{"ً":{"ٌ":10443,"ٍ":"جامع العلوم والحكم - ت أبي النور","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/gamolohik/gamolohik.pdf"]},"ّ":"الكتاب: جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم\nالمؤلف: زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين بن أحمد بن رجب الحنبلي البغدادي (ت ٧٩٥ هـ)\nالمحقق: الدكتور محمد الأحمدي أبو النور، وزير الأوقاف وشئون الأزهر سابقًا\nالناشر: دار السلام للطباعة والنشر والتوزيع - القاهرة\nالطبعة: الثانية، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م\nعدد الأجزاء: ٣ (متسلسلة الترقيم)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"3.0","ٔ":184,"ٕ":7,"ٖ":1770154087,"ٗ":44},"٘":{"ٙ":["1","2","3"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":1},{"title":"مقدمة الطبعتين: الأولى والثانية","level":2,"page":2},{"title":"مؤلفات ابن رجب","level":3,"page":5},{"title":"منهج ابن رجب في \"جامع العلوم والحكم\"","level":2,"page":9},{"title":"ملحوظات على ابن رجب","level":3,"page":9},{"title":"مع ابن رجب في تخريج الحديث","level":3,"page":11},{"title":"١ - تتبع مصادر الحديث","level":4,"page":11},{"title":"٢ - نسبة الحديث إلى راويه وإلى مصدره","level":4,"page":13},{"title":"٣ - النص على درجة الحديث","level":4,"page":14},{"title":"طبعات الكتاب","level":2,"page":19},{"title":"نسخ الكتاب","level":2,"page":21},{"title":"وفاء واجب","level":2,"page":27},{"title":"تقديم الكتاب والتحقيق","level":2,"page":28},{"title":"١ - نموذج للتواصل الحضاري","level":3,"page":28},{"title":"٢ - حضارة متكاملة","level":3,"page":31},{"title":"٣ - بناء الكتاب","level":3,"page":31},{"title":"٤ - الترابط العضوي","level":3,"page":34},{"title":"٥ - الكتاب والمؤلف","level":3,"page":36},{"title":"٦ - الكتاب فى ثوب جديد","level":3,"page":37},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":44},{"title":"[معنى جوامع الكلم]","level":2,"page":45},{"title":"[أدلة أخرى على أنه -ﷺ- أوتي جوامع الكلم]","level":2,"page":45},{"title":"[جوامع الكلم نوعان]","level":2,"page":47},{"title":"[المصنفات في جوامع الكلم]","level":2,"page":47},{"title":"[خطوة واسعة لابن الصلاح]","level":2,"page":48},{"title":"[النووي يتمها اثنين وأربعين]","level":2,"page":48},{"title":"[ابن رجب يوفي بها خمسين]","level":2,"page":48},{"title":"[الأحاديث المزيدة].","level":2,"page":49},{"title":"[ابن رجب يوجز القول عن منهجه]","level":2,"page":50},{"title":"الحديث الأول","level":1,"page":51},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":51},{"title":"[صحة الحديث وتلقي الأمة له]","level":2,"page":52},{"title":"[القيمة العلمية للحديث]","level":2,"page":52},{"title":"[عند الشافعي]","level":2,"page":52},{"title":"[عند أحمد]","level":2,"page":53},{"title":"[عند الحاكم]","level":2,"page":53},{"title":"[عند إسحاق بن راهويه]","level":2,"page":53},{"title":"[عند أبي عبيد]","level":2,"page":54},{"title":"[عند أبي داود]","level":2,"page":54},{"title":"[عند الحافظ طاهر بن مفوز]","level":2,"page":56},{"title":"[معنى قوله -ﷺ-: إنما الأعمال بالنيات]","level":2,"page":56},{"title":"[عند كثير من المتأخرين]","level":2,"page":56},{"title":"[الأعمال ليست على عمومها]","level":2,"page":56},{"title":"[وهى على عمومها عند جمهور المتقدمين]","level":2,"page":57},{"title":"[تقدير الكلام]","level":2,"page":57},{"title":"[احتمال آخر]","level":2,"page":58},{"title":"[معنى قوله: \"وإنما لكل امرئ ما نوى\"]","level":2,"page":58},{"title":"[النية في اللغة]","level":2,"page":58},{"title":"[وعند علماء الشرع]","level":2,"page":59},{"title":"[كتاب الإخلاص والنية]","level":2,"page":59},{"title":"[لماذا فرقوا بين النية والإرادة؟]","level":2,"page":59},{"title":"[النية في كلام النبي -ﷺ- وفي القرآن].","level":2,"page":60},{"title":"[النية قد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء]","level":2,"page":61},{"title":"[مع الآية الأخيرة]","level":2,"page":61},{"title":"[ما ورد في السنة عن هذا المعنى]","level":2,"page":62},{"title":"[النية في أقوال السلف]","level":2,"page":64},{"title":"[قيمة الحديث بين الأحاديث]","level":2,"page":66},{"title":"[أخلص العمل وأصوبه]","level":2,"page":67},{"title":"[دليل ذلك]","level":2,"page":67},{"title":"[عود إلى شرح الحديث]","level":2,"page":67},{"title":"[حكمة ترتيب الجمل في الحديث]","level":2,"page":68},{"title":"[أصل معنى الهجرة]","level":2,"page":68},{"title":"[من هاجر حبا في الله ورسوله]","level":2,"page":68},{"title":"[إعادة الشرط بلفظه]","level":2,"page":68},{"title":"[من هاجر للدنيا]","level":2,"page":68},{"title":"[التعبير بقوله إلى ما هاجر إليه]","level":2,"page":69},{"title":"[حكمة أخرى لإعادة الجواب بلفظ الشرط]","level":2,"page":69},{"title":"[كانت المهاجرة تحلف]","level":2,"page":69},{"title":"[قصة مهاجر أم قيس]","level":2,"page":70},{"title":"[لا أصل لها]","level":2,"page":70},{"title":"[قياس الأعمال على الهجرة]","level":2,"page":71},{"title":"[ومن ذلك الجهاد]","level":2,"page":71},{"title":"[وتعليم العلم والإنفاق]","level":2,"page":73},{"title":"[معاوية يبكي عند سماعه هذا الحديث]","level":2,"page":73},{"title":"[الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله]","level":2,"page":74},{"title":"[الوعيد على العمل لغير الله عموما]","level":2,"page":75},{"title":"[أقسام العمل لغير الله]","level":2,"page":75},{"title":"[رياء محض]","level":2,"page":75},{"title":"[عمل لله مع رياء]","level":2,"page":76},{"title":"[العمل يخالطه غير الرياء]","level":2,"page":78},{"title":"[التوفيق بين هذا وبين ما مضى]","level":2,"page":78},{"title":"[العمل لله ثم تطرأ عليه نية الرياء]","level":2,"page":79},{"title":"[فيم يختلف العلماء في هذا؟]","level":2,"page":80},{"title":"[العمل لله ثم يلقي الله له الثناء الحسن]","level":2,"page":80},{"title":"فصل: [في بعض الأحكام الفقهية للنية]","level":2,"page":82},{"title":"[من فاتته صلاة من يوم وليلة]","level":2,"page":83},{"title":"[النية في صيام رمضان]","level":2,"page":83},{"title":"[النية في الزكاة]","level":2,"page":83},{"title":"[النية في الحج]","level":2,"page":83},{"title":"[النية في الطهارة]","level":2,"page":85},{"title":"[الوضوء عبادة مستقلة]","level":2,"page":86},{"title":"[الجمع بين نية الوضوء وقصد آخر]","level":2,"page":86},{"title":"[النية والأيمان]","level":2,"page":87},{"title":"[اليمين على نية المستحلف]","level":2,"page":88},{"title":"[واقعة تطبيقية]","level":2,"page":89},{"title":"[النية في الطلاق والعتاق]","level":2,"page":89},{"title":"[الطلاق بالكناية الظاهرة]","level":2,"page":90},{"title":"[ماذا لو طلق امرأة يظنها امرأته؟]","level":2,"page":90},{"title":"[وماذا لو كان بالعكس؟]","level":2,"page":90},{"title":"[وماذا لو حلف على إحدى امرأتيه؟]","level":2,"page":91},{"title":"[النية في العقود]","level":2,"page":91},{"title":"[النية والتلفظ بها في العبادات]","level":2,"page":91},{"title":"الحديث الثاني","level":1,"page":93},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":93},{"title":"[معنى الإسلام]","level":2,"page":97},{"title":"[أدلة شمول الإسلام للأعمال الظاهرة]","level":2,"page":97},{"title":"[معنى أن الإسلام سهم]","level":2,"page":99},{"title":"[الإسلام هو الصراط المستقيم]","level":2,"page":100},{"title":"[معنى الإيمان في القرآن والسنة]","level":2,"page":101},{"title":"[لازم الإيمان بالرسل]","level":2,"page":101},{"title":"[درجتا الإيمان بالقدر]","level":2,"page":102},{"title":"[من أنكر العلم]","level":2,"page":102},{"title":"[بين الإيمان والإسلام]","level":2,"page":103},{"title":"[دخول الأعمال في الإيمان]","level":2,"page":104},{"title":"[وجه الجمع بين النصوص]","level":2,"page":104},{"title":"[بين الإيمان والإسلام]","level":2,"page":106},{"title":"[التحقيق في الفرق بين الإيمان والإسلام]","level":2,"page":107},{"title":"[لماذا قيل: كل مؤمن مسلم]","level":2,"page":108},{"title":"[ولم لا يقال: كل مسلم مؤمن؟]","level":2,"page":108},{"title":"[متى ضعف الإيمان ضعف العمل]","level":2,"page":109},{"title":"[بم يوصف المؤمن حينئذ]","level":2,"page":109},{"title":"[متى يجوز نفي وصف الإسلام؟]","level":2,"page":110},{"title":"[الإسلام المطلق ومتى يصير المسلم مؤمنا؟]","level":2,"page":110},{"title":"[من الأدلة الأخرى على هذا]","level":2,"page":111},{"title":"[إيمان الصديقين]","level":2,"page":112},{"title":"[وماذا إذا نفي الإيمان وأثبت الإسلام؟]","level":2,"page":112},{"title":"[خطورة قضايا الإيمان والكفر]","level":2,"page":112},{"title":"[الخلاف فيها كان أول خلاف]","level":2,"page":113},{"title":"(فصل) [فيما يدخل في مسمى الإسلام والإيمان]","level":2,"page":113},{"title":"[أدلة ما تقدم]","level":2,"page":114},{"title":"[دخول العمل في مسمى الإسلام]","level":2,"page":114},{"title":"[دخول العمل في اسم الإيمان]","level":2,"page":115},{"title":"[معنى الرضا بالله ربا]","level":2,"page":116},{"title":"[من الإيمان أن تسرك حسناتك]","level":2,"page":117},{"title":"[من صور الإيمان]","level":2,"page":117},{"title":"[من تعريفات الرسول للإيمان والإسلام وأفضل التطبيقات لهما]","level":2,"page":118},{"title":"[أكمل المؤمنين إيمانا]","level":2,"page":118},{"title":"[من الإيمان التوحيد وإيتاء الزكاة والعلم بمعية الله]","level":2,"page":119},{"title":"[ومن الإيمان الحياء من الله ﷿]","level":2,"page":119},{"title":"[سهولة انقياد المؤمن لأمر الله ورسوله]","level":2,"page":119},{"title":"[الإيمان وترابط أفراد المجتمع]","level":2,"page":120},{"title":"[الأخوة بين المؤمنين]","level":2,"page":121},{"title":"[من الإيمان أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه]","level":2,"page":121},{"title":"[نفي الإيمان عمن لا يؤمن أذاه]","level":2,"page":121},{"title":"[نفي الإيمان عمن يشبع وجاره جائع]","level":2,"page":121},{"title":"[من شعب الإيمان أن تعطي لله وتمنع لله وتحب لله وتبغض لله]","level":2,"page":121},{"title":"[وتعمل لسانك في ذكر الله وتحب للناس ما تحب لنفسك]","level":2,"page":122},{"title":"[وأن تقول خيرا أو تصمت]","level":2,"page":122},{"title":"[الحب في الله سفير الولاية مع الله]","level":2,"page":122},{"title":"(فصل) [عن الإحسان وكيف ورد في القرآن والسنة؟]","level":2,"page":123},{"title":"[الإحسان مقرونا بالإيمان]","level":2,"page":123},{"title":"[وبالإسلام]","level":2,"page":123},{"title":"[وبالتقوى]","level":2,"page":124},{"title":"[تفسير النبي - ﷺ - للإحسان]","level":2,"page":124},{"title":"[كيف وصى النبي - ﷺ - بالإحسان؟]","level":2,"page":125},{"title":"[وصيته لأبي ذر]","level":2,"page":125},{"title":"[ولابن عمر]","level":2,"page":125},{"title":"[ولزيد بن أرقم]","level":2,"page":125},{"title":"[ولأنس]","level":2,"page":125},{"title":"[ولحارثة]","level":2,"page":125},{"title":"[ولأبي أمامة]","level":2,"page":126},{"title":"[ولمعاذ]","level":2,"page":126},{"title":"[من وصايا السلف في الإحسان] [وآثارهم فيه]","level":2,"page":127},{"title":"[تفسير الجملة الثانية في الوصية بالإحسان]","level":2,"page":127},{"title":"[مقاما الإخلاص والمشاهدة]","level":2,"page":128},{"title":"[الإحسان أفضل الإيمان]","level":2,"page":128},{"title":"[من ثمرات الإحسان]","level":2,"page":129},{"title":"[أدلة قرب الله من العبد ومعيته له وشهوده عليه]","level":2,"page":129},{"title":"[دعوة السنة إلى استحضار قرب الله ﷿]","level":2,"page":129},{"title":"[معنى قرب الله ﷿]","level":2,"page":130},{"title":"[تفسير بكر المزني]","level":2,"page":131},{"title":"[متى يستأنس العبد بالله]","level":2,"page":131},{"title":"[من الآثار في ذلك]","level":2,"page":131},{"title":"[تعقيب]","level":2,"page":133},{"title":"[بيان أن علوم الفقه والأخلاق والعقيدة والتصوف لا تخرج عن هذا الحديث]","level":2,"page":133},{"title":"[الساعة وأمارتها واستئثار الله بعلمها]","level":2,"page":134},{"title":"[أدلة استئثار الله بعلم الساعة]","level":2,"page":135},{"title":"١ - [من القرآن]","level":3,"page":135},{"title":"٢ - [ومن السنة]","level":3,"page":135},{"title":"[أمارات الساعة]","level":2,"page":135},{"title":"[أمارتان]","level":3,"page":136},{"title":"[الأولى: أن تلد الأمة ربتها]","level":3,"page":136},{"title":"[استنتاجات الفقهاء من ذلك]","level":3,"page":136},{"title":"[الأمارة الثانية]","level":3,"page":137},{"title":"[أمارات أخرى]","level":3,"page":137},{"title":"[مضمون ما ذكر]","level":3,"page":139},{"title":"[وأدلة ذلك]","level":3,"page":139},{"title":"[التطاول في البنيان وعلام يدل؟]","level":3,"page":140},{"title":"[النهي عن التطاول في البنيان وذمه]","level":3,"page":140},{"title":"[وفي المساجد]","level":3,"page":142},{"title":"الحديث الثالث","level":1,"page":143},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":143},{"title":"[معنى الحديث]","level":2,"page":143},{"title":"[مقصود الحديث]","level":2,"page":144},{"title":"[المراد بالشهادتين]","level":2,"page":144},{"title":"[الإيمان داخل ضمن الإسلام]","level":2,"page":144},{"title":"[إقام الصلاة وتركها]","level":2,"page":144},{"title":"[من ترك شيئا من أركان الإسلام]","level":2,"page":145},{"title":"[ترك الحج]","level":2,"page":146},{"title":"[المرجئة وترك الفرائض]","level":2,"page":147},{"title":"[كفر تارك الصلاة]","level":2,"page":148},{"title":"[هذه الدعائم الخمس مترابطة]","level":2,"page":148},{"title":"[ارتكاب محرم قد يمنع قبول طاعة]","level":2,"page":149},{"title":"[بطلان القول بزوال الإيمان لزوال بعض أعماله]","level":2,"page":150},{"title":"[والمخالفون لهم يقولون]","level":2,"page":150},{"title":"[ودليل آخر]","level":2,"page":150},{"title":"[لماذا لم يذكر الجهاد]","level":2,"page":151},{"title":"الحديث الرابع","level":1,"page":152},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":152},{"title":"[شرح الجملة الأولى في الحديث]","level":2,"page":152},{"title":"[شرح الجمل التالية]","level":2,"page":154},{"title":"[دلالة الحديث]","level":2,"page":154},{"title":"[القرآن وأطوار الخلق]","level":2,"page":155},{"title":"[الآثار فذلك]","level":2,"page":155},{"title":"[إسقاط الجنين]","level":2,"page":156},{"title":"[ذكر العظام في بعض الروايات]","level":2,"page":156},{"title":"[التفسير الطبي لتكون الجنين]","level":2,"page":158},{"title":"[الروايات المختلفة في التخليق والتصوير]","level":2,"page":158},{"title":"[من أخذ بظاهر هذا هن الفقهاء]","level":2,"page":160},{"title":"[تفريعات وتطبيقات في العدة]","level":2,"page":160},{"title":"[وفي العتق]","level":2,"page":161},{"title":"[متى يتم التخليق؟]","level":2,"page":161},{"title":"[حديث ابن مسعود ورواياته والتوفيق بينها]","level":2,"page":161},{"title":"[بين الكتابة ونفخ الروح]","level":2,"page":162},{"title":"[متى تنفخ الروح؟]","level":2,"page":162},{"title":"[ما روي عن الصحابة في نفخ الروح وكتابة الملك]","level":2,"page":162},{"title":"[ما روي في ذلك عن علي]","level":2,"page":162},{"title":"[ما روي عن ابن عباس]","level":2,"page":163},{"title":"[ما روي عن ابن مسعود]","level":2,"page":163},{"title":"[وتأسيس مذهب أحمد عليه]","level":2,"page":163},{"title":"[ما روي عن سعيد بن المسيب]","level":2,"page":163},{"title":"[روايات أخرى عن الإمام أحمد]","level":2,"page":163},{"title":"[مقارنة بين الروايات]","level":2,"page":164},{"title":"[الطب وتصور الجنين]","level":2,"page":164},{"title":"[كتابة الملك ومتى تكون؟]","level":2,"page":164},{"title":"[الجمع بين الأحاديث]","level":2,"page":167},{"title":"[وعند المتأخرين]","level":2,"page":168},{"title":"[الكتابة بين عيني الجنين]","level":2,"page":168},{"title":"[وصفات الوليد]","level":2,"page":169},{"title":"[سبق القدر]","level":2,"page":169},{"title":"[النصوص في سبق القدر]","level":2,"page":170},{"title":"[من حديث علي]","level":2,"page":170},{"title":"[من حديث عمران بن حصين]","level":2,"page":171},{"title":"[حديث ابن مسعود]","level":2,"page":171},{"title":"[الأعمال بالخواتيم وحديث سهل بن سعد]","level":2,"page":171},{"title":"[حديث عائشة]","level":2,"page":171},{"title":"[ومعاوية]","level":2,"page":172},{"title":"[وأبي هريرة]","level":2,"page":172},{"title":"[وأنس]","level":2,"page":172},{"title":"[وعائشة أيضا]","level":2,"page":172},{"title":"[وعبد الله بن عمرو]","level":2,"page":173},{"title":"[وعلي]","level":2,"page":173},{"title":"[وابن عمر]","level":2,"page":174},{"title":"[وسهل بن سعد]","level":2,"page":174},{"title":"[شرح الحديث]","level":2,"page":175},{"title":"[الخواتيم ميراث السوابق]","level":2,"page":175},{"title":"[خوف السلف]","level":2,"page":175},{"title":"[بكاء السلف عند الموت]","level":2,"page":175},{"title":"[خوف النفاق]","level":2,"page":176},{"title":"[طلب التثبيت]","level":2,"page":177},{"title":"الحديث الخامس","level":1,"page":178},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":178},{"title":"[قيمة الحديث]","level":2,"page":178},{"title":"[الأعمال التي ليس عليها أمر الشارع]","level":2,"page":179},{"title":"[معنى قوله: ليس عليه أمرنا]","level":2,"page":179},{"title":"[الأعمال: عبادات ومعاملات]","level":2,"page":179},{"title":"[مطلب: التقرب إلى الله بسماع الملاهي أو بالرقص بدعة حرام]","level":2,"page":180},{"title":"[ما يكون قربة في عبادة قد لا يكون قربة في سواها]","level":2,"page":180},{"title":"[ماذا إذا خلط مشروعا بما ليس بمشروع أو أخل فيه بمشروع؟]","level":2,"page":181},{"title":"[وماذا لو بدل مأمورا به بمنهي عنه؟]","level":2,"page":181},{"title":"[من صلى بثوب من حرام]","level":2,"page":182},{"title":"[والحج بمال حرام]","level":2,"page":182},{"title":"[والذبح بآلة محرمة]","level":2,"page":182},{"title":"[بين نهي ونهي]","level":2,"page":182},{"title":"[الصلاة بالنجاسة والصلاة في الغصب]","level":2,"page":183},{"title":"[صيام المجامع والمغتاب]","level":2,"page":183},{"title":"[الحج بين المجامع والسارق]","level":2,"page":183},{"title":"[ماذا يبطل الاعتكاف؟]","level":2,"page":183},{"title":"[بماذا تبطل المعاملات؟]","level":2,"page":184},{"title":"[اختلاف الروايات في ذلك]","level":2,"page":184},{"title":"[والأقرب: التفريق بين ما فيه حق الله تعالى وما فيه حق الآدمي]","level":2,"page":184},{"title":"[صور الأول]","level":3,"page":185},{"title":"[صور الثاني]","level":3,"page":185},{"title":"[تصرف المريض في ماله]","level":2,"page":186},{"title":"[لو خص بعض ولده بعطية]","level":2,"page":188},{"title":"[الطلاق النهي عنه]","level":2,"page":189},{"title":"[رأى ابن حزم]","level":2,"page":192},{"title":"[عود إلى الحديث والاستشهاد به]","level":2,"page":192},{"title":"[تغيير الوصية إلى ما هو الأحب والأنفع]","level":2,"page":193},{"title":"[لو أوصى بثلث مساكنه]","level":2,"page":194},{"title":"الحديث السادس","level":1,"page":195},{"title":"[تخريج الحديث وبيان درجته]","level":2,"page":195},{"title":"[شرح الحديث]","level":2,"page":195},{"title":"[الحلال المحض]","level":2,"page":196},{"title":"[الحرام المحض]","level":2,"page":196},{"title":"[المشتبه]","level":2,"page":196},{"title":"[ومجمل القول في ذلك]","level":2,"page":196},{"title":"[إكمال الدين]","level":2,"page":197},{"title":"[ما ترك الله ورسوله أمرا من الحلال والحرام إلا مبينا]","level":2,"page":198},{"title":"[أسباب خلافات العلماء]","level":2,"page":198},{"title":"[ولابد للأمة من عالم يوافق قوله الحق]","level":2,"page":198},{"title":"[ومن أسباب الاشتباه في الحلال والحرام]","level":2,"page":199},{"title":"[ما لا يعلم له أصل ملك]","level":2,"page":199},{"title":"[متى تقوى الشبهة؟]","level":2,"page":200},{"title":"[ماذا لو تردد العالم في الحكم؟]","level":2,"page":200},{"title":"[تأسيس الأحكام على اليقين]","level":2,"page":200},{"title":"[ماذا لو وجد سببا لغلبة ظن؟]","level":2,"page":201},{"title":"[قاعدة هذه المسائل]","level":2,"page":201},{"title":"[تعارض الأدلة]","level":2,"page":201},{"title":"[الشبهة عند الإمام أحمد]","level":2,"page":202},{"title":"[جوائز السلطان]","level":2,"page":202},{"title":"[التعامل مع المشركين وأهل الكتاب]","level":2,"page":202},{"title":"[ماذا لو اشتبه الأمر؟]","level":2,"page":203},{"title":"[إذا علم أن عين الشيء محرم أخذ بوجه محرم؟]","level":2,"page":204},{"title":"[الاشتباه في الحكم لتردد الفروع بين أصول تجتذبه]","level":2,"page":205},{"title":"[الأمور المشتبهة قد تظهر للبعض]","level":2,"page":205},{"title":"[من يأتي الشبهات لاعتقاده حلها]","level":2,"page":208},{"title":"[من يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه]","level":2,"page":208},{"title":"[طاعة الوالدين في الشبهة]","level":2,"page":209},{"title":"[البيع من الشبهة]","level":2,"page":209},{"title":"[في العثور على مال في البيت]","level":2,"page":210},{"title":"[وجوب التباعد عن المحرمات]","level":2,"page":211},{"title":"[وترك بعض المباح]","level":2,"page":211},{"title":"[واتخاذ ذلك حاجزا من الحرام]","level":2,"page":211},{"title":"[الحديث وسد الذرائع]","level":2,"page":212},{"title":"[القلب ملك والأعضاء جنوده]","level":2,"page":213},{"title":"[استقامة إيمان المرء باستقامة قلبه]","level":2,"page":213},{"title":"[المراد باستقامة إيمان المرء]","level":2,"page":214},{"title":"[استقامة الإيمان وحقيقة التوحيد]","level":2,"page":214},{"title":"[التوحيد والحب في الله]","level":2,"page":214},{"title":"[محبة ما يكرهه الله]","level":2,"page":215},{"title":"[علامة حب الله]","level":2,"page":215},{"title":"[السلوك لله كله]","level":2,"page":216},{"title":"[بين صلاح الجوارح وصلاح القلب]","level":2,"page":216},{"title":"[من سلوك السلف وأقوالهم]","level":2,"page":217},{"title":"الحديث السابع","level":1,"page":218},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":218},{"title":"[أحاديث النصحية]","level":2,"page":219},{"title":"[أنواع النصيحة]","level":2,"page":219},{"title":"[النصح للمسلمين]","level":2,"page":219},{"title":"[النصح لولاة الأمور]","level":2,"page":220},{"title":"[نصح الأنبياء لأممهم]","level":2,"page":220},{"title":"[ونصح الضعفاء لله ورسوله]","level":2,"page":221},{"title":"[إخبار الرسول بأن الدين النصيحة واقتضاء النصيحة الحب]","level":2,"page":221},{"title":"[الآثار في اقتضاء النصيحة الحب]","level":2,"page":221},{"title":"[تفسير العلماء للنصيحة]","level":2,"page":222},{"title":"[عند الخطابي]","level":2,"page":222},{"title":"[عند بعض أهل العلم]","level":2,"page":222},{"title":"[النصيحة الفرض]","level":2,"page":222},{"title":"[النصيحة النافلة]","level":2,"page":223},{"title":"[تفصيل ذلك]","level":2,"page":223},{"title":"[النصح لله لا يسقط]","level":2,"page":223},{"title":"[من النصح لله]","level":2,"page":224},{"title":"[النصيحة النافلة]","level":2,"page":224},{"title":"[النصيحة لكتاب الله]","level":2,"page":224},{"title":"[النصيحة للرسول في حياته وبعد مماته]","level":2,"page":225},{"title":"[النصيحة لأئمة المسلمين]","level":2,"page":225},{"title":"[النصيحة لعامة المسلمين]","level":2,"page":225},{"title":"[النصيحة عند ابن الصلاح]","level":2,"page":225},{"title":"[النصيحة لكتابه]","level":2,"page":226},{"title":"[النصيحة لرسوله]","level":2,"page":226},{"title":"[لأئمة المسلمين]","level":2,"page":226},{"title":"[لعامتهم]","level":2,"page":227},{"title":"[ومن النصح لله ورسوله]","level":2,"page":227},{"title":"[ومن النصح لعامة المسلمين]","level":2,"page":227},{"title":"[من مأثور السلف في النصيحة]","level":2,"page":228},{"title":"الحديث الثامن","level":1,"page":230},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":230},{"title":"[شرح الحديث واستدلالاته]","level":2,"page":232},{"title":"[الشهادتان ثم شرائع الإسلام]","level":2,"page":232},{"title":"[الجمع بين ألفاظ الأحاديث]","level":2,"page":234},{"title":"[فهم خاطئ]","level":2,"page":234},{"title":"[دليل هذا الخطأ]","level":2,"page":235},{"title":"[قتال الجماعة الممتنعة عن الشرائع]","level":2,"page":235},{"title":"[وجهتا نظر أبي بكر وعمر]","level":2,"page":236},{"title":"[دلالة قوله: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة].","level":2,"page":237},{"title":"[من أدلة القتال على ترك الصلاة]","level":2,"page":238},{"title":"[القتال على ترك الطائفة سائر أركان الإسلام]","level":2,"page":238},{"title":"[قتال الفرد أو قتله]","level":2,"page":239},{"title":"[قتل المتنع عن أداء الزكاة]","level":2,"page":239},{"title":"[والصوم]","level":2,"page":240},{"title":"[الحج؟]","level":2,"page":240},{"title":"[عود إلى شرح الحديث].","level":2,"page":240},{"title":"[قبول توبة الزنديق]","level":2,"page":242},{"title":"الحديث التاسع","level":1,"page":243},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":243},{"title":"[سبب ورود الحديث]","level":2,"page":243},{"title":"[دلالة الأحاديث]","level":2,"page":245},{"title":"[وشواهد ذلك]","level":2,"page":246},{"title":"[سؤال الرسول بين النهي عنه والرخصة فيه]","level":2,"page":247},{"title":"[السؤال عما يتوقع]","level":2,"page":248},{"title":"[عود إلى الحديث]","level":2,"page":248},{"title":"[هل كان خاصا بزمنه - ﷺ -؟]","level":2,"page":248},{"title":"[الحاجة الحقيقية إلى فهم ما تم الإخبار به]","level":2,"page":249},{"title":"[ماذا على المسلم؟]","level":2,"page":249},{"title":"[هكذا كانوا]","level":2,"page":249},{"title":"[الصورة المقابلة]","level":2,"page":250},{"title":"[اتباع السنة]","level":2,"page":250},{"title":"[ومتى يحمد السؤال في العلم؟]","level":2,"page":250},{"title":"[العلم والفتنة]","level":2,"page":250},{"title":"[لماذا كانوا يكرهون السؤال؟]","level":2,"page":251},{"title":"[النهي عن سؤال ما لم يكن]","level":2,"page":252},{"title":"[النهي عن الأغلوطات]","level":2,"page":252},{"title":"[الآثار في ذلك]","level":2,"page":253},{"title":"[الناس في هذا أقسام]","level":2,"page":254},{"title":"[فقهاء الحديث ومنهجهم الأمثل]","level":2,"page":255},{"title":"[من ثمرات هذا المنهج]","level":2,"page":255},{"title":"[مما قيل عنه]","level":2,"page":255},{"title":"[الائتمام بالأئمة]","level":2,"page":256},{"title":"[وملاك الأمر في هذا]","level":2,"page":256},{"title":"[الراسخون في العلم]","level":2,"page":257},{"title":"[عود إلى شرح الحديث]","level":2,"page":258},{"title":"[مأتى كثرة الحوادث]","level":2,"page":258},{"title":"[وعلاج ذلك]","level":2,"page":259},{"title":"[تفضيل ترك المحرمات على فعل الطاعات]","level":2,"page":260},{"title":"[والحاصل]","level":2,"page":261},{"title":"[التحقيق في هذا]","level":2,"page":262},{"title":"[والاستنتاج]","level":2,"page":262},{"title":"[تأكيد أن النهي أشد من الأمر]","level":2,"page":262},{"title":"الحديث العاشر","level":1,"page":265},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":265},{"title":"[عموم معنى الطيب في الأموال والأعمال والأقوال]","level":2,"page":267},{"title":"[التعميم في الخبيث والطيب]","level":2,"page":267},{"title":"[تقسيم الكلام إلى خبيث وطيب]","level":2,"page":267},{"title":"[الرسول يحل الطيب ويحرم الخبيث]","level":2,"page":267},{"title":"[وصف المؤمنين]","level":2,"page":267},{"title":"[المؤمن طيب كله]","level":2,"page":268},{"title":"[من أعظم وسائل طيب العمل]","level":2,"page":268},{"title":"[والمراد]","level":2,"page":268},{"title":"[من حج بمال حرام]","level":2,"page":270},{"title":"[المراد بقبول العمل]","level":2,"page":270},{"title":"[تمام العمل بخمس خصال]","level":2,"page":271},{"title":"[أكل الحرام وآثاره]","level":2,"page":272},{"title":"[الصدقة بالمال الحرام]","level":2,"page":272},{"title":"[أنواع الصدقة بالمال الحرام]","level":2,"page":273},{"title":"[توقي الانتفاع بما يحدثه الملوك العصاة]","level":2,"page":274},{"title":"[ابن الجوزي يرد فتوى]","level":2,"page":275},{"title":"[ابن رجب يوضح رأي ابن الجوزي]","level":2,"page":276},{"title":"[تصرف الغاصب في مال غيره]","level":2,"page":276},{"title":"[النوع الثاني من الصدقة بالمال الحرام]","level":2,"page":277},{"title":"[أقوال العلماء في ذلك]","level":2,"page":277},{"title":"[والصحيح في ذلك]","level":2,"page":278},{"title":"[دعاء ذي المطعم الحرام]","level":2,"page":278},{"title":"[أسباب إجابة الدعاء وآدابه]","level":2,"page":278},{"title":"[دعاء القنوت في الصلاة]","level":2,"page":281},{"title":"[من صور رفع اليدين في الصلاة]","level":2,"page":281},{"title":"[موانع إجابة الدعاء]","level":2,"page":285},{"title":"الحديث الحادي عشر","level":1,"page":288},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":288},{"title":"[الربا والريبة]","level":2,"page":290},{"title":"[قلب المؤمن دليله]","level":2,"page":290},{"title":"[من أقوال العلماء في ذلك]","level":2,"page":291},{"title":"[رجل يرفض انتهاز الفرص]","level":2,"page":291},{"title":"[وصور أخرى]","level":2,"page":291},{"title":"[الإسلام يأبى حبس السلع لزيادة أسعارها]","level":2,"page":292},{"title":"[التنزه عن ما فيه شبهة]","level":2,"page":292},{"title":"[مما يؤخذ من ذلك]","level":2,"page":292},{"title":"[أدلة ذلك]","level":2,"page":292},{"title":"[العمل بالرخصة أفضل]","level":2,"page":293},{"title":"[متى يترك العمل بالرخصة؟]","level":2,"page":294},{"title":"[التنزه عن الصغيرة مع ارتكاب الكبيرة ليس من الورع]","level":2,"page":294},{"title":"[هؤلاء هم أهل الورع]","level":2,"page":295},{"title":"[الخير طمأنينة والشر ريبة]","level":2,"page":296},{"title":"[استفت قلبك]","level":2,"page":296},{"title":"[الصدق طمأنينة والكذب ريبة]","level":2,"page":296},{"title":"[وبضدها تتميز الأشياء]","level":2,"page":297},{"title":"الحديث الثاني عشر","level":1,"page":298},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":298},{"title":"[الحديث أصل عظيم من أصول الأدب]","level":2,"page":299},{"title":"[من حسن إسلامه ترك ما لا يعنيه بحكم الشرع]","level":2,"page":300},{"title":"[حتى المشتبهات والمكروهات وفضول المباحات]","level":2,"page":301},{"title":"[الحياء من وسائل ترك ما لا يعني]","level":2,"page":301},{"title":"[مما أثر في ذلك]","level":2,"page":301},{"title":"[من حسن الإسلام: قلة الكلام فيما لا يعني]","level":2,"page":302},{"title":"[كيف يقضي المرء وقته؟]","level":2,"page":302},{"title":"[المؤاخذة على الكلمة].","level":2,"page":303},{"title":"[نفي الخير عن كثير مما يتناجى به الناس].","level":2,"page":303},{"title":"[من آثار الكلام فيما لا يعني عدم دخول الجنة]","level":2,"page":304},{"title":"[وعدم المبالاة بمن يتكلم فيما لا يعنيه]","level":2,"page":305},{"title":"[وتكثير الذنوب]","level":2,"page":306},{"title":"[من ثمرات السكوت عما لا يعني: رفعة الشأن]","level":2,"page":306},{"title":"[بعد المنزلة]","level":2,"page":306},{"title":"[والتهلل عند الموت]","level":2,"page":306},{"title":"[ودخول الجنة]","level":2,"page":307},{"title":"[رجل يعرضي الله عنه]","level":2,"page":307},{"title":"[من حسن إسلامه فترك ما لا يعنيه زادت حسناته]","level":2,"page":308},{"title":"[الإسلام يجب ما قبله]","level":2,"page":309},{"title":"[حسنات الكافر إذا أسلم يثاب عليها]","level":2,"page":310},{"title":"[وسيئاته تبدل حسنات].","level":2,"page":310},{"title":"[كيف تبدل السيئات حسنات].","level":2,"page":310},{"title":"[كيف تبدل سيئات التائب؟].","level":2,"page":311},{"title":"[التبديل في حق من؟].","level":2,"page":313},{"title":"الحديث الثالث عشر","level":1,"page":315},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":315},{"title":"[رأي العلماء في مرتكب الكبيرة]","level":2,"page":316},{"title":"[رأي العلماء في مرتكب الصغائر]","level":2,"page":316},{"title":"[أقوال السلف في مرتكب الكبيرة]","level":2,"page":317},{"title":"[من صفات المؤمن الكامل أن يحب للناس ما يحب لنفسه]","level":2,"page":317},{"title":"[من ثمرات هذه القيمة: دخول الجنة]","level":2,"page":318},{"title":"[والبعد عن النار]","level":2,"page":318},{"title":"[النصح للمسلمين]","level":2,"page":319},{"title":"[المؤمن مع المؤمن فيما يسوءه وفيما يسره]","level":2,"page":320},{"title":"[مبعث ذلك]","level":2,"page":320},{"title":"[أثر كراهية تفوق الغير بالخير].","level":2,"page":320},{"title":"[حب التفوق على الغير بين الفخر والتجمل].","level":2,"page":321},{"title":"[المؤمن متواضع يقبل الحق ولا يأباه].","level":2,"page":322},{"title":"[حب الناس يدفع إلى إصلاح عيوبهم].","level":2,"page":322},{"title":"[حب الناس يدفع إلى الغبطة لا الحسد].","level":2,"page":323},{"title":"[حب المؤمن أن يكون غيره مثله وأحسن منه].","level":2,"page":324},{"title":"[المؤمن يحاسب نفسه].","level":2,"page":324},{"title":"[ويتحدث بنعمة الله عليه].","level":2,"page":325},{"title":"[ولا يتفاخر بما حباه الله به].","level":2,"page":325},{"title":"[ويسعى في خير غيره].","level":2,"page":325},{"title":"الحديث الرابع عشر","level":1,"page":326},{"title":"[تخريج الحديث].","level":2,"page":326},{"title":"[عقوبة الإعدام بخصال ثلاث].","level":2,"page":327},{"title":"[زنا الثيب].","level":2,"page":327},{"title":"[ابن عباس يثبت الرجم بالقرآن].","level":2,"page":327},{"title":"[والزهري أيضا].","level":2,"page":328},{"title":"[بعض العلماء يشدد في حد الزنا].","level":2,"page":329},{"title":"[لا قصاص بين والد وولده].","level":2,"page":330},{"title":"[شروط ذلك].","level":2,"page":330},{"title":"[ولا بين حر وعبد والآراء في ذلك].","level":2,"page":330},{"title":"[ولا بين مسلم وكافر والآراء في ذلك]","level":2,"page":331},{"title":"[المساواة بين الرجل والمرأة في القصاص].","level":2,"page":332},{"title":"[المرتد يقتل حدا].","level":2,"page":332},{"title":"[هل يفرق بين الرجل والمرأة في حد الردة؟].","level":2,"page":334},{"title":"[قبول توبة المرتد].","level":2,"page":334},{"title":"[اللواط موجب للحد].","level":2,"page":336},{"title":"[حكم من تزوج بامرأة أبيه].","level":2,"page":337},{"title":"[حكم الساحر].","level":2,"page":337},{"title":"[حكم من وقع على بهيمة]","level":2,"page":337},{"title":"[تارك الصلاة].","level":2,"page":337},{"title":"[شارب الخمر].","level":2,"page":338},{"title":"[السارق]","level":2,"page":338},{"title":"[إذا بويع لخليفتين].","level":2,"page":338},{"title":"[حكم من شهر السلاح].","level":2,"page":339},{"title":"[حرمة البيوت].","level":2,"page":341},{"title":"[حكم الجاسوس].","level":2,"page":341},{"title":"[ضارب أبيه].","level":2,"page":341},{"title":"[درجة الأحاديث المذكورة].","level":2,"page":342},{"title":"[حكمة قتل المحصن].","level":2,"page":342},{"title":"[هل يقوم شيء مقام الإحصان؟].","level":2,"page":342},{"title":"[هل تنزل إثارة الفتن منزلة سفك الدم؟].","level":2,"page":343},{"title":"[وشهر السلاح].","level":2,"page":343},{"title":"[وقطع الطريق وبم يباح قتل النفس؟].","level":2,"page":343},{"title":"[حكم من استهان بالقرآن].","level":2,"page":344},{"title":"[حكم الداعي إلى بدعة].","level":2,"page":345},{"title":"[هذه النصوص محكمة أم منسوخة؟].","level":2,"page":346},{"title":"[أم كانت خصوصية للنبي - ﷺ -؟].","level":2,"page":347},{"title":"الحديث الخامس عشر","level":1,"page":349},{"title":"[تخريج الحديث].","level":2,"page":349},{"title":"[الإيمان وخصاله].","level":2,"page":351},{"title":"[قول الخير من الإيمان].","level":2,"page":351},{"title":"[استقامة اللسان من الإيمان].","level":2,"page":352},{"title":"[فضيلة الصمت عما عدا الخير].","level":2,"page":352},{"title":"[الكلام إما خير وإما غير خير].","level":2,"page":355},{"title":"[فهو إما لك وإما عليك].","level":2,"page":355},{"title":"[مسئولية الكلمة].","level":2,"page":355},{"title":"[ماذا يكتب الملك؟].","level":2,"page":357},{"title":"[ما ليس بحسنة].","level":2,"page":357},{"title":"[خير المجالس وخير الكلام]","level":2,"page":357},{"title":"[الساعات الضائعة].","level":2,"page":359},{"title":"[ففضول الكلام يورد المهالك].","level":2,"page":359},{"title":"[الانضباط في الكلام].","level":2,"page":360},{"title":"[مقصود الحديث].","level":2,"page":360},{"title":"[الصمت عن الشر فضيلة محمودة].","level":2,"page":361},{"title":"[ابن رجب يرى عمر بن عبد العزيز].","level":2,"page":362},{"title":"[عندما يعجب المرء بنفسه].","level":2,"page":362},{"title":"[التزام الصمت].","level":2,"page":363},{"title":"[حق الجار وحرمته]","level":2,"page":364},{"title":"[التشديد في المعصية مع الجار]","level":2,"page":364},{"title":"[التشديد في أمر إيذائه ونفي الإيمان عمن يؤذي جاره]","level":2,"page":365},{"title":"[ومنعه من دخول الجنة]","level":2,"page":365},{"title":"[الجار جنتك ونارك]","level":2,"page":365},{"title":"[أسلوب عملي في التعريف بحق الجار]","level":2,"page":366},{"title":"[لا قليل من أذى الجار]","level":2,"page":366},{"title":"[القرآن وإكرام الجار]","level":2,"page":367},{"title":"[العباد الذين أمرنا بالإحسان إليهم]","level":2,"page":367},{"title":"[تأويل الآية]","level":2,"page":368},{"title":"[حقوق الجوار وما جاء في ذلك]","level":2,"page":368},{"title":"[أي الجيران أولى بالإحسان]","level":2,"page":369},{"title":"[حدود الجوار]","level":2,"page":370},{"title":"[كيف يصنع إذا قل ماله وكثر جيرانه؟]","level":2,"page":370},{"title":"[من هو الصاحب بالجنب].","level":2,"page":370},{"title":"[خير الأصحاب وخير الجيران].","level":2,"page":370},{"title":"[بقية من أمرنا بالإحسان إليهم].","level":2,"page":371},{"title":"[تعظيم حق الجار]","level":2,"page":371},{"title":"[إكرام الجار وكيف يكون؟].","level":2,"page":373},{"title":"[الإهداء للجار غير المسلم].","level":2,"page":374},{"title":"[النهي عن مضايقة الجار ووجوب تلبية الممكن له].","level":2,"page":375},{"title":"[مواساة الجار واجبة].","level":2,"page":378},{"title":"[إطعام الجائع واجب].","level":2,"page":378},{"title":"[منع الإضرار بالجار].","level":2,"page":379},{"title":"[تحمل أذى الجار مطلوب].","level":2,"page":379},{"title":"[إكرام الضيف من الإيمان].","level":2,"page":380},{"title":"[مدة الضيافة والجائزة].","level":2,"page":380},{"title":"[متى يستحق الضيف قراه وعلى من؟]","level":2,"page":381},{"title":"[التشديد على من لم يكرم ضيفه]","level":2,"page":382},{"title":"[للضيف أن يطالب بحقه وأن يقاضي من لم يكرمه]","level":2,"page":382},{"title":"[علام تدل هذه النصوص؟]","level":2,"page":383},{"title":"[مدة الضيافة المشروعة وحقها]","level":2,"page":383},{"title":"[ضيافة الغزاة]","level":2,"page":384},{"title":"[وعلى من تجب ولمن؟ وما هي أقوال العلماء في مدتها؟]","level":2,"page":384},{"title":"[كيف يكون الإكرام؟ وما مداه؟]","level":2,"page":385},{"title":"[النهي عن الإقامة المحرجة]","level":2,"page":386},{"title":"[النهي عن التكلف للضيف]","level":2,"page":386},{"title":"[فضل إيثار الضيف]","level":2,"page":386},{"title":"[على من تجب الضيافة؟]","level":2,"page":387},{"title":"الحديث السادس عشر","level":1,"page":388},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":388},{"title":"[طلب الرجل وصية جامعة]","level":2,"page":389},{"title":"[من السائل؟]","level":2,"page":389},{"title":"[الغضب جماع الشر]","level":2,"page":390},{"title":"[معنى قوله لا تغضب]","level":2,"page":391},{"title":"[الدليل على ذلك].","level":2,"page":392},{"title":"[السنة في علاج الغضب]","level":2,"page":392},{"title":"[من الآثار في علاج الغضب]","level":2,"page":394},{"title":"[ملك اللسان واليد].","level":2,"page":396},{"title":"[ملك النفس]","level":2,"page":396},{"title":"[واجب المؤمن]","level":2,"page":397},{"title":"[والرسول هو الأسوة]","level":2,"page":397},{"title":"[خلق الرسول]","level":2,"page":398},{"title":"[من دعائه - ﷺ - في ذلك]","level":2,"page":403},{"title":"[التحذير من التفوه بما يوبق في حال الغضب]","level":2,"page":405},{"title":"[التحذير من اللعن في الغضب]","level":2,"page":406},{"title":"[وقد يوافق ساعة إجابة]","level":2,"page":406},{"title":"[معنى آية سورة يونس]","level":2,"page":406},{"title":"[ما روي مما يخالف ذلك]","level":2,"page":407},{"title":"[لا أصل له]","level":2,"page":407},{"title":"[معنى: إذا غضبت فاسكت]","level":2,"page":407},{"title":"[الغضبان مكلف]","level":2,"page":407},{"title":"[ما يؤاخذ به وما لا يؤاخذ]","level":2,"page":408},{"title":"[من الأمثلة في ذلك]","level":2,"page":408},{"title":"[اللغو في الأيمان]","level":2,"page":409},{"title":"[لا طلاق في إغلاق]","level":2,"page":409},{"title":"[فتاوى الصحابة في يمين الغضبان]","level":2,"page":410},{"title":"[كنايات الطلاق في الغضب]","level":2,"page":410},{"title":"الحديث السابع عشر","level":1,"page":411},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":411},{"title":"[معنى الجملة الأولى]","level":2,"page":412},{"title":"[الحديث نص في الإحسان]","level":2,"page":413},{"title":"[أنواع الأمر بالإحسان]","level":2,"page":414},{"title":"[دلالة الحديث على وجوب الإحسان]","level":2,"page":414},{"title":"[وهو في كل شيء بحسبه]","level":2,"page":414},{"title":"[الإحسان المقصود في الحديث]","level":2,"page":415},{"title":"[أسهل وجوه قتل الآدمي]","level":2,"page":415},{"title":"[النهي عن المثلة]","level":2,"page":415},{"title":"[أنواع القتل المباح]","level":2,"page":419},{"title":"[الوجه الأول]","level":2,"page":420},{"title":"[ماذا لو مثل به ثم قتله؟]","level":2,"page":424},{"title":"[الوجه الثاني من وجوه القتل المباح]","level":2,"page":425},{"title":"[ما روي في جواز التمثيل]","level":2,"page":425},{"title":"[الآراء فيما عوقبوا به]","level":2,"page":430},{"title":"[الإذن في التحريق ثم نسخه]","level":2,"page":432},{"title":"[النهي عن صبر البهائم وأن تتخذ الروح غرضا]","level":2,"page":433},{"title":"[الأمر بإحسان الذبح]","level":2,"page":434},{"title":"[الأمر بالرفق في الذبح]","level":2,"page":434},{"title":"الحديث الثامن عشر","level":1,"page":438},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":438},{"title":"[روايات أخرى للحديث]","level":2,"page":439},{"title":"[رواية البزار].","level":2,"page":439},{"title":"[والطبراني والحاكم]","level":2,"page":439},{"title":"[وأحمد]","level":2,"page":439},{"title":"[وابن عبد البر]","level":2,"page":440},{"title":"[سياقات أخرى أطول]","level":2,"page":440},{"title":"[الوصية بالتقوى وصية جامعة]","level":2,"page":441},{"title":"[أصل كلمة التقوى]","level":2,"page":441},{"title":"[معنى التقوى إذا أضيفت إلى اسم الله]","level":2,"page":442},{"title":"[تقوى عقاب الله]","level":2,"page":442},{"title":"[ما الذي يدخل في التقوى؟]","level":2,"page":443},{"title":"[مما أثر في التقوى]","level":2,"page":443},{"title":"[التقوى واجتناب المحرمات].","level":2,"page":445},{"title":"[ابن المعتز والتقوى].","level":2,"page":445},{"title":"[أصل التقوى].","level":2,"page":445},{"title":"[وفي الجملة]","level":2,"page":446},{"title":"[وصية الرسول - ﷺ - لصحابته بالتقوى]","level":2,"page":446},{"title":"[من وصايا السلف بالتقوى]","level":2,"page":448},{"title":"[من دعاء الرسول - ﷺ - بالتقوى]","level":2,"page":449},{"title":"[معنى الجملة الأولى]","level":2,"page":450},{"title":"[من هدى السلف في المراقبة والتقوى].","level":2,"page":451},{"title":"[مقصود الوصية النبوية]","level":2,"page":453},{"title":"[امتثال معاذ]","level":2,"page":453},{"title":"[الترقي بذلك إلى التقوى]","level":2,"page":453},{"title":"[وجملة القول]","level":2,"page":454},{"title":"[من مأثور السلف في هذا]","level":2,"page":454},{"title":"[من أعظم الأدلة قراءة الخلق لآثار المعصية]","level":2,"page":454},{"title":"[من هو السعيد؟]","level":2,"page":455},{"title":"[من أعجب ما روي في ذلك]","level":2,"page":455},{"title":"[وأتبع السيئة الحسنة]","level":2,"page":455},{"title":"[من وصف القرآن للمتقين]","level":2,"page":456},{"title":"[سعة المغفرة]","level":2,"page":457},{"title":"[نفي الإصرار عن المستغفر]","level":2,"page":457},{"title":"[المغفرة وتكرارها]","level":2,"page":457},{"title":"[عفو الله أكبر]","level":2,"page":457},{"title":"[خياركم كل مفتن تواب]","level":2,"page":458},{"title":"[من أذنب فليستغفر]","level":2,"page":459},{"title":"[الذنوب من القدر]","level":2,"page":459},{"title":"[والمخرج]","level":2,"page":460},{"title":"[الويل لأقماع القول والمصرين]","level":2,"page":460},{"title":"[معنى الجملة الثانية في الحديث]","level":2,"page":460},{"title":"[حديث القرآن في التوبة والمغفرة]","level":2,"page":461},{"title":"[هذه الآية منحة إلهية]","level":2,"page":462},{"title":"[ما الذي يفاد من هذه النصوص؟ وهل يقطع بقبول التوبة؟]","level":2,"page":462},{"title":"[والصحيح: القطع بالقبول متى استوفت التوبة شرائطها]","level":2,"page":463},{"title":"[معنى آخر للحسنة]","level":2,"page":464},{"title":"[المغفرة بالطهارة والصلاة]","level":2,"page":464},{"title":"[المغفرة بالصوم وقيام رمضان وليلة القدر]","level":2,"page":469},{"title":"[المغفرة بالحج]","level":2,"page":470},{"title":"[المغفرة بالإسلام]","level":2,"page":470},{"title":"[وبصوم عاشوراء وعرفة]","level":2,"page":471},{"title":"[وبالحسنات]","level":2,"page":471},{"title":"[وذكر الله ﷿]","level":2,"page":471},{"title":"[من آثار السلف].","level":2,"page":474},{"title":"[ماذا تكفر الأعمال الصالحة؟]","level":2,"page":475},{"title":"[ماذا يكفر الكبائر؟]","level":2,"page":475},{"title":"[الكبائر لا تكفرها الفرائض]","level":2,"page":476},{"title":"[وقيل إنها تكفر الكبائر]","level":2,"page":479},{"title":"[تحليل هذا الاتجاه في كلام بعض المحدثين]","level":2,"page":480},{"title":"[الصحيح في القولين]","level":2,"page":480},{"title":"[معني ترتب المغفرة على التقوى]","level":2,"page":481},{"title":"[خصال التقوى منها التوبة]","level":2,"page":481},{"title":"[من أدلة أن الكبائر لا تكفر بدون التوبة]","level":2,"page":481},{"title":"[الحدود كفارة]","level":2,"page":482},{"title":"[معنى قوله: فعوقب به]","level":2,"page":483},{"title":"[وفي ذلك خلاف]","level":2,"page":484},{"title":"[حديث أبي هريرة: \"لا أدري الحدود طهارة لأهلها أم لا؟ \"]","level":2,"page":484},{"title":"[ومن أدلة أن الحد ليس بكفارة]","level":2,"page":485},{"title":"[ويجاب عنه]","level":2,"page":485},{"title":"[ومن أصاب من ذلك شيئا]","level":2,"page":485},{"title":"[ومن أدلة أن الكبائر لا تكفرها الأعمال]","level":2,"page":485},{"title":"[هل كفارة المجامع في رمضان للفطر وهو من الكبائر؟]","level":2,"page":487},{"title":"[الكفارات مختصة بالصغائر]","level":2,"page":487},{"title":"[ما ورد عن تكفير الكبائر ببعض الأعمال]","level":2,"page":491},{"title":"[هل في ذلك دلالة على تكفير الكبائر؟]","level":2,"page":494},{"title":"[من أحوال الخائفين وأقوالهم].","level":2,"page":495},{"title":"[كيف تكون المقاصة؟]","level":2,"page":497},{"title":"[سيئات التائب ما مصيرها؟].","level":2,"page":498},{"title":"[بين التكفير والمغفرة]","level":2,"page":499},{"title":"[معنيان آخران]","level":2,"page":499},{"title":"[التفضيل بمثقال الذرة كيف يتم].","level":2,"page":502},{"title":"[هل تجب التوبة من الصغائر]","level":2,"page":503},{"title":"[تعقيب لابن رجب]","level":2,"page":504},{"title":"[ويستدل لذلك]","level":2,"page":505},{"title":"[تفسير اللمم]","level":2,"page":506},{"title":"[تصحيح ابن رجب للقولين]","level":2,"page":507},{"title":"[الانتصار للنفس وهل ينافي قيمة العفو؟]","level":2,"page":508},{"title":"[آيات جامعة]","level":2,"page":508},{"title":"[آيات سورة آل عمران]","level":2,"page":508},{"title":"[لماذا بسط القول في هذا]","level":2,"page":509},{"title":"[وأتبع السيئة الحسنة]","level":2,"page":509},{"title":"[من آثار السلف]","level":2,"page":509},{"title":"[قول آخر]","level":2,"page":509},{"title":"[رد ابن رجب]","level":2,"page":510},{"title":"[وخالق الناس بخلق حسن]","level":2,"page":511},{"title":"[من آثار السلف في هذا]","level":2,"page":512},{"title":"[حسن الخلق مع الناس من أركان التقوى]","level":2,"page":512},{"title":"[حسن الخلق أكمل خصال الإيمان]","level":2,"page":513},{"title":"[حسن الحلق وكيف يبلغ بصاحبه؟]","level":2,"page":514},{"title":"[تفسير السلف لحسن الخلق].","level":2,"page":516},{"title":"الحديث التاسع عشر","level":1,"page":519},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":519},{"title":"[هذا الحديث]","level":2,"page":520},{"title":"[احفظ الله]","level":2,"page":521},{"title":"[ومما يؤمر بحفظه]","level":2,"page":522},{"title":"[ما الذي يدخل في حفظ الرأس؟]","level":2,"page":523},{"title":"[قوله - ﷺ -: يحفظك]","level":2,"page":524},{"title":"[من أقوال السلف]","level":2,"page":525},{"title":"[من الدعاء لذلك]","level":2,"page":525},{"title":"[حفظ العبد جوارحه في صغره]","level":2,"page":526},{"title":"[وعكسه]","level":2,"page":526},{"title":"[حفظ الله العبد في ذريته]","level":2,"page":526},{"title":"[من أقوال السلف في ذلك]","level":2,"page":526},{"title":"[القاعدة في ذلك]","level":2,"page":527},{"title":"[من عجيب حفظ الله للعبد]","level":2,"page":528},{"title":"[وعكس هذا]","level":2,"page":528},{"title":"[النوع الثاني من الحفظ]","level":2,"page":528},{"title":"[دعاء المؤمن بالحفظ]","level":2,"page":529},{"title":"[من هو المحفوظ بعناية الله ﷿؟]","level":2,"page":531},{"title":"[من المأثور عن السلف]","level":2,"page":531},{"title":"[احفظ الله تجده تجاهك]","level":2,"page":532},{"title":"[من مأثور السلف]","level":2,"page":532},{"title":"[بين المعيتين: الخاصة والعامة]","level":2,"page":532},{"title":"[المعرفة بين العبد وربه]","level":2,"page":533},{"title":"[معرفة العبد لربه نوعان]","level":2,"page":534},{"title":"[معرفة الله لعبده نوعان]","level":2,"page":534},{"title":"[من مواقف السلف]","level":2,"page":535},{"title":"[وفي الجملة]","level":2,"page":535},{"title":"[والدليل]","level":2,"page":535},{"title":"[أعظم الشدائد]","level":2,"page":537},{"title":"[وجوب الاستعداد]","level":2,"page":537},{"title":"[وأثر ذلك]","level":2,"page":537},{"title":"[من مأثور السلف]","level":2,"page":537},{"title":"[إذا سألت فاسأل الله]","level":2,"page":539},{"title":"[النهي عن سؤال المخلوقين]","level":2,"page":541},{"title":"[سؤال الله هو الواجب المتعين]","level":2,"page":543},{"title":"[دعاء الإمام أحمد]","level":2,"page":544},{"title":"[هو القادر وحده]","level":2,"page":544},{"title":"[من مأثورات السلف]","level":2,"page":544},{"title":"[حكمة الاستعانة بالله وحده]","level":2,"page":544},{"title":"[من استعان بغير الله]","level":2,"page":545},{"title":"[من المأثور في ذلك]","level":2,"page":545},{"title":"[جف القلم]","level":2,"page":545},{"title":"[دلالات الكتاب والسنة]","level":2,"page":546},{"title":"[مدار الوصية]","level":2,"page":549},{"title":"[مقتضى عقيدة التوحيد]","level":2,"page":549},{"title":"[في الصبر على ما تكره خير كثير]","level":2,"page":550},{"title":"[درجتان للمؤمن]","level":2,"page":550},{"title":"[من أقوال السلف]","level":2,"page":552},{"title":"[من وصل إلى هذه الدرجة]","level":2,"page":552},{"title":"[أهل الرضا]","level":2,"page":552},{"title":"[واعلم أن النصر مع الصبر]","level":2,"page":553},{"title":"[من المأثور في هذا]","level":2,"page":554},{"title":"[من هو المجاهد]","level":2,"page":554},{"title":"[الصبر في مجاهدة النفس]","level":2,"page":556},{"title":"[إن النصر مع الصبر]","level":2,"page":557},{"title":"[وإن الفرج مع الكرب]","level":2,"page":557},{"title":"[إن مع العسر يسرا]","level":2,"page":558},{"title":"[لن يغلب عسر يسرين]","level":2,"page":559},{"title":"[من أسرار اقتران الفرج بالكرب]","level":2,"page":559},{"title":"[من المأثور في ذلك]","level":2,"page":560},{"title":"[السلوك الأمثل في هذا]","level":2,"page":561},{"title":"الحديث العشرون","level":1,"page":562},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":562},{"title":"[من المأثور عن الأنبياء]","level":2,"page":562},{"title":"[معنى إذا لم تستح فاصنع ما شئت]","level":2,"page":563},{"title":"[من نزع منه الحياء فهو شيطان مريد]","level":2,"page":566},{"title":"[من أقوال السلف في هذا]","level":2,"page":566},{"title":"[الحياء نوعان]","level":2,"page":568},{"title":"[النوع الأول]","level":2,"page":568},{"title":"[النوع الثاني]","level":2,"page":569},{"title":"[القول الثاني في معنى فاصنع ما شئت]","level":2,"page":570},{"title":"الحديث الحادي والعشرون","level":1,"page":573},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":573},{"title":"[علاقة الحديث بالقرآن]","level":2,"page":574},{"title":"[حكمة اقتران الاستقامة بالاستغفار]","level":2,"page":577},{"title":"[أصل الاستقامة]","level":2,"page":578},{"title":"[ماذا بعد استقامة القلب]","level":2,"page":579},{"title":"الحديث الثاني والعشرون","level":1,"page":581},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":581},{"title":"[تحليل الحلال وتحريم الحرام]","level":2,"page":581},{"title":"[المراد بالتحليل والتحريم]","level":2,"page":582},{"title":"[فلان لا يحلل ولا يحرم]","level":2,"page":583},{"title":"[تواتر الأحاديث بهذا المعنى]","level":2,"page":583},{"title":"[مراد اية عرابي]","level":2,"page":587},{"title":"[لماذا لم يذكر اجتناب المحرمات؟]","level":2,"page":587},{"title":"[وهذه هي الأعمال]","level":2,"page":587},{"title":"[ارتكاب المحرم قد يمنع من دخول الجنة]","level":2,"page":588},{"title":"[النص على دخول الجنة ببعض الأعمال]","level":2,"page":589},{"title":"[أعمال لا تكفي بدون أعمال أخرى]","level":2,"page":589},{"title":"[كبائر مانعة من دخول الجنة]","level":2,"page":590},{"title":"[وبالدين]","level":2,"page":591},{"title":"[وبالمظالم]","level":2,"page":591},{"title":"[وبالذنب]","level":2,"page":591},{"title":"[ظهور معنى الأحاديث الأخرى]","level":2,"page":592},{"title":"[المراد بهذه الأحاديث]","level":2,"page":593},{"title":"[شرط النجاة بكلمة التوحيد]","level":2,"page":593},{"title":"[تفسير آخر للمراد]","level":2,"page":594},{"title":"[تفسير ثالث]","level":2,"page":594},{"title":"[تفسير كلام الحسن البصري]","level":2,"page":595},{"title":"[من اتخذ إلهه هواه]","level":2,"page":595},{"title":"[متى يتحقق معنى كلمة التوحيد؟]","level":2,"page":595},{"title":"[محبة ما يكرهه الله شرك]","level":2,"page":596},{"title":"[وضوح معنى كلمة التوحيد]","level":2,"page":596},{"title":"[من آثار التوحيد]","level":2,"page":597},{"title":"الحديث الثالث والعشرون","level":1,"page":598},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":598},{"title":"[الطهور شطر الإيمان]","level":2,"page":600},{"title":"[الصحيح في معنى الجملة]","level":2,"page":600},{"title":"[الاختلاف في معنى: الطهور بالماء شطر الإيمان]","level":2,"page":600},{"title":"[ابن رجب يوضح ويرجح ويستشهد]","level":2,"page":602},{"title":"[الوضوء والتطهر من الإيمان]","level":2,"page":605},{"title":"[واحتمال آخر]","level":2,"page":607},{"title":"[والحمد لله تملأ الميزان]","level":2,"page":607},{"title":"[ما تضمنته هذه الأحاديث]","level":2,"page":608},{"title":"[الحمد لله]","level":2,"page":608},{"title":"[سبحان الله]","level":2,"page":610},{"title":"[بين التسبيح والتحميد]","level":2,"page":610},{"title":"[التكبير]","level":2,"page":611},{"title":"[التهليل وحده]","level":2,"page":611},{"title":"[بين الحمد والتهليل]","level":2,"page":613},{"title":"[والصلاة نور ... إلخ]","level":2,"page":613},{"title":"[شريعة موسى وكيف أنها ضياء؟!]","level":2,"page":617},{"title":"[شريعة محمد وكيف أنها نور؟!]","level":2,"page":617},{"title":"[الصبر المحمود]","level":2,"page":618},{"title":"[أفضل أنواع الصبر]","level":2,"page":618},{"title":"[والقرآن حجة لك أو عليك]","level":2,"page":619},{"title":"[كل الناس يغدو وأقسامهم]","level":2,"page":620},{"title":"[دلالة هذا الحديث]","level":2,"page":621},{"title":"[من وسائل شراء النفس]","level":2,"page":622},{"title":"[كيف اشتروا أنفسهم؟]","level":2,"page":622},{"title":"الحديث الرابع والعشرون","level":1,"page":624},{"title":"[تخريج ابن رجب للحديث]","level":2,"page":624},{"title":"[حديث أبي ذر]","level":2,"page":626},{"title":"[تحريم الله الظلم]","level":2,"page":626},{"title":"[معنى الظلم]","level":2,"page":626},{"title":"[لو عذب الله خلقه لما كان ظالما]","level":2,"page":627},{"title":"[خلق الله للظلم لا يقتضي وصفه به]","level":2,"page":628},{"title":"[وجعلته بينكم محرما]","level":2,"page":628},{"title":"[الظلم نوعان]","level":2,"page":628},{"title":"[كلكم ضال إلا من هديته ... إلخ]","level":2,"page":629},{"title":"[كيف استدل إبراهيم ﵇ بهذا على التوحيد]","level":2,"page":630},{"title":"[من دلالات الحديث]","level":2,"page":631},{"title":"[ودليل ذلك]","level":2,"page":631},{"title":"[هل المرء يولد ضالا أم مهتديا]","level":2,"page":631},{"title":"[كيف يسأل المؤمن الهداية إذا كان مهتديا؟]","level":2,"page":632},{"title":"[لن يبلغ أحد ضر الله ولا نفعه]","level":2,"page":636},{"title":"[حب الله لعباده وحبه لتوبتهم وسعة رحمته]","level":2,"page":637},{"title":"[لا تزيد ملكه الطاعة ولا تنقصه العصية]","level":2,"page":640},{"title":"[دلالة هذه الفقرة]","level":2,"page":642},{"title":"[لو أن الخالق سبحانه أعطى خلقه ما سألوه]","level":2,"page":642},{"title":"[أدلة ذلك]","level":2,"page":642},{"title":"[لماذا لما ينفد؟]","level":2,"page":645},{"title":"[إنما هي الأعمال تحصى علينا]","level":2,"page":646},{"title":"[ثم أوفيكم إياها]","level":2,"page":647},{"title":"[فمن وجد خيرا فليحمد الله ... إلخ]","level":2,"page":647},{"title":"[احتمالان في تفسير الجملة]","level":2,"page":648},{"title":"[الاحتمال الأول]","level":3,"page":648},{"title":"[بلاء المؤمن كفارة]","level":4,"page":649},{"title":"[الاحتمال الثاني]","level":3,"page":649},{"title":"الحديث الخامس والعشرون","level":1,"page":652},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":652},{"title":"[من فقه الحديث]","level":2,"page":652},{"title":"[من شواهد ذلك]","level":2,"page":653},{"title":"[الرسول وتصحيح المفاهيم]","level":2,"page":653},{"title":"[الصدقة بغير المال وأنواعها]","level":2,"page":655},{"title":"[أفضل الدنانير]","level":2,"page":662},{"title":"[ما يؤكل من الزرع فهو صدقة]","level":2,"page":664},{"title":"[حتى الآفة والسرقة تحتسب صدقة]","level":2,"page":664},{"title":"[كل ما ينتفع به فهو صدقة]","level":2,"page":665},{"title":"[ولا شرط إلا إخلاص النية لله تعالى]","level":2,"page":665},{"title":"[والدليل]","level":2,"page":666},{"title":"[وقيل يكفيه نية الإسلام]","level":2,"page":666},{"title":"[من قياسات النبوة]","level":2,"page":666},{"title":"[النوع الثاني من الصدقة غير المالية]","level":2,"page":667},{"title":"[تفضيل الذكر على الصدقة]","level":2,"page":667},{"title":"الحديث السادس والعشرون","level":1,"page":672},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":672},{"title":"[على كل سلامى صدقة]","level":2,"page":676},{"title":"[السلامى]","level":2,"page":676},{"title":"[معنى الحديث ومغزاه]","level":2,"page":677},{"title":"[من مأثور السلف]","level":2,"page":678},{"title":"[حق شكر هذه النعم]","level":2,"page":679},{"title":"[المقاصة بين الطاعة والنعمة]","level":2,"page":680},{"title":"[والمقصود من ذلك]","level":2,"page":681},{"title":"[من المأثور في شكر النعمة]","level":2,"page":683},{"title":"[هل الحمد أفضل من النعمة؟]","level":2,"page":684},{"title":"[ابن رجب ينتصر لتفضيل الحمد]","level":2,"page":685},{"title":"[كل سلامى عليه صدقة]","level":2,"page":686},{"title":"[درجات الشكر]","level":2,"page":686},{"title":"[الدرجة الأولى]","level":3,"page":686},{"title":"[الدرجة الثانية]","level":3,"page":688},{"title":"[هذه الأنواع متعد وقاصر]","level":2,"page":688},{"title":"[من حق المجتمع في مال المسلم]","level":2,"page":690},{"title":"[وكل نفقة فعلى الله خلفها]","level":2,"page":691},{"title":"[من الصدقة كف الأذى]","level":2,"page":691},{"title":"[والشرط إخلاص النية لله ﷿]","level":2,"page":692},{"title":"[وقيل يؤجر وإن لم يكن له نية]","level":2,"page":693},{"title":"[ومن الصدقة أداء حقوق المسلم]","level":2,"page":693},{"title":"[والمشي بحقوق الآدميين]","level":2,"page":694},{"title":"[وإنظار المعسر]","level":2,"page":694},{"title":"[والرفق بالحيوان]","level":2,"page":695},{"title":"[من أمثلة الصدقة القاصرة]","level":2,"page":695},{"title":"الحديث السابع والعشرون","level":1,"page":697},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":697},{"title":"[هذه الأحاديث]","level":2,"page":701},{"title":"[تفسير البر وكيف اختلف]","level":2,"page":701},{"title":"[للبر معنيان]","level":2,"page":701},{"title":"[المعنى الثاني للبر]","level":2,"page":703},{"title":"[اتساع هذا المعنى للبر]","level":2,"page":703},{"title":"[بين جواب الرسول للنواس]","level":2,"page":704},{"title":"[وجوابه لوابصة]","level":2,"page":704},{"title":"[دلالة ذلك]","level":2,"page":704},{"title":"[البر والإسلام والفطرة والمعروف والطيب]","level":2,"page":705},{"title":"[طمأنينة القلب للحق]","level":2,"page":705},{"title":"[التحذير من زيغة الحكيم]","level":2,"page":705},{"title":"[وممن يحدث بما لم يسمع]","level":2,"page":706},{"title":"[حديث وابصة والرجوع إلى القلب]","level":2,"page":706},{"title":"[الإثم ما حاك في الصدر]","level":2,"page":707},{"title":"[ما رآه المسلمون حسنا]","level":2,"page":707},{"title":"[وإن أفتاك المفتون]","level":2,"page":707},{"title":"[معيار ذلك]","level":2,"page":707},{"title":"[أحداث تؤكد ذلك]","level":2,"page":708},{"title":"[ما ورد النص فيه]","level":2,"page":708},{"title":"[كيف ينبغي تلقي ذلك؟]","level":2,"page":708},{"title":"[ما ليس فيه نص]","level":2,"page":708},{"title":"[سبق شيء مما يتعلق بتفسير هذه الأحاديث]","level":2,"page":709},{"title":"[والإلهام هل هو حجة؟]","level":2,"page":710},{"title":"[لماذا كان ذم التكلمين؟]","level":2,"page":710},{"title":"[الرجوع في الشتبهات إلى حواز القلوب]","level":2,"page":710},{"title":"[الصدق طمأنينة]","level":2,"page":710},{"title":"[علام تحمل على تقدير صحتها؟]","level":2,"page":712},{"title":"[علم الحديث إلهام]","level":2,"page":712},{"title":"[المحدثون صيارفة الحديث]","level":2,"page":712},{"title":"الحديث الثامن والعشرون","level":1,"page":724},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":724},{"title":"[وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة]","level":2,"page":726},{"title":"[البلاغة في الموعظة]","level":2,"page":727},{"title":"[السنة تقصير الخطبة]","level":2,"page":727},{"title":"[ذرفت منها العيون ووجلت القلوب]","level":2,"page":729},{"title":"[طلب الصحابة لوصية الرسول في حجة الوداع]","level":2,"page":731},{"title":"[وصيته بالقرآن وبأهل بيته عند غدير خم]","level":2,"page":732},{"title":"[وصيته عقب غزوة أحد]","level":2,"page":733},{"title":"[ماذا يعني قولهم: أوصنا؟]","level":2,"page":734},{"title":"[وصيته - ﷺ - بتقوى الله والسمع والطاعة]","level":2,"page":734},{"title":"[السمع والطاعة]","level":2,"page":734},{"title":"[من وصاياه الجامعة]","level":2,"page":735},{"title":"[التوصية بالسمع والطاعة]","level":2,"page":735},{"title":"[وإن تأمر عليكم عبد]","level":2,"page":737},{"title":"[الأحاديث المعارضة]","level":2,"page":737},{"title":"[الاختلاف بعد الصدر الأول]","level":2,"page":738},{"title":"[السنة]","level":2,"page":740},{"title":"[لا طاعة في المعصية]","level":2,"page":740},{"title":"[أمره - ﷺ - باتباع الخلفاء وعلام يدل؟]","level":2,"page":741},{"title":"[الخلافة الراشدة]","level":2,"page":742},{"title":"[إجماع الخلفاء الأربعة]","level":2,"page":743},{"title":"[وماذا لو انفرد أحدهم برأي؟]","level":2,"page":743},{"title":"[المنصوص عن أحمد وكثير من السلف]","level":2,"page":743},{"title":"[عمر بن عبد العزيز وحديثه عن عمر بن الخطاب]","level":2,"page":743},{"title":"[ما اجتمعت عليه الأمة]","level":2,"page":744},{"title":"[ما جمع عمر عليه الصحابة]","level":2,"page":745},{"title":"[ما لم يجمع عمر الناس عليه]","level":2,"page":747},{"title":"[لم وصف الخلفاء بالراشدين؟]","level":2,"page":747},{"title":"[والمهديين]","level":2,"page":748},{"title":"[عضوا عليها بالنواجذ]","level":2,"page":748},{"title":"[وإياكم ومحدثات الأمور]","level":2,"page":748},{"title":"[البدعة]","level":2,"page":748},{"title":"[ما كان له أصل]","level":2,"page":748},{"title":"[كل بدعة ضلالة]","level":2,"page":750},{"title":"[أساس استحسان بعض البدع]","level":2,"page":750},{"title":"[من أصول الاستحسان]","level":2,"page":751},{"title":"[أذان الجمعة الأول]","level":2,"page":752},{"title":"[جمع المصحف في كتاب]","level":2,"page":752},{"title":"[جمع الأمة على مصحف واحد]","level":2,"page":752},{"title":"[قتال من منع الزكاة]","level":2,"page":753},{"title":"[والقصص]","level":2,"page":753},{"title":"[الشافعي وتقسيم البدعة]","level":2,"page":753},{"title":"[الاختلاف في الكثير من المحدثات]","level":2,"page":754},{"title":"[وجوب ضبط ما نقل عن السلف، وتحقيق التراث]","level":2,"page":754},{"title":"[لم يكن شيء من الأهواء في الصدر الأول]","level":2,"page":755},{"title":"[العلماء بإزاء ما استحدث]","level":2,"page":755},{"title":"[الكلام في الحلال والحرام بمجرد الرأي]","level":2,"page":756},{"title":"[والكلام في الحقيقة بالذوق والكشف]","level":2,"page":756},{"title":"[وفي الذات والصفات]","level":2,"page":756},{"title":"الحديث التاسع والعشرون","level":1,"page":757},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":757},{"title":"[ابن رجب ينقد الترمذي]","level":2,"page":758},{"title":"[عمل يدخل الجنة ويباعد من النار]","level":2,"page":764},{"title":"[كيف؟ ولن يدخل أحد الجنة بعمله؟]","level":2,"page":765},{"title":"[لقد سألت عن عظيم]","level":2,"page":765},{"title":"[وإنه ليسير على من يسره الله عليه]","level":2,"page":766},{"title":"[من دعوات الرسول]","level":2,"page":767},{"title":"[وابن عمر]","level":2,"page":768},{"title":"[ألا أدلك على أبواب الخير؟]","level":2,"page":768},{"title":"[الصوم جنة]","level":2,"page":768},{"title":"[الغيبة والصوم]","level":2,"page":769},{"title":"[الصدقة والخطيئة]","level":2,"page":770},{"title":"[الصلاة في جوف الليل]","level":2,"page":771},{"title":"[عموم الآية]","level":2,"page":774},{"title":"[وصلاة الرجل من جوف الليل]","level":2,"page":774},{"title":"[جوف الليل]","level":2,"page":776},{"title":"[رأس الأمر ... إلخ]","level":2,"page":777},{"title":"[رأس الأمر]","level":2,"page":778},{"title":"[قوام الدين]","level":2,"page":778},{"title":"[ذروة سنامه]","level":2,"page":778},{"title":"[مفاد هذه الكلمة]","level":2,"page":778},{"title":"[وأدلة ذلك]","level":2,"page":778},{"title":"[ملاك ذلك كله]","level":2,"page":779},{"title":"[حصائد الألسنة]","level":2,"page":780},{"title":"[دلالة الحديث في هذا]","level":2,"page":780},{"title":"[أكثر ما يدخل الناس النار]","level":2,"page":780},{"title":"الحديث الثلاثون","level":1,"page":783},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":783},{"title":"[حديث أبي ثعلبة]","level":2,"page":785},{"title":"[هذا الحديث]","level":2,"page":785},{"title":"[الفرائض]","level":2,"page":786},{"title":"[بين الفرض والواجب]","level":2,"page":786},{"title":"[بر الوالدين]","level":2,"page":786},{"title":"[الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]","level":2,"page":787},{"title":"[والجهاد؟]","level":2,"page":788},{"title":"[روعة الإمام أحمد في ورعه!]","level":2,"page":788},{"title":"[والربيع بن خثيم!]","level":2,"page":789},{"title":"[والإمام مالك!]","level":2,"page":789},{"title":"[ما حكي عن أحمد في إطلاق الفرض]","level":2,"page":789},{"title":"[وإسحاق بن راهويه]","level":2,"page":790},{"title":"[دوافع الأئمة]","level":2,"page":790},{"title":"[من إطلاقات الواجب]","level":2,"page":790},{"title":"[المحارم أو المحرمات]","level":2,"page":790},{"title":"[النهي بين التحريم والأدب أو الكراهة]","level":2,"page":792},{"title":"[حدود الله]","level":2,"page":794},{"title":"[لا يجلد فوق عشر جلدات]","level":2,"page":798},{"title":"[الخلاف في معناه]","level":2,"page":798},{"title":"[وحد حدودا]","level":2,"page":798},{"title":"[المسكوت عنه]","level":2,"page":799},{"title":"[اختلاف ألفاظ الحديث]","level":2,"page":799},{"title":"[مسلكان في الإيجاب والتحريم]","level":2,"page":800},{"title":"[الحكم قبل ورود الشرع]","level":2,"page":802},{"title":"[أطعمة المجوس وفراؤهم]","level":2,"page":802},{"title":"[البحث والسؤال]","level":2,"page":804},{"title":"[تعارض الأصل والظاهر]","level":2,"page":805},{"title":"[رحمة الله بعباده فيما سكت عنه]","level":2,"page":806},{"title":"[فلا تبحثوا عنها]","level":2,"page":806},{"title":"[هلك المتنطعون]","level":2,"page":806},{"title":"[والتحقيق في هذا المقام]","level":2,"page":807},{"title":"[بين نظر ونظر]","level":2,"page":807},{"title":"[ومما ينهى عن الخوض فيه]","level":2,"page":808},{"title":"[لا يجوز التفكر في الخالق]","level":2,"page":809},{"title":"الحديث الحادى والثلاثون","level":1,"page":810},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":810},{"title":"[علام يشتمل الحديث؟]","level":2,"page":819},{"title":"[الزهد في الدنيا]","level":2,"page":819},{"title":"[الأحاديث في ذم الدنيا]","level":2,"page":820},{"title":"[معنى الزهد]","level":2,"page":821},{"title":"[تفسير يونس بن ميسرة للزهد]","level":2,"page":823},{"title":"[أقسام الزهد]","level":2,"page":828},{"title":"[المراد بذم الدنيا]","level":2,"page":830},{"title":"[الناس في الزهد]","level":2,"page":831},{"title":"[والثاني]","level":2,"page":832},{"title":"[وهم أقسام ثلاثة]","level":2,"page":832},{"title":"[تحريم الحرير على الرجال]","level":2,"page":834},{"title":"[أقسام أهل هذه الدرجة]","level":2,"page":841},{"title":"[كيف نقسم ساعات اليوم؟]","level":2,"page":842},{"title":"[كيف يعالج اشتهاء الدنيا؟]","level":2,"page":842},{"title":"[ليس من حب الدنيا طلب المصلح]","level":2,"page":843},{"title":"[متاع الغرور]","level":2,"page":843},{"title":"[الموقف المنطقي من ذم الدنيا]","level":2,"page":844},{"title":"[أهل الزهد في فضول الدنيا]","level":2,"page":846},{"title":"[أيهما أفضل]","level":2,"page":847},{"title":"[بصائر الزاهدين]","level":2,"page":847},{"title":"[الزاهد من زهد في الدنيا]","level":2,"page":848},{"title":"[الدنيا ملعونة إلا]","level":2,"page":850},{"title":"[أيهما أفضل؟]","level":2,"page":850},{"title":"[مقاصد الأعمال في الدنيا]","level":2,"page":851},{"title":"[الوصية الثانية]","level":2,"page":856},{"title":"الحديث الثاني والثلاثون","level":1,"page":859},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":859},{"title":"[بين الضرار والإضرار]","level":2,"page":865},{"title":"[بين الضرر والضرار]","level":2,"page":865},{"title":"[المراد بالجملة]","level":2,"page":865},{"title":"[مواضع النهي عن المضارة]","level":2,"page":866},{"title":"الحديث الثالث والثلاثون","level":1,"page":885},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":885},{"title":"[معنى قوله: \"البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه\"]","level":2,"page":889},{"title":"[تفريعات]","level":2,"page":890},{"title":"الحديث الرابع والثلاثون","level":1,"page":903},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":903},{"title":"[دلالة هذه الأحاديث]","level":2,"page":904},{"title":"[ماذا لو سمع صوت غناء محرم؟]","level":2,"page":914},{"title":"[تسور الجدران]","level":2,"page":914},{"title":"[متى يجوز التجسس؟]","level":2,"page":914},{"title":"[حدود المنكر الذي يجب إنكاره]","level":2,"page":915},{"title":"[الدوافع إلى الأمر والنهي]","level":2,"page":915},{"title":"[كيف يهون الأذى على الآمر والناهي؟]","level":2,"page":916},{"title":"[تعين الرفق في الإنكار]","level":2,"page":917},{"title":"الحديث الخامس والثلاثون","level":1,"page":918},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":918},{"title":"[معنى قوله - ﷺ -: \"لا تحاسدوا\"]","level":2,"page":921},{"title":"[أقسام الناس في الحسد]","level":2,"page":921},{"title":"[الحسد المذموم]","level":2,"page":921},{"title":"[اليهود والحسد]","level":2,"page":922},{"title":"[من آثار الحسد]","level":2,"page":922},{"title":"[أنواع أخرى من الحاسدين]","level":2,"page":923},{"title":"[في العقاب على ذلك خلاف]","level":2,"page":924},{"title":"[وقسم آخر]","level":2,"page":924},{"title":"[فضيلة الغبطة]","level":2,"page":924},{"title":"[وقسم أرقى]","level":2,"page":925},{"title":"[قوله - ﷺ -: \"ولا تناجشوا\"]","level":2,"page":925},{"title":"[آراء العلماء في هذه الصفقة أو في هذا النوع]","level":2,"page":926},{"title":"[احتمال آخر لتفسير التناجش]","level":2,"page":927},{"title":"[ما الذي يشمله مفهوم التناجش؟]","level":2,"page":928},{"title":"[معنى قوله - ﷺ -: \"ولا تباغضوا]","level":2,"page":930},{"title":"[تحريم كل ما يؤدي إلى العداوة والبغضاء]","level":2,"page":930},{"title":"[تحريم النميمة]","level":2,"page":930},{"title":"[البغض في الله ليس منهيا عنه]","level":2,"page":931},{"title":"[الاختلاف في الدين طريق للتباغض]","level":2,"page":932},{"title":"[أمر ينبغي التفطن له: الانتصار للحق لا للمذهب]","level":2,"page":932},{"title":"[قوله - ﷺ -: \"ولا تدابروا\"]","level":2,"page":933},{"title":"[القاطعة لأجل الدين]","level":2,"page":934},{"title":"[الهجران هل يقطعه السلام؟]","level":2,"page":934},{"title":"[التفرقة في هذا بين الأقارب وغيرهم]","level":2,"page":935},{"title":"[ولا بيع بعضكم على بيع بعض]","level":2,"page":935},{"title":"[الجمهور على العموم]","level":2,"page":936},{"title":"[ثم اختلفوا في نوعية النهي]","level":2,"page":936},{"title":"[وفي صحة البيع والنكاح]","level":2,"page":936},{"title":"[معنى البيع على البيع وعلة تحريمه]","level":2,"page":936},{"title":"[وكونوا عباد الله إخوانا]","level":2,"page":937},{"title":"[وسائل الأخوة]","level":2,"page":937},{"title":"[والأمر بالتهادي]","level":2,"page":937},{"title":"[والتصافح]","level":2,"page":939},{"title":"[المسلم أخو المسلم]","level":2,"page":939},{"title":"[إيصال النفع له ومنع الضرر عنه]","level":2,"page":939},{"title":"[نصره ظالما أو مظلوما]","level":2,"page":940},{"title":"[من آثار نصرة المسلم وخذلانه]","level":2,"page":940},{"title":"[ومن حق المسلم: أن لا يحدثه أخوه إلا صدقا]","level":2,"page":941},{"title":"[وتحريم احتقاره]","level":2,"page":942},{"title":"[وتحريم ازدرائه والاستكبار عليه والسخرية منه]","level":2,"page":943},{"title":"[معنى قوله - ﷺ -: \"التقوى ههنا\"]","level":2,"page":943},{"title":"[لا ينظر الله إلى الصور بل إلى القلوب]","level":2,"page":944},{"title":"[المتواضعون والجنة]","level":2,"page":945},{"title":"[المستكبرون والنار]","level":2,"page":946},{"title":"[لا يسوغ تقويم الناس بظواهرهم]","level":2,"page":947},{"title":"[بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم وقيمة الكبر وعواقب المتكبر]","level":2,"page":948},{"title":"[كل المسلم على المسلم حرام وتحريم إيذاء المسلم بأية صورة]","level":2,"page":949},{"title":"الحديث السادس والثلاثون","level":1,"page":954},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":954},{"title":"[من نفس عن مؤمن كربة]","level":2,"page":956},{"title":"[جزاء التنفيس والتفريج]","level":2,"page":957},{"title":"[حكمة الاقتصار على كربة من كرب يوم القيامة]","level":2,"page":958},{"title":"[الناس في عرق الآخرة]","level":2,"page":960},{"title":"[والأعمال الصالحة هي الظلال يومئذ]","level":2,"page":960},{"title":"[ومن يسر على معسر]","level":2,"page":961},{"title":"[ومن ستر مسلما]","level":2,"page":963},{"title":"[ومن كشف عورة أخيه المسلم وآثار ذلك]","level":2,"page":963},{"title":"[الناس في المعاصي قسمان]","level":2,"page":964},{"title":"[الأول: المستور]","level":2,"page":964},{"title":"[والثاني: المجاهر بالمعاصي]","level":2,"page":965},{"title":"[ماذا لو تاب أحدهما؟]","level":2,"page":966},{"title":"[والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه]","level":2,"page":967},{"title":"[العلم طريق الجنة]","level":2,"page":969},{"title":"[مثل العلماء مثل النجوم]","level":2,"page":970},{"title":"[العلم علمان]","level":2,"page":972},{"title":"[أول ما يرفع: العلم النافع]","level":2,"page":972},{"title":"[الجلوس للعلم والقرآن والذكر في المساجد]","level":2,"page":972},{"title":"[نزول السكينة]","level":2,"page":976},{"title":"[غشيان الرحمة]","level":2,"page":978},{"title":"[والملائكة تحف بهم]","level":2,"page":979},{"title":"[ويذكرهم الله فيمن عنده]","level":2,"page":979},{"title":"[ومن أبطأ به عمله]","level":2,"page":981},{"title":"[فاشتروا أنفسكم بالإيمان والعمل]","level":2,"page":982},{"title":"[إن أوليائي منكم المتقون]","level":2,"page":982},{"title":"الحديث السابع والثلاثون","level":1,"page":985},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":985},{"title":"[ماذا تضمنت هذه النصوص؟]","level":2,"page":988},{"title":"[الأول مما تضمنته: مضاعفة الحسنات]","level":2,"page":988},{"title":"[النوع الثاني عمل السيئات]","level":2,"page":992},{"title":"[النوع الثالث: الهم بالحسنات]","level":2,"page":994},{"title":"[النوع الرابع: الهم بالسيئات]","level":2,"page":996},{"title":"[ماذا إذا انفسخت نيته وفترت عزيمته؟]","level":2,"page":999},{"title":"[الخواطر]","level":2,"page":999},{"title":"[العزائم]","level":2,"page":1000},{"title":"[وهي نوعان: الأول]","level":2,"page":1000},{"title":"[النوع الثاني وأقوال العلماء فيه]","level":2,"page":1001},{"title":"[ولا يهلك على الله إلا هالك؟]","level":2,"page":1005},{"title":"الحديث الثامن والثلاثون","level":1,"page":1008},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":1008},{"title":"[عود إلى شرح الحديث]","level":2,"page":1019},{"title":"[من عادى لي وليا]","level":2,"page":1019},{"title":"[المعاصي محاربة لله تعالى]","level":2,"page":1021},{"title":"[التقرب بالفرائض ثم بالنوافل]","level":2,"page":1022},{"title":"[من الفرائض المقربة]","level":2,"page":1024},{"title":"[الدرجة الثانية]","level":2,"page":1026},{"title":"[أوصاف المحبين لله]","level":2,"page":1027},{"title":"[من دعوات الأنبياء في حب الله]","level":2,"page":1029},{"title":"[من المأثور عن السلف في هذا]","level":2,"page":1030},{"title":"[المحب والمحبة والمحبون لله - ﷿ -]","level":2,"page":1030},{"title":"[تلاوة القرآن من أعظم ما يتقرب به إلى الله تعالى]","level":2,"page":1031},{"title":"[السلف والقرآن]","level":2,"page":1032},{"title":"[وكثرة ذكر الله]","level":2,"page":1032},{"title":"[والحب في الله والبغض في الله]","level":2,"page":1035},{"title":"[فإذا أحببته كنت سمعه. . . إلخ]","level":2,"page":1038},{"title":"[من مأثور السلف]","level":2,"page":1040},{"title":"[وهذا من أسرار التوحيد]","level":2,"page":1040},{"title":"[ولئن سألني لأعطينه]","level":2,"page":1041},{"title":"[ممن أجيبت دعواتهم]","level":2,"page":1041},{"title":"[من صبر مجابي الدعوة]","level":2,"page":1048},{"title":"[وقد يدعو المؤمن فلا يجاب]","level":2,"page":1049},{"title":"[الموت وكيف هو]","level":2,"page":1050},{"title":"الحديث التاسع والثلاثون","level":1,"page":1056},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":1056},{"title":"[شرح الحديث]","level":2,"page":1063},{"title":"[التجاوز عن الخطأ والنسيان]","level":2,"page":1063},{"title":"الفصل الأول في حكم الخطأ والنسيان","level":2,"page":1064},{"title":"[لو حلف أن لا يفعل ففعل ناسيا؟]","level":2,"page":1066},{"title":"[لو قتل خطأ]","level":2,"page":1066},{"title":"والفصل الثاني في حكم المكره وهو نوعان","level":2,"page":1068},{"title":"[الإكراه على الأقوال]","level":2,"page":1070},{"title":"[الإكراه في الأفعال]","level":2,"page":1072},{"title":"الحديث الأربعون","level":1,"page":1074},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":1074},{"title":"[هذا الحديث أصل في قصر الأمل]","level":2,"page":1075},{"title":"[وصايا الأنبياء وأتباعهم]","level":2,"page":1075},{"title":"[واجب المؤمن بالنسبة للدنيا]","level":2,"page":1077},{"title":"[لهذا كانت وصية الرسول - ﷺ - لابن عمر]","level":2,"page":1077},{"title":"[الحال الأول]","level":2,"page":1077},{"title":"[من مأثورات السلف]","level":2,"page":1077},{"title":"[مثل الدنيا]","level":2,"page":1078},{"title":"[الحال الثاني]","level":2,"page":1082},{"title":"[مما أثر عن السلف]","level":2,"page":1082},{"title":"[وصية ابن عمر]","level":2,"page":1084},{"title":"[الزهد في أقوال السلف]","level":2,"page":1084},{"title":"[وخذ من صحتك]","level":2,"page":1088},{"title":"[اغتنم خمسا]","level":2,"page":1088},{"title":"[بادروا ستا]","level":2,"page":1088},{"title":"[سبعا]","level":2,"page":1089},{"title":"[وفتنا كقطع الليل]","level":2,"page":1090},{"title":"[ما لا ينفع بعده عمل]","level":2,"page":1090},{"title":"[وجوب المبادرة بالأعمال الصالحة]","level":2,"page":1092},{"title":"الحديث الحادي والأربعون","level":1,"page":1095},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":1095},{"title":"[معنى الحديث]","level":2,"page":1098},{"title":"[حب الله ورسوله وماذا يقتضيه؟]","level":2,"page":1100},{"title":"[منشأ المعاصي]","level":2,"page":1101},{"title":"[واجب المؤمن في المحبة]","level":2,"page":1101},{"title":"[حين تكون العلاقات على أساس الهوى]","level":2,"page":1102},{"title":"[معنى الهوى أظنها: عند الإطلاق]","level":2,"page":1102},{"title":"[الهوى في الحديث]","level":2,"page":1103},{"title":"الحديث الثاني والأربعون","level":1,"page":1104},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":1104},{"title":"[أسباب المغفرة]","level":2,"page":1106},{"title":"[شرائط إجابة الدعاء]","level":2,"page":1106},{"title":"[إنك ما دعوتني ورجوتني]","level":2,"page":1111},{"title":"[الاستغفار مع الإصرار]","level":2,"page":1115},{"title":"[أفضل أنواع الاستغفار]","level":2,"page":1119},{"title":"[الاستغفار دواء الذنوب]","level":2,"page":1122},{"title":"[من أحوالهم في الاستغفار]","level":2,"page":1122},{"title":"[السبب الثالث]","level":2,"page":1124},{"title":"الحديث الثالث والأربعون","level":1,"page":1126},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":1126},{"title":"[مراد طاووس]","level":2,"page":1128},{"title":"[قضاء أبي موسى في بنت وبنت ابن وأخت]","level":2,"page":1128},{"title":"[قضاء معاذ في بنت وأخت]","level":2,"page":1128},{"title":"[استدلال ابن عباس بآية الكلالة]","level":2,"page":1129},{"title":"[والصواب]","level":2,"page":1129},{"title":"[فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر]","level":2,"page":1130},{"title":"[هذا الحديث بين قسمة المواريث]","level":2,"page":1131},{"title":"[وإذا ضم إلى آيات القرآن في ذلك]","level":2,"page":1131},{"title":"[توريث الأولاد]","level":2,"page":1132},{"title":"[بنت أو أكثر مع ابن ابن وأخته]","level":2,"page":1132},{"title":"[بنت وبنت ابن وبنتان]","level":2,"page":1133},{"title":"[انفراد الذكور]","level":2,"page":1135},{"title":"[ميراث الأبوين]","level":2,"page":1135},{"title":"[العمريتان]","level":2,"page":1136},{"title":"[رأي ابن عباس]","level":2,"page":1136},{"title":"[وقد يجاب عن ذلك]","level":2,"page":1136},{"title":"[ابن رجب وجواب لم يسبق به]","level":2,"page":1137},{"title":"[فإن كان له إخوة فلأمه السدس]","level":2,"page":1138},{"title":"[الجد والجدة]","level":2,"page":1139},{"title":"[الأم مع الأب والجد]","level":2,"page":1140},{"title":"[الجد والإخوة]","level":2,"page":1140},{"title":"[ميراث الإخوة والكلالة]","level":2,"page":1141},{"title":"[ميراث الابن والأخ]","level":2,"page":1142},{"title":"[ميراث الأخ من الأخت]","level":2,"page":1143},{"title":"[الأختان]","level":2,"page":1143},{"title":"[الإخوة]","level":2,"page":1143},{"title":"[أولو الأرحام]","level":2,"page":1145},{"title":"[الزوجان]","level":2,"page":1146},{"title":"[الإخوة لأم]","level":2,"page":1146},{"title":"[وصف الرجل بالذكورة]","level":2,"page":1147},{"title":"الحديث الرابع والأربعون","level":1,"page":1148},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":1148},{"title":"[الإجماع على العمل بهذه الأحاديث]","level":2,"page":1149},{"title":"[المحرمات من النسب قسمان]","level":2,"page":1149},{"title":"[القسم الأول]","level":2,"page":1149},{"title":"[والقسم الثاني]","level":2,"page":1151},{"title":"[بقية التحريم من الرضاعة استفيد من السنة]","level":2,"page":1151},{"title":"[لو كانت مرضعة من غير زواج]","level":2,"page":1153},{"title":"[لو انقطع النسب من جهة صاحب اللبن]","level":2,"page":1153},{"title":"[امتداد التحريم بالرضاع]","level":2,"page":1154},{"title":"[وحلائل الأبناء]","level":2,"page":1154},{"title":"[التحريم بالرضاع وإلى من ينتشر؟]","level":2,"page":1154},{"title":"[ما يستثنى مما يحرم بالنسب]","level":2,"page":1155},{"title":"[وما الذي يدخل في عموم الحديث؟]","level":2,"page":1156},{"title":"الحديث الخامس والأربعون","level":1,"page":1157},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":1157},{"title":"[وحاصل هذه الأحاديث]","level":2,"page":1159},{"title":"[ما يحرم الانتفاع به قسمان]","level":2,"page":1159},{"title":"[القسم الأول: ما ينتفع به مع بقاء عينه]","level":2,"page":1160},{"title":"[والقسم الثاني ما ينتفع به مع إتلاف عينه]","level":2,"page":1162},{"title":"[معنى قوله - ﷺ -: هو حرام]","level":2,"page":1163},{"title":"[الانتفاع بشحوم الميتة]","level":2,"page":1163},{"title":"[الأدهان الطاهرة إذا تنجست]","level":2,"page":1163},{"title":"[بقية أجزاء الميتة]","level":2,"page":1164},{"title":"[وإذا دبغت؟]","level":2,"page":1164},{"title":"[ثمن الكلب]","level":2,"page":1165},{"title":"[كلب الصيد]","level":2,"page":1166},{"title":"[بيع الهر]","level":2,"page":1167},{"title":"[حكم بقية الحيوانات التي لا تؤكل كالحشرات]","level":2,"page":1168},{"title":"[ما يستخدم في الاصطياد]","level":2,"page":1168},{"title":"[بيع الدب]","level":2,"page":1169},{"title":"الحديث السادس والأربعون","level":1,"page":1171},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":1171},{"title":"[هذا الحديث أصل في تحريم كل مسكر]","level":2,"page":1172},{"title":"[العلة المحرمة للمسكر]","level":2,"page":1172},{"title":"[هذا الحديث أصل]","level":2,"page":1172},{"title":"[مدمن الخمر كعابد الوثن]","level":2,"page":1174},{"title":"[إلى هذا ذهب الجمهور]","level":2,"page":1175},{"title":"[دليل على أن كل مسكر خمر]","level":2,"page":1176},{"title":"[ما أسكر كثيرة فقليله حرام]","level":2,"page":1178},{"title":"[السكر نوعان]","level":2,"page":1180},{"title":"[التداوي بالسكر غير الملذ]","level":2,"page":1181},{"title":"[تناول السكر الذي لا لذة فيه لغير التداوي]","level":2,"page":1181},{"title":"[وماذا لو طلق في هذه الحال؟]","level":2,"page":1182},{"title":"[عقوبة المسكر]","level":2,"page":1182},{"title":"[والناكح بغير ولي]","level":2,"page":1182},{"title":"الحديث السابع والأربعون","level":1,"page":1184},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":1184},{"title":"[هذا الحديث أصل جامع في الطب]","level":2,"page":1185},{"title":"[التخمة أصل الداء]","level":2,"page":1185},{"title":"[والحمية رأس الدواء]","level":2,"page":1186},{"title":"[صلاح القلب في قلة الغذاء]","level":2,"page":1186},{"title":"[من المأثور في ذلك]","level":2,"page":1186},{"title":"[أحسن ما أكل المؤمن]","level":2,"page":1191},{"title":"[ذم القرآن من اتبع الشهوات]","level":2,"page":1193},{"title":"[ثلث للطعام]","level":2,"page":1195},{"title":"الحديث الثامن والأربعون","level":1,"page":1196},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":1196},{"title":"[تأويل الحديث]","level":2,"page":1196},{"title":"[بماذا فسر النفاق؟]","level":2,"page":1197},{"title":"[أصول النفاق]","level":2,"page":1197},{"title":"[خوف الصحابة من النفاق]","level":2,"page":1206},{"title":"[مرتكب الكبيرة وهل يسمى كافرا؟]","level":2,"page":1207},{"title":"[من أعظم خصال النفاق العملي]","level":2,"page":1207},{"title":"[ما حكاه عن المنافقين واليهود في هذا]","level":2,"page":1208},{"title":"الحديث التاسع والأربعون","level":1,"page":1211},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":1211},{"title":"وحقيقة التوكل","level":2,"page":1212},{"title":"[التوكل لا ينافي السعي في الأسباب]","level":2,"page":1213},{"title":"[الأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام]","level":2,"page":1214},{"title":"أحدها","level":3,"page":1214},{"title":"والثاني","level":3,"page":1214},{"title":"القسم الثالث","level":3,"page":1216},{"title":"[لو حقق العبد التوكل بالقلب]","level":2,"page":1217},{"title":"[التوكل والصدق]","level":2,"page":1219},{"title":"[بين الجلوس في البيت وعدم الحاجة إلى الخلق]","level":2,"page":1219},{"title":"[متى تعرض العبد لسؤال الخلق لم يجز له ترك الكسب]","level":2,"page":1220},{"title":"[الكسب أفضل]","level":2,"page":1221},{"title":"[من لم يصل إلى المقامات العالية]","level":2,"page":1222},{"title":"[من ضيع بترك الأسباب حقا]","level":2,"page":1222},{"title":"[التوكل لا ينافي الأسباب]","level":2,"page":1224},{"title":"[التوكل الحقيقي]","level":2,"page":1224},{"title":"[بين التوكل لطلب الرزق والتوكل ثقة بالله]","level":2,"page":1224},{"title":"[ثمرة التوكل: الرضا بالقضاء]","level":2,"page":1225},{"title":"[التوكل ثلاث درجات]","level":2,"page":1225},{"title":"[المتوكل]","level":2,"page":1226},{"title":"الحديث الخمسون","level":1,"page":1227},{"title":"[تخريج الحديث]","level":2,"page":1227},{"title":"[مقاصد الحديث]","level":2,"page":1228},{"title":"[الذاكرون]","level":2,"page":1228},{"title":"[والمهترون]","level":2,"page":1229},{"title":"[والمفردون]","level":2,"page":1230},{"title":"[من أحب أن يرتع في الجنة]","level":2,"page":1231},{"title":"[الترغيب في الذكر]","level":2,"page":1231},{"title":"[من المأثور في الذكر]","level":2,"page":1233},{"title":"[بماذا نباين المنافقين]","level":2,"page":1234},{"title":"[علامة حب الله]","level":2,"page":1234},{"title":"[المحبون وذكر الله]","level":2,"page":1235},{"title":"[كان هذا حال الأنبياء والصديقين]","level":2,"page":1241},{"title":"[فضل الذكر]","level":2,"page":1242},{"title":"[وظائف الذكر في اليوم والليلة]","level":2,"page":1244}],"ٛ":{"1,1":1,"1,5":2,"1,6":3,"1,7":4,"1,8":5,"1,9":6,"1,10":7,"1,11":8,"1,12":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,86":82,"1,87":83,"1,88":84,"1,89":85,"1,90":86,"1,91":87,"1,92":88,"1,93":89,"1,94":90,"1,95":91,"1,96":92,"1,97":93,"1,98":94,"1,99":95,"1,100":96,"1,101":97,"1,102":98,"1,103":99,"1,104":100,"1,105":101,"1,106":102,"1,107":103,"1,108":104,"1,109":105,"1,110":106,"1,111":107,"1,112":108,"1,113":109,"1,114":110,"1,115":111,"1,116":112,"1,117":113,"1,118":114,"1,119":115,"1,120":116,"1,121":117,"1,122":118,"1,123":119,"1,124":120,"1,125":121,"1,126":122,"1,127":123,"1,128":124,"1,129":125,"1,130":126,"1,131":127,"1,132":128,"1,133":129,"1,134":130,"1,135":131,"1,136":132,"1,137":133,"1,138":134,"1,139":135,"1,140":136,"1,141":137,"1,142":138,"1,143":139,"1,144":140,"1,145":141,"1,146":142,"1,147":143,"1,148":144,"1,149":145,"1,150":146,"1,151":147,"1,152":148,"1,153":149,"1,154":150,"1,155":151,"1,157":152,"1,158":153,"1,159":154,"1,160":155,"1,161":156,"1,162":157,"1,163":158,"1,164":159,"1,165":160,"1,166":161,"1,167":162,"1,168":163,"1,169":164,"1,170":165,"1,171":166,"1,172":167,"1,173":168,"1,174":169,"1,175":170,"1,176":171,"1,177":172,"1,178":173,"1,179":174,"1,180":175,"1,181":176,"1,182":177,"1,183":178,"1,184":179,"1,185":180,"1,186":181,"1,187":182,"1,188":183,"1,189":184,"1,190":185,"1,191":186,"1,192":187,"1,193":188,"1,194":189,"1,195":190,"1,196":191,"1,197":192,"1,198":193,"1,199":194,"1,201":195,"1,202":196,"1,203":197,"1,204":198,"1,205":199,"1,206":200,"1,207":201,"1,208":202,"1,209":203,"1,210":204,"1,211":205,"1,212":206,"1,213":207,"1,214":208,"1,215":209,"1,216":210,"1,217":211,"1,218":212,"1,219":213,"1,220":214,"1,221":215,"1,222":216,"1,223":217,"1,225":218,"1,226":219,"1,227":220,"1,228":221,"1,229":222,"1,230":223,"1,231":224,"1,232":225,"1,233":226,"1,234":227,"1,235":228,"1,236":229,"1,237":230,"1,238":231,"1,239":232,"1,240":233,"1,241":234,"1,242":235,"1,243":236,"1,244":237,"1,245":238,"1,246":239,"1,247":240,"1,248":241,"1,249":242,"1,251":243,"1,252":244,"1,253":245,"1,254":246,"1,255":247,"1,256":248,"1,257":249,"1,258":250,"1,259":251,"1,260":252,"1,261":253,"1,262":254,"1,263":255,"1,264":256,"1,265":257,"1,266":258,"1,267":259,"1,268":260,"1,269":261,"1,270":262,"1,271":263,"1,272":264,"1,273":265,"1,274":266,"1,275":267,"1,276":268,"1,277":269,"1,278":270,"1,279":271,"1,280":272,"1,281":273,"1,282":274,"1,283":275,"1,284":276,"1,285":277,"1,286":278,"1,287":279,"1,288":280,"1,289":281,"1,290":282,"1,291":283,"1,292":284,"1,293":285,"1,294":286,"1,295":287,"1,297":288,"1,298":289,"1,299":290,"1,300":291,"1,301":292,"1,302":293,"1,303":294,"1,304":295,"1,305":296,"1,306":297,"1,307":298,"1,308":299,"1,309":300,"1,310":301,"1,311":302,"1,312":303,"1,313":304,"1,314":305,"1,315":306,"1,316":307,"1,317":308,"1,318":309,"1,319":310,"1,320":311,"1,321":312,"1,322":313,"1,323":314,"1,325":315,"1,326":316,"1,327":317,"1,328":318,"1,329":319,"1,330":320,"1,331":321,"1,332":322,"1,333":323,"1,334":324,"1,335":325,"1,337":326,"1,338":327,"1,339":328,"1,340":329,"1,341":330,"1,342":331,"1,343":332,"1,344":333,"1,345":334,"1,346":335,"1,347":336,"1,348":337,"1,349":338,"1,350":339,"1,351":340,"1,352":341,"1,353":342,"1,354":343,"1,355":344,"1,356":345,"1,357":346,"1,358":347,"1,359":348,"1,361":349,"1,362":350,"1,363":351,"1,364":352,"1,365":353,"1,366":354,"1,367":355,"1,368":356,"1,369":357,"1,370":358,"1,371":359,"1,372":360,"1,373":361,"1,374":362,"1,375":363,"1,376":364,"1,377":365,"1,378":366,"1,379":367,"1,380":368,"1,381":369,"1,382":370,"1,383":371,"1,384":372,"1,385":373,"1,386":374,"1,387":375,"1,388":376,"1,389":377,"1,390":378,"1,391":379,"1,392":380,"1,393":381,"1,394":382,"1,395":383,"1,396":384,"1,397":385,"1,398":386,"1,399":387,"1,401":388,"1,402":389,"1,403":390,"1,404":391,"1,405":392,"1,406":393,"1,407":394,"1,408":395,"1,409":396,"1,410":397,"1,411":398,"1,412":399,"1,413":400,"1,414":401,"1,415":402,"1,416":403,"1,417":404,"1,418":405,"1,419":406,"1,420":407,"1,421":408,"1,422":409,"1,423":410,"1,425":411,"1,426":412,"1,427":413,"1,428":414,"1,429":415,"1,430":416,"1,431":417,"1,432":418,"1,433":419,"1,434":420,"1,435":421,"1,436":422,"1,437":423,"1,438":424,"1,439":425,"1,440":426,"1,441":427,"1,442":428,"1,443":429,"1,444":430,"1,445":431,"1,446":432,"1,447":433,"1,448":434,"1,449":435,"1,450":436,"1,451":437,"2,465":438,"2,466":439,"2,467":440,"2,468":441,"2,469":442,"2,470":443,"2,471":444,"2,472":445,"2,473":446,"2,474":447,"2,475":448,"2,476":449,"2,477":450,"2,478":451,"2,479":452,"2,480":453,"2,481":454,"2,482":455,"2,483":456,"2,484":457,"2,485":458,"2,486":459,"2,487":460,"2,488":461,"2,489":462,"2,490":463,"2,491":464,"2,492":465,"2,493":466,"2,494":467,"2,495":468,"2,496":469,"2,497":470,"2,498":471,"2,499":472,"2,500":473,"2,501":474,"2,502":475,"2,503":476,"2,504":477,"2,505":478,"2,506":479,"2,507":480,"2,508":481,"2,509":482,"2,510":483,"2,511":484,"2,512":485,"2,513":486,"2,514":487,"2,515":488,"2,516":489,"2,517":490,"2,518":491,"2,519":492,"2,520":493,"2,521":494,"2,522":495,"2,523":496,"2,524":497,"2,525":498,"2,526":499,"2,527":500,"2,528":501,"2,529":502,"2,530":503,"2,531":504,"2,532":505,"2,533":506,"2,534":507,"2,535":508,"2,536":509,"2,537":510,"2,538":511,"2,539":512,"2,540":513,"2,541":514,"2,542":515,"2,543":516,"2,544":517,"2,545":518,"2,547":519,"2,548":520,"2,549":521,"2,550":522,"2,551":523,"2,552":524,"2,553":525,"2,554":526,"2,555":527,"2,556":528,"2,557":529,"2,558":530,"2,559":531,"2,560":532,"2,561":533,"2,562":534,"2,563":535,"2,564":536,"2,565":537,"2,566":538,"2,567":539,"2,568":540,"2,569":541,"2,570":542,"2,571":543,"2,572":544,"2,573":545,"2,574":546,"2,575":547,"2,576":548,"2,577":549,"2,578":550,"2,579":551,"2,580":552,"2,581":553,"2,582":554,"2,583":555,"2,584":556,"2,585":557,"2,586":558,"2,587":559,"2,588":560,"2,589":561,"2,591":562,"2,592":563,"2,593":564,"2,594":565,"2,595":566,"2,596":567,"2,597":568,"2,598":569,"2,599":570,"2,600":571,"2,601":572,"2,603":573,"2,604":574,"2,605":575,"2,606":576,"2,607":577,"2,608":578,"2,609":579,"2,610":580,"2,611":581,"2,612":582,"2,613":583,"2,614":584,"2,615":585,"2,616":586,"2,617":587,"2,618":588,"2,619":589,"2,620":590,"2,621":591,"2,622":592,"2,623":593,"2,624":594,"2,625":595,"2,626":596,"2,627":597,"2,629":598,"2,630":599,"2,631":600,"2,632":601,"2,633":602,"2,634":603,"2,635":604,"2,636":605,"2,637":606,"2,638":607,"2,639":608,"2,640":609,"2,641":610,"2,642":611,"2,643":612,"2,644":613,"2,645":614,"2,646":615,"2,647":616,"2,648":617,"2,649":618,"2,650":619,"2,651":620,"2,652":621,"2,653":622,"2,654":623,"2,655":624,"2,656":625,"2,657":626,"2,658":627,"2,659":628,"2,660":629,"2,661":630,"2,662":631,"2,663":632,"2,664":633,"2,665":634,"2,666":635,"2,667":636,"2,668":637,"2,669":638,"2,670":639,"2,671":640,"2,672":641,"2,673":642,"2,674":643,"2,675":644,"2,676":645,"2,677":646,"2,678":647,"2,679":648,"2,680":649,"2,681":650,"2,682":651,"2,683":652,"2,684":653,"2,685":654,"2,686":655,"2,687":656,"2,688":657,"2,689":658,"2,690":659,"2,691":660,"2,692":661,"2,693":662,"2,694":663,"2,695":664,"2,696":665,"2,697":666,"2,698":667,"2,699":668,"2,700":669,"2,701":670,"2,702":671,"2,703":672,"2,704":673,"2,705":674,"2,706":675,"2,707":676,"2,708":677,"2,709":678,"2,710":679,"2,711":680,"2,712":681,"2,713":682,"2,714":683,"2,715":684,"2,716":685,"2,717":686,"2,718":687,"2,719":688,"2,720":689,"2,721":690,"2,722":691,"2,723":692,"2,724":693,"2,725":694,"2,726":695,"2,727":696,"2,729":697,"2,730":698,"2,731":699,"2,732":700,"2,733":701,"2,734":702,"2,735":703,"2,736":704,"2,737":705,"2,738":706,"2,739":707,"2,740":708,"2,741":709,"2,742":710,"2,743":711,"2,744":712,"2,745":713,"2,746":714,"2,747":715,"2,748":716,"2,749":717,"2,750":718,"2,751":719,"2,752":720,"2,753":721,"2,754":722,"2,755":723,"2,757":724,"2,758":725,"2,759":726,"2,760":727,"2,761":728,"2,762":729,"2,763":730,"2,764":731,"2,765":732,"2,766":733,"2,767":734,"2,768":735,"2,769":736,"2,770":737,"2,771":738,"2,772":739,"2,773":740,"2,774":741,"2,775":742,"2,776":743,"2,777":744,"2,778":745,"2,779":746,"2,780":747,"2,781":748,"2,782":749,"2,783":750,"2,784":751,"2,785":752,"2,786":753,"2,787":754,"2,788":755,"2,789":756,"2,791":757,"2,792":758,"2,793":759,"2,794":760,"2,795":761,"2,796":762,"2,797":763,"2,798":764,"2,799":765,"2,800":766,"2,801":767,"2,802":768,"2,803":769,"2,804":770,"2,805":771,"2,806":772,"2,807":773,"2,808":774,"2,809":775,"2,810":776,"2,811":777,"2,812":778,"2,813":779,"2,814":780,"2,815":781,"2,816":782,"2,817":783,"2,818":784,"2,819":785,"2,820":786,"2,821":787,"2,822":788,"2,823":789,"2,824":790,"2,825":791,"2,826":792,"2,827":793,"2,828":794,"2,829":795,"2,830":796,"2,831":797,"2,832":798,"2,833":799,"2,834":800,"2,835":801,"2,836":802,"2,837":803,"2,838":804,"2,839":805,"2,840":806,"2,841":807,"2,842":808,"2,843":809,"2,845":810,"2,846":811,"2,847":812,"2,848":813,"2,849":814,"2,850":815,"2,851":816,"2,852":817,"2,853":818,"2,854":819,"2,855":820,"2,856":821,"2,857":822,"2,858":823,"2,859":824,"2,860":825,"2,861":826,"2,862":827,"2,863":828,"2,864":829,"2,865":830,"2,866":831,"2,867":832,"2,868":833,"2,869":834,"2,870":835,"2,871":836,"2,872":837,"2,873":838,"2,874":839,"2,875":840,"2,876":841,"2,877":842,"2,878":843,"2,879":844,"2,880":845,"2,881":846,"2,882":847,"2,883":848,"2,884":849,"2,885":850,"2,886":851,"2,887":852,"2,888":853,"2,889":854,"2,890":855,"2,891":856,"2,892":857,"2,893":858,"3,905":859,"3,906":860,"3,907":861,"3,908":862,"3,909":863,"3,910":864,"3,911":865,"3,912":866,"3,913":867,"3,914":868,"3,915":869,"3,916":870,"3,917":871,"3,918":872,"3,919":873,"3,920":874,"3,921":875,"3,922":876,"3,923":877,"3,924":878,"3,925":879,"3,926":880,"3,927":881,"3,928":882,"3,929":883,"3,930":884,"3,931":885,"3,932":886,"3,933":887,"3,934":888,"3,935":889,"3,936":890,"3,937":891,"3,938":892,"3,939":893,"3,940":894,"3,941":895,"3,942":896,"3,943":897,"3,944":898,"3,945":899,"3,946":900,"3,947":901,"3,948":902,"3,949":903,"3,950":904,"3,951":905,"3,952":906,"3,953":907,"3,954":908,"3,955":909,"3,956":910,"3,957":911,"3,958":912,"3,959":913,"3,960":914,"3,961":915,"3,962":916,"3,963":917,"3,965":918,"3,966":919,"3,967":920,"3,968":921,"3,969":922,"3,970":923,"3,971":924,"3,972":925,"3,973":926,"3,974":927,"3,975":928,"3,976":929,"3,977":930,"3,978":931,"3,979":932,"3,980":933,"3,981":934,"3,982":935,"3,983":936,"3,984":937,"3,985":938,"3,986":939,"3,987":940,"3,988":941,"3,989":942,"3,990":943,"3,991":944,"3,992":945,"3,993":946,"3,994":947,"3,995":948,"3,996":949,"3,997":950,"3,998":951,"3,999":952,"3,1000":953,"3,1001":954,"3,1002":955,"3,1003":956,"3,1004":957,"3,1005":958,"3,1006":959,"3,1007":960,"3,1008":961,"3,1009":962,"3,1010":963,"3,1011":964,"3,1012":965,"3,1013":966,"3,1014":967,"3,1015":968,"3,1016":969,"3,1017":970,"3,1018":971,"3,1019":972,"3,1020":973,"3,1021":974,"3,1022":975,"3,1023":976,"3,1024":977,"3,1025":978,"3,1026":979,"3,1027":980,"3,1028":981,"3,1029":982,"3,1030":983,"3,1031":984,"3,1033":985,"3,1034":986,"3,1035":987,"3,1036":988,"3,1037":989,"3,1038":990,"3,1039":991,"3,1040":992,"3,1041":993,"3,1042":994,"3,1043":995,"3,1044":996,"3,1045":997,"3,1046":998,"3,1047":999,"3,1048":1000,"3,1049":1001,"3,1050":1002,"3,1051":1003,"3,1052":1004,"3,1053":1005,"3,1054":1006,"3,1055":1007,"3,1057":1008,"3,1058":1009,"3,1059":1010,"3,1060":1011,"3,1061":1012,"3,1062":1013,"3,1063":1014,"3,1064":1015,"3,1065":1016,"3,1066":1017,"3,1067":1018,"3,1068":1019,"3,1069":1020,"3,1070":1021,"3,1071":1022,"3,1072":1023,"3,1073":1024,"3,1074":1025,"3,1075":1026,"3,1076":1027,"3,1077":1028,"3,1078":1029,"3,1079":1030,"3,1080":1031,"3,1081":1032,"3,1082":1033,"3,1083":1034,"3,1084":1035,"3,1085":1036,"3,1086":1037,"3,1087":1038,"3,1088":1039,"3,1089":1040,"3,1090":1041,"3,1091":1042,"3,1092":1043,"3,1093":1044,"3,1094":1045,"3,1095":1046,"3,1096":1047,"3,1097":1048,"3,1098":1049,"3,1099":1050,"3,1100":1051,"3,1101":1052,"3,1102":1053,"3,1103":1054,"3,1104":1055,"3,1105":1056,"3,1106":1057,"3,1107":1058,"3,1108":1059,"3,1109":1060,"3,1110":1061,"3,1111":1062,"3,1112":1063,"3,1113":1064,"3,1114":1065,"3,1115":1066,"3,1116":1067,"3,1117":1068,"3,1118":1069,"3,1119":1070,"3,1120":1071,"3,1121":1072,"3,1122":1073,"3,1123":1074,"3,1124":1075,"3,1125":1076,"3,1126":1077,"3,1127":1078,"3,1128":1079,"3,1129":1080,"3,1130":1081,"3,1131":1082,"3,1132":1083,"3,1133":1084,"3,1134":1085,"3,1135":1086,"3,1136":1087,"3,1137":1088,"3,1138":1089,"3,1139":1090,"3,1140":1091,"3,1141":1092,"3,1142":1093,"3,1143":1094,"3,1145":1095,"3,1146":1096,"3,1147":1097,"3,1148":1098,"3,1149":1099,"3,1150":1100,"3,1151":1101,"3,1152":1102,"3,1153":1103,"3,1155":1104,"3,1156":1105,"3,1157":1106,"3,1158":1107,"3,1159":1108,"3,1160":1109,"3,1161":1110,"3,1162":1111,"3,1163":1112,"3,1164":1113,"3,1165":1114,"3,1166":1115,"3,1167":1116,"3,1168":1117,"3,1169":1118,"3,1170":1119,"3,1171":1120,"3,1172":1121,"3,1173":1122,"3,1174":1123,"3,1175":1124,"3,1176":1125,"3,1177":1126,"3,1178":1127,"3,1179":1128,"3,1180":1129,"3,1181":1130,"3,1182":1131,"3,1183":1132,"3,1184":1133,"3,1185":1134,"3,1186":1135,"3,1187":1136,"3,1188":1137,"3,1189":1138,"3,1190":1139,"3,1191":1140,"3,1192":1141,"3,1193":1142,"3,1194":1143,"3,1195":1144,"3,1196":1145,"3,1197":1146,"3,1198":1147,"3,1199":1148,"3,1200":1149,"3,1201":1150,"3,1202":1151,"3,1203":1152,"3,1204":1153,"3,1205":1154,"3,1206":1155,"3,1207":1156,"3,1209":1157,"3,1210":1158,"3,1211":1159,"3,1212":1160,"3,1213":1161,"3,1214":1162,"3,1215":1163,"3,1216":1164,"3,1217":1165,"3,1218":1166,"3,1219":1167,"3,1220":1168,"3,1221":1169,"3,1222":1170,"3,1223":1171,"3,1224":1172,"3,1225":1173,"3,1226":1174,"3,1227":1175,"3,1228":1176,"3,1229":1177,"3,1230":1178,"3,1231":1179,"3,1232":1180,"3,1233":1181,"3,1234":1182,"3,1235":1183,"3,1237":1184,"3,1238":1185,"3,1239":1186,"3,1240":1187,"3,1241":1188,"3,1242":1189,"3,1243":1190,"3,1244":1191,"3,1245":1192,"3,1246":1193,"3,1247":1194,"3,1248":1195,"3,1249":1196,"3,1250":1197,"3,1251":1198,"3,1252":1199,"3,1253":1200,"3,1254":1201,"3,1255":1202,"3,1256":1203,"3,1257":1204,"3,1258":1205,"3,1259":1206,"3,1260":1207,"3,1261":1208,"3,1262":1209,"3,1263":1210,"3,1265":1211,"3,1266":1212,"3,1267":1213,"3,1268":1214,"3,1269":1215,"3,1270":1216,"3,1271":1217,"3,1272":1218,"3,1273":1219,"3,1274":1220,"3,1275":1221,"3,1276":1222,"3,1277":1223,"3,1278":1224,"3,1279":1225,"3,1280":1226,"3,1281":1227,"3,1282":1228,"3,1283":1229,"3,1284":1230,"3,1285":1231,"3,1286":1232,"3,1287":1233,"3,1288":1234,"3,1289":1235,"3,1290":1236,"3,1291":1237,"3,1292":1238,"3,1293":1239,"3,1294":1240,"3,1295":1241,"3,1296":1242,"3,1297":1243,"3,1298":1244,"3,1299":1245,"3,1300":1246,"3,1301":1247,"3,1302":1248,"3,1303":1249,"3,1304":1250,"3,1305":1251,"3,1306":1252,"3,1307":1253,"3,1308":1254,"3,1309":1255},"ٜ":{"1":[1,451],"2":[465,893],"3":[905,1309]},"ٝ":["1,1","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678","2,679","2,680","2,681","2,682","2,683","2,684","2,685","2,686","2,687","2,688","2,689","2,690","2,691","2,692","2,693","2,694","2,695","2,696","2,697","2,698","2,699","2,700","2,701","2,702","2,703","2,704","2,705","2,706","2,707","2,708","2,709","2,710","2,711","2,712","2,713","2,714","2,715","2,716","2,717","2,718","2,719","2,720","2,721","2,722","2,723","2,724","2,725","2,726","2,727","2,729","2,730","2,731","2,732","2,733","2,734","2,735","2,736","2,737","2,738","2,739","2,740","2,741","2,742","2,743","2,744","2,745","2,746","2,747","2,748","2,749","2,750","2,751","2,752","2,753","2,754","2,755","2,757","2,758","2,759","2,760","2,761","2,762","2,763","2,764","2,765","2,766","2,767","2,768","2,769","2,770","2,771","2,772","2,773","2,774","2,775","2,776","2,777","2,778","2,779","2,780","2,781","2,782","2,783","2,784","2,785","2,786","2,787","2,788","2,789","2,791","2,792","2,793","2,794","2,795","2,796","2,797","2,798","2,799","2,800","2,801","2,802","2,803","2,804","2,805","2,806","2,807","2,808","2,809","2,810","2,811","2,812","2,813","2,814","2,815","2,816","2,817","2,818","2,819","2,820","2,821","2,822","2,823","2,824","2,825","2,826","2,827","2,828","2,829","2,830","2,831","2,832","2,833","2,834","2,835","2,836","2,837","2,838","2,839","2,840","2,841","2,842","2,843","2,845","2,846","2,847","2,848","2,849","2,850","2,851","2,852","2,853","2,854","2,855","2,856","2,857","2,858","2,859","2,860","2,861","2,862","2,863","2,864","2,865","2,866","2,867","2,868","2,869","2,870","2,871","2,872","2,873","2,874","2,875","2,876","2,877","2,878","2,879","2,880","2,881","2,882","2,883","2,884","2,885","2,886","2,887","2,888","2,889","2,890","2,891","2,892","2,893","3,905","3,906","3,907","3,908","3,909","3,910","3,911","3,912","3,913","3,914","3,915","3,916","3,917","3,918","3,919","3,920","3,921","3,922","3,923","3,924","3,925","3,926","3,927","3,928","3,929","3,930","3,931","3,932","3,933","3,934","3,935","3,936","3,937","3,938","3,939","3,940","3,941","3,942","3,943","3,944","3,945","3,946","3,947","3,948","3,949","3,950","3,951","3,952","3,953","3,954","3,955","3,956","3,957","3,958","3,959","3,960","3,961","3,962","3,963","3,965","3,966","3,967","3,968","3,969","3,970","3,971","3,972","3,973","3,974","3,975","3,976","3,977","3,978","3,979","3,980","3,981","3,982","3,983","3,984","3,985","3,986","3,987","3,988","3,989","3,990","3,991","3,992","3,993","3,994","3,995","3,996","3,997","3,998","3,999","3,1000","3,1001","3,1002","3,1003","3,1004","3,1005","3,1006","3,1007","3,1008","3,1009","3,1010","3,1011","3,1012","3,1013","3,1014","3,1015","3,1016","3,1017","3,1018","3,1019","3,1020","3,1021","3,1022","3,1023","3,1024","3,1025","3,1026","3,1027","3,1028","3,1029","3,1030","3,1031","3,1033","3,1034","3,1035","3,1036","3,1037","3,1038","3,1039","3,1040","3,1041","3,1042","3,1043","3,1044","3,1045","3,1046","3,1047","3,1048","3,1049","3,1050","3,1051","3,1052","3,1053","3,1054","3,1055","3,1057","3,1058","3,1059","3,1060","3,1061","3,1062","3,1063","3,1064","3,1065","3,1066","3,1067","3,1068","3,1069","3,1070","3,1071","3,1072","3,1073","3,1074","3,1075","3,1076","3,1077","3,1078","3,1079","3,1080","3,1081","3,1082","3,1083","3,1084","3,1085","3,1086","3,1087","3,1088","3,1089","3,1090","3,1091","3,1092","3,1093","3,1094","3,1095","3,1096","3,1097","3,1098","3,1099","3,1100","3,1101","3,1102","3,1103","3,1104","3,1105","3,1106","3,1107","3,1108","3,1109","3,1110","3,1111","3,1112","3,1113","3,1114","3,1115","3,1116","3,1117","3,1118","3,1119","3,1120","3,1121","3,1122","3,1123","3,1124","3,1125","3,1126","3,1127","3,1128","3,1129","3,1130","3,1131","3,1132","3,1133","3,1134","3,1135","3,1136","3,1137","3,1138","3,1139","3,1140","3,1141","3,1142","3,1143","3,1145","3,1146","3,1147","3,1148","3,1149","3,1150","3,1151","3,1152","3,1153","3,1155","3,1156","3,1157","3,1158","3,1159","3,1160","3,1161","3,1162","3,1163","3,1164","3,1165","3,1166","3,1167","3,1168","3,1169","3,1170","3,1171","3,1172","3,1173","3,1174","3,1175","3,1176","3,1177","3,1178","3,1179","3,1180","3,1181","3,1182","3,1183","3,1184","3,1185","3,1186","3,1187","3,1188","3,1189","3,1190","3,1191","3,1192","3,1193","3,1194","3,1195","3,1196","3,1197","3,1198","3,1199","3,1200","3,1201","3,1202","3,1203","3,1204","3,1205","3,1206","3,1207","3,1209","3,1210","3,1211","3,1212","3,1213","3,1214","3,1215","3,1216","3,1217","3,1218","3,1219","3,1220","3,1221","3,1222","3,1223","3,1224","3,1225","3,1226","3,1227","3,1228","3,1229","3,1230","3,1231","3,1232","3,1233","3,1234","3,1235","3,1237","3,1238","3,1239","3,1240","3,1241","3,1242","3,1243","3,1244","3,1245","3,1246","3,1247","3,1248","3,1249","3,1250","3,1251","3,1252","3,1253","3,1254","3,1255","3,1256","3,1257","3,1258","3,1259","3,1260","3,1261","3,1262","3,1263","3,1265","3,1266","3,1267","3,1268","3,1269","3,1270","3,1271","3,1272","3,1273","3,1274","3,1275","3,1276","3,1277","3,1278","3,1279","3,1280","3,1281","3,1282","3,1283","3,1284","3,1285","3,1286","3,1287","3,1288","3,1289","3,1290","3,1291","3,1292","3,1293","3,1294","3,1295","3,1296","3,1297","3,1298","3,1299","3,1300","3,1301","3,1302","3,1303","3,1304","3,1305","3,1306","3,1307","3,1308","3,1309"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"5":[3],"9":[4,5],"11":[6,7],"13":[8],"14":[9],"19":[10],"21":[11],"27":[12],"28":[13,14],"31":[15,16],"34":[17],"36":[18],"37":[19],"44":[20],"45":[21,22],"47":[23,24],"48":[25,26,27],"49":[28],"50":[29],"51":[30,31],"52":[32,33,34],"53":[35,36,37],"54":[38,39],"56":[40,41,42,43],"57":[44,45],"58":[46,47,48],"59":[49,50,51],"60":[52],"61":[53,54],"62":[55],"64":[56],"66":[57],"67":[58,59,60],"68":[61,62,63,64,65],"69":[66,67,68],"70":[69,70],"71":[71,72],"73":[73,74],"74":[75],"75":[76,77,78],"76":[79],"78":[80,81],"79":[82],"80":[83,84],"82":[85],"83":[86,87,88,89],"85":[90],"86":[91,92],"87":[93],"88":[94],"89":[95,96],"90":[97,98,99],"91":[100,101,102],"93":[103,104],"97":[105,106],"99":[107],"100":[108],"101":[109,110],"102":[111,112],"103":[113],"104":[114,115],"106":[116],"107":[117],"108":[118,119],"109":[120,121],"110":[122,123],"111":[124],"112":[125,126,127],"113":[128,129],"114":[130,131],"115":[132],"116":[133],"117":[134,135],"118":[136,137],"119":[138,139,140],"120":[141],"121":[142,143,144,145,146],"122":[147,148,149],"123":[150,151,152],"124":[153,154],"125":[155,156,157,158,159,160],"126":[161,162],"127":[163,164],"128":[165,166],"129":[167,168,169],"130":[170],"131":[171,172,173],"133":[174,175],"134":[176],"135":[177,178,179,180],"136":[181,182,183],"137":[184,185],"139":[186,187],"140":[188,189],"142":[190],"143":[191,192,193],"144":[194,195,196,197],"145":[198],"146":[199],"147":[200],"148":[201,202],"149":[203],"150":[204,205,206],"151":[207],"152":[208,209,210],"154":[211,212],"155":[213,214],"156":[215,216],"158":[217,218],"160":[219,220],"161":[221,222,223],"162":[224,225,226,227],"163":[228,229,230,231,232],"164":[233,234,235],"167":[236],"168":[237,238],"169":[239,240],"170":[241,242],"171":[243,244,245,246],"172":[247,248,249,250],"173":[251,252],"174":[253,254],"175":[255,256,257,258],"176":[259],"177":[260],"178":[261,262,263],"179":[264,265,266],"180":[267,268],"181":[269,270],"182":[271,272,273,274],"183":[275,276,277,278],"184":[279,280,281],"185":[282,283],"186":[284],"188":[285],"189":[286],"192":[287,288],"193":[289],"194":[290],"195":[291,292,293],"196":[294,295,296,297],"197":[298],"198":[299,300,301],"199":[302,303],"200":[304,305,306],"201":[307,308,309],"202":[310,311,312],"203":[313],"204":[314],"205":[315,316],"208":[317,318],"209":[319,320],"210":[321],"211":[322,323,324],"212":[325],"213":[326,327],"214":[328,329,330],"215":[331,332],"216":[333,334],"217":[335],"218":[336,337],"219":[338,339,340],"220":[341,342],"221":[343,344,345],"222":[346,347,348,349],"223":[350,351,352],"224":[353,354,355],"225":[356,357,358,359],"226":[360,361,362],"227":[363,364,365],"228":[366],"230":[367,368],"232":[369,370],"234":[371,372],"235":[373,374],"236":[375],"237":[376],"238":[377,378],"239":[379,380],"240":[381,382,383],"242":[384],"243":[385,386,387],"245":[388],"246":[389],"247":[390],"248":[391,392,393],"249":[394,395,396],"250":[397,398,399,400],"251":[401],"252":[402,403],"253":[404],"254":[405],"255":[406,407,408],"256":[409,410],"257":[411],"258":[412,413],"259":[414],"260":[415],"261":[416],"262":[417,418,419],"265":[420,421],"267":[422,423,424,425,426],"268":[427,428,429],"270":[430,431],"271":[432],"272":[433,434],"273":[435],"274":[436],"275":[437],"276":[438,439],"277":[440,441],"278":[442,443,444],"281":[445,446],"285":[447],"288":[448,449],"290":[450,451],"291":[452,453,454],"292":[455,456,457,458],"293":[459],"294":[460,461],"295":[462],"296":[463,464,465],"297":[466],"298":[467,468],"299":[469],"300":[470],"301":[471,472,473],"302":[474,475],"303":[476,477],"304":[478],"305":[479],"306":[480,481,482,483],"307":[484,485],"308":[486],"309":[487],"310":[488,489,490],"311":[491],"313":[492],"315":[493,494],"316":[495,496],"317":[497,498],"318":[499,500],"319":[501],"320":[502,503,504],"321":[505],"322":[506,507],"323":[508],"324":[509,510],"325":[511,512,513],"326":[514,515],"327":[516,517,518],"328":[519],"329":[520],"330":[521,522,523],"331":[524],"332":[525,526],"334":[527,528],"336":[529],"337":[530,531,532,533],"338":[534,535,536],"339":[537],"341":[538,539,540],"342":[541,542,543],"343":[544,545,546],"344":[547],"345":[548],"346":[549],"347":[550],"349":[551,552],"351":[553,554],"352":[555,556],"355":[557,558,559],"357":[560,561,562],"359":[563,564],"360":[565,566],"361":[567],"362":[568,569],"363":[570],"364":[571,572],"365":[573,574,575],"366":[576,577],"367":[578,579],"368":[580,581],"369":[582],"370":[583,584,585,586],"371":[587,588],"373":[589],"374":[590],"375":[591],"378":[592,593],"379":[594,595],"380":[596,597],"381":[598],"382":[599,600],"383":[601,602],"384":[603,604],"385":[605],"386":[606,607,608],"387":[609],"388":[610,611],"389":[612,613],"390":[614],"391":[615],"392":[616,617],"394":[618],"396":[619,620],"397":[621,622],"398":[623],"403":[624],"405":[625],"406":[626,627,628],"407":[629,630,631,632],"408":[633,634],"409":[635,636],"410":[637,638],"411":[639,640],"412":[641],"413":[642],"414":[643,644,645],"415":[646,647,648],"419":[649],"420":[650],"424":[651],"425":[652,653],"430":[654],"432":[655],"433":[656],"434":[657,658],"438":[659,660],"439":[661,662,663,664],"440":[665,666],"441":[667,668],"442":[669,670],"443":[671,672],"445":[673,674,675],"446":[676,677],"448":[678],"449":[679],"450":[680],"451":[681],"453":[682,683,684],"454":[685,686,687],"455":[688,689,690],"456":[691],"457":[692,693,694,695],"458":[696],"459":[697,698],"460":[699,700,701],"461":[702],"462":[703,704],"463":[705],"464":[706,707],"469":[708],"470":[709,710],"471":[711,712,713],"474":[714],"475":[715,716],"476":[717],"479":[718],"480":[719,720],"481":[721,722,723],"482":[724],"483":[725],"484":[726,727],"485":[728,729,730,731],"487":[732,733],"491":[734],"494":[735],"495":[736],"497":[737],"498":[738],"499":[739,740],"502":[741],"503":[742],"504":[743],"505":[744],"506":[745],"507":[746],"508":[747,748,749],"509":[750,751,752,753],"510":[754],"511":[755],"512":[756,757],"513":[758],"514":[759],"516":[760],"519":[761,762],"520":[763],"521":[764],"522":[765],"523":[766],"524":[767],"525":[768,769],"526":[770,771,772,773],"527":[774],"528":[775,776,777],"529":[778],"531":[779,780],"532":[781,782,783],"533":[784],"534":[785,786],"535":[787,788,789],"537":[790,791,792,793],"539":[794],"541":[795],"543":[796],"544":[797,798,799,800],"545":[801,802,803],"546":[804],"549":[805,806],"550":[807,808],"552":[809,810,811],"553":[812],"554":[813,814],"556":[815],"557":[816,817],"558":[818],"559":[819,820],"560":[821],"561":[822],"562":[823,824,825],"563":[826],"566":[827,828],"568":[829,830],"569":[831],"570":[832],"573":[833,834],"574":[835],"577":[836],"578":[837],"579":[838],"581":[839,840,841],"582":[842],"583":[843,844],"587":[845,846,847],"588":[848],"589":[849,850],"590":[851],"591":[852,853,854],"592":[855],"593":[856,857],"594":[858,859],"595":[860,861,862],"596":[863,864],"597":[865],"598":[866,867],"600":[868,869,870],"602":[871],"605":[872],"607":[873,874],"608":[875,876],"610":[877,878],"611":[879,880],"613":[881,882],"617":[883,884],"618":[885,886],"619":[887],"620":[888],"621":[889],"622":[890,891],"624":[892,893],"626":[894,895,896],"627":[897],"628":[898,899,900],"629":[901],"630":[902],"631":[903,904,905],"632":[906],"636":[907],"637":[908],"640":[909],"642":[910,911,912],"645":[913],"646":[914],"647":[915,916],"648":[917,918],"649":[919,920],"652":[921,922,923],"653":[924,925],"655":[926],"662":[927],"664":[928,929],"665":[930,931],"666":[932,933,934],"667":[935,936],"672":[937,938],"676":[939,940],"677":[941],"678":[942],"679":[943],"680":[944],"681":[945],"683":[946],"684":[947],"685":[948],"686":[949,950,951],"688":[952,953],"690":[954],"691":[955,956],"692":[957],"693":[958,959],"694":[960,961],"695":[962,963],"697":[964,965],"701":[966,967,968],"703":[969,970],"704":[971,972,973],"705":[974,975,976],"706":[977,978],"707":[979,980,981,982],"708":[983,984,985,986],"709":[987],"710":[988,989,990,991],"712":[992,993,994],"724":[995,996],"726":[997],"727":[998,999],"729":[1000],"731":[1001],"732":[1002],"733":[1003],"734":[1004,1005,1006],"735":[1007,1008],"737":[1009,1010],"738":[1011],"740":[1012,1013],"741":[1014],"742":[1015],"743":[1016,1017,1018,1019],"744":[1020],"745":[1021],"747":[1022,1023],"748":[1024,1025,1026,1027,1028],"750":[1029,1030],"751":[1031],"752":[1032,1033,1034],"753":[1035,1036,1037],"754":[1038,1039],"755":[1040,1041],"756":[1042,1043,1044],"757":[1045,1046],"758":[1047],"764":[1048],"765":[1049,1050],"766":[1051],"767":[1052],"768":[1053,1054,1055],"769":[1056],"770":[1057],"771":[1058],"774":[1059,1060],"776":[1061],"777":[1062],"778":[1063,1064,1065,1066,1067],"779":[1068],"780":[1069,1070,1071],"783":[1072,1073],"785":[1074,1075],"786":[1076,1077,1078],"787":[1079],"788":[1080,1081],"789":[1082,1083,1084],"790":[1085,1086,1087,1088],"792":[1089],"794":[1090],"798":[1091,1092,1093],"799":[1094,1095],"800":[1096],"802":[1097,1098],"804":[1099],"805":[1100],"806":[1101,1102,1103],"807":[1104,1105],"808":[1106],"809":[1107],"810":[1108,1109],"819":[1110,1111],"820":[1112],"821":[1113],"823":[1114],"828":[1115],"830":[1116],"831":[1117],"832":[1118,1119],"834":[1120],"841":[1121],"842":[1122,1123],"843":[1124,1125],"844":[1126],"846":[1127],"847":[1128,1129],"848":[1130],"850":[1131,1132],"851":[1133],"856":[1134],"859":[1135,1136],"865":[1137,1138,1139],"866":[1140],"885":[1141,1142],"889":[1143],"890":[1144],"903":[1145,1146],"904":[1147],"914":[1148,1149,1150],"915":[1151,1152],"916":[1153],"917":[1154],"918":[1155,1156],"921":[1157,1158,1159],"922":[1160,1161],"923":[1162],"924":[1163,1164,1165],"925":[1166,1167],"926":[1168],"927":[1169],"928":[1170],"930":[1171,1172,1173],"931":[1174],"932":[1175,1176],"933":[1177],"934":[1178,1179],"935":[1180,1181],"936":[1182,1183,1184,1185],"937":[1186,1187,1188],"939":[1189,1190,1191],"940":[1192,1193],"941":[1194],"942":[1195],"943":[1196,1197],"944":[1198],"945":[1199],"946":[1200],"947":[1201],"948":[1202],"949":[1203],"954":[1204,1205],"956":[1206],"957":[1207],"958":[1208],"960":[1209,1210],"961":[1211],"963":[1212,1213],"964":[1214,1215],"965":[1216],"966":[1217],"967":[1218],"969":[1219],"970":[1220],"972":[1221,1222,1223],"976":[1224],"978":[1225],"979":[1226,1227],"981":[1228],"982":[1229,1230],"985":[1231,1232],"988":[1233,1234],"992":[1235],"994":[1236],"996":[1237],"999":[1238,1239],"1000":[1240,1241],"1001":[1242],"1005":[1243],"1008":[1244,1245],"1019":[1246,1247],"1021":[1248],"1022":[1249],"1024":[1250],"1026":[1251],"1027":[1252],"1029":[1253],"1030":[1254,1255],"1031":[1256],"1032":[1257,1258],"1035":[1259],"1038":[1260],"1040":[1261,1262],"1041":[1263,1264],"1048":[1265],"1049":[1266],"1050":[1267],"1056":[1268,1269],"1063":[1270,1271],"1064":[1272],"1066":[1273,1274],"1068":[1275],"1070":[1276],"1072":[1277],"1074":[1278,1279],"1075":[1280,1281],"1077":[1282,1283,1284,1285],"1078":[1286],"1082":[1287,1288],"1084":[1289,1290],"1088":[1291,1292,1293],"1089":[1294],"1090":[1295,1296],"1092":[1297],"1095":[1298,1299],"1098":[1300],"1100":[1301],"1101":[1302,1303],"1102":[1304,1305],"1103":[1306],"1104":[1307,1308],"1106":[1309,1310],"1111":[1311],"1115":[1312],"1119":[1313],"1122":[1314,1315],"1124":[1316],"1126":[1317,1318],"1128":[1319,1320,1321],"1129":[1322,1323],"1130":[1324],"1131":[1325,1326],"1132":[1327,1328],"1133":[1329],"1135":[1330,1331],"1136":[1332,1333,1334],"1137":[1335],"1138":[1336],"1139":[1337],"1140":[1338,1339],"1141":[1340],"1142":[1341],"1143":[1342,1343,1344],"1145":[1345],"1146":[1346,1347],"1147":[1348],"1148":[1349,1350],"1149":[1351,1352,1353],"1151":[1354,1355],"1153":[1356,1357],"1154":[1358,1359,1360],"1155":[1361],"1156":[1362],"1157":[1363,1364],"1159":[1365,1366],"1160":[1367],"1162":[1368],"1163":[1369,1370,1371],"1164":[1372,1373],"1165":[1374],"1166":[1375],"1167":[1376],"1168":[1377,1378],"1169":[1379],"1171":[1380,1381],"1172":[1382,1383,1384],"1174":[1385],"1175":[1386],"1176":[1387],"1178":[1388],"1180":[1389],"1181":[1390,1391],"1182":[1392,1393,1394],"1184":[1395,1396],"1185":[1397,1398],"1186":[1399,1400,1401],"1191":[1402],"1193":[1403],"1195":[1404],"1196":[1405,1406,1407],"1197":[1408,1409],"1206":[1410],"1207":[1411,1412],"1208":[1413],"1211":[1414,1415],"1212":[1416],"1213":[1417],"1214":[1418,1419,1420],"1216":[1421],"1217":[1422],"1219":[1423,1424],"1220":[1425],"1221":[1426],"1222":[1427,1428],"1224":[1429,1430,1431],"1225":[1432,1433],"1226":[1434],"1227":[1435,1436],"1228":[1437,1438],"1229":[1439],"1230":[1440],"1231":[1441,1442],"1233":[1443],"1234":[1444,1445],"1235":[1446],"1241":[1447],"1242":[1448],"1244":[1449]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36,37,38,39,40,41,42,43],"numbers":{"1":51,"2":93,"3":143,"4":152,"5":178,"6":195,"7":218,"8":230,"9":243,"10":265,"11":288,"12":298,"13":315,"14":326,"15":349,"16":388,"17":411,"18":438,"19":519,"20":562,"21":573,"22":581,"23":598,"24":624,"25":652,"26":672,"27":697,"28":724,"29":757,"30":783,"31":810,"32":859,"33":885,"34":903,"35":918,"36":954,"37":985,"38":1008,"39":1056,"40":1074,"41":1095,"42":1104,"43":1126,"44":1148,"45":1157,"46":1171,"47":1184,"48":1196,"49":1211,"50":1227},"number_max":50,"number_pages":{"51":1,"93":2,"143":3,"152":4,"178":5,"195":6,"218":7,"230":8,"243":9,"265":10,"288":11,"298":12,"315":13,"326":14,"349":15,"388":16,"411":17,"438":18,"519":19,"562":20,"573":21,"581":22,"598":23,"624":24,"652":25,"672":26,"697":27,"724":28,"757":29,"783":30,"810":31,"859":32,"885":33,"903":34,"918":35,"954":36,"985":37,"1008":38,"1056":39,"1074":40,"1095":41,"1104":42,"1126":43,"1148":44,"1157":45,"1171":46,"1184":47,"1196":48,"1211":49,"1227":50}},"pages":[{"text":"جامع العلوم والحكم\nفي\nشرح خمسين حديثا من جوامع الكلم\n\nتأليف\nزين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين بن أحمد بن رجب\nالحنبلي البغدادي\nمن علماء القرن الثامن الهجري\nالمتوفى سنة ٧٩٥ هـ\n(١ - ٣)\n\nالمحقق\nالدكتور محمد الأحمدي أبو النور\nمدير الأوقاف وشئون الأزهر سابقا\n\nدار السلام\nللطباعة والنشر والتوزيع والترجمة","vol":"1","page":1},{"text":"بِسمِ الله الرَّحمنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type='title' id=toc-2>مُقَدِمَة الطَبعَتَين: الأولى والثَانية </span>(^١)\nابنْ رَجَب المُحَدث\nوكتَابُ \"جَامِع العُلُوم وَالحِكَمِ\"\nهو زين الدين: عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن بن محمد بن مسعود السلامي البغدادي، الحنبلي، المشهور بابن رجب.\nولد ابن رجب عام ست وثلاثين وسبعمائة -ببغداد- وتفتحت براعمه في كنف دوحة علمية باسقة؛ فقد توارثت أسرته العلم، وتصدَّر آباؤه لحمله وأدائه، وتأثَّروا به في أنفسهم، ثم ترجموه عقيدة وسلوكا، وأثَّرُوا به في مجتمعهم، وتفاعلوا به مع الحياة.\n* * *\nكان جده: أحمد بن الحسن فقيهًا عالما له حلقة علمية ببغداد، يفد إليها طلاب العلم، ورُوَّاد المعرفة.\nوابن رجب نفسه يشهد بذلك فيقول:\n\"قرئ على جدي: أبي أحمد: رجب بن الحسن -غير مرة، ببغداد- وأنا حاضر في الثالثة والرابعة والخامسة\".\nأما أبوه: أحمد بن رجب فقد نشأ في هذه البيئة العلمية، قرأ بالروايات، وسمع من مشايخها، ورحل إلى دمشق -بأولاده- فأسمعهم بها وبالقدس، وجلس للإقراء بدمشق، وانتُفع به، وكان ذا خير ودين وعفاف، كما ذكر ذلك ابن حجر.\nوقد تلمذ لأبيه، وانتفع به، وكان أبوه حريصا على تزويده من مناهل العلم والمعرفة منذ نعومة أظفاره، فكان يصطحبه معه في السماع من الأشياخ، وممن سمع معه منهم: محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الخباز، وإبراهيم بن داود العطار.\n_________\n(^١) تتكامل الدراسة الخاصة عن المؤلف وكتابه -عدا ما هو مذكور بين يدي هذه الطبعة- ونرجو من الله عونه وسداده؛ لتكون في جزء مستقل بمشيئته سبحانه.","vol":"1","page":5},{"text":"ثم رحل معه إلى مصر، فسمع بها من صدر الدين: أبي الفتح الميدومي، وأبي الحرم: محمد بن القلانسي وغيرهما.\nورحل معه كذلك إلى مكة فسمع من الفخر: عثمان بن يوسف.\nوكما رافق أباه في حلقات العلم: رافق زين الدين العراقي -شيخ ابن حجر- أستاذ مدرسة تخريج الحديث في عصره. ثم لازم ابن القيم إلى أن مات عام ٧٩٥ هـ.\nووسط هذا الحقل العلمي الخصيب استحصد ابن رجب، واستوى على سوقه، وما لبث أن خرج إلى الحياة يؤدي دوره، ويسدد دَيْنَه، وينهض بمسئوليته نحو الدين والعلم والمجتمع، فكانت حلقاته العلمية، ووعظه السديد، وكانت مؤلفاته العديدة، وآثاره الخالدة، وكانت آراؤه الصائبة، وخلقه القويم!!.\nوابن رجب هو علم أسرته الذي رفع في محيط العلم ذكرها، وفرعها الباسق الذي خلَّد على مر العصور أثرها!!.\nولقد استطاع مع هذه الطائفة الجليلة من العلماء الذين تخرج بهم، وتفقه عليهم أن يستوعب مكتبة علمية حفيلة في علوم القرآن، والسنة، والتاريخ، والتصوف، والعقيدة، والفلسفة، والفقه، والأصول، والأدب.\nوظهر أثر ذلك كلِّه بيِّنا قويا في مؤلفاته.\nفهو عندما يؤلف كتابا يعمِد إلى ما قرأه من مؤلفات، ويأخذ ما يريد، أخذ العليم البصير. ولا تختفي شخصيته وراء ما يأخذ من نقول، وإنما تبرز قوية في التنسيق، والنقد، والمقارنة، والتحليل، والاستنباط، والرأي الشجاع، يجهر به دون مواربة.\nوكتابه: \"جامع العلوم والحكم\" خير مثال لما نقول؛ فهو يشرح فيه خمسين حديثًا من جوامع الكلم، ولكنه يحشِدُ في شرحه لكل حديث: ما يراه واجبَ الذكر من كل ما طوَّف به خلال رحلاته العلمية، أو قراءاته في المصادر المختلفة.\nوإذا شئنا أن نتحدث عن المصادر العلمية التي أخرج عنها كتابه هذا ورجع إليها في تأليفه لاستفاض بنا الحديث. وحسبنا أن نشير إلى طرف منها يبين لنا مدى اطلاع الرجل؛ سيما في الناحية الحديثية. محيلين إلى فهرس الكتب آخر الكتاب إن شاء الله.\nفمما سيرى القارئ نقولًا منه، أو اختصارا له، أو رجوعًا إليه بين ثنايا الكتاب:\n١ - الكتب الستة.","vol":"1","page":6},{"text":"٢ - مسانيد أحمد والطيالسي والبزار.\n٣ - المستدرك للحاكم.\n٤ - معاجم الطبراني الثلاثة.\n٥ - الزهد لابن المبارك.\n٦ - الورع للمروزي، والصلاة له.\n٧ - الحجة للمقدسي.\n٨ - غريب الحديث للخطابي، ومعالم السنن له.\n٩ - المواعظ لأبي عبيد، والطلاق له.\n١٠ - الشهاب في الحكم والآداب للقضاعي.\n١١ - الإيجاز وجوامع الكلم من السنن المأثورة لأبي بكر بن السني.\n١٢ - الورع لأسد بن موسي.\n١٣ - الأدب لحميد بن زنجويه.\n١٤ - المصنف لابن أبي شيبة.\n١٥ - مصنف عبد الرزاق.\n١٦ - القدر لأبي داود.\n١٧ - سنن الدارقطني.\n١٨ - السنن الكبرى للبيهقي والقدر له.\n١٩ - تفسير الطبري.\n٢٠ - الجامع للخلال.\n٢١ - المراسيل لأبي داود.\n٢٢ - المراسيل للقاسم بن مخيمرة.\n٢٣ - المراسيل لأبي المتوكل الناجي.\n٢٤ - \"الإخلاص والنية\" و\"الصمت\" لابن أبي الدنيا.\n٢٥ - الكامل لابن عدي.\n٢٦ - صحيح ابن حبان.","vol":"1","page":7},{"text":"٢٧ - التوحيد لابن منده.\n٢٨ - البعث لهشام بن عمار.\nإلى غير ذلك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-3>مؤلفات ابن رجب:</span>\nولابن رجب مؤلفات أخرى عدا \"جامع العلوم والحكم\" منها ما طبع، ومنها مالا يزال مخطوطًا.\nفمن المطبوع:\n١ - ذيل طبقات الحنابلة طبع الجزء الأول منه بدمشق سنة ١٣٧٠ = ١٩٥١. وطبع الأول والثاني بالقاهرة بعد ذلك.\n٢ - الاستخراج لأحكام الخراج طبع بمصر بالمطبعة الإسلامية بالأزهر سنة ١٣٥٢ = ١٩٣٤. وطبع دار الكتب العلمية بيروت ١٤٠٥ - ١٩٨٥ وطبع مكتبة الرشد بالرياض بتحقيق الأستاذ جندي محمود الهيتي - الطبعة الأولى ١٤٠٩ = ١٩٨٩.\n٣ - تحقيق كلمة الإخلاص طبع بمصر سنة ١٣٦٩ وبدمشق ١٣٩٠ هـ = ١٩٦١ م.\n٤ - نور الاقتباس في مشكاة النبي -ﷺ- لابن عباس، طبع بمصر سنة ١٣٦٥ = ١٩٤٦.\n٥ - كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة طبع بمصر عام ١٤٠٢ هـ ١٩٨٢ م بتحقيق السيد / محمد أحمد عبد العزيز - المكتبة القيمة بالقاهرة، وعام ١٤٠٤ بتحقيق الدكتور أسامة محمد عبد العظيم حمزة - دار الفتح - بالقاهرة - وكان قد طبع بمصر بمطبعة المنار ١٣٤٠ هـ وبالمنيرية ١٣٥١ هـ.\n٦ - القواعد الفقهية طبع بمصر ١٣٥٢ هـ.\n٧ - مكفرات الذنوب ودرجات الثواب ودعوات الخير - نشر مكتبة التراث الإسلامي بجوار الأزهر وطبع مطبعة التقدم بالمنيرة - القاهرة - الطبعة الأولى سنة ١٤٠٢ هـ.\n٨ - التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار - تحقيق الدكتور / محمد جميل غازي طبع مطبعة المدني بالعباسية - القاهرة ١٤٠١ هـ وبتحقيق الدكتور الجميلي - بيروت.\n٩ - الخشوع في الصلاة تحقيق السيد / حسين إسماعيل حسين / الطبعة الخامسة نشر المكتبة القيمة للطباعة والنشر والتوزيع بالقاهرة سنة ١٤٠٧ هـ، ١٩٨٧ م.","vol":"1","page":8},{"text":"١٠ - لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف طبع ونشر دار الجيل بيروت لبنان سنة ١٣٤١ هـ وطبع دار ابن كثير بدمشق ١٤١٣ هـ - ١٩٩٢ م بتحقيق الأستاذ ياسين محمد السواس.\n١١ - تفسير سورة النصر تحقيق الدكتور / حسن ضياء الدين عتر طبع: دار البشائر الإسلامية - بيروت لبنان - الطبعة الثانية سنة ١٤٠٧ هـ، سنة ١٩٨٦ م وكان قد طبع بلاهور ١٣٣٩ هـ.\n١٢ - بغية الإنسان في وظائف رمضان تحقيق الأستاذ / زهير الشاويش نشر المكتب الإسلامي. دمشق وبيروت الطبعة الثانية ١٣٩٨ هـ.\n١٣ - اختيار الأولى. شرح حديث اختصام الملأ الأعلى تحقيق وتخريج الأستاذ / حسين الجمل - نشر مؤسسة الكتب الثقافية بيروت - لبنان - الطبعة الأولى ١٤٠٧ هـ - ١٩٨٧ م.\n١٤ - الفرق بين النصيحة والتعبير. تحقيق السيد / نجم عبد الرحمن خلف - نشر المكتبة القيمة بالقاهرة سنة ١٣٩٩ هـ.\n١٥ - شرح علل الترمذي:\nأ - تحقيق السيد / صبحي جاسم الحميدي - مطبعة العاني ببغداد - عام ١٣٩٦ هـ نشر وزارة الأوقاف بالجمهورية العراقية.\nب - بتحقيق ودراسة الأستاذ / الدكتور همام عبد الرحيم سعيد - نشر مكتبة المنار - الأردن - الزرقاء.\n١٦ - شرح حديث: \"ما ذئبان جائعان\". تحقيق وتعليق الدكتور / أسامة محمد عبد العظيم حمزة - دار الفتح بالقاهرة - سنة ١٤٠٤ هـ، سنة ١٩٨٤ م - وقد طبع في لاهور سنة ١٣٢٠ هـ. وفي مصر مع جامع بيان العلم وفضله بالمطبعة المنيرية.\n١٧ - \"أهوال القبور وأحوال أهلها إلى النشور\" طبع في أم القرى بمكة المكرمة ١٣٥٧ هـ.\n١٨ - مورد الظمآن إلى معرفة فضائل القرآن بتحقيق الأستاذ يسري عبد الغني البشري، نشر مكتبة القرآن بالقاهرة ١٩٩٠ م.\nومن المخطوط:\n١ - فتح الباري بشرح صحيح البخاري وصل فيه إلى كتاب الجنائز، مخطوط بدار","vol":"1","page":9},{"text":"الكتب المصرية ٣٨٩ حديث تيمور (^١)، وقطعة منه في المكتبة الظاهرية بدمشق ٣٧٧ من ٥٠ - ٢٥٠. (^٢).\n٢ - شرح جامع الترمذي (^٣) وتوجد منه قطعة تقع في عشر ورقات بالظاهرية.\n٣ - تسلية نفوس النساء والرجال عند فقد الأطفال (^٤).\n٤ - شرح حديث: \"إن أغبط أوليائي عندي … \".\n٥ - شرح حديث: \"يتبع الميت ثلاث\".\n٦ - صدقة السر وفضلها.\n٧ - مختصر فيما روي عن أهل المعرفة والحقائق في معاملة الظالم والسارق.\n٨ - ذم الخمر وشاربها وهي كلها في مكتبة الفاتح باستنبول رقم ٥٣١٨.\n٩ - نزهة الأسماع في مسألة السماع مخطوط بدار الكتب المصرية (^٥).\n١٠ - \"ذم قسوة القلب\" - شهيد علي باستنبول رقم ٥٤٣. (^٦).\n١١ - \"وقعة بدر\".\n١٢ - \"الكشف والبيان عن حقيقة النذور والأيمان\".\n١٣ - شرح حديث: \"من سلك طريقا يلتمس فيه علما\".\nوالظاهرة الواضحة في آثاره هي العناية بالجانب الحديثي وما يتصل به من علوم والناظر في كتبه يلمس صدق ما قاله فيه ابن حجر:\n\"وقد مهر في فنون الحديث: أسماء ورجالًا، وعللًا وطرقًا، واطلاعًا على معانيه\".\nفهو في كتبه التاريخية كذيل طبقات الحنابلة لا ينسى أن يعطي القارئ صورة عن مدى صلة المترجم بالحديث وعلومه؛ فتارة يروي ما وقع له عاليًا من طريق المترجم.\n_________\n(^١) كما ذكر الدكتور همام عبد الرحيم سعيد في دراسته لآثار ابن رجب راجع تحقيقه لشرح علل الترمذي ١/ ٢٦٦. وقد طبع أخيرًا طبعتين محققتين.\n(^٢) كما ذكر السيد صبحي جاسم الحميد في مقدمة تحقيقه ودراسته لشرح العلل الترمذي ص ٧.\n(^٣) كما ذكر ابن رجب في شرحه لحديث \"ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه\" ص ٥،٦ فقد خرج الحديث وذكر طرقه، ورواته من الصحابة ثم قال: وقد ذكرتها كلها والكلام عليها في كتاب شرح الترمذي … إلخ، وأورد ذلك عنه المباركفوري في مقدمته لتحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي ص ١٨٦.\n(^٤) كما ذكر ذلك الدكتور همام في الموضع الآنف.\n(^٥) وقد طبع أخيرًا بالرياض بتحقيق أم عبد الله بنت محروس العسيلي.\n(^٦) راجع شرح علل الترمذي بتحقيق الأستاذ الدكتور همام عبد الرحيم سعيد في هذا وفيما قبله.","vol":"1","page":10},{"text":"كما روى حديث أبي هريرة: \"الدُّنْيَا سِجْنُ المُؤْمن وجَنَّةُ الكَافِرِ\" (^١) في ترجمة أبي علي البناء ١/ ٤٥.\nوتارة ينقل آراء المترجَم في تفضيل بعض كتب السنة على بعض كما ذكر في ترجمة عبد الله الأنصاري رأيه في تفضيل الترمذي على الصحيحين حيث قال:\n\"إن كتاب البخاري ومسلم لا يصل إلى الفائدة منهما إلا من يكون من أهل المعرفة التامة، وهذا كتاب قد شرح أحاديثه وبينها وفصلها، فيصل إلى فائدته كل أحد من الناس: الفقهاء، والمحدثين، وغيرهم\".\n* * *\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه ٥٣ - كتاب الزهد والرقاق ٤/ ٢٢٧٢ ح ١ - (٢٩٥٦).\nوأحمد في المسند ٢/ ٣٢٣، ٣٨٩، ٤٨٥.\nوالترمذي في جامعه: ٣٧ - كتاب الزهد: ١٦ - باب ما جاء أن الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ٤/ ٥٦٢ ح ٢٣٢٤ وعقب عليه بقوله: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو، وهذا حديث حسن صحيح.\nوابن ماجه في السنن: ٣٧ - كتاب الزهد: ٣ - باب مثل الدنيا ٢/ ١٣٧٨ ح ٤١١٣.\nوالبغوي في شرح السنة ١٤/ ٢٩٧ ح ٤١٠٥.\nوابن حبان في صحيحه ٢/ ٣٨ ح ٦٨٦، ٦٨٧ وعنون للأول بقوله: ذكر البيان بأن الله جل وعلا جعل الدنيا سجنًا لمن أطاعه، ومخرقًا لمن عصاه.\nوعنون للثاني بقوله: ذكر البيان بأن الدنيا إنما جعلت سجنًا للمسلمين ليستوفوا بترك ما يشتهون في الدنيا من الجنان في العقبى.\nكلهم من حديث أبي هريرة.\nوانظر المجمع ١٠/ ٢٨٨ - ٢٨٩.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>منْهج ابْن رَجَبْ في \"جَامِع العُلوُمِ وَالحِكَمِ\"</span>\nقدم ابن رجب لكتابه فتحدث عن معنى جوامع الكلم، والعنوان الذي وضعه لكتابه، ومن ألف في جوامع الكلم، ثم تحدث عن تدرج عدة الأحاديث الجامعة في كتابه هذا منذ الخطابي .. إلى النووي .. إلى أن أتمها ابن رجب خمسين حديثًا. ثم تحدث عن منهجه في الكتاب، فقال:\n\"قد أعلمتك أنه ليس غرضي في غير شرح معاني كلمات النبي -ﷺ- الجوامع، وما تتضمنه من الآداب والحكم والمعارف والأحكام والشرائع، وأشير إشارة لطيفة قبل الكلام في شرح الحديث إلى إسناده، ليُعلَمَ بذلك صحته وقوته وضعفه، وأذكر بعض ما روي في معناه من الأحاديث إن كان في ذلك الباب شيء غير الحديث الذي ذكره الشيخ (النووي) وإن لم يكن في الباب غيره، أو لم يكن يصح فيه غيره - نبهت على ذلك كله\".\nوقد وفى \"ابن رجب\" بما التزم به في المنهج إلى مدى بعيد، وفي ضوء ما سنحدث عنه، ولعل هذا يلقي لنا مزيدًا من الضوء على الجانب الحديثي عند الرجل.\nوسيرى القارئ مع كل حديث من الشرح والتوضيح، ومن النصوص والآثار، ما يدل على سعة اطلاعه، وغزارة مادته.\nهذا فضلا عما سيقف عليه من مصادر الأحاديث ودرجتها من الصحة أو الضعف، ودرجة رواتها من العدالة والضبط؛ حتي يكون على بينة من أمر دينه، ويسير في حياته على هدى وعلى بصيرة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-5>ملحوظات على ابن رجب:</span>\nومع هذا وذاك فإن القارئ للكتاب سوف يلحظ ملاحظ شتى، منها:\n١ - أنه سوف يحس أنه أمام ناصح أمين؛ يرى أن إبلاغ الحقيقة، ونشر العلم: أمانة دينية، ومسئولية كبرى؛ فهو يورد في شرح حديث النصيحة أن من النصيحة لله الإيمانَ بكتابه، وتدُّبرَ آياته، والدعاءَ إليه، وذبَّ تحريفِ الغالين، وطعنِ الملحدين عنه. ومن النصيحة لرسوله: إحياءَ سنته، واستنشارَ علومها ونشرها. ومن النصيحة لأئمة المسلمين: معاونَتَهُم على الحق، وطاعتَهُم فيه، وتذكيرَهم به، وتنبيهَهُم في رفق","vol":"1","page":12},{"text":"ولطف.\nومن النصيحة لعامة المسلمين: إرشادَهُم إلى مصالحهم، وتعليمَهُم أمورَ دينهم ودنياهم، وستْرَ عوراتهم، وسدَّ خلَّاتِهم، ونُصْرَتهم على أعدائهم، والذبَّ عنهم … إلخ.\nوما أحسَب إلا أن كتابه هذا تعبير عملي عن قيامه بواجب النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم.\n* * *\n٢ - ومن هذه الملاحظ أن غرض المؤلف من شرحه ليس مجرد إظهار العلم أو التعالم، إنما هو ابتغاء إصلاح العقيدة، وتقويم السلوك؛ فلا يلجأ في الوعظ إلى زخرف القول، ولا إلى أسلوب القُصَّاص، وإنما يعتمد على الحقائق الموضوعية، والنصوص الصحيحة، ويكامل بين جوانب الموضوع وعناصره، ويزيل ضبابَ الوهم والخرافة، ويسفِرُ عن وجه الحقيقة، ويربِطُ بين الدين والحياة.\n٣ - وابن رجب يورد في أواخر شروح الحديث طائفة مناسبة من أقوال عقلاء الصوفية، وحكماء الزهاد؛ تناسب مضمون الحديث. وتصل بصدقها وبلاغتها إلى أعماق النفوس.\n٤ - ويوفي موضوع الحديث، فإن كان في اللغة أفاض فيه، وإن كان في الفقه عقد مقارنة بين المذاهب، وإن كان متعلقًا بالطب أورد من أقوال أطباء عصره ما يوضح المعنى، ويكشف عن كنه الحديث.\n٥ - قد يقول: روى مسلم في صحيحه كذا .. ويسوق الحديث - فليس معنى هذا دائما أنه يلتزم إيراد الحديث بلفظه؛ بل قد يريد إيراده بمعناه، وسيتبين ذلك للقارئ من تعليقاتي على الأحاديث، ويكون معنى ذلك أن أصل الحديث عند مسلم.\n٦ - قد يقول كذلك: قال الخطابي: ثم يسوق قوله .. وليس معنى هذا أيضًا أنه يسوق قوله كما هو، بل قد يختصره، كما سيتبين ذلك في شرح حديث النصيحة.\n* * *","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type='title' id=toc-6>مَع ابْن رَجَبٍ في تخريج الحَدِيثِ</span>\nاستطاع ابن رجب أن يعطينا بين دفتي هذا الكتاب تراثا علميا ضخمًا، وثروة حديثية طائلة.\nولقد رأيناه في تخريج الحديث وما يتعلق ببيان درجته، وضبط رواته وعدالة نقلته، كالملاح الماهر يغوص في محيط المصنفات الحديثية، ويمخر عباب فن الجرح والتعديل، فيستخرج ما يتعلق بالحديث وإسناده من لآلئ ودرر حتى يقف بالقارئ عند مرفأ الحقيقة؛ حيث يستروح الوجدان برد الطمأنينة، ويستمتع العقل بثلج اليقين.\n* * *\nوابن رجب بما منحه الله من موهبة نادرة، وبما اكتسب من ثقافة حديثية واسعة يرتاد هذا المجال عن تمكن واقتدار.\nلكن هل أبرز ابن رجب في كتابه هذا كل ما لديه من خبرة ومن معرفة؟ ثم ما هو الطابع العام له في تخريج هذه الأحاديث الخمسين وما حشد معها من أحاديث وآثار؟\nوالجواب المنصف عن هذا لا يستبين إلا بالتحليل الدقيق لهذه الأمور التالية، وموقف ابن رجب منها:\n<span data-type='title' id=toc-7>١ - تتبع مصادر الحديث </span>لدى من أخرجه في مصنفه.\n٢ - عزو الحديث إلى هذه المصادر، ونسبته إلى راويه.\n٣ - النص عند كل حديث على درجته، ووقف القارئ على ضعفه أو قوته.\n\n١ - تتبع مصادر الحديث:\nفي هذه الناحية لم يعن ابن رجب بالنص على مصادر الحديث كلها، فهو عندما يورد حديثًا ما، ويقول مثلا: خرجه \"البخاري ومسلم\" أو أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، يكون مراده الإشارة إلى مصادر للحديث قد تكون هي المصادر الوحيدة، وقد لا تكون، حيث يُروَى الحديث في مصادر أخرى سواها.\nونستطيع أن نقول، إن ابن رجب لا يجهد نفسه في تخريج الحديث، وتتبع مصادره، أو لا يهتم بالنص على هذه المواضع، وحسبه أن يذكر بعض هذه المصادر، بالقدر الذي يطمئن القارئ إلى أن للحديث أصلا صحيحًا.\nونذكر على سبيل المثال: الحديثَ الذي أورده من رواية أبي موسى الأشعري رضي","vol":"1","page":14},{"text":"الله عنه عن النبي -ﷺ- من قوله: \"مَنْ قَاتَلَ لتَكُونَ كَلِمَةُ الله هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ في سَبِيل الله\".\nوهو حديث رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد وغيرهم. وقد أورده ابن رجب في شرحه للحديث الأول.\nومع هذا فقد اقتصر ابن رجب على ذكر الصحيحين كمصدرين للحديث.\nوعامة تخريج ابن رجب -هنا- على هذا النسق .. !\nولم أشأ أن أزيد في تخريج الحديث مصدرًا عما ذكر ابن رجب. ولقد كان ذلك ميسورًا في كثير من الأحاديث. غير أنني اكتفيت -فيما عدا ما دعت إليه الضرورة- بتحقيق وجود الحديث في المصدر الذي عزا إليه، وذلك بتتبع نطاق الحديث فيه حينا، واستقراء المرجع كله أحيانًا.!\nذلك أن ابن رجب لا يريح من يعمل معه، ولا يكفيه مؤنة البحث، فهو يكتفي بعزو الحديث إلى كتاب أو كتب من مصنفات الحديث، فيقول مثلا: \"في صحيح البخاري\" أو في \"مسند أحمد\" أو في \"معجم الطبراني\" حديث كذا.\nوتمام الفائدة من هذه الإشارة لا يكون إلا بتحديد الكتاب، والباب والجزء والصحيفة التي يوجد بها الحديث، وهل هو في المصدر الذي يشير إليه أو أنه ليس بهذا المصدر؟ وإذا كان بالمصدر المشار إليه فهل هو من رواية الصحابي الذي عزا إليه المؤلف أو من رواية غيره؟ وإذا كانت النسبة إلى المصدر والراوي صحيحة فهل ما نقله المؤلف بلفظه ومعناه أو بمعناه فقط؟\nوتحديد وجود الحديث في المصدر المشار إليه -بالمقارنة والملاحظة- هو ما يقفنا على وجه الحق في ذلك كله.\nومن هنا كان ذلك أمرا واجبا وجوب النص على درجة الحديث ذاتها! فقد يصحح هذا التحقيق خطأ وقع فيه مؤلف الكتاب أو ناسخه أو مؤلفه أو أولئك جميعًا كما حدث في هذا الكتاب:\nأخطأ ابن رجب في عزو حديث لصحيح مسلم بينما الحديث في صحيح ابن حبان! وقد تبين هذا من مراجعة صحيح ابن حبان وصحيح مسلم من جهة، ومن كلام ابن رجب نفسه عن الحديث في موطن آخر من جهة أخرى.\nوانظر في هذا ما أورده ابن رجب في الحديث الثاني وما علقنا به على هذه المسألة.","vol":"1","page":15},{"text":"وأخطأ ابن رجب في نسبة حديث لمسند أحمد من رواية العرباض بن سارية.\nوالحديث ليس في مسند أحمد من رواية العرباض، وإنما هو فيه من رواية النواس بن سمعان، وتأكد هذا برواية الترمذي، والنسائي وغيرهما للحديث وبمراجعة مسند أحمد في مسندي النواس والعرباض كليهما، كما بينا ذلك في موضعه.\nوأخطأ ابن رجب حين أدمج حديثين في حديث، ووصل بينهما بكلمة من عنده، واعتبرهما بهذه الإضافة حديثًا واحدًا مرويًّا عن النبي -ﷺ- في صحيح الحاكم!؟ والحاكم لم يروه حديثًا واحدًا، ولا روى هذه اللفظة المقحمة، وإنما رواهما حديثين بإسنادين مختلفين. راجع شرح الحديث الثاني من هذا الجزء، وما علقنا به على هذه المسألة.\nولقد توارد على هذه الأخطاء جميعها ناسخو الكتاب وناشروه من النسخة التي عرضت على المؤلف، وأقرها، وكتب بخطه عليها حتى الطبعة التي صدرت بتحقيق الشيخ أحمد شاكر ﵀.\nوقد اكتفيت بتحقيق المصادر التي نص عليها ابن رجب؛ لهذا، ولئلا أخرج بالكتاب عن الإطار الذي أراده له مؤلفه، ولا عن الحجم الذي أريد له في إخراجه.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>٢ - نسبة الحديث إلى راويه وإلى مصدره:</span>\nلم يكن لابن رجب في هذا منهج ملتزم، ولا سَنَن متبع؛ فهو تارة ينسب الحديث إلى راويه من الصحابة، وإلى من خرجه من المحدثين، وتارة يقتصر على ذكر الراوي فتط كقوله في هذا الجزء ص: (١٧٤ - ١٧٥).\n\"وفي حديث عبادة بن الصامت عن النبي -ﷺ- قال: أوَّل مَا خَلَقَ الله الْقَلَمَ، قَالَ لَهُ: اكْتُبْ فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ\".\nوهو حديث مذكور في كثير من المصادر كجامع الترمذي، وسنن أبي داود، ومسند الطيالسي.\nبيد أن ابن رجب لم يذكر من مصادر الحديث شيئًا.\nوقد لا يذكر الراوي ولا المرجع كقوله ص (١٨٩) من هذا الجزء:\nوأما المعاملات كالعقود .. فما كان منها تغييرًا للأوضاع الشرعية كجعل عقوبة الزنا عقوبة مالية وما أشبه ذلك فإنه مردود؛ ويدل لهذا أن النبي -ﷺ- قال للذي سأله: إن ابني كان عسيفًا على فلان فزنى بامرأته، فافتديت منه بمائة شاة وخادم فقال النبي -ﷺ-","vol":"1","page":16},{"text":"\"الْمائَة شَاةٍ وَالخْادِم رَدٌّ علَيكَ، وَعلَى ابْنِكَ مَائةُ جَلْدَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ\".\nوهو حديث متفق عليه من رواية أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني كما ذكرنا في موضعه، ولكن هكذا ساقه ابن رجب!!\nوإذا كان الحديث في الصورة التي يذكر فيها الراوي والمرجع محتاجا في تحقيقه إلى الجهد الكبير الذي أشرنا إليه، فكيف به في مثل هاتين الصورتين؟!\nوما أعتقد أن هذا أمر يمكن قبوله أو تحمله من محدث كابن رجب؛ مقتدر على البيان في موضع حاجتنا إليه، مستبحر في علم الحديث بنوعيه: الرواية والدراية!\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-9>٣ - النص على درجة الحديث:</span>\nفي هذه المسألة نجد لابن رجب موقفين:\nالأول: خاص بالأحاديث الرئيسة في الكتاب، وهي الخمسون.\nوالثاني: خاص بالأحاديث الفرعية، وهي ما عدا ذلك.\nفنحن نراه في النوع الأول لا يألو فيه جهدًا، ولا يخبأ فيه علما، ولا يستطرد إلى قول لا حاجة بالحديث إليه.\n* * *\nوإذا كان النووي يكتفي عقب كل حديث أورده بمثل قوله: \"أخرجه البخاري ومسلم\" أو \"أخرجه الترمذي\" فابن رجب لا يكتفي بما ذكره النووي، وإنما يتتبع طرق الحديث في المصنفات الحديثية الأخرى، ويورد صيغه عن هذه المصنفات برواية الصحابي الذي ذكره النووي، ثم براوية غيره من الصحابة إن كان للحديث روايات أخرى؛ لما في ذلك من الفوائد الجليلة.\nومثال ذلك ما صنع في الحديث الثاني الذي قال فيه النووي: \"رواه مسلم\" فقد ذكر ابن رجب عقب هذا أن مسلمًا تفرد به عن البخاري من طريق كهمس، عن عبد الله بن بريدة، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر .. ثم تتبع طرقه، ووجوهه الأخرى في صحيح مسلم، والبخاري وابن حبان، ومسند أحمد، ومستدرك الحاكم، ومسندى البزار، وابن مردويه، وسنن الترمذي .. وهو في هذا كله يقارن، ويحلل، ويستنبط، ويذكر أوجه الخلاف والاتفاق بين هذه الروايات، وما يمكن أن","vol":"1","page":17},{"text":"يستفاد منها، مبينا الصحيح منها وغير الصحيح، ونحو ذلك.\nوقد استغرق ذلك من صحيفة ٩٧ إلى ١٠٤.\n* * *\nوابن رجب مولع بتفصيل ما أجمله النووي:\nففي الحديث التاسع: ص ٢٥١ \"مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوه … \"\nقال النووي: \"رواه البخاري ومسلم\".\nوقال ابن رجب: هذا الحديث بهذا اللفظ خرجه مسلم وحده من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة.\nوخرجاه من رواية أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي -ﷺ- قال:\n\"دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ؛ إِنَّمَا أَهْلَكَ منْ كَانَ قَبْلكُمْ سُؤَالُهُمْ واخْتِلافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهمْ فإِذَا نَهيْتُكُمْ عَنْ شَيءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعتُم\".\nوخرجه مسلم من طريقين آخرين عن أبي هريرة بمعناه.\nوفي رواية له ذكر سبب هذا الحديث .. إلخ ..\nوساق الرواية، ثم سار في التتبع كما سار في الأحاديث الأخرى.\n* * *\nوهو حريص على بيان أصح الروايات في الطرق التي يوردها، كما يفعل الترمذي في كثير من أحاديث جامعه:\nففي الحديث السادس: يذكر حديث النعمان بن بشير: \"الْحَلالُ بَيِّنٌ والْحَرَامُ بَيِّن .. \" ويعقب على قول النووي: \"رواه البخاري ومسلم\" بقوله: \"هذا الحديث صحيح متفق على صحته من رواية الشعبي، عن النعمان بن بشير، وفي ألفاظه بعض الزيادة والنقص. والمعنى واحد أو متقارب.\nوقد روى عن النبي -ﷺ- حديث ابن عمر، وعمار بن ياسر، وجابر، وابن مسعود، وابن عباس. وحديث النعمان أصح أحاديث الباب\".\nوهو -وإن كان ينحو منحى الترمذي في هذا: إلا أنه ينقل منه، ولا يعتمد عليه ولئن كان هذا هو ما اشتهر عن منهج الترمذي في جامعه فإنه لم يزد في التعقيب على","vol":"1","page":18},{"text":"هذا الحديث أن قال:\nهذا حديث حسن صحيح، وقد رواه غير واحد، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير\".\n* * *\nوقد كشف ابن رجب في مواطن كثيرة عن السرِّ في انفراد البخاري بهذا الحديث أو ذاك، أو انفراد مسلم برواية حديث آخر دون البخاري.\nففي الحديث السادس عشر المروي عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رجلا قال للنبي -ﷺ-: أَوْصِني. قَالَ: \"لا تَغْضَبْ\" فَرَدَّدَ مِرَارًا، قَالَ: \"لا تَغْضَبْ\".\nقال النووي: رواه البخاري.\nوقال ابن رجب: هذا الحديث خرجه البخاري من طريق أبي الحصين الأسدي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة .. ثم قال:\nولم يخرجه مسلم؛ لأن الأعمش رواه عن أبي صالح. واختلف عليه في إسناده .. إلخ وفي الحديث السابع عشر، المروي عن شداد بن أوس عن النبي -ﷺ- قال: \"إنَّ الله كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كلِّ شيء؛ فَإذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وإذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ\".\nقال النووي: \"رواه مسلم\".\nوقال ابن رجب: \"هذا الحديث خرجه مسلم دون البخاري من رواية أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس\".\nوتركه البخاري؛ لأنه لم يخرج في صحيحه لأبي الأشعث شيئًا.\n* * *\nوقد أبان ابن رجب عن علة ضعف بعض الروايات التي يتابع بها الحديث الأصلي كالرواية التي ذكرها عن سفيان بن عيينة: أن حديث \"أمِرْتُ أنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لا إلَهَ إلَّا الله … \" كان في أول الإسلام قبل فرض الصلاة والصيام والزكاة والهجرة.\nفقد قال ابن رجب: هذا ضعيف جدًّا، وفي صحته عن سفيان نظر؛ فإن رواة هذه الأحاديث إنما صحبوا رسول الله -ﷺ- في المدينة، وبعضهم تأخر إسلامه.\nثم قوله: \"عَصَمُوا مِنِّي دمَاءَهُمْ وَأمْوَالَهُمْ\" يدل على أنه كان عند هذا القول مأمورًا","vol":"1","page":19},{"text":"بالقتال، وبقتل من أبى الإسلام.\nوهذا كله بعد هجرته إلى المدينة .. إلى آخر ما ذكر ابن رجب في هذا التعليل.\nأما في الأحاديث الفرعية فإن \"ابن رجب\" لم يكن معها بهذه القوة، ولا أبان لنا في بعض الأحاديث ما يجب أن يبينه، ولم يكن له في تخريجها منهج ملتزم، فتارة كان يخرج الحديث ويبين درجته، وتارة أخرى كان يهمل البيان مع شدة الحاجة إلى هذا البيان!!.\nوالحديث الذي يساق إلى القراء والباحثين دون أن تذكر معه درجته ومرجعه: حديث لا يجمل الاعتماد عليه، ولا الاطمئنان إليه، وقد ينظمه المؤلف في سياق يوهم أنه صحيح، فيؤسس عليه قاعدة كلية، أو يستدل به لقضية جزئية، وهو لا يصلح لهذا ولا لذاك؛ لأنه في ذاته غير صحيح.\nوحين لا تتوفر للمؤلف براهين الصحة أو الضعف في حديث ما، أو حين تتعارض هذه الأدلة أمامه، فيؤثر التوقف يكون له مندوحة في عدم البيان.\nأما حين تتوفر الأدلة، وينتفي التعارض، أو حين ينص المصنف لمرجع ينقل عنه على درجة الحديث سيما في حالة الضعف والوهاء فما أعتقد أن عدم النص في مثل هذه الحال مما يتفق مع واجب الأمانة في النقل، أو بذل النصيحة في العلم.\nوابن رجب حين يتصدى لبيان درجة الحديث والحكم عليه يبين بما عهد عنده من طول الباع، وغزارة المادة!.\nوما أكثر ما تراه يقول فيما أورد من أحاديث:\n\"خرج الإمام أحمد بإسناد صحيح\" أو \"أخرج الطبراني بإسناد فيه نظر\" أو \"بإسناد ضعيف\" أو \"بإسناد جيد\" أو \"خرج ابن عبد البر في التمهيد بإسناد فيه نظر\".\nإلى غير ذلك من التعبيرات الاصطلاحية، وقد يستطرد فيعلل القول الذي يحكم به على الحديث.\nلهذا وذاك طال عجبي من أنه لم يبين درجة بعض الأحاديث التي أوردها مع وجوب بيان تلك الدرجة، سيما عندما يُنَصُّ عليها في المصنَّف الذي ينقل عنه الحديث، أو عندما يكون الحديث في ذاته ضعيفًا!!.\nفي ص ٧٨ يقول ابن رجب:","vol":"1","page":20},{"text":"خرج الترمذي من حديث كعب بن مالك، عن النبي -ﷺ- قال:\n\"مَنْ طَلَبَ الْعلْمَ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهاءَ، أو يُجَارِي بِه الْعُلَمَاءَ\" .. الحديث.\nوإذا رجعنا إلى الترمذي الذي خرج منه الحديث ألفيناه يعقب عليه بما يدل على أنه ضعيف وذلك قوله: \"هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه\" وإسحاق بن يحيى -أحد رواة الحديث- ليس بذلك القوي عندهم، تكلم فيه من قبل حفظه.\nولم يشر ابن رجب إلى ضعف الحديث ولا نقل عبارة الترمذي.\nوفي ص ١١٥ نقل عن ابن ماجه حديثا من رواية عدي بن حاتم، قال: قال لي رسول الله -ﷺ-: \"يَا عَدِيُّ! أَسْلِم تَسْلَمْ\".\nقُلْتُ: وَمَا الإسْلَامُ؟ قَالَ: \"أن تَشْهدَ أنْ لا إلَه إلَّا الله، وَتُؤْمِنَ بِالأَقدَار كُلّهَا\" الحديث.\nورتب ابن رجب عليه قضية عامة حين قال عقبه: فهذا نص في أن الإيمان بالقدر من الإسلام.\nمع أن الحديث ضعيف كما ذكر صاحب الزوائد.\nوفي ص ١٤٦ أورد عن ابن ماجه حديث ابن عباس مرفوعًا: \"أراكم ستشرِّفون مساجدَكم بعدي كما شرفت اليهود كنائسها، وكما شرفت النصارى بِيَعَها\".\nولم يبين درجته. وقد ذكر صاحب الزوائد أن إسناده ضعيف؛ لضعف أحد رواته واتهامه بالكذب.\nإلى غير هذا وذاك من الأحاديث التي سوف نستدرك في تعليقاتنا عليها ما فات ابن رجب من وقف القارئ على مدى صحتها أو ضعفها.\n* * *","vol":"1","page":21},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>طَبَعَاتُ الكِتَابِ</span>\nوقد طبع الكتاب في الهند في بلدة \"أمر تسر\" دون أن تذكر النسخة التي طبع عنها ولا السنة التي طبع فيها. لكن مصححيه: عبد الغني وعبد الواحد الغزنويين قالا في آخر الكتاب:\n\"ولما لم يتيسر لنا نسخة صحيحة، فالمرجو من الناظرين أن يعذرونا في العثرات ويرحم الله من عفا عن الخطأ والخطل، وسدَّ ما رأى من الخلل، ولنعم ما قيل:\nإن تحد عيبًا فسُدَّ الخللا … جلَّ من لا عيب فيه وعلا\nثم طبع -عن هذه الطبعة- في مصر عام ١٣٤٦ هـ بمطبعة مصطفى البابي الحلبي، وهي طبعة تجارية ليس فيها تحقيق لأية لفظة، ولا تصويب لأي خطأ وقع في الطبعة الهندية، وهي في حقيقة أمرها صورة كاملة منها بأوهامها وتحريفاتها، ومن أمثلة ما وقع فيها من التصحيف والتحريف وصوبناه في هذه الطبعة ما يلي:\n١ - ص ٤٨ قال النووي، والصواب: قال الزهري.\n٢ - ص ٥٠ عن أبىِ سالم الحبشي، والصواب: عن أبي سلام.\n٣ - ص ٦٠ طاهر بن مفون، والصواب: ابن مفوز.\n٤ - ص ٦٨ زيد الشامي، والصواب: زبيد اليامي.\n٥ - ص ٧٩ مرئيات المخلوقين، والصواب: مرآة المخلوقين.\n٦ - ص ٩٢ سميط الدوسي، والصواب: سميط السدوسي.\n٧ - ص ١٠٢ فهو متهم من الإسلام يتركه، والصواب: فهو سهم من الإسلام يدعه.\n٨ - ص ١٢٣ عن العرباض بن سارية عن النبي -ﷺ- أنه قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.\nوالصواب: عن العرباض بن سارية أن النبي -ﷺ- قال: \"إِنَّمَا الْمؤمِنُ كَالْجَمَلِ الأَنِفِ حَيثُمَا قِيدَ انْقَادَ\". وقال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾.\n٩ - ص ١٣٦ مالك بن مغفل، والصواب: مالك بن مغول.\n١٠ - ص ١٤٣ بل همته في حياة المال، والصواب: في جباية المال.\n١١ - ص ١٦٣ ولم يوجد في إسقاط ذكر، ثم قيل ثلاثين ولا لأنثى، والصواب: ولم يوجد في الإسقاط ذَكَرٌ تم قبل ثلاثين يوما ولا أنثى …","vol":"1","page":22},{"text":"١٢ - ص ١٧٦ رواه مسلم بن كهيل، والصواب: سلمة بن كهيل.\n١٣ - ص ١٩٣ عبيد الله بن الحسن البصري، والصواب العنبري.\n١٤ - ص ٢١١ الذي تباح معه الزوجة بدون زوج بعقد جديد وإصابة وبينِ تحريم الطلاق الثلات الذي لا تباح معه وبين تحريم الرجل عليه ما أحله الله، والصواب: الذي تباح معه الزوجة بعقد جديد بين تحريم الطلاق الثلاث الذي لا تباح معه الزوجة بدون زوج وإصابة وبين تحريم الرجل عليه ما أحله الله.\n١٥ - ص ٢١٢ فإن هذا القسم أفضل الأقسام الثلاثة؛ لأنه علم حكم الله في هذه الأمور المشتبهة على الناس واتبع حكم الله أحدهما.\nوالصواب: واتبع علمه في ذلك وأما من لم يعلم حكم الله فيها فهم قسمان أحدهما ..\n١٦ - ص ٢١٩ المشابهة: والصواب، المثابة.\n١٧ - ص ٢٨٤ \"يبنونه\"، والصواب: ينسبونه.\n١٨ - ص ٢٨٥ \"والزمان\" والصواب: والضمان.\nثم حقق المرحوم الشيخ أحمد محمد شاكر إلى الحديث الثامن من الكتاب في أربع رسائل انصرفت العناية فيها إلى تحقيق النص مع بعض المباحث الحديثية واللغوية بين الحين والحين. ولم يعط فيها عناية كافية لتخريج الأحاديث.\nوكان هذا وذاك دافعًا لي إلى وجوب إخراج الكتاب في ثوب جديد بنهج يوازي أصالته، وجهد يساوق أثره وقيمته، سيما بعد وقوفي على نسخه الخطية.","vol":"1","page":23},{"text":"<span data-type='title' id=toc-11>نَسْخ الكِتَابِ</span>\n١ - نسخة في مجلد مخطوطة سنة ٨٣٥ هـ بخط أحمد بن عبد اللطيف المكي بها تقطيع وتلويث، وأكل أرضة، وخروم بعد الورقة الأولى إلى أثناء الحديث الثاني، وبعد الورقة الحادية عشرة في الحديث الرابع إلى الحديث السادس عشر، وبعد الورقة الحادية والستين من أثناء الحديث التاسع والعشرين إلى أثناء الحديث الرابع والثلاثين، وبأولها فهرس ناقص وتقع في ١١٦ ورقة ومسطرتها ٢٧ سطرًا، في حجم الربع.\nوهي مخطوطة بدار الكتب المصرية. قائمة مكتبة طلعت رقم ٧٦٣ حديث وأشرت إليها بالرمز \"ط\".\n٢ - نسخة في مجلد مخطوطة سنة ١٠٠٦ هـ بقلم محب الدين بن صلاح الدين بن عبد الناصر الغرياني … كاملة وليس بها ما بالأولى ومراجعة، وتقع في ٣٦٠ ورقة ومسطرتها ٢١ سطرًا.\nوهي محفوظة بدار الكتب رقم ٤٢ حديث.\nوأشرت إليها بالرمز \"ب\".\n٣ - نسخة في مجلد مخطوطة سنة ١٣٢٤ هـ بقلم محمد بن عبد القادر كاملة وجيدة الخط لكنها غير مراجعة، وتقع في ٢٩٢ ورقة، مسطرتها ٢٧ سطرًا، في حجم الثمن.\nوهي محفوظة بدار الكتب رقم ١٨٢٤ حديث وقف السيد الحسيني وأشرت إليها بالرمز \"س\".\n٤ - نسخة في مجلد مضبوطة بالشكل في ٣٥٧ ورقة مسطرتها ٢١ سطرًا في حجم الثمن ولم يكتب عليها سنة الكتابة ولا اسم الكاتب ولعلها مستنسخة من إحدى النسخ الأصلية.\nوهي محفوظة بدار الكتب رقم ١٨٨ حديث من وقف خزانة جامع شيخون.\nوأشرت إلها بالرمز \"و\".\nوهذه النسخ وإن كان بعضها مراجعًا إلا أن ببعضها كثيرًا من النقص، وبالبعض الآخر بعضَ الأخطاء، وقد أمكن تلافي النقص بمقابلتها جميعًا، واستكمال الجزء الناقص في نسخة بما يقابله تاما في نسخة أخرى، كما أمكن تلافي كثير من الأخطاء بمقابلة المخطوط بالمصادر الحديثية الأصلية التي نقل عنها ابن رجب وأشار إليها.","vol":"1","page":24},{"text":"وقد اعتمدت عند طبع الجزء الأول على هذه النسخ من مراعاة النسخ الأخرى المطبوعة وهي:\n١ - النسخة الهندية وأشرت إليها بالرمز \"هـ\".\n٢ - النسخة المطبوعة بمطبعة الحلبي بمصر وأشرت إليها بالرمز \"م\" وهي التي أقول عنها أحيانًا: \"في المطبوعة\".\n٣ - الرسائل التي حققها المرحوم الشيخ أحمد شاكر وأشرت إليها بالرمز \"ن\" وقد طبعت بمطبعة النهضة المصرية.\n* * *\nوبعد تمام طبع الجزء الأول أخبرني الأستاذ المرحوم: رشاد عبد المطلب مشكورًا أن بمعهد المخطوطات العربية نسخة مصورة من الهند لم تدرج في الفهارس. وهي مكتوبة في حياة المؤلف وعليها خطه فصورتها. وهي تقع في ٣٨٧ ررقة مسطرتها ١٧ سطرا، كتبت من نسخة المؤلف بخط عبد القادر بن محمد بن علي الحجار الحنبلي مذهبًا، المدني مولدًا. وقد فرغ عن كتابتها في خامس جمادى الأولى سنة ٧٩٠ هـ فعرضها على المؤلف، وقرأها عليه في عدة مجالس استغرقت أسبوعًا، وبعد تمام المقابلة كتب ابن رجب بخطه عليها مقرًا لها، مشيدًا بصحتها، منوها بقدر كاتبها، مجيزًا له روايتها، ذاكرًا أن ذلك كان في ثاني عشر جمادى الأولى من السنة المذكورة، بدار الحديث السكرية بالقصاعين بدمشق المحروسة ا هـ.\nوتوجد هذه النسخة الآن بمكتبة \"خدا بخش بتنة\" بالهند.\nوسوف تكون بمشيئة الله الأصل الأول لتحقيق بقية الكتاب ويشار إليها بالرمز \"أ\" وما كان فيها من فروق في الجزء الأول فسوف أستدركها وأثبتها في آخر الكتاب، إن شاء الله.\nوبعد:\nفيقتضينا الإنصاف، وتوجب علينا الآداب الإسلامية، وحقوق التربية الروحية، أن نعترف بالفضل لذويه، وأن نقول: إن هذا الكتاب هو الثمرة الأولى لمدرسة حديثة للتخريج والتحقيق يرجع الفضل الأكبر في إنشائها إلى الأستاذ السيد \"أحمد صقر\" الذىِ انتدب لتدريس علوم الحديث لنا في قسم الدراسات العليا في كلية أصول الدين","vol":"1","page":25},{"text":"بجامعة الأزهر آنذاك.\nفلقد فتح أبصارنا على المصادر الأصلية للثقافة، وأوجب علينا الرجوع إليها، وأبان لنا عن المنهج الأمثل في التخريج والتحقيق، والعناية بتاريخ الرجال، وعلل الحديث، ونبذ كتب القرون المتأخرة، والرجوع إلى المصادر الأولى التي ألفها العلماء الأعلام في عصور العلم الزاهرة، والتي صرفتنا عنها الكتب المتأخرة فلم نكد نعرف عنها شيئًا.\nولفت أنظارنا إلى وجوب قيام شباب العلماء بإحياء كتب التراث الإسلامي النافعة.\nوأن نشر التراث الإسلامي إن كان فرض كفاية فيما مضى، فهو الآن فرض عين على القادرين في عصرنا هذا الذي فتحت فيه نوافذ الفكر الغربي على مصاريعها حتى تستبين أصالتنا، ونسهم بقيمنا في صنع التقدم، وبناء الحضارة الإنسانية.\nإنه واجب على العلماء أن يُعْنَوْا به، وأن يبذلوا فيه أقصى ما يستطيعون من جهد ووقت ومال، وإن عليهم أن يذكروا أن ميدان النشر من أهم ميادين الجهاد في سبيل الإسلام.\nوأنه واجب مفترض؛ قيامًا بحق النصيحة لله ولكتابه ولرسوله وللمؤمنين.\nولقد حدثنا ذات يوم عن \"ابن رجب\" وكشف لنا عن جانبه الحديثي الممتاز وأحضر لنا الجزء الأخير من \"شرح ابن رجب لعلل الترمذي\" وقرأ لنا الكثير من نصوصه فبهر عقولنا ما فيه من المعلومات النادرة، والفوائد الغريبة والعجيبة التي تدل على تمكن من علوم الحديث، وبصر بمصادره العديدة.\nولقد كان لتلك القراءة أثرها البالغ في نفسي، والذي حفزني إلى الاطلاع على مؤلفاته وقراءتها بعين التحقيق والتدقيق.\nثم حبب إليَّ أن أتخصص في دراسة \"ابن رجب\" من الناحية الحديثية، وأن أعنى بنشر كتبه، وتحقيقها، وتخريج أحاديثها؛ لقيمتها العلمية، وأثرها في الحياة؛ فجاء هذا الكتاب أول استجابة عملية لهذا التوجيه.\nوإني لأشكر له هذه اليد الطولى التي تبدأ -اليوم معنا- جولة جديدة في مجال خدمة السنة، وتحقيق التراث بوزارة الأوقاف.\nلقد تقرر إنشاء المركز الدولي للسيرة والسنة النبوية بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية.\nوقد وافق سيادته على أن يشرف على قسم السنة النبوية، كما وافق فضيلة الأستاذ الدكتور \"محمد الطيب النجار\" رئيس جامعة الأزهر السابق، وعضو مجمعي اللغة","vol":"1","page":26},{"text":"العربية والبحوث الإسلامية على أن يتولى الإشراف على قسم السيرة النبوية بالمركز، وعلى أن يرأس مجلس إدارة المركز.\nوكلا الأستاذين عَلَمٌ في تخصصه ودراسته، باقعة في علمه وثقافته، على الصعيدين: المحلي والدولي. الأمر الذي يغمرنا بالتفاؤل والثقة والطموح، أن يؤدي هذا المركز دوره بجهودهما، وجهود من سيعمل معهما من العلماء والخبراء، محليًّا، ودوليًّا في خدمة السيرة والسنة بما يسهم في تجلية حقائق الإسلام: عقيدة وشريعة، وخلقًا وسلوكًا، وبما يثري حقل التنمية في المجتمعات الإسلامية بِرِئَتَيْها: الروحية والمادية، وبما يهدي إلى النهج الأقوم في صياغة الإنسان السوي الذي يحسن استثمار مواهبه وطاقاته في الإفادة بما سخر الله له في السماوات وفي الأرض.\n* * *\nإن السنة هي المفسرة لأعظم كتاب يهدي للتي هي أقوم في العقيدة والتشريع والأخلاق والسلوك.\nوإن سيرة الرسول -ﷺ- هي الكتاب الوحيد الذي نقرأ فيه التطبيق العملي، والذي نرى فيه الصورة المثلى للأسوة الحسنة لأكمل إنسان صاغه توجيه القرآن، وصنعه الله على عينه، وجمع فيه كمال الأنبياء من قبله، ثم أمرنا بالائتمار بأمره، والائتساء بهديه بمد أن أمره -هو- أن يقتدي بنوح وإبراهيم وداود وسليمان وإسحاق ويعقوب ومن بعدهم حتى يكون هو خلاصة المخلَصِين، وصفوة المصطَفْين، وحتى يستبين لنا لِمَ أمرنا أن يكون لنا فيه -ﷺ- الأسوة الحسنة، ولِمَ أخذ العهد على كل نبي ورسول لئن بعث في زمن أيٍّ منهم ليؤمنن به ولينصرنه، ولِمَ ينبغي أن نهتم -دومًا- بسنة النبي -ﷺ- وسيرته، أو بالمنهج الإسلامي وتطبيقه كأساس لتربية الفرد، وتنمية المجتمع، وتكوين خير أمة أخرجت للناس.\n* * *\nوعسى أن يوفق الله مركز السيرة والسنة في مصر -في أن يستوعب ما أمكنه الاستيعاب مصادر السيرة والسنة، القديم منها والحديث، المخطوط منها والمطبوع، المحقَّق منها وغير المحقَّق، ليبدأ -بفريقي العمل في المحيطين- جهادًا لا يعرف الكلل، ونشاطا لا يدركه الملل، وتعاونا مع مراكز السيرة والسنة في العالم الإسلامي مشرقه، ومغربه، ثم لعل الله أن يوفق الجميع في عمل موسوعي للسيرة والسنة، ينفي عنهما","vol":"1","page":27},{"text":"الزائف والدخيل، ويقدم للناس الرائق والأصيل، بما يوائم كل مستوى، وبما يواجه كل اتجاه، ويما ينفي عن الإسلام تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين.\nوعمل كهذا سيكون له أبعد الآثار، في بعث الصحوة الكبرى في حياة المسلمين إيمانيًّا وحضاريًّا، علميًّا وثقافيًا، عسكريًّا واقتصاديًّا، سياسيًّا واجتماعيًّا.\n* * *\nوإذًا فلم يَكُ محض مصادفة أن يدعو سيادة الرئيس محمد حسني مبارك المؤتمر الرابع للسيرة والسنة الذي انعقد بمباركة الدولة وعونها في رحاب الأزهر وجامعته -إلى أن يتعاون علماء العالم الإسلامي في إخراج عمل موسوعي للسيرة والسنة يكون هو الأساس العلمي لما يؤمن المسلمون بوجوب أخذ أنفسهم بنهجه في العقيدة والتشريع وفي الأخلاق والسلوك.\n* * *\nإن إنجاز هذا العمل سوف يكون له -بإذن الله- أعمق الأثر وأطيبه في نفواس المسلمين وحياتهم: حكامًا ومحكومين، رؤساء ومرءوسين، سيما من آمنوا به، ودَعَوْا له، ونَدَبُوا إليه.\n* * *\nإن إنجاز هذا العمل واستحثاث الخطى له، واستنهاض الهمم نحوه، سوف يكون دافعًا أيَّ دافع للتقدم والنهوض، وسوف يكون مانعًا أي مانع من التخلف والجمود، وهو حين يواجه الحياة بروح الوحي الذي ينبغي أن يسري في كيانها، وحين يجابه الفكر المادي المعاصر باستقامة المنهج، وقوة الحجة، وكمال المثل؛ فسوف يكون نعم التعبير عما يشير إليه قوله -ﷺ-:\n\"الدين النصيحة\" قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: \"لله ولكتابه ولرسوله والأئمة المسلمين وعامتهم\" (^١).\nولما يوحى به قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (^٢).\n_________\n(^١) هو الحديث السابع في هذا الكتاب.\n(^٢) سورة الأنعام: ١٦٢ - ١٦٣.","vol":"1","page":28},{"text":"وقوله سبحانه:\n﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ (^١).\n* * *\nفليكن إخراج هذا الكتاب الجامع للعلم والحكمة، من نبع الوحي، ومَعين السنة تحية القدوم للمركز الدولىِ للسيرة والسنة بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، بالقاهرة.\n* * *\nوليكن هذا المركز -بدوره تحية مباركة للعالم الإسلامي، وخطوة طيبة تصافح بها مصر كلَّ يد تبني في صرح الإسلام ركنًا، وتوحد صفا، وتُعلي بناء، وترفع منارًا، وتحقق للمسلمين أملا، وتُنجز لهم عملا، وتضاعف لهم قوة، وتُثْري لهم حضارة، وتطوِّر لهم أداء، وتُسمِع لهم كلمة، وتفرض لهم مكانة!!.\nثم أما بعد:\nفلقد طبع أول جزء من هذا الكتاب محققًا لأول مرة حيث أصدرته لجنة إحياء التراث الإسلامي بالأهرام الغراء مع ذكرى غزوة بدر من عام ١٣٨٩ هـ الموافق السابع والعشرين من نوفمبر عام ١٩٦٩ م ثم طبع الجزء الثاني بمطابع الأهرام كذلك في العام نفسه تم طبع الجزء الثالث بدار إحياء الكتب العربية بالقاهرة في غرة المحرم ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م ثم توقف عملنا في التحقيق لمهام علمية خارج مصر بجامعات أم درمان الإسلامية، والكويت، ثم لأعمال إدارية وعلمية داخل مصر عقب الأوبة من تلك الإعارات، كانت تسمح -فقط- ببعض الجهود مع الكتاب بين الحين والحين، حيث كانت تأخذ خطاها نحو التكامل رويدًا رويدًا.\nوها نحن أولاء نبدأ بعون الله جولة أخرى مع هذا الكتاب، حيث نقدم جزأه الأول (^٢) في طبعته الثانية منقحة ومزيدة آملين أن يتوالى نشر أجزاء الكتاب لتتكامل في خمسة أجزاء إن شاء الله؛ حيث يكون مع الجزء الأخير منها: الفهارس التفصيلية، مع الاستدراكات والتصويبات، والتعقيبات التي قد تمس الحاجة إليها.\n* * *\n_________\n(^١) سورة العصر: آية ١ - ٣.\n(^٢) حيث كان الجزء يصدر بشرح عشرة أحاديث.","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type='title' id=toc-12>وَفَاءُ وَاجُب</span>\nوبين يدي القارئ العزيز صورة من صور التقدير الكريم، والغبطة الباهرة، والأخوة الكبيرة. كان المقدم للكتاب في طبعته الأولى وزيرًا للأوقاف وشئون الأزهر بينما كان المحقق للكتاب معيدًا بقسم الحديث وعلومه بكلية أصول الدين جامعة الأزهر حصل يومها وقبل عام من تحقيق الكتاب على درجة التخصص (الماجستير) في الحديث وعلومه، وأخذ يعد العدة للعالمية (الدكتوراه).\nواقترح الأستاذ \"السيد أحمد صقر\" بغبطة الأب وثقة الأستاذ على الأستاذ الدكتور (عبد العزيز كامل) أن يقدم الكتاب إن رأى فيه ما يستأهل تقديمه.\nوتهلل الدكتور الوزير لتقديم العمل وهو الأستاذ الجامعي، واحتفى بالكتاب ومؤلفه ومحققه احتفاءًا برز فيه تخصصه الجامعي بقدر ما برز فيه حسه العلمي، وروحه الديني، بيد أنه كان تقديمًا فريدًا؟!.\nلم يكن تقديمًا تقليديًّا، لا! ولم يكن تقديم مجاملة يعبر به عن واجب عُلْقة وطيدة لصديقه الحميم الأستاذ \"السيد صقر\" ومدرسته في التخريج والتحقيق، وإنما كان التقديم أسوة حسنه في التقديم وفي التقدير، وفي التعبير عن العلاقة التي ينبغي أن تكون بين الأجيال خاصة بين أستاذ وزير لوزارتين وبين معيد يدرج بين مرحلتيه قبل أن يأخذ طريقه بين هيئة التدريس بالجامعة.\nلقد كان تقديم الأستاذ الدكتور عبد العزيز كامل وزير الأوقاف وشئون الأزهر -حينئذ- دراسة، كما كان درسًا، كما كان قيمة أدبية وعلمية استأهل منا اليوم أن يكون هذا التقديم له بعض ما يجب نحوه من وفاء، فما كان أحد يتوقع أن يأخذ هذا الكتاب طريقه من وزارة الأوقاف مرتين: مرة مقدمًا، والأخرى محققًا في طبعته الثانية.\nوها نحن أولاء نزجي هذه الدراسة العلمية للكتاب، وهذا التقديم التقديري للتحقيق، تقديرًا للروح العلمية التي سطرته، والمشاعر الكريمة التي صاغته، ثم نهديه للقارئ الكريم تقديمًا لمثل، واعتزازا بعمل.\nوالله من وراء القصد، وهو حسبنا ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير.\n\nالقاهرة في:\nغرة رجب ١٤٠٦ هـ -١٢ مارس ١٩٨٦ م\nالدكتور محمَّد الأحْمدي أبُو النُّور\nوَزِير الأوقافِ سَابقًا","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type='title' id=toc-13>تقديم الكتاب والتَحقِيق</span>\nبقلم\nالدكتور/ عَبْد العَزيز كامِلْ\nوَزير الأوقافُ وَشئون الأزهر\nسَابقًا\n\n<span data-type='title' id=toc-14>١ - نموذج للتواصل الحضاري:</span>\n\" جامع العلوم والحكم\" لابن رجب الحنبلي المتوفى سنة ٧٩٥ هـ نموذج معبر عن روح الحضارة الإسلامية، بما تحمل من قيم، نحن أحوج ما نكون إليها في تطورنا المعاصر.\nيبدأ الكتاب من بذور كريمة تلقى في أرض الإسلام، وتتعهدها الأيدي المؤمنة حفظًا ورعاية، فتصبح شجرات طيبة ﴿أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾. هذه البذور باقة مختارة من \"جوامع الكلم\" من أحاديث الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه، تجمع بينها ميزة مشتركة: أنها تضم المعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة، وهي مما اختص الله به رسوله.\nويقص ابن رجب قصة التعاون العلمي المبذول في هذا المجال: ما جاء به الخطابي في أول كتابه: \"غريب الحديث\"، وما أملاه أبو عمرو بن الصلاح، وكانت ستا وعشرين حديثًا، ويأتي أبو زكريا النووي فيزيد عليها تمام الاثنين والأربعين، ويصل بها ابن رجب إلى تمام الخمسين. وهي التي يتناولها هذا الكتاب شرحًا مستفيضًا.\nهذه هي القيمة الأولى للكتاب .. قيمة التواصل الحضارى بين الأجيال المتتابعة من علمائنا، وإشادة الخلف بجهد السلف الصالح، دون غمط لحق، أو إهدار لإضافة ولا تقتصر هذه الظاهرة على المكتبة الإسلامية، وإنما نستطيع أن نتتبعها في كثير من مظاهر حضارتنا: ولنأخذ العمارة مثلًا، مكتفين بالأزهر الشريف.\nونحن نحتفل الآن بمرور ألف عام على بدء التدريس به.\nالمسجد بناه جوهر الصقلي في عهد المعز لدين الله الفاطمي.\nوجوهر قائد مهاجر، جاء من المغرب، يرجع بأصله إلى جزيرة صقلية. وتمر أيام الدولة الفاطمية، وتتعاقب الدول، ويقيض الله للأزهر من يوقف عليه الأموال؛ رعاية","vol":"1","page":31},{"text":"لأبنائه من طلاب العلم الذين يفدون إليه من أرجاء العالم الإسلامي، تجمع بينهم أخوة الإسلام على اختلاف ألسنتهم وألوانهم. ولكل منهم فيه رواق، ولهم جميعًا قبلة واحدة، وهدف واحد. وتأتي الأيدي المؤمنة لتضيف إلى الأزهر مباني جديدة: وأنت إذا زرته رأيت فيه مدارس ترجع إلى القرنين: الثامن والتاسع الهجري .. وقبابا ومنائر، وأروقة وتجديدات لاحقة، وإضافات معاصرة لكليات جديدة ومدنا جامعية .. ولا زالت العناية به مستمرة والحمد لله.\n* * *\nولنا أن نتساءل عن سر هذا التواصل الحضاري، الذي جمع القلوب حول بيوت أذن الله أن ترفع، وَيُذْكَرَ فيها اسمه، وحول كتب علمية ظلت العناية بها مستمرة عبر الأجيال، وأعطى الحضارة الإسلامية هذا الطابع الكريم الذي تراه في المسجد، كما تراه في حلقات العلم؟\nإن القرآن الكريم يعطينا الإجابة. وأخلاق الرسول الأعظم صلوات الله وسلامه عليه نموذج تطبيقي للقرآن الكريم.\nيقص علينا ربنا، ﵎، أخبار النبوات السابقة. ويختار لنا أحسن القصص ويعقب على هذا بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ (^١) ولا تقتصر الأسوة على الأنبياء وحدهما، وإنما تمتد إلى الصالحين من أتباعهم، فيقول ربنا مخاطبًا المؤمنين: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ (^٢).\n* * *\nفالنماذج القرآنية لها عمقها الزماني الذي يبدأ بقصة آدم، ولها امتدادها المكاني الذي يصل إلى مطلع الشمس ومغربها، وتنوعها الموضوعي الذي يشمل أبعاد الحياة. وكل أولئك يؤمن به المسلم، وهو يقرأ كتاب الله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (^٣).\nوتأتي حياة الرسول استمرارًا لجهاد من سبقه من الأنبياء والمرسلين. ويروي البخاري\n_________\n(^١) سورة الأنعام: ٩٠.\n(^٢) سورة الصف: ١٤.\n(^٣) سورة البقرة: ٢٨٥.","vol":"1","page":32},{"text":"عن أبي هريرة، عن رسول الله -ﷺ-، قال: \"إنّ مَثَلِي وَمَثَلَ الأَنْبِياء منْ قَبْلي كَمَثَل رَجُلٍ بَنَى بيتًا فَأَحْسَنْهُ وَأجْمَلَهُ، إلا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ، فَجَعَلِ النَّاسِ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيُعْجَبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ قَالَ: فَأنَا اللَّبِنَةُ، وَأَنا خَاتَم النَّبِيينَ\" (^١).\n* * *\nوجاء علماؤنا على هذا الهدي القرآني والنبوي الشريف: يقدرون العمل الطيب المبذول، ويضيفون إليه، ويدعون الله بالخير لمن قام به .. ولننظر إلى ما يقوله ابن رجب الحنبلي عندما ذكر إضافة النووي إلى ما أملاه ابن الصلاح (ص ٥١): \"ثم إن الفقيه الإمام الزاهد القدوة أبا زكريا: يحيى النووي، رحمة الله عليه، أخذ هذه الأحاديث التي أملاها ابن الصلاح وزاد عليها تمام اثنين وأربعين حديثًا، وسمى كتابه بالأربعين. واشتهرت هذه الأربعون التي جمعها، وكثر حفظها، ونفع الله بها ببركة نية جامعها، وحسن قصده، رحمه الله تعالى\".\n* * *\nهذه هي الروح التي تعاون بها حَمَلة هذا التراث العظيم. ليست مجرد إضافة علمية تزيد بها الصفحات، وإنما هي تراث أخلاقي يحدد مستويات العلاقة بين الأجيال المتعاصرة والمتتابعة، على أساس من الحب والإخاء والتقدير .. فالإضافة إلى كتاب، والشرح على متن، والرواق الجديد في مسجد قديم. والتجديد في سبيل أو مدرسة: كل أولئك ينبع من معين واحد، ويصدر عن عقيدة واحدة، هو التواصل الحضاري الذي استطاع أن يحفظ لنا الكثير من تراثنا، وتراث الإنسانية!!\nوالكتاب الذي بين أيدينا صورة تطبيقية لهذا التواصل، يشترك في صياغتها ما بذله السيد المحقق من جهد، وما بذل أساتذته له في الأزهر الشريف من عون وتوجيه، وما قامت به مؤسسة الأهرام من أعباء نشر هذا التراث. وفي هذا استمرار لجهد ابن رجب، ومن قبله النووي، وابن الصلاح، والخطابي تعاونا على حفظ الحديث الشريف.\n* * *\n_________\n(^١) متفق عليه بخارى ح ٣٥٣٥ ومسلم ح ٢٢٨٦.","vol":"1","page":33},{"text":"<span data-type='title' id=toc-15>٢ - حضارة متكاملة:</span>\nوابن رجب حنبلي المذهب، والنووي شافعي، وشروح الأحاديث لا يعتمد ابن رجب فيها على منهج النووي في تراجم الرواة، وتفسير ألفاظها .. بل لا يفيد نفسه بنطاق السنة النبوية وحدها .. وإنما يتأسى بروح القرآن والسنة من طلب المعرفة والتحليق في آفاقها، بقدر ما أتاحته له ثقافته وثقافة عصره.\nوتقرأ الصحيفة من هذا الكتاب، فينقلك ابن رجب من آية كريمة، إلى حديث شريف، إلى أقوال أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وابن حنبل، وتلاميذهم، ثم يأخذ بيدك إلى رقائق الصوفية، فتلقى ذا النون المصري، وسهلا التسترى، وابن المبارك .. ويقدم إليك نماذج من الشعر يُسندها تارة إلى أصحابها. وإذا ما تحدث في موضوع علمي؛ استند إلى أقوال الخبراء فيه. ففي حديث عن معنى \"أمشاج\" يقول: \"وفسر طائفة من السلف أمشاج النطفة بالعروق التي فيها .. وقد ذكر علماء الطب ما يوافق ذلك\".\n* * *\nوابن رجب يجمع في هذا بين علوم الرواية والدراية .. ويعطينا صورة عن الآفاق الرحبة، وتكوين رجل الدين: فهو متفاعل مع عصره، جامع لثقافته، يضع بيت الشعر -إلى جانب الرأي الطبي، ويستطيع أن يَنْسِج من مصادر دينه، والثقافة المعاصرة رداء يجمع بين الأصالة والتجديد، قوي الروابط بمصادر دينه. وهي الأساس العريض القوي الذي يقوم عليه الكتاب، متصلا بتيارات الحياة المتدفقة من حوله على هدى وبصيرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-16>٣ - بناء الكتاب:</span>\nهناك إذن تواصل حضاري، وتفتح على آفاق المعرفة، ولكن ما الأساس الذي اختيرت عليه هذه المجموعة من الأحاديث؟ وما دلالة \"جوامع الكلم\" التي جاءت به، على صورة المجتمع الإسلامي؟\nوهل للاختيار، ثم الإضافة من قاعدة؟\nالذي يستوقف النظر لأول وهلة، ما ساقه ابن رجب من مبررات لإضافته إلى ما رواه النووي في الأربعين: فهو يذكر في مقدمته (ص ٥١ - ٥٢): \"وقد كان بعض من","vol":"1","page":34},{"text":"شرح هذه الأربعين قد تعقب على جامعها، ﵀، تركه لحديث: \"أَلْحِقُوا الفِرَائِضَ بأهْلِهَا، فما أبْقَتِ الْفَرائِض فَلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَر\" لأنه الجامع لقواعد الفرائض التي هي نصف العلم، فكان ينبغي ذكره في هذه الأحاديث الجامعة .. فرأيت أنا أن أضم هذا الحديث إلى أحاديث الأربعين التي جمعها الشيخ ﵀، وأن أضم إلى ذلك أحاديث أخر من جوامع الكلم، الجامعة لأنواع العلوم والحكم، حتى تكمل عدة الأحاديث كلها خمسين حديثًا\".\nوهذه الأحاديث المضافة شطران: منها ما يتعلق بالأحكام، وهي التي أوردها بعد حديثِ الفرائض مباشرة، ثم أربعة ختم بها إضافته، تتعلق بالآداب والأخلاق، ختامها حديث \"لا يَزَالُ لِسَانُك رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ الله\" .. بينما كان ختام الأربعين النووية: الحديث الذي يرويه التِّرمذي عن أنس بن مالك، ﵁، قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: \"قال الله تعالى: يا ابن آدَمَ! إِنَّكَ مَا دَعَوْتَني وَرَجَوْتَنِي، غَفَرتُ لَكَ علَى مَا كَانَ مِنْكَ وَلَا أُبَالي. يا ابْن آدَمَ! لَوْ بلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفرْتَني غَفَرْتُ لَكَ. يا ابن آدمَ! إِنِّك لَوْ أَتيتني بِقُرابِ الأَرضِ خَطَايَا، ثُمَّ لَقيتَني لَا تُشْرِك بِي، لأَتيْتُك بِقُرابِهَا مَغْفِرَةً\".\nهذا، والحديث الفاتح للكتاب كله، هو قول الرسول -ﷺ-: \"إِنَّمَا الأَعَمْالُ بالنِّيَّاتِ، وإِنَّما لِكُل امْرئ ما نَوَى .. \" وبه صدر الإمام البخاري كتابه الصحيح، وأقامه مقام الخطبة.\nففي الحديث الفاتح، يتابع النووي وابن رجب اختيار البخاري، ويعقب ابن رجب على هذا بأقوال سلفنا الصالحين، في مكانة هذا الحديث، وأنه من أصول الدين، فهو عندهم أحد حديثين، أو ثلاثة أو أربعة، بها نجاة المسلم في دنياه وأخراه.\nوإذا ما كان هناك اتفاق على اختيار هذا الحديث فاتحًا لأكثر من كتاب من كتب الحديث -ولهذا ما يبرره- فإن اختيار حديث يختم المجموعة المختارة جاء متسقًا معها، ثم جاءت الإضافة الجديدة، ولها -هي الأخرى- خاتمتها المرتبطة بها.\nوكتاب ابن رجب في هذا أقرب ما يكون إلى هندسة معمارية، لمسجد كبير، محرابه قديم، وإليه تتجه الأنظار والقلوب، وهو قول الرسول -ﷺ-: \"إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات .. \" ثم تتعدد بعد هذا أروقته وأبوابه عند كل إضافة جديدة.\nما اختاره النووي يصلح أن يكون ختامًا .. إنه طلب الاستغفار بعد العمل الصالح ..","vol":"1","page":35},{"text":"فيه التوجه إلى الله، وإلى رحمته التي وسعت كل شيء .. فيه أنفاس قول الله تعالى في ندائه الأقدس: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^١) وذنوب العبد -مهما عظمت- فإن مغفرة الله وعفوه أوسع.\nويعلمنا رسولنا كيف ندعو ربنا: \"اللَّهُمَّ مَغْفرَتُكَ أَوْسَعُ مِنْ ذُنُوبي، وَرَحْمَتُكَ أَرْجَى عِنْدِي مِنْ عَمَلي\". وفي شرح ابن رجب لهذا الحديث يسوق الآيات والأحاديث والرقائق والشعر، في ابتهال كأنك معه في جوف الليل في استغفار عميق، وصدق توجه إلى قَيوُّم السماوات والأرض: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ (^٢).\nما اختاره النووي هو \"واحة\" الاستغفار، بعد رحلة الحياة الطويلة، بكل ما فيها من معاناة يرجو بعدها من ربه الجزاء الأوفى: درجات منه ومغفرة.\nويأتي ابن رجب فيختار ختامًا جديدًا، مع احتفاظه بالختام القديم .. كأنه رواق يضيفه إلى المبني، يتكامل معه، ويثريه موضوعيًّا، مع المحافظة على هندسة الكتاب الأولى.\nوالحديث الذي اختاره، كأنما هو جامع لجوامع الكلم، حتى في صياغته، ولنقرأه معًا:\nعن عبد الله بن بشر قال: أتى النبيَّ -ﷺ- رجلٌ فقال: يا رسول الله! إنَّ شَرَائِعِ الإِسْلام، قَدْ كثُرَتْ عَلَيَّ، فَبَابٌ نَتَمَسَّك بِهِ جَامعٌ؟ قال: \"لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ الله\".\nوفي شرح الحديث تحس أن ابن رجب يختم الكتاب كله .. وأن الشرح هو كلمة الوداع بعد معايشة مؤمنة لعمل جليل، يسلمه إلى تراثنا الكبير، وأنه اللمسات الأخيرة في هيكل ضخم شادته اليد والعقل والقلب، والنشيد الختامي في هذا الديوان المنير، وفيه يبذل ابن رجب طاقته، وذوب قلبه، في إبراز مكانة الذكر والذاكرين، ونماذج من إقبالهم على الله. ويذكر من الشعر في شرح هذا الحديث ما لم يذكره في الكتاب كله، وينتقل بعد هذا إلى بيان وظائف اليوم والليلة، كأنما يضع للمسلم برنامجًا لحياته اليومية ودورتها السنوية، على هدى من مأثور ذكر الله في كل أحواله. ويكاد هذا الفصل أن يكون خلاصة لكتاب كامل ألفه ابن رجب في هذا الموضوع هو \"لطائف المعارف فيما\n_________\n(^١) سورة غافر آية: ٦٠.\n(^٢) سورة غافر: ٧.","vol":"1","page":36},{"text":"لمواسم العام من الوظائف\" (^١).\nويعود ابن رجب ليربط ختام الكتاب بصدره، ذاكرًا ما جاء عن الرسول -ﷺ- من جوامع الكلم في التسبيح، ومكانته، وثوابه عند الله، وأدعية نبوية من جوامع الكلم تأسيًا بحديث الرسول الذي يرويه أبو داود، عن عائشة ﵂: \"كَان النَّبيُّ ﵊ يُعْجِبُهُ الْجَوَامِعُ مِنَ الدُّعَاءِ وَيَدَعُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ\" ثم يختم الكتاب بحديث التحيات بما فيه من توجه إلى الله، وسلامٍ على الرسول، وعلى عباد الله، الصالحين.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-17>٤ - الترابط العضوي</span>\nالكتاب بذلك هندسة كاملة: له فاتحته وخاتمته. ولكن ماذا عن نظام الكتاب وترابطه العضوي بين الحديثين: الفاتح والخاتم؟\nقد يكون من اليسير أن نختار الحديث الثاني في مكانه هذا. إنه البهو الرئيسي في البناء بعد المدخل. وهو الذي يرويه عمر بن الخطاب عن مجيء جبريل إلى الرسول -ﷺ- يعلمنا ديننا: يسأل الرسول ويصدقه في أمر الإسلام والإيمان والإحسان والساعة وأماراتها. ولقد وفاه ابن رجب من الشرح، أكثر مما أعطى غيره من أحاديث الكتاب. وتأتي إحالات ابن رجب عليه، بدءًا من الحديث الثالث عن قواعد الإسلام.\nومن المنتظر أن نجد تداخلا بين هذه الأحاديث، وكلها من جوامع الكلم، وأن تتباين وتتكامل -في نفس الوقت- عناية المؤلف بها، ولا ينتظر -وهذا أمرها- أن نتلمس فيها نموًّا عضويًّا منهجيًّا، بحيث لا نستطيع أن نقدم في ترتيبها أو نؤخر، فمطلب مثل هذا، فيه من التطلع أكثر مما تسمح به طبيعة جوامع الكلم، وهي موضوع الكتاب.\nولكننا نستطيع أن ننظر إلى نمو الكتاب من زاوية أخرى، وهي التكامل الموضوعي. هل ابن رجب، حين أضاف حديث الفرائض وما بعده، كان ينظر بهذا المنظار، وهو المبرر الذي استند إليه في الإضافة؟\nالكتاب -بهذا يعبر تعبيرًا صادقًا عن أبعاد الإسلام، كما توضحها الأحاديث الشريفة. ونظرة إلى فهرست الكتاب يمكن أن تؤكد هذا التكامل:\n_________\n(^١) ط. عيسى الحلبي ١٣٤٢ هـ - ١٩٢٤ م. مصر وانظر ما مضى عنه ص ٩.","vol":"1","page":37},{"text":"فهي تعرض لأصول الإسلام والإيمان والإحسان، ومنشأ الإنسان وعلاقته بربه، وبالإنسانية في آفاقها الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والسياسية، التي نلقاها في حديث \"الدِّينُ النَّصيِحَةُ\" وتوضح أدق جوانب التحري في عمل الخير مع الناس كما جاءت في حديث \"كُل سُلامى (^١) مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُع فيه الشَّمسُ: تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَين صَدَقَة، وتُعينُ الرَّجُلَ في دَابَّتهِ فَتَحْمِلُه عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ: صَدَقَةٌ\".\nوتعرض الأحاديث لكدح الإنسان إلى ربه في السلم والحرب من أجل حياة أفضل، وحسابه عند ربه في يوم لا تضيع فيه الودائع!!\nولا تكتفي الأحاديث بالتأصيل النظري، وإنما تعطينا النماذج التطبيقية التي نستطيع القيام بها، والنسج على منوالها.\nإلى جانب ذلك من الممكن أن نتتبع وحدات فكرية مترابطة داخليًّا، وسط الترابط الكبير للكتاب.\nولنأخذ لذلك نماذج:\nحديث: \"أَلْحِقُوا الْفَرائِضَ بأَهْلِهَا\" (رقم ٤٣) يأتي بعده حديث الرضاعة (رقم ٤٤) والموضوعان مرتبطان. وبين الأحاديث الثلاثة التالية ترابط موضوعي: فمنها حديثان (٤٥، ٤٦) يعرضان لما حرم الله من طعام وشراب وكسب، ويمهدان لحديث عن الزهد: \"مَا مَلأَ ابْنُ آدَمَ وِعاءً شَرًّا مِنْ بَطنِه\" (٤٧).\nوينقلنا هذا الحديث إلى مستوى يوضح ما حذرنا منه ربنا من أخلاق النفاق (٤٨) وبهذا يجمع ابن رجب التحريم المادي والمعنوي في نسق ينقلنا إلى حديث التوكل على الله تعالى، وما يرتبط به من سعى في طلب الرزق (٤٩). ثم يأتي حديث ذكر الله وهو ختام الكتاب كله (٥٠).\nفإضافة ابن رجب تبدأ من دائرة الأسرة ونظامها في الميراث والرضاعة، حلالها وحرامها، ثم ما حرم الله من طعام وشراب وكسب، وما حذرنا منه ربنا من أخلاق النفاق، فإذا تطهرت حياة الفرد، توكل على ربه، وسلك صراطًا مستقيمًا، يكسب حلالًا، ويعمل في طلب الخير، ولسانه رطب دائمًا بذكر الله في كل أمره.\n_________\n(^١) عظام الأصابع في اليد والقدم.","vol":"1","page":38},{"text":"وإذا ما كانت إضافة ابن رجب تمثل نموًّا عضويًّا في الكتاب، فإنه كان مقيدًا في الأحاديث الأولى باختيار وترتيب أبي زكريا النووي، وقد لمسنا فيه جوانب من هذا النمو، مع ملاحظة التكامل الموضوعي للكتاب كله، بحيث يستطيع الإنسان، في كل أحواله، أن يجد في الكتاب مددًا لسعيه الدائب في الحياة: في عباداته ومعاملاته وأخلاقياته، في محراب الصلاة وميدان القتال، بين أهله وبين الناس. منطلقًا إلى ربه، يقصده بعمل الخير في كل أمره .. ويكفي هنا أن نعود إلى ما ذكره ابن رجب في الحديث السابع: \"الدِّينُ النَّصيِحَةُ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-18>٥ - الكتاب والمؤلف</span>\nونستطيع أن نقول: إن هذا الكتاب بعامة، وفصول الأخلاقيات بخاصة، تمثل الكثير من حياة ابن رجب، وإن هناك ترابطًا قويا بين ما ذكره هو في كتابه، وما ذكره عنه من ترجموا له (^١).\nكان ابن رجب \"صاحب عبادة وتهجد، إمامًا ورعا زاهدا، مالت القلوب بالمحبة إليه، وأجمعت الفرق عليه، وكانت مجالسه تذكرةً للقلوب صادعة، وللناس عامة مباركة نافعة، وزهده وورعه فائق الحد. وكان لا يخاف الموت، ولا يهرب من لقائه، وإنما كان ينتظره ويواجهه في صبر وجلد\".\nولقد أعانته على بلوغ مكانته العلمية رحلات أبيه، وسماعه معه في الشام والعراق ومكة ومصر، حتى أن العليمي يصفه فيقول: \"هو الشيخ الإمام، والحبر البحر الهمام، العالم العامل، البدر الكامل، القدوة الورع، الحافظ الحجة الثقة\".\nوإذا ما رجعنا إلى حديثه الخاتم عن \"ذكر الله\" رأيناه مجلس علم وذكر، في افتتاحه وتدفقه وخاتمته، وتُلْقِي اختياراته للنقول التي أوردها ضوءًا قويًّا على المنهج الذي ارتضاه .. وتجد هذا مفصلا في كتابه \"لطائف المعارف\" فهو يدور مع الشمس والقمر وفصول السنة ومواسم العبادة. وهو في هذا كله خبير بالنفس الإنسانية في إشراقها وأفولها، وإقبالها وإدبارها، بحيث يظل محتفظًا برباط قوي بينه وبين القارئ.\nولنستمع معًا إلى حديث الرسول -ﷺ-، وهو الذي اختاره ليصدر به الفصل الخاص\n_________\n(^١) يراجع التمهيد الذي كتبه هنري لاووست وسامي الدهان لكتاب الذيل على طبقات الحنابلة لابن رجب ص (١٨ و١٩)، والنقول التي أورداها عن محمد بن فهد المكي، والعليمي، ومحمد بن حميد المكي. ط دمشق ١٣٧٠ هـ - ١٩٥١ م، ومقدمة محقق هذا الكتاب.","vol":"1","page":39},{"text":"بفضل التذكير بالله تعالى ومجالس الوعظ:\nعن أبي هريرة، ﵁: \"قُلْنَا: يَا رَسولَ الله! إذَا كُنَّا عِنْدَكَ رَقَّتْ قُلُوبُنَا، وزَهِدْنَا فِي الدنْيَا، وكُنَّا مِنْ أَهْلِ الآخِرَةِ، فَإِذَا مَا خَرجْنَا مِنْ عنِدِكَ، آنسْنَا أهْلَنَا، وشَمَمْنَا أَوْدلَادَنَا، وأَنْكَرْنَا أَنْفُسَنَا؟ فقال رسول الله -ﷺ-: لَوْ أَنَّكُمْ إِذَا خَرَجْتُمْ مِنْ عِنْدِي كُنْتُمْ علَى حَالِكُم ذَلِكُمْ لزَارَتْكُمْ الَملَائِكَةُ في بُيُوتِكُمْ. وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لجَاءُ اللهُ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ حَتَّى يُذْنبِوا فَيَغْفِرَ لَهُمْ\" (^١) ..\nوهو في حديثه يربط بين الجهاد وذكر الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (^٢) وفي الترمذي مرفوعًا: يقول الله: \"إنَّ عَبْدِي كلَّ عَبْدِي: الَّذِي يَذْكُرُنى وَهُوَ مُلاقٍ قِرْنَه\" (^٣) كما يربط بين الذِّكر وبين الحج والصلاة وإبتغاءِ فضل الله. ويعقب على هذا بقوله: \"ولهذا ورد فضل ذكر الله في الأسواق وفي مواطن الغفلة .. \" ثم يذكر نماذج رائعة لذلك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-19>٦ - الكتاب فى ثوب جديد</span>\nوأعود إلى الكتاب الذي بين يديَّ، فأرى فيه خُطْوةً على طريق العناية بالحديث الشريف.\nفهذا طريق قل سالكوه، وأصبح العاملون في ميدانه قلة نادرة يتخطف الموت منهم أكثر مما تفرضه المسئولية على الأجيال اللاحقة لملء الفراغ، وهو فراغ موحش!\nأكثر من كِتاب من كتب الأحاديث مات محققوها دون أن يكملوها، فبقيت في تراثنا المعاصر شواهد تدعو الأجيال إلى العمل، ولم تجد بعد من يستجيب لهذا النداء! وفي بقائها دون إكمال، مؤشر يحدد المستوى الذي نرجو جميعًا أن نرتفع فوقه، إلى مسئوليتنا نحو الحديث الشريف. هذا إلى كتب كثيرة من أمهات مصادر الحديث، لا زالت بحاجة إلى تحقيق ونشر علمي.\nولقد بدأت الأجيال الجديدة من شباب الأزهر تستجيب، وأعطاها أساتذة الأزهر، في كلياته وخارجها، ما يستطيعون من عون وتوجيه، وأخذت كلية أصول الدين، ومجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، وجهود علمائنا، تخطط لزيادة العناية\n_________\n(^١) لطائف المعارف ص ٩.\n(^٢) سورة الأنفال: ٤٥.\n(^٣) جامع العلوم والحكم: في شرح الحديث الخمسين.","vol":"1","page":40},{"text":"بعلوم الحديث، وأخذت الجامعات الإسلامية، ما بين المحيطين الهادي والأطلسي، تنشئ لذلك معاهد متخصصة، وتعلن ذلك في توصياتها وبياناتها في مؤتمراتها العلمية. وتعاونت دور النشر على تمويل هذه المشروعات، ودخلت الأهرام مشكورة في هذا المجال الإسلامي، وفي لقاءاتي مع المعنيين بالحديث الشريف من أساتذة الأزهر الشريف، ومع الأساتذه الزائرين والمنتدبين، وإخواننا من أبناء العالم الإسلامي، لمست طوالع عصر نهضة جديدة، وعناية بالحديث الشريف، نرجو أن تؤتي ثمارها، وتقوم بملء الفجوة التي تشير إليها مجموعة من أمهات كتب الحديث، بقيت دون إكمال، بعد أن سبق إلى الله من قاموا بتحقيق أجزاء منها.\nما يقوم به السيد الدكتور \"محمد الأحمدي أبو النور\" محقق هذا الكتاب من تحقيق علمي منهجى يستند إلى المصادر الأصلية، إنما هو خطوة على هذا الطريق الطويل، الذي يحتاج منا إلى أحسن تعاون بين أبناء الجيل الواحد، وبين أجيال الأساتذة والطلاب، على أساس من الإخاء العلمي، الذي يرتفع بنا إلى مستوى تتحدد فيه أبعاد المسئولية نحو المصدر الثاني من مصادر ديننا، بعد كتاب الله تعالى.\nواللهَ أدعو أن يبارك في هذه الجهود الشابة، التي يسهم فيها أبناء الأزهر الشريف، وأن يجعل التعاون البناء، والإخاء العلمي، والدقة العلمية؛ شعار هذه النهضة في علوم الحديث.\nوأن يجزي الأهرام وكل عامل في حقل الحديث الشريف عن الإسلام خير الجزاء، وأن يجعل هذا الجهاد العلمي متواكبًا مع جهادنا، من أجل أسترداد مقدساتنا وأرضنا السليبة.\nربنا آتنا من لدنك رحمة وهيِّئ لنا من أمرنا رشدا.\nالقاهرة في:\n٢ من ذي الحجة ١٣٨٩ هـ ٨ من فبراير ١٩٧٠ م\nالدكتور/ عبد العزيز كامل\nوزير الأوقاف وشئون الأزهر\nسَابقًا","vol":"1","page":41},{"text":"صورة غلاف النسخة \"أ\"","vol":"1","page":42},{"text":"صورة اللوحة رقم (١) من النسخة \"أ\"","vol":"1","page":43},{"text":"صورة اللوحة رقم (٢) من النسخة \"أ\"","vol":"1","page":44},{"text":"صورة اللوحة رقم (٣) من النسخة (أ)","vol":"1","page":45},{"text":"صورة اللوحة الأخيرة من النسخة \"أ\" وبها خط المؤلف وإجازته","vol":"1","page":46},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n(^١) وصلواته وسلامه الأتمَّان الأكْملان على سيدنا محمد وآله وصحبه.\nقال الشيخ الإمام العالم الأوحد، شرف الإسلام، مفتي االأنام، بقية السلف الكرام: الشيخ زين الدين: عبد الرحمن بن الشيخ الإمام العلامة شهاب الدين: أحمد ابن الشيخ الإمام: رجب البغدأدي، فسح اللَّه في مدته، ونفع به، وأمتع المسلمين بطول بقائه، بمنّه وكرمه.\nالحمد الله الذي أكمل لنا الدين، وأتم علينا النعمة، وجعل أمتنا -ولله الحمد- خير أمة، وبعث فينا رسولا منا يتلو علينا آياته ويزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة.\nأحمده (^٢) على نعمد الجمة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ شهادة تكون لمن اعتصم بها خيرَ عصمة.\nوأشهد أن محمدا عبده ورسوله؛ أرسله للعالمين رحمة، وفوَّض (^٣) إليه بيانَ ما أُنزل إلينا، فأوضح لنا كلَّ الأمور المهمة، وخصَّه بجوامع الكلم، فربما جمع أشتاتَ الحِكَم والعلوم في كلمة أو في شَطْر كلمة!!\nصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه (^٤) الأئمة: صلاة تكون لنا نورًا من كل ظُلمة، وسلَّمَ تسليمًا (^٥) كثيرًا.\n* * *\nأما بعد؛ فإن الله ﷾ بعث محمدا -ﷺ- بجوامع الكلم، وخصه ببدائع الحِكَم؛ كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -ﷺ- قال:\n_________\n(^١) من هنا إلى قوله: وصحبه ليس في أ. وإلى قوله: \"البغدادي\" ليس في هـ، ولا في م، ولا في ن. وفي ب، س: ﵀ ورضي عنه، وأثابه الجنة بمنه وكرمه. وفي (و) \"ببقائه\".\n(^٢) في و: \"أشكره\".\n(^٣) في صلب م، هـ: \"وفرض عليه\" وبالهامش إشارة إلى أن في نسخة: \"وفرض\".\n(^٤) فى و: \"-ﷺ-\". وعلى آله وصحبه.\n(^٥) سقط من \"ب\" وفي أ: \"وسلم تسليمًا\" وليس فيه لفظ \"كثيرا\".","vol":"1","page":47},{"text":"\"بُعِثْتُ بِجَوَامعِ الْكَلِمِ\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-21>[معنى جوامع الكلم]:</span>\nقال الزهري (^٢) [﵀]:\nجوامع الكلم -فيما بلغنا: أن الله تعالى يجمع له الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الكتب قبله: في الأمر الواحد والأمرين، ونحو ذلك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-22>[أدلة أخرى على أنه -ﷺ- أوتي جوامع الكلم]:</span>\nوخرَّج الإمام أحمد، ﵀، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص (^٣) ﵁ قال:\n\"خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله -ﷺ- يَوْمًا كالمَوَدِّع فَقَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ النَّبِيُّ الأُمِّي -قَالَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ- ولا نَبِيَّ بَعْدِي، أُوتيتُ فَوَاتَحِ الْكَلِم، وَخَواتِمَهُ وَجَوامِعَه .. وذَكرَ الْحَدِيثَ\" (^٤).\nوخرج أبو يعلى الموصلي من حديث عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي -ﷺ- قال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد: باب قول النبي -ﷺ-: نصرت بالرعب مسيرة شهر ٦/ ١٢٨. ومسلم أول كتاب المساجد ومواضع الصلاة ١/ ٣٧٠ - ٣٧١.\nقال الهروي: بعثت بجوامع الكلم يعني: القرآن جمع الله تعالى في الألفاظ اليسيرة منه المعاني الكثيرة. وكلامه -ﷺ- كان بالجوامع، قليل اللفظ، كثير المعاني.\n(^٢) في صلب م، هـ: \"النووي\" وبالهامش إشارة إلى أن في نسخة: \"الزهري\" وهذا يشعر أن النووي هو الصواب وليس كذلك؛ فالزهري هو قائل هذا فيما ثبت بالأصول الخطية، وفيما نقله عنه البخاري في كتاب التعبير: باب المفاتيح في اليد ١٢/ ٢٥٣، وفيما ذكره ابن حجر في هذا الموضع، وفي كتاب الاعتصام: باب قول النبي -ﷺ- بعثت بجوامع الكلم ١٣/ ٣٠٩ من الفتح، والبيهقي في الدلائل ٥/ ٤٧١.\n(^٣) في هـ، م: \"وخرج الإمام أحمد ﵀ من حديث عمرو بن العاص\" وهذا خطأ: فالإمام أحمد لم يخرج الحديث في مسنده من حديث عمرو بن العاص وإنما خرجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ١٠/ ١٠٧ - ١٠٨ (معارف) من طريقين: أحدهما حسن، والآخر صحيح كما ذكر محققه: العلامة المرحوم الشيخ أحمد شاكر وانظر رده على الهيثمي في تضعيفه الحديث.\n(^٤) تتمة الحديث بعد هذا: \"وعلمت كم خزنة النار، وحملة العرش، وتجوز لي، وعوفيت، وعوفيت أمتي، فاسمعوا وأطيعوا مادت فيكم، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله وحرموا حرامه\".","vol":"1","page":48},{"text":"\"إِنِّي أُوتيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وخَوَاتِمَه، واختُصِرَ ليَ الحديثُ اختِصَارًا\" (^١).\n* * *\nوخرج الداراقطني (^٢) ﵀ من حديث ابن عباس ﵄، عن النبي -ﷺ- قال:\n\"أُعْطِيتُ جَوامِعَ الْكَلِمِ، واخْتُصِرَ ليَ الْحِدِيثُ اختِصَارًا \".\n* * *\nورُوِّينا من حديث عبد الرحمن بن إسحاق القرشي عن أبي بُرْدَة عن أبي موسى (الأشعري ﵁) قال: قال رسول الله -ﷺ-:\n\"أُعْطيتُ فَوَاتحَ الكَلِمِ وَخَواتِمَهُ وَجَوامِعَة؛ فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله! علِّمنَا مِمَّا عَلَّمكَ الله ﷿. قَالَ فَعَلَّمَنَا التَّشَهُّدَ\" (^٣).\n* * *\nوفي صحيح مسلم عن سعيد بن أبي بردة بن (^٤) أبي موسى عن أبيه، عن جده: أن النبي -ﷺ- سئل عن البِتْع والمِزْرِ قال: وكان رسول الله -ﷺ- قد أُعْطِىَ جوامِع الكَلِم بخواتِمه فقال:\n\"أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكرٍ أسكر عَنِ الصَّلاةِ\" (^٥).\n_________\n(^١) ليس هذا الحديث في المطبوع من مسند أبي يعلى المختصر، لكن أورده ابن حجر في المطالب العالية ٤/ ٢٨ - ٢٩ عن أبي يعلى من مسنده الكبير أو روايته المطولة، وفيه \"يا أيها الناس: إني قد أوتيت … الحديث\" وقد أورده السيوطي في الجامع الصغير عن أبي يعلى وذكر المناوي في التيسير ١/ ١٧١ أن إسناده حسن.\n(^٢) في السنن ٤/ ١٤٤ - ١٤٥، وفي إسناده زكريا بن عطية، منكر الحديث كما في الجرح والتعديل ٣/ ٥٩٩ وبلفظ الدارقطني أورده السيوطي عن أبي يعلى من حديث عمر، والذي أورده ابن رجب قبل هذا مباشرة.\n(^٣) رواه أبو يعلى في مسنده بإسناد ضعيف كما ذكر الشيخ ناصر الألباني في الأحاديث الصحيحة ١٤٨٣ لكن له شاهدًا من الصحيح عند أحمد في المسند من طريقين ٥/ ٣٣٦ و٦/ ٩٧ (المعارف) من حديث ابن مسعود ﵁ قال: إن رسول الله -ﷺ- علم فواتح الخير وجوامعه، أو جوامع الخير وفواتحه .. الحديث.\n(^٤) في م، هـ: \"عن أبي موسى\" ولا يلتئم مع لاحقه (٣/ ١٥٨٦)\n(^٥) في صحيح مسلم من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى، قال: بعثني النبي -ﷺ- أنا ومعاذ بن جبل إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله! إن شرابا يصنع بأرضنا يقال له: المزر، من الشعير، وشراب يقال له: البتع، من العسل. فقال: \"كل مسكر حرام\".\nوفي رواية تالية:\nفقلت: يا رسول الله أفتنا في شرابين كنا نصنعهما باليمن: البتع وهو من العسل، والمزر وهو من الذرة =","vol":"1","page":49},{"text":"وروى هشام بن عمار (^١) في كتاب المبعث (^٢) بإسناده عن أبي سلام (^٣) الحبشي قال: حدثت أن النبي -ﷺ- كان يقول: \"فُضّلْتُ عَلَى مَنْ قَبلي بِستٍّ وَلا فَخْرَ، فَذَكَرَ مِنْها جَوَامِعَ الْكَلِمَ، فقال: قال: وَأُعْطَيتُ جَوَامِعَ الْكَلم، وَكَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يَجْعَلونَها جُزءًا بِالَّليل إلى الصَّباح فَجَمَعَهَا لِي رَبِّي في آية وَاحِدَةٍ ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-23>[جوامع الكلم نوعان]:</span>\nفجوامع الكلم التي خص بها النبي -ﷺ- نوعان:\nأحدهما: ما هو في القرآن كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (^٥).\nقال الحسن: لم تترك هذه الآية خيرًا إلا أمرت به، ولا شرًّا إلا نهت عنه.\nوالثاني: ما هو في كلامه -ﷺ- وهو منتشر موجود في السن المأثورة عنه -ﷺ-.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-24>[المصنفات في جوامع الكلم]:</span>\nوقد جمع العلماء ﵃ جموعا من كلماته -ﷺ- الجامعة، فصنف الحافظ أبو بكر بن السني كتابا سماه: \"الإيجاز وجوامع الكلم من السنن المأثورة\".\nوجمع القاضي أبو عبد الله القُضاعي من جوامع الكلم الوجيزة (^٦) كتابا سماه: \"الشهاب في الحكم والآداب\".\n_________\n= والشعير ينبذ حتى يشتد قال: وكان رسول الله -ﷺ- قد أعطى جوامع الكلم .. الحديث قال النووي ١٣/ ١٧٠: جوامع الكلم إشارة إلى إيجاز اللفظ مع تناوله المعاني الكثيرة جدا وقوله \"بخواتمه أي كأنه يختم على المعاني الكثيرة التي تضمنها اللفظ اليسير فلا يخرج منها شيء عن طالبه ومستنبطه؛ لعذوبة لفظه وجزالته.\n(^١) هو أبو الوليد السلمي الدمشقي، روى عن مالك، وروى عنه البخاري، وألف كتبًا منها: مبعث النبي -ﷺ-. ولد سنة ١٥٣ هـ وتوفي سنة ٢٤٥ وله ترجمة في العبر ١/ ٣٥١، وميزان الاعتدال ٤/ ٣٠٢ - ٣٠٤، وتهذيب التهذيب ١١/ ٥١ - ٥٤.\n(^٢) في ن، هـ، م: \"البعث\" وهو تحريف.\n(^٣) في هـ، م: \"سالم\" وهو خطأ.\n(^٤) سورة الحديد: ١.\n(^٥) سورة النحل: ٩٥.\n(^٦) في هـ، م: \"المجيزة\" وأشير بالهامش إلى أن في نسخة أخري \"الوجيزة\".","vol":"1","page":50},{"text":"وصنف على منواله قوم آخرون. فزادوا على ما ذكره زيادة كثيرة، وأشار الخطابي في أول كتابه: \"غريب الحديث\" إلى يسير من الأحاديث الجامعة (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-25>[خطوة واسعة لابن الصلاح]</span>\nوأملى الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح مجلسا سماه الأحاديث الكلية، جمع فيه الأحاديث الجوامع التي يقال إن مدار الدين عليها، وما كان في معناها من الكلمات الجامعة الوجيزة؛ فاشتمل مجلسه -هذا- على ستة وعشرين حديثًا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-26>[النووي يتمها اثنين وأربعين]</span>\nثم إن الفقيه الزاهد القدوة أبا زكريا: يحيى النووي -رحمة الله عليه- أخذ هذه الأحاديث التي أملاها ابن الصلاح، وزاد عليها تمام اثنين وأربعين حديثًا، وسمي كتابه بالأربعين.\nواشْتُهرت هذه الأربعون التي جمعها، وكثر حفظها، ونفع الله بها؛ ببركة نية جامعها وحُسْنِ قَصْده، رحمه الله تعالى.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-27>[ابن رجب يوفي بها خمسين]</span>\nوقد تكرر سؤال جماعة من طلبة العلم والدين لتعليق شرح لهذه الأحاديث المشار إليها، فاستخرت الله تعالى في جمع كتاب يتضمن شرح ما يسره الله تعالى من معانيها، وتقييد ما يفتح به سبحانه من تبيين قواعدها ومبانيها.\nوإياه أسأل العون على ما قصدت، والتوفيقَ لصلاح النية والقصدِ فيما أردت (^٢).\nوأعوِّل في أمري كلِّه عليه، وأبرأ من الحول والقوة إلا إليه.\n* * *\nوقد (^٣) كان بعض من شرح هذه الأربعين تعقب على جامعها -﵀-:\n_________\n(^١) ١/ ٦٤ وما بعدها.\n(^٢) في (ب): \"فيما أردت\".\n(^٣) ب: \"وقيل\".","vol":"1","page":51},{"text":"تَرْكَه لحديث:\n\"ألْحِقُوا الْفرائِضَ بِأهْلِها فَمَا أبقْتِ الْفرائضُ فلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَر\".\nقال: لأنه الجامع لقواعد الفرائض التي هي نصف العلم، فكان ينبغي ذكره في هذه الأحاديث الجامعة، كما ذكر حديث: \"البَيِّنَةُ على المدعي، واليمين على من أنكر\" لجمعة لأحكام القضاء؛ فرأيت أنا أن أضم هذا الحديث إلى أحاديث الأربعين التي جمعها الشيخ، ﵀، وأن أضم إلى ذلك كله أحاديث أخر من جوامع الكلم الجامعة لأنواع العلوم والحكم؛ حتى تكمل عدة الأحاديث كُلِّها خمسين حديثًا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-28>[الأحاديث المزيدة].</span>\nوهذه (^١) تسمية الأحاديث المزيدة على ما ذكره الشيخ ﵀ في كتابه:\n[١]- حديث: \"أَلْحقُوا الْفَرائِضَ بِأهْلِهَا\".\n[٢]- حديث: \"يَحْرُم مِنَ الرِّضَاع مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ\".\n[٣]- حديث: \"إنَّ الله إِذا حَرَّمَ شَيْئًا حَرَّمَ ثَمَنهُ\".\n[٤]- حديث: \"كُلُّ مُسْكرٍ حَرَامٌ\".\n[٥]- حديث: \"مَا مَلأَ ابْنُ آدَمَ وِعاءً شَرًّا مِن بَطْنِهِ\".\n[٦]- حديث: \"أرْبعٌ مَنْ كُنَّ فيه كانَ مُنَافقًا\".\n* * *\n[٧]- وحديث: \"لَوْ أَنكُمْ تَوكَّلْتُمْ عَلَى الله حَقَّ تَوكُّلِهِ لَرزَقَكُمْ كَمَا يَرْزق الطيْرَ\".\n* * *\n[٨]- وحديث: \"لا يَزَالُ لِسَانُك رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ الله ﷿\".\n* * *\nوسَميته: (جامع العلوم والحكم، في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم).\n* * *\n_________\n(^١) هـ، م: \"فهذه\".","vol":"1","page":52},{"text":"<span data-type='title' id=toc-29>[ابن رجب يوجز القول عن منهجه]:</span>\nواعلم أنه ليس غرضي (إلا شرح الألفاظ النبوية التي تضمنتها هذه الأحاديث الكلية فلذلك لا أتقيد بألفاظ (^١) الشيخ ﵀) (^٢) في تراجم رواة هذه الأحاديث من الصحابة ﵃، ولا بألفاظه في العزو إلى الكتب التي يعزو إليها، وإنما آتي بالمعنى الذي يدل على ذلك؛ لأني قد أعلمتك أنه ليس لي غرض في غير شرح معاني كلمات النبي -ﷺ- الجوامع وما تَتَضمَّنُه (^٣) من الآداب، والحكم، والمعارف، والأحكام، والشرائع.\nوأشير إشارة لطيفة -قبل الكلام في شرح الحديث- إلى إسناده؛ ليُعْلَم بذلك صحتُهُ وقوتُهُ وضعفُهُ.\nوأذكر بعض ما روي في معناه من الأحاديث إن كان في ذلك الباب شيءٌ غيرُ الحديث الذي ذكره الشيخ.\nوإن لم يكن في الباب غيره، أو لم يكن يصح فيه غيره - نَبَّهْتُ على ذلك كلِّه (^٤).\nوبالله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وهو حسبي ونعم الوكيل (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) في هـ، م: بكلام، وأشير بالهامش إلي ما أثبتناه تبعًا للأصول.\n(^٢) ما بين القوسين سقط من ب.\n(^٣) في س، م، هـ: \"يتضمنه\" وفي ن \"تضمنته\" وقد أشير إليها في هامش م، هـ، ا: \"تضمنه\".\n(^٤) ب: \"ونبهت على ذلك كله\".\n(^٥) م: \"وبالله التوفيق والمستعان وعليه التكلان ب - بعد هذا: \"وهو حسبي\" إلخ.","vol":"1","page":53},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type='title' id=toc-30>الحديث الأول</span>\n\" عَنْ أَمير الْمؤمنين: أَبي حَفْصٍ: عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ (^١) ﵁ قَالَ:\nسَمِعْتُ رَسُولَ الله -ﷺ- يَقُولُ: \"إِنَّما الأعْمَالُ بِالنّيات، وِإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوىَ، فَمنْ كَانتْ هِجرتُهُ إِلى الله وَرَسُولِه فَهِجْرتُه إِلى الله وَرَسُولِه، ومَنْ كانتْ هِجْرتُهُ لِدُنيا يُصِيبُهَا، أو امرأةٍ يَنكِحُهَا فَهِجْرتُهُ إلى مَا هَاجَرَ إليْه\". رواه البخارىِ ومسلم:\n\n<span data-type='title' id=toc-31>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث تفرد بروايته يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب ﵁.\nوليس له طريق يصح غير هذا الطريق.\nكذا قال على بن المديني وغيره.\nوقال الخطابي: \"لا أعلم خلافًا بين أهل الحديث في ذلك\" (^٢).\nمع أنه قد روى من حديث أبي سعيد وغيره.\nوقد قيل: إنه قد روى من طرق كثيرة لكن لا يصح من ذلك شيء عند الحفاظ.\nثم رواه عن الأنصاري الخلق الكثير، والجم الغفير؛ فقيل: رواه عنه أكثر من مائتي (^٣)\n_________\n(^١) هو الخليفة العادل الذي جعل الله الحق على لسانه وقلبه، ونعم المجتمع في عهده بالعدالة والمساواة والحرية، ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة، ودامت خلافته بعد أبي بكر عشر سنوات، وستة أشهر واستشهد لأربع بقين من ذي الحجة سنة ٢٣ هـ.\nوترجمته في الاستيعاب ٢/ ١١٤٤ - ١١٥٩، وأسد الغابة، والرياض النضرة ١/ ٢٤٥ - ٢/ ١٠٩، والبداية والنهاية ٧/ ١٣٣ - ١٤١، والإصابة ٤/ ٢٧٩ - ٢٨٠، وحلية الأولياء ١/ ٣٨ - ٥٥، ومناقب عمر بن الخطاب لابن الجوزي ط دار الكتاب العربي تحقيق د. السيد الجميلي والطقبات الكبرى لابن سعد (العشرة المبشرون بالجنة) ٥٧ - ١٥٣ ط. الزهراء للإعلام العربي.\n(^٢) وأورده عنه المنذري في الترغيب ١/ ٦٤ وانظر الفتح ١/ ١١ فقد وضح عبارة الخطابي.\n(^٣) ذكر ذلك النووي في شرحه للبخاري ١/ ٢٧ ثم أضاف: فهو حديث مشهور بالنسبة إلى آخره، غريب =","vol":"1","page":55},{"text":"راوٍ وقيل: رواه عنه سبعمائة راوٍ (^١).\nومن أعيانهم: [الإمام] مالك، والثوري، والأوزاعي، وابن المبارك، والليث بن سعد، وحماد بن زيد، وشعبة، وابن عيينة، وغيرهم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-32>[صحة الحديث وتلقي الأمة له]:</span>\nواتفق العلماء على صحته وتلقِّيه بالقبول، وبه صدَّر البخاري كتابه الصحيح (^٢) وأقامه مقام الخطة له؛ إشارة منه إلى أن كل عمل لا يراد به وجه الله فهو باطل، لا ثمرة له في الدنيا، ولا في الآخرة؛ ولهذا قال عبد الرحمن بن مهدي: \"لو صنفت الأبواب (^٣) لجعلت حديث عمر [بن الخطاب] في الأعمال بالنية في كل باب\".\nوعنه أنه قال: \"من أراد أن يصنِّفَ كتابًا فليبدأ بحديث الأعمال بالنيات\" (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-33>[القيمة العلمية للحديث]:</span>\nوهذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور الدين عليها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-34>[عند الشافعي]:</span>\nفروي عن الشافعي أنه قال: \"هذا الحديث ثُلُث العلم، ويدخل في سبعين بابًا من\n_________\n= بالنسبة إلى أوله، وليس متواترًا؛ لفقد شرط التواتر في أوله، ولكنه مجمع على صحته. إلخ.\n(^١) القائل بهذا هو الحافظ أبو إسماعيل الأنصاري الهروي كما ذكره ابن حجر في فتح الباري ١/ ٩ وقد عقب عليه بقوله: وأنا أستبعد صحة هذا؛ فقد تتبعت طرقه من الروايات المشهورة والأجزاء المنثورة منذ طلبت الحديث إلى وقتي هذا، فما قدرت على تكميل المائة.\nوانظر عمدة القاري ١/ ٢٠.\n(^٢) لم يقتصر البخاري على إخراج هذا الحديث في صدر الصحيح، وإنما أخرجه كذلك في مواطن عديدة من صحيحه، منها كتاب الإيمان: باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئ ما نوى ١/ ١٢٦، وكتاب الفضائل: باب هجرة النبي -ﷺ- ٧/ ١٧٧ من الفتح.\nوأخرجه مسلم في كتاب الإمارة: باب قوله -ﷺ-: إنما الأعمال بالنية ٣/ ١٥١٥ - ١٥١٦.\n(^٣) ب: \"لو صنفت كتابا في الأبواب\".\n(^٤) أورده النووي عنه في شرحه للأربعين ص ٤٢، وشرحه لمسلم ١٣/ ٥٣، وابن حجر في الفتح ١/ ١١ بلفظ: ينبغي أن يجعل هذا الحديث رأس كل باب. وانظر عمدة القاري ١/ ٢٢.","vol":"1","page":56},{"text":"الفقه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-35>[عند أحمد]:</span>\nوعن الإمام أحمد ﵁ قال: \"أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث:\nحديث عمر: \"إنما الأَعْمَالُ بِالنِّيات\".\nوحديث عائشة: \"مَنْ أَحْدَثَ فيِ أَمْرِنَا [هَذَا] مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ\".\nوحديث النعمان بن بشير: \"الْحَلَالُ بَيِّنٌ والْحَرَامُ بَيِّنٌ\" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-36>[عند الحاكم]:</span>\nوقال الحاكم: \"حدثونا عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه: أنه ذكر قوله ﵇: \"الأعمال بالنيات\"\nوقوله: إنَّ خَلْقَ أَحَدِكُم يجمَعُ فيِ بَطْن أُمِّه أَرْبَعيِنَ يَوْمًا\" (^٣).\nوقوله: \"مَن أحْدَثَ فيِ ديننا مَا لَيْسَ مِنْهُ (^٤) فَهُوَ رَدٌّ\" (^٥) فقال: ينبغي أن يبدأ (^٦) بهذه الأحاديث في كل تصنيف. فإنها أصول الأحاديث\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-37>[عند إسحاق بن راهويه]:</span>\nوعن إسحاق بن راهويه قال: \"أربعة أحاديث هي من أصول الدين: حديث عمر: \"إنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ\".\nوحديث: \"الْحَلَالُ بيِّنٌ والْحَرامُ بَيِّنٌ\" (^٧).\nوحديث: \"إِنَّ خَلْقَ أَحَدِكُمْ يُجْمَعُ في بَطْن أُمِّهِ أَرْبَعين يَوْمًا\".\n_________\n(^١) أورده النووي عنه في شرحه للأربعين في الموضع السابق، وفي شرحه لمسلم كذلك.\nوأورده ابن حجر في الفتح ١/ ١١ هو والأثر السابق، وابن دقيق العيد في شرحه للأربعين ص ١٠.\nورواه البيهقي في السنن الكبرى ٢/ ١٤ شطره الأول.\n(^٢) ب: \"حلال بَيِّنٌ وحرام بَيِّنٌ\"، وانظر الفتح في الموضع السابق، والفتوحات الربانية ١/ ٦٥.\n(^٣) هو الحديث الرابع في هذا الكتاب.\n(^٤) في هـ، م: \"فيه\".\n(^٥) هو الحديث الخامس.\n(^٦) في هـ، م: \"يبتدأ\".\n(^٧) هو الحديث السادس. والحديثان التاليان هما الرابع والخامس.","vol":"1","page":57},{"text":"وحديث: \"مَنْ صَنَعَ في أمْرنَا (^١) مَا لَيْسَ مِنْهُ (^٢) فَهُوَ رَدٌّ\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-38>[عند أبي عبيد]:</span>\nوروى عثمان بن سعيد عن أبي عبيد قال: \"جمع النبي -ﷺ- جميع أمر الآخرة في كلمة: \"مَنْ أَحْدَثَ فيِ أَمْرنا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ\".\nوجمع أمر الدنيا كلَّه في كلمة:\n\"إنما الأعْمَال بالنِّيات\":\nويدخلان في كل باب (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-39>[عند أبي داود]:</span>\nوعن أبي داود قال: \"نظرت في الحديث المسند فإذا هو أربعة آلاف حديث، ثم نظرت فإذا مدار الأربعة (^٤) آلاف حديث على أربعة أحاديث:\nحديث النعمان بن بشير: \"الْحَلَالُ بيِّنٌ والْحَرَامُ بَيِّنٌ\".\nوحديث عمر: \"إِنَّما الأعْمالُ بِالنِّيات\".\nوحديث أبي هريرة: إِنَّ الله طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وإنَّ الله أَمَرَ الْمؤمنين بِما أَمَرَ بِه المرْسَلينَ. . الحديث\" (^٥).\nوحديث: \"مِنْ حسنِ إِسْلامِ المرْءِ تَرْكُهُ مَالا يَعْنيِهِ\".\nقال: \"فكل حديث من هذه الأربعة ربع العلم\".\n* * *\nوعن أبي داود، أيضًا قال: \"كتبت عن رسول الله -ﷺ- خمسمائة ألف حديث، انتخبت منها ما ضمَّنْتُهُ هذا الكتاب، يعني كتاب السنن، جمعت فيه أربعة آلاف وثمانمائة حديث (^٦).\n_________\n(^١) في هـ، م: \"من صنع في أمرنا شيئًا ما\". د: \"شيئا ما ليس. . .\".\n(^٢) في هـ، م: \"فيه\".\n(^٣) ظ: \"يدخلان في كل باب\".\n(^٤) في هـ، م: \"أربعة\".\n(^٥) هو الحديث العاشر من هذا الكتاب.\n(^٦) رسالة أبي داود إلى أهل مكة عن كتابه: \"السنن\".","vol":"1","page":58},{"text":"ويكفىِ الإنسانَ من ذلك لدينه أربعةُ أحاديث:\nأحدها: قوله -ﷺ-: \"الأَعْمَالُ بِالنِّياتِ\" (^١).\nوالثاني: قوله -ﷺ-: \"مِنْ حُسْن إِسْلام الْمرءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنيه\".\nوالثالث: قوله -ﷺ-: \"لا يَكُونُ المؤمن مُؤْمنًا حَتَّى لا يَرْضَى لأخِيه إِلَّا مَا يرَضَى لِنَفْسِهِ\".\nوالرابع: قوله -ﷺ-: \"الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرامُ بيِّنٌ\" (^٢).\n* * *\nوفي رواية أخرى عنه أنه قال:\nالفقه (^٣) يدور على خمسة أحاديث: \"الْحَلَالُ بَيِّنٌ والْحَرَامُ بَيِّنٌ\".\nوقوله -ﷺ-: \"لا ضَرَرَ وَلا ضِرَار\" (^٤).\nوقوله \"الأَعَمالُ بِالنِّيات\".\nوقوله: \"الدِّينُ النَّصيِحَةُ\" (^٥).\nوقوله: \"مَا نَهْيتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمرْتُكُمْ بِه فَائْتُوا منه مَا اسْتَطَعْتُمْ\" (^٦).\n* * *\nوفي رواية عنه، قال: \"أصول السُّنن في كل فن أربعة أحاديث: حديث عمر (^٧): \"إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّات\".\nوحديث: الْحَلالُ بَيِّنٌ، والْحَرامُ بَيِّنٌ\".\nوحديث: \"مِنْ حُسْنِ إِسْلام الْمرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنيه\".\nوحديث: \"ازْهَدْ في الدُّنْيا يُحِبَّكَ الله وازْهَدْ فيِمَا في أَيْدى النَّاسِ يُحِبَّك النَّاسُ\" (^٨).\n* * *\n_________\n(^١) في ب، ن: \"الأعمال بالنيات\".\n(^٢) انظر عمدة القارى ١/ ٢٢ والتمهيد ٩/ ٢٠١ وشرح السيوطي على النسائي ٧/ ٢٤١ - ٢٤٢. والفتوحات ١/ ٦٤.\n(^٣) في و: \"الفقيه\".\n(^٤) ما بين القوسين سقط من و. وهو الحديث الثاني والثلاثون من الكتاب.\n(^٥) وهو الحديث السابع من الكتاب.\n(^٦) وهو الحديث التاسع من الكتاب.\n(^٧) ليست في أ.\n(^٨) في م \"يحبك الله\" وهو خلاف ما في الأصول.","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type='title' id=toc-40>[عند الحافظ طاهر بن مفوِّز]:</span>\nوللحافظ أَبي الحس: طاهر بن مُفَوِّز (^١) المعافري الأندلسي:\nعمدة (^٢) الدين عندنا كلمات … أربعٌ من كَلام خَيْرِ البَريّهْ\n\"اتق الشبهات\" (^٣) \"وازهد\" ودع ما … ليس يعنيك\" \"واعْمَلنَّ بنيّهْ\"\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-41>[معنى قوله -ﷺ-: إنما الأعمال بالنيات]:</span>\n• فقوله -ﷺ-: \"إِنَّما الأَعْمَالُ بِالنِّيات\".\nوفي رواية: \"الأعْمَالُ بِالنِّيات\":\nوكلاهما يقتضي الحصر على الصحيح، وليس غرضنا ها هنا توجيهَ ذلك ولا بسطَ القول فيه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-42>[عند كثير من المتأخرين]:</span>\nوقد اختلف في تقدير قوله: \"الأعمال بالنيات\": (فكثير من المتأخرين يزعم أنا تقديره: الأعمال صحيحة، أو معتبرة ومقبولة، بالنيات) (^٤) وعلى هذا: فالأعمال إنما أريد بها: الأعمالُ الشرعيةُ المفتقرةُ إلى النية.\n\n<span data-type='title' id=toc-43>[الأعمال ليست على عمومها]:</span>\nفأما ما لا يفتقر إلى النية كالعادات من الأكل والشرب واللبس وغيرها، أو مثل رد الأمانات والمضمونات كالودائع والغصوب (^٥)، فلا يحتاج شيء من ذلك إلى نية.\n_________\n(^١) في م \"مفون\" وهو خطأ، وطاهر بن مفوز من أهل شاطبة. روي عن ابن عبد البر وكان أثبت الناس فيه، وسمع من الباجي وغيره، وعنى بالحديث حفظا وإتقانا.\nوالبيتان المذكوران قد أوردهما ابن بشكوال عند ترجمته له في الصلة ١/ ٢٣٥ - ٢٣٦) ولد سنة ٤٢٧ وتوفى سنة ٤٨٤. والأبيات في العمدة ١/ ٢٢ وشرح السيوطي للنسائي ٧/ ٢٤٢.\n(^٢) في الصلة ون: \"عدة\".\n(^٣) في الصلة: \"المشبهات\".\n(^٤) ما بين القوسين ليس في ب. وفي أ أو مقبولة، وقد ضرب على الألف هكذا: (×).\n(^٥) في ن، و: \"المغضوب\" وهو تحريف","vol":"1","page":60},{"text":"فيخص هذا كله من عموم الأعمال المذكورة ها هنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-44>[وهى على عمومها عند جمهور المتقدمين]:</span>\nوقال آخرون: بل الأعمال هنا على عمومها لا يخص منها شيء.\nوحكاه بعضهم عن الجمهور، كأنه يريد به جمهور المتقدمين.\nوقد وقع ذلك في كلام ابن جرير الطبري، وأبي طالب المكي، وغيرهما من المتقدمين.\nوهو ظاهر كلام الإمام أحمد؛ قال في رواية حنبل (^١): أُحب لكل من عمل عملا من صلاة أو صيام أو صدقة أو نوع من أنواع البر أن تكون النية متقدمة في ذلك قبل الفعل. قال النبي -ﷺ-: \"الأعْمَال بِالنِّيَّات\".\nفهذا يأتي على كل أمر من الأمور.\n* * *\n• وقال الفضل بن زياد: \"سألت أبا عبد الله يعني أحمد عن النية في العمل، قلت: كيف النية؟ قال: يعالج نفسه؛ إذا أراد عملا: لا يريد به الناس\".\n* * *\n• وقال أحمد بن داود الحربي: \"حدث يزيد بن هارون بحديث عمر: \"الأَعْمالُ بالنيَّاتِ\" - وأحمد جالس فقال أحمد ليزيد: يا أبا خالد! هذا الخناق؟! \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-45>[تقدير الكلام]:</span>\nوعلى هذا القول فقيل تقدير الكلام: الأعمال واقعة أو حاصلة بالنيات، فيكون إخبارًا عن الأعمال الاختيارية: أنها لا تقع إلا عن قصد من العامل، وهو سبب عملها ووجودها، ويكون قوله بعد ذلك \"وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئ مَا نَوَى\" إخبارا عن حكم الشرع وهو أن حظ العامل من عمله نيته؛ فإن كانت صالحة؛ فعمله صالح؛ فله أجره، وإن كانت فاسدة؛ [فعمله فاسد] (^٢)؛ فعليه وزره؟.\n* * *\n_________\n(^١) في م: \"حنبل\" وهو تصحيف.\n(^٢) ما بين الرقمين سقط من أ.","vol":"1","page":61},{"text":"<span data-type='title' id=toc-46>[احتمال آخر]:</span>\nويُحتَمل أن يكون التقدير في قوله: \"الأعْمال بِالنِّيَّات\" الأعمال صالحة أو فاسدة أو مقبولة أو مردودة أو مثاب عليها، أو غير مثاب عليها: بالنيات، فيكون خبرًا عن حكم شرعي وهو: أن صلاح الأعمال وفسادها بحسب صلاح النيات وفسادها، كقوله -ﷺ-: \"إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَواتيمِ\" (^١) أي أن صلاحها وفسادها وقبولها وعدمها بحسب الخاتمة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-47>[معنى قوله: \"وإنما لكل امرئ ما نوى\"]:</span>\nوقوله بعد ذلك: \"وإنَّمَا لِكُلِّ امْرِئ مَا نَوى\" إخبار أنه لا يحصل له من عمله إلا ما نواه به: فإن نوى خيرًا حصل له خير، وإن نوى شرًّا حصل له شر.\nوليس هذا تكريرًا محضًا للجملة الأولى؛ فإن الجملة الأولى دلت على أن صلاح العمل وفساده بحسب النية المقتضية لإيجاده، والجملة الثانية دلت على أن ثواب العامل على عمله بحسب نيته الصالحة، وأن عقابه عليه بحسب نيته الفاسدة.\nوقد تكون نيته مباحة؛ فيكون العمل مباحًا؛ فلا يحصل له به ثواب ولا عقاب.\nفالعمل في نفسه: صلاحه وفساده وإباحته بحسب النية (الحاملة (^٢) عليه المقتضية لوجوده، وثواب العامل وعقابه وسلامته بحسب نيتة (^٣» التي بها صار العمل صالحًا أو فاسدًا أو مباحًا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-48>[النية في اللغة]:</span>\nواعلم أن النية في اللغة نوع من القصد والإرادة، وإن كان قد فرق بين هذه الألفاظ بما ليس هذا موضعَ ذكره.\n* * *\n_________\n(^١) هذا جزء حديث أخرجه البخاري في كتاب الرقاق: باب الأعمال بالخواتيم ١١/ ٣٣٠ من الفتح بلفظ: وإنما الأعمال بخواتيمها وفي كتاب القدر: باب العمل بالخواتيم ١١/ ٤٩٩ من الفتح للفظ: وإنما الأعمال بالخواتيم، وكلاهما من حديث سهل بن سعد الساعدي.\n(^٢) في ن: \"الحاصلة\" وهو تصحيف.\n(^٣) ما بين القوسين سقط من ب.","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type='title' id=toc-49>[وعند علماء الشرع]:</span>\nوالنية في كلام العلماء تقع بمعنيين:\nأحدهما: بمعنى (^١) تمييز العبادات بعضها عن بعض كتمييز صلاة الظهر من صلاة العصر مثلًا، وتمييز صيام (^٢) رمضان من صيام غيره، أو تمييز العبادات من (^٣) العادات كتمييز الغسل من الجنابة من غسل التبرد والتنظف ونحو ذلك.\nوهذه النية هي التي توجد كثيرًا في كلام الفقهاء في كتبهم.\n* * *\nوالمعنى الثاني: بمعنى تمييز المقصود بالعمل، وهل هو الله وحده لا شريك له أم الله وغيره؟\nوهذه النية هي التي يتكلم فيها العارفون في كتبهم، في كلامهم على الإخلاص وتوابعه. وهي التي توجد كثيرًا في كلام السلف المتقدمين.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-50>[كتاب الإخلاص والنية]:</span>\nوقد صنف أبو بكر بن أبي الدنيا مصنفًا سماه \"كتاب الإخلاص والنية\" وإنما أراد هذه النية، وهي النية التي يتكرر ذكرها في كلام النبي -ﷺ-: تارة بلفظ النية، وتارة بلفظ الإرادة، وتارة بلفظ مقارب لذلك. وقد جاء ذكرها كثيرًا في كتاب الله ﷿ بغير لفظ النية أيضًا من الألفاظ المقاربة لها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-51>[لماذا فرقوا بين النية والإرادة؟]:</span>\nوإنما فرق من فرق بين النية وبين الإرادة والقصد ونحوهما (^٤) لظنهم اختصاص النية بالمعنى الأول الذي يذكره الفقهاء.\nفمنهم من قال: النية تختص بفعل الناوي، والإرادة لا تختص بذلك؛ كما يريد الإنسان من الله أن يغفر له، ولا ينوي ذلك.\n* * *\n_________\n(^١)، (^٢) سقط من م.\n(^٣) ب: \"عن\".\n(^٤) في ن، ط: \"ونحوها\".","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type='title' id=toc-52>[النية في كلام النبي -ﷺ- وفي القرآن].</span>\nوقد ذكرنا أن النية في كلام النبي -ﷺ- وسلف الأمة إنما يراد بها هذا المعني الثاني غالبًا؛ فهي حينئذ بمعنى الإرادة؛ ولذلك يعبر عنها بلفظ الإرادة في القرآن كثيرًا كما في قوله تعالى:\n﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (^١).\nوقوله ﷿: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (^٢).\nوقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ (^٣) وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨) وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا﴾ (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٥).\nوقوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (^٦).\nوقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (^٧).\nوقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^٨).\nوقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ (^٩).\n* * *\n_________\n(^١) سورة آل عمران: ١٥٢.\n(^٢) سورة الأنفال: ٦٧.\n(^٣) سورة الشورى: ٢٠.\n(^٤) سورة الإسراء: ١٨ - ١٩.\n(^٥) سورة هود: ١٥، ١٦.\n(^٦) سورة الأنعام: ٥٢.\n(^٧) سورة الكهف: ٢٨.\n(^٨) سورة الروم: ٣٨.\n(^٩) سورة الروم: ٣٩.","vol":"1","page":64},{"text":"<span data-type='title' id=toc-53>[النية قد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء]:</span>\nوقد يعبر عنها في القرآن بلفظ الابتغاء كما في قوله تعالى ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (^٢).\nوقوله تعالى ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ (^٣).\nوقوله: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-54>[مع الآية الأخيرة]:</span>\nفنفي الخير عن كثير مما يتناجى الناس به؛ إلا في الأمر بالمعروف، وخص من أفراده الصدقة والإصلاح بين الناس؛ لعموم نفعهما؛ فدل ذلك على أن التناجي بذلك خير، وأما الثواب عليه من الله فخصه بمن فعله ابتغاء مرضاة الله.\nوإنما جعل الأمر بالمعروف من الصدقة والإصلاح بين الناس وغيرهما خيرًا وإن لما يُبْتَغَ به وَجْهُ الله؛ لما يترتب على ذلك من النفع المتعدي؛ فيحصل به للناس إحسان وخير.\nوأما بالنسبة إلى الآمر فإن قَصدَ به وجه الله وابتغاءَ مرضاته؛ كان خيرًا له وأُثيب عليه، وإن لم يقصد ذلك لم يكن خيرًا له، ولا ثواب له عليه.\nوهذا بخلاف من صام وصلى وذكر الله يقصد بذلك عَرَضَ الدنيا؛ فإنه لا خير له فيه بالكلية؛ لأنه لا نفع في ذلك لصاحبه؛ لما يترتب عليه من الإثم فيه، ولا لغيره (^٥) لأنه لا يتعدى نفعه إلى أحدٍ، اللهم! إلا أن يحصل لأحد به اقتداء في ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) سورة الليل: ٢٠.\n(^٢) سورة البقرة: ٢٦٥.\n(^٣) سورة البقرة: ٢٧٢.\n(^٤) سورة النساء: ١١٤.\n(^٥) في ن: \"لا لغيره\".","vol":"1","page":65},{"text":"<span data-type='title' id=toc-55>[ما ورد في السنة عن هذا المعنى]:</span>\nوأما ما ورد في السنة وكلام السلف من تسمية هذا المعنى بالنية فكثير جدًّا، ونحن نذكر بعضه كما خرج الإمام أحمد والنسائي من حديث عبادة بن الصامت ﵁، عن النبي -ﷺ- أنه قال: \"مَنْ غَزَا فيِ سَبِيل الله وَلَمْ يَنْوِ إِلَّا عِقَالًا فَلَهُ مَا نَوَى\" (^١).\n* * *\n• وخرج الإمام أحمد من حديث ابن مسعود ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: \"إنَّ أَكْثَرَ شُهَدَاءِ أُمَّتِي لأَصْحَابُ الْفُرُشِ، وَرُبَّ قَتِيلٍ، بَيْن الصَّفَّين: الله أعْلَمُ بنيته\" (^٢).\n* * *\n• وخرج ابن ماجه من حديث جابر بن عبد الله ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: \"يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى نِيّاتِهِمْ\" (^٣).\n* * *\n• ومن حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: \"إِنَّمَا يُبعَثُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ\" (^٤).\n• وخرج ابن أبي الدنيا من حديث عمر ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: \"إِنَّمَا يُبْعَثُ المقُتَتِلُونَ عَلَى النِّيَّات (^٥) \".\n* * *\n• وفي صحيح مسلم عن أم سلمة ﵂ عن النبي -ﷺ- قال: \"يَعُوذُ عَائذٌ\n_________\n(^١) سنن النسائي. كتاب الجهاد: باب من غزا في سبيل الله ولم ينو من غزاته إلا عقالا ٦/ ٢٤ - ٢٥ ح ٣١٣٨ و٣١٣٩ ومسند أحمد ٥/ ٣١٥، ٣٢٠، ٣٢٩ بإسناد صحيح والسنن الكبرى ٦/ ٣٣١ وانظر صحيح الجامع الصغير ٦٤٠١ وصحيح ابن حبان ٧/ ٧٤.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ٢٩٠ - ٢٩١ (المعارف) مرسلا.\nوذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، كتاب الجهاد: باب رب قتيل بين الصفين الله أعلم بنيته ٥/ ٣٠٢ وقال: رواه أحمد هكذا ولم أره ذكر ابن مسعود، وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف، والظاهر أنه مرسل ورجاله ثقات.\n(^٣) في السنن: كتاب الزهد: باب النية ٢/ ١٤١٤. بإسناد صحيح. وانظر صحيح الجامع ٢/ ١٣٣٥.\n(^٤) في الموضع نفسه وذكر صاحب الزوائد أن في إسناده ليث بن سليم وهو ضعيف ثم قال: ويشهد له حديث جابر وقد رواه مسلم، وانظر مصباح الزجاجة ٢/ ٣٤٤.\n(^٥) أورده الزبيدي في الإتحاف ١٠/ ٩ عن ابن أبي الدنيا في كتاب الإخلاص والنية بإسناد ضعيف.","vol":"1","page":66},{"text":"بِالبَيْتِ فيُبْعَثُ إِلَيْه بَعْثٌ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْداءَ مِنَ الأَرْض خُسِفَ بِهمْ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! فَكَيْفَ بِمنْ كَان كَارهًا؟ قَالً: يُخْسَفُ بِهِ مَعَهُمْ، وَلكِنَّه يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلَى نِيَّتِه\" (^١).\n* * *\nوفيه أيضًا عن عائشة ﵂ عن النبي -ﷺ- معنى هذا الحديث وقال فيه: \"يَهِلكُونَ مَهْلِكًا واحدًا، وَيصْدُرُونَ مَصَادِرَ شَتَّى؛ يَبْعَثُهُمُ (^٢) الله عَلَى نِيَّاتِهم\" (^٣).\n* * *\nوخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث زيد بنِ ثابت عن النبي -ﷺ- قال: \"مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ الله عليه أمرَه، وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَينْ عَيْنَيْهِ، وَلَمْ يَأتِهِ مَنَ الدُّنْيَا إلا مَا كَتَبَ لَهُ، وَمَنْ كَانَتْ الآخِرَةُ نِيَّتَهَ جَمَعَ اللهُ لَهُ أمَره، وَجَعَل غِنَاهُ في قَلْبِهِ، وَأتَتْهُ الدُّنَيا وَهِي رَاغمَةٌ\" (^٤).\n• هذا لفظ ابن ماجه (^٥).\n• ولفظ أحمد: \"مَنْ كَان (^٦) هَمُّهُ الآخِرَة … ومَنْ كِانت نِيَّتُهُ الدُّنْيا\".\nوخرجه ابن أبي الدنيا وعنده \"مَنَ كَانَتْ نيتُهُ الآخرةَ … ومَنْ كانت نيتُه الدّنيا\" (^٧).\n* * *\nوفي الصحيحين عن سعد (^٨) بن أبي وقاص عن النبي -ﷺ- قال: \"إِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً\n_________\n(^١) صحيح مسلم. كتاب الفتن وأشراط الساعة: باب الخسف بالجيش الذي يؤم البيت ٤/ ٢٢٠٨ - ٢٢٠٩.\n(^٢) في هـ، م: \"ويبعثهم\"، وما أثبتناه موافق لما في مسلم، ولما فى الأصول.\n(^٣) مسلم فىِ الباب المذكور ٤/ ٢٢١٠ - ٢٢١١ ومعنى الحديث: أن الهلاك يقع في الدنيا على جميعهم، ولكنهم يبعثون مختلفين باختلاف نياتهم.\n(^٤) مسند أحمد ٥/ ١٨٣ (الحلبي) بسياقه كاملا وأوله: \"نضر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره … الحديث\".\nوفي م: \"فرق الله شمله - في لفظ: \"أمره\" وما أثبتناه عن ب هو الموافق لما في السنن.\n(^٥) في السنن: كتاب الزهد. باب العلم بالدنيا ٢/ ١٣٧٥ وذكر صاحب الزوائد أن إسناده صحيح ورجاله ثقات؛ وانظر مصباح الزجاجة ٢/ ٣٢١ والإتحاف ١٠/ ٨ وفيه أن إسناده جيد.\n(^٦) في هـ،: \"كانت\". وما أثبتناه هو الموافق لما في المسند، وفي الزهد لابن أبي عاصم النبيل ص ٧٩: \"من كانت نيته الدنيا فرق الله عليه أمره. ولم يأخذ منها إلا ما كتب له، ومن كانث نيته الآخرة جمع الله شمله … \" الحديث وانظر باقي تخريجه في هامشه.\n(^٧) ب: \"نيته للآخرة … للدنيا\".\n(^٨) في، هـ، م: \"سعيد\" وهو تحريف.","vol":"1","page":67},{"text":"تَبتَغِي بَها وَجْهَ الله إِلا أُثِبْتَ عَلَيْها؛ حَتَّى اللُّقْمةَ تَجْعلُها في في امْرَأتِكَ\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-56>[النية في أقوال السلف]:</span>\nوروى ابن أبي الدنيا بإسناد منقطع عن عمر ﵁ قال: \"لا عَمَلَ لِمِنْ لَا نِيَّةَ لَهُ، وَلا أجْرَ لِمَنْ لَا حِسْبَة لَهُ\" (^٢).\nيعني لا أجر لمن لم يحتسب ثواب عمله عند الله ﷿.\nوبإسناد ضعيف عن ابن مسعود ﵁ قال: لا ينفع قول؛ إلا بعمل، ولا ينفع قول وعمل؛ إلا بنية، ولا ينفع قول وعمل ونية (^٣)؛ إلا بما وافق السنة.\n* * *\n• وعن يحيى بن أبي كثير قال: \"تعلموا النية؛ فإنها أبلغ من العمل\" (^٤).\n* * *\n• وعن زُبَيد اليامي (^٥) قال: \"إني لأحب أن تكون لي نية في كل شيء حتى في الطعام والشراب\".\n• وعنه أنه قال: \"انْوِ في كل شيء تريد الخير، حتى خروجِك إلى الكُنَاسة\".\n* * *\n• وعن داود الطائي، قال: \"رأيت الخير كله إنما يجمعه حُسْنُ النية؛ وكفاك به خيرا وإن لم تَنْصَب\".\n* * *\n_________\n(^١) البخاري في كتاب الإيمان: باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ١/ ١٢٧ من الفتح، ومسلم في كتاب الوصية: باب الوصية بالثلث ٣/ ١٢٥٠ - ١٢٥١.\n(^٢) أورده البيهقي في السنن الكبرى ١/ ٤١ من حديث أنس مرفوعًا: جزء حديث رواه بسياقه كاملا.\n(^٣) في هـ، م: ولا ينفع قول ولا عمل إلا بنية، ولا ينفع قول ولا عمل ولا نية\".\n(^٤) أورده أبو نعيم في الحلية ٣/ ٧٠.\n(^٥) في هـ، م: \"زيد الشامي\" وهو تحريف، فهو زبيد بن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب اليامي نسبة إلى يام: بطن من همدان. روى عن إبراهيم النخعي وروى عنه مالك بن مغول والأعمش. وثقه البخاري وابن حبان، وتوفي سنة ١٢٢ وقيل: ١٢٤ وله ترجمة في التاريخ الكبير للبخاري ٢/ ١/ ٤١١ والثقات لابن حبان لوحة ٢٢ ب اتباع التابعين، وتهذيب التهذيب ٣/ ٣١٠ - ٣١١. وانظر لب اللباب ص ٢٨٢.","vol":"1","page":68},{"text":"• قال داود: والبِرُّ هِمَّةُ التَّقِيِّ. ولو تعلقت جميع جوارحه بحب الدنيا لردَّته يومًا نيته إلى أصله\".\n* * *\n• وعن سفيان الثوري قال: \"ما عالجتُ شيئًا أشدَّ عليَّ عن نيتي؛ لأنها تتقلب عليّ\" (^١).\n* * *\n• وعن يوسف بن أسباط قال: \"تخليص النية من فسادها أَشَدُّ على العاملين من طول الاجتهاد\".\n* * *\n• وقيل لنافع بن جُبَيْر (^٢) ألا تشهد الجِنازة؟ قال: كما أنت حتى أنوي قال: ففكر هنيهة (^٣) ثم قال: امض.\n• وعن مطرف بن عبد الله قال: \"صلاحُ القلب بصلاح العمل، وصلاحُ العمل بصلاح النية (^٤) \".\n• وعن بعض السلف قال: \"من سَرَّه أنْ يكمل له عمله فليُحْسِن نيَّته؛ فإن الله ﷿ يأجر العبد إذا حَسُنَتْ نيته حتى باللقمة\".\n* * *\n• وعن ابن المبارك قال: \"رُبَّ عملٍ صغير تُعَظِّمه النية، ورب عمل كبير تُصَغِّره النية\".\n* * *\n• وقال ابن عجلان: \"لا يَصْلُح العمل إلا بثلاث: التقوى لله؛ والنية الحسنة؛ والإصابة\".\n* * *\n_________\n(^١) انظر الحلية ٧/ ٥، ٦٢.\n(^٢) في هـ: \"خبيب\"، وفي م: \"حبيب\" وهو تحريف.\n(^٣) في د، ن، هـ: \"هنيئة\" وفي ط، ب \"هنية\".\n(^٤) الحلية ٢/ ١٩٩ وفيه: \"بصحة النية\".","vol":"1","page":69},{"text":"• وقال الفضيل بن عياض: \"إنما يريدُ الله ﷿ منك نِيَّتَكَ وإرادتَك\".\n* * *\n• وعن يوسف بن أسباط قال: \"إيثار الله ﷿ أفضلُ من القتل في سبيله\" (^١).\n* * *\n• خرج ذلك كلَّه ابنُ أبي الدنيا في \"كتاب: الإخلاص والنية\".\n* * *\nوروي فيه بإسناد منقطع عن عمر قال: \"أفضل الأعمال أداء ما افترض الله ﷿، والورَعُ عما حرم الله ﷿، وصدْقُ النيَّة فيما عند الله ﷿\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-57>[قيمة الحديث بين الأحاديث]:</span>\nوبهذا يُعلم معنى ما روي عن الإمام أحمد (^٢) أن أصول الإسلام ثلاثة أحاديث:\nحديث: \"الأَعَمالُ بِالنيَّاتِ\".\nوحديث: مَنْ أَحْدَثَ فيِ أَمْرنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ\".\nوحديث: \"الْحَلالُ بَيِّنٌ والْحَرَامُ بَيِّنٌ\".\nفإن الدين كلَّه يرجع إلى فعل المأمْورَاتِ، وتَرْكِ المحظوراتِ، والتوقُّف عن الشبهات.\nوهذا كله تضمنه حديث النعمان بن بشير.\n[وتمام ذلك]:\nوِإنما يتم ذلك بأمرين: أحدهما أن يكون العمل في ظاهره على موافقة السنة وهذا هو الذي تضمنه حديث عائشة ﵂: \"مَنْ أَحْدَثَ فيِ أمْرنَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ\".\nوالثاني أن يكون العمل في باطنه يُقْصَدُ به وجهُ الله ﷿ كما تضمنه حديث عمر: \"الأَعْمَالُ بِالنِّياتِ\".\n_________\n(^١) م: \"سبيل الله\".\n(^٢) سقطت من م، هـ.","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type='title' id=toc-58>[أخلص العمل وأصوبه]:</span>\nوقال الفضيل (^١) في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (^٢).\nقال: \"أخلصُهُ وأصوبُهُ، وقال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابا لم يُقْبَل.\nوإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقْبَل.\nحتى يكون خالصًا وصوابًا\".\nقال: \"والخالص: إذا كان لله ﷿.\nوالصواب: إذا كان على السنة!؟ \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-59>[دليل ذلك]:</span>\n• وقد دل على هذا الذي قاله الفضيل (^٣) قوله ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^٤).\n• وقال بعض العارفين: \"إنما تفاضلوا (^٥) بالإرادات ولم يتفاضلوا بالصوم والصلاة\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-60>[عود إلى شرح الحديث]</span>\n• وقوله -ﷺ-: \"فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وَرَسُوله فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيا يُصِيبُها أو امْرأةٍ يَنْكحُها فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِليْه\".\n* * *\n_________\n(^١) والفضيل المذكور هو الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي أبو على الزاهد الخراساني.\nروى عن الأعمش ويحيى بن سعيد الأنصاري وحميد الطويل وغيرهم وعنه السفيانان وابن المبارك وثقه النسائي والدارقطني وابن حبان. ولد بخراسان ثم قدم الكوفة وهو كبير، وأحسن التوبة والعبادة واستماع الحديث وروايته وعرف بالزهد والتصوف وجاور بمكة إلى أن مات عام ١٨٧ وقيل عام ١٨٦ هـ كما ذكر ذلك ابن حجر في التهذيب ٨/ ٢٩٤ - ٢٩٦ وانظر الخبر في ترجمته في الحلية ٨/ ٨٤ - ١٣٩.\n(^٢) سورة الملك: ٢.\n(^٣) في م، هـ: \"وقد دل هذا … علي قوله ﷿\" وفيه خطأ بتقديم وتأخير.\n(^٤) سورة الكهف: ١١٠.\n(^٥) في م، هـ: \"تفاضلون\" وهو تحريف.","vol":"1","page":71},{"text":"<span data-type='title' id=toc-61>[حكمة ترتيب الجمل في الحديث]:</span>\n• لما ذكر -ﷺ- أن الأعمال بحسب النيات، وأن حَظَّ العامل من عمله نيتُه منْ خير أو شر. وهاتان كلمتان جامعتان، وقاعدتان كليتان، لا يخرج عنهما شيء -ذكر بعد ذلك مثالا من أمثال الأعمال التي صورتها واحدة، ويختلف صلاحها وفسادها باختلاف النيات وكأنه يقول: سائر الأعمال على حذو هذا المثال.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-62>[أصل معنى الهجرة]:</span>\n• وأصل الهجرة: هجران بلد الشرك والانتقال منه إلى دار الإسلام كما كان المهاجرون قبل فتح مكة يهاجرون منها إلى مدينة النبي -ﷺ-، وقد هاجر من هاجر منهم قبل ذلك إلى أرض الحبشة إلى النجاشي، فأخبر -ﷺ- أن هذه الهجرة تختلف باختلاف النيات والمقاصد بها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-63>[من هاجر حبًّا في الله ورسوله]:</span>\n• فمن هاجر إلى دار الإسلام؛ حُبًّا لله ورسوله؛ ورغبة في تعلم دين الإسلام وإظهار دينه -حيث كان يعجز عنه في دار الشرك- فهذا هو المهاجر إلى الله ورسوله حقًا. وكفاه شرفًا وفخرًا أنه حصل له ما نواه من هجرته إلى الله ورسوله.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-64>[إعادة الشرط بلفظه]:</span>\n• ولهذا المعنى اقتصر في جواب هذا الشرط على إعادته بلفظه؛ لأن حصول ما نواه بهجرته نهاية المطلوب في الدنيا والآخرة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-65>[من هاجر للدنيا]:</span>\nومن كانت هجرته من دار الشرك إلى دار الإسلام لطلب دنيا (^١) يصيبها أو امرأة\n_________\n(^١) أ: \"الدنيا\".","vol":"1","page":72},{"text":"ينكحها في دار الإسلام فهجرته إلى ما هاجر إليه من ذلك.\n* * *\n• فالأول تاجر.\n• والثاني خاطب.\nوليس واحد منهما بمهاجر (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-66>[التعبير بقوله إلى ما هاجر إليه]:</span>\nوفي قوله \"إلى ما هاجر إليه\" تحقير لما طلبه من أمر الدنيا، واستهانة به؛ حيث لما يذكره بلفظه.\n\n<span data-type='title' id=toc-67>[حكمة أخرى لإعادة الجواب بلفظ الشرط]:</span>\n• وأيضا فالهجرة إلى الله ورسوله واحدة لا (^٢) تعدد فيها؛ فلذلك أعاد الجواب فيها بلفظ الشرط.\n[وثالثة]:\nوالهجرة لأمور الدنيا لا تنحصر؛ فقد يُهَاجر الإنسان لطلب الدنيا: مباحة تارة؛ ومحرمة تارة أخرى.\nوأفراد ما يقصد بالهجرة من أمور الدنيا لا تنحصر؛ فلذلك قال: \"فهجرته إلى ما هاجر إليه\".\nيعني كائنا ما كان.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-68>[كانت المهاجِرة تُحلَّف]:</span>\n• وقد روي عن ابن عباس ﵄ في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) في م، هـ: \"وليس بواحد منهما مهاجر\" وفي ن: \"وليس في أحد\".\n(^٢) م، أ \"أن الهجرة … فلا\".\n(^٣) سورة الممتحنة: ١٠.","vol":"1","page":73},{"text":"قال: \"كانت المرأة إذا أتت النبيَّ -ﷺ- حَلَّفها بالله ما خرجت من بغض زوج، وبالله ما خرجت رغبةً بأرض عن أرض، وبالله ما خرجت التماسَ دُنْيا، وبالله ما خرجت إلا حبًّا لله ورسوله! \".\nأخرجه ابن أبي حاتم وابن جرير والبزَّار في مسنده (^١).\nوخرجه الترمذي في بعض نسخ كتابه مختصرًا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-69>[قصة مهاجر أم قيس]:</span>\n• وقد روى وكيع في كتابه عن الأعمش عن شقيق، هو أبو وائل، قال: \"خطب أعرابي من الحي امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تَزَوَّجه حتى يهاجر، فهاجر؛ فتزوجته؛ فكنا نُسَمِّيه مهاجر أم قيس قال: فقال عبد الله -يعني ابن مسعود- \"من هاجر يبتغي شيئًا فهو له\" (^٣).\nوهذا السياق يقتضي أن هذا لما يكن في عهد النبي -ﷺ- وإنما كان في عهد ابن مسعود. ولكن روى من طريق سفيان الثوري عن الأعمش، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: كان فينا رجل خطب امرأة يقال لها أم قيس فأبت أن تزوجه حتى يهاجر، فهاجر؛ فتزوجها وكنا نسميه مهاجر أم قيس.\n• قال ابن مسعود ﵁: من هاجر لشيء فهو له.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-70>[لا أصل لها]:</span>\n• وقد اشتهر أن قصة مهاجر أم قيس هى كانت سبب قول النبي -ﷺ-: \"ومن كانت هِجْرَتُه إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أو امرَأةٍ يَنْكِحُهَا\"، وذكر ذلك كثير من المتأخرين في\n_________\n(^١) راجع تفسير ابن كثير ٤/ ٣٥٠، وكشف الأستار ٣/ ٧٥ - ٧٦ ح ٢٢٧٢.\n(^٢) الترمذي فى كتاب تفسير القرآن: سورة الممتحنة ٥/ ٤١٢ وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب. وأورده ابن كثير في التفسير ٤/ ٣٥٠ عن ابن جرير والبزار أيضًا، وأورد عن قتادة قوله في قوله تعالى: ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾.\nقال: كانت محنتهن أن يستحلفن بالله ما أخرجكن النشوز، ما أخرجكن إلا حب الإسلام وأهله وحرص عليه، فإذا قلن ذلك قبل ذلك منهن. وقد أورد الهيثمي هذه الرواية عن البزار في المجمع ٧/ ١٢٣ وفيها أن الذي كان يحلف هو عمر ثم قال الهيثمي: رواه البزار وفيه قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري، وضعفه غيرهما وبقية رجاله ثقات.\n(^٣) أورده ابن حجر في الفتح ١/ ١٠ عن سعيد بن منصور في السنن ورواه الطبراني من هذا الطريق في الموضع الذي سنشير إليه في التعليق رقم ٢ من الصحيفة التالية.","vol":"1","page":74},{"text":"كتبهم (^١) ولم نر لذلك أصلا بإسناد يصح والله أعلم (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-71>[قياس الأعمال على الهجرة]:</span>\nوسائر الأعمال كالهجرة في هذا المعنى؛ فصلاحها وفسادها بحسب النية الباعثة عليها كالجهاد وغيرهما.\nوقد سئل النبي -ﷺ- عن اختلاف نيات الناس في الجهاد وما يقصد به من الرياء وإظهار الشجاعة والعصبية وغير ذلك: أيُّ ذلك في سبيل الله؟ فقال: \"من قَاتَلَ لتكونَ كلمةُ الله هي العُلْيا فهو في سبيل الله\".\nفخرج بهذا كلُّ ما سألوه عنه من المقاصد الدنيوية.\n\n<span data-type='title' id=toc-72>[ومن ذلك الجهاد]:</span>\n• فَفِي الصَّحيحَيْنِ عَنْ أبِي مُوسَىَ الأَشْعَريِّ ﵁: أنَّ أعْرابيًّا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُول الله! الرَّجُلُ يُقاتِلُ للَمَغْنَم، وَالرَّجلُ يُقَاتِل للذّكْرِ، والرَّجُلُ يُقَاتلُ ليُرى مَكانُهُ؛ فمن في سَبيل الله؟ (^٣) فَقَالَ رسُولُ الله -ﷺ-: \"مَنْ قَاتَلِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِي الْعُلْيَا فَهُو في سَبيِل الله\".\n• وفي رواية لمسلم سُئِلَ رَسُول الله -ﷺ- عَن الرَّجُلِ يُقَايلُ شَجَاعةً، وَيُقَاتِلُ حَميَّةً، ويُقَاتلُ رِيَاءً فأيُّ ذَلِكَ فيِ سَبِيلِ الله؟ فَذكَرَ الْحَدِيثَ.\n• وفي رواية له أيضًا: الرَّجُلُ يُقُاتِلُ غَضَبًا وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) كابن دقيق العيد في شرحه للأربعين ص ١٢ ومن قبله النووي في شرحه للأربعين ص ٤٤، ٤٥ ومن بعدهما العيني في عمدة القاري ١/ ٢٨.\n(^٢) القصة عند الطبراني في الكبير ٩/ ١٠٣ بإسناد رجاله ثقات كما ذكر العيني وبإسناد صحيح على شرط الشيخين كما ذكر ابن حجر، لكن يخالف ابن حجر النووي وابن دقيق العيد والعيني فيما ذهبوا إليه ليلتقى مع ابن رجب في أن القصة شيء وكونها سببًا لإيراد الحديث شيء آخر، فليس لهذه السببية إسناد يصح كما ذكر ابن رجب وكما قال ابن حجر، عن حديث ابن مسعود \"ليس فيه أن حديث الأعمال سيق بسبب ذلك، ولم أر في شيء من الطرق ما يقتضي التصريح بذلك\" انظر الفتح ١/ ١٠ وعمدة القاري ١/ ٢٨ ومجمع الزوائد ٣/ ١٠١. وفى ب: \"من كانت\".\n(^٣) في م، هـ \"فمن قاتل في سبيل الله\".\n(^٤) البخاري في كتاب الجهاد: باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ٦/ ٢٧ - ٢٨ ح ٢٨١٠ ومسلم في كتاب الإمارة: باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ٣/ ١٥١٢ - ١٥١٣، وأطرافه عند البخاري -عدا الموضع المذكور- ١٢٣، ٣١٢٦، ٧٤٥٨.","vol":"1","page":75},{"text":"• وخرَّج النّسائيُّ من حديث أبي أمامة قال: جاء رجل إلى النبي -ﷺ- فقال: أرأيت رجلا غَزَا يلتمس الأجر والذكر! ماله؟ فقال رسول الله -ﷺ-: \"لا شَيء له\" ثم قال رسول الله -ﷺ-: \"إنَّ الله لا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ (^١) إِلا مَا كَانَ خَالِصًا وابْتُغِيَ بِه وَجْهُهُ\" (^٢).\n* * *\n• وخرَّجَ أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ أن رجلًا قال: يَا رَسُولَ الله! رَجُلٌ يُرِيدُ الجهَادَ وَهُوَ يَبْتَغي عَرَضًا مِنْ عَرَضِ الدُّنْيا؟ فقال رَسُولُ الله -ﷺ-: \"لَا أَجْرَ لَهُ\" فأعَأدَ عَلْيهِ ثَلاثًا والنَّبِيُّ -ﷺ- يَقُولُ: \"لا أَجْرَ لَهُ\" (^٣).\n* * *\n• وخرج الإمام أحمد وأبو داود من حديث معاذ بن جبل عن النبي -ﷺ- قال: \"الْغَزْوُ غَزْوَانِ: فَأمَّا مَنَ ابتَغَى وَجْهَ الله: وَأطَاعَ الإمامَ، وأَنْفَقَ الكَرَيمةَ، وَيَاسَر الشَّريكَ (^٤) وَاجتَنَبَ الْفَسَادَ -فَإِنَّ نَوْمَهُ وَنبْهَهُ أَجْرٌ كُلُّه، وأَمَّا مَنْ غَزَا فَخْرًا وَرِيَاءً وسُمْعةً، وَعَصىَ الإِمَامَ، وأفْسَدَ فيِ الأَرْضِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْجِعْ بِالكَفَافَ\" (^٥).\n* * *\n• وخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو ﵄ قال: \"قُلْتُ يَا رَسُولَ الله! أَخْبِرْنِي عَنِ الجهِاد والْغَزْو؟ فَقَالَ: إنْ قَاتَلْتَ صَابِرًا مُحْتَسِبًا بَعَثَكَ الله صَابِرًا مُحْتَسبًا، وإن قَاتَلْتَ مُرائيًا مُكاثِرًا بَعَثَك الله مُرائِيًا مُكاثِرًا: عَلَى أيِّ حَالٍ قَاتلْتَ أوْ قُتِلْتَ بَعَثكَ الله (^٦) عَلَى تيك الحَال\".\n* * *\n_________\n(^١) سقطت من هـ، م.\n(^٢) سنن النسائي، كتاب الجهاد: باب من غزا يلتمس الأجر والذكر ٦/ ٢٥ ح ٣١٤٠.\n(^٣) سنن أبي داود، كتاب الجهاد: باب فيمن يغزو ويلتمس الدنيا ٣/ ٣٠ - ٣١ وسكت عنه المنذري وأبو داود.\n(^٤) ياسر الشريك: ساهله.\n(^٥) مسند أحمد: ٥/ ٢٣٤ (حلبي).\nوسنن أبي داود في الموضع المذكور. وذكر المنذري أن في سنده بقية بن الوليد وفيه مقال، عون المعبود ٣/ ٣٢١ ورواه الحاكم ٢/ ٨٥ من طريق بقية لكن صححه على شرط مسلم وأقره الذهبي، ولا غرابة فبقية صدوق يدلس لكنه صرح هنا بالسماع.\n(^٦) في م، هـ \"بتلك الحال\" وفي ن، س: \"على تيك\" وما أثبتناه؛ موافق لما في السنن. راجع كتاب الجهاد: باب من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا ٣/ ٣٢.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type='title' id=toc-73>[وتعليم العلم والإنفاق]:</span>\n• وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ مِنْ حديث أبي هُرَيرَة (^١) ﵁: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقولُ: \"إِنَّ أوّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلَيْهِ: رَجُلٌ اسْتُشهد فَأُتِيَ به فَغَرّفَهُ نعمه فَعرَفَها فَقَالَ: مَا عَمِلْتَ فِيها؟ قَالَ: قَاتَلتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدتُ؟ قَالَ: كَذَبْتَ وَلكنَّكَ قَاتَلتَ لأنْ يُقَالَ جَريءٌ فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرِ به فَسُحِبَ عَلَى وَجْهه حتَّى أُلْقِيَ في النَّار\".\n\"وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعلْمَ وعلَّمَهُ وقَرَأ القُرآنَ فأُتِيَ بِه فَعَرّفه نِعَمَهُ فَعَرفَهَا قَال: فما عَمِلَتَ فِيها؟ قَالَ: تَعلّمْتُ العلْمَ وَعلَّمْتُهُ، وقَرأْتُ فِيكَ القُرآنَ؟ قَالَ: كَذَبْتَ ولكِنَّك تَعلّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عالِمٌ، وقَرأتَ القرآن لِيُقَال قَارئ (^٢) فَقَدْ قيل ثُمَّ أُمِرَ به فَسُحِبَ على وَجْهه؛ حتى أُلْقِي في النَّار\".\n\" وَرَجلٌ وسُّعَ الله عليه وأَعْطَاهُ مِنْ أصناف الْمَال كُلِّه (^٣) فأُتِيَ به فَعَرَّفهُ نِعَمَهُ فَعَرفَها، قَال (^٤) فَما عَمِلْتَ فِيها؟ قَال (^٥) مَا تَركْتُ مِنْ سَبيلٍ تحبُّ (^٦) أنْ يُنفْقَ فِيها إلّا أنْفَقْتُ فِيها لك؟ قَالَ: كَذَبْتَ ولكنكَ فَعلْت لِيقَالَ هوُ جَوَادٌ؟ فَقَدْ قِيلَ، ثمّ أُمِرَ به فَسُحِبَ عَلىَ وَجْهه ثم (^٧) أُلْقِيَ فيِ النَّار\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-74>[معاوية يبكي عند سماعه هذا الحديث]:</span>\n• وفي الحديث أن معاوية لما بلغه هذا الحديث بكى حتى غُشِيَ عليه فلما أفاق قال: صدق الله ورسوله، قال الله ﷿:\n﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّار﴾ (^٨).\n* * *\n_________\n(^١) في كتاب الإمارة: باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار ١٥١٣ - ١٥١٤.\n(^٢) سقطت من هـ، م.\n(^٣) ليست في هـ، م.\n(^٤) في هـ، م: \"فقال\" وما أثبتناه موافق لما في الصحيح.\n(^٥) في هـ، م: \"فقال\".\n(^٦) في هـ، م: \"تحبه أن ينفق فيه\" وما أثبتناه كما في مسلم.\n(^٧) في هـ، م، ب: \"حتى\"، وما آثرناه هو الموافق لما في مسلم.\n(^٨) سورة هود: ١٥، ١٦.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type='title' id=toc-75>[الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله]:</span>\n• وقد ورد الوعيد على تعلم العلم لغير وجه الله كما خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال:\n• \"مَنْ تَعلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتغَى به وَجْهُ الله لا يَتَعلَّمهُ إلا ليُصِيبَ له عَرضًا من الدّنيا لَم يَجِدْ عَرْفَ الجنة يَوْمَ القِيامَة\" (^١).\nيعني رِيحهَا.\n* * *\n• وخرَّج الترمذي: من حديث كعب بن مالك عن النبي -ﷺ- قال: \"مَنْ طَلَبَ العِلْمَ ليُمارِيَ به السُّفَهَاءَ، أو يُجَارِيَ بِه العُلَمَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وْجُوهَ النَّاس إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللهَ النَّار (^٢) \".\n* * *\n• وخرجه ابن ماجه بمعناه (^٣) من حديث ابن عمر وحذيفة وجابر ﵃ عن النبي -ﷺ- ولفظ حديث جابر: \"لا تَعَلَّمُوا العِلْمَ لِتُبَاهُوا به العُلَمَاءَ، وَلا لتِمارُوا به السُّفَهَاءَ وَلا تخيَّروا به (^٤) الْمَجَالِسَ؛ فَمَنْ فَعَل ذَلَك فالنّارَ النّارَ\".\n* * *\n• وقال (^٥) ابن مسعود ﵁: \"لا تَعلَّموا لثلاث: لتُمَارُوا به السفهاء، أو لتجادلوا به الفقهاء، أو لتصْرِفوا به وجُوهَ الناس إليكم، وابتغوا بقولكم\n_________\n(^١) سنن أبي داود: كتاب العلم: باب في طلب العلم لغير الله تعالى ٤/ ٧١.\nوسنن ابن ماجه: المقدمة: باب الانتفاع بالعلم والعمل به ١/ ٩٢ - ٩٣. ومسند أحمد ٢/ ٣٣٨ (الحلبي) والمستدرك ١/ ٨٥ وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\n(^٢) سنن الترمذي: كتاب العلم: باب ما جاء فيمن يطلب بعلمه الدنيا ٥/ ٣٢ وقد عقب أبو عيسى على الحديث بقوله: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسحاق بن يحيى بن طلحة (أحد رواة الحديث) ليس بذلك القوى عندهم، تكلم فيه من قبل حفظه.\n(^٣) ابن ماجه في مقدمة السنن ١/ ٩٣، ٩٦ وقد أفاد صاحب الزوائد: \"أن حديثي ابن عمر وحذيفة ضعيفان لضعف بعض رواتهما وأن حديث جابر صحيح؛ فرجال إسناده ثقات على شرط مسلم، وقد رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم مرفوعًا ومرسلًا\" ا هـ وانظر مصباح الزجاجة ١/ ٨٢.\n(^٤) سقطت من هـ، م.\n(^٥) في هـ، م: \"فقال\" وفي أ: \"ولتجادلوا … أو تصرفوا\".","vol":"1","page":78},{"text":"وفعلكم ما عند الله. فإنه يبقى، ويذهب ما سواه\".\n\n<span data-type='title' id=toc-76>[الوعيد على العمل لغير الله عمومًا]:</span>\n• وقد ورد الوعيد على العمل لغير الله عمومًا.\nكما خرج الإمام أحمد من حديث أبيّ بن كعب ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: \"بَشِّرْ هذهِ الأُمَّةَ بالسَّناءِ (^١) وَالرِّفْعَةِ وَالدِّين والتَّمكين في الأرض؛ فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُم عَمَلَ الآخرة للِدّنْيَا لَئم يكُنْ لَهُ فيِ الآخِرِة نصيب\" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-77>[أقسام العمل لغير الله]:</span>\n• واعلم أن العمل لغير الله أقسام:\n\n<span data-type='title' id=toc-78>[رياء محض]:</span>\n• فتارة يكون رياء محضا؛ بحيث لا يراد به سوى مراآة (^٣) المخلوقين لغرض دنيوي كحال المنافقين في صلاتهم؛ كما قال الله ﷿: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (^٤).\nوقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (^٥).\nكذلك وصف الله تعالى الكفار بالرياء المحْضِ (^٦) في قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ (^٧).\nوهذا الرياء المحض لا يكاد يصدر من مؤمن في فرض الصلاة والصيام.\nوقد يصدر في الصدقة الواجبة أو الحج وغيرهما من الأعمال الظاهرة، أو التي\n_________\n(^١) في هـ، م: بالثناء وهو تصحيف.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ١٣٤ (حلبي) من طرق بنحوه وفيها: بالسناء والرفعة والدين والنصر والتمكين في الأرض وفيها: بالسناء والرفعة والنصر ..\nوفيها بالسناء والتمكين في البلاد والنصر والرفعة في الدين.\nوذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، كتاب الزهد: باب ما جاء في الرياء ١٠/ ٢٢٠ وقال: رواه أحمد وابنه من طرق ورجال أحمد رجال الصحيح.\n(^٣) في هـ، م: \"مرئيات\"، وهو تحريف.\n(^٤) سورة النساء: ١٤٢.\n(^٥) سورة الماعون: ٤ - ٦.\n(^٦) ليست في أ.\n(^٧) سورة الأنفال: ٤٧.","vol":"1","page":79},{"text":"يتعدى نفعها؛ فإن الإخلاص فيها عزيز.\nوهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقتَ من الله والعقوبة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-79>[عمل لله مع رياء]:</span>\n• وتارة يكون العمل لله، ويشاركه الرياء.\n• فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضًا.\nوفي صحيح مسلمِ عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: \"يَقُولُ الله ﵎: \"أَنَا أغنىَ الشُّرَكَاءِ عَنِ الشُّرْكِ مَنْ عَملَ عملًا أشْرك فيه مَعِى غَيْرِي تَرَكْتُهُ وشَريكَهُ\" (^١).\n* * *\n• وخرجه ابن ماجه ولفظه: \"فأنا منه بريءٌ وهو للذي أشرك\" (^٢).\n* * *\nوخرج الإمام أحمد عن شدَّاد بن أَوْسٍ عن النبي -ﷺ- قال: \"مَنْ صَلَّى يُرائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، وَمَنْ صَامَ يُرائِي فَقَدْ أَشْرَكَ، ومَنْ تَصَدَّق يُرائي فَقَدْ أشْرَكَ؛ فَإِنّ الله ﷿ يقوُلُ: أنا خَيْرُ قَسِيمٍ لمنَ أشْرَكَ بي شيئًا؛ فإنَّ حَشْدَهُ عَمَلَه قَليلَهُ وكثيرَه لِشَريكه الذي أشْركَ بهِ، وَأنا عنْهُ غَنِيٌّ\" (^٣).\n• وخرّج (^٤) الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعد (^٥) بن أبي فضالة\n_________\n(^١) صحيح مسلم، كتاب الزهد والرقائق: باب من أشرك في عمله غير الله ٤/ ٢٢٨٩، وفي م: \"وشركه\" وهو الموافق لبعض نسخ مسلم.\n(^٢) في السنن. كتاب الزهد: باب الرياء والسمعة ٢/ ١٤٠٥ وذكر صاحب الزوائد أن إسناده صحيح ورجاله ثقات.\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ١٢٦ (حلبي)، بسياقه مطولا، وفي ب فإن جده عمله وقليله وفي م وعامة النسخ: جدة عمله: قليلة … \" وما أثبتناه هو الموافق لما في المسند وفيهما: \"أنا عنه غني\" وفي ب: وإن الله ﷿ يقول: \"إنما أنا خير قسيم\" وفي الفتح الرباني ١٩/ ٢٢٢ فسرها بقوله: أي جميع عمله خيره وشره، قليله وكثيره. وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، كتاب الزهد: باب ما جاء في الرياء ١٠/ ٢٢١ وقال: \"رواه أحمد وفيه شهر بن حوشب وثقه أحمد وغيره وضعفه غير واحد، وبقية رجاله ثقات\" وإذًا فالحديث حسن.\n(^٤) ب: \"وأخرج\".\n(^٥) في س، هـ، م: \"سعيد\" وفي التهذيب ١٢/ ١٠٥: أبو سعد ويقال أبو سعيد.","vol":"1","page":80},{"text":"وكان من الصحابة قال: قال رسول الله -ﷺ-: \"إِذَا جَمَعَ الله الأَوَّلِينَ والآخِرينَ لِيوم لا رَيْبَ فِيه نَادَى مُنَادٍ: مَنْ كَانَ أشْرَكَ في عَمَل عَمِلَهُ لله ﷿ فَلْيَطْلُبْ ثَوابَهُ مِنْ عِنْد غَيْر الله ﷿؛ فإنَّ الله أغْنَى الشُّركاءِ عَنِ الشَّركِ\" (^١).\n* * *\nوخرَّج البزَّار في مسنده من حديث الضحاك بن قيس عن النبىِ -ﷺ- قال: \"إِنَّ الله ﷿ يُقول: أنا خَيْرُ شَريكٍ، فَمَنْ أشْرَكَ مَعِي شَريكًا فهو لشريكي. يَا أيُّها النَّاسُ! أخلصوا أعْمالكُمْ لله ﷿ فَإِنَّ الله [﵎] لا يقْبَلُ مِنَ الأَعْمَالِ إلا مَا أُخْلِصَ لَهُ، وَلا تَقُولُوا هَذَا لله والرَّحم، فإنَّها للرَّحم وَلَيس لله منِها شَيءٌ، وَلا تَقُولوا هَذا لله ولِوُجوهِكُمْ؛ فإنَّها لوِجُوهِكُمْ، ولَيْسَ لله فيها شَيْءٌ (^٢) \".\n* * *\nوخرج النّسَائىِ بإسنادٍ جَيِّد عَنْ أبي أُمامةَ الَباهِليِّ ﵁ أنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَال: يَا رَسُول الله! أرأيْتَ رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الأَجْرِّ والذِّكْرَ؟ [ماله]؟ (^٣) فَقَالَ رَسُولُ الله -ﷺ-: \"لا شَيء لَهْ\" فأعَادَها عَلَيْه ثَلاثَ مَرّاتِ يقُولُ لَهُ رَسُول الله -ﷺ-: \"لا شَيْء لَهُ\" ثمّ قَالَ:\"إِنّ الله لا يَقْبل مِنَ الْعَملِ إلا ما كَان لَه خَالِصًا وابْتُغِيَ بهِ وَجْهُهُ\" (^٤).\n* * *\nوَخَرَّجَ الحاكِمُ مِنْ حَدِيث ابن عَباس ﵄ قَالَ: قال رَجُلٌ: يَا رَسُولَ الله! إِنِّى أقف الموْقِفَ أريدُ به وَجْهَ الله، وأريدُ أنْ يُرَى مَوْطِني؟ فَلَمْ يرُدَّ عَلَيْه رسُولُ الله -ﷺ- شَيْئًا حتَى نَزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (^٥).\n_________\n(^١) ابن ماجه في كتاب الزهد: باب الرياء والسمعة ٢/ ١٤٠٦ والترمذي في كتاب التفسير: باب سورة الكهف ٥/ ٣١٤ وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن بكر، ورواه أحمد في المسند ٣/ ٤٦٦، ٤/ ٢١٥ (الحلبي).\n(^٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد، كتاب الزهد: باب ما جاء في الرياء ١٠/ ٢٢١ وقال: \"رواه البزار عن شيخه إبراهيم بن مجُشِّر وثقه ابن حبان وغيره وفيه ضعف وبقية رجاله رجال الصحيح\".\nوإذًا فالحديث حسن.\n(^٣) ما بين القوسين من النسائي.\n(^٤) سنن النسائي، كتاب الجهاد: باب من غزا يلتمس الأجر والذكر ٦/ ٢٥. وقوله: \"له\" ليست في أ.\n(^٥) الآية ١١٠ من سورة الكهف. والحديث في المستدرك ٢/ ١١١ وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره الذهبي.","vol":"1","page":81},{"text":"وممَّن رُوي (^١) عنه هذا المعنى -وأن العمل إذا خالطه شيء من الرياء كان باطلا- طائفةٌ من السلف منهم: عُبَادةُ بنُ الصامت، وأبو الدّرداء، والحسن، وسعيد بن المسيب وغيرهم.\n* * *\n• وفي مراسيل القاسم بن مُخَيْمَرةَ (^٢) عن النبي -ﷺ- قال: \"لا يقبل الله عَمَلا فيه مثقالُ حَبّةٍ من خَرْدَلٍ من رياء\".\nولا نعرف عن السلف في هذا خلافا، وإن كان فيه خلاف، عن بعض المتأخرين.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-80>[العمل يخالطه غير الرياء]:</span>\nفإن خالط نيَّةَ الجهاد مَثَلا (^٣) نيةٌ غير الرياء مثل أخذ أجرة للخدمة؛ أو أخذ شيء من الغنيمة أو التجارة نقص بذلك أجر جهادهم (^٤) ولم يبطل بالكلية.\n* * *\n• وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو [﵄] عن النبي -ﷺ- قال: \"إِنَّ الْغُزَاةَ إذَا غَنِمُوا غَنِيَمةً تَعَجَّلُوا تلثي أَجْرِهِمْ، فَإن لَمْ يَغْنَموُا شَيْئًا تَمّ لَهُمْ أَجْرُهُمُ\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-81>[التوفيق بين هذا وبين ما مضى]:</span>\n• وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عَرَضًا من الدنيا أنه\n_________\n(^١) في هـ، م: \"ومن يروي\".\n(^٢) فى هـ، م: \"مخيمر\" وأشير بالهامش إلى \"مخيمرة\" ولم يبين ما هو الصواب، وقد أثبتناه، وهو القاسم ابن مخيمرة بضم الميم الأولى وفتح الثانية كوفي سكن دمشق وروى عن أم المؤمنين عائشة ﵂ وعن عبد الله بن عمرو، وأبي سعيد الخدري، وأبي موسى الأشعري إن كان سمع منه وعنه أبو إسحاق السبيعي، وعلقمة، وسماك بن حرب، وغيرهم.\nوثقه ابن معين وأبو حاتم وابن حبان وتوفى سنة ١٠٠، وقيل ١٠١ وهو مترجم في التهذيب ٨/ ٣٣٧، والثقات لابن حبان ٥/ ٣٠٧ وذكر أنه توفي في خلافة عمر بن عبد العزيز.\n(^٣) في هـ، م: فإن خالط نيته … مثل .. \".\n(^٤) م: \"جهاده\".\n(^٥) صحيح مسلم كتاب الإمارة باب بيان قدر ثواب من غزا فغنم ومن لم يغنم ٣/ ١٥١٤ - ١٥١٥ من طريقين عن عبد الله بن عمرو، وبلفظ مخالف لما أورده ابن رجب، فهذا أحد المواضع التي أورد فيها الحديث عن مخرجه بالمعنى.","vol":"1","page":82},{"text":"لا أجر له.\nوهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا.\n• وقال الإمام أحمد: التاجر والمستأجر والمكَاري (^١) أجرهم على قدر ما يخلص من نيتهم في غَزاتهم، ولا يكونوا مثلَ مَنْ جاهد بنفسه وماله ولا يخلط به غَيْرَهُ.\n• وقال أيضًا فيمن يأخذ جُعْلًا على الجهاد: \"إذا لم يخرج لأجل الدراهم فلا بأس [أن يأخذ] (^٢) كأنه خرج لدينه، فإن أعطي شيئًا أخذه\".\n* * *\n• وكذا روي عن عبد الله بن عمرو قال: \"إذا أجمع (^٣) أَحَدُكم على الغزو فعوَّضَهُ الله رزقًا فلا بأس بذلك، وأما أن أحدكم إن أعطي درهمًا غزا، وإن منع درهمًا مكث فلا خير في ذلك\".\n* * *\n• وكذا قال الأوزاعي: إذا كانت نية الغازي على الغزو فلا أرى بأسًا.\n* * *\n• وهكذا يقال فيمن أخذ شيئًا في الحج ليحج به إما عن نفسه أو عن غيره.\n• وقد روي عن مجاهد [أنه قال] (^٤) في حج الجمَّال، وحج الأجير، وحج التاجر: هو تمام لا ينقص من أجورهم شيء.\nوهو (^٥) محمول على أن قصدهم الأصلي كان هو الحج دون التكسب.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-82>[العمل لله ثم تطرأ عليه نية الرياء]:</span>\nوأما إن كات أصل العمل لله ثم طرأت عليه نيَّةُ الرياء: فإن كان خاطرا ودَفَعهُ فلا\n_________\n(^١) المكاري: المؤجر، يقال: كاراه مُكاراة وكراء آجره فهو مُكار.\nوالكراء: أجر المستأجر.\nالمعجم الوسيط ٢/ ٧٩١.\n(^٢) ليست في ب.\n(^٣) في هـ، م، س: \"جمع\" وأجمع: عقد عزمه دون تردد، أو عزم عزمًا قويًّا مؤكدًا ومنه قوله تعالى حكاية عن نوح ﵇: ﴿فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ وفي ب \"فعرضه\" وهو تحريف.\n(^٤) ليست في ب.\n(^٥) م: \"وهذا\".","vol":"1","page":83},{"text":"يضرُّه بغير خلاف؛ فإن استرسل معه فهل يَحْبَطُ عَمَلُه أم لا يضره ذلك ويُجَازَى على أصل نيته؟ في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف؛ قد حكاه الإمام أحمد، وابن جرير الطبري، ورجَّحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازَى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره.\n• ويُستْدل لهذا القول بما خرجه أبو داود في مراسيله (^١) عن عطاء الخراساني:\nأَنَّ رجُلًا قَالَ: يَا رَسُول الله! إنَّ بنى سَلمةَ كُلَّهُمْ يُقَاتِلُ؛ فَمِنْهم مَنْ يُقَاتِل للدنْيا، وَمِنْهُمْ مَن يُقَاتلُ نَجْدَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُقَاتلُ ابْتَغَاءَ وَجْه الله؛ فأيُّهُمْ الشَّهِيدُ؟ قَال: \"كُلّهُمْ إِذا كَانَ أصْلُ أمْرِهِ: أَنْ تَكُونَ كَلَمةُ الله هِيَ الْعُلْيَا\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-83>[فيم يختلف العلماء في هذا؟]:</span>\n• وذكر ابن جرير: أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله كالصلاة والصيام والحج.\nفأما مالا ارتباط فيه كالقراءة، والذكر، وإنفاق المال، ونشر العلم؛ فإنه ينقطع بنيّة الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد نية.\n* * *\nوكذلك روى عن سليمان بن داود الهاشمي أنه قال: ربما أُحَدِّث بحديث ولي فيه نية، فإذا أتيت على بعضه تغيرت نيتي؛ فإذا الحديث الواحد يحتاج إلى نيات.\n* * *\n• ولا يَرِدُ على هذا: الجهادُ، كما في مرسل عطاء الخُرَساني؛ فإن الجهاد يلزم بحضور الصف، ولا يجوز تركه حينئذ فيصير كالحج.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-84>[العمل لله ثم يُلقِي الله له الثناء الحسن]:</span>\nفأما إذا عمل لله خالصًا ثم ألقى الله له الثناءَ الحسنَ في قلوب المؤمنين بذلك ففرح\n_________\n(^١) في فضل الجهاد ص ١٧٩.","vol":"1","page":84},{"text":"بفضل الله ورحمته (^١) واستبشر بذلك - لم يضرَّه ذلك.\n[دليل ذلك]:\n• وفي هذا المعنى جاء حديث أبي ذر عن النبي -ﷺ- أنه سئل عن الرجل يعمل العمل من الخير، ويحمده الناس عليه؟ فقال: \"تِلْكَ عَاجِل بُشْرَى المُؤْمِنِ\" خرجه مسلم.\nوخرجه ابن ماجه وعنده: \"الرَّجُلُ يَعْمَلُ الْعَمَلَ لله فُيُحِبُّهُ النَّاسُ عَلَيْه\" (^٢).\nوبهذا (^٣) المعنى فسره الإِمام أحمد وإِسحاقُ بن رَاهَوَيهِ وابن جرير الطبري وغيرهم.\nوكذلك الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁: أن رجلا قال: يا رسول الله! الرجل يعمل العمل فَيُسِرُّه؛ فإذا اطُّلعَ عليه أعْجَبهُ؟ فقال: \"لَهُ أجْرانِ: أَجْرُ السِّرِّ، وأجْرْ الْعَلانِيَةِ (^٤) \".\nولنقتصر على هذا المقدار من الكلام على الإخلاص والرياء فإن فيه كفاية.\n* * *\n[وجملة القول]:\n• وبالجملة فما أحسن قولَ سهل بن عبد الله التُّسْتَرِى (^٥) ليس على النفس شيء أشقَّ من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب!؟\n• وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعز شيء في الدنيا: الإخلاص. وكم أجتهدُ في إسْقَاطِ الرِّياء عن قلبي وكأنه ينبت فيه على لونٍ آخرَ!؟\n• وقال ابن عيينة: كان من دعاء مُطرِّف بن عبد الله:\n\"اللهم إني أَسْتغفِرُكَ مما تُبْتُ إليك منه ثم عُدْتُ فيه، وأستغفرك مما جعلته لك على نفسي ثم لم أوفِ لك به، وأستغفرك مما زعمتُ أني أردتُ به وَجْهَكَ فخالطَ قلبي منه\n_________\n(^١) في هـ، م: \"بذلك بفضل ورحمة\" وفي ب: \"فاستبشر\".\n(^٢) مسلم في كتاب البر والصلة والآداب: باب إذا أثنى على الصالح فهي بشرى ولا تضره ٤/ ٢٠٣٤ وابن ماجه في السنن: كتاب الزهد: باب الثناء الحسن ٢/ ١٤١٢ وعنده عن أبي ذر عن النبي -ﷺقال: قلت له: الرجل يعمل العمل لله، فيحبه الناس عليه؟ قال: \"ذلك عاجل بشرى المؤمن\".\n(^٣) في م: \"ولهذا\".\n(^٤) الترمذي في كتاب الزهد: باب عمل السر ٤/ ٥٩٤ وقال: هذا حديث حسن غريب وابن ماجه في الموضع السابق ٢/ ١٤١٢ - ١٤١٣ وعنده: قال رجل يا رسول الله! إني أعمل العمل فيُطَّلَع عليه، فيعجبني؟ قال: لك أجران … الحديث\".\n(^٥) ليست في أ.","vol":"1","page":85},{"text":"ما قد عَلِمْتَ\" (^١)\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-85>فصل: [في بعض الأحكام الفقهية للنية]</span>\nوأما النية بالمعنى الذي يذكره الفقهاء وهو تمييز العبادات عن العادات وتمييز العبادات (^٢) بعضها من بعض فإن الإمساك عن الأكل والشرب يقع تارةً حِمْيَةً، وتارة لعدم القدرة على الأكل، وتارة تركًا للشهوات لله ﷿؛ فيُحتَاج في الصيام إلى نية ليتميز بذلك عن ترك الطعام على غير هذا الوجه.\n• وكذلك العبادات كالصلاة والصيام منها فرضٌ ومنها نَفْلٌ.\nوالفرضُ يتنوع أنواعًا؛ فإن الصلوات المفروضاتِ خَمسُ صلوات (^٣) كلَّ يوم وليلة والصوم (^٤) الواجب تارةً يكون صيامَ رمضان. وتارةً (^٥) صيامَ كفارة أو عن نَذْرٍ.\nولا يتميز هذا كله؛ إلا بالنية.\n* * *\n• وكذلك الصدقة تكون نفلا، وتكون فرضًا.\nوالفرض منه زكاة، ومنه كفارة.\nولا يتميز ذلك إلا بالنية.\nفيدخل ذلك في عموم قوله -ﷺ-: \"وَإنَمّا لِكُلِّ امْرِيٍ ما نَوَى\" (^٦).\n• وفي بعض ذلك اختلاف مشهور بين العلماء؛ فإن منهم من لا يوجب تعيينَ النية للصلاة المفروضة بل يكفي عنده أن ينوي فرض الوقت وإن لم يستحضر تسميتَه في الحال، وهو رواية عن الإمام أحمد.\n* * *\n_________\n(^١) في هـ، م: \"عملت\" وهو تحريف.\n(^٢) ب: \"وهو أن تميز العبادات من العادات، وتميز العبادات … \" وفي عامة النسخ \"تمييز \".\n(^٣) في هـ، م: \"في كل\".\n(^٤) م: الصيام.\n(^٥) م: \"وتارة يكون\".\n(^٦) هذا على ما في ب وهو نص رواية ابن رجب صدر الحديث وفي عامة النسخ \"وإنما لامرئ … \".","vol":"1","page":86},{"text":"<span data-type='title' id=toc-86>[من فاتته صلاة من يوم وليلة]:</span>\n• وينبني (^١) على هذا القول: أن من فاتته صلاة من يوم وليلة ونسي عَيْنَهَا: أن عليه أن يقضي ثلاث صلوات: الفجر والمغرب ورباعية واحدة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-87>[النية في صيام رمضان]:</span>\n• وكذلك ذهب طائفة من العلماء إلى أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية تعيينه (^٢) بل يجزئ بنيّة (^٣) الصيام مطلقًا؛ لأن وقته غير قابل لصيام آخر.\nوهو أيضًا رواية عن الإمام أحمد.\nوربما حُكى عن بعضهم أن صيام رمضان لا يحتاج إلى نية بالكلية؛ لتعيُّنه (^٤) بنفسه، فهو كرد الودائع.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-88>[النية في الزكاة]:</span>\nوحكي عن الأوزاعي أن الزكاة كذلك.\nوتأوّل بعضهم قوله على أنه أراد أنها تجزئ بنية الصدقة المطلقة كالحج.\nوكذلك قال أبو حنيفة: لو تصدق بالنصاب كله من غير نية أجزأه عن زكاته.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-89>[النية في الحج]:</span>\nوقد روي عن النبي -ﷺ- (^٥): أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يُلَبِّي بِالحَجِّ عَنْ رَجُلٍ فَقَالَ لَهُ:\n_________\n(^١) في ب ون: \"ويُبْتَنَى\".\n(^٢) م: \"تعينه أيضًا\".\n(^٣) ليست في أ.\n(^٤) في هـ، م: \"لتعيينه\".\n(^٥) في سنن ابن ماجه: باب الحج عن الميت ٢/ ٩٦٩ عن ابن عباس أن رسول الله -ﷺ- سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة فقال رسول الله -ﷺ-: \"من شبرمة\"؟ قال: قريب لي. قال: \"هل حججت قط؟ \" قال: لا. قال: \"فاجعل هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة\".\nوأخرجه أبو داود في السنن: كتاب المناسك: باب الرجل يحج مع غيره ٢/ ٤٠٣ والبيهقي فى السنن ٤/ ٤٣٦ كلهم من طريق عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبي عَروبة، عن عزرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وقال البيهقي: هذا إسناد صحيح ليس في الباب أصح منه.","vol":"1","page":87},{"text":"\"أحَجَجْتَ عَنْ نَفْسِك\"؟ قَالَ: لا، قَالَ: \"هَذِهِ عَنْ نَفْسِك، ثُمَّ حُجَّ عَنِ الرَّجُلِ\".\n• وقد تُكُلِّمَ في صحة هذا الحديث.\nولكنه صحيح عن ابن عباس وغيره.\nوأخذ بذلك الشافعي وأحمد في المشهور عنه وغيرهما في أن حجة الإسلام تسقط بنية الحج مطلقًا، سواء نوى التطوع أو غيره، ولا يشترط للحج تعيين النية، فمن حج عن غيره ولم يحج عن نفسه وقع عن نفسه، وكذا لو حج عن نَذْرِهِ (^١) أو نفلا ولم يكن حج حجة الإسلام فإنه يَنْقَلِبُ عنها.\n* * *\nوقد ثبت عن النبي -ﷺأنه أمَر أَصْحَابَهُ فيِ حجَّةِ الودَاع بَعْدَ مَا دَخلُوا مَعَه وَطَافُوا وَسَعَوْا أنْ يَفسَخُوا حَجَّهُمْ وَيَجْعَلُوها عُمْرَةً، وَكَان مِنْهُم القَارِنُ والمفْرِدُ وإنَّمَا كَانَ طَوافُهُمْ عِنْدَ قُدُومهمْ طَوَافَ القُدُوم، وَلَيْسَ بِفَرْض، وَقَدْ أمرَهْم أن يَجْعَلُوهُ طَوَافَ عُمْرةٍ وَهُو فَرْضٌ (^٢).\n• وقد أخذ بذلك الإمام أحمد في فَسْخ الحج، وعَمِل به، وهو مُشكلٌ على أصله؛ فإنه يوجب تعيين الطواف الواجب للحج والعمرة بالنية، وخالفه في ذلك أكثر الفقهاء كمالك والشافعى وأبي حنيفة.\n• وقد يفرق الإمام أحمد بين أن يكون طوافه في إحرام انقلب كالإحرام الذي يفسخه ويجعله عمرة؛ فينقلب الطواف فيه؛ تبعا لانقلاب الإحرام، كما ينقلب الطواف في الإحرام الذي نوى به التطوع إذا كان عليه حجة الإسلام؛ تبعا لانقلاب إحرامه (^٣) من أصله ووقوعه عِن فرضه. بخلاف ما إذا طاف للزيارة بنية الوداع أو التطوع فإن هذا لا يُجْزئه؛ لأنه لم يَنْو (^٤) به الفرض ولم ينقلب فرضا تبعا لانقلاب إحرامه والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) م: \"نذر\".\n(^٢) راجع ما رواه البخاري في كتاب المغازي: باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد ﵄ إلى اليمن قبل حجة الوداع ٧/ ٧٠ من الفتح، ومسلم في كتاب الحج: باب حجة النبي -ﷺ- ٢/ ٨٨٦، ٨٩٢ والهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٢٣٣ - ٢٣٤.\n(^٣) م: \"الإحرام\".\n(^٤) هـ، م: \"إلا أن ينوي\".","vol":"1","page":88},{"text":"[مما يدخل في هذا]:\nومما يدخل في هذا الباب أن رجلا (^١) في عهد النبي -ﷺ- كان قد وضع صدقته عند رجل (^٢) فجاء ابن صاحب الصدقة (^٣) فأخذها ممن هي عنده فعلم لذلك أبوه فخاصمه إلى النبي -ﷺ- وقال ما إياك أردتُ؟ فقال النبي -ﷺ- لِلْمتَصدِّقِ: \"لَكَ مَا نويْتَ\" وَقَالَ لِلآخِذِ: \"لَكَ مَا أخَدْتَ\".\nخرَّجه البخاري (^٤).\n* * *\n• وقد أخذ الإمام أحمد بهذا الحديث وعمل به في المنصوص عنه، وإن كان أكثر أصحابه على خلافه؛ فإن الرجل إنما يُمنع من دفع الصدقة إلى ولده خشية أن يكون (^٥) محاباة فإذا وصلت إلى ولده من حيث لا يشعر كانتا المحاباة منتفية، وهو من أهل استحقاق الصدقة في نفس الأمر.\nولهذا لو دفع صدقته إلى من يظنه فقيرًا -وكان غنيًّا في نفس الأمر أجزأته- على الصحيح؛ لأنه إنما دفع إلى من يعتقد استحقاقه والفقر أمر خفي لا يكاد يُطَّلَعُ على حقيقته.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-90>[النية في الطهارة]:</span>\n• وأما الطهارة: فالخلاف في اشتراط النية لها مشهور، وهو يرجع إلى أن الطهارة\n_________\n(^١) هو يزيد بن الأخنس بن حبيب السلمي.\n(^٢) لم يقف الحافظ ابن حجر على اسمه.\n(^٣) هو معن بن يزيد. وفي م: \"عند رجل فجاء ولد صاحب الصدقة\".\n(^٤) في كتاب الزكاة: باب إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر ٣/ ٢٣٢ من الفتح، وراجع ما ذكره ابن حجر في هذا الموضع وفي تهذيب التهذيب ١٠/ ٢٥٣ - ٢٥٤.\nوالحديث في البخاري من رواية معن بن يزيد ﵁ قال: \"بايعت رسول الله -ﷺ- أنا وأبي رجدي، وخطب علي فأنكحني (أي الرسول -ﷺ-)، وخاصمت إليه، وكان أبي يزيد أخرج دنانير يتصدق بها، فوضعها عند رجل في المسجد (أي وأذن له أن يتصدق بها على محتاج إليها إذنا مطلقًا) فجئت فأخذتها، فأتيته بها (أي أتيت أبي بالدنانير) فقال: (الأب) والله ما إياك أردت فخاصمته إلى رسول الله -ﷺفقال: لك ما نويت يا يزيد، ولك ما أخذت يا معن\".\nومن هذا يبين إلى أي مدى يكون مراد ابن رجب وغيره من قولهم في مثل هذا الحديث خرجه البخاري.\nكما يبين إلى أي مدى يكون الالتزام باللفظ في مثل هذا التعبير.\n(^٥) م: \"تكون\".","vol":"1","page":89},{"text":"للصلاة هل هي عبادة مستقلة أم هي شرط من شروط الصلاة كإزالة النجاسة، وستر العورة؟.\nفمن لم يشترط لها النية جعلها كسائر شروط الصلاة.\nومن اشترط لها النية جعلها عبادة مستقلة.\nفإذا كانت عبادة في نفسها لم تَصِحَّ بدون نية.\nوهذا قول جمهور العلماء.\nويدل على صحة ذلك: تكاثر النصوص الصحيحة عن النبي -ﷺ-: \"بِأَنَّ الوضوءَ يُكَفِّرُ الذنوبَ والخطايا، وأن مَنْ توضأ كما أمِرَ كان كفارةً لذنوبه\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-91>[الوضوء عبادة مستقلة]:</span>\n• وهذا يدل على أن الوضوء المأمور به في القرآن عبادةٌ مستقلة بنفسها؛ حيث رُتِّبَ عليه تكفيرُ الذنوب.\nوالوضوء الخالى عن (^٢) النية لا يكفر شيئًا من الذنوب بالاتفاق؛ فلا يكون مأمورًا به، ولا تصح به الصلاة، ولهذا لم يرد في شيء من بقية شرائط الصلاة -كإزالة النجاسة، وستر العورة- ما ورد في الوضوء من الثواب.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-92>[الجمع بين نية الوضوء وقصد آخر]:</span>\n• ولو شَرِكَ (^٣) بين نية الوضوء وبين قصد التبرد وإزالة النجاسة أو الوسخ؛ أجزأه في المنصوص عن الشافعي.\nوهو (^٤) قول أكثر أصحاب أحمد؛ لأن هذا القصد ليس بمحرم ولا مكروه.\nولهذا لو قصد مع رفع الحدث تعليمَ الوضوء لم يَضُرَّه ذلك.\nوقد كان النبي -ﷺ- يقصد أحيانًا بالصلاة تعليمها للناس، وكذلك الحج كما قال:\n_________\n(^١) البخاري في كتاب الوضوء: باب الوضوء ثلاثًا ثلاثا ١/ ٢٥٩، ٢٦١ من الفتح، ومسلم في كتاب الطهارة: باب فضل الوضوء والصلاة عقبه ١/ ٢٠٥ - ٢٠٨.\n(^٢) ب: \"من\".\n(^٣) شَرِكته في البيع والشراء أشركه من باب علم على ما في الصحاح للجوهري ٤/ ١٥٩٣.\n(^٤) في م \"هذا\".","vol":"1","page":90},{"text":"\"خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-93>[النية والأيمان]:</span>\n• ومما تدخل النية فيه من أبواب العلم مسائل الأيْمَانِ؛ فَلغو اليمين لا كفارة فيه، وهو ما جرى على (^٢) اللسان من غير قصد بالقلب إليه؛ كقوله: لا والله، وبلى والله، في أثناء الكلام، قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (^٣).\nوكذلك يُرجَعُ في الأَيْمانِ إلى نية الحالف، وما قَصدَ بيمينه؛ فإن حلف بطلاق أو عتاق ثم ادعى أنه نوى ما يخالف ظاهِرَ لفظه فإنه يُديَّن فيما بينه وبين الله ﷿.\nوهل يقبل منه في ظاهر الحكم؟\nفيه قولان للعلماء مشهوران.\nوهما روايتان عن أحمد.\n• وقد روي عن عمر ﵁ أنه رُفِعَ إليه رجل قالت له امرأته: شَبِّهني قال: كأنك ظبية، كأنك حمامة!؟ فقالت: لا أرْضى حتى تقول أنت خلية طالق، فقال ذلك، فقال عمر: ﵁ \"خذ بيدها فهي امرأتك\".\nخرجه أبو عبيد، وقال: \"أراد الناقة تكون معقولة ثم تُطْلَق من عقالها، وَيُخَلَّى عنها؛ فهي خليَّة من العقال، وهي طالق؛ لأنها قد طَلَقَتْ (^٤) منه؛ فأراد الرجل ذلك؛ فأسقط عنه عمر الطلاق لنيّته.\nقال: وهذا أصل لكل من تكلَّم بشيء يشبه لفظَ الطلاق والعتاق وهو ينوي غيره أن القول فيه قوله فيما بينه وبين الله ﷿في الحكم- على تأويل مذهب عمر ﵁\".\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣١٨، ٣٦٦ (الحلبي) والبيهقي في السن الكبرى كتاب الحج: باب الإيضاع في بطن محسر ٥/ ١٢٥ كلاهما من حديث سفيان الثوري، عن أبي الزبير، عن جابر. وكذا أخرجه مسلم ٢/ ٩٤٣ - ٩٤٤، بنحوه.\n(^٢) في أ: \"عليه\".\n(^٣) سورة البقرة ٢٢٥ وفي م: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ سورة المائدة ٨٩.\n(^٤) راجع الأثر وتعليق الخطابي ثم الزمخشري عليه في الغريب ٢/ ٩٩ والفائق ١/ ٣٩٩،","vol":"1","page":91},{"text":"• ويروى عن السُّمَيط السَّدُوسي (^١) قال: خَطَبْتُ امرأةً فقالوا: لا نزوّجك حتى تُطَلِّق امرأتك؛ فقلت: إني قد طلقتها ثلاثًا؛ فزوَّجُوني، ثم نظروا فإذا امرأتي عندي؟ فقالوا: أليس قد طَلَّقتَها ثلاثًا؟. فقلت: كان عندي فلانة فَطَلَّقْتُها، وفلانة فطلَّقْتُهَا، فأما هذه فلم أطلّقها؟ فأتيت شقيق بن ثور وهو يريد الخروج إلى عثمان وافدًا فقلت: سل أميرَ المؤمنين عن هذه، فخرج فسأله (^٢).\nفقال: نيته.\nخرجه أبو عبيد في كتاب الطلاق.\nوحكى إجماع العلماء على مثل ذلك.\n• وقال إسحق بن منصور: قلت لأحمد: حديث السُّمَيطْ: أتعرفه؟ قال: نعم! السدوسي إنما جعل نيته بذلك، فذكر ذلك شقيق لعثمان فجعلها نيته.\n* * *\n• قال إسحق فإن كان الحالف ظالمًا ونوى خلاف ما حَلَّفه عليه غريمُهُ لم تنفعه نيته.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-94>[اليمين على نية المستحلِفِ]:</span>\n• وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي -ﷺ- قال: \"يَمِينُك عَلَى ما يُصدِّقكَ عَلَيه صَاحِبُكَ\".\nوفي رواية له: \"الْيَمِينُ عَلىَ نِيَّةِ المُسْتَحْلِفِ\" (^٣).\n_________\n(^١) في هـ، م: \"الدوسي\" وهو خطأ: فهو سُمَيط بن عمير السدوسي أبو عبد الله البصري، روى عن أبي موسى الأشعري وأنس وعمران بن حصين، وعنه سليمان التيمي وعاصم الأحول، وثقه ابن حبان، وترجمته في التهذيب ٤/ ٢٤٠. والثقات لابن حبان ٤/ ٣٤٦.\nوفيها: \"ويقال: سميط بن سمير\" والتاريخ الكبير للبخاري ٢/ ٢ / ٢٠٣ - ٢٠٤ والظاهر من ترجمته عنده أيضًا أنهما واحد: سُميط بن عمير، وسُمَيط بن سمير ..\n(^٢) في م بعد هذا: فذكر ذلك لعثمان فجعلها له.\n(^٣) كلا الروايتين في كتاب الإيمان: باب يمين الحالف على نية المستحلف ٣/ ١٢٧٤ من صحيح مسلم.\nقال النووي: هذا الحديث محمول على الحلف باستحلاف القاضي فإذا ادعى رجل على رجل حقا، فحلفه القاضي فحلف وورَّى ونوى غير ما نوى القاضي انعقدت يمينه على ما نواه القاضي، ولا تنفعه التورية وهذا مجمع عليه.\nودليله هذا الحديث والإجماع.","vol":"1","page":92},{"text":"وهذا محمول على الظالم، فأما المظلوم فينفعه ذلك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-95>[واقعة تطبيقية]:</span>\n• وقد خرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث سويد بن حنظلة قال: خرجنا نريد رسول الله -ﷺ- ومعنا وائل بن حُجْر فأخذه عَدُوٌّ له، فتحرَّج الناس أن يحلفوا؛ فحلفت أنا أنه أخي؛ فخُلِّى سبيله فأتينا النبي -ﷺ- فأخبرته أن القوم تحرَّجوا أن يحلفوا وحلفت (^١) أنا أنه أخي فقال: \"صدَقْتَ؛ الْمسلِمُ أخُو المسْلِمِ\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-96>[النية في الطلاق والعتاق]:</span>\n• وكذلك تدخل النية في الطلاق والعتاق فإذا أتى بلفظ من ألفاظ الكنايات المحتملة\n_________\n= فأما إذا حلف بغير استحلاف القاضي وورّى تنفعه التورية ولا يحنث: سواءً حلف ابتداء من غير تحليف أو حلّفَه غيرُ القاضي وغير نائبه في ذلك ولا اعتبار بنية المستحلف غير القاضي. وحاصله أن اليمين على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى توجهت عليه فتكون عليه نية المستحلف، وهو مراد الحديث. أما إذا حلف عند القاضي من غير استحلاف القاضي في دعوى فالاعتبار بنية الحالف وسواء في هذا كله اليمين بالله تعالى أو بالطلاق والعتاق إلا أنه إذا حلفه القاضي بالطلاق أو بالعتاق تنفعه التورية ويكون الاعتبار بنية الحالف؛ لأن القاضي ليس له التحليف بالطلاق والعتاق وإنما يستحلف بالله تعالى. واعلم أن التورية وإن كان لا يحنث بها فلا يجوز فعلها حيث يبطل بها حق مستحق وهذا مجمع عليه هذا تفصيل مذهب الشافعي وأصحابه. ونقل القاضي عياض عن مالك وأصحابه في ذلك اختلافًا وتفصيلا فقال: لا خلاف بين العلماء أن الحالف من غير استحلاف ومن غير تعلق حق بيمينه له نيته ويقبل قوله، وأما إذا حلف لغيره في حق أو وثيقة متبرعًا أو بقضاء عليه فلا خلاف أنه يحكم عليه بظاهر يمينه سواء حلف متبرعًا باليمين أو باستحلاف، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فقيل اليمين على نية المحلوف له وقيل على نية الحالف وقيل إن كان مستحلفًا فعلى نية المحلوف له وإن كان متبرعًا باليمين فعلى نية الحالف وهذا قول عبد الملك وسحنون وهو ظاهر قول مالك وابن القاسم، وقيل عكسه وهي رواية يحيى عن ابن القاسم وقيل: تنفعه نيته فيما لا يقضى به عليه ويفترق التبرع وغيره فيما يقضى به عليه وهذا مروي عن ابن القاسم أيضًا، وحكى عن مالك أن ما كان من ذلك على وجه المكر والخديعة فهو فيه آثم حانث وما كان على وجه العذر فلا بأس به.\nوقال ابن حبيب عن مالك: ما كان على وجه المكر والخديعة فله نيته وما كان في حق فهو على نية المحلوف له. قال القاضي: ولا خلاف في إثم الحالف بما يقع به حق غيره وإن ورّى والله أعلم.\n(^١) في هـ، م: \"فحلفت\".\n(^٢) سنن ابن ماجه في كتاب الكفارات ١٠ \"باب من ورَّى في يمينه ١/ ٦٨٥، وهذا لفظه ومسند أحمد ٤/ ٧٩ بإسناد رجاله ثقات وفيه: أن النبي -ﷺ- قال له: \"أنت كنت أبرهم وأصدقهم صدقت .. \".\nوانظر الفتح الرباني ١٤/ ١٧٢.","vol":"1","page":93},{"text":"للطلاق أو العتاق فلا بد له من النية.\nوهل يقوم مقام النية دلالة الحال من غضب أو سؤال الطلاق ونحوه أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين العلماء.\nوهل يقع بذلك الطلاقُ في الباطن كما لو نراه؟ أم يُلَزم به في ظاهر الحكم فقط؟ فيه خلاف مشهور أيضًا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-97>[الطلاق بالكناية الظاهرة]:</span>\nولو أوقع الطلاق بكناية ظاهرة كأَلبتَّة ونحوها فهل يقع به الثلاث أو واحدة؟\nفيه قولان مشهوران.\nوظاهر مذهب أحمد: أنه يقع به الثلاث مع إطلاق النية، فإن نوى به ما دُون الثلاث وقع به ما نواه، وحُكِى عنه رواية أخرى أنه يلزمه الثلاث أيضًا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-98>[ماذا لو طلق امرأة يظنها امرأته؟]:</span>\nولو رأى امرأة فظنها امرأته فطلقها ثم بانت أجنبية طُلِّقت امرأته؛ لأنه إنما قصد طلاق امرأته.\nنص على ذلك أحمد، وحُكي عنه رواية أخرى: أنها لا تُطَلُّق وهو قول الشافعي.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-99>[وماذا لو كان بالعكس؟]:</span>\nولو كان بالعكس بأن رأى امرأة ظنها أجنبية فطَّلقها فبانت امرأتَه فهل تُطَلَّق؟\n[فيه قولان، وهما روايتان عن أحمد، والمشهور من مذهب الشافعي وغيره: أنها تطلق] (^١).\n* * *\n_________\n(^١) ما بين القوسين سقط من ب.","vol":"1","page":94},{"text":"<span data-type='title' id=toc-100>[وماذا لو حَلف على إحدى امرأتيه؟]:</span>\nولو كان له امرأتان فنهى إحداهما عن الخروج ثم رأى امرأةً قد خرجت فظنها المنهية فقال لها: فلانة: خرجْتِ؟ أنتِ طالِق؟! فقد اختلف العلماء فيها فقال الحسن: تُطلَّقُ المنهية؛ لأنها هي التي نواها.\nوقال إبراهيم: تُطَلَّقان.\nوقال عطاء: لا تطلق واحدة منهما.\nومذهب أحمد: أنه (^١) تطلق المنهية رواية واحدة؛ لأنه نوى طلاقها.\nوهل تُطَلَّقُ المواجَهَةُ؟ على روايتين عنه فاختلف الأصحاب على القول بأنها تطلق هل تُطَلَّقُ في الحكم فقط؟ أم في الباطن أيضًا؟ على طريقتين (^٢) لهم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-101>[النية في العقود]:</span>\n• وقد استُدلِ بقوله -ﷺ-: \"الأَعْمَال بِالنِّيات وَإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نوى\" على أن العقود التي يُقْصَدُ بها في الباطن التوصل إلى ما هو محرم: غير صحيحة كعقود البيوع التي يقصد بها معنى الربا ونحوها؛ كما هو مذهب مالك وأحمد وغيرهما؛ فإن هذا العقد إنما نُوِيَ به الربا لا البيع، وإنما لكل امرئ (^٣) ما نوى.\n• ومسائل النية المتعلقة بالفقه كثيرة جدًّا وفيما ذكرنا كفاية.\n* * *\nوقد تقدم عن الشافعي أنه قال في هذا الحديث: إنه يدخل في سبعين بابًا من الفقه والله أعلم (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-102>[النية والتلفظ بها في العبادات]:</span>\nوالنية: هي قصد القلب، ولا يجب التلفظ بما في القلب في شيء من العبادات.\n• وخرج بعض أصحاب الشافعي له قولا باشتراط التلفظ بالنية للصلاة.\nوغلَّطه المحققون منهم.\n_________\n(^١) م: \"وقال أحمد: إِنها … \".\n(^٢) ن، ب: \"طريقين\".\n(^٣) أ، ب: \"وإنما لامرئ\".\n(^٤) ص: ٥٦.","vol":"1","page":95},{"text":"واختلف المتأخرون من الفقهاء في التلفظ بالنية في الصلاة وغيرها.\nفمنهم من استحبه ومنهم من كرهه.\n* * *\n• ولا يعلم في هذه المسائل نقل خاصٌّ عن السلف ولا عن الأئمة؛ إلا في الحج وحده؛ فإن مجاهدا قال: \"إذا أراد الحجَّ يسمِّي ما يُهِلُّ به\".\nوروي عنه أنه قال: \"يسميه في التلبية\". وهذا ليس مما نحن فيه؛ فإن النبي -ﷺ- كان يذكر نسكه في تلبيته فيقول: \"لبيك عمرة وحجة (^١) \". وإنما كلامنا في أنه يقول عند إرادة عقد الإحرام: \"اللهم إني أريد الحج والعمرة\" كما استحب ذلك كثير من الفقهاء.\nوكلام مجاهد ليس صريحًا في ذلك.\n* * *\n• وقال أكثر السلف منهم عطاء وطاووس والقاسم بن محمد والنَّخَعِي: \"تُجْزيه النية عند الإهلال\".\n• وصح عن ابن عمر ﵁ أنه سمع رجلا عند إحرامه يقول: \"اللهم إني أريد الحج والعمرة\" فقال له: \"أتُعْلِمُ النَّاسَ!؟ أوَليس الله يعلم ما في نفسك؟! \".\n* * *\n• ونص مالك على مثل هذا، وأنه لا يستحب له أن يسمي ما أحرم به، حكاه صاحب كتاب \"تهذيب المدونة\" من أصحابه.\nوقال أبو داود: قلت لأحمد: أتقول قبل التَّكبِير (يعنى في الصلاة) شيئًا؟ قال: لا.\n• وهذا قد يدخل فيه أنه لا يتلفظ بالنية والله ﷾ أعلم.\n* * *\n* *\n*\n_________\n(^١) راجع في هذا ما رواه البخاري في المغازى ٨/ ٧٠ ج ٤٣٥٣، ٤٣٥٤ ومسلم في كتاب الحج باب الإفراد والقران بالحج والعمرة ٢/ ٩٠٥ ح ١٨٥ و١٨٦.\nوالترمذي في الحج: باب ما جاء في الجمع بين الحج والعمرة ٣/ ١٨٤ ح ٨٢١ كلهم من حديث أنس.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type='title' id=toc-103>الحديث الثاني</span>\nعن عمرَ بنِ الخطاب ﵁ (^١) قال:\nبينما نحنُ (^٢) عند رسول الله -ﷺ- ذاتَ يوم إِذْ طَلَع علينا رجُلٌ شديدُ بَيَاضِ الثِّيَاب شَديدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لا يُرَى عليه أثرُ السَّفَرِ، وَلا يَعْرِفُهُ مِنَّا أحَدٌ، حتَّى جَلسَ إلى النَّبي -ﷺ- فَأسندَ رُكْبَتَيْه، إلى رُكْبتَيهِ، وَوَضَعَ كفَّيْهِ على فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يا مُحَمَّدُ! أخبْرنِي عن الإِسْلَام؟ فَقَال رسُولُ الله -ﷺ-: \"الإسْلامُ أَنْ تَشهدَ أنْ لا إله إلا الله، وأن مُحَمدًا رسُول الله، وتُقِيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وتَصُومَ رمضَانَ، وَتَحُجَّ الْبيتَ إن استَطَعتَ إليهِ سَبيلًا\". قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعجبْنَا لَهُ يَسْألُه ويُصَدِّقهُ. قَالَ: فَأخْبرنِي عَن الإِيمَانِ؟ قَالَ: \"أنْ تُؤمنَ بالله، ومَلائِكتِه، وَكُتُبِه، وَرُسُلِه، واليومِ الآخر، وَتؤْمِنَ بالقدَر: خَيْرِه وَشَرِّهِ\". قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأخْبِرْنِي عن الإِحْسانِ؟ قَالَ: \"أنْ تَعْبُد الله كأنّكَ تَراهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ؛ فإنّه يَرَاكَ\".\nقال: فأخْبِرني عَنِ السَّاعة؟ قَالَ: \"ما المسئول عنها بِأَعْلَمَ من السَّائِل\" قال: فأخبرني عن أَمَارَاتها؟ قَالَ: \"أنْ تَلدَ الأمةُ رَبّتَها، وأنْ تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العالَةَ رِعَاءَ الشّاءِ يتَطاولُونَ في البنْيان\".\nثُمَّ انْطَلَقَ، فَلُبثْتُ مَليًّا، ثُمَّ قَال لي: \"يا عمرُ! أتدْرِي مَنِ السَائِلُ؟ \" قُلْتُ: الله وَرَسُولُه أعْلَمُ، قَالَ: \"فإنه جِبْرِيلُ أَتَاكم يُعلّمُكُم دِينكُم\" رواه مسلم (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-104>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث تفرد به مسلم عن البخاري بإخراجه، فخرّجه من طريق كهمس (^٤) عن عبد الله بن بُريدة عن يحيى بن يَعْمَرَ قال:\n_________\n(^١) في بعض النسخ: \"أيضا قال … \".\n(^٢) في هـ، م: وشرح الأربعين للنووي، ولابن دقيق العيد: \"نحن جلوس عند\" وكلمة \"جلوس\" ليست في الأصول ولا في صحيح مسلم.\n(^٣) أول كتاب الإيمان ١/ ٣٦ - ٣٨.\n(^٤) ب: \"كشميهني\"، وهو تحريف.","vol":"1","page":97},{"text":"كان أولَ من قال في القدر بالبصرة معبدٌ الجهني فانطلقت أنا وحُمَيْدُ بنُ عبد الرحمن الحِمْيرى حاجَّيْنِ أو معتمِرَيْن فقلنا: لو لقينا أحدًا من أصحاب رسول الله -ﷺ- فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوُفِّقَ (^١) لنا عبد الله بنُ عمر بن الخطاب ﵄ داخلا المسجد فاكتنفته أنا وصاحبي: أحدنا عن يمينه، والآخر عن شماله، فظَننْتُ أن صَاحِبي سَيَكِلُ الكلامَ إليَّ فقلتُ: أبا عبد الرحمن! إنه قد ظهر قِبَلَنَا ناسٌ يقرءون القرآن، ويتقَفَّرُونَ العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدَرَ وأن الأمْرَ أُنُفٌ؟ قال: فإذا (^٢) لقيتَ أولئك فأخْبرهُم أني بريءٌ منهم، وأنهم بُرَآءُ مني، والذي يحلف به عبدُ الله ابنُ عُمَرَ لو أن لأحدهم مِثلَ (^٣) أُحدٍ ذَهَبًا فأنفقه، ما قَبِلَ اللهُ منه حتى يُؤْمِنَ بالقَدَرِ.\nثم قال: حَدَّثَنِي أبي: عُمرُ بن الخطَّاب ﵁ قَالَ: \"بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رسُولِ الله -ﷺ- .. فَذَكَرَ الحَديِثَ بِطُولِه.\nثُمَ خَرَّجَهُ مِنْ طُرقٍ أُخْرَى بَعْضُهَا يَرْجعُ إلى عَبْدِ الله بنِ بُرَيْدَة، وَبَعْضُهَا يَرْجع إلى يَحيَى بنِ يَعْمَرَ. وذَكَر أنَّ في بَعْضِ ألفَاظِها زيادةً ونقْصَانًا (^٤).\n* * *\n• وقد خرّجَهُ ابنُ حبَّان في صَحِيحِه من طَريقِ سُلَيمان التّيمي عنْ يَحْيَىَ بن يَعْمَر (^٥).\n* * *\n• وقَدْ خَرِّجَهُ مُسْلِم من هذا الطَّريقِ إلا أنَّه لَمْ يَذْكُر لَفْظَهُ (^٦) وفيه (^٧) زِيَاداتٌ منها في الإسْلَامِ، قَالَ: \"وتَحُجَّ (^٨)، وتعْتَمِرَ،، وتَغْتَسِلَ من الجَنَابَةِ، وأنْ تُتِمَّ الوضوءَ\"، وقال\n_________\n(^١) في هـ، م: \"فوافق\" وهو تحريف.\n(^٢) في أ هـ، م: \"إذا\" وهو مخالف لما في مسلم.\n(^٣) ب: \"ملء\" وما آثرناه هو الموافق لما في صحيح مسلم.\n(^٤) عقب الرواية السابقة وفي ب: نقصا.\n(^٥) في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ١/ ١٩٨ - ١٩٩ وعنده … وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتحج وتعتمر وتغتسل وتتم الوضوء.\n… هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم؛ خذوا عنه.\n(^٦) عقب الرواية السابقة ١/ ٣٨١.\n(^٧) في هـ، م: \"فيه\" والمتبادر أن هذه الزيادات في مسلم وليست فيه وابن رجب يصرح بذلك فيقول: ولم يذكر لفظه. وهذه الزيادات في صحيح ابن حبان في الموضع الذي أشرنا إليه، وعبارة ابن رجب هكذا موهمة وقد اتفقت الأصول كلها على هذا النص، ولم يفطن المرحوم الشيخ أحمد محمد شاكر إلى إلى هذا عند تحقيقه لجامع العلوم والحكم الرسالة الثانية ص ٤٨ فلم ينبه إلى ما يرفع اللبس، ويزيل الإبهام. وسوف يأتي من عبارة ابن رجب ما يصرح بأن هذه الزيادات في صحيح ابن حبان لا في صحيح مسلم ولعل قوله: \"وخرجه مسلم\" أخر من تقديم.\n(^٨) في س: \"والحج\".","vol":"1","page":98},{"text":"فإذا فعلتُ ذَلك فَأنَا مسْلم؟ [قال: \"نعم\". وقال فيِ الإيمان. \"وتؤمِن بِالجنة والنَّار والميزَانِ\" وقالَ فيه فإذا فَعَلتُ ذلك فَأنا مؤْمِنٌ؟ قال: \"نعم\"] (^١) وقالَ في آخِرِه: \"هذَا جْبريلُ أتاكُم ليُعَلِّمَكُم أَمْرَ دِينكمِ؛ خُذُوا عنه والذي نَفْسي بيدِه مَا شُبّه عليّ منذُ أَتَانِي قبلَ مرَّتي هذه، وما عَرفْتُه حتَّى ولَّى! \".\n* * *\n[رواية الصحيحين]:\n• وخرجاه في الصحيحين (^٢) من حَديثِ أبي هُرَيرَة (^٣) ﵁ قال: \"كان النبي -ﷺ- يوْما بارزًا للناس فأتَاهُ رجُلٌ فَقَال: ما الإيمانُ؟ قالَ: \"الإيمانُ أنْ تُؤمِنَ بالله وملائكته وكتابه وبِلقَائِه ورُسُلِه وتُؤمِنَ بالبعث الآخِر\".\nقالَ: يَا رسُولَ الله! ما الإسْلامَ؟ قال: \"الإسلامُ أن تعبدَ الله لا تُشْركَ به شيئًا وتُقِيمَ الصلاةَ المكْتوبةَ، وتُؤَدِّيَ الزّكَاةَ المفْروضَة، وتَصُومَ رَمَضَانَ\".\nقَالَ: يَا رسُولَ الله! ما الإِحْسَانُ؟ قَالَ: \"أن تَعْبدَ الله كأنّكَ تَراهُ فإن لم تَكُن تراهُ فإنَّه يَراكَ (^٤) \".\nقَالَ: يَا رسولَ الله! متى الساعةُ؟ قَالَ: \"ما المسئولُ عنها بأعلمَ من السّائِل، ولكن سأحدثُكَ عن أشراطها: إذا ولَدَت الأَمَةُ رَبَّها فذاك من أشراطِهَا، وِإذَا رأيتَ الحُفَاةَ العُراةَ رُءُوس النّاسِ فذاك من أشْراطِهَا، وإذا تَطَاولَ رِعاءُ البَهْمِ في البُنْيانِ؛ فذاك من أَشراطِها: في خَمْسٍ لا يَعْلَمهُنَّ إلا الله\" ثم تلا رسُولُ الله -ﷺ-:\n﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (^٥).\nقال: ثُمَّ أدْبر الرجلُ فقال رسولُ الله -ﷺ-: \"ردُّوا (^٦) عَلىَّ الرَّجُلَ\" فأخذوا ليردّوهُ فلم يَرْوا شيئًا؛ فقال رسولُ الله -ﷺ-: \"هذا جبِريلُ جاءَ ليعلَّمَ الناسَ دينَهم\".\n• وخرَّجه مُسلم بسياقٍ أتمَّ من هَذَا، وفيه -في خِصَالِ الإيمانِ-: \"وتؤْمِنَ بالقَدر\n_________\n(^١) ما بين الرقمين ليس في ب.\n(^٢) البخاري في كتاب الإيمان: باب سؤال جبريل النبي -ﷺ- عن الإيمان والإسلام .. إلخ ١/ ١٤١.\nومسلم في كتاب الاٍ يمان: باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ١/ ٣٩.\n(^٣) أ: \"بريدة\" وهو خطأ.\n(^٤) ب: \"فإنك إن لا تراه فإنه يراك\".\n(^٥) سورة لقمان: ٣٤.\n(^٦) ليست في ب.","vol":"1","page":99},{"text":"كلِّه\" وقَالَ في الإحسَانِ: \"أن تَخْشىَ الله كأنّكَ تَراهُ\" (^١).\n• وخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث شهر بن حوشب عن ابن عباس (^٢) ﵄، ومن حديث شهر بن حوشب أيضًا (^٣). عن ابن عامر أو أبي عامر أو أبي مالك عن النبي -ﷺ- وَفي حدِيثهِ قال: ونَسْمَعُ رَجْعَ النَبِي -ﷺ- ولا نَرىَ الَّذِي يُكَلّمهُ ولا نَسْمَعُ كَلَامَهُ.\nوهذا يَرُدُّه حَديث عُمَر الذي خَرَّجَه مُسْلِمٌ وهَو أصَحُّ.\n* * *\nوقد رُوي الحَدِيثُ (^٤) عَنِ النَّبي -ﷺ- من حَديثِ أنس بْن مَالك، وجَرير بْن عَبِد الله البَجَلي، وغيرهما.\n* * *\nوهو حَديثٌ عظيم جدًّا يَشْتَمِلُ علَى شَرْح الدِّين كُلّه؛ ولهذا قال النبي -ﷺ- في آخره: \"هَذَا جِبْريلُ أتَاكُم يُعلِّمكُم دِينكُم\". بعدَ أن شَرَح دَرَجةَ الإسْلام، ودَرَجَةَ الإيمان، ودَرَجَةَ الإحْسَانِ، فَجَعَلَ ذَلكَ كُلَّه دينًا.\n[المقارنة بين الروايات]:\nواختلَفت الروايةُ في تَقْديمِ الإسْلامِ عَلَى الإيمَانِ وعَكسِه.\n• فَفِي حَدِيثِ عُمَرَ الذي خَرَّجَهُ مسلم: أَنَّهُ بَدأ بالسؤالِ عَنِ الإسلام.\n• وَفي التِّرمذي وغَيرهِ أنَّهُ بَدأ بالسؤال عَنِ الإيمان كما في حَديثِ أبي هرَيرةَ ﵁، وَجَاءَ في بَعْضِ روَاياتِ حدَيث عمرَ أَنَّهُ سألَهُ عن الإحْسانِ بَينَ الإسْلامِ والإيمانِ.\n* * *\n_________\n(^١) عقب الرواية السابقة ١/ ٤٠.\n(^٢) المسند ٤/ ٣٣٣ - ٣٣٤ (المعارف).\nوذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٣٨، ٤٠ وقال: رواه أحمد والبزار إلا أن في البزار أن جبريل ﵇ أتى النبي -ﷺ- في هيئة رجل شاحب مسافر. وفي إسناد أحمد شهر بن حوشب أي وهو ضعيف.\n(^٣) المسند ٤/ ١٢٩، ١٦٤، (حلبي) وفيه الشك الذكور فيمن روى عنه شهر بن حوشب.\n(^٤) في م، هـ \"وقد روى حديث عمر عن النبي\" …","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type='title' id=toc-105>[معنى الإسلام]:</span>\nفَأَمَّا الإِسْلامُ فَقَد فَسَّره النَّبِيُّ - ﷺ - بأعْمالِ الجَوَارح الظَاهرةِ من القَولِ والعَمَلِ، وأوَّلُ ذَلك شَهادةُ أن لا إله إلَّا الله وأنَّ مَحمَّدًا رسُولُ الله، وهو عَمَل اللّسَانِ، ثُم إقامُ الصَّلاةِ وإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وصَومُ رمضَانَ، وحَجُّ البَيتِ من اسْتَطاعَ إلَيهِ سَبِيلًا.\nوهي مُنقسمةٌ إلى عَمَلٍ بِدَنيٍّ كالصلاةِ والصومِ، وإلى عمل مالي وهو إيتاء الزكاة، وإلى ما هو مركب منهما كالحج بالنسبة إلى البعيد عن مكة.\nوفي رواية ابن حبان أضاف إلى ذلك: الاعتِمَارَ والغسلَ من الجنابة وإتمامَ الوضوء (^١).\nوفي هذا تنبيه على أن جميع الواجبات الظاهرة داخلة في مسمى الإسلام.\nوإنما ذكر ههنا أصول أعمال الإسلام التي يبني (^٢) الإسلام عليها كما سيأتي شرح ذلك في حديث ابن عمرَ ﵄: \"بُني الإسْلامُ على خمسٍ\" في موضعِه إن شاءَ الله تعَالَى.\n• وقوله في بعض الروايات: فإذَا فَعلْتُ فَأنَا مُسلم؟ قَالَ: \"نَعَم\" - يدل على أن مَنْ أكمَلَ (^٣) الإتيان بمباني الإِسلام الخمس صار مسلمًا حقًّا، مع أن من أقر بالشهادتين صار مسلمًا حكمًا، فإذا دخل في الإسلام بذلك ألزم بالقيام ببقية خصال الإسلام، ومن ترك الشهادتين خرج من الإسلام.\nوفي خروجه من الإسلام بترك الصلاة خلاف مشهور بين العلماء.\nوكذلك في ترك بقية مباني الإسلام الخمس كما سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-106>[أدلة شمول الإسلام للأعمال الظاهرة]:</span>\n• ومما يدل على أن جميع الأعمال الظاهرة تدخل في مسمى الإسلام قول النبي - ﷺ -: \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده\" (^٤).\n_________\n(^١) هذا هو تصريح ابن رجب بأن هذه الزيادات في صحيح ابن حبان لا في صحيح مسلم. وهو ما أشرنا إليه ص ٩٨ - ٩٩.\n(^٢) في النسخ الأخرى ما عدا \"ا\" \"يَنْبَني\".\n(^٣) في بعض النسخ عدا (أ): \"كمل\".\n(^٤) البخاري في كتاب الإيمان: باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ١/ ٥٣.\nومسلم في كتاب الإيمان: باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل ١/ ٦٥.","vol":"1","page":101},{"text":"• وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرَ ﵄ أن رجلا سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ -: أيُّ الإسْلامِ خير؟ قال: \"أنْ تُطْعِمَ الطَّعَامَ، وتقْرأ السّلامَ عَلَى مَنْ عَرفْتَ ومَن لَمْ تَعرف\" (^١).\n* * *\n• وفي صحيح الحاكم عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"إن لِلإسلامِ (^٢) ضَوْءًا ومنارًا كَمَنارِ الطَّرِيقِ، مِنْ (^٣) ذلك: أنْ تَعْبُدَ الله وَلا تُشْرِكَ به شَيْئًا، وتُقيِمَ الصَلاة، وتؤتِيَ الزكَاةَ، وتَصُومَ رَمَضانَ، والأَمْرُ بالمعُروفِ والنَّهْيُ عَن المنكَرِ وتَسْلِيمُكَ عَلَى بَنِي آدَم إذا لَقيتَهُم، وتَسْلِيُمكَ عَلَى أَهْل بيْتك إذا دَخَلْتَ عَليْهم؛ فَمَن انتقَصَ مِنهُنَّ شيئًا فَهُوَ سَهْمٌ (^٤) من الإسْلامِ يدعه (^٥) وَمَنْ تَركَهُنَّ (^٦) فَقَدْ نَبذَ الإسْلامَ وَراءَ ظَهْرِه (^٧).\n_________\n(^١) البخاري في كتاب الإيمان باب إطعام الطعام من الإسلام ١/ ٥٥ وباب إفشاء السلام من الإسلام ١/ ٨٢ وفي كتاب الاستئذان: باب السلام للمعرفة وغير المعرفة ١١/ ٢١.\nومسلم في الموضع السابق.\n(^٢) ب: \"الإسلام\" وهو تحريف.\n(^٣) في: هـ، م: \"بين\" وهو مخالف لما في الأصول.\n(^٤) في هـ، م: \"منهم\" وهو تحريف\".\n(^٥) في هـ، م: \"يتركه\" وهو تحريف. وفي الأصول: تركه وما أثبتناه: من المستدرك.\n(^٦) ب: \"يتركهن\".\n(^٧) هذا الذي ساقه ابن رجب عن الحاكم ليس حديثًا واحدًا كما يتبادر، وإنما هما حديثان اتفقا في الإسناد فركب منهما ابن رجب حديثًا واحدًا، وزاد بينهما لفظ: \"من ذلك\" وليست في المستدرك وليس فيه أنهما حديث واحد، وإنما روى الحاكم الحديث الأول: إن للإسلام ضوءًا ومنارًا كمنار الطريق، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري وبعد أن ساق ما يؤيد قوله هذا قال: حديث آخر بهذا الإسناد: حدثنا أبو بكر بن إسحاق، حدثنا عبيد بن عبد الواحد، حدثنا محمد بن أبي السري، حدثنا الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد عن خالد بن معدان، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئًا .. الحديث ثم قال عقبه: هذا الحديث مثل الأول في الاستقامة.\nهما حديثان إذا كما ترى من كلام الحاكم وسياقه ولست أدري كيف ساغ لابن رجب أن يؤلف من حديثين مستقلين حديثًا واحدًا وأن يضيف لذلك لفظة لم يروها أبو هريرة عن النبي - ﷺ -، ولم يثبتها الحاكم الذي نقل عنه ابن رجب؟!.\nولم ينبه المرحوم الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للجامع إلى هذه المسألة! راجع المستدرك ١/ ٢١ والرسالة الثانية من جامع العلوم والحكم ص ٨.\nبقيت كلمة \"ضوءا\" الواردة في الحديث الأول: \"إن للإسلام ضوءا\" هكذا جاءت في الأصول وفي المستدرك. أما في النهاية فقد أتت بلفظ آخر: \"صوى\" وعبارة ابن الأثير: في حديث أبي هريرة: \"إن للإسلام صوى ومنارًا كمنار الطريق\" الصوى: الأعلام المنصوبة من الحجارة في المغارة المجهولة، يُستَدَلُّ بها على الطريق. واحدتها صوة كقوة: أراد أن للإسلام طرائق وأعلاما يهتدي بها.\nراجع النهاية ٣/ ٦٢.","vol":"1","page":102},{"text":"• وخَرّجَه ابن مَرْدَوَيهِ من حَديثِ أبي الدردَاءِ ﵁ عن النَّبِي - ﷺ - قال: \"للإسْلام ضَيَاءٌ (^١) وعَلامَاتٌ كَمنَار الطَّريق؛ فَرأْسُها وجِمَاعُها شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّ مَحَمَدًا عبده ورسوله، وإقامُ الصَلاةِ، وَإيتَاءُ الزكَاةَ، وإتَمَامُ (^٢) الوضوء، والحكم بكتاب الله وسنةِ نبيهِ، وطاعةُ ولاة الأمر، وتسليمكُم عَلى أنفُسِكم، وتسليمكُم على أهليكم إذَا دَخَلتْم بيوتَكم، وتَسْلِيمكُم عَلَى بني آدَمَ إذَا لقِيتُمُوهُم\".\nوفي إسناده ضعف ولعله موقوف.\n• وصح من حَديثِ أبي إِسْحَاقِ، عن صِلَة بن زُفَر، عن حُذَيفةَ ﵁ قَالَ: \"الإِسْلامُ ثَمَانية أَسْهُم: الإِسْلامُ سَهْمٌ، والصَّلاةُ سَهْمٌ، والزَّكَاةُ سَهْمٌ، والجِهادُ سَهْمٌ، وصَومُ رمضان سَهْمٌ، و(لعل السَّهَم الثَامِنَ الحَجُّ) (^٣) والأمرُ بالمعرُوفِ سَهمٌ، والنَّهْي عن المنْكرِ سَهْمٌ، وخاب مَنْ لا سَهمَ له\".\nوخرجه البزار مرفوعًا. والموقوف أصح (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-107>[معنى أن الإسلام سهم]:</span>\n• ورواه بعضهم عن أبي إسحق، عن الحارثِ، عن عليّ بن أبي طالب ﵁، عن النَّبِيِّ - ﷺ -.\nخَرَّجَه أبُو يَعْلَى الَموْصِلى (^٥) وغيره.\nوالموقُوف عَلَى حُذَيفةَ أصح، قَالَهُ الدَّارَقُطْنيُّ وغيره.\nوقوله: \"الإسلام سهم\" يعني الشهَادتَين؛ لأنَّهمُا عَلَمُ الإسلامِ وبهما يصيرُ الإنسان مسلمًا.\n_________\n(^١) في م: \"ضياء ونور\".\n(^٢) ب: وتمام.\n(^٣) ما بين القوسين ليس في ب ولا في أ.\n(^٤) أورد الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٣٨ عن البزار بنحوه وبتغيير في الترتيب وقال: \"فيه يزيد بن عطاء وثقه أحمد وغيره وضعفه جماعة وبقية رجاله ثقات\".\nأي فالحديث حسن وقد صرح الهيثمي بحسن حديث حذيفة في المجمع ١/ ٢٩٢.\n(^٥) أورده أبو يعلى الموصلي في مسنده ١/ ٤٠٠ وأورده الهيثمي في المجمع ١/ ٣٨ عنه وقال: \"رواه أبو يعلى وفي إسناده الحارث وهو كذاب\". هذا وقد كذبه غير واحد وضعفه الدارقطني وقال ابن عدي: عامة ما يرويه غير محفوظ راجع ترجمته بالضعفاء للعقيلي ١/ ٢٠٨، والميزان ١/ ٤٣٥، والتهذيب ٢/ ١٤٥ - ١٤٧.","vol":"1","page":103},{"text":"وكذلك تَرك المحرمات داخلٌ في مسمَّى الإسلام أيضًا.\n* * *\nكمَا رُوِي عن النبي - ﷺ - أنَّه قَال: \"مِنْ حُسْنِ إسلامِ المرءِ تَرْكهُ مَا لا يَعْنِيه\".\nوسيأتي في موضعه إن شاءَ الله تعالى (^١).\nوَيَدُل على ذلك أيضًا ما خرَّجه الإمَامُ أحمد والتِّرمذِي والنَّسَائي من حَديثِ (النَّواس بن سَمعَان) (^٢) ﵁ عن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: \"ضَرَبَ الله مَثَلًا صِراطًا مَسْتَقِيمًا وعلى جنبتي الصِّراطِ سُورَانِ فيهما أبْوابٌ مُفتَّحَةٌ، وعَلَىَ الأبْواب ستُورٌ مُرْخاةٌ، وعلى بَابِ الصراط داعٍ يَقُولُ: يا أيُّها الناس! ادْخُلُوا الصِّراطَ جَميعًا ولا تعُوجُوا (^٣) ودَاع يَدْعُو من جوفِ الصراطِ فإذا أراد [أحدٌ] (^٤) أن يَفَتَحَ شَيئًا من تلك الأبواب قالَ: ويْحَكَ! لا تَفْتَحْه (^٥) فإنّكَ إنْ تفتَحْهُ تَلِجْهُ - والصراطُ: الإسْلَامُ، والسُّورَانِ: حُدُود الله ﷿، والأبواب المفتحة: مَحَارمُ الله وذلك الدَّاعي علَى رَأسِ الصراطِ: كتابُ الله، والدَّاعي مِنْ فَوْقٍ وَاعِظُ الله في قَلْبِ كُلِّ مُسْلمِ\".\nزاد الترمذي: [قوله تعالى] ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٦).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-108>[الإسلام هو الصراط المستقيم]:</span>\nففي هذا المثل الذي ضربه النبي - ﷺ -: أن الإسلام هو الصراط المستقيم الذي أمر الله بالاستقامة عليه، وَنَهى عن مجاوزة حدوده، وأن من ارتكب شيئًا من المحرمات فقد تعدى حدوده.\n_________\n(^١) في الحديث الثاني عشر من أحاديث الكتاب.\n(^٢) في الأصول الخطية والمطبوعة حتى في الرسالة الثانية ص ٩ من تحقيق الشيخ أحمد شاكر: \"العرباض بن سارية\" وهذا خطأ بيِّن. فالحديث مروى عند أحمد في المسند ٤/ ١٨٢ - ١٨٣ (الحلبي) وعند الترمذي في السنن أول كتاب الأمثال ٥/ ١٤٤ وقال: حسن غريب وعند النسائي كذلك في الكبرى في التفسير على ما في تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف ٩/ ٦١: كلهم من حديث النواس بن سمعان ونقل ذلك عنهم ابن كثير في التفسير ١/ ٢٧.\n(^٣) أي تميلوا عنه وفي ب تعرجوا، وانظر النهاية ٣/ ٣١٥ - ٣١٦.\n(^٤) من م فقط.\n(^٥) في المطبوعة: \"فإنك إن فتحته تلجه\" وهو مخالف لما في المسند.\n(^٦) سورة يونس: ٢٥.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-109>[معنى الإيمان في القرآن والسنة]:</span>\nوأما الإيمان فقد فسره النبي ﵊ في هذا الحديث بالاعتقادات الباطنة فقال: أنْ تُؤْمِنَ بِالله وَملائِكَتِه وكُتُبِه وَرُسُلِهِ والْبعثِ بَعْدَ الموْتِ، وتُؤْمِنَ بِالقَدرِ: خَيْرِهِ وشْرِّه\".\n* * *\nوقد ذكر الله في كتابه: الإيمانَ بهذه الأصول الخمسة في مواضع كقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ (^١) وَقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ (^٢).\n* * *\nوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-110>[لازم الإيمان بالرسل]:</span>\nوالإيمان بالرسل يلزم منه الإيمان بجميع ما أخبروا به من الملائكة، والأنبياء، والكتاب، والبعث، والقدر، وغير ذلك [من تفاصيل ما أخبروا وغير ذلك] (^٤) من صفات الله، وصفات اليوم الآخر كالميزان والصراط (^٥) والجنة والنار.\nوقد أدخل في الإيمان (^٦): الإيمان بالقدر: خيره وشره.\nولأجل هذه الكلمة روى ابن عمر ﵄ هذا الحديث محتجًّا به على من أنكر القدر، وزعم أن الأمر أُنُفٌ يعني أنه مُسْتَأنَفٌ لم يسبق به سابق قدر من الله ﷿، وقد غلَّظ [عبد الله] بن عمر عليهم وتبرأ منهم، وأخبر أنه لا تقبل منهم أعمالهم بدون الإيمان بالقدر.\n* * *\n_________\n(^١) سورة البقرة: ٢٨٥.\n(^٢) سورة البقرة: ١٧٧.\n(^٣) سورة البقرة: ٣، ٤.\n(^٤) ما بين الرقمين ليس في م.\n(^٥) م: كالصراط والميزان.\n(^٦) في هـ، م: في هذه الآيات الإيمان بالقدر.","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type='title' id=toc-111>[درجتا الإيمان بالقدر]:</span>\nوالإيمان بالقدر على درجتين:\n• إحداهما: الإِيمان بأن (^١) الله تعالى سبق في علمه ما يعمله العباد من خير وشر، وطاعة ومعصية. قبل خلقهم وإيجادهم، ومن هو منهم من أهل الجنة، ومن هو منهم من أهل النار، وأعدَّ لهما الثوابَ والعقابَ جزاءً لأعمالهم قبل خلقهم وتكوينهم، وأنه كتب ذلك عنده، وأحصاه، وأن أعمال العباد تجري على ما سبق في علمه وكتابه.\n* * *\n• والدرجة الثانية: أن الله خلق أفعال عباده (^٢) كلَّها من الكفر والإيمان، والطاعة والعصيان، وشاءها منهم.\nفهذه الدرجة يثبتها أهل السنة والجماعة ويُنكرها القدرية.\nوالدرجة الأولى أثبتها كثير من القدرية، ونفاها غُلاتُهم، كمعبد الجهني الذي سُئِلَ ابنُ عمر عن مقالته، وكعمرو بن عبيد وغيره.\n* * *\nوقد قال كثير من أئمة السلف: ناظِروا القدرية بالعلم، فإن أقرُّوا به خُصِمُوا، وإن جَحَدُوه فقد كفروا - يريدون أن من أنكر العلم القديم السابق بأفعال العباد، وأن الله تعالى قسمهم قبل خلقهم إلى شقي وسعيد، وكتب ذلك عنده في كتاب حفيظ؛ فقد كذَّب بالقرآن، فيكفر بذلك.\nوإن أقروا بذلك وأنكروا أن الله خلق أفعال العباد (^٣) وشاءها وأرادها منهم إرادة كونية قدرية فقد خُصِمُوا؛ لأن ما أقروا به حُجَّةٌ عليهم فيما أنكروه.\nوفي تكفير هؤلاء نزاع مشهور بين العلماء.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-112>[من أنكر العلم]:</span>\nوأما من أنكر العلم القديم فنص الشافعي وأحمد على تكفيره، وكذلك غيرهما من\n_________\n(^١) في هـ، م: \"الإيمان بالله تعالى سبق في عمله\" وفيها تحريف ظاهر.