوهذاالاستدلال استدلال هَوَسٍ وخَرَفٍ؛ وذلك لأسباب أذكُر منها أمرين:\nالسبب الأول: أنَّ هذا التقسُّم من المسلمين مذمومٌ لا جائزٌ محمود ليستدلَّ به؛ ويدلَّ على أنه مذمومٌ أن أكثر الصحابة اعتزلوه، وأثنى رسول الله على الحسن أنَّ الله سيصلحُ به بين المسلمين فيكونون أمة واحدة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وفي الثاني سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة؛ وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر ونحوهم. ولعلَّ أكثر الأكابر من الصحابة كانوا على هذا الرأي (^١)؛ ولم يكن في العسكرَين بعد علي أفضلُ من سعد ابن أبي وقاص، وكان من القاعدين» (^٢).\nوقال أيضًا: «فهذا الحديثُ يبيِّن أنَّ النبي -ﷺ- أخبر أنَّ محمد بن مسلمة لا تضرُّه الفتنة، وهو ممن اعتزلَ في القتال فلم يقاتل لا مع علي ولا مع معاوية، كما اعتزل سعد بن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وأبو بكرة، وعمران بن حصين، وأكثر السابقين الأولين.\nوهذا يدلُّ على أنه ليس هناك قتالٌ واجبٌ ولا مستحب، إذ لو كان كذلك لم يكن تركُ ذلك مما يُمدَحُ به الرجل، بل كان مَنْ فَعَلَ الواجبَ أو المستحب أفضلُ ممَّن ترَكَهُ، ودلَّ ذلك على أنَّ القتال قتال فتنة» (^٣).\n_________\n(^١) أي على الاعتزال.\n(^٢) مجموع الفتاوى (٣٥/ ٧٧).\n(^٣) منهاج السنة النبوية (١/ ٥٤٢).","vol":"1","page":327},{"text":"السبب الثاني: الخلاف بين علي ومعاوية كالدولتين المستقلَّتين لا أنه تحزُّبٌ سياسيٌّ في دولة واحدة.\nالاستدراك الرابع والعشرون:\nردَّ الدكتور حاكم العبيسان اشتراطَ أن يكونَ الحاكم والسلطان من قريش فقال: «كما تؤكِّد حادثة السَّقيفة أن اشتراط القرشية في الإمامة لم يكن معروفًا ولا معلومًا بين الصحابة، وإلَّا لما نازَعَ فيها الأنصار، ولَما احتجَّ أبو بكر وعمر بمثل هذه الحجج» (^١).\nثم قال في الحاشية: «وقد شكَّكَ الحافظ في دعوى الإجماع؛ لما روي عن عمر أنه أراد استخلافَ معاذ بن جبل وسالم مولى أبي حذيفة، وقد استشكلَ ابنُ كثير في البداية والنهاية (٩/ ٥٨) كيف بايعَ فقهاءُ العراق وخيارُ التابعين فيها ابنَ الأشعث ولم يكن من قريش بل من كندة؟؛ وفيهم عامر الشعبي وسعيد بن جبير وكثيرٌ من قريش! والسببُ هو أنَّ هذه القضية لم تكن ظاهرةً أصلًا في القرن الأول، وإنما ادُّعي عليها الإجماعُ في العصر العباسي بحكم الأمر الواقع، وإلَّا فالنصوصُ الواردة أشبَهُ بالأخبار منها بالأحكام، وهذا ما فهِمَهُ الأنصار.\nوقد روى ابن أبي شيبة في المصنف (٧/ ٤١٥) عن عائشة قالت: لو كان زيد حيًّا لاستخلفه رسولُ الله -ﷺ-، وزيد بن حارثة لم يكن من قريش، وقد روى أحمد في المسند (١/ ٢٠) من طريق أبي رافع أنَّ عمر قال: لو أدركني أحد رجلين ثم جعلت هذا الأمر له لوثقت به: سالم مولى أبي حذيفة وأبو عبيدة بن الجراح.\n_________\n(^١) (ص: ٥٧).","vol":"1","page":328},{"text":"قال أحمد شاكر: «إسناده صحيح ورواه أحمد (١/ ١٨) من طريق شريح بن عبيد وراشد بن سعد وغيرهما أن عمر قال: «فإن أدركني أَجَلي وقد توفي أبو عبيدة استخلفتُ معاذَ بن جبل».\nقال الحافظ في الفتح (١٣/ ١١٩): «رجاله ثقات»، وهو مرسل إلا أنه عن جماعة من علماء التابعين في الشام فيتقوَّى بطرقه».\nقد سبق - بحمد الله - الجوابُ على هذا مطولًا روايةً ودراية (^١).\nلكن بقي قوله: إنَّ الإجماع ادُّعي بعد العصر العباسي بحكم الأمر الواقع.\nهذه أيضًا من عجائبه وغرائبه من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أنَّ الأحاديث جاءت من رسول الله -ﷺ- قبل العصر الأموي والعباسي؛ فهل يصحُّ أن تردَّ الأحاديث الصحيحة الصريحة بمثل هذه التوهُّمات والتأويلات الهزيلة.\nالوجه الثاني: أنَّ هذا طعنٌ في أهل السُّنة والعلماء الذين أظهَروا الإجماعَ في هذه المسألة على أمرٍ دينيٍّ مخطئين بسبب تأثير الواقع، ومن هؤلاء علماءُ السلف لمَّا ذكروا الإجماع على هذه العقيدة كما تقدَّم نقلُ كلامهم (^٢).\nالوجه الثالث: أن الأنصار سلَّموا بهذا في سقيفة بني ساعدة، وأرجعوا الأمر لقريش؛ ولولا أنَّ الوحي جاء بذلك لما سلَّموا به.\n_________\n(^١) تقدم (ص: ١١٤).\n(^٢) تقدم (ص: ١١٥).","vol":"1","page":329},{"text":"الاستدراك الخامس والعشرون:\nذكر الدكتور حاكم العبيسان أنه مما يدلُّ على الحرية السياسية فعلُ الخوارج مع علي بن أبي طالب وفعلُه معهم، قال: «لقد خرجوا عن طاعته، وكانوا يطعنون فيه، وهو يخطب على المنبر، فكان لا يتعرَّض لهم، بل قال كلمته المشهورة التي أصبحت قاعدةً راسخة في التعامل مع الطَّوائف المخالفة في الفكر والرأي حيث قال: لهم علينا ثلاث؛ ألَّا نبدأَهُم بقتال ما لم يقاتلونا، وألَّا نمنعَهُم مساجد الله أن يذكروا فيها اسمَهُ، وألَّا نحرِمَهُم من الفيء ما دامت أيديهم مع أيدينا (^١).\nثم اشترطَ مقابل ذلك عليهم فقال: على أن لا تسفكوا دمًا حرامًا، ولا تقطعوا سبيلًا، ولا تظلموا ذميًّا.\nقالت عائشة -﵂-: فلم قاتلهم إذًا؟ قال عبد الله بن شداد: واللهِ ما بعثَ إليهم حتَّى قطعوا السبيل، وسفكوا الدماء، واستحلُّوا الذِّمة (^٢). وهذا يؤكِّد مدى الحرية الفكرية والسياسية التي كان يمارسها المسلمون في عهد الخلفاء الراشدين، فقد تعامَل علي -﵁- مع الخوارج قبل أن يسلُّوا السيف على الأمة» (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة (٧/ ٥٦٢)، وأبو عبيد في «الأموال»، وفي إسناده «كثير بن نمير» لم يوثِّقه معتبر، وضعَّف الأثر الألباني في الإرواء (٨/ ١١٧).\n(^٢) أخرجه أحمد (١/ ٨٧)، قال ابن كثير في «البداية والنهاية» (١٠/ ٥٦٨): «تفرد به أحمد وإسناده صحيح، واختاره الضياء - يعني في (المختارة) -».\n(^٣) (ص: ٥٨).","vol":"1","page":330},{"text":"الجواب من وجهين:\nالوجه الأول: دلت الأدلة على قتل الخارجيِّ لأنه مبتدع خارجيٌّ، فأين الحرية المدَّعاة؟!.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فأما قتلُ الواحد المقدور عليه من الخوارج؛ كالحرورية والرافضة ونحوهم: فهذا فيه قولان للفقهاء هما روايتان عن الإمام أحمد. والصحيح أنه يجوز قتلُ الواحد منهم؛ كالدَّاعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد. فإنَّ النبي -ﷺ- قال: «أينما لقيتُموهُم فاقتلُوهم» (^١).\nوقال: «لئنْ أدركتُهم لأقتلنَّهُم قتلَ عاد» (^٢).\nوقال عمر لصبيغ بن عسل: لو وجدتُكَ محلوقًا لضربتُ الذي فيه عيناك (^٣).\nولأنَّ علي بن أبي طالب طلب أن يُقتل عبد الله بن سبأ أوَّل الرافضة حتى هرب منه.\nولأنَّ هؤلاء من أعظم المفسدين في الأرض؛ فإذا لم يندفع فسادهُم إلَّا بالقتل قُتلوا؛ ولا يجب قتلُ كلُّ واحدٍ منهم إذا لم يُظهر هذا القولَ أو كانَ في قتلهِ مفسدة راجحة.\nولهذا تركَ النبي -ﷺ- قتلَ ذلك الخارجيِّ ابتداءً «لئلَّا يتحدَّثَ الناسُ أنَّ محمَّدًا يقتلُ أصحابه»، ولم يكن إذ ذاكَ فيه فسادٌ عام؛ ولهذا ترك عليٌّ قتلَهم أولَ ما ظهروا؛ لأنهم كانوا خلقًا كثيرًا وكانوا داخلين في الطَّاعة والجماعة ظاهرًا لم\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص: ١٩٠).\n(^٢) سبق تخريجه (ص: ١٩٥).\n(^٣) سبق تخريجه (ص: ١٩٥).","vol":"1","page":331},{"text":"يحاربوا أهل الجماعة، ولم يكن يتبيَّن له أنهم هُمْ» (^١)، وهذا من أوضَحِ ما بُيِّن أن الحرية المزعومة التي يدَّعيها حاكم عبيسان حريةٌ باطلة؛ لأنَّ عمر -﵁- أرادَ قتل صبيغ بن عسل لمَّا ظنَّه خارجيًّا.\nالوجه الثاني: تقدم (^٢) ذكر الأدلة الناهية عن سبِّ السلطان وإشاعة أخطائه مما يدلُّ على أنَّ فعل الخوارج لما سبُّوا عليًّا محرَّم؛ وما كان محرمًّا فيجبُ إنكاره؛ للأدلة الدالة على وجوب إنكارِ المنكر، لكنَّ الخليفة الراشد علي بن أبي طالب ترك إلزامَهُم بالقوة للمصلحة الراجحة، فلما بدؤوا بالقتال ترجَّحت مصلحةُ قتالهم.\nوهذا ما أشار إليه ابن تيمية لما قال: «ولا يجبُ قتلُ كلِّ واحدٍ منهم إذا لم يُظهر هذا القول أو كان في قتله مفسدة راجحة. ولهذا ترك النبي -ﷺ- قتلَ ذلك الخارجي ابتداءً لئلَّا يتحدَّث الناسُ أنَّ محمدًا يقتل أصحابه»، ولم يكن إذ ذاك فيه فسادٌ عام؛ ولهذا تركَ علي قتلَهُم أولَ ما ظهروا؛ لأنهم كانوا خلقًا كثيرًا وكانوا داخلين في الطاعة والجماعة ظاهرًا لم يحاربوا أهل الجماعة …» (١).\nالاستدراك السادس والعشرون:\nقرَّر الدكتور حاكم العبيسان أمرًا منكرًا للغاية؛ وهو حرية الاعتقاد، وأنَّ قتال علي ليس لأجل عقائدهم فقال:\n«حيث ضمِنَ لمخالفيه في الرأي - مع تطرُّفهم وغلوِّهم - الحرية العقائدية والفكرية والسياسية والحقوق المالية، فلم يقاتلهم إلَّا دفعًا لعدوانهم ومنعًا لفسادهم لا فساد آرائهم وتطرُّفها أو معارضتهم له في الرأي؛ لعلمهِ -﵁- أنَّ\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٩٩).\n(^٢) تقدم (ص: ٤٦).","vol":"1","page":332},{"text":"الدين الذي جاء بمبدأ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾» (^١).\nالجواب من أوجه:\nالوجه الأول: تقدم توجيه معنى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، وأنه لا مستندَ لدعاة حرية الاعتقاد الكفري والبدعي في الاستدلال بها (^٢).\nالوجه الثاني: تقدَّم بيان أنَّ الأدلة الشرعية وفعلَ عمر مع صبيغ بن عسل = يدلُّ على قتل الخارجي لاعتقاده (^٣).\nالوجه الثالث: أن ترك علي بن أبي طالب لهم ليس لأجلِ الحرية، وإنَّما للمصلحة - كما تقدم - (^٤).\nالوجه الرابع: أن حرية الاعتقاد المدَّعاة تخالف كل نصٍّ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو سبب خيرية هذه الأمة، وما خالفَ أمرًا واجبًا مثل هذا فهو ليس من شرع الله ولا تجيزه الشريعة، ويخالف آيات الحدود في شرب الخمر والزنى وهكذا.\nالاستدراك السابع والعشرون:\nأصرَّ الدكتور حاكم العبيسان في كتابه (الفرقان) على دعوته إلى الحرية المزعومة، وهي أنه يُترك لأهل الأحزاب والبدع حقُّهم في الدعوة إلى ما شاؤوا، وزاد أن\n_________\n(^١) (ص: ٦١).\n(^٢) تقدم (ص: ١٣٤).\n(^٣) تقدم (ص: ١٩٤).\n(^٤) تقدم (ص: ٣٣٠).","vol":"1","page":333},{"text":"تعلَّق بكلام للإمام الشافعي ظنَّه نافعًا له في تقرير حريته المفرطة فقال: «كلُّ هذا الفجور والقول الزور أشاعَهُ عني - فلان - لأني أدعو إلى (الحرية والتعددية السياسية) في ظل النظام السياسي الإسلامي الذي سمح بوجود غير المسلمين من أهل الكتاب والمجوس، لقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ولكون النبي -ﷺ- لم يتعرَّض للمنافقين الذين كانوا مع المسلمين الذين كانوا يشاورهم النبي -ﷺ- كغيرهم ويعترضون عليه فلا يتعرَّض لهم، فمن باب أولى المخالفين في الرأي من المسلمين كما فعلَ علي وعثمان مع الخوارج وأهل الأهواء؛ فما بالُكَ بالأحزاب السياسية التي تلتزم بالنظام العام للدولة في الإسلام، وتتنافس فيما بينها في البرامج السياسية؟، قال الإمام الشافعي في شأن حرمة التعرض للمنافقين إلَّا ببينة».\nثم نقل كلامًا طويلًا، وما ذكره هذا تقدَّم الجواب عنه (^١) لكنه زاد بنقل كلام للشافعي طويل خلاصته عدمُ التعرُّض للمنافقين، وأنهم يُعامَلون بالظاهر دون التنقيب عن بطونهم ولا يُلتفت إلى الظنون في التعامل معهم، وهذا الكلام عليه، وذلك أنَّ الشافعي كرَّر أنه ليس له إلَّا الظاهر، فمعنى هذا: مَنْ أظهر نفاقَهُ وكُفره عُومِلَ بالظاهر؛ فقال الشافعي - فيما نقل العبيسان -: «وأنَّ حُكمهُ عليهم في الدنيا إنْ أظهروا الإيمان جُنَّة لهم.\nوقال الشافعي أيضًا: وكلّ مَنْ حَقَنَ دمَهُ في الدنيا بما أظهَر مما يعلم جلَّ ثناؤه خلافَهُ من شِرْكهِم لأنه أبان أنه لم يوَلِّ الحكمَ على السرائر غيرَهُ»، ثم قال: قد علم رسول الله -ﷺ- أنَّ المنافقين كاذبون وحقنَ دماءَهُم بالظَّاهر، وتولَّى الله -﷿- منهم السرائر … الخ».\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣١٦، ٣٣٠).","vol":"1","page":334},{"text":"هذا الكلام من الشافعي صريحٌ في أنَّ رسول الله -ﷺ- لم يعاملهم بالقتل ولا غيره لأنه عاملهم بالظاهر، ومعنى هذا: لو أظهروا خلافَ هذا من الكفر لعامَلَهُم بما أظهروا؛ وهو الكفر.\nفكم أتعجَّبُ كيف يستشهد حاكم العبيسان بكلام الشافعي وهو عليه لا له!!، ثم إنَّ الإمام الشافعي أبعدُ ما يكون عن الحرية التي يدَّعيها حاكم العبيسان، فكيف يتوهَّمه سلفًا له؟!، وهذا يتبين بأمور:\nالأمر الأول: أنَّ كلام الإمام الشافعي السابق واضحٌ في أنَّ المنافقين لو أظهروا الكفر لعامَلَهُم معاملةَ الكفار لا معاملة المؤمنين في الظاهر.\nالأمر الثاني: أن الإمام الشافعي في كتابه الأم يقرِّر قتلَ المرتد، وهو الذي ترك دين الإسلام إلى دين الكفر.\nقال: «ثم انتقل عن الإيمان إلى الشرك من بالغي الرجال والنساء استُتيب؛ فإنْ تاب قُبل منه، وإن لم يتُبْ قُتل، قال الله -﷿-: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]» (^١).\nوهذا التقريرُ من الشافعي يخالفُ الحرية المفرِطة المزعومة التي يدَّعيها حاكم العبيسان.\nالأمر الثالث: أنَّ الإمام الشافعي شديدٌ على أهل البدع، ومنهم أهلُ الكلام.\nقال الذهبي: «وعن الشافعي: حُكمي في أهل الكلام، حكمُ عمر في صبيغ».\n_________\n(^١) الأم (١/ ٢٩٤).","vol":"1","page":335},{"text":"ثم نقلَ عن الشافعي أنه قال: «حُكمي في أهلِ الكلام أن يُضربوا بالجريد، ويُحملوا على الإبل، ويُطافَ بهم في العشائر، يُنادى عليهم: هذا جَزاءُ من تركَ الكتاب والسنة، وأقبل على الكلام».\nثم قال: «وقال أبو عبد الرحمن الأشعري صاحب الشافعي: قال الشافعي: مذهبي في أهل الكلام تقنيعُ رؤوسهم بالسياط، وتشريدُهم في البلاد.\nقلت - أي الذهبي -: لعلَّ هذا متواتر عن الإمام» (^١) اهـ.\nأين هذا من الحرية التي يدَّعيها حاكم العبيسان ويريد أن ينسبها إلى الإمام الشافعي؟!.\nوإنه لو كان لحاكم العبيسان عقلٌ وعلمٌ راجحٌ لكَفاهُ في تركِ هذه الحرية المدَّعاة أنه لا يستطيع نقلَها عن عالمٍ معتبر من علماء الإسلام.\nالاستدراك الثامن والعشرون:\nغلوُّ الدكتور حاكم في الحاكمية فقال: «فمَن لم يثبت هذا الأصلَ الإيماني العظيم - أي توحيد الله المطلق في حاكميته وإفراده بها - لم يسلَمْ له توحيدُ الله في عبادته وطاعته؛ إذ العبادة والطاعة لله لا تُعرف إلَّا عن طريق حُكم الله وشرعه، ولا سبيلَ لالتزام حُكم الله إلَّا بالإقرار والإيمان بأنه وحدَهُ الذي لهُ الحكم والتشريع والأمر، كما له الخلق ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]» (^٢).\n_________\n(^١) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٩).\n(^٢) (ص: ٦٣).","vol":"1","page":336},{"text":"غلوُّه هذا هو غلوُّ الخوارج في الحاكمية - كما تقدم (^١) - في كلام الإمام عبد العزيز ابن باز، وتقدَّمت الإشارة لهذه المسألة، وقد بسطتُها في مواضع (^٢).\nالاستدراك التاسع والعشرون:\nقال الدكتور حاكم العبيسان: «كما أنَّ في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ثلاث إشارات:\nالأولى: أنه جاء بلفظ الجمع (أولي الأمر) ولم يقلْ (ولي الأمر)؛ لبيان أنَّ أولي الأمر هُمْ جماعة أهل الحلِّ والعقد من العلماء والرؤساء وقادة المجتمع، فهؤلاء هم الذين تجبُ طاعتهم إذا اتفقوا على رأيٍ ولم يخالف الكتاب والسنة، فإن اختلفوا وتنازعوا فيما بينهم أو وقعَ نزاعٌ بينهم وبين الأمة وجبَ الردُّ إلى الكتاب والسنة» (^٣).\nتقدَّم الكلام على هذه الشُّبهة الساقطة وأنها مخالفةٌ للأحاديث النبوية وإجماع السلف؛ ولولا أنَّ لكلِّ ساقطةٍ لاقطةً لما أجبَتُ عليها (^٤).\nالاستدراك الثلاثون:\nقال الدكتور حاكم العبيسان: «وبهذا يفقد الحاكم صلاحياتهِ وسلَطَتُه إذا عارضَ حكمَ الله ورسوله» (^٥).\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٨٣).\n(^٢) كما في كتابي «الإلمام في شرح نواقض الإسلام»، وكتابي «البرهان المنير في دحض شبهات أهل التفجير والتكفير»، وكتابي «تبديد كواشف العنيد في تكفيره لدولة التوحيد».\n(^٣) (ص: ٦٤).\n(^٤) تقدم (ص: ١٠٥).\n(^٥) (ص: ٦٥).","vol":"1","page":337},{"text":"تقدم الجواب على هذه الشبهة الهزيلة، والتي هي شبهةُ الخوارج والمعتزلة؛ خلافًا للنصوص النبوية وإجماع السلف الصالح (^١).\nالاستدراك الحادي والثلاثون:\nقال الدكتور حاكم العبيسان: «وقد قيَّدت السنة النبوية الطاعةَ للسُّلطة بثلاثة قيود:\nالقيد الأول: إقامة الصلاة التي هي عُموم الدِّين وشعارُه، فإذا تركَ الحاكمُ الصلاة والدعوة إليها وإقامتها ..»، ثم قال: «قيل: يا رسول الله أفلا نُنابذُهم السَّيف؟ فقال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة» (^٢)، وفي هذا الحديث مشروعية الخروج على السُّلطة عند تركِ إقامة الصلاة، سواءٌ قيل: إنَّ تركَ الصلاة كفرٌ؛ أو قيل: فِسْق» (^٣).\nفي هذا الكلام أمران:\nالأمر الأول: تقييد الطاعة بالصلاة وإقامتها يفسِّرها حديث عبادة لما قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إلَّا أن تروا كفرًا بواحًا عندكُم من الله فيه برهان» (^٤).\nفالمراد تركُ الصلاة على وجهٍ كفريٍّ عندنا من الله فيه برهان؛ بدلالة حديث عبادة الذي لم يُجز الخروج إلا عند الكفر البواح.\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٩).\n(^٢) أخرجه مسلم (١٨٥٥) من حديث عوف بن مالك -﵁-.\n(^٣) (ص: ٦٦).\n(^٤) سبق تخريجه (ص: ٣٥).","vol":"1","page":338},{"text":"الأمر الثاني: قوله (أو فسق) قد سبق ردُّ القول بالخروج على الحاكم لفسقه بالأدلة المتواترة وإجماع سلف هذه الأمة (^١)، ومَن قال بالخروج على الحاكم لفسقهِ فقد ابتدعَ وضلَّ كما تقدَّم نقلُ إجماع السلف (^٢).\nالاستدراك الثاني والثلاثون:\nقال حاكم العبيسان: «القيد الثاني: إقامة الكتاب والحكم بما فيه لحديث:\n«اسمعوا وأطيعوا ولو عبدٌ حبشيٌّ ما أقامَ فيكم كتابَ الله» (^٣)» (^٤).\nسبق الردُّ على الدكتور الدميجي في استدلاله بهذا الحديث من أوجهٍ ثلاثة (^٥).\nالاستدراك الثالث والثلاثون:\nذكر حاكم العبيسان (^٦) أن الذين اعتزلوا الفتنة كابن عمر وسعد بن أبي وقاص لم يُطيعوا علي بن أبي طالب الذي هو وليُّ أمر؛ لأنهم لا يرون أنَّ هذا القتال على حق، فليس أمرًا بالمعروف. هذا ملخَّصُ ما توهَّمه.