\n(^٢) م \"العباد\".\n(^٣) ب: \"عباده\".","vol":"1","page":106},{"text":"أئمة الإسلام.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-113>[بين الإيمان والإسلام]:</span>\nفإن قيل: فقد فرّق النبي - ﷺ - في هذا الحديث بين الإسلام والإيمان وجعل الأعمال (^١) كلها من الإسلام لا من الإيمان؛ والمشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان: قول وعمل ونية، وأن الأعمال كُلَّهَا داخلةٌ في مُسَمَّى الإيمان.\n• وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومَن بعدهم ممن (^٢) أدركهم.\n• وأنكر السلف على مَنْ أخرج الأعمالَ عن الإيمان إنكارًا شديدًا.\nوممن أنكر ذلك على قائله وجعله قولا مُحْدَثًا: سعيدُ بنُ جُبَيْر، وميمون بن مِهْرَان، وقتادة، وأيوب السَّخْتِيَاني، والنَّخَعِي، والزهري، ويحيى بنُ أبي (^٣) كثير، وغيرُهم.\n• وقال الثوري: هو رأي محدث أدركنا الناسَ على غيره.\n• وقال الأوزاعي: وكان من مضى من السلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل.\n• وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار: أما بعد، فإن الإيمان: فرائض وشرائعُ، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان.\nذكره البخاري في صحيحه (^٤).\n• قيل الأمر على ما ذكره (^٥).\n_________\n(^١) ب: \"الأيمان\": وهو تحريف.\n(^٢) ب: \"عمن \".\n(^٣) سقطت من ب.\n(^٤) في أول كتاب الإيمان ١/ ٤٥.\n(^٥) في س، هـ، م: \"قبل\" أ: \"ذكر\"، ب \"ذكرت\" وفي الرسالة الثانية ص ١٣ من جامع العلوم والحكم تحقيق المرحوم الشيخ أحمد شاكر جاء بالصلب: \"قبل الأمر على ما ذكرت\" وقال في التعليق: كذا في النسخة الهندية وفي المخطوطة: قبل، وكلاهما غير مفهوم. ا هـ.\nوالذي استبان لي أن ابن رجب إنما أورد هذه الجملة: \"قيل الأمر على ما ذكره\" تعقيبًا على ما حكاه الأوزاعي أن الأقدمين لم يكونوا يفرقون بين الإيمان والعمل، والإيمان عندهم يشمل التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح.\nوقد استشهد لهذا بما كتب عمر: الإيمان فرائض وشرائع.\nوإنما يسلم هذا للأوزاعي لو أن الرواية عن عمر بن عبد العزيز جاءت نصًّا واحدًا، وليس كذلك. فالرواية عنه في ذلك روايتان: هذه التي حكاها الأوزاعي واستند عليها. وهي رواية الأقل: والرواية الأخرى هي: \"فإن للإيمان فرائض وشرائع\" وهي تفيد أن الإيمان غير العمل، ثم هي الرواية المشهورة، وهي ما في \"ا\". فابن رجب حين يقول: \"قيل الأمر على ما ذكره\" يقصد أن ما ذكره الأوزاعي إنما يستقيم على الرواية الأولى، لا على الرواية الثانية المشهورة، ولهذا قال: \"قيل\" راجع فتح الباري ١/ ٤٥ والقسطلاني ١/ ١١٣.","vol":"1","page":107},{"text":"<span data-type='title' id=toc-114>[دخول الأعمال في الإيمان]:</span>\nوقد دل على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (^١).\n• وفي الصحيحين (^٢): عن ابن عباس، ﵄: أن النبي - ﷺ -: قال لوفد عبد القيس: \"آمُركُمْ بأرْبعٍ: الإيمانِ بِالله وَحْدَهُ (^٣). وَهَلْ تَدْرُون مَا الإِيمانُ بِالله؟ شَهَادَةُ أن لا إِلَه إِلا الله، وَإِقامُ الصَّلاةِ، وإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وأنَّ تُعْطُوا مِنَ المغْنَمِ (^٤) الخُمُسَ\".\n• وفي الصحيحين (^٥): عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"الإيمانُ بِضْعٌ وَسْبعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ، شُعْبةً، فأفْضَلُها: قَوْل: لا إله إلا الله، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأذَى عَنِ الطَّريق، وَالحيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ\".\nولفظه لمسلم.\n• وفي الصحيحين (^٦): عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يَزني الزَّاني حِينَ يَزْنِي وَهُو مُؤْمِنٌ، وَلا يَسْرِقُ السارق حِينَ يَسْرِقُ وَهُو مُؤْمِنٌ، وَلا يَشْرَبُ الخمْرَ حِين يَشْرَبُهَا وَهُوَ مِؤْمِنٌ\".\nفلولا أن تَرْك هذه الكبائر من مُسَمَّى الإيمان لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها؛ لأن الاسم لا ينتفي إلا بانتفاء بعض أركان المسمى أو واجباته.\n\n<span data-type='title' id=toc-115>[وجه الجمع بين النصوص]:</span>\n• وأما وجه الجمع بين هذه النصوص وبين حديث سؤال (^٧) جبريل، ﵇،\n_________\n(^١) سورة الأنفال: ٢ - ٤.\n(^٢) البخاري في مواطن عدة منها كتاب فرض الخمس: باب أداء الخمس من الدين ٦/ ٢٠٨ - ٢٠٩.\nومسلم في كتاب الإيمان: باب الأمر بالإيمان بالله ورسوله وشرائع الدين ١/ ٤٧ - ٤٨.\n(^٣) ليست في ب.\n(^٤) ب: \"من المغانم\".\n(^٥) البخاري في كتاب الإيمان: باب أمور الإيمان ١/ ٥١.\nومسلم في كتاب الإيمان: باب بيان عدد شعب الإيمان ١/ ٦٣.\n(^٦) البخاري في مواضع: منها كتاب المظالم: باب النهبى بغير إذن صاحبه ٥/ ١١٩ ومسلم في كتاب الإيمان: باب بيان نقصان الإِيمان بالمعاصي ١/ ٧٦ - ٧٧.\n(^٧) ليست في ب.","vol":"1","page":108},{"text":"عن الإسلام والإيمان، وتفريق النبي - ﷺ - بينهما، وإدخاله الأعمالَ في مسمى الإسلام دون مسمى (^١) الإيمان فإنه يتضح بتقرير أصل، وهو أن من الأسماء ما يكون شاملا لمسميات متعددة عند إفراده وإطلاقه. فإذا قُرِن ذلك الاسمُ بغيره صار دالا على بعض تلك المسميات. والاسم المقرون به دالًّا، على باقيها؛ وهذا كاسم الفقير والمسكين، فإذا أفرد أحدهما دخل فيه كل من هو محتاج، فإذا قرن أحدهما بالآخر دل أحد الاسمين على بعض أنواع ذوي الحاجات والآخر على باقيها.\nفهكذا اسم الإسلام والإيمان، إذا أفرد أحدهما دخل فيه الآخر، ودل بانفراده على ما يدل عليه الآخر (^٢)، فإذا قرن (^٣) بينهما دل أحدهما على بعض ما يدل عليه بانفراده، ودل الآخر على الباقي.\n* * *\nوقد صرح بهذا المعنى جماعة من الأئمة:\n• قال أبو بكر الإسماعيلي في رسالته إلى أهل الجبل: قال كثير من أهل السنة والجماعة: \"إن الإيمان قول وعمل، والإسلام فعل ما فرض الله على الإنسان أن يفعله. إذا ذكر كل اسم - على حدته - مضمومًا إلى الآخر، فقيل: المؤمنون والمسلمون جميعًا مفردين (^٤) أريد بأحدهما معنى لم يرد به الآخر (^٥) وإذا ذكر أحد الاسمين على حدته (^٦) شمل الكل وعمهم\".\n* * *\n• وقد ذكر هذا المعنى - أيضًا - الخطابي في كتابه: \"معالم السنن\" (^٧) وتبعه عليه جماعة من العلماء من بعده. ويدل على صحة ذلك: أن النبي - ﷺ - فسر الإيمان عند ذكره مفردًا في حديث وفد عبد القيس بما فسر به الإسلام القرون بالإيمان في حديث جبريل، وفسر في حديث آخر: الإسلامَ بما فسر به الإيمان، كما في مسند الإمام\n_________\n(^١) سقط من هـ، م.\n(^٢) في هـ، م: \"عليه الآخر بانفراده\" وفي ب: دل بإفراده، فإذا قرن بينهما … \".\n(^٣) في هـ، م: \"قورن\" وهو خطأ.\n(^٤) هكذا في الأصول ولعلها تحريف عن: \"مقرونين\".\n(^٥) في ب: \"لم يرد بالآخر\".\n(^٦) سقط من، هـ، م، ب.\n(^٧) ٥/ ٧٠ - ٧١ بهامش السُّنَن.","vol":"1","page":109},{"text":"أحمد: عن عمرو بن عَبَسَة (^١)، قال:\nجاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسُولَ الله! مَا الإسلام. قَالَ: \"أنْ يُسْلِمَ قَلبُكَ [لله]، وَأنْ يَسْلَمَ المسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِكَ وَيَدِكَ\".\nقَالَ: فَأيُّ الإسْلامِ أفضلْ، قَالَ: \"الإيمانُ\". قَالَ: وَمَا الإيمان؟ قَالَ: \"أنْ تؤْمِنَ بِالله وملائِكَتِه وَكُتُبِه وَرُسُلِهِ والبَعْثِ بعْدَ الموْتِ\". قَالَ: فَأيُّ الإيمان أفْضلُ؟ قَالَ: \"الهِجْرةُ\" قَالَ: فما الهِجْرَةُ؟ قالَ: \"أنْ تَهْجُرَ السُّوءَ\" قَالَ: فأيُّ الهِجرةِ أفْضَلُ قَالَ: \"الجِهَادُ\".\nفجعل النبي - ﷺ - الإيمانَ أفضلَ الإسلام وأدخل فيه الأعمال.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-116>[بين الإيمان والإسلام]:</span>\nوبهذا التفصيل يظهر تحقيق القول في مسألة الإسلام والإيمان هل هما واحد أو مختلفان؛ فإن أهل السنة والحديث مختلفون في ذلك، وصنفوا في ذلك تصانيف متعددة؛ فمنهم من يدّعي أن جمهور أهل السنة على أنهما شَيْءٌ واحد منهم محمد بن نصر المروزي، وابنُ عبد البر.\nوقد روي هذا القول عن سفيان الثوري من رواية أيوب بن سويد الرملي عنه.\nوأيوب فيه ضعف (^٢).\n_________\n(^١) في هـ، م: \"عنبسة\" وهو تحريف. فهو عمرو بن عبسة بن عامر السلمي، كان أحد السابقين إلى الإسلام، روى عنه ابن مسعود، وسهل بن سعد توفي في أواخر خلافة عثمان على ما في تهذيب التهذيب ٨/ ٦٩ راجع أيضًا ترجمته في الحلية ٣/ ١٥ والحديث في مسند أحمد ٤/ ١١٤ (حلبي) وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٥٩ عن أحمد والطبراني وقال: رجاله ثقات.\nوتتمة الحديث في مسند أحمد:\nقال: وما الجهاد؟ قال: \"أن تقاتل الكفار إذا لقيتهم\" قال: فأي الجهاد أفضل، قال: \"من عقر جواده، وأهريق دمه\" قال رسول الله - ﷺ -: \"ثم عملان هما أفضل الأعمال إلا من عمل بمثلهما: حجة مبرورة أو عمرة\".\n(^٢) ضعفه أحمد والبخاري والنسائي وابن معين والعقيلي وغيرهم توفي سنة ١٩٣، وقيل ٢٠٢ راجع ترجمته في تهذيب التهذيب ١/ ٤٠٥ - ٤٠٦. والضعفاء والمتروكين للنسائي ص ١٥٠ وقد ذكر أنه ليس بثقة، والضعفاء الكبير للعقيلي، ١/ ١١٣ - ١١٤ وفيه قول ابن المبارك عن ابن سويد: ارم به، وقول البخاري: أيوب … يتكلمون فيه، والتاريخ الكبير للبخاري ١/ ١/ ١١٧ وفيه قول البخاري إضافة - إلى ذلك، عن محمد بن إسحاق: غرق أيوب بن سويد في البحر سنة ثلاث وتسعين.","vol":"1","page":110},{"text":"ومنهم من يحكي عن أهل السنة التفريق بينهما كأبي بكر بن السمعاني وغيره.\nوقد نُقِل التفريقُ بينهما عن كثير من السلف: منهم قتادة، وداود بن أبي هند، وأبو جعفر الباقر، والزهري، وحماد بن زيد، وابن مهدي، وشريك، وابن أبي ذئب (^١) وأحمد بن حنبل، وأبو خيثمة ويحيى بن معين، وغيرهم على اختلاف بينهم في صفة التفريق بينهما.\n• وكان الحسن وابن سيرين يقولان: مسلم، ويهابان: مؤمن.\n• وبهذا التفصيل الذي ذكرناه يزول الاختلاف؛ فيقال إذا أفرد كل من الإسلام والإيمان بالذكر فلا فرق بينهما حينئذ، وإن قُرِن بين الاسمين كان بينهما فرق.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-117>[التحقيق في الفرق بين الإيمان والإسلام]:</span>\nوالتحقيق في الفرق بينهما أن الإيمان هو تصديق القلب وإقراره ومعرفته.\nوالإسلام هو استسلام العبد لله وخضوعه وانقياده له، وذلك يكون بالعمل، وهو الدين كما سمى الله تعالى في كتابه: الإسلام دينا وفي حديث جبريل سمى (^٢) النبي - ﷺ - الإسلام والإيمان والإحسان دينا.\nوهذا أيضًا مما يدل على أن أخذ الاسمين إذا أفرد دخل فيه الآخر، وإنما يفرَّق بينهما حيث قرن أحد الاسمين بالآخر، فيكون - حينئذ - المراد بالإيمان جنسَ تصديق القلب، وبالإسلام جنسَ العمل.\n• وفي المسند للإمام أحمد (^٣) عن أنس، ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"الإِسْلامُ عَلانية، والإِيمانُ في الْقَلْبِ\" (^٤).\nوهذا لأن الأعمال تظهر علانية، والتصديق في القلب لا يظهر.\n_________\n(^١) ب: \"ذؤيب\".\n(^٢) في هـ، م: \"وسمى\" وهو خطأ.\n(^٣) ب: \"وفي مسند الإمام أحمد\".\n(^٤) المسند ٣/ ١٣٤ - ١٣٥ وتمام الحديث: قال: ثم يشيرُ بيده إلى صدره ثلاث مرات قال: ثم يقول: التقوى ههنا. التقوى ههنا. وإسناده حسن فرجاله ثقات ما خلا علي بن مسعدة مختلف فيه على ما أفاده الهيثمي في المجمع ١/ ٥٢ وأن ممن وثقه ابن حبان وابن معين وأبا حاتم والطيالسي.\nلكن أورده ابن عدي عنه في الكامل ٥/ ٢٠٧ عند ترجمته له وقال: ولعلي بن مسعدة غير ما ذكرت عن قتادة وكلها غير محفوظة.","vol":"1","page":111},{"text":"• وكان النبي - ﷺ - يقول في دعائه - إذا صلى على الميت: \"اللَّهُمَّ! مَنْ أحْيَيْتَه مِنَّا فَأَحْيِه عَلَى الإسْلامِ، ومَنْ تَوَفَّيْتهُ مِنَّا فَتَوَفّه عَلَى الإِيمانِ\" (^١).\nلأن العمل بالجوارح إنما يُتمكن منه في الحياة، فأما عند الموت فلا يبقى غير التصديق بالقلب.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-118>[لماذا قيل: كل مؤمن مسلم]:</span>\n• ومن هنا قال المحققون من العلماء: \"كل مؤمن مسلم\" فإن من حقق الإيمان، ورسَخ في قلبه: قام بأعمال الإسلام كما قال - ﷺ -: \"ألا وإنَّ في الجَسدِ مُضْغةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كلّه؛ ألا وَهِيَ الْقَلْبُ\" (^٢).\nفلا يتحقق القلب بالإيمان إلا وتنبعث الجوارح في أعمال الإسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-119>[ولم لا يقال: كل مسلم مؤمن؟]</span>\nوليس كل مسلم مؤمنًا، فإنه قد يكون الإيمان ضعيفًا فلا يتحقق القلب به تحققًا تاما مع عمل جوارحه بأعمال (^٣) الإسلام؛ فيكون مسلمًا وليس بمؤمن بالإيمان التام، كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ (^٤).\nولم يكونوا منافقين بالكلية على أصح التفسيرين، وهو قول ابن عباس وغيره، بل كان إيمانهم ضعيفًا، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٥).\nيعنى لا ينقصكم من أجورها؛ فَدَلَّ على أن معهم من الإيمان ما تُقْبَل به أعمالُهم.\nوكذلك قول النبي - ﷺ - لسعد بن أبي وقاص لا قال له: \"لَمْ تُعْطِ (^٦) فلانا وهو\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في كتاب الجنائز: باب ما يقول في الصلاة على الميت ٣/ ٣٤٣ - ٣٤٤ وأبو داود في كتاب الجنائز: باب الدعاء ٢/ ١٨٨. كلاهما من حديث أبي هريرة وانظره في صحيح الترمذي ٨١٧.\n(^٢) سيأتي الكلام عليه في الحديث السادس من أحاديث الجامع.\n(^٣) في س، ن: \"بأعمال\".\n(^٤) سورة الحجرات: ١٤.\n(^٥) بقية الآية السابقة.\n(^٦) في هـ، ن: \"تعطى\" \"وفي س: \"لم لم تعط\" وعند البخاري ومسلم: \"مالك عن فلان.\nفوالله إني لأراه مؤمنًا\" وعند مسلم أيضًا: يا رسول الله! أعط فلانًا؛ فإنه مؤمن، فقال النبي - ﷺ - \"أو=","vol":"1","page":112},{"text":"مؤمن؟ \" فقال النبي - ﷺ -: \"أو مسلم؟ \".\nيشير إلى أنه لم يُحَقِّقْ مقام الإيمان وإنما هو في مقام الإسلام الظاهر.\n\n<span data-type='title' id=toc-120>[متى ضَعُفَ الإيمانُ ضَعُفَ العَمَلُ]:</span>\nولا ريب أنه متى ضعف الإيمان الباطن لزم منه ضعف أعمال الجوارح الظاهرة أيضًا.\nلكن اسم الإيمان يُنفى عمن ترك شيئًا من واجباته كما في قوله - ﷺ -: \"لا يَزْني الزَّاني حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-121>[بم يوصف المؤمن حينئذ]:</span>\n• وقد اختلف أهل السنة هل يسمى مؤمنًا ناقص الإيمان، أو يقال ليس بمؤمن لكنه مسلم؟ على قولين. وهما روايتان عن أحمد.\nوأما اسم الإسلام فلا ينتفي بانتفاء بعض واجباته أو انتهاك بعض محرماته وإنما ينتفى (^٢) بالإتيان بما ينافيه بالكلية.\nولا يعرف في شيء من السنة الصحيحة نفي الإسلام عمن ترك شيئًا من واجباته كما ينفى الإيمان عمن ترك شيئًا من واجباته، وإن كان قد ورد إطلاق الكفر على فعل بعض المحرمات، وإطلاق النفاق أيضًا.\n• واختلف العلماء (^٣): هل يُسمَّى مرتكبُ الكبائر كافرا كفرًا أَصْغَرَ أو منافقًا النفاق الأصغر؟ ولا أعلم أن أحدًا منهم أجاز إطلاق نفي اسم الإسلام عنه؛ إلا أنه روي عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: \"ما تارك الزكاة بمسلم\".\nويحتمل أنه كان يراه كافرا بذلك خارجًا عن (^٤) الإسلام.\nوكذلك روى عن عمر ﵁ فيمن تمكن من الحج ولم يحج أنهم ليسوا بمسلمين.\nوالظاهر أنه كان يعتقد كفرهم، ولهذا أراد أن يضرب عليهما الجزية. يقول: لم\n_________\n= مسلم\" الحديث.\nراجع صحيح البخاري - كتاب الإيمان: باب إذا لم لكن الإملام على الحقيقة إلخ ١/ ٧٩ وصحيح مسلم.\nكتاب الإيمان: باب تألف قلب من يخاف عليه إيمانه لضعفه ١/ ١٣٢ - ١٣٣ وفي سنن النسائي ٢٦٧/ ٢: \"أعطيت فلانًا وفلانًا ولم تعط فلانًا شيئًا وهو مؤمن\".\n(^١) تقدم تخريجه ص ١٠٨.\n(^٢) ا: \"ينفى\".\n(^٣) م: \"وقد اختلف\".\n(^٤) ب: \"من\".","vol":"1","page":113},{"text":"يدخلوا في الإسلام بعد، فهم مستمرون على كِتَابيَّتِهمْ (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-122>[متى يجوز نفي وصف الإسلام؟]:</span>\nوإذا تبين أن اسم الإسلام لا ينتفي إلا بوجود ما ينافيه ويخرج عن الملة بالكلية، فاسم الإسلام إذا أطلق أو اقترن به المدح دخل فيه الإيمان كله من التصديق وغيره كما سبق في حديث عمرو بن عَبَسة (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-123>[الإسلام المطلق ومتى يصير المسلم مؤمنًا؟]:</span>\nوخَرَّجَ النسائي من حديث عقبة بن مالك (^٣) أن النبي - ﷺ - بعث سرية فأغَارَتْ (^٤) على قوم فقال رجل منهم: إني مُسْلِمٌ؟ فقتله رجل من السَّرِيَّة فَنُمِىَ الحديثُ إلى رسول الله - ﷺ - فقال فيه قولا شَديدًا فقال الرجل: إنما قالها تَعَوُّذًا من القتل؟ فقال النبي - ﷺ -: \"إنَّ الله أبَى عَلَيَّ مَنَ قَتَل (^٥) مُؤمِنًا\". ثلاث مرات (^٦).\n_________\n(^١) في س، ن: \"كتابتهم\".\n(^٢) مضى ص: ١١٠.\n(^٣) في هامش هـ، م إشارة إلى أن نسخة أخرى: \"عبيد\" وهذا تحريف، فهو عقبة بن مالك الليثي البصري وترجمته في التهذيب ٧/ ٢٤٩.\n(^٤) في عامة النسخ: \"فغارت\" وهو تحريف والتصويب من الكبرى وانظر - لزاما: الصحاح ٢/ ٧٧٤ - ٧٧٥ والوسيط ٦٧١ - ٦٧٢.\n(^٥) عامة النسخ: \"أن أقتل\" وهو تحريف فليس المعنى على ما يتبادر وإنما المعنى: أن الله أبى عليّ أن يقبل توبة من قتل مؤمنا حين سألته ذلك؛ بدليل رواية النسائي في الكبرى ٥/ ١٧٥ - ١٧٦: \"إن الله أبى عليّ الذي قتل مؤمنا\" وهى الفاصلة؛ حيث هي التي صدر عنها ابن رجب فلتصحّح النسخ إذًا، وفي التحفة ٧/ ٣٨٣ عن الكبرى: \"إن الله أبى عليّ فيمن قتل مؤمنًا\".\n(^٦) راجع أيضًا ما رواه أحمد في المسند ٤/ ١١٠ من حديث عقبة بن مالك الليثي قال: بينما رسول الله - ﷺ - يخطب إذ قال القائل: يا رسول الله! والله ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل، فذكر قصته، وفيها: فأقبل عليه رسول الله - ﷺ - تعرف المساءة في وجهه، ثم قال: \"إن الله ﷿ أبى عليّ من قتل مؤمنا\" قالها ثلاث مرات.\nوقد رواه أحمد بأتم من هذا في المسند ٥/ ٢٨٩ قال عقبة: بعث رسول الله - ﷺ - سرية قال: فأغارت على قوم، قال: فشذ من القوم رجل فاتبعه رجل من السرية شاهرًا سيفه، قال: فقال الشاذ من القوم: إني مسلم؟! قال: فلم ينظر فيما قال فضربه فقتله، قال فنمي الحديث إلى رسول الله - ﷺ -، قال فقال فيه قولًا شديدًا، فبلغ القاتل، قال: فبينا رسول الله يخطب إذ قال القاتل: يا رسول الله! والله ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل؟ فأعرض عنه وعمن قبله من الناس، وأخذ في خطبته قال: ثم قال أيضًا: يا رسول الله! ما قال الذي قال إلا تعوذًا من القتل؟ فأعرض عنه وعمن قبله من الناس، وأخذ في خطبته ثم لم يصبر فقال الثالثة: يا رسول الله! والله ما قال إلا تعوذًا من القتل؟ فأقبل عليه رسول الله - ﷺ - تعرف المساءة في وجهه قال له: إن الله ﷿ أبى عليّ من قتل مؤمنا! ثلاث مرات.\nقال المناوي في التيسير، ١/ ٢٤٢: إسناده صحيح وهذا في المستحل أو خرج مخرج الزجر والتنفير. وانظر =","vol":"1","page":114},{"text":"فلولا أن الإسلام المطلق يدخل فيه الإيمان والتصديق بالأصول الخمسة لم يَصِرْ مَنْ قال أنا مسلم مؤمنا بمجرد هذا القول.\nوقد أخبر الله تعالى عن ملكة سبأ أنها دخلت في الإسلام بهذه الكلمة وقالت: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١) وأخبر عن يوسف ﵇: أنه دعا بأن يموت (^٢) على الإسلام (^٣).\nوهذا كله يدل على أن الإسلام المطلق يدخل فيه ما يدخل في الإيمان من التصديق.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-124>[من الأدلة الأخرى على هذا]:</span>\n• وفي سنن ابن ماجه عن عدي بن حاتم قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"يا عَدِيُّ! أسْلِمْ تَسْلَمْ!؟ \" قُلْتُ: ومَا الإِسْلامُ؟ قَالَ: \"تَشْهَدُ أن لا إِلهَ إلا اللهُ، وتَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ الله، وتُوْمِنُ بالأقْدَارِ كُلِها: خَيرِهَا وَشَرِّهَا، حُلْوِها ومُرِّها\" (^٤).\nوهذا نص في أن الإيمان بالقدر من الإسلام.\nثم إن الشهادتين من خصال الإسلام بغير نزاع.\nوليس المراد الإتيانَ بلفظهما (^٥) دون التصديق بِهِمَا.\nفعُلِمَ أن التصديق بهما داخلٌ في الإسلام.\nوقد فَسَّرَ الإسلامَ المذكورَ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (^٦) بالتوحيد والتصديق - طائفةٌ من السلف منهم محمد بن جعفر بن الزبير.\n* * *\n_________\n= الصحيحة ح ٦٨٩ - \"أبى الله أن يجعل لقاتل المؤمن توبة\".\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ١٨ - ١٩ بروايتين مختصرًا ومطولا وصحح المطولة على شرط مسلم وأقره الذهبي وفيها: \"إن الله ﷿ أبى عليّ من قتل مؤمنا وفي الثانية: مسلما\".\n(^١) سورة النمل: ٤٤.\n(^٢) في ا، ب \"بالموت\".\n(^٣) في قوله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾. سورة يوسف: ١٠١.\n(^٤) في مقدمة السنن ١/ ٣٤ وذكر صاحب الزوائد أن إسناده ضعيف؛ لاتفاقهم على ضعف عبد الأعلى بن أبي المساور [أحد رواة الحديث] ثم قال: وله شاهد من حديث جابر رواه الترمذي في جامعه. مصباح الزجاجة ١/ ٥٣ - ٥٤ وليس في السنن: \"وتشهد\".\n(^٥) في هـ، م: \"بلفظها\".\n(^٦) سورة آل عمران: ١٩ والأثر في سيرة ابن هشام ٢/ ٢٢٧ وتفسير الطبري ٦/ ٢٨٢.","vol":"1","page":115},{"text":"<span data-type='title' id=toc-125>[إيمان الصديقين]:</span>\n<span data-type='title' id=toc-126>[وماذا إذا نفي الإيمان وأثبت الإسلام؟]:</span>\nوأما إذا نفي الإيمان عن أحد وأثبت له الإسلام كالأعراب الذين أخبر الله عنهم، فإنه ينتفي عنهم رسوخ الإيمان في القلب، وتثبت لهم المشاركة في أعمال الإسلام الظاهرة مع نوع إيمان يصحح لهم العمل؛ إذ لولا هذا القدر من الإيمان لم يكونوا مسلمين.\nوإنما نفي عنهم الإيمان لانتفاء ذوق حقائقه، ونقص بعض واجباته.\nوهذا مبني على أن التصديق القائم بالقلوب يتفاضل.\nوهذا هو الصحيح، وهو أصح الروايتين عن أبي عبد الله: أحمد بن حنبل (^١)، فإن إيمان الصِّدِّيقِينَ الذين يتجَلَّى الغيبُ لقلوبهم حتى يصيرَ كأنه شهادةٌ بحيث لا يقبل التشكيك ولا الارتياب ليس كإيمان غيرهم ممن لم (^٢) يبلغ هذه الدرجة، [بحيث] لو شُكِّك لدخله الشك؛ ولهذا جعل النبي - ﷺ - مرتبة الإحسان أن يعبد العبد ربه كأنه يراه وهذا لا يحصل لعموم المؤمنين!\n• ومن هنا قال بعضهم: ما سبقكم أبو بكر ﵁ بكثرة صوم ولا صلاة، ولكن بشيء وَقَر في صدره (^٣).\n• وسئل ابن عمر ﵄: هل كانت الصحابة ﵃ يضحكون؟ فقال: \"نَعَم! وإن الإيمان (^٤) في قلوبهم أمثَالُ الجبال!؟ \".\n* * *\nفأين هذا ممن الإيمان في قلبه يزن ذرة أو شعيرة كالذين يخرجون من أهل التوحيد من النار (^٥) فهؤلاء يصح أن يقال في حقهم (^٦) لم يدخل الإيمان في قلوبهم لضعفه عندهم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-127>[خطورة قضايا الإيمان والكفر]:</span>\n• وهذه المسائل - أعني مسائل الإسلام والإيمان والكفر والنفاق - مسائل عظيمة\n_________\n(^١) في ب \"عن أحمد\". ا: \"عند أحمد\".\n(^٢) م: \"لا\".\n(^٣) قال العراقي: لم أجده مرفوعا وهو عبد الحكيم الترمذي من كلام بكر بن عبد الله المزني، وانظر الضعيفة ح ٩٦٢، الأحاديث المشكلة في الرتبة ص ٢٢٥.\n(^٤) ا: \"والإيمان\".\n(^٥) ا: \"من النار من أهل التوحيد\".\n(^٦) ليس في ا، ولا في ب.","vol":"1","page":116},{"text":"جدًّا؛ فإن الله ﷿ علَّق بهذه الأسماء: السعادة والشقاوة، واستحقاق الجنة والنار.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-128>[الخلاف فيها كان أول خلاف]:</span>\n• والاختلاف في مسمياتها أول اختلاف وقع في هذه الأمة، وهو خلاف الخوارج للصحابة حيث أخرجوا عصاة الموحدين من الإسلام بالكلية، وأدخلوهم في دائرة الكفر، وعاملوهم معاملة الكفار، واستحلوا بذلك دماءَ السلمين وأموالَهم، ثم حدث بعدهم خلافُ المعتزلة، وقولُهم بالمنزلة بين المنزلتين، ثم حدث خلافُ المرجئة وقولهم إن الفاسقَ مؤمنٌ كاملُ الإِيمان.\n* * *\n• وقد صنَّف العلماء قديمًا وحديثًا في هذه المسائل تصانيف متعددة.\nوممن صنف في الإيمان من أئمة السلف: الإمام أحمد، وأبو عبيد: القاسم بن سلام، وأبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن أسلم الطوسي. وكثرت فيه التصانيف بعدهم من جميع الطوائف.\nوقد ذكرنا ها هنا نكتا جامعة لأصول كثيرة من هذه السائل والاختلاف فيها.\nوفيه إن شاء الله كفاية.\n\n<span data-type='title' id=toc-129>(فصل) [فيما يدخل في مسمى الإسلام والإيمان]</span>\nقد تقدم أن الأعمال تدخل في مسمى الإسلام ومسمى الإيمان أيضًا، وذكرنا ما يدخل في ذلك من أعمال الجوارح الظاهرة، ويدخل في مسماها أيضًا أعمال الجوارح الباطنة، فيدخل في أعمال الإسلام إخلاص الدين لله تعالى، والنصحُ له ولعباده، وسلامة القلب لهم من الغش والحسد والحقد، وتوابع ذلك من أنواع الأذى.\n* * *\nويدخل في مُسَمَّى الإيمانِ: وَجَلُ القلوب من ذكر الله، وخشوعها عند سماع ذكره وكتابه، وزيّادة الإيمان بذلك، وتحقيق التوكل على الله ﷿، وخوف الله سرًّا","vol":"1","page":117},{"text":"وعلانية. والرضا بالله ربا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد - ﷺ - رسولا، واختيارُ تلف النفوس - بأعظم أنواع الآلام - على الكفر، واستشعارُ قرب الله من العبد، ودوامُ استحضاره، وإيثارُ محبة الله ورسوله على محبة ما سواهما، والحبُّ في الله (^١) والبُغْضُ فيه، والعطاءُ له، والمنعُ له، وأن يكون جميع الحركات والسكنات له، وسماحة النفوس بالطاعة المالية والبدنية، والاستبشارُ بعمل الحسنات، والفرحُ بها، والْمسَاءة بعمل السيئات، والحُزْنُ عليها، وإيثارُ المؤمنين لرسول الله - ﷺ - على أنفسهم وأموالهم، وكثرةُ الحياء، وحسنُ الخلق، ومحبة ما يحبه لنفسه - لإخوانه المؤمنين، ومواساةُ المؤمنين - خصوصًا الجيران، ومعاضدةُ المؤمنين ومناصرتُهم، والْحزن بما يَحْزُنُهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-130>[أدلة ما تقدم]:</span>\nولنذكر بعض النصوص الواردة بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-131>[دخول العمل في مسمى الإسلام]:</span>\n• فأما ما ورد في دخوله في اسم الإسلام. ففي مسند الإمام أحمد والنسائي عن معاوية بن حيدة قال قلت: يَا رَسُولَ الله! بالَّذي بَعَثَكَ بالحق ما الذي بعَثَك به؟ قَالَ: \"الإِسْلامُ\". قُلْتُ: ومَا الإسْلام؟ قَالَ: \"أنْ تُسْلِمَ قَلْبَك لله تَعَالَى، وأنْ تُوَجِّه وجهَكَ إلى الله تعالى، وتُصَلِّيَ الصَّلاةَ المكتُوبَة، وتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ المفْروضَةَ\" (^٢).\nوفي رواية [له] (^٣) قلت: وَمَا آيَةُ الإِسْلامِ؟ قَالَ: \"أنْ تقُولَ أسْلَمْتُ وجْهِىَ لله، وتَخَلَّيْتُ (^٤)، وَتُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتِيَ الزَّكَاةَ وكلُّ مسلم عَلَى مسلم حَرَامٌ\".\nوفي السنن عَنْ جُبَيرِ بن مُطْعِم عن النَّبي - ﷺ - أنَّه قَالَ في خُطْبته بالخَيْفِ من مِنى: \"ثَلاثٌ لا يُغَلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِم: إخْلاصُ العَمَل لله، ومنَاصَحة ولاةِ الأمور، ولزوم\n_________\n(^١) ١: والمحبة ب: \"والحب لله\".\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٣، ٤، ٥ (حلبي). من طرق بسياقه محلولًا وانظر الفتح الرباني ١/ ٥٨ - ٦٩ وفيه: أن الحاكم صححه وأقره الذهبي وسنن النسائي ٥/ ٤ - ٥.\n(^٣) في الموضع الثاني من مسند أحمد وفيه وفي الموضع الثالث: \"كل مسلم على حرام\" وليست هذه الجملة مذكورة في الموضع الأول وليست عند النسائي وفي ا: \"وفي رواية قلت\".\n(^٤) قال السندي في حاشيته على النسائي: التخلي التفرغ أراد التبعد من الشرك وعقد القلب على الإيمان أي تركت جميع ما يعبد من دون الله وصرت عن الميل إليه فارغا ثم قال: ولعل هذا كان بعد أن نطق بالشهادتين، لزيادة رسوخ الإيمان في قلبه، ويحتمل أن يكون هذا إنشاء الإسلام لأنه في معنى الشهادة بالتوحيد والشهادة بالرسالة قد سبقت منه بقوله إلا ما علمني الله ورسوله .. إلخ","vol":"1","page":118},{"text":"جمَاعة المُسْلمينَ؛ فإن دَعوتَهُمْ تُحيِطُ مِن وَرَائِهم\" (^١).\nفأخبر أن هذه الثَّلاث الخِصَال تَنْفي الغِلَّ عنَ قَلْبِ المسْلِمِ.\nوفي الصَّحيحين عَنْ أبي مُوسَى عَنِ النّبِيِّ - ﷺ - أنَّهُ سُئلَ أيُّ المسلمين أفْضَلُ؟ قَالَ: \"مَنْ سَلِمَ الْمسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ\" (^٢).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هُرَيرةَ ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"الْمُسْلِمُ أخُو الْمسلِمِ؛ فَلا يَظْلِمُهُ ولا يَخْذلُهُ، وَلا يَحْقِرُهُ، بِحَسْب امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أنْ يحْقِرَ أخَاهُ الْمسلِمَ. كُلُّ الْمسْلِمِ عَلَى الْمُسلِمِ حَرَامٌ: دَمُهُ وَمَالُهُ وعِرْضُهُ\" (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-132>[دخول العمل في اسم الإيمان]:</span>\n• وأما مما ورد في دخوله في اسم الإيمان فمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ إلى قوله تعالى ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ (^٤).\nوقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (^٦).\nوقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٧).\nوقوله تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٨).\n• وفي صَحِيحِ مُسْلمٍ عَنِ العَبَّاس بن عَبد المُطَّلب عن النَّبي - ﷺ - قال: \"ذَاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ بِالله رَبًّا، وبالإسْلامِ دينًا، وبمحمدٍ رَسولًا (^٩).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٨٠ (الحلبي). وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٣٩ وقال: رواه ابن ماجه باختصار، ورواه الطبراني في الكبير وأحمد، وفي إسناده ابن إسحاق عن الزهري وهو مدلس وله طريق عن صالح بن كيسان عن الزهري ورجالها موثقون.\n(^٢) تقدم تخريج الحديث ص: ١٠١.\n(^٣) هذا جزء حديث أخرجه مسلم في البر: باب تحريم ظلم المسلم ٤/ ١٩٨٦ باختلاف يسير.\n(^٤) سورة الأنفال: ٢ - ٤.\n(^٥) سورة الحديد: ١٦.\n(^٦) سورة إبراهيم: ١١.\n(^٧) سورة المائدة: ٢٣.\n(^٨) سورة آل عمران: ١٧٥.\n(^٩) مسلم: كتاب الإيمان: باب الدليل على أن من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد - ﷺ - نبيا ورسولا فهو مؤمن ١/ ٦٢.","vol":"1","page":119},{"text":"<span data-type='title' id=toc-133>[معنى الرضا بالله ربا]:</span>\nوالرضا بربوبية الله يتضمن الرضا بعبادته وحده لا شريك له، والرضا (^١) بتدبيره للعبد واختياره له.\nوالرضا بالإسلام دينًا يتضمن (^٢) اختياره على سائر الأديان، والرضا بمحمد رسولا يتضمن الرضا بجميع ما جاء به من عند الله، وقبول ذلك بالتسليم والانشراح كما قال سبحانه ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (^٣).\nوفي الصحيحين عن أنس عَنِ النَّبي - ﷺ - قال: \"ثَلاثٌ من كُنَّ فيهِ وَجَدَ بِهنَّ حَلاوَةَ الإيمَانِ: مَن كَانَ الله وَرَسُولُهُ أحَبَّ إِلَيه مِمَّا سواهُمَا، وأنْ يُحِبَّ المرءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لله، وأنْ يَكْرَهَ أنْ يَعود إِلَى الكفر - بَعد إذْ أنقَذَهُ الله منهُ - كَمَا يَكْرهُ أَنْ يُلْقَى في النَّارِ\" (^٤).\nوفي رواية: \"وَجد بهنَّ طَعْمَ الإيمان\".\nوفي بعض الروايات: \"طَعْمَ الإيمانِ وَحَلاوَتَهُ\" (^٥).\n_________\n(^١) أ، ب: \"بالرضا لتدبيره\".\n(^٢) في س، ن، ب: \"يقتضي\" وكذلك في الآتية.\n(^٣) سورة النساء: ٦٥.\n(^٤) صحيح البخاري: كتاب الإيمان: باب بيان حلاوة الإيمان ١/ ٦٠ ومسلم في كتاب الإيمان: باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان ١/ ٦٦ باختلاف يسير.\n(^٥) روى البخاري هذا الحديث في مواطن ثلاثة من صحيحه عدا الموضع الذي سقناه، ونصه فيه: \"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان … \".\nوقد رواه كذلك في باب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان ١/ ٧٢ بالنص المذكور.\nوفي كتاب الأدب: باب الحب في الله ١٠/ ٤٦٣ ونصه فيه: \"لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحبها المرء لا يحبه إلا الله … \".\nوفي كتاب الإكراه: باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر ١٢/ ٣١٥ بالنص الأول والثاني أما مسلم فرواه في الموضع المذكور بروايتين ونص الأولى: \"ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان\".\nونص الرواية الثانية: \"ثلاث من كن فيه وجد طعم الإيمان\".\nفالرواية التي يشير إليها ابن رجب هنا: \"وجد بهن طعم الإيمان\" ليست بهذا النص في أي من الصحيحين وإنما جزؤها في رواية مسلم الأولى وجزؤها الآخر في روايته الثانية.\nإلا أن يكون مريدًا بقوله وفي رواية: غير الصحيحين بيد أن هذا احتمال بعيد لتعقيبه رواية الصحيحين بقوله وفي رواية؛ فالظاهر والأرجح أنه يريد: وفي رواية الصحيحين. أما قوله بعدئذ وفي بعض الروايات فالأظهر أنه يقصد غير الصحيحين أي وفي بعض الروايات الأخرى عدا الصحيحين وهي في النسائي ٨/ ٩٤ - ٩٥ وبلفظ: \"وجد بهن حلاوة الإيمان وطمعه\".","vol":"1","page":120},{"text":"وفي الصحيحين عن أنس ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يُؤُمِنُ أحَدُكُم حتَّى أكُونَ أحبَّ إليه مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِه والناس أجْمَعِينَ\".\nوفي رواية: \"مِنْ أَهْلَهَ ومَالِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ\" (^١).\nوفي مسند الإمام أحمد عَن أبي رَزِين العُقَيْلِي، قال: قلت يَا رَسولَ الله! ما الإِيمانُ؟ قال: \"أن تَشْهَدَ أنْ لا إله إلا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ لَهُ، وأن محمدًا عبدُه ورسُولُه، وأن يَكون الله وَرَسُولُهُ أحبَّ إليك مما سواهما، وَأنْ تُحْرَق في النَّارِ أحَبُّ إِليْكَ مِنْ أن تُشْرِكَ بالله، وأن تُحِبَّ غَير ذي نَسَب لا تُحبُّه إلَّا لله [﷿] فإذَا كنْتَ كَذلَكَ فَقَدْ دَخَل حُبُّ الإِيمانِ في قَلبكَ كما دَخَل حُبُّ المَاء للظمْآنِ في اليوم القَائِظ\". قُلتُ: يا رسول الله! كَيْفَ لي بأنْ أعْلَمَ أنِّي مُؤْمِنٌ؟ قَالَ: \"مَا مِنْ أمتي أو هَذه الأمَّة عَبْدٌ يَعْمَلُ حَسَنَةً فَيعلمُ أنَّها حَسَنةٌ وأنَّ الله ﷿ جازيه بها خيرًا، ولا يَعْمَلُ سَيِّئَةً فَيَعلم أنَّها سَيِّئَةٌ وَيسْتغْفِرُ الله منها ويَعْلم أنه لا يغْفِرُها إلا هو؛ إلا وَهو مُؤمِنٌ\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-134>[من الإيمان أن تسرك حسناتك]:</span>\n• وفي المسند وغيره عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"من سَرَّتْهُ حَسنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئتُه فَهُوَ مُؤمِنٌ\" (^٣).\n• وفي مسند بَقِيِّ بن مَخْلِدٍ عن رجل سَمِعَ رسولَ الله - ﷺ - قال: \"صَرِيحُ الإِيمان إِذا أسَأتَ أو ظَلَمْتَ أحدًا: عَبْدكَ أو أمَتَكَ أوْ أحَدًا من النَّاسِ صُمْتَ أو تَصَدَّقْتَ، وإذا أحَسَنْتَ اسْتَبشْرتَ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-135>[من صور الإيمان]:</span>\nوفي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد عن النبي - ﷺ - قال: \"المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: الذين آمُنوا بالله وَرَسُولِهِ ثم لَمْ يَرتابوا وجَاهَدوا بأَمْوَالِهم وَأَنْفُسِهِم في سَبيل\n_________\n(^١) البخاري: إيمان: باب حب الرسول - ﷺ - من الإيمان ١/ ٥٨.\nومسلم في الإيمان: باب وجوب محبة الرسول أكثر من الأهل والولد ١/ ٦٧ وفيه الروايتان المذكورتان بنصيهما.\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ١١ - ١٢ (حلبي) باختلافات يسيرة؛ سيما في بدايته وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٥٣ - ٥٤ وقال: رواه أحمد وفي إسناده: سليمان بن موسى وثقه ابن معين وأبو حاتم وضعفه آخرون.\nأقول فالحديث حسن وفي ا: \"وأن تحرق بالنار … وإذا كنت … في اليوم القابض لا يغفر … \".\n(^٣) في هـ، م: \"حسناته وسيئاته\" وما أثبتناه موافق لما في المسند ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥ \"المعارف\" وهو جزء حديث أخرجه أحمد بإسناد صحيح على ما ذكر محققه العلامة الشيخ شاكر.","vol":"1","page":121},{"text":"الله، والَّذي يَأْمنُه الناسُ عَلىَ أموالهم وأَنْفُسِهِم (^١)، ثم الذَّي إِذا أشْرَفَ عَلىَ طَمَع تَرَكَهُ لله ﷿\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-136>[من تعريفات الرسول للإيمان والإسلام وأفضل التطبيقات لهما]:</span>\n• وفيه أيضًا عن عمرو بن عَبَسَةَ قال: قلت: يا رسول الله! ما الإسلام؟ قال: \"طيبُ الكلامُ، وإطعامُ الطعام\" فقلت: ما الإِيمانُ؟ قال: \"الصبر والسماحةُ\" قلت: أيُّ الإسلام أفْضلُ؟ قَالَ: \"مَنْ سَلِم المسلمون مِن لسانه ويدِهِ\". قلت: أيّ الإيمان أفضل؟ قال: خُلُقٌ حَسنٌ\" (^٣).\n* * *\n• وقد فسر الحسن البصري الصبر والسماحة فقال: \"هو الصبر عن محارم الله، والسماحة بأداء فرائض الله\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-137>[أكمل المؤمنين إيمانًا]:</span>\n• وفي الترمذي وغيره عن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: \"أكْمَل المؤْمِنينَ إيمانًا أحْسَنُهُم خُلقًا\" (^٥).\nوخرجه أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة (^٦) ﵁.\n* * *\n_________\n(^١) والجزء الثاني في الحديث ليس في ب وفي ا: \"وأنفسهم والذي يأمنه … والذي أشرف … \".\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ٨ (حلبي).\nوذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٦٣، ٦٤ وقال: \"رواه أحمد وفيه دراج وثقه ابن معين وضعفه آخرون\".\nولم يشر إلى أن الحديث عند أحمد من طريق رشدين عن عمرو بن الحارث عن أبي السمح: [دراج] ورشدين ضعيف؛ راجع الفتح الرباني ١/ ١٠٨.\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٣٨٥ (حلبي) من حديث طويل.\nوذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٥٣، ٥٤ وقال: رواه أحمد وفي إسناده شهر بن حوشب وقد وثق على ضعف فيه.\n(^٤) أصل ذلك أنه ﵁ سأله رجل: ما الإيمان؟ قال الحسن: الصبر والسماحة؛ فقال الرجل: يا أبا سعيد! فما الصبر والسماحة؟ قال: الصبر عن معصية الله .. الحديث\" وهو وترجمته في الحلية ٢/ ١٣١ - ١٦١ والأثر ص ١٥٦.\n(^٥) الترمذي كتاب الإيمان: باب ما جاء في استكمال الإيمان وزيادته ونقصه ٥/ ٩. وفي المصرية: وقال حديث صحيح. وفي الهندية ٣/ ٣٥٦ كما في تحفة الأشراف ١١/ ٤٤٠ وقال: حسن. ولعل هذا هو الأصوب.\n(^٦) أبو داود في كتاب السنة: باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه ٥/ ٦٠ والترمذي ١١٦٢.","vol":"1","page":122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-138>[من الإيمان التوحيد وإيتاء الزكاة والعلم بمعية الله]:</span>\n• وخرج البزار في مسنده من حديث عبد الله بن معاوية الغاضِري (^١) عن النبي - ﷺ - قال: \"ثَلاثٌ من فَعَلهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ الإِيمان: مَنْ عَبَدَ الله وَحْدَهُ وأنَّهُ (^٢) لا إِلَهَ إِلّا الله. وَأعْطَى زكاةَ مَالهِ طيبةً بها نَفْسُه، رافدةً عليه (^٣) في (^٤) كلِّ عامٍ. وذكر الحديثَ (^٥). وفي آخره: فقال رجلٌ: فما تزكية المرءِ نَفْسَهُ يا رسول الله؟ قال: \"أن يعَلَمَ أن الله معه حيث كان\".\nوخَرَّج أبو داود أولَّ الحديثِ دونَ آخِرِه.\nوخرج الطَّبَرَاني مِنْ حَديثِ عُبَادةَ بن الصَّامِتِ عن النَّبي - ﷺ - قالَ: \"إن أفضل الإيمانِ أن تَعْلَمَ أن الله مَعَكَ حيث كُنتَ\" (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-139>[ومن الإيمان الحياء من الله ﷿]:</span>\n• وفي الصَّحيِحَينِ عَن عَبد الله بن عُمَرَ ﵄؛ عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"الحَياءُ شُعْبَةٌ مِن الإِيمانِ\" (^٧).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-140>[سهولة انقياد المؤمن لأمر الله ورسوله]:</span>\nوخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ وابنُ ماجَهْ من حديثِ العِرْباضِ بن سَارِيةَ ﵁ عَن\n_________\n(^١) في هـ، م: العامري وهو تحريف، فهو منسوب إلى غاضرة بن مالك بن ثعلبة، وغاضرة بطن من خزاعة.\nراجع تهذيب التهذيب ٦/ ٣٩، ولب اللباب ص ١٨٤.\n(^٢) في هـ، ا \"بإنه لا إله إلا هو\" وما أثبتناه موافق لما في سنن أبي داود.\n(^٣) من سنن أبي داود والرافدة فاعلة من الرفد وهو الإعانة أي تعينه نفسه على أدائها.\n(^٤) ليست في السنن.\n(^٥) تمام الحديث في أبي داود:\n\"ولا يعطي الهرمة ولا الدرنة (الجرباء) ولا المريضة ولا الشَّرَطَ (صغار المال وشراره) ولا اللئيمة (البخيلة باللبن) ولكن من وسط أموالكم. فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره\".\nوما ذكر ابن رجب أنه آخر الحديث فهو عند البزار كما سيشير ابن رجب، وهذا هو الحديث الوحيد الذي رواه عبد الله بن معاوية الغاضري عن النبي - ﷺ - كما ذكر ابن حجر في التهذيب في الموضع السابق. وقد أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة: باب زكاة السائمة ٢/ ٢٣٩ - ٢٤٠.\n(^٦) م: \"حيثما\" وهو الموافق لما في المجمع وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٦٠ عن الطبراني في الأوسط والكبير ثم قال: تفرد به عثمان بن كثير ولم أر من ذكره بثقة ولا جرح.\n(^٧) البخاري: إيمان: باب أمور الإيمان ١/ ٥١ وباب الحياء من الإيمان ١/ ٧٤.\nومسلم في الإيمان: باب شعب الإيمان ١/ ٦٣. وفي ا: \"الحياء من الإيمان\".","vol":"1","page":123},{"text":"النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: \"إِنَّمَا المؤْمنُ كالجَمَلِ الأَنِفِ حَيثُما قِيدَ انْقَادَ\".\nوَقَالَ الله ﷿ (^١): ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-141>[الإيمان وترابط أفراد المجتمع]:</span>\n• وفى الصَّحيحين عن النعمان بن بشير ﵁ عن النَّبي - ﷺ - قال: \"مَثلُ المؤمِنينِ في تَوادّهِم وتَعَاطُفِهِمْ وتَراحُمِهمْ كمثَل الجَسدِ إذا اشْتَكَى منهُ عضوٌ تَدَاعَى له سَائرُ الجَسدِ بالحُمَّى والسَّهر\".\nوفي رواية لمسلم: \"المؤمنُونَ كرجُلٍ وَاحِدٍ\".\nوفي رواية له أيضًا: \"المسلمُونَ كرجُلٍ واحدٍ إذا اشْتَكَى عَيْنُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ، وإن اشْتَكَى رأسُهُ اشْتَكَى كُلُّهُ\".\n• وفي الصَّحيِحَين عَنْ أبي مُوسَى ﵁، عن النَّبي - ﷺ - قال: \"المؤمن للمؤْمنِ كَالْبُنْيَانِ يشُدُّ بَعضُهُ بَعْضًا\".\nوشَبَّكَ بَينَ أصَابِعِه (^٣).\n* * *\nوفي مُسْندِ الإمامِ أحْمد عن سهْلِ بن سَعْدٍ ﵁ عن النَّبِي - ﷺ - قَال: \"المؤمِنُ من أهل الإيمان بِمنزِلةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، يَألَمُ المُؤْمنُ لأَهلِ الإيمانِ كمَا يألم الجسدُ لما في الرأس\" (^٤).\n_________\n(^١) م، هـ: أن النبي - ﷺ - قال: (إنما المؤمنون أخوة ....) ولم يذكر الحديث.\n(^٢) سورة الحجرات: آية ١٠ والحديث أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٢٦ (الحلبي) وابن ماجه في مقدمة السنن ١/ ١٦ كلاهما بسياقه مطولًا، والآية ليست في أي منهما. والجمل الأنف هو المأنوف الذي عقر الخشاش أنفه فهو لا يمتنع على قائده للوجع الذي به، وقيل: الأنف الذَّلول راجع النهاية ١/ ٧٥ والمراد أن المؤمن سهل الانقياد لأمر الله ورسوله وإسناد الحديث صحيح.\nوانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ٩٣٦ للألباني وصحيح الجامع الصغير له ٢/ ٨٠٥.\n(^٣) راجع في هذه الروايات ما أخرجه البخاري في الصلاة: باب تشبيك الأصابع في المسجد وغيره.١/ ٥٦٥ ح ٤٨١ وطرفاه في ٢٤٤٦، ٦٠٢٦.\nومسلم في البر والصلة: باب تراحم المؤمنين وتعاضدهم ٤/ ١٩٩٩ ح ٦٥ - (٢٥٨٥).\n(^٤) مسند أحمد ٥/ ٣٤٠ (الحلبي).\nوذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٨٧ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير سوار بن عمارة الرملي وهو ثقة.","vol":"1","page":124},{"text":"<span data-type='title' id=toc-142>[الأخوة بين المؤمنين]:</span>\nوفي سُننِ أبِي داودَ عَن أَبي هُرَيرةَ ﵁ عن النَّبي - ﷺ - قالَ: \"المؤمنُ مرآةُ المؤمِنِ، المُؤْمِن أخُو المؤمِنِ يَكُفُّ عليه ضَيْعتَه، ويَحُوطُهُ مِنْ وَرَائِه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-143>[من الإيمان أن يحب المرء لأخيه ما يحب لنفسه]:</span>\nوفي الصحيحين عن أنس ﵁ عن النَّبِي - ﷺ - قالَ: \"لا يُؤمنُ أحدُكم حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحبُّ لنفْسِه\" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-144>[نفي الإيمان عمن لا يُؤْمَنُ أذاه]:</span>\n• وفي صحيح البُخَارِي عَنْ أبِي شُرَيحٍ الكَعْبي ﵁ عَنِ النَّبي - ﷺ - قَال: \"والله لا يؤمِنُ! والله لا يؤمنُ! والله لا يؤمنُ! \" قَالُوا: من ذاك؟ يا رسولَ الله! قال: \"من لا يَأمَنُ جارُهُ بوائِقَهُ\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-145>[نفي الإيمان عمن يشبع وجاره جائع]</span>\n• وخَرَّجَ الحَاكِمُ من حَدِيث ابن عَبَّاسٍ ﵄ عن النَّبي - ﷺ - قَال: \"لَيْسَ المؤمنُ الذي يَشْبَعُ وجَارهُ جَائعٌ\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-146>[من شعب الإيمان أن تعطي لله وتمنع لله وتحب لله وتبغض لله]:</span>\n• وخرّج الإمام أحمد والترمذي من حديث سهل بن معاذ الجهني عن النَّبي - ﷺ - قَالَ: \"مَنْ أعْطَى لله، وَمَنَعَ لله، وأحبَّ لله، وأبغض لله - زاد الإمام أحمد - وَأَنْكَحَ لله فقد اسْتَكملَ إيمَانَهُ\" (^٥).\n_________\n(^١) الحديث في سنن أبي داود كتاب الأدب: باب النصيحة والحياطة ٥/ ٢١٨ وفي هـ، م، ب، ا.\n\"يكف عنه\" والتصويب من أبي داود. وقد ذكر المناوى في التيسير ٢/ ٤٥١ أن إسناده حسن.\n(^٢) البخاري: إيمان: باب من الإيمان أن أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ١/ ٥٦ - ٥٧ ومسلم: إيمان: باب وجوب محبة رسول الله - ﷺ - أكثر من الأهل ١/ ٦٧.\n(^٣) صحيح البخاري في كتاب الأدب: باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه ١٠/ ٤٤٣ باختلاف يسير.\n(^٤) المستدرك ٤/ ١٦٧ وصححه الحاكم وأقره الذهبي.\n(^٥) الترمذي في كتاب صفة القيامة ٤/ ٦٧٠ وقال حديث حسن وفى الهندية ٣/ ٣٢٢ - ٣٢٣ من تحفة الأحوذي: هذا حديث منكر قال المباركفوري: وفي بعض النسخ: هذا حديث حسن ثم قال: ولم يظهر لى وجه كون هذا الحديث منكرًا، وأحمد في المسند ٣/ ٤٣٨، ٤٤٠ (حلبي).","vol":"1","page":125},{"text":"<span data-type='title' id=toc-147>[وتُعْملَ لسانَك في ذكر الله وتحب للناس ما تحب لنفسك]:</span>\n• وفي رواية للإمامِ أحمد أنَّهُ سأل النبي - ﷺ - عن أفْضَلِ الإيمانِ فقال: \"أن تُحِبُّ لله وتُبْغِضَ لله، وتُعْمِلَ لسانَكَ في ذكر الله\" فقالَ: وماذَا؟ يا رسول الله! قال: \"وأنْ تُحِبَّ للنَّاس مَا تُحِت لِنَفْسِكَ، وتكرَهَ لَهُمْ مَا تكْرهُ لِنفسِكَ\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-148>[وأن تقول خيرًا أو تصمت]:</span>\n• وفي روَايةٍ له: \"وأن تَقُولَ خَيرًا أوْ تَصْمُتَ\" (^١).\n* * *\n• وفي هذا الحديث: أن كثرةَ ذِكْرِ الله منْ أفضل الإيمان.\n\n<span data-type='title' id=toc-149>[الحب في الله سفير الولاية مع الله]:</span>\n• وخرَّج أيضًا: من حديث عَمْرو بن الجَمُوحِ: أنَّه سَمِعَ النَّبي - ﷺ - يَقُولُ: \"لا يُحِقُّ العَبْدُ صَريحَ الإيمانِ حتَّى يُحبَّ لله ويُبْغِضَ للهِ، فإذا أحَبَّ لله وأبَغَضَ لله فقد استَحَقَّ الولاية من الله تَعَالَى\" (^٢).\n• وخرج أيضًا من حديث البَرَاءِ بن عَازِبٍ ﵁ عن النَّبِي - ﷺ - قالَ: \"إنَّ أوْثَقَ عُرَى الإِيمانِ أنْ تُحِبَّ في الله، وتُبْغِضَ في الله\" (^٣).\n_________\n(^١) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٨٩ وقال: في الرواية الأولى: رشدين بن سعد وفي الثانية: ابن لهيعة وكلاهما ضعيف.\nوقد رواهما أحمد في المسند ٥/ ٢٤٧ (الحلبي) من حديث معاذ بن جبل ﵁.\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ٤٣٠ (حلبي) بلفظ:\n\"لا يحق العبد حق صريح الإيمان حتى يحب لله تعالى .. فقد استحق الولاء\" الحديث .. وفيه أخطاء واضحة وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٨٩ عن أحمد بلفظ: \"لا يحق العبد صريح الإيمان حتى يحب لله\" الحديث بنصه رواية ابن رجب وربما أكد هذا التطابق زيادة بعض الكلمات وتحريف البعض الآخر.\nومعنى الحديث قريب من معنى الحديث الآخر: \"لا يبلغ المؤمن حقيقة الإيمان حتى لا يعيب مسلما\" أي لا يحصل يقينه وخالصه ومحضه وكنهه، وحقه يحقه وأحقه يُحقه أثبته وصار عنده حقا لا شك فيه وصريح الإيمان هو أيضًا خالصه ويقينه ولا يثبت للمرء هذا، ولا يثبته المرء ولا يحصله إلا إذا أحب لله وأبغض لله .. إلخ.\nوقد أورد الهيثمي ذلك النص ثم قال: فيه رشدين بن سعد وهو منقطع ضعيف. وانظر اللسان: حَقَقَ. وفي \"ا\" وعامة النسخ عدا ب: \"لا يستحق العبد … \".\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٢٨٢ (حلبي) من حديث طويل بلفظ: \"إن أوسط عرى الإيمان … \" الحديث. =","vol":"1","page":126},{"text":"• وقال ابنُ عَباسٍ ﵄: \"أحِبَّ في الله، وأَبْغِضْ في الله، وَوَالِ في الله وعَادِ في الله فإِنَّمَا تُنَالُ ولايةُ الله بِذَلكَ، ولنْ يَجدَ عبدٌ طَعْمَ الإيمان وإِنْ كَثُرَتْ صَلاتُهُ وصوْمُه؛ حتَّى يَكُونَ كَذلك وقدْ صَارَتْ عَامَّةُ مؤاخاةِ الناسِ عَلى أمر الدُّنيا، وذلك لا يُجْدِى على أهْله شَيْئًا\".\n• خَرَّجه ابن جَرِير الطَّبَري ومحمدُ بن نصر المروزي (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-150>(فصل) [عن الإحسان وكيف ورد في القرآن والسنة؟]</span>\n• وأما الإِحسان فقد جاء ذكره في القرآن في مواضع: تارة مقرونا بالإيمان، وتارة مقرونا بالإِسلام، وتارة مقرونًا بالتقوى، أو بالعمل.\n\n<span data-type='title' id=toc-151>[الإحسان مقرونًا بالإيمان]:</span>\n• فالمقرون بالإِيمان كقوله تعالى:\n﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٢).\nوكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-152>[وبالإسلام]:</span>\n• والمقرون بالإِسلام كقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (^٤).\nوكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (^٥).\n_________\n= ولعله تحريف فقد نقله عنه الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٨٩ - ٩٠: \"إن أوثق\" كما هنا وقد عقب عليه بقوله: رواه أحمد وفيه ليث بن أبي سليم وضعفه الأكثر.\n(^١) في: \"تعظيم قدر الصلاة\" له ١/ ٤٠٦ من نصح ابن عباس لتلميذه مجاهد.\n(^٢) سورة المائدة: ٩٣.\n(^٣) سورة الكهف: ٣٠.\n(^٤) سورة البقرة: ١١٢.\n(^٥) سورة لقمان: ٢٢.","vol":"1","page":127},{"text":"<span data-type='title' id=toc-153>[وبالتقوى]:</span>\n• والمقرون بالتقوى كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (^١).\n• وقد يذكر مفردًا.\n• كقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ (^٢).\n• وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي - ﷺ - تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى في الجنة (^٣).\nوهذا مناسب لجعله جزاء لأهل الإِحسان، لأن الإِحسان هو أن يَعْبُدَ المؤمن ربّهُ في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه، وينظر إليه في حال عبادته؛ فكان جزاء ذلك: النَّظَرَ إلى وجه الله عَيَانًا (^٤) في الآخرة.\nوعكس هذا ما أخبر الله تعالى به عن جزاء الكفار في الآخرة: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (^٥).\nوجعل ذلك جزاءً لحالهم في الدنيا، وهو تراكم الرّانِ على قلوبهم حتى حُجِبَتْ عن معرفته، ومراقبته في الدنيا، فكان جزاؤهم على ذلك أن حُجِبُوا عن رؤيته في الآخرة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-154>[تفسير النبي - ﷺ - للإحسان]:</span>\n• فقوله - ﷺ - في تفسير الإحسان: \"أنْ تعْبُدَ الله كَأنَّك تَرَاهُ\" مشيرًا إلى أن العبد يعبد الله تعالى على هذه الصفة، وهي استحضار قربه وأنه بن يديه كأنه يراه، وذلك يوجب الخشية والخوفَ، والهيبةَ والتعظيم؛ كما جاء في رواية أبي هريرة ﵁: \"أن تَخْشَى الله كأنَّكَ تَرَاهُ\" (^٦).\nويوجب أيضًا: النُّصْحَ في العبادة، وبذلَ الجَهد في تحسينها وإتمامها وإكمالها.\n* * *\n_________\n(^١) سورة النحل: ١٢٨.\n(^٢) سورة يونس: ٢٦.\n(^٣) صحيح مسلم في كتاب الإيمان: باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم ﷾ ١/ ١٦٣. ح ٢٩٧ - (١٨١) و٢٩٨ - (…).\n(^٤) ب: \"إلى الله … \".\n(^٥) سورة المطففين: ١٥.\n(^٦) هي رواية مسلم تقدمت ص ٩٩.","vol":"1","page":128},{"text":"<span data-type='title' id=toc-155>[كيف وصى النبي - ﷺ - بالإحسان؟]:</span>\n<span data-type='title' id=toc-156>[وصيته لأبي ذر]:</span>\n• وقد وصّى النبي - ﷺ - جماعةً من أصحابه بهذه الوصية كما روى إبراهيمُ الهَجَريُّ، عن أَبي الأحْوَصِ، عن أبي ذر، ﵁ قال: \"أوصَانِي خَلِيلي - ﷺ - أنْ أخْشَى الله كَأنِّي أرَاهُ، فإنْ لمْ أكنُ أرَاه فَإنَّهُ يَرانِي\".\n\n<span data-type='title' id=toc-157>[ولابن عمر]:</span>\n• وروي عن ابن عمر ﵄ قال: \"أخذَ رسُولُ الله - ﷺ - بِبَعْضِ جَسَدي\nفَقَالَ: اعْبُدِ الله كَأنَّكَ تَرَاهُ\" (^١). خرجه النسائي.\n\n<span data-type='title' id=toc-158>[ولزيد بن أرقم]:</span>\nويروى من حديث زيد بن أرْقَمَ مَرفوعًا وموقوفًا: \"كُنْ كَأنَّكَ تَرى الله فَإِنْ لمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّهُ يَرَاكَ\" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-159>[ولأنس]:</span>\n• وخرج الطبراني من حديث - أنس ﵁: \"أن رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ الله! حَدِّثْنِي بحدَيثٍ وَاجْعَلْهُ مُوجَزًا؟ فَقَالَ: \"صَلِّ صَلاةَ مْوَدِّعٍ؛ فَإنَّكَ إِنْ كنْتَ لا تَرَاه فَإنَّه يَرَاكَ\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-160>[ولحارثة]:</span>\n• وفي حديث حارثة المشهور وقد روي من وجوه مرسلة، وروي متصلا، والمرسل أصح: أن النبي - ﷺ - قال له: \"كَيْفَ أصْبَحتَ! يَا حَارِثَة؟ قالَ: أصْبَحْتُ مُؤمِنًا حَقًّا! قَالَ: انظُرْ مَا تَقُولُ؛ فَإِنْ لِكُلِّ قَولٍ حَقيِقَةً؟ قَالَ: يَا رَسُولَ الله! عَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا فَأسْهَرْتُ لَيْلي وَأظْمَأْتُ نَهَارِي، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى عَرْشِ ربِّي بَارِزًا! \"وكأني\n_________\n(^١) مسند أحمد ٩/ ١٧ - ١٨ (معارف) وتتمة الحديث: وكن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل. وإسناده صحيح كما ذكر محققة العلامة الشيح أحمد شاكر، ولم أجده في المطبوع من الكبرى حيث أشار المزى في التحفة ٥/ ٤٨١ إلى رواية النسائي له في الرقائق منها.\n(^٢) أورده أبو نعيم في الحلية ٨/ ٢٠٢ - ٢٠٣ بنحوه وبتمامه.\n(^٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٢٩ عن الطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر وليس من حديث أنس كما ذكر هنا، وقال: وفيه من لم أعرفهم.","vol":"1","page":129},{"text":"أنظر أهل الجنة في الجنة كيف يتزاورون فيها! وَكَأنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ كَيْفَ يَتَعَاوَوْنَ (^١) فِيهَا قَالَ: \"أبْصرْتَ فَالْزَمْ؛ عَبْدٌ نَوَّرَ الله الإِيمَانَ في قَلْبهِ\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-161>[ولأبي أمامة]:</span>\nوروى من حديث أبي أمامة ﵁ أن النبي - ﷺ - وصى رجلا فقال له: \"اسْتَحْي مِنَ الله اسْتحْياءَكَ مِنْ رَجُلَينِ مِنْ صَالحِي عَشِيرتك لا يفارقانك\" (^٣).\nويروى من وجه آخر مرسلًا. \"استحي من ربك\".\n\n<span data-type='title' id=toc-162>[ولمعاذ]:</span>\nويروى عن معاذ أن النبي - ﷺ - وصاه لما بعثه إلى اليمن فقال: \"اسْتَحْي منَ الله كَمَا تَسْتَحييِ منْ رَجُلٍ ذِي هَيْبَةٍ مِنْ أهْلِك (^٤) \".\nوسئل النبي - ﷺ - عن كشف العورة خاليا فقال \"الله أحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْه\" (^٥).\n_________\n(^١) يتصايحون وفي الطبراني والمجمع ١/ ٥٧ يتضاغَون وكلاهما بمعنى.\n(^٢) أورده الغزالي في الإحياء ٤/ ١٩٠ وعلق عليه العراقي بقوله: أخرجه البزار من حديث أنس، والطبراني من حديث الحارث بن مالك وكلا الحديثين ضعيف. وهو عند الطبراني في الكبير ٣/ ٢٦٦ - ٢٦٧ رواية عن محمد بن عبد الله الحضرمي، عن أبي كريب، عن زيد بن الحباب، عن ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد السكسكي، عن سعيد بن أبي هلال، عن محمد بن أبي الجهم عن الحارث بن مالك الأنصاري أنه مر برسول الله - ﷺ - فقال له: كيف أصبحت يا حارثة؟ … الحديث وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٥٧ عن الطبراني في هذا الموضع بنحوه، وقال: وفيه ابن لهيعة، وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه.\nوهو عند البزار في مسنده ١/ ٦ (من الكشف) ح ٣٢ من طريق أحمد بن محمد الليثي، عن يوسف بن عطية، عن ثابت، عن أنس: أن النبي - ﷺ - لقى رجلا يقال له حارثة … الحديث بمعناه وعقب عليه بقوله: تفرد به يوسف وهو لين الحديث.\n(^٣) أخرجه ابن عدي في الكامل بإسناد. ضعيف كما في فيض القدير على الجامع الصغير، ١/ ٤٨٧ وما بين الرقمين سقط من ب.\n(^٤) الحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٢٣ عن البزار وقال: فيه ابن لهيعة وفيه لين وبقية رجاله ثقات.\n(^٥) هذا جزء حديث رواه الحاكم في المستدرك ٤/ ١٨٠ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\nوالترمذي وحسنه في سننه كتاب الأدب: باب ما جاء في حفظ العورة ٥/ ٩٧ - ٩٨.\nوابن ماجه في كتاب النكاح: باب التستر عند الجماع ١/ ٦١٨.\nوالبخاري تعليقًا في كتاب الغسل: باب من اغتسل عريانا وحده في الخلوة ومن تستر فالتستر أفضل ١/ ٣٨٥ من الفتح.\nكلهم من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله! عوراتنا ما نأتي منها وما نذر؟ قال: احفظ عورتك إلا من زوجتك أو مما ملكت يمينك. فقال: الرجل يكون مع الرجل؟ قال: \"إن استطعت أن لا يراها أحد فافعل: قلت: والرجل يكون خاليًا؟ قال: \"فالله أحق أن يستحيا منه\".\nوقد اقتصر البخاري على تعليق شطره الأخير.","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type='title' id=toc-163>[من وصايا السلف في الإحسان] [وآثارهم فيه]</span>\nووصى أبو الدرداء ﵁ رجلا فقال له: \"اعبد الله كأنك تراه\".\nوخطب عروة بن الزبير إلى ابن عمر ابنته وهما في الطواف، فلم يجبه؛ ثم لقيه بعد ذلك فاعتذر إليه وقال: \"كنا في الطواف نتخايل الله بين أعيننا\".\nأخرجه أبو نعيم وغيره (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-164>[تفسير الجملة الثانية في الوصية بالإحسان]:</span>\n• وقوله - ﷺ -: \"فَإِنْ لَمْ تَكُن تَراهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ\": قيل إنه تعليل للأول، فإن العبد إذا أمر بمراقبة الله تعالى في العبادة واستحضار قربه من عبده حتى كأن العبد يراه فإنه قد يَشُقُّ ذلك عليه؛ فيستعين على ذلك بإيمانه بأن الله ﷿ يراه ويَطَّلع على سره وعلانيته، وباطنه وظاهره، ولا يَخْفَى عليه شَيْءٌ من أمره.\nفإذا تحقق هذا المقام سَهُل عليه الانتقال إلى المقام الثاني، وهو دوام التحديق بالبصيرة إلى قرب الله من عبده، ومعيته (^٢) حتى كأنه يراه.\n* * *\nوقيل بل هو إشارة إلى أن من شقَّ عليه أن يعبد الله تعالى كأنه يراه؛ فليعبد الله على أن الله يراه ويطلع عليه؛ فليستحي من نظره إليه كما قال بعض العارفين: \"اتق الله أن يكون أهونَ الناظرين إليك\".\n_________\n(^١) هو عند أبي نعيم في الحلية ١/ ٣٠٩ من حديث محمد بن أحمد بن الحسن، عن بشر بن موسى عن أبي عبد الرحمن المقرئ، عن حرملة، عن أبي الأسود قال: سمعت عروة بن الزبير يقول: خطبت إلى عبد الله بن عمر ابنته ونحن في الطواف فسكت ولم يجبني بكلمة، فقلت: لو رضي لأجابني، والله لا أراجعه فيها بكلمة أبدًا، فقدر له أن صدر إلى المدينة قبلي، ثم قدمت فدخلت مسجد الرسول - ﷺ - فسلمت عليه، وأديت إليه من حقه ما هو أهله، فأتيته ورحب بي وقال: متى قدمت؟ فقلت: هذا حين قدومي، فقال: أكنت ذكرت لي سودة بنت عبد الله ونحن في الطواف نتخايل الله ﷿ بين أعيننا؟ وكنت قادرًا أن تلقاني في غير الموطن؟ فقلت: كان أمرًا قدر؟ قال: فما رأيك اليوم؟ قلت: أحرص ما كنت عليه قط. فدعا ابنيه: سالما وعبد الله فزوجني.\n(^٢) ليست في أ.","vol":"1","page":131},{"text":"وقال بعضهم: \"خف الله على قدر قدرته عليك، واستحي منه على قدر قربه منك\".\n\n<span data-type='title' id=toc-165>[مقاما الإخلاص والمشاهدة]:</span>\nوقال بعض العارفات (^١) من السلف: \"من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص\".\nفأشارت (^٢) إلى المقامين اللذين تقدم ذكرهما:\nأحدهما: مقام الإخلاص، وهو أن يعمل العبد على استحضار مشاهدة الله إياه، واطلاعه عليه، وقربه منه، فإذا استحضر العبد هذا في عمله، وعمل عليه فهو مخلص لله تعالى؛ لأن استحضاره ذلك في عمله يمنعه من الالتفات إلى غير الله، وإرادتِه بالعمل.\nوالثاني: مقام المشاهدة وهو أن يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه، وهو أن يتنوَّرَ القلبُ بالإيمان، وتَنْفُذَ البصيرة في العرفان، حتى يصير الغيبُ كالعيان.\nوهذا هو حقيقة مقام الإحسان المشار إليه في حديث جبريل ﵇.\nويتفاوت أهل هذه المقامات فيه بحسب قوة نفوذ البصائر.\nوقد فسر طائفَة من العلماء المثلَ الأعلى المذكور في قوله ﷿: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٣). بهذا المعنى.\nومثله قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ (^٤).\nوالمراد: مَثَلُ نوره في قلب المؤمن.\nكذا قاله أبي بن كعب وغيره كما السلف.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-166>[الإحسان أفضل الإيمان]</span>\nوقد سبق حديث: \"أفضلُ الإيمان: أن تَعْلَمَ أن الله مَعَكَ حيثُ كنتَ\" (^٥) وحديث: \"ما تزكيةُ المرء نَفْسَه؟ \" قال: \"أن يعلم أن الله معه حيث كان\" (^٦).\n_________\n(^١) م: \"العارفين\".\n(^٢) م: \"وفيه إشارة\".\n(^٣) سورة الروم: ٢٧.\n(^٤) سورة النور: ٣٥.\n(^٥)، (^٦) ص ١٢٣.","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type='title' id=toc-167>[من ثمرات الإحسان]:</span>\n• وخرج الطبراني من حديث أبي أمامة عن النبي - ﷺ - قال: \"ثَلاثَةٌ في ظِلِّ الله تَعَالى يَوْم الْقِيامَة يَوْمَ لا ظِلّ إِلا ظِلُّهُ: رَجُلٌ حَيْثُ تَوجَّهَ عَلِمَ أن الله مَعَهُ. . وذكر الحديث (^١) \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-168>[أدلة قرب الله من العبد ومعيته له وشهوده عليه]:</span>\nوقد دل القرآن على هذا المعنى في مواضع متعددة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ (^٢).\nوقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ (^٣).\nوقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^٤).\nوقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٥).\n• وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (^٦).\nوقوله: ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ (^٧).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-169>[دعوة السنة إلى استحضار قرب الله ﷿]</span>\n• وقد وردت الأحاديث الصحيحة بالندب إلى استحضار هذا القرب في حال العبادات كقوله - ﷺ -: \"إِنَّ أحدَكُمْ إِذَا قامَ يُصَلِّي فإِنَّما يُنَاجِي رَبَّهُ أو ربَّه بَيْنَهُ وَبَيْنَ القِبْلة\".\n_________\n(^١) تمام الحديث: \"ورجل دعته امرأة إلى نفسها فتركها من خشية الله، ورجل أحب بجلال الله ﷿\". وقد رواه الطبراني في الكبير ٨/ ٢٤٠.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٧٩ عن الطبراني في هذا الموضع وقال: فيه بشر بن نمير وهو متروك.\n(^٢) سورة البقرة: ١٨٦.\n(^٣) سورة الحديد: ٤.\n(^٤) سورة المجادلة: ٧.\n(^٥) سورة يونس: ٦١.\n(^٦) سورة ق: ١٦.\n(^٧) سورة النساء: ١٠٨.","vol":"1","page":133},{"text":"وقوله: \"إِنَّ الله قِبَل وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى\".\nوقوله: \"إنَّ الله ﷿ يَنصُبُ وَجْهَهُ لِوجْهِ عَبْدِهِ في صَلاتِه مَا لَمْ يَلْتَفِتْ\" (^١).\n• وقوله للذين رفعوا أصواتهم بالذكر: \"إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أصَمَّ ولَا غَائِبًا؛ إِنَّكُمُ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَريبًا\" (^٢).\n• وفي رواية: \"وهو أقْرَبُ إِلَى أَحدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَتِه (^٣) \".\nوفي رواية: \"هُوَ أَقْرَبُ إلى أحْدِكُمْ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ\".\nوقوله: \"يَقُولُ اللهُ ﷿: أَنَا مَعَ عَبْدِي إِذَا [هو] ذَكَرَني وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ\" (^٤).\nوقوله: \"يَقُولُ الله ﷿: أنَا مَعَ ظَنِّ عِبْدِي بِي وأنَا مَعَهُ حيث ذكرني، فإنْ ذَكَرني في نفْسِهِ ذَكَرْتُه في نَفْسي، وَإنْ ذَكَرني في مَلأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلأٍ خَيْرٍ منهم، وإن تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَربْتُ مِنْه ذِراعًا، وَإنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ منْه بَاعًا، وإن أتانِي يَمْشى أتَيْتُهُ هَرْولةً\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-170>[معنى قرب الله ﷿]</span>\nومن فهم من شيء من هذه النصوص تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا فإنما أُتي من جهله وسوء فهمه عن الله ﷿ وعن رسوله، والله ورسوله بريئان من ذلك كله - فسُبحان مَنْ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.\n* * *\n_________\n(^١) راجع في هذا كله ما أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٢٣٦، بأسانيد صحيحة، وابن ماجه في السنن ١/ ٢٥١. من أحاديث أبي هريرة وأبي ذر والحارث الأشعري وابن عمر.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب القدر: باب لا حول ولا قوة إلا بالله ١١/ ٥٠٠ ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والاستغفار: باب استحباب خفض الصوت بالذكر ٤/ ٢٠٧٦ - ٢٠٧٧. كلاهما من حديث أبي موسى الأشعري بنحوه.\n(^٣) راجع ما أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء: باب استحباب خفض الصوت بالذكر ٤/ ٢٠٧٦ - ٢٠٧٧.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٥٤٠ من حديث أبي هريرة وما بين القوسين منه.\nوأخرجه البخاري تعليقًا في صحيحه: كتاب التوحيد: باب قوله تعالى: ﴿لا تحرك به لسانك لتعجل به﴾ وفعل النبي - ﷺ - حين ينزل عليه الوحى ١٣/ ٤٩٩ من الفتح وليس فيه لفظ [هو].\n(^٥) متفق عليه من حديث أبي هريرة؛ فقد أخرجه البخاري في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿ويحذركم الله نفسه﴾ ١٣/ ٣٨٤، ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب الحث على ذكر الله تعالى ٤/ ٢٠٦١، وباب فضل الذكر والدعاء ٤/ ٢٠٦٧ - ٢٠٦٨.","vol":"1","page":134},{"text":"<span data-type='title' id=toc-171>[تفسير بكر المزني]</span>\nقال بكر المزني: \"من مِثْلُكَ يا ابن آدم؟ خُلِّيَ بينك وبين المحراب والماء؟! كلما شِئْتَ دَخَلْتَ على الله ﷿؟! وليس بينك وبينه تَرْجُمَانٌ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-172>[متى يستأنس العبد بالله]</span>\nومن وصل إلى استحضار هذا في حال ذكر الله وعبادته استأنس بالله واستوحش من خلقه ضرورة.\n\n<span data-type='title' id=toc-173>[من الآثار في ذلك]</span>\nقال ثور بن يزيد: \"قرأت في بعض الكتب أن عيسى ﵇ قال: \"يا معشر الحواريين: كَلِّمُوا الله ﷿ كثيرًا وكلموا الناسَ قليلًا\" قالوا: كيف نكلم الله كثيرًا؟ قال: \"اخْلوا بمناجاته!؟ اخْلُوا بدعائه؟! \".\nخرجه أبو نعيم (^٢).\n* * *\nوخرج أيضًا بإسناده عن رِيَاحٍ، قال: \"كان عندنا رجلٌ يُصَلِّى كلَّ يوم وليلة ألفَ ركعة حتى أُقِعدَ من رجليه فكان يصلي جالسًا كل ليلة ألف ركعة، فإذا صلَّى العصْرَ احتبَى واستقبل القبلة ويقول: عجبت للخليقة كيف أنِسَتْ بسواك؟ بل عجبْتُ للخليقة كيف استنارت قُلُوبُها بذكر سواك؟! \" (^٣).\n* * *\nوقال أبو أسامة: دخلت على محمد بن النضر الحارثي فرأيته كأنه ينقبض فقلت: \"كأنك تكره أن تُؤتَى؟ \".\nقال: أجل!\nفقلت: أو ما تستوحش؟\nقال: كيف أستوحِشُ وهو يقول أنا جليس من ذكرني؟!\n_________\n(^١) الحلية ٢، ٢٢٩ باختلاف يسير.\n(^٢) في الحلية ٦/ ١٩٤، ١٩٥.\n(^٣) راجع هذا في ترجمة أبي نعيم لرياح في الحلية ٦/ ١٩٢ - ١٩٧ وهو رياح بين عمرو القيسي، المتخشع البكَّاء المتضرع الدَّعَّاء، أبو المهاجر، كان حكيمًا زاهدًا كثير الإنابة إلى الله ﷿.","vol":"1","page":135},{"text":"وقيل مالك بن مِغْوَل (^١) - وهو جالس في بيته وحده: ألا تستوحش؟ قال: أو يستوحش مع الله أحد؟\nوكان حبيب: أبو محمد يخلو في بيته ويقول: \"من لم تَقَرَّ عينُه بكَ فلا قرَّتْ عينه، ومن لم يأنْس بكِ فلا أَنِسَ\".\n* * *\n• وقال غَزْوان: \"إني أصبت راحة قلبي في مجالسة مَنْ لديه حاجتي\".\n* * *\n• وقال مسلم بن يسار: \"ما تلذذ المتلذذون بمثل الخلوة بمناجاة الله ﷿\" (^٢).\n• وقال مسلم بن عابد (^٣): \"لولا الجماعة ما خرجْتُ من بابي أبدًا حتى أموت\".\n• وقال: \"ما يَجِدُ المطيعون لله لذةً في الدنيا أَحْلَى من الخَلْوة بمناجاة سَيِّدِهِمْ ولا أحْسَبُ لهم في الآخرة من عَظِيم الثّواب أكْبَرَ في صدورهم وألذَّ في قلوبهم من النظر إليه\".\nثم غُشِيَ عليه.\n* * *\nوعن إبراهيم بن أدهم قال: \"أعلى الدرجات أن تنقطع إلى ربك، وتستأنِسَ إليه بقلبك وعقلك وجميع جوارحك، حتى لا تَرْجُوَ إِلا رَبَّك، ولا تخافَ إلا ذَنْبَك، وتَرْسَخَ محبتُه في قلبك، حتى لا تؤثِرَ عليها شيئًا؛ فإذا كنتَ كذلك لم تبالِ (^٤) في بَرٍّ كُنْتَ أو في بَحْرٍ أو في سهل أو في جَبَلٍ، وكان شوقك إلى لقاء الحبيب شوق الظمآن إلى الماء البارد، وشوق الجائع إلى الطعام الطيّب، ويكون ذكر الله عندك أحلى من العسل، وأحلى من الماء العذب الصافي عند العطشان في اليوم الصائف\".\n* * *\n• وقال الفضيل: \"طوبى لمن استوحش من الناس وكان الله جليسه\" (^٥).\n_________\n(^١) في هـ، م: \"معفل\" وهو تحريف.\n(^٢) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٢٩٤.\n(^٣) ب: \"مبارك العابد\".\n(^٤) م: \"لم نُنَلْ\".\n(^٥) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٨/ ١٠٨ وترجم له ترجمة مطولة ٨/ ٨٤ - ١٣٩ برقم ٣٩٧ بدأها بقوله: ومنهم الراحل =","vol":"1","page":136},{"text":"وقال أبو سليمان: \"لا آنسنى الله إلا به أبدا\".\n* * *\nوقال معروف (^١) لرجل: \"توكَّل على الله؛ حتى يكون جليسَك وأنيسَك وموضعَ شكواك\".\n* * *\n• وقال ذو النون (^٢): \"من علامات المحبين لله أن لا يأْنَسُوا بسواه ولا يستوحشوا معه. ثم قال: إذا سكن القلب حُبُّ الله تعالى أنِسَ بالله؛ لأن الله أجلُّ في صدور العارفين أن يحبوا سواه\".\n\n<span data-type='title' id=toc-174>[تعقيب]:</span>\nوكلام القوم في هذا الباب يطول ذكره جدًّا، وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله تعالى.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-175>[بيان أن علوم الفقه والأخلاق والعقيدة والتصوف لا تخرج عن هذا الحديث]:</span>\nفَمنْ تأمل ما أشرنا إليه مما دل عليه هذا الحديث العظيم علم (^٣) أن جميع العلوم والمعارف ترجع إلى هذا الحديث، وتدخل تحته، وأن جميع العلماءِ مَنْ فِرَقِ (^٤) هذه\n_________\n= من المفاوز والقفار، إلى الحصون والحياض، والناقل من المهالك والسباخ إلى الغصون والرياض، أبو علي: الفضيل بن عياض.\nكان من الخوف نحيفًا، وللطواف أليفًا.\nوكان إبراهيم بن الأشعث يقول: ما رأيت أحدا كان الله في صدره أعظم من الفضيل.\n(^١) معروف هو معروف الكرخي ترجم له أبو نعيم في الحلية ٨/ ٣٦٠ - ٣٦٨ بدأها بقوله: ومنهم الملهوف إلى المعروف، عن الفاني معروف، وبالباقي مشغوف، وبالتحف محفوف، وللطف مألوف، الكرخي أبو محفوظ معروف.\nوالأثر المذكور هنا هو أول ما ذكره في ترجمته عقيب هذا، من حديث محمد بن مسلمة اليامي قال: قال معروف الكرخي لرجل: توكل على الله حتى يكون هو معلمك وأنيسك وموضع شكواك، وليكن ذكر الموت جليسك لا يفارقنك، واعلم أن الشفاء من كل بلاء نزل بك كتمانه، فإن الناس لا ينفعونك ولا يضرونك، ولا يمنعونك ولا يعطونك\".\n(^٢) هو ذو النون بن إبراهيم المصري ترجم له أبو نعيم في الحلية ٩/ ٣٣١ - ٣٩٥ برقم ٤٥٦ ترجمة ضافية ذكر فيها حكمه وآثاره وذكر في ١٠/ ٣ أنه أسند غير حديث عن الأئمة: مالك والليث بن سعد، وسفيان بن عيينة، والفضل بن عياض، وابن لهيعة.\n(^٣) في هـ، م: \"على\" وهو تحريف.\n(^٤) في هـ، م: \"فوق\" وهو تصحيف","vol":"1","page":137},{"text":"الأمة لا تخرج علومهم التي يتكلمون فيها عن هذا الحديث وما دلَّ عليه مجملا ومفصلا؛ فإن الفقهاء إنما يتكلمون في العبادات التي هي من جملة خصال الإسلام ويضيفون إلى ذلك: الكلامَ في أحكام الأموال والأَبْضَاعِ والدماء وَكُلُّ ذلك من علم الإِسلام كما سبق التنبيه عليه.\nويبقى كثير (^١) من علم الإسلام من الآداب والأخلاق وغير ذلك لا يتكلم عليه إلا القليل منهم ولا يتكلمون على معنى الشهادتين، وهما أصل الإسلام كله.\nوالذين يتكلمون في أصول الديانات يتكلمون على الشهادتين وعلى الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والإيمان بالقدر.\nوالذين يتكلمون على علم المعارف والمعاملات يتكلمون على مقام الإِحسان وعلى الأعمال الباطنة التي تدخل في الإيمان أيضًا، كالخشية والمحبة والتوكل والرضا والصبر ونحو ذلك.\nفانحصرت العلوم الشرعية التي تتكلم عليها فرق المسلمين في هذا الحديث، ورجعت كلها إليه.\nففي هذا الحديث وحده كفاية ولله الحمد والمنة\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-176>[الساعة وأمارتها واستئثار الله بعلمها]:</span>\nوبقى الكلام على ذكر الساعة من الحديث.\nفقول جبريل ﵇: أَخْبِرْني عَن السَّاعةِ؛ فَقَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: \"مَا السئول عنْها بأعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ\".\nيعني أن علم الخلق كلّهم في وقت الساعة سواء.\nوهذا (^٢) إشارة إلى أن الله تعالى استأثر بعلمها.\nولهذا [جاء أن العالِم. إذا سُئل عن شيء لا يعلمه أن يقول: لا أعلمه، وأن ذا لا ينقصه شيئا بل هو من ورعه ودينه؛ لأن فوق كل ذي علم عليم] (^٣).\n_________\n(^١) ليست في ا.\n(^٢) في ا، هـ، م: \"وهذه\".\n(^٣) ما بين الرقمين ليس في أ.","vol":"1","page":138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-177>[أدلة استئثار الله بعلم الساعة]:</span>\n<span data-type='title' id=toc-178>١ - [من القرآن]:</span>\n• [و] في حديث أبي هريرة ﵁: قال النبي - ﷺ -: \"في خمس لا يعلمهن إِلا الله تعالى ثم تلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (^١).\nوقال الله ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-179>٢ - [ومن السنة]:</span>\nوفي صحيح البخاري (^٣) عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \"مَفَاتِيحُ الغَيْبِ خَمْسٌ لا يَعْلمهُنّ إِلا الله\" ثُمَّ قرأ هَذِه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾.\n* * *\nوخرجه الإمام أحمد، ولفظه أن النبي - ﷺ - قال: \"أُوتِيتُ مَفَاتيحَ كُلِّ شَيءٍ إلا الْخَمْسَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. . . الآية﴾ (^٤).\n• وخرج أيضًا بإسناده عن ابن مسعود ﵁ قال: \"أُوتي نبيُّكُمْ - ﷺ - مَفَاتِيحَ كُلِّ شَيءٍ غيرَ خمس: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ. . . الآية﴾ (^٥).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-180>[أمارات الساعة]:</span>\nوقوله (^٦): (فأخبرني عن أماراتها) يعني عن علاماتها التي تدل على اقترابها.\n_________\n(^١) سورة لقمان: ٣٤.\n(^٢) سورة الأعراف: ١٨٧.\n(^٣) في مواضع منها في أبواب الاستسقاء: باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله ٢/ ٥٢٤ من الفتح وهو الحديث رقم ١٠٣٩ وأطرافه في الأحاديث أرقام ٤٦٢٧، ٤٦٩٧، ٤٧٧٨، ٧٣٧٩ من صحيح البخاري.\n(^٤) مسند أحمد ٧/ ٣١٧ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه.\n(^٥) مسند أحمد ٦/ ١٠٠، ١٢٧ - ١٢٨ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه الشيخ أحمد شاكر.\n(^٦) \"أ\": \"قوله\".","vol":"1","page":139},{"text":"• وفي حديث أبي هريرة ﵁ (^١) أن النبي - ﷺ - قال: \"سأُحَدِّثكَ عَنْ أشْرَاطِهَا\".\nوهي عَلَامَاتُها أيضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-181>[أمارتان]:</span>\n• وقد ذكر النبي - ﷺ - للساعة علامتين:\n\n<span data-type='title' id=toc-182>[الأولى: أن تلد الأمة ربَّتها]:</span>\nالأولى \"أنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَها\" والمراد بربتها سيدتها ومالكتها، وفي حديث أبي هريرة ﵁: \"ربَّها\".\nوهذه إشارة إلى فتح البلاد، وكثرة جَلْب الرقيق؛ حتى تكْثُرَ السراري وتَكْثُرَ أولادُهُنَّ فتكون الأمة رقيقةً لسيدها وأولاده منها بمنزلته؛ فإن ولد السيدة بمنزلة السيد فيصير ولدُ الأمة بمنزلة رَبِّهَا وَسَيِّدهَا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-183>[استنتاجات الفقهاء من ذلك]:</span>\nوذكر \"الخطابي\" (^٢) أنه استدل بذلك من يقول إن أم الولد؛ إنما تعتق على ولدها من نصيبه من ميراث والده، وأنها تنتقل إلى أولادها بالميراث فتعتق عليهم، وأنها قبل موت سيدها تُبَاعُ.\nقال: وفي هذا الاستدلال نظر.\nقلت: قد استدل به بعضهم على عكسِ ذلك، وأن أم الولد لا تباع، وأنها تعتق بموت سيدها بكل حال؛ لأنه جعل ولد اللأمة ربَّها فكأن ولدها هو الذي عتقها، فصار عتقا منسوبًا إليه؛ لأنه سبب عتقها؛ فصار كأنه مولاها.\n• وهذا كما روي عن النبي - ﷺ - أنه قال في أم ولده مارية - لما ولدت إبراهيم ﵇ - \"أعْتَقَهَا وَلَدُهَا\" (^٣).\n_________\n(^١) مضى ص ٩٩.\n(^٢) في معالم السنن ٥/ ٧١ - ٧٢.\n(^٣) رواه البيهقي في الكبرى ١٠/ ٣٤٦ من طرق بعضها صحيح وبعضها الآخر ضعيف يرتقي إلى الحسن لغيره.\nوأخرجه ابن ماجه ٢/ ٨٤١ والحاكم في المستدرك ٢/ ١٩ والدارقطني في السنن ٤/ ١٣١ - ١٣٢ كلهم بوجوه عامتها ضعيفة وقد صحيح صاحب التعليق المغني أنه من كلام ابن عمر.","vol":"1","page":140},{"text":"وقد استدل بهذا الإِمام أحمد ﵁، فإِنه قال في رواية محمد بن الحكمِ عنه: \"تلد الأَمَةُ رَبّتَهَا\": تكثر أمهات الأولاد، يقول إذا ولدت. فقد عتقت لولدها وقال: فيه حجة أن أمهات الأولاد لا يُبَعْنَ.\nوقد فسر قوله: \"تلد الأمةُ ربّتها\" بأنه يكثر جلب الرقيق حتى تجلب البنت فتعتق ثم تجلب الأم فتشتريها البنت وتستخدمها وهي جاهلة بأنها أمها. وقد وقع هذا في الإسلام.\nوقيل: معناه أن الإماء يَلدْنَ الملوك.\nوقال وكيع: \"تلد المعجم العرب (^١) \"والعرب ملوك المعجم وأرباب لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-184>[الأمارة الثانية]:</span>\nوالعلامة الثانية: \"أَنْ تَرَى الحُفَاةَ العُراةَ العَالَةَ\" والمراد بالعالة: الفقراء كقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ (^٢).\n• وقوله: \"رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاولُونَ فِي البُنْيانِ\" هكذا في حديث عمر ﵁.\nوالمراد أن أسافل الناس يصيرون رؤساءهم وتكثر أموالهم حتى يتباهَوْن (^٣) بطول البنيان، وزخرفته، وإتقانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-185>[أمارات أخرى]:</span>\nوفي حديث أبي هريرة ﵁ ذكر ثلاث علامات منها: \"أن يكُون الحُفَاةُ العراةُ رءوس الناس\".\nومنها أن يتطاول رُعاة البَهْمِ في البنيان\".\n• وروى هذا الحديثَ عبدُ الله بن عطاء عن عبد الله بن بُرَيْدَةَ فقال فيه: \"وَأَنْ تَرَى الصُّمَّ البُكْمَ العُمْيَ الحُفَاةَ رِعَاء الشَّاء يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنْيانِ مُلَوكَ النَّاس\" قال: فَقَامَ رَجُلٌ (^٤) فَانْطَلَقَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ الله! مَنْ هَؤُلَاءِ الذَينَ نَعَتَّ؟ قال: \"هُمْ العُرَيْبُ\".\nوكذا رَوى هذا الحديثَ بهذه اللفظة الأخيرة (^٥) عليُّ بن زيد، عن يحيى بن يعمَر،\n_________\n(^١) انظر حديث ابن عمر عن عمر في سنن ابن ماجه ١/ ٢٤ - ٢٥.\n(^٢) سورة الضحى: ٨.\n(^٣) في بعض النسخ: \"يتباهوا\" وكلاهما جائز عربية.\n(^٤) في بعض النسخ: \"الرجل\".\n(^٥) في ن: \"روى هذه اللفظة الأخيرة علي … \" والحديث عند المروزي في الصلاة ٣٦٧، ٣٧١.","vol":"1","page":141},{"text":"عن ابن عمر.\nوأما الألفاظ الأول فهي في الصحيح من حديث أبي هريرة بمعناها.\n* * *\nوقوله: \"الصّم البُكْمُ العُمْيُ\" إشارة إلى جهلهم، وعدم علمهم وفهمهم.\nوفي هذا المضى أحاديثُ متعدِّدة.\n• فَخَرَّجَ الإمامُ أَحْمدُ والتِّرْمِذِيُّ من حديث حُذيفة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال. \"لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تكُونَ أَسْعَدُ النَّاسِ بِالدُّنْيَا لُكَعَ بنَ لُكَعٍ\" (^١).\n• وفي صحيح ابن حبان عن أنس عن النبي - ﷺ - قال:\n\"لا تَنْقَضِي الدُّنْيَا حَتَّى تَكونَ عِنْدَ لُكَعِ بن لُكَعٍ\" (^٢).\n• وخرج الطبراني من حديث أبي ذر ﵁ عن النبي - ﷺ - قال:\n\"لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَغْيبَ عَلَى الدُّنْيا لُكَعُ بنُ لُكَعٍ\" (^٣).\n• وخرج الإِمام أحمد والطبراني من حديث أنس ﵁ عن النبي - ﷺ - قال:\n\"بَينَ يَدَى السَّاعَةِ سِنُونَ خَدَّاعَةٌ يُتَّهمُ فِيهَا الأمينُ، وَيؤَتمَنُ فِيهَا المُتَّهَمُ، وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ\" قَالوا: وَما الرُّوَيْبِضَة؟ قال: \"السَّفِيهُ يَنْطِقُ في أَمْر العَامَّةِ\".\nوفي رواية: \"الفَاسِقُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ العَامَّةِ\" (^٤).\nوفي رواية الإمام أحمدَ: \"إنّ بَينْ يَدَي الدَّجال سِنُونَ خَدَّاعَةٌ يُصَدَّق فِيهَا الكَاذبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُخوَّنُ فِيها الأمِينُ، ويُؤتَمنُ فيها الخائنُ، وذَكَرَ باقيه\" (^٥).\n_________\n(^١) الترمذي في كتاب الفتن ٤/ ٤٣٩ - ٤٩٤ وقال: هذا حديث حسن غريب. وأحمد في المسند ٥/ ٣٨٩.\n(^٢) قال في النهاية: ٤/ ٢٦٨ اللكع عند العرب: العبد، ثم استعمل في الحمق والذم، يقال للرجل: لكع وللمرأة لكاع، وأكثر ما يقع في النداء، وهو اللئيم وقيل: الوسخ، وقيل: الصغير. اهـ. وهذا كناية عما سيشير إليه من إسناد الأمر إلى غير أهله.\nوالحديث في الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٨/ ٢٥٥.\n(^٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٣٢٦ عن الطبراني في الأوسط وقال: رجاله وثقوا وفي بعضهم ضعف.\n(^٤) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٢٨٤ عن أحمد والطبراني في الأوسط وأبي يعلى وقال: فيه ابن إسحاق وهو مدلس، وفي إسناد الطبراني ابن لهيعة وهو لين. لكن أورده ابن حجر في الفتح ١٣/ ٨٤ عن أحمد وأبي يعلى والبزار، وقال وسنده جيد.\n(^٥) بقيته عند أحمد: \"ويتكلم فيها الرويبضة\".\nقيل: وما الرويبضة؟ قال: \"الفويسق يتكلم في أمر العامة\" وقد رواه من وجهين في المسند ٣/ ٢٢٠.","vol":"1","page":142},{"text":"<span data-type='title' id=toc-186>[مضمون ما ذكر]:</span>\nومضمون ما ذُكِرَ من أشراط الساعة في هذا الحديث يرجع إلى أن الأمورَ تُوَسَّدُ إِلى غير أهلها، كما قال النبي - ﷺ - لمن سأله عن الساعة:\n\"إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانتظِر السَّاعَةَ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-187>[وأدلة ذلك]:</span>\nفإنه إذا صار الحفاة العراةُ رِعاءُ الشاءِ، وهم أهل الجهل والجفاء رءوسَ الناس وأصحابَ الثروة والأموال حتى يتطاولوا في البنيان فإنه يفسد بذلك نظام الدين والدنيا؛ فإنه إذا رأس الناسَ من كان فقيرًا عائلا فصار ملكًا على الناسِ سواء كان ملكه عامًّا أو خاصًّا في بعض الأشياء، فإنه لا يكاد يعطي الناس حقوقهم بل يستأثر عليهم بما استولى عليه من المال؛ فقد قال بعض السلف: \"لأن تمد يدَك إلى التِّنِّين فَيَقْضِمَهَا خَيْرٌ لك من أن تَمُدَّها إِلى يد غَنيٍّ قد عالج الفقر\" (^٢).\nوإذا كان مع هذا جاهلًا جافيًا فسد بذلك الدين؛ لأنه لا يكون له همة في إصلاح دين الناس ولا تعليمهم، بل همته في جباية المال واكتنازه ولا يبالي بما فسد من دين الناس، ولا بمن ضاع من أهل حاجاتهم.\nوفي حديث آخر:\n\"لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَسُودَ كُلَّ قَبِيلةٍ مُنَافقُوها\" (^٣).\nوإذا صار ملوك الناس ورءوسهم على هذه الحال انعكست سائر الأحوال فَصُدِّقَ الكاذب، وكُذِّبَ الصادق، واؤُتمِنَ الخائن، وخُوِّنَ الأَمين، وتَكَلَّم الجاهل، وسَكَتَ العَالِمُ، أو عُدِمَ بالكلية.\nكما صح عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب العلم: باب من سئل علما وهو مشتغل في حديثه فأتم الحديث ثم أجاب السائل ١/ ١٤١ - ١٤٢ بسياقه وقصته وطرفه: ٦٤٩٦.\n(^٢) هذا قول سفيان الثوري أورده أبو نعيم في الحلية ٧/ ٢٢ في ثنايا ترجمته الضافية له؛ لكن باختلاف يسير ونصه عنده: \"لأن تدخل يدك في فم التنّين خير لك من أن ترفعها إلى ذي نعمة قد عالج الفقر\".\n(^٣) أورده الهيثمي في المجمع ٧/ ٣٢٧ عن البزار والطبراني من طريقين ضعيفين عن عبد الله بن مسعود وعن أبي بكرة مرفوعا.","vol":"1","page":143},{"text":"\"إن مِن أشْراط السَّاعةِ أن يُرفعَ العِلْمُ، وَيَظْهرَ الجهلُ\" (^١).\nوأخبر أنه \"يُقْبَضُ العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوسا جُهالا فَسئِلُوا فأفتوا بِغيْر عِلْم؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا\" (^٢).\nوقال الشعبي: \"لا تقوم الساعة حتى يصير العلم جهلًا والجهل علما\".\nوهذا كله من انقلاب الحقائق في آخر الزمان وانعكاس الأمور.\n• وفي صحيح الحاكم عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: \"إنَّ مِن أَشرَاط السَّاعَةِ أنْ يُوضَعَ الأخيَارُ، ويُرفَعَ الأشْرَارُ (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-188>[التطاول في البنيان وعلام يدل؟]:</span>\nوفي قوله: \"يتطاولون في البنيان\" دليل على ذم التباهي والتفاخر خصوصًا بالتطاول في البنيان.\nولم يكن إطالة البناء معروفًا في زمن النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃ بل كان بنيانهم قصيرًا بقدر الحاجة.\n• وروى أبو الزناد عن الأَعرج عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n• \"لا تقوم السَّاعة، حتى يَتَطَاوَل الناسُ في البُنْيَانِ\".\nخرجه البخاري (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-189>[النهي عن التطاول في البنيان وذمه]:</span>\n• وخرج أبو داود من حديث أنس ﵁ أن النبي - ﷺ - خرج فرأى قُبَّةً مُشْرِفةً عالية فقال: \"ما هذه؟ \" قالوا: هذه لفلان: رجل من الأنصار فجاء صاحبها\n_________\n(^١) راجع في هذا ما أخرجه الترمذي في كتاب الفتن: باب ما جاء في أشراط الساعة ٤/ ٤٩١ من حديث أنس، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وهو حديث متفق عليه.\n(^٢) راجع ما أخرجه الترمذي في كتاب العلم: باب ما جاء في ذهاب العلم ٥/ ٣١ من حديث عبد الله بن عمرو وقال هذا حديث حسن صحيح. وهو حديث متفق عليه.\n(^٣) في المستدرك ٤/ ٥٥٤ بلفظ: \"أن ترفع الأشرار، وتوضع الأخيار\" وقد صححه الحاكم وأقره الذهبي.\n(^٤) في كتاب الفتن: باب حدثنا مسدد ١٣/ ٨١ - ٨٢ من الفتح بسياقه مطولا.","vol":"1","page":144},{"text":"فسلَّم على رسول الله - ﷺ - فأَعْرَضَ عنه، فعل ذلك مِرَارًا؛ فهدمها الرجل (^١).\n• وخرجه الطبراني من وجه آخر عن أنس أيضًا وعنده: فقال النبي - ﷺ -: \"كُلُّ بنَاءٍ - وأشارَ بيده هكذا عَلَى رأسه - أَكْثَرُ مِنْ هذَا فَهَوُ وبالٌ\" (^٢).\n• وقال حريث بن السائب عن الحسن: \"كنت أدخل بيوت أزواج النبي - ﷺ - في خلافة عثمان ﵁، فأتناول سقفَهَا بيدي\".\n* * *\nوروي عن عمر ﵁ أنه كتب: \"لا تُطيلوا بِنَاءَكم؛ فإنه شَرُّ أَيامِكُمْ\".\n• وقال يزيد ابن أبي زياد: قال حذيفة لسلمان (^٣): \"ألا نبني لك مسكنًا يا أبا عبد الله؟ قال: لِم؟ لتجعلَني مَلَكًا؟ قال: لا! ولكن نبني لك بيتًا من قصب ونسقفه بالبواري (^٤) إذا قمت كاد أن يصيب (^٥) رأسَك وإذا نمت كاد أن يمسَّ طرفيْك (^٦) قال: كأنك كنتَ في نفسى!؟ \".\n* * *\n• وعن عمار بن أبي عمار قال: \"إذا رَفَعَ الرجل بناءه فوق سبعة أذرع نودي: يا أفسق الفاسقين إلى أين؟ \".\nخرّجهُ كُلَّه ابنُ أبي الدنيا.\n_________\n(^١) سنن أبي داود في كتاب الأدب: باب ما جاء في البناء ٥/ ٤٠٢ - ٤٠٣ ح ٥٢٣٧.\n(^٢) الذي في معجم الطبراني في هذا المعنى: عن واثلة وليس عن أنس، فقد روى الطبراني في الكبير من حديث واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: \"كل بنيان وبال على صاحبه إلا ما كان هكذا - وأشار بكفه - وكل علم وبال على صاحبه يوم القيامة إلا من عمل به\".\nقال الهيثمي: وفيه هانئ بن المتوكل.\nقال ابن حبان: لا يحل الاحتجاج به بحال.\nأما ما جاء عن أنس في هذا المعنى فهو ما رواه البيهقي في الشعب أن النبي - ﷺ - قال: \"كل بناء وبال على صحابه يوم القيامة إلا مسجدًا\" وإسناده حسن.\nراجع الجامع الصغير وزيادته وجامع الأحاديث ٥/ ٧٨ والتيسير بشرح الجامع ٢/ ٢١١ - ٢١٢.\nوحديث أنس عند أبي داود في السنن ٥/ ٤٠٢ - ٤٠٣ بسياقه كاملا وفي آخره: \"أما إن كل بناء وبال على صاحبه إلا مالا إلا مالا\" قال أنس: يعني ما لابد منه.\n(^٣) أورده أبو نعيم في الحلية ١/ ٢٠٢ في ثنايا ترجمته لسلمان (١٨٥ - ٢٠٨) بنحوه مع اختلاف يسير.\n(^٤) البواري: جمع باري وبارياء وهو الحصير المنسوج.\n(^٥) م: \"يمسَّ\".\n(^٦) ب: \"طرفك\".","vol":"1","page":145},{"text":"• وقال يعقوب بن أبي شيبة في مسنده: \"بلغني عن ابن عائشة حدثنا ابن أبي شُميلة (^١) قال: \"نزل المسلمون حول المسجد يعني بالبصرة في أخبية الشعرَ ففشا فيهم السرَق؛ فكتبوا إلى عمر؛ فأذن لهما في اليراع؛ فَبَنَوْا بالقصبِ فَفَشَا فيهم الحريق، فكتبوا إلى عمر ﵁، فأذن لهم في المدر ونهى أن يرفع الرجل سَمْكهُ (^٢) أكثر من سبعة أذرع وقال: إذا بنيتم منه بيوتكم فابنوا منه المسجد\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-190>[وفي المساجد]:</span>\n• قال ابن أبي عائشة (^٣): وكان عتبة بن غَزْوان بَنَى مسجدَ البصرة بالقصب، قال [وكان يقال] \"من صلى فيه وهو من قصب أفضل ممن صلى فيه وهو من لَبنٍ، ومن صلى فيه وهو من لَبِن أفضل (^٤) ممن صلى فيه وهو من آجُرٍّ\".\n• وخَرج ابن ماجه من حديث أنس عن النبي - ﷺ -؛ قال: \"لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَبَاهَى النَّاسُ في المسَاجِدِ\" (^٥).\nومن حديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \"أراكمُ سَتُشَرِّفُون (^٦) مَساجدَكم بعدي كما شَرَّفَت اليهودُ كَنَائِسَها وكما شَرَّفَت النَّصارَى بِيعَهَا\" (^٧).\n* * *\n• وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن ﵁ قال: \"لما بنى رسولُ الله - ﷺ - مسجدَه قال: \"ابنُوهُ عريشا كعريش موسى ﵇\".\nقيل للحَسَن: وما عريشُ موسى؟ قال: إذا رَفع يدَه بلغ العريشَ، يعنى السقف (^٨).\n_________\n(^١) م: \"شميل\" أ \"سميلة\".\n(^٢) ب \"سقفه\" وفي أ: \"اسقفه\" وهو تحريف.\n(^٣) م \"ابن عائشة\" وهو خطأ.\n(^٤) ب \"خير\".\n(^٥) سنن ابن ماجه كتاب المساجد والجماعات: باب تشييد المساجد ١/ ٢٤٤ وصحيح الجامع ٧٤٢١.\n(^٦) في هـ، م: تشرفون أي ستعلونها ولفظ \"أراكم\" ليس في أ، وهو في السنن.\n(^٧) سنن ابن ماجه في الموضع المذكور وذكر صاحب الزوائد في هذا أن إسناده ضعيف لضعيف أحد رواته وهو جبارة بن المغلس، متهم بالكذب ثم قال أخرجه أبو داود بسنده عن ابن عباس مرفوعًا بغير هذا السياق.\n(^٨) أورده ابن كثير في البداية والنهاية ٣/ ٢١٥ باختلاف يسير عن البيهقي، من طريق أبي بكر بن أبي الدنيا عن الحسن بن حماد الضبي، عن عبد الرحيم بن سليمان، عن إسماعيل بن مسلم، عن الحسن، قال: لما بنى رسول الله - ﷺ - أعانه عليه أصحابه وهو معهم يتناول اللبن حتى اغبر صدره، فقال: ابنوه عريشا … الحديث. ثم قال ابن كثير: وهذا مرسل.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type='title' id=toc-191>الحديث الثالث</span>\nعن أبي عبد الرحمن: عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ قال: سمعت رسولَ الله - ﷺ - يقول:\n\"بُنِىَ الإسلامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادِةِ أن لَا إِلَهَ إِلا الله، وأَنَّ مُحَمدًا عَبْدُهُ وَرسُولُه، وإقَامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزكَاة، وَحَجّ البيتِ (^١)، وَصَوْمِ رَمَضَانَ\". رواه البخاري ومسلم (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-192>[تخريج الحديث]:</span>\n• هذا الحديث خرجاه، في الصحيحين من رواية عكرمة بن خالد عن ابن عمر ﵄.\nوخرجه مسلم من طريقين آخرين عن ابن عمر.\nوله طرق أخرى عنه.\n• وقد رُوي هذا الحديث من رواية جرير بن عبد الله البَجَلي عن النبي - ﷺ -. وخرج حديثَه الإمامُ أحمد (^٣).\nوقد سبق في الحديث الذي قبله ذكر الإسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-193>[معنى الحديث]:</span>\nوالمراد من هذا الحديث أن الإسلام مبنيٌّ على هذه الخمس؛ فهي كالأركان والدعائم لبنيانه.\n• وقد خرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة ولفظه: \"بُنِيَ الإسلامُ عَلَى خَمْس دَعَائِم\" فذكره (^٤).\n_________\n(^١) ليست في ب.\n(^٢) البخاري كتاب الإيمان: باب دعاؤكم إيمانكم ١/ ٤٩: ومسلم في كتاب الإيمان. باب بيان أركان الإسلام ١/ ٤٥ من ثلاثة طرق عَن ابن عمر، عدا طريق عكرمة بن خالد.\n(^٣) في المسند ٤/ ٣٦٣ (حلبي).\nوذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٤٧ وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الكبير والصغير وإسناد أحمد صحيح.\n(^٤) في تعظيم قدر الصلاة ١/ ٤١٩ عن حديث ابن عمر مرفوعًا وفي آخره: كذلك سمعناه من في رسول الله - ﷺ -.","vol":"1","page":147},{"text":"<span data-type='title' id=toc-194>[مقصود الحديث]:</span>\n• والمقصود تمثيل الإسلام بالبنيان، ودعائم البنيان هذه الخمس، فلا يثبت البنيان بدونها، وبقية خصال الإسلام كَتَتِمَّة البُنْيَان.\nفإذا فُقِدَ منها شيء نقص البنيان وهو قائم لا يُنْتقَضُ بنقص ذلك، بخلاف نقص هذه الدعائم الخمس، فإن الإِسلامَ يزول بفقدها جميعها بغير إشكال.\nوكذلك يزول بفقد الشهادتين.\n\n<span data-type='title' id=toc-195>[المراد بالشهادتين]:</span>\nوالمراد بالشهادتين: الإيمانُ بالله ورسوله.\nوقد جاء في رواية ذكرها البخاري تعليقا: \"بُني الإسلام على خَمْسٍ: الإِيمان بالله ورسوله\" وذكر بقية الحديث.\n• وفي روايةٍ لمسلم: \"على خمس: على أن يُوحَّد اللهُ ﷿\".\nوفي رواية له: \"على أن يُعبد الله ويُكْفَر بما دُونه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-196>[الإيمان داخل ضمن الإسلام]:</span>\nوبهذا يعلم أن الإِيمان بالله ورسوله داخل في ضمن الإسلام؛ كما سبق تقريره (^٢) في الحديث الماضي.\n\n<span data-type='title' id=toc-197>[إقام الصلاة وتركها]:</span>\n• وأما إقام الصلاة فقد وردت أحاديث متعددة تدل على أن من تركها فعد خرج من الإِسلام.\nففي صحيح مسلم عن جابر ﵁ عن النبي - ﷺ - قال:\n\"بَين الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشرك والكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ\" (^٣).\nورُوي مِثْلُه من حديث بُرَيْدَة وثوبان وأنس وغيرهم.\n* * *\n_________\n(^١) في هـ، م: \"توحيد .. تعبد .. تكفر .. \" والتصويب عن صحيح مسلم.\n(^٢) ليست في هـ، ولا في م.\n(^٣) مسلم في كتاب الإيمان: باب إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة ١/ ٨٨ من طريقين عن جابر.","vol":"1","page":148},{"text":"• وخرج محمد بن نصر المروزي من حديث عبادة بن الصامت ﵁ عن النبي - ﷺ - قال:\n\"لا تَتْرُكِ الصَّلاةَ مُتَعَمَّدًا؛ فَمَنْ تَركَها مُتَعَمِّدًا فقدْ خَرجَ مِنَ المِلَّةِ\" (^١).\nوفي حديث معاذ ﵁ عن النبي - ﷺ -: \"رَأْسُ الأمْرِ الإسلَامُ، وَعَمُودُه الصَّلَاةُ\" (^٢).\nفجعل الصلاة كعمود الفسطاط الذي لا يقوم الفسطاط، ولا يثبت إلا به، ولو سقط العمود لسقط الفسطاط، ولم يثبت بدونه.\n* * *\n• وقال عمر ﵁: \"لا حَظَّ في الإسلام لمن ترك الصلاة\".\n• وقال سعد ﵁ وعلي بن أبي طالب ﵁: \"من تركها فقد كفر\".\n• وقال عبد الله بن شقيق: \"كان أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يرون من الأعمال شيئا تركهُ كُفْرٌ إلا الصلاة\".\n• وقال أيوب السَّخْتياني (^٣): \"ترك الصلاة كفر لا يُختلَفُ فيه\".\n• وذهب إلى هذا القول جماعةٌ من السلف والخلف.\nوحكى قول ابن المبارك وأحمد وإسحق.\nوحكى إسحق إجماع أهل العلم عليه.\n• وقال محمد بن نصر المروزي: هو قول جمهور أهل الحديث (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-198>[من ترك شيئًا من أركان الإسلام]:</span>\nوذهب طائفة منهم إلى أن من ترك شيئا من أركان الإسلام الخمسة عمدًا أنه كافر بذلك.\n_________\n(^١) في الصلاة ٢/ ٨٨٩ بإسناد ضعيف لكن له شواهد يصح بها على ما ذكره محققه.\n(^٢) رواه الترمذي في جامعه كتاب الإيمان: باب ما جاء في حرمة الصلاة ٥/ ١١ - ١٢ بسياقه مطولا وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن صحيح وسيأتي الكلام عليه في موضعه من الكتاب إن شاء الله.\n(^٣) في هـ، م: \"أبو أيوب\" وهو خطأ.\n(^٤) ب: \"أهل العلم من المحدثين\".","vol":"1","page":149},{"text":"وروي دلك عن سعيد بن جبير ونافع والحكَم، وهو رواية عن الإمام أحمد، اختارها طائفة من أصحابه، وهو قول ابن حبيب من المالكية.\n\n<span data-type='title' id=toc-199>[ترك الحج]:</span>\n• وخرج الدارقطني وغيره من حديث أبي هريرة ﵁ قال:\nقيل: يا رسول الله! الحجُّ كُلّ عام؟ قَالَ: \"لو قُلتُ: نَعَم لَوَجَبَ عَلَيكُمْ، وَلَو وَجَبَ عَلَيكُم ما أَطَقْتُموه، ولو تَركْتُموهُ لكفرتُم\" (^١).\n• وخرج اللَّالَكَائي (^٢) من طريق مؤمل قال: حدثنا حماد بن زيد، عن (^٣) عمرو بن مالك النُّكْرِى، عن أبى الجوزاء (^٤) عن ابن عباس ولا أحسَبُه إلا رفعه قالَ: \"عُرَى الإسلَام وقَواعدُ الدين ثلاثةٌ: عَلَيْهن أُسِّسَ الإسْلامُ: شَهادةُ أن لا إله إلا الله والصَّلاةُ [المكتوبة] (^٥) وَصَومُ رَمَضان، مَنْ تَرك مِنْهنَّ وَاحدةً فَهو بِهَا كَافرٌ حَلَالُ الدَّم\" وَتَجده (^٦) كَثير المال لَمْ يَحُجَّ فَلَا يَزالُ بِذلك كافرًا وَلَا يَحلُّ دمُهُ وَتَجدُه كَثير المال وَلا\n_________\n(^١) يشير ابن رجب إلى إحدى روايتي الدارقطني لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - يا أيها الناس! كتب عليكم الحج. فقام رجل فقال: في كل عام يا رسول الله؟ فأعرض عنه ثم عاد فقال: في كل عام يا رسول الله؟ قال: ومن القائل؟ قالوا: فلان. قال: والذي نفسي بيده! لو قلت نعم لوجبت، ولو وجبت ما أطقتموها، ولو لم تطيقوها لكفرتم\" فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.\n[سورة المائدة] / ١٠١.\nراجع سنن الدارقطني ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢.\nوحديث أبي هريرة أخرجه مسلم في الحج: باب فرض الحج مرة في العمر ٢/ ٩٧٥ بسياقة أخرى عن أبي هريرة قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال: \"أيها الناس! قد فرض الله عليكم الحج فحجوا\" فقال رجل: أكلَّ عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله - ﷺ - \" لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم\" ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فائتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه\".\nفما ساقه ابن رجب من حديث أبي هريرة عن الدارقطني وغيره لم لكن بنص الدارقطني ولا مسلم ورواه النسائي في السنن أول كتاب الحج ٥/ ١١٠ - ١١١ بنحو ما عند مسلم وكذلك رواه أحمد في المسند ٢/ ٥٠٩ (حلبي) والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ٣٢٦ والسائل لعله هو الأقرع بن حابس كما جاء في رواية ابن عباس عند البيهقي والنسائي في الموضعين المذكورين.\n(^٢) في هـ، م: الالكائي وهو تحريف.\n(^٣) في هـ، م: \"ابن عمرو \"وهو خطأ.\n(^٤) في هـ، م: \"الجوزي\" وهو تحريف.\n(^٥) عن أبي يعلى.\n(^٦) من هنا كلام ابن عباس.","vol":"1","page":150},{"text":"يُزكِّى فَلا يَزَالُ بِذَاك كَافِرًا وَلَا يَحِلُّ دَمُه (^١).\nورواه قتيبة بن سعيد عن حماد بن زيد موقوفا مختصرًا.\nورواه سعيد بن زيد أخو حماد عن عمرو بن مالك بهذا الإسناد مرفوعًا، وقال:\n\"مَنْ تَركَ مِنْهُنَّ وَاحدِةً فَهُو بالله كَافرٌ، وَلَا يُقْبل مِنْهُ صَرفٌ ولا عَدْلٌ، وَقَدْ حَلَّ دَمُهُ وَمَالُهُ\".\nولم يَذْكر ما بَعْدَه.\nوقد روي عن عمر ﵁ ضَرْبُ الجزية على من لم يحج وقال: \"ليسوا بمسلمين\".\nوعن ابن مسعود ﵁ أن تارك الزكاة ليس بمسلم (^٢).\nوعن أحمد - رواية - أن ترك الصلاة والزكاة خاصَّةً كُفْرٌ دون الصيام والحج.\n\n<span data-type='title' id=toc-200>[المرجئة وترك الفرائض]:</span>\n• وقال ابن عيينة: المرجئة سَمَّوْا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم. وليس سواءً؛ لأن ركوب المحارم متعمدًا من غير استحلالٍ معصيةٌ، وترك الفرائض من غير جهل ولا\n_________\n(^١) هكذا توهم سياقه ابن رجب للحديث أنه حديث واحد يرويه ابن عباس عن النبي - ﷺ -.\nوالأمر ليس كذلك؛ فهما حديثان أولهما مرفوع والآخر موقوف من كلام ابن عباس من أول قوله: وتجدد كثير المال … الحديث. وقد أورده ابن رجب عن اللالكائي في أصول الاعتقاد ٤/ ٨٤٥ رواية عن مؤمل، عن حماد بن زيد، عن عمرو بن مالك النكري، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال ولا أحسبه إلا رفعه قال: عرى الإسلام.\nوقد تابع اللالكائي أبو يوسف الجيزي ورواه عنه أبو يعلى في مسنده من طريق مؤمل به عن ابن عباس قال حماد: ولا أحسبه إلا رفعه إلى النبي - ﷺ - قال: عرى الإسلام وقواعد الدين ثلاثة، عليهن أسس الإسلام: من ترك منهن واحدة فهو بها كافر حلال الدم: \"شهادة أن لا إله إلا الله، والصلاة المكتوبة، وصوم رمضان\" ثم قال ابن عباس: تجده كثير المال لا يزكي فلا يزال بذلك كافرًا ولا يحل دمه، وتجده كثير المال لم يحج فلا يزال بذكك كافرا ولا يحل دمه\".\nوهكذا يبين إنهما حديثان وليسا حديثًا واحدًا كما أوهم صنيع ابن رجب.\nكما يبين مدى الاختلاف في بعض الكلمات وفي التقديم والتأخير وهو في مسند أبي يعلى ٤/ ٢٣٦. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٤٧ - ٤٨ عن أبي يعلى بنص الرواية التي أوردها عنه وفيها التحييز بين المرفوع والموقوف وذكر أن إسناده حسن وأن الطبراني روى منهما المرفوع رلما يذكر كلام ابن عباس الموقوف. وعند أبى يعلى: \"تجده كثير المال لا يزكي فلا يزال بذلك كافرًا يحل دمه\". وربما كانت هذه الرواية هي الأصوب؛ إذ أن الحج واجب على التراخي بخلاف غيره.\n(^٢) مضى هذا وأثر عمر ص ١١٣.","vol":"1","page":151},{"text":"عذر - هو كفر -.\nوبيان ذلك في أمر إبليس وعلماء اليهود الذين أقروا ببعث النبي - ﷺ - بلسانهم ولم يعملوا بشرائعه.\n\n<span data-type='title' id=toc-201>[كفر تارك الصلاة]:</span>\nوقد استدل أحمد وإسحق على كفر تارك الصلاة بكفر إبليس بترك السجود لآدم؛ وتركُ السجود لله أعظمْ.\n• وفي صحيح مسلم (^١) عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا قرأ ابنُ آدَمَ السجْدة وسجَدَ اعْتَزل إبليسُ يَبْكى وَيَقولُ: يا ويْلي أمرَ ابنُ آدم بالسُّجود فَسجَدَ فله الجنَّةُ، وأُمرتُ بالسَّجودِ فَأبيتُ فليَ النار\".\n\n<span data-type='title' id=toc-202>[هذه الدعائم الخمس مترابطة]:</span>\n• واعلم أن هذه الدعائم الخمس بعضها مرتبط ببعض، وقد روي أنه لا يقبل بعضها بدون بعض كما في مسند الإمام أحمد عن زياد بن نعيم الحضرمي قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n\"أربعٌ فَرضَهُنَّ الله في الإسْلَام فَمن أَتى بِثَلاثٍ لَمْ يُغنينَ عنه شَيئًا حَتَّى يَأتي بِهنَّ جَميعًا: الصَّلاةُ والزَّكاةُ وَصَومُ رمضانَ وَحَجُّ البيت\" (^٢).\nوهذا مرسل.\nوقد روي عن زياد عن عُمارة بن حزم (^٣) عن النبي - ﷺ -.\n• وروي عن عثمان بن عطاء الخرساني عن أبيه عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الدينُ خمسٌ لا يقبل الله مِنهن شيئًا دون شيء: شهادة أن لا\n_________\n(^١) في كتاب الإيمان: باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة ١/ ٨٧.\n(^٢) رواه أحمد في المسند ٤/ ٢٠٠ - ٢٠١، وفيه: فمن جاء بثلاث … وصيام رمضان.\nوقد ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٤٧ الصحابي الذي أرسل عنه وهو عمارة بن حزم كما سيشير ابن رجب، وقد أورده الهيثمي عن أحمد والطبراني في الكبير وقال: في إسناده ابن لهيعة.\nوالعجب كيف يورده عن أحمد من حديث عمارة وهو فيه من حديث زياد؟\n(^٣) في م، هـ: \"عمار بن حزم\" وهو خطأ فهو عمارة بن حزم بن زيد الأنصارى الخزرجي كان من السبعين الذين بايعوا النبي - ﷺ - ليلة العقبة وشهد الشاهد مع النبي - ﷺ - وخرج مع خالد لقتال أهل الردَّة فقُتل باليمامة شهيدًا وله ترجمة في الاستيعاب ٣/ ١٤١١ والإصابة ٤/ ٢٧٥.\nوفي \"ا\": \" … عن عمارة بن حزم عن النبي - ﷺ -: \"الدين خمس … \" وفيه سقط بيّن.","vol":"1","page":152},{"text":"إلهَ إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله (^١) وإيمانٌ بالله وملائكته كتبهِ ورسله والجنة النار والحياة بعدَ الموت. هذه واحدة والصلوات (^٢) الخَمْسُ عَمُودُ الدين لا يَقبلُ الله الإيمان إلا بالصلاة والزكاةُ طَهُورٌ من الذنوب ولا يَقبلُ الله الإيمان والصَّلاةَ إلا بالزكاة [فَمنَ فَعَل هَؤلاءِ الثَّلاث ثُم جَاءَ رَمَضَانُ فتركَ صيَامَه مُتَعمدًا لَمْ يَقبل الله مِنْه الإِيمانَ وَلا الصَّلاةَ، وَلا الزَّكاة] (^٣) فَمنْ فَعَل هُؤلَاء الأَرْبَع ثمَّ تَيسَّرَ لَهُ الحَجُّ فَلَمُ يَحُجَّ، ولمْ يُوص بِحجَّتِه (^٤) ولمْ يَحجَّ عَنْه بعضُ أهله - لمْ يَقبل الله منه الأربعَ الَّتي قَبلَها\".\nذكره ابن أبي حاتم (^٥) وقال: سألت أبي عنه فقال: هذا حديث منكر؛ يحتمل أن هذا من كلام عطاء الخراساني.\nقلت: الظاهر أنه من تفسيره لحديث ابن عمر، وَعَطَاءٌ عن أجلاء (^٦) علماء الشام.\nوقال ابن مسعود ﵁: \"من لم يُزَكِّ فلا صلاة له\".\nونَفي القبول هنا لا يراد به نفيُ الصحة، ولا وجوبُ الإعادة بتركه وإنما يراد بذلك انتفاءُ الرضا به، ومدح عامله، والثناءِ بذلك عليه في الملأ الأعلى والمباهاةِ به للملائكة.\nفمن قام بهذه الأركان على وجهها حصل له القبول بهذا المعنى.\nومن قام ببعضها دون بعض لم يحصل له ذاك، وإن كان لا يعاقَب على ما أتى به منها عقوبة تاركه بل تبرأ به ذمته، وقد يثاب عليه أيضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-203>[ارتكاب محرم قد يمنع قبول طاعة]:</span>\nومن هنا يعلم أن ارتكاب بعض المحرمات التي ينتقص بها الإيمان تكون مانعة عن قبول بعض الطاعات ولو كان من بعض أركان الإسلام بهذا المعنى الذي ذكرناه كما قال النبي - ﷺ -.\n\"من شَرِب الخمر لم تُقبلْ له صَلاةٌ أَرْبَعين يومًا\" (^٧).\n_________\n(^١) م \"رسول الله\".\n(^٢) \"ا\": \"والصلاة الخمس\" وفيها خطأ بين.\n(^٣) ما بين الرقمين سقط من ب.\n(^٤)، (^٥) في العلل ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤ فيه: \"ولم يوص لحجه\" وفي ب \"بحجه\" وأورده ابن أبي حاتم مرة أخرى في العلل ٢/ ١٥٦ وفيه: \"بحجه، ولم يحجج .. \".\n(^٦) \"ب\": عن \"حلة\" وكلاهما صحيح كما في المعجم الوسيط ١/ ١٣١.\n(^٧) راجع في هذا ما أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ١٤٦ من رواية عبد الله بن عمرو وصححه وأقره الذهبي. وانظر ما أخرجه المنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ١٨٨. =","vol":"1","page":153},{"text":"وقال: \"مَنْ أَتَى عَرافًا فَصَدَّقَهُ بمَا يَقُولُ لم تُقْبَل له صَلاةٌ أَرَبَعِينَ يومًا\" (^١).\nوقال: \"أَيُّما عَبدٍ أبَقَ من مَواليِه لَمْ تُقْبلُ له صَلَاةٌ\" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-204>[بطلان القول بزوال الإيمان لزوال بعض أعماله]:</span>\nوحديث ابن عمر يستدل به على أن الاسم إذا شمل أشياء متعددة لم يلزم (^٣) زوال الاسم بزوال بعضها؛ فيبطل بذلك قول من قال: إن الإيمان لو دخلت فيه الأعمال للزم أن يزول بزوال عمل مما دخل في مسماه، فإن النبي - ﷺ - جعل هذه الخمس: دعائم الإسلام ومبانيه، وفسر بها الإسلام في حديث جبريل، وفي حديث طلحة بن عبيد الله الذي فيه أن أعرابيًّا سأل النبي - ﷺ - عن الإسلام ففسره له بهذه الخمس.\n\n<span data-type='title' id=toc-205>[والمخالفون لهم يقولون]:</span>\nومع هذا فالمخالفون في الإيمان يقولون: لو زال من الإسلام خصلة واحدة أو أربع خصال سوى الشهادتين - لم يخرج بذلك من الإسلام.\nوقد روى بعضهم أن جبرئيل سأل النبي - ﷺ - عن شرائع الإسلام لا عن الإسلام. وهذه اللفظة لم تصح عند أئمة الحديث ونقاده، منهم: أبو زرعة الرازي، ومسلم بن الحجاج، وأبو جعفر العُقَيْلِى وغيرهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-206>[ودليل آخر]:</span>\nوقد ضرب العلماء مَثَل الإيمان بمثل شجرة لها أصل وفروع وشُعَبٌ، فاسم الشجرة يشتمل على ذلك كله، ولو زال شيء من شعبها وفروعها لم يزل عنها اسم الشجرة، وإنما يقال هي شجرة ناقصة، أو غيرها أتم منها!؟.\nوقد ضرب الله مثل الإيمان بذلك في قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (^٤)\n_________\n= وما رواه الترمذي بإسناد حسن ٤/ ٢٩٠ وما رواه النسائي ٨/ ٣١٦ - ٣١٧ من حديث عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو في ذلك وأحمد في المسند من حديثيهما كذلك ٢/ ١٧٦، ١٨٩ (حلبي).\n(^١) راجع في هذا ما أخرجه مسلم في كتاب السلام: باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان ٤/ ١٧٥١.\n(^٢) أخرج مسلم في كتاب إلإيمان: باب تسمية العبد الآبق كافرًا ١/ ٨٣ من حديث جرير بن عبد الله مرفوعًا: \"إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة\".\n(^٣) في م، هـ: \"لم يزل\" وحمر تحريف.\n(^٤) سورة إبراهيم: ٢٤.","vol":"1","page":154},{"text":"والمراد بالكلمة: كلمة التوحيد، وبأصلها: التوحيدُ الثابت في القلوب، وأُكُلُها: هو الأعمال الصالحة الناشئة منه.\nوضرب النبي - ﷺ - مثل المؤمن والمسلم بالنخلة، ولو زال شيء من فروع النخلة ومن ثمرها لم يَزُل بذلك عنها اسم النخلة بالكلية، وإن كانت ناقصة الفروع أو الثمر (^١).\nولم يذكر الجهاد في حديث ابن عمر هذا مع أن الجهاد أفضل الأعمال.\n\n<span data-type='title' id=toc-207>[لماذا لم يذكر الجهاد]:</span>\nوفي رواية أن ابن عمر ﵄ قيلَ له: فالجهادُ؟ قال: الجهادُ حسنٌ ولكن هَكَذا حدثنا رسولُ الله - ﷺ -.\nخرجه الإمام أحمد (^٢).\n* * *\n• وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ أن رأْسَ الأمرِ الإِسْلامُ، وعَمُودَهُ الصلاةُ، وذِرْوةَ سَنامه الجهادُ (^٣).\nوذروة سَنامه: أعلى شيء فيه، ولكنه ليس من دعائمه وأركانه التي بني عليها وذلك لوجهين:\nأحدهما: أن الجهاد فرض كفاية عند جمهور العلماء، ليس بفرض عين بخلاف هذه الأركان.\nوالثاني: أن الجهاد لا يستمر فعله إلى آخر الدهر بل إذا نزل عيسى ﵇، ولم يبق حينئذ مِلَّةٌ غير (^٤) مِلَّة الإسلام - فحينئذ تضع الحرب أوزارها ويُسْتَغْنى عن الجهاد. بخلاف هذه الأركان فإنها واجبة على المؤمنين إلى أن يأتي أمر الله وهم على ذلك. والله ﷾ أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) راجع في هذا ما أخرجه البخاري في كتاب العلم: باب قول المحدث: \"حدثنا\" أو \"أخبرنا\" أو \"أنبأنا\" ١/ ٤٤٥ ح ٦١ وأطرافه في ٦٢، ٧٢، ١٢١، ٢٢٠٩. ٤٦٩٨، ٥٤٤٤، ٦١٧٢، ٦١٤٤ ومسلم في كتاب صفات المنافقين: باب مثل المؤمن مثل النخلة ٤/ ٢١٦٤ - ٢١٦٦ من وجوه عديدة، كلاهما من حديث ابن عمر.\nوانظر الأمثال للرامهرمزى ٩٩ - ١١٠ وتخريج أحاديث هذا المثل بهامشه.\n(^٢) راجع ما أخرجه أحمد في المسند ٩/ ١٣٣ (معارف) وانظر هامشه.\n(^٣) راجع ما مضى ص: ١٤٩.\n(^٤) م: \"إلا\".","vol":"1","page":155},{"text":"<span data-type='title' id=toc-208>الحديث الرابع</span>\nعن أبي عبد الرحمن: عبد الله بن مسعود رضي الله (تعالى) عنه قال: حدثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق قال:\n\"إن أَحدكم يُجْمَعُ خَلقُه في بَطْن أُمِّهِ أربعينَ يومًا نُطْفَةً، ثَم يَكُونُ علَقةً مِثْلَ ذلك، ثم يكونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذلك، ثم يُرسِلُ الله إليه الملَكَ (^١)، فَيَنْفُخُ فيه الرّوح وَيؤمر بِأرْبعِ كَلِمَات: بكتْب رِزقِه وعمَله وأجَلِه وشَقيٌّ أو سعيدٌ؛ فوالله الذي لا إله غيْره (^٢): إِن أحَدَكم ليعملُ بِعمل أَهل الجنة حتى ما يكون بينَه وَبَينَها إلا ذرَاعٌ، فَيسْبقُ عليهِ الكتابُ فيعملُ بِعَمَل أَهل النار فيدْخُلُها؛ وإن أَحَدَكمْ لَيَعْمَلُ بَعَمل أهل النَّار، حتَّى ما يكُون بَينَهُ وَبَينَها إلا ذِراعٌ؛ فَيَسْبقُ عليهِ الكتابُ، فَيَعْملُ بِعملِ أهلِ الجنةِ فيدخلُها\". رواه البخاري ومسلم (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-209>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث متفق على صحته، وتلقته الأمة بالقبول.\nرواه الأعمش، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعود، ومن طريقه خرجه الشيخان في صحيحيهما، وقد روي عن محمد بن يزيد الأَسْفاطي (^٤) قال: رأيت النبي - ﷺ - فيما يرى النائم فقلت: يا رسول الله! حديث ابن مسعود الذي حدث عنك، فقال: حدثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق؟ فقال - ﷺ -: والذي لا إله إلا هو حَدَّثْته به أنا\" يقولهُ ثلاثًا ثم قال: غَفَرَ الله للأعمش كَما حدَّثَ بِهِ وَغَفَرَ الله لِمنْ حَدَّثَ بِه قَبْلَ الأَعمشِ وَلِمنْ حدَّثَ بِهِ بَعْدَهُ\".\nوقد رُوِيَ عن ابن مسعود من وجوه أخر.\n\n<span data-type='title' id=toc-210>[شرح الجملة الأولى في الحديث]:</span>\nفقوله - ﷺ -: \"إن أَحَدكُم يُجمَع خَلْقُه في بطن أمِّه أربعينَ يومًا نطفة\".\n_________\n(^١) م: \"ثم يرسل إليه الملك\".\n(^٢) \"ا\": \"فوالذي\".\n(^٣) أخرجه البخاري في أول كتاب القدر ١١/ ٤٧٧ ح ٦٥٩٤ وأطرافه: ٣٢٠٨، ٣٣٣٢، ٧٤٥٤ ومسلم في أول كتاب القدر أيضًا ٤/ ٢٠٣٦.\n(^٤) في م، ص: \"محمد بن زيد\": وفي م \"الأسقاطي\" وهذا خطأ فهو محمد بن يزيد بن عبد الملك الأسفاطي روى عن أبي داود الطيالسي ويزيد بن هارون، وروى عنه أبو داود، وابن ماجه قال أبو حاتم، صدوق، وذكره ابن حبان في الثقات وهو مترجم في التهذيب ٩/ ٥٢٥.","vol":"1","page":157},{"text":"قد روي تفسيره عن ابن مسعود، روى الأعمش عن خيثمة، عن ابن مسعود ﵁ قال: \"إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل شَعَرِهِ وَظُفُرهِ فتمكث أربعين يومًا ثم تنحدر في الرحم فتكون علقة قال: فذلك جمعها\".\nخرجه ابن أبي حاتم وغيره.\n* * *\nوروي تفسير الجمع مرفوعًا بمعنى آخر، فخرج الطبراني وابن منده في كتاب التوحيد من حديث مالك بن الحويرث أن النبي - ﷺ - قال:\n\"إن الله تَعَالَى إذا أَرَادَ خلق عَبدٍ فَجَامَعَ الرَّجلُ المرْأةَ طَارَ ماؤه في كُلِّ عرق وَعُضْو منْهَا، فَإذَا كَانَ يَوَمُ السَّابِع جَمعَهُ الله تَعَالَى ثُمَّ أُحضَرَه في كلِّ عرق لَهُ دَونَ آدم ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ \" (^١).\nفقال ابن منده: إسناده متصل مشهور على رسم أبي عيسى والنسائي وغيرهما (^٢).\n* * *\nوخرج ابن جرير وابن أبي حاتم والطبراني من رواية مطهر بن الهيثم عن موسى بن علي بن رياح عن أبيه عن جده أن النبي - ﷺ - قال لجدِّه يَا فُلان! ما وُلد لك؟ قال يا رسُول الله! ومَا عسى أن يُولَدَ لي إِما غُلامٌ وإِمَّا جاريةٌ؟ قال فَمَنَ يُشْبه؟ قال مَنْ عَسَى أَن يُشْبِهِ؟ يُشْبه أُمَّه أوْ أَبَاهُ؟ قال: فقال النبي - ﷺ -:\n\"لا تَقُولَنَّ كَذَا (^٣) إن النُّطفةَ إذا استْقَرَّتْ في الرَّحم أَحْضَرَهَا الله كلّ نَسَبِ بَيْنَها وَبَيْنَ آدَمَ، أمَا قَرَأْت هذه الآية:\n﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (^٤) قال: \"شَكَّلَكَ\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة الانفطار: ٨.\n(^٢) في و: \"رأي\" والحديث عند الطبراني في الكبير ١٩/ ٢٩٠ ح ٦٤٤ بنحوه، وفي الصغير، ١/ ٧٠ - ٧١ ح ١٠٠ وأورده الهيثمي في المجمع ٧/ ١٣٤ عن الطبراني في الثلاثة وقال: رجاله ثقات.\n(^٣) م: \"لا يقولن أحدكم كذا\".\n(^٤) سورة الانفطار: ٨.\n(^٥) في م، هـ، ن، ب: \"سلكك\". والحديث أخرجه ابن كثير في التفسير ٤/ ٤٨١ عن أبي حاتم والطبراني وعقب عليه بقوله: وهذا الحديث لو صح لكان فيصلا في هذه الآية ولكن إسناده ليس بالثالث؛ لأن مطهر بن الهيثم قال فيه أبو سعيد بن يونس: كان متروك الحديث .. إلخ. وعند ابن كثير في آخر الحديث: \"شكلك\".","vol":"1","page":158},{"text":"وهذا إسنادٌ ضعيف؛ ومطهر بن الهيثم ضعيف جدًّا (^١)، وقال البخاري: وهو حديث لم يصح وذكر بإسناده عن موسى بن علي عن أبيه أن أباه لم يسلم إلا في عهد أبي بكر الصديق ﵁.\nيعني أنه لا صحبة له (^٢).\nويشهد لهذا المعنى قول النبي - ﷺ - للذي قال له: ولدت امرأتي غلاما أسود قال: \"لعلَّه نَزَعَهُ عِرْقٌ\" (^٣)\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-211>[شرح الجمل التالية]:</span>\n• وقوله: \"ثم يكون عَلقة مثل ذلك\" يعني أربعين يومًا.\nوالعلقة قطعة من دم.\n\"ثم يكون مُضْغَةً مِثْلَ ذلك\" يعني أربعين يومًا والمضغة قطعة من لحم.\n\"ثم يُرْسِلُ الله إليه الملَك فينفُخ فيه الرُّوحَ ويُؤمَر بأربع كلمات بكَتْب رزْقِه وعَمَلِهِ وأَجَلِه وشَقيٌّ أو سعيد\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-212>[دلالة الحديث]</span>\nفهذا الحديث يدل على أنه يتقلب في مائة وعشرين يومًا في ثلاثة أطوار، في كل\n_________\n(^١) ترجم له ابن حبان في المجروحين لوحة ٤٤٨، ٤٤٩، وذكر أنه منكر الحديث، يأتي عن موسى بن علي بما لا يتابعَ عليه، وعن غيره من الثقات بما لا يشبه حديث الأثبات، راجع أيضًا ما أورده الذهبي عنه في ميزان الاعتدال ٤/ ١٢٩، وابن حجر في تهذيب التهذيب ١٠/ ١٨٠.\n(^٢) راجع ما أورده ابن حجر عن هذا في الإصابة ٢/ ١٩٢ - ١٩٣.\n(^٣) تبع ابن رجب في هذا ما ذكره ابن كثير في التفسير ٤/ ٤٨٢ تعقيبا على رواية مطهر بن الهيثم فقد قال: لكن في الصحيحين عن أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن امرأتي ولدت غلاما أسود؟ قال: \"هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: فهل فيها من أورق؟ قال: نعم قال: فأنى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق\" فهذا شاهد من الصحيح لرواية مطهر بن الهيثم.\nوالحديث عند البخاري في كتاب الطلاق: باب إذا عرض بنفي الولد ٩/ ٤٤٢ ح ٥٣٠٥ وطرفاه في: ٦٨٤٧، ٧٣١٤. وعند مسلم في: كتاب اللعان: ٢/ ١١٣٧ - ١١٣٨، ح ١٥٠ من طرق ووجوه عديدة.","vol":"1","page":159},{"text":"أربعين (^١) يومًا منها يكون في طَورٍ، فيكون في الأربعين الأولى نطفة، ثم في الأربعين الثانية علقة، ثم في الأربعين الثالثة مضغة، ثم بعد المائة والعشرين يوما ينفخ الملك فيه الروح، ويكتب له هذه الأربع كلمات (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-213>[القرآن وأطوار الخلق]:</span>\n• وقد ذكر الله تعالى في القرآن في مواضع كثيرة تَقَلُّبَ الجنين في هذه الأطوار، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (^٣).\nوذكر هذه الأطوار الثلاثة: النطفة والعلقة والمضغة في مواضع متعددة في القرآن.\n• وفي موضع آخَرَ ذَكر زيادة عليها فقال في سورة المؤمنون: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ (^٤) فهذه سبع تارات ذكرها الله في هذه الآية لخلق ابن آدم قبل نفخ الروح فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-214>[الآثار فذلك]:</span>\n• وكان ابن عباس ﵄ يقول: خلق ابن آدم من سبع ثم يتلو هذه الآية.\nوسئل عن العزل فقرأ هذه الآية ثم قال: \"فهل يُخلَّق أحد حتى تجري فيه هذه الصفة\"؟.\nوفي رواية عنه قال: \"فهل تموت نفس حتى تَمُرَّ على هذا الخلق؟ \".\n* * *\n• وروي عن رفاعة بن رافع قال: جلس إلى عمر علي والزبير وسعد ونفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - فتذاكروا العزل فقالوا: لا بأس به. فقال رجل: \"إنهم يزعمون أنها الموءودة الصغرى\"؟ فقال علي ﵁: \"لا تكون مَوْءُودَةً حتى\n_________\n(^١) ليست في ب: ولا في \"ا\".\n(^٢) هكذا في الأصول. ولعله يقصد: \"الأربع الكلمات\" وفي ا: الأربعة كلمات.\n(^٣) سورة الحج: ٥.\n(^٤) سورة المؤمنون: ١٢ - ١٤ وراجع فيما روي عن ابن عباس مصنف عبد الرزاق ٧/ ١٤٥.","vol":"1","page":160},{"text":"تَمرَّ على التَّاراتِ السَّبع: تكون سلالة من طين، ثم تكون نطفة، ثم تكون علقة، ثم تكون مُضْغَةً، ثم تكون عظامًا، ثم تكون لحما، ثم تكون خلقًا آخر؟ فقال عمر ﵁: \"صدقت أطال الله بقاءك\" (^١). رواه الدارقطني في المؤتلف والمختلف (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-215>[إسقاط الجنين]:</span>\n• وقد رخص طائفة من الفقهاء للمرأة في إسقاط ما في بطنها ما لم ينفخ فيه الروح وجعلوه كالعزل. وهو قول ضعيف؛ لأن الجنين وَلَدٌ انعقد، وربما تصور، وفي العزل لم يوجد ولد بالكلية، وإنما تسبب إلى منع انعقاده، وقد لا يمتنع انعقاده بالعزل إذا أراد الله انعقاده وخلقه كما قال النبي - ﷺ - لما سئل عن العزل: \"لا عَلَيْكُمْ أَن لا تَعْزِلُوا إنه ليس مِنْ نَفْس مَنْفُوسةٍ إِلا الله خالِقُها (^٣) \".\n* * *\nوقد صرح أصحابنا بأنه إذا صار الولد علَقَةً لم يَجُزْ للمرأة إسقاطُه؛ لأنه ولد انعقد بخلاف النطفة فإنها لم تنعقد بعد، وقد لا تنعقد ولدًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-216>[ذكر العظام في بعض الروايات]:</span>\n• وقد ورد في بعض الروايات في (^٤) حديث ابن مسعود ﵁ ذكر العظام وأنه يكون عظما أربعين يومًا، فخرَّج الإمام أحمد رواية علي بن زيد \"سمعت أبا عبيدة يُحدِّث قال: قال عبد اللّه: قال رسول الله - ﷺ -:\n\"إن النُّطفة تكونُ في الرَّحمِ أَربَعينَ يَوْمًا علَى حالها لا تُغيَّرُ فَإِذا مَضَت الأرْبعونَ صَارتْ عَلَقَةً ثُمَّ مُضْغةً كَذَلك ثُمَّ عِظَامًا كَذَلِكَ فإِذَا أراد الله تَعَالَى أن يُسَوِّي خَلْقَهُ بَعَثَ الله إليها مَلَكًا\".\nوذكر بقية الحديث (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٢٣٠، والإحياء للغزالى ٢/ ٥٤، وزاد المعاد ٥/ ١٤٥.\n(^٢) ٢/ ٧٨٨.\n(^٣) متفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري.\n(^٤) سقطت من \"ا\".\n(^٥) الحديث في مسند أحمد ٥/ ١٨٧ (المعارف) بإسناد ضعيف على ما ذكر الشيخ أحمد شاكر.\nيضاف إلى هذا أن هذه الرواية منقطعة فأبو عبيدة - أحد الرواة فيها - هو ابن عبد الله بن مسعود ولم يسمع من أبيه شيئًا كما في التهذيب ٥/ ٧٥. ولكن أحمد لم يقتصر على هذه الرواية في المسند وإنما روى من طريق صحيح الرواية التي أوردها ابن رجب هنا عن الصحيحين رواها في موضعين ٦/ ١٦ - ١٧ و٦/ ٧١ - ٧٢ وصنيع ابن رجب يوهم أن أحمد لم يرو إلا تلك الرواية الضعيفة.","vol":"1","page":161},{"text":"• ويروى من حديث عاصم، عن أبي وائل، عن ابن مسعود ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"إِن النُّطفةَ إذا اسْتَقرتْ في الرَّحم تَكُون أَربعينَ ليلةً نُطْفَةً، ثُمَّ تَكُون عَلقةً أَرْبعينَ ليلة، ثُم تكُونُ عِظَامًا أَرْبَعينَ لَيْلةً، ثمَّ يَكْسُو الله الْعِظَامَ لحمًا\".\n* * *\n• ورواية الإمام أحمد تدل على أن الجنين لا يُكْسَى اللَّحْمَ إلا بعد مائة وستين يومًا.\nوهذا غلط بلا ريب فيه؛ فإنه بعد مائة وعشرين يومًا ينفخ فيه الروح بلا ريب كما سيأتي ذكره.\nوعلي بن زيد هو ابن جُدْعَان؛ لا يُحْتَجُّ به (^١).\nوقد ورد في حديث حذيفة بن أَسِيد ما يدل على خلق اللحم والعظام في أول الأربعين الثانية، ففي صحيح مسلم عن حذيفة بن أسيد عن النبي - ﷺ - قال: \"إِذا مَرَّ بالنُّطَفة اثْنَتَان (^٢) وأربَعُونَ لَيلةً بَعَث الله إليها مَلَكًا فَصَوَّرَها وَخَلقَ سَمْعَها وبَصَرها وجِلْدَهَا ولحمَها وَعِظَامَها، ثمَّ قَالَ: يَا رب! أَذكرٌ أم أنثى؟ فيَقضي رَبُّك ما شاءَ وَيكْتُبُ الملَكُ ثم يَقُولُ: يَارب! أجَلهُ؟ فيقول رَبُّك مَا شاءَ، وَيكْتبُ الملكَ ثُمَّ يَقُول: يا ربّ! رِزْقُه فَيَقْضِي رَبُّكَ مَا شَاء وَيكتبُ الملَكُ ثُمْ يَخْرجُ الْملَكُ بالصَّحيفَةِ في يده فلا يزيدُ عَلى ما أُمر ولا ينقُصُ (^٣).\nفظاهر هذا الحديث يدل على أن تصوير الجنين وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظامه - يكون في أول الأربعين الثانية فيلزم من ذلك أن يكون في الأربعين الثانية لحما وَعظامًا\" (^٤).\n* * *\nوقد تأول بعضهم ذلك على أن الملَكَ يُقَسِّمُ النطفة إذا صارت علَقة إلى أجزاء\n_________\n(^١) ورواه الطبراني في المعجم الصغير رقم ٤٣٤ بسياقه كاملًا من حديث الهيثم بن الجهم، عن عاصم - به.\nثم قال: لم يروه عن عاصم إلا الهيثم بن الجهم ولا عنه إلا أبو حذيفة تفرد به الحسن بن عرفة، وانظر مجمع الزوائد ٧/ ١٩٢ - ١٩٣. وتعليق الهيثمي على ما أورده عن أحمد والطبراني.\n(^٢) في مسلم: \"ثنتان\".\n(^٣) صحيح مسلم. كتاب القدر: باب كيفية الخلق الآدمي ٤/ ٢٠٣٧. من حديث حذيفة لا من حديث ابن مسعود كما قد يتوهم.\n(^٤) ب: \"وعظما\".","vol":"1","page":162},{"text":"فيجعل بعضها للجلد، وبعضها للحم، وبعضها للعظام، فيقدر ذلك كله قبل وجوده.\nوهذا خلاف ظاهر الحديث، بل الظاهر أنه يصورها، ويخلق هذه الأجزاء كلها.\nوقد يكون خلق ذلك بتصويره وتقسيمه قبل وجود اللحم والعظام، وقد يكون هذا في بعض الأجنة دون بعض.\nوحديث مالك بن الحويرث المتقدم يدل على أن التصوير يكون للنطفة أيضًا في اليوم السابع؛ وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ﴾ (^١) وفسر طائفة من السلف أمشاج النطفة بالعروق التي فيها.\nقال ابن مسعود ﵁ أمشاجها: عروقها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-217>[التفسير الطبي لتكوُّن الجنين]:</span>\n• وقد ذكر علماء أهل الطب ما يوافق ذلك وقالوا: إن المنيَّ إذا وقع في الرحم حصل له زَبدِيّة أو رغوة ستة أيام أو سبعة وفي هذه الأيام تصور النطفة من غير استمداد من الرحم ثم بعد ذلك تستمد منه، وابتداء الخطوط والنقط بعد هذا بثلاثة أيام، وقد يتقدم يوما، ويتأخر يوما، ثم بعد ستة أيام وهو الخامس عشر من وقت العلوق يَنْفُذُ الدم إلى الجميع فيصير عَلَقَةً ثم تتميز الأعضاء تميزًا ظاهرًا، ويتنحى بَعْضُهَا عن مُمَاسَّةِ بَعض وَتمْتدُ لرُطوبَة النُّخاع، ثم بعد تسعة أيام ينفصل الرأس عن المنكبين، والأطرافُ عن الأصابع، تميزًا يستَبين (^٣) في بعض ويخفى في بعض.\nقالوا: وأقلُّ مدَّة يتصور الذكر فيها ثلاثون يومًا. والزمان المعتدل في تصور الجنين خمسة وثلاثون يومًا وقد يتصور في خمسة وأربعين يوما.\nقالوا: ولم يوجد في الأسقاط ذكر تم قبل ثلاثين يومًا ولا أنثى قبل أربعين (^٤) يوما.\nفهذا يوافق ما دل عليه حديث حذيفَةَ بْنُ أَسِيدِ في التخليق في الأربعين الثانية ومصيره لحما فيها أيضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-218>[الروايات المختلفة في التخليق والتصوير]:</span>\n• وقد حمل (^٥) بعضهم حديث ابن مسعود على أن الجنين يغلب عليه في الأربعين\n_________\n(^١) سورة الإنسان: ٢.\n(^٢) الدر المنثور ٨/ ٣٦٧.\n(^٣) ب: \"يتبين\".\n(^٤) في م، هـ: \"ولم يوجد في الإسقاط ذكر، ثم قيل ثلاثين يوما ولا لأنثى .. \" وفيهما تحريف يحيل المعنى.\n(^٥) في هـ، م: \"جعل\".","vol":"1","page":163},{"text":"الأولى وصف المني، وفي الأربعين الثانية وصف العلقة، وفي الأربعين الثالثة، وصف المضغة وإن كانت خِلْقتُهُ قد تمت وتم تصويره.\nوليس في حديث ابن مسعود ذكر وقت تصوير الجنين.\nوقد روي عن ابن مسعود نفسه ما يدل على أن تصويره قد يقع قبل الأربعين الثالثة أيضًا.\nفروى الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود ﵃ قال: النطفة إذا استقرت في الرحم جاءها ملَكٌ فأخذها بكفه فقال: أي رب مُخَلّقة أم غير مخلقة؟ فإن قيل غير مخلقة لم تكن نسمة، وقذفتها الأرحام دمًا، وإن قيل مخلقة قال: أي رب ذكر أم أنثى؟ شقي أم سعيد؟ ما الأجل وما الأثر وبأي أرض تموت؟ قال: فيقال للنطفة: من ربك؟ فتقول: الله، فيقال: من رازقك؟ فتقول: الله فيقال: اذهب إلى الكتاب، فإنك ستجد فيه قصة هذه النطفة: قال فتخلّق، فتعيش في أجلها، وتأكل رزقها، وتطأ في أثرها حتى إذا جاء أجلها ماتت؛ فدفنت في ذلك، ثم تلا الشعبي هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ (^١) الآية فإذا بلغت مضغة نكست في الخلق الرابع فكانت نَسَمَة، فإن كانت غير مخلّقة قذفتها الأرحام دما، وإن كانت مُخَلَّقَة نُكِسَتْ نَسَمَةً.\nخرجه ابن أبي حاتم وغيره (^٢).\n* * *\n• وقد روي من وجه آخر عن ابن مسعود ﵁ أن لا تصوير قبل ثمانين يومًا. فروى السُّدِّي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس ﵄، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي - ﷺ - في قوله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (^٣) قال: \"إذا وقعت النطفة في الأرحام طارت في الجسد أربعين يوما، ثم تكون عَلَقةً أربعين يومًا، ثم تكون مُضْغَةً أربعين يَوْمًا فإذا بلغ أن تُخَلَّق بعث الله تعالى مَلَكا يُصوِّرُهَا فيأتي الملَكُ بُتَرابٍ بين\n_________\n(^١) سورة الحج: ٥.\n(^٢) أورده ابن كثير في التفسير ٣/ ٢٠٧ عن أبي حاتم والطبري.\n(^٣) سورة آل عمران: ٦.","vol":"1","page":164},{"text":"أصبعيه فيخلطه في المضغَة ثم يعجنه بها ثم يُصَوِّرها كما يؤمر، فيقول: أذكر أم أنثى؟ أشقي أو سعيد؟ وما رزقه؟ وما عمره؟ وما أثره وما مصائبه؟ فيقول الله ﵎ ويكتب الملك، فإذا مات ذلك الجسد دُفن حيث أُخذ ذلك الترابُ\".\nخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (^١) ولكن السُّدِّي مُختلَف في أمره، وكان الإمام أحمد ينكر عليه جمعه الأسانيد المتعددة للتفسير الواحد، كما كان هو وغيره ينكرون على الواقدي جمعه الأسانيد المتعددة للحديث الواحد (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-219>[من أخذ بظاهر هذا هن الفقهاء]:</span>\n• وقد أخذ طوائف من الفقهاء بظاهر هذه الرواية وتأولوا حديث ابن مسعود المرفوع عليها وقالوا: أقل ما يتبين فيه خلق الولد أحد وثمانون يومًا؛ لأنه لا يكون مضغة إلا في الأربعين الثالثة، ولا يتخلق (^٣) قبل أن يكون مضغة.\n• وقال أصحابنا وأصحاب الشافعي - بناء على هذا الأصل -: إنه لا تنقضي العدة ولا تعتق أم الولد إلا بالمضغة المخلَّقة، وأقل ما يمكن أن تتخلق أو تتصور في أحد وثمانين يومًا.\n• وقال أحمد ﵀ في العلقة: هي دم؛ لا يستبين فيها الخلق.\n\n<span data-type='title' id=toc-220>[تفريعات وتطبيقات في العدة]:</span>\nفإن كانت المضغة غيرَ مُخلَّقة فهل تنقضي بها العدة، وتصير أم الولد بها مستولدة؟\nعلى قولين هما روايتان عن أحمد.\nوإن لم يظهر فيها التخطيط (^٤) ولكن كان خفيًّا لا يعرفه إلا أهل الخبرة من النساء فشهدن (^٥) بذلك قبلت شهادتهن.\nولا فرق بين أن يكون بعد تمام أربعة أشهر، أو قبلها عند أكثر العلماء.\nونص على ذلك الإمام أحمد في رواية خلق من أصحابه.\nونقل عنه ابنه صالح في الطفل يتبين خلقه في الأربعة.\n_________\n(^١) تفسير الطبري ٦/ ١٦٧ - ١٦٨ (المعارف) وتفسير ابن كثير ٣/ ٢٤١ والدر المنثور ٣/ ٤.\n(^٢) راجع ما أورده الأستاذان أحمد شاكر ومحمود شاكر بشأن المسألة في تعليقهما على تفسير الطبري ١/ ١٥٦ - ١٦٠ فقد بحثا الموضوع بحثًا دقيقا مستفيضا.\n(^٣) م: \"يتخلق ويتصور\".\n(^٤) ب: \"التخليط\".\n(^٥) في م: \"فتشهدن\" وهو تحريف.","vol":"1","page":165},{"text":"قال الشعبي: إذا نكس في الخلق الرابع [و] كان مخلقًا انقضت به العدة (^١) وعتقت به الأمة إذا كان لأربعة أشهر وكذا نقل عنه حنبل: إذا أسقطت أم الولد فإن كان خِلْقَةً تامة عتقت وانقضت به العدة، وإذا دخل في الخلق الرابع في أربعة أشهر ينفخ فيه الروح. وهذا يخالف رواية الجماعة عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-221>[وفي العتق]:</span>\nوقد قال أحمد في رواية عنه: إذا تبين خلقه ليس فيه اختلاف؛ أنها تعتق بذلك إذا كانت أمة.\nونقل عنه جماعة أيضًا في العلقة إذا تبين أنها ولد: أن الأمة (^٢) تعتق بها وهو قول النخَعي، وحُكِي قولا للشافعي.\nومن أصحابنا من طرَّد هذه الرواية عن أحمد في انقضاء العدة به أيضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-222>[متى يتم التخليق؟]:</span>\nوهذا كله مبنيّ على أنه يمكن التخليق في العلقة كما قد يستدل على ذلك بحديث حذيفة بن أَسِيد المتقدم (^٣) إلا أن يُقال: إن حديث حذيفة إنما يدل على أنه يتخلق إذا صار لحما وعظمًا وأن ذلك قد يقع في الأربعين الثانية لا في حال كونه علقة. وفي ذلك نظر (^٤) والله أعلم.\nوما ذكره الأطباء يدل على أن العلقة تتخلق وتتخطط وكذلك القوابل من النسوة يشهدن بذلك.\nوحديث مالك بن الحويرث يشهد بالتصوير في حال كون الجنين نطفة أيضًا والله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-223>[حديث ابن مسعود ورواياته والتوفيق بينها]:</span>\nوبقي (^٥) في حديث ابن مسعود أن بعد مصيره مضغة أنه يبعث إليه الملك فيكتب الكلمات الأربع، وينفخ (^٦) فيه الروح، وذلك كله بعد مائة وعشرين يوما.\n_________\n(^١) ب: \"الرابع كان مخلقا … خلقة تامة العدة إذا\".\n(^٢) ليست في ب.\n(^٣) سقطت من م. وحديث حذيفة بن أسيد تقدم ص ١٦٢.\n(^٤) هذه الجملة ليست في ب.\n(^٥) في م: \"وما بقى\".\n(^٦) ب: \"وتنفخ\".","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type='title' id=toc-224>[بين الكتابة ونفخ الروح]:</span>\n• واختلفت ألفاظ روايات هذا الحديث في ترتيب (^١) الكتابة والنفخ؛ ففي رواية البخاري في صحيحه: ويُبعَثُ إليه الملَكُ فَيُؤمَرُ بأربع كلماتٍ ثم يُنفَخ فيه الروح (^٢). ففي هذه الرواية تصريح بتأخير نفخ الروح عن الكتابة.\n* * *\n• وفي رواية خرجها البيهقي في كتاب القدر: ثُم يُبْعثُ الملَكُ فينفخ فيه الروح ثم يؤمر بأربع كلمات (^٣).\nوهذه الرواية تصرح بتقديم النفخ على الكتابة: فإما أن يكون هذا من تصرف الرواة برواياتهم بالمعنى الذي يفهمونه، وإما أن يكون المراد ترتيب الأخبار فقط لا ترتيب ما أخبر به.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-225>[متى تنفخ الروح؟]:</span>\nوبكل حال فحديث ابن مسعود ﵁ يدل على تَأَخُّر نفخ الروح في الجنين، وكتابة الملَك لأمره إلى بعد أربعة أشهر حتى تتم الأربعون الثالثة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-226>[ما روي عن الصحابة في نفخ الروح وكتابة الملَك]:</span>\n• فأما نفخ الروح فقد روُي صريحا عن الصحابة ﵃ أنه إنما يُنْفخ فيه الروح بعد أربعة أشهر، كما دل عليه ظاهر حديث ابن مسعود.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-227>[ما روي في ذلك عن علي]:</span>\n• فروى زيد بن علي عن أبيه، عن علي ﵁ قال: إذا تمت النطفة أربعة أشهر بُعِثَ إليها ملَكٌ فينفُخ فيها الروح في الظلمات، فذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ\n_________\n(^١) ليست في ب.\n(^٢) كما في صحيح البخاري أول كتاب القدر ١١/ ٤٧٧.\n(^٣) كما في السنن الكبرى للبيهقي ٧/ ٤٢١ و١٠/ ٢٦٦.","vol":"1","page":167},{"text":"خَلْقًا آخَرَ﴾ (^١).\nخرجه ابن أبي حاتم، وإسناده (^٢) منقطع.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-228>[ما روي عن ابن عباس]:</span>\n• وخرج اللالكائي بإسناده عن ابن عباس ﵄ قال: \"إذا وقعت النطفة في الرحم مكثت أربعة أشهر وعشرا، ثم نفخ (^٣) فيها الروح، ثم مكثت أربعين ليلة، ثم بُعِثَ إليها مَلَكٌ فَنقَفَها (^٤) في نُقْرة القفا وكتب شقيا أو سعيدًا.\nوفى إسناده نظر. وفيه أن نفخ الروح يتأخر عن الأربعة أشهر بعشرة أيام.\n\n<span data-type='title' id=toc-229>[ما روي عن ابن مسعود]</span>\n<span data-type='title' id=toc-230>[وتأسيس مذهب أحمد عليه]:</span>\n• وبنى الإمام أحمد مذهبه (^٥) المشهور عنه على ظاهر حديث ابن مسعود، وأن الطفل يُنْفَخُ فيه الروح بعد الأربعة أشهر، وأنه إذا سقط بعد تمام أربعة أشهر صُلِّي عليه حيث كان قد نفخ فيه الروح ثم مات.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-231>[ما روي عن سعيد بن المسيب]:</span>\nوحكي ذلك أيضًا عن سعيد بن المسيب، وهو أحد قولي الشافعي وإسحاق.\n\n<span data-type='title' id=toc-232>[روايات أخرى عن الإمام أحمد]:</span>\nونقل غير واحد عن أحمد أنه قال: \"إذا بلغ أربعة أشهر وعشرا ففي تلك العشر يُنَفَخُ فيه الروح، ويُصَلَّى عليه\".\n• وقال في رواية أبي الحارث عنه (^٦) \"تكون النَّسَمة نُطْفَةً أربعين ليلة، وعلَقَةً أربعين\n_________\n(^١) سورة المؤمنون: ١٤، والأثر أورده ابن كثير في التفسير ٣/ ٢٤١ عن ابن أبي حاتم.\n(^٢) \"ا\"، ب: \"وهو إسناد منقطع\".\n(^٣) م: \"تنفخ\".\n(^٤) نقفها: ضربها. والخبر أخرجه اللالكائى في أصول الاعتقاد ٤/ ٥٩٧ - ٥٩٨ بسند ضعيف؛ كما سيشير ابن رجب.\n(^٥) في هـ، م: \"مذهب الشهور\".\n(^٦) سقطت من \"ا\" وفي م: \"لأبي\".","vol":"1","page":168},{"text":"ليلة، ومُضغَةً أربعين ليلة، ثم تكون عظمًا ولحمًا، فإذا تم أربعة أشهر وعشرًا نفخ فيه الروح.\n\n<span data-type='title' id=toc-233>[مقارنة بين الروايات]:</span>\nفظاهر هذه الرواية أنه لا ينفخ فيه الروح إلا بعد تمام أربعة أشهر وعشر كما روي عن ابن عباس.\nوالروايات التي قبل هذه عن أحمد إنما تدل على أنه ينفخ فيه الروح في مدة العشر بعد تمام الأربعة وهذا هو المعروف عنه.\n• وكذا قال ابن المسيب لما سئل عن عدة الوفاة؛ حيث جعلت أربعة أشهر وعشرا: ما بال العشر؟ قال: \"ينفخ فيها الروح\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-234>[الطب وتصور الجنين]:</span>\n• وأما أهل الطب فذكروا أن الجنين إن تصور في خمسة وثلاثين يوما تحرك في سبعين يوما، وولد في مائتين وعشرة أيام. وذلك سبعةُ أشهر وربما تقدم أياما وتأخر في التصوير والولادة.\nوإذا كان التصوير في خمسة وأربعين يوما تحرك في تسعين يوما، وولد في مائتين وسبعين يوما، وذلك تسعةُ أشهر والله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-235>[كتابة الملَك ومتى تكون؟]:</span>\nوأما كتابة الملك فحديث ابن مسعود يدل على أنها تكون بعد الأربعة أشهر أيضًا على ما سبق.\n* * *\n• وفي الصحيحين عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: \"وَكَّل الله بالرَّحمِ ملكًا يَقُولُ: أي ربِّ! نُطْفةٌ! أي رب عَلَقَةٌ؟ أي رب! مُضغَةٌ؟ فَإِذَا أراد الله أَنْ يَقْضيَ خَلقًا قال:\n_________\n(^١) أورده ابن حجر في الفتح ١١/ ٤٩٤ من رواية الطبري عنه.","vol":"1","page":169},{"text":"يا رب! أذكرٌ أم أُنثى؟ أَشَقِيٌّ أَمْ سَعِيد؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فما الأَجلُ. فَيُكْتَبُ كَذَلكَ في بَطنِ أُمِّهِ\" (^١).\nوظاهر هذا يوافق حديث ابن مسعود، ولكن ليس فيه تقدير مدة، وحديث حُذيفة بن أسِيد - الذي تقدم - يدل على أن الكتابة في أول الأربعين الثانية.\n* * *\n• وخرجه مسلم أيضًا بلفظ آخر من حديث حذيفة بن أَسِيد يبلغ به النبيَّ - ﷺ - قال: \"يدُخْل الملَكُ على النُّطفة بعد ما تستقر في الرحم بِأربعين أو خمس وأربعين لَيْلةً فيقول: يَا رب! أَشَقِي أمْ سعيدٌ فَيُكْتبان فيقول: أي رب! أذكرٌ أم أَنثى؟ فيكتبان، ويُكْتَبُ عَملُه وَأَثرُه وأجَلُه وَرِزقُه، ثُمَّ تُطْوَى الصُّحفُ فَلا يُزادُ فيِهَا ولا يُنقَصُ\" (^٢).\n* * *\nوفي رواية أخرى لمسلم أيضًا: \"إنَّ النطْفةَ تَقَعُ في الرَّحِم أَرَبَعينَ ليلةً ثم يتسور (^٣) عَلَيْها المَلكُ فَيقُولُ يَا رب أذَكرٌ أَمْ أنثَى؟ \". وذكر الحديث (^٤).\n* * *\nوفي رواية أخرى لمسلم أيضًا: لبضعٍ وأربعين ليلةً (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الحيض: باب مخلقة وغير مخلقة ١/ ٤١٨ بنحوه ومسلم في أول كتاب القدر ٤/ ٢٠٣٨. بنحوه أيضًا ونصه عند مسلم \"إن الله ﷿ قد وكل بالرحم ملكا فيقول: أي رب! نطفة. أي رب! علقة، أي رب! مضغة فإذا أراد الله أن يقضي خلقا قال: قال الملك: أي رب! أذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق؟ فما الأجل؟ فيكتب كذلك في بطن أمه.\n(^٢) مسلم في أول كتاب القدر ٤/ ٢٠٣٧. بهذا اللفظ وفي أ: \"أو خمسة وأربعين\" بخطأ نحوي ظاهر.\n(^٣) في مسلم: \"يتصور\" وقال النووي في شرحه ١٦/ ١٩٤ هكذا هو في جميع نسخ بلادنا يتصور بالصاد، وذكر القاضي: يتسور بالسين قال: المراد بـ \"يتسور\": ينزل، وهو استعارة من تسورت الدار إذا نزلت فيها من أعلاها، ولا يكون التسور إلا من فوق، فيحتمل أن تكون الصاد الواقعة في نسخ بلادنا مبدلة من السين والله أعلم أ هـ.\nوذكر ابن الأثير محملا لغويا لرواية الصاد فقال: يتصور الملك على الرحم أي يسقط، من قولهم: ضربته ضربة تصور منها أي سقط. راجع النهاية ٣/ ٦٠.\n(^٤) مسلم ٤/ ٢٠٣٨. من حديث حذيفة بن أسيد أيضًا ونصه عنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - بأذني هاتين يقول: إن النطفة تقع في الرحم أربعين ليلة ثم يتصور عليها الملك، قال زهير: حسبته قال: الذي يخلقها فيقول: يا رب أذكر أو أنثى؟ فيجعله الله ذكرًا أو أنثى، ثم يقول: يا رب! أسوي أو غير سوي؟ فيجعله الله سويا أو غير سوي، ثم يقول: يا رب! ما رزقه؟ ما أجله؟ ما خُلُقُه؟ ثم يجعله الله شقيًّا أو سعيدًا\".\n(^٥) عقب الرواية السابقة.","vol":"1","page":170},{"text":"• وفي مسند الإمام أحمد من حديث جابر عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا اسَتقرَّت النُّطْفَةُ في الرَّحِم أَربَعين يَومًا أَوْ أرْبعين ليلةً بُعِثَ إليها مَلَكٌ فَيقولُ: [يَا رب! ما رِزْقُه؟ فَيُقَال لَهُ، فَيَقُولُ: يَا رَب! مَا أَجَلُه؟ فَيُقَال لَهُ، فَيَقُولُ: يَا رَب! ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى! فَيعلم، فيقول:] يَا رب شَقيّ أَوْ سَعيدٌ؟ فيعلم\" (^١).\nوقد سبق ما رواه الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود من قوله. وظاهره يدل على أن الملك يبعث إليه وهو نطفة (^٢).\n• وقد روى عن ابن مسعود من وجهين آخرين أنه قال: إن اللّه ﷿ تُعْرَضُ عليه كل يوم أعمال بني آدم فينظر فيها ثلاث ساعات، ثم يؤتى بالأرحام فينظر فيها ثلاث ساعات وهو قوله:\n﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (^٣).\nوقوله: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ (^٤) ويؤتى بالأرزاق فينظر فيها ثلاث ساعات وتسبحه الملائكة ثلاث ساعات. قال: فهذا من شأنكم، وشأن ربكم. ولكن ليس في هذا (^٥) توقيت ما ينظر فيه من الأرحام بمدة.\n* * *\n• وقد روي عن جماعة من الصحابة: أن الكتابة في الأربعين الثانية: فخرج اللَّالكائي بإسناده عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص قال: \"إذا مكَثت النُّطْفةُ في رحم المرأة أربعين ليلة جاءها مَلَكٌ فاختلَجَها، ثم عَرَج بِهَا إلى الرحمن ﷿ فيقول: أخْلُق يا أحسن الخالقين! فيقضي اللّه فيها ما يشاء من أمره، ثم تدفع إلى الملك عند ذلك، فيقول يا رب! أسقط أم تمام (^٦)؟ فيبين له، فيقول: يا رب! أناقص الأجل أم تام الأَجل؟ فيبيَّنُ له ويقول؟ يا رب! أواحد أو توأم. فيبين له فيقول: يا رب! أذكر\n_________\n(^١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٩٢ عن أحمد في المسند وذكر أن في أحد رواته خلافًا في توثيقه وبقيتهم ثقات والحديث في مسند أحمد ٣/ ٣٩٧ (الحلبي).\n(^٢) ص (١٦٤).\n(^٣) سورة آل عمران: ٦.\n(^٤) سورة الشورى: ٤٩، ٥٠.\n(^٥) ب: \"بهذه\".\n(^٦) \"ا \" ح \"تام\" وما أثبتناه هو الموافق لما في أصول الاعتقاد.","vol":"1","page":171},{"text":"أم أنثى. فيبين له فيقول: يا رب! أشقي أو سعيد. فيبيَّنُ له ثما يقول: يا رب! أقطَعْ له رِزْقَهُ، فيقطع له رزقه مع أجله (^١)، فَيَهْبِطُ بهما جميعًا، فوالذي نفسي بيده لا ينال من الدنيا إلا ما قسمه له\".\n* * *\n• وخرّج ابن أبي حاتم بإسناده عن أبي ذر ﵁ قال: إن المني يمكث في الرحم أربعين ليلة فيأتيه ملك النفوس فيعرج به إلى الجبار ﷿ فيقول: يا رب! أذكر أم أنثى. فيقضي الله ﷿ (^٢) ما هو قاض، ثم يقول: يا رب! أشقي أم سعيد؟ فيكتب ما هو لاق بين يديه، ثم تلا أبو ذر من فاتحة سورة التغابن إلى قوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (^٣).\nوهذا (^٤) كله يوافق ما في حديث حذيفة بن أَسِيد.\n* * *\nوقد تقدم عن ابن عباس ﵄ أن كتابة الملَك تكون بعد نفخ الروح بأربعين ليلة، وأن إسناده فيه نظر (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-236>[الجمع بين الأحاديث]:</span>\nوقد جمع بعضهم بين هذه الأحاديث والآثار وبين حديث ابن مسعود، فأثبت الكتابة مرتين.\nوقد يقال مع ذلك: إن إحداهما في السماء والأخرى في بطن الأم.\nوالأظهر - واللّه أعلم - أنها مرة واحدة.\nولعل ذلك يختلف باختلاف الأجنَّة؛ فبعضهم يكتب له ذلك بعد الأربعين الأولى، وبعضهم بعد الأربعين الثالثة.\nوقد يقال: إن لفظة \"ثم\" في حديث ابن مسعود إنما يراد (^٦) بها ترتيب الأخبار، لا ترتيب المخبر عنه في نفسه. واللّه أعلم (^٧).\n_________\n(^١) عند اللالكائي: \"خلقه\" والخبر فيه ٤/ ٦٧٤ - ٦٧٥ بإسناد ضعيف بنحوه وفي آخره: إلَّا ما قسم له فإذا أكل رزقه قبض.\n(^٢) ب: \"مما\".\n(^٣) سورة التغابن: ٣ والخبر أورده السيوطي في الدر المنثور من حديث أبي ذر (٨/ ١٨٢) مرفوعا وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر.\n(^٤) م \" فهذا\".\n(^٥) ص ١٦٨.\n(^٦) ب: \"أريد\".\n(^٧) كما سبق ص ١٦٧ - ١٦٨.","vol":"1","page":172},{"text":"<span data-type='title' id=toc-237>[وعند المتأخرين]:</span>\n• ومن (^١) المتأخرين من رجح أن الكتابة تكون في أول الأربعين الثانية كما دل عليه حديث حذيفة بن أسِيد، وقال: إنما أخر ذكرها في حديث ابن مسعود إلى ما بعد ذكر المضغة وإن ذُكرت بلفظ \"ثم\" لئلا ينقطع ذكر الأطوار الثلاثة التي يتقلب فيها الجنين وهي كونه نطفة، وعلقة، ومضغة؛ فإن ذكر هذه الثلاثة على نسق واحد أعجب وأحسن، ولذلك (^٢) أخر المعطوف عليها وإن كان المعطوف (^٣) متقدما على بعضها في الترتيب، واستشهد لذلك بقوله تعالى:\n﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (^٤).\nوالمراد بالإنسان: آدم ﵇.\nومعلوم أن تسويته ونفخ الروح فيه كان قبل جعل نسله من سلالة من ماء مهين. ولكن لما كان المقصود ذكر قدرة اللّه ﷿ في مبدأ خلق آدم، وخلق نسله - عطف ذكر أحدهما على الآخر، وأخر ذكر تسوية آدم ونفخ الروح فيه، وإن كان ذلك متوسطًا بين خلق آدم من طين، وبين خلق نسله. واللّه أعلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-238>[الكتابة بين عيني الجنين]:</span>\n• وقد ورد أن هذه الكتابة تكتب بين عيني الجنين؛ ففي مسند البزار عن ابن عمر ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: \"إِذَا خَلَقَ اللّه النَّسَمةَ قَالَ مَلَكُ الأرحام: أي رب! أَذَكَرٌ أَمْ أنثى؟ قَالَ: فَيَقْضي اللّه إِليْهِ أمره (^٥) ثُمَّ يَقُول: أي رب! أَشَقيُّ أم سعيد؟ فَيَقْضي اللّه إِلَيْهِ أمره، ثم يُكْتَبُ بَينْ عَيْنَيه مَا هُوَ لاقٍ حَتَّى النَّكْبةِ يُنْكَبُهَا\" (^٦).\nوقد ورد موقوفا على ابن عمر غير مرفوع.\nوحديث حذيفة بن أَسِيد المتقدم (^٧) صريح في أن الملَك يكتب ذلك في صحيفة.\n_________\n(^١) من هنا إلى قوله: \"واللّه أعلم\" في الصحيفة التالية سقط من \"ا\".\n(^٢) ب: \"فلذلك\".\n(^٣) ليست في ب.\n(^٤) سورة السجدة: ٧ - ٩.\n(^٥) ليست في ب.\n(^٦) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٩٣ عن أبي يعلى والبزار وقال: رجال أبي يعلى رجال الصحيح.\n(^٧) ص ١٦٢.","vol":"1","page":173},{"text":"ولعله يكتب في صحيفة: (^١)، ويكتب بين عيني الولد.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-239>[وصفات الوليد]:</span>\n• وقد روي أنه يقترن بهذه الكتابة أنه يخلق مع الجنين ما تضمنته من صفاته القائمة.\n• فروي عن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: \"إِن اللّه إِذَا أرَاد أن يَخْلُق الخلق بَعَث مَلَكًا فَدَخل الرَّحمَ فَيَقولُ: أَي رب! ماذا؟ فَيَقُولُ: غُلامٌ أَوْ جاريةٌ أوْ مَا شاءَ أَن يَخلْق في الرَّحم، فَيقُول: أي رب! (^٢) أَشَقيٌّ أَمْ سَعيدٌ؟ [فيقول ما شاء] فيقول: يا رَبِّ! ما أَجَله؟ فَيَقولُ: كَذَا وَكَذَا [فيقول: يا رب! ما رزقه؟ فيقول: كذا وكذا] (^٣) فَيقُول: [يا رب!] (^٤) مَا خَلْقهُ؟ ما خلائقه؟ فَيَقول: كَذَا وَكَذَا، فَما مِنْ شَيْءٍ إلا وَهُو يُخلقُ مَعَه في الرَّحم\".\n• خرجه أبو داود في كتاب القدر والبزار في مسنده (^٥).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-240>[سبق القدر]:</span>\nوبكل حال فهذه الكتابة التي تكتب للجنين في بطن أمه غير كتابة المقادير السابقة لخلق الخلائق المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (^٦) كما في صحيح مسلم عن عبد اللّه بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال: \"إِنَّ اللّه قَدَّرَ مَقَادير الخلائق قَبْلَ أنْ يَخْلق السَّموات والأرض بِخمْسِين ألفَ سَنَةٍ\" (^٧).\n* * *\n• وفي حديث عبادة بن الصامت عن النبي - ﷺ - قال: \"أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللّه القَلَم،\n_________\n(^١) م: \"صحيفته\".\n(^٢) م: \"أرى رب\". وهو تحريف.\n(^٣)،\n(^٤) ما بين القوسين من المجمع.\n(^٥) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١٩٣ وقال: رواه البزار ورجاله ثقات.\n(^٦) سورة الحديد: ٢٢.\n(^٧) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب القدر: باب حجاج آدم وموسى ﵉ ٤/ ٢٠٤٤ بلفظ: \"كتب اللّه مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، وقال: كان عرشه على الماء\". قيل: المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ أو غيره، لا أصل التقدير: فإن ذلك أزلي لا أول له.","vol":"1","page":174},{"text":"قَالَ لَهُ: اكْتبْ فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائنٌ إلى يَومِ القيامة\" (^١).\n* * *\nوقد سبق ذكر ما رُوي عن ابن مسعود ﵁ (^٢) أن الملَك إذا سأل عن حال النطفة أمر أن يذهب إلى الكتاب السابق ويقال له: إنك تجد فيه قصة هذه النطفة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-241>[النصوص في سبق القدر]:</span>\nوقد تكاثرت النصوص بذكر الكتاب السابق بالسعادة والشقاوة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-242>[من حديث علي]:</span>\n• ففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"مَا مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ إلا وَقَدْ كَتَبَ اللّه مَكانَها مِنَ الجَنَّةِ أَو النَّار (^٣) وإلَّا وقد كُتبتْ شَقِيَّة أَو سَعيدةً\" فَقَالَ رَجلٌ: يَا رَسُول اللّه! أفلا نمكُثُ عَلَى كِتَابنَا وَنَدَعُ الْعمَلَ؟ فَقَالَ: \"اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَهُ. أَمَّا أَهْلُ السَّعادَة فَيُيَسَّرُونَ لِعَمل أَهْلِ السَّعَادَة، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَيُيَسَّرُونَ لِعمَل أهل الشَّقَاوَة ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (^٤).\n• ففي (^٥) هذا الحديث أن السعادة والشقاوة قد سبق الكتاب بهما وأن ذلك مقدر بحسب الأعمال، وأن كلا ميسر لما خلق له من الأعمال التي هي سبب للسعادة (^٦) أو الشقاوة.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير، باب سورة \"ن\" ٥/ ٤٢٤. وقال: هذا حديث حسن غريب.\nوأبو داود السجستاني في سننه: كتاب السنة: باب القدر ٥/ ٧٦.\nوأبو داود الطيالسي في مسنده ١/ ٣٠.\nوابن كثير في التفسير ٤/ ٤٠١.\n(^٢) ص ١٦٤.\n(^٣) ب: \"والنار\".\n(^٤) الآيات من سورة الليل ٥ - ١٠، والحديث أخرجه البخاري في مواطن من صحيحه منها في تفسير سورة الليل ٨/ ٧٠٨ - ٧٠٩ من طرق ووجوه عدة.\nومسلم في صحيحه: كتاب القدر: باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه ٤/ ٢٠٣٩ - ٢٠٤٠.\n(^٥) م: \"وفي\".\n(^٦) م: \"السعادة\".","vol":"1","page":175},{"text":"<span data-type='title' id=toc-243>[من حديث عمران بن حُصَين]:</span>\n• وفي الصحيحين عن عمران بن حصين قال: قَالَ رَجُلٌ: يَا رسُول اللّه! أَيُعرَف أهْلُ الجنّةِ مِنْ أَهل النَّار؟ قالَ: \"نعم\" قَالَ: فَلِمَ يَعْمَل العَامِلُون؟ قَالَ: \"كُلٌّ يَعْملُ لِما خُلِقَ لَهُ، أو لما يُسِّرَ لَهُ\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-244>[حديث ابن مسعود]:</span>\n• وقد روي هذا المعنى عن النبي - ﷺ - من وجوه كثيرة.\nوحديث ابن مسعود فيه أن السعادة والشقاوة بحسب خواتيم الأعمال. وقد قيل إن قوله في آخر الحديث: \"فَوَاللّه الَّذي لا إله غَيْرُهُ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمل يعَمَل أَهلِ الجنّة\" إلى آخر الحديث - مدرج من كلام ابن مسعود - كذلك رواه سلمة (^٢) بن كُهَيْلٍ، عن زيد بن وهب، عن ابن مسعودِ من قوله.\nوقد روي هذا المعنى عن النبي - ﷺ - من وجوه متعددة أيضًا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-245>[الأعمال بالخواتيم وحديث سهل بن سعد]:</span>\n• وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد عن النبي - ﷺ - قال: \"إنَّما الأَعْمَالُ بِالخواتيِم\" (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-246>[حديث عائشة]:</span>\n• وفي صحيح ابن حبان عن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: \"إِنَّمَا الأعْمَالُ بالخوَاتيم (^٤) \".\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ ١٣/ ٥٢١.\nومسلم في كتاب القدر: باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه ٤/ ٢٠٤١.\nكلاهما بنحوه وفي ب: \"ييسر له\".\n(^٢) في هـ، م، \"مسلم\" وهو تحريف وقد قوى ابن حجر في الفتح ١١/ ٤٩٥ أن الحديث جميعه مرفوع وأن الإدراج في القَسَم لا في المقسم عليه وذكر أن هذا غاية التحقيق في هذا الموضع وانظر تفصيله فيه.\n(^٣) في كتاب الرقاق: باب الأعمال بالخواتيم ١١/ ٣٣٧ بسياقه كاملا.\n(^٤) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٢/ ٥٢ ح ٣٤٠ بهذا النص وبإسناد ضعيف يتقوى بشواهده.","vol":"1","page":176},{"text":"<span data-type='title' id=toc-247>[ومعاوية]:</span>\n• وفيه أيضا عن معاوية قال: سمعت رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"إِنَّما الأَعْمَالُ بخواتيمها كَالْوِعَاء إِذا طَاب أَعْلاهُ طَابَ أَسْفَلُهُ، وَإذَا خَبثَ أَعْلاهُ خَبُث أسْفَلُهُ\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-248>[وأبي هريرة]:</span>\n• وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"إِنَّ الرَّجُل لَيعْمَلُ الزَّمَانَ الطَّويلَ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنّةِ ثم يُخْتَمُ لَهُ عَمَلُهُ بِعَمَلِ أَهْلٍ النَّارِ، وَإنَّ إلرَّجُلَ لَيَعْملُ الزَّمَان الطَّويلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّار، ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ عَمَلهُ بِعَمَلِ أهْل الجَنَّةِ (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-249>[وأنس]:</span>\n• وخرج الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى من حديث أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"لا عَلَيْكُمْ أَنْ لا تَعْجَبُوا بِأَحَدٍ حَتَّى تَنْظُرُوا بمَ يُخْتَمُ لَهُ، فَإِنَّ العَامِلَ يَعْمَلُ زَمَانًا مِنْ عُمُرِه أو بُرْهَةً مِنْ دَهرِه بِعَمَل صَالحٍ لَوْ مَات عَلَيه دَخَل الجنَّة، ثُمَّ يَتَحول فَيَعْمَلُ عَمَلًا سَيِّئًا وَإِنَّ العَبْد لَيَعْمل البرهَة مِنْ عُمُره بِعَمَلٍ سَيئ لَوْ مَاتَ عَلَيْه دَخَل النَّار، ثُمَّ يَتَحَولُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا صَالحًا (^٣) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-250>[وعائشة أيضًا]:</span>\n• وخرج أيضًا من حديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: \"إِنَّ الرَّجلَ لَيَعْمَلُ بعَمَلِ أَهْلِ الجنَّةِ وَهُوَ مَكْتُوبٌ (^٤) في الكتاب منْ أَهْلِ النَّار فَإِذَا كَانَ قَبْلَ مَوْتِه تَحَوَّلَ فَعَمِلَ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّار فَمَاتَ فَدَخلَ النَّار، وإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَملِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ لَمكْتُوبٌ في الكِتابِ مِنْ أَهْلِ الجنَّةِ فَإِذَا كَانَ قَبْل مَوتِه تَحَوَّل فَعَمِل بِعَمل أهْل الجنّة فَمَاتَ\n_________\n(^١) الإحسان ٢/ ٥١ ح ٣٣٩ بإسناد حسن.\n(^٢) مسلم: كتاب القدر باب كيفية الخلق الآدمى ٤/ ٢٠٤٢.\n(^٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٢١١ عن أحمد وأبى يعلى البزار والطبراني ثم قال: ورجاله رجال الصحيح.\n(^٤) مسند أحمد: \"وإنه المكتوب\" وتتمة الحديث عند أحمد: وإذا أراد اللّه بعبد خيرًا استعمله قبل موته قالوا: يا رسول الله! وكيف يستعمله؟ قال: يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه\" وفي ب: \"البرهة من دهره\".","vol":"1","page":177},{"text":"فَدَخَلَهَا\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-251>[وعبد اللّه بن عمرو]:</span>\n• وخرَّج الإمام أحمد والنسائي والترمذي من حديث عبد اللّه بن عمرو ﵄ قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - وفي يده كتابان فقال: أَتَدْرُونَ مَا هَذَانِ الكتِابَانِ؟ فَقُلْنَا: لا يَا رَسُول اللّه! إِلا أَنْ تُخْبرنَا؟ فَقَالَ للِذي في يَده اليُمْنَى: هَذا كِتابٌ مِنْ ربّ العَالَمينَ فِيه أَسْمَاءُ أَهْل الجنَّة وأَسْماءُ آبائهم وقبائلهم ثُمَّ أجْمِل (^٢) عَلى آخرهم فَلا يُزَادُ فيهمْ وَلا يُنْقَص مِنْهمْ أَبَدًا، ثَمَّ قال للذي في شِماله: هَذَا كِتَابٌ منْ رَبِّ العَالمين فيه أسماء أَهْل النَّار وَأَسْماءُ آبَائهِم وَقَبَائلهم ثُمَّ أُجْمِل عَلَى آخرهم؛ فَلا يُزَادُ فِيهمْ وَلا يُنْقَص مِنْهُمْ أبدًا: فَقَالَ أَصحَابُه: فَفِيم العَمَلُ يَا رَسُول اللّه إِن كَانَ أمْرًا قَد فُرِغَ منه؟ \" فَقَالَ: \"سَدِّدُوا وَقَارِبُوا؛ فَإِنَّ صَاحِب الجنّة يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَل أهْل الجنَّةَ وإنْ عَمل أَيَّ عَمَل، وإِنَّ صَاحِبَ النَّار يَخْتُمُ لَهُ بِعَمَل أهْلِ النَّار وإنْ عَمِلَ أيّ عَمَلٍ\" ثُمَّ قَالَ رَسُول اللّه - ﷺ - بِيدَيْه (^٣) فَنَبَذَهُمَا ثُمَّ قالَ: فَرغَ رَبُّكَمْ من العِبَادِ فريقٌ فِي الجنَّةِ وفَريقٌ في السَّعير (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-252>[وعليّ]:</span>\n• وقد روي هذا الحديث عن النبي - ﷺ - من وجوه متعددة وخرجه الطبراني من حديث علي بن أبي طالب - ﵁ - عن النبي - ﷺ - وزاد فيه: \"صَاحبُ الجنَّة مَخْتُومٌ لَهُ بِعَملِ أَهْل الجنّةِ وَصَاحبُ النَّار مَخْتُومُ لَهُ بعَمَلِ أهَل النَّار وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ\"\n_________\n(^١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١١٧ - ٢١٢ عن أحمد وأبي يعلى وذكر أن بعض أسانيدهما رجاله رجال الصحيح.\nوالحديث في مسند أحمد ٦/ ١٠٧ (الحلبي).\n(^٢) قال في النهاية ١/ ٢٩٧ - ٢٩٨: أجملت الحساب إذا جمعت آحاده، وكَمَّلتَ أفراده أي أحصوا وجمعوا فلا يزاد فيهم ولا يُنقص.\n(^٣) أي أشار بهما وفي \"ا\": \"بيده\" وهو تحريف.\n(^٤) أخرجه الترمذي في كتاب القدر: باب ما جاء أن الله كتب كتابا لأهل الجنة وأهل النار ٤/ ٤٤٩ وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح.\nوأحمد في المسند ١٠/ ٨٥ - ٧١ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه العلامة الشيخ شاكر وأخرجه النسائي في الكبرى كما في التحفة ٦/ ٣٤٣.","vol":"1","page":178},{"text":"وقَد يُسلكُ بأهل السعادة طريق أهل الشقاوة (^١) حتى يقال: ما أشبههم بهم بل هم منهم وتدركهم السعادة فتستنقذهم، وقد يسلك بأهل الشقاء طريق أهل السعادة حتى يقال: ما أشبههم بهم بل هم منهم ويُدْركهم الشقاءُ: من كتبه اللّه سعيدًا في أم الكتاب لم يخرجه من الدنيا حتى يستعمله بعمل يُسعده قبل موته ولو بفواق ناقة\"، ثم قال: \"الأعمال بخواتيمها الأعمال بخواتيمها\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-253>[وابن عمر]:</span>\n• وخرجه البزار في مسنده بهذا المعنى أيضًا من حديث ابن عمر عن النبي - ﷺ - (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-254>[وسهل بن سعد]:</span>\n• وفي الصحيحين عن سهل بن سعد أن النبي - ﷺ - الْتقى هو والمشركون وفي أصحابه رجل لا يدع شاذَّة ولا فاذَّة (^٤) إلا اتَّبعها يضربها بسيفه فقالوا: ما أجزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان فقال رسول اللّه - ﷺ -: \"هُوَ مِنْ أَهْل النَّار\" فَقَال رَجُلٌ مِنَ القَومِ: أنَا صَاحِبُه فَاتَّبعَه فَجُرِحَ الرَّجُلُ جُرْحًا شَدِيدًا فاسْتَعْجَلَ الموْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيَفِه عَلَى الأرْضِ، وَذُبَابَهُ (^٥) بَينْ ثَدْيَيْه، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَخَرجَ الرَّجُلُ إلى رَسُول اللّه - ﷺ - فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسَولُ اللّه! وَقَصَّ عَليْه القِصَّة؛ فَقَالَ رَسُولُ - ﷺ -: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الجنَّةِ فِيمَا يَبْدُو للِنَّاس وَهُوَ مِن أَهْلِ النّار وَإنَّ الرُّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدو للّناسِ وَهُوَ مِنْ أهْلِ الجنّةِ.\n- زاد البخاري رواية له: إِنَّمَا الأعمالُ بالخواتيم\" (^٦).\n_________\n(^١) في المجمع: \"الشقاء\".\n(^٢) في المجمع ٧/ ٢١٣ الأعمال بخواتيمها: ثلاثا.\nقال الهيثمي: له حديث في الصحيح في القدر غير هذا.\nرواه الطبراني في الأوسط وفيه حماد بن واقد الصفار وهو ضعيف.\n(^٣) راجع مجمع الزوائد في الوطن المذكور.\n(^٤) الشاذ والشاذة: الخارج والخارجة عن الجماعة، وأنث الكلمة على معنى النسمة، أو على تشبيه الخارج بشاذة الغنم ومعناه أنه لا يدع أحدًا، على طريق المبالغة، قال ابن الأعرابي: يقال فلان لا يدع شاذة ولا فاذة إذا كان شجاعًا لا يلقاه أحد إلا قتله.\nوهذا الرجل الذي كان لا يدع شاذة ولا فاذة يدعى قزمان وكان منافقًا، راجع ما أورده النووي في هذا عن الخطيب البغدادي والقاضي عياض وغيرهما في شرحه على مسلم ١/ ١٢٣.\n(^٥) ذباب السيف طرفه، وفي \"ب\": \"أنا أصاحبه\" وما أثبتناه هو الموافق للصحيحين.\n(^٦) القصة بسياقها في صحيح مسلم: كتاب الإيمان باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه ١/ ١٠٦ وعند البخاري في كتاب الرقاق: باب الأعمال بالخواتيم ١١/ ٣٣٠ من الفتح. وطرفاه ٢٨٩٨، ٤٢٠٢.","vol":"1","page":179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-255>[شرح الحديث]:</span>\nوقوله فيما يبدو للناس إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطلع عليها الناس: إما من جهة عمل سَيّئ ونحو ذلك؛ فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت.\nوكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار، وفي باطنه خصلة خفية من خصال الخير؛ فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره؛ فتوجب له حُسْنَ الخاتمة.\n• قال عبد العزيز بن أبي رَوَّاد: \"حضرت رجلًا عند الموت يلقن الشهادة (^١): لا إله إلا الله - فقال في آخر ما قال هو كافر بما تقول ومات على ذلك قال: فسألت عنه فإذا هو مدمن خمر\".\nفكان عبد العزيز يقول: اتقوا الذنوب؛ فإنها هي التي أوقعته.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-256>[الخواتيم ميراث السوابق]:</span>\nوفي الجملة فالخواتيم ميراث السوابق فكل ذلك سبق في الكتاب السابق.\n\n<span data-type='title' id=toc-257>[خوف السلف]:</span>\nومن هنا كان يشتد خوف السلف من سوء الخواتيم، ومنهم من كان يقلق من ذكر السوابق. وقد قيل: إن قلوب الأبرار معلقة بالخواتيم يقولون بماذا يختم لنا، وقلوب المقربين معلقة بالسوابق يقولون ماذا سبق لنا؟.\n\n<span data-type='title' id=toc-258>[بكاء السلف عند الموت]:</span>\nوبكى بعض الصحابة عند موته فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"إن اللّه تعالى قبض خلقه قبضتين فقال: هؤلاء في الجنة، وهؤلاء في النار، ولا أدري في أي القبضتين كنت (^٢) \".\n• قال بعض السلف: \"ما أبكى العيون ما أبكاها الكتابُ السابق! \".\n_________\n(^١) ليست في \"ا\"، ولا في ب.\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ١٧٦، ١٧٧ من حديث أبي نضرة عن رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقال له أبو عبد اللّه، وقد أورده الهيثمي في المجمع (٧/ ١٨٨) أول كتاب القدر عن أحمد بسياقه تاما، وذكر أن رجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":180},{"text":"• وقال سفيان لبعض الصالحين: \"هل أبكاك قط علم اللّه فيك؟ \" فقال له ذلك الرجل: \"تركتنى لا أفرح أبدًا\".\n• وكان سفيان يشتد قلقه من السوابق والخواتيم فكان يبكي ويقول: \"أخاف أن أكون في أم الكتاب شقيا ويبكي ويقول أخاف أن أُسْلَبَ الإيمانَ عند الموت (^١) \".\n• وكان مالك بن دينار يقوم طول ليله قابضا على لحيته، ويقول: \"يا رب! قد علمتَ ساكنَ الجنة من ساكنِ النار ففي أي الدارين منزل مالك (^٢)؟ \".\n• قال حاتم الأصم: \"من خلا قلبه من ذكر أربعة أخطار فهو مغتر فلا يأمن الشقاء\": \"الأول: خطر يوم الميثاق حين قال: هؤلاءِ في الجنة ولا أبالى، وهؤلاء في النار ولا أبالي، فلا يعلم في أي الفريقين كان؟ \".\n\"الثاني: حين خلق في ظلمات ثلاث فنودي الملك بالشقاوة والسعادة، ولا يدري أمن الأشقياء هو أم من السعداء؟ \".\n\"والثالث: ذكر هول المطلع ولا يدري أيبشر برضاء اللّه أو بسخطه؟ \".\n\"والرابع: يوم يصدر الناس أشتاتا ولا يدري أيُّ الطريقين يُسْلَكُ به\".\n* * *\nوقال سهل التُّسْتَرِى: المريد يخاف أن يُبتلَى بالمعاصي! والعارف يخاف أن يبتلَى بالكفر! \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-259>[خوف النفاق]:</span>\nومن هنا كان الصحابة ومن بعدهم من السلف الصالح يخافون على أنفسهم النفاق، ويشتد قلقهم وجزعهم منه؛ فالمؤمن يخاف على نفسه النفاق الأصغر، ويخاف أن يغلب ذلك عليه عند الخاتمة فيخرجَه إلى النفاق الأكبر، كما تقدم أن دسائس السوء الخفية توجب سوء الخاتمة (^٣).\n_________\n(^١) صدر الأثر في الحلية ٧/ ٥١.\n(^٢) ص ١٨٠.\n(^٣) أورده أبو نعيم في الحلية ٢/ ٣٨٣.","vol":"1","page":181},{"text":"<span data-type='title' id=toc-260>[طَلَبُ التثبيت]:</span>\nوقد كان النبي - ﷺ - يُكثِر أَنْ يَقُول في دُعَائِهِ: \"يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوب ثَبتْ قَلْبي عَلَى دِينِكَ! \" فَقيلَ لَهُ يَا نَبيَّ اللّه! آمَنَّا بِك وَبمَا جئت بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنا؟ فقال: \"نَعَم إِنَّ القُلوبَ بَبنْ أصْبعَيْن مِنْ أَصابِع الرَّحْمَن ﷿ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ\".\nخرجه الإمام أحمد والترمذي من حديث أنس (^١).\n• وخرج الإمام أحمد من حديث أم سلمة أن النبي - ﷺ - كان يكثر في دعائه أن يقول: \"اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القْلُوب ثَبِّتْ قَلْبي عَلَى دِينك\" فقلت: يا رسول اللّه (^٢) وإنَّ القَلْب لِيُقَلَّبُ؟ قَال: \"نَعَم مَا مِنْ خَلْقِ اللّه منْ بَني آدَمَ من بَشَر إِلا أَنَّ قَلْبَهُ بينَ أُصبُعين مِنْ أصابع اللّه ﷿ فَإِنْ شَاءَ اللّهَ ﷿ أَقَامَه وإنْ شَاءَ أَزَاغَهُ؛ فَنَسْأَلُ اللّه رَبَّنا أَنْ لما يُزِيغَ قُلُوبنا بَعْدَ إذ هَدَانا، وَنَسْألُهُ أَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لدنْهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُو الوَهَّابُ\".\nقالت: قلت: يا رسول اللّه! ألا تعلمني دعوة أدعو بها لنفسي؟ قال: \"بلى! قولي: الَّلهُمَّ رَبَّ النَّبي مُحَمَّد اغْفِرْ لي ذَنْبى، وأَذْهِبْ غَيْظَ قَلْبى، وَأَجِرْنِى مِنْ مُضِلَّاتِ الفتنِ ما أحْيَيْتَنى\" (^٣).\nوفي هذا المعنى أحاديثُ كثيرة.\n* * *\n• وخرج مسلم من حديث عبد اللّه بن عمرو سمع رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"إِنَّ قُلُوبَ بَني آدَم كُلَّها بَينَ أصْبُعَين مِنْ أصابع الرَّحْمنَ ﷿ كَقَلْب وَاحدٍ، يُصَرِّفُهُ حيث يَشَاء\" ثُمَّ قَال رسول اللّه - ﷺ -: \"اللَّهُمّ مُصَرِّف القُلوُبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِك\" (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في كتاب القدر، باب ما جاء أن القلوب بين إصبعي الرحمن ٤/ ٤٤٨ - ٤٤٩ وذكر أبو عيسى أن حديث أنس أصح ما في الباب. وأحمد في المسند ٣/ ١١٢، ٢٥٧ (حلبي).\n(^٢) \"ا\": \"اللهم مقلب\" في هـ، م، ن: أو إن القلوب لتتقلب، أ: وإن القلوب لتتقلب؟\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٢٩٤، ٣٠١ - ٣٠٢، ٣١٥ (حلبي) وأخرجه الترمذي في كتاب الدعوات ٥/ ٥٣٨ وقال حديث حسن.\n(^٤) أخرجه مسلم في كتاب القدر: باب تصريف اللّه تعالى القلوب كيف شاء ٤ - ٢٠٤٥.","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type='title' id=toc-261>الحديث الخامس</span>\nعن أم المؤمنين: أم عبد اللّه (^١) عائشه ﵂ قالت قال رسول اللّه - ﷺ -: \"مَنْ أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُو رَدٌّ\". رواه البخاري ومسلم.\nوفي رواية لمسلم: \"مَن عَمِلَ عَمَلًا لَيسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-262>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية القاسم بن محمد عن عمته عائشة ﵂ (^٢) وألفاظه مختلفة (^٣) ومعناها متقارب وفي بعض ألفاظه: \"من أحدث في ديننا ما ليس فيه (^٤) فهو رد\".\n\n<span data-type='title' id=toc-263>[قيمة الحديث]:</span>\nوهذا الحديث أصل عظيم من أصول الإسلام وهو كالميزان للأعمال في ظاهرها [كما أن حديث الأعمال بالنيات ميزان للأعمال في باطنها] (^٥). فكما أن كل عمل لا يراد به وجه اللّه تعالى فليس لعامله فيه ثواب فكذلك كل كمل لما يكون عليه أمر اللّه ورسوله فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به اللّه ورسوله فليس من الدين في شيء.\n* * *\n• وسيأتي حديث العرباض بن سارية (^٦) عن النبي - ﷺ - أنه قاله: \"مَنْ يَعِشْ مِنكُم\n_________\n(^١) الذي كنَّاها أم عبد اللّه هو النبي - ﷺ - قيل لأن عبد اللّه بن الزبير تربى عندها وهي خالته، وقيل: لأنها أسقطت من رسول اللّه - ﷺ - سقطا فسماه عبد اللّه. راجع البداية والنهاية ٨/ ٩١.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الصلح: باب إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح رد ٥/ ٣٠١ ومسلم بروايتيه اللتين أشار إليهما ابن رجب في كتاب الأقضية: باب نقض الأحكام الباطلة، ورد محدثات الأمور ٣/ ١٣٤٣، ١٣٤٤.\n(^٣) في ن، ب: \"وألفاظ الحديث مختلفة\".\n(^٤) في ن \"منه\" وما أثبتناه عن النسخ الأخرى موافق لما في البخاري.\n(^٥) ما بين الرقمين سقط من ب وفي م: كما أن حديث الأعمال بالنيات ميزان للأعمال في باطنها، وهو ميزان للأعمال في ظاهرها.\n(^٦) هو الحديث الثامن والعشرون من الكتاب.","vol":"1","page":183},{"text":"بَعْدى فَسَيَرى اخْتِلافًا كَثيرًا فَعَليْكُمْ بسُنَّتى وَسُنَّةِ الخُلفَاءِ الرَّاشِدينَ المهْدِيِّين مِنْ بَعْدِى عضُّوا عَليْها بِالنَّواجِذِ وإيَّاكم وَمُحْدَثَاتِ الأمُورِ؛ فَإنّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَةُ\".\n* * *\n• وكان النبي - ﷺ - يقول في خطبته: \"إِن أَصْدَقَ الحَديت كِتَابُ اللّه، وخَيْرَ الهَدْى هديُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - وَشَرَّ الأمُورِ محدَثَاتُها\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-264>[الأعمال التي ليس عليها أمر الشارع]:</span>\nوسنؤخر الكلام على المحدثات إلى ذكر حديث العرباض المشار إليه.\nونتكلم ههنا على الأعمال التي ليس عليها أمر الشارع وردِّها. فهذا الحديث يدل بمنطوقه على أن كل عمل ليس عليه أمر الشارع فهو مردود.\nويدل بمفهومه على أن كل عمل عليه أمره فهو غير مردود.\nوالمراد بأمره ههنا دينه وشرعه كالمراد بقوله في الرواية الأخرى \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\".\nفالمعنى - إذًا - أن من كان عمله خارجًا عن الشرع ليس متقيدًا بالشرع فهو مردود.\n\n<span data-type='title' id=toc-265>[معنى قوله: ليس عليه أمرنا]:</span>\nوقوله \"ليس عليه أمرنا\" إشارة إلى أن أعمال العاملين كلِّهم ينبغي أن تكون تحت أحكام الشريعة؛ فتكون أحكام الشريعة حاكمة عليها بأمرها ونهيها؛ فمن كان عمله جاريا تحت أحكام الشريعة، موافقًا لها فهو مقبول، ومن كان خارجًا عن ذلك فهو مردود.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-266>[الأعمال: عبادات ومعاملات]:</span>\n• والأعمال قسمان: عبادات ومعاملات. فأما العبادات فما كان منها خارجًا عن\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه: كتاب الجمعة: باب تخفيف الصلاة والخطبة ٢/ ٥٩٢ من حديث جابر وعنده: \"فإن خير الحديث\" والنسائي ٣/ ١٨٨ - ١٩٨ وعنده: \"وأحسن الهدى\" وابن ماجه ١/ ١٧ وعنده: \"فإن خير الأمور\" وأحمد في المسند ٣: ٣١٠، ٣١٧ وعنده: \"وإن أفضل الهدى\" \"إن خير الحديث\" كلهم عن حديث جابر، ولم يرد بالنص الذي أورده ابن رجب في أي من هذه المواضع. وعند ابن ماجه من حديث ابن مسعود بنحوه عقب الموضع السابق.","vol":"1","page":184},{"text":"حكم اللّه ورسوله بالكلية، فهو مردرد على عامله، وعامله يدخل تحت قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-267>[مطلب: التقربُ إلى اللّه بسماع الملاهي أو بالرقص بدعة حرام </span>(^٢)]\nفمن تقرب إلى اللّه بعمل لم يجعله اللّه ورسوله قربة إلى اللّه فعمله باطل مردود عليه، وهو شبيه بحال الذين كانت صلاتهم عند البيت مُكَاءً وتَصْدِيةً.\n* * *\nوهذا كمن تقرب إلى اللّه تعالى بسماع الملاهي أو بالرقص أو بكشف الرأس في غير الإحرام وما أشبه ذلك من المحدثات التي لم يشرع اللّه ورسوله التقرب بها بالكلية.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-268>[ما يكون قربة في عبادة قد لا يكون قربة في سواها]</span>\nوليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة في غيرها مطلقًا. فقد رأى النبي - ﷺ - رجلا قائمًا في الشمس فسأل عنه فقيل: إنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وأن يصوم.\nفأمره النبي - ﷺ - أن يقعد ويستظل وأن يتم صومه (^٣) يجعل قيامه وبروزه في الشمس قربة يوفى بنذرهما.\n* * *\nوقد روي أن ذلك كان في يوم جمعة عند سماع خطبة النبي - ﷺ -: وهو على المنبر، فنذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل ما دام النبي - ﷺ - يخطب؛ إعظاما لسماع خطبة النبي - ﷺ -.\nولم يجعل النبي - ﷺ - ذلك قربة يوفى بنذره مع أن القيام عبادة في مواضع أخرى كالصلاة والأذان والدعاء بعرفة، والبروز للشمس قربة للمحرم، فدل على أنه ليس كل\n_________\n(^١) سورة الشورى: ٢١.\n(^٢) هذا العنوان: بهامش \"ب\" في هذا الموضع.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأيمان والنذور باب النذر فيما لا يملك وفي معصية ١١/ ٥٨٦.\nوأبو داود في سننه: كتاب الأيمان والنذور: باب ما جاء في النذر في المعصية ٢/ ٥٩٩ / ٥٦٠ من رواية عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال:\nبينما النبي - ﷺ - يخطب إذا هو برجل قائم في الشمس، فسأل عنه، فقالوا: هذا أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم، ويصوم، قال: مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه.\nوابن ماجه في السنن: كتاب الكفارات: باب من خلط في نذره طاعة بعصية ١/ ٩٩٠.","vol":"1","page":185},{"text":"ما كان قربة في موطن يكون قربة في كل المواطن. وإنما يتبع في ذلك كله ما وردت به الشريعة في مواضعها.\nوكذلك من تقرب بعبادة نهي عنها بخصوصها كمن صام يوم العيد أو صلى في وقت النهي.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-269>[ماذا إذا خلط مشروعًا بما ليس بمشروع أو أخل فيه بمشروع؟]:</span>\nوأما من عمل عملًا أصله مشروع وقربة ثم أدخل فيه ما ليس بمشروع أو أخل فيه بمشروع - فهذا أيضًا مخالف للشريعة بقدر إخلاله بما أخل به أو إدخاله ما أدخل فيه، وهل يكون عمله من أصله مردودًا (^١) عليه أم لا؟ فهذا لما يطلق القول فيه بِرَدٍّ ولا قبول بل ينظر فيه.\nفإن كان ما أخل به من أجزاء العمل أو شروطه موجبا لبطلانه في الشريعة كمن أخل بالطهارة للصلاة مع القدرة عليها أو كمن أخل بالركوع أو السجود أو بالطمأنينة (^٢) فيهما - فهذا عمله مردود عليه وعليه إعادته إن كان فرضا.\nوإن كان ما أخل به لما يوجب بطلان العمل كمن أخل بالجماعة للصلاة المكتوبة عند من يوجبها ولا يجعلها شرطًا، فهذا لا يقال إن عمله مردود من أصله بل هو ناقص.\nوإن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع فزيادته مردودة عليه بمعنى أنها لا تكون قربة، ولا يثاب عليها، ولكن تارة يبطل بها العمل من أصله فيكون مردودًا كمن زاد في صلاته ركعة عمدًا مثلا.\nوتارة لما يبطله ولا يرده من أصله كمن توضأ أربعا أربعًا أو صام الليل مع النهار، وواصل في صيامه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-270>[وماذا لو بدل مأمورا به بمنهي عنه؟]:</span>\nوقد يبدَّل بعضُ ما يؤمر به في العبادة بما هو منهي عنه كمن ستر عورته في الصلاة بثوب محرّم، أو توضأ للصلاة بماء مغصوب، أو صلى في بُقْعَةٍ غَصْبٍ - فهذا اختلف\n_________\n(^١) في هـ، م: \"مردود\".\n(^٢) في هـ، م: (مع الطمأنينة).","vol":"1","page":186},{"text":"العلماء فيه: هل عمله مردود من أصله؟ أو أنه غير مردود وتبرأ به الذمة من عهدة الواجب؟ وأكثر الفقهاء على أنه ليس بمردود من أصله.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-271>[من صلى بثوب من حرام]:</span>\nوقد حكى عبد الرحمن بن مهدي عن قوم من أصحاب الكلام يقال لهم الشِّمْرِية أصحاب أبي شِمْر (^١) أنهم يقولون إنه من صلى في ثوب كان في ثمنه درهم حرام أن عليه إعادة صلاته وقال: ما سمعت قولا أخبثَ من قولهم؛ نسأل اللّه العافية.\nوعبد الرحمن بن مهدي من أكابر فقهاء أهل الحديث المطلعين على مقالات السلف.\nوقد استنكرَ هذا القولَ وجعلهُ بدعة؛ فدل على أنه لم يُعْلَمْ عن أحد من السلف القولُ بإعادة الصلاة في مثل هذا (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-272>[والحج بمال حرام]:</span>\nويشبه هذا: الحج بمال حرام، وقد ورد في حديث أنه مردود على صاحبه ولكنه حديث لا يثبت وقد اختلف العلماء هل يسقط به الفرض أم لا؟\n\n<span data-type='title' id=toc-273>[والذبح بآلة محرمة]:</span>\nوقريب من ذلك الذبح بآلة محرمة، أو ذبح من لا يجوز له الذبح كالسارق؛ فأكثر العلماء قالوا: إنه تباح الذبيحة بذلك، ومنهم من قال: هي محرمة وكذا (^٣) الخلاف في ذبح المحرم للصيد؛ لكن القول بالتحريم فيه أشهر وأظهر لأنه منهي عنه بعينه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-274>[بين نهي ونهي]:</span>\nولهذا فرق من فرق من العلماء بين أن يكون النهي لمعنى يختص بالعبادة فيبطلها،\n_________\n(^١) نسبه إلى أبي شِمْرِ المرجئ القدري الضال وكان يزعم أن الإيمان هو المعرفة باللّه والخضوع له بالقلب، وأن خصال الإيمان إذا اجتمعت كان الإيمان، وإذا انتفت كلها أو بعضها كان الكفر.\nراجع الأنساب للسمعاني ٨/ ١٤٧ - ١٤٨. واللباب ٢/ ٢٠٨ وفي ا بفتح فكسر.\n(^٢) كما سيأتي في شرح الحديث العاشر.\n(^٣) ب: \"وكذلك\".","vol":"1","page":187},{"text":"وبين أن لا يكون مختصًّا بها فلا يبطلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-275>[الصلاة بالنجاسة والصلاة في الغصب]:</span>\nفالصلاة بالنجاسة أو بغير طهارة أو بغير ستارة أو إلى غير القبلة يبطلها (^١) لاختصاص النهي بالصلاة بخلاف الصلاة في الغصب.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-276>[صيام المجامع والمغتاب]:</span>\nويشهد لهذا أن الصيام لا يبطله إلا ارتكاب ما نهي عنه فيه بخصوصه، وهو جنس الأكل والشرب والجماع بخلاف ما نهي عنه الصائم لا بخصوص الصيام كالكذب والغيبة عند الجمهور.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-277>[الحج بين المجامع والسارق]:</span>\nوكذلك الحج لا (^٢) يبطله إلا ما نهي عنه في الإحرام، وهو الجماع، ولا يبطله ما لا يختص بالإحرام من المحرمات كالقتل والسرقة وشرب الخمر.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-278>[ماذا يبطل الاعتكاف؟]:</span>\nوكذلك الاعتكاف إنما يبطل بما نهي عنه فيه بخصوصه وهو الجماع. وإنما يبطل بالسكر عندنا وعند الأكثرين لنهي السكران عن قربان المسجد ودخوله على أحد التأويلين في قوله تعالى ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (^٣) أن المراد مواضع الصلاة فصار كالحائض ولا يبطل الاعتكاف بغيره من ارتكاب الكبائر عندنا وعند كثير من العلماء\".\n* * *\nوإن خالف في ذلك طائفة من السلف منهم عطاء والزهري والثورى ومالك وحكي\n_________\n(^١) في م: \"يبطها\" وهو. تحريف.\n(^٢) في هـ، م: \"ما يبطله\".\n(^٣) سورة النساء: ٤٣.","vol":"1","page":188},{"text":"عن غيرهم أيضًا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-279>[بماذا تبطل المعاملات؟]:</span>\n• وأما المعاملات كالعقود والفسوخ ونحوهما فما كان منها تغييرًا (^١) للأوضاع الشرعية كجعل حَدِّ الزنا عقوبةً مالية، وما أشبه ذلك؛ فإنه مردود من أصله لا ينتقل به الملك؛ لأن هذا غير معهود في أحكام الإسلام.\nويدل على ذلك أن النبي - ﷺ - قال للذي سأله: إن ابني كان عسيفًا (^٢) على فلان؛ فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم فقال النبي - ﷺ -: \"المائة شاة والخادم ردٌّ عليكَ، وعلى ابنكَ جلدُ مائة وتغريبُ عام\" (^٣) وما كان منها عقدًا منهيًّا عنه في الشرع إما لكون العقود عليه ليس محلا للعقد، أو لفوات شرط فيه، أو لظلم يحصل به للمعقود معه أو عليه (^٤)، أو لكون العقد يشغل عن ذكر اللّه ﷿ الواجب عند تضايق وقته أو غير ذلك - فهذا العقد هل هو مردود بالكلية لا ينتقل به الملك أم لا؟.\n\n<span data-type='title' id=toc-280>[اختلاف الروايات في ذلك]:</span>\nوهذا الموضع قد اضطرب الناس فيه اضطرابا كثيرًا، وذلك أنه ورد في بعض الصور: أنه مردود لا يفيد (^٥) المِلْك، وفي بعضها: أنه يفيده فحصل الاضطراب فيه بسبب ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-281>[والأقرب: التفريق بين ما فيه حق اللّه تعالى وما فيه حق الآدمي]:</span>\nوالأقرب: - إن شاء اللّه تعالى - أنه إن كان النهي فيه لحق اللّه تعالى فإنه لا يفيد\n_________\n(^١) في هـ، م: \"مغير الأوضاع\".\n(^٢) العسيف: الأجير.\n(^٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني قالا: إن رجلًا من الأعراب أتى رسول اللّه - ﷺ -. فقال: يا رسول اللّه: أنشدك اللّه إلا قضيت لي بكتاب اللّه. فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب اللّه، وائذن لي، فقال رسول اللّه - ﷺ -: \"قل\" قال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته، وأني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أَنما على ابني جلد مائة، وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم. فقال رسول اللّه - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب اللّه. الوليدة والغنم رد، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام. واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها\". قال فغدا عليها، فاعترفت: فأمر بها رسول اللّه - ﷺ - فرجمت، راجع صحيح البخاري: كتاب الشروط: باب الشروط التي لا تحل في الحدود ٥/ ٣٢٣، ٣٢٤.\nومسلم في كتاب الحدود: باب من اعترف على نفسه بالزنا ٣/ ١٣٢٤ - ١٣٢٥:\n(^٤) في هـ، م: \"وعليه\".\n(^٥) في هـ، م: \"يفيد\".","vol":"1","page":189},{"text":"الملك بالكلية.\nومعنى أن يكون الحق (^١) للّه أنه لا يسقط برضا المتعاقدين عليه.\nوإن كان النهي عنه لحق آدمي معين بحيث يسقط برضاه به؛ فإنه يقف على رضاه به؛ فإن رضي لزم العقد، واستمر المِلْك وإن لم يرض به فله الفسخ.\nفإن كان الذي يلحقه الضرر لا يعتبر رضاه بالكُلِّية كالزوجة والعبد في الطلاق والعتاق؛ فلا عبرة برضاه ولا بسخطه.\nوإن كان النهي رفقًا بالنهى خاصة لا يلحقه من المشقة فخالف وارتكب المشقة؛ لم يبطل بذلك عمله.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-282>[صور الأول]:</span>\nفأما الأول فله صور كثيرة منها: نكاح من يحرم نكاحه، إما لعينه: كالمحرمات على التأبيد بسبب أو نسب، أو للجمع، أو لفوات شرط لا يسقط بالتراضي بإسقاطه، كنكاح المعتدة والمحرمة والنكاح بغير ولي ونحو ذلك.\nوقد روي أن النبي - ﷺ - فَرَّق بين رجل وامرأة تزوجها وهي حُبلى؛ فرد النكاح (^٢) لوقوعه في العدة.\nومنها عقود الربا فلا تُفيد الملك، ويؤمر بردها، وقد أمر النبي - ﷺ - من باع صاع تمر بصاعين أن يَرُدَّهُ (^٣).\nومنها بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام والكلب وسائر ما نهي عن بيعه مما لا يجوز التراضي ببيعه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-283>[صور الثاني]:</span>\nوأما الثاني فله صور عديدة منها: إنكاح الولى من لا يجوز له إنكاحها إلا بإذنها -\n_________\n(^١) ب: \"ويعني بكون الحق\".\n(^٢) على ما روى أبو داود في سننه ٢١٣١ لكن بإسناد ضعيف، وانظر ما علق به الخطابى في معالم السنن.\n(^٣) كما روى البخاري ح ٢٢٠١، ٢٢٠٢ وأطرافهما ومسلم ح ١٥٩٤.","vol":"1","page":190},{"text":"بغير إذنها (^١).\nوقد رد النبي - ﷺ - نكاح امرأة ثيب زوَّجها أبوها وهي كارهة (^٢).\nوروي عنه - ﷺ - أنه خير امرأة زوجت بغير إذنها (^٣) وفي بطلان هذا النكاح أو وقوفه على الإجازة روايتان عن أحمد.\n* * *\nوقد ذهب طائفة من العلماء إلى أن من تصرف لغيره في ماله بغير إذنه لم يكن تصرفه باطلا من أصله؛ بل يقف على إجازته، فإن أجازه جاز وإن ردَّه بطَل.\nواستدلوا بحديث عروة بن الجعد في شرائه (^٤) للنبي - ﷺ - شاتين وإنما كان أمره بشراء شاة (^٥) واحدة ثم باع إحداهما وقَبِلَ ذلك النبيُّ (^٦) - ﷺ -.\nوخص ذلك الإمام أحمد في المشهور عنه بمن كان يتصرف لغيره في ماله بإذن إذا خالف الإذن.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-284>[تصرف المريض في ماله]:</span>\nومنها تصرف المريض في ماله كله هل يقع باطلًا من أصله أم يوقف (^٧) تصرفه في الثلثين (^٨) على إجازة الورثة؟ فيه اختلاف مشهور للفقهاء، والخلاف في مذهب أحمد وغيره.\n_________\n(^١) كما ررى مسلم في صحيحه ٣/ ١٢١٤ - ١٢١٧ ح ١٥٩٢ - ١٥٩٤ من وجوه عديدة.\n(^٢) في ذلك يروي أبو داود في كتاب النكاح: باب الثيب ٢/ ٥٧٩ من رواية خنساء بنت خذام أن أباها زوجها وهي ثيِّب فكرهت ذلك، فجاءت رسول اللّه - ﷺ - فذكرت له فرد نكاحها.\n(^٣) في ذلك يروي أبو داود في كتاب النكاح: باب البكر يزوجها أبوها ولا يستأمرها ٢/ ٥٧٦ بسنده من حديث ابن عباس ﵄ أن جارية بكرا أتت النبي - ﷺ - فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة فخيرها النبي - ﷺ - والحديث عند أحمد في السند (٤/ ١٥٥) المعارف بإسناد صحيح. وابن ماجه في السنن: النكاح. باب من زوج ابنته وهي كارهة ١/ ٦٠٣.\n(^٤) ب: \"بشراه\".\n(^٥) ليست في ب.\n(^٦) أخرجه البخاري بسنده عن شبيب بن غرقدة قال: سمعت الحي يتحدثون عن عروة أن النبي - ﷺ - أعطاه دينارًا يشتري له به شاة فاشترى له به شاتين فباع إحداهما بدينار، فجاء بدينار وشاة، فدعا له بالبركة وكان لو اشترى التراب لربح فيه.\nراجع كتاب علامات النبوة: باب حدثنا محمد بن المثنى ٦/ ٦٣٢ من الفتح.\n(^٧) في ن: \"يقف\".\n(^٨) في هـ، م: \"الثلث\" وهو خطأ.","vol":"1","page":191},{"text":"• وقد صح أن النبي - ﷺ - رفع إليه أن رجلًا أعتق ستة مملوكين له عند موته لا مال له غيرهم فدعا بهم فجزأهم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة وقال له قولًا شديدًا ولعل الورثة لم يجيزوا عتق الجميع واللّه أعلم (^١).\nومنها بيع المدلَّس (^٢) ونحوه كالمصَرَّاة (^٣) وبيع النَّجْش (^٤) وتلقي الرُّكْبَان (^٥) ونحو ذلك.\nوفي صحته كله اختلاف مثمهور في مذهب الإمام أحمد.\nوذهب طائفة من أهل الحديث إلى بطلانه وردِّه.\nوالصحيح أنه يصح ويقف على إجازة من حصل له ظلم بذلك.\n• فقد صح عن النبي - ﷺ - أنه جعل مشتري المصراة بالخيار (^٦) وأنه جعل للركبان الخيار إذا هبطوا السوق (^٧).\nوهذا كله يدل على أنه غير مردود من أصله.\nوقد أورد (^٨) على بعض من قال بالبطلان حديثُ المصَرَّاة فلم يذكر عنه جوابا.\nوأما بيع الحاضر للبادي فمن صححه جعله من هذا القبيل ومن أبطله جعل الحق فيه\n_________\n(^١) أورده الشافعي في الأم ٤/ ٢٧، ورواه مسلم في كتاب الأيمان والنذور: باب عن أعتق شركاء له في عبد ٣/ ١٢٨٨ من حديث عمران بن حصين. وفيه. فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم …\n(^٢) التدليس في البيع: إخفاء العيب في السلعة.\n(^٣) المصراة: الناقة أو البقرة أو الشاة يصرَّى اللبن في ضرعها، أي يجمع ويحبس، وذكر الشافعي أنها التي لا تحلب أياما حتى يجتمع اللبن في ضرعها فإذا حلبها المشتري استغزرها.\nوقد تكررت هذه اللفظة في الأحاديث منها قوله ﵇: \"لا تصروا الإبل والغنم\"، فإن كان من الصر فهو بفتح التاء وضم الصاد، وإن كان من الصرى فيكون بضم التاء وفتح الصاد. وإنما نهي عنه لأنه خداع وغش. راجع النهاية ٣/ ١٧.\n(^٤) النَّجش بفتح النون وسكون الجيم وهو أن يمدح السلعة ليروجها أو يزيد ثمنها وهو لا يريد شراءها ليقع غيره فيه. راجع النهاية ٥/ ٢١.\n(^٥) تلقي الركبان أن يقابل التجار القادمين إلى البلدة فيشتري منهم السلع بثمن بخس قبل أن يدخلوا البلدة فيعرفوا الأسعار وهو لا يخلو من غش وخداع ولذا نهى عنه كسوابقه.\n(^٦) فقد روى مسلم في كتاب البيوع: باب حكم بيع المصراة ٢/ ١١٥٨ - ١١٥٩ من حديث أبي هريرة أن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"من اشترى شاة مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام فإن ردها رد معها صاعا من طعام\".\n(^٧) فقد روى مسلم في كتاب البيوع: باب تحريم تلقي الجلب ٢/ ١١٥٧ من حديث أبي هريرة أن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"لا تلقوا الجب - ما يجلب للبيع أي شيء كان - فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى سيده (مالكه: صاحب المتاع) السوق فهو بالخيار\".\n(^٨) في هـ، م: ورد.","vol":"1","page":192},{"text":"لأهل البلد كلهم، وهم غير منحصرين فلا يتصور إسقاط حقوقهم، فصار كحق اللّه ﷿.\nومنها لو باع رقيقًا يحرم التفريق بينهم وفرق بينهما كالأم وولدها فهل يقع باطلًا مردودًا أم يقف على رضاهم بذلك؟.\nوقد روي أن النبي - ﷺ - أمر برد هذا البيع (^١).\nونص أحمد على أنه لا يجوز التفريق بينهم ولو رضوا بذلك؟\nوذهب طائفة إلى جواز التفريق بينهم برضاهم، منهم النخعي وعبيد اللّه بن الحسن العنبري (^٢).\nفعلى هذا يتوجه أن يصح ويقف على الرضا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-285>[لو خص بعض ولده بعطية]:</span>\n• ومنها لو خص بعض أولاده بالعطية دون بعض، فقد صح عن النبي - ﷺ - أنه أمر بشير بن سعد لما خص ولده النعمان بالعطة أن يرده (^٣).\nولم يدل ذلك على أنه لم ينتقل الملك بذلك إلى الولد؛ فإن هذه العطية تصح وتقع مراعاة فإن ساوى (^٤) بين الأولاد في العطية أو استرد ما أعطى الولد جاز وإن مات ولم يفعل شيئًا من ذلك فقال مجاهد هو (^٥) ميراث.\nوحكي عن أحمد نحوه وأن العطية تبطل والجمهور على أنها لا تبطل.\nوهل للورثة الرجوع فيها أم لا؟ فيه قولان مشهوران وهما روايتان عن أحمد.\n* * *\n_________\n(^١) كما روى الحاكم في المستدرك ٢/ ١٢٥ - أن عليا ﵁ فرق بين جارية وولدها فنهاه النبي - ﷺ - عن ذلك ورد البيع.\n(^٢) في هـ، م: \"البصري \" وهو تحريف فهو عبيد اللّه بن الحسن بن حصين بن تميم العنبري ولد سنة ١٠٦ وولي القضاء سنة ١٥٧ وكان ثقة في الحديث مات سنة ١٦٨ وله ترجمة في تهذيب التهذيب ٧/ ٧ - ٨.\n(^٣) فقد روى مسلم في كتاب الهبات: باب كراهة تفضيل بعض الأولاد في الهبة ٢/ ١٢٤١ - ١٢٤٤ من حديث النعمان بن بشير قال: أتى أبي إلى رسول اللّه - ﷺ - فقال إنى نحلت ابني هذا غلاما فقال: \"أكل بنيك نحلت - (أعطيت) مثل هذا؟ \" قال: لا قال: \"فاردده\".\n(^٤) ب: \"سوى\".\n(^٥) ب: \"هي\".","vol":"1","page":193},{"text":"<span data-type='title' id=toc-286>[الطلاق النهي عنه]:</span>\n• ومنها الطلاق النهي عنه كالطلاق في زمن الحيض فإنه قد قيل أنه قد نهي عنه لحق الزوج حيث كان يخشى عليه أن يعقبه فيه الندم ومن نهي عن شيء رفقًا به فلم ينته عنه بل فعله وتجشم مشقته فإنه لا يحكم ببطلان ما أتى به، كما صام في المرض أو السفر أو واصل في الصيام، أو أخرج ماله كله وجلس يتكفف الناس، أو صلى قائمًا مع تضرره بالقيام للمرض، أو اغتسل وهو يخشى على نفسه الضرر والتلف ولم يتيمم، أو صام الدهر ولم يفطر، أو قام الليل ولم ينم، وكذلك إذا جمع الطلاق الثلاث على القول بتحريمه.\n• وقيل إنما نهي عن طلاق الحائض لحق المرأة لا فيه من الإضرار بها بتطويل العدة ولو رضيت بذلك بأن سألته الطلاق بعوض في الحيض فهل يزول بذلك تحريمه؟ فيه قولان مشهوران للعلماء والمشهور من مذهبنا ومذهب الشافعي أنه يزول التحريم بذلك.\n* * *\n• فإن قيل إن التحريم فيه لحق الزوج خاصة فإذا أقدم (^١) عليه فقد أسقط حقه فسقط وإن علل بأنه لحق المرأة لم يمنع نفوذه ووقوعه أيضًا؛ فإن رضاء المرأة بالطلاق غير معتبر لوقوعه عند جميع المسلمين، لم يخالف فيه سوى شِرْذِمة يسيرة من الروافض ونحوهم كما أن رضا الرقيق بالعتق غير معتبر ولو تضرر به، ولكن إذا تضررت المرأة بذلك وكان قد بقى شيء من طلاقها أمر الزوج بإرتجاعها كما أمر النبي - ﷺ - ابن عمر بارتجاع زوجته (^٢) تلافيا منه لضررها وتلافيا منه (^٣) لما وقع منه من الطلاق المحرم، حتى لا تصير بينونتها منه ناشئة عن طلاق محرم؛ وليتمكن من طلاقها على وجه مباح فتحصل إبانتها على هذا الوجه.\n* * *\n• وقد روي عن أبي الزبير، عن ابن عمر ﵃: أن النبي - ﷺ - رَدَّهَا عليه، ولم يرها شيئًا. وهذا مما تفرد به أبو الزبير عن أصحاب ابن عمر كلهم مثل ابنه\n_________\n(^١) في هـ، م، ب: قدم.\n(^٢) راجع في هذا ما أخرجه مسلم في كتاب الطلاق: باب تحريم طلاق الحائض بغير عن ٢/ ١٠٩٣ من طرق عن ابن عمر.\n(^٣) ليست في ب.","vol":"1","page":194},{"text":"سالم ومولاه نافع وأنس وابن سيرين وطاووس ويونس بن جبير وعبد اللّه بن دينار وسعيد بن جبير وميمون بن مهران وغيرهم.\n• وقد أنكر أئمة العلماء هذه اللفظة على أبي الزبير من المحدثين والفقهاء وقالوا: إنه تفرد بما خالف الثقات فلا يقبل تفرده فإن في (^١) رواية الجماعة عن ابن عمر مما يدل على أن النبي - ﷺ - حسب عليه الطلقة من وجوه كثيرة.\nوكان ابن عمر يقول لمن سأله عن طلاق المرأة (^٢) في الحيض إن كنت طلقت واحدة أو اثنتين فإن رسول اللّه - ﷺ - أمرني بذلك - يعني بارتجاع المرأة - وإن كنت طلقتها (^٣) ثلاثا فقد عصيت ربك، وبانت منك امرأتك.\nوفي رواية أبي الزبير زيادة أخرى لم يتابع عليها وهو قوله ثم تلا رسول اللّه - ﷺ -: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (^٤).\nولم يذكر ذلك أحد من الرواة عن ابن عمر.\nوإنما روى عبد اللّه بن دينار عن ابن عمر: أنه كان يتلو هذه الآية عند روايته للحديث وهذا هو الصحيح.\nوقد كان طوائف من الناس يعتقدون أن طلاق ابن عمر كان ثلاثا، وأن النبي - ﷺ - إنما ردها عليه لأنه لم يوقع الطلاق في الحيض وقد روي ذلك عن أبي الزبير أيضًا من رواية معاوية بن عمار الدهني (^٥) عنه فلعل أبا الزبير اعتقد هذا حقًّا فروى تلك اللفظة بالمعنى الذي فهمه (^٦).\nوروى ابن لهيعة هذا الحديث عن أبي الزبير فقال عن جابر: أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض فقال النبي - ﷺ - \"ليراجعها فإنها امرأته\" وأخطأ في ذكر (^٧) جابر في هذا الإِسناد وتفرد بقوله: فإنها امرأته وهي لا تدل (^٨) على عدم وقوع الطلاق إلا على تقدير أن يكون ثلاثا فقد اختلف في هذا الحديث على أبي الزبير وأصحاب ابن عمر الثقات الحفاظ العارفون به الملازمون له لم يُخْتَلَفْ عليهم فيه.\n_________\n(^١) ليست في ب.\n(^٢) ب: \"عن الطلاق\".\n(^٣) ب: \"طلقت\".\n(^٤) سورة الطلاق:١.\n(^٥) في هـ، م \"الذهبي\" وهو تصحيف. وترجمة الدهني في التهذيب ١٠/ ٢١٤.\n(^٦) هذا منقوض بما سيورده ابن رجب عن ابن سيرين.\n(^٧) ب: \"ذلك\".\n(^٨) في هـ، م: \"ولا يدل\".","vol":"1","page":195},{"text":"• فروى (^١) أيوب عن ابن سيرين قال: مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهم (^٢) أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثا وهي حائض فأمره النبي - ﷺ - أن يراجعها فجعلت لا أتهمهم ولا أعرف الحديث حتى لقيت أبا غلاب: يونس بن جبير، وكان ذا ثَبَتٍ (^٣) فحدثني أنه سأل ابن عمر فحدثه أنه طلقها واحدة.\nخرجه مسلم (^٤).\nوفي رواية قال ابن سيرين فجعلت لا أعرف للحديث وجها ولا أفهمه.\nوهذا يدل على أنه كان قد شاع بين الثقات من غير أهل الفقه والعلم أن طلاق ابن عمر كان ثلاثا ولعل أبا الزبير من هذا القبيل ولذلك كان نافع يسأل كثيرًا عن طلاق ابن عمر هل كان ثلاثا أو واحدة.\nولما قدم نافع مكة أرسلوا إليه من مجلس عطاء يسألونه عن ذلك، لهذه الشبهة، واستنكار ابن سيرين لرواية الثلاث يدل على أنه لم يعرف قائلا معتبرا يقول: إن الطلاق المحرم (^٥) غير واقع، وأن هذا القول لا وجه له.\n• قال الإمام أحمد في رواية أبي الحارث وسئل عمن قال: لا يقع الطلاق المحرم لأنه يخالف ما أمر به فقال: هذا قول سوء رديء، ثم ذكر قصة ابن عمر، وأنه احتسب بطلاقه في الحيض.\n• وقال أبو عبيد: الوقوع هو الذي عليه العلماء مجمعون في جميع الأمصار: حجازهم وتهامهم ويمنهم وشأمهم وعراقهم ومصرهم.\nوحكى ابن المنذر ذلك عن كل من يحفظ قوله من أهل العلم، إلا ناسا من أهل البدع لا يعتد بهم (^٦).\n_________\n(^١) ب: \"وروى\".\n(^٢) م: \"أتهمهم\".\n(^٣) ثبت المحدث بفتح الثاء والباء: الصحيفة والكتاب الذي يثبت فيه مروياته وأشياخه، ورجل ثبت بسكون الباء: حجة يوثق به.\n(^٤) في كتاب الطلاق: باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها ٢/ ١٠٩٥ - ١٠٩٦ بنحوه.\n(^٥) ليست في ب.\n(^٦) ترجم البخاري في كتاب الطلاق: باب إذا طلقت الحائض تعتد بذلك الطلاق ٩/ ٣٥١ وروى بسنده من حديث أنس بن سيرين قال: سمعت ابن عمر يقول: طلق ابن عمر امرأته وهي حائض فذكر عمر للنبي - ﷺ - فقال: ليراجعها. قلت: تحتسب؟ قال: فمه؟ ثم روى البخاري عقب ذلك في الموضع نفسه من حديث سعيد بن جبير عم ابن عمر قال: \"حسبت عليّ بتطليقة\".\nوقول ابن عمر لأنس: فمه معناه: فما يكون إن لم أحتسب بها. =","vol":"1","page":196},{"text":"<span data-type='title' id=toc-287>[رأى ابن حزم]:</span>\n• وأما ما حكاه ابن حزم (^١) عن ابن عمر أنه لا يقع الطلاق في الحيض مستندًا إلى ما رواه من طريق محمد بن عبد السلام الخشنى الأندلسى حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن عبيد اللّه بن عمر عن نافع ابن عمر في الرجل يطلق امرأته وهي حائض قال لا يعتد بها.\nوبإسناده عن خلاس نحوه، فإن هذا الأثر قد سقطت عن آخره لفظة وهي قال: لا يعتد بتلك الحيضة.\nكذلك رواه أبو بكر بن أبي شيبة في كتابه عن عبد الوهاب الثقفي (^٢).\nوكذلك (^٣) رواه يحيى بن معين عن عبد الوهاب أيضًا وقال هو غريب لم (^٤) يحدث به إلا عبد الوهاب ومراد ابن عمر أن الحيضة التي تطلق فيها المرأة لا تعتد بها المرأة قرءا، وهذا هو مراد خلاس وغيره.\n* * *\nوقد روي ذلك أيضًا عن جماعة من السلف منهم زيد بن ثابت وسعيد بن المسيب فوهم جماعة من المفسرين وغيرهم كما وهم ابن حزم فحكوا عن بعض من سمينا أن الطلاق في الحيض لا يقع. وهذا سبب وهمهما واللّه أعلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-288>[عود إلى الحديث والاستشهاد به]:</span>\nوهذا الحديث إنما رواه القاسم بن محمد لما سئل عن رجل له مساكن فأوصى بثلث ثلاث مساكن هل يجمع له في مسكن واحد (^٥) فقال يجمع ذلك كله مسكن واحد، حدثتنى عائشة ﵂ أن النبي - ﷺ - قال: \"مَنْ عَمِلَ عملا ليس عليه أمْرُنَا فهو رَدٌّ\".\n_________\n= وراجع ما ذكره ابن حجر في هذا الموضع من الفتح وروايات مسلم في صحيحه كتاب الطلاقا: باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها وأنه لو خالف وقع الطلاق ويؤمر بمراجعتها ٢/ ١٠٩٣ - ١٠٩٨ وما ذكره الشراح والمعلقون.\n(^١) في المحلى ١٠/ ١٦٣.\n(^٢) في المصنف ٥/ ٥.\n(^٣) ب: \"وكذا\".\n(^٤) هـ، م: \"لا\".\n(^٥) م: \"له في مسكن\".","vol":"1","page":197},{"text":"خرجه مسلم (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-289>[تغيير الوصية إلى ما هو الأحب والأنفع]:</span>\nومراده أن تغيير وصية الموصي إلى ما هو أحب إلى اللّه وأنفع جائز وقد حكي هذا عن عطاء وابن جريج.\nوربما يستدل بعض من ذهب إلى هذا بقوله تعالى ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا (^٢) أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ (^٣) ولعله أخذ هذا من جمع العتق فإنه (صح أن رجلًا) (^٤) أعتق ستة مملوكين له عند موته [لم يكن له مال غيرهم] (^٥) فدعاهم النبي - ﷺ - فجزأهم ثلاثة أجزاء فأعتق اثنين وأرق أربعة. خرجه مسلم (^٦).\nوذهب فقهاء الحديث إلى هذا الحديث، لأن تكميل عتق العبد مهما أمكن أولى من تشقيصه (^٧).\nولهذا شرعت السراية والسعاية (^٨) إذا أعتق أحد الشريكين نصيبه من عبد وقال - ﷺ - فيمن أعتق بعض عبد له: \"هُوَ عتيق كُلُّهُ لَيْسَ للّه شَريكٌ\" (^٩).\n* * *\nوأكثر العلماء على خلاف قول القاسم هذا وأن وصية الموصي لا تجمع ويتبع لفظه\n_________\n(^١) مضى تخريج الحديث ص ١٨١.\n(^٢) الجنف: الميل والجور.\n(^٣) سورة البقرة: ١٨٢.\n(^٤) ما بين القوسين من ن.\n(^٥) ما بين القوسين من مسلم وهي زيادة واجبة.\n(^٦) في صحيحه: كتاب الأيمان: باب من أعتق شركًا له في عبد ٣/ ١٢٨٨ وفيه: فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم فأعتق اثنين، وأرق أربعة وقال له قولا شديدًا.\n(^٧) التشقيص: التجزئة والشقص والشقيص: النصيب في العين المشتركة من كل شيء.\n(^٨) استسعاء العبد إذا عتق بعضه ورق بعضه: هو أن يسعى في فكاك ما بقى من رقه فيعمل ويكسب ويصرف ثمنه إلى مولاه فسمي تصرفه في كسبه سعاية، وفي هذا يروي البخاري حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"من أعتق نصيبًا أو شقيصًا في مملوك فخلاصه عليه في ماله إن كان له مال وإلا قوم عليه فاستسعى به غير شقوق عليه (غير مكلف إياه فوق طاقته). راجع صحيح البخاري: كتاب العتق: باب إذا عتق نصيبًا في عبد ٥/ ١٥٦، وسنن أبي داود: كتاب العتق: باب فيمن أعتق نصيبا في مملوك ٤/ ٢٥٤، ٢٥٥ والنهاية ٢/ ٣٧٠.\n(^٩) أخرجه أبو داود في كتاب العتق: باب فيمن أعتق نصيبًا في مملوك ٤/ ٢٥١ - ٢٥٢ والبيهقي في الكبرى ١٠/ ٢٧٤ عنده: هو حركه ومسلم في صحيحه كتاب الأيمان: باب من أعتق شركًا له في عبد ٣/ ١٢٨٦ - ١٢٨٩ وكتاب العتق أوله، وباب سعاية العبد ٣/ ١١٣٩ - ١١٤١.","vol":"1","page":198},{"text":"إلا في العتق خاصة؛ لأن المعنى الذي جمع له في العتق غير موجود في بقية الأموال؛ فيعمل فيها بمقتضى وصية الموصي.\n* * *\nوذهب طائفة من الفقهاء في العتق إلى أنه يعتق من كل عبد ثلثه ويستسعون في الباقي. واتباع قضاء رسول اللّه - ﷺ - أحق وأولى.\nوالقاسم نظر إلى أن في مشاركة الموصي له للورثة في المساكن كلها ضررًا عليهم فيدفع عنهم هذا الضرر ويجمع الوصية في مسكن واحد فإن اللّه قد شرط في الوصية عدم المضارة، بقوله تعالى ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ (^١) فمن ضار في وصيته كان عمله مردودا عليه؛ لمخالفته ما شرط اللّه تعالى في الوصية.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-290>[لو أوْصَى بثُلُث مساكنه]</span>\nوقد ذهب طائفة من الفقهاء إلى أنه لو أوصى بثلث مساكنه (^٢) كلها ثم تلف ثلثا (^٣) المساكن؛ وبقى منها ثلث أنه يعطيه كله (^٤) للموصى له وهذا قول طائفة من أصحاب أبي حنيفة.\nوحكي عن أبي يوسف ومحمد ووافقهم القاضي أبو يعلى من أصحابنا في خلافه.\nوبنوا ذلك على أن المساكن المشتركة تُقَسَّم بين المشتركين فيها قسمة إجبار كما هو قول مالك.\nوظاهر كلام ابن أبي موسى من أصحابنا والمشهور عند أصحابنا أن المساكن المتعددة لا تقسم قسمة إجبار وهو قول أبي حنيفة والشافعي رحمهما اللّه.\n[وقد تأول بعض المالكية فتيا القاسم المذكورة في هذا الحديث على أن أحد الفريقين من الورثة والموصى لهم [إن] طلب قسمة المساكن وكانت متقاربة بحيث يضم بعضها إلى بعض في القسمة فإنه يجاب إلى قسمتها على قولهم.\nوهذا التأويل بعيد مخالف للظاهر واللّه أعلم] (^٥).\n_________\n(^١) سورة النساء: ١٢.\n(^٢) في هـ، م: \"ثم ثلثي المساكن كلها\".\n(^٣) في هـ، م: \"ثلث\".\n(^٤) في هـ، م: \"كلها\".\n(^٥) ما بين الرقمين ليس في أ.","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type='title' id=toc-291>الحديث السادس</span>\nعن أبي عبد الله: النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله! - ﷺ - يقول:\n\"إنَّ الْحَلالَ بَيِّنٌ، وَإنَّ الحرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيَنْهُمَا أُمورٌ مُشْتبِهَاتٌ، لا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاس، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَات، فَقَد اسْتَبْرأ لدِينِه وَعِرْضِهِ، وَمنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ، وَقَعَ في الْحَرَامِ، كالرَّاعِى يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَن يَرْتعَ فيه، أَلَا وَإنّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمَىً، أَلا وإِنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ، أَلا وَإنَّ في الجَسَد مُضغَةً، إذا صَلَحتْ صَلَحَ الجسَدُ كُلُّهُ وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِي الْقَلْبُ\". رواه البخاري ومسلم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-292>[تخريج الحديث وبيان درجته]:</span>\nهذا الحديث صحيح متفق على صحته من رواية الشعبي، عن النعمان بن بشير، وفي ألفاظه بعض الزيادة والنقص.\nوالمعنى واحد أو متقارب.\nوقد روي عن النبي - ﷺ - من حديث ابن عمر (^٢) وعمار بن ياسر (^٣) وجابر وابن مسعود وابن عباس (^٤).\nوحديث النعمان أصح أحاديث الباب.\n\n<span data-type='title' id=toc-293>[شرح الحديث]:</span>\nفقوله - ﷺ -: \"الْحَلالُ بَيِّنٌ والْحَرامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبَهاتٌ لا يَعْلَمُهُنَّ كَثيرٌ مِنَ النَّاس\" معناه: أن الحلال المحض بيِّن لا اشتباه فيه وكذلك الحرام المحض ولكن بين\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان: باب فضل من استبرأ لدينه ١/ ١٢٦ وفي كتاب البيوع: باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات ٤/ ٢٩٠ من الفتح.\nوأخرجه مسلم في كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال، وترك الشبهات ٢/ ١٢١٩ - ١٢٢١.\n(^٢) حديث ابن عمر رواه الطبراني في المعجم الصغير ١/ ٥١ والأوسط وفي إسناد الأوسط سعد بن زنبور قال أبو حاتم: مجهول، وإسناد الصغير حسن كما ذكر الهيثمي في المجمع ٤/ ٧٣ - ٧٤ وأورده البيهقي في الزهد الكبير بروايتي الأوسط والصغير ص ٣٣٩.\n(^٣) أورده الهيثمي في المجمع ٧/ ٧٣ عن الطبراني في الكبير وذكر أن إسناده ضعيف عن أبي يعلى وهو في مسنده ١٠/ ٢٩٣ بإسناد ضعيف أيضًا. وهو في المجمع ١٠/ ٢٩٦ عن أبي يعلى وقال: فيه موسى بن عبيدة وهو متروك.\n(^٤) وأورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٩٣ - ٢٩٤ عن الطبراني وقال فيه سابق الجزري لم أعرفه وبقية رجاله ثقات.","vol":"1","page":201},{"text":"الأمرين أمور تشتبه على كثير من الناس هل هي من الحلال أم من الحرام، وأما الراسخون في العلم فلا يشتبه عليهم ذلك ويعلمون من أي القسمين هي.\n\n<span data-type='title' id=toc-294>[الحلال المحض]:</span>\n• فأما الحلال المحض فمثل أكل الطيبات من الزروع والثمار وبهيمة الأنعام وشرب الأشربة الطيبة ولباس ما يحتاج إليه من القطن والكتان والصوف والشعر وكالنكاح والتسري وغير ذلك إذا كان اكتسابه بعقد صحيح كالبيع أو بميراث أو هبة أو غنيمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-295>[الحرام المحض]:</span>\n• والحرام المحض مثل أكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وشرب الخمر، ونكاح المحارم، ولباس الحرير للرجال، ومثل الاكتساب المحرم كالربا والميسر، وثمن ما لا يحل بيعه، وأخذ الأموال المغصوبة بسرقة أو غصب أو تدليس (^١) ونحو ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-296>[المشتبه]:</span>\n• وأما المشتبه فمثل أكل بعض ما اختلف في حله أو تحريمه: إما من الأعيان كالخيل والبغال والحمير والضَّب، وشرب ما اختلف في تحريمه من الأنبذة التي يسكر كثيرها، ولبس ما اختلف في إباحة لبسه من جلود السباع ونحوها، وإما من المكاسب المختلف فيها كمسائل العِينَة والتورُّق (^٢)، ونحو ذلك وبنحو هذا المعنى فسَّر المشتبهات أحمد وإسحق وغيرهما من الأئمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-297>[ومجمل القول في ذلك]:</span>\nوحاصل الأمر أن الله تعالى أنزل على نبيه الكتاب وبين فيه للأمة ما تحتاج إليه من حلال وحرام كما قال تعالى ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٣) قال\n_________\n(^١) ليست في \"ب\".\n(^٢) العينة: السلف والمراد أن يبيع شيئًا من غيره بثمن مؤجل، ويسلم إلى المشتري، ثم يشتريه قبل قبض الثمن بثمن أقل مما باع به، وينقده الثمن؛ قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فهذا مع التواطؤ يبطل البيعتين، لأنها حيلة، واستشهد بحديث ابن عمر في التبايع بالعينة وما فيه من توعد شديد، ذكر أنه إذا لم يتواطأ بطل البيع الثاني ثم قال: ولو كان مقصود المشتري الدراهم وابتاع السلعة إلى أجل ليبيعها ويأخذ ثمنها فهذا يسمى التورّق، ففي كراهته عن أحمد روايتان … إلخ.\nأقول وكأن التورق: تطلب الرقة (المال أو الدراهم) مع التظاهر بالشراء ففيه تحايل كذلك. راجع القواعد النورانية ص ١٤٢ - ١٤٣.\n(^٣) سورة النحل: ٨٩.","vol":"1","page":202},{"text":"مجاهد وغيره: لكل شئٍ أُمِروا به، أو نُهُوا عنه، وقال الله تعالى: في آخر سورة النساء التي بيّن فيها كثيرًا من أحكام الأَمْوال والأَبْضَاع ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ (^٣).\nووكل بيان ما أشكل من التنزيل إلى الرسول. كما قال تعالى ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-298>[إكمال الدين]:</span>\nوما قبض رسول الله - ﷺ - حتى أكمل له ولأمته الدين، ولهذا أنزل عليه بعرفة قبل موته بمدة يسيرة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (^٥) وقال - ﷺ -: \"تَرَكْتُكُمْ عَلَى بَيْضاءَ نَقيَّةٍ لَيْلُها كَنَهَارِهَا لا يَزِيغُ عَنْهَا إلَّا هَالِكٌ\" (^٦).\n* * *\n• وقال أبو ذر ﵁: \"توفي رسول الله - ﷺ - وما طائر يحرك جناحيه في السماء إلا وقد ذَكَر لنا منه عِلْمًا (^٧) \".\n• ولما شك ناس في موته - ﷺ - قال عمه العباس ﵁: \"والله! ما مات رسول الله - ﷺ - حتى ترك السّبيل نهجًا واضحًا، وأَحَلَّ الحلالَ، وحَرَّمَ الحرام، ونكح وطلّق، وحارَبَ وسَالَم وما كان راعي غنم يتبع بها رءوس الجبال يخبط عليها العضاة (^٨) بمخبطته (^٩)\n_________\n(^١) سورة النساء: ١٧٦.\n(^٢) سورة الأنعام: ١١٩.\n(^٣) سورة التوبة: ١١٥.\n(^٤) سورة النحل: ٤٤.\n(^٥) سورة المائدة: ٣.\n(^٦) سنن ابن ماجه ١/ ١٦ ومسند أحمد ٤/ ١٢٦ (حلبي) من حديث طويل. عن العرباض بن سارية.\n(^٧) أورده الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٦٦ - ٢٦٧ وقال: رواه أحمد والطبراني وزاد: فقال النبي - ﷺ -: \"ما بقي شيء يقرب من الجنة ويباعد من النار إلا وقد بُيّن لكم\" ورجال الطبراني رجال الصحيح غير محمد بن عبد الله بن يزيد المقري وهو ثقة وفي إسناد أحمد من لم يسم.\n(^٨) في النهاية ٣/ ٢٥٥ العضاهُ: كل شجر عظيم له شوك. الواحدة عضةٌ أو عضاهة.\n(^٩) مخبطته: عصاه، والمخبط: العصا التي يخبط بها الشجر، وخبط الشجر: ضربه بالعصا ليتناثر ورقه. كما في النهاية ٢/ ٧. وأثر العباس في الطبقات الكبرى ٢/ ٢٦٧.","vol":"1","page":203},{"text":"ويمدر (^١) حوضها بيده بأنصب ولا أدأب من رسول الله - ﷺ - كان فيكم\".\n\n<span data-type='title' id=toc-299>[ما ترك الله ورسوله أمرا من الحلال والحرام إلا مبيَّنًا]:</span>\n• وفي الجملة فما ترك الله ورسوله حلالا إلا مبينا، ولا حرامًا إلا مبينًا لكن بعضه كان أظهر بيانًا من بعض، فما ظهر بيانه، واشتهر وعلم من الدين بالضرورة من ذلك لم يبق فيه شك، ولا يعذر أحد بجهله في بلد يظهر فيها الإسلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-300>[أسباب خلافات العلماء]:</span>\nوما كان بيانه دون ذلك؛ فمنه ما يشتهر بين حملة الشريعة خاصة. فأجمع العلماء على حله أو حرمته، وقد يخفى على بعض من ليس منهم.\nومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة أيضًا فاختلفوا في تحليله وتحريمه وذلك لأسباب:\n• منها أنه قد يكون النص عليه خفيًّا لم ينقله إلا قليل من الناس فلما يبلغ جميعَ حملةِ العلم.\n• ومنها أنه قد يُنْقل فيه نصّان: أحدهما بالتحليل، والآخر بالتحريم فيبلغ طائفةً منهم أحدُ النصين دون الآخر فيتمسكون بما بلغهم. أو يبلغ النصان معا من لا يبلغه التاريخ فيقف لعدم معرفته بالناسخ.\n• ومنها ما ليس فيه نص صريح وإنما يؤخذ من عموم أو مفهوم أو قياس فتختلف أفهام العلماء في هذا كثيرًا.\n• ومنها ما يكون فيه أمر ونهي (^٢) فتختلف أفهام (^٣) العلماء في حمل الأمر على الوجوب أو الندب، وفي حمل النهي على التحريم أو التنزيه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-301>[ولابد للأمة من عالم يوافق قوله الحق]:</span>\nوأسباب الاختلاف أكثر مما ذكرنا ومع هذا فلابد في الأمة من عالم يوافق قوله الحق؛ فيكون هو العالم بهذا الحكم؛ وغيره يكون الأمر مشتبهًا عليه ولا يكون عالما بهذا؛ فإن\n_________\n(^١) مدر حوضها: طينه وأصلحه بالمدر، وهو الطين المتماسك لئلا يخرج منه الماء كما في النهاية ٤/ ٣٠٩ وفي هـ: \"يمدد حوضها\" وفيه تصحيف.\n(^٢) في س \"ما يكون أمرا أو نهيا\" وفي م \"أمر أو نهي\".\n(^٣) سقطت من المطبوعة.","vol":"1","page":204},{"text":"هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة ولا يظهر أهل باطلها على أهل حقها، فلا يكون الحق مهجورًا غير معمول به في جميع الأمصار والأعصار، ولهذا قال - ﷺ - في المشتبهات: \"لا يَعْلَمُهُنَّ كثير مِنَ النَّاس\"، فدل على أن من الناس من يعلمها وإنما هي مشتبهة على من لم يعلمها وليست مشتبهة في نفس الأمر فهذا هو السبب المقتضي لاشتباه بعض الأشياء على كثير من العلماء.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-302>[ومن أسباب الاشتباه في الحلال والحرام]:</span>\nوقد يقع الاشتباه في الحلال والحرام بالنسبة إلى العلماء وغيرهم من وجه آخر وهو أن من الأشياء ما يعلم سبب حله وهو الملك المتيقن.\n• ومنها ما يعلم سبب تحريمه وهو ثبوت ملك الغير عليه.\nفالأول لا تزول إباحته إلا بيقين زوال الملك عنه، اللهم إلا في الأبضاع عند من يوقع الطلاق بالشك فيه كمالك، أو إذا غلب على الظن وقوعه كإسحاق بن راهويه.\nوالثاني لا يزول تحريمه إلا بيقين العلم بانتقال الملك فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-303>[ما لا يعلم له أصل ملك]:</span>\n• وأما ما لا يعلم (^١) له أصل ملك كما يجده الإنسان في بيته ولا يدرى هل هو له أو لغيره فهذا مشتبه ولا يحرم عليه تناوله؛ لأن الظاهر أن ما في بيته ملكه؛ لثبوت يده عليه. والورع اجتنابه، فقد قال النبي - ﷺ -:\n\"إِنِّي لأنْقَلِبُ إِلى أَهْلِي فأَجِدُ (^٢) التَّمْرةَ سَاقِطَة عَلَى فِراشى فأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا ثُمَّ أَخْشَى أن تَكُونَ صَدقَةً (^٣) فَأُلقِيْهَا\".\nخرجاه في الصحيحين (^٤).\n_________\n(^١) في ب: \"ما لم يعلم\".\n(^٢) في هـ، م: \"فأجده\" وهو خطأ.\n(^٣) في المطبوعة \"من الصدقة\" وهو مخالف لما في الأصول ولما في الصحيحين.\n(^٤) البخاري في كتاب اللقطة: باب إذا وجد تمرة في الطريق ٥/ ٨٦، ومسلم في كتاب الزكاة: باب تحريم الزكاة على رسول الله وعلى آله ٢/ ٧٥١ من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":205},{"text":"<span data-type='title' id=toc-304>[متى تقوى الشبهة؟]:</span>\n• فإن كان هناك من جنس المحظور وشكّ هل هو منه أم لا؟ قويت الشبهة.\n• وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ﵁ أن النبي - ﷺ - أصابه أرق من الليل فقال له بعض نسائه: يا رسول الله! أرقت الليلة؟ فقال: \"إِنِّي كُنْتُ أَصبْتُ تمرة تَحَتَ جَنْبِي فَأكلْتُها وَكَانَ عِنْدنَا تمرٌ مِنْ تَمْرِ الصَّدقة فَخَشِيتُ أَن تَكونَ منهُ (^١) \".\n• ومن هذا أيضًا ما أصله الإباحة كطهارة الماء والثوب والأرض إذا لم يتيقن زوال أصله فيجوز استعماله، وما أصله الحظر كالأبضاع، ولحوم الحيوان، فلا تحل إلا بيقين حِلِّه من التذكية والعقد (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-305>[ماذا لو تردد العالم في الحكم؟]:</span>\nفإن تردد في شيء من ذلك لظهور سبب آخر رجع إلى الأصل فبنى عليه - فيبني (^٣) فيما أصله الحرمة على التحريم.\nولهذا نهى النبي - ﷺ - عن أكل الصيد الذي يجد فيه الصائد أثر سهم غير سهمه، أو كلب غير كلبه، أو يجده قد وقع في ماء؛ وعلل بأنه لا يدري هل مات من السبب المبيح له أو من غيره.\n• • •\n\n<span data-type='title' id=toc-306>[تأسيس الأحكام على اليقين]:</span>\nويرجع فيما أصله الحل إلى الحل فلا ينجس الماء والأرض والثوب بمجرد ظن النجاسة.\nوكذلك البدَن إذا تحقق طهارته وشك هل انتقضت بالحدث عند جمهور العلماء خلافًا لمالك ﵀ إذا لم يكن قد دخل في الصلاة.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ١١/ ١٠، ٧٢ (المعارف) وبهامشه إشارة إلى مواطن أخرى له في المسند. وصحح محققه إسناده.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ٨٩ عن أحمد في المسند قال: رواه أحمد ورجاله موثقون.\n(^٢) في ب \"العقل\" وهو تصحيف فالمراد عقد الزوجية الذي يحل به البضع.\n(^٣) في س: \"فبنى عليه فينبني: وفي هـ، م: \"فيتبين\".","vol":"1","page":206},{"text":"• وقد صح عن النبي - ﷺ - أنه شُكِىَ (^١) إليه الرجل يخيَّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: \"لا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَع صَوتًا أَوْ يَجِدَ ريحًا\" (^٢).\nوفي بعض الروايات: \"في المسجد\" بدل: \"الصلاة\".\nوهذا يعم حال الصلاة وغيرها (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-307>[ماذا لو وجد سببا لغلبة ظن؟]:</span>\nفإن وجد سَبَبٌ قويٌّ يغلب معه على الظن نجاسة ما أصله الطهارة مثل أن يكون الثوب يلبسه كافر لا يتحرز من النجاسات؛ فهذا محل اشتباه.\nفمن العلماء من رخص فيه؛ أخذًا بالأصل.\nومنهم من كرهه تنزيها.\nومنهم من حرمه إذا قوي ظن النجاسة، مثل أن يكون الكافر ممن لا تباح ذبيحته أو يكون، ملاقيا لعورته كالسراويل والقمص (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-308>[قاعدة هذه المسائل]:</span>\nوترجع هذه المسائل وأشباهها (^٥) إلى قاعدة تعارض الأصل والظاهر فإن الأصل الطهارة والظاهر النجاسة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-309>[تعارض الأدلة]:</span>\nوقد تعارضت الأدلة في ذلك فالقائلون بالطهارة يستدلون بأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب، وطعامهم إنما يصنعونه بأيديهم في أوانيهم وقد أجاب النبي - ﷺ - دعوة يهودي وكان هو وأصحابه يلبسون ويستعملون ما يجلب إليهم مما ينسجه الكفار بأيديهم من الثياب والأوانى وكانوا في المغازى يقتسمون ما وقع لهم من الأوعية والثياب ويستعملونها وصح عنهم أنهم استعملوا الماء من مزادة مشركة.\n_________\n(^١) في المطبوعة: \"شكا\" وما أثبتناه بصيغة المبني للمجهول موافق لما في صحيح مسلم.\n(^٢) والحديث أخرجه البخاري في البيوع: باب من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات ٤/ ٣٤٥ وطرفاه ١٣٧، ١٧٧.\n(^٣) وراجع أيضًا ما أخرجه مسلم في كتاب الحيض: باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك ١/ ٢٧٦. كلاهما من حديث عبد الله بن زيد.\n(^٤) في هـ، م: \"القميص\".\n(^٥) ب: \"وشبهها\".","vol":"1","page":207},{"text":"والقائلون بالنجاسة يستدلون بأنه صح عن النبي - ﷺ - أنه سئل عن آنية أهل الكتاب الذين يأكلون الخنزير ويشربون الخمر فقال: \"إن لمْ تَجِدوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا بالَماءِ ثُمَّ كُلُوا فِيهَا (^١) \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-310>[الشبهة عند الإمام أحمد]:</span>\nوقد فسر الإمام أحمد الشبهة بأنها منزلة بين الحلال والحرام يعني الحلال المحض والحرام المحض (^٢) وقال: من اتقاها فقد استبرأ لدينه.\nوفسرها تارة باختلاط الحلال والحرام.\n* * *\nويتفرع على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط فإن كان أكثر ماله الحرام فقال أحمد: ينبغي أن يجتنبه (^٣) إلا أن يكون شيئًا يسيرًا أو لا يعرف.\nواختلف أصحابنا: هل هو مكروه أو محرم؟ على وجهين.\nوإن كان أكْثَرُ ماله الحلال جازت معاملته والأكل من ماله.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-311>[جوائز السلطان]:</span>\n• وقد روى الحارث عن علي ﵁ أنه قالَ في جوائز السلطان: لا بأس بها، ما يعطيكم من الحلال أكثر مما يعطيكم من الحرام.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-312>[التعامل مع المشركين وأهل الكتاب]:</span>\n• وكان النبي - ﷺ - وأصحابه يعاملون المشركين وأهل الكتاب مع علمهم بأنهم لا\n_________\n(^١) راجع في هذا ما ذكره النووي وما أورده من الأحاديث في المجموع ١/ ٢٦١ - ٢٦٥، ثم ما رواه مسلم في كتاب الصيد والذبائح: باب الصيد بالكلاب المعلمة ٣/ ١٥٣٢، وما رواه البخاري في كتاب الذبائح. باب آنية المجوس ٩/ ٦٢٢ خاصا باستعمال آنية المشركين.\n(^٢) كما في الورع - له - ص ٧٠: باب ترك الشبهة وما فيها - بنحوه.\n(^٣) في هـ، م: \"يتجنبه\".","vol":"1","page":208},{"text":"يجتنبون الحرام كله.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-313>[ماذا لو اشتبه الأمر؟]:</span>\nوإن اشتبه الأمر فهو شبهة، والورع تركه.\n• قال سفيان: لا يعجبني ذلك وتركه أعجب لي.\n• وقال الزهري ومكحول لا بأس أن يؤكل منه ما لم يعرف أنه حرام بعينه فإن لم يعرف في ماله حرام بعينه ولكن علم أن فيه شبهة فلا بأس بالأكل منه - نص عليه أحمد في رواية حنبل.\n• وذهب إسحق بن راهويه: إلى ما روي عن ابن مسعود وسلمان وغيرهما من الرخصة وإلى ما روي عن الحسن وابن سيرين في إباحة الأخذ مِمَّا (^١) يقضي من الربا والقمار - نقله عنه ابن منصور.\n• وقال الإمام أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه: إن كان المال كثيرًا أخرج منه قدر الحرام وتصرف في الباقي وإن كان المال قليلًا اجتنبه كله؛ وهذا لأن القليل إذا تناول منه شيئًا فإنه يتعذر (^٢) معه السلامة من الحرام بخلاف الكثير.\n• ومن أصحابنا من حمل ذلك على الورع دون التحريم، وأباح التصرف في القليل والكثير بعد إخراج قدر الحرام منه، وهو قول الحنفية وغيرهم، وأخذ به قوم من أهل الورع منهم بشر الحافي.\n• ورخص قوم من السلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام، ما لم يعلم أنه من الحرام بعينه (^٣) كما تقدم عن مكحول والزهري.\n• وروي مثله عن الفضيل بن عياض.\nوروى في ذلك آثار عن السلف.\nفصح عن ابن مسعود أنه سئل عمَّن له جار يأكل الربا علانية ولا يتحرج من مال خبيث يأخذه يدعوه إلى طعام؟ قال أجيبوه فإنما الهناء (^٤) لكم والوزر عليه.\n_________\n(^١) \"ا\": \"بما\".\n(^٢) ب: \"يبعد\".\n(^٣) في م بعد هذا \"فصح كما تقدم\" وقول مكحول والزهري في الصحيفة السابقة.\n(^٤) في س، ب \"فإن المهنأ\" والخبر في مصنف عبد الرزاق ١٤٦٧٥ بنحوه.","vol":"1","page":209},{"text":"وفي رواية أنه قال له (^١) لا أعلم له شيئًا إلا خبيثًا أو حراما؟ فقال أجيبوه.\nوقد صحح الإمام أحمد هذا عن ابن مسعود ولكنه عارضه بما روي عنه قال \"الإثْمُ حزَّازُ الْقُلُوب\" (^٢).\nوروي عن سلمان مثل قول ابن مسعود الأول.\nوعن سعيد بن جبير والحسن البصري ومورق العجلي وإبراهيم النخعي وابن سيرين وغيرهم.\nوالآثار بذلك موجودة في كتاب الأدب لحميد بن زنجويه، وبعضها زي كتاب الجامع للخلال، وفى مصنفي عبد الرزاق وابن أبي شيبة وغيرهم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-314>[إذا علم أن عين الشيء محرم أخذ بوجه محرم؟]:</span>\nومتى علم أن عين الشيء حرام أخذ بوجه محرم فإنه يحرم تناوله وقد حكى الإجماع على ذلك ابن عبد البر وغيره.\nوقد روي عن ابن سيرين في الرجل يقضي من الربا قال: لا بأس به، وعن الرجل يقضي من القمار، قال: لا بأس به.\nخرجه الخلال بإسناد صحيح.\nوروى عن الحسن خلاف هذا (^٣) وأنه قال: إن هذه المكاسب قد فسدت فخذوا منها شبه المضطر.\n_________\n(^١) ليست في هـ، ولا في م.\n(^٢) ورد فيه أيضًا: \"الإثم حواز\" بتشديد الزاي وتخفيف الواو وورد بتشديد الواو وتخفيف الزاي. ولكل منها معنى ومحمل صحيح. قال في النهاية: الإثم حواز القلوب (بتشديد الزاي والإثم بمعنى الآثام) وهي الأمور التي تحز في القلوب أي تؤثر فيها كما يؤثر الحز في الشيء، وهو ما يحظر من أن تكون معاصي لفقد الطمأنينة إليها وهي جمع حاز بتشديد الزاي، وروي \"الإثم حواز القلوب\" بتشديد الواو أي يحوزها ويتملكها ويغلب عليها، ويروى: \"الإثم حزاز القلوب\" بزايين. الأولى مشددة، وهي فعال من الحز (وهو القطع).\nراجع النهاية ١/ ٣٧٧ - ٣٧٨.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٧٦ وقال رواه الطبراني كله بأسانيد رجالها ثقات وهو من حديث ابن مسعود وانظر الورع لأحمد ص ٤٥ باب ما يكره من أمر الربا.\nوفي ب: \"حواز\".\n(^٣) ب: \"ذلك\".","vol":"1","page":210},{"text":"وعارض المروي (^١) عن ابن مسعود وسلمان ما روي عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه أكل طعاما ثم أخبر أنه من حرام فاستقاءهُ (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-315>[الاشتباه في الحكم لتردد الفروع بين أصول تجتذبه]:</span>\nوقد يقع الاشتباه في الحكم لكون الفرع مترددًا بين أصول تجتذبه كتحريم الرجل زوجته، فإن هذا متردد بين تحريم الظهار الذي ترفعه الكفارة الكبرى، وبين تحريم الطلقة الواحدة بانقضاء عدتها الذي تباح معه الزوجة بعقد جديد (^٣) وبين تحريم الطلاق الثلاث الذي لا تباح معه [الزوجة بدون زوج وإصابة] (^٤). وبين تحريم الرجل عليه ما أحله الله له من الطعام والشراب الذي لا يحرمه وإنما يوجب الكفارة الصغرى أو لا يوجب شيئًا على الاختلاف في ذلك.\nفمن ها هنا كثر الاختلاف في هذه المسألة في زمن الصحابة فمن بعدهم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-316>[الأمور المشتبهة قد تظهر للبعض]:</span>\nوبكل حال فالأمور المشتبهة التي لا يتبين أنها حلال أو حرام لكثير من الناس كما أخبر به النبي - ﷺ - قد يتبين لبعض الناس أنها حلال أو حرام.\nلما عنده من ذلك من مزيد علم.\n* * *\n[ولا يعلمها الكثيرون]:\n• وكلام النبي - ﷺ - يدل على أن هذه المشتبهات من الناس من يعلمها وكثير منهم لا يعلمها فدخل فيمن لا يعلمها نوعان:\nأحدهما: من يتوقف فيها؛ لاشتباهها عليه.\n_________\n(^١) م: \"المروزي\".\n(^٢) انظر الورع لأحمد ص ٨٤ باب من كره طعاما من شبهة فاستقاءه. وما رواه البخاري في صحيحه ٧/ ١٨٣ ح ٣٨٤٢ عن عائشة.\n(^٣) في المطبوعة والهندية: \"الذي تباح معه الزوجة بدون زوج بعقد جديد إصابة وبين\" وفيه خطأ واضح.\n(^٤) ما بين الرقمين سقط من المطبوعة في هذا الموضع.","vol":"1","page":211},{"text":"والثاني: من يعتقدها على غير ما هي عليه.\nودل كلامه على أن غير هؤلاء يعلمها.\nومراده أنه يعلمها على ما هي عليه في نفس الأمر من تحليل أو تحريم.\nوهذا من أظهر الأدلة على أن المصيب عند الله في مسائل الحلال والحرام المشتبهة المختلف فيها واحد عند الله ﷿، وغيره ليس بعالم بها بمعنى: أنه غير مصيب لحكم الله فيها في نفس الأمر وإن كان يعتقد فيها اعتقادًا يستند فيه إلى شبهة يظنها دليلًا ويكون مأجورًا على اجتهاده، ومغفورًا له خطؤه لعدم اعتماده.\n* * *\n• وقوله - ﷺ - \"فَمن اتَّقى الشُّبهَاتِ فَقَدِ اسْتَبْرَأ لدِينِه وعِرْضِهِ، وَمنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَام\".\nقسم الناس في الأمور المشتبهة إلى قسمين.\nوهذا إنما هو بالنسبة إلى من هي مشتبهة عليه، وهو ممن لا يعلمها.\nفأما من كان عالمًا بها واتبع ما دله علمه عليها فذلك قسم ثالث لم نذكره، لظهور حكمه، فإن هذا القسم أفضل الأقسام الثلاثة؛ لأنه علم حكم الله في هذه الأمور المشتبهة على الناس واتبع (علمه في ذلك وأما من لم يعلم) حكم الله (فيها فهم قسمان) (^١) أحدهما من يتقي هذه الشبهات لاشتباهها عليه فهذا قد استبرأ لدينه وعرضه ومعنى استبرأ طلب البراءة لدينه وعرضه من النقص والشين.\nوالعرض هو موضع المدح والذم من الإنسان وما يحصل له بذكره بالجميل مدح وبذكره بالقبيح قدح.\nوقد يكون ذلك تارة في نفس الإنسان، وتارة في سلفه، أو في أهله فمن اتقى الأمور المشتبهة واجتنبها فقد حصَّن عرضه من القدح والشين الداخل على من لا يجتنبها (^٢).\nوفي هذا دليل على أن من ارتكب الشبهات فقد عرض نفسه للقدح فيه والطعن كما قال بعض السلف: من عرض نفسه للتهم فلا يلومنَّ من أساء الظن به.\n* * *\n_________\n(^١) ما بين القوسين هنا وفي سابقة سقط من المطبوعة تبعًا للهندية.\n(^٢) ب: \"من لم يجتنبها\".","vol":"1","page":212},{"text":"• وفي رواية للترمذي في هذا الحديث: \"فَمَنْ تَركَها اسْتِبْراءً لدِينِه وَعرضِهِ فَقَدْ سَلِمَ\" (^١).\nوالمعنى: أن منْ تركها بهذا القصد وهو براءة دينه وعرضه عن النقص لا لغرض آخر فاسد من رياء ونحوه.\nوفيه دليل على أن طلب البراءة للعرض ممدوح كطلب البراءة للدين ولهذا ورد: كل ما وقى به المرء عرضه فهو صدقة.\n• وفي رواية الصحيحين في هذا الحديث: \"فَمَنْ تَركَ مَا يَشْتَبِهُ عَلَيْه مِنَ الإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرك\" (^٢).\nيعني من ترك الإثم مع اشتباهه عليه وعدم تحققه فهو أولى بتركه إذا استبان له أنه إثم، وهذا إذا كان تركه تحرزا من الإثم فأما من يقصد التصنع للناس فإنه لا يترك إلا ما يظن أنه ممدوح عندهم.\nالقسم الثاني من يقع في الشبهات مع كونها مشتبهة عنده فأما من أتى شيئًا مما يظنه أناس شبهة لعلمه بأنه حلال في نفس الأمر فلا حرج عليه من الله في ذلك لكن إذا خشي من طعن الناس عليه بذلك كان تركها حينئذ استبراء لعرضه فيكون حسنًا.\n• وهذا كما قال النبي - ﷺ - لمن رآه واقفا مع صفية: \"إِنَّهَا صَفِيّةُ بنتُ حُيَيّ\" (^٣).\nوخرج أنس إلى الجمعة فرأى الناس قد صلَّوْا فاستحيا ودخل موضعًا لا يراه الناس فيه وقال: \"من لا يستحي من الناس لا يستحي من الله\".\nوخرجه الطبراني مرفوعا ولا يصح (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) أول البيوع: باب ترك الشبهات ٣/ ٥١١ وأعقبها طريقا آخر للحديث نحوه بمعناه وقال: حسن صحيح.\n(^٢) أخرجه البخارى في البيوع: باب الحلال بين والحرام بين وبينهما مشتبهات ٤/ ٢٩٠ وعنده \"ماشبه\" ويبدو أن معنى \"في الصحيحين\" أي في الجملة إذ ليس الحديث في مسلم.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٣٣٧ (حلبي). وابن ماجه في السنن: كتاب الصيام: باب المعتكف يزوره أهله في المسجد ١/ ٥٦٥ - ٥٦٦.\nومسلم في كتاب السلام: باب ما يستحب لمن رؤي خاليا بامرأة وكانت زوجته أو محرما له أن يقول: هذه فلانة ليدفع ظن السوء به ٤/ ١٧١٢ والبخاري في الاعتكاف: باب هل يخرج المعتكف لا لحوائجه إلى باب المسجد ٤/ ٢٧٨ كلهم من حديث صفية ﵂.\n(^٤) أورده الهيثمي في المجمع ٨/ ٣٠ عن الطبراني في الأوسط وقال: فيه جماعة لم أعرفهم.","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type='title' id=toc-317>[من يأتي الشبهات لاعتقاده حلها]:</span>\nوإن أتى ذلك لاعتقاده أنه حلال - إما باجتهاد سائغ أو تقليد سائغ وكان مخطئًا في اعتقاده - فحكمه حكم الذي قبله.\nفإن كان الاجتهاد ضعيفًا أو التقليد غير سائغ وإنما حمل عليه مجرد اتباع الهوى - فحكمه حكم من أتاه مع اشتباهه عليه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-318>[من يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه]:</span>\nوالذي يأتي الشبهات مع اشتباهها عليه قد أخبر عنه النبي - ﷺ - أنه وقع في الحرام فهذا يفسر بمعنيين:\nأحدهما: أن يكون ارتكابه للشبهة مع اعتقاده أنها شبهة ذريعة إلى ارتكابه الحرام الذي يعتقد أنه حرام بالتدريج والتسامح، وفي رواية في الصحيحين لهذا الحديث: \"ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أو شك أن يواقع ما استبان\" (^١).\nوفي رواية \"مَنْ يُخالِطُ الرَّيبَةَ يُوشِكُ أَنْ يَجْسُرَ (أي يقرب أن يقدم) على الحرام المحض\" (^٢).\nوالجسور: المقدام الذي لا يهاب شيئًا، ولا يراقب أحدًا.\nورواه بعضهم يجشر بالشين المعجمة أي يرتع والجشر الرعي وجشرت الدابة إذا رعيتها.\n* * *\n• وفي مراسيل أبي المتوكل النَّاجى (^٣) عن النبي - ﷺ - \"منْ يَرعَى بجَنَبَاتِ الْحَرامِ\n_________\n(^١) هي التي أخرجها البخاري ٤/ ٢٩٠. وليست في مسلم؛ على ما سبق.\n(^٢) ليس هذا في الصحيحين كما قد يتبادر من صنيع ابن رجب فقد رويت هذه الجملة - في غير الصحيحين رواها النسائي في البيوع: باب اجتناب الشبهات في الكسب ٧/ ٢٤١ - ٢٤٣ من حديث النعمان بن بشير، وفيه: وإن بين ذلك أمورًا مشتبهة، وقال: وسأضرب لكم في ذلك مثلا: إن الله ﷿ حَمَى حِمىً، وإن حمى الله ﷿ ما حرم، وأنه من يرتع حول الحمى يوشك أن يخالط الحمى، وربما قال: إنه من يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، وإن من يخالط الريبة يوشك أن يجسر وأخرجه النسائي أيضًا في الأشربة: باب الحث على ترك الشبهات ٨/ ٣٢٧ وابن حبان ٢/ ٤٩٧ بإسناد صحيح.\nوأبو داود في البيوع: باب اجتناب الشبهات ٣/ ٦٢٣ - ٦٢٤.\n(^٣) هو علي بن داود - يقال - داود - الساجي البصري. روى عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم.\nوعنه ثابت البناني وقتادة وغيرهما. وثقه النسائي وابن حبان وغيرهما. توفي سنة ١٠٨ وترجمته في التهذيب ٧/ ٣١٨.","vol":"1","page":214},{"text":"يوشِكُ أَنْ يُخَالِطهُ وَمنْ تَهَاونَ بِالمُحقِّراتِ يُوشِكُ أنْ يُخالِطَ الْكَبائرَ\".\nوالمعنى الثاني أن من أقدم على ما هو مشتبه عنده لا يدري أهو حلال أو حرام فإنه لا يأمن أن يكون حراما في نفس الأمر فيصادف الحرام وهو لا يدري أنه حرام.\n* * *\n• وقد روي من حديث ابن عمر ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"الْحلالُ بَيِّنٌ\nوالْحرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبهاتٌ فَمَنَ اتَّقَاها كَان الأَنْزَه (^١) لدِينِه وَعِرضِه ومن وَقَع في الشّبُهَاتِ أَوْشَكَ أَنْ يقعَ في الْحَرامِ كالْمرْتِعِ (^٢) حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ (^٣) أَنْ يُوَاقِعَ الْحِمىَ وَهُوَ لا يَشْعُر\".\nخرجه الطبراني وغيره (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-319>[طاعة الوالدين في الشبهة]:</span>\nواختلف العلماء هل يطيع والديه في الدخول في شيء من الشبهة أو لا يطيعهما؟\n• فروي عن بشر بن الحارث، قال: لا طاعة لهما في الشبهة.\n• وعن محمد بن مقاتل العبادانى قال: يطيعهما.\n• وتوقف أحمد في هذه المسألة وقال يداريهما وأبى أن يجيب فيها (^٥).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-320>[البيع من الشبهة]:</span>\n• وقال أحمد لا يشبع الرجل من الشبهة ولا يشتري الثوب للتجمل من الشبهة وتوقف في حل ما يؤكل وما يلبس منها وقال في التمرة يلقيها الطير لا يأكلها ولا يأخذها ولا يتعرض لها.\n_________\n(^١) في مجمع الزوائد ٤/ ٧٤ (أبرأ) وما أثبتناه عن النسخ الخطية هو الموافق لما في المعجم الأوسط للطبراني.\n(^٢) في هـ، م: \"كالراعي - يوشك\" والمرتع: بضم الميم وسكون الراء وكسر التاء.\n(^٣) ب: \"أوشك\" وما أثبتناه هو الموافق لما في المعجم.\n(^٤) أخرجه الطبراني في الأوسط ٢/ ٤١٣ - ٤١٤ بإسناد ضعيف كما في المجمع ٤/ ٧٣ - ٧٤.\n(^٥) وانظر كلامه وكلام بشر عن هذا في الورع ص ٤٨، ٤٩، ٥٢.","vol":"1","page":215},{"text":"<span data-type='title' id=toc-321>[في العثور على مال في البيت]:</span>\n• وقال الثوري في الرجل يجد في بيته الأفلُسَ أو الدراهم أحبُّ إليَّ أن يتنزه عنها يعني إذا لم يدر من أين هي؟.\n• وكان بعض السلف لا يأكل شيئًا (حتى) يعلم من أين هو (^١) ويسأل عنه حتى يقف على أصله.\n* * *\n• وقد روي في ذلك حديث مرفوع إلا أن فيه ضعفًا (^٢).\n* * *\nوقوله - ﷺ - \"كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يرتعَ فِيه أَلا وَإِن لِكُلِّ مَلكٍ حِمىً أَلا وَإِنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ\":\n* * *\n• هذا مَثَلٌ ضربه النبي - ﷺ - لمن وقع في الشبهات وأنه يقرب وقوعه في الحرام المحض. وفى بعض الروايات أن النبي - ﷺ - قال: (و) سَأَضْربُ لَكُمْ مَثَلًا (^٣). ثم ذكر هذا الكلام فجعل النبي - ﷺ - مثل المحرمات كالحمى الذي يحميه الملوك ويمنعون غيرهم من قربانه.\n* * *\n• وقد جعل النبي - ﷺ - حول مدينته اثني عشر ميلا حمى محرَّمًا، لا يقطع شجره، ولا يصاد صيده، وحمى عمر وعثمان أماكن ينبت فيها الكلأ لأجل إبل الصدقة والله ﷾ حمى هذه المحرمات ومنع عباده من قربانها وسماها حدوده فقال تعالى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (^٤).\n* * *\n• وهذا فيه بيان أنه حد لهم ما أحل لهم وما حرم عليهم فلا يقربوا الحرام ولا يتعدوا\n_________\n(^١) في بعض الأصول: \"لا يأكل إلا شيئًا يعلم .. \".\n(^٢) راجع ما أورده الهيثمى في المجمع ١٠/ ٢٩١.\n(^٣) منها رواية النسائي القريبة ص ٢١٤.\n(^٤) سورة البقرة: ١٨٧.","vol":"1","page":216},{"text":"الحلال وكذلك قال في آية أخرى ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (^١) وجعل من يرعى حول الحمى أو قريبا منه جديرًا بأن يدخل الحمى ويرتع فيه؛ فلذلك من تعدى الحلال ووقع في الشبهات فإنه قد قارب الحرام غاية المقاربة فما أخلقه بأن يخالط الحرام المحض، ويقع فيه!.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-322>[وجوب التباعد عن المحرمات]:</span>\nوفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي التباعد عن المحرمات وأن يجعل الإنسان بينه وبينها حاجزا.\n\n<span data-type='title' id=toc-323>[وترك بعض المباح]</span>\n<span data-type='title' id=toc-324>[واتخاذ ذلك حاجزا من الحرام]</span>\n• وقد خرج الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الله بن يزيد عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يَبلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المتَّقينَ حَتَّى يَدَعَ مَا لا بَأْس بِهِ حَذرًا ممَّا بِه بأس\" (^٢).\n* * *\n• وقال أبو الدرداء ﵁: تمام التقوى أن يتقي الله العبدُ حتى يتقيه من مثقال ذرة وحتى يترك بعض ما يرى أنه حلال، خشية أن يكون حراما - حجابا بينه وبين الحرام.\n• وقال الحسن: \"ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال مخافة الحرام\".\n• وقال الثوري: \"إنما سُمُّوا المتقين؛ لأنهم اتَّقَوْا ما لا يُتَّقى\".\n• وروي عن ابن عمر قال: \"إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها\".\n• وقال ميمون بن مِهران: \"لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام\n_________\n(^١) سورة البقرة: ٢٢٩.\n(^٢) الترمذي في كتاب صفة القيامة ٤/ ٦٣٤ وقال: حديث حسن غريب وابن ماجه في كتاب الزهد: باب الورع والتقوى ٢/ ١٤٠٩. كلاهما من حديث عبد الله بن يزيد، عن ربيعة بن يزيد وعطية بن قيس، عن عطية السعدي وكان من أصحاب النبي - ﷺ -.","vol":"1","page":217},{"text":"حاجزًا من الحلال\".\n• وقال سفيان بن عيينة: \"لا يصيب عبد حقيقة الإيمان حتى يجعلَ بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال، وحتى يدعَ الإِثْمَ وما تشابه منه\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-325>[الحديث وسد الذرائع]:</span>\nويستدل بهذا الحديث مَنْ يذهب إلى سَدِّ الذرائع إلى المحرمات وتحريم الوسائل إليها، ويدل على ذلك أيضًا من قواعد الشريعة تحريم قليل ما يسكر كثيره، وتحريم الخلوة بالأجنبية، وتحريم الصلاة بعد الصبح وبعد العصر سدا لذريعة الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، ومنع الصائم من المباشرة إذا كانت تحرك شهوته.\nومنع كثير من العلماء مباشرة الحائض فيما بين سرتها وركبتها إلا من وراء حائل كما كان - ﷺ - يأمر امرأته إذا كانت حائضًا أن تتزر فيباشرها من فوق الإزار (^١).\n* * *\nومن أمثلة ذلك وهو شبيه بالمثل الذي ضربه النبي - ﷺ -: من سيب دابته ترعى زرع غيره فإنه ضامن لما أفسدته من الزرع ولو كان ذلك نهارًا وهذا هو الصحيح لأنه مفرِّط بإِرسالها في هذه الحال.\nوكذا الخلاف لو أرسل كلب الصيد قريبًا من الحرم فدخل الحرم فصاد فيه ففي ضمانه روايتان عن أحمد، وقيل يضمنه بكل حال.\n* * *\n• وقوله - ﷺ -: \"ألا وَإِنَّ فِي الْجَسَد مُضْغةً إِذَا صَلحت صَلحَ الْجسدُ كُلُّهُ وإِذَا فَسَدَت فَسَدَ الجَسدُ كُلُّهُ أَلا وهي الْقَلبُ\" فيه إشارة إلى أن صلاح حركات العبد بجوارحه، واجتنابه للمحرمات واتقائه للشبهات بحسب صلاح حركة قلبه، فإن كان قلبه سليما ليس فيه إلا محبة الله ومحبة ما يحبه وخشية الله وخشية الوقوع فيما يكرهه صَلَحت حركات الجوارح كُلها، ونشأ عن ذلك اجتنابُ المحرمات كلِّهَا، وتوقِّى\n_________\n(^١) البخاري ٣٠٠، ٣٠٢، ٢٠٣٠ ومسلم ح ١ - (٢٩٣) و٢ - (…) كلاهما من حديث عائشة. والبخاري ح ٣٠٣، ومسلم ح ٣ - (٣٩٤) كلاهما من حديث ميمونة.","vol":"1","page":218},{"text":"الشبهات؛ حذرًا من الوقوع في المحرمات.\nوإن كان القلب فاسدًا قد استولى عليه اتباع هواه وطلب ما يحبه، ولو كرهه الله فسدت حركات الجوارح كلِّهَا وانبعثت إلى كل المعاصي والمشتبهات بحسب اتباع هوى القلب.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-326>[القلب ملك والأعضاء جنوده]:</span>\nولهذا يقال: القلب ملك الأعضاء، وبقية الأعضاء جنوده، وهم مع هذا جنود طائعون له، منبعثون في طاعته، وتنفيذ أوامره، لا يخالفونه في شيء من ذلك.\nفإن كان الملك صالحًا كانت هذه الجنود صالحة، وإن كان فاسدًا كانت جنوده بهذه المثابة (^١) فاسدة ولا ينفع عند الله إلا القلب السليم كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ (^٢).\nوكان النبي - ﷺ - يقول في دعائه: \"اللَّهُمَّ إنِّي أَسْألُكَ قَلْبًا سَلِيمًا\" (^٣).\nفالقلب السليم هو السالم من الآفات والمكروهات كلها، وهو القلب الذي ليس فيه سوى محبة (الله وما يحبه الله وخشية الله وخشية) (^٤) ما يباعده منه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-327>[استقامة إيمان المرء باستقامة قلبه]:</span>\nوفي مسند الإمام أحمد ﵁ عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يَسْتَقِيمُ\n_________\n(^١) في المطبوعة تبعا للهندية: \"المشابهة\" وهو تحريف.\n(^٢) سورة الشعراء: ٨٨ - ٨٩.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٢٣، ١٢٥ والترمذي في سننه الدعوات: باب ٢٣ - ٥/ ٤٧٦ وعقب عليه بقوله: هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه.\nزاد المباركفوري ٩/ ٢٤٩ أن في إسناده مجهولا.\nوالنسائي في سننه: كتاب السهو: باب ٦١ - كلهم من حديث شداد بن أوس أن رسول الله - ﷺ - كان يقول في صلاته: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعَزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وحسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، ولسانًا صادقًا وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم\" لفظ النسائي.\n(^٤) ما بين القوسين من هـ، م.","vol":"1","page":219},{"text":"إيمانُ عَبْد حَتَّى يَسْتَقيم قَلْبُهُ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-328>[المراد باستقامة إيمان المرء]:</span>\nوالمراد باستقامة [إيمانه استقامة أعمال جوارحه فإن أعمال جوارحه لا تستقيم إلا باستقامة] (^٢) القلب.\nومعنى استقامة القلب أن يكون ممتلئا من محبة الله تعالى ومحبة طاعته وكراهة معصيته.\n• وقال الحسن لرجل: داو قلبك فإن حاجة الله إلى العباد صلاح قلوبهم. يعني أن مراده منهما ومطلوبه صلاح قلوبهم فلا صلاح للقلوب حتى يستقر فيها معرفة اللهِ وعظمتُه (^٣) ومحبتُه وخشيتُه ومهابتُه ورجاؤه والتوكل عليه وتمتلئ من ذلك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-329>[استقامة الإيمان وحقيقة التوحيد]:</span>\nوهذا هو حقيقة التوحيد، وهو معنى قول لا إله إلا الله؛ فلا صلاح للقلوب، حتى يكون إلهُها الذي تؤلهه وتعرفه وتحبه وتخشاه هو الله وحده (^٤) لا شريك له ولو كان في السموات والأرض إله يؤله سوى الله لفسدت بذلك السماوات والأرض كما قال تعالى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (^٥) فعُلم بذلك أنه لا صلاح للعالم العلوي والسفلي معا حتى تكون حركات أهلها وحركات الجسد تابعة لحركة القلب وإرادته، فإن كانت حركته وإرادته لله وحده فقد صلح وصلحت حركات الجسد كلِّه وإن كانت حركة القلب وإرادته (^٦) لغير الله فسد وفسدت حركات الجسد بحسب فساد حركة القلب.\n\n<span data-type='title' id=toc-330>[التوحيد والحب في الله]:</span>\nوروى الليث عن مجاهد في قوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (^٧) قال: لا تحبوا غيري.\n• وفي صحيح الحاكم عن عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: \"الشركُ\n_________\n(^١) رواه أحمد في المسند ٣/ ١٩٨ (حلبي) بإسناد حسن من حديث أنس بن مالك - وتتمته: \"ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل رجل الجنة لا يأمن جاره بوائقه\" وقد أورد الهيثمي عنه في المجمع ١/ ٥٣ وقال في إسناده علي بن مسعده وثقه جماعة، وضعفه آخرون.\n(^٢) ما بين الرقمين ليس في \"ب\".\n(^٣) ليست في \"ب\".\n(^٤) في م، هـ: \"هو إله واحد\".\n(^٥) سورة الأنبياء: ٢٢.\n(^٦) ليست في ب.\n(^٧) سورة الأنعام: ١٥١.","vol":"1","page":220},{"text":"أخفي منْ دبيب الذَّرّ على الصَّفا في الليلة الظَّلْمَاء وأدْنَاهُ أن تحبَّ على شيءٍ مِنَ الْجَوْر وأن تبغض على شيء من العدل وهل الدين إلا الحب والبغض؟ \" قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-331>[محبة ما يكرهه الله]</span>\nفهذا يدل على أن محبة ما يكرهه الله وبغض ما يحبه الله متابعة للهوى، والموالاة على ذلك، والمعاداة عليه، من الشرك الخفي، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ فجعل الله علامة الصدق في محبته اتباع رسوله فدل على أن المحبة لا تتم بدون الطاعة والموافقة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-332>[علامة حب الله]</span>\n• وقال الحسن ﵀: قال أصحاب رسول الله - ﷺ -: يا رسول الله إنا نحب ربنا حبًّا شديدًا فأحب الله أن يجعل لحبه علَمًا فأنزل الله هذه الآية ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (^٢).\n• ومن هنا قال الحسن: \"اعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته\".\n• وسئل ذو النون المصري: متى أحب ربي؟ قال: \"إذا كان ما يبغضه عندك أمرَّ من الصبر\".\n* * *\n• وقال بشر بن السري: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك.\n* * *\n_________\n(^١) الآية ٣١ من سورة آل عمران، والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٢٩١ وصححه على شرط الشيخين، لكن تعقبه الذهبي فقال: فيه عبد الأعلى (وهو أحد رواة الحديث) قال الدارقطني: ليس بثقة.\nوأورده ابن كثير في التفسير ٢/ ٣٥٨ عن ابن أبي حاتم من حديث عائشة وقال: قال أبو زرعة: هذا منكر الحديث.\n(^٢) أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٧ من وجوه عن ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأورده الواحدي في أسباب النزول ص ٩٧ عن الحسن وابن جرير.\nوأورد الأستاذ المحقق عن الطبري ٦/ ٣٢٤ قوله: \"وأما ما روي عن الحسن في ذلك مما قد ذكرنا فلا خبر به عندنا يصح\".","vol":"1","page":221},{"text":"• وقال أبو يعقوب النهر جوري: كل من ادعى محبة الله ﷿ ولم يوافق الله في أمره فدعواه باطلة.\n* * *\n• وقال رويم: المحبة الموافقة في كل الأحوال.\n* * *\n• وقال يحيى بن معاذ: ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده.\n* * *\n• وعن بعض السلف قال: قرأت في بعض الكتب السالفة: من أحب الله لم يكن عنده شيء آثر من مرضاته، ومن أحب الدنيا لم يكن عنده شيء آثر من هوى نفسه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-333>[السلوك لله كله]:</span>\n• وفي السنن عن النبي - ﷺ - قال: \"من أَعطى لله وَمَنَعَ لله وأَحبَّ لله وأَبغَض لله فَقَدِ استكمَلَ الإيمانَ\" (^١).\nومعنى هذا أن كل (^٢) حركات القلب والجوارح إذا كانت كلها لله فقد كمل إيمان العبد بذلك ظاهرًا وباطنًا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-334>[بين صلاح الجوارح وصلاح القلب]:</span>\nويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح؛ فإذا كان القلب صالحًا ليس فيه إلا إرادة الله وإرادة ما يريده لم تنبعث الجوارح إلا فيما يريده الله؛ فسارعت إلى ما فيه رضاه، وكفَّت عما يكرهه وعما يخشى أن يكون مما يكرهه وإن لم يتيقن ذلك.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في جامعه: صفة القيامة: باب ٦٠ بإسناد حسن من حديث معاذ بن أنس الجهني، وفي آخره: \"وأنكح له فقد استكمل إيمانه\" وهو عند أحمد في المسند ٣/ ١٣٨، ١٤٠.\n(^٢) ليست في ب.","vol":"1","page":222},{"text":"<span data-type='title' id=toc-335>[من سلوك السلف وأقوالهم]:</span>\n• قال الحسن - ﵁ -: \"ما ضربتُ ببصري، ولا نطقتُ بلساني، ولا بطشتُ بيدي، ولا نهضتُ على قدمي؛ حتى أنظر: أعلى طاعة أو على معصية؟ فإن كانت طاعة تقدم وإن كانت معصيةً تأخرتُ\".\n• وقال محمد بن الفضل البلخي: \"ما خطوت منذ أربعين سنة خُطوةً لغير الله ﷿\".\n* * *\n• وقيل لداود الطائي: لو تنحيتَ من الظل إلى الشمس فقال: هذه خُطا لا أدري كيف تُكتَب؟ \".\n• فهؤلاء القوم لما صلحت قلوبهم؛ فلم يبق فيها إرادة لغير الله ﷿ صلحت جوارحهم، فلم تتحرك إلا لله ﷿، وبما فيه رضاه، والله تعالى أعلم.\n* * *","vol":"1","page":223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-336>الحديث السابع</span>\nعن أبي رقية: تميم بن أوس الداري - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال:\n\"الدين النصيحة\": [ثَلاثًا] قلنا: لمن؟ [يا رسول الله] قال: \"لله [﷿] وَلِكتَابه ولرِسُوله - ﷺ - ولأَئِمَّةِ المُسلمِينَ وَعَامَّتِهِم\". رواه مسلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-337>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث خرجه مسلم (^١) من رواية سهيل (^٢) بن أبي صالح عن عطاء بن يزيد الليثي عن تميم الداري.\nوقد روي عن سهيل وغيره عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -.\nوخرجه الترمذي (^٣) من هذا الوجه (^٤). فمن العلماء من صححه من الطريقين جميعًا ومنهم من قال: إن الصحيح حديث تميم والإسناد الآخر وهم.\nوقد روي هذا الحديث عن النبي - ﷺ - من حديث ابن عمر (^٥) وثوبان (^٦) وابن عباس (^٧) وغيرهم.\nوقد ذكرنا في أول الكتاب عن أبي داود: أن هذا الحديث أحد الأحاديث التي يدور عليها الفقه.\nوقال الحافظ أبو نعيم: هذا الحديث له شأن عظيم (^٨) ذكر محمد بن أسلم\n_________\n(^١) في كتاب الإيمان: باب بيان أن الدين النصيحة ١/ ٧٤ وما بين المعكوفات ليس في مسلم.\n(^٢) في المطبوعة: \"سهل\" وهو تحريف فهو سهيل بن أبي صالح، وهو المسمى ذكوان السمان، يكنى أبا يزيد، مدني ثقة، وترجمته في التهذيب ٤/ ٢٦٣ - ٢٦٤.\n(^٣) في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في النصيحة ٤/ ٣٢٤ وقال حديث حسن صحيح.\n(^٤) يعني الوجه الأخير وهو طريق أبي هريرة.\n(^٥) حديث ابن عمر رواه البزار ورجاله رجال الصحيح على ما ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٨٧.\n(^٦) حديث ثوبان أخرجه الطبراني في الأوسط. وفيه أيوب بن سويد، ضعيف لا يحتج به، راجع مجمع الزوائد في الموضع نفسه.\n(^٧) حديث ابن عباس أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٩٦ (المعارف) بإسناد ظاهره الانقطاع على ما ذكر محققه الشيخ أحمد شاكر. انظر أيضًا مجمع الزوائد ١/ ٨٧.\n(^٨) ليست في ب.","vol":"1","page":225},{"text":"الطوسي: \"أنه أحد أرباع الدين\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-338>[أحاديث النصحية]:</span>\n• وخرج الطبراني (^١) من حديث حذيفة بن اليمان عن النبي - ﷺ - قال:\n\"من لا يَهتَمُّ بأَمرِ المُسلمينَ فَلَيسَ منهُم، وَمَن لَم يُمسِ وَيُصبحُ ناصحًا لله وَلِرَسُولِه ولِكتَابِه ولإمَامِهِ ولعَامَّة المسلمينَ فَليسَ منهُم\".\n• وخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة عن النبي - ﷺ - قال: \"قَالَ الله ﷿: أحَبُّ ما تَعبَّدني بهِ عَبدِي: النُّصحُ لي\" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-339>[أنواع النصيحة]:</span>\nوقد ورد في أحاديث كثيرة النصح للمسلمين عموما، وفي بعضها النصح لولاة أمورهم، وفي بعضها نصح ولاة الأمور لرعاياهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-340>[النصح للمسلمين]:</span>\n• فأما الأول وهو النصح للمسلمين عموما ففي الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال: \"بايعتُ النبيَّ - ﷺ - على إقام الصَّلاة، وإيتاء الزَّكَاة، والنُّصح لِكُلِّ مُسلِم\" (^٣).\n• وفي \"صحيح مسلم\" عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"حَقُّ المُؤمِنِ على المؤمن ستٌّ ذكر منها: \"وَإذَا استَنصحَك فَانصَح لهُ\" (^٤).\nوروي هذا الحديث من وجوه أخر عن النبي - ﷺ -.\nوفي المسند عن حكيم بن أبي يزيد عن أبيه عن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(^١) في الأوسط والصغير وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٨٧ أن فيه عبد الله بن أبي جعفر وهو مختلف في توثيقه وهو في الصغير ٢/ ٣٢٨.\n(^٢) ذكر الهيثمي في مجمع الزوائد في الموضع المذكور أيضًا أن فيه عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد وكلاهما ضعيف.\n(^٣) البخاري في كتاب الإيمان: باب قول النبي - ﷺ -: الدين النصيحة ١/ ١٦٦ ح ٥٧ وأطرافه ٥٨، ٥٢٤، ١٤٠١، ٢٧١٤، ٢٧١٥، ٧٢٤٠. ومسلم في كتاب الإيمان: باب بيان أن الدين النصيحة ١/ ٧٥ ح ٥٦.\n(^٤) صحيح مسلم: كتاب السلام: باب من حق المسلم للمسلم رد السلام ٤/ ١٧٠٥.","vol":"1","page":226},{"text":"\"إذَا استَنصَحَ أحدُكُم أخَاه فَليَنصحُ له\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-341>[النصح لولاة الأمور]:</span>\n• وأما الثاني وهو النصح لولاة الأمور. ونصحهم لرعاياهم ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"إنَّ الله يَرضَي لكُم ثَلاثًا: يَرضي لكُم أن تَعُبدوُهُ ولا تُشركوا به شَيئًا، وَأَن تَعتصمُوا بِحَبلِ الله جَميعًا وَلا تَفرَّقُوا، وأَن تُنَاصِحُوا من ولَّاه الله أمركُم\" (^٢).\n• وفي المسند وغيره (^٣) عن جبير بن مطعم - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال في خطبته بالخَيْف من مني: \"ثلاثٌ لا يُغَلُّ عَلَيهنَّ قَلب امريءٍ مُسلِم: إخلاصُ العَمَلِ لله، وَمُناصَحةُ وُلاةِ الأمر، ولُزومُ جَمَاعةِ المُسلِمين\".\n• وقد روي هذه الخطبة عن النبي - ﷺ - جماعة منهم أبو سعيد الخدري.\n• وقد رُوي حديثُ أبي سعيد بلفظ آخر خرجه الدارقطني في الأفراد بإسناد جيد ولفظه أن النبي - ﷺ - قال:\n\"ثلاثٌ لا يُغَلُّ عَليهنَّ قَلبُ امرئٍ مُسلمِ: النَّصيِحَةُ لله وَلِرسُوله ولكتابه وَلعَامَّة المُسلِمين\".\n• وفي \"الصحيحين\" عن معقل بن يسار، عن النبي - ﷺ - قال: \"مَا مِن عَبدٍ يَستَرعيهِ الله رَعيَّةً ثُمَّ لم يَحُطهَا بنصيحةٍ إلَّا لم يَدخُل الجنة\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-342>[نصح الأنبياء لأممهم]</span>\nوقد ذكر الله في كتابه عن الأنبياء ﵈ أنهم نصحوا لأممهم، كما أخبر الله بذلك عن نوح ﵇ وعن صالح ﵇.\n_________\n(^١) راجع الإصابة في تمييز الصحابة ٧/ ٢١٧. والمسند ٣/ ٤١٨ - ٤١٩ و٤/ ٢٥٩ والمجمع ٤/ ٨٣ وقد ضعفه.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه: الأقضية: باب النهي عن كثرة المسائل ٣/ ١٣٤٠ لكن ليس فيه: وأن تناصحوا من ولاه الله عليكم مع أنها موضع الشاهد بل فيه بعد قوله \"ولا تفرقوا\" قوله: ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال وفي أوله: يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا.\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٨٢ (الحلبي) ومستدرك الحاكم ١/ ٨٦ - ٨٨ من طرق وقد صححه وأقره الذهبي.\n(^٤) البخاري في كتاب الأحكام: باب من استرعي رعية فلم ينصح ١٣/ ١٢٦ - ١٢٧. ومسلم في كتاب الإيمان: باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار ١/ ١٢٦ بنحوه.","vol":"1","page":227},{"text":"<span data-type='title' id=toc-343>[ونصح الضعفاء لله ورسوله]:</span>\nوقال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (^١) يعني أن من تخلف عن الجهاد لعذر فلا حرج عليه، بشرط أن يكون ناصحا لله ورسوله (^٢) في تخلفه؛ فإن المنافقين كانوا يظهرون الأعذار كاذبين ويتخلفون عن الجهاد من غير نصح الله ورسوله.\n\n<span data-type='title' id=toc-344>[إخبار الرسول بأن الدين النصيحة واقتضاء النصيحة الحب]:</span>\nوقد أخبر النبي - ﷺ - أن الدين النصيحة: فهذا يدل على أن النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في حديث جبريل ﵇، وسَمَّى ذلك كُلَّهُ دِينًا؛ فإن النصح لله يقتضي القيام بأداء واجباته على أكمل وجوهها وهو مقام الإحسان فلا يكمل النصح لله بدون ذلك، ولا يتأتى ذلك بدون كمال المحبة الواجبة والمستحبة، ويستلزم ذلك الاجتهاد في التقرب إليه بنوافل الطاعات على هذا الوجه، وترك المحرمات والمكروهات على هذا الوجه أيضًا.\n• وفي مراسيل الحسن ﵀ عن النبي - ﷺ - قال:\n\"أَرَأَيتُم لَو كَانَ لأحدِكُم عَبْدان، فَكَانَ أَحَدهُما يُطيعُه إذَا أَمرَهُ، ويُؤدِّي إليه إذا ائتَمنه، وَيَنصحُ له إذَا غَابَ عَنهُ، وكان الآخرُ يَعصِيه إذَا أمرهُ، وَيَخونهُ إذَا ائتمَنهُ، وَيَغُشُّهُ إذَا غَابَ عَنهُ كَانَا سَواءٌ؟ \" قالوا: لا. قَالَ: \"فَكَذَا كم أنتُم عِنَدَ الله ﷿\".\nخرجه ابن أبي الدنيا.\nوخرج الإمام أحمد معناه من حديث أبي الأحوص عن أبيه (^٣) عن النبي - ﷺ -.\n\n<span data-type='title' id=toc-345>[الآثار في اقتضاء النصيحة الحب]:</span>\n• وقال الفضيل بن عياض: \"الحب أفضل من الخوف ألا ترى إذا كان لك عبدان أحدهما يحبك، والآخر يخافك؛ فالذي يحبك منهما ينصحك: شاهدا كنت أو غائبا؛ لحبه إياك، والذي يخافك عسى أن ينصحك إذا شهدت لما يخافه، ويغشَّك إذا\n_________\n(^١) سورة التوبة: ٩١.\n(^٢) ما بين الرقمين ليس في ب.\n(^٣) هو أبو مالك بن نضلة، والحديث في مسند أحمد ٤/ ١٣٦ - ١٣٧ (حلبي). وأورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٣٢ عن الطبراني في الكبير بإسنادين ورجال الأول ثقات.","vol":"1","page":228},{"text":"غبتَ ولا ينصحَكَ\".\n• قال عبد العزيز بن رفيع: قال الحواريون - لعيسى ﵊: ما الخالص من العمل؟ قال: ما لا تحب أن يحمدك الناس عليه، قالوا: فما النصح لله؟ قال: أن تبدأ بحق الله قبل حق الناس، وإن عرض لك أمران: أحدهما الله تعالى والآخر للدنيا بدأت بحق الله تعالى.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-346>[تفسير العلماء للنصيحة]:</span>\n<span data-type='title' id=toc-347>[عند الخطابي]:</span>\n• وقال الخطابي (^١): النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي: إرادة الخير للمنصوح له قال: وأصل النصح في اللغة: الخلوص يقال: نصحت العسل إذا خلصته من الشمع، فمعنى النصيحة لله سبحانه صحة الاعتقاد في وحدانيته، وإخلاص النية في عبادته.\nوالنصيحة لكتابه: الإيمان به، والعمل بما فيه.\nوالنصيحة لرسوله التصديق بنبوته، وبذل الطاعة له (^٢) فيما أمر به ونهى عنه.\nوالنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم. انتهى.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-348>[عند بعض أهل العلم]:</span>\n• وقد حكى الإمام أبو عبد الله: محمد بن نصر المروزي في كتاب تعظيم قدر الصلاة (^٣) - عن بعض أهل العلم - أنه فسر هذا الحديث بما لا مزيد على حسنه ونحن نحكيه ههنا بلفظه إن شاء الله تعالى؛ قال محمد بن نصر: قال بعض أهل العلم:\n\"جماع تفسير النصيحة هي عناية القلب للمنصوح له كائنا من كان وهي على وجهين\".\nأحدهما: فرض، والآخر: نافلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-349>[النصيحة الفرض]</span>\nفالنصيحة المفترضة لله هي شدة العناية من الناصح باتباع محبة الله في أداء ما\n_________\n(^١) في أعلام السنن لوحة ٢٠ - أ - ٢١ - ب وقد اختصر ابن رجب النص اختصارا شديدًا.\n(^٢) ليست في ب.\n(^٣) - ٢/ ٦٩١ - ٦٩٤ فقرة ٧٦٥.","vol":"1","page":229},{"text":"افترض، ومجانبة ما حرَّم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-350>[النصيحة النافلة]:</span>\nوأما النصيحة التي هي نافلة فهي إيثار محبته على محبة نفسه، وذلك أن يعرض له أمران: أحدهما لنفسه والآخر لربه؛ فيبدأ بما كان لربه ويؤخر ما كان لنفسه.\nفهذه جملة تفسير النصيحة لله الفرض منه والنافلة.\nولذلك (^١) تفسير، وسنذكر بعضه ليَفهم بالتفسير من لا يفهم الجملة (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-351>[تفصيل ذلك]:</span>\nفالفرض منها: مجانبة نهيه، وإقامة فرضه، بجميع جوارحه ما كان مطيقًا له؛ فإن عجز عن الإقامة بفرضه - لآفة حلَّت به من مرض أو حبس أو غير ذلك عزم على أداء ما افترض عليه متى زالت عنه العلة المانعة له قال الله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ (^٣) فسماهم محسنين؛ لنصيحتهم لله بقلوبهم لَمَّا مُنِعوا من الجهاد بأنفسهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-352>[النصح لله لا يسقط]:</span>\nوقد ترفع الأعمال كلها عن العبد في بعض الحالات ولا يرفع عنهم النصح لله فلو كان من المرض (^٤) بحال لا يمكنه عمل شيء من جوارحه بلسان ولا غيره غير أن عقله ثابت لم يسقط عنه النصح لله بقلبه، وهو أن يندم على ذنوبه، وينويَ - إن صح - أن يقوم بما افترض الله عليه، ويجتنب ما نهاه عنه، وإلا كان غير ناصح لله بقلبه.\nوكذلك النصح لله ورسوله - ﷺ - فيما أوجبه على الناس عن أمر ربّه.\n* * *\n_________\n(^١) في م، هـ: \"وكذلك\" وهو تحريف.\n(^٢) م: \"بالجملة\" وقد ضرب على الباء في نسخة \"ا\".\n(^٣) سورة التوبة: ٩١.\n(^٤) م: \"من مرض\" وما أثبتناه عن الأصول الأخرى هو الموافق لما عند المروزي في تعظيم قدر الصلاة ٦/ ٢٩٢.","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type='title' id=toc-353>[من النصح لله]:</span>\nومن النصح الواجب لله أن لا يرضى بمعصية العاصي، ويحب طاعة من أطاع الله ورسوله.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-354>[النصيحة النافلة]:</span>\nوأما النصيحة التي هي نافلة لا فرض فبذل المجهود (^١) بإيثار الله تعالى على كل محبوب بالقلب، وسائر الجوارح؛ وحتى (^٢) لا يكون في الناصح فضل عن غيره؛ لأن الناصح إذا اجتهد لم يؤثر نفسه عليه، وقام بكل ما كان في القيام به سروره ومحبته، فكذلك الناصح لربه.\nومن تنفل لله بدون الاجتهاد فهو ناصح على قدر عمله، غير مستحق (^٣) للنصح بكماله.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-355>[النصيحة لكتاب الله]:</span>\nوأما النصيحة لكتاب الله (^٤) فشدة حبه، وتعظيم قدره: إذ هو كلام الخالق، وشدة الرغبة في فهمه، وشدة العناية في تدبره (^٥)، والوقوف عند تلاوته لطلب معاني ما أحب مولاه أن يفهمه عنه، ويقوم به له بعد ما يفهمه.\n[وكذلك الناصح من العباد يتفهم وصية من ينصحه، وإن ورد عليه كتاب منه غُنِي بفهمه؛] (^٦) ليقوم عليه بما كتب به فيه إليه.\nفكذلك الناصح لكتاب ربه يعني بفهمه ليقوم لله بما أمره به كما يحب ويرضى. ثم ينشر ما فهم في العباد، ويديم دراسته بالمحبة له، والتخلق بأخلاقه، والتأدُّبِ بآدابه.\n* * *\n_________\n(^١) في \"الصلاة\": \"المحمود\" وهو تحريف مطبعي.\n(^٢) ب: \"حتى\".\n(^٣) في \"الصلاة\": \"محق\".\n(^٤) م: \"لكتابه\". وما أثبتناه هو الموافق لما عند المروزي.\n(^٥) \"ا\"، ب: \"لتدبره\" وما أثبتناه هو الموافق لما عند المروزي.\n(^٦) ما بين الرقمين سقط من ب. وفي هـ، م: \"من غني\" وهو تحريف واضح. وعند المروزي: \"من القلب\".","vol":"1","page":231},{"text":"<span data-type='title' id=toc-356>[النصيحة للرسول في حياته وبعد مماته]:</span>\nوأما النصيحة للرسول - ﷺ - في حياته فبذل المجهود في طاعته ونصرته، ومعاونته، وبذل المال إذا أراده، والمسارعة إلى محبته.\nوأما بعد وفاته فالعناية بطلب سنته، والبحث عن أخلاقه وآدابه، وتعظيم أمره، ولزوم القيام به، وشدة الغضب، والإعراض عمن تدين بخلاف سنته، والغضب على من ضيعها لأثرة دنيا، وإن كان متدينا بها، وحب من كان منه بسبيل من قرابة أو صهر أو هجرة أو نصرة أو صحبة ساعة من ليل أو نهار على الإسلام، والتشبه به في زيه ولباسه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-357>[النصيحة لأئمة المسلمين]:</span>\nوأما النصيحة لأئمة المسلمين فحب صلاحهم (^١) ورشدهم، وعدلهم، وحب اجتماع الأمة عليهم (^٢)، وكراهة افتراق الأمة عليهم والتدين بطاعتهم في طاعة الله ﷿، والبغض لمن رأى الخروج عليهم، وحب إعزازهم في طاعة الله ﷿.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-358>[النصيحة لعامة المسلمين]:</span>\nوأما النصيحة للمسلمين فأن يحبَّ لهم ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، ويشفق عليهم، ويرحم صغيرهم، ويوقر كبيرهم، ويحزنَ لحزنهم، ويفرح لفرحهم، وإن ضره ذلك في دنياه، كرخص أسعارهم. وإن كان في ذلك فوات ربح ما بيع من تجارته وكذلك جميع ما يضرهم عامة، ويحب صلاحهم، وألفتهم ودوام النعم عليهم، ونصرهم على عدوهم، ودفع كل أذى ومكروه عنهم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-359>[النصيحة عند ابن الصلاح]:</span>\nوقال أبو عمرو بن الصلاح (^٣): النصيحة كلمة جامعة تتضمن قيام الناصح للمنصوح\n_________\n(^١) في \"الصلاة\": \"طاعتهم\".\n(^٢) في \"الصلاة\": \"كلهم\" وهو تحريف\n(^٣) في كتابه: \"صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط وحمايته من الإسقاط والسقط\" ص ٢٢٣ - ٢٢٤ لكنه صدر هذا فيه بقوله: فقوله \"الدين النصيحة\" لفظ يفيد الحصر فكأنه قال: ليس الدين إلا النصيحة لله =","vol":"1","page":232},{"text":"له بوجوه الخير إرادة وفعلا.\nفالنصيحة لله تعالى: توحيده ووصفه بصفات الكمال والجلال وتنزيهه عما يضادها ويخالفها وتجنب معاصيه، والقيام بطاعته ومحابه بوصف الإخلاص، والحب فيه والبغض فيه، وجهاد من كفر به تعالى، وما ضاهى ذلك، والدعاء إلى ذلك، والحث عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-360>[النصيحة لكتابه]:</span>\nوالنصيحة لكتابه: الإيمان به، وتعظيمه وتنزيهه، وتلاوته حق تلاوته، والوقوف مع أوامره ونواهيه. وتفهم علومه وأمثاله، وتدبر آياته، والدعاء إليه، وذب تحريف الغالين، وطعن الملحدين عنه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-361>[النصيحة لرسوله]:</span>\nوالنصيحة لرسوله - ﷺ - قريب من ذلك: الإيمان به، وبما جاء به وتوقيره وتبجيله، والتمسك بطاعته، وإحياء سنته، واستثارة (^١) علومها ونشرها، ومعاداة من عاداه وعاداها، وموالاة من والاه ووالاها، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه، ومحبة آله وصحابته ونحو ذلك (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-362>[لأئمة المسلمين]:</span>\nوالنصيحة لأئمة المسلمين (^٣): معاونتهم على الحق، وطاعتهم فيه، وتذكيرهم به (^٤)، وتنبيههم في رفق ولطف، ومجانبة الوثوب (^٥) عليهم، والدعاء لهم بالتوفيق، وحث الأغيار على ذلك.\n_________\n= ولكتابه وسائر ما ذكر، أي لا يكمل الدين إلا بذلك. كما سبق بيانه في أمثال ذلك وفيه إشعار بعظم موقع النصيحة من الدين وهكذا مثله في أمثال ذلك. والنصيحة كامة جامعة .. إلخ.\n(^١) م واستنشار وفي صيانة الصحيح: \"واستشارة\".\n(^٢) م: \"وأصحابه\".\n(^٣) بعد هذا في صيانه صحيح مسلم: \"أي لحلفائهم وقادتهم\".\n(^٤) في الصيانة: \"وتذكيرهم في رفق ولطف\".\n(^٥) في الصيانه: \"الخروج\".","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type='title' id=toc-363>[لعامتهم]:</span>\nوالنصيحة لعامة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ونصرتهم على أعدائهم، والذبُّ عنهم، ومجانبةُ الغشِّ والحسد لهم، وأن يحب لهم ما يحبُّ لنفسه، ويكره لهم ما يكره (^١) لنفسه، وما شابه ذلك انتهى ما ذكره. ومن أنواع نصحهم بدفع الأذى والمكروه عنهم، إيثار فقيرهم، وتعليم جاهلهم، ورد من زاغ منهم عن الحق في قول أو عمل، بالتلطف في ردهم إلى الحق، والرفق بهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ محبَّةٌ لإزالة فسادهم ولو بحصول ضرر له في دنياه، كما قال بعض السلف: \"وددت أن هذا الخلق أطاعوا الله وإن لحمي قرض بالمقاريض\" (^٢).\nوكان عمر بن عبد العزيز يقول: \"يا ليتني عملت فيكم بكتاب الله وعملتم به، فكلما عملت فيكم بسنة وقع مني عضو حتى يكون آخر شيء منها خروج نفسي\".\n\n<span data-type='title' id=toc-364>[ومن النصح لله ورسوله]:</span>\nومن أنواع النصح لله تعالي وكتابه ورسوله - وهو مما يختص به العلماء - ردُّ الأهواء المضلة بالكتاب والسنة على موردها، وبيان دلالتهما على ما يخالف الأهواء كلَّها، وكذلك ردُّ الأقوال الضعيفة من زلات العلماء، وبيان دلالة الكتاب والسنة على ردِّها.\nومن ذلك: بيان ما صح من حديث النبي - ﷺ - وما لم يصح منه بتبيين حال رواته ومن تقبل رواياته منهم، ومن لا تقبل. وبيان غلط من غلط من ثقاتهم الذين تقبل رواياتهم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-365>[ومن النصح لعامة المسلمين]:</span>\nومن أعظم أنواع النصح أن ينصح لمن استشاره في أمره كما قال - ﷺ -: \"إذا استنصح أحدُكم أخاه فلينصح له (^٣) \"وفي بعض الأحاديث: \"إن من حق المسلم على\n_________\n(^١) في الصيانة: \"ما يكرهه\".\n(^٢) هذا قول الداعي المحابي، أبي عبد الرحمن: زهير بن نعيم البابي أورده عنه أبو نعيم في ترجمته له في الحلية ١٠/ ١٤٧ - ١٥٠ بلفظ: \"وددت أن جسدي قرض بالمقاريض، وأن هذا الخلق أطاعوا الله\".\n(^٣) تقدم ص ٢٢٧.","vol":"1","page":234},{"text":"المسلم أن ينصح له إذا غاب (^١) \".\nومعنى ذلك أنه إذا ذكر في غيبه بالسوء أن ينصره، ويردَّ عنه وإذا رأى من يريد أذاه في غيبته كفَّه عن ذلك؛ فإن النصح في الغيب يدل على صدق الناصح؛ فإنه قد يُظهر النصح له في حضوره؛ تملقًا ويغشه في غيابه!.\n\n<span data-type='title' id=toc-366>[من مأثور السلف في النصيحة]:</span>\n• وقال الحسنُ إنك لن تبلغ حق نصيحتك لأخيك حتى تأمره بما تعجز عنه.\n* * *\n• قال الحسن: وقال بعض أصحاب النبي - ﷺ - والذي نفسي بيده إن شئتم لأقسمن لكم بالله: إن أحبَّ عباد الله إلى الله الذين يحبون الله إلى عباده، ويحببون عبادَ الله إلى الله، ويسعون في الأرض بالنصيحة. وقال فرقد السَّبَخَى: قرأت في بعض الكتب: \"المحب لله ﷿ أمير مؤمر على الأمراء زمرته أول الزمر يوم القيامة، ومجلسه أقرب المجالس فيما هناك والمحبة فيما هناك (^٢) والمحبة منتهى القرية والاجتهاد، ولن (^٣) يسأم المحبون من طول اجتهادهم لله ﷿. يحبونه ويحبون ذكره، ويحبونه إلى خلقه: يمشون بين عباده بالنصائح، ويخافون عليهم من أعمالهم يوم تبدو الفضائح، أولئك أولياء الله وأحباؤه وصفوته (^٤) أولئك الذين لا راحة لهم دون لقائه.\n* * *\n• وقال ابن عُلَيَّة - في قول أبي بكر المزني: ما فاق أبو بكر - ﵁ - أصحاب محمد - ﷺ - بصوم ولا صلاة ولكن بشيء كان في قلبه (^٥) قال: الذي كان في قلبه: الحب لله ﷿، والنصيحة في خلقه.\n* * *\n• وقال الفضيل بن عياض ﵀: \"ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصلاة\n_________\n(^١) راجع ما أورده الهيثمي في المجمع ٨/ ١٨٤ - ١٨٦ في هذا عن أحمد بإسناد حسن من حديث ابن عمر وعن غيره، والبرهانفوري في الكنز ٩/ ٤١.\n(^٢) ليست في ب ولا في \"ا\".\n(^٣) ب: \"ولم\".\n(^٤) ب: \"وأهل صفوته\".\n(^٥) في و: \"بشيء وقر في صدره\" وفي نسخة \"بشيء كان في قلبه\".","vol":"1","page":235},{"text":"والصيام وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس، وسلامة الصدور، والنصح للأمة\".\n* * *\n• وسئل ابن المبارك أي الأعمال أفضل؟ قال: \"النصح الله\".\n* * *\n• وقال معمر: \"كان يقال أنصح الناس لك: من خاف الله فيك\".\n* * *\n• وكان السلف إذا أرادوا نصيحة أحد وعظوه سرا حتى قال بعضهم: \"من وعظ أخاه فيما بينه وبينه فهي نصيحة، ومن وعظه على رءوس الناس فإنما وبخه\".\n* * *\n• وقال الفضيل بن عياض ﵀: \"المؤمن يستر وينصح، والفاجر يهتك ويعيِّر\".\n* * *\n• وقال عبد العزيز بن أبي روَّاد: \"كان من كان قبلكم إذا رأى الرجلُ من أخيه شيئا يأمُره في رفق؛ فيؤجر في أمره ونهيه، وإن أحد هؤلاء يخرق (^١) بصاحبه فيستغضب أخاه ويهتك ستره\".\n* * *\n• وسئل ابن عباس: - ﵄ - عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عن المنكر فقال: \"إن كنت فاعلًا ولا بد ففيما بينك وبينه\".\n* * *\n• وقال الإمام أحمد ﵀: ليس علي المسلم نصح الذمي، وعليه نصح المسلم، وقال النبي - ﷺ -: \"والنصح لكل مسلم وأن تنصح لجماعة المُسلِمين وعَامَّتهم\".\n* * *\n_________\n(^١) الخرق بضم الحاء وسكون الراء: الجهل والحمق، وقد خرق يخرق خرقًا من باب تعب، فهو أخرق. راجع النهاية ٢/ ٢٦.","vol":"1","page":236},{"text":"<span data-type='title' id=toc-367>الحديث الثامن</span>\nعن عبد الله بن عمر - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله، قال:\n\"أُمرتُ أَن أُقَاتِلَ النَّاس حَتَّى يَشهَدُوا أن: لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمَّدًا رَسُولُ الله، وَيقيمُوا الصَّلاة، ويُؤتُوا الزَّكاةَ، فإذا فَعَلُوا ذَلك، عَصَمُوا منِّي دِماءَهُم وَأَموَالَهُم، إلَّا بِحَقِّ الإسلامِ، وحِسَابُهُم عَلَى الله تَعَالَى\". رواه البخاري ومسلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-368>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر - ﵄ - (^١).\nوقوله إلا بحق الإسلام هذه اللفظة تفرد بها البخاري دون مسلم.\nوقد روي معنى هذا الحديث عن النبي - ﷺ - من وجوه متعددة.\n• \"ففي صحيح البخاري\" عن أنس - ﵁ - (^٢) عن النبي - ﷺ - قال:\n\"أُمرتُ أَن أُقَاتِل النَّاس - يعني (^٣) المُشركين - حَتَّى يَشهَدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسُولُه، فَإذَا شَهدُوا أن لا إله إلا الله وأن مُحمدًا رَسُولُ الله، وَصَلَّوا صلاتنا واستقبَلوا قِبلتَنَا وأكلُوا ذبيحَتَنَا؛ فَقَد حَرُمَت عَلينَا دِمَاؤهُم وأموَالهُم إلا بحقِّها\".\n* * *\n_________\n(^١) حديث ابن عمر أخرجه البخاري في كتاب الإيمان: باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة فخلوا سبيلهم ١/ ٧٥ من الفتح.\nومسلم في كتاب الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ١/ ٥٣ قال ابن حجر في الفتح: هذا الحديث من رواية الأبناء عن الآباء، وهو كثير، لكن رواية الشخص عن أبيه عن جده أقل، وواقد هنا روي عن أبيه، عن جد أبيه فهو واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، وقد روي عن أبيه محمد، وروى أبوه محمد عن جده عبد الله بن عمر، وكما قال ابن حجر، فواقد هنا روى عن أبيه، عن جد أبيه.\n(^٢) في كتاب الصلاة: باب استقبال القبلة ١/ ٤٩٧ من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا .. الحديث\". ح ٣٩٢ وطرفاه في ٣٩١، ٣٩٣. وقوله: \"يعني المشركين\" ليست في البخاري، وليس فيه: \"أقاتل المشركين\".\n(^٣) ليست في \"ا\". وفي (ب): \"أقاتل المشركين\".","vol":"1","page":237},{"text":"• وخرج الإمام أحمد من حديث معاذ بن جبل عن النبي - ﷺ - قال: \"إنَّمَا أُمرتُ أن أُقَاتلَ النَّاس حَتَّى يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة ويَشهُدوا أن لا إله إلا الله وحده لَا شريك له، وأنَّ مُحمَّدًا عبده ورسوله (^١) فَإذَا فَعَلوا ذلِك فقد اعتَصَمُوا وعَصمُوا دِمَاءَهُم وأموَالَهُم إلَّا بحَقِّهَا وَحِسابُهُم على الله ﷿ (^٢).\nوخرجه ابن ماجه مُختَصَرًا (^٣)\n* * *\n• وخرج نحوه من حديث أبي هريرة - ﵁ - أيضًا (^٤).\nولكن المشهور من رواية أبي هريرة ليس فيه ذكر إقام الصلواة ولا إيتاء الزكاة ففي \"الصحيحين\" عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"أُمِرتُ أن أُقاتِلَ النَّاس حَتَّى يَقُولوا لَا إله إلا الله فَمَن قَالَ لا إله إلا الله عَصَم منِّي مَالهُ وَنَفسه إلَّا بِحقِّه وِحِسَابُهُ عَلَى الله ﷿ (^٥) \".\n* * *\n• وفي رواية لمسلم: \"حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي (^٦) وبما جئت به\" وخرجه مسلم أيضًا من حديث جابر - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - بلفظ حديث أبي هريرة الأول وزاد فيه في آخره: ثم قرأ: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ (^٧).\n• وخرج (^٨) أيضًا من حديث أبي مالك الأشجعي عن أبيه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من قال لا إله إلا الله، وكَفَر بِمَا يُعبدُ من دُونِ الله حُرِّمَ مَالهُ ودَمُه\n_________\n(^١) م وأن محمدًا رسول الله وما أثبتناه عن النسخ الخطية هو الموافق لما في المسند.\n(^٢) مسند أحمد ٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦ (الحلبي) من حديث طويل.\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٢٧٣ - ٢٧٤ وقال: رواه أحمد والبراز والطبراني باختصار، وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف، وقد يحسن حديثه.\n(^٣) مقدمة سنن ابن ماجه باب الإيمان ١/ ٢٨. ح ٧٢ وفيه ذكر الصلاة والزكاة.\n(^٤) الموضع السابق من سنن ابن ماجه ١/ ٢٧ وفيه ذكر الصلاة والزكاة أيضا.\n(^٥) البخاري في كتاب الاعتصام: باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ - ١٣/ ٢٥٠ من الفتح ومسلم في كتاب الإيمان: باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ١/ ٥١ - ٥٢.\n(^٦) هو والرواية التالية في الموضع نفسه ٥٢١ - ٥٣.\nوفي ب: \"فقرأ\" وما أثبتناه هو الموافق لما في مسلم. وفي ا \"وزاد في آخره\".\n(^٧) سورة الغاشية: ٢١، ٢٢.\n(^٨) أي مسلم في صحيحه.","vol":"1","page":238},{"text":"وَحِسَابُهُ عَلَى الله [﷿] \".\n• وقد روي عن سفيان بن عيينة أنه قال: \"كان هذا في أول الإسلام قبل فرض الصلاة والصيام والزكاة والهجرة\".\nوهذا ضعيف جدًّا، وفي صحته عن سفيان نظر؛ فإن رواة هذه الأحاديث (^١) إنما صحبوا النبي - ﷺ - بالمدينة (^٢) وبعضهم تأخر إسلامه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-369>[شرح الحديث واستدلالاته]:</span>\n• ثم قوله: \"عصموا مني دماءهم وأموالهم\" يدل على أنه كان [عند هذا القول] (^٣) مأمورا بالقتال، ويقتل من أبى الإسلام.\nوهذا كله بعد هجرته إلى المدينة.\n\n<span data-type='title' id=toc-370>[الشهادتان ثم شرائع الإسلام]:</span>\nومن المعلوم بالضرورة: أن النبي - ﷺ - كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك ويجعله مسلمًا: وقد أنكر (^٤) على أسامة بن زيد قتله لمن قال لا إله إلا الله لما رفع عليه السيف، واشتد نكيره عليه، ولم يكن النبي - ﷺ - ليشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم (^٥) الصلاة والزكاة بل قد رُوي أنه قد قبل من قوم الإسلام، واشترطوا أن لا يزكوا.\nففي مسند الإمام أحمد عن جابر - ﵁ - قال: اشترطت ثقيف على رسول الله - ﷺ - أن لا صدقة عليها ولا جهاد وأن رسول الله - ﷺ - قال:\n\"سَيصَّدَّقُونُ وَيُجَاهِدون\" (^٦).\n• وفيه أيضًا عن نصر بن عاصم الليثي عن رجل منهم أنه أتى النبي - ﷺ - فأسلم على\n_________\n(^١) ب: \"هذا الحديث\".\n(^٢) م: \"إنما صحبوا رسول الله - ﷺ - في المدينة\".\n(^٣) ما بين الرقمين ليس في ب.\n(^٤) ب: \"فقد\".\n(^٥) في هـ، م: \"ثم إنه يلزم\" وهو تحريف.\n(^٦) رواه أحمد في المسند ٣/ ٣٤١ حديثين بإسناد واحد أورده مع كل حديث وأورد السؤال في الأول والجواب في الثاني وفي الإسناد ابن لهيعة. وفي الرواية الثانية سيصدقون ويجاهدون إذا أسلموا يعني ثقيفًا وانظره في الفتح الرباني.","vol":"1","page":239},{"text":"أن لا يصلي إلا صلاتين فقبل منه (^١).\n• وأخذ أحمد بهذه الأحاديث وقال: يصح الإسلام على الشرط الفاسد ثم يلزم بشرائع الإسلام كلها.\nواستدل أيضًا بأن حكيم بن حزام قال: بايعت النبي - ﷺ - على أن لا أخرَّ إلا قائمًا (^٢).\nقال أحمد: معناه أن يسجد مِن غير ركوع (^٣).\n* * *\nوخرج محمد بن نصر المروزي بإسناد ضعيف جدًّا عن أنس - ﵁ - قال: لم يكن النبي - ﷺ - يتقبل من أجابه إلى الإسلام إلا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وكانتا فريضتين على من أقر محمد - ﷺ - وبالإسلام وذلك قول الله ﷿: ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (^٤).\n* * *\nوهذا لا يثبت وعلى تقدير ثبوته فالمراد منه أنه لم يكن يقر أحدًا دخل في الإسلام على ترك الصلاة والزكاة وهذا حق فإنه - ﷺ - أمر معاذا لما بعثه إلى اليمن أن يدعوهم أولًا\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ٢٥ وقد أخرجه من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن نصر بن عاصم عن رجل منهم أنه أتى النبي - ﷺ - .. .\n(^٢) رواه أحمد في المسند ٣/ ٤٠٢ من حديث حكيم بن حزام - ﵁ - قال: بايعت رسول الله - ﷺ - على أن لا أخر إلا قائما، قال: قلت: يا رسول الله! الرجل يسألني البيع وليس عندي: أفأبيعه؟ قال: لا تبع ما ليس عندك.\nوروى النسائي في سننه ٢/ ٢٠٥ كتاب التطبيق: باب كيف يخر للسجود.\nواقتصر على رواية شطره الأول الذي أورده ابن رجب.\n(^٣) ذكر السندي في حاشيته على النسائي، وتعليقًا على ترجمته المذكورة كيف يخر للسجود:\nهو من الخرور وهو السقوط أي لا أسقط إلى السجود إلا قائمًا أي أرجع من الركوع إلى القيام، ثم أخر منه إلى السجود. ولا أخر من الركوع إليه ثم قال: وهذا المعنى هو ما فهمه المصنف (النسائي) وقيل معناه: لا أموت إلا ثابتا على الإسلام فهو مثل ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ وقيل: معناه لا أقع في شيء من تجارتي وأموري إلا قمت به منتصبا له، وقيل: معناه لا أغبن ولا أُغبن وبالجملة فهذا حديث مما أشكل على الناس فهمه وما أشار إليه المصنف في معناه أحسن والله تعالى أعلم.\nوهكذا رد السيوطي هذه الأقوال التي لا تتفق مع ترجمة النسائي حيث قال: وهذه الأقوال خارجة عما جنح إليه المصنف حيث ترجم على الحديث: باب كيف يخر للسجود.\nأقول وربما لو وقفوا على تفسير ابن حنبل ورأي ابن رجب لغيروا من منحاهم في تفسير الحديث.\n(^٤) سورة المجادلة: ١٣. وانظر الحديث عند المروزي في تعظيم قدر الصلاة ١/ ٩٥ ح ١٢. وفيه: \"يقبل\".","vol":"1","page":240},{"text":"إلى الشهادتين وقال: \"إن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم بالصلاة ثم بالزكاة\" (^١).\nومراده أن من صار مسلمًا بدخوله في الإسلام أمر بعد ذلك بإقام الصلاة، ثم بإيتاء الزكاة.\n* * *\nوكان من سأله عن الإسلام يذكر له مع الشهادتين بقية أركان الإسلام كما قال لجبريل ﵇ لما سأله عن الإسلام.\nوكما قال للأعرابي الذي جاءه ثائر الرأس يسأله عن الإسلام.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-371>[الجمع بين ألفاظ الأحاديث]:</span>\nوبهذا الذي قررناه يظهر الجمع بين ألفاظ أحاديث هذا الباب ويتبين أن كلها حق، فإن كلمتي الشهادتين بمجردهما تعصم من أتى بهما، ويصير بذلك مسلمًا، فإذا دخل في الإسلام، فإن أقام الصلاة وآتى الزكاة، وقام بشرائع الإسلام فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم وإن أخل بشيء من هذه الأركان فإن كانوا جماعة لهم منعة قوتلوا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-372>[فهم خاطئ]:</span>\nوقد ظن بعضهم أن معنى الحديث أن الكافر يقاتل حتى يأتي بالشهادتين، ويقيمَ الصلاة، ويؤتيَ الزكاة، وجعلوا ذلك حجة على خطاب الكفار بالفروع.\nوفي هذا نظر.\nوسيرة النبي - ﷺ - في قتال الكفار تدل على خلاف هذا.\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه: الإيمان: باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام ١/ ٥١ وفيه: إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ﷿، فإذا عرفوا الله فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم زكاة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم، فإذا أطَاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم.\nورواه البخارى في صحيحه: كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة وقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [سورة البقرة: ٤٣، ٨٣، ١١٠] ٣/ ٢٦١ ح ١٣٩٥ وأطرافه ١٤٥٨، ١٤٩٦، ٢٤٤٨، ٤٣٤٧، ٧٣٧١، ٧٣٧٢ بنحو ما روى مسلم.","vol":"1","page":241},{"text":"<span data-type='title' id=toc-373>[دليل هذا الخطأ]:</span>\n• وفي صحيح مسلم (^١) عن أبي هريرة رضي الله غنه أن النبي - ﷺ - دعا عليا يوم خيبر فأعطاه الراية وقال: \"امْشِ وَلَا تَلْتفتْ حَتَّى يَفْتح الله عَليْكَ\" فَسَارَ عَليٌّ شَيْئًا (وَلَمْ يَلْتفِتْ) (^٢) ثُمْ وَقَفَ فَصرَخَ يَا رسُول الله! عَلَى مَاذَا أُقَاتِلُ النَّاس! فقالَ: \"قَاتَلُهُم عَلَى أن يَشْهَدُوا أَنْ لا إله إلا الله، وأَن محمدًا رَسُولُ الله؛ فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ فقد عَصمُوا مِنْكَ دِمَاءَهُمْ وأَمْوَالهُمُ إلا بِحقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله ﷿\".\nفجعل مجرد الإجابة إلى الشهادتين عاصمة للنفوس والأموال إلا بحقها، ومن حقها الامتناع عن الصلاة والزكاة بعد الدخول في الإسلام كما فهمه الصحابة ﵃.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-374>[قتال الجماعة الممتنعة عن الشرائع]:</span>\nومما يدل على قتال الجماعة الممتنعين من إقام الصلاة وإيتاء الزكاة من القرآن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (^٣) وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ (^٤) وقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (^٥) مع قوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (^٦).\nوثبت أن النبي - ﷺ - كان إذا غزا قومًا لم يغر عليهم حتى يصبح فإن سمع أذانا وإلا أغار عليهم. مع احتمال أن يكونوا قد دخلوا في الإسلام.\nوكان يوصي سراياه: \"إن سمعتم مؤذنا أو رأيتم مسجدًا. فلا تقتلوا أحدًا (^٧) \".\nوقد بعث عيينة بن حصن إلى قوم من بني العنبر فأغار عليهم ولم يسمع أذانًا. تم ادعوا أنهم قد أسلموا قبل ذلك (^٨).\nوبعث النبي - ﷺ - إلى أهل عمان كتابًا فيه: \"مِنْ مُحَمدٍ النَّبيِّ إلى أهل عُمانَ سَلامٌ\n_________\n(^١) في كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل علي ﵁ ٤/ ١٨٧١ - ١٨٧٢ باختلاف يسير.\n(^٢) من مسلم.\n(^٣) سورة التوبة: ٥.\n(^٤) سورة التوبة: ١١.\n(^٥) سورة الأنفال: ٣٩.\n(^٦) سورة البينة: ٥.\n(^٧) كما في أبي داود ٢٦٣٥ والترمذي ١٥٤٩ بإسناد حسن غريب.\n(^٨) راجع الإصابة ٣/ ٥٤ - ٥٥.","vol":"1","page":242},{"text":"عَلَيْكُمْ أَمّا بَعدُ فأقرُّوا بشهادةِ أن لَا إله إلا الله، وَأَدُّوا الزَّكاة، وخُطُّوا المساجَدَ وَإلا غَزَوْتُكُمْ\". خرجه البراز والطبراني وغيرهما (^١).\nفهذا كله يدل على أنه كان يعتبر حال الداخلين في الإسلام فإن أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وإلا لم يمتنع عن قتالهم وفي هذا وقع تناظر أبي بكر وعمر ﵄ كما في الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁ قال:\n\"لما تُوفي رسول الله - ﷺ - واستُخْلِفَ أبو بكر الصديق ﵁ بعده، وكفر من كفر من العرب قال عمر ﵁ لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله - ﷺ -: أُمرتُ أنْ أُقاتِل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لا إله إلا الله فَمَنْ قَالَ لَا إله إلا الله فقد عَصَمَ مِنِّي مَالُه وَنَفْسهُ إلا بِحقِّه وَحِسابُهُ عَلَى الله ﷿، فقال أبو بكر ﵁: والله لأقاتِلنَّ من فَرقَ بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله - ﷺ - لقاتلتهم على منعه، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شَرَحَ صَدْرَ أبي بكر للقتال فعرفتُ أَنَّهُ الحق\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-375>[وجهتا نظر أبي بكر وعمر]:</span>\nفأبو بكر ﵁ أخذ قتالهم من قوله: \"إلا بحقه\" فدل على أن قتال من أتى بالشهادتين جائز، ومن حقه أداء حق المال الواجب.\nوعمر ﵁ ظن أن مجرد الإتيان بالشهادتين يعصم الدم في الدنيا.\n[تمسكا بعموم أول الحديث كما ظن طائفة من الناس أن من أتى بالشهادتين امْتَنعَ من دخول النار في الآخرة] (^٣) تمسكًا بعموم ألفاظ وردت.\nوليس الأمر على ذلك.\nثم إن عمر رجع إلى موافقة أبي بكر ﵁.\n* * *\nوقد خرج النسائي قصة تناظر أبي بكر وعمر - ﵄ - بزيادة، وهي:\n_________\n(^١) أورده الهيثمي ١/ ٢٩ و٣/ ٦٤ عن الطبراني في الأوسط من حديث أبي شداد من أهل دمار، وقال وإسناده لم أر أحدًا ذكرهم إلا أن الطبراني قال: تفرّدَ بِهِ موسى بن إسماعيل - وليس بالتبوذكي، وعن البزار وقال: هو مرسل وفيه من لا يعرف.\n(^٢) راجع ما مضى من تخريج الحديث ص ٢٣٨. وحديثي ٦٩٢٤، ٦٩٢٥ من البخاري.\n(^٣) ما بين الرقمين ليس في ب.","vol":"1","page":243},{"text":"أن أبا بكر قال لعمر: إنما قال رسول الله - ﷺ -: أُمرْتُ أن أَقاتلَ النَّاس حَتَّى يَشْهدُوا أنْ لَا إله إلا الله وَأَنِّي رَسُولَ الله وَيُقيمَوا الصُّلاةَ وَيُؤتُوا الزَّكَاة (^١).\n• وخرجه ابن خزيمة في صحيحه (^٢) ولكن هذه الرواية خطأ. أخطأ فيها عمران القطان إسنادًا ومتنا قاله أئمة الحفاظ منهم علي بن المديني وأبو زرعة وأبو حاتم والترمذي والنسائي (^٣).\nولم يكن هذا الحديث عن النبي - ﷺ - بهذا اللفظ عند أبي بكر ولا عمر.\nوإنما قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال؛ وهذا أخذه والله أعلم من قوله في الحديث \"إلا بحقها\" وفى رواية \"إلا بحق الإسلام\" فجعل من حق الإسلام إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما أن من حقه أن لا ترتكب (^٤) الحدود وجعل كل ذلك مما استثنى بقوله إلا بحقها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-376>[دلالة قوله: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة].</span>\nوقوله: \"لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة؛ فإنما الزكاة حق المال\" يدل على أن من ترك الصلاة فإنه يقاتل، لأنها حق البدن؛ فكذلك من ترك الزكاة التي هي حق المال.\n* * *\n_________\n(^١) سنن النسائي في كتاب الجهاد: باب وجوب الجهاد ٦/ ٤ - ٥ من حديث أبي هريرة و٦/ ٦ - ٧ من حديث أنس والمناظرة برواياتها العديدة رواها النسائي في السنن أحاديث: ٢٤٤٣، ٣٠٩٠، ٣٠٩١، ٣٠٩٢، ٣٠٩٣، ٣٠٩٤، ٣٠٩٥، ٣٩٦٧، ٣٩٦٩، ٣٩٧٠، ٣٩٧١، ٣٩٧٢، ٣٩٧٣، ٣٩٧٤، ٢٣٧٥، ٣٩٧٧، ٥٠٠٣.\n(^٢) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه: جماع أبواب التغليظ في منع الزكاة: باب الأمر بقتال مانع الزكاة اتباعا لأمر الله ﷿ بقتال المشركين حتى يتوبوا من الشرك، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، وائتمارًا لأمره جل وعلا بتخليتهم بعد إقام الصلاة وإيتاء الزكاة قال الله ﷿ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].\n٤/ ٧ رواية عن محمد بن بشار ومحمد بن المثنى، عن عمرو بن عاصم الكلابي، عن عمران القطان، عن معمر بن راشد، عن الزهري، عن أنس بن مالك. بنحوه.\nقال محققه: إسناده منكر لكن للحديث شواهد كثيرة. والمتن صحيح.\n(^٣) قال النسائي عقب روايته السابقة (٦/ ٧): عمران القطان ليس بالقوي في الحديث وهذا الحديث خطأ (يعني رواية أنس) والذي قبله الصواب: حديث الزهري عن عبيد الله بن عتبة عن أبي هروة وليس فيه ذكر الصلاة والزكاة عن الرسول - ﷺ -.\n(^٤) ب: \"تركب\".","vol":"1","page":244},{"text":"• وفي هذا إشارة إلى أن قتال تارك الصلاة أمر مجمع عليه؛ لأنه جعله أصلًا مقيسا عليه، وليس هو مذكورًا في الحديث الذي احتج به عمر ﵁ وإنما (^١) أخذ من قوله: \"إلا بحقها\" فكذلك الزكاة؛ لأنها من حقها.\nوكل ذلك من حقوق الإسلام.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-377>[من أدلة القتال على ترك الصلاة]:</span>\nويستدل أيضًا على القتال على ترك الصلاة بما في صحيح مسلم عن أم سلمة عن النبي - ﷺ - قال:\n\"يُستَعْمَلُ عَلْيكُمْ أُمراءُ فَتَعْرفُون وَتُنكِرُون فَمَنْ أنْكَرَ فَقَدْ برئ وَمَنْ كَره فَقَدْ سَلِم، ولكِنْ مَنْ رَضيَ وَتَابعَ\"، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله! ألا نُقَاتِلُهُمْ؟ قال: \"لا! مَا صَلَّوْا\" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-378>[القتال على ترك الطَّائفة سائر أركان الإسلام]:</span>\nوحكم من ترك سائر أركان الإسلام أن يقاتلوا عليها كما يقاتلون على ترك الصلاة والزكاة.\n• وروى ابن شهاب عن حنظلة بن علي بن الأسقع أن أبا بكر الصديق ﵁ بعث خالد بن الوليد ﵁ وأمره أن يقاتل الناس على خمس، فمن ترك واحدة من الخمس فقاتلهم عليها كما تقاتل على الخمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان.\n• وقال سعيد بن جبير: قال عمر بن الخطاب: \"لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه كما نقاتلهما على الصلاة والزكاة\".\nفهذا الكلام في قتال الطائفة الممتنعة عن شيء من هذه الواجبات.\n_________\n(^١) في المطبوعة: \"وإنه\".\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة: باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع وترك قتالهم ما صلوا ٣/ ١٤٨٠ ح ١٨٥٤.","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type='title' id=toc-379>[قتال الفرد أو قتله]:</span>\nوأما قتل الواحد المتنع عنها فأكثر العلماء على أنه يقتل المتنع عن الصلاة.\nوهو قول مالك والشافعي، وأحمد، وأبي عبيد، وغيرهم.\n• ويدل على ذلك ما في \"الصحيحين\" عن أبي سعيد الخدري: أن خالد بن الوليد استأذن النبي - ﷺ - في قتل رجل فقال: \"لا؛ لعله أن يكون يصلي؟ \" فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه!؟ فقال رسول الله - ﷺ -:\n\"إنِّي لَمْ أَومَر أَنْ أُنَقِّبَ عَنْ قُلُوبِ الناس وَلا أشُقَّ بَطُونَهَم\" (^١).\n• وفي المسند للإمام أحمد ﵀ عن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلًا من الأنصار حدثه أنه أتى النبي - ﷺ - فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين - فقال النبي - ﷺ -: \"أليْس يَشْهَدُ أَن لا إله إلا الله؟ \".\nقال: بلى، ولا شهادة له.\n[قال: \"ألَيس يَشْهَدُ أن مُحمدًا رسُول الله\"؟ قال: بلى] (^٢). قال: \"أَليْسَ يصَلِّي\"؟ قَالَ: بلىَ ولا صَلَاة له!؟ قال: \"أُولَئكَ الذينَ نَهَاني الله عن قَتْلِهم\" (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-380>[قتل المتنع عن أداء الزكاة]:</span>\nوأما قتل المتنع عن أداء الزكاة ففيه قولان لمن قال: يقتل الممتنع من فعل الصلاة.\nأحدهما: يقتل أيضًا وهو المشهور عن أحمد - ﵀ - ويستدل له بحديث ابن عمر هذا.\nوالثاني: لا يقتل، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد في رواية.\n* * *\n_________\n(^١) أنقب عن قلوب الناس: أبحث وأفتش والحديث أخرجه البخاري في كتاب المغازي: باب بعث على بن أبي طالب ﵇ وخالد بن الوليد ﵁ إلى اليمن قبل حجة الوداع ٨/ ٦٧.\nومسلم في كتاب الزكاة: باب ذكر الخوارج وصفتهم ٢/ ٧٤٢.\n(^٢) ما بين الرقمين من المسند.\n(^٣) مسند أحمد ٥/ ٤٣٢ - ٤٣٣ (حلبي) وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٤ عن أحمد وقال: رجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":246},{"text":"<span data-type='title' id=toc-381>[والصوم]:</span>\nوأما الصوم فقال مالك وأحمد في رواية عنه: يقتل بتركه.\nوقال الشافعي وأحمد في رواية: لا يقتل بذلك.\nويستدل له بحديث ابن عمر وغيره مما في معناه. فإنه ليس في شيء منها ذكر الصوم.\nولهذا قال أحمد في رواية أبي طالب: الصوم لم يجئ فيه شيء.\n* * *\nقلت: وقد روي عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا وموقوفا: أن من ترك الشهادتين أو الصلاة أو الصيام فهو كافر حلال الدم بخلاف الزكاة والحج.\n* * *\nوقد سبق ذكر شرحه في حديث بُني الإسلام على خمس.\n\n<span data-type='title' id=toc-382>[الحج؟]:</span>\nوأما الحج فعن أحمد ﵀ في القتل بتركه روايتان.\nوحمل بعض أصحابنا رواية قتله على من أخره عازما على تركه بالكلية. أو أخره وغلب على ظنه الموت في عامه فأما إن أخَّره معتقدًا أنه على التراخي كما يقوله كثير من العلماء؛ فلا قتل بذلك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-383>[عودٌ إلى شرح الحديث].</span>\n• وقوله - ﷺ - \"إلا بِحَقها\" وفي رواية \"إلا بِحَق الإسلام\" قد سبق أن أبا بكر أدخل في هذا الحق - فعل الصلاة والزكاة، وأن من العلماء من أدخل فيه فعل الصيام والحج أيضًا.\n* * *\nومن حقها ارتكاب ما يبيح دم المسلم من المحرمات.\nوقد ورد تفسير حقها بذلك خرجه الطبراني وابن جرير الطبري من حديث أنس عن","vol":"1","page":247},{"text":"النبي - ﷺ - قال: \"أُمْرت أنْ أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا: لا إله إلَّا الله، فإذا قَالُوها عَصمُوا مِني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُم إلَّا بحَقِّها وَحِسَابُهُمْ عَلَى الله ﷿. قيل: وما حقها؟ قال: زِنًا بَعْدَ إِحْصَانٍ، وكُفرٌ بَعْدَ إيمانٍ، وقَتْلُ نفسٍ فَيُقتَلُ بِهَا\".\nولعل آخره من قول أنس (^١).\nوقد قيل: إن الصواب وقف الحديث كله عليه.\n* * *\nويشهد لهذا ما في الصحيحين عن ابن مسعود ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يَحلُّ دَمُ امْرئٍ مُسْلمٍ يَشْهدُ أَنْ لَا إلَه إلَّا الله وأَنِّي رَسُول الله إلا بإِحْدَى ثَلاتٍ الثَّيبُ الزّاني، والنَّفسُ بالنفس، وَالتَّارِك لِديِنه المُفَارِق للجَمَاعة\".\nوسيأتي الكلام على هذا الحديث مستوفى عند ذكره في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى (^٢).\nوقوله - ﷺ -: \"وحِسَابهُمْ عَلَى الله ﷿\".\nيعني أن الشهادتين مع إقام الصلاة وإيتاء الزكاة تعصم دم صاحبها وماله في الدنيا إلا أن يأتي ما يبيح دمه.\nوأما في الآخرة فحسابه على الله ﷿: فإن كان صادقًا أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبًا فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار.\nوقد تقدم (^٣) أن في بعض الروايات في صحيح مسلم \"ثم تلا: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ (^٤).\nوالمعنى: إنما عليك تذكيرهم بالله ودعوتهم إليه، ولست مسلطا على إدخال الإيمان في قلوبهم قهرًا، ولا مكلفًا بذلك.\nثم أخبر تعالى أن مرجع العباد كلهم إليه، وحسابهم عليه.\nوفي مسند البزار عن عياض الأنصاري عن النبي - ﷺ - قال: \"إن لا إله إلا الله كلمةٌ\n_________\n(^١) حديث أنس أخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٥ - ٢٦ عن الطبراني في الأوسط وقال: فيه عمرو بن هاشم والأكثر على توتيقه.\n(^٢) في الحديث الرابع عشر من الكتاب.\n(^٣) ص ٢٣٨.\n(^٤) سورة الغاشية: ٢١ - ٢٦.","vol":"1","page":248},{"text":"عَلَى الله كريمةٌ لَها عِنْدَ الله مَكَانٌ، وهِى كَلِمَةٌ مَنْ قالها صادقًا أَدْخَلَهُ الله بِها الجنَّة، ومَنْ قَالَها كاذِبًا حَقَنَتْ مَالهُ ودمَهُ، ولَقِى الله غدًا فَحَاسَبَهُ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-384>[قبول توبة الزنديق]:</span>\nوقد استدل بهذا من يرى قبول الزنديق، وهو المنافق، إذا أظهر العود إلى الإسلام، ولم ير قتله بمجرد ظهور نفاقه كما كان النبي - ﷺ - يعامل المنافقق ويُجْريهمْ على أحكام المسلمين في الظاهر مع علمه بنفاق بعضهم في الباطن.\nوهذا قول الشافعي وأحمد في رواية عنه.\nوحكاه الخطابي عن أكثر العلماء والله أعلم (^٢).\n_________\n(^١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٦ عن البزار وقال: رجاله موثقون إن كان تابعيه عبد الرحمن بن مسعود، وفي الكشف ١/ ١٠ حقنت دمه وماله، وتعليقا على كلمة الهيثمي قال محقق الكشف: كيف يمكن هذا والمذكور في مسند البزار منسوب قرشيا وهذا هذلي؟\nوالحديث في الكشف عن عبد الوارث بن عبد الصمد، عن أبيه، عن عبيدة بن أبي رائطة، عن عبد الملك بن عمير هكذا، قال عن عبد الرحمن القرشي عن عياض قال العلامة المحقق: كذا في الأصل وفي الإصابة: عبيدة عن عبد الملك بن عبد الرحمن الأنصاري، عن عياض وفيه أنه المحفوظ، قلت: فعبد الرحمن علي هذا ليس من الرواة، فلتراجع نسخة أخرى وانظر الإصابة ٤/ ٧٥٩، والكبير للطبراني ١٧/ ٣١٤.\n(^٢) في \"أعلام السنن\" له تعليقا على حديث ابن عمر المرفوع: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله … الحديث وفيه: \"وحسابهم على الله\" فقد قال الخطابي: \"ومعنى قوله\": \"وحسابهم على الله\" أي فيما يستسرون له، دون ما يخلون به من الأحكام الواجبة عليهم في الظاهر، وفيه دلالة على أن الكافر المستسر بكفره، لا يُتعرض له، إذا كان ظاهر حاله الإسلام، وأن توبته مقبولة إذا أظهر الإنابة من كُفْرٍ، علم بإقراره أنه كان يعتقده قبل، وهو قول أكثر العلماء\".\nأعلام السنن ١/ ١٣٨ ط. المغرب (منشورات عكاظ. الرباط).","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type='title' id=toc-385>الحديث التاسع</span>\nعن أبي هريرة: عبد الرحمن بن صخر ﵁ قالَ: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ:\n\"مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْه فَاجْتنِبوهُ، ومَا أَمرْتُكُمْ بِه فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ؛ فإنَّمَا أَهْلَكَ الّذيِنَ منْ قَبْلِكُمْ كَثرةُ مَسَائِلهِمْ، واختلافُهُم عَلَىَ أَنْبيائِهمْ\". رواه البخاري ومسلم:\n\n<span data-type='title' id=toc-386>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث بهذا اللفظ خرجه مسلم وحده من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة، كلاهما عن أبي هريرة (^١).\nوخرجَاهُ من رواية أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"دعوني ما تركتكم إنما أهْلكَ مَنْ كان قَبْلكم سؤالُهم واخْتلافُهمْ على أَنْبيائهم فإذا نَهَيتُكُم عَنْ شيء فَاجْتَنِبُوه، وإذا أَمَرْتكُم بِأَمْرٍ فَأتوا مِنْه مَا استَطعتُم (^٢) \".\nوخرجه مسلم من طريقين آخرين عن أبي هريرة بمعناه (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-387>[سبب ورود الحديث]:</span>\nوفي رواية له ذكر سبب هذا الحديث من رواية محمد بن زياد عن أبي هريرة ﵁ قال:\n• خَطَبَنَا رَسُولُ الله - ﷺ - فقال: \"يا أيُّها النَّاسُ! قَدْ فَرضَ الله عَلَيْكُمُ الحَجَّ فحُجُّوا\" فقال رجُلٌ: أَكُلَّ عَامٍ؟ يَا رَسوُلَ الله فَسَكَتَ حتَّى قَالَهَا ثلاثًا؛ فَقال رَسُولُ الله - ﷺ -: \"لَوْ قُلتُ نَعمْ لَوَجَبَتْ وَلَما استَطعْتُم ثم قال: ذَرُوني مَا تَرَكْتُكُمْ فَإنَّما هَلَكَ مَنْ كان قَبْلكُم بِسؤَالِهمْ وَاخْتِلافهِم عَلَى أَنْبيَائِهِم؛ فَإذَا أَمرْتُكُمْ بِشَيءٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم، وَإذَا نَهيتكُمْ عَنْ شَيء فَدَعُوه\" (^٤).\nوخرجه الدارقطني من وجه آخر مختصرًا (^٥) وقال فيه: فنزل قوله تعالى.\n_________\n(^١) في كتاب الفضائل: باب توقيره - ﷺ - ٤/ ١٨٣٠. وفيه: \"وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم\".\n(^٢) البخاري في كتاب الاعتصام: باب الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ - ١٣/ ٢٥١ ومسلم في الباب المذكور ٤/ ١٨٣١ واللفظ الذكور للبخاري.\n(^٣) في الموضع نفسه.\n(^٤) أخرجه مسلم في كتاب الحج: باب فرض الحج مرة في العمر ٢/ ٩٧٥ وانظر أيضًا تفسير ابن كثير ٢/ ١٠٥.\n(^٥) في السنن ٢/ ٢٨٠ - ٢٩١ من حديث علي ﵁ بإسناد منقطع كما في التعليق المغني.","vol":"1","page":251},{"text":"﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (^١).\n* * *\n• وقد روي من غير وجه أن هذه الآية نزلت لما سألوا النبي - ﷺ - عن الحج وقالوا أفي كل عام؟.\n* * *\nوفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال:\nخطبنا رسول الله - ﷺ - فقال رجلٌ: مَنْ أبي؟ فقال: \"فلان\" فنزلت هذه الآية:\n﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (^٢).\n* * *\nوفيهما أيضًا عن قتادة عن أنس، قال: سألوا رسول الله - ﷺ - حَتى أحْفَوُه (^٣) في المسألة فَغَضِبَ فَصَعِدَ المنِبَرَ فَقَالَ: \"لا تَسألوني اليَوْمَ عَنْ شَيء إلا بَيَّنْتُه\". فقام رَجُلٌ كانَ إذا لَاحى (^٤) الرِّجَالَ دُعِيَ إلَى غَيْر أبيه، فَقَالَ: يا رسُولَ الله! مَنْ أَبي؟ قال: \"أبُوَكَ حُذافةُ\" ثُمَّ أنْشَأ عَمَرُ فقال: رَضينَا بالله رَبًّا وبالإسْلامِ دِينًا وبمُحَمدٍ رَسُولًا، نَعُوذُ بالله مِنْ الفِتَن.\nوكان قتادة يذكر عند هذا الحديث هذه الآلة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (^٥).\n* * *\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس قال:\nكان قوم يسألون رسول الله - ﷺ - استهزاء فيقول الرجل: مَنْ أَبي؟ ويقول الرَّجلُ تضِلُّ ناقته: أَيْنَ نَاقَتِي؟ فأنزل الله هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) سورة المائدة: ١٠١.\n(^٢) الحديث رواه البخاري في الفسير: سورة المائدة ٨/ ٢٨٠. ومسلم في كتاب الفضائل: باب توقيره - ﷺ - ١٨٣٢.\n(^٣) أحفوه: أكثروا في الإلحاح وبالغوا فيه.\n(^٤) لاحى الرجال: قاولهم وخاصمهم ونازعهم .. راجع النهاية ٤/ ٢٤٣.\n(^٥) صحيح البخاري: دعوات: باب التعوذ من الفتن، ١١/ ١٧٢ - ١٧٣ بنحوه. ومسلم: فضائل باب توقيره - ﷺ - وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه، أو لا يتعلق به تكليف، وما لا يقع ونحو ذلك ٤/ ١٨٣٤.\n(^٦) صحيح البخاري التفسير: سورة المائدة آية ١٠١.","vol":"1","page":252},{"text":"وخرج ابن جرير الطبري في تفسيره (^١) من حديث أبي هريرة قال خَرجَ رَسَولُ الله - ﷺ - وهُوَ غَضْبَانُ مُحْمارًّا وَجْهُهُ حَتَّى جَلَسَ عَلَى المِنْبر فقام إليه رجل فقال: أين أنا؟ فقال: \"في النار\" فَقَامَ إليه آخرُ فقال: مَنْ أبي؟ قال: \"أبُوكَ حُذافَةٌ\" فَقَامَ عُمَرُ ﵁ فَقَالَ: \"رَضِينَا بالله رَبًّا، وَبالإسلامِ دِينًا، وبمحمَّدٍ نَبِيًّا، وَبالقْرْآن إمَامًا إنّا يا رسولَ الله حَديثُو عَهْدٍ بِجِاهليَّة وَشِرْك وَالله أَعْلَم مَنْ آباؤنا؟ قَال: فَسَكَنَ غَضَبُهُ ونَزَلت هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (^٢).\nوروي أيضًا من طريق العوفي عن ابن عباس في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ قال: إن رسول الله - ﷺ - أذَّن في الناس فقال: يا قوم! \"كُتبَ عليْكم الحجُّ\" فقام رجل فقال: يا رسول الله! أفي كل عام؟ فَأَغَضَبَ رسولَ الله - ﷺ - غَضَبًا شديدًا فقال: \"والذي نَفْسِي بيده لو قُلْتُ نَعْم لَوجَبتْ ولو وَجَبت ما استَطعْتُم، وإذن لكفرْتم فَاتْركُوني مَا تركتكُمْ فإذا أمرتكم بشيء فافْعَلوا، وإذا نهيْتكُم عن شيء فانْتهوا عَنْه\" فأنَزْلَ الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ نهاهما أن يسألوا مثل الذي سألت النصارى في المائدة فأصبحوا بها كافرين. فنهى الله تعالى عن ذلك [وقال: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك] (^٣) ولكن انتظروا (^٤) فإذا نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه (^٥).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-388>[دلالة الأحاديث]:</span>\nفدلت هذه الأحاديث على النهي عن السؤال عما لا يُحتاج إليه مما يسوء السائل جوابُهُ مثل سؤال السائل هل هو في النار؟ أو في الجنة؟ وهل أبوه من ينتسب إليه أو غيره؟ وعلى النهي عن السؤال على وجه التعنت والعبث والاستهزاء كما كان يفعله\n_________\n(^١) ١١/ ١٠٣ (المعارف).\n(^٢) أورده ابن كثير في التفسير ٢/ ١٠٥ عن ابن جرير وذكر أن إسناده جيد.\n(^٣) الزيادة من الطبري، وفي بعض الأصول \"عن ذلك … ولكن\".\n(^٤) في بعض الأصول: \"انظروا\" والتصويب عن الطبري.\n(^٥) تفسير الطبري ١١/ ١٥٩ - ١١٠ وذكر محققه أن إسناده ضعيف راجع ما ذكره بالهامش وما أحال عليه.\nوأورده السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦ وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وابن مردويه وابن كثير في التفسير ٢/ ١٠٦ عن عطية العوفي، عن ابن عباس.","vol":"1","page":253},{"text":"كثير من المنافقين وغيرهم.\nوقريب من ذلك سؤال الآيات واقتراحها على وجه التعنت كما كان يسأله المشركون وأهل الكتاب.\nوقد قال عكرمة وغيره: إن الآية نزلت في ذلك (^١).\nويقرب من ذلك: السؤال عما أخفاه الله عن عباده ولم يطعهم عليه كالسؤال عن وقت الساعة، وعن الروح.\nودلت أيضًا على نهي المسلمين عن السؤال عن كثير من الحلال والحرام مما يخشى أن يكون السؤال سَبَبًا لنزول التشديد فيه؛ كالسؤال عن الحج هل يجب كل عام أو لا؟\n\n<span data-type='title' id=toc-389>[وشواهد ذلك]:</span>\n• وفي الصحيح (^٢) عن سعد [بن أبي وقاص ﵁] (^٣) عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n\"إنَّ أَعظَمَ الْمُسْلِمين في الْمُسْلِمينَ جُرْمًا مَنْ سَأل عَنْ شَيء لَمْ يُحَرَّم فَحُرِّم مِنَ أَجْلِ مَسْألَتِهِ\".\n* * *\n• ولما سئل النبي - ﷺ - عن اللعان كره المسائل وعابها حتى ابْتُلي السائل عنه (^٤) قبل وقوعه - بذلك في أهله (^٥).\n* * *\n• وكان النبي - ﷺ - ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال (^٦).\n_________\n(^١) قال ابن كثير في الموضع المذكور: يعني عكرمة ﵀ إن المراد بهذا النهي عن سؤال وقوع الآيات كما سألت قريش أن يجري لهم أنهارًا ويجعل لهم الصفا ذهبًا، وغير ذلك، وكما سألت اليهود أن ينزل عليهم كتابًا من السماء.\n(^٢) مسلم. كتاب الفضائل: باب توقيره - ﷺ - ٤/ ١٨٣١. والبخاري في الاعتصام ١٣/ ٢٦٤.\n(^٣) ليست في ب. ولا في أ.\n(^٤) في المطبوعة: \"به عينه\".\n(^٥) راجع ما جاء في ذلك في صحيح مسلم: اللعان. ٢/ ١١٣٣ - ١١٣٤.\n(^٦) راجع ما رواه البخاري في الأدب: باب عقوق الوالدين من الكبائر ١٠/ ٤٠٥ من حديث المغيرة بن شعبة أن النبي - ﷺ - قال: إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ومنعًا وهات، ووأد البنات، وكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال\". وهو عند مسلم (٥٩٣) من وجوه.","vol":"1","page":254},{"text":"<span data-type='title' id=toc-390>[سؤال الرسول بين النهي عنه والرخصة فيه]:</span>\n• ولم يكن النبي - ﷺ - يرخص في السائل إلا للأعراب ونحوهم من الوفود القادمين عليه: يتألفهم بذلك. فأما المهاجرون والأنصار المقيمون بالمدينة الذين رسخ الإيمان في قلوبهم فنهوا عن المسألة، كما في صحيح مسلم (^١) عن النواس بن سمعان قال: أَقَمْتُ مَعَ رَسُول الله - ﷺ - بالمدِينةِ سَنَةً ما يَمْنَعُني من الهِجرَةِ إلا الْمَسْأَلَةُ؛ كان أَحَدُنا إذا هَاجَرَ لَمْ يَسْأل النبي - ﷺ - عن شيء [قال فسألته عن البر والإثم فقال رسول الله - ﷺ -: \"البر حسن الخلق. والإثم ما حاك في نفسك، وكرهت أن يطلع عليه الناس\"].\n* * *\n• وفيه أيضًا عن أنس ﵁ قال: نُهينا أن نسأل رسول الله - ﷺ - عَنْ شيء فَكَان يُعْجِبنَا أَنْ يَجِيء الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ البَادية العَاقلُ، فَيسْأَلَهُ ونَحْنُ نَسْمَع (^٢).\n* * *\nوفي المسند عن أبي أمامة قال: كان الله قد أنزل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾.\nقال: فكنا قد كرهنا كثيرًا من مسألته واتقينا ذلك حين أنزل الله على نبيه - ﷺ - قال: فأتينا أعرابيا فرشوناه بُرْدًا (^٣) ثم قلنا له: سل النبي - ﷺ - وذكر حديثا (^٤).\nوفي مسند أبي يعلى عن البراء بن عازب قال: \"إنْ كَانَ لَتَأْتِي عَلَيَّ السَّنَةُ أُريدُ أنْ أَسْأل رَسُول الله - ﷺ - عَنْ شَيءٍ فَأتَهَيَّبُ منْهُ وإن كُنَّا لَنَتَمَنَّى الأعراب\" (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) في كتاب البر والصلة والآداب: باب تفسير البر والإثم ٤/ ١٩٨٠ ح ١٥ - (٣٥٥٣).\n(^٢) صحيح مسلم في كتاب الإيمان: باب السؤال عن أركان الإسلام ١/ ٤١ ح ١٠ - (١٢).\n(^٣) البرد: كساء مخطط يلتحف به وبعد هذا في المسند: فاعتم به حتى رأيت حاشية البرد خارجة من حاجبه الأيمن قال: ثم قلنا له … الحديث ومعنى قوله: رشوناه بردا: حبوناه به راجع المعجم الوسيط ١/ ٤٧.\n(^٤) مسند أحمد ٥/ ٢٦٦ (حلبي) وفيه بعد هذا: قال: فقال: يا نبي الله. كيف رفع العلم منا وبين أظهرنا المصاحف، وقد تعلمنا ما فيها، وعلمناها نساءنا وذرارينا وخدمنا؟ قال: فرفع النبي - ﷺ - رأسه وقد علت وجهه حمرة من الغضب، قال: فقال: ثكلتك أمك وهذه اليهود والنصارى بين أظهرهم المصاحف لم يصبحوا يتعلقوا بحرف مما جاءتهم به أنبياؤهم. ألا وإن من ذهاب العلم أن يذهب حملته (ثلاث مرات).\n(^٥) رواه أبو يعلى في المسند الكبير، انظر المطالب العالية ٣/ ٣٢٥.","vol":"1","page":255},{"text":"وفي مسند البزار عن ابن عباس ﵄ قال: ما رَأَيْتُ قَوْمًا أَخيرَ مِنْ أَصحَاب مُحَمَّدٍ - ﷺ - مَا سَألُوه إلا عَنْ اثْنَتيْ عَشْرةَ مَسْأَلَةً كُلها في القَرْآن: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (^١) ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (^٢) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ (^٣) وذكر الحديث (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-391>[السؤال عما يتوقع]:</span>\nوقد كان أصحاب النبي - ﷺ - أحيانًا يسألونه عن حكم حوادث قبل وقوعها لكن للعمل بها عند وقوعها، كما قالوا له: إنا لاقُوا العدوِّ غدا، وليس معنا مُدًى أفنذبح بالقصب؟ وسألوه عن الأمراء الذين أخبر عنهم بعده، وعن طاعتهم، وقتالهم.\nوسأله حذيفة عن الفتن وما يصنع فيها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-392>[عودٌ إلى الحديث]:</span>\nفهذا الحديث وهو قوله - ﷺ -: \"ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم\":\nيدل على كراهة المسائل وذمها.\n\n<span data-type='title' id=toc-393>[هل كان خاصًّا بزمنه - ﷺ </span>-؟]:\nولكن بعض الناس يزعم أن ذلك كان مختصًّا بزمن النبي - ﷺ - لما يخشى حينئذ من تحريم ما لم يحرم، أو إيجاب ما يشق القيام به، وهذا قد أمن بعد وفاته - ﷺ -.\nولكن ليس هذا وحده هو سبب كراهية المسائل، بل له سبب آخر، وهو الذي أشار إليه ابن عباس في كلامه الذي ذكرناه بقوله: ولكن انتظروا فإذا نزل القرآن فإنكم لا\n_________\n(^١) سورة البقرة: ٢١٩.\n(^٢) سورة البقرة: ٢١٧.\n(^٣) سورة البقرة: ٢٢٠.\n(^٤) أخرجه الدرامي في سننه ١/ ٥٠ - ٥١ وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٥٨ - ١٥٩ عن الطبراني في الكبير، قال: وفيه عطاء بن السائب ثقة ولكنه اختلط، وبقية رجاله ثقات.\nوهو عند ابن عبد البر في جامع بيان العلم ٢/ ١٠٦٢ ح ٢٠٥٣ من طريق عطاء كذلك؛ فإسناده ضعيف لذلك؛ سيما الرواية عنه في هذا الحديث بعد اختلاطه وانظر ما ذكره المحقق.","vol":"1","page":256},{"text":"تَسْألون عن شيء إلا وجدتم تبيانه.\n\n<span data-type='title' id=toc-394>[الحاجة الحقيقية إلى فهم ما تم الإخبار به]:</span>\nومعنى هذا: أن جميع ما يحتاج إليه المسلمون في دينهم لابد أن يبينه الله في كتابه العزيز، ويبلِّغ ذلك رسولُهُ - ﷺ - عنه، فلا حاجة بعد هذا لأحد في السؤال، فإن الله تعالى أَعْلم بمصالح عباده منهم، فما كان فيه هدايتهم ونفعهم فإن الله تعالى لابد أن يبينه لهم ابتداء من غير سؤال كما قال ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ (^١).\nوحينئذ فلا حاجة إلى السؤال عن شيء، ولا سيما قبل وقوعه، والحاجة إليه. وإنما الحاجة الهمة إلى فهم ما أخبر الله به ورسوله، ثم اتباع ذلك والعمل به.\nوقد كان النبي - ﷺ - يُسأل عن السائل فيحيل على القرآن كما سأله عمر عن الكلالة فقال يكفيك آية الصيف (^٢) وأشار رسول الله - ﷺ - في هذا الحديث إلى أن في الاشتغال بامتثال أمره، واجتنات نهيه شغلا عن المسائل فقال:\n\"إذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيء فَاجْتَنبُوهُ وإذَا أَمَرْتُكُمْ بَأَمْرٍ فَأتُوا مِنهُ مَا اسْتَطعْتُمْ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-395>[ماذا على المسلم؟]:</span>\nفالذي يتعين على المسلم الاعتناء به والاهتمام: أن يبحث عما جاء عن الله ورسوله - ﷺ -، ثم يجتهد في فهم ذلك والوقوف على معانيه، ثم يشتغل بالتصديق بذلك إن كان من الأمور العلمية، وإن كان من الأمور العملية بذل وسعه في الاجتهاد في فعل ما يستطيعه من الأوامر، واجتناب ما ينهى عنه، وتكون همته مصروفة بالكلية إلى ذلك لا إلى غيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-396>[هكذا كانوا]:</span>\nوهكذا كان حال أصحاب النبي - ﷺ - والتابعين لهم بإحسان في طلب العلم النافع من الكتاب والسنة.\n_________\n(^١) سورة النساء ١٧٦.\n(^٢) هي قوله تعالى في آخر سورة النساء: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ الآية وكان نزولها في فصل صيف فلهذا سميت آية الصيف. وقد أورده:\nابن كثير في التفسير ١/ ٥٩٢ - ٥٩٣ وهو عند أحمد في المسند ١/ ١٩٢، ٢٣١ (المعارف مطولا) ومختصرًا ٢٦٩ بإسناد صحيح كما ذكر محققه العلامة الشيخ شاكر، ومسلم: كتاب الفرائض: باب ميراث الكلالة ٣/ ١٢٣٦.\nوابن ماجه في السنن: الفرائض: باب الكلالة ٢/ ٩١٠ ولفظها: يا عمر! تكفيك آية الصيف، ولفظ أحمد في الموضعين: تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء، ولفظ مسلم: يا عمر! ألا تكفيك آية الصيف … الحديث. ولفظ المطبوعة من تفسير ابن كثير. يكفيك بالياء. وهي في طبعتي المسند بالتاء.","vol":"1","page":257},{"text":"<span data-type='title' id=toc-397>[الصورة المقابلة]:</span>\nفأما إن كانت همة السامع مصروفة عند سماع الأمر والنهي إلى فرض أمور قد تقع وقد لا تقع فإن هذا مما يدخل في النهي، ويثبط عن الجد في متابعة الأمر.\n\n<span data-type='title' id=toc-398>[اتباع السنة]:</span>\nوقد سأل رَجلٌ ابن عَمَر عَنِ اسْتلامِ الحَجَر فَقَال لَهُ: رَأيتُ النَّبي - ﷺ - يَستَلِمهُ وَيُقَبِّلُهُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أرأَيْتُ أَنْ غُلِبتُ عَنْهُ؟ أرَأيْتَ أَنْ زُوحمتُ؟ فقال له ابْنُ عَمَر: اجعل \"أَرأَيْتَ\" بِاليَمَن؛ رَأَيتُ رسول الله - ﷺ - يَسْتَلِمُه ويُقَبِّلُهُ.\nخرجه الترمذي (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-399>[ومتى يحمد السؤال في العلم؟]:</span>\nومراد ابن عمر أن لا يكون لك هم إلا في الاقتداء بالنبي - ﷺ - ولا حاجة إلى (^٢) فرض العجز عن ذلك، أو تَعَسُّرِه قبل وقوعه، فإنه قد يفتِّرُ (^٣) لعزم على التصميم على المتابعة (^٤)؛ فإن التفقه في الدين والسؤال عن العلم إنما يحمد إذا كان للعمل لا للمراء والجدل.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-400>[العلم والفتنة]:</span>\n• وقد روي عن علي ﵁ أنه ذكر فتنا تكون في آخر الزمان فقال له عمر: متى ذلك يا علي؟ قال: إذا تُفُقِّه لغير الدين، وتُعُلِّم لغير العمل، والتُمِست الدنيا بعمل الآخرة.\n* * *\n• وعن ابن مسعود ﵁ قال: كيف بكم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير، ويهزم فيها الكبير، وتتخذ سنة، فإن غيرت يومًا قيل: هذا منكر؟ قالوا: ومتى ذلك؟ قال إذا قلّت أمناؤكم، وكثرت أُمراؤكم، وقلَّتْ فقهاؤكُمْ، وكثرت\n_________\n(^١) سنن الترمذي: كتاب الحج: باب ما جاء في تقبيل الحجر ٣/ ٢١٥ وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٢) في المطبوعة: \"إلا \" وهو تحريف.\n(^٣) هكذا ضبطت في (ب) بتشديد التاء وكسرها.\n(^٤) من هنا إلى قوله\" في كتابه\" ليس في أ.","vol":"1","page":258},{"text":"قراؤكم، وتفقه لغير الدين، والتمست الدنيا بعمل الآخرة.\nخرجهما عبد الرزاق في كتابه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-401>[لماذا كانوا يكرهون السؤال؟]:</span>\nولهذا المعنى كان كثير من الصحابة والتابعين يكرهون السؤال عن الحوادث قبل وقوعها، ولا يجيبون عن ذلك.\nقال عمرو بن مرة: \"خرج عمر ﵁ على الناس فقال: أُحَرِّج عليكم أن تسألونا عما لم يكن؛ فإن لنا فيما كان شغلا\".\n• وعن ابن عمر ﵄ قال: \"لا تسألوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ؟ فَإنِّي سَمِعتُ عُمَرَ ﵁ يقول: لُعن السَّائلُ عَمَّا لَمْ يَكُنْ\".\n* * *\n• وكان زيد بن ثابت إذا سئل عن الشيء يقول: كان هذا؟ فإن قالوا: لا؛ قال: دعوه حتى يكون (^٢).\n* * *\n• وقال مسروق: \"سألت أبَيَّ بنَ كعب عن شيء، فقال: أكان بَعدُ؟ فقلت: لا: فقال: أَجِمَّنَا [يعني أرحنا] (^٣) حتى يكون؛ فإذا كان: اجتهدنا لك رأْينا.\n* * *\n• وقال الشعبي: \"سئل عمار عن مسألة فقال: هل كان هذا بعدُ؟ قالوا: لا.\nقال: فدعونا حتى يكون؛ فإذا كان تجشَّمْنَاهُ لكم\".\n* * *\n• وعن الصلت بن راشد قال: \"سألتُ طاووسًا عن شيء فانتهرنى وقال: أكان هذا؟ قلت: نعم. قال: آلله؟ قلت: آلله، قال: إن أصحابنا أخبرونا عن معاذ بن جبل، ﵁، أنه قال:. أيها الناس! لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله فَيَذْهَبَ بكم\n_________\n(^١) المصنَّف برقمي ٢٠٧٤٢، ٢٠٧٤٣ وانظر ما أورده المحقق بهامشيهما.\n(^٢) هذا والأثران قبله رواهما الدارمي في أوائل مسنده وأوردهما عنه ابن حجر في الفتح ١٣/ ٢٨٠ وانظر جامع بيان العلم ٢/ ١٠٦٤ - ١٠٦٧.\n(^٣) ما بين القوسين ليس في أ.","vol":"1","page":259},{"text":"ها هنا وها هنا: فإنكم إن لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله لم ينفكَّ المسلمون أن يكون فيهم مَنْ إذا سُئِل سُدِّدَ، أو قال وُفِّقَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-402>[النهي عن سؤال ما لم يكن]:</span>\nوقَد خَرَّجَهُ أبو دَاودَ في كتاب المَراسِيلَ مَرْفُوعًا (^١) مِنْ طَرِيق ابن عَجْلان عنْ طَاوُوس عن مُعَاذ بن جَبَلٍ قَال: قَال رسول الله - ﷺ -: \" لا تُعَجِّلُوا بالْبليَّة قبْل نزولها فَإنكم إن لم تَفْعَلوا لَمْ يَنْفَكَّ المسْلمونَ [أَنْ يَكُونَ] مِنْهُم مَنْ إذا قَالَ سُدِّدَ أَوْ وُفِّق، وَإنَّكُم إنْ عَجَّلتُمْ تَشَتَّتتْ بِكُمُ السُّبُلُ هَهُنا وههنا\".\nومعنى إرساله أن طاووسا لها يسمع من معاذ.\nوخرجه أيضًا من رواية يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة عن النبي - ﷺ - بمعناه مرسلًا (^٢).\n* * *\n[وروى الحجاج بن منهال: حدثنا جرير بن حازم، سمعت الزبير بن سعيد - رجلًا، من بني هاشم - قال: سمعت أشياخنا يحدثون أن رسول الله - ﷺ - قال:\n\"لا يزالُ في أُمَّتِي مَنْ إذا سئِل سُدِّد وأُرْشِدَ حَتّى يسْألوا عَمَّا لم يَنْزل تَبْيينهُ فإذا فَعلُوا ذَلك ذُهب بِهْم هَهُنَا وَهَهُنَا (^٣) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-403>[النهي عن الأغلوطات]:</span>\nوقد روي عن الصُّنابِحي، عن معاوية، عن النبي - ﷺ -: أنه نهى عن الأُغْلُوطَاتِ.\nخرجه الإمام أحمد ﵀ (^٤) وفسره الأوزاعي وقال: هي شِدادُ المسائل (^٥).\n_________\n(^١) في \"ما جاء في العلم\" ص ٣٢٢ - ٣٢٣.\n(^٢) عقبه وقال ابن حجر في الفتح ١٣/ ٢٦٧ وهما مرسلان يقوي بعضهما بعضا.\n(^٣) ما بين الرقمين ليس في أ. والأثر أورده ابن حجر في الفتح في الموضع نفسه وفي (م) \"أن رجلًا \" وفي (ب) \"ورجلًا\" وكلاهما تحريف.\n(^٤) في المسند ٥/ ٤٣٥ (الحلبى) وهو عند أبي داود في السنن كتاب العلم. باب التوقي في الفتيا ٤/ ٦٥ كلاهما بلفظ: \"الغلوطات\".\n(^٥) في المسند في الموضع المذكور: شداد المسائل هكذا بالدال.\nوفي معالم السنن بهامش أبي داود في الموضع السابق قال الشيخ: وقد روي: أنه نهى عن الأغلوطات وحكي عن الأوزاعى قوله في بيانها: أنها شرار المسائل بالراء، وشداد المسائل هي صعابها وشرارها وربما يرجع هذا الذي حكاه الخطابي ما حكاه ابن رجب عن الحسن - الآتي بعد حديث ثوبان. =","vol":"1","page":260},{"text":"وقال عيسى بن يونس: هي ما لا يُحْتَاج إليه من كيف وكيف.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-404>[الآثار في ذلك]:</span>\nويروى من حديث ثوبان عن النبي - ﷺ - قال: \"سَيَكُونُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتي يُغَلِّطونَ فُقَهَاءَهُمْ بِعُضَل الْمسَائل، أولئك شِرَارُ أُمتّي\" (^١).\n* * *\n• وقال الحسن: \"شِرارُ عباد الله الذين يتبعون شِرارَ المسائل يَغُمُّونَ بِها عبَاد الله\".\n• وقال الأوزاعي \"إن الله إذا أراد أن يحرم عبده بركة العلم ألقى على لسانه المغاليط. فلقد رأيتهم أقلَّ الناس علما\".\n* * *\n• وقال ابن وهب عن مالك: \"أدركت هذه البلدة، وإنَّهُمْ ليكرهون هذا الإكثارَ الذي فيه النَّاسُ اليوم\".\nيريد المسائل.\n• وقال أيضًا: سمعت مالكا وهو يعيب كثرة الكلام، وكثرة الفتيا ثم قال: يتكلم كأنه جمل مُغْتَلِم (^٢) يقول: هو كذا هو كذا يهدر في كلامه.\n* * *\n_________\n= ثم قال الخطابى: والأغلوطات واحدها أغلوطة، وزنها أفعولة، من الغَلط، كالأحموقة من الحمق، والأسطورة من السطر فأما الغلوطات فواحدها غَلوطة مبنى من الغلْط كالحلوبة والركوبة من الحلب والركوب، والمعنى أنه نهى عن أن يعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط ليستزلوا بها، ويستسقط رأيهم فيها. وهو في جامع بيان العلم ٢/ ١٠٥٥ - ١٠٥٦ من وجوه ضعيفة.\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير ٢/ ٩٨ ح ١٤٣١ من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن يزيد بن ربيعة، عن أبي الأشعث، عن ثوبان عن رسول الله - ﷺ - قال: \"سيكون أقوام من أمتي يتعاطون فقهاؤهم عضل المسائل .. \" الحديث.\nويزيد بن ربيعة متروك كما ذكر الهيثمي في المجمع ١/ ٥٥، والحديث ضعيف جدًّا كما ذكر الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ٣/ ٥٩٢.\n(^٢) المغْتلِم: المضطرب الهائج.","vol":"1","page":261},{"text":"• قال: وسمعتُ مالكا يكره الجواب في كثرة المسائل وقال: قال الله ﷿ ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ (^١) فلم يأته في ذلك جواب، وكان مالك يكره المجادلة عن السنن أيضًا.\n• قال الهيثم بن جميل: قلت لمالك: يا أبا عبد الله! الرجل يكون عالما بالسنن؛ يجادل عنها؟ قال: لا ولكن يخبر بالسنة، فإن قُبلت منه وإلا سكت.\n* * *\n• قال إسحق بن عيسى: \"كان مالك يقول: الراء والجدال في العلم يذهب بنور العلم من قلب الرجل\".\n* * *\n• وقال ابن وهب: \"سمعت مالكًا يقول: الراء في العلم يُقْسِى القلوب ويورث (^٢) الضِّغْنَ\".\n* * *\n• وكان أبو شريح الإسكندارني يوما في مجلسه فكثرت المسائل فقال: قد دَرَنَتُ قلوبكم منذ اليوم؛ فقوموا إلى أبي حميد: خالد بن حميد اصقلوا قلوبكم، وتعلموا هذه الرغائب فإنها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتحر الصداقة، وأقِلّوا المسائل إلا ما نَزَل، فإنها تُقْسي القلوب، وتُورثُ العَدَاوةَ.\n• وقال الميموني: \"سمعت أبا عبد الله يعني أحمد - يُسْأَلُ عن مسألة فقال: وقعت هذه المسألة؟ بليتم بها بعد؟ \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-405>[الناس في هذا أقسام]:</span>\nوقد انقسم الناس في هذا الباب أقسامًا.\nفمن أتباع أهل الحديث من سد باب المسائل حتى قَلَّ فقهه (^٣) وعلمه بحدود ما أنزل\n_________\n(^١) سورة الإسراء: ٨٥.\n(^٢) في المطبوعة: \"يؤثر\" وهو تحريف.\n(^٣) م: \"فهمه\".","vol":"1","page":262},{"text":"الله على رسولِه، وصار حاملَ فقه غيرَ فقيه.\n* * *\nومن فقهاء أهل الرأي من توسع في توليد المسائل قبل وقوعها: ما يقع في العادة منها وما لا يقع، واشتغلوا بتكلف الجواب عن ذلك، وكثرة الخصومات فيه، والجدال عليه، حتى يتولدَ من ذلك افتراقُ القلوب، ويستمرَّ فيها بسببه الأهواءُ والشحناءُ والعداوةُ والبغضاءُ، ويقترن ذلك كثيرًا بنية المغالبة، وطلب العلو والمباهاة، وصرف وجوه الناس.\nوهذا مما ذمه العلماء الربانيون، ودلَّت السنة على قبحه وتحريمه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-406>[فقهاء الحديث ومنهجهم الأمثل]:</span>\nوأما فقهاء أهل الحديث العاملون به فإن معظم همهم البحث عن معاني كتاب الله ﷿، وما يفسره من السنن الصحيحة، وكلام الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وعن سنة رسول الله - ﷺ -، ومعرفة صحيحها وسقيمها، ثم التفقه فيها وتفهّمها والوقوف على معانيها، ثم معرفة كلام الصحابة، والتابعين لهم بإحسان في أنواع العلوم من التفسير، والحديث، ومسائل الحلال والحرام، وأصول السُّنَّة، والزهد والرقائق وغير ذلك.\nوهذا هو طريق الإمام أحمد ومن وافقه من علماء الحديث الربانيين.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-407>[من ثمرات هذا المنهج]:</span>\n• وفي معرفة هذا شغل شاغل عن التشاغل بما أَحْدَثَ النَّاسُ من الرأي مما لا ينتفع به ولا يقع، وإنما يورث التجادل فيه الخصومات والجدالَ، وكثرةَ القيل والقال.\n\n<span data-type='title' id=toc-408>[مما قيل عنه]:</span>\n• وكان الإمام أحمد كثيرًا إذا سئل عن شيء من المسائل المولَّدات التي لا تقع يقول: \"دعونا من هذه المسائل المحدثة\".\n* * *","vol":"1","page":263},{"text":"• وما أحسن ما قاله (^١) يونس بن سليمان السَّقَطى (^٢): \"نظرت في الأمر فإذا هو الحديث والرأي، فوجدت في الحديث ذكر الرب ﷿ وربوبيّته وجلاله (^٣) وعظمته، وذكر العرش، وصفة الجنة والنار، وذكر النبيين والمرسلين، والحلال والحرام، والحث على صلة الأرحام، وجماع الخير فيه.\nونظرت في الرأي فإذا فيه المنكر والغدر والحيل وقطيعة الأرحام، وجماع الشر فيه\".\n* * *\n• وقال أحمد بن شبُّوية: \"من أراد علم القبر فعليه بالآثار، ومن أراد علم الخُبْزِ فعليه بالرأي\".\n* * *\n• ومن سلك طريقة طلب العلم على ما ذكرناه تمكن من فهم جواب الحوادث الواقعة غالبًا؛ لأن أصولها توجد في تلك الأصول المشار إليها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-409>[الائتمام بالأئمة]:</span>\n• ولا بد أن يكون سلوك هذا الطريق خلف أئمة أهله المجمع على هدايتهم ودرايتهم، كالشافعي، وأحمد، وإسحق، وأبي عبيد، ومن سلك مسلكهم؛ فإن من ادعى سلوك هذا الطريق على غير طريقتهم في قع في مفاوز ومهالك، وأخذ بما لا يجوز الأخذ به، وترك ما يجب العمل به.\n\n<span data-type='title' id=toc-410>[وملاك الأمر في هذا]:</span>\nومِلاك الأمر كله أن يقصد بذلك وجه الله ﷿، والتقرب إليه بمعرفة ما أنزل على رسوله، وسلوك طريقه، والعمل بذلك، ودعاء الخلق إليه.\nومن كان كذلك وفقه الله، وسدده، وألهمه رشده، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وكان من العلماء الممدوحين في الكتاب (^٤) في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (^٥). ومن الراسخين في العلم.\n_________\n(^١) م \"قاله\".\n(^٢) ب: \"السفطي\".\n(^٣) م \"وربوبيته وإجلاله\".\n(^٤) ليست في ب.\n(^٥) سورة فاطر: ٢٨.","vol":"1","page":264},{"text":"<span data-type='title' id=toc-411>[الراسخون في العلم]:</span>\n• وقد خرج ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث أبي الدرداء ﵁: أن رسول الله - ﷺ - سئل عن الراسخين في العلم؛ فقال: \"مَنْ بَرَّتْ يمينُه، وصدق لسانهُ، واستقام قَلْبُه، ومن عفَّ بطنُه وفرجه؛ فذلك من الراسخين في العلم (^١) \".\n* * *\n• وقال نافع بن زيد (^٢): يقال: الراسخون في العلم: المتواضعون لله، المتذللون لله في مرضاته، لا يتعاظمون (^٣) مَن فوقهم، ولا يَحقِرون مَنْ دونهم.\nويشهد لهذا قولُ النبي - ﷺ -: \"أتاكم أهلُ اليمن، هم أبرُّ قلوبا، وأرقُّ أفئدةً، الإيمان يمان، والفقه يمان، والحكمة يمانية\" (^٤).\nوهذا إشارة منه إلى أبي موسى الأشعري، ومن كان على طريقه من علماء أهل اليمن، ثم إلى مثل أبي موسى الخولاني، وأويس القرني، وطاووس، ووهب بن منبه، وغيرهم من علماء أهل اليمن، وكل هؤلاء من العلماء الربانيين الخائفين لله، فكلهم علماء بالله يخشونه ويخافونه.