\nوقد تقدَّم تفسيرُ المعروف وأنه الواجبُ والمستحب (^٧)، أما سببُ عدم طاعة هؤلاء الصحابة الكرام للخليفة الراشد علي بن أبي طالب في القتال لأنهم يرونه\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٥).\n(^٢) تقدم (ص: ٣٩).\n(^٣) بمعناه ما في صحيح مسلم (١٨٣٨).\n(^٤) (ص: ٦٧).\n(^٥) تقدم (ص: ٨٢، ٢٥١).\n(^٦) (ص: ٦٨).\n(^٧) تقدم (ص: ٧٥).","vol":"1","page":339},{"text":"قتالَ معصية، ولا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالق؛ لا لأنه ليس معروفًا؛ أي ليس واجبًا ولا مستحبًّا على تفسير الدكتور للمعروف في حديث «إنَّما الطاعة في المعروف».\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «أنه يفرَّقُ بين هذا وهذا، فقتالُ علي للخوارج ثابتٌ بالنصوص الصريحة عن النبي -ﷺ- باتفاق المسلمين.\nوأما القتالُ يوم صفين ونحوه فلم يتفق عليه الصحابة، بل صدَّ عنه أكابرُ الصحابة مثل سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، وعبد الله ابن عمر، وغيرهم.\nولم يكن بعد علي بن أبي طالب في العسكَرين مثل سعد بن أبي وقاص، والأحاديثُ الصحيحة عن النبي -ﷺ- تقتضي أنه كان يجبُّ الإصلاح بين تينك الطائفتين، لا الاقتتال بينهما.\nكما ثبت عنه في صحيح البخاري (^١): أنه خطب الناس والجيش معه فقال:\n«إنَّ ابني هذا سيِّد، وسيصلحُ الله به بين طائفتَين عظيمتَين من المؤمنين» فأصلَحَ الله بالحسن بين أهل العراق وأهل الشام، فجعل النبي -ﷺ- الإصلاحَ به من فضائل الحسن، مع أنَّ الحسن نزلَ عن الأمر وسلَّم الأمر إلى معاوية، فلو كان القتال هو المأمور به دون ترك الخلافة ومصالحة معاوية لم يمدحه النبي -ﷺ- على ترك ما أمر به، وفعل ما لم يؤمر به ولا مدحه على تركِ الأولى وفعل الأدنى، فعُلِمَ أنَّ الذي فعَلُه الحسنُ هو الذي كان يحبُّه الله ورسوله لا القتال.\n_________\n(^١) من حديث أبي بكرة -﵁-.","vol":"1","page":340},{"text":"وقد ثبت في الصحيح: أن النبي -ﷺ- كان يضَعُه وأسامة على فخذَيه ويقول:\n«اللهم إني أحبُّهما فأحِبَّهما وأَحِبَّ من يحبُّهما» (^١).\nوقد ظهر أثرُ محبة رسول الله -ﷺ- لهما بكراهتهما القتال في الفتنة، فإنَّ أسامة امتنع عن القتال مع واحدةٍ من الطائفتين، وكذلك الحسن كان دائمًا يشير على علي بأنه لا يقاتل ولما صار الأمر إليه فعلَ ما كان يشير به على أبيه - ﵃ أجمعين -.\nوقد ثبت عنه -ﷺ- في الصحيح أنه قال: «تمرقُ مارقةٌ على حين فُرقةٍ من المسلمين تقتلُهم أَولى الطائفتين بالحقِّ» (^٢).\nفهذه المارقة هم الخوارج، وقاتلَهُم علي بن أبي طالب، وهذا يصدِّقه بقية الأحاديث التي فيها الأمرُ بقتال الخوارج، وتبين أنَّ قتلَهُم مما يحبُّه الله ورسوله. وأنَّ الذين قاتلوهم مع عليٍّ أَولى بالحقِّ من معاوية وأصحابه، مع كونهم أَولى بالحق فلم يأمر النبي -ﷺ- بالقتال لواحدةٍ من الطائفتين كما أمرَ بقتال الخوارج، بل مدحَ الإصلاحَ بينهما.\nوقد ثبت عن النبي -ﷺ- من كراهة القتال في الفتن والتحذير منها من الأحاديث الصحيحة ما ليس هذا موضعه كقوله: «ستكون فتنة القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الساعي» (^٣)، وقال: «يوشكُ أن يكونَ خيرَ مال المسلم غنمٌ يتبعُ بها شَعفَ الجبال ومواقعَ القطر، يفرُّ بدينهِ من\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٧٤٧) من حديث أسامة بن زيد -﵁-.\n(^٢) أخرجه مسلم (١٠٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٦٠١)، ومسلم (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة -﵁-.","vol":"1","page":341},{"text":"الفتن» (^١).\nفالفتن مثل الحروب التي تكون بين ملوك المسلمين وطوائف المسلمين، مع أنَّ كل واحدةٍ من الطائفتين ملتزمة لشرائع الإسلام مثل ما كان أهلُ الجمل وصفين؛ وإنَّما اقتتلوا لشُبَهٍ وأمورٍ عرضَت» (^٢).\nوقال: «قال حذيفة: ما أحدٌ من الناس تُدرِكهُ الفتنة إلَّا أنا أخافُها عليه إلَّا محمد بن مسلمة، فإني سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقول: «لا تضرُّكَ الفتنة» (^٣).\nقال أبو داود: حدثنا عمرو بن مرزوق، حدثنا شعبة عن الأشعث بن سليم، عن أبي بردة، عن ثعلبة بن ضبيعة، قال: دخلنا على حذيفة فقال: إني لأعرف رجلًا لا تضرُّه الفتن شيئًا. قال: فخرَجنا فإذا فسطاطٌ مضروب، فدخلنا فإذا فيه محمد بن مسلمة، فسألناه عن ذلك، فقال: ما أريدُ أن يشتملَ علي شيءٌ من أمصاركم حتى تنجلي عما انجلت.\nفهذا الحديث يبيِّن أنَّ النبي -﵁- أخبر أنَّ محمد بن مسلمة لا تضرُّه الفتنة، وهو ممَّن اعتزلَ في القتال فلم يقاتل لا معَ عليٍّ ولا مع معاوية، كما اعتزل سعد ابن أبي وقاص، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن عمر، وأبو بكرة، وعمران بن حصين، وأكثر السابقين الأولين.\nوهذا يدلُّ على أنه ليس هناك قتالٌ واجبٌ ولا مستحب، إذ لو كان كذلك لم يكن تركُ ذلك مما يُمدَحُ به الرجل، بل كان من فعل الواجب أو المستحب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (١٩) من حديث أبي سعيد الخدري -﵁-.\n(^٢) الفتاوى الكبرى (٣/ ٥٦٠).\n(^٣) أخرجه أبو داود (٤٦٦٣).","vol":"1","page":342},{"text":"أفضل ممن تركه، ودلَّ ذلك على أنَّ القتال قتالُ فتنة.\nكما ثبت في الصحيح عن النبي -﵁- أنه قال: «ستكونُ فتنةٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي خيرٌ من الساعي، والساعي خيرٌ من الموضع» (^١)، وأمثالُ ذلك من الأحاديث الصحيحة التي تبين أنَّ تركَ القتال كان خيرًا من فعلهِ من الجانبين، وعلى هذا جمهورُ أئمة أهلِ الحديث والسُّنة؛ وهذا مذهبُ مالك، والثوري وأحمد وغيرهم» (^٢).\nالاستدراك الرابع والثلاثون:\nقال الدكتور حاكم العبيسان: «وكل ذلك يؤكد رسوخ مبدأ المشروعية، وهو أن تكون أوامر السلطة في الدولة الإسلامية لا تتعارضُ مع القانون الأعلى والدستور الأسمى، وهو الكتابُ والسُّنة الذي يخضعُ لحكمهما الأمة والإمام على حدٍّ سواء، ويحتكمان إليها عند الاختلاف والنزاع.\nفطاعةُ السلطة واجبةٌ إذا أمرت بالحقِّ والعدل أو الخير والمصلحة، وتفقدُ حقَّ الطاعة إذا أمرتْ بالظُّلم أو الباطل أو الشرِّ أو المفسدة.\nولهذا قال أبو بكر في أول خطبة له: وإن أسأتُ فقوِّموني. وقال عمر: لن يعجز الناسُ أن يولُّوا رجلًا منهم؛ فإن استقام اتَّبعوه، وإن جنفَ - أي مال - قتلوه، فقال طلحة: وما عليكَ لو قلتَ: إن تعرج عزلوه؟ فقال عمر: لا القتل أنكَلُ لمن بعده.\n_________\n(^١) سبق تخريجه (ص: ٣٤١).\n(^٢) منهاج السنة النبوية (١/ ٥٤١).","vol":"1","page":343},{"text":"وقد جاء الأشعث ومعه جماعة من أهل الكوفة إلى عمر يطلبون منه عزلَ سعد بن أبي وقاص أمير الكوفة، وبطل القادسية، وخال رسول الله -ﷺ-، فعزَلَهُ عمرُ نزولًا عند رغبتهم، مع ثقتهِ بسعد، ثم سألهم فقال: إذا كان الإمام عليكم فجَارَ ومنعكُم حقَّكم وأساءَ صُحبتكم ما تصنعون به؟ قالوا: إنْ رأينا جَورًا صبرنا. فقال عمر: «لا واللهِ الذي لا إله إلا هو، لا تكونون شهداء في الأرض حتى تأخذوهُم كأخذِهم إيَّاكم، وتضربوهم في الحقِّ كضربهم إيَّاكم وإلَّا فلا» (^١).\nفي هذا عدة أمور:\nالأمر الأول: خطأ تعريفه للمعروف الذي تجبُ فيه الطاعة، وهو قوله: الخير والحقُّ والعدل. كما سبق بيانه (^٢) وأنه مخالفٌ لمنهج أهل السنة الذين يفسِّرون المعروف بأنه: كل ما ليس معصية؛ فيدخلُ المباحُ في المعروف الذي يجبُ السمع والطاعة للحاكم فيه.\nالأمر الثاني: أورد أثرين عن عمر بن الخطاب فيهما تقويمُ الحاكم والسلطان بالسَّيف؛ ولا يصحَّان - كما تقدم - (^٣).\nالأمر الثالث: أورد أثر أبي بكر لما قال: «فقوِّموني» سبقَ الكلام عليه (^٤)، وأنه لا دلالة فيه؛ لأنَّ المراد بالتقويم أي بالنصيحة بالطرق الشرعية لأجل ضعف رواية التقويم بالسَّيف؛ وأيضًا ليتوافق مع بقية الأدلة.\n_________\n(^١) (ص: ٦٨).\n(^٢) تقدم (ص: ٧٥).\n(^٣) تقدم (ص: ٢٠٠، ٢٠١).\n(^٤) تقدم (ص: ٣٢٢).","vol":"1","page":344},{"text":"الاستدراك الخامس والثلاثون:\nقال الدكتور حاكم: «حق الأمة في خلعها والخروج عليها إذا تجاوزت حدودَ ما أنزل الله، وأظهرتْ كفرًا بواحًا؛ وهو المعصية الظاهرة كما في بعض الروايات. قال النووي: المراد بالكفر هنا المعاصي» (^١).\nفي هذا الكلام أمران:\nالأمر الأول: جعلَ المعصية سببًا للخروج والخلع، وتقدَّم حكاية الأدلة، وإجماعاتُ أهل السنة أن الخروج والخلع لا يجوزان لأجل المعصية التي دون الكفر (^٢).\nالأمر الثاني: نقل كلام النووي ليبيِّن أنَّ الكفر البواح شاملٌ للمعصية ثم بعد ذلك فرَّعَ عليه جواز الخروج على السلطان لفسقهِ ومعاصيه، وهذا الذي يقرِّره غريبٌ من جهة فَهْم الحديث ومعتقدِ أهل السنة؛ لما تقدَّم من ذكرِ الأحاديث المتواترة وإجماعات أهل السنة على عدم جواز الخروج لأيِّ معصيةٍ ما لم تكن كفرًا بواحًا (^٣).\nأما من جهة فَهْمِ كلام النووي فقد قرَّر شمولَهُ للمعصية؛ لأنَّ النووي يقرِّر أن الحديث في المناصحة للحاكم لافي الخروج على الحاكم؛ فإنه يخصُّ جوازَ الخروج عليه بالكفر البواح؛ فإنه نقلَ بعدَهُ الإجماعَ على عدم الخروج على الحاكم لأجل الفسق فقال: «ومعناهما (كفرًا ظاهرًا) والمراد بالكفر هنا المعاصي، ومعنى «عندكُم من اللهِ فيه برهان» أي تعلَمونهُ من دين الله تعالى.\n_________\n(^١) (ص: ٦٩).\n(^٢) تقدم (ص: ٣٥).\n(^٣) تقدم (ص: ٣٩).","vol":"1","page":345},{"text":"ومعنى الحديث: لا تُنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم ولا تعترضوا عليهم إلَّا أن تروا منهم منكرًا محقَّقًا تعلَمونهُ من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكِروهُ عليهم وقولوا بالحقِّ حيث ما كنتم، وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرامٌ بإجماع المسلمين وإن كانوا فسَقةً ظالمين، وقد تظاهرت الأحاديثُ بمعنى ما ذكرته، وأجمعَ أهلُ السنة أنه لا ينعزلُ السلطانُ بالفسق» (^١).\nوحاكم العبيسان يقرِّر أنَّ الحديث في الخروج على الحاكم، ثم يقرِّر الكفرَ البواح بالمعصية، وهذا ما لا يصحُّ لما يلي:\nالأمر الأول: أنَّ الأصل في لفظ الكفر أن يُحمل على الكفر إلَّا بدليل، وليس هناك دليل يمنعُ حملَهُ على الكفر بل الأدلة تدلُّ على وجوب حملهِ على الكفر كما تقدَّم بيانها (^٢).\nالأمر الثاني: أن حمله على الكفر يتفقُ مع إجماع أهل السنة، وما كان كذلك فيجب حملُه عليه؛ لأنَّ إجماعَ أهل السنة حقٌّ وما يخالفهُ فهو باطل.\nالاستدراك السادس والثلاثون:\nقال الدكتور حاكم العبيسان: «قال الداودي: الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إنْ قُدِرَ على خلعهِ بغير فتنة ولا ظُلم وجبَ وإلَّا وجبَ الصَّبر» (^٣).\nوهذا الذي نقلَهُ عن الداودي بواسطة (فتح الباري) خطأ من الداودي، ولو أكملَ النقلَ لظهَر أنَّ ابن حجر لم يوافقه فقال: «والصحيحُ المنع إلَّا أن يكفر\n_________\n(^١) شرح النووي على صحيح مسلم (١٢/ ٢٢٩).\n(^٢) تقدم (ص: ٢١٤).\n(^٣) (ص: ٦٩).","vol":"1","page":346},{"text":"فيجب الخروج عليه».\nوكلام الداودي مخالفٌ للأدلة الكثيرة وإجماعِ أهل السنة كما تقدم (^١)، وتقدَّم أنَّ بعضَ المتأخرين زلَّ في هذه المسائل فلا يُرجع إليهم، ولا يُعتمد عليهم، مثل خطئهم في مسائل العقائد الأخرى كتأويل الصفات (^٢).\nالاستدراك السابع والثلاثون:\nقال الدكتور حاكم: «أما إن كفَر الإمامُ أو غيَّر الشريعة، أو عطَّلها = فيجبُ الخروج عليه بالإجماع.\nقال القاضي عياض: أجمع العلماء على أنه لو طرأَ عليه كفرٌ أو تغييرٌ للشرع أو بدعة؛ خرجَ عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجبَ على المسلمين القيامُ عليه وخلعهُ، ونصبُ إمام عادل إنْ أمكَنهُم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلَّا لطائفةٍ وجبَ عليهم بخلع الكافر، وقال ابن حجر: ينعزلُ بالكُفر إجماعًا، فيجب على كلِّ مسلمٍ القيامُ في ذلك» (^٣).\nهذا الكلام فيه عدة أمور:\nالأمر الأول: إنَّ عزْلَ الحاكم بالكفر واجبٌ بالإجماع - وقد تقدَّم (^٤)، بخلافِ البدعة والفسق، فلا يُعزل بها بالإجماع - كما تقدم - (^٥)، والنقلُ عن القاضي عياض\n_________\n(^١) تقدم (ص: ١٨١).\n(^٢) تقدم (ص: ٢٧٥).\n(^٣) (ص: ٦٩).\n(^٤) تقدم (ص: ٣١).\n(^٥) تقدم (ص: ٤٤، ١٨١).","vol":"1","page":347},{"text":"في الخروج على الحاكم الذي وقعَ في البدعة مما لا يصحُّ الاعتماد عليه - كما تقدم بيانه - (^١)؛ لأنه مخالف للأدلة وإجماع أهل السنة.\nالأمر الثاني: ذكر القاضي عياض: أنه يُخرج عليه إذا غيَّر الشرع.\nهذا لفظٌ مجمَل إن أراد أنَّه غيَّرهُ تغييرًا كفريًّا؛ بأن صار الحاكم كافرًا = فصحيح.\nوإن أراد بأنَّه غيَّره تغييرًا بدعيًّا بأن صارَ الحاكمُ مبتدعًا لا كافرًا = فكلامه خطأ وزلَّة كما تقدم في الأمر السابق.\nالأمر الثالث: قول حاكم العبيسان: «أو غيَّر الشريعة أو عطَّلها فيجبُ الخروج عليه بالإجماع».\nتقدَّم أن التكفير بهذا هو قولُ الخوارج كما قاله الإمام ابن باز (^٢).\nثم يقال: «على القول بأنَّ التكفير به معتبر؛ إنَّ التكفير بهذا هو مما اختُلف فيه بين أهل العلم؛ والخلافُ يمنع من تكفير الأعيان، والدكتور يكفِّر بهذا، وتقدَّم أن قولَ أهل السنة أنه لا يكون كافرًا (^٣)، وبناءً على رأي الدكتور الخطأ في هذه المسألة أوهمَ أنَّ كلامَ الحافظ في الكافر شامل لهذا.\nوالواقع أنَّ الإجماع الذي يحكيه الدكتور استنادًا على كلام الحافظ = إجماعٌ مركَّب من عنده، ومن بُنيَّاتِ خياله، أما كلام القاضي عياض فسبقَ توجيههُ وردُّه (^٤)؛ ولو سُلِّم أنَّ الحافظ حكى الإجماعَ لقيل فيه ما قيل في القاضي عياض.\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٢٥٩).\n(^٢) تقدم (ص: ٨٤).\n(^٣) تقدم (ص: ٨٦).\n(^٤) تقدم (ص: ٢٥٩).","vol":"1","page":348},{"text":"الاستدراك الثامن والثلاثون:\nقال الدكتور حاكم: «وقد كان الصحابي عبادة بن الصامت يحدِّث بهذا الحديث في الشام وينكرُ على معاوية -﵁- أشياء علانية، ويحتجُّ بحديث البيعة هذا، فكتب معاوية إلى عثمان: إنَّ عبادة بن الصامت قد أفسدَ عليَّ الشام وأهله. فلما جاء عبادة إلى عثمان قال له: سمعت النبي -ﷺ- يقول: «إنَّه سَيَلي أمورَكُم بعدي رجالٌ يعرِّفونكُم ما تنكرون، وينكرون عليكم ما تعرفون، فلا طاعةَ لمن عصى الله ﵎، فلا تعتلوا بربِّكم»، وقال ابن عباس: قال النبي -ﷺ-: «سيكونُ أمراء تعرفون وتنكرون، فمَن نابذَهم نجا، ومن اعتزلَهم سَلِم، ومن خالطَهُم هلك»، والمنابذة هنا المقاومة والتصدِّي للانحراف.\nوقد كان الصحابة -﵃- يتصدون للانحراف وإنْ صدرَ من الخلفاء أو الأمراء، وقد أنكرَ بعضُهم على مروان بن الحكم في يوم العيد، فقال أبو سعيد الخدري يقول: «مَنْ رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعفُ الإيمان».\nقال النووي في شرحه: «تطابقَ على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتابُ والسنةُ وإجماعُ الأمة، وهو أيضًا من النصيحة التي هي من الدين .. قال العلماء: ولا يختصُ الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر بأصحاب الولايات، بل ذلك جائزٌ لآحاد المسلمين، قال إمام الحرمين: والدليل عليه إجماعُ المسلمين، فإنَّ غير الولاة في الصَّدر الأول والعصرِ الذي يليه كانوا يأمرون بالمعروف وينهونهم عن المنكر، مع تقرير المسلمين إيَّاهم وتركِ توبيخهم على التشاغُل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ولاية» (^١).\n_________\n(^١) (ص: ٧٠).","vol":"1","page":349},{"text":"في هذا عدة أمور:\nالأمر الأول: ما ذكره من حديث عبادة بن الصامت مع معاوية وعثمان = حديث ضعيف ولا يصحُّ الاعتماد عليه روايةً ولا درايةً - كما سبق بيانه - (^١).\nالأمر الثاني: ذكر الدكتور حديث ابن عباس: «سيكون أمراءُ تعرفون وتنكرون، فمَن نابذَهُم نجا، ومَن اعتزلهم سَلِمَ، ومَن خالطَهُم هلك»، وهو حديثٌ ضعيف ولا يصحُّ الاعتمادُ عليه روايةً ولا درايةً - كما سبق بيانه - (^٢).\nالأمر الثالث: ذكر أنَّ الصحابة يتصدَّرون لإنكار المنكر، وهذا حقٌّ؛ وشواهدُ هذا كثيرة، لكن بالضابط الشرعي، وهو أن يكون إنكارهُ على السُّلطان أمامه لا وراءه كما تقدم (^٣).\nالأمر الرابع: تصحيح العلامة الألباني لحديث: «فلا طاعة لمن عصى الله»، والمرادُ لا طاعةَ في المعصية نفسها دون غيرها - كما تقدم بيانه - (^٤) لأدلةٍ أخرى؛ والشريعةُ يفسِّر بعضُها بعضًا، ولأجلِ إجماع أهل السنة كما تقدم (^٥).\nالاستدراك التاسع والثلاثون:\nقال الدكتور حاكم: «وروى ابن مسعود عن النبي -ﷺ- أنه قال: «ما من نبيٍّ بعثَهُ الله في أمةٍ قبلي إلَّا كان له من أمته حواريون وأصحاب، يأخذون بسُنَّته\n_________\n(^١) تقدم (ص: ١٢٥).\n(^٢) تقدم (ص: ٢١٥).\n(^٣) تقدم (ص: ٥٠).\n(^٤) تقدم (ص: ١٢٦).\n(^٥) تقدم (ص: ٣٩).","vol":"1","page":350},{"text":"ويقتدون بأمرهِ، ثمَّ إنها تَخلُفُ من بعدِهم خُلوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمرون، ومَن جاهدَهُم بيده فهو مؤمن، ومَن جاهدَهُم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهَدهُم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراءَ ذلك من الإيمان حبَّة خردل»، وفي رواية: «خوالفُ أمراء يقولونَ ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون».\nقال ابن رجب الحنبلي: وهذا يدلُّ على جهاد الأمراء باليد، وقد استنكر أحمد هذا الحديث … وقد يُجابُ عن ذلك بأنَّ التغيير باليد لا يستلزمُ القتال، وقد نصَّ على ذلك أحمد أيضًا فقال: التغيير باليد وليس بالسيف والسلاح، فحينئذ فجهاد الأمراء باليد … أن يُبطل بيده ما أمروا به من الظُّلم إنْ كان له قدرةٌ على ذلك، وكلُّ ذلك جائز، وليس هو من باب قتالهم ولا الخروج عليهم» (^١).\nتقدَّم بيان معنى هذا الحديث (^٢)، والردُّ على من أراد أن يستند عليه للخروج على الحاكم المسلم، ولو كان فاسقًا، ثم نقل كلام ابن رجب وهو عليه؛ لأنه يقرر حُرمة الخروج، وهذا مخالفٌ لكلام حاكم العبيسان.\nوإن إيراد الدكتور هذا الحديث لبيان جواز الإنكار على السلطان والوالي بغير الطرق الشرعية التي سبق ذكرها = خطأ ظاهر، وذلك أنه على أحد المعاني لهذا الحديث يكونُ المرادُ إبطال ما أَتوا من المعاصي؛ كآلاتِ الملاهي وإراقةِ الخمور وهكذا … إذا كانت هناك قدرةٌ ولم تترتب عليه مفسدة أكبر.