\n* * *\nوبعضهم أوسع علما بأحكام الله وشرائع دينه من بعض ولم يكن تميزهم عن الناس بكثرة قيل وقال، ولا بحث ولا جدال.\nوكذلك معاذ بن جبل ﵁ أعلم الناس بالحلال والحرام وهو الذي يحشر يوم القيامة أمام العلماء برتوة (^٥). ولم يكن علمه بتوسعة المسائل، وتكثيرها، بل قد سبق عنه\n_________\n(^١) أورده السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٧ وزاد نسبته إلى ابن جرير والطبراني عن أنس وأبي أمامة وواثلة بن الأسقع. وواثلة ليس من رواته عند الطبري كما ذكر محققه ٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧ وأبان أن راويه عن الصحابة المذكورين هو عبد الله بن يزيد أحد الوضاعين.\n(^٢) كما أورده ابن حصير في تفسيره ١/ ٣٢٨ من رواية ابن المنذر عنه في تفسيره أيضًا.\n(^٣) \"ا\": \"لا يتعاطون\" والتصويب من ابن كثير.\n(^٤) متفق عليه: أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق: باب خير مال المسلمين غنم يتبع بها شعف الجبال وفي كتاب المغازي: باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن ومسلم في كتاب الإيمان: باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه ١/ ٧٢ - ٧٣ من حديث أبي هريرة.\n(^٥) برتوة: أي برمية سهم، وقيل: بميل، وقيل: مدى البصر، وقيل بدرجة ومنزلة، وقيل: بخطوة. راجع النهاية وهامشها ٢/ ١٩٥. وفي ب \"رتوة بحجر\" أي مقدار رمية بحجر. وعن مناقب معاذ انظر مختصر تاريخ دمشق ٢٤/ ٣٦٨ - ٣٨٣ وما ذكر بهامشه من مصادر.","vol":"1","page":265},{"text":"كراهة الكلام فيما لا يقع، وإنما كان عالما بالله وعالمًا بأصول دينه ﵁.\n* * *\nوقد قيل للإمام أحمد: \"مَنْ نَسأَلُ بعدَك؟ قال: عبدَ الوهاب الوراق، قيل له: إنه له اتساع في العلم؟ قال: إنه رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق\".\nوسئل عن معروف الكرخي فقال: \"كان معه أصل العلم: خشية الله!؟ \".\nوهذا يرجع إلى قول بعض السلف: \"كفى بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا\".\nوهذا باب واسع يطول استقصاؤه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-412>[عود إلى شرح الحديث]:</span>\nولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة ﵁ فنقول: من لم يشتغل بكثرة المسائل التي لا (^١) يوجد مثلها في كتاب الله ولا سنة رسوله - ﷺ - (^٢) بل اشتغل بفهم كلام الله ورسوله، وقصَد بذلك امتثالَ الأوامر، واجتنابَ النواهي، فهو ممن امتثل أمر رسول الله - ﷺ - في هذا الحديث، وعمل بمقتضاه.\nومن لم يكن اهتمامه بفهم ما أنزل الله على رسوله، واشتغل بكثرة توليد مسائل قد تقع وقد لا تقع، وتكلَّف أجوبتها بمجرد الرأي خُشِيَ عليه أن يكون مخالفا لهذا الحديث مرتكبًا لنهيه، تاركا لأمره.\n\n<span data-type='title' id=toc-413>[مأتى كثرة الحوادث]:</span>\nواعلم أن كثرة وقوع الحوادث التي لا أصل لها في الكتاب والسنة إنما هي من ترك الاشتغال بامتثال أوامر الله ورسوله، واجتناب نواهي الله ورسوله، فلو أن من أراد أن يعمل عملا سأل عما شرعه الله في ذلك العمل فامتثله، وعما نهى عنه فيه فاجتنبه، وقعت الحوادث مقيدة بالكتاب والسنة.\nوإنما يعمل العامل بمقتضى رأيه وهواه؛ فتقع الحوادث عامتها مخالفة لما شرعه الله، وربما عَسُرَ رَدُّهَا إلى الأحكام المذكورة في الكتاب والسنة لبعدها عنها.\n_________\n(^١) ب: \"لم\".\n(^٢) في ب: في كتاب ولا سنة.","vol":"1","page":266},{"text":"<span data-type='title' id=toc-414>[وعلاج ذلك]:</span>\nوفي الجملة فمن امتثل ما أمر به النبي - ﷺ - في هذا الحديث، وانتهى عما نهى عنه، وكان مشتغلا بذلك عن غيره حصَل له النجاة في الدنيا والآخرة.\nومن خالف ذلك واشتغل بخواطره وما يستحسنه؛ وقع فيما حذّر منه النبي - ﷺ - من حال أهل الكتاب الذين هلكوا بكثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، وعدم انقيادهم، وطاعتهم لرسلهم.\n* * *\nوقوله - ﷺ -: \"إذا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيءٍ فَاجْتَنِبوهُ، وَإذَا أَمرتُكُم بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْه مَا اسْتَطَعْتُمْ\".\nقال بعض العلماء: هذا يؤخذ منه أن النهي أشد من الأمر؛ لأن النهي لم يرخص في ارتكاب شيء منه، والأمر قيد بحسب الاستطاعة.\nوروي هذا عن الإمام أحمد ﵀.\nويشبه هذا قول بعضهم:\n\"أعمال البرِّ يعملها الْبَرُّ والفاجر، وأما المعاصي فلا يتركها إلا صدِّيق\" (^١).\n* * *\nوروي عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قَالَ لَه: \"اتَّق الْمَحارِمَ تَكُنْ أعْبدَ النَّاس\" (^٢).\nوقالت عائشة ﵂: \"من سرَّهُ أنْ يَسْبِق الدّائبَ المُجْتَهد فَلْيَكُفَّ عَن الذُّنوب\" وروي عنها مرفوعا (^٣).\nوقال الحسن: \"ما عَبَدَ العابدون بشيء أفضلَ من ترك ما نهاهم الله عنه\".\n* * *\n_________\n(^١) أورده أبو نعيم في الحلية ١٠/ ٢١١ من قول سهل التستري.\n(^٢) رواه أحمد في المسند والترمذي في السنن ٧/ ٦٩ وأشار إلى ضعفه بالانقطاع وضعفه العجلوني في الكشف ١/ ٤٣ وحسنه الألباني في صحيح الجامع ١/ ٨٢ والصحيحة ٩٣٠.\n(^٣) رواه أبو يعلى في المسند ٨/ ٣٦١ بإسناد ضعيف؛ راجع ما ذكره المحقق والهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٠٠ وابن عدي في الضعفاء ٣/ ٤٢٨ - ٤٢٩ وابن حجر في التهذيب ٤/ ٢٧٢ في ترجمة سويد بن سعيد أحد رواة الحديث.","vol":"1","page":267},{"text":"<span data-type='title' id=toc-415>[تفضيل ترك المحرمات على فعل الطاعات]:</span>\nوالظاهر أن ما ورد منْ تَفْضِيل ترك المحرمات على فعل الطاعات فإنما أريد به على نوافل الطاعات، وإلا فجنس الأعمال الواجبات أدل من جنس ترك المحرمات؛ لأن الأعمال مقصودة لذاتها، والمحارم المطلوب عدمها؛ ولذلك لا تحتاج إلى نية بخلاف الأعمال، ولذلك كان جنس ترك الأعمال قد يكون كفرًا كترك التوحيد؛ وكترك أركان الإسلام أو بعضها على ما سبق بخلاف ارتكاب المنهيات فإنه لا يقتضي الكفر بنفسه.\nويشهد لذلك قول ابن عمر ﵄: \"لردُّ دَانقٍ حرامٍ أفضل من مائة ألف تنْفَقُ في سبيل الله\".\nوعن بعض السلف قال: \"ترك دانق مما يكرهه الله أحب إلى الله من خمسمائة حجة\".\n* * *\n• وقال ميمون بن مِهران: \"ذكرُ الله باللسان حَسَنٌ وأفضل منه أن يذكر العبدُ الله عند المعصية فيمسكَ عنها\".\n* * *\n• وقال ابن المبارك: \"لأن أَرُدَّ دِرْهَمًا من شبهة أحب إليَّ مِنْ أن أتصدق بمائة ألف ومائة ألف حتى بلغ ستمائة ألف\".\n* * *\n• وقال عمر بن عبد العزيز: \"ليست التقوى قيامَ الليل، وصيامَ النهار، والتخليطُ فيما بين ذلك؟! ولكن التقوى أداء ما افترض الله، وترك ما حرم الله، فإن كان مع ذلك عمل فهو خير إلى خير\".\nأو كما قال.\n• وقال أيضًا: \"وددت أني لا أصلي غيرَ الصلوات الخمس سوى الوتر وأن أؤدى الزكاة، ولا أتصدق بعدها بدرهم، وأن أصوم رمضان، ثم لا أصوم بعده يوما أبدًا، وأن أحج حجة الإسلام، ثم لا أحج بعدها أبدًا، ثم أعمِد إلى فضل قوتي فأجعله فيما حرَّم الله عليَّ فأمسكَ عنه\".","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type='title' id=toc-416>[والحاصل]:</span>\n• وحاصل كلامهم يدل على أن اجتناب المحرمات وإن قلَّت فهي أفضل من الإكثار من نوافل الطاعات؛ فإن ذلك فرضٌ وهذا نفل.\n* * *\nوقال طائفةٌ من المتأخرين: إنما قال - ﷺ - \"إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم\" لأن الامتثال للأمر لا يحصل إلا بعمل، والعمل يتوقف وجوده على شروط وأسباب، وبعضها قد لا يستطاع؛ فلذلك قيده بالاستطاعة، كما قيد الله الأمر بالتقوى بالاستطاعة؛ قال الله ﷿:\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ (^١).\nوقال في الحج:\n﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (^٢).\nوأما النهي فالمطلوب عدمه وذلك هو الأصل، فالمقصود استمرار العدم الأصلي وذلك ممكن، وليس فيه ما لا يستطاع، وهذا أيضًا فيه نظر؛ فإن الداعي إلى فعل المعاصي قد يكون قويا لا صبر معه للعبد على الامتناع عن فعل المعصية مع القدرة عليها فيحتاج الكف (^٣) عنها حينئذ إلى مجاهدة شديدة، وربما كانت أشقَّ على النفوس من مجرد مجاهدة النفس على فعل الطاعات، ولهذا يوجد كثيرًا من يجتهد في فعل الطاعات، ولا يقوى على ترك المحرمات.\nوقد سئل عمر عن قوم يشتهون المعصية، ولا يعملون بها فقال: \"أولئك قوم امتحَن الله قلوبَهُم للتقوى، لهم مغفرة وأجر عظيم\".\n* * *\n• وقال يزيد بن ميسرةَ: \"يقول الله في بعض الكتب: أيها الشباب التارك لشهوته، المتبذل في شبابه من أجلي، أنت عندي كبعض ملائكتي\".\nوقال: \"ما أشد الشهوة في الجسد! إنها مثل حريق النار، وكيف ينجو منها\n_________\n(^١) سورة التغابن: ١٦.\n(^٢) سورة آل عمران: ٩٧.\n(^٣) م: \"للكف\".","vol":"1","page":269},{"text":"الحصُوريُّونَ (^١)؟ \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-417>[التحقيق في هذا]:</span>\nوالتحقيق في هذا: أن الله لا يكلِّفُ العبادَ من الأعمال ما لا طاقة لهم به، وقد أسقط عنهم كثيرًا من الأعمال بمجرد المشقة رُخْصَةً عليهم، ورحمةً لهم.\nوأما المناهي فلم يعذِر أحدًا بارتكابها بقوة الداعي والشهوات، بل كلفهم تركها على كل حال، وإنما أباح أن يتناولوا من المطاعم المحرمة عند الضرورة ما تبقى معه الحياة لا لأجل التلذذ والشهوة.\n\n<span data-type='title' id=toc-418>[والاستنتاج]</span>\nومن هنا يعلم صحة ما قال الإمام أحمد ﵀: \"أن النهي أشد من الأمر\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-419>[تأكيد أن النهي أشد من الأمر]:</span>\nوقد روي عن النبي - ﷺ - من حديث ثوبان وغيره أنه قال: \"اسْتَقيموا وَلَنْ تُحْصُوا (^٢) \".\nيعني لن تقدروا على الاستقامة كلها.\nوروى الحكَم بن حَزْن الكُلَفي (^٣) قال: وَفَدْتُ إلى رَسُول الله - ﷺ - فَشَهدْتُ معَهُ الجُمُعةَ فَقَام رسولُ الله - ﷺ - مُتَوكِّئًا عَلَى عَصًا أَوْ قَوْس، فَحَمِدَ الله وأَثنى عَلَيْه بِكَلماتٍ خَفيفات طَيِّبات مُبارَكَاتٍ ثُمَّ قَال: \"أيَّها النَّاسُ! إنكُمْ لَنْ تُطيقُوا وَلَنْ تَفْعَلوا كُلَّ مَا أَمَرْتكُم بِهِ وَلَكنْ سَدِّدُوا وَأبْشِرُوا\".\n_________\n(^١) الحصوريون: جمع حصور وهو من يجاهد نفسه ويمنعها من شهواتها. والأثران في الحلية ٥/ ٢٣٧، ٢٤١.\n(^٢) راجع في هذا مسند أحمد ٥/ ٢٧٦ (حلبي)، والمستدرك ١/ ١٣٠ والكنز الثمين في أحاديث النبي الأمين ص ٥٧. وابن ماجة ١/ ١٠١ - ١٠٢ وقال البوصيري: إسناده ثقات أثبات إلا أن فيه انقطاعا بين سالم وثوبان ولكن أخرجه الدارمي وابن حبان في صحيحه من طريق ثوبان متصلا.\n(^٣) في صلب م، هـ \"الحكم بن حرب الكلفي\" وهو خطأ وقد ضبطه في التقريب ص ٤٤ حزن بفتح الحاء وسكون الزاي، والكلفى بضم الكاف وفتح اللام.\nراجع ترجمته والحديث في الاستيعاب ١/ ٣٦١، وأسد الغابة ٢/ ٣١، والإصابة ٢/ ٢٦ والتهذيب ٢/ ٤٢٥، وسنن أبي داود ١/ ٢٥١، ومسند أحمد ٤ - ٣١٢، والمعجم الكبير ٣/ ٢١٣ وإسناده حسن لغيره.","vol":"1","page":270},{"text":"أخرجه الإمام أحمد وأبو داود.\nوفي قوله - ﷺ - \"إذا أَمَرْتُكُمْ بأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ ما استَطَعْتُمْ\" دليل على أن من عجز عن فعل المأمور به كُلِّه، وقدر على بعضه فإنه يأتي بما أمكنه منه.\nوهذا مُطَّرد في مسائل:\n• منها: الطهارة فإذا قدر على بعضها وعجز عن الباقي إما لعدم الماء أو المرض في بعض أعضائه دون بعض فإنه يأتي من ذلك بما قدر عليه، ويَتَيمَّمُ للباقي.\nوسواء في ذلك الوضوء والغسل على المشهور.\n* * *\n• ومنها الصلاة؛ فمن عجز عن فعل الفرِيضة قائمًا صلى قاعدًا، فإن عجز صلّى مضطجعًا.\nوفي صَحيح البخَاري عَنْ عِمْرانَ بْن حصين ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: \"صَلِّ قَائمًا؛ فإنْ لَمْ تسْتَطِعْ فَقَاعِدًا؛ فإنْ لَمْ تَسْتَطِع فعَلى جَنْبٍ\" (^١).\nولو عجز عن ذلك كله أوْمَأَ بطرْفه، وصلَّى بنيته، ولم تسقط عنه الصلاة على المشهور.\n• ومنها زكاة الفطر؛ فإذا قدر على إخراج بعض صاع لزمه ذلك على الصحيح، فأما من قدر على صيام بعض النهار دون تكملته فلا يلزمه ذلك بغير خلاف؛ لأن صيام بعض اليوم ليس بقربة في نفسه.\n* * *\nوكذا (^٢) لو قدر على عتق بعض رقبة في الكفارة لم يلزمه؛ لأن تبعيض العتق غير محبوب للشارع بل يؤمر بتكملته بكل طريق.\n* * *\nوأما من فاته الوقوف بعرفة في الحج فهل يأتي بما بقي منه من المبيت بمزدلفة، ورمي الجمار أم لا؟ بل يقتصر على الطواف والسعي ويتحلل بعمرة؟ على روايتين عن أحمد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب تقصير الصلاة: باب إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب ٢/ ٥٨٧.\n(^٢) م: \"وكذلك\".","vol":"1","page":271},{"text":"أشهرهما: أنه يقتصر على الطواف والسعي؛ لأن البيت والرمي من لواحق الوقوف بعرفة وتوابعه، وإنما أمر الله تعالى بذكره عند المشعر الحرام وبذكره في الأيام المعدودات لمن أفاض من عرفات، فلا يؤمر به مَنْ لم (١) يقف بعرفة، كما لا يؤمر به المعتمر المقيم والله أعلم.","vol":"1","page":272},{"text":"<span data-type='title' id=toc-420>الحديث العاشر</span>\nعن أبي هريرة رضي الله (تعالى) عنه قال: قال رَسُولُ الله - ﷺ -:\n\"إنَّ الله تَعالى طَيِّبٌ لَا يَقْبلُ إلَّا طَيِّبًا، وإنَّ الله تَعَالَى أَمرَ الْمؤْمنينَ بمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَليَن فقال تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (^١). وقال تعالى:\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ (^٢).\nثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلى السَّماء يَاربِّ! يَا رَبّ! وَمَطعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالحَرَامِ، فَأَنَّى يستَجَابُ لِذَلِكَ؟ \". رواه مسلم (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-421>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث خرَّجه مسلم من رواية فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة.\nوخرجه الترمذي وقال: \"حسن غريب\" (^٤).\nوفضيل بن مرزوق ثقة وسط خرَّجَ له مسلم دون البخارى (^٥).\n_________\n(^١) سورة المؤمنون: ٥١.\n(^٢) سورة البقرة: ١٧٢.\n(^٣) في كتاب الزكاة: باب قبول الصدقة من الكسب الطيب ٢/ ٧٠٣ وأوله: أيها الناس …\n(^٤) في كتاب التفسير: سورة البقرة: ٥/ ٢٢٠ وأوله يأيها الناس …\n(^٥) هو فضيل بن مرزوق الأغر الرقاشي ويقال الرواسي الكوفي أبو عبد الرحمن مولى بني عنزة. روى عن أبي إسحاق السبيعي وعدي بن ثابت وعطية العوفي والأعمش وغيرهم. روى عنه يزيد بن هارون، ويحيى بن آدم، وعلي بن الجعد شيخ البخاري.\nوثقه الثوري والشافعي وابن معين وعن ابن معين: أنه صالح الحديث إلا أنه شديد التشيع وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح الحديث، صدوق يهم كثيرًا، يكتب حدشه، قلت يحتج به؟ قال: لا. وضعفه النسائي، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به.\nوقد عيب على مسلم إخراجه لحديثه، قال ابن حبان في الثقات: يخطئ. وقال في المجروحين: كان يخطئ على الثقات ويروي عن عطية الموضوعات. راجع ترجمته في التهذيب ٨/ ٢٩٨ - ٢٩٩ والثقات لابن شاهين ص ٢٦٣ وذكر أن ابن معين وثقه مرة وضعفه أخرى، والتاريخ لابن معين ٢/ ٤٧٦ ووثقه في هذا الموضع والتقريب ٢/ ١١٣ وذكر أنه من الطبقة السابعة، والجرح والتعديل ٧/ ٧٥.\nروى له مسلم والأربعة. مات في حدود ١٦٠.","vol":"1","page":273},{"text":"وقوله - ﷺ - \"إنَّ الله طَيِّبٌ\" هذا قد جاء أيضًا من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ عن النبي - ﷺ - قال:\n\"إنَّ الله طيِّبٌ يُحِبُّ الطَّيِّب، نظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ، وَجَوادٌ يُحِبُّ الْجُودَ\".\n* * *\nخرجه الترمذي (^١).\nوفى إسناده مقال. والطيِّب هنا معناه الطاهر.\n* * *\nوالمعنى: أن الله ﷾ مقدس منزه عن النقائص والعيوب كلها.\nوهذا كما في قوله تعالى ﴿وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ (^٢).\nوالمراد المنزهون من أدناس الفواحش وأوضارها.\n* * *\nوقوله \"لَا يَقْبَلُ إلَّا طيِّبًا\" قد ورد معناه في حديث الصدقة، ولفظه: \"لا يتصدق أحد بصدقة إلا من كعسب طيِّبٍ ولا يقبل الله إلا طيبًا\" (^٣).\nوالمراد أنه تعالى لا يقبل من الصدقات إلا ما كان طيبًا حلالا.\n* * *\n_________\n(^١) في جامعه: كتاب الأدب: باب ما جاء في النظافة ٥/ ١١١ - ١١٢ رواية عن محمد بن بشار، عن أبي عامر العقدي عن خالد بن إلياس، ويقال ابن إياس، عن صالح بن أبي حسان، عن سعيد بن المسيب قال: \"إن الله طيب يحب الطيب، نطيف يحب النظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود فنظفوا - أراه قال: أفنيتكم ولا تشبهوا باليهود\"، قال: فذكرت ذلك لمهاجر بن مسمار فقال: حدثنيه عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه عن النبي - ﷺ -: مثله، إلا أنه قال: \"نظفوا اُفنيتكم\".\nثم عقب الترمذي بقوله: هذا حديث غريب، وخالد بن إلياس يضعف.\n(^٢) سورة النور: ٢٦.\n(^٣) في ذلك يروي مسلم في صحيحه: كتاب الزكاة: باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها ٢/ ٧٠٢ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما تصدق أحد بصدقة من كليب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فَلُوَّه أو فصيله\" ورواه أحمد في مسنده ٢/ ٤٣١ بنحوه وفيه: \"ولا يصعد إلى السماء إلا طيب\". وهو عند البخاري برقمي ١٤١٠، ١٤٣٠.","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type='title' id=toc-422>[عموم معنى الطيب في الأموال والأعمال والأقوال]:</span>\nوقد قيل إن المراد في هذا الحديث الذي نتكلم فيه الآن بقوله: \"لا يقبل إلا طيِّبًا\" أعَم من ذلك وهو أنه لا يقبل من الأعمال إلا ما كان طيبًا طاهرًا من المفسدات كلها كالرياء والعجب، ولا من الأموال إلا ما كان طيبًا حلالًا؛ فإن الطَّيِّبَ يوصفُ به الأعمالُ والأقوالُ والاعتقاداتُ، فكُلُّ هذه تنقسم إلى طيِّبٍ وخبيثٍ.\n\n<span data-type='title' id=toc-423>[التعميم في الخبيث والطيب]:</span>\nوقد قيل إنه يدخل في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ (^١) هذا كلُّه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-424>[تقسيم الكلام إلى خبيث وطيب]:</span>\nوقد قسم الله تعالى الكلام إلى طيِّبٍ وخبيثٍ فقال:\n﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ (^٢) ﴿وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ﴾ (^٣). ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-425>[الرسول يحل الطيب ويحرم الخبيث]:</span>\nووصف الرسولَ - ﷺ - بأنه يُحِلُّ الطيباتِ، ويُحَرِّمُ الخبائث.\nوقد قيل إنه يدخل في ذلك: الأعمال والأقوال والاعتقادات أيضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-426>[وصف المؤمنين]:</span>\nووصف الله تعالى المؤمنين بالطيب بقوله تعالى:\n﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ (^٥) وأن الملائكة تقول عند الموت: اخرجي أيَّتُهَا النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب (^٦)، وأن الملائكة تسلم عليهم عند دخولهم\n_________\n(^١) سورة المائدة: ١٠٠.\n(^٢) سورة إبراهيم: ٢٤.\n(^٣) سورة إبراهيم: ٢٦.\n(^٤) سورة فاطر: ١٠.\n(^٥) سورة النحل: ٣٢.\n(^٦) أورده ابن كثير في التفسير ٢/ ٥١٤ عن أحمد في المسند من حديث أبي هريرة مرفوعًا.","vol":"1","page":275},{"text":"الجنَّة، ويقولون لهم: طبتم.\nوقد ورد في الحديث: \"إن المؤمنَ إذَا زار أخًا له في الله تقول له الملائكة: طِبْتَ وطَاب مَمْشاكَ، وتَبَوَّأْتَ من الجنة منزلا (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-427>[المؤمن طيب كله]:</span>\nفالمؤمن كله طيِّب: قلبه ولسانه وجسدُهُ بما سكن في قلبه من الإيمان، وظهر على لسانه من الذكر، وعلى جوارحه من الأعمال الصالحة التي هي ثمرة الإيمان، وداخلة في اسمه.\nفهذه الطيبات كلها يقبلها الله ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-428>[من أعظم وسائل طيب العمل]:</span>\nومن أعظم ما يحصل به طيبة (^٢) الأعمال للمؤمنين: طيبُ مطعمه، وأن يكون من حلال؛ فبذلك يزكو عمله.\n* * *\n• وفي هذا الحديث إشارة إلى أنه لا يُقْبَلُ العملُ ولا يَزْكُو إلا بأكل الحلال، وأن أكل الحرام يفسد العملَ، ويمنع قبولَهُ؛ فإنه قال بعد تقريره:\n\"إن الله لا يقبل إلا طيبا وإن (^٣) الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين؛ فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ (^٤) وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-429>[والمراد]:</span>\nوالمراد بهذا: أن الرسل وأممهم مأمورون بالأكل من الطيبات التي هي الحلال، وبالعمل الصالح؛ فما دام الأكل حلالا فالعمل صالح مقبول؛ فإذا كان الأكل غير\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في أبواب البر والصلة: باب ما جاء في زيارة الإخوان ٤/ ٣٦٥ وقال: هذا حديث حسن غريب. وابن ماجه في الجنائز: باب ثواب من عاد مريضا ١/ ٤٦٣ - ٤٦٤ كلاهما من حديث أبي هريرة وحسنه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١/ ٢٤٤.\n(^٢) م: \"طيب\".\n(^٣) \"ا\" \"إن\".\n(^٤) سورة المؤمنون: ٥١.\n(^٥) سورة البقرة: ١٧٢.","vol":"1","page":276},{"text":"حلال فكيف يكون العمل مقبولًا؟.\n* * *\nوما ذكره بعد ذلك من الدعاء، وأنه كيف يتقَبَّلُ مع الحرام فهو مثال لاستبعاد قبول الأعمال مع التغذية بالحرام.\n* * *\n• وقد خرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن ابن عباس ﵄ قال: \"تليت هذه الآية عند رسول الله - ﷺ -:\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (^١).\nفقام سعد بن أبي وقاص فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! ادْعُ الله أَنْ يَجْعَلَني مُسْتَجَابَ الدَّعْوة فَقَال له النَّبي - ﷺ -: يا سَعْدَ! أَطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بَيدِه إنَّ العَبْدَ لِيَقْذفُ اللُّقْمَةَ الحَرَامِ في جَوْفِهِ ما يَتَقبَّلُ الله مِنْهُ عَمَل أَرْبَعين يَوْمًا.\nوَأَيُّمَا عَبْدٍ نَبتَ لَحْمُهُ مِنْ سُحْتٍ فالنَّارُ أوْلَىَ بِهِ\" (^٢).\n* * *\n• وفي مسند الإمام أحمد ﵀ بإسناد فيه نظر أيضًا عن ابن عمر ﵄ قال: \"مَنْ اشْتَرى ثَوبًا بعَشَرة دَرَاهِمَ في ثَمَنِه درهمٌ حَرَامٌ لَمْ يَقْبَلِ الله لهُ صَلاة مَا كَان عَلَيْه\".\nثُمَّ أَدْخَلَ إصْبَعَيْه في أُذنيه فَقَالَ: صُمَّتَا إنْ لمْ أَكُنْ سَمِعتُه مِنْ رَسُول الله - ﷺ - \" (^٣).\n• ويُروى من حديث علي ﵁ مرفوعا معناه أيضًا.\nخرجه البزار وغيره بإسناد ضعيف جدًّا (^٤).\n_________\n(^١) سورة البقرة: ١٦٨.\n(^٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٩١ عن الطبراني في الصغير قال: فيه من لم أعرفهم.\n(^٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٩٢ وقال: رواد أحمد من طريق هاشم عن ابن عمر وهاشم لم أعرفه، وبقية رجاله وثقوا، على أن بقية مدلس.\nوهو عند أحمد في المسند ٢/ ٩٨ الحلبي وفيه: \"لم يقبل الله له صلاة ما دام عليه\" وانظر ما علق به الشيخ أحمد شاكر في المسند ٨/ ٨٤ - ٨٥ (المعارف) فيما يتعلق بتضعيف الحديث.\n(^٤) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٩٢ عن البزار وقال: فيه أبو الجنوب وهو ضعيف.","vol":"1","page":277},{"text":"• وخرج الطبراني بإسناد فيه ضعف من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا خَرَجَ الرَّجُلُ حَاجًّا بنَفَقَةٍ طَيِّبةٍ ووَضَع رِجْلَه في الغَرْز، فنادى لبيك اللهم لبَّيك! نَاداهُ مُنادٍ مِنَ السَّماء لَبَّيْك وَسَعْدَيْك، زَادُكَ حَلالٌ، ورِحِلتكَ حَلالٌ وحَجُّكَ مَبْرورٌ غير مأْزور، وإذا خَرَج الرجُلُ بالنَّفَقَةِ الخبَيثَة فَوَضَع رِجْلهُ في الْغَرْز فَنَادى: لَبَّيك اللَّهم لَبيك ناداهُ منادٍ مِن السَّماء: لا لَبَّيكَ وَلا سَعديكَ؟ زَادُكَ حَرامٌ، ونَفَقَتُكَ حَرَامٌ، وَحَجُّكَ غَيْرُ مَبْرورٍ\" (^١).\n• ويروى من حديث عمر ﵁ نحوه بإسناد ضعيف أيضًا.\n* * *\nوروى أبو يحيى القتات (^٢)، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄ قال: \"لا يقبل الله صلاة امرئ في جوفه حرام\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-430>[من حج بمال حرام]:</span>\nوقد اختلف العلماء في حجِّ من حجَّ بمال حرام، ومن صلى في ثوب حرام، هل يسقط عنه فرضُ الصلاة والحج بذلك؟.\nوفيه عن الإمام أحمد - ﵀ - روايتان.\nوهذه الأحاديث المذكورة تدل على أنه لا يتقبل العمل مع مباشرة الحرام.\n\n<span data-type='title' id=toc-431>[المراد بقبول العمل]:</span>\nلكن القبول قد يراد به الرضا بالعمل، ومدح فاعله، والثناء عليه بين الملائكة والمباهاة به.\nوقد يراد به حصول الثواب والأجر عليه:\nوقد يراد به سقوط الفرض من الذمة:\n_________\n(^١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٩٢ عن الطبراني في الأوسط وقال: فيه سليمان بن داود اليمامي، وهو ضعيف. وفي الميزان ٢/ ٢٠٢ قول البخاري: إنه منكر الحديث؛ أي لا تحل الرواية عنه.\nوالمراد بقوله: \"وضع رجله في الغرز\": بدأ السفر.\n(^٢) في حديثه ضعف كما في التهذيب ١٢/ ٢٧٧.","vol":"1","page":278},{"text":"فإن كان المراد ههنا القبول بالمعنى الأول أو الثاني لم يمنع ذلك من سقوط الفرض به من الذمة. كما ورد أنه لا تقبل صلاة الآبق، ولا المرأة التي زوجها عليها ساخط، ولا من أتى كاهنا، ولا من شرب الخمر أربعين يوما.\nوالمراد - والله أعلم - نفي القبول بالمعنى الأول أو الثاني وهو المراد والله أعلم من قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (^١).\nولهذا كانت هذه الآية يشتد منها خوف السلف على نفوسهم؛ فخافوا أن لا يكونوا من المتقين الذين يتقبل الله منهم (^٢).\nوسئل الإمام أحمد عن معنى المتقين فيها فقال: يتقي الأشياء؛ فلا يقع فيما لا يحل له.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-432>[تمام العمل بخمس خصال]:</span>\nوقال أبو عبد الله النِّبَاجي الزاهد ﵀: \"خمس خصال بها تمام العمل:\n[١] الإيمان بمعرفة الله ﷿.\n[٢] ومعرفةُ الحق.\n[٣] وإخلاصُ العمل لله.\n[٤] والعملُ على السنة.\n[٥] وأكلُ الحلال.\nفإن فقدت واحدة لم يرتفع العمل.\nوذلك أنك إذا عرفتَ الله ﷿ ولم تعرف الحق لم تنتفع.\nوإذا عرفْت الحق ولم تعرف الله لم تنتفع.\nوإن عرفتَ الله وعرفتَ الحقَّ ولم تُخْلِصِ العملَ لم تنتفع.\nوإن عرفت الله وعرفتَ الحق وأخلصتَ العملَ ولم يكن على السنة لم تنتفع.\nوإن تمت الأربع ولم يكن الأكل من حلال لم تنتفع (^٣) \".\n_________\n(^١) سورة المائدة: ٢٧.\n(^٢) \"ا\": \"يتقبل منهم\".\n(^٣) هذا جزء أثر أورده أبو نعيم في الحلية ٩/ ٣١٠ بنحوه تاما وفيه \"الساجي\" وهو تحريف.","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type='title' id=toc-433>[أكل الحرام وآثاره]:</span>\nوقال وهَيْبُ بن الورد: \"لو قمت مقام هذه السارية لم ينفعك شيء حتى تنظر ما يدخل في بطنك: حلال أو حرام\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-434>[الصدقة بالمال الحرام]:</span>\nوأما الصدقة بالمال الحرام فغير مقبولة كما في صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يقْبلُ الله صَلاةً بِغير طُهُورٍ، ولا صَدَقَةً مِنْ غُلولٍ (^١) \".\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: \"ما تَصَدَّقَ أحدٌ بِصَدَقةٍ مِنْ مَالٍ طَيِّبٍ وَلا يقْبَل الله إلا الطَّيِّب إلّا أَخَذَها الرَّحْمَنُ بِيمينه\" وذكر الحديث (^٢).\nوفي مسند الإمام أحمد ﵀ عَن ابن مَسْعود ﵁ عن النبي - ﷺ - قَال \"لا يَكْسِبُ عَبْد مالًا منْ حَرَامٍ فَيُنْفِقُ مِنْه فَيُبارَكَ له فِيه، وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ فُيَتقَبَّلَ مِنْه، وَلا يَتْرُكُه خَلْفَ ظهْرِهِ إلا كانَ زَادَهُ إلى النارِ، إنَّ الله لا يَمْحو السَّيئَ بالسيئ ولَكنْ يَمْحُو السَّيِّئَ بالحَسَن؛ إن الخبيثَ لَا يَمْحو الخبيثَ\" (^٣).\nويروى من حديث دراج عن ابن حجيرة عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال:\n\"مَنْ كَسَبَ مَالًا حَرَامًا فَتَصَدَّقَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيه أَجْرٌ، وَكَانَ إصْرهُ عَلَيْه\" (^٤).\nخرجه ابن حبان في صحيحه، ورواه بعضهم موقوفا على أبي هريرة.\nومن مراسيل القاسم بن مخيمرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة: باب الطهارة للصلاة ١/ ٢٠٤.\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة: باب قبول الصدقة من الكسب الطيب ٢/ ٧٠٢ والبخاري في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾. ١٣/ ٤١٥ واللفظ لمسلم كما مضى ص ٢٧٤ هـ ٣، وفي ب: \"ما تصدَّق واحد\" وقد آثرنا لفظ مسلم.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٤٦ - ٢٤٧ (المعارف) بسياقه مطولًا وذكر محققه الشيخ أحمد شاكر أن إسناده ضعيف، راجع تعليقه في هذا الموطن.\n(^٤) رواه ابن حبان في صحيحه: صدقة التطوع: ذكر البيان بأن المال إذا لم يكن بطيب أخذ من حله لم يؤجر التصدق به عليه ٥/ ١٥١ - ١٥٢ من حديث دراج أبي السمح عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من جمع مالًا حرامًا ثم تصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه\".","vol":"1","page":280},{"text":"\"مَن أَصَابَ مَالًا مِنْ مَأْثَم؛ فَوَصَلَ بِهِ رَحِمَهُ، أو تَصَدَّقَ بِهِ، أَوْ أَنْفَقَهُ في سبِيل الله جُمِعَ ذَلِكَ جَميعًا ثُمَّ قُذِف بِهِ في نَار جَهَنَّمَ\" (^١).\n* * *\nورُوى عن أبي الدرداء ويزيد بن ميسرة أنهما جعلا مَثَلَ من أصاب مالا من غير حله فتصدق به مَثَلَ من أخذ مال يتيم، وكسا به أرملة (^٢).\n* * *\nوسئل ابن عباس ﵄ عمن كان على عمل فكان يظلم ويأخذ الحرام ثم تاب فهو يحج ويعتق ويتصدق منه فقال: \"إن الخبيثَ لا يُكَفِّرُ الخبيثَ\".\n* * *\nوكذا قال ابن مسعود ﵁: \"إن الخبيثَ لا يكفِّر الخبيثَ (^٣) ولكن الطَيب يكفّرُ الخبيثَ\".\n* * *\nوقال الحسن: \"أيها المتصدق على المسكين يَرحمه! ارحم مَنْ قد ظلمتَ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-435>[أنواع الصدقة بالمال الحرام]:</span>\nواعلم أن الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين:\nأحدهما: أن يتصدق به الخائن أو الغاصب ونحوهما على نفسه فهذا هو المراد من هذه الأحاديث أنه لا يتقبل منه يعني أنه لا يؤجر عليه بل يأثم بتصرفه في مال غيره بغير إذنه، ولا يحصلُ للمالكِ بذلكَ أجْرٌ لعدم قصده ونيته.\nكذا قال جماعة من العلماء منهم ابن عقيل من أصحابنا.\nوفي كتاب عبد الرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي أنه سأل سعيد بن المسيب قال: \"وجدت لقطة أفأتصدق بها؟ قال: \"لا تؤجر أنت ولا صاحبها (^٤) \".\n_________\n(^١) أورده الذهبي في ترجمته له في السير ٥/ ٢٠٣ من قوله، بنحوه.\n(^٢) هذا جزء أثر أورده أحمد في الزهد ١٧١ عن أبي الدرداء بنحوه.\n(^٣) ما بين الرقمين سقط من ب.\n(^٤) المصنف ١٠/ ١٣٧ وفيه: عرفها سنة .. الحديث.","vol":"1","page":281},{"text":"ولعل مراده إذا تصدق بها قبل تعريفها الواجب.\nولو أخذ السلطان أو بعض نوابه من بيت المال ما لا يستحقه فتصدق منه أو أعتق أو بنى به مسجدًا أو غيره مما ينتفع به الناس فالمنقول عن ابن عمر أنه كالغاصب إذا تصدق بما غصبه؛ ولذلك قال لعبد الله بن عامر أمير البصرة وكان الناس قد اجتمعوا عنده في حال موته وهم يثنون عليه ببره وإحسانه وابن عمر ساكت فطلب منه أن يتكلم فروى له حديثًا: \"لا يقبل الله صدقة من غُلُولٍ\" ثم قال له: وكنتَ على البصرة (^١).\nوقال أسد بن موسى في كتاب الورع: حديث الفضيل بن عياض عن منصور عن تميم بن سلمة قال: قال ابن عامر لعبد الله بن عمر: \"أرأيت هذه العِقَاب (^٢) التي نسهّلها، والعيون التي نفجّرها ألنا فيها أجر؟ \" فقال ابن عمر: \"أما علمتَ أن خبيثا لا يُكَفِّرُ خبيثًا قَطُّ؟ \".\n* * *\nحدثنا عبد الرحمن بن زياد، عن أبي مليح، عن ميمون بن مهران قال: قال ابن عمر لابن عامر وقد سأله عن العتق فقال: \"مَثَلُكَ مَثَلُ رجل سرق إبلَ حاج ثم جاهدَ بها في سبيل الله فانظر هل يُقْبَل منه؟ \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-436>[توقي الانتفاع بما يحدثه الملوك العصاة]:</span>\nوقد كان طائفة من أهل التشديد في الورع كطاووس ووهيب بن الورد يتوقَّوْن\n_________\n(^١) في ذلك يروي مسلم في صحيحه: كتاب الطهارة: باب وجوب الطهارة للصلاة ١/ ٢٠٤ من حديث أبي عوانة عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد قال: دخل عبد الله بن عمر على ابن عامر يعوده وهو مريض، فقال: ألا تدعو الله لي يا ابن عمر؟ قال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول\" وكنت على البصرة.\nقال النووي: معنى قوله: \"وكنت على البصرة\" أنك لست بسالم من الغلول، فقد كنت واليا على البصرة، وتعلقت بك تبعات من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، ولا يقبل الدعاء لمن هذه صفته، كما لا تقبل الصلاة إلا من متصون.\nوالظاهر - والله أعلم - أن ابن عمر قصد زجر ابن عامر وحثه على التوبة، وتحريضه على الإقلاع عن المخالفات ولم يرد القطع حقيقة بأن الدعاء للفساق لا ينفع.\nفلم يزل النبي - ﷺ - والسلف والخلف يدعون للكفار وأصحاب المعاصي بالهداية والتوبة.\n(^٢) جمع عقبة: المرقى الصعب من الجبال؛ قاموس.","vol":"1","page":282},{"text":"الانتفاع بما أحدثه مثل هؤلاء الملوك.\nوأما الإمام أحمد ﵀ فإنه رخص فيما فعلوه من المنافع العامة كالمساجد والقناطر والمصانع؛ فإن هذه ينفق عليها من مال الفيء اللهم إلا أن يتيقن أنهم فعلوا أشياء من ذلك بمال حرام كالمكوس والغصوب ونحوهما؛ فحينئذ يُتوقَّى الانتفاعُ بما عمل بالمال الحرام.\nولعل ابن عمر ﵄ إنما أنكر عليهم أخذهم لأموال بيت المال لأنفسهم، ودعواهم أن ما فعلوه منها بعد ذلك فهو صدقة منهم؛ فإن هذا شبيهٌ بالغصوب وعلى مثل هذا يُحْمَلُ إنكارُ مَنْ أنكر من العلماء على الملوك بنيان المساجد.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-437>[ابن الجوزي يرد فتوى]:</span>\nقال أبو الفرج بن الجوزي ﵀: رأيت بعض المتقدمين سئل عمن كسب حلالا وحراما من السلاطين والأمراء ثم بنى الأربطة والمساجد هل له ثواب؟ فأفتى بما يوجب طيب قلبِ المنفق، وأن له في إنفاق مالا يملكه نوع سمسرة؛ لأنه لا يعرفُ أعيان المغصوبين فيرد عليهم.\nقال: فقلت: واعجبا من متصدرين للفتوى لا يعرفون أصول الشريعة؟ ينبغي أن ينظر في حال هذا المنفق أولا.\nفإن كان سلطانا فما يخرج من بيت المال فقد عرفت وجوه مصارفه فكيف يَمْنَعُ مستحقيه، ويشغله بما لا يفيد من بناء مدرسة أو رباط؟\nوإن كان من الأمراء أو نواب السلاطين فيجب أن يرد ما يجب رده إلى بيت المال.\nوإن كان حراما أو غصبا فكل تصرف فيه (^١) حرام والواجب رده على من أخذ منه أو ورثته، فإن لم يعرف رد إلى بيت المال، فيصرف في المصالح أو في الصدقة ولم يحظ آخذه بغير الإثم. انتهى.\n* * *\n_________\n(^١) في المطبوعة: \"فكل شيء يصرف فيه\" وهو خطأ يفسد له المعنى.","vol":"1","page":283},{"text":"<span data-type='title' id=toc-438>[ابن رجب يوضح رأي ابن الجوزي]:</span>\nوإنما كلامه في السلاطين الذين عهدهم في وقته الذين يمنعون المستحقين من الفيء حقوقهم، ويتصرفون فيه لأنفسهم تصرف الملاك ببناء ما ينسبونه (^١) إليهم من مدارس وأرْبطة ونحوهما مما قد لا يحتاج إليه ويُخَصُّ به قوم دون قوم.\nفأما لو فرض إمام عادل يعطي الناس حقوقهم من الفيء، ثم يبني لهما ما يحتاجون إليه من مسجد أو مدرسة أو مارستان ونحو ذلك كان جائزًا.\nولو كان بعض من يأخذ المال لنفسه من بيت المال بنى بما أخذه منه بناء (^٢) محتاجًا إليه في حال يجوز البناء فيه من بيت المال لكنه ينسبه إلى نفسه فقد يتخرج على الخلاف في الغاصب إذا رد المال إلى المغصوب منه على وجه الصدقة والهبة هل يبرأ بذلك أم لا؟ وهذا كله إذا بني على قدر الحاجة من غير سرف ولا زخرفة.\nوقد أمر عمر بن عبد العزيز بترميم مسجد البصرة من مال بيت المال، ونهاهم أن يجاوزوا (^٣) ما تصدع منه وقال: إني لم أجد للبنيان في مال الله حقًّا.\nورُوي عنه أنه قال: \"لا حاجة للمسلمين فيما أضرَّ ببيت مالهم\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-439>[تصرف الغاصب في مال غيره]:</span>\nواعلم أن من العلماء من جعل تصرف الغاصب ونحوه في مال غيره موقوفا على إجازة مالكه؛ فإن أجاز تُصَرُّفَهُ فيه جاز.\nوقد حكى بعض أصحابنا - رواية عن أحمد -: أن من أخرج زكاته من مال مغصوب ثم أجازه له المالك جاز وسقط عنه الزكاة.\nوكذلك خَرَّجَ ابنُ أبي موسى (^٤) رواية عن أحمد أنه إذا أعتق عَبدَ غيره عن نفسه ملتزما ضمانه في ماله ثم أجازه المالك جاز ونفذ عتقه وهو خلاف نص أحمد.\n• وحكي عن (^٥) الحنفية أنه لو غصب شاة فذبحها لمتعته وقرانه ثم أجازها المالك أجزأت عنه.\n* * *\n_________\n(^١) في المطبوعة: \"يبنونة\" وهو تصحيف.\n(^٢) \"ا\": بنى بما يأخذه بناء … \".\n(^٣) م: \"يتجاوزوا\".\n(^٤) م: \"ابن أبي الدنيا\".\n(^٥) ليست في ب.","vol":"1","page":284},{"text":"<span data-type='title' id=toc-440>[النوع الثاني من الصدقة بالمال الحرام]:</span>\nالوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب أن يتصدق به عن صاحبه إذا عجز عن رده إليه أو إلى ورثته؛ فهذا جائز عند أكثر العلماء منهم مالك، وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-441>[أقوال العلماء في ذلك]:</span>\n• قال ابن عبد البر: ذهب الزهري، والثوري، والأوزاعي، والليث إلى أن الغالَّ (^١) إذا تفرق أهل العسكر، ولم يصل إليهم أنه يدفع إلى الإمام خُمُسَهُ ويتصدَّقُ بالباقي (^٢).\nروي ذلك عن عبادة بن الصامت، ومعاوية، والحسن البصري، وهو يشبه مذهب ابن مسعود، وابن عباس ﵄ أنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يُعْرَفُ صاحبه، وقال: وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها، وجعلوه - إذا جاء - مخيرًا بين الأجر والضمان وكذلك الغُصوب. انتهى.\n* * *\n• وروي عن مالك بن دينار قال: سألت عطَاء بنَ أبي رباح عمن عنده مال حرام ولا يعرف أربابه ويريد الخروج منه قال: يتصدق به، ولا أقول إن ذلك يجزئ عنه.\n• قال مالك: كان هذا القول من عطاء أحبَّ إليَّ من وزنه ذهبا!؟.\n• وقال سفيان - فيمن اشترى من قوم شيئًا مغصوبًا: يرده إليهم، فإن لم يقدر عليهم تصدق به كله، ولا يأخذ رأس ماله.\nوكذا قال فيمن باع شيئًا ممن تكره معاملته لشبهة ماله قال: يَتَصَدّق بالثَّمَنِ.\nوخالفه ابن المبارك وقال: يتصدق بالربح خاصة.\n• وقال أحمد: يتصدق بالربح.\n_________\n(^١) هو الآخذ من الغنيمة قبل القسم.\n(^٢) قال ابن حجر في الفتح ٦/ ٢١٦ قال ابن المنذر أجمعوا على أن على الغال أن يعيد ما غل قبل القسمة، وأما بعدها فقال الثوري والأوزاعي والليث ومالك: يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي، وكان الشافعي لا يرى بذلك ويقول: إن كان ملكه فليس عليه أن يتصدق به، وإن كان لم يملكه فليس له الصدقة بمال غيره، قال: الواجب أن يدفعه إلى الإمام كالأموال الضائعة.","vol":"1","page":285},{"text":"وكذا قال فيمن ورث مالا عن أبيه، وكان أبوه يبيع ممن تُكرهُ معاملته أنه يتصدق منه بمقدار الربح، ويأخذ الباقي.\nوقد رُوي عن طائفة من الصحابة نحو ذلك منهم: عمر بن الخطاب ﵁ وعبد الله بن يزيد الأنصاري ﵁.\n* * *\nوالمشهور عن الشافعي ﵀ في الأموال الحرام أنها تحفظ ولا يتصدق بها حتى يظهر مستحقها.\n* * *\nوكان الفضيل بن عياض يرى أن من عنده مالٌ حرام لا يُعرف أربابُه أنه يتلفه ويلقيه في البحر، ولا يتصدق به وقال: لا يتقرب إلى الله إلا بالطيب.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-442>[والصحيح في ذلك]:</span>\nوالصحيح الصدقة به؛ لأنّ إتلافَ المال، وإضاعته منهيٌّ عنه، وإرصادَه أبدًا تعريضٌ له للإتلاف، واستيلاء الظلمة عليه، والصدقةُ به ليست عن (^١) مكتسبه حتى يكون تقربًا منه بالخبيث؛ وإنما هي صدقة عن مالكه؛ ليكون نفعه له في الآخرة حيث يتعذر عليه الانتفاع به في الدنيا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-443>[دعاء ذي المطعم الحرام]:</span>\nوقوله: \"ثمَ ذَكر الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَر أشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْه إلى السَّمَاءِ يَا ربِّ! يا ربِّ! ومَطعَمُهُ حَرَامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرَامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِىَ بِالحَرَامِ؛ فَأنَّى يُسْتَجابُ لِذَلكَ!؟ \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-444>[أسباب إجابة الدعاء وآدابه]:</span>\nهذا الكلام أشار فيه - ﷺ - إلى آداب الدعاء، وإلى الأسباب التي تقتضي إجابته،\n_________\n(^١) في المطبوعة: \"عند\" وهو تحريف.","vol":"1","page":286},{"text":"إلى ما يمنع من إجابته؛ فذكر من الأسباب التي تقتضي إجابة الدعاء أربعة:\nأحدهما: إطالة السفر.\nوالسفر بمجرده يقتضي إجابة الدعاء كما في حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"ثَلاثُ دَعَواتٍ مُستَجاباتٌ لا شَك فِيهنَّ: دَعْوَةُ المظلومِ، ودعْوةُ المُسَافِرِ، وَدَعوةُ الوَالدِ لِولَدِهِ\".\nخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي (^١).\nوعنده: \"دعوةُ الوالِدِ على وَلَده\".\nوروي مثله عن ابن مسعود ﵁ من قوله:\nومتى طال السفر، كان أقرب إلى إجابة الدعاء؛ لأنه مظنة حصول انكسار النفس بطول الغربة عن الأوطان.\nوتَحمُّلُ المشاق والانكسارُ من أعظم أسباب إجابة الدعاء.\n* * *\nوالثاني: حصول التبذل في اللباس والهيئة بالشعث والاغبرار.\nوهو أيضًا من المقتضيات لإجابة الدعاء كما في الحديث المشهور عن النبي - ﷺ -: \"رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ مَدْفُوعٍ بِالأبواب لَوْ أقسمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ\" (^٢).\n_________\n(^١) ابن ماجه في كتاب الدعاء: باب دعوة الوالد ودعوة المظلوم ٢/ ١٢٧٠ والترمذي في أبواب البر والصلة: باب ما جاء في دعوة الوالدين ٤/ ٣١٤، وفي الدعوات ٥/ ٥٠٢ وأبو داود في كتاب الصلاة: باب الدعاء بظهر الغيب ٢/ ١٨٧. وقد حسنه الترمذي في الموضع الثاني وهذا لفظ الترمذي بما أشار به ابن رجب. وفي ابن ماجه وأبي داود بنحو ما هنا.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة والآداب: باب فضل الضعفاء والخاملين ٤/ ٢٠٢٤ وفي كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: باب النار يدخلها الجبارون، والجنة يدخلها الضعفاء ٤/ ٢١٩١ وهذا أحد المواطن القليلة التي يكرر فيها مسلم رواية حديث في صحيحه.\nورواه ابن حبان في صحيحه: باب المعجزات ٨/ ١٣٩.\nكلاهما من حديث أبي هريرة.\nوأخرجه الترمذي في المناقب: باب مناقب البراء بن مالك ﵁ ٥/ ٦٩٢ - ٦٩٣ من حديث أنس بن مالك وعقب عليه بقوله: هذا حديث صحيح حسن ولفظه:\n\"كم من أشعث أغبر ذي طمرين لا يؤبه له لو أقسم على الله لأبره، منهم البراء بن مالك\" والأشعث هو =","vol":"1","page":287},{"text":"ولما خرج النبي - ﷺ - للاستسقاء خرج متبذلًا متواضعًا متضرعا (^١).\nوكان مطرف بن عبد الله قد حبس له ابن أخ فلبس خلقان ثيابه، وأخذ عكَّازا بيده فقيل له ما هذا؟ قال أستكين لربي لعله أن يشفعني في ابن أخي (^٢).\n* * *\nالثالث: مد يديه إلى السماء وهو من آداب الدعاء التي يرجى بسببها إجابته.\nوفي حديث سلمان ﵁، عن النبي - ﷺ -: \"إن الله تعالى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَسْتَحيي إذا رَفَعَ الرَّجُلُ إلَيْهِ يَديْهِ أنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائبتَيْنِ\" (^٣).\nخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه.\nوروي نحوه من حديث أنس وجابر وغيرهما.\nوكان النبي - ﷺ - يَرْفَعَ يَدِيْهِ في الاسْتِسْقَاءِ حَتَّى يُرى بَيَاضُ إِبطَيْهِ (^٤) وَرَفَعَ يَدَيْه يومَ بَدْرٍ يَسْتَنْصِرُ عَلَى المُشْرِكين حَتَّى سَقَط رِدَاؤُهُ عَنْ منْكَبَيْه (^٥).\n_________\n= الملبد الشعر المغبر غير مدهون ولا مرجل.\nوالمقصود بقوله: مدفوع بالأبواب أنه لا قدر له عند الناس: فهم يدفعونه عن أبوابهم، أو يطردونه عنهم؛ احتقارًا له.\nومعنى قوله: لو أقسم على الله لأبره: أي لو حلف على وقوع شيء أوقعه الله إكراما له بإجابة سؤاله وصيانة له من الحنث في يمينه ولعل هذا هو ما حدا بابن حبان أن يورده في باب المعجزات، وهذا لعظم منزلته عند الله، وإن كان حقيرًا عند الناس، فيكون هذا الإبرار في القسم كرامة من الله له.\nوقيل معنى القسم هنا: الدعاء وإبراره إجابته راجع أيضًا شرح النووي على مسلم.\n(^١) كما روى الترمذي في الصلاة: باب ما جاء في صلاة الاستسقاء ٢/ ٤٤٥ بإسناد حسن صحيح من حديث ابن عباس.\nوعزاه الشيخ شاكر في التعليق إلى أبي داود، والنسائي وأبي عوانة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي قال: وصححه أبو عوانة وابن حبان أيضًا.\n(^٢) انظر السير ٤/ ١٩٥ وهامشه.\n(^٣) أخرجه الترمذي بهذا اللفظ في كتاب الدعوات: باب ١٠٥ - ٥/ ٥٥٦ - ٥٥٧ بإسناد حسن غريب وأخرجه أحمد في المسند ٥/ ٤٣٨ (الحلبي) بلفظ \"إن الله ﷿ ليستحيي أن يبسط العبد يديه يسأله فيهما خيرًا فيردهما خائبتين\".\nوابن ماجه في السنن: كتاب الدعاء: باب رفع اليدين في الدعاء ٢/ ١٢٧١ بلفظ: \"إن ربكم حَيِيٌّ كريم يستحيي من عبده أن يرفع إليه يديه فيردهما صفرًا أو قال خائبتين\".\nوالحاكم في المستدرك. كتاب الدعاء ٤/ ٤٩٧ بلفظ: إن الله أن يستحي أن يبسط العبد يديه … الحديث بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم وأبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب الدعاء ٢/ ١٦٥ بلفظ: إن ربكم ﵎ حيي كريم الحديث بنحو ما عند ابن ماجه.\n(^٤) كما في صحيح مسلم: كتاب صلاة الاستسقاء: باب رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء ٢/ ٦١٢ وكما في صحيح ابن حبان ٤/ ٢٢٩ من الإحسان من حديث أنس.\n(^٥) كما في البداية والنهاية ٣/ ٢٧٥. وصحيح مسلم ٣/ ١٣٨٣ ح ٥٨ - (١٧٦٣).","vol":"1","page":288},{"text":"وقد روي عن النبي - ﷺ - في صفة رفع يديه في الدعاء أنواع متعددة، فمنها أنه كان يشير بإصبعه السبابة فقط، وروي عنه أنه كان يفعل ذلك على المنبر (^١)، وفعله لما ركب راحلته (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-445>[دعاء القنوت في الصلاة]:</span>\nوذهب جماعة من العلماء إلى أن دعاء القنوت في الصلاة يشير فيه بإصبعه منهم الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، وإسحق بن راهويه.\n* * *\nوقال ابن عباس وغيره: هذا هو الإخلاص في الدعاء (^٣).\n* * *\nوقال ابن سيرين: إذا أثنيت على الله فأشر بإصبع واحدة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-446>[من صور رفع اليدين في الصلاة]:</span>\n• ومنها أنه - ﷺ - رفع يديه وجعل ظهورهما إلى جهة القبلة وهو مستقبلها، وجعل بطونهما مما يلي وجهه.\nوقد رويت هذه الصفة عن النبي - ﷺ - في دعاء الاستسقاء.\n_________\n(^١) كما روى ذلك مسلم في صحيحه: الجمعة: باب تخفيف الصلاة والخطبة ٢/ ٥٩٥.\nوأبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب رفع اليدين على المنبر ١/ ٦٦٢.\nوالنسائي في السنن: كتاب الجمعة: باب الإشارة في الخطبة ٣/ ١٠٨ ح ١٤١٢.\nوالترمذي في السنن: أبواب الصلاة: باب ما جاء في كراهية رفع الأيدي على المنبر ٢/ ٣٩١ - ٣٩٢ بإسناد حسن صحيح.\nوالدارمي في السنن: كتاب الصلاة: باب كيف يشير الإمام في الخطبة ١/ ٤٤١ من وجهين وكلهم من حديث عُمارة بن رويبة وبشر بن مروان يخطب فرفع يديه في الدعاء فقال عمارة: قبح الله هاتين اليدين القصيرتين: لقد رأيت رسول الله - ﷺ - وما يزيد على أن يقول هكذا وأشار هُشَيْم بالسبابة. لفظ الترمذي.\n(^٢) كما في صحيح مسلم ٢/ ٨٩٠ من حديث جابر في حجة النبي - ﷺ -.\n(^٣) في كنز العمال ٢/ ٧٢ عن عكرمة قال: قال ابن عباس: الابتهال هكذا وبسط يديه وظهورها إلى وجهه، والدعاء هكذا ووضع يديه تحت لحييه، والإخلاص هكذا يشير بإصبعه. وقد عزاه لعبد الرزاق في المصنف.","vol":"1","page":289},{"text":"واستحب بعضهم الرفع في الاستسقاء على هذه الصفة منهم الجوزجاني.\nوقال بعض السلف: \"الرفع على هذا الوجه تضرع\".\n• ومنها أنه رفع يديه وجعل ظهورهما (^١) عكس ذلك.\nوقد روي عن النبي - ﷺ - في الاستسقاء أيضًا (^٢).\nورُوي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يدعون كذلك.\nوقال بعضهم: الرفع على هذا الوجه استجارة بالله، واستعاذة به. منهم ابن عمر، وابن عباس، وأبو هريرة ﵃.\nورُوي عن النبي - ﷺ - أَنَّه كَانَ إذا استْعَاذَ رَفَعَ يَدَيْهِ عَلَى هذَا الْوَجْه (^٣).\n* * *\n• ومنها رفع يديه، وَجَعْلُ كَفَّيْهِ إِلى السَّمَاءِ، وَظُهُورُهما إلى الأرْض.\nوقد ورد الأمر بذلك في سؤال الله ﷿ في غير حديث.\nوعن ابن عمر وأبي هريرة وابن سيرين أن هذا هو الدعاء والسؤال لله ﷿.\n• ومنها عكس ذلك، وهو قلب كفيه وجعل ظهورهما إلى السماء وبطونهما مما يلى الأرض.\nوفي صحيح مسلم عن أنس أن النبي - ﷺ - استسقى فأشار بظهر كفيه إلى السماء (^٤).\nوخرجه الإمام أحمد - ﵀ - ولفظه، فبسط يديه وجعل ظاهرهما مما يلي السماء (^٥).\nوخرجه أبو داود ولفظه: استسقى هكذا يعني النبي - ﷺ - مد يديه وجعل بطونهما مما يلى الأرض (^٦).\nوخرج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: \"كان النبي - ﷺ -\n_________\n(^١) ما بين الرقمين ليس في أ. وانظر المجمع ١٠/ ١٦٨.\n(^٢) راجع ما أخرجه ابن ماجه في الدعاء ٢/ ١٢٧٢ من حديث ابن عباس مرفوعًا.\n(^٣) رواه أحمد مرسلا بإسناد حسن على ما في المجمع ١٠/ ١٦٨ من حديث خلاد بن السائب.\n(^٤) الحديث في كتاب الاستسقاء: باب رفع اليدين بالدعاء في الاستسقاء ٢/ ٦١٢.\n(^٥) مسند أحمد ٣/ ٢٤١ (الحلبي) من حديث أنس قال: رأيت النبي - ﷺ - يستسقي فبسط يديه … الحديث.\n(^٦) الحديث في سنن أبي داود: باب رفع اليدين في الاستسقاء ١/ ٦٩٢.","vol":"1","page":290},{"text":"واقفًا بِعرفَةَ يَدعُو هَكَذا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حِيَالَ ثَنْدُوتَنهِ (^١) وَجَعَلَ بُطُونَ كَفَّيْه مِمَّا يلي الأَرض.\n* * *\nوهكذا وصف حماد بن سلمة رفع النبي - ﷺ - يديه بعرفة.\nورُوي عن ابن سيرين: أن هذا هو الاستجارة.\nوقال الحميدي: هذا هو الابتهال.\n* * *\nوالرابع: الإلحاح على الله ﷿ بتكرير ذكر ربوبيته، وهو من أعظم ما يطلب به إجابة الدعاء.\nوخرج البزار من حديث عائشة أم المؤمنين مرفوعًا: \"إذا قال العَبْدُ يا رب! أَرْبَعًا قَالَ الله: لَبَّيْكَ عَبْدي سَل تُعطه\" (^٢).\nوخرج الطبراني وغيره من حديث سعد بن خارجة أن قَوْما شَكَوْا إلى النَّبي - ﷺ - قُحُوط المَطَر فَقَالَ: \"اجْثُوا عَلَى الرُّكَب وَقَولُوا يا رب! يا ربّ! \" وَرَفَع السَّبابَة إلى السَّماء فَسُقُوا حَتَّى أَحَبُّوا أَنْ يُكْشفَ عنْهُم (^٣).\nوفي المسند وغيره عن الفضل بن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \"الصَّلاةُ مَثْنى، مثنى، وتَشَهُّدٌ في كُلِّ رَكْعَتين، وَتَضَرُّع وَتَخَشُّعٌ، وَتمَسْكُنٌ وَتُقْنِعُ يَديْكَ، يقولُ ترفعهما إلى رَبِّكَ مُسْتَقْبلًا بهما وَجْهَك وتقولُ: يَا رب! يا رب! فَمَنْ لَمْ يَفْعل ذَلِكَ فهي خِداجٌ\" (^٤).\n_________\n(^١) قال في النهاية: الثندوتان للرجل كالثديين للمرأة، يقال بضم الثاء وفتحها.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ١٦٨ وقال: فيه بشر بن حرب وهو ضعيف وهو في مسند أحمد ٣/ ١٣ (الحلبي) من طريق حماد بن سلمة عن بشر بن حرب عن أبي سعيد الخدري ﵁ وفي ا: \"ثندوته\".\n(^٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ١٥٩ عن البزار وقال: فيه الحكم بن سعيد الأموي ضعيف.\n(^٣) أورده الهيثمي في المجمع ٢/ ٤١٢ عن الطبراني في الأوسط وضعفه - بعامر بن خارجة بن سعد حيث روى الحديث عن أبيه عن جده سعد.\n(^٤) الحديث في مسند أحمد ٣/ ٢٢٩ - ٢٣١ المعارف و٤/ ٢٢٥ - ٢٢٧ (الحلبي) الأول من حديث الفضل بن العباس وقال محققه: أرجو أن يكون صحيحا إن شاء الله وعزاه للترمذي ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٧ والبيهقي ٢/ ٤٨٧ - ٤٨٨، والبخاري في التاريخ الكبير ٢/ ١ / ٢٥٨ - ٢٥٩ وغيرهم.\nراجع ما ذكره في تحقيق الحديث بروايته.","vol":"1","page":291},{"text":"وقال يزيد الرقاشي (^١) عن أنس ما من عبد يقول يا رب! يا رب! يا رب! إلا قال له ربه لبيك لبيك.\nورُوي عن أبي الدرداء وابن عباس ﵃ أنهما كانا يقولان: \"اسم الله الأكبر ربِّ! ربِّ (^٢)! \"\nوعن عطاء قال: \"مَا قَالَ عبدٌ يا ربِّ.! يا رب! ثَلاثَ مَرَّاتٍ إلَّا نَظَر الله إليه\" فذكر ذَلكَ للحَسَنَ فقال: أَمَا تقْرأون القرآن؟ ثُمَّ تلا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (١٩٢) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ﴾ (^٣).\n* * *\nومن تأمل الأدعية الذكورة في القرآن وجدها غالبًا تفتتح باسم الرب لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (^٤) ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (^٥).\nوقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ (^٦) ومثل هذا في القرآن كثير.\nوسئل مالك وسفيان عمن يقول في الدعاء يا سيدي فقالا: يقول: يا رب! زاد مالك، كما قالت الأنبياء في دعائهم.\n* * *\n_________\n(^١) صالح لكنه ليس بالقوي في حديثه وفي التقريب ٢/ ٣٦١ ضعيف من الخامسة.\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٥٠٥ وسكت عنه هو والذهبي فهو حديث حسن.\n(^٣) سورة آل عمران: ١٩١ - ١٩٥ والأثر أخرجه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٣١٣.\n(^٤) سورة البقرة: ٢٠١.\n(^٥) سورة البقرة: ٢٨٦.\n(^٦) سورة آل عمران: ٧.","vol":"1","page":292},{"text":"<span data-type='title' id=toc-447>[موانع إجابة الدعاء]:</span>\nوأما ما يمنع إجابة الدعاء فقد أشار - ﷺ - إلى أنه: التوسع في الحرام أكلا وشربا ولبسًا وتغذية.\nوقد سبق حديث ابن عباس في هذا المعنى أيضًا، وأن النبي - ﷺ - قال لسعد: \"أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة\" (^١).\nفأكل الحلال وشربه ولبسه والتغذي به: سبب موجب لإجابة إلدعاء (^٢).\n• وروى عكرمة بن عمار: حدثنا الأصفر قال: قيل لسعد بن أبي وقاص: كيف (^٣) تستجاب دعوتك من بين أصحاب رسول الله - ﷺ -؟ قال: \"ما رفعت إلى فمي لقمة إلا وأنا عالم من أين مجيئها ومن أين خرجت؟! \".\n• وعن وهب بن منبه قال: \"مَنْ سَرَّهُ أَن يستجيبَ الله دعوتَهُ فَلْيُطَيِّبْ (^٤) طُعْمَتَهُ\".\n* * *\n• وعن سهل بن عبد اللّه قال: \"مَنْ أكل الحلال أربعين صباحًا أجيبت دعوته\".\n• وعن يوسف بن أسباط قال: \"بلغنا أن دعاء العبد يحبس عن السموات بسوء المطعم\".\n* * *\nوقوله - ﷺ - \" فَأَنَّى يُسْتَجابُ لِذَلِكَ\".\nمعناه: كيف يستجاب له؟! فهو استفهام وقع على وجه التعجب والاستبعاد، وليس صريحًا في استحالة الاستجابة، ومنعها بالكلية. فيؤخذ من هذا أن التوسع في الحرام والتغذى به من جملة موانع الإجابة، وقد يوجد ما يمنع هذا المانع من منعه، وقد يكون ارتكاب المحرمات الفعلية مانعًا من الإجابة أيضًا، وكذلك ترك الواجبات كما في الحديث أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنع استجابة دعاء الأخيار، وفعل الطاعات يكون موجبا لاستجابة الدعاء.\n• ولهذا لما توسل الذين دخلوا الغار وانطبقت الصخرة عليهم بأعمالهم الصالحة التي\n_________\n(^١) ص: ٢٧٧.\n(^٢) في م، هـ: فأكل الحرام .. موجب لعدم إجابة ..\n(^٣) ليست في \"ا\"، ولا في ب.\n(^٤) هكذا في \"ا\".","vol":"1","page":293},{"text":"أخلصوا فيها لله تعالى، ودعوا الله بها أجيبت دعوتهم.\n* * *\n• وقال وهب بن منبه: \"مَثَلُ الذي يدعو بغير عمل كَمَثَلِ الذي يرمى بغير وتر\" (^١).\nوعنه قال: \"العمل الصالح يبلغ الدعاء\" ثم تلا قوله تعالى:\n﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ (^٢).\nوعن عمر بن الخطاب ﵁ قال: \"بالورع عما حرم الله يقبل الله الدعاءَ والتسبيحَ\" (^٣).\n* * *\n• وعن أبي ذر ﵁ قال: \"يكفي مع البر من الدعاء مثلُ ما يكفي الطعامَ من الملح\".\n• وقال محمد بن واسع: \"يكفي من الدعاء من الورع: اليسيرُ\".\n* * *\n• وقيل لسفيان: لو دعوتَ الله؟ قال: إن تركَ الذنوب هو الدعاء.\n* * *\n• وقال ليث: رأى موسى ﵊ رجلا رافعًا يديه وهو يسأل الله مجتهدًا، فقال موسى ﵇: \"أي ربِّ! عبدُك دعاك حتى رحمته، وأنت أرحم الراحمين فما صنعت في حاجته؟ \" فقال: \"يا موسى! لو رفع يديه حتى ينقطع ما نظرت في حاجته حتى ينظر في حَقِّي! \".\n* * *\n• وخرج الطبراني بإسناد ضعيف عن ابن عباس مرفوعًا معناه\nوقال مالك بن دينار: \"أصاب بني إسرائيل بلاءٌ فخرجوا مخرجًا فأوحى الله تعالى\n_________\n(^١) أورده ابن المبارك في الزهد ص ١٠٩ ح ٣٢٢ عن معمر، عن سماك بن فضل، عن وهب.\n(^٢) سورة فاطر: ١٠.\n(^٣) أخرجه أحمد في الزهد ص ٣٨٢ عن عبد الرحمن بن مهدي عن الرحمن بن فضالة عن بكير بن عبد الله عن أبي ذر.","vol":"1","page":294},{"text":"إلى نبيه أن أخبرهم أنكم تخرجون إلى الصعيد بأبدان نجسةٍ، وترفعون إليَّ أَكفَّا قد سفكتم بها الدماء وملأتم بها بيوتكم من الحرام، الآن اشتد غضبي عليكم، ولن تزدادوا منى إلا بُعْدًا\".\nوقال بعض السلف: \"لا تستبطئ الإجابةَ وقد سَدَدْتَ طُرُقَهَا بالمعاصي\".\nوأخذ بعض الشعراء هذا المعنى فقال:\nنحن ندعو الإله في كُلّ كَربٍ … ثم ننساه عندَ كَشْفِ الكروب!\nكيف نرجو استجابة لِدُعَاءٍ … قَدْ سَدَدْنا طريقَها بالذنوب؟\n* * *","vol":"1","page":295},{"text":"<span data-type='title' id=toc-448>الحديث الحادي عشر</span>\nعن أبي مُحمَّدٍ: الحَسنِ بْنِ عَلي بْن أَبِي طالِب ﵄ سِبْط رَسُولِ الله - ﷺ - وَرَيْحَانِتِه قَالَ:\nحَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ -: \"دَعْ ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ\".\nرَوَاهُ النَّسائي والترمِذِيُّ وَقال: حَسَنٌ صَحِيحٌ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-449>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث خرجه الإمام أحمد (^١) والترمذي (^٢) والنسائي (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤) والحاكم (^٥) من حديث بريد (^٦) بن أبي مريم، عن أبي الحوراء عن الحسن بن علي، وصححه الترمذي.\n_________\n(^١) في المسند ٢/ ١٦٩، ١٧١ (المعارف) وذكر محققه أن إسناده صحيح.\n(^٢) في جامعه: كتاب صفة القيامة: باب (٦٠) ٤/ ٦٦٨ وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٣) في كتاب الأشربة: باب الحث على ترك الشبهات ٢/ ٣٣٤.\n(^٤) في باب الورع والتوكل: ذكر الزجر عما يريب المرء من أسباب هذه الدنيا الفانية ٢/ ٥٢ من الإحسان وأورد معه سياقه وقصته.\n(^٥) في المستدرك ٤/ ٩٩ وعلق الذهبي عليه بقوله: سنده قوي. والحديث أخرجه النسائي مختصرًا بهذا اللفظ الذي أورده ابن رجب عن النووي وأخرجه الترمذي والحاكم تامًّا وأشار الترمذي إلى أن له قصة، وقد ساقه أحمد في المسند بقصته وتمامه من حديث بريد بن أبي مريم، عن أبي الحوراء السعدي، قال: قلت للحسن بن علي: ما تذكر من رسول الله - ﷺ -؟ قال: أذكر أني أخذت تمرة من تمر الصدقة فألقيتها في فيَّ فانتزعها رسول الله - ﷺ - بلعابها فألقاها في التمر، فقال له رجل: ما عليك لو أكل هذه التمرة؟ قال: إنا لا نأكل الصدقة، قال: وكان يقول: دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنية، وإن الكذب ريبة، قال: وكان يعلمنا هذا الدعاء: \"اللهما اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنه لا يذل من واليت، وربما قال: تباركت ربنا وتعاليت\".\n(^٦) في م وب: \"يزيد ..، عن أبي الجوزاء\" وكلاهما تصحيف؛ فالأول هو بريد (بالباء المضمومة والراء المفتوحة) بن أبي مريم: مالك بن ربيعة السلولي البصري روى عن أبيه، وكان ذا صحبة، وعن أنس وابن عباس والحسن وأبي الحوراء: ربيعة بن شيبان، وروى عنه ابنه يحيى وشعبة وأبو إسحاق السبيعي. غيرهم، وثقة ابن معين والنسائي وابن حبان، وكانت وفاته سنة ١٤٤، وترجمته في التهذيب ١/ ٤٣٢ وتهذيب الكمال ٤/ ٥٢ - ٥٣.\nأما الثاني فقد ذكر الترمذي عقب الحديث أن أبا الحوراء السعدي اسمه ربيعة بن شيبان وذكر القاضي عياض في الإلماع ص ١٥٦: أن أبا الحوراء بالحاء والراء هو ربيعة بن شيبان، وأما أبو الجوزاء بالجيم والزاي فهو أوس بن عبد الله الربعبي، (يروي) عن ابن عباس، وأبو الجوزاء مثله أيضًا: أحمد بن عثمان النوفلي، من شيوخ مسلم والنسائي أ. هـ.","vol":"1","page":297},{"text":"• وأبو الحوراء السعدي قال الأكثرون: إن اسمه ربيعة بن شيبان، ووثقه النسائي وابن حبان وتوقف أحمد في أن أبا الحوراء اسمه ربيعة بن شيبان ومال إلى التفرقة بينهما وقال الجوزجاني: أبو الحوراء مجهول لا يعرف (^١).\n• وهذا الحديث قطعة من حديث طويل فيه ذكر قنوت الوتر.\nوعند الترمذي وغيره زيادة في هذا الحديث وهي: \"فإن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة\".\n• ولفظ ابن حبان: \"فإن الخير طمأنينة، وإن الشر ريبة\".\n• وقد خرجه الإمام أحمد بإسناد فيه جهالة، عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال \"دَعْ مَا يَريبُك إلى ما لا يَريبُك\" (^٢).\n• وخرجه من وجه آخر أجود منه موقوفًا على أنس (^٣).\n• وخرجه الطبراني من رواية مالك، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا (^٤) قال الدارقطني:\n_________\n(^١) راجع ترجمته في الكنى والأسماء لمسلم ص ٥١، والكنى والأسماء للدولابي ١/ ١٦١، وتهذيب التهذيب ٣/ ٢٥٦.\n(^٢) رواه أحمد في المسند ٣/ ١٥٣ من طريق يحيى بن إسحاق، عن أبي عبد الله الأسدي، عن أنس مرفوعًا، بدون سياق أو قصة.\nوأورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٥٢ وقال: رواه أحمد. وأبو عبد الله الأسدي لم أعرفه وبقية رجاله: رجال الصحيح.\n(^٣) في المسند ٣/ ١١٢ (الحلبي) من طريق عبد الله بن إدريس، عن المختار بن فلفل قال: سألت أنس بن مالك عن الشرب في الأوعية فقال: نهى رسول الله - ﷺ - عن المزفتة، وقال: كل مسكر حرام، قال قلت: وما المزفتة، قال: المقيرة، قال: قلت: فالرصاص والقارورة؟ قال: ما بأس بهما. قال قلت: فإن ناسًا يكرهونهما؟ قال: \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك فإن كل مسكر حرام\" قال: قلت له: صدقت السكر حرام فالشربة والشربتان على طعامنا؟ قال: \"ما أسكر كثيره فقليله حرام\" وقال: الخمر من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة فما خمرت من ذلك فهى الخمر\".\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٥٦ وقال رواه أحمد وأبو يعلى إلا أنه قال: حرمت الخمر وهي من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة فذكره.\nوالبزار باختصار ورجال أحمد رجال الصحيح.\nوزاد البزار لعد قوله: دع ما يريبك إِلى ما لا يريبك: فإنها كلمة حكم أخذ بها من كان قبلكم.\n(^٤) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير ١/ ١٢٢ ح ٢٧٦.\nوأورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٩٥ وقال: فيه عبد الله بن أبي رومان وهو ضعيف.\nوالخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٢/ ٢٢٠ من رواية عبد الله بن عبد الملك بن أبي رومان الأسكندراني، عن ابن وهب به وفي آخره بعد هذا: فإنك لن تجد فقد شيء تركته لله ﷿.\nوعقب الخطيب بقوله: غريب من حديث مالك لا أعلم روي إلا من هذا الوجه.","vol":"1","page":298},{"text":"وإنما يروى هذا من قول ابن عمر، وعن عمر، ويُروى عن مالك من قوله (^١) انتهى.\n• ويروى بإسناد ضعيف، عن عثمان بن عطاء الخراساني - وهو ضعيف - عن أبيه عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه قال لرجل:\n\"دَع ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُك\" قال: وكيف لي بالعلم بذلك؟ قال: \"إذا أردت أمرًا فضَع يدَك على صَدْرِكَ، فإن القْلب يضطرب للحرام، ويسكن للحلال، وإن المسلمَ الورِعَ يَدَعُ الصغيرةَ مَخَافَةَ الكبيرة\".\n• وقد روي عن عطاء الخراساني مرسلًا.\nوخرج الطبراني نحوه بإسناده ضعيف - عن واثلة بن الأسقع، عن النبي - ﷺ - وزاد فيه:\n\"قيل: فمن الوَرِع؟ قال: الذي يقف عند الشبهة\" (^٢).\n• وقد روي (^٣) هذا الكلام موقوفًا على جماعة من الصحابة منهم (^٤): عمر، وابن عمر، ﵃، وأبو الدرداء.\n• وعن ابن مسعود قال:\n\"ما تريد إلى ما يَريبك وحولك أربعة آلاف لا تريبك؟! \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-450>[الربا والريبة]:</span>\n• وقال عمر: \"دعوا الربا والريبة\" يعني: ما ارتبتم فيه. وإن لم تتحققوا أنه ربا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-451>[قلب المؤمن دليله]:</span>\n• ومعنى هذا الحديث يرجع إلى الوقوف عند الشبهات واتقائها، فإن الحلال المحض\n_________\n(^١) راجع تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٢/ ٣٨٧ فقد أورد الحديث من طريق قتيبة عن مالك، وأبطل هذا الطريق ثم قال: وإنما يحفظ عن عبد الله بن أبي رومان الأسكندراني عن ابن وهب عن مالك، تفرد به واشتهر ابن أبي رومان وكان ضعيفًا قال: والصواب عن مالك من قوله: قد سرقه محمد بن عبد بن عامر من ابن أبي رومان، فرواه كما ذكرنا.\n(^٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٩٤ من وجهين ضعيفين عن الطبراني وغيره.\n(^٣) ب: \"وروى\".\n(^٤) ليست في ب.","vol":"1","page":299},{"text":"لا يحصل للمؤمن في قلبه منه ريب (^١)، والريب بمعنى القلق والاضطراب، بل تسكن إليه النفس، ويطمئن به القلب، وأما المشتبهات فيحصل بها للقلوب: القلق والاضطراب الموجب للشك.\n\n<span data-type='title' id=toc-452>[من أقوال العلماء في ذلك]:</span>\n• وقال أبو عبد الرحمن العمري الزاهد: \"إذا كان العبد ورِعا تَرَكَ ما يريبه إلى ما لا يريبه\".\n• وقال الفُضَيْل: \"يزعم الناس أن الورع شديد؟ وما ورد عليَّ أمران إلا أخذت بأشدهما؛ فدَعْ ما يريبك إلى ما لا يريبك\".\nوقال حسان بن أبي سنان: \"ما شَىْءٌ أهونَ من الورع: إذا رابك شيء فدعه\".\nوهذا إنما يسهل على مثل حسان ﵀.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-453>[رجل يرفض انتهاز الفرص]:</span>\n• قال ابن المبارك: كتب غلام لحسان بن أبي سنان إليه من الأهواز أن قصب السكر أصابته آفة فاشتر السكر فيما قِبَلك. فاشتراه من رجل فلم يأت عليه إلا قليل فإذا فيما اشتراه ربح ثلاثين ألفًا قال: فأتى صاحب السكر فقال: يا هذا إن غلامي كان قد كتب إليّ فلم أعلمك فأقلني فيما اشتريت منك؟ فقال له الآخر: قد أعلمتني الآن، وقد طيبتُه لك قال: فرجع فلم يحتمل قلبه فأتاه، فقال: يا هذا! إني لم آت هذا الأمر - من قبل وجهه؛ فأُحب أن تسترد هذا البيع قال: فما زال به حتى ردَّه (^٢) عليه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-454>[وصور أخرى]:</span>\n• وكان يونس بن عبيد إذا طَلب المتاعَ ونفَق وأرسل يشتريه يقول لمن يشتري له: أعْلم مَن تشتري منه أن المتاع قد طُلب.\nوقال هشام بن حسان: ترك محمد بن سيرين أربعين ألفًا فيما لا ترون به اليوم بأسًا.\n* * *\n_________\n(^١) في ب: \"ريبة\".\n(^٢) ب: \"رُدَّ \"","vol":"1","page":300},{"text":"<span data-type='title' id=toc-455>[الإسلام يأبى حبس السلع لزيادة أسعارها]:</span>\nوكان الحجاج بن دينار قد بعث طعامًا إلى البصرة مع رجل وأمره (^١) أن يبيعه يوم يدخل بسعر يومه، فأتاه كتابه: إني قدمت البصرة فوجدت الطعام مُبَغَّضًا (^٢) فحبسته فزاد الطعام فازددت فيه كذا وكذا، فكتب إليه الحجاج: إنك قد خنتنا وعملتَ بخلاف ما أمرناك به فإذا أتاك كتابي (^٣) فتصدق بجميع ثمن ذلك (^٤) الطعام (^٥) على فقراء البصرة فليتنى أسلم إذا فعلتَ ذلك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-456>[التنزه عن ما فيه شبهة]:</span>\n• وتنزه يزيد بن زريع عن خمسمائة ألف من ميراث أبيه فلم يأخذه وكان أبوه يلي الأعمال للسلاطين.\n* * *\n• وكان يزيد يعمل الخوص ويتقوَّت منه إلى أن مات ﵀.\n* * *\nوكان المِسْور بن مَخْرمَة قد احتكر طعامًا كثيرًا، فرأى سحابًا في الخريف، فكرهه، فقال: ألا أراني كرهت ما ينفع المسلمين؟! فآلى أن لا يربح فيه شيئًا، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب ﵁، فقال له عمر: جزاك الله خيرًا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-457>[مما يؤخذ من ذلك]:</span>\nوفي هذا: أن المحتكر ينبغي له التنزه عن ربح ما احتكره احتكارًا مَنْهِيًّا عنه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-458>[أدلة ذلك]:</span>\n• وقد نص الإمام أحمد ﵀ على التنزه عن ربح ما لم يدخل في ضمانه،\n_________\n(^١) في م: \"وامرأة\" وهو تحريف.\n(^٢) م: \"منقصا\".\n(^٣) في م: \"كثاي\" وهو تحريف.\n(^٤) في م: \"بجميع ذلك الثمن ثمن الطعام\".\n(^٥) ليست في ب.","vol":"1","page":301},{"text":"لدخوله في ربح ما لم يضمن.\nوقد نهى عنه النبي (^١) - ﷺ -: فقال أحمد - في رواية عنه فيمن (^٢) أجره ما استأجره بربحه: \"إنه يتصدق بالريح\".\nوقال في رواية عنه في ربح مال المضاربة: \"إذا خالف فيه المضارب إنه يتصدَّق به\".\nوقال في رواية عنه - فيما إذا اشترى ثمرة قبل بدوِّ (^٣) صلاحها بشرط القطع - ثم تركها حتى بدا صلاحها - إنه يتصدق [به وقال في رواية عنه] (^٤) بالزيادة.\nوحمله طائفة من أصحابنا على الاستحباب، لأَن الصدقة بالشبهات مستحب (^٥).\n• وروي عن عائشة ﵂ أنها سئلت عن أكل الصيد للمُحْرِم فقالت: \"إنما هي أيام قلائل؛ فما رابك فدعه\" يعني، ما اشتبه عليك هل هو حلال أو حرام فاتركه، فإن الناس اختلفوا في إباحة أكل الصيد للمحرم إذا لم يصده هو.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-459>[العمل بالرخصة أفضل]:</span>\n• وقد يُستدل بهذا على أن الخروج من اختلاف العلماء أفضل؛ لأنه أبعد عن الشبهة،\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ١٠/ ١٢٠، ١٥٤ و١١/ ١٤٩ - ١٥٠ (المعارف) بإسناد صحيح ح ٦٦٢٨، ٦٦٧١، ٦٩١٨.\nوالترمذي في جامعه: كتاب البيوع: باب ما جاء في كراهية بيع ما ليس عندك ٣/ ٥٣٥ - ٥٣٦ بإسناد حسن صحيح ح ١٢٣٤.\nوأبو داود في سننه: كتاب البيوع: باب في الرجل يبيع ما ليس عنده ٣/ ٧٦٩ - ٧٧٥ ح ٣٥٠٤.\nوالنسائي في سننه: كتاب البيوع: باب سلف وبيع وهو أن يبيع السلعة على أن يسلفه سلفًا، وباب شرطان في بيع يقول: أبيعك هذه السلعة - إلى شهر بكذا ٧/ ٢٩٥ من وجوه: ح ٤٦٢٩ - ٤٦٣١.\nوابن ماجه في سننه .. كتاب التجارات: باب النهي عن بيع ما ليس عندك ٢/ ٧٣٧ - ٧٣٨ ح ٢٣٨٨.\nكلهم من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يحل سلف وبيع ولا شرطان في بيع ولا ربح ما لم يُضمن ولا بيع ما ليس عندك\".\nلفظ الترمذي وأبي داود.\nوعند أحمد: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن بيعتين في بيعة وعن بيع وسلف، وعن راجح ما لم يضمن، وعن بيع ما ليس عندك\".\nوقوله ولا ربح ما لم يضمن قال في عون المعبود: يعني لا يجوز أن يأخذ ربح سلعة لم يضمنها مثل أن يشتري متاعًا ويبيعه إلى آخر قبل قبضه من البائع، فهذا البيع باطل، وربحه لا يجوز، لأن البيع في ضمان البائع الأول، وليس في ضمان المشتري منه، لعدم القبض.\n(^٢) في م: \"فمن\". وفي ب: \"فيمن أجر ما استأجره بربح أنه يتصدق به\".\n(^٣) ليست في \"ا\".\n(^٤) ما بين الرقمين سقط من المطبوعة. وفي ب \"أنه يتصدق بالزيادة\" وقال في رواية عنه بالزيادة.\n(^٥) في م: \"مستحبة\".","vol":"1","page":302},{"text":"ولكن المحققين (^١) من العلماء من أصحابنا وغيرهم على أن هذا ليس على إطلاقه؛ فإن من مسائل الخلاف ما ثبت فيه عن النبي - ﷺ - رخصة ليس لها مُعارض، فاتباع تلك الرخصة أولى من اجتنابها، وإن لم تكن تلك الرخصة بلغت بعض العلماء؛ فامتنع منها لذلك.\n• وهذا كمن تيقن الطهارة وشك في الحدث، فإنه صح عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n\"لا ينصرف حتى يسمعَ صوتًا أو يجدَ ريحًا (^٢) \" ولا سيما إن كان شكه في الصلاة؛ فإنه لا يجوز له قطعها. لصحة النهي عنه (^٣)، وإن كان بعض العلماء يوجب ذلك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-460>[متى يترك العمل بالرخصة؟]:</span>\nوإن كان للرخصة معارض إما من سنة أُخرى، أو من عمل الأمة بخلافها فالأَولى تركُ العمل بها.\nوكذا لو كان قد عمل بها شذوذ من الناس، واشتهر في الأمة العملُ بخلافها في أمصار المسلمين من عهد الصحابة ﵃، فإن الأخذ بما عليه عمل المسلمين هو المتعينّ، فإن هذه الأُمة قدْ أجارها الله أن يظهر أهل باطلها على أهل حقها، فما ظهر العمل به في القرون الثلاثة المفضلة فهو الحق، وما عداه فهو باطل.\nوها هنا أمر ينبغي التفطُّن له، وهو أن التدقيق في التوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعماله في التقوى والورع.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-461>[التنزه عن الصغيرة مع ارتكاب الكبيرة ليس من الورع]:</span>\nفأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة ثم يريد أن يتورّع عن شيء من دقائق الشبه فإنه لا يُحتَمل له ذلك، بل يُنكَر عليه؛ كما قال ابن عمر لمن سأله عن دم البعوض من\n_________\n(^١) ب: \"المحققون\".\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء: باب لا يتوضأ من الشك حتى يستيقن ١/ ٣٣٧، وباب من لم ير الوضوء إلا من المخرجين ١/ ٢٨٣ وفي البيوع ح ٢٠٥٦.\nوأخرجه مسلم في كتاب الحيض: باب الدليل على أن من تيقن الطهارة ثم شك في الحدث فله أن يصلي بطهارته تلك ١/ ٢٨٦.\nكلاهما من حديث عبد الله بن زيد وروي نحوه من حديث أبي هريرة كذلك. وتقدم ص ٢٠٧.\n(^٣) ليست في ب.","vol":"1","page":303},{"text":"أهل العراق: يسألوننى عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين وسمعت النبي - ﷺ - يقول: \"هما ريحانتاي من الدنيا\" (^١)؟!\n• وسأل رجلٌ بشْر بن الحارث عن رجل له زوجة وأُمه تأْمره بطلاقها؟ فقال: إن كان يَبَرُّ أَمَّهُ في كل شيء ولم يبق من برها إلا طلاق زوجته فليفعل، وإن كان يبرها بطلاق زوجته ثم يقوم بعد ذلك إلى أُمه فيضربها فلا يفعل.\n• وسئل الإمام أحمد ﵀ عن رجل يشتري بقلا، ويشترط الخوصة (^٢) يعني التي تربط بها جُرْزَةُ (^٣) البقل؟ فقال أحمد: إيش هذه المسائل؟ قيل له: إن إبراهيم بن أبي نعيم يفعل ذلك؟! (^٤) فقال أحمد: إن كان إبراهيم بن أبي نعيم فنعم. هذا يشبه ذاك.\nوإنما أنكر هذه المسائل ممن لا يشبه حاله، وأما أهل التدقيق في الورع فيشبه حالهم هذا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-462>[هؤلاء هم أهل الورع]:</span>\n• وقد كان الإمام أحمد نفسه يستعمل في نفسه هذا الورع؛ فإنه أمَر مَن يشتري له سمنًا فجاء به على ورقة؛ فأمر برد الورقة إلى البائع.\n• وكان الإمام أحمد لا يستمد من محابر أصحابه، وإنما يخرج معه محبرته (^٥) يستمد منها.\n• واستأذنه رجل أن يكتب من محبرته، فقال له: اكتب فهذا ورع مظلم.\n• واستأْذنه رجل آخر (^٦) في ذلك فتبسم وقال: لم يبلغ ورعي ولا ورعك هذا!\nوهذا قاله على وجه التواضع، وإلا فهو كان في نفسه يستعمل هذا الورع.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده ص ٢٦٠ - ٢٦٤، وأحمد في مسنده ٩/ ٢٠٢ بإسناد صحيح كما ذكر محققه الشيخ أحمد شاكر، والبخاري في صحيحه كتاب الفضائل: باب مناقب الحسن والحسين ﵄ ٧/ ٩٥ وفي كتاب الأدب: باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته ١٠/ ٤٢٦، والترمذي في كتاب المناقب: باب مناقب الحسن والحسين ﵉ ٥/ ٦٥٧ وقال هذا حديث صحيح وفي أ، ر، ظ، ب \"يسألوني\" بحذف النون على لغة.\n(^٢) سقطت من ب والخوصة واحدة الخوص، وهو سعف النخل.\n(^٣) م \"حزمة\" وهما بمعنى.\n(^٤) في ب: \"قيل له إنه إبراهيم بن أبي نعيم\" أ: إن إبراهيم بن أبي نعيم.\n(^٥) في ب: \"محبرة\".\n(^٦) ليست في \"ا\".","vol":"1","page":304},{"text":"وكان ينكره على من لم يصل إلى هذا المقام، بل يتسامح في المكروهات الظاهرة، ويُقْدِم على الشبهات من غير توقف.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-463>[الخير طمأنينة والشر ريبة]:</span>\n• وقوله - ﷺ - \"فإن الخيرَ طمأنينة وإن الشر ريبة\" يعني أن الخير تطمئن به القلوب عند الاشتباه، والشر ترتاب به، ولا تطمئن إليه.\n• وفي هذا إشارة إلى الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه، وسيأتي مزيد لهذا في (^١) الكلام على حديث \"النواس بن سمعان (^٢) \" إن شاء الله تعالى.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-464>[استفت قلبك]:</span>\n• وخرج ابن جرير بإسناده عن قتادة عن بشير (^٣) بن كعب أنه قرأ هذه الآية ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ (^٤) ثم قال لجاريته: إن دريت ما مناكبها فأنت حرة لوجه الله. قالت: مناكبها: جبالها، فكأنما سُفِع في وجهه، ورغب في جاريته، فسألهم: فمنهم من أمره، ومنهم من نهاه، فسأل أبا الدرداء، فقال: الخير طمأنينة والشر ريبة فذر ما يريبك إلى ما لا يريبك (^٥).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-465>[الصدق طمأنينة والكذب ريبة]:</span>\n• وقوله في الرواية الأخرى \"إن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة\" يشير إلى أنه لا ينبغي الاعتماد على قول كل قائل، كما في حديث وابصة\" وإن أفتاك الناس وأفتَوْك\" وإنما يعتمد على قول من يقول الصدق.\n_________\n(^١) سقطت من المطبوعة.\n(^٢) في الحديث السابع والعشرين.\n(^٣) في المطبوعة: \"بشر\" وهو خطأ. والخبر في تفسير الطبري ٥/ ٢٩.\n(^٤) سورة الملك: ١٥.\n(^٥) الخبر في تفسير ابن كثير ٤/ ٣٩٨ مختصرا وفيه أنه سأل أبا الدرداء فقال: هي الجبال. وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦/ ٢٤٨ عن ابن المنذر بمثل ما هنا دون قوله: فكأنما سفع في وجهه إلى وأنه سأل أبا الدرداء فقال: الخير طمأنينة … الحديث.","vol":"1","page":305},{"text":"وعلامة الصدق أنه تطمئن به القلوب، وعلامة الكذب أنه تحصل به الريبة، فلا تسكن القلوب إليه، بل تنفر منه.\nومن هنا كان العقلاء على (^١) عهد النبي - ﷺ - إذا سمعوا كلامه، وما يدعو إليه، عرفوا أنه صادق، وأنه جاء بالحق، وإذا سمعوا كلام مسيلمة، عرفوا أنه كاذب، وأنه جاء بالباطل.\nوقد روي أن عمرو بن العاص سمعد قبل إسلامه يدعي أُنه أنزل (^٢) عليه \"يا وَبْرُ يا وَبْرُ (^٣)!! لك أُذنان وصدر، وإنك لتعلم يا عمرو! \" فقال: \"والله! إني لأعلم أَنك تكذب؟! \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-466>[وبضدها تتميز الأشياء]:</span>\n• وقال بعض المتقدمين صوِّر ما شئت في قلبك، وتفكر فيه، ثم قِسْه إلى ضده؛ فإنك إذا ميزت بينهما عرفت الحق من الباطل، والصدق من الكذب، قال: كأنك تصور محمدًا - ﷺ - ثم تتفكر فيما أتى به من القرآن فتقرأ:\n﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (^٤) ثم تتصوّر ضد محمد - ﷺ - فتجده مسيلمة؛ فتتفكر فيما جاء به فتقرأ:\nأَلا يا ربة المخدع … قد هُيِّئ لك المضجع\nيعني قوله لسجاح حين تزوج بها.\n• قال: فترى هذا - يعني القرآن - رصينا عجيبًا يلوط بالقلب (^٥) ويحسن في السمع، وترى ذا - يعنى قول مسيلمة - باردًا غثًّا فاحشا، فتعلم أن محمدًا حقٌّ أتى بوحي، وأن مسيلمةَ كَذّابٌ أَتى بباطل.\n_________\n(^١) ب: \"في\".\n(^٢) ب: \"نزل\".\n(^٣) قال في النهاية (٥/ ١٤٥): الوبر: دُويْبةَ على قدر السِّنَّوْر (القط) غبراء أو بيضاء حسنة العينين شديدة الحياء، حجازية، والأنثى وبرة.\n(^٤) سورة البقرة: ١٦٤.\n(^٥) يلوط بالقلب: يتعلق به، ويحبب إليه.","vol":"1","page":306},{"text":"<span data-type='title' id=toc-467>الحديث الثاني عشر</span>\nعَنْ أبي هُرَيْرةَ رضِيَ الله تَعَالَى عنه عَن النبي - ﷺ - قال:\n\"مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المرءِ تَرْكُهُ ما لَا يَعْنيِهِ\". حَديث حَسَن رَوَاهُ الترمذي وغيره هكذا.\n\n<span data-type='title' id=toc-468>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث خرجه الترمذي (^١) وابن ماجه (^٢) من رواية الأوزاعي عن قرة بن عبد الرحمن، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵃.\nوقال الترمذي: غريب. وقد حسنه الشيخ المصنف، ﵀؛ لأن رجال إسناده ثقات.\nوقرة بن عبد الرحمن بن حيويل (^٣) وثقه قوم، وضعفه آخرون.\n• وقال ابن عبد البر: هذا الحديث محفوظ عن الزهري بهذا الإسناد من رواية الثقات.\nوهذا موافق لتحسين الشيخ له، ﵁ (^٤).\nوأما أكثر الأئمة فقالوا: ليس هو محفوظًا (^٥) بهذا الإسناد، إنما هو محفوظ عن الزهري، [عن علي بن حسين، عن النبي - ﷺ -، مرسلًا.\n• كذلك رواه الثقات عن الزهري] (^٦)، منهم مالك في الموطأ، ويونس، ومعمر،\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في كتاب الزهد: باب (١١) ٤/ ٥٥٨ وقال: هذا حديث غريب.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن: باب كف اللسان في الفتنة ٢/ ١٣١٦.\n(^٣) هو قرة بن عبد الرحمن بن حيويل ويقال ابن حيويل بن ناشرة الكتعي المعافري المصري، ويقال: إنه مدني الأصل.\nروى عن الزهري، وأبي الزبير، وربيعة، ويحيى بن سعد الأنصاري وغيرهم.\nروى عنه الأوزاعي، والليث، وابن لهيعة وغيرهم.\nقال الجوزجاني عن أحمد: إنه منكر الحديث جدًّا، وقال ابن معين: ضعيف الحديث، وقال أبو حاتم والنسائي: ليس بقوي، وقال ابن عدي: لم أر له حديثًا منكرًا جدًّا وأرجو أنه لا بأس به.\nروى له مسلم مقرونًا بغيره، وذكره ابن حبان في الثقات وتوفي سنة ١٤٧ وترجمته في ميزان الاعتدال ٣/ ٣٨٨، وتهذيب التهذيب ٨/ ٣٧٢ - ٣٧٤، وتهذيب الكمال ٢٣/ ٥٨١ - ٥٨٤ وفي المطبوعة: \"بن حيوة\" وهو تحريف وفي ب \"حتويل\" وهو تصحيف.\n(^٤) في ب: \"﵁ له\".\n(^٥) ب: \"محفوظ\" عامة النسخ: \"بمحفوظ\".\n(^٦) ما بين الرقمين ليس في ب. ورواية مالك للحديث في الموطأ ٢/ ٩٠٣ أول كتاب حسن الخلق ح ٣.","vol":"1","page":307},{"text":"وإبراهيم بن سعد، إلا أَنه قال: \"من إيمان المرء تركه ما لا يعنيه\".\n* * *\nوممن قال إنه لا يصح إلا عن علي بن حسين مرسلًا: الإمام أحمد، ويحيى بن معين، والبخاري، والدارقطني.\nوقد خلط الضعفاء في إسناده على الزهري تخليطًا فاحشًا.\nوالصحيح فيه المرسل.\nورواه عبد الله بن عمر العمري (^١) عن الزهري، عن علي بن حسين، عن أبيه عن النبي - ﷺ -[فوصله وجعله من مسند الحسين بن علي.\nوخرّجه الإمام أحمد في مسنده من هذا الوجه (^٢).\nوالعمري ليس بالحافظ.\nوخرّجه أيضًا من وجه آخر عن الحسين (^٣) عن النبي - ﷺ -] (^٤).\nوضعفه البخاري في تاريخه من هذا الوجه أيضًا وقال: لا يصح إلا عن علي بن حسين مرسلًا، وقد روي عن النبي - ﷺ - من وجوه أخر، وكلها ضعيفة (^٥).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-469>[الحديث أصل عظيم من أصول الأدب]:</span>\n• وهذا الحديث أصل عظيم من أصول الأدب، وقد حكى الإمام أبو عمرو بن الصلاح عن أبي محمد بن أبي زيد: إمام المالكية في زمانه أنه قال: \"جماع آداب الخير، وأزِمَّته تتفرع من أربعة أحاديث:\n_________\n(^١) في المطبوعة: \"والعمري\" وهو خطأ، فهو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي المدني أبو عبد الرحمن العمري مختلف في توثيقه والأكثرون على تضعيفه: توفي سنة ١٧٣ وقيل سنة ١٧١ وله ترجمة في ميزان الاعتدال ٢/ ٤٦٥ - ٤٦٦، وتهذيب التهذيب ٥/ ٣٢٦ - ٣٢٧.\n(^٢) في المسند ٣/ ١٧٧ (المعارف) وصحح محققه إسناده: تبعًا لصاحب الزوائد ٨/ ١٨.\n(^٣) في المسند ٣/ ١٧٤ (المعارف) رواية عن ابن نمير ويعلى عن حجاج بن دينار، عن شعيب بن خالد، عن حسين بن علي، وذكر محققه علة تضعيف الحديث أن شعيب بن خالد لم يدرك الحسين؛ فالحديث منقطع.\n(^٤) ما بين القوسين ليس في ب.\n(^٥) كرواية الطبراني له في المعجم الصغير (٨٦٧) من طريق زيد بن ثابت راجع مجمع الزوائد ٨/ ١٨. وتضعيف البخاري للرواية المذكورة في التاريخ الكبير ٢/ ٢/ ٢٢٠.","vol":"1","page":308},{"text":"[١] قول النبي - ﷺ -: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت\" (^١).\n[٢] وقوله - ﷺ -: \"من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه\".\n[٣] وقوله - ﷺ -: للذي اختصر له في الوصية: \"لا تغضب\" (^٢).\n[٤] وقوله - ﷺ -: \"المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-470>[مَنْ حَسُن إسلامُه تَرَكَ ما لا يعنيه بحكم الشرع]:</span>\nومعنى هذا الحديث: أن من حَسُن إسلامه ترك ما لا يعنيه من قول وفعل، واقتصر على ما يعنيه من الأقوال والأفعال.\nومعنى يعنيه: أنه تتعلق عنايته به، ويكون من مقصده ومطلوبه.\n• والعناية: شدة الاهتمام بالشيء يقال: عناه يعنيه إذا اهتم به، وطلبه.\nوليس المراد أنه يترك ما لا عناية له به (^٤)، ولا إرادة - بحكم الهوى وطلب النفس، بل بحكم الشرع والإسلام.\nولهذا جعله من حسن الإسلام؛ فإذا حَسُنَ إسلامُ المرء ترك ما لا يعنيه في الإسلام من الأقوال والأفعال؛ فإن الإسلام يقتضي فعل الواجبات كما سبق ذكره في شرح حديث جبريل ﵇، وإن الإسلام الكامل (^٥) الممدوح يدخل فيه ترك المحرمات، كما قال النبي - ﷺ -: \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الأدب: باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ١٠/ ٤٤٥. وباب حق الضيف ١٠/ ٥٣١، ٥٣٢ ح ٦٠١٨، ٦٠١٩، ٦١٣٥، ٦١٣٦، ٦١٣٨ وفي الرقاق: باب حفظ اللسان ١١/ ٣٠٨ ح ٦٤٧٥ ومسلم في كتاب اللقطة: باب الضيافة ونحوها ٣/ ١٧٥٢ - ١٧٥٣ من حديثي أبي هريرة، وأبي شريح الخزاعي.\n(^٢) أخرجه البخارى في كتاب الأدب: باب الحذر من الغضب ١٠/ ٥١٩ ح (٦١١٦) من حديث أبي هريرة: أن رجلا قال للنبي - ﷺ -: أوصني. قال: \"لا تغضب\"، فردد مرارًا قال: \"لا تغضب\".\nوروى نحوه من حديث ابن عمر، راجع فتح الباري في الموضع المذكور.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان: باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ١/ ٥٦ - ٥٧.\nومسلم في كتاب الإيمان: باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير ١/ ٦٧.\nكلاهما من حديث أنس بن مالك.\n(^٤) ليست في ب ولا في \"ا\".\n(^٥) ليست في ب.\n(^٦) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان: باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ١/ ٥٣ ومسلم في كتاب الإيمان: باب بيان تفاضل الإسلام وأي أموره أفضل ١/ ٦٥ من رواية عبد الله بن عمر وغيره.","vol":"1","page":309},{"text":"<span data-type='title' id=toc-471>[حتى المشتبهات والمكروهات وفضول المباحات]:</span>\nوإذا حسن الإسلام اقتضى ترك ما لا يعني كلِّه من المحرمات، والمشتبهات، والمكروهات، وفضول المباحات التي لا يحتاج إليها؛ فإن هذا كلَّه لا يعني المسلم إذا كَمُل إسلامه، وبلغ إلى درحة الإِحسان، وهو أن يعبد الله تعالى كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإن الله يراه.\n\n<span data-type='title' id=toc-472>[الحياء من وسائل ترك ما لا يعني]:</span>\nفمن عبَد الله على استحضار قربه ومشاهدته بقلبه، أو على استحضاره قربَ الله منه، واطلاعَه عليه. فقد حَسُن إسلامه، ولزم من ذلك أن يترك كل ما لا يعنيه في الإسلام، ويشتغل بما يعنيه فيه فإنه؛ يتولّد من هذين المقامين: الاستحياءُ من الله وتركُ كلِّ ما يُستحيا منه؛ كما وصى - ﷺ - رجلًا أن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل من صالحي عشيرته لا يفارقه (^١).\n• وفي المسند والترمذي عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: \"الاستحياءُ من الله تعالى: أن تحفظ الرأسَ وما وعى، وتحفظ البطن وما حوى، ولتذكر الموت والبلى، [ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا] (^٢) فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-473>[مما أثر في ذلك]:</span>\n• قال بعضهم: \"استحي من الله على قدر قربه منك، وخف الله على قدر قدرته عليك\".\nوقال بعض العارفين: \"إذا تكلمت فاذكر سمعَ الله لك، وإذا سكتَّ فاذكر نظرهُ إليك\".\nوقد وقعت الإشارة في القرآن العظيم إلى هذا المعنى في مواضع كقوله تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه ابن عدي في الكامل بإسناد ضعيف من حديث أبي أمامة. راجع فيض القدير على الجامع الصغير ٣/ ٤٨٧ وتقدم ص ٣٣٠.\n(^٢) ما بين الرقمين ليس في ب.\n(^٣) مسند أحمد ٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦ (المعارف) بإسناد ضعيف كما بين محققه. وجامع الترمذي في كتاب صفة القيامة ٤/ ٦٣٧ وعقب عليه بقوله: \"هذا حديث غريب\" إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد. وقد أورده المنذرى في الترغيب والترهيب ٣/ ٤٠٠ عن الترمذي ثم قال: أبان بن إسحاق فيه مقال، والصباح مختلف فيه وتكلم فيه لرفعه هذا الحديث، وقالوا: الصواب: عن ابن مسعود موقوف.","vol":"1","page":310},{"text":"﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (^١).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (^٢).\nوقال تعالى ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-474>[من حُسْن الإسلام: قلة الكلام فيما لا يعني]:</span>\n• وأكثر ما يراد بترك ما لا يعني: حفظ اللسان من لغو الكلام كما أشير إلى ذلك في الآيات الأول التي هي في سورة ق.\nوفي المسند من حديث الحسين (^٤) عن النبي - ﷺ - قال:\n\"إن مِنْ حُسن إسلام المرءِ قلةَ الكلام فيما لا يعنيه\".\n• وخرج الخرائطيُّ من حديث ابن مسعود ﵁ قال: \"أتى النبيَّ - ﷺ - رجلٌ فقال: يا رسول الله! إني مطاع في قومي، فما آمرهم؟ قال له: مرهم بإفشاء السلام، وقلة الكلام إلا فيما يعنيهم\" (^٥).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-475>[كيف يقضي المرء وقته؟]:</span>\n• وفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: كان في صحف إبراهيم ﵊: \"وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبًا على عقله أن يكون له ساعات: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يتفكر\n_________\n(^١) سورة ق: ١٦ - ١٨.\n(^٢) سورة يونس: ٦١.\n(^٣) سورة الزخرف: ٨٠.\n(^٤) في المطبوعة تبعًا للهندية الحسن وأشير بالهامش إلى أن نسخة أخرى: الحسين؛ وهذا هو الصواب؛ فالحديث عند أحمد في مسند الحسين بن علي بن أبي طالب ٣/ ١٧٤، ١٧٧ (المعارف) بإسناد ضعيف في الموضع الأول لانقطاعه. وبإسناد صحيح في الموضع الثاني على ما ذكر محققه. وفي ب وبعد الحديث: \"وخرجه الخرائطي\" وفيه خطأ واضح.\n(^٥) ب: \"لا يعنيهم\" وهو خطأ؛ والحديث عند الخرائطي في المكارم ٢/ ٤٣٦ بإسناد ضعيف جدًّا.","vol":"1","page":311},{"text":"فيها في صنع الله تعالى، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب\".\n\"وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنًا إلا لثلاث: تزوّدٍ لمعاد، أو مَرمَّةٍ لمعاش، أو لذةٍ في غير محرم\".\n\"وعلى العاقل أن يكون بصيرًا بزمانه، مقبلا على شانه، حافظًا للسانه، ومن حسب كلامه من عمله قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه (^١) \".\nوقال عمر بن العزيز ﵀: \"من عدَّ كلامَه من عمله قل كلامُه إلا فيما يعنيه\".\nوهو كما قال؛ فإن كثيرًا من الناس لا يعُدُّ كلامَهُ مِنْ عَمَلِهِ؛ فيجازفُ فيه ولَا يتحرى.\n\n<span data-type='title' id=toc-476>[المؤاخذة على الكلمة].</span>\nوقد خفي هذا على معاذ بن جبل ﵁، حتى سأل عنه النبيَّ - ﷺ - فقال: أنؤاخذ بما نتكلَّم به؟ فقال: ثَكِلتْكَ أمّك (^٢) يا معاذ! وهل يكبُّ الناسَ على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم (^٣)؟ \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-477>[نفي الخير عن كثير مما يتناجى به الناس].</span>\nوقد نفى الله الخير عن كثير مما يتناجى به الناس بينهم فقال:\n﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (^٤).\n_________\n(^١) أورده الغزالي في الإحياء ٤/ ٤٠٣ وذكر العراقي في تخريجه أن الحديث أخرجه أحمد وابن حبان والحاكم وصححه أ. هـ. وانظر الإحسان ١/ ٢٨٧ ح ٣٦٢ وهو فيه من طريق إبراهيم بن هشام أحد الكذابين الذين مشاهم ابن حبان فلم يصب، وانظر الضعفاء لابن الجوزي ١/ ٥٩ وانظر هامشه والترغيب ٣/ ١٨٨ - ١٩٠.\nومعنى قوله: \"ظاعنا\" ساعيًا أو مرتحلًا.\n(^٢) قال في النهاية ١/ ٢١٧: \"ثكلتك أمك\" أي فقدتك. والثكل: فقد الولد. وامرأة ثاكل وثكلى، كأنه دعا عليه بالموت لسوء فعله أو قوله، والموت يعم كل أحد. فإذن الدعاء عليه كلا دعاء، أو أراد إذا كنت هكذا فالموت خير لك لئلا تزداد سوءًا، ويجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب ولا يراد بها الدعاء كقولهم: تربت يداك.\n(^٣) أخرجه الترمذي في كتاب الإيمان: باب ما جاء في حرمة الصلاة ٥/ ١١ - ١٢ وقال حديث حسن صحيح.\nوابن ماجه في كتاب الفتن: باب كف اللسان في الفتنة ٢/ ١٣١٤ - ١٣١٥ كلاهما من حديث طويل. وأحمد في المسند ٥/ ٢٣١ (الحلبي).\nوهذا جزء من الحديث التاسع والعشرين من أحاديث الكتاب.\n(^٤) سورة النساء: ١١٤.","vol":"1","page":312},{"text":"• وخرّج الترمذي وابن ماجه من حديث أم حبيبة عن النبي - ﷺ - قال:\n\"كل كلامِ ابن آدمَ عليه لا لَهُ إلا الأَمْرَ بِالمعْروفِ، والنَّهيَ عن المنكَرِ، وذكْرَ الله ﷿\" (^١).\nوقد تعجب قوم من هذا الحديث عند سفيان الثوري فقال سفيان: وما تعجُّبكم (^٢) من هذا؟ أليس قد قال الله تعالى:\n﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (^٣).\nأليس قد قال تعالى:\n﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-478>[من آثار الكلام فيما لا يعني عدم دخول الجنة]:</span>\n• وخرّج الترمذي من حديث أنس ﵁ قال: توفي رجل من أصحابه يعني النبي - ﷺ - فقال، يعني رجل: أبشر بالجنة! فقال رسول الله - ﷺ -: \"أو لا تدري فلعله تكلم بما لا يعنيه، أو بخل بما لا يغنيه\" (^٥).\n_________\n(^١) الترمذي في كتاب الزهد ٤/ ٦٠٨ باختلاف يسير وقال هذا حديث حسن غريب وابن ماجه في كتاب الفتن: باب كف اللسان في الفتنة ٢ - ١٣١٥ بنص ما أورده ابن رجب وقال: لا نعرفه إلا من حديث محمد بن يزيد بن خنيس. وانظر تضعيف الشيخ الألباني له في الضعيفة ٣/ ٥٤٥ - ٥٤٧ ح ١٣٦٦.\n(^٢) في ا، و، م،: \"وما يعجبكم\" وفي ل، ظ بالتاء المفتوحة والجيم المشددة المضمومة وهما متقاربان.\n(^٣) سورة النساء: ١١٤.\n(^٤) سورة النبأ: ٣٨.\n(^٥) أخرجه الترمذي في كتاب الزهد ٤/ ٥٥٨ وقال هذا حديث غريب وعنده: \"فلعله تكلم فيما لا يعنيه. أو بخل بما لا ينقصه\" وقوله: \"أو بخل بما لا يغنيه\" ليست في ب. وفي أ: \"فقال رجل يعني أبشر بالجنة\" وما آثرناه هو الموافق لما عند الترمذي.\nقال المباركفوري في التحفة (٣/ ٢٦٠): قوله: (أو لا تدري) بفتح الواو على أنها عاطفة على محذوف أي تبشر ولا تدري أو تقول هذا ولا تدري ما تقول، أو على أنها للحال أي والحال أنك لا تدري.\nثم عقب على قول الترمذي هذا حديث غريب بقوله: \"قال في المرقاة: ورجاله رجال الصحيحين سليمان بن عبد الجبار البغدادي شيخ الترمذي وقد ذكره ابن حبان في الثقات.\nوقال المنذري في الترغيب والترهيب بعد ذكر هذا الحديث، ونقل كلام الترمذي هذا: ما لفظه: \"رواته ثقات\".\nولم يرتض المباركفوري هذا التعميم فقال:\nرجال الحديث ثقات كما قال المنذري، لكن الأعمش ليس له سماع من أنس واستشهد بقول ابن حجر في التهذيب في ترجمة الأعمش: روى عن أنس ولم يثبت له منه سماع.","vol":"1","page":313},{"text":"وقد روي معنى هذا الحديث من وجوه متعددة عن النبي - ﷺ - وفي بعضها أنه قتل شهيدًا (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-479>[وعدم المبالاة بمن يتكلم فيما لا يعنيه]:</span>\n• وخرَّج أبو القاسم البغوي في معجمه من حديث شهاب بن مالك وكان وفد على النبي - ﷺ - أنه سمع النبي - ﷺ - وقالت له امرأة: يا رسول الله! أَلا تسلم علينا؟ فقال: \"إنك من قبيل (^٢) يقلِّلن الكثير، ومنعها ما لا يغنيها، وسؤالها عما لا يعنيها\".\n_________\n(^١) في هذا يروي الطبراني في الأوسط بإسناد جيد من حديث كعب بن عجرة ﵁ قال: أتيت النبي - ﷺ - فرأيته متغيرًا فقلت: بأبي أنت ما لي أراك متغيرًا؟ قال: \"ما دخل جوفي ما يدخل ذات كبد منذ ثلاث\"، قال: فذهبت، فإذا يهودي يسقي إبلًا له، فسقيت له على كل دلو بتمرة، فجمعت تمرًا فأتيت به النبي - ﷺ - فقال: \"من أين لك يا كعب\"؟ فأخبرته فقال النبي - ﷺ -: \"أتحبني يا كعب\"؟ قلت: بأبي أنت وأمي نعم! قال: \"إن الفقر أسرع إلى من يحبني من السيل إلى معادنه وإنه سيصيبك بلاء فأعد له تجفافًا\"، قال: ففقده النبي - ﷺ - فقال: \"ما فعل كعب؟ \" قالوا: مريض .. فخرج يمشي حتى دخل عليه! فقال: \"أبشر يا كعب\"! فقالت أمه: هنيئًا لك الجنة يا كعب! فقال النبي - ﷺ -: \"من هذه المتألية على الله\"؟ قلت: هي أمي يا رسول الله! قال: \"ما يدريك يا أم كعب؟ لعل كعبًا قال ما لا ينفعه ومنع ما لا يغنيه\".\nراجع مجمع الزوائد للهيثمي ١٥/ ٣١٣ - ٣١٤ والصمت لابن أبي الدنيا ٧٤ وقد أورده فيه مختصرًا على شطر القصة الأخير وعنده: \"لعل كعبًا قال ما لا يعنيه أو منع ما لا يغنيه\".\nوقال العراقي في تعليقه على الإحياء: إسناده جيد إلا أن الظاهر انقطاعه بين الصحابي والراوي عنه - إحياء ٣/ ٩٧.\nوأخرج أبو يعلى في مسنده (١١/ ٥٢٤) من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قتل رجل على عهد رسول الله - ﷺ - شهيدًا قال: فبكت عليه باكية فقالت: واشهيداه! قال: فقال النبي - ﷺ -: \"مه ما يدريك أنه شهيد؟ ولعله كان يتكلم بما لا يعنيه، ويبخل بما لا ينقصه\".\nوإسناده ضعيف لضعف عصام بن طليق؛ فقد رواه أبو يعلى عن محمد بن بكار عن عصام بن طليق؛ عن شعيب بن العلاء عن أبي هريرة.\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٠٢ - ٣٠٣ وضعفه بعصام المذكور.\nوانظر هامش أبي يعلى وتعليق المحقق.\nوأخرج أبو يعلى في مسنده (٧/ ٨٤) من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: اسْتشهد غلام منا يوم أحد، فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع؟ فمسحت أمُّهُ التراب عن وجهه وقالت: هنيئًا لك يا بني الجنة! فقال النبي - ﷺ -: \"ما يدريك؟ لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويمنع ما لا يضره\".\nوقد رواه أبو يعلى عن عبد الرحمن بن صالح الأزدي، عن يحيى بن يعلى الأسلمي، عن الأعمش، عن أنس وقد ضعفه الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٠٣ بيحيى بن يعلى الأسلمي؛ قال: وهو ضعيف.\n(^٢) في س: \"قبيلة\" واسم المرأة المذكورة: أم كلثوم وقد أشار إليها وإلى خبرها ابن حجر في الإصابة ٢/ ١٥٨ ورواه عن ابن قانع أيضًا من طريق عمارة بن عقبة الحنفي، عن بقير بن عبد الله بن شهاب بن مالك، عن جده شهاب بن مالك فذكره. وانظر الكنز ٤٥٠٨٤.","vol":"1","page":314},{"text":"<span data-type='title' id=toc-480>[وتكثير الذنوب]:</span>\n• وخرَّج العقيلي من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: \"أكَثُر الناس ذنوبًا أكثرهم كلامًا فيما لا يعنيه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-481>[من ثمرات السكوت عما لا يعني: رفعة الشأن]:</span>\n• قال عمرو (^٢) بن قيس الملائي: مر رجل بلقمان والناس عنده فقال له: ألست عبد بني فلان؟ قال: بلى، قال: الذي كنت ترعى عند جبل كذا وكذا؟ قال: بلى قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث وطول السكوت عما لا يعنيني (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-482>[بعد المنزلة]:</span>\n• وقال وهب بن منبه: \"كان في بني إسرائيل رجلان بلغت بهما عبادتهما أن مشيا على الماء، فبينما هما يمشيان في البحر إذا هما (^٤) برجل يمشي على الهواء فقالا له: يا عبد الله! بأي شيء أدركت هذه المنزلة؟ قال: بيسير من الدنيا، فطمت نفسي عن الشهوات، وكففت لساني (^٥) عما لا يعنيني، ورغبت فيما دعاني إليه ربي ولزمت الصمت؛ فإن أقسمت على الله أبر قسمي، وإن سألته أعطأني (^٦) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-483>[والتهلل عند الموت]:</span>\n• ودخلوا (^٧) على بعض الصحابة في مرضه، ووجهه يتهلل، فسألوه عن سبب تَهَلّلِ وجهه فقال: \"ما من عمل أوثقَ عندي من خصلتين: كنت لا أتكلم فيما لا يعنيني، وكان قلبي سليمًا للمسلمين\".\n_________\n(^١) أورده السيوطي في الجامع الصغير عن ابن لال وابن النجار من حديث أبي هريرة وعن السجزي في الإبانة من حديث عبد الله بن أبي أوفى وعن أحمد في الزهد من حديث سلمان الفارسي، قال المناوي في التيسير ١/ ٢٠٠: رمز المؤلف لضعفه، وليس كما قال، بل حسن.\nوهو عند العقيلى في الضعفاء الكبير ٣/ ٤٢٤ من رواية عصام بن طليق عن شعيب عن أبي هريرة، وشعيب مجهول، وعصام مجهول منكر الحديث.\n(^٢) في ب: \"عمر\" وهو خطأ؛ فهو عمرو بن قيس الملائي أبو عبد الله الكوفي، كان محدثا ثقة، توفي سنة ١٤٦ وترجمته في التهذيب ٨/ ٩٢ - ٩٣.\n(^٣) رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت ص ٧٦ من طريق خلف بن هشام عن أبي شهاب، عن عمرو بن قيس.\n(^٤) م: و، س، ب: \"إذ\".\n(^٥) في س: \"نفسي\".\n(^٦) الخبر في الصمت ح ٧٥٣ بنحوه.\n(^٧) \"ا\": \"خلوا\" والخبر في الصمت ح ١١٣ بنحوه.","vol":"1","page":315},{"text":"• وقال مورِّق العجلي: أمرٌ أنا في طلبه منذ كذا وكذا سنة لم أقدر عليه، ولست بتاركٍ طلبه أبدًا، قالوا: وما وهو؟ قال: \"الكف عما لا يعنيني\".\nرواه ابن أبي الدنيا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-484>[ودخول الجنة]:</span>\n• وروى [أسد بن موسى قال] (^٢): حدثنا أبو معشر عن محمد بن كعب - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n\"أول من يدخل عليكم رجل من أهل الجنة\". فدخل عبد الله بن سلام فقام إليه ناس فأخبروه وقالوا: أخبرنا (^٣) بأوثق عملك في نفسك قال: إن عملى لضعيف [إن] (^٤) أوثق ما أرجو به: سلامةُ الصدر، وتركي (^٥) ما لا يعنيني (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-485>[رجل يعرضي الله عنه]:</span>\n• وروى أبو عبيدة عن الحسن قال: \"من علامة إعراض الله تعالى عن العبد أن يجعل شغله فيما لا يعنيه\".\n* * *\n• وقال سهل التُّسْتَري: \"مَنْ تكلم فيما لا يعنيه حُرِم الصدق\".\n* * *\n_________\n(^١) رواه ابن أبي الدنيا في الصمت ص ٧٦ عن محمد بن سعد، عن عفان، عن جعفر بن سليمان، عن المعلي بن زياد قال: قال مورق العجلي:\n\"أمر أنا أطلبه منذ عشر سنين، لم أقدر عليه، ولست بتارك طلبه\" قالوا ما هو يا أبا المعتمر؟ قال: \"الصمت عما لا يعنيني\".\nوهو عند أحمد في الزهد، وأبي نعيم في الحلية ٢/ ٢٣٥ في أخبار مورق العجلي وعنده: سألت الله حاجة كذا وكذا منذ عشرين سنة فما أعطيتها ولا أيست منها\" قال: فسأله بعض أهله: ما هي؟ قال: \"أن لا أقول ما لا يعنيني\".\n(^٢) ما بين القوسين سقط من ب.\n(^٣) عند ابن أبي الدنيا: \"فأخبرنا\".\n(^٤) ما بين القوسين هو الموافق لما عند ابن أبي الدنيا.\n(^٥) في الصمت: \"وترك\".\n(^٦) أورده العراقي في تخريج أحاديث الأحياء ٣/ ٩٧ عن ابن أبي الدنيا من حديث محمد بن كعب وقال: هكذا مرسلًا وفيه أبو [معشر]: نجيح اختلف فيه.\nوهو عند ابن أبي الدنيا في الصمت ح ١١١ بنحوه من طريق علي بن الجعد عن أبي معشر، عن محمد بن كعب. لكن الحديث ضعيف بإرساله عن محمد بن كعب.","vol":"1","page":316},{"text":"• وقال معروف: \"كلام العبد فيما لا يعنيه: خذلان من الله ﷿\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-486>[من حَسُن إسلامه فترك ما لا يعنيه زادت حسناته]:</span>\n• وهذا الحديث يدل على أن ترك ما لا يعني المرءَ: من حسن إسلامه، فإذا ترك ما لا يعنيه، وفعل ما يعنيه كُلَّه، فقد كمل حُسْن إسلامه.\nوقد جاءَت الأحاديث بفضل من حَسُن إسلامُهُ، وأَنه تُضاعف حسناته، وتكفَّر سيئاته.\nوالظاهر أن كثرة المضاعفة تكون بحسب حسن الإسلام.\nففي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"إذَا أَحْسَن أَحدُكُم إِسْلامَهُ فَكُلُّ حَسَنةٍ يَعْملُها تُكتَب بِعشْر أمْثالِها إلى سَبعمِائة ضِعْفٍ، وكلُّ سيئة تُكْتَب بمِثلها حَتَّى يَلْقى الله ﷿\" (^١).\nفالمضاعفة للحسنة بعشر أمثالها لابدَّ منه، والزيادة على ذلك تكون بحسب إحسان الإسلام، وإخلاصِ النية، والحاجةِ إلى ذلك العمل، وفضلِه، كالنفقة في الجهاد، وفي الحج، وفي الأقارب، وفي اليتامى، والمساكين، وأوقاتِ الحاجة إلى النفقة.\nويشهد لذلك ما روي عن عطية عن ابن عمر - ﵁ - قال: نزلت ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (^٢) في الأعراب قيل له: فما للمهاجرين؟ قال: ما هو أكثر ثم تلا قوله تعالى:\n﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٣).\n• وخرّج النسائي من حديث أبي سعيد عن النبي - ﷺ - قال:\n\"إذا أسْلم العبدُ فَحَسُنَ إسلامُهُ كتب الله له كُلَّ حسنة كان أزلفها (^٤) ومحيت عنه كلُّ سيئة كان أزلَفَها ثم كان بعد ذلك القصاصُ: الحسنةُ بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف والسيئة بمثلها إلا أن يتجاوز الله\".\n_________\n(^١) صحيح مسلم: كتاب الإيمان: باب إذا هم العبد بحسنة كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب ١/ ١١٨ وصحيح البخاري: كتاب الإيمان: باب حسن إسلام المرء ١/ ١٠٠.\n(^٢) سورة الأنعام: ١٦٠. والخبر عند ابن جرير في التفسير ١٢/ ٢٨٠ بإسناده الضعيف من جهة عطية العوفي.\n(^٣) سورة النساء: ٤٠.\n(^٤) أزلفها: أسلفها وقدمها.","vol":"1","page":317},{"text":"• وفي رواية أخرى: \"وقيل له ائْتَنِف العمل\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-487>[الإسلام يَجُبُّ ما قبله]:</span>\nوالمراد بالحسنات والسيئات التي كان أزلفها: ما سبق منه قبل الإسلام.\nوهذا يدل على أنه يثاب بحسناته في الكفر إذا أسلم، ويمحى عنه سيآته إذا أسلم، لكن بشرط أن يحسن إسلامه، ويتقي تلك السيات في حال إسلامه.\nوقد نص على ذلك الإمام أحمد ﵀.\n• ويدل على ذلك ما في الصحيحين (^٢). عن ابن مسعود ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله! أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ قال: \"أما مَن أحسَن منكم في الإسلام فلا يؤاخذ بها، ومن أساء أُخذ بعمله في الجاهلية والإسلام\".\n• وفي صحيح مسلم (^٣) عن عمرو بن العاص ﵁ قال للنبي - ﷺ - - لما أسلم -: أريد أن أشترط. قال: \"تشترط ماذا؟ \" قلت: أن يُغفر لي؟ قال: \"أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ \".\n• وخرجه الإمام أحمد، ولفظه:\n\"إن الإسلام يَجُبُّ ما كان قبله من الذُّنوب\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في كتاب الإيمان وشرائعه: باب حسن إسلام المرء ٨/ ١٠٥ - ١٠٦ وفي آخره: إلا أن يتجاوز الله ﷿ عنها.\nوأخرجه البخاري تعليقًا في كتاب الإيمان: باب حسن إسلام المرء ١/ ٩٨ من الفتح دون قوله \"كتب الله له كل حسنة\" وليس فيهما هذه الرواية الأخرى.\nوانظره في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢٤٧ وقد زاد نسبته إلى البزار والإسماعيلي والدارقطني والبيهقي في الشعب وفي م: \"استأنف\" وهي الموافقة لما أورده في الكنز ١/ ٧٥ عن سمويه من روايته.\n(^٢) البخاري في أول كتاب استتابة المرتدين ١٢/ ٢٦٥.\nومسلم في كتاب الإيمان: باب هل يؤاخذ بأعمال الجاهلية ١/ ١١١.\n(^٣) مسلم في كتاب الإيمان: باب: كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة ١/ ١١٢ من حديث طويل.\n(^٤) رواه أحمد في المسند (٤/ ٢٠٤، ٢٠٥) الحلبي من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن سويد بن قيس عن قيس بن شفي عن عمرو بن العاص قال: قلت: يا رسول الله أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن الإسلام يجب ما كان قبله، وإن الهجرة تجب ما كان قبلها؟ \" قال عمرو: فوالله إن كنت لأشد الناس حياء من رسول الله - ﷺ - فما ملأت عيني من رسول الله - ﷺ - ولا راجعته بما أريد، حتى لحق بالله ﷿ حياء منه.\nوأخرجه من وجه آخر في الموضع الثاني وليس فيه ابن لهيعة.\nوأخرجه أحمد ٤/ ١٩٨ - ١٩٩ بسياق آخر مطولا فيه قصة إسلام خالد وبإسناد رجاله ثقات كما في المجمع.","vol":"1","page":318},{"text":"وهذا محمول على الإسلام الكامل الحسن؛ جمعًا بينه وبين حديث ابن مسعود الذي قبله.\n• وفي صحيح مسلم (^١) أيضًا عن حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله! أرأيتَ أمورًا كنتُ أصنعها في الجاهلية، من صدقة، أو عتاقة، أو صلة رحم، أفيها أجرٌ؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"أَسلمتَ على ما أسلفتَ من خير\".\nوفي رواية له قال: فقلت: والله لا أدع شيئًا صنعتُه في الجاهلية إلا صنعتُ في الإسلام مثله.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-488>[حسنات الكافر إذا أسلم يثاب عليها]:</span>\nوهذا يدل على أن حسنات الكافر - إذا أسلم - يثاب عليها؛ كما دل عليه حديث أبي سعيد المتقدم (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-489>[وسيئاته تبدل حسنات].</span>\nوقد قيل: إن سيآته في الشرك تبدل حسنات، ويثاب عليها؛ أخذًا من قوله تعالى:\n﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-490>[كيف تبدل السيئات حسنات].</span>\nوقد اختلف المفسرون في هذا التبديل على قولين، فمنهم من قال: هو في الدنيا بمعنى: أن الله يبدل من أسلم، وتاب إليه بدل ما كان عليه من الكفر والمعَاصي: الإيمان والأعمالَ الصالحة، وحَكى هذا القولَ إبراهيمُ الحربي في غريب الحديث، عن أكثر المفسرين، وسمى منهم ابن عباس، وعطاء، وقتادة، والسُّدِّي، وعكرمة.\nقلت: وهو المشهور عن الحسن ﵁.\n_________\n(^١) في كتاب الإيمان: باب حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده ١/ ١١٣ - ١١٤.\n(^٢) ص ٣١٧.\n(^٣) سورة الفرقان: ٦٨ - ٧٠.","vol":"1","page":319},{"text":"قال: وقال الحسن، وأبو مالك وغيرهما: هي في أهل الشرك خاصة، ليس هي في أهل الإسلام.\nقلت: إنما يصح هذا القول على أن يكون التبديل في الآخرة كما سيأتي.\nوأما إن قيل: إنه في الدنيا فالكافر إذا أسلم، والمسلم إذا تاب في ذلك [سواء بل المسلم إذا تاب] (^١) فهو أحسن حالا من الكافر إذا أسلم.\nوقال: وقال آخرون: والتبديل في الآخرة، جعلت لهم مكان كل سيئة حسنة، منهم: عمرو بن ميمون، ومكحول، وابن المسَيِّب، وعلي بن الحسين قال: وأنكره أبو العالية، ومجاهد، وخالد سَبَلان وفيه موضع إنكار، ثم ذكر ما حاصله: أنه يلزم من ذلك أن يكون من كَثُرت سيئاته أحسن حالًا ممن قلَّت سيئاته؛ حيث يعطى مكان كل سيئة حسنة، ثم قال: ولو قال قائل: إنما ذكر الله أن تبدل السيئات حسنات، ولم يذكر العدد كيف تبدل؟ فيجوز أن معنى تبدَّل: أن من عمل سيئة واحدة وتاب منها تُبَدَّلُ مائة ألف حسنة، ومن عمل ألف سيئة أن تبدل ألف حسنة فيكون حينئذ من قلت سيئاته أحسن حالًا.\nقلت: هذا القول - وهو التبديل في الآخرة - قد أنكره أبو العالية وتلا قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (^٢).\nورد بعضهم بقوله تعالى:\n﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (^٣).\nوقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-491>[كيف تبدل سيئات التائب؟].</span>\n• ولكن قد أجيب عن هذا بأن التائب يُوقفُ عَلَى سيئاته ثم تُبَدَّل حسنات.\nقال أبو عثمان النهْدي: \"إن المؤمن يؤتى كتابَه في سِتر من الله ﷿، فيقرأ سيئاته، فإذا قرأ تغير لها لونه حتى يمر بحسناته، فيقرؤها، فيرجع إليه لونه، ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت حسنات، فعند ذلك يقول: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) ما بين الرقمين ليس في المطبوعة ولا في الهندية.\n(^٢) سورة آل عمران: ٣٠.\n(^٣) سورة الزلزلة: ٨.\n(^٤) سورة الكهف: ٤٩.\n(^٥) سورة الحاقة: ١٩. والخبر - برواياته - أورده ابن كثير في التفسير ٤/ ٤١٥.","vol":"1","page":320},{"text":"ورواه بعضهم عن أبي عثمان، عن ابن مسعود، وقال بعضهم: عن أبي عثمان، عن سلمان.\n• وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر عن النبي - ﷺ - قال: \"إني لأعلم آخر أهل الجنة دخولًا الجنة، وآخر أهل النار خروجًا منها: رجل يؤتى به يوم القيامة فيقال: اعرضوا عليه صغار ذنوبه، وارفعوا عنه كبارها؛ فَتُعْرَض عليه صغار ذنوبه فيقال له: عملتَ يوم كذا وكذا: كذا وكذا، وعملت يوم كذا وكذا: كذا وكذا؟ فيقول: نعم. لا يستطيع أن ينكر، وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تُعْرض عليه فيقالُ له: \"فإن لك مكان كل سيئة حسنة\" فيقول: رَبِّ! قد عملتُ أَشياءَ لا أراها ههنا؟ فلقد رأيتُ رَسُول الله - ﷺ - ضحك حتى بدت نَواجِذهُ (^١).\n* * *\nفإذا بدلت السيئات بالحسنات في حق من عوقب على ذنوبه بالنار ففي حقِّ مَنْ محيت سيئاته بالإسلام والتوبة النَّصوح أولى؛ لأن محوها بذلك أَحَبُّ إلى الله من محوها بالعقاب.\n• وخرج الحاكم من طريق الفضل بن موسى عن أبي العنبس (^٢) عن أبيه عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليتمنَّينَّ أقوام أنهم أكثروا من السيئات\" قالوا: بم؟ يا رسول الله! قال: \"الذين بدَّل الله سيئاتهم حسنات (^٣) \".\n• وخرجه ابن أبي حاتم، من طريق سليمان أبي داود الزهري (^٤)، عن أبي العنبس، عن أبيه، عن أبي هريرة موقوفًا وهو أشبه من المرفوع.\n_________\n(^١) قال في النهاية: ٥/ ٢٠: النواجذ من الأسنان: الضواحك، وهي التي تبدو عند الضحك، والأكثر الأشهر أنها أقصى الأسنان، والمراد الأول، لأنه - ﷺ - ما كان يبلغ به الضحك حتى تبدو أواخر أضراسه.\nوالحديث في صحيح مسلم كتاب الإيمان: باب أدنى أهل الجنة منزلةً فيها ١/ ١٧٧ ح ٣١٤ - (١٩٠).\nوفي ب: \"فإنك لك مكان كل سيئة\" فيقول يا رب … قال: \"فلقد .. \" وفي مسلم: فيقال: عملت.\n(^٢) في المطبوعة تبعًا للهندية: \"عن أبي العبس\" وهو خطأ؛ فأبو العنبس هذا هو سعيد بن كثير بن عبيد التيمي ضبطه في التقريب بفتح المهملة والموحدة بينهما نون ساكنة وذكر في التهذيب ٤/ ٧٣ - ٧٤ عن ابن حبان والدارقطني وابن معين أنه ثقة وانظر التاريخ الكبير ٢/ ١/ ٥٠٩.\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٢٥٢ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي وفيه: \"ليتمنين أقوام لو أكثروا .... \".\n(^٤) في ظ، ر، ل، ب: سليمان بن داود الزهري وهو خطأ؛ فهو سليمان بن موسى أبو داود الزهري الكوفي سكن دمشق روى بن موسى بن عبيدة ومظاهر بن أسلم، روى عنه الطاطري وهشام بن غماز، ذكر ابن أبي حاتم عن أبيه أنه صالح الحديث، محله الصدق، وانظر الجرح والتعديل ٢/ ١/ ١٤٢ والخبر في تفسير ابن كثير ٣/ ٣٢٧ بنحوه.","vol":"1","page":321},{"text":"ويروي مثل هذا عن الحسن البصْري أيضًا، وهو يخالف قوله المشهور: أن التبديل في الدنيا.\nوأما ما ذكره الحربي في التبديل، وأن من قلت سيئاته يزاد في حسناته، ومن كثرت سيئاتُه يُقَلل من حسناته، فحديث أبي ذر صريح في ردِّ هذا وأنه يُعطَى مكان كل سيئة حسنةً.\n\n<span data-type='title' id=toc-492>[التبديل في حق من؟].</span>\nوأما قوله: يلزم من ذلك أن يكون من كثرت سيئاتُه أحسن حالًا ممن قلَّت سيئاته - فيقال: إنما التبديل في حق من ندم على سيئاته، وجعلها نصب عينيه، فكلما ذكرها ازداد خوفًا ورجلًا وحياءً من الله، ومسارعةً إلى الأعمال الصالحة المكفِّرة كما قال تعالى:\n﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ (^١).\n* * *\nوما ذكرناه كلَّه داخل في العمل الصالح، ومن كانت هذه حالَه فإنه يتجرع من مرارة الندم والأسف على ذنوبه أضعافَ ما ذاق من حلاوتها عند فعلها، ويصير كل ذنب من ذنوبه سببًا لأعمال صالحة ماحية له؛ فلا يستنكر بعد هذا تبديل هذه الذنوب حسنات.\nوقد وردت أحاديث صريحة في أن الكافر إذا أسلم، وحسن إسلامه: تبدلت سيئاته في الشرك حسنات.\n• فخرج الطبراني من حديث عبد الرحمن بن جُبَير بن نُفَير عن أبي فروة: شَطْب أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: أرَأيْتَ رجلا عمل الذنوب كُلَّهَا، ولم يترك حاجة ولا داجة (^٢) فهل له من توبة؟ فقال: \"أسلمت؟ \" قال: نعم قال: \"فافعل الخيرات واترك السيئات فيجعلها الله لك خيرات كلها\" قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: \"نعم\" قال: فما زال يكبر حتى توارى (^٣).\n_________\n(^١) سورة الفرقان الآية: ٧٠.\n(^٢) قال في النهاية ١/ ٤٥٦ - ٤٥٧: المراد ما تركت شيئًا دعتني نفسي إليه من المعاصي إلا وقد ركبته.\nوالحاجة ما صغر من الحوائج. والداجة: ما كبر.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الكبير ٧/ ٣١٤ عن أحمد بن يزيد الحويطي، عن أبي المغيرة عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي طويل: شطب الممدود أنه أتى رسول الله - ﷺ - فقال: أرأيت رجلًا عمل الذنوب كلها، فلم يترك منها شيئًا وهو في ذلك لم يترك حاجة ولا داجة إلا أتاها، فهل له من توبة؟ قال: \"فهل أسلمت؟ \" قال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنك رسول الله: قال: \"نعم تفعل الخيرات، وتترك السيئات، فيجعلهن الله لك خيرات كلهن\" قال: وغدراتي وفجراتي؟ قال: \"نعم\" =","vol":"1","page":322},{"text":"• وخرجه من وجه آخر بإسناد ضعيف، عن سلمة بن نفيل (^١) عن النبي - ﷺ -.\n• وخرج ابن أبي حاتم نحوه من حديث مكحول مرسلا (^٢).\n• وخرج البراز الحديث الأول، وعنده عن أبي طويل: [شطب الممدود] (^٣) أنه أتي النبي - ﷺ - فذكره بمعناه.\n• وكذا خرجه أبو القاسم البغوي في معجمه (^٤)، وذكر أن الصواب عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير مرسلا أن رجلا أتى النبي - ﷺ - طويلا شطبا (^٥).\nوالشطب في اللغة الممدود (^٦)، فصحفه بعض الرواة وظنه اسم رجل.\n_________\n= قال: الله أكبر فما زال يكبر حتى تواري.\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ١/ ٣١، ٣٢ - و١٠/ ٢٠٢ وقال: رواه الطبراني والبزار بنحوه ورجال البزار رجال الصحيح غير محمد بن هارون أبي نشيط، وهو ثقة.\nوقد أخرجه ابن كثير في التفسير ٣/ ٣٢٨ عن الطبراني من حديث أبي المغيرة، عن صفوان بن عمر عن عبد الرحمن بن جبير، عن أبي فروة أنه أتى رسول الله - ﷺ - فقال: أرأيت رجلًا عمل الذنوب كلها … الحديث فهل أبو طويل هو أبو فروة؟.\n(^١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٣١ عن الطبراني في الكبير وقال: في إسناده ياسين الزيات يروي الموضوعات وهو عند الطبراني في الكبير ٧/ ٥٣ - ٥٤ عن عبد الله بن سعد بن يحيى الرقي عن يزيد بن محمد بن يزيد بن سنان، عن ياسين الزيات، عن أبي سلمة الحمصي، عن يحيى بن جابر، عن سلمة بن نفيل مرفوعًا بنحو حديث أبي طويل وقد أشار إليه ابن كثير في الموضع السابق.\nوأورده السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٨٠ لكن عن سلمة بن كهيل.\n(^٢) أورده ابن كثير في الموضع المذكور عن ابن أبي حاتم عن أبيه، عن محمد بن الوزير الدمشقي، عن الوليد بن مسلم، عن أبي جابر، أنه سمع مكحولًا يحدث قال: جاء شيخ كبير هرم قد سقط حاجباه على عينيه فقال: يا رسول الله! رجل غدر وفجر ولم يدع حاجة ولا داجة إلا اقتطفها بيمينه، لو قسمت خطيئته بين أهل الأرض لأوبقتهم فهل له من توبة؟ فقال النبي - ﷺ - \"أأسلمت؟ \" فقال: أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله. فقال النبي - ﷺ -: \"فإن الله غافر لك غدراتك وفجراتك، ومبدل سيئاتك حسنات ما كنت كذلك\" فقال: يا رسول الله! وغدراتي وفجراتي؟ فقال: \"وغدراتك وفجراتك\". فولي الرجل يكبر ويهلل. وأورده السيوطي في الدر المنثور في الموضع السابق.\n(^٣) ما بين القوسين سقط من المطبوعة.\n(^٤) أورده السيوطي في الدر المنثور في الموضع المذكور عن البغوي وابن قانع والطبراني من حديث أبي طويل: شطب الممدود. وهو عند الطبراني في الكبير ٧/ ٣١٤ وأورده الهيثمي في المجمع ١/ ٣٢ عن الطبراني والبزار وذكر أن رجال البزار رجال الصحيح غير محمد بن هرون وهو ثقة وذكر ابن حجر في الإصابة ٣/ ٣٤٩ - ٣٥٠ بعد إيراده أنه على شرط الصحيح.\n(^٥) عامة النسخ: طويل شطب والتصويب عن البغوي كما أورد نصه ابن حجر في الموضع السابق. فقال فيه عن شطب: أبي طويل.\n(^٦) تتمة النص كما عند ابن حجر: والشطب في اللغة الممدود، يعني فظنه الراوي اسما.","vol":"1","page":323},{"text":"<span data-type='title' id=toc-493>الحديث الثالث عشر</span>\nعن أبي حَمْزَةَ: أَنَس بْنِ مالِك - ﵁ - خادِمِ رَسُولِ الله - ﷺ - قال:\n\"لا يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتى يُحبَّ لأَخِيه ما يُحبُّ لنَفْسِهِ\". رَوَاهُ البُخاريُّ ومُسْلمٌ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-494>[تخريج الحديث]:</span>\n• هذا (^١) الحديث خرجاه في الصحيحين (^٢)، من حديث قتادة، عن أنس ولفظ مسلم: \"حتى يحب لجاره أو لأخِيهِ\" بالشك.\n• وخرجه الإمام أحمد ﵀ ولفظه: \"لا يبْلُغ عَبْدٌ حقيقةَ الإِيمانِ حتى يُحبَّ للناس ما يُحبُّ لنفسه مِنَ الخَيْر\" (^٣).\n_________\n(^١) ليست في المطبوعة. وفي ب: \"فهذا\".\n(^٢) البخاري في كتاب الإيمان: باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ١/ ٥٦ - ٥٧ ومسلم في كتاب الإيمان: باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير ١/ ٦٧.\n(^٣) حديث أنس عن أحمد في المسند ٣/ ١٧٦ من طريق شعبة وحجاج عن قتادة عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه أو لجاره ما يحب لنفسه\" ولم يشك حجاج.\nوأخرجه في ٣/ ٢٠٦ من طريق روح، عن حسين المعلم، عن قتادة عن أنس بن مالك أن نبي الله - ﷺ - قال: \"والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير\" وفي ٣/ ٢٥١ من طريق عفان، عن همام عن قتادة عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يؤمن عبد حتى يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير\".\nوفي ٣/ ٢٧٢ بمثل الموضع الأول إلا أنه فسر قوله \"ولم يشك حجاج\" فأضاف عقبها: \"حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\" وفي ٣/ ٢٧٨ بمثل الموضع الأول ودون شك وهو من طريق شعبة فقط.\nوفي ٣/ ٢٨٩ يمثل الموضع الثاني دون القسم.\nولم نجد في المسند ما أشار إليه ابن رجب، لكنها باللفظ الذي أورده ابن رجب عند ابن حبان (١/ ٢٢٩) من الإحسان فقد أخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق حسين المعلم، عن قتادة عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يحب للناس ما يحب لنفسه من الخير\".\nوهو نص الرواية التي أوردها ابن رجب.\nوقد أشار ابن حجر إلى إخراج ابن حبان لها ولم يشر إلى غيره في فتح الباري ١/ ٥٧.\nفلعل ذكر إخراج أحمد له سبق قلم أو خطأ ناسخ أو إشارة إلى مصدر آخر غير المسند.\nعلى أن ابن حبان لا يتركنا دون أن يومض إلى ما يشير إليه قوله - ﷺ -: \"لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان\"!\nإن حقيقة الإيمان هي الصورة المثلى في الإيمان، وهي هدف أسمى يسعى إليه المؤمنون ومن عندهم أصل الإيمان وهو التصديق بالله ربًا، وبالإسلام دينًا وبمحمد - ﷺ - نبيًّا ورسولًا؛ ومن هنا يترجم ابن حبان لهذا =","vol":"1","page":325},{"text":"• وهذه الرواية تبين معنى الرواية المخرجة في الصحيحين، وأن المراد بنفي الإيمان: نفي بلوغ حقيقته ونهايته؛ فإن الإيمان كثيرًا ما ينفي لانتقاء بعض أركانه وواجباته كقوله - ﷺ -:\n\"لا يَزني الزاني حين يَزني وهو مُؤمِنٌ، وَلا يَسرق السارقُ حين يسرق وهو مُؤمِنٌ، ولا يشْرب الخَمرَ حين يشربها وَهُو مؤمن\" (^١).\nوقوله:\n\"لا يُؤمِن مَنْ لا يأمَنْ جارُه بَوائِقَهُ\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-495>[رأي العلماء في مرتكب الكبيرة]:</span>\nوقد اختلف العلماءُ في مرتكب الكبائر: هل يسمى مؤمنًا ناقص الإيمان أم لا يسمى مؤمنًا وإنما يقال: هو مسلم وليس بمؤمن؟ على قولين، وهما: روايتان عن الإمام أحمد.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-496>[رأي العلماء في مرتكب الصغائر]:</span>\nفأما من ارتكب الصغائر فلا يزول عنه اسم الإيمان بالكلية، بل هو مؤمن ناقص\n_________\n= الحديث بهذا العنوان:\n\"ذكر البيان بأن نفي الإيمان عمن لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه إنما هو نفي حقيقة الإيمان لا الإيمان نفسه، مع البيان بأن ما يحب لأخيه أراد به الخير دون الشر\".\nوهو كذلك ما يريد ابن رجب من إيراد الحديث ومن التعقيب عليه؛ كما يستفاد من ذكر ابن حجر لهذه الرواية كمفسر للرواية الأساسية.\nقال ابن حجر: والمراد بالنفي كمال الإيمان ونفي اسم الشيء - على معنى نفي الكمال عنه - مستفيض في كلامهم، كقولهم: فلان ليس بإنسان. ثم قال:\nوقد صرح ابن حبان من رواية ابن أبي عدي عن حسين المعلم بالمراد ولفظه: \"لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان\" ومعنى الحقيقة هنا: الكمال؛ ضرورة أن من لم يتصف بهذه الصفة لا يكون كافرًا\".\n(^١) رواه مسلم في كتاب الإيمان: باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس بالمعصية، على إرادة نفي كماله ١/ ٧٦ من حديث أبي هريرة وهو في البخاري في المظالم: ٥/ ١١٩ - ١٢٠ وأطرافه في: ٥٥٧٨، ٦٧٧٢، ٦٨١٠.\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك في كتاب البر والصلة: باب ليس بمؤمن من لا يأمن جاره غوائله ٤/ ٦٥ من حديث أبي هريرة بلفظ: \"والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن\". قالوا وما ذاك يا رسول الله؟ قال: \"جار لا يأمن جاره بوائقه\" قالوا: فما بوائقه يا رسول الله؟ قال: \"شره\".\nوقد صححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره الذهبي.","vol":"1","page":326},{"text":"الإيمان، ينقص من إيمانه بحسب ما ارتكب من ذلك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-497>[أقوال السلف في مرتكب الكبيرة]:</span>\nوالقول بأن مرتكب الكبائر يقال له: مؤمن ناقص الإيمان: مرويّ عن جابر بن عبد الله، وهو قول ابن المبارك، وإسحاق، وأبي عبيد وغيرهم.\nوالقول بأنه مسلم ليس بمؤمن: مروي عن أبي جعفر: محمد بن علي، وذكر بعضهم أنه اختار عند أهل السنة.\n• وقال ابن عباس، - ﵄ -: الزاني ينزع منه (^١) نور الإيمان.\n• وقال أبو هريرة: ينزع منه الإيمان، فيكون فوقه كالظُّلَّة فإذا تاب عاد إليه (^٢).\n* * *\n• وقال عبد الله بن رواحة وأبو الدرداء: الإيمان كالقميص: يلبسه الإنسان تارة ويخلعه أُخرى، وكذا قال الإمام أحمد ﵀ وغيره.\n* * *\nوالمعنى أنه إذا أكمل خصال الإيمان لبسه، فإذا نقص منها شيئًا نزعه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-498>[من صفات المؤمن الكامل أن يحب للناس ما يحب لنفسه]:</span>\nوكل هذا إشارة إلى الإيمان الكامل التام الذي لا ينقص من واجباته شيء.\nوالمقصود أن من جملة خصال الإيمان الواجبة أَن يحب المرء لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، فإذا زال ذلك عنه؛ فقد نقص إيمانه بذلك.\n_________\n(^١) في م، هـ: \"عنه، وما أثبتناه عن \"ا\" موافق لما في سنن سعيد بن منصور ٣/ ١/ ١٢٣ والخبر فيها عن مجاهد: أن ابن عباس دعا سميعًا، وكريبًا، وعكرمة، فقال لهم: إنكم قد بلغتم ما يبلغ الرجال من شأن النساء، فمن أحب منكم أن أزوجه زوجته، لم يزن رجل قط إلا نزع منه نور الإسلام، يرده الله إن شاء أن يرده، أو يمنعه إياه إن شاء أن يمنعه.\nورأي ابن عباس هذا رواه البخاري في أول كتاب الحدود ١٢/ ٥٨ تعليقا وتمثل به في كتاب المظالم عقب إيراده الرواية السابقة ٥/ ١٢٠ وأورده الآجري في الشريعة ص ١١٤ - ١١٥ بسياقه تاما من وجوه عديدة.\n(^٢) في م، هـ: \"فإن\" والخبر في الشريعة ص ١١٥ بنحوه.","vol":"1","page":327},{"text":"• وقد روي أن النبي - ﷺ - قال لأبي هريرة: \"أَحِبَّ للناس ما تحب لنفسك تكن مسلمًا\" (^١).\nخرجه الترمذي وابن ماجه (^٢).\n• وخرج الإمام أحمد من حديث معاذ أنه سأل النبي - ﷺ - عن أفضل الإيمان، قال: \"أفضل الإيمان أن تُحبَّ لله، وتُبغضَ لله، وتُعْمِلَ لسانَك في ذكر الله\" قال: وماذا يا رسول الله؟ قال: \"أن تحبَّ للناس ما تحبُّ لنفسك، وتكرهَ لهم ما تكرهُ لِنفْسِكَ، وأن تقول خيرًا أو تصمت\" (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-499>[من ثمرات هذه القيمة: دخول الجنة]:</span>\nوقد رتب النبي - ﷺ - دخول الجنة على هذه الخصلة.\n• ففي مسند الإمام أحمد ﵀ عن يزيد بن أسد القشري قال: قال لي رسول الله - ﷺ - \"أتحب الجنة؟ \" [قال] قلت: نعم. قال: \"فأَحِبَّ لأخيك ما تحبُّ لِنَفْسِكَ\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-500>[والبعد عن النار]:</span>\n• وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي - ﷺ - قال: \"مَن أحبَّ أن يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ، وَيُدْخَلَ الجنَّة؛ فلتُدْرِكُه مَنِيَّتُّهُ وهو يؤمن بالله والَيْومِ الآخر، ويأتِي إلى النَّاس الذي يُحِب أنْ يُؤتَى إليْه\" (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) في م. هـ: \"مؤمنًا\" كما عند ابن ماجه وما أثبتناه، عن ب، س، ل، ظ، ر موافق لما في الترمذي.\n(^٢) أخرجه الترمذي في كتاب الزهد: باب من اتقى المحارم فهو أعبد الناس ٤/ ٥٥١، وعقب عليه بقوله: هذا حديث غريب.\nوأخرجه ابن ماجه في كتاب الزهد: باب الورع والتقوى ٢/ ١٤١٠ وعقب عليه صاحب الزوائد بقوله: هذا إسناد حسن.\nوانظر مصباح الزجاجة ٢/ ٣٤١ - ٣٤٢ ح ١٥٠٤.\n(^٣) مضى الحديث ص ١٢٦.\n(^٤) في مسند أحمد ٤/ ٧٠ الحلبي وهو في التاريخ الكبير للبخاري ٤/ ٢/ ٣١٣ والمستدرك للحاكم ٤/ ١٦٨ وصححه وأقره الذهبي. وفي ب: \"يزيد بن أسد القشيري\" وهو تحريف.\n(^٥) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة، باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول ٣/ ٣/ ١٤٧ من حديث طويل.\nوهو عند أحمد في المسند ١١/ ٥٩ (معارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه.","vol":"1","page":328},{"text":"<span data-type='title' id=toc-501>[النصح للمسلمين]:</span>\nوفيه أيضًا عن أبي ذر - ﵁ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -:\n\"يَا أبا ذَرَّ! إنِّي أرَاكَ ضعيفًا؛ وإنِّي أُحب لَكَ مَا أُحِب لِنَفْسي؛ لا تأَمَّرَنَّ على اثنَين، ولا تَوَلَّيَنَّ مال يتيم\" (^١).\nوإنما نهاه عن ذلك لما رأى من ضعفه؛ وهو - ﷺ - يحب هذا لكل ضعيف، وإنما كان يتولى أُمور الناس؛ لأَن الله قَوَّاه على ذلك، وأمرهُ بدعاءِ الخلق كلهم إلى طاعته، وأن يتولى سياسة دينهم ودنياهم.\n* * *\nوقد رُوي عن علي - ﵁ - قال: قال لي النبي - ﷺ -:\n\"إنّي أَرْضَى لَكَ مَا أرْضَى لِنَفْسِي، وَأكْرَهُ لَكَ مَا أكْرهُ لنَفْسِي، لا تقرأ القُرآنَ وأنتَ جُنُبُ، ولا وأنتَ راكعٌ وَلا وأنت سَاجِد\" (^٢).\n• وكان محمد بن واسع يبيع حمارًا له فقال له رجل: أترضاه لي؟ قال: لو رضيته لم أبعه.\nوهذه إشارة منه إلى أنه لا يرضى لأخيه إلا ما يرضاه لنفسه، وهذا كله من جملة النصيحة لعامة المسلمين التي هي من جملة الدين كما سبق تفسير ذلك في موضعه (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة: باب كراهة الإمارة بغير ضرورة ٣/ ١٤٥٧ - ١٤٥٨ ح ١٧. (١٨٢٦).\n(^٢) أخرج الطيالسي في مسنده ص ١٧ عن علي - ﵁ - قال: \"نهاني رسول الله - ﷺ - أن أقرأ القرآن وأنا راكع، وأن ألبس المعصفر، وأن أتختم بالذهب\" وأورد الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٧٦ عن علي بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري قالا: قال رسول الله - ﷺ - \"لا تقرأ القرآن وأنت جنب\" ثم قال: رواه البزار وفي إسناده أبو مالك النخعي، وقد أجمعوا على ضعفه، ولعلي عند أبي يعلى قال: توضأ رسول الله - ﷺ - ثم قرأ شيئًا من القرآن، قال: \"هكذا لمن ليس بجنب. فأما الجنب فلا، ولا آية، ورجاله موثقون\" وانظر سنن الدارقطني والتعليق المغني ١/ ١١٨ - ١١٩.\nوذكر النووي في شرحه على مسلم ٤/ ٦٨ اختلاف العلماء في جواز قراءة القرآن للجنب والحائض فقال: فالجمهور على تحريم القراءة عليهما جميعًا ولا فرق عندنا بين آية وبعض آية فإن الجميع يحرم. ولو قال الجنب: بسم الله، والحمد لله، ونحو ذلك إن قصد به القرآن حرم عليه، وإن قصد به الذكر أو لم يقصد شيئًا لم يحرم، ويجوز للجنب والحائض أن يجريا القرآن على قلوبهما، وأن ينظرا في المصحف وفي عامة النسخ سوي نسخة \"بريدة\": \"ولا ساجد\".\n(^٣) في حديث النصيحة وهو الحديث السابع من أحاديث الكتاب.","vol":"1","page":329},{"text":"وقد (^١) ذكرنا فيما تقدم (^٢) حديث النعمان بن بشير - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"مَثَلُ المؤمنِينَ في تَوادِّهم وتَعَاطفهِمْ وتراحُمهم مَثَلُ الجسد إذا اشتكى منه عُضْوٌ تَدَاعى له سائر الجسد بالحمَّى والسَّهر\".\nخرجاه في الصحيحين.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-502>[المؤمن مع المؤمن فيما يسوءه وفيما يسره]:</span>\nوهذا يدل على أن المؤمن يسوءه ما يسوءُ أخاه المؤمن، ويَحْزُنه ما يحزنه.\nوحديث أنس الذي نتكلم الآن فيه يدل على أن المؤمن يسره ما يسر أخاه المؤمن، ويريد لأخيه المؤمن ما يريد لنفسه من الخير.\n\n<span data-type='title' id=toc-503>[مبعث ذلك]:</span>\nوهذا كله إنما يأتي من كمال سلامة الصدر من الغش والغل والحسد؛ فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحد في خير، أو يساويه فيه، لأنه يحب أن يمتاز على الناس بفضائله، وينفرد بها عنهم.\nوالإيمان يقتضي خلاف ذلك، وهو أن يشركه المؤمنون كلهم فيما أعطاه الله من الخير من غير أن ينقص عليه منه شيء.\nوقد مدح الله تعالى في كتابه من لا يريد العلو في الأرض ولا الفساد فقال: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-504>[أثر كراهية تفوق الغير بالخير].</span>\nوروى ابن جرير (^٤) بإسناد فيه نظر عن علي - ﵁ - قال:\n_________\n(^١) ليست في ب.\n(^٢) في ص ١٢٤ في شرح الحديث الثاني وهو في صحيح البخاري كتاب الأدب: باب رحمة الناس والبهائم ١٠/ ٣٦٧ وفي صحيح مسلم كتاب البر والصلة: باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم ٤/ ١٩٩٩.\nكلاهما من حديث النعمان بن بشير.\n(^٣) سورة القصص: ٨٣.\n(^٤) في التفسير ٢٠/ ٧٩ وأورده ابن كثير في التفسير ٣/ ٤٠٢ عن ابن جرير ولم يضعف الحديث وإنما عقب عليه بقوله: وهذا محمول على ما إذا أراد بذلك الفخر والتطاول على غيره فإن ذلك مذموم، ثم أيد هذا بشاهد من الصحيح فقال كما ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إنه أوحي إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد\".","vol":"1","page":330},{"text":"إن الرجل ليعجبه من شراك نعله أن يكون أجود من شراك نعل (^١) صاحبه، فيدخل في قوله تعالى:\n﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٢).\nوكذا روي عن الفضيل بن عياض في هذه الآية قال: \"لا يحب أن يكون نعله أجود من نعل غيره، ولا شراكه أجود من شراك غيره\".\n\n<span data-type='title' id=toc-505>[حب التفوق على الغير بين الفخر والتجمل].</span>\n• وقد قيل (^٣): إن هذا محمول على أنه أراد الفخر على غيره لا بمجرد التجمل.\n• قال عكرمة وغيره من المفسرين في هذه الآية: العلوّ في الأرض: التكبر وطلب الشرف والمنزلة عند ذي سلطانها، والفساد: العمل بالمعاصي.\n• وقد ورد ما يدل على أنه لا يأثم من كره أن يفوقه أحَدٌ من الناس في الجمال (^٤).\n• فخرج الإمام أحمد، ﵀، والحاكم في صحيحه من حديث ابن مسعود، ﵁، قال: \"أتيت النبي - ﷺ - وعنده مالك بن مُرارَة الرَّهاوي فأدركته وهو يقول: يا رسول الله! قد قُسم لي من الجمال ما ترى فما أحب أحدًا من الناس فَضلني بشراكين فما فوقهما، أليس ذلك هو من البغي؟ فقال: \"لا! ليس ذلك بالبغي، ولكن البغي من بَطِر أو قال سَفِه الحقَّ (^٥) وغَمَص (^٦) الناس\" (^٧).\n• وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - معناه، وفي\n_________\n(^١) ليست في ب.\n(^٢) سورة القصص: ٨٣.\n(^٣) القائل هو ابن كثير كما تبين.\n(^٤) في س: \"لا يأثم من أحب أن لا يفوقه الناس في الجمال\" وفي م، هـ \"أن يفوقه من الناس أحد\".\n(^٥) قال في النهاية ٢/ ٣٧٦: سفه الحق: أي جهله، وقيل جهل نفسه ولم يفكر فيها، وفي الكلام محذوف تقديره: إنما البغي فعل من سفه الحق، والسفه في الأصل: الخفة والطيش، وسفه فلان رأيه إذا كان مضطربًا لا استقامة به، والسفيه: الجاهل.\n(^٦) عند أحمد: \"وغمط\" وعند الحاكم: \"غمص\" وكلاهما مروي وصحيح. قال في النهاية: ٣/ ٣٨٧: الغمط: الاستهانة والاستحقار، وهو مثل الغمص.\n(^٧) الحديث أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٣٤ و٦/ ٦١ (المعارف) بإسناد منقطع كما ذكر محققه. وأخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب اللباس: باب إن الله جميل يحب الجمال ٤/ ١٨١ - ١٨٢ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.","vol":"1","page":331},{"text":"حديثه: \"الكبر\" بدل \"البغي\" فنفى أن تكون كراهته (^١) لأن يفوقه أحد في الجمال بغيًا أو كبرا، وفسر البغي والكبر ببطر الحق، وهو التكبر عليه، والامتناع من قبوله كبرا إذا خالف هواه (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-506>[المؤمن متواضع يقبل الحق ولا يأباه].</span>\n• ومن هنا قال بعض السلف: \"التواضع: أن تقبل الحق من كل مَن جاءَ به وإن كان صغيرًا\".\nفمن قبل الحق ممن جاء به سواء أكان صغيرًا أو كبيرًا، وسواء أكان يحبه أو لا يُحبه، فهو متواضع.\nومن أبى قبول الحق تعاظمًا عليه فهو متكبر.\nوغَمْصُ الناس: هو احتقارهم وازدراؤهم، وذلك يحصل من النظر إلى النفس بعين الكمال، وإلى غيره بعين النقص.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-507>[حب الناس يدفع إلى إصلاح عيوبهم].</span>\nوفي الجملة فينبغي للمؤمن أن يحب للمؤمنين ما يحب لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه، فإن رأى في أخيه المسلم نقصًا في دينه اجتهد في إصلاحه.\nقال بعض الصالحين من السلف:\nأهل المحبة لله نظروا بنور الله، وعطفوا على أهل معاصي الله: مقتوا أعمالهم، وعطفوا عليهم ليزيلوهم بالمواعظ عن فعالهم، وأشفقوا على أبدانهم من النار.\n* * *\n_________\n(^١) في س: \"أن يكون محبته الانفراد بالجمال\". وفي ب: \"بدل البغي ببطر الحق\".\n(^٢) أخرجه أبو داود في كتاب اللباس: باب ما جاء في الكبر ٤/ ٣٥٢ من حديث أبي هريرة أن رجلًا أتى النبي - ﷺ -، وكان رجلًا جميلًا، فقال: يا رسول الله! إني رجل حبب إليَّ الجمال، وأعطيت منه ما ترى، حتى ما أحب أن يفوقني أحد، إما قال: بشراك نعلي، وإما قال: بشسع نعلي، أفمن الكبر ذلك؟ قال: \"لا، ولكنَّ الكِبْرَ مَنْ بَطِرَ الحق وغَمَطَ الناس\".","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type='title' id=toc-508>[حب الناس يدفع إلى الغبطة لا الحسد].</span>\nولا يكون المؤمن مؤمنًا حقًّا حتى يرضى للناس ما يرضاه لنفسه.\nوإن رأى في غيره فضيلة فاق بها عليه فتمنى لنفسه مثلها، فإن كانت تلك الفضيلة دينية كان حسنًا.\n• وقد تمنى النبي - ﷺ - لنفسه منزلة الشهادة.\nوقال: \"لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه آناء الليل، وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقرؤه آناه الليل، وآناء النهار\" (^١).\n• وقال (^٢) في الذي رأى من ينفق ماله في طاعة الله فقال: لو أن لي مالا لفعلت فيه كما فعل [هذا] فهما في الأجر سواءٌ.\nوإن كانت دنيوية فلا خير في تمنيها كما قال تعالى:\n﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (^٣).\n* * *\nوأما قوله ﷿: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (^٤) فقد فُسر ذلك بالحسد، وهو تمني الرجل نفس ما أعطي أخوه من أهل ومال، وأن ينتقل ذلك إليه، وفُسر بتمني ما هو ممتنع شرعًا أو قدَرًا كتمني النساء أن يكن رجالا، أو يكون لهن مثل ما للرجال من الفضائل الدينية كالجهاد، والدنيوية كالميراث والعاقل والشهادة ونحو ذلك.\nوقيل: إن الآية تشمل ذلك كله.\nومع هذا كله فينبغي للمؤمن أن يحزن لفوات الفضائل الدينية؛ ولهذا أُمِر أن ينظر في الدين إلى مَن هو فوقه، وأن ينافس في طلب ذلك جهده وطاقته كما قال تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه ١/ ٥٥٨، ٥٥٩ من حديث ابن عمر بتقديم وتأخير. والبخاري في فضائل القرآن ح ٥٠٢٥.\n(^٢) في هـ، م: \"فيمن\". وفي ب: \"كما فعل فهما\". والحديث في البخاري رقم ٥٠٢٦.\n(^٣) سورة القصص: ٧٩ - ٨٠.\n(^٤) سورة النساء: ٣٢.","vol":"1","page":333},{"text":"﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (^١).\nولا يكره أن أحدًا يشاركه في ذلك، بل يجب للناس كلهم المنافسة فيه (^٢)، ويحثهم على ذلك، وهو من تمام أداء النصيحة للإخوان.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-509>[حب المؤمن أن يكون غيره مثله وأحسن منه].</span>\n• قال الفضيل: إن كنت تحب أن يكون الناس مثلك فما أديت النصيحة لربك، كيف وأنت تحب أن يكونوا دونك؟! يشير إلى أن النصيحة لهم: أن يحب أن يكونوا فوقه، وهذه منزلة عالية، ودرجة رفيعة في النصح، وليس ذلك بواجب.\n• وإنما المأمور به في الشرع أن يحب أن يكونوا مثله، ومع هذا فإذا فاقه أحد في فضيلة دينية اجتهد على لحاقه، وحزن على تقصير نفسه، وتخلفه عن لحاق السابقين، لا حسدًا لهم على ما آتاهم الله بل منافسة لهم وغبطة وحزنًا على النفس بتقصيرها وتخلفها عن درجات السابقين.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-510>[المؤمن يحاسب نفسه].</span>\n• وينبغي للمؤمن أن لا يزال يرى نفسه مقصرًا عن الدرجات العالية فيستفيد بذلك أمرين نفيسين: الاجتهاد في طلب الفضائل، والازدياد منها. والنظر إلى نفسه بعين النقص.\n• وينشأ من هذا أن يجب للمؤمنين أن يكونوا خيرًا منه؛ لأنه لا يرضى لهم أن يكونوا على مثل حاله، كما أنه لا يرضى لنفسه بما هي عليه بل هو يجتهد في إصلاحها.\n* * *\n• وقد قال محمد بن واسع لابنه: أما أبوك فلا كثر الله في المسلمين مثله (^٣).\n• فمن كان لا يرضى عن نفسه فكيف يحب للمسلمين أن يكونوا مثله، مع نصحه لهما؟ بل هو يحب للمسلمين أن يكونوا خيرًا منه، ويحب لنفسه أن يكون خيرًا مما هو\n_________\n(^١) سورة المطففين: ٢٦.\n(^٢) ليست في ب.\n(^٣) رواه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٣٥٠ من طريق عبد الله بن عيسى الطفاوي، عن محمد بن عبد الله الرداد قال: نظر محمد بن واسع إلى ابن له يخطر بيده فقال له: تعال ويحك! أتدري ابن من أنت؟ أمك اشتريتها بمائتي درهم، وأبوك لا كثر الله في المسلمين ضربه - أو نحوه أو مثله.","vol":"1","page":334},{"text":"عليه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-511>[ويتحدث بنعمة الله عليه].</span>\n• وإن علم المرءُ أن الله قد خصه على غيره بفضل فأخبر به لمصلحة دينية، وكان إخباره على وجه التحدث بالنعم، ويرى نفسه مقصرًا في الشكر كان جائزًا؛ فقد قال ابن مسعود: \"ما أعلم أحدًا أعلم بكتاب الله مني\".\nولا يمنع هذا أن يحب للناس أن يشاركوه فيما خصه الله به، فقد قال ابن عباس ﵄: إني لأمُرُّ على الآية من كتاب الله فأود أن الناس كلهم يعلمون منها ما أعلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-512>[ولا يتفاخر بما حباه الله به].</span>\n• وقال الشافعي: \"وددتُ أن الناس تعلّموا هذا العلم ولم يُنْسَبْ إليّ منه شيء (^١) \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-513>[ويسعى في خير غيره].</span>\n• وكان عتبة الغلام إذا أراد أن يفطر يقول لبعض إخوانه المطلعين على أعماله: \"أخْرِجْ إليّ ماءً أو تمرات أفطر عليها ليكون لك مثلُ أجْرِي (^٢) \".\n* * *\n_________\n(^١) رواه أبو نعيم في الحلية ٩/ ١١٨ عن الربيع من وجهين قال في أولهما: سمعت الشافعي يقول؛ فذكره بنحوه، وقال في الثاني: دخلت على الشافعي وهو عليل، فسأل عن أصحابنا وقال: يا بني! لوددت أن الخلق كلهم تعلموا - يريد كتبه أو علمه - ولا ينسب إليّ منه شيء.\n(^٢) في م. هـ \"ليكون لك أجر مثل أجري\" والخبر رواه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٣٥ من طريق عبد الله بن عيسى الطفاوي، عن أبي عبد الله الشحام قال: كان عتبة يبيت عندي قال: فكان يبيت في بيت وحده، قال عبد الله فقلت له: ما كانت عبادته؟ قال كان يستقبل القبلة فلا يزال في فكر وبكاء حتى يصبح، قال: وربما جاءني وهو مُمْسٍ فقول: أخرج إليّ شربة من ماء أو تمرات أفطر عليها فيكون لك مثل أجري.","vol":"1","page":335},{"text":"<span data-type='title' id=toc-514>الحديث الرابع عشر</span>\nعَن عبد الله بن مَسْعُود رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُ قالَ: قالَ رسُولُ الله - ﷺ -:\n\"لا يَحِل دَم امْرِئ مُسْلم إلا بِإِحْدى ثَلاث: الثَّيِّبُ الزَّانِى، والنَّفْسُ بالنَّفْسِ، والتَّاركُ لِديِنه الْمُفارِقُ للِجَمَاعَةِ\". رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-515>[تخريج الحديث].</span>\n• هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن ابن مسعود (^١).\nوفي رواية لمسلم: \"التارك للإسلام\" بدل قوله: التارك لدينه (^٢).\nوفي هذا المعنى أحاديث متعددة.\n• فخرج مسلم من حديث عائشة ﵂، عن النبي - ﷺ - مثل حديث ابن مسعود (^٣).\nوخرج الترمذي، والنسائي، وابن ماجه من حديث عثمان عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يحِلُّ دَم امرِئ مُسلم إلا بإحدى ثَلاث: رَجُلٌ كَفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفْسًا بغير نفْس\" (^٤).\n• وفي رواية للنسائي:\nرجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عمدًا فعليه القوَدُ، أو ارتد بعد إسلامه\n_________\n(^١) مسلم في كتاب القسامة: باب ما يباح به دم المسلم ٣/ ١٣٠٢.\nوالبخاري في كتاب الديات: باب قول الله تعالى: أن النفس بالنفس ١٢/ ٢٠١ من الفتح وعنده: لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة\".\n(^٢) في الباب نفسه ٣/ ١٣٠٣ من رواية أخرى عن ابن مسعود.\n(^٣) أشار إليه مسلم عقب رواية ابن مسعود.\n(^٤) الترمذي في كتاب الديات: باب ما جاء لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ٤/ ١٩ إشارة.\nوالنسائي في كتاب تحريم الدم: باب ذكر ما يحل به دم المسلم ٧/ ٩١ - ٩٢.\nوابن ماجه في كتاب الحدود: باب لا يحل دم امرئ مسلم إلا في ثلاث ٢/ ٨٤٧.","vol":"1","page":337},{"text":"فعليه القتلُ (^١).\nوقد روى هذا المعنى عن النبي - ﷺ - من رواية ابن عباس، وأبي هريرة، وأنس بن مالك، وغيرهم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-516>[عقوبة الإعدام بخصال ثلاث].</span>\nوقد ذكرنا حديث أنس فيما تقدم (^٢) وفيه أن هذه الثلاث خصال هي حق الإسلام التي يستباح بها دم من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.\nوالقتل بكل واحدة من هذه الخصال الثلاث متفق عليه بين المسلمين.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-517>[زنا الثيب].</span>\nأما زنا الثيب فأجمع المسلمون على أن حده الرجم حتى يموت، وقد رجم النبي - ﷺ - ماعزا والغامدية (^٣) وكان في القرآن الذي نسخ لفظه: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-518>[ابن عباس يثبت الرجم بالقرآن].</span>\nوقد استنبط ابن عباس الرجم من القرآن من قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (^٤).\nقال: فمن كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن من حيث لا يحتسب، ثم تلا هذه الآية، وقال: كان الرجم مما أَخفَوْا.\nخرجه النسائي والحاكم وقال: صحيح الإسناد (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في كتاب تحريم الدم: باب الحكم في المرتد ٧/ ١٠٣ والقود: القصاص.\n(^٢) ص ٢٤٨.\n(^٣) راجع قصة ماعز والغامدية في المستدرك ٤/ ٣٦١ - ٣٦٤، ومسلم ٣/ ١٣١٨ - ١٣٢٤.\n(^٤) سورة المائدة: ١٥.\n(^٥) أخرجه الحاكم في المستدرك. كتاب الحدود: باب من كفر بالرجم فقد كفر بالقرآن ٤/ ٣٥٩ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي. وأخرجه النسائي في الكبرى ٦/ ٣٣٣ ح ١١١٣٩.","vol":"1","page":338},{"text":"<span data-type='title' id=toc-519>[والزهري أيضًا].</span>\nويستنبط أيضا من قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (^١) وقال الزهري: بلغنا أنها نزلت في اليهوديين اللذين رجمهما النبي - ﷺ - وقال: إني أحكم بما في التوراة وأمر بهما فرجما (^٢).\n* * *\n• وخرج مسلم في صحيحه من حديث البراء بن عازب قصة رجم اليهوديين (^٣)، وقال في حديثه: فأنزل الله ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ (^٤) وأنزل ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (^٥) في الكفار كلها.\n• وخرجه الإمام أحمد وعنده: فأنزل الله: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ يقولون: ائتوا محمد فإن أفتاكم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن أفتاكم بالرجم فاحذروا إلى قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال: في اليهود (^٦).\n_________\n(^١) سورة المائدة: ٤٤ - ٤٩ وانظر أسباب نزول القرآن للواحدي ١٩٠.\n(^٢) راجع في هذا ما أخرجه أبو داود في كتاب الحدود: باب رجم اليهوديين ٢/ ٤٦٥ وابن كثير في التفسير ٢/ ٥٨ - ٥٩ الطبري في التفسير ١٠/ ٣٣٨ - ٣٤٠ ح ١٢٠٠٨.\n(^٣) قصة رجم اليهوديين لم يخرجها مسلم في صحيحه من حديث البراء بن عازب وإنما خرجها من حديث عبد الله بن عمر: أن رسول الله - ﷺ - أتى بيهوديين قد زنيا فانطلق رسول الله - ﷺ - حتى جاء يهود. فقال: \"ما تجدون في التوراة على من زنى؟ قالوا: نسود وجوههما ونحممُهما ونخالف بين وجوههما. ويطاف بهما. وقال: فائتوا بالتوراة إن كنتم صادقين، فجاءوا بها فقرأوها. حتى إذا مروا بآية الرجم وضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم، وقرأ ما بين يديها وما وراءها، فقال له عبد الله بن سلام وهو مع رسول الله - ﷺ -: مره فليرفع يده. فرفعها، فإذا تحتها آية الرجم فأمر بهما رسول الله - ﷺ - فرجما ح ٢٦ - (١٦٩٩).\nأما ما في مسلم من حديث البراء فرجم يهودي واحد. وهذا سياق مسلم عن البراء بن عازب قال: مُرَّ على النبي - ﷺ - بيهودي محمَّمًا (مسود الوجه) مجلودًا فدعاهم - ﷺ - فقال: \"هكذا تجدون حد الزاني في كتابكم؟ \"، قالوا نعم .. الحديث وفيه: فأمر به فرجم، فأنزل الله ﷿ ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ وأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ …﴾ والآيتين التاليتين. ورواية أحمد التالية هي من حديث البراء بسياقة مسلم.\nوبهذا يكون قد التبس على ابن رجب حديث ابن عمر بحديث البراء بن عازب - ﵄ - راجع صحيح مسلم. كتاب الحدود: باب رجم اليهود أهل الذمة في الزنا ٣/ ١٣٢٦ - ١٣٢٧ ح ١٧٠٠.\n(^٤) سورة المائدة: ٤١.\n(^٥) سورة المائدة: ٤٤.\n(^٦) سورة المائدة: ٤٢.\nوالحديث في مسند أحمد ٤/ ٢٨٦ (الحلبي) وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":339},{"text":"• ورُوي من حديث جابر قصة رجم اليهوديين، وفي حديثه قال: فأنزل الله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ (^١).\nوكان الله تعالى قد أمر أولًا بحبس النساء الزواني إلى أن يتوفاهن الموت، أو يجعل الله لهن سبيلًا. ثم جعل الله لهن السبيل، ففي صحيح مسلم (^٢) عن عبادة عن النبي - ﷺ - قال:\n\"خُذُوا عَنِّي، خذوا عنِّي: قَدْ جَعَل الله سَبِيلا: الْبِكْر بالْبِكْر جَلْدُ مائة وتغريبُ عام، والثيب بالثيب: جلد مائة والرجم\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-520>[بعض العلماء يشدد في حد الزنا].</span>\nوقد أخذ بظاهر هذا الحديث جماعة من العلماء وأوجبوا جلد الثيب مائة، ثم رجمه، كما فعل علي بشُراحة الهَمْدانية (^٣) وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله - ﷺ -. ويشير إلى أن كتاب الله فيه جلد الزانيين من غير تفصيل بين ثيب وبكر، وجاءت السنة برجم الثيب خاصة مع استنباطه من القرآن أيضًا (^٤).\n* * *\nوهذا القول هو المشهور عن الإمام أحمد، ﵀، وإسحاق، وهو قول الحسن، وطائفة من السلف.\n• وقالت طائفة منهم: إن كان الثيبان شيخين جلدا ورجما، وإن كانا شابين رجما بغير جلد؛ لأن ذنب الشيخ أقبح، لا سيما بالزنا، وهذا قول أبيِّ بن كعب.\nوروي عنه مرفوعًا، ولا يصح رفعه، وهو رواية عن أحمد وإسحاق أيضًا.\nوأما \"النفس بالنفس\" فمعناه: أن المكلف إذا قتل نفسًا بغير حق عمدا فإنه يقتل بها، وقد دل القرآن على ذلك بقوله تعالى:\n_________\n(^١) أورده ابن كثير في التفسير ٢/ ٥٩ عن الحميدى ولم يعقب عليه. والآية: ٤٢ من سورة المائدة.\n(^٢) في كتاب الحدود: باب حد الزنا ١٣١٦/ ٣ - ١٣١٧ (١٦٩٠) وفيه: وتغريب سنة.\n(^٣) أخرج قصتها الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٦٤ - ٣٦٥ من طريقين صححهما على شرط الشيخين. وأقره الذهبي في الثاني، وسكت عن الأول وانظرها في صحيح البخاري ح ٦٨١٢.\n(^٤) ليست في ب.","vol":"1","page":340},{"text":"﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-521>[لا قصاص بين والد وولده].</span>\nويستثنى من عموم قوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ صور منها:\nأن يقتل الوالد ولده. الجمهور على أنه لا يقتل به؛ وصح ذلك عن عمر ﵁، وروي عن النبي - ﷺ - من وجوه متعددة (^٣) وقد تُكُلِّم في أسانيدها.\n\n<span data-type='title' id=toc-522>[شروط ذلك].</span>\nوقال مالك: إن تعمد قتله تعمدًا لا يشك فيه مثل أن يذبحه فإنه يقتل به وإن حذفه بسيف أو عصا لم يقتل.\nوقال الْبَتِّي (^٤) يقتل بقتله بجميع وجوه العمد للعمومات.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-523>[ولا بين حر وعبد والآراء في ذلك].</span>\nومنها: أن يقتل الحر عبدًا. فالأكثرون على أنه لا يقتل به وقد وردت في ذلك أحاديث في أسانيدها مقال.\nوقيل: يقتل بعبد غيره دون عبده وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.\n_________\n(^١) سورة المائدة: ٤٥.\n(^٢) سورة البقرة: ١٧٨.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه في كتاب الديات: باب لا يقتل الوالد بولده ٢/ ٨٨٨ من حديث ابن عباس مرفوعًا \"لا يقتل بالولد الوالد\" ومن حديث عمر مرفوعًا أيضًا \"لا يقتل الوالد بالولد\".\nولم يعقب صاحب الزوائد على أي من الحديثين.\nوأخرج الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٦٧ نحوه من حديث عمر عن النبي - ﷺ - بسياق آخر. وصححه على شرط الشيخين وأقره الزهبي.\nوأخرج الترمذي في كتاب الديات: باب ما جاء في الرجل يقتل ابنه ٤/ ١٨ من حديث عمرو بن العاص وعمر، وابن عباس نحو ما ذكرنا عن الحاكم وابن ماجه، وفي بعضها اضطراب.\n(^٤) نسبة إلى البَتِّ موضع يظن أنه بنواحي البصرة، والبتي - هنا - عثمان بن مسلم بن هرمز، من أهل البصرة رأى أنس بن مالك ﵁ وروى عن الحسن البصري، وصالح بن أبي مريم وغيرهما، روى عنه شعبة والثوري وجماعة راجع الأنساب ٢/ ٨٢ واللباب ١/ ١٢٠.","vol":"1","page":341},{"text":"وقيل: يقتل بعبده وعبد غيره، وهى رواية عن الثوري، وقول طائفة من أهل الحديث. لحديث سمرة عن النبي - ﷺ - \"من قَتل عبدَه قَتلناه، ومَنْ جَدَعه جَدَعْناه\" (^١).\nوقد طعن فيه الإمام أحمد (^٢) وغيره.\nوقد أجمعوا على أنه لا قصاص بين العبيد والأحرار في الأطراف وهذا يدل على أن هذا الحديث مطَّرحٌ لا يعمل به، وهذا مما يستدل به على أن المراد بقوله تعالى: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾: الأحرار، لأنه ذكر بعد القصاص في الأطراف، وهو يختص بالأحرار.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-524>[ولا بين مسلم وكافر والآراء في ذلك]:</span>\nومنها: أن يقتل المسلم كافرًا فإن كان حربيًّا لم يُقْتَل به بغير خلاف؛ لأن قتل الحربي مباح بلا ريب، وإن كان ذميًّا أو معاهدًا فالجمهور على أنه لا يقتل به أيضا.\n• وفي صحيح البخاري عن علي، عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يُقتلُ مُسْلِمٌ بِكَافِر\" (^٣).\n• وقال أبو حنيفة وجماعة من فقهاء الكوفيين: يُقتل بهِ.\n• وقد روى ربيعة عن ابن (^٤) البيلماني عن النبي - ﷺ - أنه قتل رجلًا من أهل القبلة برجل من أهل الذمة، وقال: \"أنا أحق من وفى بذمته\".\n• وهذا مرسل ضعيف، قد ضعفه الإمام أحمد، وأبو عبيد، وإبراهيم الحربي،\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب الديات: باب هل يقتل الحر بالعبد ٢/ ٨٨٨ ولم يعقب عليه صاحب الزوائد.\nوالجدع: قطع الأنف والأذن والشفة، وهو بالأنف أخص، فإذا أطلق غلب عليه. راجع النهاية ١/ ٢٤٦.\nوأخرجه الترمذي في كتاب الديات: باب ما جاء في الرجل يقتل عبده ٤/ ٢٦ ثم قال: \"هذا حديث حسن غريب. وقد ذهب بعض أهل العلم من التابعين منهم إبراهيم النخعي إلى هذا. وقال بعض أهل العلم منهم الحسن البصري وعطاء بن أبي رباح: ليس بين الحر والعبد قصاص في النفس ولا فيما دون النفس وهو قول أحمد وإسحاق .. إلخ\" وانظر الأم ٦/ ٢١.\n(^٢) ولهذا كان العمل عنده على خلافه كما ذكرنا آنفًا.\n(^٣) أخرجه الشافعي في الأم ٦/ ٣٣.\nوأخرجه البخاري في كتاب الديات: باب لا يقتل مسلم بكافر ١٢/ ٢٦٠ من حديث أبي جحيفة قال: \"سألت عليًّا ﵁: هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ وقال ابن عيينة مرة: ما ليس عند الناس؟ فقال: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهما يعطى رجل في كتابه، وما في الصحيفة قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر\".\n(^٤) في المطبوعة تبعًا للهندية: \"أبو البيلماني\" وهو تحريف. وجاء فيهما محرفًا في المواضع الثلاثة الآتية من الخبر.","vol":"1","page":342},{"text":"والجوزجاني، وابن المنذر، والدارقطني، وقال: ابن البيلماني ضعيف: لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث فكيف بما يرسل؟.\nوقال الجوزجاني: إنما أخذه ربيعة عن إبراهيم بن أبي يحيى عن ابن المنكدر (^١) عن ابن البيلماني. وابن أبي يحيى متروك الحديث (^٢).\nوفي مراسيل أبي داود حديث آخر مرسل: أن النبي - ﷺ - قتل يوم خيبر مسلمًا بكافر قتله غيلة، وقال: \"أنا أولى وأحق من وفى بذمته\" (^٣).\nوهذا مذهب مالك، وأهل المدينة: أن القتل غيلة لا تشترط له المكافأة، فيقتل فيه المسلم بالكافر، وعلى هذا حملوا حديث ابن البيلماني أيضا (^٤) على تقدير صحته.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-525>[المساواة بين الرجل والمرأة في القصاص].</span>\nومنها أن يقتل الرجل والمرأة فيقتل بها بغير خلاف (^٥).\n• وفي كتاب عمرو بن حزم عن النبي - ﷺ - \"أن الرجل يقتل بالمرأة (^٦) \".\n• وصح أنه - ﷺ - قتل يهوديا قتل جارية (^٧).\nوأكثر العلماء على أنه لا يدفع إلى أولياء الرجل شيء.\nوروي عن علي أنه يدفع إليهم نصف الدية؛ لأن دية المرأة نصف دية الرجل، وهو قول طائفة من السلف، وأحمد في رواية عنه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-526>[المرتد يقتل حدًّا].</span>\nوأما التارك لدينه المفارق للجماعة فالمراد به: من ترك الإسلام، وارتد عنه، وفارق\n_________\n(^١) جاء في المطبوعة تبعًا للهندية \"ابن المنذر\" وأشير في هامش كل منهما إلى أن في نسخة أخرى \"ابن المنكدر\" دون أن ينبه فيهما على الصواب وهو ما أثبتناه.\n(^٢) الحديث في ترتيب مسند الشافعي ٢/ ١٠٥ وأخرجه أبو داود في كتاب المراسيل: باب الديات ص ٢٧٣ وأورده ابن حجر في الفتح ١٢/ ٢٦٢ وذكر ما رد العلماء به الحديث، وبين ذلك بيانًا مستفيضًا فراجعه إن شئت.\n(^٣) المراسيل: عقب الرواية السابقة.\n(^٤) ليست في ب.\n(^٥) راجع الأم ٦/ ١٨.\n(^٦) على ما في المستدرك ١/ ٣٩٧ وغيره.\n(^٧) كما رواه مسلم في صحيحه: كتاب القسامة: باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره ٣/ ١٢٩٩. والبخاري ح ٢٤١٣، ٢٧٤٦، ٥٢٩٥، ٦٨٧٦ - ٦٨٧٩، ٦٨٨٤، ٦٨٨٥.","vol":"1","page":343},{"text":"جماعة المسلمين، كما جاء التصريح بذلك في حديث عثمان (^١).\nوإنما استثناه مع من يحل دمه من أهل الشهادتين باعتبار ما كان عليه قبل الردة، وحكم الإسلام لازم له بعدها، ولهذا يستتاب، ويطلب منه العود إلى الإسلام. وفي إلزامه بقضاء ما فاته في زمن الردة من العبادات اختلافٌ مشهور بين العلماء.\nوأيضًا فقد يترك دينه، ويفارق الجماعة وهو مقر بالشهادتين، ويدعي الإسلام، كما إذا جحد شيئًا من أركان الإسلام، أو سب الله ورسوله، أو كفر ببعض الملائكة أو النبيين، أو الكتب المذكورة في القرآن مع العلم بذلك.\n_________\n(^١) في هذا يروي أحمد في مسنده (١/ ٣٤٨) المعارف والنسائي في سننه: كتاب تحريم الدم: ذكر ما يحل به دم المسلم (٧/ ٩١ - ٩٢) كلاهما من طريق حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن أبي أمامة بن سهل وعبد الله بن عامر بن ربيعة قالا: كنا مع عثمان وهو محصور وكنا إذا دخلنا مدخلا نسمع كلام من بالبلاط فدخل عثمان يومًا ثم خرج فقال: إنهم ليتواعدُونِّي بالقتل؟ قلنا: يكفيكهم الله. قال: فلم يقتلونِّي؟ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسًا بغير نفس فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا تمنيت أن لي بدينى بدلًا منه منذ هداني الله، ولا قتلت نفسًا فلم يقتلونني؟ \".\nلفظ النسائي.\nوعن أحمد وبم يقتلونني؟ إنى سمعت رسول الله - ﷺ - يقول … أو قتل نفسًا فيقتل بها … فبم يقتلونني؟ \".\nكما روى أحمد في المسند (١/ ٣٥٥ - ٣٥٦) المعارف بإسناد صحيح على ما ذكر محققه الشيخ أحمد شاكر والنسائي في سننه: كتاب تحريم الدم: باب الحكم في المرتد (٧/ ١٠٣) كلاهما من طريق المغيرة بن مسلم عن مطر الوراق، عن نافع، عن ابن عمر أن عثمان أشرف على أصحابه وهو محصور فقال: علام تقتلوني؟ فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عمدًا فعليه القود، أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل\"، فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا قتلت أحدًا فأقيد نفسي منه، ولا ارتددت منذ أسلمت؟! إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله.\nلفظ أحمد.\nومن هاتين الروايتين يبين معنى قوله - ﷺ -: \"والتارك لدينه المفارق للجماعة\" وأن الوصفين: التارك والمفارق واردان على شخص واحد هو المرتد، وأن المفارق للجماعة، فيه كشف وتفسير للوصف الأول وهو التارك لدينه.\nوهذا ما وضحه ابن حجر في الفتح ١٢/ ٢٠١ - ٢٠٢ تعليقًا على رواية البخاري: \"والمفارق لدينه، التارك للجماعة\" ورواية مسلم: \"والتارك لدينه المفارق للجماعة\". قال ابن حجر: والمراد بالجماعة: جماعة المسلمين أي فارقهم وتركهم بالارتداد فهي صفة للتارك أو المفارق لا صفة له (أي للمسلم) مستقلة وإلا لكانت الخصال أربعًا وهو كقوله قبل ذلك: \"مسلم يشهد أن لا إله إلا الله\" فإنها صفة مفسرة لقوله مسلم وليست قيدًا فيه، إذ لا يكون مسلمًا إلا بذلك.\nثم قال ابن حجر: ويؤيد ما قلته أنه وقع في حديث عثمان أو يكفر بعد إسلامه\" أخرجه النسائي بسند صحيح.\nوفي لفظ له صحيح أيضا: \"ارتد بعد إسلامه\".\nوهما الروايتان اللتان أوردناهما عن النسائي وأحمد كليهما بسياقيهما.","vol":"1","page":344},{"text":"• وفي صحيح البخاري (^١) عن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \"من بدَّل دينَه فاقتلوه\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-527>[هل يفرق بين الرجل والمرأة في حد الردة؟].</span>\nولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة عند أكثر العلماء. ومنهم من قال: لا تقتل المرأة إذا ارتدت كما لا تقتل نساءُ أهل دار (^٣) الحرب في الحرب، وإنما يُقْتَل رجالهم.\nوهذا قول أبى حنيفة وأصحابه، وجعلوا الكفر الطارئ كالأصلي. والجمهور فرقوا بينهما، وجعلوا الطارئ أغلظ لما سبقه من الإسلام؛ ولهذا يقتل بالردة عنه من لا يقتل من أهل الحرب، كالشيخ الفاني والزَّمِن والأعمى، ولا يُقْتَلون في الحرب.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-528>[قبول توبة المرتد].</span>\n• وقوله - ﷺ -: \"التَّارك لِدِينه المفَارقُ للجَمَاعة\" يدل على أنه لو تاب ورجع إلى الإسلام لا (^٤) يقتل؛ لأنه ليس بتاركٍ لدينه بعد رجوعه، ولا مفارقٍ للجماعة.\nفإن قيل: بل استثناء هذا ممن يُعْصَمُ دَمُه من أهل الشهادتين يدل على أنه يقتل ولو كان مقرا بالشهادتين، كما يقتل الزاني المحصَن، وقاتل النفس، وهذا يدل على أن المرتد لا تقبل توبته، كما حكي عن الحسن، أو أن يحمل ذلك على من ارتد ممن ولد على الإسلام، فإنه لا تقبل توبته.\nوإنما تقبل توبة من كان كافرًا، ثم أسلم، ثم ارتد على قول طائفة من العلماء منهم الليث بن سعد، وأحمد في رواية عنه، وإسحاق.\nقيل: إنما استثناه من المسلمين باعتبار ما كان عليه قبل مفارقة دينه، كما سبق تقريره، وليس هذا كالثيب الزاني، وقاتل النفس؛ لأن قتلهما وجب عقوبةً لجريمتهما الماضية ولا يمكن تلافى ذلك.\n_________\n(^١) سقطت من المطبوعة.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم: باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم ١٢/ ٢٦٧ من طريق حماد بن زيد عن أيوب، عن عكرمة قال: أتى علي ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله - ﷺ -: \"لا تعذبوا بعذاب الله\"، ولقتلتهم لقول رسول الله - ﷺ -: \"من بدل دينه فاقتلوه\".\n(^٣) من هنا إلى قوله: \"ولكن يقال\" سقط من \"أ\".\n(^٤) ب: \"لم\".","vol":"1","page":345},{"text":"وأما المرتد؛ فإنما قتل لوصف قائم به في الحال، وهو ترك دينه، ومفارقة الجماعة.\nفإذا عاد إلى دينه، وإلى موافقته للجماعة فالوصف الذي أبيح به دمه قد انتفى، فتزول إباحة دمه. والله أعلم.\n* * *\n• فإن قيل: فقد خرَّج النسائي من حديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال:\n\"لا يَحِل دمُ امرئٍ مُسلم إلا بإحدَى ثلاث خِصال: زَانٍ محصَن يُرجم، ورَجُلٌ قتل [رجلا] (^١) متعمدًا فَيُقَتل (^٢)، ورجل يخرجُ من الإسلام يحارب (^٣) الله [﷿] ورسوله، فيقتلُ أو يُصَلَّب أو يُنْفَى من الأرْض\" (^٤).\nوهذا يدل على أن المراد من جمع بين الردة والمحاربة.\n• قيل: قد خرج أبو داود حديث عائشة ﵂ بلفظ آخر وهو أن رسول الله - ﷺ - قال:\n\"لا يَحلُّ دَم امْريءٍ مُسلم يشهَد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسُولُ الله إلا في (^٥) إحدى ثَلاث: رَجُلٌ زَنَى بَعد إحْصَان فإنه يُرجم. ورَجُل خرج مُحاربًا لله ورسوله فإنه يُقْتَل أو يصلب أو ينفى من الأرض. أو يقتل نفسًا فيقتل بها (^٦) \".\nوهذا يدل على أن من وجد منه الحراب من المسلمين خُيِّر الإمام فيه مطلقًا، كما يقوله علماء أهل المدينة، مالك وغيره.\nوالرواية الأولى قد تحمل على أن المراد بخروجه عن الإسلام: خروجه عن أحكام الإسلام، وقد تحمل على ظاهرها.\nويستدل (^٧) بذلك من يقول: إن آية المحاربة تختص بالمرتدين، فمن ارتد وحارب\n_________\n(^١) من النسائي وفيه: أو رجل …\n(^٢) الحديث أخرجه النسائي في السنن من حديث عائشة في كتاب تحريم الدم: باب الصلب ٧/ ١٠١ - ١٠٢.\n(^٣) في م. هـ: \"فحارب\" عامة النسخ: \"حارب\" والتصويب من النسائي.\n(^٤) الحديث أخرجه النسائي أيضًا في أبواب القسامة: باب سقوط القود من المسلم للكافر ٨/ ٢٣.\n(^٥) في سنن أبي داود: \"إلا بإحدى ثلاث\" وفي ب: \"زنا بعد إحصان\" والتصويب من السنن.\n(^٦) الحديث أخرجه أبو داود في كتاب الحدود، باب الحكم فيمن ارتد ٤/ ٥٢٢ - ٥٢٣.\nوفي ب، ر، ظ، ل سقطت كلمة رجل أول الحديث وهي في السنن.\n(^٧) في م، هـ: \"وقد يستدل\".","vol":"1","page":346},{"text":"فُعِل به ما في الآية، ومن حارب من غير ردة أُقِيمتْ عليه أحكام المسلمين من القصاص والقطع في السرقة.\nوهذا رواية عن أحمد - ﵀ - لكنها غير مشهورة عنه.\nوكذا قالت طائفة من السلف: إن آية المحاربة تختص بالمرتدين: منهم أبو قلابة وغيره.\nوبكل حال فحديث عائشة ﵂ ألفاظه مختلفة، وقد روي عنها مرفوعًا، وروي عنها موقوفًا.\nوحديث ابن مسعود ﵁ لفظه لا اختلاف فيه، وهو ثابت متفق على صحته.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-529>[اللواط موجب للحد].</span>\nولكن يقال على هذا: إنه قد ورد قتل المسلم بغير هذه الخصال الثلاث (^١). فمنها في اللواط وقد جاء من حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال:\n\"اقتلوا الفاعلَ والمفعولَ به\" (^٢).\n* * *\nوأخذ به كثير من العلماء كمالك وأحمد وقالوا: إنه موجب للقتل بكل حال محصنًا كان أو غير محصن، وقد روي عن عثمان أنه قال: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأربع، فذكر الثلاثة المتقدمة، وزاد: \"ورجل عمل عمل قوم لوط (^٣) \".\nومنها: من أتى ذات محرم. وقد روي الأمر بقتله (^٤).\n_________\n(^١) في المطبوعة: \"بغير إحدى الثلاث الخصال\".\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٥٦ - ٢٥٧، ٢٥٨ (المعارف) بإسنادين أولهما حسن، وثانيهما صحيح كما ذكر شارحه.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٥٥ من طريقين عن ابن عباس، وصححهما، وأقره الذهبي.\n(^٣) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٩/ ٤١٤ والبيهقي في السنن الكبرى ٨/ ١٩٤ بإسناد منقطع.\n(^٤) كما في الحديث الذي رواه أحمد في المسند ٤/ ٢٥٦ - ٢٥٧ (المعارف) عن ابن عباس بإسناد حسن وفيه: \"من وقع على ذات محرم فاقتلوه\".\nوقد أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٥٦ وصححه ولكن تعقبه الذهبي فقال: لا.","vol":"1","page":347},{"text":"<span data-type='title' id=toc-530>[حكم من تزوج بامرأة أبيه].</span>\nوروي أن النبي - ﷺ - قتل من تزوج بامرأة أبيه (^١).\nوأخذ بذلك طائفة من العلماء، وأوجبوا قتله مطلقًا محصنًا كان أو غير محصن.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-531>[حكم الساحر].</span>\nومنها الساحر.\n• وفي الترمذي من حديث جندُب مرفوعًا: \"حدُّ الساحر ضربة بالسَّيفِ\" (^٢).\nوذكر أَن الصحيح وقفه على جندَب.\nوهو مذهب جماعة من العلماء منهم: عمر بن عبد العزيز، ومالك، وأحمد، وإسحاق. ولكن هؤلاء يقولون إنه: يكْفر بسحره فيكون حكمه حكم المرتدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-532>[حكم من وقع على بهيمة]:</span>\nومنها قتل من وقع على بهيمة (^٣).\nوقد ورد في حديث مرفوع (^٤) وقال به طائفة من العلماء.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-533>[تارك الصلاة].</span>\nومنها: من ترك الصلاة فإنه يقتل عند كثير من العلماء مع قولهم: إنه ليس بكافر.\nوقد سبق ذكر ذلك مستوفى.\n* * *\n_________\n(^١) راجع في هذا ما أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٦٦ - ٣٥٧ من حديث البراء بن عازب ﵁. وسكت عنه وصححه الذهبي.\n(^٢) جامع الترمذي: كتاب الحدود: باب ما جاء في حد الساحر ٤/ ٦٠ وعقب عليه بقوله: هذا حديث لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه، ثم ضعف أحد رواته، وصحح وقفه على جندب ثم قال: والعمل هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم، وهو قول مالك بن أنس، وقال الشافعي: إنما يقتل الساحر إذا كان يعمل في سحره ما يبلغ به الكفر، فإذا عمل عملًا دون الكفر فلم نر عليه قتلًا وراويه هو جندب بن جنادة.\n(^٣) سقط هذا من المطبوعة.\n(^٤) كما في المستدرك ٤/ ٣٥٥، وكما في المسند ٤/ ٢٥٦ - ٢٥٧ (المعارف)، وسبق ابن ماجه: كتاب الحدود: باب من أتى ذات محرم ومن أتى بهيمة ٢/ ٨٥٦ وقد صححه الحاكم وأقره الذهبي.","vol":"1","page":348},{"text":"<span data-type='title' id=toc-534>[شارب الخمر].</span>\n• ومنها: قتل شارب الخمر في المرة الرابعة. وقد ورد الأمر به عن النبي - ﷺ - من وجوه متعددة، وأخذ بذلك عبد الله بن عمرو بن العاص، ﵁، وغيره. وأكثر العلماء على أن القتل انتسخ، وروي أن النبي - ﷺ - أتى بالشارب في المرة الرابعة فلم يقتله (^١).\n• وفي صحيح البخاري: أن رجلًا كان يؤتى به النبي - ﷺ - في الخمر فلعنه رجل، وقال: ما أكثر ما يؤتى به! فقال النبي - ﷺ -: \"لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله\".\nولم يقتله بذلك (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-535>[السارق]</span>\nوقد روي قتل السارق في المرة الخامسة (^٣)، وقيل: إن بعض الفقهاء ذهب إليه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-536>[إذا بُويع لخليفتين].</span>\n• ومنها ما روي عنه - ﷺ - أنه قال: \"إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخِر منهما\" (^٤).\nخرجه مسلم من حديث أبي سعيد.\nوقد ضعَّف العقيلي أحاديث هذا الباب كلها (^٥).\n* * *\n• ومنها: قوله - ﷺ -: \"من أتاكُمْ وأمُرُكم جَميعٌ على رجُل وحد فأراد أن يشُقَّ عصاكُم، أو يفرِّقَ جماعَتكم؛ فاقتلوه\" (^٦).\n_________\n(^١) راجع الحديث في هذا وما أشار إليه ابن رجب من نسخ القتل في سنن الترمذي: كتاب الحدود: باب ما جاء من شرب الخمر فاجلدوه ومن عاد في الرابعة فاقتلوه ٤/ ٤٧ - ٤٩، وانظر الأم ٦/ ١٣٠. وفي ب: \"وأكثر العلماء على أن القتل انتسخ\".\n(^٢) الحديث في صحيح البخاري: كتاب الحدود: باب ما يكره من لعن شارب الخمر ١٢/ ٧٥ وفيه: \"لا تلعنوه فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله\".\n(^٣) روى الحاكم في هذا حديثًا عن الحارث بن حنطب ٤/ ٣٨٢. ولكن الذهبي قال: إنه حديث منكر.\n(^٤) أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإمارة: باب إذا بويع لخليفتين ٣/ ١٤٨٠.\n(^٥) هذا مسلم في مثل الحديث الذي رواه الحاكم واستنكره الذهبي قال: إنه رواه البخاري ومسلم من أحاديث الباب؟!.\n(^٦) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة: باب حكم من فرق أمر المسلمين وهو مجتمع ٣/ ١٤٨٠. ح ٥٩ - (١٨٥٢) من حديث عرفجة، وقوله: \"وأمركم جميع\" أي مجتمع.","vol":"1","page":349},{"text":"وفي رواية: \"فاضربوا رأسه بالسيف كائنا من كان\".\nوقد خرجه مسلم أيضا من رواية عَرْفَجَة (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-537>[حكم من شهر السلاح].</span>\n• ومنها: من شهر السلاح، فخرج النسائي من حديث ابن الزبير ﵁ عن النبي - ﷺ - قال:\n\"من شَهَر السلاحَ ثم وضعه فدمه هدر\" (^٢).\nوقد روي عن ابن الزبير مرفوعًا وموقوفًا.\nوقال البخاري: إنما هو موقوف.\nوسئل أحمد ﵀ عن معنى هذا الحديث فقال: ما أدري ما هذا.\nوقال إسحاق بن راهويه: \"إنما يريد من شهر سلاحه ثم وضعه في الناس حتى استعرض الناس، فقد حل قتله\".\nوهو مذهب الحَرُورِيّة يستعرضون (^٣) الرجال والنساء والذرية.\n* * *\nوقد روي عن عائشة ما يخالف تفسير إسحاق: فخرج الحاكم من رواية علقمة بن أبي علقمة عن أمه أن غلامًا شهَر السيف على مولاه في إمْرَة سعيد بن العاص، وتفلَّت به عليه، فأمسكه الناس عنه، فدخل المولى على عائشة، فقالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\n\"من أشار بحديدةٍ [إلى أحد من المسلمين] (^٤) يريد قتله فقد وجب دمه\" فأخذه مولاه فقتله (^٥).\n_________\n(^١) قد يتبادر من عبارة ابن رجب أن مسلمًا ﵀ خرج الحديث عن غير عرفجة، ثم خرجه أيضا من رواية عرفجة بينما لم يخرج مسلم هذا الحديث برواياته الثلاث إلا من حديث عرفجة!\n(^٢) أخرجه النسائي في كتاب تحريم الدم: باب من شهر سيفه ثم وضعه في الناس ٧/ ١١٧ من حديث أبي الزبير مرفوعًا كما ذكر ابن رجب. كما أخرجه موقوفا من طريقين في الموضع نفسه وعنده: \"من شهر سيفه\" و\"من رفع السلاح\" لكن ليس عنده: \"من شهر السلاح\".\n(^٣) يستعرضون الناس أي على السيف أي يقتلونهم. المعجم الوسيط ٢/ ٥٩٩.\n(^٤) ما بين الرقمين ليس في ب.\n(^٥) اختصر ابن رجب القصة وقد رواها الحاكم في المسدرك ٢/ ١٥٨ - ١٥٩ من طريق سعيد بن أبي مريم، عن =","vol":"1","page":350},{"text":"وقال صحيح على شرط الشيخين.\n* * *\nوقد صح عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من قتل دون ماله فهو شهيد\" (^١).\nوفي رواية: \"ومن قتل دون دمه فهو شهيد\" (^٢).\n* * *\nفإذا أريد مال المرء أو دمه دافع عنه بالأسهل.\nهذا مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله.\nوهل يجب أن ينوي أنه لا يريد قتله أم لا؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد.\n* * *\nوذهب طائفة إلى أن من أراد ماله أو دمه أبيح له قتله ابتداءً.\nودخل على ابن عمر لص، فقام إليه بالسيف صَلْتًا (^٣) فلولا أنهم حالوا بينه وبينه لقتله.\nوسئل الحسن عن لص دخل بيت رجل ومعه حديدة قال: \"اقتله بأي قِتلة قدرت عليه\".\nوهؤلاء أباحوا قتله وإن ولى (^٤) هاربًا من غير جناية، منهم: أبو أيوب السِّخْتيِانِي.\n* * *\n_________\n= سليمان بن بلال، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه أن غلامًا كان لبابيٍّ. وكان بَابِيٌّ يضربه في أشياء ويعاقبه، وكان الغلام يعادي سيده، فباعه، فلقيه الغلام يومًا، ومع الغلام سيف، وذلك في إمرة سعيد بن العاص، فشهر العبد على بابي السيف، وتفلت به عليه، فأمسكه الناس عنه، فدخل بابِيٍّ على عائشة ﵂ فأخبرها بما فعل العبد، فقالت عائشة: سمعت رسول - ﷺ - يقول: \"من أشار بحديدة إلى أحد من المسلمين يريد قتله فقد وجب دمه\" قالت: فخرج بابي من عندها فذهب إلى سيد العبد الذي ابتاعه منه فاستقاله فأقاله، فردَّهُ إليه، فأخذه بابيّ فقتله.\nوكما ذكر ابن رجب فقد صححه الحاكم على شرط الشيخين.\nوأقر الذهبي تصحيح الحاكم.\n(^١) راجع في هذا ما أخرجه البخاري في كتاب المظالم: باب من قاتل دون ماله ٥/ ١٢٣ ومسلم في كتاب الإيمان: باب الدليل على أن من قتل دون ماله فهو شهيد، ١/ ١٢٥ كلاهما من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا.\n(^٢) كما عند النسائي في كتاب تحريم الدم: باب من قاتل دون أهله، وباب من قاتل دون دينه ٢/ ١٧٣ من حديث سعيد بن زيد مرفوعًا: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد\".\n(^٣) قال في النهاية ٣/ ٤٥ صلتا: أي مجردًا. يقال: أصلت السيف، إذا جرده من غمده، وضربه بالسيف صلتا بفتح الصاد وضمها.\n(^٤) في و، س، ب: \"وإن كان ولى\".","vol":"1","page":351},{"text":"<span data-type='title' id=toc-538>[حرمة البيوت].</span>\n• وخرج الإمام أحمد من حديث عبادة بن الصامت (^١) عن النبي - ﷺ - قال: \"الدار حرمك، فمن دخل عليك حرمك فاقتله\".\nولكن في إسناده ضعف.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-539>[حكم الجاسوس].</span>\nومنها قتل الجاسوس المسلم إذا تجسس للكفار على المسلمين.\nوقد توقف فيه أحمد. وأباح قتلَه طائفةٌ من أصحاب مالك، وابنُ عقيل من أصحابنا، ومن المالكية من قال: إن تكرر ذلك منه أبيح قتله.\nواستدل من أباح قتله بقول النبي - ﷺ - في حق حاطب بن أبي بلتعة لما كتب الكتاب إلى أهل مكة يخبرهم بسير النبي - ﷺ - إليهم، ويأمرهم بأخذ حِذْرِهم، فاستأذن عمر في قتله فقال: إنه شهد بدرًا (^٢).\nفلم يقل: إنه لم يأت بما يبيح دمه، وإنما علل بوجود مانع من قتله وهو شهوده بدرًا ومغفرة الله لأهل بدر.\nوهذا المانع منتف في حق من بعده.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-540>[ضارب أبيه].</span>\n• ومنها ما خرجه أبو داود في المراسيل من رواية ابن المسيب (^٣) أن النبي - ﷺ - قال: \"من ضرب أباه فاقتلوه\".\n_________\n(^١) في المسند ٥/ ٣٢٦ (الحلبي). وفيه: \"الدار حرم\" وفي ب: \"فمن دخل عليك فاقتله\" وما أثبتناه هو الموافق لما في المسند. وقد أورده الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٤٥ عن أحمد، والطبراني وقال: فيه محمد بن كثير السلمي وهو ضعيف.\n(^٢) راجع في قصة حاطب ما أخرجه البخاري في كتاب الجهاد: باب الجاسوس ٦/ ١٠٠ ومسلم في كتاب فضائل الصحابة: باب من فضائل أهل بدر ﵃ ٤/ ١٩٤١ - ١٩٤٢ كلاهما من حديث علي ﵁ بسياقه مطولًا.\n(^٣) المراسيل ص ٢٣٤ فيما جاء في بر الوالدين. وانظر تحفة الأشراف ١٣/ ٢٠٧ ح ١٨٧٠٦.","vol":"1","page":352},{"text":"وروي مسندًا من وجه آخر لا يصح (^١). والله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-541>[درجة الأحاديث المذكورة].</span>\nوأعلم أن من هذه الأحاديث المذكورة ما لا يصح، ولا يعرف به قائل معتبر كحديث \"من ضرب أباه فاقتلوه\"، وحديث قتل السارق في المرة الخامسة. وباقى النصوص كلها يمكن ردها إلى حديث ابن مسعود؛ وذلك أن حديث ابن مسعود تضمن أنه لا يستباح دم المسلم إلا بإحدى ثلاث خصال.\nإما أن يترك دينه ويفارق جماعة المسلمين.\nوإما أن يزني وهو محصَن.\nوإما أن يقتل نفسًا بغير حق.\nفيؤخذ منه أن قتل المسلم لا يستباح إلا بأحد ثلاثة أنواع: ترك الدين، وإراقة الدم المحرّم، وانتهاك الفرج المحرم.\nفهذه الأنواع الثلاثة هي التي تبيح دم المسلم دون غيرها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-542>[حكمة قتل المحصن].</span>\nفأما انتهاك الفرج المحرم فقد ذكر في الحديث أنه الزنا بعد الإحصان، وهذا والله أعلم على وجه المثال؛ فإن المحصن قد تمت عليه النعمة بنيل هذه الشهوة بالنكاح؛ فإذا أتاها بعد ذلك من فرج محرم عليه أبيح دمه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-543>[هل يقوم شيء مقام الإحصان؟].</span>\nوقد ينتفي شرط الإحصان، فيخلفه شرط آخر، وهو كون الفرج لا يستباح بحال إما مطلقًا كاللواط، أو في حق الواطئ: كمن وطئ ذات محرم بعقد أو غيره، فهذا\n_________\n(^١) أخرجه الخرائطي في المساوئ ح ٧٩، ٨٠ من وجهين: أحدهما مرسل والآخر منازع في رفعه قال الخرائطي عقب إيراده: وقلت لأبي حازم: إنه (ابن المسيب) قد رفعه إلى أبيه؟ قال: ما أنكره!","vol":"1","page":353},{"text":"الوصف هل يكون قائما مقام الإحصان وخلفًا عنه؟ هذا هو محل النزاع بين العلماء.\nوالأحاديث دالة على أنه يكون خلفًا عنه ويكتفى به في إباحة الدم (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-544>[هل تنزل إثارة الفتن منزلة سفك الدم؟].</span>\nوأما سفك الدم الحرام فهل يقوم مقامه إثارة الفتن المؤدية إلى سفك الدماء، كتفريق جماعة المسلمين، وشقّ العصا، والمبايعة لإمام ثان، ودلِّ الكفار على عورات المسلمين؟ هذا هو محل النزاع.\nوقد روي عن عمر ما يدل على إباحة القتل بمثل هذا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-545>[وشهر السلاح].</span>\nوكذلك شهر السلاح لطلب القتل هل يقوم مقام القتل في إباحة الدم أم لا؟ فابن الزبير، وعائشة رأياه قائمًا مقام القتل الحقيقي في ذلك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-546>[وقطع الطريق وبم يباح قتل النفس؟].</span>\nوكذلك قطع الطريق بمجرده هل يبيح القتل أم لا؟ لأنه مظنة لسفك الدماء المحرَّمة، وقول الله ﷿: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (^٢) يدل على أنه يباح قَتْل النفس بشيئين:\nأحدهما بالنفس، والثانى بالفساد في الأرض.\nويدخل في الفساد في الأرض: الحراب (^٣)، والردة والزنا. فإن ذلك كله فساد في الأرض. وكذلك تكرُّر شرب الخمر والإصرار عليه هو مظنة سفك الدماء المحرمة.\nوقد اجتمع الصحابة في عهد عمر ﵁ على حده ثمانين، وجعلوا (^٤) السكر مظنة الافتراء والقذفِ الموجبِ لجلد الثمانين.\n_________\n(^١) في المطبوعة: \"الدماء\".\n(^٢) سورة المائدة: ٣٢.\n(^٣) م: \"الحرب\".\n(^٤) في ب: \"وجعل\".","vol":"1","page":354},{"text":"ولما قدم وفد \"عبد القيس\" على النبي - ﷺ -، ونهاهم عن الأشْرِبة، والانتباذ في الظروف، قال: \"إن أَحَدَكُم ليقوم إلى ابن عمه - يعنى إذا شرب - فيضربه بالسيف\" (^١).\nوكان فيهم رجل قد أصابته جراحة من ذلك، فكان يخبؤها حياء من النبي - ﷺ -.\nفهذا كله يرجع إلى إباحة الدم [بالقتل إقامة لمظان القتل] (^٢) مقام حقيقته. لكن هل نُسخَ ذلك أم حكمه باق؟ هذا هو محل النزاع.\nوأما ترك الدين ومفارقة الجماعة فمعناه: الإرتداد عن دين الإسلام (^٣) ولو أتى بالشهادتين، فلو سب الله ورسوله - ﷺ - وهو مقرٌّ بالشهادتين أبيح دمه؛ لأنه قد ترك بذلك دِينَه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-547>[حكم من استهان بالقرآن].</span>\nوكذلك لو استهان بالمصحف، وألقاه في القاذورات، أو جحد ما يُعلم من الدين بالضرورة كالصلاة وما أشبه ذلك مما يُخرِج من الدين.\nوهل يقوم مقام ذلك ترك شيء من أركان الإسلام الخمس؟.\nهذا ينبنى على أنه هل يخرج من الدين بالكلية بذلك أم لا؟.\nفمن رآه خروجا عن الدين كان عنده كترك الشهادتين وإنكارهما.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٢٢ - ٢٣ (الحلبي) بسياقه كاملًا وباختلاف يسير فيما أورده ابن رجب مختصرًا وذلك من طريق يحيى بن سعيد، عن ابن أبي عروبة عن قتادة، عمن لقي الوفد وذكر أبو نضرة عن أبي سعيد أن وفد عبد القيس لما قدموا على رسول الله - ﷺ - قالوا: إنا حيٌّ من ربيعة وبيننا وبينك كفار مضر، ولسنا نستطيع أن نأتيك إلا في أشهر الحرم فمرنا بأمر إذا نحن أخذنا به دخلنا الجنة ونأمر به أو ندعو من وراءنا فقال: \"آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، فهذا ليس من الأربع، وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وصوموا رمضان، أعطوا من الغنائم الخمس، وأنهاكم عن أربع: عن الدباء والنقير والحنتم والمزفت\". قالوا وما علمك بالنقير؟ قال: \"جذع ينقر ثم يلقون فيه من القطيعاء أو التمر والماء، حتى إذا سكن غليانه شربتموه، حتى إن أحدكم ليضرب ابن عمه بالسيف\". وفي القوم رجل أصابته جراحة من ذلك فجعلت أخبؤها حياء من رسول الله - ﷺ -. قالوا: فما تأمرنا أن نشرب؟ قال: \"في الأسقية التي يلاث على أفواهها\" قالوا: إن أرضنا كثيرة الجرذان، لا تبقى فيها أسقية الأدم؟ قال: \"وإن أكلته الجرذان\" مرتين أو ثلاثًا وقال لأشج عبد القيس: \"إن فيك خلتين يحبهما الله ﷿: الحلم والأناة\" ورواه مسلم ١٧، ١٨.\nوالقطيعاء هو نوع من التمر، أو هو البسر قبل أن يدرك نهاية ٤/ ٨٤.\n(^٢) ما بين الرقمين ليس في ب.\n(^٣) ب: \"المسلمين\".","vol":"1","page":355},{"text":"ومن لم يره خروجًا عن الدين فاختلفوا: هل يلحق بتارك الدين في القتل؛ لكونه ترك أحدَ مباني الإسلام؛ أم لا؟ لكونه لم يخرج عن الدين؟.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-548>[حكم الداعي إلى بدعة].</span>\nومن هذا الباب ما قاله كثير من العلماء في قتل الداعية إلى البدع؛ فإنهم نظروا إلى أن ذلك شبيه بالخروج عن الدين، وهو ذريعة ووسيلة إليه، فإن استخفى بذلك ولم يدع غيره كان حكمه حكم المنافقين إذا استخْفَوْا، وإذا دعا إلى ذلك تَغلَّظ جُرمه بإفساد دين الأمة.\nوقد صح عن النبي - ﷺ - الأمرُ بقتل الخوارج وَقَتْلُهُمْ (^١)، وقد اختلف العلماء في حكمهم.\nفمنهم من قال: هم الكفار فيكون قتلهم لكفرهم.\nومنهم من قال: إنما يقتلون لفسادهم في الأرض بسفك دماء المسلمين، وتكفيرهم لهم؛ وهو قول مالك وطائفةٍ من أصحابنا، وأجازوا الابتداء بقتالهم، والإجهاز على جريحهم.\nومنهم من قال: إن دعوا إلى ما هم عليه قوتلوا، وإن أظهروه ولم يدعوا إليه لم يقاتلوا. وهو نصٌّ عن أحمد - ﵀ - وإسحاق، وهو يرجع إلى قتال من دعا إلى بدعة مغلظة.\nومنهم من لم ير البداءة بقتالهم؛ حتى يبدوا بقتال أو بما يبيح قتالهم من سفك دم ونحوه كما روي عن علي ﵁، وهو قول الشافعي وكثيرٍ من أصحابنا.\n• وقد روى من وجوه متعددة أن النبي - ﷺ - أمر بقتل رجل كان يصلي وقال: \"ولو قتل لكان أول فتنة وآخرها\" (^٢).\n_________\n(^١) كالحديث الذي رواه البخاري في كتاب استتابة المرتدين: باب قتل الخوارج والملحدين ١٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣ ومسلم في كتاب الزكاة: باب التحريض على قتل الخوارج ٢/ ٧٤٦ - ٧٤٧ كلاهما من حديث أنس بلفظ \"سيخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام يقولون من خير قول البرية، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهما، فإن في قتلهم أجرًا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة\".\n(^٢) أخرجه أحمد في مسنده (٥/ ٤٢) الحلبي من طريق روح، عن عثمان الشحام، عن مسلم بن أبي بكرة، عن أبيه أن نبي الله - ﷺ - مر برجل ساجد وهو ينطق إلى الصلاة فقضى الصلاة ورجع عليه وهو ساجد، فقام =","vol":"1","page":356},{"text":"• وفي رواية: \"لو قتل لم يختلف رجلان من أمتي حتى يخرج الدجال (^١).\nخرجه الإمام أحمد - ﵀ - وغيره.\nفيستدل بهذا على قتل المبتدع إذا كان قتله يكف شره عن السلمين، ويَحْسِم مادة الفتن.\n• وقد حكى ابن عبد البر وغيره عن مذهب مالك: جواز قتل الداعي إلى البدعة.\nفرجعت نصوص القتل كلها إلى ما في حديث ابن مسعود - ﵁ - بهذا التقدير، ولله الحمد.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-549>[هذه النصوص محكمة أم منسوخة؟].</span>\nوكثير من العلماء يقول في كثير من هذه النصوص التي ذكرناها هنا: إنها منسوخة (^٢) بحديث ابن مسعود، وفي هذا نظر من وجهين:\nأحدهما: أنه لا يُعلم أن حديث ابن مسعود كان متأخرا عن تلك النصوص كلها، لا سيما وابن مسعود من قدماء المهاجرين، وكثير من تلك النصوص يرويها من تأخر إسلامه كأبي هريرة، وجرير بن عبد الله، ومعاوية؛ فإن هؤلاء كلَّهم رَوَوْا حديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة.\nوالثاني: أن الخاص لا ينسخ بالعام ولو كان العام متأخرا عنه في الصحيح الذي عليه\n_________\n= النبي - ﷺ - فقال: \"من يقتل هذا؟ \" فقام رجل فحسر عن يديه فاخترط سيفه وهزه ثم قال: يا نبي الله! بأبي أنت وأمي كيف أقتل رجلًا ساجدًا يشهد أن لا إله إلا الله وأَن محمدًا عبده ورسوله؟ ثم قال: \"من يقتل هذا؟ \" فقام رجل فقال: أنا فحسر عن ذراعيه واخترط سيفه وهزه حتى أرعدت يده، فقال: يا نبي الله! كيف أقتل رجلًا ساجدًا يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله؟ فقال النبي - ﷺ - \"والذي نفس محمد بيده لو قتلتموه لكان أول فتنة وآخرها\" وعثمان الشحام قال عنه في التقريب ٢/ ١٥: لا بأس به وقد أورده الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٢٥ عن أحمد والطبراني وقال: رجال أحمد رجال الصحيح.\n(^١) أخرج الهيثمي نحوه في مجمع الزوائد ٦/ ٢٢٦ - ٢٢٧ من طريق أبي يعلى وقال: فيه يزيد الرقاشي ضعفه الجمهور وفيه توثيق لين ورجاله رجال الصحيح، وأخرجه أيضًا من طريق البزار وقال: رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم.\nورواه في المجمع ٧/ ٢٥٧ - ٢٥٨ بسياقه مطولًا وفيه: \"لو قتل ما اختلف رجلان من أمتي حتى يخرج الرجال\".\nكلاهما من حديث أنس قال الهيثمي: رواه أبو يعلى وفيه أبو معشر: نجيح، وفيه ضعف. وهو في مسند أبي يعلى ٩٠، ٣٦٦٨، ٤١٤٣.\n(^٢) في ب: \"التي ذكرنا أنها منسوخة\".","vol":"1","page":357},{"text":"جمهور العلماء؛ لأن دلالة الخاص على معناه بالنص، [ودلالة العام عليه: بالظاهر عند الأكثرين، فلا يبطل الظاهر حكم النص] (^١).\n• وقد روي أن النبي - ﷺ - أمر بقتل رجل كذب عليه في حياته، وقال لحِيٍّ من العرب: \"إن رسول الله - ﷺ - أرسلني وأمرني أن أحكم في دمائكم وأموالكم\" (^٢).\n• وهذا روي من وجوه متعددة كلها ضعيفة، وفي بعضها: أن هذا الرجل كان قد خطب امرأة منهم في الجاهلية، فأبَوْا أن يزوجوه وأنه لما قال لهم هذه المقالة صدّقوه، ونزل على تلك المرأة، وحينئذ فهذا الرجل قد زنى ونَسبَ إباحة ذلك إلى النبي - ﷺ - وهذا كفر ورِدَّةٌ عن الدين.\n• وفي صحيح مسلم أن النبي - ﷺ - أمر عليًّا بقتل القبطي الذي كان يدخل على أم ولده مارية، وكان الناس يتحدثون بذلك، فلما وجده عليٌّ مجبوبًا تركه (^٣).\nوقد حمله بعضهم على أن القبطي لم يكن أسلم بعد، وأن المعاهَد إذا فعل ما يؤذي المسلمين انتقض عهده، فكيف إذا آذى النبي - ﷺ -؟.\nوقال بعضهم: بل كان مسلمًا ولكنه نُهي عن ذلك فلم ينته؛ حتى تكلم الناس بسببه في فراش النبي - ﷺ - وأَذَى النبيِّ - ﷺ - في فراشه مبيح (^٤) للدم، لكن لما ظهرت براءته بالعيان تبين للناس براءة مارية، فزال السبب المبيح للقتل.\n\n<span data-type='title' id=toc-550>[أم كانت خصوصية للنبي - ﷺ </span>-؟].\n• وقد روي عن الإمام أحمد أن النبي - ﷺ - كان له أن يقتل بغير هذه الأسباب الثلاثة التي في حديث ابن مسعود، وغَيرُه ليس له ذلك، كأنه يشير إلى أنه - ﷺ - كان له أن\n_________\n(^١) ما بين الرقمين ليس في ب.\n(^٢) راجع في هذا: الكامل ٩٠٩ والكبير للطبراني ٦٢١٥.\n(^٣) الذي في صحيح مسلم من حديث أنس أن رجلًا كان يتهم بأم ولد رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ - لعلي: \"اذهب فاضرب عنقه\" فأتاه علي فإذا هو في ركي (بئر) يتبرد فيها. فقال له علي: اخرج فناوله يده فأخرجه، فإذا هو مجبوب، ليس له ذكر، فكف علي عنه\" الحديث. راجع كتاب التوبة: باب براءة حرم النبي - ﷺ - من الريبة.\nوليس فيه ذكر القبطي، ولا تحدث الناس به، وإن كان كل من هذين الأمرين صحيحًا في ذاته، لكن ابن رجب يسوق الحديث على المعنى أحيانًا كما سبق.\nوانظر القصة في مستدرك الحاكم ٤/ ٣٩ - ٤٠، والاستيعاب لابن عبد البر ٤/ ١٩١٢.\n(^٤) في ب، س: \"يبيح الدم\".","vol":"1","page":358},{"text":"يعزر بالقتل إذا رأى ذلك مصلحة، لأنه - ﷺ - معصوم من التعدي والحَيْف. وأما غيره فليس له ذلك؛ لأنه غير مأمون عليه التعدي (^١) بالهوى.\nقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن حديث أبي بكر: \"أكانت (^٢) لأحد بعد النبي - ﷺ - \" قال لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلًا إلا بإحدى ثلاث، والنبي - ﷺ - كان له ذلك: أن يقتل\" (^٣).\nوحديث أبي بكر المشار إليه هو: أن رجلًا كلم أبا بكر: فأغلظ له، فقال له أبو بَرْزَة: ألا أقتله؟ يا خليفة رسول الله! فقال أبو بكر: \"ما كانت لأحد بعد النبي - ﷺ - \" (^٤).\nوعلى هذا يتخرج حديث الأمْر بقتل هذا القبطي، ويتخرج عليه أيضًا حديث الأمر بقتل السارق، إن كان صحيحًا، فإن فيه أن النبي - ﷺ - أمر بقتله في أول مرة فراجعوه فيه، فقطعه ثم فعل ذلك أربع مرات، وهو يأمر بقتله، فيراجَع فيه، فَيُقطع حتى قطعت أطرافه الأربع ثم قتل في الخامسة (^٥) والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) في م، هـ: \"من التعدي\".\n(^٢) في م، هـ: \"ما كانت\".\n(^٣) راجع في هذا ما أورده أبو داود في السنن: كتاب الحدود: باب الحكم فيمن سب النبي - ﷺ - ٤/ ٥٣٠ - ٥٣١ من حديث أبي برزة قال: كنت عند أبي بكر ﵁ فتغيظ على رجل فاشتد عليه، فقلت: تأذن لي يا خليفة رسول الله - ﷺ - أضرب عنقه؟ قال: فأذهبت كلمتي غضبه، فقام فدخل فأرسل إليّ فقال: ما الذي قلت آنفًا؟ قلت: ائذن لي أضرب عنقه، قال: أكنت فاعلًا لو أمرتك؟ قلت: نعم، قال: لا والله ما كانت لبشر بعد محمد - ﷺ -؟!!\n(^٤) أفاد أبو داود أن هذا تعقيب أحمد بن حنبل على حديث أبي بكر فقد روى عنه عقب الحديث: أي لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلًا إلا لإحدى الثلاث التي قالها رسول الله - ﷺ -: كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير نفس، وكان للنبي - ﷺ - أن يقتل. أي بغير ذلك.\n(^٥) مضى أن هذا الحديث ليس بصحيح بل هو منكر، من رواية الحاكم، وفي سياقه بعض المخالفة عما هنا راجح المستدرك ٤/ ٣٨٢.","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type='title' id=toc-551>الحديث الخامس عشر</span>\nعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رسُولَ الله - ﷺ - قال:\n\"مَنْ كانَ يُؤمنُ بالله واليوم الآخر، فليقُلْ خَيرًا أو لِيَصْمُتْ، وَمَنَ كانَ يُؤمن بالله واليوم الآخر، فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كان يُؤمِنُ بالله واليَوم الآخِر، فَلْيُكْرِم ضَيْفَهُ\". رواه البخاري ومسلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-552>[تخريج الحديث].</span>\nهذا الحديث خرّجاه من طرق عن أبي هريرة (^١) وفي بعض ألفاظها: فلا يؤذي جاره\"\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الأدب باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ١٠/ ٤٤٥ - عن قتيبة بن سعيد عن أبي الأحوص، عن أبي حصين، عن أبي صالح عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: عن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليرم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت وأخرجه في باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه وقوله تعالى ﴿ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾ من الكتاب ١٠/ ٥٣٢ - عن عبد الله بن محمد السندي عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري عن أبي حصين به وباللفظ ذاته.\nوفي الباب نفسه - عن عبد الله بن محمد عن هشام بن معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليقل خيرًا أو ليصمت\".\nوأخرجه البخاري في كتاب الرقاق: باب حفظ اللسان ١١/ ٣٠٨ - عن عبد العزيز بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه\".\nوأخرجه مسلم في كتاب الإيمان: باب الحث على إكرام الجار والضيف ولزوم الصمت إلا عن الخير وكون ذلك كله من الإيمان ١/ ٦٨ - ٦٩ من طريق ابن شهاب الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه\".\nوهذه هي رواية الحديث الخامس عشر.\nوأخرجه مسلم عقب هذه الرواية - عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت\".\nثم أخرجه من طريق عيسى بن يونس، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة بمثل حديث أبي حصين، غير أنه قال: فليحسن إلى جاره\".","vol":"1","page":361},{"text":"وفي بعضها: \"فليحسن قرى ضيفه\" وفي بعضها: \"فليصل رحمه\" بدل ذكر الجار.\n• وخرجاه أيضًا بمعناه من حديث أبي شريح الخزاعي (^١) عن النبي - ﷺ -.\n• وقد رُوي هذا الحديث عن النبي - ﷺ - من حديث عائشة (^٢)، وابن مسعود (^٣)، وعبد الله بن عمرو (^٤) وأبي أيوب الأنصاري (^٥)، ..............................\n_________\n(^١) عقب الروايات السابقة في كل من الصحيحين، كما أخرج مسلم رواية أبي صريح في كتاب اللقطة: باب الضيافة ونحوها ٣/ ١٣٥٢ - ١٣٥٣.\n(^٢) حديث عائشة ﵂ أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٦٣ (الحلبي) عن الحكم بن موسى، عن عبد الرحمن بن أبي الرجال، عن أبيه، عن أمه عمرة، عن عائشة ﵂، عن النبي - ﷺ - قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه\".\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٧ من حديث عائشة ﵂ وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.\n(^٣) حديث عبد الله بن مسعود أورده السيوطي في الجامع الكبير عن الخرائطي في مكارم الأخلاق ح ٢٢٩٢١ من جامع الأحاديث. وهو في المكارم ١/ ٣٢٢ ح ٣٠٨ بإسناد ضعيف.\n(^٤) ب: \"عبد الله بن عمر\" والحديث في ذلك مروي عن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو كليهما، فحديث ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: \"من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت\".\nقال الهيثمي بعد إيراده لهذا الحديث في المجمع (١٠/ ٣٠٢) رواه الطبراني في الأوسط - وفيه ضعفاء وثقوا. وكأنه يشير إلى الحكم عليه بالحسن.\nوحديث عبد الله بن عمرو رواه أحمد في المسند (١٠/ ١١٤) المعارف وقد صحح محققه إسناده وذكر تحسين الهيثمي له في المجمع ٨/ ٢١٦٧ وقد أورده الهيثمي في هذا الموضع وفي ٨/ ١٧٧ عن أحمد والطبراني وحسن الحديث عنهما وقد رواه أحمد من طريق ابن لهيعة، عن حي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - ﷺ - قال:\n\"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحفظ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت\".\n(^٥) حديث أبي أيوب الأنصاري رواه الطبراني في الكبير ٤/ ١٢٤ عن مطلب بن شعيب الأزدي، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يحيى بن أيوب. عن يعقوب بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن جبير، عن محمد بن ثابت بن شرحبيل القرشي أن عبد الله بن يزيد الخطمي حدثه عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر من نسائكم فلا تدخلن الحمام\".\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٧٨ عن الطبراني في الكبير والأوسط وقال: فيه عبد الله بن صالح كاتب الليث وقد ضعفه أحمد وغيره وقال عبد الملك بن شعيب بن الليث ثقه مأمون.\nوعلى هكذا فالحديث حسن.\nورواه ابن حبان في صحيحه من وجه آخر عن أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، عن يحيى بن معين، عن عمرو بن الربيع عن يحيى بن أيوب، عن يعقوب بن إبراهيم، عن محمد بن ثابت بن شرحبيل عن =","vol":"1","page":362},{"text":"وابن عباس (^١)، وغيرههم من الصحابة ﵃ (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-553>[الإيمان وخصاله].</span>\n• فقوله - ﷺ -: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر\" فليفعل كذا وكذا يدل على أن هذه الخصال من خصال الإيمان، وقد سبق أن الأعمال تدخل في الإيمان.\nوقد فسر النبي - ﷺ - الإيمان بالصبر والسماحة، قال الحسن: المراد: الصبر عن المعاصي، والسماحة: بالطاعة.\n• وأعمال الإيمان تارة تتعلق بحقوق الله كأداء الواجبات، وترك المحرمات. ومن ذلك قول الخير، والصمت عن غيره. وتارة تتعلق بحقوق عباده كإكرام الضيف، وإكرام الجار، والكف عن أَذاه: فهذه ثلاثة أشياء يؤمر بها المؤمن.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-554>[قول الخير من الإِيمان].</span>\nأحدها: قول الخير، والصمت عما سواه، وقد روى الطبراني من حديث أسود بن أصرم المحاربي قال:\n_________\n= عبد الله بن يزيد الخطمي، عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل، الحمام إلا بمئزر، ومن كان يؤمن بالله واليوم والآخر فليقل خيرًا أو ليصمت، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر من نسائكم فلا تدخلن الحمام\".\nقال: فنميت بذلك إلى عمر بن عبد العزيز في خلافته، فكتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن سل محمد بن ثابت عن حديثه فإنه رضا فسأله ثم كتب إلى عمر فمنع النساء عن الحمام\". راجع الإحسان ٧/ ٤٤٥. ورواه الخرائطي في مكارم الأخلاق ١/ ٢٢٤ ح ٢٢١ و٣٢١ ح ٣٠٧ بإسناد ضعيف.\n(^١) حديث ابن عباس رواه البزار في مسنده - عن الفضل بن سهل عن عبد الله بن صالح عن مسلم، عن مندل، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت\".\nكشف الأستار (٢/ ٣٩١).\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٦ عن البزار في هذا الموضع وقال: رواه البزار وفي بعض رجاله ضعف وقد وثقوا. وهو عند الخرائطي في المكارم ١/ ٢٢٦ ح ٢١٣ بإسناد ضعيف.\n(^٢) يروى في ذلك عن أنس وزيد بن خالد وأبي مسعود وأبي سعيد الخدري، وطائفة من الصحابة.\nيراجع في ذلك مسند أحمد ٣/ ٧٦ (الحلبي) و٥/ ٢٤، ٤١٢ وكشف الأستار ٢/ ٣٩١، ومجمع الزوائد ٨/ ١٦٦، ١٦٩، ١٧٦.","vol":"1","page":363},{"text":"قلت: يا رسول الله! أَوصني.\nقال: \"هَلْ تملك لسانَكَ؟ \" قلت: ما أملِكُ إذا لم أملك لِساني؟.\nقال: \"فهل تَمْلِكُ يَدَكَ \"؟ قلت: فما أملِكُ إذا لم أَملِك يدِي؟.\nقال: \"فلا تَقُلْ بلسَانكَ إلا معْرُوفًا، ولا تبْسطْ يَدك إلا إلى خير (^١) \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-555>[استقامة اللسان من الإِيمان].</span>\nوقد ورد أن استقامة اللسان من خصال الإِيمان، كما في المسند عن أنس ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"لا يستَقيمُ إيمانُ عبد حتَّى يستقيمَ قلبُه ولا يستقيمُ قلبُه حتى يستقيمَ لسانه\" (^٢).\n• وخرّج الطبراني من حديث أنس عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يبلغُ عَبْدٌ حقيقةَ الإِيمانِ حتى يخْزُنَ مِنْ لسانِه\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-556>[فضيلة الصمت عما عدا الخير].</span>\n• وخرج الطبراني من حديث معاذ بن جبل عن النبي، - ﷺ - قال:\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير ١/ ٢٨١ - ٢٢ من وجهين بنحوه وإسناد أحدهما إسناد حسن والإسناد الثاني قال عنه البخاري في التاريخ الكبير ١/ ١/ ٢٤٤: فيه نظر.\nوأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت ص ٣٦ - ٣٧.\nوانظر مجمع الزوائد ٤/ ١٠٥ - ١٠٦ و١٠/ ٣٠٠.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ١٩٨ (الحلبي) - عن زيد بن الحباب، عن علي بن مسعدة الباهلي عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل رجل الجنة لا يأمن جاره بوائقه\".\nوإسناده حسن؛ فقد قال الهيثمي بعد أن أورده في المجمع ١/ ٥٣ رواه أحمد وفي إسناده علي بن مسعدة وثقه جماعة، وضعفه آخرون والحديث رواه ابن أبي الدنيا في الصمت ص ٣٨ - عن عمرو بن محمد الناقد عَنْ زيد بن الحباب - به.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الصغير ٢/ ٣٤٦ ح ٩٤٤ - عن محمد بن الحارث بن عبد الحميد الوردي المصري بمصر، عن زهير بن عباد الرواسي، عن داود بن هلال، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يبلغ العبد … الحديث\".\nوقد عقب الطبراني على الحديث بقوله: لم يروه عن هشام إلا داود بن هلال، تفرد به زهير بن عباد.\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٠٢ عن الطبراني في الصغير والأوسط وقال: فيه داود بن هلال ذكره ابن أبي حاتم ولم يذكر فيه ضعفًا، وبقية رجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":364},{"text":"\"إنك لن تزال سالمًا ما سكت، فإذا تكلمت كتب لك أو عليك\" (^١).\nوفي مسند الإمام أحمد، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي - ﷺ - قال: \"مَنَ صَمَتَ نَجَا\" (^٢).\n* * *\n• وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال:\n\"إن الرجُلَ ليتكَلَّم بالكَلِمة ما يتبيّن مَا فيها يَزِلُّ بها في النارِ أبعدَ مِمَّا بَيْن المشْرِق والمغْرِب (^٣) \".\n• وخرج الإِمام أحمد والترمذي (^٤) من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٠/ ٧٣ - ٧٤ - عن معاذ بن المثنى عن سعيد بن سليمان الواسطي - وعن أبي يزيد القراطيسي عن حجاج بن إبراهيم الأزرق كلاهما عن مبارك بن سعيد، عن سعيد بن مسروق عن أيوب بن كريز عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل قال: بينا نحن ركب مع النبي - ﷺ - إذ تقدمت راحلته، ثم راحلتي لحقت راحلته حتى ظننت أن راحلته قد عرفت وطء راحلتي حتى نطحت ركبتي ركبته، قلت: يا رسول الله! إني أريد أن أسألك مرارًا ويمنعني مكان هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ قال: \"ما هو يا معاذ؟ \" قلت: العمل الذي يدخلني الجنة ويتجنبنى من النار قال: \"قد سألت عظيمًا، وإنه ليسير: شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت وصوم رمضان\" ثم قال: ألا أخبرك برأس هذا الأمر وعموده وذروته؟ الجهاد\" ثم قال: \"الصيام جُنَّة والصدقة تكفر الخطايا، ثم قال: \"ألا أنبئك بما هو أملك بالناس عن ذلك؟، فأخذ لسانه فوضعه بين أصبعين من أصابعه فقلت: يا رسول الله! أكلُّ ما نتكلم به يكتب علينا؟ قال: ثكلتك أمك وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟ إنك لم تزل سالمًا ما سكتَّ فإذا تكلمت كتب لك أو عليك\".\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٣٠٠ عن الترمذي والطبراني وقال: رواه الترمذي باختصار من قوله \"إنك لن تزال\" إلى آخره، ورواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما ثقات.\nوقوله \"إنك لن تزال سالمًا\" .. هكذا ورد في المجمع كما هو عن ابن رجب وما وقفنا عليه بالمعجم \"إنك لم تزل سالمًا .. \" كما سبق ولعل ما في المجمع يرجح صحة ما عند ابن رجب.\nوالحديث عند الترمذي بإسناد حسن صحيح في الإيمان: باب ما جاء في حرمة الصلاة ٥/ ١١ - ١٢ ما عدا الجملة الأخيرة التي أشار إليها الهيثمي ولعلى يقصد هذا؛ فعبارته موهمة.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ١٠/ ١٨٤ بإسناد صحيح والطبراني بإسناد جيد كما في الصحيحة ٥٣٦.\n(^٣) البخاري في كتاب الرقاق: باب حفظ اللسان ١١/ ٣٠٨ ح ٦٤٧٧ ومسلم في كتاب الزهد والرقائق: باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار ٤/ ٢٢٩. وفي ر، ظ، ل: \"ما بين\" وكلاهما في الصحيحين.\n(^٤) مسند أحمد ١٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه الشيخ شاكر.\nوالترمذي في كتاب الزهد، باب فيمن تكلم بكلمة يضحك بها الناس ٤/ ٥٥٧، وقال. هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.","vol":"1","page":365},{"text":"\"إن الرجلَ ليتكَلَّم بالكَلِمَة لا يَرى بهَا بأَسًا يَهْوِي بها سَبْعين خريفًا في النَّار\".\n• وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال:\n\"إن الرجُل ليتكَلَّم بالكَلمةِ مِنْ رضْوان الله لا يُلْقِى لها بالًا يرفَعُهُ الله بها درجات، وإنَّ العبد ليتكلَّم بالكلمة مِنْ سُخْط الله لا يلقِى لَها بالًا يهوي بِها في جهنم\" (^١).\n• وخرج الإمام أحمد من حديث سليمان (^٢) بن سحيم عن أمه قالت: سمعت النبي - ﷺ - يقول:\n\"إن الرجل ليدْنُو من الجنَّةِ حَتَّى مَا يكون بينَه وبينَها إلا ذراع فيتكلم بالكلِمة فَيَتَبَاعَدُ منها أَبعدَ من صَنْعاء\" (^٣).\n• وخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي من حديث بلال بن الحارث قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول:\n\"إن أحدَكم لَيتكلم بالكَلمة من رضْوان الله ما يظن أن تبْلغ ما بلغت فيَكْتُب الله له بها رضْوانه إلى يَوم يلقاه، وإنّ أحَدَكم لَيتكلَّم بالكَلمة من سُخْط الله ما يَظنّ أن تبلغ\n_________\n(^١) صحيح البخاري: كتاب الرقاق: باب حفظ اللسان ١١/ ٣٠٨ ح ٦٤٧٨.\n(^٢) في المطبوعة تبعًا للهندية: \"سلمان\" وهو تحريف، وأمه هي أمامة بنت أبي الحكم الغفارية ويقال: أمه بنت أبي الحكم. راجع ترجمتها ورواية ابنها سليمان للحديث المذكور عنها في أسد الغابة ٤/ ٤٠١، والاستيعاب ٤/ ١٧٩٠ والإصابة ٨/ ٢٥ - ٢٦.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٦٤ (الحلبي) - عن ابن أبي عدي عن محمد بن إسحاق، عن سليمان بن سحيم عن أمه ابنة الحكم الغفاري قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\n\"إن الرجل ليدنو من الجنة حتى يكون ما بينه وبينها قيد ذراع فيتكلم بالكلمة فيتباعد منها أبعد من صنعاء\".\nوأخرجه أحمد في المسند أيضًا ٥/ ٣٧٧ من الطريق ذاته بنحوه: \"إن الرجل ليدنو من الجنة حتى ما يكون بينه وبينها قيد ذراع … الحديث:\nومن ذلك يبين أن الرواية عن المسند لما تكن بنص ما جاء فيه وإنما كانت بالمعنى إلا أن تكون ثمت نسخة أخرى للمسند أخذ عنها ابن رجب.\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٩٧ عن أحمد وقال: رجال أحمد رجال الصحيح غير محمد بن إسحاق وقد وثق.\nأقول: ومحمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن.\nوقد أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت ٢٢١ - ٢٢٢ - عن محمد بن عمرو عن ابن أبي عدى - به. وعنده: \"إن الرجل ليدنو من الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا قيد رمح فيتكلم بالكلمة فيتباعد منها أبعد من صنعاء\".\nوبذلك جمعت هذه الرواية بين ما جاء في رواية ابن رجب وما في المسند فقد اقتصر المسند على كلمة \"قيد\" واقتصر ابن رجب على كلمة: \"إلا\" وجمع بينهما ابن أبي الدنيا. بالإضافة إلى أن كلمة رمح جاءت عند ابن أبي الدنيا موضع كلمة ذراع عندهما فالله أعلم.","vol":"1","page":366},{"text":"مَا بلغت فيَكْتبُ الله عليه بها سَخَطَه إلى يَوم يلقاه\" (^١).\nوقد ذكرنا فيما سبق (^٢) حديث أم حبيبة عن النبي - ﷺ - قال: \"كلامُ ابن آدم عَلَيه لا له إلا الأمرَ بالمعْرُوف والنهيَ عَنِ المنكر وذكرَ الله ﷿ (^٣) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-557>[الكلام إما خير وإما غير خير].</span>\nفقوله - ﷺ -: \"فليقل خيرًا أو لِيَصْمُت\". أمرٌ بقول الخير، وبالصمت عما عداه.\nوهذا يدل على أنه ليس هناك كلام يستوي قولُه، والصمتُ عنه، بل إما أن يكون خيرًا، فيكونَ مأْمورًا بقوله، وإما أن يكون غيرَ خير، فيكونَ مأمورًا بالصمت عنه، وحديث معاذ وأم حبيبة يدلان على هذا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-558>[فهو إما لك وإما عليك].</span>\nوخرج ابن أبي الدنيا حديث معاذ بن جبل ولفظه: أن النبي - ﷺ - قال له:\n\"يا معاذ! ثَكلتْكَ أُمُّك، وهل تَقولُ شيئًا إلا وهُوَ لَكَ أَو عَلَيك (^٤)؟ \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-559>[مسئولية الكلمة].</span>\nوقد قال الله تعالى ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٤٦٩ (الحلبي) وفيه ذكر أحمد عن علقمة بن وقاص الليثي: راوي الحديث عن بلال قوله: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث!.\nوالترمذي في كتاب الزهد: باب قلة الكلام ٤/ ٥٥٩ وقال هذا حديث حسن صحيح.\nوهو في الترغيب والترهيب ٤/ ٩ عن مالك وابن حبان والحاكم والنسائي كذلك. لكن في الرقائق في الكبرى كما في تحفة الأشراف ٢/ ١٠٣.\n(^٢) ص ٣٣٧ لكن بلفظ: كل كلام …\n(^٣) رواه ابن ماجه في السنن: كتاب الفتن: باب كف اللسان ٢/ ١٣١٥ والترمذي في الزهد: باب ٦٢ - ٤/ ٥٠٨ كلاهما عن محمد بن بشار - زاد الترمذي وغير واحد، كلهم عن محمد بن يزيد بن خنيس المكي قال: سمعت سعيد بن حسان المخزومي قال: حدثتني أم صالح صفية بنت شيبة، عن أم حبيبة: زوج النبي - ﷺ - عن النبي - ﷺ - قال: كل كلام ابن آدم … الحديث.\nلفظ الترمذي وقال حديث حسن غريب وما أورده ابن رجب هو نص رواية ابن ماجه.\n(^٤) راجع أيضًا - في حديث معاذ: الترغيب والترهيب ٤/ ٥ - ٦. وهو عند ابن أبي الدنيا في الصمت ص ٣٧ وعنده: \"ثكلتك أمك يا ابن جبل! وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟ وهل تقول شيئًا إلا لك أو عليك؟ \".","vol":"1","page":367},{"text":"إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ (^١).\nوقد أجمع السلف الصالح على أن الذي عن يمينه يكتب الحسنات، والذي عن شماله يكتب السيئات. وقد روي ذلك مرفوعًا من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف (^٢).\nوفي الصحيح عن النبي - ﷺ -.\n\"إذا كَانَ أَحَدُكُم يُصَلِّي فإنه يُنَاجِي رَبَّه والملَكُ عَنْ يَمينهِ\" (^٣).\nوروي من حديث حذيفة مرفوعًا:\n\"إن عَنْ يَمينه كَاتبَ الحَسَنَات\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة ق: ١٧، ١٨.\n(^٢) راجع عنه مجمع الزوائد ١٠/ ٢٠٨.\n(^٣) يراجع في هذا ما أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٣٤، ٣٦، ١٢٩، ١٤٤ من حديث ابن عمرو ٣/ ١٧٦، ١٨٨، ١٩١ - ١٩٢، ١٩٩، ٢٠٠، ٢١٤، ٢١٥،٢٣٤، ٢٧٣، ٢٧٨، ٢٩١ من حديث أنس.\nوما أخرجه البخاري في كتاب الصلاة.\nباب حك البزاق باليد من المسجد ١/ ٥٠٧ - ٥٠٨ وباب ليبزق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى ١/ ٥١١ من حديث أنس وباب دفن المخامة في المسجد ١/ ٥١٢ من حديث أبي هريرة، وباب إذا بدره البزاق فليأخذ بطرف ثوبه ١/ ٥١٣ من حديث أنس، وكتاب مواقيت الصلاة: باب المصلي يناجي ربه ﷿ ٢/ ١٤ من حديث أنس وكتاب العمل في الصلاة: باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة ٣/ ٨٤ من حديث أنس.\nوانظر ما أخرجه مسلم في صحيحه كتاب الساجد ومواضع الصلاة: باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها ١/ ٣٩٠ من حديث أنس (٥٤) أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجى ربه … الحديث واللفظ لمسلم.\nوعند أحمد في المسند من حديث أبي سعيد الخدري ٣/ ٢٤ (الحلبي) أن رسول الله - ﷺ - كان يعجبه العراجين أن يمسكها بيده فدخل المسجد ذات يوم وفي يده واحدة منها، فرأى نخامات في قبلة المسجد فحتَّهن به حتى أنقاهن ثم أقبل على الناس مغضبًا فقال: أيحب أحدكم أن يستقبله رجل فيبصق في وجهه؟ إن أحدكم إذا قام إلى الصلاة فإنما يستقبل ربه ﷿ والملَكُ عن يمينه؛ فلا يبصق بين يديه ولا عن يمينه وليبصق تحت قدمه اليسرى أو عن يساره فإن عجلت به بادرة فليقل هكذا ورد بعضه على بعض، وتفل يحيى في ثوبه ودلكه.\nوهو عند ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٣٦٣ - ٣٦٤ بنحوه.\n(^٤) حديث حذيفة أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٢/ ٣٦٤ - عن وكيع عن الأعمش، عن أبي وائل عن حذيفة قال: إن العبد المسلم إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم قام يصلي أقبل الله عليه بوجهه حتى يكون هو الذي ينصرف أو يحدث حدث سوء، فلا يبزق بين يديه ولا عن يمينه فإن عن يمينه كاتب الحسنات، ولكن يبزق عن يساره أو خلف ظهره.\nوقد أخرجه عقبه من طريق أبي بكر بن عباس بن عاصم عن أبي وائل عن حذيفة - رفعه بنحوه. وعن كون كاتب الحسنات وهو ملك اليمين ينظر تفسير ابن كثير ٤/ ٢٢٤ والدر المنثور للسيوطي ٦/ ١٠٣ - ١٠٤ عند قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾.","vol":"1","page":368},{"text":"<span data-type='title' id=toc-560>[ماذا يكتب الملَكُ؟].</span>\nواختلفوا: هل يكتب كل ما يتكلم به أَو لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب؟ على قولين مشهورين.\n• وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله: أَكلت، وشربت، ذهبت، وجئت، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعَمَلُهُ فأُقِرَّ منه ما كان فيه من خير أو شر، وأُلِغِىَ سائرهُ؛ فذلك قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (^١).\nوعن يحيى بن أَبي كثير، قال: ركب رجل الحمار فعثر به فقال: تعس الحمار، فقال صاحب اليمين: ما هي حسنة فأكْتُبَهَا، وقال صاحب الشمال: ما هي سيئة، فأَكتُبَهَا، فأوحى الله إلى صاحب الشمال ما ترك صاحب أليمين من شيء فاكتبه، فأَثبت في السيئات: تعس الحمار (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-561>[ما ليس بحسنة].</span>\nوظاهر هذا أن ما ليس بحسنة فهو سيئة إن كان لا يعاقب عليها؛ فإن بعض السيئات قد لا يعاقب عليها. وقد تقع مكفَّرةً باجتناب الكبائر، ولكن زمانها قد خسره صاحبها حيث ذهَبَ باطلًا فيحصل له بذلك حسرةٌ في القيامة، وأسفٌ عليه وهو نوع عقوبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-562>[خير المجالس وخير الكلام]</span>\nوخرج الإمام أحمد، وأَبو داود والنسائي، من حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال:\n\"ما مِنْ قَوم يقُومونَ من مَجِلسٍ لا يذكُرُونَ الله فيهِ إلا قاموا عَنْ مِثْلِ جيفَة حِمَارٍ وَكَانَ لَهُمْ حَسْرةً\" (^٣).\n_________\n(^١) سورة الرعد: ٣٩.\nوالأثر في الدر المنثور في الموضع المذكور وقد عزاه لابن جرير وابن أبي حاتم وفي الدر، ب: \"وألقى\".\n(^٢) أورده السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٤ عن ابن أبي شيبة والبيهقي في شعب الإيمان من طريق الأوزاعي عن حسان بن عطية، وعنده: ما هي بحسنة .. ما هي بسيئة .. وفي م، هـ: \"ما هي من السيئات … \" وفي ر، ظ، ل: \"ما هي حسنة أكتبها\".\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٥٢٧ (الحلبي) من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ما جلس قوم مجلسًا فتفرقوا عن غير ذكر الله ﷿ إلا تفرقوا عن مثل جيفة حمار، وكان ذلك المجلس حسرة عليهم =","vol":"1","page":369},{"text":"وخرجه الترمذي ولفظه.\n\"ما جلس قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يُصلوا على نبيهم - ﷺ - إلا كان عليهم تِرةً (^١) فإن عذبهم، وإن شاء غفَر لهم.\n* * *\n• وفي رواية لأبي داود والنسائي.\n\"مَن قعد مَقعدًا لم يَذْكُر الله فيهِ كَانت عَلَيْهِ مِن الله ترةٌ، ومَن اضطجع مُضطجعًا لم يذكر الله فيه كَانت عليه مِن الله ترة\".\nزاد النسائي: \"ومَنْ قامَ مُقامًا لم يَذكر الله فيه كان عليه منَ الله ترة\" (^٢).\n• وخرج أيضًا من حديث أبي سعيد (^٣) عن النبي - ﷺ -:\n\"مَا مِن قوم يجْلِسُونَ مجلسًا لا يذْكُرون الله فيه إلا كانت عَلَيهم حسرةً يوم القيامة وإن دَخلَوا الجنة\".\n_________\n= يوم القيامة\".\nوأخرجه في المسند ٢/ ٤٣٢ من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما جلس قوم مجلسًا فلم يذكروا الله فيه إلا كان عليهم ترة، وما من رجل مشى طريقًا فلم يذكر الله ﷿ إلا كان عليه ترة، وما من رجل أوى إلى فراشه فلم يذكر الله إلا كان عليه ترة\".\nوأخرجه من وجه ثالث ٢/ ٤٨١ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على النبي - ﷺ - إلا كان ترة عليهم يوم القيامة\".\nومن وجه رابع ٢/ ٤٨٤ بنحوه وزاد في آخره: إن شاء آخذهم به وإن شاء عفا عنهم.\n(^١) قال في النهاية ٥/ ١٤٩: ترة: أي نقصًا وقيل أراد بالترة ههنا: التبعة.\nوقال الترمذي ٥/ ٤٦١: قال بعض أهل المعرفة بالعربية: الترة: الثأر.\n(^٢) راجع الحديث في سنن أبي داود: كتاب الأدب: باب كراهية أن يقوم الرجل من مجلسه ولا يذكر الله ٥/ ١٨١.\nوفي سنن الترمذي: كتاب الدعاء: باب في القوم يجلسون ولا يذكرون الله ٥/ ٤٦ وقد عقب عليه بقوله: هذا حديث حسن صحيح، وقد روي من غير وجه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -.\nوقد أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ٤٠٩ - ٤١٠ من طرق عن أحمد والنسائي وابن حبان والحاكم أيضًا وذكر أن رجال أحمد رجال الصحيح.\nوهو عند النسائي في عمل اليوم والليلة.\nح ٤٠٧ وعنده: \"كانت عليه … \" كما عند أبي داود كذلك وكما في بعض النسخ.\nوفي \"ا\": \"مضجعًا .. كانت\".\n(^٣) أشار الترمذي في الموضع السابق إلى رواية أبي سعيد للحديث بمثله.\nوالحديث عند النسائي في عمل اليوم والليلة ح ٤١٢ باللفظ الذي أورده ابن رجب.","vol":"1","page":370},{"text":"• وقال مجاهد: \"ما جلس قوم مجلسًا فتفرقوا قبل أن يذكروا الله إلا تفرقوا عن أنتنَ من ريح الجيفة، وكان مجلسهم يشهد عليهما بغفلتهم، وما جلس قوم مجلسًا فذكروا الله قبل أن يتفرقوا إلا تفرقوا عن أطيب من ريح المسك، وكان مجلسهم يشهد لهم بذكرهم\".\n\n<span data-type='title' id=toc-563>[الساعات الضائعة].</span>\nوقال بعض السلف: \"يعرض على ابن آدم يوم القيامة ساعات عمره، فكل ساعة لم يذكر الله فيها تتقطع نفسه عليها حسرات\".\n• وخرّجه الطبراني من حديث عائشة ﵂ مرفوعًا:\n\"ما من (^١) ساعة تَمر بابن آدمَ لم يذكر الله فيها بِخير إلا حُسِرَ عندهَا يومَ القيامة\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-564>[ففضول الكلام يورد المهالك].</span>\nفمن هنا يعلم أن ما ليس بخير من الكلام فالسكوت عنه أفضل من التكلم به اللهم إلا ما تدعو إليه الحاجة مما لابد منه.\n• وقد روي عن ابن مسعود قال: \"إياكم وفضولَ الكلام، حسْب امرئ ما بلغ حاجته\".\n• وعن النخعي قال: \"يهلك الناس في فضول المال والكلام\".\nوأيضًا فإن الإِكثار من الكلام الذي لا حاجة إليه يوجب قساوة القلب؛ كما في الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا:\n\"لا تكْثروا الكَلَام بغَيْرِ ذِكْر الله، فإن كثرة الكلَام بِغَيْر ذكْر الله تقسي القلب وإن أبْعَد الناس عَن اللهِ القَلبُ القَاسي\" (^٣).\n• وقال عمر ﵁: من كثو كلامه كثر سَقَطُه، زمن كثر سَقَطُه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كانت النار أولى به.\n• وخرجه العقيلي من حديث ابن عمر مرفوعًا بإسناد ضعيف (^٤).\n_________\n(^١) سقطت من المطبوعة.\n(^٢) أورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٨٠ وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه عمرو بن الحصين العقيلي وهو للقلب\".\n(^٣) أخرجه الترمذي في كتاب الزهد ٣/ ٦٠٧ - ٦٠٨ وقال: حديث حسن غريب. وفيه: \"قسوة للقلب\".\n(^٤) في الضعفاء الكبير ٣/ ٣٨٤ - عن محمد بن إسماعيل، عن عبدة بن عبد الرحيم المروزي، عن إبرهيم بن =","vol":"1","page":371},{"text":"• وقال محمد بن عجلان: \"إنما الكلام أربعة: أن تذكرَ الله، وتقرأَ القرآن، وتسأل عن علم، فَتُخْبَرَ به، أو تَكَلَّم فيما يعينك من أمر دنياك\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-565>[الانضباط في الكلام].</span>\n• وقال رجل لسلمان: أوصني قال: \"لا تكلَّم! \" قال: ما يستطيع من عاش في الناس أن لا يتكلم؟ قال: \"فإن تكلمت فتكلم بحق أو اسكت (^١) \".\n• وكان أبو بكر الصديق ﵁ يأْخذ بلسانه ويقول: \"هذا أوردني الموارد؟! \".\n• [وقال ابن مسعود: \"والله الذي لا إله إلا هو ما على الأرض أحقُّ بطول سَجْنٍ من اللسان] (^٢) \".\n• وقال وهب بن منبه: \"أَجمعت الحكماء على أَن رأْس الحكمة: الصمت (^٣) \".\n• وقال شُمَيْطُ بن عجلان: \"يا ابن آدم! إنك ما سكتَّ فأنت سالم، فإذا تكلمتَ فخذ حِذْرَك، إما لك وإما عليك؟! \".\nوهذا باب يطول استقصاؤه.\n\n<span data-type='title' id=toc-566>[مقصود الحديث].</span>\nوالمقصود أن النبي - ﷺ - أمر بالكلام بالخير والسكوت عما ليس بخير.\n• وخرّج الإمام أحمد، وابن حبان، من حديث البراءِ بن عازب، أن رجلًا قال: يا رسول الله! علمني عملًا يُدخلني الجنة فذكر الحديث وفيه قال:\n_________\n= الأشعث، عن عيسى بن موسى عن عمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه، ومن كثرت ذنوبه كنت النار أولى به ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت\".\nثم قال العقيلي:\nإن كان هذا عمر بن راشد فهو ضعيف، لكان كان غيره فمجهول. أول الحديث معروف من قول عمر بن الخطاب وآخره يروى بإسناد جيد بغير هذا الإسناد.\nوهو يعني رواية البخاري ومسلم وغيرهما للشطر الأخير من الحديث من روايتي أبي هريرة وأبي شريح.\n(^١) الصمت لابن أبي الدنيا ص ٤٨ ح ٤٤ بنحوه.\n(^٢) ما بين القوسين سقط من ب. وفي ر، ظ، ل: \"من لسان\".\n(^٣) ل، ر، ظ \"الحكماء أن رأس الحكم … \".","vol":"1","page":372},{"text":"\"فأطعم الجائع، واسق الظمآن، وأمر بالمعروف، وانْه عن المنكر؛ فإن لم تطق ذلك فَكُفَّ لِسَانَكَ إِلَّا من خيرٍ\" (^١).\n* * *\nفليس الكلام مأمورًا به على الإِطلاق، ولا السكوت كذلك، بل لابد من الكلام بالخير، والسكوت عن الشر.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-567>[الصمت عن الشر فضيلة محمودة].</span>\nوكان السلف كثيرًا يمدحون الصمت عن الشر، وعما لا يعني؛ لشدته على النفس ولذلك يقع الناس فيه كثيرًا، فكانوا يعالجون أنفسهم، ويجاهدونها على السكوت عما لا يعنيهم.\n• قال الفُضَيْل بن عياض: \"ما حجَّ ولا رباط ولا جهاد أشدَّ من حبس اللسان! ولو أصبحت يهمك لسانُك أصبحتَ في غم شديد\".\n• وقال: \"سَجْن اللسان سِجْن المؤمن، ولو أصبحت يهمك لسانك أصبحت في غم شديد\" (^٢).\n* * *\n• وسئل ابن المبارك عن قول لقمان لابنه (^٣): \"إن كان الكلام عن فضة فإن الصمت من ذهب؟! \" فقال: \"معناه: لو كان الكلام بطاعة الله من فضة، فإن الصمت عن معصية الله من ذهب!؟ \".\nوهذا يرجع إلى أن الكف عن المعاصي أفضل من عمل الطاعات، وقد سبق القول في هذا مستوفى.\n* * *\n• وتذاكروا عند الأحنف بن قيس أَيما أَفضل: الصمت أَو النطق؟ فقال قوم: الصمت أَفضل، فقال الأحنف: النطق أَفضل؛ لأن فضل الصمت لا يعدو صاحبه،\n_________\n(^١) مسند أحمد ٤٠/ ٢٩٩ (الحلبي). والإحسان ١/ ٢٩٦ ح ٣٧٥ بنحوه وبسياقه تامًّا وأورده الهيثمي في المجمع ٤/ ٢٤٠ وقال: رواه أحمد ررجاله ثقات.\n(^٢) الصمت لابن أبي الدنيا ح ٦٣١. والحلية لأبي نعيم ٨/ ١١٠.\n(^٣) ونسب إلى عيسى وسليمان وانظر الصمت ح ٤٧ والتعلق عليه.","vol":"1","page":373},{"text":"والمنطق الحسن ينتفع به من سمعه (^١).\n* * *\n• وقال رجل من العلماء عند عمر بن عبد العزيز ﵀: \"الصامت على علم كالمتكلم على علم\" فقال عمر: إني لأرجو أَن يكون التكلم على علم أَفضلَهما يوم القيامة حالًا؛ وذلك أن منفعته للناس، وهذا صمته لنفسه!؟ \" فقال له: يا أمير المؤمنين! وكيف بفتنة المنطق؟.\nفبكى عمر عند ذلك بكاءً شديدًا.\n* * *\nولقد خطب عمر بن عبد العزيز يومًا فرقَّ الناس وبكَوْا، فقطع خطبته فَقيلَ له: لو أتممت كلامَك رجونَا أن ينفع الله به؟ فقال عمر: إن القول فتنة، والفعل أولى بالمؤمن من القول.\n\n<span data-type='title' id=toc-568>[ابن رجب يرى عمر بن عبد العزيز].</span>\nوكنت من مدة طويلة قد رأيت في المنام أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ وسمعته يتكلم في هذه المسألة وأَظن أَني فاوضته فيها وفهمت من كلامه أن التكلم بالخير أفضل من السكوت. وأَظن (^٢) أَنه وقع في أثناء الكلام ذكر سليمان بن عبد الملك وأَن عمر قال ذلك له وقد (^٣) روي عن سليمان بن عبد الملك أَنه قال: \"الصمت منام العقل، والمنطق يقظته (^٤)، ولا يتم حال إلا بحال. يعني لابد من الصمت والكلام\".\n\n<span data-type='title' id=toc-569>[عندما يعجب المرء بنفسه].</span>\n• وما أحسن ما قال عبيد الله بن أبي جعفر: فقيه أهل مصر في وقته (^٥) وكان أَحدَ الحكماء: إذا كان المرء يحدّث في مجلس فأعجبه الحديث فليسكت، وإذا كان ساكتًا فأَعجبه السكوت فليحدِّث (^٦).\n_________\n(^١) الصمت لابن أبي الدنيا ح ٧١٢ وفي التعليق عزاه إلى تهذيب تاريخ دمشق ٧/ ٢٣.\n(^٢) في المطبوعة: \"وأظنه\".\n(^٣) في المطبوعة: \"وهذا\" وهو تحريف.\n(^٤) رواه ابن أبي الدنيا في الصمت ح ٦٩٦ وأبو نعيم في الحلية ٧/ ٨٢ بنحوه: أنه كان يقال: .. \" وابن حبان في روضة العقلاء منسوبًا لأبي حاتم بسياقه تامًّا ص ٤١.\n(^٥) ظ: \"زمانه\".\n(^٦) الصمت ٩٧ بإسناد ضعيف.","vol":"1","page":374},{"text":"وهذا حسن؛ فإن من كان كذلك كان سكوته وحديثه بمخالفة هواه وإعجابه بنفسه، ومن كان كذلك كان جديرًا بتوفيق الله إياه، وتسديده في نطقه وسكوته؛ لأن كلامه وسكوته يكون لله ﷿.\n* * *\nوفي مراسيل الحسن ﵀ عن النبي - ﷺ - فيما يرويه عن ربه ﷿ قال: \"علامة الطهر أن يكون قلب العبد عندي معلقًا، فإذا كان كذلك لم ينسني على حال، وإذا كان كذلك مننت عليه بالاشتغال بي كيلا ينساني، فإذا نسيني حرّكتُ قلبَهُ، فإن تكلم تكلّم لي، وإن سكتَ سكتَ لي؛ فذلك الذي تأْتيه المعونة من عندي\".\nحرّجه إبراهيم بن الجنيد.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-570>[التزام الصمت].</span>\nوبكل حال فالتزام الصمت مطلقًا، واعتقاده قربة: إما مطلقًا أو في بعض العبادات كالحج والاعتكاف والصيام - منهِيٌّ عنه.\n• وروي من حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - عن صيام الصمت.\n• وخرج الإسماعيلي من حديث عليّ ﵁ قال: \"نهانا رسول الله - ﷺ - عن الصمت في العُكُوف\" (^١).\nوفي سنن أبي داود من حديث عليّ عن النبي - ﷺ - قال: \"لا صُماتَ يومٍ إلى الليل\" (^٢).\n_________\n(^١) بعد هذا في المطبوعة والهندية: \"وخرج الإسماعيلي من حديث علي أيضًا قال: نهانا رسول الله - ﷺ - عن الصمت في الصلاة\".\n(^٢) أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الوصايا: باب ما جاء متى ينقطع اليتم؟ ٣/ ٢٩٣ - ٢٩٤ من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: حفظت عن رسول الله - ﷺ -: \"لا يتم بعد احتلام، ولا صمات يوم إلى الليل\".\nوقد وضح الخطّابي في معالم السنن بهامش السنن أبعاد الحديث ومعناه فقال ﵀:\n\"ظاهر هذا القول يوجب انقطاع أحكام اليتم عنه بالاحتلام وحدوث أحكام البالغين له فيكون للمحتلم أن يبيع ويشتري ويتصرف في ماله، ويعقد النكاح لنفسه، وإن كانت امرأة فلا تزوج إلا بإذنها.\nولكن المحتلم إذا لم يكن رشيدا لم يفك الحجر عنه، وقد يُحْظر الشيء بشيئين فلا يرتفع بارتفاع أحدهما مع بقاء السبب الآخر وقد أمر الله تعالى بالحجر على السفيه فقال: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا [النساء: ٥] وقال: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فأثبت=","vol":"1","page":375},{"text":"وقال أبو بكر الصديق ﵁ لامرأة حجت مصمتة: \"إن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية (^١) \".\nوروي عن علي بن الحسين زين العابدين أنه قال: \"صوم الصمت حرام\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-571>[حق الجار وحرمته]:</span>\nالثاني مما أمر به النبي - ﷺ - في هذا الحديث المؤمنين: \"إكرام الجار\"، وفي بعض الروايات: \"النهي عن أذى الجار\".\nفأَما أَذى الجار فمحرم. فإن الأذى بغير حق محرم لكل أحد، ولكن في حق الجار هو أشدُّ تحريمًا. وفي الصحيحين، عن ابن مسعود، عن النبي - ﷺ -: أنه سئل أبي الذنب أعظم؟ قال:\n\"أَنْ تَجْعَل لله نِدًّا وهو خلَقَك \" قيل: ثُم أيٌّ؟ قال: \"أن تَقتُلَ ولدَك مخافة أن يَطْعَم معك \" قيل: ثُم أيٌّ؟ قال: \"أن تُزاني حَلِيلَةَ جارك (^٢) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-572>[التشديد في المعصية مع الجار]:</span>\n* * *\nوفي مسند اللإِمام أحمد عن المقدادِ بن الأسْود قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n_________\n= الولاية على السفيه، كما أثبتها على الضعيف، فكان معنى الضعيف راجعًا إلى الصغير، ومعنى السفيه راجعًا إلى الكبير البالغ، لأن السفه اسم ذم، ولا يذم الإنسان على ما لم يكتسب، والقلم مرفوع عن غير البالغ فالجرح والذم مرفوعان عنه، وقال سبحانه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] فشرط في دفع المال إليهم شيئين: الاحتلام والرشد. والحكم إذا كان وجوبه معلقًا بشيئين لم يجب إلا بورودهما معًا.\nوقوله \"لاصُماتَ يوم إلى الليل\" وكان أهل الجاهلية من نسكهم الصمات، وكان الواحد منهم يعتكف اليوم والليلة فيصمت ولا ينطق، فنهوا عن ذلك، وأمروا بالذكر والنطق بالخير\".\n(^١) هذا جزء حديث أخرجه البخاري في المناقب: باب أيام الجاهلية ٧/ ١٤٧.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير: سورة البقرة باب قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ١٦٣ وسورة الفرقان: باب قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ ٨/ ٤٩٢، وفي كتاب الأدب، باب قتل الولد خشية أن يأكل معه ١٠/ ٤٣٣، وفي كتاب الحدود، باب إثم الزناة ١٢/ ١١٤، وفي كتاب الديات: باب قول الله ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾. ١٢/ ١٨٧، وفي كتاب التوحيد: باب قول الله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ ١٣/ ٤٩١ وفي باب قول الله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾.\nومسلم في كتاب الإيمان: باب كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده ١/ ٩٠، ٩١.","vol":"1","page":376},{"text":"\"ما تقولون في الزنا؟ \" قالوا: حَرام حَرَّمه اللهُ ورسولُه فهو حرام إلى يوم القيامة؟ فقال رسول الله - ﷺ - \" لأن يَزْنيَ الرَّجُلُ بِعَشْرِ نسْوة أَيْسَرُ علَيه من أنْ يزني بامرأة جاره\" قال: \"فما تقولون في السَّرِقَةِ؟، قالوا: حرام حرّمها الله ورسوله، فهي حرام قال: \"لأن يَسْرِق الرجلُ من عَشَرَةِ أَبْيَاتٍ أيْسَرُ عليه من أن يسرق من جاره\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-573>[التشديد في أمر إيذائه ونفي الإيمان عمن يؤذي جاره]:</span>\n• وفي صحيح البخاري (^٢) عن أبي شريح عن النبي - ﷺ - قال: \"والله لا يُؤمِن، والله لا يُؤمِن، والله لا يؤمن\" قيل: مَنْ؟ يا رسول الله!؟! قال: من لا يَأمَنُ جَارُهُ بوَائِقَه\".\nوخرجه الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-574>[ومنعه من دخول الجنة]:</span>\n• وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة، ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يدخُلُ الجنةَ من لا يأْمَنُ جَارُه بوائِقه\" (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-575>[الجار جنتك ونارك]:</span>\n• وخرج الإمام أحمد والحاكم من حديث أبي هريرة أيضًا قال: قيل: يا رسول الله! إن فلانة تصلي بالليل، وتصوم النهار، وفي لسانها شيء، تؤذي جيرانها،\n_________\n(^١) أورَده المنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٣٣٢ عن أحمد والطبراني في الكبير والأوسط وهو عند أحمد في المسند ٦/ ٨ (الحلبي) وعند الطبراني في الكبير ٢٠/ ٢٥٦ - ٢٥٧ وأورده الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٨ وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجاله ثقات.\n(^٢) في كتاب الأدب: باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه ١٠/ ٤٤٣.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٨٨، ٣٣٦ (الحلبي) من طريق ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن\" قالوا: وما ذاك يا رسول الله قال: \"الجار الذي لا يأمن جاره بوائقه\" قالوا: يا رسول الله! وما بوائقه؟ قال: \"شره\".\nوأخرجه في المسند أيضًا ٤/ ٣١ و٦/ ٣٨٥ بنحوه من حديث أبي شريح في الموضع الأول.\nوفي الموضع الثاني: \"لا والله لا يؤمن … \".\nوأخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأدب: باب إثم من لا يأمن جاره بوائقه ١٠/ ٤٤٣. والحاكم في المستدرك ١/ ١٥ وصححه على شرط الشيخين.\nوقال الذهبي: في الصحيحين نحوه الأعرج.\n(^٤) في كتاب الإِيمان: باب بيان تحريم إيذاء الجار، ١/ ٦٨.","vol":"1","page":377},{"text":"سليطة؟ قال: \"لا خير فيها، هي في النار\" وقيل له: إن فلانة تصلي المكتوبة، وتصوم رمضان، وتتصدق بالأَثْوَار، وليس لها شيء غيره، ولا تؤذي أحدًا. قال: \"هي في الجنة (^١) \".\nولفظ الإمام أحمد: ولا تؤذي بلسانها جيرانها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-576>[أسلوب عملي في التعريف بحق الجار]:</span>\n• وخرج الحاكم من حديث أبي جُحَيْفَة قال:\n\"جاء رجل إلى النبي - ﷺ - يشكو جاره فقال له: \"اطرح متاعك في الطريق\" قال: فجعل الناس يمرون به فيلعنونه فجاءَ إلى النبي - ﷺ -، فقال: يا رسول الله! ما لقيت من الناس؟ قال: \"وما لقيت منهم؟ \" قال: يلعنوني؟ قال: \"فقد لعنك الله قبل الناس\" قال: يا رسول الله! فإني لا أعود\" (^٢).\n* * *\n• وخرجه أبو داود بمعناه من حديث أبي هريرة، ولم يذكر فيه \"فقد لعنك الله قبل الناس\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-577>[لا قليل من أذى الجار]:</span>\n• وخرج الخرائطي من حديث أُم سلمة قالت: دخلت شاة لجار (^٤) لنا فأَخذت\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب البر والصلة ٤/ ١٦٦ من طريقين عن أبي هريرة وصححه وأقره الذهبي.\nوأخرجه أحمد في المسند ٢/ ٤٤٠ (الحلبي).\nوأورده الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٨ - ٦٩، وقال: رواه أحمد والبزار ورجاله ثقات والأثوار جمع ثور، وهي قطعة من الأقط، وهو (بفتح الهمزة وكسر القاف) لبن جامد مستحجر: نوع معروف من الجبن راجع النهاية ١/ ٢٢٨.\nوالحديث أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٢٣٥ عن أحمد والبزار وابن حبان أيضًا، وهو عن البخاري في الأدب المفرد ٦٦ باب لا يؤذي جاره ص ٣٦ - ٣٧ وفيه: وتصدق بأثواب\" وهو تحريف.\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب البر والصلة ٤/ ١٦٥ - ١٦٦ من طريقين: الأول عن أبي هريرة، والثاني عن أبي جحيفة وصححه على شرط مسلم وأقره الذهبي.\n(^٣) أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الأدب: باب حق الجوار ٥/ ٣٥٧ - ٣٥٨ من طريق محمد بن عجلان، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - يشكو جاره، فقال \"اذهب فاصبر\" فأتاه مرتين أو ثلاثًا فقال: \"اذهب فاطرح متاعك في الطريق، فطرح متاعه في الطريق، فجعل الناس يسألونه فيخبرهم خبره، فجعل الناس يلعنونه، فعل الله به وفعل، وفعل، فجاء إليه جاره فقال له: \"ارجع لا ترى مني شيئًا تكرهه\".\n(^٤) ب: \"لجارة\" وما أثبتناه هو الموافق لما في مساوئ الأخلاق.","vol":"1","page":378},{"text":"قرصة لنا، فقمت إليها فَأَخذتها من بين لحييها، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنه لا قليل من أذى الجار\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-578>[القرآن وإكرام الجار]:</span>\nوأما إكرام الجار والإحسان إليه فمأمور به وقد قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ (^٢).\nفجمع الله تعالى في هذه الآية بين ذكر حقه على العبد، وحقوق العباد على العبد أيضًا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-579>[العباد الذين أمرنا بالإحسان إليهم]:</span>\nوجعل العباد الذين أمر بالإحسان إليهم خمسة أنواع:\nأحدها: مَنْ بينه وبين الإنسان قرابة. وخص منهم الوالدين بالذكر لامتيازهما عن سائر الأقارب بما لا يشرَكونَهُمَا فيه؛ فإنهما كانا السبب في وجود الولد، ولهما حق التربية والتأْديب وغير ذلك.\nالثاني: من هو ضعيف محتاج إلى الإحسان. وهو نوعان: من هو محتاج لضعف\n_________\n(^١) أخرجه الخرائطي في مساوئ الأخلاق ص ١٥١ - ١٥٢ ح ٣٩١، ص ٢١٧ ح ٦١٧ عن بنان بن سليمان الدقاق، عن عبيد الله بن موسى، عن الأوزاعي، عن عبد الله أو عبدة بن أبي لبابة عن أم سلمة قالت: بينما أنا مع رسول الله - ﷺ - في لحاف إذ دخلت شاة لجار لنا، فأخذت قرصة من سترة لنا فقمت إليها فأخذتها من بين لحييها؛ فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنه لا قليل من أذى الجار! \".\nلفظ الموضع الأول.\nوفي الموضع الثاني: عن يحيى بن أبي لبابة عن أم سلمة والظاهر أن هذا تحريف. فقد قال ابن أبي حاتم في المراسيل ص (١١٥): عبدة بن أبي لبابة سمعت أبي يقول: ابن أبي لبابة رأى عمر رؤية، ثم قال ابن أبي حاتم: قال: أبي: عبدة بن أبي لبابة عن أم سلمة في الشاة [أي في القصة التي أوردها الخرائطي] قال أبي: لم يسمع عبدة من أم سلمة، بينهما رجل.\nوعلى هذا فالحديث ضعيف لانقطاعه وفي ل \"فأما إكرام الجار\".\n(^٢) سورة النساء: ٣٦.","vol":"1","page":379},{"text":"بدنه، وهو اليتيم. ومن هو محتاج لقلة ماله، وهو المسكين.\nوالثالث: من له حق القرب والمخالطة (^١). وجعلهم ثلاثة أنواع: جارٌ ذو قربى، وجارٌ جُنب، وصاحبٌ بالجنب.\n\n<span data-type='title' id=toc-580>[تأويل الآية]:</span>\nوقد اختلف المفسرون في تأْويل ذلك:\nفمنهم من قال: الجار ذو القربى: الجار اليذي له قرابة، والجار الجُنُب: الأجنبي.\nومنهم من أدخل المرأَة في الجار ذى القربي.\nومنهم من أدخلها في الجار الجنُب.\nومنهم من أدخل الرفيق في السفر في الجار الجنب.\n• وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول في دعائه: \"أعوذ بِكَ مِنْ جار السَّوْءِ في دَارِ الإِقامة؛ فإن جار البادي يتحوّل\" (^٢).\nومنهم من قال: الجار ذو القربى: الجار المسلم، والجار الجنب: الكافر.\n\n<span data-type='title' id=toc-581>[حقوق الجوار وما جاء في ذلك]:</span>\n• وفي مسند البزار من حديث جابر مرفوعًا:\n\"الجيران ثَلاثة: جار لهُ حَقٌّ واحِد، وهُوَ أدنى الجيران حقًّا، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق، وهو أفضل الجيران حقًّا:\nفأما الذي له حق واحد: فجار مشرك لا رحم له، له حق الجوار.\nوأما الذي له حقان فجار: مسلم؛ له حق الإِسلام، وحق الجار.\nوأما الذي له ثلاثة حقوق: فجار مسلم ذو رحم؛ له حق الجوار، وحق الإسلام،\n_________\n(^١) ب: \"المحافظة\".\n(^٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد: باب الجار السوء ص ٣٦ ولفظه عنده: اللهم إني أعوذ بك من جار السوء، فإن جار الدنيا يتحول\".\nوالمنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ٣٥٥ عن ابن حبان في صحيحه، وهو في الإحسان ٢/ ٣٨٤.\nوعند النسائي في السنن كتاب الاستعاذة: باب الاستعاذة من جار السوء ٢/ ٣١٩ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تعوّذوا بالله من جار السَّوْء في دار المقام، فإن جار البادية يتحول عنك\".\nوهو لفظ ابن حبان إلا أن عنده: \"في دار المقامة\".","vol":"1","page":380},{"text":"وحق الرحم\" (^١).\nوقد روي هذا الحديث من وجوه أُخر متصلة ومرسلة ولا تخلو كلها من مقال.\nوقيل: الجار ذو القربى: هو القريب الجوار (^٢) الملاصق، والجار الجنب: البعيد الجوار.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-582>[أي الجيران أولى بالإحسان]:</span>\nوفي صحيح البخاري عن عائشة قالت:\nقلت: يا رسول الله! إنَّ لي جارين، فإلى أَيهما أُهدي؟ قال: \"إلى أقربهما منك بابًا (^٣) \".\n_________\n(^١) رواه البزار في مسنده وهو في (٢/ ٣٨٠) من كشف الأستار من طريق عبد الله بن محمد بن أبي الربيع الحارثي، عن محمد بن إِسماعيل بن أبي فديك عن عبد الرحمن بن الفضل، عن عطاء الخراساني، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ - …\nوليس فيه: \"وهو أفضل الجيران حقًّا\" وهي عند ابن كثير، فالظاهر أنها سقطت من نسخة الكشف.\nوقد عقب البزار بقوله: لا نعلمه عن النبي - ﷺ - إلا بهذا الإسناد.\nوالحديث أورده الهيثمي في المجمع ٨/ ١٦٤ وقال: رواه البزار عن شيخه عبد الله بن محمد الحارثي وهو وضاع.\nأما ابن كثير فقد أورده في التفسير ١/ ٤٩٥ ثم قال: قال البزار: لا نعلم أحدًا روى عن عبد الرحمن بن الفضل: إلا ابن أبي فديك.\nولم أعثر على هذا التعقيب من البزار في الكشف، فربما كان في المسند.\nوالحديث عزاه السيوطي في الجامع الصغير ١/ ٤٩١ - ٤٩٢. من التيسير للبزار وأبي الشيخ في الثواب، وأبي نعيم في الحلية.\nوذكر المناوي أن أسانيده في هذه المصادر كلها ضعيفة.\nواقتصر ابن حجر في الفتح ١٠/ ٤٤١ - ٤٤٢ على عزو الحديث إلى الطبراني ولا أدري كيف؟ ولم يذكر وهاءَ إسناده! وإنما رتب عليه حكمًا فيما يتعلق بالتعامل مع الجار وترتيب الجيران على أساس ما أفاد الحديث من حقوق؟ وإن ذكر أن عبد الله بن عمرو أحد رواة الحديث حمله - على العموم، فأمر لما ذبحت له شاة أن يهدي منها لجاره اليهودي؟!.\n(^٢) ليست في م.\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب الشفعة: باب أي الجوار أقرب؟ ٤/ ٤٣٨ وفي كتاب الهبة: باب بمن يبدأ الهدية؟ ٥/ ٢١٩ - ٢٢٠ وفي كتاب الأدب: باب حق الجوار في قرب الأبواب ١٠/ ٤٤٧ من الفتح.\nوقد أورد القرطبي هذا الحديث في تفسيره (٥/ ١٨٤) عند تفسير قوله تعالى ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ وقال: ذهب جماعة من العلماء إلى أن هذا الحديث يفسر المراد من قوله تعالى: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى﴾ وأنه القريب المسكن منك، ﴿وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾ وأنه البعيد المسكن منك واحتجوا بهذا على إيجاب الشفعة للجار، وعضدوه بقوله ﵇: \"الجار أحق بصقبه\" [والصقب: الملاصقة والقرب، والمراد به الشفعة].\nقال القرطبي ولا حجة في ذلك؛ فإن عائشة ﵂ إنما سألت النبي - ﷺ - عمن تبدأ به من جيرانها في الهدية، فأخبرها أن من قرب بابه فإنه أولى بها من غيره.\nثم قال: قال ابن المنذر: \"فدل هذا الحديث على أن الجار يقع على غير اللصيق\".","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type='title' id=toc-583>[حدود الجوار]:</span>\nوقال طائفة من السلف: حدُّ (^١) الجوار أَربعون دارًا. وقيل: مستدارُ أربعين دارا من كل جانب.\n• وفي مراسيل الزهري: أَن رجلًا أَتي النبي - ﷺ - يشكو جارًا له فأَمر النبي - ﷺ - بعض أصحابه أَن ينادي:\n\"ألا إن أربعين (^٢) دارًا جار\".\n• وقال الزهري: أربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، يعني من (^٣) بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله.\n\n<span data-type='title' id=toc-584>[كيف يصنع إذا قل ماله وكثر جيرانه؟]:</span>\n• وسئل الإِمام أَحمد عمن يطبخ قِدْرًا وهو في دار السبيل، ومعه في الدار نحو ثلاثين أَو أَربعين نفسًا؟ يعني أنهم سُكَّانٌ معه في الدار قال: يبدأ بنفسه وبمن يعول، فإن فَضْلٌ أعطى الأقرب إليه. وكيف يمكنه أن يعطيهم كلهم؟ قيل له: لعل الذي هو جاره يتهاون بذلك القَدْر، ليس له عنده موقع. فرأَى أَنه لا يبعث إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-585>[من هو الصاحب بالجنب].</span>\nوأما الصاحب بالجنب ففسره طائفة بالزوجة، وفسره طائفة منهم ابن عباس بالرفيق في السفر، ولم يريدوا إخراج الصاحب الملازم في الحضر، إِنما أَرادوا أَن صحبة السفر تكفي؛ فالصحبة الدائمة في الحضر أَولى.\n• ولهذا قال سعيد بن جُبَيْر: \"هو الرفيق الصالح\".\n• وقال زيد بن أسلم: \"هو جليسُك في الحضر، ورفيقك في السفر\".\nوقال ابن زيد: هو الرجل يعتريك ويُلِمُّ بك لتنفعه\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-586>[خير الأصحاب وخير الجيران].</span>\n• وفي المسند والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(^١) ليست في ب.\n(^٢) ب: \"الأربعين\".\n(^٣) م: \"ما\".\n(^٤) في م: \"لتسعفه\".","vol":"1","page":382},{"text":"\"خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-587>[بقية من أمرنا بالإحسان إليهم].</span>\nالرابع: من هو وارد على الإنسان غير مقيم عنده، وهو ابن السبيل يعني المسافر إذا ورد إلى بلد آخر.\nوفسره بعضهما بالضيف، يعني به ابن السبيل إذا نزل ضيفًا على أحد.\nوالخامس ملك اليمين. وقد وصى النبي - ﷺ - بهم كثيرًا وأمر بالإحسان إليهما.\nوروي أن آخر ما وصى به عند موته: \"الصلاة وما ملكت أَيمانكم\" (^٢).\nوأدخل بعض السلف في هذه الآية ما يملكه الإنسان من الحيوانات والبهائم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-588>[تعظيم حق الجار]:</span>\nولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة في إكرام الجار.\n• وفي الصحيحين (^٣) عن عائشة وابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \"ما زال جِبْريلُ يُوصِيني بالجار حتى ظننتُ أَنه سَيُوَرّثه\".\n* * *\nفمن أنواع الإِحسان إلى الجار مواساتُه عند حاجته.\n• وفي المسند عن عمر ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يشبع المؤمن دون جاره\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في حق الجوار ٤/ ٣٣٣ وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب.\nوأحمد في المسند ١٠/ ١٠٠ - ١٠١ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه.\n(^٢) من حديث أم سلمة في سنن ابن ماجه ١/ ٥١٩ ومن حديث أنس وعلي فيها ٢/ ٩٠٠، ٩٠١ وفي سنن أبي داود في كتاب الأدب: باب في حق المملوك ٥/ ٣٥٩ من حديث علي ﵁ ومن حديث أنس وأم سلمة في الكبرى للنسائي ٤/ ٢٥٨ - ٢٥٩.\n(^٣) البخاري في كتاب الأدب: باب الوصاة بالجار ١٠/ ٤٤١.\nومسلم في كتاب البر والصلة والآداب: باب الوصية بالجار والإِحسان إليه ٤/ ٢٠٢٥ كلاهما من حديثي عائشة وابن عمر بخ: ٦٠١٤، ٦٠١٥، م: ٢٦٢٤، ٢٦٢٥.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٣٢١ - ٣٢٢ (المعارف) بإسناد ضعيف كما ذكر محققه.","vol":"1","page":383},{"text":"• وخرج الحاكم (^١) من حديث ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \"ليس المؤمنُ الذي يَشْبَعُ وَجَارُهُ جَائِعٌ\".\nوفي رواية أُخرى عن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال (^٢).\n\"ما آمن مَنْ بات شَبْعَانًا وجارُهُ طاويًا\" (^٣).\n• وفي المسند عن عقبة بن عامر عن النبي - ﷺ - قال:\n\"أوّل خصمين يوم القيامة جاران\" (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب البر والصلة ٤/ ١٦٧ وصححه وأقره الذهبي ولفظه في النسخة التي بين أيدينا: \"ليس المؤمن الذي يبيت وجاره إلى جنبه جائع\".\nورواه الحاكم من حديث عائشة ٢/ ١٢ -: \"ليس بالمؤمن الذي يبيت شبعانًا وجاره جائع إلى جنبه\". وقد سكت عنه الحاكم وضعفه الذهبي.\n(^٢) ما بين الرقمين سقط من ب.\n(^٣) بإسناد ضعيف جدًّا في الكامل ٢/ ٢١٩ من رواية حكيم بن جبير عنه. وعن أنس بن مالك ﵁، رواه الطبراني في الكبير ١/ ٢٥٩ من طريق محمد بن محمد التمار، عن محمد بن سعيد الأثرم عن همام عن ثابت البناني عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما آمن بي من بات شبعانًا وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به\".\nوأخرجه البزار كما في الكشف ١/ ٧٦ من طريق محمد بن عثمان بن كرامة عن حسين بن علي الجعفي، عن سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد عن أنس - قال علي بن زيد - فيما أعلم أن النبي - ﷺ - قال: \"ليس المؤمن الذي يبيت شعبان وجاره طاوي\".\nقال البزار: لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه.\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٠ ولم يعزه إلا إلى البزار والطبراني ثم قال: وإسناد البزار حسن وكذلك عند المنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٣٥٨ قال: رواه الطبراني والبزار وإسناده حسن.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٥١ (الحلبي) من طريق قتيبة بن سعيد عن ابن لهيعة، عن ابن عشانة، عن عقبة بن عامر مرفوعًا باللفظ المذكور.\nوأخرجه الطبراني في الكبير ١٧/ ٢٦١ من طريق أبي الزنباع: روح بن الفرج، عن يحيى بن سليمان الجعفي، عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث عن ابن عشانة به.\nوفي ١٧/ ٢٦٥ من طريق جعفر بن محمد الفريابي عن قتيبة بن سعيد - به.\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٠ عن عقبة بن عامر وقال: رواه أحمد والطبراني بنحوه وأحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح غير أبي عشانة وهو ثقة.\nكما أورده في المجمع أيضًا ١٠/ ٣٤٩ وقال: رواه أحمد وإسناده حسن.\nوقول الهيثمي إن الطبراني أورد الحديث بنحوه أي بنحو ما أخرجه أحمد غير مسلم، فقد أورده في المعجم بمثله لا بنحوه.\nوقد أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٣٥٥ وقال: رواه أحمد واللفظ له والطبراني بإسنادين أحدهما جيد. وهو كما ترى.","vol":"1","page":384},{"text":"• وفي كتاب الأدب للبخاري عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ -:\n\"كم من جارٍ متعلقٌ بجاره يوم القيامة فيقول: يا رب! هذا أغلق بابَه دوني، فمنع معروفه\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-589>[إكرام الجار وكيف يكون؟].</span>\n• وخرج الخرائطي وغيره بإسناد ضعيف من حديث عطاءٍ الخراساني عن عمرو بن شُعَيْب عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ - قال:\n\"من أَغلق بابه دون جاره مخافةً على أَهله وماله فليس ذلك بمؤمن، وليس بِمؤمن من لا يأمن جارُه بوائقَه. أتدري ما حق الجار؟ إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا افتقر عدت عليه، وإذا مرض عدته، وإذا أصابه خير هنيته، وإذا أصابته مصيبة عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجُبَ عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذيه بقُتار (^٢) قدرك إلا أن تغرف له. وإن اشتريت فاكهة فَأَهْدِ له، فإن لم تفعل فأَدخلها سرًّا، ولا يخرج بها ولدُك ليغيظ بها ولدَه: (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد: باب من أغلق الباب على الجار ١/ ٢٠٠ ح ١١١.\nوفي م \"يمنع\" وما أثبتناه عن بعض الأصول هو الموافق لما في الأدب المفرد.\nوإسناده ضعيف؛ لأنه من طريق ليث بن أبي سليم، وهو صدوق يهم.\n(^٢) القتار: ريح القدر والشواء ونحوهما نهاية ٤/ ١٢. ظ، ر: \"بقتار ريح\".\n(^٣) أخرج الخرائطي شطره الأول في المساوئ ص ١٥٤ وهو في المنتقى بتمامه ح ١٠٤ كلاهما: من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده.\nوقد أورد المنذري الحديث بتمامه في الترغيب والترهيب ٣/ ٣٥٧ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن الخرائطي في مكارم الأخلاق ثم قال: ولعل قوله: أتدري ما حق الجار إلى آخره في كلام الراوي غير مرفوع لكن قد روى الطبراني عن معاوية بن حيدة. قال: قلت: يا رسول الله! ما حق الجار عليّ؟ حال: إن مرض عدته؛ وإن مات شيعته، وإن استقرضك أقرضته، وإن أعوز سترته .. فذكر الحديث بنحوه، ثم قال: وروى الشيخ ابن حيان في كتاب التوبيخ عن معاذ بن جبل، قال: قلنا: يا رسول الله! ما حق الجوار؟ قال: إن استقرضك أقرضته، وإن استعانك أعنته، وإن احتاج أعطيته، وإن مرض عدته، فذكر الحديث.\nوروى أبو القاسم الأصبهاني عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره قالوا: يا رسول الله! وما حق الجار على الجار؟ قال: إن سألك فأعطه\".\nفذكر الحديث بنحوه، لم يذكر فيه الفاكهة.\nثم قال المنذري ولا يخفى أن كثرة الطرق تقوِّيه: كذلك كان صنيع ابن حجر في الفتح ١٠/ ٤٤٦ بالنسبة لهذا الحديث؛ فقد قال: وقد ورد في تفسير الإِكرام والإحسان إلى الجار وترك أذاه عدة أحاديث أخرجها الطبراني من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، والخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث عمرو بن شعيب =","vol":"1","page":385},{"text":"ورفع هذا الكلام منكر، ولعله من تفسير الخراساني (^١).\nوقد روي أيضًا عن عطاء، عن الحسن، عن جابر، مرفوعًا:\n\"أدنى حق الجوار أن لا تؤذي جارك بِقُتَار قدرك إلا أن تقدح (^٢) له منها\".\n* * *\n• وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال:\n\"أوصاني خليلي - ﷺ - إذا طبختَ مرقًا فأَكثر ماءَه، ثم انظر إلى أَهل بيت جيرانك فأصبْهُم منها بمعروف\".\n* * *\n• وفي رواية أن النبي - ﷺ - قال:\n\"يا أبا ذر إذا طبختَ مَرَقَةً فأَكثر ماءَها وتعاهد جيرانك\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-590>[الإهداء للجار غير المسلم].</span>\n• وفي المسند والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه ذبح شاة فقال: \"هل أهديتم منها لجارنا اليهودي؟ ثلاث مرات ثم قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"ما زال\n_________\n= عن أبيه، عن جده، وأبو الشيخ في كتاب \"التوبيخ\" من حديث معاذ بن جبل، قالوا: يا رسول الله! ما حق الجار على الجار؟ قال إن استقرضك أقرضته، وإن استعانك أعنته، وإن مرض عدته، وإن احتاج أعطيته، وإن افتقر عدت عليه. وإن أصابه خير هنيته، وإن أصابته مصيبة عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذيه بريح قدرك إلا أن تغرف له، وإن اشتريت فاكهة فأهد له، وإن لم تفعل فادخل سرًا.\nولا تخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده\".\nثم قال ابن حجر: وألفاظهم متقاربة، والسياق أكثره لعمرو بن شعيب، وفي حديث بهز بن حكيم: \"وإن أعوز سترته\".\nوأسانيدهم واهية، لكن اختلاف مخارجها يشعر بأن للحديث أصلًا.\nثم الأمر بالإكرام يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، فقد يكون فرض عين، وقد يكون فرض كفاية، وقد يكون مستحبًّا ويجمع الجميع أنه من مكارم الأخلاق\".\n(^١) قد عرفت ما يؤيد هذا من كلام المنذري وابن حجر كما عرفت اتجاههما إلى تقوية الحديث والإيماء إلى أن له أصلًا.\n(^٢) تقدح له منها: تغرف يقال: قدح القدر إذا غرف ما فيها، والمقدحة. المغرفة، والقديح: المرق، راجع النهاية ٤/ ٢١. وعن الحديث راجع الكشف ١٩٠١، والمجمع ٨/ ١٦٥.\n(^٣) كلا الروايتين عن أبي ذر في صحيح مسلم: كتاب البر والصلة والآداب ٤/ ٢٠٢٥.","vol":"1","page":386},{"text":"جبريل يُوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيُورِّثه\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-591>[النهي عن مضايقة الجار ووجوب تلبية الممكن له].</span>\n• وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يَمْنعنّ أحدُكُم جارَهُ أن يغرز خشبةً في جداره\" (^٢).\n_________\n(^١) حديث عبد الله بن عمرو أخرجه بتمامه الترمذي في كتاب البر والصلة. باب ما جاء في حق الجوار ٤/ ٣٣٣ وقال: هذا حديث حسن غريب. وعنده: \"أهديتم لجارنا اليهودي مرتين\".\nوأخرجه أحمد في المسند ٢/ ١٦٠ (الحلبي) ٩/ ٢٥٨ - ٢٥٩ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه. وليس فيه قصة الإهداء وهو عند البخاري في الأدب المفرد: باب يبدأ بالجار (٥٧) ص ٣٤ بتمامه وعنده: \"فجعل يقول لغلامه: أهديت لجارنا اليهودي؟ أهديت لجارنا اليهودي؟ … \".\nورواه أبو داود في السنن: كتاب الأدب: باب في حق الجوار ٥/ ٣٥٧ رقم ٥١٥٢ بتمامه كذلك إلا أن عنده \"أهديتم لجاري اليهودي؟ \" مرة واحدة.\n(^٢) البخاري في كتاب المظالم: باب لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره (٥/ ١١٠) وفي كتاب الأشربة: باب الشرب من فم السقاء ١٠/ ٩٠.\nومسلم في كتاب المساقاة: باب غرز الخشب في جدار الجار ٣/ ١٢٣٠.\nوفي الصحيحين تعقيب أبي هريرة المذكور.\nوقد وضح ابن حجر المراد من الحديث ومن التعقيب في الموضع الأول الذي روي فيه الحديث فقال: قوله: \"ولا يمنع جار جاره إلخ\" استدل به على أن الجدار إذا كان لواحد وله جار فأراد أن يضع جذعه عليه جاز سواء أذن المالك أم لا فإن امتنع أجبر، وبه قال أحمد وإسحق وغيرهما من أهل الحديث وابن حبيب من المالكية، والشافعي في القديم، وعنه في الجديد قولان: أشهرهما اشتراط إذن المالك، فإن امتنع لم يجبر، وهو قول الحنفية، وحملوا الأمر في الحديث على الندب، والنهي على التنزيه جمعًا بينه وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا برضاه. وفيه نظر كما سيأتي، وجزم الترمذي وابن عبد البر عن الشافعي بالقول القديم وهو نصه في البويطي ثم أورد قول البيهقي: لم نجد في السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلا عمومات لا يستنكر أن تخصها، وقد حمله الراوي على ظاهره وهو أعلم بالمراد بما حدث به، يشير إلى قول أبي هريرة: \"ما لي أراكم عنها معرضين؟ \".\nوقبل أن نورد شرح ابن حجر لهذا التعقيب يحسن بنا أن نمهد لهذا ببعض التساؤلات؛ فمن هم أولئك الذين استشعر أبو هريرة إعراضهم عن هذا التوجيه حتى عقب على الحديث بهذا التعقيب؟.\nوهل يتصور أن يكون واحد من الصحابة مخاطبًا بهذا؟ كما قد يتبادر ممن يقرأ الحديث أو يروى له؟ وكيف يتم ذلك وقد كان الصحابة أطوع للرسول - ﷺ - منهم لأنفسهم وآبائهم وأمهاتهم وإخوانهم وعشيرتهم؟ ثم متى كان هذا التعقيب من أبي هريرة عندما روى هذا الحديث؟ بل ما هي وجوه الرواية لهذا الحديث وتعقيبه لدى المحدثين؟ فلعل ذلك يلقي الضوء على المراد. أما عن وجوه الرواية.\nفعند أبي داود في السنن: الأقضية: أبواب من القضاء ٤/ ٤٩ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا استأذن أحدكم أخاه أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه\" فنكّسوا فقال: \"ما لي =","vol":"1","page":387},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أراكم قد أعرضتم؟ لألقينها بين أكتافكم\".\nوعند الترمذي في السنن: الأحكام: باب ما جاء في الرجل يضع على حائط جاره خشبًا ٣/ ٦٣٥ - ٦٣٦ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا استأذن أحدكم جارُه أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه\".\nفلما حدث أبو هريرة طأطأوا رءوسهم فقال: \"ما لي أراكم عنها معرضين؟ والله! لأرمينَّ بها بين أكتافكم\" وقد عقب الترمذي على الحديث بقوله: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح والعمل على هذا عند بعض أهل العلم وبه يقول الشافعي وروي عن بعض أهل العلم منهم مالك بن أنس قالوا: له أن يمنع جاره أن يضع خشبة في جداره. والقول الأول أصح وعند ابن ماجه في السنة: الأحكام: باب الرجل يضع خشبة على جدار جاره ٢/ ٧٨٢ - ٧٨٣ من حديث أبي هريرة بمثل ما عند الترمذي.\nوعند أحمد في المسند ٢/ ٢٤٠ بمثل ما عند الترمذي وابن ماجه وفي ٢/ ٤٦٣ مختصرًا دون قول أبي هريرة وعنده: \"من سأله جاره أن يغرز خشبة في جداره فلا يمنعه\".\nوحديث أبي هريرة عند مالك في الموطأ: رواية محمد بن الحسن. باب القضاء ص ٢٨٤ ح ٨٠٤ بنحو رواية البخاري ومسلم.\nوقد عقب محمد بن الحسن بتعقيب هام، حيث قال:\nوهذا عندنا على وجه التوسع من الناس بعضهم على بعض، وحسن الخلق، فأما في الحكم فلا يجبرون على ذلك.\nثم ساق دليلًا على ما ذهب إليه فقال: \"بلغنا أن شريحًا اختُصم إليه في ذلك، فقال للذي وضع خشبه: ارفع رجلك عن مطية أخيك، فهذا الحكم في ذلك، والتوسع أفضل\".\nولعل التأمل في قوله - ﷺ -:\n\"إذا استأذن أحدكم أخاه\".\n\"إذا استأذن أحدكم جارُه\".\n\"من سأله جاره\".\nلعل هذا التأمل في هذه البداية وفي قوله: \"فلا يمنعه\" يقفنا على أمرين: الأول شرط عدم المنع.\nوالثاني حكم هذا المنع.\nفأما فيما يتعلق بشرط عدم المنع فهو الاستئذان والطلب من صاحب الجدار وإذا فليس حقًّا مطلقًا للجار؛ وإنما هو مقيد باستئذان جاره منه.\nوأما فيما يتعلق بحكم عدم المنع أو النهي عن المنع فلا يخلو إما أن يكون للتحريم أو للتنزيه فلو أن النهي كان للتحريم لما كان هناك حاجة إلى الاستئذان ولأخذ الجار هذا الحكم بمجرد حاجته إلى ذلك، أو رفعه إلى القضاء بذلك.\nفأما حيث وجه الحديث إلى الاستئذان أو قيد به فإنه ذلك بدوره يعني أمرين:\nالأول: أن لا يتعسف من يحتاج إلى غرز خشبة في جدار جاره فيغرزها ليقيم عليها بناء أو نحوه بدون استئذان صاحب الجدار، فهذا مال، والنفس معلقة بمالها ولا يحل مال امرئ إلا عن طيب نفس منه.\nوالثاني: أنه حرصًا على تنمية العلاقات الإنسانية، وبما لا يخشى معه الضرر أو ضياع الحقوق فإن الأولى - إنسانيًّا - بمن استؤذن في عون لجار بجدار أن يأذن وأن لا يمنع.\nفإذا استشعر ضررًا أو خاف ضياع حق له فإن له أن يمنع.\nولعلنا على ذكر مما ذكره محمد بن الحسن. =","vol":"1","page":388},{"text":"ثم يقول أبو هريرة، ﵁: \"ما لي أراكم عنها مُعْرضين؟ والله لأرمينّ بها بين أكتافكم\".\nومذهب الإمام أَحمد: أَن الجار يلزمه أَن يمكِّن جاره من وضع خشبة على جداره إذا احتاج الجار إلى ذلك ولم يضر بجداره؛ لهذا الحديث الصحيح.\n_________\n= ولعل هذا هو ما حدا بأبي داود أن يروي عقب الحديث المذكور حديث المضارة، عن أبي صرمة، عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من ضار أضر الله به، ومن شاق شاق الله عليه\" ولعل في هذا توفيقًا بين من يقول: ليس له أن يمنع جاره أن يغرز خشبة في جداره وبين من يقول: له أن يمنع؛ فليس له من الناحية الإنسانية أن يمنع ما دام لن يضار بذلك، وله أن يمنع إن توقع الضرر؟!\nوحق الجار في الاستعانة أو الارتفاق بجوار جاره مقيد بالاستئذان والطلب الذي يستل الأحقاد، وينمي عواطف الأخوة.\nولعل هذا الحكم كان جديدًا أو كان غريبًا على أسماع من روى لهم أبو هريرة هذا الحديث، ولهذا استبعد ابن حجر أن يكونوا من الصحابة أو من الفقهاء وإلا لما حدث منهم ما حدث؛ حيث، نكسوا رءوسهم، أو طأطأوها تعبيرًا عن استغرابهم.\nفقد كان هذا التوجيه من أبي هريرة بالحديث حين كان يلي إمرة المدينة ومن هنا كانت مواجهته لما رأى من إعراضهم، ولما استنكر من استثقالهم، قال: ما لي أراكم عنها معرضين وكأنما يريد أن يقول ما لي أراكم أيها المؤمنون هكذا معرضين عن هذه السنة أو هذه المقالة؟ بل كأنما كان يريد أن يذكرهم بقوله تعالى ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة النور: ٥١] معنى قوله: لأرمينها أو لألقينها بين أكتافكم: لأشيعن هذه المقالة فيكم ولأقرعنكم بها كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه ليستيقظ من غفلته.\nوقد أورد ابن حجر عن الخطابي قوله في توضيح هذه الجملة: معناه: إن لم تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلنها أي الخشبة على رقابكم كارهين وأراد بذلك المبالغة.\nوكما ذكر ابن حجر فقد ذهب البعض إلى أنه متى استؤذن المالك فقد أصبح واجبًا عليه أن يأذن وحرم عليه أن يمتنع وبالتالي كان للقاضي أن يجبره. ولعله يشير إلى رأي ابن حنبل الذي سيذكره ابن رجب بعد مقالة أبي هريرة. وربما عنى هذا ترجيح ابن رجب له.\nوتأكيدًا لما سبق أن أومأنا إليه قال ابن حجر:\nومحل الوجوب عند من قال به: أن يحتاج إليه الجار، ولا يضع عليه ما يتضرر به المالك، ولا يقدَّم على حاجة المالك.\nولعلّنا على ذُكْرٍ من حديث المضارة، وروايات حديث أبي هريرة وقواعد الشريعة وقضاء شريح، وفهم محمد بن الحسن!؟.\nوهو ما يتسق مع ما أورده ابن رجب عن أحمد بن حنبل، ولا يكاد يختلف مع ما اتضح لنا إلا في جزئية واحدة: أننا نقول إن هذا الوجوب من الناحية الإنسانية لا من حيث الحكم والقضاء، إلا في حالة واحدة: أن يتعنت المالك حيث يتشهى منع نفع الآخرين في الوقت الذي لا يلحقه أي ضرر بأية صورة من وراء ارتفاق جاره بجداره؛ وربما كان هذا أساس إجبار المالك فيما رفع من قضايا إلى الرسول - ﷺ - ثم إلى عمر في ذلك.","vol":"1","page":389},{"text":"<span data-type='title' id=toc-592>[مواساة الجار واجبة].</span>\nوظاهر كلامه أنه يجب عليه أن يواسيه من فضل ما عنده بما لا يضر به إذا علم حاجته.\n• قال المروذي: قلت لأبي عبد الله: إني أسمع السائل في الطريق يقول: إني جائع. فقال: قد يصدق، وقد يكذب. قلت: فإذا كان لي جار أَعلم أَنه يجوع؟ قال: تواسيه. قلت: إذا كان قُوتي رغيفين؟ قال: تطعمه شيئًا. ثم قال: الذي جاء في الحديث إنما هو الجار.\n• وقال المروذي: قلت لأبي عبد الله: الأغنياءُ يجب عليهم المواساة؟ قال: إذا كان قوم يضعون شيئًا على شيء كيف لا يجب عليهم؟ قلت: إذا كان للرجل قميصان أو قلت جُبَّتَان يجب عليه المواساة؟ قال: إذا كان يحتاج إلى أن يكون فضلًا.\nوهذا نص منه في وجوب المواساة من الفاضل (^١) ولم يخصّه بالجار، ونصه الأوّل يقتضي اختصاصه بالجار.\nوقال في رواية ابن هانئ، في السُّؤال يكذبون: \"أحب إلينا لو صدقوا ما وسعنا إلا مواساتهم\".\nوهذا يدل على وجوب مواساة الجائع من الجيران وغيرهم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-593>[إطعام الجائع واجب].</span>\n• وفي الصحيح عن أَبي موسى عن النبي - ﷺ - قال: \"أَطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفُكُّوا العاني\" (^٢).\n• وفي المسند وصحيح الحاكم، عن عمر ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"أَيما أَهل عَرصةٍ أَصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمةُ الله ﷿\" (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) في م \"الفضائل\".\n(^٢) العاني: الأسير: وحديث أبي موسى أخرجه البخاري في كتاب الجهاد: باب فكاك الأسير ٦/ ١٦٧. وفي كتاب النكاح: باب حق إجابة الوليمة ٩/ ٢٤٠، وفي أول كتاب الأطعمة ٩/ ٥١٧ وفي كتاب المرضى: باب وجوب عيادة المريض ١٠/ ١١٢، وفي كتاب الأحكام: باب إجابة الحاكم الدعوة ١٣/ ١٦٣.\nوأخرجه أبو داود في كتاب الجنائز: باب الدعاء للمريض بالشفاء عند العيادة ٣/ ٤٧٩.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٧/ ٤٨ - ٤٩ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه من طريق يزيد بن هرون، =","vol":"1","page":390},{"text":"<span data-type='title' id=toc-594>[منع الإضرار بالجار].</span>\nومذهب أحمد ومالك أَنه يمنع الجار أن يتصرف في خاص ملكه بما يضر بجاره، فيجب عندهما كف الأذى عن الجار بمنع إحداث الانتفاع المضرِّ به، ولو كان المنتفع إنما ينتفع بخاص ملكه.\nويجب عند أحمد أن يبذل لجاره (^١) ما يحتاج إليه، ولا ضرر عليه في بذله.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-595>[تحمل أذى الجار مطلوب].</span>\nوأعلى من هذين أن يصبر على أذى جاره، ولا يقابله بالأذى.\n• قال الحسن: ليس حُسن الجوار كفَّ الأذى، ولكن حسن الجوار احتمال الأذى.\n• ويروى من حديث أبي ذر يرفعه:\n\"إن الله يحب الرجل يكون له الجار يؤذيه جواره؛ فيصبرُ على أذاه حتى يُفَرِّق بينهما الموتُ أو ظَعْنٌ\".\nخرجه الإمام أحمد (^٢).\n_________\n= عن أصبغ بن زيد الجهني عن أبي بشر: جعفر بن أبي وحشية، عن أبي الزاهرية: حدير بن كريب، عن كثير بن مرة الحضرمي، عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى، وبرئ الله تعالى منه، وأيُّمَا أهل عرصة أصبح منهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله تعالى\".\nوالعرصة: الساحة والحي، والمجمَّع السكنى، والنجع، والقرية … إلخ.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ١١/ ٢ - ١٢ من طريق أبي بكر بن إسحاق الفقيه، عن محمد بن أيوب، عن عمرو بن الحصين العقيلي، عن أصبغ بن زيد الجهني، عن أبي الزاهرية به بلفظ المسند وسكت عنه وقال الذهبي: عمرو تركوه وأصبغ فيه لين.\nفالحديث من طريق أحمد صحيح وإن ضعفه الهيثمي بأبي بشر في المجمع ٤/ ١٠٠ لكن طريق الحاكم ضعيف جدًّا؛ فالعجب من ابن رجب حين قل: وصحيح الحاكم!؟\n(^١) في ر، ظ: \"للجار\".\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٥١ (الحلبي) من طريق أبي العلاء بن الشخير عن ابن الأحمس قال: لقيت أَبا ذر، فقلت بلغني عنك أنك تحدث حديثًا عن رسول الله - ﷺ -؟ فقال: أما إنه لا تخالني أكذب على رسول الله - ﷺ - بعد ما سمعته منه؟ فما الذي بلغك عنى؟ قلت: بلغني أنك تقول: ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يشنؤهم الله ﷿؟ قال: قلت: وسمعته قلت: فمن هؤلاء الذين يحبُّ الله ﷿؟ قَالَ: الرجل يلقى العدو في الفئة، فينصب لهم نحره حتى يقتل أو يفتح لأصحابه، والقوم يسافرون فيطول سُراهم، حتى يحبوا أن يمسوا الأرض، فينزلون فيتنحى أحدهم فيصلي حتى يوقظهم، والرجل يكون له الجار يؤذيه جواره فيصبر على أذاه حتى يفرق بينهما موت أو ظعن. قلت: ومن هؤلاء الذين يشنؤهم الله؟ قال: التاجر=","vol":"1","page":391},{"text":"• وفي مراسيل أَبي عبد الرحمن الحُبلي أَن رجلًا جاءَ إلى النبي - ﷺ - يشكو إليه جاره فقال له النبي - ﷺ -: \"كُفَّ أذاك عنه، واصبر لأذاه؛ فكفى بالموت مُفَرِّقًا\".\nخرجه ابن أبي الدنيا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-596>[إكرام الضيف من الإِيمان].</span>\nالثالث مما أمر به النبي - ﷺ - المؤمنين: إكرام الضيف، والمراد إحسان ضيافته. وفي الصحيحين (^٢) من حديث أبي شريح ﵁ قال: أَبصرت عيناي رسولَ الله - ﷺ - وسمعته أذناي حين تكلم به قال: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته\". قالوا: وما جائزته؟ قال: \"يوم وليلة\" قال: \"والضيافة ثلاثة أيام، وما كان بعد ذلك فهو صدقة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-597>[مدة الضيافة والجائزة].</span>\n• وخرج مسلم من حديث أبي شُرَيْح أيضًا عن النبي - ﷺ - قال: \"الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، وما أنفق عليه بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له أَن يَثْوِي (^٣) عنده حتى يُؤثمه (^٤) قالوا: يا رسول الله! كيف يؤتمه؟ قال: \"يقيم عنده ولا شيء له\n_________\n= الحلاف، أو قال: البائع الحلاف. والبخيل المنان، والفقير المحتال.\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ٨/ ١٧٠ - ١٧١ عن الطبراني وأحمد من وجهين وقال: إسناد الطبراني وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح.\n(^١) في مكارم الأخلاق ص ٨١ - ٨٢ ح ٣٢٧ من طريق رشدين بن سعد، عن أبي هانئ الخولاني، عن أبي عبد الرحمن الحبلي … فإسناده ضعيف برشدين.\n(^٢) قال في النهاية ١/ ٣١٤ تعليقًا على حديث: \"الضيافة ثلاثة أيام وجائزته يوم وليلة، وما زاد فهو صدقة\" أي يضاف ثلاثة أيام فيتكلف له في اليوم الأول مما اتسع له من بر وإلطاف، ويقدم له في اليوم الثاني والثالث ما حضره، ولا يزيد على عادته، ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة، ويسمى الجيزة: وهي قدر ما يجوز به المسافر من منها إلى منهل، فما كان بعد ذلك فهو صدقة ومعروف، إن شاء فعل، وإن شاء ترك.\nوإنما كره له المقام بعد ذلك لئلا تضيق به إقامته، فتكون الصدقة على وجه المن والأذى ا. هـ.\nوحديث أبي شريح أخرجه البخاري في كتاب الأدب: باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره ١٠/ ٤٤٥، وباب حق الضيف ١٠/ ٥٣١ وفي كتاب الرقاق: باب حفظ اللسان ١١/ ٣٠٨.\nومسلم في كتاب اللقطة: باب الضيافة ونحوها ٣/ ١٣٥٢ - ١٣٥٣.\n(^٣) ثوى المكان، وثوى به يثوي ثواء (بضم التاء) وأثوى به أطال الإقامة به أو نزل به. راجع القاموس ٤/ ٣١٠.\n(^٤) يُؤثمه: يوقعه في الإِثم. قال النووي في شرحه لمسلم ٣١/ ١٢: معناه: لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد الثلاث حتى يوقعه في الإِثم (أي إلى أن يوقعه في الإِثم) لأنه (المضيف) قد يغتابه لطول مقامه، أو يعرض له بما يؤذيه، أو يظن به ما لا يجوز، وقد قال تعالى: ﴿اجتنبوا كثيرًا من الظن إن بعض الظن إثم﴾ وهذا كله محمول على ما إذا أقام بعد الثلاث من غير استدعاء من المضيف .. إلخ.","vol":"1","page":392},{"text":"يَقْريه به (^١) \".\n• وخرج الإِمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي - ﷺ -: \"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه - قالها ثلاثًا - قالوا: وما كرامة (^٢) الضيف؟ يا رسول الله! قال: ثلاثة أيام، فما حبس (^٣) بعد ذلك فهو صدقة\" (^٤).\nففي هذه الأحاديث أن جائزة الضيف يوم وليلة، وأَن الضيافة ثلاثة أيام، ففرّق بين الجائزة والضيافة، وأكد (^٥) الجائزة. وقد ورد في تأكيدها أحاديث أخر.\n* * *\n• فخرج أبو داود (^٦) من حديث المقدام بن مَعْدِيكَرِبِ عن النبي - ﷺ - قال:\n\"ليلة الضيف حق على كل مسلم؛ فمن أَصبح بفنائه فهو عليه دَيْنٌ إن شاءَ اقتضى، وإن شاء ترك\".\n* * *\n• وخرجه ابن ماجه (^٧) ولفظه: ليلة الضيف حق على كل مسلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-598>[متى يستحق الضيف قِراه وعلى من؟]:</span>\n• وخرج الإمام أحمد وأبو داود (^٨) من حديث المقدام أيضًا عن النبي - ﷺ - قال: \"أيُّما رجلٍ أضاف قومًا فأَصبح محرومًا إن نصْره حقٌّ على كُل مسْلم حتى يأخذَ بِقِرَى ليلة من زرعه وماله\".\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الباب المذكور ٣/ ١٣٥٣. والقِرى: الكرم.\n(^٢) في م: \"إكرام\".\n(^٣) في الترغيب والترهيب \"فما زاد\".\n(^٤) أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٣٧١ وقال: رواه أحمد مطولًا ومختصرًا بأسانيد أحدها صحيح، والبزار وأبو يعلى. وهو عند أحمد في المسند ٣/ ٧٦ الحلَبِي وعنده: \"فما جلس بعد ذلك فهو عليه صدقة\".\n(^٥) في م: \"وكذا الجائزة قد\" وفيه تحريف واضح. ر: \"وقد روى في تأكدها\".\n(^٦) في كتاب الأطعمة: باب ما جاء في الضيافة ٤/ ١٢٩ باللفظ المذكور.\n(^٧) في كتاب الأدب: باب حق الضيف ٢/ ١٢١٢ بلفظ غير ما ذكره ابن رجب فرواية ابن ماجه: \"ليلة الضيف واجبة فإن أصبح بفنائه فهو دين عليه، فإن شاء اقتضى … \".\n(^٨) أخرجه أبو داود في الموضع السابق، وأحمد في المسند ٤/ ١٣١، ١٣٣ (الحلبي).","vol":"1","page":393},{"text":"وفي الصحيحين (^١) عن عقبة بن عامر، قال: قلنا: يا رسول الله! إنك تبعثنا فننزل بقوم لا يَقْروننا فما ترى [فيه؟] فقال لنا رسول الله - ﷺ -: \"إن نزلتم بقوم فأَمروا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلوا. فإن لم يفعلوا خذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم\".\n* * *\n• وخرج الإمام أَحمد والحاكم من حديث أَبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"أيما ضيفٍ نزل بقوم فأصبح الضيف محرومًا؛ فله أن يَأْخُذَ بِقَدْرِ قِراه ولا حرَجَ عليه\" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-599>[التشديد على من لم يكرم ضيفه]:</span>\n• وقال عبد الله بن عمرو: \"من لها يضيِّف فليس من محمد - ﷺ - ولا من إبراهيم ﵇\".\n• وقال عبد الله بن الحارث بن جَزْء (^٣): \"من لم يكرم ضيفه فليس من محمد - ﷺ - ولا من إبراهيم ﵇\".\n\n<span data-type='title' id=toc-600>[للضيف أن يطالب بحقه وأَن يقاضي من لم يكرمه]:</span>\n• وقال أبو هريرة لقوم نزل عليهم فاستضافهم فلم يُضَيِّفوه، فتنحى ونزل فدعاهم إلى طعام فلم يُجيبُوه، فقال لهم: لا تُنْزلون الضيف، ولا تجيبون الدعوة، ما أنتم من\n_________\n(^١) البخاري في كتاب المظالم: باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه ٥/ ٤٠٧ - ١٠٨ وفي كتاب الأدب: باب إكرام الضيف وخدمته إياه بنفسه ١٠/ ٥٣٢ وهذا لفظه.\nومسلم في كتاب اللقطة: باب الضيافة ونحوها ٣/ ١٣٥٣.\n(^٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٨ - ١٧٥ عن أحمد في المسند وذكر أن رواته ثقات.\nوهو عند أحمد في المسند ٢/ ٣٨٠ (الحلبي) بهذا اللفظ. وفي المطبوع من تلخيص المستدرك ٤/ ١٣٢ وعقب عليه الذهبي بقوله: صحيح ولم يذكر في المستدرك.\n(^٣) في المطبوعة: حزم وهو تحريف، فهو عبد الله بن الحارث بن جزء بن عبد الله بن معديكرب الزبيدي شهد فتح مصر وهو كبير السن، واختط بها قرية \"صفط تراب\" من أعمال مركز المحلة الكبرى، قال ابن منده: وهو آخر من مات من الصحابة بمصر توفي سنة ٨٦ وقيل: ٨٨.\nوله ترجمة في طبقات ابن سعد ٧/ ٢ / ١٩١ ط ل. و٧/ ٤٩٧ ط ب، والجرح والتعديل ٢/ ٣٠٢. والإِصابة ٤/ ٥٠ - ٥١، وتهذيب التهذيب ٥/ ١٧٨ - ١٧٩.","vol":"1","page":394},{"text":"الإسلام على شيء؟ فعرفه رجل منهما فقال له: انزل عافاك الله. قال: هذا شرٌّ وشرٌّ، لا تُنْزلون إلا من تعرفون؟! .. \".\nوروى عن أبي الدَّرْدَاءِ نحو هذه القصة إلا أَنه قال لهم: \"ما أَنتم من الدِّين إلا على مثل هذه\" وأَشار إلى هُدْبة (^١) في ثوبه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-601>[علام تدل هذه النصوص؟]:</span>\nوهذه النصوص تدل على وجوب الضيافة يومًا وليلة، وهو قول الليث وأَحمد.\n• وقال أحمد: له المطالبة بذلك إذا منعه؛ لأنه حق له واجب، وهل يأخذ بيده من ماله إذا منعه أو يرفعه إلى الحا كم؟ على راويتين منصوصتين عنه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-602>[مدة الضيافة المشروعة وحقها]:</span>\n• وقال حميد بن زَنْجَويْه: ليلة الضيف واجبة، وليس له أن يأخذ قراه منهم قهرًا إلا أن يكون مسافرًا في مصالح المسلمين العامة، دون مصلحة نفسه.\n• وقال الليث بن سعد: لو نزل الضيف بالعبد أضافه من المال الذي بيده، وللضيف أن يأكل وإن لم يعلم أن سيده أذن له؛ لأن الضيافة واجبة.\nوهو قياس قول أحمد؛ لأنه نصَّ على أَنه يجوز إجابة دعوة العبد المأْذون له في التجارة.\n* * *\nوقد روي عن جماعة من الصحابة أنهم أَجابوا دعوة الملوك.\n• وروي ذلك عن النبي (^٢) - ﷺ - أيضًا: فإذا جاز له أن يدعو الناس إلى طعامه\n_________\n(^١) هدبة الثوب: طرفه. أراد أنهم من الدين على حرف يسير.\n(^٢) أخلاق النبي ص ٦٢.\nوقد روي عن أنس بن مالك قال:\nكان رسول الله - ﷺ - يعود المريض، ويشهد الجنازة، ويركب الحمار، ويجيب دعوة العبد، وكان يوم قريظة والنضير على حمار مخطوم .. الحديث.\nأخرجه الترمذي في الشمائل ٢/ ١٦٤. وأخرجه في جامعه: كتاب الجنائز ٣/ ٣٣٧ وعقب عليه بقوله: هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث مسلم الأعور عن أنس، ومسلم هذا يضعف وقد تكلم فيه.\nوأخرجه ابن ماجه عن أنس من طريق مسلم هذا في كتاب التجارات: باب ما للعبد أن يعطي ويتصدق ٢/ ٧٧٠ مقتصرًا على قوله (كان يجيب دعوة المملوك) وفي كتاب الزهد: باب البراءة من الكبر والتواضع ٢/ ١٣٩٨ بتمامه.","vol":"1","page":395},{"text":"ابتداء (^١) وجاز إجابة دعوته، فإضافته لمن نزل به أَولى.\n• ومنع مالك والشافعي وغيرهما من دعوة العبد المأْذون له بدون إذن سيده.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-603>[ضيافة الغزاة]:</span>\nونقل عليُّ بن سعيد عن أحمد ما يدل على وجوب الضيافة للغزاة خاصة بمن مرُّوا بهما ثلاثة أيام. والمشهور عنه الأوّل، وهو وجوبها لكل ضيف نزل بقوم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-604>[وعلى من تجب ولمن؟ وما هي أقوال العلماء في مدتها؟]:</span>\nواختلف قولُه: هل تجب على أهل الأمصار والمرى، أم تختص أهل القرى ومن كان على طريق يمر بهم المسافرون؟ على روايتين منصوصتين عنه.\nوالمنصوص عنه أنه تحب للمسلم والكافر.\nوخص كثير من أَصحابه الوجوب للمسلم كما لا تجب نفقة الأقارب مع اختلاف الدِّين على إحدى الروايتين عنه. وأما اليومان الآخران وهما: الثاني والثالث فهما تمام الضيافة.\n* * *\nوالمنصوص عن أَحمد أَنه لا يجب إلا الجائزة الأولى وقال: قد فُرِّق ينن الجائزِة والضيافة، والجائزة أَوكد.\n* * *\nومن أَصحابنا مَنْ أَوجب الضيافة ثلاثة أَيام، منهم: أَبو بكر بن عبد العزيز، وابن أبي موسى، والآمدي.\nوما بعد الثلاث فهو صدقة. وظن بعض الناسِ أن الضيافة ثلاثة أيام بعد اليوم والليلة الأولى. ورده أَحمد بقوله - ﷺ -: \"الضيافة ثلاثة أيام فما زاد فهو صدقة\" ولو كان كما ظن هذا لكانت أربعة.\nقلت: ونظير هذا قوله تعالى:\n_________\n(^١) ليست في المطبوعة.","vol":"1","page":396},{"text":"﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ (^١).\nوالمراد في تمام الأربعة.\nوهذا الحديث الذي احتج به أحمد قد تقدم من حديث أبي شريح (^٢) وخرجه البخاري من حديث أبي هريرة (^٣) عن النبي - ﷺ - قال:\n\"من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن - قرى ضيفه\": قيل: يا رسول الله! وما قِرى الضيف؟ قال: \"ثلاثة فما كان بعدُ فهو صدقة (^٤) \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-605>[كيف يكون الإِكرام؟ وما مداه؟]:</span>\nقال حميد بن زنجويه (^٥): عليه أَن يتكلف له في اليوم والليلة من الطعام أَطيب ما يأْكله هو وعياله، وفي تمام الثلاث يطعمهم من طعامه وفي هذا نظر.\nوسنذكر حديث سلمان (^٦) بالنهي عن التكلف للضيف.\nونقل أَشهب عن مالك قال: جائزته يوم وليلة، يكرمه ويتحفه ويخصه يومًا وليلة وثلاثة أيام ضيافة.\nوكان ابن عمر يمتنع من الأكل من مال من نزل عليه فوق ثلاثة أيام، ويأمر أن يُنفَق عليه من ماله.\nولصاحب المنزل أن يأْمر الضيف بالتحول عنه بعد الثلاث؛ لأنه قضى ما عليه، وفعل ذلك الإمام أحمد ﵀.\n* * *\n_________\n(^١) سورة فصلت: ٩، ١٠.\n(^٢) تقدم ص ٣٦١ - ٣٦٢.\n(^٣) الذي أخرجه عن أبي هريرة بهذا اللفظ هو الخرائطي في مكارم الأخلاق ١/ ٣١٤ - ح ٢٩٩ بإسناد حسن.\n(^٤) في بداية تخريج هذا الحديث أوردنا روايات البخاري له من حديث أبي هريرة وليس منها نص هذه الرواية.\n(^٥) في المطبوعة: \"جندب بن رواحة\" وهو خلاف ما في الأصول الخطية، وهو حميد بن مخلد بن قتيبة بن عبد الله الأزدي أبو أحمد بن زنجويه النسائي الحافظ روى عن النضر بن شميل، ويزيد بن هارون، وسعيد بن أبي مريم، وعلي بن المديني وغيرهم. وروى عنه أبو داود والنسائي وأبو زرعة، والبخاري ومسلم في غير الصحيحين. وثقه النسائي وابن حبان والخطيب، وذكر أنه كثر الحديث، قديم الرحلة. توفي سنة ٢٤٧ على خلاف وترجمته في تهذيب التهذيب ٣/ ٤٨ - ٤٩. وتهذيب الكمال ٧/ ٣٦٦ - ٣٧٢.\n(^٦) في المطبوعة، ر \"سليمان\" وهو خطأ، فهو يشير إلى حديث سلمان الفارسي الآتي في الصحيفة التالية.","vol":"1","page":397},{"text":"<span data-type='title' id=toc-606>[النهي عن الإقامة المحرجة]:</span>\nوقوله - ﷺ -: \"لا يحل له أن يثوي عنده حتى يحرجه\"، يعني يقيم عنده حتى يضيق عليه لكن هل هذا في الأيام الثلاثة أم فيما زاد عليها؟.\nفأما فيما ليس بواجب فلا شك في تحريمه.\nوأما فيما هو واجب - وهو اليوم والليلة - فينبني على أنه هل تجب الضيافة على مَنْ لا يجد شيئًا أم لا تحب إلا على من وجد ما يُضيِّف به؟.\nفإن قيل (^١) لا تجب إلا على من يجد ما يُضَيّف به، وهو قول طائفة من أهل الحديث، منهم، حُميد بن زنجويه، لم يَحِلّ للمضَيِّف (^٢) أن يستضيف من هو عاجز عن ضيافته.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-607>[النهي عن التكلف للضيف]:</span>\nوقد روي من حديث سلمان قال:\nنهانا رسول الله - ﷺ - أن نتكلّف للضيف ما ليس عندنا (^٣).\nفإذا نُهِي المضيف أَن يتكلف للضيف ما ليس عنده، دل على أَنه لا تجب عليه المواساة للضيف إلا بما عندهُ، فإذا لم يكن عندد فضل لم يلزمه شيء.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-608>[فضل إيثار الضيف]:</span>\nوأما إذا آثر على نفسه كما فعل الأنصاري الذي نزل فيه:\n_________\n(^١) ب: \"والأظهر أنها وهي مضروب عليها في ل\".\n(^٢) ل، ر، ط \"للضيف\".\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ١٢٣ من طريقين عن سلمان. أحدهما صحيح والآخر في سنده لين كما ذكر الذهبي.\nوأورده الهيثمى في محمع الزوائد ٨/ ١٧٩ من طرق عن الطبراني في الكبير والأوسط وأحمد، وقال: أحد أسانيد الكبير رجاله رجال الصحيح.\nوقد روى أحمد في المسند ٥/ ٤٤١ (الحلبي) أن سلمان ﵁ دخل عليه رجل فدعا له بما كان عنده فقال: \"لولا أن رسول الله - ﷺ - نهانا أو لولا أنا نهينا أن يتكلف أحدنا لصاحبه لتكلفنا لك\".","vol":"1","page":398},{"text":"﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ (^١).\nفذلك مقام فضل وإحسان، وليس بواجب.\nولو علم الضيف أنهم لا يضيِّفونه إلا بقوتهم وقوت صبيانهم، وأن الصبية يَتأَذُّون بذلك، لم يَجُز له استضافتهم حينئذٍ، عملًا بقوله - ﷺ -: \"لا يحل له أن يُقِيم عنده حتّى يُحْرجَه\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-609>[على من تجب الضيافة؟]:</span>\n• وأيضًا فالضيافة نفقة واجبة، ولا تجب إلا على مَن عنده فضل عن قُوته، وقُوت عياله، كنفقة الأقارب، وزكاة الفطر.\n• وقد أَنكر الخطابي تفسير تَأَثُّمه بأن يقيم عنده ولا شيء له يَقْريه به، وقال: أراه غلطًا. وكيف يأَثم في ذلك وهو لا يتسع لقِراه، ولا يجد سبيلًا إليه؟ وإنما الكُلْفة على قدر الطاقة. قال: وإنما وجه الحديث أنه كُره له المقام عنده بعد ثلاث؛ لئلا يضيق صدره بمكانه، فتكونَ الصدقة منه على وجه المنِّ والأذى؛ فيبطل أجره.\nوهذا الذي قاله: فيه نظر؛ فإنه قد صح تفسيره في الحديث بما أنكره. وإنما وجهه إنه إذا أقام عنده ولا شيء له يَقْريه به (^٣) فربما دعاه ضيقُ صدره به وحَرَجُه إلى ما يأْثم به في قول أو فعل. وليس المراد أنه يأْثم بترك قِراه مع عجزه عنه. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) سورة الحشر: ٩ وانظر أسباب نزول القرآن للواحدي ٤٤٥ - ٤٤٦. وهامشه.\n(^٢) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في الضيافة كم هو ٤/ ٣٤٥ من حديث أبي شريح الكعبي أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الضيافة ثلاثة أيام، وجائزته يوم وليلة، وما أنفق بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل أن يثوي عنده حتى يحرجه\" وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن صحيح وأبو شريح الخزاعي هو الكعبي وهو العدوي اسمه: خويلد بن عمرو ومعنى قوله: لا يثوي عنده يعني لا يقيم عنده حتى يشتد على صاحب المنزل والحرج هو الضيق، إنما قوله \"حتى يحرجه\" يقول: حتى يضيق عليه.\nوهذا يلتقي مع تفسير ابن رجب لمعنى الحديث ردًّا على الخطابي.\nوهو عند البخاري ١٠/ ٥٤٨، ومسلم ٣/ ١٣٥٢ - ١٣٥٣.\n(^٣) ليست في ب.","vol":"1","page":399},{"text":"<span data-type='title' id=toc-610>الحديث السادس عشر</span>\nعَنْ أَبي هُرَيْرَهَّ رَضيَ الله (تَعَالَى) عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قالَ للنَّبي - ﷺ -:\nأَوْصِني. قالَ: \"لا تَغْضَبْ\" فَرَدَّدَ مرارًا، قال: \"لَا تَغْضَبْ\". رَواهُ الْبُخَاريُّ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-611>[تخريج الحديث]:</span>\n* هذا الحديث خرجه البخاري من طريق أبي حَصِين الأسدي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁، ولم يخرّجه مسلم؛ لأن الأَعمش رواه عن أَبي صالح، واختُلف عليه في إسناده؛ فقيل: عنه، عنِ أبي صالح عن أَبي هريرة، كقول أبي حَصِين، وقيل: عنه، عن أَبي صالح، عن أبي سعيد الخدري. وعند يحيى بن معين أَن هذا هو الصحيح. وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أَبي هريرة وأبي سعيد. وقيل: عنه، عن أبي صالح، عن أَبي هريرة أو جابر. وقيل عنه، عن أبي صالح، عن رجل من الصحابة غيرِ مسمى.\n* وخرج الترمذي هذا الحديث من طريق أبي حَصين أَيضًا ولفظه: \"جاءَ رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! عَلِّمْني شيئًا ولا تُكثر عليّ لعلِّي أَعِيه. قال: \"لا تغضب\". فردّد ذلك مرارًا. كلّ ذلك يقول: \"لا تغضب\" (^٢).\n* وفي رواية أُخرى لغير الترمذي، قال: قلت: يا رسول الله! دُلَّني على عمل يُدخِلني الجنة ولا تُكْثر عليّ. قال: \"لا تغضب\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الأدب: باب الحذر من الغضب ١٠/ ٥١٩ بهذا اللفظ.\n(^٢) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في كثرة الغضب ٤/ ٣٧١.\nوعنده: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - قال: علمني شيئًا .... وعقب عليه بقوله: \"وفي الباب عن أَبي سعيد، سليمان بن صرد. وهذا حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وأَبو حصين: اسمه عثمان بن عاصم الأسدي.\n(^٣) أورد الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٧٠ عن أَبي صالح، عن بعض أصحاب النبي - ﷺ - أنه قال: يا رسول الله! علمني عملًا يدخلني الجنة ولا تكثر علي، قال: \"لا تغضب\".\nثم قال: رواه أبو يعلى من رواية صالح، عن الأعمش. ولم أَعرف صالحًا هذا. وأورده عقب هذه الرواية، عن أبي الدرداء، قال: قلت: يا رسول الله! دُلني على عمل يدخلني الجنة … الحديث. وعقب الهيثمي بقوله: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وأحد إسنادي الكبير رجاله ثقات.","vol":"1","page":401},{"text":"<span data-type='title' id=toc-612>[طلبَ الرجل وصيةً جامعة]:</span>\n* فهذا الرجل طلب من النبي - ﷺ - أن يُوصِيَه وصية وجيزة جامعة لخصال الخير ليحفظها عنه؛ خشية أَن لا يحفظها لكثرتها، فوصاه النبي - ﷺ - أَن لا يغضب، ثم ردّد هذه المسأَلة عليه مرارًا والنبي - ﷺ - يردِّد عليه هذا الجواب.\n* فهذا يدل على أَن الغضب جِمَاعُ الشر، وأَن التحرّز منه جماع الخير.\n\n<span data-type='title' id=toc-613>[من السائل؟]:</span>\nولعل هذا الرجل الذي سأَل النبي - ﷺ - هو أَبو الدرداء.\nفقد خرج الطبراني من حديث أَبي الدرداءِ قال: قُلت: يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة. قال: \" لا تغضب ولك الجنة\" (^١).\n* وقد روى الأحنف بن قيس عن عمه جَاريَة (^٢) بن قدامة: أن رجلًا قال: يا رسول الله! قل لي قولًا وأَقلل عليّ لعلي أعقله. قال: \"لا تغضب\" فأَعاده عليه مرارًا.\nكلُ ذلك يقول: \"لا تغضب\".\n* خرجه الإِمام أَحمد (^٣).\n* وفي رواية له أن جَارية بن قدامة قال: سألت النبي - ﷺ -. فذكره.\n* فهذا يغلب على الظن أَن السائل هو جارية بن قدامة، ولكن ذكر الإمام أحمد\n_________\n(^١) راجع أيضًا: الترغيب والترهيب ٣/ ٤٤٦ فقد أورده المنذري عن الطبراني بإسنادين أحدهما صحيح.\n(^٢) في المطبوعة: \"حارثة بنُ قدَامة\" وهو تحريف، فهو جارية بن قدامة بن زهير بن الحصين التميمي السعدي أبو أيوب، وقيل: أبو قدامة، وقيل: أبو يزيد البصري.\nمختلف في صحبته؛ قال ابن حجر: روى عن النبي - ﷺ - حديث: \"لا تغضب\" وروى عن علي، وشهد معه صفين. روى عنه الأحنف والحسن البصري.\nقيل: إنه عم الأحنف بن قيس. وقال الطبراني: ليس بعم الأحنف أخي أبيه، ولكنه كان يدعوه على سبيل الإعظام له.\nذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: تابعي ثقة، وقال ابن حجر: بل صحابي ثابت الصحبة. مات في ولاية يزيد بن معاوية، وترجمته في التهذيب ٣/ ٥٤ - ٥٥.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٣٤/ ٥ (الحلبي) بهذا الوجه، وبالوجه الثاني الذي سيشير إليه ابن رجب. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٦٩ عن الطبراني في الكبير والأوسط وعن أحمد في المسند ثم قال: ورجال أحمد رجال الصحيح. وهو في المسند ٣/ ٤٨٤ كالوجه الأول.\nوأورده المنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٢٧٧ عن ابن حبان في صحيحه أيضًا، وقال: رواة أحمد رواة الصحيح.","vol":"1","page":402},{"text":"عن يحيى القطان: أَنه قال: هكذا قال هشام. يعني: أن هشامًا ذكر في الحديث أن جاريهّ سأل النبي - ﷺ - قال يحيى: وهم يقولون: إنه لم يدرك النبي - ﷺ -، وكذا قال العجلي وغيره: \"إنه تابعي وليس بصحابى\" (^١).\n* وخرج الإمام أحمد من حديث الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن عن رجل من أَصحاب النبي - ﷺ - قال: قلت: يا رسول الله أَوصني. قال: \"لا تغضب\". قال الرجل: ففكرت حين قال النبي - ﷺ - ما قال؛ فإذا الغضبُ يَجْمَعُ الشَّر كلَّه (^٢).\n* ورواه مالك في الموَّطأ عن الزهري، عن حُميد مرسلًا (^٣).\n* وخرج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو أَنه سأل النبي - ﷺ - ماذا يباعدني من غضب الله ﷿؟ قال: \"لا تغضب\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-614>[الغضب جماع الشر]:</span>\n* وقول الصحابي: \" ففكرت فيما قال النبي - ﷺ - فإذا الغضب يجمع الشر كله\": يشهد لما ذكرناه: أن الغضب جماع الشر كله (^٥).\n* قال جعفر بن محمد: الغضب مفتاح كل شر.\n* وقيل لابن المبارك: اجمع لنا حُسْن الخلق في كلمة؟ قال: \"تَرْك الغضب\".\n* وكذا فسر الإمام أَحمد وِإسحاق بن راهويه حصن الخلق بترك الغضب.\n_________\n(^١) تقدم قريبًا رد ابن حجر على هذا في الصحيفة السابقة. لكن انظر المسند ٣/ ٤٨٤؛ ففيه ما ينافيه.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٣٧٣ (الحلبي).\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٦٩/ ٨ عن أحمد، وذكر أن رجاله رجال الصحيح.\nوأورده المنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٢٧٧ عن أحمد، وقال: رواته محتج بهم في الصحيح.\n(^٣) في كتاب حسن الخلق: باب ما جاء، في الغضب ٢/ ٩٠٥ - ٩٠٦.\n(^٤) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٦٩ عن أحمد في المسند وقال: فيه ابن لهيعة، وهو لين الحديث، وبقية رجاله ثقات.\nوأورده المنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٢٧٧ عن أحمد وابن حبان في صحيحه، ولم يضعف الحديث بابن لهيعة.\nوهو عند ابن حبان من طريق أبي يعلى الموصلي، عن أحمد بن عيسى المصري، عن ابن وهب، عن عمرو ابن الحارث، عن دراج، عن عبد الرحمن بن جبير، عن عبد الله بن عمرو قال: قلت: يا رسول الله! ما يمنعني من غضب الله؟ قال: \"لا تغضب\".\nالإحسان ٢/ ٢٥٧.\n(^٥) ليست في ب.","vol":"1","page":403},{"text":"وقد روي ذلك مرفوعًا؛ خرجه محمد بن نصر المروزي، في كتاب الصلاة من حديث أَبي العلاءِ بن الشِّخِّير (^١):\nأَن رجلًا أَتى النبي - ﷺ - من قِبَل وجهه فقال: يا رسول الله! أَيُّ العمل أَفضل؟ فقال: \"حسنُ الخلق\" ثم أتاه عن يمينه فقال يا رسول الله! أَيُّ العمل أفضل؟ فقال: \"حسن الخلق \"، ثم أتاه عن شِمَالِه فقال: يا رسول الله! أَيُّ العمل أَفضل؟ قال: \"حُسْنُ الخلق\". ثم أَتاه من بعده - يعني من خلفه - فقال: يا رسول الله أي العمل أَفضل؟ فالتفت إليه رسول الله - ﷺ -، فقال: \"مالك لا تفقه؟ حُسُن الخلق هو أن لا تغضب إن استطعت\".\nوهذا مرسل.\n\n<span data-type='title' id=toc-615>[معنى قوله لا تغضب]:</span>\n* فقوله - ﷺ - لمن استوصاه: \"لا تغضب\" يحتمل أَمرين:\n* أَحدهما: أَن يكون مرادُه الأَمرَ بالأَسباب التي توجب حسنَ الخلق، من الكرم والسخاء، والحلم، والحياء، والتواضع، والاحتمال، وكف الأَذى، والصفح، والعفو، وكظم الغيظ، وِالطلاقة، والبشر، ونحو ذلك من الأخلاق الجميلة؛ فإن النَّفْسَ إذا تخلَّقت بهذه الأخلاق، وصارت لها عادة، أَوجبت لها ذلك دفع الغضب عند حصول أَسبابه.\n* والثاني: أن يكون المراد: لا تعمل بمقتضى الغضب إذا حصل لك، بل جاهد نفسك على ترك تنفيذه، والعمل بما يأْمر به؛ فإن الغضب إذا ملك ابنَ (^٢) آدم كان كالآمِر الناهي له؛ ولهذا المعنى قال الله ﷿: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ (^٣) فإِذا لم يمتثل الإنسان ما يأْمره به غضبه، وجاهد نفسه على ذلك اندفع عنه شر الغضب، وربما سكنَ غضبه، وذهب عاجلًا، وكأَنه حينئذ لم يغضب!.\n_________\n(^١) ٢/ ٨٦٤ - ٨٦٥ ح ٨٧٨ عن حميد بن مسعدة (صدوق) عن بشر بن المفضل (ثقة ثبت) عن سعيد بن إياس الجريري (ثقة اختلط بأخرة) عن أبي العلاء: يزيد بن عبد الله بن الشخير (تابعي ثقة) كما في التقريب ١/ ١٠١، ٢٠٣، ٢٩١ و٢١/ ٣٦٧.\n(^٢) في المطبوعة: \"ملك شيئًا من بني آدم\".\n(^٣) سورة الأعراف: ١٥٤.","vol":"1","page":404},{"text":"<span data-type='title' id=toc-616>[الدليل على ذلك].</span>\n* وإِلى هذا المعنى وقعت الإشارة في القرآن بقوله ﷿: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾. (^١) وبقوله ﷿: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-617>[السنة في علاج الغضب]:</span>\n* وكان النبي - ﷺ - يأْمر من غضب بتعاطي أَسباب تدفع عنه الغضب وتُسَكِّنُهُ، ويمدح من ملك نفسه عند غضبه؛ ففي الصحيحين عن سليمان بن صُرَد قال:\nاستبَّ رجلان عند النبي - ﷺ - ونحن عنده جُلوس، وأحدهما يَسُبُّ صاحبه مغْضَبًا قد احمرَّ وجهُه فقال النبي - ﷺ -: \"إني لأَعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجِد؛ لو قال: أَعوذ بالله من الشيطان الرجيم\". فقالوا للرجل: أَلا تسمع ما يقول النبي - ﷺ -؟ قال: إني لست بمَجْنون (^٣).\n* وخرج الإِمام أَحمد والترمذي من حديث أَبي سعيد الخدري أَن النبي - ﷺ - قال في خطبته:\n\"أَلا إن الغضَبَ جمرةٌ في قلب ابن آدم، أَفما رأيتم إلى حُمْرةِ عينيه، وانتفاخ أوداجِه؟ فمن أَحَسَّ من ذلك شيئًا فليلْزقْ بالأَرض\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة الشورى: ٣٧.\n(^٢) سورة آل عمران: ١٣٤.\n(^٣) هذا جواب غريب لا يصدر عن مؤمن أو سديد التفكير، وقد قال ابن حجر في الفتح: أخلق بهذا المأمور أن يكون كافرا أو منافقًا، أو كان غلبه الغضب حتى أخرجه عن حد الاعتدال، بحيث زجر الناصح الذي دله على ما يزيل عنه ما كان به من وهج الغضب بهذا الجواب السيئ؟!.\nوقيل: إِنه كان من جفاة الأعراب، وظن أنه لا يستعيذ من الشيطان إلا من به جنون، اهـ. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأدب: باب ما ينهى عنه من السباب واللعن ١٠/ ٣٨٩ ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب باب فضل من يملك نفسه عند الغضب، وبأي شيء يذهب الغضب ٥٤/ ٢٠١. وطرفا حديث البخاري ٣٢٨٢، ٦١١٥.\n(^٤) أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٢٦٩ عن الترمذي أيضًا من حديث طويل وذكر قول الترمذي: هذا حديث حسن، وهو في مسند أحمد ٣/ ١٩، ٦١ جزء حديث.","vol":"1","page":405},{"text":"وخرج الإِمام أحمد وأَبو داود من حديث أَبي ذر أنّ النبي - ﷺ - قال:\n\"إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإِن ذهب عنه الغضب، وإلا فليضْطَجع\" (^١).\n* وقد قيل: إن المعنى في هذا: أَن القائم متهيِّئٌ للانتقام، والجالس دونه في ذلك، والمضطجع أَبعد عنه؛ فأمره بالتباعد عن حالة الانتقام.\n* ويشهد لذلك أنه روى من حديث سنان بن سعد عن أنس عن النبي - ﷺ -، ومن حديث الحسن مرسلًا عن النبي - ﷺ -: \"فإن الغضب جمرة في قلب الإنسان تُوقد، ألا ترى إلى حمرة عينيه، وانتفاخ أوداجه، فإذا أحسَّ أحدكم من ذلك شيئًا فلْيجلس ولا يَعْدُوَنَّه الغَضَب\".\n* والمراد أَنه يحبسه في نفسه ولا يعدِّيه إِلى غيره بالأَذى بالفعل.\n* ولهذا المعنى قال النبي - ﷺ - في الفتن:\n\"إن المضطجع فيها خيرٌ من القاعد، والقاعد فيها خيرٌ من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي\" (^٢).\nوإن كان هذا على وجه ضرب المثال في الإسراع في الفتن، إِلا أَن المعنى: أَن من كان أَقرب إِلى الإِسراع فيها، فهو شر ممن كان أبعدَ عن ذلك.\n* وخرج الإِمام أَحمد (^٣) من حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا غضبَ أَحَدُكم فليسكتَ؛ قالها ثلاثًا\".\n* وهذا أيضًا دواءٌ عظيم للغضب؛ لأن الغضبان يَصْدُرُ منه في حال غضبه من القول ما يندم عليه في حال زوال غضبه كثيرًا، من السباب وغيري مما يَعظُم ضرره، فإِذا سكت زال هذا الشر كله عنه.\n_________\n(^١) أخرجه أبو دارد في كتاب الأدب: باب ما يقال عند الغضب ٢/ ٥٤٩ وأحمد في المسند ٥/ ١٥٢. وهو في صحيح سن أبي داود ٣/ ٩٠٨ ح ٤٠٠٠ - ٤٧٨٢.\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة: باب نزول الفتن كمواقع القطر ٤/ ٢٢١٢ من حديث أبي هريرة ح ٢٨٨٦ ومن حديث أبي بكرة عقبه ح ٢٨٨٧.\n(^٣) في المسند ٤/ ١٢، ١٩١ (المعارف) والتكرار في الوضع الثاني، وقد ذكر محققه الشيخ أحمد شاكر أن إسناده صحيح في كلا الموضعين. وفي مجمع الزوائد ٨/ ٧٣ أورده الهيثمي عن أحمد والطبراني وقال: رجال أحمد ثقات؛ لأن ليثا صرح بالسماع من طاووس.","vol":"1","page":406},{"text":"<span data-type='title' id=toc-618>[من الآثار في علاج الغضب]:</span>\n* وما أَحسن قولَ موَرِّق العجلي ﵀: \"ما امتلأتُ غَيظًا قط، ولا تكلمتُ في غضبٍ قطُّ بما أَندمُ عليه إِذا رضيتُ\".\nوغضب يومًا عمر بن عبد العزيز فقال له ابنه عبد اللك، رحمهما الله: \"أنت يا أمير المؤمنين! مع ما أعطاك الله وفضَّلك به تغضب هذا الغضب؟ \" فقال له: أَو ما تخضب يا عبد الملك؟ فقال عبد اللك: \"وما يُغنْي عنِّي سَعَة جَوْفى إذا لم أرَدّد فيه الغضب حتى لا يظهر؟! \".\nفهؤلاءِ قوم ملكوا أَنفسهم عند الغضب. ﵃.\n* وخرج الإمام أَحمد وأَبو داود منِ حديث عروة بن محمد السعدي أَنه كلَّمه رجل فأَغضبه، فقام فتوضأَ، ثم قال: حدثني أبي، عن جدي عطية، قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n\"إن الغضب من الشيطان، وإن الشَّيْطَانَ خُلِق من النار، وإِنما تُطْفأُ النار بالماء، فإِذا غَضِب أَحدكم فليتوضأْ\" (^١).\n* وروى أَبو نعيم بإسناده عن أَبي مسلم الخولاني أَنه كلَّم معاوية بشيء وهو على المنبر فغضب ثم نزل فاغتسل ثم عاد إلى المنبر وقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\n\"إن الغضَب من الشيطانِ والشيطان من النار، والماءُ يطفئُ النار، فإِذا غضبَ أَحدُكم فَلْيغتسلْ (^٢) \".\n* وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"ليس الشديد بالصُّرعَة إِنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب: باب ما يقال عند الغضب ٥/ ١٤١ وأحمد في المسند ٤/ ٢٢٦ الحلبي وقال المناوي في التيسير ١/ ٢٩٧ \"وسكت عليه أبو داود فهو صالح\" أقول: يعني صالح للاعتبار على ما رجحه الأثبات؛ لكن سكت عنه المنذري أيضًا، فهو حسن وانظر عون المعبود ١٣/ ٩٨.\n(^٢) انظر أيضًا الضعيفة ٢/ ٥١ ح ٥٨٢ في هذه والتي قبلها، والحلية ٢/ ١٣٠.\n(^٣) البخاري في كتاب الأدب: باب الحذر من الغضب ١٠/ ٥١٨، ومسلم في كتاب البر والصلة والآداب: باب فضل من يملك نفسه عند الغضب ٤/ ٢٠١٤.","vol":"1","page":407},{"text":"وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: \"ما تعدُّون الصُّرَعَةَ فيكم؟ \" قلنا: الذي لا تصرعه الرجال؟ قال: \"ليس ذلك، ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب\" (^١).\n* وخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (^٢) من حديث معاذ بن أنس الجهني عن النبي - ﷺ - قال:\n\"من كظم غيظًا وهو يستطيع أَن يُنْفِذَهُ دعاه الله يوم القيامة على رءوس الخلائق حَتى يُخَيِّرَهُ في أَي الحور شاءَ\".\n* وخرج الإمام أَحمد (^٣) من حديث ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال:\n\"ما تجرَّع عبد جُرْعةً أفضلَ عند الله [﷿] من جُرْعةِ غيظ يكظمها ابتغاءَ وجه الله تعالى\".\n* ومن حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال:\n\"ما من جرْعَةٍ أَحبَّ إِلى الله من جُرْعَةِ غيظ يَكْظِمُها عبد. ما كظم عبد لله إِلا ملأَ الله جوفه إِيمانًا\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في الموضع نفسه من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: ما تعدون الرقوب فيكم؟ قال: قلنا: الذي لا يولد له؟ قال: \"ليس ذلك بالرقوب ولكنه الرجل الذي لبم يقدم من ولده شيئًا. قال: فما تعدون الصرعة؟ … \" الحديث.\n(^٢) مسند أحمد ٣/ ٤٤٠ (الحلبي). وصحيح سنن داود ح ٣٩٩٧ وهو فيه حسن.\nوسنن أبي داود في كتاب الأدب: باب من كظم غيظًا ٥/ ١٣٧ - ١٣٨.\nوسنن الترمذي: كتاب البر والصلة: باب في كظم الغيظ ٤/ ٣٧٢ بهذا اللفظ وقال: حديث حسن غريب.\nوسنن ابن ماجه في كتاب الزهد: باب الحلم ٢/ ١٤٠٠. وصحيحه ح ٣٣٧٥ وهو فيه حسن.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٨/ ٢٣٥ - ٢٣٦ (المعارف) من طريق علي بن عاصم عن يونس بن عبيد، عن الحسن البصري عن ابن عمر، ومن طريق شجاع بن الوليد، عن عمر بن محمد، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه وقد ذكر محققه الشيخ شاكر أن إسناده صحيح من الوجهين.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٩ - ١٠ (المعارف) من حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: \"من أَنظر معسرًا أو وضع له وقاه الله من فيح جهنم، ألا إن عمل الجنة حزن بربوة، ثلاثًا، ألا إن عمل النار سهل بشهوة، والسعيد من وقي الفتن، وما من جرعة أحب إلى الله من جرعة غيظ يكظمها عبد، ما كظمها عبد لله إلا ملأ الله جوفه إيمانًا\".\nقال محققه: إسناده ضعيف.\nلكن أورده ابن كثير في التفسير ٤/ ٤٠٥ - ٤٠٦ وقال: انفرد به أحمد، وإسناده حسن، ليس فيه مجروح، ومتنه حسن.","vol":"1","page":408},{"text":"* وخرج أَبو داود معناه (^١) من رواية بعض الصحابة عن النبي - ﷺ -، وقال: \"ملأَه الله أَمنًا وإِيمانًا\".\n\n<span data-type='title' id=toc-619>[ملك اللسان واليد].</span>\nوقال ميمون بن مِهْرَان: جاءَ رجل إِلى سَلْمانَ فقال: يا أبا عبد الله! أوصني قال: لا تغضب. قال: أَمرتني أَن لا أَغضب، وإِنه ليَغْشاني مالا أَملِك؟! قال: فإِن غضبتَ فامْلِك لسانَك ويدَك.\nخرجه ابن أَبي الدنيا (^٢).\nومِلْكُ لسانه ويده هو الذي أَشار إِليه النبي - ﷺ - بأَمره لمن غضب أَن يجلس، ويضطجع، وبأَمره له أَن يسكت.\n\n<span data-type='title' id=toc-620>[ملك النفس]:</span>\n* قال عمر بن عبد العزيز: \"قد أَفلح من عُصِم من الهوى والغضب والطمع! \".\n* وقال الحسن: \" أَربعٌ من كُنَّ فيه عَصَمه الله من الشيطان وحرّمه على النار: مَن مَلك نفسه عند الرغبة والرهبة والشهوة والغضب\".\nوهذه الأَربع التي ذكرها الحسن هي مبدأُ الشر كله.\nفإِن الرغبة في الشيء هي: ميل النفس إِليه؛ لاعتقاد نفعه، فمن حصل له رغبة في شيء حَمَلته تلك الرغبة على طلب ذلك الشيء من كل وجه يظنه موصلًا إليه، وقد يكون كثير منها محرمًا، وقد يكون ذلك الشيء المرغوب فيه محرمًا.\nوالرهبة: هي الخوف من الشيء، وإِذا خاف الإنسان من شيء تسبب في دفعه عنه بكل طريق يظنه دافعًا له، وقد يكون كثير منها محرّمًا.\n_________\n(^١) في السنن: كتاب الأدب: باب من كظم غيظًا ٢/ ٥٤٨ وفي إسناده مجهول لكن يقويه سابقه.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت (٢٨٠ - ٢٨١) من طريق محمد بن عبد المجيد التيمي، عن أبي المليح، عن ميمون بن مهران قال: جاء رجل إلى سلمان ﵁ فقال: يا أبا عبد الله! أوصني؟ قال! لا تكلم! قال: ما يستطيع من عاش في الناس أن لا يتكلم؟ قال: فإن تكلمت فتكلم بحق أو أسكت قال: زدني؟ قال: لا تغضب. قال: أمرتني أن لا أغضب وإنه ليغشاني ما لا أملك؟ قال: فإن غضبت فاملك لسانك ويدك. قال: زدني؟ قال: لا تلابس الناس. قال: ما يستطع من عاش في الناس أن لا يلابسهم؟! قال: فإن لابستهم فاصدق الحديث، وأدّ الأمانة\". وقد اختصر ابن رجب أول الأثر وآخره.","vol":"1","page":409},{"text":"والشهوة: هي ميل النفر إلى ما يلائمها وتتلذذ به، وقد تميل كثيرًا إلى ما هو محرم، كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر، بل وإلى الكفر، والسحر والنفاق، والبدع.\nوالغضب هو: غليان دم القلب طلبًا لدفع المؤْذِي عند خشية وقوعه، أو طلبًا للانتقام ممن حصل منه الأذى بعد وقوعه، وينشأُ من ذلك كثير من الأفعال المحرمة كالقتل، والضرب، وأنواع الظلم، والعدوان، وكثير من الأَقوال المحرمة، كالقذف، والسَّبّ، والفحش، وربما ارتقى إلى درجة الكفر، كما جرى لجَبَلَة بن الأَيْهَم (^١). وكالأَيْمان التي لا يجوز التزامها شرعًا، وكطلاق الزوجة الذي يُعقب الندم.\n\n<span data-type='title' id=toc-621>[واجب المؤمن]:</span>\n* والواجب (^٢) على المؤمن أَن تكون شهوته مقصورة على طلب ما أباحه الله له (^٣)، وربما تناولها بنية صالحة؛ فأُثيب عليها، وأن يكون غضبه دفعًا للأَذى في الدين له أو لغيره (^٤)، وانتقامًا ممن عصى الله ورسوله كما قال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-622>[والرسول هو الأسوة]:</span>\n* وهذه كانت حالَ النبي - ﷺ -؛ فإنه كان لا ينتقم لنفسه، ولكن إذَا انتُهكت حرماتُ الله لم يقم لغضبه شيء.\nولم يضرب بيده خادمًا ولا امرأَة، إلا أن يُجَاهد في سبيل الله.\nوخدمه أَنس عشر سنين، فما قال له أُفٍّ قط، ولا قال له لشيء فعلَه: لم فعلتَ كذا؟ ولا لشيء لم يفعلْه: أَلا فعلتَ كذا؟ (^٦).\n_________\n(^١) هو جبلة بن الأيهم بن جبلة الغساني من آل جفنة: آخر ملوك الغساسنة أسلم وهاجر إلى المدينة ثم لطم رجلًا من مزينة وأبي القصاص كما حكم عمر وآثر الارتداد وفر إلى القسطنطينية إِلى أن توفي عام ٢٠ هـ ٦٤١ راجع الأعلام ٢/ ١١١ - ١١٢ وهامشه.\n(^٢) ب: \"فالواجب\".\n(^٣) ليست في ب.\n(^٤) ا، ر، ظ: \"له ولغيره\".\n(^٥) سورة التوبة: ١٤، ١٥.\n(^٦) راجع في هذا ما أخرجه مسلم في كتاب الفضائل: باب كان رسول الله - ﷺ - أحسن الناس خلقًا ٤/ ١٨٠٤ - ١٨٠٥ والبخاري في الأدب: باب حسن الخلق ١٠/ ٤٧١.\nوأبو داود في أول كتاب الأدب: باب في الحلم وأخلاق النبي - ﷺ٢/ ٥٤٧.\nوأبو الشيخ في أخلاق النبي ص ٢١. وفيه الرواية التالية ص ٣٧.","vol":"1","page":410},{"text":"وفي رواية أَنه كان إذا لامه بعض أَهله قال - ﷺ -: \"دعوه فلو قضي شيء كان\" (^١).\nوفي رواية للطبراني قال أَنس: \"خدمت رسول الله - ﷺ - عَشرَ سنين، فما دريت شيئًا قطُّ وافقه، ولا شيئًا خالفه، رضا من الله بما كان (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-623>[خلق الرسول]:</span>\n* وسئلت عائشة ﵂ عن خلُق رسول الله - ﷺ - فقالت: \"كان خُلُقه القرآن\" (^٣).\n_________\n(^١) هذه الفقرة ليست في ب وفي ر؟: \"بشيء كان\". وانظر للحديث الرواية التالية. والرضا عن الله بقضائه لابن أبي الدنيا ح ٤ من رواية أنس؛ بإسناد رجاله ثقات.\n(^٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٩/ ١٦ من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: \"خدمت رسول الله - ﷺ - عشر سنين ما دريت شيئًا قط وافقه، ولا شيئًا قط خالفه رضى من الله بما كان وإن كان بعض أزواجه ليقول: لو فعلت كذا وكذا يقول: دعوه فإنه لا يكون إلا ما أراد الله ﷿ وما رأيت رسول الله - ﷺ - انتقم لنفسه من شيء إلا إن انتهكت لله حرمة، فإن انتهكت لله حرمة كان أشد الناس غضبا لله، وما عرض عليه أمران إلا اختار أيسرهما ما لم يكن فيه سخط لله، فإن كان فيه لله سخط كان أبعد الناس منه\". وقد عقب عليه بقوله: \"في الصحيح بعضه\" وهو يعني حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ \"ما انتقم رسول الله لنفسه قط .. الحديث ثم أضاف: رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه من لم أعرفهم.\n(^٣) السائل لعائشة ﵂ صحابة كثيرون منهما:\n١ - يزيد بن بابنوس.\n٢ - أبو الدرداء.\n٣ - سعد بن هشام.\nوحديث سعد بن هشام عند مسلم في الصحيح: كتاب صلاة المسافرين وقصرها. باب جامع صلاة الليل ومن نام عنه أو مرض ١/ ٥١٢ - ٥١٣ من طريق محمد بن المثنى العنزي، عن محمد بن أبي عدي، عن سعيد، عن قتادة، عن زرارة أن سعد بن هشام بن عامر أراد أن يغزو في سبيل الله فقدم المدينة، فأراد أن يبيع عقارًا له بها فيجعله في السلاح والكراع [الخيل] ويجاهد الروم حتى يموت، فلما قدم المدينة لقي أناسا من أهل المدينة، فنهوه عن ذلك، وأخبروه أن رهطا ستة أرادوا ذلك في حياة نبي الله - ﷺ - فنهاهم نبي الله - ﷺ - وقال: \"أليس لكم فيَّ أسوة؟ \" فلما حدثوه بذلك راجع امرأته، وقد كان طلقها، وأشهد على رجعتها، فأتى ابن عباس، فسأله وعن وتر رسول الله - ﷺ -؟ فقال ابن عباس: ألا أدلك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله - ﷺ -؟ قال: من؟ قال: عائشة! فأتها فاسألها. ثم أْتني فأخبرني بردها عليك. فانطلقت إليها، فأتيت على حكيم بن أفلح فاستلحقته إليها (طلبت منه مرافقته إياي في الذهاب إليها) فقال: ما أنا بقاربها (لا أريد قربها) لأني نهيتها أن تقول في هاتين الشيعتين شيئًا (يقصد شيعة علي وأصحاب الجمل) فأبت فيهما إلا مضيا، قال: فأقسمت عليه فجاء فانطلقنا إلى عائشة، فاستأذنا عليها، فأذنت لنا، فدخلنا عليها، فقالت: أحكيم؟ (فعرفته) فقال: نعم، فقالت: مَنْ معك؟ قال: سعد في هشام. قالت: مَنْ هشام؟ قال: ابن عامر، فترحمت عليه، وقالت خيرًا (قال قتادة: وكان أصيب يوم أحد) فقلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن خلق رسول الله - ﷺ -؟ قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى. قالت: فإن خلق نبي الله - ﷺ - كان القرآن قال: فهممت أن أقوم ولا أسأل أحدا عن شيء حتى أموت، ثم بدا لي فقلت: أنبئيني عن قيام رسول الله - ﷺ - فقالت: ألست تقرأ ﴿يا أيها المزمل؟﴾ قلت: بلى. قالت: فإن الله ﷿ افترض قيام الليل في=","vol":"1","page":411},{"text":"يعني (^١) أنه كان يتأَدب بآدابه، ويتخلق لأخلاقه، فما مدحه القرآن كان فيه رضاه،\n_________\n= أول هذه السورة فقام نبي الله - ﷺ - وأصحابه حولا، وأمسك الله خاتمتها (آخر آية في السورة) اثني عشرا شهرا في السماء حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف فصار قيام الليل تطوعًا بعد فريضة قال: قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وتر رسول الله - ﷺ - فقالت: كنا نعدله سواكه وطهوره فيبعثه الله ما شاء أنْ يبعثَه مِنَ اللَّيل، فيتسوك ويتوضأ ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه. ثم ينهض ولا يسلم، ثم يقوم فيصلي التاسعة ثم يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه. ثم يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين بعد ما يسلم وهو قاعد. فتلك إحدى عشرة ركعة، يا بُني. فلما سنَّ (وفي بعض الروايات: أسنّ وهو المشهور في اللغة) وأخذه اللحم (كثرة لحمه) أوتر بسبع وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأول، فتلك تسع. يا بنيّ. وكان نبي الله - ﷺ - إذا صلى صلاة أحب أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلّى من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله - ﷺ - قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صلى ليلة إلى الصبح، ولا صام شهرًا كاملًا غير رمضان. قال: فانطلقت إلى ابن عباس فحدثته بحديثها فقال: صدقَت: لو كنت أقربها أو أدخل عليها لأتيتها حتى تشافهني به قال: قلت: لو علمت أنك لا تدخل عليها ما حدثتك حديثها.\nقال القاضي عياض: هو على طريق العتب له في ترك الدخول عليها ومكافأته على ذلك بأن يحرمه الفائدة؛ حتى يضطر إلى الدخول عليها.\nوحديث سعد بن هشام أخرجه مطولا بهذا السياق ومختصرًا أحمد في المسند ٦/ ٥٣ - ٥٤، ٩١، ١٦٣، ٢١٦. الحلبي.\nوأبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب صلاة الليل ٢/ ٨٧ - ٨٨.\nوالنسائي في سننه: كتاب قيام الليل ٣/ ١٩٩ - ٢٠١ والدارمي في سننه: كتاب الصلاة: باب صفة صلاة رسول الله - ﷺ١/ ٤١٠ - ٤١١ ح ١٤٧٥ باب ١٦٥.\nوالحاكم في المستدرك ٢/ ٤٩٩ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\nوابن حبان في صحيحه ١/ ٣٤٥، ٤٦٧، من الإحسان.\nوالبيهقي في دلائل النبوة ١/ ٣٠٨.\nوحديث يزيد بن بابنوس أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٣٩٢ عن أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، عن قيس ابن أنيف، عن قتيبة بن سعيد عن جعفر بن سليمان، عن أبي عمران عن يزيد بن بابنوس قال: قلنا لعائشة ﵂: كيف كان خلق رسول الله - ﷺ -؟ قالت: كان خلق رسول الله - ﷺ - القرآن ثم قالت: تقرأ سورة المؤمنين؟ اقرأ قد أفلح المؤمنون حتى بلغ العشر فقالت: هكذا كان خلق رسول الله - ﷺ -.\nوقد صححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره الذهبي وأخرجه ابن كثير في التفسير ٣/ ٢٣٧ عن النَّسَائِي في تفسيره.\nوانظر تحفة الأشراف ١٢/ ٦٣٦ فقد عزاه المزي للنسائي في التفسير في السنن الكبرى.\nوهو في كتاب التفسير من الكبرى: سورة المؤمنون ٦/ ٤١٢ ح ١/ ١١٣٥٠ عن قتيبة - به.\nوقد أخرجه البيهقي في الدلائل ١/ ٣٠٩.\nأما حديث أبي الدرداء فقد رواه البيهقي في الدلائل ١/ ٣٠٩ - ٣١٠ من رواية الحسن بن يحيى، عن زيد بن واقد، عن بسر بن عبيد الله بن أبي إدريس الخولاني، عن أبي الدرداء قال سَألتُ عائشة عن خلق رسول الله - ﷺ -؟ فقالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه\".\nوهي الرواية التي سيشير إليها ابن رجب عقب هذه.\n(^١) ب، ر: \"تعني\".","vol":"1","page":412},{"text":"وما ذمه القرآن كان فيه سَخَطُه.\n* وجاءَ في رواية عنها قالت: \"كان خلقه القرآن، يرضى لرضاه، ويسخط لسَخَطِه\" (^١).\n* وكان - ﷺ - لشدة حيائه لا يواجه أَحدًا بما يكره، بل تُعرف الكراهةُ في وجهه، كما [في الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال] (^٢):\nكان [النبي - ﷺ - أَشدّ حياءً من العذراءِ في خدرها، فإذا رأَى شيئًا يكرهه عرفناه في وجهه] (^٣).\n* ولما بلُّغه ابنُ مسعود قولَ القائل: هذه قسمةٌ ما أُريدَ بها وجهُ الله - شقّ عليه - ﷺ -، وتغيّر وجهه وغضب، ولم يزد على أَن قال:\n\"قد أُوذِيَ موسَى بأَكثر من هذا فصبر\" (^٤).\n_________\n(^١) هي رواية أبي الدرداء في الدلائل التي أشرنا إليها في تعليق الرواية السابقة.\n(^٢) ما بين الرقمين سقط من ب.\n(^٣) ما بين الرقمين سقط من ب، والحديث أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الفضائل: باب كثرة حيائه - ﷺ٤/ ١٨٠٩ - ١٨١٠ ح ٧٠ - (٢٣٢٠).\nوأخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الأدب: باب من لم يواجه الناس بالعتاب ١٠/ ٥١٣ ح (٦١٠٢).\nوأخرج شطره الأول في كتاب المناقب. باب صفة النبي - ﷺ٦/ ٥٦٦ ح (٣٥٦٢).\nوفي كتاب الأدب. باب الحياء ١٠/ ٥٢١ ح (٦١١٩) وأخرجه ابن ماجه في سننه: كتاب الزهد: باب الحياء ٢/ ١٣٩٩ ح (٤١٨٠).\nوأحمد في المسند ٣/ ٧١، ٧٩، ٨٨، ٩١، ٩٢ (الحلبي) والبيهقي في الدلائل ١/ ٣١٦.\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب فرض الخمس: باب ما كان - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم ٦/ ٢٥١ - ٢٥٢ ح (٣١٥٠). من رواية عثمان بن أبي شيبة عن جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما كان يوم حنين آثر النبي - ﷺ - أناسا في القسمة؛ فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب، فآثرهما يومئذ في القسمة، قال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله؟! فقلت: والله لأخبرن النبي - ﷺ - فأتيته فأخبرته، فقال: فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ رحم الله موسى قد أوذيَ بأكثر من هذا فصبر\".\nوأخرجه البخاري من وجوه عديدة في كتاب أحاديث الأنبياء باب [٢٨] ٦/ ٤٣٦ ح (٣٤٠٥) وفيه قول ابن مسعود: \"فأتيت النبي - ﷺ - فأخبرته، فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه\" وفي كتاب المغازي: باب غزوة الطائف ٨/ ٥٥ ح (٤٣٣٥، ٤٣٣٦) وفي الرواية الأولى قول ابن مسعود: فأتيت النبي - ﷺ - فأخبرته فتغير وجهه\" وفي الثانية: فقلت: لأخبرن النبي - ﷺ -.\nوفي كتاب الأدب: باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه ١٠/ ٤٧٥ ح (٦٠٥٩) وفيه قول ابن مسعود: فقال رجل من الأنصار: والله ما أراد محمد بهذا وجه الله فأتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته؛ فتمعر وجهه (تغير) وقال: \"رحم الله موسى … \".=","vol":"1","page":413},{"text":"وكان - ﷺ - إذا رأَى أَو سمع ما يكرهه الله، غضب لذلك، وقال فيه، ولم يسكت. وقد دخل بيت عائشة ﵂، فرأَى سِتْرًا فيه تَصَاوير؛ فتلون وجهُه وهَتَكه، وقال:\n\"إن من أَشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور\" (^١).\nولما شُكِيَ إليه الإمامُ الذي يطيل بالناس صلاته؛ حتى يتأخرَ بعضهم عن الصلاة معه غضب - واشتد غضبه، ووعظ الناسَ، وأَمر بالتخفيف (^٢).\n_________\n= وفي باب الصبر في الأذى ١٠/ ٥١١ (٦١٠٠) وفيه قول ابن مسعود: \"فقال رجل من الأنصار: والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله قلت: أما لأقولن للنبي - ﷺ -، فأتيته - وهو في أصحابه - فساررته، فشق ذلك على النبي - ﷺ - وتغير وجه وغضب، حتى وددت أني لم أكن أخبرته .. \".\nوفى كتاب الاستئذان: باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة والمناجاة ١١/ ٨٣ ح (٦٢٩١) وفيه قول ابن مسعود: فقال رجل من الأنصار: إن هذه لقسمة ما أريد بها وجه الله! قلت: أما والله لآتيّن النبي - ﷺ - فأتيته وهو في ملأ فساررته فغضب حتى احمر وجهه، ثم قال. رحمة الله على موسى أوذي … \". وفي كتاب الدعوات: باب قول الله ﵎: ﴿وصل عليهم﴾ ومن خص أخاه بالدعاء دون نفسه، قال أبو موسى: قال النبي - ﷺ -: اللهم اغفر لعبيد: أبي عامر، اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه\" ١١/ ١٣٦ ح (٦٣٣٦) وفيه قول ابن مسعود: فأخبرت النبي - ﷺ - فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه وقال: يرحم الله موسى … \".\nوأخرجه مسلم في كتاب الزكاة: باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه ٢/ ٧٣٩ من وجهين ح ١٤٠، ١٤١ الأول: من طريق منصور، عن أبي وائل، عن عبد الله بن مسعود قال: لما كان يوم حنين آثر رسول الله - ﷺ - ناسا في القسمة فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب، وآثرهم يومئذ في القسمة، فقال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله، قال: فقلت: والله لأخبرن رسول الله - ﷺ - قال: فأتيته فأخبرته بما قال: قَال فتغير وجهه حتى كان كالصرف (صبغ أحمر يصبغ به الجلود وقد يطلق على الدم).\nثم قال: \"فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله؟ \" قال: ثم قال: \"يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر\" قال: قلت: لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثًا.\nوالثاني من طريق الأعمش، عن شقيق: عن عبد الله، بنحوه وفيه: \"فأتيت النبي - ﷺ - فساررته، فغضب من ذلك غضبًا شديدًا، واحمر وجهه، حتى تمنيت أني لم أذكره له\".\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الأدب: باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله تعالى، وقال الله تعالى: ﴿جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ ١٠/ ٥١٧ ح (٦١٠٩) من طريق الزهري عن القاسم عن عائشة ﵂ قالت: دخل عليّ رسول الله - ﷺ - في البيت قوام (سترةً ستارة رقيقة أو صفيقة) فيد صور فتلون وجهه ثم تناول الستر فهتكه وقالت: قال النبي - ﷺ -: \"من أشد الناس عذابًا يوم القيامة الذين يصورون هذه الصور\".\nوأخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة: باب تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنة بالفرش. ونحوه (٣، ١٦٦٧) ح ٩١، ٩٢ من وجوه عدة.\n(^٢) كما روى البخاري في صحيحه [٣] ك العلم: [٢٨] باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره=","vol":"1","page":414},{"text":"* ولما رأَى النُّخامة في قبلة المسجد تغيّظ وحكَّها وقال: \"إن أَحدكم إِذا كان في الصلاة فإِن الله حيِالَ وجهه؛ فلا يتنخَّمَنَّ حِيالَ وجهه في الصلاة (^١).\n_________\n= (١/ ١٨٦) من حديث أبي مسعود الأنصاري قال: قال رجل: يا رسول الله! لا أكاد أدرك الصلاة مما يطوِّل بنا فلان؟ فما رأيت النبي في موعظة أشد غضبًا من يومئذ فقال: \"أيها الناس إنكم منفرون فمن صلى بالناس فليخفف؛ فإن فيهم المريض والضعيف وذا الحاجة\".\nوفي كتاب الأذان: باب تخفيف الإمام في القيام، وإتمام الركوع والسجود (٢/ ١٩٧ - ١٩٨) بنحوه. وباب من شكا إمامه إذا طوّل ٢/ ٢٠٠ وفيه من حديث أبي مسعود قال: قال رجل: يا رسول الله! إني لأتأخر عن الصلاة في الفجر مما يطيل بنا فلان فيها؟ فغضب رسول الله - ﷺ - ما رأيته غضب في موضع كان أشد غضبًا منه يومئذ، ثم قال: يا أيها الناس! إن منكم منفرين، فمن أم الناس فليتجوز. فإن خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة\".\nوفي الباب نفسه عقب هذه الرواية من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري قال: أقبل رجل بناضِحَينْ (جملين يسقي بهما) - وقد جنح الليل - فوافق معاذا يصلي، فترك ناضحه وأقبل إلى معاذ، فقرأ بسورة البقرة أو النساء، فانطلق الرجل، وبلغه أن معاذا نال منه، فأتى النبي - ﷺ - فشكا إليه معاذا، فقال النبي - ﷺ - \"يا معاذ! أفتان أنت؟ أو أفاتن (ثلاث مرات) فلولا صليت بسبح اسم ربك، والشمس وضحاها، والليل إذا يغشى؟ فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة؟ \".\nوانظر ما رواه في ذلك مسلم في صحيحه: كتاب الصلاة: باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام ١/ ٣٤٠ - ٣٤٣ من أحاديث أبي مسعود الأنصاري وأبي هريرة وعثمان بن أبي العاص الثقفي وأنس والترمذي في جامعه: أبواب الصلاة: باب ما جاء إذا أم أحدكم الناس فليخفف ١/ ٤٦١ - ٤٦٤ من حديث أبي هريرة وغيره.\nوالنسائي في السنن: [١٠] كتاب الإمامة. [٣٥] باب ما على الإمام من التخفيف (٢/ ٩٤ - ٩٥) من أحاديث أبي هريرة وأنس وأبي قتادة: ٨٢٣، ٨٢٤، ٨٢٥.\nوابن ماجه في السنن: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب من أم قوما فليخفف ١/ ٣١٥ - ٣١٦) من أحاديث أبي مسعود وأنس، وجابر، وعثمان بن أبي العاص.\nوالدارمي في السنن: كتاب الصلاة: باب ما أمر الإمام من التخفيف في الصلاة ١/ ٣٢٢ من حديثي أبي مسعود وأنس ومالك في الموطأ: كتاب صلاة الجماعة: باب العمل في صلاة الجماعة ١/ ١٣٤ من حديث أبي هريرة.\nوأحمد في المسند ٢/ ٢٥٦، ٢١٧، ٣١٧، ٣٩٣، ٤٨٦، ٥٣٧، ٥٠٢ من حديث أبي هريرة و٤/ ١١٨، ١١٩ من حديث أبي مسعود البدري الأنصاري و٤/ ٢١٦، ٢١٨ من حديث عثمان بن أبي العاص (الحلبي).\n(^١) راجع في هذا ما رواه البخاري في كتاب الأدب: باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر اللّه تعالى ١٠/ ٥٣٧ ح ٦١١١ من حديث جويرية عن نافع عن ابن عمر ﵄ قال: بينا النبي - ﷺ - يصلي رأى في قبلة المسجد نخامة فحكها بيده، فتغيظ ثم قال: إن أحدكم … الحديث باللفظ الذي ساقه ابن رجب وانظر ما رواه أبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب كراهية البزاق في المسجد ١/ ٣٢٣ من حديث أيوب عن نافع عن ابن عمر، قال: بينما رسول الله - ﷺ - يخطب يوما إذ رأى نخامة في قبلة المسجد فتغيظ على الناس ثم حكها، قال: وأحسبه قال: فدعا بزعفران فلطخه به وقال: \"إن الله قِبَل وجه أحدكم إذا صلى فلا يبزق بين يديه\".\nوقد أَوْرد السمهودي هذه الرواية عن أبي داود، في وفاء الوفا ٢/ ٦٥٩.=","vol":"1","page":415},{"text":"<span data-type='title' id=toc-624>[من دعائه - ﷺ - في ذلك]:</span>\nوكان من دعائه - ﷺ -: \"أَسأَلك كلمة الحى في الغضب والرضا\" (^١).\nوهذا عزيز جدًّا، وهو أَن الإنسان لا يقول سوى الحق، سواءٌ غضب أَو رَضِي؛ فإن أَكثر الناس إِذا غضب لا يتوقف فيما يقول.\n_________\n= ثم ذكر رواية ابن شبة لها في تاريخ المدينة المنورة ١/ ١٨ وأفاد أن إسنادها جيد.\nوانظر ما رواه البيهقي في السنن: كتاب الصلاة: باب ما جاء في حك النخاعة عن القبلة ٢/ ٢٩٣.\nوأحمد في المسند ٦/ ٣١٦ (العارف) بإسناد صحيح مختصرًا والدارمي في السنن: كتاب الصلاة: باب كراهية البزاق في المسجد ٢/ ٣٢٤ - ٣٢٥ وابن ماجه في السنن: المساجد والجماعات: باب كراهية النخامة في المسجد ١/ ٢٥١ من حديثي أنس وابن عمر.\nوانظر ما رواه ابن شبة في تاريخ المدينة ١/ ١٨ - ٢٩.\nوفي تأويل قوله: \"فإن الله قبل وجهه\" قيل: تأويله: أن القبلة التي أمر الله عز رجل بالتوجه إليها للصلاة قبل وجه؛ فليصنها عن النخامة وفيه إضمار وحذف واختصار، كقوله تعالى: ﴿واسأل القرية﴾ يريد أهل القرية، ومثله في الكلام كثير.\nوإنما أضيفت تلك الجهة إلى الله تعالى على سبيل التكرمة كما قيل: بيت الله، وكعبة الله في نحو ذلك من الكلام\".\nوقال الخطابي: \"معناه أن توجهه إلى القبلة مفضٍ بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير كأن مقصوده بينه وبين قبلته، فأمر أن تصان تلك الجهة عن البصاق ونحوه من أثقال البدن\".\n(^١) هذا جزء حديث طويل أخرجه النَّسَائِي في السنن: كتاب السهو باب الدعاء بعد الذكر - نوع منه ٣/ ٥٤ - ٥٥ من حديث عطاء بن السائب عن أبيه قال: صلى بنا عمار بن ياسر صلاة فأوجز فيها، فقال له بعض القوم لقد خففت أو أوجزت الصلاة؟ فقال: أما على ذلك فقد دعوت فيها بدعوات سمعتهن من رسول الله - ﷺ - فلما قام تبعه رجل من القوم هو أبيّ غير أنه كنى عن نفسه فسأله عن الدعاء ثم جاء فأخبر به القوم: اللهم! بعلمك الغيب، وقدرتك على الخلق أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا علمت الوفاة خير لي اللهم! وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحق في الرضا والغضب، وأسألك القصد في الفقر والغنى وأسألك نعيما لا ينفد، وأسألك قرة عين لا تنقطع، وأسألك الرضا بعد القضاء، وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة اللهم! زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين\".\nورواه النَّسَائِي عقب هذا من حديث أبي مجلز عن قيس بن عباد قال:\nصلى عمار بن ياسر بالقوم صلاة فأخفها فكأنهم أنكروها فقال: ألم أتمَّ الركوع والسجود؟ قالوا: بلى. قال: أما إني دعوت فيها بدعاء كان النبي - ﷺ - يدعو به: \"اللهم بعلمك الغيب وساق نحوه وفيه وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الإخلاص في الرضا والغضب … الحديث فهل هذه الرواية تفسير لتلك؟ وتكون كلمة الحق هي كلمة الإخلاص أم أنه لا تنافي بين هذا وبين ما ذكره ابن رجب على أساس أنه لا يدفع إلى كلمة الحق شيء قدر الإخلاص للحقيقة وإظهار الحق ابتغاء وجه الحق وحده.\nعلى أية حال فقد أفادت الرواية الثانية فضلًا عن هذا أن إيجاز عمار في صلاته أو تخفيفه إياها لم يكن على حساب تمام أركانها وشرائطها، وأن الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا يستثقلون طول الصلاة كسمة عامة، بل لعلهم كانوا يستغربون إيجازها في بعض الأحْيان، كما رأيناهم مع عمار ﵃ أجمعين.","vol":"1","page":416},{"text":"وخرج الطبراني من حديث أَنس مرفوعًا:\nثلاثٌ من أَخلاق الإيمان: مَنْ إِذا غضب لم يُدخله غضبه في باطل، ومَن إِذا رضي لم يُخرجه رضاه من حق، ومَن إِذا قدَر لم يتَعاطَ ما ليس له\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في المعجم الصغير ١/ ٨٦ - ٨٧ ح ١٥٨ بهذا اللفظ عن أحمد بن الحسين الأنصاري عن حجاج بن يوسف بن قتيبة الهمداني، عن بشر بن الحسين، عن الزبير بن عدي، عن أنس بن مالك مرفوعًا، ثم قال: لم يروه عن الزبير بن عدي إلا بشر بن الحسين وقد أورده العراقي في تخريجه لأحاديث الإحياء ٤/ ٣٠٧ عن الطبراني في هذا الموضع وقال: إسناده ضعيف.\nأقول هذا التعليق من العراقي لا يشفي بل لعله يوهم أن ضعفه محتمل لتفرد بشر بروايته عن الزبير بن عدي كما أومأ الطبراني.\nوكان على كل من الطبراني والعراقي أن ينص على علة ضعف الحديث وإلى أي شيء تشير عبارة الطبراني. إن بشر بن الحسين هو بشر بن الحسين الأصبهاني الهلالي صاحب الزبير بن عدي.\nأحد وضاعي الحديث سيما عن الزبير عن أنس!؟ ولهذا وسم بالكذب وترك حديثه؛ قال البخاري في التاريخ الكبير ١/ ٢/ ٧١ فيه نظر وقال الدارقطني: متروك، وقال ابن عدي: عامة حديثه ليس بمحفوظ وقال أبو حاتم: يكذب على الزبير وساق له مائة حديث عن الزبير بن عدي عن أنس لا يصح منها شيء. وقال ابن عدي: الزبير ثقة، وبشر ضعيف أحاديثه سوى نسخة حجاج عنه - مستقيمة.\nقال ابن حبان: يروي بشر بن الحسين عن الزبير نسخة موضوعة شبيها بمائة وخمسين حديثًا، وقال في الثقات في ترجمة الزبير بن عدي كأن الأرض أخرجت له أفلاذ كبدها في حديثه لا ينظر في شيء رواه عن الزبير إلا على جهة التعجب!؟ وقال الدارقطني: يروي عن الزبير بواطيل والزبير ثقة، والنسخة موضوعة، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس حديثه بالقائم. راجع ترجمته في لسان الميزان ٢/ ٢١ - ٢٣ والضعفاء الكبير للعقيلي ١/ ١٤١.\nوإذا فالحديث الذي أورده ابن رجب عنه موضوع وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٢٠٦ وقال: رواه الطبراني في الصغير وفيه بشر بن الحسين وهو متروك كذاب والعجب من ابن رجب كيف أورد هذا الحديث دن أن يتنبه أو ينبه إلى وضعه؟!\nوبعد كتابة هذا رجعت إلى ضعيف الجامع الصغير ٧/ ٥٢ فرأيت الشيخ الألباني قد حكم أيضًا بوضعه وأحال إلى الأحاديث الضعيفة له ح ٥٣٩ ولم أجده فيها بهذا الرقم وإنما هو برقم ٥٤١ وقد أضاف إلى رواية الطبراني له في المعجم الصغير رواية أبي نعيم في أخبار أصبهان (١/ ١٣٢) وابن بشران في الأمالي الفوائد (٢/ ١٣٢/ ٢) وقد ذكر تعقيب الطبراني الآنف عن تفرد بشر بن الحسين برواية الحديث وحكم الهيثمي أن بشرًا هذا كذاب، ثم أضاف الشيخ الألباني أن راوي الحديث عن بشر هو الهمداني وهو مجهول وانتهى به المطاف أن أنحى باللائمة على السيوطي حيث أورد الحديث في جامعه قائلًا: والحديث مما سود به السيوطي جامعه، ولهذا تعقبه شارحه المناري بكلام الهيثمي المذكور ثم قال:\nفكان ينبغي للمصنف حذفه من هذا الكتاب ثم قال الشيخ الألباني:\n\"ولعل السيوطي اغتر باقتصار الحافظ العراقي على تضعيفه في تخريج الإحياء، وهو منه قصور أو ذهول أو تسامح في التعبير؛ لأن الحديث الموضوع من أقسام الحديث الضعيف.\nثم إن الحديث هو أول حديث في نسخة الزبير بن عدي المحفوظة في ظاهرية دمشق حرسها الله تعالى\" فكما أخذنا إيراد الحديث على ابن رجب أخذه الشيخ الألباني على السيوطي!!","vol":"1","page":417},{"text":"<span data-type='title' id=toc-625>[التحذير من التفوه بما يوبق في حال الغضب]:</span>\n* وقد رُوي عن النبي - ﷺ - أَنه أَخبر عن رجلين ممن كان قبلنا: كان أحدهما عابدًا، وكان الآخر مسرفًا على نفسه، وكان العابد يعظه فلا ينتهي، فرآه يومًا على ذنب استعظمه فقال: والله لا يغفر الله لك!؟. فغفر الله للمذنب، وأَحْبَط عمل العابد (^١).\nوقال أَبو هريرة: لقد تكلَّم بكلمة أوبَقَت دنياه وآخرته.\nفكان أَبو هريرة يحذر الناس أن يقولوا مثل هذه الكلمة في غضب وقد خرجه الإمام أحمد وأَبو داود (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب: باب النهي عن البغي ٢/ ٦٩٣ من حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: كان رجلان من بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب، والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر، فوجده يومًا على ذنب، فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي. أبعثت علي رقيبًا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة، فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالمًا؟ أو كنت على ما في يدي قادرًا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وفال للآخر: اذهبوا به إلى النار.\nفال أبو هريرة: لقد تكلم بكلمة … الخ. وهو صحيح في صحيح السنن ٤٠٩٧.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٣٢٣، ٣٦٣ بسياقه كاملًا في أول الموضعين، ومختصرًا في ثانيهما، وسياق الأول من حديث أبي عامر، عن عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوس اليمامي، قال: قال لي أبو هريرة: يا يمامي لا تقولن لرجل: والله لا يغفر الله لك، أو لا يدخلك الله الجنة أبدًا؟ قلت: يا أبا هريرة إن هذه لكلمة يقولها أحدنا لأخيه وصاحبه إذا غضب؟ قال: فلا تقلها؛ فإني سمعت النبي - ﷺ - يقول: كان في بني إسرائيل رجلان كان أحدهما مجتهدًا في العبادة، وكان الآخر مسرفًا على نفسه، فكانا متآخيين فكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب، فيقول: يا هذا أقصر فيقول: خلني وربي، أبعثت عليّ رقيبًا؟ قال: إلى أن رآه يومًا على ذنب استعظمه فقال له: ويحك أقصر قال: خلني وربي أبعثت عليّ رقيبًا؟ قال: فقال: والله لا يغفر الله لك أولًا يدخلك الجنة أبدًا؟ قال أحدهما: قال: فبعث الله إليهما ملكًا فقبض أرواحهما واجتمعا فقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر: أكنت بي عالمًا؟ أكنت على ما في يدي خازنًا؟ اذهبوا به إلى النار قال: فوالذي نفس أبي القاسم بيده لتكلم بالكلمة أوبقت دنياه وآخرته\".\nوقد أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الأدب في الموضع الآنف من طريق محمد بن الصباح بن سفيان، عن علي بن ثابت، عن عكرمة بن عمار. عن ضمضم بن جوس عن أبي هريرة، وفي آخره: \"والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته\".\nوهذه الجملة من أبي هريرة تمثُّلٌ منه بكلمة أبي القاسم - ﷺ - كما رواها الإِمام أحمد فهي عند أبي داود في حكم المرفوع وعن درجة الحديث قال المنذري: \"في إسناده عن علي بن ثابت الجزري، وقال الأزدي: ضعيف الحديث: وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال ابن معين: ثقة. وقال: أبو زرعة: ثقة لا بأس به\". وإذا فالحديث حسن. وانظر عون المعبود ١٣/ ١٦٦ - ١٦٧.\nورواية أحمد للحديث من غير طريق علي بن ثابت في الموضعين والكلمة الموبقة هي جزمٌ بعدم المغفرة ونفيه دخول الجنة وإقسامه على ذلك.","vol":"1","page":418},{"text":"فهذا غضب لله، ثم تكلم في حال غضبه لله بما لا يجوز، وحتَّم على الله بما لا يعلم، فأَحبط الله عمله، فكيف بمن تكلم في غضبه لنفسه ومتابعة هواه بما لا يجوز؟.\n\n<span data-type='title' id=toc-626>[التحذير من اللعن في الغضب]:</span>\n* وفي صحيح مسلم عن عمران بن حُصين أَنهم كانوا مع النبي - ﷺ - في بعض أَسفاره وامرأَة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنَتْها فسمع النبي - ﷺ - فقال: خذوا متاعها ودعوها (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-627>[وقد يوافق ساعة إجابة]:</span>\n* وفيه أيضًا عن جابر، قال: سِرْنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة (^٢) ورَجُل من الأَنصار على ناضح (^٣) له فتلدَّن عليه بعض التلدن (^٤) فقال له (^٥) سر لعنك الله.\nفقال رسول الله - ﷺ -: \"انزل عنه فلا يصحَبنا مَلْعُون، لا تدْعوا على أَنفسكم، ولا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا من الله ساعة يُسأَلُ فيها عطاءً فيستجيبَ لكم\" (^٦).\nفهذا كله يدل على أن دعاءَ الغضبان قد يُجاب إذا صادف ساعةَ إِجابة، وأَنه يُنهى عن الدعاء على نفسه، وأهله، وماله، في الغضب.\n\n<span data-type='title' id=toc-628>[معنى آية سورة يونس]:</span>\nوأَما ما قاله مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ (^٧).\nقال: هو الواصل لأَهله وولده وماله إِذا غَضِب عليه (^٨) قال: اللهم لا تُبارك فيه.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب: باب النهي عن لعن الدواب وغيرها ٤/ ٢٠٠٤، ٢٠٠٥، وهو عند ابن كثير في التفسير ٢/ ٤٠٨.\n(^٢) هي غزوة بطن بواط كما في مسلم، وبواط: جبل من جبال جهينة.\n(^٣) الناضح: البعير الذي يستقي عليه.\n(^٤) قال في النهاية ٤/ ٢٤٦: تلدن عليه: تلكأ وتمكث ولم ينبعث.\n(^٥) في صحيح مسلم: \"شأ لعنك الله\" وشأ كلمة لزجر البعير.\n(^٦) مسلم في كتاب الزهد والرقائق: باب حديث جابر الطويل .. - ٤/ ٢٣٠٤ ح ٣٠٠٩.\n(^٧) سورة يونس: ١١.\n(^٨) على أحد من الأهل والولد.","vol":"1","page":419},{"text":"اللهم العنه. يقول: لو عُجل له ذلك لأَهلك من دعا عليه فأَماته (^١).\nفهذا يدل على أنه يُستجاب جميع ما يدعو به الغضبان على نفسه، أهله وماله. والحديث دل على أَنه قد يستجاب لمصادفته ساعة إِجابة.\n\n<span data-type='title' id=toc-629>[ما روي مما يخالف ذلك]:</span>\nوأَما ما روي عن الفُضَيْل بن عياض قال: \"ثلاثة لا يُلامون على غضب: الصائم والمريض والمسافر\".\n* وعن الأحنف بن قيس قال: \"يُوحِي الله إلى الحافِظَيْن اللذَيْن مع ابن آدم: لا تكتبا على عبدي في ضَجَره شيئًا\".\nوعن أَبي عمران الجوني قال: \"إِن المريض إِذا جزع فأَذنب قال الملَك الذي على اليمين للملَك الذي على الشمال: لا تكتب (^٢) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-630>[لا أصل له]:</span>\nخرجه ابن أَبي الدنيا - فهذا كله لا يعرف له أصل صحيح من الشرع يدل عليه، والأَحاديث التي ذكرناها من قبل تدل على خلافه.\n\n<span data-type='title' id=toc-631>[معنى: إذا غضبت فاسكت]:</span>\n* وقول النبي - ﷺ -: \"إِذَا غَضبتَ فاسكت\" يدل على أَن الغضبان مكلف في حال غضبه بالسكوت؛ فيكون حينئذ مؤاخَذًا بالكلام.\n\n<span data-type='title' id=toc-632>[الغضبان مكلف]:</span>\n* وقد صح عن النبي - ﷺ - أنه أَمر من غضب أَن يتلافى غضبه بما يسكنه من أَقوال وأَفعال (^٣).\n_________\n(^١) راجع قول مجاهد في تفسير الطبري ١٥/ ٣٤/ ٣٥ (المعارف) وقد أورده من وجوه، وفيه: \"لأهلك من دعا عليه ولأماته\". وتفسير ابن كثير ٣/ ٤٠٨/ ٤٠٩ وعنده: \"فلو يعجل لهم الاستجابة في ذلك كما يستجاب لهم في الخير لأهلكهم\"، قال ابن كثير: أي لو استجاب لهم كل ما دعوه به في ذلك لأهلكهم، ولكن لا ينبغي الإكثار من ذلك، كما يشير إلى ذلك حديث ساعة الإجابة وتفسير مجاهد ١/ ٢٩٢ وفيه: \"قال هو قول الرجل لولده وأهله وماله إذا غضب عليهم: اللهم … لهلك\".\n(^٢) المرض والكفارات لابن أبي الدنيا ٢٤٨ وقد نظر المحقق إلى إسناده فقال: إسناده رجاله موثقون، ونظر ابن رجب إلى مخالفة قول أبي عمران للأحاديث الآنفة فقال ما قال.\n(^٣) كما مضى ص ٤٠١ وما بعدها.","vol":"1","page":420},{"text":"وهذا هو عين التكليف له بقطع الغضب فكيف يقال: إِنه غير مكلف في حال غضبه بما يصدر منه؟.\n* وقال عطاء بن أَبي رباح: \"ما أَبكى العلماءَ بكاءٌ آخر العمر مِنْ غضبة يغضبها أَحدهم فَتَهدِم (^١) عمل خمسين سنة أَو ستين سنة أَو سبعين سنة. ورب غضبة قد أَقحمت صاحبها مُقْحَمًا ما استقاله\".\nخرجه ابن أَبي الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-633>[ما يؤاخذ به وما لا يؤاخذ]:</span>\n\" ثم إِن مَن قال من السلف: إِن الغضبان إِذا كان سبب غضبه مباحًا كالمرض والسفر (^٢) أو الطَّاعة كالصوم، لا يلام عليه - إِنما مرأده أَنه لا إِثم عليه إِذا كان مما يقع منه في حال الغضب كثيرًا من كلام يوجب تضجُّرًا أو سبًّا ونحوه، كما قال - ﷺ -:\n\"إِنما أَنا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضى البَشر، وأَغضب كما يغضَبُ البشَر، فأَيما مُسْلمٍ سَبَبْتُه أَو جَلَدْتُه فاجْعَلْها له كفارة\" (^٣).\nفأَما ما كان من كفر أو ردّة، أَو قتل نفس، أَو أَخذ مال بغير حق، ونحو ذلك - فهذا لا يشك مسلم أَنهم لم يريدوا أَن الغضبان لا يؤاخَذُ به. وكذلك ما يقع من الغضبان من طلاق. وعِتَاقٍ أَو يمين، فإنه يؤاخذ بذلك كله بغير خلاف.\n\n<span data-type='title' id=toc-634>[من الأمثلة في ذلك]:</span>\nوفي مسند الإمام أَحمد عن خوْلةَ بنت ثَعْلَبة (^٤): امرأة أَوس بن الصامت أَنها راجعت زوجها، فغضب، فظاهر منها، وكان شيخًا كبيرًا قد ساءَ خلقه، وضجر، وأَنها جاءَت إلى النبي - ﷺ -، فجعلت تشكو إِليه ما تَلقى مِن سوءِ خلقه، فأَنزل الله آية الظهار، وأَمره رسول الله - ﷺ - بكفارة الظهار في قصة طويلة.\nوخرجها ابن أَبي حاتم من وجه آخر عن أبي العالية: أَن خويلة غضب زوجها فظاهر منها، فأَتت النبي - ﷺ - فأخبرته بذلك، وقالت: إِنه لم يُرد الطلاق، فقال النبي - ﷺ -:\n_________\n(^١) في المطبوعة: \"فيهدم عمر\".\n(^٢) ب: مباحًا كالسفر.\n(^٣) أخرجه مسلم بوجوه مختلفة في كتاب البر والصلة: باب من لعنه النبي - ﷺ - أو سبه أو دعا عليه ٤/ ٢٠٠٧ - ٢٠٠٩ عن جابر وأنس وأبي هريرة وعائشة ﵃. وهو عند البخاري رقم ٦٣٦١.\n(^٤) المسند ٦/ ٤١٠ - ٤١١ (الحلبي). وفي ب: \"خويلة\" وهي هي، كما تفيده رواية المسند. وإسناده صحيح على ما في الفتح الرباني ١٧/ ٢١ - ٢٢.","vol":"1","page":421},{"text":"\"ما أُراكِ إِلا حَرُمت عليه\" وذكر القصة بطولها. وفي آخرها قال: فحول الله الطلاق، فجعله ظِهارًا؛ فهذا الرجل ظاهر في حال غضبه.\nوكان النبي - ﷺ - يرى حينئذ أن الظهار طلاق وقد قال: \"إِنها حرمت عليه بذلك\" يعني لزمه الطلاق، فلما جعله الله ظهارًا مكفَرًا ألزمه بالكفارة ولم يلغه.\n* وروى مجاهد، عن ابن عباس: أَن رجلًا قال له: إني طلقت امرأتي ثلاثًا، وأَنا غضبان. فقال: \"إِن ابن عباس: لا يستطيع أَن يُحِلَّ لك ما حرم الله عليك، عصيت ربك، وحرمت عليك امرأَتك؟! \".\nخرجه الجوْزجَاني والدارقطني بإسناد على شرط مسلم (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-635>[اللغو في الأَيمان]:</span>\nوخرج القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتاب \"أَحكام القرآن\" بإسناد صحيح عن عائشة، ﵂، قالت: اللغو في الأَيمان: ما كان في المراء، والهزل، والمزاحة، والحديث الذي لا يعقد (^٢) عليه القلب، وأَيمان الكفارة على كل يمين حلفت عليها على جَدّ من الأَمر في غضب أو غيره لتَفْعَلنَّ أو لتتركن. فذلك عقد الأَيمان فيها الكفارة.\nوكذا رواه ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة (^٣).\nوهذا من أَصح الأَسانيد.\n\n<span data-type='title' id=toc-636>[لا طلاق في إغلاق]:</span>\nوهذا يدل على أن الحديث المروي عنها مرفوعًا: \"لا طلاق ولا عتاق في إِغلاق\".\nإِما أَنه غير صحيح أَو أَن تفسيره بالغضب غير صحيح (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني في السنن ٤/ ١٣ (ط. دار المحاسن بالقاهرة).\n(^٢) في تفسير الطبري: \"لا يعتمد\" وقال محققه بالهامش: أخشى أن يكون الصواب: \"لا يعقد\" وبالنص الذي عند ابن رجب يكون ما أومأ إِليه شيخ المحققين: يقينا!؟.\n(^٣) الإسناد والأثر في تفسير الطبري ٤/ ٢٢٥ ح ٤٤٥٧.\n(^٤) اختلفت الآراء في تفسير الإغلاق ففسره أحمد وأبو داود بالغضب، وفسره ابن قتيبة بالإكراه، وقال الزيلعي: قال شيخنا: والصواب أنه يعم الإكراه والغضب والجنون وكل أمر انغلق على صاحبه علمه وقصده، مأخوذ من غلق الباب.\nوحديث عائشة في هذا مروي من طرق ضعيفة راجع مق الدارقطني ٤/ ٣٦ - ٣٧ والتعليق المغني.","vol":"1","page":422},{"text":"<span data-type='title' id=toc-637>[فتاوى الصحابة في يمين الغضبان]:</span>\n* وقد صح عن غير واحد من الصحابة أَنهم أَفتوا أَن يمين الغضبان منعقدة وفيها الكفارة (^١). وما روي عن ابن عباس مما يخالف ذلك فلا يصح إسناده.\n* وقال الحسن: طلاق السنة: أَن يطلقها واحدة طاهرًا من غير جماع، وهو بالخيار ما بينه وبين أن تحيض ثلاث حيَض، فإن بَدا لَهُ أَن يراجعها كان أَملكَ بذلك. فإن كان غضبان ففي ثلاث حِيض، أو في (^٢) ثلاثة أَشهر - إن كانت لا تحيض - ما يُذهب غضبَه.\n* وقال الحسن: لقد بيّن الله لئلا يندم أَحد في طلاق كما أَمره الله.\nحرّجه القاضي إِسماعيل.\n\n<span data-type='title' id=toc-638>[كنايات الطلاق في الغضب]:</span>\n* وقد جعل كثير من العلماءِ الكنايات مع الغضب كالصريح في أَنه يقع بها الطلاق ظاهرًا، ولا يقبل تفسيرها مع الغضب بغير الطلاق.\n* ومنهم من جعل الغضب مع الكنايات كالنية، فأَوقع بذلك الطلاق في الباطن أيضًا. فكيف يُجعل الغضب مانعًا من وقوع صريح الطلاق؟!.\n_________\n(^١) ما دام يعقل ما يقول ويفعل.\n(^٢) ليست في ب.","vol":"1","page":423},{"text":"<span data-type='title' id=toc-639>الحديث السابع عشر</span>\nعَن أَبِي يعْلَى: شَدَّاد بْنِ أَوْسٍ رَضِى اللهُ تَعَاَلَى عَنْهُ عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - قال:\n\"إِنَّ الله كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنْوا الْقِتْلَةَ، وَإذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكمْ شَفْرَتَهُ، وَلْيُرحْ ذَبيحَتَهُ\". رَوَاهُ مُسلِمٌ (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-640>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث خرجه مسلم دون البخاري من رواية أبي قلابة، عن أبي الأَشعث الصنعاني، عن شداد بن أوس، وتركه البخاري؛ لأنَّه لم يخرج في صحيحه لأبي الأشعث شيئًا، وهو شامي ثقة (^٢).\n* وقد روي نحوه من حديث سمرة عن النبي - ﷺ - قال: \"إِن الله ﷿ مُحْسِنٌ؛ فأَحسنوا، فإذا قتَل أَحَدُكم فَلْيُكْرِم (^٣) مقتولَه، وإذا ذَبَحَ فليُحِدَّ شَفْرَتَه، وليُرحْ ذَبيحَتَهُ\".\nخرجه ابن عدي (^٤).\n_________\n(^١) في كتاب الصيد والذبائح: باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة ٣/ ١٥٤٨ وفيه: … فأحسنوا الذبح … فليرح ذبيحته\".\n(^٢) سقطت من المطبوعة. وأبو الأشعث الصنعاني هو شراحيل بن آدة، ويقال: شراحيل بن شراحيل بن كليب بن آدة وقيل غير ذلك. وهو من صنعاء الشام، وقيل: من صنعاء اليمن. روى عن شداد بن أوس، وثوبان، وأبي هريرة وغيرهم. روى عنه أبو قلابة الجرمي وحسان بن عطية وغيرهما.\nوثقه العجلي وابن حبان، وترجمته في التهذيب ٤/ ٣١٩ - ٣٢٠، والثقات لابن حبان ٤/ ٣٦٥ - ٣٦٦، وذكر أن اسمه شراحيل بن شرحبيل بن كليب بن آدة، وأن من قال: شراحيل بن آدة فقد نسبه إلى جده. وأنَّه مات في زمن معاوية.\n(^٣) في المطبوعة: \"فليحسن\".\n(^٤) أورده ابن عدي تامًّا في الكامل ٦/ ٦٢٤ - ٤٢٧ في ترجمة مجاعة راوية ذاكرًا أنه ممن يحتمل ويكتب حديثه، وأن عامة أحاديثه يحمل بعضها بعضا.\nوفي زيادات الجامع الصغير عزاه السيوطي للطبراني من حديث شداد بن أوس:\n\"إن الله محسن يحب الإحسان، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح وليحد أحدكم شفرته، ثم ليرح ذبيحته\" ح ٥٤٦٨، ٥٤٦٩.\nوهكذا في صحيح الجامع الصغير وزيادته للشيخ الألباني ١/ ٣٧٤ لم يعز لابن عدي من حديث سمرة إلا الشطر الأول \"إن الله تعالى محسن فأحسنوا\".\nوقد علق المناوي في التيسير ١/ ٢٦٢ على حديث سمرة بقوله: إسناده ضعيف؛ مخالفًا ابن عدي.","vol":"1","page":425},{"text":"وخرج الطبراني من حديث أَنس عن النبي - ﷺ - قال: \"إِذا حكمتم فاعدلوا، وإِذا قتلتم فأحسنوا؛ فإِن الله ﷿ مُحْسِنٌ يحب المحسنين\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-641>[معنى الجملة الأولى]:</span>\n* فقوله - ﷺ -: \"إِن الله كتبَ الإِحسان على كل شيء\" وفي رواية لأبي إسحاق الفزاري في كتاب السير، عن خالد، عن أبي قلابة عن النبي - ﷺ -:\n\"إِن الله كتب الإِحسانَ على كل شيء، أو قال: على كل خلق (^٢) \".\nهكذا خرّجها مرسلة، وبالشك في \"كل شيء\" أو \"كل خلق\". وظاهره يقتضي أنه كتب على كل مخلوق الإِحسان فيكون كل شيء، أو كل مخلوق، هو المكتوب عليه، والمكتوب هو الإحسان.\n* وقيل: إن المعنى: أَن الله كتب الإحسان إلى كل شيء أو في كل شيء، أو كتب الإحسان في الولاية على كل شيء، فيكون المكتوب عليه غير مذكور، وإنما المذكور المحسَن إِليه، ولفظ الكتابة يقتضي الوجوب عند أكثر الفقهاء والأصوليين خلافًا لبعضهم. وإنما يعرف استعمال لفظة الكتابة في القرآن فيما هو واجب حتم، إما شرعًا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (^٣) وقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ (^٤)، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ﴾ (^٥) أَو فيما هو واقع قدرًا لا محالة كقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ (^٦) وقوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (^٧) وقوله: ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾ (^٨).\n* وقال النبي - ﷺ - في قيام شهر رمضان: \"إِني خَشِيتُ أَن يُكتَبَ عَليكم\" (^٩).\n_________\n(^١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ١٩٧ وعزاه للطبراني في الأوسط من حديث أنس وقال: رجاله ثقات.\n(^٢) ليس في الجزء المحقق من كتاب السير المذكور.\n(^٣) سورة النساء: ١٠٣.\n(^٤) سورة البقرة: ١٨٣.\n(^٥) سورة البقرة: ٢١٦.\n(^٦) سورة المجادلة: ٢١.\n(^٧) سورة الأنبياء: ١٠٥.\n(^٨) سورة المجادلة: ٢٢.\n(^٩) في هذا روى البخاري في كتاب صلاة التراويح: باب فضل من قام رمضان ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١ من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته، فاجتمع الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة =","vol":"1","page":426},{"text":"وقال:\n\"أُمِرتُ بالسِّوَاكِ حتى خشيتُ أَن يُكَتب علىَّ\" (^١).\n* وقال:\n\"كُتِبَ على ابن آدم حَظُّه من الزِّنا؛ فهو مدركٌ ذلك لا مَحَالة\" (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-642>[الحديث نص في الإِحسان]:</span>\nوحينئذ فهذا الحديث نص في وجوب الإحسان.\nوقد أمر الله تعالى به فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ (^٣)\nوقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٤).\n_________\n= الثالثة؛ فخرج رسول الله - ﷺ - فصُلي بصلاته فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد ثم قال؛ \"أما بعد! فإنه لم يخف علي مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها\".\nفتوفي رسول الله - ﷺ - والأمر على ذلك.\nوأخرجه في كتاب الاعتصام: باب ما يكره من كثرة السؤال ومن تكلف ما لا يعنيه وقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ١٣/ ٢٦٤ من حديث زيد بن ثابت أن النبي - ﷺ - اتخذ حجرة في المسجد من حصير فصلى رسول الله - ﷺ - فيها ليالي حتى اجتمع إليه ناس، ثم فقدوا صوته ليلة فظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم، فقال ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم ولو كتب عليكم ما قمتم به؛ فصلوا أيها الناس في بيوتكم فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة ح ٢٠١٢، ٧٢٩٠ وانظر في البخاري أحاديث ٧٢٩، ٧٣٠، ٩٢٤، ١١٢٩، ٢٠١١، ٥٨٦١، ٦١١٣ من حديثي زيد بن ثابت وأم المؤمنين عائشة: ﵄.\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٩٠ (الحلبي) من طريق إسماعيل قال: حدثنا ليث عن أبي بردة عن أبي مليح عن وائلة بن الأسقع قال: قال رسول الله - ﷺ - … الحديث - باللفظ المذكور.\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٩٨ وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير وفيه ليث بن أبي سليم وهو ثقة مدلس وقد عنعنه.\nأي فهو إسناد ضعيف بالتدليس.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان: باب زنا الجوارح دون الفرج ١١/ ٢٦ من حديث أبي هريرة للفظ: \"إن الله كتب على ابنّ آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين: النظر، وزنا اللسان: المنطق. والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه\".\nج ٦٣٤٣ وانظر ح ٦٦١٢ ومسلم في كتاب القدر: باب قدر على ابن آدم حظه من الزنى وغيره ٤/ ٢٠٤٦ - ٢٠٤٧\nح ٢٠ - (٢٦٥٧) و٢١ - (....) من وجهين عن أبي هريرة.\n(^٣) سورة النحل: ٩٠.\n(^٤) سورة البقرة: ١٩٥.","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type='title' id=toc-643>[أنواع الأمر بالإحسان]:</span>\nوهذا الأَمر بالإِحسان تارة يكون للوجوب، كالإحسان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البر والصلة، والإِحسان إلى الضيف بقدر ما يحصل به قِراه، على ما سبق ذكره.\n* وتارة يكون للندب: كصدقة التطوع ونحوها.\n\n<span data-type='title' id=toc-644>[دلالة الحديث على وجوب الإحسان]:</span>\n* وهذا الحديث يدل على وجوب الإِحسان في كل شيء من الأعمال.\n\n<span data-type='title' id=toc-645>[وهو في كل شيء بحسبه]:</span>\nلكن إِحسان كل شيء بحسبه؛ فالإِحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها؛ فهذا القدر من الإحسان فيها واجب.\nوأما الإِحسان فيها بإِكمال مُسْتحَبّاتها فليس بواجب.\n* والإحسان في ترك المحرمات: الانتهاءُ عنها، وتركُ ظاهرها وباطنها كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ (^١) فهذا القدر من (^٢) الإِحسان فيها واجب.\n* وأَما الإِحسان في الصبر على المقدورات فأن يأَتي بالصبر عليها على وجهه من غير تسَخُّطٍ ولا جزع.\n* والإِحسان الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيامُ بما أَوجب الله عن حقوق ذلك كله.\n* والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستِهم: القيامُ بواجبات الولاية كلِّها.\n* والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله: إِحسانٌ ليس بواجب.\nوالإِحسان في فتل ما يجوز قتله من الناس والدواب: إِزهاق نفسه على أسرع الوجوه وأَسهلها وأوحاها (^٣) من غير زيادة في التعذيب. فإنه إيلام لا حاجة إليه.\n_________\n(^١) سورة الأنعام: ١٢٠.\n(^٢) في \"ا\": \"في\".\n(^٣) في م: \"وأروحها\" أي أسرعها، ب: \"وأحبه وأكثرها وأوحاها\" أي أسرعها.","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type='title' id=toc-646>[الإحسان المقصود في الحديث]:</span>\n* وهذا النوع هو الذي ذكره النبي - ﷺ - في هذا الحديث، ولعله ذكره على سبيل المثال، أَو لحاجته إلى بيانه في تلك الحال؛ فقال: \"إذا قتلتم فأَحسنوا القِتلة، وإِذا ذبحتم فأَحْسِنُوا الذِّبْحة\".\nوالقِتْلة والذِّبحة بالكسر: أي الهيئة. والمعنى: أَحسنوا هيئة الذبح، وهيئة القتل.\nوهذا يدل على وجوب الإِسراع في إِزهاق النفوس التي يباح إِزهاقها على أَسهل الوجوه.\nوقد حَكى ابنُ حزم (^١): الإِجماعَ على وجوب الإِحسان في الذِّبحة (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-647>[أسهل وجوه قتل الآدمي]:</span>\n* وأَسهل وجوه قتل الآدمي: ضربُه بالسيف على العنق؛ قال الله تعالى في حق الكفار: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ (^٣) وقال: ﴿سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ (^٤).\nوقد قيل إنه عَيَّن الموضع الذي يكون الضربُ فيد أسهلَ على المقتول، وهو فوق العظام، ودون الدماغ.\nووصى دُرَيْد بن الصِّمَّة قاتله أَن يقتله كذلك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-648>[النهي عن المثلة]:</span>\n* وكان النبي - ﷺ - إذا بعث سرية تغزو في سبيل الله قال لهم: \"لا تَمْثُلوا، ولا تقْتُلوا وليدًا\" (^٥).\n_________\n(^١) في مراتب الإجماع ص ١٧٨.\n(^٢) و، ل، ظ: \"الذبيحة\".\n(^٣) سورة محمد: ٤.\n(^٤) سورة الأنفال: ١٢.\n(^٥) هذا إشارة إلى بعض القيم والآداب الإسلامية بل إلى بند من بنود قانون التعامل الإنساني في المواجهات العسكرية للقوات الإسلامية المسلحة وما الذي ينبغي أن يوصي به القائد الأعلى ضباطه وجنوده عند انفصالهم للقاء العدو وقد حفظ هذا الدستور عن النبي - ﷺ - وتعامل به وعلمه لغيره كثيرون من الصحابة منهم عبد الله ابن عباس، وصفوان بن عسال المرادي، والنعمان بن مقرن، وبريدة بن الحصيب الأسلمي، وعبد الله ابن مسعود، والمغيرة بن شعبة وغيرهم.\nوحديث بريدة بن الحصيب يرويه مسلم في صحيحه: كتاب الجهاد: باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، =","vol":"1","page":429},{"text":"وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: \"أعَفُّ\n_________\n= ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها (٣/ ١٣٥٦ - ١٣٥٧) ح ٢ - (١٧٣١) من طريق سفيان الثوري عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أمُّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا ثم قال: اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغُلُّوا ولا تغدروا، ولا تَمْثُلوا ولا تقتلوا وليدًا، وإذا لقبت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال (أو خلال) فأيَّتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين وأخبرهم أنهم إن فعلوا ذلك فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا أن يتحولوا منها فأخبرهم أنهم يكونوا كأعراب المسلمين، يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا جمع المسلمين، فإن هم أبوا فسلهم الجزية فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم، فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم، وإن حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه فلا تجعل لهم ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك، فإِنكم أَن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن على حكمك فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا؟ \".\nورواه أبو داود في سننه: كتاب الجهاد: باب دعاء المشركين ٣/ ٨٣ - ٨٥ ح ١٦١٢ بنحوه مختصرًا وليس فيه اللفظ الذي ساق ابن رجب.\nوالترمذي في سننه: كتاب السير: باب ما جاء في وصيته - ﷺ - في القتال ٤/ ١٦٢ - ١٦٣ بسياقه كاملًا ح (١٦١٧) وعقب عليه بقوله: وفي الباب عن النعمان بن مقرن، وحديث بريدة حديث حسن صحيح.\nوأورده مختصرًا وفيه اللفظ الذي ساقه ابن رجب في كتاب الديات باب ما جاء في النهي عن المثلة ٤/ ٢٢ - ٢٣ (١٤٠٨) وعقب عليه بقوله:\nوفي الباب عن عبد الله بن مسعود وشداد بن أوس، وعمران بن حصين، وأنس، وسمرة، والمغيرة، ويعلى ابن مرة، وأبي أيوب. [و] حديث بريدة حديث حسن صحيح وكره أهل العلم المثلة.\nوأخطأ في المعجم المفهرس: (مثل) فقال عن هذا الموضع: جهاد ١٤ وليس كذلك كما رأينا.\nورواه الدارمي في السنن: كتاب السير: باب وصية الإمام في السرايا ٢/ ٢٨٤ ح (٢٤٣٩) مختصرًا وفيه اللفظ الذي ساقه ابن رجب.\nوروى أحمد في مسنده: الحديث من وجوه كثيرة، وعن كثير من الصحابة ومن ذلك حديث ابن عباس (١/ ٣٠٠) الحلبي من طريق داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: \"كان رسول الله - ﷺ - إذا بعث جيوشه قال: اخرجوا باسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع\" وفيه من رعاية حرمة العبادة وأصحاب الأماكن التي يذكر فيها اسم الله ما فيه!؟\nوإسناد الحديث حسن كما ذكر الشيخ شاكر في تعليقه على المسند ٤/ ٢٥٧ (المعارف) ح (٢٧٢٨).\nوروى أحمد كذلك حديث صفوان بن عسال المرادي ٤/ ٢٤٠ (الحلبي) بنحو حديث ابن عباس وفيه اللفظ الذي أورده ابن رجب.\nوهو عند ابن ماجه كذلك في الجهاد: باب وصية الإمام ٢/ ٣٥٣ بإسناد حسن كما ذكر البوصيري في الزوائد ٢/ ١٢٢.\nوأخرج أحمد حديث بريدة بنحو ما أخرجه مسلم وذلك في المسند ١٥/ ٣٥٨ (الحلبي).\nوأخرجه ابن ماجه في الموضع السابق عقب حديث صفوان.","vol":"1","page":430},{"text":"الناس قِتلةً: أهل الإيمان به\" (^١).\n• وخرج أحمد وأبو داود من حديث عمران بن حصين، وسمرة بن جُندَب أَن النبي - ﷺ - كان ينهى عن المثلة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنن [٩] كتاب الجهاد: [١٢٠] باب النهي عن المثلة ٣/ ١٢٠ باللفظ الذي ساقه ابن رجب وابن ماجه [٢١] في كتاب الديات: [٣٠] باب أعف الناس قتلة أهل الإيمان ٢/ ٨٩٤ - ٨٩٥ من وجهين عن ابن مسعود -﵁- بنحو رواية أبي داود.\nوفي معالم السنن بهامش أبي داود عرف الخطابي المثلة وبين متى تكون محرمة فقال: المثلة: تعذيب المقتول بقطع أعضائه وتشويه خلقه قبل أن يقتل أو بعده، وذلك مثل أن يجدع أنفه أو أذنه أو يفقأ عينه أو ما أشبه ذلك من أعضائه. ثم قال: وهذا إذا لم يكن الكافر فعل ذلك بالمقتول المسلم فإن مثل بالمقتول جاز أن يمثل به، ولذلك قطع رسول الله علي أيدي العرنيين، وأرجلهم، وسمر أعينهم، وكانوا فعلوا ذلك برعاء رسول الله - ﷺ - وكذلك هذا في القصاص بين المسلمين إذا كان القاتل قطع أعضاء المقتول وعذبه قبل القتل فإنه يعاقب بمثله، وقد قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وفي ب: \"وروى أبو داود وابن ماجه وهو عند أحمد بإسناد صحيح ٥/ ٢٧٥ (المعارف).\n(^٢) أخرجه أبو داود في السنن: عقب الحديث السابق من حديث قتادة، عن الحسن، عن الهياج بن عمران أن أباه عمران أبق له غلام فجعل الله عليه لئن قدر عليه ليقطعن يده فأرسلني لأسأل له فأتيت سمرة بن جندب فسألته، فقال: كان نبي الله - ﷺ - يحثنا على الصدقة، وينهانا عن المثلة، فأتيت عمران بن حصين فسألته، فقال: كان رسول الله - ﷺ - يحثنا على الصدقة وينهانا عن المثلة. وهو حديث قوى إسناده ابن حجر ٧/ ٤٥٩ وضعفه غيره.\nوهذه الرواية تدلنا على ما يلي:\n١ - أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يغضبون - إذا أثارهم موقف كإباق هذا العبد، وأن هذا أمر لا ينبغي أن يستغرب فهم بشر!؟.\n٢ - أنهم - وقد تلقوا توجيهات القرآن والسنة - لم يكونوا يدعون أنفسهم بحيث تحكُمهم غرائزهم وإنما\nكانوا يحكمون فيها تلك التوجيهات ومن هنا كان توقفهم وتحكمهم في السلوك إلى أن يتعرفوا على حكم الله ورسوله.\n٣ - أنهم - لذلك - كانوا يسأل بعضهم بعضًا قبل أن يصدر منهم ما قد يكون غير مأذون فيه ولهذا كان سؤال عمران لسمرة وعمران بن حصين معًا، كأنما يريد ليزداد استيثاقًا.\n٤ - أنهم لم يكونوا ليكتم أحدهم علما تلقاه، ولا نصيحة وجد فرصتها سانحة، ونفس المنصوح لها مهيأة.\n٥ - أنهم كانوا يتلقون ما يتلقون عن الرسول - ﷺ - بوعي كامل، وذاكرة حافظة فما كانوا يتلقونه لأنفسهم وإنما كانوا يعدون أنفسهم كذلك لإبلاغ ما تلقوه إلى من غاب عن مجلسهم من الصحابة ومن هنا كان حرصهم على أن يؤدوا ما سمعوه كما سمعوه.\n٦ - أنه - لهذا - لا غرابة أن تتطابق إجاباتهم بل عباراتهم كما رأينا في عبارتي سمرة بن جندب وعمران بن حصين.\nولعل هذا وغيره يتضح لنا كذلك من رواية أحمد في المسند ٤/ ٤٢٨ لهذا الحديث فقد رواه من طريق بهز وعفان عن همام، عن قتادة، عن الحسن، عن هياج بن عمران البرجمي أن غلامًا لأبيه أبق فجعل لله ﵎ عليه إن قدر عليه ليقطعن يده، قال: فقدر عليه قال [هياج] فبعثني إلى عمران بن حصين، قال: =","vol":"1","page":431},{"text":"• وخرجه البخاري من حديث عبد الله بن يزيد، عن النبي - ﷺ -: أنه نهى عن المثلة (^١).\n• وخرج الإمام أحمد (^٢) من حديث يَعلى بن مُرّة عن النبي - ﷺ - قال:\n\"لا تمثلوا بعباد الله\" (^٣).\n_________\n= فقال: أقرئ أباك السلام وأخبره أن رسول الله إن كان يحث في خطبته على الصدقة، وينهى عن المثلة - فليكفر عن يمينه ويتجاوز عن غلامه، قال: وبعثني إلى سمرة فقال: أقرئ أباك السلام وأخبره أن رسول الله - ﷺ - كان يحث في خطبته على الصدقة، وينهى عن المثلة - فليكفر عن يمينه ويتجاوز عن غلامه\".\nوهكذا لم يكتف كل من سمرة وعمران بإبلاغ الحديث، وإنما نصح كل منهما بما يعتبر مخرجًا لعمران أبي هياج من يمينه، مُلَمِّحًا كل منهما بقيمة العفو والصفح والتجاوز.\nأرأيت كيف كان التطابق بين سمرة وعمران في بلاغ الحديث؟! بل كيف كان التطابق فيما تلا ذلك من نصح لهما ومن حديث؟! والحديث صحيح بشواهده، كما في الإرواء ٢٢٣٠.\n(^١) حديث عبد الله بن يزيد في النهي عن المثلة أخرجه البخاري في موضعين من صحيحه أولهما [٤٦] في كتاب المظالم: [٣٠] باب النهبي بغير إذن صاحبه ٥/ ١١٩ ح (٢٤٧٤) من طريق آدم بن أبي إياس، عن شعبة، عن عدي بن ثابت عن عبد الله بن يزيد الأنصاري قال: \"نهى النبي - ﷺ - عن النهبي والمثلة\". وثانيهما في [٧٢] كتاب الذبائح والصيد: [٢٥] باب ما يكره من المثلة والمصبورة والمجثمة ٩/ ٦٤٣ ح ٥٥١٦ من طريق حجاج بن منهال عن شعبة، به: \"أنه نهى عن النهبة والمثلة\".\n(^٢) في ب: \"وروى أحمد وأبو داود أن النبي - ﷺ - قال: لا تمثلوا بعبادي\" وهذا سهو أو خطأ لعله من الناسخ، فقد رأينا حديث كل من سمرة بن جندب وعمران بن حصين. أما بهذا النص فليس هو من حديثهما، وإنما هو من حديث يعلى بن مرة الثقفي أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٧٣ من حديث عفان، عن وهيب، عن عطاء بن السائب عن يعلى بن مرة الثقفي قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول قال الله ﷿: \"لا تمثلوا بعبادي\" وهو إذًا حديث قدسي. وسيأتي تتمة لحديث يعلى بعد قليل إن شاء الله وفي ر: بعبادي وكتب فوق الياء: \"الله\" وفي ل، ب: \"بعبادي\" وكلاهما مروي كما رأيت.\n(^٣) يعلى بن مرة لا يروي حديثًا مرفوعًا كما تفيده عبارة ابن رجب وإنما هو يروي حديثًا قدسيًا أوردنا لك إحدى روايتي أحمد له في مسنده منذ قليل، وها نحن نورد لك الرواية الثانية في مسند أحمد لحديث يعلى ابن مرة ولا ثالث للروايتين في المسند وسنرى من سياق أحمد للرواية الثانية أنها تمثل لنا صورة تطبيقية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تنم عن الغيرة الحميدة من جهة، كما تعطي صورة للأسلوب الحكيم من جهة أخرى.\nفقد روى أحمد في المسند ٤/ ١٧٢ (الحلبي) من طريق عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، عن محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حفص، عن يعلى بن مرة أنه كان عند زياد جالسًا فأتى برجل شهد فغير شهادته فقال [زياد]: أقطعن لسانك؟! فقال له يعلى: ألا أحدثك حديثًا سمعته من رسول الله - ﷺ -؟ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: قال الله ﷿: لا تمثلوا بعبادي؟! قال: فتركه. ولئن صحت هذه الراوية فلنا أن نقول: حين يكون الناصح أمينا حكيمًا رفيقًا رقيقًا فلا عجب أن يجعل الله القبول في نصحه وفي توجهيه ولو من طاغية كزياد بن أبيه؟! وقد حدث!.\nونعود إلى الرواية التي عزاها ابن رجب لأحمد من حديث يعلي بن مرة مرفوعًا لنقول إضافة إلى ما سبق: هذا اللفظ ليس من رواية أحمد عن يعلى بن مرة وإنما هو من رواية الطبراني عنه أن النبي - ﷺ - قال: لا تمثلوا بعباد الله. =","vol":"1","page":432},{"text":"• وخرج أيضًا من حديث رجل من الصحابة عن النبي - ﷺ - قال:\n\"من مَثَّل بذي روح ثم لم يتب مثَّل الله به يوم القيامة\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-649>[أنواع القتل المباح]:</span>\n• واعلم أن القتل المباح يقع على وجهين:\n_________\n= ولعلها سبق قلم من النساخ، أو سهو من ابن رجب، وجل من لا يسهو.\nوقد رواه الطبراني في المعجم الكبير ٢٢/ ٢٧٢ - ٢٧٣ ح ٦٩٧، ٦٩٨، ٦٩٩:\nأ - من رواية معاذ بن المثنى، عن مسدد، عن خالد، عن عطاء بن السائب، عن يعلى بن مرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا تمثلوا بعباد الله\"\nب - من طريق المقدام بن داود، عن أسد بن موسى، عن ورقة بن عمر، عن عطاء بن السائب، عن غير واحد من ثقيف، عن يعلى بن مرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تمثلوا بعباد الله\".\nج - من رواية محمد بن إسحاق بن راهويه، عن أبيه، عن جرير، عن عطاء بن السائب، عن أناس من قومه، عن يعلى بن مرة أن النبي - ﷺ - قال: \"لا تمثلوا بعبادي\".\nفهذا النص الذي ساقه ابن رجب: \"لا تمثلوا بعباد الله\" ليس في مسند أحمد ولا من روايته وإنما هو كما رأيت من رواية الطبراني وفي معجمه الكبير.\nعلى أن هذه الروايات سواء أكانت من رواية أحمد على ما سبق أو من رواية الطبراني مطعون فيها بما يلي:\n١ - أن من رواتها عطاء بن السائب عند أحمد وعند الطبراني والمأخوذ عنه أنه اختلط وأنَّه وإن كان قد روى عن يعلى عند أحمد مرة دون واسطة ومرة بواسطة عبد الله بن حفص وعند الطبراني كذلك إلا أن الذي روى عنه عند أحمد والطبراني من طعن في روايته عنه وهم محمد بن فضيل وجرير ووهيب … إلخ.\n٢ - أن عطاء بن السائب لم يسمع من يعلى بن مرة.\n٣ - أن عبد الله بن حفص الذي روى عنه عطاء عند أحمد مجهول.\n٤ - أن الحديث أتي عند الطبراني حديثًا قُدسيًا دون أن تذكر فيه رواية للنبي - ﷺ - عن الله ﷿.\n٥ - أنه سواء أكان من رواية أحمد أو من رواية الطبراني فهو حديث ضعيف جدًا.\nومع ذلك استشهد به ابن رجب دون أن ينبه على ذلك أو دون أن يتنبه لذلك.\nويراجع تهذيب التهذيب ٧/ ٢٠٣ - ٢٠٧ في ترجمة عطاء بن السائب. وينظر مجمع الزوائد ٦/ ٢٤٨ في تضعيف الحديث.\n(^١) رواه أحمد في المسند ٢/ ٩٢ (الحلبي) من طريق أبي النضر عن شريك، عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح الحنفي عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - أن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - فذكره بالنص المذكور.\nورواه في ٢/ ١١٥ من طريق أسود وحسين عن شريك به عن رجل من أصحاب النبي [قال أبو صالح] أراه ابن عمر، قال: سمعت النبي - ﷺ - بنحوه من حديث أسود وبمثله من حديث حسين.\nوقد أورد الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٤٩ - ٢٥٠ رواية الموضع الثاني وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط عن ابن عمر من غير شك، [أي كرواية أحمد الأولى] ثم قال: ورجال أحمد ثقات.","vol":"1","page":433},{"text":"<span data-type='title' id=toc-650>[الوجه الأول]</span>\n• أن يكون قصاصا فلا يجوز التمثيل (^١) فيه بالمقتص منه، بل يقتل كما قَتَل. فإن كان قد مثل بالمقتول فهل يُمثَّل به كما فعل أم لا يقتل إلا بالسيف؟ فيه قولان مشهوران للعلماء:\n• أحدهما أنه يفعل به كما فعل، وهو قول مالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه. وفي الصحيحين عن أنس، قال:\nخرجت جارية عليها أوضَاحٌ (^٢)، بالمدينة فرماها يهودي بحجر، فجيء بها إلى رسول الله - ﷺ - وبها رَمَقٌ، فقال لها رسول الله - ﷺ -: فلان قتلك؟ فرفعت رأْسها، فقال لها في الثالثة: فلان قتلك؟ فَخَفَضت رأْسها، فدعا به رسول الله - ﷺ -، فَرضَخَ رأسَهُ بين حجَرين.\nوفي رواية لهما: فأُخذ فاعترف (^٣).\n_________\n(^١) ليست في ب.\n(^٢) قال في النهاية ٥/ ١٩٦: الأوضاح: نوع من الحلي يعمل من الفضة، سميت بها لبياضها، واحدها: وضح. وقد قتلها من أجل حليها.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه: ٤٤ - كتاب الخصومات ١ - باب ما يذكر في الإشخاص والخصومة بين المسلم واليهود ٥/ ٧١ من الفتح ح (٢٤١٣) عن موسى بن همام، عن قتادة، عن أنس -﵁- أن يهوديًّا رض رأس جارية بين حجرين. قيل: من فعل هذا بك؟ أفلان؟ أفلان؟ حتى سُمِّي اليهودي، فأومأت برأسها، فأخذ اليهودي فاعترف فأمر به رسول الله - ﷺ - فرضَّ رأسه بين حجرين.\nوفي: ٥٥ - كتاب الوصايا: ٥ - باب إذا أومأ المريض برأسه إشارة بينة جازت (٥/ ٣٧١) من الفتح ح ٢٧٤٦ من طريق حسان بن أبي عباد، عن همام - به.\nوفيه: فأومأت برأسها فجيء به، فلم يزل حتى اعترف … \".\nوفي [٦٨] كتاب الطلاق: [٢٤] باب الإشارة في الطلاق والأمور (٩/ ٤٣٦) من الفتح ح ٥٢٩٥ عن الأويسي عن إبراهيم بن سعد، عن شعبة بن الحجاج، عن هشام بن زيد، عن أنس -﵁- قال: عدا يهودي في عهد رسول الله - ﷺ - على جارية فأخذ أوضاحًا كانت عليها، ورضخ رأسها، فأتي بها أهلها رسول الله - ﷺ - وهي في آخر رمق - وقد أُصمتت - فقال لها رسول الله - ﷺ -: مَن قتلك؟ فلان؛ لغير الذي قتلها - فأشارت برأسها أن لا. قال: فقال لرجل آخر - غير الذي قتلها - فأشارت أن لا. فقال: فلان؟ لقاتلها، فأشارت أن نعم، فأمر به رسول الله - ﷺ - فرُضِخ رأسه بين حجرين.\nوفي: ٨٧ - كتاب الديات: ٤ - باب سؤال القاتل حتى يقر والإقرار في الحدود (١٢/ ١٩٨) من الفتح ح ٦٨٧٦ عن حجاج بن منهال، عن همام به.\nوفيه: فقيل لها: من فعل بك هذا؟ أفلان أو فلان - حتى سُمِّي اليهودي فأتي به النبي - ﷺ - فلم يزل به حتى أقر، فرض رأسه بالحجارة\".\nوفي: ٥ - باب إذا قتل بحجر أو عصا (١٢/ ٢٠٠) ح ٦٨٧٧ عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عن هشام بن زيد بن أنس عن جده أنس بن مالك قال: \"خرجت جارية عليها أوضاح =","vol":"1","page":434},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بالمدينة فرماها يهودي بحجر، قال: فجيء بها إلى النبي - ﷺ - وبها رمق، فقال لها رسول الله - ﷺ -: فلان قتلك؟ فرفعت رأسها، فقال لها في الثالثة: فلان قتلك؟ فخفضت رأسها فدعا به رسول الله - ﷺ - فقتله بين الحجرين\".\nوفي: ٧ - باب من أقاد بالحجر ١٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥ ح ٦٨٧٩ عن محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر عن شعبة - به وفيه: فقتلها بحجر … فقتله النبي - ﷺ - بحجرين\".\nوفي: ١٢ - باب إذا أقر بالقتل مرة قتل به ١٢/ ٢١٣ ح ٦٨٨٤ عن إسحاق عن حَبَّان، عن همام به: أن يهوديًّا رضَّ رأس جارية بين حجرين فقيل لها: من فعل بك هذا؟ أفلان أفلان؟ حتى سُمِّي اليهودي فأومأت برأسها، فجيء باليهودي، فاعترف، فأمر به النبي - ﷺ - فرُضّ رأسه بالحجارة، وقد قال همام: بحجرين\".\nوفي: ١٣ - باب قتل الرجل بالمرأة ١٢/ ٢١٣ - ٢١٤ ح ٦٨٨٥ عن مسدد عن يزيد بن زريع عن سعيد عن قتادة، عن أنس بن مالك -﵁- أن النبي - ﷺ - قتل يهوديًّا بجارية قتلها على أوضاح لها.\nوالملحوظ في هذه الروايات ما يلي:\n١ - أن البخاري لم يكرر إسنادًا واحدًا في هذه المواضع بل اختار لكل موضع طريقًا من طرق الحديث، ومن المعروف أن تعداد طرق الحديث يقوي صحته، ويؤكد توثيقه.\n٢ - أن هذه الطرق وإن اتحدت في مضمون الواقعة إلا أن اختلافها بالإجمال والتفصيل أعطى لكل منها قيمة خاصة وكأن هذه الروايات في مجموعها تتضافر لتعطي الحدث كل ما يحتاج إليه من تفصيل أو تحليل أو تفسير أو تعليل.\n٣ - أن كل من تلقي عن أنس وعمن تلقي عن أنس أخذ الرواية بالدقة اللازمة، وأداها بالأمانة الواجبة وأنَّه كما يتحدث أنس تارة بالإجمال وأخرى بالتفصيل يأخذ عنه تلاميذه ويؤدون كما سمعوا.\n٤ - أن البخاري يستنبط فقهه من هذه الروايات، ومن هنا تختلف استنباطاته تبعًا لاختلاف هذه الروايات ثم تأتي تراجمه لهذه الأحاديث في أبوابها معبرة عن اختلاف هذه الاستنباطات بما يوائم الكتب والموضوعات التي أودعت فيها هذه الأبواب من جهة، وبما يوائم الروايات التي تتخير لهذه الأبواب من جهة أخرى؛ بحيث تكون الترجمة مندرجة تحت الكتاب المعين في الوقت الذي يتسق فيه معها كل ما أورد في إطار عنوانها من رواية، بل كل ما كانت هذه الترجمة عنوانًا له أو استنباطًا بحيث تبين تراجم البخاري عن فقهه وفلسفته من جهة كما تبين عن تمام الملاءمة مع كتب الأبواب وأحاديث هذه الأبواب من جهة أخرى.\n٥ - كما رأينا فقد جاءت هذه الروايات في كتب: الخصومات، والوصايا والطلاق والديات.\nوقد يكون من الواضح اندراج هذا الحدث في كتابي الخصومات، والديات الذي يعبر عنه في بعض المراجع بالقصاص كما ذكر ذلك ابن حجر في تعليقه على الحديث في روايته الثانية (٥/ ٣٧١).\nبيد أن دخول هذا الحدث وروايته في موضوعي الوصايا والطلاق هو الذي يحتاج إلى تفسير.\nوقد كفانا بدر الدين بن جماعة مؤنة هذا في كتابه: مناسبات تراجم البخاري ص ١٠٢ حيث قال عن إيراد الحديث في كتاب الطلاق باب الإشارة في الطلاق والأمور ما يلي:\nمقصود البخاري بما ذكر من الحديث والآثار: أن الإشارة إذا فهمت من الأخرس وغيره نزلت منزلة اللفظ في ترتب الأحكام عليها، وأن الشرع اعتبرها في الحكم كاللفظ.\nفإذا لاحظنا أن المرأة أصمتت أي لم تكن تقدر على النطق وأنها أشارت كما يشير الأخرس وأن هذه الإشارة عمل بمقتضاها في القصاص من القاتل كان معنى هذا أن إشارة الأخرس ومن في حكمه يعمل بها في الأحكام ومن ذلك الطلاق والوصايا. =","vol":"1","page":435},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٦ - أن هذه الروايات - وقد صحت جميعها - ينبغي أن يجمع بينها فيما اختلف من الجزئيات فيها، وأن بكامل بعضها بعضًا فيما يتعلق بعناصر الحدث وتفصيلاته وأبعاده.\n٧ - فيما يتعلق بوسيلة قتل اليهودي للجارية فقد أفادت الروايات الأولى، والثانية، والرابعة، والسابعة أن اليهودي رض رأس الجارية بحجرين.\nوفي الرواية الثالثة أنه رضخ رأسها وفي الخامسة والسادسة أنه رماها وقتلها بحجر وفي الثامنة أنه قتلها على أوضاح لها.\nولا تنافي بين هذه الروايات.\nفالرضخ هو الرمي بالحجارة رميًا ينشأ عنه غالبًا شرح ودق وكسر ولهذا قال اللغويون: رضخه رضخًا دقه بحجر وكسره فهو مرضوخ ورضيخ يقال رضخ الحصى والنوى الرأس ورضخ الشيء اليابس رضه وكسره. ورضه: دقه جريشًا أو كسره ولم ينعم دقه.\nولهذا فالرضخ والرض بمعنى أو هما متقاربان كما في الفتح ١٢/ ١٩٨، والمعجم الوسيط ١/ ٣٥٠ - ٣٥١ والنهاية ٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩.\nفروايات الرض والرضخ يفسر بعضها بعضًا.\nوقد رميت الجارية بحجر ومن قوة الضربة لم تحتمل فوقعت مغشيًا عليها وصادف وقوع رأسها المصابة على حجر آخر كان له بدوره نصيب من مضاعفة الرض أو الرضخ فصح أنها رضت بحجر كما صح أنها رضت بحجرين، قال ابن حجر في الموضع السابق: ولا تنافي بين قوله: \"رض رأسها بين حجرين\" وبين قوله: \"رماها بحجر\" وبين قوله: \"رضخ رأسها؛ لأنَّه يجمع بينها بأنه رماها بحجر فأصاب رأسها فسقطت على حجر آخر.\n٨ - فيما يتعلق بما حدث عدا هذا فقد عدا اليهودي على حلي الجارية فأخذها وأتي أهلها النبي - ﷺ - يرفعون لدعوى على ذلك اليهودي وعند غير البخاري: فدخل عليها رسول الله عنه فقال لها: من قتلك؟\n٩ - يبدو أنه لم تكن تمت بينة على هذه الدعوى ولهذا سئلت الجارية عن أناس آخرين إن كانوا قد قتلوها فأشارت أن لا ولم يك بد بعد هذا من سؤالها إن كان اليهودي المدعى عليه هو القاتل وأشارت أن نعم - أي أومأت برأسها كما تذكر بعض الروايات والجمع بين هذه الروايات يقضي أنها لم تتكلم وأن إشارتها برأسها كانت مرة تفيد النفي وفي المرة الأخيرة أفادت الإثبات.\n١٠ - كان لا بد من إحضار المدعى عليه ولهذا ترجم البخاري في أول موضع أورد فيه الحديث بهذا العنوان: باب ما يذكر في الأشخاص والخصومة بين المسلم واليهود (٥/ ٧١).\nوالإشخاص هو إحضار الشخص وهو هنا اليهودي المدَّعَى عليه.\n١١ - ما كان للرسول - ﷺ - أن يأخذ المتهم بدعوى دون بينة أو اعتراف، ولم تكن تمث بينة كما سبق، فلم يبق إلا أن يكون إقرار أو اعتراف فكيف تم ذلك؟\nفي الرواية الأولى: فأخذ اليهودي فاعترف.\nفي الرواية الثانية: فلم يزل حتى اعترف.\nفي الرواية الثالثة: اختصرت هذه الجملة.\nفي الرواية الرابعة: فلم يزل به حتى أقَرَّ.\nفي الرواية الخامسة: اختصرت هذه الجملة وفيها فدعا به رسول الله - ﷺ -.\nفي الرواية السادسة: اختصرت هذه الجملة.","vol":"1","page":436},{"text":"وفي رواية لمسلم: أن رجلًا من اليهود قتل جارية من الأنصار على حلي لها، ثم ألقاها في القَلِيب، ورضَخَ رأسها بالحجارة، فأخِذ فأُتِيَ به النبيُّ - ﷺ - فأمر به أن يُرجم حتى يموت، فرُجم حتى مات (^١).\n_________\n= في الرواية السابعة: فجيء باليهودي فاعترف.\nفي الرواية الثامنة: اختصرت هذه الجملة.\nومن هذه الروايات نستطيع القول إنَّ الرسول - ﷺ - بعد أن وقف بنفسه على الدعوى من المجني عليها دعا بإحضار المتهم وإشخاصة وإنه لعدم وجود بينة لم يزل باليهودي بكلامه الرقيق الرقيق وأسلوبه المستبين الحكيم حتى أقر اليهودي واعترف بما صدر منه ولو قد كان شيء آخر تعرض له اليهودي من ترويع أو تعذيب أو إرهاب أو تهديد لنقل إلينا ولهذا قال ابن حجر - نقلًا عن المهلب:\nفي الحديث أنه ينبغي للحاكم أن يستدل على أهل الجنايات ثم يتلطف بهم حتى يقروا ليؤخذوا بإقرارهم.\n١٢ - فيما يتعلق بالقصاص فهذه هي الروايات.\nأ - فرض رأسه بين حجرين.\nب - فرض رأسه بالحجارة.\nج - فرخ رأسه بين حجرين.\nد - فرض رأسه بالحجارة.\nهـ - فقتله رسول الله - ﷺ - بين حجرين.\nو- فقتله رسول الله - ﷺ - بين حجرين.\nز - فرض رأسه بالحجارة - بحجرين.\nح - قتله بالجارية.\nوعند مسلم كما سيجيء فأمر به فرجم حتى مات.\nوعن الجمع بين هذه الروايات قال ابن حجر ١٢/ ١٩٩:\nقال عياض: رضخه بين حجرين، ورميه بالحجارة، ورجمه بها بمعنى والجامع أنه رمى بحجر أو أكثر ورأسه على حجر آخر.\nملحوظة: واضح أن المرأة كانت تجود بنفسها وهي تجيب برأسها فلما ماتت كان القصاص.\n١٣ - عندما نتملى عناوين الأبواب التي روي بها البخاري هذه الأحاديث فسنلمس إلى أي مدى كان اقتدار الرجل في الاستنباط بل إلى أي مدى كان فقهه وكانت فلسفته؟.\n١٤ - العبارة التي أوردها ابن رجب فأخذ فاعترف واضح أنها في الرواية الأولى وإن لم تكن بها بهذا النص لكن الرواية الأولى هي الأقرب إلى هذه العبارة حيث جاء نصها: \"فأخذ اليهودي فاعترف\" وبنحوها جاءت الرواية الثانية والرابعة والسابعة.\nوالحديث رواه مسلم في صحيحه: ٢٨ - كتاب القسامة: ٣ - باب ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره من المحددات والمثقلات وقتل الرجل بالمرأة ٣/ ١٢٩٩ - ١٣٠٠ ح ١٥ - ١٧ من خمسة أوجه بنحو ما أورد البخاري وفي آخرها فقط: \"فأخذ اليهودي فأقر\" وليس فيه فاعترف.\nفلعل ابن رجب يقصد من قوله: وفي رواية لهما: \"فأخذ فاعترف\" أن في مجموع الكتابين هذه العبارة بحيث تصدق بوجودها بنصها - على ما علمت - في أحدهما وبمعناها في الكتاب الآخر.\n(^١) في الموضع المذكور وعند مسلم بهذه الرواية تفصيل لم يرد في روايات البخاري: أن اليهودي أخذ حليٌ=","vol":"1","page":437},{"text":"• والقول الثاني: لا قَود إلا بالسيف، وهو قول الثوري، وأبي حنيفة - ﵁ -، ورواية عن أحمد.\nوعن أَحمد رواية ثالثة: يُفعل به كما فَعَل إلا أَن يكون حرَّقَه بالنار أَو مثَّل به فيقتل السيف؛ للنهي عن المثلة، وعن التحريق بالنار.\nنقلها عنه الأثرم.\nوقد روي عن النبي - ﷺ - قال: \"لا قَوَد إلا بالسيف\".\nخرجه ابن ماجه.\nوإسناده ضعيف (^١).\nقال أحمد: يُروى \"لا قود إِلا بالسيف\" وليس إسناده بجيد.\nوحديث أَنس - يعني في قتل اليهودي بالحجارة - أسند منه وأَجود.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-651>[ماذا لو مثل به ثمَّ قتله؟]:</span>\nولو مثَّل به ثم قتله مثل أَن قَطع أَطرافه ثم قَتَله فهل يُكتفي بقتله أم يُصنع به كما صنَعَ فتقطع أَطرافه ثم يقتل؟ على قولين:\nأحدهما: يفعل به كما فعل سواء.\nوهو قول أَبي حنيفة، والشافعي وأحمد، في إحدى الروايتين وإسحاق وغيرهم.\nوالثاني: يكتفي بقتله.\nوهو قول الثوري، وأحمد في رواية، وأبي يوسف، ومحمد.\nوقال مالك: إن فعل ذلك به على سبيل التمثيل والتعذيب فُعِل به كما فعل، وإن لم يكن على هذا الوجه اكتُفِي بقتله.\n* * *\n_________\n= الجارية وكان قتله لها أو عدوانه عليها بسبب هذا الحلي وأنَّه ألقاها بعدئذ في الحفرة ورضخ رأسها بالحجارة ولا مانع أن تكون قد سقطت على حجر وضربت بحجر آخر سواء أكان ضربها بالحجر قبل السقوط أو بعده.\n(^١) أخرجه ابن ماجه في كتاب الديات: باب لا قود إلا بالسيف ٢/ ٨٨٩ من طريقين ضعيفين قال صاحب الزوائد عن أولهما: في إسناده جابر الجعفي وهو كذاب، وعن الثاني: في إسناده مبارك بن فضالة، وهو يدلس، وقد عنعنه وذلك من حديث النعمان بن بشير.","vol":"1","page":438},{"text":"<span data-type='title' id=toc-652>[الوجه الثاني من وجوه القتل المباح]:</span>\n• والوجه الثاني: أن يكون القتل للكفر: إما لكفر أصلي أو لردة عن الإسلام؛ فأكثر العلماء على كراهة الممثلة فيه أيضًا وأنَّه يقتل فيه بالسيف.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-653>[ما روي في جواز التمثيل]:</span>\n• وقد روي عن طائفة من السلف جواز التمثيل فيه بالتحريق بالنار وغير ذلك كما فعله خالد بن الوليد وغيره (^١).\n• وروي عن أبي بكر -﵁- أنه حرق فجاءَة (^٢) بالنار.\n• وروي أن أم قرفة (^٣) الفزارية ارتدت في عهد أبي بكر الصديق فأَمر بها فشدّت ذؤابتها في أذناب قلُوصين، أو فرسين، ثم صاح بهما فتقطعت المرأة.\nوأَسانيد هذه القصة منقطعة.\n• وقد ذكر ابن سعد في طبقاته (^٤) بغير إسناد أن زيد بن حارثة قتلها هذه القتلة على عهد رسول الله - ﷺ - وأخبر النبي - ﷺ - بذلك.\nوصح عن علي -﵁- أنه حرَّق المرتدين، وأنكر ذلك ابنُ عباس عليه (^٥).\n• وقيل: إنه لم يحرقهم وإِنما دخن عليهم حتى ماتوا. وقيل إنه قتلهم ثم حرقهم، ولا يصح ذلك، وروي عنه أنه جيء بمرتد فأمر به فوطيء بالأرجل حتى مات.\n• واختار ابن عقيل من أصحابنا جواز القتل بالتمثيل للكفر لا سيما إذا تغلَّظ،\n_________\n(^١) رواه ابن سعد في الطبقات ٧/ ٣٩٦ من حديث هشام بن عروة عن أبيه …\n(^٢) في المطبوعة: \"فجأة\" وهو تحريف ظـ \"الفُجأة\".\n(^٣) في المطبوعة: \"أم فرقد\".\n(^٤) ٢/ ٩٠.\n(^٥) في ذلك يروي البخاري في كتاب استتابة المرتدين: باب حكم المرتد والمرتدة ١٢/ ٢٦٧ ح ٦٩٢٢ من حديث عكرمة، مولي ابن عباس، قال: أتي علي -﵁- بزنادقة فأحرقهم فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول الله - ﷺ -، ولقتلتهم، لقول رسول الله - ﷺ -: من بدل دينه فاقتلوه. وانظر ما أورده ابن حجر في هذا الموضع عن هذا.\nورواه الترمذي في كتاب الحدود: باب ما جاء في المرتد ٤/ ٥٩ وزاد فيه فبلغ ذلك عليًّا فقال: صدق ابن عباس.","vol":"1","page":439},{"text":"وحمَل النهي عن المثلة على القتل بالقصاص.\n• واستدل من أجاز ذلك بحديث العُرَنيّين، وقد خرجاه في الصحيحين من حديث أَنس: أَن أناسا من عرينة قدموا على رسول الله - ﷺ - المدينة، فاجتوَوها (^١) فقال لهم رسول الله - ﷺ -:\n\"إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشرَبُوا من أَلبانها وأَبوالها فافعلوا. ففعلوا فصَحُّوا، ثم مالوا على الرِّعاء فقتلوهم، وارتدوا عن الإسلام، وسَاقوا ذَودَ (^٢) رسول الله - ﷺ - فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فبعث في أثَرهِم، فأُتي بهم، فقطَّع أيديَهُم وأرجلهم، وشمل (^٣) أعينهم، وتركهم في الحرة حتى ماتوا\".\n• وفي رواية. ثم نُبذوا في الشمس حتى ماتوا.\nوفي رواية: وسُمِرت أعينهم وأُلقوا في الحرة يستسقون فلا يُسقَونَ (^٤).\n_________\n(^١) اجتووها: استوخموها، وتضرّروا بها، ولم يوافقهم جوها وطعامها، فكرهوا المقام بها.\n(^٢) الذود (بفتح الذال وسكون الواو) من الإبل ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر، راجع النهاية ٢/ ١٧١.\n(^٣) السمل: فقء العين، والسَّمر: لغة في السمل ومخرجهما متقارب، وقد يكون بالمسمار، يريد أنهم كحلوا بأميال قد أحميت. راجع فتح الباري في مواضع الحديث.\n(^٤) أخرجه البخاري في: ٤ - كتاب الوضوء: ٦٦ باب أبوال الإبل والدواب والغنم ومرابضها ١/ ٣٣٥ ح ٢٣٣ من طريق سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس قال: قدم أناس من عكل أو عرينة فاجتووا المدينة، فأمر لهم النبي - ﷺ - بلقاح وأن يشربوا من أبوالهم وألبانها فانطلقوا، فلما صحوا قتلوا راعي النبي - ﷺ - واستاقوا النعم، فجاء الخبر في أول النهار، فبعث في آثارهم، فلما ارتفع النهار جيء بهم، فأمر فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمرت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون\".\nقال أبو قلابة: \"فهؤلاء سرقوا وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله\".\nوفي: ٢٤ - كتاب الزكاة: ٦٨ - باب استعمال إبل الصدقة وألبانها لأبناء السبيل ٣/ ٣٦٦ ح ١٥٠١ من طريق مسدد عن يحيى عن شعبة، عن قتادة، عن أنس -﵁- أن ناسًا من عرينة اجتووا المدينة، فرخص لهم رسول الله - ﷺ - أن يأتوا إبل الصدقة فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فقتلوا الراعي، واستاقوا الذود، فأرسل رسول الله - ﷺ - فأتي بهم فقطع أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، وتركهم بالحرة يعضون الحجارة\".\nوفي ٥٦ - كتاب الجهاد: ١٥٢ - باب إذا حرق المشرك المسلم هل يحرّق؟ ٦/ ١٥٣ ح ٢٠١٨ عن معلى بن أسد، عن وهيب عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس بن مالك -﵁- أن رهطًا من عكل ثمانية قدموا على النبي فاجتووا المدينة، فقالوا: يا رسول الله أبغنا رِسْلًا (أعنا على طلبه والرسل بكسر الراء وسكون السين: الدر من اللبن) قال: ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بالذَّود (الثلاث من الإبل إلى العشرة) فانطلقوا فشربوا من أبوالها وألبانها حتى صحوا وسمنوا، وقتلوا الراعي، واستاقوا الذود، وكفروا بعد إسلامهم، فأتى الصريخ النبي - ﷺ - (والصريخ صوت المستغيث) فبعث الطلب، فما ترجل النهار (ما ارتفع) حتى أتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم، ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها، وطرحهم بالحرة يستسقون فما يسقون حتى ماتوا\". =","vol":"1","page":440},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قال أبو قلابة: \"قتلوا وسرقوا وحاربوا الله ورسوله وسعوا في الأرض فسادًا\" وفي: ٦٤ - كتاب المغازي: ٣٦ - باب قصة عكل وعرينة ٧/ ٤٥٨ ح ٤١٩٢ عن عبد الأعلى بن حماد، عن يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة أن أنسًا ﵁ حدثهم أن ناسًا من عكل وعرينة قدموا المدينة على النبي - ﷺ - وتكلموا بالإسلام، فقالوا: يا نبي الله! إنا كنا أهل ضرع ولم نكن أهل ريف، واستوخموا المدينة، فأمر لهم رسول الله - ﷺ - بذوذ وراع، وأمرهم أن يخرجوا فيه فيشربوا من ألبانها وأبوالها، فانطلقوا حتى إذا كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم وقتلوا راعي النبي - ﷺ - واستاقوا الذود، فبلغ النبي - ﷺ - فبعث الطب في آثارهم فأمر بهم، فسمروا أعينهم، وقطعوا أيديهم، وتركوا في ناحية الحرة حتى ماتوا على حالهم\".\nقال قتادة: \"بلغنا أن النبي - ﷺ - بعد ذلك - كان يحث على الصدقة، وينهى عن المثلثة\".\nملحوظة: ينظر عن هذا البلاغ وما كتبه ابن حجر في هذا الموضع، فقد ذكر أن هذا الْمَتْنَ جاء مسندًا من حديث قتادة عن الحسن البصري عن هياج عن عمران بن حصين وسمرة بن جندب عن أحمد وأبي داود وقد مضى لنا هذا الحديث وحديث أنس أخرجه البخاري كذلك في: ٦٥ - كتاب التفسير: ٥ - باب ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا - إلي قوله - أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية ٨/ ٢٧٣ ح ٤٦١٠ عن علي بن عبد الله، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، عن ابن عون، عن سلمان مولى أبي قلابة، عن أبي قلابة أنه كان جالسًا خلف عمر بن عبد العزيز فذكِّروا وذكروا، فقالوا وقالوا: قد أفادت بها الخلفاء، فالتفت إلى أبي قلابة وهو خلف ظهره، فقال: ما تقول يا عبد الله بن زيد أو قال: ما تقول يا أبا قلابة؟ قلت: ما علمت نفسا حل قتلها في الإسلام إلا رجل زنى بعد إحصان، أو قتل نفسًا بغير نفس، أو حارب الله ورسوله - ﷺ - فقال عنبسة: حدثنا أنس بكذا وكذا، قلت: إياي حدث أنس، قال: قدم قوم على النبي - ﷺ - فكلموه فقالوا: قد استوخمنا هذه الأرض، فقال: هذه نعم لنا تخرج لترعى، فاخرجوا فيها فاشربوا من ألبانها وأبوالها، فخرجوا فيها فشربوا من أبوالها وألبانها واستصحوا ومالوا على الراعي فقتلوه، واطردوا النعم، فما يستبطأ من هؤلاء؟ قتلوا النفس، وحاربوا الله ورسوله، وخوفوا رسول الله - ﷺ - … الحديث.\nوفي: ٧٦ - كتاب الطب: ٥ - باب الدواء بألبان الإبل ١٠/ ١٤١ ح ٥٦٨٥ عن مسلم بن إبراهيم، عن سلام ابن مسكين، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك أن ناسًا كان بهم سقم، قالوا: يا رسول الله! آونا وأطعمنا، فلما صحوا قالوا: إن المدينة وخمة، فأنزلهم الحرة في ذَوْدٍ له، فقال: اشربوا من ألبانها، فلما صحوا قتلوا راعي النبي - ﷺ - واستاقوا ذوده فبعث في آثارهم فقطع أيديهم وأرجهلم وسمر أعينهم فرأيت الرجل منهم يكدم الأرض بلسانه حتى يموت\".\nقال سلام: فبلغني أن الحجاج قال لأنس: \"حدثني بأشد عقوبة عاقبه النبي - ﷺ - فحدثه بهذا، فبلغ الحسن، فقال: \"وددت أنه لم يحدثه\".\nوفي: ٦ - باب الدواء بأبوال الإبل / ١٠/ ٤٢ ح ٥٦٨٦ عن موسى بن إسماعيل، عن همام، عن قتادة، عن أنس - بنحوه وعقب البخاري بقوله: قال قتادة: فحدثني محمد بن سيرين أن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود. وفي: ٢٩ - باب من خرج من أرض لا تلائمه ١٠/ ١٧٨ ح ٥٧٢٧ بنحو ما في المغازي وفيه فانطلقوا حتى كانوا ناحية الحرة كفروا بعد إسلامهم … الحديث.\nوفى ٨٦ - كتاب الحدود: ١٥ - باب المحاربين من أهل الكفر والردة وقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ ١٢/ ١٠٩، ح ٦٨٠٢ عن علي بن عبد الله، عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى=","vol":"1","page":441},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ابن أبي كثير، عن أبي قلابة عن أنس ﵁ … الحديث وفيه: \"فصحوا فارتدوا فقتلوا رعاتها واستاقوا الإبل … فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ثم لم يحسمهم حتى ماتوا\".\nوفي: ١٦ - باب لم يحسم النبي - ﷺ - المحاربين من أهل الردة حتى هلكوا ١٢/ ١١٠ - ١١١ ح ١٦٨٠٣ عن محمد بن الصلت عن الوليد بن مسلم به مختصرًا أن النبي - ﷺ - قطع العرنيين ولم يحسمهم.\nوفي: ١٧ - باب لم يسق المرتدون حتى ماتوا ١٢/ ١١١ ح ٦٨٠٤ عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس ﵁ قال: قدم رهط من عكل على النبي - ﷺ - كانوا في الصفة فاجتووا المدينة … وساق الحديث بنحو ما مضى وقول أبي قلابة: سرقوا وقتلوا وحاربوا الله ورسوله. وفي: ١٨ - باب سمر النبي - ﷺ - أعين المحاربين ١١٢/ ١٢ ح ١٨٠٥ من رواية قتيبة بن سعيد عن حماد، عن أيوب - به الحديث بنحو ما مضى وفيه: فبلغ النبي - ﷺ - غدوة، فبعث الطلب في إثرهم فما ارتفع النهار حتى جيء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم ....\nوقول أبي قلابة: \"هؤلاء قوم سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله\".\nوفي ٨٧ كتاب الديات: ٢٢ - باب القسامة ١٢/ ٢٣٠ - ٣١ ح ٦٨٩٩ عن قتيبة بن سعيد، عن أبي بشر، عن الحجاج بن أبي عثمان عن أبي رجاء، عن أبي قلابة أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يومًا للناس، ثم أذن لهم فدخلوا، فقال: ما تقولون في القسامة؟.\nقالوا: نقول: القسامة القود بها حق، وقد أقادت بها الخلفاء؟ قال لي: ما تقول يا أبا قلابة؟ ونصبني للناس؟ فقلت: يا أمير المؤمنين عندك رءوس الأجناد وأشراف العرب. أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قَدْ زنى، ولم يروه أكنت ترجمه؟ قال: لا. قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا. قلت: فو الله مما قتل رسول الله - ﷺ - أحدًا قط إلا في إحدى ثلاث خصال: رجل قتل يجريرة نفسه فقتل، أو رجل زنى بعد إحصان، أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الإسلام. فقال القوم: أو ليس قد حدث أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قطع في السرق، وسمر الأعين (يعنون في معصية وإن لم تصل إلى الكفر؟) [قال أبو قلابة:] فقلت: أنا أحدثكم حديث أنس، حدثني أنس أن نفرا من عكل: ثمانية قدموا على رسول الله - ﷺ - فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا الأرض فسقمت أجسامهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله - ﷺ -، قال: أفلا تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبون من ألبانها وأبوالها؟ قالوا: بلى فخرجوا فشربوا من ألبانها وأبوالها فَصحُّوا، ففتلوا راعي رسول الله - ﷺ -، واطردوا النعم، فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فأرسل في آثارهم فأدركوا فجيء بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسمر أعينهم، ثم نبذهم في الشمس حتى ماتوا. قلت (القائل أبو قلابة): وأي شيء أشد مما صنع هؤلاء؟ ارتدوا عن الإسلام، وقتلوا وسرقوا؟! فقال عنبسة بن سعيد (وقد تذكَّر الحديث وأن ما حدث كان للكفر والقتل والسرقة لا لمجرد المعصية) والله إن سمعت كاليوم قط؟! قال أبو قلابة: أتردُّ عليّ حديثي يا عنبسة؟ قال: لا ولكن جئت بالحديث على وجهه، والله لا يزال هذا الجند بخير ما عاش هذا الشيخ بين أظهرهم .. الحديث.\nوالملحوظ من هذه الروايات ما يلي:\n١ - أن هؤلاء النفر الذين قدموا المدينة كانوا ثمانية وكان بعضهم من عكل وبعضهم من عرينة ثلاثة من عكل وأربعة من عرينة والثامن كان تبعًا لهم.\nوهذا يفسر ما جاء في هذه الروايات أنهم من عكل أو من عرينة أو منهما معا، وأن ناشا وأن رهطًا إلخ.\n٢ - أنهم جاءوا مبايعين على الإسلام وشرائعه وجاءوا طالبين أن يدبر لهم النبي - ﷺ - أمر الإقامة والإعاشة؛=","vol":"1","page":442},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= حيث قالوا \"آونا وأطعمنا\".\n٣ - حين سقمت أبدانهم وهم بالمدينة وذكروا أنهم أم يتعودوا، على حياة الريف والمدن رغبوا أن يخرجوا إلى الإبل في الصحراء يفيدون من ألبانها، ويفيئون إلى مراعيها ويذخرون من أشعارها وأوبارها أثاثا ومتاعًا إلى حين؛ سيما وهم لم يوائمهم طعام المدينة ولا جواؤها.\nولقد طلبوا إلى الرسول - ﷺ - أن يعينهم على حياتهم خارج المدينة.\nولقد وافقهم - ﷺ - وسمح لهم بالارتفاق بإبله بل خصص لخدمتهم راعي هذه الإبل، ولم يكتف بهذا وذاك وإنما وصف لهم العلاج مما سقموا منه، حتى برئوا بفضل الله ورسوله.\nفماذا بعد الإنعام إلا الشكر، وماذا بعد فضل الله إلا الإقامة على الإيمان وطاعته وماذا بعد بيعة الرسول إلا الوفاء بها؟!.\nثم ماذا أذا حدث الكفر بعد الأيمان؟ والمعصية بدل الطاعة؟ ونقض العهد مع الله ورسوله من بعد ميثاقه؟!.\nلقد أفادت الروايات ما يلي:\n١ - أن الجزاء النبوي لم يكن عقابًا على معصية فحسب.\nوإنما كان عقابًا على ارتدادهم وحربهم لله وسعيهم في الأرض فسادًا ولقد ذكر المفسرون أن آية المحاربين إنما نزلت بسببهم وترجم البخاري بالآية في أكثر من موضع كما رأينا ..\n٢ - أنه ليس لأحد أن يملي بها لنفسه ولا أن يفتي بها لحاكم أن يقتل في المعصية، أو أن يمثل بها في التمثيل برقاب الناس أو التنكيل بعباد الله.\nلقد سأل الحجاج أنَسًا أن يحدثه بأشد عقوبة عاقبه النبي - ﷺ - وأسرع أنس فحدثه بما فعله النبي - ﷺ - بالعرنيين دون أن يبسط له أنهم كفروا بعد إسلامهم، وخانوا الله فأمكن منهم، ونفضوا بيعة رسوله وعاشوا في الأرض فسادًا ولم يقتصر أمرهم على السرقة أو القتل فحسب.\nولقد كان الحجاج مسرفًا في طغيانه مسرفًا في أجزيته ولو علم أنس سلفًا أن الحجاج سيعتمد على هذه الجزئية التي اقتصر أنس في إخباره عليها ليبرر لنفسه إسرافها في الانتقام، وتجاوزها في التشفي ما اقتصر على ذلك، ولعل عذر أنس أنه لم يدر بخلده أن الحجاج يريد ليتخذها مبررًا أو تكأة للعقاب على مجرد المعصية ولهذا ما عتم الحجاج بن يوسف الثقفي حين سمع ذلك من أنس وكما نقل ابن حجر في الفتح في موضع الرواية (١٠/ ١٤٢) عن بهز: \"فوالله ما انتهى الحجاج حتى قام بها على المنبر فقال: حدثنا أنس فذكر الحديث ثم قال: قطع النبي - ﷺ - الأيدي والأرجل وسمل الأعين في معصية الله أفلا نفعل نحن ذلك في معصية الله؟ وأخطأ الحجاج خطأ فاحشا؛ فلم يكن ذلك في مجرد المعصية وإنما كان ذلك للردة والكفر وحرب الله ورسوله.\nوأخطأ الحجاج خطأ فاحشا ففد كان كما حكت الروايات الآنفة: قبل أن تنزل الحدود.\nوأخطأ الحجاج خطأ فاحشًا فقد كان ذلك كما حكت الروايات: قبل النهي عن المثلة.\nولهذا لما بلغ الحديث الحسن البصري قال: وددت أنه لم يحدثه.\nبل كما نقل ابن حجر عن الإسماعيلي في الموضع نفسه فقد قال أنس نفسه: ما ندمت على شيء ما ندمت على حديث حدثت به الحجاج فذكر ما حدثه به في شأن العرنيين.\nقال ابن حجر:\nوإنما ندم أنس على ذلك لأن الحجاج كان مسرفًا في العقوبة، وكان يتعلق بأدنى شبهة، ولا حجة له في قصة العرنيين لأنَّه وقع التصريح في بعض طرقه أنهم ارتدوا وكان ذلك قبل أن تنزل الحدود، وقبل النهي عن المثلة=","vol":"1","page":443},{"text":"• وفي رواية للترمذي: قطع أيديَهم وأرجلَهم من خلاف (^١).\n• وفي رواية للنسائي: وصلَّبهم (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-654>[الآراء فيما عوقبوا به]:</span>\n• وقد اختلف العُلماءُ في وجه عقوبة هؤلاءِ: فمنهم من قال: من فَعل مثل فِعلهم فارتد وحارب وأَخذ المال - صُنع به كما صنع بهؤلاءِ.\n• ورُوي هذا عن طائفة منهم أبو قلابة، وهو رواية عن أحمد. ومنهم من قال: بل (^٣)\n_________\n= وقد حضر أبو هريرة الأمر بالتعذيب بالنار ثم حضر نسخه والنهي عن التعذيب بالنار وكان إسلام أبي هريرة متأخرًا عن قصة العرنيين وقد أحال ابن حجر على مواطن ذلك من كتب الطهارة، والجهاد والمغازي.\nولا زلنا على ذكر مما دار في مجلس عمر بن عبد العزيز من حوار بين عمر وبين علمائه من جهة، وبين أبي قلابة وعنبسة بن سعيد من جهة أخرى وكيف استهدف عمر بيان وجه الحق فيما لولي الأمر من حق في العقوبة خاصة في ضوء تشريع القسامة من ناجة وما جاء عن عقوبة العرنيين من جهة أخرى وكيف كان تقبله لقوة حجة أبى قلابة في مواجهة ما اتجه إليه عنبسة وكيف كانت شجاعة أبي قلابة في دفاعه عن الرسول، وتوضيحه لأبعاد الموقف وكيف ترفق في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع عمر بن عبد العزيز وكيف استند إلى قوة الحجة وانتقل من مثال إلى مثال حتى يقنع عمر بحسن التأتي، وحكمة المنطق، وأقنعه فعلًا وحاج عنبسة فحجه حتى أشاد عنبسة بحفظه وبمكانته العلمية وأن الناس لن يزالوا بخير ما دام فيهم مثل أبي قلابة. وانتهى الملأ مع عمر بن عبد العزيز على أن النبي - ﷺ - ما صنع ما صنع مع العرنيين لا لمجرد أنهم عصوا وإنما لأنهم ارتدوا وحاربوا الله ورسوله.\nفليس لحاكم في المسلمين أن يتخذ هذا ذريعة للبطش والتنكيل بمن استقبل قبلتنا، وصلى صلاتنا وشهد أَنْ لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟!.\nوليس لحاقد على الإسلام أن يتخذ هذا ذريعة للنيل من نبي الإسلام فقد عرفنا ماذا صنع العرنيون، ثم قد عرفنا أن ذلك كان قبل أن تنزل الحدود، كما كان قبل النهي عن المثلة. ولو سلمنا أنه كان بعد النهي عن المثلة فقد كان قصاصا منهم قبل أن يكون مثلة بهم، والله أعلم.\nوحديث أنس أخرجه مسلم في صحيحه: ٢٨ - كتاب القسامة: ٢ - باب حكم المحاربين والمرتدين ٣/ ١٢٩٦ - ١٢٩٨ ح ٩، ١٠، ١١، ١٢، ١٣، ١٤ وعنده: فقال لهم رسول الله - ﷺ -: \"إن شئتم أن تخرجوا إلى إبل الصدقة فتشربوا من ألبانها وأبوالها\" ففعلوا فصحوا ثم مالوا على الرعاة فقتلوهم وارتدوا عن الإسلام وساقوا ذود رسول الله - ﷺ - \":\n\"وعنده شباب من الأنصار قريب من عشرين فأرسلهم إليهم، وبعث معهم قائفًا يقتص أثرهم\".\nوقول أنس: \"إنما سمل النبي - ﷺ - أعين أولئك لأنهم سملوا أعين الرعاء.\n(^١) في كتاب الطهارة: باب ما جاء في بول ما يؤكل لحمه ١/ ١٠٦ - ١٠٧.\n(^٢) في كتاب تحريم الدم: باب تأويل قول الله ﷿ ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ ٧/ ٩٣ - ١٠١.\n(^٣) سقط من ر.","vol":"1","page":444},{"text":"هذا يدل على جواز التمثيل بمن تغلظت جرائمه في الجملة، وإِنما نهى عن التمثيل في القصاص، وهو قول ابن عقيل من أَصحابنا.\n• ومنهم من قال: بل نُسخ ما فُعل بالعُرَنيين بالنهي عن المثلة.\n• ومنهم من قال: كان قبل نزول الحدود، وآية المحاربة، ثم نسخ بذلك.\nوهذا قول جماعة منهم الأَوزاعي وأَبو عبيد (^١).\nومنهم من قال: بل ما فعله النبي - ﷺ - بهم إِنما كان بآية المحاربة (^٢) ولم ينسخ شيء من ذلك، وقالوا: إِنما قتلهم النبي - ﷺ -، وقطع أيديهم لأَنهِم أَخذوا المال، ومن أَخذ المال وقَتل: قُطِعَ وصُلِّب حتما. فيقتل لقتله، وتقطع لاُخذه المال يده ورجله من خلاف، ويصلَّب لجمعه بين الجنايتين، وهما: القتل وأَخذ المال.\nوهذا قول الحسن ورواية عن أحمد.\nوإِنما سَمَل أعينهم لاُنهم سَمَلوا أَعين الرعاة.\nكذا أَخرجه مسلم من حديث أَنس (^٣).\n• وذكر ابن شهاب أَنهم قتلوا الراعي، ومثلوا به. وذكر ابن سعد أَنهم قطعوا يده ورجله وغرسوا الشوك في لسانه وعينيه حتى مات، وحينئذ فقد يكون قطعهم وسَمْلُ (^٤) أَعينهم، وتعطيشُهم - قصاصا.\n• وهذا يتخرج على قول من يقول: إِن المحارب إِذا جنى جناية توجب القصاص اسْتُوْفِيَتْ منه قبل قتله، وهو مذهب أَحمد. لكن هل يستوفى منه تحتُّمًا كقتله أَم على وجه القصاص فيسقط بعفو الولي؟ على روايتين عنه، ولكن رواية الترمذي أَن قطعهم من خلاف يدل على أَن قطعهم للمحاربة، إلا أَن يكونوا قد قطعوا يد الراعي ورجله من خلاف. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) في المطبوعة: \"وأبو عبيدة\" وهو تحريف.\n(^٢) في المطبوعة: \"إنما كان من باب المحاربة\"\n(^٣) كما مضى ص ٤٤٣، ٤٤٤ هـ.\n(^٤) في المطبوعة: \"وقد سمل\" ولفظ \"قد\" هنا مقحم.","vol":"1","page":445},{"text":"<span data-type='title' id=toc-655>[الإذن في التحريق ثم نسخه]:</span>\n• وقد روي عن النبي - ﷺ - أَنه كان أَذن في التحريق بالنار، ثم نهى عنه كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال:\nبعثنا رسول الله - ﷺ - في بعث فقال: إِن وجدتم فلانا وفلانًا - لرجلين من قريش - سماهما - فأحرقوهما بالنار. ثم قال رسول الله - ﷺ - حين أردنا الخروج: \"إني كنت أمرتكم أن تُحرقوا فلانا وفلانا بالنار، وِإن النار لا يعذب بها إِلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما (^١).\nوفيه أَيضًا عن ابن عباس أَن النبي - ﷺ - قال:\nلا تعذبوا بعذاب الله ﷿ (^٢).\n• وخرج الإمام أَحمد ﵀ وأَبو داود والنسائي من حديث ابن مسعود قال: كنا مع النبي - ﷺ - فمررنا بقرية نمل قد أُحرقت فغضب النبي - ﷺ - وقال: \"إنه لا ينبغي لبشر أن يعذِّب بعذاب الله ﷿\" (^٣).\n• وقد حرق خالد جماعة في الردة.\n• وروي عن طائفة من الصحابة تحريق مَنْ عِمل عمَل قوم لوط.\n• وروي عن عليّ أَنه أَشار على أبي بكر أَن يقتله ثم يُحَرقه بالنار، واستحسن ذلك إسحاق بن راهوية؛ لئلا يكون تعذيبا بالنار.\n• وفي مسند الإِمام أَحمد أَن عليا لما ضربه ابن مُلْجَم قال: افعلوا به كما أراد رسول\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد: باب التوديع ٦/ ١١٥ ح ٢٩٥٤ وباب لا يعذب بعذاب الله ٦/ ٤٤٩ ح ٣٠١٦.\nوالرجلان: هما هبار بن الأسود ورفيقه خالد أو نافع بن عبد قيس آذيَا زينب بنت رسول الله - ﷺ -. وكان زوجها أبو العاص لما أسره ثم أطلقه النبي - ﷺ - من المدينة، شرط عليه أن يجهز له ابنته زينب فجهزها، فتبعها هبار ورفيقه فنخسا بعيرها، فاسقطت ومرضت من ذلك.\nوقد أسلم هبار هذا بعدئذ. راجع ما أورده ابن حجر عنه وعن القصة في الفتح في الموضع الثاني من الموضعين المذكورين.\n(^٢) في كتاب الجهاد: باب لا يعذب بعذاب الله ٦/ ٤٤٩ ح ٣٠١٧ من الفتح وطرفه ح ٦٩٢٢.\n(^٣) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد: باب كراهية حرق العدو بالنار ٣/ ١٢٥ وأحمد في المسند ٥/ ٢٨٨ بإسناد حسن، و٦/ ٤٧ - ٤٨ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه الشيخ أحمد شاكر نقلًا عن مجمع الزوائد ٤/ ٤١ والنسائي في التفسير في الكبرى كما في التحفة ٧/ ٧٧.","vol":"1","page":446},{"text":"الله - ﷺ - أَن يفعل برجل أراد قتله، قال: اقتلوه ثم حرقوه (^١).\n• وأَكثر العلماء على كراهة التحريق بالنار حتى للهوام.\n• وقال إِبراهيم النخعي: تحريق العقرب بالنار مُثْلةٌ.\nونهت أُم الدرداءِ عن تحريق البرغوث بالنار.\n• وقال أَحمد: لا يشوى السمك في النار وهو حي، وقال: الجراد أَهون، لأَنه لادم له.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-656>[النهي عن صبر البهائم وأن تتخذ الروح غرضا]:</span>\nوقد ثبت عن النبي - ﷺ - أَنه نهى عن صَبْرِ البهائم وهو: أَن تحبس البهيمة ثم تضرب بالنَّبْل ونحوهِ حتى تموت.\n• ففي الصحيحين عن أَنس: أَن النبي - ﷺ - نهى أَن تُصْبَر البهائم (^٢).\n• وفيهما أَيضًا عن ابن عمر: أَنه مر بقوم نصبوا دجاجة يرمونها فقال ابن عمر من فعل هذا؟ إِن رسول الله - ﷺ - لعن من فعل هذا.\n• وخرّج مسلم من حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - أَنه نهى أَن يتخذ شيء فيه الروح غرضا (^٣).\nوالغرض: هو الذى يرمي فيه السهام.\n• وفي مسند الإمام أَحمد عن أبي هريرة: أَن النبي - ﷺ - نهى عن الرَّميَّة أَن ترمى الدابة، ثم تؤكل، ولكن تذبح، ثم ليرموا إِن شاءوا (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٩٣ (المعارف) بإسناد صحيح وانظره في مجمع الزوائد ٩/ ١٤٥. قال الهيثمي: فيه عمران بن ظبيان وثقه ابن حبان وغيره وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الصيد والذبائح: باب ما يكره من المثلة والمصبورة والمجثمة وحديث ابن عمر التالي في الموضع نفسه ٩/ ٦٤٢ ح ٥٥١٣ - ٥٥١٥.\nوأخرج مسلم حديث أنس في كتاب الصيد والذبائح: باب النهي عن صبر البهائم ٣/ ١٥٤٩ وحديث ابن عمر في الباب نفسه ٣/ ١٥٥٠.\n(^٣) أخرجه مسلم في الباب المذكور ٣/ ١٥٤٩.\n(^٤) مسند أحمد ٢/ ٤٠٢ (الحلبي) وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ١٣ عن أحمد والطبراني وقال: فيه ابن لهيعة وحديثه حسن.","vol":"1","page":447},{"text":"<span data-type='title' id=toc-657>[الأمر بإحسان الذبح]:</span>\n• وفي هذا المعنى أَحاديث كثيرة. فلهذا أَمر النبي - ﷺ - بإحسان القتل والذبح، وأَمر أَن تحد الشفرة، وأن تُراح الذبيحة، يشير إِلى أَن الذَّبْحَ بالآلة الحادة يُريح الذبيحة بتعجيل زهوق نفسها.\n• وخرج الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث ابن عمر: قال أمر رسول الله - ﷺ - بحدّ الشفار، وأَن تُوارى عن البهائم، وقال: \"إِذا ذبح أَحدكم فليُجْهِز\" (^١) يعني فليسرع الذبح.\n\n<span data-type='title' id=toc-658>[الأمر بالرفق في الذبح]:</span>\nوقد ورد الأَمر بالرفق بالذبيحة عند ذبحها.\n• وخرج ابن ماجه من حديث أَبي سعيد الخدري قال: مَرَّ رسول الله - ﷺ -، برجل، وهو يجر شاة بأذُنِها فقال رسول الله - ﷺ -:\n\"دع أُذنها وخذ بسالفتها\" (^٢).\nوالسالفة: مقدم العنق.\n• وخرج الخلّال والطبراني من حديث عكرمة، عن ابن عباس، قال: مر رسول الله - ﷺ - برجل واضع رجله على صفحة شاة وهو يحد شفرته، وهي تلحظ إليه ببصرها؛ فقال: \"أفلا قَبْل هذا؟ أتريد أن تميتها موتتين؟ \" (^٣).\nوقد روي عن عكرمة مرسلًا، خرجه عبد الرزاق (^٤) وغيره، وفيه زيادة: \"هلا حدَدت شفرتك قبل أن تضجعها\".\n• وقال الإمام أَحمد: تُقاد إِلى الذبح قودا رفيقا، وتُوارى السكين عنها، ولا يظهر السكين إِلا عند الذبح. أَمر رسول الله - ﷺ - بذلك أَن توارى الشفار (^٥).\n_________\n(^١) ابن ماجه في السنن: كتاب الذبائح: باب إذا ذبحتم فأحسنوا الذبح ٢/ ١٠٥٩ بإسناد ضعيف، فقد ذكر صاحب الزوائد أن مدار إسناده على ابن لهيعة وشيخه قرة وكلاهما ضعيف.\nورواه أحمد في المسند ٨/ ١٦٩ - ١٧٠ المعارف بإسناد صحيح.\n(^٢) أخرجه في السنن ٢/ ١٠٥٩ بإسناد ضعيف للعلة التي ذكرناها في الحديث السابق.\n(^٣) أورده الهيثمي في المجمع ٤/ ٣٣ عن الطبراني في الكبير والأوسط وقال: رجاله رجال الصحيح ب: \"موتات\" وما أثبتناه هو الموافق للمجمع والمعجم ١١/ ٢٦٣.\n(^٤) في المصنف ٤/ ٤٩٣.\n(^٥) انظر المصنف ح ٨٦٠٦، ٨٦٠٨.","vol":"1","page":448},{"text":"• وقال: ما أبهمت عليه البهائم فلم تُبهَم، إنما تعرف ربها، وتعرف أنها تموت.\n• وقال يروى عن ابن سابط أنه قال: إِن البهائم جبلت على كل شيء إِلا أَنها (^١) تعرف ربها، وتخاف الموت.\n• وقد ورد الأَمرُ بقطع الأَوداج عند الذبحِ كما خرجه أَبو داود من حديث عكرمة عن ابن عباس، وأبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن شريطة الشيطان (^٢).\nوهي التي تذبح فيقطع الجلد. ولا تفري الأَوداج.\n• وأخرجه ابن حبان في صحيحه، وعنده: قال عكرمة: كانوا يقطعون منها الشيء اليسير ثم يذَرُونها حتى تموت، ولا يقطعون الودَج، فنُهي عن ذلك (^٣).\n• وروى عبد الرزاق في كتابه، عن محمد بن راشد، عن الوَضين بن عطاء قال: إِن جزارًا فتح بابا على شاة ليذبحها فانفلتت منه حتى جاءت النبي - ﷺ -، فأتبعها فأخذ يسحبها برجلها، فقال لها النبي - ﷺ -: \"أصبري لأمر الله، وأنت يا جزار، فسقها إلى الموت سوقا رفيقا (^٤) \".\n• وبإسناده عن ابن سيرين: أَن عمر رأَى رجلا يسحب شاة برجلها ليذبحها فقال له: ويلك قُدْها إلى الموت قودا جميلا (^٥).\n• وروى محمد بن زياد أن ابن عمر رأى قصَّابا يجر شاة فقال: سُقها إلى الموت سوقًا جميلًا فأخرج القصاب شفرته (^٦) فقال: ما أسوقها سوقًا جميلًا، وأنا أريد أن أذبحها الساعة. فقال: سقها سوقا جميلا.\n• وفي مسند الإِمام أَحمد عن معاوية بن قرَّة، عن أَبيه، أَن رجلا قال للنبي - ﷺ -: يا رسول الله - ﷺ -! إِنى لأَذبح الشاة وأَنا أَرحمها فقال النبي - ﷺ -: والشاة إن رحمتَها\n_________\n(^١) أ، ر: \"إلا على أنها\" وفي أ كتب فوق إلا: \"كذا\".\n(^٢) أخرجه أبو داود في كتاب الأضاحي: باب المبالغة في الذبح ٣/ ٢٥١ - ٢٥٢ وتفسير الشريطة التالي من قول الحسن بن عيسى مولى ابن المبارك كما في أبي داود.\n(^٣) الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ٧/ ٥٥٥.\n(^٤) المصنف ٨٦٠٩ وإسناده معضل؛ فوفاة الوضين سنة سبع أو تسع وأربعين ومائة فضلا عن أنه مختلف في توثيقه التهذيب ١١/ ١٢٠ - ١٢١.\n(^٥) المصنف ٨٦٠٥ بإسناد منقطع؛ فابن سيرين ولد لسنتين بقيتا من خلافه عثمان؛ فلم يدرك عمر تهذيب ٩/ ٢١٤.\n(^٦) في المطبوعة: \"شفرة\".","vol":"1","page":449},{"text":"رحِمكَ الله (^١).\n• وقال مطرِّف بن عبد الله: إِن الله ليرحم برحمة العصفور.\n• وقال نوفٌ (^٢) البكالي: إِن رجلا ذبح عِجَّوْلا (^٣) بين يدى أُمه فخُبل فبينما هو تحت شجرة فيها وكر فيه فرخ، فوقع الفرخ إِلى الأرض فرحمه، فأَعاده في مكانه، فرد الله إليه قوّته.\n* * *\nوقد روي من غير وجه عن النبي - ﷺ - أَنه نهى أَن تُولَّهَ والدة عن ولدها (^٤).\nوهو عام في بني آدم وغيرهم.\nوفي سنن أبي داود: أن النبي - ﷺ - سئل عن الفَرَع فقال: \"هو حق وأَن تتركوه حتى يكون بَكْرا ابن مخاض أَو ابْن لبون فُتعطيَه أَرملة أَو تحمل عليه في سبيل الله - خيرٌ من أَن تذبحه فيلصَق لحمه بوبره، وتُكفئَ إِناءَك، وتولِّهَ ناقَتَك (^٥) \".\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٤٣٦ (الحلبي) من رواية إسماعيل بن إبراهيم، عن زياد بن مخراق عن معاوية بن قرة وقد أورده الْهَيْثَمي في مجمع الزوائد ٤/ ٣٢ - ٣٣ عن أحمد والطبراني في الصغير وقال: رجاله ثقات وهو عند الطبراني ١/ ١٢٩ ح ٢٩٣ وعند أحمد كذلك ٥/ ٣٤.\n(^٢) في المطبوعة: \"عوف\" وهو تحريف.\n(^٣) في المطبوعة: \"عجلا \"والعجل والعجَّول (بكسر العين وتشديد الجيم المفتوحة وسكون الواو) ولد البقرة كما في القاموس ٤/ ١٣.\n(^٤) كما روى أبو داود ٢٨٤٢ والنسائي ٤٢٢٥ وأحمد في المسند ٢/ ١٨٢ - ١٨٣ و١٨٧ من حديث عبد الله بن عمرو.\n(^٥) أخرجه أبو داود في: ١٠ - كتاب الأضاحي: ٢١ - باب العقيقة ٣/ ٢٦٢ - ٣٦٣ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن العقيقة، فقال: لا يحب الله العقوق، كأنه كره الاسم وقال: من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فلينسك، عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة، وسئل عن الفرع، قال: والفرع حق وأن تتركوه حتى يكون بكرًا شُغْزُبًّا ابن مخاض أو ابن لبون، فتعطيه أرملة، أو تحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه فيلزق لحمه بوبره وتكفأ إناءك، وتوله ناقتك\".\nقال الخطابي: قوله: \"لا يحب الله العقوق\" ليس فيه توهين لأمر العقيقة، ولا إسقاط لوجوبها، وإنما استبشع الاسم وأحب أن يسميه بأحسن منه واختلف أهل اللغة في اشتقاق اسم العقيقة، فقال بعضهم: العقيقة اسم للشعر يحلق فسميت الشاة عقيقة على المجاز إذْ كانت إنما تذبح بسبب حلاقة الشعر وقال بعضهما: بل العقيقة هي الشاة نفسها وسميت عقيقة لأنها تعق مذابحها أي تشق وتقطع، يقال عق البرق في السحاب إذا تشقق فتشظى له شظايا في وجه السحاب، قالوا: ومن هذا عقوق الولد أباه: وهو قطيعته وجفوته.\nوقوله حتى يكون بكرًا شغزبا هكذا رواه أبو داود، وهو غَلط وَالصواب حتى يكون بكرًا زُخْرُبًّا وهو الغليظ كذا رواه أبو عبيد وغيره ويشبه أن يكون حرف الزاي قد أبدل بالسين لقرب مخارجها وأبدل الخاء غينًا لقرب =","vol":"1","page":450},{"text":"والمعنى أَن ولد الناقة إِذا ذبح وهو صغير عند ولادته لم يُنتفع بلحمه، وتضرَّر صاحبه بانقطاع لبن ناقته، ويُكفئَ إِناءَه، وهو المحلب الذي تُحلب فيه الناقة، وتُولَّه الناقة على ولدها؛ بفقدها إياه.\n_________\n= مخرجهما فصار سغربا فصحفه بعض الرواة فصار شُغِّزُبًّا:\nوقوله: \"وتَكفأ إناءك\" يريد بالإناء: المحلب الذي تحلب فيه الناقة، يقول: إذا ذبحت جوارها انقطع مادة اللبن فتترك الإناء مكفأ لا يحلب فيه.\nوقوله: \"وتوله ناقتك\" أي تفجعها بولدها وأصله من الوله وهو ذهاب العقل من فقدان إلف، وأنشد ابن الأعرابي:\nوكنا خليطي في الجمال فأصبحت … جمالي توالي وُلَّهًا من جمالك\nراجع معالم السنن بهامش السنن.","vol":"1","page":451},{"text":"<span data-type='title' id=toc-659>الحديث الثامن عشر</span>\nعَنْ أبِي ذَرٍّ: جُنْدَبِ بْنِ جُنَادَةَ وأَبِي عَبْد الرَّحْمنِ: مُعَاذِ بْنِ جَبَل ﵄ أنَّ رَسُول اللهِ - ﷺ - قال:\n\"اتقَّ الله حَيْثُما كُنْتَ، وَأَتْبعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وَخالقِ النَّاس بِخُلُق حَسَنٍ\".\nرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَديث حَسَنٌ، وَفي بَعْض النُّسَخ حَسَن (^١) صَحيحٌ (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-660>[تخريج الحديث]:</span>\n• هذا الحديث خرجه الترمذي من رواية سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ميمون بن أبي شبيب (^٣)، عن أبي ذر.\n• وخرجه أَيضًا لهذا الإسناد عن ميمون، عن معاذ، وذكر عن شيخه: محمود بن غيلان أنه قال: حديث أبي ذر أَصح.\n• فهذا الحديث قد اختلف في إسناده، وقيل فيه: عن حبيب، عن ميمون، أن النبي - ﷺ - وصى بذلك - مرسلًا - ورجح الدارقطني هذا المرسل.\n• وقد حسن الترمذي هذا الحديث، وما وقع في بعض النسخ من تصحيحه فبعيد، ولكن الحاكم خرجه، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وهو وهم من وجهين (^٤).\n• أحدهما: أن ميمون بن أبي شبيب (^٥)، ويقال: ابن شبيب لم يخرج له البخاري في صحيحه شيئًا ولا مسلم إلا في مقدمة كتابه حديثا عن المغيرة بن شعبة.\n• والثاني: أن ميمون بن أبي شبيب لما يصح سماعه من أحد من الصحابة، قال الفلاس: ليس [في شيء] (^٦) من روايته [عن الصحابة] (^٧): \"سمعت\" ولم أُخبر أَن أَحدًا يزعم أنه سمع من أصحاب النبي - ﷺ -.\n• وقال أبو حاتم الرازي: روايته عن أبي ذر وعائشة غير متصلة.\n_________\n(^١) ليست في الأصل وهي في الترمذي وفي النسخ الأخرى.\n(^٢) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في معاشرة الناس ٤/ ٣٥٥ - ٣٥٦ من الطريقين اللذين سيذكرهما ابن رجب.\n(^٣) ل، ر، ظ: \"بن شبيب\".\n(^٤) سقطت من المطبوعة.\n(^٥) ليست في المطبوعة.\n(^٦)، (^٧) ما بين الرقمين سقط من المطبوعة.","vol":"2","page":465},{"text":"• وقال أبو داود: لم يدرك عائشة ولم ير عليا. وحينئذ فلم يدرك معاذا بطريق الأولى (^١).\n• ورأْيُ (^٢) البخاري وشيخِه علي بن المديني وأبي زرعة وأبي حاتم وغيرهم: أن الحديث لا يتصل إِلا بصحة اللقى.\nوكلام الإمام أحمد يدل على ذلك، ونص عليه الشافعي في الرسالة (^٣) وهذا كله خلاف رأي مسلم ﵀.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-661>[روايات أخرى للحديث]:</span>\n• وقد رُوي عن النبي - ﷺ -: أنه وصى بهذه الوصية معاذا وأَبا ذر من وجوه أُخر:\n\n<span data-type='title' id=toc-662>[رواية البزار].</span>\n• فخرج البزار من حديث ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيلِ. عن معاذ: أن النبي - ﷺ - بعثه إلى قوم فقال: يا رسول الله! أَوصني. فقال: \"أفش السلام، وابذل الطعام، واستحى من الله استحياءَ رجل ذي هيبة من أهلك، وإذا أسأْت فأحسن، وليحسن خلقك ما استطعت\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-663>[والطبراني والحاكم]:</span>\n• وخرج الطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أَن معاذ بن جبل أَراد سفرا فقال: يا رسول الله! أَوصني قال: \"اعبد الله ولا تشرك به شيئًا\". قال يا رسول الله! زدني قال: \"إذا أسأت فأحسن، قال: يا رسول الله! زدني: قال: فاستقم، ولتحسن خلقك\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-664>[وأحمد]:</span>\n• وخرج الإمام أحمد من حديث دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي ذر أَن رسول الله\n_________\n(^١) راجع ترجمة ابن أبي شبيب في التهذيب ١٠/ ٣٨٩ والثقات لابن حبان ٥/ ٤١٦ - ٤١٧.\n(^٢) في المطبوعة: \"روى\" وهو تحريف.\n(^٣) راجع ص ٣٧٩ وما بعدها.\n(^٤) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٢٣ عن البزار ثم قال: رواه البزار وفيه ابن لهيعة، وفيه لين وبقية رجاله ثقات.\n(^٥) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٢٤٤ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي. وفي ب: \"وليحسن\" وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٢٣١٨ عن الطبراني في الأوسط وقال: فيه عبد الله بن صالح، وقد وثق وضعفه جماعة، وأبو السميط: سعيد بن أبي مولى المهري، لم أعرفه.","vol":"2","page":466},{"text":"- ﷺ - قال له:\n\"أوصيك بتقوى الله في سِرِّ أمْرِكَ، وعلانيته، وإذا أَسَأْتَ فأحِسنْ، ولا تسألنَّ أحدًا شيئًا، وإن سقط سَوْطك، ولا تقبِض أَمانة، ولا تقض بين اثنين\" (^١).\n* * *\n• وخرج أيضًا من وجه آخر عن أبي ذر قال:\nقلت: يا رسول الله! \"علِّمني عملا يُقرّبُني من الجنة ويباعدني من النار. قال: \"إذا عملتَ سيئة فاعْمَلْ حَسَنَةً؛ فإنها عَشْرُ أَمْثَالِها\" قال: قلت: يا رسول الله! أَمن الحسنات \"لا إله إِلا الله\"؟ قال: هي أَحسن الحسنات\" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-665>[وابن عبد البر]:</span>\nوخرج ابن عبد البر في التمهيد بإسناد فيه نظر عن أنس قال: بعث النبي - ﷺ - معاذا إلى اليمن فقال: \"يا معاذ! اتق الله، وخالق الناس بخلق حسن، وإذا عملت سيئة فأتبعها حسنة\". فقال: قلت: يا سول الله! \"لا إله إلا الله\" من الحسنات؟ قال: \"هي من أكبر (^٣) الحسنات\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-666>[سياقات أخرى أطول]:</span>\nوقد رويت وصية النبي - ﷺ - لمعاذ من حديث ابن عمر وغيره، بسياق مطوّل، من وجوه فيها ضعف.\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ١٨١ (الحلبى) بهذا اللفظ، وقبله: أن رسول الله - ﷺ - قال: ستة أيام: ثم اعقل يا أبا ذر ما أقول لك بعد، فلما كان اليوم السابع قال: أوصيك … \" ورجاله ثقات كما في المجمع ٣/ ٩٣.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند (٥/ ١٦٩) الحلبي عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن أشياخه، عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول الله! أوصني. قال: \"إذا عملت سيئة فأتبعها حسنة تمحها\" قال: قلت: يا رسول الله! أمن الحسنات لا إله إلا الله؟ قال: \"هي أفضل الحسنات\".\nوهكذا أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٨١) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن شمر بن عطية حدث به عن أشياخه ولم يسم أحدًا منهم.\nفاللفظ الذي ساقهُ ابن رجب عن أحمد ليس فيه بنصه كما رأيت.\n(^٣) ب: \"هي من الحسنات\" والحديث في التمهيد ٦/ ٥٥ من طريق حماد عن ثابت عن أنس.","vol":"2","page":467},{"text":"• ويدخل في هذا المعنى حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: أنه سئل: ما أكثرُ ما يدخلُ الناسَ الجنة؟.\nقال: \"تقوى الله، وحسنُ الخلق\".\nخرجه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وابن حبان في صحيحه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-667>[الوصية بالتقوى وصية جامعة]:</span>\n• فهذه الوصية وصية عظيمة جامعة لحقوق الله، وحقوق عباده؛ فإن حق الله على عباده: أن يتقوه حق تقاته، والتقوى وصية لله للأوّلين والآخرين، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-668>[أصل كلمة التقوى]:</span>\n• وأصل التقوى أَن يجعل العبد بينه وبين ما يخافه ويحذره وقاية تقيه منه: فتقوى العبد لربه أَن يجعل بينه وبين ما يخشاه من ربه من غضبه وسخطه وعقابه - وقاية تقيه من ذلك، وهو فعل طاعته واجتناب معاصيه.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٩١ (الحلبي) من طريق يزيد عن المسعودي، عن داود بن يزيد، عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن أكثر ما يلج الناس به النار، فقال: \"الأجوفان: الفم والفرج\" وسئل عن أكثر ما يلج الناس به الجنة فقال رسول الله: \"حسن الخلق\".\nوابن ماجه في السنن: كتاب الزهد: باب ذكر الذنوب ٢/ ١٤١٨ ح ٤٢٤٦ رواية عن هارون بن إسحاق، وعبد الله بن سعيد، عن عبد الله بن إدريس عن أبيه وعمه عن جده عن أبي هريرة قال: ما أكثر ما يدخل الجنة؟ قال: \"التقوى وحسن الخلق\" وسئل ما أكثر ما يدخل النار؟ قال: \"الأجوفان: الفم والفرج\" والترمذي في كتاب البر والصلة: باب حسن الخلق ٤/ ٣٦٢ ح ٢٠٠٤ رواية عن أبي كريب: محمد بن العلاء عن عبد الله ابن إدريس به عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: \"تقوى الله وحسن الخلق\". وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: \"الفم والفرج\".\nوقد عقب عليه بقوله: هذا حديث صحيح غريب.\nوابن حبان في صحيحه (١/ ٣٤٩) من الإحسان ح ٤٧٦ رواية عن محمد بن جعفر الكرخي، عن عثمان بن أبي شيبة، عن ابن إدريس - به - عن أبي هريرة قال: \"سئل النبي - ﷺ -: ما أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ قال: \"تقوى الله وحسن الخلق\" قيل فما أكثر ما يدخل الناسَ النارَ النار؟ قال: \"الأجوفان: الفم والفرج\". فاللفظ الذي ساقه ابن رجب هو لفظ ابن حبان، جزء حديث وعند الباقين بجزء منه أو بنحوه.\n(^٢) سورة النساء: ١٣١.","vol":"2","page":468},{"text":"<span data-type='title' id=toc-669>[معنى التقوى إذا أضيفت إلى اسم الله]:</span>\n• وتارة تضاف التقوى إلى اسم الله ﷿ كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (^٢).\n• وإذا (^٣) أُضيفت التقوى إليه سبحانه فالمعنى: اتقوا سَخطه وغضبه وهو أعظم ما يتقى وعن ذلك ينشأ عقابه الدنيوي والأَخروي، قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (^٤) وقال تعالى: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (^٥) فهو سبحانه - أهل أَن يُخْشى ويُهاب ويُجَلَّ ويعظَّمَ في صدور عباده، حتى يعبدوه ويطعوه؛ لما يستحقه من الإِجلال والإكرام، وصفات الكبرياء والعظمة، وقوة البطش، وشدة البأس.\n• وفي الترمذي عن أنس عن النبيّ - ﷺ - في هذه الآية: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾ قال: قال الله تعالى: \"أنا أهل أن أتقى\" (^٦) فمن اتقاني فلم يجعل معي إلها آخر، فأنا أهل أَن أَغفر له (^٧).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-670>[تقوى عقاب الله]:</span>\n• وتارة تضاف التقوى إلى عقاب الله وإلى مكانه كالنار، أو إلى زمانه كيوم القيامة - كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ (^٨) وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (^٩) وقال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (^١٠) ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (^١١).\n_________\n(^١) سورة المائدة: ٩٦.\n(^٢) سورة الحشر: ٤٨.\n(^٣) و: \"فإذا\".\n(^٤) سورة آل عمران: ٣٠.\n(^٥) سورة الدثر: ٥٦.\n(^٦) في المطبوعة: \"أهل التقوى\" وهو مخالف للأصول ولما في الترمذي.\n(^٧) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير: سورة المدثر ٥/ ٤٣٠ وقال: هذا حديث غريب، وسهيل (أحد رواة الحديث) ليس بالقوي في الحديث، قد تفرد بهذا الحديث عن ثابت.\n(^٨) سورة آل عمران ١٣١.\n(^٩) سورة التحريم: ٦.\n(^١٠) سورة البقرة: ٢٨١.\n(^١١) سورة البقرة: ١٢٣.","vol":"2","page":469},{"text":"<span data-type='title' id=toc-671>[ما الذي يدخل في التقوى؟]:</span>\n• ويدخل في التقوى الكاملة فعل الواجبات وترك المحرمات والشبهات.\n• وربما دخل فيها بعد ذلك فعل المندوبات وترك المكروهات. وهو أعلى درجات التقوى، قال الله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-672>[مما أثر في التقوى]:</span>\n• قال معاذ بن جبل: \"ينَادَي يوم القيامة: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب منهم ولا يستتر. قالوا له: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك، وعبادة الأَوثان، وأَخلصوا لله بالعبادة\".\n• وقال ابن عباس: \"المتقون: الذين يحذرون من الله عقوبته في ترك ما يعرفون من الهدى، ويرجون رحمته في التصديق بما جاءَ به\".\n• وقال الحسن: \"المتقون: اتقوا ما حرم الله عليهما (^٣)، وأدَّوْا ما افترض الله عليهم\".\n• وقال عمر بن عبد العزيز: \"ليس تقوى الله بصيام النهار، ولا بقيام الليل، والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله: تركُ ما حرَّم الله، وأَداءُ ما افترض الله، فمنَ رُزِق بعد ذلك خيرًا فهو خير إلى خير\".\n• وقال طَلْق بن حبِيب: \"التقوى أَن لعمل بطاعة الله، على نور من الله؛ ترجو ثواب الله، وأَن تترك معصية الله، على نور من الله تخاف عقاب الله\".\n_________\n(^١) سورة البقرة: ١ - ٤.\n(^٢) سورة البقرة. ١٧٧.\n(^٣) ليست في ب. ولا في ل وفي ر: \"حرم عليهم، افترض عليهم\".","vol":"2","page":470},{"text":"• وعن أبي الدرداء قال: \"تمام التقوى أَن يتقي الله العبدُ، حتى يتقيه من مثقال ذرة؛ وحتى يترك بعض ما يرى أَنه حلال خشية أن يكون حراما، يكون حجابا بينه وبين الحرام؛ فإن الله قد بيّن للعباد الذي يصيرهم إليه فقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (^١) فلا تحقرنَّ شيئًا من الخير أَن تفعله، ولا شيئًا من الشر أَن تتقيه\".\n• وقال الحسن: \" ما زالت التقوى بالتقين حتى تركوا كثيرًا من الحلال؛ مخافة الحرام \".\n• وقال الثوري: \" إنما سموا متقين لأنهم اتَّقَوْا ما لا يُتَّقى \".\n• وقال موسى بن أعْين: \" المتقون تنزهوا عن أشياء من الحلال مخافة أَن يقعوا في الحرام. فسماهما الله متقين \".\n• وقد سبق حديث: \" لا يبلغ العبد أَن يكون من المتقين حتى يدع مالا بأْس به؛ حذرا مما به بأْس (^٢) \".\n• وحديث: \" من اتقى الشبهات استبرأَ لدينه وعرضه \" (^٣).\n• وقال ميمون بن مهران: \" المتَّقي أَشدُّ محاسبةً لنفسه من الشريك الشحيح لشريكه \".\nوقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (^٤) قال: (أن يُطاعَ فلا يُعصى، ويُذكَرَ فلا يُنْسَى، وأن يُشْكَر فلا يُكْفَر).\n• وخرجه الحاكم مرفوعًا (^٥)، والموقوف أَصح.\nوشكره يدخل فيه جميع فعل الطاعات.\nومعنى ذكره فلا ينسى: ذكر العبد بقلبه لأوامر الله في حركاته وسكناته وكلماته فيمتثلها، ولنواهيه في ذلك كله فيجتنبها.\n* * *\n_________\n(^١) سورة الزلزلة: ٧، ٨.\n(^٢) في شرح الحديث السادس ص ٢١٧.\n(^٣) الحديث السادس من أحاديث الكتاب ٢٠١ وما بعدها.\n(^٤) سورة آل عمران: ١٠٢.\n(^٥) في المستدرك ٢/ ٢٩٤ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي ولكن موقوفًا،","vol":"2","page":471},{"text":"<span data-type='title' id=toc-673>[التقوى واجتناب المحرمات].</span>\nوقد يغلب استعمال التقوى على اجتناب المحرمات؛ كما قال أَبو هريرة وسئل عن التقوى فقال: \" هل أَخذتَ طريقًا ذا شوك؟ \" قال: \" نعم \"قال: فكيف صنعت؟ \" قال: \" إذا رأيتُ الشوكَ عدلتُ عَنْه أَو جاوزتُه (^١) أَو قصرتُ عنه \"قال: \" ذاك التقوى!؟ \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-674>[ابن المعتز والتقوى].</span>\nوأخذ هذا المعنى ابن المعتزّ (^٢) فقال:\nخَلِّ الذنوبَ صغيرَها … وكبيرَها فهو التُّقَى\nواصنع كماشٍ فوق أَرْ … ضِ الشَّوْك يَحذَرُ ما يَرى\nلا تحقرَنَّ صغيرة … إن الجبَالَ مِنَ الحصىَ\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-675>[أصل التقوى].</span>\nوأصل التقوى: أَن يعلم العبد ما يُتَّقى ثم يَتَّقِي.\n• قال عون بن عبد الله: \"تمام التقوى أَن تَبتغي علْم ما لَمْ تَعْلمْ منها إلى ما علمتَ منها\".\n• وذكر معروف الكَرْخي عن بكر بن خُنَيْس، قال: \" كيف يكون متقيا من لا يدري ما يُتَّقَى؟ \".\nثم قال معروف الكرخي [: إذا كنت لا تحسن تتقي أَكلتَ الربا وإِذا] (^٣) كنت لا تحسن تتقي لقيتك امرأة فلم تغضَّ بصرك، وإذا كنتَ لا تحسن تتقي وضعتَ سيفَك على عاتقك، وقد قال النبي - ﷺ - لمحمد بن مسلمة: إذا رأَيت أُمتي قد اختلفت فاعمِد\n_________\n(^١) في المطبوعة: \" عزلت عنه وجاوزته \".\n(^٢) في المطبوعة: \" ابن المعتمر \" وهو تحريف.\n(^٣) ما بين الرقمين ليس في ب.","vol":"2","page":472},{"text":"إلى سيفك فاضرب به أُحُدًا (^١).\nثم (^٢) قال معروف: ومجلسي هذا لعلَّه كان ينغي لنا أَن نتقيه، ثم قال: ومجيئكم معي من المسجد إلى هاهنا كان ينبغي لنا أَن نتقيه، أليس جاءَ في الحديث أنه فتنة للمتبوع، مذلة للتابع يعني مشي الناس خلف الرجل؟.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-676>[وفي الجملة]:</span>\nوفي الجملة فالتقوى هي وصية الله لجميع خلقه، ووصية رسول الله - ﷺ - لأُمته.\n\n<span data-type='title' id=toc-677>[وصية الرسول - ﷺ - لصحابته بالتقوى]:</span>\n• وكان - ﷺ - إذا بعث أَميرا على سرية أوصاه في خاصة نفسه بتقوى الله، وبمن معه من المسلمين خيرًا (^٣).\n• ولما خطب رسول الله - ﷺ - في حجة الوداع يوم النحر وصى الناس بتقوى الله\n_________\n(^١) أخرج ابن ماجه في الفتن: باب التثبت في الفتنة ٢/ ١٣١٠ من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي بردة قال: دخلت على ابن مسلمة فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: \" إنها ستكون فتنة وفرقة واختلاف، فإذا كان كذلك، فأت بسيفك أحدًا فاضربه حتى ينقطع، ثم أجلس في بيتك حتى تأتيك يد خاطئة، أو منية قاضية\".\nفقد وقعت وفعلت ما قال رسول الله - ﷺ -، وذكر صاحب الزوائد أن إسناده صحيح، إن ثبت سماع حماد بن سلمة من ثابت البناني. ا هـ. وسماع حماد بن سلمة من ثابت البناني ثابت لا شك فيه بل لقد قال ابن عدي: أروى الناس عن ثابت هو حماد بن سلمة، وقال أحمد: حماد بن سلمة أثبت في سلمة من معمر، وقال ابن المديني: لم يكن في أصحاب ثابت أثبت من حماد بن سلمة .. إلخ.\nوكان أحرى بصاحب الزوائد أن يعلل الرواية عن حماد بمن رووا عنه، فإن الراوي قد يكون ثقة فتكون أحاديثه مستقيمة، وقد لا يكون فتكون الرواية منكرة، وحينئذ فتكون العلة من قبل من روى عن حماد وليس من قبل ثبوت سماع حماد من ثابت أو عدم سماعه عنه.\nقال ابن عدي عن حماد: وأحاديثه مستقيمة إذا روى عنه ثقة، وما وقع في أحاديثه من النكرة إنما هو من الراوي عنه.\nتوفي ثابت البناني سنة ١٢٧ وقيل ١٢٣ وترجمته في التهذيب ٢/ ٢ - ٤.\nوتوفي حماد بن سلمة سنة ٦٧، وترجمته في التهذيب ٣/ ١١ - ١٦.\n(^٢) ليست في ب وانظر الخبر في الحلية ٨/ ٣٦٥.\n(^٣) كما روى مسلم في الجهاد ٣/ ٣٣٥٧.","vol":"2","page":473},{"text":"وبالسمع والطاعة لأئمتهم.\n* * *\n• ولما وعظ الناس قالوا له: \" كأنها موعظة مُودِّع فأَوصنا. قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة \" (^١).\n* * *\n• وفي حديث أبي ذر الطويل الذي أخرجه ابن حبان (^٢) وغيره، قلت: يا رسول الله! أوصني قال: \" أُوصيكَ بتقوى الله؛ فإنه رأْسُ الأمر كلِّه \".\n• وخرج الإمام أَحمد من حديث أبي سعيد الخدري قال: قلت: يا رسول الله! أَوصني، قال: أَوصيك بتقوى الله؛ فإنه رأْس كل شيء، وعليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية الإِسلام (^٣).\n• وخرجه غيره ولفظه قال: \" عليك بتقوى الله؛ فإنها جِماعُ كلِّ خير \" (^٤).\n* * *\n• وفي الترمذي عن يزيد بن سلمة أَنه سأَل النبي - ﷺ - قال: يا رسول الله! إِني\n_________\n(^١) راجع في هذا ما أخرجه الترمذي في كتاب العلم: باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدعة ٥/ ٤٤ من حديث العرباض بن سارية. قال:\nوعظنا رسول الله - ﷺ - يومًا بعد صلاة الغداة موعظة بليغة، ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فقال رجل: إن هذه موعظة مودع فماذا تعهد إلينا يا رسول الله؟ قال: أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن عبد حبشي، فإنه من يعش منكم ير اختلافًا كثيرًا … الحديث قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٢) في الصحيح ح ٣٦٢ من الإحسان.\n(^٣) أخرجه ابن كثير في التفسير ٤/ ٣١٧ عن أحمد وقال: \" تفرد به \" وقد أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٨٢ (الحلبي) عن حسين بن محمد عن إسماعيل بن عياش عن الحجاج بن هارون الكلاعي، وعقيل بن مدرك السلمي عن أبي سعيد الخدري أن رجلًا جاءه فقال: أوصني! فقال: سألت عما سألت عنه رسول الله - ﷺ - من قبلك … أوصيك .. . وفيه بعد ذلك وعليك بذكر الله وتلاوة القرآن فإنه روحك في السماء، وذكرك في الأرض \".\nوأورده الهيثمي في المجمع ٤/ ٢١٥ وذكر أن رجال أحمد ثقات وتنظر الأحاديث الصحيحة ٥٥٥.\n(^٤) هذا جزء حديث أورده السيوطي في الجامع الصغير عن ابن الضريس وذكر المناوي في التيسير ٣/ ٣٨، أن إسناده حسن وهو عند ابن الضريس في فضائل القرآن ص ٤٩ ح ٦٨.\nوتتمة الحديث: \"وعليك بالجهاد؛ فإنه رهبانية المسلم وعليك بذكر الله وتلاوة كتابه فإنه نور لك في الأرض، وذكر لك في السماء واخزن لسانك إلا من خير، فإنك بذلك تغلب الشيطان.","vol":"2","page":474},{"text":"سمعت منك حديثا كثيرًا فأَخاف أَن ينسيني أَوله آخره؛ فحدثني بكلمة تكون جماعًا قال: \" اتق الله فيما تعلم \" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-678>[من وصايا السلف بالتقوى]:</span>\nولم يزل السلف الصالح يتواصَوْن بها.\n• وكان أبو بكر الصديق ﵁ يقول في خطبته: \"أَما بعد! فإني أوصيكم بتقوى الله، وأن تُثنوا عليه بما هو أَهله، وأَن تخلطوا الرغبة بالرهبة، وتجمعوا الإلحاف بالمسألة؛ فإن الله ﷿ أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (^٢).\n• ولما حضرته الوفاة وعهد إلى عمر دعاه فوصاه بوصيّة وأول ما قال له: اتق الله يا عمر؟!.\n• وكتب عمر إلي ابنه عبد الله: أَما بعد! فإني أُوصيك بتقوى الله ﷿؛ فإنه مَن أتقاه وقاه، ومن أقرضه جزاه، ومن شكره زَاده من نعماه، فاجعل التقوى نُصب عينيك، وجلَاء قلبك.\n* * *\n• واستعمل علي بن أبي طالب رجلا على سرية فقال له: أُوصيك بتقوى الله ﷿ الذي لا بدّ لك من لقائه، ولا منتهى لك دونه، وهو يملك الدنيا والآخرة.\n* * *\n• وكتب عمر بن عبد العزيز إلى رجل: أُوصيك بتقوى الله ﷿ التي لا يَقْبل غَيرها، ولا يَرْحم إِلا أَهلَها، ولا يُثِيبُ إِلا عليها؛ فإِن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل، جعلنا الله وإياك من المتقين.\n• ولما ولي خطب فحَمِد الله، وأَثنى عليه، وقال: أُوصيكم بتقوى الله ﷿؛\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في كتاب العلم: باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة ٥/ ٤٩ وعقب عليه بقوله: هذا حديث ليس إسناده بمتصل، وهو عندي مرسل، ولم يدرك عندي ابن أشوع يزيد بن سلمة.\n(^٢) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ …﴾ الآية (الأنبياء: ٨٩، ٩٠) والخبر أورده ابن كثير في التفسير ٣/ ١٩٣ - ١٩٤ عن ابن أبي حاتم. وصححه الحاكم ٢/ ٣٨٣ - ٣٨٤ ورده الذهبي بضعف أحد رواته.","vol":"2","page":475},{"text":"فإن تقوى الله ﷿ خَلَفٌ من كل شيء، وليس من تقوي الله خلف.\n* * *\n• وقال رجل ليونس بن عبيد: أَوصني، فقال: أُوصيك بتقوى الله والإِحسان؛ فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.\n• وقال له رجل يريد الحج: أوصني، فقال له: اتق الله، فمن اتقى الله فلا وحشة عليه.\n* * *\n• وقيل لرجل من التابعين عند موته: أَوصنا، فقال: أُوصيكم بخاتمة سورة النحل: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ (^١).\n* * *\n• وكتب رجل من السلف إِلى أَخ له: أُوصيك بتقوى الله؛ فإنها أَكرم ما أَسررت، وأَزين مما أَظهرت، وأَفضل ما ادخرت، أَعاننا الله وإِياك عليها، وأَوجب لنا ولك ثوابها.\n* * *\n• وكتب رجل منهم إلى أَخ له: \" أَوصيك وأَنْفُسَنا بالتقوى، فإنها خير زاد الآخرة والاُولى، واجعلها إلى كل خير سبيلك، ومن كل شَرٍّ مَهْرَبَك؛ ففد تكفل (^٢) الله ﷿ لأهلها بالنجاةِ مما يحذرون، والرزقِ من حيث لا يحتسبون \".\n• وقال شعبة: \" كنتُ إذا أَردتُ الخروجَ قلتُ للحكَم: أَلك حاجة؟ فقال: أوصيك بما أوصى به النبي - ﷺ - معاذَ بنَ جبل: \" اتَّق الله حيثما كنتَ، وأَتبع السَّيئةَ الحَسَنَةَ تَمْحُهَا، وخَالِقِ النَّاسَ بِخُلقٍ حَسَنٍ \".\n\n<span data-type='title' id=toc-679>[من دعاء الرسول - ﷺ - بالتقوى]:</span>\n• وقد ثبت عن النبي - ﷺ - أَنه كان يقول في دعائه: \" اللهم إِني أسأَلك الهدى\n_________\n(^١) سورة النحل: ١٢٨.\n(^٢) في \"ا\": \"توكل \".","vol":"2","page":476},{"text":"والتقى والعفة والغنى \" (^١).\n• وقال أَبو ذر: قرأ رسول الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ ثم قال! يا أبا ذر! لو أن الناس كلهم أَخذوا بها لكفتهم (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-680>[معنى الجملة الأولى]:</span>\n• فقوله - ﷺ -: \" اتق الله حيثما كنت\" مراده: في السر والعلانية حيث يراه الناس، وحيث لا يرونه، وقد ذكرنا من حديث أبي ذر أَن النبي - ﷺ - قال له: \" أُوصيك بتقوى الله في سر أَمرك وعلانيته \" (^٣).\n• وكان النبي - ﷺ - يقول في دعائه: \" أسأَلك خشيتك في الغيب والشهادة \" (^٤).\n• وخشية الله في الغيب والشهادة هي من المنجيات.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٥٦ و٦/ ٤ (العارف) بإسناد صحيح.\nومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل ٤/ ٢٠٨٧ وفيه: \"والعفاف\".\nوالترمذي في كتاب الدعوات: باب (٧٣) وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nوابن ماجه في كتاب الدعاء: باب دعاء رسول الله - ﷺ - ٢/ ١٢٦٠. من حديث عبد الله بن مسعود.\n(^٢) الآية: ٢ من سورة الطارق والحديث عند أحمد في المسند ٥/ ١٧٨ - ١٧٩ (الحلبي) من طريق يزيد عن كهمس عن أبي السليل، عن أبي ذر قال: جعل رسول الله يتلو علي هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ حتى فرغ من الآية ثم قال: يا أبا ذر! لو أن الناس كلهم أخذوا بها لكفتهم، قال: فجعل يتلو بها ويرددها علي حتى نعست، ثم قال: يا أبا ذر! كيف تصنع إن أخرجت من المدينة؟ قال: قلت: إلى السعة والدعة أنطلق حتى أكون حمامة من حمام مكة، قال: كيف تصنع إن أخرجت من مكة؟ قال: قلت إلى السعة والدعة إلى الشام والأرض المقدسة؟ قال: وكيف تصنع إن أخرجت من الشام؟ قال والذي بعثك بالحق أضع سيفي على عاتقي، قال: أو خير من ذلك؟ قال: قلت: أو خير من ذلك؟ قال: تسمع وتطيع وإن كان عبدًا حبشيًّا \".\nوقد أورده ابن كثير في التفسير ٤/ ٣٣٩، والهيثمي في المجمع ١/ ٢٢٥ وذكر أن أبا سليل لم يدرك أبا ذر؛ فهو ضعيف بالانقطاع.\n(^٣) ص ٤٦٧.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٦٤ (حلبي) والنسائي في السنن: ١٣ - كتاب السهو: ٦٢ (٣/ ٥٤ - ٥٥): ح ١٣٠٥، ١٣٠٦. وصححه الحاكم ١/ ٥٢٤ وأقره الذهبي من حديث عمار بن ياسر.","vol":"2","page":477},{"text":"• وقد سبق من حديث أبي الطفيل عن معاذ أَن النبي - ﷺ - قال له: \" استحي من الله استحياءَ رجل ذي هيبة من أَهلك \" (^١).\n• وهذا هو السبب الوجب لخشية الله في السر؛ فإن من علم أَن الله يراه حيث كان، وأنَّه مطلع على باطنه وظاهره، وسره وعلانيته، واستحضر ذلك في خلواته - أَوجب له ذلك ترك المعاصي في السر.\nوإلى هذا المعنى الإشارة في القرآن بقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-681>[من هدى السلف في المراقبة والتقوى].</span>\n• كان بعض السلف يقول لأَصحابه: زهَّدنا الله وإِياكم في الحرام زهد من قدر عليه في الخلوة، فعلم أَن الله يراه، فتركه من خشيته.\nأو كما قال.\n• وقال الشافعي: \" أعز الأشياء ثلاثة: الجود من قلة، والورع في خلوة، وكلمة الحق عند من يُرجى ويُخاف \".\n• وكتب ابن السماك الواعظ إلى أَخ له: \" أَما بعد! أُوصيك بتقوى الله الذي هو نَجيّك في سريرتك، ورقيبُك في علانيتك، فاجعل الله من بالك على كل حال في ليلك ونهارك، وخف الله بقدر قربه منك، وقدرته عليك، واعلم أَنك بعينه، ليس تخرج من سلطانه إِلى سلطان غيره، ولا من مُلْكه إِلى مُلْك غيره؛ فليعظم منه حَذَرُك، وليكثر منه وَجَلكَ، والسلام \".\n* * *\n• وقال أبو الجلد: أَوحى الله تعالى إِلى فبي من الأَنبياء: قل لقومك: \" ما بالكم تسترون الذنوب من خلقي؛ وتظهرونها لي؟ إِن كنتم ترون أَني لا أَراكم فأنتم مشركون لي، وإِن كنتم ترون أَني أَراكم فلم تجعلوني أَهونَ الناظرين إليكم؟! \".\n* * *\n• وكان وُهيب بن الورد يقول: \" خف الله على قدر قدرته عليك، واستحْيِ منه\n_________\n(^١) ص ١٣٠. ولفظه هناك: \" استحْيِ من الله كما تستحيي من رجل ذي هيبة من أهلك\".\n(^٢) سورة النساء: ١.","vol":"2","page":478},{"text":"على قدر قربه منك \".\n• وقال له رجل: عظني فقال له: \" اتق الله أَن يكون أَهون الناظرين إليك؟! \".\n* * *\n• وكان بعض السلف يقول: \" أتراك ترحم من لم تَقَرَّ عينه بمعصيتك حتَّى علم أَن لا عين تراه غيرك؟ \".\n* * *\n• وقال بعضهم: ابنُ آدم إن كنتَ حيث ركبتَ المعصية لم تَصْفُ لك من عيْن ناظرة إليك، فلما خلوت بالله وحده صفَت لك معصيته ولم تستحي منه حياءكَ من بعض خلقه - ما أَنت إِلا أَحدُ رجلين: إن كنت ظننت أَنه لا يراك فقد كفرت، وإن كنت علمت أَنه يراك فلم يمنعك منه ما منعك من أَضعف خلقه لقد اجترأَت عليه (^١)؟!.\n* * *\n• دخل بعضهم غيضة (^٢) ذات شجر فقال: لو خلوت هاهنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع هاتفًا بصوت ملأَ الغيضة ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (^٣).\n* * *\n• راود بعضهم أعرابية وقال لها: ما يرانا إِلا الكواكب قالت: فأَين مُكَوْكِبُهَا؟!.\n* * *\n• رأى محمد بن المنكدر رجلا واقفا مع امرأة يكلمها فقال: إِن الله يراكما سترنا الله وإياكما.\n* * *\n• وقال الحارث المحاسبي: \" المراقبة: عِلمُ القلب بقرب الرب \".\n• وسئل الجنيد: بِم يستعان على غض البصر؟ قال: \" بعلمك أَن نظر الله إِليك أسبق من [نظرك] (^٤) إِلى ما تنظره. \"\n_________\n(^١) ليست في \"ا\"، ولا ل؛ ولا ظ.\n(^٢) الغيضة: الأجمة ومجتمع الشجر.\n(^٣) سورة الملك: ١٤.\n(^٤) ما بين الرقمين ليس في المطبوعة.","vol":"2","page":479},{"text":"وكان الإمام أحمد يُنْشِد:\nإِذا ما خلوتَ الدهر يوما فلا تقُلْ … خلوتُ ولكن قل عَليّ رقيبُ\nولا تحسَبنّ الله يغفلُ ساعةً … ولا أَن ما يَخْفَى عليه يغيبُ\nوكان ابن السماك يُنْشِد:\nيا مُدْمِنَ الذَّنب أَما تستحي … والله في الخلوة ثَانِيكَا؟!\nغرَّكَ من ربك إِمهالهُ … وسَتْرُه طولَ مساويكَا؟!\n\n<span data-type='title' id=toc-682>[مقصود الوصية النبوية]:</span>\nوالمقصود أَن النبي - ﷺ - لما وصى معاذا بتقوى الله سرًّا وعلانية، أرشده إِلى ما يعينه على ذلك، وهو أَن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل ذي هيبة من قومه.\n• ومعنى ذلك: أَن يستشعر دائمًا بقلبه قُربَ الله منه، واطلاعه عليه؛ فيستحي من نظره إليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-683>[امتثال معاذ]:</span>\n• وقد امتثل معاذ ما وصاه به النبي - ﷺ -.\n• وكان عمر قد بعثه على عمل فقدم وليس معه شيء، فعاتبته امرأته فقال: كان معي ضاغط، يعني من يضَيّقُ عليّ، ويمنعني من أَخذ شيء.\n• وإنما أَراد معاذ ربَّه ﷿، فظنت امرأته أَن عمر بعث معه رقيبًا فقامت تشكوه إِلى الناس.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-684>[الترقي بذلك إِلى التقوى]:</span>\n• ومن صار له هذا المقام حالا دائمًا أَو غالبا (^١) فهو من المحسنين الذين يعبدون الله كأَنهم يرونه، ومن المحسنين الذين يجتنبون كبائرَ الإثم والفواحشَ إلا اللَّمَمَ (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) ب: \" المقام دائمًا غالبًا \".\n(^٢) اللمم: صغائر الذنوب.","vol":"2","page":480},{"text":"<span data-type='title' id=toc-685>[وجملة القول]:</span>\n• وفي الجملة فتقوى الله في السر هو علامة كمال الإِيمان، وله تأثير عظيم في إِلقاء الله لصاحبه الثناءَ في قلوب المؤمنين.\n• وفي الحديث:\n\" ما أَسرَّ عبد سريرة إلا أَلبسه الله رداءَها علانية: إِن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر \" (^١).\nروي هذا الحديث مرفوعًا، وروي عن ابن مسعود من قوله.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-686>[من مأثور السلف في هذا]:</span>\n• وقال أَبو الدرداء: ليتق أَحدكم أَن تلعنه قلوبُ المؤمنين وهو لا يَشْعُرُ؛ يخلو بمعاصي الله فيُلقي الله له البُغض في قلوب المؤمنين.\n• وقال سليمان التيمي: \" إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته \".\n• وقال غيره: \" إن العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله، ثم يجيء إِلى إِخوانه فيَروْن أَثر ذلك عليه \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-687>[من أَعظم الأدلة قراءة الخلق لآثار المعصية]:</span>\n• وهذا من أَعظم الأدلة على وجود الإله الحق المجازي بذرَّات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة، ولا يضيع عنده عمل عامل، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار (^٢).\n_________\n(^١) حديث ضعيف جدًّا، رواه الطبراني، راجع سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة للألباني: ٢٣٧. بل يتجه الهيثمي إلى القول برضعه، فقد أورده في المجمع (١٠/ ٢٢٥) من حديث جندب بن سفيان وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفبه حامد بن آدم وهو كذاب.\n(^٢) لا شك أن هذه لمحة جليلة من لمحات ابن رجب في الاستدلال على وجود الله بظهور أثر الذنب الذي لم يطبع عليه أحد من البشر، وسواء أظهر أثر السيئة للخلق أم لم يظهر فإن المرء يحسُّ في نفسه بجزاء الله له على ما اقترف، وهو سبحانه يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ [الشورى: ٣٠] ويقول: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]\nولو أن الإنسان - عند إصابة الله له بشيء - راجع نفسه فيما يتعلق بعلاقته بالله، وعلاقته بالناس من حوله، ووقف على أخطائه لعرف صدق ما قال ابن رجب، وما أشرنا إليه.","vol":"2","page":481},{"text":"<span data-type='title' id=toc-688>[من هو السعيد؟]:</span>\nفالسعيد من أَصلح ما بينه وبين الله؛ فإِنه مَنْ أَصلح ما بينه وبين الله أَصلح الله ما بينه وبين الخلق، ومَن التمس محامدِ الناس بسخط الله عاد حامدُه من الناس له ذامًّا.\n* * *\n•قال أَبو سليمان (^١): الخاسرُ من أَبدى للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح مَن هو أقرب إليه من حبل الوريد.\n\n<span data-type='title' id=toc-689>[من أعجب ما روي في ذلك]:</span>\n• ومن أعجب ما روي في هذا ما روي عن أبي جعفر السائح قال: كان حبيب أبو محمد تاجرًا يكري الدراهم فمر ذات يوم فإذا هو بصبيان يلعبون فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكل الربا، فنكس رأسه، قال: يا رب أَفشيت سري إلى الصبيان. فرجع فجمع ماله كله، قال: يا رب إني أَسيرٌ، وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال، فأَعتقني. فلما أَصبح تصدق بالمال كله، وأَخذ في العبادة، ثم مر ذات يوم بأولئك الصبيان، فلما رأَوه قال بعضهم لبعض: \" اسكتوا فقد جاءَ حبيب العابد \". فبكى وقال: \" يا رب! أَنت تذم مرة، وتحمدُ مرة، وكله من عندك \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-690>[وأتبع السيئة الحسنة]:</span>\n• وقوله - ﷺ -: \" وأتبع السيئة الحسنة تمحها \": لما كان العبد مأْمورًا بالتقوى في السر والعلانية مع أنه لابد أَن يقع منه أَحيانًا تفريط في التقوى إِما بترك بعض المأْمورات، أَو بارتكاب بعض المحظورات، فأَمره (^٢) بأَن يفعل ما يمحو به هذه السيئة وهو أَن يُتبعها بالحسنة؛ قال الله ﷿: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) هو أبو سليمان: عبد الرحمن بن أحمد بن عطية الداراني (.. - ٢١٥ هـ) وانظر بقية كلامه هذا في حلية الأولياء ٩/ ٢٧٥ - ٢٧٦.\n(^٢) ظ: \" فأمره أن يفعل \".\n(^٣) سورة هود: ١١٤.","vol":"2","page":482},{"text":"• وفي الصحيحين عن ابن مسعود: أَن رجلا أَصاب من امرأة قُبْلةً ثم أَتى النبي - ﷺ - فذكر ذلك له فسكت النبي - ﷺ -، حتى نزلت هذه الآية؛ فدعاه، فقرأَها عليه فقال رجل: هذا له خاصة؟ قال: \" بل للناس عامة \" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-691>[من وصف القرآن للمتقين]:</span>\n• وقد وصف الله المتقين في كتابه بمثل ما وصى به النبيُّ - ﷺ - في هذه الوصية في قوله ﷿: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ (^٢). فوصف المتقين بمعاملة الخلق بالإِحسان إِليهم بالإنفاق، وكظم الغيظ، والعفو عنهم، فجمع بين وصفهم ببذل الندى، واحتمال الأَذَى. وهذا هو غاية حسن الخلق الذي وصى به النبي - ﷺ - لمعاذ.\n• ثم وصفهم بأنهم: إِذا فَعَلُوا فاحشةً أَو ظلموا أَنْفُسَهُم ذَكَرُوا الله فاسْتغَفرُوا لذنُوبهم، ولم يُصِرُّوا عليها، فدل على أَن المتقين قد يقع منهم أَحيانًا كبائر، وهي الفواحش، وصغائر، وهي ظلم النفس، لكنهم لا يصرون عليها، بل يذكرون الله عقب وقوعها يستغفرون، ويتوبون إليه منها. والتوبة هي ترك الإِصرار.\n• ومعنى قوله ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ ذكروا عظمته، وشدة بطشه وانتقامه، وما توعد به على المعصية من العقاب، فيوجب ذلك لهم الرجوعَ في الحال، والاستغفارَ وتركَ الإِصرار. وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التفسير: سورة هود ٨/ ٣٥٥.\nومسلم في كتاب التوبة: باب قوله تعالى: إن الحسنات يذهبن السيئات ٤/ ٢١١٥ - ٢١١٨ من طرق عن ابن مسعود وغيره.\n(^٢) سورة آل عمران: ١٣٣ - ١٣٦.\n(^٣) سورة الأعراف: ٢٠١.","vol":"2","page":483},{"text":"<span data-type='title' id=toc-692>[سعة المغفرة]:</span>\n• وفي الصحيحين (^١) عن النبي - ﷺ - قال: \" أَذنب (^٢) عبد ذنبا فقال: رب! إِني عملتُ ذنبا فاغفر لي. فقال الله: \" علم عبدي أَن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب، قد غفرت لعبدي! \" ثم أَذنب ذنبًا آخرَ إلى أَن قال في الرابعة: \" فليعمل ما شاءَ \" (^٣).\nيعني ما دام على هذه الحال كلما أَذنب ذنبا استغفر منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-693>[نفي الإصرار عن المستغفر]:</span>\n• وفي الترمذي من حديث أبي بكر الصديق ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"ما أَصرّ مَن استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة\" (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-694>[المغفرة وتكرارها]:</span>\n• وخرج الحاكم من حديث عقبة بن عامر: أَن رجلا أَتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أَحدنا يذنب؟ قال: \" يُكتَب عليه \" قال: ثم يستغفر منه؟ قال: \" يُغفر له، ويُتاب عليه \" قال: فيعود فيذنب؟ قال: \" يُكْتَب عليه \" قال: ثم يستغفر منه ويتوب؟ قال: \" يُغفر له ويُتاب عليه، ولا يملُّ الله حتى تملُّوا \" (^٥).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-695>[عفو الله أكبر]:</span>\n• وخرج الطبراني بإسناد ضعيف، عن عائشة، ﵂ قالت:\nجاءَ حَبيب بن الحارث إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِني رجل مِقْرافٌ للذنوب؟ قال: \" فتب إِلى الله ﷿ \" قال: أَتوب ثم أَعود. قال: \" فكلما أَذنبتَ\n_________\n(^١) قبل هذا في المطبوعة: \"وفي الصحيح انفرد مسلم برواية أخرى \" وليس هو في شيء من الأصول.\n(^٢) في المطبوعة: \" إذا أذنب \" وهو مخالف للأصول، ولما في الصحيحين والحديث عن أبي هريرة.\n(^٣) راجع في هذا ما أخرجه البخاري في كتاب التوحيد: باب يريدون أن يبدِّلوا كلام الله ٤٣/ ٤٦٦ ومسلم في كتاب التوبة: باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة ٤/ ٢١١٢ - ٢١١٣، وقد أورد ابن رجب: معنى الحديث واختصارا له من الصحيحين.\n(^٤) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات: باب (١٠٧) ٥/ ٥٥٨ وقال: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من حديث أبي نضيرة، وليس إسناده بالقوي.\n(^٥) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٢٥٧ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.","vol":"2","page":484},{"text":"ذنبا فتُب \". قال: يا رسول الله! إذا تكثُر ذنوبي؟ قال: \" فعفو الله أَكثر من ذنوبك يا حبيبُ بنَ الحارث \" (^١).\n• وخرجه بمعناه من حديث أنس مرفوعًا بإسناد ضعيف (^٢).\nوبإسناده عن عبد الله بن عمرو قال: من ذكر خطيئة عملها فوجِلَ قلبُه منها، واستغفر الله لم يُحسَبها (^٣) بشيء حتى يُمحاها.\n\n<span data-type='title' id=toc-696>[خياركم كل مُفْتَنٍ توّاب]:</span>\n• وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي ﵁ [أن النبي - ﷺ -] قال: \" خياركم كل مُفْتَن تواب \" قيل: فإن عاد؟ قال: \" يستغفر الله ويتوب \" قيل: فإن عاد؟ قال: \" يستغفر الله ويتوب \" قيل: حتى متى؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المحسور \" (^٤).\n• وخرج ابن ماجه (^٥) من حديث ابن مسعود مرفوعًا:\n\" التائب من الذنب كمن لا ذنب له \".\n• وقيل للحسن: أَلا يستحي أحدنا من ربه، يستغفر من ذنوبه ثم يعود، ثم يستغفر ثم يعود؟ فقال: \" ودّ الشيطان لو ظفر منكم بهذه، فلا تملُّوا من الاستغفار \".\n• وروى عنه أَنه قال: \" ما أرى هذا إلا من أَخلاق المؤمنين \".\n_________\n(^١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٠٠ عن الطبراني في الأوسط من حديث عائشة ﵂ رقال: فيه نوح بن ذكوان وهو ضعيف.\n(^٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٠٠ - ٢٠١ عن البزار من حديث أنس بنحوه وقال: فيه بشار بن الحكم الضبي، ضعفه غير واحد وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وبقية رجاله وثقوا.\n(^٣) في \"ا\": \"يحبسهما شيء\".\n(^٤) أورده العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ٤/ ٣٩ عن البيهقي في الشعب من حديث عدي وذكر أن إسناده ضعيف وفي ظ: \" مقبل فإن عاد \". والمفتن وزان مكْرَم هو الممتحن بالذنب ثم يتوب، ثم يعود ثم يتوب، يقال: فتَنتُه أفتنه فتْنا وفتُونا إذا امتحنتَه، نهاية ٣/ ٤١٠. وانظر الضعيفة ٢٢٣٩ وضعيف الجامع ٢٨٧٣.\n(^٥) أخرجه ابن ماجه في السنن: كتاب الزهد: باب ذكر التوبة ٢/ ١٤١٩ - ١٤٢٠ وذكر السندي في تعليقه على الحديث أن صاحب الزوائد قال: إسناده صحيح، ورجاله ثقات، ثم ضرب على ما قال، وأبقى الحديث على الحال.\nوفي المقاصد الحسنة ١٥٢ قال: رواه ابن ماجه والطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، رفعه، ورجاله ثقات، بل حسنه شيخنا - يعني لشواهده - وإلا فأبو عبيدة، جزم غير واحد بأنه لم يسمع من أبيه. وانظر سلسلة الأحاديث الضعيفة ٦١٥، ٦١٦.","vol":"2","page":485},{"text":"يعني أَن المؤمن كلما أَذنب تاب.\n• وقد روى: \" المؤمن مُفتن تواب \" (^١).\n• وروى من حديث جابر بإسناد ضعيف مرفوعًا: \" المؤمن واهٍ راقع فسعيدٌ مَن هَلَك على رَقْعِه \" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-697>[من أذنب فليستغفر]:</span>\n• وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: \" من أَحسن منكم فليحمد الله، ومن أَساءَ فليستغفر الله، وليتب؛ فإنه لابد لأَقوام من (^٣) أن يعملوا أَعمالا وظفها الله في رقابهم (^٤)، وكتبها عليهم \".\n• وفي رواية أخرى عنه أنه قال: \"أيها الناس! من أَلم بذنب فليستغفر الله وليتب؛ فإِن عاد فليستغفر الله وليتب، فإن عاد فليستغفر الله وليتب، فإنما هي خطايا مطوَّقة في أعناق الرجال، وإن الهلاك كلَّ الهلاك في الإصرار علمِها \".\n\n<span data-type='title' id=toc-698>[الذنوب من القدر]:</span>\n• ومعنى هذا أن العبد لابد أن يفعل ما قُدّر عليه من الذنوب كما قال النبي - ﷺ -: \" كُتب على ابن آدم حظُّه من الزنا، فهو مدركٌ ذلك لا محالة \" (^٥).\n_________\n(^١) راجع ما رواه عبد الله بن أحمد في المسند ٢/ ٣٩، ١٣٧ - ١٦٨ (المعارف) من حديث محمد بن الحنفية عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الله يحب العبد المؤمن المفتن التواب \".\nوإسناده ضعيف جدًّا، ولم أجده باللفظ الذي ساقه ابن رجب، وهو عند الطبراني صحيحًا بلفظ \" إن المومن خلق مفتنا توابا … \" الحديث وانظر الصحيحة ٢٢٧٦.\n(^٢) أخرجه البيهقي في الشعب والطبراني والعسكري عن عمر مرفوعًا: والمعنى أنه يخترق دينه بالذنب، ثم يرقعه بالتوبة! وقد أورده العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ٤/ ١٩ عن الطبراني والبيهقي في الشعب بإسناد ضعيف. راجع أيضا: المقاصد الحسنة ص ٤٣٩ وتمييز الطيب من الخبيث ص ١٧٥. والتيسير بشرح الجامع الصغير ٢/ ٤٥٣ ومجمع الزوائد ١٠/ ٢٠١.\n(^٣) في المطبوعة: \" فليستغفر الله وليتب فإنه لابد من أقوام من أن يعلموا .. \".\n(^٤) في س: \" قلوبهم \".\n(^٥) متفق عليه من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في كتاب الاستئذان: باب زنا الجوارح دون الفرج ١١/ ٢٦ من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة: فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه ح ٦٢٤٣ وطرفه في ٢/ ٦٦ وأخرجه مسلم في القدر: باب قدر على ابن آدم حظه من الزنا وغيره ٤/ ٢٠٤٦ من وجهين بنحوه.","vol":"2","page":486},{"text":"<span data-type='title' id=toc-699>[والمخرج]:</span>\nولكن الله جعل للعبد مخرجا مما وقع فيه من الذنوب بالتوبة والاستغفار فإن فعل فقد تخلص من شر الذنب، وإن أَصر على الذنب هلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-700>[الويل لأقماع القول والمصرين]:</span>\n• وفي \" المسند \" من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال:\n\"ارحموا تُرحَمُوا، واغفروا يُغفر لكم، ويل لأَقْماع القول، ويلٌ للمُصرِّين [الذين يصرون] (^١) على ما فعلوا وهم يعلمون (^٢) \".\nوفسر أقماع القول بمن كانت أُذناه كالقِمْع لما يسمع من الحكمة والموعظة الحسنة، فإذا دخل لشيء من ذلك في أُذنه خرج من الأخرى، ولم ينتفع بشيء مما سمع.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-701>[معنى الجملة الثانية في الحديث]:</span>\n• وقوله - ﷺ -: \" وأَتْبع السيِّئة الحسَنَة \" قد يراد بالحسنة: التوبة من تلك السيئة، وقد ورد ذلك صريحًا في حديث مرسل خرجه ابن أبي الدنيا من مراسيل محمد بن جبير: أَن النبي - ﷺ - لما بعث معاذا إِلى اليمن قال: \" يا معاذ اتق الله ما استطعت، واعمل بقوتك لله ﷿ ما أَطَقت، واذكر الله ﷿ عند كل شجرة وحجر، وإن أحدثت ذنبا فأَحدث عنده توبة: إِن سرًّا فسرٌّ، وإن علانيةً فعلانية \".\n• وخرجه أَبو نعيم بمعناه من وجه آخر ضعيف عن معاذ (^٣).\n_________\n(^١) ما بين القوسين من المسند.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٨١ (المعارف) بإسناد صحيح، وأشار محققه بالهامش إلى مواطن أخرى للحديث في المسند.\n(^٣) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٢٤٠ - ٢٤١ رواية عن عبد الله بن محمد بن جعفر، عن أبي بكر بن أبي عاصم، عن يعقوب بن حميد، عن إبراهيم بن عيينة، عن إسماعيل بن رافع، عن ثعلبة بن صالح، عن رجل من أهل الشام، عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \" يا معاذ! انطلق فارحل راحلتك ثم ائتني أبعثك إلى اليمن \" فانطلقت فرحلت راحلتي، ثم جئت فوقفت بباب المسجد حتى أذن لي رسول الله - ﷺ - فأخذ بيدي ثم مضى معي، فقال: يا معاذ! إني أوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، ووفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة، ورحمة اليتيم، وحفظ الجار، وكظم الغيظ، وخفض الجناح، وبذل السلام، ولين الكلام، ولزوم الإيمان، والتفقه في القرآن، وحب الآخرة، والجزع من الحساب، وقصر الأمل، وحسن العمل، وأنهاك أن تشتم مسلمًا، أو تكذب صادقا، أو تصدق كاذبًا، أو تعصي إمامًا=","vol":"2","page":487},{"text":"• وقال قتادة: قال سلمان: إذا أسأْت سيئة في سريرة فأحسن حسنة في سريرة، وإذا أسأت سيئة في علانية فأَحسن حسنة في علانية، لكي تكون هذه بهذه.\nوهذا يحتمل أنه أَراد بالحسنة: التوبة أَو أَعمَّ منها.\n\n<span data-type='title' id=toc-702>[حديث القرآن في التوبة والمغفرة]:</span>\n• وقد أَخبر الله في كتابه أَن من تاب من ذنبه فإنه يُغفر له ذنبه، أَو يُثاب عليه في مواضع كثيره، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ (^١).\nوقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢).\nوقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ (^٣).\nوقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ (^٤).\nوقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (^٥).\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٦). الآيتين.\n* * *\n• قال عبد الرزاق: أَخبرنا جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أنس ﵁ قال: بلغني أَن إِبليس حين نزلت هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا﴾ الآية بكى (^٧).\n[ويروى عن ابن مسعود قال: هذه الآية خير لأهل الذنوب من الدنيا وما فيها] (^٨).\n* * *\n_________\n= عادلًا، يا معاذ! اذكر الله عند كل حجر وشجر، وأحدث مع كل ذنب توبة: السر بالسر، والعلانية بالعلانية \". وفي الإسناد مجهول كما ترى.\n(^١) سورة النساء: ١٧.\n(^٢) سورة النحل: ١١٩.\n(^٣) سورة الفرقان: ٧٠.\n(^٤) سورة طه: ٨٢.\n(^٥) سورة مريم: ٦٠.\n(^٦) سورة آل عمران: ١٣٥، ١٣٦.\n(^٧) أخرجه ابن كثير في التفسير ٤/ ٤٠٧ عن عبد الرزاق. وانظر الدر المنثور ٢/ ٧٧.\n(^٨) ما بين القوسين ليس في أ، والخبر في الدر: الموضع المذكور عن ابن المنذر بسياقه كاملًا.","vol":"2","page":488},{"text":"<span data-type='title' id=toc-703>[هذه الآية منحة إلهية]:</span>\n• وقال ابن سيرين: \" أعطانا الله هذه الآية مكان ما جعل لِبَنيِ إسرائيل في كفارات ذنوبهم \".\n• وقال أبو جعفر الرازي: عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، قال: قال رجل: يا رسول الله! لو كانت كفاراتنا ككفارات بني إسرائيل؟ فقال النبي - ﷺ -: \" اللهم لا نبغيها - ثلاثا - ما أَعطاكم الله خير مما أَعطى بني إسرائيل: كانت بنو إِسرائيل إذا أَصاب أَحدُهم الخطيئةَ وجدَها مكتوبةً على بابه وكفارتَها فإِن كفَّرَها كانت له خزيا في الدنيا وإن لم يكفرها كانت له (^١) خزيا في الدنيا والآخرة؛ فما أَعطاكها الله خير مما أَعطى بني إِسرائيل؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (^٢).\nوقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (^٣) قال: \" هو سعة الإسلام، وما جعل لأمة محمد - ﷺ - من التوبة والكفارة (^٤) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-704>[ما الذي يفاد من هذه النصوص؟ وهل يقطع بقبول التوبة؟]:</span>\n• وظاهر هذه النصوص يدل على أَن من تاب إلى الله توبة نصوحا، واجتمعت شروط التوبة في حقه - فإنه يقطع بقبول الله توبته، كما يقطع بقبول إسلام الكافر إِذا أَسلم إِسلامًا صحيحًا.\nوهذا قول الجمهور، وكلام ابن عبد البرِّ يدل على أنه إِجماع.\n•ومن الناس من قال: لا يقطع بقبول التوبة، بل يُرجى، وصاحبها تحت المشيئة وإِن تاب، واستدلوا بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٥) فجعل الذنوب كلها تحت مشيئته.\nوربما استدل بمثل فوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى\n_________\n(^١) ليست في المطبوعة ولا في \" أ \"، ر، ظ، ل.\n(^٢) سورة النساء: ١١٥. ويراجع في هذا ما أورده ابن كثير في التفسير ١/ ٥٥٢ والسيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢١٣ عن ابن جرير وعبد بن حميد، والطبراني والبيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن مسعود بنحو شطره الأول.\n(^٣) سورة الحج: ٧٨.\n(^٤) راجع في قول ابن عباس تفسير ابن كثير ٣/ ٢٣٦، والدر المنثور ٤/ ٣٧١.\n(^٥) سورة النساء: ١١٦.","vol":"2","page":489},{"text":"رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (^١) وبقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ (^٢) وقوله: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٣) وقوله: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (^٤).\nوالظاهر أن هذا في حق التائب، لأَن الاعتراف يقتضي الندم.\nوفي حديث عائشة ﵂، عن النبي - ﷺ - قال:\n\" إن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه \" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-705>[والصحيح: القطع بالقبول متى استوفت التوبة شرائطها]:</span>\nوالصحيح قول الأكثرين.\n• وهذه الآيات لا تدل على عدم القطع؛ فإن الكريم إذا أَطمع لم يقطع من رجائه المطمع؛ ومن هنا قال ابن عباس: إنَّ \" عسى \" من الله واجبةٌ.\nنقله عنه علي بن أبي طلحة (^٦).\n• وقد ورد جزاءُ الإيمان والعمل الصالح بلفظ عسى أيضًا ولم يدل ذلك على أَنه غير مقطوع ول كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ (^٧).\nوأَما قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٨) فإِن التائب ممن يشاء أَن يَغفِر\n_________\n(^١) سورة التحريم: ٨.\n(^٢) سورة القصص: ٦٧.\n(^٣) سورة النور:٣١.\n(^٤) سورة التوبة: ١٠٢.\n(^٥) متفق عليه أخرجه البخاري في المغازي: باب حديث الإفك ٧/ ٤٣١ - ٤٣٥ وفي التفسير: باب لولا إذ سمعتموه ٨/ ٤٥٢ - ٤٥٥ ضمن حديث الإفك بسياقه الطويل.\nوأخرجه مسلم في كتاب التوبة: باب حديث الإفك ٤/ ٢١٢٩.\n(^٦) ولهذا قال القرطبي في التفسير (١٨/ ٢٠٠): عسى من الله واجبة، وهو معنى قوله ﵇: \" التائب من الذنب كمن لا ذنب له \".\nوقال ابن كثير في التفسير (٤/ ٣٩٢) و\" عسى \" من الله موجبة، وفي ٢/ ٣٤١ قل ابن كثير: وكل\" عسى \" في القرآن فهي واجبة، وقال محمد بن إسحاق وعسى من الله حق، وقال ابن منظور في اللسان ١٩ - ٢٨٤ عسا: و\" عسى \" في القرآن من الله جل ثناؤه واجب، وهو من العباد ظن ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ وقد أتى به.\n(^٧) سورة التوبة: ١٨.\n(^٨) سورة النساء: ١١٦.","vol":"2","page":490},{"text":"له، كما أَخبر بذلك في مواضع كثيرة من كتابه.\n\n<span data-type='title' id=toc-706>[معنى آخر للحسنة]:</span>\n• وقد يراد بالحسنة في قول النبي - ﷺ -: \"أتبع السيئة الحسنة\" ما هو أَعم من التوبة كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (^١).\nوقد روى من حديث معاذ أَن الرجل الذي نزلت بسببه هذه الآية أمره النبي - ﷺ - أن يتوضأَ ويصلي (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-707>[المغفرة بالطهارة والصلاة]:</span>\n• وخرَّج الإمام أَحمد وأَبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أبي بكر الصديق ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"ما من رجل يُذنِبُ ذنبًا ثم يقوم فيتطهَّرُ ثم يصلي ثم يستغفر الله إلا غفر الله له.\n_________\n(^١) سورة هود: ١١٤.\n(^٢) كما أخرج الواحدي في أسباب النزول ص ٢٧١ رواية عن محمد الطوسي، عن علي بن عمر، عن الحسين ابن إسماعيل المحاملي، عن يوسف بن موسى عن جرير، عن عبد الملك بن عمير، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ بن جبل: أنه كان قاعدًا عند النبي - ﷺ - فجاءه رجل فقال: يا رسول الله! ما تقول في رجل أصاب من امرأة لا تحل له، فلم يدع شيئًا يصيبه الرجل من امرأته إلا قد أصابه منها، إلا أنه لم يجامعها؟ فقال: توضأ وضوءًا حسنًا ثم قم فصل، قال: فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ إلى آخرها، فقال معاذ بن جبل: أهي له خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال: بل هي للمسلمين عامة. وأخرجه الترمذي في السنن: كتاب التفسير: تفسير سورة هود ٥/ ٢٩١ من رواية عبد بن حميد، عن حسين الجعفي، عن زائدة، عن عبد الملك بن عمير به - بنحوه.\nوقد عقب عليه بقوله: هذا حديث ليس إسناده بمتصل، عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، ومعاذ ابن جبل مات في خلافة عمر، وقتل عمر وعبد الرحمن بن أبي ليلى غلام صغير ابن ست سنين وقد رَوى عن عمر. والدارقطني في السنن كتاب الطهارة: باب صفة ما ينقض الوضوء وما روي في الملامسة والقبلة ١/ ١٣٤.\n- من رواية ابن إسماعيل المحاملي وعبد الله بن جعفر عن يوسف بن موسى - به - بمثله.\nوعقب عليه بقوله: صحيح!\nلكن أبا الطيب في التعليق المغني أورد تعقيب الترمذي على الحديث.\nوالحديث عند ابن كثير ٢/ ٤٦٣ عن الدارقطني، وأبن جرير في التفسير ١٥/ ٥٢٠ - ٥٢٢، والواحدي في أسباب النزول ٢٧١، والحاكم في المستدرك ١/ ١٣٥ - ١٣٦ وسكت عنه هو والذهبي وأحمد في المسند ٥/ ٢٤٤ والنسائي في الرجم في الكبرى من حديث ابن أبي ليلى: أن رجلا فذكره مرسلًا كما في تحفة الأشراف ٨/ ٤٠٩ ح ١١٣٤٣ والسيوطي في الدر المنثور ٣/ ٣٥٢ وزاد نسبته إلى أبي الشيخ وابن مردويه.","vol":"2","page":491},{"text":"ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (^١).\n_________\n(^١) الآية ١٣٥ من سورة آل عمران.\nوالحديث أخرجه أحمد في المسند ١/ ١٥٣ - ١٥٤، ١٧٤ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه ح ٣ من رواية وكيع عن مسعر وسفيان، عن عثمان بن المغيرة الثقفي عن علي بن ربيعة الوالبي، عن أسماء بن الحكم الفزاري عن علي، قال: كنت إذا سمعت من رسول الله - ﷺ - حديثا نفعني الله بما شاء منه، وإذا حدثني عنه غيري استحلفته، فإذا حلف لي صدقته، وإن أبا بكر حدثني، وصدق أبو بكر أنه سمع النبي قال: \"ما من رجل يذنب ذنبًا فيتوضأ فيحسن الوضوء، قال مسعر: ويصلي، وقال سفيان: ثم يصلي ركعتين فيستغفر الله ﷿ إلا غفر له\".\nومن رواية عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة عن عثمان بن المغيرة به إلا أنه قال عن أسماء أو ابن أسماء وساق الحديث بنحوه ثم قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما من مسلم يذنب ذنبًا ثم يتوضأ فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله تعالى لذلك الذنب إلا غفر له، وقرأ هاتين الآيتين: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.\nوالترمذي في السنن: كتاب الصلاة: باب ما جاء في الصلاة عند التوبة ٢/ ٢٥٧ بنحو ما تقدم وفيه: \"ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر، ثم يصلى، ثم يستغفر الله، إلا غفر الله له، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.\nوقد عقب عليه بقوله: \"وفي الباب عن ابن مسعود وأبي الدرداء وأنس، وأَبي أمامة، ومعاذ، وواثلة، وأبي اليسر. وحديث علي حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث عثمان بن المغيرة\".\nوأبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب الاستغفار ٢/ ١٨٠ بنحوه وعنده: \"ما من عبد يذنب ذنبًا فيحسن الطهور ثم يقوم فيصلي ركعتين … الحديث.\nوابن ماجه في: ٥ - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: ١٩٣ - باب ما جاء أن الصلاة كفارة ١/ ٤٤٦ ح ١٣٩٥ بنحو الطريق الأول عند أحمد.\nوالنسائي في عمل اليوم والليلة: ما يفعل من بُلِيَ بذنب وما يقول ص ١٣٨ ح ٤١٧ من رواية عبيد الله بن فضالة، عن عبد الله بن الزبير عن سفيان، عن مسعر، عن عثمان بن المغيرة الثقفي - به - مرفوعًا: \"ليس من عبد يذنب ذنبًا فيقوم فيتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر له\".\nومن رواية أحمد بن سليمان عن جعفر بن عون عن مسعر.\nوهاررن بن إسحاق عن محمد عن مسعر - به - موقوفًا من حديث أبي بكر قال: \"إنه ليس من رجل يذنب\" نحوه.\nومن رواية محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد، عن سفيان، عن عثمان بن المغيرة - به - مرفوعًا من حديث أبي بكر قال: \"ليس من عبد يذنب فيتوضأ فيصلي ركعتين، ثم يستغفر الله إلا غفر له\".\nومن رواية قتيبة بن سعيد عن أبي عوانة، عن عثمان بن المغيرة مرفوعًا به من حديث أبي بكر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما من رجل مؤمن يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر فيحسن الطهور، ثم يستغفر الله إلا غفر الله له، ثم قرأ الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية.\nوأخرجه الترمذي كذلك: ٤٨ - في التفسير: ٤ - سورة آل عمران ٥/ ٢٢٨ - ٢٢٩ بمثل ما تقدم في الصلاة وعقب عليه بقوله: هذا حديث قد رواه شعبة وغير واحد عن عثمان بن المغيرة فرفعوه، ورواه مسعر وسفيان =","vol":"2","page":492},{"text":"• وفي الصحيحين عن عثمان ﵁ أَنه توضأَ ثم قال: رأيت رسول الله - ﷺ - توضأَ نحو وضوئي هذا ثم قال:\n\"من توضأَ نحو وضوئي هذا ثم صلَّى ركعتين لا يُحَدِّثُ فيهما نَفْسَهُ غُفِرَ له ما تَقَدَّم من ذَنْبه\" (^١).\n_________\n= عن عثمان بن المغيرة فلم يرفعاه وقد رواه بعضهم عن مسعر فأوقفه، ورفعه بعضهم، ورواه سفيان الثوري عن عثمان بن المغيرة فأوقفه ولا نعرف لأسماء بن الحكم حديثًا إلا هذا.\nوالحديث عند ابن كثير في التفسير ١/ ٤٠٧ وذكر تعقيب الترمذي على الحديث بالحسن ثم قال: وقد ذكرنا طرقه والكلام عليه مستقصى في \"مسند أبي بكر الصديق ﵁\" وبالجملة فهو حديث حسن وهو من رواية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عن خليفة رسول الله - ﷺ - أبي بكر ﵄ ثم قال: ومما يشهد بصحة الحديث ما رواه مسلم في صحيحه عن أمير المؤمنين: عمر بن الخطاب ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ - أو فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء\" وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ أنه توضأ لهم وضوء النبي - ﷺ - ثم قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه\" ثم قال ابن كثير: فقد ثبت هذا الحديث من رواية الأئمة الأربعة الخلفاء الراشدين، عن سيد الأولين والآخرين ورسول رب العالمين كما دل عليه الكتاب المبين من أن الاستغفار من الذنب ينفع العاصين. ا. هـ. وهذه لمحة ذكية لا تستغرب على حافظ محدث مفسر مؤرخ كابن كثير فلله دره؟!\nولعل الولوع بتتبع روايات مثل هذا الحديث عن الخلفاء الأربعة وقد اجتمع اثنان منهم على روايته فيما ساق ابن رجب أولا هو الذي حدا بابن رجب أن يورد حديث عثمان في هذا عقب هذه الرواية.\nأليست مدرسة واحدة ورياضًا فريدة يصدر عنها هذا وذاك وغيرهما؟ هي مدرسة الحديث النبوي ورياض الذكر الحكيم؟! بلى. وإنها لرياض يانعة، وإنها لمدارس ممرعة! علمًا ومعرفة وفقها وحكمة!!.\n(^١) أخرجه البخاري في: ٤ - كتاب الوضوء: ٢٤ - باب الوضوء ثلاثًا ثلاثا من حديث عبد العزيز بن عبد الله الأويسي، عن إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد: أن حمران مولى عثمان أخبره: أنه رأى عثمان بن عفان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرار فغسلهما ثم أدخل يمينه في الإناء فمضمض واستنشق ثم غسل وجهه ثلاثًا ويديه إلى المرفقين ثلاث مرار، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجليه ثلاث مرار إلى الكعبين ثم قال: قال رسول الله - ﷺ - … \" باللفظ المذكور، ح ١٥٩ - ج ١ ص ٢٥٩. وأورده عقبه ح ١٦٠ من حديث صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال: ولكن عروة يحدث عن حمران: فلما توضأ عثمان قال: ألا أحدثكم حديثًا لولا آية ما حدثتكموه؟ سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"لا يتوضأ رجل يحسن وضوءه، ويصلى الصلاة إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة حتى يصليها\" قال عروة: الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [سورة البقرة: ١٥٩] ج ١ ص ٢٦١.\nوفى: ٢٨ - باب المضمضة في الوضوء ١/ ٢٦٦ ح ١٦٤ بنحو الأول وفي: ٣٠ - كتاب الصيام: ٢٧ - باب سواك الرطب واليابس للصائم ٤/ ١٥٨ ح ١٩٣٤ بنحوه.\nوفي: ٨١ - كتاب الرقاق: ٨ - باب قول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ ح ٦٤٣٣ مختصرًا لكن سياق الحديث بنحو ما تقدم ثم قال عقبه: وقال النبي - ﷺ -: \"لا تغتروا\" ١١/ ٢٥١. =","vol":"2","page":493},{"text":"• وفي مسند الإِمام أَحمد عن أبي الدرداءِ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من توضأَ فأَحسن الوضوءَ، ثم قام فصلَّى ركعتين أَو أَربعا يُحْسِن فيهما الركوعَ والخشوعَ، ثم استغفر الله ﷿ غفر له\" (^١).\n• وفي الصحيحين عن أنس قال:\nكنت عند النبي - ﷺ - فجاءَه رجل فقال: يا رسول الله! إِني أَصبت حدًّا فأَقمه علىّ. قال: ولم يسأله عنه، فحضرت الصلاة، فصلى مع النبي - ﷺ -، فلما قضى النبي - ﷺ - الصلاة قام إِليه الرجل، فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدا فأَقم فيَّ كتابَ الله. قال: \"أليس قد صليت معنا؟ \" قال: نعم. قال: \"فإن الله قد غفر لك ذنبك. أو قال: حَدَك\" (^٢).\n_________\n= وأخرجه مسلم في: ٢ - كتاب الطهارة: ٣ - باب صفة الوضوء وكماله ١/ ٢٠٤ - ٢٠٥ ح ٣ (٢٢٦) بنحو ما عند البخاري، ثم عقب عليه بقول ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون: هذا الوضوء، أسبغ ما يتوضأ به أحد للصلاة.\n(^١) رواه أحمد في المسند ٦/ ٤٥٠ (الحلبي) من حديث أحمد بن عبد الملك، عن سهل بن أبي صدقة، عن كثير بن الفضل، عن يوسف بن عبد الله بن سلام قال: أتيت أبا الدرداء في مرضه الذي قبض فيه، فقال لي: يا ابن أخي! ما أعمدك إلى هذا البلد؟ أي ما جاء بك؟ قال: قلت لا إلا صلة ما كان بينك وبين والدي عبد الله بن سلام فقال أبو الدرداء! بئس ساعة الكذب هذه! سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من توضأ فأحسن وضوءه، ثما قام فصلى ركعتين أو أربعًا (شك سهل) يحسن فيهما الذكر والخشوع ثم استغفر الله ﷿ غفر له\".\nوقد أفاد عبد الله بن أحمد أن أحمد بن عبد الملك وهم في اسم سهل بن أبي صدقة، إنما هو صدقة بن أبي سهل. والحديث عند أحمد أيضًا في المسند ٤/ ٤٤٣ بنحوه.\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد عن أحمد والطبراني من حديث أبي الدرداء ٢/ ٢٧٨ - ٢٧٩ وذكر أن إسناده حسن.\n(^٢) أخرجه البخاري في: ٨٦ - كتاب الحدود: ٢٧ - باب إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه؟ ١٢/ ١٣٣ باللفظ المذكور: إلا أن عنده: \"وحضرت الصلاة\".\nومسلم في: ٤٩ - كتاب التوبة: ٧ - باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ٤/ ٢١١٧ مختصرًا وعنده: قال: قد غفر لك.\nوقد نقل ابن حجر عن الخطابي: أنه يجوز أن يكون النبي - ﷺ - قد اطلع بالوحي على أن الله قد غفر لهذا الرجل لكونها واقعة عين وإلا لكان يستفسره عن الحدود ويقيمه عليه.\nوقال أيضًا في هذا الحديث أنه لا يكشف عن الحدود، بل يدفع مهما أمكن. وهذا الرجل لم يفصح بأمر يلزمه به إقامة الحد عليه فلعله أصاب صغيرة ظنها كبيرة توجب الحد فلم يكشفه النبي - ﷺ - عن ذلك؛ لأن موجب الحد لا يثبت بالاحتمال وإنما لما يستفسره إما لأن ذلك يدخل في التجسس المنهي عنه. وإما إيثارًا للستر ورأى أن في تعرضه لإقامة الحد عليه ندمًا ورجوعًا.\nوقد استحب العلماء تلقين من أقر بموجب الحد بالرجوع عنه إما بالتعريض، وإما بأوضح منه ليدرأ عنه الحد. ثم قال ابن حجر: =","vol":"2","page":494},{"text":"• وخرجه مسلم بمعناه من حديث أبي أُمامة (^١).\n• وخرجه ابن جرير الطبري من وجه آخر عن أبي أُمامة، وفي حديثه قال: فإنك من خطيئتك كما ولدتك أمك فلا تعد. وأنزل الله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (^٢).\n• وفى الصحيحين عن أبى هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"أرأيتم لو أن نهرا بباب أَحدكم يَغْتَسِلُ فيه - كل يوم خمسَ مرات هل يبقى من دَرَنه شيء؟ قالوا: لا يبقى من دَرَنه شيء\". قال: \"فذلك مَثَلُ الصلوات الخمس يمحو الله بهنّ الخطايا\" (^٣).\n• وفي صحيح مسلم عن عثمان ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"من توضأَ فأَحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أَظفاره\" (^٤).\n_________\n= وجزم النووي وجماعة: أن الذنب الذي فعله كان من الصغائر، بدليل أن في بقية الخبر أنه كفرته الصلاة، بناء على أن الذي تكفره الصلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر.\nوهذا هو الأكثر الأغلب.\nوقد تكفر الصلاة بعض الكبائر كمن كثر تطوعه مثلًا بحيث صلح لأن يكفر عددًا كثيرًا من الصغائر ولم يكن عليه من الصغائر شيء أصلًا، أو شيء يسير وعليه كبيرة واحدة مثلًا فإنها تكفر عنه ذلك؛ لأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.\nولتمام الفائدة ينظر فتح الباري في الموضع المذكور تعليقا على الحديث وعلى ما أثير عن الحديث.\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه عقب الرواية السابقة من حديث أبي أمامة قال: بينما رسول الله - ﷺ - في المسجد ونحن قعود معه، إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله! إني أصَبْتُ حدًا، فأقمه علىّ، فسكت عنه رسول الله - ﷺ -، ثم أعاد فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدًا فأقمه عليّ، فسكت عنه، وأقيمت الصلاة، فلما انصرف نبي الله - ﷺ - قال أبو أمامة: فأتبع الرجل رسول الله - ﷺ - حين انصرف، وأتبعت رسول الله - ﷺ - أنظر ما يرد على الرجل، فلحق الرجل رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدًّا فأقمه علىّ. قال أبو أمامة: فقال له رسول الله - ﷺ -: أرأيت حين خرجت من بيتك، أليس قد توضأت فأحسنت الوضّوء؟: قال: بلى يا رسول الله! قال: \"ثم شهدت الصلاة معنا؟ فقال: نعم يا رسول الله! قال: فقال له رسول الله - ﷺ -: فإن الله قد غفر لك حدّك - أو قال - ذنبك\".\n(^٢) وأورده عنه ابن كثير ٢/ ٤٦٣ - ٤٦٤ بنحو ما أورده ابن رجب، وفي ب: \"خطيتك\".\n(^٣) أخرجه البخاري في: ٩ - مواقيت الصلاة وفضلها: ٥١ - باب الصلوات الخمس كفارة ٢/ ١١ بنحوه.\nومسلم في: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة: ٥١ - باب المشي إلى الصلاة تمحى به الخطايا وترفع به الدرجات ١/ ٤٦٢ - ٤٦٤ باللفظ المذكور، إلا أن في مسلم: \"يغتسل منه\".\n(^٤) أخرجه مسلم في: ٢ - كتاب الطهارة: ١١ - باب خروج الخطايا مع ماء الوضوء ١/ ٢١٦ باللفظ المذكور. وفي ب: \"عن عثمان ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"ألا أدلكم … الحديث\".","vol":"2","page":495},{"text":"وفيه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال:\n\" أَلا أَدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ \" قالوا: بلى يا رسول الله! قال: \"إِسباغ الوضوء على المكاره (^١) وكثرة الخطأ إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط (^٢) \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-708>[المغفرة بالصوم وقيام رمضان وليلة القدر]:</span>\n• وفى الصحيحين عن أَبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال:\n\"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إِيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إِيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\" (^٣).\n_________\n(^١) قال في النهاية (٤/ ١٦٨): المكاره جمع مكره (بفتح الميم وسكون الكاف) وهو ما يكرهه الإنسان ويشق عليه، والكره بالضم والفتح: المشقة.\nوالمعنى أن يتوضأ من البرد الشديد والعلل التي يتأذى معها بمس الماء، ومع إعوازه والحاجة إلى طلبه، والسعي في تحصيله، أو ابتياعه بالثمن الغالي، وما أشبه ذلك من الأسباب الشاقة.\n(^٢) أخرجه مسلم في: ٢ - كتاب الطهارة: ١٤ - باب فضل إسباغ الوضوء على المكاره ١/ ٢١٩ باللفظ المذكور إلا أن الجملة الأخيرة لم تكرر.\n(^٣) راجع في هذا ما أخرجه البخاري في: ٢ - كتاب الإيمان: ٢٥ - باب قيام ليلة القدر من الإيمان ١/ ٩١ ح ٣٥ مقتصرًا على مغفرة الذنب بقيام ليلة القدر.\nوفي: ٢٧ - باب تطوع قيام رمضان من الإيمان ١/ ٩٢ ح ٣٧ مقتصرًا على مغفرة الذنب لقيام رمضان.\nوفي: ٢٨ - باب صوم رمضان احتسابًا من الإيمان ١/ ٩٢ ح ٣٨ مقتصرًا على مغفرة الذنب بصيام رمضان.\nوفي: ٣٠ - كتاب الصوم: ٦ - باب من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ونية ٤/ ١١٥ ح ٢٠٠٨ جامعًا بين قيام ليلة القدر وصيام رمضان ومغفرة الذنب.\nوفي: ٣١ - كتاب صلاة التراويح: ١ - باب فضل من قام رمضان ٤/ ٢٥٠ ح ٢٠٠٨ بنحو الموضع الثاني وح ٢٠٠٩ بمثل ذلك وأعقبه بقول ابن شهاب، فتوفي رسول الله - ﷺ - والناس على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرًا من خلافة عمر ﵄.\nوفي: ٣٢ - كتاب فضل ليلة القدر: ١ - باب فضل ليلة القدر:\n٤/ ٢٥٥ ح ٢٠١٤ من طريق علي بن عبد الله قال: حدثنا سفيان [بن عيينة] قال: حفظناه وأيما حفظ من الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\".\nوهذا هو الموضع الأخير للحديث في صحيح البخاري آثره البخاري بهذه الكلمة الثمينة من سفيان بن عيينة في توثيق الحديث؛ فكأنما أراد أن يؤكد وثاقة طرق هذا الحديث بل كأنما أراد أن يشير إلى دقته في تخير روايات الحديث في هذا الصحيح. =","vol":"2","page":496},{"text":"<span data-type='title' id=toc-709>[المغفرة بالحج]:</span>\n• وفيهما عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"مَنْ حجَّ هذا البيتَ فلم يرفُث ولم يفْسُق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أُمه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-710>[المغفرة بالإسلام]:</span>\n• وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص عن النبي - ﷺ - قال:\n\"إن الإِسلامَ يهدِمُ ما كان قبله، وإِن الهجرةَ تهدمُ ما كان قبلَها، وإِن الحجَّ يهدِمُ ما كان قبله\" (^٢).\n_________\n= وما أخرجه مسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها: ٢٥ - باب الترغيب في قيام رمضان ١/ ٥٢٣ ح ١٧٣، ١٧٤، ١٧٥، ١٧٦ بنحو ما عند البخاري وليس في شيء من رواياتهما الجمع بين المغفرة والأمور الثلاثة في حديث واحد كما ساق ابن رجب أو كما يتبادر من سياقه، والظاهر أنه يشير إلى حديثين لا إلى حديث واحد أو إلى روايتين لا إلى رواية واحدة.\n(^١) أخرجه البخاري في: ٢٥ - كتاب الحج: ٤ - باب فضل الحج المبرور. ٣/ ٢٨٢ ح ١٥٢١: \"من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه\".\nوفي: ٢٧ - كتاب المحصر: ٩ - باب قول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [سورة البقرة]: ١٩٧ - ٤/ ٢٠ ح ١٨١٩: \"من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه\".\nو: ١٠ - باب قول الله عز رجل: ﴿وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [سورة البقرة: ١٩٧] ٤/ ٢٠ ح ١٨٢٠: \"من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه\".\nومسلم في: ١٥ - كتاب الحج: ٧٩ - باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة ٢/ ٩٨٣ ح ٤٣٨ (١٣٥٠): \"من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه\"، \"من حج فلم يرفث ولم يفسق\" وليس في أي من الكتابين لفظ \"خرج\" في الحديث.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه: ١ - كتاب الإيمان: ٥٤ باب كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج ١/ ١١٢ ح ١٩٢ (١٢١) من حديث يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة المهدي، قال: حضرنا عمرو ابن العاص وهو في سياقة الموت، فبكى طويلًا وحول وجهه إلى الجدار، فجعل ابنه يقول: يا أبتاه! أما بشَّرك رسول الله - ﷺ - بكذا؟ أما بشرك رسول الله - ﷺ -؟ قال: فأقبل بوجهه فقال: إن أفضل ما نعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله. إنى وقد كنت على أطباق ثلاث. لقد رأيتني وما أحد أشدُّ بغضًا لرسول الله - ﷺ - مني ولا أحب إلىّ أن أكون قد استمكنت منه فقتلته، فلو مُتُّ على تلك الحال لكنت من أهل النار، فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي - ﷺ - فقلت: أبسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضت يدي. قال: \"مالك يا عمرو؟ قال: قلت: أردت أن أشترط؟ قال: تشترط بماذا؟: قلت: أن يغفر لي؟ قال: \"أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟ وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟ وأن الحج يهدم ما كان قبله؟ \" وما كان أحد أحبَّ إلي من رسول الله - ﷺ - ولا أجل في عيني منه. وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالًا له، لو سئلت أن أصفه ما أطقت: لأني لم أكن أملأ عينىّ منه، ولو مت على تلك الحال لرجوت أن أكون من أهل الجنة، ثم ولينا أشياء، ما أدري ما حالي فيها؟ فإذا أنا مت فلا تصحبني نائحة ولا =","vol":"2","page":497},{"text":"<span data-type='title' id=toc-711>[وبصوم عاشوراء وعرفة]:</span>\n• وفيه من حديث أبى قتادة عن النبي - ﷺ - قال في صوم عاشوراء:\n\"أَحتسب على الله أَن يكَفِّر السنة التي قبله\".\nوقال في صوم يوم عرفة: \"أحتسب على الله أن يُكَفِّرَ السنةَ التى قبله والتى بعده\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-712>[وبالحسنات]:</span>\n• وخرج الإِمام أحمد من حديث عقبة بن عامر عن النبي - ﷺ - قال:\n\"مَثَلُ الذي يعمل السيئاتِ ثم يعمَل الحَسَنَاتِ، كمثل رجل كانت عليه دِرعٌ ضيقة قد خَنَقَتْهُ، ثم عمل حَسَنَةً؛ فانْفكَّتْ حَلْقةٌ ثم عمل حَسَنَةً أُخرى فانفكت [حلقة] أُخرى؛ حتى يخرج إلى الأَرض\" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-713>[وذكر الله ﷿]:</span>\nومما يكفر الخطايا: ذكر الله ﷿.\nوقد ذكرنا فيما تقدم (^٣) أَن النبي - ﷺ - سئل عن قول: \"لا إله إِلا الله\" أَمِن الحسنات؟ قال: \"هي أَحسن الحسنات\".\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"من قال سبحان الله وبحمده\" في يوم مائة مرة حطت [عنه] خطاياه، وإن\n_________\n= نار، فإذا دفنتموني فشُنُّوا؟ عليّ الراب شنًّا ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر الجزور، ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي.\n(^١) هذا جزء حديث طويل أخرجه مسلم في كتاب الصيام: باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم يوم عرفة وعاشوراء والاثنين والخميس ٢/ ٨١٨ - ٨١٩ وقد أخرجه من طريقين.\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ١٤٥ (الحلبي) وأوله: \"إن مثل\" وما بين الأقواس من المسند.\nوأورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٠١ عن أحمد والطبراني وقال: وأحد إسنادي الطبراني صحيح.\n(^٣) ص ٤٦٧ وما بعدها من حديثي أبي ذر وأنس.","vol":"2","page":498},{"text":"كانت مثلَ زَبَد البحر\" (^١).\n* * *\nوفيهما عنه عن النبي - ﷺ - قال:\n\"من قال: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير\" في يوم مائة مرة، كانت له عِدْلَ عَشْرِ رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حِرْزًا من الشيطان يومه ذلك، حتى يمسي، ولم يأت أَحدٌ بأفضلَ مما جاءَ به إِلا أَحدٌ عَمِلَ أَفضلَ مِنْ ذَلِكِ\" (^٢).\n* * *\n• وفي المسند وكتاب ابن ماجه عن أُم هانئ عن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(^١) صحيح مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ٤/ ٢٠٧١ من حديث طويل. أوله الحديث التالي في فضل \"لا إله إلا الله\".\nوأخرجه البخاري في: ٨٠ - كتاب الدعوات: ٦٥ - باب فضل التسبيح ١١/ ٢٠٦ بمثل ما أورده ابن رجب وما بين القوسين من البخاري.\n(^٢) البخاري في: ٥٩ - كتاب بدء الخلق: ١١ - باب صفة إبليس وجنوده ٦/ ٣٣٨ ح ٣٢٩٣ من طريق عبد الله ابن يوسف القعنبي، عن مالك، عن سمي، مولى أبي بكر، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك\".\nوفي: ٨٠ - كتاب الدعوات: ٦٤ - باب فضل التهليل ١١/ ٢٠١ من طريق عبد الله بن مسلمة عن مالك بمثله إلا قوله: \"ولم يأت بأفضل مما جاء به، إلا رجل عمل أكثر منه\" ح ٦٤٠٣ ومسلم في: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ٤/ ٢٠٧١ ح ٢٨ (٢٦٩١) من طريق يحيى بن يحيى عن مالك - به - بمثله في الموضع الأول إلا أنه زاد في آخره: \"ومن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت عنه خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر\".\nوليس في أي من الصحيحين قوله: \"يحيى ويميت\" من حديث أبي هريرة.\nوقد أفاد ابن حجر أن هذه الزيادة من رواية جعفر في الذكر عن أبي رهم السمعي عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي - ﷺ - قال: \"من قال حين يصبح\" فذكر مثله لكن زاد: \"يحيى ويميت\" فكيف جاء بها ابن رجب؟. أم أنها سبق قلم من النساخ على أساس أنها من محفوظ الروايات الأخرى؟.\nوقد رواه الترمذي في سننه: ٤٩ - كتاب الدعوات: ٦٠ - من طريق إسحاق بن موسى الأنصاري، عن معن، عن مالك - به - بمثل روايتي البخاري ومسلم - لكن بهذه الزيادة: \"يحيى ويميت\".\nوقد عقب عليه بقوله: هذا حديث حسن صحيح.","vol":"2","page":499},{"text":"\"لا إِله إِلا الله لا تترك ذنبا، ولا يسبقها عمل\" (^١).\n• وخرج الترمذي عن أنس عن النبي - ﷺ - أَنه مر بشجرة يابسة الورق فضربها بعصاه فتناثر الورق فقال: \"إن الحمد لله، وسبحان الله، ولا إِله إلا الله، والله أَكبر - لتُسَاقِطُ من ذنوب العبد كما يتساقط ورق هذه الشجرة\" (^٢).\n• وخرجه الإِمام أَحمد بإِسناد صحيح عن أَنس أَن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن سبحان الله، والحمد لله، ولا إِله إِلا الله، والله أكبر، تنفُضُ الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها\" (^٣).\n_________\n(^١) هذا الحديث من الوجادات التي وجدها عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه وقد أثبتها في المسند ٦/ ٣٤٤ حيث قال: وجدت في كتاب أبي بخط يده: ثنا سعيد بن سليمان قال: ثنا موسى بن خلف، قال: حدثنا عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أم هانئ بنت أبي طالب قال: قالت: مر بي ذات يوم رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله! قد كبرت وضعفت أو كما قالت، فمرنى بعمل أعمله وأنا جالسة. قال: سبحي الله مائة تسبيحة. فإنها تعدل لك مائة رقبة تعتقينها من ولد إسماعيل، واحمدي الله مائة تحميدة، تعدل لك مائة فرس مسرجة ملجمة تحملين عليها في سبيل الله، وكبري الله مائة تكبيرة. فإنها تعدل لك مائة بدنة مقلدة متقبلة، وهللي الله مائة تهليلة - قال ابن خلف: أحسبه قال: تملأ ما بين السماء والأرض، ولا يرفع يومئذ لأحد عمل إلا أن يأتي بمثل ما أتيت به\".\nوالحديث في المسند من وجه آخر يرويه عبد الله بن أحمد بن حنبل فيقول: حدثني أبي، ثنا يونس بن محمد، قال: ثنا أبو معشر، عن مسلم بن أبي مريم، عن صالح مولى وجزة عن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: جئت النبي - ﷺ - فقلت: يا رسول الله! إني امرأة قد ثقلت، فعلمني شيئًا أقوله وأنا جالسة. قال: قولي: الله أكبر مائة مرة، فإنه خير لك من مائة بدنة مجللة متقبلة، وقولي الحمد لله مائة مرة، فإنه خير لك من مائة رقبة من ولد إسماعيل تعتقينهن، وقولي: لا إله إلا الله مائة مرة لا تذر ذنبًا ولا يسبقه العمل\". ورواه ابن ماجه في السنن: ٣٣ - كتاب الأدب: ٥٤ - باب فضل لا إله إلا الله ٢/ ١٢٤٨ ح ٣٧٩٧ من طريق إبراهيم بن المنذر الحزامي، عن زكريا بن منظور، عن محمد بن عقبة، عن أم هانئ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا إله إلا الله لا يسبقها عمل ولا تترك ذنبًا\". وقد أورده البوصيري في الزوائد ٢/ ٢٦٠) (١٣٢٦) وقال: هذا إسناد فيه زكريا بن منظور وهو ضعيف.\n(^٢) أخرجه الترمذي في ٤٩ - كتاب الدعوات: ٩٨ - باب حدثنا محمد ٥/ ٥٤٩ من رواية محمد بن حميد الرازي، عن الفضل بن موسى، عن الأعمش، عن أنس … الحديث وفيه: \"كما تساقط ورق هذه الشجرة\" وقد عقب عليه بقوله: هذا حديث غريب ولا نعرف للأعمش سماعًا من أنس، وفي تحفة الأحوذي ٥/ ٢٦٨ أورد قول المنذري: وأخرجه أحمد من غير طريق الأعمش ورجاله رجال الصحيح وهو يعْني الحديث التالي، فحديث الترمذي - إذًا - حسن لغيره.\n(^٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند (٣/ ١٥٢) الحلبي من طريق عبد الصمد عن أبيه، عن سنان، عن أنس: أن =","vol":"2","page":500},{"text":"• والأحاديث في هذا كثيرة جدًّا، ويطول الكتاب بذكرها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-714>[من آثار السلف].</span>\n• وسئل الحسن عن رجل لا يتحاشى عن معصية إلا أن لسانه لا يفتر عن ذكر الله؟ فقال: \"إن ذلك لعَونٌ حَسَن\".\n• وسئل الإمام أحمد عن رجل اكتسب مالا من شبهة صلاته وتسبيحه تحطّ عنه شيئًا من ذلك؟ فقال: إن صلي وسبح يريد به ذلك فأرجو؛ قال الله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ (^١).\n• وقال مالك بن دينار: \"البكاءُ على الخطيئة يحط الخطايا كما يحط الريح الورق اليابس\" (^٢).\n• وقال عطاء: من جلس مجلسا من مجالس الذكر كفر به عشرة مجالس من مجالس الباطل (^٣).\n• وقال شويس العدوي - وكان من قدماء التابعين - إن صاحب اليمين أَمير - أَو قال أَمين - على صاحب الشمال، فإذا عمل ابن آدم سيئة فأَراد صاحب الشمال أَن يكتبها قال له صاحب اليمين: \"لا تعجل لعله يعمل حسنة، فإن عمل حسنة أَلقي واحدة بواحدة وكتبت له تسع حسنات، فيقول الشيطان: يا ويله من يدرك تضعيف ابن آدم؟ (^٤).\n• وخرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي مالك الأَشعري عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أَعطني صحيفتك فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة محا بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان، وكتبهن حسنات، فإذا أراد أَن ينام أَحدكم فليكبر ثلاثا وثلاثين تكبيرة، ويحمد الله أربعا وثلاثين تحميدة،\n_________\n= رسول الله - ﷺ - أخذ غصنًا فنفضه فلم ينتفض، ثم نفضه فلم ينتفض ثم نفضه فانتفض، فقال رسول الله - ﷺ -: إن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر تنفض الخطايا كما تنفض الشجرة ورقها\". وانظره في صحيح الجامع الصغير (٢٠٨٩) وقد رمز له بالحسن وقد أورده الطبري في الترغيب والترهيب ٢/ ٤٣٣ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n(^١) سورة التوبة: ١٠٢.\n(^٢) في ب جاء هذا القول قبل قول عطاء التالي.\n(^٣) الحلية ٣/ ٣١٣.\n(^٤) الحلية ٢/ ٢٥٥.","vol":"2","page":501},{"text":"ويسبح ثلاثا وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة\".\nهذا غريب ومنكر (^١).\n* * *\n• وروى وكيع: حدثنا الأعمش، عن أَبي إسحاق، عن أَبِي الأحوص، قال: قال عبد الله - يعني ابن مسعود -: \"وددت أني صولحت على أن أعمل كل يوم تسع خطيئات وحسنة\".\n• وهذا إشارة منه إلى أَن الحسنة يمحى بها التسع خطيئات ويفضل له ضعف واحد من ثواب الحسنة فيكتفي به. والله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-715>[ماذا تكفر الأعمال الصالحة؟]:</span>\nوقد اختلف الناس في مسألتين، إحداهما: هل تكفر الأَعمال الصالحة الكبائر والصغائر أَم لا تكَفر سوى الصغائر؟ فمنهم من قال: لا تكفر سوى الصغائر.\n• وقد روي هذا عن عطاء وغيره من السلف في الوضوء أَنه يكفر الصغائر.\n• وقال سلمان الفارسي في الوضوء: إنه يكفر الجراحات الصغار، والمشي إلى المسجد يكفر أَكبر من ذلك، والصلاة تكفر أَكبر من ذلك.\nخرجه محمد بن نصر المروزي (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-716>[ماذا يكفر الكبائر؟]:</span>\n• وأَما الكبائر فلابد لها من التوبة؛ لأن الله أَمر العباد بالتوبة، وجعل من لم يتب ظالما.\nواتفقت الأُمة على أن التوبة فرض، والفرائض لا تؤدَّى إلا بنية وقصد. ولو كانت الكبائر تقع مكفرة بالوضوء والصلاة، وأَداء بقية أركان الإِسلام - لم يحتج إلى التوبة.\nوهذا باطل بالإجماع.\n_________\n(^١) الطبراني في الكبير ٣/ ٢٩٦ ح (٣٤٥١) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ١٢١ - ١٢٢ عن الطبراني من حديث أبي مالك وقال: فيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف.\n(^٢) في تعظيم قدر الصلاة ١/ ١٥٧ - ١٥٨ ح ٩٩ بسياقه مطولًا.","vol":"2","page":502},{"text":"وأَيضًا فلو كفرت الكبائر بفعل الفرائض لم يبق لأَحد ذنب يدخل به النار إذا أتي بالفرائض.\nوهذا يشبه قول المرجئة، وهو باطل.\nهذا ما ذكره ابن عبد البر في كتابه التمهيد، وحكى إجماع المسلمين على ذلك.\nواستدل عليه بأحاديث منها:\nقول النبي - ﷺ -: \"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن، ما اجتنبت الكبائر\".\nوهو مخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة (^١) -﵁-.\n\n<span data-type='title' id=toc-717>[الكبائر لا تكفرها الفرائض]:</span>\nوهذا يدل على أن الكبائر لا تكفرها هذه الفرائض.\nوقد حكى ابن عطية في تفسيره في معنى هذا الحديث قولين:\n• أحدهما وحكاه عن جمهور أَهل السنة: أَن اجتناب الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض للصغائر، فإن لم تجتنب لم تكفِّر هذه الفرائض شيئًا بالكلية.\n• والثاني: أَنها تكفر الصغائر مطلقًا ولا تكفر الكبائر وإن وجدت لكن بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار عليها.\nورجح هذا القول وحكاه عن الحُذَّاق.\n• وقوله: \"بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار عليها\" مراده أَنه إذا أَصر عليها صارت كبيرة فلا (^٢) تكفرها الأَعمال.\n• والقول الأول الذي حكاه غريب، مع أنه قد (^٣) حكى عن أبي بكر: عبد العزيز ابن جعفر من أصحابنا مثله.\n* * *\n• وفي صحيح مسلم عن عثمان، عن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(^١) مسلم في كتاب الطهارة: باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة … مكفرات .. ١/ ٢٠٩ وهذا الحديث ليس في صحيح البخاري، وليس مما اتفق عليه البخاري ومسلم.\n(^٢) في \"ا\" وم ر، ط، ل \"فلم\".\n(^٣) في المطبوعة: \"مع أنه إذا أصر عليها وقد حكى\" وفيها زيادات تخل بالمعنى وليست في الأصول.","vol":"2","page":503},{"text":"\"ما من امرئ مسلم تَحْضُرهُ صلاةٌ مكتوبةٌ، فيُحْسِنُ وُضُوءَها، وخشوعَها وركوعَها، إلا كانت كفارةٌ لما قبلها من الذنوب ما لم يُؤتِ كبيرةٌ، وذلك الدَّهْرَ كلَّه\" (^١).\n* * *\n• وفي مسند الإمام أحمد عن سلمان عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يتطهر الرجل - يعني يوم الجمعة - فيحسن طُهُورَهُ ثم يأَتي الجمعة فيُنصِتُ حتى يقضيَ الإمامُ صلاتَهُ إلا كان كفارةً [له] ما بينه وبين الجمعة المقبلة ما اجْتُنبت المقْتَلَة\" (^٢).\n• وخرج النَّسَائِي وابن حبان والحاكم من حديث أَبي سعيد وأَبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(^١) يؤت كبيرة: يعملها. أي أن الذنوب كلها تغفر بذلك إلا الكبائر فإنما تكفرها التوبة، أو عفو الله ﷿، والدهر كله. أي أن هذا الحكم مستمر في جميع الأزمان لا يختص بزمان دون زمان.\nوتفسير إيتاء الكبيرة بعملها والإيتاء هو الإعطاء: مراعي فيه هذا المعني كأن فاعل الكبيرة يعطيها من نفسه.\nوالحديث أخرجه مسلم في: ٢ - كتاب الطهارة: ٤ - باب فضل الوضوء والصلاة عقبه ١/ ٢٠٦.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٤٣٩ (الحلبي) من رواية هشيم، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن قرقع الضبي، عن سلمان الفارسي قال: قال لي النبي - ﷺ -: أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم. قال: لكني أدري ما يوم الجمعة: لا يتطهر الرجل فيحسن طهوره … الحديث وليس في الرواية: يعني يوم الجمعة.\nوأورده في ٤٤٠ من رواية عفان، عن أبي عوانة، عن مغيرة، عن أبي معشر، عن إبراهيم، عن علقمة، عن قرقع الضبي، عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أتدري ما يوم الجمعة؟ قلت: نعم. قال: لا أدري زعم سأله الرابعة أم لا قال: قلت: هو اليوم الذي جمع فيه أبوه وأبوكم، قال النبي - ﷺ -: ألا أحدثك عن يوم الجمعة؟ لا يتطهر رجل مسلم ثم يمشي إلى المسجد، ثم ينصت حتى يقضي الإمام صلاته إلا كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التي بعدها ما اجتنبت المقتلة\".\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ٢/ ١٧٤ عن الطبراني في الكبير من حديث سلمان بروايتين وفيهما: قال سلمان: هو اليوم الذي الذي جمع فيه أباك أو أبويك\" وقد قال عن الأول: روى النَّسَائِي بعضه وإسناده حسن وعن الثاني قال: رجاله ثقات ولم يذكر شيئًا عن رواية أحمد في المسند له وانظر الفتح الرباني بترتيب مسند أحمد ابن حنبل الشيباني ٦/ ٤٥ - ٤٦ وقد ذكر فيه أن الظاهر أن سلمان فهم أن النبي - ﷺ - يسأله عن سبب تسمية يوم الجمعة، فأجابه بقوله: \"هو الذي جمع الله فيه أباكم\" يعني خلق آدم فقال له النبي - ﷺ -: \"لكني أدري ما يوم الجمعة\" يعني لست أريد ما ذكرت ولكني أريد ما يعود على العبد من الفضل والثواب يوم الجمعة، ثم أخبره فقال: لا يتطهر الرجل … الحديث ثم ذكر عن المقتلة أنها الكبيرة ثم نقل قول الهيثمي عن روايات الحديث ودرجته عند الطبراني.\nوالهيثمي يشير إلى رواية النَّسَائِي في سننه ٣/ ١٠٤ ح ١٤٠٣ من رواية إسحاق بن إبراهيم عن جرير، عن منصور عن أبي معشر بالإسناد الثاني عند أحمد - عن سلمان قال: قال لي رسول الله - ﷺ -:\n\"ما من رجل يتطهر يوم الجمعة كما أمر ثم يخرج من بيته حتى يأتي الجمعة وينصت حتى يقضي صلاته إلا كان كفارة لما قبله من الجمعة\".","vol":"2","page":504},{"text":"\"والذي نفسي بيده ما من عبدٍ يُصَلِّي الصلواتِ الخمسَ، ويصومُ رمضانَ، ويُخْرجُ الزكاةَ، ويجْتَنِبُ الكبائرَ السَّبْعَ، إلا فُتّحَتْ له أبوابُ الجنة ثم قيل له: ادخُلْ بسلامِ\" (^١).\n• وخرج الإمام أَحمد والنسائي من حديث أبي أَيوب عن النبي - ﷺ - معناه أيضًا (^٢).\nوخرج الحاكم معناه من حديث عبيد بن عمير (^٣) عن أبيه عن النبي - ﷺ -.\n_________\n(^١) رواه النَّسَائِي في السنن: ٢٣ - كتاب الزكاة: ١ - باب وجوب الزكاة (٥/ ٨ - ٩) عن محمد بن عبد الله ابن عبد الحكم، عن شعيب، عن الليث، عن خالد، عن ابن أبي هلال، عن نعيم المجمر، عن صهيب: مولى العتواريين أنه سمع من أبي هريرة ومن أبي سعيد يقولان: خطبنا رسول الله - ﷺ - يومًا فقال: والذي نفسي بيده (ثلاث مرات) ثم أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا ندري على ماذا حلف، ثم رفع رأسه في وجهه البشري، فكانت أحب إلينا من حُمْرِ النَّعَم، ثم قال: \"ما من عبد يصلي الصلوات الخمس، ويصومُ رمضان، ويخرج الزكاة، ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له أبواب الجنة فقيل له ادخل بسلام\".\nوأخرجه ابن حبان في صحيحه (٣/ ١٢٢) من الإحسان في باب فضل الصلوات الخمس: ذكر البيان بأن الله جل وعلا إنما يدخل الجنة صائم رمضان مع إقامة الصلاة إذا كان مجتنبًا للكبائر. عن عبد الله بن محمد، عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن ابن أبي هلال به: أن رسول الله - ﷺ - جلس على المنبر ثم قال: \"والذي نفسي بيده - ثلاث مرات - ثم سكت، فأكب كل منا بيكي ليمين رسول الله - ﷺ -، ثم قال:\n\"ما من عبد يؤدي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان، ويجتنب الكبائر السبع إلا فتحت له ثمانية أبواب الجنة يوم القيامة حتى إنها لتصطفق، ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية [سورة النساء: ٣١﴾.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب الصلاة: باب فضل الصلوات الخمس ١/ ٢٠٠ عن أبي العباس: محمد ابن يعقوب، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن ابن وهب بإسناد ابن حبان، وبمثل روايته وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٤١٣ - ٤٢٤ عن زكريا بن عدي عن بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان أن أبا رهم السمعي حدثهم عن أبي أيوب قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n\"من عبد الله لا يشرك به شيئًا، وأقام الصلاة وآتي الزكاة، وصام رمضان، واجتنب الكبائر فله الجنة أو دخل الجنة\".\nفسأله: ما الكبائر؟ فقال: \"الشرك بالله، وقتل نفس مسلمة، والفرار يوم الزحف\".\nوأخرجه النَّسَائِي في سننه: ٣٧ - كتاب تحريم الدم ٣ - باب ذكر الكبائر (٧/ ٨٨) ح ٤٠٠٩ عن إسحاق بن إبراهيم عن بقية بن الوليد - به - ومثله وقد مضي الحديث ص.\nوأورده الشيخ ناصر الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٦١٨٥) وزاد نسبته إلى ابن حبان والحاكم وأحال إلى الإرواء ١٢٠٢ وزاد نسبته فيه إلى ابن أبي عاصم ثم قال: وهذا إسناد جيد، صرح فيه بقية بالتحديث، وبحير بن سعد ثقة ثبت وتابعه محمد بن إسماعيل، عن أبيه، عن ضمضم بن زرعة عن شريح ابن عبيد عن أبي رهم - به - أخرجه ابن أبي عاصم.\n(^٣) في المطبوعة: \"عبد الله بن عمر\" ولا يستقيم مع ما بعده، وراجع ما أورده ابن كثير عن الحديث والذي رواه الحاكم في المستدرك ٤/ ٢٥٩ عن عبيد بن عمير، وقد صححه الحاكم وأقره الذهبي. مع أنه من رواية عبد الحميد بن سنان الذي ضعفاه به عند رواية الحاكم للحديث ١/ ٥٩.","vol":"2","page":505},{"text":"ويروي من حديث ابن عمر مرفوعًا: يقول الله ﷿: \"ابنَ آدم اذكرني من أول النهار ساعة ومن آخر النهار ساعة أَغِفْر لك ما بين ذلك إلا الكبائر أَو تتوب منها\" (^١).\n* * *\n• وقال ابن مسعود: \"الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتُنبت الكبائر (^٢) \".\n• وقال سلمان: \"حافظوا على هذه الصلوات الخمس؛ فإنهن كفارات لهذه الجراح (^٣) ما لم تصب المقتلة\".\n* * *\n• وقال ابن عمر لرجل: أَتخاف النار أَن تدخلها وتحب الجنةَ أن تدخلَها؟ قال: نعم. قال: \"بِرَّ أُمَّكَ فوالله لئن أَلَنت لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبْت الموجبات\".\n* * *\n• وقال قتادة: إنما وعد الله المغفرة لمن أجتنب الكبائر، وذكر لنا أن رسول الله - ﷺ - قال: \"اجتنبوا الكبائر وسددوا وأَبشروا (^٤) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-718>[وقيل إنها تكفر الكبائر]:</span>\n• وذهب قوم من أَهل الحديث وغيرهم إِلى أن هذه الأَعمال تكفر الكبائر.\n• ومنهم \"ابن حزم الظاهري\" وإياه عني ابن عبد البر في كتاب \"التمهيد\" بالرد عليه، وقال: قد كنت أَرغب بنفسي عن الكلام في هذا الباب لولا قول ذلك القائل،\n_________\n(^١) أورده أبو نعيم في الحلية (٨/ ٢١٣) من رواية أبي بكر بن مالك، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن عبد الله بن صندل ومن رواية محمد بن المظفر عن محمد بن أحمد بن ثابت، عن جده، كلاهما عن محمد بن السماك عن جبير، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - فيما يذكر عن ربه ﷿: \"ابن آدم اذكرني بعد الفجر وبعد العصر ساعة أكفك ما بينهما. وقد عقب عليه بقوله: غريب من حديث الحسن عن أبي هريرة، لم يروه عنه إلا جبير، وحديث ابن السماك لم يروه عنه إلا ابن صندل وأورده السيوطي في الدر المنثور ٥/ ٢٠٥ وعزاه لأحمد من حديث أبي هريرة.\nوهو عند المناوي في الأحاديث القدسية ح ٣ ص ٢٩ عن مسلم وأبي نعيم من حديث أبي هريرة.\nولم أجده من حديث ابن عمر. كما لم أجده في مسلم من حديث أبي هريرة.\n(^٢) أشار إليه المروزي في تعظيم قدر الصلاة ١/ ٢٢٤ - ٢٢٥ ح ٢٠٦.\n(^٣) م: \"الجوارح\" والخبر في مصنف عبد الرزاق ١/ ٤٨ - ٤٩ بسياقه مطولًا.\n(^٤) تفسير ابن كثير ١/ ٤٦١ والمسند ٣/ ٣٩٤ والمجمع ١/ ١٠٣ وأشار إلى ضعفه.","vol":"2","page":506},{"text":"وخشيت أَن يغترَّ بِه جاهل، فينهمك في الموبقات: اتكالا على أنها تكفرها الصلوات دون الندم والاستغفار والتوبة.\nوالله نَسأَله العصمة والتوفيق.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-719>[تحليل هذا الاتجاه في كلام بعض المحدثين]:</span>\nقلت: وقد وقع مثل هذا في كلام طائفة من أَهل الحديث: في الوضوء ونحوه.\nووقع مثله في كلام ابن المنذر في قيام ليلة القدر، قال: يرجى لمن قامها أَن يُغْفَر له جميعُ ذنوبه: كبيرها وصغيرها. فإن كان مرادهم أن من أَتى بفرائض الإسلام وهو مصرٌّ على الكبائر تُغْفرُ له الكبائر قطعًا؛ فهذا باطل قطعًا، يعلم بالضرورة من الدين بطلانه. وقد سبق قول النبي - ﷺ -:\n\"من أَساءَ في الإسلام أُخِذَ بالأَول والآخِر\" (^١).\nيعني بعمله في الجاهلية والإسلام، وهذا أَظهر من أَن يحتاج إلى بيان.\n* * *\nوإن أَراد هذا القائل أَن من ترك الإصرار على الكبائر وحافظ على الفرائض من غير توبة ولا ندم على ما سلف منه - كُفّرت ذُنوبُه كلها بذلك، واستدل بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (^٢).\nوقال: السيئات تشمل الكبائر والصغائر، فكما أَنَّ الصَّغائرَ تكفَّر باجتناب الكبائر من غير قصد ولا نية فكذلك الكبائر.\nوقد يستدل لذلك بأَن الله وعد المؤمنين والمتقين بالمغفرة وبتكفير السيئات. وهذا مذكور في غير موضع من القرآن، وقد صار هذا من المتقين. فإِنه فعل الفرائض، واجتنب الكبائر، واجتناب الكبائر لا يحتاج إلى نية وقصد؛ فهذا القول يمكن أن يقال في الجملة.\n\n<span data-type='title' id=toc-720>[الصحيح في القولين]:</span>\n• والصحيح قول الجمهور: إِن الكبائر لا تُكَفَّرُ بدون التوبة؛ لأَن التوبة فرض على\n_________\n(^١) ص ١٧ - ١٨.\n(^٢) سورة النساء: ٣١.","vol":"2","page":507},{"text":"العباد، وقد قال ﷿: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (^١).\n• وقد فسَّر الصحابة - كعمر، وعلي، وابن مسعود - التوبة بالندم، ومنهم من فسرها بالعزم على أن لا يعود.\n• وقد روي ذلك مرفوعًا من وجهٍ فيه ضعف، لكن لا يُعلم مخالفٌ من الصحابة في هذا.\n• وكذلك التابعون ومن بعدهم كعمر بن عبد العزيز والحسن وغيرهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-721>[معني ترتب المغفرة على التقوى]:</span>\nوأَما النصوص الكثيرة المتضمنة مغفرة الذنوب، وتكفير السيئات للمتقين، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (^٢).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (^٣) وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (^٤) فإنه لم يبين في هذه الآيات خصال التقوى، ولا العمل الصالح. ومن جملة ذلك التوبة النَّصوح؛ فمن لم يتب فهو ظالم غير متق.\n\n<span data-type='title' id=toc-722>[خصال التقوى منها التوبة]:</span>\n• وقد بين في سورة آل عمران خصال التقوى التي يَغْفِرُ لأَهلها، ويدخلهم الجنة، فذكر منها الاستغفار، وعدم الإصرار؛ فلم يضمن تكفير السيئات، ومغفرة الذنوب، إلا لمن كان على هذه الصفة (^٥) والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-723>[من أدلة أن الكبائر لا تكفر بدون التوبة]:</span>\n• ومما يستدل به على أَن الكبائر لا تكفَّر بدون التوبة منها، أَو العقوبة عليها - حديث عبادة بن الصامت قال: \"كنا عند رسول الله - ﷺ - فقال: \"بايعوني على أَن لا تُشْركوا بالله شيئًا ولا تشرقُوا ولا تَزْنُوا - وقرأ عليهم الآية - فمن وفي منكم فأَجره على الله، ومن أَصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أَصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه، فهو إلى الله إن شاءَ عَذّبه، وإن شاءَ غَفَر له\".\n_________\n(^١) سورة الحجرات: ١١.\n(^٢) سورة الأنفال: ٢٩.\n(^٣) سورة التغابن: ٩.\n(^٤) سورة الطلاق: ٥.\n(^٥) م: \"لمن كانت هذه الصفة له\".","vol":"2","page":508},{"text":"خرجاه في الصحيحين ..\n\n<span data-type='title' id=toc-724>[الحدود كفارة]:</span>\nوفي رواية لمسلم: \"من أَتي منكم حدًّا فأُقيم عليه فهو كفَّارته\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ٢ - كتاب الإيمان: ١١ - باب حدثنا أبو اليمان ١/ ٦٤ ح ١٨ عن أبي اليمان، عن شعيب، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني عن عبادة بن الصامت أن رسول الله - ﷺ - قال: وحوله عصابة من أصحابه: \"بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه\" فبايعناه على ذلك.\nوفي: ٦٣ - كتاب مناقب الأنصار: ٤٣ - باب وفود الأنصار إلى النبي - ﷺ - بمكة وبيعة العقبة ٧/ ٢١٩ ح ٣٨٩٢ عن إسحاق بن منصور، عن يعقوب بن إبراهيم، عن ابن أخي الزهري، عن الزهري - به - وفيه: أن رسول الله - ﷺ - قال وحوله عصابة من أصحابه: \"تعالوا بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا … ولا تعصوني … فستره الله فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه .... \".\nوأخرجه عقب هذه الرواية ح ٣٨٩٣ عن قتيبة، عن الليث بن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن الصنابحي، عن عبادة بن الصامت -﵁- أنه قال: \"إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله - ﷺ -، وقال: \"بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ننتهب ولا نعصي - بالجنة إن فعلنا ذلك، فإن غشينا من ذلك شيئًا كان قضاء ذلك إلى الله\". وفي: ٦٥ - كتاب التفسير: ٦٠ - سورة الممتحنة: ٣/ باب ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ ٨/ ٦٣٧ ح ٤٨٩٤ عن علي بن عبد الله، عن سفيان عن الزهري به أن عبادة بن الصامت -﵁- قال: \"كنا عند النبي - ﷺ - فقال: أتبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا … وقرأ آية النساء، وأكثر لفظ سفيان: قرأ الآية … فعوقب به … ومن أصاب منها شيئًا من ذلك فستره الله فهو إلى الله إن شاء عذبه وإن شاء غفر له\". تابعه عبد الرزاق عن معمر: \"في الآية\".\nوآية النساء هي آية بيعة النساء وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\nوقد أشار البخاري إلى ذلك بحديث ابن عباس في بيعة النساء حيث أورده في هذا الباب عقب حديث عبادة، ثم نص على هذا ابن حجر في الموضع نفسه.\nوهي الآية التي أشار إليها ابن رجب في روايته للحديث حيث جاء فيها قول عبادة: \"وقرأ عليهم الآية\".\nوأخرجه البخاري في: ٨٦ - كتاب الحدود: ٨ - باب الحدود كفارة ١٢/ ٨٤ ح ٦٧٨٤ عن محمد بن يوسف عن ابن عيينة - به - وفيه قول عبادة: كنا عند النبي - ﷺ - في مجلس، فقال: بايعوني … وقرأ هذه الآية كلها … ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه\".\nوالآية هي المصرح بها في الرواية السابقة.\nورواه كذلك في: ١٤ - باب توبة السارق ١٢/ ١٠٨ ح ٦٨٠١ عن عبد الله بن محمد الجعفي، عن هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري - به - وفيه قول عبادة: بايعت رسول الله - ﷺ - في رهط فقال: =","vol":"2","page":509},{"text":"وهذا يدل على أن الحدود كفارات.\n• قال الشافعي -﵁-: لم أَسمع في هذا الباب أَن الحد يكون كفارة لأَهله شيئًا أَحسن من حديث عبادة بن الصامت.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-725>[معنى قوله: فعوقب به]:</span>\nوقوله: \"فعوقب به\" يعم العقوبات الشرعية، وهي الحدود المقدرة أَو غير المقدرة كالتعزيرات، ويشمل العقوبات القدرية كالمصائب والأسقام والآلام (^١)؛ فإِنه صح عن النبي - ﷺ - أَنه قال:\n\"لا يصيب المسلم نَصبٌ ولا وصَبٌ ولا هَمٌّ ولا حَزَنٌ حتى الشوكةِ يُشَاكُها - إِلا\n_________\n= أبايعكم … ولا تعصوني … ومن أصاب من ذلك شيئًا فأخذ به في الدنيا فهو كفارة له وطهور، ومن ستره الله فذلك إلى الله إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له\".\nوفي: ٨٧ - كتاب الديات: ٢ - باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ ١٢/ ١٩٢ ح ٦٨٦٣ عن عبد الله بن يوسف، عن الليث - بإسناده - وفيه قول عبادة: إني من النقباء الذين بايعوا رسول الله - ﷺ -، بايعناه على أن لا نشرك بالله شيئًا … ولا نقتل النفس التي حرم الله، ولا ننتهب ولا نعصي بالجنة … \".\nوفي: ٩٢ - كتاب الفتن: ٢ - باب قول النبي - ﷺ -: \"سترون بعدي أمورًا تنكرونها\" ٥/ ١٣ ح ٧٠٥٥ عن إسماعيل عن ابن وهب عن عمرة، عن بكير، عن بسر بن سعيد، عن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، قلنا: أصلحك الله، حدث بحديث ينفعك الله به، سمعتَه من النبي - ﷺ -، قال: \"دعانا النبي - ﷺ - فبايعناه\".\nوفي ٩٣ - كتاب الأحكام: ٤٩ - باب بيعة النساء رواه ابن عباس عن النبي - ﷺ - من رواية أبي اليمان عن شعيب، والليث عن يونس كلاهما عن ابن شهاب به وفيه قول عبادة: قال لنا رسول الله - ﷺ - ونحن في مجلس -: تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا … إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه .... \".\nوفي: ٩٧ - كتاب التوحيد: ٣١ - باب المشيئة والإرادة ١٣/ ٤٤٦ ح ٧٤٦٨ من رواية عبد الله المسندي، عن هشام بن يوسف، بإسناده - بمثل حديثه .. وفيه: \"فهو له كفارة وطهور … \".\nومسلم في: ٢٩ - كتاب الحدود ١٠ - باب الحدود كفارة لأهلها ٣/ ١٣٣٣ - ١٣٣٤. ح ١٧٠٩ = ٤٤٠٤١ من طرق عن عبادة بن الصامت وفيها، فتلا علينا آية النساء: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية [٦٠ / الممتحنة / ١٢]: \"أخذ علينا رسول الله - ﷺ - كما أخذ على النساء: أن لا نشرك بالله شيئًا … ولا نقتل أولادنا ولا يعضه بعضنا بعضًا فمن وفي منكم فأجره على الله ومن أتي منكم حدًّا فأقيم عليه فهو كفارته، ومن ستره الله عليه فأمره إلى الله … \":\n* .. ولا ننتهب ولا نعصي، فالجنة إن فعلنا ذلك فإن غشينا من ذلك شيئًا كان قضاء ذلك إلى الله\". وقال ابن رمح: \"كان قضاؤه إلى الله\".\n(^١) لمحة ذكية من ابن رجب!.","vol":"2","page":510},{"text":"كفَّر الله بها من خطاياه\" (^١).\nوروي عن علي ﵁: أَن الحد كفارة لمن أُقيم عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-726>[وفي ذلك خلاف]:</span>\n• وذكر ابن جرير الطبري في هذه المسأَلة اختلافًا بين الناس، ورجح أَن إِقامة الحد بمجرده كفارة، ووهن القول بخلاف ذلك جدًّا.\nقلت: وقد روي عن سعيد بن المسيب، وصفوان بن سُلَيم: أَن إِقامة الحد ليس بكفارة ولا بُدَّ معه من التوبة. ورجحه طائفة من المتأَخرين منهِم: البغوي، وأَبو عبد الله بن تيمية في تفسيريهما، وهو قول ابن حزم الظاهري. والأوّل قول مجاهد، وزيد ابن أَسلم، والثوري، وأَحمد.\n\n<span data-type='title' id=toc-727>[حديث أبي هريرة: \"لا أدري الحدود طهارة لأهلها أم لا؟</span> \"]:\nوأَما حديث أَبي هريرة المرفوع: \"لا أدري: الحدود طهارة لأَهلها أَم لا؟ \" فقد خرجه الحاكم (^٢) وغيره، وأَعَلَّه البخاري (^٣)، وقال: لا يثبت، وإنما هو من مراسيل الزهري، وهي ضعيفة، وغلط (^٤) عبد الرزاق فوصله (^٥).\nقال: وقد صح عن النبي - ﷺ -: أَن الحدود كفارة (^٦).\n_________\n(^١) راجع في هذا ما رواه مسلم في صحيحه: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب: ١٤ - باب ثواب المؤمن فيما يصيبه مرض مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها ٤/ ١٩٩٠ - ١٩٩٣ من أحاديث عائشة وعبد الله بن مسعود، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله ﵃.\nوالبخاري في ٧٥ - كتاب المرضى: ١ - باب كفارة المرض وقول الله تعالى: ﴿من يعمل سوءا يجز به﴾ ١٠/ ١٠٣ من أحاديث عائشة وأبي سعيد، وأبي هريرة ح ٥٦٤٠، ٥٦٤١، ٥٦٤٢.\nو: ٢ - باب شدة المرض ١٠/ ١١٠ ح ٥٦٤٦، ٥٦٤٧.\nو: ٣ - باب أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ١٠/ ١١١ ح ٥٦٤٨ من أحاديث عائشة، وعبد الله بن مسعود.\n(^٢) في المستدرك ١/ ٣٦ جزء حديث وقد صححه على شرط الشيخين وقال: لا أعم له علة ووافقه الذهبي وكذا أخرجه في ٢/ ٤١، ٤٥٠.\n(^٣) التاريخ الكبير ١/ ١/ ١٥٣.\n(^٤) وأورده عنه ابن كثير في البداية والنهاية ٢/ ١٠٣ وحكم بغرابته.\n(^٥) ذكر ابن حجر في الفتح ١٢/ ٨٤ أن سند حديث عبادة أصح وأن حديث أبي هريرة كان قبل أن يعلم - ﷺ - أن الحدود كفارة، ثم أعلم فقال ما رواه عبادة، قال؛ وبهذا جزم ابن التين وهو المعتمد.\nهذا بالإضافة إلى ما ذكره ابن رجب عن درجة الحديث.\n(^٦) ب: \"كفارات\" وقد سبق ما رواه البخاري ومسلم في ذلك.","vol":"2","page":511},{"text":"<span data-type='title' id=toc-728>[ومن أدلة أن الحد ليس بكفارة]:</span>\nومما يَستدل به من قال إن الحد ليس بكفارة قوله تعالى في المحاربين: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ (^١).\nوظاهره أَنه يجتمع لهم عقوبة الدنيا والآخرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-729>[ويجاب عنه]:</span>\nويجاب عنه بأَنه ذكر عقوبتهم في (^٢) الدنيا وعقوبتهم في الآخرة، ولا يلزم اجتماعهما.\nوأَما استثناءُ من تاب فإِنما استثناه من عقوبة الدنيا خاصة فإِن عقوبة الآخرة تسقط بالتوبة قبل القدرة ولعدها.\n\n<span data-type='title' id=toc-730>[ومن أصاب من ذلك شيئًا]:</span>\n• وقوله - ﷺ -: \"ومن أَصاب شيئًا من ذلك. فستره الله عليه، فهو إِلى الله إِن شاءَ عذبه، وإِن شاءَ غفر له\" (^٣)، صريحٌ في أَن هذه الكبائر من لقي الله بها كانت تحت مشيئته.\nوهذا يدل على أَن إِقامة الفرائض لا تكفرها ولا تمحوها؛ فإن عموم المسلمين يحافظون على الفرائض، لا سيما من بَايعهم النبي - ﷺ -.\nوخرج من ذلك مَن لقي الله وقد تاب عنها، بالنصوص الدالة من الكتاب والسنة على أن من تاب إِلى الله تاب الله عليه، وغفر له فبقي من لما يتب داخلًا تحت المشيئة.\n\n<span data-type='title' id=toc-731>[ومن أدلة أن الكبائر لا تكفرها الأعمال]:</span>\n• وأَيضًا فيدل على أَن الكبائر لا تكفّرها الأَعمال: أَن الله لم يجعل للكبائر في الدنيا كفارة واجبة، وإِنما جعل الكفارة للصغائر، ككفارة وطء الظاهر، ووطء المرأة في الحيض، على حديث ابن عباس الذي ذهب إليه الإمام أَحمد وغيره (^٤)، وكفارة من\n_________\n(^١) سورة المائدة: ٣٣، ٣٤.\n(^٢) في ب. \"ذكر عقوبتهما في الآخرة\".\n(^٣) هذا الإيراد من ابن رجب يوهم أنه قد سبق له أن أورد هذه الرواية بينما أورد رواية أخرى وأشرنا نحن إلى هذه الرواية عند تخريج الحديث وهي التي أخرجها البخاري في التفسير.\n(^٤) أورد السيوطي في الدر المنثور ١/ ٢٦٠ عن ابن أبي شيبة وأحمد وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - في الذي يأتي امرأته وهي حائض قال يتصدق بدينار=","vol":"2","page":512},{"text":"ترك شيئًا من واجبات الحج وارتكب بعض محظوراته، وهي أَربعة أَجناس: هَدْي، وعِتْقٌ، وصدقةٌ، وصيامٌ؛ ولهذا لا تجب الكفارة في قتل العمد عند جمهور العلماءِ، ولا في اليمين الغموس أيضًا عند أَكثرهم، وِإنما يؤمر القاتل بعتق رقبة استحبابًا كما في حديث واثلة بن الأسقع أَنهم جاءوا إلى النبي - ﷺ - في صاحب لهم قد أَوْجَبَ فقال: \"أَعتِقوا عنه رقبة يعتقه الله بها من النار (^١) \".\nومعنى أَوْجَبَ: عَمل عَمَلًا يجب له به النار، ويقال: إِنه كان قتل قتيلًا.\n• وفي صحيح مسلم عن ابن عمر: أَنه ضرب عبدًا له فأَعتقه، وقال: ليس لي فيه من الأجر مثل هذا - وأَخذ عودًا من الأرض - إني سمعت النبي - ﷺ - يقول.\n_________\n= أو بنصف دينار.\nوأورد عن أبي داود والحاكم عن ابن عباس قال: إذا أصابها في الدم فدينار، وإذا أصابها في انقطاع الدم فنصف دينار.\nوأورد عن الترمذي عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: إذا كان دمًا أحمر فدينار وإذ كان دمًا أصفر فنصف دينار.\nوعن أبي داود عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - أمره أن يتصدق بخمسي دينار.\nوأخرج الطبراني عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أصبت امرأتي وهي حائض؟ فأمره رسول الله - ﷺ - أن يعتق نسمة\" وقيمة النسمة يومئذ دينار.\nوأورد السيوطي في الدر المنثور كذلك ٦/ ١٨٣ عن البزار والحاكم والطبراني وابن مردويه والبيهقي عن ابن عباس قال: أتى رجل النبي - ﷺ - فقال: إني ظاهرت من امرأتي فرأيت بياض خلخالها في ضوء القمر، فأعجبتني فوقعت عليها قبل أن أكفِّر؟ فقال النبي - ﷺ -: ألم يقل الله: ﴿من قبل أن يتماسا﴾؟ قال: قد فعلت يا رسول الله! قال: أمسك حتى تكفر.\nوعن عبد الرزاق وأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي بنحوه وفيه أن النبي - ﷺ - قال: \"فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله\".\nوهي عند الترمذي من حديث الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رجلًا أتى النبي - ﷺ -، قد ظاهر من امرأته فوقع عليها فقال: يا رسول الله! إني قد ظاهرت من زوجتي فوقعت عليها قبل أن أكفر. قال: \"وما حملك على ذاك يرحمك الله؟ \" قال: رأيت خلخالها في ضوء القمر. صال: \"فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به\".\nوقد عقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب صحيح.\n(^١) أخرجه أبو داود في كتاب العتق: باب ثواب العتق ٢/ ٣٥٤ من حديث واثلة قال: أتينا رسول الله - ﷺ - في صاحب لنا أوجب - يعني النار - بالقتل فقال: \"أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار\" وهو عند أحمد في المسند ٣/ ٤٩٠ - ٤٩١ و٤/ ١٠٧ بنحوه وأورده الحاكم في المستدرك ٢/ ٢١٢ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي، وانظر الفتح الرباني ١٤/ ١٤٠ - ١٤١.","vol":"2","page":513},{"text":"\"مَنْ لَطَمَ مَمْلوكَه أَو ضَرَبَهُ فإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَن يُعْتِقَهُ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-732>[هل كفارة المجامع في رمضان للفطر وهو من الكبائر؟]:</span>\nفإن قيل: فالمجامع في رمضان يؤمر بالكفارة. والفطرُ في رمضان من الكبائر؟.\nقيل: ليست الكفارة للفطر، ولهذا لا تجب عند الأَكثرين على كل مفطر في رمضان عمدا، وإِنما هي لهتك حرمة نهار رمضان بالجماع، ولهذا لو كان مفطرًا فطرًا لا يجوز له في نهار رمضان ثم جامع لزمته الكفارة عند الإِمام أَحمد لما ذكرنا.\n\n<span data-type='title' id=toc-733>[الكفارات مختصة بالصغائر]:</span>\n• ومما يدل على أَن تكفير الواجبات مختص بالصغائر ما خرجه البخاري عن حذيفة قال: بينما نحن جلوس عند عمر إذ قال: \"أَيكم يحفظ قول رسول الله - ﷺ - في الفتنة؟ قال: قلت: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره: تكفرها الصلاة والصدقة والأَمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قال: ليس عن هذا أَسأَلُكَ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان: باب صحبة المماليك ٣/ ١٢٧٨ ح ٢٩ - (١٦٥٧).\n(^٢) أخرجه البخاري في: ٩ - كتاب مواقيت الصلاة: ٤ - باب الصلاة كفارة ٢/ ٨ ح ٥٢٥ من رواية مسدد، عن يحيى، عن الأعمش، عن شفيق، عن حذيفة قال: \"كنا جلوسًا عند عمر ﵁ فقال: أيكم يحفظ قول رسول الله - ﷺ - في الفتنة؟ قلت: أنا كما قاله. قال: إنك عليه أو عليها لجريء، قلت: \"فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والأمر والنهي\" قال: ليس هذا أريد، ولكن الفتنة التي تموج كما يموج البحر. قال: ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين؟! إن بينك وبينها بابًا مغلقًا؟ قال: أيكسر أم يفتح؟ قال: يكسر؟ قال: إذًا لا يغلق أبدًا. قلنا أكان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم، كما أن دون الغد الليلة، إني حدثته بحديث ليس بالأغاليط، فهبنا أن نسأل حذيفة فأمرنا مسروقًا فسأله، فقال: الباب عمر\". وفي: ٢٤ - كتاب الزكاة: ٢٣ - باب الصدقة تكفر الخطيئة ٣/ ٣٠١ ح ١٤٣٥ من رواية قتيبة، عن جرير، عن الأعمش به وفيه: أيكم يحفظ حديث رسول الله - ﷺ - عن الفتنة؟ فال: قلت أنا أحفظه كما قال، قال: إنك عليه لجريء فكيف قال؟ قلت فتنة الرجل في أهله وولده وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والمعروف قال سليمان: قد كان يقول: الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قال: ليس هذه أريد، ولكني أريد التي تموج كموج البحر، قال: قلت: ليس عليك بها يا أمير المؤمنين بأس بينك وبينها باب مغلق. قال فيكسر الباب أو يفتح؟ قال: قلت: لا بل يكسر قال: فإنه إذا كسر لم يغلق أبدًا. قال: قلت: أجل! قال: فهبنا أن نسأله من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله قال: فسأله فقال: عمر ﵁ قال: قلنا: فعلم عمر مَن تعنى؟ قال: نعم كما أن دون غد ليلة، وذلك أني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط\".\nوواضح أن هذه الرواية وضحت كثيرًا من النقاط في الرواية الأولى أحْوجَ ما تكون إلى التوضيح.\nوأخرجه في: ٣ - كتاب الصوم: ٣ - باب الصوم كفارة ٤/ ١١٠ ح ١٨٩٥ من رواية علي بن عبد الله، عن سفيان، عن جامع عن أبي وائل - به مختصرًا - وفيه قول عمر: \"ذاك أجدر أن لا يغلق إلى يوم القيامة\". وفي: ٦١ - كتاب المناقب: ٢٥ - باب علامات النبوة ٦/ ٦٠٣ - ٦٠٤ ح ٣٥٨٦ عن محمد بن بشار عن ابن أبي =","vol":"2","page":514},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عدي وبشر بن خالد عن محمد بن جعفر كلاهما عن شعبة، بإسناده وفيه قول عمر لحذيفة: هات إنك لجريء وقول حذيفة: قال رسول الله - ﷺ -: فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصدقة. . . بنحو الرواية الثانية التي أوردها في الزكاة.\nوفي ٩٢ - كتاب الفتن: ١٧ - باب الفتنة التي تموج كموج البحر ١٣/ ٤٨ ح ٧٠٩٦ من رواية عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه عن الأعمش بإسناده وفيه: فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره يكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. . . الحديث بنحو ما تقدم.\nوقد أورد ابن حجر في علامات النبوة تعليقًا على الحديث عن بعض الشراح قوله: يحتمل أن يكون كل واحد من الصلاة وما معها مكفرة للمذكورات كلها لا لكل واحدة منها، وأن يكون من باب اللف والنشر بأن [تكون] الصلاة مثلًا - مكفرة للفتنة في الأهل والصوم في الولد إلخ، والمراد بالفتنة ما يعرض للإنسان مع ما ذكر من البشر أَو الالتهاء بهم، أو أن يأتي لأجْلهم بما لا يحل له أو يُخِل بما يجب عليه، ثم قال ابن حجر: واستشكل ابن أبي جمرة وقوع التكفير بالمذكورات للوقوع في المحرمات أو الإخلال بالواجب؛ لأن الطاعات لا تسقط ذلك والجراب التزام الأول [أي أن يكون التكفير بالمذكورات لإحداث محرم أو الإخلال بواجب] وأن الممتنع من تكفير المذكورات لوقوع المحرم أو إخلال العبد بواجب ما كان [من ذلك في إطار] كبيرة فهي التي فيها النزاع [أي كما حكى ابن رجب] قال ابن حجر: وأما الصغائر فلا نزاع أنها تكفر [بذلك] لقوله تعالى: ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ الآية ا هـ.\nإذن هناك سيئات تكفر إذا اجتنبت الكبائر ولا يتصور أن تكون هذه السيئات هي الكبائر فقد اشترط أن تجتنب، وقد رتب المولى على اجتنابها تكفير هذا النوع من السيئات الذي لا يمكن أن يكون في مقابل الكبائر إلا الصغائر. ولقد نقل ابن حجر - كذلك قول الزين بن المنير - وسنرى فيه تصورا للسيئات التي تكفرها تلك الطاعات، والتي تعتبر نموذجًا لما يمكن أن يطلق عليه أنه غير كبيرة، وأنَّه سيئة يشملها وعد الله في تلك الآية الكريمة ﴿نكفر عنكم سيئاتكم﴾.\nقال ابن المنير: الفتنة بالأهل تقع بالميل إليهن، أو عليهن في القسمة، والإيثار حتى في أولادهن، ومن جهة التفريط في الحقوق الواجبة لهن.\nوبالمال يقع الاشتغال به عن العبادة أو بحبسه عن إخراج حق الله [لعله يقصد التسويف في إعطاء هذا الحق].\nوالفتنة بالأولاد تقع بالميل الطبيعي إلى الولد، وإيثاره على كل أحد.\nوالفتنة بالجار تقع بالحسد والمفاخرة والمزاحمة في الحقوق وإهمال التعاهد.\nثم قال: وأسباب الفتنة بمن ذكر غبر منحصرة فيما ذكرت من الأمثلة.\nوأما تخصيص الصلاة وما ذكر معها بالتكفير دون سائر العبادات ففيه إشارة إلي تعظيم قدرها، لا نفي أن غيرها من الحسنات ليس يها صلاحية التكفير.\nثم إن التكفير المذكور يحتمل أن يقع بنفس فعل الحسنات المذكورة ويحتمل أن يقع بالموازنة والأول أظهر. وقال ابن أبي جمرة: خص الرجل بالذكر لأنَّه في الغالب صاحب الحكم في داره وأهله وإلا فالنساء شقائق الرجال في الحكم، ثم أشار إلى أن التكفير لا يختص بالأربع المذكورات بل نبه بها على ما عداها - والضابط أن كل ما يشغل صاحبه عن الله فهو فتنة له وكذلك المكفرات لا تختص بما ذكر بل نبه به على ما عداها فذكر من عبادة الأفعال: الصلاة والصيام، ومن عبادة المال: الصدقة، ومن عبادة الأقوال: الأمر بالمعروف أي والنهي عن المنكر.\nوبهذا يلتقي ابن حجر وابن رجب إلى حد بعيد في هذه القضية.","vol":"2","page":515},{"text":"• وخرجه مسلم (^١) بمعناه.\nوظاهر هذا السياق يقتضي رفعه.\n_________\n(^١) خرجه مسلم في: ١ - كتاب الإيمان: ٦٥ - باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا وأنَّه يأرز بين المسجدين ١/ ١٢٨ - ١٣٠ ح ٢٣١ - (١٤٤) من رواية محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبي خالد: سليمان بن حيان، عن سعد بن طارق، عن ربعي، عن حذيفة قال: كنا عند عمر فقال: أيُّكم سمع رسول الله - ﷺ - يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل! قال: تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة، ولكن أيكم سمع النبي - ﷺ - يذكر الفن التي تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم. فقلت: أنا. قال: أنت لله أبوك! قال حذيفة: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودًا عودًا فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربادًا كالكوز مُجَخِّيًا لا يعرف معروفًا، ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه\"،\nقال حذيفة: وحدثته أن بينك وبينها بابًا مغلقًا يوشك أن يكسر. قال عمر: اكسرا لا أبالك؟! فلو أنه فتح فلعله كان يعاد؟ قلت: لا بل يكسر، وحدثته أن ذلك الباب رجل يقتل أو يموت حديثًا ليس بالأغاليط.\nوقوله: إن بينك وبينها بابًا معناه أن تلك الفتن وما يحدث من صراع على الدنيا والسلطة لا يكون منها شيء في حياتك. ومعنى هذا أَن الحائل بين الفتن والإسلام عمر ﵁ وهو الباب فما دام حيًّا لا تدخل الفتن فإذا انكسر الباب بموته أو قتله اشتعلت الفتن وكذلك كان ولا حول ولا قوة إلا بالله.\nوهذه الرواية هي التي يرويها مسلم بمعنى ما روى البخاري من تلك الطرق العديدة في صحيحه وسيقول ابن رجب بعد كلمات: وفي رواية لمسلم إن هذا من كلام عمر.\nويتبادر إلى الذهن أن هذه الرواية الثانية غير الأولى بينما هي هي: فهي التي فيها قول عمر: \"لعلكم تعنون فتنة الرجل في أهله وجاره؟ \" قالوا: أجل! قال: \"تلك تكفرها الصلاة والصيام والصدقة - ولكن أيكم سمع النبي - ﷺ - يذكر الفتن. . .. الحديث\".\nوقد روى مسلم في صحيحه: ٥٢ - كتاب الفتن: ٧ - باب الفتنة التي تموج كموج البحر ٤/ ٢٢١٨، ح ٢٦ (١٤٤) هذا الحديث لكن من رواية الأعمش عن شقيق عن حذيفة وبلفظ مقارب مرفوعًا غير موقوف على عمر قال حذيفة: كنا عند عمر عقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله - ﷺ - في الفتنة كما قال؟ قال فقلت: أنا. قال: إنك لجريء وكيف قال؟ قال: قلت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وولده وجاره يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقال عمر: ليس هذا أريد إنما أريد التي تموج كموج البحر. قال فقلت: مالك ولها؟ يا أمير المؤمنين! إن بينك وبينها بابًا مغلقًا. قال: أفيكسر الباب أم يفتح؟ قال: قلت: لا بل يكسر قال: ذلك أحرى أن لا يغلق أبدًا.\nقال: فقلنا لحذيفة: هل كان عمر يعلم من الباب؟ قال: نعم. كما يعلم أن دون غد الليلة.\nإني حدثته حديثًا ليس بالأغاليط.\nقال: فهبنا أن نسأل حذيفة: من الباب فقلنا لمسروق: سله فسأله فقال: عمر\".\nفهذا ليس من الرواية بالمعنى وإنما هو بلفظ مقارب بدليل أن بين الحديثين تماثلًا في كثير من الألفاظ مع زيادة بعض الكلمات في مسلم كلفظ: \"ونفسه\" و\"كيف\" وزيادة بعض الكلمات في البخاري كقولهم: فعلم عمر من تعني؟ بيد أن الألفاظ في الجملة متقاربة ورواية كتاب الإيمان هي التي جاءت بمعنى ما جاء في البخاري مع فرق آخر هو ما فيها من الموقوف على عمر وإن كان في حكم المرفوع.\nولقد كانت عبارة ابن رجب موهمة؛ فلزم الإِيضاح.","vol":"2","page":516},{"text":"• وفي رواية للبخاري أَن حذيفة قال: سمعته يقول: فتنة الرجل، فذكره (^١) وهذا كالصريح في رفعه.\nوفي رواية لمسلم أَن هذا من كلام عمر (^٢).\nوأما قول النبي - ﷺ - للذي قال له: أَصَبتُ حدًّا فأَقمه عليَّ فتركه حتى صلى ثم قال له: \"إِن الله غفر لك حدك\" فليس صريحًا في أَن المراد به شيء من الكبائر؛ لأن حدود الله محارمه، كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (^٣).\nوقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ (^٤).\nوقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (^٥).\n• وفي حديث [النواس بن سمعان] (^٦) عن النبي - ﷺ - في ضرب مثل الإسلام\n_________\n(^١) هي الرواية التي أخرجها البخاري في الصوم وأشرنا أنها مختصرة من حديث جامع عن أبي وائل، عن حذيفة قال: قال عمر ﵁:\n\"من يحفظ حديثًا عن النبي - ﷺ - في الفتنة؟ \" قال: حذيفة: أنا سمعته يقول: فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصيام والصدقة. . . الحديث.\n(^٢) قد عرفت أنها الرواية التي رواها مسلم في كتاب الإيمان وسقناها لك بتمامها.\n(^٣) سورة الطلاق: ١ - والحديث متفق عليه تقدم تخريجه ص ٤٩٤، ٤٩٥.\n(^٤) سورة البقرة: ٢٢٩.\n(^٥) سورة النساء: ١٣ - ١٤.\n(^٦) عاد الخطأ مرة أخرى، فجميع النسخ الخطية والمطبوعة حتى النسخة التي مهرها المؤلف بتوقيعه تذكر هنا: العرباض بن سارية بينما هو النواس بن سمعان.\nوالحديث بتمامه في مسند أحمد ٤/ ١٨٢ (الحلبي) من طريق الحسن بن سوار عن ليث بن سعد، عن معاوية ابن صالح عن عبد الرحمن بن جبير عن أبيه عن النواس بن سمعان عن رسول الله - ﷺ - قال: \"ضرب الله مثلًا: صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتي الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع يقول: ياأيها الناس ادخلوا الصراط جميعًا ولا تتفرجوا، وداع يدعو من جوف الصراط، فإذا أراد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك لا تفتحه. فإنك إن تفتحه تلجه، والصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله تعالى، والأبواب المفتحة محارم الله تعالى وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله ﷿، والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم\".\nوالحديث عند الحاكم في المستدرك ١/ ٧٣ وقد صححه على شرط مسلم.\nوأقره الذهبي، وعنده: \"اسلكوا الصراط جميعًا ولا تعوجوا\" وفي التيسير ٢/ ١١٠ وصحيح الجامع الصغير وزيادته: \"لا تتعوجوا\" وشرحها المناوي لقوله: \"لا تميلوا\".\nوفي النهاية (٣/ ٣١٥): عاج بالمكان وعوج أي أقام، وقيل عاج به أي عطف إليه، ومال، وألم به، ومر عليه. وعاجه يعوجه، إذا عطفه، يتعدى ولا يتعدى.","vol":"2","page":517},{"text":"بالصراط المستقيم الذي على جَنْبَتَيْهِ سوران، قال: والسوران حدود الله.\nوقد سبق ذكره بتمامه (^١) فكل من أَصاب شيئًا من محارم الله فقد أَصاب حدوده، وركبها وتعدي بها.\nوعلى تقدير أن يكون الحد الذي أَصابه كبيرة فهذا الرجل جاءَ نادما تائبًا، وأسلم نفسه إلى إقامة الحد عليه، والندم توبة، والتوبة تكفر الكبائر بغير تردد (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-734>[ما ورد عن تكفير الكبائر ببعض الأعمال]:</span>\nوقد روي ما يستدل به على أَن الكبائر تكفَّر ببعض الأَعمال الصالحة. فخرج (^٣) الإمام أحمد والترمذي من حديث ابن عمر ﵄ أَن رجلا أَتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إِني أَصبت ذنبا عظيما فهل لي من توبة؟ قال: هل لك من أُمّ؟ قال: لا. قال: \"هل لك من خالة؟ \" قال: نعم. قال: \"فبرها\".\n• وخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم وقال: على شرط الشيخين (^٤) لكن خرجه الترمذي من وجه آخر مرسلًا، وذكر أَن المرسل أَصح من الموصول. وكذا قال\n_________\n(^١) ص ١٠٤.\n(^٢) إذا كانت توبة نصوحا، وبشرائطها.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٢٨٤ (المعارف) بإسناد صحيح - كما ذكر محققه - روايته عن أبي معاوية، عن معاوية، عن محمد بن سوقة، عن أبي بكر بن حفص، عن ابن عمر قال: أتى رسولَ الله - ﷺ - رجل فقال: يا رسول الله! أذنبت ذنبًا كبيرًا فهل لي توبة؟ فقال له رسول الله - ﷺ -: ألك والدان؟ قال: لا، قال فلك خالة؟ قال: نعم، فقال رسول الله - ﷺ -: \"فبرَّها إذا\".\nورواه الترمذي في: ٢٨ - كتاب البر والصلة: ٦ - باب ما جاء في الخالة ٣/ ١١٧ - ١١٨ (من تحفة الأحوذي) رواية عن أبي كريب عن أبي معاوية - له - موصولًا: أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إني أصبت ذنبًا عظيمًا فهل لي توبة؟ قال: هل لك من أم؟ قال: لا. قال: هل لك من خالة؟ قال: نعم. قال: \"فبرها\".\nفاللفظ الذي ساقه ابن رجب هو لفظ الترمذي بزيادة: \"من\" في قوله: \"فهل لي من توبة؟ \".\nبيد أن هذه الرواية لم تثبت في طبعة الحلبي بتحقيق الشيخ إبراهيم عطوة مع التخليط في إسناد الحديث التالي!.\n(^٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه: باب حق الوالدين: ذكر استحباب بر المرء خالته إذا لم يكن له والدان ١/ ٣٣٠ ح ٤٣٦ من الإحسان رواية عن محمد بن عمر عن يعقوب الدورقي، عن أبي معاوية - به - بلفظ أحمد إلا أن فيه: \"إني أذنبت\".\nوالحاكم في المستدرك ٤/ ١٥٥ من حديث أبي معاوية كذلك، وبلفظ ابن حبان وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبي، وأضاف: سمعه منه أبو معاوية - أي سمعه من محمد بن سوقة؛ حيث قال: حدثنا.","vol":"2","page":518},{"text":"علي بن المديني والدارقطني (^١).\n• وروي عن عمر أن رجلا قال له! قتلتُ نفسا؟ قال: \"أُمك حية؟ \" قال: لا قال: فأَبوك؟ قال: نعم. قال: \"فبره وأَحسن إليه\" ثم قال عمر: \"لو كانت أُمُّهُ حية فَبَرَّها وأَحسَنَ إليها رجوت أَن لا تَطْعَمُه النار أبدًا\".\n• وعن ابن عباس بمعناه أَيضًا (^٢).\n• وكذلك المرأة التي عملت بالسحر بدُومة الجندل (^٣) وقدمت المدينة تسأل عن توبتها فوجدت النبي - ﷺ - قد توفي فقال لها أصحابه: \"لو كان أبواك حيين أو أحدهما كانا يكفيانك\".\n• خرجه الحاكم وقال: فيه إجماع الصحابة حدثان وفاة الرسول - ﷺ - على أَن الأَبوين يكفيانها (^٤).\n_________\n(^١) لم يرتض هذا الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على رواية المسند لهذا الحديث وقال عن الترمذي: هكذا يعلل الموصول بالمرسل. لماذا؟ لا ندري! الوصل زيادة ثقة، وقد صرح أبو معاوية هنا في المسند وعند الحاكم [وعند ابن حبان أيضًا] بسماعه من محمد بن سوقة، والراوي قد يصل الحديث، وقد يرسله، كما ثبت ذلك في كثير من الحديث ولا نعلل الموصول بالمرسل إلا أن يظهر خطأ من وصله،\nأقول: ولم يعلق المباركفوري على تعقيب الترمذي، وقد روى الترمذي الرواية المرسلة عقب الرواية الموصُولة من طريق ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة عن محمد بن سوقة عن أبي بكر بن حفص عن النبي - ﷺ - نحوه، ولم يذكر فيه عن ابن عمر، ثم قال: وهذا أصح من حديث أبي معاوية.\nأما فيما يتعلق بالاستشهاد بالحديث على أن بعض الكبائر قد تكفر ببعض الأعمال الصالحة كما ذكر ابن رجب أن ذلك هو اتجاه بعض العلماء فقد نقل المباركفوري عن الطيبي قوله: يجوز أنه أراد عظيمًا عندي؛ لأن عصيان الله تعالى عظيم، وإن كان الذنب صغيرًا ويجوز أن يكون ذنبه كان عظيمًا من الكبائر وإن هذا النوع من البر يكون مكفرًا له، وكان مخصوصًا بهذا الرجل، علمه النبي - ﷺ - من طريق الوحى. وانظره بنصه في شرح المشكاة للطيبي ٩/ ١٦٠ - ١٦١.\n(^٢) حديث ابن عباس عند البخاري في الأدب المفرد ١/ ٤٥ - ٤٦ ح ٤ بسياقه كاملا.\n(^٣) دومة الجندل، قال الجوهري - في الصحاح ٥/ ١٩٢٣: هي اسم حصن، وأصحاب اللغة يقولونه بضم الدال وأصحاب الحديث يفتحونها. وقد ضبطت في ظ، د بالفتح.\n(^٤) قصة هذه المرأة أخرجها الحاكم في المستدرك ٤/ ١٥٥ - ١٥٦ رواية عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام ابن عروة، عن أبيه عن عائشة ﵂ أنها قالت:\nقدمت امرأة من أهل دومة الجندل - عليّ - جاءت تبتغي رسول الله - ﷺ - - بعد موته، حداثة ذلك تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر لم تعمل به، قالت عائشة لعروة: يا ابن أختي! فرأيتها تبكي حين لم تجد رسول الله - ﷺ - فيشفيها حتى إني لأرحمها وهي تقول: إني لأخاف أن أكون قد ملكت، كان لي زوج فغاب عني، فدخلت على عجوز فشكوت إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك فلعله يأتيك، فلما أن كان الليل جاءتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر فلم يكن مكثي حتى وقفنا ببابل فإذا أنا برجلين معلقين=","vol":"2","page":519},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n=بأرجلهما، فقالا: ما جاء بك؟ فقلت: أتعلم السحر، فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي، فأبيت، وقلت: لا، قالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت وفزعت فلم أفعل، فرجعت إليهما، فقالا لي فعلت؟ قلت: نعم، قالا: هل رأيت شيئًا؟ فقلت: لم أر شيئًا؟ فقالا: لم تفعلي. ارجعي إلى بلادك ولا تكفري فأبيت، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت فاقشعر جلدي وخفت ثم رجعت إليهما، فقالا: ما رأيت؟ فقلت: لم أر شيئًا فقالا: كذبت لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك ولا تكفري فإنك على رأس أمرك، فأبيت، فقالا: اذهبي إلى ذلك التنور فبولي فيه، فذهبت فبلت فيه فرأيت فارسًا متقنعًا بحديد خرج مني حتى ذهب في السماء فغاب عني حتى ما أراه. فأتيتهما فقلت: قد فعلت!؟؛ فقالا: فما رأيت؟ قلت: رأيت فارسًا متقنعًا بحديد خرج مني فذهب في السماء فغاب عني حتى ما أرى شيئًا، قالا: صدقت. ذلك إيمانك خرج منك، اذهبي، فقلت للمرأة: والله ما أعلم شيئًا وما قالا لي شيئًا، فقالا: بلى! أن تريدين شيئًا إلا كان، خذي هذا القمع فابذري فبذرت فقلت: اطلعي فطلعت، وقلت: احقلي، فحقلت، ثم قلت: افرخي فأفرخت [أفرخ الزرع: تهيأ للانشقاق] ثم قلت: ايبسي فيبست، ثم قلت: اطحني فطحنت. ثم قلت: اخبزي فخبزت، فلما رأيت أني لا أريد شيئًا إلا كان سقط في يدي، وندمت والله يا أم المؤمنين ما فعلت شيئًا قط ولا أفعله أبدًا، فسألت أصحاب رسول الله - ﷺ - حداثة وفاة رسول الله - ﷺ - وهم يومئذ متوافرون فما دروا ما يقولون لها، وكلهم هاب وخاف أن يفتيها بما لا يعلم، إِلا أنهم قالوا: لو كان أبواك حيين أو أحدهما لكانا يكفيانك.\nوقد صححه الحاكم على شرط الشيخين وعقب عليه بما أورده عنه ابن رجب وقد أقره الذهبي.\nوبعد إيراد هذه الرواية فنحن لا نرى فيها دليلًا على أن الكبائر تكفر بفعل الطاعات كبر الوالدين.\nفأما أولا فلأنها لم تتعاط السحر، ولم تمتهن عمله، ولم تتخذه لنفسها حرفة.\nلقد خاضت التجربة! نعم! بيد أنها لم تحترف ولم تعمل لأحد منه شيئًا.\nومن هنا فلسنا مع ابن رجب ﵀ حين يقول: \"وكذلك المرأة التي عملت بالسحر\".\nولقد رأينا أنها وجلت حين خاضت التجربة، فلما أفزعها الأمر رحلت نادمة تائبة تبحث عن حسنة تعملها تذهب بها هذه السيئة التي كانت أشبه ببحث عن وسيلة تستعيد بها زوجها الذي فقدته منها بتعاطي السحر كحرفة تتعامل بها مع الناس ونحن لا نناقش الرواية، ولا نحلل عناصرها، ولا نقول بقبول هذه العناصر، وإنما نقف فقط عندما يفرض علينا سياق ابن رجب لها كدليل يتجه إلى الاستدلال به بعض من يذهب إلى أن الكبائر تكفر بالطاعات ونحن مع ابن رجب فيما سيذهب إليه من رفض هذا الاتجاه بيد أننا لسنا معه: أن المرأة عملت بالسحر والأحرى أن نقول إن المرأة طلبت من غيرها أن يعمل لها عملًا لا أن تقوم هي بعدئذ بمُمَارسة مهنة السحر ولئن كان كلا الأمرين كبيرة فإن الاحتراف أشد في الخطورة والعقوبة سيما والمرأة لم تطلب السحر بذاته وإنما كانت تشتكي إلي العجوز فدلتها على ما لم تعرف، وساقتها إلى ما لم تألف، بل إلى ما طلبت منه الهرب وقد كان الحاكم دقيقًا في روايته حين قال:\n\"جاءت تبتغي رسول الله - ﷺ -. . . تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر لم تعمل به\". ولعل فزعها من هذا المدخل، وسفرها إلى الرسول - ﷺ - كان معبرًا أَيما تعبير عن اعترافها بخطئها، واستغفارها من ذنبها، وندمها وتوبتها وإقلاعها وعزمها على عدم عودها إلى شيء منه سيما وقد لمست أنه أمر عجيب، أوقعها في شك مريب!؟ وكاد يفضي بها إلى الشرك والخسران وذلك هو الضلال البعيد!.\nإن استعظامها لما بدر منها، ومجيئها تائبة، وعدم احترافها للسحر كمهنة هو الذي حدا بالصحابة أن يبحثوا لها في هدي السنة عما يقيلها من كبوتها ويعفي على تلك السيئة حتى يمحوها. =","vol":"2","page":520},{"text":"وقال مكحول والإِمام أَحمد: بر الوالدين كفارة الكبائر.\n* وروي عن بعض السلف في حمل الجنائز أَنه يحط الكبائر. وروي مرفوعًا من وجوه لا تصح (^١).\n* وقد صح من رواية أَبي بردة: أَن أَبا موسى لما حضرته الوفاة قال: يا بني! اذكروا صاحب الرغيف: كان رَجل يتعبد في صومعة أراه سبعين سنة، فشبه الشيطان في عينه امرأة فكان معها سبعة أيام، وسبع ليال، ثم كشف عن الرجل غطاؤه، فخرج تائبًا، ثم ذكر أنه بات بين مساكين، فتُصدق عليهم برغيف رغيف، فأَعطوه رغيفًا، ففقده صاحبه الذي كان يعطاه، فلما علم بذلك أَعطاه الرغيف وأَصبح ميتا. فوزنت السبعون سنة بالسبع ليال [فرجحت الليالي، ووزن الرغيف بالسبع] (^٢) ليال فرجح الرغيف (^٣).\n* وروى ابن المبارك بإسناده في كتاب \"البر والصلة\" عن ابن مسعود ﵁ قال: عبد الله رجلٌ سبعين سنة، ثم أَصاب فاحشة فأحبط الله عمله، ثم أَصابته زَمَانَةٌ وأُقْعِدَ فرأَى رجلا يتصدّق على مساكين فجاءَ إليه فأخذ منه رغيفًا فتصدق به على مسكين، فغفر الله له، ورد عليه عمل سبعين سنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-735>[هل في ذلك دلالة على تكفير الكبائر؟]:</span>\n* وهذه كلها لا دلالة فيها على تكفير الكبائر بمجرد العمل؛ لأن كل من ذكر فيها كان نادمًا تائبًا من ذنبه، وإنما كان سؤاله عن عمل صالح يتقرب به إلى الله بعد التوبة حتى يمحو به أَثر الذنوب بالكلية، فإن الله ﷿ شرط في قبول التوبة، ومغفرة الذنوب بها: العمل الصالح كقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ (^٤) وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ (^٥) وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ﴾ (^٦).\n_________\n= وتذكر الصحابة رضوان الله عليهم ما أجاب به الرسول - ﷺ - ذلك الذي جاءه يقول إني أذنبت ذنبًا عظيمًا فهل لي من توبة؟! وأشار عليه أن ببر والديه، فلما لم يكن له أبوان وكان له خالة أشار عليه أن يبرها. ونظر الصحابة إلى الصورتين فوجدوهما متماثلتين إلى حد كبير ومن هنا أجمعوا على بر الوالدين كمخرج لهذه المرأة التي جائت تائبة نادمة مستغفرة.\n(^١) كما أورد الهيثمي في المجمع ٣/ ٢٦ عن الطبراني في الأوسط من حديث أنس.\n(^٢) ما بين الرقمين ليس في ب.\n(^٣) رواه أبو نعيم في الحلية ١/ ٢٦٣ بسياق أتم.\n(^٤) سورة مريم: ٦٠.\n(^٥) سورة طه: ٨٢.\n(^٦) سورة القصص: ٦٧.","vol":"2","page":521},{"text":"<span data-type='title' id=toc-736>[من أحوال الخائفين وأقوالهم].</span>\n* وفي هذا متعلَّق لمن يقول: إِن التائب بعد التوبة في المشيئة. وكان هذا حالَ كثير من الخائفين من السلف.\n* وقال بعضهم (^١) لرجل: هل أَذنبت ذنبًا؟ قال: نعم. قال: فعلمتَ أَن الله كتبه عليك؟ قال: نعم. قال: فاعمل حتى تعلم أَن الله قد محاه.\n* ومنه قول ابن مسعود: \"إِن المؤمن يرى ذنوبه كأَنه في أصل جبل يخاف أَن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب طار على أَنفه فقال به هكذا\".\nخرجه البخاري (^٢).\n* وكانوا يتهمون أَعمالهم وتوباتهم ويخافون أَن لا يكون قد قبل منهم ذلك، فكان ذلك يوجب لهم شدة الخوف، وكثرة الاجتهاد في الأعمال الصَّالحة (^٣).\n* قال الحسن: أَدركت أَقواما لو أَنفق أحدهم ملء الأَرض ما أَمِنَ؛ لِعظِم الذنب في نفسه.\nوقال ابن عون: لا تثق لكثرة العمل؛ فإِنك لا تدري يقبل منك أم لا، ولا تأَمَنْ من ذنوبك؛ فإِنك لا تدري كفِّرت عنك أَم لا؛ لأن عملك مغيب عنك كله.\n* والأَظهر - والله أَعلم - في هذه المسألة - أَعني مسألة تكفير الكبائر بالأَعمال - أنه (^٤) إن أُريد أَن الكبائر تمحى بمجرد الإتيان بالفرائض، وتقع الكبائر مكفرة بذلك كما تكفر الصغائر باجتناب الكبائر، فهذا باطل.\n* وإن أريد أنه قد يوازن يوم القيامة بين الكبائر وبين بعض الأعمال فتمحى الكبيرة بما يقابلها من العمل، ويسقط العمل فلا يبقى له (^٥) عنه ثواب فهذا قد يقع.\n* وقد تقدم عن ابن عمر أنه لما أَعتق مملوكه الذي ضربه قال: ليس لي فيه من الأجر\n_________\n(^١) سقط من م.\n(^٢) أخرجه البخاري في: ٨٠ - كتاب الدعوات: ٤ - باب التوبة ١١/ ١٠٢ ح (٦٣٠٨) رواية عن أحمد بن يونس، عن أبي شهاب، عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الحارث بن سويد عن عبد الله بن مسعود من قوله.\nوفيه: \" … كأنه قاعد تحت جبل، .. كذباب مر … وبعده: قال أبو شهاب بيده فوق أنفه\".\n(^٣) م: \"العمل الصالح\".\n(^٤) ليست في ب.\n(^٥) م: \"عنه\".","vol":"2","page":522},{"text":"شيء؛ حيث كان كفارة لذنبه، ولم يكن ذنبه من الكبائر فكيف بما كان من الأعمال مكفرًا للكبائر؟.\n* وسبق أَيضًا قول من قال [من السلف: إن] (^١) السيئة تمحى، ويسقط نظيرها حسنة من الحسنات التي هي ثواب العمل.\nفإذا كان هذا في الصغائر فكيف بالكبائر؟ فإِن بعض الكبائر قد يُحبط بعض الأعمال المنافية (^٢) لها كما يبطل المن والأذى: الصدقة، وتبطل المعاملة بالربا: الجهاد كما قالت عائشة.\n* وقال حذيفة: قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة، وروى عنه مرفوعًا، خرجه البزار (^٣).\n* * *\n* وكما يبُطل تركُ صلاة العصر العملَ فلا يُستنكر أَن يُبْطِل ثوابَ العمل الذي يكفر الكبائر.\n* * *\n* وقد خرج البزار في مسنده والحاكم من حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال:\n* يؤتى بحسنات العبد وسيئاته يوم القيامة فيقص أو يُقضَى بَعْضُها من بعض، فإن بقيت له حسنة وسع له بها في الجنة\" (^٤).\n_________\n(^١) ما بين الرقمين ليس في ب.\n(^٢) ليست في ب.\n(^٣) الحاكم في المستدرك ٤/ ٥٧٣ وقال: أخرجه مسلم شاهدًا، وقال الذهبي: قد استشهد مسلم بليث بن سليم (أحد رواة الحديث).\n(^٤) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٢٥٢ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي رواية عن أبي عبد الله: محمد بن يعقوب الشيباني، عن يحيى بن محمد الذهلي، عن مسدد، عن المعتمر قال: سمعت الحكم يحدث عن الغطريف، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - عن الروح الأمين قال: قال الرب ﷿: \"يؤتى بحسنات العبد وسيئاته فيقص بعضها ببعض فإن بقيت حسنة وسع الله له في الجنة\" وروى عقبها من حديث الغطريف عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس ﵄ حدثه أن رسول الله - ﷺ - حدثه أن الروح الأمين حدَّثه أَن الله تعالى قضى أن يؤتى بعمل العبد يوم القيامة حسناته وسيئاته فيقص بعضها ببعض فإن بقيت له حسنة واحدة وسع الله له في الجنة ما شاء.\nقال الحكم: فأتيت أبا سلمة يزداد فقلت له: فإن ذهبت الحسنة ولم يبق شيء؟ فقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾.","vol":"2","page":523},{"text":"وخرج ابن أَبي حاتم من حديث ابن لهيعة قال: حدثني عطاء بن دينار عن سعيد ابن جبير في قول الله ﷿: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ (^١) قال: كان المسلمون يرون أنهم لا يؤجرون على الشيء القليل إذا أَعطوه فيجيء المسكين، فيستقلون أَن يعطوه تمرة وكسرة وجوزة ونحو ذلك، فيردونه ويقولون: ما هذا بشيء إِنما نؤجر على ما نُعطِي ونحن نُحبه؟!.\n* * *\n* وكان آخرون يرون (^٢) أنهم لا يلامون على الذنب اليسير. مثل الكذبة، والنظرة، والغيبة، وأَشباه ذلك. يقولون: إنما وعد الله النار على الكبائر. فرغبهم الله في القليل من الخير أَن يعملوه، فإنه يوشك أن يكثر، وحذرهم اليسير من الشر، فإنه يوشك أَن يكثر فنزلت: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ يعني وزن أَصغر النمل: ﴿خَيْرًا يَرَهُ﴾ يعني في كتابه، ويسرّه ذلك. قال: يكتب لكل برّ وفاجر بكل سيئة سيئة واحدة، وبكل حسنة عشر حسنات، فإذا كان يوم القيامة ضاعف الله حسنات المؤمن أَيضًا بكل وأحدة عشرا، فيمحو عنه بكل حسنة عشر سيئات، فمن زادت حسناته على سيئاته مثقال ذرة دخل الجنة (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-737>[كيف تكون المقاصة؟]:</span>\n* وظاهر هذا أَنه تقع المقاصة بين الحسنات والسيئات، ثم تسقط الحسنات المقابلة للسيئات، وينظر إِلى ما يفضل منها بعد المقاصة. وهذا يوافق قول من قال: بأَن من رجحت حسناته على سيئاته بحسنة واحدة أثيب بتلك الحسنة خاصة، وتسقط باقي حسناته في مقابلة سيئاته، خلافا لمن قال يثاب بالجميع، وتسقط سيئاته كأَنها لم تكن. وهذا في الكبائر.\n* * *\n* أَما الصغائر فإِنه قد تمحى بالأَعمال الصالحة مع بقاء ثوابها كما قال - ﷺ -: \"أَلا أَدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات: إسباغ الوضوء على المكاره،\n_________\n(^١) سورة الزلزلة: ٧.\n(^٢) في المطبوعة: \"وكانوا يرون\".\n(^٣) أورده عنه ابن كثير في تفسيره ٤/ ٥٤٣.","vol":"2","page":524},{"text":"وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة\" (^١) فأَثبت لهذه الأعمال تكفير الخطايا ورفع الدرجات.\n* * *\n* وكذلك قوله - ﷺ -: \"من قال: لا إله إلا الله وحده لا شَريك له - مائة مرة - كتب الله له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له عَدْلَ عشرِ رقاب\" (^٢) فهذا يدل على أَن الذكر يمحو السيئات، ويبقى ثوابه لعامله مضاعفا.\n\n<span data-type='title' id=toc-738>[سيئات التائب ما مصيرها؟].</span>\n* وكذلك سيئات التائب توبة نصوحا تُكفَّر عنه وتبقى له حسناته كما قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٤).\nفلما وصف هؤلاء بالتقوى والإِحسان دل على أَنهم ليسوا بمصرين على الذنوب بل هم تائبون منها.\nوقوله تعالى: ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا﴾ يدخل فيه الكبائر؛ لأنها أسوأ الأعمال.\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ (^٥) فرتب على التقوى المتضمنة لفعل الواجبات، وترك المحرمات - تكفير السيئات وتعظيم الأجر، وأَخبر الله عن المؤمنين المتفكرين في خلق السموات والأرض أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ\n_________\n(^١) مضى الحديث ص ٤٩٦.\n(^٢) مضى الحديث ص ٤٩٩.\n(^٣) سورة الأحقاف: ١٥، ١٦.\n(^٤) سورة الزمر: ٣٣ - ٣٥.\n(^٥) سورة الطلاق: ٥.","vol":"2","page":525},{"text":"عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ (^١) فأخبر أَنه استجاب لهم ذَلِكَ، وأَنه كفُّر عنهم سيئاتهم، وأَدخلهم الجنات، وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ فخص الله الذنوب بالمغفرة، والسيئات بالتكفير فقد يقال: السيئات تخص الصغائر، والذنوب يراد بها الكبائر؛ فالسيئات تكَفَّر؛ لأَن الله جعل لها كفارات في الدنيا شرعية وقدريةً، والذنوب تحتاج إِلى مغفرة تقي صاحبها من شرها، والمغفرة والتكفير يتقاربان، فإن المغفرة قد قيل: إِنها ستر الذنوب، وقيل: وقاية شر الذنب مع ستره، ولهذا يسمى ما ستر الرأْس ووقاهُ في الحرب مِغْفَرا، ولا يسمى كل ساتر للرأس مِغفرا.\n* وقد أَخبر الله عن الملائكة أَنهم يدعون للمؤمنين التائبين بالمغفرة ووقاية السيئات والتكفير من هذا الجنس، لأَن أَصل الكُفْر: السترُ والتغطية أَيضًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-739>[بين التكفير والمغفرة]:</span>\n* وقد فرق بعض المتأخرين بينهما بأَن التكبير: محو أَثر الذنب حتى كأَنه لم يكن، والمغفرة تتضمن - مع ذلك - إِفضال الله على العبد وِإكرامه. وفي هذا نظر.\n* وقد يفسر بأَن مغفرة الذنوب بالأَعمال الصالحة تقلبها حسنات، وتكفيرها بالمكفرات تمحوها فقط.\n* وفيه أيضًا نظر. فإِنه قد صح أَن الذنوب المعاقب عليها بدخول النار تبَدل حسنات، فالمُكفَّرة بعمل صالح يكون (^٢) - كفارة لها - أَولى.\n\n<span data-type='title' id=toc-740>[معنيان آخران]:</span>\n* ويحتمل معنيين آخرين:\n* أَحدهما: أَن المغفرة لا تحصل إِلا مع عدم العقوبة والمؤاخذة؛ لأَنها وقاية شر الذنب بالكلية، والتكفير قد يقع بعد العقوبة، فإِن المصائب الدنيوية كلها مكفرات للخطايا، وهي عقوبات، وكذلك العفو يقع مع العقوبة وبدونها وكذلك الرحمة.\n* والثاني: أَن الكفارات من الأَعمال ما جعلها الله لمحو الذنوب المكفَّرة بها، ويكون ذلك (^٣) هو ثوابها ليس لها ثواب غيره، والغالب عليها أَن تكون من جنس مخالفة هوى النفس، وتجشم المشقة فيه؛ كاجتناب الكبائر الذي جعله الله كفارة\n_________\n(^١) سورة آل عمران: ١٩٣.\n(^٢) ليست في ب.\n(^٣) ا، ب، ر، ظ، ل: \"تكون\".","vol":"2","page":526},{"text":"للصغائر.\n* وأَما الأَعمال التي تغفر بها الذنوب فهي ما عدا ذلك، ويجتمع فيها المغفرة والثواب عليها، كالذكر الذي تكتب به الحسنات، وتمحى به السيئات.\nوعلى هذا الوجه فيفرَّق بين الكفارات من الأَعمال وغيرها.\nوأَما تكفير الذنوب ومغفرتها إذا أُضيف ذلك إلى الله فلا فرق بينهما.\nوعلى الوجه الأول يكون بينهما فرق أَيضًا.\n* ويشهد لهذا الوجه الثاني أَمران:\n* أحدهما قول ابن عمر لا أَعتق العبد الذي ضربه: \"ليس لي في عتقه من الأَجر شيء\" (^١) واستدل لأَنه كفارة.\n* والثاني: أَن المصائب الدنيوية كلَّها كفاراتٌ للذنوب (^٢) وقد قال كثير من الصحابة وغيرهم من السلف: إِنه لا ثواب فيها مع التكفير وإِن كان بعضهم قد خالف في ذلك.\nولا يقال: فقد فسر الكفارات في حديث النام بإسباغ الوضوء في المكروهات، ونقل الأقدام إلى الصلوات وقال: من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير وكان من خطيئته كيوم ولدته أُمه (^٣).\nوهذه كلها مع تكفيرها للسيئات تَرفع الدرجات، ويحصل عليها الثواب.\n* لأنا نقول: قد يجتمع في العمل الواحد شيئان يرفع بأَحدهما الدرجات، ويكفر بالآخر السيئات، فالوضوءُ نفسه يثاب عليه لكن إِسباغه في شدة البرد من جنس الآلام المَي تحصل للنفوس في الدنيا فيكون كفارة في هذه الحال، وأَما في غير هذه الحال فتغفر به الخطايا كما يغفر بالذِّكْر وغيره.\n* وكذلك المشي إِلى الجماعات هو قُربة، وطاعة، ويثاب عليه، ولكن ما يحصل للنفس به من المشقة والألم بالتعب والنصب هو كفارة.\n_________\n(^١) كما مضى ص ٥١٣.\n(^٢) في \"ا\": \"الذنوب\" م: \"مكفرات للذنوب\".\n(^٣) راجع الترمذي ح ٣٢٣٥ من حديث معاذ بن جبل بإسناد حسن صحيح. وقد أفرد له المؤلف كتابا على حياله: \"اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى\".","vol":"2","page":527},{"text":"وكذلك حبس النفس في المسجد لانتظار الصلاة وقطعها عن مأْلوفها من الخروج إلى المواضع التي تميل النفوس إِليها إِما لكسب الدنيا أَو للتَنّزُّهِ - هو من هذه الجهة مؤلم للنفس فيكون كفارة.\n* وقد جاءَ في الحديث \"أَن إِحدى خطوتي الماشي إِلى المسجد تَرفع له درجة والأخرى تَحط عنه خطيئة (^١) \" وهذا يقوي ما ذكرناه، وأن ما حصل به التكفير غير ما حصل به رفع الدرجات. والله أَعلم.\n* وعلى هذا فيجتمع في العمل الواحد تكفير السيئات، ورفع الدرجات من جهتين، ويوصف في كل حال بكلا الوصفين، فلا تنافي بين تسميته كفارة، وبين الإِخبار عنه بمضاعفة الثواب به (^٢) ووصفه برفع الدرجات، ولهذا قال - ﷺ -:\n* \"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إِلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتُنبت الكبائر\" (^٣).\nفإن في حبس النفس على المواظبة على الفرائض من مخالفة هواها، وكفَّها عما تميل إليه - ما يوجب ذلك تكفيرَ الصغائر.\n* وكذلك الشهادة في سبيل الله تكفر الذنوب بما يحصل بها من الأَلم، وترفع الدرجات بما اقترن بها من الأعمال الصالحة بالقلب والبدن. فيتبين (^٤) بهذا أَن بعض الأعمال يجتمع فيها ما يوجب رفع الدرجات، وتكفيرَ السيئات من جهتين (^٥) ولا يكون بينهما منافاة.\nوهذا ثابت في الذنوب الصغائر بلا ريب.\n* وأَما الكبائر فقد تكفر بالشهادة مع حصول الأَجر للشهيد، لكنِ الشهيدُ ذو الخطايا في رابع درجة من درجات الشهداء.\n* كذا روي عن النبي - ﷺ - من حديث فضالة بن عبيد خرجه الإِمام أَحمد\n_________\n(^١) كما روى البخاري في صحيحه: ٨ - كتاب الصلاة: ٨٧ - باب الصلاة في مسجد السوق ١/ ٥٦٤ ح ٤٧٧ وفي: ١٠ - كتاب الأذان: ٣٠ - باب فضل صلاة الجماعة ٢/ ١٣١ ح ٦٤٧ ورواه مسلم في صحيحه: ٥ - كتاب المساجد ومواضع الصلاة: ٤٩ - باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة، ١/ ٤٥٩ ح ٦٤٣ كلاهما من حديث أبي هريرة.\n(^٢) ليست في \"ا\".\n(^٣) مضى الحديث ص ٥٠٣.\n(^٤) في م: \"فتبين بها\".\n(^٥) في أ: \"وجهين\".","vol":"2","page":528},{"text":"والترمذي (^١).\n* وأَما مغفرة الذنوب ببعض الأَعمال مع توفير أَجرها وثوابها، ففد دلت عليه الأحاديث الصحيحة في الذكر.\nوقد قيل: إِن تلك السيئات تكتب حسنات أَيضًا، كما في حديث أَبي مالك الأشعري الذي سبق ذكره (^٢).\nوذكرنا أيضًا عن بعض السلف أَنه يُمحى بإزاء السيئة الواحدة ضعفٌ واحد من أضعاف ثواب الحسنة وتبقى له تسع حسنات.\n* والظاهر أَن هذا مختص بالصغائر، وأَما في الآخرة فيُوازَن بنِن الحسنات والسيئات ويُقَصُّ بعضها من بعض، فمن رجحت حسناته على سيئاته فقد نجا، ودخل الجنة. وسواء في هذا الصغائر والكبائر.\nوهكذا من كانت له حسنات وعليه مظالم فاستوفى المظلومون حقوقهم من حسناته وبقى له حسنة دخل بها الجنة.\n* قال ابن مسعود ﵁: \"إِن كان وليا لله ففضل له مثقال ذرة ضاعفها الله حتى يدخل الجنة، وإن كان شقيا قال الملَك: رب! فنيت حسناته وبقى له طالبون كثير. قال: خذوا من سيئاتهم فَأضيفوها إِلى سيئاته صُكُّوا له صكًّا إِلى النار.\nخرّجه ابن أَبي حاتم وغيره (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-741>[التفضيل بمثقال الذرة كيف يتم].</span>\nوالمراد أَن تفضيل مثقال ذرة من الحسنات إِنما هو بفضل الله ﷿ لمضاعفته\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في كتاب الجهاد: باب ما جاء في فضل الشهداء عند الله ٤/ ١٧٧ - ١٧٨ عن حديث فضالة ابن عبيد قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول. الشهداء أربعة: رجل مؤمن جيد الإيمان لقى العدو فصدق الله حتى قتل فذلك الذي يرفع الناس إليه أعينهم يوم القيامة هكذا - ورفع رأسه حتى وقعت قلنسوته.\nقال: فما أدري أقلنسوة عمر أراد أم قلنسوة النبي - ﷺ -. قال: ورجل مؤمن جيد الإيمان لقى العدو، فكأنما ضرب جلده بشوك طلح من الجبن أتاه سهم غرب فقتله، فهو في الدرجة الثانية. ورجل مؤمن خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا لقى العدو فصدق الله حتى قتل، فذلك في الدرجة الثالثة.\nورجل مؤمن أسرف على نفسه، لقى الله فصدق الله حتى قتل فذلك في الدرجة الرابعة. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. وهو عند أحمد في المسند ١/ ٢٣.\n(^٢) انظر في هذا ما مضى ص ٥٠١ وراجع في حديث أبي مالك أيضا: الدر المنثور (٥/ ٨٠).\n(^٣) أورده ابن كثير في التفسير ١/ ٤٧١ عن ابن أبي حاتم بسياقه تاما.","vol":"2","page":529},{"text":"لحسنات المؤمن وبركته فيها.\nوهكذا حال من كانت له حسنات وسيئات وأَراد الله رحمته فَضَل له من حسناته ما يدخله به الجنة، وكلُّه من فضل الله ورحمته؛ فإِنه لا يدخل أَحد الجنة إِلا بفضل الله ورحمته.\n* وخرَّج أَبو نعيم بإسناد ضعيف عن علي ﵁ مرفوعًا:\n\"أَوحى الله إِلى نبي من أَنبياء بني إِسرائيل قل: لأَهلِ طاعتي من أُمتك: لا يتكلوا علِى أَعمالهم؛ فإِني لا أُقاصّ عبدًا الحساب يوم القيامة أشاءُ أَن أعذبه إِلا عذبته، وقل لأهل معصيتي من أمَّتك: لا يلقوا بأَيديهم فإني أَغفر الذنب العظيم ولا أبالي\" (^١).\n* ومصداق هذا قول النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح:\n\"مَنْ نُوقِش الحِسابَ عُذِّب\" وفي رواية: \"هَلَكَ\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-742>[هل تجب التوبة من الصغائر]:</span>\n* والمسألة الثانية: أَن الصغائر هل تحب التوبة منها كالكبائر؟ أَم لا؛ لأَنها تقع مُكَفَّرَةً باجتناب الكبائر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (^٣).\n* هذا مما اختلف الناس فيه: فمنهم من أَوجب التوبة منها، وهو قول أَصحابنا، وغيرهم من الفقهاء والمتكلمين وغيرهم. وقد أمر الله ﷿ بالتوبة عقيب ذكر الصغائر والكبائر فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ\n_________\n(^١) هذا جزء حديث أخرجه أبو نعيم في الحلية ٤/ ١٩٥ وفي أوله: \" إن الله أوحى وقد عقب عليه بقوله: غريب من حديث أبي عبد الرحمن لم نكتبه إلا من حديث أبي داود الضمري.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق: باب من نوقش الحساب عُذِّب ١١/ ٤٠٠ من حديث عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ - قال: من نوقش الحساب عذب قالت: قلت: أليس يقول الله تعالى ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ قال: ذلك العرض ح ٦٥٣٦ وأخرجه عقبه من حديث عائشة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ليس أحد يحاسَب يوم القيامة إلا هلك\". فقلت: يا رسول الله أليس قد قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنما ذلك العرض وليس أحد يناقش الحسابَ يوم القيامة إِلا عُذِّب\" ومسلم في كتاب الجنة ونعيمها: باب إثبات الحساب ٤/ ٢٢٠٤ ح ٢٨٧٦ من وجوه وبنحو ما عند البخاري.\n(^٣) سورة النساء: ٣١.","vol":"2","page":530},{"text":"وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾: إلى قوله ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^١) وأمر بالتوبة من الصغائر بخصوصها في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (^٢).\n* * *\n• ومن الناس من لم يوجب التوبة منها.\n• وحكي عن طائفة من المعتزلة. ومن المتأَخرين من قال: يجب أَحد أَمرين: إما التوبة منها، أو الإتيان بعض المكفرات للذنوب من الحسنات.\n• وحكى ابن عطية في تفسيره (^٣) في تكفير الصغائر بامتثال الفرائض واجتناب الكبائر قولين:\n• أَحدهما - وحكاه عن جماعة من الفقهاء وأهل الحديث - أنه يُقْطَع بتكفيرها بذلك قطعًا؛ لظاهر الآية والحديث.\n• والثاني - وحكاه عن الأُصوليين - أَنه لا يُقَطع بذلك بل يحمل على غلبة الظن، وقوة الرجاء وهو في مشيئة الله ﷿؛ إذ لو قطع بتكفيرها لكانت الصغائر في حكم المباح الذي لا تَبعة فيه، وذلك نقضٌ لِعُرَى الشريعة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-743>[تعقيب لابن رجب]:</span>\n• قلت: قد يقال: لا يقطع بتكفيرها؛ لأَن أحاديث التكفير المطلقة بالأعمال جاءت مقيدة بتحسين العمل، كما ورد ذلك في الوضوء والصلاة. وحينئذ فلا (^٤) يتحقق وجود حسن العمل الذي يوجب التكفير.\nوعلى هذا الاختلاف الذي ذكره ابن عطية ينبني الاختلاف في وجوب التوبة من الصغائر.\n* * *\n_________\n(^١) سورة النور: ٣٠ - ٣١.\n(^٢) سورة الحجرات: ١١.\n(^٣) في المحرر الوجيز ٤/ ٩٧.\n(^٤) سقطت من المطبوعة.","vol":"2","page":531},{"text":"<span data-type='title' id=toc-744>[ويستدل لذلك]:</span>\n• وقد خرَّج ابن جرير من رواية الحسن أن قومًا أتوا عمر -﵁- فقالوا: نرى أشياءَ من كتاب الله لا يعمل بها؟ فقال لرجل منهم: أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم. قال: فهل أَحصيته في نفسك؟ قال: اللهم لا. قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أَحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أَثرك؟ ثم تتبعهم حتى أتي على آخرهم، ثم قال: ثكلت عُمَرَ أُمُّهُ، أَتكلفونه أن يقيم على الناس كتاب الله؟ قد علم ربنا أنه سيكون لنا سيئات. قال: وتلا ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (^١).\n• وبإسناده عن أنس بن مالك أنه قال:\nلم أَر مثل الذي بلغنا عن ربنا تعالى (^٢): لم نخرج له عن كل أهل ومال ثم سكت [هُنَيهة] (^٣) ثم قال: والله لقد كلفنا (^٤) ربنا أهون من ذلك، لقد تجاوز لنا عمَّا دون الكبائر فمالنا ولها؟ ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾.\n_________\n(^١) أورده ابن كثير في التفسير ١/ ٤٨٥ عن ابن جرير بأتم من هذا.\nقال ابن كثير: قال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عطية، عن ابن عون، عن الحسن، أن ناسا سألوا عبد الله بن عمرو بمصر، فقالوا: نرى أشياء من كتاب الله ﷿ أمر أن يعمل بها لا يعمل بها فأردنا أن نلقى أمير المؤمنين في ذلك، فقدم وقدموا معه، فلقي عمر -﵁- فقال: متى قدمت؟ فقال: منذ كذا وكذا. قال: أبإذن قدمت؟ قال: فلا أدري كيف رد عليه، فقال: يا أمير المؤمنين! إن ناسا لقوني بمصر فقالوا: إنا نرى أشياء في كتاب الله أمر أن يعمل بها فلا يعمل بها، فأحبوا أن يلقوك في ذلك، قال فاجمعهم لي، قال فجمعتهم له، قال ابن عون: أظنه قال: في بهو، فأخذ أدناهم رجلًا، فقال: أنشدك بالله وبحق الإسلام عليك! أقرأت القرآن كله؟ قال: نعم. قال: فهل أحصيته في نفسك؟ فقال: اللهم لا! قال: ولو قال: نعم لخصمه قال: فهل أحصيته في بصرك؟ فهل أحصيته في لفظك؟ هل أحصيته في أثرك؟ ثم تتبعهم حتى أتي على آخرهم فقال: ثكلت عمر أمه أتكلفونه أن يقيم الناس على كتاب الله؟ قد علم ربنا أن ستكون لنا سيئات. قال: وتلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية، ثم قال: \"هل علم أهل المدينة أو قال: هل علم أحد بما قدمتم؟ قالوا: لا. قال: لو علموا لوعظت بكم\". ثم قال ابن كثير: إسناد صحيح ومتن حسن، وإن كان من رواية الحسن عن عمر، وفيها انقطاع إلا أن مثل هذا اشتهر فتكفي شهرته.\nوانظره عند الطبري في التفسير ٨/ ٢٥٤ - ٢٥٥ (المعارف) وراجع ما ذكر محققه عن طريق الرواية.\n(^٢) من الطبري.\n(^٣) من الطبري.\n(^٤) في الأصول الخطية: \"لما خلقنا\" وعند ابن كثير: \" … لما كلفنا من ذلك أنه تجاوز عنا عما دون الكبائر … \" وما أثبتناه: عن الطبري وهو أوضح. أو هو الذي يستقيم به المعنى.","vol":"2","page":532},{"text":"• وخرجه البزار في مسنده مرفوعًا، والموقوف أصح (^١).\nوقد وصف الله المحسنين باجتناب الكبائر قال تعالى: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-745>[تفسير اللمم]:</span>\n• وفي تفسير اللمم قولان للسلف:\n• أحدهما: أَنه مقدمات الفواحش كاللمس والقبلة. وعن ابن عباس هو ما دُون الحدَّين: وعيدُ الآخرة بالنار، وحدُّ الدنيا (^٣).\n• والثاني: أَنه (^٤) الإلمام بشيءِ من الفواحش والكبائر مرة واحدة ثم يتوب منه.\nوروي عن ابن عباس وأبي هريرة.\n• وروي عنه مرفوعًا بالشك في رفعه قال: \"اللَّمَّة [هي] (^٥) من الزنا ثم يتوب فلا يعود، واللَّمَّة من شرب الخمر ثم يتوب فلا يعود، واللّمّة من السرقة ثم يتوب فلا يعود\" (^٦).\n_________\n(^١) خبر أنس في تفسير الطبري ٨/ ٢٥٦ وابن كثير ١/ ٤٨٥ - ٤٨٦.\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٧/ ٣) عن البزار من حديث أنس -﵁- قال: لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا ﵎، ثم لم نخرج له من كل أهل ومال أن تجاوز لنا عن ما دون الكبائر؛ يقول الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ ثم قال الهيثمي: رواه البزار وفيه الجلد بن أيوب وهو ضعيف.\nوتعقيب الهيثمي لا يجعلنا نسلم لابن رجب قوله: والموقوف أصح! إلا أن يريد أن المرفوع ضعيف والموقوف أقل ضعفًا!. ثم إن إسناد الطبري ليس فيه الجلد بن أيوب.\n(^٢) سورة النجم: ٣١، ٣٢.\n(^٣) أورده ابن كثير في التفسير ٤/ ٢٥٦ من حديث سفيان الثوري، عن جابر الجعفي، عن عطاء، عن ابن الزبير: (إلا اللمم) قال: ما بين الحدين: حد الدنيا وحد الآخرة.\nثم قال: \"وكذا رواه شعبة، عن الحكم، عن ابن عباس: مثله سواء.\nوقال العوفي عن ابن عباس، في قوله: (إلا اللمم) كل شيء بين الحدين: حد الدنيا وحد الآخرة تكفره الصلوات فهو اللمم وهو دون كل موجب فأما حد الدنيا فكل حد فرض الله عقوبته في الدنيا، وأما حدُّ الآخرة فكل شيء ختمة الله بالنار وأخر عقوبته إلى الآخرة.\nوكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك، وأورده السيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٢٨ عن عبد بن حميد، وابن جرير من حديث ابن عباس، وقتادة بنحوه.\n(^٤) ليست في ب.\n(^٥) من ر.\n(^٦) أورده ابن كثير في الموضع السابق من حديث أبي هريرة وابن عباس من وجوه عن ابن جرير. والترمذي وأورده السيوطي في الدر المنثور في الموضع السابق وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة قال: أراه رفعه في قوله إلا اللمم ومن حديث ابن عباس وزاد نسبته إلى ابن المنذر.","vol":"2","page":533},{"text":"ومن فسر الآية بهذا قال: لا بد أن يتوب منه بخلاف من فسره بالمقدمات، فإنه لم يشترط توبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-746>[تصحيح ابن رجب للقولين]:</span>\n• والظاهر أَن القولين صحيحان، وأَن كليهما مرادٌ من الآية، وحينئذ فالمحسن هو من لا يأتي بكبيرة إلا نادرًا ثم يتوب منها، ومن إذا أَتى بصغيرة كانت مغمورة في حسناته المكفرة لها، ولا بد أن لا يكون مصرًّا عليها كما قال تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (^١).\n* * *\nوروي عن ابن عباس أَنه قال: ولا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار\" (^٢). وروي مرفوعًا من وجوه ضعيفة (^٣).\n* * *\nوإذا صارت الصغائر كبائر بالمداومة عليها فلا بد للمحسنين من اجتناب المداومة على الصغائر؛ حتى يكونوا مجتنبين لكبائر الإثم والفواحش.\nوقال الله ﷿: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (^٤).\n* * *\n• فهذه الآيات تضمنت وصفَ المؤمنين بقيامهم بما أوجب الله عليهم من الإيمان والتوكل، وإقامة الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله، والاستجابة لله في جميع طاعاته، ومع هذا فهم مجتنبون كبائر الإثم والفواحش.\nفهذا هو تحقيق التقوي.\n_________\n(^١) سورة آل عمران: ١٣٥.\n(^٢) ا، ر: \"إصرار .. استغفار\".\n(^٣) انظر الشهاب ٢/ ٤٤ ح ٨٥٣ وهامشه. والمقاصد الحسنة ح ١٣٠٨، وكشف الخلفاء ٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥، والتمييز ح ١٦٠٥ والدرر ح ٤٥٥، وأسنى المطالب ح ١٧٠٨.\n(^٤) سورة الشوري: ٣٦ - ٤٠.","vol":"2","page":534},{"text":"وَوَصفَهُمْ في معاملتهم للخلق بالمغفرة عند الغضب، وندبهم إلى العفو والإصلاح.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-747>[الانتصار للنفس وهل ينافي قيمة العفو؟]:</span>\n• وأما قوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ فليس منافيا للعفو؛ فإن الانتصار يكون بإظهار القدرة على الانتقام، ثم يقع العفو بعد ذلك فيكون أتمَّ وأكمل.\n• قال النخَعي في هذه الآية: كانوا يكرهون أَن يُستذلوا، فإذا قدروا عفوا (^١).\n• وقال مجاهد: كانوا يكرهون للمؤمن أَن يُذل نفسه فيجترئ عليه الفساق (^٢).\nفالمؤمن إذا بُغي عليه يُظْهر القدرة على الانتقام، ثم يعفو بعد ذلك.\n• وقد جرى مثلُ هذا الكثير من السلف منهم: قتادة وغيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-748>[آيات جامعة]:</span>\n• فهذه الآيات تتضمن جميعَ ما ذكره النبي - ﷺ - في وصيته لمعاذ؛ فإنها تضمنت حصول (^٣) خصال التقوى بفعل الواجبات، والانتهاء عن كبائر المحرمات، ومعاملة الخلق بالإحسان والعفو ولازم هذا أنه إن وقع منهم شيء من الإثم من غير الكبائر والفواحش يكون مغمورًا بخصال التقوى المقْتَضية لتكفيرها ومحوها.\n\n<span data-type='title' id=toc-749>[آيات سورة آل عمران]:</span>\nوأما الآيات التي في سورة آل عمران فوصف فيها المتقين بالإحسان إلى الخلق، وبالاستغفار من الفواحش، وظلم النفس، وعدم الإصرار على ذلك.\nوهذا هو الأكمل، وهو إحداث التوبة والاستغفار عقيب كل ذنب من الذنوب صغيرًا كان أو كبيرًا.\nكما روي أن رسول الله - ﷺ - وصى بذلك معاذا، وقد ذكرناه فيما سبق (^٤).\n_________\n(^١) أورده البخاري في ترجمة الباب السادس من كتاب المظالم ٥/ ١١٩ وذكر ابن حجر في الفتح ٥/ ١٢٠ أن عبد بن حميد وابن عيينة وصلاه في التفسير لهما ولم أجده في المطبوع من تفسير ابن عيينة وزاد في الدر ٧/ ٣٥٧ نسبته إلى سعيد بن منصور، وابن جرير وابن المدر وابن أبي حاتم ولم ينسبه إلى سفيان.\n(^٢) أورده في الدر ٧/ ٣٥٨ موصولا من رواية عبد بن حميد. وأورده البخاري تعليقا في المظالم: باب الانتصار من الظالم ٥/ ٩٩ - ١٠٠ وانظر تعليق ابن حجر في هذا الموضع.\n(^٣) في ا، ر، ل، ظ، ب: \"أصول\".\n(^٤) ص ٤٨٧ وانظر ص ٤٦٦، ٤٦٧.","vol":"2","page":535},{"text":"<span data-type='title' id=toc-750>[لماذا بسط القول في هذا]:</span>\n• وإنما بسطنا القول في هذا لأَن حاجة الخلق إليه شديدة وكل أحد يحتاج إلى معرفة هذا، ثم إلى العمل بمقتضاه. والله الموفق والمعين.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-751>[وأتبع السيئة الحسنة]:</span>\n• فقوله - ﷺ -: \"وأتبع السيئة الحسنةَ تمحها\":\nظاهره أَن السيئات تُمْحَي بالحسنات. وقد تقدم ذكر (^١) الآثار التي فيها أَن السيئة تمحى من صحف الملائكة بالحسنة إذا عملت بعدها (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-752>[من آثار السلف]:</span>\n• قال عطية العَوْفِي: بلغني أَنه من بكى على خطيئته مُحيت عنه، وكتبت له حسنة.\n* * *\n• وعن عبد الله بن عمرو قال: \"من ذكر خطيئة عملها فوجل قلبه منها فاستغفر الله ﷿ - لم يحبسها شيء حتى يمحُوها عنه الرحمن\".\n• وقال بِشْر بن الحارث: بلغني عن الفضيل بن عياض قال: بكاءُ النهار يمحو ذنوب العلانية، وبكاءُ الليل يمحو ذنوب السر.\n* * *\n• وقد ذكرنا قول النبي - ﷺ -: \"ألا أَدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ \" الحديث (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-753>[قول آخر]:</span>\n• وقال طائفة: لا تمحى الذنوب من صحائف الأَعمال بتوبة ولا غيرها، بل لا بد\n_________\n(^١) ليست في ب.\n(^٢) انظر ص ٥٠١، ٥٢٩.\n(^٣) ص ٤٩٦، ٥٢٤.","vol":"2","page":536},{"text":"أنَّ يوقف صاحبها عليها، ويقرأَها يوم القيامة. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-754>[رد ابن رجب]:</span>\nوفي الاستدلال بهذه الآية نظر؛ لأَنه إنما ذكر فيها حال المجرمين، وهم أهل الجرائم والذنوب العظيمة، فلا يدخل فيهم المؤمنون التائبون من ذنوبهم، أَو المغمورةُ ذنوبهم بحسناتهم.\nوأَظهر من هذا: الاستدلالُ بقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (^٢).\n• وقد ذكر بعض المفسرين أن هذا القول هو الصحيح عند المحققين.\n* * *\n• وقد روي هذا القول عن الحسن البصري، وبلال بن سعد الدمشقي.\n* * *\n• قال الحسن في (^٣) العبد يذنب ثم يتوب ويستغفر: يغفر له ولكن لا يُمحاه من كتابه دون أَن يقف عليه، ثم يسأَله عنه. ثم بكى الحسن بكاءً شديدًا وقال: لو لم نبك إلا للحياء من ذلك المقام لكان ينبغي لنا أن نبكي.\n* * *\n• وقال بلال بن سعد: \"إن الله تعالى يغفر الذنوب، ولكن لا يمحوها من الصحيفة حتى يوقفه عليها يوم القيامة وإن تاب\".\n• وقال أبو هريرة: \"يُدْني الله العبد يوم القيامة فيضع عليه كَنَفَه فيستره من الخلائق كلها، ويدفع إليه كتابه في ذلك الستر فيقول: اقرأ يا ابن آدم كتابك. فيقرأ فيَمُرُّ بالحسنة فيبْيَضُّ لها وجهه، ويسر بها قلبه، فيقول الله: أتعرف يا عبدي؟ فيقول: نعم. فيقول: إني قبلتها منك، فيسجد، فيقول: ارفع رأسك، وعد في كتابك، فيمر\n_________\n(^١) سورة الكهف: ٤٩.\n(^٢) سورة الزلزلة: ٧، ٨.\n(^٣) في م: \"فالعبد\".","vol":"2","page":537},{"text":"بالسيئة فيسْودُّ لها وجهه ويوجَل منها قلبه، وترتعد منها فرائصه، ويأخذه من الحياء من ربه ما لا يعلمه غيره. فيقول الله: أَتعرف يا عبدي؟ فيقول: نعم يا رب! فيقول: إني قد غفرتها لك، فيسجد فلا يرى منه الخلائق إلا السجود حتى ينادي بعضُهم بعضا: طوبي لهذا العبد الذي لم يعص الله قط، ولا يدرون ما قد لقي فيما بينه وبين ربه ﷿ مما قد وقَفَه عليه\".\n• وقال أبو عثمان النَّهدِي، عن سلمان: يُعطَى الرجل صحيفته يوم القيامة فيقرأُ أَعلاها، فإذا سيئاته! فإذا (^١) كاد يسوءُ ظنه نظر في أَسفلها فإذا حسناتُه، ثم نظر في أَعلاها فإذا هي قد بُدِّلت حسنات.\n• وروي عن أَبي عثمان عن ابن مسعود، وعن أبي عثمان من قوله وهو أَصح (^٢).\n• وروى ابن أَبي حاتم بإسناده عن بعض أَصحاب معاذ بن جبل قال: يدخل أهَلُ الجَنَّة على أربعة أصناف: المتقين، ثم الشاكرين، ثم الخائفين، ثم أصحاب اليمين.\n* * *\n• قيل: لم سموا أَصحاب اليمين؟ قال: لأنهم عملوا الحسنات والسيئات فأُعطوا كتبهم بأَيمانهم فقرءوا سيئاتهم حرفا حرفا، قالوا: يا ربنا هذه سيئاتنا فأَين حسناتنا؟ فعند ذلك محا الله السيئات، وجعلها حسنات، فعند ذلك قالوا: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (^٣) فهم أكثر أهل الجنة.\n• وأَهل هذا القول قد يحملون أَحاديث محو السيئات بالحسنات على محو عقوباتها دون محو كتابتها من الصحف. والله أَعلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-755>[وخالق الناس بخلق حسن]:</span>\n• وقوله - ﷺ -: \"وَخَالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ\": هذا من خصال التقوى ولا تتم التقوى إلا به، وإنما أَفرده بالذكر للحاجة إلى بيانه؛ فإن كثيرًا من الناس يظن أَن التقوى هي القيام بحق الله دون حقوق عباده؛ فنص له على الأَمر بإِحسان العشرة للناس؛ فإنه\n_________\n(^١) في م: \"فإذا سيئاته كادت تسوء ظنه\".\n(^٢) ورواه الحسين المروزي في زيادات الزهد لابن المبارك ص ٤٩٧ ح ١٤١٥ عن أبي عثمان، قوله.\n(^٣) سورة الحاقة: ١٩.","vol":"2","page":538},{"text":"كان قد بعثه إلى اليمن معلما لهم ومفقها وقاضيا. ومن كان كذلك فإنه يحتاج إلى مخالقة الناس بخلق حسن ما لا يحتاج إليه غيره ممّن لا حاجة للناس به ولا يخالطهم.\nوكثيرًا ما يغلب على من يعتني بالقيام بحقوق الله، والانعكاف على محبته وخشيته وطاعته إهمالُ حقوق العباد بالكلية، أَو التقصيرُ فيها.\nوالجمع بين القيام بحقوق الله وحقوق عباده عزيزٌ جدًّا لا يقوى عليه إلا الكُمَّلُ من الأنبياء والصديقين.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-756>[من آثار السلف في هذا]:</span>\n• وقال الحارث المُحَاسبي: \"ثلاثة أَشياءَ عزيزة أَو معدومة: حُسن الوجه مع الصيَانة، وحُسن الخلق مع الديانة، وحسن الإخاء مع الأَمانة!.\n* * *\n• وقال بعض السلف: جلس داود ﵊ خاليا فقال الله ﷿: \"مالي أراك خاليا؟ \" قال: \"هجرت الناس فيك يا ربَّ العالمين! \".\nقال: \"يا داود أَلا أَدلك على ما تستبقي به وجوه الناس، وتبلغ فيه رضاي؟ خالق الناس بأَخلاقهم، واحتجز الإيمان بيني وبينك\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-757>[حسن الخلق مع الناس من أركان التقوى]:</span>\n• وقد عَدَّ الله في كتابه مُخَالقة الناسِ بخلق حسن من خصال التقوى، بل بدأ بذلك في قوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^١).\n• وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سعيد المقبري قال: \"بلغنا أَن رجلا جاءَ إلى عيسى ابن مريم عليه الصلاة (^٢) والسلام، فقال: يا معلم الخير، كيف أكون تقيا لله ﷿ كما ينبغي له؟.\n_________\n(^١) سورة آل عمران: ١٣٣: ١٣٤.\n(^٢) ليست في ب.","vol":"2","page":539},{"text":"قال: \"بيسير من الأمر: تحب الله بقلبك كله، وتعمل بكدحك وقوتك ما استطعت، وترحم ابن جنسك كما ترحم نفسك؟ \" قال: من ابْنُ جنسي؟ يا معلم الخير؟.\nقال: \"ولد آدم كلهم\".\n\"وما لا تحب أن يؤتَى إليك فلا تَأته إِلى أَحد، وأَن تَتَّقيَ الله ﷿ كما ينبغي له\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-758>[حسن الخلق أكمل خصال الإيمان]:</span>\nوقد جعل النبي - ﷺ - حسن الخلق أكمل (^١) خصال الإيمان.\n• كما خرَّج الإمام أَحمد وأَبو داود من حديث أَبي هريرة -﵁-، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"أكمل المؤمنين إيمانًا أَحسنهم خُلُقًا\" (^٢).\n• وخرجه محمد بن نصر المروزي وزاد فيه: \"وإن المرء ليكون مؤمنا وإن في خلقه شيئًا فينقص ذلك من إيمانه (^٣) \".\n• وخرج الإمام أَحمد وأَبو داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث أُسامة بن شريك قال: قالوا: يا رسول الله! ما أَفضلُ ما أعطي المرءُ المسلم؟ قال: \"الخلقُ الحسن (^٤) \".\n_________\n(^١) ب: \"أحسن\".\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ١٣/ ١٣٣ بإسناد صحيح كما ذكر محققه الشيخ أحمد شاكر، وعنده: \"وخيارهم خيارهم لنسائهم\".\nوابن حبان في صحيحه ٦/ ١٨٨ من الإحسان وعنده: \"وخياركم خياركم لنسائهم\".\nوالترمذي في جامعه. كتاب الرضاع: باب ما جاء في حق المرأة على زوجها ٣/ ٤٦٦ ح ١١٦٢ وعنده \"وخياركم خياركم لنسائهم خلقا\".\nوعقب عليه بقوله: وفي الباب عن عائشة وابن عباس، وحديث أبي هريرة هذا حديث حسن صحيح.\nوأبو داود في سننه في كتاب السنة: باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه ٥/ ٦٠ منتصرًا على شطره الأول الذي اقتصر ابن رجب على إيراده دون الزيادة التي أشرنا إلى إيرادها في المصادر السابقة.\n(^٣) تعظيم قدر الصلاة ١/ ٤٤٢ ح ٤٥٤ من طريق ابن لهيعة.\n(^٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه ١/ ٣٤٩ ح ٤٧٨ من الإحسان، من طريق محمد بن صالح بن دريج، عن هناد بن السري، عن وكيع، عن مسعر والثوري، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك قال: \"قالوا: يا رسول الله! ما أَفضل ما أعطي المرء المسلم؟ قال: \"حسن الخلق\".\nوالطبراني في الكبير ١/ ١٧٩ - ١٨٥ بسياقات عديدة مختصرًا ومطولًا وفيها سبب ورود الحديث عن أسامة بن شريك قال: أتيت النبي - ﷺ - بعرفات فسلمت عليه، وكأن على رؤوس أصحابه الطير، فجاءته الأعزَّاب من =","vol":"2","page":540},{"text":"<span data-type='title' id=toc-759>[حسن الحلق وكيف يبلغ بصاحبه؟]:</span>\nوأخبر النبي - ﷺ - أَن صاحب الخلق الحسن يبلغ بخلقه درجة الصائم القائم لِئَلا\n_________\n= هاهنا وهاهنا: يا رسول الله! علينا حرج في كذا وكذا؟ علينا حرج في كذا وكذا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"عباد الله! رفع الله الحرج إلا من اقترض من امرئ مسلم ظلما فذلك الذي حرج وهلك\": قالوا: يا رسول الله! نتداوى؟ قال: \"تداووا فإن الله ﷿ لم ينزل داء إلا وضع له دواء إلا الهرم\" قالوا: يا رسول الله! فما خير ما أعطيَ الناس؟ فقال. \"إن الناس لم يعطوا شيئًا خيرًا من خلق حسن\" ح ٤٦٣ وانظر ٤٦٤ - ٤٨٦. وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده: كتاب الطب: باب الأمر بالتداوي وما جاء في الحمى وعلاجها والتداوي بالحجامة ١/ ٣٤٣ ح ١٧٤٧ بنحوه.\nوأحمد في المسند ٤/ ٢٧٨ (الحلبي) من وجوه مختصرًا ومطولا وعنده في الطريق الثاني: قالوا: ما خير ما أعطي الناس يا رسول الله! قال: \"خلق حسن\" وفي الوجه الرابع: قالوا: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: \"أحسنهم خلقا\".\nوأورده الهيثمي في المجمع ٨/ ٢٤ عن الطبراني من حديث أسامة وقال: رجاله رجال الصحيح. ورواه ابن ماجه في السنن: كتاب الطب: باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ٢/ ١١٣٧ ح ٣٤٣٦ بسياقه وفيه: قالوا: يا رسول الله! ما خير ما أعطي العبد؟ قال: \"خلق حسن\".\nوالحاكم في المستدرك ٤/ ٣٩٩ بسياقه كاملًا من طريق مسعر بن كدام، عن زيادة بن علاقة - به.\nوفيه، قالوا: يا رسول الله! ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: \"خلق حسن\".\nوقد علق عليه بقوله: هذا حديث صحيح الإسناد، فقد رواه عشرة من أئمة المسلمين وثقاتهم عن زياد بن علاقة منهم مسعر كما تقدم ذكري له، ومنهم مالك بن مغول البجلي.\nوقد أقره الذهبي.\nونسبة المزي في التحفة ١/ ٦٢ - ٦٣ إلى النَّسَائِي في الكبرى في مواضع من وجوه وهو في المطبوع من الكبرى ٤٤٥/ ٣ الجزء الأول إلى قوله: \"على رؤوسهم الطير\" ولم يرد هذا الجزء الذي أورده ابن رجب عن أبي داود وإنما أورد أصل الحديث في كتاب الطب بسياقه غير تام وبدون ذكر سبب ورود الخلق الحسن وسؤاله؛ أول حديث في كتاب الطب رقم ٣٨٥٥.\nوهذا عجيب من ابن رجب أن يورد نصا يحيل فيه على أصل لا يوجد فيه هذا النص وإنما يوجد فيه أصل الحديث فهل هذا يسلم له؟.\nلقد جاءت عبارة ابن رجب كما هي في الأصل: وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أسامة بن شريك قال: قالوا: يا رسول الله! ما أفضل ما أعطي المرء المسلم؟ قال: الخلق الحسن. فأين عند أبي داود من حديث أسامة هذه العبارة؟ وهي محل الشاهد في موضوع الحديث وشرح الجملة الأخيرة منه؟.\nبل أين رواية النساء له؟\nوقد علق البوصيري في الزوائد ٢/ ٢٠٥ على إيراد ابن ماجه للحديث بسياده كاملا - كما تقدم بقوله: هذا إسناد صحيح؛ رجاله ثقات رواه أبو داود في سننه والترمذي في الجامع والنسائي في الكبرى من طريق زياد بن علاقة مقتصرين على قصة الدواء فقط دون ذكر باقيه.\nورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك من طريق زياد بن علاقة أيضًا بتمامه وقال: هذا حديث صحيح … إلخ.","vol":"2","page":541},{"text":"يشتغل المريد للتقوى عن حسن الخلق بالصوم والصلاة ويظنَّ أَن ذلك يقطعه عن فضلهما.\n* فخرج الإِمام أَحمد، وأَبو داود من حديث عائشة عن النبي - ﷺ - قال: \"إِن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم والقائم\" (^١).\nوأَخبر أَن حُسنَ الخلق أَثقل ما يوضع في الميزان، وأَن صَاحِبَهُ أَحبُّ الناس إِلى الله وأقربُهم من النبيين مجلسا.\n• فخرج الإِمام أحمد، وأَبو داود، والترمذي من حديث أَبي الدرداء ﵁ عن النبي - ﷺ - قال:\n\"ما من شيء يوضع في الميزان أَثقلَ من حسن الخلق، وِإن صاحِبَ حُسْنِ الخلق ليبلغ به درجةَ صاحبِ الصَّومِ والصَّلاةِ\" (^٢).\n• وخرَّجَ ابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال: \"ألا أخبركم بأحبكم إلى الله، وأَقربكم مني مجلسا يوم القيامة؟ قالوا: بلى. قال:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٩٠/ ٦ (الحلبي) من طريق هاشم بن القاسم عن ليث عن بريد بن عبد الله بن أسامة عن عمرو بن أبي عمرو، عن الطلب، عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\n\"إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجات قائم الليل صائم النهار\".\nوأبو داود في السنن: كتاب الأدب: باب في حسن الخلق ٥/ ٣٤٩ من طريق قتيبة بن سعيد، عن يعقوب الإسكندراني، عن عمرو - به - بنحوه.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٤٤٢ عن عبد الملك بن عمرو وابن أبي بكير عن إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم، عن خاله عطاء بن نافع أنهم دخلوا على أم الدرداء فأخبرتهم أنها سمعت أبا الدرداء يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن أفضل شيء في الميزان، قال ابن أبي بكير: \"أثقل شيء في الميزان يوم القيامة! الخلق الحسن\" وأخرجه من وجه آخر عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء عن النبي - ﷺ - ٤٥١/ ٦ - ٤٥٢ بنحو رواية ابن بكير. وهو في ٤٤٦، ٤٤٨ مختصرًا.\nوالترمذي في السنن: كتاب البر والصلة: باب حسن الخلق ٤/ ٣٦٢ - ٣٦٣ من وجهين أولهما عن ابن أبي عمر، عن عمرو بن دينار، عن ابن أبي مليكة، عن يعلي بن مملك، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء مرفوعًا بنحو رواية ابن بكير وفيه زيادة: \"وإن الله ليبغض الفاحش البذيء\".\nوعقب عليه بقوله:\nوفي الباب عن عائشة وأبي هريرة وأنس وأسامة بن شريك وهذا حديث حسن صحيح.\nوأخرجه، عقبه عن أبي كريب، عن قبيصة بن الليث، عن مطرف، عن عطاء، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء باللفظ الذي أورده ابن رجب وعقب عليه بقوله: هذا حديث غريب من هذا الوجه.\nوأخرجه أبو داود في كتاب الأدب: باب حسن الخلق ٥/ ١٤٩ - ١٥٠ بنحو رواية ابن بكير.","vol":"2","page":542},{"text":"أَحسنكم خلقا\" (^١).\n• وقد سبق حديث أَبي هريرة عن النبي - ﷺ -:\n\"أَكثر ما يدخل الجنة: تقوى الله، وحسن الخلق\" (^٢).\n* * *\n• وخرج أَبو داود من حديث أَبي أُمامة عن النبي - ﷺ - قال:\n\"أَنا زعيم ببيت في أَعلى الجنة لمن حَسن خلقه\" (^٣).\nوخرجه الترمذي وابن ماجه بمعناه من حديث أَنس (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-760>[تفسير السلف لحسن الخلق].</span>\nوقد روي عن السلف تفسير حسن الخلق.\nفعن الحسن قال: حسن الخلق: الكرم والبِذْلَةُ والاحتمال.\n* * *\n• وعن الشعبي قال: حسن الخلق: البذلة، والعطية، والبشر الحسن وكان الشعبي كذلك.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه ابن حبان في صحيحه ١/ ٣٥٢ من الإحسان من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن محمد بن عبد الله عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله - ﷺ - قال في مجلس: ألا أخبركم بأحبكم إليَّ وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة ثلاث مرات يقولها - قلنا: بلى يا رسول الله! قال: أحسنكم أخلاقا\".\n(^٢) ص ٤٦٩.\n(^٣) أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الأدب: باب حسن الخلق ٥/ ١٥٠ - ١٥١ من طريق محمد ابن عثمان الدمشقي عن أيوب بن محمد السعدي، عن سليمان بن حبيب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أنا زعيم ببيت في رَبض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحًا، وببيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه\" فهكذا جاء النص في سنن أبي داود.\n(^٤) الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في المراء ٤/ ٣٥٨ من حديث ابن أبي فديك، عن سلمة بن وردان الليثي، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من ترك الكذب وهو باطل بني له في رَبَض الجنة (ما حولها) ومن ترك المراء وهو محق بني له في وسطها، ومن حسَّنَ خلقه بني له في أعلاها\". ثم قال الترمذي: وهذا الحديث حديث حسن لا نعرفه إلا من حديث سلمة بن وردان عن أنس بن مالك. ورواه ابن ماجه في مقدمة سننه من حديث ابن أبي فديك - به - بمثله.","vol":"2","page":543},{"text":"• وعن ابن المبارك قال: هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكف الأَذى (^١).\n* * *\n• وسئل سلام بن أبي مطيع، عن حسن الخلق فأَنشد:\nتراه إذا ما جئته متهلِّلًا … كأنَّكَ تُعطيه الذي أَنت سائلهْ\nولو لما يكن في كفه غيرُ روحه … لجادَ بها فلْيتَّق الله سائلُهْ\nهو البحر من أَيّ النواحي أَتيتَه … فلُجَّته المعروف والجود ساحلهْ\n* * *\n• وقال الإِمام أَحمد: \"حسن الخلق: أَن لا تغضب ولا تحتد\".\n• وعنه أَنه قال: \"حسن الخلق: أَن تحتمل ما يكون من الناس\".\n* * *\n• وقال إسحاق بن راهويه: \"هو بسط الوجه، وأَن لا تغضب ونحو ذلك\".\n• قال محمد بن نصر: وقال بعض أهل العلم: حسن الخلق كظم الغيظ لله، وإظهار الطلاقة والبشر إِلا للمبتدع والفاجر، والعفو عن الزالِّين إِلأ تأديبا، أو إقامة حد، وكف الأَذى عن كل مسلم، أو معاهَد، إِلا تغيير منكر، وأَخذا بمظلمة لمظلوم من غير تعد.\n* * *\n• وفي مسند الإِمام أَحمد من حديث معاذ بن أَنس الجهني عن النبي - ﷺ - قال: \"أفضل الفضائل أَن تصلَ من قطعك، وتعطى من حرمك، وتصفحَ عمن شَتَمكَ\" (^٢).\n• وخرج الحاكم عن حديث عقبة بن عامر الجهني قال: قال لي رسول الله - ﷺ -:\n_________\n(^١) أورده الترمذي آخر باب حسن الخلق ٤/ ٣٦٣. والمروزي في تعظيم قدر الصلاة ٨٧٥.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٣٨ من طريق ابن لهيعة، عن زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن رسول الله - ﷺ - قال:\n\"أفضل الفضائل أن تصل من قطعك، وتمطي من متعك، تصفح عمن شتمك\".\nوفيه ابن لهيعة وزبان بن فائد.\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ٨/ ١٨٩ عن الطبراني وقال: فيه زبان بن فائد وهو ضعيف.","vol":"2","page":544},{"text":"\"يا عقبة! أَلا أُخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك\" (^١).\n• وخرج الطبراني من حديث علي ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"أَلا أَدلك على أَكرم أخلاق أهل الدنيا والآخرة؟ أَن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك\" (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ١٦١ ولم يعقب عليه بشيء، وسكت عنه الذهبي، فالحديث من هذا الطريق حسن.\n(^٢) أورده الهيثمي في المجمع ٨/ ١٨٨ - ١٨٩ وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه الحارث وهو ضعيف.","vol":"2","page":545},{"text":"<span data-type='title' id=toc-761>الحديث التاسع عشر</span>\nعَنْ أَبي الْعَبَّاسِ: عَبد الله بْنِ عبَّاسٍ رَضِيَ الله تعَالَى عَنْهُمَا قالَ: كُنْتُ خَلْف النَّبيّ - ﷺ - يَومًا، فَقالَ:\n\"يَا غُلامُ! إِنِّي أُعَلّمُك كَلَمات: احفْظَ الله يَحْفَظك، احْفَظ الله تَجدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلتَ فَاسْأَل الله، وَإذَا اسْتعَنْتَ فاسْتَعِنْ بالله، وَاعْلَم أَن الأُمة لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفعُوكَ بِشَيء، لَمْ يَنْفعوكَ إِلَّا بِشْيءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله تَعَالَى لَكَ، وِإنْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيءٍ، لَم يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيء قَدْ كَتَبهُ اللهُ تَعَالَى عَلَيكَ، رُفِعَتِ الأَقْلامُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ\". رَوَاهُ التِّرمِذِي وَقالَ: حَديِثٌ حَسن صَحِيحٌ.\n• وَفي رِوَايَة غَيْرِ التِّرْمِذي: \"احفْظ الله تَجِدْهُ أَمامَكَ، تَعَرَّفْ إلَى الله في الرَّخاء، يَعْرفْكَ في الشّدَّةِ، وَاعْلَم أَنَّ ما أَخْطَأَكَ لَم يَكُنْ لُيِصيِبَكَ، وَما أَصَابَك لَم يَكُنْ لِيُخْطئَكَ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبر، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ العُسرِ يُسْرًا\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-762>[تخريج الحديث]:</span>\n• هذا الحديث خرجه الترمذي من رواية حنش الصنعاني عن ابن عباس.\n• وخرجه الإِمام أَحمد من حديث حنش أيضًا جمع إِسنادين آخرِين منقطعين، ولم يميز لفظ بعضها من بعض. ولفظ حديثه: \"يا غلام! أو يا غُلَيِّم! ألا أُعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ \" فقلت: بلى. فقال: \"احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أَمامك، تعرف إِلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، قد جفَّ القلم بما هو كائن، فلو أن الخلق كلَّهم جميعًا أَرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله، لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيءِ، لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، واعلم أنِ في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا (^١) \".\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي من رواية حنش الصنعاني عن ابن عباس في كتاب صفة القيامة باب (٥٩) ٤/ ٦٦٧ وقال: هذا حديث حسن صحيح.\nوأخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٣٣، ٢٦٩ - ٢٧٠ (المعارف) بإسنادين صحيحين، وفي ٤/ ٢٨٦ - ٢٨٨ (المعارف) =","vol":"2","page":547},{"text":"وهذا اللفظ أتم من اللفظ الذي ذكره الشيخ ﵀ وعزاه إِلى غير الترمذي، واللفظ الذي ذكره الشيخ رواه عَبْدُ بن حُمَيْد في مسنده بإِسناد ضعيف، عن عطاء، عن ابن عباس.\nوكذلك عزاه ابن الصلاح في الأَحاديث الكلية التي هي أَصل أَربعين الشيخ ﵀ إلى عبد بن حميد وغيره.\n• وقد روي هذا الحديث عن ابن عباس من طرق كثيرة من رواية ابنه علي، ومولاه عكرمة، وعطاء بن أَبى رباح، وعمرو بن دينار، وعبيد الله بن عبد الله، وعمر مولى غُفْرة، وابن أَبي مُلَيكة وغيرهم.\nوأَصح الطرق كلها: طريق حنش الصنعاني التي خرجها الترمذي - كذا قاله ابن منده وغيره.\n• وقد روي عن النبي - ﷺ - أَنه وصى ابن عباس بهذه الوصية من حديث علي بن أَبي طالب وأبي سعيد الخدري، وسهل بن سعد، وعبد الله بن جعفر. وفي أَسانيدها كلها ضعف.\nوذكر العقيلي (^١) أَن أَسانيد الحديث كلها لينة. وبعضها أَصلح من بعض.\nوبكل حال فطريق حنش التي خرجها الترمذي حسنة جيدة.\n\n<span data-type='title' id=toc-763>[هذا الحديث]:</span>\n• وهذا الحديث يتضمن وصايا عظيمة، وقواعد كلية من أهم أُمور الدين حتى قال بعض العلماء (^٢): تدبرت هذا الحديث فأَدهشني وكدت أَطيش؛ فوا أَسفا من الجهل بهذا الحديث، وقَلَّةِ التفهُّم لمعناه؟!.\n_________\n= بثلاثة أسانيد: اثنان منقطعان، والثالث صحيح، وهذا الموضع هو الذي ذكر ابن رجب عن أحمد أنه لم يميز بعضها من بعض. لكن صنيع ابن رجب يوهم أن أحمد لم يرو الحديث إلا منقطعًا غير مميز السند مع أن أحمد روى الحديث صحيحا في الموضعين الأولين دون وهم أو التباس، ورواه صحيحًا أيضا في واحد من الثلاثة التي التبست عليه، راجع ما كتبه الشيخ أحمد شاكر عن صنيع ابن رجب ورواية أحمد للحديث في المواطن الثلاثة وانظره في المنتخب من مسند عبد بن حميد ص ٢١٤ وهامشه.\n(^١) في الضعفاء ٥٣/ ٣ - ٥٤.\n(^٢) هو أبو الفرج بن الجوزي في كتابه صيد الخاطر كما ذكر ذلك ابن رجب في الجزء الحديثي الذي أفرده لشرح الحديث، وهو \"نور الاقتباس في مشكاة وصية النبي إلى ابن عباس\" راجع ص ٩.","vol":"2","page":548},{"text":"• قلت: وقد أَفردت لشرحه جزءًا كبيرًا.\nونحن نذكر هاهنا مقاصده على وجه الاختصار، إِن شاءَ الله تعالى.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-764>[احفظ الله]:</span>\nفقوله ﷺ: \"احفظ الله\" يعني احفظ حدودُه، وحقوقَه، وأوَامِرَهُ ونواهيَه.\n• وحفظ ذلك: هو الوقوف عند أَوامره بالامتثال، وعند نواهيه، بالاجتناب، وعند حدوده، فلا يتجاوز ما أمر به وأذن فيه، إلى ما نُهي عنه. فمن فعل ذلك فهو من الحافظين لحدود الله الذين مدحهم الله في كتابه. وقال ﷿: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)﴾ (^١) وفُسِّر الحفيظ هنا بالحافظ لأوامر الله، وبالحافظ لذنوبه؛ ليتوب منها.\nومن أَعظم ما يجب حفظه من أَوامر الله: الصلاة، وقد أَمر الله تعالى بالمحافظة عليها فقال: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ (^٢) ومدح المحافظين عليها بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (^٣).\n• وقال النبي - ﷺ -:\n\"من حافظ عليها كان له عند الله عهدٌ أَن يُدْخلَه الجنةَ\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة ق: ٣٢ - ٣٣.\n(^٢) سورة البقرة: ٢٣٨.\n(^٣) سورة المؤمنون: ٩.\n(^٤) رواه أحمد في المسند ٤/ ٢٦٧ (الحلبى) من رواية عبد الصمد وعفان عن همام، عن قتادة، عن حنظلة الكاتب قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\n\"من حافظ على الصلوات الخمس: ركوعهن وسجودهن ووضوئهن ومواقيتهن وعلم أنهن حق من عند الله دخل الجنة أو قالا وجبت له الجنة\".\nورواه عقبه من رواية محمد بن جعفر، عن سعيد عن قتاده - به - بنحوه وفيه\" … يراها حقا لله عليه حُرِّم على النار\".\nورواه الطبراني في المعجم الكبير ١٢/ ٤ ح ٣٤٩٦ بنحو الوجه الثاني عند أحمد.\nوأورده الهيثمي في المجمع ١/ ٢٨٨ - ٢٨٩ عن أحمد والطبراني في الموضعين وقال: ورجال أحمد رجال الصحيح.\nكما أورده المنذري في الترغيب والترهيب ١/ ٢٤٧ عن أحمد في المسند بالوجوه الآنفة وقال: رواه أحمد بإسناد جيد، ورواته، رواه الصحيح.","vol":"2","page":549},{"text":"وفىِ حديث آخر:\n\"من حافظ عليهن كنّ له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم القيامة\" (^١).\n• وكذلك الطهارة؛ فإِنها مفتاح الصلاة وقال النبي - ﷺ -:\n\"لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-765>[ومما يؤمر بحفظه]:</span>\n• ومما يؤمر بحفظه: الأَيمان، قال الله ﷿: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ (^٣) فإِن الأَيمان يقع الناس فيها (^٤) كثيرًا، ويهمل كثير منهم ما يجب بها فلا يحفظه ولا يلتزمه.\n* * *\n• ومن ذلك: حفظ الرأْس والبطن كما في حديث ابن مسعود المرفوع.\n\"الاستحياءُ من الله حقَّ الحياء: أَن تحفَظَ الرَّأْسَ وما وَعَى، وتَحْفَظَ البَطْنَ وما حَوَى\".\nخرجه الإِمام أَحمد والترمذي (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ١٠/ ٨٣١ (المعارف) ح ٦٥٧٦ من رواية أبي عبد الرحمن بن سعيد، عن كعب بن علقمة، عن عيسى بن هلال الصدفي، عن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - أنه ذكر الصلاة يوما فقال: \"من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبيّ بن خلف\" وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢٩٢ وقال: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أحمد ثقات.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٧٧ (الحلبي) من رواية أبي معاوية، عن الأعمش، عن سالم، عن ثوبان، قال: قال رسول الله - ﷺ -: استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن.\nوأخرجه من طريق وكيع ويعلي عن الأعمش - به - في ٥/ ٢٨٢ بمثله.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ١٣٠ عن أحمد بن جعفر القطعي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أحمد بن حنبل به بنحوه، وفيه: واعلموا أن خير دينكم الصلاة … \".\nوأخرجه عقبه من وجهين عن ثوبان بنحوه وقد صححهما وأقره الذهبي وذكر الحاكم أن هذا الحديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ولا علة له إلا وهم من أبي بلال الأشعري وهم فيه علي أبي معاوية، ثم أورد هذه الرواية الموهمة وفيها جاء هذا الحديث من رواية أبي بكر بن إسحاق عن الحسين بن يسار الحناط، عن أبي بلال الأشعري، عن محمد بن خازم عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بنحوه وانظر ما مضى ص ٢٧٠.\n(^٣) سورة المائدة: ٨٩.\n(^٤) ب: \"فيه\".\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦ (المعارف) بإسناد ضعيف عن محمد بن عبيد، عن أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد، عن مرة الهمداني، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ - ذات يوم استحيوا من الله ﷿ حق الحياء، قال: قلنا: يا رسول الله! إنا نستحيي والحمد لله. قال: ليس ذلك،=","vol":"2","page":550},{"text":"<span data-type='title' id=toc-766>[ما الذي يدخل في حفظ الرأس؟]:</span>\n• وحفظ الرأْس وما وعى يدخل فيه حفظ السمع والبصر واللسان من المحرمات. وحفظ البطن وما حوى يتضمن حفظَ القلب عن الإِصرار على مُحَرَّم، قال الله ﷿: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ (^١) وقد جمع الله ذلك كلَّه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (^٢).\nويتضمن أَيضًا حفظ البطن من إِدخال الحرام إِليه من المآكل والمشارب.\n* * *\n• ومن أَعظم ما يجب حفظه من نواهي الله ﷿: اللسان والفرج، وفي حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"من حفظ ما بين لَحْيَيْهِ وما بين رجليه دخل الجنة\".\nخرجه الحاكم (^٣).\n_________\n= ولكن من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما حوى، وليحفظ البطن وما وعى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينهْ الدنيا؛ فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله ﷿ حق الحياء\". وقد ذكر محققه كيف أن الصباح بن محمد ضعيف جدًّا، وكيف أنه يروي الموضوعات، ويرفع الموقوفات، كما ذكر ابن حبان والذهبي وغيرهما.\nوالحديث رواه الترمذي في كتاب صفة القيامة: باب ٢٤ - ٤/ ٦٣٧ ح ٢٤٥٨ من طريق محمد بن عبيد - به - بنحوه وفيه نستحيي - ليس ذاك … ولتذكر … \".\nوقد عقب عليه بقوله: هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٢٣ من طريق مروان بن معاوية عن أبان بن إسحاق به - بنحوه. بيد أنه ذكر الصباح بن محارب بدل الصباح بن محمد فهل ذلك خطأ مطيعي أم هو أمر متعمد من الحاكم؟ إن كان خطأ مطبعيًّا وقد جاء هكذا في تعليق الذهبي فكيف صححاه معا وقد عرفت عن الصباح بن محمد ما قد عرفت وإن كان أمرا مقصودا من الحاكم وقد أقره الذهبي فكيف والصباح بن محارب ليس من رواة هذه الطبقة؟\nوانظر ما علق به المرحوم الشيخ شاكر عند تخريجه لرواية المسند المذكورة وإيراده لرواية المستدرك وقد مضى الحديث ص ٣١٠.\n(^١) سورة البقرة: ٢٣٥.\n(^٢) سورة الإسراء ٣٧.\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٥٧ من طريق وهيب عن أبي واقد عن إسحاق مولى زائدة، عن محمد ابن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"من حفظ ما بين لحييه ورجليه دخل الجنة\". وليس فيه: \"وما بين … \".\nوقد صححه الحاكم وأقره الذهبي.","vol":"2","page":551},{"text":"وخرج الإِمام أَحمد من حديث أَبي موسى ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"من حفظ ما بين فُفْمَيْه (^١) وفرجه دخل الجنة\" (^٢).\nوأمر الله ﷿ بحفظ الفروج، ومدح الحافظين لها فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٤).\nوقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (^٥) إِلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (^٦).\n• وقال أبو إِدريس الخَوْلاني: أَوّل ما وصى الله به آدم عند إهباطه إلى الأرض: حفظه فرجه وقال: لا تضعه إِلا في حلال.\n\n<span data-type='title' id=toc-767>[قوله - ﷺ -: يحفظك]:</span>\n• وقوله - ﷺ -: \"يحفظك\" يعني: أَن من حفظ حدود اللَّه، وراعى حقوقَه - حفظه الله؟ فإِن الجزاء من جنس العمل؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ (^٧).\nوقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (^٨).\nوقال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ (^٩).\n_________\n(^١) قال في النهاية ٣/ ٤٦٥: الفقم بالضم والفتح اللحي، يريد: من حفظ لسانه وفرجه.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٩٨ (الحلبي) من طريق أحمد بن عبد الملك، عن موسى بن أعين، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن رجل، عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا.\nوأورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٣٨ وقال: \"رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني بنحوه، ورجال الطبراني وأبي يعلى ثقات، وفي رجال أحمد راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات.\nوالظاهر أن الراوي الذي سقط عند أحمد هو سليمان بن يسار\".\nوهذا التعليق من الهيثمي أدق من تعليق المنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٥٢٦ حيث أورد حديث أبي موسى - هذا - وعمم في الحكم حيث قال: \"رواه أحمد والطبراني وأبو يعلي والحفظ له ورواته ثقات\" وقد عرفت أن إسناده عن أحمد منقطع: فيه راو لم يسم.\n(^٣) سورة النور: ٣٠.\n(^٤) سورة الأحزاب: ٣٥.\n(^٥) سورة المؤمنون: ١، ٢.\n(^٦) سورة المؤمنون: ٥، ٦.\n(^٧) سورة البقرة: ٤٠.\n(^٨) سورة البقرة: ١٥٢.\n(^٩) سورة محمد: ٧.","vol":"2","page":552},{"text":"• وحفظ الله لعبده يدخل فيه نوعان: أَحدهما: حفظه له في مصالح دنياه، كحفظه في بدنه وولده وأَهله وماله، قال الله ﷿: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-768>[من أقوال السلف]:</span>\n• قال ابن عباس: هم الملائكة؛ يحفظونه بأَمر الله (مما لم يقدَّر) فإذا جاءَ القدر خَلَّوْا عنه (^٢).\n* * *\n• وقال عليّ ﵁؟ \"إِن مع كل رجل مَلَكَيِنْ يحفظانه مما لم يقدَّر، فإذا جاءَ القَدَرُ خَلَّيا بيْنَهُ وبينه، وإِن الأَجَلَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ\" (^٣).\n• وقال مجاهد: \"ما من عبد إلا له مَلَكٌ يحفظهُ في نومه ويقظته من الجن والإِنس والهوام، فما من شيء يأتيه إِلا قال له: وَرَاءَكَ، إِلا شيئا أَذن الله فيه فيصيبه\" (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-769>[من الدعاء لذلك]:</span>\n• وخرج الإِمام أَحمد وأَبو داود والنسائي من حديث ابن عمر ﵄ قال: لم يكن رسول الله - ﷺ - يدع هؤلاء الدعوات حين يمسى، وحين يصبح: \"اللهم! إِني أسألك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم! إني أَسألك العفوَ والعافيةَ في ديني ودنياي وأَهلي ومالي، اللهم! استُرْ عوراتي، وآمنْ رَوْعاتي (^٥)، واحفظني من بين يديَّ، ومن خَلفي، وعن يميني وعن شِمالي ومن فوقي، وأَعوذ بعظمتك أَن أغتالَ من\n_________\n(^١) سورة الرعد: ١١.\n(^٢) تفسير ابن كثير ٢/ ٥٠٣، وما بين القوسين من ر.\n(^٣) تفسير الطبري ١٦/ ٣٧٨ (المعارف) وقد أورده ابن جرير عن أبي مجلز، قال: جاء رجل من مراد إلى علي ﵁ وهو يصلي، فقال: احترس؛ فإن ناسا من مراد يريدون قتلك! فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر، فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه، وإن الأجل جنة حصينة ا هـ. وقد رواه عن يعقوب عن ابن علية عن عمارة عن أبي مجلز.\nوقد فسر الطبري معنى الآية على هذا فقال (١٦/ ٣٧٧): ومعنى ذلك: يحفظونه من أمر الله، وأمر الله: الجن ومن يبغي أذاه ومكروهه قبل مجئ قضاء الله، فإذا جاء قضاؤه خلوا بينه وبينه.\n(^٤) تفسير الطبري ١٦/ ٣٧٧ - ٣٧٨، وتفسير ابن كثير في الموضع السابق. وفيه ليث بن أبي سليم.\n(^٥) ب: عورتى .. روعتي\" وعند أبي داود: اللهم استر عورتي وقال عثمان: \"عوراتي … \".","vol":"2","page":553},{"text":"تحتي\" (^١).\nومن حفظ الله في صباه وقوّته حفظه الله في حال كِبَرِه، وضعْف قوّته، ومتَّعه بسمعه، وبصره، وحوله، وقوته، وعقله.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-770>[حفظ العبد جوارحه في صغره]:</span>\n• وكان بعض العلماء قد جاوز المائة سنة وهو ممتَّع بقوته وعقله، فوثب يوما وثبة شديدة، فعوتب في ذلك فقال: هذه جوارح حفظناها عن المعاصي في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر.\n\n<span data-type='title' id=toc-771>[وعكسه]:</span>\n• وعكس هذا: أَن بعض السلف رأى شيخًا يسأل الناس فقال: \"إن هذا ضيَّع الله في صغره، فضيَّعه الله في كبره\".\n\n<span data-type='title' id=toc-772>[حفظ الله العبد في ذرِّيَّتِهِ]:</span>\nوقد يحفظ الله العبد بصلاحه بعد موته في ذريته كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (^٢) الآية: إِنهما حفظا بصلاح أبيهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-773>[من أقوال السلف في ذلك]:</span>\n• قال سعيد بن المسيب لابنه: \"لأَزيدنّ في صلاتي من أَجلك رجاء أَن أُحفظ فيك، ثم تلا هذه الآية: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٨/ ١٤ - ١٥ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه.\nوأبو داود في كتاب الأدب: باب ما يقول إذا أصبح ٥/ ٣١٥ - ح ٥٠٧٤.\nوالنسائي في كتاب الاستعاذة: باب الاستعاذة من الخسف ٨/ ٢٨٢ ح ٥٥٢٩ شطره الأَخير: أن ابن عمر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: اللهم إني أعوذ بعظمتك أن أُغتال من تحتي\".\nقال جبير: وهو الخسف، قال عبادة: فلا أدري قول النبي - ﷺ - أو قول جبير.\nورواه عقبه ح ٥٥٣٠ من حديث جبير عن ابن عمر قال: كان النبي - ﷺ - يقول: اللهم! فذكر الدعاء وقال في آخره: أعوذ بك أن أغتال من تحتي، يعني بذلك الخسف.\n(^٢) سورة الكهف: ٨٢.\n(^٣) قال ابن كثير في التفسير (٣/ ٩٩) تعليقا على الآية الكريمة: فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم، ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم كما جاء في القرآن والسنة، قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر=","vol":"2","page":554},{"text":"• وقال عمر بن عبد العزيز: \"ما من مؤمن يموت إلا حفظه الله في عقبه وعقّب عقبه\".\n• وقال ابن المنكدر: \"إِن الله ليحفظ بالرجل الصالح وَلَده وولد وَلَدِه والدُّوَيْرَات (^١) التي حوله، فما يزالون في حفظ من الله وسِتر\".\n\n<span data-type='title' id=toc-774>[القاعدة في ذلك]:</span>\nومتى كان العبد مشتغلا بطاعة الله فإِن الله يحفظه في تلك الحال.\n• وفي مسند الإمام أَحمد (^٢) عن النبي - ﷺ - قال: \"كانت امرأَة في بيت فخرجت في سرية من المسلمين وتركت ثنتي عشرة عنزًا وصيصيِّتَهَا كانت تنسج بها، قال: ففقدت عنزًا لها وصيَصيِّتَهَا فقالت: يا رب إنك قد ضمنت لمن خرج في سبيلك أن تحفظ عليه وإِني قد فقدت عنزا من غنمي وصِيصيَّتي، وإني أَنْشُدُكَ عَنْزِي وصِيصِيَّتي. قال: وجعل النبي - ﷺ - يذكر شدة مناشدتها ربَّها ﵎، قال رسول الله - ﷺ -: فأَصبحت عنزها ومثلُها وصِيصِتُها ومثلها.\nوالصيصية: هي الصنارة التي يغزل بها وَيُنْسَج (^٣).\nفمن حفظ الله حفظه الله من كل أَذى.\n* * *\n• قال بعض السلف: من اتقى الله فقد حفظ نفسه، ومن ضيع تقواه؛ فقد ضيع\n_________\n= لهما صلاحا. ثم ذكر أنه لم يكن الأب - المباشر وإنما كان الأب - السابع.\nأقول: هذا إذا كانت الذرية سائرة على متن الاستقامة بعد الآباء وإن لم يظهر لها كبير شأن في هذا المجال فقد قال تعالى لنوح ﵇ عن ابنه العاصي: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. فقول ابن جبير: \"ولم يذكر لهما صلاحا؛ ليس فيه دليل على نفيه بالمرة، غاية الأمر كان أمرا مسكوتا عنه؛ لأن الاهتمام كان بالحديث عن بركة أبيهما.\n(^١) الدويرات: جمع دويرة، وهي تصغير دارة، وهي الدار والمحل يجمع البناء. اهـ قاموس.\n(^٢) من حديث حميد بن هلال، قال: كان رجل من الطفاوة طريقه علينا فأتى على الحي فحدثهم قال: قدمت المدينة في عمر لنا فبعنا بياعتنا ثم قلت: لأنطقن إلى هذا الرجل فلآتين مَنْ بعدي بخبره، قال: فانتهيت إلى رسول الله - ﷺ - فإذا هو يريني بيتا قال: إن امرأة كانت فيه. فخرجت في سرية من المسلمين … الحديث بنحوه وليس بنصه وفي آخره: وهاتيك فأتها فاسألها أن شئت؟ قال: قلت بل أصدقك. راجع المسند ٥/ ٦٧ (الحلبي) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٢٧٧ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n(^٣) راجع النهاية ٣/ ٦٧.","vol":"2","page":555},{"text":"نفسه، والله الغني عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-775>[من عجيب حفظ الله للعبد]:</span>\n• ومن عجيب حفظ الله لمن حفظه: أَن يجعل الحيوانات المؤذيةَ بالطبع حافظةً له من الأذى؛ كما جرى لسفينة مولى النبي - ﷺ - (^١) حيث كُسر به المركب، وخرج إِلى جزيرة فرأَى الأسد فجعل يمشي معه حتى دلَّه على الطريق، فلما أَوقفه عليها جعل يُهَمهِم كأَنه يودعه! ثم رجع عنه!.\n• ورؤي إِبراهيم بن أَدهم نائما في بستان وعنده حية في فمها طاقة نرجس، فما زالت تذُبُّ عنه حتى استيقظ.\n\n<span data-type='title' id=toc-776>[وعكس هذا]:</span>\n• وعكس هذا: أَن من ضيع الله ضيعه الله فضاع بين خلقه، حتى يدخل عليه الضرر والأذى ممن كان يرجو نفعَه من أهله وغيرهم.\nكما قال بعض السلف: \"إِني لأعصي الله، فأَعرفُ ذلك في خُلُق خادمي ودابتي\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-777>[النوع الثاني من الحفظ]:</span>\n• النوع الثاني من الحفظ وهو أشرف النوعين: حفظ الله لِلْعبد في دينه وإيمانه، فيحفظه في حياته من الشبهات المضلة، ومن الشهوات المحرمة، ويحفظ عليه دينَه عند\n_________\n(^١) سفينة مولى رسول الله - ﷺ - هو مهران بن فروخ ويقال نجران ويكنى أبا عبد الرحمن وقيل: أبا البختري كان عبد لأم سلمة فأعتقته، وشرطت عليه أن يخدم النبي - ﷺ -. وقد روى ابن عبد البر والحاكم وابن حجر سبب تسميته ورووا حديثه في ذلك قال: سماني رسول الله - ﷺ - سفينة وذلك أني خرجت معه، ومعه أصحابه يمشون فثقل عليهم متاعهم، فحملوه علي، فقال رسول الله - ﷺ -: أحمل؛ فإنما أنت سفينة، فلو حملت يومئذ وقر بعير ما ثقل علي.\nثم روى الحاكم من حديث سفينة قال:\nركبت البحر فانكسرت سفينتي التي كنت فيها، فركبت لوحا من ألواحها فطرَحني اللوح في أجمة فيها الاُسد، فأقبل إلي يريدني، فقلت: يا أبا الحارث، أنا مولى رسول الله - ﷺ -، فطأطأ رأسه، وأقبل إلي، فدفعني بمنكبه، حتى أخرجني من الأجمة، ووضعني على الطريق وهمهم، فظننت أنه يودعني، فكان ذلك آخر عهدي به.\nوقد صححه على شرط مسلم وأقره الذهبي.\nراجع الاستيعاب ٢/ ٦٨٤ - ٦٨٥، والمستدرك ٣/ ٦٠٦، وتهذيب التهذيب ٤/ ١٢٥.","vol":"2","page":556},{"text":"موته، فيتوفاه على الإِيمان.\nقال بعض السلف: إِذا حضر الرجلَ الموتُ يقال للملَك: شُمَّ رأْسَهُ قال: أَجد في رأسه القرآن، قال: شُمَّ قلبه، قال: أجد في قلبه الصيام. قال: شُمَّ قدميه. قال: أَجد في قدميه القيام. قال: حفظ نفسه، فحفظه الله.\n\n<span data-type='title' id=toc-778>[دعاء المؤمن بالحفظ]:</span>\n• وفي الصحيحين عن البراءِ بن عازب (^١) عن النبي - ﷺ -: أَنه أَمره أَن يقول عند منامه: إِن قبضتَ نفسي فارحمها، وإن أَرسلتَها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين (^٢).\n• وفي حديث عمر ﵁ أن النبي - ﷺ - علمه أن يقول: \"اللهم احفظني بالإِسلام قائما، واحفظني بالإسلام قاعدا، واحفظني بالإِسلام راقدًا، ولا تطع فيَّ عدوا ولا حاسدا\".\nخرجه ابن حبان في صحيحه (^٣).\n_________\n(^١) الذي في الصحيحين من حديث البراء بن عازب قال: قال النبي - ﷺ -: \"إذا أتيتَ مضجعك فتوضأُ وضوءك للصلاة، ثم اضصجع على شقك الأيمن، ثم قل: اللهم إني أسلمت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجي منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، وبنبيك الذى أرسلت، فإن مت عن ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلهن آخر ما تتكلم به\" البخاري في كتاب الوضوء: باب فضل من بات على الضوء ١/ ٣٥٧ ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع ٤/ ٢٠٨١ - ٢٠٨٣ من طرق.\n(^٢) هذا الحديث ليس في الصحيحين من حديث البراء بن عازب كما جاء في النسخة الأصلية التي أقرها المؤلف وغيرها وإنما هو من حديث أبي هريرة ﵁. أخرجه البخاري في كتاب الدعوات: باب (١٢) ١١/ ١٢٥ - ١٢٦ ح ٧٣٩٣ وطرفه في ٦٣٢٠.\nومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب ما يقول عند النوم وأخذ الضجع ٤/ ٢٠٨٤ بلفظ: \"إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فليأخذ داخلة إزاره \"طرفه\" فلينفض بها فراشه، وليسم الله؛ فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه، فإذا أراد أن يضطجع فليضطجع على شقه الأيمن، وليقل: سبحانك اللهم ربي، بك وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فاغفر لها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين\".\n(^٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه ٢/ ١٤٣ من الإحسان ح ٩٣٠ من طريق ابن شهاب، عن العلاء بن رؤبة التميمي عن هاشم بن عبد الله بن الزبير: \"أن عمر بن الخطاب ﵁ أصابته مصيبة فأتى رسول الله - ﷺ - فشكا إليه ذلك، وسأله أن يأمر له بوسق من تمر، فقال له رسول الله: \"إن شئت أمرت لك بوسق من تمر، وإن شئت علمتك كلمات هي خير لك؟ قال: علمنيهن ومر لي بوسق فإني ذو حاجة إليه، فقال: قل اللهم احفظني بالإسلام قاعدًا، واحفظي بالإسلام راقدًا، ولا تطع في عدوا حاسدًا، وأعوذ بك من شر ما أنت آخذ بناصيته، وأسألك من الخير الذي هو بيدك كله\".\nوقد عقب عليه بقوله: توفي عمر بن الخطاب وهاشم بن عبد الله بن الزبير ابن تسع سنين.","vol":"2","page":557},{"text":"وكان النبي - ﷺ - يودع من أراد سفرا فيقول: \"أَستودع الله دينك وأَمانتك وخواتيم عملك\" (^١).\nوكان يقول:\n\"إن الله إِذا استُودع شيئًا حَفِظَهُ\".\nخرجه النَّسَائِي وغيره (^٢).\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات: باب ما يقول إذا ودع إنسانا ٥/ ٤٩٩ - ٥٠٠ من طريقين عن ابن عمر، قال عن الأول: حديث غريب، وعن الثاني: حديث حسن صحيح.\nوهو عند أحمد في المسند ٧/ ١٠، ٧١ - ٧٢ و٩/ ٩٣ ح ٤٧٨١، ٤٩٥٧، ٦١٩٩ (المعارف) بأسانيد صحيحه من حديث يحيى بن إسماعيل عن قزعة، عن عبد الله بن عمر.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٨/ ٣٣ - ٣٥ المعارف من وجهين عن نهشل بن مجمع، عن قزعة، عن عبد الله بن عمر قال: أخبرنا رسول الله - ﷺ - أن لقمان الحكيم كان يقول: \"إن الله إذا استودع شيئًا حفظه\". وقد يتبادر إلى الأذهان أن هذا حديث غير الحديث السابق وتتبع الروايات يدلنا على أنهما حديث واحد أو أن أصلهما حديث واحد.\nولعله لهذا أشار ابن رجب أو نص في تخريجه له على إخراج النَّسَائِي ثم أشار إلى تخريج غيره له.\nفلئن كانت رواية المسند لحديث الوداع في موطن وروايته لحديث لقمان في موطن آخر: إن رواية النَّسَائِي للحديث تدل صراحة على أنهما حديث واحد فقد روى النَّسَائِي الحديث في عمل اليوم والليلة من وجوه شتى ص ١٦٠ - ١٦٤ ح ٥١٠ - ٥٢٧.\nلقد روى حديث الوداع: \"استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك\" مرفوعًا وحده من طرف ثم روى حديث لقمان وحده كذلك.\nثم رواهما معا في حديث واحد من طريق نهشل بن مجمع الضبي عن قزعة قال: كنت عد ابن عمر، فلما خرجت شيعني وقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"قال لقمان الحكيم: إن الله إذا استودع شيئًا حفظه وإني أستودع الله دينك وأَمانتك وخواتم عملك وأقرأ عليك السلام\".\nوهذا هو الاتجاه الذي اتجه إليه الشيخ أحمد شاكر عند تعليقه على حديث لقمان ٨/ ١٤ أن أصل الحديثين حديث واحد إلا أنه ﵀ - تصورهما - حديثين لعدم حصوله آنئذ على عمل اليوم والليلة للنسائي وروى قول لقمان ورفع ذلك كله إلى النبي - ﷺ -.\nوقد كان الأحرى أن يكون حديث لقمان هو الأول في الذكر لأنَّه بمثابة القاعدة وقد رتب النبي - ﷺ - عليه حديث الوداع.\nفقد حكى - ﷺ - حديث لقمان: أن الله إذا استودع شيئا حفظه ثم قال: وإني استودع الله دينك … إلخ.\nوقد قرأنا رواية النَّسَائِي للحديثين حديثا واحدًا كما قد قرأنا إِسناد الحديثين مفرقين ومجموعين وكيف أنه في الصورتين من طريق نهشل بن مجمع الضبي عن قزعة وأبي غالب عن ابن عمر سواء في ذلك من رواه مفرقا كأحمد في المسند، ومن رواه على الصورتين كالنسائي في عمل اليوم والليلة.","vol":"2","page":558},{"text":"<span data-type='title' id=toc-779>[من هو المحفوظ بعناية الله ﷿؟]:</span>\n• وفي الجملة فإن الله ﷿ يحفظ على المؤمن الحافظ لحدوده دينه، ويحول بينه وبين ما يفسد عليه دينه - بأنواع من الحفظ، وقد لا يشعر العبد ببعضها، وقد يكون كارها له، محما قال في حق يوسف ﵇: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-780>[من المأثور عن السلف]:</span>\n• قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ (^٢) قال: يحول بين المؤمن وبين المعصية التي تجرهُ إلى النار (^٣).\n* * *\n• وقال الحسن، وذكر أَهلَ المعاصي: \"هانوا عليه، فعَصوُه، ولو عزُّوا عليه لعصمهم!؟ \".\n* * *\n• وقال ابن مسعود: \"إن العبد ليَهُما بالأمر من التجارة والإمارة حتى يُيَسَّرَ له فينظر الله إليه، فيقول للملائكة: اصرفوه عنه؛ فإني إِن يسرته (^٤) له أَدخلته النار، فيصرفه الله عنه، فيظل يتطير بقوله: سبقني (^٥) فلان، دهاني (^٦) فلان، وما هو إلا فضل الله ﷿!؟ \".\n* * *\n• وخرج الطبراني من حديث أَنس عن النبي - ﷺ -: يقول الله ﷿:\n\"إن من عبادي من لا يُصلح إِيمانَهُ إِلا الفقر (^٧)، وِإن بسطتُ عليه أَفسده ذلك.\nوإن من عبادي من لا يُصْلحُ إِيمانَهُ إِلا الغنى، ولو أَفقرتُه لأفسده ذلك.\nوإِن من عبادي من لا يُصْلِحُ إِيمانَهُ إِلا الصحة، ولو أَسقَمْتهُ لأَفسده ذلك.\nوإِن من عبادي من لا يُصْلِحُ إيمانَهُ إِلا السُّقْم، ولو أَصححته لأَفسده ذلك\n_________\n(^١) سورة يوسف: ٢٤.\n(^٢) سورة الأنفال: ٢٤.\n(^٣) أخرجه ابن جرير في التفسير ١٣/ ٤٦٩: بلفظ: بحول بين الكافر وبين طاعته، ويحول بين المؤمن وبين معصيته.\n(^٤) ب: عليه.\n(^٥) في المطبوعة: \"سبني\" وهو تحريف.\n(^٦) في المطبوعة: \"وأهانني\".\n(^٧) ب: \"الغني\" وهو تحريف.","vol":"2","page":559},{"text":"وِإن من عبادي من يطلب بابًا من العبادة فأَكُفُّهُ عنه لكيلا يَدْخُلَهُ العُجْبُ.\nإني أُدبِّر [أمر] (^١) عبادي بعلمي بما في قلوبهم. إِني عليم خبير\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-781>[احفظ الله تجده تجاهك]:</span>\n• وقوله - ﷺ -: احفظ الله تَجِدهُ تُجَاهَكَ\" وفي رواية \"أمامك\" معناه: أَن من حفظ حدود الله، وراعى حقوقه، وجد الله معه في كل أَحواله حيث توجه، يحوُطه وينصره ويحفظه ويوفقه ويسدده؛ فإِن الله مع الذين اتَّقَوْا والذين هم محسنون.\n\n<span data-type='title' id=toc-782>[من مأثور السلف]:</span>\n• قال قتادة: \"من يتق الله يكن معه، ومن يكن الله معه فمعه الفئة التي لا تُغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل! \" (^٢).\n* * *\n• كتب بعض السلف إِلى أَخ له: \"أَما بعد! فإِن كان الله معك فَمَنْ تَخَافُ؟ وِإن كان عليك فَمنْ تَرْجُو؟ \".\nوهذه المعية الخاصة هي المذكورة في قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ (^٣) وقول موسى: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (^٤) وفي قول النبي - ﷺ - لأبي بكر وهما في الغار: \"ما ظنك باثنين: الله ثالثهما؛ لا تحزن إِن الله معنا\" (^٥).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-783>[بين المعيتين: الخاصة والعامة]:</span>\n• فهذه المعية الخاصة تقتضي النصر والتأييد والحفظ والإعانة، بخلاف المعية العامة المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا\n_________\n(^١) ليست في ب. والحديث ضعيف كما ذكر ابن حجر. وانظر المجمع ١٠/ ٢٧٠.\n(^٢) الخبر في الحلية ٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠.\n(^٣) سورة طه: ٤٦.\n(^٤) سورة الشعراء: ٦٢.\n(^٥) متفق عليه: بخاري ٣٦٥٣، ٣٩٢٢، ٤٦٦٣ ومسلم ٢٣٨١.","vol":"2","page":560},{"text":"هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ (^١).\n• وقوله: ﴿وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ (^٢) فإن هذه المعية تقتضي علمه واطلاعه ومراقبته لأعمالهم؛ فهي مقتضية لتخويف العباد منه.\n• والمعية الأولى: تقتضي حفظ العبد وحياطته ونصره، فمن حفظ الله وراعى حقوقه وجده أَمامه وتجاهه على كل حال فاستأْنسَ به، واستغنى به عن خلقه.\nكما في حديث: \"أَفضل الإِيمان أَن يَعْلَمَ العَبْدُ أَن الله معه حَيْثُ كان\" وقد سبق (^٣).\n• وروي عن بُنان الجمال أَنه دخل البرِّيَّةَ وحده على طريق تبوك فاستوحش، فهتف به هاتف: \" لم تستوحش؟! أَليس حبيبك معك (^٤)؟ \".\n• وقيل لبعضهم: \" أَلا تستوحش وحدك؟ فقال: كيف أَستوحش وهو يقول: أَنا جليس من ذكرني؟ \".\n• وقيل لآخر: نراك وحدك؟ فقال: \" من يكن الله معه كيف يكون وحده؟ \".\n• وقيل لآخر: \"أما معك مؤنس؟ قال: بلى، قيل له: أَين هو؟ قال؟ أَمامي ومعي وخلفي وعن يميني وعن شمالي وفوقي!؟ \".\n• وكان الشِّبْلي يُنْشِد:\nإِذا نحن أَدلجنا وأَنت أَمامَنَا … كفى لمطايانا بذكركَ هَاديا\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-784>[المعرفة بين العبد وربه]:</span>\n• فقوله - ﷺ -: \"تعرَّف إلى الله في الرخاءِ يعرفك في الشدة\" يعني أَن العبد إِذا اتقى الله، وحفظ حدوده، وراعى حقوقه في حال رخائه، فقد تعرف بذلك إِلى الله، وصار بينه وبين ربه معرفة خاصة، فعرفه ربه في الشدة، وراعى له تعرُّفه إِليه في الرخاء، فنجاه من الشدائد بهذه المعرفة.\n_________\n(^١) سورة المجادلة: ٧.\n(^٢) سورة النساء: ١٠٨.\n(^٣) تقدم ص ١٢٣ عن الطبراني من حديث عبادة بن الصامت، وعن البزار من رواية معاوية الغاضري.\n(^٤) م: الخبر في الحلية ٤٠/ ٣٢٤ بنحوه.","vol":"2","page":561},{"text":"وهذه معرفة خاصة تقتضي (^١) قرب العبد من ربه، ومحبته له، وِإجابته لدعائه.\n\n<span data-type='title' id=toc-785>[معرفة العبد لربه نوعان]:</span>\n• فمعرفة العبد لربه نوعان: أحدهما المعرفة العامة، وهي معرفة الإقرارِ به، والتصديق والإِيمان. وهذه عامة للمؤْمنين.\n• والثاني معرفة خاصة تقتضي ميلَ القلب إلى الله بالكلية، والانقطاعَ إليه، والأُنسَ به، والطمأنينة بذكره، والحياءَ منه، والهيبةَ له.\nوهذه المعرفة الخاصة هي التي يدور حولها العارفون، كما قال بعضهم: \"مساكين أَهلُ الدنيا خرجوا منها ما وما ذاقوا فيها\". قيل له: وما هو؟ قال: \"معرفة الله ﷿!؟ \".\n• وقال أَحمد بن عاصم، الأَنطاكي: \"أحب أَن لا أَموت حتى أعرف مولاي، وليس معرفته الإقرارَ به، ولكن المعرفة التي إِذا عرفته استحييتَ منه! \".\n\n<span data-type='title' id=toc-786>[معرفة الله لعبده نوعان]:</span>\nومعرفة الله [أيضًا] لعبده نوعان:\n• معرفة عامة، وهي علمه ﷾ بعباده واطلاعه على ما أَسرَّوهُ وما أَعْلَنُوه كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ (^٢) وقال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ (^٣).\n• والثاني معرفة خاصة، وهي تقتضي محبتَه لعبده، وتقريبَه إِليه، وإِجابة دعائه وِإنجاءَهُ من الشدائد. وهي المشار إِليها بقوله - ﷺ - فيما يحكي عن ربه ﷿ ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ فإِذا أَحْبَبْتُه كنت سمعَه الذي يسمعِ به، وِبصَرَه الذي يُبِصرُ به، ويدَه التي يَبْطشُ بها، ورجْلَه التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينَّه ولئن استعاذني لأُعِيذَنَّه (^٤).\n_________\n(^١) ب: \" فصار بينه وبين ربه معرفة خاصة تقتضي … \".\n(^٢) سورة ق: ١٦.\n(^٣) سورة النجم: ٣٢.\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق: باب التواضع ١١/ ٢٩٣ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن الله تعالى قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما زال عبدي يتقرب إلي … الحديث. وفي ب: \" ورجله التي يمشي عليها … \" وفي ر: \" فلئن سألني \" وهو الحديث (٣٨) من الكتاب.","vol":"2","page":562},{"text":"وفي رواية: \" ولئن دعاني لأُجِيبَنَّهُ\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-787>[من مواقف السلف]:</span>\n• ولما هرب الحسن من الحجاج دخل إِلى بيت حبيب: أَبي (^١) محمد فقال له حبيب: يا أبا سعيد! أَليس بينك وبين ربك ما تدعوه به (^٢) فَيَسْتُرَك من هؤلاء؟ ادخل البيت فدخل ودخل الشُّرَط على أَتره فلم يروه. فذكر ذلك للحجاج. فقال: بل كان في البيت إلا أَنَّ الله طمس أَعينهم فلم يروه.\n* * *\n• واجتمع الفضيل بن عياضِ بشعوانة العابدة فسألها الدعاءَ فقالت! \" يا فضيل! وما بينك وبينه؟ ما إِن دعوتَه أجابك؟ \" فغشي على الفضيل (^٣).\n* * *\n• وقيل لمعروف: \" ما الذي هيجك إِلى الانقطاع والعبادة، وذكر له (^٤) الموتَ والبرزخَ والجَنَّةَ والنَّارَ؟ فقال معروف! إِن مَلِكًا هذا كلُّه بيده إِن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا!؟ \".\n\n<span data-type='title' id=toc-788>[وفي الجملة]:</span>\n• وفي الجملة فمن عامل الله بالتقوى والطاعة في حال رخائه عامله الله باللطف والإِعانة في حال شدته.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-789>[والدليل]:</span>\n• وخرج الترمذي من حديث أَبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال:\n\"من سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِيبَ الله له عند الشَّدَائد فَلْيُكْثِرِ الدُّعاءَ في الرَّخَاء\" (^٥)\n_________\n(^١) في م: \"حبيب بن محمد\".\n(^٢) ليست في ب.\n(^٣) صفة الصفوة ٤/ ٣٨.\n(^٤) ليست في م.\n(^٥) أخرجه الترمذي في السنن: كتاب الدعوات: باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة ٥/ ٤٦٢ وقال: حديث غريب. وصححه الحاكم في المستدرك ١/ ٥٤٤ وأقره الذهبي.","vol":"2","page":563},{"text":"• وخرج ابن أبي حاتم وغيره من رواية يزيدَ الرقَاشي عن أَنس يرفعه أن يونس ﵊ لما دعا في بطن الحوت قالت الملائكة: يا رب! هذا صوت معروف من بلاد غريبة؟ فقال الله ﷿: أَما تعرفون ذلك؟ قالوا: من هو؟ قال: عبدي يونس قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يُرفَع له عمل متقبَّلٌ، ودعوةٌ مُسْتَجَابَةٌ؟ قال: نعم قالوا: يا رب! أَفلا ترحم ما كان يصنع في الرخَاء فتنجِّيَه من البلاءِ؟ قال: بلى. فأمر الله ﷿ الحوت فطرحه بالعراءِ (^١).\n* * *\n• وقال الضحاك بن قيس: \"اذكروا الله في الرخاء يذكركم في الشدة، إِن يونُسَ ﵊ كان يذكر الله تعالى فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (^٢).\n• وإن فرعون كان طاغيا ناسيا لذكر الله فلما أَدركه الغرق قال: آمنت فقال الله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (^٣).\n* * *\n• وقال سلمان الفارسي: إذا كان الرجُلُ دَعَّاءً في السراءِ فنزلت به ضراءُ فدعا الله تعالى، قالت الملائكة: صوت معروف؛ فشفعوا له. وإِذا كان ليس بدعَّاءٍ في السراءِ فنزلت به ضراءُ فدعا الله قالت الملائكة: صوتٌ لَيْسَ بمعروف، فلا يشفعون له.\n• وقال رجل لأَبي الدرداءِ: أَوصني فقال: \" اذكُرِ الله في السَّرَّاءِ يَذْكُرْكَ ﷿ في الضَّراءِ (^٤) \".\nوعنه أَنه قال: \"ادْعُ اللهَ في يوم سرَّائكَ لعله أَن يستجبَ لك في يوم ضَرّائك (^٥)!؟ \".\n* * *\n_________\n(^١) أورده ابن كثير فِي التفسير ٣/ ١٨٧ عن ابن أبي حاتم من حديث أنس مرفوعًا: أن يونس النبي ﵊ حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات، وهو في بطن الحوت، فقال: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فأقبلت الدعوة تحن بالعرش، قالت الملائكة يا رب هذا صوت ضعيف معروف .. الحديث. وإسناده مضعف بيزيد لكن أورده ابن كثير من وجه آخر صحيح عن أبي هريرة قبله.\n(^٢) سورة الصافات: ١٤٣.\n(^٣) سورة يونس ط: ٩١.\n(^٤) الحلية ١/ ٢٠٩ وفيه - بعد هذا - \" وإذا أشرفت على شيء من الدنيا فانظر إلى ما يصير.\n(^٥) الزهد لأحمد ص ١٦٨.","vol":"2","page":564},{"text":"<span data-type='title' id=toc-790>[أعظم الشدائد]:</span>\nوأَعظم الشدائد اليَ تنزل بالعبد في الدنيا: الموت، وما بعده أَشَد منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-791>[وجوب الاستعداد]:</span>\n• إِن لم يكن مصير العبد إلى خير. فالواجب على المؤمن: الاستعداد للموت وما بعده في حال الصحة بالتقوى والأعمال الصالحة قال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-792>[وأثر ذلك]:</span>\n• فمن ذكر الله في حال صحته ورخائه، واستعد حينئذ للقاء الله ﷿ بالموت وما بعده - ذكره الله عند هذه الشدائد فكان معه فيها، ولطف به وأَعانه وتولاه وَثبَّتَهُ على التَّوحِيد، فلقيه وهو عنه راض.\nومن نسي الله في حال صحته ورخائه ولم يستعدَّ حينئذ للفائه نسيه الله في هذه الشدائد، بمعنى أنه أعرض (^٢) عنه وأَهمله. فإِذا نزل الموت بالمؤمن المستعد له أحسن الظن بربه، وجاءَته البشرى من الله فأحب لمَاء الله: وأَحب الله لقاءَه.\nوالفاجر بعكس ذلك.\nوحينئذ يفرح المؤمن ويستبشر بما قدمه مما هو قادم عليه، ويندم المفرط، ويقول: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-793>[من مأثور السلف]:</span>\n• قال أَبو عبد الرحمن السلمي قبل موته: \" كيف لا أرجو ربي وقد صُمْتُ له ثمانين رمضان؟ \".\n* * *\n• وقال أبو بكر بن عياش لابنه عند موته: \" أترى الله يضيع لأبيك أربعين سنة يختم\n_________\n(^١) سورة الحشر: ١٨.\n(^٢) ب: \" إِذا أعرض … \" وفيها زيادة خاطئة.\n(^٣) سورة الزمر من الآية ٥٦.","vol":"2","page":565},{"text":"القرآن كل ليلة؟ \".\n• وختم آدم بن أبي إِياس القرآن وهو مسجي للموت ثم قال: \" بِحُبِّي لك إِلا رفقت بي في هذا المصرع، كنت أؤَمّلُكَ لهذا اليوم، كنت أرجو: \" لا إله إلا الله! \" ثم قضى.\n• ولما احْتُضِرَ زكرياءُ بن عدي رفع يديه وقال: \"اللهم إِني إليك لمشتاق! \".\n* * *\n• وقال عبد الصمد الزاهد عند موته: \"سيدي لهذه الساعة خَبَأتُك، فلهذا اليوم اقتنيتُكَ، حَقِّقْ حُسْنَ ظنِّي بك!؟ \".\n* * *\n• وقال قتادة في قول الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ (^١) قال: من الكرب عند الموت.\n* * *\n• وقال علي بن أَبي طلحة، عن ابن عباس في هذه الآية: ينجِّيه من كل كرب في الدنيا والآخرة (^٢).\n* * *\n• وقال زيد بن أَسلم في قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (^٣).\nقال: يبشر بذلك عند موته، وفي قبره، ويوم يبعث؛ فإنه لفي الجنة وما ذهبت فرحة البشارة من قلبه (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) سورة الطلاق: ٢. والخبر عند ابن كثير في التفسير ٤/ ٣٨١ بتمامه.\n(^٢) أورده ابن كثير في التفسير ٤/ ٣٨٠ وزاد: \" من شبهات الأمور \" في الموضع السابق.\n(^٣) سورة فصلت: ٣٠.\n(^٤) أورده ابن كثير في التفسير ٤/ ٩٩ وقال: \" رواه ابن أبي حاتم، وهذا القول يجمع الأقوال كلها، وهو حسن جدًّا، وهو الواقع\". وعنده: \" وحين يبعث\".","vol":"2","page":566},{"text":"• وقال ثابت البناني في هذه الآية: \" بلغنا أَن المؤمن حيث يبعثه الله من قبره يتلقاه ملكاهُ اللذان كانا معه في الدنيا فيقولان له: لا تخف ولا تحزن فيؤمن الله خوفه، ويقر الله عينه، فما من عظيمة تغشي الناس يوم القيامة إِلا هي للمؤمن قرة عين لا هداه الله [﵎]، ولما كان يعمل [له] في الدنيا (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-794>[إذا سألت فاسأل الله]:</span>\n• وقوله - ﷺ -: \" إِذا سأَلت فاسأل الله وإِذا استعنتَ فاستعن بالله \".\nهذا منتزع من قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (^٢) فإِن السؤال لله هو دعاؤه والرغبة إِليه. والدعاءُ هو العبادة. كذا روي عن النبي - ﷺ - حدثِ النعمان بن بشير، وتلا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^٣).\n• خرجه الإمام أحمد وأَبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (^٤).\nوخرج الترمذي من حديث أَنس بن مالك عن النبي - ﷺ -:\n\" الدعاءُ مخُّ العبادة \" (^٥).\nفتضمن هذا الكلام: أَن يُسأَلَ الله ﷿، ولا يُسألَ غيره، وأَن يُستعانَ بالله دون غيره.\nفأَما السؤال فقد أمر الله بمسألته فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٦) وفي الترمذي عن ابن مسعود مرفوعًا:\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير في الموضع السابق، وفيه: إن العبد المؤمن .. لا تخف ولا تحزن ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ قال: فيؤمن الله خوشه. وما لين الأقواس منه.\n(^٢) سورة الفاتحة: ٤.\n(^٣) سورة غافر: ٦٠.\n(^٤) مسند أحمد ٤/ ٢٧١ (الحلبي).\nوسنن أبي داود: كتاب الصلاة: باب الدعاء ٢/ ١٦٣.\nوسنن الترمذي في كتاب التفسير: باب (٤٢) من سورة المؤمن ٥/ ٣٧٤ - ٣٧٥، وفي كتاب الدعوات: باب ما جاء في فضل الدعاء ٥/ ٤٦٥ وقال: حديث حسن صحيح.\nوسنن ابن ماجه في كتاب الدعاء: باب فضل الدعاء ٢/ ١٢٥٨. كلهم من حديث النعمان بن بشير.\n(^٥) سنن الترمذي في كتاب الدعوات: باب ما جاء في فضل الدعاء ٥/ ٤٥٦ من طريق علي بن حجر، عن الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن أبان بن صبح، عن أنس بن مالك، عن النبي - ﷺ - وقد عقب عليه بقوله: هذا حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. وانظره في ضعيف الترمذي ح ٦٦٩.\n(^٦) سورة النساء: ٣٢.","vol":"2","page":567},{"text":"\"سلوا الله من فضله؛ فإِن الله يُحب أَن يُسأَل\" (^١).\n• وفيه أَيضًا عن أَبي هريرة مرفوعًا:\n\" من لا يسأَلِ الله يغضَبُ عليه \" (^٢).\nوفي حديث آخر: \" ليسأَلْ أَحدُكم ربَّهُ حَاجَتَهُ كلَّها، حتى يَسْألَهُ شِسْعَ نعله إِذا انقطع \" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات: باب انتظار الفرج ٥/ ٥٦٥ تاما وفيه بعد هذا: وأفضل العبادة انتظار الفرج. وقد قال أبو عيسى عقب الحديث: هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث، وقد خولف في روايته. وحماد بن واقد - هذا - هو الصفار - ليس بالحافظ وهو عندنا شيخ بصري.\nثم قال الترمذي: وروى أبو نعيم هذا الحديث عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن النبي - ﷺ - - مرسل - وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح.\n(^٢) سنن الترمذي: كتاب الدعوات: باب (٢) ٥/ ٤٥٦ - ٤٥٧ وأفاد أنه حديث غريب.\nوعلى ما عند الحاكم والذهبي في المستدرك ١/ ٤٩١ فهو حسن.\n(^٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه ٢/ ١٢٦ من الإحسان من وجهين عن قطن بن نُسير، عن جعفر بن سليمان عن ثابت البناني، عن أنس مرفوعًا بنحوه وأخرجه الترمذي في السنن: كتاب الدعاء: باب حدثنا أبو داود: سليمان بن الأشعث ٤/ ٢٩٢ من تحفة الأحوذي من طريقين: متصل بمثله، ومرسل بنحوه، وذكر المبار كفوري أن المرسل أصح أنه من رواية صالح بن عبيد الله عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن النبي - ﷺ -.\nأما المتصل فهو من رواية قطن عن جعفر، عن ثابت؛ وصالح بن عبد الله أوثق من قطن، قال: ومع ذلك قد تابع صالح بن عبد الله غير وأحد وانظر باقي كلام المبار كفوري في الموضع المذكور وقد أحلنا هنا إلى الطبعة الهندية للترمذي مع تحفة الأحوذي، إذ أن النسخة التي نحيل إليها غالبا - سقط منها سبعة أبواب في كتاب الدعوات قبل كتاب الفضائل مباشرة ومنها هذا الباب الذي خرج الترمذي حديث أنس فيه متصلا ومرسلا وهو آخر باب في الأبواب السبعة المذكورة.\nولست أدري سبب فقد هذه الأبواب من هذه الطبعة سيما، وأرقام الصفحات قبل هذه الأبواب وبعدها متتالية الأمر الذي نقطع معه أنها فأتت المحقق فلزم التنبيه، عسى أن تستدرك في الطبعات القادمة.\nوهي الطبعة التي حقق الجزأين الأول والثاني منهما العلامة المرحوم الشيخ أحمد شاكر وأتمها من بعده فضيلة الشيخ إبراهيم عطوة وطبعتها شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر - الطبعة الأولى ١٣٨٥ هـ / ١٩٦٥ م وجل من لا يسهو.\nوفيما يتعلق بقطن الذي أعِلَّت الرواية المتصلة به، والذي من أجله قيل: إن الحديث مرسلا أصح منه متصلا والذي قد يستغرب معه هذا الحكم أو قد يقال كيف يكون المرسل أصح من المتصل مع أن من المعروف أن المرسل نوع من الضعيف؟.\nفلنترجم أولا لقطن النأخذ طريقنا بذلك أو مع ذلك لإزالة الاستغراب، وللإِجابة على التساؤل وهو وارد ولا شك.\nوقطن هو قطن بن نسير البصري أو عباد الغبري المعروف بالذرع.\nروى عن جعفر بن سليمان الضبعي وبشر بن منصور السليمي وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم.\nروى عنه مسلم حديثًا واحدا في فضل ثابت بن قيس بن شماس وأبو داود.\nوروى الترمذي عن أبي داود عنه حديث أنس الذي معنا.","vol":"2","page":568},{"text":"<span data-type='title' id=toc-795>[النهي عن سؤال المخلوقين]:</span>\n• وفي النهي عن مسألة المخلوقين أَحاديث كثيرة صحيحة.\n_________\n= قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه فرأيته يحمل عليه، وذكر أنه روى أحاديث عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس مما أنكر عليه.\nوتال ابن عدي: كان يسرق الحديث ويوصله.\nوذكره ابن حبان في الثقات.\nوقال ابن عدي: حدثنا البغوي، حدثنا القواريري حدثنا جعفر عن ثابت بحديث: \" ليسأل أحدكم ربه حاجته كلها (أي هكذا مرسلا) فقال رجل للقواريري: إن شيخا يحدث به عن جعفر عن ثابت عن أنس؟ (أبي متصلا) فقال القواريري: باطل. قال ابن عدي: وهو كما قال. وانظر التهذيب ٨/ ٣٨٢ - ٣٨٣ والتحفة ٤/ ٢٩٣. والشيخ المذكور يقصد به قطن بن نسير فلما كانت الرواية المتصلة من طريق قطن أعلت به، وكان هو علتها القادحة في صحته:\nولما كانت الرواية المرسلة من طريق الثقات قيل إن المرسل أصح أبي أن ثابتا لم يصح عنه إلا أنه أرسل الحديث ثم رواه عنه - هكذا - هؤلاء الثقات.\nوكأنما كان المباكفوري يجيب بهذا على سؤال يفرض نفسه وقد روى الحديث متصلًا ومرسلًا ما هي الرواية الصحيحة في الروايتين؟.\nوهل الصحيح أن هذا الحديث متصل أم أن الصحيح أنه مرسل؟.\nأو بمعنى أدق ما هي الرواية اقي نثق بها: هل هي رواية من وصل الحديث أم رواية من أرسله؟\nهذا هو محور السؤال أو إطاره.\nوهذه خطوة لابد منها قبل طرح سؤال آخر: هل الحديث صحيح أم غير صحيح؟\nفقول القائل: إن الحديث مرسلا أصح منه متصلًا يجيب على الطرح الأول هل الحديث مرسل أم متصل الإسناد؟ وعند المقارنة بين رجال الإسناد في كل من الروايتين سنستطيع أنا نقول: أن رواية الثقات أصح من رواية غيرهم أو هي الرواية الصحيحة.\nوحيث أن رواية الإرسال أتت من طريق الثقات فهي أصح في وصف الحديث من الرواية الأخرى أو هي الرواية الصحيحة ثم يبقى السؤال بعد أن عرفنا أن الأصح إرسال الحديث: ما مدى قبول هذا المرسل وهو نوع من الضعيف؟ وهل يمكن أن يرتقي إلى مستوى القبول؟\nوالجواب أنه بالنسبة لهذا الحديث فكلا الروايتين من حيث القبول لا من حيث ثبوت وصف الإرسال أو الاتصال - كلا الروايتين من حيث القبول: ضعيفة بيد أن جهة الضعف في كل منهما تخالف الأخرى. فالرواية المرسلة ضعيفة من جهة عدم ذكر الصحابي.\nوالرواية المتصلة ضيفة براويها الأول قطن بن نسير.\nلكن هذا الضعف مما يقبل الجبر.\nإن ضعف الرواية المتصلة يجبر بصالح بن عبيد الله في الرواية المرسلة.\nوإن ضعف المرسلة يجبر بذكر الصحابي وهو أنس في الرواية المتصلة.\nولعل هذا هو ما دعا المناوي في التيسير ٢/ ٣١٩ أن يقول عن الرواية المتصلة: إسناده صحيح أو حسن. ويعقب على الرواية المرسلة بقوله: ورواه البزار وغيره متصلا.\nوكأنما يشير إلى الجابر لإرساله فتكون المرسلة من قبيل الحسن لغيره. والله أعلم.","vol":"2","page":569},{"text":"وقد بايع النَّبيَّ - ﷺ - جماعةٌ من أَصحابه على أَن لا يسأَلوا الناس شيئًا، منهم: أَبو بكر الصديق، وأبو ذر، وثَوْبَانُ: وكان أَحدهم يسقط سوطه أَو خطام ناقته فلا يسأل أَحدا أَن يناوله إِياه.\n• وخرَّج ابن أَبي الدنيا من حديث أَبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أَن رجلا جاءَ إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إِن بني فلان أَغاروا عليّ فذهبوا بابني وإِبلي؟ فقال له النبي - ﷺ -: إن آل محمد كذا وكذا أَهل بيت مالهم مدٌّ من طعام أَو صاع فاسأَل الله ﷿ فرجع إِلى امرأته فقالت: ما قال لك؟ فأخبرها، فقالت: نِعْمَ مَا رَدَّ عليك!؟. فما لبث أَن رد الله عليه ابنه وإِبله أَوفر ما كانت، فأَتى النَّبيَّ - ﷺ - فأَخبره، فصعد المنبر، فحمد الله وأَثنى عليه، وأَمر الناس بمسألة الله ﷿، والرغبة إِليه، وقرأَ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (^١).\nوقد ثبت في الصحيحين عن النبي - ﷺ - أَن الله ﷿ يقول: \"هل من داع فأَستجيبَ له؟ هل من سائلٍ فأعطيَه سُؤْلَهُ؟ هل من مستغفر فأَغِفرَ له؟ \" (^٢).\n_________\n(^١) سورة الطلاق: ٢، ٣ وقد أورد ابن كثير في التفسير ٤/ ٣٨٠ سياقا آخر في شأن نزول الآية الكريمة عن ابن أبي حاتم، ومحمد بن إسحاق أن مالكا الأشجعي جاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال له: أسر ابني عوف، فقال له رسول الله - ﷺ -، أرسل إليه أن رسول الله يأمرك أن تكثر من قول \"لا حول ولا قوة إلا بالله\" وكانوا قد شدوه بالقد، فسقط القد عنه، فخرج، فإذا هو بناقة لهم، فركبها، وأقبل، فإذا بسرح القوم الذين كانوا قد شدوه، فصاح بهم فأتبع أولها آخرها، فلم يفجأ أبويه إلا ينادي بالباب، فقال أبوه: عوف ورب الكعبة، فقالت أمه: واسوأتاه! وعوف كيف يقدم؟ لما هو فيه من القد، فاستبقا الباب والخادم، فإذا هو عوف قد ملأ الفناء إبلا فقص على أبيه أمره وأمر الإبل، فقال أبوه: قفا حتى آتي رسول الله - ﷺ - فأسأله عنها، فأتى رسول الله - ﷺ - فأخبره بخبر عوف، وخبر الإبل، فقال له رسول الله - ﷺ -: اصنع بها ما أحببت وما كنت صانعا بما لك ونزل ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ والحديث أورده البيهقي في الدلائل ٦/ ١٠٦، ١٠٧ عن ابن أبي الدنيا، وعن الحاكم.\n(^٢) أخرج البخاري هذا الحديث في ثلاثة مواطن من صحيحه: الأول في كتاب التهجد: باب الدعاء والصلاة من آخر الليل ١/ ٢٩ من رواية عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة وأبي عبد الله الأغرّ، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ \".\nوالثاني في كتاب الدعوات: باب الدعاء نصف الليل ١١/ ١٢٨ - ١٢٨ - ١٢٩ من رواية عبد العزيز بن عبد الله عن مالك - به - بنحوه، وفيه: \"إلى سماء الدنيا\".\nوالثالث في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ ١٣/ ٤٦٤ عن إسماعيل بن=","vol":"2","page":570},{"text":"* وخرج المحاملي وغيره من حديث أَبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: قال الله تعالى:\n\"من ذا الذي دعاني فلم أُجبهُ؟ وسألني فلم أُعطِه؟ واستغفرني فلم أَغفِر له، وأَنا أَرْحَمُ الراحمِينَ؟ \".\n\n<span data-type='title' id=toc-796>[سؤال الله هو الواجب المتعين]:</span>\n* واعلم أَن سؤال الله ﷿ (^١) دون خلقه هو المتعين؛ لأن السؤال فيه إظهار\n_________\n= أبي أُويس، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أبي عبد الله الأَغرّ عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: يتنزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا … الحديث\".\nوأخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه ١/ ٥٢١ - ٥٢٣ من طريق يحيى بن يحيى عن مالك - به - بمثل رواية البخاري الأولى.\nومن حديث سهيل عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: ينزل الله إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول، فيقول: أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب … فلا يزالُ كذلك حتى يضيء الفجر\".\nومن حديث يحيى، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه، ينزل الله ﵎ إلى السماء الدنيا فيقول: هل من سائل يعطى؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؛ حتى ينفجر الصبح.\nومن طريق سعد بن سعيد، عن ابن مرجانة، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ينزل الله في السماء الدنيا لشطر الليل أو لثلث الليل الآخر فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ أو يسألني فأعطيه ثم يقول: من يقرض غير عديم ولا ظلوم! \".\nومن وجه آخر عن سعد بن سعيد بهذا الإسناد، وزاد: \"ثم يبسط يديه ﵎ يقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم!؟ \".\nومن حديث أبي سعيد وأبي هريرة قالا: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله يمهل حتى إذا ذهب ثلث الليل الأول نزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر؟ هل من تائب؟ هل من سائل؟ هل من داع؟ حتى ينفجر الفجر\".\nوهأنتذا ترى بعد هذا العرض لروايات البخاري ومسلم أنه ليس فيها نص ما أورده ابن رجب منسوبا إليهما إلا أن يريد أن فيهما معنى هذا اللفظ الذي أورده وهذا ما أستبعده؛ إذ لا حاجة له إلى هذا وهو الحافظ الحجة. إن الرواية التي أوردها ملفقة الألفاظ من الرواية الأولى عند مسلم والبخاري وهي التي اتفقا على إيرادها ومن الرواية الثالثة لمسلم. وليس لها وجود بنصها هذا لا في البخاري ولا في مسلم، فهل كان يملي من الذاكرة؟ في هذه الرواية؟ أم كان يملي من الحافظة وكتب الناسخ باقي كل جملة من الذاكرة؟.\nعلى أية حال فنحن لا نستطيع أن نأخذ من قوله: وثبت في الصحيحين عن النبي - ﷺ - .. الحديث أن هذا الذي أورده قد ثبت بنصه وإنما الذي نقوله مستيقنين: نعم ثبت هذا لكن بمعناه لا بلفظه.\nوهو أمر غير مقبول من حافظ كابن رجب، نأخذ عنه الدقة والضبط في النقل وذاكرته يقظى، وعلمه غزير، ومكتبته حافلة؟!.\n(^١) ر: إن السؤال \"لله ﷿\".","vol":"2","page":571},{"text":"الذل من السائل، والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسئول على دفع هذا الضرر، ونَيْل المطلوب، وجلب المنافع، ودرءِ المضارّ، ولا يصلح الذل والافتقار إِلا للهِ وحده؛ لأنَّه حقيقة العبادة.\n\n<span data-type='title' id=toc-797>[دعاء الإِمام أحمد]:</span>\n* وكان الإمام أَحمد يدعو ويقول: \"اللهم! كما صُنْتَ وجهي عن السجود لغيرك، فصنه عن المسألة لغيرك\".\n\n<span data-type='title' id=toc-798>[هو القادر وحده]:</span>\n* ولا يقدر على كشف الضر، وجلب النفع سواه كما قال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ (^١)، وقال: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (^٢) والله سبحانه يحب أَن يُسأَلَ ويُرغبَ إِليه في الحوائج. وَيُلَحَّ في سؤاله ودعائه، ويَغْضَبُ على من لا يسأله، ويستدعي من عباده سؤالَهُ وهو قادِر على إِعطاءِ خلقه كلِّهم سُؤْلَهم من غير أَن ينقص من ملكه شيء.\nوالمخلوق بخلاف ذلك كله يكره أَن يُسْأَلَ، ويحب أَن لا يُسْأَل: لعجزه وفقره وحاجته.\n\n<span data-type='title' id=toc-799>[من مأثورات السلف]:</span>\n* ولهذا قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك: \"ويحك! تأْتي من يغلق عنك بَابَهُ؟ ويُظْهِر لك فَقْرَة؟ ويواري عنك غِنَاهُ؟ وتدع مَنْ يفتح لك بابه بنصف الليل ونصف النهار؟ ويظهر لك غناهُ؟ ويقول: ادعني أستجبْ لك؟ \".\n* وقال طاووس لعطاء: \"إِياك أَن تطلب حوائجك إِلى من أَغلق دونك بابه، ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة، أَمرك أَن تسأَله، ووعدك أَن يجيبك\".\n\n<span data-type='title' id=toc-800>[حكمة الاستعانة بالله وحده]:</span>\n* وأَما الاستعانة بالله ﷿ دون غيره من الخلق فلأَن العبد عاجزٌ عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضارِّه، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إِلا الله ﷿،\n_________\n(^١) سورة يونس: ١٠٧.\n(^٢) سورة فاطر: ٢.","vol":"2","page":572},{"text":"فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول.\n* وهذا تحقيق معنى قول: \"لا حول ولا قوة إِلا بالله\" فإن المعنى: لا تحوُّل للعبد من حال إلى حال، ولا قوة له على ذلك إِلا بالله.\n* وهذه كلمة عظيمة، وهي كنز من كنوز الجنة، فالعبد محتاج إلى الاستعانة بالله في فعل المأمورات، وترك المحظورات، والصبر على المقدورات كلها في الدنيا، وعند الموت وبعده من أَهوال البرزخ يوم القيامة، ولا يقدر على الإِعانة على ذلك إِلا الله ﷿؛ فمن حقق الاستعانة عليه في ذلك كلِّه أَعانه.\n* وفي الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ - قال: \"احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تَعْجِزْ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-801>[من استعان بغير الله]:</span>\n* ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره وكله الله إلى من استعان به؛ فصار مخذولا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-802>[من المأْثور في ذلك]:</span>\n* كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: \"لا تستعن بغير الله فيكِلَكَ الله إليه\".\n* ومن كلام بعض السلف: \"يا ربِّ! عجبت لمن يعرفك كيف يرجو غيرك؟ وعجبت لمن يعرفك كيف يستعين بغيرك؟ \".\n\n<span data-type='title' id=toc-803>[جف القلم]:</span>\n* قوله - ﷺ -: \"جفّ القلَم بما هو كائن\" وفي رواية أُخرى \"رُفِعَت الأَقلام وجَفَّت الصُّحُف\" هو كناية عن تقدم كتابة المقادير كلها، والفراغ منها من أَمد بعيد؛ فإِن الكتاب إِذا فرغ منِ كتابته، ورفعت الأَقلام عنه، وطال عهده - فقد رفعت عنه الأَقلام، وجفت الأقلام التي كتب بها من مدادها، وجفت الصحيفة التي كتب فيها بالمداد المكتوب فيها.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب القدر: باب الأمر بالقوة وترك العجز والاستعانة بالله وتفويض المقادير لله ٤/ ٢٠٥٢ من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان\".","vol":"2","page":573},{"text":"وهذا من أَحسن الكنايات وأَبلغها.\n\n<span data-type='title' id=toc-804>[دلالات الكتاب والسنة]:</span>\n* وقد دل الكتاب والسنة الصحيحة الكثيرة على مثل هذا المعنى قال الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (^١).\n* وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ - قال:\n\"إن الله كتَبَ مقادير الخَلائِقَ قَبْلَ أَن يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ والأرضَ بخَمسين أَلفَ سَنَةٍ\" (^٢).\n* وفيه أَيضًا عن جابر:\n\"أن رجلا قال: يا رسول الله! فيم العمل اليوم؟ أَفيما جفت به الأَقلام وجرت به المقادير؟ أَم فيما يستقبل؟ قال: \"لا، بل فيما جفت به الأَقلام وجرت به المقادير\".\nقال: ففيم العمل؟ قال: \"اعملوا فكل ميسَّرٌ لما خُلق له\" (^٣).\n* وخرج الإمام أحمد وأَبو داود والترمذي من حديث عبادة بن الصامت عن النبي - ﷺ - قال:\n\"إِن أَول ما خلق الله: القلمُ ثم قال له: اكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة الحديد: ٢٢.\n(^٢) صحيح مسلم: كتاب القدر: باب حجاج آدم وموسى ﵉ ٤/ ٢٠٤٤. وتتمة الحديث: قال: وعرشه على الماء.\n(^٣) مسلم في كتاب القدر: باب كيفية الخلق الآدمي ٤/ ٢٠٤٠ - ٢٠٤١.\nوليس في هذه الرواية ولا فيما بعدها عند مسلم: \"لما خلق له\" فقد اقتصرت هذه الرواية على قوله: \"اعملوا فكل ميسر\" وجاء في الرواية التالية: \"كل عامل ميسر لعمله\" أما الرواية الثالثة فقد جاء فيها: ففيم يعمل العاملون؟ قال: \"كل ميسر لما خلق له\" ومرة أخرى فكما نرى ليس عند مسلم ما لفقه ابن رجب.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٣١٧ (الحلبي) عن أبي العلاء: الحسن بن سوار عن ليث، عن معاوية، عن أيوب بن زياد، عن عبادة بن الوليد بن عبادة، عن أبيه قال: دخلت على عبادة (ابن الصامت) وهو مريض أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه! أوصني واجتهد لي، فقال: أجلسوني. قال: إنك لن تطعم طعم الإيمان ولن تبلغ حقيقة العلم بالله ﵎ حتى تؤمن بالقدر خيره وشره، قال: قلت: يا أبتاه! فكيف لي أن أعلم ما خير القدر وشره؟ قال: تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك. يا بني! إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن أول ما خلق الله ﵎: القلم، ثم قال: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة. =","vol":"2","page":574},{"text":"والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا يطول ذكرها.\n_________\n= يا بني! إن مت ولست على ذلك دخلت النار.\nوأخرجه عقيبه من وجه آخر عن موسى بن داود عن ابن لهيعة، عن زيد بن أبي حبيب، أن الوليد بن عبادة ابن الصامت قال:\nأوصاني أبي رحمه الله تعالى فقال: يا بني! أوصيك أن تؤمن بالقدر: خيره وشره، فإنك إن لم تؤمن أدخلك الله ﵎ النار. قال: وسمعت النبي - ﷺ - يقول: أول ما خلق الله ﵎ القلم ثم قال له: اكتب. قال: وما أكتب؟ قال: فاكتب ما يكون وما هو كائن، إلى أن تقوم الساعة\".\nوأخرجه أبو داود في السنن: كتاب السنة: باب القدرة ٥/ ٧٦ ح ٤٧٠٠ من حديث الوليد بن رباح، عن إبراهيم بن أبي عبلة، عن أبي حفصة، قال: قال عبادة بن الصامت لابنه: يا بني! إنك لا تجد طعم حقيقة الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك … الحديث بنحوه وفي آخره.\n\"يا بني! إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من مات على غير هذا فليس مني\".\nوأخرجه الترمذي في كتاب القدر: باب (١٧) حدثنا قتيبة ٤/ ٤٥٧ - ٤٥٨ ح ٢١٥٥ من رواية يحيى بن موسى، عن أبي داود الطيالسي، عن عبد الواحد بن سليم الحديث وفيه حوار بين عبد الواحد بن سليم وبين عطاء بن أبي رباح في القدر وسؤال عطاء للوليد بن عبادة عن وصية أبيه عبادة له حتى تؤمن بالله وتؤمن بالقدر كله خيره وشره الحديث بنحو ما جاء في رواية أحمد الأولى مختصرًا في هذا الجزء. وفيه: وما هو كائن إلى الأبد\". وقد عقب الترمذي عليه بقوله:\nوهذا حديث غريب من هذا الوجه.\nوأخرجه في كتاب تفسير القرآن: باب ومن سورة ن ٥/ ٤٢٤ مختصرًا وفيه حديث القلم وأشار إلى أن في الحديث قصة - لكن عقب عليه بقوله:\n\"هذا حديث حسن\" وأخرجه ابن كثير في التفسير، ٤/ ٤٠١ عن أحمد وقال: رواه من طرق عن الوليد بن عبادة، ثم قال: وأخرجه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي به وقال: حسن صحيح غريب.\nفهذه ثلاثة نقول على حديث الترمذي، وقد اتفقت النسخة الهندية مع شرح المباركفوري مع النسخة المصرية في الموضع الأول: أنه حديث غريب لكن علق المباركفوري ٤/ ٢٠٤ على هذا بقوله: \"وأخرجه أبو داود وسكت عليه هو والمنذري\" ولم يزد المباركفوري هنا على هذا شيئًا، كأنه يريد أَن يقول لئن حكم الترمذي على الحديث بالغرابة فإن سكوت أبي داود والمنذري كليهما على الحديث يشي بالحكم عليه بالحسن.\nأما في التفسير وهو الموضع الثاني الذي أخرج الترمذي الحديث فيه فقد اتفقت النسخة الهندية المذكورة في التعقيب على الحديث وما سجله ابن كثير وأن الحديث حسن صحيح غريب وفيه قصة إشارة إلى الرواية الأولى وطريقها هو طريقها أبو داود الطيالسي عن عبد الواحد بن سُلَيم: الأمر الذي يتأكد به أن هذا تعقيب الترمذي على الحديث - على الأقل - في هذا الموضع.\nوبهذا يبين أن النسخة المصرية لم تتحر الدقة في هذا الموضع أو لعله خطأ مطبعي.\nوقد علق المباركفوري في هذا الموضع على تعقيب الترمذي بقوله: في سنده عبد الواحد بن سليم وهو ضعيف، لكن أخرجه أبو داود من وجه آخر وسكت عنه هو والمنذري ثم أضاف: وأخرجه أيضًا أحمد من طرق عن الوليد بن عبادة عن أبيه.\nوكأنما يريد ليؤكد الحكم بحسنه مع عدم المصادرة على الحكم بصحته، كما صنع ابن كثير عند ما نقل حكم الترمذي على الحديث بالحسن والصحة والغرابة دون أن يعقب بما يفيد عدم ارتضائه لهذا الحكم.\nوكأنهم لم يأخذوا بحيثيات الحكم على عبد الواحد بن سليم بالضعف.","vol":"2","page":575},{"text":"* قوله - ﷺ -: \"فلو أَن الخلق جميعًا أَرادوا أَن ينفعوك بشيء لم يقضه الله عليك (^١) - لم يقدروا عليه، وإِن أَرادوا أَن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك (^٢) - لم يقدروا عليه\".\nهذه رواية الإمام أَحمد (^٣).\nورواه الترمذي بهذا المعنى أَيضًا (^٤).\nوالمراد أنَّ ما يصيب العبدَ في دنياه مما يضره أو ينفعه فكله مقدّر عليه، ولا يصيب العبدَ إِلا ما كُتبَ له من ذلك في الكتاب السابق ولو اجتهد على ذلك الخلق كلهم جميعًا.\nوقد دل القرآن على مثل هذا في قوله ﷿: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾ (^٥).\nوقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾ (^٦).\n_________\n(^١) ليست في ب، وهي في المسند.\n(^٢) ب: \"لم يكتبه عليك\".\n(^٣) روى أحمد هذا الحديث في المسند في ثلاثة مواطن:\nالأول في ٤/ ٢٣٣ (المعارف) ح ٢٦٦٩ بإسناد صحيح من رواية يونس بن محمد، عن الليث بن سعد، عن قيس بن الحجاج، عن حنش الصنعاني، عن عبد الله بن عباس أنه حدثه أنه ركب خلف رسول الله - ﷺ - يوما، فقال رسول الله - ﷺ -: يا غلام! إني معلمك كلمات: الحديث وفيه:\nواعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك … \".\nوالثاني في ٤/ ٢٦٩ - ٢٧٠ ح ٢٧٦٣ (المعارف) بإسناد صحيح من رواية يحيى بن إسحاق، عن ابن لهيعة عن نافع بن يزيد عن قيس بن الحجاج - به - الحديث بنحوه وفيه:\nفقد رفعت الأقلام وجفت الكتب فلو جاءت الأمة ينفعونك بشيء لم يكتبه الله ﷿ لك لما استطاعت، ولو أرادت أن تضرك بشيء لم يكتبه الله لك ما استطاعت\".\nوالثالث في ٤/ ٢٨٦ - ٢٨٨ وهو الموضع الوحيد الذي أومأ إليه ابن رجب من ذي قبل، وهنا، ولأنه أقرب الصيغ إلى ما حدث به ابن رجب عن أحمد وفيه: \"فلو أن الخلق كلهم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه … الحديث\". وبين العبارتين تفاوت يسير واضح ولعله خطأ النسخ إن لم يكن خطأ الإملاء أو تفاوت نسخ المسند.\n(^٤) كان ابن رجب دقيقا هنا حين قال: ورواه الترمذي بهذا المعنى أيضًا: فهذه هي رواية الترمذي: … واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك … \" من حديث طويل.\nسنن الترمذي: كتاب صفة القيامة: باب ٥٩ ح ٢٥١٦ - ٤/ ٦٦٧ وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٥) سورة التوبة: ٥١.\n(^٦) سورة الحديد: ٢٢.","vol":"2","page":576},{"text":"وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ (^١).\nوخرج الإِمام أَحمد من حديث أَبي الدرداء ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"إن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أَن ما أَصابه لم يكن ليخطئه، وما أَخطأَه لم يكن ليصيبه\" (^٢).\nوخرج أبو داود وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت عن النبي - ﷺ - معنى ذلك أَيضًا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-805>[مدار الوصية]:</span>\nواعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأَصل. وما ذكر قبله وبعده فهو متفرع عليه، وراجع إِليه؛ فإِن العبد إذا علم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له (^٤) من خير وشر ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلقَ كلِّهم على خلاف المقدور غيرُ مفيد أَلبتة - علم حينئذ أَن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع؛ فأَوجب ذلك للعبد توحيدَ ربه ﷿، وإفرادَه بالطاعة، وحفْظَ حدودِهِ؛ فإِن المعبود إِنما يُقصد بعبادته جَلْبُ المنافع، ودَفْعُ المضار؛ ولهذا ذَمَّ الله من يعبد من لَا ينفع ولا يضر ولا يغني عن عابده (^٥) شيئًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-806>[مقتضى عقيدة التوحيد]:</span>\n* فمن عَلِم أنه لا ينفع ولا يضر ولا يعطي ولا يمنع غيرُ الله، أوجب ذلك إفراده بالخوفِ والرجاءِ، والمحبةِ والسؤال، والتضرُّع والدعاء، وتقديمَ طاعته على طاعة الخلق جميعًا، وأَن يُتَّقَى سُخْطُه ولو كان فيه سَخَطُ الخْلق جميعًا، وإفرادَه بالاستعانة به، والسؤال له، وإِخلاصِ الدعاء له، في حال الشدة، وحال الرخاءِ، خلافَ ما كان\n_________\n(^١) سورة آل عمران: ١٥٤.\n(^٢) مسند أحمد ٦/ ٤٤١ - ٤٤٢ (الحلبي). بلفظه دون كلمة \"إن\" في أوله، وصححه في المجمع ٧/ ١٩٧.\n(^٣) أخرجه أبو داود في كتاب السنة: باب القدر ٢/ ٥٢٧ من حديث ابن الديلمي، قال: أتيت أبي بن كعب، فقلت له: وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني لعل الله تعالى أن يذهبه من قلبي. قال: لو أن الله تعالى عذب أهل سماواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله تعالى ما قبله الله تعالى منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك. قال: ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك. قال: ثم أتيت زيد بن ثابت فحدثني عن النبي - ﷺ - مثل ذلك.\nوأخرجه ابن ماجه في مقدمة السنن: باب القدر ١/ ٢٩ - ٣٠ بنحوه مطولا.\nوكان ابن رجب دقيقا حين حدد رواية أبي داود وابن ماجه هنا وأنها بالمعنى.\n(^٤) ب: \"عليه\".\n(^٥) ر: \"عباده\".","vol":"2","page":577},{"text":"المشركون عليه من إِخلاص الدعاءِ له عندَ الشدائد، ونسيانه في الرخاء، ودُعاء مَنْ يَرْجُونَ نَفْعَه مِنْ دونه قال الله ﷿: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-807>[في الصبر على ما تكره خير كثير]:</span>\n* قوله - ﷺ -: \"واعلم أَن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرًا\" (^٢) يعني أَن ما أَصاب العبدَ من المصائب المؤلمة المكتوبة عليه إِذا صبر عليها كان له في الصبر خير كثير.\n* وفي رواية عمر مولى غُفْرة (^٣)، وغيره، عن ابن عباس زيادة أخرى قبل هذا الكلام وهي: \"فإن استطعت أَن تعمل لله بالرضا في اليقين فافعل. وإن لم تستطع فإِن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا\".\n* وفي رواية أخرى من رواية علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه: لكن إسنادها ضعيف، زيادة أُخرى بعد هذا، وهي: قلت: يا رسول الله! كيف أَصنع باليقين؟ قال: \"أن تعلم أَن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك. فإذا أنت أحكمت باب اليقين (^٤) \".\n* ومعنى هذا: أن حصول اليقين للقلب بالقضاء السابق، والتقدير الماضي - يعين العبد على أن ترضى نفسه بما أَصابه. فمن استطاع أَن يعمل في اليقين بالقضاء والقدر على الرضا بالمقدور فليفعل، فإن لم يستطع الرضا فإِن في الصبر على المكروه خيرًا كثيرًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-808>[درجتان للمؤمن]:</span>\nفهاتان درجتان للمؤمن بالقضاء والقدر في المصائب:\nإِحداهما: أَن يرضى بذلك، وهذه درجة عالية رفيعة جدًّا، قال ﷿: ﴿مَا\n_________\n(^١) سورة الزمر: ٣٨.\n(^٢) هي من تتمة الحديث في مسند أحمد ٤/ ٢٨٦ - ٢٨٨ (المعارف).\n(^٣) هو عمر بن عبد الله المدني مولى غُفُرة ضُعِّف وكان كثير الإرسال مات سنة خمس أو ست وأربعين تقريب ٢/ ٥٩.\n(^٤) أورده ابن كثير في التفسير ٤/ ٣٧٥ عن علي بن طلحة عن ابن عباس بنحوه.","vol":"2","page":578},{"text":"أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (^١).\nقال علقمة: \"هي المصيبة تصيب الرجل، فيعلم أَنها من عند الله فيسلِّم لها ويرضى\".\n* وخرج الترمذي من حديث أَنس عن النبي - ﷺ - قال: \"إِن الله إِذا أَحب قوما ابتلاهم؛ فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السُّخْط\" (^٢).\n* وكان النبي - ﷺ - يقول في دعائه: \"أسأَلكَ الرضا بعد القضاء\" (^٣).\n* ومما يدعو المؤمنَ إِلى الرضا بالقضاءِ تحقيقُ إِيمانه بمعنى قول النبي - ﷺ -:\n\"لا يقضي الله للمؤمن قضاء إِلا كان خيرًا له: إِن أَصابته سراءُ شكر، كان خيرا له، وإِن أَصابته ضراءُ صبر، كان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن\" (^٤).\nوجاءَ رجل إلى النبي - ﷺ - فسأله أَن يوصيه وصية جامعة موجزة فقال: \"لا تتهم الله في قضائه\" (^٥).\n_________\n(^١) سورة التغابن: ١١.\n(^٢) أخرجه الترمذي في الزهد: باب ما جاء في الصبر على البلاء ٤/ ٦٠١ من رواية قتيبة، عن الليث، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن سعد بن سنان، عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم … الحديث.\nوقد عقب الترمذي على الحديث بقوله: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٥١٦ من طريق أبي بكر بن أبي مريم النَّسَائِي، عن ضمرة بن حبيب، عن زيد بن ثابت مرفوعًا من دعاء طويل، لكن ضعفه الذهبي بأبي مريم.\n(^٤) أخرج مسلم في كتاب الزهد والرقائق: باب المؤمن أمره كله خير ٤/ ٢١٩٥ من حديث صهيب ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له\".\nورواه ابن حبان في صحيحه ٢/ ٢٤٣ من الإحسان.\nوأخرجه من وجه آخر صحيح ١/ ٥٢٤ - ٥٢٥ من حديث عمار. وانظر الصحيحة ١٤٨.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٣١٨ - ٣١٩ (الحلبي) من طريق ابن لهيعة، عن الحارث بن يزيد، عن علي بن رباح، عن جنادة بن أمية، عن عبادة بن الصامت أن رجلا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا نبي الله! أي العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله وتصديق به، وجهاد في سبيله. قال: أريد أهون من ذلك يا رسول الله! قال: السماحة والصبر، قال: أريد أهون من ذلك يا رسول الله! قال: لا تتهم الله ﵎ في شيء قضى لك به\".\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٥٩ ولم يعله إلا بابن لهيعة.\nأقول: وقد وثق، ولا يُرَدُّ ما رواه إلا أن يكون بعد اختلاطه.\nوقد أورده عقبه من حديث عبد الله بن عمر وضعفه برشدين. وانظره في تفسير ابن كثير ٤/ ٣٧٥.","vol":"2","page":579},{"text":"<span data-type='title' id=toc-809>[من أقوال السلف]:</span>\n* قال أَبو الدرداءِ: \"إن الله ﷿ إذا قضى قضاءً أَحب أَن يُرضى به\".\n* * *\n* وقال ابن مسعود: إِن الله بقسطه وعدله جعل الرَّوْحَ والفرج في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزَن في الشك والسُّخط، فالراضي لا يتمنى غير ما هو عليه من شدة ورخاء (^١).\nكذا روي عن عمر وابن مسعود وغيرهما.\n* * *\n* وقال عمر بن عبد العزيز: أَصبحت ومالي سرور إِلا في مواضع القضاءِ والقدر.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-810>[من وصل إلى هذه الدرجة]:</span>\n* فمن وصل إلى هذه الدرجة كان عيشه كله في نعيم وسرور. قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (^٢).\n* قال بعض السلف: \"الحياة الطيبة: هي الرضا والقناعة (^٣) \".\n* وقال عبد الواحد بن زيد: \"الرضا باب الله الأَعظم، وجنة الدنيا، ومستراح العابدين\".\n\n<span data-type='title' id=toc-811>[أهل الرضا]:</span>\n* وأَهل الرضا تارة يلاحظون حكمة المبتلِي، وخيرتَه لعبده في البلاءِ، وأَنه غير متهم في قضائه.\n* وتارة يلاحظون ثواب الرضا بالقضاء، فينسيهم أَلم المقضيّ به.\n* وتارة يلاحظون عظمة المبتلِي وجلالَه وكمالَه فيستغرقون في مشاهدة ذلك حتى لا يشعرون بالأَلم.\nوهذا يصل إليه خواص أَهل المعرفة والمحبة؛ حتى ربما تلذذوا بما أَصابهم لملاحظتهم صدورَه عن حبيبهم، كما قال بعضهم: أَوجدهم في عذابه عُذُوبَةً.\n_________\n(^١) هذا جزء أثر في اليقين لابن أبي الدنيا رقم (٣٢).\n(^٢) سورة النحل: ٩٧.\n(^٣) راجع الدر المنثور ٤/ ١٣٠.","vol":"2","page":580},{"text":"وسئل بعض التابعين عن حاله في مرضه؟ فقال: أحبُّه إِليه أحبُّه إليّ! \".\nوسئل سَرِيّ: هل يجد المحب أَلم البلاءِ؟ فقال: لا.\n* * *\nوقال بعضهم:\nعذابه فيك عَذْبُ … وبُعْده فيكَ قُربُ\nوأَنتَ عندي كَرَوحي … بل أَنتَ منها أَحبُّ\nحسبى من الحبّ أَني … لما تحِبُ أحِبُّ (^١)\n* * *\n* والدرجة الثانية أَن يصبر على البلاءِ. وهذه لمن لم يستطع الرضا بالقضاءِ؛ فالرضا فضل مندوب إِليه مستحب، والصبر واجب على المؤمن حتم، وفي الصبر خير كثير؛ فإن الله أَمر به ووعد عليه جزيل الأَجر. قال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ (^٣) قال الحسن: الرضا عزيز، ولكن الصبر مُعوَّل المؤمن.\n* والفرق بين الرضا والصبر: أَن الصبر كف النفس وحبسها عن التسخط (^٤) مع وجود الأَلم وتمني زوال ذلك، وكف الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع.\n* والرضا: انشراح الصدر، وسعته بالقضاء، وترك تمني زوال ذلك المؤلم (^٥) وإِن وجد الإِحساس بالألم؛ لكن الرضا يخففه؛ لما يباشر القلبَ من رَوْح اليقين والمعرفة.\nوإِذا قوي الرضا (^٦) فقد يزيل الإِحساس بالأَلم بالكلية، كما سبق.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-812>[واعلم أن النصر مع الصبر]:</span>\nقوله - ﷺ -: \"واعلم أَن النصر مع الصبر\" هذا موافق لقول الله ﷿: ﴿قَالَ\n_________\n(^١) ليس هذا البيت في ب.\n(^٢) سورة الزمر: ١٠.\n(^٣) سورة البقرة: ١٥٦، ١٥٧.\n(^٤) في م: \"السخط\".\n(^٥) في م: \"الألم\".\n(^٦) ليست في ب.","vol":"2","page":581},{"text":"الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (^١) وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-813>[من المأثور في هذا]:</span>\n* وقال عمر لأَشياخ من بني عبس: \"بم قاتلتم الناس؟ قالوا: بالصبر، لم نلق قوما إِلا صبرنا لهم، كما صبروا لنا\".\n* وقال بعض السلف: \"كلنا نكره الموت، وأَلَم الجراح، ولكن نتفاضل بالصبر\".\n* وقال البطال: \"الشجاعة: صبر ساعة\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-814>[من هو المجاهد]:</span>\n* وهذا في جهاد العدُوِّ الظاهر، وهو جهاد الكفار، وكذلك جهاد العدُوِّ الباطن وهو جهاد النفس والهوى، فإِن جهادهما من أَعظم الجهاد كما قال النبي - ﷺ -:\n\"المجاهد من جاهد نفسه في الله\" (^٣).\n* وقال عبد الله بن عمر ﵄ لمن سأله عن الجهاد: \"ابدأ بنفسك\n_________\n(^١) سورة البقرة: ٢٤٩.\n(^٢) سورة الأنفال: ٦٦.\n(^٣) رواه أحمد في المسند ٦/ ٢٠، ٢١، ٢٢ (الحلبي) من طريق إسحاق بن إبراهيم، عن ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن أبي هانئ الخولاني عن عمرو بن مالك، عن فضالة بن عبيد: أن النبي - ﷺ - قال: ليث المجاهد من جاهد نفسه أو قال: في الله ﷿ ومن طريق علي بن إسحاق، عن عبد الله بن المبارك، عن ليث عن أبي هانئ - به - أن رسول الله - ﷺ - قال في حجة الوداع:\n\"ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم، والمسلم؟ من سلم الناس من لسانه ويده، والمجاهد؟ من جاهد نفسه في طاعة الله، والمهاجر؟ من هجر الخطايا والذنوب\".\nومن طريق قتيبة بن سعيد، عن رشدين بن سعد، عن حميد أبي هانئ به - بنحوه بتقديم وتأخير وفي أوله: ألا أخبركم من المسلم؟\nوأخرجه الترمذي في كتاب فضائل الجهاد: باب ما جاء في فضل من مات مرابطا ٤/ ١٦٤ ح ١٦٢١ من طريق أحمد بن محمد عن عبد الله بن المبارك به - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"المجاهد من جاهد نفسه\". وعقب عليه بقوله: حديث فضالة حديث حسن صحيح وفي ر: \"في الله تعالى\".","vol":"2","page":582},{"text":"فجاهدها وابدأ بنفسك فاغزها\".\n* * *\n* وقال بقية بن الوليد: أَخبرنا إِبراهيم بن أدهم قال: حدثنا الثقة، عن علي بن أبي طالب، قال: \"أوّل ما تنكرون من جهادِكم جهادُكم أنفسَكم\".\n* وقال إِبراهيم بن أبي عبلة لقوم جاءوا من الغزو: \"قد جئتم من الجهاد الأَصغر، فما فعلتم في الجهاد الأَكبر؟ قالوا: وما الجهاد الأَكبر قال: جهاد القلب\" ويروى هذا مرفوعًا من حديث جابر بإِسناد ضعيف ولفظه:\n\"قدمتم من الجهاد الأَصغر إِلى الجهاد الأَكبر قالوا: وما الجهاد الأَكبر؟ قال: مجاهدة العبد لهواه\" (^١).\nويروى من حديث سعد بن سنان عن أَنس عن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في الزهد الكبير ص ١٩٨ ح ٣٧٤ من طريق علي بن أحمد بن عبدان، عن أحمد بن عبيد عن تمتام، عن عيسى بن إبراهيم، عن يحيى بن يعلى، عن الليث بن سعد، عن عطاء، عن جابر ﵁ قال: قدم على رسول الله - ﷺ - قوم غزاة فقال - ﷺ -: قدمتم خير مقدم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الاُكبر؟ قالوا: وما الجهاد الأكبر؟\nقال: \"مجاهدة العبد هواه\".\nثم عقب البيهقي بقوله: هذا إسناد ضعيف ولعله يضعفه بتمتام وهو محمد بن غالب بن حرب أبو جعفر الضبي التمار المعروف بالتمتام من أهل البصرة ولد سنة ثلاث وتسعين ومائة وسكن بغداد وحدث بها عن عفان بن مسلم، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، ومسلم بن إبراهيم وغيرهم.\nروى عنه أحمد بن عبيد بن إسماعيل الصفار، وموسى بن هارون، وأبو بكر الشافعي وخلق سواهم، كان كثير الحديث صدوقا كتب الناس عنه ثم رغب أكثرهم عنه لخصال شنيعة في الحديث وغيره.\nسئل الدارقطني عنه فقال: ثقة مأمون إلا أنه كان يخطئ، وكان وهم في أحاديث.\nوكانت وفاته سنة ٢٨٣ هـ راجع تاريخ بغداد ٣/ ١٤٣ - ١٤٦.\nوأورده الغزالي في الإحياء ٣/ ٦ ونسبه العراقي للبيهقي في هذا الموضع، وذكر تضعيفه له.\nوأورده العجلوني في كشف الخفاء ١/ ٥١١ بعنوان: رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قالوا: وما الجهاد الأكبر؟ قال: \"جهاد القلب\".\nوذكر قول الحافظ ابن حجر في تسديد القوس أنه مشهور على الألسنة وأنَّه من كلام إبراهيم بن أبي عبلة. وهو يشير إلى ما أورده ابن رجب هنا منسوبا إلى إبراهيم بن أبي عبلة قبل هذا الحديث الذي اتفق البيهقي مع ابن رجب على تضعيفه.\nوقد ذكر العجلوني أن المشهور على الألسنة هو رجعنا من الجهاد الأكبر … الحديث دون باقيه، وأن فيه اقتصارًا، وأن الخطيب البغدادي قد رواه في تاريخه عن جابر بلفظ: \"قدم النبي - ﷺ - من غزاة فقال ﵊: قدمتم من خير مقدم … الحديث بنحو ما تقدم عن البيهقي.","vol":"2","page":583},{"text":"\"ليس عدوُّك الذي إِذا قتلك أَدخلك الجنة، وِإذا قتلته كان لك نورًا، أَعدى عدوّك نفسُك التي بين جنبيك\" (^١).\n* * *\n* وقال أَبو بكر الصديق ﵁ في وصيته لعمر حين استخلفه: \"إِن أَوَّلَ ما اُحَذِّرك نفسُك التي بين جنبيك\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-815>[الصبر في مجاهدة النفس]:</span>\n* فهذا الجهاد يحتاج أيضًا إِلى صبر.\nفمن صبر على مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه - غلب وحصل له النصر والظفر، وملك نفسه فصار عزيزًا ملكا (^٢).\nومن جزع ولم يصبر على مجاهدة ذلك - غُلب وَقُهِرَ وأُسِرَ وصار عبدًا ذليلا أسيرًا في يد شيطانه وهواه، كما قيل:\nإِذا المرءُ لم يغلبْ هواه أَقامهُ … بمنْزِلةٍ فيها العزيزُ ذليلُ\n_________\n(^١) أورد الهيثمي في مجمع الزوائد شطره الأول عن الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري (١٠/ ٢٤٥) أن رسول الله - ﷺ - قال:\n\"ليس عدوك الذي إن قتلته كان لك نورًا، وإن قتلك دخلت الجنة، ولكن أعدى عدوك ولدك الذي خرج من صلبك، ثم أعدى عدوك مالك الذي ملكت يمينك\".\nوعقب الهيثمي بقوله: فيه محمد بن إسماعيل بن عياش وهو ضعيف.\nوأخرج البيهقي شطره الأخير في الزهد الكبير ص ١٩٠ ح ٣٤٥ ومن طريق أبي عبد الله الحافظ، عن عبد الله ابن محمد الرازي، عن أبي عثمان: سعيد بن إسماعيل، عن محمد بن عبد الرحمن بن غزوان عن إسماعيل ابن عياش، عن حنش الرحبي، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك\" وقد أورده العجلوني في كشف الخفاء ١/ ١٦٠ عن البيهقي في هذا الموضع وذكر أن إسناده ضعيف وأن له شواهد من حديث أنس.\nوعلق عليه العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ٣/ ٤ بقوله: أخرجه البيهقي في كتاب الزهد من حديث ابن عباس وفيه محمد بن غزوان أحد الوضاعين.\nوفي شرح الإحياء ٧/ ٢٠٦ نقل الزبيدي كلام العراقي ثم قال: \"ووجدت بخط الحافظ ابن حجر ما نصه: وللحديث طريق أخرى غير هذه من حديث أنس وغيره\".\nولم يشر السيوطي في جامعيه إلى رواية أنس للحديث وإنما اقتصر على إيراد الحديث من رواية أبي مالك الأشعري وقد أوردها المنذري في الترغيب ٤/ ١٨٢ وسكت عنها.\n(^٢) ب: \"عزيزا ملكا\".","vol":"2","page":584},{"text":"* قال ابن المبارك ﵀: \"من صبر فما أَقل ما يصبر، ومن جزع فما أَقل ما يتمتع؟! \".\n\n<span data-type='title' id=toc-816>[إن النصر مع الصبر]:</span>\n* فقوله - ﷺ -: \"أَن النصر مع الصبر\".\nيشمل النصر (^١) في الجهادين: جهاد العدو الظاهر، وجهاد العدو الباطن؛ فمن صبر فيهما نُصِرَ وَظفِر بعدوّه، ومن لم يصبر فيهما وجزع قُهر وصار أَسيرًا لعدوه أَو قتيلا له.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-817>[وإِن الفرج مع الكرب]:</span>\nوقوله - ﷺ -: \"وأَن الفرَج معَ الكَرْب\":\nهذا يشهد له قولُه ﷿: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ (^٢).\nوقول النبي - ﷺ -:\n\"ضَحِكَ ربُّنَا من قُنوُطِ عباده وقُرْبِ غيره\".\nخرجه الإِمام أَحمد، وخرجه ابنه عبد الله في حديث طويل وفيه: علم الله يوم الغيث أَنه ليُشْرِف عَليكم أَزِلِينَ (^٣) قَنِطين فيظل يضحك قد علم أَن غيركم إلى قرب\" (^٤).\n_________\n(^١) ب: \"الصبر\".\n(^٢) سورة الورق: ٢٨.\n(^٣) الأزْل: الشدة والضيق نهاية ١/ ٤٦.\n(^٤) انظره في المسند ٤/ ١١، ١٢، ١٣ - ١٤ (الحلبي) مختصرا في الموضعين الأولين ومطولا في الأخير، من حديث أبي رُزَين العقيلي: لقيط بن عامر المنتفق ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره قال: قلت: ويضحك الرب ﷿: قال نعم، قال: لن نعدم من رب يضحك خيرًا\" لفظ الوضع الأول.\nوفي الموضع الثاني قال: أبو رزين: يا رسول الله! أو يضحك الرب ﷿ العظيم؟ لن نعدم من رب يضحك خيرًا فقال [- ﷺ -]: نعم! لن نعدم من رب يضحك خيرًا\".\nوفي الموضع الثالث ما أشار إليه ابن رجب بيد أن المطبوعة فيها تحريف في الجملة التي استشهد بها ابن رجب وكان فيما نقله ابن رجب تصحيح هذا التحريف فإما كان الخطأ مطبعيا، وإما كانت نسخة ابن رجب نسخة أخرى أصح فالله أعلم.\nوفي كل من الأصلين كلمة ليست في الأخرى وهذه هي كلمات المطبوع من المسند: \"وعلم اليوم الغيث =","vol":"2","page":585},{"text":"والمعنى: أنه سبحانه يعجب من قنوط عباده عند احتباس القطْر عنهم، وقنوطهم ويأْسهم من الرحمة، وقد اقترب وقت فرَجه، ورحمته لعباده؛ بإنزال الغيث عليهم، وتغييره لحالهم وهم لا يشعرون.\nوقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ (^١).\nوقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا﴾ (^٢).\nوقال تعالى: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (^٣).\nوقال تعالى حاكيا عن يعقوب أنه قال لبنيه: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ (^٤).\nثم قص قصة اجتماعهم عقب ذلك.\nوكم قص سبحانه من قصص تفريج كربات أنبيائه عند تناهي الكرب! كإنجاء نوح ومن معه في الفُلْكِ، وإِنجاءِ إِبراهيم من النار، وفدائه لولده الذي أُمر بذبحه، وإِنجاء موسى وقومه من الْيَمِّ، وإِغراقِ عَدُوِّهم، وقصص أَيوب، ويونس، وقصص محمد - ﷺ - مع أعدائه، وإِنجائه منهم، كقصته في الغار، ويوم بدر، ويوم أُحد، ويوم الأحزاب، ويوم حُنَينْ، وغير ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-818>[إن مع العسر يسرا]:</span>\n* وقوله - ﷺ -: \"وأن مع العسر يسرا\" هو منتزع من قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ (^٥) وقوله ﷿: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (^٦).\n_________\n= يشرف عليكم آرلين آدلين مشفقين فيظل يضحك قد علم أن غيركم إلى قرب\".\nوالحديث المطول أورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٣٨ - ٣٤٠ عن عبد الله بن أحمد بن حنبل والطبراني وقال: رواه عبد الله والطبراني بنحوه وأحد طريقي عبد الله إسنادها متصل ورجالها ثقات، والإسناد الآخر وإسناد الطبراني مرسل عن عاصم بن لقيط أن لقيطا …\nوعنده: \"وعلم يوم الغيث يشرف عليكم أزلين مشفقين فيظل يضحك قد علم أن غيركم إلى قريب … الحديث وانظر الأسماء والصفات للبيهقي ٤٧٣.\n(^١) سورة الروم: ٤٧ - ٤٨.\n(^٢) سورة يوسف: ١١٠.\n(^٣) سورة البقرة: ٢١٤.\n(^٤) سورة يوسف: ٨٧.\n(^٥) سورة الطلاق: ٧.\n(^٦) سورة الانشراح: ٥، ٦.","vol":"2","page":586},{"text":"<span data-type='title' id=toc-819>[لن يغلب عسر يسرين]:</span>\n* وخرج البزار في مسنده وابن أبي حاتم، واللفظ له، من حديث أَنس عن النبي - ﷺ -، قال: لو جاء العسر فدخل هذا الجُحْرَ لجاءَ اليسر حتى يدخل عليه فيُخْرِجَه، فأنزل الله ﷿: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (^١).\n* وروى ابن جرير وغيره من حديث الحسن مرسلا نحوه.\nوفي حديثه فقال النبي - ﷺ -: \"لن يغلبَ عُسرٌ يُسرَين\".\n* وروى ابن أبي الدنيا لإِسناده عن ابن مسعود قال: لو أَن العسر دخل في جُحْر لجاءَ اليسر حتى يدخل معه. ثم قال: قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.\nوبإِسناده أَن أَبا عبيدة حُصر فكتب إِليه عمر ﵄ يقول: مهما ينزل بامرئ شدةٌ يجعل الله بعدها فرجا، وإِنه لن يغلب عسر يسرين، وإِنه سبحانه يقول: ﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-820>[من أسرار اقتران الفرج بالكرب]:</span>\nومن لطائف أَسرار اقتران الفرج بالكرب، واليسر بالعسر: أَن الكرب إِذا اشتدّ وعظم وتناهى - حصل للعبد الإياسُ من كشفه من جهة المخلوقين وتعلق قلبه بالله وحده. وهذا هو حقيقة التوكل على الله، وهو من أَعظم الأسباب التي تطلب بها الحوائج. فإِن الله ﷿ يكفي من تو كل عليه، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن كثير في التفسير ٤ - ٥٢٥ عن ابن أبي حاتم، والبزار وذكر قول البزار: لا نعلم رواه عن أنس إلا عائذ بن شريح ثم قال ابن كثير: وقد قال في أبو حاتم الرازي: في أحاديثه ضعف ولكن رواه شعبة عن معاوية بن قرة، عن رجل، عن عبد الله بن مسعود موقوفًا، ثم ذكر روايته عن النبي - ﷺ - من رواية الحسن وغيره مرسلا وأن العسر لما كان معرفة في الموضعين فهو واحد أما اليسر فلما جاء نكرة في الموضعين فقد تعدد وأورده الهيثمي في المجمع ٧/ ١٣٩ عن الطبراني في الأوسط والبزار من حديث أنس بنحوه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - جالسا فنظر إلى جحر بحيال وجهه، فقال: لو كانت العسرة تجيء حتى تدخل هذا الجحر لجاءت اليسرة … الحديث ثم قال الهيثمي: وفيه عائد بن شريح وهو ضعيف.\n(^٢) الآية من سورة آل عمران: ٢٠٠ والخبر أورده ابن كثير في التفسير ١/ ٤٤٧ عن ابن جرير إلا أن فيه أن أبا عبيدة كتب إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم وما يتخوف؟\n(^٣) سورة الطلاق: ٣.","vol":"2","page":587},{"text":"وروى آدم بن أبي إياس في تفسيره بإسناده عن محمد بن إسحاق قال: جاءَ مالك الأَشجعي إِلى النبي - ﷺ - فقال: أسر ابني عوف، فقال له: أرسل إليه أَن رسول الله - ﷺ - يأمرك أن تكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله، فأَتاه الرسول، فأخبره، فأَكبَّ عوفٌ يقول: لا حول ولا قوة إِلا بالله. وكانوا قد شدّوه بالقِد (^١) فسقط القِدُّ عنه؛ فخرج فإذا هو بناقة لهم، فركبها فأقبل فإذا هو بِسَرْحِ (^٢) القوم الذين كانوا شدوه، فصاح بهم، فأَتبع آخرَها أَولَها، فلما يفجأ أَبويه إِلا وهو ينادي بالباب، فقال أَبوه: عوف وربِ الكعبة! فقالت أُمه: واسوأَتاه! وعوف كئيب يأَلم لما هو فيه من القِدِّ، فاستبق الأب والخادم إليه، فإِذا عوف قد ملأَ الفناءَ إِبلًا، فقصّ على أَبيه أمره وأَمر الإبل، فأَتى أَبوه رسولَ الله - ﷺ - فأَخبره بخبر عوف وخبر الإبل، فقال له رسول الله - ﷺ -: اصنع بها ما أَحببت، وما كنت صانعًا بإِبلك، ونزل: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-821>[من المأثور في ذلك]:</span>\n* قال الفضيل: \"والله لو يئستَ من الخلق حتى لا تريدَ منهم شيئًا لأَعطاكَ مولاكَ كَلَّ ما تُرِيدَ\".\n* وذكر إِبراهيم بن أدهم، عن بعضهم قال: ما سأل السائلون مسألة هي أَلْحَفُ (^٤) من أَن يقول العبد: ما شاء الله! قال: يعني بذلك التفويضَ إِلى الله ﷿.\n* وقال سعيد بن سالم القدَّاح: \"بلغني أَن موسى ﵊ كانت له إلى الله حاجة فطلبها فأَبطأَتْ عليه. فقال: ما شاء الله! فإِذا حاجته بين يديه، فعجب، فأَوحى الله ﷿ إِليه: أَما علمتَ أَن قولك: \"ما شاءَ الله\" أَنجح ما طلبتَ به الحوائجُ؟!.\n_________\n(^١) القد: القيد وهو في الأصل: سير يقيد به من جلد مدبوغ. النهاية ٤/ ٢١.\n(^٢) السرح: المال السائم، والكلأ المباح.\n(^٣) سورة الطلاق ٢ - ٣ وراجع تفسير ابن كثير (٤/ ٣٨٠ - ٣٨١) وفيه: \"وعوف كيف يقدم لما هو فيه من القد\" وانظر أسد الغابة ٤/ ٢٨٨ - ٢٨٩ وكلاهما بإسناد منقطع بين محمد بن إسحاق ومالك الأشجعي وقد سقط من ا من هنا إلى قوله: وأيضا فإن المؤمن … وفى ل: \"لما فيه\".\n(^٤) ألحف: أنجح.","vol":"2","page":588},{"text":"<span data-type='title' id=toc-822>[السلوك الأمثل في هذا]:</span>\nوأَيضًا فإِن المؤمن إِذا استبطأَ الفرج، وأَيس منه بعد كثرة دعائه وتضرعه ولم يظهر عليه أَثر الإِجابة - يرجع إِلى نفسه باللائمة، ويقول (^١) لها: إنما أُتيت من قِبَلكِ ولو كان فيك خير لأُجِبْتُ.\nوهذا اللوم أَحب إِلى الله من كثير منِ الطاعات؛ فإنه يوجب انكسار العبد لمولاه، واعترافه له بأَنه أَهل لما نزل من البلاء، وأنَّه ليس بأهلٍ لإجابة الدعاءِ؛ فلذلك تسرع إِليه حينئذ إِجابة الدعاءِ، وتفريج الكرب، فإِنه تعالى عند المنكسرة قلوبُهُم من أَجله.\n* * *\nقال وهب: تعبَّد رجل زمانا ثم بدت له إِلى الله حاجة فصام سبعين سبتا يأْكل في كل سبت إِحدى عشرة تمرة، ثم سأَل الله حاجته فلم يُعطَهَا، فرجع إِلى نفسه فقال: منكِ أُتيت، لو كان فيكِ خير أُعطِيتِ حاجتك. فنزل إِليه عند ذلك ملك فقال: يا ابن آدم! ساعتك هذه خير من عبادتك التي مضت، وقد قضى الله حاجتك (^٢).\nأخرجه ابن أَبي الدنيا (^٣).\nولبعض المتقدمين في هذا المعنى:\nعسى ما ترى أن لا يدومَ وأن تَرى … له فَرَجًا مما ألحّ به الدهْرُ\nعصي فرَجٌ يأْتي به الله إِنه … له كلّ يَوْم في خَليقته أَمْرُ\nإِذا لاحَ عُسْرٌ فارْجُ يُسْرًا فإِنه … قضَى الله أَن العُسْر يَتْبعُهُ اليُسْرُ (^٤)\n_________\n(^١) ا، ط، ر، ل: \"وقال\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في محاسبة النفس والإزراء عليها ص ٩٤ - ٩٥ رقم (٦٠) وناقش محققه إسناده وطعن فيه بالانقطاع الشديد، وبالأخذ من الإسرائيليات وفيها ما فيها.\n(^٣) عن محمد بن الحسين، عن سليمان بن حرب، عن مهدي بن ميمون، عن عبد الحميد صاحب الزنادي، عن وهب بن منبه وقد ترجم بهامشه لرواته.\n(^٤) في م: \"فارتج اليسر إنه\".","vol":"2","page":589},{"text":"<span data-type='title' id=toc-823>الحديث العشرون</span>\nعَنْ أَبي مَسعُود: عُقْبَة بْنِ عَمْرٍ والأَنصَاريِّ الْبَدريِّ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n\"إنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى: إذَا لَمْ تَسْتَحْيِ فَاصْنَعْ ما شِئْت\".\nرَوَاهُ البُخاريُّ (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-824>[تخريج الحديث]:</span>\n* هذا الحديث خرجه البخاري من رواية منصور بن المعتمر، عن رِبْعِي لن حُذَيفة، عن أَبي مسعود، عن النبي - ﷺ -.\n* وأَظن أَن مسلمًا لم يخرجه؛ لأَنه قد رواه قوم فقالوا: عن ربعي، عن حُذَيفة، عن النبي - ﷺ -؛ فاختلف في إِسناده، لكن أَكثر الحفاظ حكموا بأَن القول قول من قال: عن أبي مسعود؛ منهم البخاري، وأبو زُرْعة الرازي، والدارقطني، وغيرهم.\nويدل على صحة ذلك أَنه قد روي من وجه آخر عن أبي مسعود من رواية مسروق عنه (^٢).\n* وخرجه الطبراني من حديث أَبي الطفيل عن النبي - ﷺ - أيضًا (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-825>[من المأثور عن الأنبياء]:</span>\nفقوله - ﷺ -: \"إن مما أَدرك الناسُ من كلام النبوّة الأولى\" يشير إلى أن هذا مأَثورٌ عن الأنبياء المتقدمين، وأَن الناس تداولوه بينهم، وتوارثوه عنهم قرنا بعد قرن، وهذا يدل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الأنبياء: باب (حدثنا أبو اليمان) ٦/ ٥١٥ من وجهين عن أبي مسعود وفي كتاب الأدب: باب إذا لم تستح فاصنع ما شئت ١٠/ ٥٢٣ من الفتح.\nوقد قال ابن حجر في الفتح في الموضع الأول: ليس ببعيد أن يكون ربعي سمعه من أبي مسعود ومن حذيفة جميعًا.\n(^٢) كما رواه عبد الرزاق في المصنف ٢٠١٤٩.\n(^٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٢٧ من رواية أم الطفيل عن النبي - ﷺ - قال:\n\"كان يقال: إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت\".\nوعقب عليه بقوله: رواه الطبراني في الأوسط وفيه من لم أعرفهم.","vol":"2","page":591},{"text":"على أَن النُّبُوَّات المتقدمة جاءَت بهذا الكلام، وأنَّه اشتُهِر بين الناس حتى وصل إلى أول هذ الأَمة.\nوفي بعض الروايات قال: \"لم يدرك الناس من كلام النبوة الأولى إِلا هذا\".\nخرجها عبيد بن زَنْجَوَيْه، وغيرُهُ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-826>[معنى إِذا لم تستح فاصنع ما شئت]:</span>\n* وقوله: \"إِذا لم تستحي فاصنع ما شئت\" في معناه قولان (^١):\nأحدهما: أَنه ليس بمعنى الأَمر أن يصنع ما شاءَ، ولكنه على معنى الذم والنهي عنه. وأَهل هذه المقالة لهم طريقان:\n* أحدهما: أَنه أمر بمعنى التهديد والوعيد.\nوالمعنى إذا لم يكن لك حياء فاعمل ما شئت فإن الله يجازيك عليه، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (^٢) وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ (^٣) وقول النبي - ﷺ -:\n\"من باع الخمر فلْيُشَقِّصِ الخنازير\" (^٤).\n_________\n(^١) ب: \"قولان: أحدهما أنه أمر … \".\n(^٢) سورة فصلت: ٤٠.\n(^٣) سورة الزمر: ١٥.\n(^٤) أخرجه أبو داود في السنن: كتاب البيوع والإجارات باب ثمن الخمر والميتة ٣/ ٧٥٨ - ٧٥٩ ح ٣٤٨٩ من رواية عثمان بن أبي شيبة، عن ابن إدريس ووكيع، عن طعمة بن عمرو الجعفري، عن عمر بن بيان التغلبي، عن عروة بن المغيرة بن شعبة، عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n\"من باع الخمر فليشقص الخنازير\".\nقال الخطابي - \"بهامش السنن\": قول الشيخ. \"فليشقص\" معناه: فليستحل أكلها والتشقيص يكون من وجهين:\nأحدهما: أن يذبحها بالمشقص وهو نصل عريض. والوجه الآخر: أن يجعلها أشقاصا وأعضاء بعد ذبحها كما تعضي أجزاء الشاة إذا أرادوا إصلاحها للأكل.\nومعنى الكلام إنما هو توكيد التحريم والتغليظ فيه، يقول:\nمن استحل بيع الخمر فليستحل أكل الخنزير؛ فإنهما في الحرمة سواء.\nأي: إذا كنت لا تستحل أكل لحم الخنزير؛ فلا تستحل ثمن الخمر.\nوالحديث أخرجه أَحْمَدْ في المسند ٤/ ٢٥٣ (الحلبي) من طريق وكيع - به - بمثله. زاد في آخره: يعني يقصبها أي يقطعها كما يفعل القصاب وهو الجزار باللحم. =","vol":"2","page":592},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والحديث سكت عنه أبو داود والمنذري فيكون حسنا؛ قال المناوي في التيسير ٢/ ٤٠٧ إسناده صحيح. لكن الشيخ ناصر الألباني عده في الأحاديث الضعيفة رقم ٤٥٦٦، راجع ضعيف الجامع الصغير ٥/ ١٨٠ ح رقم ٥٥٠٨.\nولعل مأتي هذا التضعيف من وكيع أو من عثمان بن أبي شيبة وحده؛ فقد اختلفت كلمة المحدثين بشأنه؛ لما كان له من أوهام في بعض الأحاديث ولا كان له من ضبط في بعضها الآخر.\nويبدو أن ى راعى جانبا.\nفقد أنكر العجلي عليه بعض أحاديث قال: هي موضوعة أو كأنها موضوعة ثم قال: ما كان أخوه يتطفف نفسه بشيء من هذه الأحاديث، نسأل الله السلامة في الدين والدنيا؛ نراه يتوهم في هذه الأحاديث، نسأل الله السلامة.\nأما ابن معين؛ فقد ذكر أنه ثقة مأمون.\nوأما أبو حاتم فقد قال: سمعت رجلًا يسأل محمد بن عبد الله بن نمير عن عثمان بن أبي شيبة، فقال: سبحان الله! ومثله يسأل عنه؟ إنما يسأل هو عنا.\nوذكره ابن حبان في الثقات.\nوهو من العاشرة.\nولد سنة ١٥٦ وتوفى سنة ٢٣٩ وروى له البخاري ٥٣ حديثًا ومسلم ١٣٥.\nراجع ترجمته في التهذيب ٧/ ١٤٩ - ١٥١، والتقريب ٢/ ١٣ - ١٤ ت ١٠٧.\nولعل اختلاف الكلمة في شأن عثمان بن أبي شيبة هو ما دفع كلا من أبي داود والخطابي والمنذري أيضًا للسكوت عليه، سيما وقد روى عن عثمان كل من البخاري ومسلم وأبي داود وابن ماجه والنسائي، أما ابن إدريس! فهو عبد الله بن إدريس الأودي الزعافري أبو محمد الكوفي.\nروي عن أبيه وعمه داود والأعمش ومالك وشعبة وليث بن أبي سليم وغيرهم.\nوروى عنه مالك وهو من شيوخه وابن المبارك وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وابنا أبي شيبة وغيرهم.\nمن الثامنة، روى عنه الأئمة الستة.\nقال أحمد بن حنبل: كان نسيج وحده.\nوقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: ابن إدريس أحب إليك أو ابن نمير؟ فقال: ثقتان؛ إلا أن ابن إدريس أرفع منه وهو ثقة في كل شيء.\nوقال أبو حاتم: هو حجة يحتج بها، وهو إمام من أئمة المسلمين ثقة.\nوقال النَّسَائِي: ثقة ثبت.\nولد سنة ١١٠ وتوفي سنة ١٩٢.\nوترجمته في التهذيب ٥/ ١٤٤ - ٣٤٦ والتقريب ١/ ٤٠١ ت ١٨١.\nوأما وكيع: فهو وكيع بن الجراح بن مليح الرؤاسي أبو سفيان الكوفي الحافظ، من كبار التاسعة.\nروى عن أبيه وهشام بن عروة والأعمش ومالك وابن جريج والأوزاعي والثوري وغيرهم.\nروى عنه أبناؤه وشيخه سفيان الثوري وعبد الرحمن بن مهدي وأحمد بن حنبل وابنا أبي شيبة وغيرهم: قال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما رأيت أوعى للعلم من وكيع، ولا أحفظ منه كان مطبوع الحفظ وكان وكيع حافظًا حافظًا وكان أحفظ من عبد الرحمن بن مهدي كثيرًا كثيرًا وقال في موضع آخَر أخطأ وكيع في خمسمائة حديث، وسئل حين فضل وكيعًا فقال: وكيع لم يتلطخ بالسلطان: ما رأيت أحدا أوعى للعلم =","vol":"2","page":593},{"text":"يعني ليقطعها إِما لبيعها أَو لأَكلها\" (^١).\nوأَمثلته متعددة. وهذا اختيار جماعة منهم أَبو العباس: ثعلب (^٢).\n* * *\n* والطريق الثاني: أنه أَمر، ومعناه الخبر. والمعنى: أَن من لم يستحي صنع ما شاءَ، فإن المانع من فعل القبائح هو الحياءُ، فمن لم يكن له حياءٌ انهمك في كل فحشاءَ ومنكر، وما يمتنع من مثله من له حياءٌ على حد قوله - ﷺ -: \"من كذب علي متعمدًا فليتبوَّأْ مقعده من النار\" (^٣).\n_________\n= منه، ولا أشبه بأهل التمسك منه.\nوقال أبو حاتم. أشهد على أحمد يقول: الثبت عندنا بالعراق وكيع ويحيى وعبد الرحمن.\nوقال ابن حبان في الثقات: كان حافظا متقنا، وقال يحيى بن يحيى: لم أر من الرجال أحفظ منه، وقال علي بن المديني: كان وكيع يلحن ولو حدث بألفاظه لكان عجبا.\nوقال محمد بن نصر المروزي: كان يحدث بآخرة من حفظه فيغير ألفاظ الحديث، كأنه كان يحدث بالمعنى، ولم يكن من أهل اللسان.\nولد سنة ١٢٨ ومات سنة ١٩٦.\nوترجمته في التهذيب ١١/ ١٢٣ - ١٣١ والتقريب ٢/ ٣٣١.\nأما طعمة بن عمرو الجعفري فقد وثقه ابن حبان وابن نُمَيْرٍ وابن معين وغيرهم وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به، وقال ابن أبي خيثمة: ثنا علي بن عبد الحميد، ثنا طعمة بن عمرو الثقة المسلم.\nوكان من العباد صاحب صلاة.\nمن السابعة روى عنه أبو داود والترمذي وترجمته في التهذيب ٥/ ١٣، والتقريب ١/ ٣٧٨.\nوأما عمر بن بيان التغلبي فقد قال أبو حاتم عنه: معروف وذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن حجر: مقبول، من السادسة وترجمته في التهذيب ٧/ ٤٣٠ والتقريب ٢/ ٥٢.\nوأما عروة بن المغيرة فقد روى عن أبيه وعائشة ﵂، وروى عنه الشعبي وبكر بن عبد الله المزني، والحسن البصري وغيرهم.\nقال البخاري: قال الشعبي: كان خير أهل بيته وقال العجلي كوفي تابعي ثقة.\nوذكره ابن حبان في الثقات.\nروى عنه الجماعة، وهو من الثالثة، مات بعد التسعين. وترجمته في التهذيب ٧/ ١٨٩، والتقريب ٢/ ١٩.\n(^١) ب: \"ليأكلها\".\n(^٢) في م: \"بن ثعلبة\" وهو تحريف.\n(^٣) الحديث مما تواتر لفظا ومعنى روي عن عديد من الصحابة منهم العشرة المبشرون بالجنة، وأبو هريرة، وأنس بن مالك، والمغيرة بن شعبة، والزبير بن العوام وغيرهم إلى ستين صحابيا أو خمسة وسبعين أو مائة أو أكثر.\nوقد أخرجه أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه من حديث أنس.\nوأحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث الزبير بن العوام.\nوالشيخان عن أبي هريرة وعلي ﵄ وله روايات أخرى عديدة.\nراجع عنها نظم المتناثر من الحديث المتواتر للكتاني ص ٢٨ - ٣٣. =","vol":"2","page":594},{"text":"فإِن لفظه لفظ الأَمر ومعناه الخبر، وأَن من كذب عليه تبوأ مقعده من النار.\nوهذا اختيار أبي عبيد: القاسم بن سلام ﵀، وابن قتيبة، ومحمد بن نصر المروزي وغيرهم.\nوروى أَبو داود عن الإِمام أَحمد ما يدل على مثل هذا القول.\n\n<span data-type='title' id=toc-827>[من نزع منه الحياء فهو شيطان مريد]:</span>\n* وروى ابن لهيعة، عن أبي قِبيلٍ، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: \"إِذا أَبغض الله عبدًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء، لم تلقه إلا بغيضًا مُبَغَّضًا، ونزع منه الأمانة، فإذا نزع منه الأَمانة نزع منه الرحمة، وإِذا نزع منه الرحمه نزع منه رِبْقَةَ الإِسلام، فإِذا نزع منه رِبْقَةَ الإِسلام لم تلْقَه إِلا شيطانًا مَريدًا\".\n* خرجه حميد بن زنجويه، وخرجه ابن ماجه بمعناه بإسناد ضعيف عن ابن عمر مرفوعًا أَيضًا (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-828>[من أقوال السلف في هذا]:</span>\n* وعن سلمان الفارسي قال:\n* إِن الله إِذا أراد بعبدٍ هَلاكًا نزع منه الحياءَ، فإذا نزع منه الحياءَ لم تلقه إِلا مَقيتًا مُمقَّتًا، فإِذا كان مقيتًا ممقتا نزع منه الأمانة، فلم تلقه؛ إلا خائنًا مُخَوَّنًا، فإذا كان خائنًا مخونا نزع منه الرحمة، تلقه؛ إلا فظًّا غليظًا، فإذا كان فظًّا غليظًا نزع رِبْقَةَ الإيمان\n_________\n= وانظر ما رواه البخاري في كتاب العلم: باب إثم من كذب على النبي - ﷺ - ١/ ١٩٩ - ٢٠٣ من أحاديث علي والزبير، وأنس، وسلمة بن الأكوع وأبي هريرة ح ١٠٦ - ١١٠ وما ذكره ابن حجر في هذا الموطن وما أحال عليه.\nوما رواه مسلم في مقدمة الصحيح من أحاديث علي وأنس وأبي هريرة والمغيرة: باب تغليظ الكذب على رسول الله - ﷺ - وما ذكر النووي تعليقًا على ذلك وأحال إليه ١/ ٦٥ - ٧٢.\n(^١) أخرج ابن ماجه معناه من حديث ابن عمر في كتاب الفتن: باب ذهاب الأمانة ٢/ ١٣٤٧ ح ٤٠٥٤ من طريق محمد بن المصفى، عن محمد بن حرب، عن سعيد بن سنان، عن أبي الزاهرية، عن أبي شجرة: كثير بن مرة عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال:\n\"إن الله ﷿ إذا أراد أن يهلك عبدًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتا ممقتا، فإذا لم تلقه إلا مقيتا ممقتا نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائنا مخونا، فإذا لم تلقه إلا خائنا مخونا نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيما ملعنا، فإذا لم تلقه إلا رجيما ملعنا نزعت منه ربقه الإسلام\".\nوقد ذكر البوصيري في الزوائد ٢/ ٣٠٨ أن هذا إسناد ضعيف؛ لضعف سعيد بن سنان والاختلاف في اسمه. ا هـ واستنكر البخاري ومسلم حديثه ووصمه الدارقطني بالوضع.","vol":"2","page":595},{"text":"من عنقه، فإذا نزع رِبْقَةَ الإيمان من عنقه لم تلقه إلا شيطانًا لعينا ملعَّنا.\n* وعن ابن عباس ﵄ قال:\n\"الحياءُ والإيمان في قَرَن، فإِذا نزع الحياءُ تبعه الآخر\".\nخرجه كلَّه حميد بن زنجويه في كتاب الأَدب.\n* * *\n* وقد جعل النبي - ﷺ - الحياءَ من الإيمان كما في الصحيحين، عن ابن عمر ﵄:\n\"أَن النبي - ﷺ - مر على رجل وهو يعاتب أَخاه بالحياء يقول: إنك لَتستحي؟! حتى كأَنه يقول: قد أَضرّ بك؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"دعه؛ فإن الحياءَ من الإيمان\" ولفظه للبخاري (^١).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة قال:\n\"الحياء شعبة من الإِيمان\" (^٢).\n* وفي الصحيحين عن عمران بن حصين، عن النبي - ﷺ - قال: \"الحياء لا يأْتي إِلا بخير\". وفي رواية لمسلم قال: \"الحياءُ خير كله، أو قال: الحياءُ كله خير (^٣) \".\n* وخرج الإِمام أَحمد والنسائي من حديث الأشج العَصَري قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"إِن فيك لخصلتين يحبهما الله\" قلت: ما هما؟ قال: \"الحلم والحياء\"، قلت: أَقديما كان أَو حديثا؟ قال: \"بل قديما\". قلت: الحمد لله الذي جعلني على خلقين يحبهما الله (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان: باب الحياء من الإيمان ١/ ٧٤ وفي كتاب الأدب: باب الحياء ١٠، ٥٢١ ومسلم في كتاب الإيمان: باب بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء وكونه من الإيمان ١/ ٦٣.\n(^٢) مسلم في الموضوع المذكور، والبخاري في كتاب الإيمان: باب أمور الإيمان ١/ ٥١.\n(^٣) مسلم عقب الروايتين السابقتين ١/ ٦٤ والبخاري في كتاب الأدب: باب الحياء ١٠/ ٥٢١ وفيهما عقب الحديث: فقال بشير بن كعب (لعمران) مكتوب في الحكمة: إن من الحياء وقارا، وإن من الحياء سكينة؟ فقال له عمران: أحدثك عن رسول الله - ﷺ - وتحدثني عن صحيفتك؟.\n(^٤) مسند أحمد ٣/ ٢٣ و٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦ (الحلبي). والنسائي في الكبرى كما في التحفة ٨/ ٥١٣ والأشج العصري بفتح العين والصاد هو المنذر بن عائذ بن المنذر بن الحارث بن النعمان بن زياد بن عصر العصري. كان سيد قومه، وفد على النبي - ﷺ - فمدحه بالخصلتين المذكورتين ولما أسلم رجع إلى البحرين مع قومه، ثم نزل البصرة بعد ذلك. راجع حديثه وترجمته في الاستيعاب ١/ ١٤٠ - ١٤١ وتهذيب التهذيب ١٠/ ٣٠١. وفي ب: \"لخلقين … على خلقين\" وفي المسند: \"إن فيك خلتين … على خلتين\".","vol":"2","page":596},{"text":"* وقال إِسماعيل بن أَبي خالد: دخل عيينة بن حصن على النبي - ﷺ - وعنده رجل فاستسقى فأُتي بماءِ فشرب فستره النبي - ﷺ - فقال: ما هذا؟ قال: \"الحياءُ [والإيمان]، أوتوهما وَمُنِعْتُمُوهُما\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-829>[الحياء نوعان]:</span>\n* واعلم أَن الحياءَ نوعان:\n\n<span data-type='title' id=toc-830>[النوع الأول]:</span>\n* أحدهما: ما كان خُلُقًا وجِبلَّةً غيرَ مُكتَسَبٍ، وهو من أَجلِّ الأَخلاق التي يمنحها الله العبد، ويجبله عليها، ولهذا قال رسول الله - ﷺ -: \"الحياءُ لا يأْتي إِلا بخير\" (^٢) فإِنه يكف عن ارتكاب القبائح، ودناءَة الأَخلاق، ويحث على استعمال مكارم الأَخلاق ومعاليها؛ فهو من خصال الإيمان بهذا الاعتبار.\n* وقد روي عن عمر ﵁ أنه قال:\n\"من استحيا اختفى، ومن اختفى اتقى، ومن اتقى وُقي! \".\n* * *\n* وقال الجراح بن عبد الله الحكمي - وكان فارس أَهل الشام -:\n\"تركتُ الذنوبَ حياءً أَربعين سنة، ثم أَدركني الورَع\".\n* * *\n* وعن بعضهم قال: \"رأَيت المعاصي نذالة، فتركتها مروءَة، فاستحالت ديانة\".\n* * *\n_________\n(^١) هذا إسناد معضل؛ فقد روى الطبراني هذا الحديث في الكبير ٢/ ٣٠٤ ح ٢٢٦٨ من طريق محمد بن عبد الله الحضرمي، عن يحيى بن مطيع النسيباني، عن يحيى بن عبد الملك، عن إسماعيل عن قيس، عن جرير قال: دخل عيينة … الحديث.\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٨١ عن الطبراني في هذا الموضع وقال: فيه يحيى بن مطيع الشيباني ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات.\n(^٢) الحديث في الصحيفة السابقة.","vol":"2","page":597},{"text":"<span data-type='title' id=toc-831>[النوع الثاني]:</span>\n* النوع الثاني: ما كان مكتسبا من معرفة الله، ومعرفة عظمته، وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمه بخائنة الأَعين، وما تخفي الصدور، فهذا من أَعلى خصال الإيمان، بل هو من أَعلى درجات الإحسان وقد تقدم (^١) أَن النبي - ﷺ - قال لرجل: \"استحي من الله كما تستحيي من رجل من صالح عشيرتك\".\n* وفي حديث ابن مسعود: \"الاستحياءُ من الله أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك؛ فقد استحيا من الله حق الحياء\".\n* خرجه الإمام أحمد (^٢)، والترمذي (^٣) مرفوعًا.\nوقد يتولَّد الحياءُ من الله من مطالعة نعمِه تعالى ورؤية التقصير في شكرها، فإذا سُلب العبد الحياءَ المكتسَب والغريزي لم يبق ما يمنعه من ارتكاب القبيح والأَخلاقِ الدنيئة؛ فصار كأَنه لا إيمان له.\n* * *\n* وقد روي من مراسيل الحسن عن النبي - ﷺ - قال: الحياءُ حياءان: طرف من الإِيمان، والآخر عجز.\nولعله من كلام الحسن.\n* وكذلك قال بشر بن كعب العدوي لعمران بن حصين: إنا نجد في بعض الكتب أن منه سكينة ووقارًا لله، ومنه ضعف. فغضب عمران وقال: أحدثك عن رسول الله - ﷺ - وتعارض فيه (^٤)؟!.\nوالأمر كما قاله عمران ﵁؛ فإِن الحياءَ الممدوح في كلام النبي - ﷺ -: إنما يريد به الخلق الذي يحثُّ على فعل الجميل، وترك القبيح.\n_________\n(^١) في شرح الحديث الثاني عشر.\n(^٢) في المسند ٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦ (المعارف) بإسناد ضعيف.\n(^٣) في كتاب صفة القيامة: باب (٢٤) ٤/ ٦٣٧ وقال هذا حديث (غريب): إنما نعرفه من هذا الوجه من حديث أبان بن إسحاق، عن الصباح بن محمد.\n(^٤) تقدمت رواية البخاري ومسلم ص: ٥٩٦ من حديث عمران.","vol":"2","page":598},{"text":"فأَما الضعف والعجز الذي يوجب التقصير في شيء من حقوق الله أَو حقوق عباده - فليس هو من الحياء؛ فإنما هو ضعف وخور، وعجز (^١) ومهانة. والله أَعلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-832>[القول الثاني في معنى فاصنع ما شئت]:</span>\n* والقول الثاني في معنى قوله: \"إذا لم تستحي فاصنع ما شئت\" أَنه أمر بفعل ما يشاءُ على ظاهر لفظه (^٢). وأن المعنى: إذا كان الذي تريد فعله مما لا يستحيا من فعله، لا من الله ولا من الناس لكونه من أَفعال الطاعات، أَو من جميل الأَخلاق والآداب المستحْسَنة، فاصنع منه حينئذ ما شئت.\n* * *\n* وهذا قول جماعة من الأَئمة منهم: أَبو إسحاق المروزي الشافعي.\n* وحكي مثله عن الإمام أَحمد، ووقع كذلك في بعض نسخ مسائل أَبي داود المختصرة عنه، والذي في النسخ المعتمدة التامة كما حكيناه عنه من قبل وكذلك رواه عنه الخَلَّال في كتاب الأدب.\n* * *\n* ومن هذا قول بعض السلف، وقد سئل عن المروءة فقال: أَن لا تعمل في السر شيئا تستحي منه في العلانية.\n* وسيأتي قول النبي - ﷺ -: \"الإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس\" في موضعه من هذا الكتاب. إن شاءَ الله تعالى.\n* وروى عبد الرزاق في كتابه، عن معمر، عن أبي إسحاق، عن رجل من مُزَينة قال: قيل: يا رسول الله! ما أفضل ما أوتي الرجل المسلم؟ قال: الخلق الحسن. قال: فما شر ما أُوتي الرجل المسلم؟ قال: \"إذا كرهت أَن يرى عليك شيء في نادي القوم فلا تفعله إذا خلوت\".\n* وفي صحيح ابن حبان عن أُسامة بن شريك، قال: قال رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(^١) ليست في ب.\n(^٢) م: \"أمره\".","vol":"2","page":599},{"text":"\"ما كره [الله]، منك شيئًا فلا تفعله إِذا خلوت\" (^١).\n* وخرج الطبراني من حديث أبي مالك الأشعري قال: قلت: يا رسول الله! ما تمام البر؟ قال:\n\"أن تعمل في السر عمل العلانية\" (^٢).\n* وخرجه أيضًا من حديث أَبي عامر السّكوني قال: قلت: يا رسول الله! فذكرهُ (^٣).\n* وروى عبد الغني بن سعيد الحافظ في كتاب أدب المحدَّث بإِسناده عن حرملة بن عبد الله، قال:\nأَتيت النبي - ﷺ - لأَزداد من العلمِ فقمت بين يديه فقلت: يا رسول الله! ما تأمُرني أَن أَعمل به؟ قال: \"ائْتِ المعروفَ، واجتنبِ المنكَرَ، وانظر الذي سَمِعَتْهُ أُذُنُكَ من الخير يقوله القوم لك إذا قمت من عندهم فأته، وانظر الذي تكره أَن يقوله القوم لك إذا قمت من عندهم فاجتنبه\".\nقال: \"فنظرت فإِذا هما أَمرأن لم يتركا شيئًا: إتيان المعروف، واجتناب المنكر\". * وخرجه ابن سعد في طبقاته بمعناه (^٤).\n* وحكى أَبو عبيد (^٥) في معنى الحديث قولًا آخر حكاه عن جرير (^٦)، قال: معناه\n_________\n(^١) صحيح ابن حبان ١/ ٣١٠ من الإحسان من طريق مؤمل بن إسماعيل ثقة كثير الخطأ، كما في المجروحين ٢/ ٣٠٦ - ٣٠٧. وحديث عبد الرزاق في مصحفه ٢٠١٥١.\n(^٢) أورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٩٠ من حديث أبي مالك الأشعري وقال:\nرواه الطبراني وفيه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وهو ضعيف لم يتعمد الكذب، وبقية رجاله وثقوا على ضعف في بعضهم.\n(^٣) أورده الهيثمي عقب الحديث السابق، وقال: فيه عبد الرحمن بن زياد أيضًا.\n(^٤) عن عبد الملك بن عمر وأبي عامر العقدي، عن قرة بن خالد، عن ضرغامة بن عُلَيْبة بن حرملة عن أبيه عن جده (حرملة بن عبد الله) فذكره بنحوه مختصرا طبقات ٢/ ٥٠.\nكذلك رواه أحمد في المسند ٤/ ٣٠٥، والطيالسي في المسند ٢/ ٥٠ من منحة المعبود ورواه البخاري في الأدب المفرد ١/ ٣١٤ بسياقه تامًّا.\nوترجم له ابن حجر في الإصابة ٢/ ٥١١ وذكر أن له صحبة، وأن عداده في أهل البصرة وأن حديثه في الأدب المفرد ومسند أبي داود الطيالسي وغيرهما بإسناد حسن.\n(^٥) في غريب الحديث ٣/ ٣١ - ٣٢.\n(^٦) هو جرير بن عبد الحميد الضبي أبو عبد الله الرازي كان حافظا مقدما إلا أنه نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ وتوفي ١٨٨ وترجمته في التهذيب ٢/ ٧٥ - ٧٧.","vol":"2","page":600},{"text":"أَن يريد الرجل أَن يعمل الخير فيدعه حياءً من الناس كأنه يخاف الرياءَ. يقول فلا يمنعك الحياءُ من المضي لما أَردت، كما جاءَ في الحديث: إذا جاءَك الشيطان وأَنت تصلى فقال: إِنك ترائي فزدها طولًا. ثم قال أَبو عبيد: وهذا الحديث ليس يجيء سيافه ولا لفظه على هذا التفسير ولا على هذا يحمله الناس.\nقلت: لو كان على ما قاله جرير لكان لفظ الحديث إِذا استحييت مما لا يُستحيا منه فافعل ما شئت. ولا يخفى بُعد هذا من لفظ الحديث ومعناه. والله أَعلم","vol":"2","page":601},{"text":"<span data-type='title' id=toc-833>الحديث الحادي والعشرون</span>\nعَنْ أَبي عَمْرِو، وَقِيلَ أَبِي عَمْرَةَ: سُفْيَانَ بْن عبد الله ﵁ قَالَ:\nقُلْتُ: يَا رَسُول الله؛ قُلْ لِي في الإِسْلام قَولًا، لا أَسأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ، قَالَ: \"قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثمَّ استَقمْ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-834>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث خرجه مسلم (^١) من رواية هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان. ومصفيان: هو ابن عبد الله الثقفي الطائفي، له صحبة، وكان عاملًا لعمر بنِ الخطاب على الطائف.\nوفد رُوي عن سفيان بن عبد الله من وجوه أُخَرَ بزيادات.\nفخرّجه الإمام أحمد (^٢)، والترمذي (^٣)، وابن ماجه (^٤)، من رواية الزهري، عن محمد بن عبد الرحمن بن ماعز.\nوعند الترمذي من رواية عبد الرحمن بن ماعز، عن سفيانَ بن عبد الله، قال: قلت: يا رسول الله! حدثني بأمر أَعْتَصمُ به. قال: \"قل: رَبِّيَ الله ثم استقم\" قلت: يا رسول الله: ما أَخوفُ ما تخافُ عليّ؟ فأخذ بلسان نَفْسِه ثم قال: \"هذا\".\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان: باب جامع أوصاف الإسلام ١/ ٦٥ من حديث سفيان بن عبد الله. وفيه … لا أسأل عنه أحدا بعدك … فاستقم.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٨٤ - ٣٨٥ من طريق هشيم عن يعلى بن عطاء، عن عبد الله بن سفيان الثقفي، عن أبيه أن رجلا قال: يا رسول الله! وقال هشيم: قلت: يا رسول الله! مرني في الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: قل: آمنت بالله ثم استقم، قال: قلت: فما أتقي، فأومأ إلى لسانه.\nوأخرجه في ٣/ ٤١٣ من وجوه عديدة منها طريق الزهري.\n(^٣) أخرجه الترمذي في كتاب الزهد. باب ما جاء في حفظ اللسان ٤/ ٦٠٧ من طريق الزهري، عن عبد الرحمن بن ماعز، عن سفيان بن عبد الله الثقفي. وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن سفيان بن عبد الله الثقفي.\n(^٤) أخرجه ابن ماجه في: ٣٦ - كتاب الفتن: ١٢ - باب كف اللسان في الفتنة ٢/ ١٣١٤ ح ٣٩٧٢ من حديث ابن شهاب عن محمد بن عبد الرحمن العامري: أن سفيان بن عبد الله الثقفي قال: قلت: يا رسول الله! حدثني بأمر أعتصم به قال: \"قل: ربِّي الله ثم استقم\" قلت: يا رسول الله! ما أكثر ما تخاف عليّ - فأخذ رسول الله - ﷺ - بلسان نفسه ثم قال: \"هذا\".","vol":"2","page":603},{"text":"وقال الترمذي: حسن صحيح.\n* وخرّجه الإمام أحمد، والنسائي (^١) من رواية عبد الله بن سفيان الثقفي، عن أَبيه: أن رجلا قال: يا رسول الله مُرني بأمر في الإسلام ولا أسأَل عنه أحدًا بَعْدَك؟ قال: \"قل: آمنت بالله ثم استقم\" قلت: فما أَتقي؟ قال: فأَومأ إلى لسانه (^٢).\n* وقال سفيان بن عبد الله - ﷺ -: \"قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا بعدك\" طلب منه أن يعلمه كلامًا جامعًا لأمر الإسلام كافيًا؛ حتى لا يحتاج - بعده - إلى غيره؛ فقال له النبي - ﷺ -: \"قل: آمنت بالله ثم استقم\".\nوفي الرواية الأخرى: \"قل ربي الله ثم استقم\".\n\n<span data-type='title' id=toc-835>[علاقة الحديث بالقرآن]:</span>\n* هذا منتزعٌ من قوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ (^٣) وقوله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٤).\n* وخرّج النَّسَائِي في تفسيره من رواية سهيل بن أَبي حزم (^٥)، حدثنا ثابت، عن أنس أن النبي - ﷺ - قرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ فقال: قالها الناس ثم كفروا؛ فمن مات عليها؛ فهو من أهل الاستقامة.\nوخرّجه الترمذي ولفظه: فقال: \"قد قال الناس ثم كفر أكثرهم، فمن مات عليها؛ فهو ممن استقام\" وقال: حسن غريب (^٦).\nوسهيل تُكُلِّم فيه من قِبل حفظه.\n_________\n(^١) راجع التخريج السابق. وأشار المزي في التحفة ٤/ ٢٠ إلى أنه عند النَّسَائِي في الكبرى في الرقاق ولم أجده في المطبوع منها فيه وإنما هو في التفسير فيها ٦/ ٤٥٨ من وجهين.\n(^٢) أي أن المنجي: صحة العقيدة، واستقامة الجوارح لا سيما اللسان.\n(^٣) سورة فصلت: ٣٠.\n(^٤) سورة الأحقاف: ١٣، ١٤.\n(^٥) في التفسير من الكبرى ٦/ ٤٥٢ إلا أن سهيلا لم يصرح فيه بالتحديث عن ثابت، بل جاءت روايته بالعنعنة. وعامة ما يرويه ينفرد به وانظر الكامل ٣/ ٤٥٠ وهامشه.\n(^٦) الترمذي في التفسير: باب سورة حم السجدة ٤/ ١٧٩ من التحفة وقال: حديث غريب.","vol":"2","page":604},{"text":"وقال أَبو بكر الصديق في تفسير ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾: قال: لم يشركوا بالله شيئًا.\n* وعنه قال: لم يلتفتوا إلى إله غيره، وعنه قال: ثم استقاموا على أن الله ربُّهم (^١).\n* وعن ابن عباس بإسناد ضعيف قال: هذه أَرْخَصُ آية في كتاب الله ﴿قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على شهادة أن لا إله إلا الله (^٢).\n* وروي نحوه عن أنس، ومجاهد، والأسود بن هلال، وزيد بن أَسلم، والسّدِّي، وعِكرمة، وغيرهما.\n* وروي عن عمر بن الخطاب أنه قرأ هذه الآية على المنبر ﴿إنَّ الذَّينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ فقال: لم يروغوا روغان الثعلب (^٣).\n* وروى عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إنَّ الذَّينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ قال: استقاموا على أداء فرائضه (^٤).\n* وعن أبى العالية قال: أَخلصوا له الدين والعمل (^٥).\nوعن قتادة قال: استقاموا على طاعة الله.\nوكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم! أنت ربنا فارزقنا الاستقامة (^٦).\n* ولعل من قال: إن المراد الاستقامة على التوحيد؛ إنما أراد التوحيد الكامل الذي يحرّم صاحبه على النار، وهو تحقيق معنى \"لا إله إلا الله\" فإِن الإِله هو المعبود الذي يُطاع فلا يُعْصى؛ خشيةً، وإِجلالًا، ومهابة، ومحبةً، ورجاء، وتوكُّلًا، وَدُعَاءً. والمعاصي كلُّها قادِحةٌ في هذ التوحيد؛ لأنها إجابة لداعي الهوى، وهو الشيطان، قال الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (^٧).\n* قال الحسن وغيره: هو الذي لا يَهْوَى شيئًا إلا ركبه (^٨).\n_________\n(^١) راجع في هذا وفي الروايات السابقة تفسير ابن كثير ٤/ ٩٨ - ٩٩ والزهد لابن المبارك ص ١١٠ ح ٣٢٦.\n(^٢) أورده ابن كثير في التفسير ٤/ ٩٨ من طريق ابن أبي حاتم. عن أبي عبد الله الظهراني، عن حفص بن عمر العدني. عن الحكم بن أبان، عن عكرمة - دون تعقيب. وقوله: أرخص، هو من الرخصة.\n(^٣) أورده ابن كثير في التفسير ٤/ ٩٨ عن الزهري قال: تلا عمر ﵁ هذه الآية على المنبر، ثم قال: استقاموا والله لله بطاعته، ولم يروغوا روغان الثعالب ورواه ابن المبارك في الزهد في الموضع السابق. وإسناده منقطع بين الزهري وعمر راجع التهذيب ٧/ ٣٣٩.\n(^٤) تفسير ابن كثير ٤/ ٩٩.\n(^٥) تفسير ابن كثير في الموضع السابق.\n(^٦) تفسير ابن كثير عقب الروايات السابقة.\n(^٧) سورة الجاثية: ٢٣.\n(^٨) وعن مالك فيما روي عنه من التفسير: \"لا يهوى شيئًا إلا عبده\" تفسير ابن كثير ٤/ ١٥٠.","vol":"2","page":605},{"text":"فهذا ينافي الاستقامة على التوحيد.\n* وأما على رواية من رَوَى: \"قل: آمنت بالله، فالمعنى أظهر؛ لأن الإيمان يدخل فيه الأعمال الصالحة عند السلف، ومَن تابعَهُم من أهل الحديث، وقال الله ﷿: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (^١) فأمره أن يستقيم ومن تاب معه، وأن لا يجاوزوا ما أمروا به وهو الطغيان وأخبر أنه بصير بأعمالهما (^٢) مطّلع عليها؛ قال تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ (^٣).\nوقال قتادة: أُمِر محمد - ﷺ - أن يستقيم على أمر الله (^٤).\nوقال الثوري: على القرآن (^٥).\nوعن الحسن قال: لما نزلت هذه الآية شمّر رسول الله - ﷺ - فما رُئي ضاحكًا.\nخرجه ابن أبي حاتم.\nوذكر القشيري وغيره عن بعضهم: أنه رأى النبي - ﷺ - في المنام فقال له: يا رسول الله! قلتَ شيَّبتني هُودٌ وأَخواتُها فما شيَّبَك منها؟ قال: قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ (^٦).\nوقال ﷿: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ (^٧).\nوقد أمر الله تعالى بإقامة الدين عمومًا كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا\n_________\n(^١) سورة هود: ١١٢.\n(^٢) في \"م\": \"بأعمالكم\" وهو تحريف.\n(^٣) سورة الشورى: ١٥.\n(^٤) انظر الدر المنثور ٣/ ٣٥١ فقد أخرجه السيوطي عن أبي الشيخ وابن أبي حاتم.\n(^٥) أخرجه السيوطي في الدر المنثور ٧/ ٣٥١ عن أبي الشيخ.\n(^٦) أخرج الحاكم في المستدرك ٢/ ٣٤٣ من حديث ابن عباس قال: قال أبو بكر الصديق ﵁ لرسول الله - ﷺ -: أراك قد شبت؟ قال: شيبتني \"هود\"، \"والواقعة\"، \"وعم يتساءلون\"، \"وإذا الشمس كورت\". وقد صححه الحاكم على شرط البخاري وأقره الذهبي. وأورده الشيخ الألباني في الصحيحة ٩٥٥ ورواه الترمذي في كتاب التفسير: باب من سورة الواقعة ٥/ ٤٠١ وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه ثم أورد له طرقا أخرى.\n(^٧) سورة فصلت: ٦.","vol":"2","page":606},{"text":"الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ﴾ (^١).\n* وأمر بإقامة الصلاة في غير موضع من كتابه، كما أمر بالاستقامة على التوحيد في تينك (^٢) الآيتين.\nوالاستقامة: هي سلوك الصراط المستقيم، وهو الدين القيم (^٣) من غير تَعريج (^٤) عنه يَمنة ولا يسرة، ويشمل ذلك فعل الطاعات كلها: الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات كلها كذلك؛ فصارت هذه الوصية جامعة لخصال الدين كلها.\n\n<span data-type='title' id=toc-836>[حكمة اقتران الاستقامة بالاستغفار]:</span>\n* وفي قوله ﷿: ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ إشارة إلى أنه لابد من تقصير في الاستقامة المأمور بها، فيُجْبَر ذلك بالاستغفار المقتضي للتوبة، والرجوع إلى الاستقامة، فهو كقول النبي - ﷺ - لمعاذ: \"اتَّق الله حيثُما كُنْتَ، وأتْبع السيئةَ الحسنةَ تَمحُها (^٥).\n* وقد أَخبر النبي - ﷺ - أن الناس لن يُطيقوا (^٦) الاستقامة حق الاستقامة، كما خرَّجه الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث ثوبان عن النبي - ﷺ - قال: \"استقيموا ولن تُحصُوا (^٧)، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن\" (^٨).\n* وفي رواية للإمام أحمد ﵀: \"سَدِّدوا وقاربوا، ولا يحافظ على الصلاة إلا مؤمن\" (^٩).\n_________\n(^١) الشورى: ١٤.\n(^٢) ب: \"تلك\".\n(^٣) في م، ب: \"القويم\".\n(^٤) في م: \"تعويج\".\n(^٥) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في معاشرة الناس ٤/ ٣٥٥ - ٣٥٦ من طريقين: أحدهما عن أبي ذر، والآخر عن معاذ ثم ذكر أن الصحيح حديا أبي ذر. وقد مضى: الحديث رقم (١٨).\n(^٦) في م: \"يستطيعوا\".\n(^٧) قال في النهاية ١/ ٣٩٨: أي استقيموا في كل شيء حتى لا تميلوا، ولن تطيقوا الاستقامة، من قوله تعالى: ﴿علم أن لن تحصوه﴾ أي لن تطيقوا عده وضبطه. وقد مضى ص ٣٧٠، ٥٥٠.\n(^٨) مسند أحمد ٢٧٦/ ٥ (الحلبي).\nوسنن ابن ماجه، في كتاب الطهارة: باب المحافظة على الوضوء ١/ ١٠١ - ١٠٢ وقد ذكر صاحب الزوائد: أن رجال إسناده ثقات أثبات إلا أن في طريقه انقطاعا بين سالم وثوبان، ولكن أخرجه الدارمي وابن حبان في صحيحه من طريق ثوبان متصلًا. وقد أخرجه الدارمي في السنن ١/ ١٦٨ من طريق عن ثوبان.\n(^٩) المسند ٥/ ٢٨٢ عن ثوبان بأتم من هذا.","vol":"2","page":607},{"text":"وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"سدِّدُوا وقاربوا\" (^١) فالسداد: هو حقيقة الاستقامة، وهو الإِصابة في جميع الأقوال والأَعمال والمقاصد، كالذي يرمي إلى غرض فيصيبه (^٢).\n* وقد أمر النبي - ﷺ - عليًّا ﵁ أن يسأل الله ﷿ السداد والهدى، وقال له: \"اذكر بالسَّداد تَسْدِيدَك السهم، وبالهدى هدايتَك الطريق\" (^٣).\n* والمقاربة أن يصيب ما قرب من الغرض إذا لم يصب الغرض نفسه، ولكن بشرط أن يكون مصمما على قصد السّداد، وإصابة الغرض، فتكون مقاربته عن غير عمد، ويدل عليه قول النبي - ﷺ - في حديث الحكم بن حَزْن (^٤) الكُلَفي: \"أيها الناس إِنكم لن تعملوا أو لن تطيقوا كلَّ ما أمرتكم ولكن سدَّدوا وأَبشروا\" (^٥).\nوالمعنى: اقصدوا التسديد والإِصابة والاستقامة، فإِنهم لو سددوا في العمل كلِّه لكانوا قد فعلوا ما أمروا به كلَّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-837>[أصل الاستقامة]:</span>\n* فأصل الاستقامة استقامة القلب على التوحيد كما فسر أبو بكر الصديق وغيره\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق: باب القصد والمداومة على العمل ١١/ ٢٩٤: ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: باب لن يدخل أحد الجنة بعمله بل برحمة الله تعالى ٤/ ٢١٧١ كلاهما من حديث عائشة بلفظ: \"سددوا وقاربوا وأبشروا؛ فإنه لن يدخل الجنة أحدًا عمله\". قالوا: ولا أنت يا رسول الله! قال: \"ولا أنا؛ إلا أن يتغمدني الله منه برحمة واعلموا أن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل\".\n(^٢) نقل الحافظ ابن حجر في الفتح ١١/ ٢٥٥ عن ابن حزم قوله في معنى الأمر بالسداد والمقاربة: أنه - ﷺ - أشار بذلك إلى أنه بعث ميسرا سهلا فأمر أمته أن يقتصدوا في الأمور. لأن ذلك يقتضي الاستقامة عادة. اهـ.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٧٢، ٢٥٦ - ٢٥٧، ٢٧٤، ٣٣٢ - ٦٣٣ (المعارف) وأخرجه مسلم في كتاب الذكر والتوبة والاستغفار: باب التعوذ من شر ما عمل ومن شر ما لم يعمل ٤/ ٢٠٣٠ بلفظ: \"قل اللهم اهدني وسددني واذكر بالهدى هدايتك الطريق، والسداد سداد السهم\".\nقال النووي في شرحه على مسلم ١٧/ ٤٣ - ٤٤: ومعنى: \"اذكر بالهدى هدايتك الطريق، والسداد سداد السهم\" أي تذكر ذلك في حال دعائك بهذين اللفظين؛ لأن هادي الطريق لا يزيغ عنه، ومسدد السهم يحرص على تقويمه، ولا يستقيم رميه حتى يقومه، وكذا الداعي ينبغي أن يحرص على تسديد علمه وتقويمه ولزومه السنة.\n(^٤) في م: \"حزم\" وهو تحريف، راجع ترجمة الحكم بن حزن الكلفي ص ٢٧٠.\n(^٥) أخرجه أبو يعلى في مسنده ١٢/ ٢٠٥ ح ٦٨٢٦ بإسناد صحيح، وبسياقه تامًّا بنحوه وانظر تخريجه في هامشه.","vol":"2","page":608},{"text":"قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ (^١) بأنهما لم يلتفتوا إلى غيره (^٢).\n* فمتى استقام القلب على معرفة الله، وعلى خشيته وإجلاله، ومهابته ومحبته وإِرادته، ورجائه ودعائه، والتوكل عليه، والإعراض عما سواه: استقامت الجوارح كلُّها على طاعته؛ فإن القلب هو ملك الأعضاء، وهي جنوده، فإِذا استقام الملك استقامت جنوده ورعاياه.\n* وكذلك فسر قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ (^٣) بإخلاص القصد لله وإرادته وحده لا شريك له.\n\n<span data-type='title' id=toc-838>[ماذا بعد استقامة القلب]:</span>\n* وأعظم ما يُراعَى استقامَتُهُ بعد القلب من الجوارح: اللسان؛ فإِنه تَرْجُمَان القلب، والمعَبِّرُ عنه.\nولهذا لما أمر النبي - ﷺ - سفيان بن عبد الله الثقفي (^٤) بالاستقامة وصاه بعد ذلك بحفظ لسانه (^٥)؛ وفي (^٦) مسند الإمام أحمد عن أنس عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يستقيم إِيمانُ عبد حتى يَسْتَقَيمَ قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه\" (^٧).\n_________\n(^١) سورة فصلت: ٣٠.\n(^٢) رواية الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٤٠ عن أبي بكر الصديق ﵁ قال: ما تقولون في قول الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ وسوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾؟ فقالوا: الذين قالوا ربنا ثم استقاموا فلم يلتفتوا، وقوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بخطيئة فقال أبو بكر: حملتموهما على غير وجه المحمل، ثم استقاموا ولم يلتفتوا إلى إله غيره، ولم يلبسوا إيمانها بظلم أي بشرك. اهـ. وقد صححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\n(^٣) سورة الروم: ٣٠.\n(^٤) زيادة واجبة.\n(^٥) كما في الحديث الذي أورده المؤلف ..\n(^٦) في م \"ففي\".\n(^٧) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ١٩٨ (الحلبي) من طريق زيد بن الحباب، عن علي بن مسعدة الباهلي، عن قتادة، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ولا يدخل رجل الجنة، يأمن جاره بوائقه\".\nوهو عند ابن أبي الدنيا في الصمت ص ٣٨ ح ٩ من حديث عمرو الناقد، عن زيد بن الحباب - به - بمثله. وأوِرده العراقي في تخريج أحاديث الأحياء ٣/ ٩٤ عن ابن أبي الدنيا في هذا الموضع، وعن الخرائطي في مكارم الأخلاق.","vol":"2","page":609},{"text":"وفي رواية الترمذي عن أبي سعيد الخُدْريّ مرفوعًا وموقوفًا: \"إذا أصبح ابنُ آدم فإِن الأعضاء كلَّها تُكفِّر (^١) لِلِّسان، فتقول: اتق الله فينا؛ [فإنما نحن (^٢) بك]؛ فإن استقمت استقمنا، وإن اعْوَجَجْتَ اعْوجَجْنا\" (^٣).\n_________\n(^١) في م: تفكر اللسان وهو تحريف شنيع، وفي نسختي الترمذي: المصرية والهندية، والصمت تبعًا لها: \"تكفر اللسان\" وهي لا توائم تفسير المباركفوري لها، ونحن مع محقق النهاية في أن حكّم اللسان والفائق وقد قال في النهاية ٤/ ٣٨٨: \"فإن الأعضاء كلها تكفر لِلّسَانِ: أي تذل وتخضع [له].\n(^٢) ما بين القوسين سقط من أ، وهو في م، والترمذي.\n(^٣) أخرجه الترمذي في كتاب الزهد: باب ما جاء في حفظ اللسان ٤/ ٦٠٥ وذكر أن الموقوف أصح. وأخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت ح ١٢ عن معيد بن جبير، عن أبي سعيد، قال: أراه رفعه، وعنده: \"تكفر اللسان\" وفسرها بالهامش بقوله: \"أي تتذلل وتتواضع له\" ولا يتواءم هذا ولا ذاك.","vol":"2","page":610},{"text":"<span data-type='title' id=toc-839>الحديثِ الثاني والعشرون</span>\nعَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ: [جَابِر بْنِ عَبْد الله الأَنْصَاريّ ﵄]: أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ الله - ﷺ - فَقَالَ:\nأَرَأَيْتَ إِذَا صَلَّيتُ المكتُوبَات، وَصُمْتُ رَمَضانَ، وأَحْلَلتُ الحلال، وَحَرَّمتُ الحرَام، وَلَم أَزِدْ عَلى ذَلك شَيْئًا، أَدْخُلُ الجْنَّة؟ قَالَ: \"نَعَمْ\". رَوَاهُ مُسْلم (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-840>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث خرجه مسلم من رواية أبي الزبير، عن جابر، وزاد في آخره: \"قال: والله لا أزيدُ على ذلك شيئًا\" (^٢).\nوخرجه أيضًا (^٣) من رواية الأعمش، عن أبي صالح، وأبي سفيان، عن جابر، قال: قال النعمان بن قوقل: يا رسول الله! أرأيتَ إذا صليتُ المكتوبة، وحرَمتُ الحرام، وأحللتُ الحلال، ولم أزِد على ذلك شيئًا أدخلُ الجنة؟ قال النبي - ﷺ -: \"نعم\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-841>[تحليل الحلال وتحريم الحرام]:</span>\nوقد فسر بعضهم تحليل الحلال باعتقاد حله، وتحريم الحرام باعتقاد حرمته مع اجتنابه.\nويُحتمل أن يراد بتحليل الحلال إتيانُه، ويكون الحلال هاهنا عبارة عما ليس بحرام، فدخل فيه الواجب، والمستحب، والمباح، ويكون المعنى: أنه يفعل ما ليس بمحرم عليه، ولا يتعدى ما أبيح له إلى غيره، ويجتنب المحرمات.\nوقد روي عن طائفة من السلف منهم ابن مسعود، وابن عباس في قوله ﷿ ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (^٤) قالوا: يُحِلُّون\n_________\n(^١) بعد هذا في م: \" ومعنى حرمت الحرام: اجتنبته، ومعنى أحللت الحلال: فحلته معتقدًا حله \".\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان: باب الإيمان الذي يدخل به الجنة، وأن من تمسك بما أمر به دخل الجنة ١/ ٤٤.\n(^٣) في الموضع المذكور، قبل الرواية السابقة.\n(^٤) سورة البقرة: ١٢١.","vol":"2","page":611},{"text":"حلاله، ويحرّمون حرامه، ولا يحرّفونه عن مواضعه (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-842>[المراد بالتحليل والتحريم]:</span>\nوالمراد بالتحريم والتحليل فعل الحلال، واجتناب الحرام، كما ذكر في هذا الحديث، وقد قال الله تعالى في حق الكفار الذين كانوا يغيرون تحريم الشهور الحُرُم: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ (^٢).\nوالمراد: أنهم كانوا يقاتلون في الشهر الحرام عامًا، فيحلُّونه بذلك، ويمتنعون من القتال فيه عامًا، فيحرمونه بذلك.\nوقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (^٣).\nوهذه الآية نزلت بسبب قوم امتنعوا من تَناول بعض الطيبات، زُهْدًا في الدنيا؟ وتَقشُّفًا، وبعضهم حرَّم ذلك على نفسه (^٤)، إِما بيمين حَلف بها أو بتحريمه على نفسه، وذلك كله لا يوجب تحريمه في نفس الأمر، وبعضهم أمتنع منه من غير يمين ولا تحريم،\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ١/ ١٦٣ والطبري ٢/ ٥٦٦ - ٥٦٧ ومن روَايته عن ابن مسعود: \" والذي نفسي بيده: إن حق تلاوته: أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرف الكلم عن مواضعه، ولا يتأول شيئًا على غير تأويله\" والحاكم في المستدرك ٢/ ٢٦٦ - وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\n(^٢) سورة التوبة: ٧ في.\n(^٣) سورة المائدة: ٨٧ - ٨٨.\n(^٤) روى الطبري من طريق ابن جريح عن مجاهد، قال: أراد رجال منهم عثمان، وعبد الله بن عمرو أن يتبتلوا، ويخصوا أنفسهم، ويلبسوا المسوح، فنزلت هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾.\nوفسر عكرمة ذلك فقال: إِن عثمان بن مظعون، وعلي بن أبي طالب، وأبن مسعود، والمقداد بن الأسود، وسالما مولى حذيفة في أصحاب تبتلوا، فجلسوا في البيوت، واعتزلوا النساء، ولبسوا المسوح وحرموا طيبات الطعام واللباس … وهموا بالإخصاء، وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾.\nفلما نزلت فيهم بعث إليهما رسول الله - ﷺ - فقال: إن لأنفسكم عليكم حقا، وإن لأعينكم عليكم حقا، صوموا وأفْطِروا، وصلوا وناموا، فليس منا من ترك سنتنا، فقالوا: اللهم أسلمنا واتبعنا ما أنزلت. ا هـ. وكان النبي ﵇ قد حذر الناس وخوفهم من عذاب الله ﷿. فقالت بعض الصحابة: لم نخف إن لم نحدث عملا، ثم عزموا على ذلك.\nراجع تفسير الطبري ١٠/ ٥١٦ - ٥١٩ (المعارف) وتفسير ابن كثير ٢/ ٨٨.","vol":"2","page":612},{"text":"فسمي الجميع تحريم حيث قصد الامتناع منه؛ إضرارا بالنفس وكفًّا لها عن شهواتها.\n\n<span data-type='title' id=toc-843>[فلان لا يحلل ولا يحرم]:</span>\nويقال في الأمثال: \"فلان لا يحلل، ولا يحرم\" إذا كان لا يمتنع هن فعل حرام، ولا يقف عندما أبيح له، وإن كان يعتقد تحريم الحرام، فيجْعلون مَنْ فَعل الحرام ولم يتحاش (^١) منه مُحلَّلا له وإن كان لا يَعْتقد حِلَّه.\nوبكل حال فهذا الحديث يدلُّ على أن من قام بالواجبات، وانتهى عن المحرمات، دخل الجنة.\n\n<span data-type='title' id=toc-844>[تواتر الأحاديث بهذا المعنى]:</span>\nوقد تواترت الأحاديث عن النبي - ﷺ - بهذا المعنى أو ما هو قريب منه، كما خرج (^٢) النَّسَائِي، وابن حبان، والحاكم، من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد عن النبي - ﷺ - قال: \"ما من عَبْد يُصلّي الصلواتِ الخمس، ويصوم رمضان، ويُخرِجُ الزكاة، ويجتنبُ الكبائر السَّبع؛ إلا فُتِّحَتْ له أبواب الجنة، يدخل من أيها شاء ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ (^٣).\nوخرج الإِمام أحمد: والنسائي، من حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي - ﷺ -\n_________\n(^١) في م: \"ولا يتحاشى\".\n(^٢) في \" ا \": \" خرجه \".\n(^٣) أخرجه ابن حبان في الصحيح: باب فضل الصلوات الخمس: ذكر البيان بأن الله ﷿ إنما يدخل الجنة صائم رمضان مع إقامة الصلاة إذا كان مجتنبا للكبائر ٣/ ١٢٢ من الإحسان من رواية عبد الله بن محمد بن سليم، عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث أن ابن أبي هلال حدثه عن نعيم المجمر أن صهيبا مولى العتواريين حدثه أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد الخدري يخبران عن رسول الله - ﷺ -: أنه جلس على المنبر ثم قال: والذي نفسي بيده ثلاث مرات - ثم سكت فأكب كل رجل منا يبكي حزنا ليمين رسول الله - ﷺ - ثم قال:\nما من عبد يؤدي الصلوات الخمس، ويصوم رمضان ويجتنب الكبائر السبع؛ إلا فتحت له الثمانية أبواب الجنة يوم القيامة حتى إنها لتصطفق ثم تلا: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾. النساء:٣١. وأخرجه النَّسَائِي في سننه: كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة ٥/ ٨ - ٩ ح ٢٤٣٨ من حديث الليث عن خالد عن ابن أبي هلال - به - بنحوه وفيه ثم أكب فأكب كل رجل منا يبكي لا ندري على ماذا حلف ثم رفع رأسه في وجهه البشري فكانت أحب إلينا مِنْ حُمْر النَّعَم ثم قال: ما من عبد يصلي الصلوات الخمس ويصوم رمضان ويخرج الزكاة ويجتنب الكبائر السبع، إلا فتحت له أبواب الجنة فقيل له: ادخل بسلام.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٢٠٠ من رواية أبي عبد الله: محمد بن عبد الحكم عن ابن وهب - به - بنحو ما عند ابن حبان وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي وأخرجه في كتاب التفسير ٢٤٠/ ٢ بإسناده ولفظه مع اختلاف يسير.","vol":"2","page":613},{"text":"قال: \" مَنْ عَبَدَ الله لا يُشرك به وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصَام رمضانَ، واجتنب الكبائر فله الجنة أو دخل الجنة \" (^١).\nوفي المسند عن ابنِ عباس ﵄ أن ضِمام بن ثعلبة وفد على النبي - ﷺ - فذكر له الصلوات الخمس، والصيام، والزكاة، والحج، وشرائع الإسلام كلَّها، فلما فرغ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، لا أزيد ولا أنقص. فقال [رسول الله - ﷺ -]: \" إن صَدَقَ دَخَلَ الجنَّة \" (^٢).\nوخرجه الطبراني من وجه آخر؛ وفي حديثه قال: والخامسة لا أرب لي فيها يعني الفواحش ثم قال: لأَعملنّ بها، ومن أطاعني، فقال رسول الله - ﷺ -: \" لئن صدق ليدخلن الجنة \".\nوفي صحيح البخاري (^٣) عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رجلا قال للنبي - ﷺ -: أخبرني بعمل يدخلني الجنة قال: \" تعبدُ الله لا تشرك به شيئًا، وتقيمُ الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتَصل الرحم \".\nوخرجه مسلم (^٤). إلا أن عنده أنه قال: \" أخبرني بعمل يُدنيني من الجنة،\n_________\n(^١) مسند أحمد (٥/ ٤١٣) الحلبي من وجهين: في الأول: \" من جاء يعبد الله لا يشرك به شيئًا، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويصوم رمضان، ويجتنب الكبائر فإن له الجنة \" وسألوه ما الكبائر؟ قال: \" الإشراك بالله، وقتل النفس المسلمة، وفرار يوم الزحف \" وإسناده صحيح. وفي الثاني بنحوه. وسنن النَّسَائِي في كتاب تحريم الدم: باب ذكر الكبائر ٧/ ٨٨ بنحو ما في المسند وليس فيه: \" ويصوم رمضان \".\n(^٢) مسند أحمد ٤/ ٦٤ - ٦٥، ١١٨ - ١٢٠ (المعارف) مختصرًا ومطولا وذكر محققه أن إسناده صحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري في [٢٤] كتاب الزكاة: [١] باب وجوب الزكاة وقول الله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ ٣/ ٢٦١ ح ١٣٩٦ من طريق حفص بن عمر، عن شعبة، عن ابن عثمان بن عبد الله بن موهب عن موسى بن طلحة، عن أبي أيوب ﵁ أن رجلا قال للنبي - ﷺ -: أخبرني بعمل يدخلني الجنة … الحديث.\nوأخرجه في [٧٨] كتاب الأدب: [١٠] فضل صلة الرحم ١٠، ٤١٤ ح ٥٩٨٢ من رواية أبي الوليد عن شعبة به بنحوه وفيه قيل يا رسول الله … وح ٥٩٨٣ من رواية عبد الرحمن بن بشر عن بهز، عن شعبة عن ابن عثمان بن عبد الله بن موهب وأبيه عثمان أنهما سمعا موسى بن طلحة عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أن رجلًا قال: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة، فقال القوم: ما له ماله؟؛ فقال رسول الله - ﷺ -: \" أرَبٌ ماله! \" فقال النبي - ﷺ -: \" تعبد الله لا تشرك به شيئًا … الحديث زاد في آخره: ذرها كأنه كان على راحلته \" وقد ضعف الهيثمي في المجمع ١/ ٢٩٠ رواية الطبراني للحديث، فانظره.\n(^٤) هو في صحيح مسلم: ١ - كتاب الإيمان: ٤ - باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة وأن من تمسك بما أمر به دخل الجنة ١/ ٤٣ من حديث أَبي إسحاق، عن موسى بن طلحة، عن أبي أيوب قال: جاء رجل إلى النبي=","vol":"2","page":614},{"text":"ويباعدني من النار \".\nوعنده في رواية (^١) فلما أدبر قال رسول الله - ﷺ -: \" إِن تَمَسَّك بما أُمِرَ به دخل الجنة \".\nوفي الصحيحين (^٢) عن أبي هريرة ﵁ أن أعرابيا قال: يا رسول الله! دُلَّني على عمل إذا عملتُه دخلت الجنة. قال: \" تعبدُ الله لا تُشْرِكُ به شيئًا، وتُقيمُ الصلاة\n_________\n= - ﷺ - فقال: دلني على عمل أعمله يدنيني من الجنة، ويباعدني من النار، قال: \" تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل ذا رحمك \" فلما أدبر قال رسول الله - ﷺ -: \" إن تمسك بما أمر به دخل الجنة\".\nوالرواية الي رواها مسلم عن أبي أيوب في صحيحه قبل هذه مباشرة وفي الباب نفسه جاء فيها أن أعرابيا عرض لرسول الله - ﷺ - وهو في سفر فأخذ بخطام ناقته أو بزمامها، ثم قال: يا رسول الله! أو يا محمد! أخبرني بما يقربني عن الجنة ويباعدني من النار … الحديث.\nهاتان هما رواية مسلم من حديث أبي أيوب وليس فيه عنه: أخبرني بعمل يدنيني من الجنة ويباعدني من النار. فكلمة. أخبرني جاء معها بما يقربني.\nوكلمة: بعمل يدنيني من الجنة … جاء معها دلني - دون أخبرني.\nفقد لفق ابن رجب ما نسبه إلى مسلم من طريقين وروايتين لا من طريق واحد، ورواية واحدة كما هو المفترض في مثل هذا التعبير وهذه الإحالة إذا فليس عند مسلم: \" أخبرنى بعمل يدنينى من الجنة \" وإنما عنده ما قد روينا لك، ونقلنا عنه.\n(^١) هذا من ابن رجب يوحي أن ما ساقه قبل هذا مباشرة في رواية، وهذا في رواية أخرى وقد عرفت أن ما ساقه ابن رجب ملفق من روايتين وهذا يؤكد ما سيق أن قلناه.\nوكأن ابن رجب حين قال: وخرجه مسلم، إلا أن عنده أنه قال: أخبرني بعمل يدنيني من الجنة يقصد الرواية الأولى والتي فيها: \" أخبرني \".\nأما قوله الأن: وعنده في رواية …\nفقد سقناها لك وهي التي فيها … يدنيني من الجنة … وفي آخرها هذه الجملة إن تمسك … إلخ لكن هذه الرواية كما رويناها لك تجمع العبارتين: \" يدنيني من الجنة \" و\" إن تمسك بما أمر به دخل الجنة \". وصنيعه يقتضي أنهما روايتان بينما هي رواية واحدة.\nوالذي أوقع في هذا اللبس كلمة أخبرني وهي من الرواية التي تسبقها في صحيح مسلم فحدث الوهم أن في مسلم رواية تقول: \" أخبرني بعمل يدنيني من الجنة \".\nورواية تتلوها فيها: \" إن تمسك … إلخ وليس الأمر كذلك فهي - دون كلمة \" أخبرني \" رواية واحدة وليست روايتين. فليتأمل!.\n(^٢) صحيح البخاري في أول كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة ٣/ ٢٦٣.\nومسلم في الباب السابق عقب الرواية التي أشار إليها ابن رجب قبل هذه.\nوعنده: \" والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا ولا أنقص منه، فلما ولى … \".\nوعند البخاري: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا. فلما ولى … \".\nوليس في شيء منهما والذي بعثك بالحق …\nوقد جاءت هذه الجملة عند مسلم لكن من حديث أنس وليس من حديث أبي هريرة وذلك في الباب نفسه ١/ ٤١، ٤٢.","vol":"2","page":615},{"text":"المكتوبة، وتؤدّي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان\" قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا ولا أنقص منه. فَلما ولَّى قال النبي - ﷺ -: \" مَن سرَّه أن يَنْظر إلى رجل مِن أهل الجنة فلينظر إلى هذا \".\nوفي الصحيحين (^١) عن طلحة بن عبيد الله ﵁ أن أعرابيا جاء إلى رسول الله - ﷺ - ثائر الرأس فقال: يا رسول الله! أخبرني ماذا فرض الله عليَّ من الصَلاة (^٢). فقال: \"الصلوَاتِ الخمسَ إلا أن تطوَّع شيئًا\" فقال: أخبرني بما فرض الله عليَّ من الصيام. فقال: \" شهْرَ رمضان إلا أن تطوَّع شيئًا \" فقال: أخبرني بما فَرَض الله عليَّ من الزكاة. فأخبره رسول الله - ﷺ - بشرائع الإسلام، فقال: والذي أَكْرمَك بالحق لا أَتطوَّع شيئًا ولا أَنقُصُ ممّا فرضَ الله عليَّ شيئًا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"أَفلحَ إن صَدَقَ \" أو (^٣) \" دخل الجنة إن صَدقَ \".\nولفظه للبخاري.\nوفي صحيح مسلم (^٤) عن أنس ﵁ أن أعرابيا سأل النبي - ﷺ - فذكره بمعناه وزاد فيه: \" حج البيت عن استطاع إليه سبيلًا \" فقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ٢ - كتاب الإيمان: ٣٤ - باب الزكاة من الإسلام ١/ ١٠٦ ح ٤٦ من رواية إسماعيل بن أَبي أويس؛ عن مالك بن أنس، عن عمه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه أنه سمع طلحة بن عبيد الله يقول: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - من أهل نجد ثائر الرأس الحديث.\n٧ - وفي كتاب الصوم: ١ - باب وجوب صوم رمضان ٤/ ١٠٢ ح / ١٨٩ من رواية قتيبة بن سعيد، عن إسماعيل ابن جعفر، عن أبي سهيل - به - بمثل رواية ابن رجب إلا أن عند البخاري فقال: أخبرني ما فرض الله عليّ من الزكاة … \".\nوفي: ٥٢ - كتاب الشهادات: ٢٦ - باب كيف يستحلف ٥/ ٢٨٧ ح ٢٦٧٨ من رواية إسماعيل بن عبد الله - به - بنحوه.\nوفي: ٩٥ - كتاب الحيل: ٧ - باب في الزكاة وأَن لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة ١٢/ ٣٣٠ من رواية قتيبة بن سعيد - به - بمثل رواية ابن رجب إلا أن عند البخاري هنا: قال: بما أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة … \" و\" الذي أكرمك لا أتطوع شيئًا … الحديث \". وليس فيه كلمة: \" بالحق \". وما جاء في رواية ابن رجب: \" فقال: أخبرني بما فرض الله علي من الزكاة إلخ \" لم يجئ هكذا عن البخاري في أي من المواضع الأربعة.\nوأخرجه مسلم: ١ - في كتاب الإيمان: ٢ - باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام ١/ ٤٠ - ٤١ بنحو ما عند البخاري في الموطن الأول ح ٨ - (١١) من رواية قتيبة بن سعيد - به.\n(^٢) في ا: \" الصلوات \" وما أثبتناه موافق لما في الصحيح.\n(^٣) هذا الشك من الراوي.\n(^٤) في كتاب الإيمان: باب السؤال عن أَركان الإسلام ١/ ٤١ - ٤٣.","vol":"2","page":616},{"text":"عليهن، ولا أنقص منهن. فقال النبي - ﷺ -: \" لئن صَدَق ليدْخُلَنَّ الجنة \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-845>[مراد اية عرابي]:</span>\nومراد الأعرابي أَنه لا يزيد على الصلاة المكتوبة، والزكاة المفروضة، وصيام رمضان، وحج البيت شيئًا من التطوع، ليس مراده أنه لا يعمل بشيء من شرائع الإسلام وواجباته غير ذلك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-846>[لماذا لم يذكر اجتناب المحرمات؟]:</span>\nوهذه الأحاديث لم يذكر فيها اجتناب المحرمات؛ لأن السائل إنما سأله عن الأعمال التي يدخل بها عاملها الجنة،\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-847>[وهذه هي الأعمال]:</span>\nوخرج الترمذي (^١) من حديث أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يخطب في حجة الوداع يقول: \" أيها الناس! اتقوا الله، وصَلُّوا خَمْسكُم، وصُومُوا شَهرَكُم، وأَدّوا زَكاة أموالِكُم، وأطيعوا ذَا أَمْركم، تدخُلوا جنَّة ربكم \".\nوقال حسن صحيح.\nوخرجه الإمام أحمد (^٢) وعنده: \" اعبدوا ربكم. بدل قوله: \" اتَّقُوا الله \"،\nوخرجه بَقيّ بن مَخلد في مسنده من وجه آخر ولفظ حديثه: \" صَلُّوا خَمْسكُم، وصُومُوا شهرَكُم، وحُجُّوا بيتَكُم، وأَدوا زكاة أموالكم طيبةً بها أنفسُكُم، تدخلوا جَنَّةَ رَبِّكم \".\n_________\n(^١) في كتاب الصلاة: باب ٤٣٤ ح ٢/ ٥١٦ - ٥١٧ وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٢) في المسند ٥/ ٢٥١ (الحلبي) من حديث معاوية بن صالح، عن سليم بن عامر قال: سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يخطب الناس في حجة الوداع وهو على الجدعاء واضعٌ رجله في غرز الرحل يتطال، يقول، أَلا تسمعون؟ فقال رجل من آخر القوم: ما تقول قال: اعبدوا ربكم … الحديث زاد في آخره قول سليم بن عامر: قلت له: منذ كم سمعت هذا الحديث يا أبا أمامة؟ قال: وأنا ابن ثلاثين سنة.","vol":"2","page":617},{"text":"وخرج الإمام أحمد (^١) بإسناده عن ابن المنتفق قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو بعرفات فقلت: ثنتان أسألك عنهما: ما ينجّيني من النار، وما يُدْخِلُني الجنة؟ فقال: \" لئن كنتَ أَوجزتَ في المسألة لقد أعظمتَ وأطْوَلتَ، فاعْقِل عنّي إِذًا، اعْبُدِ الله لا تشركْ به شيئًا، وأَقمِ الصلاةَ المكتوبة، وأدّ الزكاةَ المفروضة، وصم رمضان، وما تحبُّ أَنْ يَفعلَهُ بِكَ النّاسُ فَافْعَلْهُ بِهِمْ، وما تكره أن يأتيَ إلَيْكَ الناسُ (^٢). فذَرِ الناسَ منه \".\nوفي رواية له (^٣) أيضًا قال: \" اتق الله لا تشرك به شيئًا، وتقيمُ الصلاة، وتؤتِي الزكاةَ، وتحجُّ البيتَ، وتصومُ رمضان \".\nولم يزد على ذلك.\nوقيل إنَّ هذا الصحابي: هو وافد بني المنتفق، واسمه لقيط (^٤).\nفهذه ا الأعمال أسباب مقتضية لدخول الجنة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-848>[ارتكاب المحرم قد يمنع من دخول الجنة]:</span>\nوقد يكون ارتكاب المحرمات موانع! ويدل على هذا ما خرجه الإمام أحمد (^٥) من حديث عمرو بن مُرة الجهني قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! شهدت أن لا إله إلا اللهُ، وأنك رسول الله، وصَليت الخمس، وأديتُ زكَاة مالي، وصُمْت شَهْر رمضان؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \" من مات على هذا كان مع النبيين\n_________\n(^١) في المسند (٣/ ٤٧٢ - ٤٧٣ و٦/ ٣٨٣ - ٣٨٤) الحلبي بسياقه كاملا. قال الهيثمي في الزوائد: في إسناده عبد الله بن أبي عقيل اليشكري، ولم أر أحدًا روى عنه غير ابنه المغيرة بن عبد الله.\n(^٢) في م: \" يؤتى إليك \".\n(^٣) ليست في \" ا \". الرواية في المسند عقب السابقة. وفي \" ا \": \" تزد \".\n(^٤) في م: \" واقد بن الْمُنْتَفِقْ \" وهو تصحيف وهو لقيط بن عامر بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق، قال ابن عبد البر: وهو وافد بني المنتفق إلى رسول الله - ﷺ - وقد اختلف المؤرخون في لقيط بن عامر هذا هل هو لقيط ابن صبرة أو غيره\" والصواب أنه غيره.\nروى عن النبي - ﷺ -. وروى عنه ابنه عاصم. وابن أخيه وكيع بن عدس، وغيرهما. راجع ترجمته في الاستيعاب ٣/ ١٣٤٠ وتهذيب التهذيب ٨/ ٤٥٦ وانظر الإصابة ٣/ ٣٢٩ - ٣٣٠،\n(^٥) لم أجد هذا الحديث في المطبوع من المسند وليس لعمرو بن مرة فيه (٤/ ٢٣١) إلا حديث آخر غير هذا الحديث بيد أن الهيثمي في مجمع الزوائد (٨/ ١٤٧) أورده عن أحمد: الطبراني بإسنادين وقال: ورجال أحد إسنادي الطبراني رجاله رجال الصحيح، وهذا ما يؤكد أن المطبوع من المسند سقط منه هذا الحديث، سيما وقد أورده عن أحمد: ابن كثير في التفسير ١/ ٥٢٣، والسيوطي في الدر ١/ ١٨٨، ٢/ ١٨٢، والمتقي في الكنز ١/ ٨٣ ح ٣٤٢.","vol":"2","page":618},{"text":"والصديقين والشهداء يوم القِيامة هكذا \" ونصب أصبعيه \" ما لم يعقَّ والديه \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-849>[النص على دخول الجنة ببعض الأعمال]:</span>\nوقد وَرَد ترتب (^١) دخول الجنة على فعل بعض هذه الأعمال كالصلاة؛ ففي الحديث المشهور \"من صَلَّى الصلوات لوقتها كان له عند الله عَهَدٌ أَن يدخله الجنة \" (^٢).\nوفي الحديث الصحيح: \" من صلى البَرْدَين دخل الجنة \" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-850>[أعمال لا تكفي بدون أعمال أخرى]:</span>\nوهذا كله من ذكر السبب المقتضي الذي لا يَعمل عمله إِلا باستجماع شروطه، وانتفاء موانعه؛ ويدل على هذا ما خرجه الإِمام أحمد (^٤) عن بشير بن الخصاصية (^٥)\n_________\n(^١) ب: \"ترتيب\".\n(^٢) في ذلك يروي أبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب المحافظة على وقت الصلوات ١/ ٢٩٨ - ٢٩٩ من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: \" خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة: من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهنَّ وركوعهنّ وسجودهن ومواقيتهن وصيام رمضان. وحج البيت إن استطاع إليه سبيلًا، وأعطى الزكاة طيبة بها نفسه وأدى الأمانة \". قالوا: يا أبا الدرداء! وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة. ويروي عقب هذا من حديث سعيد بن المسيب: أن أبا قتادة بن ربعي أخبره قال: قال رسول الله - ﷺ -: قال الله تعالى: \" إني فرضت على أمتك خمس صلوات وعهدت عندي عهدا: أنه من جاء يحافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة، ومن لم يحافظ عليهن فلا عهد له عندي \".\n(^٣) المراد بالبردين صلاتا الصبح والعصر. لأنهما في بردي النهار أي أطرفيه: حين يطيب الهواء وتذهب سَوْرة الحر.\nوالحديث متفق عليه رواه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة: باب فضل صلاة الفجر ٢/ ٥٣ ورواه مسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب فضل صلاتي الصبح والعصر والمحافظة عليهما ١/ ٤٤٠ من حديث أبي موسى الأشعري.\n(^٤) في المسند ٥/ ٢٢٤ (الحلبي) وفيه: \" … فاشترط أؤدي الزكاة .. شهر رمضان .. أما اثنتان .. ثم حرك يده .. ثم قال .. فبما .. أنا أبايعك .. فبايعت .. \" وما بين المعقوفين سقط من الأصل ومن \" م \" هـ هو في المسند.\nوالجشع: الجزع، والرِّسْلُ في الأصل: اللبن، وقد يراد به الخصب واليسر والسعة.\nوالحَمُولة: ما يحتمل عليه الناس من الدواب سواء كانت عليها الأحمال أم لم تكن كالركوبة.\nوكأنه يريد أن يعبر عن ضيق ذات يده عن الصدقة فليس له إلَّا تلك الغنيمة والنوق التي يعتمدون عليها فيما تدره من لبن، ثم فيما تحتمله لهم من متاع، أو تنقلهم إليه من بقاع.\nوالحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد، ١/ ٤٢ عن الطبراني في الكبير والأوسط وعن أحمد في هذا الموضع وأورد لفظ الطبراني وقال: رجال أحمد موثقون.\nوعنده: فأخاف إن حضرني قال خشعت نفسي فكرهت الموت … وحركها وقال: لا صدقة ولا جهاد؟ … الحديث \".\n(^٥) في م: \"الخطاصية\" وهو تصحيف، فهو بشير بن الخصاصية السدوسي وهو بشير بن معبد السدوسي.=","vol":"2","page":619},{"text":"قال: أتيت النبي - ﷺ - لأُبايِعَهُ فَشَرط عليَّ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن أُقيم الصلاة، وأن (^١) أُوتي الزكاة، وأن أحجَّ حجة الإسلام، وأن أصوم رمضان، وأن أجاهدَ في سبيل الله. فقلت: يا رسول الله - ﷺ -! أَمَّا اثنتان فوالله ما أطيقهما: الجهاد، والصدَقة [فإنهم زعموا أنه مَن وَلَّى الدُّبُرَ فقد باءَ بغضب من الله، فأخاف إن حَضَرْتُ تلك جَشِعَتْ نفسي، وكرهت الموت، والصدقة فوالله مالي إِلا غُنَيْمةٌ وعشرُ ذَوْدٍ هُنَّ رِسْلُ أَهْلي وَحَمُولتهم] فقبض رسول الله - ﷺ - يَدَه ثم حركها، وقال (^٢): \" فلا جهاد ولا صدقة، فَبمِ تَدخلُ الجنة إِذًا؟ \" (^٣) قلت: إذا (^٤) يا رسول الله! أنا أبايعك. فبايَعته عليهن كُلِّهِنَّ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-851>[كبائر مانعة من دخول الجنة]:</span>\nففي هذا الحديث: أنه لا يكفي في دخول الجنة هذه الخصال بدون الزكاة والجهاد وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن ارتكاب بعض الكبائر يمنع دخول الجنة كقوله: \"لا يدخل الجنة قاطع\" (^٥).\nوقوله: \" لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرَّةٍ من كِبر \" (^٦).\n_________\n= وبعض المؤرخين يفرق بينهما والخصاصية: جدته على ما رجح الحافظ ابن حجر، كان أسمه في الجاهلية زحما، فقال له النبي - ﷺ -: أنت بشير.\nروى عن النبي - ﷺ - أحاديث صالحة، وروى عنه بشير بن نهيك. راجع ترجمته في الاستيعاب ١/ ١٧٤ وتهذيب التهذيب ١/ ٤٦٧ - ٤٦٨.\n(^١) في م: \" وأؤدي \".\n(^٢) في م: \" فقال \".\n(^٣) ليست في م.\n(^٤) في \" ا\": \" أنا \".\n(^٥) أخرجه البخاري في كتاب الأدب: باب إثم القاطع ١٠/ ٤١٥ ومسلم في كتاب البر، والصلة والآدب: باب صلة الرحم وتحريم قطعه ٤/ ١٩٨١ وقد نص فيه على الرحم ففيه: \" لا يدخل الجنة قاطع رحم \". وأخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في صلة الرحم ٤/ ٣١٦ - ٣١٧ وقال حديث حسن صحيح. والحديث من رواية جبير بن مطعم ﵁، عن النبي - ﷺ -.\n(^٦) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان: باب تحريم الكبر وبيانه ١/ ٢٢: الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في الكبر ٤/ ٣٦١ وقال حديث حسن صحيح غريب وأبو داود في كتاب اللباس: باب ما جاء في الكبر ٢/ ٣٨٠، وابن ماجه في مقدمة السنن: باب الإيمان ١/ ٢٢ - ٢٣ وأحمد في المسند ٥/ ٣١٠ (المعارف) كلهم من حديث عبد الله بن مسعود مرفوعًا.\nوأخرجه الطبراني من رواية عبد الله بن سلام ﵁ كما في الكنز الثمين ص ٦٥٧.","vol":"2","page":620},{"text":"وقوله: \"لا تدخلوا الجنة حتَّى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابُّوا\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-852>[وبالدين]:</span>\nوالأحاديث التي جاءت في منع دخول الجنة بالدَّين حتى يُقْضَى (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-853>[وبالمظالم]:</span>\nوفي الصحيح: أن المؤمنين إذا جَازُوا على الصراط حُبِسُوا على قنطرة يقتص منهم مظالم كانت بينهم في الدنيا) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-854>[وبالذنب]:</span>\nوقال بعض السلف: إن الرجل ليُحبَس على باب الجنة مائة عام بالذنب كان يعمله في الدنيا.\nفهذه كلها موانع.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان: باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، وأن محبة المؤمنين من الإيمان، وأن إفشاء السلام سبب لحصولها ١/ ٧٤، والترمذي في كتاب الاستئذان: باب ما جاء في إِفشاء السلام ٥/ ٥٢، وأبو داود في كتاب الأدب: باب إفشاء السلام ٢/ ٦٤٠، وابن ماجه في كتاب الأدب: باب إفشاء السلام ٢/ ١٢١٧ - ١٢١٨ كلهم من حديث أبي هريرة.\n(^٢) راجع في هذا ما رواه النَّسَائِي في البيوع: باب التغليظ في الدين (٧/ ٣١٤) من حديث محمد بن جحش، قال: كنا جلوسا عند رسول الله - ﷺ - فرفع رأسه إلى السماء، ثم وضع راحته على جبهته، ثم قال: سبحان الله ماذا نزل من التشديد، فسكتنا وفزعنا، فلما كان من الغد سألته يا رسول الله ما هذا التشديد الذي نزل؟ فقال: والذي نفسي بيده لو أن رجلا قتل في سبيل الله ثم أحيى، ثم قتل، أحيى، ثم قتل وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى عنه دينه وإسناده صحيح كما في صحيح النَّسَائِي.\nوانظر ما رواه ابن ماجه في كتاب الصدقات: باب التشديد في الدين ٢/ ٨٠٦.\nوالترمذي في الجنائز: باب ٧٦، وأحمد في المسند ٥/ ١٧٦، ٢٧٧، ٢٨١.\n(^٣) فقد روى البخاري من حديث أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن رسول الله - ﷺ - قال: إذا خلص المؤمنون من النار حبسوا بقنطرة بين الجنة والنار، فيتقاصون مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا نقوا وهذبوا أذن لهم بدخول الجنة، فوالذي نفسُ محمد - ﷺ - بيده لأحدهم بمسكنه في الجنة أدل بمنزله الذي كان في الدنيا.\nكتاب المظالم: باب قصاص المظالم ٥/ ٩٦. وفي ب: \"جاوزا الصراط\".\nوأخرجه بنحوه في كتاب الرقاق: باب القصاص يوم القيامة ١١/ ٣٩٥ من حديث أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد.","vol":"2","page":621},{"text":"<span data-type='title' id=toc-855>[ظهور معنى الأحاديث الأخرى]:</span>\nومن هنا يظهر معنى الأحاديث التي جاءت في ترتُّبِ دخول الجنة على مجرد التوحيد؛ ففي الصحيحين (^١) عن أبي ذر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"ما مِنْ عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك؛ إلا دخل الجنة\" قلت: وإن زنى وإن سَرَقَ؟ قَال: \"وإن زنى وإن سرق\" قالها: ثلاثا ثم قال في الرابعة: \"على رغم أنف أبي ذر\" فخرج أبو ذرّ يقول: وإن رَغِمَ أَنْفُ أبي ذر.\n* * *\nوفيهما عن عبادة بن الصامت (^٢) عن النبي - ﷺ - قال: \"مَنْ شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُهُ ورسوله، وأن عيسى عَبدُ الله ورسوله، وكلمتهُ ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حقّ، والنار حقٌّ، أدخلهُ الله الجنة - على ما كان من العمل\".\nوفي صحيح مسلم (^٣) عن أبي هريرة أو أبي سعيد - بالشك - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّي رسولُ الله لا يلقى الله - بهما عبدٌ غيرَ شاكّ فيهما فَيُحجبَ عن الجنَّة\".\n* * *\nوفيه (^٤) عن أبي هريرة ﵁ أن النبي - ﷺ - قال له يوما: \"مَنْ لقيتَ يشهد أن لا إله إلا الله مُسْتَيقنًا بها قَلْبُه فبشّرهُ بالجنة\".\n* * *\n_________\n(^١) البخاري في كتاب اللباس: باب الثياب البيض ١٠/ ١٣٨٣ ومسلم في كتاب الإيمان: باب مَنْ مَات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ١/ ٩٥.\nوفي ب: \"في ترتيب دخول الجنة\".\n(^٢) البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء: باب قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ ٦/ ٤٧٤ ومسلم في كتاب الإيمان: باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا ١/ ٥٧.\n(^٣) في الموضع المذكور قبله.\n(^٤) في كتاب الإيمان: باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا ١/ ٥٩ - ٦١.\nوفى ب: \"يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار\" وليست الزيادة في مسلم. ولا في النسخ الأخرى. وفي مسلم: \"فمن لقيت … بشره\". من حديث طويل.","vol":"2","page":622},{"text":"وفي المعنى أحاديث كثيرةٌ جدًّا.\n* * *\nوفي الصحيحين: عن أنس (^١) أن النبي - ﷺ - قال يومًا لمعاذ: \"ما مِنْ عَبْدٍ يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حَرَّمهُ الله على النار\".\nوفيهما (^٢) عن عِتبانَ بنِ مالك عن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله قد حرّم على النار مَنْ قال لا إله إلا الله يبتغي بها وَجْهَ الله\".\n\n<span data-type='title' id=toc-856>[المراد بهذه الأحاديث]:</span>\nفقال طائفة من العلماء: إن كلمة التوحيد سبب مقتض لدخول الجنة: والنجاة من النار، لكن له شروط، وهي الإتيان بالفرائض، وموانع، وهي اجتناب الكبائر.\n\n<span data-type='title' id=toc-857>[شرط النجاة بكلمة التوحيد]:</span>\n• قال الحسن للفرزدق: \"إنّ للا إله إلَّا الله شروطًا فإِياك وقذفَ المحصنة\".\n• وروي عنه أنه قال: هذا العمود فأين الطُّنُب (^٣)، يعني أن كلمة التوحيد عمودُ الفسطاط، ولكن لا يثبت الفسطاط بدون أطنا به، وهي فعل الواجبات، وترك المحرمات،\n• وقيل للحسن: إن ناسا يقولون: من قال لا إله إلا الله، دخل الجنة؟ فقال: \"مَنْ قال: لا إله إلا الله، فأدى حقّها وفرضها: دخل الجنة\".\n* * *\n_________\n(^١) البخاري في كتاب العلم: باب من خص بالعلم قوما دون قوم ١/ ٩٩٢ - ٢٢٦، ومسلم في الباب المذكور (١/ ٦١).\nوفيها بعد هذا: أن معاذا قال: يا رسول الله! أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟! قال: إذا يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثما: (تجنبًا لإثم كتم العلم وعدم تبليغه).\nواللفظ لسلم.\n(^٢) البخاري في أبواب التطوع: باب صلاة التطوع جماعة ٣/ ٦٠ - ٦١ ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر ١/ ٤٥٥ - ٤٥٦.\nوفيهما: فإن الله قد حرم … الحديث لفظهما من حديث طويل.\n(^٣) قال في القاموس ١/ ٩٨: الطنب - بضمتين - حبل طويل يشد به سرادق البيت أو الوتد، والجمع: أطناب: وطنبة.","vol":"2","page":623},{"text":"• وقيل لوهب بن مُنَبِّه: أَليس لا إله إلا الله مفتاحَ الجنة؟ قال: بلى، ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فُتح لك، وإِلا لم يفْتح لك (^١).\nويشبه هذا ما روي عن ابن عمر أنه سئل عن \"لا إله إلا الله\" هل يضرُّ معها عمل كما لا ينفع مع تركها عمل؟ فقال ابن عمر: \" عَشِّرْ (^٢) ولا تغترَّ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-858>[تفسير آخر للمراد]:</span>\nوقالت طائفة منهم الضحاك، والزهْري، كان هذا قبل الفرائض والحدود. فمن هؤلاء من أشار إلى أنها نسخت، ومنهم من قال: بل ضُمَّ إليها شروط زيدت عليها، وزيادة الشروط هل هي نسخ أم لا؟ فيه خلاف مشهور بين الأصوليين.\nوفي هذا كلّه نظر، فإن كثيرًا من هذه الأحاديث متأخر بعد الفرائض والحدود.\nوقال الثوري: \"نسختها الفرائض والحدود، فيحتمل أن يكون مراده ما أراده هؤلاء، ويحتمل أن يكون مراده أن وجوب الفرائض والحدود تبين بها أن عقوبات الدنيا لا تسقط بمجرد الشهادتين، فكذلك عقوبات الآخرة.\nومثل هذه البيان وإزالة الإيهام كان السَّلف يسمونه نسخًا، وليس هو نسخا في الاصطلاح المشهور.\n\n<span data-type='title' id=toc-859>[تفسير ثالث]:</span>\nوقالت طائفة: هذه النصوص المطلقة جاءت مقيدة بأن يقولها بصدق وإخلاص، وإخلاصها وصدقها يمنع الإصرار معها على معصية (^٣).\nوجاء في مراسيل الحسن عن النبي - ﷺ -: \"من قال لا إله إلا الله مخلصًا، دخل الجنة\": قيل: وما إخلاصها. قال: \"أن تَحجُزك عما حرم الله\".\nوروي ذلك مسندا من وجوه أخر ضعيفة (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري تعليقا أول كتاب الجنائز ٣/ ١٠٩ وأشار ابن حجر في الفتح إلى أن المصنف وصله في التاريخ، كذلك وصله أبو نعيم في الحلية، ثم قال ابن حجر: بيان المصنف لم يثبت عنده في التلقين شيء على شرطه فاكتفى بما دلّ عليه. وانظر تغليق التعليق ٢/ ٤٥٣ - ٤٥٤.\n(^٢) في م: \"اعمل\" وفي الحلية ١/ ٣١١: \"عش\" لكن المعنى: اعمل وتابع ولا تغتر، فتترك العمل. انظر النهاية ٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠ وغريب الحديث للحربي ١/ ١٥٩.\n(^٣) في م: \"معصيته\".\n(^٤) كما رواه الطبراني في الكبير ٥/ ١٩٧ ح ٥٠٧٤ وانظر هامشه وأبو نعيم في الحلية ٩/ ٢٥٤ كلاهما من حديث زيد بن أرقم.","vol":"2","page":624},{"text":"<span data-type='title' id=toc-860>[تفسير كلام الحسن البصري]:</span>\nولعل الحسن أشار بكلامه الذي حكيناه عَنْه - من قبل - إلى هذا، فإنَّ تحقُّق القلب بمعنى لا إله إلا الله، وصدقه فيها، وإخلاصه بها يقتضي أن يُرَسَّخَ فيه تألُّهُ الله وحده؛ إجلالًا وهيبة ومخافة ومحبة ورجاءً وتعظيمًا وتوكلًا ويمتلئ بذلك، وينتفي عنه تألُّه ما سواه من المخلوقين، ومتى كان كذلك لم يبق فيه محبة ولا إرادة ولا طلب لغير ما يريده الله ويحبّه، وينتفى بذلك من القلب جميع أهواء النفوس وإراداتها ووساوسُ الشيطان؛ فمن أحب شيئًا أوّ أطاعه، وأحب عليه، وأبغض عليه، فهو إلهه.\nفمن كان لا يحب ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي ولا يعادي إلا له (^١)، فالله إلهه حقا.\n\n<span data-type='title' id=toc-861>[من اتخذ إلهه هواه]:</span>\nومن أحب لهواه (^٢)، وأبغض له، ووالى عليه، وعادى عليه فإلهه هواه كما قال تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣] (^٣).\nقال الحسن: هو الذي لا يَهْوَى شيئًا إلا ركبه.\nوقال قتادة: هو الذي كلما هوِيَ شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزُه عن ذلك وَرَعٌ، ولا تقوى.\nويروى من حديث أبي أمامة مرفوعًا \"ما تحت ظل السماء [من] إله يُعبد [من دون الله] أعظم عند الله من هوى متبع\" (^٤).\nوكذلك من أطاع الشيطان في معصية الله فقد عبده؛ كما قال الله ﷿ ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-862>[متى يتحقق معنى كلمة التوحيد؟]:</span>\nفتبين بهذا أنه لا يصح تحقيق معنى قول: \"لا إله إلا الله\" إلا لمن لَمْ يكن في قلبه إصرارٌ على محبة ما يكرهه الله، ولا على إرادة ما لا يريده الله، ومتى كان في القلب\n_________\n(^١) في م: \"لله\".\n(^٢) ب: \"هواه\".\n(^٣) سورة الجاثية: ٢٣. وانظر في أثر الحسن: الدر المنثور ٦/ ٣٥ وتفسير القرطبي ١٦/ ١٦٦ وابن كثير ٤/ ١٥٣.\n(^٤) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٨٨ عن الطبراني في الكبير وقال: \"فيه الحسن بن دينار وهو متروك الحديث\" وشيخه الخصيب بن عجدر وضاع.\nوما بين المعقوفات ليس في م وهو في المجمع.\n(^٥) سورة يس: ٦٠.","vol":"2","page":625},{"text":"شيء من ذلك نقصًا في التوحيد، وهو نوع من الشرك الخفي.\nولهذا قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (^١) قال: \"لا تحبوا غيري\"، وفي صحيح الحاكم (^٢) عن عائشة ﵂، عن النبي - ﷺ - قال: \"الشرك أخفى من دبيب الذّرِّ على الصَّفَا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجوْرِ، وتُبغضَ على شيء من العَدْل، وهل الدين إلا الحب والبغض؟ قال الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-863>[محبَّة ما يكرهه الله شرك]:</span>\nوهذا نَصٌّ في أن محبة ما يكرهه الله، وبغض ما يحبه، متابعة للهوى، والموالاة على ذلك، والمعاداة عليه - من الشرك الخفي.\nوخرّج ابنُ أبي الدنيا من حديث أنس مرفوعًا: \"لا تزال لا إله إلا الله\" تمنع العباد من سُخْط الله ما لم يؤثروا دنياهم على صفقة دينهم، فإِذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم ثم قالوا: \"لا إله إلا الله\" ردّها الله (^٤) عليهم، وقال الله: كذبتم.\n\n<span data-type='title' id=toc-864>[وضوح معنى كلمة التوحيد]:</span>\nفتبين بهذا معنى قوله - ﷺ -: \"من شهد أن لا إله إلا الله صادقًا من قلبه حرمه الله على النار\" وأن من دخل النار من أهل هذه الكلمة فَلِقلّة صدقه في قولها؛ فإن هذه الكلمة إذا صدَقت طهَّرَت من القلب كُلَّ مَا سوى الله؛ فَمَنْ صدق في قوله \"لا إله إلا الله\" لم يحبَّ سواه، ولم يرجُ إلا إياه، ولم يَخْشَ أحدًا إلا الله، ولم يتوكل إلا على الله، ولم يبق له بقية من أثر نفسه وهواه.\nومتى بقى في القلب أثر لسوى الله فمن قلة الصدق في قولها.\n_________\n(^١) سورة النساء: ٣٦.\n(^٢) في المستدرك ٢/ ٢٩١ وصححه على شرط الشيخين، لكن تعقبه الذهبي في التلخيص، بأحد رواته وهو عبد الأعلى بن أعين وذكر أن الدارقطني قال: ليس بثقة، وذكر الذهبي في الميزان ٢/ ٥٢٩ عند ترجمته له أيضًا أن العقيلي قال: جاء بأحاديث منكرة ليس منها شيء محفوظ. ثم أورد حديثه المذكور، وذكر عقيبه قول ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به ا هـ.\nوالحديث أورده ابن كثير أيضًا في التفسير ١/ ٣٥٨ وحال عقبه: حال أبو زرعة: عبد الأعلى هذا منكر الحديث.\n(^٣) سورة آل عمران: ٣١.\n(^٤) وأورده الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٧٧ عن البزار من وجهين: أحدهما من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف جدا والآخر من حديث أنس بإسناد حسن.","vol":"2","page":626},{"text":"<span data-type='title' id=toc-865>[من آثار التوحيد]:</span>\nنار جهنم تنطفئ (^١) بنور إيمان الموحدين كما في الحديث المشهور \"تقول النار للمؤمن جُزْ يا مؤمن؛ فقد أطفأ نورُك لَهَبِي\" (^٢).\nوفي مسند الإمام أحمد عن جابر عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين بردًا وسلاما، كما كانت على إبراهيم؛ حتى إن للنار ضجيجًا من بَرْدهم\" (^٣).\nفهذا ميراث ورثه المؤمنون (^٤) من حال إبراهيم ﵊، فَنارُ المحبة في قلوب المؤمنين تخاف منها نارُ جَهَنَّم.\nقال الجنيد ﵀: قالت النار: يا رب لو لم أُطِعكَ هل كنتَ تعذبني بشيء هو أشدّ منّي؟ قال: \"نعم كنت أسلّطُ عليكَ ناري الكبرى\" قالت: وهل نار أعظم مني وأشدّ قال: \"نعم نار محبتي أسكنتها قلوب أوليائي المؤمنين\" وفي هذا يقول بعضهم:\nففي فؤاد المحبِّ نارُ هوىً … أَحرُّ نارِ الجحيمِ أَبْرَدُهَا\nويشهد لهذا المعنى حديث معاذ عن النبي - ﷺ - قال: \"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة\" (^٥).\nفإن المحتضر لا يكاد يقولها إلا بإخلاص وتوبة وندم (^٦) على ما مضى وعزم على أن لا يعود لمثله.\nورجَّح هذا القولَ الخطابيُّ في مصنَّف له مُفْرَدٍ في التوحيد، وهو حَسن.\n* * *\n_________\n(^١) في م: \"تطفا\".\n(^٢) وأورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٦٠ وضعفه والسيوطي في الجامع الصغير عن الطبراني في الكبير. وأبي نعيم في الحلية من حديث يعلى بن مُنْية، وذكر المناوي أن فيه ضعفًا وانقطاعا، راجع التيسير ١/ ٤٥٥. وقد أخرجه أبو نعيم في الحلية ٩/ ٣٢٩ بنحوه وفي الكشف أنه حديث منكر ١/ ٣٧٤.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣/ ٣٢٨ - ٣٢٩ بسياقه كاملا وأورده ابن كثير - عنه - في التفسير (٣/ ١٣١ - ١٣٢) وقال: غريب ولم يخرجوه.\n(^٤) في م: \"ميراث ورثة المؤمنين\".\n(^٥) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٥٠٠ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\n(^٦) في م: \"وفدم\" وهو تصحيف.","vol":"2","page":627},{"text":"<span data-type='title' id=toc-866>الحديث الثالث والعشرون</span>\nعَنْ أبي مالِك: الحارث بنْ عاصم الأشْعَري ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n\"الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمان. والحْمدُ للّهِ تَمْلأ الْميزَانَ، وَسُبْحَانَ اللهِ، وَالحْمدُ للّه، تَملآن أَوْ تَملأَ مَا بَيْنَ السَّماوَاتِ وَالأَرْضِ، وَالصَّلاةُ نُورٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرهانٌ، وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ، وَالْقُرآنُ حُجَةٌ لَكَ أو عَلَيكَ، كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو: فَبَائعٌ، نَفْسهُ فَمُعتقُها أَو مُوبقُهَا\". رَواة مُسْلمٌ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-867>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث خرجه مسلم (^١) من رواية يحيى بن أبي كثير، أن زيد بن سلام حدثه أن أبا سلام (^٢) حدثه عن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - ﷺ -، فذكر الحديث.\nوفي أكثر نسخ صحيح مسلم (١) \"والصَّبرُ ضِيَاءٌ\".\nوفي بعضها: \"والصيام ضياء\". وقد اختلف في سماع يحيى بن أبي كثير من زيد ابن سلام، فأنكرهُ يحيى بن معين، وأثبته الإمام أحمد. وفي هذه الرواية: التصريح بسماعه منه.\nوخرّج هذا الحديثَ النسائِىُّ (^٣) وابن ماجه من رواية معاوية بن سلام عن أخيه زيد ابن سلام؛ عن جده: أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك؛ فزاد في إسناده عبدَ الرحمن بنَ غَنْم.\nورجَّح هذه الروايةَ بعضُ الحفاظ، وقال: معاوية بن سلام أعلم بحديث أخيه زيد؛\n_________\n(^١) في كتاب الطهارة: باب فضل الوضوء ١/ ٢٠٣.\n(^٢) في المطبوعة: \"أن سلاما\" وهو خطأ؛ لمخالفته ما في مسلم أيضًا.\n(^٣) أخرجه النَّسَائِي في السنن: كتاب الزكاة: باب وجوب الزكاة ٥/ ٥ - ٨.\nوأخرج شطره: \"الحمد لله تملأ الميزان ولا إله إلا الله والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض\" في \"عمل اليوم والليلة\" ص ٧١، ٧٢ ح ١٦٨، ١٦٩ من حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلام، عن أبي مالك، ومن حديث معاوية بن سلام، عن أخيه زيد، عن عبد الرحمن بن غَنْم عن أبي مالك. ولفظ النَّسَائِي في السنن: \"إسباغ الوضوء شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان والتسبيح والتكبير يملأ السموات والأرض والصلاة نور، والزكاة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك\".","vol":"2","page":629},{"text":"من يحيى بن أبي كثير؛ ويقوي (^١) ذلك أنه قد رُوي عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي مالك من وجه آخر، وحينئذ فتكون رواية مسلم منقطعة (^٢).\nوفي حديث معاوية بعضُ المخالفة لحديث يحيى بن أبي كثير؛ فإن لفظ حديثه عند ابن ماجه \"إسباغ الوضوء شَطْر الإِيمان، والحمد الله تملأ الميزان، والتسبيح والتكبير ملء (^٣) السماء والأرض، والصلاة نور، والزكاة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حُجَّة لك أو عليك. كل الناس يَغْدُو فبائعٌ نَفْسَهُ فمُعتمَها أو مُوبقُها\" (^٤).\nوخرج الترمذي حديث يحيى بن أبي كثير (^٥) الذي خرجه مسلم، ولفظ حديثه: \"الوضوء شطْر الإِيمان\" وباقي حديثه مثلُ سياق مسلم.\nوخرج الإِمام أحمد والترمذي (^٦) من حديث رجل من بني سليم قال: عدّهن رسول الله - ﷺ - في يدي أو في يده: \"التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تَملؤه، والتكبير يَمْلأُ ما بين السماء والأرض، والصوم نصف الصبر، والطهور نصف الإيمان\".\n* * *\n_________\n(^١) في المطبوعة: \"يقول\" وهو تحريف.\n(^٢) رد النووي على هذا حيث قال في شرحه على مسلم (٣/ ٩٩ - ٥٥): هذا الإسناد مما تكلم فيه الدارقطني وغيره، فقالوا: سقط فيه رجل بين أبي سلام وأبي مالك، والساقط عبد الرحمن بن غنم، قالوا: والدليل على سقوطه أن معاوية بن سلام رواه عن أخيه: زيد بن سلام عن جده أبي سلام، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك الأشعري، وهكذا أخرجه النَّسَائِي وابن ماجه وغيرهما (أي والأخ أدرى برواية أخيه كما قيل) قال النووي: ويمكن أن يجاب - لمسلم - عن هذا بأن الظاهر من حال مسلم أنه علم سماع أبي سلام لهذا الحديث من أبي مالك فيكون أبو سلام سمعه من أبي مالك، وسمعه أيضا من عبد الرحمن بن غنم، عن أبي مالك؛ فرواه مرة عنه، ومرة عن عبد الرحمن، وكيف كان فالمتن صحيح لا مطعن فيه والله أعلم.\n(^٣) في المطبوعة: \"تملآن\" وهو مخالف للأصل، ولابن ماجه كذلك.\n(^٤) الحديث عند ابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها: باب الوضوء شطر الإيمان ١/ ١٠٢ - ١٠٣. وقد عرفت لفظه عند النَّسَائِي.\n(^٥) في كتاب الدعوات: باب [٨٦] ٥ - ٥٣٥ - ٥٣٦ وقال حديث صحيح.\n(^٦) أحمد في المسند ٤/ ٢٦٠ وفيه: عقد رسول الله - ﷺ - في يده أو في يدي فقال: \"سبحان الله نصف الميزان. والحمد لله تملأ الميزان. والله أكبر تملأ ما بين السماء والأرض. والطهور نصف الإيمان. والصوم نصف الصبر\". والترمذي في كتاب الدعوات: باب [٨٧] ٥/ ٥٣٦ - ٥٣٧ وقال: هذا حديث حسن، وقد رواه شعبة وسفيان الثوري عن أبي إسحاق.\nوفي المطبوعة. مثل سياق مسلم الذي خرجه الإمام أحمد إلخ وفي الترمذي \"والحمد يملؤه .. \".\nوقد رواه أحمد في المسند ٥/ ٣٦٣ (الحلبي) من طَريق وكيع، عن يونس، عن جزي، عن رجل من بني سليم قال: عدهن رسول الله - ﷺ - في يدي أو في يده … الحديث وفيه\" الحمد الله تملؤه\".","vol":"2","page":630},{"text":"<span data-type='title' id=toc-868>[الطهور شطر الإيمان]:</span>\nفقوله - ﷺ -: \"الطُّهور شَطر الإيمان\" فسر بعضهم الطُّهورَ ها هنا بترك الذنوب كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (^١)، وقول: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ (^٢)، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ (^٣).\nوقال: \"الإيمان نوعان: فعل وترك، فنصفه فعل المأمورات، ونصفه ترك المحظورات، وهو تطهير النفَس بترك المعاصي\".\nوهذا القول محتَملٌ. لولا أن رواية: \"الوضوء شَطْرُ الإيمان\" تردُّه، وكذلك رواية: \"وإسباغ الوضوء\".\nوَأيضًا ففيه نظر من جهة المعنى. فإن كثيرًا من الأعمال تُطَهر النفس من الذنوب السابقة كالصلاة، فكيف لا تدخل في اسم الطُّهور؟.\nومتى دخلت الأعمال أو بعضها في اسم الطُّهُور لم يتحقق كون ترك الذنوب شطرَ الإِيمان.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-869>[الصحيح في معنى الجملة]:</span>\nوالصحيح الذي عليه الأكثرون: أن المراد بالطُّهور هاهنا: التطهر بالماء من الأحداث.\nولذلك (^٤) بدأ مسلم بتخريجه في أبواب الوضوء.\nوكذلك خرّجه النَّسَائِي وابن ماجه وغيرهما (^٥).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-870>[الاختلاف في معنى: الطهور بالماء شطر الإيمان]:</span>\nوعلى هذا فاختلف الناس في معنى كون الطهور بالماء شطرَ الإيمان:\n* * *\n_________\n(^١) سورة النمل: ٥٦.\n(^٢) سورة المدثر: ٤.\n(^٣) سورة البقرة: ٢٢٢.\n(^٤) في المطبوعة: \"وكذلك\".\n(^٥) أخرجه ابن ماجه في الطهارة كما مضى بك، أما النَّسَائِي كما مضى وكما في التحفة ٩/ ٢٨٢ - ٢٨٤ فلم يخرجه إلا في الزكاة وعمل اليوم والليلة، ولم يشر المزي إلى إخراجه له في الكبرى حتى يقال إن من المحتمل أن يكون إخراجه له في الطهارة أو في الوضوء فيها فكيف قال ابن رجب ذلك عنه؟","vol":"2","page":631},{"text":"[١] فمنهم من قال: المراد بالشطر الجزء، لا أنه النصف بعينه؛ فيكون الطُّهورُ جزءا من الإيمان.\nوهذا فيه ضعف؛ لأن الشطر إنما يعرف استعماله لغة في النصف، ولأن في حديث الرجل من بني (^١) سليم \"الطهور نصف الإيمان\" كما سبق.\n* * *\n[٢] ومنهم من قال: المعنى أنه يضاعَف ثواب الوضوء إلى نصف ثواب الإِيمان لكن من غير تضعيف.\nوفي هذا نظر وضعف وبُعْد.\n* * *\n[٣] ومنهم من قال: الإيمان يكفر الكبائرَ كلها، والوضوء يكفر الصغائر؛ فهو شطر الإيمان بهذا الاعتبار.\nوهذا يرده حديث \"من (^٢) أساء في الإسلام أُخذ بما عَمِلَ في الجاهلية\". وقد سبق ذكره (^٣).\n* * *\n[٤] ومنهم من قال: الوضوء يكفر الذنوب مع الإِيمان، فصار نصف الإيمان، وهذا ضعيف.\n[٥] ومنهم من قال: المراد بالإيمان هاهنا الصلاة كما في قوله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ (^٤) والمراد صلاتكم إلى بيت القدس، فإذا كان المراد بالإيمان الصلاة، فالصلاة لا تقبل إلا بطُهور، فصار الطُّهور شَطْرَ الإيمان (^٥) بهذا الاعتبار.\nوحَكى هذا التفسيرَ محمدُ بن نصر المروزي في كتاب الصلاة (^٦)، عن إسحاق بن\n_________\n(^١) سقطت من المطبوعة.\n(^٢) في المطبوعة: \"حد من أساء\" وفيه سقط واضح.\n(^٣) ص ٣١٨ عن البخاري ومسلم من حديث ابن مسعود في شرح الحديث الثاني عشر.\n(^٤) سورة البقرة: ١٤٣.\n(^٥) \" ا \": \"الصلاة\".\n(^٦) ١/ ٤٣٥.","vol":"2","page":632},{"text":"راهويه، عن يحيى بن آدم، وأنَّه قال في معنى قولهم: \"لا أدري: نصفُ العلم\" إنما هو: أدري ولا أدري، فأحدهما نصفُ الآخر.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-871>[ابن رجب يوضح ويرجح ويستشهد]:</span>\nقلت: كل شيء كان تحته نوعان؛ فأحدهما نصفٌ له. وسواء كان عدد النوعين على السواء، أو أحدهما أزيد من الآخر؛ ويدل على هذا حديث: \"قَسَمْتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين (^١) \" والمراد: قراءة الصلاة، ولهذا فسرها بالفاتحة، والمراد أنها مقسومة للعبادة والمسألة، فالعبادة حق الرب، والمسألة حق العبد، وليس المرادُ قسمةَ كلماتها على السواء.\nوقد ذكر هذا: الخطَّابيُّ (^٢)، واستشهد بقول العرب: نصف السنة سفر، ونصفها حضر، قال: وليس على تساوى الزمانين فيهما، لكن على انقسام الزمانين لهما وإن تفاوتت مُدَّتاهُما.\nويقول شُرَيحٌ - وقد قيل له (^٣): \"كيف أصْبَحْتَ؟ \" قال: \"أصبحتُ ونصفُ الناس عليّ غضبان؟! \".\nيريد أن الناس بين محكوم له ومحكوم عليه، فالمحكوم عليه غضبان عليه (^٤)، والمحكوم له راض عنه؛ فهما حِزْبان مختلفان، ويقول الشاعر:\n_________\n(^١) راجع في هذا ما أخرجه مسلم في الصلاة: باب وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧ وأبو داود في الصلاة: باب من ترك القراءة في صلاته بفاتحة الكتاب ٤/ ٣٠٠ وأبن ماجه في الأدب: باب ثواب القرآن ٢/ ١٢٤٣ - ٤٤ والترمذي أول كتاب التفسير ٥/ ٢٠٤ وقال: هذا حديث حسن، والنسائي في الافتتاح: باب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في فاتحة الكتاب ٢/ ١٣٥ - ١٣٦ وأحمد في المسند ٢/ ٢٤١، ٢٨٥، ٤٦٠ (الحلبي) كلهم من حديث أبي هريرة.\nوأصل الحديث في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة سمع رسول الله - ﷺ - يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: الحمد لله رب العالمين، قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى علي عبدي وإذا قال: مالك يوم الدين قال: مجدني عبدي وقال مرة: فوض إلي عبدي فإذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين قال: هذا بينى وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل\".\n(^٢) في معالم السنن ١/ ٥١٢ - ٥١٣ بهامش السنن.\n(^٣) سقطت من المطبوعة.\n(^٤) ليست في \"أ\"","vol":"2","page":633},{"text":"إذا مِتُّ كان الناس نصفين: شَامِتٌ … بموتي، ومُثْنٍ بالذي كُنْتُ أَفْعَلُ\nومراده أنهم ينقسمون قسمين.\n• قلت: ومن هذا المعنى: حديث أبي هريرة المرفوع في الفرائض أنها نصف العلم، أخرجه ابن ماجه (^١).\nفإن أحكام المكلفين نوعان: نوع يتعلق بالحياة، ونوع يتعلق بما بعد الموت، وهذا هو الفرائض.\n• وقال ابن مسعود: الفرائض ثلث العلم، ووجه ذلك: الحديث الذى خرجه أبو داود وابن ماجه (^٢) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: \"العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة، أو سُنَّةٌ قائمة، أو فريضةٌ عادلة\".\n• وروي عن مجاهد أنه قال: \"المضمضة والاستنشاق نصف الوضوء\" ولعله أراد أن الوضوء: قسمان: أحدهما مذكور في القرآن، والثاني مأخوذ من السنة، وهو المضمضة والاستنشاق، أو أراد أن المضمضة والاستنشاق يطهر (^٣) باطن الجسد، وغسل سائر الأعضاء يطهر ظاهره؛ فهما نصفان بهذا الاعتبار.\n• ومنه قول ابن مسعود: \"الصبر نصف الإيمان، واليقين: الإيمان كله\".\n• وجاء من رواية يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعًا \"الإيمان نصفان نِصْفٌ في الصبر،\n_________\n(^١) يقصد بالفرائض هنا: المواريث التى فرضها الله ﷿، وبينها في كتابه وسنة رسوله، أخذا من نحو قوله تعالى في بعض آيات المواريث: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾.\nوالحديث الذي يشير إليه ابن رجب هو ما رواه ابن ماجه أول كتاب الفرائض: باب الحث على تعليم الفرائض ٢/ ٩٠٨ من طريق إبراهيم بن المنذر، عن حفص بن عمر، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يا أبا هريرة! تعلموا الفرائض، وعلموها؛ فإنه نصف العلم، وهو يُنْسَى، وهو أول شيء ينزع من أمتى\".\nوقد طعن الحفاظ في صحة هذا الحديث، وأخذوا على الحاكم تصحيحه له في المستدرك، قالوا: إن في طريقه حفص بن عمر بن أبي العطاف السهمي. استنكر البخاري حديثه، ورماه يحيى بن معين بالكذب، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه على الضعف الشديد، وقال أبو جعفر العقيلي من حديثه في الفرائض: \"لا يتابع عليه\"، ولا يعرف إلا به. وذكر البخاري في الأوسط: أن حديثه في الفرائض لا يصح. راجع تهذيب التهذيب ٢/ ٤٠٩ - ٤١٠.\n(^٢) سنن أبي داود: كتاب الفرائض: باب ما جاء في تعليم الفرائض ٣/ ١٦٤. مقدمة سنن ابن ماجه: باب اجتناب الرأي والقياس ١/ ٢١ كلاهما بإسناد ضعيف على ما في التيسير ٢/ ١٥٦.\n(^٣) \"ا\": \"تطهر\".","vol":"2","page":634},{"text":"ونصفٌ في الشكر\" (^١).\n* * *\nفلما كان الإيمان يشمل فعل الواجبات، وترك المحرمات. ولا يُنَالُ ذلك كلُّه؛ إلا بالصبر: كان الصبرُ نصفَ الإيمان؛ فهكذا يقال في الوضوء: إنه نصفُ الصلاة.\nوأيضًا فالصلاة تكفِّر الذنوبَ والخطايا بشرط إسباغ الوضوء وإحسانه، فصار شَطْرَ الصلاة بهذا الاعتبار أيضًا؛ كما في صحيح مسلم (^٢) عن عثمان ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"ما من مسلم يتطهر، فَيُتِمُّ الطهورَ الذي كُتبَ عليه؛ فيصلي هذه الصلواتِ الخمسَ إلا كانت كفارةٌ لما بينهنَّ\".\nوفي رواية له (^٣): \"من أَتَمَّ الوضوء كما أمره الله؛ فالصلوات المكتوبات كفاراتٌ لما بينهنَّ\".\nوأيضًا فالصلاة مفتاح الجنة، والوضوء مفتاح الصلاة، كما خرجه الإمام أحمد (^٤) والترمذي (^٥) من حديث جابر مرفوعًا، وكلُّ من الوضوء والصلاة موجب لفتح أبواب الجنة، كما في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر (^٦) سمع النبي - ﷺ - يقول: \"ما من مسلم يتوضأ فيُحِسنُ وضوءه (^٧) ثم يقوم فيصلي ركعتين يُقبل (^٨) عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة\".\n* * *\n_________\n(^١) أورده العراقي في تخريج أحاديث الأحياء ٤/ ٥٣ وقال: \"أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس، من رواية يزيد الرقاشي، عن أنس، ويزيد: ضعيف بل متروك، فالحديث ضعيف جدا وانظر فردوس الأخبار ١/ ١١١ - ١١٢ ومسند الشهاب، ١/ ١٢٧ - ١٢٨ وهامشيهما.\n(^٢) في كتاب الطهارة: باب فضل الوضوء والصلاة عقبه ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨ وفي آخره: \"إلا كانت كفارات لما بينها\".\n(^٣) عقب الرواية السابقة، من حديث عثمان أيضًا.\n(^٤) في المسند ٣/ ٣٤٠ (الحلبي) من حديث جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مفتاح الجنة الصلاة، ومفتاح الصلاة الطهور\". وإسناده ضعيف هو وتاليه.\n(^٥) الترمذي في السنن: أبواب الطهارة: باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور ١/ ١٥.\n(^٦) في كتاب الطهارة: باب الذكر المستحب عقب الوضوء ١/ ٢٠٩ - ٢١٠.\n(^٧) \"ا\": الوضوء\" وما أثبتناه عن م هو الموافق لما في مسلم.\n(^٨) مسلم: \"مقبل\".","vol":"2","page":635},{"text":"• وعن عقبة عن عمر (^١) عن النبي - ﷺ - قال: \"ما منكم من أحد يتوضأ فيُبْلِغُ أو يُسْبِغُ الوضوء ثم يقول: \"أشهد أن لا إله إلا الله، واشهد أن محمدًا عبده ورسوله، إلا فُتِّحَتْ له أبوابُ الجنة الثمانية يدخلُ من أَيِّها شاءَ\".\n\"وفي الصحيحين (^٢) عن عبادة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، وأن عيسى عبدُ الله، وابنُ أَمَتِه وكلمتهُ ألقاها إلى مريمَ وَرُوحٌ منه، وأن الجنَّةَ حق، وأَنَّ النارَ حقٌّ، أدخله الله من أيّ أبواب الجنة الثمانية شاءَ\".\n* * *\n\"فإذا كان الوضوء مع الشهادتين مُوجِبًا لفتح أبواب الجنة صار الوضوء نصفَ الإيمان بالله ورسوله بهذا الاعتبار.\n\n<span data-type='title' id=toc-872>[الوضوء والتطهر من الإيمان]:</span>\nوأيضًا فالوضوء من خصال الإيمان الخفية التي لا يحافظ عليها إلا مؤمن، كما في حديث ثوبان وغيره عن النبي - ﷺ -: \"لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن\" (^٣).\nوالغسل من الجنابة قد ورد أنه أداء الأمانة، كما خرّجه العقيلي من حديث أبي الدرداء، ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"خمسٌ مَنْ جاء بهنَّ مع إيمان دخل الجنة: مَنْ حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن، وسجودهن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم عقب الرواية السابقة.\n(^٢) البخاري في كتاب الأنبياء: باب قوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ ٦/ ٤٧٤.\nومسلم في كتاب الإيمان: باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا ١/ ٥٧. واللفظ الذي أورده ابن رجب لفظ الترمذي.\nوفي البخاري: \"وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته … والجنة حق … أدخله الله الجنة على ما كان من العمل\".\n(^٣) هذا جزء حديث، تمامه: \"استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن\" أخرجه مالك في الموطأ: كتاب الطهارة: باب جامع الوضوء ١/ ٣٤ مرسلًا والحاكم في المستدرك ١٣٠/ ١ من طرق، عن ثوبان، وعن جابر.\nوابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها: باب المحافظة على الوضوء ١/ ١٠١ - ١٠٢ منقطعا.\nوالدارمي في السنن: باب ما جاء في الطهور ١/ ١٦٨ مسندا متصلا. وتقدم ص ٦٠٧.","vol":"2","page":636},{"text":"ومواقيتهن، وأعطى الزكاة من ماله طيّب النفس بها\"، قال وكان يقول: \"وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن، وصيامُ رمضان، وحجُّ البيت مَن استطاع إليه سبيلًا، وأداءُ الأمانة\" قالوا: \"يا أبا الدرداء: وما أداء الأمانة؟ \" قال: \"الغُسل من الجَنَابَة، فإن الله لما يأتمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها (^١) \".\n• وخرّج ابن ماجه من حديث أبي أيوب (^٢) عن النبي - ﷺ - قال: \"الصلواتُ الخمس، والجُمُعة إلى الجمعة، وأداء الأمانة، كفَّارهٌّ لما بينهن\" قيل: \"وما أداء الأمانة؟ \" قال: \"الغسل من الجنابة؛ فإن تحتَ كل شعرة جنابةً\".\n• وحديث أبي الدرداء الذي قبله: جَعل فيه الوضوء، من أجزاء الصلاة.\n• وجاء في حديث خرجه البزار من رواية شبابة بن سَوّار: حدثنا المغيرة بن مسلم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"الصلاة ثلاثة أثلاث: الطُّهور ثلُث، والركوعُ ثُلُث، والسجود ثلُث؛ فمن أداها بحقها قُبلت منه، وقُبل منه سائِرُ عمله. ومَن رُدَّتْ عليه صلاتُه رُدَّ عليه سائِرُ عمله\" (^٣).\nوقال: تفرّد به المغيرة، والمحفوظ عن أبي صالح عن كعب من قوله.\nفعلى هذا التقسيم: الوضوء ثُلُثُ الصلاة، إلا أن تجعل الركوعَ والسجودَ كالشيء الواحد؛ لتقاربهما في الصورة؛ فيكون الوضوء نصف الصلاة أيضًا.\n_________\n(^١) أورده العقيلي في الضعفاء ٣/ ١٢٣ ت أبي علي الحنفي مستنكرا روايته لهذا الحديث مع أنه ممن روى عنه الشيخان وباقي الستة انظر ترجمة المزي له وما أورده المحقق عنه، والميزان للذهبي ٣/ ١٣.\n(^٢) في السنن: كتاب الطهارة وسننها: باب تحت كل شعرة جنابة ١/ ٩٦١ من طريق هشام بن عمار، عن يحيى بن حمزة، عن عتبة بن أبي حكيم، عن طلحة بن نافع، عن أبي أيوب.\nوقد عده الشيخ الألباني في ضعيف سنن ابن ماجه (١٣٣ - ٥٩٨) والضعيفة ٣٨٠١ وضعيف أبي داود (٣٧) ورد البوصيري في الزوائد على أبي حاتم تضعيفه له بطلحة، وانظر تهذيب الكمال ١٣/ ٤٤١ - ٤٤٤ وهامشه في ترجمة طلحة.\n(^٣) أخرجه البزار في مسنده ١/ ١٧٧ ح ٣٤٩ من الكشف من رواية زكريا بن يحيى الضرير عن شبابة بن سوار، عن مغيرة بن مسلم، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول ال - ﷺ - فذكره بمثل ما أورده ابن رجب قال الهيثمي: لم أره بهذا السياق ثم أورد قول البزار: لا نعلمه مرفوعًا؛ إلا عن المغيرة ولم يتابع عليه، وإن ما نحفظه عن أبي صالح، عن كعب؛ قوله،\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ٢/ ١٤٧ وقال: رواه البزار وقال: لا نعلمه مرفوعًا، إلا عن المغيرة بن مسلم والغريب أن يعقب الهيثمي هنا بقوله: والمغيرة ثقة وإسناده حسن!؟","vol":"2","page":637},{"text":"<span data-type='title' id=toc-873>[واحتمال آخر]:</span>\nويحتمل أن يقال: خصِالُ الإيمان من الأعمال والأقوالِ كلِّها تطهر القلب وتزكيه، وأما الطهارة بالماء فهي تختصُّ بتطهيرِ الجسد وتنظيفِه؛ فصارت خصالُ الإيمان قسمين: أحدهما يطهر الظَّاهر، والآخر يطهر الباطن؛ فهما نصفان بهذا الاعتبار. والله أعلم بمراده، ومراد رسوله في ذلك كله.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-874>[والحمد لله تملأ الميزان]:</span>\nوقوله - ﷺ -: \"والحمد لله: تملأُ الميزانَ وسبحان الله والحمد لله: تملآن أو تملأُ ما بين السّمواتِ والأرضِ\".\nفهذا شك من الراوي في لفظه.\nوفي رواية النَّسَائِي (^١)، وابن ماجه: \"والتسبيح والتكبير مِلْءُ السماء والأرض\".\n• وفي حديث الرجل من بني سليم (^٢): \"التسبيح نصفُ الميزان، والحمد لله تملؤه، والتكبير يملأ ما بين السماء والأرض\".\n• وخرّج الترمذي من حديث الإفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: \"التسبيح نصف الميزان، والحمد لله تملؤه، ولا إله إلا الله ليس لها دونَ الله حجاب؛ حتى تَصِل إليه\".\nوقال: ليس إسناده بالقوي (^٣).\nقلت: \"اختلف في إسناده على الإفريقي، فَرُوي عنه، عن أبي علقمة، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -. وفيه زيادة: \"والله أكبر ملءُ السموات والأرض\".\n• وروى جعفر الفريابي في كتاب \"الذكر\" وغيره من حديث علي ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"الحمد لله ملءُ الميزان، وسبحان الله نصفُ الميزان، ولا إله إلا الله والله أكبر ملءُ السَّماوات والأرض وما بَيْنَهُنَّ\".\n_________\n(^١) م: \"وفي رواية مسلم والنسائي … \" وزيادة \"مسلم\" هنا لا وجه لها.\n(^٢) مضى ص ٦٣٠.\n(^٣) الحديث من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم - وهو المقصود بالإفريقي هنا - أخرجه الترمذي في كتاب الدعاء: باب [٨٧] وعقب عليه بقوله: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وليس إسناده بالقوي.","vol":"2","page":638},{"text":"• وخرّج الفريابي أيضا من حديث معاذ ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"كلمتان إحداهما مَن قالها لم يكن لها (^١) ناهِيَةٌ دون العرش، والأخرى تملأ ما بين السماء والأرض: لا إله إلا الله والله أكبر\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-875>[ما تضمنته هذه الأحاديث]:</span>\nفقد تضمنت هذه الأحاديث فضل هذه الكلمات الأربع التي هي أفضل الكلام، وهي: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-876>[الحمد لله]:</span>\nفأما \"الحمد لله\" فاتفقت الأحاديث كلُّها على أنه يملأ الميزان (^٢)، وقد قيل إنه ضرب مثل، وإن المعنى: لو كان الحمد جسمًا لملأ الميزان، وقيل: بل الله ﷿ يمثل أعمال بني آدم، وأقوالَهم صُوَرًا تُرَى يوم القيامة، وتُوزَنُ كما قال النبي - ﷺ -: \"يأتي القرآن يوم القيامة تَقْدُمُهُ \"البقرة\" و\"آل عمران\" كأنهما غَمامتان أو غَيَايَتَان (^٣) أو فِرْقَان (^٤) من طير صَوَافَّ\" (^٥).\n_________\n(^١) م: \"له\" والمراد أن الكلمة المذكورة لا يكون ليس حين تقال عقبة تصدها أو مانع يمنعها دون العرش. انظر اللسان ٢٠/ ٢١٨ والمجمع ١٠/ ٨٩ - ٩٠.\n(^٢) ب: \"يملأ\" أ: \"أنه تملأ\".\n(^٣) الغمامة: السحابة، والغياية: كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه كالسحابة وغيرها. والمراد أن ثوابهما يأتي كالسحابتين في العظم. انظر النهاية ٣/ ٤٠٣.\n(^٤) الفرقان: تثنية فرق وهو الطائفة أو القطيع أو الجماعة أو القطعة والمراد كأنهما جماعتان من طير صافة لأجنحتها، باسطة لها في الهواء عند طيرانها، وهذا تمثيل لعظم ثواب من يقرأ الزهراوين، ويعمل بما فيهما؛ راجع النهاية ٣/ ٤٤٠، والقاموس ٣/ ٢٧٥.\n(^٥) الحديث عند مسلم: أخرجه في كتاب صلاة المسافرين: باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة ١/ ٥٥٣ عن أبي أمامة الباهلي، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"اقرءوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعا لأصحابه أقرءوا الزهراوين: البقرة وسورة آل عمران. فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما اقرءوا سورة البقرة، فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة\" قال معاوية: بلغني أن البطلة: السحرة.\nوأخرجه ابن كثير في التفسير ١/ ٣٤ وشرحه شرحا مختصرًا دقيقًا ثم قال: ومعنى لا تستطيعها: أي لا يمكنهم حفظها، وقيل لا تستطيع النفوذ في قارئها ولله أعلم.","vol":"2","page":639},{"text":"• وقال: \"كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان، خفيفتان على اللسان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم\" (^١).\n• وقال: \"أثقل ما يوضع في الميزان: الخلق الحسن\" (^٢).\nوكذلك المؤمن يأتيه عمله الصالح في قبره في أحسن صورة؛ والكافر يأتيه عمله في أقبح صورة (^٣).\n• وروي أن الصلاة والزكاة والصيام وأعمال البر تكون حول الميت في قبره تدافع عنه (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات: باب فضل التسبيح ١١/ ١٧٣، وفي كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ ١٣/ ٤٥١ - ٤٥٢. وهو آخر حديث في البخاري.\nومسلم في كتاب الذكر والدعاء والاستغفار: باب فضل التسبيح والتهليل والدعاء ٤/ ٢٠٧٢.\nوأحمد في المسند ١٢/ ١٥٢ (المعارف).\nوالترمذي في كتاب الدعوات: باب [٦٠] ٥/ ٥١١ - ٥١٢ من طريقين قال في أولهما: هذا حديث حسن صحيح، وقال في ثانيهما: هذا حديث حسن غريب صحيح.\nوابن ماجه في كتاب الأدب: باب فضل التسبيح ٢/ ١٢٥١.\nوالنسائي في عمل اليوم والليلة ص ٢٤٦ ح ٨٣٦. كلهم من حديث أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في حسن الخلق ٤/ ٣٦٢ - ٣٦٣ من طريقين عن أبي الدرداء، أولهما بلفظ:\n\"ما شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن، وإن الله ليبغض الفاحش البذيء\". وعقب عليه بقوله: وفي الباب عن عائشة، وأبي هريرة، وأنس وأسامة بن شريك، وهذا حديث حسن صحيح. وثانيهما بلفظ:\n\"ما من شيء يوضع في الميزان أثقل عند الله من حسن الخلق، وإن صاحب الخلق الحسن ليبلغ به درجة الصوم والصلاة\". وعقب عليه بقوله: هذا حديث غريب من هذا الوجه.\n(^٣) راجع الترغيب والترهيب ٤/ ٣٦٦ وما بعدها.\n(^٤) أورد المنذري في الترغيب والترهيب ٤/ ٣٧١ - ٣٧٣ عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \" إن الميت إذا وضع في قبره إنه يسمع خفق نعالهم حين يولون مدبرين فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه، وكان الصيام عن يمينه، وكانت الزكاة عن شماله، وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلاة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه، فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يمينه، فيقول الصيام: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى عن يساره فتقول الزكاة: ما قبلي مدخل، ثم يؤتى من قبل رجليه فيقول فعل الخيرات من الصدقة والصلاة والمعروف والإحسان إلى الناس: ما قبلي مدخل … الحديث. ثم قال: رواه الطبراني في الأوسط وابن حبان في الصحيح.\nوأورده الحاكم في المستدرك ١/ ٣٧ - ٣٨ مطولا من حديث البراء وسكت عنه هو والذهبي وأورده الهيثمي في المجمع ٣/ ٥٢ - ٥٣ عن أحمد من حديث البراء مطولا وقال رجاله رجال الصحيح.","vol":"2","page":640},{"text":"وأن القرآن يَصْعَدُ فيشفع له (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-877>[سبحان الله]:</span>\nوأما سبحان الله ففي رواية مسلم: \"سبحان الله والحمد لله تملأ أو تملآن ما بين السماء والأرض\".\nفضك الراوي في الذي يملأ ما بين السماء والأرض - هل هو الكلمتان أو إحداهما؟\n• وفي رواية النَّسَائِي، وابن ماجه: \"التسبيح والتكبير ملء (^٢) السماء والأرض\".\nوهذه الرواية أشبه (^٣).\nوهل المراد أنهما معًا يملآن ما بين السماء والأرض؟، أو أن كُلًّا منهما يملأ ذلك؟ هذا محْتَمل.\n• وفي حديث أبي هريرة ﵁ والرجل الآخر: أن التكبير وحده يملأ ما بين السماء والأرض (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-878>[بين التسبيح والتحميد]:</span>\n• وبكل حال فالتسبيح دون التحميد في الفضل، كما جاء صريحًا في حديث عليّ وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو، والرجل من بني سليم ﵃: \"أن التسبيح نصفُ الميزان، والحمد لله تملؤه\" وسبب ذلك: أن التحميدَ إثباتُ المحامد كلها لله، فدخل خل في ذلك إثباتُ صفات الكمال، ونعوتِ الجلال كلها.\n• والتسبيح هو تنزيه الله عن النقائص والعيوب والآفات، والإثباتُ أكملُ من السَّلْب. ولهذا لم يَردِ التسبيح مجردًا، لكن مقرونًا بما يدل على إثبات الكمال؛ فتارة يقرن بالحمد كقوله: \"سبحان الله وبحمده، سبحان الله، والحمد لله\".\n_________\n(^١) أخرج الحاكم في المستدرك ١/ ٥٥٤ من حديث عبد الله بن عمرو ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: رب إنى منعته الطعام والشهوات بالنهار، فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل، فشفعني فيه، فيشفعان\".\nوقد صححه الحاكم على شرط مسلم وأقره الذهبي.\n(^٢) \" ا \": \"ملآ\".\n(^٣) م: \"أسند\".\n(^٤) راجع في هذا وفيما قبله من رواية النَّسَائِي وابن ماجه ص ٦٣٨.","vol":"2","page":641},{"text":"وتارة باسم من الأسماء الدالة على العظمة والجلال كقوله: \"سبحان الله العظيم\".\nفإن كان حديث أبي مالك يدل على أن الذي يملأ ما بين السماء والأرض هو مجموع التسبيح والتكبير، فالأمر ظاهر.\nوإن كان المراد أن كُلًّا منهما يملأ ذلك، فإن الميزان أَوْسَع (^١) مما بين السماء والأرض، فما يملأ الميزان فهو أكثر (^٢) مما يملأ ما بين السماء والأرض.\nويدل عليه أنه صح عن سلمان ﵁ أنه قال: يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وُزن فيه السماوات والأرض لوَسِعَتْ (^٣) فتقول الملائكة: \" ياربّ! لمن تَزِنَ هذا\". فيقول الله تعالى: \"لمن شئتُ من خلقي\"، فتقول الملائكة: \"سبحانك! ما عبدناك حقَّ عبادتك؟! \".\nوخزجه الحاكم مرفوعًا وصححه (^٤).\nولكن الموقوف هو المشهور.\n\n<span data-type='title' id=toc-879>[التكبير]:</span>\n• وأما التكبير ففي حديث أبي هريرة والرجل من بني سليم أنه - وحده - يملأ ما بين السماء (^٥) والأرض.\nوفي حديث علي: أن التكبير مع التهليل يملأ السماوات (^٦) والأرض وما بينهنّ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-880>[التهليل وحده]:</span>\nوأما التهليل وحده؛ فإنه يصل إلى الله من غير حجاب بينه وبينه.\n• وخرج الترمذي (^٧) من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(^١) م: \"واسع\".\n(^٢) ط: \"فهو أكبر\".\n(^٣) م: \"لوسعهما\".\n(^٤) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٥٨٦ وتمامه فيه بعد هذا: \"ويوضع الصراط مثل حد الموسي، فتقول الملائكة: من تجيز على هذا؟: فيقول: من شئت من خلقي، فيقولون: سبحانك! ما عبدناك حق عبادتك\". وقد صححه على شرط سلم وأقره الذهبي.\n(^٥) م: \"يملأ السموات والأرض وما بينهما\" وما أثبتناه عن ا موافق لما مضى من رواية الرجل من بني سليم ص ٦٣٠، ٦٣٨، ٦٤١.\n(^٦) م: \"السماء، وما أثبتناه من \"ا\" موافق لرواية عليّ السابقة، ب: \"يملأ السموات\" والحديث ص ٦٣٨.\n(^٧) في كتاب الدعوات: باب دعاء أم سلمة ٥/ ٥٧٥ وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.","vol":"2","page":642},{"text":"\"ما قال عبد: \"لا إله إلا الله\" قط (^١) مخلصًا إِلا فُتِّحَتْ له أبوابُ السماء حتى تُفْضِىَ إلى العرش ما اجْتُنِبَت الكبائرُ\".\nوقال أبو أمامة: \"ما من عبد يهلل تهليلة فَيُنَهْيهُهَا (^٢) شيء دون العرش\".\nوورد أنه: لا يَعْدِلُهَا شيء في الميزان في حديث البطاقة المشهور (^٣).\n• وقد خرّجه أحمد والترمذي (^٤) والنسائي، وفي آخره عند الإمام أحمد: ولا يثقل شيء \"بسم الله الرحمن الرحيم\" (^٥).\n• وفي المسند عن عبد الله بن عمرو ﵄ (^٦) عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إن نوحًا ﵇ لا حضرته الوفاة قال لابنه: آمرك بـ \"لا إله إلا الله\"، فإن السموات السبع، لو وضعت في كِفَّة ووضعت \"لا إله إلا الله\" في كفّة رجحت بهنّ: \"لا إله إلا الله\".\n• وفيه أيضًا عن عبد الله بن عمرو ﵄ (^٧) عن النبي - ﷺ - قال: \"إن\n_________\n(^١) من الترمذي.\n(^٢) ينهنهها: يمنعها ويكفها عن الوصول إليه، النهاية ٥/ ١٣٩.\n(^٣) يشير إلى ما روي عن عبد الله بن عمرو ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يصاح برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر له تسعة وتسعون سجلا، كل سجل مد البصر، ثم يقال له: أتنكر عن هذا شيئا؟ فيقول: لا يارب! فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيهاب الرجل، فيقول: لا يارب! فيقول: بلى إن لك عندنا حسنات، وإنه لا ظلم عليك، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، فيقول: يارب! ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقول: إنك لا تظلم، قال: فيوضع السجلات في كفة، والبطاقة في كفة، فطاشت السجلات، وثقلت البطاقة.\nأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٥٢٩ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي، وله طرق أخرى سيشير إليها ابن رجب.\n(^٤) سقطت من المطبوعة.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ١١/ ١٩٧ - ٢٠٠، ١٢/ ٤٩ - ٥٠ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه العلامة الشيخ أحمد شاكر. والترمذي في السنن كتاب الإيمان: باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله ٥/ ٢٤ - ٢٥ وفي آخره بعد ما في رواية الحاكم: \"فلا يثقل مع اسم الله شيء\".\nوقد عقب عليه أبو عيسى بقوله: هذا حديث حسن غريب.\nوأخرجه ابن ماجه في الزهد: باب ما يرجى من رحمة الله يوم القيامة ٢/ ١٤٣٧ ولم أجده فيما بين أيدينا من سنن النَّسَائِي فلعل ابن رجب ذكر النَّسَائِي خطأ؛ فلم يذكره المزي كذلك في التحفة وبهذا فليس في الكبرى أيضًا راجع تحفة الأشراف ٦/ ٣٥٢ ح ٨٨٥٥.\n(^٦) أخرجه أحمد في المسند (١٠/ ٨٧ / ١٢/ ٢٣ - ٢٤) المعارف بسياقه كاملًا، بإسناد صحيح كما ذكر محققه العلامة الشيخ أحمد شاكر.\n(^٧) هذا الحديث ليس من رواية عبد الله بن عمرو وإنما هو من رواية أبي سعيد الخدري وانظر الدعاء للطبراني ١٤٨٠ وهامشه.","vol":"2","page":643},{"text":"موسى ﵊ قال: \"يارب! عَلِّمْني شيئًا أذكرك به وأدعوك به، قال: يا موسى! قل: لا إله إلا الله قال: كل عبادك يقول هذا، إنما أريد شيئًا تخصُّني به؟ قال: يا موسى! لو أن السَّمَواتِ السَّبْعَ وعامرَهُنَّ غَيْرِي والأَرْضيَن السبعَ في كِفَّة و\"لا إله إلا الله\" في كِفّة مَالَتْ بِهِنَّ \"لا إله إلا الله\".\n\n<span data-type='title' id=toc-881>[بين الحمد والتهليل]:</span>\nوقد اختلف في: أي الكلمتين أفضَل؟ أكلمةُ الحمد أم كلمةُ التهليل؟ وقد حكى هذا الاختلافَ ابنُ عبد البر وغيره.\n• وقال النَّخعي: \"كانوا يَروْن أن الحَمد أكثرُ الكلام تضعيفًا\".\n• وقال الثوري: \"ليس يضاعَف من الكلام مثلُ \"الحمد لله\".\nوالحمدُ يتضمَّنُ إثباتَ جميع أنواع الكمال لله، فيدخل فيه التوحيد، وفي مسند الإمام أحمد عن أبي سعيد، وأبي هريرة (^١) عن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله اصطفى من الكلام أربعًا: \"سبُحان الله\" و\"الحمدُ لله\" و\"لا إله إلا الله\" و\"الله أكبر\" فمن قال: \"سبحان الله\" كُتِبَت له عشرون حسنة، أو حُطّتْ عنه عشرون سيئة، ومن قال: \"الله أكبر\" مثلُ ذلك، ومن قال: \"لا إله إلا الله\" مثلُ ذلك، ومن قال: \"الحمد لله رب العالمين\" من قِتل نفسه كتِبَت له ثلاثون حسنة، أو حُطَّت عنه ثلاثون سيئة\".\nوقد روي هذا عن كعب من قوله، وقيل: إنه أصحُّ من المرفوع (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-882>[والصلاة نور … إلخ]:</span>\n• وقوله - ﷺ -: \"والصَّلاة نورٌ، والصَدَقة بُرْهَانٌ، والصَّبْرُ ضياءٌ\".\nوفي بعض نسخ صحيح مسلم: \"والصيام ضياء\".\n• فهذه الأنواع الثلاثة من الأعمال أنوار كلها، لكن منها ما يختص بنوع من أنواع النور، فالصلاة نور مطلق.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ١٥/ ٦٦١، ١٦٧، ٢٢٧ (المعارف) من حديثيهما بإسناد صحيح وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٨٧ - ٨٨ عن أحمد والبزار، وذكر أن رجاله رجال الصحيح.\n(^٢) أخرجه النَّسَائِي في عمل اليوم والليلة ص ٤٨٦ ح ٨٤٣ وذكر محققه تفرد النَّسَائِي به.","vol":"2","page":644},{"text":"ويروى بإسنادين فيهما نظر، عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: \"الصلاة نورُ المؤمن (^١) \".\nفهي للمؤمنين في الدنيا نورٌ في قلوبهم وبصائرهم، تشرق بها قلوبهم، وتستنير بصائرهم\".\n• ولهذا كانت قرةَ عين التقين؛ كما كان النبي - ﷺ - يقول: \"جُعِلت قرة عيني في الصلاة\". أخرجه أحمد والنسائي (^٢).\n• وفي رواية: \"الجائع يشبع، والظمآن يُروى، وأنا لا أشبع من حبّ الصلاة\".\n• وفي المسند عن ابن عباس ﵄ قال: قال جبريل للنبي - ﷺ -: \"إن الله قد حبب إليك الصلاة. فخذ منها ما شئت\" (^٣).\n• وخرج أبو داود من حديث رجل من خُزَاعة أن النبي - ﷺ - قال: \"يا بلال! أقم الصلاة وأَرِحْنَا بِها\" (^٤).\n* * *\n• قال مالك بن دينار: \"قرأت في التوراة: يا ابن آدم! لا تَعْجِز أن تقوم بين يدَيّ في صلاتك باكيًا، فأنا الذي اقتربت بقلبك، وبالغيب رأيتَ نوري (^٥) \".\nيعني ما يفتح للمصلي في الصلاة من الرقة والبكاء.\n• وخرج الطبراني من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا (^٦): إذا حافظ العبد على صَلاته فأقام وضوءَها وركوعَها وسجودَها والقراءةَ فيها قالت: حفظك الله كما حفظتني، وصُعِد بها إلى السماء ولها نُورٌ حتى (^٧) تنتهي إلى الله ﷿، فتشفع\n_________\n(^١) أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة ١/ ٢٠٧ من وجهين ضعيفين وانظر هامشه.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ١٦/ ١٣٩ من الفتح الرباني.\nوالنسائي في الكبرى: كتاب عشرة النساء: باب حب النساء ٥/ ٢٨٠ كلاهما من حديث أنس، وقد أخرجه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٦٠) وصححه على شرط مسلم وأقره الذهبي.\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٤١، ٨٢ - ٨٣، ٢٤٣ (المعارف) بإسناد صحيح.\n(^٤) سنن أبي داود كتاب الأدب: باب صلاة العتمة ٤/ ٤٠٦ من وجهين بإسناد حسن.\nوقد أورده العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ١/ ١٤٨ عن الدارقطني في العلل، من حديث بلال أيضًا.\n(^٥) الحلية ١٢/ ٣٥٩.\n(^٦) أورده العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ١/ ١٣٢، عن الطبراني في الأوسط من حديث أنس، وعن الطيالسي والبيهقي في الشعب من حديث عبادة بن الصامت، وذكر أنه ضعيف من هذه الطرق.\n(^٧) سقط عن المطبوعة.","vol":"2","page":645},{"text":"لصاحبها.\n• وهي نور للمؤمنين (في قبورهم) (^١) ولا سيما صلاة الليل، كما قال أبو الدرداء: \"صلّوا ركعتين في ظُلَمِ الليل، لظلمة القبور\".\n• وكانت \"رابعة\" قد فَتَرت عن ورْدِها بالليل مدة، فأتاها آتِ في منامها، فأنشدها:\nصلاتُكِ نورٌ والعبادُ رقُودُ … ونومُكِ ضِدٌّ للصلاةِ عَنِيدُ؟!\n• وهي في الآخرة نورٌ للمؤمنين في ظلمات القيامة، وعلى الصراط؛ فإن الأنوار تقسم لهم على حسب أعمالهم.\n• وفي المسند وصحيح ابن حبان (^٢) عن عبد الله بن عمرو (^٣)، عن النبي - ﷺ -: أنه ذكر الصلاة فقال: \"من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاةً\".\nوخرج الطبراني بإسناد فيه نظر من حديث ابن عباس، وأبي هريرة ﵄، عن النبي - ﷺ -: \"من صلى الصلوات الخمسَ في جماعة جاز على الصراط كالْبَرْق اللامع في أول زُمْرة من السابقين، وجاء يوم القيامة ووجْههُ كالقمر ليلة البدر (^٤) \".\nوأما الصدقة فهي برهان. والبرهان هو الشعاع الذي يلي وجه الشمس، ومنه حديث أبي موسى: \"إن روح المؤمن تخرج من جسده، لها بُرْهانٌ كبرهان الشمس\" (^٥).\nومنه سميت الحجة القاطعة برهانًا، لوضوح دلالتها على ما دلت عليه فكذلك: \"الصدقة\" برهانٌ على صحة الإيمان، وطيبُ النفس بها علامةٌ على وجود حلاوة الإيمان وطعمه، كما في حديث عبد الله بن معاوية الغاضري (^٦) عن النبي - ﷺ -: \"ثلاث مَنْ فَعلهُنَّ فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الإيمان: مَنْ عَبَدَ الله وَحْدَهُ، وأنّه لا إله إلا الله،\n_________\n(^١) ما بين القوسين سقط من المطبوعة.\n(^٢) مسند أحمد ١٠/ ٨٣ بإسناد صحيح كما ذكر محققه العلامة الشيخ أحمد شاكر وفي آخره … وكان ب قارون وفرعون وهامان وأبهما بن خلف\".\nوصحيح ابن حبان ٣/ ١٤ من الإحسان وفى آخره: وكان يوم القيامة مع قارون.\n(^٣) في المطبوعة والإحسان: \"عمر\" وهو تحريف.\n(^٤) بإسناد ضعيف كما في المجمع ٢/ ٤٢.\n(^٥) لم أجده.\n(^٦) في المطبوعة: \"العامري\" وهو تحريف وقد أخرجه أبو داود في السنن (١٥٨٢) بإسناد صحيح كما في صحيح من أبي داود ١/ ٢٩٧ ح ١٤٠٠ وعنده \"وأعطى زكاة ماله … ولا يعطي الهرمة ولا الدرنة ولا المريضة ولا الشَّرط اللئيمة، ولكن من وسط أموالكم فإن الله لم يسألكم خيره، ولم يأمركم بشره\". الحديث.","vol":"2","page":646},{"text":"وأدّى زكاة ماله طَيّبَةً بها نفسُه، رافِدًة (^١) عليه في كل عام\".\nوذكر الحديث، خرجه أبو داود.\nوقد ذكرنا قريبًا (^٢) حديث أبي الدرداء فيمن أدى زكاة ماله طيّبةً بها نفسُه. قال: وكان يقول: \"لا يفعل ذلك إلا مؤمن\".\n* * *\nوسبب هذا: أن المال تحبه النفوس، وتبخل به، فإذا سَمحَت بإخراجه لله ﷿ دلّ ذلك (^٣) على صحة إيمانها بالله ووعده ووعيده: ولهذا منعت العرب الزكاة بعد النبي - ﷺ -، وقاتلهم الصّدّيق على منعها.\n* * *\nوالصلاة أيضًا برهان على صحة الإسلام.\nوخرج الإمام أحمد والترمذي من حديث كعب بن عُجْرة عن النبي - ﷺ - قال: \"الصلاة برهان\" (^٤).\nوقد ذكرنا في شرح حديث \"أمرت أن أقاتل الناس (^٥) حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة\" أَن الصلاة هي الفارقة\n_________\n(^١) قال في النهاية ٢/ ٤٢١: الرافدة: فاعلة من الرفد وهو الإعانة، يقال رفدته أرفده إذا أعنته: أي تعينه نفسه على أدائها.\n(^٢) ص ٦٣٦.\n(^٣) ليست في ب.\n(^٤) أخرجه الترمذي في أبواب الصلاة: باب ما ذكر في فضل الصلاة ٢/ ٥١٢ - ٥١٣ تاما، من حديث كعب بن عُجرة، قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: أعيذك بالله يا كعب بن عجرة! من أمراء يكونون عن بعدي، فمن غشي أبوابهم فصدقهم في كذبهم، وأعانهم على ظلمهم فليس مني، وليست منه، ولا يرد عليّ الحوض، ومن غشي أبوابهم، أو لم يغش فلم يصدقهم في كذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه وسيرد على الحوض، يا كعب بن عجرة! إنه لا يربو لحم نبت من سحت؛ إلا كانت النار أولى به.\nثم عقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nوأخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣٢١، ٣٩٩ (الحلبي).\nوالحاكم في المستدرك ٤/ ٤٢٢ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي وهو عند أحمد والحاكم من حديث جابر: أن النبي - ﷺ - قال لكعب بن عجرة .. الحديث.\nوأورده المنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ١٥٠ عن أحمد والبزار، وقال: رواتهما محتج بهما في الصحيح.\nكما أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٢٤٧ عن أحمد والبزار، وقال: \"رجالهما رجال الصحيح\".\n(^٥) وهو الحديث الثامن من أحاديث الكتاب.","vol":"2","page":647},{"text":"بين (^١) الكفر والإسلام (^٢).\nوهي أيضًا: أول ما يحاسَب به المرء يوم القيامة، فإن تمَّت صلاته، فقد أفلح وأنجح (^٣).\nوقد سبى حديث عبد الله بن عمرو (^٤) فيمن حافظ عليها أنها تكون له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة.\nوأما الصبر فإنه ضياء، والضياء هو النور الذي يحصل منه (^٥) نوع حرارة وإحراق كضياء الشمس، بخلاف القمر؛ فإنه نور محض فيه إشراق بغير إحراق، قال الله ﷿: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-883>[شريعة موسى وكيف أنها ضياء؟!]:</span>\nومن هنا وصف الله شريعة موسى بأنهما صاءٌ، كما قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٧)، وإن كان قد ذكر أن في التوراة نُورًا كما قال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُور﴾ (^٨) لكن الغالب على شريعتهم الضياء لما فيها من الآصار والأغلال والأثقال.\n\n<span data-type='title' id=toc-884>[شريعة محمد وكيف أنها نور؟!]:</span>\nووصف شريعة محمد - ﷺ - بأنها نورٌ لا فيها من الحنيفية السمحة قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ﴾ (^٩). وقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^١٠).\nولما كان الصبر شاقًّا على النفوس يحتاج إلى مجاهدة النفس، وحبسها، وكفها عما تهواه كان ضياء، فإن معنى الصبر في اللغة: الحبس، ومنه قتلُ الصَّبْر، وهو: أن يُحْبس الرجل حتى يُقتَلَ.\n_________\n(^١) \"ا\": \"من\".\n(^٢) بعد هذا في م: \"والإيمان\".\n(^٣) ب: \"ونجح\".\n(^٤) ص ٦٤٦.\n(^٥) م: \"فيه\".\n(^٦) سورة يونس: ٥.\n(^٧) سورة الأنبياء: ٤٨.\n(^٨) سورة المائدة: ٤٤.\n(^٩) سورة المائدة: ٥.\n(^١٠) سورة الأعراف: ١٥٧.","vol":"2","page":648},{"text":"<span data-type='title' id=toc-885>[الصبر المحمود]:</span>\nوالصبر المحمود أنواع: منه صبر على طاعة الله ﷿، ومنه صبر عن معاصي الله ﷿، ومنه صبر على أقدار الله عز رجل.\nوالصبر على الطاعات، وعن المحرمات أفضل من الصبر على الأقدار المؤلمة، صرَّح بذلك السلفى منهم: سعيد بن جبير، وميمونُ بن مِهْران، وغيرهما.\nوقد رُوي بإسناد ضعيف من حديث عليّ مرفوعًا أن الصبر على المصيبة يكتَبُ به للعبد ثَلَثُمائة درجة، وأن الصبر على الطاعة يُكتب به له ستمائة درجة، وأن الصبر عن المعاصي يُكتب له به تسعمائة درجة.\nوقد خرّجه ابن أبي الدنيا، وابن جرير الطبري (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-886>[أفضل أنواع الصبر]:</span>\nوأفضل أنواع الصبر: الصيام؛ فإنه يجمع الصبرَ على الأنواع الثلاثة؛ لأنَّه صَبرٌ على طاعة الله ﷿، وصَبْرٌ عن معاصي الله؛ لأن العبد يترك شهواتِهِ لله ونَفْسُه قد تُنازِعُه إليها؛ ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن الله ﷿ يقول: \"كلُّ عملِ ابن آدمَ له إلا الصيامَ، فإنه لي وأنا أجزي به؛ إنه (^٢) ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي (^٣).\n• وفيه أيضًا: صَبرٌ على الأقدار المؤلمة بما قد يحصل للصائم من الجوع والعطش.\nوكان النبي - ﷺ - يُسمي شهْرَ الصيام: شهْرَ الصبر (^٤).\nوقد جاء في حديث الرجل من بني سليم عن النبي - ﷺ -: أن الصوم نصف الصبر (^٥).\n_________\n(^١) كما في إتحاف السادة المتقين ٩/ ٢٥ وزاد نسبته إلى أبي الشيخ وأورده الديلمي في مسند الفردوس ٣٨٤٦ وانظر هامشه وفيه تضعيف السيوطي له وقول ابن الجوزي بوضعه.\n(^٢) في م: \"لأنَّه\" وليست هذه اللفظة في الصحيحين ففي مسلم: \" … وأنا أجزي به يدع شهوته وطعامه من أجلي.\n(^٣) الحديث أخرجه البخاري في مواضع منها: كتاب الصوم: باب هل يقول إني صائم إذا شتم ٤/ ١١٨.\nومسلم في كتاب الصيام: باب فضل الصيام ٢/ ٨٠٧. كلاهما من حديث أبي هريرة.\n(^٤) أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ٦٧ من حديث سلمان من طرق عن ابن خزيمة، والبيهقي، وأبي الشيخ، ثم ذكر أن في أسانيدها ضعفًا.\n(^٥) رواه أحمد في المسند ٤/ ٢٦٠ (الحلبي) من حديث معاذ بن معاذ عن شعبة، عن أبي إسحاق الهمداني، عن جرى النهدي، عن رجل من بني سليم فال: عقد رسول الله - ﷺ - في يده أو في يدي فقال: سبحان الله=","vol":"2","page":649},{"text":"وربما عَسُرَ الوقوفُ على سر كونه نصف الصبر أكثرَ من عُسْر الوقوف على سر كون الطُّهور شَطْرَ الإيمان. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-887>[والقرآن حجة لك أو عليك]:</span>\nوقوله - ﷺ -: \"والقرآنُ حُجَّةٌ لكَ أو عليك\":\nقالما الله ﷿: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (^١).\n• قال بعض السلف: \"ما جالس أحدٌ القرآن فقام عنه سالمًا بل إما أن يربح أو أن يَخْسَرَ\" - ثم تلا هذه الآية.\nوروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ - قال: \"يمثل القرآن يوم القيامة رجلًا فيؤتى بالرجل قد حَمَله فخالفَ أمَره، فَيتَمَثَّلُ له خصْمًا فيقول: يارب حَمَّلتَه إياي فبئس حاملي، تعدّى حدُودي، وضيّع فرائضي وركب معصيتي، وترك طاعتي، فما يزال يقذف عليه بالحجج، حتى يقال: شأنَك به فيأخذه بيده فما يرسله حتى يكبّه على مِنْخَرِه في النار، ويؤُتَى بالرجُلِ الصَّالح كان قد حمله، [وحفظ أمره] (^٢) فيتمثل خصمًا دونه، فيقول: يارب! حمَّلتَه إياي فخيرُ حامل، حفظ حدودي، وعمل بفرائضي، واجتنب معصيتي، واتَّبع طاعتي، فما يزال يقذف له بالحجج حتى يقال: شأنَك به، فيأخذ بيده فما يرسله حتى يُلْبِسه حُلّة الإستبرق، ويعقدَ عليه تاجَ الملك، ويسقِيَهُ كأسَ الخمر\" (^٣).\n• وقال ابن مسعود ﵁: \"القرآن شافع مشفع، وماحِلٌ (^٤) مُصدَّق، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومَن جعله خلْف ظهره قاده إلى النار\".\nوعنه قال: \"يجيء القرآن يوم القيامة فيشفع لصاحبه فيكون قائدًا إلي الجنة، أو يضهد عليه فيكون سائِقًا إلى النار\".\n_________\n= نصف الميزان والحمد لله تملأ الميزان، والله أكبر تملأ ما بين السماء والطهور نصف الإيمان، والصوم نصف الصبر. والحديث مضى ص ٦٣٠، ٦٣٨، ٦٤١.\n(^١) سورة الإسراء: ٨٢.\n(^٢) ما بين القوسين سقط من م، ب.\n(^٣) أورده في كنز العمال ١/ ٥٤٦ عن ابن أبي شيبة وابن الضريس من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده وفيه: \" … قد حمله فما نفذ أمره .. فشأنك به … قد كان .. إياي فحفظ. وهو عند ابن أبي شيبة في المصنف ١٠/ ٤٩١ - ٤٩٢. وانظره في الفضائل لابن الضريس ١٠٠، والكشف ٣/ ٩٨ وهو فيه بإسناد ضعيف.\n(^٤) قال في النهاية ٤/ ٣٠٣: ومنه حديث ابن مسعود: القرآن شافع .. وما حل .. أي خصم مجادل مصدق.","vol":"2","page":650},{"text":"• وقال أبو موسى الأشعري: \"إن هذا القرآن كائن لكم أجرًا، وكائن عليكم وزْرًا، فاتَّبِعوا القرآن، ولا يَتَّبِعُكُمُ القرآن، فإنه من اتّبع القرآن هبط به على رياض الجنة، ومن اتَّبَعَهُ القرآنَ زَخَّ في قفاه فقذفه في النار\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-888>[كل الناس يغدو وأقسامهم]:</span>\nقوله - ﷺ -: \"كلُّ الناسِ يَغْدُو فبائعٌ نفسهَ فمعتقُها أو مُوبِقُها\".\n* * *\nوخرّج الإمام أحمد (^٢)، وابن حبان، من حديث كعب بن عجرة، عن النبي - ﷺ - قال: \"الناس غاديان: فبائعٌ نفسَه فمعتقها أو مُوبِقُها\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٢٥٧ في ترجمته لأبي موسى الأشعري من حديث معاوية بن قرة، عن أبي كنانة، عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: أنه جمع الذين قرءوا القرآن فإذا هم قريب من ثلاثمائة فعظم القرآن وقال: إن هذا القرآن كائن لكم أجرا … الحديث وفيه: ومن تبعه القرآن زخ في قفاه، وفي نسخة: ومن يتبعه القرآن يزج في قفاه.\nوالزخ: الدفع قال في النهاية ٢/ ٢٩٨: فيه \"مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من تخلف عنها زخ به في النار\" أي دفع ورمي ومنه حديث أبي موسى أتبعوا القرآن ولا يتبعنكم القرآن؛ فإنه من يتبعه القرآن يُزَخُّ في قفاه\" وفي ب: \"زج\" وهو تصحيف.\n(^٢) حديث أحمد في المسند ٣/ ٣٢١ (الحلبي) من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن ابن خثيم، عن عبد الرحمن ابن سابط، عن جابر بن عد الله أن النبي - ﷺ - قال لكعب بن عجرة: أعاذك الله من إمارة السفهاء، قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: أمراء يكونون بعدي لا يقتدون بهديي ولا يستنون بسنتي فمن صدقهم بكذبهم، وأعانهم على ظلمهم، فأولئك ليسوا مني ولست منهم ولا يردوا عليّ حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يعنهم على ظلمهم، فأولئك مني وأنا منهم وسيردوا عليّ حوضي، يا كحب بن عجرة! الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربان أو قال: برهان يا كعب بن عجرة! إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت؛ النار أولى به، يا كعب بن عجرة! الناس غاديان فمبتاع نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها\". وأخرجه من وجه آخر من حديث جابر، عن كعب في ٣/ ٣٩٩ بنحوه وفيه: أن رسول الله - ﷺ - قال: يا كعب ابن عجرة! أعيذك بالله من إمارة السفهاء … الحديث وفيه: من دخل عليهم فصدقهم بحديثهم … ولم يردوا على الحوض … وأولئك يردون على الحوض … الناس غاديان فغاد بائع نفسه، وموبق رقبته، وغاد مبتاع نفسه ومعتق رقبته\" وقد أورده الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٤٧ وقال: رواه أحمد والبزار ورجالهما رجال الصحيح. وأخرجه ابن حبان في صحيحه ٣/ ١١١ - ١١٢ من الإحسان من حديث حماد بن سلمة عن ابن خثيم - به - بنحوه وفيه: والناس غاديان فمبتاع نفسه ومعتق رقبته وموبقها، ومن حديث إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق - به - بنحوه وفيه: \"يا كعب بن عجرة! الناس غاديان\" بمثل رواية أحمد الأولى، الإحسان، ٧/ ٢٣ - ٢٤.\nفليس في واحد من المرجعين نص ما أشار إليه ابن رجب.\nوفي ب: \"فمبتاع نفسه فمعق نفسه وموبقها\".\n(^٣) ل، ر: \"فمبتاع نفسه فمعتق نفسه … \".","vol":"2","page":651},{"text":"وفي رواية أُخرى خرّجها الطبراني: \"الناس غاديان، فبائع نفسه، فموبقها، وفادٍ نفسَه فمعتقها\" (^١).\nوقال الله ﷿: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (^٢).\nوالمعنى: فد أفلح من زكّى نَفْسه بطاعة الله، وخاب مَن دسَّاها بالمعاصي. فالطاعة تُزَكّى النفس، وتطهرها، فترتفع بها، والمعاصي تُدَسِّى النفس، وتَقْمَعُهَا فتنخفض: وتصير كالذي يُدَسُّ في التراب.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-889>[دلالة هذا الحديث]:</span>\nودلّ الحديث على أن كل إنسان فهو إما ساعٍ في هلاك نفسه، أو في فِكَاكِهَا؛ فمن سعى في طاعة الله فقد باع نفسه لله، وأعتقها من عذابه، ومن سعى في معصية الله تعالى فقد باع نفسه بالهوان، وأوبقها بالآثام الموجبة لغضب الله وعقابه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (^٤). وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ (^٥).\n• وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: فال رسول الله - ﷺ - - حين أنزل الله عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (^٦) - \"يا معشر قريش! اشْتَرُوا أنْفسَكُم مِن الله،\n_________\n(^١) أخرج الطبراني هذا النص في الكبير ١٩/ ١٣٥ - ١٣٦ جزء حديث بنحو سياق أحمد وابن حبان. وبعده في هذا الموضع والصلاة برهان، والصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطئة كما يطفئ الماء النار.\nوأخرجه بمثله في الصغير ح ٦١٦ وفي الكبير بنحوه ١٩/ ١٤١/ ١٤٥ - ١٤٦ وفيه: \"الناس غاديان فمشتر نفسه فمعتقها، وبائع نفسه فمهلكها\". وفي ١٦٢ بنحوه.\nوأورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٣٠ - ٢٣١ عن أبي يعلى وقال: رجاله رجال الصحيح، وعن الطبراني في الأوسط وقال: رجاله ثقات.\n(^٢) سورة الشمس: ٧ - ١٠.\n(^٣) سورة التوبة: ١١١.\n(^٤) سورة البقرة: ٢٠٧.\n(^٥) سورة الزمر: ١٥.\n(^٦) سورة الشعراء: ٢١٤.","vol":"2","page":652},{"text":"لا أُغني عنكم مِن الله شيئًا، يا بني عبدِ المطلب! لا أُغْني عنكم من الله شيئًا\" (^١).\n• وفي رواية للبخاري (^٢): \"يا بني عبد مناف! اشَتُروا أنفسكم من الله، يا بني عبد الطلب! اشتروا أنفسكم من الله لا أُغني عنكم من الله شيئًا، يا عمة رسول الله! يا فاطمة بنت محمد! اشتريا أنفسكما مِن الله لا أملك لكما من الله شيئًا\".\nوفي رواية لمسلم: أنه دعا قريشا فاجتمعوا فعمَّ وخصَّ فقال: \"يا بني كَعب بن لؤي! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس! أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف! أنقذوا أنفسكم من النار، [يا بني هاشم أنفذوا أنفسكم النار، يا بني عبد المطلب] (^٣)! أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة! أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا\" (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-890>[من وسائل شراء النفس]:</span>\n• وخرّج الطبراني والخرائطي من حديث ابن عباس مرفوعًا: \"من قال إذا أصبح: سبحان الله وبحمدهِ ألفَ مرّة فقد اشترى نفسَه من الله تعالى، وكان مِن آخر يومه عتيقًا من النار\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-891>[كيف اشتروا أنفسهم؟]:</span>\n• وقد اشترى جماعة من السلف أنفسهم من الله ﷿ بأموالهم، فمنهم من تصدّق بماله كله كحبيب بن أبي محمد!؟.\n• ومنهم من تَصدَّقَ بوزنه فِضّةً ثلاث مرات أو أربعًا كخالد بن الطحّان!؟.\n• ومنهم من كان يجتهد في الأعمال الصالحة، ويقول: \"إنما أنا أسيرٌ أسعى في\n_________\n(^١) البخاري في كتاب الوصايا: باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب ٥/ ٢٨٦ وفي كتاب أحاديث الأنبياء: باب من انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية ٦/ ٤٣٠ - ٤٣١ وفي كتاب التفسير: سورة الشعراء ٨/ ٣٨٦.\nومسلم في كتاب الإيمان: باب قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ١/ ١٩٢ - ١٩٣.\n(^٢) هي المذكورة في كتاب أحاديث الأنبياء، لكن باختلاف يسير عما ذكر ابن رجب.\n(^٣) ما بين الرقمين ليس في ب.\n(^٤) هذه الرواية أول ما ساق مسلم في الباب المذكور من روايات في هذا الشأن، وتمام هذه الرواية: \"غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها\" أي سأصلها.\n(^٥) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ١١٣ - ١١٤ عن الطبراني في الأوسط وضعفه بقوله: فيه من لم أعرفه. وهو عند الخرائطي في المكارم ٢/ ٨٣١ ح ٩١٨ - ٦٣٧ كذلك.","vol":"2","page":653},{"text":"فِكاك رقبتي\" منهم: عمرو بن عُتْبة!؟.\n• وكان بعضهم يسبّح كلّ يوم اثني عشر ألف تسبيحة بقدرِ دِيتَهِ، كأنه قد قتل نَفْسَه فهو يَفْتكها بديتها!؟.\n• قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالأسير يسعي في فكاك رقبته، لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله ﷿.\n• وقال: \"ابنَ آدم! إنك تغدو وتروح في طلب الأرباح؛ فليكن هَمُّك نفسَك، فإنك لن تربح مثلَها أبدًا\"؟!.\n• قال أبو بكر بن عياش: \"قال لي رجل مرة - وأنا شاب: خلّص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رِقِّ الآخرة؛ فإن أسير الآخرة غيرُ مفكوكٍ أبدًا\". قال: فوالله ما نسيتها بعد!؟.\n• وكان بعض السلف يبكي ويقول: \"ليس لي نَفْسَان، إنما لي نَفْسٌ واحدة إذا ذَهَبَتْ لم أجد أخرى\".\n• وقال محمد بن الحنفية: \"إن الله ﷿ جعل الجنة ثمنًا لأنفسكم، فلا تبيعوهَا بغيرها\".\n• وقال أيضًا: \"مَن كَرُمَتْ نفسه عليه لم يكن للدنيا عنده قدْر\".\n• وقيل له: \"مَنْ أعظما الناس قدرًا؟ \" قال: \"مَنْ لم ير الدنيا كُلَّها لنفسه خطرًا\"\n* * *\n• وأنشد بعض المتقدمين:\nأثَامِن بالنفس النفيسة رَبَّها … وليس لها في الخلْق كلّهمُ ثَمْنُ\nبها تملك الأخرى فإن أَنَا بِعْتُها … بِشَيءِ مِنَ الدنيا فَذاكَ هُوَ الغَبْنُ\nلئن ذهبَتْ نَفْسِي بِدُنيا أُصِيبُها … لقدْ ذهبَتْ نَفْسِي وقد ذَهَب الثَّمْنُ\n* * *","vol":"2","page":654},{"text":"<span data-type='title' id=toc-892>الحديث الرابع والعشرون</span>\nعَنْ أَبِي ذَر الغِفَارِيِّ ﵁، عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - - فِيمَا يَرْوِيهِ عنْ رَبِّهِ ﷿ - أَنَّهُ قَالَ:\nيَا عِبَادِي! إِنِّي حَرّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَينَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَّالَمُوا.\nيَا عبادي! كلّكُمْ ضالٌّ إلا مَنْ هديتُه؛ فاستهدوني أَهْدِكُمْ.\nيَا عِبادِي! كُلُّكُمْ جائِعٌ إلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُها.\nيَا عِبادِي! كُلُّكُمْ عَارٍ إلا مَنْ كَسَوْتُهُ، فَاستَكسُونِي أَكسُكُمْ.\nيَا عِبَادِي! إِنَّكُمْ تُخْطِئونَ بِاللَّيلِ وَالنَّهارِ، وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِر لَكُمْ.\nيَا عِبَادِي! إنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّوني وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي.\nيَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كانُوا عَلَى أَتْقى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذلِكَ فيِ مُلْكِي شَيْئًا.\nيَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِد مِنْكُمْ مَا نَقَصَ ذلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا.\nيَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ، وإنْسَكُمْ وَجِنّكُمْ، قَامُوا فيِ صَعِيدٍ واحِدٍ، فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كل وَاحِدٍ مَسْأَلَتَهُ، ما نَقَصَ ذلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كما يَنْقصُ المِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ البَحْرَ،\nيَا عَبِادِي! إِنَّمَا هيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصيِهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فمن وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ الله، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذلكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ. رواه مُسْلِمٌ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-893>[تخريج ابن رجب للحديث]:</span>\nهذا الحديث خرجه مسلم من رواية سعيد بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد (^١)، عن\n_________\n(^١) في المطبوعة: \"زيد\" وهو تحريف، فهو ربيعة بن زيد الإيادي - ينسب إلى إياد بن نزار بن معد، ويكنى أبا شعيب الدمشقي.\nيروى عن عبد الله بن عمرو بن العاص والنعمان بن بشير، وواثلة بن الأسقع: أبي إدريس الخولاني وجماعة.=","vol":"2","page":655},{"text":"أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذرّ - وفي آخره قال سعيد بن عبد العزيز: كان أبو إدريس الخولاني إذا حدث بهذا الحديث جثَا على ركبتيه (^١).\nوخرجه مسلم أيضًا من رواية قتادة (^٢)، عن أبي قِلَابة، عن أبي أسماء، عن أبي ذر، عن النبي - ﷺ - - ولم يسقه بلفظهم، ولكنه قال: \"وساق الحديث بنحو سياق أبي إدريس، وحديث أبي إدريس أتم\".\nوخرجه الإمام أحمد (^٣) والترمذي (^٤) وابن ماجه (^٥) من رواية شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: يقول الله تعالى:\n\"يا عبادي! كلُّكُم ضالّ إلا من هديتُه، فسلُوني (^٦) الهدى أهدكم\".\n\"وككم فقير إلا من أغنيتُه، فسَلُوني أرزقكم\".\n\"وكلكم مذنبٌ إلا من عافَيتُه؛ فمن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة؛ فاستغفرني غفرت له، ولا أبالي\".\n\"ولو أن أولَكم وآخركم وحيّكم وميّتكم ورَطْبكُم ويابسكم اجتمعوا على أتقى قلب عبد من عبادي ما زادَ ذلك في ملكي جناح بعوضة\".\n[\"ولو أن أولكم وآخركم وحيكم وميّتكم وَرَطْبكم ويابسكم اجتمعوا على أشقى قلب عبد من عبادي ما نقص ذلك من مُلكي جناحَ بَعوضة\"] (^٧).\n\"ولو أن أولكم وآخركم وحيّكم وميّتكم وَرَطْبكم ويابسكم اجتمعوا في صعيد وأحد فَسأل كَل إنسان منكَم مأ للغت أمنيته، لأعطيتُ كَلَّ سائل منكَم [ما سأل] (^٨) ما نقص ذلك من مُلْكِي إلا كما لو أن أحَدَكم مرَّ بالبحر فغمس فيه إبرةً ثم رفعها إليه:\n_________\n= يروي عنه الأوزاعي وحيوة بن شريح، وسعيد بن عبد العزيز، وغيرهم - تابعي ثقة، كان من خيار أهل الشام، قيل كانت وفاته سنة ١٢٣.\nله ترجمة في تهذيب التهذيب ٢/ ٢٦٤.\n(^١) صحيح مسلم: كتاب البر والصلة والآداب: باب تحريم الظلم ٤/ ١٩٩٤.\n(^٢) عقيب الرواية السابقة.\n(^٣) مسند أحمد ٥/ ١٥٤، ١٧٧، وفي ٥/ ١٦٠ (الحلبي) من وجه آخر.\n(^٤) الترمذي في كتاب صفة القيامة: باب ٤٤٨/ ٥٥٦ - ٦٥٧ وعقب عليه بما سيذكره ابن رجب.\n(^٥) ابن ماجه في كتاب الزهد: باب ذكر التوبة ٢/ ١٤٢٢.\n(^٦) م: \"فسألوني .. فأسألوني\" والتصويب من الترمذي.\n(^٧)، (^٨) ما بين القوسين سقط من المطبوعة.","vol":"2","page":656},{"text":"\"ذلك بأني جَوَادٌ وَاجِدٌ مَاجِدٌ أفعل ما أريد؛ عَطَائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إدا أردتُه أن أقولَ له: كن، فيكون\".\nوهذا لفظ الترمذي، وقال: حديث حسن.\nوخرجه الطبراني بمعناه من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي - ﷺ -؛ إلا أن إسنادَهُ ضعيف (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-894>[حديث أبي ذر]:</span>\nوحديث أبى ذر قال الإمام أحمد: هو أشرف حديث لأهل الشام.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-895>[تحريم الله الظلم]:</span>\nفقوله - ﷺ - فيما يرويه عن ربه: \"يا عبادي! إني حَرّمتُ الظلْمَ على نفسي\".\nيعني أنه منع نفسه من الظلم لعباده كما قال ﷿: ﴿وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (^٢). وقال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ (^٣) وقال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ (^٤) وقال: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾ (^٥) وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ (^٦) وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ (^٧) وقال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ (^٨) والهضم أن ينقص من جزاء حسناته، والظلم أن يعاقَبَ بذنوب غيره.\nومثل هذا كثير في القرآن، وهو مما يدل على أن الله قادر على الظلم، ولكن لا يفعله؛ فضلًا منه وجُودًا وكَرَمًا وإحسانًا إلى عباده.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-896>[معنى الظلم]:</span>\nوقد فسر كثير من العلماء الظلم بأنه وضع الأشياء في غير مواضعها.\nوأما من فسره بالتصرف في مِلْك الغير لغير إذنه - وقد نُقِل نحوه عن إياس بن\n_________\n(^١) أورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٥٠، عن الطبراني في الأوسط والكبير مختصرًا وقال: فيه عبد الملك بن هارون بن عنترة وهو مجمع على ضعفه.\n(^٢) سورة ق: ٢٩.\n(^٣) سورة آل عمران: ١٠٨.\n(^٤) سورة غافر: ٣١.\n(^٥) سورة فصلت: ٤٦.\n(^٦) سورة يونس: ٤٤.\n(^٧) سورة النساء: ٤٠.\n(^٨) سورة طه: ١١٢.","vol":"2","page":657},{"text":"معاوية وغيره - فإنهم يقولون: إن الظلم مستحيل عليه، وغيره متصوَّر في حقه؛ لأن كلَّ ما يفعله فهو تصرف في مُلْكه.\nوبنحو ذلك أجاب أبو الأسود الدؤلي لعمرانَ بنِ حُصَين حين سأله عن القدَر (^١).\nوخرج أبو داود (^٢) وابن ماجه (^٣) من حديث أبي سنان: سعيد بن سنان عن وهب ابن خالد الحمصى عن ابن الديلمي: أنه سمع أبيّ بن كعب يقول:\n\n<span data-type='title' id=toc-897>[لو عذب الله خلقه لما كان ظالمًا]:</span>\n\" لو أن الله تعالى عذّب أهلَ سمواتِه وأهل أرضه لعذّبهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم\".\nوأنَّه أتى ابن مسعود فقال له مثل ذلك، ثم أتى زيد بن ثابت؛ فحدثه عن النبي - ﷺ - بمثل ذلك.\nوفي هذا الحديث نظر، ووهبُ بنُ خالد ليس بذاك المشهور بالعلم (^٤).\n_________\n(^١) وكان سؤال عمران ليمتحن عقله وفهمه ومعرفته كما في صحيح مسلم ٤/ ٢٠٤١.\n(^٢) في كتاب السنة: باب القدر ٤/ ٣١٠ - ٣١١ وسياقه فيه عن ابن الديلمي، قال. أتيت أبيّ بن كعب فقلت له: وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله أن يذهبه من قلبي، قال: لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن مما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار قال: ثم أتيت ابن مسعود … الحديث. وسياقه عند ابن ماجه أطول من هذا.\nفقد اختصر ابن رجب الحديث حين أورده عنهما.\n(^٣) في مقدمة السنن: باب القدر ١/ ٢٩ - ٣٠.\n(^٤) يريد ابن رجب أن يضعف الحديث بوهب بن خالد، بحجة أنه ليس بذاك المشهور بالعلم، وهذا القول من ابن رجب هو الذي فيه نظر، فقد ترجم ابن حجر في التهذيب ١١/ ١٦٢ لوهب بن خالد - هذا - فذكر أنه روى عن ابن الديلمي، ومحمد بن زياد الألهاني، وأسد بن وداعة، وأم حبيبة بنت العرباض بن سارية. وروى عنه أبو سفيان: سعيد بن سنان، وأبو عاصم النبيل، وأنَّه قد وثقه كل من أبي داود وابن حبان والعجلي. ولم يذكر ابن حجر أن أحدًا تناول وهبا بالتجريح.\nثم لم يذكره الذهبي في الميزان - وعادته أن يذكر فيه من اختلفوا في توثيقه وتجريحه. ولعل هذا لأنَّه لم يقف أيضًا على تجريح فيه.\nوكان يمكن أن يكون لابن رجب متكأ في تضعيف الحديث لو أنه أعله بأبي سنان: سعيد بن سنان فقد اختلفت كلمة المحدثين في توثيقه، قال أحمد: ليس بالقوي، وقال مرة: كان رجلًا صالحا، ولم يكن يقيم الحديث، وقال النَّسَائِي: ليس به بأس، ووثقه الدارقطني ومن قبله ابن معين، وقال ابن عدي: له أفراد، وأرجوا أنه ممن لا يتعمد الكذب.\nراجع ميزان الاعتدال ٢/ ١٤٣.","vol":"2","page":658},{"text":"وقد يُحمَل على أنه لو أراد تعذيبَهمْ لقدّر لهم ما يعذبهم عليه، فيكون غيرَ ظالم لهم حينئذ\n\n<span data-type='title' id=toc-898>[خلق الله للظلم لا يقتضي وصفه به]:</span>\n• وكونه خلق أفعال العباد وفيها الظلم لا يقتضي وصفه بالظلم ﷾، كما أنه لا يوصف بسائر القبائح التي يفعلها العباد وهي خلْقهُ وتقديرهُ، فإنه لا يوصف إلا بأفعاله، ولا يوصف بأفعال عباده، فإن أفعال عباده مخلوقاته ومفعولاته، وهو لا يوصف بشيء منها إنما يوصف بما قام به من صفاته وأفعاله والله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-899>[وجعلته بينكم محرمًا]:</span>\nوقوله تعالى: \"وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا\".\nيعني أنه تعالى حرّم الظلم على عباده، ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم، فحرام على كل عبد أن يظلم غيره مع الظلم في نفسه محرّم مطلقًا وهو نوعان:\n\n<span data-type='title' id=toc-900>[الظلم نوعان]:</span>\n• أحدهما: ظلما النفس وأعْظمُه: الشرك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (^١) فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق، فعَبدَه وتألّهه فهو وضع الأشياء في غير مواضعها.\nوأكثر ما ذكر في القرآن وعيد الظالمين؛ إنما أريد به المشركون كما قال الله ﷿ ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (^٢) ثم يليه المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائرَ وصغائرَ.\n• والثاني: ظلم العبد لغيره، وهو المذكور في هذا الحديث، وقد قال النبي - ﷺ - في خطبته في حجة الوداع: \"إن دماءكم وأموالكُم وأعراضكم عليكُم حرامٌ كحُرْمة يومِكم هّذا في شَهْركم هذا في بلَدِكم هذا\" (^٣).\n_________\n(^١) سورة لقمان: ١٣.\n(^٢) سورة البقرة: ٢٥٤.\n(^٣) الحديث مشهور في كتب السنة: باب حجة المصطفى - ﷺ - وفي الكتب التاريخية، والتي أفردت لحجة الوداع مصنفا خاصا، غير أن هذه الرواية والرواية الآتية التي سيشير إليها ابن رجب: \"اسمعوا مني … \" جاءتا معا في نسق رواية واحدة أخرجها أحمد في المسند (٥/ ٧٢) (الحلبي) من حديث أبي حرة الرقاشي عن عمه. وأوردها ابن كثير عنه في البداية والنهاية ٥/ ٢٠١ - ٢٠٢.","vol":"2","page":659},{"text":"وروي عنه أنه خطب بذلك في يوم عرفة وفي يوم النحر، وفي اليوم الثاني من أيام التشريق (^١).\nوفي رواية: ثم قال: \"اسمعوا مني تعيشوا، ألا لا تظالموا، إنه لا يَحلُّ مالُ امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه\".\n• وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إن الظلم ظلماتٌ يَوْمَ القيامَةِ\" (^٢).\n• وفيهما عن أبي موسى، عن النبي - ﷺ -، فال: \"إن الله لَيُمْلِي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلِتْه ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ \" (^٣).\n• وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ -، قال: \"مَن كانت عنده مظلمة لأخيه فَلْيتَحَلَّلْ منها؛ فإنه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا درهم مِن قَبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته، فإن لم يكن له حسناتٌ أُخِذَ من سيئات أخيه فَطُرِحَتْ عليه\" (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-901>[كلكم ضال إلا من هديته … إلخ]:</span>\n• قوله: \"يا عبادى! كلُّكم ضال إلا من هديْتُهُ فاسْتَهْذوني أَهْدِكُم. يا عبادي! كلُّكم جائعٌ إلا مَن أطْعَمتُهُ، فاسْتَطعِموني أْطْعِمْكم. يا عبادي! كلُّكم عارٍ إلا مَن كسوتُه فاسْتكْسُوني أَكْسُكم. يا عبادي! إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوبَ جميعًا، فاستغفروني أَغْفِرْ لكُمْ\".\n• هذا يقتضي أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله تعالى في جلْب مصالحهم، ودفع مضارهم في أمور دينهم ودنياهم، وأن العباد لا يملِكُون لأنفسهم شيئًا من ذلك كله،\n_________\n(^١) راجع البداية والنهاية في الموضع السابق، وسنن أبي داود ٢/ ٤٨٣، ٤٨٨ - ٤٨٩.\n(^٢) البخاري في كتاب المظالم: باب الظلم ظلمات يوم القيامة ٥/ ٧٣.\nومسلم في كتاب البر والصلة والآداب: باب تحريم الظلم ٤/ ١٩٣٦.\n(^٣) الآية ١٠٧ من سورة هود.\nوالحديث في صحيح البخاري: كتاب التفسير: سورة هود: باب قوله ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ٨/ ٢٨٥ ومسلم في الباب السابق ٤/ ١٩٩٧ - ١٩٩٨.\n(^٤) في كتاب الرقاق: باب القصاص يوم القيامة ١١/ ٣٤٤.","vol":"2","page":660},{"text":"وأن من لم يتفضل الله عليه بالهدى والرزق فإنه يُحرَمُهُما في الدنيا، ومَن لمن يتفضل الله عليه بمغفرة ذنوبه أوبَقَتهُ خطاياه في الآخرة؛ قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (^١).\n• ومثل هذا كثير في القرآن، قال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (^٢).\nوقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (^٣).\nوقال: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ (^٤).\nوقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (^٥).\n• وقال تعالى - حاكيًا عن آدم وزوجه ﵉ أنهما قالا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٦).\nوعن نوح ﵊ أنه قال: ﴿وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٧).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-902>[كيف استدل إبراهيم ﵇ بهذا على التوحيد]:</span>\n• وقد استدل إبراهيم الخليل ﵇ بتفرد الله بهذه الأمور على أنه لا إله غيره، وأن كل ما أشرك معه فباطل، فقال لقومه: ﴿قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (^٨)، فإن من تفرّد بخلْقِ العبد وبهدايته وبرزقه وإحيائه وإماتته في الدنيا، ومغفرة ذنوبه في الآخرة - مستحقُّ أن يُفْرَدَ بالإلهية والعبادة والسؤال والتضرع إليه والاستكانة له، قال الله ﷿: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ\n_________\n(^١) سورة الكهف: ١٧.\n(^٢) سورة فاطر: ٢.\n(^٣) سورة الذاريات: ٥٨.\n(^٤) سورة العنكبوت: ١٧.\n(^٥) سورة هود:٦.\n(^٦) سورة الأعراف: ٢٣.\n(^٧) سورة هود: ٤٧.\n(^٨) سورة الشعراء: ٧٥ - ٨٣.","vol":"2","page":661},{"text":"يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-903>[من دلالات الحديث]:</span>\n• وفي الحديث دليل على أن الله يحب أن يسأله العباد جميع مصالح دينهم ودنياهم من الطعام والشراب والكسوة وغير ذلك كما يسألونه الهداية والمغفرة.\n\n<span data-type='title' id=toc-904>[ودليل ذلك]:</span>\n• وفي الحديث: \"ليسأل أحدكم ربّه حاجَتَه كُلَّها حتى (^٢) شِسعَ نعله إذا انقطع\" (^٣).\n• وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كُلَّ حوائجه، حتى ملحَ عجينه، وعلَفَ شاته.\n• وفي الإسرائيليات: \"أن موسى ﵊ قال: \"يارب! إنه لَتعرض لي الحاجة من الدنيا فأستحي أن أسألك؟ \" قال: \"سلني حتَّى: مِلحَ عجينك، وعلف حِمَارك، فإن كل ما يحتاج العبد إليه إذا سأله من الله: فقد أظهر حاجته فيه، وافتقاره إلى الله، وذلك يُحَبِّبُهُ إلى (^٤) الله\".\n• وكان بعض السلف يستحي من الله أن يسأله شيئًا من مصالح الدنيا.\n• والاقتداء بالسنة أَولى.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-905>[هل المرء يولد ضالًا أم مهتديًا]:</span>\n• وقوله: \"كلُّكُم ضالٌّ إلا مَن هَدَيته\".\nقد ظن بعضهم أنه معارض لحديث عياض بن حِمَار (^٥) عن النبي - ﷺ -: \"يقول الله\n_________\n(^١) سورة الروم: ٤٠.\n(^٢) ليست في م.\n(^٣) تفرد به الترمذي من بين أصحاب الكتب الستة فرواه متصلًا بإسناد غريب ومرسلا بإسناد حسن أو صحيح كما في التيسير ٢/ ٣١٩ ورواه ابن حبان في صحيحه ٢/ ١٢٦ من الإحسان من حديث أنس.\n(^٤) م: \"يحبه الله\".\n(^٥) م: \"حماد\" وهو تحريف، فهو عياض بن حمار بن أبي حمار بن ناجية بن عقال التميمي سكن البصرة. روى عنه مطرف ويزيد ابنا عبد الله بن الشخير والحسن البصري، وكان صديقا لرسول الله - ﷺ - قديما، وكان إذا قدم مكة لا يطوف إلا في ثياب رسول الله - ﷺ -.\nراجع ترجمته في الاستيعاب ٣/ ١٢٣٢ - ١٢٣٣، وتهذيب التهذيب ٨/ ٢٠٠.","vol":"2","page":662},{"text":"﷿: خلقتُ عبادي حُنَفَاء\"، وفي رواية: \"مُسلِمين فاجْتَالَتْهُم الشياطين\" (^١) وليس كذلك؛ فإن الله خلق بني آدم، وفَطَرهم على قبول الإسلام، والميل إليه دون غيره، والتهيؤ لذلك، والاستعداد له بالقوة، لكن لا بد للعبد من تعلم الإسلام بالفعل فإنه قبل التعلُّم جاهلٌ لا يَعلَمُ شيئًا؛ كما قال ﷿: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (^٢)، وقال لنبيه - ﷺ -: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ (^٣) والمراد: وجدك غير عالم بما علمك من الكتاب والحكمة كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ (^٤).\n• فالإنسان يولد مفطورًا على قبول الحق؛ فإن هداه الله تعالى سبّب له مَن يعَلِّمه الهدى، فصار مهتديًا بالفعل - بعد أن كان مهتديًا بالقوة، وإن خذله الله قَيَّضَ له من يُعَلِّمه ما يغيِّر فطرته، كما قال - ﷺ -: \"كل مولود يُولَد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدانه ويُنَصِّرَانهِ ويُمجِّسانِهِ\" (^٥).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-906>[كيف يسأل المؤمن الهداية إذا كان مهتديًا؟]:</span>\n• وأما سؤال المؤمن من الله الهداية؛ فإن الهداية نوعان: هداية مجملة، وهي الهداية للإسلام والإيمان، وهي حاصلة للمؤمن، وهداية مفصلة وهي هدايته إلى معرفة\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٦٢ (الحلبي) بسياقه كاملا.\nومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيم أهلها: باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار ٤/ ٢١٩٧ - ٢١٩٨.\nوهو الحديث الوحيد الذي أخرجه مسلم لعياض المذكور -﵁-. وأورده ابن كثير في التفسير ٣/ ٤٣٣ عنهما ثم قال: انفرد بإخراجه مسلم فرواه من طرق عن قتادة عن مطرف عن عياض.\n(^٢) سورة النحل: ٧٨.\n(^٣) سورة الضحى: ٧.\n(^٤) سورة الشورى: ٥٢.\n(^٥) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز: باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه ٣/ ١٧٢ وباب ما قيل في\nأولاد المشركين ٣/ ١٩١ - ١٩٤ وفي كتاب التفسير: سورة الروم: باب قوله تعالى ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ ٨/ ٤١٦.\nوفي كتاب القدر: باب الله أعلم بما كانوا عاملين ١١/ ٤١٨ (من الفتح) وذلك من حديث أبي هريرة في\nالمواضع المذكورة.\nوأخرجه مسلم في كتاب القدر: باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، وحكم موت أطفال المشركين ٤/ ٢٠٤٧ - ٢٠٤٩.\nكلاهما من حديث أبي هريرة من طرق ووجوه عديدة.","vol":"2","page":663},{"text":"تفاصيل [أجزاء] الإيمان والإسلام، وإعانتُه على فعل ذلك. وهذا يحتاج إليه كلُّ مؤمن ليلًا ونهارًا؛ ولهذا أمر الله عباده أن يقرءوا في كل ركعة من صلاتهم قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (^١).\n• وكان النبي - ﷺ - يقول في دعائه بالليل: \"اهدني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مُستقيم\" (^٢).\nولهذا يُشَمَّت العاطس فيقال له: \"يهديكم الله\".\nكما جاءت السنَّة بذلك (^٣).\n_________\n(^١) سورة الفاتحة: ٥.\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه ١/ ٥٣٤ من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، قال: سألت عائشة أم المؤمنين: بأي شيء كان نبي الله - ﷺ - يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: اللهم! رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض. عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم\".\n(^٣) قال في النهاية ٢/ ٤٩٩: التشميت بالشين [المعجمة] والسين [المهملة]: الدعاء بالخير والبركة، والمعجمة أعلاهما، يقال: شمَّت فلانا وشَمّتَ عليه تَشميتًا، فهو مشمت، واشتقاقه من الشوامت، وهي القوائم، كأنه دعا العاطس بالثبات على طاعة الله تعالى، وقيل: معناه: أبعدك الله عن الشماتة، وجنبك ما يُشَمَّتُ به عليك.\nوالأصل في سنة التشميت نحو ما أثر من حديث البراء بن عازب -﵁- قال: أمرنا النبي - ﷺ - بسبع، ونهانا عن سبع: أمرنا بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإجابة الداعي، ورد السلام، ونصر المظلوم، وإبرار المقسم [الحالف] ونهانا عن سبع: عن خاتم الذهب، أو قال: حلقة الذهب، وعن لبس الحرير والديباج والسندس .. الحديث.\nونحو ما روي عن أبي هريرة -﵁-، عن النبي - ﷺ - قال: إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب. فإذا عطس أحدكم فحمد الله، فحق على كل مسلم سمعه أن يشمته .. الحديث.\nوأما كينية التشميت فالسنة فيها ما روي عن أبي هريرة -﵁-: عن النبي - ﷺ - قال: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم\".\nوراجع ما أخرجه البخاري في كتاب الأدب: باب تشميت العاطس إذا حمد الله ١٠/ ٤٩٦ وباب ما يستحب من العطاس وما يكره من التثاؤب ١٠/ ٥٠٠ - ٥٠١ وباب إذا عطس كيف يشمت ١٠/ ٥٠١ - ٥٠٢.\nوما أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق: باب تشميت العاطس وكراهة التثاؤب ٤/ ٢٢٩٢ - ٢٢٩٣.\nوما أخرجه الترمذي في كتاب الأدب. باب ما جاء كيف تشميت العاطس ٥/ ٨٢ - ٨٣ وأبو داود في كتاب الأدب: باب ما جاء في تشميت العاطس ٤/ ٤٢٠.\nفما يستفاد من هذه الأحاديث الصحيحة من أنه يشمت العاطس فيقال له: \"يرحمك الله\" مناهض لما ذكره ابن رجب. ==","vol":"2","page":664},{"text":"وإن أنكره من أنكره من فقهاء العراق؛ ظنا منهم أن المسلم لا يحتاج أن يُدعَى له بالهدى، وخالفهم جمهور العلماء اتباعًا للسنة في ذلك.\n• وقد أمر النبي - ﷺ - عليًّا: أن يسأل الله السداد والهدى (^١)، وعلَّم الحسن أن يقول في قنوت الوتر: \"اللهم اهدني فيمن هديت\" (^٢).\n* * *\n• وأما الاستغفار من الذنوب فهو طلب المغفرة. والعبدُ أحوج شيء إليه؛ لأنَّه يخطئُ بالليل والنهار، وقد تكرر في القرآن ذكر التوبة والاستغفار، والأمر بهما والحثُّ عليهما.\nوخرّج الترمذي (^٣) وابن ماجه (^٤) من حديث أنس -﵁-، عن النبي - ﷺ - قال: \"كل بني آدم خَطَّاءُ وخير الخطَّائين التَّوَّابُون\".\n• وخرّج البخاري (^٥) من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"والله إني لأستغفرُ الله وأتوب إليه [في اليوم أكثَرَ من سبعين مرة - وخرجه النَّسَائِي (^٦) وابن ماجه (^٧) ولفظه: \"إني لأستغفر الله وأتوب إليه] (^٨) كل يوم مائة مرة\".\n_________\n= ولم يؤثر عنه علم أنه قال للعاطس: \"يهديكم الله\" إلا في حالة خاصة رواها الترمذي من حديث أبي بردة عن أبي موسى قال: كان اليهود يتعاطسون عند النبي - ﷺ -، يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله. فيقول: \"يهديكم الله ويصلح بالكم\".\nأخرجه الترمذي في كتاب الأدب: باب ما جاء كيف يشمت العاطس ٥/ ٨٢ وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ٤/ ٢٠٩٠ من حديث علي قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"قل اللهم اهدني وسددني واذكر بالهدي هدايتك الطريق، وبالسداد سداد السهم\".\nوأخرجه أحمد في المسند ٢/ ٧٢، ٢٥٦ - ٢٥٧، ٢٧٤، ٣٣٢، ٣٣٣ (المعارف) بإسناد صحيح عن علي -﵁- مختصرا ومطولا.\n(^٢) مضى هذا الحديث بسياقه كاملًا في هامش الحديث الحادي عشر.\n(^٣) في كتاب صفة القيامة: باب [٤٩] وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث علي بن مسعدة عن قتادة [عن أنس].\n(^٤) في كتاب الزهد: باب ذكر التوبة ٢/ ١٤٢٠.\n(^٥) في كتاب الدعاء: باب استغفار النبي - ﷺ - ١١/ ٨٥ (من الفتح).\n(^٦) في عمل اليوم والليلة من طرق ووجوه عدة ح ٤٣٥، ٤٣٨، ٤٤٢ والنص الذي أورده ابن رجب هو رواية الموضع الثاني.\n(^٧) في كتاب الأدب: باب الاستغفار ٢/ ١٢٥٤.\n(^٨) سقط ما بين القوسين من المطبوعة. وفيها بعد هذا: \"مائة مرة\"، وخرج من حديث الأغر بإسقاط لفظ مسلم. وفي ذلك من الإيهام ما فيه.","vol":"2","page":665},{"text":"• وخرّج مسلم (^١) من حديث الأغر المزني سمع النبي - ﷺ - يقول: \"يا أيها الناس! توبوا إلى ربكم؛ فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة، وخرجه النَّسَائِي ولفظه:\n\"يا أيها الناس! توبوا إلى ربكم واستغفروه؛ فإني أتوب إلى الله وأستغفره كل يوم مائة مرة\" (^٢).\nوخرج الإمام أحمد (^٣) من حديث حذيفة قال:\nكان في لساني ذَرَبٌ (^٤) على أهلي لم أعدُهُ إلى غيره فذكرت ذلك للنبي - ﷺ - فقال: \"أين أنت من الاستغفار يا حذيفة! إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة؟ \".\nومن حديث أبي موسى (^٥) عن النبي - ﷺ - قال:\n\"إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة وأتوب إليه\".\nوخرج النَّسَائِي (^٦) من حديث أبي موسى قال: \"كنا جلوسًا فجاء النبي - ﷺ - فقال: \"ما أصبحت غداة قط؛ إلّا استغفرت الله فيها مائة مرة\".\n* * *\n• وخرج الإمام أحمد (^٧) وأبو داود (^٨) والترمذي (^٩) والنسائي (^١٠) وابن ماجه (^١١) من حديث ابن عمر قال:\n_________\n(^١) في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب استحباب الاستغفار والإكثار منه ٤/ ٢٠٧٥ - ٢٠٧٦.\n(^٢) في عمل اليوم والليلة ح ٤٤٦ - ٤٥١ من وجوه عن أبي بردة عن الأغر المزني، والنص الذي اختاره ابن رجب رواه النَّسَائِي واحدا من هذه الوجوه وعبر فيها أبو بردة عن الأغر بوصفه فقال: جلست إلى رجل من المهاجرين يعجبني تواضعه، فسمعته يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول فذكره بنصه، وأضاف أو أكثر من مائة مرة.\n(^٣) في المسند ٥/ ٣٩٤، ٣٩٦، ٣٩٧، ٤٠٢ (الحلبي).\n(^٤) ذرب اللسان ذربا من باب طمع إذا فسد منطقه وكان حادًّا لا يبالي ما قال. النهاية ٢/ ١٥٦.\nوهو عند النَّسَائِي في عمل اليوم والليلة من وجوه عديدة ح ٤٥٢ - ٤٥٧.\n(^٥) في المسند ٥/ ٣٩٤ (حلبي).\n(^٦) أورده في الفتح الكبير عن الطبراني وحده من حديث أبي موسى. لكنه عند النَّسَائِي في اليوم والليلة برقم ٤٤١ فالفتح الكبير لا يستوعب.\n(^٧) في المسند ٦/ ٣٢٨ (المعارف) بإسناد صحيح.\n(^٨) في السنن: كتاب الصلاة: باب الاستغفار ٢/ ١١٣.\n(^٩) في السنن: كتاب الدعوات: باب ما يقول إذا قام من المجلس ٥/ ٤٩٤ - ٤٩٥ وقال: حديث حسن صحيح.\n(^١٠) راجع هامش مسند أحمد في الموضع السابق وقد أخرجه النَّسَائِي في عمل اليوم والليلة ح ٤٦٢ وأخرجه بنحوه من وجوه عقب هذه الرواية.\n(^١١) في السنن: كتاب الأدب: باب الاستغفار ٢/ ١٢٥٣.","vol":"2","page":666},{"text":"\"إن كنا لَنَعُدُّ لرسول الله - ﷺ - في المجلس الواحد مائة مرة يقول: ربّ اغفر لي وتُب عليّ؛ إنكَ أنت التَّواب الرحيم\".\n* * *\nوخرّج النَّسَائِي من حديث أبي هريرة قال:\n\"لم أرَ أَحدًا أكثرَ أن يقول أستغفر الله وأتوب إليه من رسول الله - ﷺ - \" (^١).\nوخرّج الإمام أحمد من حديث عائشة (^٢) - ﵂ -، عن النبي - ﷺ - أنه كان يقول: \"اللهم اجعلني من الذين إذا أحسنوا استبشروا، وإذا أساءوا استغفروا\".\nوسنذكر بقية الكلام في الاستغفار فيما بعد، إن شاء الله تعالى.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-907>[لن يبلغ أحد ضر الله ولا نفعه]:</span>\n• وقوله: \"يا عبادي! إنكم لن تَبْلُغُوا ضُرِّي؛ فتضُرُّوني، ولن تبلُغُوا نفعي؛ فتَنفَعوني\". يعني أن العباد لا يقدرون أن يوصلوا إلى الله نفعًا ولا ضرًّا؛ فإن الله تعالى في نفسه غنيٌّ حميدٌ لا حاجة له بطاعات العباد، ولا يعود نفعها إليه، وإنما هم ينتفعون بها، ولا يتضرر بمعاصيهم، وإنما هم يتضررون بها، قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ (^٣).\nوقال: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَنْ عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ (^٤).\nوكان النبي - ﷺ - يقول في خطبته: \"وَمَن يعص الله ورسوله فقد غَوَى، ولا يضُرُّ إلا نفسه وَلا يضُرُّ الله شيئًا\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه النَّسَائِي في عمل اليوم والليلة ح ٤٥٨ من حديث إسماعيل بن عبيد الله، عن خالد بن عبد الله قال: سمعت أبا هريرة يقول: ما رأيت أحدًا أكثر أن يقول … الحديث.\n(^٢) في المسند ٦/ ١٢٩، ١٤٥، ١٨٨، ٢٣٩ (حلبي).\n(^٣) سورة آل عمران: ١٧٦.\n(^٤) سورة آل عمران: ١٤٤.\n(^٥) أخرج أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب الرجل يخطب على قوس ١/ ٣٩٣ - ٣٩٤ من حديث ابن مسعود -﵁- أن رسول الله - ﷺ - كان إذا تشهد قال: \"الحمد لله، نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسَلَه بالحق بشيرًا ونذيرًا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما؛ فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله شيئًا\".\nثم روى عقبه نحوه من حديث ابن شهاب، وفيه: \"ومن يعصهما فقد غوى\".","vol":"2","page":667},{"text":"• قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾ (^١).\n• وقال حاكيًا عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (^٢).\n• وقال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ (^٣).\n• وقال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-908>[حب الله لعباده وحبه لتوبتهم وسعة رحمته]:</span>\n• والمعنى: أنه تعالى يحب من عباده أن يتقوه ويطيعوه؛ كما أنه يكره منهم أن يعصوه، ولهذا يفرح بتوبة التائبين أشدّ من فرح مَن ضلت راحلته التي عليها طعامُه وشرابُه بفلاةٍ من الأرض، وطلبها حتى أعيا وأيس منها، واستسلم للموت، وأيس من الحياة ثم غلبته عينه فنام فاستيقظ وهي قائمة عنده.\nوهذا أعلى ما يتصوره المخلوق من الفرح.\nهذا كله مع غناه عن طاعات عباده، وتوباتهم إليه، وأنَّه إنما يعود نفعها إليهم دونه، ولكن هذا من كمال جوده وإحسانه إلى عباده ومحبته لنفعهم، ودفع الضرر عنهم، فهو يحب من عباده أن يعرفوه، ويحبوه، ويخافوه، ويتَّقُوه، ويطيعوه، ويتقربوا إليه، ويحب أن يعلموا أنه لا يغفر الذنوب غيرُه، وأنَّه قادرٌ على مغفرة ذنوب عباده، كما في رواية عبد الرحمن بن غنم عن أبي ذر لهذا الحديث: \"مَن علم منكم أني ذو قدرة على المغفرة ثم استغفرني غفرتُ له ولا أبالي\" (^٥).\n• وفي الصحيح (^٦) عن النبي - ﷺ - \"أن عبدًا أذنب ذنبًا فقال: ياربّ! إني عملت\n_________\n(^١) سورة النساء: ١٣١.\n(^٢) سورة إبراهيم: ٨.\n(^٣) سورة آل عمران: ٩٧.\n(^٤) سورة الحج: ٣٧.\n(^٥) هذا جزء من رواية الترمذي لحديث أبي ذر وقد مضى إيراد ابن رجب لها ص ٦٥٦.\n(^٦) رواه البخاري في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ ١٣/ ٤٦٦ من حديث إسحاق بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة -﵁- قال:\nسمعت النبي - ﷺ - قال: إن عبدًا أصاب ذنبا - وربما قال: أذنب ذنبا فقال: ربِّ! أذنبتُ ذنبًا - وربما قال: أصبت - فاغفره، فقال له ربه: أَعَلمَ عبدي أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرتُ لعبدي: ثم مكث ما شاء الله، ثم أصاب ذنبًا - أو أذنب ذنبًا - فقال: رب! أذنبتُ - أو أصبتُ - آخر فاغفرهُ، فقال: أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي - ثم مكث ما شاء الله ثم أذنب ذنبا - وربما قال: =","vol":"2","page":668},{"text":"ذنبًا فاغفر لي، فقال الله: علم عبدي أن له ربًّا يغفر الذنوب، ويأخذ بالذنب؟ قد غفرت لعبدي\".\n• وفي حديث عليّ بن أبي طالب -﵁-، عن النبي - ﷺ -: أنه لما ركب دابته حمد الله ثلاثًا وكبَّر ثلاثًا، وقال:\n\"سبحانك إني ظلمتُ نفسي فاغفرْ لي؛ فإنه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ\" ثم ضحك، وقال: \"إن ربك ليعجب من عبده إذا قال: ربّ اغفر لي ذنوبي [يقول]: يعلم (^١) أنه لا يغفر الذنوب غيري\".\nخرّجه الإمام أحمد (^٢) والترمذي وصححه (^٣).\n• وفي الصحيح عن النبي - ﷺ - قال: \"واللهِ للهُ أرحم بعباده من الوالدة بولدها\" (^٤).\n* * *\n• كان بعض أصحاب ذي النُّونِ يطوف ينادي: آه أين قلبي؟ من وجد قلبي؟ فدخل يومًا بعض السكك، فوجد صبيًّا يبكي - وأمه تضربه - ثم أخرجته من الدار، وأغلقت الباب دونه، فجعل الصبيُّ يتلفتُ يمينًا وشمالًا لا يدري أين يذهب، ولا أين يقصد، فرجع إلى باب الدار، فجعل يبكي ويقول: يا أماه! من يفتح لي الباب إذا أغلقت عني بابك؟ ومن يدنيني من نفسه إذا طردتيني؟ ومن الذي يدنيني بعد أن غَضبتِ عليّ؟ فرحمته أمه، فقامت (^٥)، فنظرت من خَلَلَ الباب، فوجدت ولدها تجري الدموع على خدَّيه متمعّكا (^٦) في التراب، ففتحت الباب، وأخذته، حتى وضعته في حجرها، وجعلت تقبَّله وتقول: يا قُرَّةَ عيني! ويا عزيز نفسي! أنت الذي\n_________\n= أصاب ذنبا - فقال: رب! أصبتُ أو أذنبت - آخر فاغفره لي، فقال أعَلِم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي ثلاثًا فليعمل ما شاء …\nورواه مسلم بنحوه في كتاب التوبة: باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة ٤/ ٢١١٢ وفيه: أذنب عبد ذنبا، فقال: اللهم! اغفر لي ذنبي … الحديث وروي عقبه الحديث من وجه آخر عن أبي هريرة وفيه: إن عبدًا أذنب ذنبا .. بمعنى الحديث …\n(^١) في المسند: \"علم\".\n(^٢) في المسند ٢/ ١٠٩ - ١١٠، ١٨٣ - ١٨٤، ٢٣٤ (المعارف) بإسناد صحيح.\n(^٣) في كتاب الدعوات: باب ما يقول إذا ركب الناقة ٥/ ٥٠١ وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب الأدب: باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته ١٠/ ٣٦١ ومسلم في كتاب التوبة: باب سعة رحمة الله تعالى، وأنها سبقت غضبه ٤/ ٢١٠٩.\nكلاهما من حديث عمر بن الخطاب -﵁-.\n(^٥) سقطت من م.\n(^٦) متمرغا.","vol":"2","page":669},{"text":"حملتني على نفسك! وأنت الذي تعرَّضت لما حلَّ بك! لو كنت أطعتني لم تَلقَ مني مكروهًا؟ \" فتواجد الفتى، ثم قام فصاح، وقال: قد وجدتُ قلبي، قد وجدتُ قلبي!.\n* * *\n• وتفكَّروا في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^١) فإن فيه إشارة إلى أن المذنبين ليس لهم من يلجئون إليه، ويعوّلون عليه في مغفرة ذنوبهم غيرُه، وكذلك قوله في حق الثلاثة الذين خُلِّفُوا: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (^٢)، فرتب توباه عليهم (^٣) على ظنهم أن لا ملجأ من الله إلا إليه؛ فإن العبد إذا خاف من مخلوق هرب منه وفرّ إلى غيره.\nوأما من خاف الله فما له من ملك مَلْجَأٍ يلجأ إليه، ولا مهرب يهرب إليه، إلا هو فيهرب منه إليه، كما كان النبي - ﷺ - يقول في دعائه:\n• \"لا ملجأ ولا منجا منك؛ إلا إليك\" (^٤).\nوكان يقول:\n• \"أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وبك منك\" (^٥).\n* * *\n• قال الفضيل بن عياض -﵁-: \"ما من ليلة اختلط ظلامها، وأرخى الليل سِربالَ سِتْرها؛ إلا نادَي الجليل ﷻ: من أعظم منِّي جُودًا والخلائق لي عاصون، وأنا لهم مراقب؟ أكلؤُهم في مضاجعهم كأنهم لم يعصوني. وأتولَّى حفظهم كأنهم لم يُذنبوا فيما بيني وبينهم\".\nأجود بالفضل على العاصي، وأتفضل على المسيء؟!.\n_________\n(^١) سورة آل عمران: ١٣٥.\n(^٢) سورة التوبة: ١١٨.\n(^٣) سقطت من م. وفي ب: \"فرتب توبتهم على ظنهم\".\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب الدعوات: باب ما يقول إذا نام ١١/ ٩٣ ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع ٤/ ٢٠٨٢ كلاهما من حديث البراء بن عازب -﵁-.\n(^٥) الترمذي في كتاب الدعاء: باب دعاء الوتر ٥/ ٥٦١ من حديث علي بنحوه وقال: حديث حسن غريب.","vol":"2","page":670},{"text":"من ذا الذي دعاني فلم ألبِّه؟ (^١) أم من ذا (^٢) الذي سألني فلما أعطه؟ أم مَن ذا الذي أناخ ببابي فنحّيته (^٣)؟\nأنا الفضل، ومني الفضل!؟ أنا الجواد، ومني الجود؟! وأنا الكريم ومني الكرم!.\nومن كرمي أن أغفر للعاصين بعد المعاصي [ومن كرمي أن أعطي العبد ما سألني، وأعطه ما لم يسألني] (^٤)! ومن كرمي أن أعطي التائب كأنه لم يعصني!؟.\nفأين عني (^٥) تهرب الخلائق؟ وأين عن بابي (^٦) يتنَحَّى (^٧) العاصون؟! \".\nخرّجه أبو نعيم (^٨).\n• ولبعضهم في المعنى (^٩):\nأسأتُ ولم أُحْسِنْ وجئتكَ تائبًا … وأنَّى لعبدٍ من مواليه مهربُ؟\nيؤمِّلُ غُفْرانًا فإن خاب ظَنُّه … فما أحدٌ منه على الأرض أخيَبُ\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-909>[لا تزيد ملكه الطاعة ولا تنقصه العصية]:</span>\n• فقوله بعد هذا: \"يَا عِبادي! لو أنَّ أوَّلكم وآخركم وإنسكم وجنَّكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في مُلْكي شيئًا، ولو كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من مُلْكي شيئًا \".\nهو إشارَةٌ إلى أن ملكه لا يزيد بطاعة الخلق - ولو كانوا كلهم بررةً أتقياء، قلوبهم على قلب أتقى رجل منهم، ولا ينقص ملكه بمعصية العاصين. ولو كان الجنُّ والإنس كلُّهم عُصَاةً فجرةً قلوبهم على قلب أفْجَرِ رجل منهم؛ فإنه سبحانه الغني بذاته عمن سواه، وله الكمال المطلق في ذاته وصفاته وأفعاله، فملكه ملك كامل لا نقص فيه بوجه من الوجوه على أي وجه كان.\n_________\n(^١) م: \" فلم أستجب إليه \".\n(^٢) في الحلية: \" أو من \".\n(^٣) في الحلية: \" ونحيته\".\n(^٤) ما بين الرقمين ليس في (م) ولعله سقط منها مطبعيًّا.\n(^٥) م: \" فأين إلى غيره.\n(^٦) م: \" بابه \".\n(^٧) م: \" يلتجئ \". وما أثبتناه هو الموافق لما في الحلية في هذا وفيما قبله.\n(^٨) في الحلية ٨/ ٩٢ - ٩٣.\n(^٩) بعد هذا في م: \" قائلًا \".","vol":"2","page":671},{"text":"ومن الناس من قال: إن إيجاده لخلقه على هذا الوجه أكمل من إيجاده على غيره، وهو خير من وجوده على غيره، وما فيه من الشر فهو شرٌّ إضافيُّ نسبيٌّ بالنسبة إلى بعض الأشياء دون بعض. وليس شرًّا مطلقًا بحيث يكون عدمُه خيرًا من وجوده من كل وجه، بل وجوده خيرٌ من عدمه.\nقال: وهذا معنى قوله: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ (^١).\n* * *\nومعنى قول النبي - ﷺ -: \" والشر ليس إليك \" (^٢).\nيعني أن الشر المحض الذي عدمه خير من وجوده ليس موجودًا في ملكك، فإن اللّه تعالى أوجد خلقه على ما تقتضيه حكمته وعدله، وخصَّ قومًا من خلقه بالفضل، وترك آخرين منهم في العدل، لما له في ذلك من الحكمة البالغة، وهذا فيه نظرٌ، وهو مُخَالِفٌ ما في الحديث، من أن جميع الخلق لو كانوا على صفة أكمل خلقه من البر والتقوى لم يزد ذلك في ملكه شيئًا ولا قَدْرَ جناح بعوضة، ولو كانوا على صفة أنقص\n_________\n(^١) هذا جزء الآية ٢٦ من سورة آل عمران وهي قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)﴾.\n(^٢) هذا جزء حديث رواه مسلم في صحيحه: كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه ١، ٥٣٤، ٥٣٦، والنسائي في سننه: كتاب الافتتاح: باب [١٧]، نوع آخر من الذكر والدعاء بين التكبير والقراء، ٢/ ١٢٩ - ١٣٠ ح ٨٩٧ كلاهما من حديث عبد الرحمن الأعرج، عن عبيد اللّه بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب ﵁، عن رسول اللّه - ﷺ - أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: \"وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي للّه رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين.\nاللهم! أنت الملك لا إله إلا أنت. أنت ربي وأنا عبدك - ظلمت نَفْسي، واعترفت بذنبي فاغفر في ذنوبي جميعًا، إنه لما يغفر الذنوب إلا أنت واهدني لأحسن الأخلاق. لا يهدي لأحسنها إلا أنت واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت. لبيك وسعديك والخير كله في يديك والشر ليس إليك. أنا بك وإليك. تباركت وتعاليت. أستغفرك وأتوب إليك \".\nوإذا ركع قال: \"اللهم لك ركعت وبك آمنت. ولك أسلمت خشع لك سمعي وبصري. ومخي وعظمي وعصبي \".\nوإذا رفع قال: \"اللهم! ربنا ولك الحمد ملء السموات والأرص وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد\" وإذا سجد قال:\n\"اللهم! لك سجدت. وبك آمنت. ولك أسلمت. سجد وجهي للذي خلقه وصوره، وشق سمعه وبصره تبارك الله أحسن الخالقين! \".\nثم يكون من أخر ما يقول بين التشهد والتسليم: \"اللهم اغفر لي ما قدمت، وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم، وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت \".","vol":"2","page":672},{"text":"خلقه من الفجور لم ينقص ذلك من ملكه شيئًا؛ فدل على أن ملكه كامل على أي وجه كان لما يَزْدَادُ ولا يكمل بالطاعات (^١)، ولا ينقص بالمعاصي، ولا يؤثر فيه شيئًا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-910>[دلالة هذه الفقرة]:</span>\nوفي هذا الكلام دليل على أن الأصل في التقوى والفجور هي القلوب فإذا بَرَّ القلبُ واتَّقى بَرَّت الجوارح، وإذا فجر القلب فجرت الجوارح، كما قال النبي - ﷺ -:\n\" التَّقْوَى هاهنا \" (^٢) وأشار إلى صدره.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-911>[لو أن الخالق سبحانه أعطى خلقه ما سألوه]:</span>\n• قوله: \" يا عبادي! لو أنَّ أوَّلكم وآخِرَكم وإنْسَكم رجِنَّكم قَامُوا في صعيدٍ وَاحدٍ، فسأَلُوني فأعطيت كلَّ إنسانٍ مسألتَه ما نقص ذلك مما عنِدي إلا كما ينقص المِخْيَط إذا أُدْخِل البحر \".\nالمراد بهذا ذكر كمال قدرته سبحانه، وكمالِ مُلكه، وأن مُلْكه وخزائنه لما تنفد ولا تنقص بالعطاء، ولو أعطى الأوَّلين والآخرين من الجن والإنس جميعَ ما سأَلوه في مقام واحد، وفي ذلك حثُّ للخلق على سؤاله وإنزالِ حوائجهم به.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-912>[أدلة ذلك]:</span>\n• وفي الصحيحين عن أبي هريرة (^٣) ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(^١) م: \" الطاعة \".\n(^٢) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب: باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله ٤/ ١٩٨٦ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: لما تحاسدوا. ولا تناجشوا ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض. وكونوا عباد اللّه إخوانا. المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يَخْذُلُهُ، ولا يحقره، التقوى هاهنا \" ويشير إلى صدره ثلاث مرات: \" بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم. كل المسلم على المسلم حرام. دمه وماله وعرضه \".\n(^٣) البخاري في كتاب التوحيد: باب قول اللّه تعالى ﴿لما خلقت بيدي﴾ ١٣/ ٣٣٣ ومسلم في كتاب الزكاة: باب الحث على النفقة وتبشير المنفق بالخلف ٢/ ٦٩١ والسح: الصب الدائم .. ومعنى لما يغيضها شيء: لما ينقصها وفي ر: \" أنفق منذ \".","vol":"2","page":673},{"text":"\" يَدُ اللّه ملأى لما يَغيضُها نفقة، سحَّاءُ الليلَ والنهارَ! أفرأيتم ما أنفق ربكم منذ خلق السموات والأرض؟ فإنه لم يَغِضْ ما في يَمينه \".\n• وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة (^١) ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n\" إذا دعا أحدكم فلا يقل: اللهم اغفر لي إن شئت، ولكن لِيعْزِم المسْأَلَةَ ولْيُعْظِم الرغبة؛ فإن اللّه لا يتعاظَمُه شيء [أعْطاهُ] \".\n• وقال أبو سعيد الخدري:\n\" إذا دعوتم اللّه فارفعوا في المسألة، فإن ما عند اللّه لا يُنفِدهُ شيء، وإذا دعوتم فاعزموا؛ فإن اللّه لا مُسْتَكرِه له \" (^٢).\n* * *\n• وفي بعض الآثار الإسرائيلية (^٣) يقول اللّه ﷿: \" أيؤمَّل غيري للشدائد، والشدائد بيدي، وأنا الحيُّ القيُّوم؟! ويُرْجَى غيري، ويُطرَق بابه بالبُكُرَات، وبيدي مفاتيح الخزائن، وبابي مفتوح لمن دعاني؟! من ذا الذي أمَّلَنِى لنائبة فقطعتُ به؟ أو من ذا الذي رجاني لعظيم فقطعتُ برجائه (^٤)؟ أو من ذا الذي طرق بابي فلم أفتحه له؟ أنا غاية الآمال. فكيف تنقطع الآمال دوني؟ أبَخيلٌ أنا فيبخِّلني عبدي؟ أليس الدنيا والآخرة والكرم والفضل كله لي؟ فما يمنع المؤمّلين أن يؤمّلوني؟ لو جمعتُ أهل السموات والأرض ثم أعطيت كلَّ واحدٍ منهم ما أعطيتُ الجميعَ، وبلَّغتُ كلَّ واحدٍ منهم أملَه لم ينقص ذلك من مُلْكي عضو ذرة؟ كيف يَنْقصُ ملك أنا قيّمه؟! دنيا بؤسًا للقانطين من رحمتي! ويا بؤسًا لمن عصاني وتوثّب على محارمي! \".\n* * *\n• وقوله: \" لم ينقص ذلك مما عندي، إلا كما ينقص المَخْيَطُ إذا أدخل في البحر \" لتحقيق أن (^٥) ما عنده (^٦) لما ينقص البتة، كما قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ\n_________\n(^١) في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: باب العزم بالدعاء لما يقل إن شئت ٤/ ٢٠٦٣ وفي آخره: \" لا يتعاظمه شيء أعطاه \".\n(^٢) وروي هذا المعنى مرفوعًا من حديث أنس، قال: قال رسول اللّه - ﷺ -:\n\" إذا دعا أحدكم فليعزم في الدعاء، ولا يقل: \" اللهم إن شئت فأعطني؛ فإن اللّه لا مستكره له \". أخرجه مسلم في الموضع السابق.\n(^٣) م: \" الإسرائيليات \".\n(^٤) م: \" به \".\n(^٥) في ر: تحقيق لأن.\n(^٦) م، ب: \" تحقيق لأن ما عنده \".","vol":"2","page":674},{"text":"اللَّهِ بَاقٍ﴾ (^١) فإن البحر إذا غمس فيه إبرة ثم أخرجت لم ينقص من البحر بذلك شيء، وكذلك لو فرِض أنه شرب منه عُصفورٌ مثلًا؛ فإنه لما ينقص البحر ألبتة.\nولهذا ضرب الخضر لموسى ﵉ هذا المثل في نسبة علمهما إلى علم اللّه ﷿؛ وهذا لأن البحر لا يزال تَمُدُّه مياه الدنيا، وأنهارها الجارية، فَمَهْمَا أُخذ منه لم ينقصه شيء؛ لأنَّه يمده ما هو أزيد مما أخذ منه، وهكذا طعام الجنة وما فيها فإنه لا ينفد (^٢)، كما قال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ﴾ (^٣) وقد جاء: أنه كلما نُزِعت ثمرة عادَ مكانها مثلُها (^٤)، وروي مِثْلاها فهي لا تنقص أبدًا.\n• ويشهد لذلك قول النبي - ﷺ - في خطبة الكسوف:\n\" وأريتُ الجنة فتناولتُ منها عنقودًا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا \".\n• خرّجاه في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ (^٥)، وخرَّجه الإمام أحمد من حديث جابر، ولفظه.\n\" ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه شيئا \" (^٦).\n_________\n(^١) سورة النحل: ٩٦.\n(^٢) م: \" لا ينقص \".\n(^٣) سورة الواقعة: ٣٢، ٣٣.\n(^٤) أورد ابن كثير في التفسير ٤/ ٢٨٧ عن الطبراني من حديث ثوبان قال: \" إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى\" وهو في المجمع ١٠/ ٤١٤ عن البزار والطبراني وقال الهيثمي: قال البزار: عيد في مكانها مثلاها، ورجال الطبراني وأحد إسنادي البزار ثقات.\n(^٥) البخاري في أبواب الكسوف \" باب صلاة الكسوف \" في جماعة ٢/ ٥٤٠ ح ١٠٥٢.\nومسلم في كتاب الكسوف باب ما عرض على النبي - ﷺ - في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار ٢/ ٦٢٦ ح ١٧ (٩٠٧) كلاهما من حديث زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد اللّه بن عباس قال: \" انكسفت الشمس على عهد رسول اللّه - ﷺ - فصلى رسول اللّه - ﷺ - والناس معه فقام قيامًا طويلًا قدر نحو سورة البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع فقام قياما طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم قام قياما طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلًا وهو دون الركوع الأول ثم رفع فقام قيامًا طويلًا وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلًا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد، ثم انصرف وقد انجلت الشمس، فقال - ﷺ -: إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللّه لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته فإذا رأيتم ذلك فاذكروا اللّه. قالوا: يا رسول اللّه! رأيناك تناولت شيئًا في مقامك هذا، ثم رأيناك كففت؟. فقال: إني رأيت الجنة. فتناولت عنقودًا ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا. رأيتُ النار فلم أر كاليوم منظرًا قط. ورأيت أكثر أهلها النساء. قالوا: بم يا رسول اللّه؟! قال: بكفرهنَّ قيل: أيكفُرْن باللّه؟ قال: بكفر العشير، ويكفر الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئًا قالت: ما رأيت منك خيرًا قط \".\n(^٦) أورده أحمد في المسند ٥/ ١٣٧ (حلبي) من حديث عبد اللّه بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد اللّه=","vol":"2","page":675},{"text":"وهكذا لحم الطير الذي يأكله أهل الجنة يستخلف ويعود كما كان حيًّا لا ينقص منه شيء.\n• وقد روي هذا عن النبي - ﷺ - من وجوه فيها ضعف.\n• وقاله كعب، وروي أيضًا عن أبي أمامة الباهلي من قوله، قال أبو أمامة: وكذلك الشراب يَشرب منه (^١) حتى ينتهي نفسه ثم يعود مكانه.\n• ورؤي بعضُ العلماء الصالحين بعد موته بمدة في المنام، فقال: \"ما أكلت منذ فارقتكم إلا بعض فرخ. أما علمتم أن طعام الجنة لما ينفد؟ \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-913>[لماذا لما ينفد؟]:</span>\nوقد بين في الحديث الذي خرجه الترمذي وابن ماجه (^٢) السببُ الذي لأجله لا ينقص ما عند اللّه بالعطاء؛ بقوله: \" ذلك بأني جواد واجد (^٣) ماجد أفعل ما أريد، عطائي كلام، وعذابي كلام؛ إنما أمري لشيء إذا أردتُ أن (^٤) أقول له كن فيكون \".\nوهذا مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٥).\nوقوله تعالى: (^٦) ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٧).\n* * *\n_________\n= قال: بينا نحن صفوفًا خلف رسول اللّه - ﷺ - في الظهر أو العصر إذ رأيناه يتناول شيئًا بين يديه وهو في الصلاة ليأخذه ثم تناوله ليأخذه ثم حيل بينة وبينه ثم تأخر وتأخرنا ثم تأخر الثانية وتأخرنا فلما سلم قال أبي بن كعب ﵁: يا رسول اللّه! رأيناك اليوم تصنع في صلاتك شيئًا لم تكن تصنعه؟ قال: إنه عرضت علي الجنة بما فيها من الزهر فتناولت قطفا من عنبها لآتيكم به ولو أخذته لأكل منه مَنْ بين السماء والأرض ولا يتنقصونه فحيل بيني وبينه. وعرضت علي النار فلما وجدت حر شعاعها تأخّرت وأكثر من رأيت فيها النَّسَائِي اللاتي إن ائتمنَّ أفشين وإن سألْن أَحْفَينْ قال أبي: قال زكريا: يا ابن عدي! ألحفن وإن أعطين لم يشكُرْن ورأيت فيها لحي بن عمرو يجر قصبه وأشبه من رأيت به معبد بن أكثم قال معبد: أي رسول اللّه! يُخشى عليَّ من شبهه؛ فإنه والد؟ قال: لا؛ أنت مؤمن وهو كافر. وهو أول من جمع العرب على الأصنام وفيه عبد اللّه بن محمد بن عقيل فيه ضعف وقد وثق؛ مجمع ٢/ ٨٧.\n(^١) ليست في \"ا\". ولا في ر.\n(^٢) تقدم ص ٦٥٧.\n(^٣) هذه اللفظة ليست عند الترمذي ولا عند ابن ماجه.\n(^٤) في المطبوعة: \" إنما \" وهو تحريف.\n(^٥) سورة يس: ٨٢.\n(^٦) الآيتان ليستا في ب.\n(^٧) سورة النحل: ٤٠.","vol":"2","page":676},{"text":"• وفي مسند البزار بإسناد فيه نظر من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ -، قال:\n\" خزائن اللّه: الكلام؛ فإذا أراد اللّه (^١) شيئًا قال له: كُنْ فكان\".\nفهو سبحانه، إذا أراد شيئًا من عطاء أو عذاب أو غير ذلك قَال له: كن فكان (^٢)، فكيف يُتَصَوّر أن ينقص هذا؟ وكذلك إذا أراد أن يخلق شيئًا قال له: كن فيكون، كما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (^٣).\n* * *\nوفي بعض الآثار الإسرائيلية: \" أوحى اللّه تعالى إلى موسى ﵊: \" يا موسى! لا تخافنّ غيري، ما دام لي السلطان، وسلطاني دائم لا ينقطع. يا موسى! لا تَهْتمَّنَّ برزقي أبدًا ما دامت خزائني مملوءة، وخزائني لما تفنى أبدًا! يا موسى! لا تأنَسْ بغيري ما وجدتني أنيسًا لك، ومتى طلبتني وجدتني؟ يا موسى! لما تأمنْ مكري ما لم تجز الصراط إلى الجنة!؟ \".\n* * *\n• وقال بعضهم:\nلا تخضعنَّ لخلوقٍ على طَمَعٍ … فإنّ ذاكَ مُضرٌّ منكَ بالدّينِ؟!\nواسترزقِ اللّهَ مِمَّا في خزائنه … فإِنما هيَ بين الكافِ والنّونِ؟!\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-914>[إنما هي الأعمال تحصى علينا]:</span>\nوقوله: \" يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم، ثم أوفيكم إياها \".\nيعني أنه سبحانه يحصي أعمال عباده تم يوفيهم إياها بالجزاء عليها: وهذا كقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (^٤) وقوله: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ (^٥)، وقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ\n_________\n(^١) ليست في ر.\n(^٢) ب: \" مكان \" ر: \" فكان \".\n(^٣) سورة آل عمران م ٥٩.\n(^٤) سورة الزلزلة: ٧، ٨.\n(^٥) سورة الكهف: ٤٩.","vol":"2","page":677},{"text":"نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (^١) وقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-915>[ثم أوفيكم إياها]:</span>\n• وقوله: \"ثم أوفّيكم إياها\": الظاهر أن المراد توفيتها يوم القيامة؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (^٣)، ويحتمل أن المراد أنه يوفي عباده جزاء أعمالهم في الدنيا والآخرة كما في قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (^٤).\nوقد روي عن النبي - ﷺ - أنه فسر ذلك بأن المؤمنين يُجازَوْنَ بسيئاتهم في الدنيا وتُدَّخَرُ لهما حسناتهم في الآخرة فيوفَّوْنَ أجورَهم، وأما الكافر فإنه يُعَجَّل له في الدنيا ثوابُ حسناته، وتُدَّخر له سيئاتُهُ فيعاقبُ بها في الآخرة.\nوتوفية الأعمال هي توفية جزائها من خير أو شر. فالشر يجازى به مثله من غير زيادة؛ إلا أن يعفو اللّه عنه والخير تضاعف الحسنة منه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لا يعلم قدرَها إلا اللّه (^٥)، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٦).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-916>[فمن وجد خيرًا فليحمد اللّه … إلخ]:</span>\n• وقوله: \"فمن وجد خيرًا فليحْمَدِ اللّه ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه \".\nإشارة إلى أن الخير كلَّه فضلٌ من اللّه على عبده (^٧) من غير استحقاق له والشر كله من عند ابن آدم من اتباع هوى نفسه كما قال ﷿: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (^٨).\n_________\n(^١) سورة آل عمران: ٣٠.\n(^٢) سورة المجادلة: ٦.\n(^٣) سورة آل عمران ة ١٨٥.\n(^٤) سورة النساء: ١٢٣.\n(^٥) ورد هذا المعنى من طرق عن أبي بكر الصديق مرفوعًا لكن قال. الترمذي: ليس له إسناد صحيح. وقد أورد ابن كثير عدة روايات أخرى في هذا المعنى وغيره راجع تفسير ابن كثير ١/ ٥٥٦ - ٥٥٩ وسنن الترمذي: تفسير سورة النساء ٥/ ٢٤٨.\n(^٦) سورة الزمر: ١٠.\n(^٧) ا، ش: \" الخير من اللّه فضل منه على عبده .. \".\n(^٨) سورة النساء: ٧٩.","vol":"2","page":678},{"text":"• وقال علي ﵁ (^١): \"لا يرجُوَن عَبدٌ إلا رَبّه، ولا يخافنَّ إلا ذنبه \".\nفاللّه سبحانه إذا أراد توفيق عبد وهدايتَه أعانه، ووفّقه لطاعته، وَكان (^٢) ذلك فضلًا منه، وإذا أراد خِذْلانَ عبدٍ وكَله إلى نفسه، وخَلَّى بينه وبينها، فأغواه الشيطان لغفلته عن ذكر اللّه، واتَّبع هواه وكان أَمْرُهُ فرُطًا، وكان ذلك عدلًا منه؛ فإن الحجة قائمة على العبد بإنزال الكتابِ، وإرسال الرسول. فما بقي لأَحدٍ من الناس على اللّه حُجَّةٌ بعد الرسل.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-917>[احتمالان في تفسير الجملة]:</span>\n• فقوله بعد هذا: \" فمن وجد خيرًا فليحمد اللّه ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه \".\n\n<span data-type='title' id=toc-918>[الاحتمال الأول]:</span>\n• إن حصان المراد مَنْ وجد ذلك في الدنيا فإنه يكون حينئذ مأمورًا بالحمد للّه على ما وجده من جزاء الأعمال الصالحة الذي عُجِّلَ (^٣) له في الدنيا كما قال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٤)، ويكون مأمورًا بلوم نفسه على ما فعلت منِ الذنوب التي وجد عاقبتَها في الدُّنْيَا كما قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (^٥).\nفالمؤمن إذا أصابه في الدنيا بلاء رجع إلى (^٦) نفسه باللَّوم، ودعاه ذلك إلى الرجوع إلى اللّه بالتوبة والاستغفار.\n* * *\n_________\n(^١) نهج البلاغة ٣٧٥ من وصية جامعة له ﵁ يقول فيها: \" أوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الإبل لكانت لذلك أهلا: لا يرجون أحد منكم إلا ربه، ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحين أحد منكم إذا سئل عما لما يعلم أن يقول: لما أعلم، ولا يستحين أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه، وعليكم بالصبر؛ فإن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، ولا خير في جسد لما رأس معه، ولا إيمان لمن لا صبر معه! \".\n(^٢) ش: فكان.\n(^٣) \" ا \": \" عجلت \".\n(^٤) سورة النحل: ٩٧.\n(^٥) سورة السجدة: ٢١.\n(^٦) ش: \"على\".","vol":"2","page":679},{"text":"<span data-type='title' id=toc-919>[بلاء المؤمن كفارة]:</span>\n• وفي المسند (^١) وسن أبي داود (^٢) عن النبي - ﷺ - قال:\n\" إن المؤمن إذا أصابه (^٣) سُقْم ثم عافاه (^٤) اللّه منه كان كفارة لما مضى من ذنوبه، وموعظةً له فيما يَسْتَقْبلُ من عمره، وإن المنافق إذا مرض وعوفي كان كالبعير عَقَلَهُ أهله وأطلقوه لما يدري لم عقلوه؟ ولا لم (^٥) أطلقوهُ؟ \".\n* * *\n• وقال سلمان الفارسي: إن المسلم لَيُبْتَلَى فيكون كفارةً لما مضى، ومسْتَعْتَبًا فيما بقى، وإن الكافِرَ يُبْتلَى فمثله كَمَثَل البعير أطْلِقَ فلم يَدْرِ لم أطلق وعقل (فلا [يدري لم عُقِل]) (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-920>[الاحتمال الثاني]:</span>\n• وإن كان المرادَ مَن وجد خيرًا أو غيره في الآخرة - كان إخبارًا منه بأن الذين يجدون الخير في الآخرة يَحْمَدون اللّه على ذلك، وأن من وجد غير ذلك يلوم نفسه (^٧) حين لما ينفعه اللوم فيكون الكلام لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر، كقوله - ﷺ -: \" من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار \" والمعنى: أن الكاذب عليه يتبوأ مقعده من النار.\n* * *\n• وقد أخبر اللّه تعالى عن أهل الجنة أنهم يحمدون اللّه على ما رزقهم من فضله؛ فقال تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ (^٨).\nوقال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ\n_________\n(^١) لم أجده في المطبوع من المسند.\n(^٢) في السنن أول كتاب الجنائز: باب الأمراض المكفرة للذنوب ٣/ ٢٤٨ من حديث عامر الرامي بإسناد ضعيف.\n(^٣) في أبي داود: \" السقم \".\n(^٤) في أبي داود: \" أعفاه \".\n(^٥) في م: \"بما\" وما أثبتناه عن ا هو الموافق لما في سنن أبي داود.\n(^٦) ما بين القوسين سقط من المطبوعة وفي ش: \" فلم \".\n(^٧) في المطبوعة: \" فلا يلومن إلا نفسه \" ولا يتسق مع تاليه.\n(^٨) سورة الأعراف: ٤٣.","vol":"2","page":680},{"text":"الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ (^١).\n• وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ (^٢)، وأخبر - سبحانه عن أهل النار أنهم يلومُون أنفسهم ويمقتونها أشدَّ الْمقت، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ (^٤).\n• وقد كان السلف الصالح يجتهدون في الأعمال الصالحة، حذرًا من لَوْمِ النفس عند انقطاع الأعمال على التقصير.\n* * *\n• وفي الترمذي عن أبي هريرة مرفوعًا:\n\" ما من ميت يموتُ إلا ندم؛ إن كان محسنًا ندم أن (^٥) لا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا ندم أن لا يكون استعتب \" (^٦).\nوقيل لمسروق: \" لو قصرت عن بعض ما تَصْنعَ من الاجتهاد \"؟ فقال: \" واللّه! لو أتاني آتٍ فأخبرني أن لا يعذبني لاجتِهدتُ في العبادة \" قيل: كيف ذاك؟ قال: \" حتى تعذرني نفسي إن دخلتُ النار أن لا ألومَها؟! أما بلغك في قول اللّه تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ (^٧) إنما لاموا أنفسهم حين صاروا إلى جهنم فاعتنقتهم الزبانية، وحيل بينهم وبين ما يشتهون، وانقطعت عنهم الأماني، ورُفعتْ عنهم الرحمة، وأقبل كلّ امرئ منهم يلوم نفسه \".\n* * *\n_________\n(^١) سورة الزمر: ٧٤.\n(^٢) سورة فاطر: ٣٤، ٣٥.\n(^٣) سورة إبراهيم: ٢٢.\n(^٤) سورة غافر: ١٥.\n(^٥) س: على أن لا.\n(^٦) أخرجه الترمذي في كتاب الزهد: باب (٥٨) من طريق يحيى بن عبيد اللّه، وفي آخره: \" وإن كان مسيئًا ندم أن لا يكون نزع \" ثم قال أبو عيسى: هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه ويحيى بن عبيد اللّه قد تكلم فيه شعبة.\n(^٧) سورة القيامة: ٢.","vol":"2","page":681},{"text":"• وكان عامر بن عبد قيس يقول: \" واللّه لأجتهدن، ثم واللّه لأجتهدن، فإن نجوتُ فبرحمة اللّه، وإلا لم أَلمْ نفسي \".\n• وكان زياد مولى (^١) ابن عياش يقول لابن المنكدر، ولصفوان بن سليم: \" الجِدَّ الجِدَّ، والحذَرَ الحذر!؟ فإن يكن الأمر على ما ترجوان (^٢) كان ما عَلِمْتُمَا فضلًا. وإلا لَمْ تَلُومَا أَنْفُسَكُمَا \".\n* * *\n• وكان مطرف بن عبد اللّه يقول: \" اجتهدوا في العمل؛ فإن يكن الأمر كما نرجو من رحمة اللّه وعفوه كانت لنا درجات (في الجنة) (^٣) وإن يكن الأمرُ شديدًا كما نخافُ ونحاذر لم نقل: ربنا ارجعنا (^٤) نعمل صالحًا غير الذي كنا نعمل - نقول: قد عملنا فلم ينفعنا ذلك \".\n* * *\n_________\n(^١) ليست في م.\n(^٢) م: \"نحذر\".\n(^٣) ليست في م.\n(^٤) في ش: أخرجنا.","vol":"2","page":682},{"text":"<span data-type='title' id=toc-921>الحديث الخامس والعشرون</span>\nعَنْ أَبي ذَرٍّ ﵁: أَنَّ نَاسًا مِنَ أَصْحَاب رَسُولِ اللّه - ﷺ - قَالُوا للِنَّبِيِّ - ﷺ -:\nيَا رَسُولَ اللّهِ! ذَهَب أَهْلُ الدُّثُورِ بِالأُجُورِ، يُصَلُّونَ كما نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ؟ قَالَ: \" أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللّهُ لكُمْ ما تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَة صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرةٍ صَدَقَةً، [وَكُلِّ تحْميدَةٍ صَدَقَةً] (^١) وَكُلِّ تَهْلِيلَة صَدَقَةً، وَأَمْر بِالمعرُوفِ صَدَقَةً، وَنهي عَنْ مُنْكَر صَدقَةً، وَفيِ بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةً \". قَالُوا: \" يَا رَسُولَ اللّهِ! أَيَأْتي أَحَدُنَا شَهْوَتَه، وَيكونُ لهُ فِيها أَجْرٌ \"؟ قالَ: \" أَرَأَيتُمْ لَوْ وضَعَهَا فيِ الحَرَام، أَكَانَ عَلْيهِ وِزْرٌ؟ فَكَذِلكَ إذَا وَضَعَهَا فيِ الْحَلال كانَ لَهُ أَجْرٌ\". رَوَاهُ مُسْلمٌ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-922>[تخريج الحديث]:</span>\n• هذا الحديث أخرجه مسلم من رواية يحيى بن يَعْمَر (^٢) عن أبي الأسود الدِّيِلي عن أبي ذر ﵁ (^٣) وقد روي معناه عن أبي ذر من وجوه كثيرة بزيادة ونقصان، وسنذكر بعضها فيما بعد إن شاء اللّه تعالى:\n\n<span data-type='title' id=toc-923>[من فقه الحديث]:</span>\n• وفي هذا (^٤) الحديث دليل على أن الصحابة ﵃، لشدة حرصهم على الأعمال الصالحة، وقوة رغبتهم في الخير كانوا يحزنون على ما يتعذر عليهم فعلُه من الخير مما يقدر عليه غيرهم، فكان الفقراء يحزنون على فوات الصدقة بالأموال التي يقدر عليها الأغنياء، ويحزنون على التخلف عن الخروج في الجهاد. لعدم القدرة على آلاته (^٥) وقد أخبر اللّه عنهم بذلك في كتابه فقال: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) ما بين القوسين ليس في \" ا \" وهي في مسلم.\n(^٢) في م: \" معمر \" وهو تحريف.\n(^٣) في كتاب الزكاة: باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف ٢/ ٦٩٧ - ٦٩٨.\n(^٤) ليست في م.\n(^٥) م: \" آلته \".\n(^٦) سورة التوبة: ٩٢.","vol":"2","page":683},{"text":"• وفي هذا الحديث: أن الفقراء غَبَطُوا أهل الدثور، والدثور هي الأموال - مما يحصل لهم من أجر الصدقة بأموالهم؛ فدلَّهم النبي - ﷺ - على صدقات يقدرون عليها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-924>[من شواهد ذلك]:</span>\nوفي الصحيحين عن أبي صالح عن أبي هريرة ﵁ (^١): أن فقراء المهاجرين أتوا النبي - ﷺ - فقالوا: \" ذهب أهل الدُّثُورِ بالدرجات العلى، والنعيم المقيم \"؟ فقال: \" وما ذاك \"؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويُعْتِقون ولا نُعْتِقْ؟ فقال رسول اللّه - ﷺ -: \" أفلا أعلِّمكم شيئًا تدركون به مَنْ سَبَقَكُمْ وتسبقون به مَنْ بعدكم؟ ولا يكون أحدٌ أفضلَ منكم إلا مَن صنع مثل ما صنعتم؟ \" قالوا: بلى يا رسول اللّه! قال: \" تسبّحون وتكبّرون وتحمدُون دُبُرَ كُلِّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين مرة \".\n• قال أبو صالح: فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول اللّه - ﷺ - فقالوا: \" سمع إخوانُنا أهلُ الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله؟ \" فقال رسول اللّه - ﷺ -: \"ذلكَ فضلُ اللّهُ يُؤتيه مَن يشاءُ\" (^٢).\n• وقد رُوي نحوُ هذا الحديث من رواية جماعة من الصحابة منهم علي، وأبو ذر، وأبو الدرداء، وابن عمر، وابن عباس وغيرهم (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-925>[الرسول وتصحيح المفاهيم]:</span>\n• ومعنى هذا أن الفقراء ظنوا أن لا صدقة إلا بالمال وهم عاجزون عن ذلك فأخبرهم النبي - ﷺ - أن جميع أنواع فعل المعروف والإحسان صدقة.\nوفي صحيح مسلم عن حذيفة (^٤) عن النبي - ﷺ - قال: \" كل معروف صدقة \".\n_________\n(^١) البخاري في كتاب الأذان: باب الذكر بعد الصلاة ٢/ ٢٧١ ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة: باب استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته ١/ ٤١٦ - ٤١٧.\n(^٢) هذا السياق سياق مسلم.\n(^٣) راجع سنن الترمذي في كتاب الصلاة: باب ما جاء في التسبيح في أدبار الصلاة ٢/ ٢٦٤ - ٢٦٥. فقد أورد حديث ابن عباس وأشار إلى أحاديث الآخرين.\n(^٤) في كتاب الزكاة: باب بيان أن اسم أن الصدقة يقع على كل نوع من المعروف ٢/ ٦٩٧.","vol":"2","page":684},{"text":"وخرجه البخاري من حديث جابر (^١) عن النبي - ﷺ -.\nفالصدقة (^٢) تطلق على جميع أنواع فعل المعروف والإحسان حتى إن فضل اللّه الواصلَ منه إلى عباده صدقةٌ منه عليهم.\n• وقد كان بعض السلف ينكر ذلك ويقول: إنما الصدقة ممن يطلب جزاءها وأجرها.\nوالصحيح خلاف ذلك؛ وقد قال النبي - ﷺ - في قصر الصلاة في السفر:\n\" صدقةٌ تصدَّق اللّه بها عليكم فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ \".\nخرجه مسلم (^٣).\n• وقال:\n\" مَنْ كانت له صلاة بليلٍ فغَلَب عليه نومٌ فنام عنها كتب اللّه له أجْرَ صلاته، وكان نومُهُ صَدَقةً من اللّه تصدَّق بها عليه \".\nخرجه النَّسَائِي وغيره من حديث عائشة ﵂ (^٤).\nوخرجه ابن ماجه من حديث أبي الدرداء (^٥).\n• وفي مسنَدَيْ بقِيّ (^٦) بن مخلد والبزار من حديث أبي ذر مرفوعًا:\n\" ما مِنْ يوم ولا ليلة ولا ساعة؛ إلا للّه فيها صدقة يَمُنّ بها على من يشاء مِن عباده، وما منَّ اللّه على عبدٍ مثل أن (^٧) يُلِهَمهُ ذكره \" (^٨).\n_________\n(^١) في كتاب الأدب: باب كل معروف صدقة ١٠/ ٣٧٤.\n(^٢) في المطبوعة: \" قال: الصدقة \" وفيه من الإيهام ما فيه.\n(^٣) في كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب صلاة المسافرين وقصرها ١/ ٤٧٨ من حديث عمر.\n(^٤) أخرجه النَّسَائِي في السنن: كتاب قيام الليل وتطوع النهار ٣/ ٢٥٨.\nوأبو داود في كتاب الصلاة: باب من نوى القيام فنام ٢/ ٤٧.\n(^٥) في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب ما جاء فيمن نام عن حزبه من الليل ١/ ٤٢٦ - ٤٢٧ من حديث سويد بن غفلة، من أبي الدرداء يبلغ به النبي - ﷺ - قال: \" من أتى فراشه، وهو ينوي أن يقوم فيصلي من الليل، فغلبته عينه حتى يصبح، كتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربه\".\n(^٦) في المطبوعة: \" مسند تقي \" وفيها خطأ وتصحيف.\n(^٧) \" ا \": \" مثل من أن يلهمه\" بزيادة من ولا وجه لها.\n(^٨) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧ من حديث ابن عمر، قال: قلت لأُبي ذر: يا عماه! أوصني قال: سألتني عما سألت عنه - ﷺ - وقال: إذا صليت الضحى ركعتين لم تكتب من الغافلين، وإن صليت أربعا كتبت من العابدين، وإن صليت ستا كفيت وإن صليت ثمانيا كتبت من القانتين، وإن صليت اثنتي عشرة ركعة بني لك بيت في الجنة، وما من يوم ولا ليلة ولا ساعة إلا وللّه فيها صدقة يمن بها على من=","vol":"2","page":685},{"text":"• وقال خالد بن معدان: \" إن اللّه [تعالى] يتصدق كل يوم بصدقة، وما تصدق اللّه [تعالى] على أحد من خلقه بشيء خير [له] (^١) من أن يتصدَّقَ عليه بذِكْرِهِ \" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-926>[الصدقة بغير المال وأنواعها]:</span>\nوالصدقة بغير المال نوعان:\n• أحدهما: ما فيه تعدية الإحسان إلى الخلق؛ فيكون (^٣) صدقةً عليهم، وربما كان أفضل من الصدقة بالمال؛ هذا كالأمر بالمعرف والنهى عن المنكر؛ فإنه دعاء إلى طاعة اللّه، وكفٌّ عن معاصيه، وذلك خيرٌ من النفع بالمال، وكذلك تعليم العلم النافع، وإقراءُ القرآن، وإزالةُ الأذى عن الطريق، والسعي في جلب النفع للناس، ودفعِ الأذى عنهم، وكذلك الدعاء للمسلمين، والاستغفارُ لهم.\n• وخرج ابن مردوية بإسناد فيه ضعف عن ابن عمر مرفوعًا:\n\" من كان له مال فليتصدق من ماله، ومن كان له قوّة فليتصدق من قوّته، ومن كان له علم فليتصدق من علمه \".\nولعله موقوف.\n• وخرج الطبراني بإسناد فيه ضعف عن سمرة عن النبي - ﷺ - قال:\n\" أفضل الصدقة: اللسان \" قيل: يا رسول اللّه! وما صدقة اللسان \"؟ قال: \" الشفاعة تفك بها الأسير، وتحقن (^٤) بها الدم، وتجرّ بها المعروف والإحسان إلى أخيك، وتدفع [بها] (^٥) عنه الكريهة \" (^٦).\n• وقال عمرو بن دينار: بلغنا أن رسول اللّه - ﷺ - قال:\n_________\n= يشاء من عباده، وما من على عبد مثل أن يلهمه ذكره ثم قال الهيثمي رواه البزار وفيه حسين بن عطاء ضعفه أبو حاتم وغيره وذكره ابن حبان في الثقات وقال يخطئ ويدلّس.\n(^١) غير موجودة في ش.\n(^٢) خرجه أبو نعيم في الحلية ٩/ ١٧ - ١٨ بإسناده وما بين الأقواس من الحلية.\n(^٣) ب: فتكون.\n(^٤) \"ا\": \"يفك … يحقن \".\n(^٥) غير موجودة في ش.\n(^٦) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ١٩٤ وقال: رواه الطبراني وفيه أبو بكر الهذلي وهو ضعيف، وما بين القوسين من المجمع. وسمرة هو ابن جندب.","vol":"2","page":686},{"text":"\" ما من صدقة أحبَّ إلى اللّه من قول معروف (^١): ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ (^٢).\nخرجه ابن أبي حاتم (^٣).\n• وفي مراسيل الحسن عن النبي - ﷺ -.\n\" إن من الصدقة أن تسلّم على الناس وأنتَ طليقُ الوجه \".\nخرّجه ابن أبي الدنيا (^٤).\n_________\n(^١) ليست في ش.\n(^٢) سورة البقرة: ٢٦٣.\n(^٣) وأورده ابن كثير عنه في التفسير ١/ ٣١٨.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في الصمت ص ١٩٠ ح ١٣٢ من طريق محمد بن الحسين عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن سعيد بن أبي عروبة، عن عبد اللّه فيروز، عن الحسن بن يسار البصري، قال: \" من الصدقة أن تلقى أخاك ووجهك إليه منطلق \".\nفهكذا أخرجه ابن أبي الدنيا عن الحسن من قول وليس عن النبي - ﷺ -؟!.\nوقد روي معناه مرفوعًا من حديث أبي ذر: أخرجه مسلم في صحيحه: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب ٤٣ - باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء ٤/ ٢٠٢٦ ح ١٤٤ (٢٦٢٦) من طريق أبي غسان المسمعي، عن عثمان بن عمر، عن أبي عامر الخزاز، عن أبي عمران الجوني، عن عبد اللّه بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال لي النبي - ﷺ -: \"لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تقلى أخاك بوجه طلْق \".\nوابن حبان في صحيحه: باب الرحمة: ذكر الأمر بالملاينة للناس في القول مع بسط الوجه لهم ١/ ٣٤٦ ح ٤٦٨ من الإحسان من طريق محمد بن عبد الرحمن الدغولي، عن محمد بن عبد اللّه بن قهزاذ، عن النضر بن شميل، عن أبي عامر الخزاز - به.\nولفظه عنده: \" لا تحقرن من المعروف شيئًا، فإن لم تجد فلاين الناس ووجهك إليهم منبسط \" والترمذي في سننه: ٢٦ - كتاب الأطعمة: ٣٠ - باب ما جاء في إكثار ماء المرقة ٤/ ٢٧٤ ح ١٨٣٣ من طريق الحسين بن علي البغدادي، عن أبي عامر الخزاز - به - بنحوه وزاد فيه: \" وإن اشتريت لحمًا أو طبخت قِدرًا فأكثر مرقته وأغرف لجارك منه \".\nوقد عقب عليه أبو عيسى بقوله: هذا حديث حسن صحيح.\nورواه أحمد في المسند ٥/ ١٧٣ (حلبي) شطره الأول بنحوه من طريق روح، عن أبي عامر الخزاز - به -.\nوروي معناه مرفوعًا من حديث جابر بن عبد اللّه الأنصاري رواه أحمد في المسند ٣/ ٣٤٤ (الحلبي) من طريق إسحاق بن عيسى، عن المنكدر بن محمد المنكدر، عن أبيه، عن جابر بن عبد اللّه قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: كل معروف صدقة، ومن المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق، وأن تفرغ من دلوك في إنائه وفي ٣/ ٣٦٠ من طريق قتيبة بن سعيد، عن المنكدر - به - مثله.\nورواه الترمذي في سننه: ٢٨ - كتاب البر والصلة: ٤٥ - باب ما جاء في طلاقة الوجه وحسن البشر ٤/ ٣٤٧ ح ١٩٧٠ بنحوه، وعقب عليه بقوله: وفي الباب بن أبي ذر، هذا حديث حسن وروي معناه - كذلك - من حديث أبي جرى الهجيمي أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٦٣ (الحلبي) من طريق يزيد بن هارون، عن سلام بن مسكين، عن عقيل بن طلحة، عن أبي جرى الهجيمي، قال: أتيت رسول اللّه - ﷺ - فقلت: يا رسول اللّه! =","vol":"2","page":687},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= إِنا قوم من أهل البادية؛ فعلمنا شيئًا ينفعنا اللّه ﵎ به؟ قال: لما تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، ولو أن تكلم أخاك ووجهك إليه منبسط، وإياك وتسبيل الإزار، فإنه من الخيلاء، والخيلاء لا يحبها اللّه ﷿! وإن امرؤ سبّك بما يعلم فيك فلا تسبه بما تعلم فيه، فإن أجره لك، ووباله على من قاله \".\nورواه ابن أبي الدنيا في كتاب الإخوان ص ١٩١ عقب حديث الحسن.\nورواه ابن حبان في صحيحه: كتاب البر والإحسان: فصل من البر والإحسان ١/ ٣٦٩ من وجهين بنحوه:\nالأول من طريق بكر بن سعيد الطاحي، عن نصر بن علي، عن أبيه، عن شعبة، عن قرة بن خالد، عن قرة ابن موسى عن سليم بن جابر الهجيمي.\nوالثاني من طريق أحمد بن علي المثنى، عن أبي خيثمة، عن يزيد بن هارون به - بمثل ما عند أحمد.\nوفي الأول إضافة الأمر بالتقوى في أوله، والنهي عن سب شيء في آخره. وأن أبا جرى قال: فما سببت بعده دابة ولا إنسانا.\nبيد أن حبان عقب على الرواية الأولى بقوله:\nقوله - ﷺ - عليك باتقاء اللّه أمر فرض على المخاطبين كلهم أن يتقوا اللّه في كل الأحوال.\nوإفراغ المرء الدلو في إناء المستسقي من إنائه وبسط وجهه عند مكالمة أخيه المسلم قصد بالأمر بهما الندب والإرشاد؛ طلبًا للثواب.\nوعقب على الرواية الثانية بقوله:\nالأمر بترك استحقار المعروف أمر قصد به الإرشاد والزجر عن إسبال الإزار زجر حتم لعلة معلومة وهي الخيلاء فمتى عدت الخيلاء لم يكن بإسبال الإزار بأس والزجر عن الشتيمة إذا شوتم المرء زجر عنه في ذلك الوقت وقبله وبعده وإن لم يشتم \".\nوهذا الاستنباط من مشكاة النبوة أمر أكثر من رائع! بيد أنه لا يستغرب من حافظ للسنة، مستوعب للحديث، فاقه لأسراره كأبي حاتم بن حبان؟!.\nويبقى أن نناقش ابن رجب في قوله عن الحديث الذي أورده إنه من مراسيل الحسن عن النبي - ﷺ - فهل الحديث الذي أورده ابن رجب هنا من مراسيل الحسن البصري؟! أم هو من قوله؟.\nلقد اعتمد ابن رجب في الاستشهاد على ما قاله وأنَّه من مراسيل الحسن على تخريج ابن أبي الدنيا للحديث.\nفهل كان تخريج ابن أبي الدنيا للحديث على أنه من مراسيل الحسن عن النبي - ﷺ - كما ذكر ابن رجب أم كان على أنه من قوله؟\nلقد أريناك رواية ابن أبي الدنيا للحديث في كتاب الإخوان وهو المظنة الأولى للحديث، وأنها من قول الحسن وليس من مراسيله عن النبي - ﷺ - ثم تابعْنا روايات الحديث فلم نجد في روايات المرفوع عن أبي ذر وجابر وأبي جرى من يتابع راويا من رواة حديث الحسن أو من يتابعه أحد رواة حديث الحسن، حتى يمكن أن نقول كما قال ابن رجب: إن هذا الحديث من مراسيل الحسن عن النبي - ﷺ -، وأن الصحابي في هذا الحديث الذي يرويه الحسن مرسلًا إن سلمنا بذلك - هو جابر أو هو أبو ذر أو هو أبو جرى أو هو غيرهم إن كان يلتقي مع رواة حديث الحسن في راوٍ أو أكثر.\nوهذا القول بعينه يوجه كذلك للمنذري الذي أورد الحديث في الترغيب والترهيب ٣/ ٤٢١ عن الحسن من النبي - ﷺ - ثم قال: رواه ابن أبي الدنيا وهو مرسل.\nومرة أخرى ليس أمامنا ما يشهد بصحة ما قاله كل من المنذري وابن رجب لا من ابن أبي الدنيا الذي اعتمد عليه=","vol":"2","page":688},{"text":"• وقال معاذ: تعليم العلم لمن لما يعلمه صدقة.\nوروي مرفوعًا (^١).\n* * *\n_________\n= كل منهما ولا من متابعات روايات الحديث فيما سقناه لك وفيما لم نشأ أن نطيل به مما هو مشار إلى نحوه في تخريج حديث أبي جرى بكتاب الإخوان لابن أبي الدنيا بتحقيق وتعليق الأستاذ محمد عبد الرحمن طوالبه. ومرة أخرى نقول: إن الحديث الذي أورده كل من ابن رجب هنا والمنذري في الترغيب هو من قول الحسن، تعلَّمه من أحاديث صحابة رسول اللّه في ذلك، ولا نستبعد أن يكون قد تأثر فيه بما نمى إليه من حديث جابر وأبي ذر وأبي جرى أو غيرهم ﵃ في ذلك؛ بيد أنه لم يرفعه إلى النبي - ﷺ -؛ حتى نقول إنه من مراسيله بل هو من قوله هو - على ما رأيناه بعد دراسة ما رويناه لك، وهو - إذا - من قبيل المقطوع لما المرسل!.\n(^١) كان ابن رجب - هنا - دقيقًا وأشار بتعبيره إلى الصحيح في نسبة هذا القول، أن الصحيح أن هذا القول قول معاذ، ورفعه ضعيف وليس له إسناد قوي ومن هنا عبر ابن رجب بصيغة الجزم.\nوهي كلمة: \" قال معاذ \" مشيرًا بها إلى ما يطمئن إليه مما صح عنده وأن هذا القول قول معاذ، ثم أشار بصيغة التمريض (روي) إلى رفع الحديث، وكأنه يريد ليقول: وروي مرفوعًا من طريق ضعيف!.\nوهذا جزء حديث عن معاذ ﵁ أورده عنه ابن عبد البر بإسناده في \" جامع بيان العلم \".\nوأورده عن ابن عبد البر: المنذري في \" الترغيب والترهيب \" ٣/ ٩٤ - ٩٥ عن معاذ بن جبل ﵁ قال: قال رسول اللّه - ﷺ -:\n\" تعلموا العلم؛ فإن تعلمه للّه خشية (باعث عليها) وطلبه عبادة، ومذاكراته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنَّه معالم الحلال والحرام، ومنار سبل أهل الجنة، وهو الأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدّث في الخلوة، والدليل على السراء، والضراء، والسلاحُ على الأعداء، والزين عند الأخلاء، يرفع اللّه به أقواما فيجعلهم في الخير قادة وأئمة تقتص آثارهم، ويقتدى بفعالهم، وينتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خلتهم (صحبتهم) وبأجنحتها تمسحهم، ويستغفر لهم كل رطب ويابس، وحيتان البحر وهوامه، وسباع البر وأنعامه؛ لأن العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظلم، يبلغ العبد بالعم منازل الأخيار والدرجات العلى، في الدنيا والآخرة، التفكر فيه يعدل الصيام ومدارسته تعدل القيام، به توصل الأرحام، وبه يعرف الحلال من الحرام، وهو إمام العمل والعمل تابعه يلهمه السعداء، ويحرمه الأشقياء\".\nثم قال المنذري: رواه ابن عبد البر النمري في كتاب العلم، من رواية موسى بن محمد بن عطاء القرشي، حدثنا عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن الحسن عنه وقال: هو حديث حسن ولكن ليس له إسناد قوي وقد رويناه من طرق شتى موقوفًا (أي على معاذ ﵁) ثم قال المنذري: كذا قال: ورفعه غريب جدا واللّه أعلم.\nولعل ابن عبد البر يقصد بالحسن هنا: الحسن اللغوي لا الاصطلاحي وإلا لما قال بعدئذ: ولكن ليس له إسناد قوي؛ فهو أمر يتنافى مع كون الحديث حسنا. إنما وريد ابن عبد البر أن الحديث عن العلم حديث حسن، وأن الحديث موقوفًا سيما عن معاذ حديث حسن وقد رواه أبو نعيم في الحلية ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩ من حديث يعقوب الدورقي عن محمد بن موسى الرازي قال: قرأت هذا الحديث على هاشم بن مخلد وكان ثقة فقال: سمعته من أبي عصْمة، عن رجل سماه، عن رجاء بن حيوة عن معاذ بن جبل رضى اللّه تعالى عنه قال: تعلموا العلم … الحديث بنحوه.","vol":"2","page":689},{"text":"[من أنواع الصدقة]:\nومن أنواع الصدقة كف الأذى عن الناس؛ ففي الصحيحين عن أبي ذر ﵁ قال: \" قلت: يا رسول اللّه! أي الأعمال أفضل؟ \" قال: \" الإيمان باللّه (^١) والجهادُ في سبيله\" (^٢) قلت: \" فأيّ الرقاب أفضل؟ \" قال: \" أنْفَسُها (^٣) عند أهلها، وأكثَرُها ثَمنًا، قلت: \" فإن لم أفعلْ؟ \" قال: تعين صَانِعًا (^٤) أو تَصْنَعُ لأخْرَق (^٥) \" قلت: \" يا رسول اللّه! أرأيتَ إن ضَعُفْتُ عن بعض العمل؟ \" قال: \" تكُفُّ شَرَّك عن الناس؛ فإنها صدقة \" (^٦).\n• وقد روي في حديث أبي ذر زيادات أخرى (^٧)، فخرّج الترمذي من حديث أبي ذر عن النبي - ﷺ - قال:\n\" تبسُّمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف، ونهْيُك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجلَ في أرض الضلال لك صدقة، [وبصرك للرجل الرديء البصر لك\n_________\n(^١) ليست في: ش.\n(^٢) م: \" الإيمان والجهاد في سبيل اللّه \" وما أثبتناه عن الأصل هو الموافق لما في الصحيحين.\n(^٣) أنفسها: أجودها وأحسنها، والمال النفيس هو المرغوب فيه.\n(^٤) ليست في ش.\n(^٥) الأخرق: من لا صنعة له.\n(^٦) نص رواية الحديث عند البخاري من طريق عبيد اللّه بن موسى، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي مراوح، عن أبي ذر ﵁ قال: سألت النبي - ﷺ -: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان باللّه وجهاد في سبيله. قلت: فأي الرقاب أفضل؟ قال: أعلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها. قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين ضائعًا، أو تصنع لأخرق، قال: فإن لم أفعل؟ قال: تدع الناس من الشر فإنها صدقة تصدَّق بها على نفسك \".\nأخرجه البخاري ٤٩ - في كتاب العتق: ٢ - باب أي الرقاب أفضل؟ ٥/ ١٤٨ ح ٢٥١٨ وهو الموضع الوحيد للحديث في البخاري وأخرجه مسلم في: \" - كتاب الإيمان: ٣٦ - باب بيان كون الإيمان باللّه تعالى أفضل الأعمال ١/ ٨٩ ح ١٣٦ - (٨٤) من طريق أبي الربيع الزهراني وخلف بن هشام عن حماد بن زيد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي مراوح الليثي، عن أبي ذر، قال: قلت: يا رسول اللّه! أي الأعمال أفضل؟ قال: الإيمان باللّه والجهاد في سبيله، قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: أنْفَسُهَا عند أهلها، وأكثرها ثمنًا قال: قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعًا أو تصنع لأخرق. قال: قلت: يا رسول اللّه! أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: \" تكف شرك عن الناس؛ فإنها صدقة منك على نفسك \".\nوأخرجه عقبه من وجه آخر بنحوه غير أنه قال: \" فتعين الصانع أو تصنع لأخرق \".\nوهكذا نرى أن ابن رجب أورد نصا في الصحيحين معاد دون أن يلتزم لفظ واحد منهما، بل دون أن يلتزم في بعض الجمل سيما الأخيرة لفظ أي منهما بل ربما اختصره.\nولعل هذا يوضح لنا مقصوده من مثل هذه العبارة التي لا يعقبها بنحو قوله لفظ البخاري أو لفظ مسلم.\n(^٧) في سنن الترمذي، وصحيح ابن حبان، ومسند أحمد.","vol":"2","page":690},{"text":"صدقة] (^١)، وإماطَتُك الحَجَرَ والشوكَ (^٢) والعَظْمَ عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دَلْوِ أخيك لك صَدقةٌ \" (^٣).\n* * *\nوخرّج ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \" ليس من نفس ابن آدم إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس \"، قيل: يا رسول الله! ومن أين لنا صدقة نتصدق بها؟ قال: \" إن أبواب الخير (^٤) لكثيرة: التسبيح والتحميد والتكبير والتهليل (^٥)، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتميط الأذى عن الطريق، وتُسْمِعُ الأصمّ، وتهدي الأعمى، وتدلّ الُمسْتَدِلّ على حاجته، وتسعى بشدة ساقَيْكَ جمع اللَّهفَان المستغيث، وتحمل بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كله صدقة منك على نفسك \" (^٦).\nوخرّج الإمام أحمد من حديث أبي ذر قال: \" قلت: يا رسول الله! ذهب الأغنياء بالأجر [يصلّون ويصومون ويحجُّون؟ \" قال: \" وأنتم تصلُّون وتصومون وتحجُّون؟ \" قال: قلت: يا رسول الله!] (^٧) يتصدقون ولا نتصدَّق؟ \" قال: \" وأنت فيك صدقة، رَفْعُكَ العَظْمَ عن الطريق صدقة، وهدايتك الطريق صدقة، وعونك الضعيف بفضل قُوَّتِل صدقة، وبيانك عن الأغتم (^٨) صدقة، ومباضعتك امرأتك صدقة!؟ \" قال: (^٩) قلت: \" يا رسول الله نأتي شهوتنا ونُؤْجَر؟ \" قال: \" أرأيت لو جعلت ذلك (^١٠) في\n_________\n(^١) ما بين القوسين سقط من الأصول، وهو في الترمذي وليس في ش.\n(^٢) في الترمذي: \" الشوكة \".\n(^٣) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة: باب صنائع المعروف ٤/ ٣٣٩ - ٣٤٠ وقال: هذا حديث حسن غريب.\n(^٤) م، \"الجنة\" وما أثبتناه هو الموافق لما عند ابن حبان.\n(^٥) سقطت من م وفي ش التكبير والتحميد.\n(^٦) أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٤/ ٣٤ - ٣٥ عن حبان في صحيحه، وعن البيهقي مختصرًا. وهو عند ابن حبان في صحيحه: كتاب الزكاة: باب ما يكون أسه حكم الصدقة: ذكر الخصال التي يقوم لمعدم المال مقام الصدقة لباذلها ٥/ ١٦٠ ح ٣٦٨ من الإحسان.\n(^٧) ما بين القوسين ليس في ش.\n(^٨) الأغتم: من لا يفصح شيئًا، وفي المسند: \" الأرتم \" وهو - أيضًا - الذي لا يفصح الكلام ولا يبينه، نهاية ٢/ ١٩٤. وسيأتي ص ٧٢٠.\n(^٩) ليست في ش.\n(^١٠) \" ا \": \" لو جعل .. يأثم \" وفي المسند: \" لو جعلته في حرام \" في ش: جعله.","vol":"2","page":691},{"text":"حرام أكانَ تأثَم؟ \" (^١) قال: قلت: \" نعم \" قال: \" أفتحتَسِبون بالشر ولا تحتسبون بالخير؟ \" (^٢).\n• وفي رواية أخرى (^٣) فقال النبي - ﷺ -:\n\" إن فيك صدقةً كثيرة - فذكر فضل سمعك، وفضل بصرك \".\n• وفي رواية أخرى للإمام أحمد (^٤) قال:\n\" إن من أبواب الصدقة التكبير، وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، وأستغفر الله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوكة عن الطريق (^٥) والعَظْمَ والحجَرَ، وتهدِي الأعمى، وتُسْمِعُ الأصمّ والأبكم حتى يفقه، وتَدُلّ الُمسْتَدِلّ على حاجةٍ له قد علمتَ مكانَها، وتسعى بشدة ساقَيْك إلى اللَّهْفان المستغيث، وترفَعُ بشدة ذراعيك مع الضَّعيف. كلُّ ذلك من أبواب الصدفة منك على نفسك، ولك في جِمَاعِكَ زوجتك أجر\" قلت: \" كيف يكون لي أجر في شهوتي؟ \" فقال رسول الله - ﷺ -: \" أرأيتَ لو كن لك ولد فأدركَ ورجوتَ خيره فمات أكُنت تحتسب به؟ \" قلت: نعم! قال: \" فأنت خلقته؟ \" قلت؟ بل الله خلَقَه؟ قال: \" أفأنت (^٦) هَدَيته؟ \" قلت: بل الله هَدَاه، قال: \" فأنتَ (^٧) كنتَ ترزقُهُ؟ \" قلت: بل الله كان يرزقه، قال: \" كذلك فَضَعْهُ في حلاله، وجَنِّبه حَرَامَه؛ فإن شاء الله أحياه، وإن شاء أماته، ولك أجرٌ \".\n* * *\n_________\n(^١) في ش: يأثم.\n(^٢) في المسند ٥/ ١٥٤ ومن وجهين آخرين بنحوه في ٥/ ١٦٧ (حلبي).\n(^٣) في المسند ٥/ ١٦٧ وفيه عن أبي ذر، قيل للنبي - ﷺ -: ذهب أهل الأموال بالأجر؟ فقال النبي - ﷺ -: \" إن فيك صدقة كثيرة، فذكر فضل سمعك، وفضل بصرك، قال. \" وفي مباضعتك أهلك صدقة \" فقال أبو ذر: أيؤجر أحدنا في شهرته؟ قال: أرأيت لو وضعته في غير حل أكان عليك وزر؟ \" قال: نعم، قال: أفتحتسبون بالشر ولا تحتسبون بالخير؟.\n(^٤) مسند أحمد ٥/ ١٦٨ - ١٩٦ (حلبي).\nمن حديث زيد بن سلام، عن أبي سلام، قال أبو ذر: \" على كل نفس في كل يوم طلعت فيه الشمس صدقة منه على نفسه، قلت: يا رسول الله! من أين أتصدق، وليس لنا أموال؟ قال: \"لأن من أبواب الصدقة التكبير\" الحديث وفيه .. قال أبو ذر: كيف يكون لي أجر .. فأنت هديته؟ قال .. فأنت ترزقه؟ قال: بل الله … \".\n(^٥) في ش: \" طريق الناس \".\n(^٦) في ش: فأنت.\n(^٧) م: \"أفاتت\".","vol":"2","page":692},{"text":"• وظاهر هذا السياق يقتضي أنه يُؤجَر على جِمَاعِهِ لأهله بنيِّة طلب الولد الذي يترتب الأجر على تربيته وتأديبه في حياته، ويحتسبه عند موته، وأما إذا لم ينو شيئًا بقضاء شهوته. فهذا قد تنازع الناس في دخوله في هذا الحديث.\n* * *\n• وقد صح الحديث بأن نفقة الرجل على أهله صدقة؛ ففي الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري (^١) عن النبي - ﷺ - قال: \" نفقة الرجل على أهله صدقة \".\n• وفي رواية لمسلم: \" وهو يحتسبها \" (^٢)، وفي لفظ للبخاري (^٣): \" إذا أنفق الرجل على أهله وهو يحتسبها (^٤)، فهو له صدقة \" فدل على أنه إنما يؤجر فيها إذا احتسبها عند الله.\nكما في حديث سعد بن أبي وقاص عن النبي - ﷺ - قال:\n\" إنك لن تنفقَ نَفَقَةً تبتغي بها وَجْهَ الله؛ إِلا أجِرْتَ عليها: حتى اللَّقْمةَ ترفعها إلى فيِ امرأتك \".\nحرجاه (^٥)\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-927>[أفضل الدنانير]:</span>\nوفي صحيح مسلم عن ثوبان (^٦) عن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(^١) البخاري - بهذا اللفظ - في كتاب المغازي: باب بعد باب شهود الملائكة بدرًا ٧/ ٢٤٦.\nومسلم في كتاب الزكاة: باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج ٢/ ٦٩٥.\n(^٢) نص رواية مسلم - هنا - عن أبي مسعود: \" أن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة - وهو يحتسبها - كانت له صدقة\". وليس له رواية أخرى عن أبي مسعود. وصنيع ابن رجب يوهم غير هذا.\n(^٣) في كتاب الإيمان: باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة وأن لكل امرئ ما نوى ١/ ١٢٦. وله رواية أخرى بهذه الزيادة في أول كتاب النفقات ٩/ ٤٣٧.\n(^٤) لفظ البخاري: \" أهله يحتسبها، فهو له \"، م: \"يحتسبها عند الله كما في حديث .. \"، ا: \" فهو صدقة \".\n(^٥) سقط هذا اللفظ من م.\nوالحديث عند البخاري في كتاب الإيمان: باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ٢٦١، ١٢٧.\nومسلم في كتاب الوصية: باب الوصية بالثلث ٣/ ١٢٥٠ - ١٢٥١ بسياقه كاملا. وقد مضى ص ٦٨.\n(^٦) في كتاب الزكاة: باب فضل النفقة على العيال والمملوك، وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عنهم ٢/ ٦٩١ - ٦٩٢.","vol":"2","page":693},{"text":"\" أفضل الدنانير دينارٌ (^١) يُنْفِقُهُ الرجلُ على عِيَالِهِ، ودينارٌ ينفقه على فرسه (^٢) في سبيل الله، ودينار ينفقه الرجل على أصحابه في سبيل الله \".\n• قال أبو قلابة - عند رواية لهذا الحديث (^٣): \" بدأ بالعيال، وأي رجل أعظم أجرًا من رجل ينفق على عيال (^٤) صغار يُعِفُّهُمُ الله به، ويغنيهم الله به \".\n• وفيه أيضًا عن سعد (^٥) عن النبي - ﷺ - قال:\n\" إن نفقتك على عيالك صدقة، وإن ما تأكل أمرأتك من مالك صدقة \".\nوهذا قد ورد مقيدًا في الرواية الأخرى (^٦) بابتغاء وجه الله.\n• وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة (^٧) عن النبي - ﷺ - قال:\n\" دينار أنفقته في سبيل الله، ودينار أنفقته في رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، ودينارٌ أنفقتَه على أهلك، أفضلها: الدينار الذي (^٨) أنفقته على أهلك \".\n* * *\n• وخرج الإمام أحمد (^٩) وابن حبان (^١٠) في صحيحه من حديث أبي هريرة، ﵁، دال: قال رسول الله - ﷺ -:\n\" تصدَّقوا\" فقال (^١١) رجل: \" عندي دينار؟ \" فقال: \" تصدَّق به على نفسك \" قال: \" عندي دينار آخر \" قال: \" تصدّق به على زوجتك \" (^١٢) قال: \" عندي دينار آخر \" قال: \" تصدق به على ولدك \" قال: \" عندي دينار آخر \" قال: \"تصدق به\n_________\n(^١) في مسلم: \" أفضل دينار ينفقه الرجل: دينار ينفقه على عياله، ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله، ودينار على أصحابه في سبيل الله \".\n(^٢) في ش: فرس.\n(^٣) يريد: عقبه.\n(^٤) في مسلم: \" يعفهم أو ينفعهم الله به ويغنيهم \" وفي ش: \" عيال له \".\n(^٥) في الباب السابق ٣/ ١٢٥٣.\n(^٦) الرواية السابقة في الموضع الأول ٣/ ١٢٥٠ - ١٢٥١.\n(^٧) في كتاب الزكاة: باب فضل النفقة على العيال والمملوك، وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عنهم ٢/ ٦٩٢.\n(^٨) الذي في مسلم: \" أعظمها أجرًا: الذي أنفقته على أهلك \".\n(^٩) في المسند ٣/ ١٥١ - ١٥٢ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه العلامة الشيخ شاكر.\n(^١٠) أخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب الزكاة: باب صدقة التطوع: ذكر البيان بأن الصدقة على الأقرب فالأقرب أفضل منها على الأبعد فالأبعد ٥/ ١٤١ ح ٦٣٢٥ من الإحسان بنحو الرواية المذكورة.\n(^١١) في المسند: \"قال\". كذا التالية وعند ابن حبان: \" فقال رجل … قال \".\n(^١٢) في المسند: \" زوجك \".","vol":"2","page":694},{"text":"على خادمك \" قال: \" عندي دينار آخر \" قال: \" أنت أبصر \".\n• وخرّج الإمام أحمد من حديث المقدام بن معد يكرب (^١) عن النبي - ﷺ - قال: \" ما أطعمت نَفْسَك فهو لك صدقة، وما أطعمت ولدك فهو لَكَ صدقة، وما أطعمتَ زوجك فهو لك صدقة، وما أطعمتَ خادمك فهو لك صدقة \".\nوفي هذا المعنى أحاديث كثيرة يطول ذكرها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-928>[ما يؤكل من الزرع فهو صدقة]:</span>\n• وفي الصحيحين عن أنس ﵁ (^٢) عن النبي - ﷺ - قال:\n\" ما من مسلمٍ يغرسُ غرسًا، أو يزرعُ زرعًا؛ فيأكلُ منه إِنسانٌ أو طيرٌ أو دابَّةٌ؛ إلا، كان له صدقَةً \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-929>[حتى الآفة والسرقة تحتسب صدقة]</span>\nوفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ (^٣) عن النبي - ﷺ - قال:\n\" ما من مُسْلمٍ يغرسُ غَرْسًا؛ إلا كانَ ما أُكِلَ مِنْهُ له صدقة، وما سُرِق منه له صدقةً، وما أَكلَ السَّبُعُ فهو له صدقة، وما أكلت الطَّيْرُ (^٤) فهو له صدقة، ولا يرزؤه (^٥) أحد إلا كان له صدقة \".\n• وفي رواية له أيضًا:\n\" فيأكل (^٦) منه إنسانٌ ولا دابّة ولا طائر (^٧)، إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة \" (^٨).\n_________\n(^١) في المسند ٤/ ١٣١، ١٣٢ (حلبي) بإسناد رجاله ثقات كما في المجمع ٣/ ١١٩.\n(^٢) البخاري في كتاب الحرث والمزارعة: باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه ٥/ ٢ وفي كتاب الأدب: باب رحمة الناس والبهائم ١٠/ ٣٦٨.\nومسلم في كتاب المساقاة: باب فضل الغرس والزرع ٣/ ١١٨٩ كلاهما باختلاف يسير أو تقديم وتأخير عما أورد ابن رجب.\n(^٣) في كتاب المساقاة: باب فضل الغرس والزرع ٣/ ١١٨٨.\n(^٤) سقطت من المطبوعة.\n(^٥) في المطبوعة: \" ينقصه \" وما أثبتناه عن الأصل هو الموافق لما في مسلم.\n(^٦) في المطبوعة: \" فلا يأكل \" وما أثبتناه عن الأصل هو الموافق لما في مسلم.\n(^٧) في مسلم: \" ولا طير\".\n(^٨) الرواية في الباب المذكور ٣/ ١١٨٩.","vol":"2","page":695},{"text":"• وفي المسند بإسناد ضعيف عن معاذ بن أنس الجهني (^١)، عن النبي - ﷺ - قال:\n\" من بَنَى بنيانًا في غير ظُلْمٍ ولا اعتداء، أو غَرَس غِراسًا في غيرِ ظُلْمٍ ولا اعتداء؛ كان له أجرٌ جاريا (^٢) ما انتفع به أحدٌ من خَلْق الرحمن \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-930>[كل ما ينتفع به فهو صدقة]:</span>\n• وذكر البخاري في تاريخه من حديث جابر مرفوعًا:\n\" مَن حفر ماءً لم تَشْرَبْ منه كَبِدٌ حَرَّى من جنٍّ ولا إنسٍ ولا سبُعٍ ولا طائر، إلا آجره الله يومَ القيامة \" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-931>[ولا شرط إلا إخلاص النية لله تعالى]</span>\n• وظاهر هذه الأحاديث كلها يدل على أن هذه الأشياء تكونُ صدقةً يثاب عليها الزارع والغارس ونحوهما من غير قصد ولا نية، وكذلك فول النبي - ﷺ - في: \" أرأيتَ لو وضعها في الحرام أكان عليه وِزْرٌ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر \" يدل بظاهره على أنه يُؤْجَر في إتيان أهله من غير نيَّة [فإن المبَاضِعَ لأهله كالزارع في الأرض التي يَحْرُث الأرض ويبذُر فيها].\n• وقد ذهب إلى هذا طائفة من العلماء، ومال إليه أبو محمد بن قتيبة في الأكل والشرب والجماع، واستدل بقول النبي - ﷺ -:\n\" إن المؤمن ليُؤجَرُ في كلّ شيءِ حتى اللُّقمة يرفَعُها إلى فيهِ \".\nوهذا اللفظ الذي استدلّ به غير معروف؛ إنما المعروف قول النبي - ﷺ - لسعد: \" إنك لن\n_________\n(^١) مسند أحمد ٣/ ٤٣٨ وفيه، من غير ظلم .. غرسا. اعتداء كان .. أجر جار ما انتفع به من خلق الله ﵎.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ٤٤٣:\nرواه أحمد، وفيه زبان بن فائد وثقة أبو حاتم، وفيه كلام.\n(^٢) في المجمع \" أجر جار \".\n(^٣) أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ٥٣ عن البخاري في تاريخه وعن ابن خزيمة في صحيحه أيضًا. وهو عند البخاري في التاريخ الكبير ١/ ١/ ٣٣٢ من حديث عطاء بن أبي رباح عن جابر بن عبد الله عن النبي - ﷺ - قال: \" من حفر ماء … الحديث وزاد في آخره: ومن بني مسجدًا كمفحص قطاة أو أصغر منه بني الله له بيتا في الجنة \".","vol":"2","page":696},{"text":"تنفق نفقةً تبتغي بها وجْهَ الله إلا أُجِرْتَ عليها حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك \" (^١)\nوهو مقيَّدٌ بإخلاص النيَّة لله فتحْمَل الأحاديث المطلقة عليه. والله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-932>[والدليل]:</span>\n• ويدلّ عليه أيضا قول الله ﷿: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٢) فجعل ذلك خيرًا واسم يرتبْ عليه الأجر إلا مع نية الإخلاص.\nوأما إذا فعله رياءً، فإنه يعاقب وإنما محل (^٣) التردد إذا فعله بغير نية صالحة ولا فاسدة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-933>[وقيل يكفيه نية الإسلام]:</span>\n• وقد قال أبو سليمان الداراني: \" من عَمِل عَمَلَ خيرٍ من غير نيّة كفاه نيّة اختياره للإسلام على غيره من الأديان\".\nوظاهر هذا أنه يثاب عليه من غير نية بالكلية؛ لأنَّه بدخوله في الإسلام مختارٌ لأعمال الخير في الجملة؛ فيتاب على كلّ عمل يعملُه منها بتلك النية. والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-934>[من قياسات النبوة]:</span>\n• وقوله: \" أرأيت لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر\".\nهذا يسمى عند الأصوليين قياس العكس، ومنه قول ابن مسعود ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -، وقلتُ أنا أُخْرى: قال [رسول الله - ﷺ -] (^٤) \" من يُشرك بالله شيئًا دخَل النار \" وقلتُ: [أنا] من مات لا يُشرك بالله شيئًا دخلَ الجنة (^٥).\n_________\n(^١) مضى ص ٦٨، ٦٩٣.\n(^٢) سورة النساء: ١١٤.\n(^٣) م: \"يحمل\".\n(^٤) ليست في ش.\n(^٥) بخاري ح ١٢٣٨، ٤٤٩٧، ٦٦٨٣ ومسلم ح ١٥٠ - (٩٢).","vol":"2","page":697},{"text":"<span data-type='title' id=toc-935>[النوع الثاني من الصدقة غير المالية]:</span>\n• والنوع الثاني من الصدقة التي ليست مالية ما نَفْعُهُ قاصرٌ على فاعله كأنواع الذكر من التكبير والتسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار، وكذلك المشي إلى المساجد صدقة، ولم يذكر في شيء من الأحاديث الصلاة والصيامَ والحجّ والجهاد أنه صدقة. وأكثرُ هذه الأعمال أفضل من الصدقات المالية؛ لأنَّه إنما ذكر ذلك جوابًا لسؤال الفقراء الذين سألوه عما يُقاوِمُ تطَوُّع الأغنياء بأموالهم، وأما الفرائض فقد (^١) كانوا كلُّهم مشتركين فيها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-936>[تفضيل الذكر على الصدقة]:</span>\n• وقد تكاثرت النصوص بتفضيل الذكر على الصدقة بالمال وغيره عن الأعمال، كما في حديث أبي الدرداء ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n\" ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليكِكُم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٍ لكما من إنفاق الذهب والفضة، وخيرٍ لكما من أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُم فتضربوا أعناقَهم ويضربوا أعناقَكم؟ قالوا: \" بلى يا رسول الله! \" قال: \" ذكر الله ﷿ \".\nخرّجه الإمام أحمد (^٢) والترمذي (^٣)، وذكره مالك في الموطأ موقوفًا على أبي الدرداء (^٤).\n* * *\n• وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ (^٥) عن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(^١) م: \"فإنهم قد\".\n(^٢) أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ٢٢٨ وقال: رواه أحمد بإسناد حسن، وهو في المسند ٥/ ١٩٥ (الحلبي).\n(^٣) في كتاب الدعاء: باب [٦] وفيه كما في الترغيب \" خير لكم عن إنفاق الذهب والورق \".\nوقد قال أبو عيسى عقب الحديث: وقد روى بعضهم هذا الحديث عن عبد الله بن سعيد مثل هذا بهذا الإسناد، وروى بعضهم عنه فأرسله.\n(^٤) في كتاب القرآن: باب ما جاء في ذكر الله ﵎ ١/ ٢١١.\n(^٥) البخاري في كتاب بدء الخلق: باب صفة إبليس وجنوده ٦/ ٣٣٨ - ٣٣٩ ومسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار. باب فضل التسبيح والتهليل والدعاء ٤/ ٢٠٧١ وفيه بعد هذا: \"ومن قال: سبحان الله وبحمده، في يوم مائة مرة، حطت خطاياه، ولو كانت مثل زبد البحر وليس في شيء منهما: \" يحيي ويميت \" وطرفه عند البخاري ح ٦٤٠٣.","vol":"2","page":698},{"text":"\" من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت، وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة، كانت له عِدْلَ عشر رقَابٍ، وكُتبت له مائةُ حسنة، ومُحِيتْ عنه مائةُ سيئة، وكانت له حِرْزًا من الشيطان يومَه ذلك حتى يمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاءَ به إلا أحدٌ عَمِلَ أكثَرَ مِن ذلك \".\n• وفيهما أيضًا عن أبي أيوب عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n\" مَن قالها عَشْرَ مِرَارٍ (^١) كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل \" (^٢).\n• وخرّج الإمام أحمد والترمذي من حديث أبي سعيد (^٣) أن النبي - ﷺ - سُئل: \" أي العباد أفضل درجةً عند الله يوم القيامة؟ قال: \" الذاكرون الله كثيرًا \" قلت: \" يا رسول الله! ومِنَ الغازي في سبيل الله؟ \" قال: \" لو ضَرَبَ بسيفه في الكفار والمشركين حتى ينكسر ويخْتضِبَ دمًا لكان الذاكرون الله (^٤) أفضل منه درجةً \".\nويُرْوَى نحوُهُ من حديث معاذ وجابر مرفوعًا، والصواب وقفه على معاذ من قوله (^٥).\n* * *\n• وخرّج الطبراني من حديث أبي الوازع، عن أبي بردة، عن أبي موسى (^٦)، عن\n_________\n(^١) في ش: مرات.\n(^٢) مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة الاستغفار: باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء ٤/ ٢٠٧١ - ٢٠٧٣.\nوالبخاري في كتاب الدعوات: باب فضل التهليل ١١/ ١٦٨ وانظر الفتح في هذا الموضع.\nوفي م: \" مرات \" وما أثبتناه عن الأصل هو الموافق لما في مسلم.\n(^٣) الترمذي في كتاب الدعاء: باب ما جاء في فضل الذكر ٥/ ٤٥٨ وقال: حديث غريب وهو عند أحمد في المسند ٣/ ٧٥.\n(^٤) في ش: لله.\n(^٥) أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ٢٢٩ من حديث جابر مرفوعًا: \" ما عمل آدمي عملا أنجي له من العذاب من ذكر الله تعالى \" قيل: \" ولا الجهاد في سبيل الله؟ \" قال: \" ولا الجهاد في سبيل الله. إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع \".\nوقال: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح.\nوأورده قبله (٢/ ١١٨) عن مالك بن يخامر أن معاذ بن جبل قال لهم: إن آخر كلام فارقت عليه رسول الله - ﷺ - أن قلت: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله \".\nوقال: رواه ابن أبي الدنيا والطبراني واللفظ له، والبزار؛ إلا أنه قال: \" أخبرني بأفضل الأعمال وأقربها إنى الله \" وابن حبان في صحيحه.\nوأخرج ابن ماجه في كتاب الأدب: باب فضل الذكر ٢/ ١٢٤٥ عن معاذ قوله: ما عمل امرؤ بعمل أنجى له من عذاب الله ﷿، من ذكر الله.\n(^٦) أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ٢٣١ عن الطبراني من حديث أبي موسى وأفاد أن رواته حديثهم حسن.","vol":"2","page":699},{"text":"النبي - ﷺ - قال:\n\" لو أنَّ رجلًا في حِجْرِه دراهم يُقَسّمها وآخر يذكر الله كان الذاكرُ لله أفضلَ \".\nقلت: الصحيح عن أبي الوازع عن أبي (^١) برزة الأسلمي من قوله.\nخرجه جعفر الفِرْيابي.\n• وخرّج أيضًا من حديث أنس (^٢) عن النبي - ﷺ - قال:\n\"مَنْ كبَّر مائةً وسبَّح مائةً، وهَلَّلَ مائةً، كانت خيرًا له من عَشْرِ رقبات (^٣) يعتقها، ومن سبع بَدَنات يَنْحَرُهَا \".\n* * *\n• وخرَّج ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي الدرداء أنه قيلِ له: \" إن رجلًا أعتق مائة نَسَمَة؟ \" فقال: \" إن مائةَ نَسَمَة من مال رجل كثيرٌ، وأفْضلُ من ذلك: إيمانٌ ملزومٌ بالليل والنهار، وأن لا يزالَ لسانُ أحدِكُم رَطْبًا من ذكر الله ﷿ \".\n* * *\n• وعن أبي الدرداء أيضًا قال: \"لأن أقول: الله أكبر مائة مرَّة أحبُّ إليَّ من أن أتصدَّق بمائة دينار \".\n• وكذلك قال سلمان الفارسي وغيره من الصحابة والتابعين: أن الذكر أفضل من الصدقة بعدده من المال.\n* * *\n• وخرَّج الإمام أحمد (^٤) والنسائي (^٥) من حديث أم هانئ. أن النبي - ﷺ - قال لها:\n_________\n(^١) في ش: برزة.\n(^٢) أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ٤٢٥ عن ابن أبي الدنيا من حديث أنس وقال: إسناده متصل حسن.\n(^٣) في ش: رقاب.\n(^٤) أورده المنذري في الترغيب ٢/ ٤٢٦ عن أحمد في المسند وقال: إسناده حسن.\nوالحديث في المسند ٦/ ٣٤٤ (الحلبي) وهو مما رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه وجادة؛ فقد قال عبد الله: وجدت في كتاب أبي بخط يده: ثنا سعيد بن سليمان قال: ثنا موسى بن خلف قال: حدثنا عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أم هانئ بنت أبي طالب قال: قالت: مر بي ذات يوم رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله! إني قد كبرت وضعفت أو كما قالت، فمرني بعمل أعمله وأنا جالسة قال: سبحي الله مائة تسبيحة .. الحديث فذكره بمثله باختلاف يسير.\n(^٥) راجع الترغيب والترهيب في هذا الموضوع السابق ٢/ ٢٤٥ وقد أورده عن أحمد والنسائي والبيهقي وغيرهم.","vol":"2","page":700},{"text":"\"سبِّحي الله مائة تسبيحة؛ فإنها تعدل مائة رقبة من ولد إسماعيل، واحمدي الله مائة تحميدة؛ فإنها تعدل لك مائة فرسٍ مُلْجَمَةٍ مُسْرَجَةٍ تحملين عليهن في سبيل الله، وكبِّري الله مائة تكبيرة؛ فإنها تعدل لك مائة بَدَنَةٍ مُقَلَّدَة مُتَقَبَّلَة، وهلِّلي الله مائةَ تهليلة - لا أحْسبُهُ إلا قال -: تملأ ما بين السماء والأرض ولا يُرفع يومئذ لأحَدٍ مثلُ عَمَلِكِ إلا أن يأتي بمثل ما أتيتِ\".\nوخرَّجه أحمد أيضًا (^١) وابن ماجه (^٢)، وعندهما: \"وقولي: لا إله إلا الله مائة مرة لا تذر ذنبًا ولا يسبقها العمل\".\n• وخرَّجه الترمذي (^٣) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - ﷺ - بنحوه.\n* * *\n• وخرَّج الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعًا قال:\n\"ما من (^٤) صدقةٍ أفضلَ من ذكر الله ﷿\" (^٥).\n* * *\n• وخرَّج الفرْيابي بإسناد فيه نظر، عن أبي أمامة مرفوعًا:\n\"مَن فاته الليل أن يكابده، وبَخلَ بماله أن ينفقه، وجَبُنَ من العَدُوِّ أن يقاتله فليكثر من: \"سبحان الله وبحمده\" فإنها أحب إلى الله ﷿ من جبل ذهب أو جبل (^٦)\n_________\n(^١) في أسفل الصحيفة السابقة ذكر رواية أحمد للحديث فما هنا تكرار لا وجه له أو خطأ من النساح ولعله يقصد رواية ابن أبي الدنيا أو الطبراني أو نحوهما ممن روى الحديث بهذه الزيادة، على ما أفاده المنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ٢٤٥ - ٢٤٦.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في كتاب الأدب: باب فضل لا إله إلا الله ٢/ ١٢٤٨ حديثا مستقلًا من طريق زكريا بن منظور، عن محمد بن عقبة، عن أم هانئ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا إله إلا الله لا يسبقها عمل، ولا تترك ذنبا\".\nولم يروه معطوفا على ما قبله كما ذكر ابن رجب.\nوقد روى حديث أم هانئ بدون هذه الزيادة في باب فضل التسبيح من كتاب الأدب أيضًا ٢/ ١٢٥٢.\nلكن صاحب الزوائد ضعف الحديث في الموضعين بزكريا بن منظور.\n(^٣) في كتاب الدعوات: باب [٦٢] ٥/ ٥١٣ - ٥١٤ وقال: هذا حديث حسن غريب.\n(^٤) ليست في ش.\n(^٥) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٧٤ عن الطبراني في الأوسط وذكر أن رجاله ثقات.\n(^٦) ليست في \"ا\".","vol":"2","page":701},{"text":"فضة ينفقه في سبيل الله ﷿\" (^١).\n• وخرَّجه البزار بإسناد مقارب من حديث ابن عباس مرفوعًا وقال في حديثه: \"فليكثر ذكر الله\".\nولم يزد على ذلك (^٢).\nوفي المعنى أحاديث أخر متعددة.\n* * *\n_________\n(^١) أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ٤٢٢ من حديث أبي أمامة وقال: رواه الفريابى والطبراني، واللفظ له، وهو حديث غريب، ولا بأس بإسناده إن شاء الله.\n(^٢) الترغيب والترهيب ٢/ ٣٩٦ وقال المنذري: رواه الطبراني والبزار، واللفظ له، وفيه أبو يحيى القتات، وبقيته محتج بهم في الصحيح.\nورواه البيهقي من طريقه أيضًا.","vol":"2","page":702},{"text":"<span data-type='title' id=toc-937>الحديث السادس والعشرون</span>\nعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n\"كُلُّ سُلامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، تَعْدِلُ بَيْنَ الاثْنَيْنِ (^١) صَدَقَةٌ، وتُعِينُ (^٢) الرَّجُلَ في دَابَّتِه فَتَحْمِله (^٣) عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ (^٤) عَلَيْها مَتَاعَهُ صدَقةٌ. وَالكَلِمَة الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وَبكُلِّ (^٥) خُطْوَةٍ تَمْشِيها (^٦) إلى الصَّلاةِ صَدَقةٌ، وَتُميِطُ (^٧) الأذَى عَن الطَّرِيقِ صَدَقةٌ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-938>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث خرَّجاه من رواية همام بن منبه عن أَبي هريرة (^٨).\n• وخرَّجه البزار من رواية أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي، - ﷺ - قال: \"للإنسان (^٩) ثلاثُمِائَةٍ وسِتُّون عَظْمًا أو سِتّةٌ وثلاثون سُلامى: عليه في كُل يوم صدقةٌ\" قالوا: \"فمن لم يجد؟ \" قال: \"يأمُرُ بالمعروف وينهَى عن المنكر\" قالوا: \"فمن لم يَسْتطع؟ \" قال: \"يَرْفَعُ عَظْمًا عن الطريق\" قالوا؟ \"فَمَن لم يَسْتَطِعْ؟ \" قال: \"فلْيُعِنْ ضَعيفًا\" قالوا: \"فَمَن لم يَسْتَطِعْ ذلك؟ \" قال: \"فلْيدَع الناسَ من شَرِّهِ\".\n• وخرج مسلم حديث عائشة عن النبي - ﷺ - قال:\n\"خلق الله (^١٠) ابن آدم (^١١) على ستين وثلاثمائة مَفْصِل فمن كَبَّر (^١٢) الله وحَمِد الله\n_________\n(^١) م: \"اثنين\".\n(^٢) في ر (ويعين).\n(^٣) في ر: (ويحمله).\n(^٤) في ر: (أو يرفع).\n(^٥) مسلم: \"وكل\".\n(^٦) في ر: (يمشيها).\n(^٧) في ر: (ويميط).\n(^٨) البخاري في كتاب الصلح: باب فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم ٥/ ٢٣٦ وفي كتاب الجهاد: باب فضل من حمل متاع صاحبه في السفر ٦/ ٦٥.\nوباب كما أخذ بالركاب ونحوه ٦/ ٩٦ - ١٠٠.\nومسلم في كتاب الزكاة: باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف ٢/ ٦٩٩.\n(^٩) في ش: الإنسان.\n(^١٠) \"ا\": \"خلق ابن آدم\".\n(^١١) في مسلم: \"أنه خلق كل إنسان من بني آدم\" و\"خلق كل إنسان\".\n(^١٢) في المطبوعة، ش: \"ذكر\" وما أثبتناه عن الأصل هو الموافق لما في مسلم.","vol":"2","page":703},{"text":"وهلّل الله وسبَّح الله [واستغفر الله] (^١) وعزل حجرًا عن طريق المسلمين (^٢) أو عزل شوكة أو عزل عظْمًا (^٣) أو أمر بمعروف أو نهى عن منكر عدد تلك الستين والثلاثمائة السُّلامَى (^٤) أمسى (^٥) من يومه وقد زَحْزَحَ نفسَهُ من النار\" (^٦).\n* * *\n• وخرَّج مسلم أيضًا من رواية أبي الأسود الدِّيليِّ (^٧)، عن أبي ذر، عن النبي - ﷺ -، قال:\n\"يُصْبِح على كل سُلامَى أحدكم صدقةٌ، فكلُّ تسبيحة صدقة، وكلُّ تحميدة صدقةٌ، وكلُّ تهليلَةٍ صدقةٌ، وكلُّ تكبيرةٍ صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروف صدقةٌ، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ، ويُجزِئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى\" (^٨).\n• وخرَّج الإمام أحمد (^٩) وأبو داود (^١٠) من حديث بريدة عن النبي - ﷺ - قال:\n• \"في الإنسان ثلاثمائة وستون مَفْصِلًا فعليه أن يتصدَّقَ عن كلِّ مَفْصِلٍ منه بصدقة\"\n_________\n(^١) ما بين القوسين من مسلم.\n(^٢) مسلم: \"الناس\".\n(^٣) مسلم: \"أو شوكة أو عظما عن طريق الناس\"، وأمر، وفي رواية: \"أو أمر\".\n(^٤) هكذا في مسلم، \"ا\": \"الثلاثمائة السلامى\" والمعروف في المعرف بأل أن يضاف إلى المقرون بها أو تنكير الأول وتعريف الثاني، ولكن متى صحت الرواية فهي القياس، وفي م: \"الثلاث المائة السلامى\".\n(^٥) مسلم: \"فإنه يمشي يومئذ وقد … \" وفي رواية: \"فإنه يمسي\".\n(^٦) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة: باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف ٢/ ٦٩٧.\n(^٧) في المطبوعة \"الديلمي\" وهو تحريف فهو أبو الأسود الديلي [بكسر المهملة وسكون التحتانية] ويقال الدؤلي [بدال مضمومة بعدها همز مفتوحة] البصري القاضي، اسمه ظالم بن عمرو بن سفيان … بن الديل، ويقال اسمه عمرو بن عثمان، ويقال: عثمان بن عمر.\nروى عن عمر ومعاذ وأبي ذر وغيرهم وروى عنه ابنه أبو حرب، وعبد الله بن بريدة ويحيى بن يعمر وغيرهم.\nولي قضاء البصرة، وكان من كبار التابعين وثقاتهم، وهو واضع علم النحو، أسلم على عهد النبي - ﷺ -، وقاتل مع علي يوم الجمل وهلك في ولاية عبيد الله بن زياد وقيل في طاعون سنة ٦٩ هـ.\n(^٨) في المطبوعة: \"ويجزئ من ذلك ركعتا الضحى يركعهما\" وما أثبتناه عن الأصل هو الموافق لما عند مسلم.\nوالحديث في صحيح مسلم: كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب استحباب صلاة الضحى، وأن أقلها ركعتان، وأكملها ثمان ركعات، وأوسطها أربع ركعات أو ست، والحث على المحافظة عليها ٢/ ٤٩٩.\n(^٩) أورده المنذري في الترغيب والترهيب ١/ ٤٦١ - ٤٦٢ و٣، ٦١٨ عن أحمد وأبي داود وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما.\nوهو عند أحمد في المسند ٥/ ٣٥٤ (حلبي) من حديث زيد عن حسين، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بنحوه وفي ٥/ ٣٥٩ من وجه آخر بنحوه كذلك.\n(^١٠) في كتاب الأدب: باب إماطة الأذى عن الطريق ٤/ ٤٨٩.","vol":"2","page":704},{"text":"قالوا: \"ومن يطيق ذلك يا نبي الله! \" قال: \"النُّخاعةُ في المسجد تَدْفِنها، والشيء تُنَحِّيه عن الطريق، فإن لم تجِدْ فركعتا الضحى تجزئُكَ\".\n* * *\n• وفي الصحيحين عن أبي موسى (^١) عن النبي - ﷺ - قال:\n\"على كل مسلمٍ صدقةٌ\" قالوا: \"فإن لم يجد؟ \" قال: \"فيعمل بيده فينفع نفسه، ويتصدَّق\" قالوا: \"فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ \" قال: \"يُعين ذا الحاجة الملهوف\" قالوا: \"فإن لم يفعل؟ \" قال: \"فليأمر بالمعروف\" قالوا: \"فإن لم يفعل؟ \" قال: \"فليُمْسِك عن الشر فإنه له صدقة\".\n* * *\n• وخرَّج ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس ﵄، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"على كل مِيسَمٍ (^٢) من ابن آدم صدقةٌ كلَّ يومٍ\" فقال رجل من القوم: ومن يطيق هذا؟ قال: \"أمر بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن المنكر صدقةٌ، والحمل على الضعيف صدقةٌ، وكلُّ خُطوةٍ يخطوها أحدكم إلى الصلاة صدقةٌ\" (^٣).\n* * *\n• وخرجه البزار وغيره، وفي روايةٍ (^٤).\n\"على كُلِّ مِيسمٍ من الإنسان صدقةٌ كلَّ يوم أو صلاةٌ\" فقال رجل: هذا من أشَدِّ ما أَتيْتَنَا بِهِ؟! فقال: \"إن أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر صلاةٌ أو صدقةٌ، وحملك عن\n_________\n(^١) البخاري في كتاب الزكاة: باب على كل مسلم صدقة، فمن لم يجد فليعمل بالمعروف ٣/ ٢٤٣ وفي كتاب الأدب: باب كل معروف صدقة ١٠/ ٣٧٤.\nومسلم في كتاب الزكاة: باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف ٢/ ٦٩٩ كلاهما باختلاف يسير.\n(^٢) الميسم من الوسامة وهي الحسن والجمال، والمراد بما في الحديث أن على كل عضو موسوم بصنع الله صدقة، قال ابن الأثير: هكذا فسر، إن كان محفوظًا، النهاية ٤/ ٣٨٠، واللسان ١٦/ ١٢٢.\n(^٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب البر والإحسان: باب الصدق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ذكر كِتْبَةِ الله جل وعلا: الصدقة لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ إذا تعرى فيهما عن العلل ١/ ٢٥٩ من الإحسان بهذا النص إلا أن فيها: \"على كل منسم\" وهو تحريف.\n(^٤) في م: \"وفي مسنده رواية\".","vol":"2","page":705},{"text":"الضعيف صلاةٌ، وإنحاؤك القذر عن الطريق صلاةٌ، وكل خُطْوَة تَخْطُوها إلى الصلاة صلاة\".\n• وفي رواية البزار:\n\"وإماطةُ الأذى عن الطريق صدقةٌ أو قال: صلاةٌ\" (^١).\n* * *\n• قال بعضهم: يريد بالميسَم كلَّ عضو على حدة، مأخوذ من الوَسْم، وهو العلامة؛ إذ ما من عظْمٍ ولا عِرْقٍ ولا عَصَبٍ إلا وعليه أثرُ صُنْعِ الله ﷿؛ فيجب على العبد الشكرُ على ذلك، والحمدُ لله على خلقه سويًّا صحيحًا.\nوهذا هو المراد بقوله ﵊: \"كلَّ يوم\" لأن الصلاة تحتوي على الحمد والشكر والثناء.\n* * *\n• وخرَّج الطبراني من وجه آخر عن ابن عباس - رَفَعَ الحديثَ إلى النبي - ﷺ - قال: \"على كلِّ سُلامَى أو على كل عضو من بني آدم في كل يوم صدقة ويجزئ من ذلك كله ركعتا الضحى\" (^٢).\n• ويروي من حديث أبي الدرداء عن النبي - ﷺ - قال:\n\"على كل (^٣) نفس في كل يوم صدقة\" قيل: فإن كان لا يجد شيئًا؟ قال: \"أليس\n_________\n(^١) أخرجه البزار في كتاب الزكاة: أبواب صدقة التطوع: باب ما يؤجر فيه المؤمن ويكتب له به صدقة ١/ ٤٥٤ من الكشف ح ٩٥٦ من طريق بشر بن معاذ العقدي، عن يحيى بن أبي عطاء، عن عكرمة بن عمار، عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ -: إن تبسمك في وجه أخيك يكتب لك به صدقة، وإن إفراغك من دلوك في دلو أخيك يكتب لك به صدقة، وبه قال: إن أمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر يكتب لك به صدقة، وإماطتك الأذى عن الطريق يكتب لك به صدقة، وإرشادك للضال يكتب لك به صدقة\".\nقال البزار: لا نعلم رواه عن عكرمة؛ إلا يحيى وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ١٣٤ - ١٣٥ عن البزار والطبراني في الأوسط من حديث ابن عمر وقال: وفيه يحيى بن أبي عطاء وهو مجهول.\nفالحديث ضعيف الإسناد.\n(^٢) الطبراني في الأوسط بإسناد ضعيف، ففيه مجهول، راجع التيسير بشرح الجامع الصغير ٢/ ١٣٤.\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٢٣٧ من حديث ابن عباس ﵄ وقال: رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه من لم أجد له ترجمة.\n(^٣) ليست في ر.","vol":"2","page":706},{"text":"بصيرًا شهمًا فصيحًا صحيحا؟ \" قال: بلى قال: \"فَيُعْطِي (^١) من قليله وكثيره، وإنّ بَصرَك للمنقوص بصره صدقة، وإنّ سمعك للمنقوص سمعُه صدقة\".\n• وقد ذكرنا في شرح الحديث الماضي حديث أبي ذر الذي خرّجه ابن حبان في صحيحه: أن النبي - ﷺ - قال:\n\"ليس من نفس ابن آدم؛ إلا عليها صدقة في كل يوم طلعت فيه الشمس\" قيل: يا رسول الله! ومن أين لنا صدقةٌ نتصدَّقُ بها؟ قال: \"إن أبواب الخير لكثيرة: التسبيحُ، والتحميدُ، والتكبيرُ، والتهليلُ، والأمرُ بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتميطُ الأذى عن الطريق، وتُسْمِعُ الأصمَّ، وتهدي الأعمى، وتدلّ المستدِلّ على حاجته، وتسعَى بشدَّة ساقَيْكَ مع اللَّهْفَان المستغيث، وتَحْمِلُ بشدة ذراعيك مع الضعيف، فهذا كلُّه صدقةٌ منك على نفسك\" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-939>[على كل سلامى صدقة]:</span>\nفقوله - ﷺ -: \"كل سُلَامَى من النَّاس عليه صدقة\".\n• قال أبو عبيد: \"السُّلَامَى في الأصل عظْمٌ يكون في فِرْسِنِ البعير، قال: فكأن معنى الحديث: على كل عظْمٍ من عظام ابن آدم صدقة\".\nيشير أبو عبيد إلى أن السُّلَامَى اسمٌ لبعض العظام الصغار التي في الإبل ثم عُبِّر بها عن العظام في الجملة بالنسبة إلى الآدمي وغيره.\nفمعنى الحديث عنده: على كل عظم من عظام ابن (^٣) آدم صدقة.\n• وقال غَيْرُه: \"السُّلامَى عظم في طرف اليد والرجل، وكنى (^٤) بذلك عن جميع عظام الجسد\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-940>[السلامى]:</span>\nوالسُّلَامَى جمع، وقيل: هو مفرد، وقد ذكر علماء الطب أن جميع عظام البدن\n_________\n(^١) الفاء: ليست في ر.\n(^٢) مضى ص ٦٩١.\n(^٣) م: \"بني\".\n(^٤) م: \"وكفى\" وهو تحريف.","vol":"2","page":707},{"text":"مائتان وثمانية وأربعون عظمًا سوى السمسمانيات (^١) وبعضهم يقول: هي ثلاثمائة وستون عظمًا، يظهر منها للحس مائتان وخمسة وستون عظمًا، والباقية صغار لا تظهر، وتسمّى السُّمسُمانية.\nوهذه الأحاديث تصدق هذا القول.\nولعل السُّلامَى عُبِّر بها عن هذه العظام الصغار، كما أنها في الأصل اسمٌ لأصغر ما في البعير من العظام، ورواية البزار لحديث أبي هريرة (^٢) تشهدُ لهذا؛ حيث قال فيها:\n\"أو ستة وثلاثون سُلامَى\".\n• وقد خرّجه غير البزار (^٣) وقال فيه:\n\"إن في ابن آدم ستمائة وستين عظمًا\".\nوهذه الرواية غلط.\nوفي حديث عائشة وبريدة ذكر ثلاثمائة وستين مفصلًا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-941>[معنى الحديث ومغزاه]:</span>\n• ومعنى الحديث أن تركيب هذه العظام وسلامتها من أعظم نعم الله على عبده، فيحتاج كل عظم منها إلى صدقة يتصدق ابن آدم عنه؛ ليكون ذلك شكرًا لهذه النعمة.\nقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ (^٤).\nوقال الله ﷿: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ (^٥).\nوقال: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (^٦).\nوقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) السمسمان والسمسماني بضم السينين: الخفيف اللطيف السريع.\n(^٢) تقدم ص ٧٠٣.\n(^٣) عقب الحديث السابق وص ٧٠٥.\n(^٤) سورة الانفطار: ٦ - ٨.\n(^٥) سورة الملك: ٢٣.\n(^٦) سورة النحل: ٧٨.\n(^٧) سورة البلد: ٨، ٩.","vol":"2","page":708},{"text":"<span data-type='title' id=toc-942>[من مأثور السلف]:</span>\n• قال مجاهد: هذه نعم من الله متظاهرة يقررك بها، كيما تشكُرَ.\nوقرأ الفضيل هذه الآية ليلة؛ فبكى فسئل عن بكائه فقال: هل بِتَّ ليلةً شاكرًا لله أن جعل لك عينين تبصر بهما؟ هل بِتَّ ليلةً شاكرًا لله أن جعل لك لسانًا تنطق به؟.\nوجعل يعدد من هذا الضرب.\n* * *\n• وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن سلمان الفارسي قال: إن رجلًا بُسِط له من الدنيا فانتُزع ما في يديه، فجعل يحمد الله ﷿، ويُثْنِي عليه، حتى لم يكن له فراشٌ إلا بُورِي (^١)، فجعل يَحْمَدُ الله، ويثني عليه - وبُسِط لآخر من الدنيا، فقال لصاحب البُوري: أرأيتك أنت علام تحمد الله ﷿؟ قال: أحمد الله على ما لو أعطيت به ما أعطى الخلق لم أعطهم إيّاهُ؟! قال: وما ذاك؟ قال: أرأيت بصرَك؟ أرأيت لسانك؟ أرأيت يديك؟ أرأيت رجليك؟ (^٢).\n* * *\n• وبإسناده عن أبي الدرداء أنه كان يقول: الصحة غَنَاءُ الجسد (^٣).\n* * *\n• وعن يونس بن عبيد أن رجلًا شكا إليه ضيقَ حاله، فقال له يونس: أيسرّك أن لك ببصرك هذا الذي تبصر به مائةَ ألف درهم؟ قال الرجل: \"لا\" قال: \"فبيديك مائة ألف درهم؟ \" قال: \"لا\" قال: فرجليك؟ قال: \"لا\"، قال - فذكّره نعم الله عليه، فقال يونس: أرى عندك مئين ألوفًا - وأنت تشكو الحاجة! (^٤).\n* * *\nوعن وهب بن منبه قال: مكتوبٌ في حكمة آل داود: \"العافية: الملك الخفي\" (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) في ر: بورئ، والبورئ والباريّ: الحصير، فارسي معرب؛ المعجم الوسيط ١/ ٧٥.\n(^٢) الأثر في: \"الشكر\" لابن أبي الدنيا ص ٤٨ - ٤٩.\n(^٣) المرجع السابق ص ٥٠.\n(^٤) أورده أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٢ بأتم من هذا.\n(^٥) الشكر لابن أبي الدنيا ص ٥٨.","vol":"2","page":709},{"text":"• وعن بكر المزني قال: يا ابن آدم! إن أردتَ أن تعلم قدْرَ ما أنعم الله عليك فغمِّضْ عينيك (^١).\n• وفي بعض الآثار: كم من نعمة لله في عرق ساكن (^٢)!.\n• وفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبي - ﷺ - قال:\n\"نعمتان مغبونٌ فيهما كثير من الناس: الصِّحَّةُ والفراغ\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-943>[حق شكر هذه النعم]:</span>\nفهذه النعم مما يُسأل الإنسان عن شكرها يوم القيامة ويُطالَب بها؛ كما قال تعالى:\n﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (^٤).\n• وخرَّج الترمذي وابن حبان من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"إن أولَ ما يُسأل العبدُ عنه يومَ القيامة من النعيم فيقال له (^٥): ألم نُصِحَّ لك جسمك، ونرويك من الماء البارد؟ \" (^٦).\n* * *\n• وقال ابن مسعود ﵁: النعيم: الأمن والصحة. وروي عنه مرفوعًا، وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ (^٧) قال: النعيم: صحة الأبدان والأسماع والأبصار، يَسْأَلُ الله العباد فيم استعملوها؟ وهو أعلم بذلك منهما وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ (^٨).\n* * *\n• وخرَّج الطبراني من رواية أيوب بن عتبة (^٩) وفيه ضعف - عن عطاء، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -:\n_________\n(^١) المرجع السابق ص ٨٤.\n(^٢) انظر المرجع نفسه ص ٦٩ - ٧٠ والحلية ١/ ٢١٠ وهو فيها من قول أبي الدرداء.\n(^٣) في أول كتاب الرقاق ١١/ ٢٢٩.\n(^٤) سورة التكاثر: ٨.\n(^٥) \"ا\": \"فيقول\" والترمذي: \"أن يقال له\" وعند ابن حبان: \"أول ما يقال؛ ألم أصحح لك .. وأرويك .. \".\n(^٦) الترمذي في كتاب التفسير: سورة التكاثر ٥/ ٤٤٨ وقال: هذا حديث غريب، والإحسان ١٦/ ٣٦٤ - ٣٦٥ بلفظ: \"أول ما يقال للعبد يوم القيامة\".\n(^٧) سورة: التكاثر: ٨.\n(^٨) سورة الإسراء: ٣٦. وراجع فيما روي عن ابن مسعود وابن عباس تفسير ابن كثير ٤/ ٥٤٦.\n(^٩) م: \"عقبة\" وهو تحريف؛ فهو أيوب بن عتبة أبو يحيى، قاضي اليمامة. روى عن يحيى بن أبي كثير، وعطاء، وقيس بن طلق الحنفي وجماعة. وروى عنه أبو داود الطيالسي ومحمد بن الحسن وأحمد بن يونس وغيرهم. =","vol":"2","page":710},{"text":"\"من قال لا إله إلا الله كان له بها عهدٌ عند الله، ومن قال سبحان الله وبحمده كُتِبَ له بها مائةُ ألف حسنة، وأربعة وعشرون ألف حسنة\"، فقال رجل: كيف نهلك بعد هذا؟ يا رسول الله! قال: \"إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وُضع على جَبَلٍ لأثقله، فتقوم النعمة من نعم الله فتكادُ أن تستنفد ذلك كلَّه إلا أن يتطاولَ اللهُ برحمته\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-944>[المقاصة بين الطاعة والنعمة]:</span>\n• روى ابن أبي الدنيا بإسناد فيه ضعف أيضًا (^٢) عن أنس عن النبي - ﷺ - قال:\n\"يؤتى بالنعم يوم القيامة، وبالحسنات والسيئات، فيقول الله لنعمة من نعمه: خُذِى حقكِ من حسناته، فما تترك له حسنة إلا ذهبت بها\".\n* * *\n• وبإسناده عن وهب بن منبه (^٣) قال: عَبَدَ الله عابدٌ خمسين عامًا، فأوحى الله ﷿: إني قد غفرتُ لك. قال: يا ربِّ! وما تغفرُ لي؟ ولم أذنبْ؟ فأَذن الله ﷿ لعرق في عنقه فضرب عليه، فلم ينم ولم يصلّ، ثم سكن وقام فأتاه مَلَكٌ فشكا إليه ما لقِي من ضَرَبات العِرْق، فقال الملَك: إن ربكَ ﷿ يقول: عبادتك خمسين سنة تعدل سكون ذلك العرق.\n* * *\n• وخرج الحاكم هذا المعنى مرفوعًا من رواية سليمان (^٤) بن هرم القرشي عن محمد\n_________\n= قال عنه الترمذي، عن البخاري: ضعيف جدًّا، لا أحدث عنه، وقال النسائي: مضطرب الحديث، وقال الآجري، عن أبي داود: منكر الحديث، وقال ابن حبان: كان يخطئ كثيرًا ويهم حتى فحش الخطأ منه. ومات سنة ١٦٠.\nوترجمته في تهذيب التهذيب ١/ ٤٠٨ - ٤١٠.\n(^١) أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ٤٢١ - ٤٢٢ عن الطبراني وقال أيضًا بإسناد فيه نظر. وأورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٥٧ - ٣٥٨ أطول من هذا وفيه قصة من حديث ابن عمر عن الطبراني في الأوسط إلا أن فيه: ومن قال سبحان الله كتب له مائة حسنة … الحديث.\nثم قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه أيوب بن عتبة وهو ضعيف وفيه توثيق [و] لين.\n(^٢) في الشكر ص ٢٠.\n(^٣) المرجع المذكور ص ٦٩ - ٧٠، والحلية ٤/ ٦٨.\n(^٤) في المطبوعة: \"سلمان\" وهو تحريف؛ فهو سليمان بن هرم يروي عن محمد بن المنكدر، وعنه الليث بن سعد. قال الأزدي: لا يصح حديثه. وانظر ترجمته في الميزان ٢/ ٢٢٧.","vol":"2","page":711},{"text":"ابن المنكدر عن جابر عن النبي - ﷺ - أن جبرائيل أخبره:\n\"أن عابدًا عَبَد الله على رأس جبل في البحر خمسَمائة سنة، ثم سأل ربَّه أن يَقْبضه - وهو ساجد. قال: فنحن نمر عليه إذا هبطنا وإذا عرَّجنا ونجدُ في العلم أنه يبعث يوم القيامة، فيوقَفُ بين يدي الله ﷿ فيقول الله ﷿: \"أدخِلوا عبدي الجنة برحمتي\" فيقول العبد: \"يا ربّ! بعملي\" ثلاث مرات، ثم يقول الله للملائكة: \"قايسوا عبدي بنعمتي عليه، وبعمله\" فيجدون نعمة البصر قد أحاطت بعبادة خمسمائة سنة، وبقيت نعم الجسد له فيقول: أدخلوا عبدي النار فيجر إلى النار، فينادي ربَّه: \"برحمتك أدخلني الجنة! برحمتك أدخلني الجنة! \" فيدخله الجنة - قال جبرائيل: \"إنما الأشياء برحمة الله يا محمد\" (^١).\nوسليمان بن هرم، قال العقيلي: هو مجهول وحديثه غير محفوظ.\nوروى الخرائطي بإسناد فيه نظر عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا:\n\"يؤتى بالعبد (^٢) يوم القيامة فيوقف بين يدي الله ﷿\" فيقول للملائكة: \"انظروا في عمل عبدي، ونعمتي عليه\" فينظرون فيقولون: \"ولا بقدر نعمة واحدة من نعمك عليه\" فيقول: \"انظروا في عمله: سيئه وصالحِهِ\" فينظرون فيجدونه كفافًا، فيقول: \"عبدي قد قبلتُ حسناتِك، وغفرتُ سيئاتِك، وقد وهبتُ لك نِعَمِي فيما بين ذلك\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-945>[والمقصود من ذلك]:</span>\n• والمقصود أن الله تعالى أنعم على عباده بما لا يحصونه كما قال تعالى: ﴿وَإِن\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١ - بسياق أطول - وصححه وعارضه الذهبي فقال: لا والله! وسليمان غير معتمد.\nوقد أورد الذهبي الحديث في الموضع المذكور آنفا في الميزان عن الحاكم أيضًا ثم قال: لم يصح هذا، والله تعالى يقول: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾. ولكن لا ينجي أحدًا عمله من عذاب الله كما صح، بل أعمالنا الصالحة هي من فضل الله علينا ومن نعمه، لا بحول منا ولا بقوة، فله الحمد على الحمد له. ا هـ. وسيأتي في الحديث التاسع والعشرين مزيد بيان لعلاقة دخول الجنة بالعمل.\nوقد ترجم العقيلي في الضعفاء الكبير ٢/ ١٤٤ ت ٦٣٨ لسليمان بن هرم هذا الذي طعن في الحديث بسببه فلم يزد على أن ذكر ما سيورده ابن رجب بشأنه ثم ساق هذا الحديث من طريق وكأنه يريد ليقول: إن سليمان بن هرم مجهول وحديثه بعامة غير محفوظ ولا سيما هذا الحديث، وهو بسياقه الذي أورده ابن رجب عن الحاكم.\n(^٢) في ر: بعبد.","vol":"2","page":712},{"text":"تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ (^١) وطلب منهم الشكر ورضي به منهم.\n• قال سليمان التيمي: \"إن الله أنعم على العباد على قدره، وكلّفهم الشكر على قدْرهم، حتى رضي منهم من الشكر بالاعتراف بقلوبهم بنعمه، وبالحمد بألسنتهم عليها\".\n• كما خرجه أبو داود والنسائي (^٢) من حديث عبد الله بن غنام ﵁، عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n\"من قال حين يصبح: اللهم! ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر ذلك اليوم، ومن قالها حين يمسي؛ أدى شكر ليلته\".\n• وفي رواية للنسائي عن عبد الله بن عباس ﵄ (^٣).\n* * *\n• وخرّجَ الحاكم من حديث عائشة ﵂، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"ما أنعَمَ الله على عبدٍ نعمةً، فَعَلم أنها من عنْدِ الله؛ إلا كَتَبَ الله شُكْرَها قبل أن يَشْكُرَها، وما أذنبَ عبدٌ ذنبًا فَنَدِمَ عليه؛ إلا كتَبَ الله له مغفرتَهُ قبْل أن يستغفره\" (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) سورة النحل: ١٨.\n(^٢) أبو داود في كتاب الأدب: باب ما يقول إذا أصبح ٤/ ٤٣٥، والنسائي في عمل اليوم والليلة ح ٨ ص ٢١.\n(^٣) يظهر أن ابن رجب يقصد أن يقول: إن للحديث طريقًا آخر من حديث ابن عباس وإن ذلك جاء في رواية أخرى للحديث عند النسائي.\nفأما أن للحديث رواية أخرى من حديث ابن عباس فذلك صحيح.\nوأما أن ذلك في رواية للنسائي فلا؛ إذ أَنّ حديث ابن عباس لم يروه النسائي؛ وإنما رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة ص ١٢ ح ١٠ ورواه ابن حبان في صحيحه: كتاب الرقائق: باب الأذكار: ذكر الشيء الذي إذا قاله المرء عند الصباح كان مؤديا لشكر ذلك اليوم ٢/ ١١١ من الإحسان.\n(^٤) راجع المستدرك ٤/ ٢٥٣ فقد أخرج في هذا الموضع الشطر الأخير من الحديث وصححه لكن الذهبي ضعفه ببعض رواته، وهو هشام بن أبي زياد؛ حيث قال: إنه متروك.\nوأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد: ١٠/ ١٩٩ تاما عن الطبراني في الأوسط من حديث عائشة لكن من طريقين ضعيفين كذلك.\nولفظه عنده: \"من أصاب ذنبا فندم غفر الله ﷿ له ذلك الذنب من قبل أن يستغفره، ومن أنعم الله عليه نعمة فعلم أنها من الله كتب الله شكرها من قبل أن يحمده عليها، ومن كساه الله ثوبا فعلم أن الله هو الذي كساه لم يبلغ الثوب ركبتيه حتى يغفر له\" وعقب عليه بقوله: رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين في أحدهما بزيع بن حسان أبو الخليل، وفي الآخر سليمان بن داود المنقري وكلاهما ضعيف.","vol":"2","page":713},{"text":"<span data-type='title' id=toc-946>[من المأثور في شكر النعمة]:</span>\n• وقال أبو عمرو الشيباني: قال موسى ﵊ يوم الطور: \"يارَبِّ! إن أنا صلَّيتُ فمنِ قِبَلكَ، وإن أنا تصدقتُ فمنْ قِبَلكَ، وإن أبا بلَّغتُ رسالاتِك فمنِ قِبَلك فكيف أشكرك؟ \" قال: \"الآن شكرتني (^١) \".\n* * *\n• وعن الحسن قال: قال موسى ﵇: \"يا رب! كيف يستطيع آدم أن يؤدِّيَ شُكْرَ ما صنعت إليه؟ خلقْتَه بيدك، ونَفَخْت فيه من رُوحِكَ، وأسْكَنْتَه جنَّتَكَ، وأمرتَ الملائكة فسجدُوا له؟ \" فقال: \"يا موسى! عَلِم أن ذلك مني فحَمدني عليه، فكان ذلك شُكْرًا لما صَنَعْتُه (^٢) \".\n* * *\n• وعن أبي الجلْد، قال: قرأتُ في مسألة داود ﵇ أنه قال: \"أي رب (^٣)! كيف لي أن أشكُرَكَ وأنا لا أَصِلُ إلى شكرك إلا بنعمتك؟ \" قال: فأتاهُ الوحي أن: \"يا داودُ! ألَيْس تعلمُ أن الذي بك من النعم مِنّي؟ \" قال: \"بلى؛ يا رب! \" (^٤) قال: \"فإني أرضى بذلك شُكْرًا\" (^٥).\n• قال: وقرأتُ في مسألة موسى ﵇ قال: ياربِّ! كيف لي أن أشَكرَك؟ وأصْغَرُ نعمة وضعتَها عندي من نعمك لا يُجَازِي بها عملي كلُّه.\nقال: فأَتاه الوحي أن: \"يا موسى الآن شكرتني\".\n• وقال بكر بن عبد الله: ما قال عبدٌ قطّ: \"الحمد لله\" مرةً؛ إلا وجبتْ عليه نعمةٌ بقوله \"الحمد لله\" فما جزاءُ تلك النعمة؟ جزاؤها أن يقول: \"الحمد لله\" فجاءت نعمة أخرى، فلا تنفد نعماء الله (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) الشكر لابن أبي الدنيا ص ١٤.\n(^٢) المرجع السابق ص ١٦ بنحوه.\n(^٣) في ر \"يا رب! \".\n(^٤) م: \"قال بلى، قال\".\n(^٥) الشكر لابن أبي الدنيا ص ١٣ - ١٤.\n(^٦) الشكر لابن أبي الدنيا ص ١٤.","vol":"2","page":714},{"text":"<span data-type='title' id=toc-947>[هل الحمد أفضل من النعمة؟]:</span>\n• وقد روى ابن ماجه من حديث أنس ﵁ مرفوعًا (^١) إلى رسول الله - ﷺ -.\n\"ما أنَعَمَ اللهُ على عبدٍ نعمة فقال: الحمدُ لله إلا كان الذي أعطاه أفضلَ مما أَخَذَ\".\n* * *\n• ورُوِّينَا نحوه من حديث شهر بن حوشب، عن أسماء بنتِ يزيدَ مرفوعًا أيضًا.\n• ورُوِي هذا عن الحسنِ البصريّ من قوله.\n* * *\n• وكتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز إليه: \"إني بأرضٍ قد كَثُرَتْ فيها النّعم؛ حتى لقد أشفقْتُ على أهلها من ضَعْفِ الشُّكْرِ\".\nفكتب إليه عمر: \"إني قد كنتُ أراك أعْلَمَ بالله مما أنتَ. إن الله لم ينعمْ على عبدٍ نعمةً فحمد الله عليها إلا كان حَمْدُهُ أفضل من نعمِهِ لو كنت لا تعرف ذلك إلا في كتاب الله المنزل، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (^٢) وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ﴾ (^٣).\nوأيُّ (^٤) نعمة أفضل من دخول الجنة؟ \".\n* * *\n• وقد ذكر ابنُ أبي الدنيا في كتاب \"الشكر\"، عن بعض العلماء: أنه صوّب هذا القول. أعني قولَ مَنْ قال: إن الحمدَ أفضلُ من النعم.\n• وعن ابن عيينة أنه خَطَّأ قائله، وقال: لا يكون فعلُ العبد أفضلَ من فعل الرب ﷿.\n* * *\n_________\n(^١) في كتاب الأدب: باب فضل الحامدين ٢/ ١٢٥٠ وقال صاحب الزوائد: هذا إسناد حسن في إسناده شبيب بن بشر مختلف فيه. وشبيب بن بشر هو راوي الحديث عن أنس.\nوانظر مصباح الزجاجة ٢/ ٢٦٢.\n(^٢) سورة النمل: ١٥.\n(^٣) سورة الزمر: ٧٣، ٧٤.\n(^٤) ر: \"فأيّ\".","vol":"2","page":715},{"text":"<span data-type='title' id=toc-948>[ابن رجب ينتصر لتفضيل الحمد]:</span>\n• ولكن الصواب قول من صوَّبَهُ؛ فإن المراد بالنعم: النعم الدنيوية كالعافية والرزق والصّحة، وَدَفْعِ المكروه، ونحو ذلك، والحمد هو من النعم الدينيّة وكلاهما نعمةٌ من الله لكن نعمة الله على عبده بهدايته لشكر نعمه بالحمد عليها أفضل من نعمه الدنيوية على عبده؛ فإن النعم الدنيوية إن لم يقترن بها الشكر كانت بليّة، كما قال أبو حازم:\n\"كل نعمة لا تقرّبُ من الله فَهي بليَّةٌ (^١) \".\n* * *\nفإذا وفق الله عبده للشكر على نعمه الدنيوية بالحمد أو غيره من أنواع الشكر كانت هذه النعمة خيرًا من تلك النّعم، وأحبَّ إلى الله ﷿؛ فإن الله يحبُّ المحامِد ويرضى عن عبده أن يأكل الأكْلةَ فيحْمَدَهُ عليها، ويشربَ الشَّرْبة فيحمَدَهُ عليها (^٢)، والثناءُ بالنعم، والحمدُ عليها، وشكرُهَا عند أهل الجود والكرم أحبُّ إليهم من أموالهم، فهم يبذُلونها طلبًا للثناء، والله ﷿ أكرمُ الأكرمين، وأجودُ الأجودين، فهو يبذل نِعَمَه لعباده، ويَطْلُبُ منهم الثناءَ بها، وذِكْرَها، والحمدَ عليها، ويَرْضى منهم بذلك شكرًا عليها، وإن كان ذلك كلُّه من فضله عليهم، وهو غير محتاج إلى شُكْرهم، لكنه يحبُّ ذلك من عباده؛ حيث كان صَلاحُ العبد وفلاحُه وكماله فيه.\nومن فضله سبحانه: أنه نسب الحمدَ والشُّكْرَ إليهم، وإن كان من أعظم نعمِهِ عليهم. وهذا كما أنه أعطاهم ما أعطاهم من الأموال ثم استقْرَضَ منهم بعضه، ومدحهم بإعطائه؛ والكل مِلْكه، ومن فضله، ولكن كرمه اقتضى ذلك.\n* * *\n• ومن هنا يعلم معنى الأثر الذي جاء مرفوعًا وموقوفًا (^٣).\n\"الحمد لله حمدًا يُوافي نِعَمَهُ ويُكافئ مزيدَه\".\n_________\n(^١) الشكر ص ١٨.\n(^٢) كما جاء في الحديث الذي رواه أنس بن مالك عن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة، أو يشرب الشربة فيحمده عليها\".\nأخرجه الترمذي في كتاب الأطعمة: باب ما جاء في الحمد على الطعام إذا فرغ منه ٤/ ٢٦٥.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\n(^٣) راجع الترغيب والترهيب ٢/ ٤٢٨. وقد ذكر المنذري أن البخاري رواه في الضعفاء من حديث ابن عمر.","vol":"2","page":716},{"text":"<span data-type='title' id=toc-949>[كل سلامى عليه صدقة]:</span>\n• ولنرجع الآن إلى تفسير حديث \"كلُّ سُلامى من الناس عليه صَدَقةٌ كلَّ يوم تَطْلعُ فيه الشّمسُ\".\n* يعني أن الصدقة على ابن آدم عن (^١) هذه الأعضاء في كل يوم من أيام الدنيا؛ فإن اليوم قد يُعبَّر به عن مدة أزيد من ذلك كما يقال يوم صِفَّينِ، وكان مدةَ أيام، وعن مطلق الوقت كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ (^٢).\n* * *\n• وقد يكون ذلك ليلًا ونهارًا، فإذا قيل كل يوم تطلع فيه الشمس علم أن هذه الصدقة على ابن آدم في كل يوم يعيش فيه من أيام الدنيا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-950>[درجات الشكر]:</span>\n• وظاهر الحديث يدل على أن هذا الشكر بهذه الصدقة واجبٌ على المسلم كل يوم، ولكن الشكر على درجتين.\n\n<span data-type='title' id=toc-951>[الدرجة الأولى]:</span>\n• إحداهما واجب، وهو أن يأتي بالواجبات، ويَجْتَنِبَ المحارم - فهذا لابد منه، ويكفي في شكر هذه النعم، ويدل على ذلك ما خرجه أبو داود من حديث أبي الأسود الدِّيلي قال كنا عند أبي ذر فقال:\n\"يُصبحُ على كل سُلامَى من أحدِكم في كل يوم صدقةٌ؛ فله بكل صلاةٍ صدقةٌ، وصيامٌ صدقةٌ، وحجٌّ صدقةٌ، وتسبيحٌ صدقةٌ، وتكبيرٌ صدقةٌ، وتحميدٌ صدقةٌ. فعدَّ رسول الله - ﷺ - من هذه الأعمال الصالحات (^٣)، ثم (^٤) قال: \"يجزئ أحَدكم من ذلك ركعتا الضحى\" (^٥).\n* * *\n_________\n(^١) م: \"من\".\n(^٢) سورة هود: ٨.\n(^٣) في السنن: \"الصالحة\".\n(^٤) غير موجودة في ر.\n(^٥) م: \"وقال\".","vol":"2","page":717},{"text":"• وقد تقدم في حديث أبي موسى المخرَّج في الصحيحين:\n\"فإن لم يفعل فلْيُمسكْ عن الشر؛ فإنه له صدقة\" (^١).\nوهذا يدلُّ على أنه يكفيه أن لا يفعل شيئًا من الشر، وإنما يكون مجتنبًا للشر إذا قام بالفرائض، واجتنب المحارم؛ فإن أعظم الشر تركُ الفرائض.\n* * *\n• ومن هنا قال بعضُ السلف: \"الشكر ترك المعاصي\".\n* * *\n• وقال بعضهم: \"الشكرُ أن لا يُسْتعان بشيء من النعم على معصيته\".\n• وذكر أبو حامد الزاهد [أنّ] شُكر الجوارح كلها: أن (^٢) تُكفَّ عن المعاصي وتُسْتَعْمَلَ في الطاعات، ثم قال: \"وأمَّا من شكَرَ بلسانه، ولم يشكُرْ بجميع أعضائه، فمثَلُه كمثَل رجُلٍ له كِسَاء، فأَخَذَ بطرَفه، فلم يلبسه فلم ينفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر\".\n* * *\n• وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم؟: \"لينظر العبد في نعم الله عليه (^٣) في بدنه وسمعه وبصره ويديه ورجليه وغير ذلك. [و] ليس من هذا شيء؛ إلا وفيه نعمةٌ من الله ﷿ حقٌّ على العبد أن يعمل بالنعمة التي (^٤) هي في بدنه لله ﷿ في طاعته، ونعمةٌ أخرى في الرزق حقٌّ عليه أن يعمل لله ﷿ فيما أَنعمَ عليه من الرزق في طاعته؛ فمن عمل بهذا كان قد أخذ بحزم (^٥) الشكر وأصله وفرعه\".\n* * *\n• ورأى الحسن رجلا يتبختر في مشيته فقال: \"لله في كل عضو منه نعمة: اللهم لا تجْعَلْنا ممن يتَقَوّى بنعمتك على معصيتك\".\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة: باب صلاة الضحى ٢/ ٦١ - ٦٢.\n(^٢) ب: \"وأن\" وما بين القوسين زيادة يتضح بها المعنى أو يقال: إن قوله: \"وذكر\" بمعنى: وقال.\n(^٣) سقطت من ب.\n(^٤) ب: \"اللاتي\".\n(^٥) الحزم: ضبط الأمر والأخذ فيه بالثقة.","vol":"2","page":718},{"text":"<span data-type='title' id=toc-952>[الدرجة الثانية]:</span>\n• الدرجة الثانية من الشكر: الشكر المستحب، وهو أن يعملَ العبد بعد أداء الفرائض، واجتناب المحارم، بنوافل الطاعات.\n• وهذه درجةُ السابقين المقرَّبين، وهي التي أرشد إليها النبي - ﷺ - في هذه الأحاديث التي سبق ذكرها، وكذلك كان النبي - ﷺ - يجتهد في الصلاة، ويقوم حتى تتفطّر قدماه فإذا قيل: لم تَفْعَلُ هذا وقد غُفِرَ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: \"أفلا أكون عبدًا شكورًا؟ \" (^١).\n• وقال بعض السلَف: لما قال الله ﷿: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (^٢): لم يأت عليهم ساعةٌ من ليل أو نهارٍ؛ إلا وفيهم مصلٍّ يصلّي.\nوهذا مع أن بعضَ هذه الأعمال التي ذكرها النبي - ﷺ - واجبٌ: إما على الأعيان كالمشي إلى الصلاة عند من يرى وجوبَ الصلاة في الجماعات في المساجد، وإما على الكفاية؛ كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإغاثة اللهفان، والعدل بين الناس، إما في الحكم بينهما، أو في الإصلاح؛ فقد رُوِي حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي - ﷺ - قال:\n\"أفَضَلُ الصّدقة إصلاحُ ذَاتِ البَيْنِ (^٣) \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-953>[هذه الأنواع متعد وقاصر]:</span>\n• وهذه الأنواع التي أشار إليها النبي - ﷺ - من الصدقة منها ما نفعه متعدٍّ كالإصلاح، وإعانة الرجل على دابته بحمله عليها (^٤) لرفع متاعه عليها، والكلمة الطيبة، ويدخُلُ فيَها السلامُ، وتشميتُ العاطس، وإزالة الأذى عن الطريق، والأمْرُ بالمعروف والنهيُ عن المنكر، ودفْنُ النخاعة في المسجد، وإعانة ذي الحاجة الملهوف، وإسْماع الأصم،\n_________\n(^١) كما هو مروي من حديث لعائشة متفق عليه.\n(^٢) سورة سبأ: ١٣. والخبر في الشكر ص ٣٩.\n(^٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٨٠ عن البزار والطبراني ثم ضعفه بأحد رواته وهو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم وأورده المنذري في الترغيب ٣/ ٤٨٩ عنهما لكن حسنه بشاهد عن أبي الدرداء. وفي ر: \"قد روي من حديث عبد الله بن عمر\" وفيه خطأ في اسم الراوي.\n(^٤) أو رفع متاعه عليها.","vol":"2","page":719},{"text":"وتبصيرُ المنقوص بصرهُ (^١)، وهداية الأعمى أو غيره الطريق.\n• وجاء في بعض روايات أبي ذر: \"وبيانك عن الأرتَمِ (^٢) صدقة\" يعني من لا يطيق الكلام، إما لآفة في لسانه. أو لعُجْمَةٍ في لغته فيبيِّنُ عنه ما يحتاج إلى بيانه.\n• ومنه ما هو قاصر النَّفْع كالتسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهليل، والمشي إلى الصلاة، وصلاة ركعتي الضحى.\nوإنما كانتا مجزئتين عن ذلك كله؛ لأن في الصلاهَ استعمالًا للأعضاء كُلِّها في الطاعة والعبادة، فتكونُ كافيةً في شكر نعمة سلامى هذه الأعضاء (^٣).\nوبقية هذه الخصال المذكورة أكثرها استعمال لبعض أعضاء البدن خاصة فلا تكمل الصدقة بها حتى يأتي منها بعدد سلامى البدن، وهي ثلاثمائة وستون كما في حديث عائشة ﵂ وعن أبويها (^٤).