\nقال ابن رجب: «وقد يُجاب عن ذلك بأن التغيير باليد لا يستلزم القتال، وقد نصَّ على ذلك أحمد أيضًا في رواية صالح، فقال: التغيير باليد ليس بالسيف\n_________\n(^١) (ص: ٧١).\n(^٢) تقدم (ص: ١٩٨).","vol":"1","page":351},{"text":"والسلاح، وحينئذٍ فجهادُ الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل أن يُريقَ خمورَهُم أو يكسرَ آلاتِ الملاهي التي لهم، ونحو ذلك، أو يُبطلَ بيده ما أمروا به من الظلم إن كان له قدرة على ذلك، وكل هذا جائز، وليس هو من باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي وردَ النهيُ عنه، فإن هذا أكثر ما يخشى منه أن يُقتل الآمرُ وحدَه» (^١).\nويقال أيضًا: إنَّ هذا الحديث عامٌّ للحاكم وغيره؛ ويستثنى منه الحاكم للأدلة الخاصَّة في الصَّبر على جَوره، وتقدم ذكر أوجهٍ في توجيه الحديث (^٢).\nوقد تقدم أن الذي ضعَّفه أحمد غير اللفظ الذي أخرجه مسلم؛ والذي ضعَّفه فيه لفظ (أمراء) (^٣).\nالاستدراك الأربعون:\nنقل حاكم العبيسان (^٤) كلامًا للشيخ عبد الله ابن الإمام محمد بن عبد الوهاب يقرِّر فيه أنَّ الخروجَ على الحاكم مسألة خلافية، وهو متابعٌ لابن حزم في نسبة هذه الأقوال، وتقدَّم بيانُ عدم صحَّة هذه النسبة لأكثر هؤلاء، وتوجيهُ مَنْ ثبتَ عنه هذا القول، وأنَّ المسألة ليست خلافية بإجماعِ السلف؛ والأدلةُ متكاثرة على عدم جواز الخروج (^٥).\n_________\n(^١) جامع العلوم والحكم (٢/ ٢٤٨).\n(^٢) تقدم (ص: ١٩٨).\n(^٣) تقدم (ص: ١٩٩).\n(^٤) (ص: ٧٢).\n(^٥) تقدم (ص: ٣٩).","vol":"1","page":352},{"text":"الاستدراك الحادي والأربعون:\nقال الدكتور: «قال ابن حزم: «الإمام واجبٌ طاعتهُ ما قادنا بكتاب الله وسُنة رسوله -ﷺ-، فإنْ زاغَ عن شيء منهما مُنع من ذلك، وأُقيم عليه الحدُّ والحقُّ، فإن لم يؤمَن أذاهُ إلَّا بخلعه، خُلع وولِّي غيره».\nوقال أيضًا: «والواجبُ إنْ وقعَ شيء من الجور وإن قلَّ أن يكلَّم الإمام في ذلك ويُمنع منه، فإن امتنع وراجعَ الحقَّ وأذعنَ للقود من البشرة أو من الأعضاء، أو لإقامة حد الزنى والقذف والخمر عليه، فلا سبيلَ إلى خلعهِ وهو إمامٌ كما كان لا يحلُّ خلعهُ، فإن امتنع من إنفاذِ شيء من هذه الواجبات عليه ولم يراجع، وجبَ خلعهُ، وإقامةُ غيرهِ ممن يقومُ بالحق» (^١)، تقدَّم الردُّ على ابنِ حزمٍ وبيانُ بطلانِ أدلته (^٢).\nالاستدراك الثاني والأربعون:\nقال الدكتور: «فلا يمكن قتلُ إنسان لمعارضتهِ للسلطة، أو حتى محاولته الاعتداء على رجال السُّلطة دون القتل، ولهذا لم تعرف الدولة الإسلامية في المرحلة الأولى من الخطاب السياسي الممثِّل لتعاليم الدين المنزَّل أيَّ حادثةِ قتلِ سياسي لمن يعارضُ السلطة، وقد رفضَ النبي -ﷺ- أن يتعرَّض للمعارضين له داخلَ المدينة، ممن كانوا يتظاهرون بالإسلام وهم يحرِّضون على إخراج النبي -ﷺ- من المدينة» (^٣).\n_________\n(^١) (ص: ٧٢).\n(^٢) تقدم (ص: ٩٨).\n(^٣) (ص: ٨٨).","vol":"1","page":353},{"text":"هذا الكلام مجمَلٌ ويحتاجُ إلى تفصيل؛ فإنه لا يلزم من ألَّا يُقتلَ أن يكون فعلُه صوابًا، أو لا يعاقب بما دون القتل. فقد يُعاقبُ تعزيرًا من الإمام أو القاضي بحسب المصلحة، فإذًا لا يُستدل بعدم القتل على صحة الفعل؛ فإذا لم يقتلوا المعارضَ سياسيًّا فليس معناه صحَّة فعلهِ شرعًا.\nثم لابد أن يفرَّق بين هذا وبين مَنْ جاء لتفريقِ الصَّف ومنازعة الحاكم في حكمه، فمثلهُ يقتل - كما تقدم - (^١)، وهو من المفسدين في الأرض. وحقيقة كلامه هذا أنه تكرار لما مضى لكن مع الإجمال والتعمية.\nالاستدراك الثالث والأربعون:\nقال الدكتور: «وقد أرسلَ عثمان -﵁- عمارَ بن ياسر إلى أهل مصر لمَّا ظهرت المعارضة فيها، لسياسة عثمان فانضمَّ عمار للمعارضة، فكتبَ أمير مصر ابن أبي السرح إلى عثمان يستأذنه بعقوبة عمار وأصحابه أو قتلهِم، فكتب إليه الخليفة: بئسَ الرأيُ رأيتَ من آذن لك بعقوبة عمّار وأصحابه. وفي رواية: فأحسِنْ صُحبتهم ما صَحبوك، فإذا أرادوا الرحلة فأحسِن جهازهم، وإيَّاك أن يأتيني عنكَ خلافُ ما كتبت به إليك» (^٢).\nثم قال في حاشية «بئس الرأي رأيت»: [المصدر السابق (تاريخ المدينة لابن شبة) (٣/ ١١٢٣) بإسناد صحيح]، وقال في حاشية: ««فأحسن صحبتهم»: [المصدر السابق (٣/ ١١٢٣) بإسناد حسن]».\n_________\n(^١) تقدم (ص: ١٩١).\n(^٢) (ص: ٨٩).","vol":"1","page":354},{"text":"وفي هذا أمران:\nالأمر الأول: قولُ عثمان: «بئسَ الرأيُ رأيتَ …» صحَّحها الدكتور حاكم العبيسان، وليس الأمر كذلك، فإن الإسناد منقطع؛ لأنَّ محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان لم يسمع من عثمان، فروايتهُ مرسلة ضعيفة، قال أبو زرعة: «عن عثمان مرسل» (^١).\nالأمر الثاني: قول عثمان: فأحسِنْ صُحبتهم ما صحبوك … حسَّن الدكتور إسناده، وليس كذلك بل هو ضعيف لسببين:\nالسبب الأول: أنَّ صالح بن كيسان لم يدرك زمن عثمان -﵁-، بل ولد بعد وفاة عثمان، فإنَّ وفاته بعد المائة والثلاثين للهجرة أو المائة والأربعين - كما في ترجمته - وهو لم يبلغ من العمر التسعين من عمره، كما قاله الذهبي (^٢).\nالسبب الثاني: أنَّ شيخ ابن شبة هو معمر بن بكار السعدي؛ قال ابن حجر في لسان الميزان: «معمر بن بكار السعدي شيخ لمطين صويلح».\nقال العقيلي: «في حديثه وهم، وَلا يتابع على أكثره». انتهى، وذكره ابن أبي حاتم فلم يذكر فيه جرحًا، وذكره ابنُ حِبَّان في الثقات وقال: «روى عن إبراهيم ابن سعد، وَغيره» (^٣).\n_________\n(^١) جامع التحصيل (ص: ٢٦٥).\n(^٢) سير أعلام النبلاء (١٠/ ٦٣).\n(^٣) لسان الميزان (٦/ ٦٦).","vol":"1","page":355},{"text":"الاستدراك الرابع والأربعون:\nقال الدكتور: «وكلُّ ما سبقَ يؤكِّد رسوخَ مبدأ حُرمة النفس الإنسانية، وأنه لا حقَّ للسلطة في الدولة الإسلامية باستحلال قتلِ أو تعذيبِ أحدٍ أو اضطهادِ المعارضةِ السياسية، لمجرَّد معارضتها الحاكم وسياستها أو رفضها لحكمه» (^١).\nيكرر أنَّ الشريعة لم تأت بقتل المعارضِ للسلطان وحُكمه، فيستنبِطُ من هذا جهلًا أو تدليسًا جوازَ المعارضة للسلطان!!.\nوالجواب على هذا من أوجه:\nالوجه الأول: ليس كلُّ ما لم تحكُم عليه الشريعة بالقتل فيجوزُ فعله؛ بل قد يكون محرمًا بأدلةٍ أخرى.\nفإذا كان كذلك فيجبُ إنكاره وإن كان لا يقتل، وهذا من البدهيات شرعًا، فلا قتلَ على الغيبة واللَّعن، ومع ذلك يحرمُ قولهما ويجبُ إنكارهما، وهذا مثل عدم القتل بمعارضة السلطان أو رفض حكمه - وفي المسألة تفصيل - فلا يدل على جوازه باسم الحرية المدَّعاة.\nالوجه الثاني: القول بعدم قتل المعارضة السياسية فيه تفصيل؛ فإن كانت المعارضة لإسقاط حكم الحاكم وتفريق الكلمة = فإنه يقتل، قال عرفجة الأشجعي: سمعتُ رسول الله -ﷺ-، يقول: «إنه ستكونُ هَناتٌ وهنات، فمَن أراد أن يفرِّقَ أمر هذه الأمة وهي جميعٌ، فاضربوه بالسَّيف كائنًا من كان». [أخرجه مسلم] (^٢).\n_________\n(^١) (ص: ٨٩).\n(^٢) سبق تخريجه (ص: ١٩١).","vol":"1","page":356},{"text":"أو كان المعارض يتبنَّى عقيدة الخروج على الحاكم المسلم، فإنه يستحقُّ القتل؛ لأنه مبتدع - وتقدَّم تفصيلُ هذه المسائل - (^١).\nأما إذا كانت المعارضة لعدم بيعة الحاكم أو انتقادِ بعض الأعمال التي يفعلُها الحاكم، فإنَّ هذا الفعل محرَّم ولا يوجبُ القتل.\nوإن كانت له مظلمة رُدَّت مظلمته، وإن لم تكن له مظلمة فإنه يؤدَّب، وقد يعفو عنه السلطان أو يدع عقوبته لمصلحةٍ يراها. وهذا الذي كان يفعله عثمان -﵁- فإنه فعل ما رأى المصلحة تقتضيه.\nوهذه الحرية يردِّدها حاكم العبيسان مُعرِضًا عن الأدلة المحكَمة الصريحة متشبِّثًا بشبهاتٍ واهيات، ولو كان منصفًا لردَّ المتشابه إلى المحكم.\nالاستدراك الخامس والأربعون:\nقال الدكتور: «كما له الحقُّ في الانتماء إلى أيِّ حزبٍ أو جماعةٍ شاء، فإذا جاز لغير المسلم الانتماء للأديان الأخرى والتحاكم إلى شرائعها الخاصة ورؤسائها في ظل الشريعة الإسلامية، فالانتماءُ إلى الجماعات الفكرية والسياسية جائزٌ من باب أولى، ولهذا السبب لم يعترض عثمان ولا علي -﵄- على الانتماء للجماعات السياسية أو الفكرية، كالخوارج إذ لم يرَ علي -﵁- أنَّ له حقًّا في منعهِم من مثل هذا الانتماء، ما لم يخرجوا على الدولة بالقوة، لوضوح مبدأ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.\nوالمقصود بالجواز والحق هنا الجوازُ والحقُّ القضائي الذي لا تستطيعُ السلطة مصادرته، لا الجواز ديانةً وإفتاءً؛ إذ يحرمُ الانتماء للخوارج وفرقِ أهل البدع، إلَّا\n_________\n(^١) تقدم (ص: ١٩١).","vol":"1","page":357},{"text":"أنَّ الصحابة لم يروا لهم عليهم سبيلًا في منعهِم من هذا الانتماء لقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، ولإجماع الصحابة -﵃- على عدم التعرُّض للخوارج ما لم يصولوا على الناس بالسيف» (^١).\nفي هذا الكلام المتناقض الواهي عدة أمور:\nالأمر الأول: فرقٌ في الشريعة بين أن يجتمعَ أقوامٌ يتعاونوا على البِّر والتقوى تحت حُكمِ الحاكم العام، ولم يمنع ذلك السلطان، ولا يكون بينهم ولاءٌ وبراء على هذا التجمع، فرقٌ بين هذا وبين التجمُّع الحزبي الذي لا يكون تحت حُكمِ الحاكم المسلم العام، بل ينفصلُ عنه ببيعةٍ أو ما في معناها، أو يكون الولاء والبراء على هذا الحزب، أو يكون هذا التحزب للتعاون على الإثم والعدوان من مناطحة السلطان.\nهذا النوع الثاني من التجمُّع تجمُّع محرَّم في الشريعة؛ لأنه لا بيعة في الشريعة إلَّا للحاكم العام، والبيعة الخاصة منازعة له، وكذا الحبُّ والبغض لله وفي الله لا في الأحزاب والتجمعات.\nوزيادةً على أنه محرَّم فهو بدعة أيضًا؛ لوجود المقتضي لفعله عند السلف ولم يفعلوه، ولا مانع يمنعهُم.\nالأمر الثاني: أنَّ الأحزاب السياسية إذا كانت تعمل لمناصحة الحاكم أو إظهارِ عيوبه وأخطائه، فهي أحزاب محرَّمة لما تقدَّم تقريرهُ من وجوب السَّمع والطاعة للحاكم (^٢)، وعدم نشرِ عيوبهِ وأخطائه وهكذا.\n_________\n(^١) (ص: ٩٣).\n(^٢) تقدم (ص: ٣٥).","vol":"1","page":358},{"text":"الأمر الثالث: أن محاولة تجويز الانتساب للأحزاب الكافرة؛ لأن الشريعة أقرَّت الكافر على كُفره إذا كان تحت حكمها؛ وهذا مردودٌ من أوجه:\nالوجه الأول: أنَّ بقاء الكافر على دينه وهو تحت حُكمِ المسلمين ذليلًا بضوابط معينة = أجازتهُ الشريعة لمصلحة أكبر إذا كان كتابيًّا، وألحقَ بهم العلماء المجوسَ لما وردَ فيهم من دليل؛ وهذا الإقرار من الشريعة والاكتفاء بأخذ الجزية منهم لمصلحةٍ أكبر وهي رجاءُ دخولهِ في الإسلام - لأنهم أقربُ للإسلام من غيرهم -، فإنَّ جماهير أهل العلم على عدمِ إقرار بقاء غيرهم على دينهم وعلى عدم قبول الجزية منهم.\nالوجه الثاني: فرَّقتْ الشريعة وسلفُ هذه الأمة بين الكفار وأهل البدع؛ وشددت في أهل البدع ما لم تشدِّد في الكفار؛ لأنه يُغترُّ بهم أكثر من غيرهم، فشدَّدت في الخوارج ما لم تشدِّد في الكفار وهكذا …\nقال شريك بن عبد الله النخعي: «لئن يكون في كلِّ قبيلة حمار أحبُّ إلي من أن يكون فيها رجلٌ من أصحاب أبي فلان رجل كان مبتدعًا».\nوقال مالك بن أنس: «لا تسلم على أهل الأهواء ولا تجالسهم إلَّا أن تغلظ عليهم، ولا يُعاد مريضُهم، ولا تحدث عنهم الأحاديث».\nوقال سفيان الثوري: «مَنْ أصغى بسمعهِ إلى صاحب بدعةٍ وهو يعلَم أنه صاحبُ بدعةٍ خرجَ من عصمة الله ووُكِلَ إلى نفسه».\nوقال الفضيل بن عياض: «لأن آكلَ عند اليهودي والنصراني أحبُّ إليّ من أن آكلَ عند صاحب بدعة، فإني إذا أكلت عندهما لا يُقتدى بي، وإذا أكلتُ عند صاحب بدعة اقتدى بي الناس، أحب أن يكون بيني وبين صاحب بدعةٍ حصنٌ","vol":"1","page":359},{"text":"من حديد» (^١).\nالوجه الثالث: إنَّ مقتضى إنكار المنكر ألَّا تُقرَّ الأحزاب غير الشرعية، فكلُّ دليلٍ يدلُّ على إنكار المنكر كقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وقال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] = يدلُّ على إنكار هذه التحزُّبات غير الشرعية.\nفإذا تُرك إنكارُ منكرٍ لمصلحة أكبر، فلا يدلُّ على عدم إنكار المنكرات، بل تبقى إنكارُ المنكرات على الأصل ما لم تعارضه مصلحةٌ أكبر، فإقرارُ الشريعة لأهل الكتاب والمجوس إذا أعطوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون لمصلحةٍ = لا يعني ألَّا ينكرَ التحزُّب المخالفُ للشريعة، وهذا بَدهيٌّ لو تحرَّر حاكم العبيسان من قيود الحرية الغالية المزعومة.\nالوجه الرابع: أنَّ غاية دليل الدكتور القياس؛ فقاسَ تجويزَ الشريعة انتسابَ الكافر إلى دينهِ على الانتساب للأحزاب، وهذا قياسٌ فاسد؛ لأنه مصادمٌ للدليل، وقد تقدَّم ذِكرُ الدليل على بطلان هذه التجمعات والأحزاب مع الأدلة المعروفة في إقرار الكفار الكتابيين إذا وافقوا على الجزية (^٢).\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «هؤلاء (الكفار من أهل الذمة) يقرُّون على دينهم المبتدع، والمنسوخ، مستسرِّين به، والمسلمُ لا يَقرُّ على مبتدع ولا منسوخ،\n_________\n(^١) أبو نعيم (٨/ ١٠٣).\n(^٢) تقدم (ص: ١٣٥).","vol":"1","page":360},{"text":"لا سرًّا ولا علانية، وأما مشابهة الكفار فكمشابهة أهلِ البدع وأشدُّ» (^١).\nوصدقَ الإمام أحمد لمَّا ذكرَ أن أكثر أخطاء الناس في القياس.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فرضي الله عن أحمد حيث يقول: ينبغي للمتكلم في الفقه أن يجتنب هذين الأصلين: المجمَل، والقياس، وقال أيضا: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس» (^٢).\nالأمر الرابع: زعم أنَّ عثمان وعليًّا لم يعترضا على الخوارج، ثم قال: «والمقصود بالجواز والحق هنا الجوازُ والحقُّ القضائي الذي لا تستطيع السُّلطة مصادرته، لا الجواز ديانةً وإفتاءً؛ إذ يحرمُ الانتماءُ للخوارج وفرقِ أهل البدع، إلا أنَّ الصحابة لم يروا لهم عليهم سبيلًا في منعهم من هذا الانتماء لقوله تعالى ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾».\nهذا تناقضٌ لأنه إذا كان محرَّمًا فيجبُ إنكاره، فإنَّ هذا أعظم مقصدٍ من مقاصد الولاية؛ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - كما تقدم نقله عن العلماء (^٣) - فكيف يكون منكرًا ويتركان إنكاره.\nوإنَّما غاية الأمر أنهم تركوا قتالهم لمصلحة؛ وهذا لا يعني أنه لا يجوز إنكاره وردعُهم إذا زالت هذه المصلحة، فلما نهى رسول الله -ﷺ- الصحابة عن الإنكار على الأعرابي الذي بالَ في المسجد لمصلحة، فهذا لا يعني أنَّ البول في المسجد لا ينكر إذا زالت المصلحة المانعة من الإنكار.\n_________\n(^١) اقتضاء الصراط المستقيم (١/ ٥٣١).\n(^٢) القواعد النورانية (ص: ٢٥٥).\n(^٣) تقدم (ص: ٢٧).","vol":"1","page":361},{"text":"الأمر الخامس: لازمُ هذا التقرير والاستدلال بقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ألَّا تُنكَر أماكن الزنى والدعارة والربا، وأن يُسمح نظاميًّا ببناء الكنائس في بلاد المسلمين وكذا الحسينيات الرافضية والمدارس العلمانية واللبرالية وهكذا .. وهذه لوازمُ باطلة، فالدكتور ما بين أن يلتزمها، فيكون مصادمًا للشريعة متابعًا لدعاة الحرية المكذوبة وهم الليبرالية والعلمانية، أو ألَّا يلتزمها فيعود هذا على كلامه بالنقض.\nالأمر السادس: تقدَّم الجواب (^١) على قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ وليس فيها حجَّة على السماح بالمحرمات باسم الحرية.\nالأمر السابع: أن مذهب عمر جوازُ قتلِ الخارجي؛ لأنه خارجي - كما تقدم نقل هذا عنه، وإقرار ابن تيمية وابن قدامة به (^٢) - ولم يقل عمر لم أقتله لأجل الحرية، لكن الصحابة لم يقاتلوا الخوارج إذا تجمَّعوا وصاروا جماعة حتى يبدؤوا بالسيف، وهذا لا يعني أنه لا ينكر عليهم ولا يناصحون كما فعل ابن عباس لما أرسله علي بن أبي طالب ﵃ أجمعين.\nالاستدراك السادس والأربعون:\nقال الدكتور: «وقد انتهى عصر الخلفاء الراشدين سنة ٤٠ هـ، وبدأ العصر الأموي حيث بدأ تراجعُ الخطاب السياسي الممثِّل لتعاليم الدين المنزل، وبدأ خطاب سياسي يمثل تعاليم الدين المؤول حيث بدأ الاستدلال بالنصوص على غير الوجه الصحيح الذي أراد الله ورسوله -ﷺ-: «أول مَنْ يغير سنَّتي رجلٌ من بني أمية».\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣١٤).\n(^٢) تقدم (ص: ١٩٤).","vol":"1","page":362},{"text":"وقد بدأت هذه المرحلة بعد عهد الخليفة الراشد عبد الله بن الزبير» (^١).\nوفي هذا الكلام عدة أمور:\nالأمر الأول: أنه ذمَّ خالَ المؤمنين معاوية بن أبي سفيان؛ لأنه جعلَ الحكمَ في ابنه بالإرث وهذا ليس مذمومًا؛ لأن فعله لمصلحة - كما تقدَّم نقلُ كلامِ ابن خلدون (^٢) - ولو كان محبًّا لمعاوية، وعارفًا قدرَهُ ومنزلته؛ لحملَ فعله على المحمَل الحسن، لكنه أبى إلَّا القدح فيه - بقصدٍ أو بغير قصد - وجعل خلافته ابتداء للخطاب السياسي المؤول.\nالأمر الثاني: أنه لو ثبت حديث: «أوَّل من يغير سنَّتي رجلٌ من بني أمية» فليس لازمًا أن ينزله على معاوية، فقد تلاه حكَّام وولاة من بني أمية هم أَولى أن ينزل عليهم منه -﵁- لاسيما وهو أفضلُ ملوك الإسلام بالإجماع.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «واتفق العلماء على أنَّ معاوية أفضلُ ملوك هذه الأمة» (^٣)، فلماذا الإصرارُ في تنزيل الحديث على معاوية؟\nهل كل هذا الغضب عليه لأنه جعلَ الولاية إرثًا لابنه يزيد - مع أنَّ هذا مقتضى المصلحة -، فلما وجد المعارض زلَّة لأحدٍ أهل العلم بأن جعل المراد معاوية طارَ بها فرحًا ونشرًا، بدلَ سترها وإخفائها؛ لئلا يُنال من خال المؤمنين.\n_________\n(^١) (ص: ١٠٧).\n(^٢) تقدم (ص: ١٣٩).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٧٨).","vol":"1","page":363},{"text":"مع أنَّ كلامَ جمعٍ من العلماء أنَّ المراد بالحديث يزيد - مثل البيهقي - ودافع ابنُ كثير عن هذا القول فقال: «قال البيهقي: ويشبه أن يكونَ هذا الرجلُ هو يزيد بن معاوية بن أبي سفيان» (^١).\nفهل كلُّ هذا يَخفى على مَنْ تتبَّع كتاب (البداية والنهاية) والتقطَ منه الشُّبهات بالمنقاش؟!