\nوفي المسند عن ابن مسعود ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"أتدرون أي الصدقة أفضل أو أخير؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم قال: \"المنيحة (^٥) أن تمنح أخاك الدراهم، أو ظهر الدابة، أو لبن الشاة، أو لبن البقرة\" (^٦).\nوالمراد بمنيحة الدَّراهم قَرْضُها، ومنيحة ظهر الدابة إفقارها وهو إعارتها لمن يركبها، ومنيحة لبن الشاة أو البقرة أن يَمَنحَهُ بقرةً أو شاةً يشربُ لبنَها ثم يعيدها إليه.\nوإِذا أطلقت المنيحة لم تنصرف؛ إلا إلى هذا.\n• وخرّج الإمام أحمد والترمذي من حديث البراء بن عازب ﵁، عن\n_________\n(^١) ر: \"والبصر للمنقوص\".\n(^٢) م: \"الأثم\" وهو تحريف، قال في النهاية (٢/ ١٩٤، ١٩٦) الأرتم كذا وقع في الرواية، فإن كان محفوظا فلعله من قولهم: رتمت الشيء إذا كسرته، ويكون معناه معنى الأرتِّ وهو الذي لا يفصح الكلام ولا يصححه ولا يبينه، وإن كان بالثاء فهو أيضًا الذي لا يصحح كلامه ولا يبينه لآفة في لسانه أو أسنانه، وأصله من رثيم الحصى، وهو ما دق منه بالأخفاف، أو من رثمت أنفه إذا كسرته حتى أدميته، فكأن فمه قد كسر فلا يفصح في كلامه، وقد مضى ص ٦٩١.\n(^٣) م: \"شكر سلامى هذه\" \"ا\": \"شكر نعمة سلامة هذه\".\n(^٤) تقدم ص ٧٠٣.\n(^٥) م: \"المنحة\" وكذا في مثيلاتها الآتية، يقال المنيحة والمنحة والرواية: المنيحة.\n(^٦) أخرجه أحمد في المسند بإسناد صحيح كما أفاده الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ١٣٣ وهو في مسند أحمد ١/ ١٦٤ (الحلبي) ولفظه: أتدرون أي الصدقة أفضل؟ قالوا: الله ورسوله أعلم: قال: المنيحة أن يمنح أحدكم أخاه الدرهم أو ظهر الدابة، أو لبن الشاة، أو لبن البقرة.","vol":"2","page":720},{"text":"النبي - ﷺ - قال:\n• \"من منح منيحة لبن أو وَرِق أو هَدَى (^١) زُقَاقًا كان له مثل عتق رقبة\" (^٢).\n• وقال الترمذي: معنى قوله: \"من منح منيحة وَرِقٍ\" إنما يعني به قرْض الدراهم، وقوله: أو هَدَى زُقَاقًا؛ إنما يعني به هداية الطريق، وهو إرشاد السبيل.\n* * *\n• وخرّج البخاري (^٣) من حديث حسان بن عطية، عن أبي كبشة السَّلُولي، قال: سمعتُ عبدَ الله بن عمر ﵄ يقول: قال رسولُ الله - ﷺ -: \"أربعون خَصْلَةً أعلاها منيحةُ العَنْز ما من عامل يعمل بَخْصلهٍ منها رجاء ثوابها وَتَصْديِقَ مَوْعُودِها إلا أدخله الله بها الجنةَ\".\n• قال حسان بن عطية: فعدَدْنا ما دُونَ منيحة العَنْز من رَدِّ السلام، وتَشْمِيتِ العاطِس، وإماطَةِ الأذى عن الطريق ونحوه، فما استطعنا أن نبلغ خمسَ عشرةَ خصلة (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-954>[من حق المجتمع في مال المسلم]:</span>\n• وفي صحيح مسلم عن جابر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"حَق الإبل حَلْبُها على الماء، وإعارةُ دلوها، وإعارة فَحْلها، ومَنِيحتُهَا، وحملٌ عليها في سبيَل الله\" (^٥).\n_________\n(^١) م: \"أهدى\" وهو تحريف، وكذا الآتية.\n(^٢) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في المنحة ٤/ ٣٤٠ - ٣٤١ وقال حديث حسن صحيح غريب. وأخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٧٢، ٢٨٥، ٢٨٧، ٢٩٦، ٣٠٠، ٣٠٤ (الحلبي) من وجوه عن البراء بن عازب والنعمان بن بشير، وحديث النعمان في الموضع الأول فحسب وفيه: \"أهدى زقاقا\" من الهدية بمعنى من أهدى سكة من النخل أما في حديث البراء فالرواية: \"هدى\" من هداية الضال أو الأخذ بيده في نحو الزقاق وهو الطريق الضيق وإعانته على اجتيازه، وقد ضبط في المسند في الموضع الأخير بتشديد الدال وأشار إليها ابن الأثير وقال: أما من المبالغة في الهداية أو من الهدية أي من تصدق بزقاق من النخل وهو السكة والصف من أشجاره، نهاية ٥/ ٢٥٤ وتحفة الأحوذي ٤/ ١٣٣ وقد أورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٨٥ بسياقه كاملًا، عن أحمد في المسند وذكر أن رجاله رجال الصحيح.\n(^٣) في صحيحه: كتاب الهبة ح ٢٦٣١.\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب الهبة: باب فضل المنيحة ٥/ ٢٤٢.\n(^٥) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة: باب إثم مانع الزكاة ٢/ ٦٨٥ بنحوه في سياقه مطولًا.","vol":"2","page":721},{"text":"وخرّج الإمام أحمد من حديث جابر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"كل معروفٍ صدقة، ومن المعروف أن تلقى أخاكَ بوجهٍ طَلْقٍ، وأن تُفْرِغ من دَلوك في إنائه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-955>[وكل نفقة فعلى الله خلفها]:</span>\nوخرّجه الحاكم وغيره بزيادة وهي:\n\"وما أنفقَ المرءُ على نفسه وأهله كُتِبَ له به صدقة، وما وَقَى به عِرْضَهُ كُتِبَ له به صدقة، وكلُّ نفقة أنفقها المؤمنُ فعلى الله خَلَفها ضامنٌ إلا نفقةً في معصية أو بنيان\" (^٢).\nوفي المسند عن أبي جُرَيّ (^٣) الهُجَيْمي، قال: سألت النبي - ﷺ - عن المعروف فقال: \"لا تحقِرَنَ من المعروف شيئًا ولو أن تُعطِيَ صِلَةَ الحبْل، ولو أن تُعْطِي شِسْعَ النَّعْلِ، ولو أن تُفْرِغَ من دَلْوك في إناء المستَسْقي، ولو أن تُنَحِّي الشيءَ من طريق الناس يؤذيهم، ولو أن تلقى أخاكَ ووَجْهكَ إليه منطلق، ولو أن تلقى أخاكَ فتسلم عليه، ولو أن تؤنسَ الوَحْشَانَ في الأرض!! \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-956>[من الصدقة كف الأذى]:</span>\nومن أنواع الصدقة: كفُّ الأذى عن الناس باليد واللسان؛ كما في الصحيحين (^٤)، عن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: قلتُ: يا رسولَ الله! أي الأعمال أفضلُ؟ قال: \"الإيمانُ بالله، والجهادُ في سبيل الله (^٥) \". قلت: فإن لم أفعل؟ قال: \"تُعينُ صانعًا\n_________\n(^١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ١٣٦ عن أحمد وقال: في إسناده أحمد بن محمد بن المنكدر، وثقه أحمد وغيره، وضعفه النسائي وغيره؛ فالحديث حسن.\n(^٢) راجع مجمع الزوائد في الموضع السابق، فقد أورده مختصرًا عن أحمد وهو ما أشرنا إلى روايته وتعليقه، وأورده عن أبي يعلى مطولا ثم قال في إسناده مسور بن الصلت وهو ضعيف.\n(^٣) م: \"أبي حرى الجهني\" وهو تحريف، فهو أبو جري الهجيمي بالتصغير في كليهما واسمه جابر بن سليم له صحبة، وهو من بني أنمار بن الهجيم بن عمرو بن تميم، روى عن النبي - ﷺ -، وروىَ عنه أبو تميمة الهجيمي، وسهم بن المعتمر؛ ومحمد بن سيرين وغيرهم.\nراجع ترجمته في الاستيعاب ٤/ ١٦٢٠، وتهذيب التهذيب ١٢/ ٥٤.\nوالحديث في المسند ٥/ ٦٣ - ٦٤ من وجوه بنحوه. وقد مضى تخريجه ص ٦٨٧ - ٦٨٨.\n(^٤) مضى الحديث ص ٦٩٠.\n(^٥) ر: \"سبيله\".","vol":"2","page":722},{"text":"أو تصنعُ لأَخْرَقَ\" قلتُ: أرأيتَ إن ضعفتُ عن بعض العمل؟ قال: \"فكُفُّ شَرَّك عن الناس؛ فإنَّها صَدَقة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-957>[والشرط إخلاص النية لله ﷿]:</span>\nوفي صحيح ابن حبان عن أبي ذر ﵁ قال: قلتُ: \"يا رسول الله! دُلَّني على عمل إذا عَمِلَ به العبد دخلَ الجنة، قال: \"يُؤمِنُ بالله\" قال: قلتُ: يا رسول الله! إن مع الإيمان عملًا؟ قال: \"يَرْضَخُ (^١) مما رَزَقهُ الله\"، قلت: فإن (^٢) كان مُعْدمًا لا شيء له، قال: \"يقولُ معروفًا للسانه\" قلت: فإن كان عَييًّا لا يُبْلغُ عنه لسانُه\"؟ قال: \"فيعينُ مغلوبًا\" قلت: فإن كان ضَعيفًا لا قدرةَ له؟ قال: \"فلْيَصْنع لأَخْرَقَ\" (^٣) قلت: فإن كان أخرقَ؟ فالتفت إليَّ فقال: \"ما تريد أن تدَع في صاحبك شيئًا من الخير؟ فلْيَدع الناس من أذاه\" قلت: يا رسول الله! إن هذا كلّه لِيَسير!؟ قال: \"والذي نفسي بيده! ما من عَبْدٍ يَعملُ بخَصْلةٍ منها يريد بها ما عند الله؛ إلا أخَذَتْ بيده يوم القيامة حتَّى يدخُلَ الجنَّةَ\" (^٤).\nفاشترط في هذا الحديث لهذه الأعمال كلها إخلاص النية كما في حديث عبد الله بن عمرو (^٥) الذي فيه ذكر الأربعين خصلة.\nوهذا كما في قوله ﷿: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) الرضخ: العطية القليلة.\n(^٢) ر: \"وإن\".\n(^٣) الخرق: الجهل والحمق،: معنى قوله: \"تصنع لأخرق\" أي لجاهل بما يجب أن يعمله، ولم يكن في يديه صنعة يكتسب بها، النهاية ٢/ ٢٦.\n(^٤) الحديث عند ابن حبان في الصحيح: كتاب البر والصلة والإحسان: ذكر الخصال التي يستوجب المرء بها الجنان من بارئه جل وعلا ١/ ٢٩٥ - ٢٩٦ من الإحسان وفيه بعض الاختلافات بألفاظ مقاربة.\n(^٥) راجع ما رواه أحمد في المسند ٩/ ٢٥٢ (المعارف) بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: أربعون حسنة، أعلاها منيحة العنز، لا يعمل عبد أو قال رجل بخلة منها، رجاء ثوابها، أو تصديق موعودها؛ إلا أدخله الله بها الجنة\".\nوالحديث عند البخاري: كتاب الهبة: باب فضل المنيحة ٥/ ١٨٦ - ١٨٧ وفيه: \"أربعون خصلة، أعلاهن منيحة العنز، ما من عامل يعمل: بخصلة منها رجاء ثوابها، وتصديق موعودها؛ إلا أدخله الله بها الجنة … الحديث. وعند أبي داود، في كتاب الزكاة: باب المنيحة ٢/ ١٧٥.\n(^٦) سورة النساء: ١١٤.","vol":"2","page":723},{"text":"<span data-type='title' id=toc-958>[وقيل يؤجر وإن لم يكن له نية]:</span>\nوقد روي عن الحسن وابن سيرين: أن فعل المعروف يؤجَرُ عليه وإن لم يكن فيه نية.\nسئل الحسن عن الرجل يسأله آخر حاجة وهو يُبغضهُ؛ فيعطيه حياءً هل له فيه أجر؟ فقال: \"إن ذلك لمن المعروف، وإن في المعروف لأجرًا\".\nخرّجه حُميْدُ بن زنجويه.\nوسئل ابن سيرين عن الرجل يتبعُ الجِنازة لا يتبعها حِسْبَةً، يتبعها حياءً من أهلها، أله في ذلك أجر؟ فقال: أجر واحد؟ بل له أجران: أجر لصلاته على أخيه، وأجر لصلته الحيّ.\nخرَّجه أو نُعيم في الحِليَة (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-959>[ومن الصدقة أداء حقوق المسلم]:</span>\nومن أنواع الصدقة: أداء حقوق المسلم على المسلم وبَعْضُها مذكورٌ في الأحاديث الماضية.\nففى الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"حق المسلم على المسلم خمسٌ: ردُّ السلام، وعيادةُ المريض، واتباعُ الجنائز، وإجابةُ الدعوة، وتَشْمِيتُ العاطس (^٢) \".\nوفي رواية لمسلم:\n\"للمسلم على المسلم ست\". قيل: ما هُنَّ؟ يا رسول الله! قال: \"إذا لقيته تُسَلم عليه، وإذا دعاكَ فأَجِبْه، وإِذا استَنْصَحَك فانصحْ له، وإذا عطَس فحمِدَ الله فشمِّتْهُ، وإذا مَرِضَ فَعُدْه، وإذا مات فاتَّبِعْهُ\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٢/ ٢٦٤ من حديث حصين بن أبي بكر الباهلي والحكم بن سنان: كلاهما عن يحيى عن عتيق، قال: قلت لمحمد بن سيرين: قال الرجل يتبع الجنازة … فذكره.\n(^٢) البخاري في كتاب الجنائز: باب الأمر باتباع الجنائز ٣/ ٩٠.\nومسلم في كتاب السلام: باب من حق المسلم للمسلم رد السلام ٤/ ١٧٠٤.\n(^٣) عقب الرواية السابقة ٤/ ١٧٠٥ وفيه: \"حق المسلم على المسلم ست .. فسلم .. \".","vol":"2","page":724},{"text":"وفي الصحيحين عن البراء بن عازِب (^١) ﵁ قال:\nأمَرنَا رسولُ الله - ﷺ - بسبع: \"بعيادة المريض، واتّباع الجنازة، وتَشْمِيت العاطس، وإِبرار القَسَم، ونصرِ المظلوم، وإِجابةِ الداعي، وإفشاءِ السلام\".\nوفي رواية لمسلم (^٢).\n\"وإرشاد الضال\" بدل \"إِبرار القسم\".\n\n<span data-type='title' id=toc-960>[والمشي بحقوق الآدميين]:</span>\nومن أنواع الصَّدَقة المشْي بحقوق الآدميين الواجبة إليهم؛ قال ابن عباس ﵄: \"من مشى بحق أخيه إليه ليقْضِيهُ، فله بكُلِّ خُطْوةٍ صَدَقة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-961>[وإنظار المعسر]:</span>\nومنها إِنظارُ المعْسِر.\nوفي المسنَد، وسُنن ابن ماجه (^٣) عن بُرَيدَةَ مرفوعًا:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب اللباس والزينة: باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء وخاتم الذهب والحرير على الرجل، وإباحته للنساء وإباحة العلم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربعة أصابع ٣/ ١٦٣٥ - ١٦٣٦.\nوفيه: \"وإبرار القسم أو المقسم … ونهانا عن خواتيم أو عن تختم بالذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر، وعن القسي، وعن لبس الحرير، والاستبرق والديباج\".\nوأخرجه البخاري في كتاب الجنائز: باب الأمر باتباع الجنائز ٣/ ٨٧.\nوفي كتاب المظالم: باب نصر المظلوم ٥/ ٧٥ وفي كتاب النِّكاح: باب حق إجابة الوليمة والدعوة ٩/ ١٩٨ وفي كتاب الأشربة: باب آنية الفضة ١٠/ ٧٩ - ٨٠ وفي كتاب المرضى: باب وجوب عيادة المريض ١٠/ ٩٢ وفي كتاب اللباس باب لبس القسي ١٠/ ٢٤١ وباب الميثرة الحمراء ١٠/ ٢٥٢ وباب خواتيم الذهب ١٠/ ٢٥٩ وفي كتاب الأدب: باب تشميت العاطس ١٠/ ٤٩٦ وفي كتاب الاستئذان: باب إفشاء السلام ١١/ ١٥ وفي كتاب النذور: باب قول الله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ ١١/ ٤٥٨ مختصرًا ومطولًا.\n(^٢) عقب الرواية السابقة. وفي م: \"وإرسناد الضال\" وهو تحريف.\n(^٣) ابن ماجه في كتاب الصدقات: باب إنظار المعسر ٢/ ٨٠٨ من طريق الأعمش، عن نقيع بن الحارث عن بريدة الأسلمي. وقد عقب صاحب الزوائد بقوله: في إِسناده نفيع بن الحارث الأعمى الكوفي، متفق على ضعفه.\nوهو عند أحمد في المسند ٥/ ٣٦٠ (الحلبي) من طريق عفان، عن عبد الوارث، عن محمد بن جحادة، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول:\n\"من أَنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة، قال: ثم سمعته يقول: \"من أنظر معسرا فله بكل يوم مثلاه صدقة\" قلت: سمعتك يا رسول الله! تقول: \"من أنظر معسرا فله بكل يوم مثله صدقة، ثم سمعتك تقول: من أَنظر معسرا فله بكل يوم مثلاه صدقة\" قال: \"له بكل يوم مثله صدقة قبل أن يحل الدين، فإذا =","vol":"2","page":725},{"text":"\"من أنظر مُعْسرًا فله بكل يوم صَدَقةٌ قبل أن يَحُلَّ الدَّيْنُ؛ فإذا حَلَّ الدَّينُ، فأَنظَرَهُ فَله بكلِّ يوم مثْلُه صدقة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-962>[والرفق بالحيوان]:</span>\nومنها: الإحسان إلى البهائم؛ كما قال النبي - ﷺ - لما سئل عن سقيها فقال: \"في كل كَبِدٍ رَطْبةٍ أجر\" (^١).\nوأخبر النبيُّ - ﷺ -: أن بَغِيًّا سَقَت كلْبًا يلهَثُ من العطش فغُفِرَ لها (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-963>[من أمثلة الصدقة القاصرة]:</span>\n• وأما الصدقة القاصرة على نفس العامل فمثل أنواع الذكرِ من التسبيح، والتكبير، والتحميد، والتهْليل، والاستغفار، والصلاة على النبي - ﷺ -، وكذلك تلاوة القرآن، والمشى إلى المساجد، والجلوس فيها لانتظار الصلاة أو لاستماع الذكر.\n• ومن ذلك: التواضع في اللباسِ والمشي والهدى والتبذل (^٣) في المهنة، واكتسابُ الحلال، والتحرّي فيه.\n• ومنها أيضًا محاسبة النفس على ما سلفَ من أعمالها، والندمُ، والتوبةُ من الذنوب السالفة، والحزنُ عليها، واحتقار النفس والإزرَاءُ عليها، ومقتها في الله عز\n_________\n= حل الدين فأنظره فله بكل يوم مثلاه صدقة\".\nورواية أحمد - هذه تزيل ما في رواية ابن ماجه من إبهام.\nوقد أوردها الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١٣٥ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.\n(^١) أخرجه البخاري في الأدب: باب رحمة الناس والبهائم ١٠/ ٤٣٨ ومسلم ٤/ ١٧٦١ كلاهما من حديث أبي هريرة.\n(^٢) متفق عليه: بخاري: ٦٠ أنبياء: ٥٤ باب حدثنا أبو اليمان ومسلم: ٣٩ - السلام: ٤١ فضل ساقي البهائم ٤/ ١٧٦١ كلاهما من حديث أبي هريرة.\n(^٣) قال في النهاية ١/ ١١١: \"التبذل: ترك التزين والتهيؤ بالهيئة الحسنة الجميلة، على جهة التواضع\".\nيعني ترك المبالغة في ذلك؛ فإن الله جميل يحب الجمال.\nوالمقصود أن لا يستعلي المرء على المهنة التي تؤهله لها مواهبه الفطرية والمكتسبة مهما تكن هذه المهنة، وكل ميسِرٌ لما خلق له، والمقصود كذلك أن لا يستعلي رئيس العمل أو قائد الموقع عن أن يشارك ولو في بعض الأحايين مرؤسيه في أعمالهم، فيلبس كما يلبسون، ثم يتحرك بينهم عاملا وموجها ومرشدا، فيدير لهذا آلته، ويحل لذلك مشكلته، فهذا أمر يزيد - ولا ريب - من نشاط العاملين، ويضاعف من طاقتهم وإنتاجهم. لمثل هذا فليعمل العاملون، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.","vol":"2","page":726},{"text":"وجل، والبكاءُ من خشية الله تعالى، والتفكرُ في ملكوت السموات والأرض، وفي أمور الآخرة، وما فيها من الوعد والوعيد، ونحو ذلك مما يزيد الإيمان في القلب؛ وينشأ عنه كثيرٌ من أعمال القلوب كالخشيةِ والمحبةِ والرجاءِ والتوكّل وغير ذلك.\n• وقد قيل: إن هذا التفكّرَ أَفضَلُ من نوافلِ الأعمال البدنية.\nرُوي ذلك عن غير واحد من التابعين منهم: سعيدُ بن المسيَّب، والحسن، وعمر بن عبد العزيز.\nوفي كلام الإمام أحمد ما يدل عليه.\n• وقال كعب: \"لأن أبكي مِنْ خَشية الله أحبُّ إليّ من أن أتصدق بوَزْني ذهبا (^١) \".\n* * *\n_________\n(^١) صفة الصفوة ٤/ ٢٠٤ من حديث عبد الله بن شقيق العقيلي عن كعب أنه قال: \"لأن أبكي من خشية الله حتى تسيل دموعي على وجنتي أحب إليّ من أن أتصدق بوزني ذهبا، والذي نفس كعب بيده ما بكَى عبد من خشية الله حتى تقع قطرة من دموعه إلى الأرض فتمسه النار أبدًا حتى يعود قطر السماء الذي وقع إلى الأرض من حيث جاء، ولن يعود أبدًا\".","vol":"2","page":727},{"text":"<span data-type='title' id=toc-964>الحديثِ السابع والعشرون</span>\nعَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ - قَالِ:\n\"الْبِرُّ حُسْنُ الخُلق، وَالإِثمُ مَا حَاكَ في نَفْسكَ، وَكرِهْت أَنْ يَطَّلعَ عَلَيْهِ النَّاسُ\".\nرَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n* * *\nوَعَنْ وَابِصَةَ بن معبَد ﵁ قال: أَتَيتُ رَسُولَ الله - ﷺ - فَقَالَ: \"جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْبِرِّ وَالإثمِ؟ قُلْت: نَعَمْ، قَالَ: \"اسْتَفْتِ قَلْبَكَ؛ الْبِرُّ مَا اطمَأَنَّتْ إِليهِ النَّفْسُ، واطمَأَنَّ إليهِ الْقَلْبُ. والإِثْم مَا حَاكَ في النَّفس وَتَرَدَّدَ في الصَّدْر، وَإِن أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ\".\nقَالَ الشَّيخ ﵀: حَديثٌ حَسَنٌ رُوِّينَاهُ في مُسنَدَيِ الإِمامَينْ: أَحْمَدَ بِنِ حَنْبل، وَالدَّارمِيِّ بإسْنَاد حَسَنَ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-965>[تخريج الحديث]:</span>\n• أما حديث النوَّاس بن سمعان فخرجه مسلم (^١) من رواية معاوية بن صالح عن عبد الرحمن بن جُبَير (^٢) بن نفير عن أبيه (^٣) عن النوَّاس.\nومعاوية، وعبد الرحمن، وأبوه تفرَّد بتخريج حديثهم مسلم، دون البخاري.\n* * *\n• وأما حديث وابصة فخرجه الإمام أحمد من طريق حَمّاد بن سَلَمهَ، عن الزبير أبي\n_________\n(^١) في كتاب البر والصلة والآداب: باب تفسير البر والإثم ٤/ ١٩٨٠.\n(^٢) في المطبوعة: \"عبد الرحمن بن حبيب\" وفيها تحريف واضح؛ فهو عبد الرحمن بن جبير بن نفير الحضرمي، أبو حميد، ويقال أبو حمير الحمصي.\nروى عن أبيه، وأنس بن مالك، وخالد بن معدان، وغيرهم. وروى عنه معاوية بن صالح وثور بن يزيد، وإسماعيل بن عياش وجماعة.\nوثقه النسائي وأبو زرعة وابن حبان، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وقال ابن سعد: كان ثقة وبعض الناس يستنكر حديثه.\nوكانت وفاته سنة ١١٨ وترجمته في تهذيب التهذيب ٦/ ١٥٤ وتهذيب الكمال ٢/ ٧٨٠.\n(^٣) سقطت من المطبوعة.","vol":"2","page":729},{"text":"عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز، عن وابصة بن معبد (^١) قال:\n\"أتيتُ رسولَ الله - ﷺ - وأنا أريدُ أن لا أدع شيئًا من البر والإثم إلا سأَلتهُ عنه فقال لي: \"ادْنُ يا وابصةُ! \" فدنوتُ منه حتى مَسَّتْ رُكْبتي ركبتَه؛ فقال: \"يا وابصة! أُخبرك ما جئتَ تَسْأَلُ عنه أو تَسْألني؟ \" قلتُ: يا رسول الله! أخبرني. قال: \"جئتَ تسألُني عن البر والإثم\"؟ قلت: نعم، فجمع أصابعه الثلاث؛ فجعل يَنْكُتُ بِهَا في صدري، ويقول: \"يا وابِصَة! استفت نَفْسَكَ: البر ما اطمأَنّ إليه القلب، واطمأنت إليه النفس، والإِثم ما حاكَ في القلب، وتردَّد في الصَّدْرِ، وإن أفتاكَ النَّاسُ وأَفْتَوكَ!؟ \".\n* * *\n• وفي رواية أخرى للإمام أحمد: أن الزبير لم يسمعه من أيوب، وقال: حدثني جلساؤه، وقد رأيته.\n• ففي إسناد هذا الحديث أمران يوجب كلُّ منهما ضعفه:\nأحدهما: انقطاعه بين الزبير وأيوب؛ فإنه رَوَاهُ عن قوم لم يسمعهم.\nوالثاني: ضعف الزبير هذا.\n• قال الدارقطني: روى أحاديثَ مناكير، وضَعّفَهُ ابن حبان أيضًا، لكنه سماه أيوب بن عبد السلام؛ فأخطأ في أسمه.\n• وله طريق آخر عن وابصة، خرجه الإمام أحمد أيضًا، من رواية معاوية بن صالح عن أبي عبد الله السُّلَمِيّ، قال: سمعتُ وابصَةَ؛ فذكر الحديث مختصرًا، ولفظه قال:\n\"البرُّ ما انشرح له صَدْرُك، والإِثم ما حاكَ في صدركَ، وإن أفتاكَ عنه النّاس\" (^٢).\n_________\n(^١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٩٤ من حديث وابصة بنحوه ثم قال: رواه الطبراني وأحمد باختصار عنه، ورجال أحد إسنادي الطبراني ثقات. وهو عند أحمد في المسند ٤/ ٢٢٨ (الحلبي) من وجهين سيشير ابن رجب إلى ثانيهما عقب هذا.\n(^٢) أخرجه أحمد في السند ٤/ ٢٢٧ (الحلبي) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: سمعت وابصة بن معبد صاحب النبي - ﷺ - قال: جئت إلى رسول الله - ﷺ - أسأله عن البر والإثم، فقال: جئت تسأل عن البر؟ فقلت: والذي بعثك بالحق! ما جئت أسألك عن غيره!؟ فقال: البر ما انشرح له صدرك .. الحديث بالنص الذي ساقه ابن رجب وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٧٥ من حديث وابصة وقال: رواه أحمد والبزار، وفيه أبو عبد الرحمن السلمي.\nوقال في البزار: الأسدي عن وابصة، وعنه معاوية بن صالح، ولم أجد من ترجمه وقد وقع تحريف في المسند في اسم أبي عبد الله الأسدي حرف إلى: \"أبو عبد الرحمن السلمي\" وأبو عبد الرحمن السلمي لم يرو عن وابصة، وإنما روى عن جمع من الصحابة غيره؛ راجع تهذيب التهذيب ٥/ ١٨٣ - ١٨٤.","vol":"2","page":730},{"text":"والسُّلَمي هذا. قال عليُّ بن المديني: هو مَجْهول.\nوخرَّجه البزار والطبراني، وعندهما أبو عبد الله الأسدي، وقال البزار: لا نعلم أحدًا سمّاه. كذا قال:\nوقد سُمي في بعض الروايات محمدًا.\n• قال عبدُ الغني بن سعيد الحافظ: \"لو قال قائل: إنه محمدُ بنُ سعيد المصلوب لَما دَفعتُ ذلك\".\nوالمصلوبُ هذا صلَبه المنصور في الزندقة، وهو مشهور بالكذب والوضع، ولكنه لم يُدْركْ وابصة، والله أعلم.\n* * *\n• وقد رُويَ هذا الحديث عن النبي - ﷺ - من وجوه متعدِّدة، وبعض طُرُقهِ جيدة.\n• فخرّجه الإمام أحمد، وابنُ حبَّان في صحيحه من طريق يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن أبي أمامة قال: قال رجل: يا رسولَ الله! ما الإِثم؟ قال: \"إِذا حاكَ في صدرِكَ شيء فدَعْهُ\" (^١).\nوهذا إسنادٌ جيد على شرط مسلم فإنه خرج حديث يحيى بن كثير، عن زيد بن سلام، وأثبت أحمد سماعه منه وإن أنكره ابنُ معينٍ.\n• وخرّج الإمام أحمد (^٢) من رواية عبد الله بن العلاء بن زَبْر، قال: سمعتُ مُسْلم\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٥١ من حديث يحيى بن كثير، عن زيد بن سلام عن جده قال: سمعت أبا أمامة يقول سأل رجل النبي - ﷺ - فقال: ما الإثم؟ فقال: إذا حك في نفسك شيء فدعه، قال: فما الإيمان؟ قال: إذا ساءتك سيئتك وسرتك حسنتك فأنت مؤمن. وفي ص ٢٥٢ بهذا الإسناد عن أبي أمامة أن رجلا سأل رسول الله - ﷺ - ما الإيمان؟ قال: إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن قال: يا رسول الله! فما الإثم قال إذا حاك في نفسك شيء فدعه. وفي ص ٢٥٦ بمثل هذا الوجه الثاني.\nوأخرجه ابن حبان في الصحيح: كتاب الإيمان: باب فرض الإيمان: ذكر إطلاق اسم الإيمان على من أتى ببعض أجزائه ١/ ٢٠٠ - ٢٠١ من الإحسان بنحو الوجه الثاني عند أحمد.\n(^٢) المسند ٤/ ١٩٤ وفيه .. \"حدثنا عبد العلاء، قال: سمعت مسلم بن مشكم\" وهو تحريف وفي المطبوعة: \"عبد اللّه بن العلاء بن زيد، قال سمعت مسلم بن مسلم .. \" والتحريف فيها واضح.\nونص الحديث في المسند من رواية أبي ثعلبة قال: يا رسول الله! أخبرني بما يحل لي ويحرم علي؟ قال: فصعد النبي - ﷺ - وصوب في النظر، فقال النبي - ﷺ -: \"البر ما سكنت إليه النفس، وأطمأن إليه القلب والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون، وقال: لا تقرب الحمار الأهلي ولا ذا ناب من السباع\".","vol":"2","page":731},{"text":"ابن مِشْكَم قال: سمعتُ أبا ثعلبة الخشنيّ يقول: قلت يا رسول الله! أخبرني ما يحل لي ويحرُم عليَّ. قال: \"البِرُّ ما سكنَتْ إليه النفسُ، واطمأَنّ إليه القلبُ، والإِثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئنَّ إليه القلب، وإن أفتاك المفتون\".\nوهذا أيضًا إسناد جيد، وعبد الله بن العلاء بن زَبْر ثقة مشهور (^١).\nوخرَّج له البخاري (^٢).\nومسلم بن مشكم ثقة مشهور أيضًا.\n• وخرّج الطبراني وغيره بإسناد ضعيف من حديث واثلة بن الأسقع ﵁ قال: قلت للنبي - ﷺ -: أفتني عن أمرٍ لا أسألُ عنه أحدًا بعدَك؟ قال: \"استفْتِ نَفْسَك\" قلت: كيف لي بذاك؟ قال: \"تدعُ ما يَريبُك إلى مما لا يَرِيبُك، وإن أفتاك المفتون\" قلت: وكيف لي بذاك؟ قال: \"تَضعُ يَدَكَ على قلبك؛ فإنّ الفؤاد يسكُنُ للحلال، ولا يسكُنُ للحرام\" (^٣).\n• ويروَى نحوهُ من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف أيضًا.\n• وروى ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن سُويْدَ بن قيس أخبره عن عبد الرحمن بن معاوية أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! ما يحلّ لي وما يحرم عليَّ؟ - وردّدَ عليه ثلاث مرار كلُّ ذلك يسكت النبي - ﷺ - ثم قال: \"أين السائل؟ \" قال: أنا ذا يا رسول الله! فقال بأصابعه: \"ما أنكر قلبك فدَعْه\".\n• خرّجه أبو القاسم البغوي في معجمه وقال: لا أدري عبد الرحمن بن معاوية سمع من النبي - ﷺ - أم لا، ولا أعلم له غير هذا الحديث.\nقلت: هو عبد الرحمن بن معاوية بن خديج، جاء منسوبًا في كتاب الزهد لابن المبارك، وعبد الرحمن هذا تابعيٌّ مشهور؛ فحديثه مرسل.\n_________\n(^١) هو عبد الله بن العلاء بن زبر بن عطارد الربعي أبو زبر، ويقال أبو عبد الرحمن الدمشقي، قال أحمد بن حنبل: مقارب الحديث، ووثقه ابن معين وابن سعد ودحيم والدارقطني وابن حبان وكانت وفاته سنة ١٦٤ وترجمته في التهذيب ٥/ ٣٥٠.\n(^٢) في صحيحه؛ حيث وثقه وذكر المزي أن الجماعة رووا له سوى مسلم، تهذيب الكمال ٢/ ٧٢٠ - ٧٢١. ومسلم بن مشكم - راوي الحديث - هو أبو عبد الله الدمشقي كاتب أبي الدرداء.\nروى عن أبي الدرداء، ومعاوية، وأبي ثعلبة الخشني وغيرهم.\nقال العجلي: شامي ثقة، من خيار التابعين، وذكره ابن حبان في الثقات، راجع التهذيب ١٠/ ١٣٨ - ١٣٩.\n(^٣) أورده الهيثمي في الزوائد ١٠/ ٢٩٤ عن الطبراني مطولا وقال: وفيه عبيد بن القاسم، وهو متروك.","vol":"2","page":732},{"text":"وقد صح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: الإثم حوَّاز القلوب (^١).\n• واحتج به الإمام أحمد، ورواه عن جرير، عن منصور، عن محمد بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: قال عبد الله: \"إياكم وحَزَائزَ القلوب، وما حَزَّ في قلبك من شَيء فَدَعْهُ\".\n• وقال أبو الدرداء: \"الخير في طُمَأنينة والشَّر في ريبة\".\n• وروي عن ابن مسعود من وجه منقطع أنه قيل له: أرأيت شيئًا يَحيك في صدورنا، لا ندري: حلالُ هو أم حرام؟ فقال: \"إياكم والحكَّاكات؛ فإنهن الإثم (^٢) \".\nوالحزّ والحكّ متقاربان في المعنى.\nوالمراد ما أثر في القلب ضيقًا وحرَجًا ونفورًا وكراهَةً.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-966>[هذه الأحاديث]:</span>\n• فهذه الأحاديث اشتملت على تفسير البر والإثم. وبعضها فيه تفسيرُ الحلال والحرام.\n\n<span data-type='title' id=toc-967>[تفسير البر وكيف اختلف]:</span>\nفحديث النَّوَّاس بن سمعان فسّر النبي - ﷺ - فيه البرَّ بحسن الخلُق (^٣).\nوفسّره في حديث وابصةَ وغيرِه بما اطمأنّ إليه القلب والنفس، كما فسّر الحلال بذلك في حديث أبي ثعلبة.\n\n<span data-type='title' id=toc-968>[للبر معنيان]:</span>\n• وإنما اختلف تفسيرُهُ للبرِّ لأن البر؛ يُطلَق باعتبارين على مَعْنَيَين:\n_________\n(^١) حديث ابن مسعود \"الإثم حواز القلوب\" هي الأمور التي تحز فيها أي تؤثر، كما يؤثر الحز في الشيء، وهو ما يخطر فيها من أن تكون معاصي لفقد الطمأنينة إليها، وهي بتشديد الزاي: جمع حاز، ويروى بتشديد الواو \"الإثم حوَّاز القلوب\" أي يحوزها ويتملكها، ويغلب عليها ويروى \"الإثم حزاز القلوب\" بزايين: الأولى مشددة وهي فعال من الحز.\nالنهاية ١/ ٣٧٧ - ٣٧٨.\n(^٢) راجع النهاية ١/ ٤١٨، وغريب الحديث لابن الجوزي ١/ ٢٣٠ وغراس الأساس ص ٩٣ والقاموس المحيط ص ١٢٠٩ وقد ضبط الحكاكات بالفتح والتشديد، وفسرها بالوساوس؛ وبهذا يبين خطأ الضبط في غريب ابن الجوزي.\n(^٣) ص ٧٢٩.","vol":"2","page":733},{"text":"• أحدهما: باعتبار معاملة الخلق بالإِحْسَانِ إليهم، وربما خُصَّ بالإحسان إلى الوالدين؛ فيقال: بر الوالدين، ويطلق كثيرًا على الإحسان إلى الخلق عموما.\nوقد صنَّف ابن المبارك كتابًا سماه: \"كتاب البر والصلة\" وكذلك في \"صحيح البخاري\" و\"جامع الترمذي\": \"كتاب البر والصلة\"، ويتضمن هذا الكتاب: الإحسانَ إلى الخلق عمومًا، ويقدَّمُ فيه برُّ الوالدين على غيرهما.\n• وفي حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده أنه قال: يا رسول الله! من أبرُّ؟ قال: \"أُمَّكَ\" قال: ثم من؟ قال: \"ثم أباكَ\" قال: ثم من؟ قال: \"ثم الأقربَ فالأقربَ\" (^١).\n• ومن هذا المعنى قول النبي - ﷺ -: \"الحجُّ المبرور ليسَ له جزاءٌ؛ إلا الجنة\" (^٢).\nوفي المسند أنه - ﷺ -: \"سُئِلَ عن برّ الحج فقال: \"إطعامُ الطَّعام، وإفشاءُ السلام\" (^٣).\n• وفي رواية أخرى قال: \"وطيبُ الكلام\" (^٤).\n• وكان ابنُ عمرَ ﵄ يقول: \"البِر شيء هيّن: وَجْهٌ طليقٌ، وكلامٌ ليّنَ\" (^٥).\n• وإذا قُرِنَ البرُّ بالتقوى كما في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في بر الوالدين ٤/ ٣٠٩ وقال: وبهز بن حكيم هو أبو معاوية بن حيدة القشيري، وهذا حديث حسن وقد تكلم شعبة في بهز بن حكيم، وهو ثقة عند أهل الحديث، وروى عنه معمر، والثوري، وحماد بن سلمة، وغير واحد من الأئمة، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ١٥٠ وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبي.\n(^٢) رواه أحمد في المسند ٢/ ٢٤٦، ٤٦١، ٤٦٢، (الحلبي) من حديث أبي هريرة زاد في الموضع الأول: والعمرتان أو العمرة إلى العمرة يكفر ما بينهما، وفي الموضع الثاني والعمرتان تكفران ما بينهما من الذُّنوب ونصه في الموضع الأخير: \"العمرة تكفر ما بينها وبين العمرة، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وأخرجه البخاري في صحيحه: - ٢٦ كتاب العمرة ١ - باب العمرة. وجوب العمرة وفضلها ٣/ ٥٩٧ ح ١٧٧٣ ولفظه: العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣٢٥، ٣٣٤ (حلبي) من حديث محمد بن ثابت عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. قالوا: يا نبي الله! ما الحج المبرور؟ قال: \"إطعام الطعام، وافشاء السلام\" وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ٢٠٧ عن أحمد في هذين الموضعين وقال: فيه محمد بن ثابت: هو ضعيف.\n(^٤) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ٢٠٧ عن الطبراني في الأوسط فقط وقال: إسناده حسن.\n(^٥) المنتقى من كتاب مكارم الأخلاق للخرائطي ح ٦٩.\n(^٦) سورة المائدة: ٢.","vol":"2","page":734},{"text":"فقد يكون المراد بالبرّ: معاملةَ الخلق بالإحسان، بالتقوى: معاملة الحق؛ بفعل طاعته، واجتناب محرماته.\n* * *\nوقد يكونُ أريدَ بالبر فعلُ الواجبات، وبالتقوى اجتنابُ المحرمات.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (^١) قد يراد بالإثم: المعاصي، وبالعدوان: ظلم الخلق، وقد يراد بالإثم ما هو محرَّمٌ في نفسه كالزنا والسرقة، وشُرْبِ الخمر، وبالعدوان تجاوزُ ما أُذِن فيه إلى ما نُهِي عنه، مما جنسه مأذونٌ فيه كقتل من أُبيح قتله لقِصاص، ومن لا يباح، وأخذ زيادة على الواجب من الناس في الزكاة ونحوها، ومجاوزة الحدّ الذي أُمِرَ به (^٢) في الحدود، ونحو ذلك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-969>[المعنى الثاني للبر]:</span>\n• والمعنى الثاني من معنى البر: أن يُرادَ به فعلُ جميع الطاعات الظاهرة والباطنة، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ (^٣).\n• وقد روي أنّ النبي - ﷺ - سئل عن الإيمان فتلا هذهِ الآية (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-970>[اتساع هذا المعنى للبر]:</span>\n• فالبرّ بهذا المعنى يَدْخلُ فيه جميعُ الطاعاتِ الباطنةِ كالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والطاعات الظاهرة كإنفاق الأمْوَالِ فيما يحبُه الله، وإقامِ الصلاة،\n_________\n(^١) سورة المائدة: ٢.\n(^٢) \"ا\": ومجاوزة الجلد م: \"في الذي وصى\".\n(^٣) سورة البقرة: ١٧٧.\n(^٤) أخرجه عبد الرزاق من طريق مجاهد أن أبا ذر سأل النبي - ﷺ - عن الإيمان فتلا عليه ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ إلى آخرها ورجاله ثقات، كما أفاده ابن حجر في الفتح ١/ ٤٨.\nوقد عنون البخاري بمضمونه لأحد أبواب الإيمان وذكر ابن حجر في الموضع المذكور أن البخاري لم يسق الحديث؛ لأنه ليس على شرطه.","vol":"2","page":735},{"text":"وإيتاءِ الزكاة، والوفاءِ بالعهد، والصبرِ على الأقدار كالمرضِ، والفقرِ، وعلى الطاعاتِ، كالصّبرِ على لقاءِ العدُوِّ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-971>[بين جواب الرسول للنواس]:</span>\n• وقد يكون جواب النبي - ﷺ - في حديث النوَّاس شاملًا لهذه الخصال كُلِّها؛ لأن حُسْنَ الخلق قد يُرادُ به التخلّقُ بأخلاق الشريعة، والتأدُّبُ بآداب الله التي أَدّبَ بها عبادَه في كتابه. كما قال تعالى لرسوله - ﷺ -:\n﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (^١) وقالت عائشةُ ﵂:\n\"كان خُلُقُهُ - ﷺ - القرآن\" (^٢).\nيعني أنه يتأدب بادابه (^٣)، فيفْعَلُ أوامِرَه، ويتجنَّبُ نواهِيَهُ. فصارَ العملُ بالقرآن له خُلُقًا، كالجبِلّة والطبيعة لا يفارقه.\nوهذا أحسنُ الأخلاق وأشرفُها وأَجْملُها.\nوقد قيل: إن الدينَ كلَّه خُلقٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-972>[وجوابه لوابصة]:</span>\n• وأما في حديث وابصة فقال: \"البرُّ ما أطمأنّ إليه القلبُ، واطمأنت إليه النفس\".\n• وفي رواية: \"ما انشرَحَ له الصّدْرُ\".\nوفسر الحلالَ بنحو ذلك، كما (^٤) في حديث أبي ثعلبة وغيره.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-973>[دلالة ذلك]:</span>\n• وهذا يدل على أن الله فَطَرَ عَبادَهُ على معرفة الحق، والسُّكُونِ إليه، وقَبُولِه، وركَّز في الطباع محبَّةَ ذلك، والنفورَ عن ضِدِّهِ.\n_________\n(^١) سورة القلم: ٥.\n(^٢) رواه مسلم في صحيحه ك ٦: ب ١٨ ح ١٣٩ (٧٤٦) ١/ ٥١٢ وأحمد في المسند ٦/ ٩، ١٦٣ (الحلبي) وباقي تخريجه في الموسوعة ٦/ ١٣٣، والجامع الصغير ٢/ ٢٦٠ من التيسير.\n(^٣) \"ا\": \"بأدبه\".\n(^٤) ليست في \"ا\".","vol":"2","page":736},{"text":"<span data-type='title' id=toc-974>[البر والإسلام والفطرة والمعروف والطيِّب]:</span>\n• وقد يدخل هذا في قولِهِ في حديث عياض بن حمار (^١): \"إني خلقت عبادي حُنَفَاءَ مسلمين فأتتهم الشياطينُ، فاجتالَتْهُمْ عن دينهم، فحرَّمَتْ عليهم ما أَحْلَلت لهم، وأمرَتْهم أن يشركوا بي ما لم أُنزِّل به سلطانًا\".\nوقولِهِ: \"كلُّ مولودٍ يولَدُ على الفطرة، فأبواهُ يُهَوّدانه أو ينصّرانه أو يمجِّسانه كما تُنْتَجُ البهيمة بهيمةً جَمْعَاءَ، هل تحسّون فيها من جدعاءَ. قال أبو هريرة ﵁: اقرءوا إن شئتم: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ (^٢).\n• ولهذا سمَّى الله ما أمرَ به معروفًا، وما نهى عنه مُنْكرًا، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ (^٣).\n• وقال تعالى في صفة الرسول - ﷺ -: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-975>[طمأنينة القلب للحق]:</span>\n• وأخبر أن قلوب المؤمنين تطمئن بذكره؛ فالقلب الذي دخله نورُ الإيمان، وانشرح به، وانفسح: يسكن للحق، ويطمَئنّ به، ويقبلُه. وينفرُ عن الباطل، ويكرهه ولا يقبله.\n\n<span data-type='title' id=toc-976>[التحذير من زيغة الحكيم]:</span>\n• قال معاذ بن جبل: \"أحذركم زيْغَةَ الحكيم؛ فإن الشيطان قد يقول كلمةَ الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، فقيل لمعاذ: ما يدريني أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأَن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: [بلى] اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال [لها] ما هذه، ولا يَثْنينَّك ذلك عنه؛ فإنه لعله أن يراجع، وتلقّ الحقَّ إذا سمعته؛ فإن على الحق نورًا\".\n• خرجه أبو داود وفى رواية له قال: بلى ما تشابه عليك من قول الحكيم، حتى تقول ما أراد بهذه الكلمة.\n• فهذا يدلّ على أن الحقّ والباطِلَ لا يلتبِس أمرُهُمَا على المؤمن البصير، بل يَعْرف\n_________\n(^١) في المطبوعة: \"حماد\" وهو تحريف كما تقدم في هذا الحديث ص ٦٦٢.\n(^٢) سورة الروم: ٣٠ والحديث مضى ص ٦٦٣.\n(^٣) سورة النحل: ٩٠.\n(^٤) سورة الأعراف: ١٥٧.","vol":"2","page":737},{"text":"الحقَّ بالنور الذي عليه. فيقبله قلبُه، وينفرُ عن الباطل، فينكُره ولا يعرفه (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-977>[وممن يحدث بما لم يُسمَعْ]:</span>\n• ومن هذا المعنى قولُ النبي - ﷺ -: \"سيكونُ في آخر الزمان قومٌ يحدِّثونَكُم بما لم تَسْمَعُوا أنتُم ولا آباؤكُم، فإياكُمْ وإياهُم\" (^٢).\nيعني أنهم يأتون بما تستنكره قلوب المؤمنين، ولا تعرفه.\n• وفي قوله: \"أنتم ولا آباؤكم\" إشارة إلى أن ما استقرت معرفته عند المؤمنين مع تقادُم العهد، وتطاوُل الزمان؛ فهو الحق. وأنّ ما أُحدِث بعد ذلك مما يُستنكَرُ؛ فلا خير فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-978>[حديث وابصة والرجوع إلى القلب]:</span>\n• فدل حديث وابصة وما في معناه على الرجوع إلى القلوب عند الاشتباه؛ فما سكن إليه القلب، وانشرح إليه الصدر، فهو البر والحلال، وما كان بخلاف ذلك فهو الإثم والحرام.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنن: كتاب السنة: باب لزوم السنة ٥/ ١٧ - ١٨ من حديث ابن شهاب: أن أبا إدريس الخولاني عائذ الله أخبره أن يزيد بن عميرة وكان من أصحاب معاذ بن جبل أخبره، قال: كان لا يجلس مجلسا للذكر حين يجلس إلا قال: الله حكم قسط، هلك المرتابون، فقال معاذ بن جبل يوما: إن من ورائكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن، حتى يأخذه المؤمن والمنافق، والرجل والمرأة، والصغير والكبير، والعبد والحر، فيوشك قائل أن يقول: ما للناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتبعي حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإن ما ابتدع ضلالة، وأحذركم زيغة الحكيم، فإن الشيطان قد يقول كلمة الضلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، قال: قلت لمعاذ: ما يدريني [رحمك الله] أن الحكيم قد يقول كلمة الضلالة، وأن المنافق قد يقول كلمة الحق؟ قال: بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات التي يقال [لها] ما هذه، ولا يثنينك ذلك عنه، فإنه لعله أن يراجع، وتلق الحق إذا سمعته، فإن على الحق نورًا.\nقال أبو داود: قال معمر. عن الزهري في هذا الحديث: \"ولا يُنئِيَنَّكَ ذلك عنه\" مكان \"يثنينك\".\nوقال صالح بن كيسان، عن الزهري في هذا: \"المشبهات\" مكان: \"المشتهرات\".\nوقال: \"لا يثنينك\" كما قال عقيل.\nوقال ابن إسحق عن الزهري، قال: بلى ما تشابه عليك من قول الحكيم، حتى تقول ما أراد بهذه الكلمة؟.\n(^٢) مسلم في المقدمة: باب النهي عن الرواية عن الضعفاء ١/ ١٢ من حديث أبي هريرة.","vol":"2","page":738},{"text":"<span data-type='title' id=toc-979>[الإثم ما حاك في الصدر]:</span>\n• وقوله في حديث النواس بن سمعان \"الإثم ما حاكَ في الصَّدْرِ وكرِهْتَ أن يَطّلعَ عليهِ النّاسُ\" (^١).\nإشارة إلى أن الإثم ما أثر في الصدر حرَجًا وضيقًا وقلقًا واضطرابًا فلم ينشرح له الصَّدر - ومع هذا فهو عند الناس مستنكر بحيث ينكرونه عند اطلاعهم عليه، وهذا أعلى مراتب معرفة الإثم عند الاشتباه، وهو ما استنكَرَهُ الناسُ (^٢): فاعلُه، وغيرُ فاعِلِه.\n\n<span data-type='title' id=toc-980>[ما رآه المسلمون حسنًا]:</span>\n• ومن هذا المعنى قول ابن مسعود ﵁: \"ما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند الله حسن، وما رآه المؤمنون قبيحًا فهو عند الله قبيح (^٣) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-981>[وإن أفتاك المفتون]:</span>\n• وقوله في حديث وابصة، وأبي ثعلبة \"وإن أفتاك المفتون\" يعني: أن ما حاك في صدر الإنسان فهو إثم، وإن أفتاه غيرُه بأنه ليس بإثم.\nفهذه مرتبة ثانية وهي أن يكون الشيء مستنكرًا عند فاعله دون غيره وقد جعله أيضًا إثْمًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-982>[معيار ذلك]:</span>\n• وهذا؛ إنما يكون إذا كان صاحبه ممن شُرِحَ صدرُه للإيمان، وكان المفتى له يفتى بمجرد ظنٍّ أو ميلٍ إلى هوًى من غير دليل شرعيّ.\n• فأما إن كان مع المفتَى به دليل شرعي فالواجب على المستفتى الرجوعُ إليه وإن لم ينشرح له صدره.\nوهذا كالرُّخَصِ الشرعية مثل الفطر في السفر، والمرض، وقصر الصلاة في السفر، ونحو ذلك، مما لا ينشرح به صدور كثير من الجهال فهذا لا عبرة به.\n* * *\n_________\n(^١) راجع ص ٧٢٩ وما بعدها.\n(^٢) ل: \"ما استنكره الناس على … \" وفي ظ: ضرب على كلمة \"على\" ثم ضبطت فاعله بضم اللام وعطف عليها وغير فاعله.\n(^٣) أحمد وغيره بإسناد صحيح؛ راجع المجمع ١٠/ ١٧٧.","vol":"2","page":739},{"text":"<span data-type='title' id=toc-983>[أحداث تؤكد ذلك]:</span>\n• وقد كان النبي - ﷺ - أحيانًا يأمر أصحابَه بما لا تنشرح به صدور بعضهم، فيمتنعون من فعله، فيغضب من ذلك. كما أمرهم بفَسخ الحج إلى العمرة. فكرهه من كرهه منهم (^١)، وكما أمرهم بنَحْر هديهم، والتحلُّل من عُمرهَ الحديبية فكرهوه، وكما كرهوا مفاوضته لقريش - على أن يرجع من عامه، وعلى أن من أتاه منهم يردُّه إليهم (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-984>[ما ورد النص فيه]:</span>\n• وفي الجملة فما ورد النص به فليس للمؤمن إلا طاعة الله ورسوله كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-985>[كيف ينبغي تلقي ذلك؟]:</span>\n• وينبغي أن يَتَلَقَّى ذلك بانشراح الصدر والرضا؛ فإن ما شرعه الله ورسوله يجب الإيمانُ [به] والرضا به، والتسليم له. كما قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-986>[ما ليس فيه نص]:</span>\n• وأما ما ليس فيه نصٌّ من الله ولا رسوله، ولا عمن يُقتدى بقوله من الصحابة وسلفِ الأمة، فإذا وقع في نفس المؤمن المطمئن قلبُه بالإيمان المنشرح صَدْرُه بنور المعرفة واليقين منه شيءٌ وحاك في صدره لشبهة موجودة، ولم يجد من يُفتي فيه بالرخصة إلا مَن يُخبر عن رأيه، وهو ممن لا يوثَقُ بعلمه وبدينه، بل هو معروفٌ باتباع الهوى، فهنا\n_________\n(^١) أخرج مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال: أهللنا مع رسول الله - ﷺ - بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة، فكبر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبي - ﷺ -! فما ندري؟ أشيء بلغه من السماء، أم شيء من قبل الناس فقال: \"أيها الناس أحلوا، فلولا الهدى الذي معي، فعلت كما فعلتم\" … الحديث.\nراجع كتاب الحج: باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران، وجواز إدخال الحج على العمرة، ومتى يحل القارن من نسكه ٢/ ٨٨٤.\n(^٢) راجع تفسير ابن كثير ٤/ ١٩٤ - ٢٠٠.\n(^٣) سورة الأحزاب: ٣٦.\n(^٤) سورة النساء: ٦٥.","vol":"2","page":740},{"text":"يرجع المؤمن إلى ما حاك (^١) في صدره إن أفتاه هؤلاء المفتون.\n• وقد نص الإمام أحمد على مثل هذا.\n• قال المروزي في كتاب الورع: قلت لأبي عبد الله: إن القطيعة أرفق بي من سائر الأسواق، وقد وقع في قلبي من أمرها شيء.\n• فقال: أمرها أمرٌ قذِرٌ متلوث.\nقلت: فتكرهُ العملَ فيها؟\nقال: دع ذا عنك. إن كان لا يقع في قلبك شيءٌ.\nقلت: قد وقع في قلبي منها.\nفقال: قال ابن مسعود: الإثْمُ حَوَّازُ القلوب.\nقلت: إنما هذا على المشاورة.\nقال: أي شيء يقع في قلبك؟\nقلت: قد اضطربَ عليَّ قَلْبِي.\nقال: الإثمُ حَوَّازُ القلوب.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-987>[سبق شيء مما يتعلق بتفسير هذه الأحاديث]:</span>\n• وقد سبق في شرح حديث النعمان بن بشير ﵁: \"الحلال بَيِّنٌ والحرام بيِّنٌ\" (^٢).\n• وفي شرح حديث الحسن بن علي ﵄: \"دَع ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ\" (^٣).\n• وشرح حديث: \"إذا لم تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شِئْتَ\" (^٤) شيء يتعلق بتفسير هذه الأحاديث المذكورة ههنا.\n* * *\n_________\n(^١) د، \"حكّ\".\n(^٢) ص ٢٠١ وما بعدها.\n(^٣) ص ٢٩٧ وما بعدها.\n(^٤) ص ٥٩١ ما بعدها.","vol":"2","page":741},{"text":"<span data-type='title' id=toc-988>[والإلهام هل هو حجة؟]:</span>\n• وقد ذكر طوائفُ من فقهاء الشافعية والحنفية المتكلمين في أصول الفقه مسألةَ الإلهام هل هو حجة أم لا؟ وذكروا فيه اختلافًا بينهما، وذكر طائفةٌ من أصحابنا: أن الكشف ليس بطريق للأحكام، وأخذه القاضي أبُو يَعْلَى من كلام أحمد في ذمّ المتكلمين في الوساس والخطرات، وخالفهم طائفةٌ من أصحابنا في ذلك.\nوقد ذكرنا نَصَّ أحمد ههنا بالرجوع إلى حوازِّ القلوب.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-989>[لماذا كان ذم التكلمين؟]:</span>\n• وإنما ذم أحمد وغيره: المتكلمين على الوساوس والخطرات من الصوفية. حيث كان كلامُهُمْ في ذلك لا يستند إلى دليل شرعي، بل إلى مجرد رأي وذوق. كما كان ينكر الكلام في مسائل الحلال والحرام بمجرد الراقي من غير دليلٍ شرعي.\n\n<span data-type='title' id=toc-990>[الرجوع في الشتبهات إلى حواز القلوب]:</span>\n• فأما الرجو في الأمور المشتبهة إلى حَوّاز القلوب فقد دلت عليه النصوص النبوية، وفتاوى الصحابة، فكيف ينكره الإمام أحمد بعد ذلك؟ لا سيما وقد لص على الرجوع إليه موافقة لهم؟!.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-991>[الصدق طمأنينة]:</span>\n• وقد سبق حديث \"إن الصدق طمأنينة، وإن الكذب ريبة\" فالصدق يتميز من الكذب بسكون القلب إليه، زمعرفته، وبنفوره عن الكذب وإنكاره، كما قال الربيع بن خُثَيْم: \"إن للحديث ضوءًا كضوء النهار، تعرفه، و[للكذب] ظُلْمَةً كظلمة الليل، تنكِرُه\".\n• وخرج الإمام أحمد (^١) من حديث ربيعة عن عبد الملك بن سعيد بن سويد عن أبي\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٩٧.\nوأورده الهيثمي عن أحمد والبزار وقال: رجاله رجال الصحيح.\nراجع مجمع الزوائد ١/ ١٤٩ - ١٥٠.\nوأورده المناوي في التيسير ١/ ١٠٨ عن أحمد وأبي يعلى والبزار وقال - كذلك - ورجاله رجال الصحيح.","vol":"2","page":742},{"text":"حُمَيد، وعن أبي أُسَيد (^١) ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا سَمِعْتُمُ الحديثَ عَنِّي تَعرفُهُ قُلوبكُمْ وتَليِنُ له أَشْعَارُكم وأَبْشَارُكُمُ وتُرَوْن أنه منكم قريب فأنا أوْلاكم به، وإذا سمعتم الحديثَ عَنِّي تُنْكِرُهُ قُلُوبُكُمُ وتَنْفِرُ [منه] (^٢) أَشْعارُكُم وأبشارُكُم وَتُرَوْن أنه مِنْكُمْ بعِيدٌ فأنا أَبْعَدُكُم مِنْهُ\" (^٣).\n• وإسناده أنه قد قيل على شرط مسلم؛ لأنه خرَّج بهذا الإسناد بعينه حديثًا - لكن هذا الحديث معلول؛ فإنه رواه بكير بن الأشجّ، عن عبد الملك بن سعيد، عن عباس بن سهل، عن أبيّ بن كعب من قوله.\n• قال البخاري: هو أصح.\n* * *\n• وروى يحيى بن آدم، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: إذا حُدِّثْتم عني حديثا تعرفونه ولا تُنكرونه فصدِّقوا به، فإني أقول ما يُعرف ولا يُنكر، وإذا حُدثتم عني حديثًا تُنكرونه ولا تَعرفونه، فلا تُصَدقوا به، فإني لا أقول ما ينكر ولا يعرَف\".\n• وهذ الحديث معلولٌ أيضًا.\n_________\n(^١) في م: \"عن عبد الملك بن سعيد بن سويد وأبي أسيد\".\n(^٢) ليست في المسند ولا في المجمع ولا في ا، ل، ض. وهي في التيسير وفي م: \"عنه\".\nوفي صحيح ابن بان، وعند البزار: \"منه\" كما هي في: د.\n(^٣) ورواه ابن حبان في الصحيح بهذا الإسناد في كتاب العلم: ذكر الأخبار عما يستحب للمرء كثرة سماع العلم ثم الاقتفاء والتسليم ١/ ١٤٠ - ١٤١ من الإحسان ح ٦٣.\nوأخرجه البزار في مسنده: كتاب العلم: باب معرفة أهل الحديث بالصحة والضعف ١/ ١٠٥ - ١٠٦ بهذا الإسناد وعقب عليه البزار بقوله: لا نعلمه يروى من وجه أحسن من هذا. وقد أورده الشيخ ناصر الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ٧٣٢ ونسبه إلى ابن سعد في الطبقات ١/ ٣٨٧ - ٣٨٨، والمقدسي في العلم وابن وهب في المسند وابن حبان والبزار على ما في الأحكام الكبرى والبخاري في الكبير مرسلًا وذكر أنه شاهد قوي، واستظهر الشيخ أن إسناده حسن، وأنه على شرط مسلم، وأنه خاص بطبقة معينة من أهل العلم فأما أن إسناده حسن وأنه على شرط مسلم فقد علمت رؤية ابن رجب والبخاري بالنسبة له، وأما أنه خاص بطبقة معينة من أهل العلم فهذا متفق تمامًا مع ما تقتضيه النصوص الصريحة والصحيحة، وهو كذلك متفق مع اتجاه ابن رجب، كما أن البزار في ترجمته لهذا الحديث نص على ما يؤكد هذا وذاك حين جعل عنوان هذا الحديث: باب معرفة أهل الحديث بالصحة والضعف، بل إنه بهذا النص أبان عن محاور المعرفة الأساسية بالحديث وهي أصول التصحيح والتضعيف!\nفلِلَّه در السابق واللاحق!!","vol":"2","page":743},{"text":"• وقد اخْتُلِفَ في إسناده على ابن أبي ذئب، ورواه الحفاظ عنه، عن سعيد مرسلًا.\nوالمرسَل أصح عند أئمة الحفاظ منهم: ابن معين، والبخاري، وأبو حاتم الرازي، وابن خزيمة، وقال:\n\"ما رأيت أحدًا من علماء الحديث يثبت وصله (^١) \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-992>[علام تحمل على تقدير صحتها؟]:</span>\nوإنما تحملُ مثلُ هذه الأحاديث على تقدير صحتها على معرفة أئمة أهل الحديث الجهابذة النقَّاد الذين كثرت ممارستهم لكلام النبي - ﷺ - وكلام غيره، ولحال رواة الأحاديث، ونَقَلة الأخبار، ومعرفتهم بصدقهم وكذبهم، وحفظهم وضبطهم؛ فإن هؤلاء لهم نقدٌ خاص في الحديث يختصُّون بمعرفته، كما يختصّ الصيرفي الحاذق بمعرفة النقود: جيدِها وردِيئها، وخالصها ومشوبها، والجوهري الحاذق في معرفة الجوهر؛ بانتقاد الجواهر.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-993>[علم الحديث إلهام]:</span>\n• وكل من هؤلاء لا يمكن أن يعبر عن سبب معرفته، ولا يقيم عليه دليلًا لغيره، وآية ذلك أنه يُعْرَض الحديث الواحد على جماعة ممن يَعلم هذا العلم فيتّفقون على الجواب فيه من غيرِ مُواطأة.\n• وقد امتُحِن هذا منهم غيرَ مرة في زمن أبي زُرْعة، وأبي حاتم. فوجِدَ الأمر على ذلك، فقال السائل: أشهدُ أن هذا العلمَ إلهامٌ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-994>[المحدثون صيارفة الحديث]:</span>\n• قال الأعمش: \"كان إبراهيم النخَعي صَيْرَفيًّا في الحديث، كنت أسمع من الرجال فأعرضُ عليه ما سمعته\" (^٢).\n_________\n(^١) راجع مفتاح الجنة ص ٣٦ وما بعدها، والمشتهر من الحديث ص ٦٩ - ٧٠ وعلل ابن أبي حاتم ٢/ ٣١٠.\n(^٢) راجع تهذيب الكمال ١/ ٦٨ ونص الأعمش فيه: … \"صيرفي الحديث\" ولعل هذا هو المأثور عنه، فهو الأبلغ، وقد حُرِّفت العبارة في تهذيب التهذيب ١/ ١٧٧ إلى: \"خيرًا في الحديث\".","vol":"2","page":744},{"text":"• وقال عمرو بن قيس: \"ينبغي لصاحب الحديث أن يكون مثلَ الصَّيرَفِيّ الذي ينتقد الدراهم؛ فإن الدراهم فيها الزائف (^١) والبهرج (^٢) وكذلك الحديث\".\n* * *\n• وقال الأوزاعي: كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا، كما نعرض الدرهم الزائف على الصيارفة. فما عرفوا أخَذْنَا، وما أنكروا تَرَكْنَا.\n* * *\n• وقيل لعبد الرحمن بن مهدي: إنك تقول للشيء هذا صحيح، وهذا لم يثبت، فعمَّن ققول ذلك؟ فقال: أرأيت لو أتيتَ الناقدَ فأَريتَه دراهمك فقال: هذا جيد وهذا بهرج أكنت تسأله عمّن ذلك أو تسلّم الأمر إليه؟ قال: لا، بل كنتُ أسلّم الأمر إليه، فقال: فهذا كذلك؛ لطول المجالَسَةِ والمناظرة والخُبْرِ به.\n• وقد رُوي نحو هذا المعنى عن الإمام أحمد أيضًا، وأنه قيل له: يا أبا عبد الله! تقول: \"هذا الحديث منكَر\" فكيف علمتَ ولم تكتب الحديث كله؟ قال: \"مَثَلُنا كَمَثَلِ ناقد العَيْنِ\" (^٣). لم تقع بيده العين كلها فإذا وقع بيده الدينارُ يعلم أنّهُ جيّد، وأنه رديء\".\n* * *\n• وقال ابن مهدي: \"معرفة الحديث إلهام\".\nوقال: \"إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة\".\n* * *\n• وقال أبو حاتم الرازي: \"مَثَل معرفة الحديث كمَثَل فَصٍّ ثمنه مائة دينار، وآخر مثله على لونه ثمُنُه عشرة دراهم، قال: وكما لا يتهيأ للناقد أن يُخبِر بسبب نقده فكذلك نحن رُزقنا علمًا لا يتهيأ لنا أن نخبر كيف عَلِمْنا بأن هذا حديثٌ كذِبٌ، وأن هذا حديث منكَرٌ إلا بما نعرفه\".\n• قال: \"وتُعرَف جودةَ الدينار بالقياس إلى غيره، فإن تخلّف عنه في الحمرة\n_________\n(^١) الدراهم الزائفة: المردودة لغش أو عيب فيها\".\n(^٢) البهرج: الباطل والرديء.\n(^٣) العين: المراد بها هنا: الدنانير المسكوكة: (العملة الذهبية).","vol":"2","page":745},{"text":"والصفاء عُلِم أنه مغشوش، ويُعلَم جِنْس الجوهر بالقياس إلى غيرِه. فإن خالفه في المائية والصَّلابة عُلِم أنه زجاج.\nويُعْلُم صِحَّةُ الحديث بعدالة ناقليه، وأن يكونَ كلامًا يَصلُح مثلُه أن يكون كلامَ النبوة، ونَعرِف سُقْمه وإنكاره لتفرد من لم تصحَّ عدالته بروايته والله أعلم\".\n* * *\nوبكل حال فالجهابذة النّقادُ العارفون لعلل الحديث أفرادٌ قليلٌ من أهل الحديث جدًّا.\nوأول من اشتهر بالكلام في نقد الحديث: ابنُ سيرين (^١)، ثم خلفه أيوب\n_________\n(^١) لعل ابن رجب وهو المحدث الخبير بتاريخ نقد الحدث وتطوره يقصد أول من اشتهر من التابعين ولا أحسبه يخفى عليه ما كان من جهود صادقة من كثير من الصحابة رضوان الله عليهم من تحوط في قبول الرواية حينا، ومن استيثاق لقبولها حينا آخر، ومن توقف عنها أو عن قبولها أو إقلال منها في بعض الأحايين، ومن ذلك ما كان من أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي والزبير بن العوام وابن عباس وأنس بن مالك وأم المؤمنين عائشة ﵂.\nكما في تذكرة الحفاظ ١/ ٣، ومسند أحمد ١/ ٧٠، ١٥٣، ٢٧٨، ٣٦٣/ ٣٦٤، ٣٧٠ (المعارف).\nوصحيح مسلم: كتاب الآداب: باب الاستئذان ٣/ ١٦٩٤ وما بعدها، ومسند الطيالسي ح ٨٠، ومقدمة سنن ابن ماجه، ومقدمة صحيح مسلم، وكتاب العلم في البخاري وتقدمة الجرح والتعديل لابن أبي حاتم وغيرها وحتى لا نطيل في هذه المسألة ولها مكان آخر فسنكتفي بإيراد موقف في هذا رواه مسلم في مقدمة صحيحه (١/ ٨١ - ٨٢) من حديث مجاهد تلميذ ابن عباس ﵃ قال: جاء بشير العدوي إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله - ﷺ -: فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه: (لا يستمع) ولا ينظر إليه، فقال: يا ابن عباس! ما لي لا أراك تسمع لحديثي؟ أحدثك عن رسول الله - ﷺ - ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله - ﷺ - ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول (سلك الناس مسالك شتى منها المحمود ومنها المذموم) لم نأخذ من الناس؛ إلا ما نعرف\".\nوأساس هذا من القرآن والسنة أورده مسلم في المقدمة قبل روايته هذي عن ابن عباس.\nأما محمد سيرين فهو كما ذكر ابن كثير: محمد بن سيرين أبو بكر بن أبي عمرو الأنصاري، مولى أنس بن مالك النضري.\nكان أبوه من سبي عين التمر، أسره خالد بن الوليد في جملة السبي، فاشتراه أنس، ثم كاتبه، ثم ولد له من الأولاد الأخيار جماعة: محمد هذا، وأنس، ومعبد، ويحيى، وحفصة، وكريمة، وكلهم تابعيون ثقات أجلاء؛ أخذ عن ستتهم العلم كما ذكر ابن حبان.\nوذكر البخارى في التاريخ الكبير أن محمد بن سيرين ولد لسنتين بقيتا من إمارة عثمان، وأنه حج زمن عبد الله بن الزبير فسمع منه.\nوذكر ابن حبان في الثقات أنه كان من أورع أهل البصرة، وأنه كان فقيها فاضلًا حافظا متقنا، يعبر الرؤيا، وأنه رأى ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ -.\nوذكر ابن حجر أنه روى عن أنس بن مالك وزيد بن ثابت والحسن بن علي بن أبي طالب وجندب بن=","vol":"2","page":746},{"text":"السَّخْتياني (^١)، وأخذ ذلك عنه ..................................................\n_________\n= عبد الله البجلي وحذيفة بن اليمان، ورافع بن خديج، وسمرة بن جندب، وابن عمر، وابن عباس وأبي هريرة وعائشة أم المؤمنين وغيرهم من الصحابة ﵃.\nوروى عنه الشعبي وعبد الله بن عون وأيوب السختياني وقتادة، ومالك بن دينار، والأوزاعي، وغيرهم.\nوثقه أعلام المحدثين كأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والعجلي، وابن سعد وقال: كانا ثقة مأمونا عاليا رفيعًا فقيها، إماما كثير العلم ورعًا.\nوكان مورق العجلي يقول: ما رأيت رجلًا أفقه في ورعه، ولا أورع في فقهه من محمد بن سيرين.\nأما أبو قلابة فكان يقول: اصرفوه حيث شئتم؛ فلتجدنَّه أشدكم ورعا، وأملككم لنفسه؟!\nوقد روى مسلم في مقدمة صحيحه وأبو نعيم في الحلية من حديث مخلد بن حسين، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين قوله:\n\"إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم\"؟! ورويا عقبه قول ابن سيرين: \"لما يكونوا يسألون عن الإسناد فلما وقعت الفتنة؛ قالوا: سمُّوا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم\".\nولعل هذا يشي بِتَهمُّم الرجل بفن نقد الرواية.\nولم يكن ابن سيرين ذا بصر نافذ في نقد الحديث، وتعبير الرؤيا فحسب، وإنما كان كما أسند البخاري من حديث قريش بن أنس قال: \"حلف عوف أنه لم ير أحدًا أعلم بكتاب الله ولا بطريق الجنة وطريق النار من الحسن ولم أر أحدًا أعلم بتجارة ولا بقضاء ولا بفرائض ولا بحساب من محمد؟! \".\nوكان ابن عون يقول: \"كان محمد بن سيرين أرجى الناس لهذه الأمة، وأشدهم خوفًا عليها، ثم ذكر أنه في العراق، مع القاسم بن محمد في الحجاز، ورجاء بن حيوة في الشام كانوا يأتون بالحديث على وجهه\".\nمعدود في الطبقة الثالثة من أواسط التابعين.\nكانت وفاته تاسع شوال من سنة عشر ومائة بعد وفاة الحسن البصري بمائة يوم، وقبره بإزاء قبر الحسن بالبصرة مشهور يزار، كما قال ابن حبان وأضاف: وقد زرتهما غير مرة.\nراجع ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري ١/ ١/ ٩٠ - ٩٢، والثقات لابن حبان ٥/ ٣٤٨ - ٣٤٩، وحلية الأولياء أبي نعيم ٢/ ٢٦٣ - ٢٨٢، ومقدمة صحيح مسلم ١/ ٨٤ (من النووي) والبداية والنهاية لابن كثير ٣/ ٢٦٧، ومشاهير علماء الأمصار لابن حبان ص ٨٨ ت ٦٤٣ تحت عنوان مشاهير التابعين بالبصرة وتهذيب التهذيب لابن حجر ٩/ ٢١٤ - ٢١٧، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٥/ ٣٣١ - ٣٣١، وتقريب التهذيب ٢/ ١٦٩ وتاريخ ابن معين ٢/ ٥٢٠/ ٥٢١ وتهذيب الكمال ٣/ ١٢٠٨ - ١٢٠٩.\n(^١) إذا كان محمد بن سيرين من أشهر التابعين الذين أخذوا عن الصحابة أمثال ابن عباس وأبي هريرة وعائشة فإن أيوب هذا هو أيوب بن أبي تميمة السختياني من أتباع التابعين الذين أخذو العلم عن التابعين مثل ابن سيرين وأخته حفصة، وأبي قلابة، والقاسم بن محمد، وعكرمة مولى ابن عباس، وعطاء وغيرهم.\nروى عنه الأعمش وهو من أقرانه، وقتادة وهو من شيوخه وشعبة ىن الحجاج والحمادان والسفيانان ومالك وابن إسحاق وسعيد بن أبي عروبة وخلق كثير.\nوالسَّختياني بفتح المهملة وسكون العجمة، ثم مثناة تحتانية وبعد الألف نون نسبة إلى عمل السختيان وبيعه وهو جلود الضأن.\nوذكر البخاري أنه رأى أَنسًا وسعيد بن جبير.\nوقال ابن حبان: قيل إنه سمع من أنس، ولا يصح ذلك عندي؛ ولذلك أدخلناه في هذه الطبقة، يقصد =","vol":"2","page":747},{"text":"شُعبة (^١)، .....................................................................\n_________\n= أتباع التابعين.\nوعن مكانته العلمية قال البخاري: قال لنا سليمان بن حرب: حدثنا حماد بن زيد قال: كان ابن عون يحدث، فإذا حدثته عن أيوب بخلافه تركه؛ فأقول: أليس قد سمعته؟ فيقول: إن أيوب أعلمنا بحديث محمد. يعني محمد بن سيرين.\nوكان حماد يقول أيضًا: كان أيوب عندي أفضل من جالسته، وأشده اتباعًا للسنة.\nوكان شعبة وهو تلميذ آخر لأيوب يقول: كان أيوب سيد السلمين!.\nوهو من الطبقة الخامسة.\nكان ابن المديني يقول: له نحو ثمانمائة حديث، وأما ابن علية فكان يبلغ بأحاديثه ألفين ويقول: ما أقل ما ذهب عليَّ منها! وكان ثقة ثبتًا في الحديث جامعًا كثير العلم حجة عدلًا كما ذكر ابن سعد والنسائي والدارقطني. ولا سيما في ابن سيرين كما ذكر ابن المديني.\nكان مولده سنة ست وستين أو ثمان وستين ووفاته سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين ومائة في طاعون البصرة.\nوترجمته في التاريخ الكبير ١/ ٤٠٩/١ - ٤١٠، والثقات لابن حبان ٦/ ٥٣ وتهذيب الكمال ٣/ ٤٥٧/ ٤٦٤، والجرح والتعديل ١/ ١/ ٢٥٥ - ٢٥٦ والحلية ٣/ ٢/ ١٤٠، وسير أعلام النبلاء ٦/ ١٥ - ٢٦، وتذكرة الحفاظ ١/ ١٣٠ - ١٣٢، وشذرات الذهب ١/ ١٨١، وتهذيب الهذيب ١/ ٣٩٧ - ٣٩٩، وتقريب التهذيب ١/ ٨٩ ت ٦٨٨، ومشاهير علماء الأمصار ص ١٥٠ ت ١١٨٣، والأنساب للسمعاني ٧/ ٩٧ وتاريخ ابن معين ٢/ ٤٨.\n(^١) هو شعبة بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي مولاهم أبو بسطام الواسطي البصري.\nروى عن إسماعيل بن علية، وأنس بن سيرين، وأيوب السختياني وثابت البناني وجابر الجعفي، وجعفر الصادق، وسفيان الثوري ومالك بن أنس وهما من أقرانه وغيرهم. روى عنه أيوب السختياني والأعمش ومحمد بن إسحاق وهم من شيوخه، والثوري والحسن بن صالح وغيرهما من أقرانه ويحيى القطان وابن مهدي، ووكيع بن الجراح، وابن إدريس وابن المبارك وأبو داود وأبو الوليد الطيالسيان والنضر بن شميل والقعنبي ومسلما بن إبراهيم وعلي بن الجعد من شيوخ البخاري وغيرهم.\nقال أبو طالب عن أحمد: شعبة أثبت في الحكم من الأعمش، وأعلم بحديث الحكم، ولولا شعبة ذهب حديث الحكم وشعبة أحسن حديثًا من الثوري، لم يكن في زمن شعبة مثله في الحديث، ولا أحسن حديثْا منه، قسم له من هذا حظ، وروى عن ثلاثين رجلًا من أهل الكوفة لم يرو عنهم سفيان الثوري.\nوقال أحمد بن حنبل: كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن يعني في الرجال.\nومن تقدير أستاذه أيوب السختياني له ما حكاه حماد بن زيد قال: قال لنا أيوب: الآن يقدم عليكم رجل من أهل وأسط، هو فارس الحديث؛ فخذوا عنه! وفلما يشهد الأستاذ لتلميذه إلا إذا كان التلميذ يستأهل الشهادة والإشادة؛ ومن هنا تكون مكانه المشهود له، وتعظيم الثقة به. ولما مات شعبة قال أبو داود: قال سفيان: مات الحديث! وقيل لأبي داود هو أحسن حديثًا من سفيان؟ قال: ليس في الدنيا أحسن حديثا من شعبة، ومالك على قلته والزهري أحسن الناس حديثا وشعبة يخطئ فيما لا يضره، ولا يعاب عليه يعني في الأسماء\" ذلك أنه كان يعطي العناية الأكبر لحفظ الحديث وقد ألمح ابن حبان إلى مبادراته النقدية في الحديث، وتمييز الطيب فيه من الخبيث، حيث قال: \"كان شعبة من سادات أهل زمانه حفظًا لا إتقانًا ورعًا وفضلًا، وهو أول من فتش بالعراق عن أمر المحدثين، وجانب الضعفاء والمتروكين، وصار علما يقتدى به، وتبعه عليه أهل العراق\".\nكان مولده على ما ذكر ابن حبان سنة ٨٣ ووفاته سنة ١٦٠ وله ٧٧ سنة.=","vol":"2","page":748},{"text":"وأخذ عن شُعبة يحيى القطّان (^١)، ............................................\n_________\n= وهو من السابعة.\nراجع ترجمته في التهذيب ٤/ ٣٣٨ - ٣٤٦، ت ٥٨٠ والتقريب ١/ ٣٥١ ت ٦٧ ومشاهير علماء الأمصار ص ١٧٧ ت ١٣٩٩ والثقات لابن حبان ٦/ ٤٤٦ وتاريخ بغداد ٩/ ٢٥٥ - ٢٦٧ وتذكرة الحفاظ ١/ ١٩٣/ ١٩٧ وشذرات الذهب ١/ ٢٤٧ والجرح والتعديل (التقدمة) ١/ ١٢٦ - ١٧٦ والتاريخ الكبير ٢/ ٢ / ٢٤٤ - ٢٤٥ والثقات لابن شاهين ص ١٦٥ ت ٥١٤ و\"تاريخ ابن معين ٢/ ٢٥٢ - ٢٥٦ وحلية الأولياء ٧/ ١٤٤ - ٢٠٩\".\n(^١) هو يحيى بن سعيد بن فروخ القطان التميمي أبو سعيد البصري الأحول الحافظ.\nروى عن هشام بن عروة بن الزبير، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وجعفر بن محمد بن علي بن الحسين والأعمش وحسين المعلم وابن جريج والأوزاعي ومالك وسفيان الثوري وخلق كثير.\nروى عنه ابنه محمد وحفيده أحمد بن ابنه هذا وعلي بن المديني ويحيى بن معين وأبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن حنبل وعبد الرحمن بن مهدي.\nوحدث عنه من شيوخه شعبة والسفيانان.\nومن أقرانه: معتمر بن سليمان وعبد الرحمن بن مهدي ولم يأخذ يحيى عن شعبة الأخذ الذي قد يتبادر إلى الأذهان؛ فقد قال علي بن المديني: سمعت يحيى بن سعيد يقول: اختلفت إلى شعبة عشرين سنة فما كنت أرجع من عنده إلا بثلاثة أحاديث وعشرة أكثر ما كنت أسمع منه في كل يوم. وقد أخذ ابن مهدي عن شعبة ألفي حديث وكان يقول: ما رأيت أحسن أخذًا للحديث، ولا أحسن طلبا له من يحيى القطان أو سفيان بن حبيب.\nأما علي بن المديني - وقد أخذ عنه أيضًا - فكان يقول: ما رأيت أعلم بالرجال من يحيى القطان ولا رأيت أعلم بصواب الحديث والخطأ من ابن مهدي.\nثم أشار إلى الثمرة العملية لهذا حيث قال: فإذا اجتمعا على ترك رجل تركته وإذا أخذ عنه أحدهما حدثت عنه.\nوكان الإمام أحمد بن حنبل يقول: ما رأيت له كتابا. كان يحدثنا من حفظه، ما رأيت أقل خطأ من يحيى ولقد أخطأ في أحاديث؛ ومن يعرى من الخطأ والتصحيف؟!.\nوقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لابن معين: يحيى القطان فوق ابن مهدي؟ قال: نحم، وقال إسحاق بن إبراهيم: كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر، ثم يستند فيقف بين يديه علي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين وغيرهم يسألونه عن الحديث وهم قيام؛ هيبة له\".\nقال العجلي: بصري ثقة في الحديث لا يحدث إلا عن ثقة.\nوقال أبو زرعة: كان من الثقات الحفاظ.\nوقال أبو حاتم: حجة حافظ.\nوقال النسائي: ثقة ثبت مرضي.\nوذكر ابن حبان فضله العلمي بعامة، وعلى أهل العراق بصفة خاصة فقال: \"كان من سادات أهل زمانه، ورعًا وفهما وفضلًا ودينًا وعلمًا، وهو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث، وحثهم على تتبع العلل والآثار، وأمعن في البحث عن الثقات وترك الضعفاء. ثم قال:\nوعنه تعلم أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، وإسحاق بن إبراهيم، وأبو خيثمة، وسائر أئمتنا\". معدود في كبار التاسعة.\nولد كما حدث عن نفسه سنة عشرين ومائة.\nثم كانت وفاته يوم الأحد الثاني من صفر سنة ثمان وتسعين ومائة. =","vol":"2","page":749},{"text":"وابن مهدي (^١)، .......................................................\n_________\n= روى عنه الجماعة.\nراجع ترجمته في الثقات لابن حبان ومشاهير علماء الأمصار ص ١٦١ - ١٦٢ ت ١٢٧٨ وتاريخ بغداد ١٤/ ١٣٥ - ١٤٤، وتهذيب التهذيب ١١/ ٢١٦ - ٢٢٠، وتاريخ الثقات لابن شاهين ص ٣٥٢ ت ١٥١٥ والتاريخ ليحيى بن معين ٢/ ٦٤٥/ ٦٤٨، وتقريب التهذيب ٢/ ٣٤٨ وشذرات الذهب ١/ ٣٥٥ وتذكرة الحفاظ ٢٩٨ - ٣٠٠، والجرح والتعديل المتقدمة ص ٢٣٢ - ٢٥١ وتهذيب الكمال ٣/ ١٤٩٨ - ١٥٠٠.\n(^١) هو عبد الرحمن بن مهدي بن حسان بن عبد الرحمن أبو سعيد العنبري وقيل كان مولى للأزد.\nسمع الثوري، ومالكا وشعبة، والحمادين، وأبا عوانة، إبراهيم بن سعد، وسفيان بن عيينة، وعبد الله بن المبارك وغيرهم.\nروى عنه ابن المبارك وهو من شيوخه، وعبد الله بن وهب، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبو خيثمة، وإسحاق بن راهويه، وعبد الله وعثمان ابنا أبى شيبة، ويحيى بن يحيى وغيرهم.\nوهو بصري قدم بغداد وحدث بها، وكان من الربانيين في العلم، وأحدَ المذكورين بالحفظ، وممن برع في معرفة الأثر وطرق الروايات، وأحوال الشيوخ.\nكان في بدايته مفتونًا بالقصاص واتجه إلى الحديث بكلمة موحية مؤثرة يحكيها أبو عامر العقدي فيقول أنا كنت سبب [نبوغ] عبد الرحمن بن مهدي في الحديث، كان يتبع القصاص فقلت له: لا يحصل في يدك من هؤلاء شيء؟!.\nومن هنا أخذ طريقه في صناعة الحديث رواية ودراية ونقلا ونقدًا.\nقال أبو عبد الله: أحمد بن حنبل: قدم علينا عبد الرحمن بن مهدي سنة ثمانين ومائة: وأبو بكر هنا يعني ابن عياش - وقد خضب وهو ابن خمس وأربعين سنة، وكنت أراه في مسجد الجامع، ثم قدم بعد فأتيناه ولزمناه وكتبت عنه ههنا نحوا من ستمائة: سبعمائة، وكان في سنة ثمانين يختلف إلى أبي بكر بن عياش. ويبدو أن التبادل العلمي بين ابن مهدي والقطان كان قائمًا، وأن كلا منهما أخذ عن الآخر. لقد مضى أن عبد الرحمن بن مهدي أخذ عن يحيى بن سعيد القطان وها نحن أولاءِ نقف على أخذ يحيى من عبد الرحمن؛ فقد أسند الخطيب في تاريخه عن صدقة بن الفضل قال: أتيت يحيى بن سعيد القطان أسأله عن شيء من الحديث فقال: الزم عبد الرحمن بن مهدي، وأفادني عنه أحاديث، فسألت عبد الرحمن بن مهدي عنها فحدثني لها.\nوكان لأحمد بن حنبل دراسة تحليلية لشخصية أستاذه ابن مهدي تنم عن سعة الأفق، وبعد النظر؛ وصدق الفراسة، فقد سئل أبو عبد الله عن عبد الرحمن بن مهدي: أَكان كثير الحديث؟ فقال: قد سمع، ولم يكن بذلك الكثير جدًّا، كان الغالب عليه حديث سفيان، وكان يشتهي أن يسأل عن غيره من كثرة ما يسأل عنه فقيل له: ما كان يتفقه؟ قال: كان يتوسع في الفقه! كان أوسع فيه من يحيى، كان يحيى يميل إلى قول الكوفيين وكان عبد الرحمن يذهب إلى بعض مذاهب الحديث، وإلى رأي المدنيين، فذكر لأبي عبد الله عن إنسان أنه يحكى عنه القدر؟ قال: ويحل له أن يقول هذا؟ هو سمع منه؟ ثم قال: يجيء إلى إمام من أئمة المسلمين يتكلم فيه؟ وقيل لأبي عبد الله: كان عبد الرحمن حافظًا؟ فقال: [كان] حافظًا وكان يتوقى كثيرًا، وكان يحب أن يحدث باللفظ\".\nوكما ترى فهذا تحليل دقيق ينبئ عن جوانب كثيرة من شخصية عبد الرحمن بن مهدي محدثا وفقيها مع عقيدة سليمة وتواضع جم!\nأما الشافعي فقال عنه: لا أعرف له نظيرًا في الدنيا، وله كتب الرسالة، وهي من أجل كتب الشافعي، =","vol":"2","page":750},{"text":"وأخذ عنهما أحمد (^١)،\n_________\n= والحديث عنه مُسْهَبٌ ومستطاب!!.\nمعدود في التاسعة. كانت وفاته عام ثمان وتسعين ومائة عن ثلاث وستين سنة.\nروى عنه الجماعة.\nراجع ترجمته في تذكرة الحفاظ ١/ ٣٢٩ - ٣٣٢، وتاريخ بغداد ١٠/ ٢٤٠ - ٢٤٨، وتهذيب التهذيب ٦/ ٢٧٩ - ٢٨١، وتقريب التهذيب ١/ ٤٩٩ ت ١١٢٦ وتاريخ أسماء الثقات ص ٢١٣ ت ٧٦٠ وشذرات الذهب ١/ ٣٥٥، والجرح والتعديل التقدمة ص ٢٥١ - ٢٦٢، وتاريخ ابن معين ٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠، وحلية الأولياء ٩/ ٣ - ٦٣.\n(^١) هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني الذهلي وهو من بني شيبان بن ذهل بن ثعلبة وينتهي نسبه إلى معد بن عدنان ثم إلى إسماعيل وإبراهيم ﵉.\nوقد ولد أبو عبد الله سنة أربع ومئتين ومائة ببغداد بعد أن رحلت أمه له من \"مرو\" حاملا له.\nأما أبوه محمد فتوفي شابا، ابن ثلاثين سنة. فتولت كفالته وتربيته أمه.\nوأول طلبه للحديث سنة تسع وسبعين وسنه: ست عشرة.\nوما لبث أن طوف في طلب العلم فرحل إلى الكوفة، والبصرة، ومكة، والمدينة، واليمن، والشام، والجزيرة.\nوكان يعود إلى بغداد الحين بعد الحين حتى كانت وفاته بها.\nروى عن الأئمة: الشافعي، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، ووكيع بن الجراح، والوليد بن مسلم الدمشقي، وعبد الرزاق بن همام الصنعاني، وسفيان بن عيينة، وأبي داود سليمان بن داود الطيالسي، وأبي عاصم النبيل، وأبي بكر بن عياش، وإسماعيل بن علية.\nوروى عنه البخاري ومسلم وأبو داود مباشرة، والبخاري وأبو داود وباقي الستة بواسطة.\nومن شيوخه عبد الرزاق، والحسن بن موسى والشافعى لكنه كان يقول عنه: \"الثقة\" ولم يسمه، ويزيد بن هارون، ووكيع بن الجراح.\nومن أقرانه: علي بن المديني، ويحيى بن معين، وأحمد بن صالح المصري.\nومن القدماء: محمد بن يحيى الذهلي، وأبو زرعة الرازي، وأبو زرعة الدمشقي، وعباس الدُّوري وأبو حاتم، وبقي بن مخلد، وإبراهيم الحربي، وخلق آخرون.\nرأى ابن وهب، لكنه لم يكتب عنه، وسمع بابن المبارك فذهب ليسمع منه فلم يدركه.\nوكان جم التواضع؛ قال له عارم أبو النعمان: يا أبا عبد الله! بلغني أنك من العرب؟ فقال: يا أبا النعمان! نحن قوم مساكين؛ فلم يزل يدفع بأبي النعمان حتى خرج ولم يقل له شيئًا، وهو الذي عرفنا من نسبه ما عرفنا.\nوبلغ عن تواضعه وإكباره للعلم أن استكثر أن يأخذ موعدا مع شيخه عبد الرزاق يلقاه فيه باليمن، بينما كان قد عزم على أن يشخص إليه، وآثر أن يكون ذلك بعد سفره كما سبق أن أزمع، ثم يكون أمر لقائه مع شيخه حسب ظروف شيخه حينئذ ويحدث ابنه صالح عن هذا فيقول: عزم أبي على الخروج إلى مكة، ورافق يحيى بن معين فقال أبي: نَحُجُّ ونمضي إلى صنعاء، إلى عبد الرزاق، قال: فمضينا حتى دخلنا مكة فإذا عبد الرزاق في الطواف وكان يحيى يعرفه، فطفنا، ثم جئنا إلى عبد الرزاق، فسلم عليه يحيى وقال: هذا أخوك أحمد بن حنبل!؟ فقال: حياه الله؛ إنه ليبلغني عنه كل ما أُسرُّ به، ثبته الله على ذلك، ثم قام لينصرف، فقال يحيى: ألا نأخذ عليه الموعد؟ فأبى أحمد وقال: لم أغير النية في رحلتي إليه؟ أو كما قال، ثم سافر إلى اليمن لأجله، وسمع منه الكتب، وأكثر عنه.\nأما عن إقباله على العلم وحفظه فقد نوه به أكثر من محدث! قال أبو زرعة: \"أخرج إليّ أبو عبد الله أجزاء =","vol":"2","page":751},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= كلها: \"سفيان\" \"سفيان\" ليس على حديث منها حدثنا فلان فطنتها عن رجل واحد فانتخبت منها فلما قرأ علي جعل يقول: حدثنا وكيع ويحيى، حدثنا فلان، فعجبت من ذلك، وجهدت أن أقدر على شيء من هذا فلم أقدر\".\nوقال ابنه عبد الله: قال لي أبي: خذ أي كتاب شئت من كتب وكيع، فإن شئت أن تسألني عن الكلام حتى أخبرك عن الإسناد، وإن شئت بالإسناد حتى أخبرك عن الكلام.\nوكان أحمد بن سعيد الرازي يقول: ما رأيت أسود الرأس، أحفظ لحديث رسول الله - ﷺ - ولا أعلم بفقهه من أحمد بن حنبل.\nوكان الشافعي وهو أحد شيوخ أبي عبد الله يقول: خرجت من بغداد فما خلفت بها رجلًا أفضل ولا أعلم ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل!؟.\nقال المزني: قال لي الشافعي: رأيت ببغداد شابا إذا قال \"حدثنا\" قال الناس كلهم: صدق! قلت: من هو؟ قال: أحمد بن حنبل.\nوكان وكيع بن الجراح وحفص بن غياث يقولان: ما قدم الكوفة مثل ذلك الفتى!\nيعنيان أحمد بن حنبل.\nوهكذا كان يحيى بن سعيد القطان يقول. وكان العجلي يقول عنه: ثقة ثبت في الحديث، نزه النفس؛ فقيه في الحديث متبع يتبع الآثار، صاحب سنة وخير.\nوكان القاسم بن سلام يقول: انتهى العلم يعني علم الحديث - إلى أحمد بن حنبل، وعلي بن عبد الله المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة؛ وكان أحمد أفقههم فيه، وكان علي أعلمهم به، وكان يحيى أجمعهم له، وكان أبو بكر أحفظهم له.\nوكانوا يقولون: إذا رأيتم الرجل يحب أحمد بن حنبل فاعلموا أنه صاحب سنة!؟\nوإذا رأيتموه يقع في أحمد بن حنبل فهو مبتدع!؟\nأما من سمعتموه يذكر أحمد بسوء فاتهموه على الإسلام إ؟\nولقد امتحن محنته المشهورة على أن يقول بخلق القرآن بعد أن قالت المعتزلة وأتباع جهم بن صفوان بذلك متسترين أيام الرشيد ثم مستعلنين أيام المأمون.\nوبدأ حبس أحمد ولم يلبث المأمون أَن مات وتفاقم أمر المحنة أيام المعتصم حتى ضرب بالسياط ضربا مبرحا أسال دمه، وأوهى مفاصله. وناظره منافقو السلطة على أن يقول بخلق القرآن فكان يفحمهم ويكاد المعتصم أن يقتنع بوجوب تخلية سبيله إلا أنهما ولا سيما أحمد بن أبي دؤاد كان يغري المعتصم به ويلجأ إلى ما يلجأ إليه ضعاف الحجة، حيث كان يقول: إنْ تركته قيل إنك تركت مذهب المأمون، وسخطت قوله، فيهيجه ذلك على ضربه، ويغريه بإدامة حبسه. إلى أن خلى عنه وصار إلى منزله بعد ثمانية وعشرين شهرًا قضاها معذبا في السجن، مضرّجا بدمائه، مسفها في براهينه، مهددا بالموت لحظة بعد أخرى.\nوما زالت آثار التعذيب تبرح به إلى أن لحق بالرفيق الأعلى.\nولقد قال محمد بن علي بن شعيب السمسار سمعت أبي يقول:\nكان أحمد بن حنبل بالذي قال النبي - ﷺ -: \"كائن في أمتي ما كان في بني إسرائيل؛ حتى أن المنشار ليوضع على فرق رأسه ما يصرفه ذلك عن دينه\" ولولا أحمد بن حنبل قام بهذا الشأن لكان عارًا علينا إلى يوم القيامة أن قوما ما سُبِكُوا، فلم يخرج منهم أحد وكانت وفاته - على ما قال الدوري لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين وله سبع وسبعون سنة وأيام. =","vol":"2","page":752},{"text":"وعلي بن المديني (^١)،\n_________\n= وبلغ الذين صلوا عليه الجنازة مليونا وسبعمائة ألف مصل سوى من كانوا بالسفن.\nراجع ترجمته في تهذيب الكمال للمزي ١/ ٤٣٧ - ٤٧٠، وتاريخ بغداد ٤/ ٤١٢ - ٤٢٣، وتاريخ الإسلام للذهبي ترجمة الإمام أحمد تحقيق الشيخ أحمد شاكر ١ - ٨٢ وتذكرة الحفاظ ٢/ ٤٣١ - ٤٣٢، وحلية الأولياء ٩/ ١٦١ - ٢٢٣، والتاريخ الكبير ١/ ٢/ ٥، والبداية والنهاية لابن كثير ١٠/ ٣٢٥ - ٣٤٣، وشذرات الذهب لابن العماد ٢/ ٩٦ - ٩٨، والثقات للعجلي ١/ ١٩٤ - ١٩٧ وتاريخ مولد العلماء ووفياتهم ١/ ٣٨١ و٢/ ٥٢٩، وتهذيب التهذيب ١/ ٧٢ - ٧٦، وتقريب التهذيب ١/ ٢٤ وتقدمة الجرح والتعديل ص ٢٩٢ - ٣١٣ وتاريخ ابن معين ٢/ ١٩ - ٢٠ قال: وهو رأس العاشرة. وانظر مصادر أخرى للترجمة ذكرها المرحرم الشيخ أحمد شاكر في آخر صفحات تحقيقه لترجمة الإمام أحمد للذهبي.\n(^١) هو علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح بن بكر بن سعد أبو الحسن السعدي ويعرف بابن المديني بصري الدار وهو أحد أئمة الحديث في عصره، والمقدم، على حفاظ وقته، وذكر العجلي أنه من أهل الأنبار وأن أباه كان كاتبًا لعبد الملك.\nوأبوه محدث مشهور روى عن غير واحد من شيخة مالك بن أنس وجده جعفر بن نجيح.\nروى أبوه هذا عن عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق.\nوهذا يرينا إلى أي مدى كانت أسرة علي بن المديني وكيف كانت حضانته وتأثيرها في حياته العلمية.\nوقد سمع علي بن المديني أباه هذا وحماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، والوليد بن مسلم، ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي، وابن علية، وأبا داود الطيالسي، وعبد الرزاق بن همام وغيرهم.\nوقدم بغداد وحدث بها فروى عنه أحمد بن حنبل وابنه صالح، وابن عمه حنبل بن إسحاق، ومحمد بن إسماعيل البخاري وأبو داود، وروى أبو داود والترمذى والنسائي وابن ماجه في التفسير له بواسطة.\nكما روى عنه سفيان بن عيينة ومعاذ بن معاذ وهما من شيوخه وأحمد بن حنبل وعثمان بن أبي شيبة وهما من أقرانه وابنه عبد الله بن علي وصالح بن أحمد بن حنبل وغيرهم.\nكان علما في الناس في معرفة الحديث والعلل وكان ابن عيينة يسميه: حية الوادي.\nوقال حفص بن محبوب المحبوبي.\nكنا عند ابن عيينة فقام ابن المديني فقام سفيان وقال: إذا قامت الخيل لم نجلس مع الرَّجَّالة وذكر ابن عيينة ويحيى بن سعيد أن ما يفيده كل منهما من علي بن المديني أكثر مما يفيدانه به.\nوكان عبد الرحمن بن مهدي يقول: علي بن المديني أعلم الناس بحديث رسول الله - ﷺ - وخاصة بحديث ابن عيينة.\nوكان علي بن المديني إذا قدم بغداد تصدر الحلقة وجاء يحيى بن معين وأحمد بن حنبل والمعيطى والناس يتناظرون فإذا اختلفوا في شيء تكلم فيه علي.\nوقال الأعين: رأيت علي بن المديني مستلقيا وأحمد عن يمينه، وابن معين عن يساره، وهو يملي عليهما.\nوكان البخاري يقول: ما استصغرت نفسي عند أحد؛ إلا عند علي بن المديني.\nوكان يقال: أعلم الناس بعلل الحديث علي بن المديني، وأفقههما فيه أحمد، وأمهرهم به الشاذكوني، وكان أبو داود يقول: على خير من عشرة آلاف مثل الشاذكوني.\nوامتحن في القول بخلق القرآن فقال بلسانه ما لا يطمئن إليه قلبه حين أكره على ذلك أو حين خشى على نفسه الموت ولكنه في آخرة جهر بتكفير من يقول بخلق القرآن ولم يعد يبالي بابن أبي دؤاد وأناب وأحسن الإنابة.\nوكان البخاري يقول عنه: أعلم أهل عصره وقال ابن حبان: كان من أعلم أهل زمانه بعلل الحديث؛ رحل =","vol":"2","page":753},{"text":"وابن معين (^١)، وأخذ عنهم مثل البخاري، وأبي داود وأبي زُرْعة، وأبي حاتم. وكان أبو رزعة في زمانه يقول: \"قَلَّ مَن (^٢) يفهم هذا وما أعزه إذا (^٣) دفعت هذا\n_________\n= وجمع وكتب وصنف وذاكر وحفظ.\nوقال النسائي: ثقة مأمون أحد الأئمة في الحديث وترك أبو زرعة الرواية عنه من أجل المحنة قال: وكان أبي يروي عنه ليردعه عما كان منه صنف المسند وأكلته الأرضة وخلف كتاب العلل، وقال النووي نقلا عن الخطيب صنف علي بن المديني في الحديث مائتي مصنف.\nمعدود في العاشرة.\nوذكر ابن حجر أن البخاري أخرج له ثلاثمائة حديث وثلاثة أحاديث.\nولد سنة ثنتين وستين وتوفي سنة أربع وثلاثين ومائتين بسر من رأى.\nوترجمته في تذكرة الحفاظ ٢/ ٤٢٨، وتاريخ بغداد ١١/ ٤٥٨ - ٤٧٣، وتهذيب التهذيب ٧/ ٣٤٩ - ٣٥٧ وتقريب التهذيب ٢/ ٣٩ - ٤٠، وتقدمة الجرح والتعديل ٣١٩ - ٣٢٠، وشذرات الذهب ٢/ ٨١ والبداية والنهاية ١٠/ ٣١٢ والثقات للعجلي ٢/ ١٥٧ - ١٥٨ وتاريخ ابن زبر/ ١/ ٥١٦.\n(^١) هو الإمام يحيى بن معين بن عون بن زياد في بسطام بن عبد الرحمن المرِّي الغطفاني مولاهم نسبة إلى مرة غطفان. كان مولى للجنيد بن عبد الرحمن المقرئ الغطفاني الذي كان أمير خراسان من قبل هشام بن الملك الأموي. ولد ببغداد ونشأ بها، وكانت ولادته في آخر خلافة أبي جعفر المنصور سنة ثمان وخمسين ومائة في آخرها. ورث عن أبيه ثروة طائلة ولكنه وظفها في طلب العلم، وخدمة السنة، والإنفاق في سبيل الله سمع عبد الله بن المبارك، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع بن الجراح وغيرهم. روى عنه أحمد بن حنبل، وأبو خيثمة: زهير بن حرب ومحمد بن سعد الكاتب وهم من أقرانه، ومحمد بن إسماعيل البخاري، وحنبل بن إسحاق، وأبو داود السجستاني، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وأبو حاتم وأبو زرعة الرازيان، وأبو يعلى الموصلي وآخرون.\nكان يكتب الحديث نيفًا وخمسين مرة، ويقول: لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه وقال ابن سعد: كان قد أكثر من كتابة الحديث وعرف به وكان لا يكاد يحدث.\nكان يقول القرآن كلام الله تعالى وليس بمخلوق، والإيمان قول وعمل يزيد وينقص.\nكما كان يقال: انتهى العلم إلى يحيى بن آدم وبعده إلى يحيى بن معين وقال أبو عبيد: القاسم بن سلام: انتهى العلم إلى أربعة: أبو بكر بن أبي شيبة أسردهم له، وأحمد أفقههم فيه، وعلي بن المديني أعلمهم به، ويحيى بن معين أكْتَبُهم له!!.\nوفي رواية عنه: أعلمهم بصحيحه وسقيمه ابن معين.\nقال الخطيب: كان إماما ربَّانيا عالما حافظا ثبتا متقنا، معدودًا في العاشرة.\nوله كتاب ضخم في تاريخ الرجال برز فيه ما تميز به في مجال النقد والرواية حقق في أربعة مجلدات وكانت وفاته سنة ثلاث وثلاثين ومائتين وترجمته في مقدمة تحقيق كتابه للدكتور أحمد محمد نور سيف ١/ ٣ - ٢١٢ وتهذيب التهذيب ١١/ ٢٨٠ - ٢٨٨ وتقريب التهذيب ٢/ ٣٥٨ وتاريخ بغداد ٤/ ١٧٧ - ١٨٧، وتاريخ الثقات للعجلي ٤٧٥ ت ١٨٢٦ والتاريخ الكبير للبخاري ٤/ ٢/ ٣٠٧، وشذرات الذهب ٢/ ٧٩ وذكر ابن العماد أن وفاته كانت في ذي القعدة بمدينة النبي - ﷺ - متوجها إلى الحج وغسل على الأعواد التي غسل عليها النبي - ﷺ -، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٤٢٩ - ٤٣١ وتاريخ ابن زبر ٢/ ٥١٣ - ٥١٤.\n(^٢) م: \"يقول: من قال\".\n(^٣) م: \"وما أعزه إلا رفعت هذا\".","vol":"2","page":754},{"text":"عن واحد أو اثنين؛ فما أقل من تجد مَنْ يُحْسِنُ هذا!؟ \".\nولما مات أبو زرعة، قال أبو حاتم: \"ذهب الذي كان يحسن هذا (^١) - يعني أبا زرعة - ما بقي بمصر ولا بالعراق واحدٌ يُحْسِنُ هذا\".\nوقيل له، بعد موت أبي زُرْعة: \"تَعرِف اليوم أحدًا يَعْرِفُ هذا؟ \" قال: \"لا\".\n* * *\nوجاء بعد هؤلاء جماعة منهم النسائي، والعُقَيلي، وابن عدي، والدارقطني.\nوقَلَّ مَن جاء بعدهم مِمَّنْ هو بارعٌ في معرفة ذلك؛ حتى قال أبو الفرج بن الجوزي في أول كتابه \"الموضوعات\": قد قَلَّ من يفهم هذا: بل عُدِم. والله أعلم.\n_________\n(^١) م: \"يحسن هذا المعنى\".","vol":"2","page":755},{"text":"<span data-type='title' id=toc-995>الحديث الثامن والعشرون</span>\nعَنْ أَبِي نَجِيحٍ: العِرْبَاضِ بْنِ سَاريَةَ ﵁ قَالَ:\n\"وَعَظَنَا رَسُولُ الله - ﷺ - مَوْعِظَةً وَجِلَتْ مِنْهَا القُلُوبُ، وَذَرَفَتْ مِنْهَا العُيُونُ، فَقُلَنا: يَا رَسُولَ اللهِ! كَأَنَّهَا مَوعِظَةُ مُوَدِّعٍ؟ فَأَوْصِنا، قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ ﷿، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَإنْ تَأَمَّرَ عَلَيكُمْ عَبْدٌ؛ وإنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتلافًا كثيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ (المهْدِيِّينَ) عَضُّوا عَلَيها بِالنَّوَاجِذِ، وَإيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ؛ فَإِنَّ كُلَّ بِدعَةٍ ضَلَالَةٌ\". رَوَاهُ أَبو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذيُّ وَقال: حَديثٌ حَسَنٌ صَحيِحٌ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-996>[تخريج الحديث]:</span>\n• هذا الحديث خرّجه الإمام أحمد (^١) وأبو داود (^٢) والترمذى (^٣) وابن ماجه (^٤) من رواية ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدَان، عن عبد الرحمن بن عَمْرِو السُّلمي ﵁.\nزاد أحمد في رواية له وأبو داود (^٥): وحُجْر بن حُجْر الكَلَاعي كلاهما عن العرباض بن سارية ﵁.\n• وقال الترمذى: حسن صحيح.\n• وقال الحافظ أبو نعيم: هو حديث جيد من صحيح حديث الشاميين.\nقال: ولم يتركه البخاري ومسلم من جهة إنكارٍ منهما له.\n• وزعم الحاكم (^٦) أن سبب تركهما له أنهما توّهما أنه ليس له راو عن خالد بن\n_________\n(^١) في المسند ٤/ ١٢٦ - ١٢٧ (الحلبي).\n(^٢) في السنن: كتاب السنة: باب لزوم السنة ٤/ ٢٨٠ - ٢٨١.\n(^٣) في كتاب العلم: باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع ٥/ ٤٤ وقال: حديث حسن صحيح.\n(^٤) في مقدمة السنن: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين ١/ ١٥ - ١٦.\n(^٥) هذا الحديث رواه أحمد في المسند من حديث العرباض وحده ومن حديث العرباض وحجر كليهما. أما أبو داود فرواه من حديثيهما معا.\nوأما ابن ماجه والترمذي فروياه من حديث العرباض وحده إلا أن الترمذي أشار إلى رواية حجر بعد روايته لحديث العرباض.\n(^٦) حيث رواه في المستدرك، ١/ ٩٥ - ٩٦ من طريق ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض … وعقب عليه بقوله: هذا حديث صحيح ليس له علة، وقد احتج البخاري =","vol":"2","page":757},{"text":"معدان، غير ثور بن يزيد.\n• وقد رواه عنه أيضًا بَحِير بن سعد، ومحمد بن إبراهيم التيمي وغيرهما.\n• قلت: ليس الأمر كما ظنّه، وليس الحديث على شرطهما. فإنهما لم يخرّجا لعبد الرحمن بن عمرو السُّلَمِي، ولا لحُجْر الكلاعي شيئًا، وليسا ممن اشتهرا بالعلم والرواية.\n• وأيضًا فقد اختُلف فيه على خالد بن مَعْدان؛ فروى عنه كما تقدم.\n• ورُوي عنه، عن ابن أبي بلال، عن العِرْباض.\n• وخرّجه الإمام أحمد من هذا الوجه أيضًا (^١).\n* * *\n• وروي (^٢) عن ضمرة بن حبيب (^٣)، عن عبد الرحمن بن عمرو السُّلمي، عن العِرْباض خرّجه من طريقه الإمام أحمد وابن ماجه (^٤)، وزاد في حديثه: \"فقد تركْتُكُم (^٥) على البيضاء: ليلُها كنهارِها، لا يزيغُ عنها بعدي إلا هالكٌ\" وزاد في آخر الحديث: \"فإنَّما المؤمن كالجمل الأَنِف (^٦) حيثما قِيدَ انقادَ\".\n_________\n= بعبد الرحمن بن عمرو، وثور بن يزيد، وروى هذا الحديث في أول كتاب الاعتصام بالسنة والذي عندي: أنهما رحمهما الله وهما أنه ليس له راوٍ عن خالد بن معدان غير ثور بن يزيد، وقد رواه محمد بن إبراهيم بن الحارث المخرج حديثه في الصحيحين، عن خالد بن معدان.\nثم ساق رواية محمد بن إبراهيم عن خالد بن معدان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العرباض.\n(^١) في المسند ٤/ ١٢٧ (الحلبي).\nوفي المطبوعة: \"وروى عنه ابن عمرو عن أبي بلال … \" وهو خطأ واضح.\n(^٢) سقطت من المطبوعة.\n(^٣) في المطبوعة: \"بن أبي حبيب\" بزيادة: \"أبي\" وهو خطأ، فهو ضمرة بن حبيب الزبيدي أبو عتبة الحمصي.\nروى عن شداد بن أوس، وأبي أمامة الباهلي، وعوف بن مالك، وعبد الرحمن بن عمرو السلمي.\nوروى عنه ابنه عتبة، ومعاوية بن صالح الحضرمي، وهلال بن يساف.\nوثقه ابن معين وابن حبان وابن سعد الدارمي. وقال أبو حاتم: لا بأس به، وقال العجلي: شامي تابعي. وتوفي سنة ١٣٠.\nوترجمته في تهذيب التهذيب ٤/ ٤٥٩/ ٤٦٠.\n(^٤) أحمد في المسند ٤/ ١٢٦ وابن ماجه في مقدمة السنن ١/ ١٦.\n(^٥) في المطبوعة: \"تركتم\" وهو مخالف لما في المسند والسنن.\n(^٦) في النهاية ١/ ٧٥: \"كالجمل الأنف\" أي المأنوف، وهو الذي عقر الخشاش أنفه، فهو لا يمتنع على قائده للوجع الذي به، وقيل: الأنف الذلول. يقال: أنف البعير يأنف أنفا فهو أنف إذا اشتكى أنفه من الخشاش، =","vol":"2","page":758},{"text":"• وقد أنكر طائفة من الحفاظ هذه الزيادة في آخر الحديث، وقالوا: هي مُدْرَجَةٌ فيه، وليست منه قاله: أحمد بن صالح المصري وغيره.\n• وقد خرّجَهُ الحاكم وقال في حديثه: وكان \"أَسَدُ بن وداعة\" (^١) يزيد في هذا الحديث: \"فإنّ المؤمن كالجمل الأَنِف، حيثما قِيدَ انقادَ\".\n• وخرّجه ابن ماجه أيضًا من رواية عبد الله بن العلاء بن زَبْر (^٢): حدثني يحيى بن أبي المطاع: سمعت العِرْباض، فذكره.\n[إسناد الحديث]:\n• وهذا في الظاهر إسنادٌ جَيِّدٌ متصل، ورواتُهُ ثقاتٌ مشهورون، وقد صرح فيه بالسماع.\n• وقد ذكر البخاري في تاريخه: أن يحيى بن أبي المطاع سمع من العِرْباض، اعتمادًا على هذه الرواية؛ إلا أن حفّاظَ أهل الشام أنكروا ذلك وقالوا: يحيى بن أبي المطاعَ لم يسمع من العِرْباض، ولم يلقه، وهذه الرواية غلط.\n• وممن ذكر ذلك أبو زُرْعَةَ الدّمشقيِّ، وحكاه عن دُحَيْمٍ، وهؤلاء أعرف بشيوخهم من غيرهم، والبخاري ﵀ يقع له في تاريخه أوهام في أخبار أهل الشام.\n• وقد رُوي عن العِرْباض من وجوه أُخَر.\n• ورُوي من حديث بُرَيدة عن النبي - ﷺ - إلا أن إسناد حديث بُرَيدة لا يثبت، والله أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-997>[وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة]:</span>\nفقول العِرْباض: \"وعظنا رسول الله - ﷺ - موعظة\".\n_________\n= وكان الأصل أن يقال: مأنوف، لأنه مفعول به، كما يقال مصدور ومبطون الذي يشتكي صدره وبطنه، وإنما جاء هذا شاذا، ويروى: كالجمل الآنف بالمد، وهو بمعناه.\n(^١) في المطبوعة: \"وراعة\" وهو تصحيف.\n(^٢) في المطبوعة: \"زبير\" وهو تحريف، فهو عبد الله بن العلاء بن زبر بن عطارد الربعي.\nروى عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، ومكحول، ونافع مولى ابن عمر.\nوروى عنه ابنه إبراهيم، وزيد بن الحباب والوليد بن مسلم، وغيرهم.\nوثقه ابن معين، وابن أبي شيبة، وابن سعد، ودحيم، والدارقطني، وابن حبان. وقال أحمد بن حنبل: مقارب الحديث، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه، وقال النسائي: ليس به بأس.\nكانت وفاته سنة ١٦٤ على خلاف.\nوترجمته في تهذيب التهذيب ٥/ ٣٥٠ - ٣٥١، وحديثه المذكور عند ابن ماجه ١/ ١٥ - ١٦.","vol":"2","page":759},{"text":"• وفي رواية الإمام أحمدَ وأبي داودَ والترمذي: \"بليغة\"، وفي روايتهم: أن ذلك كان بعد صلاته الصبح، وكان النبي - ﷺ - كثيرًا ما يعظ أصحابه في غير الخطَب الراتبة، كخطب الجمع والأعياد؛ وقد أمره الله ﷿ بذلك فقال تعالى: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (^٢)، ولكنه كان لا يديم وعظهم، بل يتخوَّلُهم بها أحيانًا؛ كما في الصحيحين عن أبي وائل، قال: كان عبد الله بن مسعود يذكِّرنا كلَّ يومِ خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن! إنا نحب حديثك ونشتهيه، ولودِدْنا أنك حدثتنا كلّ يوم؟ فقال: \"ما يمنعني أن أحدِّثكم [كلّ يوم] إلا كراهةُ أن أُمِلَّكُم، إن رسول الله - ﷺ - كان يتخوَّلُنَا بالموعظة؛ كراهةَ السآمة علينا\" (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-998>[البلاغة في الموعظة]:</span>\n• والبلاغة في الموعظة مستحسنة؛ لأنها أقربُ إلى قبول القلوب واستجلابِها،\nوالبلاغة هي التوصُّلُ إلى إفهام المعاني المقصودة، وإيصالُهَا إنى قلوب السامعين بأحسن صورة من الألفاظ الدالة عليها، وأفصَحِها، وأحلاها للأسماع، وأوقعِهَا في القلوب.\n\n<span data-type='title' id=toc-999>[السنة تقصير الخطبة]:</span>\n• وكان النبي - ﷺ - يُقَصِّرُ خطَبهُ ولا يُطيِلُهَا، بل كان يُبْلِغُ ويُوجِزُ.\n• وفي صحيح مسلم عن جابر بن سَمُرةَ ﵁ قال: \"كنتُ أُصلِّي مع النبي - ﷺ - فكانت صلاتُه قَصْدًا، وخطبتُه قَصْدًا\" (^٤).\n• وخرّجه أبو داود، ولفظه:\nكان رسول الله - ﷺ - لا يطيل الموعظة يوم الجمعة؛ إنما هي كلمات يسيرات (^٥).\nوخرّج مسلم من حديث أبي وائل قال:\n_________\n(^١) سورة النساء: ٦٣.\n(^٢) سورة النحل: ١٢٥.\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب العلم: باب عن جعل لأهل العلم أياما معلومة ١/ ١٥٠ ومسلم في كتاب صفات المنافقين وأحكامهم: باب الاقتصاد في الموعظة ٤/ ٢١٧٣.\nومعنى قوله: \"يتخولنا\" يتعاهدنا أو يصلحنا.\n(^٤) أخرجه مسلم في كتاب الجمعة: باب تخفيف الصلاة والخطبة ٢/ ٥٩١.\n(^٥) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة: باب إقصار الخطب ١/ ٣٩٦.","vol":"2","page":760},{"text":"• خطبنا عمار - ﵁ -، فأوجز وأبلغ، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان (^١) لقد أبلغت وأوجزتَ فلو كنت تَنَفَّسْتَ (^٢)؟ فقال: إنى سمعتُ رسول اللّه - ﷺ - يقول: \"إن طول صلاة الرجل وقِصرَ خطبته مَئِنَّةٌ (^٣) من فقهه؛ فأطيلُوا الصلاةَ واقْصرُوا الخطبة (^٤)؛ فإنَّ من البيان سِحْرًا\" (^٥).\n* * *\n• وخرّج الإمام أحمد وأبو داود من حديث الحكَم بن حَزْن (^٦) - ﵁ - قال: شهدتُ مع رسول اللّه - ﷺ - الجمعة؛ فقام متوكّئًا على عصًا أو قوسٍ؛ فحمد اللّه وأثنى عليه: كلماتٍ خفيفاتٍ طيباتٍ مباركاتٍ (^٧).\n• وخرَّج أبو داود عن عمرو بن العاص - ﵁ -: أن رجلًا قام يومًا فأكثر القول؛ فقال عمرو: لو قَصَد في قوله لكان خيرًا له؛ سمعتُ رسولَ اللّه - ﷺ - يقول:\n_________\n(^١) في المطبوعة: \"يا أبا الفيضان\" وأشار إلى أن في نسخة أخرى: \"يا أبا البطان\" وكلاهما تحريف، والصواب ما أثبتناه كما في مسلم.\n(^٢) قوله: \"فلو كنت تنفست\" أي: لو كنت أطلت الخطبة وأصله كما في النهاية ٥/ ٩٤: أن المتكلم إذا تنفس استأنف القول، وسهلت عليه الإطالة.\n(^٣) المئنة: العلامة.\n(^٤) قال النووي لي شرحه على مسلم ٦/ ١٥٨: وليس هذا الحديث مخالفا للأحاديث المشهورة في الأمر بتخفيف الصلاة، لقوله في الرواية الأخرى: وكانت صلاته قصدًا، وخطبته قصدًا، لأن المراد بالحديث الذي نحن فيه: أن الصلاة تكون طويلة بالنسبة إلى الخطبة، لا تطويلا يشق على المأمومين، وهى حينئذ قصد: أي معتدلة، والخطبة قصد بالنسبة إلى وضعها.\n(^٥) في شرح النووي على مسلم ٦/ ١٥٩: قال القاضي عياض: فيه تأويلان: أحدهما: أنه ذم، لأنه إمالة القلوب وصرفها بمقاطع الكلام إليه، حتى يكسب من الإثم به كما يكسب بالسحر، وأدخله مالك في الموطأ في باب ما يكره من الكلام، وهو مذهه في تأويل الحديث.\nوالثاني: أنه مدح، لأن اللّه تعالى امتن على عباده بتعليمهم البيان، وشبهه بالسحر، لميل القلوب إليه، وأصل السحر: الصرف، فالبيان يصرف القلوب ويميلها إلى ما تدعو إليه.\nقال النووي: هذا كلام القاضي، وهذا التأويل الثاني هو الصحيح المختار.\n(^٦) في المطبوعة: \"الحاكم بن خرم\" وهو تحريف وقد سبقت ترجمة الحكم وانظر تهذيب التهذيب ٢/ ٤٢٥ وفيه الإشارة إلى حديثه هذا.\n(^٧) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢١٢ وفي آخره: ثم قال: أيها الناس إنكم لن تفعلوا ولن تطيقوا كل ما أمرتكم به ولكن سددوا وأبشروا.\nوأخرجه أبو داود في كتاب الصلاة: باب الرجل يخطب على قوس ١/ ٣٩٢ - ٣٩٣ وفيه الزيادة المذكورة في المسند وليس للحكم عند أبي داود غير هذا الحديث.","vol":"2","page":761},{"text":"\"لقد رأيتُ أو أُمِرْتُ أن أتجوَّز في القول؛ فإن الجواز هو خير\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1000>[ذرفت منها العيون ووجلت القلوب]:</span>\n• وقوله: \"ذَرَفتْ منها العيونُ ووَجِلتْ منها القلوب\" هذان الوصفان بهما مدَح الله المؤمنين عند سماع الذكر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ (^٢).\nوقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (^٣).\nوقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ (^٤)\nوقال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ (^٥).\n• وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقّ﴾ (^٦).\n• وكان النبي - ﷺ - يتغيّر حاله عند الموعظة كما قال جابر: \"كان النبي - ﷺ - إذا خطب، وذكر الساعة؛ اشتد غَضبُه، وعَلا صوتُه، واحْمَرَّت عيناه، كأنه مُنذِرُ جَيْشٍ يقول: صبَّحكم ومسَّاكم\".\nخرّجه مسلم بمعناه (^٧).\n• وفي الصحيحين عن أنس - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - خرج حين زاغت الشمس، فصلى الظهر، فلما سلّم قام على المنبر، فذكر الساعة، وذكر أن بن يديها أمورًا عظامًا، ثم قال: \"مَن أَحبَّ أن يَسْأَلَ عن شيء فلْيَسْأَل عنه؛ فواللّه لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكُم به في مَقَامي هذا\". قال أنس: فأكثَر الناسُ البكاءَ وأكثر رسول\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الأدب: باب ما جاء في المتشدق في الكلام ٤/ ٤١٣ والتجوز: اختصار الكلام، والتخفيف على السامعين، وعدم التطويل عليهم.\n(^٢) سورة الأنفال: ٢.\n(^٣) سورة الحج: ٣٤.\n(^٤) سورة الحديد: ١٦.\n(^٥) سورة الزمر: ٢٣.\n(^٦) سورة المائدة: ٨٣.\n(^٧) الحديث عند مسلم في كتاب الجمعة: باب تخفيف الصلاة والخطبة ٢/ ٥٩٢ قال النووي: ولعل اشتداد غضبه كان عند إنذاره أمرا عظيما، وتحذيره خطبا جسيما.","vol":"2","page":762},{"text":"اللّه - ﷺ - أن يقول: \"سلوني\". فقام إليه رجلٌ فقال: أين مُدْخَلي يا رسول اللّه؟! قال: \"النار\": وذكر الحديث (^١).\n• وفي مسند الإمام أحمد عن النعمان بن بشير - ﵁ - أنه خطب فقال: سمعت رسول اللّه - ﷺ - يخطبُ يقول: \"أنذرتُكم النار\" حتى لو أن رجلًا كان بالسُّوق لسمعه من مُقامي هذا. قال: حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه (^٢).\n• وفي الصحيحين عن عديّ بن حاتم - ﵁ - قال: قال رسول اللّه - ﷺ - \"اتقوا النار\"، قال: ثم أعرض وأشاح (^٣)، ثم قال: \"اتَّقُوا النار\". قال: ثم أعرض وأشاح (^٤) ثلاثًا حتى ظننَّا أنه ينظر إليها، ثم قال: \"اتقوا النار ولو بِشِقِّ تمرة فمن لم يجدْ فبكلمةٍ طيِّبَةٍ\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري - بهذا السياق - في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه ١٣/ ٢٢٩ - ٢٣١ وتمامه فيه بعد هذا \"فقام عبد اللّه بن حذافة، فقال: من أبي يا رسول اللّه؟! قال: أبوك حذافة، قال ثم أكثر أن يقول: سلوني سلوني، فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا باللّه ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد - ﷺ - رسولًا. قال: فسكت رسول اللّه - ﷺ - حين قال عمر ذلك، ثم قال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي، فلم أر كاليوم في الخير والشر\". وأخرجه مختصرًا في كتاب العلم: باب من برك على ركبتيه عند الإمام أو المحدث ١/ ١٦٩.\nودون قوله: \"فقام إليه رجل فقال: أين مدخلي\" وفي كتاب مواقيت الصلاة وفضلها: باب وقت الظهر عند الزوال ٢/ ١٧ وأخرجه مسلم في كتاب الفضائل: باب توقيره - ﷺ - وترك إكثار سؤاله عما لا ضرورة إليه أو لا يتعلق به تكليف، وما لا يقع، ونحو ذلك ٤/ ١٨٣١ - ١٨٣٥ من وجوه عديدة.\n(^٢) الحديث في مسند أحمد ٤/ ٢٦٨، ٢٧٢ (الحلبي) وانظر الفتح الرباني ٢٤/ ١٦٩. وقد أورده الهيثمي في المجمع ٢/ ١٨٧ - ١٨٨ عن أحمد في هذا الموضع وقال: رجاله رجال الصحيح.\n(^٣) في المطبوعة: \"قال: ثم التاح\" وهو تحريف والتصويب من البخاري ١١/ ٣٥١.\n(^٤) أشاح: أي أظهر الحذر منها، قاله ابن حجر، وقال الخليل: أشاح بوجهه عن الشيء: نحاه عنه، وقال الفراء: المشيح: الحذر والجاد في الأمر، والمقبل في خطابه، فيصح أحد هذه المعاني أو كلها. أي حذر النار، كأنه ينظر إليها، أوجد على الوصية باتقائها، أو أقبل على أصحابه في خطابه بعد أن أعرض عن النار لما ذكرها.\n(^٥) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة: باب اتقوا النار ولو بشق تمرة ٣/ ٢٢٠.\nوفى كتاب أحاديث الأنبياء: باب علامات النبوة ٦/ ٤٥١.\nوفي كتاب الأدب: باب طيب الكلام ١٠/ ٣٧٥.\nوفي كتاب الرقاق: باب من نوقش الحساب عذب ١١/ ٣٥١.\nوباب صفة الجنة والنار ١١/ ٣٧٣.\nوأخرجه مسلم في كتاب الزكاة: باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار ٢/ ٧٠٤.","vol":"2","page":763},{"text":"• وخرّج الإمامُ أحمد (^١) من حديث عبد اللّه بن سلمة عن عليّ أو عن الزبير بن العوّام قال:\nكان رسول اللّه - ﷺ - يخطبنا فيذكرنا بأيام اللّه حتى يُعْرفَ ذلك في وجهه وكأنه نذير قوم يُصَبِّحُهُمُ الأمرُ غُدْوَةً، وكان إذا كان حديثَ عهْدٍ بجبرئيل لم يتبسَّمْ ضاحكًا حتَّى يَرْتَفِعَ عَنْهُ.\n• وخرّج الطبراني والبزار من حديث جابر (^٢) قال:\nكان النبي - ﷺ - إذا أتاه الوحي أو وعظ قلت: نذيرُ قوم أتاهم العذابُ؛ فإذا ذهب عنه ذلك رأيتُه أطلَقَ الناسِ وجهًا، وأكثرَهم ضحكًا، وأحسنَهم بِشْرًا - ﷺ -.\n\n<span data-type='title' id=toc-1001>[طلب الصحابة لوصية الرسول في حجة الوداع]:</span>\n• وقولهم: \"يا رسولَ اللّه! كأنها موعِظَةُ مودِّع فأَوْصِنَا\".\nيدلُّ على أنه كان - ﷺ - قد أبلغَ في تلك الموعظة ما لم يُبْلِغْ في غيرها؛ فلذلك فهمُوا أنها موعظةُ مودِّع؛ فإن المودِّعَ يستقصي ما لا يستقْصي غيْرُه في القول والفعل؛ ولذلك أمر النبي - ﷺ - أن يصلّي صلاة مودِّع (^٣)؛ لأنَّ من استشعر أنه مودِّعٌ بصلاته أتقنها على أكمل وجوهها، ولَرُبَّما كان قد وقع منه - ﷺ - تعريضٌ في تلك الخطبة بالتوديع، كما عرَّض بذلك في خطبته في حجة الوداع، وقال: \"لا أَدْرِي لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا\" وطفق يودّع الناس فقال: هذه حجة الوداع.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٢٢ - ٢٣ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه العلامة الشيخ أحمد محمد شاكر. وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ١٨٨ وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط بنحوه، وأبو يعلى عن الزبير وحده ورجاله رجال الصحيح.\n(^٢) وإسناده حسن كما في المجمع ٩/ ١٧.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٤١٢ من حديث أبي أيوب الأنصاري قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: عظني وأوجز فقال: \"إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع ولا تكلم بكلام تعتذر منه غدا، واجمع الإياس مما في أيدي الناس: وأخرجه ابن ماجه في الزهد: باب الحكمة ٢/ ١٣٩٦. قال البوصيري في الزوائد: \"إسناده ضعيف، وعثمان بن جبير قال الذهبي في الطبقات: مجهول، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال البخاري وأبو حاتم: روى عن أبيه عن جده عن أيوب، قلت: لكن كون الحديث من أوجز الكلمات، وأجمعها للحكمة يدل على قربه للثبوت، فليتأمل\".","vol":"2","page":764},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1002>[وصيته بالقرآن وبأهل بيته عند غدير خُمٍّ]:</span>\n• ولما رجع من حجه إلى المدينة جمع الناس بماء بين مكة والمدينة يسمى خُمًّا وخطبهم فقال:\n\"أيها الناس إنما أنا بَشَرٌ، يوشك أن يأتيني رسولُ ربّي فَأُجِيبَه\".\nثم حضَّ على التمسّك بكتاب اللّه، ووصَّى بأهل بيته.\nخرّجه مسلم (^١).\n* * *\n_________\n(^١) حيث قال في صحيحه:\nحدثني زهير بن حرب وشجاع بن مُخْلَدٍ جميعًا عن ابن عُلَيَّة. قال زُهَيْرٌ: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم. حدثني أبو حيَّانَ. حدثني يزيد بنُ حيَّانَ. قال: انطلقتُ أنا وحُصينُ بن سبرة وعمرُ بن مسلم إلى زيْد بن أرْقَم. فلما جلسنا إليه قال له حصين: لقد لقيتَ يا زيد خيرًا كثيرًا. رأيتَ رسولَ اللّه - ﷺ - وسمعتَ حديثه، وغزوتَ معه، وصليت خلفَه. لقد لقيتَ يا زيدُ خيرًا كثيرًا. حدِّثنا، يا زيدُ! ما سمعت من رسول الله - ﷺ - قالَ: يا ابن أخي! واللّه لقد كبرتْ سني، وقدُم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول اللّه - ﷺ - فما حدَّثتكم فاقبلوا. وما لا، فلا تُكلِّفُونيه. ثم قال: قام رسول اللّه - ﷺ - يوما فينا خطيبًا بماءٍ يُدعى خمًّا بين مكة والمدينة. فحمد اللّه وأَثنى عليه، ووعظ وذكّر. ثم قال: أما بعدُ ألا أيها الناس! فإنما أنا بشر يوشكُ أن يأتي رسولُ رَبِّي فأجيب. وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور؛ فخذوا بكتاب اللّه واستمسكوا به: فحثَّ على كتاب اللّه ورغَّبَ فيه. ثم قال: وأهل بيتي. أذكِّرُكُمُ اللّه في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم اللّه في أهل بيتي\" فقال له حُصين: ومن أهل بيته يا زيد؟! أليسَ نساؤهُ من أهل بيته؟ قال نساؤة من أهل بيته. ولكن أهل بيته من حُرِم الصدقةَ بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل عليٍّ، وآل عقيل، وآل جَعفر، وآل عباس. قال: كل هؤلاء حُرِم الصدقة؟ قال: نعم\".\nوهذا الحديث خرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة: باب فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ - ٤/ ١٨٧٣.\nوقد كان ابن رجب دقيقا حين قال مشيرًا إلى هذا الحديث: \"إن النبي - ﷺ - حَضَّ على التمسك بكتاب الله ووصى بأهل بيته\".\nوهذا هو ما يؤخذ من قوله - ﷺ -: \"وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما: كتاب اللّه فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به. يقول زيد بن أرقم بعد هذا: فحث على كتاب الله ورغب فيه\" ثم قال: \"وأهل بيتي: أذكركم اللّه في أهلى بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي\".\nومعنى هذا أنه - ﷺ - وصى بأمرين عظيمين هما كتاب اللّه وأمر بالأخذ به، والاستمساك به وأهل بيته - ﷺ - وذكر الله في حقهم وما يجب لهم من التوقير والود، وإعظام الحق، إجلالا لمدى ما لهم بالنبي - ﷺ - من صلة قربى، وإكبارا لما يرمزون له من استمرار هذه الصلة سيما حين تكون هي رمزا لبقاء العمل بالكتاب، والالتزام بالسنة، وكما قال ابن تيمية في منهاج السنة ٤/ ٨٥ فإن هذا الحديث ليس فيه إلا الوصية باتباع كتاب اللّه رهو لم يأمر باتباع العترة ولكن قال: أذكركم الله في أهل بيتي. والأمر بتذكر الأمة لهم يقتضي أن يذكروا ما يجب لهما من إعطائهم حقوقهم، والامتناع من ظلمهم، وهو أمر قد تقدم بيانه قبل غدير خم؛ فعلم أنه لم يكن في غدير خم أمر بشرع نزل إذ ذاك لا في حق علي، ولا في حق غيره، لا إمامته ولا غيرها.","vol":"2","page":765},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1003>[وصيته عقب غزوة أحد]:</span>\n• وفي الصحيحَيْن (^١) ولفظه لمسلم عن عقبة بن عامر - ﵁ - قال: صلّى رسول اللّه - ﷺ - على قَتْلَى \"أُحُدٍ\"، ثم صَعِد المنبر (^٢) كالمودِّع للأحياء والأموات، فقال:\n\"إنِّي فَرَطُكُم على الحوض وإنَّ (^٣) عَرْضَهُ كما بين أيْلَةَ إلى الجُحْفَة؛ إني (^٤) لست أخشى عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكنّي (^٥) أخشى عليكم الدنيا أن تَنَافَسُوا (^٦) فيها وتقتتلوا (^٧) فتهلِكُوا كما هلك مَنْ كان قبلَكُم\".\nقال عقبة - ﵁ -: فكانت (^٨) آخرَ ما رأيتُ رسولَ الله - ﷺ - على المنبر.\n• وخرَّجه الإمام أحمد، ولفظه: صلّى رسول اللّه - ﷺ - على قَتْلَى \"أحُدٍ\" بعد ثمانِ سنين؛ كالمودِّع للأحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال:\n\"إني فَرَطكم، وأنا عليكم شهيد، وإنّ موعدَكُم الحوضُ، وإني لأنظُرُ إليه، ولست أخشى عليكم الكُفرَ، ولكنِ الدنيا أن تَنَافَسُوهَا\" (^٩).\n* * *\n• وخرَّج الإمام أحمد أيضًا عن عبد اللّه بن عمرو (^١٠) - ﵄ - قال: خرج علينا رسول اللّه - ﷺ - يومًا - كالمودِّع فقال:\n\"أنا محمد النبيُّ الأميُّ - قال ذلك ثلاث مرات - ولا نبيَّ بعدي، أُوتيتُ فواتحَ\n_________\n(^١) مسلم في كتاب الفضائل: باب إثبات حوض نبينا - ﷺ - وصفاته ٤/ ١٧٩٦ وأخرجه البخاري في كتاب الجنائز: باب الصلاة على الشهيد ٣/ ١٦٩ وفي كتاب أحاديث الأنبياء: باب علامات النبوة ٦/ ٤٥١ وفي كتاب الرقاق: باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها ١١/ ٢٠٨ وباب في الحوض ١١/ ٤١٥.\n(^٢) أي بعد أن عاد إلى المدينة، أي أنه ﵇ صلى على الشهداء، ثم خطب الأحياء بعد أن عاد إليهم.\n(^٣) م، ا: \"فإن\" وما أثبتناه هو الموافق لما في مسلم.\n(^٤) م، ا: \"وأني\" وما أثبتناه هو الموافق لما في مسلم.\n(^٥) م: \"ولكن\" وما أثبتناه هو الموافق لما في مسلم.\n(^٦) م: \"تتنافسوا\" وما أثبتناه هو الموافق لما في مسلم.\n(^٧) … \"فتقتتلون\" وهذا تحريف.\n(^٨) م: \"فكان\" والتصويب من مسلم.\n(^٩) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٤٩، ١٥٣ - ١٥٤ (الحلبي) من وجوه ثلاثة وفيها: \"ولست أخاف عليكم أن تشركوا أو قال: تكفروا ولكن الدنيا أن تنافسوا فيها.\n(^١٠) م: \"عبد اللّه بن عمر\" وهو تحريف.\nوالحديث في مسند أحمد ١٠/ ١٠٧ - ١٠٨ و١١/ ١٩٣ (المعارف) من حديث عبد اللّه بن عمرو بإسناد صحيح.","vol":"2","page":766},{"text":"الكَلِم وخواتمه، وجوامعَه، وعلمتُ كَم خَزنةُ النار، وحَملةُ العَرْش، وتجوَّز لي ربِّي، وعُوفِيَتْ أُمَّتي؛ فاسمعوا وأطيعوا ما دُمْتُ فيكم، فإذا ذُهِبَ بي فعليكُم بكتاب الله أَحِلُّوا حلالَه، وحرِّموا حرامَه\".\nفلعل الخطبة التي أشار إليها العِرْباضُ بنُ سارية في حديثه كانت بعضَ هذه الخطبة (^١) أو شبيهًا بها مما يشعر بالتوديع.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1004>[ماذا يعني قولهم: أوصنا؟]:</span>\n• وقولهم: \"فأوْصِنَا\" يعنون: وصية جامعة كافية. فإنهما لما فهموا أنه مودِّع استوصَوْهُ وصيةً ينفعهم التمسك بها بعده، ويكونُ فيها كفايةٌ لمن تمسَّك بها، وسعادةٌ له في الدنيا والآخرة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1005>[وصيته - ﷺ - بتقوى اللّه والسمعِ والطاعة]:</span>\nوقوله - ﷺ -: \"أوصِيكُم بتَقْوَى اللّه والسَّمْعِ والطَّاعَة\".\nفهاتان الكلمتان تجمعان سعادة الدنيا والآخرة.\nأما التقوى فهي كافلة سعادة الدنيا والآخرة لِمَنْ تمسَّك بها، وهي وصيةُ اللّه للأوّلين والآخِرين؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (^٢).\nوقد سبق شرح التقوى بما فيه كفاية في شرح حديث وصيَّة النبي - ﷺ - لمعاذ - ﵁ - (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1006>[السمع والطاعة]:</span>\n• \" وأما السمعُ والطَّاعةُ لولاة أمورِ المسلمين، ففيها سعادةُ الدنيا، وبها تنتظم مصالح العباد في معايشهم، وبها يستعينُون على إظهار دينهم، وطاعةِ ربّهم، كما قال علي بن أبي طالب - ﵁ -: \"إنّ الناس لا يُصْلِحُهم إلا إمامٌ بَرٍّ أو فاجر. إن كان\n_________\n(^١) كما عند أحمد في المسند ٤/ ١٢٦.\n(^٢) سورة النساء: ١٣١.\n(^٣) في شرح الحديث الثامن عشر ص ٤٦٥ وما بعدها.","vol":"2","page":767},{"text":"فاجرًا عَبدَ المؤمن فيه ربَّه، وحَمَل الفاجِرَ فيها إلى أجله\".\nوقال الحسن - في الأمراء: \"هم يَلُون من أمورنا خمسًا: الجمعة، والجماعة، والعيد، والثغور، والحدود، واللّه ما يستقيمُ الدِّيُن إلا بهم، وإن جارُوا وظلموا؛ واللّه لَمَا يُصْلِحُ اللّه بهم أكثرُ مما يُفْسِدُون، مع أن واللّه إن طاعتَهم لغيظٌ، وإنَّ فُرْقَتَهُمْ لكُفْرٌ؟! \".\n\n<span data-type='title' id=toc-1007>[من وصاياه الجامعة]:</span>\n• وخرَّج الخلال في كتاب الإمارة من حديث أبي أُمامة قال:\nأَمَرَ رسولُ اللّه - ﷺ - أصحابه حين صلَّوا العشاء أن احشُدوا؛ فإن لي إليكم حاجةً، فلما فرغ من صلاة الصبح قال: \"هل حشَدْتُم كما أمرتُكم؟ \" قالوا: نعم، قال: \"اعبدوا اللّه ولا تُشْرِكوا به شَيئًا. هل عقلتُم هذه؟ \" ثلاثًا، قلنا: نعم، قال: \"أقيموا الصَّلاةَ وآتُوا الزكاةء. هل عقلتُم هذه؟ \" ثلاثًا قلنا: نعم. قال: \"اسمعوا وأطيعوا - ثلاثًا - هل عقلتُم هذه؟ \" ثلاثًا. قلنا: نعم.\nقال: فكنَّا نُرَى أن رسولَ اللّه - ﷺ - سيتكلَّمُ كلامًا طويلًا، ثم نظرنا في كلامه فإذا هو قد جمع لنا الأمرَ كله (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1008>[التوصية بالسمع والطاعة]:</span>\n• وبهذين الأصلين وصَّى النبي - ﷺ - في خطبته في حجة الوداع أيضًا كما خرَّج الإمام أحمد والترمذي من رواية أم الحصين الأحمسية (^٢) قالت: سمعتُ رسول اللّه - ﷺ - يخطب في حجة الوداع فسمعتُه يقول:\n\"يا أيها الناس! اتَّقوا الله وإن أُمِّرَ عليكم عبدٌ حَبَشِيٌّ مُجدَّعٌ؛ فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كِتَابَ اللّه\" (^٣).\n_________\n(^١) رواه الطبراني في الكبير ٨/ ١٦٢ ح ٧٦٧٨ بإسناد ضعيف وانظر التعليق.\n(^٢) بالحاء المهملة شهدت حجة الوداع وروتها عن النبي - ﷺ -.\nروى عنها ابنها يحيى بن الحصين، والعيزار بن حريث راجع ترجمتها في الاستيعاب ٤/ ١٩٣١ وتهذيب التهذيب ١٢/ ٤٦٣.\n(^٣) المجَدّع هو المقطع الأعضاء، والتشديد فيه للتكثير والجدع قطع الأنف والأذن والشفة، والذي قطع منه ذلك أجدع، والأنثى جدعاء. =","vol":"2","page":768},{"text":"• وخرَّج مسلم منه ذكر السمع والطاعة (^١).\n• وخرَّج الإمام أحمد والترمذي أيضًا (^٢) من حديث أبي أُمامة - ﵁ - قال: سمعتُ رسول اللّه - ﷺ - يخطب في حجة الوداع يقول:\n\"اتَّقُوا الله، وصلُّوا خَمْسَكُم، وصُومُوا شَهْرَكم، وأَدُّوا زكاةَ أموالكم، وأَطِيعوا ذا أَمْرِكم تَدْخُلوا جَنَّةَ ربِّكم\".\nوفي رواية أخرى أنه قال:\n\"أيها الناس! إنه لا نبيَّ بعدي، ولا أمَّة بَعْدَكُمْ\" (^٣).\nوذكر الحديث بمعناه.\n• وفي المسند عن أبي هريرة (^٤) - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -: \"مَن لقى الله لا يُشْرِكُ به شيئًا، وأدَّى زكاهَّ ماله طيبةً بها نفسُه، محتسبًا، وسمع وأطاع، فله الجنة،\n_________\n= والمقصود التنبيه على نهاية خسته؛ فإنّ العبد خسيس في العادة، ثم سواده نقص آخر، وجدعه نقص ثالث، ومن اجتمعت هذه الصفات فيه فهو في نهاية الخسة بحسب الظاهر والعادة أن يكون ممتهنا في أرذل الأعمال. والحديث أخرجه أحمد في المسند (٤/ ٧٠) بإسناده من حديث يحيى بن حصين عن أمه - ﵂ - قالت: سمعت رسول اللّه - ﷺ - يخطب في حجة الوداع يقول: \"يا أيها الناس اتقوا اللّه واسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي مجدع ما أقام فيكم كتاب الله ﷿\".\nوأخرجه الترمذي في سننه كتاب الجهاد باب: ما جاء في طاعة الإمام (٤/ ٢٠٩) من حديث أم الحصين الأحمسية قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يخطب في حجة الوداع وعليه بُرْدٌ وقد التفع به من تحت إبطه قالت: فأنا أنظر إلى عضلة عضده ترتج، سمعته يقول: \"يا أيها الناس اتقوا الله وإن أُمِّر عليكم عبد حبشي مُجَدَّع فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام لكم كتابَ اللّه\".\nوقد عقب الترمذي عليه يقوله: \"وفي الباب عن أبي هريرة وعرباض بن سارية، وهذا حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن أم حصين.\nوهو عند أحمد كذلك في المسند ٦/ ٤٠٢ - ٤٠٣ من طرق.\n(^١) أخرجه مسلم من حديث يحيى بن حصين عن جدته أم الحصين مرفوعا وفيه إن أمر عليكم عبد مجدع حسبتها قالت أسود يقودكم بكتاب اللّه تعالى فاسمعوا له وأطيعوا.\nففيه أيضًا ذكر كتاب اللّه تعالى لا كما توهم إشارة ابن رجب.\nراجع كتاب الحج: باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا ٢/ ٩٤٤.\n(^٢) حديث أبي أمامة أخرجه أحمد في المسند (٥/ ٢٦٢) بسياقه كاملا من وجهين.\nوأخرجه أيضًا في ٥/ ٢٥١ بنحوه وهو عند الترمذي في الصلاة: باب فضل الصلاة ٢/ ٥١٦ - ٥١٧ وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٣) رواه الطبراني من حديث أبي أمامة بإسنادين رجال أحدهما ثقات، وفى بعضهم ضعف؛ مجمع ٨/ ٢٦٣.\n(^٤) حديث أبي هريرة أخرجه أحمدي في المسند ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢ (الحلبي).\nوإسناده ضعيف؛ ففيه بقية وهو مدلس؛ وقد عنعنه - كما ذكر الهيثمي في المجمع ١/ ١٠٣.","vol":"2","page":769},{"text":"أو دَخل الجنّة\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1009>[وإن تأمّر عليكم عبد]:</span>\n• وقوله - ﷺ -: \"وإن تأَمَّرَ عليكم عبدٌ\"، وفي رواية: \"حبشي\".\nهذا ما تكاثرتْ به الرواياتُ عن النبي - ﷺ -، وهو مما اطلع عليه النبي - ﷺ - من أمر أمته بعده وولايةَ العبيد عليهم.\n• وفي صحيح البخاري عن أنس (^١) - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"اسمعُوا وأطيعُوا وإن استُعْمِلَ عليكم عبدٌ حَبشِيٌّ كأنّ رأْسَهُ زَبيبَةٌ\".\n• وفي صحيح مسلم عن أبي ذر - ﵁ - (^٢) قال:\n\"إنَّ خليلي - ﷺ - أَوصانِي أن أسمعَ وأُطيعَ ولو كان عبدًا حبَشِيًّا مُجَدَّع الأطراف\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1010>[الأحاديث المعارضة]:</span>\n• والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدًّا.\n* * *\n• ولا ينافي هذا قولُه - ﷺ -: \"لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقى في الناس اثنان\" (^٣).\n• وقوله - ﷺ -: \"النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ\" (^٤).\n_________\n(^١) حديث أنس بن مالك أخرجه البخاري في كتاب الصلاة باب إمامة العبد والمولى (٢/ ١٤٨) من الفتح وباب إمامة المفتون والمبتدع (٢/ ١٥١) من الفتح وفي كتاب الأحكام: باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية (١٣/ ١٠٤) من الفتح وقوله كأن رأسه زبيبة قيل شبهه بذلك لصغر رأسه وذلك معروف في الحبشة وقيل لسواده، وقيل لقصر شعر رأسه وتفلفله.\n(^٢) حديث أبي ذر أخرجه مسلم في كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية ٣/ ١٤٦٧، ١٤٦٨ وفيه: \" … وإن كان عبدًا مجدع الأطراف\" وفي رواية: \"عبدًا حبشيًّا مجدع الأطراف\".\n(^٣) حديث لا يزال هذا الأمر:\nأخرجه أحمد في المسند ٧/ ٢٩، ٨/ ٥٠، ٢٣٨ ط. المعارف بإسناد صحيح والبخاري في كتاب الأحكام: باب الأمراء من قريش ١٣/ ١٠٠، ومسلم في كتاب الإمارة: باب الناس تبع لقريش، والخلافة في قريش ٣/ ١٤٥٢.\nكلهم من حديث ابن عمر - ﵄ -.\n(^٤) الناس تبع لقريش أخرجه مسلم أول كتاب الإمارة من وجوه، من حديثي أبي هريرة، وجابر بن عبد الله =","vol":"2","page":770},{"text":"• وقوله: \"الأئِمَّةُ من قُرَيْش\".\nلأنَّ ولاية العبيد قد تكون من جهة إمام قرشي؛ ويشهد لذلك ما أخرجه الحاكم من حديث عليّ ﵁ (^١) عن النبي - ﷺ - قال:\n\"الأئمةُ من قريش أبرارها أمراءُ أبرارِها، وفُجّارُها أمراءُ فُجّارِها، ولكلٍّ حقٌّ؛ فآتوا كلَّ ذي حقٍّ حقَّه وإن أمَّرَت عليكم قريشٌ عبدًا حَبَشِيًّا مُجَدَّعًا؛ فاسمعوا له وأطيعوا\".\nوإسناده جيد، ولكنه رُوي عن عليّ موقوفًا.\n• وقال الدأرقطي: هو أشبه (^٢).\nوقد قيل: إن العبد الحبشي إنما ذكره على وجه ضرب الثل وإن لم يصح وقوعه؛ كما قال - ﷺ -: \"مَن بَنَى مسجدًا ولو كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ\" (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1011>[الاختلاف بعد الصدر الأول]:</span>\n• وقوله - ﷺ -: وإنَّهُ مَن (^٤) يَعِشْ منكم بعدي فسَيَرَى اختلافًا كثيرًا فعليكم بسُنَّتي وسُنَّة الخلفاء الرَّاشدين المهديِّينَ من بعدي؛ عَضُّوا عليها بالنواجذ\".\n_________\n= (٣/ ١٤٥١).\nونص الرواية الأولى لأبي هريرة: \"الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم لمسلمهم، وكافرهم لكافرهم\"، ونص حديث جابر: \"الناس تبع لقريش في الخير والشر\".\nوقد أخرجه أحمد في المسند من وجوه كما أبي بكر (١/ ٥) وعن على ١/ ١٠١، وعن أبي هريرة ٢/ ٢٦١، ٣١٩، ٣٩٥، ٤٣٣، وعن جابر ٣/ ٣٣١، ٣٧٩، ٣٨٣ وعن معاوية ٤/ ١٠١.\n(^١) حديث علي ﵁ أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٧٥ - ٧٦ ونصه مرفوعًا الأئمة من قريش أبرارها أمراء أبرارها وفجارها أمراء فجارها ولكل حق فآتوا كل ذي حق حقه وإن أمرت عليكم عبدًا حبشيا مجدعًا فاسمعوا وأطيعوا ما لم يخير أحدكم بين إسلامه وضرب عنقه فإن خير بين إسلامه وضرب عنقه فليقدم عنقه فإنه لا دنيا له ولا آخرة بعد إسلامه\" وقد سكت عنه هو والذهبي.\nفالحديث حسن؛ كما يفهم ذلك من تعليق ابن رجب عليه.\n(^٢) العلل ٣/ ١٩٨ - ١٩٩.\n(^٣) حديث من بنى مسجدًا أخرجه أحمد في المسند من حديث ابن عباس ٤/ ٢٢ طبع المعارف بإسناد ضعيف؛ لضعف أحد رواته وهو جابر الجعفي ورواه ابن ماجه في السنن كتاب المساجد: باب من بنى لله مسجدًا ١/ ٢٤٤ من حديث جابر بن عبد الله بإسناد صحيح رجاله ثقات، ونص حديث جابر: من بنى مسجدًا لله كمفحص قطاة أو أصغر بنى الله له بيتًا في الجنة.\nومفحص القطاة هو موضعها الذي تجشم فيه وتبيض كأنها تفحص عنه التراب أي تكشفه والفحص البحث والكشف راجع النهاية لابن الأثير ٣/ ٤١٥.\n(^٤) ل، ظ، د: \"فمن\".","vol":"2","page":771},{"text":"هذا إخبار منه - ﷺ - بما وقع في أمته بعده من كثرة الاختلاف في أصول الدين وفروعه، وفي الأقوال والأعمال والاعتقادات.\nوهذا موافق لما رُوِي عنه من افتراق أمته على بِضْعٍ وسبعين فرقة، وأنها كلَّها في النار إلا فرقةً واحدةً، وهي من كان على ما كان هو عليه وأصحابه (^١).\n_________\n(^١) راجع في هذا ما أخرجه أبو داود في سننه: ٣٤ - أول كتاب السنة: ١ - باب شرح السنة ٥/ ٤ ح ٤٥٩٦ من طريق وهب بن بقية، عن خالد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n\"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة\".\nوأخرج عقبه ح ٤٥٩٧ من حديث أزهر بن عبد الله الحرازي، عن أبي عامر الهوزني عن معاوية بن أبي سفيان: أنه قام فينا فقال: ألا إن رسول الله - ﷺ - قام فينا فقال: \"ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة وإنه سيخرج من أمتي أقوام تجاري بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكَلَبُ بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله\".\nورواه أحمد في المسند ٤/ ١٠٢ من حديث أزهر أيضًا، وزاد في آخره، قول معاوية: \"والله يا معشر العرب لئن لم تقوموا بما جاء به نبيكم - ﷺ - لغيركم من الناس أحرى أن لا يقوم به\".\nوأخرج الترمذي في سننه: ٤١ - كتاب الإيمان: ١٨ - باب ما جاء في افتراق هذه الأمة ٥/ ٢٥ - ٢٦ حديث أبي هريرة ح ٢٦٤٠ بنحوه، وأخرج عقبه من طريق سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد الأفريقي، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -:\nليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل، حذو النعل بالنعل: حتى إن كان منهم من أتى أمه علانية لكان في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة: كلهم في النار إلا ملة واحدة. قالوا: من هي يا رسول الله!؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي، وقد عقب عليه بقوله: هذا حديث حسن مفسر غريب لا نعرفه مثل هذا إلا من هذا الوجه.\nوقد سقط من طبعة الحلبي قوله: \"حسن\".\nوقد قال المباركفوري ٣/ ٣٦٨، تعليقًا على هذا: في سنده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي، وهو ضعيف فتحسين الترمذي له؛ لاعتضاده بأحاديث الباب ثم شرح قول الترمذي (مفسر) بقوله: اسم مفعول من التفسير أي مبين، بين فيه ما لم يبين في حديث أبي هريرة المتقدم.\nوأخرج الحاكم في المستدرك ١/ ١٢٨ - ١٢٩ هذا الحديث من رواية أبي هريرة من طريقين، ورواية معاوية بنحو ما جاء عند أحمد وأبي داود، وقال: هذه أسانيد تقام بها الحجة في تصحيح هذا الحديث ثم ضعف رواية عمرو بن العاص بعبد الرحمن بن زياد الأفريقي.\nوما ذكره المباركفوري في هذا الشأن يلتقي مع الحاكم في تضعيف الحديث إلا أنه أبان أنه حسن لغيره، وأن الترمذي حسنه لاعتضاده.\nفلا يسلم للحاكم قوله عن إسناد حديث عبد الله بن عمرو: أنه إسناد لا تقوم به حجة. ورواه ابن ماجه في السنن: ٣٦ - كتاب الفتن: ١٧ - باب افتراق الأمم ٢/ ١٣٢١ - ١٣٢٢ من أحاديث أبي هريرة \"وعوف بن مالك، وأنس بن مالك.\nوقد ضعف البوصيري في الزوائد ٢/ ٢٩٦ إسناد حديث عوف بن مالك ثم قال: وله شاهد من حديث أبي =","vol":"2","page":772},{"text":"• وكذلك في هذا الحديث أَمَرَ عند الافتراق والاختلاف بالتمسّك بسُنَّته وسُنَّة الخلفاء الراشدين من بعده.\n\n<span data-type='title' id=toc-1012>[السُّنَّة]:</span>\n• والسُّنَّة هي الطريقة المسلوكة فيشمل ذلك التمسُّك بما كان عليه هو وخلفاؤه الراشدون من الاعتقادات والأعمال والأقوال وهذه هي السنة الكاملة، ولهذا كان السلف قديمًا لا يطلقون اسم السنة إلا على ما يشمل ذلك كلَّه.\n• وروي معنى ذلك عن الحسن، والأوزاعي، والفُضَيل بن عياض.\nوكثير من العلماء المتأخرين يخص اسم السُّنَّة بما يتعلق بالاعتقادات؛ لأنها أصل الدين، والمخالف فيها على خطر عظيم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1013>[لا طاعة في المعصية]:</span>\nوفي ذكر هذا الكلام بعد الأمْرِ بالسمع والطاعة لأولي الأمر إشارة إلى أنه لا طاعة لأولي الأمر إلا في طاعة الله، كما صح عنه - ﷺ - أنه قال:\n\"إنما الطاعة في المعروف\" (^١).\n* * *\n_________\n= هريرة رواه أبو داود في سننه والترمذي في الجامع وقال: حسن صحيح.\nثم قال عن حديث أنس: هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، ولفظه: \"إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة\".\nوانظر باقي تخريج الحديث في سلسلة الأحاديث الصحيحة رقم ٢٠٣، ٢٠٤ وقد رد الشيخ الألباني ردًّا علميا دقيقًا على ابن حزم وابن الوزير والكوثري وسائر من رد الحديث!.\n(^١) قوله - ﷺ -: \"إنما الطاعة في المعروف\" جزء حديث أخرجه مسلم من حديث علي ﵁ قال: بعث رسول الله - ﷺ - سرية، واستعمل عليهم رجلًا من الأنصار، وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوا فأغضبوه في شيء، فقال: اجمعوا لي حطبًا، فجمعوا له، ثم قال: أوقدوا نارًا، فأوقدوا، ثم قال ألم يأمركم رسول الله - ﷺ - أن تسمعوا لي وتطيعوا؟ قالوا: بلى، قال: فادخلوها، قال: فنظر بعضهم إلى بعض. فقالوا: إنما فررنا إلى رسول الله - ﷺ - من النار، فكانوا كذلك، وسكن غضبه، وطفئت النار، فلما رجعوا ذكررا ذلك للنبي - ﷺ - فقال: \"لو دخلوها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف راجع صحيح مسلم: كتاب الإمارة: باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية ٣/ ١٤٦٩ وهو عند البخاري في الأحكام: باب السمع والطاعة الإمام ما لم تكن معصية.","vol":"2","page":773},{"text":"• وفي المسند عن أنس: أن معاذ بن جبل ﵁ قال: يا رسول الله! أرأيت إن كانت علينا أمراءُ لا يَسْتَنُّون بسنَّتك، ولا يأخذونَ بأمرك، فما تأمر في أمرهم؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا طاعة لمن لم يطع الله ﷿\" (^١).\nوخرَّج ابن ماجه من حديث ابن مسعود ﵁ (^٢) أن النبي - ﷺ - قال: \"سَيَلي أمورَكم بعدي رِجَالٌ يُطْفئُونَ السُّنَّة، ويعملون بالبدعة، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها\" فقلت: يا رسول الله! إن أدركتُهم كيف أفعل؟ قال: \"تسألنى يا ابن أم عبد! كيف تفعل؟ (^٣) لا طاعة لمن عصى الله\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1014>[أمره - ﷺ - باتباع الخلفاء وعلام يدل؟]:</span>\nوفي أمره - ﷺ - باتباع سنته وسنة خلفائه الراشدين بعد أمره بالسمع والطاعة لولاة الأمور عمومًا دليل على أن سُنَّة الخلفاء الراشدين مُتَّبَعةٌ كاتباع سنَّته، بخلاف غيرهم من ولاة الأمور.\n• وفي مسند الإمام أحمد، وجامع الترمذي، عن حذيفة ﵁ قال: كنا عند النبي - ﷺ - جلوسًا فقال: \"إني لا أدري ما قَدْرُ بقائي فيكم، فاقتدوا باللَّذَيْنِ من بعدي\" وأشار إلى أبي بكر وعمر ﵄، وتمسكوا بعهد عمّار، وما حدّثكم [به] ابنُ مسعود فَصَدِّقُوهُ\" (^٤).\nوفي رواية: \"فتمسَّكوا بعهد ابن أم عَبْد، واهتدوا بِهَدْيِ عمّار\" (^٥).\nفنص رسول الله - ﷺ - في آخر عمره على من يُقتدى به من بعده.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٢١٣. من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث، عن حرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير، عن عمرو بن زينب العنبري، عن أنس بنصه. ١٣/ ١٢٢ ح ٧١٤٥.\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٢٢٥ وقال: رواه أحمد وأبو يعلى، وفيه عمر: بن زينب لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في السنن: كتاب الجهاد: باب لا طاعة في معصية الله ٢/ ٩٥٦ بإسناد صحيح وانظر صحيح ابن ماجه ١/ ١٤٢.\n(^٣) هذه الجملة ليست في م، ل، ظ، د وهي عند ابن ماجه.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٣٨٢، ٣٨٥، ٣٩٩، ٤٠٢ كاملًا ومختصرًا ورواه الترمذي في جامعه: كتاب المناقب باب مناقب أبي بكر وعمر ﵄ كليهما ٥/ ٦٠٩ - ٦١٠ من وجهين نص في الأول أنه حديث حسن وسكت في الثاني.\n(^٥) في مسند أحمد ٥/ ٣٩٩: \"واهدوا هدي عمار، وعهد ابن أم عبد ﵄\".","vol":"2","page":774},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1015>[الخلافة الراشدة]:</span>\nوالخلفاء الراشدون الذين أمِرْنا بالاقتداء بهم هم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ ﵃؛ فإن في حديث سفينة عن النبي - ﷺ -: \"الخلافَةُ بَعْدِى ثلاثون سنة، ثم تكون مُلْكًا\" (^١).\n• وقد صححه الإمام أحمد، واحتج به على خلافه الأئمة الأربعة.\nونَصَّ كثيرٌ من الأئمة على أن عمر بن عبد العزيز خليفة راشد أيضًا.\nويدلّ عليه ما خرّجه الإمام أحمد من حديث حذيفة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال:\n\"تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله [إذا شاء أن يرفعها]، ثم تكون خلافةٌ على منهاج النُّبُوَّة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها [إذا شاء الله أن يرفعها]، ثم تكون ملكًا عاضًّا فيكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفَعَهَا، ثم تكون مُلْكًا جَبْريةً، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم دفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافةٌ على منهاج النبوّة\" ثم سكت.\nفلما ولي عمر بن عبد العزيز دخل عليه رجل فحدثه بهذا الحديث فسُرَّ به وأعجبه (^٢).\nوكان محمد بن سيرين يُسأل أحيانًا عن شئ من الأشربة فيقول: نهى عنه إمامُ هُدًى: عمر بن عبد العزيز ﵁ ورحمه.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند من وجوه ٥/ ٢٢٠، ٢٢١ والترمذي في السنن: كتاب الفتن: باب ما جاء في الخلافة ٤/ ٥٠٣ من حديث سفينة بإسناد حسن.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند من حديث حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير (٤/ ٢٧٣) قال: كنا قعودًا في المسجد مع رسول الله - ﷺ - كان بشير رجلًا يكف حديثه، فجاء أبو ثعلبة الخشني، فقال: يا بشير بن سعد! أتحفظ حديث رسول الله - ﷺ - في الأمراء؟ فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته، فجلس أبو ثعلبة فقال حذيفة: قال رسول الله - ﷺ -: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضًّا، فيكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون ملكًا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذ شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت. قال حبيب: فلما قام عمر بن عبد العزير، وكان يزيد بن النعمان بن بشير في صحابته، فكتبت إليه بهذا الحديث أذكره إياه، فقلت له: إني أرجو أن يكون أمير المؤمنين يعني عمر - بعد الملك العاض والجبرية، فأدخل كتابي على عمر بن عبد العزيز فسر به وأعجبه.\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ١٨٨ - ١٨٩ بنحوه وقال: رواه أحمد في ترجمة النعمان والبزار أتم منه، والطبراني ببعضه في الأوسط. ورجاله ثقات.","vol":"2","page":775},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1016>[إجماع الخلفاء الأربعة]:</span>\nوقد اختلف العلماء في إجماع الخلفاء الأربعة: هل هو إجماع أو حجة مع مخالفة غيرهم من الصحابة أم لا؟ وفيه روايتان عن الإمام أحمد، وحكم أبو حازم الحنفي في زمن المعتضد بتوريث ذوي الأرحام، ولم يَعْتَدَّ بمن خالف الخلفاء، ونَفذَ حُكْمُهُ في الآفاق.\n\n<span data-type='title' id=toc-1017>[وماذا لو انفرد أحدهم برأي؟]:</span>\nولو قال بعضُ الخلفاء الأربعة قولًا ولم يخالفه منهم أحد، بل خالفه غيره من الصحابة، فهل يقدَّم قولُه على قول غيره؟ فيه قولان أيضًا للعلماء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1018>[المنصوص عن أحمد وكثير من السلف]:</span>\nوالمنصوص عن أحمد: أنه يقدَّم قولُه على قول غيره من الصحابة، وكذا ذكره الخطابي وغيرُه، وكلام أكثر السلف يدلّ على ذلك، خصوصًا عمر بن الخطاب ﵁، فإنه رُوي عن النبي - ﷺ - من وجوه أنه قال:\n\"إنّ الله جعلَ الحقَّ على لسان عمرَ وقلبِه\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1019>[عمر بن عبد العزيز وحديثه عن عمر بن الخطاب]:</span>\nوكان عمر بن عبد العزيز يتبع أحكامه، ويستدلّ بقول النبي - ﷺ -: \"إنَّ الله جعلَ الحقَّ على لسانِ عمرَ وقلبِه\".\nوقال مالك: \"قال عمر بنُ عبد العزيز: سنَّ رسول الله - ﷺ - وولاةُ الأمر من بعده سُنَنًا: الأخذُ بها اعتصامٌ بكتاب الله، وقوةٌ على دين الله. ليس لأحد تبديلُها ولا تغييرُها، ولا النظرُ في أَمرٍ خالفها، من اهتدى بها فهو مهتد، ومن استنصَرَ بها فهو مَنْصُورٌ، ومن تركها واتَّبَعَ غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولّى وأصلاه جَهَنَّمَ، وَسَاءَتْ مَصيرًا\" (^٢).\n_________\n(^١) راجع في ذلك ما رواه أبو داود في كتاب الإمارة: باب تدوين العطاء ٣/ ١٩١ - ١٩٢ من حديثي عمر بن عبد العزيز وأبي ذر.\nوما رواه الترمذي في المناقب: باب مناقب عمر بن الخطاب ﵁ ٥/ ٦١٧ من حديث ابن عمر بإسناد حسن غريب وذكر الترمذي أن في الباب عن الفضل بن العباس، وأبي ذر، وأبي هريرة.\nوابن ماجه في المقدمة، ١/ ٤٠ من حديث أبي ذر بإسناد صحيح وانظر صحيح ابن ماجه ١/ ٢٤ وأحمد في المسند ٢/ ٥٣، ٩٥ من حديث ابن عمر و٢/ ٤٠١ من حديث أبي هريرة و٥/ ١٦٥، ١٧٧ من حديث أبي ذر.\n(^٢) أورده السيوطي في الدر المنثور ٢/ ٢٢٢ عن ابن أبي حاتم وحده.","vol":"2","page":776},{"text":"وحكى عبد الله بن عبد الحكَم عن مالك أنه قال: \"أعجبني عزمُ عمر على ذلك\" يعني هذا الكلام.\nوروى عبد الرحمن بن مهدي هذا الكلام عن مالك، ولم يحكه عن عمر.\nوقال خلف بن خليفة: شهدتُ عمرَ بنَ عبد العزيز يخطبُ الناسَ وهو خليفة فقال في خطبته: \"ألا إن ما سَنَّ رسولُ الله - ﷺ - وصاحباه فهو وظيفةُ دِينٍ نأخذ به، وننتهي إليه\" (^١).\nوروى أبو نُعيم من حديث عَرْزَب الكِنْدِي (^٢) أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إنه سَيَحْدُثُ بعدي أشياءُ فاجتهدوا أن تلزموا ما أحْدَثَ عمر\".\nوكان عليّ ﵁ يتَّبع أحكامه وقضاياه ويقول: \"إنّ عمرَ كان رشيدَ الأمر\" (^٣).\nوروى الأشعث عن الشعبي قال: \"إذا اختلف الناسُ في شيء فانظر كيفى قضى فيه عمر؛ فإنه لم يكن يَقضي عمر في أمر لم يقض فيه قبله حتى يشاور\" (^٤).\nوقال مجاهد: \"إذا اختلَفَ الناسُ في شيء فانظروا ما صنع عمر فخذوا به\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1020>[ما اجتمعت عليه الأمة]:</span>\nوقال أيوب عن الشعبي: \"انظروا ما اجتمعت عليه أمةُ محمد - ﷺ -. فإن الله لم يكن ليجمَعَها على ضلالة؛ فإذا اختلفت فانظروا ما صنع عمر بن الخطاب، فخذوا به\".\nوسئل عكرمة عن أم الولد فقال: تُعْتَقُ بموتِ سيدها، فقيل له: بأي شيء تقول؟ قال: بالقرآن، قيل: بأيّ القرآن؟ قال:\n﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (^٥).\nوعمر ﵁ من أولي الأمر.\nوقال وكيع: إذا اجتمع عمر وعليّ على شيء فهو الأمر.\nوروي عن ابن مسعود ﵁ أنه كان يحلفُ أن الصراطَ المستقيمَ هو الذي\n_________\n(^١) الحلية ٥/ ٢٩٨ وفيها بعد هذا: وما سنّ سواهما فإنا نرجئه.\n(^٢) ب: \"فأحبها إليَّ أن تلزموا .... \" وترجمته وحديثه في الإصابة ٤/ ٤٨٣ بإسناد ضعيف جدًّا.\n(^٣) أورد ابن الجوزي في مناقب عمر ص ٢٤٠ هذا الخبر وسبب وروده؛ وذلك من حديث أبي إسحاق السبيعي قال: \"جاء أهل نَجْرَان إلى علي فقالوا: يا أمير المؤمنين! شفاعتك بلسانك وكتابك بيدك، أخرجنا عمر من أرضنا فَرُدَّنا إليها؟ فقال: ويلكم! إن كان عمر رشيد الأمر؛ فلا أغير شيئًا صنعه؟!.\n(^٤) الحلية ٤/ ٣٢٠ وانظر فيها تعقيب ابن سيرين.\n(^٥) سورة النساء: ٥٩.","vol":"2","page":777},{"text":"ثبت عليه عمر ﵁ حتى دخل الجنة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1021>[ما جمع عمر عليه الصحابة]:</span>\nوبكل حال فما جمع عُمَرُ عليه الصحابةَ فاجتمعوا عليه في عصره؛ فلا شك أنه الحق، ولو خالفه فيه بعد ذلك من خالفه، كقضائه في مسائلَ من الفرائضِ كالعَوْل، وفي زوجٍ وأبوين، وزوجةٍ وأبوين: أن للأم ثُلُثَ الباقي.\nوكقضائِه فيمن جامع في إحرامه: أنه يَمضي في نُسُكه، وعليه القضاء والهدي.\nومثل ما قضى به في امرأة المفقود، ووافقه غيره من الخلفاء أيضًا.\nومثل ما جمع عليه الناس في الطلاق الثلاث، وفي تحريم مُتْعة النساء.\nومثل ما فعله من وضع الديوان، ووضع الخراج على أرض العَنْوة، وعقد الذمة لأهل الذمة بالشروط التي شرطها عليهم ونحو ذلك.\nويشهد لصحة ما جمع عليه عمرُ أصحابَه، فاجتمعوا عليه ﵃، ولم يُخالَفْ في وقته: قولُ النبي - ﷺ -: \"رأيتُني في المنام أنزِعُ على قليبٍ (^١)، فجاء أبو بكر فنَزَعَ ذَنُوبًا أر ذَنُوبَيْن (^٢)، وفي نزعه ضعف (^٣)، والله يغفر له، ثم جاء عمر بن الخطاب\n_________\n(^١) في إحدى روايات الحديث عند البخاري: \"بينا أنا على بئر أنزع منها\" وعنده كذلك بينا أنا قائم رأيت أني على حوض أسقي الناس، والجمع بين هذه الروايات: أن القليب هو البئر القلوب ترابها قبل الطي، والحوض هو الذي يجعل بجانب البئر لشرب الإبل.\nوفي النهاية: القليب هو البئر التي لم تطو.\nومعنى قوله: أنزع: أستخرج منها الماء بآلة كالدلو، أو كما قال ابن الأثير: \"رأيتني أنزع على قليب\" أي أستقي منه الماء باليد، نزعت الدلو أنزعها نزعا، إذا أخرجتها، وأصل النزع: الجذب والقلع، ومنه نزع الميت روحه، ونزع القوس إذا جذبها.\n(^٢) الذنوب: الدلو الكبيرة، قال ابن حجر: واتفق من شرح هذا الحديث على أن ذكر الذنوب إشارة إلى مدة خلافة أبي بكر، وفي هذا نظر. لأنه ولي سنتين وبعض سنة، فلو كان ذلك المراد لقال ذنوبين أو ثلاثة، والذي يظهر لي أن ذلك إشارة إلى ما فتح في زمانه من الفتوح الكبار، وهي ثلاثة، ولذلك لم يتعرض في ذكر عمر إلى عدد ما نزعه من الدلاء، وإنما وصف نزعه بالعظمة إشارة إلى كثرة ما وقع في خلافته من الفتوحات.\nثم أورد تفسير الشافعي لقوله \"وفي نزعه ضعف\" وكيف أن ذلك إشارة إلى قصر مدته، وعجلة موته، وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والازدياد والذي بلغه عمر في طول مدته.\n(^٣) قال ابن حجر: يحتمل أن يكون فيه إشارة إلى أن قلة الفتوح في زمانه لا صنع له فيه، لأن سببه قصر مدته، فمعنى المغفرة له: رفع الملامة عنه.","vol":"2","page":778},{"text":"فاستحالت غَرْبًا (^١)، فلم أرَ أحدًا يفْرِي فَرْيهُ (^٢)، حتى رَوِيَ الناس، وضربوا بعَطَنٍ (^٣) \".\nوفي رواية: \"فلم أرَ عبقريًّا من الناس ينزِعُ نزع ابن الخطاب\" (^٤).\n_________\n(^١) غربا: أي دلوا عظيمة قال في النهاية (٣/ ٣٤٩): الغرب بسكون الراء: الدلو العظيمة التي تتخذ من جلد ثور، فإذا فتحت الراء فهو الماء السائل في البئر والحوض.\nوهذا تمثيل، ومعناه أن عمر لما أخذ الدلو ليستقي عظمت في يده؛ لأن الفتوح كانت في زمنه أكثر منها في زمن أبي بكر، ومعنى استحالت: انقلبت عن الصغر إلى الكبر.\nوأصله من الغرب وهو البعد، ومنه تغريب الزاني: أي إبعاده.\n(^٢) ومعنى يفري فريه: يفعل فعله \"وفريه\" فيه وجهان: أحدهما إسكان الراء وتخفيف الياء، والثاني: كسر الراء وتشديد الياء وهما لغتان صحيحتان.\nانظر النووي على مسلم ١٥/ ١٦٢.\n(^٣) العطن للإبل كالوطن للناس لكن غلب على مبركها حول الحوض، وعند ابن أبي شيبة: \"حتى روي الناس وضربوا بعطن\" وفي رواية أبي يونس: \"ملآن يتفجر\" راجع فتح الباري في الموضع السابق.\nوفي النهاية ٣/ ٢٥٨: العطن: مبرك الإبل حول الماء، يقال عطنت الإبل فهي عاطنة وعواطن، إذا سقيت وبركت عند الحياض، لتعاد إلى الشرب مرة أخرى، وأعطنت الإبل إذا فعلت بها ذلك. ضرب ذلك مثلا لاتساع الناس في زمن عمر، وما فتح الله عليهم من الأمصار.\nوفي النهاية أيضًا ٣/ ٨٠: \"ضرب الناس بعطن\" أي رويت إبلهم حتى بركت وأقامت مكانها.\nوقال النووي: \"ضرب الناس بعطن\"، أي رويت إبلهم ثم آووها إلى عطنها، وهو الموضع الذي تساق إليه بعد السقي لتستريح.\nوكان ذلك إشارة إلى استقرار الأمر في عهد عمر، واتساع رقعة الإسلام واستتباب الأمن.\nقال النووي، قال العلماء: هذا المنام مثال واضح لما جرى لأبي بكر وعمر ﵄ في خلافتهما، وحسن سيرتهما، وظهور آثارهما، وانتفاع الناس بهما. وكل ذلك مأخوذ من النبي - ﷺ - ومن بركته وآثار صحبته، فكان النبي - ﷺ - هو صاحب الأمر فقام به أكمل قيام، وقدر قواعد الإسلام، ومهد أموره، وأوضح أصوله وفروعه، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأنزل الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ثم توفي - ﷺ - فخلفه أبو بكر ﵁ سنتين وأشهرا وهو المراد بقوله - ﷺ - \"ذنوبا أو ذنوبين\" وهذا شك من الراوي والمراد ذنوبان كما صرح به في الرواية الأخرى وحصل في خلافته قتال أهل الردة، وقطع دابرهم، واتساع الإسلام، ثم توفي فخلفه عمر ﵁، فاتسع الإسلام في زمنه، وتقرر لهم من أحكامه، ما لم يقع مثله، فعبر بالقليب عن أمر المسلمين لما فيها من الماء الذي به حياتهم وصلاحهم، وشبه أميرهم بالمستقي لهم، وسقيه هو قيامه بمصالحهم وتدبير أمورهم.\nوأما قوله - ﷺ - في أبي بكر ﵁ - وفي نزعه ضعف فليس فيه حط من فضيلة أبي بكر، ولا إثبات فضيلة لعمر عليه، وإنما هو إخبار عن مدة ولايتهما، وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر لطولها، ولاتساع الإسلام وبلاده والأموال وغيرها من الغنائم والفتوحات، ولكونه قد مَصَّر الأمصار، ودوَّن الدواوين.\nوأما قوله - ﷺ -: \"والله يغفر له\" فليس فيه تنفيص له، ولا إشارة إلى ذنب، وإنما هي كلمة كان المسلمون يدعمون بها كلامهم ونعمت الدعامة.\nوفي الحديث إعلام بخلافتهما، وصحة ولايتهما، وكثرة الانتفاع بهما، راجع النووي على مسلم ١٥/ ١٦١، وفتح الباري ١٢/ ٣٤٧ - ٣٤٨.\n(^٤) قال أبو عمرو الشيباني: عبقري القوم سيدهم وقويهم وكبيرهم، وقال الفارابي: العبقري من الرجال الذي =","vol":"2","page":779},{"text":"وفي رواية أخرى: \"حتى تَوَلّى والحوض يتفجّر\" (^١).\nوهذا إشارة إلى أن عمر لم يمت حتى وضع الأمور [في] مواضعها، واستقامت الأمور، وذلك لطول مدته، وتفرغِه للحوادث، واهتمامِه بها، بخلاف مدة أبي بكر، فإنها كانت قصيرة، وكان مشغولًا فيها بالفتوح، وبَعْثِ البعوث للقتال، فلم يتفرغْ لكثيرٍ من الحوادث، وربما كان يقع في زمنه ما لا يبلغه ولا يُرفع إليه؛ حتى رُفعت تلك الحوادث إلى عمرَ، فردّ الناسَ فيها إلى الحق، وحملَهم على الصواب، ﵁، وعن أبي بكر، وعن الصحابة أجمعين.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1022>[ما لم يجمع عمر الناس عليه]:</span>\nوأما ما لم يَجْمَع عمر الناسَ عليه بل كان له فيه رأي وهو يسوغ لغيره أن يرى رأيًا يخالف رأيه كمسائل الجد مع الإخوة، ومسألة طلاق البتة فلا يكون قول عمر فيه حجة على غيره من الصحابة. والله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1023>[لِمَ وصف الخلفاء بالراشدين؟]:</span>\nوإنما وصف الخلفاء بالراشدين لأنهم عرفوا الحقَّ وقَضَوْا به.\n_________\n= ليس فوقه شيء، وذكر الأزهري أن عبقر موضع بالبادية وقيل بلد كان ينسج فيه البسط فاستعمل في كل شيء جيد، وفي كل شيء فائق ونقل أبو عبيد أنها من أرض الجن وصار مثلا لكل ما يناسب إلى شيء نفيس وقال الفراء: العبقري: السيد، وكل فاخر من حيوان وجوهر وبساط وأطلقوه على كل شيء عظيم في نفسه.\nوفي رواية أبي يونس: \"فلم أر نزع رجل قط أقوى منه\".\nراجع فتح الباري ١٢/ ٣٤٧.\n(^١) هي رواية همام التي سبق الإشارة إليها.\nوالحديث برواياته أخرجه البخاري في كتاب المناقب: باب علامات النبوة في الإسلام ٦/ ٤٩٣ من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ وفي كتاب فضائل أصحاب النبي - ﷺ -: باب فضل أبي بكر بعد النبي - ﷺ - ٧/ ٣٠ - ٣١ من حديث ابن عمر وباب مناقب عمر بن الخطاب ٧/ ٣٤ - ٣٦ من حديث ابن عمر، وفي كتاب التعبير: باب نزع الماء من البئر ١٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧ من حديث ابن عمر وباب نزع الذنوب والذنوبين من البئر بضعف ١٢/ ٣٤٨، ٣٤٩ من وجهين عن ابن عمر وأبي هريرة وباب الاستراحة في المنام ١٢/ ٣٤٩. من حديث أبي هريرة. وفي كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ …﴾ ١٣/ ٣٨٥ من حديث أبي هريرة وأخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة: باب فضائل عمر رضي الله تعالى عنه ٤/ ١٨٦٠ - ١٨٦٢ من وجوه عن أبي هريرة وابن عمر. ﵃ وأحمد في المسند ٢/ ٢٧ - ٢٨، ٣٩، ٨٩، ١٠٧، من حديث ابن عمر ٢/ ٤٥٠ من حديث أبي هريرة.","vol":"2","page":780},{"text":"فالراشد ضدُّ الغاوي، والغاوي من عرف الحق وعمل بخلافه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1024>[والمهديين]:</span>\nوفي رواية: \"المهديين\" يعني أن اللّه يهديهم للحق ولا يضلّهم عنه.\nفالأقسام ثلاثة: راشدٌ وغاوٍ وضالّ، فالراشد عرف الحق واتبعه، والغاوي عرفه ولم يتبعه، والضالّ لم يعرفه بالكلية.\nفكل راشد فهو مهتدٍ، وكل مهتد هداية تامة فهو راشد؛ لأن الهداية إنما تتم بمعرفة الحق، والعمل به أيضًا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1025>[عضوا عليها بالنواجذ]:</span>\nوقوله: \"عضُّوا عليها بالنواجذ\" كنايةٌ عن شدة التمسُّك بها، والنواجذ: الأضراس.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1026>[وإياكم ومحدثات الأمور]:</span>\nوقوله: \"وإيَّاكم ومُحْدثات الأُمور؛ فإنّ كل بِدْعَة ضَلالَة\" تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعَة، وأكّد ذلك بقوله: \"كلّ بِدْعَةٍ ضَلالة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1027>[البدعة]:</span>\nوالمراد بالبِدْعَة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدلّ عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1028>[ما كان له أصل]:</span>\nفأما ما كان له أصلٌ من الشرع يدلّ عليه فليس بدعة شرعًا وإن كان بدعة لغةً.\nوفي صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - كان يقول في خطبته: \"إنّ خيرَ الحديث كتابُ اللّه، وخيرَ الهَدْي هَدْيُ محمد، وشرَّ الأمورِ مُحْدَثاتُها، وكلَّ بِدْعَةٍ ضَلالة\" (^١).\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب الجمعة: باب تخفيف الصلاة والخطبة ٢/ ٥٩٢ من حديث جابر بن عبد اللّه قال: كان رسول اللّه - ﷺ - إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش، يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: \"بعثت أنا والساعة كهاتين\" ويقرن بين أصبعيه: السبابة والوسطى ويقول: أما بعد، فإن خير الحديث كتاب اللّه، وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، ثم=","vol":"2","page":781},{"text":"وخرّج الترمذي، وابن ماجه، من حديث كثير بن عبد اللّه المزني - وفيه ضعف - عن أبيه، عن جده عن النبي - ﷺ - قال:\n\"مَن ابتدع بِدْعَةً ضَلالة لا يرضاها اللّه [ولا] رسولُه كان عليه مثلُ آثام مَنْ عمل بها لا يَنقُصُ ذلك من أَوْزارهم شيئًا\" (^١).\nوخرّج الإمام أحمد من رواية غُضَيْف بن الحارث الثُّمالى قال: بعث إليَّ عبد الملك بن مروان فقال: [يا أبا أسماء] (^٢) إنا قد جمعنا (^٣) الناس على أمرين: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد (^٤) الصبح والعصر؟ فقال: أما إنهما أمثل بدعتكم عندي، ولستُ بمجيبكم إلى شيء منهما، لأنّ النبي - ﷺ - قال: \"ما أحدث\n_________\n= يقول: أنا أولى بكل مؤمن من نفسه، من ترك مالًا فلأهله، ومن ترك دينا أو ضياعًا فإليَّ وعليَّ.\nوالضياع: العيال. قال ابن قتيبة: أصله مصدر ضاع يضيع ضياعًا والمراد من ترك أطفالًا وعيالا ذوي ضياع.\n(^١) أخرجه الترمذي في كتاب العلم: باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع ٥/ ٤٥ من حديث كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه، عن جده أن النبي - ﷺ - قال لبلال بن الحرث: \"اعلم\" قال: ما أعلم يا رسول اللّه؟ قال: \"أعلم يا بلال! قال: ما أعلم يا رسول اللّه؟ قال: أنه من أحيا سنة من سنتي قد أميتت بعدي فإن له من الأجر مثل من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومن ابتدع بدعة ضلالة لا ترضي اللّه ورسوله كان عليه مثل آثام من عمل بها لا ينقص ذلك من أوزار الناس شيئًا\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن.\nوأخرجه ابن ماجه في مقدمة السنن ١/ ٧٦ من وجهين عن كثير بن عبد اللّه المزني.\nوقول الترمذي: هذا حديث حسن، أي حسن لغيره أي أنه ضعيف أضعف كثير بن عبد اللّه لكن الحكم عليه بالحسن لما أنه ورد من طرق أخرى ضعفها محتمل فارتقى بذلك إلى الحسن لغيره.\nومع هذا فنحن لا نسلم تحسين الترمذي لهذا الحديث، كيف وقد اتهم كثير بالكذب والوضع؟ وقد نص الترمذي نفسه على أن الحسن هو كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب إلخ … قال ابن حبان: روى من أبيه، عن جدد، نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب.\nوقال الحاكم: حدث عن أبيه، عن جده نسخة فيها مناكير.\nوقال ابن عبد البر: مجمع على ضعفه. راجع العلل للترمذي آخر السنن ٥/ ٧٥٨ وضعيف سنن الترمذي ص ٣١٧ وضعيف سنن ابن ماجه ص ١٥ وهو فيه ضعيف جدًّا، وتهذيب التهذيب ٨/ ٤٢١ - ٤٢٣. على أن للحديث شاهدا من الصحيح هو ما سبق في مسلم، وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة ١/ ٧٤ والعرباض بن سارية ١/ ١٦ وعند الترمذي من حديث العرباض ٥/ ٤٤، ٤٥.\nبيد أن هذا الشاهد لا يرتقي به الحديث الضعيف على ما هو مقرر في مصطلح الحديث.\nراجع محاسن الاصطلاح للبلقيني، ومقدمة ابن الصلاح ص ١٠٧.\n(^٢) ليس في م ولا ل، د، ظ. وفي مجمع الزوائد: يا أبا سليمان، وهو تحريف فكنيته أبو أسماء كما في التهذيب ٨/ ٢٤٢ - ٢٥٠.\n(^٣) في المسند \"أجمعنا\".\n(^٤) في م: \"بعد صلاة الصبح والعصر\".","vol":"2","page":782},{"text":"قومٌ بدعةً إلا رُفع مثلها من السُّنَّة فتمسُّكٌ بسُنَّة خير من إحداثِ بِدْعَة\" (^١).\nوقد روي عن ابن عمر ﵁ من قوله نحوُ هذا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1029>[كل بدعة ضلالة]:</span>\nفقوله - ﷺ -: \"كل بِدْعَةٍ ضَلالة\" من جوامع الكلم لا يخرُج عنه شيءٌ، وهو أصلٌ عظيم من أصول الدين، وهو شبيه بقوله - ﷺ -: \"مَن أحْدَثَ في أمرنا ما ليس منه فهو رَدُّ\" (^٢).\nفكل مَن أحدث شيئًا ونسبه إلى الدين، ولم يكن له أصلٌ من الدين يُرْجَعُ إليه فهو ضلالة، والدين بريء منه، وسواء في ذلك مسائل الاعتقادات أو الأعمال أو الأقوال الظاهرة والباطنة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1030>[أساس استحسان بعض البدع]:</span>\nوأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية.\nفمن ذلك قول عمر ﵁، لما جمع الناس في قيام رمضان على إمام واحد في المسجد، وخرج ورآهم يصلون كذلك، فقال: \"نعمت البدعة هذه\" (^٣).\nوروي عنه أنه قال: \"إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة\".\n_________\n(^١) الحديث عند أحمد في المسند ٤/ ١٠٥ (الحلبي) من طريق سريج بن النعمان، عن بقية، عن أبي بكر بن عبد اللّه، عن حبيب بن عبيد الرحبي، عن غضيف بن الحارث الثمالى بمثله إلا أن فيه. وليست مجيبك إلى شيء منهما ....\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ١/ ١٨٨ عن أحمد والبزار، وقال: فيه أبو بكر بن عبد اللّه بن أبي مريم، وهو منكر الحديث ومن طريق أبي بكر هذا أخرجه المروزي في السنة ح ٩٧.\n(^٢) هو الحديث الخامس في الكتاب.\n(^٣) أخرجه مالك في الموطأ: كتاب الصلاة: باب ما جاء في قيام رمضان ١/ ١١٤ - ١١٥ والبخاري أول كتاب صلاة التراويح (٤/ ٢٠٢ - ٢٠٤) من الفتح من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه\". قال ابن شهاب: فتوفي رسول اللّه - ﷺ - والناس على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر ﵄.\nوعن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عبد الرحمن بن عبيد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن =","vol":"2","page":783},{"text":"وروي أن أبيّ بن كعب قال له: \"إن هذا لم يكن\" فقال عمر: \"قد علمت ولكنه حسن\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1031>[من أصول الاستحسان]:</span>\nومراده أن هذا الفعل لم يكن على هذا الوجه قبل هذا الوقت، ولكن له أصل من الشريعة يرجع إليها (^١).\nفمنها أن النبي - ﷺ - كان يحثُّ على قيام رمضان ويرغّب فيه، وكان الناس في زمنه يقومون في السجد جماعاتٍ متفرقة وَوُحدانًا، وهو - ﷺ - صلّى بأصحابه في رمضان\n_________\n= الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون، يريد آخر الليل وكان الناس يقومون أوله.\nقال ابن حجر: قال ابن التين وغيره: استنبط عمر ذلك من تقرير النبي - ﷺ - من صلى معه في تلك اليالي، وإن كان كره لهم ذلك، فإنما كرهه خشية أن يفرض عليهم، وكأن هذا هو السر في إيراد البخاري لحديث عائشة عقب حديث عمر فلما مات النبي - ﷺ - حصل الأمن من ذلك، ورجح عند عمر ذلك لا في الاختلاف من افتراق الكلمة، ولأن الاجتماع على واحد أنشط لكثير من المصلين.\nوإلى قول عمر جنح الجمهور.\n(^١) قال ابن حجر في الفتح ٤/ ٢٠٤: والبدعة أَصْلُها ما أَحدث عن غير مثال سابق، وتطلق في الشرع في مقابل السنة فتكون مذمومة، والتحقيق أنها إن كانت مما تندرج تحت مستحسن في الشرع فهي حسنة، وإن كانت مما تندرج تحت مستقبح في الشرع فهي مستقبحة، وإلا فهي من قسم المباح وقد تنقسم إلى الأقسام الخمسة.\nهذا ولم يقع في هذه الرواية - كما ذكر ابن حجر - عدد الركعات التي كان يصلي بها أبي بن كعب، وقد اختلف في ذلك ففي الموطأ عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنها إحدى عشرة ركعة ورواه سعيد بن منصور من وجه آخر، وزاد فيه: وكانوا يقرءون بالمائتين على العصى من طول القيام، ورواه محمد بن نصر المروزي من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن يوسف فقال: ثلاث عشرة.\nورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن محمد بن يوسف فقال: إحدى وعشرين.\nوروى مالك من طريق يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد عشرين ركعة وهذا محمول على غير الوتر.\nوعن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بثلاث وعشرين.\nوروى محمد بن نصر من طريق عطاء قال: أدركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة وثلاث ركعات الوتر.\nوالجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال.\nويحتمل أن يكون ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث تطول القراءة تقل الركعات وبالعكس.\nوالاختلاف فيما زاد عن العشرين راجع إلى الاختلاف في الوتر، وكأنه كان تارة يوتر بواحدة، وتارة بثلاث. إلخ.\nوحديث السائب بن يزيد، ويزيد بن رومان في الموطأ في الموضع السابق.","vol":"2","page":784},{"text":"غير ليلة، ثم امتنع من ذلك معلًا بأنه خشى أن يكتب عليهم، فيعجزوا عن القيام به، وهذا قد أُمِنَ بعده - ﷺ - (^١).\nوروي عنه - ﷺ - أنه كان يقوم بأصحابه ليالي الإفراد في العشر الأواخر (^٢).\nومنها أنه - ﷺ - أمر باتباع سنة خلفائه الراشدين، وهذا قد صار من سنة خلفائه الراشدين. فإن الناس اجتمعوا عليه في زمن عمر وعثمان وعليٍّ ﵃.\n\n<span data-type='title' id=toc-1032>[أذان الجمعة الأول]:</span>\nومن ذلك أذان الجمعة الأول زاده عثمان لحاجة الناس إليه، وأقره عليٌّ واستمر عمل المسلمين عليه.\nوروي عن ابن عمر أنه قال: \"هو بدعة\" ولعله أراد ما أراد أبوه في قيام شهر رمضان.\n\n<span data-type='title' id=toc-1033>[جمع المصحف في كتاب]:</span>\nومن ذلك جمع المصحف في كتاب واحد.\nتوقّف فيه زيدُ بنُ ثابت، وقال لأبي بكر وعمرَ ﵄: \"كيف تفعلان ما لم يفعله النبي - ﷺ -؟ \" ثم علم أنه مصلحة فوافق على جمعه.\nوقد كان النبي - ﷺ - يأمر بكتابة الوحي.\nولا فرق بين أن يكتب مفرقًا أو مجموعًا، بل جمعه صار أصلح.\n\n<span data-type='title' id=toc-1034>[جمع الأمة على مصحف واحد]:</span>\nوكذلك جمع عثمان الأمة على مصحف واحد، وإعدامه لما خالفه؛ خشية تفرّق الأمة، وقد استحسنه عليٌّ وأكثر الصحابة ﵃، وكان ذلك عينَ المصلحة.\n_________\n(^١) راجع في هذا ما أخرجه البخاري في كتاب صلاة التراويح: باب فضل من قام رمضان: ٤/ ٢٠٥ من الفتح.\nومسلم في صحيحه: كتاب صلاة المسافرين: باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح ١/ ٥٢٤.\nوأبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب قيام شهر رمضان ٢/ ٦٧.\nكلهم من حديث ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂.\n(^٢) راجع في هذا ما أخرجه الترمذي بإسناد حسن صحيح في كتاب الصوم: باب ما جاء في قيام شهر رمضان ٣/ ١٦٩ وأبو راود في السنن: الصلاة: قيام رمضان ٤/ ٤٣٧ ح ١٣٧٥. والنسائي في كتاب قيام الليل: باب قيام شهر رمضان ٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣.\nوابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب ما جاء في قيام شهر رمضان ٤/ ٤٢٠ - ٤٢١ كلهم من حديث جبير بن نفير الحضرمي، عن أبي ذر.","vol":"2","page":785},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1035>[قتال من منع الزكاة]:</span>\nوكذلك قتال مَن منع الزكاة، توقّف فيه عمر وغيره، حتى بينّ له أبو بكر أصله الذي يرجع إليه من الشريعة. فوافقه الناس على ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1036>[والقصص]:</span>\nومن ذلك القَصَص وقد سبق قول غُضَيف بن الحارث إنه بدعة (^١).\nوقال الحسن: القصص بدعة، ونعمت البدعة!؟ كم من دعوةٍ مستجابةٍ، وحاجة مقضية، وأخٍ مستفاد!؟ وإنما عنى هؤلاء بأنه بدعة: الهيئة الاجتماعية عليه في وقت معين. فإن النبي - ﷺ - لم يكن له وقت معين يقص على أصحابه فيه غيرَ خُطبه الراتبة في الجُمَع والأعياد، وإنما كان يذكِّرهم أحيانًا، أو عند حدوث أمرٍ يحتاج إلى التذكير عنده.\nثم إن الصحابة ﵃ أجتمعوا على تعيين وقت له، كما سبق عن ابن مسعود أنه كان يذكِّر أصحابه كل يوم خميس (^٢).\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال: \"حدّث الناسَ كلَّ جُمُعَةٍ مرَّةً، فإن أبيتَ فمرتين، فإن أكترت فثلاث [مرات]، ولا تُمِلَّ الناس\" (^٣).\nوفي المسند عن عائشة ﵂ أنها وصّت قاصَّ أهلِ المدينة بمثل ذلك (^٤).\nوروي عنها أنها قالت لعُبَيد بن عمير: حدِّث الناس يومًا، ودَع الناسَ يومًا لا تُملَّهُمْ.\nوروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أمر القاصَّ أن يقصَّ كل ثلاثة أيامٍ مرة.\nوروي عنه أنه قال له: \"روّح الناس، ولا تُثْقِل عليهما، ودَع القَصص يوم السبت، ويوم الثُّلاثاء\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1037>[الشافعي وتقسيم البدعة]:</span>\nوقد روى الحافظ أبو نعيم بإسناده عن إبراهيم بن الجنيد، قال: سمعت الشافعيَّ\n_________\n(^١) ص ٧٨٢.\n(^٢) راجع ما أخرجه البخاري في كتاب العلم: باب ما كان النبي - ﷺ - يتخولهم بالموعظة والعلم كيلا ينفروا ١/ ٥٠١، وراجع ما مضى ص ٧٦٠.\n(^٣) جزء حديث رواه البخاري في صحيحه ٦٣٣٧ ما بين القوسين منه.\n(^٤) في المسند ٦/ ٢١٧ من وصيتها لابن أبي السائب.","vol":"2","page":786},{"text":"يقول: \"البدعة بدعتان: بدعةٌ محمودة، وبدعة مذمومة؛ فما وافق السنَّةَ فهو محمود، وما خالف السنة فهو مذهوم\".\nواحتج بقول عمر ﵁: \"نعمت البدعة هي\".\nومرادُ الشافعي ﵁ ما ذكرناه من قبل، أن البدعة الذمومة ما ليس دها أصل من الشريعة ترجع إليه؛ وهي البدعة في أطلاق الشرع.\nوأما البدعة المحمودة فما وافق السُّنَّة، يعني ما كان لها أصل من السنة ترجع إليه، وإنما هي بدعة لغَةً لا شرعًا لموافقتها السنة.\nوقد روي عن الشافعي كلام آخر يفسر هذا وأنَّه قال: \"المحدَثاتُ ضربان: ما أُحْدِثَ مما يخالف كتابًا أو إجماعًا فهذه البدعة الضلالة، وما أُحْدِث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا، وهذه محدَثة غيرُ مذمومة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1038>[الاختلاف في الكثير من المحدثات]:</span>\nوكثير من الأمور التي أحدثت ولم تكن قد اختلف العلماء في أنها هل هي بدعة حسنة ترجع (^١) إلى السنة أم لا؟\nفمنها كتابة الحديث: نهى عنه عمر وطائفة من الصحابة، ورخَّص فيه الأكثرون؛ واستدلوا له بأحاديث من السنة.\nومنها كتابة تفسير الحديث والقرآن، كرهه قوم من العلماء، ورخّص فيه كثير منهما وكذلك اختلافهما في كتابة الرأي في الحلال والحرام ونحوه.\nوفي توسعة الكلام في المعاملات، وأعمال القلوب، التي لم تنقل من الصحابة والتابعين.\nوكان الإمام أحمدُ يكره أكثر ذلك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1039>[وجوب ضبط ما نقل عن السلف، وتحقيق التراث]:</span>\nوفي هذه الأزمان التي بعُدَ العَهدُ فيها بعلوم السلف يتعيّن ضبط ما نُقِل عنهم من ذلك كلِّه؛ ليتميز به ما كان من العلم موجودًا في زمانهم، وما أُحدِث من ذلك بعدهم؛\n_________\n(^١) م: \"حتى ترجع\".","vol":"2","page":787},{"text":"فيعلم بذلك السنة من البدعة.\nوقد صح عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: \"إنكم قد أصبحتم اليوم على الفطرة، وإنكم ستُحْدِثون ويُحْدَثُ لكم فإذا رأيتم مُحْدَثَةً فعليكم بالهدْي (^١) الأول\".\nوابن مسعود قال هذا في زمن الخلفاء الراشدين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1040>[لم يكن شيء من الأهواء في الصدر الأول]:</span>\nوروى ابن مهدي (^٢) عن مالك قال: \"لم يكن شيء من هذه الأهواء في عهد النبي - ﷺ -، وأبي بكر، وعمر، وعثمان\".\nوكأن مالكًا يشير بالأهواء إلى ما حدث من التفرق في أصول الديانات، من أمر الخوارج، والروافض، والمرجئة ونحوهم، ممن تكلّم في تكفير المسلمين، واستباحة دمائهم، وأموالهم، أو في تخليدهم في النار، أو في تفسيق خواصّ هذه الأمة أو عكس ذلك من زَعم أن المعاصيَ لا تَضُرُّ أهلها، أو أنه لا يدخل النارَ من أهل التوحيد أحدٌ.\n* * *\nوأصعبُ من ذلك ما أحدث من الكلام في أفعال اللّه تعالى، من قضائه وقَدَره، وكذّب بذلك من كذّب، وزعم أنه نزّه اللّه بذلك عن الظلم.\nوأصعبُ من ذلك ما أحدث من الكلام في ذات اللّه وصفاته مما سكت عنه النبي - ﷺ - وأصحابه والتابعون لهم بإحسان.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1041>[العلماء بإزاء ما استحدث]:</span>\nفقومٌ نَفَوْا كثيرًا مما ورد في الكتاب والسنة من ذلك، وزعموا أنهم فعلوه تنزيهًا للّه عما تقضي العقول بتنزيهه عنه، وزعموا أن لازم ذلك مستحيلٌ على اللّه ﷿.\nوقوم لم يكتفوا بإثباته حتى أثبتوا بإثباته ما يظن أنه لازم له بالنسبة إلى المخلوقين، وهذه اللوازم نفيا وإثباتًا دَرَجَ صَدْرُ الأمة عَلَى السُّكوتِ عنها.\n* * *\n_________\n(^١) م: \"بالعهد\" وما أثبتناه عن الأصول هو الموافق لما في السنة للمروزي وقد رواه فيها بإسناد صحيح ح ٨٠ ص ٢٩.\n(^٢) م: \"حميد\".","vol":"2","page":788},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1042>[الكلام في الحلال والحرام بمجرد الرأي]:</span>\nومما أحدث في الأمة بعد عصر الصحابة والتابعين: الكلام في الحلال والحرام بمجرد الرأي وردُّ كثير مما وردت به السنة في ذلك، لمخالفته للرأي والأقيسة العقلية.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1043>[والكلام في الحقيقة بالذوق والكشف]:</span>\nومما حدث بعد ذلك: الكلام في الحقيقة بالذوق والكشف، وزَعْمُ أن الحقيقة تنافي الشريعة، وأن المعرفة وحدها تكفي مع المحبة، وأنه لا حاجة إلى الأعمال أو أنها (^١) حجاب، أو أن الشريعة إنما يحتاج إليها العوامّ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1044>[وفي الذات والصفات]:</span>\nوربما انضم إلى ذلك الكلامُ في الذات والصفات بما يُعْلَم قطعًا مخالفته الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.\nواللّه يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ.\n* * *\n_________\n(^١) د: \"وأنها\".","vol":"2","page":789},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1045>الحديث التاسع والعشرون</span>\nعَنْ مُعاذِ بْن جَبَلٍ ﵁ قالَ:\nقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! أخْبِرْني بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي من (^١) النَّارِ؟ قَالَ: \"لَقَدْ سأَلتَني (^٢) عَنْ عَظيِمٍ، وَإنَّهُ لَيَسِيرٌ، عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللهُ [تَعالَى] عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللّهَ، لا تُشرِكُ (^٣) بِهِ شَيئًا، وَتُقيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ البَيْتَ. ثُمَّ قالَ [لَهُ] (^٤): أَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ؟ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطِفئُ الخَطِيئَةَ، كما يُطْفِئ المَاءُ النَّارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ تَلَا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ (^٥). ثُمَّ قالَ: \"أَلا أُخْبِرُكَ، بِرَأْسِ الأَمْرِ كُلِّهِ\" (^٦) وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ\"؟ قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ! قالَ: \"رَأَسُ الأَمْرِ: الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ: الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ: الجِهَادُ\". ثمَّ قالَ: \"أَلا أُخْبِرُكَ بِمِلَاكِ ذلك كُلِّهِ\"؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نبيَّ (^٧) اللهِ! فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، تُمَّ (^٨) قَالَ: \"كُفَّ عَلَيْكَ هذا\" فقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ! وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: \"ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ [يَا مُعَاذُ!] وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ في النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ [قال] (^٩) عَلَى مَنَاخِرِهِمْ، إلَا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهمْ؟! \". رَوَاهُ التِّرْمذِيّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ (^١٠).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1046>[تخريج الحديث]:</span>\n• هذا الحديث خرجه الإمام أحمد (^١١) والترمذي والنسائي (^١٢) وابن ماجه (^١٣) من\n_________\n(^١) في م: \"عن\".\n(^٢) في م: \"سألت\".\n(^٣) في م: \"رسول\".\n(^٤) ليست في الترمذي.\n(^٥) سورة السجدة: ١٦ - ١٧.\n(^٦) ليست في م.\n(^٧) في م: \"رسول\".\n(^٨)، (^٩) ليست في الترمذي.\n(^١٠) رواه الترمذى في كتاب الإيمان: باب ما جاء في حرمة الصلاة ٥/ ١١ - ١٢ من حديث عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل قال: كنت مع النبي - ﷺ - في سفر، فأصبحت يوما قريبا منه، ونحن نسير فقلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل … الحديث.\n(^١١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٣١، ٢٣٧، ٢٤٥، ٨٢٤ بسياقاته مختصرا ومطولا.\n(^١٢) في السنن الكبرى في التفسير على ما ذكر المزي في التحفة ٨/ ٣٩٩ لكن المستدرِك قال: ليس في الرواية ولم يذكره أبو القاسم.\n(^١٣) أخرجه ابن ماجه في كتاب الفتن: باب كف اللسان في الفتنة ٢/ ١٣١٤ - ١٣١٥.","vol":"2","page":791},{"text":"رواية معمر، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي وائل، عن معاذ بن جبل ﵁، وقال الترمذي: حسن صحيح.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1047>[ابن رجب ينقد الترمذي]:</span>\n• وفيما قاله - ﵀ - نظر من وجهين:\n• أحدهما: أنه لم يثبت سماع أبي وائل من معاذ، وإن كان قد أدركه بالسن، وكان معاذ بالشام وأبو وائل بالكوفة، وما زال الأئمة كأحمد وغيره يستدلون على انتفاء السماع بمثل هذا.\nوقد قال أبو حاتم الرازي، في سماع أبي وائل من أبي الدرداء: \"قد أدركه، وكان بالكوفة، وأبو الدرداء بالشام\".\nيعني أنه لم يصح له سماع منه.\nوقد حكى أبو زرعة الدمشقي عن قوم أنهم توقفوا في سماع أبي وائل من عمر، أو نفوه، فسماعه من معاذ أبعد.\n• والثاني أنه قد رواه حماد بن سلمة، عن عاصم بن أبي النّجُود، عن شَهْر بن حَوْشب عن معاذ.\n• خرجه الإمام أحمد مختصرًا (^١).\n• وقال الدارقطني: \"وهو أشبه بالصواب\" لأن الحديث معروف، من رواية شهر على اختلاف عليه فيه.\n• قلت: رواية شهر عن معاذ مرسلة، يقينًا، وشهر مختلف في توثيقه وتضعيفه.\n• وقد خرجه الإمام أحمد من رواية شهر، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ (^٢).\n• وخرجه الإمام أحمد أيضا من رواية عروه بن النزال أو النزال بن عروة، وميمون بن أبي شبيب كلاهما عن (^٣) معاذ.\nولم يسمع عروة ولا ميمون عن معاذ.\n_________\n(^١) في المسند ٥/ ٢٣٦، ٢٤٨.\n(^٢) في المسند ٣/ ٢٤٥ بسياقه مطولا.\n(^٣) في المسند ٥/ ٢٣٧.","vol":"2","page":792},{"text":"وله طرق أخرى عن معاذ كلها ضعيفة (^١).\n* * *\n_________\n(^١) روى أحمد هذا الحديث في مسنده من وجوه عديدة، مختصرا ومطولا من حديث معاذ بن جبل.\n[١] فأخرجه بسياقه كاملًا في ٥/ ٢٣١ (حلبي) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن أبي وائل، عن معاذ ﵁ قال: \"كنت مع النبي - ﷺ - في سفر، فأصبحت يوما قربيا منه، ونحن نسير، فقلت: يا نبي الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة … \" الحديث.\n[٢] وأخرجه في ٥/ ٢٣٤ مختصرًا من طريق أبي المغيرة، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن عطية بن قيس، عن معاذ ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الجهاد عمود الإسلام وذروة سنامه\".\nمقتصرا على ذاك.\n[٣] وأخرجه في ٥/ ٢٣٥ من طريق الحكم بن نافع، عن ابن عياش، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن شهر بن حوشب، عن عبد الله بن غنم، عن معاذ بن جبل أن النبي - ﷺ - قال: \"ذروة سنام الإسلام: الجهاد في سبيل الله\".\n[٤] وفي ٥/ ٢٣٦ من طريق وكيع بن الجراح، عن سفيان عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ عن النبي - ﷺ - قال:\nثكلتك أمك! وهل يكب الناس على مناخرهم في جهنم إلا حصائد ألسنتهم؟ \".\n[٥] وفي ٥/ ٢٣٧ بسياقه كاملا وفيه تعيين السفرة، وأنها كانت غزوة تبوك، وذلك من طريق محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم بن عتيبة، قال: سمعت عروة بن النزال يحدث عن معاذ بن جبل قال: أقبلنا مع رسول الله - ﷺ - من غزوة تبوك، فلما رأيته خليًّا قلت: يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الحنة؟ قال: بخ بخ!! لقد سألت عن عظيم … الحديث بسياقه كاملا نحو سياق ابن رجب.\nزاد في آخره: قال شعبة: قال لي الحكم: وحدثني به ميمون بن أبي شبيب، وقال الحكم: سمعته منه منذ أربعين سنة.\n[٦] وفي ٥/ ٢٤٢ مختصرًا: جزءًا آخر من طريق حسن بن موسى، عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن شهر بن حوشب، عن معاذ بن جبل عن النبي - ﷺ - قال: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ قال: قيام العبد من الليل.\n[٧] وفي ٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦ بسياقه وقصته أتم وأطول مما ساقه ابن رجب بنحوه وزيادات قبله وبعده من طريق أبي النضر، عن عبد الحميد بن بهرام، عن شهر عن ابن غنم، عن معاذ بن جبل ﵁.\n[٨] وفي ٥/ ٢٤٨ من طريق سريج عن حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن شهر بن حوشب، عن معاذ أن النبي - ﷺ - قال: سأنبئك بأبواب من الخير، الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، وقيام العبد من الليل ثم قرأ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ إلى آخر الآية.\nوبنحو السياق الأول لأحمد أخرجه الترمذي وابن ماجه والنسائي من طريق معمر، عن عاصم بن أبي النجود وهو عاصم بن بهدلة، من أبي وائل، عن معاذ.\nوقد عقب الترمذي على الحديث أنه حسن صحيح.\nوناقش ابن رجب الترمذي في هذا التعقيب ودار محور نقاشه حول ما يلي:\n١ - أن الحديث من معاذ عنده بيان من طريق أبي وائل، وأبو وائل لم يثبت له سماع من معاذ، فكيف يحكم الترمذي على حديث منقطع بالحسن أو بالصحة أو بهما معا؟ والصحيح والحسن كلاهما متصل الإسناد؟\nوقد برهن بما برهن به على عدم ثبوت سماع أبي وائل من معاذ. =","vol":"2","page":793},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ٢ - أن الحديث معروف من رواية شهر عن معاذ وليس من رواية أبي وائل عنه فكيف - مع هذا - يعقب الترمذي على الحديث بهذا التعقيب؟\nوإنما يسلم له هذا الذي عقب به لو كان الحديث معروفًا من رواية أبي وائل. كيف وهو معروف من رواية شهر لا من رواية أبي وائل؟!\n٣ - على أن الرواية للحديث من طريق شهر بن حوشب مطعون فيها من جهتين:\nالأولى: أن شهرًا مختلف في توثيقه وتضعيفه.\nوالثانية: أن شهرًا لم يسمع معاذا بيقين؛ فروايته عن معاذ مرسلة منقطعة، ولا أدل على هذا من رواية الحديث بطريق متصل يبين أن بين شهر ومعاذ راويا آخر هو عبد الرحمن بن غنم وقد سقناها عن أحمد كما أشار إليها ابن رجب.\nولئن كانت هذه الرواية متصلة إلا أن فيها ضعفًا أو راويا مختلفا في تضعيفه هو شهر.\nفأيا ما كان الأمر فتعقيب الترمذي على الحديث غير مسلم.\nكذلك قال من بيان قبل ابن رجب مثل المنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٥٢٨ - ٢٩٥ فقد أورد الحديث عن أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه، كلهم من رواية أبي وائل عن معاذ بنحو سياق ابن رجب للحديث، وذكر تعقيب الترمذي ثم قال:\nوأبو وائل أدرك معاذا بالسن، وفى سماعه عندي نظر.\nوكان أبو وائل بالكوفة، ومعاذ بالشام، والله أعلم.\nثم نقل قول الدارقطنى كما ذكره ابن رجب عن رواية شهر، قال: وشهر مع ما قيل فيه لم يسمع معاذا.\nثم قال: ورواه البيهقي وغيره عن ميمون بن أبي شبيب، عن معاذ، وميمون هذا كوفي ما أراه سمع من معاذ بل ولا أدركه؛ فإن أبا داود قال: لم يدردك ميمون بن أبى شبيب عائشة، وعائشة تأخرت بعد معاذ نحو ثلاثين سنة. وقال عمرو بن علي: كان يحدث عن أصحاب رسول الله - ﷺ - وليس عندنا في شيء منه يقول: سمعت.\nولم أخبر أن أحدا يزعم أنه سمع من أصحاب النبي - ﷺ - \".\nومفاد هذا وذاك أنه لا يسلم قول الترمذي بتحسين الحديث أو تصحيحه أو بهما معا؛ حيث إن الحديث من رواية أبي وائل، وشهر، وميمون بن أبي شبيب مطعون فيه بالانقطاع والإرسال؛ كما أنه من رواية شهر عن عبد الرحمن بن غنم مطعون فيه بضعف شهر أو الإختلاف في توثيقه وتضعيفه.\nوقد قفى الشيخ ناصر الألباني في الإرواء ٩١٣ على أثر المنذري وابن رجب حيث أورد كلام ابن رجب هنا والذي يتفق تمامًا مع ما ذهب إليه المنذري. وقد أورد قول ابن ضويان في منار السبيل (١/ ١٠٦): \"وحديث وذروة سنامه الجهاد\". قال: صحيح وهو قطعة من حديث لمعاذ بن جبل ﵁ قال: كنت مع النبي - ﷺ - في سفر … الحديث بسياق الترمزى عن أبى وائل ثم ذكر مخرجه في الترمذى وابن ماجه ومسند أحمد وتعقيب الترمذى الآنف ثم قال: قلت: وإسناده حسن، لكن أعله الحافظ ابن رجب في شرح الأربعين، وساق ما قال ابن رجب هنا، وفسّره وأبان عن موضع رواية شهر المرسلة والموصولة في مسند أحمد، كما ذكر رواية عروة بن النزال، وميمون بن أبي شبيب.\nوأضاف تخريج الحاكم في موضعين لحديث ميمون: ورد تصحيحه للحديث وإقرار الذهبي له بأمرين، الأول عدم سماع ميمون من معاذ تأسيسا منه على ما قال ابن رجب.\nوالثانى أن الراوى عن ميمون هو حبيب بن أبى ثابت، وهو مدلس، وقد عنعنه ثم قال: لكن تابعه الحكم بن =","vol":"2","page":794},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= عتيبة في الموضع الثاني عند الحاكم.\nثم ضعف ما رواه أحمد في مسنده (٥/ ٢٣٤) من طريق أبي المغيرة، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن عطية بن قيس عن معاذ بن جبل أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الجهاد عمود الإسلام وذروة سنامه الجهاد\" ضعفه بقوله:\nوهذا إسناد متصل، ورجاله ثقات غير أبي بكر وهو ابن عبد الله بن أبي مريم الشامي، وهو ضعيف لاختلاطه، وقد أخطأ في متن الحديث حيث جعل \"عمود الإسلام\" وصفا للجهاد أيضًا بينما هو في الطرق المتقدمة وصف للصلاة فقط. ثم قال: ويتلخص مما تقدم أن جميع الطرق منقطعة في مكان واحد منها غير هذه الطريق، وأحد طريقي شهر بن حوشب؛ فهي تقوي هذه (يقصد الشيخ: طريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ) وقد أضاف إلى ذلك قوله: وأما الطرق الأخرى فلا يكون القول فيها أنه يقوي بعضها بعضا لأن جميعها متحدة العلة، وهي سقوط تابعيها منها (أي حيث لم يثبت سماع كل من أبي وائل وميمون وعروة من مُعاذ).\nثم قال: وعليه فهي حينئذ في حكم الطريق الواحد، ويجوز أن يكون التابعي مجهولا والله أعلم.\nوأختتم هذه الدراسة بقوله:\nوخلاصة القول: أنه لا يمكن القول بصحة شيء من الحديث إلا هذا القدر الذي أورده المصنف (يقصد مصنف المنار) والقدر الذي أورده هو: \"وذروة سنامه الجهاد\".\nوقد أسس القول بصحة هذا القدر على مجيئه من طريقين متصلين يقوي أحدهما الآخر.\n* * *\nوهو يقصد بالطريقين المتصلتين: طريق أبي المغيرة، عن أبي بكر، عن عطية بن قيس، عن معاذ وطريق شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ.\nوحيث لم يرد الحديث بسياقه كاملا في الطريق الأول كما ورد بالموضع الثاني فإن الذي تكرر في الحديثين هو ما يفيد أن الجهاد ذروة سنام الإسلام وهو الجزء الذي أورده مصنف المنار، فهو الذي يكتسب وحده الحسن أو الصحة!؟\nوقد نسلم بهذا وذاك بيد أن الذي ينبغي أن نتوقف عنده هو كيف وعلى أي أساس حكم الترمذي على الحديث بما عقب به عليه؟\nولو أنه اكتفى بوصف الحديث بالحسن فحسب لهان الخطب، ولقلنا لعله يريد بالحسن ما كان الحديث حسنا لغيره فضعف هذه الرواية من جهة الإرسال بينما الرواة ثقات وضعف رواية شهر من جهة شهر بينما هي متصلة بعبد الرحمن بن غنم وحيث اختلفت جهة الضعف في الطريقين، ثم حيث كان الضعف بحيث يقبل الجبر فهذا أمر يرقى بهذا الضعيف في كلا الطريقين إلى الحسن لكن لغيره لا لذاته.\nأقول: لو أن الترمذي اكتفى في وصف الحديث بالحسن لقلنا إنه من قبيل الحسن لغيره.\nأما وقد أضاف وصف الصحة فهل ذلك خطأ من الناسخ أم أن هناك محملًا آخر؟\nولنتابع البحث:\nوقد وقفت للحديث على رواية أخرى للطبراني ليس فيها راوٍ مِمَّنْ طعن معه في الحديث بالضعف أو الإرسال، وهي ما رواه الطبرني في الكبير ٢٠/ ٧٣ - ٧٤ من رواية معاذ بن المثنى، عن سعيد بن سليمان الواسطي ومن رواية أبي يزيد القراطيسي، عن حجاج بن إبراهيم الأزرق كلاهما عن مبارك بن سعيد، عن سعيد بن مسروق، عن أيوب بن كريز، عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ بن جبل قال: بينما نحن ركب مع النبي =","vol":"2","page":795},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= - ﷺ - إذ تقدمت راحلته ثم راحلتي لحقت راحلته حتى ظننت أن راحلته قد عرفت وطء راحلتي، حتى نطحت ركبتي ركبته قلت: يا رسول الله! إني أريد أَنْ أسألك مرارًا ويمنعني مكان هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ قال: \"ما هو يا معاذ؟ \" قلت: العمل الذي يدخل الجنة، ويجنبني من النار؟ قال: قد سألت عظيما وأنه ليسير شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان ثم قال: ألا أخبرك برأس هذا الأمر وعموده وذروته؟ الجهاد\" ثم قال: \"الصيام جنة والصدقة تكفر الخطايا\" ثم قال: \"ألا أنبئك بما هو أملك بالناس عن ذلك؟ \" فأخذ لسانه فوضعه بين إصبعين من أصابعه، فقلت: يا رسول الله؟! أكلُّ ما نتكلم به يكتب علينا؟ قال: \"ثكلتك أمك! وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم إنك لم تزل سالما ما سكت فإذا تكلمت كتب لك أو عليك\".\nوجميع الرواة في هذه الرواية ثقات.\nفأما معاذ بن المثنى شيخ الطبراني فهو معاذ بن المثنى بن معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان أبو المثنى العنبري سكن بغداد وحدث بها عن محمد بن كثير العبدي، ومسدد والقعنبي شيخ البخاري، وغيرهم.\nروى عنه الطبراني وأحمد بن علي الأبار، ويحيى بن صاعد، ومحمد بن مخلد وغيرهم.\nوكان ثقة وهو حفيد معاذ بن معاذ العنبري قاضي البصرة وأحد فقهائها وحفاظها.\nوكانت وفاة معاذ بن المثنى يوم الاثنين لليلتين بقيتا من ربيع الأول سنة ثمان وثمانين ومائتين تاريخ بغداد ١٣/ ١٣٦، ومشاهير علماء الأمصار ص ١٦٠ ت ١٢٧٠، وتقريب التهذيب ٢/ ٢٥٧.\nوأما سعيد بن سليمان الواسطي فهو سعيد بن سليمان الضبي أبو عثمان الواسطي نزيل بغداد.\nثقة حافظ من كبار العاشرة.\nروى عن حماد بن سلمة، والليث بن سعد، ومبارك بن فضالة، وعبد الله بن المبارك.\nوروى عنه البخاري وأبو داود بلا واسطة، والباقون بواسطة محمد بن عبد الرحيم صاعقة، كما روى عنه الدارمي والذهلي وأبو بكر بن أبي شيبة وأبو زرعة وأبو حاتم ويحيى بن معين وغيرهم.\nقال أبو حاتم: ثقة مأمون، وقال العجلي: واسطي ثقة، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث.\nكانت وفاته ببغداد لأربع خلون من ذي الحجة سنة خمس وعشرين ومائتين وله مائة سنة.\nراجع ترجمته في الثقات لابن حبان والثقات للعجلي ص ١٨٥ ت ٥٤٧، وتاريخ بغداد للخطيب ٩/ ٨٤ - ٨٧ وتذكرة الحفاظ ١/ ٣٩٨ - ٣٩٩، والتاريخ الكبير للبخاري ٢/ ١/ ٤٨١، وتهذيب التهذيب ٤/ ٤٣ - ٤٤، وتقريب التهذيب ١/ ٢٩٨، وشذرات الذهب ٢/ ٥٦.\nوأما أبو يزيد القراطيسي الشيخ الثاني للطبراني في هذه الرواية فهو يوسف بن يزيد بن كامل بن حكيم القرشي المصري، كان يعمل القراطيس ويبيعها حضر جنازة ابن وهب، ورأى الشافعي.\nروى عن أسد بن موسى، وحجاج بن إبراهيم الأزرق ويعقوب بن إسحاق القلزمي وغيرهم.\nروى عنه النسائي فيما ذكر صاحب الكمال. وقال المزي: لم أقف على روايته عنه في السنن وعبد الله بن جعفر، وأبو القاسم الطبراني وغيرهم.\nقال ابن يونس: بلغت سنه مائة سنة إلا أربعة أشهر.\nوكان ثقة صدوقا قال عنه أحمد بن خالد: هو من أوثق الناس، ولم أر مثله، ولا لقيت أحدًا إلا وقد لين أو تكلم فيه إلا يوسف بن يزيد ويحيى بن أيوب، ورفع شأن يوسف.\nوهو معدود في الحادية عشرة قيل: كانت وفاته سنة سبع وثمانين ومائتين. =","vol":"2","page":796},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وترجمته في التهذيب ١١/ ٤٢٩، والتقريب ٢/ ٣٨٣.\nوأما حجاج بن إبراهيم الأزرق فهو أبو إبراهيم، ويقال أبو محمد البغدادي. وهو من خراسان، وقدم بغداد وأقام بها ثم رحل إلى مصر.\nوروى عن مبارك بن سعيد الثوري أخي سفيان كما روى عن ابن وهب، ومعتمر بن سليمان وغيرهم وروى عنه الربيع بن سليمان المرادي والذهلي وأبو حاتم والعكبرى ويوسف بن يزيد القراطيسي وجماعة وثقه أبو حاتم، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال العجلي: ثقة صاحب سنة.\nوهو معدود في العاشرة.\nوذكار تلميذه القراطيسي أن الأزرق خرج إلى الثغر سنة ثلاث عشرة إلى المصيصة ومات بها.\nورد الخطيب ذلك وقال: هذا التاريخ المذكور إنما هو لخروجه عن مصر فأما وفاته فبعد ذلك بزمان طويل.\nراجع ترجمته في الثقات للعجلي ص ١٠٧ ت ٢٥٠ والثقات لابن حبان ٨/ ٢٠٣، وتاريخ بغداد ٨/ ٢٣٩ - ٢٤٠، وتقريب التهذيب ١/ ١٥٢، والتاريخ الكبير ٢/ ١/ ٨٠.\nوأما مبارك بن سعيد فهو مبارك بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الرحمن الكوفي نزيل بغداد كان مكفوف البصر.\nروى عن أبيه: سعيد بن مسروق وأخويه: سفيان وعمر، والأعمش، وعاصم بن بهدلة وغيرهم.\nروى عنه يحيى بن معين وأبو عبيد القاسم بن سلام والحسن بن عرفة، وسعيد بن سليمان الواسطي، ومحمد بن مقاتل المروزي وغيرهم.\nوثقه العجلي وابن معين وابن حبان والذهبي وقال النسائي وأبو حاتم: ليس به بأس وما رؤي الأعمش يوسع لأحد في مجلسه إلا له.\nقال الذهبي: \"ذكره العقيلي في الضعفاء فعلق عليه بحديث واحد خولف في سنده فأي شيء جرى؟! \" ولعل هذا الذي لم يرتضه الذهبي هو مأتى قول ابن حبان عن المبارك: ربما أخطأ.\nتوفي سنه ثمانين ومائة.\nراجع ترجمته في الثقات للعجلي ص ٤١٩ ت ١٥٣٢، والتاريخ الكبير ٤/ ١/ ٤٢٦، والتهذيب ١٠/ ٢٨ والكاشف ٣/ ١١٧ - ١١٨، والتقريب ٢/ ٢٢٧، والأنساب ٣/ ١٥٣.\nوأما سعيد بن مسروق والد مبارك هذا فهو كوفى ثقة متفق على توثيقه.\nروى عن إبراهيم التيمي، والشعبي، وأبي وائل، وسلمة بن كهيل وعكرمة وغيرهم.\nروى عنه الأعمش وهو من أقرانه وأولاده: سفيان وعمر والمبارك وحبيب وشعبة بن الحجاج وأبو عوانة وغيرهم. من السادسة.\nقال ابن معين والذهبي وأبو حاتم والعجلي والنسائي: ثقة وذكره ابن حبان في الثقات.\nوذكر السمعاني نسبه فقال: سعيد بن مسروق بن حمزة بن حبيب بن رافع بن موهبة بن أبي عبد الله بن نصر بن ثعلبة بن ملكان بن ثور بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان الثوري الكوفى.\nكانت وفاته سنة ١٢٨ وقيل سنة سبع وعشرين ومائة وقيل غير ذلك.\nراجع ترجمته في الثقات لابن حبان ٦/ ٣٧١ والثقات للعجلي ص ١٨٨ ت ٥٦٢ والتهذيب ٤/ ٨٢ والكاشف ١/ ٣٧٢ والتقريب ١/ ٣٠٥ والأنساب في الموضع السابق.\nوأما أيوب بن كريز فقد ترجم له ابن حبان في الثقات في أتباع التابعين وذكر أنه يروي عن الرحمن بن غنم عن معاذ بن جبل. =","vol":"2","page":797},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1048>[عمل يدخل الجنة ويباعد من النار]:</span>\n• وقوله: \"أخبرني بِعملٍ يُدْخلني الجنة ويُبَاعدني عن النار\".\nقد تقدم في شرح الحديث الثاني والعشرين من وجوه ثابتة من حديث أبى هريرة، وأبي أيوب وغيرهما أن النبي - ﷺ - سئل عن مثل هذه المسألة فأجاب بنحو ما أجاب به في حديث معاذ (^١).\n• وفي رواية للإمام أحمد في حدثنا معاذ أنه قال: يا رسول الله! إني أريد أن\n_________\n= وهو بهذا يشير إشارة واضحة إِلى توثيق رواية أيوب عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ في مثل حديثنا هذا.\nكما ذكر أنه روى عنه سعيد بن مسروق الثوري من حديث المبارك بن فضالة عن سعيد بن مسروق كما ترجم له البخاري في التاريخ الكبير ١/ ١/ ٤٢١ فذكر ررايته عن ابن غنم ورراية سعيد عنه.\nوأما عبد الرحمن بن غنم الأشعري فهو من كبار ثقات التابعين حتى لقد اختلف في صحبته.\nقال ابن حجر: روى عن النبي - ﷺ - وعن عمر وعثمان وعلي ومعاذ وأبي الدرداء وغيرهم من الصحابة وروى عنه ابنه محمد وعطية بن قيس ومكحول الشامي وشهر بن حوشب وصفوان بن سليم.\nذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي أهل الشام وقال: كان ثقة إن شاء الله.\nوسلكه ابن حبان في ثقات التابعين وقال زعموا أن له صحبة وليس له ذلك بصحيح عندي.\nوقال ابن عبد البر كان مسلما على عهد رسول الله - ﷺ - ولم يره ولازم معاذ بن جبل إلى أن مات وكان أفقه أهل الشام وهو الذي فقه التابعين بالشام.\nوكانت وفاته عام ٧٨.\nراجع ترجمه في تهذيب التهذيب ٦/ ٢٥٠ - ٢٥١ والتاريخ الكبير للبخاري ٣/ ١/ ٢٤٧، والثقات لابن حبان ٥/ ٧٨، والثقات للعجلي ص ٢٩٧ ت ٩٧٤، والتقريب ١/ ٤٩٤، والكاشف ١/ ١٨١.\nوإذا فهذه رواية صحيحة رواتها ثقات وهي الرواية التي أشار إليها الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٣٠٠ وقال: رواه الترمذي باختصار من قوله إنك لن تزال إلخ رواه الطبراني بإسنادين ورجال أحدهما ثقات.\nوقد رواه الطبراني في الكبير عدا هذا من وجوه عديدة من حديث معاذ مطولًا ومختصرًا.\nولعل الترمذي حين عقب بقوله: هذا حديث حسن صحيح كان يشير إلى أن الحديث حسن وصحيح؛ فهو حسن لغيره إذا نظرنا إلى ما يقبل الجبر من طرقه الضعيفة والتي اختلفت فيها جهة الضعف وهو صحيح بالنظر إلى مثل الطريق التي أوردناها عن الطبراني وشرحنا فيها أساس حكم الهيثمى بأن رواتها ثقات حين ذكرنا ترجمة كل راو من رواتها، وأبنَّا أنه حتى طريقا هذه الرواية كلاهما صحيح أولا ينزل عن درجه الحسن لذاته وإذا فيمكن تحليل كلمة الترمذي: \"حسن صحيح\" بأحد معنيين فإما أن يكون المعنى حسن وصحيح بمعنى أنه حسن من طريق وصحيح من طريق آخر.\nأو يكون المعنى أن الحديث حسن أو صحيح أي حسن إن لم نسلم بمستوى الصحة لرواته الثقات الذين أوردنا رواية الطبرى لحديثهم؟\nوإذا فلا يسلَّم تضعيف الحديث بمرة!؟\nولا الاقتصار على تصحيح قطعة منه فحسب؟!\n(^١) ص ٦١١ وما بعدها.","vol":"2","page":798},{"text":"أسألك (^١) عن كلمة قد أمرضَتْني، وأسْقَمتني، وأحزنتني (^٢) فقال نبي الله - ﷺ -: سلني (^٣) عما (^٤) شئت: قال: أخبرني بعمل يدخلني الجنة لا أسألك غيره (^٥).\nوهذا يدل على شدة اهتمام معاذ ﵁ بالأعمال الصالحة.\nوفيه دليل على أن الأعمال سبب لدخول الجنة كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (^٦).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1049>[كيف؟ ولن يَدْخُلَ أَحَدٌ الجنةَ بعمله؟]:</span>\n• وأما قوله - ﷺ -: \"لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله\".\nفالمراد - والله أعلم - أن العمل بنفسه لا يستحق به أحد الجنة، لولا أن الله ﷿ جعله بفضله ورحمته سببًا لذلك، والعملُ نفسُه من رحمة الله وفضله على عبده؟ فالجنة وأسبابها كلٌّ من فضل الله ورحمته.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1050>[لقد سألت عن عظيم]:</span>\n• وقوله: \"لقد سألتَ عن عَظيم\" قد سبق في شرح الحديث المشار إليه (^٧) أن النبي - ﷺ - قال لرجل سأله عن مثل هذا: \"لئن كنتَ أوجزتَ المسألة لقد أعْظَمْتَ وأطْولتَ\" وذلك لأن دخول الجنة، والنجاةَ من النار أمرٌ عظيمٌ جدًّا؛ ولأجله أنزال الله الكتب، وأرسل الرسل.\n• وقال النبي - ﷺ - لرجل: \"كيف تقولُ إذا صليتَ؟ \" قال: أسألُ الله الجنة، وأعوذُ به من النار، ولا أحْسِنُ دَنْدَنَتَك، ولا دَنْدَنَةَ \"مُعاذٍ\".\nيشير إلى كثرة دعائهما، واجتهادهما في المسألة.\n• فقال النبي - ﷺ -: \"حولَهُمَا نُدَنْدِن\" (^٨).\n_________\n(^١) في المسند: ايذن لي أسألك.\n(^٢) م: \"وأحرقتني\".\n(^٣) م: \"قال سمل\" وهو تحريف.\n(^٤) في المسند: \"عم\".\n(^٥) راجع المسند ٥/ ٢٤٥ (الحلبي).\n(^٦) سورة الزخرف: ٧٢.\n(^٧) الثاني والعشرين ص ٦١٨.\n(^٨) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٧٤ من حديث الأعمش. عن أبي صالح، عن بعض أصحاب النبي - ﷺ - =","vol":"2","page":799},{"text":"• وفى رواية: \"هل تصير دَنْدَنَتي وَدَنْدَنَةُ مُعَاذٍ إلا أن نسألَ الله الجنة ونعوذَ به من النار\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1051>[وإنه ليسير على من يسره الله عليه]:</span>\n• وقوله - ﷺ -: \"وإنه لَيَسِيرٌ على مَن يَسَّرَهُ اللهُ عليه\" إشارة إلى أن التوفيق كله بيد الله ﷿. فمن يسَّرَ الله عليه الهُدَى (^٢) اهتدى، ومَن لم ييسِّر عليه لم يتيسر له ذلك. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ (^٣).\n_________\n= قال: قال النبي - ﷺ - لرجل: كيف تقول في الصلاة؟ قال: أتشهد ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ فقال النبي - ﷺ -: \"حولهما ندندن\".\nوأخرجه ابن ماجه في السنن: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها ١/ ٢٩٥ من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة بنحوه، وفيه التصريح بتعيين بعض أصحاب النبي - ﷺ - المذكور عند أحمد وأنه أبو هريرة ﵁.\nوقد صرح البوصيري في الزوائد بأن إسناده صحيح ورجاله ثقات كما أخرجه ابن ماجه في كتاب الدعاء: باب الجوامع من الدعاء ٢/ ١٢٦٤.\nوأخرجه أبو داود بنحو رواية أحمد ثم رواه من حديث عبيد الله بن مقسم، عن جابر، ذكر قصة معاذ، قال: وقال - يعني النبي - ﷺ - للفتى \"كيف تصنع يا ابن أخي إذا صليت؟ \" قال: اقرأ بفاتحة الكتاب، وأسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، وإني لا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إني ومعاذا حول هاتين\" أو نحو هذا.\nوآخر هذه الرواية يشهد لما في الأصل: \"حولهما\".\nسنن أبي داود: كتاب الصلاة: باب تخفيف الصلاة ١/ ٢٩٢ - ٢٩٣.\n(^١) هذه الرواية أخرجها أحمد في المسند ٥/ ٧٤ وفيها القصة بتمامها وذلك من حديث معاذ بن رفاعة الأنصاري، عن رجل من بني سلمة يقال له سليم أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إن معاذ بن جبل يأتينا بعد ما ننام ونكون في أعمالنا بالنهار، فينادي بالصلاة فنخرج إليه، فيطول علينا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"يا معاذ بن جبل! لا تكن فتانا إما أن تصلي معي، وإما أن تخفف على قومك؟ \" ثم قال: \"يا سليم! ماذا معك من القرآن؟ \" قال: إني أسأل الله الجنة، وأعوذ به من النار، والله ما أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال رسول الله - ﷺ -: \"وهل تصير دندنتي ودندنة معاذ إلا أن نسأل الله الجنة، ونعوذ به من النار؟ \" … الحديث.\nوأما معنى الدندنة فقد قال ابن الأثير في النهاية ٢/ ١٣٧: الدندنة: أن يتكلم الرجل بالكلام تسمع نغمته ولا يفهم، وهو أرفع من الهينمة قليلًا، والضمير في حولهما للجنة والنار: أي حولهما ندندن، وفي طلبهما، ومنه دندن الرجل، إذا اختلف في مكان واحد، مجيئا وذهابا، وأما عنهما ندندن، فمعناه أن دندنتنا صادرة عنهما، وكائنة بسببهما.\n(^٢) م: \"الهدية\".\n(^٣) سورة الليل: ٥ - ١٠.","vol":"2","page":800},{"text":"• وقال النبي - ﷺ -: \"اعملوا فكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِما خُلِقَ لَه: أمّا أهلُ السَّعَادة فَيُيَسَّرُونَ لعملِ أهلِ السَّعَادةِ، وأمَّا أهلُ الشَّقاوَةِ فيُيَسَّرُون لعمل أهل الشَّقاوَةِ\" ثم تلا - ﷺ - هذه الآية (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1052>[من دعوات الرسول]:</span>\n• وكان - ﷺ - يقول في دعائه: \"واهدِني وَيَسِّرْ الهُدَى لي\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز: باب موعظة المحدِّث - عند القبر وقعود أصحابه حوله ٣/ ١٧٥ - ١٧٦ من حديث علي ﵁.\nوفي كتاب التفسير سورة الليل: باب قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ وباب قوله ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾، وباب ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾، وباب قوله ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ وباب قوله: ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ وباب ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ٨/ ٥٧٥ - ٥٧٦ من حديث علي ﵁ كذلك.\nوأخرجه مسلم في كتاب القدر: باب كيفية الخلق الآدمي في بطن أمه، وكتابة رزقه وأجله، وعمله، وشقاوته وسعادته ٤/ ٢٠٣٩ - ٢٠٤١ من وجوه من حديث علي ﵁، بسياقه كاملًا، ومن حديث جابر وعمران بن حصين ﵄ بنحوه.\nوأخرجه الترمذي في كتاب التفسير: باب سورة الليل إذا يغشى ٥/ ٤٤١ من حديث عليّ ﵁ بإسناد حسن صحيح.\nوهو عند أحمد في المسند ١/ ٢٧ من حديث عمر ﵁ و١/ ٨٢، ١٢٩، ١٣٢ - ١٣٣، ١٤٠، ١٥٧ من حديث علي ﵁.\nولفظ الحديث في صحيح مسلم عن حديث علي ﵁ قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد (البقيع: مدفن المدينة) فأتانا رسول الله - ﷺ - وقعدنا حوله ومعه مِخْصَرَة (عصا أو عكاز) فنكس (خفض رأسه على هيئة المهموم) فجعل ينكت بمخصرته، ثم قال: \"ما منكم من أحد، ما من نفس منفوسة، إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة أو النار، إلا وقد كتبت شقية أو سعيدة\" قال: فقال رجل: يا رسول الله! أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير من أهل الشقاوة\" فقال: \"اعملوا فكل ميسر؛ أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة\" ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾. وفي رواية تالية عند مسلم.: \"فكلٌ ميسر لما خلق له\" ثم قرأ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى …﴾ الآية.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣٠٩ - ٣١٠ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه العلامة الشيخ أحمد شاكر ﵀.\nوأخرجه الترمذي في السنن: كتاب الدعوات: باب في دعاء النبي - ﷺ - ٥/ ٥٥٤ بإسناد حسن صحيح.\nوابن ماجة في السنن: كتاب الدعاء: باب دعاء رسول الله - ﷺ - ٢/ ١٢٥٩.\nوأبو داود في السنن: كتاب الصلاة: باب ما يقول الرجل إذا سلم ٢/ ١١٢ كلهم من حديث ابن عباس ﵄ قال: كان النبي - ﷺ - يدعو يقول: رب أعني ولا تُعِن عليّ، وانصرني ولا تنصر عليّ وامكر لي ولا تمكر عليّ، وأهدني ويسِّر الهدى لي، وانصرني على من بغى عليّ، ربّ اجعلني لك شكَّارًا، لك ذكارًا، لك رَهَّابًا، لك مطواعًا، لك مخبتًا، إليك أواهًا منيبًا، رب تقبل توبَتي واغسل حوبتي، وأوجب دعوتي، وثبت حجتي، وسدِّد لساني، واهد قلبي، واسلل سخيمة صدري (غِشه وحقده وغلَّه) وهذا لفظ الترمذي.","vol":"2","page":801},{"text":"• وأخبر الله عن نبيه موسى ﵇ أنه قال في دعائه: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1053>[وابن عمر]:</span>\n• وكان ابن عمر ﵄ يدعو: اللهمَّ! يَسِّرْني لليسرى وجنِّبني العُسْرَى.\n* * *\n• وقد سبق في شرح الحديث المشار إليه (^٢) توجيه ترتيب دخول الجنة على الإتيان بأركان الإسلام الخمسة، وهي: التوحيد، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج.\n\n<span data-type='title' id=toc-1054>[ألا أدلك على أبواب الخير؟]:</span>\n• وقوله: \"أَلا أَدُلّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ\" لمّا رتبَ دخولَ الجنة على واجبات الإسلام دلَّه بعد ذلك على أبواب الخير من النوافل؛ فإن أفضل أولياء الله هم المقرَّبون الذين يتقرَّبون إليه بالنوافل بعد أداء الفرائض.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1055>[الصوم جنة]:</span>\n• وقوله: \"الصوم جُنَّة\" هذا الكلام ثابت عن النبي - ﷺ - من وجوه كثيرة، وخرَّجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ (^٣) عن النبي - ﷺ -.\n• وخرَّجه الإمام أحمد بزيادة وهي: \"الصيام جُنَّة، وحصن حصين من النار\" (^٤).\n• وخرَّج من حديث عثمان بن أبي العاص ﵁، عن النبي - ﷺ - قال:\n_________\n(^١) سورة طه: ٢٥، ٢٦.\n(^٢) هو الحديث الثاني والعشرون من أحاديث الكتاب.\n(^٣) راجع ما أخرجه البخاري في كتاب الصوم: باب فضل الصوم ٤/ ٨٣.\nومسلم في كتاب الصيام: باب فضل الصيام ٢/ ٨٠٦، ٨٠٧ كلاهما من حديث أبي هريرة.\n(^٤) هذه الرواية أخرجها أحمد في المسند ٢/ ٤٠٢.\nوأورده االهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ١٨٠ عن أحمد وقال: هو في الصحيح خلا قوله: \"وحصن حصين من النار\" وإسناده حسن.","vol":"2","page":802},{"text":"\"الصوم جُنَّة من النار كَجُنَّة أحَدِكُم من القِتَالِ\" (^١).\nومن حديث جابر ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: قال ربنا ﷿: \"الصيام جُنَّةٌ يستجِنُّ بها العبدُ من النار\" (^٢).\n• وخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث أبي عبيدة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"الصيامُ جُنَّةٌ ما لم يَخْرِقها\" (^٣) وقوله ما لم يَخْرِقها، يعنى بالكلام السَّيِّئ ونحوه؛ ولهذا في حديث أبي هريرة المخرّج في الصحيحين عن النبي - ﷺ - \"الصيامُ جنّةٌ؛ فإذا كان يومُ صَوْمِ أحَدِكم فلا يَرْفُثْ [ولا يفْسُقْ] ولا يجْهَلْ فإن امرؤٌ سَابّهُ فليقل إني امرؤٌ صائمٌ\" (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1056>[الغيبة والصوم]:</span>\nوقال بعض السلف: \"الغيبة تخرق الصيام، والاستغفار يرقَعُه، فمن استطاعَ منكم أن لا يأتي بصوم مخرَّق فليفعلْ\".\n• وقال ابن المنكدر: \"الصائم إذا اغتاب خرَّق، وإذا استْغَفَر رقَع\".\n• وخرَّج الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا \"الصيام جُنَّة ما لم يخرِقْها\" قيل: بِمَ يخرقُها؟ قال؟ \"بكذبٍ أو غِيبَةٍ\" (^٥).\n* * *\nفالْجُنّة هي ما يَسْتجِنّ به العبد كالمجنّ الذي يقيه عند القتال من الضرب؛ فكذلك الصيام يقي صاحبه من المعاصي في الدنيا كما قال ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٢ وهو عند النسائي في الصيام: باب فضل الصيام ٤/ ١٩٧ من وجوه مرسلًا ومتصلًا.\n(^٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ١٨٠ عن أحمد في المسند وقال: إسناده حسن.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ١٤٤ - ١٤٦ (المعارف) بإسناد في أصله صحيح راجع ما ذكره محققه العلامة الشيخ أحمد شاكر ﵀ عن إسناده.\nوأخرجه من وجه آخر ٣/ ١٥٢.\nوأخرجه النسائي في السنن: كتاب الصيام: باب فضل الصيام ٤/ ١٦٧ - ١٦٨ من وجهين عن أبي عبيدة.\n(^٤) أخرجه البخاري في كتاب الصوم: باب فضل الصوم ٤/ ٨٣ - ٨٨، وفي باب هل يقول: إني صائم إذا شتم ٤/ ٩٤ - ٩٥، وفي كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ حق ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ باللعب ١٣/ ٣٩٦ - ٣٩٧ من وجوه عديدة.\nوأخرجه مسلم في كتاب الصيام: باب فضل الصيام ٢/ ٨٠٦ - ٨٠٧ من وجوه عديدة.\n(^٥) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ١٧١ عن الطبراني في الأوسط وقال: فيه الربيع بن بدر، وهو ضعيف.","vol":"2","page":803},{"text":"كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^١) فإذا كان له جُنّةً من العاصي كان له في الآخرة جُنَّة من النار وإن لم يكن له جُنَّة في الدنيا من المعاصي لم يكن له جُنَّةً في الآخرة من النار.\n* * *\n• وخرج ابن مردويه من حديث عليٍّ مرفوعًا قال: \"بعث الله يحيى بن زكريا إلى بني إسرائيل بخمس كلمات فذكر الحديث بطوله وفيه: وإن الله يأمركم أن تصوموا ومَثلُ ذلك كمثل رجل مشى إلى عَدُوِّهِ وقد أخذ للقتال جُنَّة فَلا يخافُ من حيث ما أُتِي\".\n• وخرجه من وجه آخر عن عليٍّ ﵁ موقوفًا وفيه قال: \"الصيام مَثَلُهُ كَمَثَلِ رجل أبصره (^٢) الناس فاستحدّ (^٣) في السلاح حتى ظن أنه لن يصلَ إليه سلاحُ العدوّ؛ فكذلك الصيام جُنّة\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1057>[الصدقة والخطيئة]:</span>\nوقوله - ﷺ -: \"والصَّدَقَةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئ الماءُ النّارَ\".\nهذا الكلام رُوي عن النبي - ﷺ - من وجوه أخر فخرجه الإمام أحمد (^٤) والترمذي (^٥)\n_________\n(^١) سورة البقرة: ١٨٣.\n(^٢) \"ا\": \"يبصره\" وفوقها: \"كذا\".\n(^٣) استحد: استمنع واستعصم واستجن ويظهر لي أنها مأخوذة من الحد بمعنى المنع قال في اللسان: ٤/ ١١٨ والحد: المنع، وحد الرجل عن الأمر يحده حدا: منعه وحبسه، تقول: حددت فلانا عن الشر أي منعته، ومنه قول النابغة:\nإلا سليمان إذ قال الإله له … قم في البرية فاحددها عن الفند\nوقد رواه البزار في البحر الزخار ٢/ ٢٧٥ - ٢٧٦ ح ٦٩٥ من وجه آخر بإسنادٍ ضعيف وانظر هامشه.\n(^٤) هذا جزء من حديث رواه أحمد في المسند من حديث جابر بن عبد الله أن النبي - ﷺ - قال لكعب بن عجرة: \"أعاذك الله من إمارة السفهاء، قال: وما إمارة السفهاء؟ قال: أمراء يكونون بعدي لا يقتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي، فمن صدقهم، وأعانهم على ظلمهم فأولئك ليسوا مني ولست منهم، ولا يردوا على حوضي، ومن لم يصدقهم بكذبهم، ولم يعنهم على ظلمهم فأولئك مني وأنا منهم، وسيردوا على حوضي، يا كعب بن عجرة! الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة، والصلاة قربان، أو قال: برهان، يا كعب بن عجرة! إنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت، النار أولى به، يا كعب بن عجرة! الناس غاديان: فمبتاع نفسه، فمعتقها، وبائع نفسه فموبقها\".\nوهذا الحديث في المسند بإسناد صحيح كما ذكر العلامة الشيخ أحمد شاكر في شرحه على الترمذي.\nويلاحظ أن الحديث ليس، في مسند كعب من مسند أحمد، فربما تبادر إلى الذهن أنه ليس في المسند، بينما هو فيه لأنه من رواية جابر.\nراجع مسند أحمد ٣/ ٣٢١ (الحلبي) وشرح الترمذي للمرحوم الشيخ أحمد شاكر ٢/ ٥١٤ - ٥١٥.\n(^٥) أخرجه الترمذي في أبواب الصلاة: باب ما ذكر في فضل الصلاة، من طريق عبد الله بن زياد القطواني =","vol":"2","page":804},{"text":"من حديث كعب بن عُجْرَةَ عن النبي - ﷺ -: \"الصومُ جُنّةٌ حَصينَةٌ، والصَّدَقَةُ تطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماء النارَ\".\n* * *\n• وخرجه الطبراني وغيره من حديث أنس بمعناه مرفوعًا.\nوخرج الترمذي وابن حبان في صحيحه من حديث أنس عن النبي - ﷺ - قال: \"إن صدَقَةَ السر لتطفئُ غضب الربّ، وتدفعُ مِيتَةَ السُّوء (^١) \".\n* * *\n• وروي عن عليّ بن الحسين ﵄ أنه كان يحملُ الخُبْزَ على ظهره بالليل يَتَتَبَّع به المساكين في ظلمة الليل، ويقول: إن الصدقة في سواد (^٢) الليل تطفئ غضب الرب ﷿؛ وقد قال الله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ (^٣) فدل على أن الصدقهّ تكفَّر بها السيئاتُ، إما مطلقًا، أو صدقة السر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1058>[الصلاة في جوف الليل]:</span>\n• وقوله - ﷺ -: \"وصلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ الليل\".\nيعنى أنها تطفئُ الخطيئةَ أيضا كالصدقة؛ ويدل على ذلك ما خرجه الإمام أحمد من رواية عُرْوَة بن النَّزَّال، عن معاذ ﵁ قال: \"أقبلْنَا مع النبي - ﷺ - من غزوة تبوك فذكر الحديث وفيه: \"الصوم جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ وقيامُ العبد في جوف الليل يكفِّر\n_________\n= الكوفي، عن عبيد الله بن موسى، عن غالب أبي بشر، عن أيوب بن عائذ الطائي، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب عن كعب بن عجرة قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: أعيذك بالله يا كعب بن عجرة عن أمراء .. الحديث ٢/ ٥١٢ - ٥١٣ بنحو ما أخرجه أحمد بن المسند، وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى.\nوأيوب بن عائذ الطائي يضعف ويقال: كان يرى رأي الإرجاء.\nوسألت محمدًا عن هذا الحديث فلم يعرفه إلا من حديث عبيد الله بن موسى، واستغربه جدًّا.\nوإذا فيكون حديث المسند شاهدا له.\n(^١) أخرجه الترمذي في كتاب الزكاة: باب ما جاء في فضل الصدقة ٣/ ٥٢ وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، وفيه: \"وتدفع عن ميتة السوء\". وهو عند ابن حبان ٨/ ١٠٣ - ١٠٤ ح ٣٣٠٩ بإسناد ضعيف.\n(^٢) م: \"ظلام\" ل، ظ: \"ظلمة\".\n(^٣) سورة البقرة: ٢٧١.","vol":"2","page":805},{"text":"الخطيئة\" (^١).\n* * *\n• وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"أفضَلُ الصلاة بعدَ المكتوبة قيامُ الليل\" (^٢).\nوقد روي عن جماعة من الصحابة: أن الناس يحترقُون بالنهار بالذنوب (^٣)، وكلما قاموا إلى صلاة من الصلوات المكتوبات أطفأوا ذُنُوبَهُمْ.\nوروي ذلك مرفوعًا من وجوه فيها نظر.\n* * *\nفكذلك فيام الليل يكفّر الخطايا؛ لأنه أفضلُ نوافِل الصلوات (^٤).\n• وفي الترمذي من حديث بلال ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأبُ الصالحين قبلكُمْ، وإن قيامَ الليل قُرْبَةٌ إلى الله ﷿، ومَنْهاةٌ عن الإثم وتَكْفِيرٌ للسيئات، ومَطْرَدَةٌ للداءِ عن الجسَد\" (^٥).\n• وخرّجه أيضًا من حديث أبي أمامة ﵁، عن النبي - ﷺ - بنحوه وقال: هو أصحُّ من حديث بلال.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٣٧ بتمامه وفيه: \"يكفر الخطايا\".\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الصيام: باب فضل صوم المحرم ٢/ ٨٢١ من حديث أبي هريرة يرفعه قال: سئل أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ وأي الصيام أفضل بعد شهر رمضان؟ فقال: \"أفضل الصلاة بعد الصلاة المكتوبة الصلاة في جوف الليل وأفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم\".\n(^٣) م: \"يحرقون بالنهار من الذنوب\" ظ: \"يحترقون بالنار بالذنوب\".\n(^٤) م: \"الصلاة\".\n(^٥) أخرجه الترمذي في السنن: كتاب الدعوات: باب في دعاء النبي - ﷺ - ٥/ ٥٥٢ - ٥٥٣ ح ٣٥٤٣ من حديث محمد القرشي، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن بلال مرفوعًا.\nوعقب الترمذي عليه لقوله: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث بلال إلا من هذا الوجه ولا يصح.\nمن قبل إسناده، ثم قال: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد القرشي هو محمد بن سعيد الشامي، وهو ابن أبي قيس. وهو محمد بن حسان، وقد ترك حديثه.\nثم أورد الرواية التي استحسن ابن رجب الإشارة إليها عقب هذه الرواية، فقال: وقد روى هذا الحديث معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد. عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي أمامة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين قبلكم، وهو قربة إلى ربكم، ومكفرة للسيئات، ومنهاة للإثم\".\nوقد عقب على هذه الرواية بقوله: \"وهذا أصح من حديث أبي إدريس عن بلال\".","vol":"2","page":806},{"text":"• وخرّجه الحاكم وابنُ خزيمةَ في صحيحَيْهما من حديث أبي أُمامة أيضًا (^١).\nوقال ابن مسعود: \"فضلُ صلاةِ الليل على صلاةِ النهار كفضلِ صدقةِ السِّرِّ على صدقةِ العلانية\".\n• وخرّجه أبو نعيم عند مرفوعًا، والموقوف أصح.\nوقد تقدم أن صدقة السِّرِّ تُطْفِئ غضبَ الرَّبِّ (^٢) فكذلك صلاة الليل.\n* * *\n• وقوله: ثم تلا قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (^٣).\nيعني أن النبي - ﷺ - تلا هاتين الآيتين عند ذكره فضلَ صلاة الليل، لِيُبيِّن بذلك فضلَ الصلاة بالليل.\nوقد روي عن أنس ﵁ أن هذه الآية نزلت في انتظار صلاة العشاء.\n• خرّجه الترمذي (^٤) وصححه.\n* * *\nورُوي عنه أنه قال في هذه الآية: \"كانوا يتنفلون بين المغرب والعشاء\".\n• خرّجه أبو داود (^٥).\n• وروي نَحْوُه عن بلال، وخرّجه البزار بإسناد ضعيف (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٣٠٨ من حديث أبي إدريس عن أبي أمامة وصححه على شرط البخاري وأقره الذهبي/ إلا أن عنده: \" … قربة لكم … ومنهاة عن الإثم\".\n(^٢) في هذا الحديث ص ٨٠٥.\n(^٣) سورة السجدة: ١٦.\n(^٤) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير: باب \"ومن سورة السجدة\" ٥/ ٣٤٦ من حديث أنس بن مالك أن هذه الآية ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ نزلت في انتظار هذه الصلاة التي تدعى العتمة.\nأي صلاة العشاء، ومعنى تتجافى: ترتفع وتتباعد.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوالآيتان ١٦، ١٧ من سورة السجدة.\n(^٥) راجع الترغيب والترهيب ١/ ٢٠٥ وتفسير ابن كثير ٣/ ٤٥٩: وقد ذكر أن حديث أنس في هذا أخرجه ابن جرير بإسناد جيد والحديث عند أبي داود في السنن ٢/ ٧٩.\n(^٦) أورد ابن كثير في التفسير ٣/ ٤٦٠ عن البزار قوله: حدثنا عبد الله بن شبيب، حدثنا الوليد بن عطاء بن الأغر، حدثنا عبد الحميد بن سليمان، حدثني مصعب، عن زيد بن أسلم، عن أبيه قال: قال بلال: لما =","vol":"2","page":807},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1059>[عموم الآية]:</span>\nوكل هذا يَدْخُل في عموم لفظ الآية؛ فإن الله مدح الذين تتَجافَى جُنوبُهُم عن المَضَاجع لدعائه، فيشمل ذلك كلَّ من ترك النوم بالليل لذكر الله ودعائه، فيدخل فيه مَنْ صلَّى بين العِشاءَين، ومَن انتظر صلاةَ العشاء فلم ينم حتى يصليَها؛ لا سيما مع حاجته إلى النوم، ومجاهدة نفسه على تركه لأداءِ الفريضة.\nوقد قال النبي - ﷺ - - لمن انتظر صلاةَ العشاء -: \"إنكم لن تزالُوا في صلاةٍ ما انتظرتُمُ الصَّلاة\" (^١).\n• ويدخل فيه من نام ثم قام من نومه بالليل للتهجُّد، وهو أفضل أنواع التطوّع بالصلاة مطلقًا.\n• وربما دخل فيه من ترك النومَ عند طلوع الفجر، وقام إلى أداء صلاة الصبح، لا سيَّما مع غَلَبة النوم عليه؛ ولهذا يُشرع للمؤذن في أذان الفجر أن يقول في أذانه: \"الصلاة خير من النوم\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1060>[وصلاة الرجل من جوف الليل]:</span>\nوقوله - ﷺ -: \"وصلاة الرجل من جوف الليل\".\nذكر أفضل أوقات التهجُّدِ باللَّيلِ وهو جوف الليل.\n_________\n= نزلت هذه الآية ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ الآية كنا نجلس في المسجد وناس من أصحاب رسول الله - ﷺ - يصلون بعد المغرب إلى العشاء.\nثم قال البزار: لا نعلم روى زيد بن أسلم عن بلال سواه، وليس له طريق عن بلال غير هذا الطريق.\nفلعل غرابة الحديث هي أساس ما أشار إليه ابن رجب من ضعف الحديث.\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب المواقيت: باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء ٢/ ٥٨ - ٥٩ وباب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد ٢/ ١١٦ - ١١٧.\nوأخرجه ابن ماجه في كتاب الصلاة: باب وقت صلاة العشاء ١/ ٢٢٦ والنسائي في كتاب المواقيت: باب آخر وقت العشاء ٢/ ٢٦٨.\nوأحمد في المسند ٣/ ١٨٢، ١٨٩، ٢٠٠ كلهم من حديث أنس، ولفظ البخاري في الموضع الأول: قال أنس: نظرنا (انتظرنا) النبي - ﷺ - ذات ليلة حتى كان شطر الليل يبلغه فجاء فصلى لنا، ثم خطبنا فقال: ألا إن الناس قد صلوا ثم رقدوا، وإنكم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة.\nوقد روي الحديث من وجوه أخرى عن أبي سعيد وأبي هريرة وعبد الله بن سلام وغيرهم.","vol":"2","page":808},{"text":"• وخرَّج النِّسائيُّ والتِّرمِذيُّ من حديث أبي أمامة قال: قيل: يا رسول الله! أي الدعاء أَسْمعُ؟ قال: جوفَ الليل الآخرِ، ودُبُرَ الصَّلوات المكتوبات (^١).\n• وخرّجه ابن أبي الدنيا، ولفظه: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: أيُ الصلاة أفضلُ؟ قال \"جَوفَ الليل الأوسط\"، وقال: أي الدعاء أسَمعْ؟ قال: \"دُبُرَ المكتوباتِ\".\n• وخرّج النسائي من حديث أبي ذر ﵁ قال: سألت النبي - ﷺ - أيُّ الليل خير؟ قال: \"خيرُ الليل جوفُه\" (^٢).\n• وخرَّج الإمام أحمد من حديث أبي مسلم، قال: قلت لأبي ذر: أَيُّ قيام الليل أفضلُ؟ قال: سألتُ النبي - ﷺ - كما سألتني فقال: جوفَ الليل الغابر، أو نصفَ الليل، وقليلٌ فاعله (^٣).\n• وخرَّج البزار والطبراني من حديث ابن عُمرَ ﵄ قال: سُئِلَ النبي - ﷺ -: أيُّ اللَّيْلِ أجوبُ دعوة؟ قال: \"جوفَ الليل\".\nزاد البزار في روايته: \"الآخرِ\" (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) حديث أبي أمامة أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة ص ٥١ - ٥٢ ح ١٠٨ بهذا النص، من طريق محمد بن يحيى بن أيوب، عن حفص بن غياث، عن ابن جريج، عن ابن سابط، عن أبي أمامة قال: قلت: يا رسول الله! أي الدعاء أسمع؟ … الحديث فذكره.\nوفي كتاب المواقيت: باب النهي عن الصلاة بعد العصر ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠ من حديث أبي أمامة يقول: سمعت عمرو بن عبسة يقول: قلت: يا رسول الله! هل من ساعة أقرب من الأخرى؟ أو هل من ساعة ينبغي ذكرها؟ قال: نعم، إن أقرب ما يكون الرب ﷿ من العبد جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممن يذكر الله ﷿ في تلك الساعة فكن، فإن الصلاة محضورة مشهودة إلى طلوع الشمس .. الحديث. وفي المطبوع من النسائي: عمرو بن عنبسة وهو تحريف.\nوأخرجه الترمذي في كتاب الدعوات: باب [٧٩] بنص ما أورد ابن رجب ٥/ ٥٢٦ - ٥٢٧ وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن.\nوذكر أن في الباب عن أبي ذر وابن عمر.\n(^٢) أورد المزي في تحفة الأشراف ٩/ ١٥٦ من حديث أهبان ابن امرأة أبي ذر - ويقال: ابن أخت أبي ذر قال: سألت أبا ذر قلت: أي الرقاب أزكى، وأي الليل خير؟ ونسبه المزي للنسائي في الكبرى في الحج ٢٨٣ كما أورده من حديث أبي مسلم الجذامي: سألت أبا ذر أي صلاة الليل أفضل؟ ونسبه في التحفة أيضًا ٩/ ١٩٦ للنسائي في الكبرى في الصلاة (٥٩: ١).\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٧٩ (الحلبي).\n(^٤) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ١٥٥ عن الطبراني في الكبير والأوسط والصغير، وعن البزار ثم قال: ورجال البزار والكبير رجال الصحيح.\nوفي م: \"زاد البزار في روايته الأخرى\" وفيها تحريف واضح.","vol":"2","page":809},{"text":"• وخرّج الترمذي من حديث عَمرو بن عَبَسَة، سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"أقربُ ما يكون الربّ من العبدِ في جوفِ الليل الآخرِ. فإن استطعْتَ أن تكونَ ممن يذكر الله في تلك الساعةَ فكُن\" (^١).\nوصححه.\n* * *\n• وخرّجه الإمام أحمد ولفظه: قال: قلت: يا رسول الله! أيُّ الساعات أفضل؟ قال: \"جوفَ الليلِ الآخرِ\" (^٢).\nوفي رواية له أيضًا قال: \"جوفُ اللَّيْلِ الآخرِ أجوبُهُ دعوةً\" (^٣).\n• وفي رواية له قلتُ: يا رسولَ الله! هل مِن ساعةٍ أقربُ إلى الله من [ساعة] أخرى؟ قال: \"جوفَ الليل الآخرِ\" (^٤).\n• وخرَّجه ابن ماجه، وعنده: \"جَوْفَ اللَّيل الأوسط\" (^٥).\n• وفي رواية للإمام أحمد عن عمرو بن عَبَسَة قال: قلت: يا رسول الله! هل من ساعة أفضل من ساعة؟ قال: \"إن الله لَينزِلُ في جوف اللَّيْلِ فيغفرُ إلا ما كانَ مِن الشِّرْكِ\" (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1061>[جوف الليل]:</span>\nوقد قيل: إن جوف الليل إذا أُطلق فالمراد به وسَطُه، وإن قيل جوف الليل الآخر.\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في كتاب الدعوات: باب [١١٩] وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣١٥.\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ٣٨٧ من وجوه عن عمرو بن عبسة، عن النبي - ﷺ - قال: \"صلاة الليل مثنى مثنى، وجوف الليل الآخر أجوبه دعوة\" قلت: أوجبه؟ قال \"لا، بل أجوبه\" يعني بذلك الإجابة.\nوفي رواية أخرى عن عمرو بن عبسة أن النبي - ﷺ - قال: صلاة الليل مثنى مثنى، وجوف الليل الآخر أوجبه دعوة قال: فقلت: أجوبه؟ قال: لا ولكن أوجبه، يعني بذلك الإجابة.\n(^٤) في المسند ٤/ ١١٣ - ١١٤ (الحلبي).\n(^٥) أخرجه ابن ماجه في السنن: كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: باب ما جاء في أي ساعات الليل أفضل؟ ١/ ٤٣٤ من حديث عبد الرحمن بن البيلماني، عن عمرو بن عبسة، ولكنه طريق ضعيف.\nقال البوصيري: عبد الرحمن بن البيلماني، قيل: لا يعرف أنه سمع من أحد من الصحابة إلا من سرف ويزيد بن طلق، قال ابن حبان: يروي المراسيل.\n(^٦) في المسند ٤/ ٣٨٥ بنحوه.","vol":"2","page":810},{"text":"فالمراد به وسط النصف الثاني، وهو السُّدُس الخامس من أسداس الليل، وهو الوقت الذي ورد فيه النزولُ الإلهيّ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1062>[رأس الأمر … إلخ]:</span>\n• وقول - ﷺ -: \"ألا أُخْبِرُكَ برأسِ الأمْر وعمودِهِ وذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟ قلتُ: بلى يا رسولَ الله! قال: رأسُ الأمر الإسلام، وعمودُهُ الصلاة، وذِرْوَة سَنَامِهِ الجِهاد\".\n* * *\nوفي رواية للإمام أحمد من رواية شَهْر بن حَوْشَب، عن ابن غَنْم، عن مُعاذٍ (^١) ﵁ قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"إن شئتَ حدَّثْتُكَ برأْسِ هذا الأمْرِ وقوام هذا الأمر (^٢) وذروةِ السَّنام؟ فلتُ: بلى فقالَ نبيّ الله - ﷺ -: \"إنَّ رأسَ هذا الأمرِ أن تشهدَ أنْ لا إلَه إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورسُوله. وإن قوامَ هذا الأمر إقامُ الصلاةِ، وإيتاء الزكاةَ، وإن ذِرْوةَ السَّنامِ منه: الجهادُ في سبيل الله، وإنما أُمِرْتُ أن أقاتل الناسَ حتَّى يقيمُوا الصلاة، ويؤتُوا الزكاة، وَيشهَدُوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله؛ فإذا فعلوا ذلك فقد اعتصموا (^٣) وعَصَمُوا دماءَهم وأمَوالهم إلا بحقِّها، وحسابُهم على الله ﷿\" وقال رسول الله - ﷺ -: \"والّذي نفسُ محمدٍ بيدِه ما شحَبَ وَجْهٌ، ولا اغْبَرَّتْ قَدمٌ في عمل يُبْتَغَى منه (^٤) درجات الجنة - بعدَ الصلاة المفروضة - كجهادٍ (^٥) في سَبيلِ الله ﷿، ولا ثَقَّل ميزان عبدٍ كدابَّة (^٦) تَنْفَق له في سبيل الله، أو يحمَل عَلَيْها في سبيل الله ﷿\".\nفأخْبَرَ النبيُّ - ﷺ - عن ثلاثة أشياء: رأسِ الأمر، وعمودِه، وذِروةِ سنَامِهِ.\n* * *\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ٢٤٥ - ٢٤٦ بسياقه مطولا من طريق أبي النضر، عن ابن بهرام، عن شهر.\n(^٢) م \"الدين\" وما أثبتناه عن هو الموافق لما في المسند.\n(^٣) سقطت من م.\n(^٤) م: \"يبتغى به\" وفي المسند: \"تبتغى فيه\".\n(^٥) م: \"كالجهاد\" وما أثبتناه عن ا هو الموافق لما في المسند.\n(^٦) م: \"كالدابة\" وما أثبتناه عن ا هو الموافق لما في المسند.","vol":"2","page":811},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1063>[رأس الأمر]:</span>\n• فأما رأسُ الأمر فيُعْنَى بالأمرِ: الدينُ الذي بُعثَ به، وهو الإسلامُ وقد جاء تفسِيرُهُ في رواية أخرى بالشهادتين؛ فمن لم يُقِرَّ بهما باطنًا وظاهرًا فليسَ من الإسلام في شيء.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1064>[قوام الدين]:</span>\n• وأما قوامُ الدِّين الذِي يقوم به الدِّين كما يقوم الفسطاطُ عَلَى عمودهِ فهو الصلاةُ.\nوفي الرواية الأخرى: \"وإقامُ الصلاة، وإيتاءُ الزكاةِ\".\nوقد سبقَ القولُ في أركان الإسلام وارتباط بعضها بِبعض.\n\n<span data-type='title' id=toc-1065>[ذروة سنامه]:</span>\nوأما ذِروة سنَامه وَهُو أعْلى مَا فيه وأرفَعُه فهوَ الجهَادُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1066>[مفاد هذه الكلمة]:</span>\nوهذا يدل على أَنَّه أفضلُ الأعمال بَعْد الفرائض؛ كما هُوَ قولُ الإمام أحمد وغيره مِنَ العلمَاءِ.\nوقوله - في رواية الإمام أحْمد: \"والذي نفسُ محمد بيده ما شَحَبَ وَجهٌ ولا اغبَرَّتْ قدَم في عمل يُبْتغى به في رجاتُ الجنة بعد الصَلاة الفروضة كجهادٍ في سبيل الله ﷿\" يدل على ذلك صريحًا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1067>[وأدلة ذلك]:</span>\n• وفي الصحيحين عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أَيّ العَمل أفضل؟ قال: \"إيمان بالله وجهادٌ في سبيله\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب العتق؛ باب أي الرقاب أفضل؟ ٥/ ١١١ - ١١٢.\nوأخرجه مسلم في كتاب الإيمان: باب كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال ١/ ٨٩ كلاهما من حديث أبي ذر.\nولفظه عند مسلم من حديث أبي ذر قال: قلت! يا رسول الله! أي الأعمال أفضل؟ قال. \"الإيمان بالله، والجهاد في سبيله\" قال: قلت: أي الرقاب أفضل؟ قال: \"أنفسها عند أهلها، وأكثرها ثمنا\" قال: قلت: =","vol":"2","page":812},{"text":"• وفيهما عن أبي هريرة ﵁، عن النبيّ - ﷺ - قال: \"أفضلُ الأعمال إيمانٌ بالله، ثم جِهَادٌ في سبيلِ الله\" (^١).\nوالأحاديث في هَذَا المعنىَ كثيرة جدًّا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1068>[ملاك ذلك كله]:</span>\n• وقوله - ﷺ -: \"ألا أُخْبِرُكَ بِملاك ذلكَ كلِّه فأخذ بلسانه فقال: كُفَّ عليكَ هَذَا\" إلى آخر الحديث.\nهَذَا يدل على أنا كفَّ اللسَانِ وضبطه وحَبْسَه هو أصلُ الخير كلّه، وأنَّ مَنْ ملَكَ لسانَه فَقد ملك أمْرَه، وأحكَمَه، وضَبطَه.\n• وقَدْ سَبَقَ الكلامُ على هذا المعنَى في شَرْح حديث: \"مَنْ كَانَ يؤمنُ باللهِ واليوم الآخر فليقل خيرًا أَوْ لِيَصْمُتْ\" (^٢).\nوفي شرح حَدِيث: \"قل آمنت باللهِ ثم استقمْ\" (^٣):\n* * *\n• وخرَّج البزارُ في مسنده مِنْ حديث أبي اليُسر أن رجلًا قال: يا رسولَ الله! دُلَّني عل عمل لِدخلني الجنة قال: \"أمسك هَذا\" وأشَار إلى لسَانه، فأعادَهَا عليه، فقال ثَكَلتْكَ أمُّك، هَلْ يكبُّ الناسَ على مناخرِهم في النار إلا حصائدُ ألسِنَتِهِمْ.\n_________\n= فإن لم أفعل؟ قال: \"تعين صانعًا أو تصنع لأخرق\" قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت إن ضعفت عن بعض العمل؟ قال: \"تكف شرك عن الناس، فإنها صدقة منك على نفسك\".\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿قل فأتوا بالتوراة فاتلوها﴾ وقول النبي - ﷺ -: أعطى أهل التوراة التوراة فعملوا بها وأعطى أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به وأعطيتم القرآن فعملتم به ١٣/ ٤٣٥ - ٤٣٦.\nومسلم في كتاب الإيمان: باب بيان كون الإيمان بالله تعالى أفضل الأعمال ولفظه عند مسلم عن أبي هريرة قال: سئل رسول الله - ﷺ -: أي الأعمال أفضل؟ قال: \"إيمان بالله\" قال: ثم ماذا؟ قال: \"الجهاد في سبيل الله\" قال: ثم ماذا؟ قال: \"حج مبرور\" ١/ ٨٨ ..\n(^٢) وهو الحديث الخامس عشر وقد مضى ص ٣٦١ وما بعدها.\n(^٣) في شرح الحديث الحادي والعشرون ص ٦٠٣.","vol":"2","page":813},{"text":"وقال: إسنادُه حسن (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1069>[حصائد الألسنة]:</span>\n• والمرادُ بحصائِد الألْسنَة: جَزاءُ الكلام المحرَّم، وعقوباته؛ فإن الإنسانَ يزرع بقوله وعمله الحسناتِ والسيئاتِ، ثم يحصُدُ يومَ القيامة ما زرَع؛ فمن زرَع خيرًا من قولٍ أو عملٍ حصد الكرامةَ، ومَن زرَع شَرًّا من قولٍ أو عملٍ حصدَ - غدًا - النَّدامةَ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1070>[دلالة الحديث في هذا]:</span>\n• وظاهرُ حديث مُعاذ يَدُلّ على أن أكثر ما يَدْخُل الناس به النَّارَ: النطقُ بألسنتهم؛ فإنَّ معصيةَ النُّطقِ يدْخُلُ فيها الشِّرْكُ، وهو أعظم الذُّنوب عند الله ﷿، ويدخُلُ فيها القولُ عَلَى الله بغيْرِ علْمٍ، وهو قرينُ الشِّرْكِ، ويدخُلُ فيها شهادةُ الزُّور التي عَدَلَت الإشراكَ بالله ﷿، ويدخُلُ فيها السِّحُر والقذف وغير ذلك من الكبائر والصغائر؛ كالكذب والغيبة والنميمة، وسائرُ العاصي الفِعْلية لا تخلو غالبًا مِن قولٍ يقتَرِنُ بها يكونُ بها معينًا عليها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1071>[أكثر ما يدخل الناس النار]:</span>\n• وفي حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"أكثرُ ما يُدْخِلُ الناسَ النارَ: الأجوفان: الفمُ والفَرْج\".\nخرّجه الإمام أحمد والترمذي (^٢).\n• [وفي الصحيحين عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"إن الرجُلَ ليتكلَّم بالكلمة ما يتبيّن ما فيها يَزلُّ بها في النار أبعَدَ مما بين المشرقِ والمغْرِب\" (^٣).\n_________\n(^١) أورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٠٠ وذكر أن البزار قال: إسناده حسن ومتنه غريب.\n(^٢) أحمد في المسند ٢/ ٢٩١، ٣٩٢، ٤٤٢ (الحلبي).\nوالترمذي في كتاب البر والصلة: باب ما جاء في حسن الخلق ٤/ ٣٦٣ من حديث أبي هريرة قال: سئل رسول الله - ﷺ - عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: تقوى الله وحسن الخلق. وسئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال الفم والفرج.\nقال أبو عيسى: هذا حديث صحيح غريب.\n(^٣) البخاري في كتاب الرقاق باب حفظ اللسان ١١/ ٢٦٦٠ - ومسلم في كتاب الزهد والرقاق: باب التكلم =","vol":"2","page":814},{"text":"• وخرّجه الترمذيُّ ولفْظُه: \"إنَّ الرجل لَيتكلَّمُ بالكلمة لا يَرَى بها بأسًا يهوي بها سبعين خَرِيفًا في النار\"] (^١).\n• وروَى مالك عن زيد بن أَسْلَم عن أبيه أن عمرَ دخلَ على أبي بكر ﵄ وهو يجَبِذ لسانه، فقال عمرُ: \"مَهْ! غفَرَ الله لك؟ \" فقال أبو بكر: \"هذا أَوْرَدَني الموارِدَ!؟ (^٢) \".\n• وقال ابنُ بُرَيدة: رأيتُ ابن عباسٍ ﵄ أخذَ بلسانه وهو يقول: \"وَيْحَكَ! قل خيرًا تَغنمْ، أو اسكت عن سوء تسلَمْ، وإلا فاعلم أنك ستَندَم؟! \". فقال: فقيل له: يا أبا عباس! لِمَ تقولُ هذا؟ قال: \"إنه بلغني أن الإنسانَ أراهُ قال: ليس على شيء من جسده أشدَّ حَنَقًا أو غيظًا يوم القيامة منه على لسانه، إلا مَنْ قالَ به خيرًا أو أَمْلَى به خيرًا (^٣) \".\n• وكان ابن مسعود ﵁ يحلف بالله الذي لا إله إلا هو: \"ما عَلَى الأرضِ شيٌ أحْوَجُ إلى طول سَجْنٍ مِن لسانٍ\" (^٤).\n• وقال الحسن: \"اللسانُ أميرُ البَدَن؛ فإذا جَنَى على الأعضاء شيئًا جَنَتْ، وإذا عفَّ عَفَّت (^٥) \".\n• وقال يونس بن عبيد: \"ما رأيت أحدًا لسانُه منه عَلى بَالٍ إلا رأيتُ ذلك صلاحًا في سائر عمله (^٦) \".\n* * *\n• وقال يحيى بنُ أبي كثير: \"ما صلُحَ منطقُ رجلٍ قط إلا عرفتُ ذلك في سائر عمله، ولا فسد منطق رجل قط إلا عرفت ذلك في سائر عمله (^٧) \".\n* * *\n_________\n= بالكلمة يهوي بها في النار ٤/ ٢٢٩٠.\nوعنده: \"ينزل\" وما بين القوسين من البخاري.\n(^١) أخرجه الترمذي في كتاب الزهد. باب فيمن تكلم بكلمة يضحك بها الناس ٤/ ٥٥٧ هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\n(^٢) الموطأ ٢/ ١٦٥ - ١٦٦ ح ٢٠٧٨ رواية أبي مصعب الزهري. والصمت لابن أبي الدنيا ح ١٣.\n(^٣) الحلية ١/ ٣٢٧ - ٣٢٨ بنحوه.\n(^٤) الحلية ١/ ١٣٤ بمعناه.\n(^٥) الصمت ح ٥٩.\n(^٦) الصمت ح ٦٠ بنحوه.\n(^٧) الحلية ٣/ ٦٨ من طريق الوليد، عن أبي عمرو، عن يحيى بن أبي كثير ..","vol":"2","page":815},{"text":"• وقال المبارك بن فَضَالة، عن يونُس بن عبيد ﵏: \"لا تجِدُ شيئًا من البِرِّ واحدًا يتبعه البِرُّ كلُّه غير اللسان؛ فإنكَ تجدُ الرجلَ يصومُ النهار ويفطِرُ على حرَام، ويقوم الليل ويشهد الزُّور بالنهار، وذكَرَ أشياء نحو هذا، ولكن لا تجده لا يتكلّم إلا بحقٍّ فيخالف ذلك عمله أبدًا (^١) \".\n* * *\n_________\n(^١) الحلية ٣/ ٢٠ بنحوه، وفي بعض النسخ: \"بالزور\" والذي أثبتناه عن الأصول موافق لما في الحلية هنا وهو الموافق للتعبير القرآني: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ سورة الفرقان: ٧٢.","vol":"2","page":816},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1072>الحديث الثلاثون</span>\nعَنْ أَبيِ ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ (جُرْثُومِ بْنِ نَاشِرٍ) ﵁، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قالَ:\n\"إِنَّ الله فَرَضَ فَرَائِضَ فَلَا تُضَيِّعُوهَا، وَحَدَّ حُدُودًا فَلَا تَعْتَدُوهَا، وَحَرَّمَ أَشْيَاءَ فَلَا تَنْتَهكوهَا، وسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ مِنْ (^١) غَيْرِ نِسْيانٍ، فَلَا تَبْحَثُوا عَنْهَا\".\nحَدِيثٌ حَسنٌ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1073>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديثُ من رواية مكْحُول عن أبي ثعْلبة الخُشَنيِّ، وله علَّتان: إحداهما: أن مكحولًا لم يصحَّ له السماعُ من أبي ثَعْلَبة.\nكذلك قال أبو مِسْهَر الدِّمشقي وأبو نعيم الحافظ وغيرهما (^٢).\nوالثانية: أنه اختُلف في رفْعه ووقْفه على أبي ثَعْلبة، ورواه بعضهم عن مكْحول من قوله، لكن قال الدارَقُطْني: \"الأشبهُ بالصوابِ: المرفوع\"، قال: وهو أشهَرُ.\nوقد حسَّنَ الشيخُ ﵀ هذا الحديث، وكذلك حسنه قبله الحافظ أبو بكر بن السَّمْعَاني في أمالِيه.\nوقد رُوي معنى هذا الحديث مرفوعًا من وجوه أُخرَ.\nخرّجه البزَّارُ في مسنده والحاكم من حديث أبي الدَّرْداء ﵁ أن النبيَّ - ﷺ - قال: \"ما أحل الله في كتابه فهو حلالٌ، وما حرّمَ فهو حرامٌ، وما سكتَ عنه فهو عفوٌ فاقبلوا من الله عافيته. فإن الله لم يكن لينْسَى شيئًا، ثم تلا هذه الآية ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ \" (^٣).\n• وقال الحاكم: صحيحُ الإسناد.\n_________\n(^١) ليست في ظ ولا في ل.\n(^٢) كما هو مذكور في ترجمته في التهذيب ١٠، ٢٨٩ - ٢٩٣.\n(^٣) الآية ٦٤ من سورة مريم.\nوالحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٣٧٥ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\nوأورده الهيثمي في المجمع من حديث أبي الدرداء ١/ ١٧١ وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير وإسناده حسن ورجاله موثقون.","vol":"2","page":817},{"text":"• وقال البزَّارُ: إسنادهُ صالح.\n• وخرَّجه الطبراني والدارقُطْني من وجهٍ آخر عن أبي الدرداء عن النبي - ﷺ - بمثل حديث أبي ثَعْلبة، وقال في آخره: \"رحمة من الله فاقبلوها\" (^١).\nولكن إسناده ضعيف.\n• وخرّج الترمذي وابنُ ماجه من رواية سيفِ بن هرون عن سليمان التيميِّ، عن أبي عثمانَ، عن سلمانَ ﵁ قال: سئل رسولُ الله - ﷺ - عن السِّمْن والجُبن والفِراء فقال: \"الحلالُ ما أحل الله في كتابه، والحرامُ ما حرم الله في كتابه، وما سكت عنه فهو مما عَفَا عنه\" (^٢).\n• وقال الترمذيُّ رواه سفيان يعني ابن عيينة عن سليمان عن أبي عثمانَ عنْ سلمانَ ﵁ من قوله، وكأنه أصحُّ.\n• وذكر في كِتاب العِلل عَنِ البخاريِّ أنه قال في الحديث المرفوع ما أُراهُ محفوظًا وقال أحمد: هو منكر وأنكرهُ ابنُ معين أيضًا.\n• وقال أبُو حاتم الرازي: هو خطأ رواه الثَّقات عن التَّيمِي، عن أبي عثمان عن النبي - ﷺ - مَرْسَلًا ليس فيه سَلْمان.\nقلت: وقد رُوي عن سلْمان من قوله من وجوه أخر.\n• وخرَّجه ابن عدِي من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا وضعفَ إسنادَه.\nوَرَواه صَالح المَرِّي عَن الجُرَيري، عَن أبي عثمانَ النَّهَدِي، عن عائشة ﵂، مرفوعًا. وأخطأ في إسنادِهِ.\n_________\n(^١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٧١ عن الطبراني في الأوسط والصغير وقال: رواه الطبراني في الأوسط والصغير وفيه أصرم وهو متروك، ونسب إلى الوضع وانظر المعجم الكبير ٢٢/ ٢٢١ - ٢٢٢ وهامشه وسنن الدارقطني ٤/ ١٨٣ - ١٨٤.\n(^٢) أخرجه الترمذي في كتاب اللباس: باب ما جاء في لبس الفراء ٤/ ٢٢٠ من طريق سيف بن هارون البرجمي، عن سيمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان وقد عقب عليه الترمذي بقوله: وفي الباب عن المغيرة، وهذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من هذا الوجه. وورى سفيان وغيره عن سيمان التيمي عن أبي عثمان عن سلمان قوله. وكأن هذا الحديث الموقوف أصح، وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظًا. روى سفيان عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن سليمان موقوفًا قال البخاري: وسيف بن هارون مقارب الحديث، وسيف بن محمد عن عاصم ذاهب الحديث وأخرجه ابن ماجه في كتاب الأطعمة: باب أكل الجبن والسمن ٢/ ١١٧، وانظره في صحيح سنن ابن ماجه ٢/ ٢٤٠ وقد حسن الشيخ إسناده.","vol":"2","page":818},{"text":"وروي عن الحسن مرسلًا.\n• وخَرَّج أبو دَاود من حَديث ابن عباس ﵄، قال: \"كان أهلُ الجاهلية يأكلونَ أشياء، ويتركونَ أشياء تقذُّرا، فبعث الله نبيَّه - ﷺ -، وأنزل كتابه، وأحلَّ حلاله وحرَّم حرامه، فما أحلَّ فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، وتلا قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^١).\nوهذا موقوف.\nوقال عبيد بن عمير: \"إن الله ﷿ أحل حلالًا، وحرم حرامًا. فَما أحلَّ فهوَ حلالٌ، وما حرَّم فهو حَرَامٌ، وما سكت عنه فهو عَفْوٌ\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1074>[حديث أبي ثعلبة]:</span>\nفحديثُ أبي ثعلبة قَسَّمَ فيه أحكامَ الله أربعةَ أقسام: فرائضُ، ومحارمُ، وحدودٌ، ومسكوتٌ عنه، وذلك يجمع أحكام الدِّين كلِّها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1075>[هذا الحديث]:</span>\n• قال أبو بكر السَّمعاني: \"هذا الحديثُ أصلٌ كبيرٌ من أُصولِ الدين\".\n• وقال: وحكي عن بعضهم أنه قال: \"ليس في أحاديث رسول الله - ﷺ - حديثٌ واحد أجمْعُ - بانفراده لأصول العلم وفروعه - من حديث أبي ثعلبة\".\n• قال: وحُكي عن أبي واثلة المزني أنه قال: \"جَمَعَ رسولُ الله - ﷺ - الدين في أربع كلمات، ثم ذكر حديث أبي ثعلبة\".\nقال ابن السَّمعاني: \"من عَمِلَ بهذا الحديث فقد حاز الثوابَ، وأَمِنَ العقابَ؛ لأنَّ مَن أَدَّى الفرائِضَ، واجتنبَ المحارِمَ، ووقفَ عند الحدود، وترك البحث عما غاب عنه؛ فقد استوفَى أقسامَ الفضل، وأوفى حقوق الدِّينِ؛ لأن الشرائع لا تخرجُ عن الأنواع المذكورة في هذا الحديث\" انتهى.\n_________\n(^١) الآية ١٤٥ من سورة الأنعام الحديث أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الأطعمة: باب ما لم يذكر تحريمه ٣/ ٤٨٤ - ٤٨٥.","vol":"2","page":819},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1076>[الفرائض]:</span>\nفأمّا الفرائض: فما فرضَهُ اللهُ على عِباده، وألزمهم القيامَ به كالصلاة، والزكاة والصِّيامِ، والحجِّ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1077>[بين الفرض والواجب]:</span>\nوقد اختلف العلماء ﵃: هل الواجبُ، والفرضُ بمعنى واحد أم لَا؟ فمنهم من قال: \"هما سواء، وكلّ واجب بدليل شرعي من كتاب أو سنة أو إجماع أو غير ذلك من أدلة الشرع فهو فرضٌ\".\nوهوَ المشهورُ عن أصحاب الشافعي وغيرهم.\nوحكى رواية عن أحمد؛ لأنه قال: \"كلُّ ما في الصلاة فهو فرض\".\nومنهم من قال: \"بل الفرضُ ما ثبت بدليل مقطوع به، والواجبُ ما ثبتَ بغير مقطوع به\".\nوهو قولُ الحنفية وغيرهم.\n• وأكثر النصوص عن أحمد تفرق بين الفَرضِ والواجب؛ فنقل جماعة من أصحابه عنه أنه قال: \"لا يسمَّى فرضًا إلا ما كان في كتاب الله تعالى\".\n• وقال في صدقة الفطر: \"ما أجْتَرِئ أن أقول: إنها فرضٌ\" مع أنه يقول بوجوبها.\n• فمن أصحابنا مَنْ قال: \"مُرادُه أن الفرض ما ثبت بالكتاب، والواجبُ ما ثبت بالسنة\" ومنهم من قال: \"أراد أن الفرض ما ثبتَ بالاسْتِفَاضة، والنقلِ المتواتر، والواجبَ ما ثبت من جهة الاجتهاد، وساغ الخلافُ في وجوبه\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1078>[بر الوالدين]:</span>\nويُشْكِلُ على هذا: أن أحمد قال في رواية الميموني في بر الوالدين: \"ليس بفرض\" ولكن أقول واجب ما لم يكن معصية.\nوبرّ الوالدين مجمعٌ على وجوبه، وقد كثرت الأوامر به في الكتاب والسنة، فظاهر هذا أنه لا يقول فرضًا إلا ما ورد في الكتابِ والسنة تسميته فرضًا.\n* * *","vol":"2","page":820},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1079>[الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر]:</span>\nوقد اختلف السلف في الأمرِ بالمعروف، والنهي عن المنكر هل يسمَّى فريضة أم لا؟\nفقال جويبر عن الضَّحاك: \"هُما من فرائض الله ﷿\".\nوكذا رُوي عن مالك.\nوَرَوى عبد الواحد بن زيد عن الحسن قال: ليس بفريضة، كان فريضة على بني إسرائيل. فرحمَ الله هذه الأمة لضَعْفِهِم، فجعله عليهم نافلة (^١).\nوكتب عبد الله بن شُبرُمَةَ بن عُبيد أبياتًا مشهورة أولها:\nالأمر يا عمرو بالمعروف نافلةٌ (^٢) … والقائمون به لله أنصارُ\nواختلف كلام الإمام أحمد فيه هل يسمى واجبًا أم لا؟ فرَوَى عنه جماعةٌ ما يدل على وجوبه، وروى عنه أبو داود في الرجل يرَى الطنبُور ونحوه أواجبٌ عليه تغييرُه؟ قالَ: ما أدرِي وأحب إن غيرَ فهو فضل (^٣).\n• وقال إسحاق بن راهويه: \"هو واجب على كلِّ مسْلم إلا أن يخشَى على نفسِه\".\n_________\n(^١) أخرجه أبو بكر الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص ٢٧ ح ١١): من طريق محمد بن مسعود الأنطاكي، عن سهل بن صالح، عن أبي داود الطيالسي، عن عبد الواحد بن زيد قال: قلت للحسن: يا أبا سعيد! أرأيت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفريضة هو؟ قال: لا يا بني! كان فريضة على بني إسرائيل، فرحم الله هذه الأمة وضعفهم؛ فجعله عليهم نافلة\" اهـ.\nولعله يعني أنه نافلة بالنسبة للمجموع حيث لم يكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبًا على كل مسلم كالصلاة وإنما هو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الوجوب عن الباقين، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فإن (من) للتبعيض.\n(^٢) أورده أبو بكر الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص ٣١ - ٣٢ من طريق أد بن محمد بن مسعود الأنطاكي، عن محمد بن غالب الأنطاكي، عن أبي الجواب، عن الحسن بن صالح، قال: كتب عمرو بن عبيد الله إلى عبد الله بن شبرمة يعذله في تخلفه عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكتب إليه عبد الله بن شبرمة.\nالأمر يا عمرو بالمعروف نافلة … والعاملون به لله أنصار\nالتاركون له ضعفًا لهم عذرٌ … واللائمون لهم في ذاك أشرار\nالأمر يا عمرو لا بالسيف تشهره … على الأئمة إن القتل إضرار\n(^٣) راجع في هذا وفيما بعده: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأبي بكر الخلال ص ٢٧ وما بعدها: باب من رأى منكرًا فلم يستطع له تغييرًا أن يعلم الله من قلبه أنه كاره له.\nوانظر أيضًا مسائل الإمام أحمد لأبي داود س ٢٦٧٩ فقد أوردها بسياقها تامًّا.","vol":"2","page":821},{"text":"• ولعل أحمد يتوقفُ في إطلاق الواجب على ما ليس بواجب على الأعْيان، بل على الكفاية.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1080>[والجهاد؟]:</span>\n• وقد اختلف العلماء ﵃ في الجهاد هل هو واجب أم لا؟ فأنْكر جماعةٌ منهم وجوبه، منهم عطاء، وعمرُو بنُ دِينار، وابن شُبْرُمة.\nولعلهم أرادوا هذا المعنى.\n• وقال طائفة: \"هو واجبٌ\" منهم سعيدُ بن المسيّب، ومكحول.\nولعلهما أرادا وجوبه عَلَى الكفَاية.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1081>[روعة الإمام أحمد في ورعه!]:</span>\n• وقال أحمد في رواية حَنْبل: \"الغَزْوُ واجِبٌ عَلَى الناسِ كُلِّهِم كوجوب الحج؛ فإذا غَزَا بعضهم أجزأ عنهم ولابد للناسِ من الغَزْو\".\n• وسأله المروَزِيّ عن الجهاد أفرضٌ هو؟ قال: قد اختلفوا فيه، وليس هو مثلَ الحج.\n• ومرادُه أن الحج لا يسقط عمنْ لم يحجّ، مع الاستطاعة بحج غيره، بخلاف الجهاد.\n* * *\n• وسئل عن النفير متى يجب؟ فقال: \"أما إيجابٌ فلا أدري، ولكن إذا خافوا على أنفسهم، فعليهم أن يخرجوا\".\n* * *\nوظاهر هذا: التوَقُف في إطلاق لفظ الواجب على ما لم يأت فيه لفظ الإيجاب تورُّعًا، وكذلك توقَّفَ في إطلاق لفظ الحرام على ما اختُلف فيه، وتعارضت أدلتُه من نصوص الكتاب والسنة، فقال في متعة النساء: لا أقول هي حرامٌ ولكن يُنْهَى عنه.\nولم يتوقف في معنى التحريم، ولكن في إطلاق لفظه؛ لاختلاف النصوص، والصحابة فيها.","vol":"2","page":822},{"text":"هذا هو الصحيح في تفسير كلام أحمد.\n• وقال في الجمع بين الأختين بملك اليمين: \"لا أقول حرامٌ ولكن يُنْهى عنه\".\nوالصحيح في تفسيره أنه توقف في إطلاق لفظةِ \"الحرام\" دون معناها.\nوهذا كلُّه على سبيل الورع في الكلام؛ حذَرًا من الدخول تحت قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1082>[والربيع بن خثيم!]:</span>\n• قال الربيع بن خثيم: \"ليتَّقِ أحدُكم أن يقول أحل الله كذا، وحرّم كذا، فيقول الله كذبت لم أحل كذا، ولم أحرمْ كذا\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1083>[والإمام مالك!]:</span>\nوقال ابن وهب: \"سمعتُ مالك بنَ أنس يقول: أدْركت علماءنا يقولُ أحدهم إذا سئل: أكره هذا ولا أحبُّه، ولا يقول حلالٌ ولا حرام\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1084>[ما حكي عن أحمد في إطلاق الفرض]:</span>\n• وأما ما حكي عن أحمد أنه قال: \"كل ما في الصلاة فهو فرضٌ\". فليس كلامُه كذلك وإنما نَقَلَ عنْهُ ابنه عبد الله أنه قال: \"كلُّ شيء في الصلاة مما ذَكره الله فهو فرضٌ\".\nوهذا يعود إلى معنى قوله: أنه لا فرض إلا ما في القرآن والذي وكَّده الله من أمر الصلاة: القيام والقراءة والركوع والسجود.\nوإنما قال أحمد هذا لأن بعض الناس كان يقول: الصلاة فرض، والركوع والسجود لا أقول إنه فرض، ولكنَّهُ سنَّة.\n* * *\n_________\n(^١) سورة النحل: ١١٦.","vol":"2","page":823},{"text":"[ومما يروى عن مالك في هذا]:\n• وقد سئل مالك بن أنس عمن يقول ذلك فكفَّره، فقيل له: إنه يتأول فلعنه وقال:\n\"لقد قال قولًا عظيمًا!؟ \".\n• وقد نقله أبو بكر النيسابوري في كتاب \"مناقب مالك\" من وجوه عنه.\n• وروى أيضًا بإسناده عن عبد الله بن عمر بن ميمون بن الرمَّاح قال: دخلتُ على مالك بن أنس فقلت: يا أبا عبد الله! ما في الصلاة من فريضة؟ وما فيها من سُنّة أو قال نافلة؟ فقال مالك: \"كلام الزنادقة أخرجوه\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1085>[وإسحاق بن راهويه]:</span>\nونقل إسحَق بنُ منصور عن إسْحَاق بن رَهَوايه أنه أنكر تقسيمَ أجزاءِ الصلاة إلى سُنّة وواجب؛ قال: كلُّ ما في الصلاة فهو واجب، وأشار إلى أن منه ما تعادُ الصلاةُ بتركه، ومنه ما لا تُعاد.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1086>[دوافع الأئمة]:</span>\nوسبب هذا - والله أعلم - أن التعبير بلفظ السنة قد يُفضي إلى التهاون بفعل ذلك، وإلى الزهد فيه، وتركه، وهذا خلاف مقصود الشَّارع من الحث عليه، والترغيب فيه، بالطُّرقِ المؤدِّية إلى فعله وتحصيله، فإطلاقُ لفظ الواجب أدْعى إلى الإتيان به، والرغبة فيه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1087>[من إطلاقات الواجب]:</span>\nوقد ورد إطلاقُ الوَاجِبِ في كلامِ الشارع على ما لا يأثم بتركه، ولا يعاقبُ عليه عند الأكثرين كغُسْل الجمعة وكذلك ليلة الضيف عند كثير من العلماء، أو أكثرهم، وإنما المراد به: المبالغةُ في الحث على فعله وتأكيده.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1088>[المحارم أو المحرمات]:</span>\nوأما المحارم فهي التي حَمَاهَا الله تعالى، ومنع من قربانها، وارتكابها وانتهاكها.","vol":"2","page":824},{"text":"والمحرمات المقطوع بها مذكورةٌ في الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (^١) إلى آخر الآيات الثلاث، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٢).\nوقد ذُكِرَ في بعض الآيات المحرَّمات المختصَّة بنوعٍ من الأنواع كما ذَكَر المحرَّمات من المطاعِم في مواضع منها قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (^٣)، وقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ (^٤). وفي الآية الآخرى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (^٥) وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ﴾ (^٦).\nوذكر المحرَّمات في النِّكاح في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ (^٧).\nوذكر المحرّمات من المكاسب في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (^٨).\nوأما السنة ففيها ذكر كثير من المحرَّمات كقوله - ﷺ -: \"إن الله حرَّمَ بيعَ الخمر والميتَةِ والخنزيرِ والأصنامِ\" (^٩).\n_________\n(^١) سورة الأنعام: ١٥١.\n(^٢) سورة الأعراف: ٣٣.\n(^٣) سورة الأنعام: ١٤٥.\n(^٤) سورة البقرة: ١٧٣.\n(^٥) سورة النحل: من الآية ١١٥: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.\n(^٦) سورة المائدة: ٣.\n(^٧) سورة النساء: ٢٣.\n(^٨) سورة البقرة: ٢٧٥.\n(^٩) في هذا يروي مسلم من حديث جابر بن عبد الله ﵁ أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول عام الفتح، وهو بمكة: \"إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة، والخنزير والأصنام\" فقيل: يا رسول الله! أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: لا، هو حرام، ثم قال رسول اللّه - ﷺ - عند ذلك: \"قاتل الله اليهود، إن الله ﷿ لما حرم عليهم شحومها أجملوه (أذابوه) ثم باعوه. صحيح مسلم: كتاب المساقاة: باب تحريم بيع الخمر والميتة، والخنزير، والأصنام ٣/ ١٢٠٧، ورواه أبو داود في كتاب البيوع والإجارات: باب ثمن الخمر والميتة ٣/ ٢٧٩/ ٣٨٠. وابن ماجه في التجارات: باب ما لا يحل بيعه ٣/ ٧٣٢ والبخاري ح ٢٢٣٦، ٤٢٩٦، ٤٦٣٣.\nوالنسائي في كتاب الفرع والعتيرة: باب النهي عن الانتفاع بشحوم الميتة ٧/ ١٧٧.","vol":"2","page":825},{"text":"وقوله: \"إن الله إذا حرَّمَ شيئًا حَرَّمَ ثمنه\" (^١).\nوقوله: \"كل مُسْكِر حرام\" (^٢).\nوقوله: \"إن دِماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام\" (^٣).\nفما وَرَد التصريح بتحْريمه في الكتاب والسنة فهو محرَّم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1089>[النهي بين التحريم والأدب أو الكراهة]:</span>\nوقد يُسْتفاد التَّحْريمُ من النهي مع الوعيد والتشديد؛ كما في قوله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (^٤).\nوأما النَّهي المجرَّدُ فقد اختلف الناس: هل يُسْتَفَادُ منه التَّحْريم أم لا؟.\nوقد رُوي عن ابن عمرَ ﵄ إنكارُ استفادةِ التحريم منه، قال ابن المبارك: أخْبرَنَا سلَّام بن أبي مطيع، عن ابن أبي دَخيلةَ، عن أبيه، قال: كنتُ عند ابن عُمَر\n_________\n(^١) في هذا يروي أبو داود في الموضع السابق من حديث ابن عباس ﵄ قال: رأيت رسول الله - ﷺ - جالسًا عند الركن، قال: فرفع بصره إلى السماء فضحك، فقال: \"لعن الله اليهود! \" ثلاثًا \"إن الله حرم عليهما الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه\".\nوهو عند أحمد في المسند ٤/ ٤٩/ ٢٣٦ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه العلامة الشيخ أحمد شاكر.\n(^٢) راجع في هذا ما رواه البخاري في المغازي: باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع ٨/ ٥٠ - ٥١ من حديث سعيد بن أبي بردة عن أبيه، عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي - ﷺ - بعثه إلى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها فقال: وما هي؟ قال: البتع والمزر فقلت لأبي بردة: وما البتع، قال: نبيذ العسل، والمزر نبيذ الشعير، فقال: \"كل مسكر حرام\". وما رواه البخاري في كتاب الأشربة: باب الخمر من العسل وهو البتع ١٠/ ٣٤ من حديث عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله - ﷺ - عن البتع وهو شراب العسل وكان أهل اليمن يشربونه فقال رسول الله - ﷺ -: \"كل شراب أسكر فهو حرام\".\nوانظر ما رواه مسلم من حديث عائشة وأبي موسى وجابر وابن عمر وغيرهم في هذا في كتاب الأشربة: باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام ٣/ ١٥٨٥ - ١٥٨٨.\n(^٣) راجع في هذا ما أخرجه البخاري في كتاب المغازي: باب حجة الوداع ٨/ ٨٦ من حديثي ابن عمر وأبي بكر عن خطبته ﵇ يومئذٍ.\nوما أخرجه مسلم في كتاب الحج: باب حجة الوداع ٢/ ٨٨٦ - ٨٩٢ من حديث جابر ﵁، عن خطبته - ﷺ -.\n(^٤) سورة المائدة: ٩٠ - ٩١.","vol":"2","page":826},{"text":"فقال: نَهَى رسولُ الله - ﷺ - عن الزَّبيب والتمر (^١) يعني أن يُخْلَطَا فقال لي رجل من خلفي: ما قال؟ فقلت: حرّم رسولُ الله - ﷺ - الزبيب والتمر، فقال عبد الله بن عمر: \"كذَبْتَ\" فقلتُ: \"ألم تَقُلْ: نَهَى رسولُ الله - ﷺ - عنه\" فهو حرام فقال: \"أنت تشهد بذلك؟ \" قال سلّام: كأنه يقول: \"منْ نَهْي النبي - ﷺ - ما هو أدب\" (^٢).\nوقد ذكرنا فيما تقدم عن العلماء الورعين كأحمد ومالك توقِّيَ إطلاق لفظ الحرام على ما لم يُتَيقَّن تحريمه مما فيه نوع شُبْهة أو اختلاف.\nوقال النَّخَعِي: \"كانوا يكرهون أشياء لا يحرمونها\".\nوقال ابنُ عَوْن: قال لي مكْحُول: \"ما تقولون في الفاكهة تُلْقى بين القوم فينتهبونها \"؟ قلت: \"إن ذلك عندنا لمكروه\" قال: حرام هي؟ قال ابن عون فاستجْفَيْنَا ذلك من قول مكحول (^٣).\nوقال جعفر بن محمد: سمعتُ رجلًا يسأل القاسم بنَ محمد؟ الغناءُ أحرامٌ هو؟ فسكت عنه القاسم، ثم عاد فسكت عنه، ثم عاد فقال له: إن الحرامَ ما حَرَّم اللهُ في القرآن، أرأيت إذا أتي بالحق والباطل إلى الله في أيهما يكون الغناء؟ فقال الرجل: في الباطل فقال: \"فأنْتَ فأَفْتِ نفسَكَ\".\nقال عبد الله بنُ الإِمام أحمد: سمعت أبي يقول: أما ما نهى النبي - ﷺ -، فمنها أشياء حرام مثل قوله نهى أن تُنْكحَ المرأة على عمتها أو على خالتها (^٤) فهذا حرام.\nونهى عن جُلُود السباع؛ فهذا حرام، وذكر أشياءَ مِنْ نحو هذا (^٥).\nومنها أشياء نهى عنها فهي أدب.\n_________\n(^١) راجع في النهي عن خلط التمر والزبيب في النبيذ ما رواه مسلم في كتاب الأشربة باب كراهة انتباذ التمر والزبيب مخلوطين ٢/ ١٥٧٤ - ١٥٧٧ من أحاديث ابن عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وأبي قتادة، وأبي سعيد الخدري وغيرهم.\n(^٢) م \"ما نهى النبي - ﷺ - فهو أدب\".\n(^٣) عددناه أمرًا جافيًا، نابيًا؛ صحاح ٦/ ٢٣٠٣.\n(^٤) راجع في هذا ما رواه الترمذي في السنن: كتاب النِّكاح: باب ما جاء لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها ٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣ من حديثي ابن عباس وأبي هريرة وحديث أبي هريرة رواه من طريقين أحدهما حسن صحيح، والآخر صحيح.\nوما رواه أبو داود في كتاب النِّكاح: باب ما يكره أن يجمع بين النساء ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣ من حديثي أبي هريرة وابن عباس.\n(^٥) راجع في هذا ما رواه أبو داود في سننه: كتاب اللباس: باب جلود النمور والسباع ٤/ ٩٥ - ٩٧ من حديثي خالد بن معدان وأبي المليح بن أسامة عن أبيه.\nوما رواه النسائي في كتاب الفرع والعتيرة: باب النهي عن الانتفاع بجلود السباع ٧/ ١٧٦ - ١٧٧ من الحديثين السابقين. =","vol":"2","page":827},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1090>[حدود الله]:</span>\nوأما حُدُود الله التي نَهى عن اعتدائها فالمراد بها جملة ما أَذِنَ في فِعلهِ سواءٌ كان على طريق الوجُوب أو النَّدْب أو الإباحة. واعتداؤُها هو تجاوز ذلك إلى ارتكاب ما نُهي عنه؛ كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (^١).\nوالمراد من طلَّق على غير ما أمر الله به، وأذِنَ فيه.\nوقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (^٢).\nوالمراد من أمسكَ بعد أن طلق بغير معروف، أو سَرَّحَ بغير إحْسَان، أو أخذ مما أَعْطَى المرأَةَ شيئًا على غير وجه الفِدْية التي أذن الله فيها.\nوقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (^٣) والمرادُ من تَجَاوز ما فرضه الله للورثة ففضّل وارثًا، وزَادهُ على حقِّه، أو نَقَصَه منه؛ ولهذا قال النبي - ﷺ - في خطبته في حجة الوداع: \"إن الله قد أعطى كلّ ذِي حقٍّ حقَّه فلا وصية لوارث\" (^٤).\n_________\n= وما رواه الترمذي في كتاب اللباس: باب ما جاء في النهي عن جلود السباع ٤/ ٢٤١ وقد أخرج حديث قتادة من وجوه ذكر أن أصحها عن أبي المليح عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن جلود السباع.\nوأخرجه أحمد في المسند ٥/ ٧٤، ٧٥ من وجوه عن أبي المليح، عن أبيه.\n(^١) سورة الطلاق: ١.\n(^٢) سورة البقرة: ٢٢٩.\n(^٣) سورة النساء: ١٣، ١٤.\n(^٤) أخرجه أبو داود في كتاب الوصايا: باب ما جاء في الوصية للوارث ٣/ ١٥٥ من طريق عبد الوهاب بن نجدة عن إسماعيل بن عياش. عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة سمعت رسول الله - ﷺ - يقول فذكره.\nوابن ماجه في كتاب الوصايا: باب لا وصية لوارث ٢/ ٩٠٥ - ٩٠٦ من حديث عمرو بن خارجة، وأبي أمامة، وأنس.\nوأخرجه الترمذي في السنن: كتاب الوصايا: باب ما جاء لا وصية لوارث ١/ ٤٣٣ - ٤٣٤ من أحاديث أبي أمامة وعمرو بن خارجة وأنس.\nوذكر أن كلا من حديثي أبي أمامة وعمرو بن خارجة حديث حسن صحيح على الرغم مما ذكره من مقال في إسماعيل بن عياش أحد رواة حديث أبي أمامة وشهر بن حوشب أحد رواه حديث عمرو بن خارجة.\nوقد ترجم البخاري بهذا الحكم في كتاب الوصايا فقال: باب: لا وصية لوارث فأخذ لفظ الحديث المرفوع، بيد أنه لم يورده في أحاديث الباب قال ابن حجر: كأنه لم يثبت على شرط البخاري فترجم به كعادته واستغنى بما يعطى حكمه، ثم ذكر إخراج أبي داود والترمذي له وقال: وفي إسناده إسماعيل بن عياش وقد قوى حديثه =","vol":"2","page":828},{"text":"وروى النوَّاس بن سَمْعان ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"ضرب الله مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جَنْبتي الصراطِ سُورَان،، فيهما أبْوابٌ مفتَّحة، وعلى الأَبواب سُتُورٌ مُرْخَاة، وعلى باب الصَراط دَاعٍ يقول: يا أيها الناس! ادخلوا الصِّراطَ جميعًا، ولا مُرْخَاة، وعلى باب الصراط دَاعٍ يقول: يا أيها الناس! ادخلوا الصِّراطَ جميعًا، ولا تُعَرِّجُوا (^١)، وداع يدعو من جوِف الصراط فإذا أراد أن يفتح شيئًا من تلك الأبواب قال: ويحك! لا تَفْتَحه؛ فإنك إن تفتحه تَلِجْه، والصِراطُ: الإسلام، والسوران: حدُود الله، والأبوابُ المفتحة: محارمُ الله، وذلك الداعي على رأس الصراطِ: كتابُ الله، والداعي من فوق: واعظُ الله في قلب كلِّ مسلم.\nخرَّجه الإمام أحمد (^٢) وهذا لفظه.\nوالنسائي في تفسيره والترمذيُّ وحسَّنَه (^٣).\nفضرب النبي - ﷺ - مثل الإسلام في هذا الحديث بصراط مستقيم، وهو الطَّريق السَّهل الواسع الموصل سالكه إلى مطلوبه، وهو مع هذا مستقيم لا عوج فيه فيقتضي\n_________\n= عن الشاميين جماعة من الأئمة منهم أحمد والبخاري، وهذا من روايته عن شرحبيل بن مسلم، وهو شامي ثقة، وصرح في روايته بالتحديث عند الترمذي، ثم ذكر للحديث طرقًا أخرى قال: لا يخلو إسناد كل منها عن مقال لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلًا، بل جنح الشافعي في الأم إلى أن هذا المتن متواتر فقال: وجدنا أهل الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون في أن النبي - ﷺ - قال عام الفتح: \"لا وصية لوارث\" ويؤثرون عمن حفظوه ممن لقوه من أهل العلم، فكان نقل كافة عن كافة فهو أقوى من نقل واحد، وقد نازع الفخر الرازي في كون هذا الحديث متواترًا وعلى تقدير تسليم ذلك فالمشهور من مذهب الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة لكن الحجة في هذا: الإجماع على مقتضاه كما صرح به الشافعي وغيره.\nوالمراد بعدم صحة وصية الوارث عدم اللزوم؛ لأن الأكثر على أنها موقوفة على إجازة الورثة .. إلخ.\nراجع فتح الباري ٥/ ٣٧٢.\nوانظر ما علق به الترمذي على الطريقين الآنفين.\n(^١) في المسند: \"ولا تتفرجوا\". م: \"ولا تعُوجوا\" أي تقيموا.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٨٢، ١٨٣ من وجهين عن النواس.\n(^٣) أخرجه الترمذي في أول كتاب الأمثال: باب ما جاء في مثل الله لعباده ٤/ ٣٥/ ٣٦ من التحفة وعقب عليه بقوله: \"هذا حديث حسن غريب\".\nوفي الترمذي، و\"ا\": \"على جنبتي\" وما أثبتناه هو الموافق لما في المسند. الذي نص ابن رجب على أن هذا الذي ذكره هو لفظه.\nوفي طبعة الحلبي ٥/ ١٤٤ سقط لفظ حسن. أو أن اعتمادها على نسخة أخرى تنقص هذه الكلمة. ولم أجد الحديث في التفسير من الكبرى للنسائي ٦/ ٣٤٣ إلا من رواية ابن مسعود بنحوه وانظر التحفة ٩/ ٦١.","vol":"2","page":829},{"text":"ذلك قربهُ وسُهُولَتَه وعلى جَنْبتي الصراط يمنةً ويسرة: سوران، وهما حدُود الله؛ فكما أن السُّورَ يمنع مَن كانَ دَاخله منْ تعدّيه ومُجَاوزِته؛ فكذلك الإسلام يمنع مَن دخله من الخروج عن حدوده، ومجاوزِتها.\nوليس وراء ما حدَّ اللهُ من المأذونِ فيه إلا ما نهى عنه.\nولهذا مدح سبحانه الحافظين لحدوده، وذمَّ من لا يعرف حَدَّ الحلال من الحرام؛ كما قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾. (^١) وقد تقدم حديث القرآن وأنه يقول لمن عمل به: حفظ حدودي، ولمن لم يعمل به: تعدَّى حُدُودِي (^٢).\nوالمراد أنّ مَن لم يجاوزْ ما أُذِن له فيه إلى ما نُهي عنه فقد حفظ حدود الله، ومن تَعَدَّى ذلك فقد تَعدَّى حدود الله.\n* * *\nوقد تُطْلق الحدودُ ويرادُ بها نفسُ المحارم؛ وحينئذ فيقال: لا تقربُوا حدودَ الله؛ كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ (^٣) والمراد: النهيُ عن ارتكاب ما نهى عنه في الآية من محظورات الصيام، والاعتكاف في المساجد.\nومن هذا المعنى، وهو تسمية المحارم حدودًا قولُ النبي - ﷺ -: \"مَثَلُ القائم على حدود الله والمدَاهِنِ فيها كمثلِ قومٍ اقْتَسَمُوا سفينة\" (^٤).\nالحديث المشهور.\n_________\n(^١) سورة التوبة: ٩٧.\n(^٢) في شرح الحديث الثالث والعشرين.\n(^٣) سورة البقرة: ١٨٧.\n(^٤) أخرجه البخاري في الشركة: باب هل يقرع في القسمة والاستفهام فيه ٥/ ١٣٢ من حديث النعمان بن بشير ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: \"مثل القائم على حدود الله، والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا؟ فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا\".\nوأخرجه بنحوه في الشهادات: باب القرعة في المشكلات ٥/ ٢٩٢ - ٢٩٣.\nوأخرجه الترمذي في كتاب الفتن: باب [١٢] بنحوه ٥/ ٤٧٠.\nوعقب عليه بقوله هذا حديث حسن صحيح.\nوهو عند أحمد في المسند ٤/ ٢٦٨، ٢٦٣، ٢٧٠، ٢٧٣ - ٢٧٤ من وجوه.","vol":"2","page":830},{"text":"وأراد بالقائم على حدود الله: المنْكِرَ للمحرَّمات، والناهِيَ عنها.\nوفي حديث ابن عباس ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: \"إني آخذ بحُجَزكم اتقوا النار، اتَّقوا الحدُود\".\nقالها ثلاثًا.\nخرجه الطبراني والبزار (^١).\nوأراد بالحدود: محارمَ الله ومعاصِيَه.\nومنه قول الرجل الذي قال للنبي - ﷺ - قل: إني أصبْتُ حدًا فأقمه عليّ (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البزار في كتاب الحدود: باب التحذير من مواقعة الحدود ٢/ ٢١٠ من الكشف - من طريق يوسف بن موسى عن جرير، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الملك بن سعيد بن جبير، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\n\"أنا آخذ بحجزكم، أقول: إياكم والحدود إياكم وجهنم إياكم والحدود ثلاث مرات، فإذا أنا متُّ تركتكم وأنا فرط لكم على الحوض، فمن ورد أفلح\".\nقال البزار: لا نعلم رواه عن عبد الملك عن أبيه إلا، ليث بن أبي سليم.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٣٦٤ عن الطبراني في الكبير والأوسط بنحوه إلا أنه قال في أوله: قال رسوال الله - ﷺ -: أنا آخذ بحجزكم اتقوا النار اتقوا الحدود فإذا مت تركتكم وأنا فرطكم على الحوض\".\nوذكر الحديث ثم قال: والبزار وفي إسناده عندهم ليث بن أبي سليم وهو مدلس: بقية رجالهم ثقات.\nأقول: وقد عنعن، فلا يزال في الحديث معن وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ٣٥٤ بلفظ البزار ثم قال: رواه البزار وفيه ليث بن أبي سليم والغالب عليه الضعف.\nوهو عند الطبراني في الكبير ١١/ ٢٨ من حديث ليث عن طاووس عن ابن عباس بهذا اللفظ وأتم الحديث فمن ورد فقد أفلح، فيؤتى بأقوام، فيؤخد بهم ذات الشمال، فأقول: رب! فيقول: إنهم لم يزالوا بعدك يرتدوا على أعقابهم ح ١٠٩٥٣.\nوأورده في الكبير أيضًا ١٢/ ٥٦ - ح ١٢٥٠٨ بمثل رواية البزار وأكمل الحديث بمثل الموضع الأول إلا أن فيه: مرتدين على أعقابهم.\n(^٢) راجع في هذا ما أخرجه البخاري في كتاب الحدود: باب إذا أقر بالحد ولم يبين: هل للإمام أن يستر عليه؟ (١٢/ ١١١ - ١١٢) من الفتح من حديث أنس بن مالك ﵁: قال: كنت عند النبي - ﷺ - فجاءه رجل فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدًّا فأقمه علي، قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصلاة فصلى مع النبي - ﷺ - فلما قضى النبي - ﷺ - الصلاة قام إليه الرجل، فقال: يا رسول الله! إني أصبت حدًّا فأقم فيَّ كتاب الله، قال: أليس صليت معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك أو قال: حدَّك\".\nوأخرجه مسلم في كتاب التوبة: باب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ ٤/ ٢١١٧ - ٢١١٨ من وجوه. ولعل الرجل كان قد أصاب صغيرة حسبها كبيرة، أو لعل الوحي أخبر النبي - ﷺ - أن الله قد غفر له بصلاته، وتكون هذه خصوصية للرجل راجع فتح الباري في الموضع المذكور.\nوالحديث عند أبي داود والدارمي وأحمد في المسند.","vol":"2","page":831},{"text":"وقد تسمى العقوبات القدرةُ الرادعةُ عن المحارم المغلظة حدودًا كما يقال حدّ الزنا، وحدّ السرقة، وحدّ شُربِ الخمر.\nومنه قول النبي - ﷺ - لأسامة: أتشفع في حدّ من حدود الله؟ (^١) يعني في القطع في السرقة. وهذا هو المعروف من اسم الحدرد في اصطلاح الفقهاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1091>[لا يجلد فوق عشر جلدات]:</span>\nوأما قول النبي - ﷺ -: \"لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حدٍّ من حدود (^٢) الله\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1092>[الخلاف في معناه]:</span>\nفهذا قد اختلف الناس في معناه فمنهم من فسر الحدود هنا بهذه الحدود المقدَّرة وقال: \"إن التعزير لا يزاد على عشر جَلَدَات، ولا يزاد عليها إلا في هذه الحدود المقدرة.\nومنهم من فسر الحدود ههنا بجنس محارم الله وقال: إن (^٣) المراد أن مجاوزة العشر جلدات لا تجوز إلا في ارتكاب محرم من محارم الله.\nفأما ضربُ التأديب على غير محرَّم فلا يتجاوز به عَشْر جلْدات.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1093>[وحد حدودًا]:</span>\nوقد حمل بعضهم قوله - ﷺ -: \"وحدَّ حُدودًا فلا تعْتدوها\" على هذه العقوبات\n_________\n(^١) راجع في هذا ما أخرجه البخاري في كتاب الحدود: باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان ١٢/ ٧٢ - ٧٩ من حديث عائشة ﵂ في شأن المرأة المخزومية التي سرقت.\nوقد أخرجه مسلم في كتاب الحدود: باب قطع يد السارق: الشريف وغيره، والنهي عن الشفاعة في الحدود ٣/ ٣٣١٥ - ١٣١٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في كتاب الحدود: باب كم التعزير والأدب ١٢/ ١٤٨.\nومسلم في كتاب الحدود: باب قدر أسواط التعزير ٣/ ١٣٣٢ - ١٣٣٣.\nوالترمذي في كتاب الحدود: باب ما جاء في التعزير ٤/ ٦٣ بإسناد حسن غريب ثم قال: وقد اختلف أهل العلم في التعزير. وأحسن شيء روي في التعزير هذا الحديث.\nورواه أبو داود في كتاب الحدود: باب التعزير ٤/ ٢٣٢ - ٢٣٣.\nوابن ماجه في كتاب الحدود: باب التعزير ٢/ ٨٦٧.\nوالدارمي في سننه كتاب الحدود: باب التعزير في الذنوب ٢/ ١٧٦ كلهم من حديث أبي بردة بن نيار مرفوعًا.\n(^٣) م: \"وقال أن أراد بمجاوزة العشر\"، ب: \"وقال: المراد أن … \".","vol":"2","page":832},{"text":"الزَّاجرة عن المحرمات، وقال: المرادُ النهيُ عن تجاوُز هذه الحدود وتعدّيها عند (^١) إقامتها على أهل الجرائم.\nورُجِّح ذلك بأنه لو كان المرادُ بالحدود: الوقوفَ عند الأوامر والنواهي لكان تكريرًا لقوله: \"وفرض فرائض فلا تُضَيِّعوها، وحرَّم أشياء فلا تنتهكوها\".\nوليس الأمر (^٢) على ما قاله؛ فإن الوقوف عند الحدود يقتضي أنه لا يخرج عما أذن فيه إلى ما نُهي عنه، وذلك أعَمُّ من كون المأذون فيه فرضًا أو ندبًا أو مُباحًا كما تقدّم.\nوَحينئذٍ فلا تكريرَ في هذا الحديث والله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1094>[المسكوت عنه]:</span>\nوأما المسْكوتُ عنه فهُو مَا لم يُذكرْ حُكمهُ بِتَحلِيل، ولا إيجاب، ولا تحريم، فيكون معفوًّا عنه. لا حَرَجَ على فاعله، وعلى هذا دلَّت الأحاديث المذْكورة ها هنا كحديث أبي ثعلبة وغيره.\n\n<span data-type='title' id=toc-1095>[اختلاف ألفاظ الحديث]:</span>\n• وقد اختلفت ألفاظ حديث أبي ثعلبة فرُوي باللفظ المتقدم.\n• وروي بلفظ آخر وهو: \"إن الله فرضَ فرائضَ فلا تضيِّعُوها، ونهاكم عن أشياءَ فلا تَنْتَهِكُوهَا، وعفا عن أشياءَ من غير نسيانٍ؛ فلا تبحثوا عنها\".\nخرَّجه إسحاقُ بنُ راهَوَيْه.\n• ورُويَ بلفظ آخر وهو \"إنَّ الله فَرَضَ فرائضَ، فلا تضَيِّعُوهَا وسَنَّ لكم سُنَنًا فلا تنتهكوها، وحرّم عليكم أشياءَ فلا تعتدُوها، وترك بين ذلك أشياء من غير نِسْيانٍ رحمةً منه، فاقْبلوها، ولا تبْحثوا عنها\".\nخرجه الطبراني (^٣).\n_________\n(^١) م: \"على\".\n(^٢) م: \"المراد\".\n(^٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٧٣ عن الطبراني في الكبير من حديث أبي ثعلبة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، ونهى عن أشياء، فلا تنتهكوها. وحد حدودًا فلا تعتدوها، وغفل عن أشياء من غير نسيان فلا تبحثوا عنها\".\nوقال: رجاله رجال الصحيح.\nولكن في بعض ألفاظه اختلاف كما قد رأيت وانظره في الكبير ٢٢/ ٢٢٣ - ٢٢٢.","vol":"2","page":833},{"text":"• وهذه الرِّواية تُبيِّن أن المعْفُوُّ عنه ما تُرِك ذكره فلم يحرَّم ولم يحلَّل ولكن مما ينبغي أن يُعلم أن ذكر الشيء بالتحْليل والتحْريم ممَّا قدْ يخفى فهمه من نصوص الكتاب والسُّنَّة فإن دلالةَ هذه النصوص قد تكون بطريق النَّص والتصْريح، وقد تكون لطريق العُمُوم والشُّمول، وقد تكون دَلالتُه بطريق الفَحْوَى والتنبيه كما في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ (^١) فإن دخَول ما هو أَعظم من التأْفيف من أنواع الأذى يكون بطريق الأوْلى، ويسمى ذلك مفهوم الموافقة.\n• وقد تكون دلالتهُ بطريق مفهوم المخالفة كقوله - ﷺ -: \"في الغنم السائمة الزكاة\" (^٢) فإنه يدل بمفْهومه على أنه لا زكاةَ في غير السائمة، وقد أخذ الأكثرون بذلك واعتبروا بمفْهُوم المخالفة، وجعلوه حجة.\n• وقد تكون دلالته من باب القياس، فإذا نصَّ الشارعُ - ﷺ - على حكم في شيء لمعنى من المعاني وكان ذلك المعنى مَوْجُودًا في غيره فإنه يتعدَّى الحكم إلى كل ما وُجدَ فيه ذلك المعنى عند جمهور العلماء وهو من باب العدل والميزان الذي أنزله الله، وأمر بالاعتبار به.\nفهذا كله مما يعرف به دلالة النصوص على التحْلِيل والتحْريم.\nفأما ما انتفَى فيه ذلك كله فها هنا يُسْتَدَل بعدم ذكره يايجَابٍ أو تحريم على أنه معفوٌّ عنه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1096>[مسلكان في الإيجاب والتحريم]:</span>\n• وها هنا مَسْلكان: أحدهما: أن يقالَ: لا إيجابَ ولا تحريم إلا بالشرع، ولم يوجب الشرعُ كذا، أو لم يحرمه؛ فيكُون غيرَ واجب أو غير حرام؛ كما يقال مثلُ هذا في الاستدلال على نفي وجوب الوتر والأضحيّة أو نفي تحريم الضّب، ونحوه، أو نفي تحريم بعض العقُود المختَلَف فِيها، كالمُساقَاةِ والمزَارعة، ونحو ذلك.\nويرجع هذا إلى استصْحاب براءة الذمة، حيث لم يوجدَ ما يدلُّ على اشتِغَالها ولا يصلح هذا الاستدْلال إلا لمن عَرَفَ أنواع أدلَّة الشَّرْع وسَبْرَها، فإن قَطَعَ مع ذلك بانتفاء\n_________\n(^١) سورة الإسراء: ٢٣.\n(^٢) راجع ما أخرجه مالك في الموطأ: باب صدقة الماشية ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨ وما أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الزكاة: باب زكاة السائمة ٢/ ١٢٩، وما بعدها والبخاري في الزكاة ح ١٤٥٤ من حديث أبي بكر.","vol":"2","page":834},{"text":"ما يَدلُّ على إيجابٍ أو تحريم قطَعَ بنفي الوُجُوب والتَّحْريم كما يقطعُ بانتفاء فريَضة صلاةٍ سادسةٍ، أو صيامِ شهرٍ غير شهر رمضان، أو وجوب الزكاة في غير الأموال الزكَوِيّة، أو حجة غير حجة الإسلام.\nوإن كان هذا كلّه يُسْتَدَلُّ عليه بنصوص مُصرَّحة بذلك، وإن ظَنَّ انتفاءَ ما يدلُّ على إيجابٍ أو تحريم، ظن انتفاء الوجوبِ والتَّحريم من غير قَطْع.\n* * *\n• والمسلك الثاني: أن يُذْكَرَ من أدلَّة الشرع العامة ما يدلُّ على أنّ ما لما يوجبه الشرعُ ولم يُحَرِّمْه؛ فإِنَّهُ مَعْفُوٌّ عنه؛ كحديث أبي ثَعْلَبَة هذا، وما في معناه من الأحاديث المذكورة معه.\n• ومثل قوله - ﷺ - لما سُئل عن الحجّ في كل عام - فقال: \"ذَرُوني ما تركْتُكُم، فإنما هلَكَ من كان قبْلكم بكثرة سؤَالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتُكُم عن شَيء فاجتنبوهُ، وإذا أَمرْتُكم بأَمْرٍ فأْتُوا منه ما استَطعْتُم\" (^١).\n• ومثل قوله - ﷺ - في حديث سعد بن أبي وَقَّاص ﵁: \"إن أعظمَ المسلمينَ في المسلمين جُرْمًا مَن سأل عن شيء لَمْ يُحرَّمْ فَحُرِّمَ من أجل مسأَلَته\" (^٢).\n• وقد دلَّ القرآن على مثل هذا أيضًا في مواضع، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (^٣) فإن هذا يدل على أن ما لم يُوجد تحريمُه فليس بمحرَّم، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ (^٤) - فَعَنَّفَهُم على ترك الأكل مما لم يذكر (^٥) اسمُ الله عليه مُعَلِّلا بأنه قد بيَّن لهم الحرامَ، وهذا ليس منه؛ فدلّ على أن الأشياء على الإباحة وإلا لما ألحق اللوم بمن امتنع من الأكل ممَّا لم ينص له على حِلِّهِ بِمجرَّد كونه لم ينصَّ على تحريمه.\n* * *\n_________\n(^١) سبق تخريجه مع أول الكلام على الحديث التاسع وقد أورده ابن رجب عن البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ٢٥١، ٢٥٣.\n(^٢) أورده ابن رجب عن مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص وقد مضى في شرح الحديث التاسع ص ٢٥١.\n(^٣) سورة الأنعام: ١٤٥.\n(^٤) سورة الأنعام: ١١٩.\n(^٥) م: \"ذكر\" وفيها تحريف واضح.","vol":"2","page":835},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1097>[الحكم قبل ورود الشرع]:</span>\n• واعلم أن هذه المسألة غير مسألة حكم (^١) الأعْيانِ قبل ورود الشرع هل هو الحَظْرُ أو الإباحة أو لا حكم فيها؟ فإن تلك المسألة مفروضة فيما قبل ورود الشرع، فأما بَعدَ وروده فقد دَلَّت هذه النصوص وأشباهُها على أن حكم ذلك الأصل زال واستقَرَّ أن الأصل في الأشياء الإباحةُ بأدلّة الشرع.\n• وقد حكى بعضهم الإجماع على ذلك، وغلّطُوا (^٢) مَن سوّى بين المسألتين، وجعل حُكْمَهُما واحدًا.\n• وكلام الإمام أحمد يدُلُّ على أن ما لا يدخل في نصوص التَّحْريم، فإنه مَعْفُوٌّ عنه.\n• قال أبو الحارث: قلتُ لأبي عباد الله، يعني أحمد، إن أصحاب الطير يذبحون من الطير شيئًا (^٣) لا نعرفه، فما ترى في أكله؟ فقال: كل ما لم يكنْ ذا مخلب أو يأكل الجِيَف؛ فلا بأس به، فحصَرَ تحريم الطير في ذي المخلب النصوص عليه، وما يأكل الجِيَف؛ لأنه في مَعْنَى الغراب المنصوص عليه، وحَكَم بإباحَةِ ما عداهما.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1098>[أطعمة المجوس وفراؤهم]:</span>\n• حديث ابن عباس الذي سبق ذكره (^٤) يدلّ على مثل هذا.\n• وحديث سَلْمانِ الفارسيِّ فيه النهي عن السؤال عن الجُبْن والسمن والفراء: فإن الجبن كان يُصنْعُ بأرض المجوس ونحوهم من الكفار، وكذلك السَّمن، وكذلك الفِراء تُجْلَبُ من عندهم، وذبائحُهُمْ مَيْتة (^٥).\nوهذا مما يُسْتدَلُّ به على إباحة لبن الميتة، وأَنْفِحَتِها، وعلى إباحة أطعمة (^٦) المجوس.\nوفي ذلك كلِّه خلافٌ مشهور!.\nأو يُحْمَل على أنه إذا اشتبه الأمر لم يجب السؤالُ والبحث عنه؛ كما قال ابن عمر ﵄ لما سُئِل عن الجُبن الذي تصنعه المجوس، فقال: ما وَجَدتُه في سوق المسلمين اشَتريتُه ولم أَسأل عنه.\n_________\n(^١) سقطت من م.\n(^٢) م: \"وغلط\".\n(^٣) م: \"أشياء\".\n(^٤) مضى ص ٨١٩.\n(^٥) الحديث مضى ص ٨١٨.\n(^٦) م: \"إطعام\".","vol":"2","page":836},{"text":"• وذُكِرَ عندَ عمر الجبن وقيل: إنهُ يُوضَع (^١) فيه أنافِح الميتة؟ فقال: سَمّوا الله وكلوا (^٢).\n• قال الإمام أحمد: أصح حديث فيه هذا الحديث يعني جُبْنَ المجوس.\nوقد روى من حديث ابن عباس ﵄ أنّ النبي - ﷺ - أُتي بِجُبْنَةِ (^٣) في غزوة الطائف فقال: \"أين تُصْنَع هذه؟ \" قالوا: بفارس، فقال - ﷺ -: \"ضَعُوا فيها السكين، واقطعوا واذكروا اسم الله وكلوا\".\nخرَّجه الإمام (^٤) أحمد وسُئل عنه فقال: هو حديث منكَرٌ، وكذا قال أبو حاتم الرازي.\n• وخرَّجَ أبو داود بمعناه من حديث ابن عمر، إلا أنه قال في غزوة تَبُوك (^٥) وقال أبو حاتم: هو مُنْكَر أيضًا (^٦).\n• وخرَّجه عبد الرزاق في كتابه مُرْسلًا (^٧)، وهو أشبه.\nوعنده زيادة وهي أنه قيل له: يا رسول الله! نخشى أن تكون ميتة، فقال: \"سَمُّوا عليه وكلُوا\".\n• وخرَّجَ الطبراني معناه من حديث ميمونة وإسناده جيد (^٨)، لكنه غريب جدًّا.\n• وفي صحيح البخاري عن عائشة ﵂ أن قومًا قالوا للنبي - ﷺ -: إن قومًا يأتوننا باللَّحْم لا ندري أَذُكِر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: \"سَمُّوا عليه أنتم وكلوا\"\n_________\n(^١) \"ا\": \"يصنع\".\n(^٢) رواه عبد الرزاق في المصنف ٨٧٨٢، ٨٧٨٣ بنحوه. وابن أبي شيبة في المصنف ٤٤٧٤.\n(^٣) م: \"بجفنة\" وما أثبتناه عن ا هو الموافق لما في المسند والجبنَة: القطعة من الجبن.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣٤٥ بإسناد ضعيف.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٤٢ - ٤٣ عن أحمد في المسند والبزار، والطبراني وقال: فيه جابر الجعفي، وقد ضعفه الجمهور وقد وثق وبقية رجاله رجال الصحيح. وانظر العلل ٢/ ٦.\n(^٥) رواه أبو داود في السنن: كتاب الأطعمة: باب أكل الجبن ٣/ ٣٩١.\nوفي \"ا\": \"معناه\".\n(^٦) راجع العلل الموضع السابق وفيها تحريف في قوله بجبنة.\n(^٧) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٤/ ٥٤٢.\n(^٨) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٤٣ عن الطبراني في الأوسط وقال: فيه أحمد بن الفرح الحجازي ضعفه محمد بن عوف وابن عدي ووثقه ابن أبي حاتم، وبقية رجاله ثقات.\nلكنه لم يحكم عليه بالجودة كما ذكر ابن رجب فلعل الحكم من ابن رجب على الحديث بالجودة من حيث الاختلاف في توثيق راو وتضعيفه؛ حيث يمكن الحكم على الحديث بالحسن حينئذ، والحسن يساوي الجيد.","vol":"2","page":837},{"text":"قالت: وكانوا حديثي عهد بالكُفْر (^١).\n• وفي مسند الإمام أحمد ﵀ عن الحسن أن عمر ﵁ أراد أن ينهى عن حُلَل الحبرَة لأنها تُصْبَغ بالبول، فقال له أُبيٌّ: \"ليْس ذلك لك؛ قد لبسهنَّ النبي - ﷺ - ولَبِسْناهن في عهده\" (^٢).\n• وخرّجه الخلّال من وجه آخر وعنده أن أُبَيًّا قال له: يا أمير المؤمنين! قد لبسَهَا نبي الله - ﷺ - ورأى الله مكانها، ولو علم الله أنها حرام لنهى عنها؟ قال: صَدَقتَ.\n• وسئل الإمام أحمد عن لبس ما يصبغه أهل الكتاب من غير غَسْلٍ فقال: لِهَا تسأل عما لا تعلم؟ لم يزل الناس منذ أدْرَكناهم لا ينكرون ذلك.\n• وسُئل عن يهود يصبغون بالبول، فقال: \"المسلم والكافر في هذا سواء، ولا تسأل عن هذا، ولا تبحث عنه\".\nوقال: \"إذا علمتَ أنه لا محالة يصبغُ بشيء من البَوْل وصحَّ عندك، فلا تصلّ فيه حتى تغسله\".\n• وخرّج الترمذي (^٣) من حديث الْمُغيرة بن شُعبة أن النبي - ﷺ - أُهْدِيَ إليه خُفّان فَلَبِسَهُمَا ولا يدري أذكيٌّ (^٤) هما أم لا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1099>[البحث والسؤال]:</span>\n• وقد ورد ما يُسْتَدل به على البحث والسؤال، فخرّج الإمام أحمد من حديث رجل عن أم مُسْلم (^٥) الأشجَعِيَّة أن النبي - ﷺ - أتاها وهي في قُبّة فقال: \"ما أحْسَنَها:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب الذبائح: باب ذبيحة الأعراب ونحوهم ٩/ ٥٢١ وما بعدها.\n(^٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ١٢٨ وقال رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح إلا أن الحسن لم يسمع من عمر.\n(^٣) سقطت من م.\n(^٤) قال في النهاية: ٢/ ١٦٤ الذكي ما أمسك عليه فأدركه قبل زهوق روحه فذكاه في الحلق أو اللبة، وأراد بغير الذكي ما زهقت نفسه قبل أن يدركه فيذكيه مما جرحه الكلب بسنه أو ظفره. والحديث أخرجه الترمذي في كتاب اللباس: باب ما جاء في لبس الجبة والخفين ٤/ ٢٣٩ - ٢٤٠ من حديث المغيرة بن شعبة قال: أهدى دحية الكلبي لرسول الله - ﷺ - خفين فلبسهما. قال أبو عيسى: \"وقال إسرائيل، عن جابر، عن عامر: وجبة فلبسهما حتى تحرفا لا يدري النبي - ﷺ - أذكي هما أم لا. وهذا حديث حسن غريب\".\n(^٥) م: \"سلمة\" وهو تحريف.","vol":"2","page":838},{"text":"إن لما تكن (^١) فيها ميتة! \" قالت: فجعلت أتتبعها (^٢).\nوالرجلُ مجهُول.\n• وخرج الأَثْرَم بإسْناده عن زيد بن وهب قال: أتانا كتابُ عمر ﵁ بأذربيجان: إنكم بأرض فيها الميتة فلا تَلْبَسُوا من الفراء حتى تَعْلموا حلّه من حَرَامه.\n• وروى الخلال بإسناده عن مُجاهد أن ابنَ عُمَر رأى على رجل فرْوًا فَمسَّه (^٣) وقال: لو أعلم أنه ذكي لسرَّني أن يكونَ لي مِنْه ثوب.\n• وعن محمد بن كعب أنه قال لعائشة ﵂: ما يمنعك أن تتخذي لحافًا من الفراء؟ قالت أكره (^٤) أن ألبس الميتة.\n• وروى عبد الرزاق بإسْنادِهِ عن ابن مسعود ﵁ أنه قال لمن نزل من المسْلمين بفارس إذا اشتريتُم لحمًا فسلو فإن كان ذبيحة يهوديٍّ أو نصراني فكلوا (^٥).\nوهَذا لأن الغالبَ على أهل فَارِسَ المجُوسُ، وذَبائحُهُمْ محرَّمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1100>[تعارض الأصل والظاهر]:</span>\nوالخلاف في هذا يشبه الخلافَ في إباحة طَعام مَنْ لا تُباح ذَبِيحَتُه من الكفار، وفي استعمال أواني المشْركِينَ وثيابِهِمْ.\nوالخلافُ فِيهَا يرجعُ إلى قاعدة تعارُض الأصْل والظاهر.\nوقد سبق ذكْرُ ذَلِك في الكلام على حديث: \"الحلال بَيِّن والحرامُ بَيِّن، وبينهما أمور مشتبهات\" (^٦).\n* * *\n_________\n(^١) المسند: \"يكن\".\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٤٣٧. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٢١٨ وقال: رواه أحمد والطبراني وقال: في قبة من أدم، وقالت: فجعلت أشقها بدل أتتبعها. ثم قال: وفيه رجل لم يسم؛ أبي فالحديث ضعيف.\n(^٣) م: \"فردانيسية\" وفيها تحريف ظاهر.\n(^٤) م: \"كرهت\".\n(^٥) أخرجه عبد الرزاق في المصنف ٤/ ٤٨٧ من طريق معمر، عن أبي إسحاق، عن قيس بن السكن، قال: قال ابن مسعود: إنكم نزلتم أرضًا لا يقصب (لا يشتغل بالجزارة) بها المسلمون، إنما هم النبط أو النبيط وفارس، فإذا شريتم لحمًا، فسلوا؛ فإن كان ذبيحة يهودي أو نصراني فكلوه، فإن طعامهم حل لكم.\n(^٦) في شرح الحديث السادس.","vol":"2","page":839},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1101>[رحمةُ الله بعباده فيما سكت عنه]:</span>\nوقوله: في الأشياء التي سكت عنها (رحمة من غير نسيان) يعني أنه إنما سكت عن ذكرها، رحمة بعباده، ورفقًا حيثُ لم يُحرِّمْها عليهم، حتى يعاقبهم على فِعلها، ولم يوجبْها عليهمْ حتى يعاقبَهُمْ على تركها، بل جعلها عفوًا، فإن فعلوها فلا حَرَجَ عليهم وإن تركوها فكذلك.\nوفي حديث أبي الدرداء ثم تلا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ (^١) ومثل قوله ﷿ ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1102>[فلا تبحثوا عنها]:</span>\nوقوله: \"فلا تبحثوا عنها\" يحتمل اختصاصُ هذا النَّهْي بزمن النبي - ﷺ -؛ لأن كثرة البحث والسؤال عما لم يُذْكر قد يكون سببًا لنزول التَّشْدِيد فيه بإيجَابٍ أو تحريم.\n• وحديثُ سَعْد بن أبي وقاص ﵁ (^٣) يدل على هذا، ويُحْتَمَلُ أن يكون النهى عامًّا.\nوالمروي عن سلمان من قوله (^٤) يدل على ذلك، فإن كثرة البحث والسؤال عنْ حُكم ما لم يُذْكَر في الواجبات ولا في المحرَّمات قد يوجبُ اعتقادَ تحريمه أو إيجابه لمشابهته لبعض الواجبات؛ فقبُول العافية فيه، وتركُ البحث عنه، والسؤال: خير.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1103>[هلك المتنطِّعون]:</span>\n• وقد يدخل ذلك في قوله - ﷺ -: \"هلكَ المتنطِّعون\" قالها ثلاثا خرَّجه مسلم (^٥)\n_________\n(^١) سورة مريم:٦٤ والحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٧١: أن أبا الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما أحل الله في كتابه فهو حلال، وما حرم فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو، فاقبلوا من الله عافيته؛ فإن الله لم يكن لينسى شيئًا ثم تلا: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ \" ثم قال الهيثمي: رواه البزار والطبراني في الكبير وإسناده حسن ورجاله موثقون.\n(^٢) سورة طه: ٥٢.\n(^٣) مضى: ٨٣٥.\n(^٤) مضى ص:٨١٨.\n(^٥) رواه مسلم في كتاب العلم: باب هلك المتنطعون ٤/ ٤/ ٢٠٥٥.\nوأبو داود في كتاب السنة: باب لزوم السنة ٤/ ٢٨١ وفي ظ: خرجه أبو داود إلخ.","vol":"2","page":840},{"text":"[و] أبو داود من حديث ابن مَسْعود ﵁ مرفوعًا.\n• والمتنطِّع هو المتعمّق البحَّاث عما لا يعنيه وهذا قد يتمسَّك به من يتعلق بظاهر اللفظ، وينفي المعاني والقياس كالظاهرية.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1104>[والتحقيق في هذا المقام]:</span>\n• والتحقيق في هذا المقام - والله أعلم: أن البحث عما لم يوجد فيه نص خاص أو عام على قسمين:\nأحدهما: أن يُبحثَ عن دخوله في دلالات النصوص الصحيحة من الفتوى والمفهوم والقياس الظاهر الصحيح؛ فهذا حق، وهو مما يتعين فعله على المجتهدين في معرفة الأحكام الشرعية.\nوالثاني: أن يدقِّق الناظرُ نظَره وفكرَه في وجود الفروق المسْتَبْعَدة؛ فيفرِّقَ بين مُتماثلَين بمُجرَّد فرق لا يظهر له أثر في الشرع، مع وجود الأوصاف المقتضية للجمع، أو يجمع بين متفرقين، بمجرد الأوصاف الطارئة (^١) التي هي غير مناسبة ولا يدل دليل على تأثيرها في الشرع.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1105>[بين نظر ونظر]:</span>\n• فهذا النظر والبحث غَيرُ مرضي ولا محمود مع أنه قَد وقَع في طوائف من الفقهاء.\n• وإنما المحمود النظر الموافقُ لنظر الصَّحابة ﵃ ومن بعدهم من القرون المفضَّلة كابن عباس ونحوه.\n• ولعل هذا مراد ابن مسْعود ﵁ بقوله: \"إياكم والتنطع إياكم والتعمّق، وعليكم بالعتيق؟! \".\nيعني ما كان عليه الصحابة ﵃.\n* * *\n• ومن كلام بعض أعيان أئمة الشافعية: لا يليق بنا أن نكتفي بالخيالات في الفروق\n_________\n(^١) \"ا\" \"الطردية\".","vol":"2","page":841},{"text":"كدأب أصحاب الرأي، والسرُّ في ذلك أن متعلق الأحكام في الحال: الظّنونُ وغلباتُها، فإذا كان اجتماع مسألتين أظهر في الظن من افتراقهما وجب القضاء باجتماعهما، وإن انقدح فرق على بعد؛ فافهموا ذلك؛ فإنه من قواعد الدين انتهى.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1106>[ومما ينهى عن الخوض فيه]:</span>\n• ومما يدخل في النهي عن التعمق والبحث عنه؛ أمور الغيب الخبرية التي أُمرَ بالإيمان بها، ولم يبيّن كيفيتُهَا.\nوبعضها قد لا يكون له شاهدٌ في هذا العالم المحسوس؛ فالبحث عن كيفية ذلك هو مما لا يَعْني، وهو مما يُنْهىَ عنه، وقد يوجب الحيرَة والشكّ، ويرتقي إلى التكذيب.\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يزال الناسُ يَسألُون حتى يقال: هَذَا خَلَقَ اللهُ الخلق فمن خَلقَ الله؟ فمن وَجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله (^١).\n• وفي رواية له:\n\"لا يزال الناسُ يسألونكم عن العِلم؛ حتى يَقُولوا: هذا الله خلقَنا، فمن خَلقَ الله؟.\n• وفي رواية له أيضًا:\n\"لَيَسْأَلنَّكُم النَّاسُ عن كل شيء؛ حتى يقولوا: الله خلق كلَّ شيءٍ فمَنْ خَلَقه\" (^٢)؟.\n• وخرجه البخاري أيضًا ولفظه:\n\"يأتي الشيطانُ أَحَدَكم فيقول: مَنْ خلق كذا؟ من خلق كذا!؟ حتى يقول: من خلق ربَّك؟ فإذا بلغه فليَسْتَعِذْ بالله ولينْته\" (^٣).\n• وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"قال الله ﷿: إن أمتك لا يزالون يقولون ما كذا؟ ما كذا؟ حتى يقولوا: هذا الله خلق الخلقَ فمن خلق الله؟ (^٤) \".\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان: باب بيان الوسوسة في الإيمان وما يقوله من وجدها ١/ ١١٩ وفيه: لا يزال الناس يتساءلون، وفي \"ا\": \"هذا الله خلق الخلق\": \"هذا خلق الله\". والتصويب من صحيح مسلم.\n(^٢) الروايتان في الموضع السابق ١/ ١٢٠ - ١٢١.\n(^٣) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق: باب صفة إبليس وجنوده ٦/ ٢٧٩.\n(^٤) مسلم في الموضع السابق.","vol":"2","page":842},{"text":"وخرجه البخاريّ ولفظه: \"لم يزل الناسُ يسألونَ: هذا الله خالقُ كلِّ شيء، فمن خلق الله (^١) \"؟.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1107>[لا يجوز التفكر في الخالق]:</span>\n• قال إسحاق بن راهويه لا يجوز التفكرُ في الخالق، ويجوز للعباد أن يتفكروا في المخلوقين بما سَمِعوا فيهم، ولا يزيدون على ذلك؛ لأنهم إن فعلوا تاهوا قال: وقد قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (^٢) فلا يجوز أن يقال: كيف تسبح القصاع والأخونة والخبز المخبوز والثياب المنسوجة، وكل هذا قد صحَّ العِلم فيه أنهم يسبحون فذلك إلى الله أن يجعل تسبيحهم كيف شاء وكما يشاء، وليس للناس أن يخوضوا في ذلك إلا بما علموا ولا يتكلموا في هذا وشبهه إلا بما أخبر الله، ولا يزيدوا على ذلك؛ فاتقوا الله ولا تخوضوا في هذه الأشياء المتشابهة؛ فإنه يرديكم الخوض فيه عن سَنَن الحق\".\nنقل ذلك كله حرب عن إسحاق رحمه الله تعالى.\n* * *\n_________\n(^١) البخاري في كتاب الاعتصام: باب ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه وقوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ ١٣/ ٢٣١ - ٢٣٢ عن حديث أنس مرفوعًا وفيه: لن يبرح الناس يتساءلون حتى يقولوا: هذا الله خالق كل شيء … الحديث.\n(^٢) سورة الإسراء: ٤٤.","vol":"2","page":843},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1108>الحديث الحادى والثلاثون</span>\nعَنْ أَبي العَبَّاس سَهْلِ (^١) بْنِ سَعْدٍ السَّاعِديِّ ﵁ قالَ:\nجاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إذَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللهُ وأَحَبَّنِي النَّاسُ فَقَالَ: \"ازْهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيما (^٢) عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ\" حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ ابْنُ ماجه وَغَيْرُهُ بِأَسَانِيدَ حَسَنَةٍ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1109>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث خرجه ابن ماجه من رواية خالد بن عمرو القرشي، عن سفيان الثوري عن أبي حازم، عن سهل بن سعد (^٣).\n_________\n(^١) في ب: \"عن سهل\".\n(^٢) ب: \"وازهد فيما في أيدي الناس\".\n(^٣) أخرجه ابن ماجه في السنن: ٣٧ - كتاب الزهد: ١ - باب الزهد في الدنيا ٢/ ١٣٧٣ - ١٣٧٤ ح ٤١٠٢ من طريق أبي عبيدة بن أبي السفر، عن شهاب بن عباد، عن خالد بن عمرو القرشي، عن سفيان الثوري، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد الساعدي قال: أتى النبي - ﷺ - رجل فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس. فقال رسول الله - ﷺ -: \"ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك\".\nوقد علق البوصيري في الزوائد ٢/ ٣١٩ على هذا فقال: \"هذا إسناد ضعيف؛ خالد بن عمرو قال أحمد وابن معين: أحاديثه موضوعة، وقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث، وقال ابن حبان: كان ينفرد عن الثقات بالموضوعات؛ لا يحل الاحتجاج به بخبره، ثم غفل فذكره في الثقات - وضعفه أبو داود والنسائي، وقال ابن عدي: عامة أحاديثه أو كلها موضوعة.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك: كتاب الرقاق: باب ازهد في الدنيا يحبك الله ٤/ ٣١٣ من طريق أبي بكر: محمد بن جعفر الآدمي، عن أبي جعفر: أحمد بن عبيد بن ناصح، عن خالد بن عمرو - به - أن النبي - ﷺ - وعظ رجلًا فقال: \"ازهد في الدنيا يحبك الله ﷿ وازهد فيما في أيدي الناس يحبك الناس\".\nوعقب عليه بقوله: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ورد الذهبي هذا التصحيح فقال: خالد وضاع.\nوأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ٦/ ١٦٣، ح ٥٩٧٢ من طريق محمد بن عبد الله الحضرمي عن منجاب الحارث ومن طريق علي بن عبد العزيز عن أبي عبيد: القاسم بن سلام كلاهما عن خالد بن عمرو به - بنحوه.\nوابن حبان في روضة العقلاء: ذكر الزجر عن الطمع إلى الناس ص ١١ والمنذري في الترغيب والترهيب ٤/ ١٥٧ - ١٥٦ عن ابن ماجه، وعقب عليه بقوله: رواه ابن ماجه، وقد حسن بعض مشايخنا إسناده وفيه بعد، لأنه من رواية خالد بن عمرو القرشي الأموي السعيدي عن سفيان الثوري، عن أبي حازم، عن سهل، وخالد هذا قد ترك واتهم، ولم أر من وثقه، لكن على هذا الحديث لامعة من أنوار النبوة، ولا يمنع كون راويه ضعيفًا أن يكون النبي - ﷺ - قاله، وقد تابعه عليه محمد بن كثير الصنعاني، عن سفيان، ومحمد - هذا - وقد وثق على ضعفه، وهو أصلح حالًا من خالد، والله أعلم.","vol":"2","page":845},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه ابن عدي في الكامل ٣/ ١٣ عن طريقين عن خالد بن عمرو، وعن الثوري، ثم قال مشيرًا إلى متابعاته عن الثوري وعن أخيه: قال ابن عدي: وروى هذا الحديث أبو عبيد: القاسم بن سلام، عن خالد، وروي عن محمد بن كثير، عن الثوري مثله.\nثناه ابن المرزبان، عن محمد بن أحمد بن برد، عنه، ولا أدري ما أقول في رواية ابن كثير عن الثوري لهذا الحديث؛ فإن ابن كثير ثقة، وهذا الحديث عن الثوري منكر، وقد روى عن زافر، عن محمد بن عيينة أخي سفيان بن عيينة، عن أبي حازم، عن سهل، وروى أيضا هذا الحديث من حديث زافر، عن محمد بن عيينة، عن أبي حازم، عن ابن عمر\".\nوكأن ابن عدي يريد ليقول: لئن توقفنا في قول متابعة محمد بن كثير بسبب نكارة رواية سفيان الثوري؛ فللحديث متابعة أخرى وشاهد.\nأما المتابعة، فهي رواية زافر، عن محمد بن عيينة، عن أبي حازم، عن سهل.\nوأما الشاهد، فهو من رواية زافر، عن محمد بن عيينة، عن أبي حازم، عن ابن عمر.\nوكلا الروايتين ليس في أي منهما راو يُرَدّ الحديث به أو يُتَوقف في قبوله من أجله؛ وليس فيهما خالد بن عمرو، ولا سفيان الثوري. أقول: ولعله لهذا حكم النووي وغيره بحسن الحديث.\nورواه القضاعي في الشهاب ١/ ٣٧٣ ب ١٤ ح ٦٣ من طريق علي بن عبد العزيز، عن أبي عبيد: القاسم بن سلام، عن خالد بن عمرو.\nوفيه - إذًا - ما قد عرفت.\nورواه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣ من طريق علي بن مسعر، وخالد بن يزيد العمري كلاهما عن سفيان الثوري - به - أن رجلًا أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! دلني على عمل إذا عملته أحبني الله، وأحبني الناس. قال: \"ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس\".\nوعقب عليه بقوله:\nهذا حديث غريب من حديث أبي حازم لم يروه عنه مرفوعًا متصلًا؛ إلا سفيان الثوري، ورواه عن سفيان: ابن قتادة الحمامي، ومحمد بن كثير الصنعاني مثله.\nوأورده في ٧/ ٣٣٦ من وجهين آخرين عن خالد - به -.\nورواه العقيلي في الضعفاء الكبير ٢/ ١٠/ ١١ من طريق خالد بن عمرو عن الثوري، ثم عقب عليه بقوله: \"وليس له من حديث الثوري أصل، وقد تابعه محمد بن كثير الصنعاني ولعله أخذ عنه ودلَّسَه؛ لأن المشهور به خالد هذا\".\nومعنى هذ أن العقيلي يرد الحديث من هذين الطريقين ولعلك على ذكر من الطرق الأخرى التي أوردها ابن عدي من غير طريقي سفيان ومحمد بن كثير.\nومن رواية خالد بن عمرو، عن سفيان أخرجه ابن الجوزي في العلل المتناهية ٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤ وعقب عليه بما عقب به العقيلي على الحديث وبما ذكره من قول عبد الله بن أحمد بن حنبل: سألت أبي عن خالد بن عمرو القرشي، فقال: ليس بثقة، يروي أحاديث بواطيل، وقول يحيى بن معين: خالد بن عمرو السعيدي ليس حديثه بشيء.\nوأورده السيوطي في الدر المنثور ٣/ ٢٣٨ عن ابن ماجه والحاكم والبيهقي.\nوالسخاوي في المقاصد الحسنة ص ٥٢ عن ابن ماجه والطبراني وأبي نعيم في الحلية وابن حبان في الروضة، والحاكم في المستدرك، والبيهقي وآخرين كلهم من حديث خالد بن عمرو القرشي عن الثوري به ورد =","vol":"2","page":846},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= تصحيح الحاكم للحديث بما طعن به على خالد من الإجماع على تركه ومن نسبته إلى الموضع ثم قال: لكن قد رواه غيره عن الثوري بل أخرجه أبو نعيم في الحلية أيضًا من حديث منصور بن المعتمر، عن مجاهد، عن أنس رفعه ونحوه، ورجاله ثقات لكن في سماع مجاهد من أنس نظر، وقد رواه الأثبات فلم يجاوزوا به مجاهدًا، وكذا يروى من حديث ربعي بن خراش، عن الربيع بن خثيم رفعه مرسلًا.\nإلى أن قال: \"وبالجملة فقد حسن هذا الحديث النووي، ثم العراقي رحمهما الله، وكلام شيخنا (يعني ابن حجر) ينازع فيه كما بينته في تخريج الأربعين\".\nوأورده العجلوني في كشف الخَفاء ١/ ١٢٧ - ١٢٨ وذكر ما ذكره السخاوي وأضاف رواية السيوطي له عن أبي نعيم من حديث أنس.\nوحديث أنس - هذا - أخرجه أبو نعيم في الحلية ٨/ ٤١ - ٤٢ من رواية أبي القاسم: زيد بن علي بن أبي بلال المقري، عن أبي أحمد: إبراهيم بن محمد الهمداني، عن أبي حفص: عمر بن إبراهيم المستملي، عن أبي عبيدة بن أبي السفر، عن الحسن بن الربيع، عن المفضل بن يونس، عن إبراهيم بن أدهم، عن منصور بن المعتمر، عن مجاهد بن جبر، عن أنس أن رجلا أتى النبيّ - ﷺ - فقال: دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله ﷿، وأحبني الناس عليه، فقال له النبي - ﷺ -: \"ازهد في الدنيا يحبك الله، وأما الناس فانبذ إليهم هذا يحبوك\".\nوقد عقب أبو نعيم على هذا بقوله:\nذكر أنس في هذا الحديث وهم من عمر أو أبي أحمد، فقد رواه الأثبات فلم يجاوزوا فيه مجاهدًا.\nثم أورد هذه الرواية فقال: حدثنا أبو محمد بن حيان، ثنا أحمد بن الحسين الحذاء، ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، ثنا الحسن بن الربيع أبو علي البجلي، ثنا المفضل بن يونس، عن إبراهيم بن أدهم، عن منصور، عن مجاهد، أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! دلني على عمل يحبني الله تعالى عليه، ويحبني الناس عليه. فقال: \"أما ما يحبك الله عليه، فالزهد في الدنيا، وأما ما يحبك الناس عليه فانبذ إليهم هذا الغثاء\".\nوعقب أبو نعيم بقوله:\nقال الحسن (بن الربيع): قال المفضل (بن يونس): لم يسند لنا إبراهيم بن أدهم حديثًا غير هذا.\nورواه طالوت عن إبراهيم فلم يجاوز به إبراهيم وقال: فانظر ما كان في يديك من هذا الحطام فانبذه إليهم؛ فإنهم سيحبونك\".\nوهو من حديث منصور ومجاهد عزيز - مشهوره ما رواه الثوري عن أبي حازم، عن سهل بن سعد.\nورواه أبو نعيم كذلك في الحلية ٨/ ٥٢ - ٥٣ من حديث محمد بن كثير، عن إبراهيم بن أدهم، عن أرطأة بن المنذر قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! علمني عملًا يحبني الله تعالى عليه، ويحبني الناس قال: أما ما يحبك الله تعالى عليه، فالزهد في الدنيا، وأما ما يحبك الناس عليه؛ فما كان في يدك فانبذه إليهم\".\nوقد عقب أبو نعيم بقوله:\nكذا رواه ابن كثير عن إبراهيم فقال: عن أرطاة.\nوالمشهور ما رواه المفضل بن يونس، عن إبراهيم عن منصور، عن مجاهد.\nورواه خلف بن تميم أيضًا، عن إبراهيم، عن منصور، فخالف المفضل.\nوأبان أبو نعيم عن هذه المخالفة؛ حيث قال: =","vol":"2","page":847},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= حدثنا أبو علي: أحمد بن عمر: ثنا عبد الله بن محمد بن زياد، ثنا يوسف بن سعيد، ثنا خلف بن بن تميم، عن إبراهيم بن أدهم، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن الربيع بن خثيم قال: أتى النبي - ﷺ - فذكره بمثله.\nومعنى هذا أن حديث منصور بن ربعي شاذ فيما يرى أبو نعيم حيث خالف المشهور وهو حديث الفضل الذي يُروى فيه حديث منصور بن المعتمر عن مجاهد؛ لا عن ربعي بن خراش. وربما يتأيد هذا بما في مسند إِبراهيم بن أدهم ح ١٧ ص ٢٩ - ٣٠ ففيه رواية الحديث بالإسناد والرواية المشهورة عن مجاهد مرسلًا وإذا فهذه الرواية المرسلة عند كل من أبي نعيم وإبراهيم بن أدهم. وقد أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٤/ ١٥٧ من حديث إبراهيم بن أدهم وبنحو الرواية التي سيوردها ابن رجب، وعقب المنذري بقوله:\nرواه ابن أبي الدنيا هكذا معضلًا.\nورواها بعضهم عنه، عن منصور، عن ربعي بن خراش قال: جاء رجل، فذكره مرسلًا.\nوهي أيضًا إحدى الروايات التي أوردها ابن رجب.\nوقد علمت موقف أبي نعيم منها وأنها تخالف المشهور.\nوالخلاصة أن هذا الحديث قد روي موصولًا كما روي مرسلًا، فهو موصول من روايات:\n١ - سهل بن سعد.\n٢ - أنس بن مالك.\n٣ - عبد الله بن عمر.\nإلا أن المشهور عن المحدثين هي رواية سهل بن سعد.\nوقد رواها عن سهل بن سعد: أبو حازم.\nورواها عن أبي حازم كل من سفيان الثوري، ومحمد بن عُيَيْنَة، فأما رواية سفيان الثوري فرواها عنه نوعان من الرواة:\nأ - نوع ترد روايته ولا تقبل بحال؛ لإثمه بوضع الحديث والكذب على رسول الله - ﷺ - وقد تمثل هذا النوع في خالد بن عمرو القرشي.\nب - نوع يعتبر به ويتوقف في قبول روايته إلى أن تقوى بطريق آخر لترتقي إلى مستوى الحسن لغيره؛ لأن الضعف عندهم ليس شديدًا.\nوممن روي عنهم هذا الحديث عن سفيان، متابعين لخالد:\n١ - محمد بن كثير الصنعاني.\n٢ - أبو قتادة الحراني.\n٣ - مهران بن أبي عمر الرازي.\nوكما قال ابن رجب: فإن كلا من أبي قتادة ومهران قد تكلم فيه، ولكن محمد بن كثير خير منهما فإنه ثقة عند كثير من الحفاظ.\nوكما قال المنذري: \"وقد تابع خالدًا عليه محمد بن كثير الصنعاني عن سفيان، ومحمد هذا قد وثق على ضعفه، وهو أصلح حالًا من خالد\".\n١ - ٣ - فهذه الطرق الثلاثة عن سفيان صالحة للاعتبار.\nوالراوي الثاني عن أبي حازم وهو المتابع لسفيان الثوري: محمد بن عيينة، فقد روى عنه زافر بن سليمان وكما قال ابن رجب: وزافر ومحمد بن عيينة كلاهما ضعيف فهذا طريق رابع ضعيف ضعفًا محتملًا يعتبر به كذلك. =","vol":"2","page":848},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذه خمس طرق إلى سهل بن سعد أولها فقط هو المردود مطلقًا وباقيها مما يعتبر به.\n٢ - رواية أنس بن مالك.\nأما رواية أنس، فقد وهم أبو أحمد: إبراهيم الهمداني شيخ شيخ أبي نعيم الأصبهاني، أو وهم أستاذ أبي أحمد هذا؛ وهو عمر بن إبراهيم، وأوهم كلاهما حين أسندا حديث إبراهيم بن أدهم إلى أنس دون أن يقفا به على مجاهد كما هو الثابت فيه.\nوإذًا فهذه هي علة هذا الطريق: أن يروى المرسل على أنه موصول دون أن يثبت وصله.\nولهذا يقال: هو مرسلًا أصح منه موصولًا.\nوليس المقصود أن المرسل في ذاته أصح من الموصول.\nإنما يراد أن هذا الحديث بعينه لم يصح فيه إلا، أنه مرسل ولم يثبت فيه أن مجاهدًا تلقاه من أنس!؟.\nوقد قال الشيخ ناصر الألباني بشأنه إنه شاهد لرواية خالد بن عمرو وهو مرسل جيد ..\n٣ - وأما رواية عبد الله بن عمر فقد روى عنه اثنان:\n١ - أبو حازم.\n٢ - نافع.\nفأما أبو حازم فروى عنه محمد بن عيينة، وروى عن محمد: زافر بن سليمان وكلاهما ضعيف.\nوإذا فهذا الطريق يطعن فيه أمران:\nالأول: ضعف الرواة عن أبي حازم.\nالثاني: إضطرابهما أو أحدهما في إسناده فمرة يرويانه من مسند سهل، ومرة يرويانه عن ابن عمر.\nوإسناده إلى سهل بن سعد أولى؛ لموافقته للمتابعات السابقة، ولأن الحديث مشهور من رواية سهل.\nوأما نافع فيروي عنه مالك، وعنه إسماعيل بن أبي أويس، وعنه بشر الحافي، وعنه أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس، وعنه محمد بن أحمد بن الحسن، وعنه يوسف بن عمر القواس، وعنه القزويني فالدينوري رواه عنه ابن عساكر في تاريخه.\nوهذا طريق مردود لإطلاق؛ أحمد بن المغلس وضاع، وهذه الرواية من مناكيره ذكر ذلك ابن حجر في ترجمته ثم قال: وهذا الحديث بهذا الإسناد باطل، وإنما يعرف من حديث سهل بن سعد الساعدي بإسناد ضعيف (لسان الميزان ١/ ٢٦٩ - ٢٧٢) ت (٨٢٩).\nوقد أورد الشيخ ناصر الألباني هذا الطريق في سلسلة الأحاديث الصحيحة (٩٤٤) ضمن تخريجه للحديث وقال:\n\"أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق (٣/ ١٦٢/ ٣) عن محمد بن أحمد بن العلس، حدثنا إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس، حدثنا عن مالك: عن نافع به\".\nثم قال: \"وهذا إسناد رجاله رجال الشيخين؛ غير ابن العلس هذا فلم أعرفه\":\nوبناء على ما نقلنا لك عن ابن حجر فإن في محمد بن أحمد بن العلس تحريفًا من وجهين.\nالأول: أنه: مركب من اسمين وقد أُدْمَجا مع التحريف، والاسمان هما:\n١ - محمد بن أحمد بن الحسن.\n٢ - أحمد بن محمد بن المغلَّس.\nوالوجه الثاني: أن العلس حرفت عن المغلس وهذه الرواية بهذا الإسناد منكرة وباطلة بأمرين: الأول: أن أحمد بن المغلس من أجرأ الوضاعين للحديث على ما في ترجمته في الوضع الذي أشرنا إليه.\nوالثاني: أن الحديث ليس معروفًا من رواية ابن عمر؛ بل من رواية سهل بن سعد. =","vol":"2","page":849},{"text":"وقد ذكر الشيخ ﵀ أن إسناده حسن، وفي ذلك نظر؛ فإن خالد بن عمرو القرشي الأموي قال فيه الإمام أحمدُ: منكَر الحديث، وقال مرة: ليس بثقة؛ يروي أحاديث بواطيل.\n• وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء، وقال مرة: كان كذّابًا يكذِب؛ حدّث عن شعبة أحاديث موضوعة.\nوقال البخاري وأبو زرعة: منكر الحديث.\n_________\n= وإذًا فهذا الطريق مردود بإطلاق.\nوتلخص لنا أن الحديث من روايتي أنس وابن عمر غير مشهور ولا معروف وأنه مشهور فقط من رواية سهل بن سعد فهل سنسلم للنووي والمنذري وغيرهما تحسينه؟ هذا ما سوف يستبين.\nالرواية المرسلة - غير الموصولة:\nأما الرواية التي جاءت غير موصولة؛ فقد جاءت على أربعة أوجه:\n١ - من حديث الربيع بن خثيم مرسلًا.\n٢ - من حديث ربعي بن حراش مرسلًا.\n٣ - من حديث مجاهد بن جبر مرسلًا.\n٤ - من حديث إبراهيم بن أدهم معضلًا.\nوكلها تلتقي عند إبراهيم بن أدهم.\nفالطريق الرابع: يروي فيه إبراهيم بن أدهم - بلاغًا - عن النبي - ﷺ -.\nوالثالث: يروي فيه إبراهيم، عن منصور، عن مجاهد - مرسلًا وهذا هو أصح المراسيل وأشهرها.\nوالثاني: يروي فيه إبراهيم عن منصور، عن ربعي.\nوالأول كذلك؛ إلا إنه يروي فيه ربعي عن الربيع بن خثيم، وقد سبق لأبي نعيم أن رد طريق ربعي لمخالفته الأوثق أو الأشهر.\nفإسناد الحديث إلى أنس: شذوذ.\nوإسناد الحديث إلى ابن عمر غير معروف، ولا مشهور فضلًا عن أن طريق أبي حازم إليه فيه اضطراب ووهم من راوييه الضعيفين.\nوأن طريق نافع باطل بأحمد بن المغلس.\nفلم يبق لنا إلا طرق سهل بن سعد عدا طريق خالد بن عمرو وهي طرق فيها ضعف غير شديد وهي الطرق الموصولة.\nوبإزائها مرسل مجاهد بن جبر وهو مرسل جيد بيد أنه ضعيف بعدم ذكر الصحابي.\nوالطرق الموصولة قوية بذكر الصحابي إلا أنها ضعفت ببعض رواتها إلى سهل بن سعد ومنهم من هو مختلف فيه على توثيق الكثيرين له كمحمد بن كثير.\nوقوة رواة المرسل تجبر ضعف بعض رواة الموصولة وذكر الصحابي في الرواية المتصلة يجبر ضعف الإرسال في الرواية المرسلة.\nوإذا فالحديث حسن كما ذكر النووي وغيره وكما أشار ابن رجب بذكر رواية الحديث مرسلًا وكأنه كان يشير إلى ما قد وضحناه. =","vol":"2","page":850},{"text":"وقال أبو حاتم: متروك الحديث ضعيف.\n_________\n= والجداول المرفقة قد تزيد المسألة وضوحًا، أو تؤكد هذا الوضوح.\n <img src='data:image/jpg;base64،/9j/4AAQSkZJRgABAAEAYABgAAD//gAfTEVBRCBUZWNobm9sb2dpZXMgSW5jLiBWMS4wMQD/2wCEAAgFBgcGBQgHBgcJCAgJDBQNDAsLDBgREg4UHRkeHhwZHBsgJC4nICIrIhscKDYoKy8xMzQzHyY4PDgyPC4yMzEBCAkJDAoMFw0NFzEhHCExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMf/EAaIAAAEFAQEBAQEBAAAAAAAAAAABAgMEBQYHCAkKCwEAAwEBAQEBAQEBAQAAAAAAAAECAwQFBgcICQoLEAACAQMDAgQDBQUEBAAAAX0BAgMABBEFEiExQQYTUWEHInEUMoGRoQgjQrHBFVLR8CQzYnKCCQoWFxgZGiUmJygpKjQ1Njc4OTpDREVGR0hJSlNUVVZXWFlaY2RlZmdoaWpzdHV2d3h5eoOEhYaHiImKkpOUlZaXmJmaoqOkpaanqKmqsrO0tba3uLm6wsPExcbHyMnK0tPU1dbX2Nna4eLj5OXm5+jp6vHy8/T19vf4+foRAAIBAgQEAwQHBQQEAAECdwABAgMRBAUhMQYSQVEHYXETIjKBCBRCkaGxwQkjM1LwFWJy0QoWJDThJfEXGBkaJicoKSo1Njc4OTpDREVGR0hJSlNUVVZXWFlaY2RlZmdoaWpzdHV2d3h5eoKDhIWGh4iJipKTlJWWl5iZmqKjpKWmp6ipqrKztLW2t7i5usLDxMXGx8jJytLT1NXW19jZ2uLj5OXm5+jp6vLz9PX29/j5+v/AABEIA6gCrAMBEQACEQEDEQH/2gAMAwEAAhEDEQA/APf6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAKGiatFq9tNNDBcQCGeSBlnjKElDgkeoPY0AX6AGySJEheV1RB1ZjgCgB1ABQBxOteNrm28H6xq1jZrJdafqTWCxE8SEXCxA/iGB+tAHbUAYE/iWVfEq6Pa6LqFwqyKk94ECwxbkLg5J+boAcdCfzALOlaz9u1rV9OMWw6c8Y3Z+8HXP9DQBrUAFAGFYa9NdeM9U0P7KBBYWsE3nhuS0hf5SPovH0NAFjw9rcetHUvKiaMWN69od38RUKSfzb9KANWgCGe7trd0Se4iiZyFVXcKWJ6AZ6mgAvblLOznupc+XBG0jYHOAMn+VAEGh6imr6LYanEhjS9t47hUY5Kh1DAH86AIvD2swa5ZS3VspRI7iWDBOSSjlc+2cZ/GgDSoAxPG/iEeFfDF3rLWz3X2YxgQp95y8ioAPxagCS21wXHiabRhbvG0NnHdM7Efxsyhceo2nNAGvQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBz0HiSE+NNQ0C8ljtzFbQSWyOdrT7i+8qc84+QYA465OcAANC8M6H4WmvL+zkliM6lp5Li6Z1ABLE/McKOTQBR8ReO7Czi0htEvdO1D7fqVvayMlwriOJ2wzjB59Pqc9BQBnfFbxRoy+C9dtk1GBruzeNJbYOBLuDo2ApwTxz6UAZnxJ8d6lY6RZX3gvXfDxjMPmNBPNvubk/LhYkHXrz35oAseA/iPreqa3/Y3i7w/DoVwluJ2llufL3A8ALGwz1z/ABcUAYep+I9MvvB3j+O0vraSa21UzwqJNxIBhKuATgjzFOMcEjvnkA9noA8o8b+PraH4jaJpkd/FZQ6VqKLeeaWVpDLE65xtwEUNgsT1btjJALvhrxfokXxD8WRyarYpAUgkEpmUA7VIYA9DjPagDT8XeOol0myj8JX2m3GoasStrPcTqsEKqAXkc+wZfl6kkcGgDl/Cet+MNR0TUo9W8aaJB9kuxGurxxRvE67CXVfuAlTjkgd+aAOg0fU9N0b4gJZX2u211f6tpNsvm7QpuZYmk+fg7V3K4woHODjpyAafgeGW21rxXCyBIf7T8yPBODuiQk80Aa3iTxBZ+HYLOW/bYl5dx2iMThVZyeWPYYB/HA70AVr/AMLeG9W1iHW72yt7q9iRVjnZyQoU7lwM46nrigDPTW/7U+IV9oMN1b3WnRaTm5hRsmKYyEYbjuh6Z4xyORQBmeCfEg0rwN4StLgJPPM6adMDKFNuygqQRg8jaBjigDU+G8awJ4ggjQIsWs3ICgYwC2R/OgB3gPxzB4vvNZtUspLKXSrnySkjhi6nOGwBweDkc49aAIfirfWx8Ca+kEkFxdWESTvBu3FGVlkQsoOR0B+lAD4gg+LXnJgC40TAYHh9swIx643H86AOvoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA5rxt4F0TxnHb/2vFKk9q26G5t38uWP2DenFAGJp/wc8L2k2+5fUtST/nje3bSR59doxn8aAMvXfh9Zaf4xt7/w54IsbrCpKZnujFFHJ5nP7vpkLgjt7cUAdjL4C8Ly+IW1+bR4JNTdtzTuzNk4xnaTt6e1AEWh/DnwjoOprqWlaHbwXi52ylmcrnuAxIB9xQBJ4r8B+G/Fs8M+vaatzNCNqSB2Uhc5xweRQBTu/hb4MunsGfQ4F/s8BYghIyB0Dc/N+NAHYUAZupeH9I1OC9ivtNtpV1BBHdHywGmUdAzDk47c8dqAMS4+GHgyeytbR9AtRDavvjCgg575bOSPqaAMeX4IeB5L+e4bTXVJVAEKysFjOTlhz3yPyoAW2+CPgW3nSX+y5JNhzskmYqfqKAJ4vg14Fi5j0XEgkDrJ5z7lIOcDnGPwoA7mOCKKSSSONVeUguwHLEDHNAFLxFoeneI9In0vWLZbi0mHzKeCCOhB7EUAcAvwI8LR+bHFe6zDbyHPkR3e1Bnrxjnt+VAHZeEfBmg+D7Z4dAsEtjLjzZCSzyY6ZJ/kOKAOQ1PwXZaX8QI9X0nwcL+W4kE8129zhI3ZvnYIf4u/40Ad1qeo6P4atJb3UbiCwgkcs8jnAZscn64FAHFfDw6P/bev+K7WOHS9M1OUR27yybPtZUs0k/zHjcx4x2XNAGZb+EfD/wAS/GGreImN6unxmOzzDMUS8dM7ycdUxtXjrg0Aeqpa26SxypDGrxx+UjBQCqcfKPQcDj2oAmoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAM/w9rVp4g0iHU9P80W827b5qFG4JB4PuD9aANCgAoAKACgAoAKACgCOeCG4TZPFHKo5w6hh+tAFe/0nT9QsvsV9ZQXFr08l4wV/KgCWxsrbT7VLWxt47eCMYWONQqr9AKAJ6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA5L4Sf8k+0v8A3X/9DagDraACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAbI6xxs7HCqCSSccUAcp8IiD8PdKI6FH/wDQ2oA62gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDjPFGseKx4ytND8LLo6RvZm6nl1FJWK/OVwuxhn8fzoAiB+KgMWU8GsAP3g33QyfY44/wA/WgB8EfxOki/0i48JW7g/8sobmQH82XH6/WgCR4viSB8l74TJ97S5H/tSgBki/E5YXEcvhB5d/wAjNHcqu3Hcbjzn3/OgCCRfiuFjMUngtmI+cMl2oU+gOTn68UASQr8UZJCJ5PCECZyGjW5kP0IJX88igCx5PxG/5/vCv/gFcf8Ax2gCKaP4nKp8i68IO3OA9tcqPbo5oAq/8Xd9fA/5XdAFkn4nNIB5XhGKMrgkS3LMp/vD5QD9P1oAkMHxIByt/wCFT0GDZ3AA9T/rP84oAbcR/E1Yiba78IySdlktrlB+YkP8qAKf/F3fXwP+V3QBbhf4nKoE1t4Rdu5S4uVH5bDQBL5fxGb5vtfhWLPOz7NcPt9t3mDP1wPoKAK7p8UhHIUuPBxcN8gMF0Aw9Sd/B9sGgCFP+FuBhv8A+EIK55A+1gkUAWlk+JYZt1r4SK7vlAubkED0J2cn3oAk2/EaTnzPCtrjjZsuJ8++7KY+mPx9ACrcx/FTaRbzeDXB4+eK6Tj8GPtQBR8HaJ8RPC+gQ6UreGb1ICSjSTXCMAzFiCdhzjOBwOP1ANcy/EfIxZeFAO4+13P/AMboAilufiXDAz/2b4XuHB4SK7nUkZ4+8mOB79vwoAgl1L4nIQF8PaBICoOVvn4PpyB0oAmGsfEMTxk+EtK8oL+8X+1fmY88g7OB04wfrQBP/bfjj/oS7D/wdj/4zQA2HXPHc0rRHwVY2wBCrLLrYZOf4sLETgfTNAFe51D4mQuVj0Lw9OB/FHfSAH/vpRQAlvq/xJWRTceFdGdATuCamUJ44wSpxz7GgC1/bXjvfx4N0/b6f21z+flUAB13x0JFUeCLIggkt/bi4HTj/VZ5z+lAEN3f/EmMK9voXh5w/Pli/kLRj0YlACfcUANl1X4kKNqeGNFZtg+Yak2N2euCgOMcY9ec9qAJhrnjxIV3+CrCWQABtmtBQT3IBi4H4mgBsfiHx407xnwHaoi9JDribW+mI8/mBQBCNc+I0s25PBmm28I48uXVgzMfUMq4x7YzwaALS6z47VQH8Hac7AcsmtbQT7AxcUAKdc8cgf8AIl2J9v7bH/xmgClL4p+IKSFV+G8cgHRl16EA/moNADf+Ei+JFz8sHgKysWHJe51iOVT7AIM5oAmm8Q+PLDT5rq88IabMIUaRhDq+wgAZxgxnnj1oA6TwprUfiLw1pusRR+St9bpMY858skcrnAzg5Gcc4oA1KACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOTk/5KxF/wBgb/2saAOsoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAoeIv+Rf1L/r1l/9ANAGd8NwF+HnhoKAB/ZdseP+uS0AdBQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBxiTCT4wSxqCDBo6hst1zITwKAOzoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAxPHkrQeBvEE0ZIePTbllIOMERMe1ADvA9uLTwXoVssglEOnW6Bx0bEajP40AbNABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHJaao/wCFp6yxAyNNtsH0+Z6AOtoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAwfiH/AMiB4k/7Bd1/6KagC14TMp8K6QbgKspsod4U5AbYM4/GgDUoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoArx2NrHfy3yQIt1KixvKB8zKucA/TJoAsUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAVNY0+LVtIvdNuSwhvYHgkKnB2upU4/A0ATWlvHaWsNtCCI4UWNATngDAoAloAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCvY3tvfwedavvj3Fc4I5BwevvQBYoAKACgBGIVSzEAAZJPagDldQ0VL74h6fqbanGwtLMtHYtBv2/NgyBt2FJ3Afd/h60AdXQAUAMlljhTfK6xrkDLHAyaACCWOeFJoJFkikAZXU5DA9CDQA+gAoAKAEV1bO1gcHBweh9KAFoAKACgCtf6ha6esLXcvlieZII+CdzscKOPU0AWaACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAhW5ia7e1U5ljQOw9ASQP5UATUAFABQAUAFACZAIGQCelAC0AFABQAdKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAEZgqlmIAAySe1AHKeBry58RSXPiS4eSO2mZ4LG23fKkStguR0LMVznsMAd6AOsoAbLIkMTySuscaAszMcBQOpJ7UAZ+m6/pmq2U13pl2l1FAMvsyCMqGHB55BBB75oA5PwL43/t+7WWXVLSdbolY7C2gcyWzA/xv06DknAz0oA76gCtLdNHfwWotpnWVHYzKBsj244Puc8fSgBmo6jHYy2kbozG6mEK47EgnJ/KgDC8PahHpHhPUr29Ro49OlunmGOcRsxJH4CgC/4J8RweLfC9lrlrA9vFdhiI5CCy7XZT091NAG1QAyWWOFGeV1RVUsxY4AA6mgDJvL7Rtc0vUrJbiHUIRbstzDDICSjKeMg9xmgDF0j7E3irw7d2Fu8ENzoEoijIP7uMPbsin0wGIoA629tkvLOa2kaREmQoWjYqy5HUEdDQBz3gfWby7l1bRtWZZNQ0S4EEkq4/fRsoeNyOxKkZ9waAH/ER7ZfDMqXGlJrEksipb2LEDz5c5A/Qn6A0ASeB9Sgu/Btndpp/9lRwo8UloBxbtEzI6jHoyNQBZvvE2k2Hhz+3rq58vTyqsJNpydxwMDrkk9KAKnivxXBovhqPVbJFvnugv2NFbCzFl3Dn02gn6CgDWh1CJbaza/khtbi6VdsTuAS5AJVc9SKAOe8NpZeH9QurS48Q2U817dyFbVAiMJXdnOQDksQR19BQAf8ACwNMb4gp4PgR5roxGR5kYFIyOdp98UAdbQAhIUEkgAckmgDhfG/je003VNH06PVLKxt9QR5xqEqCaMhCvyrg43EnOegxQB1PhvVrfWtKjvLSZp4ySvmmIxiTHcA9qANKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDlbTUrrXvGV1a2sjwaZojBJipwbi4IB2n/AGVB5HckelAHVUAYPiS9nsda8N7LgRW9zfPbTIRw+YJWX/x5B+dAGfqHxH0DT/GUfhWY3Z1ORkUKkBKZYZHP0oA6qe4htoJZ55UiihUvI7HARQMkn045oAjsr23vRKbWQSLDIYmI6BhjI/WgCdjtUnBOBnA6mgCvpd4uo6bbXqRSwLcRLKI5l2ugYZww7HnpQAml6hb6pZrdWjMYyzL8ylSCDgjH1FAFqgDAiuFT4gXVsXwX0yGRU9cSygn+VAEmn+I0v/E97o8NnKI7OIM10xAR23YKgdeDnnpkEdqANS5vbW1i824njjj3rHuZgBuYhQPrkgUAJp17BqNnHdWjb4ZM7TjHQkH9RQBz/jzUbzw7Zp4itWaS2siBfW3Z4CcFl/2lzn3GaAOnVg6hlIIIyCKAOF1jUtEsvifp8N1Bqcl9MoRLhZH+ywOVIVSPu5YZ/SgDtZrq3gngglmRJbglYkJwXIBJwPYAmgCA6vp41kaR9qT+0DEZxB/Fszjd+dAGbH4njl8aHw7BaTP5du00l0P9WjDZ8nucSKfxx64AF8a6ZqGsaOLTSJ4oLhZ45C0jsoAU5/h56gcdxmgDUtpmt9OVtQuIWmt4x9pkT5VDBQWOOw789jQBR8KeJtM8Vac99o8rSQpK0R3LtOR7enpQBsUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUANljWaJ4pBlHUqw9QaAOR+GTS6dpUvhzUB5d9pMjR7S2fMhJJjkXPJUjj6gjtQB1F/f2em2zXGoXUNrAvWSZwij8TQBwuk6DpPjbXr/xLcJczabIyw20TyMsN0qrgyGPoyk5Az1Az3oAsJ8H/AAYsk7NpsjedIJMfaJFCY4CjaR8o9OlAHV6NoumaHai20ixgs4R/DEgXP19aALN7K0FnPNGhkeONmVAMliBnFAGBpnjfw7JocN9da/p8Y2DzTLcRxsj91K54YdMdaAMXwJ4Sj0i5sL/7HdXMlyJ7hrq4u2/0be2UQQnjJVuSBkEHPWgDZ8Raz4Z8N6ZPY6pLFILlX/4l4/fT3W/OVWPlm3Zx6c84FAFrwPpZ0bwzbWhtUs8vLOLZMbbcSSvIIxgAfKH28DtQAl/4hs9P8TxadqF/DZJJa+bEszKgnbcQQGJ6qFzgdm744AMbVbHw9478R2sQuE1K20yKQ3Atp90W5mULHIVPJ+Unb/s89RkAuXnw38JXLRn+xorYRgrttWaBWBOcMEIDDI6HNAHQiwtheQ3SxBZoIWgjYcbUYqSMfVF/KgCaaWO3heaeRIoo1LO7kBVA5JJPQUAcj8PLWS4vdf8AE80Pkf27dq1upBDNbxII4mIPTcAW+jA96ANvxT4b0zxVpf8AZ2sQtJAJBIuxyjKwzggjkcEj8aAM3WNV03wfpNvo+l2E1zcGMRWdhbxM5bOQCzdAM5JZj69TQBheK30KfwSnhbU3tdR1WdBFFp1tOFc3I5A+U5RVJ5J4AB+lAHKfEL4aWGhaFoTWTa/ctaOIGeykaVxIUxHJsY7VUMMHbj71AHcw/C/w9d2G3XYbrU7qUKzz3d07yo3cK4OV59DzQBab4ZeDTHOg0K2X7QgR2XKtgYwQwOQeByOc0Abel+H9J0mO3SwsIIfsybImC5ZR/vHmgC9cTw20LTXEqQxIMs7sFVR7k0Aed69Yad461GTVbKwk12z02FY4EivDDDdy78kBuFYKM88g5IoA1fBvgTw/YW8WoSeFbbTNRdzI0MkouTbNk8I5yAO+FwOelAHZKoRQqgKB0A4oAWgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDjPCIOjeMvEWkXaGNtQuTqVo5PyzIwUOBx1VhyP9oUAdhPClxBJDKN0cilGGcZBGDQBySfDPw2mnvaGG6f5xJFNJdSNLbspypjYnKEe3XvmgCKX4X6DNAjXEuoTanGQw1Z7pjeZAwD5nYe2Me1ABH8MtKE5ebVNbuYZlIu7ea/do7w4xulHc4xwMDjpQB0nh7Q9O8O6XHpuj2/2e1iJKruLHJOSSSSSfrQBBPrCw+K4dLluIoFe0MqJIQGnYvjC8/wAIHI/2xQBg+ONPk1/Vra303V762k06GSa5i0u5WO4YEDYhPQbj64zg4oA6jQoFttHtIkgmtwsQzHO++RTjnc2Tk+pzQAn9oA69/ZySQfu7bzpULfvBubCED+78r59wKAOZ1nwxYeJ/GMt9Hq19bXFhZra79PnMTRsWZiCw74KnaR6etAHEeAPAt0ur6zZJ4o8R2uJZBdvFH5LNIshCt5rKQ4ZTuG05GTnGaAO0Pwr0KV5FvrvVr60lBL2lzfO0RkPWX13++foKAOv0vT7XSdOt7DT4RBa2yCOOMfwgfz+tAHM/FYtd+FJdDtRvvtadbS3QDJ5ILuR6KoJJ+nrQB1VrAlraxW8I2xwoEUZzgAYFAHNz+D7GLxVJ4juNTvUhGJWsnnxaiQDAkI9QOmelAEV3qOn+I/FemWukTrdSaRK11c3MDbo4AUZBGXHBZ9x+XnhSTjjIBjap4e0nxZ8Rftum6pfxTafAY7yewumRVc4CxhhwGwCWAOemaAOW8E+ErqL4ha7p0HinXYJP30l6UXEikSj7OTK6kPvjdjwAcoecYoA7f/hVult9oSbWNflguk2zwPqL7JW/vtjkt07446UAWrf4daVbsiR3mpmzIBubN7pnhu2C7d0obOTgAEAgHAyOBQBueHvD+l+G7FrLRLRLS3ZzIUQnG49etAGnQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUARmCIzrOYkMyqUEm0bgpIJGeuMgcewoAc6I4w6qwznBGaAHUAFABQAUAZp8O6J/aX9pHRtP8At4bf9q+yp5u7134zn3zQBpUAMeKN3R3jVmjJKMRkqSMcenFAD6AKOsaLpet26waxp9rfRIdyrcRK4U+oz0oAnsbK0062W20+1htLdPuxQRhEX6AcUAT0AFAEc8EVxGY54kljJB2uoYZByDg+hAP4UASUAFABQBELW3FybkQRCcrtMuwbyPTPXFAEtABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAQ3Fpb3EsEs8KPJbP5kLEcxtggkHtwSPoTQBNQAUAFABQAUAZmu+HdH8QQpFrem218iHK+dGCV+h6igCTQ9E0vQLP7Jothb2MBYsUhQLknufU/WgC/QBheI/Bug+JLq3udZsPPntlZIpUmkiZVbqMowyPr/AFoAvaHounaBp6WGj2kdpbISRGnqepJPJPuaAL9ABQAUAQ/ZLcXhu/KX7Rs8vzCPmC5zgHsM0ATUANkRZEZJFDowIZWGQR6EUAVJdH02WwksZLC2NpKcvD5ShGPHOPXgc+1AD9N02x0q1FtptpBaQL0jhjCDPrx396ALVABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFADJpUhieWVgkcalmY9AB1NAFfR9Ts9Z0y31HTJhPaXK74pApXcPXBANAFugAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAM7xK6x+HNUduFW0lJ+mw0AYXweVk+GPh4MpU/ZFOD6Ekj9KAOuoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCh4h/wCQBqP/AF6y/wDoBoAzPhonl/Dvw2u4t/xLLdsn3jU4/WgDoqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDI8XeIbXwtoc2qXqs8cZVAq8bmYgKM9ByetAGlaTfaLWGfbt81FfbnOMjOM96AJaACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAo69qP9kaHqGp+S0/2K2kuPKU4MmxS20H3xigDkNH8TePb/Tra9Hg/TXiuYY5Y8atsOGGeRsPYj6e9AF7+3PHH/QlWP8A4Ox/8aoAjbX/AB3nYngW1BJxvOtptHHX/V5P5UANOq/ESAyxv4Y0a5bbhJYdUZEz6kNHkjpxxQBDHrHxKDr5nhTR2UD5gupEEn2O047UASjXviBGiB/BNhK3O4x6yqjp6GPj9aAI38T+P0i3L8OI3O7Gwa7DnHPPKYxx655oAp6te/ErVdLvLVfCuj2sd1C0WyXUi7oGUjkqADjPbFAEehy/EnRvD2l6Vb+GdIf7Bax2xkfUT+82KFBwF44A7mgC8ms/EtQRJ4T0dySMFNT2hR3zlef89aAJ/wC3fH6SOW8FWEkZKhETWQGT1JJjwfXgD8aAIm1v4j3EhFv4P0uyRcj/AEnVfM346EbF4z05H5UAJFrHxKEiGXwpo7IPvBdTKk/Q7Tjt2NAD5NZ+IpePy/COlKoHzhtVySfY7Bj9aAJV1zx6mS/gqwk6YCayFI9TzH/n3oAo614s8e2Gl3d7/wAIRZW8dpE08jyausgKKMsAqoDnH8qAO30m7N9pVpdsoRriFJSo6DcoOP1oAtUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAVp7+2t762spZNtxdBzCu0/Ntxu5xgdR1/pQBS8K6jdanpDXF8sK3Ed3dW7eSCEPlTyRggEk8hAaANagAoAKAMHxvtTRBL5EMrxTxMnmqG2HeBuGR1GeKAN4DAwOBQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBneJVDeHNUVgCDaSgg9D8hoAzvhr5v/AArzw4biTzHOm27bvYxqR+mBQB0VABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBk+MJI4vCWsyTKXiSxnZ1U4JAjbIBoArfDpg3gDw4wLEHTLY5bqf3S9aAN+gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPOPHmleLPE/ii0i8M3/8AZNto8ivLO0uFmdlzt2gZICkDnj5ulAHXeJNSu9H02ymiSKV5L21tptxwNskqxsR7/NQBzV7Lc2d7rugpY60yX919ot59PATy45I034kPCnzBIfX5qAE0HQfiBp0EkX/CRWcsBbMKX8BnmjX+6zqVBPvzQB39AHHfE3xTqnhS00y703TmvLZ7xEvXVCxjiLBcAA/eJbj3HvQA8T6j4j07WWazuILGe3jWzhuYtkm/59zY64I8sjPPBoA6q3V47eNJW3uqgM3qccmgCSgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAM7xKceHNUIBYi0l4HU/IaAKPw6/5J94a/7BVr/wCiloA36ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDE8ef8iN4g/7Btz/AOimoAb8P4XtvAnh+CRCjxadboykgkERqMZFAG7QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAGNY281v4p1Rwj+RdQQSK5X5RIu9WGfps4+tAFQaBqd9rVvea7qcNxa2b+bb2dtbmJN/Z3JZixHUdADzQB0lABQAjZ2nbgHtmgDBGm61e6uraxcWR0y3ZZIYbeNg8kgOQzkk8A8gDvj0oA09N0y3003X2bzP9LuGuZN8hf52xnGeg46DigC5QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAjKGUqwDKRggjgigBI40ijWOJFREAVVUYCgdABQA6gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoARlDKVYAgjBB6GgAVVRQqAKqjAAGABQAtABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAYHxD1W60PwPrOpaewS6trV2iYgHY2MBsHg4znnjigDU0a4ku9IsrmYgyTQRyNgYGSoJoAt0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAyKaOXd5UiPsOG2sDg+hoAfQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcl8XyR8MvEJBI/0Run4UAdBocRh0SwibOY7eNTkYPCjselAF2gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCrYahDfNciAN/o0zQuSOCw64oAtUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBHNtKGMuEMgKrzg5x2oA534daPBo+gmO1vnvYpJpGDvCkZyGIOdoyxyD8zEk+tAHTUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHOfEy3S5+HfiOOXO0adO/BxyqFh+oFAGxo1w93pFlczY8yaCORsDAyVBNAFugAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgBpdFJBZQQM4J7etAGPpfi3QtVnlhstSt3eLk5cAMNxXIz1G5WGfagDkvD/AI9XV/Et0P7WXZb3L2w0mC0MkjLnCyGQHjJ59McUAej0AVLy6mt7qziis5bhLiQpJIhAEACk7mz24xx3IoAg1XW7TTbVZ2bz1+0pbMIiGKuzBefpnkUAUPC25NW8QxPEY9t8GBIxuDRqc/rQB0NABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBn6lruk6WobUdRtrYEMR5kgXO0ZP5UAZ9zq2kXdx4fvrdItQF3OyWlxEQfKDROS49sDB9N1ADvBIEelTxoAqR3k4UDt85P8yaAN6gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCOa4gt8efNHFnpvYLn86AIv7Rsf+fy3/7+r/jQAq31ozKq3UBLdAJBzQBOCCMg5HtQBA1/ZoxV7uBWU4IMgBBoAEv7N2CpdwMzHAAkBJNACm9tBIYzdQBwcFfMGQfTFAD/ALRDjIljwF353D7vr9KAI5L+zilaGS7gSRMFkaQBhnpkUAH2+z3bftcG7pjzBmgBwu7Yx+YtxEUzt3BxjPpmgB0M8M6loJUkAOCUYED8qACaeG3UNPKkSk4Bdgo/WgDl/iheQj4beIHjukUPYzIrIyncSpBA+vSgDW8MXds+gaakdxEzC0iyquCR8goA1SyqQGIBY4GT1NACO6xoXdgiqMkk4AoAhS+tHJCXUDEAk4kBwPWgCZZEZdyupXAbIPGD0NADqACgCBr21VgrXMKk8AGQZNADobm3mz5M8Um3AOxwcZ6UAS0AFADGmiQsGkRSoywLAY+tAD6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAIbu6t7K3e4vJ47eGMZaSRgqqPcmgDhhpOlfEDxQdXuLSeTTNOiEEEj74lupNxZjt43IOByMEk+lAGjL8MPB0t7cXb6LD5twoVsEhVA/ujOF98daAN/RtE0zRLf7PpNjBZx+kSBc/X1oAv0AcXpPxI8MjTZpNX1u1sLu2kdLi2upQkyMCeAhAZvbAoAp+FfCtp/aY8RR6Mpk1O+nuna6Zke3QkmN1jPAZsKx6EbsEZzQB3yxoju6qFZyCxHfjFADqACgAoAKACgAoAKACgAoAKAON0z4g+HIILyPV9etLS+tbqaOa2uZQssZEjAKF6sAuBlcg0AL4d8I6FdSXWtXOkpJNfztMn2pNxVDjGFP3c4zj35oA1dL8IaDpWqvqWn6bFBdOWO9c/KW+9tHQZ9qANmGJIU2RKFXJOB6nmgB9ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHA/EHRYdd8aeFrK9hWa0LTvIjkhW2pnt1+lAGpdfDfwhcqqtoVrHtOf3QKH9KAIf+FXeDxtI0lQVGARK4/rQA8fDTwqBgae4/7byf40ATD4eeEhtJ0K0YhduWXJPufU+9AFY/C7wfvDDSEUjptkYY/WgBP+FW+D927+yRuznPmvn+dADv8AhWHhIDH9mHGNv+ufp6daAHH4ZeEDGyto0TFzkuzMX/76zn/JoAQ/DHwf5Qj/ALGjGG3bt7bvzzmgBo+F3hAJsGlYXOcec+M/nQAsfwx8JRDEemFB6LM4/rQBCPhR4Q81pHsJ5M5+WS6lZRk54BbA/wAKAHv8LPBzxeU+kBo/7plcj8s0ALH8LfB8f+r0kJxj5ZXH9aAI/wDhVHhLzRIbO5JVtwBvJcZ+m6gBp+E3hE3Bma0umyclDezFP++d2KAJl+Fng9fu6SBxjiV/8aACb4XeE5ITF/Z8qKRj93cyKQPYhqAK/wDwqPwls2fZ77Hr/aE2fz3UAM/4U/4R/wCeOof+DGf/AOKoAtL8K/B4Cj+yt20cFpnJ/PNADZfhT4QeFo106SENjJiuJEPHuDQBG/wk8JPGiG2vQE6EX8wJ+p3c0AR/8Kf8I/8APHUP/BjP/wDFUAWbf4V+EYIygsJZM9TLdSOT+JagCb/hWvhb/oHv/wB/5P8AGgDO+G2lWei+KPFVjYvOsMM0WyKSVpAoKZONxPegDvqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAK72Fm90Lp7SBrgdJTGpcfjjNAFigAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAKsumafLepey2Ns93GMJO0SmRRweGxkdB+QoAtUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcnr//ACUbwx/1yuv/AEAUAdZQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcd4Lkil8ZeMTGQWS7hRjjkHyhx+tAHY0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBlaTraajrGsacsDRtpU0cTOWyJN8ayZA7Y3YoA1aACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAM/wARaouiaFfao8RmWzgaYxg4LbRnGaALdpMLi1hnC7RKivj0yM0AS0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBxviffB8R/Cly0qiFluYPL7l2QEH6YB/OgDsqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDivBWyHxz4yhDl2e5hlOcDbmPGP060AdrQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHJeEP+R18a/wDX5bf+ksdAHW0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAc78Sf+RA1/8A68Zf/QTQBr6R/wAgmz/64J/6CKALdABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAYuseHk1PXdI1Rrl4jpbu6xBciQsuOfTFAG1QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAYGi+HX03xRrWrtcrImpeXtjEeDHtGDk96AN+gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOP8ABcgk8ZeNmCsuL6BcMMdLeMf0oA7CgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDm/idII/h9rxIY5spF+UZ6jFAGzpH/IJs/+uCf+gigC3QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAEL3VvHdR2r3ES3Eqlo4i4DuoxkgdSBkZ+tAHLeECV8a+Ni2AovLY5z/ANOsdAHV21xDdQJNazRzROMq8bBlb6EUASUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBy/j+7t7z4d+IZLO4iuEWznQtE4YBlBDLkdwQQR2oA2NMuYYNL01LiaKKSaJEjVnALtszhc9TgE/hQBoUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBh6zCIdbsL241y8s4XkS3jsowvlTyHecN8pbkehA+WgDStdRtLq8urS3mDz2ZUTpgjZuGR9cj0oAtUAZWj+JNI1m6ubbTL1biW0cxygKwAYHBwSMNg9xmgDVoAKACgAoAp32p29je6faTCTzNQmaGEqhKhljeQ7j0Hyofr+eAC5QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBnS69pUOuQ6JJfwLqc6GSO13fOygEk4+gP5UAaNAEdzMltbyTynCRKXb6AZoA5Ua1Br134X1HTpWW3uHkYxtjcMx5AYAnB9qANjwffS6j4X0y7un33MlunnttK/vAMPwf8AaBoAu6m95Hp876bFFNdqhMUcrFVZuwJHSgDI8R6y0Wga4unygarp9mZGjRSxjdkJTGRz0P5UAb6OsiK8bBlYZVgcgj1oApwHU/7XuhOLQaaI0+zlC3nb+d+/PGOmMe+aALtABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBzPjjwkniKK2vLKf7Bremt5thegZ8tv7rDuh6Ef/qIB514bsvGvinXvENhq1idBs7y5jOo3MTHMoSNYzHCfRtmd2eAaAPY9OsrfTbGCysohDb26CONB0VR0oAsUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB5J8R/C+q+GdN1y98F2wudP1pGS/0sA/JI/wAvnRY6deV6f0AN/wAC+HtUvbm18SeLR5d7FAI7GwVspZJgAk+rnue3SgDvKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4jxN4N1O/wDFSeJINVM32JY2tdN8hEBZDkr5zbiu4k5wBn5cn5QQAQ3OtfENLh2HhzSbe2lXEck+ojFu3PL4HzZ44H50AVZtb8e3tk9rNoGkqbmB4V8nVF3OzL8sq56Lw3HJ/KgDQ8CeGfFGl6Xpdtr2vRGLT0VVtbKBVDgDAV3IycewGfU0Adv0oAzIILPVLuy1q3uJ28pHSMJKRG4bg7l6Egjg9qAOd8Oa7qviXVrCa50efSYbXzy/m3K7ZiPkwqDlsZzkgY5HegDspi4hcwqGkCnaCcAntQBwOqz+Lta07TL1PDRtb7SrwXZie8VRPhXjKIRk8q5+8AMetAFbxNrPxGnNpd+HtA+ywAgNbTSxmRznneOdq9cYOeh9qAGeJtK1vxqYR/ZGr6NeQLsW4OpiGGB+f3qrGSXIPTgZwBkUAIZvHvhLU7FLyW98VaYltmdrW0jExkzgL1HGMc9TQBp2tj4y1Pxxo+vTXA07QlgkE+lmU7wSp27wPlLbip9sEfUA7ugAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA5jw54htbm/1eO9vY4LiK6ZFt5pNpSNRhWCk8A8mgDn/AIb381nqQ8OXUGn6hdRebc3GqWcwkLuT96TgFXYSYHJ4B7cUAdfq2o3dpr2j2kAhNveNKs24HeNqgrt59c5oA43xT4u1zTviE2j3Xh+9v/D11atFGsFuGM8uzexU56YypHtmgCfwsbq8uNP0+18G3Phmy0+7Ny+4IkTjYygAKeSdwJ46jvQB13hWzk0/RIraVGQpJLtVuoUyMVz74IoAy/FfiNfD2u6Y9/HcjTpY5FaWGNnVZOMBgPYHHFAFLTZY/FWoa5qOmQzw2NzYJZCaWIobmRWlOVU4OF3kZ77vagClZ+N9bi02xW08F6xMtqix3qmMK6kKBiMEjfz+lAHPeGpfEujeNbzxBrvhPU3mvreVTJZt53nBpEaJXQNtj8tF2j1y2TQB0c/i3xpe2vl6R4LuLfUI5SXW8lVYWj5xh8jLHg4HTBoA7XRFvk0eyXVmV78QILhlAAMmBuxjjrmgC5QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAFbUbC01O0a1v4EngcgtG44ODkfrQBTg8NaLb3VpdQ6dAk1kgS3cLzEoDgAfhI//fRoA1aAEIyCPWgDh9J8N+LtIRNMsdesxpMRYRO9qWuEQsSFyTgkZ6n8qAOostEsbR7WVIQ9xaRNFHO3LhWILc+5AJoA0aACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDkPH3hCHXEjuLTRdIvb8NtaS/VgFQjBwV5J9jQBs6FosWjaBFY6fBaWMywhWNtFhBJjkgHkjOetAFC18PalBfSarc6ml/qYXy4POi2wwpkFgqqepx1z6UASaFpOrnVW1bxHdwS3CxmK3trVSsNup+8Rk5LNgcnoOKAOhoAKACgAoAydU8P2uqana311Lc7rTBjjjmZE3A5yQOv40Aa1ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAgIPQ0ALQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUARPdW8cywvPEsrdELgMfwoAxLrV7G28aQaXPrJS6vLQ+TYbRjgkmTPXJGRj2oAg8NXWpSeFdMa2ZJ5xOI7l7lyCEDkOfdsdKAOnoAKACgAoAKACgAoAKAGQyxzRiSGRZEPRkOQfxoAfQAhIUZJAA7mgBaACgAoAwtM8TW0/guHxJfKbaD7J9pnXBJiwMuPXggj8KAKWva5Dq3gSTWPDl8roTFLFMhP8Mqkqe/IBBHvQB03nRq0aPIiySDKqTgtjrgd6AJKAG+YnmCPeu/G4LnnHrigB1ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUARXc621rNO4ysSFyPYDNAFXw9qket6HZapDG0Ud5CsqoxyVBGcUAX6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAGudqMR2GaAOS+E9xJdeFGmmcs73twck5/5aNQB19ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFACO6xozucKoySewoA8t1LwLqXiLxVB4702+htryGRXtLOfcYpY1GBvZTlSevyggehoA1T4O1TVviHY+KdZttMsWsIfKRbW5luHkwSQCWVFUfM3OCaALR0bxGbsaUYNOXRRfR3gu0ndZgEmWUJ5e0jO5QCc4wT3oA7SgAoAKACgAoAKAIL+f7LY3E4KAxRs4LnC8DPPtQB55Y6x8Q9WtLVp9M8OrHeQHdZ/bJEkdHGBLnB2qMjgZPP5AFbTvh8LHX4Ui8QXfh+4mgL/YNF3iFgp5ZnkDBjlu4GRjA4JIB6Vptq9lYw20l1PeNEuDPOQZH9zgAZ/CgCGea0v7m60eaJpQIFacFfk2uWAXPcna3A6DGcZGQDnfE+q6xpd+NO0e30dNNi08PNNqF0YEthuKgnAJK4Ht9aAOi8O6e2k+H9O055fOaztY4DJ/fKqBn8cUAZmvnxj/a0KeHl0VbBk/eS3vmM6N3wi4znjHPY0Acrc+EPGT6ZP4Yt7/TE0ZrgzRahMrS3CoZPM8tosBG+bK9cbfyoA0PDfgTUtD0XXbIalZO+owMkAt7P7NHHJsIDlASAckE4oAyvEfhu+8SWv8AaPjGw0vw+LKAI+oR3sk0yKp3Fk2hVTknGS3uCKAJLHS/HHhzVXn0e7m8XaRPAv2X7fqKxvEzdWY7PnGMEYxxnvQBqaJ4BvLTx6fF2o67Ld3Uts0Ulr5W2JGOOE54QY4Bye5NAHc0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBm+KSo8M6sWBKizmyAcHGw96AMv4WY/wCFb+HMZA/s+HGf90UAdNQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBHcf6iT/dP8qAOM+Cv/Iixf9fM/wD6MNAHb0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAMniSeCSGQZSRSrD2IwaAOIsdf8AEHh0JpWreG9Q1JYSyxXunqskbRj7m4E5DYwDxQB1mj38mo2vny2NzY88R3ChW6Z6dqAL1ABQAUAFABQAUAFAGJ4i8MxeIHjW91HUI7NdpezgkWOKUgk/MQu85zyN2OBxQBprYWi3i3a20IuUi8lZQg3Kmc7Qewz2oAsUAFAHPa54cvLrURqOh61Lo926hJ8QrNHOB93chI5HYgj8aAJtI8PtBBcjW73+2Z7tdkzTQqkZT+4IxxjnvnNAG2BgYHFABQAUAFACMoZSrAEHgg0AYfinxZpnhuJFuZPNvZiEt7OLmWZz0AH179KAMzS9O8T63qNpq2u3z6PawP5kWk2hGW9PPk/i4Jyg46dxQB2FABQAUAMWaJnKLIhYdVDDI/zigB9ABQAUAFABQAUAFABQBT1pFk0e+RwGVreQEHuNpoA5/wCEiTR/DnRFnzkW42A9kydv6YoA6ygAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCOWeGHHnSpHnpuYDNAFQ63pKkg6nZAjgg3Cf40ATDUbIqGW8tyrdCJVwf1oAX7daf8/UH/fwUAH260/5+oP+/goAjfVdOjcI9/ao56KZlBP4ZoAeb+xIwbu3IOR/rF/xoA5H4UT2Vt4ZnjS5iVRqF1tUyDgea2APbFAHYC8tSCRcwkKMnDjigBPt1p/z9Qf9/BQAn9oWW/Z9st9wGdvmrnHr1oAX7daf8/UH/fwUAKt5ak4W5hP0cUASebGBnzEx/vCgB9ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAc14d1+71Lxj4o0meJFttIe2WB1By3mRb2z9DQB0tABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHO+OvEUvhnTbS6ggSZri9htirkgAO2CeO+KAOioAKACgAoA8g+I/wAIJ9T8QDxL4funkvvMDy2lxMyrIOhCuOVoAn8OaH4O12+WwvrfVNG1yKMmTTLi+lRiDn5k5xIvBwy+nagDd/4VH4Z/566v/wCDOb/4qgA/4VH4Z/566v8A+DOb/wCKoAkX4VeHliEYuNYCBtwH9pTdfzoAafhJ4W3h1TUEfZsLLfSgn3PPXk80AN/4VH4Z/wCeur/+DOb/AOKoAq3GgWXgTV9BfQZ7sSarqSWdwtzdPPuiMcjEAMTj5lXkUAei0AFABQAUAFABQBV1b/kFXn/XB/8A0E0AY/w1/wCRA0H/AK8ov/QaAOioAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA828YaXZ638XtCsNTiM9p/Zk8nlFiFLBhg4FAG2Phf4IAAPhqwY+rR5J+poAnHw78IqoVdBtAq9AAcD9aACT4d+EnRl/sS3XcCMruBH05oArT/C/wAIzEZ0sJgY+SVlz+tADofhh4MjC7tBtpmU5Dy5dh+JNAFj/hXnhH/oA2nBz0P+NAEJ+Gng8KVj0O3iBzxHlevfg0AQp8LfCSRui6c4DgA/v3z1z60ASWnwy8I2zMRpKSZGMSyM2PzNAEsnw48IOG/4kVsrMu3euQwHsc0AVj8LfCOV/wCJYRtGP9c/P15oARfhX4SU5WwkH0uH/wAaAMLx14J0XRNOsLzTILiOZdStVz9pcgKZRnIJ5FAHqFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcd4OVh488cNjCm6tQDvJ6Wyfw9B16jr+AoA7GgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDjvieGa00EJncdbtMbTg/f9e1AHY0AFABQAUAFAFK90jT768tbu7s4ZrmzffBMy/PGcEcHr36UAXaACgAoAKACgDiPiP5X/CQ+CN0jib+2RtQfdK+U+4n3B24+poA7egAoAKACgAoAKAM/xI/leHdTkPAS0lb7u7oh7d6AMr4Xtu+HXh5vWwiPTH8IoA6WgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDjLt5V+MuniNco2iTCQ4+6POQ568c49aAOzoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDjPi1IY9B04AZ3avZqecY/eigDs6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4rwDP9o8XeN33bsajGmcY+7Ci4/TFAHa0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcX8T5vKbwqm4L5viC0XBHXljgflQB2lABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBxfj8PP4p8E2kSKWbVHm3E4IEcEhI/EH9BQB2lABQAUAFABQAUAc5rOtadqWkeI9OtblWurG1lSeIgqyZjJBweo569KAKPgvUbTw94F8KWWpTqlxdQQWsEags0jlR0A7Ack9AKAOxoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA5ZrK7PxUivxBJ9jTRHhM38PmGdDt+uFJoA6mgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOY+IOkz6xZaVb28TSCPVLeeTbxtVCWJ/MCgDp6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCtPqFpb3ttZT3EcdzdhzBEzYaTbgtt9cAigDlfB1tHpXi7xoGk2wvcw3RaTA27ossc5xtyD1weD7EgHW2d1b3trHdWU8VxbyrujlicMjj1BHBFAE1ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQA2R0ijaSRlREBZmY4AA6kmgDi/iVFFfaf4b1K3njeKz1qzuUcOPLcM2wEsM4Hz5zzQB2Qnh88wCVPOC7jHuG7Hrj0oAkoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA5Dx1/o/iPwZfLyyaq1vtPTEtvKCfwxQB19ABQAUAFABQAUAcV8QvBMuspNqnh6dbHXhbPbiUjK3EbAgxuDx3OD1FAFL4V+DNU0y1g1bxnKLrXY4vs8C7gVs4AAAihfl3HGSw9cZ6kgHoVABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBh+MPDVv4l01YWf7Ne2ziayvFXL20o5DD8uR0NAHneg+GfG+ueJNctvFRistHuJ4mujACDfBIwgCHPyoQoJ75OKAPXLaCK1t47e3QRxRKERB0UDgCgCSgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAbIiyIySKHRhhlYZBHoaAPHvGmh+KfCa2dh4PtP7S0WTU4rq2tizbrJ1YMYz6xFuR6flQB3/g/wAOT6YZ9T1qdbzXL3H2idRhUUdI0HZR+tAHSUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcT8R52TXvBVuI8pJrQcv/dKwyAD8dx/KgDtqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgBqujFgjKxQ7WAP3TgHB/Aj86AHUAFABQAUAFABQAUAFABQAzzYxN5PmL5u3dsz82OmcelAD6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4X4j4PinwMgDlzqxYAdMCJs5/z60Ad1QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHPeMPEUugy6PFBbmY6hepbMwQv5akEk4BHpjPbPegA8Sq6eIvC8yOFBvZYHXb1DW0rde3MY/OgDBezitb3VREjiR/EtrK7uQSylIDnoPlBLADnoaAO7muIYGjWaVIzI21AzAbj6D1oAkoAKACgAoAKACgCC+u4rCzmurjcIoULvtUscD0A5P4UAUdP8RaZfacl+s5t7eSTy0NyphLH2DYNAET2cX/CaW+oAbpJNOkiDcYVRJGf13fpQAvhu6nnuNXhunZ2t751QnoEIBUD6UAbJ4GTQA1HV0DRsGU9CDkGgBVZWGVIIyRwe44NAC0AAORkUAFAFPVdW0/R7Y3Oq3sFlAOPMmkCD8zQA06vZC7s7ZZS73sZkgZELI6gA53DgcEUATpe2r3klmlxE1zGoZ4Qw3qD0JFAE9ABQAUAFABQBx3jHf/wnXgfy9uftd119Psz5/SgDsaAKeoxT3QjhstQayljljlkKIrlo93KYYHAYAjPUdqAOf1DVvt1/p7xxvELTVzZyoxIJJTIb3GCD+NAHWUAFAGL4PleXS5xI7uYb66hDO25mCTOoJP0FAG1QAUAISAQCQCeg9aAFoAKAIrri1lIm8g7D+9wDs4+9zxx15oA5my1gappPh+70rVf7Rt2nWK4u4wE88hSCSo4GWGcdOaAOiN0w1IWf2WfYYfN+0YHlg5xsznO7v06UAWaACgAoAKACgAoAKACgAoAKAMbxXLPDaWTW8kkZOoWyuUYjKGVQwOOxGc0Aas08VuqtNIsaswQFjjLE4A+pJoAfkZxnn0oAWgAoAzpde0qHWItIkvoV1CX7luW+c8Z6fQGgDQBBzgjigBaAOf8AF0d+Ftrm08RNoltE2yYLaJMZSzJtwW+70I6H73sKALmtXFzBd6atvf2VpHJPtmS4XLTLg/KnI5zj/PUA1KACgCnd3N3Df2kcVoslnIH+0XBmC+RgfL8p+9k8cdKALMUscyb4ZFkX1U5FAD6ACgCC/a5SynaxSOS5WNjEkrFUZscAkA4Ge+KAM7R76/i0OW98SPp8ckO+R2sXZ4kjAzySM5HOaAL+m39rqdjDe6fOlxbTrvjljOVYe1AEl3cRWlrNc3DhIYUaR2P8KgZJ/IUAR6bf2uqWEN7p86XFtOu+ORDlWFAFkkAZJwBQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAR3Hm/Z5Ps+0TbDs3dN2OM/jQBwNn4p1+2trO31DwNqF1q1tBjzI3jKFsYJWQnjOPrQBNeaf4w8Qm01OQWmi3GnS+fZ2jHzd7kFWEpHT5GYDHQtntQBen8O6vd+H9RNxcWset3sizBo1JhQpjYvPJGByfegChL4G1TX9S0bV/FOr7b3SrgTRwWSbYuGBwc887Rk+nFAHe0AFABQAUAFAHEXDeJdf13XdNsNYtrDTbbbCssUO6dXZASATxxnrQBn6BoHxG0WyNtHrWlXERlJRJonYxKeuGJyR7Hp60AUvFHw01/wAcRW9n4s1q3W3sGkaCW0hw8rNj7wPAAAxxQBpW+heO4k0gR32kQLpOIwqxuxuY9u0hiTxxg/UA0AdlpentZXmoTFsrdTCQD04A/pQBPcXccd5BZOjM9yrkYGQAoGc/mKAMTXDqmkDSrLwrb2CRPI0bxT5VVXGcjbz1z+YoAs+CIoo/DcEkF5FercyzXRniBCM0sryNtB5wC5Az6UAbMsiRRtJK6oiAszMcBQOpJoA5LTLC7vvhu9np+qkSXEcwtr98kmJnby39eUKnNAGT4dtvH6+HtOMd3pchtAQqybybxOQC7dRxg8daAMrWPDXj/X4Zp76DQGkukCrFOhc2yHGUXOQD1+brmgDpvs3je1tra20mPRre1tUSFIpC7koAFyW/2RzjvQBJ4W8BRaH4pu/Ec2pXF7qN7A0U5kACksUJIx0H7tQB2FAHYUAFABQAUAFAHH+NCIPGPgm5k4iW/nhJx/E9tIFH5igDsKAOP1OTxLpPiy8vNP0ePVtPvLeJV23AikhdN3ByMbTuJ+uaAGx6DrV5os93ObWz1qe6S8jjGXihKgBVJ7nGcn39qAM7XNC+IN/JaXdrrVhaXCkK0UasI4RvBL/7fyjaQfXjFAE9/qfjS1voIZ77wxZyGQiKCWVg14vTIBORz2GaADS9K8caPa3GnWk+lzC4mknF9NuzE0hLsPL/AIvmJxzQBM+keM9W1KwutQ1Oz0y0hYfaLG2DP5mDnIc4xn+VAHbUAZsUVhrEtrqSq7NaSSrExJXBBKNx3HBxQByukap4g1jxJZRatDZada2V9cmPbdfvb3YkkeBH3UeYGPoVHFAHeUAcr47vtUSTT9I0yxtryPWBPbz+ZcGJo18sncuM8YDDPYlfWgCh4U8Cf8I34bs9MsQsWzU1vpF8wsAARwCevAH40Ab+uXN1b694fS3uFSG4uZYp4T1kXyJGBH0ZB+dAG1QAUAFABQAUAFABQAUAFABQBleK7G41HQbmCyCG6wHhDnCl1IIBPpkUAeUeO/EXih9Y0ga34Sb7NZ3Ed2UtrneQUcbW9ANwAJI4GfWgD0PRJ9V1TxOt5qWnrpS2lnJELY3KyvJ5joQ+B0A8oj3yfSgDqaAOS8S654jt/EcekaBp1lcLLZm4+0Tz7fJIYg7lHblcevzelAGSl947e8tr1fCujsR+7kk+0je/o4bHC9fzoA53wj4S8aeAZrm4ursa7BqFvslV70xrayE/eJfOfTIxQB6j4VRI/DthHHdC7CQhfOD79xHB57855oA5/wCIPg/U/El1Bc2Wq+RHaQny7Rkyry7gwYn6qo9ucdaAOZ8TaP421/WLLV7jQLAw2DxNHaPdZkVkkDl0OMDJAHPagDW1q68ea1bXmnLokOnQ38PlwTJfDzbc5wzNgc8EYx7etAGX4O8P/EHwbBe6ZB9l1o3DeZHf3d4+E4xjYckfSgC3dP418T6g9hqvhq1h0uD5ZEa9ZVmf5TuyoyygHpxyD6UAdf4H8OReFtDGnwiNA0rTGOIERxlv4Vzzge9AG9QAUAZvieG9n8OalDpRAvpLaRbfJx85U7ee3NAHn/hW017wn4Luzp/hKSSa5vDt0prlW8uMjBbcTgg+lAHR+A9I1PTtA1NZ7O30qa9uZJ7azicvHahkUY/FwzEDj5qAOd8Jf8JZ4X8C3VlcWLeJtYivnSWMT5XYwB+8+M/T3oA6f4caVfaVpV8b+xh003d49xFYwyb0t1KICoPbLBmwOPmoA5nUpfF/xB0nVNLtIYNBhgnlg+1iUuZyrYCrjGBjqfWgD0PRLW4stGsrW9nFxcwQJHLKBjewABOPc0AXaACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAYk0TySRxyIzxEB1ByVJGRn04oAfQAUAFABQAUAVdTtHvrKS3jvLiyLjHm25UOv0JBxQAzRdLg0ewS0tmlcLy0kz75JGPVmbuTQBdoAKACgAoAyfEegx65DCv2290+4t33xXNlIElTjBGSCCCOoII6egoAg0LwxHpV39ruNT1HVboIUSa/lVjGp5IUKqgZwMnGeKANxVCgKoAA6AUAZuuaBpuvQrDq0DXMCkN5JlcRsR/eUEBvxBoAZqnh+11KNIJp7uK1UBWtoJjHG4HY45x7AgHvQBqRosaKkahUUAKoGAB6UAOoAKACgAoAKACgAoAKAOL+Id35XiHwVa7G/e6xv3BsY2wyDHTvv8A096AO0oAKACgAoAqXel2F7PFPeWVvPNBzFJJGGZO/BPSgC3QAUAJkHIyOOtAHHR+EvEFhJLb6H4sNlpbyM6W0mnpNJDuYswSQsOMk4ypx70AdDpmi2lhb2ibftE1orCO5mAaXLffbOOC3fGKAL8ql4nRXaNmBAdcZX3GQR+YoAyNI8Opp+pS6jdajfapeunlrNeMn7pOMqioqqoJAJwMnAyeBQBsMCVIDFSR1HUUAYuk+GobDUpNSub691O9YFUmvHU+Sp6qiqqqoPGcDnAz0oA26ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDJ1zw7Ya3c2E98Jd9hL5sXlyFM9CVbHVTgZHQ4oA0BaW63jXiwRi5aMRNMFG8oCSFz1wCSce5oAW7hee2kihuJbV3GFmiClk9wGBH5g0AZGh+GYNOtrwX1xJql5qH/H5dXIXdMBkBdoACqASAoGOT3JoA17S2hsrWK2tY1ihhUIiKMBQOgoAbfWVrqFq9rf20VzbvjdFKgZTg5GQaAJIYo4IlihRY40GFVRgAfSgB9ABQBk2nhjRrLXLjWrewjTUbnPmT5JY5xnqcDoOlAGtQAUAFABQAUAFABQBma1bazcKF0bU7SwypDGezM5HuuJEwfrkcdKAJtG02PSrBLaOSSZslpJpDl5XPVmPqf04A4FAFfX9O1LUIhHpusyaWCpV2jgSRjnuC3Q9aALOjaZb6PpkFhZ7/KgXAZ23MxJyWY9ySSSfU0AXKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOS8If8jr41/6/Lb/0ljoA62gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCnrepQ6PpF3qVyGMNpE0rhRzgDJxQBYt5luLeKZMhZEDjPoRmgCSgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDifHkSS+NvAqyEAC/nYZ9RAxH6igDtqACgAoAKACgAoAKAOS8Lf8j94y/662n/pOtAHW0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBz3ijXZ9K1fw9ZW+z/AImV6YZdyk/II2Y4PY5C0AdDQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAFXVbwafpl1eFN4t4ml29M7QTj9KAG6JfDVNGsdQCeWLu3jn2Zzt3KGx+tAFygAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOS8If8jr41/6/Lb/ANJY6AOtoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA534k/8iBr/AP14y/8AoJoA19I/5BNn/wBcE/8AQRQBboAKACgAoAKACgAoAKACgAoA5DxcB/wnngjI/wCXq7/9JZKAOvoAKACgAoAKACgAoA5Lwt/yP3jL/rraf+k60AdbQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHGeNvPl8ZeDLaHaU+2yzMCB/DC3P5E0AdnQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAGX4s/5FfVf+vSX/ANANAEXgj/kS9C/7B1v/AOi1oA2aACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA47wVGkPjPxskeQPt0DEEk8m3jJ6+5NAHY0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAc18TpFi+H2vFzgGykUfUjA/nQBtaR/yCbP/AK4J/wCgigC3QAUAFABQAUAFABQAUAFABQBxni/P/CxfAuJCAJr0lMDB/wBGYZz7Zx/wKgDs6ACgAoAKACgAoAKAOP8ACKCPx740UMzZntW+ZskZgU/lQB2FABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcf4sVm8e+DdkhjxNckkAHP7luOfWgDsKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAyPGL+V4S1h9rPsspjtUZJ+Q8AUAN8Ef8AIl6F/wBg63/9FrQBs0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHK+Ob7X9GlstY0iL7bptqW/tCxRMyvGcfOnqVxnHegDh9G+IFjL4i8Tt4UA1XUtXurf7DEqkAgW6Au+RwqkHNAHq+jxXkGl20WpTrcXixjzpVGAzd8D0oAt0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBzfxGdX+H3iBo2DAWUw+U55CkEfmMUAa+kSKukWG8hC8MYAY4JO0cfWgC7QAUAFABQAUAFABQAUAFABQBwnxDjD+NPAnzrGRqMp3H2hJx+OMUAd3QAUAFABQAUAFAHM+OdU1vQ4bXU9Ktku7G3cm/gC5l8r+8nuOuKAOK074gaNa+JPFF9pTjVbrUpbRLC0tzmS4fyAMY7AHOSeBg0AemeHxqf9jWx1wwnUGUtMIRhFJJO0fQYGe+KAL9ABQAUAFAGTrHifQ9EuUttX1a0sZpE8xUnlCErnGefegDCu/ix4Gs5jFceIYFcc/LHIwI9QQuCKAJYfij4IljR08R2e1+m4sp/EEZH40ASf8ACyvBf/Qx2H/fygA/4WV4L/6GOw/7+UANHxN8GGQouvW7bQCzqrsi56ZYDA6dzQA7/hZXgv8A6GOw/wC/lAB/wsrwX/0Mdh/38oAP+FleC/8AoY7D/v5QBFcfFLwRbhTJ4js/mO0bdzc/gOKAJE+Jngp1DL4jscH1cj+lAC/8LK8F/wDQx2H/AH8oAdH8R/BruFXxJp+T6y4H5mgDk/Hfj3wudb8KXEOt2ckNvfNNNJFJu8tPKYcgc8lhQB1P/CzPBWF/4qOx+bp85/woAX/hZXgv/oY7D/v5QAf8LK8F/wDQx2H/AH8oAkt/iH4PuHKR+JNNyBn5pwo/M4oAhj+Jvgp1DL4jscH1cj+YoAd/wsrwX/0Mdh/38oAvaT4x8OaxerZ6XrVndXLKWWKKQFiB1oA3KACgAoAKACgAoAKACgDC1/ULO+8Na6tldRTtbQzQzCNwTG4Q5U+hoAj8I3tvZeCfDpvJo4PNsraOMM2NzGNcAepoA6GgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAyM47igAoAKADp7UAFAGLofhLQdA1G+1DSNNitrvUHMlxKpJLEnJxk/KMnOBgUAbVABQAUAFABQAUAFABQAUAFAASAMngUAFABQB458R9L1LwHouvz6HC1/4e1tHFzaFzvsZ3481OuUYnlexxjjoAdF4F0zVvEFzY+JvEkb2cNtCF0zTc/6oFcGV/VyOnoDQB6DQAUAFABQAUAFABQAUAFABQByHi7/AJHzwRn/AJ+rv/0lkoA6+gAoAKACgAoAKACgDm/D/gPw74e1y+1nS9PSK9viS7k5CZOSEH8IJ7CgDpKACgAoAKACgDjjbwy/GF5JYkd49CTYzKCVzO+celAHXeTF/wA80/75FAB5MX/PJP8AvkUAHkxf88k/75FAEL6fZSY32kDbXEgzGDhx0b6+9AEiW0EZcpDGpc7mwoG44xk/gBQA7yYv+eSf98igBptrc5zBGcjByg5oAgudI0262/adPtZtnC74VbH0yKAEtdI02zcvaafawORgtHCqkj04FAFryYv+eSf98igBktpbSoUlt4nQ9VZAQaAKj6Bo7nL6VZMcYybdT/SgBYtB0iGRZIdLso3Q5VlgUEH2OKALvkxf88k/75FAEL6fZvK0j2kDSMnlljGCSvXbn09qAIBoWkCIxDS7IRsQxXyFwT64xQAz/hHdE/6BFh/4Dp/hQBbews5I0je1gZExtUxghcccCgCs+gaO+3fpVk20bRmBTgenSgDltY0/T7H4jeF1sdOt7dzHcszwIqHG1RyAM4/TmgDuqACgAoAKACgAoAKACgDzX4jeFdT0tNV8R+Bowby+t2i1LTdhZL0EECRVHPmLknjrz75AHfDbwvq11BpWteMk8q4sLZINP07kLaqEC+Yw/wCejAfgOKAPSKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOU8F6W9prOv3kmpSXrz3RRlkVsxbckKCTjADdgKAOroAKAOY8Qadd3/jDQ2i1WO2trVZZnszkm4I2gHAI+7nvnr0oA6egAoAgu723szALmQR+fKIY8/xOc4H6UAT0AFABQAUAFABQAUAFABQByvxI09tU0myshqDWCTX0Ssyhj5oORsIUg4PXr2oA6lAVRQxyQME4xmgBaACgAoAKACgCCa8ggure2kkCzXG7y1/vbRk0AT0AVft8H9qf2dlvtHk+fjHG3dt6/WgC1QAUAFABQAUAcb4wP8AxcHwLGUypubxsnsRbPj+f6UAdlQAUAFABQAUAMiljl3eVIj7GKttYHaR1B96AI7W8trtp1tpklNvIYpdp+44AJU++CPzoAlR0kXdGysM4ypzQA6gAoAKACgAoA5JP+Suzf8AYCj/APR8lAHW0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcT4h80/FXw0I3ZVW0uSwB4I+Xr+lAHbUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAUtZ1S20ax+2XpZYRLHFlVydzuqLx/vMKALUU0cpcROrGNtjgHO1sA4PvyKAH0AFABQAUAFAEc08MGzzpUi3sEXewG5j0A9SfSgCrqOqQ2MNvLsknSe5jtwYV3hC7BQWx0AJ5NAGR4w8bab4TvdJtNQSRpNUn8mMoQAn+0ckccj86AH+E/MTVvEkMuR5eo5XkEYaKNh2/2vegDoqACgDkDqFnqXijw1qUKshuIrqKIOMPgAE8A9Pk/lQB19AFTS7yW9gkeaynsmjmkiCTYywViA4wTwwwR9aAOd8U36XNnp9z9mmC2muwQtuUZB83yg4/2SXHPoaAOtoAKACgAoAKACgCrfalY6e9ul7dw27XMnlQrI4UyN1wPU0AYvxF1+48O+GZbqwlsob6SRYrZr2VY4d55IZmIA+VWxz1xQA7wfr97rukSi/sP7M1i1xHcW7MHQOVDKyspIZGBBBB9R2oAwbzUNaudAhXxBbQ2uqabq9mshgBeKZXmRQynsCrnr0IoA9AoArQ3TyX09sbWaNYQpWZgNkmey85yO/FAES6pCdek0jZIJktlud5X5GUsy4B9QV5HuKAJtRvrXTLGa91C4jtraBd0ksjbVUe5oAfb3MFzbJc200c0Ei7kkRgysPUEcYoA434keLNR0SHS/+EaNhd3d1OuLeadE+0ISF2xkkZJJ7Zx1PFAEw1aPWr3wfrFqskC3F1cW0kEq4aM+RMXU+hV4cfnQB1d5OLWznuGBZYY2cgd8DNAGBb3aXPjDSLqJNo1DR55CGPKhJLcqP/IzZ/CgDpaACgAoAKACgDgvGjY+LPw9XHU6kev/AE7j/GgDvaACgAoAKAIru6gs4GnupFiiUgFm6AkgD9SKAMDxDHLoNpDeaKlvbRPqUU2oAjHmJJIFkbPqA27/AIDxQAaJPHp994oafCQxXX2pnHZTCmeP+AE/jQBJ4JvYLuwuhb6RPpIjuW3QzYyxYCTeCCRghwevHTtQBX1f4g+HdI8VW/hu9u3XUbgLtRY2ZRu6AkdCcUAdO7KiMzsFVRkknAAoA43RPF9nDf6bodrYa5c2ky7INWuIT5M2BkESMcsCOhxg9Rkc0AdnQAUAcVp8dw3xj1aVwxgj0iBVOeFzIxx+JDUAdrQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQByOqor/ABT0MsPuafcsPruT/GgDrqACgDJ8O+JNL8Rfbv7JuRMbC6e1nHTa6+nqD2I4NAGqzBVLMQABkk9qAK89/bQadLfmVXtoo2kLodwKgZJGOvSgDE8KeIbzVo4brUYdNsra/QS2CR3nmTSKRnDLtAzjk7ScdKAOkoAp6VqdrqsEk1k7MkcrwtuRkIdThhyPXv0oAfbX9rdXV3a286PPZOqTxjrGWUOM/VWB/wD1GgCzQBwq3Vzqvw3hvJ5vttzb3ccsjqn3zBdhiMdh+7wfQUAaFpqtloM/iO51GbybSO7WRmCM7bmRRgKoJPQcAUAS6L4q0vxLqNrJoGv2U1vGsi3FmVxOznGw7WwyY2v1HP4UAdLQAUAFAGBa+K9MOtahpd5dxWl3bShVhnYIzqUDBl9QeefagDn5PBXh7xnquq6jqMcuo2Fw0QhDzvsSRAVdkXOBkBRnHY+tAD7rwhHoWt2M3hbQWktQ/mSQDUmhtoZNwG8QnKltpY5A7D1zQBoeLjp2p39lp0Fna32rLIHjkeMObJQw3OW6r9MjNAHTxW8UMs0saBXnYNIR/EQAoP5ACgDJ1DW4tP8AFFjYXdxHbwXVrK6+YwUNIrxgAZ74Zu9AHEeNLi4vfGa2cmoX9zY3CLBaWWkaiIJBJsZmaXGDtO0DJbAz78AHoOlafDFpumKbMWbWcS7IA+/yDs2ld3fGSM96AKPi3XxoFxo0k8iwWVxe+TdTOPkRDFJtye2ZNgoAyPFMmi+Mo7DTLDVHmlW7SUmwn2uiqfmJZfu8H25xQBtaBokFpoo097D7LFHc+aqGczM5WQOsjMeSxIBOaANygAoAKACgAoAKAPOfH/gHSPHmv3kNz5kGpWdlatBchmxGGkmyNucHOw54z0oA2rP4deH7coLiK51GBFwtrqFzJc26H+8I5CVB9/egC2ngnQrbRLnSNLtW0q2unDymwkaF2Ix/EOe2MemfWgCTw/4Q0fQdPks7KKV45ZVmkaeZpXd1IKkknsQPyoAs+Kr2407w3qN5Zgme3t3kjwM8genegDH1fxDoOs6Fcadba3FLPeQmGMW02JGZhgY28jk80AT+DPDkPhya8t4be6cbIgL+6ujNJcYUjbySVVcAAcDnigBPG+l6Zrr6do+uW/2mzvHkUJnGJAnyt9QN2KAOX0v4T6VoHhCKznTUdXltWkmkt7e8khju2JOMx79oIXC8YzjnNAGp4b+HPhg6YzX3hkRtMSPs1/J9pMC5OAhJIUf7tAHU2+jaZp9pZQWltHa22mkvbxxDasfysp4Hs7fic0Acp4ijtPF2rCPS5r26/syJvOhguTBb3DNjEMjfxDrkYPB5oA0tVv7238b6Hp9hpe6H7NIZ7kISsEZZBsGMAZKg5PYdDQB1VABQAUAFABQBw3jtGTx94EuIQvnC6uYQWGcI0OXx74Tr9aAO5oAKACgAoAp6xp0WrabPYzs6JKB8yHDKQQQR7ggGgDm08H6zc6nbza54tutQsLaVJUsltY4Vcqcr5hHL8hTjgZHSgCz4i8D2Wu3s9zJqOqWX2qJYbmKzuBGk6jOAwwfUjIwaAOV1P4Z6X4d0Ge2sLvxRcaTKx83SbGYMJC2P9nIXjkZ5z9cgF2w+GGh6pp8Wo6i+uPqsypJHeahdE3lpjkICPlGDnjHc0ALffDO6eKX7J4s1nztQ2QalJPKjfaLcZDKo2fI2CQCOmTnNAHSeHPB+maDIs0cl7f3aJsW61C5e4lVcYwpY4Xv90DrQBv0AFAGPb6F9n8XXeuR3LBbu0jt5IMcFkZiHz9Gxj60AbFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAGJf6DJceLtN1yK52C0glgkhIyHVyDkehyKANugCC7vbWyUNd3MNuD0Mjhc/nQBx/wAM9K0fSYdZ1DQoRaaPfXPmQMz/ACyAD5pBn7q7iQB6LnvQBTh0W98bXesSXHiW/wD+EauJGgjs7dI0EgAAJEuN23OeO/rigCPTvhVc2lhNZt401sxXM8ktxHFsjjcOcsAuDtJyckcc9BQB03hHwR4d8IQeXoWmxQSEYe4YbpX+rnnHsOPagC/rmqf2abBB5YN5dpAGkOFUYZmyfXahA9yKAKHjhdRuNLgs9C1H+z9QuLhBHMoDFV6sdp4YY7HigBPA1rcQafcvqM93d373DpPdXVukDTbPkVlVBgJgZHXqfWgCTxD4al1fULe6g1vUtM8tDHKlo6qJUznGSCVOe45xQBlxfDy1tbvGnavqVnpck63FxpqyBo5nUg/eYFgGI+YA/NzQBb1PwpeT63PqOleIr7SBdKguIYIonWQrkbgXU7Tg4yKAGj4c+E3kkmvNGt7+5mB825ux5sshJyWLHofpjHQYHFAHTxosaKkahEUAKqjAA9BQA6gAoApXekabe3UV1d2FtPPD/q5JIgzL9CfrQBbRFjQIihVHQAYAoAdQBDDa28EsksMEUckpzI6IAXPue9AE1AGP4s8P2viPR5bK5gtpHxmFriLesbdjigCv4O8NJoFo4mSzkvHYl57e2EW4dh36UAdBQBFc20F1CYbqGOeI9UkUMp/A0AQaZpWn6TD5OmWUFpH6RIFz9cUAXKACgAoAKACgAoAKAKi2ES6s+ohm814FgxnjaGLfnzQBboAKACgAIyMHkUAU7fStOtp/PtrC1hm5/eRwqrc+4FAFygCrfafBey2cswO6zm8+PBx821l/kxoAtUAFABQA1I0jBEaKgJyQoxz60AOoAKACgAoAKACgDkPF3/I+eCP+vq7/APSWSgDr6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCpqOmWGpxeVqNnBdJ0AljDY+melADb7SLC/tY7W7tY5II/uxdFHGMYHb2oAs21vDaW8dvbRJDDEu1EQYCj0AoAkoAKAKWs6RY63YNZapbrcW7EHY3YjoR6EUAUNB8I6NoVwbiwt384jaJJZWkZR6AsTj8KANygAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA5T4fzSy3PikSyO4j1yZE3MTtXyouB6Dk0AdXQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBy3xUmkt/AmpSQSPE6qmGQ4I+de9AHU0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHFeMGI+JHgNdvBmvjnZnH+jN/Fnjr0xz+HIB2tABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAIrKwypBHTg0AR2lzDd26XFrIssMgyjqcgigCWgAoAKACgAoAKAE3KG27hu9M80ALQBDZXUF9aQ3dnKk1vOgkikQ5V1IyCD6YoAhtNW068vJbO0vrae5gGZIo5QzoOnIHTpQBcoAKAOYu7LV5fiJaXSapGmkw2RzYiVwzSbmDOUAwwwyAFjwRwKAOnoAKACgAoAKAAnA54AoA5y88caJBqcemWk0upX7uENvYxmYpzjLkcKB3JIoA6OgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDkfh3/AMfXiz/sPTf+ioaAOuoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA5L4tf8k/1T/dT/0NaAOtoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOH8YN/xdLwDHuRRnUHwfvEiADA/76P5CgDuKACgAoAKAAkAEk4AoAyNd8T6RoMEMuo3iJ9o/wBSi/M0vrtA6gDnNAFHxb4rtdI8MxavaXVsYLmWOKK5c5iXecBjjtQBa8J67b6zauIb+31CSHHmTWyMI+c4AJ4J45xQBt0AU9M1AX4uCLaeDyJ2h/fJt37f4h6j3oAW01CK5vry0jVg9myq5PQ7hkYoAdqF7FYRxPNn97NHCgHUs7BR/PP0BoAx5I10DVdLtdOiit9PvJphMijkyMCwb8Tn86AH+A8p4YtoSciBniU+yuQKALPibWl0LTvtAh8+VmCxw7wpc9+T6DmgCj418Z6d4N8OjVdU3ZcYit1IDyvjO0Z/U0AbtlcLd2cFzGCEmjWRQeuCM/1oAmoAKACgDhdS1DRLP4m2cculXkl/PiIahvYQQuUO2PGcEke3cUAbcurapa+L49PurBTpN2m22u42yRKFLMjjtkA4PtQBh6A+p2fgPTIfD5sIDDLLbyG8Yqke2R02geoYYx7UAReAdWmuPGmvacfDEOlQW23Zdx2/l+ecndk4GQTyPxoA9AoAoxaxp819eWMFykt3Yqrzwpy0YYEjP1waAMKyu1vvG+majZyh7HUtDklj4wSBJCyn8RLQB1dABQAUAFADZHSNC0jKijuxwKAOJv8ASPENzqviBI5bVba/QeXE9y7MVVUC4X/lmG+cHHpmgDd8Hy2b6WY7TTI9Klhby57VEVdjj6dfr3oA26AKWqaj/Zwtj9luLj7ROsIEKbtmf4m9AO5oAk1G9jsIY5ZVdg80cICDJy7hAfplhn2oAs0AY3jG8uLPwnq13pswS5traR0YANhlGcY9aALN9renafpseoX1ytvbSBSrPnJyMjgc9KAK+s+IYNO0WPU7W3uNTimI8pbJfML5BIP0460AZOifEzwtqqADUVtLkSeS9tcgpIkmcbceuaANLxZ4t0fwlaW9zrVyYUuJRFGFG5mJ749BnmgDcoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA474aoY5/Fql2f/AIqC4OW68xxHH0GcfhQB2NABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHIfF9C/w91IB2THlnK98SKcfQ9KAOvoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOG8bbYPiP4Eu3CECW8twG6hpIlwQf+Akd+v40AdzQAUAFABQBjeKNctNHsmSdJZ7i4QrBbRRNI0rHgDA6DJ6kge9AHP6R8L/DK+Gl0/UNIR5J1V53eRjIH6na+cqM9lIHX1oAmtfhV4Ntdqx6TuiTbiGSeR48joShYgn3xQB19tbw2sKw20SQxrwERQoH4CgDE8Za8vh21sby4mFvaNeRx3EzLlY0OeSewzjmgDI8cT+H/ABXp1noceqwXUt3d28iQ2dwGeSNZVMh+Q5C+Xvyc8daANfwTocfh/Tbiyh06GwjW5fy/LmaUyx/wuzNzuI6g9MUAT+LdAXxHpH2I3txYSpKk8NzbkB4pEOVIz79qAKejeGL231ZNR1zX7rWJoVK26PGkMcWeC2xAAWwcZNACa54g8M+GLGexu72CGUoSthDKDcylzwI4wdxLE8Y/SgDzbxh8N7m38JaHdxprtzq1ukZu1s7pp5FmKcsFY4ID8HaRwc54oA9J0rwZo0en7b6xN5LcQhZ/t0jXLcgZXLk4GR0HFAHSIixoqIoVVGAB0AoAWgAoAKAOfbwbpTeKW8Qv9oa7JDiMzN5QcKFD7Om7aAM0AQ6b4H0+x18ay95qV3dI7PGLm7d0jJBBIXp0Yj8aAK138NtAvLm8e6+3S293O1y1p9rkWFJmOWkVQRhicnPvQBs+HvDWl+HUmGlwujTnMkksryu3plmJOKAL95e2thF5t7cw20ecb5pAg/M0AeZy+GdL1rW9W8VeHUvdRhlREMFlqHkR38gf5yHyBgDHcAlT60AehwaTbR3lleRI0LWlq9rFECNqoxjJH1HlqOvrQBoUAFABQBDd3dtZQma8uIreIdXlcIo/E0AeYaloFp4gOoa0dJ1jWYtRnKWsVtdiBVVVOJQGdVwWHDHPr9QDetPhlosRS5t7jWrO5kiVJ3XUpd8i/wB1yGI6/wB3j0oA6fQtFsdCsza6bE0cZYuxeRpGZj3LMST+JoA0KAOc0TxVZXFxqkGoX1tbTWl48KxTOI3CADaSCc8880Ac9pmhw3euXGv2Qv8AWLO61hZIFW+2W8aBEzcKmQHCyBwOuRyM8GgD0SgDmm8C6NJqWo3k32uVdScPcWzXT+Q5xg5jB2nPvmgDOl+Ffhuaxazn+3zQrnyBJeSN9mHpHk/LQBJpvw00XTrRLG2vNXWwRNps/wC0JRE3qSoPc9untQBb1zwDoWrWFraLC9gtnL50MlkRE6PjGQQOtAEVr8O9E+wm21s3HiCTzRILnVJPOlXHQA4GAPQepoA6ygAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOX8VeK5vDOt6eNQstug3Q8uXUA3/HtKT8ocdlPHPqaAOY0XxXZaAniiSH/Tr671+aOztIW3NO3lRYx6D1NAHpFg1y9jA96iR3LIDIiHKq2OQDQBPQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHk/ivxe+qeCtf0jX7VdJ1yzKh7UvlZYzIu2SNv4gf50AdlYeKf7V8UNpWiwfabKyU/bL0t8iP/AAxqf4m9fSgDpqACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOQ8Xf8j54I/6+rv/ANJZKAOvoAKACgAoAKACgAoAKAIrq2gvLeS3u4Y54JBteOVAysPQg8GgCppWg6Po7O2k6TY2DOMMba2SIsPfaBQBoUAFABQBE9vA86TvDG00eQkhUFlz1we1AEtABQAUAFABQAUAFABQAUAFADZYo5o2imRZI2GGVhkEe4oASGKOCJYoY1jjQYVEAAA9gKAH0AFABQAUARXNtBdR+VdQRzx5ztkQMM/Q0ASIqooVFCqowABgAUALQAUAFAGPqXhPw9qt+l9qWiafdXSHImlt1Zj6ZJHP40Aa6KqKERQqqMAAYAFAC0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAV767FnEjtDNKGdUxChcjJxkgdh3NAEZ1GMayumbG8w25n3dsbtuKAI5NRKeIYNM8sYltZLjfnkbXRcf+P/AKUASX2pQWN1YW027zL+cwRBcfeEbyEn2xGfxIoAuUAQ3tpb31pLaXkKT28ylJI3GVYHsRQBxPg74f8AhjwBqTTwSs95qE7JbNckEpkE7E/AdepxQB3lABQAUAFABQAUAFABQBElzbvcyWyTxNPEAzxBwWQHoSOozQBLQAUAFABQBy3xB8A6R46sIrfU98MsLho7iHAkUZ5XJ7GgDa0DRrHQNLh07S4Fgt4RgAdSe5J7k+tABpOpDUWvdsZQWt09vyfvbQMn8yaALkk0UTRpJKiNI21AzAFjjOB6nAoAeSAMk4AoAxJPE1pJbWFxpe2/ivb37GHRtoUgNuPI5xsP1oA0P7Rh/tf+zMP5/kfaM4+Xbu29fXNAFugAoAKAOT8X/EXQPCWq22l6pJcNfXKLJFDBCXLBmKjngdQfyoA2tK1yy1OV4IWkhuoxl7a4jMcqg9DtPUe4yKAOe8YIx+IvgRw7hVnvQVGNpJtmwT7jBx9TQB2dABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBmpq2/xLNo4t3/c2cd0Z8/L87uoXHr8hNAFuxvIL6AzWz741kkiJ/wBpHKMPwZSKAJ6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCBbyFr97JWPnxxrKw2nAUkgc9Oqn8qAJ6AKGiarFq9rNPCjxiG6ntmDjGWilaMkeoJXPH86ALEF3DNc3FvE+ZbYqJF/ukjI/Q0AT0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcZ8WtZ1jR/DG7w1d2lrqckqhGuZokG3PzY8z5TQA5tSW08UeHbnVZktJb7SrhJRIyhTIrQMBnp/FIeOtAHOQeLtd/4Ttribw/8A2tZW9pJCk2hyfaFUOyOAxbaN2E6cHnOKAOn1W+TVoPDuo/Y760aLVUKw3KNBICUkj+YdcYcnHfHPGRQB1tAFLU9Y03SfL/tO/trPzc7PPkCbscnGeuKAON8S6r4N8RWemaxdeKZrG2tLl/IktbvyN0gJQ54zjrzwMH0NAGzD430e7i0x9HnXUVv7sWoEb4aPgksVPOBgZ+ooA6agAoAKACgAoAbLIkUTySsERAWZmOAAOpNAHN3nxD8JWchjm16zLhUYLG+8kMcDGM56c46DBPWgCxpeqWV54qvoLK3tnKW0TvexMrNISWAQkc8AZ5PegCunjzRG8Q6tonn+XdaVEJJWkKrG2QCVU55I3KDxxkUAbmk3h1DTLa8aFoDPGH8tjkrmgB2oy3UNnI9hbJdXAxsieXyw3P8AewcflQBQ1vxHp+j2t41xc2y3VrAZvs7zBC3BIGT6kYzigDQ0+4a7sLe5eMwtNErmMnOwkZx+FAE9AHDaD4k0vRNZ8WafrGp21u9pqP2gCRgp8qWCNx9edw/CgC34i8U6GLWwu7Q6fqV6xMlh5syIqEjBcufuDB5xyemKAM7QfH9yvh7XdV8Sf2YkOmuwgnsZi0N0AM/IW5OD8mcfeB+lAEGmeNre68GDxBrF1pSJYahy1kXaIpnblcjcSBIcnHY0AdEJop/HOl3VnMJYL3R7h9ykFWCSwFCD7iVvrxQB0lABQAUAcrrXinwzHrcGm3aR317HcRW52QiUWskrYQM3RCSvTrxmgDT1PQ0vde0vVUYRTWO8FhnLowxt+mefwoA5zxgrH4seAdgb5V1EsQcDb5KDkd+StAHdUAFAGbceINGtrz7HPqlnFc5x5TTKGz16ZoA0UZXUMjBlPQg8UALQAUAVdUvotN0+a8nzsiXOB1Y9AB7kkD8aAMjxl4jPh/TLGUeTDNf3cdpG9ySI4WcElnx2AU8ZGTgZGc0AWNCsb5dGng1HX31WSctsvIoY4WjUqAAuzjIOSD7jrigCvL4g07RfA8utLdz6jZWFszecx3STbeOTgAsSMZ4FAF7wvrUXiHw9Y6xBE8MV5CJQjkZXPY4oAi821tvFJd5IllvrVIozvGX8tnO3Gcn/AFmRj3oAreCFaK11S2YybYdUudokXGA7+ZxwMjMhwf8ACgDoaACgAoAKACgAoAKACgAoAKAMrxc1gnhXVn1iB7jT47SV7iKMkNJGFJZQQRyQMDkUAUo4Y7Tx7EI0ZftGklQR02xSrgHnr++4/GgDQ1/Vm0ewa6i0+81JlYAwWaq0g684YgY49aAOC8B/Evw1FptxaX9xcafeDULyV7e5t3Vk8y5kdVJAI3YcZAJwaAOu0Rv+Kt1lo33RXEVvMARjB2Y/kBQB0NABQAUAFABQAUAFABQBh+Cdcm8RaCuo3FuluzXE8QVGyCI5WQH8dtAG5QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHI6z4ss/DHiS6PiJ5bOwlgi+z3ZjZocgtuUkZAbJ/EY9KAMfwzJBrnji6v7MprWnSEyfabi2ZfsnyqFSMvx1GTgZ55oA7zUNNsNSRU1GytrtEOVWeJZAp9QCKAJra3htYEgtYY4IYxhI41Cqo9AB0oAeyKxUsoJU5UkdDjGR+ZoAbM/lRO4Rn2gnagyT7CgDln0weLNat7zW9FWLT9PR/Ihvo1Z3lbGWxkgKAOnfPtQBtHw9ohLk6Pp5Mn3z9mT5vrxzQBXHh+3g8RxanZ2enwgxsJ3FuPOZsAKVfsAMg+uaANqgAoAKACgCvqTzR6fcPbRmSVYyURTgscdB70AclB4xXVY5NGs9E1tbxoTHuu7TZECRjLOTg/hQBv6X4a0fTLKC2ttNtEWGLygwgUMRgA5OO+OfWgBsVlpfhXT5G0rSRFEW3PHZQjcTjqR3oA5aTwvH4o1GXxKmj2djduEhgGo2odiisS0joONxG0DPIC+9AHd2UcsNpDHPIskqIAzKm0E+w7CgDmdQ1+Tw74hvW1az1Ge1u9n2Wa1haZEVUGUZV5Vt5c5xyCvpQBUXSk8UX02uxaZBDKDFHbSalaZYxqwLnYeQTyAfxoA7cUAcbceOtM0bV9VtdeuZbaaF1MEHlMxkjx95MDnJzn0oAs6Fo2k62W8RXui25uL6Tz4TcwAypHsRF3Z6EhAcds/WgBf8AhXPhD7VPcNoNmzzkFgYxgH2HagCSLwB4SikWRPD2nhlORmEH9DQBPF4K8MRStKmg6eGYkkG3Urk/7JGKANa1srazihitYI4kgjEUYVcbEHRR7cDigCegAoAKAPJfGvgSy8I6bd+KdIuZvPtLyPVJop/nFxKrEcnsMO3rzzQB6raTrc2sNwgIWVFcA+hGaAOU8SKB8TfBztwvkagin/aKRED8lY/hQB2FAGdqevaRpLhNS1K1tZGxtjklAdsnAwvU8+goA5bT9E8By+KpNatI4JdSuiVcsGZGLDngjGTigDa8PaRc6NruqxxORo8yQy2sJPEMh3iVV9F4Q46cnFAHQUAFAGZ4m0ga5o01iJ3t3Yh0kX+F1OVyO4yBkUAcE974q1XU38K3mqeGbi5UEzZgaRtgA58s/LnnoT/EKAOht5dP8BaNHpFlbXl9dMWlWOC2b97I7Ek5A2IMnpkYFAFKW/0vw74Ug0HWrcX1/dRn/iVwR7jMzEsVA6bQTyTwOpoAka7Xw14YsfDMNjc3eoywCARQQv5UZcHJMmNoUZPOc8CgC7p/w68NWYspf7PD3dm0ckdw8rvIrIQwwSeme3TmgDpba2itfM8lSDLIZHJJJLH/ACB+FAE1ABQAUAFABQAUAFABQAUAc7F4ktLfxXqWl6jfQ2rRxwvbxzOE3qQdzLnGeeOPSgDjtGt7bxJ4+1CDVLyTWIAWuIXtbtjaworALE6j5ST179DQB6Hqk1hpbHVr92jEUZj37WbapIJ4AJ5IH5CgDl9G8NWHiDVr/wAQ3sN6kN3Iv2e3kmkjVkUAbmjyOpBODQB2VpaW9lCIbO3it4h0SJAqjt0H0oAclvFHPJMkaiWXAd8cnHSgCSgAoAKACgAoAKACgAoA434OuW8Cwo5/ex3l4soxgq32mQ4I7dR+dAHZUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBR1zTF1fTZLJ7m4tQ5BEts+yRcHPBwfp070AJoWmf2Rp62n2y6vdrs3nXThpDkk4yABgZwOOgFAF+gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAY0UbtuaNGYcZIBNADxxwOKACgAoAKACgAoAKACgDhPjbpV3qfga6a2mVYLUGe5iYN88YByRhl+ZRlgCdpIwQaAOz01YV062W2cvCIkEbHqVwMH8qAOW8Yor+OvA4YcC7uj+ItnIoA7GgDm7w6tZCfUNa1DQbSxg3Nue0diq5+UlzIADjAxt6/XAAOfX4h3tvqGlx33hG4g0/U7nybfUFmUo4P3X2EBlz1w2OO5oA9EoAKACgAoAYIo1kMixqHPVgOfzoAfQA0xoXDlF3jo2ORQA6gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAMHxj4Xt/EtjHG32eC6hdXhupLWOdosHJwHBHI4oAu+HdJXRdKhsxIszoPnlEKReYfXaoAFAGgQCMEAj3oAWgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4L4I/wDIqX3/AGFrv/0ZQB3tABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAYs+szR+NbXRBGnkz2Et0X/iDK6KB9PmNAG1QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAUtVtLy7jRbHUGsWU5ZliV9w9OaAMu68KLqNo1trOralfwyZEkZkWJHU4yhEaqSpx0JJ5PNAG/FGkUSRxqFRAFVR2A6CgDj/Fzf8AFxfA0eSP3t649Di3Ix9fmz+BoAu+J7DxPNqthc+HtUghtEdRd2s6ffXcMlGA4OM8HigDHvLKGXx8LzxXeQXEccscGj6avzLEzBiJ3X++djgHtj1xQB1011plzdCyne3lmjcERSAEhhyMZ796AL9ABQAUAFABQAUARS3EMMsMUsqJJOxWJScFyAWIHrwCfwoAloAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAITd263i2ZmQXLIZFiJ+YqDgnHpQBNQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcN8Fw48IT7pN4Op3e1c52Dzm49ucn8aAO5oAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDkrv/krWm/9gW4/9HRUAdbQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAV9QvrXTbR7u+mSC3jxukfgDnFAFigAoAKACgAoAKACgCrq11LY6ZdXUFs93LBE0iQIcNIQMhR7npQBj6b4thu9EGqSafqKRyTNFDGllK8kgBwrbQuVBHOTge9ADT4k1Q3SLD4Q1eS1YZMxltkbvj5DKD6dcHnpQB0SMWRWKlCRkq2Mj2OKAOG8ZqP+FrfD5t2CG1EYz1/0cdv89fegDu6AKV1pGnXdzHcXNnDLNHIkqSMo3Ky52nPtk/nQBzPjhGXxT4RbfGkB1Btyqvzu/lnbz6dc0AdTpS3yWSLqssEt1ltzQIVTGTjAJPbFAFqgAoAKACgAoA4/wAX5/4T7wNjOPtV3npj/j1koA7CgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4O4j8346WpLkiHQWcJg4UmbGc4xz9e35gHeUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHIfCJVXwRCVABa8vCfc/apR/SgDr6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4+7Z/8Ahb+nqUwg0S4IfPU+dFkY/L86AOwoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOS+LX/JP9U/3U/wDQ1oA62gAoAKACgAoAKACgAoAKAOJ8ZeAr/wAR6/a6hB4s1XTbWIx+dYQu3kyhWz0DLgn1OaANOQ6hpHiaxghme50q+Dq0crGSSCRRkMHJyVPcHOD0xQBk+MjL/wALS8AKuPK3agX4Gc/Z+Oevc/p7UAdzQBlXnh+0vL83k9zqYkyCqQ6jcQxrgDjYjqp9TkHOfSgDC019K0zxTDY3mhiyvrsySWl1JIJzJj73zkkqxBzjvQB2VABQAUAFABQAUAcZ4uVm+I3gbbAzKkl6xkHRP9HIwfrn9KAOzoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOHWYn45PDlsJ4cDct8vNz2GOD8vr6fiAdxQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcR8EZIpfhrp0lurLC810yK5yQpuZcZPPNAHb0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAGfr2tWHh/Tmv8AVpxb2qsqNIQSAWOBnHuaAOfuHEnxX0qSJlZG0W4YMOQQZYsEfpQB0Ol6zYarNeR6fOJ/sU3kTMnKrJgErnoSMjPpQBfoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA5L4uEL8P9TyQOEHP++tAHW0AFABQAUAFABQAUAFACAgjKkEe1AC0ANKIXV2VSyZ2kjkZ64oA4/xmxj8eeCHUNua5uoyV67TAxI+mVUn6UAdlQBkeMG1ZPDt03h5d+ojZ5S8c/ON3Xj7uaAMH4rlrfTtHvrcAXNvq1sI2zggO21gPqDQB2tABQAUAFABQAUAZPiPw9ZeIIrdL17iI20hkR7eUxNypUjI5wQTkfSgDEn+G2jyGMrfa1D5ZyPL1GUZ+vPNADj8O9PwAur66iq25VXUHwDQA5vAFoRhdb14H1+3H/CgBqfD62Undr2vMOMD7aRj9KAGf8K20seYV1TXQ0nLEajJ1/pQAlv8NNLt2Lw6tr6uc5Y6k5JzjjnjtQAt54EtYrSaRNc15WSNmB+3E4IH0oAwPh74Sl1nwxZanqfiLXJJZ1YlVuSg+9wenoKANx/hpYXERW+1nXJ5N2VlF+8bBey/LxQA6H4a6bA6vHrHiAMqbBnUnPH40ASS/D62ZcR69ryH1+3E/wBKAKz/AA4JXC+KdeU+v2nP9KAEh+GkXmq134l1+4CHcqi8KYPrx1+lAFpvh5YscnWtf6hv+Qg3X8qALWheB9N0XXW1mG51C5vmt/sxkurgyfu927H580AdLQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBjWfiGG48UXugyQSQXFtEkyM5GJ0PUr9DwaAOR+GOoWvhz4bX1/fSeVYWl9eNGM5KoJmAUD1LZ496AO80e9bUdKtb17aS1a4jEnkyfeTIzg+9AFugAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCC/srbUbKazvoUnt5lKSRuMhge1AHkM/w88Z2/jKKz0nWJIPDa2j2yXrMhntoXcM0SfxFvlADYwB78UAeraBoth4f0qDTNJt1t7WAYVR1J7knuT1JPWgC/QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQByHxeRH+HupiRVYARtyOhEikGgDrgQwBUgg8gigBaACgAoAKACgAoAranYw6lp1zY3IJhuYmicA4O1hg/zoAwtH8H/2ZocWmLrmqP5crSeeJFSRs9jhcECgCjc6PoWi67o1g8F9cXeqzy7bmS9kZldIzIWJ3d9vbHJoA7NRtUAZ445OaAOR8Xf8j54I/wCvq7/9JZKAOvoAKAMDWfDJ1jWbG7vNSuDZ2MonSyCIEaQDAJbGSB1x60Ab9ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAFfUv8AkHXP/XJ/5GgDn/hZH5fgDRxuzug3fTJNAHUUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHFfE3T7i2gtPFmlKxv9CYyyIpx59t/y1T/AL55HuKAOH+FFw/jzT7GyW2ki0LRr2a7ujLwbqd5pJIoxg4KqHVmB77R05oA9toAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDxXx9rereFfC+qeH/F8st/FcuG07VAnEq71JjkA6MvP1FAHb+F9V1bxXrI1iHzLHw7CrLbRsuHvGP8Ay0bPRR2HfrQB2dABQAUAFABQAUAFABQB5Z8RbfVbTxvH4suN6aV4btEmtgmMStJIFnU+h2dPwoA9QglSeGOaI5SRQyn1BGRQBxfjFpR8TfAKq2IjJfll45b7McH16Fvz+lAHb0AYyy+IzeyKbXTEtFchGM7l2XHBxtwOfegCpd6tqmj6ho9tfrb3S6lOYGaFShiOCQQDnI456UAdJQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBBfI0ljcIgyzRsAB3OKAMj4f2k9j4L0m1u4mhnigCujdVPPFAG9QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAIwDKVYAg8EHvQBQ0HQ9M8PaeLDRbOOztQ7P5aZ5Zjkkk8n/9Q6CgDQoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCnq+k6frNp9k1azhvLfcH8uZAy5HQ4oAtRxpFGscShEQYVVGABQA6gAoAKACgAoAKACgBkyu8TrFIYnIwrgA7T64NAHmvxS05dI8NQ6jq2qXuqmO7t1/s+aRVivWaVdyeWANx27mAHTb6ZoA9MACgBQABwAKAOM8URl/ip4JYAHy4NRY5HT5Ih6+/v/AFAB2lABQB578QtA8Qar4z8P3VhqFxZ6ZbCTzJLaIO8Uh6EqexGRnBx6UAdZaa3HcTwwW9jqUgcDM0lo0Krzg7vMCn34H0oA1qACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPJdZ8deIm8aSW9uDpulQahBZW++NP8ATGaVVdnLfMI8bsFOnBPpQB61QByHij918RPBkw5Lm9tyPQNCHz+cQH4mgDr6ACgCgut6Y17LZLfQfaYc74t/zLxnp9KALFheW+oWcV3ZSrNbzKGjkU5DA9xQBPQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAEF9dwWFq9zdyCKGPG5iCcZOO31oAnoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAZcSrBBJM+dsaljjrgDNAEFhqNtfQwPBIMzwJcLG3DBG6EigC1QAUAFABQAUAFABQBS07VbfULm9t7cOHsZfJl3LgbsA8eowaALK3ELXL26yKZo0V2jB+ZVYsFJHoSrfkaAJKACgAoA4H4361ZaV4Ku4J7cXF5eQvHbrtyYxlQ8mewXcp+pUUAdvp4UWFsEd3URLhn+8wwOT70Acp4vdx8RPAsYjJRri9JkzwpFs2Bj3yfyoA7KgAoA868Sape6r8TtK0G009poNNkju5rqNhiIMrghueO350Ad5pen22lWENjZJ5dvAu1FyTgUAWaACgAoAKACgAoAKACgCOKeKZ5UikV2hfZIFOdjYBwfQ4YH8RQBJQAUANZ1TG9guTgZOMn0oAdQAUAQ3F1BbNEs8gQzOI4wf4mPagCjrXiDT9GaOK6lZ7qUZitYEMk0nuEHOPc8D1oAfoV7fX9u899pzaeC37qJ3DOVx1bHAPtzQBo0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBHJPFHNFC8irJLny0J5bAycD2oAkoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDmfEmq3z+IdM8N6QwhlvYpbi7ucjfbW6ALuQEYLl3UDIIGDkHsAdJGuyNU3M20AZY5J+tAHLaz4rj0vxR9gvpbmGLyFkt4YLJ5pLxs/MFIByBlcgAEZyTigC34vcXPgm+lnjktcweYUkKho8EHBwSO1AGvaXcU0NtmaMyzRCRVDDLDAyQPTkfnQBx3iHxb/wis11LY2Gra6txcqZn8wCC1+6hRCR7Z2gHnOSKANbxv430rwVpFtqWsrcCK5mWFUiQFwSCSSCRwAOcUAdJQBy+uare6B4n0hCfO0rV7hreTflmgmK5QKcjCttbIOeemKAOooAKACgAoAKAKHiHVYtC0O+1WeKSWKyhaZkiGWYKM4FAGT8PvGNr418Of2xbWs1kgleJo5iMgr3yO3P86ANKbW7WPUNOtYw041DzPLliwyLsAJyff8ApQBcvwDZTqW27o2GQcEcUAcv4VuHfVLAsZBHJo8aqGbdyjsCT7kEUAdfQBUtr0zXF1FJaz2y27hRJMAElyM5QgnI7c45oAZbapBcaxe6WiSrPZRRSuzLhWWQuF2nv/q2zQBeoArWt2ZhOZbeW1EUpjBm2jzAMYdcE/Kc8ZwfagBWvrRDKGuoVMK7pAXHyD1PpQBXutZtorS5mtM6hJbIHa3tWV5DkZUAEgcjpkigDhfDHxK8MjVdVi1B7zSdQlusNa3kDBhgAD7oIyfTJoA6u1Kt4zN1Ch2Xulx/OwYEiORioweP+Wx7Z57UAb9ABQBQ1fWtP0ZI21G4EIlbag2lix9gBQByHju5h8UaF5GjaNeX+owzxy2Uk9g8cUcgcEPukCqVwDnBII69aAO8i3iJBKVMm0btowM98e1AHDeM5MfFb4fR7FO5tRbfzkYtxwPY5/QUAd3QAUAebw6LPoHiye81W+Ms/ii8ktnWJ2QLEE/dbMcqwA5OaAPQbC1SxsobSFpGjgQIrSuXYgDHLHkn3NAE9ABQAUAFABQAUAFABQBheHcQ6z4iiJO5r1J+mAA0Eaj/ANFmgDT0/UbLUo3fT7uC6SNijNDIGCsOoOO9AGcviS3k8Vf2DbwySukTPLOuNkbAKdh/2sMD7ZHrQBg/GfxAnhnwjDqY02LUp4L+BoY5QxWNwS287eQQFOD6kdehAOv0q+j1PS7S/g/1V3Ckyf7rKCP50ATyTRRNGskiI0jbUDHBY4JwPXgH8qAMbxWbeNtJluGdWXUIVjCsBlmO3n2waAOfv7+68F69c6jrFjFfaZqFwFTULZCbm2ByQkinJZFAOCvQDpQB0Ws3FvqGiRXdlrVzaWzsrpdad5chkB4GCyOMHPXH40AbEalI1VnaQqACzYy3ucYH5UAOoAKACgAoAKACgAoAKAEYhQSxAA5JNAHNeGPF1v4i1zUrWwaKSzs1Ty5VPzSEkhj16ZHHAoAx/H/jGy8OeM/CcD2MdzLfSSRtcZObeJtqkrjrltp78IR3yADvqAGxyJJu8t1baxU4OcEdRQBz/jrUE0rTra9K6jPNFcL5FpYSbXuXwfkPquASR7UAV9QvLbUtQ8F6rbg7bq5doixIIR7SZ8EA4/hX1oAkk8Q6pZxX0utaHNY20WVt5LSYXcsxycYjVeOBu5z70AR+GPGXhq709YLfxEtzLanypTfMIbjcP76FVOffaM4oAveLvF2j+EdMjv8AWbgxwyuEjEal2Y4zkAckAcmgDbRg6Ky9GGRQAtABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBxPieEaF4/07xbOGNg1i+m3bhSRbguJEkIHbcCD6ZFAHbUAYmjtb3+tajdSFJLqzlNso7wJgHA9N3BJ78elAGvc28N1byW9zGssMqlXRhkMD1FAHH3nww0CW3kFs9/aXW1lhu47yTzYAVwApzwo67enFAGl4f8EaFoMsc1jbStNGCEknneQqCc8AnA5JPTuaAM7xXLpHjCFvDiWZ1CSRysryQMq2gxhpNzAfNg/LjqSO1AHZ0Acd4jh/4STxZo+mRRM9po9yNQuptvyiRQREgPrliT6YoA7GgAoAKACgAoA5zX/smoeI9N0fUGBgeJ7nyGOFndSu0EfxY5OOnT0oATWfCelNBcXFnpCvcyDmGC5e2SY9PmCEA8eoNAFXw74dtNAufty6RFYRJA2QLh5jD833UXkBSOeB1oArXWnWXjnxBDdFNQj07T4nj80SSW4uHYj5dvBKgDk984oA7GG1ggKmKMIUjES47KOgoAzPF2qto2kreDeIkniEzou7y4i4Dtj0C5oAwfEesaB410d9A0zUPtr3zxgm0JPlqrqxYt0XAFAG54T0VNDtrqCO38sPcFhI87TSTLgAM7Nznrx0H4mgA8W6yNCtrK7maRLX7WqXDpGX2IVbk46Ddt596AMDWNX8O/EPT/AOwNNupL+OeaNp3t1dViWORXO5yOD8uB3zQBcHwy8IiRX/soHCFGUzSESA/3ufm/GgBU+GfhSEp9l017UKu1hBcSJ5ijor4b5gOwPSgDpbCwtNOgEFhbRW0Q52xIFBPqcdT70AO+yw/bBd7P34j8rfk/dznGOnWgCagAoAKACgAoA4jxYM/FXwNlsBYtRbGM5PlRj8Op5/xoA7egDI1Lw9BqN081zeX4Vsfuorlo0AGOBtweevXPJoA4vTNdsI/GbaPpPhPVbi7sy5F1eTPsQDgsjSE9e2OtAHdaHrdnrUMzWjOslvIYp4ZF2yROOzD/ADmgDRoAKACgAoAKACgAoAKAMDWvCNjrGo/bbi5v4meNYpYre5aNJkBJAYD/AHj0x1oAw7T4V6XYTXU2natrFlLOVAaG6I2IowqYI5AHTPNAHKeEvh/eWfjzWYW1XXLeNyzzTq4AnViDGRJg5PUEY7UAdBoHgyDU5LttQtvEGmxEhWjm1NmF31yzBTx+BGRigD0SKNIYkiiUIiKFVR0AHQUAedeM/AsfjjXJ5Rqd5Z3Ol3tvtZJGVUjCKzBMdGO8kN2OKANub4faXdQJFqV7qmoeSoEDXF0S0JHRlwB8w9Tk0AXtG8J2el3iXZvNRvp0BCNeXLSBc8ZC8KDgkZxnBNAFf/hBdJj1H7VayXtpEZBI1nBcFLZ2znJj6DJ6gYBoA6agAoAKACgAoAKACgAoAKAEdVdCjDKsMEeooA43XvBWkWdkbvR7G8tZYU2tBpEgge5Ut0Y/xYyTnOevNAFXwd4E01bPTb64i1mD7ISYNOv7rctvhvl4Xg/dBAJI6UAd7QBw0ukeNtI1K6Tw/fabc6XdXMlwkd4jCS3Mjb3GR1XczEDtQA2+8A3nieWKXxtq5uUgYmK0sAYYlJGMlvvE4zQBaf4b6XJbQQzajq0rWgX7JK9189rgnlCAPXHOeOKAFh8ARxMrHxDrxLACb/S/9aR0PT5fwxQA7xH8OPD+t6b9lNqttOJEkF4qB58rjGXfJYYGOTQA5PAOn3dtJD4muJvEIZgU+2AARAdAoXGPc96AOrUBVCqMADAFAC0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFACMqspVgGU9QRwaAFoA5vXvBVhq2pf2nDdX2l6iU2Nc2E5iZx23Do2PcUAX9F0aTTOZtV1DUG24zdSA/jhQB+lAGrQAUAIAATgYz1oAWgBFVVztAGTk4HWgBaAI4Z4ZwxglSQKdrbGBwfQ470ASUAFABQBi+KfC+neJreGPUBLHLbsXt7iCQxywt6qw/8A1UAV9F8L3Om3aTT+Jta1FEGBDdSpsJ9TtQE/iaAOioAKACgBGUMpVgCDwQaAI4beCDPkQxxZ67FA/lQBmeMNabw74fudUSET/Z9pMZbbuBYA89utAGuyhl2sAR6EUANihihBEMaRg9dqgZoAfQAUAFABQAUAFAFW7F99otfsZtxBvP2kShtxXHGwg4BzjrQB5V4j8I+JtCv9Z8VzeM5Lg29vJd2tuVZArI4cx7N2ChjVkP8AvZxxyAes2Nx9qsoLjbs86NX25zjIzigDkvFMqw/E7wTnlpk1CEDB4zEj7s4x/wAs8Y/2vY0AdnQBT1nUP7L06S8Fnd3vllR5NpH5krZYDIXIzjOT7A0AVL681qPV1gsNFgntPL3PdzXoi5/uqgRiT9cCgDP8H3Fjquqavq9tHLa3rtHZ3lpKu14Xi3EbsEgkiTIYcEbaAOnoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoApWunm31S9vfOLC6CDy8YC7RjP40AXaACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoArQ30Muo3FimfOto45H9MOWx/6AaAKniPWRo/h291aCBr428RdIojzIegAP1oAnutUt7OWxhuyYpr5/LiQ8ndtLEcewNAF2gAoAKACgBCQCASBk4HvQAtABQA2VDJE6KxQspAYdR70Ac18N9Fs9F8Nqmn3E1xFcSvMXmjRW3Fjn7oGee5JPvQB09ABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHG/GOSSP4f3whiMryyQRKo6/NKi/1oA7KgAoAKACgAoAKACgAoAKAPJvim1hr/xI8M+H9RWdtMtBJLqDxkqqGYeXArMORlgQR0IcUAem6VMZYHj+xS2a28hhRJMfMq4wy4J+U9qAOP8AGa5+LPw+IRjt/tIlh0A8hev6UAd5QAUAcO/j69k8bXHhux8NXsr26lzcSsI0cAZ+UnjntkigDY8LXGm32oatfWQkhvZpI0vbaVNjwsiYXcPcd+hGMUAdBQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFACMyopZiFVRkknAAoAwL3xz4WsboWt1r1hHOXSMR+cCcucL07ep6DvigClLrFrpXi3xHPcEn7PpltOyjuqmbP48j86AOb8H+PtP8ZeCvEkel6c2j2+n2roheVSPnR8HHGOR+tAHS6hqVvrVt4Z1fTVF1azXcbh4yD5YdSOfTGcH0oA6ygCrNcTx30UQts2rRs8lwZABGRjAx3zk89sUAVG123OrafY2oW6W9jlkE0MissYTHJx2JJGemRQBqMwVSzEAAZJPQUAcZ4y8T6PbtoF3Fq1s4j1NDiGUSAoyPGzNjooEmSegOKALmufELwvod7b2l9qsXmz8jyv3gRc43MVzgZoAXxh4ou9F06HUdK0+DU7L700ovEiCr6KTwxPbmgBPCPjiz8TeUkOl6xYySIWH2uxkSPjrh8bfpyM0AWfAsL22gC3cn9zPKgBOcDecCgDfoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA5D4tyJD4MaSVgiJe2ZZj0A+0R0AdfQAUAFABQAUAFABQAUAFAHkvxb1zTrHxEPDdlZONd8SQW8a3QYBUImxESD6Hfz2wKAPWIg4iQSsGcAbiBgE96AON8URPJ8U/BTLKyLFBqLso6P8kS4P/fWfwoA7SgDJ1TUNXgu1h0zRVvEPWaS6EKjgk/wsfQdOpPpyAO0y41qWVv7S0+0toz90RXJkI+vyjNAE8Gl21vq93qcSbbm7iiilPZhGXKn6/vD+lAF2gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAzfE91dWPh6/urCKSW4hgZkWIAuDjqoIOSOoGOcY70AYh8ZeH/ABHBLpOlXU15NeI0BWCCT93uBBLNtwmBn71AGhY+DfDlnbJDFoencW/2ZmNqhLx91JxyD3HegCJ/AfhN47WNvD2nFLTPlKYFwM4zkd84HXNAEmp+CfC+q3MVxqGg2E8sQAVmhHIGMA/3gMdDkUAXtJ0LStGtmttK0+2s7dpfO8qGMKgfgbgBwOg6UATatJcxaXdyWEfm3SQu0Kf3nCnaPxOKAOT074gaBc6VDZxy3l3qBhET2LW8n2gvjBVhjg56np3zQBY8F+EIvC9zGdPsNOgtpbX/AEiXYTdvNuzgv0KY7etAHWkAggjIPUGgDMh8NaFbx3McGi6dEl2CtwqWyATA9Q3HzfjQBmn4d+DzZR2Z8N6cYIn3qpgGc+pPU/iaAJ9K8D+F9Hvvtum6FZW1z2kSIZX/AHf7v4UAb/TpQAyGKOBNkMaxpnO1RgUAPoAKACgAoAKACgAoAKACgBsjrGjPIwVFBLMTgADvQBxnxKu7TUvAiXFnPDd2s17ZlZI2Do4+0R9CODQB13260+3fYRcxfawnmeRvG/b03Y6496AJ6ACgAoAKACgAoAKAKWr6j/Zdr5/2O7uwOqWsXmP+VAHm/iLULDxxfS6NLpdroWpOiJBe6uojvFiJzuhTaSeQw2l1I6n0oA9TRSqKrMXIGCzYyfc44oA5LxD/AMlP8I/9emofygoA6+gAoAyT4j06O/ayuGntZRv2meB41kCjLFGIwwA9KANCxu4L+zhu7SQSwToHjcdGU8g0ATUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAioqZ2KFycnAxk0ALQAUAFABQAUAFABQAUAZ93rFvaa1YaXKHE9+krwkDj93tLA+nDCgDQoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPIfiP4S8QaPby/8ACEx/atO1G8inn05h8ttKsgk8yP0UleV98igDvPBvhx9IikvtUdLnW73DXdyP0Rc9FHQCgDoqACgAoAKACgAoAKAOc+Imu3vh3wrc32lWM19e5EcMUSFyGbuQOwoATQPD1tJ4SW11KAS3OowrJfySKN8spGSze4PT0wMYxQBsaNb3Nppdtb304uLiFAjSj+PHAJ98Yz70Ac94i3J8SvCLnARre/iyf7xWJgPrhGP4GgDraAIrtJpLaRLWUQTMpCSMm4KfXHegDz/w1aeJtQ8ckeME3x6TCZLOaCMRwvIxKkjkk/LjrjvQB6IoCgBQAB0AoAWgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOM8RXCH4peFLYBt6W15IT2wQgH/oJoA7OgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOA8beCta1bVb+/07UEnFzaCC2trmd4UsZBj98hQHce+CAc98HFAHdWcckVpDHM/mSJGqu/8AeIHJoA4vxiGb4qeAQgkIU6g7BR8oHkAZP4sAPrQB3NABQBmWPiPRb/VLjS7HVLS4vrb/AFsEcoZ09cj27+lAGnQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBFFdW8s8sEU8TzQ48yNXBZM8jI7fjQBLQAUAFAGFrnieHTr5dMsLSfVdWdN62dvgbV7NI5wqL7k5PYGgCt/aes6NpF/rHiRYH2qhhsLFSxiPTG88uWJHYAYoA37e8guJ7iGF9z27BZPYkZxQBPQAyeaK2iaW4lSGNfvO7BVH1JoAzYvEujyzaXFDfRytq4c2RjBZZgi7m5AwMD1x+dAGrQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcleED4tabz10a4/wDR0VAHW0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBC93bx3cVq8yLcTK7xxk8uFwGI+m4Z+tAE1AHH+Ih/xdDwhgkYtdR4HfiCgDsKACgDzeax0Pw78U7S40CO0GoaozRajbq3zICC4lAzwSRz65oA9IoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCO6njtbeSeZtscalmPoBQBieJHey0xNS0p47SV7q3ecrEpNxGXVWU8ZJ2scY5yBQBF4v8AGum+E7zSLXUEmeTVrjyIvLAO3pljk9BuHTnmgDo2ZVxuYDJwMnqaAOe8YJNq2jz2mkXlqlxbXETTM9w0Qi2sr8snI6DjuM0AYWtX+ueEbpNSieDWItQljFxp8S4mRyACYT1ZeCdrfnQBq3viHTPEPg3UJ9PvFibyXUiVQJIHAzhkboRwcUAW/DwkTxDrwPMTvDLGduD8ycj9KAL3iLXLHw7pUmo6pL5NvGVUtjuxAA/M0AcpqHjOyl8CpqepWdlcvPdm2S1uGURGQSELljkcAA5556UAJbR6Nrun+FLu6tJrGS/zHb2theMkMXyNPkhCFZf3Pp1IyPQA39T8XaVpvinTvDtxI4v9RVmhULkYGep7dDQAmq+MNJ0rxVpnhy6kcX+pqzQqFyoAzjJ7ZIIH0oA36ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4+/iST4uaSzDmLR7ll9j5sY/kTQB2FABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAeR+M4/EvhddO1AWcN9aaLqM2oSah5212hmZ98Ww9P9Zjrj5V6UAeto6yIrowZWGQwOQR60Acj4h/5Kf4R/69NQ/lBQB19ABQB5R4K/4mvj/XteuNOtRPcSSw6RcS5JBh+Rl46Ann1xQB6pB5nkp54US7RvCdM98UAPoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAIb21ivbOa1uAWimQo4BxkEYNAHLaR8PdJ0m9iuzdajeLa/NBDc3LSJFjoQvcjHGaAE1C50/wAYXlpZ22nTzxWs4mmurm0khFvtOdq+YoJZsY46DJPYEAb4jSPxhf2uiJaXy2drOLi7uXikt1+UEKiMcFiSe3GB1oAz9D+H2lXU922r+GYrBGVVCpfvN9p4ILSdMkccnPX2oA6HQPBGgaDLFNY2Za4iBCTzyNJIoPbLH8KAJdS8H6BqWrR6pe6bDJeIQfM5G/HTcOhx70Aa8VtFFcTTouJJtu8564GBQAtxbw3MRiuYY5oz1SRQwP4GgDn7nwF4aur24urvS47h7jJdJCSgJGCQvQHA7UAGjeDvDnheRr+wsvJMKHaxZn8lechBzj8KAM6ebQfEfiGy1a1thONH3StqQjYBOCPLB6t1JPpigBzDRfF/ijTNQ0+0W7OlEyNqewqF4IEKk43HJ3HsAPVqAOzoAKACgAoAKACgAoAKACgBsjrGjPIwVFBLMTgAetAEGnahZanbC5026hu4CSokhcOpI6jIoAs0AFABQBm+JNEtvEOjT6beZVJQCrr96Nxyrj3BwaAPILnXfGlj8QLXRjpS32vRabLZwXobEEivIhW4fjgKF5Hc8d6APWfCnh6Dw3pbWkM811LNK1xc3M7ZeeVvvOewzgcDoAKANigAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAIrq5gs7aS5upUhgiUu8jnCqB1JNADNOvrbUrGG9sZRLbzLujcAjcPxoAsUAFABQAUAFABQBj6nZLrlxdaPrOixXGjtEjrNLIrLK+45TZ1G3CnPfPtQBg60I/DXjDwzFo8RtbfUpJLWe2hG2HaqFlbYOARjGR24oANemz8XfC0OxhssL19xPynPljA9xt/UUAdtQBi6hf6+L5oNK0O2lgQc3F5f8AkK54+6ESQkcn7wXofbIBUXS9Rvdf029uTY2UVgJHeC0kaRpJHXByxVfl/wCA5PtQB0tABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAgAAwAAKAAADgDFAC0AFABQAUAFABQBHJPFFNFE8irJKSI1J5bAycfhQBJQAUAV9Ss4dQ065srkEw3MTxSAY5VgQevsaAMX4c2+nW/gnSf7G80WUtsksSyyb2UMoOM+1AHRUAFABQAE4GTwKAILWe2vYY7u2ZJUZTskXnIPXB/D9KAJ6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKAMvS/EOl6rfXVlp90Jp7MlZlCMNhBKkZI7EGgDQM8QuBbmRRMy7wmeSPWgCSgAoAKACgDM8UQWlx4d1CLUEd7UwOZAgBbAGeM9/SgBvhOOBPDenva+f5U0CTL58rSuNwDYLE5PWgDVoAKACgAoAKACgAoAx18NaeNYg1NzPJPbbvJEkpZY93XANAHP+L3K/FLwGkcZ3P9vLuo6IIBwfbLL+IFAHcUAQ3onNnOLMqLjy28ot0DY4z7ZoA8i8CaLq3hfxxp7eKJSbzVEmMlyH+WeY4Pl8dQAMjjg5oA9joAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCO5njtbaW4nbZFChd2xnAAyTxQB5/4h8e6AdX0HULHUIryytrhhd3MOWitlkQqpdxwOSOM5HpwaAJvFfxc8OeG7+ygldru3ukWT7VbkPGELbdykffxgk7emO54oAd4i8cysLeTwdqXh/Ug8fmfZmmkluJ/ZEiBK9CMkHnrjFAGp4R8S63rW0av4Qv9GDD/AFss8ToDg9RuD+mPlPXtQBb8CQfZPCtnbYQCEyRjy87cCRgMZA9PSgDU1T7cNOuP7JFub7yz5Audwi3443becZ9KAMjxB4v0jw+Da6pqVpaai1uZYopmKrIemFPfnjA59qANbSZ7i50y1nvIlhnkiVpEU5CkjoKAM7XfFvh/QrpbPWdTgtJ5U3pFJnMik7flGPmOew5oA47w78RvDuieEJI7uaWK8055Il014yt2+CSuIuuCOc9B3xQBc8N/Fvw3remTNNqWnaTqMQYNBd3a+Xu7FZOA45HTnrx3oAx9P+JfiPTrS+vtY0WLW9FtV8z+19JJjjK8cBZMb8E8lSce/JoA3tS+I9rF4Pi1KygFxq95CWtNLtpVuZmJ6HEZOQBhiR0zQBveBtTv9Y8J6df6vbPa300WZo3jMZDf7p5FAG5QAUAFABQAUAFAHmvhv4gyXHi6/jvzpsejSQ3E1vJbSbpbcQSbHM46ruzuH4DnmgCzqvjPQI/GOi6jbanFcae0M1tc3sMoa1gZtrIJJB8qsdrcE55oA0n+KXgiM32/xHYqLFlVyJN3mZAOY8Z8wc4O3OCDmgDi7rx7Z6543u4LG916+htEiayh0Jt0U3GW8wjHfjDcAUAeuafLPPYW811bG0nkjVpIGcOYmIyVLDg4PGRxQBk+OfE0XhHw1c6xPAbgQYAiDhNxJ6bjwOM/yoAoWPi6z8Rag1lok9nfWT6a88s0E6yNBJlQsbgH5SQzHnn5TQBpeBzL/wAIfpC3ChJI7WOMgDH3Rt/pQBtUAFABQAUAVNYN8NKujpIiN8ImMAm+4XxwD7ZoAxdM1LxR/Ywnv9BQ3zSvm2F0ibEz8vI3A8deaAJI5PF0ksbvDotvEwy8ReWR0Jxxu4Bxz2546UAdAudo3AA45AOaAON8TLIfil4MMb7VW31EuP7w2Q8fng/hQB1OrXM1lpl1dW1v9qlgiaRId23zCBnbnBwT9KAOf8LeJ7jxn4Pt9X0FbexuZXKSRXatKsLBsMDtKkkdR0z7Z4AMvULK+/4T/wAPN4kv7a7jAla0jt4PIWOcLyxBZycqcDng0Ad9QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFACMqupVgGUjBBGQRQBCljaJam1S1gW3PWIRgIfw6UAQXWjaXdwQwXWm2c8Nu4khjkgVljYdGUEcH3FAE1pYWdkWNnaQW5b73lRhM/lQBYoAbGiRoEjVUUdFUYAoA5XU9W1HQ/El3LLol/qNncxR+RNZJ5hj2g5RlzkckkH3oAdBYXWvXkusS2A0e6jhMFlLcRLJMgLAlmXOB90YGc8npmgDqUBCAMdxA5OMZoAhksrSS8iu5LWF7mEERzNGC6A9QG6jNAC/Y7b7V9q+zw/aMY83YN+PTPWgCifDWglEQ6JppWOQzIv2WPCyHq444Y9z1oA0JIIZbdreSJHhdSjRsoKlSMEEdMY7UAUNL8N6FpE5n0nRdOsJmXaZLa1SJiPTKgHFAGnQAUAFABQAUAFABQBnWmgaNZXFxcWek2FvNdAieSK2RGlBOTuIGWyeeaAJYdI023s/scGnWkVrnPkJCqpn/dAxQBh22gaubS4N/Loj3nlols8OnbViAzkEFiSCMDjGMUAdBY2Nrp8AhsraC2jH8EMYRc/QUAWKAOa8Sz3OrLL4ftdMlYXSlLi5uYf9HjjPUgnh2x0A79elAF/QtEXRXuIbWSNNOZY1t7OOBUW32rtb5hy27APPTFAGqAFACgADgAdqAFoAKACgAoAKAK2pWFtqdm9peozwSY3KrsmcHPVSD2oA434tWVhD4ea7Gm2/264lgsk1DYoltQ0g2Pv+9hW2nA5zQB3KAqihm3MBgtjGT60Ach4iKn4peEVz8yWmoNgHHUQj/GgDsaAMzUzrZlC6WtgkXUyXDuW7cbQPrznt054AIotJuJ9Qs77VPsE9xbBtrJbsGjyOdrFj/KgDYoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAI7hzHbyOoyVUkDOO1AHKfCJi/gOxcjBZpSec/wAbUAdfQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcf4xkvB428GQWtw0Mcl1cGVQThwsDHBHQ8Z+maAOwoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAM661uzttbtdIcyteXSNIqpGWCoP4mPRRnjnvQBo0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAYvjLQf+Ek0KTTlmW3dnSRJim4xsrBgQPXigCJdWvdN1qw0vVvJlF8jCG4iUr+8QZIYZPUc8YFAGNrpb/hcfhgb1KjTrwhM8g5TJx6Hj8jQB3FABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBX1E40+5PXETfyNAHLfBwEfD3TcjbnecYx/GaAOxoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOM8XSY+JHgaPdjdJettx1xbnnP4/rQB2dABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAY8l1PH4xgtBIxt5rCSUoegZJIwCPwc5+goAl1nU30++0aBVQpqF6bZy38I8iWQEe+YwPxNAGnQAUAFAGZ4Z1Q6zotvfMio0u4Mq5wCGI/pQBp0AFABQAUAFAFOzurmW9u4Z7B7eKFgIpi6sJwRkkAcjB45oAuUAY2qXt9B4m0a0ttn2S4S4NxuH90JtwfXJPHpn0oAseGNSfWfDel6pLGsT31pFcMinIUugYgfnQBo0AFAHO6naWR8caNPLYW8t01vcbLmRS0kQXZwnOBnec8UAdFQAUAVtUujY6bc3YQyGCJpAo74GcUAN0a7N/pFleMVJuYElOwEL8yg8Z5xz3oAt0AFABQAUAFABQAHpxQBzV1o2raj4i0q9vpLKO20tpHBh3l5mZdv3TwgH1agDJ8Tx+R8YfBk6E7rm1v4XBGQFVEYYx0OT1PHagDu6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgBk8SzQyRMSFkUqcdcEUAcv8ACmSR/AtgkhQ+TviTauPlVyBnk84HJ/QUAdXQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcL47idPiD4EvYFLyx3VzBt6jZJD8xx14C9eg70Ad1QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAIxCqSxAA5JPagDNu7mfTW1HU7ydH0uC1EqRxxkyLtDM5/2sjbge1AHLt8V9CeW0+wWup39vcRl2mtrN2EXHAPHU0AOtfiP5vlzXHhzWbS03tHLLJbEmNuqYUckEA5PYkUAYGnp49m8TprOlSJqdmkT2/8AxM4PshALKx2qMk5KjmgDqryTWbux0WXWdPis76PVIiUtpfNVVwwLA444JB9iaAOuoAqGO4k1GC5iu1+xrE6tCFB3uSu1t3sAwx70Ac5p/ja11/U7K18OO04E7reeZCw8tFDA/N0B3AY9eaALvgKOSLQnSSFYdt1PtVf7vmHBoA6GgAoAKACgDH8S+KNI8MR2761dfZ1uXMcXyFtzYzjigDzjwh8QZItf1C71y31yOG9iVraB7VmVmDP/AKpQOBt29aAOkj+KNk1kk39ha55ocxzQrZsxhbJGCehyfT1oAk07xJaeJ9d0yKKz1Cz1CwkeS4gmhKiJSjAhm6HkrjFAGx8PoWtvBumW7q6iCMxor9QisQo/75AoA3DNGsywl1ErAsEzyQO+KAMfxD4s0Xw6yR6neBJnGVhjUvIRnGdo5A+tAGbbx3t7eeGr66WQ3CNcM5AK4jbpkfQJQB1jEKpLEADqT2oAzb27n0z+0NTvZ4jpVtbGZUjQmRdoLOc9+BwKAMXTfFCeJbyX+xW87SBp7tLK0TIVmJXYoJHPy7846ED1oA1fBSTxeENHjutvmpZxKdvTAUY/TFAGxQAUAFABQAUAFABQAUAcd4kUn4o+DiO1tqJ6/wCzDQB2NABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAef6V4H8S6NbS2mleLBb2gkkkhjNmrEbiW5JPqaALsmi+OWjCr4pslOclhY89MY69O/wBc0APj0rx3GoUeI9MfnkvYHOP++qAGy6F41ncO/iy3gwMbYLEAdevJPPX9KAI5/DvjcXBa38Yw+WDkB7Ff1waAJ49K8dIXz4k01tzZ+awPy+w+bpQBBc6b8RvMza+IdE2gdJLF/wCjUARyaN8RZ5GWTxPpUEQJKNBYtvPoDkkdKABvDnjvChfGUAwOf9CHP60ASWuheO7dyzeK7OfIxtlscge/BFAGd4yu/HfhzQ31Jdb0ibZJHHsaxYZLyKg/i7bs/hQBek0v4kSBE/4SLRI1ZcSMli+5T325bH50APh0Lx3ExY+LLOT5duHseB78HrQBYfTfHm3934g0nd/tWDY/9CoAr3OnfEfzP9F1/QtmP+Wli+c/g1ADYLD4lpKpl1vw9Ig6qLORc/juoABoPjzcWPiy0G7J2iyyFyOg57dqAJTpnxCVSE8Q6OccKXsGyeBjPzeuaAIn074lh28vXtAKfw7rGQEf+PUALBYfEpJAZta8PSJ/dFnIv65oAni03x6dzy6/pKMf4EsmZR9MsDQBRHhLxXqPirR9S8Qa3p81ppMzzRxWts0buWBUZJJHTH60Ad9QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAZfiq0vL7w9eW+mlRdsgMQZtoYgg4J7Zxj8aAOcfVfFet2E+mHwfJpJnjMD3NxewtHECMFlCks2AcgYAOOooA6/T7KDTrKC0tUEcMEaxoAOyjA/QUAWKACgA/pQBFdRvLayxxPsd0Kq390kcGgDj9K1HxjZ2kWmHwnG00I8sXp1CMW7c43kD94OOcbfbPegDb0bw//AGc9rN9rlV445POhiISCWWRt7yFfXcWx6A0AbIAHAGKAFoAKACgBGztO0AnHAJxQBzltYarq2uJd+ILGxt7SwZzZwxzGZmc/L5rEqoHyk4XH8XPSgDo9q5B2j5enHSgAAA6DGaAAKqsWCgE9TjrQAo4GBxQBx/jDU9Y8Pa0mrWWiHVtPa2EEoimSOWJ95IOG6g5A60AYGhWGp+JvEl1rtto914chvgsd5cS3yyvcBFKAJEAQhU/xZHfgmgD0u2h+z28UJkeUxoE3yHLNgYyT3JoAo+JrO61Dw/fWmnvHHczQssZkztzjocdBQBgC/wDFetW76dceFl0lJ1MU9zPfRSoqEEMUVMljjpuAHr6UAdJp+mxafJM0DyiOUIFhLfu4gq4wi9Fz1PqaALoAAwBgCgAoAKACgAoAKACgAoAKAON8QMf+Fq+E1yuBZ35AB+YcQ9fbj+dAHZUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcN8a2RfBaB1LE6hahSGxtPmrz78Z/OgDuR0oAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAKeraVYazZNZaraQ3ls5BaKVdykg5HFABo+k6folkLLSLOGytlYsIoUCqCTknFAFygDH8Xa/H4a0OTU5LeS5VJIoxFHjcS7qg6+7UAbFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBweuIB8avDbh1JOmXYKdxgrz+Of0NAHeUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcN8aE3+ErZNrOW1O0CqvVj5o4oA7kdKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDjPjNF5nw+vSWCpFNbyuSM4VZkY/oKAOxikSaJJYzuR1DKfUHpQA6gAoAKACgAoAKACgAoAKACgDgvEKNB8Z/Ck7DKXNheQrjsyhWJPtgigDvaACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOP8AixH/AMUxbXDErFa6nZzSFfvbROgOPfmgDsKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDj/jDNHB8PdSaVtoYxIOM8tIoH6mgDsKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDgvGS5+Lfw+O5V2rqRwT1/cIMD86AO9oAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoArajYWup2jWl/As8DlWaNuhKsGH5EA/hQBZoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAR2VFLOwVVGSScACgDg/jNcW938Mbye2mhnhea3KyK4Kt+/ToR15/WgDuGuYEuEt2mjWdwWWMuAzAdSB1IoAloAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4zxPHE/xT8FtIuWjt9RaM+jbIhn8iaAOzoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgBCAQQRkHtQB4j8U/BfiPRNKvLbwVA+oaJqt0k02mLGWa0lEiuHiwc7CVwR0X6cqAd54G8NajHdt4k8WyrPr91HtEaf6uzjPPloP5mgDo/EOsWnh/RrrVdQLC2tU3vsGSfYf/AF8CgCbSr+LU9OgvbfHlToHXEiPx/vIWU/gSKALVABQAUAFABQAUAFABQBxGvyO3xg8KxHASOwvXXDjOT5YOR1xwOvH5GgDt6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAY8scbojyIjSHCKWALHGePWgB9ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUANlkSGJpJWCIgyzHoBQBjr4u8OscLrVjn/ruvrj+dAG0CCMg5BoAKACgAoAKACgAoAqX+qWGmmIX95BamZtsfmuF3H0GaALSMroHRgysMgg5BFAFTUNUtNOltYruXy2u5RDDwTuf09qALlABQAUAJkbtuRnrigCjpk1/Jc3yX6WyJHNi38qQszR4GC47HOaAL9ABQAUAZHjG4az8K6pcxwrM8Fs8ixsgcMQMjg9aANGykims4JbcAQvGrIAMAKRx+lAE1ABQAUAFABQAUAFABQBwWuhF+Nfho5YM2mXa8jAOCp4Pc9ePpQB3tABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBieEb29vbK8OpOrTw31xF8oACqrkKPyxQBNZarJP4m1LS2jCR2dvbyoxGC5cybvqBsX8c0AatAGZqt/LaappFugXy7yd45CewETsP1UUAXb6drWynuI4JLh4Y2dYYsb5CBnaue56CgCn4e1G81Oya4vtLn0tt+EhnZS5TAIY7SQOSRj2oA0qAIpLiCJtsk0aN6MwBoAfHIki7onVx6qc0AZ+raqNOvtKt3TK39ybfd/dPluw/MqB+NAGLc+G9LtfHMPifU7uaW9nxaWUTEiKE7GJwPUhTzQB1lAEDXtul8lkZALh4zIqdyoOCf1oAyPE3iux8OX+l22oMsaahI6+a8gRYwq5yc9eSBgetAG9QAUAFABQBS0++murq9iksZ7ZLaURpJLjE4xncuO3bmgC7QBUudStLW+tbKaXbcXW7ykwfmwMmgC3QAUAFABQBi6vqV7aeI9DsrcW4s71pxctJnf8seUCdsk9c9gaANqgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAI7qIzW0sSuYy6lQ4AO3I64NAHDH4bOeuvzHH/Tjb//ABFAHeIu1FXOcDHTFAC0AFABQAUAY3i/XZPDuj/b4dOn1JvOji8iA4c72Cgj8SKAOK1jxR8QrfW7O5svCkr6ZMF/0QPGz9WDb2z8jfdIxx60AUZU8YeJvHUeqw+F7e30+K2+zhNawyxndlmVVOSaAPTtFtbuz09IdQuY7mZSfmjiESKOyhR0AHFADda1G301LQ3VtNOLi6jgQRQ+Zsdjwx9FHdu1AGhQBHHPFJNLFG4MkJAdf7uRkfpQBwPjb4knRdZuvDun6Pqd7qgjR4ntIPOAVurkf7ORx345FAHO+GNQ1XT/ABRfawnhvxVc+fCIYoroqRI27JYkkCMe2CKAG+HYvFOjX99JrnhXUp7rWIAkk9hdqcuWYsxJOEIBUDHAANAGzovhTx9ZzTy2HiVNPtJWBjsr5PtrRj/f45+lAHpFosyWsK3UiyTqgEjqu0M2OSB2GaAOX+K+oa9pXgy6vPDEW+7hO+Rvl/dRKCzNyQD0H4E0AQ+HNQ1rxA8+o3ukXelWzaf5SQXDDdJKSSWCjkenOD0oA6HwvBLbeGdKgnQxyxWcKOh6qwQAj86AM7WPBen6tqct/NeanDNMqqy2948aYUYGFHAoAo/8K507p/amtGPj5DfORjuPxoAz/hLaNp2qeL7COa6ktLTUxHB58jSbR5akgMfqOPp60Aeg0AFABQAUAFAHEeLIFm+K3gV2faYItRdR/ePlxrj/AMeJ/CgDt6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAoeINYtdA0e41TUPM+zW4BfykLtgsB0HuaAOT1Dx9bahHc2WmQa5aySRbrS8j0x3Ex77AR245bAoAzPCVt8SNOtrpyulXkc1wZEF8xjnYE87imQpx25xigDsLO0ux4qjvrlVRpNNEcqxglFkDgnDEc9TigDdZgoyxAGcc0Acn8TdVXQtIstVNrNc/Zb6FikSFiATgnA9ifxoAzb74p6cIb1dP03Vpplt99kfsEwW7kIOEX5exxkmgDnPBPi7UpbHVNJjXWRrM94r2tvf2rmWKNkTeztgKqbt2PTI9aAPYqAOJ8VeCrvV9bk1C0k0tN6qP9JtXkfgY6hwP0oA3PCGiNoGlfZGSzRtxY/ZI2RT74Zjz+NAEPja28+00xlQtJDqlo68E7f3qgn8iaAOW8ZeKZtV0y6tNP8OavJfaVdx3OXtysX7mRZCQ5xu3KpAABOTQBsaT4yi1zUvtekw38mm2lhJJco1q6MZiYyiKGA3MFEgwOP0oAxdV8cWsmqaT4ii0vVYdNsTLBfXE9kyeSkgHOCMkBkGSOlAFi8+I3hLVDGF0+61K6G59Njk09/8ATDggmEsuMepOMZoA6XwVqer6vpcl7rmmtpckkzeVayYLxxjpuI6k80AJ438VW/hLSftktrcX07krDa2yFpJCASTgdAACSe1AHP6Z8Y/CFzokWo317JpxdcmGeCTOfRSFw34fpQBz3gX4s6VcSazrHiLxAkFvcSRraWDod0G3dnaq5JB3IM9ypOAKAKWifEi6k1HXrwpqy3dzbMun2stpI8bygttCADpjbkmgDQ8C+OvEOhR39n8ToruO+VVksoYrMyNMvO4Bo8qTkqMEjFAF3Wfizpl4baw0OaaDUJE3zb9PllktjwNgTHLEnHpxQB0XwvXxCNFu38TTzXDS3bvaPcRiObySBgOg+7znA9D+FAHWkhcZIGTgZoAzPEOv2Hh63tptSMwS5nW3jEMLSsXIJA2qCf4T2oA5S0+LGlECTVdK1fSbUM6Pc3VnIERwcBTgE5IwenGcUAInjPQPGWpaZY6VJctf2uoiUQyW7IyKindI2fuqVY4J5OQMdcAHoFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHOjQ9VvNehvNb1O1uLGycyWtpb2jRfvMYDyMXbcVBYADA5z1AwAdFQAUAFABQAUAcVJa+LtD17UpdHsbDWLDUZfOX7Rdm3kt3wAQflYMvHbmgDb8N6PcWLXV9qs8Vxql84ed4UKxxgKFEaAknaMdTySSeOAADaoAKACgAoA5jU9N17XJ1sNSXTrbRfM3zNbzu81yqsCqFSgCKcDd8zZAx3oA2bLSLGx1K/1C1g8u61Axm5fex3lF2rwTgYHHAFAF6gAoAKAOP8Ah3v/ALT8Y527P7dkx658mHP9P1oA7CgAoAKACgAoA4vX3kPxZ8KIUAiWxvirdyx8rI/ID86AO0oAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDnNQsdd1fUora9j0620SOYSSrHM8010FOVUgoqou4KSMtkDHQmgDXtLGW31C9uZL6eeO42eXbuF2W4UYITAzyeTkmgCWysrawhMNnCkMZdnKoMAsxyT9SaAJ6AOf8bi/j0+0utNsDqTWd5HPLZqQGmQZHy5IG5SVcepTFAFfTdY1XX9Sjibw9faRYQESyzX7IjyMM4RFVmyM4ySemR6UAbltaXEWoXVxLevLBNs8q3MahYMDBwepyeeaAKXiDw7Frsts1xqGpW0cG7MNncmFZicY37eWxjgZxycg0AbAGAAO1AC0AFABQAUAYun+HFstauNTOratcNO7MLee6JgiDY+VYwAABjjOTyeaANnAxjAxQAbVGMAcdOOlAC0AYGvnZ4l0AOu6G5a4tmHHUxF+fbEZ/SgDRsNG07TtJj0uztI4rGNDGsI5AU5yOfqaAOb+HfgqTwob03MtlJ56RQxra2/lApHv2u/ZpCHwSAAQi0AdjtA7CgAIHcCgBiW8McjyJEiO5yzBQC31oAkoA5/xYNZhn02+0WwXUhbSsJ7MyLGzqwxuVmwAV9yM5oAhtxq2v6hbPqmitpFlYXHnoJrhJZZ2CsF4jJCgFtxO4nIxjBzQBv30Ms1lPDazC2neNljm2B/LYjhtp4ODzg9aAKnh+wv9PsjHquqnVbguW89rdIcDA+XanGM59+aANKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOQ+HRP27xhkY/4n8v8A6JhoA6+gAoAKACgAoA4jXpkPxf8AC8A3b00+9c88YPlgY9/lP6UAdvQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAMeKOR43kjRmibchZQShwRkehwSPoTQA+gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAIrtpktZmtUWSdUYxo7bVZscAnsM96AM/R7rVV0+e48SQWNm6EuFtZmlVYwoJ3FlXnO7oMYxQBd0+/tNSs47vTrmG6tpRlJYXDqw9iKAJZ5o7eCSaZtkcSl3b0AGSaAK2jatYa3psOoaTdR3VpMMpKh4P+B9jQBcoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAo6vrOm6KkD6rew2aXEogiaZtoZyCQufwNAGfrWoXlt4l8P29tIos7wzrP0+YhAUA/XpQBvUAY8l5cp4viswym1lsi+3nIcP19OhoA2KACgDL8V3NzZeGtSubH/AI+YbZ3iwM/MASKANGGRZoUlQ5V1DD6GgB9ABQByHw8/4/8Axh/2Hpf/AERBQB19ABQAUAFABQBxGs3TD4yeHbUpGU/su7YEr8wJaPOD/wAAH5n1oA7egAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAIL/AM/7DcfYwDceW3lZ6b8cfrigDzD4caZrXhPw9qUqeHLxUdYQmmyXCyNLN83myBj0U5Xg+hoA6L4a6XqFg2qXFxo8Wg2V3KskGnJKJNjY+dzjhd3HyjgYPrQBk+BY/Guiab4htdUeHxBqEU6yW0LXZAAfJKF2ztGMEDnANAG18PdM1ayn1W71PSLPQ472VXSwtZRKqsBhnLAAZbjgenvQBma9f+J/Fr694a0ewj0yKCX7OdVe4JUgqrYUKM7sMAcHj9KAOo8EaVqGieFrHTdXvFvbu3j2PMpJDenJ5P1NAG3QAUAFABQAUAFAGH4x1HU9P0rboNol1qVwxjgWVtsakKWLMfQBTx3OB3oA5Pwr4y8Z3HhqG51Pwi1xdP8AIksNzHGjnOMurHKD86AMbxTpnjL4iadb6ff+HLCyFmzvM11cFoZXwVHl7DnI5wenNAHWaB4Z1KHRdGh1BI4rnTb4ywKJjN9nh2suwOQC3BI5yefagC/418R3eiTafZ2OlNqMmoGRSBOIfKVVyWLHgDnrkYoAqWtotlrHhc3t6VvRbTQ4aYOZQQrBMnlsAH5gP4etAHWXdxDZ20lxcOI4ol3Mx6AUAZOt7tDsdb16Ge4mkjsnlFtLKTCpjQsNq/w5xzigDH0JtW1+41C+1XTP7NiuLBLY2clwHdjlmViF+5w5HYnPsKAOn0WOeLRrGO7VVuEt41lC9AwUZx+NAFygAoA4b4beXH4h8bwQO/lrrJk8tsHDNEhY568kdOgAGKAO5oAKACgAoAKAOJ8SQhPi14PnjXDyWl+kjZP3VWMj9W9uvXtQB21ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBna5b6rPDGNGvobOQN87Sw+YCvsMjBoAb4c0aPRLAwCaS5nlczXFxKctNIerH09h2AAoAm1e0ur20MNlqEmnuesscas2PbcDQA3QdIt9D01LK1LsqlneSQ5eR2OWdj3JJJoAv0AFABQAUAFABQAUAZOuQSvqGjTxRyOLe7LOEOAFaJ0yfYbs0AWtY0y21fTZrC+Vmt5gA4Vip4IPUcjkUALpGm2uj6fFY6fH5VvFu2ruJxkljyfcmgCxOsjwusMnlyEfK2M4P0oA5/TvCoMt3c+IbxtYubuI27eYgSNIiclFQdM9z1OKAHXHg+wn8VabrzSSpLplube3hQ4jVT6+vBoAveKNKfW9Bu9OhuDayzphJQM7GByDjvyOlAGJFpPirVIRZeIr/T1swR5psomWS5UfwtuOFB7gCgDpbawtbS4uLi3gWOa5IaZx1cgYGfoKALNABQAUAcN8N1ceJfHDFCEOsYDdifKTI/DI/OgDuaACgAoAKACgDjvEBb/hafhIFQEFnqGGzyTiHIx+X50AdjQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBieNtZn8P+GrrVLWOOSS32HZIDhgWAI4PoaANugAoAKACgAoA8t8M+NdH8MX3jAeILswMdfmZTDbyyLt8uJV5VT83HI9c9qANqL4veCJJI0Grupk+6Xs50H4kpgfjQBZHxR8GE4GuRDr1jcdD9KAFPxP8GDrrsA/4C3+FADZ/if4Ugh857y6MON3mrp9wyY9dwTGPegCOH4seCpQ2NY2bRuIktpUOPoVFAGRF4n0rxN8WvD/9h3LXkdnYXbTOqsETfsAHI6/Lz+FAHpdABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHG/GNph4AvEt1DSTTW8QB/2pkX+tAHZUAFABQAUAFAHCfCRg0vjQrux/wk92PmOf4Y6AO7oAKAEdVdSrqGU9QRkUAJGixoqRqERRgKowAKAHUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBx/wAXZo7bwU80zbY4720ZjjOB9ojoA7CgAoAKACgAoA4L4VA22r+OLLhtuvy3G/OP9YiHGPbHXvQB3tABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUANkcRoztnCgk4oA4jx7qtlrPgJL7TZ1nt3v7QBh2IuYwQR2Oe1AHWJq9i+sPpUdwrXsUYleIclVPQn0oAu0AFABQAUAcb8OoUXV/Gc4HzvrjoT7CGIj/0I0AdlQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB5X8SvAOtsZbrwJMsJ1C5jlvrKQjymdXDiZc9GyoyO4oA7jwh4dTQLAiaX7XqNwd93dsMNM/9AOwoA3KACgAoAKAOF+E2/wA7xn5hBP8Awk13jBB42x4/TFAHdUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBDeXUFjaS3V3KkEEKl5JHOFVR1JNADNMv7XVLCG9sJlmtp13RyL0YetAFmgCtqV/a6XYT3t/MsFtboXkkbooFADrG7hvrOK6tiximUMhdChwfUEAj8aAJ6ACgDhPhLIZZfGjMACPE92vHssY/pQB3dABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBm3erxWmvafpcq4N/HK0b+rJtO38VLH/AIDQBpUAZr6oY/EkWlSIqrNatPE5blyrAMAPYMp/GgDSoAia5hW7jtWkUTyI0iJ3KqVDH8Cy/nQBLQAUAZHjGGOfwtqaTWv2xBbs5g3lPM2jdjI6dKALulJbR6ZapY5+zCJfKyxb5cccnk8etAFqgDC8eNbp4Q1J7zTzqMCRFntgxXeAc9Rzx149KANexSGOzhW1JMAQeXli3y9uTzQBNQAUAcL8KIjbz+MY3I8xvEd1KVx90ME25+oGfoRQB3VABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBzfj/wAZ2XgnRWvruCa6mZW8m2gGWkKjJJ/uqOMt2yOvSgDL0/4t+DrvTbe7k1P7LJPGJBazROJfoBj5ucjIyD2oA5Xx/wCLrDxxpVjZeFJ9WnnilF1I2nWzPLZsrBQZE4JGGkO0HJKigDqNBvLzXdP8J3+oS+Vdw3sy+bJb+UbxVjmTzFQ4Kb1G/BHHpjBoA3fE3i/RPDckVvq2opZ3FwjNArxO+8jjgKOTkj5QcntQBmabDf3V/wCD73VoW/tOPTZDdkqFKO0ce8EDgfPjgUAdFr+rQaFo13ql4kr29pGZJBEu5to64FAHn2sfEHwvJ4o8P63b3ss+nwLPbT30cEnkQGRUKq77cBiUHHUdTQAmsfGvRNP8S2VnCj3WlXC/PeRxSEhjnlBt+dR3xzzxmgCPxJ45v9VvIp/hvr0OqyIgzpUWmPKJCTy0k3HlDB4zjp37AHUWd/4mvdD1CLxHoVtprCzfEsN6JVdtp424G0fiaANfwj5o8KaP54Il+xQ78kH5tgzyAB+QFAGV8T/FN34P8KS6pp9mt3OJFQK4YoowSWYLzjCkfUjPFAGVb+LYPGmn6pJoVxI2ljSm3Sy27xIk5JGNzLzgDnbkCgDq/DSzf8IrpaysVn+xRBmbkhtgyT+NAHMyeGviAVAj+IMC4JO46JESeBx97GOD+fegCymh+OgFV/GlnjgFl0dQ3uR+8Iz+H4UAaPgvw3J4atb9LjUpdSuL+8a8lnlRUJZkRcYHH8AoA6CgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAwNZhim8TWFvdxpNa3lldQPHJgq2TH8uO+5d2fZaALT6O1j4dTSfDcselCCIRWzeX5qxAdOCefqT70AT6HZ3Fjp0cN9cR3d31muEhEXmt/eKjvQBPeym3t2nW3e4aMblSMAsfpnvQBzMFjrHiGa7vb+N9DIj8nTyux54QSC8h6gFsAY9BQBZ1PTNcufG+l31teCPRrSBxPAZWXzZG6HavDYAH3uOeOaAOkoAjuLeG5iMNzDHNGeqSKGU/gaAEW2gTy9sMa+SMR4UDYPb0oAloAKACgDlddk1LX0k0FNLubK2ucx3V3KV2+Tn5lXBOSy8D0ye4xQBuabYz2c920t688ErqYITGqrbKFA2rjkjIzz60AXqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAjeCJ5o5njUyRghGI5XPXH5UASUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBV1S9GnWL3Rt7i5CFR5dtGZJDlgMhRycZyfYGgDO0vWLi78W61pbxKlvp8Nq8T45YyCQtn6bRQBZspZP7bv4JNR88BUdLbyAvkAj+/8AxZPPtQBpUAFAHFeK9a1bR9S8QXdmxlgsdItpYrdkynmvLOGfPXhUGR3GOlAHa0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAGX4i1uPQrNLiWyvrze+xY7K3Mzk/QUAJe3+p7NNl0zSxPFcSoLkXE3kPbxnGW2kHLDP3eOmKAHHU5B4mXSjCoia0a4Em7kkOFxj8aAIdQ8S2OneI7LRbomKW9iZ45WZQm7cFVOTncxJwMc4NAGzQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAxZommeFZFMsYDMgPKg5wT9cH8qAOR8ceM4NOtb7S9KW9utZkgkjg+x25lEMxU7N7dFOSDzQAX9zd6Nrx1e6t57ny9GC3MdrGSXkWQEYHcjc+BnjJ9aAMe48ZQQ+ILTxG+latbaRNbNbSzyW7KQ+7K7o+uOoyaAIb34sz2PiWCC48OamukXCZil+zOZm4zvCj+Htjr3oAy/iF8VdJk1XQ9N0m/uUje6hnuJYUZTtV1OwjAJyMggdcigDc1XVZfFOoXT6La3q2VvpF1Fcm4tnjWZ3MZiVQfvEbXPTgE+tAHc6ALgaDpwvSWuRbR+cW6l9o3Z/HNAF6gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDlPifrcuheGhNBfrprTzpCbxo9624OfmI/D9aAMK/8TaTP4BsbLxvrLWF9qUAkR7XfHLIVcFXjwMgkhTj3oAr6ZrC2sHhbxB4ivHWOM3Vq17NEY/Nj52O47Z2j+fegCzqvjzwJes+qR20erapYMEtoltS1xJghgY8jOBjcD7H1oA7DwlrE2vaKmoz2clkJpZBFFKpV/LDlVZlPIJABx70Aa9ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcBqGtal4R8XazcXPhvWNXsNTaGS3uNLh+0NHtiCGNkyNoBVmz/ALdADvAml6kviK91eK21HR9Iu97Gwv5QzySsQfMCAkRjqMZJOfagDvaAEZQylWAI9CKAAqpIJUEjocdKAOT8TeB4db8QadqcdxFarashnj+zK7TBHDqAx+58w5I6jigDraACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAZLFHKmyVFdf7rDIoAbJbQSFTJBG5T7u5Adv0oAdJDFImySNHQfwsoI/KgBqWtvG4eOCJHAwGCAEUAS0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAZ2u6Fpuv20dvq1sLiKKTzEXey4bBGflI7E0AWdNsbXTLCCxsIVgtrdAkca9FUdqALFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAf//Z'>|\n=","vol":"2","page":851},{"text":"ونسبه صالح بن محمد وابن عدي إلى وضع الحديث.\nوتناقض ابن حبان في أمره فذكره في كتاب الثقات، وذكره في كتاب الضعفاء وقال: كان ينفرد عن الثقات بالموضوعات لا يحل الاحتجاج بخبره (^١).\n_________\n<img src='data:image/jpg;base64،/9j/4AAQSkZJRgABAAEAYABgAAD//gAfTEVBRCBUZWNobm9sb2dpZXMgSW5jLiBWMS4wMQD/2wCEAAgFBgcGBQgHBgcJCAgJDBQNDAsLDBgREg4UHRkeHhwZHBsgJC4nICIrIhscKDYoKy8xMzQzHyY4PDgyPC4yMzEBCAkJDAoMFw0NFzEhHCExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMTExMf/EAaIAAAEFAQEBAQEBAAAAAAAAAAABAgMEBQYHCAkKCwEAAwEBAQEBAQEBAQAAAAAAAAECAwQFBgcICQoLEAACAQMDAgQDBQUEBAAAAX0BAgMABBEFEiExQQYTUWEHInEUMoGRoQgjQrHBFVLR8CQzYnKCCQoWFxgZGiUmJygpKjQ1Njc4OTpDREVGR0hJSlNUVVZXWFlaY2RlZmdoaWpzdHV2d3h5eoOEhYaHiImKkpOUlZaXmJmaoqOkpaanqKmqsrO0tba3uLm6wsPExcbHyMnK0tPU1dbX2Nna4eLj5OXm5+jp6vHy8/T19vf4+foRAAIBAgQEAwQHBQQEAAECdwABAgMRBAUhMQYSQVEHYXETIjKBCBRCkaGxwQkjM1LwFWJy0QoWJDThJfEXGBkaJicoKSo1Njc4OTpDREVGR0hJSlNUVVZXWFlaY2RlZmdoaWpzdHV2d3h5eoKDhIWGh4iJipKTlJWWl5iZmqKjpKWmp6ipqrKztLW2t7i5usLDxMXGx8jJytLT1NXW19jZ2uLj5OXm5+jp6vLz9PX29/j5+v/AABEIAwICvgMBEQACEQEDEQH/2gAMAwEAAhEDEQA/APf6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA5jxB4i1vTvEFrp+m+GbjUrWUKZLtJVVYgWwc564HOKAJrDxG9x481Pw68ARLSzhuY5M8vuLBuPT7v60AdDQAUAcxHrWpn4my6G0ca6YulC6Vv4zJ5u38sZ/IetAFrwlrkutPrCzosTWGoSWqoODsULgke+SaAN2gAoAx9QutVt/EVgsa2iaM8bi4lkk2yCT+AKOlAGxQAUAFAFDX9Rk0nRru/hsp7+S3jLrbQDLyewoAwbjxjeW3gm/wDEN7oNzYPaFttrcOC7oCBu46Dk/lQB1NrOl1bRXERzHKgdT7EZFAElAFHXrq4sdD1C7sofPube2klii/56Oqkqv4kAUAcu/jO6g8FeG9Xnhi+06u1sr7TlE8wAk/570AdtQBBf3lvp1lNeXsqw28Cl5JG6KB3oAq6Hr2la/DNNot/DexQSmGR4WyFcAHGe/BHI4oAqHXz/AMJqNAEGF+x/aTKeMndjA9aADxNrz6NfaLbrCGTUbwWzyt0jG1m/M4xQBuUAFAHnF7491ey0nxtftpwcaFerb2qbTllOwFmA5wN2/PofagD0ZSGUFSCDyCO9AC0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAeRfH3xwuk26eH4RiSZEupW2sSypIp2LgYBOM7icDGO9ABd/EvwpbfFKyvP7WgeybR3ge5jO6NHaRXCkjvhDx7igC94q+MvhxdCmHhvWbVtTmcQQNMrBIixwZW4+6oyehzgDBzQBwfhvxDGb7WrG8+LN3JZyW6SLfPuiaOYSDKxq5JIxn7uBgigDe03xb4N0LxD4Wmt/Fs+pr5d3DcXVy5d9shVl808bQGXAGO4PbNAHe+DrJ7Xxz4zmO4pcz2zqSuBkRYIHr0H50AdhQBxGqfFrwbpV7f2d9qZiurBiskRibLHHReOaAPI/Fvjrw14h+JN8dYtdR8Q6ZDHEmkJp8pjCPsDOSoILHeTznjGMHjAB9BeG7q6vNDtLi/sW0+eSME2zSeY0Y7Bjgc460Ach8Rr/xBY6tE2jv4mWDyQGXStOtbqPcSevmfMG4HtjHvQBB4Lu/Fl14htf7SuvEgsQHMseo6XZwxv8AIdoLRneOSDwOowe9AHZ+K9cg8M+Hb7WbqOSWGzj3skf3m5wAPxNAHi+g/ETR9Q8EeOzrl3axXGoyzTQ23nFTMrwIiogbDHGzGcdelAHf+D/iH4RTwzo1tL4gsI51so1eN51DIUQbt3p0PWgB/h74maX4m8XQaRoLpcwbLnz3IwymNkCMpBwUYF8d+nTuAbmveMdA8Panb6frWpQWM1zE0qGZwq7QQOSemcnH0NAHmVjrmn6t8G30/wAPyi5n0a4SIxqCx2rP8j8gEhlwent2oA9ogLNChkGHKgsPfFAHIDxtoV5r+ueGtcuLO3NqVj8m5bb58bICTzwR82MUAVtU8WeBvCuh3Ntp2o6dZs8WI4NP2GVjjauFAOTxjJHagDDtb7/hGW8Baj4kvFtDJZTWtzLcfKq5VXG4knB4xyaAIdR1y58Z+Gpr5TE8Gn+Klt7R4eRPCsiKjA987+vtQBufGb4h3Pw/0/TJbG1huJr24KsJgxAjUAtjBHPIxk/gaAOw8Q67pvhzTG1HWblbW0VlQyMCQCxwOlAHm93PaatefFGTRLtL5brRoMeVIHXzPImXAx3wq0Aei+EvN/4RXR/tCBJvsUPmKBja2wZGPrQBqUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAVL3S7C+3/AGyzgmLxtEzPGCxRuq564NAGDa/DjwhbaZHp6aFaNbxyeaA65Jbjknr2FAEF78LvBl7qL3tzoFozsgUoFKpx3wMc0ALD8LPA8MqSx+G7IOhBUkMefoTQA9/hn4MZJVHh6zTzWDsVUg5Bzx6UAdUqIjMVVVLHLEDGfrQBgeM/Gmj+DbI3OsvcKCuUWKB33nOMbgNoPPcigDzeHw7rXiG2l8U2vhfSZb/XJmJi1PI+z2+zCHp1bknj0oA9H8K+DtE0C3gltNFsLO9EYMjQJkK5HzbWbnGc/hQB0VABQAUAR3EEVzC0NxEk0TjDI6hlYe4NAHPXvw/8K3urwanc6LaPc26BE+QBAB0+UcHFAFA/CbwOVkDaBbnzJPMPJ4Oc4HPA9qANWLR/DHhAXutQ2VppYaMfabhE2jaOmcdB06UAcIBoXxg8ZxTDTzdaFocTqbl1Ki6lcrhB/sqAT+PvQB6Bo3hLQdDnuptK0y3tWuwomCL8rbenFAG1QByvi34c+F/Flx9p1nTle527fPjYo5HbkUAVdE+FHg3RdQivrLSENxDzG0jFwp9cHvQBqePdEj1zw1c2/wDZdpqlxGPMt7e7JCFx7jkcZoAp+ANL1DSfD8tprmnabZx29wz21vYoWREHKnnktnv14oA5rxhq1n8RLu18KaPptxdQPMkl7qE9o8aWsSnLBS4B3tjaPqaAHeN/FGi+MpE8F6RC2rzXkifaXRWC2iBgSxJHB7D60Adn4W8H6F4UsprTRLCO3jnOZs/MZP8AeJ69TQBtgAAADAHQCgBaACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAEIBGCAfrQAtABQAUARLcwNcvbLKhmRQzRhvmUHoSKAJaACgAoAKAAgEYI4oARVCjCgD6UALQAUAFABQAUAFACAAdBigACqDkKAfYUALQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBwnh//ksXif8A68bb+tAHd0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBwmifuvjN4hjk+VptNt5UH95QxUn8+KAO7oAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDirSOT/hdN/KAPKGgwqT3yZ3x/I0AdrQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAGJ47lkt/BusSwSNFIlpIVdDgg47GgDhfDvwwstZ8M6VeXXiPxOkr2qOAmpnajHBLKCDg8Y9Mds80AXovg9ZQb/J8YeMI/MBD7dTA3A9c/JzQBLb/Brw3bwrHHe62AOeNRcZJ5JwMDJPNAEn/CofD3/P8Aa5/4MpP8aAD/AIVD4e/5/tc/8GUn+NAB/wAKh8Pf8/2uf+DKT/GgCNvg7oRuIpF1XxCixnLRLqTbZB6NkZ/IigBzfBjwWLYw29pe2uX3s0V/MCx56gsR39M0AEfwe8ORIEjvNbRR0VdRkAFADv8AhUPh7/n+1z/wZSf40AH/AAqHw9/z/a5/4MpP8aAEb4O+FpY3ivH1a7iYYMc2oylc9jgEcigCq/wK8ENGsf2e+Cr0AvH69zz60ATwfBfwjayM1iup2avjdHBfyqpwMc859+vegCT/AIVD4e/5/tc/8GUn+NAB/wAKh8Pf8/2uf+DKT/GgA/4U14Ml51C0vdRYfda6v5mKD0GGFACN8FPh+RgaEy+4vbj/AOLoAVvg34PCTrBb39sJtobytQm+6q4C8scjHrn2wKAEX4P+HUUKt7raqowANSkAAoAYvwa8MpM0y3OsrK4AZxqEgZgOgJoAk/4VD4e/5/tc/wDBlJ/jQAf8Kh8Pf8/2uf8Agyk/xoARvhFoflOkWqeIISwxuTU5MjgjPOR3PUUARN8HdJaHY3iHxOWOd0h1I7nz6/LjjHpQBL/wq0dD468bkeh1fg/+O0AL/wAKh8P/AMV/rrHuTqcmTQAf8Kh8Pf8AP9rn/gyk/wAaAF/4VHoG0L9v13aDkD+05MfzoAZF8INDjIJ1bxC5UnG7U34B7cY4Gf8AHNADJfhBpc0qtP4j8UyoF2tG+pkq/XOflzyWYnBHU+tAEv8AwqHw9/z/AGuf+DKT/GgA/wCFQ+Hv+f7XP/BlJ/jQAf8ACofD3/P9rn/gyk/xoAP+FQ+Hv+f7XP8AwZSf40AQH4K+FJUVL+XVtQCsWX7Tfu2OvHGPX68CgBB8EfB6Xj3UI1KCZmLbo75wRn36/maALH/CofD3/P8Aa5/4MpP8aAD/AIVD4e/5/tc/8GUn+NADW+D/AIfJXGo68uDk41J+fagCH/hSfhFmmkujql3JIhTfNfOSoPYEYz+OaALvwJmkm+E+gvNI8jCORdzsScCVwB9AAAPYUAdzQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHO/EpnTwDrhiKhhZyY3HA6UAS+Av+RK0X/rzj/8AQRQBu0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAh6GgDhvgRG0Pwm0FXAB8uRuCDwZXI/Q0Ad1QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHJfF//kmPiL/ryegDV8FKyeEdIV4vJYWkeU5+X5R680AbFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUANkYJGzHooJOKAOR+DUSQ/C/w+kShV+zbsD1LEk/mTQB2FABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcx8Urdrr4da/AhCl7N8E/SgDQ8HXsWoeFNJu4DmOW0jK/wDfIoA16ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAiukaS1lSMgOyEKT0zigDkfgtOLj4XaC6jbtgaM855V2U9PcUAdnQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAFXVbCDVNNubC63eRcxmN9pwcEc4NAC6XYw6Xp1vY2u4Q20YjTccnAGBmgCzQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBieCPDkXhLwvZaHb3D3EVnvCyOoBYM7NyB/vYoA26ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4/xrfw2PiHQ1uvFsujRXEoVbFIkP2tg69WIJUc7T2OR6cgHXkhcZIGTgUAI0iK6ozqGfO1SeTjrigChc67p9trlro0s+L67RpI4gpPyr1JPb8aAKHj5tcXwxcf8IwjvqRZBGEZVONw3ctx0zQBraVLdzabbyajb/ZrpowZYt4fY3cbhwfwoAZpWr6dq8Usul3kN2kMhikaJwwVx1U+9AF2gAoA4vRNc0++8ZaldaXo8ph4s7rVzKFiZ4ifkCk84LEZAyfoKAO0oAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDitSv7C1+J1jbXPim8guJ4T5WkgYgc4IyTj73cD2oA7QkAgEgE9PegCMXMBujaiVPPVA5j3fMFJxnHpkUAZ1v4isLjxLcaDC7NeW0AnlwvyqCQMZ9eQce4oAzvHv/CSrFpUnhS2a5kgvVluohcpAJIgrAoSwPBYrnAzx260Ab893HZ6e93fslvHDGZJmLfKgAyefagCLRdWsdc0yDUtLnW4tJwTHIvRsEg/qDQBdoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAON8YeCbnxB4gtdQi1OO3tljjiuIHtlkZ1SQyAox+4STgnnoKALXjS6he+0TToZmN+9/HMkMbDdsUHezD+7g/qKAOf+KWjajqXi3wpNoesmw1OKWUQRGHzFCYBkkYZGQAFGD13Ad6AON0+LxbZ/GBrK58RWV1qU4ZQ0loT5SCMMHEeQApA25BPNAHfjwl4yNxM0njqQQ3KgShLFA6kA48s5wnX0oAdaeDfEtu4jfxtdz2twf9MWS3TzHGMYjcfc4HvQBpeAfA2neBrS8ttKmuZIrqbzSJ33bOMYFAHQ3l1b2NrLdXk8dvbwqXkllYKqAdSSegoA8hkm1a8uLWaTxX4gjXVLppdOS0sfMSKIuVRpDjhSDxnHGDQB0nhb4R6FokjXF5Nd6pcvIZXNxIRHvPJYRjA6/jQB6BQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHGXfgR7rxymvyamxtFkSc2ZiBPmqpVSH6gc9KAJ9YubbUfG+i2On3W+905pbi6WKQERRFNmHGerFlwOvU9qAOc8Q+GL3VPiy95oHiC70+6j04LdssaukSkr5aDPdtrMc+g9aAOU+HemeI08d65pEXiiQ3IMrXsxtQ0kREuF5bj512sNufQjigDvU+HuqiKe2l8ca21tI3mLgoJFcncTux0z2oAenw4MkMlhqXiPVdQ0qYEzWs0gzI56kuADjPOOlAHR+EfDdj4T0GDR9K8z7LAWK+Y245Zix5+poA16ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAyLLwvomnz3s9hpsFpPfAieaAeXI+evzjBH4Ec80AR6D4XsNEvrq+hlu7q8ugFee8uGmcKCTtUt91cnoOOnoKANX7HbC8N4LaEXRTy/O2Dftznbu64z2oAmoAKACgDL1vw3ouvPbvrWlWl+1s26IzxByh/Hse46HAoA01UKoVQAAMADtQAtABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAEd1bwXdvJb3UMc8EqlZI5FDK4PUEHgigDOg8NaJa2E9jY6XbWFtcHMiWSC33H1zHg596AH+H9A0zw7aPa6RbGCOSQyvukeRnc9SWckk/U0AaCxorMyoqs33iByfrQA6gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAK+pNs066fONsLnrjsaAML4Y3D3XgLR5pfM3tbjJkOS3J5znmgDpaACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCjr7BNC1BiMhbaQ445+U+tAGJ8J2DfDbw+wGAbJDj04oA6mgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDz7xZ421TSvEE9hZSaWsUW0f6RFclslQeSiFe/Y0AdR4P1W41jREurt7Zpt7Kxtg4Tg8Y3gHpQBs0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAQX90ljY3F3KrulvE0rLGu5iFBJAHc8UAcLb/Fi2ureO4tfBvjKeCVQ8ckek7ldTyCCGwQR3oAk/4Win/QkeNv8AwTn/AOKoAP8AhZN5Pxp/gPxXIV+99psxbgfQseaAG23xH1KVNz+APEyYbkfZx90dSMkZPoO/rQA5/iftVGHgfxoQ3/UJOQPpuoAP+Fop/wBCR42/8E5/+KoAP+Fop/0JHjb/AME5/wDiqAD/AIWLqc3z2PgHxK8XTM8CwNn/AHSc0AMPxG1dJAknw+8Rg/L9yNWGCcdQcf5zwKAIda+Ir3Wj31vD4I8Y+ZJE8K7tL43MpA6MTj3ANAGX4D8dT6B4O0rSb7wT4xa4srdYnMWksykjuCSD+lAG7/wtFP8AoSPG3/gnP/xVAB/wsHWm+aL4feICh5UsEU49xnj6UAH/AAn+u/8ARPde/OP/ABoAR/iFraKWb4e6/tXk7QjH8geaAJIfiVI0Alk8D+MEywXaNOBPPTjcDj3xgUAM/wCFnl/lh8DeMzIeFD6UUXPuS3FAB/wn+u/9E91784/8aAD/AIT/AF3/AKJ7r35x/wCNAFTUvilqWlwme98AeIY4VUs0ixh1RR1LFc7R9cUAd7o+oRarpNpqNurpFdwrMiyLtYBhnkfjQBboAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDG8b4/4QzXdwyP7PuMgHH/LNqAK3w0/5J34a/wCwXbf+iloA6KgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAMH4hTPb+A/EE0WRJHp87LjrkRmgCbwX/yJ2h/9g+D/wBFrQBsUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBn+I4kn8PalFKNySWsqsPUFCDQBifCV2f4a+Hy0gkIs0UEZ4A4A59AMfhQB1dABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAZHjOJJvCOsxSDKPZTKw9QUNAFP4aTPN4A0J5W3N9jjGfYDA/QUAdHQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFADZY0mieKRQyOpVlPcHqKAINL0+00nTrfT9OgW3tbZBHFGvRVH15P1NAFmgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAI7iCO5gkgnQPFIpV1PQg8EUANsrS3sLSK0s4Ugt4VCRxoMBQOgFAE1ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAZ+ua7pOgWouda1G2sIWOFaeQLuPoAep9hQBNHqNrJfLZpJmZoBcKMHBQnGc/X+dAFqgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDD07xfoep3OpW2nXn2mfS9/2qNYnHllSQRkgAnKnv79KANPTL6HUtOt761O6C5jWSM8cqRkdOKALNABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBR0zVrXUpb2K1Lb7Gc28wZcYYAHj1HNAF6gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA5P4la9pPh3R1vNRitJb0bvsKXAHMoUngnpQA0apby+NfDD+Ym6/0i82hOjHdbOPwwHx+NAG1r8enajod/bX10I7UoUnkikCtF+PYjigDmNE8cs3iuy8MDQdQtraS3doLq5IzIka/e29QCNvJxyaALHhL4l6L4p8SXeh6bHdC5tFdnaSPC/KwU8/U0AWPDXj/R/EfivVvD+ml3n0sZeXjZJg7W2n2JxQB1dABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcF4b8e6frXj6/0DT/ACVtLaGTcAADJMrgOSOw689+aAND4aXtjH4B0tkuolgQGAO0mAzByvfuSOlAGvJ4m0dNfTQ/tsbak4z9nU5ZRjOT6cUAaNzcwWqb7maOFfV2C0Acr4C+IOn+Nr/V7fTYZUTTZQglbpKDnkfiDQB19ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAhZQwUkAnoM9aAOT8beNz4Zsob+10i51eww73NzaunlwIvBySeTnPA9DQA7wn8RPD3iqaODS55hPIm8Rywshx35IxQB1dAFP7bKNWezazlWBYBL9qOBHuyQU+uOfxoAbJqkCara2A+d7mNpVZSMALj+eaALksiQxNJIwREBZmPQAd6AOX1nVIIfGfhvGogQ3qTxpCr/ACyEqCre/Q4oA5bxF8U7rRfiRJpAtbe60a3ULcujYmhYKrM/J5UeYvGOzelAHRaZeR6f4i8VCxga4mKw3iQqwHm5jxwT6kdaAMWy+NGiwz3Fp4js7vSLu2k2SDZ5sY4yDvXjoR+dAG94x+IOk+F/CMevzFpkuAv2WEfK8pYZHB6DAyTQBveH9Vh1vQ7HVbYFYryBJlU9V3DOPw6UAX6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCpfaXYahLBJfWcFy9u26IyoG2H1GaAOVuvhT4SubcxtYzK+/esy3MnmR/7KtnKr/sjigCnf/B3w3cBUtpdRsYDgyxQXb7ZiOjNknn3oAis/gv4cs7v7TDe6uspXYzC9YFl7rkc44oA0pfhX4UMdulrZS2TQja0ltM0bzITkq7A5YH35oA6DSPDmjaNM82laZbWk0iCN5IowrMo6AnvQBqUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBh694Q0LXkjXUbCNvKk8xWjJjbPfJXBIPcd6AMi7+FXg66lmeTStom5KRzOiKf7yqDhT7jmgC/pXhDwr4VzqNrp9raSW8Z33sxy6r3LSMc49yaAMFU0L4j+LYbuK3fUNK0WJ4/tJJFvPOxU7VH8e0KST0+YUAd1Z2FnY7/sdrDb+YQW8tAu49OcUAWKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAGTzR28Ek0zBI41LMx6ADkmgDzrU00f4na7bx2guLrTNIV3luIi8CzSsMCJX4JxjJ7UAaPhTwDotrpiTy+Hk067lJkNnNcm6jgfPBHO3sDwO5oA6fQ7Gez023j1Brea9RcSTQQiJWOey9hQBH4q1OTRfDmoalDGZHtYGkChSc4HoOtAHMar8RPDNx4blhs9Zt9Q1C7tvLhtbNhLNLK64ChF5Bye+Md8UAP+HvghPCd38tjF/wAeUSG8a5eWZ5cfvBtbhVzyAtAHZXtrDfWc1pdRiSCdGjkQ9GUjBH5UAconwt8IJpz2Q0smNmDBzM5kTHTa+dy/gaALNl8OfCNpbRwLoVpKI2Lh5182Qse5Zskn6mgC3rXg3QdbvkvNSsEluEQRhwxXKjscHkUARyeF7a6F7p1/aWD6HLEiQ2qQbXUj7xLfligCDRPh54Y0Uzm000SeeuxhcyNOAvoN5O0fT0oA6WCGK3gSCCNY4o1CoijAUDoAKAH0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAySaKJ40klRGkO1FZgCxxnA9TgGgB9ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAjAMpVgCCMEHvQBR03Q9K0qWWXTNNtLOSYlpGhhVCxOM5wPYUAXJpooIzJNIkSDqzsAB+JoAfQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBwnxFUt4x8CKGC/wDEykPJx0iNAHd0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcV8Zj/wAUJcKpwzzwqvOMkuOKAOxtgRbRA9Qgz+VAElABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcZ42iJ8ceB5XZkgS9uFLBsfObdyo/HBGO/NAHZ0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcJ8bELeELY4+VNTtGYkZAUSjJPtQB3SYKAqQRjjFAC0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHOeN/E8/hqHTlstN/tK81K7W0ggM4hBYgnJYg44B7UAYreLPiAGIHwzLAHqNdt8H9KABPFnj7J3/DN1GOMa5bHn8qABda+JZYOfCWkqh58s6l8wHpkDGfegBZPEnxEYRmHwBbRl+CH1mNvLPq2AMj6ZoAkn8S+PYWYJ8PIp9oGDHrkQDfTcg6e9AEX/AAlnxA25/wCFZnOen9u2+f5UAJ/wlXxCf5F+GyxE8B5NcgKr7kAZP4UAH9r/ABO/6FbRf/Bgf8KAGPrfxQVFYeEdIYsQCo1Hlfc59PagCh4lg8f61q2hXq+GbCBNIuzdGH+1Q3nfLtxnYMdW5wev5gGmPFnxAOf+LZkYHfXbfn9KAE/4SX4i3HyQ/D63sm6+Zc6zFIn0wgzQArav8Tc/L4W0YD31En+lACf2v8Tv+hW0X/wYH/CgB8Ou/EeGVRc+C9OuUc4zBqqx7Pc7lOR9BQA0+K/iAEDf8K05zjb/AG7Bke/3cUAJ/wAJB8SLnmDwNY2IXgrdaskhb3GwcfjQAjat8TmUg+F9FGRjjUSP6UAOOsfExYyP+EU0dn3DBGonAHfIx9O/Y9aAG+HvGHipvGFpoPijw5a6f9st5Jo5be6EuNnXIGfUenWgDv6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4r40f8iFdf9dof/QxQB2Fp/x6w/7i/wAqAJaACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDhvicSNZ8EgEgHXY8j1/dvQB3NABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHDa7G7/ABg8NlBkR2Fyzewyo/mRQB3NABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcV8aP+RCuv8ArtD/AOhigDsLT/j1h/3F/lQBLQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcN8TUZta8E7VJxriE4HQeW9AHc0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcbeq8nxh0wNBmKHRp3WTaeHMqDGemcfjzQB2VABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcX8ZVL+BLlVGS08IH/AH2KAOwtQRbRA9Qg/lQBJQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcL8bV8zwUsI3Zmv7aMYbbjMgH4/SgDt4U8uFEP8KgUAPoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPDfFM7+H7XU/C2rTSOsOpwanp0jAMZLcygsmSeqHIx170Adr4Av5vEvjDxH4gW8lfTYHXTbKFWIjIQBnfHQksRg9uRQB3tABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB5j8ffAt34x0Czk0iATahZzDavAJRuG59uD+FAHaeCPD8Phbwrp+jW/wB21iAY/wB5zyx/Ek0AbVABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBna3rljof2L+0ZfKF9craxNjjeysRk9hhTzQBJd6klrqNhZshZr0uFYHhdq7qALtABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAU77VbHT7m0try5SGa9kMdujdZGAyQPwoAmvLu2sbZ7m9nitoI+XklcKq845J4FAEw6cUAFABQAUAFABQAUAZXizVZtE8P3eo2tsLmWBcrGTgHkDJPpzQBJpGqDUJr2HyjG9lKIZPmBy20E49ue9AGjQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBBqEskFhcTQrukjjZlXOMkDigDG0/XLmPwzot7qMaSXV/5COIjtUNIAc8/yoA6CgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOE+KGq+FYFhtPEGmNrN9AFntdPjjZ5JNxZSyqOuArE56YoAc1+dYh8Jamunm3El8/kxsChjhw4RsdiUCnHbNAG34v8AE+n+HLMLdX9paXtzHIbRbpiqOygZyfQFlz9aAOG8N/EXxhdFg/hR9ctVA2X2nnykl4HIEmOKAPUbKaS4s4JpoHtpJI1ZoXILRkjJU47jpQBDrI1A6bMNHMC3vHlGcHZ1Gc456ZoAwfF3jzRfDk8um3V4I9We2862t/LZjKTuCgADnLL0oA6LTpJZtPtpbhdszxK0i4xhiBkY+tAE+5d+zcN2M4zzigDkvHvjrTvDNldW0N1DLrpgZ7WxAZ3kbHAwoPWgDivDHxV1qTSbyy8S28Vj4lM8a2Nm1vIpnRiMkD2BPOaAPUvEGqromiXGpSQvMtum5kQc470AX43WSNZIzuRwGU+oNADqACgAoAKACgAoAKACgCnrOqWmi6ZPqGoS+VbQLl2xk8nAAHckkAD1NAHHeHvjD4O1mCV31IafJExDRXY2Nj1FAGJ4p8X+APEzWN/dX2pSNpc7qq2olj8oPgNK+B90Kuc56E+tAFWTxR4v1vVbtdF03T/FXh+ds+XLbNFEq5G0bn++e/TGRQB6b4YvdVvtOaXW9MXS7gSFVhEokyuBg5Hvnj2oA1GztO3G7HGelAHOX/ii28KaJYT+Nb63tZ528p5Ylbyy+CeOpHAoAt+ENXfXNHOoMpEUs83kEoU3RByEbB9VANAFb4h65eeH/Ct1e6VGk2ofKltC4J8xycAADqfagDmPBvxU09vCoufGt/Z6bq8DSJcWoBV1KsQPkPIJx096AOg8O+NrDxJrEdvocsN3Zm0E8kqsd8Tk4CMO3H8qAGeP9e0W30290S+1CGG+ubbdHbs2HcMSFx65Kn8qAJPCJkXxBr8bw7fmtnZ+m5zAm4H34/WgDqKACgAoAKACgAoAKAIb27gsLSW6u5VhghUs7t0UetAHnXin40+HtGu7SOwJ1SGRwJ5rfO2IEjABxhmwc7fQUAQa7448FalrVld/8JbqMCwOu6G18xYVYHP70bc89MUAZXhP4t6rd65IvjCyh0XQ7qOVrW5ljdM4wAoJHzHqe1AGxpHiWy8TeCrcWU8rXWlaraRuCCrY+0ooJB7FGoA9PoAoXSamdXsntZrdNOVX+1RuhMjnHybT2560Ac7afEDSta1uz0zw7eR3U/nst3F5bbokXIJ6YHIHegDsaAM3VNYj03UtMs5Y3P8AaMrRI4HCsF3AH64NAHNaj8TtE0vx3c+GdTcWf2a2WZrqU4QucEIP+AtnP4UAZ2s/Gjwta6U8llfo18W2JBMjoVz/ABtx93HPqaAOd8GfFOC41jVk1/xPb3GlpajZItuYH85mOVjXkkADr7igDS134nrF4RRPh7b3uuahEFVzLA8jW4HUy8csfSgD07SLie60mzuLuA29xNAkksLdY2KglT9DxQBaoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA47xH4lvPD3iv954b1rVbKa0QRXGm2/niJ97b1ZcjGRsOe+KALfhmOfVNZuvEV/pU2mvJAlrbQ3IXzhGpZi7YJ2li+Nueij6AA6G5fybdpEgedoxlY49u4+wyQM/jQByel2mpeJfEa6vr+jrp+m2EbJp9pc7HmeRiC0z4JCYCAKMn7zH0oA7BVCKFUBQOgAxigBaAOB1HxJrHhrxZqEV14c1bVra/ki+xTWCK6KAvzI2SNpGCfQ+3WgCzpuj6zrV3fa5qECaBfXKwQW8fy3EkMMbMx3EHbucuenQAd80AdrQBwviLxpp3hHxnKPEa3NtZ3VpH9lu1geSPcGbeh2gnP3T0oAyvAP2jUfHF/q2iW2qx6BemS4uZNWgRBNMdojNvxv2bQepxj3oA9C1Gwe7ltZIblrZ4JhIxVFbzFAOUORwDntQBg61B4j125XSzYW1hpLSf6VdG63yTRhvuIoAxuHGSeAT3oA6pQFUKoAAGAB2oAWgAoAKACgAoAKACgAoAwfGzLFpllNI2IotSs96dnDTogz7AsG/4DQBJD4Y0yxs7+PSrK2t5b2R7hmePzF85v4yD2yAcDAoAZ4V0nUrCzuF8QXlnqN3NKWEsFoIFEeAAhHOcHPJ9aANxFVFCooVR0AGBQAtAHG+ONW1Tw9rem6vFpV9qukQ286XMVgoeWJyUKybCRuGFI68AsfqAV4F1fxnf2dzf6FNoVlYo8kTXjI0zzvGVBCAnAXcT83J44HNAHYaTazWWm21rc3TXk0MYR52UKZCB94gcDNAGDqt5Yw/EHS7fUZY0Z7ORrQScAy7hnB9dtAFrxTok2oWbTaIumwasCvl3V3aiYKM8j9T60AVtD03UPDVhc3N7JHfkxoTa6dYJEd44Yrg/NnOecYoAq+G9Ln1zW7jxN4j0SKynCpBp1vOEea3iUkl2I6MzNnHYAepoA7AAAkgAE9aAFoAKACgAoAKACgAoA47xnc6prG/w1pui3Xl3h8u51CYKsEUR5YqQ2WYjgDA60AdFZaLptjYQ2NvY26W8O0ogjAAI5Bx65GaALX2W35/cRc9fkFACvDE6hXiRlXoCoIFADVtLdC5SCNS5BYhQNxHTP0oAdcBzbyCH/WbDt+uOKAPONB8d6hZabFpKeB/E9xqNsDEWNuogZxnrMzcA+pFAHTeGfDt5pkenSy3iQyKs0l9bwxKUnmlYux3HkBWJx2I7DpQB0U7SJDI0MYkkVSVQttDHsM9qAOSlOvXGqLq2taUIdP01S9vZ2kv2ieSQjBcgbRwMgKMnmgCHRLCfxP4p/wCEk1rw+NNtrS3NvYQ3iIbmQswZ5XAzsxsVVGSeXPcUAdWdLsTd/ajaQmfZ5e8oM7c5xQA9rCzYqWtYCVOVzGODQBLHFHFny0VM9doxmgB9ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBj6v4hg0rXtF0mWJ3l1h5UideiGNN5z9RQBsUAFAGb4g0ddbsVtXvbyyUSB/MtJfLfjtn0oAn0mwXTNOgs1nnuBCu3zZ33u/uT3NAFugAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAjuIIriLy50DpuVtp6ZBBH6gUASUAFABQAUAY3jTxFb+EvDN5rl3DJNDaBCyR43Hc6qMfi1AGzQAUAZPiXwzpHia0W21qzS4RDujbkNGfVWHINAGZoPgHStEufOt7zVpgpzHFPqErRx89lyBj65oA6mgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAyfFevQ+GtFk1O5ieWONlXYnBO4gf1oA1I3EkauOjAEUAOoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4Txz/yUr4f/APXxe/8ApOaAO7oAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOC+P3/JI9d+kP/o+OgDvaACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4r40f8AIhXX/XaH/wBDFAHYWn/HrD/uL/KgCWgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDhPHP8AyUr4f/8AXxe/+k5oA7ugAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4L4/f8AJI9d+kP/AKPjoA72gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOK+NH/IhXX/XaH/0MUAdhaf8esP+4v8AKgCWgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAK+pX1tpmn3F9fSeVbW0ZklfBO1QMk4HNAHC+J7y31Px38Or3T5luLaWW8kSRDkFTb9aAOy0jXNO1iW9j0y5W4NhObecqp2rIBkrnGCRnnGcUAaFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHmXxh1vTtf+D/AIifR7pLoQyRQSBQQUcXEYKkHmgDvf7b04a4NFFyDqJh88wKpJWPONxOMDnpnrQBoUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHnPxK1zTdf+Hl/Jo92l0sN4kEgXIKOsgBBB5/x6igDsbHW9OfVV0NLkNqMVqtw8KqTsTIXJOMA5PQnPegDVoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgBsiJJG0cih0YYZSMgigDxfxN8KPEQ8X6efC2rNYaJG8jqA3NiXXEmwf7QJA9KAPWPDeg6d4a0eHS9Ht1t7WEcKOSxPVie5PrQBpUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAeTfGH4aalrdvcXPg+VbeW/KLqFpu2R3IVgVc+4PX1oA7LwH4RXw1aS3F9Ob/XL7D39+/3pW7AeijoB7UAdPQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAY/i3xNpvhPSf7R1ZpRCZFiRYkLu7tnCgevBoA11YOoZSCpGQR3oAWgDyj4t/DbU9WMl94MnWzuL10+32+7bHcEHKyH/aH60Adj4C8Iw+FtOYyyfa9Vu8PfXr/emf+gGeBQB01ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAHTrQAgIIBByD0IoAWgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgBCQoJJAA5JNAAjq6hkYMp6EHIoA5nx//AGU3h+O91OztdQt7W8gO2Zd6LumSNmwOpAY496AOmRVRFVAFVRgADAAoAWgAoAKACgAoAit7q3uTILeaOUxttcIwO0+h9DQBmeDdUk1nw5a387I0shkD7cYBV2UjjuNuD7igC9q1y9npV5dRBS8EDyKG6EhSRn8qAE0a6a90eyu2ZWa4t45Cy9CWUHI/OgC3QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAGRdavNb+LLHSWtybe7tZpRMOcOjJ8p9BhjzQByV38RNR0rxtqOkal4b1OazRV+xS2ds0pk7Ek9AM9+1AFHXPitcpbnTrbwxr1rrDHE0YszL9nTOC6leH9scZPWgDM8F+KLu2l1w63Z+LL+2vfLit7a5sH8wnBDkEABQdw78YoAuajrvi3VfDNnZeAPD99pElg0cc6348sqq8BELffGByfSgD1aHf5KebgPtG7Hr3oAfQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBXW+tTZyXYmUW8YYtIeFAXqc+gweaAPLfHHifxV4rtbeL4ZW+pQBHLveywCGKaPHBQvyQcgg45oA2PCviLxBqd3oGmXenara3VkzHV5ri3CQyr5MgG184OZChwtAHWavqVxZavpNvFErwXkrxysTyuFyCPxoA1qACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4z4neNbzwfpn2jTdIfU5I1Etwd21LeLcBuY+5JAA9D2FAGT4k8YX+vaCdI0nwxrK32qQhQZogkKxtjdmUEgZUkevNAFX4Yabr3gTRNTh1mwu20q3iWWK3ik+0SiTLbxEBglSNpx1zn1oAqaBaXF/pHiSDSdE1Ww0u6aKS3h1BfmM5kyxVW5A6HnvQB66OgoAz7iD+0bmyurPUZIo7SZjIkRBWcYKlG+h547igDmbfxbqOu6+dL0zRr+1jsdRMVxeSACJ44yQwB9+MUAdvQB5tqnxUn07xlHpB8NX81lKJBFcRLmSUocMVTuAQR60AXLr4lMl4qW/hbxDLZsjKLgWLA+bn5V2HnbjPzHigDnPhz4Z8XaX4xXVr2xFjb6izy3yi63qwKkrlMcOGxyO1AHfeGYX0Hwvd+dauogvL+ZIUA3GM3Mrpge6kEfWgDK8N6vdeNZ7q8S01Cw0aewNuY7uMRlpSTllHU/KcZ6UAbvgWJrfwToMEmN8WnW8bYOcMI1BH5igDaoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAK9/8Aa/sr/wBnGAXH8PnglPxxzQBzdno3iO2uLvWbm607UdZlQQQRMrwW1tCCSVUjc2WOCzEc7VHYUAXPC+i6jaXl5quv3cNxqV6FUrbgiGCNc7UTPJ5JOTyc0Ab3loJfN2L5mNu7HOPTNADqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoARhuUjJXIxkdRQB47ceIvEfhqGfwXf8Ah3TdTjkR44ribVo4FmilYqu5CMkktjGQT2oA7r4b+Hb7w3okttqDQI0s5kjtbaWSSG0j2gLGjSEsemT0GScACgDdl02J9UTUlLrdR2726ZYlNrMrcrnBOUHPXrQBi6VoGqy62NW8T6hbXctvuWzt7WAxwwA9XO5mJcjjOeO1AHTUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBgP5B8bz2ksCv9t0tS+8EhljlYbcdP+WxoA3lUIoVQFUDAA6CgBaACgAoA89sE+JGmRHS7LTdAkgiLrDeXFzJyMkqWUDPccD9KAOl0bwzBZwWEmoSG91K1aSVroZjDyyZLtsBx3wAc4AAoA3SMjFAHPeEbaCXTY3uLeNrqxubmKN2XLRjzWxhjzyu3PPNAFg+HY/8AhJl1wanqokUEfZPtbfZTlQv+q6ds8d+aANmgDnfFOla9rP8AoNnqFpYaZKQJ3ETPO6fxKM/KM+tAD9V8K29zo+r2VhcS2Mup2otmmDMwiATYpVMgDA9MZoAu+GNIXQNBs9KSczrapsEhiSPdyT91AAOvYfXJ5oA0qACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOS8WavfWPjnwdYWs5jttQmuluUAH7wJDuX8jQB1tABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBla3b6Fbg6trcFggtgv8ApV1Gv7v5vl+Y9OSPxoA1aACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAQqu8PtG4AgHHIB6/yH5UALQAUAFABQAUAQ3d3bWUYkvLiK3jZggaVwgLE4Aye5PagCagBFVUyFULk5OBjmgBaACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4Txz/yUr4f/APXxe/8ApOaAO7oAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOC+P3/JI9d+kP/o+OgDvaACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4b4zIZPDFii4ydWs+px/wAtRQB3NABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBwnjn/AJKV8P8A/r4vf/Sc0Ad3QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcF8fv+SR679If/AEfHQB3tABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcd8Xlkbwa/kHEy3UBiI4Kt5gAP60AddCGEKB/vBRn60APoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCpq73sel3T6VHDJfLExgSYkIz44DY5xmgDyDWPiFpN54r8F3utyrpN5pct5/aNtJ1t38kr+RPTrnigD0fwJrWreIdNn1TU9O/s22nmJsIHUiYwdnk5IBbk4HbHXqQDo6ACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOB+PpB+Eeu4OeIf/R8dAHe5AIGQCegoAWgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4r4vXXkeFLcoFYS6lax9emZRQB2mRu25GcZxQAtABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHJeIPhv4b1/wAS2mu6jZB7q3+8v8E2Om8d8UAdbQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAeDfGiy13wl4b1WwshNqWg6zMjh5CXaxkEivt91YgYz9KAPQ/Aemazf38nizxPvtru7hEdtp2SFs4s5wR3c8E+mcUAdtQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAeE/Fa31/wTZSW9hBJqfh+81CK7iLEvJayhwxj/3WI49M0Aeh/D3R9Y8658S+Jp2Gp6mihbRSfLtIhyqAf3vU0AdnQAUAFABQA1HV1yjBh0yDmgB1ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAHgZPFAHMad4x0fxX4a1K88MaiLhoIZB8oKPG204JU4I9jQBreGrt77w9p11Lu3y26M245OdozmgCt4zuprPw5dz2bus0Jjf92cNt3rn8xmgDYRg6Kw6MM0AOoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAQgEYIyKAFoAiurmCzgaa6mjgiQZLyMFA/E0AVn1nT0FkRdI63z+XbsnzCRsE8EfQ0AXPMQSCLevmEZC55x64oAdQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAFbVDeLp1wdNNuLsRnyTckiIN23Y5x9KAJLUytbRGfy/NKAv5RJTOOcZ7UASblDbcjdjOM80ALQA0OhdkV1LrglQeRmgBC8Zk8ospfG7bnnHrigB9AGF4rk8qfQyX2A6nGp5xnMcnFAG42dp2gE44zQBh2XiG3tpLXTtf1DTbbWbhiFtYpuW54AB5JxQAuq6lDbeJ9ItH12GzaYSf8S5kUvd8fKQx5XaRnjr0oAxGWTSvhv4m/s2Vku7dL91eFjuWUBzkd85xQB2Fhci8sbe6VSonjWQKe2RnH60AT0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAFfUbuOw0+5vJs+XbRNK+Bk4UEn+VAHmWnXXxVk8X3hMOmnT5bZJ4RISbcZx8gYfNu5OT7e9ACHUvHOu6jf6PBq3hhJZbcwXEFvO7S2OcqZFGMsRnvjtQBe8HfDW/wDDetXl+2rwXEdzbyxtHHbCEuzkH5iDjAI4GOM0Ab2ozX3g34dF7RYru+sIEWNJnIWVywAXPUk5wB3JAoA52e4uT4V8W6zr72ttO8ccNxbW0rSC3MY7k9zv6D2oA9D0ueK5062mt23RvGpU9OMUAWaACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoARmCKWYhVAySTgAUAcr4Ve7v/Cmptp967STz3QsbmXkYJIjYeqg9PYUAch4Hf4lzeF4ora90W6igkkEN9M8jvchZCNp4GFJBAb0xQBX1bRviV4plNzqWk+HvJQbILS5mkKQsCQZNuPmJ7Z6D0oA1dD0f4gaD4b0/SNJstAgSwGf3k7yeaSxLAfKNoyx9cUAXdG8CauPH9t4y1jWt919neKayiX90mRgIhPO0deeSRmgD0CgAoAKACgAoAKACgAoAKAEY7RwCee1AEL3UaXkVqc+ZIrOOmABjP8xQBh+KZfED6np2n+H5ba3juopzc3EyFmhChNrKMjJyxH4igDDbRPH50+4trrV9KvheweRKssLIIhgqWXB5JByc96ALvxB0vUYvhldafomox2M9tbIPtMjFMImC3I6ZA6+9AGP8PtXu9V8SW0evXVouq2OnCI21t5rls7CzSMVC7vu8A9zQB32r6jDpVg93OrsqEAKgyWJOAB+dAGP4xQ6JoOu65osUMOrvbZErru8xkHyKR364HuaAKPghNQk17VJ9fvbObV4IooJYbSNlWJDllyW6k89PSgDp9U1CHS7QXFwHKmWOFQgyWeR1RR+LMBQBzvxQstVv9BtItBMK3638MkbzfdTBJz/n1oAx72T4qWrG7hh0K689FjNoruot2zjeGx82cknOMAd6AMW18B+Nf7XstTvD4fkltZvtO3y33NLgjLSD5iOenSgCafwJ43uPFEPiS61LRp7uOSNvszQMEUIDtw/UcsTgetAHQaD4b8VW1xri6vqdjc2mrQyMscMTJ5EzDGBk8rjr70AdfpNmNP0u0sg24W0KRA+u1QP6UAWqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgBsiJJG0cih0YEMrDIIPY0AZfg+0uLDwtpdleqVuLW2jhfJzkqoXP44z+NAFuHTNPgvZL2CxtorqTO+dIlDtnGctjJ6D8qALdAHP3nhOHUNettT1LVNRvI7OXzrexkaMW0T/wttVAWK9VLEkGgC9r2hWGvaVc6bqERNtd4E6xtsMgB6EjntQBb0+yttNsobKwgS3toECRxIMKqjoBQBPQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAGV4h8OaX4jt47fWYHuIYm3CMTyRqx6fMFYBh7HIoAxfHOl6TaaHJdatrOpaTodrGsc9tZyCOJkJCBThS4B3AfKR1oA6iws7bTrKCzsYUgtrdBHFGgwEUDAAoAnoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAwfFfhn+3mtJ7bVLzSb6zYtDc2rDIB6qykEMD6GgA8OeGn0m4e8v9Y1DWL50MfnXbqFjUkEhEUBVBIGe5wOeBQBvUAc5rXg201vURcajqOqS2e5XbTftOLV2XoWUDcRnnG7HHSgDogADkACgDN8TaNH4g0S402S4ltvOA2zQnDxsDkMPoRQBzel/D64W7t5vEXirV9djtpFlS2mZY4C6nKsyr97BwQCcZHegDt8YoAyvFWiJ4i0C70t7iS1M4BSeL70TqwZHHuGUH8KAMDRvBmupqdtdeKPGE+vQWh3wW32KO2QSdAzbD8+O2e/NAHaUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBwXx+/5JHrv0h/9Hx0Ad7QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHP+OvEUnhjSIL2GBJ2lvILYqxIAEjhSfwzQB0FABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBwXx+/5JHrv0h/9Hx0Ad7QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHCfGr/kVbL/sLWf8A6NFAHd0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHnnx1ube7+D+vSWs8U6DylLRuGAInjBGR3FAHetd2yXaWjXES3LqXWEuA7KOpC9SPegCagAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4T41f8irZf8AYWs//RooA7ugAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA8P+MXg/XdG0rUl8FwNNpOtyo97ZRqWaCYOGEkYHQMQM9enbNAHe/D/AMM6hbXE/ibxXKJvEepRhZEU/urOIHKwxjsO55POfckA7OgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA8p8d+KdP8VeCraWx82CaDW7WKe2uV2SwuJRwwoA7vR/FNhrOvalpWnCSY6ZtWe5UDyhIc/uwc8sMc+lAG3QAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBzPj7/AISE2mnR+GZ4IHkvY0uWkcI3lc5CkgjOcDoTzQB0ozgZGD3FAC0AFABQAUAFACbgGC5AYjIHf/PNAC0AMEsZlaJZFMiAMyA8qDnBI9Dg/kaAH0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAFfUhcHTrkWLolyYm8pn+6rY4J9s0AYPw2tNUs/C0K63fx6hdyO0jTxuzq2T2Jx/KgDpqACgAoAKACgAoAaroXZFZSy43AHkfWgB1AEcFxDOHMEiyCNzG2052sOoPuKAJKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCrJqVpHqcOmvMBdzxNLHHtPzIpAJzjHUigCxG6SRrJEyujgMrKcgg9CDQA6gDzX4o/CeLxlfW9/p18dMuw6/aGUHbMoPBIH8Q7GgDt/DOg2PhrRoNM02PZFEOWP3pG7sx7k+tAGnQAUAFAFLV9UtdHtUuL1mWN5UhBUZ+Z2Cr+poAs3E8VtbyT3EixxRKXd2OAqgZJP4UASUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBieNfEcPhPw5c6xcW8t0kBUeTDje+5gOPoCT9AaADRfE9nrvhj+3NHSW6jMTOsAXEpYDOzH97t+IoA5648SReIdJ0fUobO6tpLbWoILm1nGyS3djsww7/6xT+IoA7ygCvaX1teSXEdtMsjWsnlSgfwPgHH5EUAPiuYZZZoopFaSBgsig8oSAwB/Ag/jQBISFGSQAPWgBaAOR8feOF8IXGmx/2dLfrdSETiE/PBH/fC4+bntxQBJa30V3440y8s5oprPUtGleF1PJ2SxH8iJf0oA6PUL2202ylvL6dLe2hXdJLIcKg9SaAMPTx5XxB1gM0h+0afaOm77oCvOGA/76U/8CoA6OgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAQkKCWIAHJJoAbHLHJGJInV0IyGU5B/GgDifBnxHh8ReIr7R59PeyaKRxZz798d5GpOGU4GCRg454NAGpd+IrqHxW2hX2jzw2V2hWy1FXDJNIIy7IR/AQFbHrtNADvhu6v4I0sIrKqRtGAxyfldl5P4UAbWp30GmWMt5dbxDEMtsQsfyHJoATUdQt9N0u51K7cpbWsLTysFJIRVLE469B0oAtUANkkSPb5jqm5gq7jjJPYe9ADqAOK8QfES30DxlFot9p0/2FoQ0moxkMkLnna6j7o2kEk9MjjBzQBe8OeXF4y8SxLKXeRrebB7Ax449uKAOgu722svJF1OkPnyLFHvON7noo9zQBi+C9sa6xbqjIYtTn4PcMdwI/OgDoaACgAoAKACgAoAKACgDmfGHj7QPB93ZWutXTRz3rYjSNC5C9NxA7Z4oA6UkAgEgZ6UAVdK1K11Wz+1WLl4fMkiyVK/MjlGGD/tKaAMXxFbJL4hs4tpD3tjdWwlPIQ4Ujt3ye/agC14DuWu/A+gXEjKzy6dbu5XpuMa5/WgC9rOp2+jadJfXYlMMRUN5UZdvmYLnA5PX8qAJr67hsLSW6uWKxRDcxAzgfSgCZGDorL0YZFAFXUtSttNFv9qZx9omWGPahbLHp06DjrQBbJAGTwBQBG88MZIeVEKgE5YDAPAoA4T4j+NtJ0W/sdL1JLmAm6glF20J8iPDg5LdDgDOKANLxJrWl+JfA3iC30LUbW+lk0u4CiGUH70bAfTmgDo9Ine50mznkJLywI7E45JUE9KALVABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHnHjvw3rXirWYrvQ9Y1DTm0q9jgeFXCRsu1XaVeOTiTHPHymgC/eeAr/AFuOC28T+Jbu/srclkigRbdmYqVyzryeGP50AWoPBt1o/h+fT/DOsy2dzcTK8l3cRiZtoXaQBwAcAYPtQBZ0XwbbadYyQ3F9eajcTXUV3Nc3LgvI8bKV6cADaOlAGlr+rppK2IYoHvbyO1QvwuWyT+OFOPfFAFLxtPc2mgumk3cdhf3UyRQSFQd0jMBjHc4oAZ4Hs7m2h1GXUJbue9nuiZpriFYhIVUICijouFGKAM74kaPdeJ4f7BtNRn095LaSdGiYKJXUgKpPXHOeKAOcn8NeJdF8GWNpqXiTXrlJI1huYNNtkuJkYo2Qr4BCDpk+1AGlp3wytNVt7a98TalqmpXAgRbczN5EtsuM4O3+LsefWgDqtM8MadpEmltZBootKs5bSCMnICu0bFiTzn90Ofc0AcjrwufFWrXX2TUL658Nu0VjLDYorJMzHEjbj/AucMV9/SgDX0/WoLr4r6ppsML+ZZafDHLIwYAEkuAuBgjDDkkcjAzzQB2VABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBzPj6CO/sbLSbieSC31K5W3laOTY5UgnAPvigDnfCPwuudD0X7BJ4n1VPnf5bafbHsLHaMEHHBGaAN/Qvh34a0HULe90yxaGW2UrGPNYqMjBbBOM470AN0XwPHYazHq2pazqes3duW+zm8lG2EMCpwqgDoxGTzzQB0ljaQWNstvaxiOJSxCjoMkk/qTQBhweK7FPFGraVqN9b2L2Yh8mK4dYzKrJuMi5xuXJ28dCh9aAOd1Gyi8Zaze3NhqF7qGjAw2c1tZ3KpBNlv3jbv4lVW5APOCKAPRaAPMfHfgy58earexx6rcWF1pN3bm1CuQgiMaszYH8RZmw3+wB60AJ4l8L3dhLBAdZ8ZaqLhgIBaOhS1YEfOzHH65FAG1F8L9CcSzahJf3t7crtuLqW4YSTDgYbHGMKBj0FAHRi10/R5LrU5pIbWMxoskkjBEjRBgZY9vrQBxOlW+qazr1vql9cand6Ndag9xYwiNEigjj5jkfd821iNy47EetAGt8N/EA1+XXZF06ezjjv2EbyxsPPXAG7djB5BHB6AUAdlQAUAFABQAUAFABQAUAcYPDOk+M/tOq6zCZzKTBbAnabZEc4KkchiRuJ/DtQBha74WurfWbSOJvFWpyxDfFeRXqKkBwRjkjOenQ9aAOjg1fRfBHhO0i1m6TTpRD5rW0twJJ3kclnxjl2LluQOTmgBngTw3d2ipq2s3+oXV5MrmK3u3BFqjtnaAO+MA59KAOj0PS7fRNHs9LsgRb2cKwpnqQoxk+5oAyrLxVYnX9U02/vrezltHURwTusbum0EyDPJBJxkccUAc3qEA8Xa9c6jpF/d6lpMPkWrW9pdLHbzNuYyNu53bQVyB1oA9FRQihVGAowKAOe0rxXptxNqMN9qNhbTWd08ZheZVeNQBgsCc88nPoaAOds/DB8W3Wr6i/iLVho95dH7JBBMY43QRoC44yQXD4IOCACOtAF0fCvw/M4m1OXUNRuTGY5JZ7t8yDnBIBA4zkehoAvaT4B0iyZHvGudWkjJKNfymUL9FPH6UAbR0XTltriC3s4LYXEbRO0MSoSpGOoFAFu3hS3gjghXbHEoRR6ADAoAkoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAz7HTTaatqN6Jty3vlnZjGwqCDz78UAaFABQAUAU9Y0qw1rTptP1W1ju7SYYeKQZB/wAD70AY+h+BPDGhagl5punBbuNdsck08k7Rr0+XzGbb+GKAOkoAzr3TpJtb0+/idFW2Eiyg5yysvGPxAoA0aACgCC/sbTUbR7TULWC7tpPvwzxh0bvyp4NADrS1t7K2jtrOCK3giG1IokCKg9ABwKAHrGiM7IiqXO5iBjccAZPrwAPwoAdQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAVNT0+PUFt1lZl+z3CXC7e7KcgH2oAt0AFABQAUAZ+raDo+slDrGk2OoGP7n2q3SXb9NwOKALdrbQWcCQWkEdvCgwscSBVUewHAoAloAqW+nxW+pXV8hbzLpUVweny5AI/A/pQBboAKAKWqaRpmrpGmq6daXyxNujW5gWQIfUbgcGgC706UAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcDcfD7WbTVLi58LeNLzRbaeV5mszax3Eauxy20MRgZz2oA6nw9p2qafA41jW5NXmZid5to4FUZ6BVGfzJoA0JbaCWWOWWCN5IcmN2QEpnrg9qAJaACgDO1bw/o2svG+saRYag0YwhurZJSo9twOKALUMdpp1tHBCkNrAvypGgCKM9gOlAE9AGVqPhnQNUuhdalomm3lwMAS3FpHI4x7kZoA1ERY0VEUKqjAUDAAoAWgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDiJJ5Lb41xI0jmK80PYkYb5VZJixYj1wcUAdvQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBwvxgYwaXo13k+XBq9tuUfxbm2j9TQB3VABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAHGXNusvxjspSxBg0WVgPXMqr/AFoA7OgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAp609xFpN29ksrXCxMYxCqs5bHGA3BP14oA47Tr/xS19aJOmriN5FEjS2VuFUZGdxDZxj0oA72gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOE+NX/Iq2X/AGFrP/0aKAO7oAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA43ex+M4j2MFXQCQ3ODm4XgcY4x+ooA7KgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDh/jJG83hixSJSzHVrPAH/XUUAdxQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAGR4s0Rtf0SWxivZ7CclZIbmA4aORTlT7jPUUAeMQ+IPG8nxNksW0fZr50ZdOaYNmFD5m/wC0+m0jHHrxQB7X4Y0qTRdDtbCe7lvZol/e3Epy0jnkn86ANOgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPB/H2leJ/Aq2+meHLQ6p4fm1BLmzgKlns5Axbyhj+Ak9T/wDrAPSPh/4Yv9NmvNe8SXP2nXtVC+eF/wBXboPuxIPQZ59f5gHYUAFABQAUAVNX1O00fTpr/UZlgtoAC7ntkgAfUkgfjQBNaTpdWsNxEGCTIrqGGDgjIyO1AEtABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAZ3iPVDomg3+qC3e5+xwNN5SHBfaM4zg4+tAFPW9YvkkttP0K1in1K6j83Mz7YrePgF37nk4Cjkn0AJoAZofhqa0v/AO09Y1W41TUNpVWb93DGD1CRjgfU5PvQBveWnmeZsXfjbuxzj0zQA6gAoAKACgBsjbI2bONoJ6ZoAzfC2qtregWuosioZwxwuQOGIzz9KANSgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAOntQBm65qbaabAKqH7XeR25LHoGzyPfigDSoAzdQ1ZbLWdM05o2Lag0gV+y7ELY/HFAGlQAUAFABQBXa+tV1BLAzoLt4mmWHPzFAQC2PTLAfjQBYoAKAOY+KDWUfgPVZdTtRd2sMYkeEk/NtYEdxnBwfqKAOhsrS3sLWO1s4lhgiGEjUYCigCagAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAMfW7m3ubtPD11DKY9VtplaRTgBQuGGfXDUAcFd+IfDOqeH9Nl1u7uLLxLZwiPzbaJ47qCbGGAwOVJz8pypB6UAbOgeKdX0Sxt18eoI45kDRahHGdpz/DKoHyv9BigDpPB+pXer+H4b++RUkmkmKBEKgxiVxGcHkZQKefWgDVlLbGWMqJCp27umaAOd1TxdZeGIbC28T3Kpf3MRP+jROyOy43be/fgGgDV8O3V1e6FY3WoReTdTQq8se0rtYjkYPSgC/kAgZwTQBl654k0bQmjTVr+G2eYExxscs49lHNAHk+ueLTF4Qh0W1ttUhuhqoSSytleK5e0LM+VYdM5HfocUAekeBJL06e0c+j3ul2inMCX10Z5ueoOSSAO2SeKAOloAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAKes6nbaNps1/esVhhXJ2qWJ9AAOpNAHF+Hvi/4f1m1ll+zalbPFIY3ja0dyCPdQRnGOPegDB8f+LE8a+HJdA0XSNYa+uJkYwtbtExiBzvDHgdutAEvhZ/Ec3g24t/EVvevPpV5avZz3ce2ZmDKWUgE7tpyM9wfrQB6B4o8UaX4Wgt5tXkkjjuJPLQpGX+bBPOPYUAc7aahqmtWOi6xJEkONakNv5ilGa1ZpI1JU8hjG39aAO6JABJIAHUmgDNne6try41J7tZNLS03C3SPLbxli4bvleMUAY3hnxevirWYW0aC7XS47WVp5Li2aIGUtF5QUnr8vm5x7UAdJqV0LDTrm8aN5RbxNKUjGWbaCcAepxQB5xqvju0fXdH1+w0/UPsNqkltqM0tm6GKKXaVGCMk741PGcDPrQBJqfxUurPW7VYPDOpz6POOLpYG3v/ALSrjoOOuD6UAQa34j8Sa9qFte/D26vPlVEk0++07y4PvHLvI2GBwRwPSgDo2g8R6v4b1bTvFFhp0KT2UkYe2nLb2ZSOQR8v1yaAOh0GW7n0LT5tRCi8kto2nCjA8wqC2B25zQBeoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAI7lpkt3a1jSWYD5EdyisfQsAcfkaAOd0O012/1gat4jt7WwW3Qx2llBL5xTd952fAyTjAAFAHRGCEvvMUZbrnaM0AFzCJ4HiY7dykbgASvuM96AGWFubOxt7Zp5LgwRrGZZSC8mBjc2MDJ6mgDlvFN5r+h+Ik1XTNFl1zT5rQW8kFvKFlgkV2YMA3BDBsHHPyigBdMttX8S3j6hreltocKW5itI/PV7lS+N0hK5CkdAOT6+lAHV2sP2e2jh8ySXy1C75Dlmx3J7mgDmPGmp6poV/YaraaRd6vYRK8dxBZDfOhbGHVP4ulAHNW39oeJ/G9jr2keHNX0cKEjvbjV9kStCrHMawksdx5wwxjOfTIB6d5ab9+xd/8AexzQA6gAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAMXxiwi0Xzy2xYJ4nPGf4wP60AWtN0TT9KS8XTrcW322Zp5jGcFpGABb2PAoAg8NaG+hwSxzatqGqvIQfNvpFd1AGMDAHH9aANZs7TgAnsD60AcxHpOuatraXXiFbC2srMMbW2tJWmJkYFfMZmReQCQAB3NAFTX/Bd9fWfh+wsNalhtdJmWSVp8yPcBR8oOCM8/wD6qAOk8Q2Euq6BqWnQT/Z5by1lgSbGfLZkKhvwJzQBx8OofELULVtJufC9hprFPKk1M6gskRHRmSIDd0zgHHvQB1ul6NDp1wZoZpz/AKPHbiIufLUJnBC9ATnrQBpUAIyqylWUMD1BFACgAAADAHagAoACARg8igAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAKuq6baavp0+n6jAJ7W4XZJGSQGH4c0AV9A0DS/DttNbaNaLaxTzNcSKrM26RsAtyT6D8qANKgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgBk8MVxEYp4kljbGUdQwODkcGgB9ABQAUAFABQAUAY/inWm0KztZ0gExnu4rYgttwHbGfwoA2KACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoA4r4q3DRWuhQqBtm1a3DE9Rg54oA7WgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAOG+LLbYvDy4HzavByRyOT0oA7mgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAPK/HnifT/ABR4YjOmmSC70/XbaCeG5AilgYS45BPAIBwc8/XigDu9K8T6dquvajpFh50sumbRcTCP9yrnOYw/dhjke/1wAbNABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB578TvhfF4wube9069bSr4SJ9oljJHnopyMgdWXsaAOx8OaJZ+HdHg0zT1IhhH3mOWdjyWY9yTyTQBo0AFABQAUAZvibV00DQL3VJImmW1jL+WnVz0A/M0ATaJetqOkWl66LG1xEshVWyBkZ4PGaALlABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFAEd1cRWltLcTtsihQu7YJwoGScD2oAS0uYby1iubZw8MyB0bGMg8g0AS0AFAGJaqV8aXpM0jCSyiKx5OxcMw+maALGqahNaatpFtGF8u9nkjkJGTxE7jHpytAGnQAUAFABQBnyatHH4it9HMMnmT2kt0JcfIAjxqVz3P7wH2/GgDQoATIBxkZ9KAMPx9cXFp4G165s3EdxBp88kb/3SqE5HuMZHvQBuAAAAAADpigBaACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAMy41eODxFaaQxjV7m3kmUs2C20qMAd/vZ/CgDnfGFkfEusrpdvrU1tbW9nM1wlrceXsuGaMQbyOf+ehxnsKAIYNf8dziCeHw5p0lu3ykpfA7yRw6nGNn60AOiv/AIg26+ZqOjaddQgvG0NncFZXBIKuCeBjkEde/tQBh+Hvhpr1nqMuqWniO70Jp9pNorfa84672fqfpQB2k2jX7R6ILm8N7c2F2ZpLnb5RZSrj7oOOjbaANu9uobG0lurpxHDCpd2PYCgDO1iNNLTUNfhSSa6hsyPKaYiMqmW+70B98ZoAyPB2o6xrmrTahqdoumRJarGtn9pEjZY7g7KPu8cDPWgDpNVlvINNuJNNgS4u0QmKJ32K7dgT2oA4W7m8a3F/pniCTw/BCdODxvYxXIaW4SUAPg8AbSiHB647YoAq3z/FP/hJbbUNPhsjpsyFjp8sgURccKzYzuz3Bxz0oAr6v4Q17xvfpqN3Zv4Yvo8Bb2O+d5UUfwoikKAe+etAHU2HhjWbXR9Us9V8Rza8t3avDHHc28cYQlSOSvXOe9AHTWEBtbG3t2cyNDEqFj/EQAM0AT0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAZHiTwxo/ia3jh1qyW5WI5jbcVZD7MCCKAIofB3h6HSDpUelW4smkWVoiuQ7gghmPUnjvQBq2Nnb6fZw2llCkFvAoSONBhVA7AUAT0AFABQBn+IdJj1zRLvTJppYEuYynmxHDxnqGHuDg0Acta+GfGd1ttPEHiu3m05SA4tLIRTXCjszEnbnvjPUigDsbextba4luLe3jjmnCiSRVAZwowuT3wOlAFigAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAo6xq1ro8EM14XCTTpAu1c/M5wKAL1ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAcb8UrhIrDRoWDbptWtwuOgw2eaAOyoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDhvizt8rw9kHd/a8G325NAHc0AFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQB578Vr20u/Del6jptzDciDWLZUeJw67vM2sOO45FAHdpeWr3klmlxE11Egd4Q4LopyASOoBwfyoAnoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgBk0scEZkmkSKNerOQAPxoAfQAUAFABQAUAFABQB4/wDEnwBrtrL5/gAKIL++iubqyJwkcqtkSrzwCfvAUAd94M8LR6BBNdXbLda1fHzL68I+aVvQeijoB7UAdFQAUAFABQBjeMp9UtvD1zNoYhF2m07pnCqibhvbJ4BC5NAGlYRyw2NvFcSPLKkSq7vjczADJOOMk+lAE9ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBS1WC1v7aTTLqVkF5Gy7Y5Cjle5BHI6jn3oA5HxhqFxHoninSzAnl6TYRXluWZgZYlUsQWIPOYnGfpn1oA7pmVELOQqqMknoBQBzem/EHwjqLmO18QWIlDsnlSyiJyR1wrYJHuBigDoba4huoFntZUmiflXjYMp+hFADb67gsLOa7u5BFbwIXkc9FUck0AKLiE2ouRIvkFPM8wnC7cZzn0xQAtrcQ3dtFc2sqTQTIJI5I2DK6kZBBHUEd6AC5877NL9m2efsPl+ZnbuxxnHOM0AZPg3VDqPgvR9Uu50d57GGWeXIC7ygLn25zQBe1DVbHTtKl1O6uFSyhTzGlGWG31GM5/CgDM0Txt4Z1xFbTNbs5mbgRmQJIPqjYYfiKANLWNX0/RNOk1DVbuK0tI8bpZGwoycD9TQBat5o7iCOeB1kilUOjqchlIyCKAEnnitozJcSpEgIBZ2AHPvQBg+N3i1Dwz4h0eCUC8OlSvtO4BQ6SKpJHbKN+XvQBs6VcPd6ZaXMgUPNCkjBegJUE4/OgCzQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAc34u0rW7i6stT8M3lvBfWivE0VypaOWNypIOOhyi4P1oAh0vwxf3FrqreKr2K9udVtvskiwJsjihw3yL3P32596AOSu9M12DxHZaN/wm+pvexIPJ/4l+6FkIIzKw4J+U9aAOoh+HWiXE5vPEMK63fsixme5jUAKOgVVwAOfegDptNsLTS7GKy0+3S2toQRHFGMKoznj8TQBVttXt7vX9Q0cbC9nDFI6k8tv3dvTAHPqaAOT8cR6peaxdJpmrXFtp9rp+y6trOFZpZGdiAAp6Hb+lAHbaXYwaZplrYWalLe0hSGJSckKoAA/IUAY2s+F5tS1VryPXtTsopIxHLb28gCMo64yDtJ9Rg0AYTfC6L7HPpUfiHVIdCfd5WmxlQkOSWwGILFQT900AN8P/DfUfD2nx2Ol+NNVitlJzG0cbDBI+7kHbwMccc9KAJdc+E3hzV9NuYZYmGoXLiR9RcB5mYEcntzjGOKAFufhrHrOljTfFer3OqWkR/cQxqsCxYyFPy9Tg9+KAO1sbWKysoLSAERW8axoCcnaowP0FAHIfF7TbTWvDC6XcX72lzczoLVEwWlkB4G3uO/tQBL4V0C4hj1aDVru8vLuSFLNrmeNVRowpICBewMjdeaAOqsrdbSzgtoySkMaxqT1IAx/SgCagAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgBMDOcDPrQAtABQBz/ijwR4d8VSwy65py3EsIwkiyPE+PQshBI9jxQBoaHomm6BZCz0i0jtIAc7U7n1JPJP1oA0KACgAoAKACgAoAKAMyDw7o1vq8mqwaXaR6hJndcLEA5Jzk59Tnk96ANOgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgDzfxBr/AIps9buoLW7uHhjbaotPDM1yi8g8v5oy2ODjjn16AHb+HLue90W2nuzIbhl/eGSze1Of+ubklfzI7jigDRoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKAEYhQSxAA7mgABBAKkEHkEUALQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFADVdHJCMrFTg4OcGgB1ABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBm+INW/sazhn+zSXPm3MNuEjIBBkcIDz2y1AFxrqBbtbUyATuhdU7lQcE/rQBNQAUAQT3kEF1b20j7ZbksIlx97aMn9KAJXdY1LOwRR3JwKAHUAZmqa1Dp2qaXYPDLJJqUjorJjEYRC5Zvbj9aALljdw31qlzbNvifO1sYzg4/pQBPQBSk1S2i1iHS2837TNE0y4jYptBAOWxgHmgC7QAUAFABQAUAFABQAUAFAHN/EXTV1XwvJZS38lhFNNCkksYJJDSKu3A9SQKANzTLRNP062so8bLaJYlwMDCgDp26UAWKACgCtp1/balZpdWUolhfOGHscH9RQBZoAKACgAoAKACgAoAKAM3xDrlpoFit1epcOjyCNEt4GldmIJAAUHrj+VAF62mW4t4p0V1WVA4DqVYAjPIPQ+1AEOl38OpWzz2+diTzQHP96ORo2/8eQ0AWqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoADQBxXwh0S30bw1M1tfyaj9qu5mkuZUw0jrI0bHOeQShI9qAO1oAKAKxvoRqi6eCTOYTOR6KGC/qSfyoAs0AJkbtuRnGcUALQAUAFABQAUAFAGT4m8Sab4Zso7rVZJEjkfy0EcZdmbBOAB9DQBpW0yXNvHPFu2SKGXcCDgjPQ0AVtF1FdVsmuUjMYWeaDaTnmOV4yfxKZ/GgC7QAUAFABQAUAFAFSXUoItVg05t/nzxtImF+XC4zk+vNAFugAoAw9P8RCXws+t31s9qkXml4s5ICSMufxC5/GgDcoAKAMfxdd/ZvDepyQXS288Nu7q2/aVIGR05HSgCOPUrq6s9Cu9NutPFpdlDcNcFi0iMmQIiDjdux17ZoA1lu7YiQieIiJtrnePlPofQ0Ac74q1nS5vDV3fQXdrdxaZPHPJsmBCtE6yEHB6jA4oAdNL53jjRrq1nSS1udPuMbcHdhoyDn/gVAHQ3dxHaWs1zMcRwoXYj0AyaAIdIvG1HTLe8aEweegkWNjkgHkZ/CgDI8USi21zw7cNLHGBdPEd/Q74yODng0ASeK73RZPDmrLqYivrW1gaS4tkkG4hRuA68E4GKAIvHd7b/wDCH69FHfiC4is5ceVKFkVghIHqM8fnQAiXdrrcXhnUbO4EkXm+cqq6kuGt5FwRnnG/Jxnp7UAO+HshbwzHGYmiME80e0jHSRv8aAMf4pfEGXwQ2lpZ6cupzXc2JLdZCJRGB95QAe/GTxQBN481+/0zS7LVtJ1Ows3gXz7jT77apuosAlAxOUYDOO2TzQB2MMizRJKmdrqGGQQcH2PSgB9ABQAUAFABQBm6/wCINI8O2yXGt6hb2MTsERpnC7iew9aAKHjLxBHpfhC+1OxvLdZBDmCVmBUM2Are4Gc/h3oA574P+NNR8S6VeR6/NZyXdmscpubYgRtHJu2hh/C4KNkEDgr60AVL3UrzUtF8R6NqupWerC3Mdxb3NnhT5fmghHC8BlKge4oA9LT7i/SgCtLdXKarBapZO9tJE7vdBxtjYEYUjrzk8+1AEF5rVrb3FnAjpM11P5ICODtPOSfyoAoeAgyaC8TwmAxXdxHsPtIwz+NAF7VtU0qFZ7G+1K2tZXhYlXlVWVDxuwe1AHM+H/EdreeA9FuY9fstLkBiimeUKwZlO14gGbgkggHkigDpLjxLolul402qWiixXdcfvR+7GM80AVj408Om1u54NXtJ1tFBkEUgY5IyoGOpI9KAM74YeNZPG+k3d7Lp7WBt7loQjEnco5B5A5weaAOvoAKACgDkviZ4sm8J6LHLZ2Mt5d3chhh2IWWJsZ3tgE4HoByfTqACxoXi/SpdE0WXUdTtYbu/gUhHcKWkC5cYPoQaAOZ8NeJksvAt2/hdLK6kttTvFEd1diBFja5ldWJbk5Vlx9aALvhD4mHX2ihn8L63aTNIsbSJb+dbgk43eYv8PfJAGPWgDvqACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgBk80dvC807rHFGpZnY4CgdzQBl6D4n0TxBZG70fUre5hDFSytjBHXIPNAHnXgv4j6re+OLy1v7yxvtGvbsw2QhZVmtcu4jDLgFgVQEnnG4c9QADq9f1290vxjpoh1Wwm0y6dLSfTjt8+N3JCyoRyeSoIPQZPqQAWvhwvkaBc2i27QR2mpXsUYJJ3J9okIPPscfhQB0N7JPDZzyWkH2mdI2aOHeE8xgOF3HgZPGaAI4rxVghN6Y7S4eMO8LSg7DjkZ74PGaAOY0y6XVPGWga1EHiTUtAnfyWP3QJbZhn3/eEUAdTqN9a6ZYzXt/MlvbQLukkc4Cj1NAHF3fifRF+Juj+RqVvN9rsLi3ZknBRG3xumccAnaw7Zx7UAa1h4l0qxsr+bUvE9peJbXbRvKdkfkkkbYzt6kZAz3oAs6j4y8N6bd/ZL3WrOG4AU+W0o3fMcLx7mgDD8WfEuy0DxTomhW9o2oyanMscskMnFuGYKpwAdxOScccD3oA7mgDAnTxct7ObebRGtDITCHilWQJ2DEMQT7jH0oA1tO+2i1X+0jbm4yd32cME/DPNAHMfFLxafCmgb7eEyX12WitiY2ZEfaTubaCfpxyfbNAGhZ+KtIt9K0p9S1W1imvYl2+ZIFLsE3Nx26GgDkNA8YyW/hHUptHfTbqeHV7sJHdXQt18tpnkDZPXIbI+tAGp4R+JEmvtBHP4U12yMriPzxbGS3BJxnzB275IxigDu6AOD8QXHiKPW7mOybxaIWP7n7Hb6a0KnuQZBuxyOGweDz6AHS+E11JNGjGsyXkl3ubc14kCyEZ44hJTH459aANegDntW1cX/he5uNJ1aHR7glkiubpVZY3V8EFScEEjHtmgDC0XW5tRvPDOpahPaxzOLq0ufJOYnkTjcjE9CVyPrjtQB1S+I9FaC6mj1S0kSzyJykyt5ZAyQcHrigDjdI+IGo6l45g09F0pNJmidzH5hN3AB0aTnaobsvX1xQBYj8Q6L4i8NeKdLsriOZ7GS4SVFlBLKzFg4I/hyxH1BoA7bTCW021LEkmFCSfoKALFAGBd+CvD15rUurXenJPdzAeYXZir4AAJXODwAOlAFCX4aeGZeGtrhVRxJCq3UgW3bOcxjOF9OO1AEafC3wmvmq9hLLHMd0sUlzIUkb+8wzyfc0AWZPhz4SknjkbRLYCOIRCJQVjIHQlRwSPU80Aa+kaBpmjW9tb6darBFah1hUc7A5BYD8h+VAF28tory0mtrhQ8UyFHU9wRg0AZvhTw/D4Z0hdOtrm5uYkZmVrmQuwBPAyew6UAWNb0XTtdsvserWqXVvvDhGJGGHQ5HNAHHaL4CsRr909/4W0m3sYiTbSxTSPLKQ5Kl1PHTnnPNAHSXng3w7e62NZvNItp9QAA8+Rdx46cdP0oAj0TwT4f0PVZdS0zT1guZC2CGO2PccttXoufagDct4IraPy4I1jTJOFHcnJNAHOjZafEg+btZtR0390zYynkvyo+vnZ/CgC1e+DfDl9rTaxe6Pa3N+yhWmlTeSAABweOw7UAblABQAUAFABQAUAcL438IaZ4w1+XTdYhYrPpqmCdT80LJLlivbJ3Jn2A9aAL2nfDfwvYXFvOmmo8luiqodiyZA+9sJxn8KAN290PS73T7iwubCBrW5XbNEE2hx6HGKAItG8OaNolk9ppOm29pBIMOsaY3D3PU0AaUm5Ym8sZYKdo96AOC0v4oaHbWwsNYnu49ciLLLYfZZHmZsnhQowc8Y5oAk8F+DIdKvbXWYtJtLa5vHuLi7MuWnh8x2eONT0G0NtOPSgDuIoo4VKxIEBJbAGOTyaAM7UfDei6nfx32oaXa3N1EAElljDMADkUAZt/8PPCN/f3N9eaDZzXN0D50jKcvnqevXjrQAz/AIVt4NBhP/CO2OYF2p8nQe/r+NAFqx8D+F7C4tJ7PQrGGayBWB1iGUz/ADPueaAN1ESMERoqAnJCjHNADqACgAoAKAOJ1/wTbzapC2maBoT21xIGvXuIf3mN2TtxxkjP40Abp8JeHjfrenRbA3KgASeQuRgYHb0oA2QABgcAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBh+N1tD4elGoRCW082HzYycBl8xcg+1AGHpPwl8I6ek6tpiXPmzPIDISCobqnBGV9jQB1Vtoul2skMltptpFJAuyJ0hUMgxjAOMigCjYeDvDunarLqdno9rHfSuXafZubce4J6H6UAbUcaRLtjUKMlsD1Jyf1NAHJeJfGVp4V8ThfEUktnpE1mpguvKZovODvvVioJB2+Xj/gVAGNqNjpXxK1E6hZWC3dvYWrLa3N5C6QzSsQRgHBZRjr0oA7+1tI4kt2aCFJoIvKUxrgIp25VfQZVePYUASXVvDd28lvdRJNDIu143XKsPQigDHn8F+Gp9IOlSaLZ/YS+8wrHtBb145zzQBVPw68Hkknw7YZKCM/u/4QMD/wDX1oAktvAPhO2iWKHw9p6oqFADCG4PXk0AaOkeH9I0axistL063treFy6IqfdY9+e/vQBpUAFABQAEZGDyKAOD1HwBpv8AwkEb2HhfRWsrhxJd3E2fMzk7gqdORjnjmgDp5PDOhSagl/JpFk11GoRZTCpKgcADjtQBq0AFABQAUAZPiLWZ9IhQ2ukX2pySZCrbBcBuwYkjAPrg9KAMWw8D6bqej2Y8WaZbXd5HNLdbSSVheVtzAevQflQBs6l4W0LU9Jj0q+0q1lsIvuQbNqp9AOlAGFqnwo8F6i9q0miW8QtjjEQK712sArY68tnPXIFAEkPws8DwoqJ4cs8KwYZ3E5H40Abln4a0SxmeWy0mzt3eHyGMUIXcmc7TjryKANNQFUKoAAGAB2oAWgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgCGW1gluYbh4lM0GfLfuuRg/nQBNQAUAFABQAUAFABQBUl06GXV7bUmZxNbQSwIoI2lZGjLE8Zz+6XHPc0AW6ACgAoAKAG7F3btoz64oAdQAUAFABQAUAFABQAhIHU4oAWgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAgvrSC/tJbW7jEkEq7XUkjI/CgCegAoAKACgBGVWGGAI9xQAABRgDA9qAFoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAhtCWhJYkne45/3jQBNQAUAFABQBx/xbmlg8Ih4ZHjb7bbDcjEHBlXNAHYUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQAUAFABQBFZktaxliSSvJNAEtADX4RselADbYk28RJySgyT9KAJKACgAoAKACgAoAKACgAoAKACgAoAqag7I1rsYrunUHBxkc8UAW6ACgAoAKAGSEho8Hq39DQA+gCsWb+0lTcdvkk4zxnIoAs0AFABQAUAFAFfUGZLKZkJUhTgg4IoAnHQUALQB//9k='>|\nولعله - لهذا وذاك - قد استبان لنا لماذا اقتصرت رواية عامة المحدثين للحديث عن سهل بن سعد بطرقه المختلفة، ذلك أنها الرواية الوحيدة التي تقبل الجبر بالمرسل الجيد من حديث مجاهد بن جبر.\nهذا باستثناء طريق خالد بن عمرو.\n(^١) راجع ترجمته في التاريخ لابن معين ٢/ ١٤٤، ٣/ ٥١٨ ت ٢٥٣٦ والتاريخ الكبير للبخاري ٢/ ١/ ١٦٤ والضعفاء الصغير له ت ١٠٣ ص ٤٣، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢/ ١/ ٣٤٣ - ٣٤٤ والضعفاء والمتروكين للنسائي ت ١٧٣ ص ١٧٢ والضعفاء والمتروكين للدارقطني ت ١٠٢ ص ١٩٩ - ٢٠٠، والضعفاء الكبير للعقيلي=","vol":"2","page":852},{"text":"وخرج العقيلي حديثه هذا وقال (^١): ليس له أصل من حديث سفيان الثوري. قال: وقد تابع خالدًا عليه محمد بن كثير الصنعاني، ولعله أخذه عنه ودلسه؛ لأن المشهور به خالد هذا.\nقال أبو بكر الخطيب: وتابعه أيضًا أبو قتادة الحراني، ومِهْران بن أبي عمر الرازي وغيره فرووه (^٢) عن الثوري، قال: وأشهرها حديث ابن كثير. كذا قال.\nوهذا يخالف قول العقيلي إن أشهرها حديث خالد بن عمرو؛ وهذا أصح.\nومحمد بن كثير الصنعاني هو المِصِّيصِي، ضعفه أحمد، وأبو قتادة، ومِهْران، تُكُلِّمَ فيهما أيضًا، لكن محمد بن كثير خير منهما؛ فإنه ثقة عند كثير من الحفاظ.\nوقد تعجب ابن عدي من حديثه هذا وقال: ما أدري ما أقول فيه.\nوذكر ابن أبي حاتم أنه سأل أباه (^٣) عن حديث محمد بن كثير، عن سفيان الثوري، فذكر هذا الحديث، فقال: هذا حديثٌ باطل، يعني بهذا الإسناد، يشير إلى (^٤) أنه لا أصل له عن محمد بن كثير عن سفيان.\nوقال ابنُ مُشيْشٍ: سألت أحمد عن حديث سهل بن سعد فذكر هذا الحديث، فقال أحمد: لا إله إلا الله! تعجبًا منه (^٥): مَنْ يروي هذا الحديث؟، قلت: خالد بن عمرو؟ فقال: وقعنا في خالد بن عمرو ثم سكت.\nومراده الإنكار على من ذكر له شَيئًا من حديث خالد هذا؛ فإنه لا يشتغل به.\n• وخرجه أبو عبيد: القاسم بن سلام في كتاب \"المواعظ\" (^٦) له عن خالد بن عمرو، ثم قال: كنت مُنْكِرًا لهذا الحديث فحدثني هذا الشيخ عن وكيع (^٧) أنه سأله عنه [وعن حديث آخر قد ذكرناه في \"كتاب النكاح\"]، ولولا مقالته هذه لتركته.\n• وخرج ابن عدي هذا الحديث في ترجمة خالد بن عمرو وذكر رواية محمد بن كثير له أيضًا، وقال: هذا الحديث عن الثوري منكر.\n_________\n= ٢/ ١٠ - ١١ ت ٤١٣، والكامل في الضعفاء ٣/ ٢٩ - ٣٣ /ت ٥٩٣/ ٢٣ وتهذيب التهذيب ٣/ ١٠٩/ ١١٠، وتقريب التهذيب ١/ ٢١٦.\n(^١) في ترجمته في الموضع المذكور آنفًا.\n(^٢) م: \"فروى\" وهو تحريف.\n(^٣) في العلل ٢/ ١٠٧/ ح ١٨١٥.\n(^٤) ليست في ب.\n(^٥) ليست في م.\n(^٦) الخبر في \"المواعظ\" ص ١٩٧ - ١٩٨ ح ١٣١ وما بين القوسين منه.\n(^٧) م: \"يعني وكيعًا\".","vol":"2","page":853},{"text":"وقال: ورواه زافر يعني ابن سليمان (^١) عن محمد بن عيينة أخي سفيان، عن أبي حازم، عن ابن عمر انتهى.\nوزافر ومحمد بن عيينة كلاهما ضعيف.\n• وقد روى هذا الحديث من وجه آخرٍ مرسلٍ (^٢) أخرجه أبو سليمان بن زَبْر الدمشقي في مسند إبراهيم بن أدهم من (^٣) جمعه من رواية معاوية بن حفص، عن إبراهيمَ بن أدهم، عن منصور، عن رِبْعيِّ بن حِرَاش، قال. جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله! دلني على عمل يحبني الله عليه ويحبني الناس عليه فقال: \"أما العمل الذي يحبك الله عليه فالزهد (^٤) في الدنيا، وأما العمل الذي يحبك الناس عليه (^٥) فانظر هذا الحطام فانْبِذْهُ إليهم\".\nوخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الدنيا، من رواية علي بن بكار عن إبراهيم بن أدهم قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فذكره ولم يذكر في إسناده منصورًا ولا ربعيًّا، وقال: في حديثه فانبذ إليهم ما في (^٦) يدك من الحطام.\n\n<span data-type='title' id=toc-1110>[علام يشتمل الحديث؟]:</span>\nوقد اشتمل هذا الحديث على وصيتين عظيمتين: إحداهما (^٧): الزهدُ في الدنيا، وأنه مُقْتَضٍ لمحبة الله ﷿ لعبده (^٨).\n• والثانية: الزهد فيما في أيدي الناس فإنه (^٩) مُقْتَضٍ لمحبة الناس.\n\n<span data-type='title' id=toc-1111>[الزهد في الدنيا]:</span>\nفأما الزهد في الدنيا فقد كثر في القرآن الإشارة إلى مدحه وإلى (^١٠) ذم الرغبة في الدنيا كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ (^١١).\n_________\n(^١) م: \"سلمان\" وهو تحريف.\n(^٢) م: \"مرسلًا\".\n(^٣) م: \"قد\".\n(^٤) م: \"فازهد\".\n(^٥) م: \"عليه الناس\".\n(^٦) \"ا\": \"يديك\" ولم أجد الحديث في المطبوع من \"ذم الدنيا\".\n(^٧) ب: \"إحديهما\".\n(^٨) ليست في ب.\n(^٩) \"ا\" \"وإنه.\n(^١٠) م: \"وكذا\".\n(^١١) سورة الأعلى: ١٦ - ١٧.","vol":"2","page":854},{"text":"• وقال تعالى: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ (^١).\n• وقال تعالى في قصة قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٧٩) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ (٨٠)﴾ إلى قوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ (^٢).\n• وقال تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧)﴾ (^٤).\n• وقال تعالى: حاكيًا عن مؤمن آل فرعون؛ أنه قال لقومه: ﴿يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨)﴾ يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)﴾ (^٥).\n• وقد ذم الله ﷿ من كان يريد الدنيا بعمله وسعيه ونيته وقد سبق ذكر ذلك في الكلام على حديث الأعمال بالنيات (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1112>[الأحاديث في ذم الدنيا]:</span>\nوالأحاديث في ذم الدنيا وحقارتها عند الله ﷿ كثيرة جدًّا، ففي صحيح مسلم عن جابر ﵁ أن النبي - ﷺ - مر بالسوق والناس كنَفَتَيْهِ (^٧) فمر بجدي أَسَكَّ (^٨)، ميِّتٍ، فتناوله فأخذ بأذُنِهِ فقال: \"أيُّكم يُحِبُّ أن هذا له بدرهم؟ \" فقالوا: ما نُحِبُّ أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ قال: \"أتحبون أنه لكم؟ \" قالوا: والله لو كان حيًّا كان عَيْبًا فيه (^٩)، لأنه أسَكُّ، فكيف وهو ميت؟ فقال: \"فوالله! للدنيا أهون على الله من هذا عليكم\" (^١٠).\n_________\n(^١) سورة الأنفال: ٦٧.\n(^٢) سورة القصص: ٧٩ - ٨٣.\n(^٣) سورة الرعد: ٢٦.\n(^٤) سورة النساء: ٧٧.\n(^٥) سورة غافر: ٣٨ - ٣٩.\n(^٦) وهو الحديث الأول في الكتاب.\n(^٧) روى \"كنفته\" بمعنى جانبه ويروى كَنَفَتيه بمعنى جانبيه، وفي ل: \"كنفيه\" وهي ليست في إحدى روايات مسلم التي أشرنا عن النووي إلى وجهيها وانظر شرح النووي على مسلم ٨/ ٤٢٥.\n(^٨) الأسك: صغير الأذنين.\n(^٩) م: \"لما رغبنا\" وما أثبتنا عن ا، ب هو الموافق لما في مسلم.\n(^١٠) صحيح مسلم: ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق ٤/ ٢٧٢ ح ١ - (٢٩٥٦) من طريق عبد الله بن مسلمة بن قعنب، عن سليمان بن بلال، عن جعفر، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله؛ أن رسول الله - ﷺ - مر بالسوق داخلًا من بعض العالية والناس كنفته … الحديث فذكره بنص ما أورده ابن رجب.","vol":"2","page":855},{"text":"• وفيه أيضًا عن المستورد الفهري، عن النبي - ﷺ - قال: \"ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أُصْبُعه في الْيَمِّ فلينظر بماذا يرجع (^١)؟ \".\n• وخرج الترمذي (^٢) من حديث سهل بن سعد ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء\" وصححه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1113>[معنى الزهد]:</span>\nومعنى الزهد في الشيء: الإعراضُ عنه، لاستقلاله واحتقاره، وارتفاع الهِمة عنه،\nيقال: شيء زهيد: أي قليل حقير.\nوقد تكلم السلف ومَنْ بعدهم في تفسير الزهد في الدنيا، وتنوعت عباراتهم عنه.\n• وورد في ذلك حديث مرفوع خرجه الترمذي (^٣) وابن ماجه (^٤) من رواية عمرو\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه: ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: ١٤ - باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة ٤/ ٢١٩٣ ح ٥٥ - (٢٨٥٨) من طرق عن يحيى بن سعيد قال: حدثنا إسماعيل، قال: حدثنا قيس، قال: سمعت مستوردًا أخا بني فهر، يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"والله! ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه - وأشار يحيى بالسبابة - في اليمِّ، فلينظر بم يَرجع؟ \".\nوبين هذا اللفظ وما أورده ابن رجب بعض التفاوت سيما في أوله.\nقال النووي (١٧/ ١٩٢/ ١٩٣): \"وقوله بم ترجع ضبطوا ترجع بالمثناة فوق، والمثناة تحت، والأول أشهر، ومن رواه بالمثناة تحت أعاد الضمير إلى أحدكم، والمثناة فوق، أعاده على الإصبع وهو الأظهر، ومعناه: لا يعلق بها كثير شيء من الماء، ومعنى الحديث: ما الدنيا بالنسبة للآخرة في قصر مدتها، وفناء لذاتها، ودوام الآخرة، ودوام لذاتها ونعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي البحر\".\n(^٢) سقطت هذه الكلمة من \"ا\".\nوالحديث أخرجه الترمذي في سننه: ٣٧ - كتاب الزهد: ١٣ - باب ما جاء في هوان الدنيا على الله ﷿ (٤/ ٥٦٠) ح ٢٣٢٠ من طريق قتيبة عن عبد الحميد بن سليمان، عن أبي حازم عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله - ﷺ -: فذكره بالنص المذكور.\nوعقب عليه بقوله.\nوفي الباب عن أبي هريرة.\nهذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه.\n(^٣) أخرجه الترمذي في السنن: ٣٧ - كتاب الزهد: ٢٩ - باب ما جاء في الزهادة في الدنيا ٤/ ٥٧١ ح ٢٣٤٠ من طريق عبد الله بن عبد الرحمن، عن محمد بن المبارك، عن عمرو بن واقد - به - عن النبي - ﷺ - قال: فذكره بالنص الذي أورده ابن رجب إلا قوله: \"بما في يد الله\" فعند الترمذي \"يدي\". وقوله: \"بقيت\" فعند الترمذي كما عند ابن ماجه \"أبقيت\".\n(^٤) أخرجه ابن ماجه في سننه: ٣٧ - كتاب الزهد: ١ - باب الزهد في الدنيا ٢/ ١٣٧٣ ح ٤١٠٠ من طريق هشام بن عمار، عن عمرو بن واقد القرشي، به - عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ - ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا في إضاعة المال ولكن الزهادة في الدنيا أن لا تكون بما في يديك أوثق منك بما في =","vol":"2","page":856},{"text":"ابن واقد، عن يونس بن حَلْبس، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر، عن النبي - ﷺ - قال: \"الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال، ولا إضاعةِ المال، ولكنَّ الزهادةَ في الدنيا: أن لا تكون بما في يديكَ أوثقَ مما في يد الله، وأن تكونَ في ثواب المصيبة إذا أنتَ أُصِبْتَ بها أرغبَ فيها لو أنها بقيت لك\".\n• وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وعمرو بن واقد منكر الحديث (^١).\n• قلت: الصحيح وقفه كما رواه الإمام أحمد في كتاب الزهد، حدثنا زيد بن يحيى الدمشقي، حدثنا خالد بن صبيح، حدثنا يونس بن حلبس (^٢) قال: قال أبو مسلم الخولاني ﵁: \"ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا إضاعةِ المال، إنما الزَّهادةُ في الدنيا أن تكونَ بما في يَدِ الله أوثق منك (^٣) بما في يديك، وإذا أُصِبتَ بمصيبة كنت أشد رجاء لأجرها وذخرها من إياها لو بقيت لك\".\n_________\n= يد الله … الحديث.\nواللفظ الذي ساقه ابن رجب عن الترمذي وابن ماجه إنما هو للترمذي على ما ذكرناه.\nوقد عقب ابن ماجه على الحديث بقوله:\nقال هشام: قال أبو إدريس الخولاني، يقول: مثل هذا الحديث في الأحاديث كمثل الإبريز في الذهب.\n(^١) اختصر ابن رجب تعليق الترمذي؛ ففيه إضافة إلى ما ذكره: \"وأبو إدريس الخولاني اسمه: عائذ الله بن عبد الله\".\nوأما عمرو بن واقد الذي أشار إليه؛ الترمذي فهو أبو حفص القرشي الدمشقي مولى بني أمية أو بني هاشم.\nروى عن يونس بن ميسرة بن حلبس، وثور بن يزيد، وزيد بن واقد وغيرهم.\nروى عنه الوليد بن مسلم، ومحمد بن المبارك الصوري، وهشام بن عمار وغيرهم. متروك، معدود في السادسة. قال عنه البخاري وأبو حاتم: ليس بشيء.\nوقال يعقوب بن سفيان عن دحيم: لم يكن شيوخنا يحدثون عنه، وكان مروان الطاطري يرميه بالكذب. أما إبراهيم الجوزجاني فقال: سألت محمد بن المبارك عنه فقال: كان يتبع السلطان، وكان صدوقًا.\nوقال البخاري والترمذي: منكر الحديث.\nأما النسائي والدارقطني والبرقاني فقالوا: متروك الحديث.\nوقال ابن عدي: هو ممن يكتب حديثه مع ضعفه.\nوقال ابن حبان: يقلب الأسانيد، ويروي المناكير عن المشاهير واستحق الترك.\nلم يرو له من الستة إلا أبو داود وابن ماجه.\nوذكره البخاري فيمن مات بين الثلاثين إلى الأربعين ومائة راجع ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري ٣/ ٢/ و٣٣٩، ٣٨٠، والضعفاء الصغير له ت ٢٦٣ ص ٨٩ والضعفاء والمتروكين للنسائي ت ٤٥٣ ص ٢٢٠ والضعفاء والمتروكين للدارقطني ت ٣٩٣ ص ٣٠٥، والضعفاء الكبير للعقيلي ٣/ ٢٩٣ ت ١٢٩٦، والكامل في الضعفاء لابن عدي ٥/ ١١٧ - ١١٩، وتهذيب التهذيب ٥/ ١١٥ - ١١٦، وتقريب التهذيب ٢/ ٨١.\n(^٢) م: \"حليس\" وهو تحريف والخبر في الزهد لأحمد ص ٢٥.\n(^٣) ليست في \"ا\".","vol":"2","page":857},{"text":"• <span data-type='title' id=toc-1114>[تفسير يونس بن ميسرة للزهد]:</span>\nوخرجه ابن أبي الدنيا (^١) من رواية محمد بن مهاجر عن يونس بن ميسرة قال: \"ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، ولا بإضاعة (^٢) المال، ولكنَّ الزهادة في الدنيا أن تكونَ بما في يد الله أوثقَ منك بما في يدك (^٣)، وأن تكون حالُكَ في المصيبة (^٤) وحالك إذا لم تصَبْ بها سواءً، وأن يكون مادِحُكَ وذامُّكَ في الحق سواءً\".\nففسر الزهد في الدنيا بثلاثة أشياء كلها من أعمال القلوب لا من أعمال الجوارح، ولهذا كان أبو سليمان يقول: لا تشهد لأحد بالزهد، فإنَّ الزهدَ في القلب:\n• أحدها أن يكون العبدُ بما في يد الله أوثق (^٥) منه بما في يد نفسه.\nوهذا ينشأ من صحة اليقين وقوته؛ فإن الله سبحانه (^٦) ضمن أرزاق عباده وتكفل بها كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (^٧). وقال تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (^٨). وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ (^٩). وقال (^١٠) الحسن: \"إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثقَ منك بما في يد الله ﷿\".\n• وعن عليّ (^١١) وابن مسعود قالا: إنَّ أرْجَى ما يكون (^١٢) الرزق إذا قالوا ليس في الدَّنِّ (^١٣) دقيق\".\n• وقال مسروق: \"إنَّ أحسنَ ما أكونُ ظنًّا حين يقول الخادِمُ ليس في البيت قفيز من قمح ولا درهم\".\n• وقال الإمام أحمد (^١٤): \"أَسَرُّ أيامي إليَّ يوم أُصبِحُ وليس عندي شيء\".\n• وقيل لأبي حازم الزاهد (^١٥): ما مالُكَ؟ قال: لي مالان لا أخشى معهما الفقر: الثقة بالله، واليأس مما في أيدي الناس.\n_________\n(^١) ليست في ب.\n(^٢) \"ا\": \"ولا إضاعة\".\n(^٣) ب: \"بما في يديك\".\n(^٤) م: \"في المصيبة حالك\".\n(^٥) ليست في ب.\n(^٦) ليست في ب.\n(^٧) سورة هود: ٦.\n(^٨) سورة الذاريات: ٢٢.\n(^٩) سورة العنكبوت: ١٧.\n(^١٠) ب: \"قال\".\n(^١١) ليس هذا القول في \"ا\"، وفي ب: \"وروي عن ابن مسعود\".\n(^١٢) ب: \"ما أكون\".\n(^١٣) م: \"في الدنيا \"ل: \"في المدن\".\n(^١٤) مضروب عليها في ب وهي في \"ا\".\n(^١٥) الخبر في الحلية ٣/ ٢٣١ - ٢٣٢.","vol":"2","page":858},{"text":"وقيل له: أما تخاف الفقر؟ فقال: \"أنا أخاف الفقر؟ ومولاي له في السموات وما في الأرض، وما بينهما، وما تحت الثرى؟! \".\nودُفع إلى عليِّ بن الموفّق ورقة، فقرأها؛ فإذا فيها: يا علي بن الموفق! أتخاف الفقر وأنا ربك؟!.\n• وقال الفضيل بن عياض \"أصل: الزهد الرضا عن الله ﷿\".\nوقال: القُنُوع هو الزهد (^١) وهو الغنى (^٢).\nفمن حقّق اليقين، وثق بالله في أموره كُلِّها، ورضى بتدبيره له، وانقطع عن التعلق بالمخلوقين؛ رجاءً وخوفًا، ومنعه (^٣) ذلك من طلب الدنيا بالأسباب المكروهة، ومن كان كذلك كان زاهدًا في الدنيا حقيقة، وكان من أغنى الناس، وإن لم يكن له شيء من الدنيا، كما قال عمار ﵁: كفى بالموت واعظًا وكفى باليقين غنىً وكفى بالعبادة شغلًا!.\n• وقال ابن مسعود ﵁: \"اليقين أن لا ترضي الناس بسَخَطِ الله، ولا تحمد أحدًا على رزق الله، ولا تلومَ (^٤) أحدًا على ما لم يؤتك الله؛ فإن رزق (^٥) الله لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهة (^٦) كاره، فإن الله تعالى بقسطه وعلمه وحكمته (^٧) جعل الرَّوْحَ والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهمَّ والحزَنَ في الشّك والسُّخط (^٨).\n• وفي حديث مرسلٍ (^٩) أن النبي - ﷺ - كان يدعو بهذا الدعاء: \"اللهم إني أسألك إيمانًا يباشر قلبي، ويقينًا (^١٠) صادقًا حتى أعلم أنه لا يمنعني رزقًا قسمته لي، وَرَضِّنِي من المعيشة (^١١) بما قسمت (^١٢) لي (^١٣).\n_________\n(^١) م: \"الزهد\".\n(^٢) م \"وضعه\" وهو تحريف.\n(^٣) الأثر في الزهد الكبير للبيهقي ١٠٧ ح ٧٩.\n(^٤) د، ظ، ل والمطبوعة من اليقين: \"تلم\" وفيها خطأ نحوي ظاهر.\n(^٥) \"ا\": \"فإن الرزق\".\n(^٦) م: \"كراهيِة\".\n(^٧) \"ا\": \"وحلمه\"، ب: \"وحكمه\".\n(^٨) م: \"في السخط والشك\". والخبر في اليقين لابن أبي الدنيا ص ٦٢ ح ٣٢ بنحوه.\n(^٩) م: \"مرسلًا\".\n(^١٠) م: \"ولسانًا صادقًا\".\n(^١١) م: \"العيش\".\n(^١٢) م: \"قسمته\".\n(^١٣) أورده السيوطي في الجامع الكبير ٢/ ٤٠ ح ٤٠٤٠ عن البزار من حديث ابن عمر مرفوعًا.\nوانظر ما أورده العراقي في الإحياء ١/ ٢٨٤ من حديث عائشة: إن هذا جزء دعاء كان يدعو به آدم ﵇،=","vol":"2","page":859},{"text":"• وكان عطاء الخراساني رحمه (^١) الله لا يقوم من مجلسه حتى يقول: \"اللهم هب لنا يقينًا منك حتى تهوّن علينا مصائبَ الدنيا، وحتى نعلم أنه لا يصيبنا إلا ما كتبتَ علينا، ولا يصيبنا من هذا الرزق إلا ما قسمتَ لنا\".\n• ورُوِّينا من حديث ابن عباس (^٢) مرفوعًا قال: \"من سَرَّه أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يدي الله أوثق منه بما في يده\".\n• والثاني أن يكون العبد إذا أصيب بمصيبة في دنياه من ذَهاب مالٍ أو ولد أو غيرِ ذلك أرغبَ في ثواب ذلك مما ذهب منه من الدنيا أن يبقى له.\nوهذا أيضًا ينشأ من كمال اليقين.\n• وقد (^٣) روي عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - كان يقول في دعائه: \"اللهمَّ اقسم لنا من خشيتك ما تحولُ به بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تُبلّغنا به جنتك (^٤)، ومن اليقين ما تُهَوِّنُ به علينا مصائب الدنيا (^٥) \".\n_________\n= وابن أبي الدنيا في اليقين ص ٦٠ ح ٢٩.\nوما أورده الزبيدي في الإتحاف ٤/ ٣٥٨، ٥/ ٧١، وانظر كنز العمال ٣٦٥٧.\n(^١) ليست في ب، والخبر في اليقين لابن أبي الدنيا ص ٥٧ ح ٢١.\n(^٢) أورده الغزالي في الإحياء ٤/ ٢١١ وعلق عليه العراقي بقوله: الحاكم والبيهقي في الزهد بإسناد ضعيف.\nوأورده في الحلية ٣/ ٢٨١ - ٢١٩ تامًّا وهو عند القضاعي في الشهاب ١/ ٢٣٤ ح ٣٦٧.\n(^٣) ليست في ب.\n(^٤) م: \"حبك\".\n(^٥) الحديث أخرجه الترمذي في السنن: ٤٩ - كتاب الدعوات: ٨٠ - باب حدثنا علي بن حجر ٥/ ٥٢٨ ح ٣٥٠٢ من رواية علي بن حجر، عن ابن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن خالد بن أبي عمران: أن ابن عمر قال: \"قلما كان رسول الله - ﷺ - يقوم من مجلس حتى يدعو بهؤلاء الدعوات لأصحابه: اللهم اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك، ومن اليقين ما تهون به علينا مصيبات الدنيا، متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدنيا أكبر همنا، ولا مبلغ علمنا، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا.\nوعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب.\nوأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة ص ١٣٥ ح ٤٠٤ من رواية الربيع بن سليمان، عن عبد الله بن عبد الحكم عن بكر، عن عبيد الله بن زحر - به بنحوه وعنده: \"ما تهون علينا مصائب الدنيا … أمتعنا بأسماعنا … \".\nوالحاكم في المستدرك: كتاب الدعاء: باب الدعاء الجامع الذي يختم به المجلس ١/ ٥٢٨ عن إسماعيل بن محمد عن جده، عن أبي صالح كاتب الليث بن سعد عن الليث بن سعد، عن خالد بن أبي عمران عن نافع، عن ابن عمر أنه لم يكن يجلس مجلسًا - كان عنده أحد أو لم يكن - إلا قال: اللهم! اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت وما أنت أعلم به مني، اللهم! ارزقني من طاعتك ما تحول به بيني وبين معصيتك، وارزقني من خشيتك ما تبلغني به رحمتك، وارزقني من اليقين ما تهون به علي مصائب=","vol":"2","page":860},{"text":"وهو من علامات الزهد في الدنيا. وقلة الرغبة فيها كما قال عليّ بن أبي طالب ﵁:\nمن زهد في الدنيا (^١) هانت عليه المصيبات (^٢).\n• والثالث: \"أن يستَوي عند العَبْدِ حَامِدُه، وذامُّه في الحقِّ، وهذا (^٣) من علامات الزهد في الدنيا، واحتقارها، وقلة الرغبة فيها؛ فإن من عَظُمت الدنيا عنده أحَبَّ (^٤) المدح، وكره الذم؛ فربما حمَلَهُ (^٥) ذلك على ترك كثير من الحقِّ، خشيةَ الذم، وعلى فعل كثير من الباطل؛ رجاء المدح؛ فمن استوى عنده حامده وذامه في الحق دل على سقوط منزلة المخلوقين من قلبه، وامتلائه من محبة الحق، وما فيه رضا مولاه كما قال ابن مسعود ﵁: \"اليقين: أن لا ترضي الناس بسخط الله\".\n• وقد مدح الله الذين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة (^٦) لائم.\n* * *\n• وقد رُوِيَ عن السلف عبارات أخرى في تفسير الزهد في الدنيا، وكلها ترجع إلى ما تقدم؛ كقول الحسن: \"الزاهد الذي إذا رأى أحدًا قال: هو أفضلُ مِنِّي\".\nوهذا يرجع إلى أن الزاهد حقيقة هو الزاهد في مدح نفسه وتعظيمها، ولهذا يقال:\n_________\n= الدنيا، وبارك لي في سمعي وبصري واجعلهما الوارث مني، اللهم! وخذ بثأري ممن ظلمني، وانصرني علي من عاداني، ولا تجعل الدنيا أكبر همي ولا مبلغ علمي، اللهم! ولا تسلط عليّ من لا يرحمني\".\nفسئل عنهن ابن عمر فقال: كان رسول الله - ﷺ - يختم بهن مجلسه.\nثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\nوأخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة ص ١٢٠ ح ٤٤٦ عن أبي عبد الرحمن، عن الربيع بن سليمان - به عن خالد، عن نافع، عن ابن عمر بنحو رواية الترمذي.\nوجاء رقم الحديث في الموسوعة ٤٤٠ ولعله خطأ مطبعي.\nوأورده النووي في الأذكار: ١٥ - كتاب الأذكار المتفرقة: ٥ - باب دعاء الجالس في جمع لنفسه ومن معه ص ٣١٥ عن الترمذي.\nوابن تيمية في الوابل الصيب من الكلم الطيب ٢٣٥ - ٢٣٦ وقد ختم به الأدعية التي أوردها في كتابه؛ اهتداء بما ذكر آخر هذا الدعاء عن ابن عمر: أنه - ﷺ - كان يختم بهن مجلسه.\n(^١) ب: \"ومن علامات الزهد في الدنيا هانت عليه … \".\n(^٢) واستقبلها بالصبر والتسليم والرضا.\n(^٣) م: \"وهذه\".\n(^٤) م: \"اختار\".\n(^٥) م: \"حمل\".\n(^٦) كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ سورة المائدة: ٥٤.","vol":"2","page":861},{"text":"\"الزاهد في الرياسة أشد منه في الذهب والفضة (^١) \".\nفمن أخرج (^٢) من قلبه حب الرياسة في الدنيا، والترفع فيها على الناس؛ فهو الزاهد حقًّا.\nوهذا هو الذي يستوي عنده حامده وذامُّهُ في الحق.\nوكقول وهيب (^٣) بن الورد ﵀: \"الزهد (^٤) في الدنيا أن لا تأسى (^٥) على ما فات منها، ولا تفرح بما أتاك منها\".\nقال ابن السماك ﵀: \"هذا هو الزاهد المبرِّزُ في زُهده\".\nوهذا يرجع إلى أنه يستوي عند العبد إدبارها وإقبالها (^٦)، وزيادتُهَا ونقصها.\nوهو مثل استواء حال المصيبة وعدمها كما سبق.\n• وسئل بعضهم أظنه الإمام أحمد عمن معه مال هل يكون زاهدًا؟ قال: \"إن كان لا يفرح بزيادته، ولا يحزن بنقصه؛ فهو زاهد (^٧) أو كما قال.\n• وسئل الزهري عن الزهد (^٨) فقال: \"من لم يغلب الحرام صبره، ولم يشغل الحلال شكره\".\nوهذا قريب مما قبله؛ فإن معناه أن الزاهد (^٩) في الدنيا إذا قدر منها على حرام صبر عنه فلم يأخذه، وإذا حصل له منها حلال لم يشغله عن الشكر، بل قام بشكر الله عليه.\n• وقال أحمد بن الحواري ﵀: قلت لسفيان بن عيينة: \"من الزاهدُ في الدنيا؟ قال: \"من إذا أنعم عليه شكر، وإذا ابتُلِيَ صَبَرَ\" فقلت: يا أبا محمد!\n_________\n(^١) الخبر في الحلية ٨/ ٢٣٨ من طريق عبد الله بن محمد، عن موسى بن سعيد. عن محمد بن مهاجر، عن سعيد بن حرب، سمع يوسف بن أسباط يقول: \"الزهد في الرياسة أشد من الزهد في الدنيا\".\n(^٢) ل، ظ، د: \"اخرج\".\n(^٣) م: \"وهب\" وهو تحريف فهو وهيب بن الورد المكي والخبر المذكور في ترجمته في الحلية ٨/ ١٤٠ - ١٦١ - أولها.\n(^٤) م: \"والزهد\" وما أثبتناه هو الموافق لما في الحلية.\n(^٥) م: \"أن لا تأس\" وفيها تحريف واضح.\n(^٦) م: \"إقبالها وإدبارها\".\n(^٧) م: \"ولا يحزن بنقصه فهو زاهد\".\n(^٨) م: \"الزاهد\". وما أثبتناه عن ا، ب هو الموافق لما في الحلية ٧/ ٢٨٧ أخرجه أبو نعيم من رواية أحمد بن إسحاق عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الوليد، عن محمد [بن] جهضم، عن سفيان بن عيينة، قال: سئل الزهري عن الزهد في الدنيا قال: \"من لم يغلب الحلال شكره، ولا الحرام صبره\".\n(^٩) ب: \"الزهد\".","vol":"2","page":862},{"text":"الذي (^١) قد أنعم عليه فشكر، وإذا ابتلى فصبر، وحبس النعمة كيف يكون زاهدًا؟ فقال: \"اسكت! من لم تمنعه النعماء من الشكر، ولا البلوى من الصبر، فذلك الزاهد! \".\n• وقال ربيعة: \"رأس الزهادة جمع الأشياء بحقها، ووضعُها في حقها (^٢) \".\n• وقال سفيان الثوري ﵀: الزهد في الدنيا قصر الأمل، ليس بأكل الغليظ، ولا بلبس العباء.\nوقال: وكان من دعائهم: اللهم زَهِّدْنَا في الدنيا، ووسع علينا منها، ولا تزوها عنا (^٣) فترغِّبَنَا فيها وكذا (^٤) قال الإمام أحمد: \"الزُّهْدُ في الدنيا قِصَرُ الأمَلِ\".\nوقال مرة: \"قِصَرُ الأمَلِ، واليأسُ مما في أيدي الناس\".\nووجه هذا: أن قِصَر الأمَلِ يُوجِبُ محبة لقاء الله (^٥) بالخروج من الدنيا، وطول الأملِ يقتضي محبة البقاء فيها؛ فمن قصر أمله فقد كره البقاء في الدنيا.\nوهذا نهاية الزهد فيها، والإعراض عنها.\nواستدل ابنُ عيينة لهذا بقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ - إلى قوله - وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ (^٦) الآية.\n• وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الضحاك بن مُزَاحم قال: أتى النبي - ﷺ - رجل فقال: \"يا رسول الله: من أزهد الناس؟ فقال: من لم ينس القبر والبلى وترك أفضل (^٧) زينة الدنيا وآثر ما يبقى على ما يفنى، ولم يَعُدَّ غَدًا من أيامه، وعَدّ نفسه من الموتى\".\nوهذا مرسل (^٨).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1115>[أقسام الزهد]:</span>\nوقد قسم كثير من السلف الزهد أقسامًا فمنهم من قال: أفضل الزهد: الزهدُ في\n_________\n(^١) ليست في \"ا\"، ولا في ب.\n(^٢) الخبر في الحلية ٣/ ٢٥٩.\n(^٣) م: \"ولا تردها عنا، ورواه الفضيل بن عياض كما في ذم الدنيا ١٧٢.\n(^٤) م: \"وكذا\".\n(^٥) م: \"محبة الله ولقاءه\".\n(^٦) سورة البقرة: ٩٤ - ٩٦.\n(^٧) سقطت من م.\n(^٨) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٣/ ٢٢٣ هن رواية أبي معاوية، عن سليمان بن فروخ عن الضحاك بن مزاحم قال: أتى النبي - ﷺ - رجل … فذكره بنحوه. وانظر الإتحاف ١٠/ ٣٥١.","vol":"2","page":863},{"text":"الشرك وفي عبادة ما عُبِدَ من دون الله، ثم الزّهْدُ في الحرام كُلِّهِ من المعاصي، ثم الزهدُ في الحلال، وهو أقل أقسام الزهد.\nفالقسمان الأوّلان من هذا الزهد كلاهما واجب.\n• والثالث ليس بواجب؛ فإن أعظم الواجبات: الزهدُ في الشرك، ثم في المعاصي كلها.\n• وكان بكر المزني يدعو لإخوانه: زهَّدَنَا الله وإياكم زُهْدَ مَنْ أمكَنَهُ الحرامُ والذنوبُ في الخلَوات، فعلم أن الله يراه فتركه.\n• وقال ابن المبارك: قال سلام بن أبي المطيع: الزهد على ثلاثة وجوه:\nواحد (^١) أن تخلص العملَ لله ﷿ والقولَ، ولا يرادُ بشيء منه الدنيا.\n• والثاني: تَرْكُ ما لا يَصْلُحُ، والعمل بما يَصْلُحُ.\n• والثالث: الحلال أن يزهد فيه وهو تطوع (^٢) وهو أدناه وهذا قريب (^٣) مما قبله إلا أنه جعلَ الدرجة الأولى من الزهدِ: الزهدَ في الرياء المنافي للإخلاص في القول والعمل، وهو الشرك الأصغر، والحامل عليه محبة المدح في الدنيا، والتقدم عند أهلها، وهو من نوع محبة العلو فيها والرياسة\".\n• وقال إبراهيم بن أدهم: \"الزهد ثلاثة أصناف، فزهدٌ فرضٌ، وزهدٌ فضلٌ، وزهد سلامة، فالزهد (^٤) الفرض: الزهد في الحرام، والزهد الفضل: الزهد في الحلال، والزهد السلامة: الزهد في الشبهات (^٥).\n• وقد اختلف الناس هل يستحق اسم الزاهد (^٦) من زهد في الحرام خاصة ولم يزهد في فضول المباحات أم لا؟ على قولين:\n• أحدهما: أنه يستحق اسم الزهد بذلك، وقد سبق ذكر ذلك عن الزهري وابن عيينة وغيرهما.\n_________\n(^١) م: \"أحدها أن يخلص\".\n(^٢) م: \"التطوع\".\n(^٣) م: \"أقرب\" والخبر في الحلية ٦/ ١٨٨.\n(^٤) م: \"فأما الزهد .. فالزهد\".\n(^٥) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٨/ ٢٦ من طريق أبيه، عن أبي الحسن بن أبان، عن أبي بكر بن عبيد، عن محمد بن الحسن، عن مكين بن عبيد الصوفي، عن المتوكل بن الحسين، قال: قال إبراهيم بن أدهم فذكره بنحوه.\nوأخرجه في الحلية أيضًا ١٠/ ١٣٧ بمثله.\n(^٦) م: \"الزهد\".","vol":"2","page":864},{"text":"• والثاني: لا يستحق اسم الزهد بدون الزهد في فضول المباحات.\nوهو قول طائفة من العارفين (^١) وغيرهم، حتى قال بعضهم: لا زهد اليوم؛ لفقد المباح المحض، وهو قول يوسف بن أسباط وغيره.\nوفي ذلك نظر.\n• وكان يونس بن عبيد يقول: وما قدر الدنيا حتى يمدح من زهد فيها؟!\n• وقال أبو سليمان الداراني: اختلفوا علينا في الزهد بالعراق فمنهم من قال: الزهد في ترك لقاء الناس.\nومنهم من قال: في ترك الشهوات.\nومنهم من قال: من ترك الشبع.\nوكلامهم (^٢) قريب بعضه من بعض.\n* * *\nقال: وأنا أذهب إلى أن الزهد في ترك ما يشغلك (^٣) عن الله ﷿.\nوهذا الذي قاله أبو سليمان: حسن، وهو يجمع جميع معاني الزهد وأقسامه وأنواعه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1116>[المراد بذم الدنيا]:</span>\n• واعلم أن الذم الوارد في الكتاب والسنة للدنيا ليس هو راجعًا إلى زمانها الذي هو الليل والنهار المتعاقبان إلى يوم القيامة، فإن الله تعالى جعلَهما خِلْفَةً لمنْ أرادَ أن يذّكّر أو أرَادَ شُكُورًا.\n• ويروى عن عيسى ﵇ أنه قال: إن هذا الليل والنهار خِزانتان؛ فانظروا ما تصنعون فيهما؟!.\nوكان ﵊ يقول: \"اعملوا الليل لما خلق له، والنهار لما خلق له\".\n• وقال مجاهد: ما من يوم إلا يقول: ابن آدم! قد دخلت عليك اليوم ولن أرجع إليك بعد اليوم، فانظر ماذا تعمل فيّ، فإذا انقضى طوي ثم يختم عليه (^٤) فلا يفك حتى يكون الله\n_________\n(^١) م: \"العلماء العارفين\".\n(^٢) م: \"وكل منهم\".\n(^٣) م: \"ما أشغلك\".\n(^٤) ليست في ب.","vol":"2","page":865},{"text":"هو الذي يَفضُّهُ يوم القيامة ولا الليلة (^١) إلا تقول كذلك وقد (^٢) أنشد بعض السلف:\nإنما الدُّنْيَا إلى الجنّـ … ـةِ وَالنارِ طَرِيق\nوالليالي مَتْجَرُ الإنْـ … سَان والأيامُ سُوقُ\nوليس الذم راجعًا إلى مكان الدنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم مهادًا وسكنًا (^٣)، ولا إلى ما أودعه (^٤) الله فيها من الجبالِ والبحار والأنهارِ والمعادن، ولا إلى ما أنبته فيها من الشجر والزروع (^٥)، ولا إلى ما بتَّ فيها من الحيوانات، وغير ذلك، فإن ذلك كلَّه من نعمة (^٦) الله على عباده بما لهم فيه من المنافع، ولهم به من الاعتبار والاستدلال على وحدانية صانعه، وقدرته وعظمته، وإنما الذمّ راجع إلى أفعال بني آدم الواقعة في الدنيا؛ لأن غالِبَها واقعٌ على غير الوجه الذي تُحمدُ عاقبته، بل يقع على ما تَضُرّ عاقبتُه، أو لا تنفع كما قال ﷿: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا﴾ (^٧).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1117>[الناس في الزهد]:</span>\nوانقسم بنو آدم في الدنيا إلى قسمين:\nأحدهما: من أنكر أن يكون للعباد بعد الدنيا دار للثواب والعقاب، وهؤلاء هم الذين قال الله فيهم ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (^٨).\nوهؤلاء همهم التمتع بالدنيا (^٩)، واغتنامُ لذاتها قبل الموت: كما قال الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (^١٠).\nومن هؤلاء من كان يأمر بالزهد في الدنيا؛ لأنه يرى أن الاستكثار منها يوجب (^١١)\n_________\n(^١) م: \"هو الذي يقضيه .. ولا الليلة\".\n(^٢) ليست في أ والخبر في الحلية ٣/ ٢٩٢ بنحوه.\n(^٣) م: \"ومسكنا\".\n(^٤) م: \"ما أودع\".\n(^٥) م: \"من الزرع والشجر\".\n(^٦) ب: \"من نعم\".\n(^٧) سورة الحديد: ٢٠.\n(^٨) سورة يونس: ٧، ٨.\n(^٩) م: \"في الدنيا\".\n(^١٠) سورة محمد: ١٢.\n(^١١) م: \"موجب\".","vol":"2","page":866},{"text":"الهمّ والغمّ، ويقول: كلما كثر التعلق بها تألمت النفس بمفارقتها عند الموت، فكان هذا غاية زُهْدِهِمْ في الدنْيَا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1118>[والثاني]:</span>\nوالقسم الثاني من يقر بدار بعد الموت للثواب والعقاب، وهم المنتسبونَ إلى شرائع المرسلين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1119>[وهم أقسام ثلاثة]:</span>\nوهم منقسمون إلى ثلاثة أقسام:\nظالم لنفسه.\nومقتصد.\nوسابق بالخيرات بإذن الله.\nفالظالم (^١) لنفسه هم الأكثرونَ منهم، وأكثرهم وقف مع زهرة الدنيا وزينتها فأخذها من غير وجهها، \"واستعملهما في غير وجهها\" (^٢) وصارت الدنيا أكبرَ هَمِّهِ، لها يغضب، وبها يرضى (^٣) ولها يوالي، وعليها يعادي.\nوهؤلاء هم أهل (^٤) اللهو واللعبِ والزينةِ والتفاخُرِ والتكاثُرِ.\nوكلهم لم يعرف المقصود من الدنيا، ولا أنها منزل (^٥) سفر، يتزود منها لما بعدها من دار الإقامة، وإن كان أحَدُهُم يؤمنُ بذلك إيمانًا مُجْمَلًا فهو لا يعرفه مفصلًا، ولا ذاق ما ذاقه أهل المعرفة بالله في الدنيا مما هو أنموذجُ ما ادُّخِرَ لهم في الآخرة.\n* * *\n• والمقتصد منهم أخذ الدنيا من وجوهها المباحة، وأدى واجباتها، وأمسك لنفسه الزائد على الواجب يتوسع به في التمتع بشهوات الدنيا، وهؤلاء قد اختلف في دخولهم في اسم الزهاد في الدنيا كما سبق ذكره؛ ولا عقاب عليهم في ذلك إلا أنه ينقص (^٦) من درجاتهم (^٧) في الآخرة بقدر توسعهما في الدنيا، قال ابن عمر: لا يصيب عبد من\n_________\n(^١) م: \"والظالم\".\n(^٢) سقطت هذه الجملة من ب.\n(^٣) م: \"بها يرضى، وبها يغضب\".\n(^٤) سقطت من ب.\n(^٥) م: \"منزلة\".\n(^٦) \"ا\": \"تنقص\".\n(^٧) \"ا\": \"من الآخرة\".","vol":"2","page":867},{"text":"الدنيا شيئًا؛ إلا نقص من درجاته عند الله، وإن كان عليه كريمًا.\nخرجه ابن أبي الدُّنيا بإسناد جيد (^١).\nوروي مرفوعًا من حديث عائشة ﵂ بإسناد فيه نظر.\n• وروى الإمام أحمد في كتاب الزهد بإسناده أن رجلًا دخل على معاوية فكساه، فخرج فمرّ على أبي مسعود الأنصاري ورجل آخر من الصحابة ﵃ أجمعين فقال أحدهما له: (^٢) خذها من حسناتك، وقال الآخر: (^٣) خذها من طيباتك.\nوبإسناده عن عمر ﵁ قال: لولا أن تنقص حسناتي (^٤) لخالطتكم في لين عيشكم؛ ولكن سمعت الله عيَّر قومًا فقال: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ (^٥).\n• وقال الفضيل بن عياض: إن شئتَ استَقِلَّ من الدنيا، وإن شئتَ استكِثرْ منها (^٦) فإنما تأخذ من كيسك.\nويشهد لهذا أنّ الله ﷿ حرّم على عباده أشياء من فضول شهوات الدنيا وزينتها وبهجتها حيث لم يكونوا محتاجين إليه، وادَّخره لهم عنده في الآخرة، وقد وقعت الإشارة إلى هذا بقوله ﷿: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (^٧).\n* * *\n_________\n(^١) في ذم الدنيا ص ١١١ ح ٣١١ من رواية محمد بن عبد الله المدائني، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد عن ابن عمر - بهذا النص.\nوأخرجه أبو نعيم في الحلية ٨/ ٨٨ من رواية عبد الله بن محمد، عن أبي يعلى، عن عبد الصمد، قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: ليس من عبد أعطى شيئا من الدنيا إلا كان نقصًا ناله من الدرجات في الجنة، وإن كان على الله كريمًا\".\nوأورده المنذري في الترغيب ٤/ ١٦٣، من حديث ابن عمر وقال: رواه ابن أبي الدنيا وإسناده جيد، وروي عن عائشة مرفوعًا، والموقوف أصح.\nكذلك أورده ابن حجر في الفتح ١١/ ٢٨٠ عن ابن أبي الدنيا من حديث ابن عمر، وذكر تجريد المنذري لإسناده.\n(^٢) ليست في م.\n(^٣) ليست في \"ا\".\n(^٤) م: \"من حسناتي\".\n(^٥) سورة الأحقاف: ٢٠.\n(^٦) ليست في \"ا\".\n(^٧) سورة الزخرف: ٣٣ - ٣٥.","vol":"2","page":868},{"text":"• <span data-type='title' id=toc-1120>[تحريم الحرير على الرجال]:</span>\nوصح عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"مَنْ لَبِسَ الحريرَ في الدنْيَا لم يلْبَسْه في الآخرة، ومن شَرِبَ الخمر في الدنيا لم يشربها (^١) في الآخرة\" (^٢).\n_________\n(^١) م: \"يشربه\".\n(^٢) قوله - ﷺ -: من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة\" أخرجه البخاري في صحيحه: ٧٧ - كتاب اللباس: ٢٥ - باب لبس الحرير للرجال وقدر ما يجوز منه ١٠/ ٢٨٤ من أحاديث أنس وابن الزبير وعمر ح ٥٨٣٠، ٥٨٣٢، ٥٨٣٣، ٥٨٣٤ بمثله ونحوه.\nومسلم في: ٣٧ - كتاب اللباس والزينة: باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء وخاتم الذهب والحرير على الرجل وإباحته للنساء، وإباحة العلم ونحوه للرجل ما لم يزد على أربع أصابع ٣/ ١٦٤٥ من أحاديث أنس وأبي أمامة ح ٢١ (٢٠٧٣)، ٢٢ (٢٠٧٤) بمثله. وأحمد في المسند ١/ ٢٦، ٣٥، ٣٧، ٣٩ (الحلبي) من حديث عمر بمثله في الموضع الأول والثالث وبنحوه في الثاني والرابع وفي ٢/ ١٦٦، ٢٠٨، ٢٠٩ من حديث عبد الله بن عمرو بنحوه.\nوفي ٣/ ٢٣ من حديث أبي سعيد الخدري بمثله وفي ٣/ ١٠١، ٢٨١ من حديث أنس بنحوه.\nوفي ٤/ ١٥٦ من حديث عقبة بن عامر بنحوه.\nوحديث عقبة أورده الهيثمي في المجمع ٥/ ١٤٢ وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني في الكبير والأوسط ررجالهم ثقات.\nوالبيهقي في السنن الكبرى ٢/ ٤٢٢ من حديثي عمر وأنس بمثله، وفي ٣/ ٢٧٠ من حديث عمر جزء حديث عن عبد الله بن عمر عنه وفيه قصة.\nوأخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب اللباس وآدابه: ذكر البيان بأن من لبس الحرير في الدنيا من الرجال وهو عالم بنهي المصطفى - ﷺ - عنه حرم لبسه في الآخرة ٧/ ٣٩٤ من حديث أنس بنحوه ح ٥٤٠٥.\nوفي ذكر نفي لبس الحرير في الآخرة عن لبسه في الدنيا غير من وصفنا (أي ممن رخص له لعلة مشروعة) ٧/ ٣٩٦ ح ٥٤١١ من حديث أنس بمثله.\nوفي ذكر تحريم الله جل وعلا لبس الحرير في الجنة على من لبسه في الدنيا من الرجال ٧/ ٣٩٦ - ٣٩٧ ح ٥٤١٢ من حديث عقبة بن عامر بنحوه.\nوفي ذكر البيان بأن لابس الحرير في الدنيا في كل وقت محرم لبسه في الجنة إذا دخلها ٧/ ٣٩٧ ح ٥٤١٣ من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال:\n\"من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو\".\nوأخرجه ابن ماجه في السنن: ٣٢ - كتاب اللباس: ١٦ - باب كراهية لبس الحرير ٢/ ١١٨٧ ح ٣٥٨٨ من حديث أنس بن مالك بمثله.\nوالطبراني في الكبير ١٠/ ١١ ح ٩٧٧٩ من حديث عبد الله بن مسعود بمثله.\nوأورده الهيثمي في المجمع ٥/ ١٤٢ عن الطبراني في هذا الموضع وقال: فيه علي بن يزيد الألهاني وهو ضعيف، قال محقق الطبراني: وعبيد الله بن زحر مثله.\nأقول: ولهذا لم ترد هذه الرواية في الصحيح.\nوأخرجه البغوي في شرح السنة ٢/ ٣٠ - ٣١ من أحاديث ابن الزبير وعمر وأبي سعيد ح ٣١٠٠، ٣١٠١ بمثله وبالإضافة التي أوردها ابن حبان في حديث أبي سعيد.=","vol":"2","page":869},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والنسائي في السنن: ٤٧ - كتاب الإيمان وشرائعه: ٩٥ - التشديد في لبس الحرير وأن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ٨/ ٢٠٠ من حديثي ابن الزبير وعمر بنحوه ح ٥٣٠٤، ٥٣٠٥.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ١٩١ من حديث أبي سعيد بنص ابن حبان والبغوي إلا أنه عقب عليه بقوله: هذا حديث صحيح ثم علق على قوله: \"وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه\" فقال: وهذه اللفظة تعلل الأحاديث المختصرة: أن من لبسها لم يدخل الجنة.\nوقد أقره الذهبي على تصحيح الحديث.\nوانظر هذا مع ما قال ابن حجر في الفتح ١٠/ ٢٨٩ بعد أن أورد رواية أبي سعيد هذه عن أحمد والنسائي والحاكم، قال ابن حجر: \"فذكر الحديث المرفوع مثل حديث عمر - هذا في الباب - وزاد: وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم يلبسه هو\" وهذا يحتمل أن يكون أيضًا مدرجًا وعلى تقدير أن يكون الرفع محفوظًا فهو من العام المخصوص بالمكلفين من الرجال للأدلة الأخرى بجوازه للنساء\" ولم يشر ابن حجر إلى رواية ابن حبان للحديث في صحيحه كما لم يشر إلى تعقيب الحاكم ولا إلى إقرار الذهبي لصحة الحديث، من جهة، وتعقيب الحاكم عليه من جهة أخرى.\nولم يؤكد احتمال إدراج هذه الزيادة.\nبيد أن من المعروف أن زيادة الثقة مقبولة، وإذًا فاحتمال الإدراج ضعيف عند ابن حجر نفسه، فضلًا عن أن الحديث صحيح عند من رواه سيما ابن حِبَّان والحاكم.\nوقوله - ﷺ -: \"ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة\" أخرجه البخاري في صحيحه: ٧٤ - كتاب الأشربة: ١ - باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ١٠/ ٣٠ ح ٥٥٧٥ من طريق عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يَتُبْ منها حرمها في الآخرة\" والنسائي في السنن: ٥١ - كتاب الأشربة: ٤٦ - باب الرواية في المدمنين في الخمر ٨/ ٣١٨ ح ٥٦٧٢ من وجوه عن ابن عمر بنحوه.\nوالدارمي في السنن: ٩ - كتاب الأشربة: ٣ - باب في التشديد على شارب الخمر ٢/ ١٥٢ ح ٢٠٩٠ من طريق خالد بن مخلد عن مالك - به بمثله وزاد: \"فلم يُسْقَها\".\nوأحمد في السند ٢/ ١٩ بنحو رواية النسائي وفي ٢٢ بنص رواية ابن رجب رفيها زيادة: إلا أن يتوب. وفي ٢٨ بمثل هذه الرواية وفي ٣٥ بلفظ من شرب الخمر في الدنيا ثم مات وهو يشربها لم يتب منها حرمها الله عليه في الآخرة. وفي ٩٨ بنحو هذه الرواية بزيادة في أولها: كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام ومن شرب الخمر … الحديث وفي ١٠٦ بنص رواية ابن رجب. وفي ١٢٣ كذلك. وفي ١٤٢ بنص رواية الموضع الثاني؛ كلها من حديث ابن عمر.\nوأخرجه مسلم في صحيحه: ٣٦ - كتاب الأشربة: ٧ - باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام ٣/ ١٥٨٧ ح ٧٣ - (٢٠٠٣) من حديث ابن عمر بزيادة في أوله كما عند أحمد في الموضع الرابع.\nوفي: ٨ - باب عقوبة من شرب الخمر إذا لم يَتُب منها بمنعه إياها في الآخرة ٣/ ١٥٨٨ ح ٧٦، ٧٧، ٧٨ من وجوه عن ابن عمر بنحو ما عند أحمد.\nوالبيهقي في السنن: كتاب الأشربة والحد فيها: باب ما جاء في تحريم الخمر ٨/ ٢٨٧ من حديث ابن عمر بنص رواية البخاري وفي باب التشديد على مدمن الخمر ٨/ ٢٨٨ بمثل الموضع الثاني عند مسلم وفي باب الدليل على أن الطبخ لا يخرج هذه الأشربة من دخولها في الاسم والتحريم ٨/ ٢٩٣ كذلك والبغوي في شرح السنة كتاب=","vol":"2","page":870},{"text":"• قال: \"لا تلبسوا الحريرَ ولا الديباجَ ولا تشربوا في آنية (^١) الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافِهَا (^٢) فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة\" (^٣).\n_________\n= الأشربة: باب وعيد شارب الخمر ١١/ ٣٥٥ من وجهين عن ابن عمر أولهما بلفظ البخاري وثانيهما بمثل الموضع الرابع عند أحمد.\nوابن ماجه في السنن: ٣٠ - كتاب الأشربة: ٢ - باب من شرب الخمر في الدنيا لم يشربها في الآخرة ٢/ ١١١٩ ح ٣٣٧٣، ٣٣٧٤ من حديث ابن عمر بنص الموضع الثاني عند أحمد.\nومن حديث أبي هريرة بنص رواية ابن رجب.\nوأخرجه الدارقطني في السنن: كتاب الأشربة وغيرها ٤/ ٢٤٨ بنحو ما عند مسلم في الموضع الثاني.\nوالترمذي في السنن: ٢٧ - كتاب الأشربة: ١ - باب ما جاء في شارب الخمر ٤/ ٢٩٠ ح ١٨٦١ من حديث ابن عمر بنحو ما عند مسلم في الموضع الثاني.\nوعقب عليه بقوله: وفي الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وعبد الله بن عمرو وابن عباس وعبادة وأبي مالك الأشعري.\nقال أبو عيسى حديث ابن عمر حديث حسن صحيح وقد روي من غير وجه عن نافع عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - ورواه مالك بن أنس عن نافع عن ابن عمر موقوفًا فلم يرفعه.\nوهكذا جاء الحديث الذي ساقه ابن رجب: حديثين.\nولم يجئ حديثًا واحدًا إلا من رواية أبي هريرة عند الحاكم في المستدرك ٤/ ١٤١ من طريق مكرم بن أحمد القاضي، عن إبراهيم بن الهيثم، عن محمد بن المبارك، عن يحيى بن حمزة، عن يزيد بن واقد، أن خالد بن عبد الله حدثه أن أبا هريرة ﵁ قال: من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة ومن شرب الخمر في الدنيا لم يشربه في الآخرة، ومن شرب في آنية الذهب والفضة في الدنيا لم يشرب بها في الآخرة ثم قال: لباس أهل الجنة، وشراب أهل الجنة، وآنية أهل الجنة.\nوقد صححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\nوكن على ذكر مما أوردناه عن ابن حبان والحاكم في هذا الحديث ولعله بهذا وذاك يتم الرد على البغوي حيث قال عقب إيراده لحديث عبد الله بن عمر بمثل رواية البخاري.\n\"من شرب الخمر في الدنيا ثم لم يَتُبْ منها حرمها في الآخرة\" قال: وفي قوله: \"حرمها في الآخرة\": وعيد بأنه لا يدخل الجنة؛ لأن شراب أهل الجنة خمر، إلا أنهم لا يصدعون عنها ولا ينزفون، ومن دخل الجنة لا يحرم شرابها\".\nفصحيح الحديث صريح أن العقاب لشارب الخمر - مثلًا - هو الحرمان من شرابها في الجنة، وليس هو الحرمان من دخولها، فإذا قضى الله أن يدخلها - بعفوه ومغفرته ورحمته وهو سبحانه يغفر ما دون الشرك لمن يشاء - كان العقاب حينئذٍ متمثلًا في حرمانه من خمر الجنة وهكذا.\n(^١) م: \"إناء\" وهو مخالف لما في المصنفات.\n(^٢) م: \"صحافهما\" وهو مخالف أيضًا لما في المصنفات.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه: ٧٠ - كتاب الأطعمة: ٢٩ - باب الأكل في إناء مفضض ٩/ ٥٥٤ ح ٥٤٢٦ من طريق أبي نعيم، عن سيف بن أبي سليمان، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، أنهم كانوا عند حذيفة فاستسقى فسقاه مجوسي، فلما وضع القدح في يده رماه به، وقال: لولا أني نهيته غير مرة ولا مرتين؟ كأنه يقول: لم أفعل هذا، ولكني سمعت النبي - ﷺ - يقول: لا تلبسوا الحرير ولا الديباج … فذكره بالنص الذي أورده ابن رجب.=","vol":"2","page":871},{"text":"• وقال وهب: إن الله ﷿ قال لموسى ﵇ إنى لأذود أوليائي عن نعيم الدنيا ورخائها كما يذود الراعي الشفيق إبلَهُ عن مَبَارِكِ العُرَّة (^١) وما ذلك لهوانهم عليَّ ولكن ليستكملوا نصيبَهم من كرامتي سالمًا موفَّرًا لم تَكْلَمْهُ الدنيا (^٢) ويشهد لهذا ما خرجه الترمذي عن قتادة بن النعمان عن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله إذا أحبَّ عبدًا حماه الدنيا (^٣) كما يظلُّ أَحَدُكُم يَحْمِى سَقِيمَه (^٤) الماء\".\nوخرجه الحاكم ولفظه: \"إن الله ليحمي عبده الدنيا وهو يحبه كما تحمون\n_________\n= وأخرجه في: ٧٤ - كتاب الأشربة: ٢٧ - باب الشرب في آنية الذهب ١٠/ ٩٤ ح ٥٦٣٢ وفي ٢٨ - باب آنية الفضة ١٠/ ٩٦ ح ٥٦٣٣.\nوفي: ٧٧ - كتاب اللباس: ٢٥ - باب لبس الحرير للرجال وقدر ما يجوز منه ١٥/ ٢٨٤ ح ٥٨٣٠.\nوانظر ما رواه البخاري في هذا الباب من أحاديث عمر وأنس وابن الزبير ﵃.\nوأخرجه مسلم في صحيحه: ٣٧ - كتاب اللباس:\n١ - باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء، وخاتم الدهب والحرير على الرجل وإباحته للنساء وإباحة العلم ونحوه للرجل، ما لها يزد على أربع أصابع ٣/ ١٦٣٧ - ١٦٣٨ ح ٤ - (٢٠٦٧)، ٥ مختصرًا في بعضها وبزيادة قوله \"يوم القيامة\" في بعضها الآخر وأخرج شطره من أحاديث عمر وأنس وأبي أمامة ٣/ ١٦٤١ - ١٦٤٦ ح ١١، ٢١ (٢٠٧٣)، ٢٢ (٢٠٧٤).\nوانظر باقي تخريجه في الإرواء ١/ ٦٨، والموسوعة ٧/ ١٣٨، ١٣٩، ٢٠٩، ٢١٠.\n(^١) م: \"القرى\"، \"العرق\" وكلاهما تحريف ومَبَارِك العُرة هي القذارة وفضلات الطير والحيوان والإنسان، قال في اللسان: ٤/ ٢٨٧٥ (معارف) والعُرُّ والعُرَّة: ذرْق الطير، والعرة أيضًا: عذرة الناس والبعر والسرجين (السماد) … وفي الحديث: إياكم ومشارَّة الناس، فإنها تظهر العرّة، وهي القذر وعذرة الناس فاستعير للمساوئ والمثالب، وفي حديث سعد: أنه كان يدمل أرضه بالعرة (يصلحها) … وعَرّ أرضه يعرها: سمدها. ومنه حديث ابن عمر: \"كان لا يعر أرضه\" أي لا يزبلها بالعرّة.\nومنه حديث جعفر بن محمد: \"كل سبع تمرات من نخلة غير معرورة أي غير مزبلة بالعرة\".\nوانظر النهاية: ٣/ ٢٠٤ - ٢٠٦.\n(^٢) م: \"موفرًا لم أعجل لهم شيئًا في الدنيا لم تكلمه\".\n(^٣) م: \"من الدنيا\".\n(^٤) أخرجه الترمذي في سننه: ٢٩ - كتاب الطب: ١ - باب ما جاء في الحمية ٤/ ٣٨١ ح ٢٠٣٦ من طريق محمد بن يحيى، عن إسحاق بن محمد الفروي عن إسماعيل بن جعفر، عن عمارة بن غزيّة، عن عاصم بن عمر، عن محمود بن لبيد عن قتادة بن النعمان أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا أحب الله عبدًا حماه الدنيا كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء\".\nوعقب عليه بقوله: وفي الباب عن صهيب وأم المنذر وهذا حديث غريب وقد روى هذا الحديث عن محمود بن لبيد عن النبي - ﷺ - مرسلًا، وساق إسناده.\nوالملحوظ أن بداية الحديث في الترمذي ليس هي البداية فيه عند ابن رجب!؟.\nوفي \"ا\": \"من الماء\" وفيها مخالفة للأصول الخطية والمطبوعة ولما عند الترمذي.","vol":"2","page":872},{"text":"مريضكم الطعام والشراب تخافون عليه (^١) \".\n• وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو (^٢) ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \"الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر\".\n* * *\n• وأما السابق بالخيرات بإذن الله فهم الذين فهموا المرادَ من الدنيا، وعملوا بمقتضى ذلك، فعلموا أن الله إنما أسكَنَ عبادَهُ في هذه الدار ليَبْلوَهم أيّهم أحسنُ عملًا كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (^٣).\n• وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (^٤).\nقال بعض السلف: أيهم أزهدُ في الدنيا، وأرغب في الآخرة.\nوجعل ما في الدنيا من البهجة والنضرة محنة لينظر من يَقِفُ منهم معه ويركن إليه، ومَنْ ليس كذلك كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (^٥) ثم بين انقطاعه ونفاذه فقال: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ (^٦) فلما فهموا أن هذا هو المقصودُ من الدنيا جعلوا هَمَّهُمُ التزوّدَ منها للآخرة التي هي دار القرار، واكتفوا (^٧) من الدنيا بما يكتفي به المسافر في سفره كما كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: \"ما لي وللدنيا إنما مَثَلِي وَمَثَلُ الدنيا كراكبٍ قَالَ في\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٢٠٧ من حديث محمود بن الربيع عن قتادة بن النعمان وفي ٤/ ٢٠٨ من حديث محمود بن الربيع عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا أحب الله عبدًا … الحديث لفظ الموضع الأول ولفظ الموضع الثاني: إن الله تعالى ليحمي عبده المؤمن … الحديث بالنص الذي أورده ابن رجب وفيه زيادة وصف: \"المؤمن\".\nوصحح الحديثين وأقره الذهبي.\nوفي م: \"عبده من الدنيا\" وفيه زيادة ليست في الأصول.\n(^٢) م: \"عمر\" وهو تحريف والحديث في صحيح مسلم أول كتاب الزهد والرقائق: ٥٣ ح ١ (٢٩٥٦) من طريق قتيبة بن سعيد، عن عبد العزيز الدراوردي، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا، وذكره بالنص الذي أورده به ابن رجب وليس الحديث في مسلم من حديث عبد الله بن عمرو كما ورد في الأصول الخطية.\n(^٣) سورة هود: ٧.\n(^٤) سورة الملك: ٢.\n(^٥) سورة الكهف: ٧.\n(^٦) سورة الكهف: ٨.\n(^٧) م: \"فاكتفوا\".","vol":"2","page":873},{"text":"ظَلِّ شجرة ثم راح عنها وتركها (^١)!؟ \".\n• ووصى ﵌ جماعة من الصحابة أن يكون بلاغ أحدهم من الدنيا كزاد الراكب (^٢) منهم سلمان وأبو عبيدة بن الجراح وأبو ذر وعائشة رضي الله\n_________\n(^١) أخرجه البخاري: شطره الأول جزء حديث لابن عمر في: ٥١ - كتاب الهبة: ٢٧ - باب هدية ما يكره لبسها ٥/ ٢٢٨ ح ٢٦١٣ وأخرجه أحمد في المسند ١/ ٣٩١، ٤٤١ (الحلبي) من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: اضطجع رسول الله - ﷺ - على حصير فأثر في جنبه، فلما استيقظ جعلت أمسح جنبه فقلت: يا رسول الله! ألا آذنتنا حتى نبسط لك على الحصير شيئًا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما لي وللدنيا؟ ما أنا والدنيا؟ إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب ظل تحت شجرة ثم راح وتركها؟!.\nوصححه الشيخ أحمد شاكر (٥/ ٢٦٤)، (٦/ ١٤٤) المعارف ح ٣٧٠٩، ٤٢٠٨ وأخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٦٢ ح ٢٧٤٤ (المعارف) ١/ ٣٠١ (الحلبي) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٣٢٦ وقال عن رواة أحمد: رجال الصحيح غير هلال بن خباب وهو ثقة. وصححه الشيخ أحمد شاكر.\nوأخرجه الترمذي في السنن: ٣٧ - كتاب الزهد: ٤٤ - باب حدثنا موسى بن عبد الرحمن الكندي ٤/ ٥٨٨ - ٥٨٩ ح ٢٣٧٧ من حديث عبد الله بن مسعود بنحوه، وعنده: ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة … \".\nوعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن صحيح وفي الباب عن عمر، وابن عباس.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٠٩ - ٣١٠ من حديث ابن عباس ﵄ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي ومن حديث ابن مسعود ﵁ وسكت عنه هو والذهبي. وابن ماجه في السنن: ٣٧ - كتاب الزهد: ٣ - باب مثل الدنيا ٢/ ١٣٧٦ ح ٤١٠٩ من حديث ابن مسعود بنحوه.\nوأبو نعيم في الحلية ٢/ ١٠٢ و٤/ ٢٣٤ من حديث عبد الله بن مسعود بنحوه.\nوانظر الترغيب ٤/ ١٩٨ - ١٩٩ وسلسة الأحاديث الصحيحة ٤٣٩، ٤٤٠، والموسوعة ٩/ ٢١٩.\n(^٢) روى الحاكم في المستدرك ٤/ ٧٨ من طريق جعفر بن محمد الخلدي عن أبي العباس، عن مسروق، عن شريح بن يونس، عن سعيد بن محمد الوراق، عن صالح بن حسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: قال لي رسول الله - ﷺ -:\n\"يا عائشة! إن أردت اللحوق بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب لا تستخلقي ثوبًا حتى ترقعيه، وإياك ومجالسة الأغنياء\".\nوقد صححه على شرط الشيخين ورده الذهبي فقال: الوراق عدم.\nكما روى الحاكم في المستدرك ٤/ ٣١٧ من طريق إبراهيم بن عصمة بن إبراهيم العدل، عن أبيه، عن يحيى بن يحيى. عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن أشياخه قال: دخل سعد على سلمان يعوده قال: فبكى؛ فقال له سعد: ما يبكيك؛ يا أبا عبد الله!؟ توفي رسول الله - ﷺ - وهو عنك راض، وترد عليه الحوض، وتلقى أصحابك؟! قال: فقال سلمان: أما إني لا أبكي جزعًا من الموت، ولا حرصًا على الدنيا، ولكن رسول الله - ﷺ - عهد إلينا عهدها حيًّا وميتًا، قال: لتكن بلغة أحدكم من الدنيا مثل زاد الراكب. وحولي هذه الأساودة، قال: فإنما حوله إجانة وجفنة ومطهرة، قال: فقال له سعد: يا أبا عبد الله! اعهد إلينا بعهد نأخذ به بعدك؟ قال: فقال يا سعد اذكر الله عند همك إذا هممت، وعند يدك إذا قسمت، وعند حكمك إذا حكمت\".\nوقد صححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\nوأخرجه ابن حبان في صحيحه ٢/ ٤٥ (من الإحسان) من وجه آخر عن عامر بن عبد الله أن سلمان الخير=","vol":"2","page":874},{"text":"عنهم ووصى ابن عمر أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل، وأن يعدّ نفسه من أهل القبور (^١).\n_________\n= حين حضره الموت عرفوا منه بعض الجزع، قالوا: ما يجزعك يا أبا عبد الله! وقد كانت لك سابقة في الخير، شهدت مع رسول الله - ﷺ - مغازي حسنة وفتوحًا عظامًا؟ قال: يجزعني أن حبيبنا - ﷺ - حين فارقنا عهد إلينا، قال: ليكف اليوم منكم كزاد الراكب، فهذا الذي أجزعني، فجمع مال سليمان فكان قيمته خمسة عشر دينارًا.\nوقد أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٣/ ٢٢٠ بنحو ما في المستدرك وأخرج أحمد في المسند ١/ ١٩٥ - ١٩٦ من طريق أبي المغيرة، عن صفوان بن عمرو عن أبي حسنة: مسلم بن أكيس مولى عبد الله بن عامر عن أبي عبيدة بن الجراح قال: ذكر من دخل عليه فوجده يبكي فقال: ما يبكيك يا أبا عبيدة؟ فقال: نبكي أن رسول الله - ﷺ - ذكر يومًا ما يفتح الله على المسلمين ويفيء عليهم حتى ذكر الشام، فقال، إن ينسأ في أجلك يا أبا عبيدة! فحسبك من الخدم ثلاثة، خادم يخدمك، وخادم يسافر معك، وخادم يخدم أهلك ويرد عليهم، وحسبك من الدواب ثلاثة دابة لرجلك، ودابة لثقلك، ودابة لغلامك، ثم هذا أنا أنظر إلى بيتي قد امتلأ رقيقًا، وأنظر إلى مربطي قد امتلأ دواب وخيلًا؛ فكيف ألقى رسول الله - ﷺ - بعد هذا وقد أوصانا رسول الله - ﷺ -: \"إن أحبكم إلي وأقربكم مني من لقيني على مثل الحال التي فارقني عليها؟ \".\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٥٣ عن أحمد في هذا الموضع وقال: فيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات.\nوروى البزار في مسنده (٤/ ٢٥٧) من الكشف من حديث محمد بن المثنى، عن بهلول بن مورق، عن موسى بن عبيدة، قال: أخبرني الوليد بن بريقع -أو بقيع- عن عبد الله بن عباس: أن أبا ذر قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\nإن أحبكم إليّ وأقربكم مني: الذي يلحقني على ما عاهدته عليه.\nقال البزار: لا نعلمه يروى إلا عن أبي ذر، ولا نعلم روى عن الوليد إلا موسى وموسى من خيار الناس وعبادهم.\nوقد أورده الهيثمي في المجمع وقال: رواه البزار. وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف (١٠/ ٣٢٥ - ٣٢٦).\nوأخرج أحمد في المسند (٥/ ١٦٥) الحلبي من طريق يزيد، عن محمد بن عمرو، عن عراك بن مالك قال: قال أبو ذر: إني لأقربكم يوم القيامة من رسول الله - ﷺ -؛ إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن أقربكم مني يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئته يوم تركته عليه\" وإنه والله ما منكم من أحد إلا قد تشبث منها بشيء غيري.\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ٩/ ٣٢٧ وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن عراك بن مالك لم يسمع من أبي ذر فيما أحسب والله أعلم.\n(^١) أخرج ابن أبي شيبة في المصنف ١٣/ ٢١٧ من طريق أبي معاوية عن ليث، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: أخذ رسول الله - ﷺ - بيدي أو ببعض جسدي فقال لي: يا عبد الله بن عمر! كن في الدنيا غريبًا أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور، قال مجاهد: وقال لي عبد الله بن عمر: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح، وخذ من حياتك قبل موتك، ومن صحتك قبل سقمك، فإنك لا تدري ما اسمك غدًا.\nوهو عند البخاري في: ٨١ - كتاب الرقاق: ٣ - باب قول النبي - ﷺ - كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ١١/ ٢٣٣ ح ٦٤١٦ من طريق علي بن عبد الله المديني، عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي، عن سليمان=","vol":"2","page":875},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1121>[أقسام أهل هذه الدرجة]:</span>\nوأهل هذه الدرجة على قسمين؟\nمنهم من يقتصر من الدنيا على قدر ما يسدّ الرمق فقط، وهو حال كثير من الزهاد.\nومنهم من يفسح لنفسه أحيانًا في تناول بعض شهواتها المباحة لتقوى (^١) النفس بذلك، وتنشط للعمل؛ كما روي عن النبي - ﷺ - قال: \"حُبِّبَ إليّ من دنْيَاكُم النساء والطيب وجُعلت قرة عيني في الصلاة\".\nخرجه الإمام أحمد والنسائي من حديث أنس (^٢).\n_________\n= الأعمش، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر، وعنده: كأنك غريب وليس فيه: \"وعد نفسك من أهل القبور\" وأوله: كن في الدنيا .. والترمذي في ٣٧ - كتاب الزهد: ٢٥ - باب ما جاء في قصر الأمل ٤/ ٥٦٧ - ٥٦٨ من طريق محمود بن غيلان، عن أبي أحمد، عن سفيان، عن ليث - به بنحو ما عند أبي شيبة.\nوقد عقب عليه بذكر روايتي الأعمش وحماد بن زيد لهذا الحديث عن الأعمش ولم يذكر درجته، وأوله عنده: \"كن في الدنيا … \".\nورواه ابن ماجه في السنن: ٣٧ - كتاب الزهد: ٣ - باب مثل الدنيا ٢/ ١٣٧٨ ح ٤١١٤ شطره المرفوع بنحو ما عند ابن أبي شيبة. وأوله عنده: يا عبد الله! كن في الدنيا.\nوالطبراني في الصغير ص ٦٠ ح ٦٣ من حديث ثوبان عن الحسين بن الحر، عن ليث - به - بنحو ما عند ابن أبي شيبة، وأوله يا عبد الله! وعقب عليه بقوله: لم يروه عن الحسين بن الحر إلا ابن ثوبان؛ وانظر باقي تخريجه في الموسوعة ٦/ ٤٧٣.\n(^١) أ: \"ليقوى … وتنشط\".\n(^٢) أخرجه أحمد في السند ٣/ ١٢٨، ١٩٩، ٢٨٥ (الحلبي) من وجوه عن أنس بنحوه.\nوأخرجه النسائي في السنن: ٣٦ - كتاب عشرة النساء:\n١ - باب حب النساء ٧/ ٦١ - ٦٢ من وجهين عن أنس: أولهما بلفظ: حُبِّب إليّ من الدنيا: النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة\" وهو لفظ الموضع الأول عند أحمد والثاني دون لفظ الدنيا والثاني بلفظ: \"حبب إليّ النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة\" وهو لفظ الموضع الثالث عند أحمد إلا أنه زاد: \"من الدنيا\".\nوهكذا أخرجه النسائي في كتاب عشرة النساء له: باب حب النساء ص ٣٤ ح ١، ٢ بإسناده وصيغته في السنن: الأول من طريق الحسين بن عيسى القومسي، عن عفان بن مسلم، عن سلام أبي المنذر، عن ثابت عن أنس.\nوالثاني من طريق علي بن مسلم الطوسي، عن سيار، عن جعفر، عن ثابت - به.\nولفظ دنياكم ليس عند أحمد ولا عند النسائي.\nوهو عند البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٧٨ من حديث مطين، عن علي بن الجعد، عن سلام أبي المنذر - به أن رسول الله - ﷺ - قال:\n\"إنما حبب إلي من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة\".\nورواه من وجه آخر بلفظ النسائي الأول.\nوهكذا لم نجد اللفظ الذي عزاه ابن رجب لأحمد والنسائي عند أي منهما.\nوقد نقل السيوطي في تعليقه على رواية النسائي عند التستري قوله: \"من\" في هذا الحديث بمعنى في، لأن=","vol":"2","page":876},{"text":"• وخرج الإمام أحمد من حديث عائشة ﵂ قالت:\nكان النبي ﵌ يحب من الدنيا النساءَ والطيبَ والطعامَ، فأصاب من النساء والطيب، ولم يُصِبْ من الطعام (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1122>[كيف نقسم ساعات اليوم؟]:</span>\n• قال وهب: مكتوب في حكمة آل داود ﵈ ينبغي للعاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات، ساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يناجي فيها ربه، وساعة يلقى فيها إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدّقونه عن نفسه، وساعة يخلّي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل (^٢)؛ فإن في هذه الساعة عونًا على تلك الساعات، وأفضل (^٣) بلغة واستجمامًا للقلوب (^٤) يعني ترويحًا لها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1123>[كيف يعالج اشتهاء الدنيا؟]:</span>\nومتى نوى المؤمن (^٥) بتناول شهواته المباحة التقوّي على الطاعة (^٦) كانت شهواته له طاعة يثاب عليها كما قال معاذ بن جبل ﵁: إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي.\nيعني أنه ينوي بنومه: التقوّي على القيام في آخر الليل؛ فيحتسب ثوابَ نومه، كما\n_________\n= هذه من الدين لا من الدنيا وإن كانت فيها، والإضافة في رواية دنياكم للإيذان بأن لا علاقه له بها، وبهذا يدفع ما قد يعترض به على الحديث أو على معناه.\nوالحديث عند أبي يعلى في مسنده ٦/ ٢٠٠، ٢٣٧ ح ٧٢٨ (٣٤٨٣)، ٧٧٦ (٣٥٣٠) وقد حسن المحقق إسناده.\nوأورده الشيخ ناصر الألباني في صحيح الجامع الصغير ١/ ٥٩٩ ح ٣١٢٤ ونص على صحته.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ١٦٠ من حديث أنس وصححه على شرط مسلم وأقره الذهبي.\nوانظر باقي تخريجه في كتابنا منهج السنة في الزواج ص ٣٢ وهامش مسند أبي يعلى وعشرة النساء وصحيح الجامع الصغير.\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٧٢ من طريق محمد بن عبد الله، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن رجل، حدثه، عن عائشة قالت:\n\"كان رسول الله - ﷺ - يعجبه من الدنيا ثلاثة: الطعام والنساء والطيب فأصاب النساء والطيب ولم يصب الطعام\" وهو ضعيف بجهالة الراوي عن عائشة.\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣١٥ وقال: فيه راو لم يسم وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٢) م: \"فيما لا يحل ويحل\" وفيه خطأ بين.\n(^٣) م: \"وأفضل\" وهو تحريف.\n(^٤) م: \"واستجماعًا\" وهو تحريف.\n(^٥) \"ومتى نوى من تناول\".\n(^٦) م: \"طاعة الله\".","vol":"2","page":877},{"text":"يحتسب ثوابَ قيامه.\nوكان بعضهم إذا تناول شيئًا من شَهَواته المباحة واسى منها إِخوانه (^١) كما روي عن ابن المبارك ﵀ أنه كان إذا اشتهى شيئًا لم يأكله حتى يشتهيه (^٢) بعضُ أصحابه فيأكله معهم.\nوكان إذا اشتهى شيئًا دعا ضيفًا له ليأكل معه.\nوكانَ يذكر عن الأوزاعي أنه قال: \"ثلاثة لا حسابَ عليهم في مطعمهم: المتسحرُ والصائم حين يفطر، وطعام الضيف.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1124>[ليس من حب الدنيا طلب المصلح]:</span>\n• وقال الحسن: ليس من حبك للدنيا (^٣) طلبك ما يصلحك فيها، ومن زهدك فيها ترك الحاجة يسدها عنك تركها، ومن أحب الدنيا وسرته ذهب خوف الآخرة من قلبه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1125>[متاع الغرور]:</span>\n• وقال سعيد بن جبير: متاع الغرور ما يلهيكَ عن طلب الآخرة، وما لم يلْهِكَ فليس متاعَ الغرور، ولكنه متاع بلاغٍ إلى ما هو خير منه.\n• وقال يحيى بن معاذ الرازي: كيف لا أحبُّ دُنْيَا قدّرَ لي فيها قوتٌ اكتسبت (^٤) به حياة؛ أدرك بها طاعة؛ أنال بها الآخرة!؟\nوسئل أبو صفوان الرعيني، وكان من العارفين: ما هي الدنيا التي ذمها الله في القرآن، التي ينبغي للعاقل أن يَتَجَنَّبَهَا فقال: كلّ ما أصبتَ في الدنيا تريد به الدنيا فهو مذموم، وكلّ ما أصبت منها تريد به الآخرةَ فليس منها.\n• وقال الحسن ﵀: نعمت الدار كانت الدنيا للمؤمن وذلك أنه عمل قليلًا وأخذ زاده منها إلى الجنة، وبئست الدار كانت للكافر والمنافق؟! وذلك أنه ضيع لياليه وكان زاده منها إلى النار.\n_________\n(^١) م: \"وكان يعظهم أن يتناول … إلا واسى … \" وفيها تحريف بين.\n(^٢) م: \"يشهد\" فيها تحريف يدل عليه ما بعده وما هو معرف ولائق بمثل ابن المبارك.\n(^٣) م: \"حبك الدنيا\".\n(^٤) م: أكتسب بها.","vol":"2","page":878},{"text":"• وقال أيفَع بن عبد الكلاعي (^١): قال رسول الله - ﷺ -:\n\"إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النار النار قال الله ﷿: يا أهل الجنة!: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قال: \"نعم ما اتجرتُم في يومٍ أو بعض يوم، رحمتي ورضْوَانِي وَجَنَّتِي امكثوا فيها خالدين مخلدين\" ثم يقول لأهل النار: ﴿كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ فيقول: (بئسما اتجرتم في يوم أو بعض يوم سخطي ومعصيتي وناري امكثوا فيها خالدين مخلدين).\n* * *\n\n• <span data-type='title' id=toc-1126>[الموقف المنطقي من ذم الدنيا]:</span>\nوخرج الحاكم من حديث عبد الجبار بن وهب أنبأنا سعد بن طارق عن أبيه عن النبي - ﷺ - قال: \"الدارُ الدنيا لمن تزوَّدَ منها لآخرته حتى يُرْضي ربه، وبئست الدار لمن صدته عن آخرته وقصرت به عن رضا ربه وإذا قال العبد قبح الله الدنيا قالت الدنيا: قَبحَ الله أعصانا لربه\" (^٢).\nوقال صحيح الإسناد.\nوخرجه العقيلي وقال: عبد الجبار بن وهب مجهول وحديثه غير محفوظ قال: وهذا الكلام يروى عن علي من قوله (^٣).\nوقول عليّ خرجه ابن أبي الدنيا عنه بإسناد فيه نظر أن عليًّا سمع رجلًا يسب الدنيا\n_________\n(^١) م: \"أبقع بن عبيد\" وهو تحريف وقد ترجم له أبو نعيم في الحلية ٥/ ١٣١ - ١٣٢ وأورد به الحديث المذكور من طريق عبد الله بن محمد بن جعفر، عن أبي يعلى الموصلي، عن الهيثم بن خارجة، عن الوليد بن مسلم، عن صفوان بن عمرو عن أيفع بن عبد الكلاعي، أن رسول الله - ﷺ - قال … فذكره وزاد في آخره: فيقولون ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإِنا ظالمون فيقول: اخسئوا فيها ولا تكلمون، فيكون ذلك آخر عهدهم بكلام ربهم تعالى\". ثم عقب أبو نعيم بقوله: كذا رواه أيفع مرسلًا.\nذلك أن أيفع تابعي، وليس بصحابي.\nوأورده ابن كثير في التفسير ٣/ ٢٥٨ - ٢٥٩ عن ابن أبي حاتم عن أبيه عن الوليد بن مسلم - به - وليس فيه الزيادة المذكورة في الحلية. والآية المذكورة في ١١٢ - ١١٣ سورة المؤمنون.\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣١٢ - ٣١٣ من طريق أحمد بن كامل القاضي، عن جعفر بن أبي عثمان الطيالسي، عن يحيى بن أيوب. عن عبد الجبار بن وهب، عن سعد بن طارق، عن أبيه أن رسول الله - ﷺ -. قال: فذكره بالنص الذي أورده ابن رجب. وطارق هو ابن أشيم الأشجعي. وقد صححه على شرط الشيخين ورده الذهبي حيث قال: بل منكر، وعبد الجبار لا يعرف روى عنه يحيى بن أيوب العابد.\n(^٣) في الضعفاء الكبير ٣/ ٨٩ وأورده ابن عدي في الكامل ٣/ ٢٤٨ / ٢٤٩.","vol":"2","page":879},{"text":"فقال: \"إنها لدارُ صدق لمن صدفها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها؛ مسجد أحباءِ الله، ومهبط وحيه، ومُصَلَّى ملائكتِه، ومُتَّجَرُ أوليائه، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة، فمن ذا يذم الدنيا، وقد آذنت بفراقها، ونادت بعيبها، ونعت نفسها وأهلها، فمثّلت ببلائها البلاء وشوّقت بسرورها إلى (^١) السرور، فذمَّها قوم عند الندامة، وحَمِدها (^٢) آخرون؛ حدثتهم فصدّقوا وذكرتهم فذكروا.\nفيا أيها المغتر بالدنيا المغتر بغَرورها! متى استلأَمت إليك الدنيا؟ بل متى غرتك؟! (^٣) أبمضاجع آبائك (^٤) من الثرى؟ أم بمصارع أمهاتك من البلى؟ كم قد قلَّبت بكفيك، ومرَّضت بيديك تطلب له الشفاء وتسأل له الأطباء فلم تظفر بحاجتك ولم تُسْعَفْ بطَلِبَتِكَ قد مثَّلت لك الدنيا بمصرعه مصرعَك غدًا، ولا يغني عنك بكاؤك، ولا ينفعك أحباؤك؟! \" (^٥).\nفبين أمير المؤمنين ﵁ أن الدنيا لا تُذمّ مطلقًا، وأنها تُحمد بالنسبة إلى من تزوّد منها الأعمالَ الصالحة، وأن فيها مساجدَ الأنبياء، ومهبطَ الوحي، وهي دار التجارة للمؤمنين اكتسبوا منها الرحمة، وربحوا بها الجنة؛ فهي نعم الدار لمن كانت هذه صفتَه.\n• وأما ما ذَكر من أنها تغرّ وتخدع فإنها تنادي بمواعظها، وتنصح بعبرها، وتبدي عيوبها بما تُري أهلها (^٦) من مصارع الهلْكى، وتقلب الأحوال من الصحة إلى السَّقَم، ومن الشبيبة إلى الهرم، ومن الغنى إلى الفقر، ومن العزِّ إلى الذل ولكن محبها قد أصمّه وأعماه حُبُّهَا فهو لا يسمع نداءَهَا كما قيل:\nقد (^٧) نادت الدنيا على نَفْسِهَا … لو كان في العالَم مَنْ يَسْمعُ!؟\nكَمْ واثقٍ بالعمرِ أفنَيتُه … وَجَامعٍ بدَّدْتُ ما يَجْمعُ!؟\n_________\n(^١) م: \"إلى أهل السرور\".\n(^٢) م: \"مدحها\".\n(^٣) م: \"تحت الثرى\".\n(^٤) ليست في م.\n(^٥) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا ص ٦١ - ٦٢ ح ١٤٧ من طريق علي بن الحسن بن أبي مريم، عن عبد الله بن صالح العجلي، عن معاذ الحذاء قال: سمع الإمام علي بن أبي طالب رجلًا يسب الدنيا فقال له: فذكره وفيه: \"مسجد أحباء الله وهبوط وحيه .. نادت ببينها … المعتل بالدنيا .. متى استهوتك الدنيا أبضاجع قلبت بكفك .. بيدك .. لم تظفر .. يوم لا يغني عنك بكاؤك\".\n(^٦) م: \"من أهلها\".\n(^٧) \"ا\": \"لقد\".","vol":"2","page":880},{"text":"قال (^١) يحيى بن معاذ ﵀، لو يسمع الخلائق صوت النياحة على الدنيا في الغيب (^٢) من ألسنة الفناء لتساقطت القلوب منهم حَزَنًا.\n• وقال بعض الحكماء:\nالدنيا أمثال تضربها الأيام للأنام، وعلم الزمان لا يحتاج إلى تُرْجُمَان، وبحب الدنيا صُمّتْ أسماعُ القلوب عن المواعظ، وما أحث السائق؛ لو شعر الخلائق؟!.\n\n<span data-type='title' id=toc-1127>[أهل الزهد في فضول الدنيا]:</span>\nوأهل الزهد في فضول الدنيا أقسام فمنهم من يحصل له فَيُمْسِكُه ويتقرَّبُ إِلى الله كما كان كثيرٌ من الصحابة وغيرهم.\n• قال أبو سليمان: كان عثمان وعبد الرحمن بن عوف ﵄ خازِنَيْن من خُزَّان الله في أرضه ينفقان في طاعته، وكانت مُعَامَلَتُهُمَا لله بقلوبهما.\n• ومنهم من يخرجه من يده ولا يمسكه.\nوهؤلاء نوعان: منهم من يخرجه اختيارًا وطوَاعيةً.\nومنهم من يخرجه ونفسه تأبَى إِخراجَه، ولكن يجاهدها على ذلك.\nوقد اختلف في أيهما أفضل؟ فقال ابن السماك والجنيد: الأول أفضل؛ لتحقُّق نفسه بمقام السخاء والزهد.\n• وقال ابن عطاء: الثاني أفضل، لأن له عملًا ومجاهدةً.\n• وفي كلام الإمام أحمد ﵁ ما يدل عليه أيضًا.\nومنهم من لم يحصل له شيء من الفضول، وهو زاهدٌ في تحصيله إما مع قدرته، أو بدونها.\nوالأول أفضل من هذا.\nولهذا قال كثير من السلف: إن عمر بنَ عبد العزيز كان أزهدَ مِنْ أُوَيْسٍ ونحوه.\nكذا قال أبو سليمان وغيره (^٣).\n• وكان مالك بن دينار يقول: \"النَّاسُ يقولون: مالك زاهد!؟ إنما الزاهد عُمَرُ بنُ\n_________\n(^١) م: \"وقال\".\n(^٢) م: \"المغيب\" وقد أورده أبو نعيم في الحلية في ترجمة يحيى بن معاذ ١٠/ ٥٦، وفيه: لو سمع … ولو سمعت الخليقة دمدمة النار على الخليقة لتصدعت القلوب فرقًا.\n(^٣) الحلية ٩/ ٢٧٢.","vol":"2","page":881},{"text":"عبدِ العزيز (^١)!! \".\n\n<span data-type='title' id=toc-1128>[أيهما أفضل]:</span>\n• وقد اختلف العلماء أيهما أفضل؟ مَنْ طلب الدنيا من الحلال، ليصلَ رحمه، ويقدم منها لنفسه؟ أم من تَركها فلم يطلبها بالكلية؟\nفرجحت طائفة مَن تركها وجَانَبَهَا، منهم الحسن وغيره.\nورجحت طائفة مَنْ طلبها على ذلك الوجه، منهم النّخَعي وغيره.\n• وروي عن الحسن ﵁ أيضًا نحوه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1129>[بصائر الزاهدين]:</span>\n• والزاهدون في الدنيا بقلوبهم لهم ملاحظ ومشاهد يشهدونها، فمنهم من يشهد كثرة التعب بالسعي في تحصيلها؛ فهو يزهد فيها قصدًا لراحة نفسه.\n• قال الحسن: الزهد في الدنيا يريح القلبَ والْبَدَنَ.\n• ومنهم من يخاف أن ينقص حظه من الآخرة بأخذ فضول الدنيا.\n• ومنهم من يخاف من طول الحساب عليها.\nقال بعضهم: مَنْ سألَ الله الدّنيا؛ فإنما يسأل طولَ الوقف للحساب.\n• ومنهم مَنْ يشهد كثرةَ عيوب الدنيا، وسرعةَ تقلبها وفَنَائها، ومزاحمة الأراذل في طلبها كما قيل لبعضهم: ما الذي زهّدك في الدنيا؟ قال: قلةُ وفائها، وكثرةُ جفائها، وخِسَّةُ شركائها (^٢).\n• ومنهم من كان ينظر إلى حقارة الدنيا عند الله فيتقذَّرُها (^٣)؛ كما قال الفضيل: لو أن الدنيا بحذافيرها عرضت عليّ حلالًا ولا أُحَاسَب بها في الآخرة لكُنْتُ أتَقَذرها كما (^٤) يَتَقَذَّرُ الرجل الجيفةَ إذا مرَّ بها أن تصيب ثوبَه (^٥).\n• ومنهم من كان يخاف أن تشغله عن الاستعداد للآخرة والتزود لها.\nقال الحسن: إن كان أحدهم ليَعيشُ عُمُرهُ مجهودًا شديدًا الجهد والمالُ الحلال إلى\n_________\n(^١) الحلية ٥/ ٢٥٧.\n(^٢) م: \"وخشية شركائها\" وهو تحريف.\n(^٣) م: \"فيقذرها\".\n(^٤) م: \"أقذرها كما يقذر الرجل\".\n(^٥) أورده أبو نعيم في الحلية ٨/ ٨٩ بمثله إلا أن فيها: \"لا أحاسب\".","vol":"2","page":882},{"text":"جنبه يقال له: ألا تأتي هذا فتصيبَ منه؟ فيقول: لا والله لا أفعل؛ إني أخاف أن آتيه فأصيب منه؛ فيكونَ فساد قلبي وعَمَلي.\n• وبُعِثَ إلى عُمَرَ بن المنكدر بمال؛ فبكى واشتد بكاؤه وقال: خشيت أن تغلبَ الدُّنْيَا على قلبي؛ فلا يكون للآخرة فيه نصيب، فذلك الذي أبكاني (^١).\nثم أمَرَ بهِ فتُصُدِّقَ به على فقراء أهل المدينة.\nوَخَواصُّ هؤلاءِ يَخْشى أن يشتغل بها عن الله كما قالت رابعة: ما أحِبُّ أَنَّ لِيَ الدنيا كُلَّها من أولها إلى آخرها حلالًا أنفقها في سبيل الله وأنها شغلتنى عن الله طرفة عين.\n• وقال أبو سليمان: الزهدُ تركُ ما يشغلُ عن الله (^٢).\nوقال: كُلُّ ما يَشْغَلُكَ عن الله من أهل ومال وولد فهو عليك (^٣) مشُوم (^٤).\nوقال: (^٥) أهل الزهد في الدنيا على طبقتين:\n• منهم من يزهد (^٦) في الدنيا فلا يُفْتَحُ له فيها رَوْحُ الآخرة.\n• ومنهم من إذا زهد فيها (^٧) فُتِح له فيها رَوْحُ الآخرة فليس شيءٌ أحبَّ إليه من البقاء ليطيع الله (^٨).\n\n<span data-type='title' id=toc-1130>[الزاهد من زهد في الدنيا]:</span>\nوقال: ليس الزاهد من ألقى همومَ الدنيا واستراح منها، وإنما الزاهدُ مَنْ زَهِدَ في الدنيا، وتَعِبَ فيها للآخرة.\nفالزهد في الدنيا يُرَادُ به تفريغُ القلب من الاشتغال بها؛ ليتفرغَ لطلب الله، ومعرفَتِهِ، والقرب منه، والأنْسِ به، والشوقِ إلى لقائه.\n_________\n(^١) م: \"للآخرة مني .. الذي منه\".\n(^٢) هذا جزء أثر أورده أبو نعيم في الحلية ٩/ ٢٥٨ من طريق أحمد بن أبي الحواري سمع أبا سليمان الداراني يقول: اختلفوا علينا في الزهد بالعراق فمنهم من قال: الزهد في ترك لقاء الناس، ومنهم من قال في ترك الشهوات، ومنهم من قال: في ترك الشبع، وكلامهم قريب بعضه من بعض، وأنا أذهب إلى أن الزهد في ترك ما يشغلك عن الله.\n(^٣) ليست في م، ولا في ا وهي في الحلية، ب.\n(^٤) م، الحلية. \"مشئوم\" والمشوم والمشئوم ما كان والشؤم ضد اليمين، صحاح ٥/ ١٩٥٧.\n(^٥) ليست في م.\n(^٦) في الحلية: \"من ا\".\n(^٧) في الحلية \"زهد في الدنيا\".\n(^٨) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٩/ ٢٧٤ وفي أ، د: \"ليطيع\" فقط.","vol":"2","page":883},{"text":"وهذه الأمور ليست من الدنيا كما كان النبي ﵌ يقول: \"حُبِّبَ إليَّ من دنياكم النساء والطيب وجعلت قرة عيني في الصلاة\".\nولم يجعل الصلاة مما حبب إليه من الدنيا كذا في المسند والنسائي (^١).\nوأظنه وقع في غيرهما: \"حبب إلي من دنياكم ثلاث\" فأدخل الصلاة في الدنيا (^٢).\nويشهد لذلك حديث: \"الدنيا ملعونةٌ: ملعون ما فيها إلا ذكْرَ الله، وما والاه أو عالمًا أو متعلمًا\".\nخرّجه ابن ماجه والترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة مرفوعًا (^٣).\n• وروى نحوه من غير وجه مرسلًا ومتصلًا وخرّج (^٤) الطبراني من حديث أبي الدرداء مرفوعًا قال: \"الدنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلا ما ابتُغِيَ بِه وجْهُ الله\" (^٥).\nوخرّجه ابن أبي الدنيا موقوفًا (^٦).\n_________\n(^١) تقدم ص ٨٧٦ وما بعدها.\n(^٢) قد علمت معنى \"من\" وأنها بمعنى \"في\" هذا إن صحت رواية الثلاث أو إن صح شمول معنى الدنيا للأمور الثلاثة بما فيها الصلاة، وقد قال ابن القيِّمْ: من روى الحديث: حبب إلي من دنياكم ثلاث فقد وهم، بل هي عبادة محضة، نعم يصح أن تضاف إليها لكونها ظرفًا لوقوعها فيها، وكذا قال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الرافعي تبعًا لأصله، والولي ابن العراقي في أماليه: إن لفظ ثلاث لم يقع في شيء من طرقه، بل هي مفسدة للمعنى\".\nنقل ذلك العجلوني في كشف الخفاء ١/ ٤٠٥ - ٤٠٨ في الكلام على الحديث وذهب إلى أن المحيل للمعنى زيادة من دنياكم ثلاث لا لفظ ثلاث فقط.\nأقول: كيف ولفظ الدنيا أو دنياكم ثابتة؟ وقد حل السيوطي في شرحه للنسائي الإشكال بتفسير معنى \"من\" ولولا أن اللفظة ثابتة لما احتاج إلى هذا التأويل، فانحصر الأمر في لفظ الثلاث؛ لعدم ثبوتها كما قال ابن القيم وغيره لا لإحالتها المعنى كما اتجهوا.\nراجع كشف الخفاء في الموضع المذكور، والشفاء ١/ ١٩٤، ٢٧٧ والمقاصد الحسنة للسخاوي ص: ١٨٠ - ١٨١.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه في سننه: ٣٧ - كتاب الزهد: ٣ - باب مثل الدنيا ٢/ ١٣٧٧ ح ٤١١٢ من طريق علي بن ميمون الرَّقِّي، عن أبي خليد، عن عتبة بن حماد الدمشقي، عن ابن ثوبان، عن عطاء بن قرة، عن عبد الله بن ضمرة السلولي عن أبي هريرة سمع رسول الله - ﷺ - ذكره بالنص المذكور.\nوأخرجه الترمذي في: ٣٧ - كتاب الزهد: ٣٤ - باب ما جاء في هوان الدنيا على الله ﷿: ٤/ ٥٦١ ح ٢٣٢٢ من طريق محمد بن حاتم، عن علي بن ثابت، عن ابن ثوبان - به - أن أبا هريرة سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالم أو متعلم\".\nوعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب.\n(^٤) م: \"وخرجه\".\n(^٥) أورده الهيثمي في المجمع ١٠، ٢٢٢ عن الطبراني وقال: فيه خداش بن المهاجر، ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.\n(^٦) في ذم الدنيا ح ٧ ص ١٤ لكن مرفوعًا بإسناد ضعيف.","vol":"2","page":884},{"text":"وخرج أيضًا من رواية شَهْر بن حَوْشَب عن عُبَادة قالَ: أُراهُ رفعهُ قال: \"يؤتى بالدنيا يوم القيامة فيقال ميزُوا منها ما كان لله ﷿ وألقوا سائرها في النار\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1131>[الدنيا ملعونة إلا]:</span>\nفالدنيا وكل ما فيها ملعونة. أي: مُبْعَدَةٌ عن الله؛ لأنها تشغل عنه، إلا العلم النافع الدالِّ على الله، وعلى معرفته وطلب قربه، ورضاه، وذكرَ الله، وما والاه مما يقرّب من الله. فهذا هو المقصود من الدنيا.\nفإن الله إنما أمر عباده بأن يتقوه ويطيعوه، ولازم ذلك دوامُ ذكره؛ كما قال ابن مسعود: \"تقوى الله حقَّ تقواه أن يُذْكَر فلا ينسى\".\nوإنما شرع الله إقام الصلاة لذكره، وكذلك الحج والطواف.\nوأفضل أهل العبادات أكثرهم لله ذكرًا فيها.\nفهذا كله ليس من الدنيا المذمومة، وهو المقصود من إيجاد الدنيا وأهلها كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1132>[أيُّهما أفضل؟]:</span>\nوقد ظن طوائف من الفقهاء والصوفية أن ما يوجد في الدنيا من هذه العبادات أفضل مما يوجد في الجنة من النعيم.\nقالوا: لأن نعيم الجنة حظُّ العبد، والعبادات في الدنيا حقُّ الربِّ؛ وحقُّ الربِّ أفضلُ من حظ العبد.\nوهذا غلط.\nويقوّي غَلَطَهم قولُ كثير من المفسرين في قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ (^٣) قالوا: الحسنة: لا إله إلا الله، وليس شيء خيرًا منها.\nولكن الكلام على التقديم والتأخير.\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا ص ١٤ ح ٦ من طريق العباس بن يزيد البصري، عن معاوية، عن الأعمش، عن شمر بن عطية، عن شهر بن حوشب، عن عبادة قال ابن أبي الدنيا أراه رفعه قال: فذكره بنحوه.\nوضعف محققه الحديث بشهر.\n(^٢) سورة الذاريات: ٥٦.\n(^٣) سورة النمل: ٨٩.","vol":"2","page":885},{"text":"والمراد: فله منها خير أي: له خير بسببها، ولأجلها.\nوالصواب إطلاق ما جاءت به نصوص الكتاب والسنة: أَن الآخرةَ خيرٌ من الأولى مطلقًا.\nوفي صحيح الحاكم عن المستورد بن شدَّاد قال: \"كنا عند النبي ﵌ فتذكروا الدنيا والآخرة فقال بعضهم: إنما الدنيا بلاغ للآخرة، وفيها العمل، وفيها الصلاة، وفيها الزكاة\".\nوقالت طائفة منهما: الآخرة فيها الجنة، وقالوا: ما شاء الله فقال رسول الله ﵌:\n\"ما الدنيا في الآخرة إلا كما يَمْشِي أحدُكُم إلى الْيَمِّ فأدخل إصْبعَهُ فيها فما خرج منه فهو الدنيا (^١) \".\nفهذا نص بتفضيل الآخرة على الدنيا وما فيها من الأعمال.\nووجه ذلك أن كمالَ الدنيا إنما هو في العلم والعمل، والعلم مقصود الأعمال: فيضاعف في الآخرة بما لا نسبة لما في الدنيا إليه؛ فإن العلم أصله العلم بالله وأسمائه وصفاته، وفي الآخرة ينكشف الغطاءُ، ويصير الخبر عَيَانًا، وتصير العرفة بالله رؤية له ومُشَاهدة.\nفأين هذا مما في الدنيا؟!.\n\n<span data-type='title' id=toc-1133>[مقاصد الأعمال في الدنيا]:</span>\nوأما الأعمال البدنية فإن لها في الدنيا مقصدين:\nأحدهما: اشتغال الجوارح بالطاعة، وكدّها بالعبادة.\nوالثاني: اتصال القلوب بالله، وتنويرُها بذكره.\nفالأول قد رُفع عن أهل الجنة.\nولهذا روي أنهم إذا همّوا بالسجود لله عند تجلّيه لهم يقال لهم: \"ارفعوا رؤوسكم؛ فإنكم لستم في دار مجاهدة (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣١٩ من حديث المستورد بن شداد بالنص المذكور إلا أن عنده: \"فهي الدنيا\" وقد صححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\n(^٢) أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٤/ ٥٤٥ - ٥٤٦ حديث علي ﵁ قال: إذا سكن أهل الجنة =","vol":"2","page":886},{"text":"وأما المقصود الثاني فحاصل لأهل الجنة على أكمل الوجوه وأتمها.\nولا نسبة لا حصل لقلوبهم في الدنيا من لطائف القربِ والأنْسِ والاتصال إلى ما يشاهدونه في الآخرة عَيَانًا فتتنعم قلوبُهم وأبصارُهم وأسماعُهم بقُربِ الله ورؤيته وسماع كلامه، لا سيما في أوقات الصلاة في الدنيا كالجمع والأعْياد.\nوالمقربون منهم يحصُلُ ذلك لهم كلَّ يوم مرتين بكرة وعشيًّا (^١) في وقت صلاة الصبح وصلاة العصر.\nولهذا لما ذكر النبي ﵌ أن أهل الجنة يرون ربهم حضَّ عقيب ذلك على المحافظة على صلاة العصر، وصلاة الفجر؛ لأن وقت هاتين الصلاتين وقت لرؤية خواص أهل الجنة ربَّهم، وزيارتهم له.\nوكذلك نعيم الذكر، وتلاوة القرآن لا ينقطع عنهم أبدًا فَيُلْهَمُون كما يلهمون النَّفَس (^٢).\nقال ابن عيينة: \"لا إله إلا الله\" لأهل الجنة كالماء البارد لأهل الدنيا: فَأين (^٣) لذةُ الذكر للعارفين في الدنيا من لذّتهم به في الجنة؟!.\nفتبين بهذا أن قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ على ظاهره فإن ثواب كلمة التوحيد في الدنيا أن يصل صاحبها إلى قولها في الجنة على الوجه الذي يختص به أهل الجنة.\n_________\n= الجنة أتاهم ملك فيقول: إن الله يأمركم أن تزوروه، فيجتمعون، فيأمر الله تعالى داود ﵇ فيرفع صوته بالتسبيح والتهليل، ثم توضع مائدة الخلد، قالوا يا رسول الله: وما مائدة الخلد؟ قال زاوية من زواياها أوسع مما بين الشرق والغرب فيطعمون، ثم يُسْقون، ثم يُكْسَوْن، فيقولون: لم يبق إلا النظر في وجه ربنا ﷿، فيتجلى لهم فيخرون سجدًا، فيقالُ: لستم في دار عمل، إنما أنتم في دار جزاء. وعقب عليه بقوله: رواه أبو نعيم في صفة الجنة، وهو في صفة الجنة ٣/ ٢٣٧ بإسناد ضعيف جدًّا.\n(^١) روى مسلم في صحيحه من حديث معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: أول زمرة تلج الجنة، صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون، ولا يتغوَّطون فيها. آنيتهم وأمشاطهم من الذهب والفضة. ومجامرهم من الألُوّة، ورشحهم المسك. ولكل واحد منهم زوجتان، يُرى مُخّ ساقهما من وراء اللحم من الحسن، لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم قلب واحد. يسبحون الله بكرة وعشيًّا\" والألوة: هو العود الذي يتبخر به: العود الهندي.\nوقد أخرجه مسلم في: ٥١ كتاب صفة الجنة ونعيمها وأهلها: ٧ - باب صفات الجنة وأهلها وتسبيحهم فيها بكرة وعشيًّا ٤/ ٢١٨٠ ح (١٧).\n(^٢) روى مسلم عقب الحديث السابق من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري ﵁ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: إن أهل الجنة يأكلون فيها ويشربون ولا يتفلون ولا يبولون ولا يتغوطون ولا يمتخطون\" قالوا: فما بال الطعام؟ قال: \"جشاء\" ورشح كرشح المسك، يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النفس\".\nوالجشاء هو تنفس المعدة من الامتلاء.\n(^٣) م: \"فإن\".","vol":"2","page":887},{"text":"وبكل حال فالذي يحصلُ لأهل الجنة من تفاصيل العلم بالله وأسمائه، وصفاته، وأفعاله، ومن قربه ومشاهدته ولذة ذكره هو أمر لا يمكن التعبير عن كنهه في الدنيا؛ لأن أهلها لم يدركوه على وجهه بل هو مما لا عين رأت، ولا أذن سَمِعَتْ، ولا خطرَ على قلب بشر.\nوالله تعالى المسئول أن لا يحرمَنَا خَيْرَ ما عنده بشرِّ ما عندنا بمنه وكرمه ورحمته آمين.\nاللهم صل على محمد وآله وصحبه وسلم (^١).\n* * *\nولنَرجع إلى شرح حديث \"ازهد في الدنيا يحبك الله\".\nفهذا الحديث يدل على أن الله يحب الزاهدين في الدنيا (^٢).\nقال بعض السلف: قال الحواريون لعيسى ﵇:\nيا روح الله! علّمنا عملًا واحدًا يحبنا الله ﷿ عليه؟.\nقال: ابغضوا الدنيا يحبَّكم الله ﷿.\n* * *\nوقد ذم الله تعالى من يحب الدنيا ويؤثرها على الآخرة كما قال: ﴿كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (٢٠) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ﴾ (^٣) وقال: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ (^٤) وقال: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (^٥).\nوالمراد حب المال فإذا ذم من أحب الدنيا دل على مدح من لا يحبها، بل يرفضها ويتركها.\nوفي المسند وصحيح ابن حبان عن أبي موسى، عن النبي ﵌ قال: \"من أحبَّ دُنْيَاهُ أضرَّ بآخِرته، ومَنْ أَحَبَّ آخرته أَضَرَّ بدُنياهُ؛ فآثِرُوا ما يَبْقَى عَلَى مَا يَفْنى\" (^٦).\n_________\n(^١) هذه الجملة ليست في أ، ولا في ب.\n(^٢) م: \"الزاهد في الدنيا\".\n(^٣) سورة القيامة: ٢٠، ٢١.\n(^٤) سورة الفجر: ٢٠.\n(^٥) سورة العاديات: ٨.\n(^٦) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٥١٢ من وجهين عن أبي موسى الأشعري ﵁.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٤٩ وقال: رواه أحمد والبزار والطبراني ورجالهم ثقات.\nوأخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب الرقاق: باب الفقر والزهد والقناعة: ذكر الإخبار بأن الإمعان في الدنيا يضر في العقبى كما أن الإمعان في طلب الآخرة يضر في فضول الدنيا ٢/ ٤٦ - ٤٧ من الإحسان.","vol":"2","page":888},{"text":"وفي المسند وسنن ابن ماجه عن زيد بن ثابت عن النبي ﵌ قال:\n\"من كانت الدنيا همه فرّق الله عليه أمره، وجَعَل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له\".\n\"ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له (^١) أمره، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة\" (^٢).\nوخرجه الترمذي من حديث أنس مرفوعًا (^٣) بمعناه.\nومن كلام جندب بن عبد الله الصحابي (^٤) ﵁ \"حُبُّ الدنيا رأس كل خطيئة\".\nوروي مرفوعًا وروي عن الحسن مرسلًا (^٥).\n_________\n(^١) م: \"عليه\" وهي مخالفة لما في الأصول.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٨٣ (الحلبي) جزء حديث من طريق يحيى بن سعيد، عن شعبة، عن عمر بن سليمان، عن عبد الرحمن بن أبان بن عثمان عن أبيه أن زيد بن ثابت خرج من عند مروان نحوا من نصف النهار، فقلنا: ما بعث إليه الساعة إلا لشيء سأله عنه، فقمت إليه فسألته، فقال: أجل! سألنا عن أشياء سمعتها من رسول الله - ﷺ - سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه … الحديث ثم قال: وقال: من كان همه الآخرة … الحديث بدءًا بأمر الآخرة بنحوه.\nوأخرجه في الزهد ٤٢ - ٤٣.\nوابن ماجه في السنن: ٣٧ - كتاب الزهد: ٢ - باب الهم بالدنيا ٢/ ١٣٧٥ ح ٤١٠٥ مقتصرًا على الحديث الذي أورده ابن رجب - بمثله. من طريق محمد بن بشار، عن محمد بن جعفر، عن شعبة - به -.\nوفي مصباح الزجاجة ٢/ ٣٢١ ح ١٤٥٣ قال البوصيري:\nهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رواه أبو داود الطيالسي عن شعبة.\nرواه بنحوه، ورواه الطبراني بإسناد لا بأس به، ورواه ابن حبان في صحيحه بنحوه، ورواه أبو يعلى الموصلي من طريق أبان بن عثمان عن زيد بن ثابت وله شاهد من حديث أبي هريرة، رواه الترمذي في الجامع وابن ماجه.\n(^٣) هذا هو شاهد الترمذي الذي أشار إليه البوصيري، وقد أخرجه الترمذي في السنن: ٣٨ - كتاب صفة القيامة: ٣٠ - باب حدثنا قتيبة ٤/ ٦٤٢ ح ٢٤٦٥ من رواية هنَّاد، عن وكيع عن الربيع بن صبيح، عن يزيد ابن أبان وهو الرقاشي عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكره بنحوه.\n(^٤) م: \"الصنعاني\" وهو تحريف وهو البجلي وليس الصنعاني.\n(^٥) رواه ابن أبي الدنيا في ذم الدنيا ص ١٥ ح ٩ من رواية سريج بن يونس، عن عباد بن العوام، عن هشام أو عوف عن الحسن قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكره مرسلًا.\nوأخرجه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٣٨٨ من حديث سفيان الثوري قال: قال عيسى ابن مريم ﵇: حب الدنيا رأس كل خطيئة والمال فيه داء كثير، قيل: يا روح الله! ما داؤه؟ قال: لا يؤدى حقه، قالوا فإن أدي حقه؟ قال: \"لا يسلم من الفخر والخيلاء\" قالوا: فإن سلم من الفخر والخيلاء\"؟ قال: \"يشغله استصلاحه عن ذكر الله\". =","vol":"2","page":889},{"text":"قال الحسن: من أحب الدنيا وسرته خرج حب الآخرة من قلبه.\nوقال عون بن عبد الله: \"الدنيا والآخرة في القلب ككفتي الميزان بقدر (^١) ما ترجح إحداهما تخف الأخرى (^٢).\nوقال وهب: إنما الدنيا والآخرة كرجل له امرأتان؛ إن أرضى إحداهما أسخط الأخرى.\n* * *\nوبكل حال؛ فالزهد في الدنيا شعار أنبياء الله وأوليائه وأحبائه.\nقال عمرو بن العاص ﵁: \"ما أبعد هديكم من هدي نبيكم - ﷺ - إنه كان أزهد الناس في الدنيا وأنتم أرغب الناس فيهَا\" خرجه الإمام أحمد (^٣).\nوقال ابن مسعود ﵁ لأصحابه: \"أنتم أكثر صومًا وصلاة وجهادًا من أصحاب محمد - ﷺ - وهم كانوا خيرًا منكم؟ قالوا: وكيف ذلك؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب منكم في الآخرة (^٤) \".\nوقال أبو الدرداء: لئن حلفتم لي على رجل أنه أزهدكم؛ لأحْلفن لكم أنه خيركم.\nويروى عن الحسن قال: قالوا: يا رسول الله مَنْ خيرُنا؟ قال: أزهدكم في الدنيا، وأرغبكم في الآخرة.\nوالكلام في هذا الباب يطول جدًّا؛ وفيما أشرنا إليه كفاية إن شاء الله تعالى.\n_________\n= والبيهقي في الزهد الكبير ص ١٦٩ ح ٢٤٩، ٢٥٠ من حديث سفيان عن عيسى ﵇ بنحو ما في الحلية، ومن حديث بشر بن الحارث عن عيسى ﵇ أيضًا مختصرًا ولفظه رأس كل خطيئة حب الدنيا.\nوأورده السخاوي في المقاصد ص ١٨٢ - ١٨٣ ح ٣٨٤ وذكر أن البيهقي رواه في الشعب بإسناد حسن عن الحسن البصري ورفعه مرسلًا.\nوذكر طرق الحديث ورد على من حكم عليه بالوضع وذكر قول ابن المديني:\nمرسلات الحسن إذا رواها عنه الثقات صحاح، وقول الدارقطني في مراسيله ضعف فراجعه إن شئت.\nوانظر كشف الخفاء ١/ ٤١٢ - ٤١٣.\nوفيه وفي المقاصد أن ابن تيمية جزم أن الحديث من كلام جندب بن عبد الله البجلي وأن ذلك مردود بنسبة الحديث إلى من سبق أن نسب إليه.\n(^١) ليست في م.\n(^٢) الخبر في حلية الأولياء ٤/ ٢٥١ وفيها: \"ترجح إحداهما بالأخرى\".\n(^٣) مسند أحمد ٤/ ١٩٨، ٢٠٣، ٢٠٤ (الحلبي) من وجوه بنحوه وإسناده صحيح كما في المجمع ١٠/ ٣١٥.\n(^٤) انظر الخبر في الإحياء وإتحاف السادة المتقين ٩/ ٣٣٤ والزهد لهناد (١/ ٣٢٠) ح ٥٧٥ ولابن المبارك ص ١٧٣ ح ٥٠١ والحلية ١/ ١٣٦ وقد صححه الحاكم وأقره الذهبي ٤/ ٣١٥.","vol":"2","page":890},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1134>[الوصية الثانية]:</span>\nالوصية الثانية: (الزهد فيما في أيدي الناس وأنه موجب لمحبة الناس).\nوروي عن النبي - ﷺ - أنه وصى رجلًا فقال: \"ايأس مما في أيدي الناس؛ تكن غنيًّا\".\nخرجه الطبراني وغيره (^١).\nويروى من حديث سهل بن سعد مرفوعًا: شرفُ المؤمن قيامُه بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس (^٢).\n_________\n(^١) انظر الصحيحة ٤/ ١٩ والزهد الكبير وهامشه ص ١١٣ والمجمع ١٠/ ٢٨٦ من حديث ابن مسعود.\n(^٢) أورده العقيلي في الضعفاء في ترجمة داود بن عثمان الثغري ٢/ ٣٧ - ٣٨ ح ٤٦٤ من رواية يحيى بن عثمان بن صالح، عن داود بن عثمان الثغري، عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن أبي معاذ، عن أبي هريرة بنحوه وقال: هذا يروى عن الحسن وغيره من قولهم، وليس له أصل مسند، وذكر أن داود كان يحدث بمصر عن الأوزاعي وغيره بالبواطيل ومنها هذا الحديث.\nورد السيوطي في اللآلئ المصنوعة ٢/ ٢٩ هذا وقال:\nقلت: أخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة عن يحيى بن عثمان به ولم ينفرد به داود بل له متابع. أخرجه أبو بكر الشافعي في الغيلانيات حدثني إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الملك، حدثنا أبو زكريا يحيى بن عثمان بن صالح .. حدثني جدي لأمي أبو المنهال: حنش بن عمر الدمشفي: طباخ المهدي، حدثني أبو عمر الأوزاعي به.\nوله شواهد قال محمد بن نصر حدثنا يحيى بن يوسف القرشي أبو زكريا، حدثنا هشيم، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عما في أيدي الناس.\nوقال: حدثنا محمد بن علي الوراق، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا الأحْوص عن سمره أبي عاصم قال: كان يقال: شرف المؤمن الصلاة في جوف الليل وعزه استغناؤه عما في أيدي الناس.\nوقال: حدثني أبو بكر بن أبي الدنيا، حدثني محمد بن الحسين، حدثنا بدل بن المحبر، حدثنا حرب بن شريح سمعت الحسن يقول: \"قيام الليل شرف المؤمنين وعزهم الاستغناء عما في أيدي الناس والله أعلم\" وقد أورده محمد بن نصر في \"قيام الليل\"، ص ٦٣ من المختصر بنحوه.\nوانظر أيضًا تذكرة الموضوعات للفتني ص ٤٩ ففيها ما يؤيد هذا.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٢٤ - ٣٢٥ من رواية محمد بن سعيد الرازي، عن أبي زرعة، عبيد الله بن عبد الكريم، عن عيسى بن صبيح، عن زافر بن سليمان، عن محمد بن عيينة، عن أبي حازم قال مرة: عن ابن عمر، وقال مرة عن سهل بن سعد قال: جاء جبريل ﵇ إلى النبي - ﷺ - فقال: يا محمد! عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من أحببت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، ثم قال: يا محمد! شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس\".\nثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي وهو عند القضاعي في مسند الشهاب ١/ ١٢١ ب ١٠٦ ح ١٥١ من طريق أبي إسحاق: إبراهيم بن علي الرازي، عن أبي بكر أحمد بن محمد بن أبي الموت المكي إملاء، عن إبراهيم بن محمد الرازي، عن عبد الصمد بن موسى، ومحمد بن حميد، عن زافر - به - بمثل ما عند ابن رجب. =","vol":"2","page":891},{"text":"• وقال الحسن: لا تزال كريمًا على الناس، أو لا يزال الناس يكرمونك ما لم تَعاطَ ما في أيديهم؛ فإذا فعلت ذلِكَ استخفُّوا بك، وكرهوا حديثك، وأبغضوك (^١).\n• وقال أيوب السَّخْتِياني: لا يقبل الرجل حتى تكون فيه خصلتان: العفة عما في أيدي الناس، والتجاوز عما يكون منهم.\n• وكان عمر يقول في خطبته على المنبر: إن الطمع فقر، وإنَّ اليأسَ غنى وإن الإنسانَ إذا أَيسَ من الشيء استغنى عنه (^٢).\n• وروي أن عبد الله بن سلام لقى كعبَ الأحبار عند عمر فقال: يا كعبَ! مَنْ أربَابُ العلم؟ قال: الذين يعملون به، قال: فما يذهب بالعلم من قلوب العلماء بعد أن حفظوه وعقلوه؟ قال: يذهبه الطمع، وشرَه النفس، وتَطَلُّبُ الحاجات إلى الناس؟! قال: صدقت.\nوقد تكاثرت الأحاديث عن النبي - ﷺ - بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس والاستغناء (^٣) عنهم فمن سأل الناسَ ما بأيديهم كرِهوه وأبغضوه؛ لأن المال محبوبٌ لنفوس بني آدم. فمن طلب منهم ما يحبّونه كرهوه لذلك.\n_________\n= وقد ذكر محققه إيراد ابن الجوزي له في الموضوعات ٢/ ١٠٧ - ١٠٨ وقال: محمد بن حميد قد كذبه أبو زرعة، وأبو داود، وزافر لا يتابع على عامة ما يرويه.\nوقد رد محققه بمتابعة عبد الصمد بن موسى هنا محمد بن حميد وكذلك عيسى بن صبيح عند الحاكم وأن ابن حجر يميل إلى استحسان الحديث بمتابعاته وأن الشيخ ناصر الألباني صرح بحسنه راجع أيضًا صحيح الجامع الصغير وزيادته ١/ ٦٩١ ح ٣٧١٠.\n(^١) الحلية ٣/ ٢٠ من حديث عبد الله بن سعيد الرقاشي، عن يونس بن عبيد عن الحسن.\n(^٢) م: \"شيء استغنى عنه\" والخبر في الزهد لأحمد ص ١٤٦ والحلية ١/ ٥٠.\n(^٣) راجع ما أخرجه البخاري في ٢٤ - كتاب الزكاة: ٥٠ - باب الاستعفاف عن المسألة ٣/ ٣٣٥ ح ١٤٦٩ - ١٤٧٢ و: ٥١ - باب من أعطاه الله شيئًا من غيْر مسألة ولا إشراف نفس ٣/ ٣٧٧ ح ١٤٧٣ و٥٢ - وباب من سأل الناس تكثرًا ٣/ ٣٣٨ ح ١٤٧٤، ١٤٧٥ و٥٣ - باب قول الله تعالى ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ وكم الغنى؟ وقول النبي - ﷺ -: ولا يجد غنى يغنيه ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ ٣/ ٣٤٠ ح ١٤٧٦ - ١٤٧٨ وأول أحاديث هذه المجموعة ما رواه أبو سعيد الخدري ﵁ \"أن ناسًا من الأنصار سألوا رسول الله - ﷺ - فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم ثم سألوه فأعطاهم، حتى نفد ما عنده فقال: ما يكون عندي من خير فلن أدخره عنكم، ومن يستعفف يعُفَّه الله، ومن يستغْن يُغْنِه الله، ومن يتصبَّر يصبره الله، وما أعْطَى أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسعَ من الصبْر\".\nوانظر ما رواه مسلم في: ١٢ - كتاب الزكاة: ٣٣ باب النهي عن المسألة ٢/ ٧١٨ و: ٣٤ - باب المسكين الذي لا يجد غنى، ولا يفطن له فيتصدق عليه ٢/ ٧١٩: و٣٥ - باب كراهة المسألة للناس ٢/ ٧٢٠ - ٧٢١ و٣٦ - باب من تحل له المسألة ٢/ ٧٢٢ و: ٣٧ - باب إباحة الأخذ لمن أعطى من غير مسألة ولا إشراف ٢/ ٧٢٣ - ٧٢٤ و: ٤٢ - باب فضل التعفف والصبر ٢/ ٧٢٩ والحديث المذكور في هذا الموضع الأخير.","vol":"2","page":892},{"text":"وأما من كان يرى المنة للسائل عليه، ويرى أنه لو خرج له عن ملكه كله لم يف له يذل سؤاله له، وذلته له، أو كان يقول لأهله: ثيابكم على غيركم أحسنُ منها عليكم، ودوابكم تحت غيركم، أحسنُ منها تحتكم، فهذا نادر جدًّا من طباع بني آدم، وقد انطوى بساط ذلك من أزمان متطاولة.\nوأما من زهد فيما في أيدي الناس، وعفَّ عنهم، فإنهم يحبونه، ويكرِّمونه لذلك؛ ويَسُودُ به عليهم، كما قال أعرابي لأهل البصرة: مَنْ سَيّد أهل هذه القرية؟ قالوا: الْحَسَن، قال: بم سادَهم؟ قالوا؟ احتاج الناس إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم.\nوما أحسن قولَ بعض السلف في وصف الدنيا وأهلها:\nوما هي إلا جيفةٌ مستحيلةٌ … عليها كلابٌ هَمُّهنَّ اجتذابُها!\nفإن تجتنبها كُنْتَ سِلْمًا لأهلها … وإن تجتَذِبهَا نازَعَتْك كِلَابُها!\n* * *","vol":"2","page":893},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1135>الحديث الثاني والثلاثون</span>\nعَنْ أَبي سَعِيد: سَعْدِ بْنِ مالِكِ بْنِ سِنَانٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: \"لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ\". حَدِيثٌ حَسَنٌ.\nرَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ وَالدارَقطنيُّ وَغيرُهُما مُسْنَدًا.\nوَرَوَاهُ مالِكٌ في المُوَطإِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيى عَنْ أَبيهِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مُرْسلًا، فَأَسقَطَ أَبَا سَعِيدٍ وَلَهُ طُرُقٌ يُقَوِّى بَعْضُهَا ببعض (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1136>[تخريج الحديث]</span>\nحديث أبي سعيد لم يخرجه ابن ماجه؛ وإنما خرَّجَه الدارقطني (^٢) والحاكم (^٣) والبيهقى (^٤) من رواية عثمان بن محمد بن عثمان بن ربيعة حدثنا الدراوردى، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵌ قال: \"لا ضرر ولا ضرار: من ضارّ ضرّه الله، ومن شاق شق الله عليه\".\nوقال الحاكم: صحيح الإسناد على شرط مسلم.\n• وقال البيهقي: تفرد به عثمان عن الدراوردي.\nوخرجه مالك في الموطأ عن عمرو بن يحيى، عن أبيه مرسلا (^٥).\n• قال ابن عبد البر: لم يختلف عن مالك في إرسال هذا الحديث.\nقال: ولا يسند من وجه صحيح.\n_________\n(^١) م: يقوى بعضها بعضًا.\n(^٢) في السنن كتاب البيوع ٣/ ٧٧ بِنَصِّهِ كاملًا كما أورده ابن رجب.\nوفي كتاب الأقضية والأحكام: باب في المرأة تقتل إذا ارتدت ٤/ ٢٢٨ شطره الأول \"لا ضرر ولا ضرار\" من رواية عثمان المذكور.\n(^٣) في المستدرك: كتاب البيوع: باب النهي عن المحاقلة والمحاضرة والمنابذة ٢/ ٥٧ - ٥٨ بإسناد الدارقطني ولفظه. كالموضع الأول وصححه على شرط مسلم وأقره الذهبي.\n(^٤) في السنن: كتاب الصلح: باب لا ضرر ولا ضرار ٦/ ٦٩١ من رواية عثمان وبنص رواية المستدرك.\n(^٥) أخرجه مالك في الموطأ: ٣٦ - كتاب الأقضية: ٢٦ - باب القضاء في المرفق ٢/ ٧٤٥ مرسلا.\nوفي: ٣٩ - كتاب المكاتب: ١١ - باب ما لا يجوز من عتق المكاتب ٢/ ٨٠٥ معلقا بصيغة الجزم.","vol":"3","page":905},{"text":"ثم خرجه من رواية عبد الملك بن معاذ النصيبي، عن الدراوردي موصولا.\nوالدرارردي كان الإمامُ أحمد يضعف ما حدث به من حفظه ولا يعبأ به، ولا شك في تقديم قول مالك على قوله.\n• وقال خالد بن سعد الأندلسي الحافظ: لم يصح حديث \"لا ضرر ولا ضرار\" مسندًا.\nوأما ابن ماجه؛ فخرجه من رواية فضيل بن سليمان، حدثنا موسى بن عقبة، حدثنا إسحاق بن يحيى بن الوليد، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله - ﷺ - قضى: أن لا ضرَرَ ولا ضِرار (^١).\nوهذا من جملة صحيفة تُرْوى بهذا الإسناد.\nوهي منقطعة مأخوذة من كتاب. قاله ابن المديني وأبو زرعه وغيرهما.\n• وإسحاق بن يحيى قيل هو ابن طلحة (^٢)، وهو ضعيف لم يسمع من عبادة، قاله أبو زرعة، وابن أبي حاتم، والدارقطني في موضع.\nوقيل: إنه إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة (^٣) ولم يسمع أيضًا من عبادة.\nقاله الدارقطني أيضًا.\nوذكره ابن عدي (^٤) في كتابه \"الضعفاء\" وقال: عامّة أحاديثه غير محفوظة.\nوقيل: إن موسى بن عقبة لم يسمع منه، وإنما ررى هذه الأحاديث عن أبي عياش الأسدي - عنه.\nوأبو عياش لا يعرف.\n• وخرجه ابن ماجه أيضًا من وجه آخر من رواية جابر الجعفي، عن عكرمة، عن\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في سننه ١٣ - كتاب الأحكام: ٨٧ - باب من بنى في حقه ما يضر بجاره ٢/ ٧٨٤ ح ٢٣٤٠ من طريق عبد ربه بن خالد النميري، عن فضيل بن سليمان، عن موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى بن الوليد، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله - ﷺ - قضى أن لا ضرر ولا ضرار.\nوقد علق البوصبري في مصباح الزجاجة (٢/ ١٤، ٣٣) بقوله: هذ إسناد رجاله ثقات إلا أنه منقطع؛ وذكر في الموضع الأول في إسناد مماثل: هذا إسناد ضعيف، لضعف إسحاق بن يحيى، وأيضًا لم يدرك عبادة بن الصامت، قاله البخاري والترمذي وابن حبان وابن عدي.\n(^٢) وترجمته في التهذيب، ١/ ٢٥٤ - ٢٥٥ والجرح والتعديل ١/ ١، ٢٣٦ ت ٨٣٥ والتاريخ الكبير، ١/ ١/ ٤٠٦.\n(^٣) وترجمته في التاريخ الكبير ١/ ١/ ٤٠٥ والجرح والتعديل ١/ ١/ ٢٣٧ والتهذيب ١/ ٢٥٦.\n(^٤) في الكامل ١/ ٣٣٩ - ٣٤٠.","vol":"3","page":906},{"text":"ابن عباس (^١) قال:\nقال رسول الله ﵌: \"لا ضرر ولا ضرار\".\nوجابر الجعفي ضعفه الأكثرون.\nوخرجه الدارقطني من رواية إبراهيم بن إسماعيل، عن داود بن الحصين (^٢) عن عكرمة (^٣).\nوإبراهيم ضعفه (^٤) جماعة.\nوروايات داود عن عكرمة مناكير.\n• وخرج الدارقطني من حديث الواقدي، حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان بن زيد بن ثابت، عن أبي الرّجال، عن عمرة، عن عائشة ﵂، عن النبي ﵌ قال: \"لا ضرر ولا ضرار\" (^٥).\n_________\n(^١) في السنن: ١٣ - كتاب الأحكام: ١٧ - باب من بنى في حقه ما يضر بجاره ٢/ ٧٨٤ ح ٢٣٤١ عن طريق محمد بن يحيى، عن عبد الرزاق عن معمر، عن جابر.\nوقال البوصيري في المصباح ٢/ ٣٣ ح ٨٢٨ \"هذا إسناد فيه جابر وقد اتهم، رواه أحمد في مسنده والدارقطني في سننه من حديث ابن عباس أيضًا، وله شاهد من حديث أبي صرمة رواه أبو دواد والترمذي وابن ماجه\".\n(^٢) \"ا\": \"حصين\" وما أثبتناه عن الأصول الأخرى هو الموافق لما في السنن.\n(^٣) أخرجه الدارقطني في السنن: كتاب الأقضية والأحكام: باب في المرأة تقتل إذا ارتدت ٤/ ٢٢٨ من طريق أحمد بن محمد بن أبي شيبة، عن محمد بن عثمان بن كرامة عن عبيد الله بن موسى، عن إبراهيم بن إسماعيل به: أن النبي - ﷺ - قال: \"للجار أن يضع خشبته على جدار جاره وإن كره، والطريق الميتاء سبعُ أذرع، ولا ضرر ولا ضرار\".\n(^٤) قال في التعليق المغني: وإبراهيم بن إسماعيل قال عبد الحق في أحكامه: هذا هو ابن أبي حبيبة وفيه مقال، فوثقه أحمد، وضعفه أبو حاتم وقال: هو منكر الحديث، لا يحتج به.\nوكذا قال البخاري في التاريخ الكبير، ١/ ١/ ٢٧١ - ٢٧٢ وقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ١/ ١ /٨٣ - ٨٤ شيخ … ليس بقوي، يكتب حديثه ولا يحتج به، منكر الحديث دون إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع، وأحب إليَّ من إبراهيم بن الفضل.\nوقال يحيى بن معين: صالح.\nونقل ابن حجر في التهذيب توثيق أحمد والعجلي له وتضعيف النسائي والدارقطني له وقول ابن عدي: \"هو صالح في باب الرواية كما حكى عن يحيى بن معين ويكتب حديثه مع ضعفه\" أي يعتبر به.\nوقال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل.\nوقال العقيلي: له غير حديث لا يتابع على شيء منها، وكانت وفاته سنة ١٦٥ راجع ترجمته أيضًا في التهذيب ١/ ١٠٤ - ١٠٥ والضعفاء الكبير ١/ ٤٣ - ٤٤ والضعفاء والمتروكين للدارقطني ص ١١٢ ت ٣٢ والضعفاء الصغير للبخاري ص ١٦ ت ٢ والضعفاء والمتروكين للنسائي ص ١٤٥ ت والكامل لابن عدي ١/ ٢٣٣ - ٢٣٦ ت ٦٦/ ٦٦.\n(^٥) أخرجه الدارقطني في السنن في الموضع السابق ٤/ ٢٢٧ وقال صاحب التعليق المغني: فيه الواقدي ورواه الطبراني في معجمه الأوسط بإسناده عن سعيد بن أيوب عن أبي سهيل، عن عائشة، مثله، وسكت عنه=","vol":"3","page":907},{"text":"والواقدى متروك (^١) وشيخه مختلف في تضعيفه (^٢).\n• وخرجه الطبراني من وجهين ضعيفين أيضًا عن القاسم عن (^٣) عائشة.\n• وخرج الطبراني أيضًا من رواية محمد بن سلمة، عن ابن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن جابر عن النبي ﵌ قال: \"لا ضرر ولا إضرار في الإسلام (^٤) \".\nوهذا إسناد متقارب وهو غريب لكن خرجه أبو داود في المراسيل من رواية عبد الرحمن بن معز، عن ابن (^٥) إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع مرسلًا وهو (^٦) أصح (^٧).\n_________\n= ورواه أيضًا بإسناد آخر عن أبي بكر بن أبي سبرة عن نافع بن مالك، أبي سهيل، عن القاسم، عن عائشة، وقال: لم يروه عن القاسم إلا نافع بن مالك.\n(^١) هو محمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدى المديني أبو عبد الله قاضي بغداد كان في التاريخ ذا باع واسع بيد أنه لم يك شيئًا في صناعة الحديث.\nقال البخاري: الواقدى مدني سكن بغداد متروك الحديث تركه أحمد وابن المبارك وقال في موضع آخر: كذبه أحمد وقال ابن المدينى: الهيثم بن عدى أوثق عندى من الواقدى، ولا أرضاه في الحديث.\nوقال ابن سعد: كان عالمًا بالمغازي والسيرة والفتوح واختلاف الناس في الحديث والأحكام واجتماعهم.\nوقال الخطيب: ولي قضاء الجانب الشرقي (أي ببغداد) وهو ممن طبق الأرضَ ذكره وكان جوادًا كريمًا مشهورًا بالسخاء.\nوقال إبراهيم الحربي: كان الواقدي أعلم الناس بالإسلام، وأما الجاهلية فلم يعلم منها شيئًا وكان الواقدي أمين الناس على الإسلام.\nكانت وفاته سنة سبع ومائتين راجع ترجمته في التهذيب ٩/ ٣٦٣ - ٣٦٨، والتاريخ الكبير ١/ ١/ ١٧٨ والضعفاء الصغير ص ٤٠٩ ت ٣٣٤، والضعفاء والمتروكين للنسائي ص ٢٣٣ ت ٥٣١ والضعفاء، والمتروكين للدارقطني ص ٣٤٧ ت ٤٧٧ والتاريخ ليحيى بن معين ٣/ ١٦٠ والكامل لابن عدي ٦/ ٢٤١ - ٢٤٣ والضعفاء الكبير ٤/ ١٠٧ - ١٠٩ والجرح والتعديل ٤/ ١/ ٢٠ - ٢١.\n(^٢) قال في التقريب ١/ ٢١٠: صدوق له أوهام، من السابعة مات سنة خمس وستين.\n(^٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١١٠ عن الطبراني في الأوسط وقال: و[فيه] سمر بن أحمد بن رشدين وهو ابن محمد بن الحجاج بن رشدين وقال ابن عدي: كذبوه.\n(^٤) أورده الهيثمي في الموضع السابق وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه ابن إسحاق وهو ثقة لكنه مدلس.\nوفيه: \"ولا ضرار\".\n(^٥) م: \"أبي إسحاق\"، وهو خطأ.\n(^٦) م: \"وهذا\".\n(^٧) هو في مراسيل أبى داود ص ٣٢٨ ح ٣٦٩ عن واسع بن حبان قال: كانت لأبي لبابة عَذْقٌ (نخلة) في حائط رجل، فكلمه فقال: إنك تطأ حائطى إلى عَذْقك فحزها إلى مَالِكَ واكفف صاحبك ما يكره فقال: ما أنا بفاعل، فقال: اذهب فأخرج له مثل عذقه إلى حائطه، ثم اضرب فوق ذلك بجدار؛ فإنه لا ضرر في الإسلام ولا ضرار. بيد أن الإسناد الذي ذكره ابن رجب في النسخة الأخرى من المراسيل مع المسانيد ص ٢٠٧.","vol":"3","page":908},{"text":"• وخرج الدارقطني (^١) من رواية أبي بكر بن عياش، قال: أُراه عن ابن عطاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﵌ قال: \"لا ضرر ولا ضرورة، ولا يمنعن أحَدُكم جارَهُ أن يَضَع خشبه على حائطه\".\nوهذا الإسناد فيه شك (^٢).\nوابن عطاء، هو: يعقوب وهو ضعيف (^٣).\n• وروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵌ قال: \"لا ضَرر ولا ضرار\" (^٤) قال ابن عبد البر: إسناده غير صحيح.\n• قلت: كثير هذا يصحح حديثه الترمذي، ويقول البخاري، في بعض حديثه: هو أصح حديث في الباب.\nوحَسَّن حديثه إبراهيمُ بن المنذر الحِزَامِي (^٥) وقال: هو خير مراسيل ابن المسيب.\nوكذلك حسَّنه ابن أبي عاصم، وترك حديثَه آخرون، منهم الإمام أحمد وغيره (^٦).\nفهذا ما حضَرنا من ذكر طرق أحاديث هذا الباب.\nوقد ذكر الشيخ ﵀ أن بعض طرقه تُقَوَّى ببعض، وهو كما قال.\n_________\n(^١) في السنن في الموضع السابق ٤/ ٢٢٨.\n(^٢) حيث كان من رواية أحمد بن يونس الذي قال: أخبرنا أبو بكر بن عياش: أراه قال: عن ابن عطاء … إلخ فكلمة أراه بمعنى أظنه وهذا ليس بيقين ولهذا قال ابن رجب ما قال.\n(^٣) ضعفه أبو زرعة رالنسائي وقال أحمد: منكر الحديث وقال أبو حاتم: ليس بالمتين وهو ممن يكتب حديثه وقال أبو أحمد بن عدي: له أحاديث صالحة وهو ممن يكتب حديثه وعنده غرائب وخاصة إذا روى عنه أبو إسماعيل المؤدب وزمعة وأبو قرة وذكره ابن حبان في الثقات.\nراجع ترجمته في الضعفاء الكبير ٤/ ٤٤٥ - ٤٤٦، والكامل ٧/ ١٤٣ - ١٤٤، وتهذيب التهذيب ١١/ ٣٩٢ - ٣٩٣ والتقريب ٢/ ٣٧٦ والتاريخ الكبير ٤/ ٢ / ٣٩٨.\n(^٤) م: \"ولا إضرار\".\n(^٥) م: \"الخزاعي\" وهو تحريف.\n(^٦) قال ابن حبان: روى عن أبيه عن جده نسخة موضوعة لا يحل ذكرها في الكتب ولا الرواية عنه إلا على جهة التعجب.\nوقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه.\nوقال الترمذي: قلت لمحمد: في حديث كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده في الساعة التي ترجى في يوم الجمعة كيف هو؟ قال: هو حديث حسن إلا أن أحمد كان يحمل على كثير؛ يضعفه. توفي بين الخمسين ومائة إلى الستين.\nراجع ترجمته في الكامل ٦/ ٥٧ - ٦٣ وتهذيب التهذيب ٨/ ٤٢١ - ٤٢٣ والتاريخ ليحيى بن معين ٢/ ٤٣٤ ت ٦٠٧.","vol":"3","page":909},{"text":"وقد قال البيهقي في بعض أحاديث كثير بن عبد الله المزني: إذا انضمت إلى غيرها من الأسانيد التي فيها ضعف؛ قَوِيتا (^١).\n• وقال الشافعي في المرسل: إنه إذا أسند من وجه آخر أو أرسله من يأخذ العلم عن غير من يأخذ عنه المرسل الأول؛ فإنه يُقْبل (^٢) وقال الجوزجاني: إذا كان الحديث المسند من رجل غير مُقْنِعٍ: يعني لا يُقنع برواياته، وشدّ أركانَهُ المراسيلُ بالطرق المقبولة عند ذوي الاختيار: استُعْمِل، واكتُفيَ له.\nوهذا إذا لم يعارض بالمسند الذي هو أقوى منه.\n• وقد استدل الإمام أحمد بهذا الحديث وقال: قال النبي ﵌: \"لا ضرر ولا ضرار\".\n• وقال أبو عمر بن الصلاح: هذا الحديث أسنده الدارقطني من وجوه، ومجموعها يقوي الحديث، ويحسنه، وقد تقبله جماهير أهل العلم واحتجوا به.\n• وقول أبي داود: إنه من الأحاديث التي يدور الفقه عليها يُشعر بكونه غير ضعيف. والله أعلم.\nوفي المعنى أيضًا حديث أبى صِرْمة، عن النبي ﵌ قال: \"من ضارَّ ضارَّ اللهُ بهِ، ومن شاقَّ شَقّ الله عليه\" (^٣).\nخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه (^٤) وقال الترمذي: حَسَنٌ غريب.\n• وخرج الترمذي بإسناد فيه ضعف، عن أبي بكر الصديق ﵁ عن النبي\n_________\n(^١) م: \"قوتها\" د: \"قويت\".\n(^٢) راجع الرسالة للشافعي ص ٤٦١ وما بعدها.\n(^٣) على ما مضى في شرح الحديث الأول.\n(^٤) أخرجه أبو داود في السنن: ١٨ - كتاب الأقضية: ٣١ - أبواب من القضاء ٤/ ٤٩ - ٥٠ من رواية قتيبة بن سعيد، عن الليث، عن يحيى، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن لؤلؤة (مولاة للأنصار) عن أبي صِرمة قال أبو داود: قال غير قتيبة في هذا الحديث: عن أبي صرمة صاحب النبي - ﷺ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"من ضار أضر الله به، ومن شاق شاق الله عليه\".\nوالترمذي في: ٢٨ - كتاب البر: الصلة: ٢٧ - باب ما جاء في الخيانة والغش من طريق قتيبة - به - بنحوه وعنده: \"ضار الله به\" وعقب عليه لقوله: هذا حديث حسن غريب.\nوأخرجه ابن ماجه في: ١٣ - كتاب الأحكام: ١٧ - باب من بنى في حقه ما يضر بجاره ٢/ ٧٨٤ - ٧٨٥ من رواية محمد بن رمح، عن الليث - به - وعنده: \"شق الله عليه\".","vol":"3","page":910},{"text":"﵌ قال: \"ملعونٌ من ضارَّ مؤمنًا أو مَكرَ به\" (^١).\n* * *\n• وقوله ﵌: \"لا ضَرَرَ ولا ضِرار\" هذه الرواية الصحيحة ضرار بغير همزة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1137>[بين الضرار والإضرار]:</span>\n• وروي إضرار بالهمزة ووقع ذلك في بعض روايات ابن ماجه، والدارقطني، بل وفي بعض نسخ الموطأ.\n• وقد أثبت بعضهم هذه الرواية، وقال: يقال ضر وأضر بمعنى (^٢) وأنكرها آخرون وقالوا: لا صحة لها.\nواختلفوا هل بين اللفظين - أعني الضرر (^٣) والضرار - فرق أم لا؟ فمنهم من قال: هما بمعنى واحد على وجه التأكيد.\nوالمشهور أن بينهما فرقًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1138>[بين الضرر والضرار]:</span>\n• ثم قيل: إن الضرر هو الاسم، والضرار: الفعل.\nفالمعنى: أن الضرر نفسه منتفٍ في الشرع، وإدخال الضرر بغير حق كذلك.\nوقيل: الضرر أن يُدْخِلَ على غيره ضررًا بما ينتفعُ هو به.\nوالضرار: أن يدخل على غيره ضررًا بلا منفعة له به، كمن منع مالا يضره، ويتضرر به الممنوع.\nورجح هذا القولَ طائفةٌ منهم: ابنُ عبد البر، وابنُ الصلاح.\n\n<span data-type='title' id=toc-1139>[المراد بالجملة]:</span>\n• وقيل: الضرر أن يضرّ (^٤) بمن لا يضره، والضرار: أن يضر بمن قد أضر به على\n_________\n(^١) عقب الحديث السابق من رواية عبد بن حميد، عن زيد بن الحباب، عن أبي سلمة الكندي، عن فرقد السنجي، عن مرة بن شراحيل، عن أبي بكر الصديق مرفوعًا. وعقب عليه بقوله: هذا حديث غريب.\n(^٢) م: \"بمعنى واحد\"، وهي عند ابن ماجه، من حديث أبي صرمة: من ضار أضرَّ الله به ٢/ ٧٨٥ ح ٢٣٤٢.\n(^٣) م: \"الضر\".\n(^٤) م: \"يضر به من\".","vol":"3","page":911},{"text":"وجه غير جائز.\nوبكل حال؛ فالنبي ﵌؛ إنما نفى الضرر والضرار بغير حق.\nفأما إدخال الضرر على أحد بحق (^١) إما لكونه تعدى حدود الله؛ فيعاقب بقدر جريمته، أو كونه ظلم غيره (^٢) فيطلب المظلوم مقابلته بالعدل؛ فهذا غير مراد قطعًا وإنما المرادُ: إلحاق الضررِ بغير حق.\nوهذا على نوعين:\n• أحدهما: أن لا يكون في ذلك غرض سوى الضرر بذلك الغير؛ فهذا لا ريب في قبحه وتحريمه.\n• وقد ورد في القرآن النهي عن المضارَّة في مواضع.\n\n<span data-type='title' id=toc-1140>[مواضع النهي عن المضارة]:</span>\n• منها في الوصية قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ (^٣).\nوفي حديث أبي (^٤) هويرة المرفوع: \"أن العبد ليعمل بطاعة الله ستين سنة ثم يحضره الموت؛ فيضار في الوصية؛ فيدخل النار\" ثم تلا: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (^٥).\nوقد خرجه الترمذي (^٦) وغيره بمعناه.\n_________\n(^١) م: \"يستحقه\".\n(^٢) م: \"نفسه غيره\".\n(^٣) سورة النساء: ١٢.\n(^٤) م: \"وفي الحديث عن\".\n(^٥) سورة النساء: ١٣، ١٤.\n(^٦) أخرجه الترمذي في السنن: ٣١ - كتاب الوصايا: ٢ - باب ما جاء في الضرار في الوصية ٤/ ٤٣١ - ٤٣٢ ح ٢١١٧ من طريق نصر بن علي الجهضمي، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن نصر بن علي: جد هذا النصر، عن الأشعث بن جابر، عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة أنه حدثه عن رسول الله - ﷺ - قال: إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة ثم يحضرهما الموت فيضاران في الوصية فتجب لهما النار. ثم قرأ أبو هريرة: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾ .. إلى قوله: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وقد عقب عليه بقوله.\nهذا حديث حسن غريب ونصر بن علي الذي روى عن الأشعث بن جابر هو جد نصر بن علي الجهضمي.\nوهو عند البيهقي في السنن: كتاب الوصايا: باب ما جاء في قول الله ﷿: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ وما ينهى عنه من الإضرار في الوصيّة ٦/ ٢٧١ من رواية نصر بن علي عن الأشعث - به - بنحوه والبغوي في شرح السنة كتاب الجنائز: باب الوصية بالثلث ٥/ ٢٨٦ معزوًا إلى أبي هريرة رفعه، ولم يذكر البغوي إسناده. =","vol":"3","page":912},{"text":"وقال ابن عباس (^١) ﵁: \"الإضرارُ في الوصية من الكبائر\" ثم تلا هذه الآية.\n_________\n= ورواه أبو داود في السنن: ١٢ - كتاب الوصايا: ٣ - باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية ٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩ ح ٢٨٦٧ من طريق عبدة بن عبد الله عن عبد الصمد - به - بنحوه.\nوعنه أخرجه القرطبي في التفسير ٢/ ٢٧١ و٥/ ٨١.\nوعنه وعن الترمذي وابن ماجه أخرجه ابن كثير في التفسير ١/ ٤٦١ - ٤٦٢ إلا أنه ذكر عن الترمذي تحسينه فقط للحديث.\nوفي نسخة الترمذي بشرح المباكفوري لم يجئ تعقيب الترمذي على الحديث إلا بالتحسين.\nوكذلك في الترغيب والترهيب ٤/ ٣٢٧ - ٣٢٨ فقد أورده عن أبي داود والترمذي وابن ماجه ولم يحك عن الترمذي إلا القول بتحسين الحديث.\nوبهذا يبين أن النسخة المصرية (طبع مصطفى الحلبي) فيها زيادة ليست بالأصول الصحيحة وهي الحكم على الحديث بالصحة مع الحسن فقد جاء فيها أن الترمذي عقب على الحديث بقوله: هذا حديث حسن صحيح غريب.\nكيف يحكم على الحديث بالصحة وفي شهر بن حوشب وقد ضعف؟.\nولقد كان المباركفورى دقيقًا حين فسر لنا كيف يحكم الترمذي على الحديث بالحسن مع أن في شهر ما فيه.\nقال ﵀: \"قال الترمذي - بعد نقل تحسين الترمذي - وشهر بن حوشب قد تكلم فيه غير واحد من الأئمة، ووثقه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين\".\nكأنما يريد ليقول: إن الترمذي طبق القاعدة في المختلف فيه فحديثه لا يرقى للصحة مراعاة لمن ضعفه، ولا يحكم بضعفه مراعاة لمن وثقه وإنما يكون المنطق قاضيًا بالتوسط بين الأمرين ومن هنا يحكم بتحسينه وإسناد هذا الحديث يقضي بذلك؛ مما يؤكد لنا أن لفظة \"صحيح\" ليس لها أساس لا من الصحة ولا من الصَّواب.\nولعل هذا يقضى ألا يعتمد الباحث على نسخة واحدة حتى يطمئن إلى باقي النسخ؛ فلعله يصحح خطأ، أو يؤكد صوابًا.\n(^١) أورده ابن كثير في التفسير ١/ ٤٦١، ٤٨٥ من حديث ابن عباس مرفوعًا، ومن حديثه موقوفًا من قوله.\nفأورد المرفوع عن ابن أبي حاتم راويًا له عن أبيه عن أبي النضر الدمشقي عن عمر بن المغيرة عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - فذكره ثم قال: وكذا رواه ابن جرير من طريق عمر بن المغيرة هذا وهو أبو حفص بصري سكن المصيصة، وقال ابن عساكر ويعرف بمغنى المساكين ورَوى عنه غير واحد من الأئمة وقال فيه أبو حاتم الرازي: هو شيخ وقال علي بن المديني: هو مجهول لا أعرفه، لكن رواه النسائي في سننه عن علي بن حجر، عن علي بن مسهر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفًا، فذكره ثم قال: وكذا رواه ابن أبي حاتم، عن أبي سعيد الأشج، عن عائذ بن حبيب، عن داود بن أبي هند.\nورواه ابن جرير من حديث جماعة من الحفاظ، عن داود، عن عكرمة عن ابن عباس موقوفًا، وفي بعضها ويقرأ ابن عباس: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾.\nوأنهى ابن كثير هذه الجولة بترجيح وقف الحديث فقال: \"قال ابن جرير والصحيح: الموقوف\".\nوفي الموضع الثاني أشار إلى ما تقدم من رواية الحديث مرفوعًا ثم قال: قال ابن أبي حاتم: \"هو صحيح عن ابن عباس من قوله\" وهذا تأكيد لما ذكر ابن جرير.\nوبقي أن نقف على رواية النسائي للحديث كما أشار ابن كثير.\nوقد بحثنا في المجتبى فلما نجدها، ثم وقفنا المزي في تحفة الأشراف ٥/ ١٣٣ على أن ذلك في الكبرى وأنه روى فيها الروايتين: الموقوفة والمرفوعة. والموقوفة في الكبرى ٦/ ٣٢٠. =","vol":"3","page":913},{"text":"والإضرار في الوصية تارة يكون بأن يَخُصَّ بعضَ الورثة بزيادة على فَرْضِه الذي فَرَضَهُ الله لهُ؛ فيتَضَرَّرُ بقيةُ الورثة بتخصيصه.\nولهذا قال النبي ﵌:\n• \"إن الله قد أعطى كلَّ ذي حَقّ حَقَّه فلا وصيةَ لوَارثٍ (^١) \".\n_________\n= وهكذا رواه البيهقى في السنن في الموضع السابق ٦/ ٣٧١ مرفوعًا من رواية عبد الله بن يوسف، عن عمر بن المغيرة، عن داود ثم رواه موقوفًا من رواية سعيد بن منصور، من هشيم، عن داود وقال: هذا هو الصحيح موقوف، وكذلك رواه ابن عيينة وغيره عن داود موقوفًا وروي من وجه آخر مرفرعًا ورفعه ضعيف.\nوالواضح أن رواية عمر بن المغيرة هي المعلة.\nوقد أورد العقيلى في الضعفاء ٣/ ١٨٩ الحديث في ترجمة عمر بن المغيرة عن داود بن أبي هند مرفوعًا وقال: ولا يتابع على رفعه، هذا رواه الناس عن داود موقوفًا، لا نعلم رفعه غير عمر بن المغيرة.\nوأورده الدارقطني في السنن ٤/ ١٥١ مرفوعًا بهذه الرواية التي أعلها العقيلي بعمر بن المغيرة.\nوانظر ما أجمله صاحب التعليق عن روايات الحديث وترجيح القول بوقفه.\nوأورده ابن حجر في لسان الميزان ٤/ ٣٣٢ في ترجمة عمر بن المغيرة مرفوعًا من روايته وذكر أن المحفوظ هو الموقوف، وأورد قول البخاري: عمر بن المغيرة منكر الحديث مجهول.\nثم ذكر فيه قول العقيلى الذي أوردناه عنه.\nوأورده ابن أبي شيبة في المصنف ١١/ ٢٠٤، ٢٠٥ من وجهين عن ابن عباس من قوله:\nالأول من رواية ابن إدريس، عن داود، عن عكرمة عن ابن عباس قال: الضرار في الوصية من الكبائر، ثم تلا: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ﴾.\nوالثانى من طريق أبي خالد عن داود به عن ابن عباس قال: الضرار في الوصية من الكبائر ثم قرأ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾.\nوأخرجه سعيد بن منصور في السنن ١/ ١٠٩ من طريق هشيم عن داود عن عكرمة قال: الجنَف في الوصية والإِضرار فيها من الكبائر.\nومن طريق خالد بن عبد الله، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: الجنف في الوصية والإضرار فيها من الكبائر ومن رواية سفيان عن داود - به - بمثله وزاد في أوله: \"الحيف\".\n(^١) رواه النسائي في السنن: ٣٠ - كتاب الوصايا: ٥ - باب إبطال الوصية للوارث ٣/ ٢٩٠ - ٢٩١ من وجوه عن عمرو بن خارجة ونص الرواية الأولى: \"إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه ولا وصية لوارث\".\nونص الثانية: \"إن الله قد قسّم لكل إنسان قسمه من الميراث؛ فلا تجوز لوارث وصية\".\nوفيها توضيح الرواية الأولى.\nونص الثالثة: \"إن الله عز اسمه قد أعطى لكل ذي حق حقه ولا وصية لوارث\".\nوأخرجه أبو داود في السنن: ١٢ - كتاب الوصايا: ٦ - باب ما جاء في الوصية للوارث ٣/ ٢٩٠ - ٢٩١ من حديث أبي أمامة مرفوعا بنص ما أورده ابن رجب وفي: ١٧ - كتاب البيوع والإجارات: ٩٥ - باب تضمين العارية ٤/ ٨٢٤ - ٨٢٥ من حديث أبي أمامة أيضا مطولا وزاد فيه: \"ولا تنفق المرأة شيئًا من بيتها إلا بإذن زوجها … \" الحديث.\nوابن ماجه في السنن: ٢٢ - كتاب الوصايا ٦ - باب لا وصية لوارث ٢/ ٩٠٥ - ٩٠٦ ح: ٢٧١٢، ٢٧١٣، ٢٧١٤ من أحاديث عمرو بن خارجة، وأبي أمامة، وأنس مختصرًا ومطولا. =","vol":"3","page":914},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وعلق البوصيري في مصباح الزجاجة: على حديث أنس بقوله: إسناده صحيح ومحمد بن شعيب وثقه دحيم وأبو دارد وباقى رجال الإسناد على شرط البخارى.\nوأخرجه الترمذي في السنن: ٣١ - كتاب الوصايا: ٥ - باب ما جاء لا وصية لوارث ٤/ ٤٣٣ - ٤٣٤.\nعن علي بن حجر وهنّاد، عن إسماعيل بن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة الباهلى قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في خطبته عام حجة الوداع:\n\"إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث: الولد للفراش، وللعاهر الحجر، وحسابهم على الله ومن ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه فعليه لعنة الله التابعة إلى يوم القيامة، لا تنفق امرأة من بيت زوجها إلا بإذن زوجها، قيل: يا رسول الله! ولا الطعام؟ قال: ذلك أفضل أموالنا، ثم قال: العارية مؤداة، والمنحة مردودة والدين مَقضي، والزعيم غارم\".\nثم عقب عليه بقوله: وفي الباب عن عمرو بن خارجة وأنس وهو حديث حسن صحيح.\nوقد يتساءل المرء كيف يحكم الترمذي بصحة الحديث مع حسنه وهو من رواية إسماعيل بن عياش وهو ممن ضعف؟ والجواب يتبين من قول الترمذي عقيب حكمه:\nوقد روي عن أبى أمامة، عن النبي - ﷺ - من غير هذا الوجه. رواية إسماعيل بن عياش عن أهل العراق وأهل الحجاز ليس بذاك فيما تفرد به؛ لأنه روى عنهم مناكير، وروايته عن أهل الشام أصح [أي وهذا الحديث من روايته عنهم، ثم أضاف الترمذي:\nهكذا قال محمد بن إسماعيل، قال: سمعت أحمد بن الحسن يقول: قال أحمد بن حنبل: إسماعيل بن عياش أصلح حديثا من بقية، ولبقية أحاديث مناكير عن الثقات، وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن يقول: سمعت زكريا بن عدي يقول: قال أبو إسحاق الفزاري: خذوا عن بقية ما حدث عن الثقات، ولا تأخذوا عن إسماعيل بن عياش ما حدث عن الثقات ولا عن غير الثقات.\nثم روى الترمذي عقب هذا: هذا حديث عمرو بن خارجة، عن قتيبة بن سعيد، عن أبي عوانة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غنم، عن عمرو بن خارجة: أن النبي - ﷺ - خطب على ناقته … الحديث بسياقه.\nوقد حكم على الحديث بأنه حسن صحيح، لكنه قبل أن يحكم بهذا استشعر سؤال سائل: كيف يتم هذا وهو من رواية شهر بن حوشب وهو من هو؟.\nفأورد ما طعن به عليه ثم أورد ما يرد به على هذا الطعن؛ حيث قال: وسمعت أحمد بن الحسن يقول: قال أحمد بن حنبل: لا أبالي بحديث شهر بن حوشب قال: وسألت محمد بن إسماعيل عن شهر بن حوشب فوثقه، وقال: إنما يتكلم فيه ابن عون، ثم روى ابن عون عن هلال بن أبي زينب عن شهر بن حوشب.\nوالحديث أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الوصايا: باب نسخ الوصية للوالدين والأقربين الوارثين ٦/ ٢٦٣ - ٢٦٤: من طريق عطاء عن ابن عباس مرفوعا وأعله بالانقطاع، ثم أورده من طريق عطاء عن عكرمة عن ابن عباس وأعله بضعف عطاء ومن طريق مجاهد مرفوعا ومن رواية أبي أمامة من طريق إسماعيل بن عياش وأكد بما نقل عن أحمد بن حنبل والبخاري وغيرهما أن ما روى إسماعيل عن الشاميين صحيح وما روى عن الحجازيين غير صحيح. وهذا الحديث إنما رواه إسماعيل عن شامي وأنه قد روي من غير وجه من حديث الشاميين ثم ساقه من وجهين عن عمرو بن خارجة من حديث شهر ومن حديث غيره ومن وجوه عن أنس ثم قال:\nوقد روى هذا الحديث من أوجه أُخَر كلها غير قوية والاعتماد على الحديث الأول وهو رواية أبى نجيح عن عطاء عن ابن عباس وعلى ما ذكره الشافعي من نقل أهل المغازي عامة: أن النبي - ﷺ - قال عام الفتح \"لا وصية لوارث\" وإجماع العامة على القول به.","vol":"3","page":915},{"text":"• وتارة بأن يوصى لأجنبي بزيادة على الثلث فينقص حقوق الورثة؛ ولهذا قال النبي ﵌: \"الثلث والثلث كثير\" (^١).\nومتى وصى لوارث أو لأجنبي بزيادة على الثلث، لم ينفَّذْ ما وصَّى به إلا بإجازة الورثة.\n• وسواء قصد المضارة أو لم يقصد.\nوأما إن قصد المضارة بالوصية لأجنبي بالثلث؛ فإنه يأثم بقصده المضارة.\n_________\n(^١) راجع في هذا ما أخرجه مالك في الموطأ: ٣٧ - كتاب الوصية: ٣ - باب الوصية في الثلث لا تتعدى ٢/ ٧٦٣ ح ٤ عن ابن شهاب عن عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه أنه قال: جاءني رسول الله - ﷺ - يعودني عام حجة الوداع، من وجع اشتد بي، فقلت: يا رسول الله! قد بلغ بى من الوجع ما ترى وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي، أفأتصدق بثلثي مالى؟ قال رسول - ﷺ -: \"لا\" فقلت: فالشطر؟ قال: \"لا\" ثم قال رسول الله - ﷺ -: \"الثلث والثلث كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير لك من أن تذرهم عالة يتكففون الناس وإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في في امرأتك\" قال: فقلت: يا رسول الله! أأخلف بعد أصحابي؟ فقال رسول الله - ﷺ -: إنك لن تخلف فتعمل عملا صالحا إلا ازددت به درجة ورفعة، ولعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضر بك آخرون، اللهم أمْضِ لأصحابي هجرتهم، ولا تردهم على أعقابهم؛ لكن البائس سعد بن خولة\" يرثي له رسول الله - ﷺ - أن مات بمكة.\nوأخرجه البخارى في كتاب الإيمان: باب ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة ولكل امرئٍ ما نوى، وفي الجنائز: باب رثى النبي - ﷺ - سعد بن خولة، وفي الوصايا: باب أن يترك ورثته أغنياء خير من أن يدعهم يتكففون الناس، وباب الوصية بالثلث، وفى فضائل أصحاب النبي - ﷺ -: باب قول النبي - ﷺ -: اللهم أمض لأصحابى هجرتهم، وفى المغازي باب حجة الوداع، وفي النفقات في فاتحته، وفى المرضى: باب وضع اليد على المريض، وفي الدعوات باب الدعاء يرفع الوباء والوجع، وفي الفرائض باب ميراث البنات أحاديث ٥٦، ١٢٩٥، ٢٧٤٢، ٢٧٤٤، ٣٩٣٦، ٤٤٠٩، ٥٣٥٤، ٥٦٥٩، ٥٦٦٨، ٦٣٧٣، ٦٧٣٣ ومسلم في ٢٥ - كتاب الوصية: ١ - باب الوصية بالثلث ح ٥.\nوأحمد في السند ١/ ١٦٨، ١٧١، ١٧٢، ١٧٣، ١٧٤، ١٧٦ (الحلبي) والترمذي في السنن: ٣١ - كتاب الوصايا: ١ - باب ما جاء في الوصية بالثلث ٤/ ٤٣٠ - ٤٣١ ح ٢١١٦ بسياقه كاملًا وعقب عليه بقوله: وفي الباب عن ابن عباس وهذا حديث حسن صحيح، وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن سعد بن أبي وقاص، والعمل على هذا عند أهل العلم أنه ليس للرجل أن يوصي بأكثر من الثلث؛ لقول رسول الله - ﷺ -: والثلث كثير.\nوأبو داود في السنن ك الوصايا: ب ٣ ح ٢٨٦٤.\nوالنسائى في الوصايا: ب ٣.\nوابن ماجه في الوصايا: ب ٥ ح ٢٧٠٨.\nورواه في الباب نفسه من حديث ابن عباس قال: وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع؛ لأن رسول الله - ﷺ - قال: \"الثلث كبير\" أو \"كثير\".\nوالبيهقي في السنن ٦/ ٢٦٨، ٢٦٩، ٩/ ٢٨ والدارمي في السنن ٢/ ٤٩٩ من وجهين عن سعد وابن خزيمة في صحيحه ٤/ ٦١ - ٦٢.","vol":"3","page":916},{"text":"وهل تردّ وصيته إذا ثبَت ذلك بإقراره أم لا؟\nحكى ابن عطية رواية عن مالك أنها تردّ.\nوقيل: إنه قياس مذهب أحمد.\nومنها الرجعة في النكاح قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ (^١) - وقال: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ (^٢) فدل ذلك على أن من كان قصده بالرجعة المضارة؛ فإنه آثم بذلك.\nوهذا كما كانوا في أول الإسلام قبل حصر الطلاق في ثلاث، يطلّق الرجلُ امرأتُه، ثم يتركها حتى يقارب انقضاءَ عدتها؛ ثم يراجعها، ثم يطلقها، ويفعل ذلك أبدًا بغير نهاية فيدع المرأة: لا مطلقة، ولا ممسكة؛ فأبطل الله ذلك، وحصر الطلاق في ثلاث مرات.\nوذهب مالك إلى أن من راجع امرأته قبل انقضاء عدتها، ثم طلقها من غير مسيس: أنه إن قصد بذلك مضارَّتها بتطويل العدة لم تستأنف العدة، وبنت على ما مضى منها.\nوإن لم يقصد ذلك: أستأنَفَتْ عِدَّةً جَديدَةً.\n• وقيل: تَبِينُ مطلقًا، وهو قول عطاء، وقتادة، والشافعي، في القديم، وأحمد في رواية.\n• وقيل: تستأنف مطلقًا، وهو قول الأكثرين منهم: أبو قلابة، والزهري، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وأحمد في رواية، وإسحاق، وأبو عبيد، وغيرهم.\n• ومنها في الإيلاء، فإن الله جعل مدة المولي أربعة أشهر إذا حلف الرجل على امتناعه من وطء زوجته؛ فإنه يضرب له مدة أربعة أشهر، فإن فاء ورجع إلى الوطء؛ كان ذلك توْبتَهُ وإن أصر على الامتناع لم يمكَّن من ذلك.\nثم فيه قولان للسف والخلف.\n• أحدهما: أنها تُطَلَّق عليه بمضي هذه المدة.\n• والثاني: أنه يوقف، فإن فاء؛ وإلا أمر بالطلاق.\nولو ترك الوطء لقصد الإضرار (^٣) بغير يمين مدة أربعة أشهر: فقال كثير من\n_________\n(^١) سورة البقرة: ٢٣١.\n(^٢) سورة البقرة: ٢٢٨.\n(^٣) م: \"إضرار\".","vol":"3","page":917},{"text":"أصحابنا: حكمه حكم المُولِي في ذلك.\nوقالوا: هو ظاهر كلام أحمد.\nوكذا قال جماعة منهم: إذا ترك الوطء أربعة أشهر لغير عذْر ثم طَلَبت (^١) الفُرْقة، فُرِّق بينهما بناء على أن الوطء عندنا في هذه المدة واجب.\nواختلفوا هل يعتبر لذلك قصد الإضرار أم لا يعتبر؟\n• ومذهب مالك وأصحابه إذا ترك الوطء من غير عذر، فإنه يفسخ نكاحه مع اختلافهم في تقدير المدة.\nولو أطال السفرَ من غير عذر وطلبت امرأته قدومَهُ فأبى، فقال مالك وأحمد وإسحاق: يفرق الحاكم بينهما، وقدّره أحمد بستة أشهر، وإسحاق بمضي سنتين.\n* * *\n• ومنها في الرضاع قال تعالى: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ (^٢).\nقال مجاهد في قوله: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ قال: لا يمنع أمه أن تُرضعه ليَحْزُنها بذلك (^٣).\nوقال عطاء، وقتادة، والزهري، وسفيان، والسدي، وغيرهم: إذا رضيت بما يرضي به غيرها؛ فهي أحق به.\n• وهذا هو المنصوص عن أحمد ﵀.\nولو كانت الأم في حبال الزوج.\nوقيل: إن كانت في حبال الزوج، فله منعها من إرضاعه؛ إلا أنه لا يمكن ارتضاعُه من غيرها.\nوهو قول الشافعي، وبعض أصحابنا.\nلكن! إنما يجوزُ ذلك إذا كان قصدُ الزوج به توفيرَ الزوجة للاستمتاع لا مجرد إدخال الضرر عليها.\n* * *\n_________\n(^١) م: \"طلب\".\n(^٢) سورة البقرة: ٢٣٣.\n(^٣) تفسير مجاهد ١/ ١٥٩ والطبري ٥/ ٤٩ ح ٤٩٧٤ وخبر قتادة وغيره عقبه.","vol":"3","page":918},{"text":"• وقوله تعالى: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾.\n• يدخل فيه أن المطلقة إذا طلبت أرضاعَ ولدها بأجرة مِثْلِهَا، لزم الأَبَ إجابتُها إلى ذلك، وسواء وُجدَ غيرُها أو لم يُوجَد.\n• هذا منصوصُ الإمام أحمد.\n• فإن طلبت زيادة على أجرة مثلها زيادة كثيرة، ووَجد الأبُ مَنْ يُرضعه بأجرة المثل، لم يلزم الأبَ إجابتها إلى ما طلبت؛ لأنها تقصد المُضارَّة.\nوقد نص عليه الإمام أحمد أيضًا.\n• ومنها في البيع.\n• وقد ورد النهي عن بيع المضطر.\nخرّجه أبو داود من حديث علي بن أبي طالب أنه خطبَ الناس فقال: \"سيأتي على الناس زمان عَضُوضٌ، يَعضّ الموسِر على ما في يديه ولم يُؤْمَر بذلك \"قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ﴾ (^١) ويبايع المضطرون.\nوقد نهى رسولُ الله ﵌ عن بيع المضطر (^٢).\n• وخرجه الإسماعيلي، وزاد فيه: قال رسول الله ﵌: \"إن كان عِنْدك خيرٌ تعودُ به على أخيك، وإلا فلا تَزيدَنّهُ هَلاكًا إلى هلاكه\".\nوخرجه أبو يعلى الموصلي بمعناه من حديث حذيفة مرفوعًا أيضًا.\n• وقال عبد الله بن معقل: \"بيع الضرورة ربًا\" قال حرب: سئل أحمد عن بيع المضطر، فكرهه فقيل له: كيف هو؟ قال: يجيئُكَ وهو محتاج فتَبِيعُهُ ما يساوي عشرةً بعشرين؟!.\nوقال أبو طالب: قيل لأحمد: إن رَبح بالعشرة خمسة؟ فكره ذلك.\nوإن كان المشتري مسترسلًا لا يُحْسِن أن يماكِسَ فباعه بغبن كثير لم يجز أيضًا.\n• قال أحمد: \"الخلابة: الخداع، وهو أنه يغْبِنه (^٣) فيما لا يَتَغَابَنُ الناس في مثله: يبيعه ما يساوي دِرْهَمًا بخمسة.\n_________\n(^١) سورة البقرة: ٢٣٧.\n(^٢) أخرجه أبو داود في سننه: ١٧ - كتاب البيوع والإجارات: ٢٦ - باب في بيع المضطر ٣/ ٦٧٦ - ٦٧٧ ح ٣٣٨٢ وفي آخره زيادة لم يأت بها ابن رجب وهي: \"وبيع الغرر، وبيع الثمرة قبل أن تدرك\".\nوإسناد الحديث عنده ضعيف؛ ففيه رجل مجهول شيخ من بني تميم حدث عن علي ﵁.\n(^٣) م: \"يغتبنه\".","vol":"3","page":919},{"text":"ومذهب مالك وأحمد أنه يثبت له خيارُ الفَسْخِ بذلكِ.\nولو كان محتاجًا إلى نقد، فلم يجد مَنْ يُقْرضه، فاشترى سلعةً بثمن إلى أجل في ذمته، ومقصوده بيع تلك السلعة ليأخذ ثمنها، فهذا فيه قولان للسلف.\nورخص أحمد فيه في رواية (١).\nوقال في رواية: أخشى أن يكون مضطرًّا، فإن باع السلعة من بائعها (٢) له، فأكثر السلف على تحريم ذلك.\nوهو مذهب مالك وأبي حنيفة ﵏، وأحمد وغيرهم.\n* * *\n• ومن أنواع الضرر في البيوع: التفريقُ بين الوالدة وولدها في البيع، فإن كان صغيرًا حَرُمَ بالاتفاق.\nوقد روي عن النبي ﵌ أنه قال: \"من فَرَّقَ بين والدة وَوَلَدِهَا؛ فَرَّقَ الله بينه وبين أحبته يوم القيامة (^٣) \"، فإن رضيت الأم بذلك، ففي جوازه اختلاف.\n_________\n(١، ٢) ليست في م.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٤١٣، ٤١٤ الحلبي من طريق حسن بن موسى، عن عبد الله بن لهيعة، عن حيي بن عبد الله المعافري، عن أبى عبد الرحمن الحبلي، قال: كنا في البحر، وعلينا عبد الله بن قيس الفزاري، ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فمر بصاحب المقاسم، وقد أقام السبي فإذا امرأة تبكي، فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: فرقوا بينها وبين ولدها، قال: فأخذ بيدها حتى وضعه في يدها، فانطلق صاحب المقاسم إلى عبد الله بن قيس فأخبره، فأرسل إلى أبي أيوب الأنصاري فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه بين الأحبة يوم القيامة\".\nلفظ الموضع الأول.\nواقتصر في الموضع الثاني على الحديث المرفوع دون القصة وأخرجه الترمذي في السنن: ١٢ - كتاب البيوع: ٥٢ - باب ما جاء في كراهية الفرق بين الأخوين أو بين الوالدة وولدها في البيع ٣/ ٥٨٠ ح ١٢٨٣ من طريق عمر بن حفص الشيباني عن عبد الله بن وهب بن حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي - به - فذكر الحديث المرفوع بنحو ما أورد ابن رجب.\nوعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب.\nولم يخرجه من أصحاب الكتب الستة سوى الترمذي.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٥٥ من طريق أبي النضر الفقيه، عن عثمان بن سعيد الدارمي، عن سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي عن عبد الله بن وهب - به - بمثل ما أورد ابن رجب.\nوصححه على شرط مسلم وسكت عنه الذهبي وأورده الشيخ ناصر الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته ص ١٠٩٥ ح ٦٤١٢ ونص على صحته.","vol":"3","page":920},{"text":"ومسائل الضرر في الأحكام كثيرة جدًّا.\nوإنما ذكرنا هذا على وجه المثال.\n* * *\n• والنوع الثاني أن يكون له غرض آخر صحيح، مثل أن يتصرف في مِلْكِهِ بما فيه مصلحة له؛ فيتعدى ذلك إلى ضرر غيره، أو يمنع غيره من الانتفاع بِمْلِكِه، توفيرًا له (^١) فيتضرر الممنوع بذلك.\n• فأما الأول وهو التصرف في مِلْكه بما يتعدى ضررُه إلى غيره.\nفإن كان على غير الوجه المعتاد مثل أن يؤجج في أرضه نارًا في يوم عاصف فيحرق (^٢) ما يليه؛ فإنه متعدٍّ بذلك، وعليه الضمان.\nوإن كان على الوجه المعتاد ففيه للعلماء قولان مشهوران.\nأحدهما: لا يُمنع من ذلك، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما.\n• والثاني: المنع، وهو قول أحمد، ووافقه مالك في بعض الصور.\nفمن صور ذلك أن يفتح كوة في بنائه العالي مشرفةً على جاره، أو يبني بناءً عاليًا يشرف على جاره ولا يستره؛ فإنه يُلَزَمُ بستره.\nنص عليه أحمد ووافقه طائفة من أصحاب الشافعي.\nقال الرويانى منهم في كتاب الحلية:\nيجتهد الحاكم في ذلك، ويمنع إذا ظهر له التعنُّتُ، وقَصْدُ الفساد.\nقال: وكذلك القول في إطالة البناء، ومنع الشمس والقمر.\n• وقد خرج الخرائطي وابن عدي بإسناد ضعيف، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده مرفوعًا حديثا طويلًا في حق الجار، وفيه: لا يستطيل (^٣) بالبناء، فيحْجُبُ عنه الريح إلا بإذنه (^٤).\n_________\n(^١) ليست في م.\n(^٢) م: \"فيحترق\".\n(^٣) م: \"ولا تستطيل\".\n(^٤) أخرج الخرائطي شطره الأول في مساوى الأخلاق ص ١٥٤ ح ٤٠٢ من حديث عثمان بن عطاء بن أبي مسلم الخراساني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول اللّه - ﷺ -: \"من أغلق بابه دون جاره مخافة على أهله وماله فليس ذلك بمؤمن، وليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه\".=","vol":"3","page":921},{"text":"• ومنها أن يحفر بئرًا بالقرب من بئر جاره، فيذهب ماؤها، فإنها تُطَمُّ في ظاهر مذهب مالك وأحمد.\n• وخرج أبو داود في المراسيل من حديث أبي قلابة قال: قال رسول اللّه ﵌ \"لا تضارُّوا في الحفر\" وذلك أن يحفر الرجل إلى جنب الرجل؛ ليذهب بمائه (^١).\n• ومنها أن يحدث في مِلْكِه ما يضر مِلْكَ جاره من هزٍّ أو دقٍّ ونحوهما؛ فإنه يمنع منه في ظاهر مذهب مالك وأحمد.\nوهو أحد الوجوه للشافعية.\n• وكاذا إذا كان يضرُّ بالسكّان كما إذا كان له رائحة خبيثة ونحو ذلك.\n• ومنها أن يكون له مِلْكٌ في أرض غيره ويتضرر صاحب الأرض بدخوله إلى أرضه؛ فإنه يجبر على إزالته ليندفع (^٢) به ضَرَرُ الدخول.\nوخرج أبو داود في سننه من حديث أبي جعفر: محمد بن علي، أنه حدّث عن سُمْرة بن جندب، أنه كان له عَذْق من نخل في حائط رجل من الأنصار ومع الرجل أهله،\n_________\n= وضعفه محققه بعثمان بن عطاء وعطاء بن أبي مسلم كلاهما ضعيف وثانيهما مدلس وقد رواه بالعنعنة وأحال إلى الميزان ٣/ ٤٨، والتقريب ٢/ ٣٢، ٢٣ وأشار إلى رواية ابن عدي والبيهقي في الشعب له.\nوقد أورد ابن عدي في الكامل ٥/ ١٧١ الحديث كاملًا من طريق أبي قصي، عن سليمان بن عبد الرحمن، عن سويد بن عبد العزيز، عن عثمان بن عطاء الخراساني - به - أن رسول اللّه - ﷺ - قال … فذكره وأضاف إلى ما رواه الخرائطي بقية الحديث أتدري ما حق الجار؟ إذا استعانك أعنته، وإذا استقرضك أقرضته، وإذا افتقر عدت عليه، وإذا مرض عدته، وإذا أصابه خير هنأته، وإذا أصابته مصيبة عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء تحجب عنه الريح إلا بإذنه، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها، وإن اشتريت فاكهة فأهد له، فإن لم تفعل فأدخلها سرًّا، ولا يخرجها ولدك ليغيط بها ولده، أتدرون ما حق الجار؟ والذي نفسى بيده ما يبلغ حق الجار إلا قليل ممن ﵀، فما زال يوصيهم حتى ظنوا أنه سيورثه ثما قال رسول اللّه - ﷺ -: \"الجيران ثلاثة:\nفمنهم من له ثلاثة حقوق، ومنهم من له حقان، ومنهم من له حق، فأما الذي له ثلاثة حقوق فالجار المسلم القريب له حق الجوار، وحق الإسلام، وحق القرابة، وأما الذي له حقان فالجار المسلم، له حق الإسلام وحق الجوار، وأما الذي له حق واحد: الجار الكافر له حق الجوار، قلنا: يا رسول اللّه - ﷺ -: نطمعهم من نسكنا؟ قال: لا تطعموا المشركين شيئًا من النسك\".\nوقد ذكر ابن عدي: أن عثمان بن عطاء - راوي الحديث ضعيف، منكر الحديث، وليس بالقوي في الحديث، وأنه مع ذلك - ممن يكتب حديثه.\nوفي م: \"فيحب عنه الريح\" وهو تحريف بين.\n(^١) أخرجه أبو داود في المراسيل ٤/ ٣٢٨.\n(^٢) \"ا\": \"ليدفع\".","vol":"3","page":922},{"text":"وكان سَمُرَةُ يدخل إلى نخله فيتأذى به، ويشُقُّ عليه فطلب إليه أن يناقله فأبى فأتى النبيَّ ﵌ فذكر ذلك له فطلب إليه النبي ﵌ أن يبيعه فأبى فطلب إليه أن يناقله فأبى قال: فهبْهُ له ولك كذا وكذا أمرا رغَّبَهُ فيه فأبى فقال: أنت مضار؛ فقال النبي ﵌ للأنصاري: اذهب فاقلع نخله (^١).\n* * *\n• وقد روي عن أبي جعفر مرسلا: قال أحمد في رواية حنبل بعد أن ذكر له هذا، الحديث: كل ما كان على هذه الجهة وفيه ضرر، يمنع من ذلك، فإن أجاب؛ وإلا أجبره السلطان، ولا يضرّ بأخيه في ذلك؛ فيه (^٢) مرفق له.\n• وخرج أبو بكر الخلال من رواية عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن عبد اللّه بن سليط (^٣) بن قيس، عن أبيه أن رجالًا من الأنصار كانت في حائطة نخلة لرجل آخر وكان صاحب النخلة لا يريُمها (^٤) غدوة وعشية، فشق ذلك على صاحب الحائط فأتى النبيَّ صلى اللّه عليه وآله سلم، فذكر ذلك له؛ فقال النبي ﵌ لصاحب النخلة: \"خذ منه نخلة مما يلى الحائط مكان نخلتك\".\nقال: لا واللّه.\nقال: \"فخذ مني ثنتين\".\nقال: لا واللّه.\nقال: \"فهبها لي\" قال: لا واللّه.\nقال: فردّد عليه رسول اللّه ﵌، فأبى؛ فأمر رسول اللّه صلى\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنن: ١٨ - كتاب الأقضية: ٣١ - أبواب من القضاء ٤/ ٥٠ ح ٣٦٣٦.\nوفيه: أنه كان له عضد من نخل، والعَذْق بفتح العين: النخلة، وبالكسر، العرجون بما فيه من الشماريخ ويجمع على عذاق (نهاية ٣/ ١٩٩ وقال الخطابي: رواه أبو داود (عضدًا) وإنما هو (عضيد) من نخيل: يريد: نخيلا لم تَبْسُق ولم تطُل، قال الأصمعي: إذا صار للنخلة جذع يتناول منه المتناول، فتلك النخلة العضيد، وجمعه: عضيدات.\nوفيه من العلم أنه أمر بإزالة الضرر عنه، وليس في هذا الخبر أنه قلع نخله، ويشبه أن يكون إنما قال ذلك ليردعه به عن الإضرار (أعلام السنن بهامش أبى داود).\n(^٢) م: \"وفيه\".\n(^٣) م: \"سابط\".\n(^٤) \"لا يريمها\": لا يبرحها، ومنه قوله - ﷺ - للعباس ﵁: \"لا تَرِمْ من منزلك غدا أنت وبنوك\" أي لا تبرح، يقال رام يريم إذا ترح وزال من مكانه.\nالنهاية ٢/ ٢٩٠.","vol":"3","page":923},{"text":"اللّه وآله وسلم أن يعطه نخلة مكان نخلته.\n• وخرج أبو داود في المراسيل من رواية ابن إسحاق عن محمد بن يحيى بن حبان عن عمه واسع بن حبان قال: كان لأبي أبابة عذق في حائط رجل فكلمه فقال: إنك تطأ حائطي إلى عَذْقك، فأنا أعطيك مثله في حائطك، وأخرجه عني، فأبى عليه فكلم النبيَّ ﵌ فقال: \"يا أبا لُبَابة! خُذْ مثلَ عَذْقِكَ فحزها إلى مالك واكْفُفْ عن صاحبك ما يكره\" فقال: ما أنا بفاعل فقال: \"اذهب فأخْرِجْ له مِثل عذقه إلى حائطه ثم اضرب فوق ذلك بجدار؛ فإنه لا ضرر في الإسلام ولا ضرار\" (^١).\nففي هذا الحديث والذي قلبه إجباره على المعاوضة؛ حيث كان على شريكه أو جاره ضرر في تركه.\nوهذا مثل إيجاب الشفعة لدفع ضرر الشريك الطارئ.\nويستدل بذلك أيضًا على وجوب العمارة على الشريك الممتنع من العمارة.\nوعلى إيجاب البيع إذا تعذرت القسمة.\n• وقد ورد من حديث محمد بن أبي بكر، من أبيه مرفوعًا \"لا تعضِيةَ في الميراث، إلا ما احتمل القَسْم\" (^٢) وأبو بكر هو ابن عمرو بن حزم، قاله الإمام أحمد.\n_________\n(^١) يبد: أن في المراسيل ط. الأزهر سقطا فهذا هو النص فيه ٤/ ٣٢٧ - ٣٢٨:\nوعن واسع بن حبان قال: كانت لأبي لبابة عذق في حائط رجل، فكلمه، فقال: إنك تطأ حائطي إلى عَذْقك فحزها إلى مالك، واكفف صاحبك ما يكره … الحديث\" وهو بتمامه في طبعة دار القلم ٢٠٦.\n(^٢) التعضية: التفريق ومعنى الحديث: أن يموت الرجل ويدع شيئًا إن قسم بين ورثته استضروا أو بعضهم كالجوهرة والطيلسان والحمام ونحو ذلك نهاية ٣/ ٢٥٦.\nوالحديث أخرجه الدارقطني في السنن كتاب الأقضية والأحكام ٤/ ٢١٩ من رواية الحسين بن إسماعيل، عن خلاد بن أسلم، عن روح بن عبادة، عن ابن جريح، عن صديق بن موسى، عن محمد بن أبي بكر، عن أبيه عن النبي - ﷺ -: فذكره.\nمن طريق الحسين بن إسماعيل، عن عبد اللّه بن شبيب، عن عبد الجبار بن سعيد: عن سليمان بن محمد، عن أبي بكر بن سبرة، عن ابن جريح - به - بنحوه.\nوأعله صاحب التعليق المغني بصديق بن موسى قال: وهو ليس بالحجة.\nوأخرجه البيهقي في السنن: كتاب آداب القاضي: باب ما لا يحتمل القسمة ١٠/ ١٣٣ من طريق صديق بن موسى عن محمد بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم من أبيه رفعه.\nثم قال البيهقى بعد أن شرح الحديث: والتعضية التفريق، وهو مأخوذ من الإعضاء، يقال عضيت اللحم إذا فرقته.\nوأورد قول الشافعي في القديم، ولا يكون مثل هذا الحديث حجة، لأنه ضعيف، وهو قول من لقينا من فقهائنا.\nقال البيهقي: وإنما ضعفه لانقطاعه وهو قول الكافة.","vol":"3","page":924},{"text":"والحديث حينئذ مرسل.\nوالتعضية هي القسمة.\nومتى تعذرت القسمة لكون المقسوم يُتضرر بقسمته وطلَبَ أحدُ الشريكين البيعَ أُجْبِرَ الآخرُ وقسم الثمن (^١).\nنص عليه أحمد وأبو عبيد وغيرهما من الأئمة.\n• وأما الثاني: وهو منع الجار من الانتفاع بملكه والارتفاق به فإن كان ذلك يضر (^٢) بمن انتفع بملكه فله المنع كمن له جدار واهٍ لا يحمل أن يطرح عليه خشب وأما إنْ لم يضرَّ به فهل يجب عليه التمكين، ويحرم عليه الامتناع أمْ لا؟ فمن قال في القسم الأول: لا يمنع المالك من التصرف في مِلكِهِ وإن أضرّ بجَارِهِ: قال هنا للجار المنع من التصرف في مِلْكِه بغير إذنه.\nومن قال هناك بالمنع؛ فاختلفوا ههنا على قولين.\n• أحدهما: المنع ههنا وهو قول مالك.\n• والثاني: أنه لا يجوز المنع وهو مذهب أحمد في طرح الخشب على جدار جاره.\nووافقه الشافعي في القديم، وإسحاق، وأبو ثور، وداود وابن المنذر، وعبد الملك بن جيب المالكي، وحكاه مالك عن بعض قضاة المدينة.\n• وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يمنعنّ أَحَدُكم جارَه أن يغرزَ خشبةً على جداره\".\n• قال أبو هريرة: ما لي أرأكم عنها معرضين؟ واللّه لأرمينَّ بها بين أكتافكم (^٣).\nوقضى عمرُ بنُ الخطَّابِ ﵁ على محمد بن مسلمة أن يُجْرِي ماءَ جاره في أرضه.\nوقال لتَمُرَّنَّ به ولو على بطنك.\nوفي الإجبار على ذلك روايتان عن الإمام أحمد.\n• ومذْهب أبي ثور الإجبار على إجراء الماء في أرض جاره إذا أجراه في قناة (^٤) في\n_________\n(^١) ليست في م.\n(^٢) \"ا\": \"مضر\".\n(^٣) مضى تخريج الحديث ص ٣٨٨.\n(^٤) \"ا\": \"قنى\". وانظر الموطأ ٢/ ٧٤٦ ح ٣٣ وترتيب مسند الشافعي ٢/ ١٣٤ - ١٣٥.","vol":"3","page":925},{"text":"باطن أرضه نقله عنه حرب الكرماني.\n* * *\n• ومما ينهى عن منعه للضرر (^١) منع الماء والكلأ.\n• وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵌: \"لا تَمْنَعُوا فَضْلَ الماء لتمنعُوا (^٢) به الكَلأَ\".\n• وفي سنن أبي داود أن رجلًا قال: يا نبي اللّه! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: \"الماء\" قال: يا نبي اللّه! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: \"الملح\" قال! يا نبي اللّه! ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: \"أن تفعل الخيرَ خيرٌ لك\" (^٣).\n• وفيه أيضًا: أن النبي ﵌ قال: \"الناسُ شركاءُ في ثلاثٍ الماءُ\n_________\n(^١) ب: \"لضرر\".\n(^٢) أخرجه البخاري في: ٤١ - كتاب الحرث والمزارعة: ٢ - باب من قال إن صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى؛ لقول النبي - ﷺ -: \"لا يمنع فضل الماء\" ٥/ ٣١ ح ٢٣٥٣، ٢٣٥٤ من وجهين عن أبي هريرة وفي: ٩٠ - كتاب الحيل: ٥ - باب ما يكره من الاحتيال في البيوع ولا يمنع فضل الماء يمنع به فضل الكلأ ١٢/ ٣٣٥ ح ٦٩٦٢ من وجه ثالث عن أبي هريرة.\nولفظ الأول: \"لا يمنع فضل اللّه ليمنع به الكلأ\".\nوالثانى: \"لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به الكلأ\".\nوالثالث: \"لا يمنع فضل الماء ليمنع به الكلأ\".\nوالأول رواه عن عبد اللّه بن يوسف، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعا.\nوالثالث: رواه عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك - به -.\nوالثاني: رواه عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة.\nفلم يتكرر إسناد ولا صيغة.\nوأخرجه مسلم في: ٢٢ كتاب المساقاة: ٨ - باب تحريم فضل بيع الماء الذي يكون بالفلاة ويحتاج إليه لرعي الكلأ، وتحريم منع بذله، وتحريم بيع ضراب الفحل ٣/ ١١٩٨ ح ٣٦ (١٥٦٦)، ٣٧، ٣٨ من وجهين عن مالك بلفظ واحد كنص الأولى عند البخارى.\nوالثانى كالثانى في البخارى والثالث: لا يباع فضل الماء ليباع به الكلأ وكلاهما من وجهين آخرين عن أبي هريرة.\n(^٣) أخرجه أبو داود في: ٣ - كتاب الزكاة: ٣٥ - باب ما لا يجوز منعه ٢/ ٣٠٨ ح ١٦٦٩، من رواية عبيد اللّه بن معاذ، عن أبيه، عن كهمس، عن سيار بن منظور، عن أبيه، عن امرأة يقال لها بهَيسة عن أبيها قالت: \"استأذن أبي النبي - ﷺ - فدخل بينه وبين قميصه فجعل يقبل ويلتزم ثم قال: يا رسول اللّه! فذكره … \".\nوقد سكت عنه واكتفى المنذري بقوله: وأخرجه النسائي، فهو حسن. عون المعبود ٢/ ٥٢. ورواه في: ١٧ - كتاب البيوع والإجارات: ٢٦ باب منع الماء ٣/ ٧٥٠ ح ٣٤٧٦ بإسناده ولفظه، وفيه: يا نبي اللّه! بدل يا رسول اللّه! في الأولى والثالثة.","vol":"3","page":926},{"text":"والنارُ والكَلأُ\" (^١).\n• وذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يُمنع فضلُ الماء الجارى والنابع مطلقًا سواء قيل إن الماء مِلْكٌ لمالك (^٢) أرضه أم لا.\n• وهذا قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيدٍ وغيرهم.\nوالمنصوص عن أحمد وجوبُ بذله مجانًا بغير عوض للشرب، وسقي البهائم، وسقي الزروع.\n• ومذهب أبي حنيفة والشافعي لا يجب بذله للزرع.\n• واختلفوا هل يجب بذله مطلقًا؟ أو إذا كات بقرب الكلأ وكان منعه مُفْضِيًا إلى منع الكلأ على قولين لأصحابنا وأصحاب الشافعي.\n• وفي كلام أحمد ما يدل على اختصاص المنع بالقرب من الكلأ.\n• وأما مالِكٌ فلا يجبُ عنده بذلُ فضل الماء المملوك بملك مَنْبعِهِ ومجراه إلا للمضطر كالمُحازِ في الأوعية، وإنما يجب عنده بذل فضل الماء الذي لا يُمْلَك.\n• وعند الشافعي حكم الكلأ كذلك يجوز منعُ فضله إلا في أرض الموات.\n• ومذهب أبي حنيفة وأحمد وأبي عبيد: أنه لا يُمنع فضلُ الكلأ مطلقًا.\n• ومنهم من قال: لا يمنع أحال الماء والكلأ إلا أهل الثغور خاصة.\nوهو قول الأوزاعى، لأن أهل الثغور إذا ذهب ماؤهم وكلؤهم لم يقدروا أن يتحولوا من مكانهم من وراء بَيْضةِ الإسلام وأَهْلِهِ.\n• وأما النهي عن منع النار فحمله طائفة من الفقهاء على النهي عن الاقتباس منها دون أعيان الجمر.\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنن في الموضع السابق عقب الحديث المذكور ح ٣٤٧٧ من حديث علي بن الجعد، عن حريز بن عثمان، عن حبان بن زيد الشرعي، عن رجل من قرن.\nومن رواية مسدد عن عيسى بن يونس، عن حريز بن عثمان، عن أبي خداش - حبان بن زيد لفظ علي بن الجعد - عن رجل من المهاجرين من أصحاب النبي - ﷺ - قال: غزوت مع النبي - ﷺ - ثلاثا أسمعه يقول:\n\"المسلمون شركاء في ثلاث: في الكلأ والماء والنار\".\nوليست بدايته كما عند ابن رجب.\nوالحديث سكت عنه كل من أبي داود والمنذري راجع عون المعبود (٣/ ٢٩٤) فهو حسن.\n(^٢) ليست في م.","vol":"3","page":927},{"text":"ومنهم من حمله على منع الحجارة الْمُورِية للنار.\nوهو بعيد.\nولو حمل على منع الاستضاءة بالنار، وبذل ما فضل عن جاحة صاحبها بها لمن يستدفيء بها أو يُنْضج عليها طعامًا ونحوه لم يبعد.\n• وأما الملح فلعله يحمل على منع أخذه من المعادن الباحة فإن الملح من المعادن الظاهرة لا يملك بالإحياء ولا بالإقطاع.\nنص عليه أحمد.\n• وفي سنن أبي داود أن النبي ﵌ أقطع رجلًا الملح فقيل له: يا رسول اللّه! إنه (^١) بمنزلة الماء العِدِّ (^٢) فانتزعه منه (^٣).\n• ومما يدخل في عموم قوله ﵌: \"لا ضرر\" أن اللّه تعالى لم يكلف عباده فعل ما يضرهم البتة، فإن ما يأمرهم به هو عينُ صلاح دينهم ودنياهم (^٤)، وما نهاهم عنه هو عين فساد دينهم ودنياهها، لكنه لم يأمر عباده بشيء هو ضارٌّ لهم في أبدانهم أيضًا؛ ولهذا أسقط الطهارة بالماء عن المريض.\n• وقال: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ (^٥).\nوأسقط الصيام عن المريض والمسافر.\n• وقال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر﴾ (^٦) وأسقط اجتناب\n_________\n(^١) م \"يا رسول اللّه! لم؟ إنه\".\n(^٢) العِدّ: هو الماء الدائم الذي لا تنقطع مادته، وجمعه أعداد، ومنه الحديث: نزلوا أعداد مياه الحديبية، أي ذوات المادة كالعيون والآبار (نهاية ٣/ ١٨٩).\n(^٣) أخرجه أبو داود في: ١٤ - كتاب الخراج والإمارة والفيء: ٣٦ - باب إقطاع الأرضين ٣/ ٤٤٦ - ٤٤٧ عن قتيبة بن سعيد الثقفي، ومحمد بن المتوكل العسقلانى عن محمد بن يحيى بن قيس عن أبيه، عن ثمامة بن شراحيل، عن سمي بن قيس، عن شمير، قال ابن المتوكل: ابن عبد المدان، عن أبيض بن حمال أنه وفد إلى رسول اللّه - ﷺ - فاستقطعه الملح، قال ابن المتوكل: الذي بمأرب، فقطعه له، فلما أن ولى قال رجل من المجلس: أتدري ما قطعت له؟ إنما قطعت له الماء العِدَّ، قال فانتزع منه، قال: وسأله عما يحمى من الأراك، قال: ما لم تنله خفاف قال ابن المتوكل: أخفاف الإبل\".\nونقل صاحب عون المعبود ٣/ ١٤٠ عن المنذري قوله: وأخرجه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: حسن غريب.\nورد هذا بقوله: وفي إسناده محمد بن يحيى بن قيس السبئ المأربي قال ابن عدي: أحاديثه مظلمة منكرة فهو إسناد ضعيف.\n(^٤) ب: \"لدينهم ودنياهم\".\n(^٥) سورة المائدة: ٦.\n(^٦) سورة البقرة: ١٨٥.","vol":"3","page":928},{"text":"محظورات الإحرام كالحلق ونحوه عمن كان مريضًا أو به أذى من رأسه وأمر بالفدية.\n• وفي المسند عن ابن عباس قال: قيل لرسول اللّه ﵌: أيّ الأديان أحب إلى اللّه؟ قال: \"الحنيفية السمحة (^١) \".\n• ومن حديث عائشة ﵂ عن النبي ﵌ قال: \"إنى أرْسِلْتُ بحنيفية سمحة\" (^٢).\nومن هذا المعنى ما في الصحيحين عن أنس أن النبي ﵌ رأى رجلًا يمشي قيل له: إنه نذر أن يحج ماشيًا فقال: \"إن اللّه لَغَنِيٌّ عن مشيه فليركب\".\n• وفي رواية \" إن اللّه لغنيّ عن تعذيب (^٣) هذا نَفْسه\".\nوفي السنن عن عُقْبَةَ بن عامر أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت فقال النبي ﵌: \"إن اللّه لا يصنع بشَقَاء أختك شيئًا؛ فلتركَبْ\" (^٤).\n• وقد اختلف العلماء في حكم من نذر أن يحج ماشيًا.\nفمنهم من قال: لا يلزمه المشي، وله الركوب، بكل حال وهو رواية عن الأوزاعي وأحمد.\n• وقال أحمد: يصوم ثلاثة أيام، وقال الأوزاعي: عليه كفارة يمين والشهور أنه يلزمه ذلك إن أطاقه فإن عجز عنه فقيل يركب عند العجز، ولا شيء عليه، وهو أحد\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢٣٦ (الحلبى) ٣/ ٣٥٥ (المعارف) وحكم بصحة إسناده ولكنه عقب عليه بقول الهيثمي في المجمع ١/ ٦٠: \"رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط والبزار وفي ابن إسحاق وهو مدلس ولم يصرح بالسماع\". ثم لم يعقب بشيء يرد به على الهيثمي بعد أن حكم هو بصحة الحديث.\nوأورده البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان: باب الدين يسر وقول النبي - ﷺ -: \"أحب الدين إلى اللّه الحنيفية السمحة\" هكذا تعليقًا، وحسنه ابن حجر في الفتح ١/ ٩٤ وانظر ما علق به على الحديث: وصله.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ١١٦، ٢٣٣ أن عائشة قالت: قال رسول اللّه - ﷺ - يومئذ: \"لتعلم يهود أن في ديننا فسحة إني أرسلت بحنيفية سمحة\".\n(^٣) أخرجه البخارى في: ٨٣ - كتاب الأَيمان والنذور: ٣١ - باب النذر فيما، يملك وفي معصية ١١/ ٥٨٥ - ٥٨٦ من طريق مسدد عن يحيى، عن حميد، عن ثابت، عن أنس، بالنص الثاني الذي أورده ابن رجب وزاد. ورآه يمشي بين أبْنَيْهِ.\nورواه مسلم في صحيحه: ٢٦ - كتاب المنذر: ٤. باب من نذر أن يمشي إلى الكعبة ٣/ ١٢٦٣ - ١٢٦٥ ح ٩ (١٦٤٢)، ١٠ (١٦٤٣) من وجوه عن أنس بنحوه.\n(^٤) نص الحديث عند مسلم عقب الحديث السابق أن عقبة بن عامر قال: نذرت أختي أن تمشي إلى بيت اللّه حافية، فأمرتني أن أستفتي لها رسول اللّه - ﷺ - فاستفتيته، فقال: \"لتمش ولتركب\" وهو عند أبي داود من وجوه عديدة في: ١٦ - كتاب الأيمان والنذور: ٢٣ - باب من رأى عليه كفارة إذا كان معصية ٣/ ٥٩٦ - ٦٠٢ ح ٣٢٩٣، ٣٢٩٤، ٣٢٩٥، ٣٢٩٦، ٣٢٩٧، ٣٢٩٨، ٣٢٩٩، ٣٣٠٣، ٣٣٠٤.","vol":"3","page":929},{"text":"قولي الشافعي.\nوقيل: بل عليه مع ذلك كفارة يمين.\nوهو قول الثوري وأحمد في رواية.\nوقيل: بل عليه دم، قاله طائفة من السلف منهم عطاء، ومجاهد، والحسن، والليث، وأحمد، في رواية.\nوقيل: يتصدق بكراء ما ركب.\n• وروى عن الأوزاعى وحكاه عن عطاء.\n• وروى عن عطاء يتصدق بقدر نفقته عند البيت، وقالت طائفة من الصحابة وغيرهم: لا يجزيه الركوب بل يحج من قابل، فيمشي ما ركب، ويركب ما مشى.\nوزاد بعضهم وعليه هدي.\nوهو قول مالك إذا كان ما ركبه كثيرًا.\n• ومما يدخل في عمومه أيضًا أنّ مَنْ عليه دَيْن، لا يطَالَب به مع إعساره؛ بل ينْظَرُ إلى حال يساره، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ \" (^١).\nوعلى هذا جمهور العلماء؛ خلافًا لشُرَيح في قوله: إن الآية مختصة بديون الربا في الجاهلية.\n• والجمهور أخذوا باللفظ العام، ولا يكلف الدين أن يقضيَ مما عليه في خروجه من مِلْكه ضَرَرٌ كثيابه، ومسكنه المحتاج إليه، وَخَادِمِه كذلك، ولا ما يحتاج إلى التجارة به، لنفقته ونفقة عياله.\nهذا مذهب الإمام أحمد رحمه اللّه تعالى.\n* * *\n_________\n(^١) سورة البقرة: ٢٨٠ وانظر مصنف عبد الرزاق ٨/ ٣٠٥ ح ١٥٣٠٩ وتفسير الطبري ٦/ ٣٠ ح ٢٦٧٨ وما بعده والدر المنثور ١/ ٣٦٨ وتفسير القرطبي ٣/ ٣٧١ - ٣٧٢ وفيه الرد على شريح وتوضيح الاحتجاج للجمهور وأن الآية عامة في الربا وغيره.","vol":"3","page":930},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1141>الحديث الثالث والثلاثون</span>\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ (تَعَالَى) عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قالَ:\n\"لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادَّعى رِجالٌ أَمْوَالَ قَوْمٍ وَدِماءَهُمْ (^١) ولكن البَيِّنةُ عَلَى المُدَّعِى، وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ\". حَدِيثٌ حَسَنٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1142>[تخريج الحديث]:</span>\nرَوَاهُ البَيْهَقِيُّ وَغْيْرُهُ هَكَذَا، وَبَعْضُهُ في الصَّحِيحَين (^٢).\n* * *\nأصل هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من حديث ابن جريج عن ابن أبي مُلَيْكَة عن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما عن النبي ﵌ قال: \"لو يعطى الناس بدعواهم؛ لادعى ناس دماء رجال وأموالهم؛ ولكن اليمين على المدعَى عليه (^٣).\n• وخرجاه (^٤) أيضًا من رواية نافع بن عمر الْجُمَحِى، عن ابن أبي مُلَيكَة، عن ابن\n_________\n(^١) م: \"لكن\".\n(^٢) رواه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الدعوى والبينات: باب البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ١٠/ ٢٥٢ من طرق ووجوه عديدة أحدها النص الذي أورده ابن رجب وأخرجه في كتاب البيوع: باب اختلاف المتبابعين ٥/ ٢٣١ - ٢٣٢ بنحوه.\nوالبغوى في شرح السنة كتاب الإمارة والقضاء: باب البينة على المدعي واليمين على من أنكر ١٠/ ١٠١.\nوابن ماجه في السنن: ١٣ - كتاب الأحكام: باب البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ٢/ ٧٧٨ ح ٢٣٢١.\nوأحمد في المسند ١/ ٣٤٢ - ٤٤٣، ٣٥١، ٣٦٣ (الحلبي)، ٥/ ٦٨، ٩٩ - ١٠٠، ١٤٣ ح ٣١٨٨، ٣٢٩٢، ٣٤٢٧ - (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه الشيخ أحمد شاكر.\n(^٣) رواية ابن جُريج أخرجها البخاري في: ٦٥ - كتاب التفسير: ٣ - باب ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾ ٨/ ٢١٣ ح ٤٥٥٢.\nوهي عند مسلم في: ٣٣ - كتاب الأقضية: أ - باب اليمين على المدعى عليه ٣/ ١٣٣٦ ح ١ - (١٧١١).\n(^٤) رواية نافع بن عمر الجمحي عند البخاري في: ٤٨ - كتاب الرهن: ٦ - باب إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه فالبينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه ٥/ ١٤٥ ح ٢٥١٤ وفيه يروي نافع عن ابن عمر أن ابن أبي مليكة قال: كتبت إلى ابن عباس فكتب إليَّ أن النبي - ﷺ - قضى أن اليمين على المدعى عليه في الأموال والحدود، وقال النبي - ﷺ -: شاهداك أو يمينه ٥/ ٢٨٠ ح ٢٦٦٨ بنحوه.\nوأخرجه مسلم في الأقضية عقب الحديث السابق.","vol":"3","page":931},{"text":"عباس أن النبي - ﷺ - قضى: \"أن اليمين على المدعى عليه\".\nواللفظ الذي ساقه به الشيخ ساق ابن الصلاح مثله في الأحاديث الكليات وقال: رواه البيهقى بإسناد حسن.\n• وخرجه الإسماعيلي في صحيحه، من رواية الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، أن النبي ﵌ قال: \"لو يُعطى الناسُ بدعواهم؛ لادَّعَى رجالٌ دماءَ رجالي وأموالَهم، ولكن البينةَ على الطالبِ واليمينَ على المطْلُوب\".\n• وروى الشافعي: أنبأ مسلم بن خالد، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، أن رسول الله ﵌ قال: \"البينة على المدعي\".\nقال الشافعي: وأحسبه ولا أثبته أنه قال: \"واليمين على المدعى عليه\" (^١).\n• وروي محمد عن عمر بن لبابة الفقيه الأندلسي، عن عثمان بن أيوب الأندلسي - ووصفه بالفضل - عن غازي بن قيس، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس، عن النبي ﵌. فذكر هذا الحديث، قال: \"لكن (^٢) البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر\".\nوغازي بن قيس: أندلسي كبير صالح، سمع من مالك، وابن جريج وطبقتهما.\nوسقط من هذا الإسناد ابن جريج.\nوقد استدل الإمام أحمد، وأبو عبيد، بأنَّ النبي ﵌ قال: \"البينة على المدعي واليمين على من أنكر\".\nوهذا يدل على أن هذا اللفظ عندهما صحيح محتج به.\nوفي المعنى أحاديث كثيرة.\n• ففي الصحيحين (^٣) عن الأشعثِ بن قيس قال: كان بيني وبين رجل خصومة في\n_________\n(^١) ليست في م.\n(^٢) ترتيب مسند الشافعي ١٢/ ١٨١ بنصه.\n(^٣) راجع في هذا ما أخرجه البخاري في: ٤٢ - كتاب المساقاة: ٤ - باب الخصومة في البئر، والقضاء فيها ح ٢٣٥٦، ٢٣٥٧ وأحاديث: ٢٤١٦، ٢٤١٧، ٢٥١٦، ٢٥٥٥، ٢٦٦٦، ٢٦٦٧، ٢٦٦٩، ٢٦٧٠، ٢٦٧٣، ٢٦٧٦، ٢٦٧٧، ٤٥٤٩، ٤٥٥٠، ٦٦٥٩، ٦٦٦٠، ٦٦٧٦، ٦٦٧٧، ٧١٨٣، ٧١٨٣.\nوما أخرجه مسلم في: ١ - كتاب الإيمان: ٦١ - باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار ١/ ١٢٢ - ١٢٤ ح ٢١٨ - (١٣٧)، ٢١٩ - (…)، ٢٢٠ - (١٣٨)، ٢٢١ - (…)، ٢٢٢ - (…)، ٢٢٣ - (١٣٩)، ٢٢٤ - (…) وهذا الموضع =","vol":"3","page":932},{"text":"بئر فاختصمنا إلى رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: \"شاهداك أو يمينُه\" قلت: إذًا يحلفُ ولا يبالي؟ فقال رسول الله ﵌: \"مَنْ حَلَفَ على يمين يستحقُّ بها مالًا هو فيها فاجرٌ لقى الله وهُو عليه غضبان\" فأنزل الله، تصديق ذلك ثم اقترأ هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (^١) الآية.\n• وفي رواية لمسلم بعد قوله إذا يحلف قال: \"ليس لك إلا ذلك\".\n• وخرجه مسلم أيضًا بمعناه من حديث وائل بن حُجر، عن النبي ﵌.\n• وخرج الترمذي من حديث العرزمي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵌ قال في خطبته: \"البينة على المدعي، واليمين على المدعَى عليه\".\nوقال: في إسناده مقال، والعرزمى يضعف في الحديث من قِبَلِ (^٢) حفظه (^٣).\n• وخرج الدارقطني من رواية مسلم بن خالد الزنجي وفيه ضعف - عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵌ قال: \"البينة على المدعي واليمينُ على من أنْكر إلا في القسامة\" (^٤).\nورواه الحفاظ (^٥) عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، مرسلا (^٦) وخرج أيضًا من رواية مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي ﵌ أنه قال في خطبته يوم\n_________\n= الأخير هو الذي يشير ابن رجب إليه في قوله، وفي رواية لمسلم ثم هوَ هو الذي سيشير إليه في مسلم من رواية وائل بن حجر. ففي الموضع الأخير لمسلم يروي من حديث أبي عوانة، عن عبد الملك بن عمير، عن علقمة بن وائل، عن وائل بن حجر، قال: كنت عند رسول الله - ﷺ - فأتاه رجلان يختصمان في أرض، فقال أحدهما: إن هذا انتزى عَلَيّ أرضي يا رسول الله! في الجاهلية (وهو امرؤ القيس بن عباس الكندي، وخصمه ربيعة بن عبدان) قال: \"بينتك؟ \" قال: ليس لي بينة قال: \"يمينه\" قال: إذا يذهب بها، قال: \"ليس لك إلا ذاك\" قال: فلما قام ليحلف، قال رسول الله - ﷺ - \"من اقتطع أرضا ظالمًا لقى الله وهو عليه غضبان\".\n(^١) سورة آل عمران ٧٧.\n(^٢) م: \"جهة\" وما أثبتناه هو الموافق لما في الأصول والترمذي.\n(^٣) أخرجه الترمذي في السنن: ١٣ - كتاب الأحكام: باب ما جاء في أن البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ٣/ ٦٢٦ ح ١٣٤١.\n(^٤) هذه الرواية أخرجها الدارقطني في السنن: كتاب الحدود والديات ٣/ ١١١ وفى كتاب الأقضية والأحكام: باب المرأة تقتل إذا ارتدت ٤/ ٢١٨.\n(^٥) م: \"الحافظ\".\n(^٦) أورده الدارقطني في السنن في الموضع السابق قبل الحديث المرفوع، وعزاه لعبد الرزاق.","vol":"3","page":933},{"text":"الفتح: \"المدعَى عليه أولى باليمين إلا أن تقوم بينة\" (^١).\nوخرجه الطبراني.\n• وعنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي إسناده كلام (^٢).\n• وخرج الدارقطني هذا المعنى من وجوه متعددة ضعيفة (^٣) وروى حجاج الصواف، عن حميد بن هلال، عن زيد بن ثابت.\nقال: قَضَى رسول الله ﵌: \"أَيُّمَا رجل طَلب عند رجل طَلِبَةً، فإن المطلوبَ هو أولى باليمين\".\n• وخرجه أبو عبيد، والبيهقي (^٤) وإسناده ثقات: إلا أن حميد بن هلال ما أظنه لقي زيد بن ثابت.\n• وخرجه الدارقطني وزاد فيه \"بغير شهداء\" (^٥).\n• وخرج النسائي (^٦)، من حديث ابن عباسٍ قال: جاء خصمان إلى النبي ﵌ فادعى أحدهما على الآخر حقًّا فقال النبي ﵌ للمدعي: \"أقم بينتك\" فقال: يا رسول الله! ما لي بينة؟ فقال للآخر: \"احلف بالله الذي لا إله إلا هو ماله عليك أو عندك شيء\".\n• وقد روى عن عمر: أنه كتب إلى أبي موسى أن البينة على المدعي واليمين على\n_________\n(^١) أخرجه الدارقطني في السنن ٤/ ٢١٨ - ٢١٩.\n(^٢) راجع ما ذكره العجلوني في كشف الخفاء ومزيل الإلباس ١/ ٣٤٢ - ٣٤٣.\n(^٣) في المواضع السابقة له.\n(^٤) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى: كتاب الدعوى والبينات باب البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه ١٠/ ٢٥٣ من حديث حميد بن هلال عن زيد بن ثابت عن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا لم يكن للطالب بينة فعلى المطلوب اليمين\".\n(^٥) هو عند الدارقطني في السنن ٤/ ٢١٩: \"قضى رسول الله - ﷺ - أن من طلب عند أخيه طلبة بغير شهداء فالمطوب أولى باليمين.\n(^٦) في الكبرى على ما في تحفة الأشراف ٤/ ٣٨٩ - ٣٩٠ وهو عند أبي داود في: ١٦ - الأيمان والنذور: ١٦ - باب فيمن يحلف كاذبًا متعمدًا ٣/ ٥٨٣ ح ٣٢٧٥ وفي: ١٨ - كتاب الأقضية: ٢٤ - باب كيف اليمين؟ ٤/ ٤١.\nوكلا الموضعين من رواية عطاء بن السائب عن أبي يحيى، عن ابن عباس، ولفظ الأول: أن رجلين اختصما إلى النبي - ﷺ - فسأل النبي - ﷺ - الطالب البينة، فلم تكن له بينة، فاستحلف المطلوب، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو، فقال رسول الله - ﷺ -: \"بلى! قد فعلت، ولكن غفر لك بإخلاص قول \"لا إله إلا الله\".\nوعقب أبو داود بقوله: \"يراد من هذا الحديث أنه لم يأمره بالكفارة\" والحديث في الكبرى ٣/ ٤٨٩ ح ٦٠٠٧/ ٥.","vol":"3","page":934},{"text":"من أنكر (^١).\n• وقَضَى بذلك زيد بن ثابت على عمر (^٢) لأُبيّ بن كعب ولم ينكراه.\nوقال قتادة: فصل الخطاب الذي أوتيه داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ هو: أن البينة على المدعى، واليمين على من أنكر.\nقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن البينة على المدَّعي واليمين على المدعَى عليه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1143>[معنى قوله: \"البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه\"]:</span>\nقال: ومعنى قوله: \"البينة على المدعي\" يعني أنه يستحق بها ما ادعى لا أنها (^٣) واجبة يؤخذ بها.\n• ومعنى قوله: \"اليمين على المدَعى عليه\" أي يبرأ بها لا أنها (^٤) واجبة عليه.\nيؤخذ بها على كُلِّ حال، انتهى.\n• وقد اختلف الفقهاء من أصحابنا والشافعية في تفسير المدعِي والمدعَى عليه.\n_________\n(^١) أورده البيهقي في السنن الكبرى ١٠/ ١٥٠ من رواية جعفر بن برقان، عن معمر البصري، عن أبي العوام البصري قال: كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵄: \"أن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلى إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحِق لا نفاذ له، وآسِ بين الناس في وجهك ومجلسك وقضائك؛ حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا يَيْأسَ ضعيف من عدلك، البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحًا أحل حراما أو حرم حلالا، ومن ادعى حقًّا غائبًا أو بينة فاضرب له أمدًا ينتهي إليه، فإن جاء ببينة أعطيته بحق، فإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية؛ فإن ذلك أبلغ في العذر، وأجلى للعمى، ولا يمنعك من قضاء قضيته اليوم، فراجعت فيه لرأيك، وهديت فيه لرشدك، أن تراجع الحق؛ لأن الحق قديم لا يبطل الحق شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، والمسلمون عدول بعضهم على بعض في الشهادة إلّا مجلودًا في حد، أو مجربًا عليه شهادة الزور، أو ظنينًا في ولاء أو قرابة فإن الله ﷿ تولى من العباد السرائر، وستر عليهم الحدود إلا بالبينات والأيمان، ثم الفهم الفهم فيما أدلى إليك مما ليس في قرآن ولا سنَّةٍ، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال والأشباه، ثم أعمد إلى أحبها إلى الله فيما ترى، وأشبهها بالحق، وإياك والغضب والقلق والضجر والتأذي بالناس عند الخصومة والتنكر؛ فإن القضاء في مواطن الحق يوجب الله له الأجر، ويحسن به الذخر، فمن خلصت نيته في الحق ولو كان على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين لهم بما ليس في قلبه شأنه الله فإن الله ﵎ لا يقبل من العباد إلا ما كان له خالصًا وما ظنك بثواب غير الله في عاجل رزقه، وخزائن رحمته؟!!\nوهو عند الدارقطني في السنن ٤/ ٢٠٦ - ٢٠٧ من وجهين: من رواية عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن أبي حميد، عن أبي المليح الهذلي، ومن رواية أحمد بن حنبل، عن سفيان بن عيينة، عن إدريس الأوذي، عن سعيد بن أبي بردة.\n(^٢) أخرجه وكيع في أخبار القضاة ١/ ١٠٨ - ١١٠ مختصرًا مطولًا.\n(^٣)، (^٤) م: \"لأنها\" وهو تحريف يحيل المعنى.","vol":"3","page":935},{"text":"• فمنهم من قال: المدعي هو الذي يخلَّى وسكوته من الخصمين والمدعَى عليه من لا يخلَّى وسكوته منهما.\n• ومنهم من قال: المدعِي: مَنْ يطلب أمرًا خفيا على خلاف الأصل والظاهر والمدعى عليه بخلافه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1144>[تفريعات]:</span>\nوبنوا على ذلك مسألة:\nوهي: إذا أسلم الزوجان الكافران قبل الدخول ثم اختلفا، فقال الزوج: أسلمنا معا فَنِكَاحُنَا باق، وقالت الزوجة: بل سبق أحدُنا إلى الإسلام، فالنكاح منفسخ.\nفإن قلنا المدعي: مَنْ (^١) يخلى وسكوته، فالمرأة هي المدَّعِي فيكون القول قولَ الزوج لأنه مدعى عليه إذ لا يخلى وسكوته.\nوإن قلنا: إن (^٢) المدعي من يدعي أمرًا خفيا فالمدعي هنا هو الزوج، إذ التقارن في الإسلام خلافُ الظاهر، فالقول، قول المرأة؛ لأن الظاهر معها.\n• وأما الأمين إذا ادّعى التلف، كالمودَع إذا ادعى تلفَ الوديعة، فقد قيل: إنه مُدّع؛ لأن الأصل يخالف ما ادعاه.\nوإنما لم يحتج إلى بينة؛ لأن المودِع ائتمنه، والائتمان يقتضي قبول قوله.\nوقيل: إن المدعي الذي يحتاج إلى بينة: هو المدعي ليعْطي بدعواه مال قوم أوْ دماءهم كما ذكر ذلك في الحديث.\n• فأما الأمين فلا يدعي ليعطى شيئا.\nوقيل: بل هو مدعىً عليه؛ لأنه إذا سكت لم يُتْرَكْ، بل لا بد له من ردّ الجواب.\nوالودع مدع؛ لأنه إذا سكت ترك ولو ادعى الأمين ردّ الأمانة إلى من ائتمنه؛ فالأكثرونَ على أن قوله مقبول أيضًا كدعوى (^٣) التلف.\n• وقال الأوزاعي: لا يقبل قوله، لأنه مدع.\n• وقال مالك، وأحمد في رواية: إن ثبت قبضه للأمانة ببينة، لم يقبل قوله في الردّ بدون البينة (^٤).\n_________\n(^١) سقطت من م.\n(^٢) ليست في \"ا\".\n(^٣) م: \"لدعوى\".\n(^٤) \"ا\": \"بينة\".","vol":"3","page":936},{"text":"• ووجَّه بعض أصحابنا ذلك بأن الإشهاد على دفع الحقوق الثابتة بالبينة واجب، فيكون تركه تفريطًا فيجب به الضمان، ولذلك قال طائفة منهم في دفع مال اليتيم إليه: لابد له من بينة؛ لأن الله تعالى أمر بالإشهاد عليه، فيكونُ واجبًا.\n• وقد اختلف الفقهاء في هذا الباب على قولين:\n• أحدهما: أن البينة على المدّعِي أبدًا وَاليمين على المدَّعَى عليه أبدًا.\nوهو قول أبي حنيفة، ووافقه طائفة من الفقهاء والمحدثين كالبخاري، وطرَّدوا ذلك في كل دعوى، حتى في القسامة وَقالوا: لا يحلَّف إلا المدّعَى عليه، ورأوا أن لا يقضى بشاهد ويمين (^١) لأن اليمين لا تكون إلا على المدعى (^٢) عليه، ورأوا أن اليمين لا يردّ على المدعِي؛ لأنها لا تكون إلا في جانب المنكر المدعَى عليه.\nواستدلوا في مسألة القسامة بما روى سعيد بن عبيد، حدثنا بُشير بنُ يَسار الأنصارى، عن سهل بن أبي حَثمة (^٣) أنه أخبره أن نفرا منهم انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها، فوجدوا أحدهم قتيلًا، فذكر الحديث وفيه فقال النبي ﵌: \"تأتوني بالبيِّنة على من قتله؟ \" قالوا: ما لنا بينة، قال: \"فيحلفون؟ \" قالوا: \"لا نرضى بأيمان اليهود فكره النبي ﵌ أن يُبْطِلَ دمه فوداه (^٤) مائة من إبل الصدقة، خرجه البخاري (^٥).\n• وخرجه مسلم مختصرًا ولم يتمه (^٦).\n_________\n(^١) م: \"ولا يمين\".\n(^٢) ا، ب: \"إلا على المدعِي\" فهذا الذي آثرناه هو الموافق للسياق ولما في ل باحتمال كبير وفي د، ظ: \"لأن اليمين لا تكون إلا على المدعى عليه\".\n(^٣) م: \"بشير بن بشارة\" \"خيثمة\" وفيها تصحيف وتحريف.\n(^٤) م: \"بمائة\" وكلا الروايتين صحيح وهذه هي رواية الكشميهني.\n(^٥) رواية سعيد بن عبيد أخرجها البخاري في ٨٧ في كتاب الديات: ٢٣ - باب القسامة ١٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠ ح ٦٨٩٨ عن بشير بن يسار زعم أن رجلًا من الأنصار يقال له سهل بن أبي حثمة أخبره أن نفرًا من قومه انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها ووجدوا أحدهم قتيلا، وقالوا للذي وجد فيهم: قد قتلتم صاحبنا؟ قالوا: ما قتلنا ولا علمنا قاتلا، فانطقوا إلى النبي - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله - ﷺ -! انطلقنا إلى خيبر فوجدنا أحدنا قتيلا؟ فقال: الكُبْرَ الكُبْرَ (راعوا السن ولا يتكلم الأصغر ومعكم من هو أكبر) فقال لهم: تأتون بالبينة على من قتله؟ قالوا: ما لنا بينة. قال: فيحلفون؟ قالوا: لا نرضى بأيمان اليهود فكره رسول الله - ﷺ - أن يُطَلَّ دمه فوداه مائة من إبل الصدقة\" وفي ا، د، ل، ظ: \"يبطل دمه\".\n(^٦) في صحيحه: ٢٨ - كتاب القسامة: ١ - باب القسامة ٣/ ١٢٩٤ ح ٥.","vol":"3","page":937},{"text":"ولكن هذه الرواية تعارض رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، عن بُشَير بن يسار، عن سهل بن أبي حثمة، فذكر قصة القتيل وقال: فيه فذكروا لرسول الله ﵌، مقتل عبد الله بن سهل فقال رسول الله ﵌: \"يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيُدْفَعُ بِرُمَّتِهِ\".\nوهذه هي الرواية المشهورة الثابتة المخرجة بلفظها بكمالها في الصحيحين (^١).\n• وقد ذكر الأئمة الحفاظ أن رواية يحيى بن سعيد أصح من رواية سعيد بن عبيد الطائى؛ فإنه أجل وأحفظ وأعلم، وهو من أهل المدينة، وهو أعلم بحديثهم من الكوفيين.\nوقد ذُكر للإمام أحمد مخالفةُ سعيد بن عبيد ليحيى بن سعيد في هذا الحديث، فنفض يده وقال: ذاك ليس بشيء؛ رواه على ما يقول الكوفيون، وقال: أذهبُ إلى حديث المدنيين يحيى بن سعيد.\nوقال النسائي لا نعلم أحد تابع سعيدَ بنَ عبيد على روايته، عن بُشَير بن يسَار.\nوقال مسلم في كتاب التمييز (^٢) لم يحفظه سعيد بن عبيد على وجهه، لأن جميع الأخبار فيها سؤال النبي ﵌ إياهم قسامة خمسين يمينًا، وليس في شيء من أخبارهم أن النبي ﵌ سألهم البينة، وترك سعيد: القسامة، وتواطؤُ الأخبار بخلافه يقضى عليه بالغلط.\nوقد خالفه يحيى بن سعيد.\nوقال ابن عبد البر (^٣) في رواية سعيد بن عبيد: هذه رواية أهل العراق، عن بُشَير بن يسار، ورواية أهل المدينة عنه أثبت، وهم به أقعد، ونقلهم أصح عند أهل العلم.\n* * *\n• قلت: وسعيد بن عبيد اختصر قصة القسامة وهي محفوظة في الحديث، وقد خرّج النَّسَائيُّ من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن (^٤) النبي صلى الله\n_________\n(^١) البخاري في: ٥٣ - كتاب الصلح: ٧ - باب الصلح مع المشركين ٥/ ٣٠٥ ح ٢٧٠٢ وفي: ٥٨ - كتاب الجزية والموادعة: ١٢ - باب الموادعة والمصالحة مع المشركين بالمال وغيره، وإثم من لم يف بالعهد وقوله ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ ٦/ ٢٧٥ ح ٣١٧٣ وفى: ٧٨ - كتاب الأدب: ٨٩ - باب إكرام الكبير ويبدأ الأكبر بالكلام والسؤال ١٠/ ٥٣٥ - ٥٣٦ ح ٦٣٤٣، ومسلم في صحيحه: ٢٨ - كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات: ١ - باب القسامة ٣/ ١٢٩١ - ١٢٩٤ ح ١ - (١٦٦٩)، ٢، ٣، ٤.\n(^٢) ص ١٤٤ - ١٤٦.\n(^٣) في التمهيد ٢٣/ ٢٠٩.\n(^٤) م: \"عن\".","vol":"3","page":938},{"text":"عليه وآله وسلم طلبَ من ولي القتيل شاهدين على مَنْ قتله فقال: ومن أين أصيب شاهدين؟ قال: \"فتحلفُ خمسين قسامة\" قال: كيف أحلف على ما لم أعلم؟ قال: \"فتستحلف منهم خمسين قسامة\" (^١) فهذا الحديث يُجمع به بين روايتى سعيد بن عبيد، ويحيى بن سعيد ويكون كل منهما ترك بعضَ القصة، فترك سعيدٌ ذكرَ قسامة المدعين، وترك يحيى ذكر البينة قبل طَلَب القسامة، والله أعلم (^٢).\n• وأما مسألة الشاهد مع اليمين: فاستدل من أنكر الحكم بالشاهد واليمين بحديث: \"شاهداك أو يمينه\" (^٣) وقوله ﵌: \"ليس لك إلا ذلك\" (^٤) وقد تكلم القاضي إسماعيل المالكي في هذه اللفظة وقال: تفرد بها منصور عن أبي وائل وخالفه سائر الرواة وقالوا: إنه سأله: ألك بينة؟ أو لا؟ والبينة لا تقف على الشاهدين فقط؛ بل تعمّ سائر ما يبين الحق.\nوقال غيره: يحتمل أن يريد بشاهديه (^٥) كلَّ نوعين يشهدان للمدعِى بصحة دعواه يتبين بها الحق، فيدخل في ذلك شهادة الرجلين، وشهادةُ الرَّجُلِ معَ المرأتين وشهادةُ\n_________\n(^١) أخرجه النسائي في السنن: ٤٥ - كتاب القسامة: ٢، ٣ تبدئة أهل الدم في القسامة، ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر سهل فيه ٨/ ٥ ح ٤٧١٠ - ٤٧٢٠ وفي هذا الحديث الأخير ووفي النسائي الحديث الذي أشار إليه ابن رجب من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ابن محيّصة الأصغر أصبح قتيلا على أبواب خيبر، فقال رسول الله - ﷺ -: أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته، قال: يا رسول الله! ومن أين أصيب شاهدين وإنما أصبح قتيلا على أبوابهم؟ قال: فتحلف خمسين قسامة؟ قال: يا رسول الله! وكيف أحلف على ما لا أعلم؟ فقال رسول الله - ﷺ -: فستحلف منهم خمسين قسامة، فقال يا رسول الله! كيف نستحلفهم وهم اليهود؟ فقسم رسول الله - ﷺ - ديته عليهما وأعانهم بنصفها\".\nوقد اعتمد ابن حجر في الفتح ٢٣٤١ على هذه الرواية في الجمع بين الروايات واعتبرها شاهدا لطلب البينة أولا من المدعين، قال بعد أن استعرض الروايات في هذه القضية: وطريق الجمع أن يقال: حفظ أحدهم ما لم يحفظ الآخر، فيحمل على أنه طلب البينة فلم تكن لهم بينة فعرض عليهم الأيمان فامتنعوا، فعرض عليهم تحليف المدعى عليهم، فأبوا.\nوانظر البخاري وفتح الباري ١١/ ٢٢٩ - ٢٤٣ ففيهما في هذا الموضع الكفاية والاستزادة لمن أراد أن يستزيد.\n(^٢) وابن حجر متأثر بهذا الاتجاه، أو هذا هو اتجاهه كما قد عرفت.\n(^٣) راجع ما رواه مسلم في صحيحه: ١ - كتاب الأَيمان: ٦١ - باب وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار ١/ ١٢٣ من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله - ﷺ - فقال: شاهداك أو يمينه. أي: لك ما يشهد به شاهداك أو يمينه.\nوأخرجه البخاري تعليقًا في ٨٧ - كتاب الديات: ٢٢ - باب القسامة وقال الأشعث بن قيس قال النبي - ﷺ -: شاهداك أو يمينه ١١/ ٢٢٩.\n(^٤) أخرجه مسلم في الموضع السابق ح ٢٢٤ (…) وسبق أن أوردنا لك نصه قريبًا.\n(^٥) م: \"بشهادته\" وهو تحريف.","vol":"3","page":939},{"text":"الواحد مع اليمين، وقد أقام الله سبحانه أيمانَ المدَّعِي مقام الشهودِ في اللعان.\n• وقوله في تمام الحديث: \"ليس لك إلا ذلك\".\nلم يرد به النفي العام، بل النفي الخاص، وهو الذي أراده المدعي: وهو أن يكون القول قوله بغير بينة، فمنعه من ذلك، وأبى ذلك عليه.\nوكذلك قوله في الحديث الآخر: \"ولكن اليمين على المدعَى عليه\" إنما أريد بها اليمين المجردة عن الشهادة، وأول الحديث يدل على ذلك وهو قوله: \"لو يُعْطَى الناسُ بدعواهم لادّعى رجالٌ دماءَ رجالٍ وأموالهم\".\nفدل على أن قوله: \"اليمين على المدعى عليه\" إنما هي اليمين القاطعة للمنازعة مع عَدمِ البينة.\n• وأما اليمين المثبتة للحق مع وجود الشهادة: فهذا نوع آخر، وقد ثبت بسنة أخرى.\nوأما رد اليمين على المدعِي: فالمشهور عن أحمد: موافقة أبي حنيفة وأنها لا ترد.\nواستدل أحمد بحديث: \"اليمين على المدعَى عليه\".\nوقال في رواية أبى طالب عنه: ما هو ببعيد أن يقال له: تحلف وتستحق.\nواختار ذلك طائفةٌ من متأخري الأصحاب وهو قول مالك والشافعي وأبى عبيد.\n• وروي عن طائفة من الصحابة.\nوقد ورد فيه حديث مرفوع خرجه الدارقطني وفي إسناده نظر (^١).\nقال أبو عبيد: ليس هذا إزالة لليمين عن موضعها، فإن الإزالة أن لا يقضى باليمين على المطلوب فأما إذا قُضي بها عليه فَرَضِي بيمين صاحبه كان هو الحاكم على نفسه بذلك لأنه لو شاء لحلف وبَرِئ وبطَلَتْ عنه الدعوى.\n• والقول الثاني في المسألة: أنه يرجح جانب أقوى المتداعيين، وتُجْعَلُ اليمين في جانبه هذا مذهب مالك.\nوكذا ذكر القاضي أبو يعلى في خلافه أنه مذهب أحمد.\nوعلى هذا تتوجه المسائل التي تقدم ذكرها من الحكم بالقسامة، والشاهِدِ، واليمين،\n_________\n(^١) راجع ما رواه الدارقطني في السنن ٤/ ٢١٤ من حديث علي وفي إسناده ابن ضميرة كذبه مالك وأبو حاتم وقال البخاري: منكر الحديث.","vol":"3","page":940},{"text":"فإن جانب الدعي في القسامة لما قوى باللوث (^١) جعلت اليمين في جانبه وحكم له بها.\nوكذلك المدعي، إذا أقام شاهدًا، فإنه قوَّى جانبه فحلف معه وقَضى له.\n• وهؤلاء لهم في الجواب عن قوله \"البينة على المدعى\" طريقان:\n• أحدهما: أن هذا خص من هذا العموم بدليل.\n• والثاني: أن قوله: \"البينة على المدَّعِي\" ليس بعام، لأن المراد: المدعِي المعهود وهو من لا حجة له سوى الدعوى كما في قوله: \"لو يُعطَى الناسُ بدعواهم لادعى رجالٌ دماء قومٍ وأموالهم\" فأما المدى عي الذي معه حجة تُقَوِّى دَعْوَاه فليس داخلا في هذا الحديث.\n• وطريق ثالث: وهو أن البينة كلُّ مَا بين صحةِ دعْوى المدعِي وشهد بصدقه، فاللوث مع القسامة بينة، والشاهد مع اليمين بينة.\n• وطريق رابع: سلكه بعضهم، وهو الطعن في صحة هذه اللفظة أعني قوله \"البينة على المدعي\" وقالوا: إنما الثابت هو قوله: \"اليمين على المدعَى عليه\".\n* * *\n• وقوله: \"لو يعطى الناسُ بدعواهم لادعَى قَوْمٌ دمِاءَ قوم وأموالَهم\" يدل على أن مدعِيَ الدم والمال لابدّ له من بينة تدل على ما ادَّعاه.\nويدخل في عموم ذلك أن من ادعى على رجلٍ أنه قتل مورّثه (^٢) وليس معه إلا قول المقتول عند موته: جرحني فلان، أنه لا يكتفي بذلك، ولا يكون بمجرده لوثا.\nوهذا قول الجمهور، خلافًا للمالكية فإنهم (^٣) جعلوه لوثًا يُقْسِمُ معه الأولياءُ ويستحقون الدم.\n• ويدخل في عمومه أيضًا من قذف زوجته ولاعنها؛ فإنه لا يباحُ دَمُها بمجرد لعانها (^٤).\nوهذا قول الأكثرين: خلافًا للشافعي واختار قوله الجوزجاني، لظاهر قوله ﷿: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ (^٥).\n_________\n(^١) اللوث: هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعَى عليه كنحو ما بين الأنصار ويهود خيبر ذكر ذلك ابن قدامة وتفصيله في المغني ١٢/ ١٩٣ وما بعدها.\n(^٢) ا، د، ل، ظ: \"موروثه\".\n(^٣) ا: \"وإنهم\" وانظر المغني ١٢/ ٢٠٧.\n(^٤) م: \"لعانه\".\n(^٥) سورة النور: ٨.","vol":"3","page":941},{"text":"والأولون: منهم من حمل العذاب على الحبس، وقالوا: إن لم تلاعن، حُبِسَتْ حتى تُقِرَّ أو تلاعن.\nوفيه نظر، ولو ادعت امرأة على رجل بأنه أستكرهها على الزنا، فالجمهور على أنه لا يثبت بدعواها عليه شيء.\n• وقال أشهب من المالكية لها الصداق بيمينها.\nوقال غيره منهم: لها الصداق بغير يمين.\nهذا كله إذا كانت ذات قدر، وادعت ذلك على متهم تليق به الدعوى.\nوإن كان المرمي بذلك من أهل الصلاح؛ ففي حدها للقذف عن مالك: روايتان.\nوقد كان شريح وإياس بن معاوية يحكمان في الأموال المتنازَع فيها بمجرد القرائن الدالة على صدق أحد المتداعيين.\nوقضى شريح في أولاد هرة تداعاها امرأتان كل منهما تقول هي ولد هرتي قال شريجع ألقها مع هذه فإن هي قرت ودرت واسبطرت (^١) فهي لها، وإن هي فرت وهرّت وأزبأرّت فليس لها.\n• قال ابن قتيبة: قوله اسبطرت؛ يريد امتدت للإرضاع وازبأرَّت؛ اقشعرت وتنفشت (^٢).\nوكان يقضي بنحو ذلك أبو بكر الشامي من الشافعية.\nورجح قولَه ابنُ عقيل من أصحابنا.\n• وقد روي عن الشافعي وأحمد: استحسان (^٣) قول القافَة (^٤) في سرقة الأموال والأخذ بذلك.\nونقل ابن منصور عن أحمد؛ إذا قال صاحبُ الزرع: أفسدت غنُمك زرعي بالليل يُنظَر في الأثر؛ فإن لم يكن أثر غنمه في الزرع؛ لابد لصاحب الزرع من أن يجيء بالبينة.\n_________\n(^١) اسبطر: اضطجع وامتد، واسبطرت الذبيحة امتدت للموت، وفي السير: أسرع، والبلاد: استقامت معجم ١/ ٤١٥.\n(^٢) ازبأرّ الشعر: انتفش والنبات والوبر: طلعا ونبتا، والرجل تهيأ للشر المعجم الوسيط ١/ ٧٨٨. وقول ابن قتيبة في غريب الحديث ٢/ ٥٠٧.\n(^٣) م: \"السختياني\" وهو تحريف.\n(^٤) بفتح الفاء المخففة: جمع قائف: من يتتبع الأثر ويعرفه؛ قاموس: الفاء فصل القاف ص ١٠٩٥.","vol":"3","page":942},{"text":"• قال إسحاق بن راهويه: كما قال أحمد؛ لأنه مدع.\nوهذا يدل على اتفاقهما على الاكتفاء برؤية أثر الغنم، وأن البينة إنما تطلب عند عدم الأثر.\n• قوله: \"واليمين على المدعَى عليه\" يدل على أن كل من ادُّعِي عليه دعوى؛ فأنكر فإن عليه اليمين، وهذا قول أكثر الفقهاء.\nوقال مالك: إنما تجب اليمين على المنكِر؛ إذا كان بين المتداعيين نوعُ مخالطة؛ خوفًا من أن يَبتَذِلَ السفهاء الرؤساء (^١) بطلب أيمانهم.\nوعنده؛ لو ادَّعى على رجل أنه غصبه أو سرق منه ولم يكن المدعى عليه متهمًا بذلك لم يسْتَحْلَفْ المدعى عليه.\n• وحكى أيضًا عن القاسم بن محمد، وحميد بن عبد الرحمن وحكاه بعضهم عن فقهاء المدينة السبعة (^٢).\nفإن كان من أهل الفضل أو ممن لا يشار إليه بذلك أُدِّب المدعِي عند مالك.\nويُسْتَدل بقوله \"اليمين على المدعى عليه\".\nعلى أن الدعى لا يمين عليه وإنما عليه البينة.\nوهو قول الأكثرين.\n• ورُوي عن عليّ أنه أحلف الدَّعِي مع بينته أن شهوده شهدوا بحق.\nوفعله أيضًا شريح، وعبدُ الله بن عتبة بن مسعود، وابنُ أبي ليلى، وسوّارٌ العنبري وعبيدُ الله بن الْحَسَن، ومحمد بن عبد الله الأنصاري.\nوروى عن النخعي أيضًا.\n• وقال إسحاق: إذا استراب الحاكم وجب ذلك.\nوسأل مهنا الإمام أحمد عن هذه المسألة فقال أحمد: قد فعله عليٌّ، فقال له: أيستقيمُ هذا؟ فقال: قد فعله عليّ؛ فأثبت القاضي هذا: رواية عن أحمد؛ لكنه\n_________\n(^١) م: \"على الرؤساء\" وفي د، ل: \"يتبذّل\".\n(^٢) وهم: سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد بن ثابت، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وعبيد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، على خلاف في بعضهم وانظر تدريب الراوي: شرح تقريب النواوي ٢/ ٢٤٠.","vol":"3","page":943},{"text":"حملها على الدعوى على الغائب والصبي.\nوهذا لا يصح؛ لأن عليًّا إنما حَلّف المدعي مع بينته على الحاضر معه.\nوهؤلاء يقولون: هذه اليمينُ لتقوية الدعوى إذا ضعفت باسترابة الشهود كاليمين مع الشاهد الواحد.\nوكان بعضُ المتقدمين يُحَلّفُ الشهود، إذا استرابهم أيضًا.\nومنهم سوّارٌ العنبري قاضى البصرة، وجوز ذلك القاضي أبو يَعلَى من أصحابنا لوالي المظالم دون القضاة.\n• وقد قال ابن عباس في المرأة الشاهدة على الرضاع: إنها تُستحلَف.\nوأخذ به اللإمام أحمد.\nوقد دل القرآن على استحلاف الشهود عند الارتياب بشهادتهم في الوصية في السفر في قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ (^١) وهذه الآية يُنْسَخ العمل بها عند جمهور السلف.\nوقد عمل بها أبو موسى، وابن مسعود.\nوأفتى بها عليٌّ، وابنُ عباس.\nوهو مذهب شريح، والنخَعِي، وابنِ أبي ليلى، وسفيان، والأوزاعي، وأحمد (^٢) وأبي عبيد، وغيرهم قالوا: تقبلُ شهادةُ الكفارة في وصية المسلِمين في السفر، ويُستحلفان مع شهادتهما.\nوهل يمينهما (^٣) من باب تكميل الشهادة؛ فلا يحكم بشهادتهما بدون يمين؟ أم من باب الاستظهار عند الريبة؟ وهذا محتمل.\nوأصحابنا جعلوها شرطًا؛ وهو ظاهر ما رُوي عن أبي موسى وغيره.\nوقد ذهب طائفة من السلف إلى أن اليمين مع الشاهد الواحد هو من باب الاستظهار، فإن رأى الحاكم الاكتفاء بالشاهد الواحد لبروز عدالته، وظهور صدقه\n_________\n(^١) سورة المائدة: ١٠٦.\n(^٢) م: وابن عبيد وفيه تحريف واضح.\n(^٣) م: \"يمنعهما\".","vol":"3","page":944},{"text":"اكتفى بشهادته بدون يمين الطالب.\nوقوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ (^١) يدل على أول إذا ظهر خلل في شهادة الكفار، حَلَف أولياءُ الميت على خيانتهما وكذبهما واستحقوا ما حَلَفُوا عليه.\nوهذا قول مُجَاهد وغيرِه من السَّلَف.\n• ووجه ذلك: أن اليمين في جانب أقوى التداعيين.\nوقد قويت هنا دعوى الورثة بظهور كذب الشهود الكفار فتردُّ اليمين على المدَّعِين، ويحْلفُون مع اللَّوث (^٢) ويستحقون ما ادّعَوْا كما يحلفُ الأولياء في القسامة مع اللَّوْثِ ويستحقُّون بذلك الدية والدم أيضًا عند مالك وأحمد وغيرهما.\n• وقضى ابن مسعود في رجل مسلم حضره الموت، فأَوصى إلى رجلين مسلمين معه وسلّمهُمَا ما معه من المال، وأشهد على وصيته كفارًا ثم قدم الوصيان فدفعا بعض المال إلى الورثة وكتمَا بعضه ثم قدم الكفار فشهدوا عليهم بما كتموه من المال فدعَا الوصيين المسلمين فاستحلَفَهُمَا ما دفع إليهما أكثرَ مما دفعاه، ثم دعا الكفار فشهدوا وحلفوا على شهادتهم، ثم أمر أولياء الميت أن يحلفوا أن ما شهدت به اليهود والنصارى حق فحلفوا فقضى على الوصيين بما حلفوا عليه.\nوكان ذلك في خلافة عثمان.\nوتأول ابن مسعود الآية على ذلك، وكأنه قابل بين يمين الأوْصياء والشهود الكفار [فأسقطهما وبقى مع الورثة شهادة الكفار] (^٣) فحلفوا معها واستحقوا؛ لأن جانبهم تَرجَّح بشهادة الكفار لهم فجعل اليمين مع أقوى المتداعييِن وقضى بها.\nواختلف الفقهاء هل يستحلف في جميع حقوق الآدميين كقول الشافعي ورواية عن أحمد؟\n_________\n(^١) سورة المائدة: ١٠٧.\n(^٢) اللوث: القوة والشر، وشبه الدلالة على حدث من الأحداث، ولا يكون بينة تامة، يقال: لم يقم على اتهام فلان بالجناية إلا لوث: اشتباه.\nواللوث: الجراحات والمطالبة بالأحقاد.\nوانظر المعجم الوسيط ١/ ٨٥١ وما سبق ص ٩٤١ عن ابن قدامة في المغني.\n(^٣) ما بين الرقمين سقط من م.","vol":"3","page":945},{"text":"أو لا يستحلف؛ إلا فيما يُقْضَى فيه بالنكول، كرواية عن أحمد؟\nأو لا يستحلف؛ إلا فيما يصح بذله، كما هو المشهور عن أحمد؟\nأو لا يستحلف؛ إلا في كل دعوى لا تحتاج إلى شاهدين كما حكي عن مالك؟\nوأما حقوق الله ﷿.\nفمن العلماء من قال: لا يُسْتَحْلَف فيها بحال وهو قول أصحابنا وغيرهم.\nونص عليه أحمد في الزكاة، وبه قال طاووس، والثوري، والحسن بن صالح، وغيرهم.\nوقال أبو حنيفة ومالك والليث والشافعي: \"إذا اتُّهِم فإنه يسْتَحلَفُ\".\nوكذا حكي عن الشافعي فيمن تزوج من لا تحل له ثم ادعى الجهل: أنهُ يُحلَّف على دعواه.\nوكذا قال إسحاق في طلاق السكران: أنه يحلَّف: أنه ما كان يعقل.\nوفي طلاق الناسي يحلف على نسيانه.\nوكذا قال القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله في رجل قال لامرأته: \"أنت طالق\" يحلف أنه ما أرادَ به الثَّلاثَ؛ وتردُّ إليه.\n• وخرج الطبراني من رواية أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدرى ﵁ قال: كان أناس من الأعراب يأتون بلحم فكان في أنفسنا منه شيء فذكرنا ذلك لرسول الله ﵌ فقال: \"اجهدوا أيمانهم: أنهم ذبحوها ثم اذكروا اسم الله (^١) وكلوا\".\nوأبو هارون ضعيف جدًّا.\n• وأما المؤتمن في حقوق الآدميين حيث قبل قوله، فهل عليه يمين أم لا؟ ففيه ثلاثة أقوال للعماء.\n• أحدها: لا يمين عليه؛ لأنه صدّقه بائتمانه ولا يمين مع التصديق، وبالقياس على الحاكم.\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الأوسط ٣/ ١٧٩ - ١٨٠ ح ٢٣٦٧ وقال الهيثمي عنه في المجمع ٤/ ٣٦ رجاله ثقات لكنه يخالف ما ذكره ابن رجب عن أبي هارون - راويه، والحق مع ابن رجب، تهذيب ٧/ ٤١٢.","vol":"3","page":946},{"text":"وهذا قول الحارث العُكْلى.\n• والثاني عليه اليمين؛ لأنه منكِر؛ فيدخل في عموم قوله: \"واليمين على من أنكر\".\nوهو قول شريح وأبي حنيفة والشمافعي ومالك في رواية، وأكثر أصحابنا.\n• والثالث لا يمين عليه إلا أن يُتّهم.\nوهو نص أحمد وقول مالك في رواية؛ لما تقدم من ائتمانه.\nوأما إذا قامت قرينة تنافي حال الائتمان فقد اختلّ معنى الائتمان.\n* * *\n• وقوله: \"البينة على المدعي واليمين على من أنكر\":\nإنما أريد به إذا ادَّعى على رجل ما يدعيه لنفسه، وينكر أنه لمن (^١) ادعاه عليه ولهذا قال في أول الحديث: \"لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجالٌ دماء قوم وأموالهم\".\nفأما من ادعى ما ليس له مُدَّع لنفسه منكرٌ لدعواه فهذا أسهل من الأول ولابد للمدعي هنا من بينة ولكن يكتفى من البينة هنا بما لا يكتفى بها في الدعوى على المدعي لنفسه المنكِر.\nويشهد لذلك مسائل:\nمنها: اللقطة إذا جاء مَنْ وصَفَها؛ فإنها لا تدفع إليه بغير بينة بالاتفاق، لكن منهم من يقول يجوز الدفع إذا غلب على الظنّ صدْقُهُ، ولا يجب كقول الشافعي وأبي حنيفة.\n• ومنهم من يقول: يجب دفعها بذكر الوصف المطابق كقول مالك وأحمد.\n• ومنها الغنيمة إذا جاء من يدعي منها شيئًا وأنه كان له واستولى عليه الكفار وأقام على ذلك ما يبين أنه له اكتُفي به.\n• وسئل عن ذلك أحمد وقيل له فيريد على ذلك بينة؟ قال: لابدّ (^٢) من بيانٍ يدل على أنه له، وإن علم ذلك دفعه إليه الأمير.\n• وروى الخلال بإسناده عن الرُّكين بن الربيع عن أبيه قال: حَسَرَ (^٣) لأخي فرس بعين التمر (^٤) فرآه في مربط سعد، فقال فرسي؟! فقال سعد: ألك بيِّنة؟ قال: لا ولكن أَدعوه؛ فيُحَمْحِمْ، فدعاه فَحَمْحَمَ، فأعطاه إياه.\n_________\n(^١) ليست في م.\n(^٢) م: \"لابد به\".\n(^٣) شرد ومرد.\n(^٤) م: \"القمر\".","vol":"3","page":947},{"text":"وهذا يُحْتَمَلُ أنه كان لحق بالعدوّ، ثم ظهر عليه المسلمون.\nويُحْتَمَلُ أنه عُرف أنه ضالٌّ فَوُضِعَ بين الدَّوَابِّ الضَّالَّةِ فيكون كاللُّقَطَة.\n* * *\n• ومنها الغُصُوب إذا عُلم ظلم الولاة، وطُلب ردُها من بيت المال.\nقال أبو الزناد: كان عمرُ بنُ عبد العزيز يردُّ المظالِمَ إلى أهلها بغير البينة القاطعة، كان يكتفي باليسير إذا عرف وجه (^١) مظلمة الرجل ردَّها عليه ولم يكلِّفه تحقيقَ البينة لما يعرف من غَشْم الولاة قِبَله على الناس.\nولقد أنفد بيتَ مالِ (^٢) العراق في رد المظالم حتى حمل إليها من الشام.\nوذكر أصحابنا أن الأموال المغصوبة مع قطاع الطريق واللصوص يكتفى من مدعيها بالصفة كاللقطة.\nذكره القاضي في خلافه، وأنه ظاهر كلام أحمد والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) م: \"صرف وجه\" وكلمة صرف ليست في الأصول.\n(^٢) م: \"انقضت أموال العراق\".","vol":"3","page":948},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1145>الحديث الرابع والثلاثون</span>\nعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ (تَعَالَى) عَنْه قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ:\nمَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ. رَوَاهُ مُسْلِم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1146>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث خرجه مسلم من رواية قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي سعيد.\nومن رواية إسماعيل بن رجاء عن أبيه عن أبي سعيد.\nوعنده في حديث طارق قال: أولُ مَنْ بدأ بالخطبة يومَ العيد قبل الصلاة: مروان فقام إليه رجل فقال: الصلاةُ قبل الخطبة؟! فقال: قد تُرِكَ ما هنالك؟ فقال أبو سعيد: أمّا هذا فقد قَضَى ما عَلَيه ثم روى هذا الحديث (^١).\nوقد رُوي معناه من وجه آخر؛ فخرج مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﵌ قال: \"ما مِنْ نَبيٍّ بعثَهُ الله في أمة قَبْلِى إلا كَانَ لَهُ مِنْ أُمَّتِهِ حَوَاريُّونَ وأصحابٌ يأخذون بِسُنَّتِهِ ويَقْتَدُونَ بِأمْرِهِ ثم إِنّها تَخْلُفُ مِن بَعْدِهِمْ خلُوفٌ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ وَيفعلُونَ ما لا يُؤْمَرُونَ فمنْ جَاهَدَهُمْ بِيَدِهِ فهُوَ مُؤْمِنٌ ومَنَ جَاهَدَهُمْ بِلِسَانِهِ فَهُو مُؤْمِنٌ، ومَنْ جَاهَدهم بقلبِه فهو مؤْمنٌ وَلَيس (^٢) وَراء ذلكَ من الإيمانِ حَبَّةُ خَرْدَلٍ (^٣) \".\nوروى سالم المرادي، عن عَمْرو بن حَزْمٍ، عن جابر بن زيد، عن عُمَرَ بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن النبي ﵌ قال: \"سيصيب أمتي في آخر الزمان بَلاءٌ شَدِيدٌ مِنْ سُلْطانِهِمْ لا يَنْجُو منْه، إلا رَجُلٌ عَرَف دينَ الله [فجاهد عليه] بلسانه (^٤) ويده وقلبه فذلك الذي سَبقَتْ له السَّوَابقُ، ورَجُلٌ عَرَفَ دينَ الله فصدَّق به\n_________\n(^١) الحديث بطريقيه خرجه مسلم في: ١ - كتاب الإيمان: ٢٠ - باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان: وأن الإيمان يزيد وينقص وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان ١/ ٦٩ ح ٧٨. (٤٩)، ٧٩ - (..).\n(^٢) ا، ب: \"ليس\" وما أثبتناه عن الأصول الأخرى هو الموافق لما في صحيح مسلم.\n(^٣) أخرجه مسلم في صحيحه عقب الرواية السابقة - ٨٠ - (٥٠).\n(^٤) ا، ب: \"دين الله بلسانه\".","vol":"3","page":949},{"text":"وللأول عليه سَابِقَةٌ، ورجُلٌ عَرفَ دينَ الله فسكَتَ عليه، فإن رأى مَنْ يَعْمَلُ بخير أحَبَّه عليْهِ، وإِنْ رأى مَنْ يعملُ بباطل أَبْغَضَهُ عليه فذلك الذي ينجُو على إبطائه (^١) \".\nوهذا غريب وإسناده منقطع.\n• وخرج الإسماعيلي من حديث هارون العبدي وهو ضعيف جدًّا، عن مولى لعمر، عن عمر، عن النبي ﵌ قال: \"توشِكُ هذه الأمة أن تهْلِكَ؛ إلا ثلاثَةَ نفر: رجل أنكر بيده وبلسانه وبقلبه؛ فإن جَبُنَ بيده فبِلِسانه وقلبه: فإن جبُن بِلسانه وبيدِه فبِقلبِه\".\n• وخرج أيضًا من رواية الأوزاعي، عن عمير بن هانئ، عن علي مسمع النبي ﵌ يقول: سيكُونُ بعدي فِتَنٌ لا يَستطيع المؤمن فيها أن يغير بيده ولا بلسانه؟ قلتُ: يا رسول الله! وكيف ذاك؟ قال ينكرونَهُ بقُلوبهِم. قلت: يا رسول الله! وهل ينقصُ ذلك إيمانَهم شيئًا؟ قال: لا؛ إلا كما يَنْقصُ القَطْرُ مِنَ الصَّفَا.\nوهذا الإسناد منقطع.\n• وخرج الطبراني معناه من حديث عبادة بن الصامت، عن النبي ﵌ (^٢) بإسناد ضعيف.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1147>[دلالة هذه الأحاديث]:</span>\nفدلت هذه الأحاديث كلها على وجوب إنكار المنكر بحسب القدرة عليه، وأنّ إنكاره بالقلب لابد منه (^٣) فمن لم ينكر قلبه المنكر دل على ذهاب الإيمان من قبله.\n• وقد روي عن أبي جحيفة قال: قال علي: إنّ أولَ ما تُغْلَبُون عليه من الجهاد: الجهاد بأيديكم، ثم الجهادُ بألسنتكم، ثم الجهادُ بقلوبكم؛ فمن لم يعرف قَلْبُهُ المعروفَ ويُنكِر قَلْبُهُ المنكرَ نُكِسَ فَجُعِلَ أعلاه أسفلَه.\nوسمع ابن مسعود رجلا يقول: هلك من لم يأمر بالمعروف ولم ينه عن المنكر، فقال\n_________\n(^١) في بعض الأصول: \"إبطائه كله\".\n(^٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٢٧٥ من حديث عبادة بن الصامت وقال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه طلحة بن زيد القرشي وهو ضعيف جدًّا.\n(^٣) م: \"وأما إنكاره بالقلب فلابد منه\".","vol":"3","page":950},{"text":"ابن مسعود: هلك من لم يعرف بقلبه المعروف والمنكر (^١).\nيشير إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرضٌ لا يسقُطُ عَنْ أحد، فمن لم يعرفه هَلكَ.\nوأما الإنكار باللسان واليد، فإنما يجب بِحَسَبِ الطَّاقة.\n• وقال ابن مسعود: يوشك مَنْ عَاشَ منكم أن يَرَى مُنْكرًا لا يسطع له غير أن يعلم الله من قبله أنه له كاره (^٢).\n• وفي سنن أبي داود عن الْعُرْسِ بن عَمِيرَةَ، عن النبي ﵌ قال: \"إذا عُملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها؛ كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها؛ كان كمن شهدها (^٣) \".\nفمن شهد الخطيئة فكرهها بقلبه (^٤)؛ كان كمن لم يشهدها إذا عجزَ عن إنكارهَا بلسانه ويده.\nومن غاب عنها فرضيها؛ كان كمن شهدها، وقدَرَ علىَ إنْكَارِهَا ولم ينكرها لأن الرضا بالخطايا من أقبح المحرمات، ويفوت به إنكار الخطيئة بالقلب، وهو فرض على كل مسلم لا يسقط عن أحد في حال من الأحوال.\n• وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﵌ قال: من حضر معصية فكرهها؛ فكأنه غاب عنها، ومن غاب\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير ٨٥٦٤ بإسناد صحيح كما في المجمع ٧/ ٢٧٥.\n(^٢) وانظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال ص ٢٧ - ٢٨.\n(^٣) أخرجه أبو داود في السنن: ٣١ - كتاب الملاحم والفتن: ١٧ - باب الأمر والنهي ٤/ ٥١٥ ح ٤٣٤٥، ٤٣٤٦: الأول عن محمد بن العلاء، عن أبي بكر، عن مغيرة بن زياد الموصلي، عن عدي بن عدي، عن العرس بن عميرة الكندي عن النبي - ﷺ -.\nوالثانى عن أحمد بن يونس، عن أبي شهاب، عن مغيرة بن زياد، عن عدي بن عدي، عن النبي - ﷺ - وسكت المنذري عند الأول عن التعليق وعقب على الثاني بقوله: وهذا مرسل، عدي بن عدي هو ابن عميرة ابن أخي العرس، تابعي، وفي الحديث الأول والثاني: المغيرة بن زياد، مضطرب الحديث، قال البخاري: قال وكيع: وكان ثقة، وقال غيره: في حديثه اضطراب، وقال أبو حاتم وأبو زرعة الرازيان: لا يحتج بحديثه، وقال النسائي والدارقطني ليس بالقوى، وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: وأدخله البخاري في كتاب الضعفاء، فسمعت أبي يقول: يحول اسمه من كتاب الضعفاء، واختلف فيه قول يحيى بن معين (عون المعبود ٤/ ٢١٨).\n(^٤) م: \"في قلبه\".","vol":"3","page":951},{"text":"عنها، فأحبها؛ فكأنه حضرها (^١) وهذا مثلُ الذي قبله.\nفتبين بهذا أن الإنكار بالقلب فرضٌ على كل مسلم في كل حال.\nوأمّا الإنكار باليد واللسان؛ فبحسب القدرة كما في حديث أبي بكر الصديق ﵁، عن النبي ﵌ قال: \"ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا فلا يغيرون؛ إلَّا يوشك أن يعمهم الله بعقاب\".\nخرّجه أبو داود بهذا اللفظ (^٢).\n• وقال: قال شعبة فيه: \"ما من قوم يعمل فيهما بالمعاصي هم أكثر ممن يعمله، فلما يغيروه، إلا عمهم الله بعقاب (^٣) \".\n• وخرج أيضًا من حديث جرير سمعت النبي ﵌ يقول: \"ما مِنْ رَجُل يكون في قوم يُعْمَلُ فيهم بالمعاصي، يقدرون أن يُغَيّروا عليه، فلا يغيرون؛ إلا أصَابَهُم الله بِعِقَابٍ قبل أَن يموتوا (^٤).\nوخرجه الإمام أحمد ولفظه: \"ما مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فيهم بالمعاصي هُمْ أَعَزُّ وأكثَرُ ممن يعمله فلم يغيروه إلا عمهم الله بعقاب\" (^٥).\n• وخرج أيضًا من حديث عديّ بن عميرة، قال سمعت رسول الله ﵌ يقول: \"إن الله لا يُعذِّبُ العامةَ بعمل الخاصة، حتى يَرَوا المنكرَ بَيْنَ\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي في السنن ٧/ ٢٦٦ وابن عدي في الكامل ٧/ ٢٣٠ كلاهما من حديث يحيى بن أبي سليمان المديني وهو منكر الحديث. وانظر ترجمة يحيى في الكامل ٧/ ٢٣٠ - ٢٣١.\nوقد أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما في الإتحاف ٧/ ١٠.\n(^٢) أخرجه أبو داود في السنن:٣١ - كتاب الملاحم: ١٧ - باب الأمر والنهي ٤/ ٥٠٩ - ٥١٠ ح ٤٣٧٨ من طريق وهب بن بقية، عن خالد، ومن طريق عمرو بن عون عن هشيم كلاهما عن إسماعيل، عن قيس قال: قال أبو بكر بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يأيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال عن خالد: وإنَّا سمعنا النبي - ﷺ - يقول: إن الناس إذا رأو الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب وقال عمرو عن هشيم: وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي ثم يقدرون على أن يغيروا ثم لا يغيرون إلا يوشك أن يعمهم الله منه بعقاب.\n(^٣) نص ما في أبي داود: وقال شعبة فيه: \"ما من قوم يعمل فيهم بالمعاصي هم أكثر ممن يعمله\" وليس فيه التعقيب المذكور وهو في ا وفيها هم أعز وأكثر.\n(^٤) أخرجه أبو داود عقب الروايتين السابقتين ح ٤٣٣٩ وفيه: \"إلا أصابهم الله بعذاب\".