\nالأمر الثالث: قد طعنَ في الحديث جماعة؛ فقد ضعَّفه ابن كثير فقال: «وهذا منقطعٌ بين أبي العالية وأبي ذر» (^٢)، وقال أيضًا بعد أن ذكره: «وكذا رواه البخاري في (التاريخ)، وأبو يعلى عن محمد بن المثنى، عن عبد الوهاب، ثم قال البخاري: والحديثُ معلول، ولا يُعرف أنَّ أبا ذر قدِمَ الشام زمن عمر بن الخطاب، قال:\n«وقد مات يزيد بن أبي سفيان زمنَ عمر، فولَّى مكانه أخاه معاوية».\nوقال عباس الدوري: «سألتُ ابنَ معين: أسَمِعَ أبو العالية من أبي ذر؟ قال: لا، إنما يروي عن أبي مسلم عنه، قلت: فمَن أبو مسلم هذا؟ قال: لا أدري».\nوقد أوردَ ابنُ عساكر أحاديثَ في ذمِّ يزيد بن معاوية، كلُّها موضوعة، لا يصحُّ شيء منها، وأجودُ ما وردَ ما ذكرناه؛ على ضعفِ أسانيده وانقطاعِ بعضهِ\n- والله أعلم -» (^٣).\n_________\n(^١) البداية والنهاية (٩/ ٢٣٤).\n(^٢) البداية والنهاية (٩/ ٢٣٤).\n(^٣) البداية والنهاية (١١/ ٦٤٩).","vol":"1","page":364},{"text":"الاستدراك السابع والأربعون:\nحاولَ في كتابه الفرقان (^١) إثبات حديث: «أوَّل مَنْ يغيِّر سُنَّتي رجلٌ من بني أمية» ببحثٍ فيه تدليس - بقصدٍ أو بغير قصد - وتهرَّب من كلام البخاري بحجَّة أنه لم يجزم بعدمِ السماع، وتركَ كلام ابن معين الذي جزمَ بعدم السماع ولم يتعرض له، وأيضًا اعتمدَ توثيق أبي مسلم بناءً على توثيق المعروفين بالتساهل كابن حبان أو من وثَّقه ضمنًا - أي من باب اللازم - كصنيع ابن خزيمة؛ أو توثيق متأخِّر كالذهبي وتركَ - هوًى وبغيًا - تجهيلَ ابن معين وهو إمامُ هذا الفن وفارسٌ من فرسانه.\nومن عدمِ إنصافهِ شكَّك في نقل ابن كثير عن البخاري قوله: «هذا حديث معلول» بحجَّة أنها ليست من عباراتِ البخاري مع إقراره أنها وُجدتْ مرَّةً في كلامه.\nفيُقال جوابًا على سفسطته هذه: إذًا لتكن هذه المرة الثانية؛ فما الفرق بين المرة والمرتين؟.\nإلى آخر كلامه الركيكِ الذي تفوحُ منه رائحة الهوى.\nوعلى كلٍّ الخلافُ في تصحيح الحديث وتضعيفه أمرٌ سهل لكن الإشكال في التدليس والتكلُّف في طريقة التصحيح.\n_________\n(^١) (ص: ٦٠).","vol":"1","page":365},{"text":"الاستدراك الثامن والأربعون:\nينقل الدكتور آثارًا لعلي بن أبي طالب من كتاب نهج البلاغة (^١)، وهذا الكتابُ مما لا يُعتمد عليه.\nقال الذهبي: «قلت: هو جامع كتاب (نهج البلاغة)، المنسوبة ألفاظُه إلى الإمام علي -﵁-، ولا أسانيدَ لذلك، وبعضُها باطل، وفيه حقٌّ، ولكن فيه موضوعات حاشا الإمام من النطق بها، ولكن أين المنصف؟! وقيل: بل جمعُ أخيه الشريف الرضي» (^٢)، وقال أيضًا: «على بن الحسين العلوي الحسينى الشريف المرتضى المتكلم الرافضى المعتزلي، صاحب التصانيف. حدث عن سهل الديباجي، والمرزباني، وغيرهما.\nوولي نقابة العلوية، ومات سنة ست وثلاثين وأربعمائة، عن إحدى وثمانين سنة، وهو المتَّهم بوضع كتاب نهج البلاغة، وله مشاركة قوية في العلوم، ومَن طالع كتابه نهج البلاغة جزم بأنه مكذوب على أمير المؤمنين علي -﵁-، ففيه السبُّ الصُّراح والحطَّ على السَّيدين: أبي بكر، وعمر -﵄-، وفيه من التناقض والأشياء الركيكة والعبارات التي من له معرفةٌ بنفَسِ القرشيين الصحابة وبنفَس غيرهم ممن بعدَهم من المتأخرين جزَم بأنَّ الكتاب أكثرهُ باطل» (^٣).\nفهل يصحُّ أن يُستند إلى كتابٍ هذا حالُه؟!؛ لكن الهوى جعلَهُ يعتمد عليه، لأن فيه ما ينصرُ هواه.\n_________\n(^١) (ص: ١٠٩).\n(^٢) سير أعلام النبلاء (١٩/ ٥٨٩).\n(^٣) ميزان الاعتدال (٣/ ١٢٤).","vol":"1","page":366},{"text":"الاستدراك التاسع والأربعون:\nشكَّك الدكتور في شرعية أن يعهد حاكم إلى مَنْ بعده، وذكر أنَّ عهدَ أبي بكرٍ لعمر كان لمصلحةٍ استدعاها الواقع يومذاك.\nقال الدكتور: «فقد كان عهده لعمر من باب الترشيح بعد الاستشارة والرضا، دون إكراهٍ أو إلزام، كما لم تكن بينهما قرابة أو رحم تُثير الشك والشُّبهة في الغاية من هذا الترشيح، كما أنَّ الظروف المحيطة بالدولة الإسلامية الجديدة - التي خرجت للتوِّ من الحروب الداخلية - حروب الردة، وبدأت حروبَها مع الإمبراطوريتين فارس والروم - هي التي اضطرت أبا بكر إلى مثل هذا الإجراء» (^١).\nوقال: «وإذا كانت نظرية الاستخلاف قد وجدت لها سندًا شرعيًّا مؤوَّلًا حتى أصبحت طريقًا مشروعًا لتوريث الإمامة للأبناء، بدعوى جواز العهد لهم كغيرهم» (^٢).\nوهذا مردودٌ بإجماع أهل العلم على شرعية العهد في الإمامة، وقد سبقَ ذِكرهُ (^٣).\nوأيضًا فإنَّ عمر -﵁- قال: إنْ أَستخلِفْ فقد استخلفَ من هو خيرٌ مني\n- يعني أبا بكر الصديق - كما تقدم (^٤). وعمرُ بن الخطاب يقول هذا مبينًا أن كلَّها مشروعة له؛ الاستخلاف الذي هو العهد أو الترك بلا استخلاف.\n_________\n(^١) (ص: ١١٠).\n(^٢) (ص: ١٢٢).\n(^٣) تقدم (ص: ٦٠).\n(^٤) تقدم (ص: ٦٠).","vol":"1","page":367},{"text":"الاستدراك الخمسون:\nعاب الدكتور حاكم على خالِ المؤمنين معاوية بن أبي سفيان أن عَهِدَ لابنه يزيد فقال: «لقد بايع الناسُ يزيد في حياة أبيه -﵁- الذي كان يرى أن جمعَ الناسَ على إمامٍ واحد، ووحدةُ كلمة الأمة وعدمُ عودتها للاقتتال والفتنة - أهمُّ مما سوى ذلك، فكان يقول: «إنِّي خفتُ أن أدع الرَّعية من بعدي كالغنم المطيرة ليس لها راع» وفاتَهُ -﵁- أن النبي -ﷺ- كان أحرصَ على الأمة وأشفقَ، ومع ذلك تركَهُم ليختاروا من بعده من يرتضونه» (^١).\nتقدم (^٢) نقلُ كلام ابن خلدون في أنه جعلَ فعل معاوية بن أبي سفيان - ﵁ وأرضاه - من الحسنات لأجل المصلحة العارضة، ثم إنَّ هذا الدكتور متناقضٌ؛ فقد صحَّح فعلَ أبي بكر لما عهد لعمر بن الخطاب لأجل المصلحة، مع أنه لا يرى طريقة العهد شرعيةً، وخطَّأ معاوية مع أن معاوية استخلفَ وعَهِدَ لابنه لأجل المصلحة، وكان المتعيِّن عليه أن يقرَّ لمعاوية فعلَهُ لأجل المصلحة، كما أقرَّه لأبي بكر لأجلِ المصلحة، فليس نفيهُ للمصلحة أولى من ابن خلدون الذي أثبتها. فكيف والذي رأى المصلحة معاوية بن أبي سفيان؟!.\nالاستدراك الحادي والخمسون:\nقال الدكتور: «حيث تمَّ اختزال معنى الشورى، فأصبحت الشورى قاصرةً على مشاركة الأمة الإمام في الرأي؟ ثم تمَّ اختزالها فإذا الشورى هي استشارةُ\n_________\n(^١) (ص: ١١٤).\n(^٢) تقدم (ص: ١٣٩).","vol":"1","page":368},{"text":"الإمام أهلَ الحلِّ والعقد دون الالتزام» (^١).\nقد سبق (^٢) بيانُ أنَّ القول بأنَّ عمل الإمام بالشورى إلزامي خطأ لم أر عليه دليلًا، ولم أر أحدًا من العلماء الأولين قال به، والدكتور لم يذكر له سلفًا من علماء الأمة المعروفين السابقين.\nالاستدراك الثاني والخمسون:\nقال الدكتور: «حيث تمَّ اختزال معنى الشورى، فأصبحت الشورى قاصرةً على مشاركة الأمة الإمام في الرأي؟ ثم تمَّ اختزالها فإذا الشورى هي استشارةُ الإمام أهل الحلِّ والعقد دون الالتزام».\nوالكاتب يردِّد برضا الأمة دون أهل الحلِّ والعقد فقال: «لقد أجمع الصحابة -﵃- على أنَّ الإمامة تكون بعقد البيعة بعد الشورى والرضا من الأمة، كما أجازوا الاستخلافَ بشرطِ الشورى ورضا الأمة بمن اختاره الإمام» (^٣).\nفهو لا يرى أنَّ المرجع في الرضا إلى أهل الحلِّ والعقد، إنما إلى الأمة كلِّها، وقد سبق ردُّ هذا في الشبهات (^٤).\n_________\n(^١) (ص: ١١٧).\n(^٢) تقدم (ص: ٢٤٩).\n(^٣) (ص: ١١٩).\n(^٤) تقدم (ص: ٦٠).","vol":"1","page":369},{"text":"الاستدراك الثالث والخمسون:\nقال الدكتور: «كما أجمعوا على أنه لا يسوغُ فيها التوارث، ولا الأخذُ لها بالقوة والقهر، وأنَّ ذلك من الظُّلم المحرَّم شرعًا. قال ابن حزم: «لا خلافَ بين أحدٍ من أهل الإسلام في أنه لا يجوزُ التوارث فيها»» (^١).\nوالجواب على هذا من أوجه:\nالوجه الأول: القول بالغلبة والقهر، وكذلك التوارث غيرُ شرعيٍّ في أصله، لكن أجمعَ العلماء على صحة إمامة وولاية مَنْ أخذَها بالقهر، ومن ذلك مَنْ أخذَها بالتوارث وثبتتْ له بالقهر، وقد تقدَّم ذِكرُ الأدلة وإجماعات أهل السنة على هذا (^٢)، ويدلُّ على هذا صنيعُ الصحابة والتابعين الذين بايعوا يزيدَ بن معاوية، وهكذا بايع التابعون عبدَ الملك بن مروان، وبايع أئمة المذاهب الأربعة ولاةَ العباسيين.\nالوجه الثاني: أنَّ الإجماع الذي حكاه ابنُ حزم صحيح لكنه بالنَّظر إلى الأصل بلا عارضٍ لمصلحةٍ راجحة، وإلَّا فإن المصلحة إذا اقتضت ذلك كفعلِ معاوية فإنه يجوزُ لهذه المصلحة الراجحة، ثم أُذكّر أنَّ مَنْ استقرَّ له الحكم بالقهر ومنه التوريث، فيجبُ السَّمع والطاعة واعتقاد البيعة له في الأعناق، وهو مثلُ الذي ثبتَ له أخذُ الحكم باختيار أهل الحلِّ والعقد، وهذا بإجماع أهل السنة كما تقدم (^٣).\n_________\n(^١) (ص: ١١٩).\n(^٢) تقدم (ص: ٦٥).\n(^٣) تقدم (ص: ٦٨).","vol":"1","page":370},{"text":"الاستدراك الرابع والخمسون:\nقال الدكتور: «والرواية الثانية: أنه لا يكون إمامًا بالاستيلاء، وأنَّ الإمامة لا تنعقد إلَّا بالبيعة أو الاستخلاف، وقد رجَّحها بعضُ أئمة المذهب» (^١).\nتقدَّم أن أهل السُّنة - ومنهم الإمام أحمد - حكوا إجماعَ أهل السنة على صحَّة ولاية المتغلب (^٢)، وهو الثابتُ عن الصحابة، وقد أخطأ أبو يعلى في كتابه الأحكام السلطانية لما ظنَّ التولي بالقهر والغلبة أحدَ قولي الإمام أحمد، بل لم يقل إلا به.\nكما أخطأ في فهم مسائل عقدية كثيرةٍ عن الإمام أحمد في كتابه (المعتمد في أصول الدين) وكتابه (إبطال التأويلات)، ومن ذلك أنه أنكر الصفات الفعلية في كتابه (إبطال التأويلات) (^٣)، بل وكانت طريقته في هذا الكتاب طريقة أهل البدع المفوِّضة، وفي بعض المواضع لاسيما آخر الكتاب سلكَ طريقة المؤولة.\nلذا المعتمد في مثل هذا أن يُرجع إلى اعتقاد أهل السنة الذي نقله أئمة السنة، وأفتى به الصحابة، وكلُّ مَنْ خالفَ بعد ذلك فقولُه شاذٌّ لا يعوَّلُ عليه، كمخالفته لأهل السنة في إثبات صفات الله.\n_________\n(^١) (ص: ١٢٢).\n(^٢) تقدم (ص: ٦٨).\n(^٣) (١/ ٥٨).","vol":"1","page":371},{"text":"الاستدراك الخامس والخمسون:\nالدكتور حاكم يثني على كلِّ حركةِ خروجٍ ومنازعة للحاكم ولو على مثل عمر بن عبد العزيز؛ فتارةً يثني على عمر بن عبد العزيز لعدلهِ في حُكمهِ وتارةً يُثني على الخارجين عليه لأنَّ الظلم كثُر في زمانهم فقال: «لقد سبق الحسن البصري أن دعا الخليفة الأموي العادل عمر بن عبد العزيز إلى هذه الدعوة» (^١).\nوناقض هذا بأن قال: «وكلُّ هذه الحوادث تؤكِّد قيامَ الفقهاء بالتصدِّي للظلم - في بداية هذه المرحلة - وقد بلغ الأمر ذروته في حركة آل البيت السِّرية لإسقاط دولة بني أمية، وقد بدأت هذه الدعوة سرًّا سنة (١٠٠ هـ) (^٢)، - وهذه السنةُ سنة ولاية عمر بن عبد العزيز - وكذلك أثنى على خروج الدولة العباسية على الأموية، وأيضًا أثنى على الذين خرجوا على الدولة الأموية، فقال: ولم ينظروا إلى الحوادث التي ترتَّب عليها كثيرٌ من الصلاح، فقد خرج ابن الزبير على يزيد وكان عهده خيرًا من عهد يزيد، وخرج العباسيون على بني أمية، وكان عصرهم خيرًا من عصر بني أمية - في الجملة - وقد كان أحمد بن حنبل يفضِّلهم ويقول: «أقاموا الصلاة وأحيوا السُّنة» (^٣).\nففي هذا أثنى على خروج العباسيين على بني أمية، ثم أشادَ بخروجِ النفس الزكية على العباسيين فقال: «وقد استفتى أهلُ المدينة مالكَ بن أنس في الخروج مع ذي النفس الزكية فأفتاهم مالك بالجواز، لأن بيعتهم لأبي جعفر المنصور\n_________\n(^١) «ص: ١٣٣).\n(^٢)\n(^٣) (ص: ١٦٦).","vol":"1","page":372},{"text":"كانت تحت الإكراه، ولا بيعة لمكرَه، فلما أفتاهم مالَ الناسُ مع محمد ذي النفس الزكية وبايعوه، وقاتلوا معه وقد عُذِّب مالك لهذا السبب» (^١).\nتقدَّم أن نسبة هذا الكلام لمالك لا تصح (^٢)، لكن المراد بذكرِ هذا بيانُ أنه يدور مع الخروج والثورات حيث دارت.\nالاستدراك السادس والخمسون:\nقال الدكتور: «وقال ابن عطية الأندلسي المفسر: «الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، مَنْ لا يستشير أهلَ العلم والدِّين فعزلُه واجبٌ، هذا ما لا خلاف فيه» أي بين علماء أهل الأندلس، أو بين فقهاء مذهب مالك» (^٣).\nوكشفُ هذه الشبهة من أوجه ثلاثة - تقدَّم ذكرها - (^٤).\nالاستدراك السابع والخمسون:\nقال الدكتور حاكم: «وقد كان لهذه الهزيمة أثرٌ كبير على الفكر السياسي والعقائدي، حيث شاعَ القولُ بالإرجاء والجبر من جهة، ووجوبُ السمع والطاعة للإمام الجائر وإن كان مثل الحجاج من جهة أخرى؛ إذ إنَّ الله هو الذي يسلِّطهم، ولا يمكنُ رفعُ هذا البلاء إلَّا بالدعاء، وهذا هو القضاء الذي يجبُ التسليمُ له والصَّبر عليه؟!\n_________\n(^١) (ص: ١٥١).\n(^٢) تقدم (ص: ٢١٨).\n(^٣) (ص: ١٣٤).\n(^٤) تقدم (ص: ٢٤١).","vol":"1","page":373},{"text":"وقد كان الحسن البصري -﵀- هو داعيةَ هذا الفكر، فقد قيل له: ألا تخرجُ فتغيِّر؟ فكان يقول: إنَّ الله إنما يغير بالتوبة ولا يغير بالسيف؟! وإنما كان ذلك منه - فيما يبدو - بعد الهزيمة؛ إذ كان قبل ذلك يرى الخروج على أئمة الجور كما قال عنه يونس: كان الحسن - والله - من رؤوس العلماء في الفتن والدماء.\nوقد سئل الحسن عن قتال الحجاج الذي سفكَ الدَّمَ الحرامَ وأخذَ المال الحرام؟ فقال: «أرى ألَّا تقاتلوه، فإنها إن تكن عقوبةً من الله فما أنتم برادِّي عقوبة الله بأسيافكم، وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكُمَ الله وهو خير الحاكمين».\nوقال لأخيه سعيد بن أبي الحسن - وكان مع ابن الأشعث يحرِّض الناس - فقال الحسن: «أيها الناس، إنه واللهِ ما سلَّط الله الحجاجَ عليكم إلَّا عقوبةً، فلا تُعارضوا عقوبةَ الله بالسيف، ولكن عليكم بالسَّكينة والتضرع» (^١).\nإن هذا الكلام من الدكتور حاكم العبيسان كلامُ مَنْ تلاعبَ به هواه وزُيِّن له سوءُ عمله، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: ٨]، وقال: ﴿وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ﴾ [غافر: ٣٧].\nكيف يتجرَّأ على كتابة مثل هذا ونشره؟، صدق الله: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦].\nإنَّ في هذا الكلام الذي يذكره الدكتور حاكم العبيسان عدة موبقات:\nالموبقة الأولى: تقريره أنَّ عقيدة السمع والطاعة للحاكم الفاسق عقيدةٌ بدعية نشأت ردَّة فعلٍ لفتنة ابن الأشعث.\n_________\n(^١) (ص: ١٤٣).","vol":"1","page":374},{"text":"وهذا من أقبح الأقوال وأرداها؛ لأن الذي قرَّر عقيدة السمع والطاعة للحاكم الجائر والصَّبر على جَوره = هو رسولُ الله -ﷺ- في الأحاديث المتواترة، وتقدَّم ذكر الأحاديث في ذلك (^١)، وقال الله في القرآن: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.\nوذكرَ هذا الصحابة الكرام وفي مقدَّمهم الفاروق عمر بن الخطاب، وتقدَّم نقلُ كلام الصحابة (^٢).\nهذا كله قبل فتنة ابن الأشعث بسنين، بل هذه عقيدة أهل السنة المجمَع عليها، والتي تناقلها أئمة السنة وبدَّعوا مَنْ خالف ذلك، فهل يصحُّ أن يقال: إنَّ الإمام مالكًا والشافعي وأحمد وبقية السلف تبنَّوا هذه العقيدة ردَّة فعلٍ وبدَّعوا مخالفها ردَّة فعل؟!\nالموبقة الثانية: جعل الدكتور - بجهله أو بغيهِ - الصَّبر على جَور الحاكم عقيدةَ الجبر البدعية المنكرة في القرآن والسنة!!.\nسبحان الله أيُقال لعقيدةٍ دلَّ عليها كتابُ الله وسنة رسول الله -ﷺ- وكلامُ الصَّحابةإنها عقيدةٌ بدعية جبرية؟!\nالموبقة الثالثة: يتَّهم الإمام الحسن البصري بأنه أوَّل من أتى بعقيدة السَّمع والطاعة للحاكم الفاسق؛ لأنها جاءت بعد فتنة ابن الأشعث، وتناسى كلَّ أحاديث وآثارِ الصحابة في السمع والطاعة للحاكم الجائر.\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٥).\n(^٢) تقدم (ص: ١٥٤).","vol":"1","page":375},{"text":"الموبقة الرابعة: وقع الدكتور في تناقضٍ عظيم، فقد ذكرَ أن سببَ تبنِّي الحسن البصري عقيدة الصَّبر على جَور الحاكم المسلم - والتي سمَّاها الدكتور بغيًا أو جهلًا جبرًا - كانت ردَّة فعلٍ بعد فتنة ابن الأشعث - وهي وقعة أصحاب الجماجم والحرَّة - وكلامُ الحسن البصري الذي نقله الدكتور وصحَّحه كان قبل ظفَر الحجاج وغلَبته، بل لعلَّه كان قبل ابتداء خروجهِم عليه؛ لذا كان ينهاهُم بالكلام الذي نقلَه الدكتور وصحَّحه.\nالموبقة الخامسة: زعمَ أنَّ الحسن البصري يرى الخروجَ على الحجاج، لكنه تراجعَ بعد الهزيمة، واعتمدَ على قول يونس: «كان الحسن - واللهِ - من رؤوس العلماء في الفتنة والدماء»، مع أنَّ كلام الحسن واضحٌ أنه قبل الفتنة أو وقتها قبل ظفَر الحجاج، أو أنَّ معنى كلام يونس أنَّ الحسن من رؤوس العلماء في الفتنة أي الذين واجهوا الفتن. وبهذا تستقيم النقولات عنه وتتفق.\nودونكَ أثرين ثابتين في طبقات ابن سعد مذكورَين بعد أثرِ يونس عن الحسن، وهذان الأثران يدلَّان على أنه خرجَ مُكرهًا:\nالأثر الأول: روى ابن سعد بإسناد صحيح عن أيوب قال: قيل لابن الأشعث: إنْ سرَّكَ أن يُقتلوا حولكَ كما قُتلوا حولَ جمل عائشة فأخرجِ الحسن. فأرسل إليه فأكرَهَه (^١).\nالأثر الثاني: روى ابن سعد في طبقاته بإسناد صحيح: قال ابن عون: «استبطَأ الناسُ أيام ابن الأشعث فقالوا له: أخرِج هذا الشيخَ - يعني الحسن - قال ابن عون: فنظرتُ إليه بين الجسرين وعليه عمامةٌ سوداء، قال: فغفلوا عنه، فألقى\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى (٧/ ١٢٠).","vol":"1","page":376},{"text":"نفسه في بعض تلك الأنهار حتى نجا منهم وكادَ يهلكُ يومئذ» (^١).\nالاستدراك الثامن والخمسون:\nقال الدكتور: «وقد استفتى أهلُ المدينة مالك بن أنس في الخروج مع ذي النفس الزكية فأفتاهُم مالك بالجواز؛ لأن بيعتهُم لأبي جعفر المنصور كانت تحت الإكراه، ولا بيعةَ لمكره، فلما أفتاهم مالَ الناسُ مع محمد ذي النفس الزكية وبايعوه، وقاتلوا معه وقد عُذِّبَ مالك لهذا السبب» (^٢).\nتقدَّم - بفضل الله - ردُّ هذا من أوجه ثلاثة (^٣).\nالاستدراك التاسع والخمسون:\nقال الدكتور: «وقد أفتى سفيان الثوري بجواز الخروج مع إبراهيم، فسارعَ أهلُ الكوفة فيها» (٢).\nعزا الدكتور هذا إلى تاريخ بغداد، وبالرجوع إلى تاريخ بغداد (^٤) يتبيَّن عدمُ صحة نسبته لسفيان الثوري، ففي الأثر يقول: «جاءني نعيُ أخي من العراق\n- وخرج مع إبراهيم بن عبد الله الطالبي - فقدمتُ الكوفة، فأخبروني أنه قتل وأنه قد استشار سفيان الثوري وأبا حنيفة، فأتيتُ سفيان أُنبئه مصيبتي بأخي، وأخبرتُ أنه استفتاك؟ قال: نعم، قد جاءني فاستفتاني، فقلتُ: ماذا أفتيته؟ قال: قلت: لا آمركَ بالخروج ولا أنهاك، قال: فأتيتُ أبا حنيفة، فقلت له بلغني أنَّ\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى (٧/ ١٢٠).\n(^٢) (ص: ١٥١).\n(^٣) تقدم (ص: ٢١٨).\n(^٤) تاريخ بغداد وذيوله (١٣/ ٣٨٤).","vol":"1","page":377},{"text":"أخي أتاك فاستفتاك؟ قال: قد أتاني واستفتاني، قال: قلت: فبم أفتيته؟ قال: أفتيتُه بالخروج، قال: فأقبلتُ عليه فقلت: لا جزاكَ الله خيرًا، قال: هذا رأيي، قال: فحدثتهُ بحديثٍ عن النبي -ﷺ- في الردِّ لهذا، فقال هذه خرافة - يعني حديث النبي -ﷺ-».\nإن الإشكال في نسبة الخروج للإمام سفيان الثوري؛ أمَّا أبو حنيفة فتقدَّم بحث أنه تراجع عن قوله بالخروج (^١)، أمَّا نسبة الدكتور الخروج للثوري فهي نسبةٌ باطلة؛ فلم يأمر به سفيان الثوري كما أنه لم ينهَهُ كما في النصِّ المذكور، ومع ذلك فالأثر باطل؛ لأنَّ في إسناد هذا الأثر يزيد بن يوسف وهو الصنعاني، قال النسائي والدارقطني: متروك الحديث. وضعَّفه أبو داود وابن معين كما في التهذيب.\nوالعجيبُ أن الدكتور لا يتكلَّم على أسانيد ما يعضدُه مما يوردُه في كتابه إذا كان ضعيفًا، بل يسكت، وإذا كان إسناده صحيحًا بين ذلك، وهذا خلل في الأمانة العلمية؛ فإنَّ أهلَ السنة يذكرون ما لهم وما عليهم.\nومما يدلُّ أيضًا على أنَّ الإمام الثوري على عقيدة أهل السنة في السمع والطاعة أمران:\nالأمر الأول: قال الثوري: «يا شعيبُ؛ لا ينفعكَ ما كتبت حتى ترى الصلاةَ خلف كلِّ برٍّ وفاجرٍ، والجهادَ ماضيًا إلى يوم القيامة، والصبرَ تحت لواء السلطانِ جارَ أم عدلَ» (^٢).\n_________\n(^١) تقدم (ص: ١٦٦).\n(^٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٧٣).","vol":"1","page":378},{"text":"الأمر الثاني: تحذير الثوري من الحسن بن صالح بن حي لأنه كان يرى السيف - كما تقدم - (^١).\nالاستدراك الستون:\nنقل الدكتور (^٢) كلام ابن حزم وفيه نسبة الخروج لأقوامٍ من الصحابة وغيرهم، وقد سبقَ ردُّ كلام ابن حزم (^٣).\nالاستدراك الواحد والستون:\nنقل الدكتور (^٤) كلام ابن حجر في التفريق بين الخوارج والبغاة، وتقدَّم الكلامُ عليه في الردِّ على الدكتور الدميجي (^٥).\nالاستدراك الثاني والستون:\nذكر الدكتور (٤) كلام أبي بكر الجصاص في نسبة الخروج لأبي حنيفة، وسبقَ بيانُ أنَّ أبا حنيفة رجعَ عن هذا القول (^٦).\nالاستدراك الثالث والستون:\nنقل الدكتور (٤) كلام ابن العربي في قول مالك: إنَّما يقاتل مع الإمام العدل.\n_________\n(^١) تقدم (ص: ١٧٧).\n(^٢) (ص: ١٦١).\n(^٣) تقدم (ص: ١٧٣).\n(^٤) (ص: ١٦٢).\n(^٥) تقدم (ص: ٢٦٤).\n(^٦) تقدم (ص: ١٦٥).","vol":"1","page":379},{"text":"وتقدم الكلام عليه (^١).\nالاستدراك الرابع والستون:\nقال الدكتور حاكم العبيسان في الفرقان: «ولا خلافَ بين الأئمة وسلفِ الأمة على أنه إن كان الخارجُ عدلًا - كالحسين بن علي وابن الزبير - والإمامُ جائرًا - كيزيد - أنه يحرمُ القتالُ مع الجائر» (^٢).\nهذه مبالغة من حاكم العبيسان، ولا يستغرَبُ من مثلهِ هذه الاندفاعات والحماسات والمبالغات\nوالردُّ عليه - باختصار - من جهتين:\nالجهة الأولى: الأدلة الشرعية:\nالدليل الأول: قال عرفجة الأشجعي قال رسول الله -ﷺ-: «إنه ستكونُ هَناتٌ وهَنات، فمَن أرادَ أن يفرِّقَ أمرَ هذه الأمة وهي جميعٌ، فاضربوهُ بالسَّيفِ كائنًا مَنْ كان» (^٣).\nالدليل الثاني: قال أبو سعيد الخدري قال رسول الله -ﷺ-: «إذا بويعَ لخليفتين فاقتلوا الآخرَ منهما» (^٤).\n_________\n(^١) تقدم (ص: ١٦٧).\n(^٢) (ص: ٧١).\n(^٣) سبق تخريجه (ص: ١٩١).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٨٥٣).","vol":"1","page":380},{"text":"الجهة الثانية:\nأقوال أهل العلم الناقضة لهذا الإجماع المدَّعى وهذه النقولات؛ إمَّا أنها منصوصةٌ حتى في الحاكم الجائر، أو بألفاظٍ عامة تشمَلُ حتى الجائر؛ لأن الحكمَ لو كان خاصًّا بالعدل لخصَّه هؤلاءِ العلماء، فلما لم يخصُّوه دلَّ على عمومه.\nقال النووي: «قال القفال، وسواءٌ كان الامام عادلًا أو جائرًا فإنَّ الخارجَ عليه باغٍ» (^١).\nوقال الصنعاني: «دلَّت هذه الألفاظ على أنَّ من خرجَ على إمامٍ قد اجتمعت عليه كلمةُ المسلمين؛ والمرادُ أهلُ قُطرٍ كما قلناه، فإنه قد استحقَّ القتل لإدخاله الضَّرر على العباد؛ وظاهرهُ سواءٌ كان جائرًا أو عادلًا، وقد جاء في أحاديث تقييدُ ذلك بما أقاموا الصلاة. وفي لفظ: ما لم تروا كفرًا بواحًا» (^٢).\nوقال ابن قدامة: «قومٌ من أهل الحق، يخرجون عن قبضة الإمام، ويرومون خلعَهُ لتأويلٍ سائغ، وفيهم منعة يحتاج في كفِّهم إلى جمع الجيش، فهؤلاء البغاة، الذين نذكر في هذا الباب حكمَهُم، وواجبٌ على الناس معونة إمامهم، في قتال البغاة؛ لما ذكرنا في أول الباب؛ ولأنهم لو تَركوا معونته، لقهرهُ أهلُ البغي، وظهرَ الفساد في الأرض» (^٣).\nوقال أيضًا: «فمَن خرجَ على من ثبتتْ إمامتُه بأحد هذه الوجوه باغيًا، وجبَ قتالُه، ولا يجوزُ قتالهم حتى يَبعث إليهم مَنْ يسألهم، ويكشفَ لهم\n_________\n(^١) المجموع شرح المهذب (١٩/ ١٩٨).\n(^٢) سبل السلام (٢/ ٣٧٨).\n(^٣) المغني (٨/ ٥٢٦).","vol":"1","page":381},{"text":"الصواب، إلَّا أن يخاف كَلَبَهُم؛ فلا يمكن ذلك في حقِّهم» (^١).\nثم يقال: قد تقدَّم تفصيلُ أنَّ ابن الزبير -﵁- لم يخرج؛ فإنَّ الحكم قد ثبت له (^٢)، وتقدَّم تفصيل أنَّ الحسين بن علي -﵄- ندم على قتاله ليزيد وأنه قُتل مظلومًا، وأيضًا لم يخرج، وأنكرَ عليه غيرهُ من الصحابة (^٣).\nوسببُ اندفاع حاكم العبيسان على حكاية هذا الإجماع أصلُه الفاسدُ في تقرير جواز خروج الأمةِ على الحاكم الجائر، فتكون إعانةُ الحاكم على قتالِ مَنْ خرج عليه إعانةً على الإثم والعدوان، وقد أجمعَ العلماء على حُرمة إعانته على الإثم والعدوان، ولو وُفِّق العبيسان لعَلِمَ أنَّ أحاديث رسول الله -ﷺ- وكذا كلام العلماء على القتال مع الحاكم حتى ولو كان جائرًا إذا خرجَ عليه مَنْ ينازعه في حكمه دليلٌ على عدمِ جَواز الخروج على الحاكم ولو كان جائرًا.\nوتقدَّم ذِكْرُ الأدلة والإجماعات على عدم جَواز الخروج على الحاكم المسلم (^٤).\nالاستدراك الخامس والستون:\nنقل الدكتور (^٥) كلام الزبيدي في نسبة الخروج إلى الشافعي في القديم. وسبقَ ردُّه وبيانُ خطأ هذه النسبة (^٦).\n_________\n(^١) المغني (٨/ ٥٢٧).\n(^٢) تقدم (ص: ١٦٢).\n(^٣) تقدم (ص: ١٥٤).\n(^٤) تقدم (ص: ٣٩).\n(^٥) (ص: ١٦٢).\n(^٦) تقدم (ص: ١٨٢).","vol":"1","page":382},{"text":"الاستدراك السادس والستون:\nقال الدكتور: «ومع شهرة هذه المسألة - أي الخروج على الإمام الجائر ومقاومة طغيان السلطة، والتصدِّي لانحرافها - في الصَّدر الأول من الصحابة والتابعين وأتباعهم، إلَّا أنَّ فترة الخطاب الفقهي السياسي المؤول شهدت تطورًا فكريًّا جديدًا، هو أكثر تعبيرًا عن الواقع منه عن النصوص، حيث ادَّعى ابنُ مجاهد البصري الأشعري - شيخ الباقلاني - إجماعَ الأمة على حُرمة الخروج على أئمة الجور - ثم نقلَ كلام النووي والقاضي في حكاية الإجماع بعد خلاف، ثم قال - وكما شاعت في كتب الاعتقاد، ثم ما لبثت أن أصبحت أصلًا من أصل العقيدة - ثم نقل كلام ابن تيمية في استقرار رأي السلف على عدم الخروج، ثم نقل كلامًا لابن أبي العز الحنفي في مفاسد الخروج، ثم قال: وهكذا تحوَّلت القضية من قضيةٍ خلافية اجتهادية إلى قضيةٍ إجماعية قطعية.\nومن مسألةٍ فقهية إلى أصلٍ عقائدي يُستدلُّ عليه بمثل هذه الإسرائيليات!؛ وبهذا دخلَ الخطابُ السياسي الفقهي مرحلةً جديدة قام العلماءُ فيها بتأويل النصوص لإضفاء الشرعية على الواقع وترسيخه» (^١)، ثم بيَّن أن الكوارث التي نزلت بالأمة بسبب عقيدة الصَّبر على جَور الحاكم وحُرمة الخروج.\nوفي هذا مغالطات عدة:\nالمغالطة الأولى: بين أن عقيدة الصبر على جَور الحاكم نتيجة ضغط الواقع، وكأنه لم يقرأ الأدلة الشرعية المتكاثرة في هذا مع أقوال الصحابة، ثم إجماع أهل السنة الذي حكاه جمعٌ كثير.\n_________\n(^١) (ص: ١٦٣).","vol":"1","page":383},{"text":"أليست الأحاديث النبوية وحيًا يجبُ الإيمان بها؟، أليس كلامُ الصحابة كان قبل الفتن وضغط الواقع لاسيما عمر؟، والعجبُ كيف لا يستحي أن يبهتَ هؤلاء العلماء وفيهم - شيخُ الإسلام - بأنهم قرَّروا باطلًا وحكَوا عليه إجماعًا لأجل ضغط الواقع؟!\nألم يعلم أنَّ ابن تيمية ماتَ في السجن لأجل دينهِ الذي يتديَّن به؟ أمثلُ هذا يوصَفُ أنه تكلَّم بعقيدةِ السمع والطاعة لأجل الحكَّام وضغطِ الواقع؟!!\nالمغالطة الثانية: إنَّ هذه العقيدة أصلٌ من أصول الشريعة؛ لأنَّ أهل البدع اشتهروا بمخالفتها؛ مثل الخوارج ومَن تأثَّر بهم، فقد نازعوا فيها؛ لذا تتابعَ أئمة السنة بإيرادها في كتب العقائد.\nثمَّ إنَّ ذِكْرَ هذه العقيدة في كتب الاعتقاد أو عدم ذكرها ليس مؤثِّرًا كثيرًا ما دام أئمة السنة مجمعين عليها، ومجمعين على تبديع مَنْ خالفَها؛ لكثرة الأدلة والآثار.\nالمغالطة الثالثة: ذمُّ الاستدلال على هذه العقيدة - وهي عقيدة السمع والطاعة - بالإسرائيليات، وكأن هذه الإسرائيليات هي المعتمد!!.\nوقد تقدَّم مرارًا أنَّ المعتمد الأدلة المتكاثرة مع فتاوى الصحابة، ثمَّ إجماع أهل السنة عليها وعلى تبديعِ من خالفَ فيها، فإذا ذُكر شيءٌ من الإسرائيليات اعتضادًا فلا عَيب، فقد قال عبد الله بن عمرو بن العاص: قال رسول الله -ﷺ-:\n«بلِّغوا عنِّي ولو آية، وحدِّثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (^١).\nالمغالطة الرابعة: زعَم أنَّ كثيرًا من المفاسد التي حلَّت بالأمة بسبب عقيدة الصَّبر على جَور الحاكم، وهذا عكسُ تقرير الصحابة وعلماء الأمة، فتقدَّم النقلُ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٣٤٦١).","vol":"1","page":384},{"text":"عن أبي مسعود وابن مسعود وكثيرٍ من أئمة السنة أنَّ الصَّبر على جَور الحاكم خيرٌ من مواجهته (^١)، وأنه من دفعِ مفسدةٍ أكبرَ بمفسدةٍ أصغر.\nفهل يصحُّ لعاقلٍ أن تحدِّثه نفسهُ بصحةِ كلام حاكم العبيسان داعيةِ الحرية المفرِطة المخالفِ للنصوصِ الشرعية وكلامِ الصحابة وعلماء الأمة؟!\nالاستدراك السابع والستون:\nقال الدكتور حاكم عبيسان: «وهكذا تحوَّلت القضية من قضيةٍ خلافيةٍ اجتهادية إلى قضيةٍ إجماعية قطعية؟! ومن مسألة فقهية إلى أصل عقائدي» (^٢).\nهذه محاولة من الدكتور للتهوين من مسألة الخروج على الحاكم، وأنَّى له ذلك من أوجه:\nالوجه الأول: لو لم تكن المسألة عقدية فإنها مسألة إجماعيةٌ؛ والنصوصُ متكاثرةٌ عليها وتقدَّم بيان هذا (^٣).\nالوجه الثاني: أنَّ ما يُذكَر في كتب العقائد نوعان: إمَّا أنها من أصول الإيمان الستة وما يتعلَّق بها، أو من المسائل التي اشتهر عن أهل البدع مخالفةُ أهل السُّنة فيها، فذكَرها أهلُ السُّنة في كتب الاعتقاد، فصارت بعد ذلك عقدية لذِكْرها في كتب الاعتقاد، ومثل هذه مسألة الخروج على الحاكم المسلم ولو كان جائرًا.\nالوجه الثالث: أنَّ كتب أهل السُّنة تواردت على تقرير حُرمة الخروج على الحاكم المسلم ولو فسقَ وجارَ؛ كأصول السنة للإمام أحمد، والسنة لعبد الله بن\n_________\n(^١) تقدم (ص ١٥٤).\n(^٢) الحرية والطوفان (ص: ١٦٥).\n(^٣) تقدم (ص: ٣٩).","vol":"1","page":385},{"text":"الإمام أحمد، والسنة لحرب الكرماني، والسنة لابن أبي عاصم، وعقيدة ابن المديني، والرازيين، والشريعة للآجري، والإبانة الكبرى والصغرى لابن بطة، إلى لمعة الاعتقاد لابن قدامة، والواسطية لابن تيمية، وهكذا … وإنَّ تَقصِّي وجمعَ أسماءِ الكتب العقَدية التي ذكرتْ عقيدة السمع والطاعة يحتاجُ لجهدٍ، ويصحُّ أن يكون مؤلَّفًا لكثرتهِ، وبعد هذا يُزهِّد في هذه المسألة العقدية!!\nالوجه الرابع: أنه لا أثرَ كبيرٌ يترتب على كون مسألة الخروج عقديةً أو فقهية؛ لأنَّ العلماء مُجمعونَ على أنَّ من خرجَ على حاكمٍ مسلم ولو ظالمًا فإنه مبتدعٌ ضالٌّ، كما تقدَّم نقلُ كلام الإمام أحمد وعلي ابن المديني وغيرهما (^١).\nالاستدراك الثامن والستون:\nقال الدكتور حاكم: «إنَّ الأسباب التي أدَّت إلى شُيوع هذا الخطاب المؤوَّل كثيرة أهمُّها:\n١ - نظَرُ أصحاب هذا الخطاب إلى حوادث التاريخ نظرةً جزئية لا نظرةً كلية، فظنُّوا أن كلَّ خروجٍ لم يترتب عليه سوى الفساد، قال الإمام ابن القيم:\n«الإنكارُ على الملوك والخروجُ عليهم أساسُ كلِّ شرٍّ وفتنةٍ إلى آخر الدهر»، ولم ينظروا إلى الحوادث التي ترتَّب عليها كثير من الصَّلاح، فقد خرجَ ابنُ الزبير على يزيد وكان عهدُه خيرًا من عهد يزيد، وخرجَ العباسيون على بني أمية، وكان عصرُهم خيرًا من عصر بني أمية - في الجملة - وقد كان أحمد بن حنبل يفضِّلهم ويقول: «أقاموا الصلاة وأحيوا السنة»، وقد أسقطَ صلاحُ الدين دولةَ الفاطميين؛ وكان عصرهُ خيرًا من عهدهم، وظهرَ شيخُ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأقامَ\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٩).","vol":"1","page":386},{"text":"دولته مع محمد بن سعود، وكان عصرُهم خيرًا ممن قبلهم … الخ» (^١).\nفي هذا الكلام عدة مغالطات:\nالمغالطة الأولى: استدراكهُ على ابن القيم، وهذا ما لا يصحُّ لعدة أمور:\nالأمر الأول: هذا الكلام من ابن القيم لم ينفرد به، بل هو قول ابن عبد البر وابن تيمية وغيرهم من أهل العلم، فهل كلُّ هؤلاء العلماء الأفذاذ نظرتُهم جزئية ونظرةُ حاكم عبيسان كلية؟!.\nالأمر الثاني: لو كانت النظرة الكلية دالَّةً على أنَّ منافعَ الخروج أكثر لما حرَّمتها الشريعة، وتقدَّم ذِكْرُ الأدلة الكثيرة وآثار الصحابة والإجماعات على حُرمة الخروج (^٢).\nالأمر الثالث: قد يكون وراءَ الخروج مصلحةٌ أحيانًا لكنَّها قليلة ونادرة، والعبرةُ في الأحكام الشرعية بالغالب، وقد تقدَّم بيان هذا (^٣).\nالأمر الرابع: زاد العبيسان على جهله وقاحةً في كتابه (الفرقان) بعد إصراره على تخطئة ابن القيم في كلمته السابقة فقال: «ولو صدرت هذه العبارة من غير ابن القيم لحكم هؤلاء الخلوفُ بردَّتهِ وكُفرهِ أو بضلالهِ وبدعتهِ؛ إذْ أساسُ كلِّ شرٍّ وفتنةٍ في الأرض هو الكفرُ بالله وعبادةُ الطاغوت والتحاكُم إليه؛ وليس الخروج على الملوك» (^٤).\n_________\n(^١) (ص: ١٦٦).\n(^٢) تقدم (ص: ٣٥).\n(^٣) تقدم (ص: ١٧٨).\n(^٤) (ص: ٦٨).","vol":"1","page":387},{"text":"يقال لحاكم العبيسان: قد أبعدتَ النُّجعة؛ مما يدلُّ على أنَّ في نفسك شيئًا على ابن القيم، فإنَّ عبارة «أساس كلِّ فتنة» في كلام ابن القيم بمعنى «أوَّل كلِّ فتنةٍ وشرٍّ»، وذلك أنَّ رسول الله -ﷺ- أخبر أن باب الفتنة يُكسَر إذا مات عمر.\nوبدأت الفتنة في وقت عثمان بأنْ خرجَ عليه البغاة حتى قتلوه، فاستمرت الفتنة في المسلمين.\nعن حذيفة، قال: كنَّا جلوسًا عند عمر -﵁-، فقال: أيُّكم يحفظُ قولَ رسول الله -ﷺ- في الفتنة، قلتُ: أنا كما قاله؛ قال: إنكَ عليه أو عليها لجريء، قلت: «فتنةُ الرَّجل في أهلهِ ومالهِ وولدهِ وجارهِ، تكفِّرها الصلاةُ والصومُ والصَّدقة، والأمرُ والنهي»، قال: «ليسَ هذا أُريد، ولكن الفتنة التي تموجُ كما يموجُ البحر»، قال: ليسَ عليكَ منها بأسٌ يا أمير المؤمنين، إنَّ بينك وبينها بابًا مغلقًا، قال: أيُكسَر أم يُفتح؟ قال: يُكسَر، قال: إذًا لا يُغلَق أبدًا (^١).\nولما كان حاكم عبيسان سيِّء الظنِّ بهؤلاء العلماء أبتْ نفسُه إلَّا التكلُّف في ردِّ كلامهِم والتشغيب عليهم.\nالمغالطة الثانية: زعمُه أنَّ عبد الله بن الزبير خرجَ على يزيد، وتقدَّم خطأُ هذا الزَّعم.\nوكذلك زعمُه أنَّ الإمام محمد بن سعود مع الإمام محمد بن عبد الوهاب خرجا على الدولة العثمانية، وتقدَّم خطأُ هذا.\nوكذلك من أخطائه زعمهُ أنَّ صلاح الدين خرج على الفاطميين، وهذا خطأ لأنه لم يخرج (^٢)، ثم جعل العباسين خيرًا من بني أمية في الجملة. وهذا فيه نظر\n_________\n(^١) أخرجه البخاري (٥٢٥)، ومسلم (١٤٤).\n(^٢) بل بقي تحت حكمهم حتى موت العاضد. ينظر البداية والنهاية (١٦/ ٤٥١)","vol":"1","page":388},{"text":"لأنه في عهد العباسيين دُعِيَ إلى القول بخلق القرآن وترجمت كتب اليونان، وهذا لم يكن في عهد الأمويين.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ثمَّ السُّنة كانت قبل دولة بني العباس أظهرَ منها وأقوى في دولة بني العباس، فإنَّ بني العباس دخلَ في دولتهم كثيرٌ من الشيعة وغيرُهم من أهل البدع» (^١).\nويؤيِّد أنَّ الأمويين خيرٌ من العباسيين في الجملة أنَّ رسول الله -ﷺ- قال: «لا يأتي زمان إلَّا والذي بعده شَرٌّ منه» (^٢)، وحديث: «خيرُ الناس قرني ثم الذين يلونهم ثمَّ الذين يلونهم» (^٣).\nالاستدراك التاسع والستون:\nذكر الدكتور حاكم الأسبابَ التي أدَّت إلى اعتقاد الصَّبر على جَور الحاكم عقيدةً، فكان مما قال:\n«خَلْطُهم بين مفهوم الخروج السياسي لمواجهة طغيان السُّلطة دفاعًا عن الأمة ورفعًا للظُّلم عنهم، ومفهوم الخروج العقائدي الذي يستحلُّ أصحابه دماءَ المسلمين وأموالهم ويكفِّرونهم، وهُم الذين جاءت النصوص بذمِّهم» (^٤).\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٤/ ١٣٠).\n(^٢) أخرجه البخاري (٧٠٦٨) من حديث أنس بن مالك -﵁-.\n(^٣) أخرجه البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣) من حديث عبد الله بن مسعود -﵁-.\n(^٤)","vol":"1","page":389},{"text":"وهذا الكلام مردود من أوجه:\nالوجه الأول: تقدَّم ذِكرُ الفرق بينهما (^١)، ونقل كلام علماء الإسلام في الفرق بينهما، ثم بيانُ كلام العلماء في أنَّ الخارجَ خروجًا عقديًّا أو خروجًا بلا عقيدة الخوارج = أنه مبتدعٌ ولا فرقَ بينهما في التَّبديع.\nالوجه الثاني: تقدم (^٢) حديث: «مَنْ أتاكُم وأمركُم جميعٌ على رجُلٍ واحد، يريدُ أن يشقَّ عَصاكُم، أو يفرِّقَ جماعتكُم، فاقتلُوه»، فهو دالٌّ على قتال مَنْ خرجَ على السُّلطان خروجًا عمليًّا بلا عقيدةِ الخوارج (سياسيًّا)، وتقدَّم نقل كلام ابن تيمية في قتله لأنه من المفسدين في الأرض (^٣).\nالوجه الثالث: أن الذين خرجوا في الحرة لم يكن معهم اعتقاد الخوارج؛ فلم يكن خروجًا عقديًّا ومع ذلك أنكر عليهم ابن عمر. أخرجه مسلم.\nقال نافع، قال: جاء عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمرِ الحرَّة ما كان، زمن يزيد بن معاوية، فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: إني لم آتِكَ لأجلس، أتَيتُكَ لأحدِّثك حديثًا سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقوله؛ سمعتُ رسول الله -ﷺ- يقول: «مَنْ خلعَ يدًا من طاعة، لقيَ الله يومَ القيامة لا حُجَّة له، ومَن ماتَ وليس في عُنقهِ بيعة، ماتَ مِيتةً جاهلية» (^٤).\n_________\n(^١) تقدم (ص: ١٨٨).\n(^٢) تقدم (ص: ١٦١).\n(^٣) تقدم (ص: ١٩١).\n(^٤) أخرجه مسلم (١٨٥١).","vol":"1","page":390},{"text":"وذكر ابنُ كثير وقعة الحرَّة التي كانت لأهل المدينة فقال: «وكان سببُ وقعة الحرة أنَّ وفدًا من أهل المدينة قدموا على يزيد بن معاوية بدمشق، فأكرَمهُم وأحسنَ جائزتهم، وأطلقَ لأميرِهم - وهو عبد الله بن حنظلة بن أبي عامر - قريبًا من مائة ألف، فلما رجعوا ذكروا لأهليهم عن يزيد ما كان يقع منه من القبائح في شربه الخمر، وما يتبع ذلك من الفواحش التي من أكبرها تركُ الصلاة عن وقتها بسبب السُّكر، فاجتمعوا على خلعهِ، فخلعوه عند المنبر النبوي، فلما بلغه ذلك بعثَ إليهم سريَّة يقدُمها رجل يقال له: مسلم بن عقبة.\nوإنَّما يسمِّيه السلف مسرف بن عقبة، فلما ورد المدينة استباحها ثلاثة أيام، فقتل في غبون هذه الأيام بشرًا كثيرًا حتى كاد لا يفلت أحد من أهلها، وزعمَ بعضُ علماء السلف أنه افتضَّ في غبون ذلك ألف بكر - فالله أعلم -.\nوقال عبدالله بن وهب عن الإمام مالك: قُتل يوم الحرة سبعمائة رجل من حمَلة القرآن. حسبتُ أنه قال: وكان فيهم ثلاثة من أصحاب رسول الله -ﷺ- وذلك في خلافة يزيد» (^١).\nالوجه الرابع: أظهر الدكتور نفسه معظِّمًا وعالمًا بالنصوص ووصفَ غيره\n- ولازِمُ هذا الوصف أنه لجميع أئمة السنة - أنهم خلَطوا بين النصوص.\nوهذا الكلامُ باطلٌ عاطلٌ، وحكايتهُ كافية عن بيان سقوطهِ وهُزاله، ولو قُبل من أحد - تنزُّلًا - فإنه يُقبل من رجل يعظِّم النصوص ويردُّ متشابهها إلى مُحكمَها؛ لا من رجل يضربُ النصوصَ بعضَها ببعض ويتأوَّلها تأويلَ أهل البدع كما اتَّضح في كلامه الكثير الذي رددتُ عليه.\n_________\n(^١) البداية والنهاية (٩/ ٢٤٥).","vol":"1","page":391},{"text":"الاستدراك السبعون:\nقال الدكتور حاكم ذاكرًا أسبابَ اعتقاد عقيدة الصَّبر على جَور الحاكم:\n«ومن الأسباب أيضًا شيوعُ روحِ الجبر من جهةٍ والإرجاءِ من جهة، بشيوع المذهب الأشعري الذي يتضمَّن عقيدةَ الجبر: وهو أنَّ الإنسانَ غير فاعل لأفعاله على الحقيقة، بل على سبيل المجاز» (^١).\nهذه سخافةٌ فاضحة خلاصتُها: أنَّ عقيدة الصَّبر على جَور الحاكم المسلم الظَّالم لم تظهر إلَّا بعد ظهور الأشاعرة، وهذا كذبٌ ودجَل من أوجه:\nالوجه الأول: أنَّ هذه العقيدة مأخوذةٌ من القرآن ونصوص نبوية كثيرة تقدَّم ذِكرُ بعضها مما في الصحيحين أو أحدهما (^٢).\nالوجه الثاني: أنَّ كلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان ثم أئمة السنة في هذا كثيرٌ وكثير، وقد تقدَّم نقلُ بعضه (^٣).\nقال الزبير بن عدي: أتينا أنسَ بن مالك، فشكَونا إليه ما نلقى من الحجَّاج، فقال: «اصبروا، فإنَّه لا يأتي عليكُم زمانٌ إلَّا الذي بعدَهُ شرٌّ منه، حتى تلقوا ربَّكُم» سمعتُه من نبيكم -ﷺ- (^٤).\nفهل كان أنس بن مالك أشعريًّا أو جبريًّا؟!!\n_________\n(^١)\n(^٢) تقدم (ص: ٣٧).\n(^٣) تقدم (ص: ١٥٤).\n(^٤) سبق تخريجه (ص: ١٥٥).","vol":"1","page":392},{"text":"قاتلَ الله الهوى كيفَ يُردي صاحبه المهالك، ويجعله يهرفُ بما يُضحِكُ عليه الصِّبيان.\nالوجه الثالث: ذكَر هذه المسالة أئمةُ السنة قبل خروج الأشاعرة، وحكَوا عليها إجماعَ أهل السنة؛ كالإمام أحمد وابن المديني؛ وقد تقدَّم نقلُ بعضه (^١).\nوإنَّ من قرأ هذه السخافات والترهات علمَ قدرَ الهوى الذي عند حاكم العبيسان، وعلمَ قدْرَ استخفافهِ بقرائه.\nالاستدراك الواحد والسبعون:\nقال الدكتور حاكم: «كما طرأ خلافٌ في المرحلة الثانية في هذه القضية؛ وهو: هل تصرُّف الإمام على الأمة بطريق الوكالة أو الولاية؟» (^٢).\nتقدم أنه لا يصحُّ أن يُقال إنَّ تصرُّفَ الإمام على جهة الوكالة؛ لأنه على ذلك يصحُّ عزلهُ؛ لأنَّ للموكِّل عزلَ وكيله. وتقدم بيان خطأ هذا، وأنه مخالفٌ للأدلة وإجماع السلف، وأنه لا يقال في تصرُّفه إنه تصرفُ وكيلٍ أو ولي (^٣).\nالاستدراك الثاني والسبعون:\nقال الدكتور: «وكان عمر إذا استعمل رجلًا كتب في عهده: أن اسمَعوا لهُ وأطيعوا ما عدلَ فيكم.\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٩).\n(^٢) (ص: ١٧٧).\n(^٣) تقدم (ص: ١٤٣).","vol":"1","page":393},{"text":"وكتب إلى أهل الكوفة (مَنْ ظلَمهُ أميرهُ فلا إمرةَ له عليه دوني، فكان الرجل يأتي للمغيرة بن شعبة - أمير الكوفة - فيقول: إمَّا أن تنصفني من نفسك، وإلَّا فلا إمرةَ لكَ علي)» (^١).\nقد سبقَ توجيهُ هذا، وبيانُ عدمِ صحة الاستدلال به (^٢).\nالاستدراك الثالث والسبعون:\nقال الدكتور: «لقد غابت المفاهيمُ التي تمثِّل مبادئ الخطاب السياسي الشرعي المنزَّل، وشاعَ مفهوم: «اسمَعْ وأَطِعْ وإنْ أخذَ مالكَ وضربَ ظهرك»، وحُمِّل هذا اللفظ ما لا يحتمل، بل صار بعد ذلك أصلًا من أصول الاعتقاد، بل هو السُّنة والإجماع، ومَن خالفه رُمي بالابتداع؟!، مع أنَّ الحديث يمكن أن يُحملَ على وجوب الطاعة للإمام حتى لو أقامَ الإمامُ الحدَّ على المسلم، أو قضى عليه لخصمه من مالهِ بالحق، ولا يكونُ ذريعةً للخروج عليه، أو ترك طاعته فيما فيه طاعةٌ لله ورسوله، وبهذا المفهوم الجديد اكتملت حلقتا البطان، وفُتح الطريق على مصراعيه للاستبداد السياسي والظلم …» (^٣).\nهذا من الدكتور استنكار لمعنى الحديث مع أنه مُجمَعٌ على معناه عند أهل السنة، بل وذكَر الإجماعَ عليه ابنُ المنذر أيضًا - كما تقدم - (^٤)، وليس في الحديث ذِكرٌ لحكم جديد، وإنما هو تفصيلٌ لما جاء مجملًا في الأحاديث الكثيرة من الصبر\n_________\n(^١) (ص: ١٨٠).\n(^٢) تقدم (ص: ٢٣٦).\n(^٣) (ص: ١٨١).\n(^٤) تقدم (ص: ٢٣٨).","vol":"1","page":394},{"text":"على جَور الحاكم الظالم - وتقدَّم بيانُ صحة الحديث روايةً ودراية (^١)، وقد قال بنحوه عمر بن الخطاب - كما تقدم - (^٢).\nفما أغرَبهُ؟! .. يردُّ الشرعَ المنزَّل الذي دلَّ عليه الكتابُ والسُّنة وأقوالُ الصحابة والإجماع، وقرَّره العلماء في كتب العقائد باسم الغَيرة على الشرع المنزل بدون برهان إلَّا الحماسة، وتسويد الورق بكلامٍ كثيرٍ باطل، وعن الأدلة الشرعية عاطل.\nالاستدراك الرابع والسبعون:\nقال الدكتور: «لقد كان المنعُ من الخروج حُكمًا معللًا، وأن يأمن الناس وتُقام الحقوق والحدود والجهاد … الخ، فإذا فاتت هذه المقاصد فلا معنى للمنع من إسقاط السلطة - إذا استطاعت الأمة -» (^٣).\nتقدم ردُّ هذا القول عند كشف الشبهات (^٤).\nالاستدراك الخامس والسبعون:\nقال الدكتور: «قال العلامة المعلِّمي: «كان أبو حنيفة يستحبُّ أو يوجبُ الخروجَ على خلفاء بني العباس لما ظهر منهم من الظُّلم، ويرى قتالهم خيرًا من قتال الكفار، وأبو إسحاق يُنكر ذلك، وكان أهلُ العلم مختلفين في ذلك فمن كان يرى الخروج يراه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالحق، ومن كان يكرهه يرى أنه شقٌّ لعصا المسلمين وتفريقٌ لكلمتهم وتشتيتٌ لجماعتهم وتمزيقٌ\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٢٣٧).\n(^٢) تقدم (ص: ٢٣٨).\n(^٣) (ص: ١٨٣).\n(^٤) تقدم (ص: ١٧٨).","vol":"1","page":395},{"text":"لوحدتهم وشغلٌ لهم بقتلِ بعضهِم بعضًا، فتهُنْ قوَّتهم وتَقوى شوكةُ عدوِّهم وتتعطَّل ثغورُهم، فيستولي عليها عدوُّهم .. هذا والنصوص التي يحتجُّ بها المانعون من الخروج والمجيزون له معروفة، والمحقِّقون يجمعون بين ذلك بأنه إذا غلبَ على الظَّن أن ما ينشأ عن الخروج من المفاسد أخفُّ جدًّا مما يغلب على الظَّن أنه يندفع به جاز الخروجُ وإلَّا فلا، وهذا النظر قد يختلف فيه المجتهدان» (^١).\nفرح الدكتور حاكم بهذا النقل عن الشيخ عبد الرحمن المعلمي؛ فَرحَ من وجدَ ما يوافقُ هواه، وهذا ما لا يصحُّ شرعًا، فإنَّ العباد الصادقين مُطالَبون بترك أهوائهم لا البحث عمَّا يوافقها من زلَّات العلماء وهفواتهم، وكلامُ المعلِّمي هذا هفوةٌ وزلَّة، وقد سبقَ بيانُ ذلك من أوجه خمسة، وأنَّ له كلامًا آخر مخالفًا لهذا وافقَ فيه أهلَ السُّنة (^٢).\nالاستدراك السادس والسبعون:\nقال الدكتور حاكم: «ودار الجدل حول جَواز الجهاد وإقامة الحقوق والحدود دون الإمام ونائبه - كما يقضي به الخطاب المؤول - فردَّ الشيخ بأنَّ «الأئمة مجمعون في كلِّ مذهب على أنَّ من تغلَّب على بلد أو بلدان له حكمُ الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا؛ لأنَّ الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمامٍ واحد، ولا يُعرف أن أحدًا من العلماء ذكر أنَّ شيئًا من الأحكام لا يصحُّ إلَّا بالإمام الأعظم …» (^٣).\n_________\n(^١) (ص: ١٨٤).\n(^٢) تقدم (ص: ٢٢٠).\n(^٣) (ص: ٢٥٠).","vol":"1","page":396},{"text":"تناقضَ الدكتور حاكم العبيسان لمَّا عظَّم دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وجعلَها بعيدةً في باب الولاية عمَّا سمَّاه بالخطاب المؤول، وحقيقة دعوة الإمام دعوة سلفية تقرَّر السمع والطاعة للحاكم المسلم ولو كان فاسقًا، والصبرَ على جَوره وحُرمة الخروج عليه، فأوَّل الدكتور أنَّ الإمام محمد بن عبد الوهاب ممن سبق إلى إنكار الخطاب المسمَّى عنده بالخطاب المؤول، ثم نقلَ كلمة الإمام محمد في أنَّ من تغلَّب فلهُ حكمُ الإمام في كلِّ شيء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا، فوقع الدكتور في تناقضَين:\nالتناقض الأول: أن يؤصِّل تأصيلًا بدعيًّا في إنكار الصَّبر على جَور الحاكم المتغلِّب، والإمامُ محمد بن عبد الوهاب يقرِّر هذا وينقلُ عليه الإجماع، ثمَّ ينقله الدكتور مقرًّا له؛ وهذا مخالفٌ لما أقامَ كتابه عليه.\nالتناقض الثاني: أنَّ الإمام علَّلَ بأنه لولا هذا - وهو معاملة المتغلب معاملة مَنْ تولَّى بالاختيار - لما استقامت الدنيا، وهذا ما ينكره الدكتور بغيًا أو جهلًا\n- كما تقدم - (^١).\nوبعد أن كتبتُ هذا وقفتُ على كلامٍ للدكتور الفاضل حمد العثمان - وفقه الله وسدَّده - فرأيتُه فهمَ ما فهمتُ من تناقض العبيسان، فقالَ بعد أن نقلَ كلامه في عدم صحّة إمامة المتغلِّب: «والدكتور العبيسان كعادته تناقضَ وردَّ على نفسه بنفسه، فإنه في موضعٍ آخر من كتابه (الطوفان) استدلَّ بكلام الإمام محمد بن عبد الوهاب في ردِّه على الخطاب المؤول حيث نقل عن شيخ الإسلام المجدِّد ابن عبد الوهاب -﵀- أنه قال: «الأئمة مجمعون في كلِّ مذهب على أن مَنْ تغلَّب\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٣٠٨).","vol":"1","page":397},{"text":"على بلد أو بلدان له حكم الإمام في جميع الأشياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا» وكفى بالعبيسان رادًّا على نفسه» (^١).\nثم عقَّب العبيسان في كتابه (الفرقان) على الشيخ الفاضل حمد العثمان بتعقيبٍ عجيب ذكرَ فيه أنه يوافق الإمام محمد بن عبد الوهاب في تجديد وجوب قيام الأمة بما أمرَها به؛ من إقامةِ فروضِ الكفاية إذا عطَّلها الإمام أو أهمَلَها، وقدرتْ على القيام بها كالجهاد فقال: «فالذي جدَّد فيه الشيخ ووافقتهُ عليه هو وجوبُ قيام الأمة بما أمرَها الله به؛ من إقامة فروض الكفاية إذا عجَز الإمامُ أو عطَّلها وقدرت الأمة على إقامتها كالجهاد وإقامة الحقوق وهي التي عطَّلها الخطاب المؤول إلَّا بإذن الإمام أو نائبه!»، ثم قال: «وليس كل ما احتجَّ به الشيخ على خصومه أوافقه أنا عليه، وإنما وافقته على وجوب الجهاد وإقامة الحقوق لمن قدر عليها ولا تتعطَّل بحالٍ من الأحوال» (^٢).\nوفي تعقيب العبيسان ثلاثة أمور:\nالأمر الأول: أنه لم يبيِّن في هذا الموضع عدمَ موافقته الإمام محمد بن عبد الوهاب على إمامة المتغلِّب، بل ساقَ الكلام مساق الثناء مما يدلُّ على إقراره.\nالأمر الثاني: أن كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب صريحٌ في أن المتغلِّب يقومُ مقامَ الإمام الأعظم بالإجماع، وأنه يكون إمامًا شرعيًّا كالإمام الأعظم، فلذا يُعلَّق الجهاد به فلم يجعل الناس هم الذين يقومون بهذه الأحكام لا من قريب ولا من بعيد كما أرادَ أن يُفهمنا العبيسان لمَّا استدرك عليه، فهذا يؤكِّد أنه\n_________\n(^١) (ص: ٢٤).\n(^٢) الفرقان (ص: ٢٣).","vol":"1","page":398},{"text":"تناقضَ، ولو أقرَّ به لكان خيرًا من هذا الجواب الفاضح.\nالأمر الثالث: أنه على فرض الاقتناع بجواب العبيسان في تخليص نفسه من التناقض فإنه ممَّا يُقطَعُ به = خطؤه في فهمِ كلام الإمام محمد بن عبد الوهاب، وخطؤه فيما استنبطه منه. وهذا الأهم.\nالاستدراك السابع والسبعون:\nقال الدكتور: «وقد ظلَّت هذه الشبهة موجَّهةً لدعوة الشيخ حتى بعد وفاته، وأنَّ ما قام به محرَّم، وأنه خروج عن طاعة الإمام - الخليفة العثماني -، ولهذا نصَّ الفقيه الحنفي المصري ابن عابدين في الحاشية على أنَّ الشيخ وأتباعه خوارج» (^١).\nإنَّ هناك فرقًا وبونًا شاسعًا بين الذي يوصف بأمرٍ وهو كذلك، ومَن يوصَفُ بأمرٍ كذبًا وبهتانًا، فإنَّ الإمام محمد بن عبد الوهاب بريءٌ من شُبهة الخروج، وكلامهُ وحالهُ يدلُّ على براءته من ذلك - كما تقدم بيانه - (^٢).\nأما الدكتور حاكم وأمثاله فهُم يصرِّحون بتبنِّي هذه الشبهة، وأنها الدِّينُ الحقُّ وما سواها فهو خطابٌ مؤول فلا سواءَ بينهما ألبته، وحاشا الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -﵀- أن يدعوَ إلى ما يدعو إليه هذا الدكتور؛ لأنَّ الإمام مجدِّد سلفي، والدكتور يضربُ بأقوالِ السلف عُرض الحائط.\n_________\n(^١) (ص: ٢٥٠).\n(^٢) تقدم (ص: ٢٠٥).","vol":"1","page":399},{"text":"الاستدراك الثامن والسبعون:\nقال الدكتور: «وإنما أراد إثبات شرعية ما قام به الشيخ محمد ومن معه بجهادِ مَنْ اعترضَ طريقَ دعوتهم، وقال أيضًا: «بأي كتاب أم حجَّةٍ أن الجهاد لا يجبُ إلَّا مع إمام متَّبع؟ هذا من الفرية في الدين، والعدول عن سبيل المؤمنين، والأدلةُ على بطلان هذا القول أشهرُ من أن تُذكَر، من ذلك عمومُ الأمرِ بالجهاد والترغيبُ فيه والوعيدُ على تركه»، ثم قال: «وكلُّ مَنْ قامَ بالجهاد في سبيل الله فقد أطاعَ الله وأدَّى ما فرَضَهُ الله، ولا يكونُ الإمامُ إمامًا إلَّا بالجهاد، لا أنه لا يكون جهاد إلَّا بالإمام» (^١)، وفي الحاشية قال: «ومع هذا فقد صار هذا القولُ الذي تصدَّى عبد الرحمن بن حسن لبيان بطلانهِ أصلًا من أصول السلفية المعاصرة».\nطار الدكتور بهذا الكلام فرحًا، فوجده منفسًا للطعن في السلفية التي وصفَها (بالمعاصرة)، والجوابُ على كلام الدكتور من أوجه:\nالوجه الأول: أن الأدلة ظاهرة وواضحة في أنه يجب إذنُ ولي الأمر في الجهاد، وهي كما يلي:\n١ - عن أبي هريرة أن رسول الله -ﷺ- قال: «إنَّما الإمامُ جُنَّة يقاتَلُ من ورائهِ، ويُتَّقى به، فإنْ أمرَ بتقوى الله تعالى وعدلَ كان له بذلك أجرٌ، وإنْ يأمر بغيرهِ كان عليه منه» (^٢).\n_________\n(^١) (ص: ٢٥١).\n(^٢) أخرجه البخاري (٢٩٥٧)، ومسلم (١٨٤١).","vol":"1","page":400},{"text":"فهذا خبر بِمعنَى الأمر، وهو نصٌّ فِي المسألة، قال النووي: «(الإمام جُنَّة): أي كالستر؛ لأنه يَمنع العدو من أذى المسلمين، ويَمنع الناس بعضهم من بعض، ويحمي بيضة الإسلام، ويتَّقيه الناس، ويخافون سَطوته، ومعنَى يقاتل من ورائه: أي يُقاتل معه الكفار والبغاةُ والخوارج وسائرُ أهل الفساد والظُّلم» (^١).\nوقال ابن حجر: «لأنه يَمنع العدوَّ من أذى المسلمين، ويكفُّ أذى بعضهِم عن بعضٍ، والمرادُ بالإمام: كلُّ قائمٍ بأمور الناس» (^٢).\n٢ - عن حذيفة بن اليمان -﵁- قال: «قلت: يا رسول الله، فما ترى إنْ أدركنِي ذلك؟ قال: تلزمُ جماعة المسلمين وإمامهم. فقلت: فإن لَم تكن لَهُمْ جماعةٌ ولا إمام. قال: فاعتزلْ تلكَ الفرقَ كلَّها، ولو أن تعضَّ على أصل شجرة حتَّى يأتيك الموتُ وأنتَ على ذلك» (^٣).\nوجه الدلالة: أنه مأمورٌ بالتزام جماعة المسلمين وإمامهِم وألَّا يفارقهم. فإن قيل: الذي يذهب - الآن - إلى الجهاد هو ينتقل من جماعة مسلمين وإمامهم إلى جماعةِ مسلمين آخرين وإمامهم، فهو إذن ملازمٌ لجماعة المسلمين وإمامهم.\nقيل: هذا لا يجوز وهو عينُ الغدرِ الذي نَهى عنه رسول الله -ﷺ- فيما رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر، أن رسول الله -ﷺ- قال: «إنَّ الغادرَ يُنصَبُ لهُ لواءٌ يوم القيامة، يقال: هذا غَدرةُ فلان» (^٤)، وقد استدل به ابن عمر على حُرمة خلع البيعة من يزيد إلى ابن مطيع وابن حنظلة.\n_________\n(^١) شرح مسلم (١٢/ ٢٣٠).\n(^٢) فتح الباري (٦/ ١١٦).\n(^٣) أخرجه البخاري (٣٦٠٦)، ومسلم (١٨٤٧).\n(^٤) أخرجه البخاري (٦١٧٨)، ومسلم (١٧٣٥).","vol":"1","page":401},{"text":"ومن الأدلة أيضًا على حرمة مثل هذا ما خرجه مسلم عن ابن عمر أن رسول الله -ﷺ- قال: «مَنْ خلعَ يدًا من طاعة لقيَ الله يومَ القيامة لا حجة له» (^١).\n٣ - قاعدة: ما لا يتمُّ الواجبُ إلَّا به فهو واجب:\nفهذه القاعدة دليلٌ على تعليق أمر الجهاد بولي الأمر وإلَّا لصار الأمر فوضى، ولتنازعَ الناسُ فيما بينهم، بل لعل بعضَهُم يقتلُ بعضًا، فهذا لا يرى الجهاد مناسبًا، والآخر يقاتله لتصوُّره أنه ينكرُ شرعيته، وآخرون يقاتلون طائفة مسلمةً ابتداء لظنِّهم كُفرَهُم وهكذا.\nالوجه الثاني: ليس مراد الإمام عبد الرحمن بن حسن إنكار مُطلَق إذنِ وليِّ الأمر في الجهاد بل مُراده شيءٌ غير ما يذكره الدكتور، وهو إيجابُ إذن وليِّ الأمر في جهاد الدفع مع عدم وجود الإمام لذا نصَّ على قوله: «فإذا لم يوجد إمام فلا جهاد».\nويؤكِّد هذا أن الإمام عبد الرحمن بن حسن جعلَ القول بإذن الإمام في الجهاد قولًا محدثًا ولا يمكن أن يكون هذا في مطلق إيجاب إذن الإمام في الجهاد؛ لأن إيجاب إذن الإمام في الجهاد مشهورٌ في كتب الحنابلة؛ كالمغني وغيره ولا يمكن يخفى عليه -﵀- فضلًا عن أقوال بقية أهل العلم من المالكية وغيرهم.\nومما يدلُّ على أن مراده ما تقدَّم أن الشيخ عبد الرحمن عاشَ زمنًا بعد سقوط الدولة السعودية الأولى وقبل قيام الدولة السعودية الثانية فهو أدرَك وقتًا ليس للناس فيه إمام.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم (١٨٥١).","vol":"1","page":402},{"text":"الوجه الثالث: لنفرضْ أنَّ الإمام عبد الرحمن بن حسن اختارَ هذا القول، وظنَّ أنه لا سلفَ لمن يقول بوجوب الإذن فقد أخطأ في ظنه، وأيضًا الأدلة تدلُّ على أنه يجب أخذُ إذنِ الإمام للجهاد، والعبرة بالأدلة. أمَّا أفراد أهل السنة فليسوا معصومين، بل يخطئون ويصيبون.\nالاستدراك التاسع والسبعون:\nينقل الدكتور حاكم كلامًا طويلًا للإمام العلامة عبد اللطيف بن عبد الرحمن ابن حسن ويثني عليه؛ مع أن فيه تقرير صحَّة بيعة المتغلِّب، قال الدكتور: «ومما يؤكِّد البَون الشاسع بين الفكر السلفي قبل ظهور الخطاب المبدَّل، والفكر السلفي بعد ظهوره ما جاء في رسالة العلامة السلفي الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ وموقفه من الأمير عبد الله الذي استعان بالدولة العثمانية على الأمير سعود حيث قال:\n«وبعدُ تفهمونَ أنه لا إسلام بلا جماعة، ولا جماعة إلا بإمامة، وقد حصل من التفرق والاختلاف والخَوض في الأهواء المضلَّة ما هَدَمَ من الدين أصلَهُ وفرعه، وطمس من الدين أعلامَه الظاهرة وشرعَه، وهذه الفتنة يحتاج الرجل فيها إلى بصَرٍ نافذ عند ورود الشبهات، وعقلٍ راجح عند حلول الشهوات، والقولُ على الله بلا علم والخوضُ في دينه من غير درايةٍ ولا فهم، فوقَ الشرك واتخاذ الأنداد معه، وقد صار لديكم وشاعَ بينكم ما يعزُّ حصرهُ واستقصاؤه، فينبغي للمؤمن الوقوفُ عند كلِّ همة وكلام، فإن كان لله مضى فيه وإلَّا فحسبه السكوت».\nثم قال: «وقد عرفتم أنَّ أمر المسلمين لا يصلح إلا بإمام، وأنه لا إسلام إلا بذلك، ولا تتم المقاصد الدينية ولا تحصل الأركان الإسلامية، ولا تظهر الأحكام القرآنية، إلا مع الجماعة والإمامة، والفرقةُ عذابٌ وذهابٌ في الدين والدنيا، ولا تأتي شريعة بذلك قطُّ.","vol":"1","page":403},{"text":"ومَن عرف القواعدَ الشرعية عرفَ ضرورة الناس وحاجتهم في دينهم ودنياهم إلى الجماعة والإمامة، وقد تغلَّبَ مَنْ تغلَّب في آخر عهد أصحاب رسول الله -ﷺ- وأعطوه حكم الإمامة، ولم ينازعوا كما فعل ابن عمر وغيره، مع أنها أُخذت بالقهر والغلبة، وكذلك بعدَهم في عصر الطبقة الثالثة تغلَّب مَنْ تغلَّب وجرت أحكامُ الجماعة والإمامة، ولم يختلف أحدٌ في ذلك، وغالبُ الأئمة بعدَهُم على هذا القبيل وهذا النمط، ومع ذلك فأهلُ العلم والدين يأتمرون بما أمروا به من المعروف، وينتهون عما نهوا عنه من المنكر، ويجاهدون مع كلِّ إمام، كما هو منصوصٌ عليه في عقائد أهل السنة، ولم يقل أحدٌ منهم بجواز قتال المتغلِّب والخروج عليه وتركِ الأمة تموجُ في دمائها وتستبيحُ الأموالَ والحرمات، ويجوسُ العدو الحربي خلالَ ديارهم وينزلُ بحماهم - هذا لا يقولُ بجوازه وإباحته إلَّا مصابٌ في عقله، موتورٌ في دينه وفهمه، وقد قيل:\nلا يَصلُحُ الناسُ فوضى لا سَراةَ لهم … ولا سَراةَ إذا جُهَّالهمْ سادوا (^١)\nوعلَّق الدكتور في الحاشية عند قول الإمام عبد اللطيف «إلَّا مع الجماعة والإمامة»: «تأمَّل هذا الأصلَ العظيم كيف غابَ عن دُعاة الفكر السلفي المعاصر الذين همَّشوا موضوعَ الإمامة بدعوى أنها من الفروع».\nفي هذا أمور عدة:\nالأمر الأول: أثنى على هذا الكلام وهو صريحٌ في نقل الإجماع على صحَّة إمامة المتغلِّب، وأنَّ هذا اعتقادُ أهل السنة، وهذا كلُّه يناطحهُ الدكتور بهواه أو جهلهِ، فثناؤهُ على هذا الكلام من العلَّامة عبد اللطيف تناقضٌ وحُجَّة عليه.\n_________\n(^١) (ص: ٣١٢).","vol":"1","page":404},{"text":"الأمر الثاني: تعليقهُ في الحاشية أنَّ السلفيين همَّشوا موضوعَ الإمامة = تعليقُ جاهلٍ أو مبطلٍ أو كلَيهما، وذلك أن السلفيين لم يهمِّشوا الإمامة بل أعطَوها حقَّها بلا إفراطٍ ولا تفريط، فلم يقولوا إنها مقصودةٌ لذاتها كما قال الدكتور غلوًّا، ولا قالوا: عارِضوا الإمام إذا تولَّى غلبةً كما قاله الدكتور جفاءً، بل وسطٌ وعدلٌ في هذا الأصل.\nالأمر الثالث: بيَّن العلامة عبد اللطيف أنَّ إثباتَ الإمامة للمتغلِّب مشروعٌ لحكمة حقنِ دماء المسلمين وحفظِ مالهم - كما تقدم (^١) - خلافًا لما يقرِّره الدكتور من أنَّ إثباتَ إمامة المتغلِّب سببٌ لضعف الأمة وتخلُّفها، وكان مما قال الدكتور: «لقد ظنَّ العلماء أنَّ الصبر على الظلم خيرٌ من مواجهته، دون إدراك خطورة الظُّلم نفسه على المجتمع، وأنه سببُ انهيار الأمم وسقوطها، كما يشهد بذلك الواقع المعاصر للأمم» (^٢)، فهل هذا إلَّا حجَّة عليه.\nالاستدراك الثمانون:\nقال الدكتور: «لقد تمَّ استدعاء هذا الخطاب والاحتجاجُ به لا في الزمنِ الذي قال فيه النبي -ﷺ-: «سترونَ بعدي أَثرةً فاصبروا» (^٣)، بل في الزمن الذي قال فيه: «إلَّا أن تروا كُفرًا بواحًا» (^٤).\n_________\n(^١) تقدم (ص: ٧٠).\n(^٢) (ص: ٣١٩).\n(^٣) سبق تخريجه (ص: ٣٧).\n(^٤) سبق تخريجه (ص: ٣٥).","vol":"1","page":405},{"text":"إنَّ أكثر الأنظمة اليوم ليست هي الأنظمة التي توصفُ بالجَور الذي اختلف العلماء في شأنه، بل هي الأنظمة التي توصَفُ بالكفر الذي أجمع العلماء على وجوب الخروج عليها لمن استطاع، فلا يمكن تنزيلُ كلام السلف على الواقع إلَّا كما لو صحَّ تنزيله على دولة العبيديين في مصر» (^١).\nهذا نفَسٌ خارجيٌّ معروف، فيه تكفيرٌ للحكومات الإسلامية اليوم، وأنها تعيشُ حالة الكفر البواح، لو اقتصر عليه لكَفاني عَناءَ الردِّ عليه في دعوته إلى الحرية المفرِطةِ والتي منها عدم إنكار المنكر، والسماح بالفساد الشُّبُهاتي والشَّهواني باسم الحرية، مُوهمًا الاستدلالَ بقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.\nوفي دَعواه عدمُ الصَّبر على جَور الحاكم الفاسق؛ وأنَّ هذه عقيدةٌ جبرية بدعية أتى بها الحسن البصري.\nوفي دعواه عدم صحة إمامة المتغلِّب، وأنَّ الإمامة لا تصحُّ إلَّا بالاختيار.\nوفي دعواه إلى عزلِ الحاكم بفسقه، بل حتى لو تركَ الشورى إلى غير ذلك.\nوهذا من بُهْتهِ على السلفية المعاصرة ومحاولة فصلِها عن المنهج الأول والسلف الصالح إلى غير ذلك من شناعاته وجهالاته وبغيه وعدوانه.\nثم ليُعلَم أنَّ كثيرًا من هؤلاء إذا قالوا: (أكثر الحكومات) فهُم يريدونها كلَّها، لكنهم يذكرون هذا تعميةً؛ فكثيرٌ منهم يكفِّر حتى دولةَ التوحيد السعودية فضلًا عن غيرها، لذا لا يذكرون بأنَّ من الحكومات الحالية - كالسعودية - حكومة شرعية.\nوعَودًا على كلامه يقال: إنَّ في كلامه هذا تناقضًا بيِّنًا، فإنه فيما تقدَّم لا يرى\n_________\n(^١) (ص: ٣١٥).","vol":"1","page":406},{"text":"عقيدة الصَّبر إلَّا عقيدةً جبرية، والآن يراهُ في ظلِّ الحكومة غير الكافرة. وهذا تناقضٌ فاحشٌ حتى إنك لَتظنُّ أنَّ كاتبَ الكتاب رجلان؛ ولكلٍّ منهما فكرٌ مناقضٌ للآخر.\nالاستدراك الواحد والثمانون:\nقال الدكتور: «بل إنَّ الأئمة إنما أوجَبوا السمعَ والطاعة للخلفاء - وإنْ وقعَ منهم جَور - إذا كانوا خلفاء وأئمة ليس فوقَهُم سلطة، أمَّا الأنظمة التي جاء بها الاستعمار أو صَنَعها على عَينهِ لتنفِّذ مخطَّطاته، فالطاعة ليست لهم، وإنَّما هي في واقع الأمر للدول الاستعمارية التي توظِّفهم في خدمتها» (^١).\nفي هذا أمور عدة:\nالأمر الأول: تناقض الدكتور التناقض الذي سبقت الإشارة إليه، فهو في هذا الكلام يرى عقيدة الصبر على جَور الحاكم، وفيما تقدَّم جعلَها عقيدةً جبرية مبتدَعة ابتدَعَها الحسنُ البصري!!.\nالأمر الثاني: اشترطَ السمع والطاعة للحاكم المسلم القويِّ الذي لا يخاف من قوى أعظَمَ كفرية، أو لحاكم لا يسيرُ على مخطَّطات الغرب، وهذا اشتراطٌ باطل لسببين:\nالسبب الأول: أنَّ أدلة السمع والطاعة لم تفرِّق بين المتغلِّب بنفسه أو بغيره، وكذلك إجماعات أهل السنة.\nالسبب الثاني: أنَّ الحكمة التي شُرع من أجلها السمع والطاعة تتحقَّق مع وجود هذه الحكومات بهذه الحالة. هذا كلُّه على فرض الموافقة على تشخيص حال الحكومات اليوم بهذا التشخيص الغالي.\n_________\n(^١) (ص: ٣١٦).","vol":"1","page":407},{"text":"<span data-type='title' id=toc-243>الفصل السادس\nإشارات لكتاب «أسئلة الثورة»</span>","vol":"1","page":409},{"text":"إشارات لكتاب «أسئلة الثورة»\nهذا الكتاب منحرفٌ عن معتقد أهل السنة والجماعة، فقد زعمَ مؤلِّفه أنه لا يحتاج إلى تحكيم الشريعة بل المرادُ العدل؛ فكلُّ ما يوصِلُ إليه فهو مطلوب وبه نحكم (^١)، فقال: «أما تفصيلات العلاقة بين الدين فيجب أن تُعالَج على ضوء الظروف الخاصة لكل بلد»، ثم قال: «ولعلَّ الكثيرين ممن يتحدثون عن هذا المعنى يتبادر إلى أذهانهم: إقامة الحدود على الزُّناة واللصوص والسحَرة قبل كل شيء، ولكنهم يتجاهلون الظروف الموضوعية والشروط الشرعية لإقامة العدالة الاجتماعية والسياسية، أو على الأقل الحد الأدنى من العدالة التي جاءت هذه الأحكام لكفالتها والقيام عليها».\nثم قال: «الشريعة؛ ويُقصَدُ بها هنا الأحكامُ التفصيلية؛ والكثيرُ من الأحكام التفصيلية يكون على وجوهٍ عدَّة، أو كما يقال تجري فيها الأحكام الخمسة أو بعضُها، فيكون واجبًا حينًا ومحرَّمًا حينًا آخر أو مكروهًا أو مستحبًّا أو مباحًا، واختيارُ واحدٍ من هذه الأحكام مبنيٌّ على معرفةِ الواقع الذي سنوقع عليه الحكم والمصلحة المترتبة.\nثم قال: «الكثيرون يغرقون في تفاصيل الشريعة في النظر إلى عِلَلها ومقاصِدها ومصالحها وظروفِ تطبيقها وشروطها الموضوعية في الحال والمآل.\nإنَّ التطبيق الأمثل للشريعة مرتبطٌ بنظامِ الخلافة الراشدة، وسنرى لاحقًا كيف اجتهدَ الخلفاء في تحقيق هذا المقصد السامي، وبعدهم يلزم الفقهاء الراسخين النظرُ\n_________\n(^١) وبمثل هذا قال «عبد الله بن يوسف الجديع» في خطبة له بأوروبا، وهي موجودة على تيوب موقع الإسلام العتيق.","vol":"1","page":411},{"text":"في إمكانيات الواقع وتقدير المصالح.\nوهذا يؤكد أنَّ تطبيق الشريعة مراعاة القواعد الشرعية والمصالح الظنية التي بُنيتْ عليها تفاصيلُ النصوص، لا أن نتمسك ببعض الأحكام بعيدًا عن عِلَلها ومقاصدها في المصالح الدنيوية، ونأخذها كما نأخذُ نصوصَ العبادات المحضة التي قصد بها مجردُ الامتثال لنهدمَ بتلك النصوص القواعدَ والمقاصدَ التي جاءت بها الشريعة».\nثم قال: «وفي عهد الخلفاء الراشدين قد نرى أمثلةً خالفَ فيها الخليفةُ ما كان عليه من العمل في عهد النبي -ﷺ-، كما فعل عمر -﵁- في مسائلَ عديدةٍ سوف آتي على شيء منها، وهذا يؤكِّد أنَّ المقصود في تطبيق الشريعة هو مراعاة مقاصدها وقواعدها».\nثم قال: «إذًا هي معادلةٌ تتغير نتيجتها إذا تغيَّر أحدُ طرفَي المعادلة.\nفَهْمَ واقعِ الأفرادِ والشعوب النفسي والفكري، وَقْدرُ ما يتحمَّلون من الشرع، وما يصلحهم ويَصلحُ لهم = هو فِقهٌ دقيقٌ تختلفُ فيه الأنظار، ويتفاوتُ في دركهِ النظار.\nوالتطبيق العملي مركَّب من معرفة النصوص الأصلية أولًا، ومن معرفةِ الظَّرف التاريخي الذي يُراد التماس حُكمهِ ثانيًا، بما في ذلك معرفة الاستعداد للقبول وردَّات الفعل، وهل تعودُ على المجموع بالضَّرر، أو تُربك مسيرةَ الحياة، أو تُربك مسيرةَ الإصلاحِ المتدرِّج؟.\nتُربك مسيرة الحياة بإثارة المشكلات، والتنازع الشديد المؤدِّي إلى انفصام عُروة الجماعة، أو تراجع التنمية والاقتصاد، أو تسلُّط الأعداء.","vol":"1","page":412},{"text":"أو تُربك مسيرة الشريعة ذاتها بالانقلاب عليها وسوء الظَّن بدُعاتها، واعتقاد أنها جزء من الماضي ينبغي هَجره، وعدم محاولته لأنَّ القدر الذي شُوهِدَ منها لم يُراعَ فيه ظروفُ الحال، ولم يُعطَ حقَّه من الفقه كما ينبغي».\nثم قال: «ومنه يُعلم أنَّ الاستطاعة الواردة في الكتاب والسنة لا تعني قدرة الإنسان على فعل الشيء من حيث الإمكان المادي فحسب، بل تعني ما هو أبعدُ من ذلك، وهو تحقيقُ المصلحة ودرءُ المفسدة»، ثم راحَ يستدلُّ بأن عمرَ تركَ قطعَ يدِ السارقِ في عام المجاعة، وتركَ إعطاءَ المؤلَّفة قلوبهم سَهمَهم من الزكاة وهكذا ..\nثم قال: «فالشريعة من أهمِّ معانيها تحقيقُ العدالة، والحكمُ بين الناس بالقسط، وإقامة الحقوق .. ونصرة الضعيف، وحفظ المال العام، وحمايةُ أعراض الناس وأنفسهم من العدوان والضَّرب أو السجن أو القتل.\nوقد تصبح الدولة إسلامية دون أن تعلن عن نفسها أنها كذلك بتحقيق المقاصد العليا للشريعة» (^١).\nلذا دعا في كتابه لتحكيم الديمقراطية أي أنْ يحكمَ الناسُ دون شريعة ربِّ الناس!!.\nوفي الكتاب موبقات أخرى شنيعة ذكرها الشيخ الفاضل د. فهد الفهيد في أوائل كتابه في الرد على كتاب (أسئلة الثورة) فقال: «وقد اطلعتُ على كتاب (أسئلة الثورة) من تأليف د. سلمان العودة، ورأيته اشتملَ على تقرير الثورات والتشجيع عليها، ورأيتُ في كتابه هذا أنواعًا من الجناية على الإسلام وأهله،\n_________\n(^١) (ص: ١٠٩ - ١٢٥).","vol":"1","page":413},{"text":"فمن ذلك:\n١ - تقريره التهوين من تطبيق الشريعة، والاكتفاء بالقول (بسيادة الشريعة).\n٢ - تحسينهُ النظامَ الديمقراطي، وزعمُه أنَّ الشعب لو اختارَ من خلال هذا النظام غيرَ الإسلام، فالعيبُ ليس في النظام الديمقراطي وإنَّما في الشعب!!\n٣ - احتفاؤه بنظرية العقد الاجتماعي لـ «جان جاك روسو»، وهي نظرية غريبة فاسدة، متضمِّنة لأنواع من الفساد.\n٤ - اشتمل كتابه على تأييد العلمانية بلحنٍ من القول، وزعمَ أنها قد تُناسبُ بلدًا ولا تناسب بلدًا آخر، وأن العلمانية المقبولة هي التفريق بين (الحكم) وبين الدولة.\n٥ - ادَّعى الكاتب أنَّ مشروع الأمة إنَّما يقومُ بجميع فصائلها، حتى غير المسلمين سيشاركون في نهضة الأمة، وأشارَ الكاتب إلى تقرير حرية الأديان والاعتقادات، ودعا بصراحةٍ ووضوحٍ إلى سيادة القانون (وهو الدستور الذي تتوافق عليه جميع الأطياف في البلد).\n٦ - روَّج الكاتب لكتابٍ لأحد اليهود المحرِّضين على الثورات، وتضمَّن الكتابُ بيانَ الوسائل العملية لإحداث الثورات، فكأنه يقول للقراء: ارجعوا لهذا الكتاب حتى تعرفوا الوسائل العملية لثوراتكم!\n٧ - أضافَ الكاتب على الضرورات الخمس - المعلومة عند علماء المسلمين - ضروراتٍ جديدةً لم يقُلْ بها أحدٌ من أهل العلم، ثم وجدتُ أنَّ الكاتب في هذا مقلِّد لمحمد الجابري وأمثاله، وهذه الضرورات الجديدة هي (العدالة، والحرية، وحفظ الحقوق، ورعاية الحياة، وحفظ الكرامة الإنسانية، والاجتماع البشري)!","vol":"1","page":414},{"text":"٨ - اعتدى الكاتب على مقام السُّنة النبوية، فزعمَ أنه ليس فيها ذِكْرُ قضية الخلافة والحكم، وأنَّ الحكومة النبوية الأمرُ فيها أقربُ إلى (حكومة لا مركزية)، واعتدى الكاتبُ على مقام الخلفاء الراشدين -﵃- أيضًا.\nوذكر الثورةَ على عثمان -﵁-، وذكرَ من أسباب هذه الثورة: طول فترة خلافة عثمان -﵁-، وجعلَ أجملَ ما في القصة أنَّ عثمان اختار أن يكون عبد الله المقتول، فهذا أجملُ ما فيها عنده، ولطولِ خلافته ثاروا عليه!\nكما جعل معاوية -﵁- مستغِلًّا للظروف للتمهيد لقيام الدولة الأموية، وطيِّ صفحةِ الخلافة الراشدة.\n٩ - ذمَّ الكاتب العلماء السائرين على منهج السلف، ووصفَهُم بأوصافٍ غير لائقة، وذكرَ فقهًا جديدًا وهو (فقه الثورات ومآلاتها).\n١٠ - وفي مقابل ذمِّه للفقهاء والعلماء ترى الكاتبَ يعتمدُ كثيرًا على مقولاتٍ للفلاسفة الكفَّار، ويروِّج لها، ويمدحها …» (^١).\nولا يُستغرب ضلالُ العودة في هذا الكتاب، فقد اعتمدَ فيه كثيرًا على كتاب (الحرية والطوفان) لحاكم العبيسان وكتاب (الدين والدولة وتطبيق الشريعة)\nد. محمد الجابري (^٢).\n_________\n(^١) الجناية على الإسلام (ص: ١٠ - ١٤).\n(^٢) أفاد هذا الشيخ فهد الفهيد في كتابه «الجناية على الإسلام» وقال معرفًا بالجابري في الحاشية (ص: ١٥٩): كاتب مغربي، ولد عام (١٩٣٦) م، تخصَّص في كلية الآداب بالرباط في الفلسفة والفكر العربي الإسلامي، له العديد من الكتب في تحريف الشريعة بمثل تحريفات الباطنية، وهو ماركسيٌّ في الأصل، وكان قياديًّا في الاتحاد الاشتراكي، ويعتبر من عُتاة العلمانيين، توفي يوم (٣) مايو عام (٢٠١٠ م). اهـ.","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type='title' id=toc-244>الخاتمة</span>\nثمَّ إنني أحمدُ الله سبحانه الذي أتمَّ لي الكتابة في هذا الموضوع المهمِّ، والذي أجلَبَ دعاةُ الباطل فيه بَخيلهم ورَجلِهِم لتشويهِ وطَمْسِ عقيدة أهل السنة في الولاية والإمامة.\nوإنَّي لأذكِّر بأهمية الردود العلمية على الباطل وأهله، فإنها سبيلٌ عظيم لحفظِ الحق، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [الأنبياء: ١٨]، ولا سيما الردود المكتوبة فإنها أبقى وأيسَرُ للرجوع إليها، وقراءة أهل العلم والفضل لها.\nوإنِّي لأرجو من إخواني أهل السنة إذا وقعوا على خطأ أو ملاحظةٍ أو نقصٍ أو غير ذلك أن يُتحفوني بهذا، فالمؤمنُ قويٌّ بإخوانه ضعيفٌ بنفسه؛ قال سبحانه لكَليمهِ موسى -﵇-: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: ٣٥].\nأسألُ الله أن يتقبلَ هذا الكتابَ وأن يجعله سببًا لرضاه، وأن يجعلَ له القَبول والنفع بين العباد.","vol":"1","page":416},{"text":"<span data-type='title' id=toc-245>المراجع</span>\nمجموع الفتاوى: مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة النبوية - المملكة العربية السعودية.\nأضواء البيان: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت - لبنان - ط (١٤١٥ هـ).\nالصارم المسلول: الحرس الوطني السعودي، المملكة العربية السعودية.\nالشريعة - للآجري: دار الوطن، الرياض - السعودية - ط (١٤٢٠ هـ).\nإعلام الموقعين: دار الكتب العلمية، بيروت - ط (١٤١١ هـ).\nمدارج السالكين: دار الكتاب العربي، بيروت - الطبعة الثالثة (١٤١٦ هـ).\nسنن ابن ماجه: دار إحياء الكتب العربية.\nسنن الترمذي: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر (١٣٩٥ هـ).\nسنن أبي داود: المكتبة العصرية، صيدا - بيروت.\nمسند أحمد: عالم الكتب، بيروت - ط (١٤١٩ هـ).\nسنن الدارمي: دار المغني للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية - الطبعة الأولى (١٤١٢ هـ).\nالمعجم الكبير للطبراني: مكتبة ابن تيمية، القاهرة - الطبعة الثانية.\nلمعة الاعتقاد: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية - الطبعة الثانية (١٤٢٠ هـ).\nاقتضاء الصراط المستقيم: دار عالم الكتب، بيروت - لبنان - الطبعة السابعة (١٤١٩ هـ).\nالفتوى الحموية: دار فخر للتراث - الطبعة الأولى (١٤١١ هـ).\nالتمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب - ط (١٣٨٧ هـ).\nمنهاج السنة النبوية: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الطبعة الأولى (١٤٠٦ هـ).\nصحيح البخاري: دار طوق النجاة - الطبعة الأولى (١٤٢٢ هـ).\nصحيح مسلم: دار إحياء التراث العربي - بيروت.\nالانتصار لأصحاب الحديث: مكتبة أضواء المنار، السعودية - الطبعة الأولى (١٤١٧ هـ).","vol":"1","page":417},{"text":"الاستقامة: جامعة الإمام محمد بن سعود، المدينة المنورة - الطبعة الأولى (١٤٠٣ هـ).\nجامع العلوم والحكم: مؤسسة الرسالة، بيروت - الطبعة السابعة (١٤٢٢ هـ).\nالأحكام السلطانية للماوردي: دار الحديث، القاهرة.\nالفصل في الملل والأهواء والنحل: مكتبة الخانجي، القاهرة.\nتفسير القرطبي: دار الكتب المصرية، القاهرة - الطبعة الثانية (١٣٨٤ هـ).\nشرح النووي على صحيح مسلم: دار إحياء التراث العربي، بيروت - الطبعة الثانية (١٣٩٢ هـ).\nالصواعق المحرقة على أهل الرفض والضلال والزندقة: مؤسسة الرسالة، لبنان - الطبعة الأولى (١٤١٧ هـ).\nتاريخ ابن خلدون: دار الفكر، بيروت - الطبعة الثانية (١٤٠٨ هـ).\nروضة الناظر: مؤسسة الريّان للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية (١٤٢٣ هـ).\nالبحر المحيط في أصول الفقه: دار الكتبي، الطبعة الأولى (١٤١٤ هـ).\nلسان العرب: دار صادر، بيروت - الطبعة الثالثة (١٤١٤ هـ).\nغذاء الألباب في شرح منظومة الآداب: مؤسسة قرطبة، مصر - الطبعة الثانية (١٤١٤ هـ).\nعمدة القاري شرح صحيح البخاري: دار إحياء التراث العربي، بيروت.\nالسياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية: وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية - الطبعة الأولى (١٤١٨ هـ).\nالطرق الحكمية: مكتبة دار البيان.\nالسيل الجرار: دار ابن حزم - الطبعة الأولى.\nبدائع الصنائع: دار الكتب العلمية، الطبعة الثانية (١٤٠٦ هـ).\nأحكام أهل الذمة: رمادى للنشر، الدمام - الطبعة الأولى (١٤١٨ هـ).\nإكمال المعلم بفوائد مسلم: دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع، مصر - الطبعة الأولى (١٤١٩ هـ).\nالمفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم: دار ابن كثير، دمشق - بيروت - الطبعة الثالثة (١٤٢٦ هـ).\nفتح الباري شرح صحيح البخاري - لابن حجر: دار المعرفة، بيروت - ط (١٣٧٩ هـ).\nمجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز -﵀-: أشرف على جَمعه وطبعه محمد بن سعد الشويعر.","vol":"1","page":418},{"text":"الأشباه والنظائر - للسيوطي: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى (١٤١١ هـ).\nالأشباه والنظائر - للسبكي: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى (١٤١١ هـ).\nأصول السنة - للإمام أحمد: دار المنار، الخرج - السعودية - الطبعة الأولى (١٤١١ هـ).\nشرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: دار طيبة، السعودية - الطبعة الثامنة (١٤٢٣ هـ).\nكتاب السنة من مسائل الإمام حرب: وقفية نايف بن مطر الأسلمي، الطبعة الأولى (١٤٣٣ هـ).\nعقيدة السلف وأصحاب الحديث: الطبعة الأولى (١٤١٣ هـ).\nشرح السنة - للمزني: مكتبة الغرباء الأثرية، السعودية - الطبعة الأولى (١٤١٥ هـ).\nشرح صحيح البخاري - لابن بطال: مكتبة الرشد، الرياض - الطبعة الثانية (١٤٢٣ هـ).\nفتح القدير: دار الفكر.\nالتاريخ الكبير: دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد - الدكن.\nسلسلة الأحاديث الضعيفة: دار المعارف، الرياض الطبعة الأولى (١٤١٢ هـ).\nالروح: دار الكتب العلمية - بيروت.\nحلية الأولياء وطبقات الأصفياء: السعادة - بجوار محافظة مصر- ط (١٣٩٤ هـ -١٩٧٤ م).\nالسنة - للخلال: دار الراية، الرياض - الطبعة الأولى (١٤١٠ هـ).\nشرح السنة - للبربهاري: مكتبة الغرباء الأثرية، الطبعة الأولى (١٤١٤ هـ).\nاعتقاد أهل السنة: دار الريان، الإمارات العربية المتحدة - الطبعة الأولى (١٤١٣ هـ).\nالعقيدة الطحاوية: المكتب الإسلامي، بيروت - الطبعة الثانية (١٤١٤ هـ).\nالسنة - لابن أبي عاصم: المكتب الإسلامي، الطبعة الأولى (١٤٠٠ هـ).\nالدرر السنية في الأجوبة النجدية: الطبعة السادسة (١٤١٧ هـ).\nطرح التثريب: الطبعة المصرية القديمة، وصوَّرتها دور عدة، منها: (دار إحياء التراث العربي، ومؤسسة التاريخ العربي، ودار الفكر العربي).\nنيل الأوطار: دار الحديث، مصر - الطبعة الأولى (١٤١٣ هـ).\nالبحر الرائق: دار الكتاب الإسلامي، الطبعة الثانية.\nحاشية الدسوقي على الشرح الكبير: دار الفكر.","vol":"1","page":419},{"text":"المبدع في شرح المقنع: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان - الطبعة الأولى (١٤١٨ هـ).\nالإقناع في فقه الإمام أحمد: دار المعرفة، بيروت - لبنان.\nروضة الطالبين وعمدة المفتين: المكتب الإسلامي - الطبعة الثالثة (١٤١٢ هـ).\nالشرح الممتع على زاد المستقنع: دار ابن الجوزي، الطبعة الأولى (١٤٢٢ - ١٤٢٨ هـ).\nالطبقات الكبرى: دار الكتب العلمية، بيروت - الطبعة الأولى (١٤١٠ هـ).\nإرواء الغليل: المكتب الإسلامي، بيروت - الطبعة الثانية (١٤٠٥ هـ).\nالأحكام السلطانية - لأبي يعلى الفراء: دار الكتب العلمية، بيروت - الطبعة الثانية (١٤٢١ هـ).\nالاعتصام - للشاطبي: دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية - الطبعة الأولى (١٤٢٩ هـ).\nآداب الشافعي ومناقبه: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان - الطبعة الأولى (١٤٢٤ هـ).\nتحفة الأحوذي: دار الكتب العلمية، بيروت.\nشرح رياض الصالحين - لابن عثيمين: دار الوطن للنشر، الرياض - ط (١٤٢٦ هـ).\nزاد المسير في علم التفسير: دار الكتاب العربي، بيروت - الطبعة الأولى (١٤٢٢ هـ).\nالقواعد النورانية الفقهية: دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية - الطبعة الأولى (١٤٢٢ هـ).\nحاشية السندي على سنن النسائي: مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب - الطبعة الثانية (١٤٠٦ هـ).\nالتحبير شرح التحرير في أصول الفقه: مكتبة الرشد، الرياض - الطبعة الأولى (١٤٢١ هـ).\nالحكم بغير ما أنزل الله: الطبعة الأولى.\nنقد مراتب الإجماع: دار ابن حزم، بيروت - الطبعة الأولى (١٤١٩ هـ).\nالمستدرك على الصحيحين: دار الكتب العلمية، بيروت - الطبعة الأولى (١٤١١ هـ).\nالمعجم الأوسط - للطبراني: دار الحرمين، القاهرة.\nالكاشف: دار القبلة للثقافة الإسلامية (مؤسسة علوم القرآن)، جدة - الطبعة الأولى (١٤١٣ هـ).\nالفصل في الملل والنحل: مكتبة الخانجي، القاهرة.\nالمستصفى: دار الكتب العلمية - الطبعة الأولى (١٤١٣ هـ).\nالإشراف على مذاهب العلماء: مكتبة مكة الثقافية، رأس الخيمة - الإمارات العربية المتحدة، الطبعة الأولى (١٤٢٥ هـ).","vol":"1","page":420},{"text":"المسودة في أصول الفقه: دار الكتاب العربي.\nالورقات: د. عبد اللطيف محمد العبد.\nشرح تنقيح الفصول: شركة الطباعة الفنية المتحدة، الطبعة الأولى (١٣٩٣ هـ).\nالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية - الطبعة الأولى (١٤١٨ هـ).\nالجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح: دار العاصمة، السعودية - الطبعة الثانية (١٤١٩ هـ).\nالصارم المسلول على شاتم الرسول: الحرس الوطني السعودي، المملكة العربية السعودية.\nفيض القدير: المكتبة التجارية الكبرى، مصر - الطبعة الأولى (١٣٥٦ هـ).\nمصنف ابن أبي شيبة - كمال يوسف الحوت: مكتبة الرشد، الرياض - الطبعة الأولى (١٤٠٩ هـ).\nتهذيب التهذيب: مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند - الطبعة الأولى (١٣٢٦ هـ).\nمسند الفاروق - لابن كثير: دار الوفاء، المنصورة - الطبعة الأولى (١٤١١ هـ).\nتأويل مختلف الحديث: دار ابن القيم، دار ابن عفان - الطبعة الأولى (١٤٢٧ هـ).\nصحيح الترغيب والترهيب: مكتبة المعارف، الرياض - الطبعة الثالثة (١٤٠٩ هـ).\nفضائل الصحابة - لأحمد بن حنبل: مؤسسة الرسالة، بيروت - الطبعة الأولى (١٤٠٣ هـ).\nالآحاد والمثاني - لابن أبي عاصم: دار الراية، الرياض - الطبعة الأولى (١٤١١ هـ).\nشرح علل الترمذي: مكتبة المنار، الزرقاء - الأردن - الطبعة الأولى (١٤٠٧ هـ).\nالتاريخ الكبير: دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد - الدكن.\nتهذيب التهذيب: مطبعة دائرة المعارف النظامية، الهند - الطبعة الأولى (١٣٢٦ هـ).\nالبداية والنهاية: دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان، الطبعة الأولى (١٤١٨ هـ).\nكشف المشكل من حديث الصحيحين: دار الوطن، الرياض.\nصحيح البخاري - بشرح الكرماني: دار إحياء التراث العربي، بيروت - الطبعة الثانية (١٤٠١ هـ).\nجامع التحصيل: عالم الكتب، بيروت - الطبعة الثانية (١٤٠٧ هـ).\nسلسلة الأحاديث الصحيحة: مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرياض - الطبعة الأولى.\nمجمع الزوائد: مكتبة القدسي، القاهرة - ط (١٤١٤ هـ).","vol":"1","page":421},{"text":"لسان الميزان: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان - الطبعة الثانية (١٣٩٠ هـ).\nالعدة في أصول الفقه: تحقيق د/ أحمد بن علي بن سير المباركي، الطبعة الثانية (١٤١٠ هـ).\nالتمهيد في أصول الفقه: دار المدني، الطبعة الأولى (١٤٠٦ هـ).\nسير أعلام النبلاء: مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة (١٤٠٥ هـ).\nتاريخ الطبري: دار التراث، بيروت - الطبعة الثانية (١٣٨٧ هـ).\nتاريخ ابن معين: مركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي، مكة المكرمة - الطبعة الأولى (١٣٩٩ هـ).\nالقواعد - لابن رجب: دار الكتب العلمية.\nتاريخ دمشق: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - ط (١٤١٥ هـ).\nتاريخ الإسلام: دار الغرب الإسلامي - الطبعة الأولى (٢٠٠٣ م).\nالمجروحين: دار الوعي، حلب - الطبعة الأولى (١٣٩٦ هـ).\nالسياسة الشرعية: وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية - الطبعة الأولى (١٤١٨ هـ).\nتفسير ابن أبي حاتم: مكتبة نزار الباز، المملكة العربية السعودية - الطبعة الثالثة (١٤١٩ هـ).\nتخريج أحاديث الإحياء: دار ابن حزم، بيروت - لبنان - الطبعة الأولى (١٤٢٦ هـ).\nالتلخيص الحبير: مؤسسة قرطبة، مصر - الطبعة الأولى (١٤١٦ هـ).\nجامع معمر بن راشد: المجلس العلمي بباكستان، وتوزيع المكتب الإسلامي ببيروت - الطبعة الثانية (١٤٠٣ هـ).\nجامع بيان العلم وفضله: دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية - الطبعة الأولى (١٤١٤ هـ).\nالموافقات للشاطبي: دار ابن عفان - الطبعة الأولى (١٤١٧ هـ).\nرفع الملام عن الأئمة الأعلام: الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، الرياض - المملكة العربية السعودية - ط (١٤٠٣ هـ).\nالعواصم من القواصم: وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية - الطبعة الأولى (١٤١٩ هـ).","vol":"1","page":422},{"text":"أحكام القرآن للجصاص: دار إحياء التراث العربي - بيروت - ط (١٤٠٥ هـ).\nالجامع في السنن والآداب: مؤسسة الرسالة - الطبعة الثانية (١٤٠٣ هـ).\nالتفسير من سنن سعيد بن منصور: دار الصميعي، الرياض - الطبعة الأولى (١٩٩٣ م).\nشرح القواعد المثلى - لابن عثيمين: دار التيسير للنشر والتوزيع - الطبعة الأولى (١٤٢٦ هـ).\nالسنة - لعبدالله بن أحمد: دار ابن القيم، الدمام - الطبعة الأولى (١٤٠٦ هـ).\nالفقه الأكبر: مكتبة الفرقان، الإمارات العربية - الطبعة الأولى (١٤١٩ هـ).\nأحكام القرآن لابن عربي: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان - الطبعة الثالثة (١٤٢٤ هـ).\nالشرح الكبير - للدردير، وحاشية الدسوقي: دار الفكر.\nتاريخ الخلفاء - للسيوطي: دار المنهاج - الطبعة الثانية (١٤٣٤ هـ).\nالزهد الكبير للبيهقي: مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت - الطبعة الثالثة (١٩٩٦ م).\nطبقات الحنابلة: دار المعرفة، بيروت.\nفتح القدير - لابن الهمام: دار الفكر.\nإتحاف السادة المتقين: مؤسسة التاريخ العربي - ط (١٤١٤ هـ).\nالمغني لابن قدامة: مكتبة القاهرة.\nشرح العقائد النسفية: مكتبة المدينة، كراتشي - باكستان - الطبعة الثانية (١٤٣٣ هـ).\nشرح الزركشي: دار العبيكان - الطبعة الأولى (١٤١٣ هـ).\nمسائل الإمام أحمد - رواية أبي داود:\nمكتبة ابن تيمية، مصر - الطبعة الأولى (١٤٢٠ هـ).\nتهذيب اللغة: دار إحياء التراث العربي، بيروت - الطبعة الأولى (٢٠٠١ م).\nالإصابة في تمييز الصحابة: دار الكتب العلمية، بيروت - الطبعة الأولى (١٤١٥ هـ).\nالإبانة الكبرى - لابن بطة: دار الراية للنشر والتوزيع، الرياض.\nناسخ الحديث ومنسوخه: تحقيق عبدالله المنصور - الطبعة الأولى (١٤٢٠ هـ).\nالمغازي - للإمام موسى بن عقبة: مكتبة دار المنهاج، الطبعة الأولى (١٤٣٤ هـ).\nتاريخ المدينة - لابن شبه: طبع على نفقة السيد/ حبيب محمود أحمد - جدة - ط (١٣٩٩ هـ).","vol":"1","page":423},{"text":"التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل: المكتب الإسلامي، الطبعة الثانية (١٤٠٦ هـ).\nالأنوار الكاشفة: المطبعة السلفية، ومكتبتها عالم الكتب - بيروت - ط (١٤٠٦ هـ).\nتاريخ بغداد: دار الكتب العلمية، بيروت - الطبعة الأولى (١٤١٧ هـ).\nتنبيهات على كتاب ظاهرة الإرجاء.\nدعاوي المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: دار الوطن، الرياض - المملكة العربية السعودية - الطبعة الأولى (١٤١٢ هـ).\nالمحلى بالآثار: دار الفكر - بيروت.\nمصنف عبد الرزاق: المجلس العلمي - الهند - الطبعة الثانية (١٤٠٣ هـ).\nصحيح ابن حبان: مؤسسة الرسالة، بيروت - الطبعة الأولى (١٤٠٨ هـ).\nترتيب المدارك وتقريب المسالك: مطبعة فضالة، المحمدية - المغرب - الطبعة الأولى.\nطبقات علماء الحديث: مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية (١٤١٧ هـ).\nكتاب العبادة: دار العاصمة، الطبعة الأولى (١٤٣٢ هـ).\nالفتاوى الكبرى - لابن تيمية: دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى (١٤٠٨ هـ).\nالصواعق المرسلة: دار العاصمة، الرياض - المملكة العربية السعودية - الطبعة الأولى (١٤٠٨ هـ).\nالمحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز: دار الكتب العلمية، بيروت - الطبعة الأولى (١٤٢٢ هـ).\nتفسير ابن عرفة: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان - الطبعة الأولى (٢٠٠٨ م).\nشعب الإيمان: مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض، بالتعاون مع الدار السلفية ببومباي بالهند - الطبعة الأولى (١٤٢٣ هـ).\nالصمت وآداب اللسان: دار الكتاب العربي، بيروت - الطبعة الأولى (١٤١٠ هـ):\nالإمامة العظمى للدميجي: دار طيبة، الطبعة الثانية (١٤٠٩ هـ).\nالشفا بتعريف حقوق المصطفى: دار الفكر الطباعة والنشر والتوزيع - ط (١٤٠٩ هـ).\nإرشاد الساري شرح صحيح البخاري: المطبعة الأميرية، مصر - الطبعة السابعة (١٣٢٣ هـ).\nمقال مقدمات في مسائل الإمامة: موقع المسلم\nhttp://www.almoslim.net/node/90213","vol":"1","page":424},{"text":"مقال ضوابط ومسائل في الطاعة لولاة الأمور: موقع المسلم\nhttp://www.almoslim.net/node/90273\nنواقض الإيمان القولية والعملية: دار الوطن، الطبعة الأولى (١٤١٤ هـ).\nفتاوى العز بن عبدالسلام: دار المعرفة - بيروت - الطبعة الأولى (١٤٠٦ هـ)\nالإمام في بيان أدلة الأحكام: دار البشائر الإسلامية، بيروت - الطبعة الأولى (١٤٠٧ هـ).\nقواعد الأحكام في مصالح الأنام: مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة (١٤١٤ هـ).\nالرد على الزنادقة والجهمية: دار الثبات للنشر والتوزيع.\nأنساب الأشراف: دار الفكر، بيروت - الطبعة الأولى (١٤١٧ هـ).\nالاستيعاب في معرفة الأصحاب: دار الجيل، بيروت - الطبعة الأولى (١٤١٢ هـ).\nاللباب في شرح الكتاب: المكتبة العلمية، بيروت - لبنان.\nحاشية ابن عابدين: دار الفكر، بيروت - الطبعة الثانية (١٤١٢ هـ).\nالشرح الصغير - للدردير: وحاشية الصاوي - دار المعارف.\nمنح الجليل شرح مختصر خليل: دار الفكر، بيروت - ط (١٤٠٩ هـ).\nتحفة المحتاج في شرح المنهاج: المكتبة التجارية الكبرى بمصر، ط (١٣٥٧ هـ).\nفتاوى الرملي: المكتبة الإسلامية.\nدقائق أولي النهى - شرح منتهى الإرادات: عالم الكتب - الطبعة الأولى (١٤١٤ هـ).\nدلائل النبوة - لأبي نعيم: دار النفائس، بيروت - الطبعة الثانية (١٤٠٦ هـ).\nالتعليقات الحسان على صحيح ابن حبان: دار باوزير للنشر والتوزيع، جدة - المملكة العربية السعودية - الطبعة الأولى (١٤٢٤ هـ).\nالسيرة النبوية - لابن هشام: شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر - الطبعة الثانية (١٣٧٥ هـ).\nفقه السيرة: دار القلم، دمشق - الطبعة الأولى (١٤٢٧ هـ).\nالفرقان بين حقائق الإيمان وأباطيل الشرك والطغيان: موقع حاكم العبيسان:\nhttp://www.dr-hakem.com/portals/Files/alfrkan.pdf","vol":"1","page":425},{"text":"الزهد لأبي داود: دار المشكاة للنشر والتوزيع، حلوان - الطبعة الأولى (١٤١٤ هـ).\nالعدالة الاجتماعية: دار الشروق - ط (١٤١٥ هـ).\nالأم: دار المعرفة، بيروت - ط (١٤١٠ هـ).\nلسان الميزان: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت - لبنان - الطبعة الثانية (١٣٩٠ هـ).\nسير أعلام النبلاء: مؤسسة الرسالة، الطبعة الثالثة (١٤٠٥ هـ).\nميزان الاعتدال: دار عالم الكتب، بيروت - لبنان - الطبعة السابعة (١٤١٩ هـ).\nإبطال التأويلات: دار إيلاف الدولية، الكويت.\nالمجموع شرح المهذب: عالم الكتب، بيروت - الطبعة الأولى (١٤١٩ هـ).\nسبل السلام: دار الحديث\nالجناية على أسئلة الثورة: غراس - الطبعة الأولى (١٤٣٤ هـ).\nأسئلة الثورة: مركز نماء للبحوث والدراسات، بيروت - الطبعة الأولى (٢٠١٢ م).\nتنبيهات على كتاب ظاهرة الإرجاء: في موقع الإسلام العتيق:\nhttp://islamancient.com/ressources/docs/102.pdf\nالحرية والطوفان: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى (٢٠٠٤ م).","vol":"1","page":426}]}