\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٦٤، ٣٦٦ (الحلبي) بالنص المذكور في الأول إلا قوله: فلم يغيروه فهو في المسند بدون الفاء وفي الثاني بنحوه.","vol":"3","page":952},{"text":"ظَهْرَانيْهِمْ - وهُم قادرون على أن يُنْكِرُوه - فلا ينكرونه، فإذا فعلوا ذلك؛ عَذَّب الله الخاصَّة والعامة\" (^١).\n• وخرج أيضًا هو وابن ماجه من حديث أبي سعيد الخدري قال: سمعت النبيَّ ﵌ يقول: \"إن الله لَيَسْأَلُ العَبْدَ يومَ القيامة حتى يقولَ: ما مَنَعَكَ إذ رأيتَ المنكرَ أن تُنكِره؟ فإذا لقَّن الله عَبْدًا حجتَه قال: يا ربّ! رجوتُك وفَرِقْتُ مِنَ الناس (^٢) \".\n• فأما ما خرجه الترمذي، وابن ماجه من حديث أبي سعيد أيضًا عن النبي ﵌؛ أنه قال في خطبة: \"ألا لا يمنعنَّ رجلا هيبةُ الناس أن يقول بحق إذا علمه\".\nوبكى أبو سعيد، وقال: قد - والله - رأينا أشياء فَهِبْنا (^٣).\n• وخرجه الإمام أحمد، وزاد فيه: \"فإنه لا يقرّبُ مِنْ أجَلٍ ولا يباعدُ من رِزْقٍ أن يُقَال بحقِّ أو يذكَّر (^٤) بعظيم\".\nوكذلك خرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث أبي سعيد، عن النبي صلى الله\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٩٢ (الحلبي) عن طريق ابن نمير عن سيف قال: سمعت عدي بن عدي الكندي يحدث عن مجاهد، قال: حدثني مولى لنا أنه سمع عديا يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول فذكره. وفيه: \"فلا ينكروه\".\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في: ٣٦ - كتاب الفتن: ٢١ - باب قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢/ ١٣٣٢ ح ٤٠١٧ من طريق على بن محمد، عن محمد بن فضيل، عن يحيى بن سعيد، عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن نهار العبدي، عن أبي سعيد الخدري فذكره.\nوذكر البوصيري في مصباح الزجاجة ٢/ ٣٠٠ أن إسناده صحيح.\nوأخرجه أحمد في المسند ٣/ ٢٩ (الحلبي) من طريق أبي سلمة، عن سليمان بن بلال، عن عبد الله بن عبد الرحمن - به - بمثله إلا أن فيه: \"ما منعك إذ رأيت المنكر تنكره؟ \".\n(^٣) أخرجه الترمذي في: ٣٤ - كتاب الفتن: ٢٦ - باب ما جاء ما أخبر النبي - ﷺ - أصحابه بما هو كائن إلى يوم القيامة ٤/ ٤٨٣ - ٤٨٤ ح ٢١٩١ ضمن حديث الخطبة بسياقه مطولا من حديث عمران بن موسى القزاز البصري، عن حماد بن زيد، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد وعقب الترمذي بقوله: وفي الباب عن حذيفة، وأبي مريم، وأبي زيد بن أخطب، والمغيرة بن شعبة، وذكروا أن النبي - ﷺ - حدثهم بما هو كائن إلى أن تقوم الساعة، وهذا حديث حسن صحيح.\nوأخرجه ابن ماجه في: ٣٦ - كتاب الفتن: ٢٠ - باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٢/ ١٦٢٨ ح ٤٠٠٧ من طريق عمران بن موسى - به - مقتصرًا على الجزء الذي أورده ابن رجب.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٥٠ (الحلبي) من طريق محمد بن الحسن عن جمفر، عن المعلي الفردوسي، عن الحسن، عن أبي سعيد.","vol":"3","page":953},{"text":"عليه وآله وسلم قال: \"لا يحقرْ أحَدُكُمْ نَفْسَهُ، قالوا: يا رسول الله! كيفَ يَحْقِرُ أحَدُنَا نَفْسَهُ؟ قال: يرَى أمرًا للهِ عليه فيه مَقَالٌ ثُمَّ لا يقولُ فيه، فيقول الله ﷿ له يوم القيامة: ما مَنَعَكَ أن تقولَ في كذا وكذا؟ فيقولُ خَشْيَةُ الناس، فيقول الله: فَإياي كنت أحقَّ أن تخشى (^١).\nفهَذان الحديثان محمولان على أن يكون المانِع له من الإنكار مجردَ الهيْبةِ دونَ الخوفِ المسقِطِ للإنكار.\nقال سعيد بن جُبَيْر: قُلتُ لابن عباس: آمرُ السلطانَ بالمعروف، وأنهاه عن المنكر؟ قال: إن خفتَ أن يقتلكَ فَلا، ثم عدتُ فقال لي مثْلَ ذلك، ثم عدتُ فقال لي مِثلَ ذلك، وقال: إن كنتَ لابدَّ فاعلا ففيما بينَكَ وبينَه\".\n• وقال طاووس: أتى رجل ابنَ عباس فقال: ألا أقومُ إلى هذا السلطان فآمَره وأنهاه؟ قال لا تكن له فتنة.\nقال: أفرأيت إن أمرنى بمعصية الله؟ قال: ذلك الذي تريدُ؛ فكنْ حينئذ رجلا.\n• وقد ذكرنا حديث ابن مسعود الذي فيه. \"يخلف من بعدهم خُلُوفٌ، فَمنْ جاهدهم بيده فهو مؤمن .... \" الحديث.\nوهذا يدل على جهاد الأمراء باليد.\nوقد استنكر الإمام أحمد هذا الحديث في رواية أبى داود وقال: هو خلاف الأحاديث التي أمر فيها رسول الله ﵌ بالصبر على جور الأئمة.\nوقد يجاب عن ذلك بأن التغييرَ باليد لا يستلزم القتال.\n• وقد نص على ذلك أحمد أيضًا في رواية صالح فقال: التغيير باليد ليس بالسيف والسلاح.\nوحينئذٍ: فَجِهاد الأمراء باليد أن يزيل بيده ما فعلوه من المنكرات، مثل أن يُريقَ خمورهم، أو يكسر آلات الملاهي التي لهم ونحو ذلك، أو يبطلَ بيده ما أمَروا به من الظلم إن كانَ له قُدْرَةٌ على ذلك.\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في الموضع السابق عقب الحديث المذكور ح ٤٠٠٨ من طريق أبي كريب، عن عبد الله بن نمير وأبي معاوية عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد فذكره.\nوأورده البوصيري في مصباح الزجاجة ٢/ ٢٩٨ وقال: إسناده صحيح وأبو البختري، اسمه: سعيد بن فيروز وفي ا، ب: \"فيقول: إياي\" وفي السنن: \"فيقول: فإياي\".","vol":"3","page":954},{"text":"وكل هذا جائز، وليس هو من باب قتالهم، ولا من الخروج عليهم الذي وَرَد النهيُ عنه، فإنّ هذا أكثر ما يخشى منه أن يُقْتَلَ الآمِرُ وحده.\n• وأما الخروج عليهم بالسيف؛ فيُخْشَى منْهُ الفتن التي تؤَدِّي إلى سَفْكِ دماء المسلمين.\n• نعم! إن خَشِيَ في الإقدِامِ على الإنكار على الملوك أن يؤذَى أهلُه أو جيرانُه لم ينبغ له التعرضُ لهم حينئذ لا فيه من تَعدِّي الأذى إلى غيره.\n• كذلك قال الفضيل بن عياض، وغيره.\nومع هذا فمتى خاف منهم على نفسه السيفَ أو السوط أو الحبسَ أو القيدَ أو النَّفْي أو أخذَ المال أو نحوَ ذلك من الأذى سقط أمرهم ونهيهُم.\n* * *\nوقد نص الأئمة على ذلك منهم مالك وأحمد وإسحق وغيرهم (^١).\nقال أحمد: لا تتعرَّض إلى السلطان فإِن سيفَهُ مَسْلُولٌ (^٢).\n• وقال ابن شُبْرُمَة: \"الأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر، كالجهاد يجب على الواحد أن يصابر فيه الاثنين، ويحرم عليه الفرار منهما، ولا يجب عليه مصابرة أكثَرَ من ذلك؛ فإن خَافَ السبَّ أو سماعَ الكلام السئ، لم يسقط عنه الإنكارُ بذلك.\nنص عليه الإمامُ أحمد.\nوإن احتمل الأذى، وقَوِي عليه؛ فهو أفضل.\nنصّ عليه أحمد أيضًا.\nوقيل له: أليس قد جاء عن النبي ﵌ أنه قال: \"ليس للمؤمن أن يذل نفسه\" (^٣) أي يعرضها من البلاء لما لا طاقة له به؛ قال: ليس هذا من ذلك.\n_________\n(^١) راجع الأمر والنهي للخلال ص ٢٤ - ٢٦، ٢٩.\n(^٢) الأمر والنهي للخلال ص ٣٠.\n(^٣) أخرجه الخوارزمي في جامع مسانيد أبي حنيفة ١/ ١٢٥ وقد رواه أبو حنيفة عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - بلفظ مقارب وابن ماجه في السنن: ٣٦ - كتاب الفتن: ٢١ - باب قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ ٢/ ١٣٣١ - ١٣٣٢ ح ٤٠١٦ من رواية محمد بن بشار، عن عمرو بن عاصم، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن الحسن، عن جندب، عن حذيفة، فذكره بنحوه، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ١٠٦، معلقًا مختصرًا وأبو الشيخ في الأمثال (١٥١) من حديث حذيفة و(١٥٢) من حديث ابن عمر - الأول بإسناد ضعيف، والثاني بإسناد رجاله ثقات وانظر باقي تخريجه بهوامش الحديثين في الأمثال وفي بعض النسخ: \"ليس هذا من ذاك\" وأورده الخلال بسياقه عن أحمد في الأمر والنهي ص ٣٣ وعنده: \"ليس هذا من ذاك\".","vol":"3","page":955},{"text":"• ويدل على ما قاله ما خرجه أبو داود، وابن ماجه، والترمذي من حديث أبي سعيد عن النبي ﵌ قال: \"أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر (^١).\n• وخرج ابن ماجه معناه من حديث أبي أمامة (^٢).\nوفي مسند البزار بإسناد فيه جهالة، عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلت: يا رسول الله! أي الشهداء أكرم على الله؟ قال: \"رجل قام إلى إمام جائر فأمره بمعروف، ونهاه عن منكر؛ فقتله (^٣) \".\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنن: ٣١ - كتاب الملاحم: ١٧ - باب الأمر والنهي ٤/ ٥١٤ عن محمد بن عبادة الواسطي، عن يزيد بن هارون، عن إسرائيل، عن محمد بن جحادة، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر\" أو \"أمير جائر\".\nوأخرجه الترمذي في ٣٤ - كتاب الفتن: ١٣ - باب ما جاء أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر ٤/ ٤٧١ ح ٢١٧٤ عن القاسم بن دينار الكوفي، عن عبد الرحمن بن مصعب، عن إسرائيل - به - أن النبي - ﷺ - قال: إن من أعظم الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر وعقب عليه بقوله: وفي الباب عن أبي أمامة وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه.\nوأخرجه ابن ماجه في السنن: ٣٦ - كتاب الفتن: ٢٠ - باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٢/ ٣٢٩/ ح ٤٠١١ عن القاسم بن زكريا، عن عبد الرحمن بن مصعب عن محمد بن عبادة، عن يزيد بن هارون كلاهما عن إسرائيل - به - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر\" فاللفظ الذي أورده ابن رجب: لفظ ابن ماجه، وأبي داود بالشك من الراوي.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في سننه عقب الحديث السابق ح ٤٠١٢ وهو الحديث الذي أشار إليه الترمذي، وقد أخرجه ابن ماجه: عن راشد بن سعيد الرملي، عن الوليد بن مسلم، عن حماد بن سلمة، عن أبي غالب، عن أبي أمامة قال: عرض لرسول الله - ﷺ - رجل عند الجمرة الأولى، فقال: يا رسول الله! أي الجهاد أفضل؟ فسكت عنه فلما رأى الجمرة الثانية سأله، فسكت عنه، فلما رمى جمرة العقبة، وضع رجله في الغرز ليركب، قال: \"أين السائل؟ \" قال: أنا يا رسول الله! قال: \"كلمة حق عند ذي سلطان جائر\".\nوقد أورده البوصيري في مصباح الزجاجة ٢/ ٢٩٩ وعقب عليه بقوله: هذا إسناد فيه مقال؛ أبو غالب مختلف فيه، ضعفه ابن سعد وأبو حاتم والنسائي ووثقه الدارقطني، وقال أبو عدي: لا بأس به.\nوراشد بن سعيد قال فيه أبو حاتم: صدوق وباقي رجال الإسناد ثقات، رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي أمامة أيضًا ورواه البيهقي في الكبرى طريق المعلي بن زياد عن أبي غالب، فذكره.\nوسبقه إلى ذلك ابن أبي عمر في مسنده؛ فرواه عن وكيع، عن حماد بن سلمة - به - وتبعه عليه أحمد بن منيع في مسنده، فقال: ثنا شريح بن النعمان وأبو نصر قالا: ثنا حماد بن سلمة، فذكره، وله شاهد من حديث أبي سعيد رواه أصحاب السنن الأربعة. ا هـ فهو حسن لغيره.\n(^٣) أخرجه البزار في مسنده (٤) ١٠٩ - ١١٠ من الكشف ح ٣٣١٤ عن محمد بن الحرب البغدادي، عن عبد الوهاب بن نجده، عن محمد بن حمير، عن أبي الحسن، عن مكحول، عن قبيصة بن ذؤيب، عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلت: يا رسول الله! أي الشهداء أكرم على الله؟ قال: رجل قام إلى أمير جائر فأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر فقتله، قيل: فأي الناس أشد عذابًا؟ قال: رجل قتل نبيًّا، أو قتل رجلًا أمره =","vol":"3","page":956},{"text":"• وقد روي معناه من وجوه أخرى كلها فيها ضعف.\n• وأما حديث: \"لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه\" فإنما يدل علَى أنه إذا عَلم أنه لا يُطيقُ الأذَى ولا يَصْبِرُ عليه، فإنه لا يتعرَّض حينئذ للأمر.\nوهذا حق.\nوإنما الكلام فيمن علم من نفسه الصبر كذلك.\nقاله الأئمة، كسفيان وأحمد والفضيل بن عياض، وغيرهم.\n• وقد روي عن أحمد، ما يدل على الاكتفاء بالإنكار بالقلب.\nقال في رواية أبي داود: نحن نرجو إن أنكرَ بقلبه؛ فقد سَلِمَ، وإن أنكره بيده؛ فهو أفضل (^١).\nوهذا محمول على أنه يَخَافُ كما صَرَّح بذلك في رواية غير واحد.\n• وقد حكى القاضي أبو يعلى روايتين عن أحمد في وجوب إنْكَارِ المنكرِ على من يَعلم أنه لا يُقْبل منه.\nوصَحَّحَ القول بوجوبه.\nوهو قول أكثر العلماء.\n• وقد قيل لبعض السلف في هذا؟ فقال: يكون لك معذرة.\nوهذا كما أخبر الله تعالى عن الذين أنكروا على المعتدين في السَّبْتِ أنهم قالوا: لِمَنْ قال لهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (^٢).\nوقد ورد ما يستدل به على سقوط الأمر والنهي عند عدم القبول والانتفاع به: ففي\n_________\n= بمعروف ونهاه عن منكر، ثم قرأ ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ثم قال: يا أبا عبيدة! قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيًّا، في ساعة واحدة، فقام مائة رجلٍ واثنا عشر رجلًا من عُبَّادِ بني إسرائيل، فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقتلوا جميعًا\". قال البزار: لا نعلم أحدا سمى أبو الحسن شيخ محمد بن حمير.\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٢٧٢ عن البزار في هذا الموضع وقال: فيه ممن لم أعرفه اثنان.\n(^١) مسائل الإمام أحمد: باب الأمر والنهي ص ٢٧٨ وفيه: \"إن أنكره … \". والأمر والنهي للخلال ص ٣٢.\n(^٢) سورة الأعراف: ١٦٤ وقد جاء قوله تعالى: (معذرة) مضبوطا بالضم والتنوين في ا، ظ الضم والفتح قراءتان سبعيتان وانظر تفسير القرطبي ٧/ ٣٣٧ والطبري ١٣/ ٤٨٥ والمحرر الوجيز ٧/ ١٨٩، وحجة القراءات ص ٣٠٠.","vol":"3","page":957},{"text":"سنن أبي داود (^١) وابن ماجه (^٢) والترمذي (^٣) عن أبي ثعلبة الخشنى أنه قيل له: كيف تقول في هذه الآية ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (^٤)؟ فقال: سألت عنها خبيرًا ..\nأما والله! لقد سألتُ عنها رسول الله ﵌ فقال: \"بل ائتَمِروا بالمعروفِ وانْهَوْا عن المنكر حتى إذا رأيتَ شُحًّا مُطَاعًا، وهَوًى مُتَّبعًا ودُنْيَا مُؤْثَرَةً، وإعجابَ كُلِّ ذي رَأىٍ برأيه؛ فعليكَ بنفسك وَدَعْ عَنْكَ أمرَ العوامّ\".\n• وفي سنن أبي داود، عن عبد الله بن عمرو (^٥) قال: فبينما نحن حول رسول الله ﵌ إذ ذكَر الفتنةَ فقال: إذا رَأَيتُمُ النَّاس مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ، وخَفّتْ أمانَاتهُمْ وكانوا هكذا وشَبَّكَ بن أَصَابِعِه، فقمتُ إليه فقلت له: كيفَ أفعلُ عند ذلك؟ جعلني الله فداك؟ قال: الْزَمْ بيتَك، وامْلِكْ عليكَ لسانَكَ، وخذ بما تعرِفُ، ودَعْ ما تُنْكِرُ، وعليك بأمر خاصّة نفسِكَ، ودَعْ عنكَ أمرَ العامة (^٦).\n• وكذلك روى عن طائفة من الصحابة في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنن: ٣١ - كتاب الملاحم:١٧ - باب الأمر والنهي ٤/ ٥١٢ عن أبي الربيع سليمان بن داود العتكي، عن ابن المبارك، عن عتبة بن أبي حكيم، عن عمرو بن جارية اللخمي، عن أبي أمية الشعباني قال: سألت أبا ثعلبة الخشني، فقلت: يا أبا ثعلبة! كيف تقول في هذه الآية؟ ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾؟ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا فذكره، وفيه وتناهوا … فعليك - يعني بنفسك - … وزاد في آخره: فإن من ورائكم أيام [الصبر] الصبر فيه مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عمله، وزادني غيره، قال: يا رسول الله! أجر خمسين منهم؟ قال: \"أجْرُ خمسين منكم\".\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في السنن: ٣٦ - كتاب الفتن: ٢٠ - باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ٢/ ١٣٣٠ - ١٣٣١ ح ٤٠١٤ عن هشام بن عمار، عن صدقة بن خالد، عن عتبة بن أبي حكيم - به - بنحوه مختصرًا وفيه: ورأيت أمرا لا يدان لك به فعليك خويصة نفسك؛ فإن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن مثل قبض على الجمر … الحديث.\nوقوله: فقال: سألت عنها خبيرًا ليس في ا، ولا في ب وهو في السنن إلا ابن ماجه.\n(^٣) وأخرجه الترمذي في: ٤٨ - كتاب التفسير: ٦ - باب ومن سورة المائدة (٥/ ٢٥٧) ح ٣٠٥٨ من رواية سعيد بن يعقوب الطالقاني، عن عبد الله بن المبارك - به - بنحوه وفيه: \"فإن من ورائكم أياما: الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم\".\nقال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة: قيل: يا رسول الله! أجر خمسين منا أو منهم؟ قال: \"بل أجر خمسين منكم\" وعقب بقوله: هذا حديث حسن غريب.\n(^٤) [الآية: ١٠٥ سورة المائدة].\n(^٥) م: \"عبد الله بن عمر\" وهو تحريف فالحديث في أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو.\n(^٦) أخرجه أبو داود في السنن: ٣١ - كتاب الملاحم: ١٧ - باب الأمر والنهي ٤/ ٥١٣ - ٥١٤ ح ٤٣٤٣ عن هارون بن عبد الله، عن الفضل بن دكين، عن يونس بن أبي إسحاق، عن هلال بن خباب، عن عكرمة، عن عبد الله بن عمرو بن العاص فذكره بمثله، ورواه ابن حبان في صحيحه ١٣/ ٢٨١ - ٢٨٢ بإسناد صحيح.","vol":"3","page":958},{"text":"ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (^١) قالوا: لم يأت تأويلها بعد؛ إنما تأويلها في آخر الزمان.\nوعن ابن مسعود قال: إذا اختلفت القلوبُ والأهواءُ، وأُلْبِسْتُم شِيَعًا، وذاق بعضكم بأسَ بعض؛ فيأمر الإنسان حينئذ نفسه، فهو (^٢) حينئذ تأويل هذه الآية.\n• وعن ابن عمر قَال: هذه الآية لأقوام يجيئون مِنْ بَعْدِنَا إن قالوا لم يُقْبَلْ منهما.\n• وقال جُبَيْرُ بن نُفَيْر: عن جماعة من الصحابة قالوا: إذا رأيتَ شحًّا مُطاعًا وهوًى متّبعًا وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليكَ حينئذ بنفسك لا يَضُرُّكَ مَنْ ضَلّ إذا اهْتَدَيْتَ.\n• وعن مكحول قال: \"لم يأت تأويلها بَعْدُ إذا هابَ الواعظُ، وأنكر الموعوظ، فعليك حينئذ بنفسك لا يضركَ مَنْ ضَلّ إذا اهتديتَ.\n• وعن الحسن أنه كان إذا تلا هذه الآية قال: يا لها من ثقة ما أَوْلقَهَا! ومنْ سَعَةٍ ما أوسعها!.\nوهذا كله قد يحمل على أن مَنْ عجز عن الأمر بالمعروف، أو خاف الضرر سقط عنه.\nوكلام ابن عمر يدل على أن مَنْ كَلِمَ أنه لا يُقْبَلُ منه لما يَجب عليه، كما حكى رواية عن أحمد.\nوكذا قال الأوزاعي: مُرْ (^٣) مَنْ تَرى أن يقبل منكَ.\n• وقوله ﵌ في الذي ينكر بقلبه: (وذلك أضعف الإيمان).\nيدل على أن الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر من خصال الإيمان، ويدلّ على أن مَنْ قدَر على خَصلة من خصال الإيمان وفَعلَها كان أفضلَ ممن تركها عجزًا عنها (^٤).\n• ويدل على ذلك أيضًا قوله ﵌ في حق النساء: \"أمَّا نقصانُ دينها فإنها تمكثُ الأيامَ واللياليَ لا تُصلِّي\" (^٥) يشير إلى أيام الحيض، مع أنها ممنوعة من الصلاة حينئذ، وقد جعل ذلك نقصًا في دينها؛ فَدَلَّ على أن مَن قدر على واجب\n_________\n(^١) سورة المائدة: ١٠٥.\n(^٢) ليست في ا والأثر أورده ابن كثير في التفسير بسياقه تامًّا عن ابن جرير ٢/ ٥٥٧ من المختصر.\n(^٣) م: \"أمر\".\n(^٤) سقطت من م.\n(^٥) راجع في هذا ما أخرجه البخاري في صحيحه: ٦ - كتاب الحيض: ٦ - باب ترك الحائض الصوم ١/ ٤٠٥ ح ٣٠٤ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال:\nخرج رسول الله - ﷺ - في أضحى - أو في فطر - إلى المصلى، فمر على النساء فقال: يا معشر النساء! تصدقن؛ فإني أريتكن أكثر أهل النار، فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير، ما =","vol":"3","page":959},{"text":"وفعله فهو أفضل ممن عجز عنه وتركه، وإن كان معذورا في تركه والله أعلم.\n* * *\n• وقوله ﵌: \"من رأى منكم منكرًا\".\nيدل على أن الإنكار يتعلق (^١) بالرؤية، فلو كان مستورًا فلم يره، ولكن عَلِم به؛ فالمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات أنه لا يعرض (^٢) له، وأنه لا يفتش على ما (^٣) اسْتَراب به.\n• وعنه رواية أخرى أنه يكشف (^٤) المغطا إذا تحققه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1148>[ماذا لو سمع صوت غناء محرم؟]:</span>\nولو سمع صوتَ غِنَاء مُحَرَّم، أو آلاتِ الملاهي، وعلم المكانَ التي هي فيه (^٥) فإنه يُنْكِرُها: لأنه قد تحقّق المنكر، وعلم موضعَه فهو كما رآه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1149>[تَسَوُّر الجدران]:</span>\nنص عليه أحمد وقال: إذا لم (^٦) يعلم مكانَهُ فلا شيء عليه وأما تسور الجدران على من علم اجتماعهم على منكر؛ فقد أنكره الأئمةُ مثلُ سفيان الثوري وغيره، وهو داخل في التجسس المنهى عنه.\n• وقد قيل لابن مسعود: إنّ فلانا تقطُر لحيته خَمْرًا؟ فقال: نهانا الله عن التجسس (^٧).\n\n<span data-type='title' id=toc-1150>[متى يجوز التجسس؟]:</span>\n• وقال القاضي أبو يعلى في كتاب \"الأحكام السلطانية\": إن كان في المنكر الذي\n_________\n= رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى قال: فذلك نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى! قال: فذلك من نقصان دينها\".\nوأطرافه في: ١٤٦٢، ١٩٥١، ٢٦٥٨ وراجع ما أخرجه مسلم في صحيحه: ١ - كتاب الإيمان: ٣٤ - باب بيان نقصان الإيمان بنقص الطاعات وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله ككفر النعمة والحقوق ١/ ٨٦ - ٨٧ ح ٣٢ في - (٧٩)، (٨٠) من أحاديث عبد الله بن عمر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة بنحوه.\n(^١) ب: \"متعلق\".\n(^٢) م: \"يتعرض\".\n(^٣) م: \"مما\".\n(^٤) ا، ب: \" يكسر\".\n(^٥) م: \"فيها\".\n(^٦) م: \" أما إذا لم يعلم\".\n(^٧) أخرجه أبو داود في السنن ٢/ ٦٨٩ ح ٤٨٩٠ ورواه عبد الرزاق في المصنف ١٠/ ٢٣٢ عن ابن عيينة، عن الأعمش، عن زيد بن وهب قال: قيل لابن مسعود: هلك الوليد بن عقبة تقطر لحيته خمرا؟ قال قد نهينا عن التجسس، فإن يظهر لنا نقم عليه. ومن طريق يعلى بن عبيد، عن الأعمش به - أخرجه البيهقي في السنن ٨/ ٣٣٤ ومن طريق عبد الرزاق أخرجه الطبراني في الكبير ٩/ ٣٥٠ ح ٩٧٤١.","vol":"3","page":960},{"text":"غلب على ظنه الاستسرارُ به بإخبار ثقة عنه انتهاك حرمةٍ يفوت استدراكها، كالزنا، والقتل جاز التجسس والإقدام على الكشف والبحث حذرا من فوات ما لا يستدرك من انتهاك المحارم.\nوإن كان دون ذلك في الرتبة؛ لم يجز التجسسُ عليه، ولا الكشفُ عنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1151>[حدود المنكر الذي يجب إنكاره]:</span>\nوالمنكر الذي يجب إنكارهُ ما كان مُجْمَعًا عليه.\n• فأما المختلف فيه؛ فمن أصحابنا من قال: لا يجبُ إنكارهُ على من فعله مجتهدًا فيه أو مُقلّدًا لمجتهد تقليدا سَائغًا.\nواستثنى القاضي في الأحكام السلطانية ما ضَعُفَ فيه الخلافُ وكان ذريعةً إلى محظور متَّفَقٍ عليه؛ كربا النقد: الخلاف فيه ضعيف؛ وهو ذريعة إلى ربا النساء المتفق على تحريمه.\nوكنكاح المتعة؛ فإنه ذريعة إلى الزنا.\n• وذُكر عن أبي إسحاق بن شاقلا أنه ذكر أن المتعة هي الزنا صُرَاحًا، وعن ابن بطة أنه قال: لا يفسخ نكاح حكم به قاض إذا كان تأول فيه تأويلا؛ إلا أن يكون قضى لرجل بعقد متعة أو طلق ثلاثة في لفظ واحد وحكم بالمراجعة من غير زوج فحكمه مردود، وعلى فاعله العقوبةُ والنَّكَالُ.\n• والمنصوص عن أحمد: الإنكارُ على اللاعب بالشطرنج.\nوتأوله القاضي على من لعب بها بغير اجتهاد، أو تقليد سائغ.\nوفيه نظر؛ فإن المنصوص عنه، أنه يحد شارب النبيذ المختلف فيه، وإقامة الحد أبلغُ مراتبِ الإنكار مع أنه لا يفسق بذلك عنده؛ فدلَّ على أنه ينكر كلّ مختلف فيه ضَعُف الخلاف فيه؛ لدلالة السنة على تحريمه، ولا يخرج فاعله المتأوّل، من العدالة بذلك والله أعلم.\n• وكذلك نص أحمد على الإنكار على من لا يتم صلاتَه، ولا يقيمُ صُلْبَهُ من الركوع والسجود مع وجود الاختلاف في وجوب ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1152>[الدوافع إلى الأمر والنهي]:</span>\n• واعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تارة يحمل عليه رجاء ثوابه.\nوتارة: خوفُ العقاب في تركه.","vol":"3","page":961},{"text":"وتاره: الغضبُ لله على انتهاك محارمه.\nوتارة: النصيحة للمؤمنين، والرحمة لهم، ورجاء إنقاذهم مما أوقعوا أنفسهما فيه من التعرض لغضب الله وعقوبته في الدنيا والآخرة.\nوتارة: يحمل عليه: إجلال الله وإعظامه ومحبته وأنه أهل أن يطاع فلا يُعْصَى ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر، وأنه يفتدى من انتهاك محارِمه بالنفوس والأموال.\n• كما قال بعض السلف: وددت أن الخلق كلّهم أطاعوا الله، وأن لحمي قُرِضَ بالمقاريضَ (^١).\nوكان عبد الملك بنُ عمرَ بن عبد العزيز رحمهما الله يقول لأبيه: وددت أنى غلت بي وبك القُدورُ في الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1153>[كيف يهون الأذى على الآمر والناهي؟]:</span>\nومن لحظ هذا المقام والذي قبله هان عليه كلُّ ما يلقى من الأذى في الله تعالى، وربما دعا لمن آذاه كما قال ذلك النبي ﵌ لمّا ضَرَبَهُ قومُه فجعل يمسحُ الدَّمَ عن وجهه ويقول \"رب اغفر لقومى؛ فإنهم لا يعلمون\" (^٢).\n_________\n(^١) أورده أبو نعيم في الحلية ١٠/ ١٤٧ - ١٥٠ في أواخر ترجمة أبي عبد الرحمن: زهير بن نعيم البابي من قوله.\n(^٢) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة ٣/ ٢١٥ تعليقًا بصيغة الجزم عن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكره.\nوأورده ابن حجر في الفتح ٧/ ٣٧٢ - ٣٧٣ عن ابن عائذ من طريق الأوزاعي: بلغنا أنه لما خرج رسول الله - ﷺ - يوم أحد أخذ شيئًا فجعل ينشف به دمه وقال: لو وقع منه شيء على الأرض لنزل عليكم العذاب من السماء، ثم قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون.\nثم أورده في الموضع نفسه عن الطبراني من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد وفيه سبب مجيء فاطمة الزهراء إلى أحد ولفظه \"لما كان يوم أحد وانصرف المشركون خرج النساء إلى الصحابة يعينونهم، فكانت فاطمة فيمن خرج، فلما رأت النبي - ﷺ - اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته بالماء فيزداد الدم، فلما رأت ذلك أخذت شيئًا من حصير فأحرقته بالنار، وكمدته به حتى لصق بالجرح فاستمسك الدم\".\nوله من طريق، زهير بن محمد عن أبي حازم: \"فأُحرقت حصيرًا حتى صارت رمادًا، فأخذت من ذلك الرماد، فوضعته فيه حتى رقأ الدم\" وقال في آخر الحديث: ثم قال يومئذ: \"اشتد غضب الله على قوم دمّوا وجه رسوله\" ثم مكث ساعة، ثم قال: \"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون\".\nوأصل الحديث في صحيح البخاري: ٦٤ - كتاب المغازي: ٢٤ - باب ما أصاب النبي - ﷺ - من الجراح يوم أحد ٧/ ٣٧٢ ح ٤٠٧٥ من حديث أبي حازم، عن سهل وله شاهد من حديث أبي هريرة رقم ٤٠٧٣، ومن حديث ابن عباس رقم ٤٠٧٤ في الموضع نفسه ومن حديث ابن مسعود ٣٤٧٧، ٦٩٢٩.\nوحديث سهل بن سعد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/ ١١٧ مختصرًا على اللفظ الذي أورده ابن رجب وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. =","vol":"3","page":962},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1154>[تعين الرفق في الإنكار]:</span>\nوبكل حال فيتعين (^١) الرفق في الإنكار.\n• قال سفيان الثوري: لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ إلا من كان فيه ثلاث خصال.\nرفيق بما يأمر، رفيق بما ينهى.\nعدل بما يأمر، عدل بما ينهى.\nعالم بما يأمر، عالم بما ينهى (^٢).\n• وقال أحمد: \"الناس محتاجون إلى مُدارَاةٍ ورفق\".\nالأمرُ بالمعروف بلا غلظة؛ إلا رجل معلنٌ بالفسق؛ فلا حُرْمَةَ له.\nقال: وكان أصحابُ ابن مسعود إذا مروا بقوم يرون منهم ما يكرهون يقولون مهلا رحمكم الله مهلا رحمكم الله (^٣).\n• وقال أحمد: يأمر بالرفق والخضوع؛ فإن أسمعوه ما يكره لا يغضب، فيكون يريد أن ينتصر لنفسه (^٤) والله أعلم.\n* * *\n_________\n= وقد أخرجه الآجري في الشريعة ص ٤٦٠ من طريق أبي محمد بن صاعد، عن هارون بن موسى القروي، عن محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون\" يعنى يوم أحد.\nوالقرطبي في تفسيره ٤/ ١٩٩ - ٢٠٠ و٨/ ٢٧٣ و١٤/ ١٥٦ والقاضي عياض في الشفا ١/ ٢٢١ - ٢٢٢.\n(^١) م: \"فتبين\".\n(^٢) أخرجه أبو بكر الخلال في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص ٤٥ ح ٣٢.\n(^٣) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للخلال ص ٣٥ ح ٣٤.\n(^٤) هذا جواب من أبي عبد الله لمن سأله عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كيف ينبني أن يأمر؟ قال: يأمر بالرفق والخضوع ثم قال: إن أسمعوه ما يكره إلخ هكذا أورده الخلال في المرجع السابق ص ٣٩ ح ٤٦ وانظر أيضًا ص ٤٠ ح ٤٨ وفي ا: \"يريد ينتصر\".","vol":"3","page":963},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1155>الحديث الخامس والثلاثون</span>\nعنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -:\n\"لا تَحاسَدُوا، وَلا تَنَاجَشُوا، ولا تَبَاغَضُوا، وَلا تَدَابَرُوا، وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إخْوَانًا؛ المسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ؛ لا يَظْلِمُهُ، وَلا يَخْذُلُهُ، وَلا يَكْذِبُهُ، وَلا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا - وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ - بحَسْبِ امْرِيءٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخاهُ المُسْلِمَ، كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَمالُهُ وَعِرْضُهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1156>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث خرجه مسلم من رواية أبي سعيد: مولى عبد الله بن عامر بن كُرَيْزٍ عن أبي هريرة (^١).\n• وأبو سعيد هذا لا يعرف اسمه.\n• وقد روى عنه غَيْرُ واحد، وذكره ابن حبان في ثقاته، وقال ابن المديني: هو مجهول.\n• وروى هذا الحديث سفيان الثوري فقال فيه: عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة ووهم في قوله سعيد بن يسار؛ إنما هو سعيد مولى ابن كُرَيْزٍ قاله أحمد، ويحيى، والدارقطني، وقد رُوي بعضه من وَجْهٍ آخر.\nوخرجه الترمذي من رواية أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: \"المسلم أخو المسلم؛ لا يخونه، ولا يكذبه، ولا يخذله، كل المسلم على المسلم حرام، عرضه، وماله، ودمه، التقوى هاهنا،\n_________\n(^١) في صحيحه: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب: ١٠ - باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وماله وعرضه ٤/ ١٩٨٦ ح ٣٢ - (٢٥٦٤) من رواية عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن داود بن قيس، عن أبي سعيد - به - وليس فيه: \"ولا يكذبه\".\nوإسناده صحيح وراجع تصحيحه وباقي تخريجه في صحيح الجامع الصغير وزيادته رقم ٦٥٨١، وسلسلة الأحاديث الصحيحة ٩٢٨ والتيسير ٢/ ٤٤٦ وقد ذكر المناوي أن من هجر أخاه في الدين سنة بلا عذر فهو كسفك دمه؛ لأن المهجور كالميت في عدم الانتفاع به والمراد اشتراك الهاجر والقاتل في الإثم لا في قدره فهجر المسلم فوق ثلاث حرام إلا لمصلحة.","vol":"3","page":965},{"text":"بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم\" (^١).\nوخرج أبو داود من قوله كل المسلم إلى آخره (^٢).\n• وخرجاه (^٣) في الصحيحين من رواية الأعرج، عن أبي هريرة ﵁؛ عن النبي ﵌ قال: \"لا تحاسَدُوا ولا تَنَاجَشُوا ولا تَبَاغَضُوا ولا تَدَابَرُوا وكونوا عبادَ الله إخوانًا\" (^٤).\n• وخرجاه من وجوه أخر عن أبي هريرة (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في سننه: ٢٨ - كتاب البر والصلة: ١٨ - باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم ٤/ ٣٢٥ من رواية عبيد بن أسباط بن محمد القرشي، عن أبيه عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة … فذكره.\nوعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب.\nوفي الباب عن علي وأبي أيوب.\nوالحديث باللفظ الذي أورده ابن رجب إلا قوله أن يحقر فهو في الترمذي: الهندية والمصرية \"أن يحتقر\".\n(^٢) أخرجه أبو داود في السنن: ٣٥ - كتاب الأدب: ٤٠ - باب الغيبة ٥/ ١٩٥ - ١٩٦ من رواية واصل بن عبد الأعلى عن أسباط بن محمد - به.\n(^٣) م: \"وخرجه\"، د، ا: \"وخرجا\".\n(^٤) رواية الأعرج عن أبي هريرة لهذا الحديث أخرجها البخاري في الصحيح: ٦٧ - كتاب النكاح: ٤٥ - باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع ٩/ ١٩٨ ح ٥١٤٣ من رواية يحيى بن بكير، عن الليث بن سعد، عن جعفر بن ربيعة، عن الأعرج قال، قال أبو هريرة! يؤثر عن النبي - ﷺ -، قال: \"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا\".\nوفي: ٧٨ - كتاب الأدب: ٥٨ - باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ١٠/ ٤٨٤ ح ٦٠٦٦ من رواية عبد الله بن يوسف، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله! إخونا\".\nوأخرجه مسلم في صحيحه: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب: ٩ - باب تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ونحوها ٤/ ١٩٨٥ رواية عن يحيى بن يحيى، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا، ولا تجسسوا ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله! إخوانا\".\nوهكذا لا نجد اللفظ الذي عزاه ابن رجب إلى الصحيحين من رواية الأعرج عن أبي هريرة في أي موضع من الصحيحين فكيف قال ذلك؟.\n(^٥) راجع في هذه الوجوه صحيح البخاري: ٧٨ - كتاب الأدب: ٥٧ - باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ ١٠/ ٤٨١ ح ٤٠٦٤ رواية عن بشر بن محمد، عن عبد الله بن المبارك، عن معمر بن راشد، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة بنحوه.\nوفي: ٨٥ - كتاب الفرائض: ٢ - باب تعليم الفرائض ١٢/ ٤ ح ٦٧٢٤ رواية عن موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن أبي هريرة - بنحوه. =","vol":"3","page":966},{"text":"• وخرج الإمام أحمد من حديث واثلة بن الأسقع، عن النبي ﵌ قال: \"كلّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وعرْضُهُ ومَالُهُ، المسْلِمُ أَخُو المسْلِم لا يظلمه ولا يَخْذُله، والتَّقْوَى ها هنا - وأومأ بيده إلى القلب - وَحَسْبُ أمرئٍ من الشر أن يحقِرَ أخاه المسْلِمَ\" (^١).\n• وخرج أبو داود آخره فقط (^٢).\n• وفي الصحيحين من حديث ابن عمر، عن النبي ﵌ قال: \"المسلم أخو المُسْلِم لا يظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُه\" (^٣).\n• وخرجه الإمام أحمد ولفظه: \"المسْلِمُ أخو المسْلِم، لا يظلِمُه ولا يخذلُه ولا يحقرُه وحسب امرئ من الشر أن يحقرَ أخاه المسلم (^٤).\n_________\n= وراجع ما أخرجه مسلم عقب رواته السابقة من رواية العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا تهجّروا، ولا تدابروا، ولا تحسسوا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض الحديث.\nومن رواية جرير، عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة بنحوه.\nومن رواية شعبة، عن الأعمش، بهذا الإسناد: \"لا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا ولا تحاسدوا وكونوا إخوانا كما أمركم الله\".\nومن رواية سهيل عن أبيه، عن أبي هريرة بنحوه ٤/ ١٩٨٥ - ١٩٨٦ ح ٢٩ - (…) و٣٠ - (…) و(…) و٣١ - (…).\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٩١ (الحلبي) من رواية الحكم بن نافع، عن إسماعيل بن عياش، عن يحيى بن زيد، عن عبد الوهاب المكي، عن عبد الواحد بن عبد الله النضري، عن واثلة بن الأسقع قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"المسلم على المسلم حرام … الحديث بنص ما أورده ابن رجب ما عدا بداية الحديث.\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١٧٢ عن واثلة بن الأسقع - لهذه البداية - وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات.\n(^٢) رواه أبو داود في السنن: ٣٥ - كتاب الأدب: ٤٦ - باب المؤاخاة (٥/ ٢٠٢ ح ٤٨٩٣) من رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، عن النبي - ﷺ - قال: \"المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه فإن الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة، فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة\". ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة\".\n(^٣) حديث ابن عمر في هذا أخرجه البخاري في ٤٦ - كتاب المظالم: ٣ - باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلبه ٥/ ٩٧ ح ٢٤٤٢ من رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - قال: فذكره بمثل ما سقنا عن أبي داود وفيه: \"ومن كان في حاجة أخيه\".\nوأخرج شطره الأول في: ٨٩ - كتاب الإكراه: ٧ - باب يمين الرجل لصاحبه أنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه إلخ ١٢/ ٣٢٣ ح ٦٩٥١ من رواية سالم بن عبد الله بن عمر كذلك.\nوأخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب: ١٥ - باب تحريم الظلم ٤/ ١٩٩٦ من رواية سالم أيضًا وبمثل ما عند أبي داود.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٧٧، ٣٦٠ الحلبي من حديث أبي هريرة، وأخرجه مختصرًا من حديث ابن عمر بإسناد صحيح ٧/ ١٩١ - ١٩٢ (المعارف) كما ذكر المحقق العلامة الشيخ أحمد شاكر وفي ٣/ ٤٩١ (الحلبي) =","vol":"3","page":967},{"text":"• وفي الصحيحين عن أنس، عن النبي ﵌ قال: \"لا تباغضُوا ولا تحاسَدُوا ولا تدابَرُوا وكونوا عبادَ الله إخوانا\" (^١).\n• ويروى معناه من حديث أبي بكرٍ الصديق مرفوعًا وموقوفًا\" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1157>[معنى قوله - ﷺ -: \"لا تحاسدوا\"]:</span>\n• فقوله ﵌ \"لا تحاسَدُوا\".\nيعني لا يَحْسُدْ بعضُكم بعضًا، والحسد مَرْكوزٌ في طباع البشَر، وهو أن الإنسان يكرهُ أن يفوقَهُ أحدٌ من جنسه في شيء من الفضائل ثم ينقسم الناس بعد هذا إلى أقسام.\n\n<span data-type='title' id=toc-1158>[أقسام الناس في الحسد]:</span>\n• فمنهم مَنْ يسعى في زوال نعمة المحسُود بالبَغْي عليه بالقول والفعل.\n• ثم منهم من يسعى في نقل ذلك إلى نفسه.\n• ومنهم من يسعى في إزالته عن المحسود فقط من غير نقلٍ إلى نفسه، وهو شرهما وأخبثهما.\n\n<span data-type='title' id=toc-1159>[الحسد المذموم]:</span>\nوهذا هو الحسد المذموم المنْهِيُّ عنه.\nوهو كان ذنْبَ إبليسَ؛ حيث كان حسدَ آدمَ ﵇ لمَّا رآه قد فاق على\n_________\n= من حديث واثلة كما تقدم، وفي ٤/ ٦٦، ٦٩، ٥/ ٣٣٩، ٣٨١ (الحلبي) من حديث شيخ من بني سليط ﵁ وفي المجمع ٨/ ٧٣ أن إسناده جيد.\n(^١) أخرجه البخاري في: ٧٨ - كتاب الأدب: ٥٧ باب ما ينهى عن التحاسد والتدابر، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ﴾ ١٠/ ٤٨١ ح ٦٠٦٥ من رواية شعيب عن الزهري، عن أنس بن مالك، فذكره بمثله وزاد: \"ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام\".\nوفي: ٦٢ - باب الهجرة وقول رسول الله - ﷺ -: \"لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث\" ١٠/ ٤٩٢ ح ٦٠٧٦ من رواية مالك، عن ابن شهاب، عن أنس - بنحوه.\nوأخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب: ٧ - باب تحريم التحاسد والتباغض والتدابر ٤/ ١٩٨٣ - ١٩٨٤ ح ٢٣ (٢٥٥٩) بمثل رواية الموضع الثاني من البخاري.\nوأخرجه عقبة من وجوه أخرى عديدة عن أنس، زاد ابن عيينة في بعضها: \"ولا تقاطعوا\" وزاد شعبة في بعضها: \"كما أمركم الله\".\n(^٢) مسند أحمد ١/ ٣ و٥ و٧ وسنن ابن ماجه ٢/ ١٢٦٥ ح ٣٨٤٩ وعمل اليوم والليلة للنسائي ص ٥٠٢ ح ٨٨٢.","vol":"3","page":968},{"text":"الملائكة بأن الله خلقه بيده، وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه في جواره؛ فما زال يسعى في إخراجه من الجنة حتى أُخْرِجَ منها.\n• ويروى عن ابن عمر: أن إبليس قال لنوح: اثنتان بهما أُهِلكُ بني آدم: الحسَد، وبالحسد لُعِنْتُ وجُعلْتُ شيطانًا رجيمًا.\nوالحرص: - أبيح آدمَ الجنة كلَّها؛ فأصبت حاجتي منه بالحرص.\n• خرجه ابن أبي الدنيا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1160>[اليهود والحسد]:</span>\nوقد وصف الله اليهود بالحسد في مواضعَ من كتابه: (القرآن) كقوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ (^١) - وقوله: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1161>[من آثار الحسد]:</span>\nوخرج الإمام أحمد (^٣) والترمذي (^٤) من حديث الزبير بن العوام، عن النبي ﵌ قال:\n\"دب إليكم داءُ الأمم قبلَكُم الحسَدُ والبَغْضَاءُ والبَغْضَاءُ هي الحالقةُ، حالقة الدين لا حَالِقَةُ الشَّعرِ، والذي نفس محمد بيده، لا تُؤْمِنُوا حتى تحابُّوا، أوَلا أنبِّئكُمْ بشِيءٍ إذَا فَعَلْتُموهُ تحابَبْتُم أفشُوا السَّلام بينكُم\".\n• وخرج أبو داود (^٥) من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال:\n_________\n(^١) سورة البقرة: ١٠٩.\n(^٢) سورة النساء: ٥٤.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٦، ٢٠، ٢١ (المعارف) ح ١٤١٢، ١٤٣٠ - ١٤٣٢ بأسانيد ضعيفه - للانقطاع والجهالة كما ذكر محققه العلامة الشيخ أحمد شاكر.\n(^٤) أخرجه الترمذى في: ٣٨ - كتاب صفة القيامة: ٥٦ - باب حدثنا أبو يحيى ٤/ ٦٦٤ من رواية يحيى بن أبي كثير، عن يعيش بن الوليد، عن مولى الزبير، عن الزبير بن العَوَّام.\nوهو أحد أسانيد أحمد في المسند وهو معلول بجهالة مولى الزبير.\nوقد عقب الترمذي بقوله: هذا حديث قد اختلفوا في روايته عن يحيى بن أبي كثير، فروى بعضهم عن يحيى بن أبي كثير، عن يعيش بن الوليد، عن مولى الزبير عن النبي - ﷺ - ولم يذكروا فيه عن الزبير.\n(^٥) أخرجه أبو داود في السنن: ٣٥ - كتاب الأدب: ٥٢ - باب الحسد ٥/ ٢٠٨ - ٢٠٩ ح ٤٩٠٣ رواية عن عثمان بن صالح، عن عبد الملك بن عمرو، عن سليمان بن بلال، عن إبراهيم بن أبي أبي أسيد، عن جده، عن أبي هريرة =","vol":"3","page":969},{"text":"\"إياكم والحسَدَ، فإنّ الحسدَ يأكُلُ الحسَنَاتِ كَما تأكلُ النَّارُ الحطَبَ أو قال العُشْبَ\".\n• وخرج الحاكم وغيره (^١) من حديث أبي هريرة عن النبي ﵌ قال:\n\"سيصيب أمتي داءُ الأمم قالوا: يا نَبِيَّ الله! وما داءُ الأمم؟ قال: الأشرُ والبَطَرُ والتَّكَاثُرُ والتَّنَافُسُ في الدنيا والتباغُضُ والتَّحَاسُد حتَّى يكونَ البَغْيُ ثم الهرْجُ\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1162>[أنواع أخرى من الحاسدين]:</span>\nوقسم آخر من الناس إذا حسد غيره لم يعمل بمقتضى حسده، ولم يبغ على المحسود بقول ولا فِعل.\n• وقد روي عن الحسن: أنه لا يأثم بذلك.\n• وروي مرفوعًا من وجوه ضعيفة.\nوهذا على نوعين:\n• أحدهما: أن لا يمكنه إزالة ذلك الحسد عن نفسه؛ فيكون مغلوبًا على ذلك؛ فلا يأثم به.\n• والثاني: من يُحَدِّثُ نفسَه بذلك اختيارًا، ويعيدُه ويُبْدِئُه في نفسه مُسْتَرْوِحًا إلى تمنِّي زوالِ نعمةِ أخيه.\nفهذا شبيه بالعزم المصمم على المعصية.\n_________\n= … فذكره بالنص الذي أورده ابن رجب.\nوقد عقب الخطابي في أعلام السنن بهامشه:\nجد إبراهم بن أبي أسيد لم يسم، وذكر البخاري إبراهيم هذا في التاريخ الكبير، وذكر له هذا الحديث وقال: لا يصح.\nلكن كيف لم ينبه ابن رجب على هذا؟\n(^١) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ١٦٨ من رواية أبي العباس: محمد بن يعقوب، عن محمد بن عبد الله، عن ابن وهب، عن أبي هاني: حميد بن هاني الخولاني، عن أبي سعيد الغفاري، عن أبي هريرة … فذكره، وفيه: فقالوا: يا رسول الله! … والتكاثر والتناجش في الدنيا … \".\nوليس فيه: ثم الهرج.\nوقد عقب عليه بقوله: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٣٠٨ عن الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة، وفيه: والبطر والتدابر والتنافس والتباغض والبخل حتى يكون البغي ثم الهرج.\nوقد قال الهيثمي: فيه أبو سعيد الغفاري لم يرو عنه غير حميد بن هانيء، وبقية رجاله وثقوا.","vol":"3","page":970},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1163>[في العقاب على ذلك خلاف]:</span>\nوفي العقاب على ذلك اختلاف بين العلماء وربما يُذكر في موضع آخر إن شاء الله تعالى لكن هذا يَبْعُدُ أن يَسْلَم من البَغْي على المحسود بالقول فيأثم بذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1164>[وقسم آخر]:</span>\nوقسم آخر؛ إذا حسد لما يتمن زوال نعمة (^١) المحسود بل يسعي في اكتساب مثْل فضائِلِه، ويتمنى أن يكون مثلَه، فإن كانت الفَضائلُ دنيويةً فلا خيرَ في ذلك؛ كما قال الله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ (^٢).\nوإن كانت فضائل دينية؛ فهو حسن.\n\n<span data-type='title' id=toc-1165>[فضيلة الغبطة]:</span>\nوقد تمنى النبي ﵌ لنفسه الشهادة في سبيل الله ﷿ (^٣).\n• وفي الصحيحين (^٤) عنه ﵌ قال: \"لا حسد إلا في اثنتين:\n_________\n(^١) سقط من م.\n(^٢) سورة القصص: ٧٩.\n(^٣) كما في (بخ) ح ٣٦، ٢٧٨٧، ٢٧٩٧، ٢٩٧٢، ٣١٢٣، ٧٢٢٦ وغيرها.\n(^٤) أخرجه البخاري في صحيحه: ٣ - كتاب العلم: ١٥ - باب الاغتباط في العلم والحكمة ١/ ١٦٥ ح ٧٣ رواية عن الحميدي عن سفيان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود قال: قال النبي - ﷺ - لا حسد إلا في اثنتين: \"رجل آتاه الله مالا فسُلط على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها\".\nوفي: ٢٤ - كتاب الزكاة: ٥ - باب إنفاق المال في حقه ٣/ ٢٧٦ ح ١٤٠٩ عن محمد بن المثني، عن يحيى، عن إسماعيل - به - بنحوه.\nوفي ٩٣ - كتاب الأحكام: ٣ - باب أجر من قضى بالحكمة ١٣/ ١٢٠ ح ٧١٤١ عن شهاب بن عباد، عن إبراهيم بن حميد، عن إسماعيل - به - بنحوه.\nوفي: ٩٦ - كتاب الاعتصام: ١٣ - باب ما جاء في اجتهاد القضاء بما أنزل الله تعالى لقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ومدح النبي - ﷺ - صاحب الحكمة حين يقضي بها ويعلمها، ولا يتكلف من قبله، ومشاورة الخلفاء وسؤالهم أهل العلم ١٣/ ٢٩٨ ح ٧٣١٦ عن شهاب بن عباد - به - بنحوه. وفيه: وآخر آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها.\nوأخرجه مسلم في صحيحه: ٦ - كتاب صلاة المسافرين: ٤٧ - باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه، وفضل من تعلم حكمة من فقه أو غيره فعمل لها وعلمها ١/ ٥٥٨ - ٥٥٩ ح ٢٦٦ - (٨١٥) من رواية سفيان بن عينية، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - قال: لا حسد إلا في اثنتين: رجلٌ آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجلٌ آتاه الله مالا فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار\".\nوح ٢٦٧ - (…) من طريق يونس عن ابن شهاب - به - وفيه: رجل آتاه الله هذا الكتاب؛ فقام به آناء الليل وآناء النهار) … فتصدق به ..... \"، وح ٢٦٨ - (٨١٦) من وجوه عديدة عن ابن مسعود بنحو حديثه عن البخاري.","vol":"3","page":971},{"text":"رجلٍ آتاه اللهُ مالًا؛ فهو يُنْفِقه آناءَ الليل وآناءَ النهار، ورجل آتاه الله القرآنَ، فهو يَقُوم به آناءَ الليل وآناءَ النهار\".\nوهذا هو الغبطة وسماه حسدًا من باب الاستعارة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1166>[وقسم أرقى]:</span>\nوقسم آخر إذا وجد (^١) من نفسه الحساد سعى في إزالته، وفي الإحسان إلى المحسود بإسداء (^٢) الإحسان إليه، والدعاء له، ونشرِ فضائله، وفي إزالة ما وَجَدَ له في نفسه من الحسد حتى يبدله بمحبّةِ أن يكون أخوه (^٣) المسلم خيرًا منه وأفضلَ.\nوهذا من أعلى درجات الإيمان.\nوصاحبه هو المؤمن الكامل الذي يحب لأخيه ما يحب لنفسه (^٤) وقد سبق الكلام على هذا في تفسير حديث: \"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\" (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1167>[قوله - ﷺ -: \"ولا تناجشوا\"]:</span>\nوقوله - ﷺ -: \"ولا تناجشوا\" فسره كثيرون من العلماء بالنجش في البيع وهو أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها إما لنفع البائع بزيادة الثمن له أو بإضرار المشتري بتكثير الثمن عليه.\n* * *\n• وفي الصحيحين عن ابن عمر، عن النبي ﵌، أنه نهى عن النَّجْش (^٦).\n_________\n(^١) م: \"في\".\n(^٢) م: \"بإبداء\" وهو تحريف.\n(^٣) م: \"يكون المسلم\".\n(^٤) بعد هذا في المطبوعة: \"وقوله ﷺ\".\n(^٥) في الحديث الثالث عشر.\n(^٦) راجع في هذا ما مضى أول الحديث في النهي عن التناجش ثم ما أخرجه البخاري في صحيحه: ٣٤ - كتاب البيوع: ٥٨ - باب لا يبيع على بيع أخيه ولا يسوم على سومه ٥/ ٣٥٣ ح ٢١٤٠ من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا … الحديث.\nو٦٤٠ - باب النهي للبائع أن لا يحفّل الإبل والبقر والنغم وكل محفلة، ٤/ ٣٦١ ح ٢١٥٠ من رواية أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة بنحوه.\nو: ٧٠ - باب لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة ٤/ ٣٧٢ ح ٢١٦٠ من رواية الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة مختصرًا.\nوفي: ٥٤ - كتاب الشروط: ١١ - باب الشروط في الطلاق ٥/ ٣٢٤ ح ٢٧٢٧ من رواية عدي بن ثابت، عن أبي =","vol":"3","page":972},{"text":"• وقال ابن أبي أوفى: الناجِشُ آكلُ ربًا خائن.\nذكره البخاري (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1168>[آراء العلماء في هذه الصفقة أو في هذا النوع]:</span>\n• قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن فاعلَهُ عاصٍ لله تعالى إذا كانَ بالنهى عالمًا (^٢).\nواختلفوا في البيع:\n• فمنهم من قال: إنه فاسد، وهو رواية عن أحمد، اختارها طائفة من أصحابه.\n• ومنهم من قال: إن كان الناجش هو البائع أو من واطأه البائع على النَّجْش فَسد؛ لأنّ النهي هنا يعودُ إلى العاقد نفسه.\nوإن لم يكن كذلك لم يفسد لأنه يعود إلى أجنبي.\n• وكذا حكي عن الشافعي أنه علَّلَ صحة البيع بأن البائع غيرُ الناجش.\nوأكثر الفقهاء على أن البيع صحيح مطلقًا.\nوهو قول أبي حنيفة ﵀، ومالكٍ ﵀، والشافعي ﵀، وأحمدَ ﵀ في رواية عنه.\nإلا أن مالكًا وأحمد أثبتا للمشتري الخيار - إذا لم يعلم بالحال، وغُبِنَ غَبْنًا فاحشًا يخرج عن العادة.\n_________\n= حازم، عن أبي هريرة ﵁ قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن التلقي، وأن يبتاع المهاجر للأعرابي وأن تشترط المرأة طلاق أختها، وأن يستام الرجل على سوم أخيه، ونهى عن النجش وعن التصرية\".\nوهذا هو الموضع الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراج حديثه.\nوقد أخرجه مسلم في الصحيح: ٢١ - كتاب البيوع: ٤ - باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، وسومه على سومه، وتحريم النجش على تحريم التصرية ٣/ ١١٥٤ ح ١٢ - (…) من رواية عدي بن ثابت - به - بنحوه.\nوقد روى البخاري حديث النهي عن النجش من حديث ابن عمر كذلك أخرجه في ٣٤ - كتاب البيوع: ٦٠ - باب النجش ومن قال: لا يجوز ذلك البيع ٤/ ٣٥٥ ح ٢١٤٢ من رواية عبد الله بن مسلمة، عن مالك عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: نهى النبي - ﷺ - عن النجش وفي: ٩٠ - كتاب الحيل: ٦ - باب ما يكره من التناجش ١٢/ ٣٣٦ ح ٦٩٦٣ من رواية قتيبة بن سعيد، عن مالك - به - بمثله. وقد ذكر ابن حجر في هذا الموضع أن المراد بالكراهة في الترجمة كراهة التحريم.\n(^١) في صحيحه: ٣٤ - كتاب البيوع: ٦٠ - باب النجش ٤/ ٣٥٥ وقد ذكره تعليقا في الترجمة عقب قوله: باب النجش ومن قال: لا يجوز ذلك ووصله في الشهادات: باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ .. الآية ٥/ ٢٨٦ وأشار الحافظ إلى ذلك في الفتح ٤/ ٣٥٦ وتغليق التعليق ٣/ ٢٤٤.\n(^٢) في التمهيد ١٣/ ٣٤٨.","vol":"3","page":973},{"text":"وقدَّرَهُ مالك وبعض أصحاب أحمد بثلث الثمن، فإن اختار المشتري حينئذ الفسخ فله ذلك.\nوإن أراد الإمساكَ فإنه يحطُّ ما غُبِن به من الثمن.\nذكره أصحابنا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1169>[احتمال آخر لتفسير التناجش]:</span>\nويحتمل أن يفسر التناجش المنهي عنه في هذا الحديث بما هو أعم من ذلك؛ فإن أصل النَّجْش في اللغة إثارة الشيء بالمكر والحيلة والمخادعة ومنه سُمِّىَ الناجشُ في البيع ناجِشًا، ويسمى الصائد في اللغة ناجِشًا؛ لأنه يثير (^١) الصيد بحيلته عليه، وخداعِه له، وحينئذ فيكون المعنى: لا تخادعوا، ولا يعامل (^٢) بعضكم بعضًا بالمكر والاحتيال.\nوإنما يراد بالمكر والمخادعة إيصالُ الأذى إلى المسلم إما بطريق الأَصالة (^٣) وإما أجتلاب نفعه بذلك.\nويلزم منه وصولُ الضرر إليه، ودخولُه عليه وقد قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (^٤).\n• وفي حديث ابن مسعود، عن النبي ﵌: \"من غشنا فليس منا والمكر والخداع في النار\" (^٥).\n_________\n(^١) م: \"يصيد\".\n(^٢) م: \"يختل\".\n(^٣) م: \"الاحتيال\".\n(^٤) سورة فاطر: ٤٣.\n(^٥) أخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب الحظر والإباحة: باب ذكر الزجر عن أن يمكر المرء أخاه المسلم أو يخادعه في أسبابه ٧/ ٤٣٤ روايته عن الفضل بن الحباب، عن عثمان بن الهيثم عن أبيه، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود … فذكره بنص ما أورد ابن رجب.\nوالطبراني في الكبير ١٠/ ١٣٨ ح ١٠٢٣٤ من طريق الفضل بن الحباب - به - بمثله.\nوالقضاعي في مسند الشهاب ١/ ١٧٥ ح ٢٥٣، ٢٥٤ الأول روايته عن محمد بن عبيد الله بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن عبد المؤمن، عن الفضل بن الحباب - به - بنحوه وفيه: \"والخديعة\".\nوالثاني عن محمد بن إبراهيم بن غالب، عن محمد بن عبد الله - به - بمثل الرواية الأولى وأبو نعيم في الحلية ٤/ ١٨٨ - ١٨٩ عن محمد بن أحمد الجرجاني - في جماعة، عن الفضل بن الحباب - به - بمثله وعقب عليه بقوله: غريب من حديث عاصم، تفرد به عثمان، ولم نكتبه إلا من حديث الفضل بن الحباب.\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٧٨ - ٧٩ عن الطبراني في الكبير والصغير وقال: رجاله ثقات وفي عاصم بن بهدلة كلام لسوء حفظه.=","vol":"3","page":974},{"text":"• وقد ذكرنا فيما تقدم (^١) حديث أبي بكر الصديق المرفوع: \"ملْعُونٌ من ضَارَّ مُسْلِمًا أو مَكرَ به\".\nخرجه الترمذي.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1170>[ما الذي يشمله مفهوم التناجش؟]:</span>\nفيدخل على هذا التقدير في التناجش المنهى عنه: جميعُ أنواع المعاملات بالغش ونحوه كتدليس العيوب وكتمانها، وغِشِّ المبيعِ الجيد بالرّدِيء، وغَبْنِ المسْتَرْسِل (^٢)\n_________\n= أقول: لكنه مختلف فيه؛ وثقه أحمد وأبو زرعة وابن حبان والعجلي وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه اضطراب وهو ثقة، وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: صالح، وهو أكثر حديثا من أبي قبيس الأودي وأشهر وأحب إليّ منه، وهو أقل اختلافا عندي من عبد الملك بن عمير.\nوقد تكلم فيه ابن علية فقال: كأن كل من اسمه عاصم مستوى الحفظ وكذا قال العقيلي وقال النسائي: ليس به بأس.\nوإذا راعينا هذا الاختلاف في شأن عاصم فلا يقل مستوى إسناد حديثه عن الحسن ولا يعلو فيكون صحيحًا.\nفلا يرفض حديثه، وتحسن معه المتابعة ولعله - لهذا - أخرج له الشيخان مقرونا بغيره.\nوإذا راعينا أنه خلّط بأخرة تبين لنا سبب رئيسي للقول في اضطراب حديثه، أو سوء حفظه، وربما كان هذا منشأ الاختلاف في أمره.\nوأن من قبل روايته قبل ما لم يكن فيه تخليط ومن تكلم فيه تكلم لما حدث له بأخرة.\nوقد قال العجلي عنه: … وهو أجل مقرئ بالكوفة، وقدم البصرة فأقرأهم … وأهل البصرة يقولون: ابن بهدلة وكان صاحب سنة وقراءة، وكان ثقة رأسًا في القرآن.\nوكان ثقة في الحديث، ولا يختلف عنه في حديث ذر وأبي وائل.\nراجع ترجمته في الثقات للعجلي ص ٢٣٩ - ٢٤١ ت ٧٣٦ ورجال صحيح مسلم لأبي بكر بن منجويه الأصبهاني ٢/ ٩٥ ت ١٢٤١، والتهذيب ٥/ ٣٨ - ٤٠، والتقريب ١/ ٣٨٧ وفيه يقول: صدوق، له أوهام حجة في القراءة وحديثه في الصحيحين مقرون. مات سنة ثمان وعشرين ومائة.\nوالحديث أورده المنذري في الترغيب ٢/ ٥٧٢ وقال رواه الطبراني وأبو نعيم والقضاعي وأورد قول الهيثمي في عاصم ثم قال:\nوالمتقرر فيه عند أهل العلم بالحديث أنه حسن الحديث يحتج به لا سيما إذا وافق الثقات ثم اعتبر هذا أساس حكم المنذري في الترغيب بجودة إسناد الحديث ثم أشار إلى رواية أبي داود للحديث في مراسيله عن الحسن.\nوأورده في السلسلة الصحيحة ١٠٥٨ وأجمل القول عن عاصم محيلا إلى الروض والإرواء ثم قال: \"والجملة الأولى لها أكثر من شاهد واحد مخرجة في الإرواء والجملة الأخرى لها شواهد أيضًا كما سبق آنفا، فالحديث بمجموعه صحيح والحمد لله على توفيقه\".\nأقول: أي صحيح لغيره وإذا راعينا إخراج ابن حبان له في الصحيح، فهو إذًا صحيح لذاته عند ابن حبات على شرطه ومنهجه ومن المعروف أنه في الصحة بعد الصحيحين.\n(^١) ص ٩١١ في شرح الحديث الثاني والثلاثين.\n(^٢) استرسل الشعر كان سَبْطًا والشئ: سهل، وإليه: انبسط واستأنس - وبه: وثق. (المعجم الوسيط ١/ ٣٤٤).","vol":"3","page":975},{"text":"الذي لا يَعْرِفْ الممَاكَسَة.\nوقد وصف الله تعالى في كتابه الكفار والمنافقين بالمكر بالأنبياء وأتباعهم وما أحسن قول أبي العتاهية:\nليس دُنْيا إِلا بدينٍ وليس الد … ينُ إلا مكارِمَ الأخلاق\nإنما المكرُ والخديعةُ في النا … رِ هما مِنْ خِصَال أَهل النِّفاقِ\nوإنما يجوز المكر بمن يجوز إدخال الأذى عليه وهمُ الكفار والمحاربون؛ كما قال النبي ﵌: \"الحربُ خدْعة\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه: ٥٦ - كتاب الجهاد: ١٥٧ - باب الحرب خدعة ٦/ ١٥٧ - ١٥٨ ح ٣٠٢٨، ٣٠٢٩، ٣٠٣٠ من حديثي أبي هريرة وجابر بن عبد الله ﵄، وباللفظ الذي ساق ابن رجب إلا أن حديث أبي هريرة فيه: \"سمى النبي - ﷺ - الحرب خدعة\".\nومن حديثهما أخرجه مسلم في: ٣٢ - كتاب الجهاد والسير: ٥ - باب جواز الخداع في الحرب ٣/ ١٣٦١ - ١٣٦٢ ح ١٧ - باب (١٧٣٩)، ١٨ (١٧٤٠).\nومن حديث جابر ﵁ أخرجه ابن الجارود في المنتقى ص ٣٨٧ ح ١٠٥١.\nوأخرجه أحمد في المسند ١/ ٩٠ (الحلبي)، ٢/ ٨٥ - ٨٦ (المعارف) بإسنادين ضعيفين من حديث علي.\nومن حديث أبي هريرة في مواطن كثيرة منها ٢/ ٣١٢، ٣١٤، ومن حديث أنس في ٣/ ٢٤٤، ومن حديث جابر في ٣/ ٢٩٧، ٣٠٨.\nورواه أبو داود في السنن: ٩ - كتاب الجهاد: ١٠١ - باب المكر في الحرب ٣/ ٩٩ - ١٠٠ ح ٢٦٣٦، ٢٦٣٧ من حديثي جابر من طريق سعيد بن منصور عن سفيان، عن عمرو أنه سمع جابرًا … فذكره.\nورواه من حديث كعب بن مالك عن محمد بن عبيد، عن ابن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن كعب فذكره.\nوقد عقب عليه أبو داود بقوله:\nلم يجيء به إلا معمر يريد قوله: \"الحرب خدعة\" بهذا الإسناد، إنما يروى من حديث عمرو بن دينار، عن جابر ومن حديث معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة وقال الخطابي في أعلام السنن بهامشه: \"وقوله\": \"والحرب خدعة\" معناه إباحة الخداع في الحرب وإن كان محظورًا في غيرها من الأمور.\nوهذا الحرف يروى على ثلاثة أوجه.\nخَدْعة (بفتح الخاء وسكون الدال).\nوخُدْعة (بضم الخاء وسكون الدال).\nوخُدَعة (الخاء مضمومة والدال منصوبة).\nوأصوبها خَدعة بفتح الخاء، أخبرني أبو رجاء الغنوي عن أبي العباس: أحمد بن يحيى قال: (خَدْعة) بفتح الخاء بلغنا أنها لغة النبي - ﷺ -.\nثم قال الخطابي:\nقلت: معنى الخدعة أنها هي مرة واحدة أي: إذا خدع القاتل مرة واحدة لم يكن له إقالة، ومن قال خُدْعة أراد الاسم كما يقال: هذه لعبة، ومن قال: خُدَعة بفتح الدال كان معناها أنها تخدع الرجال وتمنيهم ثم لا=","vol":"3","page":976},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1171>[معنى قوله - ﷺ -: \"ولا تباغضوا]:</span>\nقوله: - ﷺ -: \"ولا تباغضوا\".\nنهي للمسلمين عن التباغض بينهم في غير الله تعالى، بل على أهواء النفوس، فإن المسلمين جعلهم الله إخوة والإخوةُ يتحابّون بينهم ولا يتباغضون.\n• وقال النبي ﵌: \"والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لا تدْخلوا الجنةَ حتّى تُؤمِنُوا، ولا تُؤْمِنُوا حتى تَحابُّوا، أولا أدُلُّكُم على شَيءٍ إذا فعلتُمُوه تحاببتم أَفشُوا السلامَ بينَكُم\" خرجه مسلم (^١).\nوقد ذكرنا فيما تقدم أحاديثَ في النهي عن التباغُض والتحاسد.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1172>[تحريم كل ما يؤدي إلى العداوة والبغضاء]:</span>\nوقد حرم الله على المؤمنين ما يُوقِعُ بينهم العداوة والبغضاء كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (^٢) وامتن على عباده بالتأليف بين قلوبهم كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ (^٣) وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1173>[تحريم النميمة]:</span>\n• ولهذا المعنى حُرِّم المشيُ بالنميمة لما فيها من إيقاع العداوةِ والبغْضاءِ ورُخِّصَ في الكذب في الإصلاح بين الناس، ورغَّبَ الله في الإصلاح بينهم كما قال تعالى: ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٥) وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ\n_________\n= تفي لهم كما قال: رجل لعبة [بوزنة همزة] إذا كان كثير التلاعب بالأشياء.\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه: ١ - كتاب الإيمان: ٢٢ - باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون وأن محبة المؤمنين من الإيمان، وأن أفشاء السلام سبب لحصولها ١/ ٧٤ إلا أن فيه: لا تدخلون الجنة … وذلك من حديث أبي هريرة.\n(^٢) سورة المائدة: ٩١.\n(^٣) سورة آل عمران: ١٠٣.\n(^٤) سورة الأنفال: ٦٢ - ٦٣.\n(^٥) سورة النساء: ١١٤.","vol":"3","page":977},{"text":"الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (^١) وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ (^٢).\n• وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث أبي الدرداء عن النبي ﵌ قال: \"ألا أخْبرُكُمْ بأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصَّلاةِ والصِّيَام والصَّدقة؟ \" قالوا: بلى يا رسول الله! قال: \"إصْلاحُ ذَاتِ البَيْن فإن فَسَادَ ذاتِ البَيْنِ هِي الحَالقةُ\" (^٣).\n• وخرج الإمام أحمد وغيره من حديث أسماء بنت يزيد، عن النبي ﵌ قال: \"ألا أنبئكم بشراركم؟ \" قالو!: بلى، يا رسول الله! قال: \"المشَّاؤون بالنَّمِيمَةِ، المفَرِّقونَ بَينْ الأحِبَّةِ، الباغُون للبُرَآءِ العَيَبَ\" (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1174>[البغض في الله ليس منهيا عنه]:</span>\nوأمّا البُغضُ في الله؛ فهُوَ مِنْ أَوْثَق عُرَى الإيمان، وليس داخلًا في النهي، ولو ظهر لرجل مِنْ أخيه شر؛ فَأَبغَضهُ عَلَيه وكانَ الرَّجلُ معذُورًا فيه في نفس الأمر أثيبَ المبغِضُ له وإن عُذِرَ أخُوهُ كما قال عمر: \"إنا كُنَّا نَعْرِفُكُم إِذْ رَسُولُ الله ﵌ بين أظهرنا، وإذ ينزل الوحى، وإذ ينبئنا الله مِن أخباركم ألا وإن رسول الله ﵌ قد انطُلِقَ به، وانقطع الوحى، وإنما نَعْرِفُكُم بما نُخبركم ألا مَنْ أظهَرَ منكم لنا خيْرًا ظننا به خيرًا وأحببناه عليه، ومَنْ أظهرَ منكم شرًّا ظننا به شرًّا وأبْغَضْنَاهُ عليه؛ سرائركم بينكم وبين ربكم تعالى (^٥) \".\n_________\n(^١) سورة الحجرات: ٩.\n(^٢) سورة الأنفال: ١.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٤٤٤ - ٦٤٥ (الحلبي) وأبو داود في السنن: ٣٥ - كتاب الأدب: ٥٨ - باب في إصلاح ذات البين ٥/ ٢١٨ ح ٤٩١٩ بنحوه وفيه: \"وفساد ذات البين\".\nوالترمذي في السنن: ٣٨ - كتاب صفة القيامة: ٥٦ - باب حدثنا أبو يحيى ٤/ ٦٦٣ - ٦٦٤ ح ٢٥٠٩ وعقب عليه بقوله: هذا حديث صحيح ويروى عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين\".\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٤٥٩ (الحلبي) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن خيثم، عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد أن النبي - ﷺ - قال: ألا أخبركم بخياركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: الذين إذا رؤوا ذكر الله تعالى ثم قال: ألا أخبركم بشراركم؟ المشاؤون بالنميمة المفسدون بين الأحبة، الباغون للبرآء العنت\" وأخرجه عقبه من طريق علي بن عاصم، عن عبد الله بن عثمان بن خيثم - به - بنحوه.\nوفي الحديث شهر وفيه ما فيه.\nوقد أورده الهيثمي ٨/ ٩٣ عن أحمد من حديث أسماء وعقب عليه لقوله: رواه أحمد وفيه شهر بن حوشب وقد وثقه غير واحد وبقية رجال أحد أسانيده رجال الصحيح.\nوفيه: الباغون للبرآء العيب\".\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢٧٨ - ٢٧٩ (المعارف) ح ٢٨٦ بإسناد حسن كما ذكر محققه شاكر ورواه أبو يعلى في مسندد ١/ ١٧٤ - ١٧٥ ح ١٩٦.","vol":"3","page":978},{"text":"وقال الربيع بن خُثَيم: لو رأيتَ رَجُلًا يُظْهِرُ خَيْرًا، ويُسِرّ شرًّا، أحببتَه عليه؛ آجَرَكَ الله على حبك الخيرَ. ولو رأيتَ رجلًا يُظْهِر شَرًّا ويُسِرُّ خَيْرًا أبغضته عليه؛ آجرك الله على بغضك الشر.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1175>[الاختلاف في الدين طريق للتباغض]:</span>\nولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين، وكثر تفرقهم، كَثر بسبب ذلك تباغضُهم وتلاعنُهم، وكلٌّ منهم يُظْهرُ أنه يُبْغِضُ لله، وقد يكون في نفس الأمر معذورًا، وقد لا يكون معذورًا، بل يكون متبعًا لهواه، مقصرًا في البحث عن معرفة ما يبغض عليه؛ فإنَّ كثيرًا من البغض لذلك إنما يقع لمخالفة متبوع يظن أنه لا يقول إلا الحق، وهذا الظن خطأ قطعا، وإن أُريد أنه لا يقول إلا الحقَّ فيما خولِفَ فيه.\n• فهذا الظن قد يُخْطئ ويُصيب، وقد يكون الحاملَ على الميل إليه مجرَّدُ الهوى والإلف أو العادة، وكل هذا يقدح في أن يكون هذا البُغض لله.\nفالواجب على المؤمن أن ينصح لنفسه ويتحرز في هذا غاية التحرز، وما أشكل منه فلا يدخل نفسه فيه؛ خشية أن يقع فيما نهى عنه من البغض المحرم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1176>[أمر ينبغي التفطن له: الانتصار للحق لا للمذهب]:</span>\nوههنا أمر خفي ينبغي التفطن له.\nوهو أن كثيرًا من أئمة الدين قد يقول قولًا مرجوحًا، ويكون مجتهدًا فيه، مأجورًا على اجتهاده فيه، موضوعًا عنه خطؤُه فيه، ولا يكون المنتصر لمقالته تلك بمنزلته في هذه الدرجة؛ لأنه قد لا ينتصر لهذا القول إلا لِكَوْن متبوعه قد قاله بحيث إنه لو (^١) قاله غيره من أئمة الدين لما قَبِلَهُ، ولا انتصر له، ولا والى مَنْ وافقه، ولا عادى مَنْ خَالَفَهُ، وهو (^٢) مع هذا يظن أنه إنما ينتصر (^٣) للحق لمنزلة متبوعه، وليس كذلك؛ فإن متبوعه إنما كان قصدُه الانتصارَ للحقِّ وإن أخطأ في اجتهاده.\n• وأما هذا التابع فقد شاب (^٤) انتصارَه لما يظنه الحقَّ إرادةُ عُلوِّ متْبُوعِهِ، وظُهورِ\n_________\n(^١) م: \"لو أنه\".\n(^٢) م: \"ولا هو مع\".\n(^٣) م: \"انتصر\".\n(^٤) م: \"شابه\".","vol":"3","page":979},{"text":"كلمته وأن لا ينسب إلى الخطأ.\nوهذه دسيسة تقدح في قصد الانتصار للحق؛ فافهم هذا؛ فإنه مُهِمٌّ عظيم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1177>[قوله - ﷺ -: \"ولا تدابروا\"]:</span>\n• قوله \"ولا تدابروا\" قال أبو عبيد: \"التدابر: الصارمة والهِجْرَان مأخوذٌ من أن يُولِّى الرجل صاحبَه دُبُرَهُ، ويُعرضَ عنه بوجهه، وهو التقاطع\".\n• وخرج مسلم (^١) من حديث أنس، عن النبي ﵌ قال؟ \"لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخوانا كما أمركم الله تعالى\" وخرجه أيضًا بمعناه من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - وفي الصحيحين عن أبي أيوب عن النبي - ﷺ - قال: لا يَحلُّ لمسلم أن يَهْجُرَ أخاه فوق ثلاث، يلتقيان فيصدُّ هذا، ويصد هذا وخيرُهما الذي يبدأ بالسلام\" (^٢).\n• وخرج أبو داود (^٣) من حديث أبي خراش السلمي عن النبي ﵌ قال: \"منْ هَجَر أخاه سنةً فهو كسَفْكِ دَمِهِ\".\nوكل هذا في التقاطع للأمور الدنيوية.\n* * *\n_________\n(^١) مضى ص ٩٦٦ - ٩٦٨ وقول أبي عبيد المذكور في الغريب ١/ ٢١٤.\n(^٢) أخرجه البخاري في: ٧٨ - كتاب الأدب: ٦٢ - الهجرة وقول رسول الله - ﷺ -: \"لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ١٠/ ٤٩٢ ح ٦٠٧٧ من رواية مالك عن الزهري، عن عطاء الليثي، عن أبي أيوب الأنصاري، عن النبي - ﷺ - وفيه: يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا وأخرجه في: ٧٩ - كتاب الاستئذان: ٩ - باب السلام للمعرفة وغير المعرفة ١١/ ٢١ ح ٦٢٣٧ باللفظ الذي أورده ابن رجب.\nوأخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب: ٨ - باب تحريم الهجر فوق ثلاث بلا عذر شرعي ٤/ ١٩٨٤ ح ٢٥ - (٢٥٦٠) من رواية مالك عن ابن شهاب بلفظ البخاري في الموضع الأول.\nوأخرجه عقبه من جوه عن الزهري بإسناد مالك ومثل حديثه إلا قوله فيعرض ويعرض هذا، ففيها جميعًا عدا مالكًا: \"فيصد هذا ويصد هذا\" كما أورد ابن رجب.\n(^٣) أخرجه أبو داود في: ٣٥ - كتاب الأدب: ٥٥ - باب فيمن يهجر أخاه المسلم ٥/ ٢١٤ - ٢١٥ من رواية ابن السرح، عن ابن وهب، عن حيوة، عن أبي عثمان: الوليد بن أبي الوليد، عن عمران بن أبي أنس عن أبي خراش، السُّلَمي: أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول، فذكره بمثله. وأخرجه البخاري في الأدب المفرد عن عبد الله عن يزيد، عن حيوة - به، بنحوه ١/ ٤٩٧ - ٤٩٨ وانظر هامشه.","vol":"3","page":980},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1178>[القاطعة لأجل الدين]:</span>\nفأمّا لأجل الدين فتجوز الزيادة على الثلاثة؛ نصَّ عليه الإمامُ أحمد، واسْتَدلَّ بقصة الثلاثة الذين خُلّفوا وأمر النبي ﵌ بهجرانهم، لما خاف منهم النفاق (^١)، وأباح هجرانَ أهلِ البدع المغلّظَةِ، والدعاة إلى الأهْواء.\nوذكر الخطابي أن هجرة (^٢) الوالد لولده، والزوج لزوجته، وما كان في معنى ذلك تأديبًا تجوز الزيادة فيه على الثلاث؛ لأن النبي ﵌ هجر نساءه شهرًا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1179>[الهجران هل يقطعه السلام؟]:</span>\nواختلفوا: هل ينقطع الهجران بالسلام؟ فقالت طائفة: ينقطع بذلك.\n• روي: عن الحسن، ومالك في رواية ابن وهب (^٤)، وقاله طائفة من أصحابنا.\n• وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة عن النبي ﵌ قال (^٥): \"لا يحل لمؤمن أن يَهْجُرَ مؤمنًا فوق ثلاثٍ؛ فإن مرَّتْ به ثَلاثٌ فَلْيَلْقَهُ فَليُسَلمْ عليه، فإن ردَّ ﵇؛ فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يرد عليه؛ فقد باءَ بالإثْمِ، وَخَرَجَ المسْلِمُ مِنْ الهجْرة\" (^٦).\n• ولكن هذا فيما إذا امتنع الآخر من الرد عليه.\n• فأما مع الردِّ إذا كان بينهما قبْل الهِجْرة مودَّةٌ ولم يعودا (^٧) إليها ففيها نظر.\n• وقد قال أحمد: في رواية الأثرم، وسئل عن السلام يقطع الهجران؟ فقال: قد\n_________\n(^١) راجع في هذا تفسير ابن كثير ٢/ ٣٩٦ - ٣٩٩.\n(^٢) م: \"هجران\".\n(^٣) راجع تفسير ابن كثير ٤/ ٣٨٥ - ٣٩٠.\n(^٤) م: \"وهب\"، وهو خطأ؛ فيه سقط.\n(^٥) سقطت من م.\n(^٦) أخرجه أبو داود في السنن: ٣٥ - كتاب الأدب: ٥٥ - باب فيمن يهجر أخاه - (٥/ ٢١٤ - ٢١٥ ح ٤٩١٢) عن عبيد الله بن عمر بن ميسرة وأحمد بن سعيد السرخسي عن أبي عامر، عن محمد بن هلال، عن أبيه، عن أبي هريرة … فذكره وأن قوله: \"وخرج المسلم من الهجرة\" زيادة في رواية أحمد.\nوقد علق المنذري بقوله: رواه عن أبي هريرة: هلال بن أبي هلال مولى بني كعب، مديني، قال الإمام أحمد: لا أعرفه، وقال أبو حاتم الرازي: ليس بالمشهور.\nوالحديث ضعفه الشيخ ناصر الألباني؛ راجع ضعيف الجامع الصغير: ٦٣٥ - (١٠٨٣) ٦/ ٨٩ والإرواء ٧/ ٩٤.\n(^٧) م: \"ولم يعودوا\".","vol":"3","page":981},{"text":"يسلم عليه، وقد صَدَّ عنْه ثم قال: قال (^١) ﵌: \"يلتقيان فيصدُّ هذا ويصدُ هذا\" فإذا كان قد عوّده أن يُكَلِّمَهُ أو يصافحه (^٢).\n• وكذلك روي عن مالك أنه قال: لا تنقطع الهجرة بدون العود إلى الودة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1180>[التفرقة في هذا بين الأقارب وغيرهم]:</span>\nوفرق بعضهم بين الأقارب والأجانب فقال في الأجانب: تزول الهجرة بينهم بمجرد السلام، بخلاف الأقارب.\nوإنما قال هذا لوجوب صلة الرحم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1181>[ولا بيع بعضكم على بيع بعض]:</span>\n• قوله ﵌: \"ولا يبع بعضكم على بيع بعض\".\nقد تكاثر النهي عن ذلك؛ فقي الصحيحين عن أبي هريرة (^٣)، عن النبي ﵌ قال: \"لا يبيعُ المؤمنُ على بيع أخيه، ولا يخطبُ على خطبة أخيه\".\n• وفي رواية لمسلم: \"لا يَسُمِ المسلم على سَوْم أخيه، ولا يخطبُ على خِطْبَتِهِ (^٤).\n• وخرجا من حديث ابن عمر (^٥)، عن النبي ﵌ قال: \"لا\n_________\n(^١) ا، ب: \"ثم قال: النبي - ﷺ - يقول: \".\n(^٢) في هامش ا: \"معناه أنه لا يكفي السلام وهي النسخة الوحيدة التي أومضت بهذا التعليق على مراد الإمام فليلقه وليصافحه، ولا يكتفي بالسلام.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه في مواطن كثيرة منها في: ٣٤ - كتاب البيوع: ٥٨ - باب لا يبيع على بيع أخيه، ولا يسوم على سوم أخيه، حتى يأذن له أن يترك ٤/ ٣٥٣ ح ٢١٤٠ من رواية الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁ قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - أن يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأَ ما في إنائها.\nوانظره في أحاديث ٢١٤٨، ٢١٥٠، ٢١٥١، ٢١٦٠، ٢١٦٢، ٢٧٢٣، ٢٧٢٧، ٥١٤٤، ٥١٥٢، ٦٦٠١.\nوأخرجه مسلم في صحيحه: ١٦ - كتاب النكاح: ٦ - باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك ٢/ ١٠٣٣ ح ٥١ - (١٤١٣)، ٥٢ - (…)، ٥٣ - (…) من رواية ابن شهاب، عن ابن المسيب بنحوه.\nوفي ٢١ - كتاب البيوع: ٤ - باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، وسومه على سومه، وتحريم النجش وتحريم التصرية ٣/ ١١٥٤ - ١١٥٥ ح ١٠ - (…)، ١١ - (.. .)، ١٢ - (…) بنحوه.\n(^٤) أخرجه مسلم في كتاب النكاح عقب الحديث السابق وفي كتاب اليوع في الموضع السابق قبل الروايات المذكورة.\n(^٥) أخرجه البخاري في: ٦٧ - كتاب النكاح: ٤٥ - باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى يخطب أو يدع ٩/ ١٩٨ ح ٥١٤٢ عن مكي بن إبراهيم، عن ابن جريح، عن نافع، عن ابن عمر، نهى النبي - ﷺ - أن يبيع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطِب قبله أو يأذن له الخاطب =","vol":"3","page":982},{"text":"يبيعُ الرَّجُلُ على بَيْع أخيه، ولا يخطبُ على خِطْبَة أخيه؛ إلا أَنْ يأْذَنَ لَهُ\".\n• ولفظه لمسلم.\nوخرج مسلم من حديث عقبة بن عامر (^١)، عن النبي ﵌ قال: \"المؤمنُ أخو المؤمن؛ فلا يحل للمؤمن أن يبتاعَ على بَيْع أخيه، ولا يخطبَ على خِطْبَةِ أخيه حَتَّى يَذَر\".\nوهذا يدل (^٢) على أن هذا حق للمسلم على المسلم؛ فلا يساويه الكافر في ذلك بل يجوز للمسلم أن يبتاع على بيع الكافر، ويخطبَ على خِطبته، وهو قول الأوزاعي، وأحمد؛ كما لا يثبت للكافر على المسلم حق الشفعة عنده.\n\n<span data-type='title' id=toc-1182>[الجمهور على العموم]:</span>\nوكثير من الفقهاء ذهبوا إلى أن النهي عامٌّ في حق المسلم والكافر، واختلفوا: هل النهي للتحريم أو التنزيه؟\n\n<span data-type='title' id=toc-1183>[ثم اختلفوا في نوعية النهي]:</span>\nفمن أصحابنا من قال: هو للتنزيه دون التحريم.\n• والصحيح الذي عليه جمهور العلماء أنه؛ للتحريم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1184>[وفي صحة البيع والنكاح]:</span>\n• واختلفوا: هل يَصحُّ البَيْعُ على بَيْع أخيه والنكاحُ على خِطبته؟ فقال أبو حنيفة ﵀، والشافعي ﵀، وأَكْثَرُ أصحابنا: يصح.\nوقال مالك؛ في النكاح: إنه إن لَم يدْخُلْ بها، فُرِّقَ بينهما وإن دخل بها لم يفرَّقْ.\n• وقال أبو بكر من أصحابنا في البيع والنكاح إنه باطل بكل حال وحكاه عن أحمد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1185>[معنى البيع على البيع وعلة تحريمه]:</span>\nومعنى البيع على بيع أخيه: أن يكونَ قد باع منه شيئًا فيَبْذُلَ للمشترى سِلْعَتهُ ليشتريها ويفسخ بَيْعَ الأول.\n_________\n= وانظره في حديثي ٢١٣٩، ٢١٦٥.\nوأخرجه مسلم في الموضع السابق قبل روايات أبي هريرة ح ٨ (…) وأخرجه قبله مختصرًا ح ٧ (١٤١٢).\n(^١) أخرجه مسلم في كتاب النكاح في الموضع السابق ح ٥٦ - (١٤١٤) ٢/ ١٠٣٤.\n(^٢) م: \"دليل\".","vol":"3","page":983},{"text":"وهل يختص ذلك بما إذا كان البَذْلُ في مدّة الخيار بحيث يتمكن المشتري من الفسخ فيه أم هو عام في مدة الخيار وبعدها؟ فيه اختلاف بين العلماء.\n• [و] قد حكاه الإمام أحمد في رواية حرب، ومال إلى القول بأنه عام في الحالين، وهو قولُ طائفةٍ من أصحابنا، ومنهم من خَصَّهُ بما (^١) إذا كان في مدة الخيار وهو ظاهر كلام أحمد في رواية ابن مُشَيش (^٢)، ومنصوص الشافعي.\nوالأول أظهر؛ لأن المشتري وإن لم يتمكَّن من الفسخ بنفسه بعد انقضاء مدة الخيار، فإنه إذا رغبَ في رَدِّ السلعة الأولى على بائعها فإنه يتسبّب في رَدِّهَا عليه بأنواع من الطرق المقتضية (^٣) لضرره ولو بالإلحاح عليه في المسألة.\nوما أدّى إلى ضَرَرِ المسلم كان مُحَرَّمًا والله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1186>[وكونوا عباد الله إخوانا]:</span>\n• وقوله ﵌: \"وكونوا عباد الله إخوانا\".\nهذا ذكره النبي ﵌: كالتعليل لما تقدم.\nوفيه إشارة إلى أنهم إذا تركوا التحاسد والتناجش والتباغض والتدابر وبيع بعضهم على بعض كانوا إخوانا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1187>[وسائل الأخوَّة]:</span>\nوفيه أَمْرٌ باكتساب ما يصير المسلمون به إخوانًا على الإطلاق، وذلك يدخل فيه أداءُ حقوق المسلم على المسلم من رَدِّ السلام، وتشميتِ العاطس، وعيادَةِ المريض، وتشييعِ الجِنازة (^٤)، وإجابة الدعوة، والابتداء بالسلام عند اللقاء، والنصح بالغيب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1188>[والأمر بالتهادي]:</span>\n• وفي الترمذي عن أبي هريرة (^٥) عن النبي ﵌ قال: \"تهادَوْا؛\n_________\n(^١) ليست في أ.\n(^٢) م: \"مشيقس\".\n(^٣) م: \"المستفيضة\" وهو تحريف.\n(^٤) \"ا\": \"الجنائز\".\n(^٥) أخرجه الترمذي فيه: ٣٢ - كتاب الولاء والهبة. ٦ - باب حث النبي - ﷺ - على التهادي ٤/ ٤٤١ ح ٢١٣٠ من رواية محمد بن سواء، عن أبي معشر، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، فذكره وزاد: \"ولا تحقرن جارة لجارتها ولو شق فرسِنِ شاة\" أي ولو نصف ظلف شاة.=","vol":"3","page":984},{"text":"فإن الهدية تُذهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ\".\n• وخرجه غيره.\nولفظه: \"تهادَوْا تحابُّوا\" (^١).\n_________\n= وقد عقب عليه بقوله: \"هذا حديث غريب من هذا الوجه، وأبو معشر اسمه: نجيح: مولى بني هاشم وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه\".\nوالوحر بفتح الحاء وسكونها: الحقد، والغيظ، والغشُّ وأشد الغضب والعداوة ووساوس الصدر وبلابله (المعجم الوسيط ٢/ ١٠٢٨).\n(^١) هذا حديث يروى مسندًا من أحاديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، وعائشة.\nويروى مرسلا في موطأ مالك من رواية عطاء الخراساني.\nوطريقه المرسل ضعيف بالإرسال.\nوطرقه المسندة فيها مقال إلا أن أقر بها إلى الحسن هو حديث أبي هريرة كما أشار إلى ذلك ابن حجر والشيخ ناصر الألباني.\nثم إن طرقه بمجموعها وشواهدها ترقى إلى الجيد والحسن كما أشار إلى ذلك السخاوي.\nفأما حديث أبي هريرة فراوه البخاري في الأدب المفرد: ٢٦٩ - باب قبول الهدية ٢/ ٥٠ من رواية عمرو بن خالد، عن ضمام بن إسماعيل، عن موسى بن وردان، عن أبي هريرة - فذكره.\nوابن عدي في الكامل ٤/ ١٠٤ من رواية عبد الواحد بن يحيى، عن ضِمام - به.\nوأعله بضمام بن إسماعيل فذكر أن أحاديثه لا يرويها غيره.\nوسيأتي الرد على هذا.\nوأخرجه الدولابي في الكنى ١/ ١٥٠ من رواية أبي الحسن محمد بن بكير الحضرمي، عن ضمام - به - بمثله.\nوأخرجه في ٢/ ٧ من رواية أبي شريك: يحيى بن يزيد بن ضماد عن موسى بن وردان - به - بمثله.\nوبهذا يرد على ابن عدي، إذ ذكر في إعلاله للحديث أنه من رواية ضمام بن إسماعيل، وأنه لم يروه غيره وها قد رأينا متابعة أبي شريك لضمام في الرواية عن موسى بن وردان فلم ينفرد بروايته لهذا الحديث إذًا؟!.\nومن رواية محمد بن بكير الحضرمي، عن ضمام، أخرجه البيهقي في الشعب، وأبو يعلى في المسند أيضًا.\nوفي التقريب ١/ ٣٧٤ أن ضِمام - بكسر أوله - بن إسماعيل بن مالك المرادي أبو إسماعيل المصري: صدوق، ربما أخطأ، مات سنة خمس وثمانين، وله ثمات وثمانون سنة، وروى له البخاري في الأدب.\nوفي التقريب أيضًا ٢/ ٢٨٩ أن موسى بن وردان صدوق أيضًا ربما أخطأ، مات سنة سبع عشرة. وله أربع وسبعون سنة. وررى له البخاري في الأدب، كما روى له أصحاب السنن.\nوبناءً على هذا وعلى ما ذكره ابن حجر في التلخيص الحبير حسن الشيخ ناصر إسناده وراجع عن هذا وعن الطرق الأخرى للحديث وشواهده نصب الراية للزيلعي ٤/ ١٢٠ - ١٢٢، وإرواء الغليل ٦/ ٤٤ - ٤٧، وصحيح الجامع الصغير وزيادته ١/ ٥٧٧ ح ٣٠٠٤ والفردوس بمأثور الخطاب للكيا الدَّيلمي ٢/ ٤٦ - ٤٧، ومجمع الزوائد ٤/ ١٤٦ - ١٤٧ والتمهيد لابن عبد البر ٦/ ١١٦، وموطأ مالك ٢/ ٩٠٨، والترغيب والترهيب ٣/ ٤٣٤، والتلخيص الحبير ٣/ ٦٩، وتذكرة الموضوعات ص ٦٦ والمقاصد الحسنة ص ١٥٦ - ١٦٧ ح ٣٥٢، وكشف الخفاء للعجلوني ١/ ٣٨١ - ٣٨٢، وكشف الأستار عن زوائد البزَّار للهيثمي ٢/ ٣٩٤، والأحاديث المشكلة في الرتبة ص ١١٥، وإتحاف السادة المتقين ٥/ ٣٤٦ و٦/ ١٥٩ - ١٦٠، ٢٢١، وسنن الترمذي في الموضع السابق.","vol":"3","page":985},{"text":"وفي مسند البزار عن أنس عن النبي ﵌ قال:\n\"تهادَوْا؛ فإن الهدية تَسُلُّ السخيمة\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1189>[والتصافح]:</span>\n• ويروى عن عمر بن عبد العزيز يرفع الحديث قال:\n\"تصافحوا؛ فإنه يذهب الشحناء وتهادَوْا (^٢) \".\nوقال الحسن: \"المصافحة تزيد في المودة\".\nوقال مجاهد: بلغني أنه إذا تراءى التحابان، فضحكَ أَحَدُهما إلى الآخر وتصافحا تَحاتَّت خَطَاياهُما كما يتحات الورَقُ من الشجر، فقيل له: إن هذا ليَسِيرٌ من العمل قال: تقول يسيرٌ والله يقول: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1190>[المسلم أخو المسلم]:</span>\n• وقوله ﵌: \"المسْلم أخو المسلِم لا يظْلِمُهُ ولا يخذُلُه ولا يَكْذِبُه ولا يَحْقِرُهُ\".\nهذا مأخوذ من قوله تعالى -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ (^٤).\nفإذا كان المؤمنون إخوةً أُمِرُوا فيما بينهم بما يوجب تآلف القلوب واجتماعها، ونُهُوا عما يُوجبُ تنَافُرَ القلوبِ واخْتلافَها وهذا من ذاك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1191>[إيصال النفع لهُ ومنع الضرر عنه]:</span>\nوأيضًا؛ فإن الأخ من شأنه أن يوصل إلى أخيه (^٥) النفع، ويكفَّ عنه الضَّرَر، ومن\n_________\n(^١) أخرجه البزار في مسنده (٢/ ٣٩٤) من الكشف من رواية محمد بن معمر، عن حميد بن حماد، عن عائذ بن شريح، عن أنس بن مالك، فذكره وزاد: \"لو أهدى إليَّ كراع لقبلْت، ولو دعيت إلى ذراع لأجبت\". وقد ضعفه الهيثمي في مجمع الزوائد في الموضع السابق بعائذ بن شريح.\n(^٢) رواه مالك في الموطأ ٢/ ٩٠٨ وعقب المحقق بقول ابن عبد البر: \"هذا يتصل من وجوه شتى حسان كلها\".\nأقول: لعل هذا لأن في إسناده عطاء بن أبي مسلم.\n(^٣) سورة الأنفال: من الآية ٦٣ والخبر في تفسير الطبري ١٤/ ٤٦ - ٤٧ ح ١٦٢٦٠.\n(^٤) سورة الحجرات: من الآية ١٠.\n(^٥) م: \"لأخيه\".","vol":"3","page":986},{"text":"أَعظم الضرر الذي يجب كفه عن الأخ المسلم: [الظلم] (^١).\nوهذا لا يختص بالمسلم؛ بل هو محرم في حق كل أحد.\nوقد سبق الكلام على الظلم مستوفى عند ذكر حديث أبي ذر الإلهي: \"يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّمًا فلا تظالموا\" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1192>[نصره ظالما أو مظلوما]:</span>\nومن ذلك خذلان المسلم لأخيه؛ فإن المؤمن مأمور أن ينصر أخاه كما قال النبي ﵌: \"انصر أخاك ظالما أو مظلوما\" قيل: يا رسول الله! أنصره مظلوما؛ فكيف أنصره ظالما؟ قال: \"تمنعه من الظلم؛ فذلك نصرك إياه\".\n• خرجه البخارى بمعناه من حديث أنس (^٣).\n• وخرجه مسلم بمعناه من حديث جابر (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1193>[من آثار نصرة المسلم وخذلانه]:</span>\nوخرج أبو داود من حديث أبي طلحة الأنصاري وجابر بن عبد الله (^٥)، عن النبي\n_________\n(^١) م: \"وهذا من أعظم الضرر .. وهذا\".\n(^٢) ص ٦٥٥. وهو الحديث الرابع والعشرون من أحاديث الكتاب.\n(^٣) أخرجه البخاري في: ٤٦ - كتاب المظالم. ٤ - باب أعن أخاك ظالما أو مظلوما ٥/ ٩٨ ح ٢٤٤٣، ٢٤٤٤ من رواية عثمان بن أبي شيبة عن هشيم عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس وحميد الطويل عن أنس مقتصرا على الشق الأول ومن طريق مسدد، عن معتمر، عن حميد .. بسياقه كاملا بنحوه، وفيه قال: \"تأخذ فوق يديه\".\nورواه في: ٨٩ - كتاب الإكراه: ٧ - باب يمين الرجل لصاحبه أنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه .. إلخ ١٢/ ٢٢٣ ح ٦٩٣٢ من طريق محمد بن عبد الرحيم عن سعيد بن سليمان عن هشيم، وفيه: أفرأيت إذا كان ظالمًا كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره.\n(^٤) أخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب: ١٦ - باب نصر الأخ ظالما أو مظلوما ٤/ ١٩٩٨ ح ٦٢ - (٢٥٨٤) من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال:\nاقتتل غلامان: غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار، فنادى المهاجر أو المهاجرون: يآل المهاجرين! ونادى الأنصار: يآل الأنصار! فخرج رسول الله - ﷺ - فقال: \"ما هذا؟ دعوى أهل الجاهلية؟ \" قالوا: لا يا رسول الله! إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر؟ قال: \"فلا بأس! ولينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما؛ إن كان ظالما فلينهه؛ فإنه له نصر، وإن كان مظلوما فلينصره\".\n(^٥) أخرجه أبو داود في: ٣٥ - كتاب الأدب ٤١ - باب من رد عن مسلم غيبته ٥/ ١٩٧ ح ٤٨٨٤ من رواية إسحاق بن الصباح، عن ابن أبي مريم، عن الليث، عن يحيى بن سليم، عن إسماعيل بن بشير، عن جابر وأبي طلحة بن سهل الأنصاري، فذكره.","vol":"3","page":987},{"text":"﵌ قال: \"ما مِن امْرِئٍ مُسْلم (^١) يخذلُ امْرأ مُسْلِمًا في مَوْضع تُنْتَهَكُ فيه حُرْمَتُه، ويُنْتَقَصُ فيه مِنْ عِرْضِه إلا خَذَله الله في موضع يُحبُّ فيه نُصْرَتَهُ، ومَا مِن امْرئ يَنْصُرُ مُسلِمًا في موضع يُنْتَقَضُ فيه مِن عِرْضِهِ، ويُنتَهك فيه من حرْمَتِهِ؛ إلا نصَرَهُ الله في موضع يُحبُّ فيه (^٢) نُصْرَتَهُ\".\n• وخرج الإمام أحمد من حديث أبي أمامة بن سهل، عن أبيه، عن النبي ﵌ قال: \"مَنْ اُذِلَّ عنده مُؤمِنٌ فلم يَنْصُرْهُ وهو يقدر على أن يَنْصُرَهُ؛ أذله الله على رُؤوسِ الخَلائِق يَوْمَ القِيَامَةِ (^٣).\n• وخرج البزار من حديث عمران بن حصين، عن النبي صلى عليه وآله وسلم قال: \"من نصر أخاه بالغيب وهو يستطع نصره؛ نصره الله، في الدنيا والآخرة (^٤) \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1194>[ومن حق المسلم: أن لا يحدثه أخوه إلا صدقا]:</span>\nومن ذلك كذب السلم لأخيه.\nفلا يحل له أن يحدثه فيكذبه بل لا يحدثه إلا صدقًا.\n• وفي مسند الإمام أحمد، عن النواس بن سمعان، عن النبي ﵌ قال: كَبُرت خِيانةً أَن تحدِّث أَخاك حديثًا هو لك مُصَدّقٌ وأنتَ به كاذِبٌ (^٥).\n_________\n(^١) ليست في السنن.\n(^٢) ليست في السنن.\n(^٣) في المسند ٣/ ٤٨٧ (الحلبي) من رواية حسن بن موسى، عن ابن لهيعة، عن موسى بن جبير، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن النبي - ﷺ - أنه قال: من أذل عنده مؤمن فلم ينصره وهو قادر على أن ينصره أذله الله ﷿ على رؤوس الخلائق يوم القيامة\".\nوأورده الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٦٧ وقال: رواه أحمد والطبراني وفيه ابن لهيعة، وهو حسن الحديث وفيه ضعف، وبقية رجاله ثقات.\n(^٤) رواه البزار في مسنده (٤/ ١١٥ - ١١١) ح ١٣١٥ رواية عن عمر بن يحيى، عن يزيد بن زريع، عن يونس، عن عمران بن حصين: أن رسول الله - ﷺ - قال: فذكره بمثله.\nوعقب البزار بقوله: لا نعلمه روي بإسناد أحْسَنَ من هذا، ولا نعلمه إلا عن عمران وحده.\nوقد رواه غير واحد عن الحسن، عن عمران موقوفا وح ٣٣١٦ من رواية عمرو بن مالك، عن معاذ بن محمد، عن يونس بن عبيد، به - فذكره.\nوح ٣٣١٧ من رواية أحمد بن عبد الله السدوسي، عن أحمد بن عبدة، عن يزيد - به مرفوعا: \"من نصر أخاه ومن يستطيع نصره، نصره الله في الدنيا والآخرة\" وح ٣٣١٨ من رواية أحمد، عن محمد بن عبد الملك، عن يزيد به موقوفا - وقد أورده الهيثمي في المجمع ٧/ ٢٦٧ من حديث عمران بن حصين وقال: رواه البزار بأسانيد، وأحدها موقوف على عمران بن حصين وأحد أسانيد المرفوع رجاله رجال الصحيح. ورواه الطبراني.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٨٣ من رواية عمر بن هارون، عن ثور بن يزيد، عن شريح، عن جبير بن=","vol":"3","page":988},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1195>[وتحريم احتقاره]:</span>\n• ومن ذلك احتقار المسلم لأخيه المسلم.\nوهو ناشئ عن الكبر كما قال النبي - ﷺ -: \"الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ، وغَمْطُ النَّاس\".\nخرَّجَهُ مُسْلِمُ من حديث ابن مسعود (^١).\n• وخرجه الإمام أحمد.\nوفي رواية له: \"الكبر سَفَهُ الحق وازدراء الناس\" (^٢).\nوفي رواية: \"وغمص الناس\".\nوفي رواية، زيادة: \"فلا يراهم شيئًا (^٣) \".\n_________\n= نفير، عن النواس بن سمعان قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكره بمثله. إلا لفظ \"أن\" في أن تحدث فليس فيه.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ١٤٢ من حديث النواس وعنده: \"أن تحدث\" وقال: رواه أحمد عن شيخه عمر بن هارون، وقد وثقه قتيبة وغيره، وضعفه ابن معين وغيره. وبقية رجاله ثقات\". أي فالحديث حسن.\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه: ١ - كتاب الإيمان: ٣٩ - باب تحريم الكبر وبيانه ١/ ٩٣ ح ١٤٧ - ٩١ من حديث عبد الله بن مسعود، عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر\" قال رجل: \"إن الرجل يجب أن يكون ثوبه حسنا؟ قال \" إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس\" وفي ب: غمص.\nوقد وردت الكلمتان في حديث النبي - ﷺ - عن الكبر ففي الحديث: \"إنما ذلك من سفه الحق وغمص الناس\" وفي الحديث: الكبر أن تسفه الحق وتغمط الناس\" مثل رواية مسلم.\nوغمص الناس: احتقارهم وتنقص أقدارهم وغمطهم: الاستهانة بهم، والاستحقار لهم والغمط إذًا قريبٌ من الغمص أو هو مثله راجع النهاية ٣/ ٣٨٦ - ٣٨٧.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٣٩٩ (الحلبي) ٥/ ٣٠١ (المعارف) من رواية الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت، عن يحيى بن جعدة، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان\" فقال رجل: يا رسول الله! إني ليعجبني أن يكون ثوبي غسيلا، ورأسي دهينا، وشراك نعلي جديدا وذكر أشياء حتى ذكر علاقة سوطه أفمن الكبر ذاك يا رسول الله؟ قال: \"لا: ذاك الجمال: إن الله جميل يحب الجمال، ولكن الكبر مَن سَفِه الحق وأزدرى الناس\".\nوإسناده صحيح كما ذكر محققه الشيخ أحمد شاكر.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٥١ (الحلبي) من حديث عقبة بن عامر أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما من رجل يموت وفي قلبه مثقال حبة من خردل من كبر تحل له الجنة أن يريح ريحها ولا يراها فقال رجل من قريش يقال له أبو ريحانة: والله! يا رسول الله! إني لأحب الجمال وأشتهيه حتى أني لأحبه في علاقة سوطي، وفي شراك نعلي؟ قال رسول الله - ﷺ -: \"ليس ذاك الكبر. إن الله جميل يحب الجمال ولكن الكبر من سفه الحق وغمص الناس بعينيه\".\nوهو عند أحمد في المسند ١/ ٣٨٥ (الحلبي) ٥/ ٢٣٤ - ٢٣٥ (المعارف) بإسناد فيه نظر من وجه آخر عن ابن مسعود وفي آخره: \"ولكن البغي من بطر قال أو قال: سفه الحق، وغمط الناس\" وأخرجه من حديث أبي=","vol":"3","page":989},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1196>[وتحريم ازدرائه والاستكبار عليه والسخرية منه]:</span>\nوغمص الناس: الطعن عليهم وازدراؤهم.\n• قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ﴾ (^١) فالمتكبر ينظر إلى نفسه بعين الكمال، وإلى غيره بعين النقص فيحتقرهم، ويزدريهم، ولا يراهم أهلا لأن يقومَ بحقوقهم، ولا أن يقبلَ من أحد منهم (^٢) الحق إذا أوردوه عليه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1197>[معنى قوله - ﷺ -: \"التقوى ههنا\"]:</span>\n• وقوله ﵌: \"التقوى هَهُنا\" ويشيرُ إلى صَدْره ثلاثَ مَرَّاتٍ.\nفيه إشارةٌ إلى أن كَرَمَ الْخَلْقِ عند الله بالتقوى فَرُبَّ من يَحْقِرُه (^٣) الناس لضعفه وقلةِ حظّه من الدنيا وهو أعظم قدرًا عند الله تعالى، مِمَّنْ له قَدْرٌ في الدنيا، فإنَّ الناس إنما يتفاوتون بحسب التقوى كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (^٤) وسئل النبي ﵌: مَنْ أكرمُ الناس؟ قال: \"أتقاهم لله تعالى\" (^٥).\n_________\n= ريحانة (٤/ ١٣٣ - ١٣٤) الحلبي بنحو حديث عقبة بن عامر وفيه الجملة الأخيرة بمثله.\nومعنى: غمص الناس بعينيه: احتقرهم.\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ٣/ ١٣٣ عن أحمد والطبراني من حديث أبي ريحانة وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات، ورواه الطبراني الكبير في الأوسط.\nوقوله: وفي رواية إلخ سقط من م.\n(^١) سورة الحجرات: ١١.\n(^٢) ليست في م.\n(^٣) \"ا\": \"يحتقره الإنسان\".\n(^٤) سورة الحجرات: ١٣.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٤٣١ (الحلبي) عن يحيى بن سعد، عن عبد الله العمري، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبى هريرة قال: سئل رسول الله - ﷺ - من أكرم الناس؟ قال: أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك؟ قال: فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك؟ قال: فعن معادن العرب تسألوني؟ خيارهم في الجاهلية: خيارهم في الإسلام إذا فقهوا.\nوأخرجه البخاري في: ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء: ٨ - باب قوله تعالى: ﴿واتخذ الله إبراهيم خليلا﴾ وقوله: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله﴾ ٦/ ٣٨٧ ح ٣٣٥٣ من رواية على بن عبد الله عن يحيى - به - بمثله إلا الإِجابة الأولى فقد اقتصر فيها على قوله: أتقاهم وباب ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت﴾ - إلى قوله ﴿ونحن له مسلمون﴾ ٦/ ٤١٤ ح ٣٣٧٤ من طريق إسحاق بن إبراهيم عن المعتمر، عن عبيد الله - به - بنحوه مع الإجابة الأولى مقتصرة على الكلمة الآنفة.\nوفي باب قوله تعالى: ﴿لقد كان في يوسف وإخوته آيات للسائلين﴾ ٦/ ٤١٧ ح ٣٣٨٣ من رواية عبيد بن =","vol":"3","page":990},{"text":"• وفي حديث آخر: \"الكَرَمُ التَّقْوى\" (^١).\nوالتقوى أصلها في القلب كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ (^٢).\nوقد سبق (^٣) ذِكرُ هذا المعنى في الكّلام على حديث أبي ذر الإلهي عند قوله: \"لو أن أوّلكم وآخِركم وإنسكم: جنّكُم كانوا على أتقى قَلْبِ رَجُلٍ واحِدٍ منْكم مَا زَادَ ذلك في مُلْكِي شيئا\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1198>[لا ينظر الله إلى الصور بل إلى القلوب]:</span>\nوإذا كان أصلُ التقوى في القلوب؛ فلا يطلع أحدٌ على حقيقتها؛ إلا الله تعالى كما\n_________\n= إسماعيل، عن أبي أسامة، عن عبيد الله - به - بمثله وفيه الإجابة الأولى كاملة: أتقاهم لله.\nوفي ٦١ - كتاب المناقب: ١ - باب قول الله تعالى: ﴿النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ إلخ ٦، ٥٢٥ من رواية محمد بن بشار، عن يحيى بن سعيد - به - مختصرًا وبمثل الموضعين الأولين في الإجابة الأولى.\nوفي: كتاب التفسير:١٢ - سورة يوسف: ٢ - باب ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ ٨/ ٣٦٢ ح ٤٦٨٩ من رواية محمد بن سلام عن عبدة بن سليمان عن عبيد الله العمري - به - بنحوه، وفيه \"أكرمهم عند الله أتقاهم … فأكرم الناس يوسف نبي الله … فخياركم في الجاهلية خياركم … \".\nوأخرجه مسلم في ٤٣ - كتاب الفضائل: ٤٤ - باب من فضائل يوسف ﵇، ٤، ١٨٤٦ ح ١٦٨ (٢٣٧٨) من رواية زهير بن حرب، ومحمد بن المثنى، وعبيد الله بن سعيد عن يحيى بن سعيد - به بمثل الموضع الأول عند البخاري.\nوأخرجه أبو نعيم في الحلية ٨/ ٣٨٣ من رواية محمد بن أبي بكر، عن يحيى بن سعيد - به - بنحو ما في المسند.\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٣ (الحلبي) عن يونس بن محمد بن سلام بن أبي مطيع عن قتادة عن الحسن، عن سمرة قال: قال رسول الله - ﷺ - \"الحسب المال والكرم التقوى\" وأخرجه الترمذي في السنن: ٤٨ - كتاب تفسير القرآن: ٥٠ - باب ومن سورة الحجرات ٥/ ٣٩٠ ح ٣٢٧١ من رواية الفضل بن سهل وغير واحد، عن يونس - به - بمثله، وقال الترمذي: هذا حيث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، من حديث سلام بن أبي مطيع.\nوابن ماجه في ٣٧ - كتاب الزهد: ٢٤ - باب الورع والتقوى ٢/ ١٤١٠ ح ٤٢١٩ عن محمد بن خلف العسقلاني عن يونس به - بمثله.\nوالبيهقي في السنن: كتاب النكاح: باب اعتبار اليسار في الكفاءة ٧/ ١٣٥ - ١٣٦ عن أبي عبد الله الحافظ، عن أبي العباس: محمد بن يعقوب به - بمثله.\nوالحاكم في المستدرك ٢/ ١٦٣ و٤/ ٣٢٥ عن أبي العباس: محمد بن يعقوب، عن محمد بن عبيد الله، عن يونس - له - بمثله وقد صَحَّحَه الحاكم على شرط البخاري وأقره الذهبي.\nوانظر في تخريجه أيضًا: الموسوعة ٤/ ٥٦٨.\n(^٢) سورة الحج: ٣٢.\n(^٣) ص ٦٧٣.","vol":"3","page":991},{"text":"قال ﵌: (^١) \"إن الله لا ينظرُ إلى صُوَرِكُم وأمْوالِكُم ولكن يَنْظُر إلى قُلُوبكُمْ وَأعْمَالِكم\".\nوحينئذ فقد يكون كثير ممن له صورةٌ حسنةٌ أو مالٌ أو جاهٌ أو رياسةٌ في الدنيا قَلْبُهُ خرابًا من التقوى، ويكونُ مَنْ ليس له شيءٌ من ذلك قلبُه مملوءًا من التقوى، فيكونُ أكرم عند الله تعالى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1199>[المتواضعون والجنة]:</span>\nبل ذلك هو الأكْثَرُ وقوعًا، كما في الصحيحين عن حارثة بن وَهْب، عن النبي ﵌ قال: \"ألا أُخْبرُكم بأهْل الجنة؟ كُلّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ لو أقسم على الله لأَبره، ألا أخبِرُكم بأهْلِ النَّار؟ كُلّ عتُلٍّ جَوّاظٍ مُسْتَكبِرٍ (^٢) \".\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه: ٤٥ - كتاب البر والصلة: ١٥ - باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله ٤/ ١٩٨٦ - ١٩٨٧ ح ٣٣ (…)، ٣٤ - (…) من وجهين عن أبي هريرة ثانيهما بمثل ما أورد ابن رجب.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه: ٦٥ كتاب التفسيرت ٦٨ - سورة ن والقلم: ١ - باب ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ ٨/ ٦٦٢ ح ٤٩١٨ من طريق أبي نعيم، عن سفيان، عن معبد بن خالد، عن حارثة بن وهب الخزاعي قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على اللهِ لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟ … \" الحديث فذكره.\nوفي: كتاب الأدب: ٦١ - باب الكبر ١٠/ ٤٨٩ ح ٦٠٧١ من طريق محمد بن كثير، به - بنحوه وفيه متضاعف.\nوفي: ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور: ٩ - باب قول الله تعالى: ﴿أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ ١١/ ٥٤١ ح ٦٦٥٧ من رواية محمد بن المثنى، عن غندر، عن شعبة، عن معبد بن خالد، - به - بنحوه، وفيه: \"ألا أدلكم … وأهل النار كل جواظ عتل … \".\nوأخرجه مسلم في صحيحه: ٥١ - كتاب صفة الجنة ونعيمها: ١٣ - باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء ٤/ ٢١٩٠ ح ٤٦ - (٢٨٥٣) عن عبيد الله بن معاذ العنبري، عن أبيه عن شعبة - به - بنحوه، وفيه أنهم قالوا: بلى في السؤالين ومن طريق ابن المثني بمثله إلا أنه قال: \"ألا أدلكم\" وح ٤٧ - (…) من رواية محمد بن عبد الله بن نمير، عن وكيع عن سفيان، عن معبد - به - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كل ضعيف متضعف، لو أقسم على الله لأبره ألا أخبركم بأهل النار؟ كل جواظ زنيم متكبر\".\nقال النووي: ضبطوا قوله: متضعف بفتح العين وكسرها والمشهور الفتح، ولم يذكر الأكثرون غيره، ومعناه: يستضعفه الناس ويحتقرونه، ويتجبرون عليه لضعف حاله في الدنيا، يقال: تضعفه واستضعفه وأما رواية الكسر فمعناها متواضع متذلل، خامل، واضع من نفسه.\nقال القاضي وقد يكون الضعف هنا رقة القلوب ولينها وإخباتها للإيمان.\nوالمراد أن أغلب أهل الجنة هؤلاء، كما أن معظم أهل النار: القسم الآخر، وليس المراد الاستيعاب في الطرفين.\nوقوله - ﷺ -: لو أقسم على الله لأبره، معناه لو حلف يمينا طمعا في كرم الله تعالى بإبراره لأبره، وقيل: لو دعاه لأجابه. يقال: أبررت قسمه وبررته والأول هو المشهور، والعتل؛ هو الجافي الشديد الخصومة بالباطل، =","vol":"3","page":992},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1200>[المستكبرون والنار]:</span>\n• وفي المسند عن أنس عن النبي ﵌ قال:\n\"أما أهل الجنة: فكلُّ ضَعِيفٍ مُسْتَضْعَفٍ أشْعَث ذِي طِمْريْنِ لو أقْسَمَ عَلَى اللهِ لأَبَرَّهُ، وأما أهْلُ النَّار فكلّ جِعْظَريٍّ جَوَّاظٍ جَمَّاع منَّاعٍ ذِي تَبَعٍ (^١) \".\n• وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: \"تَحاجَّتِ الجنة والنار فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين وقالت الجنة: [ما لي] (^٢) لا يدخلني إلا ضُعفَاءُ الناس وسَقَطُهُم؟ فقال الله تعالى للجنة: أنتِ رَحْمَتي أرحَمُ بكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وقال للنار: أنتِ عَذَابِي أعذّبُ بك مَنْ أشَاءُ مِنْ عِبَادِي (^٣) \".\n• وخرجه الإمام أحمد من حديث أبي سَعيد عن النبي ﵌ قال: \"افتخَرَتِ الجنَّةُ والنار فقالت النارُ: يا رب! يدخلني الجبابرةُ والمتكبرون والملوك والأشراف وقالت الجنة: يا رب! يدخلنى الضعفاء والفقراء والمساكين\".\nوذكر الحديث (^٤).\n_________\n= وقيل: الجافي الغليظ.\nوالجواظ: الجموع المنوع وقيل كثير اللحم المختال في مشيته، وقيل القصير البطين، وأما الزنيم فهو الدعي في النسب، الملصق بالقوم وليس منهم شبه بِزَنَمَة الشاة.\nوأما المتكبر والمستكبر، فهو صاحب الكبر وهو بطر الحق، وغمط الناس. النووي ١٩/ ١٨٧ - ١٨٨.\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ١٤٥ (الحلبي) من رواية ابن لهيعة، عن أبي النصر، عن أنس فذكره وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٦٨) وقال: رواه أحمد من حديث أنس وفيه ابن لهيعة وحديثه يُعْتَضَد.\nوهذا منه إشارة إلى أن الحديث حسن، خاصة وقد روي من غير وجه نحوه كما سبق.\n(^٢) من الصحيحين.\n(^٣) هذا جزء حديث أخرجه البخاري في: ٦٥ - كتاب التفسير: ٥٠ - سورة ق: ١ - باب ﴿وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ ٨/ ٥٩٥ ح ٤٨٥٠.\nوفي: كتاب التوحيد: ٢٥ - باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ١٣/ ٤٣٤ ح ٧٤٤٩ من وجوه عن أبي هريرة.\nفأخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: ١٣ - باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء ٤، ٢١٨٦ ح ٣٤ - (٢٨٤٦)، ٣٥ - (..)، (..)، ٣٦ - (..) من وجوه عن أبي هريرة كذلك.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٧٨ (الحلبي) جزء حديث طويل من طريق عفان، عن حماد بن سلمة، عن عطاء بن السائب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي سعيد، فذكره.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ١١٢ من حديث أبي سعيد وعقب عليه بقوله: في الصحيح بعضه محالا على حديث أبي هريرة، رواه أحمد ورجاله ثقات، لأن حماد بن سلمة، رَوَى عن عطاء بن السائب قبل الاختلاط. أي فالحديث صحيح. =","vol":"3","page":993},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1201>[لا يسوغ تقويم الناس بظواهرهم]:</span>\n• وفي صحيح البخاري عن سهل بن سعد قال: \"مر رجل على رسول الله ﵌ فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رَجُلٌ من أشرافِ الناس، هذا والله حَرِيّ إن خَطَبَ أن يُنْكَحَ وإنْ شَفَع أن يُشَفّع، وإن قال أن يُسْتَمَعَ لقوله، قال: فَسَكَتَ النبيُّ ﵌ ثم مرَّ رَجُلٌ آخر فقال له (^١) رسولُ الله ﵌: ما رأيك في هذا؟ قال: يا رسول الله! هذا رجلٌ من فقراء المسلمين، هذا حريٌّ إن خَطَبَ أن لا يُنْكَحَ، وإن شَفَعَ أن لا يُشْفَعَ، وإن قال أن لا يُسْمَعَ (^٢) لقوله، فقال رسول الله - ﷺ -: \"هذا خير من ملء الأرض من (^٣) مثل هذا\".\n• وقال محمد بن كعب القُرَظي في قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ﴾ (^٤) قال: \"تخفضُ رِجَالًا كانوا في الدنيا مرتفعين، وترفعُ رِجَالًا كانُوا في الدنيا مخْفُوضِينَ\".\n_________\n= وفي المسند بعد ما أورده ابن رجب: فقال ﵎ للنار: \"أنت عذابي أصيب بك من أشاء وقال للجنة: أَنت رحمتي وسعت كل شيء ولكل واحدة منكما ملؤها، فأما النار فيلقى فيها أهلها، وتقول: هل من مزيد؟ حتى يأتيها ﵎ فيضع قدمه عليها فتزوي وتقول: قدني قدني، وأما الجنة فتبقى ما شاء الله أن تبقى ثم ينشئ الله لها خلقا بما شاء\".\n(^١) \"ا\": \"قال\".\n(^٢) ليست في م وهي في الصحيح.\n(^٣) أخرجه البخاري في صحيحه: ٦٧ - كتاب النكاح: ١٥ - باب الأكفاء في الدين ٩/ ١٣٢ ح ٥٠٩١ عن إبراهيم بن حمزة، عن ابن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل قال: مر رجل على رسول الله - ﷺ - فقال: ما تقولون في هذا؟ قالوا حريٌّ إن خطب أن يُنكح، وإن شفعَ أن يشفع وإن قال أن يُستمع إليه، قال: ثم سكت، فمر رجل من فقراء المسلمين، فقال: ما تقولون في هذا؟! قالوا: حريّ إن خطب أن لا ينكح إن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يستمع، فقال رسول الله - ﷺ -: هذا خير من مِلءِ الأرض مثل هذا.\nوأخرجه في: ٨١ - كتاب الرقاق: ١٦ - باب فضل الفقر ١١/ ٢٧٣ ح ٦٤٤٧ عن إسماعيل بن أبي أويس، عن ابن أبي حازم - به - عن سهل قال: مر رجل على رسول الله - ﷺ - فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح وإن شفع أن يشفع، قال: فسكت رسول الله - ﷺ - ثم مَرَّ رجل فقال له رسول الله - ﷺ -: ما رأيك في هذا؟ فقال يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين هذا حري إن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله - ﷺ -: هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا\".\nوها نحن أولاء ترى أن ابن رجب لفق من الموضعين رواية واحدة أوردها عن الصحيحين.\nفهل يريد بقوله وفي الصحيحين: في جملة الصحيحين؟ لكن لم يعدل عن إيراد رواية موضع بعينه؟ على أية حال فقد تعمدت إيراد الروايتين في الموضعين لأبين أن روايته لم تتفق مع أي منهما اتفاقا تاما.\n(^٤) سورة الواقعة: ١، ٢.","vol":"3","page":994},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1202>[بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم وقيمة الكبر وعواقب المتكبر]:</span>\n• قوله ﵌: (بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم).\nيعني يكفيه من الشر احتقاره أخاه السلم، فإنه إنما يحتقر أخاه السلم لِتَكَبُّرِهِ عليه، والكِبْرُ مِنْ أَعْظَمِ خِصَال الشَّرِّ.\n• وفي صحيح مسلم عن النبي ﵌ أنه قال: \"لا يدخُلُ الجنَّةَ مَنْ في قلبه مثقال ذرة من كبر (^١) \".\nوفيه أيضا عنه أنه قال: \"العِزُّ إزَارُهُ، والكِبرِيَاءُ رِدَاؤُهُ فمن ينازعني عذبته (^٢) \".\nفمنازعة الله تعالى صفاتِه التي لا تليق بالمخلوق؛ كفى بها شرا.\n• وفي صحيح ابن حبان، عن فضالة بن عبيد، عن النبي ﵌ قال: \"ثلاثة لا يسأل عنهم: رجل ينازع الله رداءه (^٣) فإن رداءَهُ الكبرياءُ، وإزَارَهُ العِزُّ، ورجل في شك من أمر الله تعالى والقنوط من رحمة الله (^٤).\n• وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة (^٥) عن النبي ﵌ قال: \"من قال: هَلَكَ الناسُ، فهو أهْلَكُهم\".\nقال مالك: إذَا قالَ ذلك تحزنا لما يرى في الناس، يعني في دينهم؛ فلا أرى به بأسا\n_________\n(^١) أخرجه مسلم: ١ - كتاب الإيمان: ٣٩ - باب تحريم الكبر وبيانه ١/ ٩٣ ح ١٤٧ - (٩١) من وجهين عن عبد الله بن مسعود. وقد تقدم ص ٦٢٠، ٩٨٩.\n(^٢) أخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب ٣٨ - باب تحريم الكبر ٤/ ٢٠٢٣ ح ١٣٦ - (٢٦٢٠) من حديث أبي مسلم الأغر، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكره، وفي الكلام محذوف تقديره، قال الله ﷿.\n(^٣) م: ينازع الله إزاره ورجل ينازع الله على ردائه وهو مخالف للأصول.\n(^٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب السير: باب طاعة الأئمة: ٧/ ٤٤ ح ٤٥٤١ من رواية أحمد بن علي المثنى، عن هارون بن معروف، عن المقري، عن حيوة، عن ابن هانئ، عن عمرو بن مالك، عن فضالة بن عبيد، عن رسول الله - ﷺ - قال: \"ثلاثة لا يسأل عنهم: رجل فارق الجماعة، وعصى إمامه، ومات عَاصِيًا، وأمة أو عبد أبق من سيده فمات، وامرأة غاب عنها زوجها وقد كفاها مؤنة الدنيا فجاءته بعده، وثلاثة لا يسأل عنهم: رجل ينازع الله على ردائه، فإن رداءه الكبر، وإزاره العز، ورجل في شك من أمر الله تعالى والقنوط من رحمة الله، وفي المطبوع من ابن حبان تحريف نفيه: \"والقانط من رحمة الله\".\n(^٥) أخرجه مسلم في صحيحه: ٤٣ - كتاب البر: ٤١ - باب النهي من قول هلك الناس ٤/ ٢٣٢٤ ح ١٣٩ - (٢٦٢٣) عن عبد الله بن مسلمة القعنبي، عن حماد بن سلمة، عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم\".\nوليس في صحيح مسلم ما نسبه ابن رجب إليه فيما يتعلق ببداية الحديث.","vol":"3","page":995},{"text":"وإذا قال ذلك عُجْبًا بنفسه، وتصاغرًا للناس؛ فهو المكْرُوهُ الذي نهى عنه (^١).\nذكره أبو داود في سننه (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1203>[كل المسلم على المسلم حرام وتحريم إيذاء المسلم بأية صورة]:</span>\n• قوله ﵌: (كُلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه).\nهذا مما كان النبي ﵌ يخطب به في المجامع العظيمة؛ فإنه خطب به في حجة الوداع يوم النحر، ويوم عرفة، واليوم الثاني من أيام التشريق، وقال: \"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرامٌ كحرمة يومِكُمْ هذا، في شهركم هذا في بلدكم هذا (^٣) \".\n• وفي رواية للبخارى وغيره \" وأبشاركم (^٤) \".\n• وفي رواية: \"فأعادها مرارًا، ثم رفع رأسه فقال: اللهم هل بلَّغت اللهم هل\n_________\n(^١) أورده أبو داود في سننه ح ٤٩٨٣ عقب روايته لحديث أبي هريرة هذا الذي أورده ابن رجب عن مسلم وعنده: يعني في أمر دينهم.\n(^٢) سنن أبي داود عقب روايته للحديث المذكور في: ٣٥ - كتاب الأدب: ٨٥ - باب حدثنا مسدد ٥/ ٢٦٠ - ٢٦١ حديث ٤٩٨٣ بروايتين \"إذا سمعت\" \"إذا قال الرجل\" كما في مسلم.\nوانظر النووي على مسلم في الموضع المذكور، وهامش مسلم.\n(^٣) راجع في هذا ما أخرجه البخاري في الصحيح: ٣ - كتاب العلم: ٩ - باب قول النبي - ﷺ -: \"رب مُبلَّغ أوعى من سامع ١/ ١٥٧ - ١٥٨ ح ٦٧ من حديث ابن سيرين، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه وانظر الأحاديث ١٠٥، ١٧٤١، ٣١٩٧، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٠٧٨، ٧٤٤٧.\n(^٤) أخرجها البخاري في: ٩٢ - كتاب الفتن: ٨ - باب قول النبي - ﷺ -: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\" ١٣/ ٢٦ ح ٧٠٧٨ وهذا الموضع الوحيد في البخاري لها يقتضينا أن نفيد منها ومن الحديث، ومن التعقيب على الحديث، قال البخاري ﵀ حدثنا مسدِّد، حدثنا يحيى حدثنا قرةُ بن خالد حدثنا ابن سيرين عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة - وعن رجل آخر هو أفضل في نفسي من عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبي بكرة أن رسول الله - ﷺ - خطب الناس فقال: \"ألا تدرون أيُّ يوم هذا؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم - قال: حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه - فقال: \"أليس بيوم النحر؟ \" قلنا: بلى يا رسول الله، قال: \"أي بلد هذا؟ أليست بالبلدة الحرام؟ \" قلنا بلى يا رسول الله، قال: \"فإن دماءكم، وأموالكم وأعراضكم .. وأبشاركم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا. ألا هل بلغت؟ \" قلنا: نعم، قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فإنه رب مبلغ يبلغه من هو أوعى له، فكان كذلك قال: لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض. فلما كان يومُ حُرِّقَ ابن الحضرمي حين حرَّقهُ جارية بن قدامة قال: أشرِفوا علي أبي بكرة، فقالوا: هذا أبو بكرة يراك قال عبد الرحمن: فحدثتني أمي عن أبي بكرة أنه قال: \"لو دخلوا عليّ ما بَهَشْتُ بقصبة\".","vol":"3","page":996},{"text":"بلغت (^١) \".\n• وفي رواية: ثم قال: \"ألا ليبلغ الشاهد الغائب (^٢) \".\n• وفي رواية للبخاري: \"فإن الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم إلا بحقها (^٣) \".\nوفي رواية: \"دماؤكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام مثل هذا اليوم وهذا البلد إلى يوم القيامة حتى دفعة يدفعها مسلم مسلمًا يريد بها سوءًا (^٤) حرام\".\n• وفي رواية قال: \"المؤمن حرام على المؤمن، كحرمة هذا اليوم، لحمه عليه حرام أن يأكله أو يغتابه بالغيب، وعرضه عليه حرام أن يخرقه، ووجهه عليه حرام أن يلطمه، ودمه عليه حرام أن يسفكه، وحرام عليه أن يدفعه دفعة تُعْنتُه\" (^٥).\n• وفي سنن أبي داود عن بعض الصحابة أنهم كانوا يسيرون مع النبي ﵌ فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حَبْل، معه فأخذها ففزع؛ فقال النبي ﵌: \"لا يحل لمسلم أن يُروِّعَ مسلمًا\" (^٦).\n• وخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن السائب بن يزيد، عن النبي صلى الله عليه\n_________\n(^١) من ذلك ما أخرجه البخاري في: ٢٥ - كتاب الحج: ١٣٢ - باب الخطبة أيام منى ٣/ ٥٧٣ من رواية فضيل بن غزوان عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله - ﷺ - خطب الناس يوم النحر فقال: \"يا أيها الناس! أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام. قال: فأي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام قال: فأي شهر هذا، قالوا: شهر حرام قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكها حرام كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا؟ في شهركم هذا، فأعادها مرارا، ثم رفع رأسه فقال: اللهم! هل بلغت؟ اللهم! هل بلغت؟ قال ابن عباس ﵄، فوالذي نفسي بيده، إنها لوصيته إلى أمته، فليبلغ الشاهد الغائب، لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\".\n(^٢) كما أخرجه البخاري في: ٩٧ - كتاب التوحيد: ٢٤ - باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ ١٣/ ٤٢٤ ح ٧٤٤٧ من حديث أبي بكرة.\n(^٣) البخاري في الحدود: باب ظهر المؤمن حمى إلا في حد أو حق ١٢/ ٨٥ ح ٦٧٨٥.\n(^٤) أورده الهيثمي في كشف الأستار ٢/ ٣٥ ح ١١٤٣ تاما وقال في المجمع ٣/ ٢٦٨: رجاله ثقات.\n(^٥) أورده الهيثمي في المجمع ٣/ ٢٦٨ - ٢٦٩ عن الطبراني في الكبير من حديث أبي مالك الأشعري وقال: فيه محمد بن إسماعيل بن عباس وهو ضعيف.\nومن حديث كعب بن عاصم الأشعري في ٣/ ٢٧٢ عن الطبراني في الكبير وقال: فيه كرامة بنت الحسين ولم أجد من ذكرها. وفيه: دفعا يتعتعه. وهو في الكبير ١٩/ ١٧٥ - ١٧٦ وفي م: \"بغته\".\n(^٦) أخرجه أبو داود في سننه: ٣٥ - كتاب الأدب: ٩٣ - باب من يأخذ الشيء على المزاح ٥/ ٢٧٣ - ٢٧٤ من رواية محمد بن سليمان الأنباري، عن ابن غير، عن الأعمش، عن عبد الله بن يسار، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وإسناده صحيح، كما في صحيح الجامع ٧٦٥٨.","vol":"3","page":997},{"text":"وآله وسلم قال: \"لا يأخذْ أحدكم عصَا أخيه لاعبًا جادًّا، فمن أخذ عصَا أخيه؟ فَليَرُدها إليه\" (^١).\n• قال أبو عبيد (^٢) يعنى أن يأخذ متاعه لا يريد سرقته، إنما يريد إدخال الغيظ عليه، فهو لاعب في مذهب السَّرِقَةِ جادّ في إدخال الروع والأذى عليه.\n• وفي الصحيحين عن ابن مسعود، عن النبي ﵌ قال: \"إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث، فإن ذلك يَحزُنُه\".\nولفظه لمسلم (^٣).\n• وخرج الطبراني من حديث ابن عباس، عن النبي ﵌ قال؟ \"لا يتناجى اثنان دون الثالث؛ فإن ذلك يؤذي المؤمن، والله يكره أذى المؤمن (^٤) \".\n• وخرج الإمام أحمد، من حديث ثوبان، عن النبي ﵌ قال:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٢١ (الحلبي) من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي ذئب، عن عبد الله بن السائب، عن أبيه، عن جده أنه سمع النبي - ﷺ - قال: \"لا يأخذن أحدكم متاع صاحبه جادا ولا لاعبا وإذا وجد أحدكم عصا صاحبه فليرددها عليه\".\nومن رواية يزيد عن أبي ذئب - به نحوه وفيه: \"لَعبًا جادا .. \" ومن طريق يحيى بن سعيد، عن ابن أبي ذئب به - نحوه وفيه: \"لعبا جادا وإذا أخذ\".\nوأخرجه أبو داود في السنن: ٣٥ - كتاب الأدب ٩٣ - باب من يأخذ الشيء على المزاح ٥/ ٢٧٣ عن محمد بن بشار عن يحيى وعن سليمان بن عبد الرحمن، عن شعيب بن إسحاق كلاهما عن ابن أبي ذئب - له - بمثل الرواية الأولى عند أحمد، وقال سليمان: لعِبًا ولا جدا … فليردها\".\nوالحديث أخرجه الترمذي في: ٣٣ - كتاب الفتن: ٣ - باب ما جاء لا يحل لمسلم أن يُروِّع مسلما ٤/ ٤٦٢ ح ٢١٦٠ من حديث بندار، عن يحيى - به - أن رسول الله - ﷺ - قال: فذكره بمثل ما ذكر ابن رجب، ثم عقب عليه بقوله: وفي الباب عن ابن عمر وسليمان بن صرد وجعدة وأبي هريرة.\nوهذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي ذئب.\nوالسائب بن يزيد له صحبة قد سمع من النبي - ﷺ - أحاديث وهو غلام، وقبض النبي - ﷺ - وهو ابن سبع سنين ووالده يزيد بن السائب له أحاديث. هو من أصحاب النبي - ﷺ -، وقد روى عن النبي - ﷺ -. وهو حديث حسن كما في صحيح الجامع ٧٥٧٨.\n(^٢) في الغريب ٤/ ٤٠٧ وفيه: \"إدخال الأذى والروع عليه\".\n(^٣) صحيح البخاري: ٧٩ - كتاب الاستئذان: ٤٧ - باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة والمناجاة ١١/ ٨٢ - ٨٣.\nومسلم في: ٣٩ - كتاب السلام: ٤٥ - باب مناجاة الاثنين دون الثالث بغير رضاه - ٤/ ١٧٤٨ ح ٣٨ - (..) وهو في مسلم من وجه آخر أيضًا ح ٣٧ - (٢١٨٤) وفيه: \"حتى تختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه\".\n(^٤) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٦٤ من حديث ابن عباس وقال: رواه أبو يعلى وفيه من لم أعرفه، والطبراني في الأوسط ورجال أبي يعلى رجال الصحيح غير الحسن بن كثير، ووثقه ابن حبان وعبد الوهاب بن الورد اسمه وهيب بن الورد، كما ذكر شيخ الحفاظ المزي.","vol":"3","page":998},{"text":"\"لا تُؤْذُوا عبادَ الله، ولا تعيّروهم ولا تطلبُوا عوراتِهِمْ فإنَّه مَنْ طَلَبَ عَورَةَ أخِيهِ المسْلم طَلَبَ الله عَوْرَتَهُ، حتَّى يفْضحَهُ في بَيْتِهِ\" (^١).\n• وفي صحيح مسلم (^٢) عن أبي هريرة أن النبي ﵌ سئل عن الغيبة فقال: \"ذِكْركَ أخاكَ بما يَكْرَهُ \" قال: أرأيتَ إن كان فيه ما أقولُ؟ فقال: \"إن كان فيه ما تقول، فقد اغتبته، وإن لما يكن فيه ما تقولُ؛ فقد بَهَتَّه\".\nفتضمنت هذه النصوص كلها، أن المسلم لا يحل إيصال الأذى إليه بوجه من الوجوه من قول، أو فعل، بغير حق.\n• وقد قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ (^٣) وإنما جعل الله المؤمنين إخوة ليتعاطفوا ويتراحموا.\n• وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير، عن النبي ﵌ قال: \"مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر (^٤) \".\n• وفي رواية لمسلم: \"المؤمنون كرجلٍ واحد إن اشتْكَى رأسُهُ تَدَاعَى له سَائِرُ الجسَدِ بالحمى والسهر\" (^٥).\n• وفي رواية له أيضًا:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٧٩ (الحلبي) من طريق محمد بن بكر عن ميمون، عن محمد بن عبادة، عن ثوبان عن النبي - ﷺ - فذكره بالنص الذي ذكره ابن رجب.\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٨٦ - ٨٧ عن أحمد ورجاله، رجال الصحيح، غير ميمون بن عجلان وهو ثقة.\n(^٢) أخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب: ٢٠ - باب تحريم الغيبة ٤/ ٢٠٠١ ح ٧٠ - (٢٥٨٩) من رواية أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أتدرون ما الغيبة؟ \" قالوا: الله ورسوله أعلم … الحديث.\nفقد طرح الرسول - ﷺ - السؤال: أتدرون ما الغيبة؟ وليس في صحيح مسلم أنه - ﷺ - سئل كما حكى ابن رجب.\nومعنى: بهته: قلت فيه البهتان وهو الباطل والغيبة ذكر الإنسان في غيبته بما يكره، وأصل البهت: أن يقال له الباطل في وجهه، وهما حرامان لكن تباح الغيبة لِغَرَضٍ شرعي كما في شرح النووي في هذا الموضع.\n(^٣) سورة الأحزاب: ٥٨.\n(^٤) أخرجه البخاري ٧٨ - كتاب الأدب: ٢٧ - باب رحمة الناس والبهائم ١٠/ ٤٣٨ ح ٦٠١١.\nومسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب: ١٧ - باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم ٤/ ١٩٩٩ - ٢٠٠٠ ح ٦٦ - (٢٥٨٦).\nواللفظ المذكور لمسلم ما عدا الجملة الأخيرة ففي مسلم \" بالسهر: الحمى\".\n(^٥) هو في مسلم عقب الحديث السابق.","vol":"3","page":999},{"text":"\"المسلمون كرجلٍ واحد إن اشتكَى عينُهُ اشتكى كلُّه، وإن اشتكى رأسُه اشتكى كلُّه\" (^١).\n• وفيهما عن أبي موسى ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضًا (^٢) \".\n• وخرج أبو داود من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: \"المؤمن مرآة المؤمن [و] المؤمن أخو المؤمن، يكفُّ عنه ضيعتَه ويحوطُه مِنْ وَرَائه\" (^٣).\n• وخرجه الترمذي (^٤) ولفظه \"إن أحَدَكُم مِرْآةُ أخيه، فإن رَأَى بِهِ أذى، فَلْيُمِطهُ عَنْهُ\".\nقال رجل لعمر بن عبد العزيز: \"اجعل كبير المسلمين عندك أبا، وصغيرهم ابنًا، وأوسطَهم أخًا، فأي أولئك تحب أن تسيء إليه؟! \".\n• ومن كلام يحيى بن معاذ الرازي:\n\"ليكن حظ المؤمن منك ثلاثة: إن لم تنفعه؛ فلا تضره، وإن لم تُفْرِحْه، فلا تغمه، وإن لم تمدحه فلا تذمّه\".\n* * *\n_________\n(^١) عقب الحديث السابق.\n(^٢) البخاري في: ٧٨ - كتاب الأدب: ٣٦ - باب تعاون المؤمنين بعضهم بعضًا ١٠/ ٤٤٩ - ٤٥٠ ومسلم في الموضع المذكور قبل أحاديثه السابقة ح ٦٥ - (٢٥٨٥).\n(^٣) رواه أبو داود في: ٣٥ - كتاب الآدب: ٥٧ باب في النصيحة (٥) ٢٤٧ - ٢١٨ ح ٤٩١٨ من طريق الربيع بن سليمان، عن ابن وهب عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رياح، عن أبي هريرة وإسناده حسن؛ راجع صحيح الجامع ٦٦٥٦ والصحيحة ٩٢٦.\n(^٤) في: ٢٨ - كتاب البر: الصلة: ١٨ - باب ما جاء في شفقة المسلم على المسلم ٤، ٣٢٥ - ٣٢٦ ح ١٩٢٩، من طريق أحمد بن محمد، عن عبد الله بن المبارك، عن يحيى بن عبيد الله، عن أبيه، عن أبي هريرة.\nوعقب عليه بقوله: ويحيى بن عبيد الله ضعفه شعبة وفي الباب عن أنس وفي م: \"فمن\" وهو مخالف لما في الأصول.","vol":"3","page":1000},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1204>الحديث السادس والثلاثون</span>\nعَنْ أَبي هُريْرَةَ - ﵁ - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً عَنِ كُرَبِ الدُّنْيَا: نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُربِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ: يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ في الدُّنْيَا وَالآخِرَة، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا: سَتَرَةُ اللهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما كَانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ، وَمَنْ سَلَكَ طَريقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا: سَهَّلَ اللّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ، ومَا جَلَسَ (^١) قَوْمٌ في بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ الله يَتْلُونَ كِتَابَ الله، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ؛ إِلا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللّهُ فِيمَنْ عنْدَهُ، وَمَنْ بَطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ\". رَوَاهُ مُسْلِمٌ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1205>[تخريج الحديث]:</span>\n• هذا الحديث خرجه مسلم من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة (^٢).\n• واعترض عليه غير واحد من الحفاظ في تخريجه (^٣).\n• منهم أبو الفضل الهروي، والدارقطني، فإن أسباط بن محمد رواه عن الأعمش قال: حُدِّثتُ عن أبي صالح؛ فتبين أن الأعمش لم يسمعه من أبي صالح، ولم يذكره من حدثه عنه.\nورجح الترمذيّ وغيره هذه الرواية (^٤).\n_________\n(^١) هكذا في الأصول وفيه مخالفة لما في مسلم: \"وما اجتمع\".\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ١١ - باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر ٤/ ٢٠٧٤ ح ٣٨ - (٢٦٩٩) ومن رواية يحيى بن يحيى التميمي، وأبي بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن العلاء الهمداني، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكره.\n(^٣) وأخرجه عقبه من وجوه منها من حديث الأغر أبي مسلم أنه قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد: أنهما شهدا على النبي - ﷺ - أنه قال: \"لا يقعد قوم يذكرون الله - ﷿ - إلا حفتهم الملائكة. . .\" الحديث بنحوه.\n(^٤) فقد روى الترمذي في سننه: ١٥ - كتاب الحدود: ٣ - باب ما جاء في الستر على المسلم ٤/ ٣٤ ح ١٤٢٥ من رواية أبي عوانة، عن الأعمش، عن أبي صالح وذكر حديث مسلم مختصرا وقال: وفي الباب عن عقبة بن عامر، وابن عمر ثم قال عن حديث أبي هريرة: \"هكذا روي غير واحد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - نحو رواية أبي عوانة. =","vol":"3","page":1001},{"text":"وزاد بعض أصحاب الأعمش في متن الحديث: \"ومن أقال مسلمًا أقالَ الله عَثْرَتَهُ\n_________\n= وروى أسباط بن محمد عن الأعمش، قال: حدثت عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - نحوه، وكان هذا أصح من الحديث الأول حدثنا بذلك عبيد بن أسباط بن محمد، قال: حدثني أبي عن الأعمش بهذا الحديث. أقول: ومع هذا فلا وجه للاعتراض على مسلم؛ ذلك أن مسلما بعد أن أورد الحديث من رواية الأَعمش عن أبي صالح، أورده عقبهُ بما يفسر هذه العنعنة، وقال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا أبي، وحدثناه نصر بن علي الجهضمي، حدثنا أبو أسامة، قالا: حدثنا الأعمش، حدثنا ابن نمير، عن أبي صالح وفي حديث أبي أسامة، حدثنا أبو صالح، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: بمثل حديث أبي معاوية غير أن حديث أبي أسامة ليس فيه ذكر التيسير على المعسر\".\nوقد أورد الترمذي في السنن: ٢٨ - كتاب البر والصلة: ١٩ - باب ما جاء في السترة على المسلم ٤/ ٣٢٦ ح ١٩٣٠ رواية أسباط بن محمد التي أشار إليها ابن رجب، والتي سبق أن أشار الترمذي نفسه إليها، وذلك من رواية عبيد بن أسباط بن محمد القرشي، عن أبيه، عن الأعمش، قال: حدثت عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - فذكره من وجه آخر أطول من روايته الأولى وأخصر من رواية مسلم، ثم قال: وفي الباب عن ابن عمر وعقبة بن عامر، وهذا حديث حسن وقد روى أبو عوانة وغير واحد هذا الحديث عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - نحوه ولم يذكر فيه حدثت عن أبي صالح\".\nوالمفاد من صنيع مسلم والترمذي أمور:\nالأول: أن الكثير قد رووا هذا الحديث عن الأعمش عن أبي صالح بلا واسطة بينهما.\nوالثاني: أن إطباق هؤلاء على رواية الحديث بدون واسطة بين الأعمش وأبي صالح قاض بأن الأعمش قد سمع هذا الحديث من أبي صالح دون واسطة.\nوالثالث: أن رواة الصحيح لو شاموا في الحديث برق تدليس ما أوردوه في كتبهم، كيف وهو موجود في صحيح مسلم!؟.\nوالرابع: أن ما ورد من تحديث الأعمش بالحديث عن أبي صالح بواسطة صحيح أيضًا بدليل تفسير مسلم لذلك وإيضاحه بأن المحدث للحديث عن أبي صالح للأعمش إنما هو ابن نمير.\nوالخامس: أنه إذا أورد الحديث بالواسطة بين الراويين مرة يصرح فيها بالتحديث، وبدونها مرة أخرى بالعنعنة فلا يعني هذا دائمًا أن في الحديث تدليسًا أو انقطاعًا، سيما إذا كانت رواية العنعنة من طريق الكثرة أو رواة الصحيح.\nوالسادس: أنه إذا كان الأمر كذلك فقد صح الأمران معًا: أن الأعمش رواه عن طريق ابن نمير عن أبي صالح وأنه رواه عن أَبي صالح.\nومتى صحت الروايتان فقد وجب التوفيق، وقد كفانا مؤنته المباركفوري في شرحه للترمذي ٣/ ١٢٤ حيث قال تعليقًا على الحديث ورواية الأعمش: حدثت عن أبي صالح: \"وهذا يدل على أن بين الأعمش وأبي صالح واسطة ولم يسمع هذا الحديث منه، ولم يذكر مَنْ حدثه عنه (وقد عرفنا من مسلم أنه ابن نمير) وقد روى أبو عوانة وغير واحد هذا الحديث عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة كما بينه الترمذي، وهذا يدل على أن الأعمش سمع هذا الحديث من أبي صالح بغير واسطة فالتوفيق أن الأعمش رواه عنه بواسطة، ثم لقيه فسمعه منه من غير واسطة والله أعلم\".\nفإذا أضفنا إلى هذا أن مسلما إنما بدأ بحديث الأعمش عن أبي صالح ثم أورد تحديث ابن نمير للأعمش بحديث أبي صالح في المتابعات تأكد لنا صحة رواية الحديث بدون واسطة لا سيما في ضوء ما ذكره المباركفوري، وقطعت جهيزة قول كل معترض!\nوحديث الأعمش عن أبي صالح؛ صحيح إذًا.","vol":"3","page":1002},{"text":"يَوْمَ القِيَامَةِ\" (^١).\n• وخرجا في الصحيحين من حديث ابن عمر، عن النبي ﵌ قال: \"المسْلمُ أخو المسْلِم لا يظلِمُهُ ولا يُسْلِمُه ومَنْ كان في حاجَةِ أخيهِ كان الله في حاجته، ومَن فَرَّجَ عن مُسْلم كُرْبة فَرَّجَ الله عَنْه كُرْبة من كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَة وَمَنْ سَتَرَ مُسْلمًا سَتَرَهُ اللّهُ يَوْمَ القيامة\" (^٢).\n• وخرج الطبراني من حديث كعب بن عُجْرَةَ، عن النبي ﵌ قال: \"من نَفَّس عن مُؤمِنٍ كُرْبَةً من كُرَبِه، نفس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، ومن سَتَر على مؤمن عورته، سَتَر الله عورته، ومن فرَّجَ عن مُؤمن كربة فرَّج الله عنه كربته\" (^٣).\n• وخرج الإمام أحمدُ من حَدِيث مَسْلَمَةَ بنِ مَخْلد، عن النبي ﵌ قال: \"من ستر مسلمًا في الدنيا ستره الله في الدنيا والآخرة، ومن نَجَّى مَكْرُوبًا، فَكَّ الله عنْه كُرْبَةً من كُرَبِ يَوْمِ القيامة، وَمَنْ كان في حَاجةِ أخِيه، كانَ اللهُ في حَاجتِه\" (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1206>[من نفس عن مؤمن كربة]:</span>\n• فقوله ﵌: \"من نَفَّسَ عنَ مؤمِنٍ كُرْبَةً من كُربِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً من كرب يَوْم القِيَامَةِ\".\n_________\n(^١) أورده أحمد بن حنبل في المسند ٢/ ٢٥٢ (الحلبي) من رواية يحيى بن معين، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من أقال عثرة أقاله الله يوم القيامة\".\n(^٢) أخرجه البخاري في: ٤٦ - كتاب المظالم: ٣ - باب لا يظلم المسلِمُ المسلمَ ولا يسلمه ٥/ ٩٧ ح ٢٤٤٢ وفي: ٨٩ - كتاب الإكراه: ٧ - باب يمين الرجل لصاحبه أنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه ١٢/ ٣٢٣ ح ٦٩٥١ من حديث ابن شهاب، عن سالم، عن ابن عمر بنحو ما أورد ابن رجب في الموضع الأول، ومختصرًا في الموضع الثاني وأخرجه مسلم في: ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب ١٥ - باب تحريم الظلم ٤/ ١٩٩٦ ح ٥٨ - (٢٥٨٠) بمثل ما أورد ابن رجب؛ فاللفظ المذكور لمسلم.\nوقد سقط من الأصول لفظ كربة في قوله ومن فرج عن مسلم كربة وهي في الصحيحين كليهما فلذلك أثبتناها.\n(^٣) أورده الهيثمي في المجمع ٨/ ١٩٣ من حديث كعب وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير وفيه شعيب بياع الأنماط، وهو مجهول وهو في الكبير ١٩/ ١٥٨ من طريق ليث بن أبي سليم وفيه ما فيه.\n(^٤) حديث صحيح أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٠٤ (الحلبي) وأورده الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٤٦ من حديث مسلمة وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1003},{"text":"هذا يرجع إلى أن الجزاء من جنس العمل، وقد تكاثرتِ النُّصوصُ بهذا المعنى، كقوله ﵌: \"إنما يَرْحَمُ الله من عباده الرحماء\" (^١).\nوقوله: \"إنّ الله يُعذِّبُ الذينَ يُعَذبُونَ النَّاسَ في (^٢) الدُّنْيَا\".\nوالكُرْبَة: هي الشدة العظيمة التي توقع صَاحِبها في الكَرْب، وتنفيسها أن يخفف عنه منها، مأخود من تنفس الخناق كأنه يرخي له الخناق حتى يأخذ نَفَسًا.\nوالتفريج أعظم من ذلك، وهو أن يزيلَ عنه الكربة فتنفرجَ عنه كُربَتُه، ويزولَ هَمُّهُ وغمّه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1207>[جزاء التنفيس والتفريج]:</span>\nفجزاء التنفيس التنفيس وجزاء التفريج التفريج.\n_________\n(^١) هذا جزء حديث أخرجه البخاري في: ٢٣ - كتاب الجنائز: ٣٢ باب قول النبي - ﷺ - يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه إذا كان النوح من سنته ٣/ ١٥١ ح ١٢٨٤ من حديث أسامة بن زيد - ﵄ - قال: أرسلت ابنة النبي - ﷺ - إليه: إن ابنا لي قبض، فائتنا، فأرسل يقرئ السلام، ويقول: إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكلٍّ عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب، فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة ومعاذ بن جبل، وأبي بن كعب وزيد بن ثابت ورجال، فرفع إلى رسول الله - ﷺ - الصبي ونفسه تتقعقع قال: حسبته أنه قال: كأنها شَنَّ ففاضت عيناه، فقال سعد يا رسول الله! ما هذا؟ فقال: هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء\" وانظره في الأحاديث ٥٦٥٥، ٦٦٠٧، ٧٢٧٧، ٧٤٤٨. وأخرجه مسلم في: ١١ - كتاب الجنائز: ٦ - باب البكاء على الميت ٢، ٦٣٥ - ٦٣٦ ح ١١ - (٩٢٣).\nوالقعقعة حكاية حركة الشيء يسمع له صوت، والشَّنُّ: القربة البالية، والمعنى: وروحه تضطرب وتتحرك لها صوت وحشرجة كصوت الماء إذا ألقي في القربة البالية.\nوانظر باقي تخريج الحديث في الموسوعة عن النسائي وأبي داود وأحمد والبيهقي والطبراني والزبيدي وابن أَبي شيبة وغيرهم.\n(^٢) أخرجه مسلم في ٤٥ - كتاب البر والصلة والآداب ٣٣ - باب الوعيد الشديد لمن عذب الناس بغير حق من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال: مر هشام بن حكيم بن حزام على أناس من الأنباط بالشام، قد أقيموا في الشمس، فقال: ما شأنهم؟ أَشهد لسمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا ٤/ ٢٠١٨ وأعقبه برواية عن جرير زاد فيها: وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فلسطين فدخل عليه فحدثه، فأمر بهم فحلوا\" وفي هذا قيام من هشام بن حكيم بن حزام بأمور:\n١ - إبلاغ السنة وتوظيف هذا الإبلاغ في إجراء حكيم تمس الحاجة إليه.\n٢ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حين يكون في إطار القواعد والآداب الإسلامية فسوف يفيد مع الحاكم، كما سيؤتي ثماره مع أفراد المجتمع؟!.\n٣ - إحسان التعبير عن الغيرة وقد رفق هشام بعمير، وحادثه بينه وبينه فيما يشبه المناجاة، ونصحه رفقًا به، ويبدو أن عميرًا حين لمس منه فرط حرصه على إحسان علاقته بالله وبالناس ثم حين لمس أن ما يقوم به جنوده خطأ لا يقره الإسلام، ولا تحمد عاقبته أَصاخ السمع وأوقف التعذيب، وأطلق الوثاق؟!.","vol":"3","page":1004},{"text":"• كما في حديث ابن عمر. وقد جُمع بينهما في حديث كعْب بن عُجْرة.\n• وخرج الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: \"أيُّما مُؤمِنٍ أَطْعَمَ مؤمنًا على جُوعٍ؛ أطْعَمَهُ الله يوم القيامة مِن ثمار الجنَّة، وأيُّما مُؤمِن سَقَى مُؤمِنًا عَلَى ظَمَأ؛ سَقَاهُ الله يَوْمَ القِيامَةِ مِنْ الرحِيقِ المخْتُومِ، وأَيُّمَا مؤمِنٍ كَسَا مُؤْمِنًا عَلَى عُرْيٍ؛ كَسَاهُ اللهُ مِنْ خُضْرِ الجَنَّة\" (^١).\n• وخرجه الإمام أحمد بالشك في رفعه (^٢)، وقيل إن الصحيح وقفه.\n• وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن ابن مسعود قال: \"يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قطّ، وأجْوَعَ ما كانوا قطُّ، وأَظْمَأَ مَا كَانُوا قَطُّ، وأنْصَبَ ما كانوا قط؛ فمن كسا لله - ﷿ - كساه الله، ومن أطعم لله - ﷿ - أطعمه الله، ومن سقى لله - ﷿ - سقاه الله، ومن عفا لله - ﷿ - أعفاه الله\" (^٣).\n• وخرج البيهقي من حديث أنس مرفوعًا أن رجلًا من أهل الجنة يُشْرف يوم القيامة على أهل النار فيناديه رجل من أهل النار: يا فلان! هل تعرفني؟ فيقول: لا والله! ما أعْرِفُكَ، مَنْ أنتَ؟ فيقول: أنا الذي مررتَ بي في دار الدنيا فاستسقيتني شَرْبةً من ماء؛ فسقيتُك قال: قد عرفتُ، قال: فاشْفَعْ لِي بها عنْدَ رَبِّكَ، قال: فيَسْأَلُ الله تَعَالى، فيقولُ: شَفِّعْنِي فيه، فيأمرُ به فَيُخْرَجُ من النار (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1208>[حكمة الاقتصار على كربة من كرب يوم القيامة]:</span>\n• وقوله: \"كُربة من كُرَبِ يَوْم القِيَامَةِ\" ولم يقل من كُرَب الدّنيا والآخرة كما قال (^٥) في التيسير والستر، وقد قيل في مناسبة ذلك أن الكُرَبَ هي الشدائد العظيمة، وليس كل أحد يحصل له ذلك في الدنيا بخلاف الإعسار والعَوْرات المحتاجة إلى الستر؛ فإن\n_________\n(^١) الترمذي في جامعه: ٣٨ - كتاب صفة القيامة: ١٨ - باب حدثت محمد بن حاتم المؤدب ٤، ٦٣٣ ح ٢٤٤٩ من عمَّار بن محمد، عن أبي الجارود، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري فذكره بمثله ثم عقب عليه بقوله هذا حديث غريب، وقد روي هذا عن عطية، عن أبي سعيد، موقوف، وهذا أصح عندنا وأشبه. وحديث كعب مضى ص ١٠٠٣.\n(^٢) في المسند ٣/ ١٣ - ١٤ وفيه قال الإمام أحمد: \"أراه قد رفعه\".\n(^٣) وأورده المنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ٦٦ عن ابن أبي الدنيا في اصطناع المعروف موقوفًا على ابن مسعود ومرفوعًا باللفظ ذاته، زاد فيه: \"ومن عمل لله أغناه الله\".\n(^٤) وأورده المنذري في الترغيب والترهيب ٢/ ٦٩ - ٧٠ عن ابن ماجه والأصبهاني بسياق أتم وهو عند ابن ماجه في السنن ٢/ ١٢١٥ بنحوه وفي إسناده يزيد الرقاشي؛ وهو ضعيف.\n(^٥) م: \"قيل\".","vol":"3","page":1005},{"text":"أحدًا لا يكاد يخلو في الدنيا (^١) من ذلك ولو بتعسر بعض (^٢) الحاجات المهمة.\n• وقيل لأن كُرَبَ الدنيا بالنسبة إلى كرب الآخرة كلا شيء فادخر الله جزاءَ تنفيسِ الكرب عنده لينفس به كُرَبَ الآخرة.\n* * *\n[ودليل ذلك]:\n• ويدل على ذلك قولُ النبي ﵌: \"يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيُسمِعهم الداعي، ويَنْفُذُهم البصر، وتدنو الشمس منهم فيبلغ الناس من الغم والكرب (^٣) مالا يطيقون ولا يحتملون، فيقول الناس بعضهم لبعض: ألا ترون ما قد بلغكم؟ (^٤) ألا تنتظرون من يشفع لكم إلى (^٥) ربكم؟ وذكر حديث الشفاعة (^٦).\n• خرجاه بمعناه من حديث أبي هريرة.\nوخرجا من حديث عائشة، عن النبي ﵌ قال: \"تحشرون (^٧) حُفَاةً عُرَاةً غُرُلًا قالت: فقلت: يا رسولَ الله! الرِّجالُ والنساءُ يَنْظُرُ بعضهم إلى بعض؟ (^٨) فقال: الأمْرُ أشدُّ مِن أنْ يُهِمَّهُمْ ذلك (^٩) \".\n• وخرجا من حديث أبن عمر، عن النبي ﵌ في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (^١٠) قال: يقوم أحدهم في الرشح إلى أنصاف أذُنَيْه (^١١).\n_________\n(^١) ليست في م.\n(^٢) ليست في م.\n(^٣) م: \"من الكرب والغم\".\n(^٤) ليست في م.\n(^٥) م: \"عند ربكم\" وما آثرناه هو الموافق لما في الأصول.\n(^٦) بسياقه كاملًا أخرجه البخاري في: ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء: ٣ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ٦، ٣٧١ ح ٣٣٤٠ وطرفاه في ٣٣٦١، ٤٧١٢.\nوأخرجه مسلم في: ١ - كتاب الإيمان: ٨٤ - باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ١، ١٨٤ - ١٨٦ ح ٣٢٧ - (١٩٤). كلاهما من حديث أبي هريرة.\n(^٧) هذا هو لفظ البخاري ولفظ مسلم يحشر الناس وفي م: \"تحشر الناس\".\n(^٨) م: \"بعضهم بعضا\" وما آثرناه هو الموافق لما في الصحيحين.\n(^٩) أخرجه البخاري في صحيحه: ٨١ - كتاب الرقاق: ٤٥ - باب الحشر ١١، ٣٧٧ - ٣٧٨ ح ٦٥٢٧ وعنده: \"أشد من أن يهمهم ذاك\".\nومسلم في صحيحه: ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها ١٤ - باب فناء الدنيا ٤/ ٢١٩٤ ح ٥٦ - (٢٨٥٩). والغُرْل جمع أغرل وهو الذي لم يختن وبقيت معه غرلته وهي الجلدة التي تقطع في الختان؛ يحشرون كما خلقوا لا يضيفون إلى أبدانهم شيئًا، ولا يفقدون منها شيئًا، حتى الغرلة تكون معهم.\n(^١٠) سورة المطففين: ٦.\n(^١١) البخاري في: ٦٥ - كتاب التفسير: ٨٣ - سورة ويل للمطففين ٨/ ٦٩٦.\nومسلم في: ٥١ - كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها: ١٥ - باب صفة يوم القيامة ٤/ ٢١٩٥.","vol":"3","page":1006},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1209>[الناس في عرق الآخرة]:</span>\n• وخرجا من حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي ﵌ قال: \"يعرق الناس يوم القيامة حتى يذهب عَرَقُهُمْ في الأرض سَبْعين ذِرَاعًا، ويلجمهم حتى يبلغ آذانهم\".\nولفظه للبخاري (^١) ولفظ مسلم.\n\"إن العرق ليذهب في الأرض سبعين ذراعًا وإنه ليبلغ إلى أفواه الناس أو إلى آذانهم\" (^٢).\n• وخرج مسلم من حديث المقداد، عن النبي ﵌ قال: \"تدنو الشمس من العباد حتى تكون قدرَ ميل أو ميلين؛ فتصهرهم الشمس فيكونون في العرق كقدر أعمالهم:\n• فمنهم من يأخذهُ إلى عقبيه.\n• ومنهم من يأخذه إلى ركبتيه.\n• ومنهم من يأخذه إلى حَقْويْهِ.\n• ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا (^٣) \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1210>[والأعمال الصالحة هي الظلال يومئذ]:</span>\n• وقال ابن مسعود (^٤): \"الأرض كُلّها يوم القيامة نار، والجنة من ورائها ترى أكوابها وكواعبها فيعرق الرجل حتى يرشح عرقه في الأرض قدر قامة، ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه\n_________\n(^١) البخاري في: ٨١ - كتاب الرقاق: ٤٧ - باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ﴾ ١١/ ٣٩٢ ح ٦٥٣١.\nوفي \"ا\": \"سبعين باعًا\" وهو مخالف لما في الصحيح.\n(^٢) مسلم في: ٥١ - كتاب صفة الجنة: ١٥ - باب صفة يوم القيامة ٤/ ٢١٩٦ ح ٦١ - (٢٨٦٣).\n(^٣) أخرجه مسلم عقب الحديث السابق ٦٢ - (٢٨٦٤) من حديث سليم بن عامر، عن المقداد بن الأسود قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"تدنو الشمس يوم القيامة من الخلق، حتى تكون منهم كمقدار ميل\" قال سليم بن عامر: فواللّه ما أدري ما يعني بالميل؟ أمسافة الأرض أم الميل الذي تكتحل به العين. قال: \"فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق، فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومن يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجامًا\".\nوثمت بعض الاختلافات في الألفاظ بين ما في الصحيح، وبين ما نسب إليه كما ترى.\n(^٤) أورده ابن حجر في الفتح ١١/ ٣٩٤ عن الطبراني والبيهقي وأبي يعلى بنحوه.","vol":"3","page":1007},{"text":"وما مسه الحساب، قال: فمِمَّ ذاك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: مما يرى الناس يصنع بهم.\n• وقال أبو موسى: الشمس فوق رؤوس الناس يوم القيامة وأعمالهم تُظِلُّهُم أو تُضْحيهمْ (^١).\n• وفي المسند من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: \"كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس\" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1211>[ومن يسر على معسر]:</span>\n• قوله - ﷺ -: (ومن يَسر علَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ اللّهُ عَلَيْهِ في الدنْيَا والآخرة).\nهذا أيضًا يدل على أن الإعسار قد يحصل في الآخرة.\n• وقد وصف الله يوم القيامة؛ بأنه يوم عسير، وأنه على الكافرين غَيْرُ يَسير.\nفدل على أنه يُيسَّر على غيرهم.\n• وقال: ﴿وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ (^٣).\nوالتيسير على المعسر في الدنيا من جهة المال يكون بأحد أمرين: إما بإنظاره إلى الميسرة، وذلك واجب كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (^٤) وتارة بالوضع عنه إن كان غريمًا؛ وإلا فبإعطائه ما يزول له إعْسَارُهُ.\nوكلاهما له فضلٌ عظيمٌ.\n[وآثار ذلك]:\n• وفي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: كان تاجر يداين الناسَ، فإذا رأى معسرًا قال لصبيانه: تجاوزوا عنه؛ لعل الله أن يَتَجَاوَزَ عنا؛\n_________\n(^١) أورده ابن حجر في الموضع نفسه عن البيهقي في البعث بسند قوي.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٤٧ - ١٤٨ (الحلبي) من رواية علي بن إسحاق، عن عبد الله بن المبارك، عن حرملة بن عمران، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس أو قال يحكم بين الناس\".\nقال يزيد وكان أبو الخير لا يخطئه يوم إلا تصدق فيه بشيء ولو كعكة أو بصلة أو كذا. وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/ ١١٠ وأفاد أن أحمد رواه بإسناد رجاله ثقات.\n(^٣) سورة الفرقان: ٢٦.\n(^٤) سورة البقرة: ٢٨٠.","vol":"3","page":1008},{"text":"فتجاوز الله عنه (^١).\n• وفيهما عن حذيفة وأبي مسعود الأنصاري، سمعا النبي ﵌ يقول: مات رجل، فقيل له: [ما كنت تعمل؟] فقال: كنت أبايع الناس؛ فأتجاوز عن الموسر، وأخفف عن المعسر (^٢).\n• وفي رواية قال: كنت أنظر المعسر وأتجوّز في السكة أو قال في النقد: فغفر له (^٣).\n• وخرجه مسلم من حديث أبي مسعود، عن النبي ﵌.\n• وفي حديثه: فقال الله: \"نحن أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه (^٤) \".\n• وخرَج أيضًا من حديث أبي قتادة، عن النبي ﵌ قال: \"من سره أن ينجيه الله من كُرَب يوَم القيامة فَلْيُنَفِّسْ عن معسر أو يضع عنه\" (^٥).\n• وخرج أيضًا من حديث أبي اليَسَر، عن النبي ﵌ قال: \"من أنظر مُعْسِرًا أو وَضَعَ عنه؛ أظله الله في ظلِه، يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّهُ\" (^٦).\n• وفي المسند عن ابن عمر، عن النبي ﵌ قال: \"مَنْ أراد أن تُستَجَابَ دعوتُهُ و[أن] تُكْشَفَ كُرْبَتُه فليفرِّجْ عن مُعْسِرٍ\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ٣٤ - كتاب البيوع: ١٨ - باب من أنظر معسرًا ٤/ ٣٠٨ - ٣٠٩ ح ٢٠٧٨ بمثله إلا أن فيه: لفتيانه وفي: ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء: ٥٤ - باب حدثنا أبو اليمان ٦/ ٥١٤ ح ٣٤٨٠ بنحوه.\nومسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة: ٦ - باب فضل إنظار المعسر ٣/ ١١٩٦ ح ٣١ - (١٥٦٢) بنحوه.\n(^٢) راجع ما أخرجه البخاري في: ٣٤ - كتاب البيوع ١٧ - باب من أنظر موسرًا ٤/ ٣٠٧ ح ٢٠٧٧.\nوفي: ٤٣ كتاب الاستقراض ٥ - باب حسن التقاضي ٥/ ٥٨ ح ٢٣٩١ وفي ٦٠: كتاب أحاديث الأنبياء: ٥٠ - باب ما ذكر عن بني إسرائيل ٦/ ٤٩٤ ح ٣٤٥١.\nوما أخرجه مسلم في: ٢٢ كتاب المساقاة: ٦ - باب فضل إنظار المعسر ٣/ ١١٩٤ - ١١٩٦ ح ٢٦ - (١٥٦٠)، ٢٧ - (. . .)، ٢٨ - (. . .)، ٢٩ - (. . .)، ٣٠ - (١٥٦١) وفي ا، ب: \"فأتجوز\".\n(^٣) هو حديث رقم ٢٨ - (. . .) في المجموعة السابقة.\n(^٤) هو حديث رقم ٣٠ - (١٥٦١) في الموضع المذكور.\n(^٥) هو حديث رقم ٣٢ - (١٥٦٣) في الموضع المذكور بمثل ما أورد ابن رجب.\n(^٦) أخرجه مسلم في: ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق: ١٨ - باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر ٤/ ٢٣٠١ - ٢٣٠٢ ح ٧٤ - (٣٠٠٦) ضمن سياق وقصة.\nحديث صحيح.\n(^٧) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٣ (الحلبي) من طريق محمد بن عبيد، عن يوسف بن صهيب، عن زيد العمى، عن ابن عمر فذكره.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١٣٣ من حديث ابن عمر وقال: رواه أحمد وأبو يعلى إلا أنه قال: من يسر على معسر، ورجال أحمد ثقات.","vol":"3","page":1009},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1212>[ومن ستر مسلمًا]:</span>\n• وقوله ﵌: \"ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة\". هذا مما تكاثرت النصوص بمعناه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1213>[ومن كشف عورة أخيه المسلم وآثار ذلك]:</span>\n• وخرج ابن ماجه من حديث ابن عباس - ﵄ -، عن النبي ﵌ قال: \"من ستر عورة أخيه المسلم ستر الله عورته يوم القيامة، ومن كشف عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه بها في بيته\" (^١).\n• وخرج الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر سمع النبي ﵌ يقول: \"مَنْ ستر مؤمنًا في الدنيا (^٢) على عورة ستره الله - ﷿ - يوم القيامة\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في السنن: ٢٠ - كتاب الحدود: ٥ - باب الستر على المؤمن ودفع الشبهات ٢/ ٨٥٠ ح ٢٥٤٦ من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، عن محمد بن عثمان الجمحي، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس. فذكره - بمثل سياق ابن رجب.\nوقد أورده صاحب الزوائد في مصباح الزجاجة ٢/ ٧٠ ح ٩٠٥ وعلق عليه بقوله: \"هذا إسناد فيه مقال؛ محمد بن عثمان بن صفوان الجمحي قال فيه أبو حاتم: منكر الحديث، ضعيف الحديث، وقال الدارقطني: ليس بقوى، وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الإسناد ثقات، وله شاهد من حديث أبي هريرة، رواه مسلم في صحيحه وأصحاب السنن ورواه الترمذي من حديث ابن عمر\".\nوكأنه يميل إلى تحسين الحديث بأمرين:\nالأول: أن محمد بن عثمان مختلف فيه.\nالثاني: أن للحديث شواهد في الصحيح وعند أصحاب السنن.\n(^٢) ليست في م؛ ففيها: من \"ستر على. . .\".\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٥٣، ١٥٩ (الحلبي) بنحوه في الأول وبمثله في الثاني.\nوالأول أخرجه من رواية سفيان، عن ابن جريج قال: سمعت أبا سعيد يحدث عطاء قال: رحل أبو أيوب إلى عقبة بن عامر فأتى مسلمة بن مخلد فخرج إليه قال: دلوني فأتى عقبة فقال: حدثنا ما سمعت من رسول الله - ﷺ - لم يبق أحد سمعه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من ستر على مؤمن ستره الله يوم القيامة، فأتى راحلته فركب ورجع.\nوأخرجه في الموضع الثاني، عن محمد بن بكر قال: قال ابن جريج: وركب أبو أيوب إلى عقبة بن عامر إلى مصر فقال: إني سائلك عن أمر لم يبق من حضر مع رسول الله - ﷺ - إلا أنا وأنت كيف سمعت رسول الله - ﷺ - يقول في ستر المؤمن؟ فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من ستر مؤمنا في الدنيا على عورة .. فذكره ثم قال: فرجع إلى المدينة فما حل رحله يحدث هذا الحديث.\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ١/ ١٣٣ - ١٣٤ عن الطبراني في الأوسط والكبير وقال: رجال الطبراني رجال الصحيح. وعن أحمد في الموضع الثاني وقال: رواه أحمد هكذا منقطع الإسناد.\nولم يشر إلى إسناد الموضع الأول وهو متصل وانظر الرحلة ٣٤، ٣٥ والأسماء المبهمة ٣٧ للخطيب البغدادي وهوامشهما.","vol":"3","page":1010},{"text":"• وقد روي عن بعض السلف أنه قال: \"أدركتُ قومًا لم يكن لهم عُيوبٌ فذكروا عيوبَ الناسِ، فذكر الناس لهم عُيُوبًا وأدركتُ أقوامًا كانت لهم عيوبٌ فكفّوا عن عيوب الناس فَنُسِيَتْ عيوبُهم\".\nأو كما قال.\n• وشاهد هذا الحديث حديث أبي بَرْزة، عن النبي ﵌ أنه قال: \"يا معشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان في قلبه لا تغتابُوا المسلمين ولا تَتَّبِعُوا عوراتهم فإِنه من اتّبع عوراتهم تَتَبَّع الله عورَته، ومن تَتَبَّع الله عورتَهُ يَفْضَحْه في بَيْتِهِ\".\nخَرَّجَهُ الإمامُ أَحمدُ وأبو داود (^١).\n• وخرج الترمذي معناه من حديث ابن عمر (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1214>[الناس في المعاصي قسمان]:</span>\n• واعلم أن الناس على ضربين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1215>[الأول: المستور]:</span>\n• أحدهما: من كان مستورًا لا يُعْرَفُ بشيء من المعاصي، فإذا وقعت منه هفوة أو\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٤٢١، ٤٢٤ (الحلبي) وأبو داود في السنن: ٣٥ - كتاب الأدب ٤٠ - باب الغيبة ٥/ ١٩٤ - ١٩٥ ح ٤٨٨٠ كلاهما من رواية الأعمش عن سعيد بن عبد الله بن جريج عن أبي برزة.\nقال المنذري: سعيد بن عبد الله بن جريج هو مولى أبي برزة، بصري قال عنه أبو حاتم الرازي هو مجهول وقال ابن معين: ما سمعت أحدًا روى عنه إلا الأعمش من رواية أبي بكر بن عياش. (هامش السنن) لكن أورده الشيخ ناصر الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته ٢/ ١٣٢٢ - ١٣٢٣ ح ٨٤ وصرح بصحته وزاد نسبته إلى أصحاب السنن الأربعة من حديث البراء بن عازب - ﵁ -.\n(^٢) أخرجه الترمذي في: ٢٨ - كتاب البر والصلة: ٨٥ - باب ما جاء في تعظيم المؤمن ٤/ ٣٧٨ ح ٢٠٣٢ من رواية الحسين بن واقده عن أوفى بن دلهم، عن نافع، عن ابن عمر قال: صعد رسول الله - ﷺ - المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: \"يا معشر من قد أسلم بلسانه؛ ولم يفض الإيمان إلى قلبه! لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من تتبع عورة أخيه المسلم تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله\".\nقال: ونظر ابن عمر يومًا إلى البيت أو إلى الكعبة فقال: \"ما أعظمك وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسين بن واقد.\nوروي إسحاق بن إبراهيم السمرقندي عن حسين بن واقد نحوه.\nوروي عن أبي برزة الأسلمي عند النبي - ﷺ - نحو هذا اهـ. وهو إيماء منه إلى أن حديث ابن عمر شاهد لحديث أبي برزة.","vol":"3","page":1011},{"text":"زلة؛ فإنه لا يجوز كشفها ولا هتكها (^١) ولا التحدّثُ بها؛ لأن ذلك غِيبَةٌ محرَّمة.\n• وهذا هو الذي وردت فيه هذه النصوص؛ وفي ذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ (^٢).\n• والمراد: إشاعة (^٣) الفاحشة على المؤمن المستتر (^٤) فيما وقع منه، أو اتُّهم به وهو بريء (^٥) منه؛ كما في قصة الإفك.\n• قال بعض الوزراء الصالحين لبعض من يأمر بالمعروف: اجتهد أن تستر العصاة؛ فإن ظهور معاصيهم، عيب في أهلِ الإسلام، وأولى الأمور: سترُ العيوب.\nومثل هذا لو جاء تائبًا نادمًا وأقر بحد (^٦) ولم يفسره، لم يستفسر؛ بل يؤمر بأن يرجعَ ويستر (^٧) نفسه كما أمر النبي ﵌ ماعزًا والغامدية وكما لم يستفسر الذي قال له [أصبتُ حدَّا فَأقِمْهُ عَلَيَّ] (^٨).\n• ومثل هذا لو أوخذ بجريمته، ولم يَبْلُغ الإمامَ؛ فإنه يُشْفَعُ له حتَّى لا يَبْلُغَ الإمام.\n• وفي مثله جاء الحديث عن النبي ﵌: \"أقِيلُوا ذوِي الهيآتِ عَثَرَاتِهمْ\".\n• خرجه أبو داود والنسائي من حديث عائشة (^٩).\n\n<span data-type='title' id=toc-1216>[والثاني: المجاهر بالمعاصي]:</span>\n• والثاني: مَنْ كان مشتهرًا بالمعَاصي، مُعْلِنا بها ولا يبالي بما ارتكب منها، ولا بما قيل له؛ فهذا هو الفاجر المعلن، وليس له غِيبة، كما نص على ذلك الحسنُ البَصْرِي وغيرُه.\n_________\n(^١) م: \"هتكها ولا كشفها\".\n(^٢) سورة النور: ١٩.\n(^٣) في ا، د: \"ومن جملة العذاب الأليم إشاعة الفاحشة .. \" وفيهما خطأ بيّن.\n(^٤) ليست في \"ا\"، ولا في م.\n(^٥) م: \"مما هوة بريء منه\".\n(^٦) في م: \"بحمده\".\n(^٧) \"ا\": ويستتر.\n(^٨) راجع في هذا وفيما قبله ما أورده أبو داود في: ٣٢ - كتاب الحدود ٢٤ - باب رجم ماعز بن مالك و: ٢٥ - باب المرأة التي أمر النبي - ﷺ - برجمها من جهينة ٤/ ٥٧٣ - ٥٩٠ وما ذكر بهامشه.\n(^٩) أخرجه أبو داود في السنن: ٣٢ - كتاب الحدود: ٤ - باب في الحد يشفع فيه ٤/ ٥٤٠ ح ٤٣٧٥ من رواية جعفر بن مسافر، ومحمد بن سليمان الأنباري، عن ابن أبي فديك، عن عبد الملك بن زيد، عن محمد بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة - ﵂ -، فذكره بمثله.\nونسبه المنذري للنسائي أيضًا وقال: في إسناده عبد الملك بن زيد العدوي، وهو ضعيف الحديث وأورده ابن حبان في صحيحه (٩٤) بإسناد حسن لغيره، وانظر باقي تخريجه بهامشه.","vol":"3","page":1012},{"text":"• ومثل هذا لا بأس بالبحث عن أمره لتُقَام عليه الحدود.\n• وصرح بذلك بعضُ أصحابنا، واستدل بقول النبي ﵌: \"واغد يا أنيس! على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها (^١) \".\n• ومثل هذا لا يُشْفَعُ له إذا أخِذَ ولو لم يَبْلُغ السلطان، بل يُترك حتى يُقامَ عليه الحد؛ لينكفَّ شره (^٢) ويرتدعَ به أمثاله.\n• قال مالك: مَنْ لم يُعرَفْ منه أذى للناس، وإنما كانت منه زلة، فلا بأس أن يشفع له، ما لم يبلغ الإمام.\nوأما من عُرفَ بشر أو فسادٍ؛ فلا أُحبّ أن يشْفَع له أحد، ولكن يُترك حتى يُقامَ عليه الحد.\nحكاه ابنُ المنذر وغيره.\n• وكره الإمامُ أحمد رفعَ الفساق إلى السلطان بكل حال.\nوإنما كرههه لأنهم غالبًا لا يقيمون الحدودَ على وجهها، ولهذا قال: إن علمتَ أنه يُقيم عليه الحدَّ فارفعه، ثم ذكر أنهم ضربوا رجلًا فمات، يعني: لم يكن قتله جائزًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1217>[ماذا لو تاب أحدهما؟]:</span>\nولو تاب أحد من الضرب الأول كان الأفضلُ له أن يتوبَ فيما بينه وبين الله تعالى، ويَسْتُرَ على نفسه.\n_________\n(^١) كما في حديث مسلم عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني قالا: إن رجلًا من الأعراب أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله! أنشدك الله إلا قضيت لي بكتاب الله فقال الخصم الآخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله وأذن لي، فقال رسول الله - ﷺ -: \"قل\" قال: إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم فقال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله الوليدة والغنم ردّ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها\". فأمر بها رسول الله فرجمت.\n٢٩ - كتاب الحدود: ٥ - باب من اعترف على نفسه بالزنى ٣/ ١٣٢٤ ح ٢٥/ (١٦٩٧/ ١٦٩٨) وانظر في هذا وفيما قبله هذا الباب كله ٣/ ١٣١٨ - ١٣٢٦ والبخاري في الشروط باب الشروط التي لا تحل في الحدود وفي الصلح: باب إذا اصطلحوا على جور فالصلح مردود، وفي الأيمان والنذور: باب كبف كانت يمين النبي - ﷺ -، وفي الحدود: باب الاعتراف بالزنا، والترمذي في الحدود: باب الرجم على الثيب ح ١٤٣٣ والنسائي في القضاء: باب صون النساء عن مجلس الحكم ح ٥٤١٢ وابن ماجه في الحدود: باب حد الزنا ح ٢٥٢٩.\n(^٢) م: \"لينكشف ستره\".","vol":"3","page":1013},{"text":"• وأما الضرب الثاني: فقيل: إنه كذلك، وقيل: بل الأَولَى له أن يأتي الإمام ويُقِرُّ على نفسه مما يوجب الحد، حتى يُطهِّرَهُ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1218>[والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه]:</span>\n• قوله: \"والله في عَوْن العَبْدِ مَا كانَ العَبْدُ في عَوْنِ أَخِيهِ\".\nوفي حديث ابن عمر \"ومَنْ كان في حاجَة أخيه، كان الله في حاجته\".\n• وقد سبق في شرح الحديث الخامس والعشرين، والسادس والعشرين فضلُ قضاء الحوائج والسعي فيها.\n• وخرج الطبراني من حديث عمر مرفوعًا: \"أفضلُ الأعمال: إدخالُ السرورِ على المؤمِنِ، كسَوْتَ عورته، أو أشبعتَ جَوْعَتَهُ، أو قَضَيتَ له (^١) حاجة\".\n• وبعث الحسن البصري قومًا من أصحابه في قضاء حاجة لرجل وقال لهم: \"مُرُّوا بثابت البُنَاني فخذوه معكم، فأتَوْا ثابتًا، فقال: أنا معتكف، فرجعوا إلى الحسن فأخبروه، فقال: قولوا له: يا أعمش! أما تعلم أن مَشْيَك في حاجة أخيك المسلم خيرٌ لك من حجة بعد حجة؟!.\nفرجعوا إلى ثابت فترك اعتكافه وذهب معهم.\n• وخرج الإمام أحمد من حديث ابنة (^٢) الخبَّاب بن الأرتّ قالت: خرج خبّاب في سَرِيّة، فكان النبي ﵌ يتعاهدنا حتى يحلب عنزًا لنا في جَفْنَةٍ لنا فتمتلئ حتى تفيض، فلما قدم خباب حلبها فعاد حلابها إلى ما كان.\n• وكان أبو بكر الصديق - ﵁ -، يَحْلُبُ للحيّ أغنامهم، فلما استخلَفَ قالت جارية منهم: الآن لا يحلبها، فقال أبو بكر: بلى! وإني لأرجو أن لا يغيرني ما\n_________\n(^١) م: \"حاجته\" والحديث بهذا الضبط أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٣٩٤ عن الطبراني في الأوسط، ثم عزاه لأبي الشيخ من حديث أبن عمر بنحوه وسكت عنهما. وأورده الهيثمي في المجمع ٣/ ١٣٠ عن الطبراني في الأوسط من حديث عمر بإسناد ضعيف.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١١١ (الحلبي) من رواية وكيع، عن الأعمش، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد الفائشي، عن بنتٍ لخبّاب .. الحديث.\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/ ٣١٢ وقال: رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح، غير \"عبد الرحمن بن زيد الفايشي وهو ثقة\"؛ فالحديث حسن.","vol":"3","page":1014},{"text":"دخلتُ فيه عن شيء كنتُ أفعله أو كما قال.\nوإنما كانوا يقومُون بالحلاب؛ لأن العرب كانت لا تحلُبُ النِّسَاءُ منهمُ، وكانوا يستقبحون ذلك، وكان الرجال إذا غابُوا احتاج النساء إلى من يحلُبُ لهنَّ.\n• وقد روي عن النبي ﵌ أنه قال لقوم: \"لا تسقوني حَلَبَ امرأة\" (^١) وكان عمر يتعاهد الأرامل؛ فيستقي لهم الماء بالليل.\n• ورآه طلحة بالليل يدخل بيت امرأة؛ فدخل إليها طلحة نهارًا فإذا هي عجوز عمياء مقعدة، فسألها ما يصنع هذا الرجل عندك قالت: هذا له منذ كذا وكذا يتعاهدني يأتيني بما يصلحني، ويُخْرِجُ عَني الأذى فقال: ثَكِلَتْكَ أمكَ يا طلحة! أَعثراتِ عمر تتبع (^٢).\n• وكان أبو وائل يطوف على نساء الحي وعجائزهن كل يوم فيشتري لهن حوائجهن وما يصلحهن.\n• وقال مجاهد: صحبت ابنَ عمر في السفر لأخدُمه فكان يخدُمني (^٣).\nوكان كثير من الصالحين يشترط على أصحابه في السفر أن يخدُمهم.\n• وصحب رجل قومًا في الجهاد فاشترط عليهم أن يخدُمهم؛ فكان إذا أراد أحد منهم أن يغسل رأسه أو ثوبه قال: هذا من شَرْطي، فيفعله؛ فمات، فجردوه للغسل فرأوا على يده مكتوبًا من أهل الجنة، فنظروا فإذا هي كتابةٌ بين الجلد واللحم.\n• وفي الصحيحين عن أنس قال: \"كنا مع النبي ﵌ في السفر فمنَّا الصائم، ومنا المفطر، قال: فنزلنا منزلًا في يوم حارٍّ أكْثَرُنَا ظِلًّا صاحبُ الكساء، ومنا من يَتَّقي الشَّمْسَ بيده قال: فسقط الصُّوام، وقام المفطِرُونَ فَضَرَبُوا الأبنية، وَسَقَوا الركاب، فقال رسول الله ﵌: \"ذهَبَ المفْطِرُونَ اليَوْمَ بالأجْر (^٤) \".\n_________\n(^١) الطبقات الكبرى لابن سعد ٦/ ٢٨ بلفظ: \"حلبة\" وهو في المجمع ٥/ ٨٣ عن البزار بإسناد ضعيف جدًّا.\n(^٢) رواه أبو نعيم في الحلية ١/ ٤٧ - ٤٨ عن محمد بن معمر، عن يحيى بن عبد الله، عن الأوزاعي: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - خرج في سواد الليل فرآه طلحة، الحديث بنحوه وإسناده منقطع بين الأوزاعي وعمر كما ترى.\n(^٣) رواه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٢٨٥ - ٢٨٦ بإسناد متصل عن أبي حامد بن جبلة عن محمد بن إسحاق …\n(^٤) أخرجه البخاري في: ٥٦ - كتاب الجهاد: ٧١ - باب فضل الخدمة في الغزو ٦/ ٨٤ ح ٢٨٩٠، ومسلم - واللفظ المذكور له - في: ١٣ - كتاب الصيام: ١٦ - باب أجر المفطر في السفر إذا تولى العمل ٢/ ٧٨٨ ح ١٠٠ - (١١١٩). وأخرجه عقبه من وجه آخر عن أنس ح ١٠١ - (. . .).","vol":"3","page":1015},{"text":"• ويروى عن رجل من أسلم، أن النبي ﵌ أتي بطعام في بعض أسفاره، فأكل منه، وأكل أصحابُهُ، وقبَض الأسلمي يده فقال له رسول الله ﵌: مالك؟ قال: إني صائم قال: فما حملك على ذلك؟ قال: كان معي ابناي (^١) رجلان يرحلان بي ويخدماني فقال: \"ما زال لهم الفضل عليك بعد\".\n• وفي مراسيل أبي داود عن أبي قلابة أن ناسًا من أصحاب رسول الله ﵌ قدموا يثنون على صاحب لهم خيرًا قالوا: ما رأينا مثل فلان قطّ! ما كان في مسير؛ إلا كان في قراءة، ولا نزلنا منزلًا؛ إلا كان في صلاة، قال: فمن كان يكفيه ضيعته حتى ذكر؛ مَنْ كان يَعْلِفُ جَمَلَه أو دابته؟ قالوا نحن، قال: فكُلُّكُمْ خَيْر منه (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1219>[العلم طريق الجنة]:</span>\n• قوله ﵌: \"ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة\".\nوقد رَوى هذا المعنى أيضًا أبو الدرداء، عن النبي ﵌ (^٣).\nوسلوك الطريق لالتماس العلم يدخلُ فيه سلوكُ الطريق الحقيقي، وهو المشي بالأقدام إلى مجالس العلماء، ويدخل فيه سلوكُ الطرق المعنوية، المؤدية إلى حصول العلم، مثل حفظه، ومذاكرته، ومطالعته، وكتابته، والتفهم له، ونحو ذلك من الطرق المعنوية التي يتوصل بها إلى العلم.\n* * *\n• وقوله ﵌: \"سهل الله له طريقًا إلى الجنة\" قد يراد بذلك أن الله يسهل له العلم الذي طلبه، وسلك طريقه وييسره عليه فإن العلم طريق موصل إلى الجنة.\n_________\n(^١) م: \"ابنان يرحلان لي\".\n(^٢) مراسيل أبي داود ٤/ ٢٩٥ ح ٢٧٣ وفيه: \"ما كان يسير إلا في قراءة … صنعته - ويبدو أنها تحريف - حتى ذكر؟ ومن\" ولا داعي لهذا الاستفهام ويذكر بدله نقطتان هكذا: كي يستقيم المعنى.\n(^٣) رواه أبو داود في السنن ٢/ ٣٤١ ح ٣٦٤١ وابن ماجه في السنن ١/ ٨١ ح ٢٢٣ بإسناد صحيح وانظر صحيح ابن ماجه ١/ ٤٣.","vol":"3","page":1016},{"text":"وهذا كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ (^١).\n• قال بعض السلف: هل من طالب علم فيعانَ عليه (^٢)؟.\n• وقد يراد أيضًا: أن الله ييسر لطالب العلم إذا قَصَدَ أبصلبه وَجْه الله تعالى والانتفاعَ به، والعملَ بمقتضاه، فيكونُ سببًا لهدايته، ولدخول الجنة بذلك.\n• وقد ييسر الله لطالب العلم علومًا أخر، ينتفع بها، وتكون موصلة له إلى الجنة، كما قيل: مَنْ عَمِلَ بما علم أورثه الله عِلْمَ ما لم يَعْلم.\nوكما قيل: \"ثواب الحسنة: الحسنةُ بعدها\".\n• وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ (^٣)،\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ (^٤).\n• وقد يدخل في ذلك أيضًا: تسهيلُ طريق الجنة الحِسِّي يوم القيامة، وهو الصراط، ومما قبله وما بعده من الأهوال فَيُيَسَّرُ ذلك على طالب العلم للانتفاع به، فإن العلم يدل على الله من أقرب الطرق إليه، فمن سلك طريقه ولم يُعْرِّجْ عنه، وصل إلى الله تعالى، وإلى الجنة من أقرب الطرق وأسهلها فَسَهُلَتْ عليه الطرق الموصّلةُ إلى الجنة كلها في الدنيا وفي الآخرة؛ فلا طريق إلى معرفة الله، وإلى الوصول إلى رضوانِه، والفوزِ بقربه، ومجاورَته في الآخرة؛ إلا بالعلم النافع، الذي بعث الله به رُسُلَه، وأنزل به كُتُبه، فهو الدليل عليه، وبه يُهْتَدى في ظلمات الجهل والشُّبَهِ والشُّكُوكِ، ولهذا سمى الله كتابه نورًا؛ لأنَّه يُهْتَدَى به في الظُّلُماتِ، قال الله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1220>[مثل العلماء مثل النجوم]:</span>\n• وَمَثَّل النبي ﵌ حَمَلةَ العلم الذي جاء به؛ بالنجوم التي يُهْتدى بها في الظلمات.\n_________\n(^١) سورة القمر: ٢٢.\n(^٢) هذا مرتبط بالآية المذكورة فقد أورده أبو نعيم في الحلية ٣/ ٧٦ من رواية عبد الله بن شوذب عن مطر في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ. . .﴾ الآية فذكره.\n(^٣) سورة مريم: من الآية: ٧٦.\n(^٤) سورة القتال: ١٧.\n(^٥) سورة المائدة: ١٥، ١٦.","vol":"3","page":1017},{"text":"• ففي المسند، عن أنس، عن النبي ﵌ قال: \"إن مثلَ العلماء في الأرض كَمَثل النُّجوم في السماء يُهْتَدَى بها في ظُلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أن تَضِلّ الهداة\" (^١).\nوما دام العلم باقيًا في الأرض؛ فالناس في هدى، وبقاء العلم بقاء حملته، فإذا ذهب حملته ومن يقوم به، وقع الناس في الضلال، كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵌ قال: \"إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صُدُور الناس، ولكن يقبضه بقبض العلماء، فإذا لم يُبْقِ عالمًا، اتخذ الناس رُءوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلوا فَأَفْتَوا بغير عِلْم فَضَلُّوا (^٢) وأضلوا\".\nوذكر النبي ﵌: يومًا رفْع الطم فقيل له: كيف يذهب العلم وقد قرأنا القرآن وأقرأناه نساءَنَا وأبناءنا؟! فقال النبي - ﷺ -: \"هذه التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى فماذا تغني عنهم؟ \".\n• فسئل عبادةُ بنُ الصامت عن هذا الحديث فقال: لو شئتُ لأخبرتُك بأول علم يُرفعُ من الناس: الخشوع (^٣).\nوإنما قال عُبَادَةُ: هذا لأن العِلْم قسمان: أحدهما: ما كان ثمرتُه في قلب الإنسان، وهو العلم بالله تعالى، وأسمائِه، وصفاتِهِ، وأفعالِهِ المقتضي لخشيته، ومهابته، وإجلاله والخضوع له، ومحبته ورجائه، ودعائه والتوكل عليه ونحو ذلك.\nفهذا هو العلم النافع.\n• كما قال ابن مسعود: إن أقوامًا يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وَقَع\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ١٥٧ (الحلبي) من رواية هشيم بن خارجة، عن رشدين بن سعد، عن عبد الله بن الوليد، عن أبي حفص، عن أنس، فذكره بمثل ما أورد ابن رجب.\nوضعفه الهيثمي في المجمع ١/ ١٢١ من حديث أنس وقال: فيه رشدين بن سعد واختلف في الاحتجاج به، وأبو حفص صاحب أنس مجهول والله أعلم.\n(^٢) أخرجه البخاري في ٣ - كتاب العلم: ٣٤ - باب كيف يقبض العلم ١/ ١٩٤ ح ١٠٠ بنحوه.\nوفي: ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: ٧ - باب ما يذكر من ذم الرأي وتكلف القياس ١٣/ ٢٨٢ ح ٧٣٠٧ بسياق أطول وهو أحد الأمثلة التي استَثْبَتَتْ فيها عائشة - ﵂ - حفظ عبد الله بن عمرو ثم شهدت له به وأخرجه بسياقه ورواياته مسلم في صحيحه ٤٧: كتاب العلم: ٥ - باب رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان ٤/ ٢٠٥٨ - ٢٠٥٩ ح ١٣ - (٢٦٧٣)، ١٤ بوجوه عدة.\n(^٣) والحديث عند الحاكم في المستدرك ١/ ٩٨ - ١٠٠ من وجهين عن عوف بن مالك وأبي الدرداء بإسنادين صحيحين وأقره الذهبي وعند الترمذي ح ٢٦٥٥ عن أبي الدرداء بإسناد حسن غريب.","vol":"3","page":1018},{"text":"في القلب فَرَسَخَ فيه نفع.\n\n<span data-type='title' id=toc-1221>[العلم علمان]:</span>\nوقال الحسن: العلم علمان: علم على اللسان؛ فذاك حجة الله على بني آدم، وعلم في القلب فذاك العلم النافع.\n• والقسم الثاني: العلم الذي على اللسان وهو حجة الله كما في الحديث (^١): \"القرآن حجة لك أو عليك\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1222>[أول ما يرفع: العلم النافع]:</span>\n• فأول ما يرفع من العلم: العلم النافع، وهو العلم الباطن الذي يخالِطُ القلوبَ ويُصْلِحُها، ويبقى علم اللسان حجة فيتهاون الناس به، ولا يعملون بمقتضاه، لا حملته ولا غيرهم، ثم يذهب هذا العلم بذهاب حملته فلا يبقى إلا القرآن في المصاحف وليس ثمَّ مَنْ يَعْلَمُ معانِيَهُ ولا حُدُودَهُ ولا أَحْكَامَهُ ثم يسرى به في آخر الزمان فلا يبقى في المصاحف ولا في القلوب منه شيءٌ بالكلية، وبعد ذلك تقوم الساعة.\n• كما قال ﵌: \"لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس\" (^٢).\n• وقال: \"لا تقوم الساعة وفي الأرض أحد يقول: الله الله\" (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1223>[الجلوس للعلم والقرآن والذكر في المساجد]:</span>\nقوله - ﷺ -: \"وما جلس قومٌ في بيتٍ من بُيُوتِ الله يتلونا كتابَ الله ويتدارسُونَهُ\n_________\n(^١) \"ا\": حجة كما في الحديث. . .\" وقد مضى الكلام عليه في الحديث الثالث والعشرين.\n(^٢) رواه مسلم في صحيحه: ٥٢ - كتاب الفتن: ٢٧ - باب قرب الساعة ٤/ ٢٢٦٨ ح ١٣١ - (٢٩٤٩) من حديث عبد الله بن مسعود مثله.\nوأخرجه أحمد في المسند ١/ ٣٩٤، ٤٣٥ (الحلبي)، ٥/ ٢٧٧ - ٢٧٨ ح ٣٧٣٥ و٦/ ٩٠ - ٩١ ح ٤١٤٤ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه.\nوانظره في الدر المنثور ٦/ ٥٤، ٥٥ فقد أورده عن الطبراني أيضًا بإسناد صحيح من حديث أبي أمامة.\n(^٣) أخرجه مسلم في: ١ - كتاب الإيمان: ٦٦ - باب ذهاب الإيمان آخر الزمان ١/ ١٣١ ح ٢٣٤ - (١٤٨) والترمذي في: ٣٤ - كتاب الفتن: ٣٥ - باب حدثنا محمد بن بشار ٤/ ٤٩٢ ح ٢٢٠٧ وأبو يعلى في مسنده/ وأحمد في المسند ٣/ ١٦٢ (الحلبي) والحاكم في المستدرك ٤/ ٤٩٤.\nوكلهم من حديث أنس، حسنه الترمذي. وصححه الحاكم وسكت عنه الذهبي وأخرجه الحاكم في الموضع نفسه من حديث عبد الله بن مسعود وصححه وأقره الذهبي وانظر الدر المنثور في الموضع المذكور أيضًا.","vol":"3","page":1019},{"text":"بينهم؛ إلا نزلت عليهم السكينة، وغَشِيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده\".\nهذا يدل على استحباب الجلوس في المساجد لتلاوة القرآن ومدارسته.\n• وهذ إن حُمِلَ على تعلّم القرآن وتعليمه؛ فلا خلاف في استحبابه.\n• وفي صحيح البخاري، عن عثمان، عن النبي ﵌ قال: \"خَيْرُكُم مَنْ تَعَلَّم القرآنَ وعَلَّمه (^١) \".\nقال أبو عبد الرحمن السلمي: فذلك الذي أقعدني مقعدي هذا.\nوكان قد علَّم القرآن في زمن عثمان بن عفان حتى بلغ الحجاج بن يوسف.\nوإن حُمل على ما هو أعم من ذلك دخل فيه الاجتماع في المساجد على دراسة القرآن مطلقًا.\n• وقد كان النبي ﵌ أحيانًا يأمر من يقرأ القرآن ليستمع قراءته كما أمر ابن مسعود أن يقرأ عليه وقال: \"إني أحب أن أسمعه من غيري\" (^٢).\n• وكان عمر يأمر مَن يقرأ عليه وعَلَى أصحابه وهم يستمعون، فتارة يأمر أبا موسى، وتارة يأمر عقبةَ بنَ عَامر.\n• وسئل ابنُ عباس: أيّ العمل أفضل؟ قال: ذكر الله، قال: وما جلس قوم في بيت من بيوت الله يتعاطَوْن فيه كتابَ الله فيما بينهم ويتدارَسُونَهُ؛ إلا أظلتهُمْ الملائكة بأَجْنِحَتِهَا، وكانوا أضيافَ الله ما داموا على ذلك؛ حتى يفيضوا (^٣) في حديث غيره.\n• وروى مرفوعًا والموقوف أصح.\n• وروى يزيد الرقاشي عن أنس قال: كانوا إذا صَلَّوا الغداة قَعَدُوا حِلَقًا حِلَقًا\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ٦٦ - كتاب فضائل القرآن: ٢١ - باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه ٩/ ٧٤ ح ٥٠٢٧ من طريق حجاج بن منهال، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان بن عفان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: خيركم من تعلم القرآن وعلمه، قال: وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان حتى كان الحجاج قال: (أي أبو عبد الرحمن): \"وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا\" وأخرجه عقبه بنحوه.\n(^٢) أخرجه البخاري في: ٦٦ كتاب فضائل القرآن: ٣٢ - باب من أحب أن يستمع القرآن من غيره - ٩/ ٩٣ ح ٥٠٤٩. ومسلم في ٦ - كتاب صلاة المسافرين: ٤٠ - باب فضائل استماع القرآن وطلب القراءة من حافظه للاستماع والبكاء عند القراءة والتدبر ١/ ٥٥١ ح ٢٤٧ - (٨٠٠) من حديث عبد الله من وجوه عديدة.\n(^٣) م: \"يخوضوا\".","vol":"3","page":1020},{"text":"يقرؤون القرآن ويتعلمون الفرائض والسنن ويذكرون الله تعالى.\nوروى عطية، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵌ قال: \"ما مِن قَومْ صَلَّوْا صلاةَ الغداة، ثم قعدُوا في مُصَلَّاهم يتعاطَوْن كتابَ الله، ويتدارسونه؛ إلا وكل الله بهم ملائكة يستغفرونَ لهم حتَّى يخوضُوا في حديث غيره\".\nوهذا يدل على استحباب الاجتماع بعد صلاة الغداة لمدارسة القرآن.\nولكن عطية فيه ضعف.\n• وقد روى حرب الكرماني بإسناده عن الأوزاعي: أنه سئل عن الدراسة بعد صلاة الصبح فقال: أخبرني حسَّان بنُ عطية أن أوّلَ من أحدثها في مسجد دمشق، هشام بنُ إسماعيل المخزومي في خلافة عبد الملك بن مروان؛ فأخذ الناس بذلك.\n• وبإسناده عن سعيد بن عبد العزيز، وإبراهيم بن سليمان أنهما كانا يدرسان القرآن بعد صلاة الصبح ببيروت (^١) والأوزاعي في المسجد لا يُغَيّر عليهم.\n• وذكر حرب أنه رأى أهلَ دمشق، وأهلَ حمص، وأهلَ مكة، وأهل البصرة يجتمعون على القرآن بعد صلاة الصُّبح لكنَّ أهلَ الشام يقرؤون القرآن كُلَّهُمْ جملة من سورة واحدة بأصوات عالية، وأهل مكة وأهل البصرة يجتمعون؛ فيقرأ أحدهم جملة من عَشْرِ آيات والناس ينصتون ثم يقرأ آخر عشرًا (^٢) حتى يَفْرُغُوا.\n• قال حرب: وكلُّ ذلك حَسَنٌ جميلٌ وقد أنكرَ ذلك مالك على أهل الشام.\n• قال زيد بن عبيد الدمشقي: قال لي مالك بن أنس:\nبلغني أنكم تجلسون حِلَقًا تقرؤون؟ فأخبرته بما كان يفعل أصحابنا، فقال مالك: عندنا كان المهاجرون والأنصار ما نعرف هذا قال: فقلت: هذا طريف؟ قال: وطريف رجل يقرأ ويجتمع الناس حوله؟ فقال: هذا عن غَيْرِ رأينا.\n• وقال أبو مصعب وإسحاق بن محمد الفرْوي (^٣) سمعنا مالك بن أنس يقول الاجتماع بكرة بعد صلاة الفجر؛ لقراءة القرآن بدعة؛ ما كان أصحابُ رسول الله ﵌، ولا العلماءُ بعدهم على هذا كانوا إذا صَلَّوْا يخلو كلٌّ بنفسه، ويقرأ\n_________\n(^١) م: \"ببيرون\" وهو تصحيف.\n(^٢) م: \"عشر آيات\".\n(^٣) نسبة إلى الجد فهو يعقوب: إسحاق بن محمد بن إسماعيل بن عبد الله بن أبي فروة الفروي القرشي مولى عثمان بن عفان - ﵁ - لب اللباب ٢/ ١٥٣ ت ٣٠٢٤ وقد أحال محققه إلى اللباب ٢/ ٤٢٦ والأنساب ٤/ ٣٧٤.","vol":"3","page":1021},{"text":"ويذكر الله تعالى، ثم ينصرفون من غير أن يكلِّم بعضُهم بعضًا اشتغالًا بذكر الله.\n• فهذه كلها محدثة.\nوقال ابنُ وهب: سمعتُ مالكًا يقول: لما تكن القراءة في المسجد من أمر الناس القديم.\n• وأول من أحدث ذلك في المسجد: الحجاجُ بنُ يوسف قال مالك: وأنا أكره ذلك الذي يقرأ في المسجد في المصحف.\n• وقد روى هذا كلَّه أبو بكر النيسابوريُّ في كتاب مناقب مالك - ﵀ -.\nواستدل الأكثرون على استحباب الاجتماع لمدارسة القرآن في الجملة بالأحاديث الدالة على استحباب الاجتماع للذكر.\nوالقرآن أفضل أنواع الذكر.\nففي الصحيحين عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: \"إن لله ملائكةً يطوفون في الطرق يلتمسون أهلَ الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تعالى تنادَوْا هَلُمُّوا إلى حاجتكم فيحفُّونَهُمْ بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، فيسألُهم ربُّهمْ وهو أعلم بهم ما يقول عبادي؟ قال: يقولون: يسبّحونَكَ، ويكبِّرونَك، ويحمَدونك ويمجِّدونك فيقول: هل رأوني؟ فيقولون: لا والله! ما رأوك فيقول (^١): كيف لو رأوني؟ فيقولون: لو رَأوْكَ كانوا أشدَّ لك عبادةً، وأشَدَّ لك (^٢) تمجيدًا وتحميدًا وأكثر لك تسبيحًا فيقول: فما يسألوني؟ قالوا: يسألونك الجنة، فيقول: وهل رَأَوْهَا؟ فيقولون: لا والله يا رب! ما رأوها فيقول: كيف لو أنهم (^٣) رَأوْهَا؟ فيقولون: لَوْ أنهم رأوها كانوا أشدَّ عليها حرصًا، وأشدَّ لها طلبًا، وأشدَّ فيها رغبةً قال: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُون؟ فيقولون: من النار قال: يقول. فهل رأوها؟ قال: فيقولون: لا والله يا رب ما رَأَوْها. فيقول: كيف لو رَأوْهَا فيقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشدَّ منها فرارًا وأشدّ لها مخافة، فيقول الله تعالى: أشْهدُكم أني قد غَفَرْتُ لهم! فيقول مَلك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجته: قال: هم الجُلسَاءُ، لا يشقى جليسهم\" (^٤).\n_________\n(^١) م: \"فقال\".\n(^٢) م: \"أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وتحميدا\".\n(^٣) ليست في م.\n(^٤) أخرجه البخاري في: ٨٠ - كتاب الدعوات: ٦٦ - باب فضل ذكر الله - ﷿ - ١١/ ٢٠٨ - ٢٠٩ ح ٦٤٠٨ باختلاف يسير.\nومسلم في: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ٤/ ٢٠٦٩ - ٢٠٧٠ ح ٢٥ - (٢٦٨٩).","vol":"3","page":1022},{"text":"• وفي صحيح مسلم عن معاوية، أن رسول الله ﵌ خرج على حلقة من أصحابه فقال: ما يُجلِسُكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله، ونحمده لما هدانا للإسلام، ومَنَّ علينا به، فقال: \"آللهِ ما أجلسكم إلا ذلك؟ \" قالوا: آللهِ ما أجلسنا إلا ذلك. قال: \"أما إني لَمْ أسْتَحْلِفْكُمْ لتُهْمَة لكم ولكنه (^١) أتاني جبريل - ﵇ - فأخبرني أن الله تعالى يباهي بكم الملائكة\" (^٢).\nوخرج الحاكم من حديث معاوية قال: كُنتُ مع النبي ﵌ يومًا، فدخل المسجد، فإذا هو بقوم في المسجد قعود فقال النبي ﵌: ما أقعدكم؟ قالوا: صلَّينا الصلاة المكتوبة، ثم قعدنا نتذاكر كتاب الله، وسنة نبيه - ﷺ - فقال رسول الله ﵌: \"إن الله إذا ذَكر شيئًا تعاظم ذكره (^٣) \".\n• وفي المعنى أحاديث أخر متعددة، وقد أخبر النبي ﵌ أن جزاء الذين يجلسون في بيت الله يتدارسون كتاب الله أربعةُ أشياء:\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1224>[نزول السكينة]:</span>\n• أحدها: تنزّلُ السكينة عليهم.\n• وفي الصحيحين، عن البراء بن عازب قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف،\n_________\n(^١) م: \"ولكن\" ا \"إنه\" والتصويب من صحيح مسلم.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: ١١ - باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر ٤/ ٢٠٧٥ ح ٤٠ - \"٢٧٠١\".\n(^٣) في الأصول والمطبوعة: فقال رسول الله - ﷺ -: \"إذا ذكر\" والإضافة من المستدرك والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٩٤ من رواية عبد الوارث، عن الحسين، عن ابن بريدة: أن معاوية خرج من حمام حمص فقال لغلامه: ائتني لبستي، فلبسهما ثم دخل مسجد حمص فركع ركعتين فلما فرغ إذا هو بناس جلوس، فقال لهم: ما يجلسكم؟ قالوا: صلينا صلاة المكتوبة، ثم قص القاص، فلما فرغ قعدنا نتذاكر سنة رسول الله - ﷺ - فقال معاوية: ما من رجل أدرك النبي - ﷺ - أقل حديثًا عنه مني، إني سأُحدثكم بخصلتين حفظتهما من رسول الله - ﷺ -: ما من رجل يكون على الناس فيقوم على رأسه الرجال يحب أن تكثر الخصوم عنده فيدخل الجنة، قال: وكنت مع النبي - ﷺ - يومًا فدخل المسجد فإذا هو بقوم في المسجد قعود، فقال النبي - ﷺ -: ما يقعدكم؟ قالوا: صلينا الصلاة المكتوبة ثم قعدنا نتذاكر كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله إذا ذكر شيئًا تعاظم ذكره\".\nأقول: والمعنى يتضح بالحديث الذي قبله: \"إن الله يباهي بكم ملائكته\" وبالحديث القدسي إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم\".\nوقد صحح الحاكم حديث معاوية على شرط الشيخين وأقره الذهبي ثم قال: ولابن بريدة سماع من معاوية. وبين النصين في الجامع والمستدرك تفاوت يسير فليتأمل.","vol":"3","page":1023},{"text":"وعنده فرس [مربوط بشطنين] فتغشَّتْهُ سحابة فجعلت تدور وتدنو، وجعل فرسهُ ينفِرُ منها، فلما أصبح؛ أتى النبيَّ ﵌ فذكر ذلك له فقال: \"تلك السَّكينَة تَنَزَّلَتْ للقرآن\" (^١).\n• وفيهما أيضًا، عن أبي سعيد أن أُسَيْدَ بن حُضَير بينما هو ليلةً يقرأ في مِرْبَدِه إذْ جَالتْ فَرَسُه فقرأ ثم جَالت أخرى، فقرأ ثم جالت أيضًا؛ قال (^٢) أُسَيْدٌ: فخشيتُ أن تطأ يحيى [يعني ابنه] قال: فقمت إليها فإذا مِثْلُ الظّلة فوقَ رأسي فيها أمثال السُّرُجِ عَرَجت في الجوّ حتى ما أراها قال: فَغَدَا على النبي ﵌ فذكر ذلك له فقال - ﷺ -: \"تلك الملائكة كانت تستمع لك ولو قرأت لأصبحَتْ يراها الناسُ ما تستتر منهم (^٣) \".\n• واللفظ لمسلم فيهما (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في ٦١ - كتاب المناقب: ٢٥ - باب علامات النبوة في الإسلام ٦/ ٦٢٢ ح ٣٦١٤ من رواية محمد بن بشار، عن غندر، عن شعبة، عن أبي إسحاق، سمع البراء بن عازب - ﵁ - يقول: قرأ رجل سورة الكهف وفي الدار الدابة، فجعلت تنفر فسلم، فإذا ضبابة غشيته، فذكره للنبي - ﷺ - فقال: اقرأ فلان فإنها السكينة نزلت للقرآن أو تنزلت للقرآن\".\nوفي: ٦٥ - كتاب التفسير: ٤٨ - سورة الفتح: ٤ - باب ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ ٨/ ٥٨٦ ح ٤٨٣٩ رواية عن عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء - ﵁ - قال: بينما رجل من أصحاب النبي - ﷺ - يقرأ، وفرس له مربوط في الدار، فجعل ينفر، فخرج الرجل فنظر فلم ير شيئًا، وجعل ينفر، فلما أصْبَحَ ذكر ذلك للنبي - ﷺ - فقال: تلك السكينة تنزلت للقرآن.\nوفي: ٦٦ - كتاب فضائل القرآن: ١١ - باب فضل الكهف ٩/ ٥٧ ح ٥٠١١ رواية عن عمرو بن خالد، عن زهير، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف، وإلى جانبه حصان مربوط بشطنين (حبلين) فتغشته سحابة، فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفر، فلما أصبح أتى النبي - ﷺ - فذكر ذلك له، فقال: تلك السكينة تنزلت للقرآن.\nوهذه الرواية مقاربة للرواية التي أوردها ابن رجب.\nوأخرجه مسلم في: ٦ - كتاب صلاة المسافرين وقصرها: ٣٦ باب نزول السكينة لقراءة القرآن ١/ ٥٤٧ - ٥٤٨ ح ٢٤٠ - (٧٩٥) رواية عن يحيى بن يحيى، عن أبي خيثمة، عن أبي إسحاق به بمثل ما أورده ابن رجب إلا أن ابن رجب لم يورد قوله: \"مربوط بشطنين\" فلذلك أثبتناهما بين القوسين.\nوقد أخرجه مسلم عقبه من وجهين آخرين عن البراء.\n(^٢) \"ا\": \"فقال\" وما آثرناه هو الموافق لما في مسلم.\n(^٣) أخرجه البخاري في: ٦٦ - كتاب فضائل القرآن ١٥ - باب نزول السكينة والملائكة عند نزول القرآن ٩/ ٦٣ ح ٥٠١٨ بسياق أتم.\nومسلم في الموضع السابق عقب حديث البراء بسياقه كاملًا. وفيه: \"فغدوت على النبي - ﷺ -\".\n(^٤) مع مراعاة عدم ذكر الشطنين في الحديث الأول واختصار القصة وعدم الالتزام بنص مسلم فيه كله، وإيراد بعضه على الحكاية وانظره في صحيح مسلم في الموضع المذكور.","vol":"3","page":1024},{"text":"• روى ابن المبارك، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن سعد بن مسعود، أن رسول الله ﵌ كان في مجلس، فرفع بصره إلى السماء، ثم طأطأ بصره ثم رفعه، فسئل رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: إن هؤلاء القوم كانوا يذكرون الله تعالى، يعني أهلَ مجلسٍ أمامه؛ فنزلت عليهم السكينة تحملها الملائكة كالقبة، فلما دنت منهم، تكلم رجل منهم بباطل؛ فرفعت عنهم (^١).\nوهذا مرسل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1225>[غشيان الرحمة]:</span>\n• والثاني غشيان الرحمة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٢).\n• وخرج الحاكم من حديث سَلْمان: أنه كان في عِصَابةٍ يذكرون الله تعالى فمر بهم رسولُ الله ﵌ فقال: \"ما كنتُم تقولون؟ \" فإني رأيت الرحمة تنزل عليكم فأردْت أن أشارِكَكُمْ فيها\" (^٣).\n• وخرج البزار من حديث أنس عن النبي ﵌ قال: \"إن لله سيارةً من الملائكة يطلبون حِلَقَ الذكرِ، فإذا أتوا عليهم حفّوا بهم، ثم بعثوا رائدهم إلى السماء إلى ربِّ العزة ﵎ فيقولون: ربَّنا! أتينَا على عِبَادٍ من عبادِكَ يُعظّمُون آلاءكَ، ويتْلُونَ كِتابَك، ويُصَلّون على نبيك - ﷺ - ويسألونَكَ لآخرتهم ودنياهم؟ فيقول الله ﵎: غشّوهُم برحمتي فيقولون: يا رب! (^٤) إن فيهما فلانًا الخطاءَ، إنما اعتنقهم اعتناقًا فيقول ﵎: غشّوهم برحمتي [إنهم الجلساء لا يشقى جليسهم] \" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه عبد الله بن المبارك في الزهد ص ٣٣٠ ح ٩٤٣ بمثل ما أورد ابن رجب. وقد سقط هذا الحديث والتعقيب عليه من \"ا\".\n(^٢) سورة الأعراف: ٥٦.\n(^٣) هنا اختصر ابن رجب هذا الحديث وقد أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ١٢٢ رواية عن أبي العباس: محمد بن يعقوب، عن الخضر بن أبان، عن سيار بن حاتم، عن جعفر بن سليمان، عن ثابت، عن أبي عثمان، عن سلمان الفارسي، قال: كان سلمان في عصابة يذكرون الله فمر بهم رسول الله - ﷺ - فجاءهم قاصدًا حتى دنا منهم فكفوا عن الحديث إعظامًا لرسول الله - ﷺ - فقال ما كنتم تقولون … الحديث.\nوقد صححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\n(^٤) م. \"ربنا\" وما أثبتناه عن الأصول هو الموافق لما في المسند.\n(^٥) أخرجه البزار في مسنده (٤/ ٤ - ٥) من الكشف ح ٣٠٦٢.\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٧٧ وقال: رواه البزار من طريق زائدة بن أبي الرقاد، عن زياد النميري، وكلاهما وثق على ضعفه فعاد هذا إسناده حسن.\nكأنما يريد أن يقول: فعاد هذا على إسناده بالحسن وما بين القوسين ليس في الجامع وهو في الكشف والمجمع؟!.","vol":"3","page":1025},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1226>[والملائكة تحف بهم]:</span>\n• والثالث: أن الملائكة تحف بهم، وهذا مذكور في هذه الأحاديث التي ذكرناها.\n• وفي حديث أبي هريرة المتقدم: (^١) \"فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا\".\n• وفي رواية الإمام أحمد:\n\"عَلَا بعضُهم على بعض حتى يبلغوا العرش (^٢) \".\nوقال خالد بن معدان يرفع الحديث:\n\"إن لله ملائكةً في الهواء يَسيحُون بين السماء والأرض يلتمسون الذِّكْرَ فإذا سَمِعُوا قومًا يَذْكرونَ اللهَ تعالى قالوا: رُوَيدًا زَادَكم الله، فَينْشُرُونَ أجنحتَهم حولهم حتى يصعد كلّ منهم إلى العَرْشِ\".\n• خرجه الخلال في كتاب السنة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1227>[ويذكرهم الله فيمن عنده]:</span>\n• الرابع: أن الله يذكُرُهُمْ فيمَنْ عنده.\nوفي الصحيحين، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: يقول الله - ﷿ -: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حينَ يذْكُرُني، فإن ذكرني في نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملإٍ ذكرتُه في ملإٍ خير منهم\" (^٣).\n_________\n(^١) ص ١٠٢٢.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩ (الحلبي) عن يحيى بن أبي بكر، عن زهير بن محمد عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: إن لله - ﷿ - ملائكة فضلًا يتبعون مجالس الذكر، يجتمعون عند الذكر فإذا مروا بمجلس علا بعضهم على بعض حتى يبلغوا العرش، فيقول الله - ﷿ - لهم وهو أعلم - \"من أين جئتم؟ فيقولون: من عند عبيدك، يسألونك الجنة، ويتعوذون بك من النار، ويستغفرونك. فيقول: يسألوني جنتي؟ هل رأوها؟ فكيف لو رأوها؟ ويتعوذون من نار جهنم؟ فكيف لو رأوها؟ فإني قد غفرت لهم، فيقولون: ربنا إن فيهم عبدك الخطاء فلانًا مر بهم - لحاجة له - فجلس إليهم، فقال الله - ﷿ -: أولئك الجلساء لا يشقى بهم جليسهم\".\nوالملائكة الفضل بضم الفاء وسكون الضاد: هم الملائكة الزائدون عن الملائكة المرتبين مع الخلق وقد روي بسكون الضاد وضمها، والسكون أكثر وأصوب، وهما مصدر بمعنى الفضلة والزيادة (النهاية ٣/ ٤٥٥). وأصل الحديث في الصحيح كما سبق.\n(^٣) أخرجه البخاري في: ٩٧ - كتاب التوحيد: ١٥ - باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ ١٣/ ٣٨٤ ح ٧٤٠٥ من رواية عمر بن حفص، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: يقول الله تعالى: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في =","vol":"3","page":1026},{"text":"• وهذه الخصال الأربع لكل مجتمِعينَ على ذكر الله تعالى.\n• كما في صحيح مسلم، عن أبي هريرة، وأبي سعيد؛ كلاهما: عن النبي ﵌ قال: إن لأهل ذِكرِ الله تعالى أربعًا تنزل عليهم السكينة، وتغشاهم الرحمة، وتحف بهم الملائكة، ويذكرهم الرب فيمن عنده (^١) وقد قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (^٢) وذكر الله تعالى لعبده، هو ثناؤه عليه في الملأ الأعلى بين ملائكته، ومباهاته به، وتنويهُه بذكره.\n• قال الربيعُ بنُ أنس: إن الله ذَاكِرٌ مَنْ ذكره، وزائدٌ من شكره ومعذبٌ من كفره.\n• قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (^٣).\nوصلاةُ الله على عبده هي: ثناؤه عليه بين ملائكته، وتنويهُهُ بذكره؛ كذا قال أبو العالية.\nذكره البخاري في صحيحه (^٤).\n_________\n= نفسه، ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة).\nوفي: ٣٥ - باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ ١٣/ ٤٦٤ ح ٧٥٠٥ من رواية أبي اليمان عن شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مقتصرًا على الجملة الأولى.\nوفي: ٥٠ - باب ذكر النبي - ﷺ - وروايته عن ربه ١٣/ ٥١٢ ح ٧٥٣٧ من رواية مسدد، عن يحيى، عن التيمي، عن أنس، عن أبي هريرة، مقتصرًا على شطره الأخير.\nوأخرجه مسلم في: ٤٩ - كتاب التوبة: ١ - باب في الحض على التوبة والفرح بها ٤/ ٢١٠٢ ح ١ - (٢٦٧٥) رواية عن سويد بن سعيد، عن حفص بن ميسرة، عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح به فذكره وفيه: \"وأنا معه حيث يذكرني، والله! لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في الفلاة، ومن تقرب .. وإذا أقبل إليّ يمشي أقبلت إليه أهرول\".\n(^١) الذي في صحيح مسلم: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ٤/ ٢٠٧٤ ح ٣٩ - (٢٧٠٠) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على النبي - ﷺ -، أنه قال:\n\"لا يقعد قوم يذكرون الله - ﷿ - إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده\".\n(^٢) سورة البقرة: من الآية: ١٥٢ وانظر في تفسيرها المذكور الدر المنثور ١/ ١٤٩.\n(^٣) سورة الأحزاب: ٤١ - ٤٣ وانظر الدر المنثور ٥/ ٢٠٦ وما أورده عن ابن أبي حاتم.\n(^٤) صحيح البخاري: ٦٥ - كتاب التفسير: ١٠ - باب ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ٨/ ٥٣٢ وفيه يقول أبو العالية: صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة، وصلاة الملائكة: الدعاء.","vol":"3","page":1027},{"text":"وقال رجل لأبي أمامة: رأيتُ في المنام كَأَنَّ الملائكة تصلي عليكَ كلما دخلت، وكلما خرجت، وكلما قمت، وكلما جلستَ؟ فقال أبو أمامة: وأنتم لو شئتم صَلَّتْ عليكمُ الملائكة ثم قرأ - ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (^١).\nخرجه الحاكم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1228>[ومن أبطأ به عمله]:</span>\n• قوله ﵌: \"ومَنْ بطَّأَ به عَمَلُه لم يُسْرِعْ به نَسَبُه\".\nمعناه: أن العملَ هو الذي يبلغ بالعبد درجاتِ الآخرة كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ (^٢) فمن أبطأ به عَمَلُه أن يبلغَ به المنازِلَ العاليةَ عند الله لم يُشرِع به نَسَبُهُ؛ فيُبلِغَه تلك الدرجاتِ، فإنَّ الله تعالى رتّبَ الجَزَاءَ على الأعمال، لا على الأنساب كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ (^٣).\n• وقد أمر الله تعالى بالمسَارَعَةِ إلى مَغْفِرتِهِ ورحمتِه بالأعمال كما قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٤).\n• وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ (^٥).\n• قال ابن مسعود: يأمُر الله بالصراط، فيُضْرَبُ على جهنم، فيمر الناسُ على قدر أعمالهم، زُمَرًا زُمَرًا أوئلهم كلمح البرق، ثم كمر الريح، ثم كمر المطر، ثم كمر البهائم، حتى يمر الرجل سعيًا، وحتى يمر الرجل مشيًا (^٦) حتى يمر آخرهم يَتَلبّطُ على بطنه، فيقول:\n_________\n(^١) الآيات السابقة من سورة الأحزاب.\nوالحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤١٨ وفيه: قال أبو أمامة: \"اللهم غفرا دعونا عنكم وأنتم لو شئتم .. \" وقد صححه على شرط مسلم وأقره الذهبي.\n(^٢) سورة الأحقاف: من الآية ١٩.\n(^٣) سورة المؤمنون: ١٠١.\n(^٤) سورة آل عمران: ١٣٣ - ١٣٤.\n(^٥) سورة المؤمنون: ٥٧ - ٦١.\n(^٦) م: \"مشيها\" وفيه تحريف واضح.","vol":"3","page":1028},{"text":"يا رب! لم بَطَّأتَ (^١) بي؟ فيقول: \"إني لم أبطئ بك؛ إنما بطَّأ لك عملُك\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1229>[فاشتروا أنفسكم بالإيمان والعمل]:</span>\n• وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵌ حين أنزل عليه: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (^٢) يا معشر قريش! اشْتَرُوا أنفُسَكم من الله لا أُغْنِي عَنْكُم مِنَ اللهِ شيْئًا، يا بني عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئًا، يا صفية (^٣) عمة النبي ﵌! لا أغني عنك من الله شيئًا، يا فاطمة بنت محمد! سليني ما شئت؛ لا أغني عنك من الله شيئًا (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1230>[إن أوليائي منكم المتقون]:</span>\n• وفي رواية خارج الصحيحين.\nإن أوليائي منكم المتّقون، لا يأتي (^٥) الناس بالأعمال، وتأتوني بالدنيا تحملونها على رقابكم، فتقولون يا محمد! فأقول: قَدْ بَلَّغت\".\n• وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: إن أوليائي المتقون يومَ القيامة وإن كان نسبٌ أقربَ من نسب، يأتى النَّاسُ بالأعمال وتأتُوني بالدُّنيا تحملونها على رقابِكم، تقولون: يا محمد! يا محمد! فأقول هكذا وهكذا وأعرض في كِلَا عِطْفيْهِ (^٦).\n_________\n(^١) م: \"أبطأت\".\n(^٢) سورة الشعراء: ٢١٤.\n(^٣) \"ا\": حفصة وهو سبق قلم.\n(^٤) حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في: ٥٥ - كتاب الوصايا: ١١ - باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب؟ ٥/ ٣٨٢ ح ٢٧٥٣ من رواية أبي اليمان عن شعيب؛ عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بنحوه. وفي: ٦١ - كتاب المناقب: ١٣ - باب من انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية ٦/ ٥٥١ ح ٣٥٢٦ رواية عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة بنحوه.\nوفي: ٦٥ - كتاب التفسير: ٢ - باب وأنذر عشيرتك الأقربين ٨/ ٥٠١ ح ٤٧٧١ من طريق أبي اليمان، عن شعيب - به - بنحوه.\nوأخرجه مسلم في: ١ - كتاب الإيمان: ٨٩ - باب قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ١/ ١٩٢ - ١٩٣ من وجوه عن أبي هريرة، بنحوه.\nوما أورده ابن رجب مقارب للرواية الثالثة عند مسلم والأولى عند البخاري وليست بنصها في أي منهما.\n(^٥) م: \"يأتي\".\n(^٦) الحديث في السنة لابن أبي عاصم ١/ ٩٣ - ٩٤ و٢/ ٤٧٢ بإسناد حسن.","vol":"3","page":1029},{"text":"• وخَرَّجَ البزارُ من حديثِ رفاعةَ بنِ رافع: أن النبيَّ ﵌ قال لعمر: اجْمَعْ لي قومَك، يعني قريشًا، فجمعهم فقال: إن أوليائي منكُم المتَّقُونَ، فإن كنتُم أولئك فذلك، وإلا فانظروا لا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة وتأتوني بالأثقال فيُعَرضَ عنكم (^١) \".\n• وخرجه الحاكم مختصرًا وصححه (^٢).\n• وفي المسند، عن معاذ بن جبل، أن النبي ﵌ لما بعثه إلى اليمن خرج معه يُوصِيهِ، ثم التفت، فأقبل بوجهه إلى المدينة فقال: إن أولى الناس بِيَ المتقون من كانوا وحيث كانوا (^٣).\n_________\n(^١) م: أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٦ من حديث رفاعة بن رافع أن رسول الله - ﷺ - قال لعمر: اجمع لي قومك، فجمعهم عمر عند بيت رسول الله - ﷺ - ثم دخل عليه فقال: يا رسول الله! أدخلهم عليك أو تخرج إليهم؟ قال: بل أخرج إليهم، قال: فأتاهم فقال: هل فيكم أحد من غيركم؟ قالوا: نعم. فينا حلفاؤنا وفينا بنو إخواننا وفينا موالينا فقال: حلفاؤنا منا، وبنو إخواننا منا، وموالينا منا، وأنتم ألا تسمعون؟ ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ فإن كنتم أولئك فذاك وإلا فانظروا لا يأتي الناس بالأعمال يوم القيامة، وتأتون بالأثقال فنعرض عنكم، ثم رفع يديه، فقال: \"يا أيها الناس! إن قريشًا أهل أمانة فمن بغاهم العواثر أكبه الله بمنخريه، قالها ثلاثًا\".\nثم قال الهيثمي: رواه البزار واللفظ له، وأحمد باختصار، وقال: كبه الله في النار لوجهه، والطبراني بنحو البزار، وقال في رواية: إن رسول الله - ﷺ - دخل عليه عمر، فقال: قد جمعت لك قومي، فسمع بذلك الأنصار، فقالوا: قد نزل في قريش الوحي، فجاء المستمع والناظر ما يقول لهم، فخرج رسول الله - ﷺ - فقام بين أظهرهم، فذكر نحو البزار بأسانيد ورجال أحمد والبزار وإسناد الطبراني ثقات.\nوأورده في الدر المنثور ٣/ ١٨٣ وزاد نسبته إلى البخاري في الأدب المفرد، والحاكم في المستدرك كما سيأتي.\nوعنده: \"فإن كنتم أولئك فذلك\".\nوفي ب: \"فذاك\".\n(^٢) وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٣٢٨ مختصرًا وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٣٥ (الحلبي) أتم من هذا من رواية أبي المغيرة، عن صفوان، عن راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد عن معاذ بن جبل قال: لما بعثه رسول الله - ﷺ - إلى اليمن خرج معه رسول الله - ﷺ - يوصيه ومعاذ راكبًا ورسول الله - ﷺ - يمشي تحت راحلته، فلما فرغ قال: يا معاذ! إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، أو لعلك أن تمر بمسجدي هذا أو قبري، فبكى معاذ جشعًا لفراق رسول الله - ﷺ - ثم التفت فأقبل بوجهه نحو المدينة فقال: فذكره بمثله.\nوأخرجه عقيبه من وجه آخر عن الحكم بن نافع عن أبي اليمان، عن صفوان بن عمر وعن راشد بن سعد، عن عاصم بن حميد السكوني بنحوه وفيه: لا تبك يا معاذ! للبكاء أو إن البكاء من الشيطان.\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ٩/ ٢٢ من حديث معاذ، وقال: روأه أحمد بإسنادين وقال في أحدهما: عن عاصم بن حميد أن معاذًا قال: وفيها قال: لا تبك يا معاذ إلخ. ورجال الإسنادين رجال الصحيح غير راشد بن سعد وعاصم بن حميد، وهما ثقتان.","vol":"3","page":1030},{"text":"• وخرجه الطبراني وزاد فيه: \"إن أهلَ بيتي هؤلاء يَرون أنهم أولى الناس بي وليس كذلك إنَّ أوليائي منكم المتقون مَنْ كانوا وحَيْثُ كانوا\" (^١).\nويشهد لهذا كله ما في الصحيحين، عن عمرو بن العاص أنه سمع النبي ﵌ يقول: إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء؛ وإنما وليي الله وصالح المؤمنين (^٢).\nيشير إلى أن ولايته لا تُنال بالنسب وإن قَرُبَ، وإنما تُنَالُ بالإيمان والعمل الصالح، فمن كان أكملَ إيمانًا وعملًا؛ فهو أعظم ولايةً له، سواء كان له نسب قريب أو لم يكن.\nوفي هذا المعنى يقول بعضهم:\nلعمرك ما الإنسانُ إلا بدينِه … فلا تَتْرُكِ التَّقْوى اتكالًا على النّسَبْ\nلقد رفع الإسلام سلمان فارسٍ … وقد وضع الشركُ الشَّقِيَّ (^٣) أبا لهبْ\n* * *\n_________\n(^١) أورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٣١ - ٢٣٢ وزاد في آخره: \"اللهم إني لا أحل لهم فساد ما أصلحت، وايم الله! لتكفأ أمتي عن دينها كما يكفأ الإناء في البطحاء\" وعقب عليه بقوله: رواه الطبراني وإسناده جيد.\n(^٢) أخرجه البخاري في: ٧٨ - كتاب الأدب: ١٤ - باب تُبَلُّ الرحم ببلالها ١٠/ ٤١٩ ح ٥٩٩٠ من رواية إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، أن عمرو بن العاص قال: سمعت النبي - ﷺ - جهارًا غير سر يقول: إن آل أبي فلان … الحديث.\nوأخرجه مسلم في: ١ - كتاب الإيمان: ٩٣ - باب موالاة المؤمنين ومقاطعة غيرهم والبراءة منهم ١/ ١٩٧ ح ٣٦٦ - (٢١٥) من رواية - إسماعيل أيضًا وأوله: ألا إن آل أبي (يعني فلانًا) ليسوا لي بأولياء الحديث فذكره بمثله.\n(^٣) م: \"النسيب\".","vol":"3","page":1031},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1231>الحديث السابع والثلاثون</span>\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِيما يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ ﵎، قالَ:\nإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الحَسَنَاتِ وَالسَّيئاتِ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بحَسَنَةٍ فَلَمْ يعْمَلْها كتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، وَإِن هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَها اللَّهُ - ﷿ - عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ، إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، إِلى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَها اللَّهُ عِنْدَه حَسنَةً كامِلَةً، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَها اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَة.\nرَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ [في صَحِيْحَيْهِمَا بِهَذِهِ الحُرُوف.\nفَانْظُرْ يَا أَخِي وَفَّقَنَا الله وَإِيَّاكَ إِلَى عَظِيمِ لُطْفِ اللَّهِ تعَالَى وَتَأَمَّلْ هذِهِ الألْفَاظَ.\nوَقَوْله: \"عِنْدَهُ\" إِشَارَةٌ إِلَى الاعْتِنَاءِ بِهَا.\nوَقوْلُهُ: \"كامِلَةً\" للِتَّأْكِيدِ وَشِدَّةِ الاعْتِنَاءِ بهَا.\nوَقالَ في السَّيِّئَةِ الَّتِي هَمَّ بِهَا ثم تَركَهَا كَتَبَها الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كامِلَةً، فَأَكدهَا بِكامِلَةٍ وَإِنْ عَمِلَهَا كَتَبَهَا سَيِّئَةً وَاحِدَةً فَأَكَّدَ تَقْلِيلَهَا بِوَاحِدَةٍ، وَلَمْ يُؤَكِّدْهَا بِكَامِلَةٍ، فَللَّهِ الحَمْدُ وَالمِنَّةُ، سُبْحَانَهُ لَا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ، وبَاللَّهِ التَّوْفِيقُ].\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1232>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث خرجاه من رواية الجعد أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء العطاردي، عن ابن عباس (^١) وفي رواية لمسلم (^٢) زيادة في آخر الحديث وهي - \"ومحاها الله، ولا يهلكُ على الله إلا هَالكٌ\".\nوفي هذا المعنى أحاديث متعددة.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ٨١ - كتاب الرقاق: ٣١ - باب من هم بحسنة أو بسيئة ١١/ ٣٢٣ ح ٦٤٩١ من رواية الجعد، وعنده: \"فيما يروى عن ربه - ﷿ - قال: قال الله … كتبها الله له عنده .. (في الموضعين) … ومن هم … كتبها الله له عنده … فإن هو … \".\nوأخرجه مسلم في: ١ - كتاب الإيمان: باب إذا هم العبد بحسنه كتبت وإذا هم بسيئة لم تكتب ١/ ح ٢٠٧ - (١٣١) واللفظ له. وما بين المعكوفين ليس في \"ا\"، ولا ب وهو في م كلام النووي كما في الأربعين وشرحها لابن دقيق العيد ح ٣٧ ص ١١٣ - ١١٤.\n(^٢) عقب الرواية المذكورة وفي \"ا\"، ب، م: \"أو محاها\" والتصويب من مسلم.","vol":"3","page":1033},{"text":"• فخرجا في الصحيحين من حديث أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: يقول الله: \"إذا أرادَ عَبْدِي أن يعملَ سيئةً فلا تكتُبُوهَا عليه حتى يعملها، فإن عَملَها؛ فاكْتُبُوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإن أراد أن يعملَ حَسَنةً فلم يَعْمَلْهَا؛ فَاكْتُبُوها له حَسَنة فإن عملها؛ فاكْتُبُوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف\".\nوهذا لفظ البخاري (^١).\n• وفي رواية لمسلم: قال الله تعالى: \"إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة، فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها، فأنا أكتبها له بمثلها\".\n• وقال رسول الله ﵌: قالت الملائكة: رب! ذاك عبدك يريد أن يعملَ سيئةً وهو أبْصَرُ به قال: ارقبُوه، فإن عَمِلَها؛ فاكتبُوها له بمثلها، وإنْ تركَها فاكتبوها له حسنة، إنما تركَها من جرّائي.\n• وقال رسول الله ﵌: إذا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إسْلَامَهُ؛ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلها تُكْتبُ له بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وكُلُّ سيئةٍ يعملُها تُكْتَبُ بمثلها حتى يلقى الله تعالى (^٢).\n• وفي الصحيحين عن أبي هريرة (^٣)، عن النبي ﵌ قال:\n_________\n(^١) الذي في البخاري في: ٩٧ - كتاب التوحيد: ٣٥ - باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ ١٣/ ٤٦٥ ح ٧٥٠١ من رواية قتيبة بن سعيد، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: يقول الله (﷿): إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة، وإذا أراد أن يعمل حسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة، فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها إلى سبعمائة\".\nوبين النصين تفاوت كما ترى.\nوهذا هو الموضع الوحيد الذي أخرج البخاري فيه هذا الحديث من رواية أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه مسلم في صحيحه: ١ - كتاب الإيمان: ٥٩ - باب إذا هم العبد بحسنة كتبت إلخ ١/ ١١٧ - ١١٨ ح ٢٠٥ - (١٢٩) بمثله. وقوله: \"من جرائي\" روي كذلك وروي مقصورًا: من جراي\".\n(^٣) البخاري في: ٣٠ - كتاب الصوم: ٢ - باب فضل الصوم ٤/ ١٠٣ ح ١٨٩٤ مختصرًا من رواية القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة.\nوفي: ٩ - باب هل يقول إني صائم إذا شتم؟ ٤/ ١١٨ ح ١٩٠٤ من رواية عطاء، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وفيه: إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب إلخ وانظر أطرافه في ٥٩٢٧، ٧٤٩٢، ٧٥٣٨.\nوأخرجه مسلم في: ١٣ - كتاب الصوم: ٣٠ - باب فضل الصيام ٢/ ٨٠٧ ح ١٦٤ - من رواية الأعمش، عن أبي =","vol":"3","page":1034},{"text":"\"كل عمل ابن آدم يضاعَف: الحَسَنَةَ عَشْرُ أمثالِها إلى سبعمائة ضعف، قال الله تعالى: إلا الصيامَ، فإنه لي وأنا أجزي به يدع شهوتَهُ وطَعَامَهُ وشَرَابَهُ مِنْ أجْلي\".\nوفي رواية لمسلم بعد قوله إلى سبعمائة ضعف: \"إلى ما يشاء الله\" (^١).\nوفي صحيح مسلم عن أبي ذر، عن النبي ﵌ قال: \"يقول الله - ﷿ -: \"من عمل حسنة فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن عمل سيئة فجزاؤها مثلها أو أغفر (^٢) \".\n• وفيه أيضًا عن أنس، عن النبي ﵌ قال: \"مَنْ هَمّ بحسنة فلم يَعْمَلْهَا كُتِبَت له حَسَنة فإِن عَمِلَهَا كُتِبَتْ له عَشْرًا ومَنْ هَمَّ بسيئة فَلَم يَعْمَلْها لم يُكْتَبْ عليه شَيءٌ؛ فإن عَمِلَهَا كُتِبتْ عليه سيئةٌ واحِدةٌ (^٣).\n• وفي المسندِ عن خريم بن فاتك، عن النبي ﵌: قال \" [و] (^٤) من هم بحسنة فلم يعملها فعلم الله أنه قد أشعَرَهَا قلْبَه وحَرَصَ عليها كتبت له حسنة ومن هم بسيئة لم تكتب عليه ومَنْ عَمِلَهَا كُتِبَت له واحدة، ولم تضاعَفْ عليه، ومن عمل حسنة كانت (^٥) له بعشر أمثالها، ومن أنفق نفقةً في سبيل الله كانت له بسبعمائة\n_________\n= صالح، عن أبي هريرة بمثله. وزاد: \"للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فيه أطيب عند الله من ريح المسك\".\nوانظره في أحاديث ١٦٠ - (١١٥١) - ١٦٥ - (. . .).\n(^١) أشار إليها ابن حجر في الفتح ١١/ ٣٢٦ وفي ظ: \"وفي رواية بعد قوله. . .\".\n(^٢) الذي في صحيح مسلم في: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة: ٦ - باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله تعالى ٤/ ٢٠٦٨ ح ٢٢ - (٢٦٨٧) من رواية الأعمش عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: يقول الله - ﷿ -: \"من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها أو أزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها أو أغفر ومن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب خطيئة لا يشرك بي شيئًا لقيته بمثلها مغفرة\".\nوأورده برواية أخرى فيها \"أو أزيد\". بكسر الزاي وتفاوت ما بين النصين واضح في الجزء الذي أورده ابن رجب.\n(^٣) رواه مسلم في صحيحه: ١ - كتاب الإيمان: ٧٤ - باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات وفرض الصلوات ١/ ١٤٥ - ١٤٧ ح ٥٢٩ - (١٦٢) بسياقه مطولا والذي استشهد به ابن رجب هو جزؤه الأخير وله شاهد رواه مسلم في صحيحه أيضًا في: ١ - كتاب الإيمان: باب إذا همَّ العبد بحسنة كتبت، وإذا همَّ بسيئة لم تكتب ١/ ١١٨ ح ٢٠٦ - (١٣٠) لكن من رواية أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له عشرًا إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبت\".\n(^٤) هكذا هي في المسند؛ حيث إنها جزء حديث.\n(^٥) م: \"كتبت\" وما أثبتناه عن الأصول هو الموافق لما في المسند.","vol":"3","page":1035},{"text":"ضعْفٍ (^١) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-1233>[ماذا تضمنت هذه النصوص؟]:</span>\nوفي المعنى أحاديث أخر متعددة فتضمنت هذه النصوص كتابة الحسنات والسيئاتِ والهمِّ بالحسنةِ والسيئةِ فهذه أربعَة أنواع:\n\n<span data-type='title' id=toc-1234>[الأول مما تضمنته: مضاعفة الحسنات]:</span>\n• النوعُ الأوّل: عَمَلُ الحسنات فتضاعَفُ الحسنة بعشْرِ أَمثالها إلى سبعمِائة ضعف إلى أضعافٍ كثيرة.\nفمضاعفة الحسنة بعشر أمثالها لازم لكل الحسنات، وقد دل عليه قوله تعالى - ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (^٢).\nوأما زيادة المضاعفة على العشر لمن شاء الله أن يضاعف له فدل عليه قوله تعالى:\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٢١ - ٣٢٢ من رواية الركين بن الربيع عن رجل عن خُرَيِّم ٣٤٥٠ (الحلبي) من رواية عبد الرحمن بن مهدي، عن شيبان بن عبد الرحمن، عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن عمه فلان بن عميلة، عن خريم بن فاتك الأسدي أن النبي - ﷺ - قال: الناس أربعة، والأعمال ستة، فالناس موسع عليه في الدنيا والآخرة، وموسع له في الدنيا مقتور عليه في الآخرة، ومقتور عليه في الدنيا موسع عليه في الآخرة وشقي في الدنيا والآخرة، والأعمال: موجبتان ومثل بمثل، وعشرة أضعاف، وسبعمائة ضعف، فالموجبتان من مات مسلمًا مؤمنًا لا يشرك بالله شيئًا فوجبت له الجنة، ومن مات كافرًا وجبت له النار ومن هم بحسنة … الحديث، بمثل ما أورده ابن رجب؛ فهو جزء حديث.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٨٧ من طريق معاوية بن عمرو، عن سلمة بن جعفر، عن الركين بن الربيع به وسكت عنه، وأعله الذهبي فقال: رواه معاوية بن عمرو الأزدي، ومسلمة: تعبت عليه فلم أعرفه. ورواه الطبراني في الكبير ٤/ ٢٠٥ - ٢٠٦ من وجوه عديدة.\nوأورده ابن الجوزي في العلل المتناهية ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣ وأعله بالركين وقال: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ - والمتهم به: الركين، قال جرير: لم يكن ممن يؤخذ عنه الحديث، كان عريفًا وكان مغفلًا.\nورده المحقق فقال: هذا من أوهام ابن الجوزي - ﵀ - فإن الذي قاله جرير كان مغفلًا فهو ركين بن عبد الأعلى كما في الميزان واللسان، وأما هذا فهو ركين بن الربيع الفزاري، من رجال السنن، ثقة من الرابعة، كما في التقريب.\nوأورده الهيثمي في المجمع ١/ ٢١ وقال: روى الترمذي والنسائي منه ذكر النفقة في سبيل الله، رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد رجال الصحيح إلا أنه قال عن الركين بن الربيع، عن رجل، عن خريم، وقال الطبراني: عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن عمه يسير بن عميلة اهـ.\nوأحمد لم يقتصر على هذه الرواية، وإنما رواه كما علمت عن الركين بن الربيع، عن أبيه، عن عمه، وقال فلان بن عميلة.\n(^٢) سورة الأنعام: ١٦٠.","vol":"3","page":1036},{"text":"﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^١) فدلت هذه الآية على أن النفقة في سبيل الله تضاعف بسبعمائة ضعف.\n• وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: جاء رَجُلٌ بناقةٍ مَخْطُومَةٍ فقال: يا رسول الله! هذه في سبيل الله. فقال: \"لك بها يومَ القيامة سَبْعُمَائةِ ناقة\" (^٢).\n• وفي المسند بإسناد فيه نظر عن أبي عُبيدة بنِ الجرَّاح - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"مَنْ أنفَقَ نفقَةً فاضلة في سبيل الله فَبسبعِمائةٍ، ومَنْ أنْفَقَ عَلَى نفسِه وأَهْلِه (^٣) أو عاد مريضًا أو ماز (^٤) أذى، فالحسنة بعشر أمثالها (^٥) \".\n_________\n(^١) سورة البقرة: ٢٦١.\n(^٢) أخرجه مسلم في: ٣٣ - كتاب الإمارة: ٣٧ - باب فضل الصدقة في سبيل الله وتضعيفها ٣/ ١٥٠٥ ح ١٣٢ - (١٨٩٢) وفيه: فقال: هذه في سبيل الله. فقال رسول الله - ﷺ - فذكره وزاد. \"كلها مخطومة\".\n(^٣) م: \"أهله وعياله\" وفيها زيادة ليست في الأصول ولا في المسند.\n(^٤) م: \"أماط\" وما أثبتناه هو الموافق لما في الأصول والمسند.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ١/ ١٩٥ (حلبي) من رواية زياد بن الربيع عن واصل مولى أبي عيينة، عن بشار بن أبي سيف عن عياض بن غطيف، قال: دخلنا على أبي عبيدة بن الجراح نعوده من شكوى أصابه وامرأته تحيفه قاعدة عند رأسه قلت: كيف بات أبو عبيدة؟ قالت: والله! لقد بات بأجر. فقال أبو عبيدة: ما بت بأجر وكان مقبلًا بوجهه على الحائط، فأقبل على القوم بوجهه، فقال: ألا تسألونني عما قلت؟ قالوا: ما أعجبنا ما قلت فنسألك عنه، قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: من أنفق نفقة في سبيل الله … الحديث وزاد: والصوم جنة ما لم يخرقها ومن ابتلاه الله ببلاء في جسده فهو له حطة\".\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٣٠٠ وقال: رواه أحمد وأبو يعلي والبزار وفيه يسار بن أبي سيف ولم أر من وثقه ولا جرحه وبقية رجاله ثقات. وعنده: \"وامرأته نحيفة\".\nولكن رواه أحمد في المسند ١/ ١٩٦ (الحلبي) من طريق آخر عن أبي عبيدة ليس فيه يسار بن أبي سيف، حيث رواه في هذا الموضع من رواية واصل عن الوليد بن عبد الرحمن عن عياض بن غطيف قال: دخلنا على أبي عبيدة نعوده قال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من أنفق. . .\" الحديث.\nفقد تابع الوليد بن عبد الرحمن يسار بن أبي سيف ولم ينفرد يسار بروايته؛ مشاهير علماء الأمصار ص ١٨٤ ت ١٤٦٢.\nوالوليد بن عبد الرحمن هو الجرشي الحمصي الزجاج كان على خراج الغوطة أيام هشام.\nروى عن ابن عمر وأبي هروة وأبي أمامة، وجبير بن نفير والحارث بن أوس الثقفي، وعياض بن غطيف وغيرهم.\nروى عنه يعلى بن عطاء، وإبراهيم بن أبي عبلة، وداود بن أبي هند، وبشار بن أبي سيف وغيرهم.\nوهو أحد ثقات أتباع التابعين بالشام كما قال ابن حبان وأبو حاتم ومحمد بن عون.\nوقال أبو زرعة الدمشقي: هو في الطبقة الثالثة، قديم جيد الحديث.\nراجع ترجمته في التاريخ الكبير للبخاري (٤/ ٢/ ١٤٧ - ١٤٨) ومشاهير علماء الأمصار لابن حبان ص ١٨٤ ت ١٤٦٢ وتهذيب التهذيب ١١/ ١٤٠.\nفإسناد الحديث من الطريق الثاني صحيح.","vol":"3","page":1037},{"text":"• وخَرَّجَ أبو داود من حديث سَهْل بنِ مُعَاذ، عن النبي ﵌ قال: \"إن الصَّلَاةَ والصِّيَامَ والذّكْرَ يُضَاعفُ على النفقة في سبيل الله بسبعمائة (^١) ضعف\".\n• وروى ابن أبي حاتم بإسناده (^٢) عن الحسن، عن عِمْرَانَ بن حُصَين (^٣) عن النبي ﵌ قال: \"من أرسل نفقةً في سبيل الله، وأقام في بيته، فله بكل درهم سبعُمائة درهم، ومَنْ غزا بنفسه في سبيل الله، فله بكل دِرْهَم سَبعُمِائة ألف درهم\" ثم تلا هذه الآية - ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٤).\n• وخرج ابن حبان في صحيحه من حديث عيسى بن المسيب، عن نافع، عن ابن عمر قال: \"لما نزلت هذه الآية - ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾: قال رسول الله ﵌: \"ربِّ! زِدْ أُمّتي\" فأنزلَ الله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ فقال: رب! زد أمتي، فأنزل الله تعالى - ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٥).\n• وخرّج الإمامُ أحمد من حديث علي بن زيد بن جُدْعَانَ، عن أبي عثمان النّهديِّ، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: \"إنَّ الله ليُضاعِفُ الحسنةَ أَلفي أَلْفِ حَسَنَةً\".\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في: ٩ - كتاب الجهاد: ١٤ - باب تضعيف الذكر في سبيل الله تعالى ٣/ ١٩ رواية عن أحمد بن عمرو بن السرح، عن ابن وهب، عن يحيى بن أيوب وسعيد بن أبي أيوب، عن زبان بن قائد، عن سهل بن معاذ، عن أبيه فذكره بمثله.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٧٨ رواية عن محمد بن يعقوب، عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن ابن وهب - به - بمثله وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\nوقد أورده ابن كثير في التفسير ١/ ٣١٧.\n(^٢) م: \"بسنده\".\n(^٣) م: \"الحصين\".\n(^٤) أخرجه ابن كثير في التفسير في الموضع السابق عن ابن أبي حاتم، عن أبيه، عن هارون بن عبد الله، عن ابن أبي فديك، عن الخليل بن عبد الله، عن الحسن، عن عمران بن حصين فذكره بنحوه، ثم قال: وهذا حديث غريب.\nوالآية: ٢٦١ من سورة البقرة.\n(^٥) أخرجه ابن حبان في صحيحه ٧/ ٨٠ من الإحسان وأورده ابن كثير في التفسير في الموضع المذكور وزاد نسبته إلى ابن مردويه وابن أبي حاتم.\nوالآيات ٢٦١، ٢٤٥ من سورة البقرة، ١٠ من سورة الزمر.","vol":"3","page":1038},{"text":"• ثم تلا أبو هريرة - ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^١).\n• وقال: \"إذا قال الله أَجْرًا عظيمًا؛ فمن يقدُرُه قَدْرَه؟ \".\n• وروي عن أبي هريرة موقوفًا.\n• وخرج الترمذي من حديث ابن عمر (^٢) مرفوعًا (^٣) مَنْ دَخَل السُّوقَ فقال: لا إله إلا الله وحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت [وهو حي لا يموت] بيده الخَيْرُ وهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قدير كتَب الله له أَلْفَ ألفِ حسنَةً، ومَحَا عَنْهُ ألفَ ألفِ سيئة ورَفَعَ له ألفَ ألفِ درجة (^٤).\n• ومن حَدِيثِ تَمِيم الدَّاريِّ مرفوعًا: \"من (^٥) قال: أشهد أن لا إلا الله وحده لا شريك له إلهًا واحدًا أحدًا صمدًا لم يتّخِذْ صاحِبة ولا ولدًا، ولم يكن له كُفُوًا أَحَدٌ عَشْرَ مَرَّاتٍ كتبَ الله له أربعين ألفَ ألفِ حسَنَةً\".\nوفي كلا الإسنادين ضعف.\n• وخرج الطبراني بإسناد ضعيف أيضًا، عن ابن عمر مرفوعًا.\n\"مَنْ قال: سُبْحانَ الله! كَتَبَ الله له مائة ألفِ حَسَنة وأربعة وعشرين ألف حسنة\" (^٦).\n• وقوله في حديث أبي هريرة: \"إلا الصيامَ؛ فإنه لي وأنا أجزي به\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٩٦ (الحلبي) من طريق يزيد بن هارون، عن مبارك بن فضالة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان النهدي قال: أتيت أبا هريرة فقلت له: بلغني أنك تقول: إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة؟ قال: وما أعجبك من ذلك؟ فوالله لقد سمعت يعني النبي - ﷺ - يقول: إن الله ليضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة\".\nوأورده السيوطي في الدر المنثور ٢/ ١٦٣ عن ابن جرير وليس فيهما الزيادة المذكورة.\nوإسناد الحديث صحيح على ما ذكر محققه الشيخ أحمد شاكر ١٥/ ٩٠ - ٩١ (المعارف) ح ٧٩٣٢.\n(^٢) م: \"موقوفًا\" وهو خطأ.\n(^٣) ليست في \"ا\"، ولا في ب وهي في م والترمذي.\n(^٤) أخرجه الترمذي في السنن: ٤٩ - كتاب الدعوات: ٣٦ - باب ما يقول إذا دخل السوق ٥/ ٤٩١ ح ٣٤٢٨ وعقب عليه بقوله: هذا حديث غريب، وقد رواه عمرو بن دينار، وهو قهرمان آل الزبير عن سالم بن عبد الله هذا الحديث نحوه، وساقه عقبه.\n(^٥) ليست في ب والحديث رواه الترمذي (٣٤٦٩) وقال حديث غريب.\n(^٦) الذي أورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣٥٧ من حديث ابن عمر ضمن سياق طويل. \"ومن قال سبحان الله كتب الله له مائة حسنة\" لهذا النص فقط ثم قال: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه أيوب بن عتبة وهو ضعيف، وفيه توثيق لين.\n(^٧) مضى ص: ١٠٣٥.","vol":"3","page":1039},{"text":"يدل على أن الصِّيَامَ لا يعلم قدر مضاعفة ثوابه؛ إلا الله تعالى؛ لأنه أفضل أنواع الصبر، وإنما يوفى الصابرون أجْرَهُمْ بغَيْرِ حِسَابٍ.\n• وقد رُوي هذا المعنى عن طائفة من السلف منهم كعب وغيره.\n• وقد ذكرنا فيما سبق في شرح حديث \"من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه (^١) \" أن مضاعفة الحسنات زيادةً على العَشْر تكون بحسب حُسْنِ الإسلام كما جاء ذلك مُصَرَّحًا به في حديث أبي هريرة وغيره (^٢) ويكون بحسب كمال الإخلاص، وبحسبِ فضل ذلك العمل في نفسه، وبحسَب الحاجة إليه.\n• وذكرنا من حديث ابن عمر أن قوله:- ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (^٣).\nنزلت في الأعراب وأن قوله ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٤) نزلت في المهاجرين.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1235>[النوع الثاني عمل السيئات]:</span>\n• النوع الثاني: عمل السيئات، فتكتَب السيئة بمثلها من غيرِ مضَاعفة، كما قال الله تعالى: - ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (^٥).\n• وقوله: \"كُتِبت له سيئةً واحدة\" إشارة إلى أنها غيرُ مَضَاعَفَةٍ.\n• كما صرح في حديث آخر (^٦) لكنَّ السّيئة تَعْظُمُ أحيانًا بشرف الزمان أو المكان كما قال تعالى: - ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (^٧).\n• قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية:\n﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ في كلهنّ ثم اختص من ذلك أربعة أشهر فجعلهنّ حُرُمًا وعظّم حُرُماتِهِنَّ وجعَلَ الذنبَ فيهنّ أعظمَ والعملَ الصالحَ والأجر أعظم (^٨).\n_________\n(^١) وهو الحديث الثاني عشر من أحاديث الكتاب.\n(^٢) كما مضى ص: ٣١٧.\n(^٣) سورة الأنعام: ١٦٠.\n(^٤) سورة النساء: ٤٠.\n(^٥) سورة الأنعام: ١٦٠.\n(^٦) كما مضى في أحاديث أبي هريرة وأبي ذر ص ١٠٣٤ - ١٠٣٥.\n(^٧) سورة التوبة: ٣٦.\n(^٨) تفسير ابن كثير ٢/ ٣٥٥ وقد أورده بمثله.","vol":"3","page":1040},{"text":"وقال قتادة في هذه الآية: - \"اعلموا أن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا فيما سوى ذلك، وإن كان الظلم في كل حال غير طائل ولكن الله تعالى يعظم من أمره ما يشاء تعالى ربنا (^١) \".\n• وقد روى في حديثين مرفوعين أن السّيئاتِ تُضاعَف في رمضان ولكنّ إسْنَادَهُمَا لا يصح.\n• وقال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ (^٢).\n• قال ابنُ عمر: الفسوق: ما أصيبَ من معاصي الله صيدًا كان أو غَيْرَهُ.\n• وعَنْهُ قال: الفُسُوقُ إتيانُ مَعاصِي الله في الحَرَمِ.\n• وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (^٣) وكان جماعة من الصحابة يتَّقُون سُكْنَى الحرم؛ خشيةَ أرتكابِ الذنوب فيه.\n• منهم ابنُ عباسٍ، وعبدُ الله بن عمرو بنِ العاص.\nوكذلك كان عمر بنُ عبد العزيز يفعل.\nوكان عبدُ الله بن عَمْرِو بن العاص يقول: \"الخطيئة فيه أعظم\".\n• وروى عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: لأن أُخْطِئَ سَبْعينَ خطيئةً يعني بغير مكة: أَحبُّ إليَّ مِنْ أَن أُخطئ خطيئةً واحدةً بمكة.\n• وعن مجاهد قال: تُضاعَفُ السيئاتُ بمكةَ كما تضاعفُ الحسنات.\n• وقال ابنُ جريح: \"بلغني أن الخطيئة بمكة بمائةِ خطيئة والحسنَةُ على نحو ذلك.\n• وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد في شيء من الحديث: \"إن السيئةَ تُكْتَبُ\n_________\n(^١) أورده ابن كثير في الموضع السابق أتم من هذا فقد قال: وقال قتادة، في قوله: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ إن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرا من الظلم فيما سواها، وإن كان الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله يعظم من أمره ما يشاء وقال: إن الله اصطفى صفايا من خلقه، اصطفى من الملائكة رسلًا ومن الناس رسلًا واصطفى من الكلام ذكره، واصطفى من الأرض المساجد، واصطفى من الشهور رمضان، والأشهر الحرم، واصطفى من الأيام يوم الجمعة واصطفى من الليالي ليلة القدر فعظموا ما عظم الله؛ فإنما تعظيم الأمور ما عظمها الله به عند أهل الفهم، وأهل العقل\".\n(^٢) سورة البقرة: ١٩٧ والخبران التاليان في الطبري ٤/ ١٣٧ - ١٣٨.\n(^٣) سورة الحج: ٢٥ وانظر في تفسير الآية وآثارها: \"الدر\" ٤/ ٣٥١ - ٣٥٢.","vol":"3","page":1041},{"text":"بأكثَرَ مِنْ واحدة؟.\nقال: لا؛ ما سمعنا إلا بمكة. لتعظيم البلد، ولو أن رجالًا بِعَدَنِ أَبْيَنَ همّ (^١).\nوقال إسحاق بن راهويه: كما قال أحمد.\nوقوله: \"لو أنّ رَجُلًا بعدن أبين همّ .. \" هو من قول ابن مسعود، وسنذكره فيما بعد (^٢) إن شاء الله تعالى، وقد تُضاعف السيئات بشرف فاعلها، وقوة معرفته بالله وقُرْبِهِ منه فإن مَنْ عَصَى السلطان على بساطه أعظمُ جُرْمًا ممن عصاه على بُعْدٍ.\n• ولهذا توعَّدَ الله خاصة عباده على المعصية بمضاعفة الجزاء وإن كان قد عصمهم منها، ليبين لهم فضلَه عليهم، بعصمتهم من ذلك كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ (^٣).\n• وقال تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٤).\n• وكان علي بن الحسين يتأوّلُ في آل النبي ﵌ من بني هاشم. مثل ذلك (^٥) لقربهم من النبي ﵌.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1236>[النوع الثالث: الهم بالحسنات]:</span>\n• النوع الثالث: الهمُّ بالحسنات، فتُكَتَبُ حَسَنَةً كاملةً وإن لم يعملها كما في حديث ابن عباس وغيره.\n• وفي حديث أبي هريرة الذي خرجه مسلم كما تقدم (^٦) إذا تحدّث عبدي بأن يعملَ حسنة؛ فأنا أكتبها له حسنة.\nوالظاهر أن المراد بالتحدّث حديثُ النفس وهو الهمّ.\n_________\n(^١) عدَن بالمكان: أقام به، وعدن أَبيْن: جزيرة باليمن أقام بها أبين.\n(^٢) ص ١٠٥٠.\n(^٣) سورة الإسراء: ٧٤، ٧٥.\n(^٤) سورة الأحزاب: ٣٠ - ٣٥.\n(^٥) أي من التعظيم والحرمة فتكريمهم يضاعف ثوابه والاجتراء عليهم يضاعف عقابه.\n(^٦) ص: ١٠٣٤.","vol":"3","page":1042},{"text":"• وفي حديث خُرَيم بن فاتك: \"مَنْ هَمَّ بحسنة فلم يعملها، فعلم الله أنه قد أشعرها قلبه، وحَرَصَ عليها كتبت له حسنة\" (^١).\nوهذا يدل على أن المراد بالهمّ هنا هو العزم المصمِّم الذي يوجد معه الحرصُ على العمل، لا مجرد الخطْرة التي تَخْطُر ثم تَنْفَسِخ من غير عزم ولا تصميم.\n• قال أبو الدرداء: \"من أتى فِرَاشَهُ وهو ينوي أن يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى يصبح كُتِبَ له ما نَوَى\".\n• وروي عنه مرفوعًا وخرجه ابن ماجه مرفوعًا (^٢).\n• قال الدارقطني: المحفوظ الموقوف.\n• وروي معناه من حديث عائشة عن النبي ﵌ (^٣).\n• وروي عن سعيد بن المسيب قال: من هَمَّ بصلاة أو صيام أو حج أو عمرة أو غزو فحيل بينه وبين ذلك بلغه الله تعالى ما نوى.\n• وقال أبو عمران الجوني: ينادَى الملك! اكتب لفلان كذا وكذا؛ فيقول: يا رب! إِنه لم يعمله، فيقول الله: إنه نواه.\n• وقال زيد بن أسلم: كان رجلٌ يطوف على العلماء يقول: من يدلني على عمل لا أزال منه لله عاملًا؛ فإني لا أحبُّ أن يأتي علَيَّ ساعة من الليل والنهار؛ إلا وأنا عاملٌ لله تعالى؟ فقيل له: وقد وجدت حاجتك؛ فاعمل الخير ما استطعت، فإذا فَتَرْتَ أو تركْتَ فهُمَّ بعمله، فإنَّ الهامَّ بعمل الخير كفاعله.\nومتى اقترن بالنية قولٌ أو سعيٌ تأكد الجزاء والتَحَقَ صاحِبُه بالعامل.\n• كما رَوى أبو كبشة، عن النبي ﵌ قال: \"إنما الدنيا لأربعة نفر: عبدٌ رزقه الله مالًا وعلمًا، فهو يتّقي فيه ربّه، ويصلُ فيه رَحِمَهُ، ويعلم لله فيه\n_________\n(^١) مضى ص: ١٠٣٥.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في السنن: ٥ - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: ١٧٧ - باب ما جاء فيمن نام عن حزبه من الليل ١/ ٤٢٦ - ٤٢٧ حديث أبي الدرداء يبلغ به النبي - ﷺ - بمثله وزاد في آخره: \"وكان نومه صدقة عليه من ربه\".\nوقد أورده الشيخ ناصر الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته (٢/ ١٠٣١) ونسبه أيضًا إلى النسائي وابن حبان والحاكم ورمز له بالحسن وأشار إلى إخراجه له في صحيح الترغيب وأبي داود.\n(^٣) رواه مالك في الموطأ ١/ ١١١ ح ٢٨٥ رواية مصعب الزهري وانظر تخريجه بهامشه.","vol":"3","page":1043},{"text":"حقًّا، فهذا بأفضَلِ المنَازِلِ.\nوعَبْدٌ رزقه الله علمًا ولم يرزقه مالًا؛ فهو صادِقُ النية، فيقول: لو أنّ لي مالًا لعملتُ بعمل فلانٍ؛ فهو بنيته (١) فأجرهما سواء.\nوعبدٌ رزقه الله مالًا ولم يرزقه علمًا [فهو يخبطُ] في ماله بِغَيْرِ عِلْمٍ لا يتَّقي فيه رَبَّهُ، ولا يصلُ فيه رَحِمَهُ، ولا يعلم لله فيه حقًّا؛ فهذا بأخبثِ المنازل.\nوعبدٌ لم يرزقه الله مالًا ولا علمًا؛ فهو يقول: لو أن لي مالًا؛ لعملتُ فيه بعمل فلان؛ فهو بنيته (٢) فِوْزرُهُمَا سواء\".\n• خرجه الإمام أحمدُ والترمذيُّ، وهذا لفظه، وابنُ ماجه (^٣) وقد حُمِلَ قولُه: \"وهما في الأجر سواء\" على استوائهما في أصل أجر العمل، دون مُضاعفته، فالمضاعفة يختص بها من عمل العمل، دون من نواه ولم يعمله، فإنهما لو استويا من كل وجه لكُتب لمن همّ بحسنة ولم يعملها عشْرُ حسنات، وهو خلاف النصوص كلها؛ ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ﴾ (^٤) قال ابن عباس وغيره: \"القاعدون المفضّلُ عليهم المجاهدُون درجة هم القاعدون من أهل الأعذار، والقاعدون المفضل عليهم المجاهدون درجاتٍ هم القاعدونَ من غير أهل الأعذار\" (^٥).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1237>[النوع الرابع: الهم بالسيئات]:</span>\n• النوع الرابع: الهمُّ بالسيئات من غير عمل لها ففي حديث ابن عباس أنها تُكْتب\n_________\n(١، ٢) في الترمذي: \"فهو نيته\".\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٣١ (الحلبي) ضمن حديث آخر.\nوالترمذي في: ٣٧ - كتاب الزهد: ١٧ - باب ما جاء مثل الدنيا مثل أربعة نفر ٤/ ٥٦٢ - ٥٦٣ ح ٢٣٢٥ عقب حديث آخر بإسنادٍ واحدٍ وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن صحيح.\nوابن ماجه في ٣٧ - كتاب الزهد: ٢٦ - باب النية ٢/ ١٤١٣ ح ٤٢٢٨ بنحوه وفي أوله: \"مثل هذه الأمة كمثل أربعة نفر: رجل آتاه الله مالًا وعلمًا فهو يعمل بعلمه، ينفقه في حقه … الحديث وهو في صحيح الترمذي ١٨٩٤ بإسناد صحيح.\n(^٤) سورة النساء: ٩٥ - ٩٦.\n(^٥) رواه الترمذي في السنن: التفسير ح ٣٠٣٥. وإسناده صحيح؛ انظر صحيح الترمذي ٢٤٢٨.","vol":"3","page":1044},{"text":"له حسنة كاملة وكذلك في حديث أبي هريرة، وأنس وغيرهما أنها تُكْتَبُ حسنة وفي حديث أبي هريرة قال: إنما تركها من جرائي، يعني من أجلي.\n• وهذا يدل على أن المراد مَنْ قَدَر على ما همَّ به من المعصية فتركه لله تعالى، وهذا لا ريب في أنه يكتب له بذلك حسنة، لأن تركه للمعصية بهذا القصد عملٌ صالح.\n• فأما إن همَّ بمعصيةٍ ثم ترك عملها خوفًا من المخلوقين أو مراعاة لهم، فقد قيل إنه يعاقبُ على تركها بهذه النية؛ لأن تقديم خوف المخلوقين على خوف الله محرّم.\n• وكذلك قصدُ الرياء للمخلوقين محرّم فإذا اقترن به تركُ المعصية لأجله عُوقب على هذا الترك.\n• وقد خرج أبو نعيم بإسناد (^١) ضعيفٍ عن ابن عباس قال: يا صاحبَ الذنب! لا تأمننَّ (^٢) سوء عاقبته وَلَمَا يتبعُ الذنبَ أَعْظَمُ من الذنب إذا عملته، فذكر كلامًا وقال: وخَوْفُكَ من الريح إذا حَرَّكَتْ ستْرَ بابك، وأنتَ على الذنب، ولا يضطربُ فؤادُك من نظر الله إليك أعظمُ من الذنب إذا عملته (^٣).\n• وقال الفضيل بن عياض: كانوا يقولون تركُ العمل للناس رياءٌ والعملُ لهم (^٤) شِرْكٌ.\n• وأما إن سَعَى في حُصُولِهَا بما أمكنَهُ ثم حالَ بينَهُ وبَيْنَهَا القَدَرُ فقد ذَكَر جماعةٌ أنه يُعَاقَبُ عَلَيْهَا حينئذ، لقول النبي ﵌: \"إن الله تَجَاوز لأمتي عما حدّثَتْ به أنفسَها ما لم تَتَكَلّم به أو تَعمل (^٥).\n_________\n(^١) اختصر ابن رجب ما أورده أبو نعيم في الحلية ١/ ٣٢٤ - ٣٢٥ عن ابن عباس - ﵄ - اختصارًا بينًا ففيه … إذا عملته فإن قلة حيائك ممن على اليمين وعلى الشمال وأنت على الذنب أعظم من الذنب الذي عملته، وضحكك وأنت لا تدري ما الله صانع بك أعظم من الذنب. . . إلخ فارجع إليه إن شئت.\n(^٢) م: \"من سوء\" وهي هكذا في الحلية.\n(^٣) م: \"فعلته\".\n(^٤) في هامش م: لعله \"ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك\".\n(^٥) أخرجه البخاري في: ٤٩ - كتاب العتق: ٦ - باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه - (٥/ ١٦٠) ح ٢٥٢٨. وفي: ٦٨ - كتاب النكاح: ١١ - باب الطلاق في الإغلاق والمكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره ٩/ ٣٨٨ ح ٥٢٦٩.\nوفي: ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور: ١٥ - باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان ١١/ ٥٤٨ - ٥٤٩ ح ٦٦٦٤.\nومسلم في: ١ - كتاب الإيمان: ٥٨ - باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر ١/ ١١٦ - ١١٧ ح ٢٠١ - (١٢٧)، ٢٠٢ من وجوه عديدة.\nوأبو داود في السنن: ٧ - كتاب الطلاق: ١٥ - باب الوسوسة بالطلاق ٢/ ٦٥٧ - ٦٥٨.\nوالترمذي في: ١١ - كتاب الطلاق: ٨ - باب ما جاء فيمن يحدث نفسه بطلاق امرأته ٣/ ٤٨٩ وعقب عليه =","vol":"3","page":1045},{"text":"ومَنْ سَعَى في حصول المعصيةِ جهْدَهُ ثم عجز عنها فقد عمل (^١) وكذلك قول النبي ﵌: \"إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار\" قالوا: يا رسول الله! هذا القاتل (^٢) فما بال المقتول؟ قال: \"إنه كان حَريصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِه (^٣) \".\n_________\n= بقوله: هذا حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أهل العلم: أن الرجل إذا حدث نفسه بالطلاق لم يكن شيء حتى يتكلم به.\nوالنسائي في: ٢٧ - كتاب الطلاق: ٢٢ - باب من طلق في نفسه ٦/ ١٥٦ - ١٥٧ ح ٣٤٣٣ - ٣٤٣٥ من وجوه عديدة.\nوابن ماجه في: ١٠ - كتاب الطلاق: ١٤ - باب من طلق في نفسه ولم يتكلم به ١/ ٦٥٨ ح ٢٠٤٠.\nوفي: ١٦ - باب طلاق المكره والناسي ١/ ٦٥٩ ح ٢٠٤٤ وفيه: عما توسوس به صدورها … وما أستكرهوا عليه. والواحدي في أسباب النزول ص ٨٩ وقد ذكر عن المفسرين سبب ورود هذا الحديث، قال: قال المفسرون، لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ جاء أبو بكر، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف، ومعاذ بن جبل، وناس من الأنصار إلى النبي - ﷺ - فجثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله! والله ما نزلت أشد علينا من هذه الآية، وإن أحدنا ليحدث نفسه بما لا يحب أن يثبت في قلبه، وأن له الدنيا بما فيها، وإنا لمؤاخذون بما تحدث به أنفسنا؟ هلكنا والله. فقال النبي - ﷺ -: هكذا أنزلت، فقالوا: هلكنا وكلفنا من العمل ما لا نطيق، قال: فلعلكم تقولون كما قالت بنو إسرائيل لموسى: سمعنا وعصينا، قولوا: سمعنا وأطعنا، فقالوا: سمعنا وأطعنا، واشتد ذلك عليهم، فمكثوا بذلك حولا، فأنزل الله تعالى الفرج والراحة بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية فنسخت هذه الآية ما قبلها، قال النبي - ﷺ -: \"إن الله قد تجاوز لأمتي ما حدثوا به أنفسهم، ما لم يعملوا أو يتكلموا به\".\nوأورده السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٤، ٣٧٥، ٣٧٦ وزاد نسبته إلى سفيان وعبد بن حميد وابن المنذر.\nوانظر ما أورده قبل هذا في تفسير الآيات الأخيرة من سورة البقرة.\nوأورده ابن كثير في التفسير ١/ ٣٣٩ كلهم من حديث أبي هريرة بنحوه وبألفاظ مقاربة وقد أورده القرطبي في التفسير ٣/ ٤٢٣ دون ذكر الصحابي لكن ذكر أن الحديث قد ثبت عن النبي - ﷺ -.\n(^١) م: \"عمل بها\".\n(^٢) كلمة \"هذا القاتل\" ليست في ا.\n(^٣) أخرجه البخاري في: ٢ - كتاب الإيمان: ٢٣ - باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فسماهم المؤمنين ١/ ٨٤ - ٨٥ ح ٣١ من رواية الأحنف بن قيس، قال: ذهبت لأنصر هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد؟ قلت: أنصر هذا الرجل؟ قال: ارجع، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: فذكره.\nوفي: ٨٧ - كتاب الديات: ٢ - باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا. . .﴾ ١٢/ ١٩٢ ح ٦٨٧٥ بنحوه وفي: ٩٢ - كتاب الفتن: ١٠ - باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما ١٣/ ٣١ - ٣٢ ح ٧٠٨٣ بنحوه.\nوأخرجه مسلم في: ٥٢ - كتاب الفتن وأشراط الساعة: ٤ - باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما ٤/ ٢٢١٣ - ٢٢١٤ من رواية حماد بن زيد عن أيوب ويونس، عن الحسن، عن الأحنف بن قيس، قال: خرجت وأنا أريد هذا الرجل، فلقيني أبو بكرة، فقال: أين تريد؟ يا أحنف؟ قال: قلت: أريد نصر ابن عم رسول الله - ﷺ - يعني عليا، قال: فقال لي: يا أحنف! ارجع؛ فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار … الحديث بنحوه.\nوأخرجه عقبه من وجوه أخرى عن أبي بكرة بنحوه.","vol":"3","page":1046},{"text":"• وقوله \"ما لم تكلَّمْ به أو تعمل\".\n• يدل على أن الهامَّ بالمعصية إذا تكلم بما همّ به بلسانه؛ فإنه يعاقب على الهمّ حينئذ؛ لأنه قد عَمِلَ بجوارحه معصية وهو التكلم بلسانه (^١).\n• ويدل على ذلك حديث الذي قال: \"لو أن لي مالًا لعملت فيه ما عمل فلان\". يعني الذي يعصي الله في ماله قالَ: \"فَهُمَا في الوِزْرِ سَوَاءٌ\" (^٢).\n• ومن المتأخرين من قال: لا يعاقبُ على التكلم بما همَّ به ما لم تكن المعصية التي همَّ بها قولًا محرَّمًا كالقذف والغِيبةِ والكذبِ؛ فأما ما كان مُتَعلَّقُها العمل بالجوارح؛ فلا يأثم بمجرد التّكَلم بما (^٣) همَّ به.\nوهذا قد يستدل له بحديث (^٤) أبي هريرة المتقدّم: \"وإذا تحدث بأن يعمل (^٥) سيئة فأنا أغفرها لهُ، ما لم يعملها (^٦) \".\n• ولكن المراد بالحديث هنا حديث النفس جمعًا بينه وبين قوله: ما لم تكلم به أو تَعْمل (^٧).\nوحديث أبي كبشة يدلّ على ذلك صريحًا؛ فإن قول القائل بلسانه: \"لو أن لي مالًا لعملتُ فيه بالمعاصي كما عمل فلان\" ليس هو العمل بالمعصية التي همّ بها، وإنما أَخْبَرَ عما همّ به فقط، مما متعلَّقُه إنفاقُ المال في المعاصي، وليس له مَالٌ بالكلية.\nوأيضًا فالكلامُ بذلك محرم، فكيف يكون معفوًّا عنه، غَيْرَ مُعَاقَبٍ عليه؟.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1238>[ماذا إذا انفسخت نيته وفَترت عزيمته؟]:</span>\nوأما إن انفسخَتْ نِيتُه وفَتَرتْ عزيمتُه من غير سبب منه؛ فهل يعاقَبُ على ما هم به من المعصية أم لا؟ هذا على قسمين:\n\n<span data-type='title' id=toc-1239>[الخواطر]:</span>\n• أحدهما: أن يكون الهمُّ بالمعصية خاطرًا خَطَر، ولم يساكنه صاحبه، ولم يعقد\n_________\n(^١) م: \"التكلم باللسان\".\n(^٢) الذي مضى القول فيه قريبا ص ١٠٤٤.\n(^٣) م: \"ما\".\n(^٤) م: يستدل به على حديث.\n(^٥) م: \"وإذا تحدث عبدي بما لم يعمل سيئة\".\n(^٦) مضى ص ١٠٣٤.\n(^٧) ليست في م.","vol":"3","page":1047},{"text":"قلبه عليه، بل كرهه ونفِر منه فهذا معفوّ عنه، وهو كالوساوس الرديئة التي سئل النبي ﵌ عنها فقال: \"ذاك صريحُ الإيمان\" (^١).\n• ولما نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢) - شق ذلك على المسلمين وظنوا دُخولَ هذه الخواطر فيه؛ فنزلت الآية التي بعدها وفيها قوله: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ (^٣) فبينت أن ما لا طاقة لهم به؛ فهو غيرُ مؤاخَذٍ به ولا مكلّفٍ به.\nوقد سَمَّى ابنُ عباس وغيرهُ ذلك نَسْخًا.\nومرادُهم أن هذه الآية أزالت الإبهامَ الواقع في النفوس من الآية الأولى.\n• وبينت أن المراد بالآية الأولى: العزائم المصمَّمُ عليها.\nومثل هذا كان السلف يسمونه نسخًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1240>[العزائم]:</span>\n• القسم الثاني: العزائم المصَمَّمة التي تقع في النفوس، وتدوم، ويساكنها صاحبها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1241>[وهي نوعان: الأول]:</span>\n• فهذا أيضًا نوعان: أحدهما: ما كان عملًا مستقلًا بنفسه من أعمال القلوب كالشكِّ في الواحدانية أو النبوَّةِ أو البعث، أو غير ذلك من أصول (^٤) الكفر والنفاق (^٥) أو اعتقاد تكذيب ذلك فهذا كله يعاقَبُ عليه العبدُ ويصير بذلك كافرًا ومنافقًا.\n• وقد روي عن ابن عباس: أنه حمل قوله تعالى: - ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ (^٦) على مثل هذا.\n• وروي عنه حَمْلُها على كتمان الشهادة كقوله: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه: ١ - كتاب الإيمان: ٦٠ - باب بيان الوسوسة في الإيمان ١/ ١١٩ ح ٢٠٩ - (١٣٢) من حديث أبي هريرة بمثله وح ٢١١ - (١٣٣) من حديث عبد الله بن مسعود بنحوه وأخرجه ابن حبان من حديثيهما في صحيحه ح ١٤٥، ١٤٦، ١٤٨، ١٤٩.\n(^٢) سورة البقرة: ٢٨٤.\n(^٣) سورة البقرة: ٢٨٦.\n(^٤)، (^٥) ليست في م.\n(^٦) من الآية ٢٨٤ من سورة البقرة وانظر الطبري ٦/ ١١٣.\n(^٧) من الآية ٢٨٣ من سورة البقرة وانظر الطبري ٦/ ١٠٢ ح ٦٤٤٩، ٦٤٥٠ من حديث ابن عباس و٦٤٥١ - ٦٤٥٥ من حديث عكرمة والشعبي وابن عباس.","vol":"3","page":1048},{"text":"• ويلحق بهذا القسم سائر المعاصي المتعلقة بالقلوب كمحبة ما يُبْغِضُه الله، وبُغْضِ ما يحبُّه الله، والكبر والعُجْبِ، والحسَد، وسوءِ الظَّنِّ بالمسلم من غير موجب، مع أنه قد رُوي عن سفيان أنه قال في سوء الظن: إذا لم يترتبْ علَيْهِ قولٌ أو فعلٌ؛ فهو معفّو عنه.\n• وكذلك رُوي عن الحسن أنه قال في الحسد.\nولعل هذا محمولٌ من قولهما على ما يجده الإنسان ولا يمكنه دفعه؛ فهو يكرهه، ويدفعه عن نفسه ولا (^١) يندفِعُ (^٢) لا على ما يساكنه ويستروح إليه، ويعيد حديث نفسه به ويُبْديه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1242>[النوع الثاني وأقوال العلماء فيه]:</span>\n• والنوع الثاني: ما لم يكن من أعمال القلوب، بل كان من أعمالِ الجوارح كالزنا، والسرقة وشرب الخمر، والقتل، والقذف، ونحو ذلك إذا أصر العبد على إرادة ذلك، والعزم عليه، ولم يظهر له أثر في الخارج أصلًا فهذا في المؤاخذة به قولان مشهوران للعلماء.\n• أحدهما يؤاخذ (^٣) به.\n• قال ابن المبارك: سألتُ سفيانَ الثَّوْرِيَّ: أيؤاخذ العَبْدُ بِالْهَمَّة؟ فقال: إذا كانَتْ عَزْمًا أُوخذ بها (^٤).\n• ورجح هذا القول كثيرٌ من الفقهاء والمحدثين والمتكلمين من أصحابنا وغيرهم، واستدلوا له بنحو قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ (^٥) وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (^٦) وبنحو قول النبي ﵌: \"الإثم ما حاكَ في صَدْرِك وكرهتَ أن يَطّلعَ عليه النَّاسُ\" (^٧).\nوحملوا قوله - ﷺ -: \"إن الله تجاوزَ لأمتي عمَّا حدَّثَتْ به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعْمَلْ\" (^٨) على الخطرات.\n• وقالوا: ما ساكنه العبد، وعقد قلبه عليه؛ فهو مِنْ كسبه (^٩) وعمله؛ فلا يكون\n_________\n(^١) م: \"فلا\".\n(^٢) م: \"إلا\" وهو تحريف.\n(^٣) م: \"الأخذ به\".\n(^٤) أورده ابن حجر في الفتح ١١/ ٣٢٨ بمعناه.\n(^٥) سورة البقرة: ٢٣٥.\n(^٦) سورة البقرة: ٢٢٥.\n(^٧) هو الحديث السابع والعشرون من الكتاب.\n(^٨) مضى ص ١٠٤٥، ١٠٤٧.\n(^٩) م: \"ما أكنه العبد وعقد عليه قلبه فهو من كسبه\".","vol":"3","page":1049},{"text":"معفوًّا عنه.\nومن هؤلاء مَنْ قال: إنه يعاقبُ عليه في الدنيا بالهموم والغموم.\n• وروى ذلك عن عائشة موقوفًا ومرفوعًا (^١) وفي صحته نظر.\n• وقيل بل يحاسب العبد به يوم القيامة يقفه الله عليه، ثم يعفو عنه، ولا يعاقبه به فتكون عقوبته المحاسبة.\nوهذا مروي عن ابن عباس، والربيع بن أنَس، وهو اختيار ابن جرير (^٢).\n• واحتج له بحديث ابن عمر في النجوى (^٣) \"وذاك\" ليس فيه عموم.\nوأيضًا فإنه وارد في الذنوب المستورة في الدنيا لا في وساوس الصدور.\n• والقول الثاني: لا يؤاخذ بمجرد النية مطلقًا.\nونسب ذلك إلى نص الشافعي، وهو قولُ ابنِ حامد، من أَصْحَابنَا عملًا بالعمومات.\n• وروى العوفي عن ابن عباس: ما يدل على مثل هذا القول.\n* * *\n• وفيه قول ثالث: أنه لا يؤاخذ بالهمّ بالمعصية؛ إلا بأن يهمَّ بارتكابها في الحرم كما روى السدي، عن مُرَّة، عن عبد الله بن مسعود، قال: \"ما مِنْ عبدٍ يَهمُّ بخطيئة فلم يعملها فتكتبَ عليه، ولو همّ بقتل الإنسان عند البيت، وهو بعدنِ أبْينَ أذاقه الله من عذاب أليم وقرأ عبد الله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (^٤) خرجه الإمام أحمد وغيره (^٥).\n_________\n(^١) كما رواه ابن جرير في التفسير ٦/ ١١٦ ح ٦٤٩٢، ٦٤٩٣، ٦٤٩٤ ورواه من حديثها مرفوعًا عقبها ح ٦٤٩٥.\n(^٢) م: في التفسير ح ٦٤٨٦ عن ابن عباس وح ٦٤٨٧ من حديث الربيع.\n(^٣) كما روى البخاري في المظالم: باب قول الله تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ومسلم في التوبة: باب قبول توبة القاتل ح ٢٧٦٨ كلاهما من حديث عبد الله بن عمر.\n(^٤) سورة الحج: ٢٥.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٦٥ - ٦٦، ١٥٣ ح ٤٠٧١، ٤٣١٦ (المعارف) عن يزيد بن هارون، عن شعبة، عن السدي أنه سمع مرّة أنه سمع عبد الله قال يزيد: قال لي شعبة: ورفَعه، ولا أرفعه لك، يقول الله - ﷿ -: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ﴾ قال: \"لو أن رجلا همّ فيه بإلحاد وهو بعدن أبين لأذاقه الله - ﷿ - عذابا أليما\".\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٧٠ عن أبي يعلى والبزار وأحمد وقال: رجال أحمد رجال الصحيح.\nكما أورده ابن كثير في التفسير ٣/ ٢١٤ - ٢١٥ عن ابن أبي حاتم، وقال: قال شعبة: هو رفعه لنا، وأنا لا أرفعه =","vol":"3","page":1050},{"text":"• وقد رواه عن السدي شعبة، وسفيان، فرفعه شعبة، ووقفه سفيان، والقول قولُ سفيان في وقفه (^١).\n• قال الضحاك: إن الرجلَ لَيَهُمُّ بالخطيئة بمكة وهو بأرضٍ أُخْرَى فتكتب عليه ولم يعملها.\nوقد تقدم عن أحمد وإسْحاقَ ما يدل على مثل هذا القول.\nوكذا حكاه القاضي أبو يعلى؛ عن أحمد.\n• وروى أحمد في رواية المروزي حديث ابن مسعود هذا.\n• ثم قال أحمد: يقول: - من يُرِدْ فيه بإلحادٍ (^٢) قال أحمد: لو أن رجلًا بعدَنِ أَبْينَ (^٣)\n_________\n= لكم، ثم قال: قال يزيد: هو قد رفعه.\nوأورده عن أحمد في المسند في هذا الموضع، عن يزيد بن هارون به ثم قال: هذا الإسناد صحيح على شرط البخاري ووقفه أشبه من رفعه، ولهذا صمم شعبة على وقفه من كلام ابن مسعود، وكذلك رواه أسباط وسفيان الثوري عن السدي من مُرّة، عن ابن مسعود موقوفًا.\nولم يرتض الشيخ أحمد شاكر رد القول برفع الحديث، فعقب على ما ذكره ابن كثير وما روى عن شعبة بقوله: وهذا تحكم من شعبة، ثم من ابن كثير، وكلمة يزيد بن هارون التي رواها ابن أبي حاتم كلمة حكيمة، وإشارة دقيقة، يريد أن شعبة قد حكى رفعه عن شيخه، فهو قد رفعه رواية، وإن وقفه رأيا، والرفع زيادة من ثقة فتقبل، ونحن نأخذ عن الراوي روايته، ولا نتقيد برأيه وأما أن غير شعبة رواه موقوفًا؛ فلا يكون علة للمرفوع والرفع زيادة ثقة كما قلنا\".\nوكأن الشيخ أحمد شاكر - ﵀ -، يريد ليقول: إنه من قبيل ما صح مرفوعًا وموقوفًا وليس من قبيل ما صح موقوفًا فقط.\nوهي إحدى فرائد الشيخ وما أكثرها!.\nوقد أورد ابن كثير عن الثوري، عن مرة، عن عبد الله بن مسعود قال: \"ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، ولو أن رجلًا بعدن أبين هم أن يقتل رجلًا بهذا البيت لأذاقه الله من العذاب الأليم\".\nوكذا قال الضحاك بن مزاحم.\nوقال سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد: إلحاد فيه؟ لا والله! وبلى والله!.\nوقد أورده الهيثمي في المجمع في الموضع السابق عن الطبراني وقال: فيه الحكم بن ظهير وهو متروك.\nوأورده السيوطي في الدر المنثور ٤/ ٣٥١ رزاد نسبته إلى سعيد بن منصور.\nكما أورد الحديث السابق في الموضع ذاته وزاد نسبته إلى الفريابي، وسعيد بن منصور وابن راهويه، وعبد بن حميد والبزار وأبي يعلى وابن جرير وابن المنذر.\n(^١) قد وقفت على رؤية المرحوم الشيخ أحمد شاكر في هذا.\n(^٢) إشارة إلى الآية ٢٥ من سورة الحج.\nوفي \"ا\": \"من يرد فيه بإلحاد\" فقط.\n(^٣) بوزن أحمر-: قرية على جانب البحر باليمن أو هي اسم مدينة عدن، نهاية ١/ ٢٠.","vol":"3","page":1051},{"text":"همّ بقتل رَجُلٍ في الحرم هذا قول الله تعالى: ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ هكذا قال ابن مسعود - ﵀ -.\n• وقد رد بعضهم هذا إلى ما تقدَّم من المعاصي التي مُتَعَلَّقُها القَلْبُ وقال: الحرمُ يجب احترامه وتحريمه (^١) وتعظيمه بالقلوب.\nفالعقوبة على ترك هذا الواجب.\nوهذا لا يصحّ؛ فإن حُرْمَةَ الحرم ليست بأعظمَ من حُرْمَة محرِّمِهِ ﷾ والعزْمُ على معصية الله عزمٌ على انتهاك محارِمه، ولكن لو عزم على ذلك قصدًا لانتهاك (^٢)، حُرْمة الحرم، واستخفافًا بحرمته؛ فهذا كما لو عَزَمَ على فعل معصية بقصد (^٣) الاستخفاف بحرمة الخالق تعالى؛ فيكفرُ بذلك.\nوإنما ينتفى الكفرُ عنه إذا كان هَمُّهُ بالمعصية بمجرد نَيْل شهوته، وغرض نفسه، مع ذهوله عن قصد مخالفة الله، والاستخفافِ بهيبته، وبنظره.\nومتى اقترن العملُ بالهمّ فإنه يعاقبُ عليه، سواءٌ كان الفعل متأخِّرًا أو متقدِّمًا.\nفمن فعل محرمًا مرة ثم عزم على فعله متى قدر عليه فهو مُصِرٌّ على المعصية، ومعاقَبٌ على هذه النية، وإن لم يَعُدْ إلى عمله إلا بعد سنين عديدة.\n• وبذلك فسر ابنُ المبارك وغيره الإصرارَ على المعصية.\nوبكل حال، فالمعصية إنما تُكْتَبُ بمثلها من غير مضاعفةٍ فتكون العُقُوبَة على المعصية، ولا ينضم إليها الهمُّ بها إذ لو ضُمَّ إلى المعصية الهمُّ بها لعُوقِبَ على عمل المعصية عقوبتين، ولا يقال: فهذا يلزم مثلُه في عمل الحسنة فإنه (^٤) إذا عملها بعد الهمّ بها أثيبَ على الحسنة، دون الهمّ بها، لأنا نقول: هذا ممنوعٌ فإنّ مَنْ عَمِلَ حَسنة كُتبت له عشر أمثالها، فيجوز أن يكون بعض هذه الأمثال جزاء للهمّ بالحسنة والله أعلم.\n• وقوله في حديث أبن عباس في رواية مسلم: \"أو محاها الله (^٥) \" يعني أن عملَ السيئة إما أن تُكْتَبَ لعاملها سيئةً واحدة، أو يَمْحُوَهَا الله بما شاء من الأسباب كالتوبة، والاستغفار، وعملِ الحسنات.\n_________\n(^١) ليست في \"ا\".\n(^٢) م: \"كانتهاك\".\n(^٣) \"ا\": \"لقصد\".\n(^٤) م: \"فإنها\".\n(^٥) م: \"مجاهد\" وهو تحريف.","vol":"3","page":1052},{"text":"• وقد سبق الكلام على ما يمحى (^١) به السيئات في شرح حديث أبي ذرّ \"اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تَمْحُهَا\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1243>[ولا يهلك على الله إلا هالك؟]:</span>\nوقوله بعد ذلك \"ولا يَهْلِكُ على الله إلا هالِكٌ\".\nيعني بعد هذا الفضل العظيم من الله، والرحمة الواسعة منه بمضاعفة الحسنات، والتجاوزِ عن السيئات لا يهلك على الله إلا مَنْ هلك، وألقى بيديه (^٢) إلى التَّهلُكَةِ، وتَجرَّأ على السيئات، ورغب عن الحسنات، وأَعرضَ عنها.\n• ولهذا قال ابنُ مسعود: ويل لمن غَلَبَ وُحْدَانُهُ عشراتِهِ (^٣).\n• وروى الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس مرفوعًا: هلك من غلب واحده عشرًا (^٤).\n• وخرج الإمام أحمد (^٥) ...................................\n_________\n(^١) م: \"فيما يمحى\" وذلك في الحديث الثامن عشر.\n(^٢) م: \"بيده\".\n(^٣) م: \"غلبت وحداته عشراتة\" ا: \"عشرانه\".\n(^٤) واضح أنه ضعيف جدًّا؛ وآفته من راوييه: الكلبي وأبي صالح.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٩/ ٢٦٠ - ٢٦١ (المعارف) ح ٦٤٩٨ من رواية جرير، عن عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي - ﷺ - فذكره. وفيه: قالوا: وما هما يا رسول الله؟ قال: أن تحمد الله وتكبره وتسبحه في دبر كل صلاة مكتوبة عشرا عشرا، وإذا أتيت إلى مضجعك تسبح الله وتكبره وتحمد مائة مرة فتلك خمسون ومائتان باللسان وألفان وخمسمائة في الميزان، فأيكم يعمل في اليوم والليلة ألفين وخمسمائة سيئة؟ قالوا: كيف من يعمل بهما قليل؟ قال: يجيء أحدكم الشيطان في صلاته فيذكره حاجة كذا وكذا، فلا يقولها، ويأتيه عند منامه فينومه فلا يقولها.\nقال: ورأيت رسول الله - ﷺ - يعقدهن بيده.\nوقد حسن محققه إسناده؛ وعلل ذلك برواية جرير عن عطاء بعد اختلاطه ثم قال: ولكن الحديث في ذاته صحيح؛ لأنه رواه آخرون عن عطاء ممن سمعوا منه قبل تغيره.\nوأحال فضيلته إلى الرواية الثانية للحديث في مسند أحمد في المسند ١١/ ١٤٤ - ١٤٥ ح ٦٩١٠ (المعارف) من رواية محمد بن جعفر، عن شعبة، عن عطاء بن السائب - به - بنحوه وفيه، خصلتان أو خلتان لا يحافظ عليهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، هما يسير، ومن يعمل بهما قليل؛ تسبح الله عشرًا، وتحمد الله عشرًا وتكبر الله عشرًا في دبر كل صلاة فذلك مائة وخمسون باللسان وألف وخمسمائة في الميزان وتسبح ثلاثًا وثلاثين، وتحمد ثلاثًا وثلاثين، وتكبر أربعًا وثلاثين، عطاء لا يدرى أيتهن أربع وثلاثون، إذا أخذ مضجعه =","vol":"3","page":1053},{"text":"وأبو داود (^١) والنسائي (^٢) والترمذي (^٣) من حديث عبد الله بن عمرو قال: قال\n_________\n= فذلك مائة باللسان وألف في الميزان، فأيكم يعمل في اليوم ألفين وخمسمائة سيئة؟ قالوا: يا رسول الله! كيف هما يسير ومن يعمل بهما قليل؟ قال: الحديث.\nوعقب عبد الله بن أحمد بن حنبل بقوله:\nسمعت عبيد الله القواريري، سمعت حماد بن زيد يقول: قدم علينا عطاء بن السائب البصرة، فقال لنا أيوب: ائتوه فاسألوه عن حديث التسبيح، يعني هذا الحديث.\nوقد علل الشيخ أحمد شاكر لما ذهب إليه من أن الحديث في ذاته صحيح بعد أن تبين من هذا الموضع الثاني متابعة شعبة لجرير في السماع من عطاء، وبعد أن تأكد هذا بسماع حماد بن زيد أيضًا من عطاء لهذا الحديث حيث قال - ﵀ -، لافتًا إلى أن سماع شعبة من عطاء كان قبل الاختلاط.\nوشعبة سمع من عطاء قديمًا، وحديثه عنه حديث صحيح، ودلت رواية عبد الله بن أحمد على أن حماد بن زيد سمعه منه أيضًا، بل لعلها تدل على أن أيوب سمعه منه كذلك، وعلى أن عطاء لم يخلط في هذا الحديث حتى في رواية من سمعه منه بعد تغيره، فليس التغير بموجب أن يخطيء في كل ما يروي.\nوهذه لمحة دقيقة ولا ريب!.\n(^١) رواه أبو داود في: ٣٥ - كتاب الأدب: ١٠٩ - باب التسبيح عند النوم ٥/ ٣٠٩ - ٣١٠ ح ٥٠٦٥ من رواية حفص بن عمر، عن شعبة - به - بنحوه وفيه: خصلتان أو خلتان لا يحافظ عليهما عبد مسلم … هما يسير … ويكبر … في الميزان ويكبر أربعًا وثلاثين إذا أخذ مضجعه ويحمد ثلاثًا وثلاثين ويسبح ثلاثًا وثلاثين فذلك مائة … قالوا يا رسول الله! الحديث بنحو ما عند أحمد بتقديم وتأخير.\n(^٢) وأخرجه النسائي في: ١٣ - كتاب السهو: ٩١ - باب عدد التسبيح بعد التسليم ٣/ ٧٤ - ٧٥ من رواية يحيى بن حبيب، عن حماد، عن عطاء - به - بنحوه أن رسول الله - ﷺ - قال: خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة وهما يسير ومن يعمل بهما قليل، قال: قال رسول الله - ﷺ -: الصلوات الخمس. يسبح أحدكم في دبر كل صلاة عشرًا، ويحمد عشرًا، ويكبر عشرًا، فهي خمسون ومائة في اللسان وأنا رأيت رسول الله - ﷺ - يعقدهن بيده … قالوا يا رسول الله! وكيف لا نحصيهما؟ فقال: \"إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته … فينيمه\".\n(^٣) أخرجه الترمذي في: ٤٩ - كتاب الدعوات: ٢٥ - باب حدثنا أحمد بن منيع ٥/ ٤٧٨ من رواية إسماعيل بن علية عن عطاء - به - بنحوه وفيه \". . .\" ألا وهما يسير يسبح الله في دبر كل صلاة عشرًا ويحمده عشرًا ويكبره عشرًا، قال: فأنا رأيت رسول الله - ﷺ - يعقدها بيده، قال: فتلك وذكر الحديث من هنا بمثل ما أورد ابن رجب في الجزء وزاد: قالوا: وكيف لا نحصيهما؟ .. الحديث بمثل ما عند أحمد.\nوعقب عليه بقوله: وهذا حديث حسن صحيح.\nوقد روى شعبة والثوري عن عطاء بن السائب هذا الحديث.\nفإذا أضفنا إلى هذا رواية إسماعيل بن علية عن عطاء لهذا الحديث كان معنى هذا أن الذين تابعوا جريرا عن عطاءهم شعبة والثوري وإسماعيل بن علية؛ فتأكد بهذا ما ذهب إليه الشيخ أحمد شاكر: أن الحديث صحيح. وإذا راعينا رواية جرير عن عطاء لروايته عنه بعد الاختلاط فطريق جرير طريق حسن وكما سبق أن صرّح الشيخ أحمد شاكر وإذا أردنا أن نحكم على الحديث من حيث طرقه كلها فهو حسن من طريق، وصحيح من طرق، أو كما قال الترمذي حسن صحيح، أو بعبارة تفسر قول الترمذي في هذا الموضع: حسن وصحيح.\nوقد آثرنا أن نذكر لك ما في المصادر التي أشار إليها ابن رجب من نصوصها للحديث فلم نجد مصدرًا منها يمكننا من أن نقول: إن اللفظ الذي آثره ابن رجب له.","vol":"3","page":1054},{"text":"رسول الله ﵌: \"خلتان لا يحصيهما رجل مسلم إلا دخل الجنة وهما يَسيرٌ ومَنْ يعملُ بهما قليل يسبح الله في (^١) دبر كل صلاة عشرًا ويحمده عشرًا ويكبره عشرًا قال: دذلك خمسون ومائةً باللسان، وألفٌ وخمسمائة في الميزان وإذا (^٢) أخذت مضْجَعَكَ تسَبّحه وتكبّره، وتَحْمَدُهُ مائةً، فتلك مائةٌ باللسان، وألفٌ في الميزان، فأيّكُم يعملُ في اليوم والليلةِ ألفين وخَمْسَمائة سيئة؟ \".\n• وفي المسند عن أبي الدرداء عن النبي ﵌ قال: لا يدعْ أحَدٌ منكم (^٣) أن يعملَ لله ألفَ حسنةٍ حين يُصبح، يقول: سبحان الله وبحمده مائة مرّة، فإِنها ألفُ حسنةٍ؛ فإنه لن يَعْمَلَ إن شاءَ الله تعالى مثلَ ذلك في يَوْمهِ منَ الذنوبِ، وَيكون ما عملَ من خيرٍ سوى ذلك وافرًا\" (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) ليست في م.\n(^٢) م: \"وإذا\".\n(^٣) م: \"أحدكم\".\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٦/ ٤٤٠ (الحلبي) من رواية أبي المغيرة، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن أبي الأحوص: حكيم بن عمير وحبيب بن عبيد، عن أبي الدرداء، فذكره بنحوه، وفيه: لا يدع رجل منكم … لن يعمل … \".\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ١١٣ عن أحمد في هذا الموضع وقال فيه: أبو بكر بن أبي مريم وهو ضعيف.\nإلا أن فيه: يقول: باسم الله سبحان الله … الحديث.","vol":"3","page":1055},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1244>الحديث الثامن والثلاثون</span>\nعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسُولُ الله - ﷺ -:\n\"إِنَّ اللهَ تَعَالَى قالَ: مَنْ عادَى لي وَليًّا فَقَد آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ، وَما تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُهُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ، حَتَّى أُحِبَّهُ؛ فإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بهِ، وَيَدَهُ التي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ التِي يَمْشِي بِهَا؛ وإنْ سَأَلَنِي لأُعْطيَنَّهُ، وَلَئِن اسْتَعَاذَ بي لأُعِيذَنَّهُ\". رَوَاهُ البُخَارِيُّ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1245>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث تفرد بإخراجه البخاري من دون بقية أصحاب الكتب.\nخرجه عن محمد بن عثمان بن كرامة (^١) قال: حدثنا خالد بن مخلد قال: حدثنا سليمان بن بلال قال: حدثني شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن عطاء عن أبي هريرة عن النبي ﵌.\nفذكر الحديث بطوله (^٢).\n_________\n(^١) هو: محمد بن عثمان بن كرامة العجلي مولاهم أبو جعفر، وقيل: أبو عبد الله الكوفي.\nروى عن أبي نعيم وعبد الله بن موسى وكان يورق عليه وخالد بن مخلد وغيرهم.\nروى عنه البخاري في الصحيح هذا الحديث فحسب، وروى عنه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن مخلد وغيرهم.\nكان صدوقًا، وذكره ابن حبان في الثقات وتوفي سنة ٢٥٦.\nوترجمته في التهذيب ٩/ ٣٣٨ - ٣٣٩، والكاشف ٣/ ٧٦.\n(^٢) أخرجه البخاري في: ٨١ - كتاب الرقاق: ٣٨ - باب التواضع ١١/ ٣٤٠ - ٣٤١ ح ٦٥٠٢؛ عن محمد بن عثمان بن كرامة، عن خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن عطاء، عن أبي هريرة - فذكره.\nوفي \"ا\"، م: \"ولا يزال … ولئن\".\nوأخرجه أبو نعيم في الحلية ١/ ٤ - ٥ من رواية محمد بن عثمان بن كرامة - به - بنحوه وفيه: فلئن سألني عبدي أعطته ولئن استعاذ لي لأعذته .. وأكره إساءته - أو مساءته\".\nوفي المطبوع: \"محمد بن إسحاق بن كرامة\" وفيه تحريف.\nوالبيهقي في الزهد الكبير ص ٢٩١ من رواية محمد بن عثمان بن كرامة وفيه: فقد بارزني بالحرب، وما تقرب إلي بالنوافل حتى أحبه … ولئن سألني عبدي، ولئن استعاذ بي. =","vol":"3","page":1057},{"text":"• وزاد في آخره \"وما تَردَّدْتُ عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن: يكره الموت وأنا أكره مَسَاءته\".\nوهو من غرائب الصحيح، تفرد به ابن كرامة، عن خالد وليس هو في مسند أحمد، مع أن خالد بن مَخْلد القَطَواني تكلّم فيه الإمام أحمد وغيره وقالوا: له مناكير (^١) وعطاء الذي في إسناده قيل: إنه ابن أبي رباح، وقيل: إنه ابن يسار؛ وأنه وقع\n_________\n= ثم أورد عقبه قول الجنيد في معنى قوله: \"يكره الموت وأكره مساءته\": لما يلقى من عيان الموت وصعوبته، وكربه، ليس أني أكره له الموت؛ لأن الموت يورده إلى رحمتي ومغفرتي.\nوأخرجه في السنن الكبرى: كتاب صلاة الاستسقاء: باب الخروج من المظالم والتقرب إلى الله تعالى بالصدقة ونوافل الخير رجاء الإجابة ٣/ ٣٤٦ من الرواية السابقة وأشار إلى أمرين:\nالأول: إخراجه له في الأسماء والصفات.\nوالثاني: إخراج البخاري له في الصحيح.\nوفي كتاب الشهادات: باب ينبغي للمرء أن لا يبلغ منه ولا من غيره من تلاوة القرآن ولا صلاة نافلة ولا نظر في علم ما يشغله عن الصلاة حتى يخرج وقتها ١٠/ ٢١٩ من رواية أبي عبد الله الحافظ، عن إبراهيم بن محمد، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عثمان بن كرامة - به - بنحوه - وأشار إلى رواية البخاري له في الصحيح.\n(^١) وقد طعن على البخاري إخراجه لهذا الحديث في الصحيح، براويين، روى البخاري هذا الحديث من طريقهما، ولا مخرج له عن أبي هريرة من غيرهما إذ قد تفردا بروايته، كل في طبقته وأحدهما أحد شيوح البخاري وهو: خالد بن مخلد القطواني، وثانيهما شريك بن عبد الله بن أبي نمر.\nوكما طعنت رواية البخاري، بذلك طعنت كذلك بعدم وضح المراد بعطاء الراوي، عن أبي هريرة: فهل هو عطاء بن يسار؟ أم هو عطاء بن أبي رباح؟.\nوإذًا فنحن أمام تضعيف حديث البخاري بما يلي:\n١ - ضعف خالد بن مخلد.\n٢ - ضعف شريك بن عبد الله.\n٣ - الجهالة بعطاء وعدم الجزم بتعيينه\nفأما خالد بن مخلد فالذي يبدو لي أنه؛ إنما ضعفه من ضعفه بما يلي:\n١ - إفراطه في التشيع.\n٢ - حدته في الحديث عن الصحابة.\n٣ - وهمه في بعض ما رواه حتى أخذ عليه ابن عدي خطأه في عشرة أحاديث.\n٤ - تفرده ببعض ما رواه كهذا الحديث.\nوأشد المؤرخين تحاملًا عليه الذهبي.\nوأشد المحدثين استنكار له الإمام أحمد.\nومع ذلك فقد عرف به الذهبي في السير ١٠/ ٢١٧ - ٢١٩ فقال: الإمام المحدث، الحافظ المكثر المغرب (أي الذي يروي الغرائب) أبو الهيثم البجلي الكوفي القطواني، وقطوان (بفتح القاف والطاء) مكان بالكوفة. جل روايته عن أهل المدينة. =","vol":"3","page":1058},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= حدث عن مالك وسليمان بن بلال. ونافع بن أبي نعيم وغيرهم.\nحدث عنه البخاري في صحيحه، وعبد بن حميد، ومحمد بن عثمان بن كرامة، وخلق سواهم.\nوقد ررى الجماعة سوى أبي داود، عن رجل عنه.\nثم حكى عن يحيى بن معين قوله فيه: ما به بأس، وعن أبي داود: صدوق يتشيع.\nوعن أحمد بن حنبل: له أحاديث مناكير.\nوعن محمد بن سعد: كان منكر الحديث، مفرطًا في التشيع، كتبوا عنه ضرورة.\nثم ذكر أن ابن عدي أورد له \"في كامله\" عدة أحاديث منكرة.\nوأن البخاري روى له حديث \"من عادى لي وليًا؛ فقد آذنته بالحرب\" عن ابن كرامة عنه، وهو غريب جدًا لم يروه سوى ابن كرامة عنه.\nوأن وفاته كانت سنة ثلاث عشرة ومائتين.\nوذكر في التذكرة ١/ ٤٠٦ - ٤٠٧ أنه شيعي صدوق يأتي بغرائب ومناكير.\nوإذا ما رجعنا إلى المصادر الأخرى للترجمة وجدنا صالح بن محمد جزرة يقول: إنه ثقة في الحديث؛ إلا أنه كان متهما بالغلو.\nوأن الجوزجاني كان يقول عنه: كان شتامًا معلنًا لسوء مذهبه.\nوأنه قد قيل له: عندك أحاديث في مناقب الصحابة؟ قال: قل في المثالب أو المثاقب.\nوأن أبا أحمد يقول: يكتب حديثه ولا يحتج به.\nوأن الأزدي يقول: في حديثه بعض المناكير، وهو عندنا في عداد أهل الصدق.\nوأن ابن شاهين كان يقول: ثقة صدوق.\nأما العجلي فكان يقول: كوفي ثقة، فيه قليل من التشيع، كذا وثقه ابن حبان وترجم له في الثقات.\nونستطيع أن نستنتج مما سبق أن لخالد إيجابيات وسلبيات، وأن إيجابياته تتمثل فيما يلي:\n١ - أنه إمام محدث مكثر حافظ = ضابط.\n٢ - أنه صدوق ما به بأس = عدل.\n٣ - أنه ثقة لثبوت ضبطه وعدالته.\n٤ - أن جل روايته عن أهل المدينة.\n٥ - أن ممن أخذ عنه العلم: البخاري ومسلم وأصحاب السنن = أي أنه قد جاز القنطرة كما قيل؛ حيث أخذ عنه الشيخان.\n٦ - أنه ذو تشيع قليل.\nوإذا كانت تلك الأمور هي محاور إيجابياته؛ فإن محاور سلبياته ما يلي:\n١ - أنه - مُغرب = يأتي بالغرائب.\n٢ - أنه يروي أحاديث مناكير كالأحاديث العشرة التي أوردها له ابن عدي في الكامل.\n٣ - أنه مفرط في التشيع.\n٤ - أنه كان سيئ القالة في الصحابة.\nولعل مأتى الإنكار عليه في أحاديثه ما أحصاه عليه ابن عدي، وما روي من تشيعه المفرط، وسوء مقاله في الصحابة.\nفأما الأحاديث العشرة فعامتها أحاديث ثابتة وخطأ خالد فيها؛ إنما جاء في بعض أسماء رواتها أو في رفع =","vol":"3","page":1059},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= بعضها وهو: موقوف.\nكحديث: \"السفر قطعة من العذاب\".\nرواه خالد عن مالك، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا.\nقال ابن عدي:\nوهذا لا يعرف لمالك، عن سهيل؛ إنما يرويه مالك في الموطأ، عن سمي؛ عن أبي صالح.\nوكحديث \"كل مسكر حرام، وكل مسكر خمر\".\nوهذا رواه خالد، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا.\nوقال ابن عدي، وهو في الموطأ موقوف وأكمل ابن عدي الحديث عن العشرة ثم قال: وخالد بن مخلد القطواني له عن مالك وسليمان بن بلال وغيرهما وله شيوخ كثيرة، ونسخ، وعنده نسخة عن مغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة نحو من مائة حديث.\nوله عن يوسف بن عبد الرحمن المدني، عن العلاء نسخة.\nوله عن عبد العزيز بن الحصين نسخة، وهو من المكثرين في محدثي أهل الكوفة.\nوبعد أن مهد ابن عدي بهذا للاعتذار عما أخذ على خالد في تلك الأحاديث قال - ﵀ -: وهذه الأحاديث التي ذكرتها عن مالك، وعن غيره لعله توهمًا منه أنه كما يرويه، أو حمل على حفظه؛ لأني قد اعتبرت حديثه ما روى الناس عنه من الكوفيين: محمد بن عثمان بن كرامة، ومن الغرباء: أحمد بن سعيد الدارمي.\nوعندي من حديثهما عن خالد صدر صالح ولم أجد في كتبه أنكر مما ذكرته، فلعله توهمًا منه أو حملًا على الحفظ، وهو عندي إن شاء الله: لا بأس به! \".\nإن ابن عدي يريد ليقول:\nإن خالد بن مخلد محدث مكثر له شيوخ عديدون وله عنهم نسخ كثيرة.\nوقد يحدث الوهم أو النسيان مع هذه الكثرة من الشيوخ، والنسخ والأحاديث.\nوهو صدوق لا يعرف عنه تعمد الخطأ.\nفلعل هذه الأحاديث التي أخطأ فيها كانت منه على توهم أن ما رواه كان على ما رواه؛ إذ ربما يكون الخطأ في السماع، فسميّ قريب من سهيل، والحديث الذي رواه عن مالك بن سهيل هو: عن مالك عن سُمَيّ. فإما أن يكون ذلك منه على أساس التوهم، أو أن يكون قد سمع على الوجه، لكن الخطأ جاء من ضعف الحفظ. وعلى أية حال: فإن ابن عدي قد اعتبر أو اعتمد من رواية الناس عنه أحد رجلين:\n١ - محمد بن عثمان بن كرامة.\n٢ - أحمد بن سعيد الدارمي.\nوحديث أبي هريرة الذي معنا ليس مما أنكر عليه في هذه الأحاديث ثم هو من رواية واحد اعتمده ابن عدي وهو: محمد بن عثمان بن كرامة.\nوقد شفع ابن عدي ذلك بشهادة منه لما روى ابن كرامة والدارمي عنه بقوله: وعندي من حديثهما عن خالد صدر صالح ولم أجد في كتبه أنكر مما ذكرته فلعله توهمًا منه أو حملًا على الحفظ.\nفحديث أبي هريرة يدخل فيما ذكر ابن عدي: أنه صدر صالح؛ وأنه من الرواية التي اعتمدها عن خالد بن مخلد.\nوهو يؤكد هذا بالاعتذار عنه. =","vol":"3","page":1060},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وأنه ليس مما أنكر عليه إذ لم يكن من الأحاديث العشرة.\nوقوله - بعد هذا عنه - وهو عندي إن شاء الله لا بأس به.\nوقد وهم العلامة العيني حيث قرر في مجال دفاعه عن خالد بن مخلد أن هذا الحديث مما استنكره ابن عدي في عداد العشرة؛ وقد علمت أنه ليس واحدًا منها. وقد تتبعتها حديثًا حديثًا فلم أجد حديث أبي هريرة بها. وتأكد هذا بما ذكره الحافظ ابن حجر في هدي الساري ٢/ ٣٩٨ فقد قال: \"لقد تتبع هذه المناكير أحمد بن عدي فأوردها في \"كامله\" وليس فيها شيء مما أخرجه له البخاري، بل لم أر له من عنده من أفراده سوى حديث واحد وهو حديث أبي هريرة: \"من عادى لي وليًّا … الحديث\".\nراجع ترجمة خالد بن مخلد في التاريخ الكبير للبخاري ٢/ ١/ ١٦٠ والثقات لابن حبان ٨/ ٢٢٤، والثقات للعجلي ص ١٤١ ت ٣٦٩، والثقات لابن شاهين ص ١١٦ ت ٣٠٤، والضعفاء للعقيلي ٢/ ١٥، وتهذيب التهذيب ٣/ ١١٦ - ١١٨، والتقريب ١/ ٢١٨ وقد ذكر أنه من كبار العاشرة، وهدى الساري في الموضع المذكور. وفتح الباري ١١/ ٣٤١، وعمدة القاري ٢٣/ ٨٩، ورجال صحيح البخاري - ورجال صحيح مسلم لابن منجويه ١/ ١٨٣ - ١٨٤ ت ٣٨٠ وأما عن تشيعه فقد رأيت أن البعض يقول: كان مفرطًا في التشيع، وأن البعض الآخر يقول: كان قليل التشيع وهو: - إذًا - أمر اختلفت وجهات النظر في تقديره. وقد حسم الحافظ ابن حجر ما يتعلق بالرواية عنه بقوله في مقدمته:\n\"أما التشيع، فقد قدمنا أنه إذا كان ثبت الأخذ والأداء لا يضره، لا سيما ولم يكن داعية إلى رأيه\". وعلى هذا يحمل ما روي عنه من حدة على الصحابة؛ فلعل في ذلك بعض المبالغة التي لا يحمل عليها؛ إلا الغيرة على الصحابة، سيما ونحن لم نَرَ الرواية عنه في هذا شائعة، بل إن القليل فحسب هم الذين رووا ذلك، وأخذوه عليه.\nعلى أن الشيخين ما كانا ليرويا عنه وهما يريان له هذا الذي قيل عنه بالنسبة للصحابة، أو ما كانا ليخفيا ذلك في الترجمة له.\nوهذا الحديث الذي رواه البخاري لخالد من رواية أبي هريرة رواه البيهقي وأبو نعيم كما تقدم وهما من هما في نقد الأسانيد، والدراية بالحديث ولم يطعن أي منهما في هذا الحديث، ولا في أحد رواته، بل كان البيهقي كما رأينا يذكر إيراد البخاري للحديث وروايته له، وكأنما يريد ليؤكد تأصيل صحة الحديث، وتوثيق روايته. أما الغرابة؛ فلا يرد بها الحديث وحدها، لأنها لا تنافي الصحة، وكم من غريب وهو صحيح؛ وما أكثر ما يعلق الترمذي في كتابه على الحديث جامعًا بين الصحة والغرابة، وخذ مثلًا - حديث؛ الأعمال بالنيات؛ فهو غريب؛ لانفراد بعض الرواة به في بعض طبقاته كطبقتي الصحابة والتابعين ولكنه مع هذا من أصح الصحيح. وسنرى أن الحديث وإن انفرد بروايته خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن شريك، عن عطاء عن أبي هريرة فإن أبا هريرة لم ينفرد بروايته، كما ذكر ذلك ابن رجب وغيره، الأمر الذي سيؤكد لنا أن للحديث أصلًا يرقى به إلى الصحيح لغيره إن لم نسلم؛ بأنه صحيح لذاته.\nوإذا كان وجود الحديث المعلق في الصحيح يشي بذلك، فكيف بالحديث المسند؟\nوفي ضوء هذا يستبين لنا معنى قول الذهبي، عن هذا الحديث: \"حديث غريب جدًا، ولولا هيبة الصحيح؛ لعدوه من منكرات خالد بن مخلد؛ لغرابة لفظه، وانفراد شريك به، وليس بالحافظ ولم يرد هذا المعنى؛ إلا بهذا الإسناد، ولا خرجه غير البخاري\".\nقال الزبيدي: أي من الأئمة الستة.\nوقد تبين لك أن للحديث مخارج عديدة عدا البخاري، بل عدا الكتب الستة كالسنن الكبرى للبيهقي، =","vol":"3","page":1061},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= والزهد الكبير، والأسماء والصفات له.\nوقد أورده الزبيدي في الإتحاف ٥/ ٢٩٥ - ٢٩٦ وزاد نسبته إلى الطبراني في الكبير من حديث ابن عباس يقول الله - ﷿ -: \"من عادى لي وليًا فقد ناصبني بالمحاربة … الحديث\" وإلى أبي نعيم في الحلية، وابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء، والحكيم في النوادر، وابن مردويه، والبيهقي في الأسماء، وابن عساكر كلهم من حديث أنس يقول الله - ﷿ -: من أهان لي وليًا فقد بارزني بالمحاربة.\nوأورده في ٨/ ١٠٢ وزاد نسبته إلى أحمد، والحكيم، وأبي يعلى، والطبراني في الأوسط، وأبي نعيم في الطب، والبيهقي في الزهد، وابن عساكر، من حديث عائشة قال: قال الله - ﷿ -: \"من آذى لي وليًا فقد استحل محاربتي … الحديث\" وسيأتي لنا تفصيل القول فيها.\nوأما شريك بن عبد الله بن نمر؛ فحسبنا ما قال ابن حجر: في الفتح ١٣/ ٤٨٥، عن شريك الذي قيل عن تفرده بأشياء في حديث الإسراء والمعراج، نقلًا عن أبي الفضل بن طاهر: تعليل الحديث بتفرد شريك، ودعوى ابن حزم أن الآفة منه شيء لم يسبق إليه؛ فإن شريكًا قبله أئمة الجرح والتعديل، ووثقوه، ورووا عنه، وأدخلوا حديثه في تصانيفهم واحتجوا به.\nثم قال ابن حجر: وروى عبد الله بن أحمد الدورقي، وعثمان الدارمي، وعباس الدوري، عن يحيى بن معين: لا بأس به، وقال ابن عدي: مشهور من أهل المدينة؛ حدث عنه مالك وغيره من الثقات، وحديثه إذا روى عنه ثقة لا بأس به، إلا أن يروى عنه ضعيف؛ قال ابن طاهر: وحديثه هذا رواه عنه ثقة وهو سليمان بن بلال.\nأقول: وهو الراوي الذي روى عنه حديث أبي هريرة \"من عادى لي وليًا\" الحديث.\nولا يطعن الحديث إذًا بتفرد شريك به.\nوهكذا، قال النسائي، وابن معين، وابن أبي حاتم: ليس به بأس، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث؛ ووثقه أبو داود، وابن حبان لكن قال: ربما أخطأ وقال النسائي: ليس بالقوي ولعله يقصد إذا روى عنه ضعيف.\nوقد وضع ابن عدي الميزان: إذا روي عنه ثقة فلا بأس برواياته.\nوأنه روى له الشيخان، وأصحاب السنن.\nوقد روى عن أنس وعطاء بن يسار وابن المسيب وغيرهم، وروى عنه مالك والثوري والمقبري وغيرهم وهو من الخامسة، قال عنه ابن حجر: صدوق يخطئ.\nوقيل ليحيى بن معين: شريك أثبت أو أبو الأحوص؟ قال: شريك.\nومن وثيق صلته بالله ما حكاه يحيى بن معين قال: حدثني منجاب قال: قال رجل لشريك: كيف تجدك يا أبا عبد الله؟! قال: أجدني شاكيا، غير شاك لله - ﷿ -.\nومن ورعه ما حكاه يحيى قال: قال أبو عبيد الله لشريك القاضي: \"أردت أن أسمع منك أحاديث؟ فقال: \"قد اختلطت علي أحاديثي وما أدري كيف هي؟ \" فألح عليه أبو عبيد الله، فقال: حدثنا بما تحفظ، ودع ما لا تحفظ. فقال: أخاف أن تجرح أحاديثي ويضرب بها في وجهي\".\nوإذا كان هذا حاله في الورع عن الخطأ، وفي الحرص والتحوط فكيف به إذا حدَّث؟!.\nراجع ترجمته في التاريخ الكبير ٢/ ٢/ ٢٣٦، والتاريخ لابن معين ٢/ ٢٥١ - ٢٥٢، والثقات للعجلي ص ٢١٧ ت ٦٦٣ وذكر أنه مدني تابعي ثقة، والثقات لابن حبان ٤/ ٣٦٠ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٢/ ١/ ٣٦٣ - ٣٦٤ وتهذيب التهذيب ٤/ ٣٣٧ - ٣٣٨، والتقريب ١/ ٣٥١.","vol":"3","page":1062},{"text":"في بعض نسخ الصحيح منسوبًا كذلك (^١).\n• وقد روي هذا الحديث من وجوه أخر، لا تخلو كلها عن مقال.\nفرواه عبدُ الواحد بن ميمون أبو حمزة مولى عروة بن الزبير، عن عروة، عن عائشة عن النبي - ﷺ - قال: [قال الله - ﷿ -] من آذى لي وليًّا فقد استحَلّ مُحَاربتي، وما تَقرّب إليّ عَبْدِي بمثل أداء فرائضي، وإنّ عَبْدي ليتقرّب إليَّ بالنوافلِ حتَّى أحِبَّهُ فإذا أَحْبَبْتُه كنتُ عينَه التي يُبْصرُ بها، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها وفؤادَهُ الذي يعقل به، ولسانه الذي يتكلم به، وإن دعاني أجَبْتُهُ، وإنْ سألني أعطيتُه وما ترددْتُ في شيء أنا فاعله تَردُّدِي عن موته، وذلك أنه يكره الموتَ وأنا أكرهُ مَسَاءَتَهُ.\n• خرجه ابن أبي الدنيا وغيره.\n• وخرجه الإمام أحمد بمعناه (^٢).\n_________\n(^١) الأصح أنه عطاء بن يسار، فقد وقع في بعض النسخ كذلك مصرحًا به، ونبه إلى ذلك الخطيب البغدادي، وترجع ذلك عند كل من العيني وابن حجر.\nراجع عمدة القاري ٢٣/ ٨٩، وفتح الباري ١١/ ٣٤١ وبذلك تنتفى الجهالة بعطاء.\n(^٢) الذي في مسند أحمد ٦/ ٢٥٦ من رواية حماد وأبي المنذر قالا: حدثنا عبد الواحد مولى عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: قال الله - ﷿ -: من أذل لي وليًا فقد استحل محاربتي، وما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء الفرائض، وما يزال العبد يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، إن سألني أعطيته، وإن دعاني أجبته، ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن وفاته، لأنه يكره، وأكره مساءته\".\nقال الإمام أحمد: وقال أبو المنذر: حدثني عروة، قال: حدثتني عائشة، وقال أبو المنذر: \"آذى لي\".\nفهذا الحديث عند أحمد له إسنادان:\nالأول: حماد، وأبو المنذر كلاهما عن عبد الواحد مولى عروة، عن عروة، عن عائشة.\nوالثاني: أبو المنذر، عن عروة، عن عائشة وهو بأعلى صيغ التحمل: التحديث.\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٢٤٧ - ٢٤٨ من حديث السيدة عائشة - ﵂ - وقال، رواه أحمد وفيه: عبد الواحد بن قيس بن عروة، وثقه أبو زرعة والعجلي، وابن معين في إحدى الروايتين عنه وضعفه غيره، وبقية رجاله رجال الصحيح.\nوعبد الواحد بن قيس حيث هو مختلف فيه فحديثه حسن وراجع ترجمته في الضعفاء لأبي زرعة ٣/ ٦٣٥ ت ٢٠١ من أبي زرعة وجهوده في السنة النبوية للدكتور سعدي الهاشمي، والثقات للعجلي ص ٣١٤ ت ١٠٤٤ وقد ذكر أنه شامي تابعي ثقة، والضعفاء الكبير للعقيلي ٣/ ٥١ - ٥٢، والتاريخ الكبير ٣/ ٢/ ٥٦، وفيه \"كان الحسن بن ذكوان يحدث عندنا عجائب\" وصوابها عند العقيلي: \"يحدث عنه عجائب\" وعند البخاري في الضعفاء الصغير ص ٧٩ ت ٢٢٩: \"بعجائب\" والتهذيب ٦/ ٤٣٩ - ٤٤٠ والتقريب ١/ ٥٢٦، وقد ذكر أنه صدوق له أوهام ومراسيل، ولعله لهذا ذكره ابن حبان في الثقات، ثم في المجروحين وقال: لا يحتج بمقاطعيه ولا بمراسيله، والضعفاء للنسائي ص ٢٠٨ ت ٣٧٢، والجرح والتعديل ٣/ ١/ ٢٣.\nولقد جاء عبد الواحد هذا في المسند غير منسوب بل جاء فقط موصوفًا بكونه مولى لعروة. =","vol":"3","page":1063},{"text":"• وذكر ابن عديّ أنه تفرد به عبد الواحد هذا عن عروة (^١).\n• وعبد الواحد هذا - قال فيه البخاري: منكرُ الحديث (^٢) ولكن خرجه الطبراني، حدثنا هارون بن كامل قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم: قال: حدثنا إبراهيم بن سويد المدني قال: حدثنا أبو حَزْرةَ: يعقوبُ بنُ مجاهد قال: أخبرني عروة، عن عائشة، عن النبي ﵌ فذكره.\nوهذا إسناد (^٣) جيد، ورواته (^٤) كلهم ثقات مخرّج لهم في الصحيح (^٥) سوى شيخ الطبراني؛ فإنه لا يحضرني الآن معرفةُ حاله.\n_________\n= ونسبه ابن رجب فقال: عبد الواحد بن ميون، ورجح الشيخ ناصر الألباني هذه النسبة وأعل الحديث به، انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ٤/ ١٨٣ - ١٩٣ وعلى أنه عبد الواحد بن ميمون وهو من الضعف ما هو فقد قال الشيخ ناصر: وجملة القول في حديث عائشة هذا، أنه لا بأس به في الشواهد من الطريق الأخرى إن لم يكن لذاته حسنا.\nوهو يقصد بالطريق الأخرى طريق الطبراني لحديث عائشة.\nبيد أن الطريق الأخرى للحديث ذات الإسناد العالي والتي أشار إليها الإمام أحمد لحديث عائشة لم يتكلم عليها أحد فقد قال الإمام أحمد عقب الحديث: وقال أبو المنذر: حدثني عروة، حدثتني عائشة وساق الحديث؛ فكأن أبا المنذر روى الحديث عن عروة، مرة بطريق مباشر، ومرة عن طريق عبد الواحد.\nفليكن عبد الواحد هذا ابن قيس أو ابن ميمون وليكن درجة حديثه ما تكون.\nفقد صرح الهيثمي بأن رجال أحمد رجال الصحيح؛ ما عدا عبد الواحد ففيه ما علمت.\nوإذا كان رجال أحمد عدا عبد الواحد رجال الصحيح فالحديث بالإسناد الذي ليس فيه عبد الواحد؛ حديث صحيح.\nوإذًا؛ فهذا شاهد من الصحيح لحديث أبي هريرة إن افترضنا جدلًا أنه غير صحيح.\nكيف وقد علمت عنه ما علمت؟.\nبل كيف وقد صرح أبو نعيم بصحته حيث علق على إسناده لحديث عائشة بقوله \"حديث غريب وقد صح معنى هذا الحديث من حديث عطاء، عن أبي هريرة\".\nنقله الشيخ ناصر في الموضع المذكور عن أبي نعيم في الأربعين الصوفية.\nكما نقل فضيلته عن شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى ١٨/ ١٢٩ - ١٣١، قوله عن حديث أبي هريرة: \"هذا حديث شريف، هو أشرف حديث روي في صفة الأولياء\".\nوهو عند ابن أبي الدنيا في: الأولياء ص ٢٧ - ٢٨ أول حديث في الكتاب عن أنس بن مالك.\n(^١) في ترجمته له في الكامل ٥/ ٣٠١ ت ٤٧٦/ ١٤٤٤ وهذا يرجح أيضًا أنه عبد الواحد بن ميمون وليس عبد الواحد بن قيس.\n(^٢) في ترجمته له في التاريخ الكبير ٣/ ٢/ ٥٨ وانظر ترجمته أيضًا في الضعفاء والمتروكين للدارقطني ص ٢٧٨ ت ٣٤٤ والضعفاء للنسائي ص ٢٠٧ ت ٣٦٩، والجرح والتعديل ٣/ ١/ ٢٤، وفيه: سئل أبو عامر كيف كان هذا الشيخ؟ فقال: تعرف وتنكر، والكنى للدولابي ١/ ١٥٦.\n(^٣) م: \"وهذا أيضًا إسناده\".\n(^٤) م: \"ورجاله\".\n(^٥) م: \"في الصحيحين\".","vol":"3","page":1064},{"text":"ولعل الراوي قال: حدثنا أبو حمزة؛ يعني عبد الواحد (^١) بن ميمون؛ فخيل للسامع أنه قال أبو حَزْرَةُ ثم سماه من عنده بناء على وهمه (^٢) والله أعلم.\n_________\n(^١) م: \"عبد الوهاب\" وهو عبد الواحد.\n(^٢) لعل الذي وهم هو: الحافظ ابن رجب!؟.\nلقد اعتقد ابن رجب أن الراوي وهم لأمرين:\nالأول: أن الراوي عن عروة فيما يعتقد ابن رجب راوٍ واحد، هو عبد الواحد بن ميمون.\nالثاني: أنه ليس لهذا الراوي الواحد؛ إلا كنية واحدة، هي أبو حمزة.\nومن هنا تعين على ابن رجب أن يخطئ الراوي خطأين:\nالأول: في الكنية؛ حيث قال الراوي: حدثنا أبو حزرة؛ بينما الكنية الوحيدة لعبد الواحد هي أبو حمزة.\nالثاني: في الاسم؛ حيث أعقب الراوي أبا حزرة، بيعقوب بن مجاهد، وكان عليه أن يعقبه بعبد الواحد بن ميمون، حتى لا يكون خطؤه مضاعفا.\nوجل من لا يسهو!.\nفقد أصاب ابن رجب في أن كنية عبد الواحد: أبو حمزة، ولكنه لم يصب فيما اعتقد أن الراوي خيل إليه أنه قيل له: أبو حزرة، ثم لم يصب فيما اعتقد أنه سماه من عنده بناء على وهمه.\nإن الراوي عن عروة راويان، وليس راويًا واحدًا.\nإن الراوي عن عروة أبو حمزة: عبد الواحد بن ميمون، وأبو حزرة: يعقوب بن مجاهد.\nوكلا الكنيتين صواب.\nوكلا الاسمين صحيح.\nوآية ذلك في الكنى للدولابي ١/ ١٥٦، وتهذيب التهذيب ١١/ ٣٩٤ - ٣٩٥، ١٢/ ١٧ وذكر أنه يعقوب بن مجاهد\nالقرشي أبو حزرة (بفتح المهملتين بينهما زاي ساكنة) المدني القاص مولى بني مخزوم.\nوأنه يقال: كنيته أبو يوسف؛ وأبو حزرة لقب.\nوثقه النسائي وابن حبان وروى له البخاري في الأدب، ومسلم، وأبو داود، وتوفي سنة خمسين ومائة أو تسع وأربعين ومائة.\nوانظر التقريب ٢/ ٣٧٦، ٤١١ وذكر فيه أنه يكنى أبا حزرة وهو بها أشهر، وأنه صدوق، من السادسة. وقد نقل الشيخ ناصر الألباني في الموضع السابق رواية الطبراني له في الأوسط (١٥/ ١٦ - زوائده) عن هارون بن كامل، عن سعيد بن أبي مريم، عن إبراهيم بن سويد، عن أبي حزرة: يعقوب بن مجاهد، عن عروة، عن عائشة، عن رسول الله - ﷺ - قال: فذكره بتمامه مثله، إلا أنه قال: \"إن دعاني أجبته\" بدل \"إن استعاذني لأعيذنه\" وأردف ذلك بتعقيب الطبراني؛ حيث قال:\n\"لم يروه عن أبي حزرة؛ إلا إبراهيم، ولا عن عروة؛ إلا أبو حزرة. وعبد الواحد بن ميمون\".\nوهذا نص صريح فيما أشرنا إليه.\nوقول ابن رجب في هذا الإسناد: \"وهذا إسناد جيد، ورواته كلهم ثقات، محتج بهم في الصحيح\" قريب من قول الهيثمي في مجمع الزوائد ٢/ ٢٤٨ و١٠/ ٢٦٩: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح، خلا شيخه هارون بن كامل.\nوقد رد الشيخ ناصر الألباني في الموضع المذكور أن يكون يعقوب بن مجاهد، وإبراهيم بن سويد من رجال الصحيح، وذكر أن البخاري أخرج لهما في الأدب المفرد لا في الصحيح. =","vol":"3","page":1065},{"text":"وخرج الطبراني وغيره من رواية عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﵌ قال: يقول الله تعالى: \"منْ أهان لي وليًّا؛ فقد بارزني بالمحاربة، ابن آدم! إنك لن تُدْرك ما عندي؛ إلا بأداءِ ما افترضْتُ عليك، ولا يزال عبْدي يتحبب (^١) إليَّ بالنوافل حتى أحبّه، فأكون قلبَه الذي يعقل به، ولسانَه الذي ينطق به، وبصرَهُ الذي يُبْصِرُ به، فإذا دَعَاني أَجَبْتُهُ، وإذا سألني أعطيته، وإذا استنصَرَنِي نَصَرْتُهُ، وأَحَبُّ عبادة عبدي إليّ النصيحة\".\nعثمان وعلي بن يزيد: ضعيفان (^٢).\nوقال أبو حاتم الرازي في هذا الحديث: هو منكر جدًّا.\nوقد روي من حديث عليّ، عن النبي ﵌ بإسناد (^٣) ضعيف.\nخرجه الإسماعيلي في مسند علي.\nوروي من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف (^٤).\nوخرجه الطبراني وفيه زيادات في لفظه.\nورويناه من وجه آخر عن ابن عباس وهو: ضعيف أيضًا.\nوخرجه الطبراني وغيره من حديث الحسن بن يحيى الخُشَني، عن صدقة بن عبد الله الدمشقي، عن هشام الكناني، عن أنس، عن النبي ﵌، عن جبريل عن ربه تعالى قال:\n_________\n= وربما يكون أساس الرد عند الشيخ أنه في التهذيب في ترجمة يعقوب بن مجاهد أشير إلى أنه من رجال البخاري في الأدب.\nوفي ترجمة إبراهيم بن سويد في التقريب أشير كذلك إلى أنه من رجال البخاري في الأدب.\nوكلا الموضعين لا ينفي أن كلًا منهما من رجال الصحيح؛ فأما يعقوب بن مجاهد فهو: من رجال مسلم وهذا كاف في أنه من رجال الصحيح.\nوأما إبراهيم بن سويد؛ فقد صرح في تهذيب الكمال، وتهذيب التهذيب؛ أنه من رجال البخاري ثم أشار محقق تهذيب الكمال إلى أن الإشارة في تقريب التهذيب أنه من رجال البخاري في الأدب وهم. راجع تهذيب الكمال ١/ ٢/ ١٠٢ - ١٠٣ وفيه أيضًا أن سعيد بن أبي مريم روى عنه في البخاري وأبي داود، وتهذيب التهذيب، ١/ ١٢٦ و١١/ ٣٩٤ - ٣٩٥، وتقريب التهذيب، ١/ ٣٦ و٢/ ٣٧٦.\n(^١) م: \"يتقرب\" وما أثبتناه عن \"أ\" هو الموافق لما في المجمع.\n(^٢) أورده الهيثمي في المجمع ٢/ ٢٤٨ من طريقين عن الطبراني، وقال: في الطريقين علي بن يزيد وهو ضعيف.\n(^٣) م: \"بسند\".\n(^٤) أورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٧٠ من حديث ابن عباس وقال: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم.","vol":"3","page":1066},{"text":"من أهان لي وليًّا فقد بَارَزَني بالمحاربة، وما تردَّدتُ عن شيء أنا فاعله ما تردَّدْتُ في قبض نفسِ عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بد له منه، وإن من عبادي المؤمنين من يريد بابا من العبادة فأكفُّه عنه لا يدخله عجب؛ فيفسده ذلك، وما تقرب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتنفَّل حتى أُحِبَّهُ، ومن أحببتُه كنتُ له سَمْعًا، وبَصَرًا، ويدًا، ومؤيدًا، دعاني؛ فأجبته، وسألني؛ فأعطيته، ونصح لي، فنصحت له، وإن من عبادي من لا يُصْلِحُ إيمانَهُ؛ إلا الغني ولو أفقرتُه، لأفْسَدَهُ ذلك، وإنّ من عبادي من لا يُصْلِحُ إيمانَهُ؛ إلا الفقر، وإن بَسَطتُ له؛ لأفسَدَه ذلك، وإِنّ مِن عبَادي مَنْ لا يُصْلِحُ إيمانه، إلا الصّحة، ولو أسْقمتُه لأفسَدَه ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه؛ إلا السقم، ولو أصححتُه؛ لأفسدَة ذلك؛ إني أدبّر عِبَادي بعلمي بما في قلوبهم إني عليمٌ خَبِيرٌ.\nوالخشني، وصدقة: ضعيفان، وهشام لا يُعرَف (^١).\nوسئل ابنُ معين عن هشام هذا: مَنْ هو؟ قال: لا أَحَدَ.\nيعني أنه لا يعتبر به.\nوقد خرج البزَارُ بعضَ الحديث من طريق صدقة عن عبد الكريم الجزري، عن أنس.\nوخرج الطبراني من حديث الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة حدثني زر بن حُبَيْش، سمعت حُذَيفة يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله تعالى أَوْحَى إليَّ يا أخا المرسلين! ويا أخا المنذرين! أنذر قومك أن لا يدخلوا بيتًا من بيوتي ولأحدٍ عِنْدهم مظلمة؛ فإني أَلْعنُه ما دامَ قائمًا بين يدي يصلي حتى يرد تلك الظلّامةَ على أهلها، فأكونَ سمعَه الذي يسمع به، وأكونَ بصرَه الذي يبصِرُ به، ويكون من أوليائي وأصفيائي، ويكونَ جاري مع النبيين والصديقين والشهداء في الجنة\".\nوهذا إسناد جيد، وهو غريب جدًّا (^٢) \".\n_________\n(^١) وأورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٧٠ من حديث أنس و\"قال\" رواه الطبراني في الأوسط، وفيه عمر بن سعيد أبو حفص الدمشقي، وهو ضعيف. وهو الوجه الذي أشرنا آنفًا أن ابن أبي الدنيا أخرجه منه في \"الأولياء\" حيث أخرجه عن الهيثم بن خارجة والحكم بن موسى، عن الحسن بن يحيى الخشني، به.\n(^٢) تكلم الحافظ ابن حجر على الحديث من رواية خالد بن مخلد، عن سليمان بن بلال، عن شريك، عن عطاء، عن أبي هريرة، وأورد ما قاله الذهبي وغيره عن خالد وشريك مما أفضنا فيه من ذي قبل ثم قال: ولكن للحديث طرقًا أخرى يدل مجموعها على أن له أصلًا، منها عن عائشة، أخرجه أحمد في الزهد، =","vol":"3","page":1067},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1246>[عود إلى شرح الحديث]:</span>\nولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة الذي خرجه البخاري.\nوقد قيل: إنه أشرف حديث روي في ذكر الأولياء (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1247>[من عادى لي وليًّا]:</span>\nقوله تعالى: \"من عادى لي وليًّا فقد آذنته بالحرب\" يعني: فقدْ أعلمتُه بأني مُحارِبٌ له؛ حيث كان محارِبًا لي بمعاداته أوليائي.\nولهذا جاء في حديث عائشة: \"فقد استحل محاربتي\" وفي حديث أبي أمامة وغيره: \"فقد بارزني بالمحاربة\".\nوخرج ابن ماجه بإسناد ضعيف عن معاذ بن جبل، سمع النبي ﵌ يقول: \"إن يَسيرَ الرياء شِرْكٌ، وإنّ مَنْ عَادَى لله وليًّا فقد بارزَ اللهَ بالمحارَبة، وإنّ اللهَ تعالى يُحِبُّ الأبرارَ الأتْقِيَاءَ الأخْفِياءَ الذين إذا غابوا لم يُفْتَقَدُوا، وإنْ (^٢) حَضَرُوا لم\n_________\n= وابن أبي الدنيا، وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الزهد من طريق عبد الواحد بن ميمون، عن عروة، عنها. وذكر ابن حبان، وابن عدي أنه تفرد به، وقد قال البخاري: إنه منكر الحديث. لكن أخرجه الطبراني من طريق يعقوب بن مجاهد، عن عروة وقال: لم يروه عن عروة؛ إلا يعقوب وعبد الواحد [وهذا يؤكد ما سبق أن قلنا في معرض الرد على ابن رجب بشأن تخطئته راوي المعجم].\nثم قال ابن حجر: ومنها عن أبي أمامة أخرجه الطبراني والبيهقي في الزهد بسند ضعيف.\nومنها عن علي عند الإسماعيلي في مسند علي.\nوعن ابن عباس أخرجه الطبراني وسندهما ضعيف.\nوعن أنس أخرجه أبو يعلى والبزار والطبراني، وفي سنده ضعف أيضًا.\nوعن حذيفة أخرجه الطبراني مختصرًا وسنده حسن غريب.\nوعن معاذ بن جبل أخرجه ابن ماجه وأبو نعيم في الحلية مختصرًا وسنده ضعيف أيضًا.\nوعن وهب بن منبه مقطوعًا أخرجه أحمد في الزهد، وأبو نعيم في الحلية، وفيه تعقب علي ابن حبان، حيث قال بعد إخراج حديث أبي هريرة: لا يعرف لهذا الحديث؛ إلا طريقان يعني غير حديث الباب، وهما هشام الكناني عن أنس، وعبد الواحد بن ميمون، عن عروة عن، عائشة وكلاهما: لا يصح\".\nأقول: قد عرفنا الطريق الصحيح الثاني لحديث عائشة في مسند أحمد.\nوها هو ذا ابن حجر - بدوره - لا يعرج عليها؛ وهو أصل قوي في تصحيح الحديث.\nعلى أن ابن حجر يلتقي بهذا الذي ذكره عن روايات الحديث مع شيخه ابن رجب إلى حد كبير وانظر الحلية ٦/ ١١٦، والفتح ١١/ ٣٤٠ - ٣٤٧.\n(^١) هذا ما قاله العلامة ابن تيمية كما أشرنا إلى ذلك من ذي قبل ص ١٠٦٤.\n(^٢) م: \"وإذا\" وما أثبتناه عن \"ا\" هو الموافق لما في السنن.","vol":"3","page":1068},{"text":"يُدْعَوْا، ولم يُعْرَفُوا، [قلوبهم] (^١) مصَابيحُ الهدَى، يخرجون من كل غَبْرَاءَ مُظْلِمة\" (^٢).\nفأولياء الله تجبُ موالاتهم، وتحرمُ معاداتُهم؛ كما أن أعداءَه تجب معاداتهم، وتَحْرُمُ مُوَالَاتُهُمُ.\nقال تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (^٣) وقال: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (^٤).\nووصف أحبّاءَهُ الذين يحبّهم ويُحِبُّونَهُ بأنَّهُمْ أَذِلَّةٌ علَى المؤمنينَ، أعِزّةٌ علَى الكَافِرِين (^٥).\nوروى الإمام أحمد في كتاب الزهد بإسناده، عن وهب بن منبه، قال: إن الله تعالى قال لموسى - ﵇ - حين كلَّمه: \"اعلم أنه مَنْ أهانَ لي وليًّا أو أخافه؛ فقد بارزني بالمحارَبة، وبَادأَني وعَرَّضَ نفسه، ودَعَاني إليها وأَنا أسرعُ شيءٍ إليَّ نُصْرَة أوليائي. أفيظُن الذي يحاربني أن يقوم لي؟ أو يظن الذي يعازّني أن يُعْجزَني؟ أَم يظن الذي يبارزني أن يسبقني أو يفوتني؟ وكيف وأنا الثائر لهم في الدنيا والآخرة؟ فلا أكِلُ نُصْرَتَهُمْ إلى غَيْري؟ \" (^٦).\n_________\n(^١) ليست في الأصول وهي في السنن.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه في السنن: ٣٦ - كتاب الفتن: ١٦ - باب من ترجى له السلامة من الفتن ٢/ ١٣٢٠ ح ٣٩٨٩ من رواية حرملة بن يحيى، عن عبد الله بن وهب، عن ابن لهيعة، عن عيسى بن عبد الرحمن، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب أنه خرج - يومًا إلى مسجد رسول الله - ﷺ - فوجد معاذ بن جبل قاعدًا عند قبر النبي - ﷺ - يبكي، فقال: ما يبكيك؟ قال: يبكيني شيء سمعته من رسول الله - ﷺ -، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن يسير الرياء شرك … الحديث.\nوأورده البوصيري في مصباح الزجاجة ٢/ ٢٩٥ ح ١٤٠٢ وقال: فيه عبد الله بن لهيعة وهو ضعيف.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٢٨ من رواية نافع بن يزيد، عن عباس بن عياش، عن عيسى بن عبد الرحمن به وفي أوله: إن اليسير من الرياء شرك … الحديث وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي وقد تابع عباس بن عياش ابن لهيعة في الرواية، عن عيسى بن عبد الرحمن وهي متابعة لا تفيد؛ فعيسى بن عبد الرحمن منكر الحديث، متروك على ما يذكر البخاري والنسائي وأبو حاتم وابن حبان، وإن تعجب فعجب كيف صحح الحاكم حديثه على شرط الشيخين؟! وكيف أقره الذهبي؟!.\n(^٣) من الآية الأولى من سورة الممتحنة.\n(^٤) سورة المائدة: ٥٥ - ٥٦.\n(^٥) إشارة إلى الآية ٥٤ من سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\n(^٦) في كتاب الزهد في أخبار موسى - ﵇ - ص ٧٩ - ٨٤ من طريق إسماعيل بن عبد الكريم بن معقل بن منبه، عن عبد الصمد بن معقل، عن وهب بن منبه من حديث طويل وفيه: \"واعلم أن من أهان … =","vol":"3","page":1069},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1248>[المعاصي محاربة لله تعالى]:</span>\nواعلم أن جميعَ المعاصي محاربة لله تعالى.\nقال الحسن: \"ابن آدم! هل لك بمحارَبة اللهِ من طاقة؟ فإن من عَصَى الله؛ فقد حارَبَهُ؛ لكن كلما كان الذنبُ أقبح كان أشدَّ محاربة لله\".\nولهذا سَمَّى الله تعالى أكله الربا، وقُطّاع الطريق؛ محارِبين لله تعالى ورسولهِ لِعظمِ ظُلْمِهِمْ لعباده، وسعيهم بالفساد في بلاده.\nوكذلك معاداةُ أوليائه؛ فإنه تعالى يتولى نصرةَ أوليائه، ويحبّهم، ويؤيدهم، فمن عاداهم فَقَدْ عَادَى الله تعالى وَحَارَبَه.\nوفي الحديث عن النبي ﵌ أنه قال: \"اللهَ اللهَ في أصحابي؛ لا تتخذوهم غرضا فمن آذاهم فقد آذاني، ومَنْ آذَاني فقد آذى الله، ومَنْ آذى الله يوشِك أنْ يأخُذَه\".\nخرجه الترمذي وغيره (^١).\n_________\n= بنفسه … فأنا أسرع .. أيظن الذي يحاربني … يغازيني … أو يظن الذي يبارزني لا أكل. . .\". وفي المطبوعة: \"أو يظن الذي يُعاديني\".\n(^١) أخرجه الترمذي في: ٥٠ - كتاب المناقب: ٥٩ - باب حدثنا محمود بن غيلان ٥/ ٦٩٦ ح ٣٨٦٢ من حديث عبد الله بن مغفل بنحوه، وقال هذا حديث حسن غريب لا نعرفه؛ إلا من هذا الوجه، وسقطت كلمة حسن من المصرية، وأثبتناها من الهندية وأشار فيها إلى أن لفظ حسن في نسخه.\nوأحمد في المسند ٥/ ٥٤ - ٥٥، ٥٧ (الحلبي)، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ٢٨٧، والزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٢/ ٤٢، ٢٢٣، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٩/ ١٢٣، وابن حبان في صحيحه كتاب أخباره - ﷺ - عن مناقب الصحابة، رجالها ونسائهم: باب فضل الصحابة والتابعين - ﵃ -: ذكر الزجر عن اتخاذ المرء أصحاب رسول الله - ﷺ - غرضا بالتنقص ٩/ ١٨٩ من الإحسان ح ٧٢١٢، والقاضي عياض في الشفا ٢/ ٦٠، ١١٨، ٦٥١ والبغوي في شرح السنة ١٤/ ٧٠ - ٧١، وذكر تحسين الترمذي له.\nكلهم من طريق عبيدة بن أبي رائطة، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن مغفل.\nوعبد الرحمن بن زياد كان أمير خراسان، روى عن عبد الله بن مغفل، وروى عنه عبيدة بن أبي رائطة، قال ابن معين: لا أعرفه، ووثقه ابن حبان وأخرج حديثه في صحيحه.\nوقوله: الله الله في أصحابي أي اتقوا الله فيهم لا تتنقصوهم ولا تنقصوهم حقهم ولا تسبوهم.\nأو التقدير: أذكركم الله ثم أنشدكم الله في حق أصحابي وتعظيمهم وتوقيرهم كما يقول الأب المشفق الله الله في حق أولادي.\nذكره الطيبي نقله المباركفوري في شرحه على الترمذي ٤/ ٣٦٠.","vol":"3","page":1070},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1249>[التقرب بالفرائض ثم بالنوافل]:</span>\nوقوله: \"وما تقرب إليَّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حَتَّى أُحِبَّه\" (^١).\nلما ذكر أن معاداةَ أوليائه محاربةٌ له - ذكر بعد ذلكَ وصْفَ أوليائِه الذين تَحْرُمُ معاداتُهم، وتَجِبُ موالاتُهم؛ فذكر ما يتقرب به إليه.\nوأصل الولاية: القرب، وأصل العداوة (^٢): البعدُ؛ فأولياءُ الله: هُمُ الذين يتقربون إليه بما يقربهم مِنْهُ، وأعدَاؤه: الذين أبعدهم عنه (^٣) بأعمالهم المقتضية لطردهم، وإِبعادهم، منه، فقسم أولياءه المتقربين (^٤) قسمين:\n[الأولياء قسمان]:\n• أحدهما: من يتقرب إليه بأداء الفرائض، ويشمل ذلك فعلَ الواجبات، وتركَ المحرمات؛ لأن ذلك كلَّه من فرائض الله التي افترضها على عباده.\n• والثاني: من يتقرَّب إليه بعد الفرائض بالنوافل.\nفظهر بذلك أنه لا (^٥) طريق يُوصِل إلى التقرب إلى الله تعالى، وموالاتِه ومحبته سوى طاعته التي شرعها على لسان رسوله.\nفمن ادعى ولاية الله والتقرب إليه (^٦) ومحبته بغير هذه الطريق؛ تبيّن أنه كاذبٌ في دعواه؛ كما كان المشركون يتقربون إلى الله تعالى بعبادة مَنْ يعبدونه مِنْ دُونه؛ كما حكى الله عنهما أنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (^٧).\nوكما حكى الله عن اليهود والنصارى أنهم قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ (^٨) مع إصرارهم على تكذيب رسلهِ، وارتكاب نواهيه، وتركِ فرائضِه.\nفلذلك ذكَر في هذا الحديث أن أولياء الله على درجتين.\n[ثم هم درجتان]:\n• إحداهما: المُتقَرِّبُونَ إليْهِ بأدَاءِ الفَرَائض.\n_________\n(^١) م: \"يقرب\".\n(^٢) م: \"وأصل الموالاة … المعاداة\".\n(^٣) م: \"منه\".\n(^٤) م: \"المقربين\".\n(^٥) م: \"فظهر بذلك إلى أن دعوى طريق\".\n(^٦) ليست في م.\n(^٧) سورة الزمر: ٣.\n(^٨) سورة المائدة: ١٨.","vol":"3","page":1071},{"text":"وهذه درجة المقتصدين أصحاب اليمين.\nوأداءُ الفرائض أفضلُ الأعمال.\nكما قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: أفضلُ الأعْمالِ أداءُ ما افترض الله، والورَعُ عما حرّم الله، وصِدْقُ النية فيما عند الله تعالى.\n• وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: أفضلُ العبادات أداءُ الفرائض، واجتنابُ المحارم.\n• وذلك لأن الله تعالى؛ إنما افترضَ على عباده هذه الفرائضَ، ليُقرّبهم منه، ويوجب لهم رضوانَهُ ورحمته.\nوأعظم فرائض البدن التي تقربُ إليه: الصلاة؛ كما قال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ (^١).\n• وقال النبي - ﷺ -: \"أقربُ ما يَكُونُ العبدُ من ربّه وهُوَ سَاجِدٌ\" (^٢).\n• وقال: \"إذا كان أحَدكم يصلي؛ فإنما يناجي ربَّه أو ربُّه بينه وبين القبلة\" (^٣).\n• وقال: \"إن الله ينصب وجْهه لِوَجْهِ عبده في صلاته ما لم يلتفت\" (^٤).\n_________\n(^١) سورة العلق: ١٩.\n(^٢) أخرجه مسلم في: ٤ - كتاب الصلاة: ٤٢ - باب ما يقال في الركوع والسجود ١/ ٣٥٠ ح ٢١٥ - (٤٨٢) زاد في آخره فأكثروا الدعاء.\nوأبو داود في السنن: ٢ - كتاب الصلاة: ١٥٢ - باب الدعاء في الركوع والسجود ١/ ٥٤٥ بمثله إلا أن فيه: \"فأكثروا من الدعاء\".\nوالنسائي في السنن: ١١ - كتاب الافتتاح: ٧٨ - باب أقرب ما يكون العبد من الله - ﷿ - ٢/ ٢٢٦ ح ١١٣٧ بمثل ما عند مسلم.\nوأحمد في المسند ٢/ ٤٢١ (الحلبي) بمثل ما عند مسلم.\nوالبيهقي في السنن الكبرى كتاب الصلاة: باب الاجتهاد في الدعاء في السجود رجاء الإجابة ٢/ ١١٠ بنحوه وفيه فأكثروا الدعاء فيه.\nكلهم من حديث أبي هريرة.\n(^٣) مضى الحديث ص ٣٦٨.\n(^٤) أخرجه أبو داود في السنن: ٢ - كتاب الصلاة: ١٦٥ - باب الالتفات في الصلاة ١/ ٥٦٠ ح ٩٠٩ من رواية ابن شهاب، عن أبي الأحوص في مجلس سعيد بن المسيب، عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يزال الله - ﷿ - مقبلًا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت، فإذا التفت انصرف الله عنه\".\nوالنسائي في السنن: ١٢ - كتاب السهو: ١٠ - باب التشديد في الالتفات في الصلاة ٣/ ٨ ح ١١٩٥ من رواية الزهري - به - بنحوه.\nوالحاكم في المستدرك ١/ ٢٣٦ من رواية الزهري، عن أبي الأحوص، عن سعيد بن المسيب، عن أبي ذر - بنحوه. وقد عقب الحاكم على الحديث بقوله: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأبو الأحوص هذا مولى بني الليث، تابعي من أهل المدينة وثقه الزهري، وروى عنه، وجرت بينه وبين سعد بن إبراهيم مناظرة في =","vol":"3","page":1072},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1250>[من الفرائض المقربة]:</span>\n• ومن الفرائض المقربة إلى الله تعالى عدلُ الراعي في رعيته، سواء كانت رعيةً عامة\n_________\n= معناه، وأقره الذهبي.\nوأخرج عقبه الحديث الذي أورده ابن رجب وقد أورده الحاكم من رواية زيد بن سلام، عن أبي سلام، عن الحارث الأشعري أن النبي - ﷺ - حدثهم قال: إن الله ﵎ أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات يعمل بهن، فإذا نصبتم وجوهكم فلا تلتفتوا؛ فإن الله تعالى ينصب وجهه لوجه عبده حتى يصلي له، فلا يصرف عنه وجهه حتى يكون العبد هو الذي ينصرف.\nوعقب عليه بقوله:\nوقد أخرج الشيخان لرواة هذا الحديث عن آخرهم، ولم نجد للحارث الأشعري راويا غير ممطور أبي سلام فتركاه، وقد تكلمت على هذا النحو في غير موضع فأغنى عن إعادته.\nوالحديث على شرط الأئمة صحيح محفوظ.\nوسكت عنه الذهبي في هذا الموضع وفي الموضع الآخر الذي سبق أن أورده الحاكم به ١/ ١١٧ - ١١٨ من وجوه وطرق منها ما قال الحاكم: أما حديث أبان بن يزيد، عن يحيى بن أبي كثير فحدثناه علي بن حمشاد، ثنا تميم بن محمد، ثنا هدية بن خالد، ثنا أبان بن يزيد، ثنا يحيى بن أبي كثير، أن زيدًا حدثه، أن أبا سلام حدثه، أن الحارث الأشعري حدثه أن رسول الله - ﷺ - قال: إن الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات يعمل بهن، وأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، لذكر الحديث وقال فيه: إن الله يأمرني بخمس، فذكره بطوله.\nهذا حديث صحيح على ما أصلناه في الصحابة إذا لم نجد لهم إلا راويًا واحدًا؛ فإن الحارث الأشعري صحابي معروف، سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الدوري يقول: سمعت يحيى بن معين يقول: الحارث الأشعري له صحبة.\nوأخرجه ابن حبان في الصحيح: كتاب التاريخ: باب بدء الخلق: ذكر تشبيه المصطفى - ﷺ - عيسى ابن مريم بعروة بن مسعود ٨/ ٤٣ - ٤٤ بسياقة وسياقة إسناده مطولًا.\nوالترمذي: في جامعه: ٤٥ - كتاب الأمثال: ٣ - باب ما جاء في مثل الصلاة والصيام والصدقة ٥/ ١٤٨ - ١٤٩ ح ٢٨٦٣، ٢٨٦٤ بسياقه مطولًا في الأول وبنحوه في الثاني.\nوفي الأول: وإن الله أمركم بالصلاة، فإذا صليتم فلا تلتفتوا فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت. . .\" وقد عقب عليه بقوله.\nهذا حديث حسن صحيح غريب.\nقال محمد بن إسماعيل: الحارث الأشعري له صحبة، وله غير هذا الحديث.\nوالنسائي في التفسير وفي السير (كلاهما في الكبرى ببعضه كما في التحفة ٣/ ٣ - (٩٠١).\nوأحمد في المسند ٤/ ١٣٠، ٢٠٢ (الحلبي) بسياقة مطولًا في الموضعين وفيهما نحو ما في الترمذي عن الصلاة والالتفات، كلاهما عن عفان، عن أبي خلف: موسى بن خلف، عن يحيى بن أبي كثير، عن زيد بن سلام، عن جده ممطور، عن الحارث الأشعري عن النبي - ﷺ -.\nوابن خزيمة في صحيحه: كتاب الصلاة: ٨٩ - باب في الخشوع في الصلاة أيضًا، والزجر عن الالتفات في الصلاة إذ الله - ﷿ - يصرف وجهه عن وجه المصلي إذا التفت في صلاته ١/ ٢٤٤ من رواية معاوية بن سلام، عن زيد بن سلام به - مختصرًا وفيه عن الالتفات: \"فإن الله ينصب وجهه لوجه عبده حين يصلي له؛ فلا يصرف عنه وجهه حتى يكون العبد هو الذي ينصرف.","vol":"3","page":1073},{"text":"كالحاكم، أو خاصةً كعدل آحاد الناس في أهله وولده.\n• كما قال ﵌ \"كلُّكُم راعٍ، وكُلُّكُم مسئولٌ عن رَعيَّتِهِ\" (^١).\n• وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عَمْرو، عن النبي ﵌ قال:\n\"إن المقْسِطِينَ عند الله على منابرَ من نور عن يمين الرحْمَن وكلتا يدَيْه يمينٌ: الذين يعدلون في حكْمِهِمْ وأهلِيهم (^٢) ومَا وُلُّوا\".\n• وفي الترمذي: عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وآله قال: \"إنَّ أحَبَّ العبادِ إلى الله يومَ القيامةِ، وأدناهُم إليه مجلسًا إمامٌ عادل\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه: ١١ - كتاب الجمعة: ١١ - الجمعة في القرى والمدن ٢/ ٣٨٠ ح ٨٩٣ من حديث عبد الله بنِ عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته: الإمام راعٍ ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته قال: وحسبت أن قد قال: والرجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيته، وكلكم راع ومسئول عن رعيته\".\nوأطرافه في: ٢٤٠٩، ٢٥٥٤، ٢٥٥٨، ٢٧٥١، ٥١٨٨، ٥٢٠٠، ٧١٣٨.\nومسلم في: ٢٣ - كتاب الإمارة: ٥ - باب فضيلة الإمام العادل ٣/ ١٤٥٩ - ١٤٦٠ ح ٢٠ - (١٨٢٩) وأوله ألا كلكم راع وقد أورده عقبه من وجوه عديدة عن ابن عمر.\nوأخرجه أحمد في المسند ٢/ ٥: ٥٤ - ٥٥، ١١١، ١٢١ (الحلبي) من حديث ابن عمر بنحوه مختصرًا ومطولًا.\nوفيه: فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والعبد راع … وهو مسئول، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول\".\nوالترمذي في جامعه: ٢٤ - كتاب الجهاد: ٢٧ - باب ما جاء في الإمام ٤/ ٢٠٨ ح ١٧٠٥ من حديث ابن عمر بنحوه، وعقب أبو عيسى لقوله: وفي الباب عن أبي هريرة وأنس وأبي موسى، وحديث أبي موسى غير محفوظ، وحديث أنس غير محفوظ، وحديث ابن عمر حديث حسن صحيح.\nوأبو داود في السنن: ١٤ - كتاب الخراج والإمارة والفيء: ١ - باب ما يلزم الإمام من حق الرعية ٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣ ح ٢٩٢٨ من رواية عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر بنحوه. وابن الجارود في المنتقى ص ٤٠٣ - ٤٠٤ ح ١٠٩٤.\nوالبيهقي في السنن ٦/ ٢٨٧، ٧/ ٢٩١، ٨/ ١٦٠ وابن عبد البر في التمهيد ٢/ ٢٨٤.\nوانظر باقي تخريجه ووجوهه في الدر المنثور ٣/ ٦٨ - ٦٩ وإتحاف السادة المتقين ٦/ ٣٢٧ والموسوعة ٦/ ٤٥٣.\n(^٢) صحيح مسلم: ٣٣ - كتاب الإمارة: ٥ - باب فضيلة الإمام العادل، وعقوبة الجائر والحث على الرفق بالرعية والنهي عن إدخال المشقة عليهم ٣/ ١٤٥٨ ح ١٨ - (١٨٢٧).\nوفي أ، م: \"على\" والتصويب من صحيح مسلم.\n(^٣) أخرجه الترمذي في جامعه: ١٣ - كتاب الأحكام: ٤ - باب ما جاء في الإمام العادل ٣/ ٦١٧ ح ١٣٢٩ من رواية فضيل بن مرزوق، عن عطية، عن أبي سعيد قال .. فذكره وفيه: إن أحب الناس … وزاد في آخره: \"وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسًا إمام جائر\". =","vol":"3","page":1074},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1251>[الدرجة الثانية]:</span>\nدرجة السابقين المقرّبين، وهم الذين تقرَّبُوا إلى الله بَعْدَ الفرائض بالاجتهاد في نوافل الطاعات، والانكفاف عن دقائق المكروهات بالورع؛ وذلك يوجب للعبد محبّة الله كما قال: \"ولا يزال عبدي يتقرَّبُ إليّ بالنوافل حَتَّى أَحبه\".\nفمن أحبه الله رزقَه محبَّتَه وطاعتَه والاشتغالَ بذكره وخدمته؛ فأوجَبَ له ذلك القربَ منه، والزلفى لديه، وَالْحُظْوَةَ عنده، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^١).\nففي هذه الآية إشارة إلى أن مَنْ أعرض عن حُبِّنا، وتولَّى عن قُرْبِنَا لم نُبال به واستَبْدَلْنَا به مَنْ هُوَ أولى بهذه المنحة منه وأحق.\nفَمَنْ أَعْرَضَ عن الله؛ فماله عن الله بدل، ولله منه أبدال:\nما لِيَ شُغْلٌ سِوَاهُ مالي شُغْل … ما يصرفُ عن هَوَاه قَلْبِيَ عَذْلُ\nمَا أَصْنَعُ إن جَفَا وخَابَ الأمَلُ … مِنِّي بَدَلٌ ومنه (^٢) مالي بدَلُ\n• وفي بعض الآثار يقول الله تعالى: \"ابن آدم! اطلُبني تجدْني، فإنْ وجَدتني وجَدْتَ كُلَّ شَيءٍ؛ وإنْ فُتُّك فاتك كُلُّ شَيءٍ؛ وأنا أحَبُّ إليكَ مِن كَلِّ شيء\".\nوكان ذو النون يردّد هذه الأبيات بالليل كثيرًا:\nاطلبُوا لأنفُسكُم … مثلَ ما وجدتُ أنا\nقَدْ وجَدْتُ لي سكنًا … ليس في هواهُ عنَا\nإن بَعُدْتُ قرَّبني … وإن قرُبْتُ منْه دَنا\nمن فاته الله؛ فَلَوْ حصلت له الجنة بحذافيرها لكانَ مغبونًا، فكيفَ إذا لم يَحْصُل له إلا نَزْرٌ يسير حقير (^٣) من دارٍ كلُّها لا تعدل جَناحَ بعوضة؟ ولذا قيل:\n_________\nوقال أبو عيسى: وفي الباب عن عبد الله بن أبي أوفى [و] حديث أبي سعيد حديث حسن غريب، لا نعرفه؛ إلا من هذا الوجه.\n(^١) سورة المائدة: ٥٤.\n(^٢) م: \"وما لي منه بدل\".\n(^٣) م: \"إلا نزر حقير يسير\".","vol":"3","page":1075},{"text":"من فاته أن يراكَ يومًا … فكلُّ أوقاتِهِ فَوَاتُ\nوحيثما كُنْتَ من (^١) بلاد … فلي إلى وجْهكَ التِفاتُ\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1252>[أوصاف المحبين لله]:</span>\n• ثم ذكر أوصاف الذينَ يحبُهم الله ويحبونه فقال: (أذلَّةٍ على المؤمنين)، يعني أنهم يعاملون المؤمنين بالذلة واللين، وخفض الجناح، (أعزة على الكافرين) يعني أنهما (^٢) يعاملون الكافرين بالعزة والشدة عليهم والإغلاظ لهم، فلما أحبّوا الله أحبوا أولياءه الذين يحبونه، فعاملوهم بالمحبة والرأفة والرحمة، وأبغضوا أعداءه الذين يعادونه؛ فعامَلوهم بالشدة والغِلْظة؛ كما قال تعالى: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ (^٣)، ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ (^٤) فإن من تمام المحبة مجاهدة أعداء المحبُوب.\nوأيضًا فالجهادُ في سبيل الله دُعَاءٌ للمعرضين عن الله إلى الرجُوع إليه بالسَّيفِ والسِّنَانِ، بَعْدَ دُعَائِهم إليه بالحجة والبُرْهَان، فالمحبُّ لله يُحبُّ اجتلابَ الخلْقِ كُلِّهِمْ إلى بابه، فمن لم يُجِب الدعوة إليه باللين والرفق احتاج إلى الدعوة بالشدة (^٥) والعنف.\n\"عجب ربك من قوم يقادُون إلى الجنّة بالسَّلاسل (^٦) \" ولا يخافون لومة لائم\".\n_________\n(^١) م: \"في\".\n(^٢) م: \"أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين\".\n(^٣) سورة الفتح: ٢٩.\n(^٤) سورة المائدة: ٥٤.\n(^٥) م: \"إلى الله … الدعوة باللين … احتاج بالدعوة إلى الشدة\".\n(^٦) هذا إشارة إلى ما أخرجه في ١٥/ ١٦٧ - ١٦٨ (المعارف) من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح كما ذكر محققه الشيخ أحمد شاكر ح ٨٠٠١ وذكر أنه سيأتي رقم ٨٠٣٦، ٨٤٤٦، ٩٢٥٣، ١٠٣٨١.\nوالبخاري في: ٥٦ - كتاب الجهاد: ١٤٤ - باب الأسارى في السلاسل ٦/ ١٤٥ ح ٣٠١٠ من حديث أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال: \"عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل\".\nقال ابن حجر في الفتح: \"المراد بكون السلاسل في أعناقهم مقيد بحالة الدنيا، فلا مانع من حمله على حقيقته، والتقدير: يدخلون الجنة وقد كانوا من قبل أن يسلموا في السلاسل\".\nأي فهم يقادون إلى الجنة بسبب هذا الإسلام وكأنه هو الذي قادهم إلى الجنة؛ إذ أسروا كرهًا فعرفوا الإسلام ودخلوه طوعًا؛ لأن المكره على الإسلام لا قيمة لإسلامه، ونحن منهيون عن إكراههم.\nلقد أكرهوا على الأسر ثم عرضنا عليهم الإسلام وأريناهم مزاياه ومحاسنه فإذا بنا نقنعهم به، وندخلهم فيه في حالهم هذه حال الأسر الذي أكرهوا عليه.\nلقد أدخلناهم فيه بعد إقناعهم فدخلوا مختارين له بيد أن حالهم وقت إدخالنا إياهم فيه هي حال المكرهين على الأسر. =","vol":"3","page":1076},{"text":"لا همّ (^١) للمحب غيرُ ما يُرْضى حبيْبَه (^٢)، رضي مَنْ رَضِي عليه، وسَخِطَ مَنْ سَخط.\nمن خاف الملامة في هوى من يحبه؛ فليس بصادق في المحبة.\nوقفَ الهوى بِي حَيْثُ أنتَ فليسَ لي … متأخَّرٌ عَنه ولا متقدَّمُ (^٣)\nأجدُ الملامَةَ في هَوَاكَ لذيذةً … حُبًّا لذِكْرِكَ فَلْيَلُمْنِي اللّوَّمُ\n_________\n= ولعل هذا هو معنى ما ساقه ابن حجر في الموضع نفسه من طريق أبي الطفيل رفعه: رأيت ناسًا من أمتي يساقون إلى الجنة في السلاسل كرهًا. قلت: يا رسول الله! من هم؟ قال: قوم من العجم يسبيهم المهاجرون فيدخلونهم في الإسلام مكرهين.\nوربما يتضح هذا المعنى بما رواه البخاري في: ٦٥ - كتاب التفسير: ٧ - باب ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ٨/ ٢٢٤ من حديث أبي هريرة - ﵁ - ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ قال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام وهو وإن كان هنا موقوفًا فهو مما لا مجال للرأي فيه، يأخذ حكم المرفوع بل هو الحديث الذي تقدم للبخاري في كتاب الجهاد، وسقناه لك قبل هذا من وجه آخر مرفوعًا.\nوقد فسر ابن حجر قوله: (خير الناس للناس) بقوله: \"أي خير بعض الناس لبعضهم أي أنفعهم لهم، وإنما كان ذلك لكونهم كانوا سببًا في إسلامهم\".\nوهذا يؤكد ما اتجهنا إليه في شرح الحديث والقياد إلى الإسلام قياد إلى الجنة؛ لأنه سبب في دخولها.\nوقد أخرجه أبو داود في السنن: ٩ - كتاب الجهاد: ١٢٤ - باب في الأسير يوثق ٣/ ١٢٧ ح ٢٦٧٧.\nثم روى عقبه حديثين: أولهما عن جندب بن مكيث، قال: بعث رسول الله - ﷺ - عبد الله بن غالب الليثي في سرية، وكنت فيهم، وأمرهم أن يشنوا الغارة على بني الملّوح بالكديد، فخرجنا، حتى إذا كنا بالكديد لقينا الحارث بن البرصاء الليثي، فأخذناه، فقال: إنما جئت أريد الإسلام، وإنما خرجت إلى رسول الله - ﷺ - فقلنا: إن تكن مسلمًا لم يضرك رباطنا يوم وليلة، وإن تكن غير ذلك نستوثق منك، فشددناه وثاقا\". وثاني الحديثين: حديث أبي هريرة بعث رسول الله - ﷺ - خيلًا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أثال - سيد أهل اليمامة - فربطوه بسارية من سواري المسجد فخرج إليه رسول الله - ﷺ - فقال: \"ماذا عندك يا ثمامة؟ \" فقال: عندي يا محمد! خير. إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فتركه رسول الله - ﷺ - حتى إذا كان الغد، ثم قال له: \"ما عندك يا ثمامة؟ \"، فأعاد مثل هذا الكلام فتركه، حتى كان بعد الغد، فذكر مثل هذا فقال رسول الله - ﷺ -: أطلقوا ثمامة\" فانطلق إلى نخل قريب من المسجد، فاغتسل فيه ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله\".\nأو ليست هذه المعاملة الإنسانية من النبي - ﷺ - ومن صحابته الأبرار مدخلًا كريمًا إلى الإسلام؟ أو ليس هؤلاء الذين أسلموا قد أسلموا طواعية وبالحرية الكاملة في اختيار الإسلام؟!\nأو لم يكونوا قد أكرهوا على الأسر؟.\nبلى! وقد دخلوا إذًا مختارين!؟.\nبيد أنهم كانوا؛ حينئذ على الأسر مكرهين.! لقد أطلقهم الإسلام. بل أفضى بهم إلى دار السلام.\nبل عجب ربك منهم يقادون بالإسلام إلى الجنة بعد أن اختاروه، وهم في تلك السلاسل والأغلال!!؟\n(^١) م: \"ما للمحب\".\n(^٢) ليست في ب.\n(^٣) م: \"متأخر عنكم\".","vol":"3","page":1077},{"text":"• قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^١).\nيعني درجة الذين يحبُّهم ويحبونه بأوصافهم المذكورة ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (^٢).\n• واسع العطاء عليم بمن يستحق الفضل فيمنحه، ومن لا يستحقه فيمنعه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1253>[من دعوات الأنبياء في حب الله]:</span>\n• ويروى أن داود - ﵇ - كان يقول: اللهم اجعلني من أحبابك: فإنك إذا أحببتَ عبدًا غفرت ذنبَه وإن كانَ عظيمًا، وقبلتَ عمله وإن كان يسيرًا.\n• وكان داود - ﵇ - يقول في دعائه: \"اللهم إني أسألك حُبَّك، وحُبَّ من يحبك، وحُبَّ العمل الذي يبلّغني حُبَّك، اللهم! اجعلْ حُبَّك أحبَّ إليَّ من نَفْسِي وَأَهْلِي، ومنَ الماءَ البارد\" (^٣).\n• وقال النبي ﵌: \"أتاني ربي - ﷿ - يعني في المنام فقال لي: يا محمد! قل اللهم! أني أسألك حُبَّكَ، وحُبَّ مَنْ يحبك، والعملَ الذي يُبَلّغني حُبَّك\" (^٤).\n• وكان من دعائه - ﵇ -: \"اللهم! ارزقني حُبَّك وحُبَّ من يَنْفَعُنِي حُبُّه عندَك، اللهم! ما رزقتني ما أحب فأجعله قوة لي فيما تحبُّ، اللهم! ما زويتَ عني مما أحِبُّ فاجْعَله فراغًا لي فيما تحب (^٥).\n• وروي عنه ﵌ أنه كان يدعو: \"اللهم! اجعل حُبَّك أحبَّ\n_________\n(^١) سورة: الجمعة: ٤.\n(^٢) سورة البقرة: ٢٦١.\n(^٣) أخرجه الترمذي في جامعه: ٤٩ - كتاب الدعوات: ٧٣ - باب حدثنا محمود بن غيلان ٥/ ٥٢٢ ح ٣٤٩٠ من حديث أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: كان من دعاء داود يقول: فذكره وزاد وكان رسول الله - ﷺ - إذا ذكر داود يحدث عنه قال: كان أعبد البشر.\nثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب وانظره في الإتحاف ٥/ ٧٨ والمستدرك ٢/ ٤٣٣.\n(^٤) أخرجه الترمذي في جامعه: ٤٨ - كتاب تفسير القرآن: ٣٩ - باب ومن سورة ص ٥/ ٣٦٨ - ٣٦٩ ح ٣٢٣٥ من حديث معاذ بن جبل في اختصام الملأ الأعلى ضمن سياق طويل بنحوه زاد بعده: قال رسول الله - ﷺ -: \"إنها حق فادرسوها ثم تعلموها\".\nقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوانظره في الإتحاف ٥/ ٧٨، والمسند ٥/ ٢٤٣، والمستدرك ١/ ٥٢١.\n(^٥) أخرجه الترمذي في جامعه: ٤٩ - كتاب الدعاء: ٧٤ - باب حدثنا سفيان بن وكيع ٥/ ٥٢٣ ح ٣٤٩١ من رواية أبي جعفر الخطمي، عن محمد بن كعب القرظي، عن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري، عن رسول الله - ﷺ - أنه كان يقول في دعائه: \"اللهم ارزقني حبك وحب من ينفعني حبه عندك، اللهم ما رزقتني =","vol":"3","page":1078},{"text":"الأشياء إليّ، وخشْيتَك أخوفَ الأشياء عندي، وأقطع عني حاجاتِ الدنيا بالشوق إلى لقائك وَإذا أقررتَ أَعْيُنَ أَهْلِ الدنيا من دُنْيَاهُم فأَقرر عيني من عبادتك (^١) \".\nفأهل هذه الدرجة من المقرّبين ليس لهم همٌّ؛ إلا فيما يقربهم ممن يحبهم ويحبونه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1254>[من المأثور عن السلف في هذا]:</span>\n• قال بعض السلف: العمل على المخافة قدْ يُغَيِّرهُ الرجاء، والعملُ على المحبة لا يدخله الفتور (^٢).\n• ومن كلام بعضهم: \"إذا سئم البطَّالُونَ من بَطَالَتِهِمْ؛ فلا يسأم محبُّوك من مُنَاجَاتِك وذكْرِك\".\n• قال فرقد السَّبَخِي: قرأت في بعض الكتب: \"مَنْ أحبَّ الله لم يكن عنده شيء آثَرَ من هواه!\nومَنْ أحبَّ الدنيا لم يكن شيء عنده آثر من هوى نفسه! \".\n\n<span data-type='title' id=toc-1255>[المحب والمحبة والمحبون لله - ﷿ </span>-]:\nوالمحب لله تعالى: أميرٌ مؤَمَّرٌ على الأمراء، زمرته أولُ الزمر يوم القيامة، ومجلسه أقربُ المجالس فيما هنالك.\n• والمحبة منتهى القربة والاجتهاد.\nولن يسأم المحبون من طول اجتهادهم لله تعالى يحبّونه، ويحبّون ذِكْرَه، ويجيبونه إلى خلقه، يمشون بين عباده بالنصائح، ويخافون عليهم من أعمالهم (^٣) يوم تبدو الفضائح.\nأولئك أولياء الله - ﷿ - وأحباؤه، وأهل صفوته، أولئك الذين لا راحة لهم بدون\n_________\n= مما أحب فاجعله قوة لي فيما تحب، اللهم ما زويت عني مما أحب فاجعله لي قوة فيما تحب\".\nوقد عقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب وأبو جعفر الخطمي اسمه عمير بن يزيد بن خماشة.\nوأخرجه ابن المبارك في الزهد ص ١٤٤ ح ٤٣٠.\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٨/ ٢٨٢ من رواية أبي مسهر، عن عباد الخواص، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن الهيثم بن مالك الطائي أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو … فذكره بنحوه. وفيه: \"واجعل خوفك أخوف الأشياء إليّ … فأقر عيني. . .\" والهيثم تابعي فالحديث مرسل.\nوأورده الزبيدي في الإتحاف ٩/ ٦٠٤ عن أبي نعيم في هذا الموضع.\n(^٢) م: \"الفوز\" وهو تحريف.\n(^٣) م: يوم القيامة يوم تبدو الفضائح.","vol":"3","page":1079},{"text":"لقائه.\n• وقال فتح الموصلي: \"المحب لا يجد مع حب الله - ﷿ - للدنيا لذة، ولا يغفُلُ عن ذكر الله طرفة عين (^١) \".\n• وقال محمدٌ بنُ النضر الحارثي: \"ما يكاد يمل القربة إلى الله تعالى محبٌّ لله - ﷿ -، وما يكاد يسأمُ من ذلك\".\n• وقال بعضهم: \"المحب لله طائر القلب، كثيرُ الذكر، متسبب إلى رضوانه بكل سبيل يقدر عليها من الوسائل والنوافل دوبًا دوبًا، وشوقًا شوقًا\".\nوأنشد بعض السَّلَف:\nوكن لربك ذا حب لتخدمه … إن المحبين للأحباب خدّام\nوأنشد آخر:\nما للمحب سوى إرادة حُبّه … إن المحبَّ بكلّ حال يضرع\n\n<span data-type='title' id=toc-1256>[تلاوة القرآن من أعظم ما يتقرب به إلى الله تعالى]:</span>\n• ومن أعظم ما يتقرب به العبد إلى الله تعالى من النوافل: كثرةُ تلاوة القرآن (^٢) وسماعهُ بتفكر وتدبر وتفهم.\nقال خباب بن الأرتِّ - ﵁ - لرجل: \"تقرّبْ إلى الله تعالى ما استطعتَ، واعلم أنك لن تتقرب إليه بشيء هو أحبُّ إليه من كلامه\".\n• وفي الترمذي عن أبي أمامة مرفوعًا.\n\"ما تقرَّبَ العباد إلى الله تعالى بمثلِ مَا خَرَج منه\".\nيعني القرآن (^٣).\n_________\n(^١) ليست في \"ا\".\n(^٢) \"ا\": \"كتابه\".\n(^٣) أخرجه الترمذي في جامعه: ٤٦ - كتاب فضائل القرآن ١٧ - باب حدثنا أحمد بن منيع ٥/ ١٧٦ - ١٧٧ من وجهين مرفوعًا متصلًا ومرسلًا.\nفقد رواه من حديث أبي أمامة (٢٩١١) قال: قال النبي - ﷺ -: ما أذن الله لعبد في شيء أفضل من ركعتين يصليهما، وإن البر ليذر على رأس العبد ما دام في صلاته، وما تقرب العباد إلى الله بمثل ما خرج منه. ثم قال: قال: أبو النضر: يعني القرآن.\n[و] قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه؛ إلا من هذا الوجه وبكر بن خنيس قد تكلم فيه ابن المبارك =","vol":"3","page":1080},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1257>[السلف والقرآن]:</span>\nلا شيء عند المحبين أحلى من كلام محبوبهم؛ فهو لذة قلوبهم، وغاية مطلوبهم.\n• قال عثمان: \"لو طهرت قلوبكم ما شبعتم من كلام ربكم (^١) \".\n• وقال ابن مسعود: \"مَنْ أحبَّ القرآن فهو يحب الله ورسوله\" (^٢).\n• قال بعض العارفين لمريد: \"أتحفظ القرآن؟ \".\nقال: لا؟ فقال: واغوثاه! بالله! مريد (^٣) لا يحفظ القرآن، فبم يتنعم؟ فبم يترنم؟ فبم يناجي ربه تعالى؟ \".\n* * *\nكان بعضهم يكثر تلاوة القرآن، ثم اشتغل عنه بغيره؛ فرأى في المنام قائلًا يقول:\nإن كنتَ تزعم حُبِّي … فلِم جَفَوْتَ كتابي؟\nأَمَا تأَملتَ ما فيـ … ـه من لطيف عتابي؟\n\n<span data-type='title' id=toc-1258>[وكثرة ذكر الله]:</span>\n• ومن ذلك: كثرة ذكر الله الذي يتواطأ عليه القلبُ واللسان.\n• وفي مسند البزار عن معاذ قال: قلت: يا رسول الله! أخبرني بأفضل الأعمالِ وأقْرَبها إلى الله تعالى؟ قال: أن تموتَ ولسانُكَ رَطْبٌ من ذكر الله تعالى\" (^٤).\n_________\n= وتركه في آخر أمره.\nوقد روي هذا الحديث عن زيد بن أرطاة، عن جبير بن نفير عن النبي - ﷺ - مرسل ثم أورد الحديث. وللحديث وجوه أخرى لا تخلو من مقال.\n(^١) رواه أبو نعيم في الحلية ٧/ ٣٠٠ بإسناد فيه مقال.\n(^٢) رواه الطبراني بإسناد رجاله ثقات بنحوه، انظر المجمع ٧/ ١٦٨.\n(^٣) م: \"لمريد\".\n(^٤) أخرجه البزار في مسنده: كتاب الأذكار: باب الإكثار من الذكر ٤/ ٣ - ٤ من الكشف ح ٣٠٥٩ عن العباس بن عبد الله الباكسائي، ثنا زيد بن يحيى، ثنا ثوبان، ثني أبي، حدثني جبير بن نفير، ثنا معاذ بن جبل قال: فذكره.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٧٧ وقال: رواه الطبراني بأسانيد وفي هذه الطريق خالد بن يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك ضعفه جماعة، ووثقه أبو زرعة الدمشقي وغيره وبقية رجاله ثقات.\nورواه البزار من غير طريقه إلا أنه قال: أخبرني بأفضل الأعمال وأقربه إلى الله، وإسناده حسن.","vol":"3","page":1081},{"text":"• وفي الحديث الصحيح عن النبي ﵌ يقول الله تعالى:\n\"أنا عند ظن عَبْدي بي وأنا معَهُ حينَ يذكُرني، فإن ذكَرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإنْ ذَكَرني في ملأ ذكرتهُ في ملأ خيرٍ منهم\" (^١).\n• وفي حديث آخر: \"أنا مع عبدي ما ذكرني وتحرَّكَتْ بي شَفَتَاهُ\" (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ٩٧ - كتاب التوحيد: ١٥ - باب قول الله تعالى ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ وقوله جل ذكره: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ ١٣/ ٣٨٤ ح ٧٤٠٥ من حديث أبي هريرة بنحوه، وزاد في آخره: وإن تقرب إلي شبرًا تقربْتُ إليه ذراعًا، وإن تقرب إليّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة\".\nوفي: ٣٥ - باب يريدون أن يبدلوا كلام الله ١٣/ ٤٦٦ مقتصرًا على الجملة االأولى.\nوفي: ٥٠ - باب ذكر النبي - ﷺ - وروايته عن ربه ١٣/ ٥١٢ مقتصرًا على شطره الأخير وأورده قبله شاهدًا للحديث عن أنس - ﵁ -.\nومن حديث أبي هريرة أخرجه مسلم في صحيحه: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: ١ - باب الحث على ذكر الله تعالى ٤/ ٢٠٦٧ - ٢٠٦٢ ح ٢٦٧٥ من وجوه بنحوه ومعناه.\nوفي: ٦ - باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله تعالى ٤/ ٢٦٠٧ - ٢٠٦٨ من وجوه عن أبي هريرة مختصرًا وتامًا بنحوه، وأورد له شاهدًا من حديث أبي ذر، عقبه.\nوأخرجه ابن حبان في الصحيح: كتاب الرقائق: باب الأذكار: ذكر الله - ﷿ - في ملكوته؛ من ذكره في نفسه من عباده، مع ذكره إياهم في المقربين من ملائكته عند ذكرهم إياه في خلقه ٢/ ٩٠ - ٩١ بروايتين عن أبي هريرة، وقد عقب على الأولى بقوله:\nقال أبو حاتم: الله أجل وأعلى من أن ينسب إليه شيء من صفات المخلوق، إذ ليس كمثله شيء، وهذه ألفاظ خرجت من ألفاظ التعارف على حسب ما يتعارفه الناس مما بينهم، ومن ذكر ربه جل وعلا في نفسه بنطق أو عمل يتقرب به إلى ربه؛ ذكره الله في ملكوته بالمغفرة له تفضلًا وجودًا.\nومن ذكر ربه في ملأ من عباده ذكره الله في ملائكته المقربين بالمغفرة له وقبول ما أتى عبده من ذكره.\nومن تقرب إلى الباري جل وعلا بقدر شبر من الطاعات كان وجود الرأفة والرحمة من الرب منه له بقدر ذراع.\nومن تقرب إلى مولاه جل وعلا بقدر ذراع من الطاعات كانت مغفرته منه أقرب بباع.\nومن أتى في أنواع الطاعات بالسّرعة كالمشي أتته الوسائل ووجوه الرأفة والرحمة والمغفرة بالسرعة كالهرولة والله أعلى وأجل.\nوعلق على الرواية الثانية بقوله:\nقوله جل وعلا: إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، يريد به: إن ذكرني في نفسه بالدوام على المعرفة التي وهبتها له وجعلته أهلا لها ذكرته في نفسي، يريد به في ملكوتي بقبول تلك المعرفة منه مع غفران ما تقدمه من الذنوب.\nثم قال: وإن ذكرني في ملأ، يريد به: وإن ذكرني بلسانه يريد به الإقرار الذي هو علامة تلك المعرفة في ملأ من الناس ليعلموا إسلامه ذكرته في ملأ خير منه، يريد به: ذكرته في ملأ خير منه من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين في الجنة بما أتى من الإحسان في الدنيا الذي هو الإيمان إلى أن استوجب به التمكن من الجنان.\n(^٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه في الموضع السابق: ذكر رجاء سرعة المغفرة لذاكر الله إذا تحركت به =","vol":"3","page":1082},{"text":"• وقال - ﷿ -: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ (^١).\nولما سمع النبي ﵌ الذين يرفعون أصواتهم بالتكبير والتهليل وهم معه في سَفَر قالَ لهم: \"إنَّكم لا تدعون أَصَمَّ ولا غائبًا إنَّكُم تَدْعُونَ سَمِيعًا قَريبًا وَهُوَ مَعَكُمْ\" (^٢).\n_________\n= شفتاه ٢/ ٩٢ من حديث أبي هريرة.\nوالحاكم في المستدرك ١/ ٤٩٦ من حديث أبي الدرداء - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن الله يقول: \"أنا مع عبدي إذا هو ذكرني وتحركت بي شفتاه\".\nوقد صححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي، والبخاري تعليقًا بصيغة الجزم في: ٩٧ - كتاب التوحيد: ٤٣ - باب قول الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ وفعل النبي - ﷺ - حين ينزل عليه الوحي ثم ساقه باقي الترجمة فقال: وقال أبو هريرة: عن النبي - ﷺ -: قال الله تعالى: فذكره وفيه: \"إذا ذكرني. . .\" ١٣/ ٤٩٩ - ٥٠٠.\nوقال ابن حجر - تعليقًا - قال ابن بطال: \"معنى الحديث: أنا مع عبدي زمان ذكره لي\" أي أنا معه بالحفظ والكلاءة، لا أنه معه بذاته حيث حل العبد، ومعنى قوله: \"تحركت به شفتاه\" أي تحركت باسمي، لا أن شفتيه ولسانه تتحرك بذاته تعالى، لاستحالة ذلك، انتهى ملخصًا\".\nثم قال الكرماني: \"المعية هنا معية الرحمة، وأما في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ فهي معية العلم؛ يعني فهذه أخص من المعية التي في الآية\".\nيريد أن معية العلم عامة، ومعية الرحمة خاصة، لا تكون إلا لمن يستأهلها، ممن يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض:\nوانظر الإتحاف ٥/ ٥.\nوابن كثير في تفسير قوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ١/ ٢١٨.\n(^١) سورة البقرة: ١٥٢.\n(^٢) أخرجه البخاري في: ٥٦ - كتاب الدعوات: باب ما يكره من رفع الصوت في التكبير ٦/ ١٣٥ ح ٢٩٩٢ من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: كنا مع رسول الله - ﷺ - فكنا إذا أشرفنا على واد هللنا وكبرنا، ارتفعت أصواتنا، فقال النبي - ﷺ -: \"يأيها الناس! اربعوا على أنفسكم؛ فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا؛ إنه معكم! إنه سميع قريب، تبارك اسمه، وتعالى جده\".\nوفي: ٦٤ - كتاب المغازي: ٣٨ - باب غزوة خيبر ٧/ ٤٧٠ ح ٤٢٠٥ وفيه بين أن ذلك كان في غزوة خيبر وقول أبي موسى الأشعري إن النبي - ﷺ - كان يقول ذلك وأبو موسى خلف دابة رسول الله - ﷺ - وأنه - ﵇ - سمعه وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله فقال لي: يا عبد الله بن قيس! قلت: لبيك رسول الله - ﷺ -! قال: ألا أدلك على كلمة من كنز من كنوز الجنة؟ قلت: بلى يا رسول الله! فداك أبي وأمي قال: \"لا حول ولا قوة إلا بالله\".\nوفي: ٨٠ - كتاب الدعوات: ٥٠ - باب الدعاء إذا علا عَقَبَةً ١١/ ١٨٧ ح ٦٣٨٤ بنحوه مختصرًا وفيه: كنا مع النبي - ﷺ - في سفر … ولكن تدعون سميعًا بصيرًا، ثم أتى عليّ وأنا أقول في نفسي: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال: يا عبد الله قل لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها كنز من كنوز الجنة، أو قال: ألا أدلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة؟ \"لا حول ولا قوة إلا بالله\". =","vol":"3","page":1083},{"text":"• وفي رواية: \"وهو أقرب إليكم من أعناق رواحلكم\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1259>[والحب في الله والبغض في الله]:</span>\n• ومن ذلك محبة أولياء الله وأَحبائه (^١) فيه، ومعاداة أعدائه فيه.\n_________\n= وفي: ٦٧ - باب قول لا حول ولا قوة إلا بالله ١١/ ٢١٣ - ٢١٤ ح ٦٤٠٩ مختصرًا بنحوه، وفيه قول أبي موسى الأشعري.\nأخذ النبي - ﷺ - في عقبة أو قال: ثنية، قال: فلما علا عليها رجل؛ نادى فرفع صوته، لا إله إلا الله والله أكبر، قال: ورسول الله - ﷺ - على بغلته، قال: فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، ثم قال: يا أبا موسى! أو يا عبد الله! ألا أدلك على كلمة من كنز الجنة … الحديث\".\nوفي: ٨٢ - كتاب القدر: ٧ - باب لا حول ولا قوة إلا بالله ١١/ ٥٠٠ ح ٦٦١٠ وفيه قول أبي موسى: كنا مع رسول الله في غزاة فجعلنا لا نصعد شرفا، ولا نعلو شرفا ولا نهبط في واد إلا رفعنا أصواتنا بالتكبير، قال: فدنا منا رسول الله - ﷺ - فقال: يا أيها الناس! … الحديث وفي: ٩٧ - كتاب التوحيد: ٩ - باب ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ ١٣/ ٣٧٢ ح ٧٣٨٦ تاما بنحو ما تقدم ح ٦٣٨٤ وفيه: كنا مع النبي - ﷺ - في سفر، فكنا إذا علونا كبرنا فقال: اربعوا على أنفسكم … تدعون سميعًا بصيرًا قريبًا … الحديث\".\nقال ابن حجر: \"وقوله: اربعوا بفتح الموحدة أي ارفقوا بضم الفاء، وحكى ابن التين أنه وقع في روايته بكسر الموحدة، وأنه في كتب أهل اللغة وبعض كتب الحديث بفتحها، وقوله: \"فإنكم لا تدعون أصم\" إلخ قال الكرماني: لو جاءت الرواية: \"لا تدعون أصم ولا أعمى\" لكان أظهر في المناسبة، لكنه لما كان الغائب كالأعمى في عدم الرؤية نفي لازمه ليكون أبلغ وأشمل، وزاد \"قريبًا\" لأن البعيد وإن كان ممن يسمع ويبصر لكنه لبعده قد لا يسمع ولا يبصر، وليس المراد قرب المسافة لأنه منزه عن الحلول كما لا يخفى، ومناسبة الغائب ظاهرة من أجل النهي عن رفع الصوت\".\nوالحديث أخرجه مسلم في: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: ١٣ - باب استحباب خفض الصوت بالذكر ٤/ ٢٠٧٦ - ٢٠٧٨ ح ٤٤ - (٢٧٠٤)، ٤٥ - ٤٧ من حديث أبي موسى من وجوه عديدة بنحوه وعنده: إنكم ليس تدعون أصم ولا غائبًا إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم، قال: وأنا خلفه … الحديث.\nوفي رواية: أنهم كانوا مع رسول الله - ﷺ - وهم يصعدون في ثنية. قال: فجعل رجل كلما علا ثنية نادى: لا إله إلا الله والله أكبر فقال نبي الله - ﷺ -: إنكم لا تنادون أصم ولا غائبًا .. الحديث\".\nوفي رواية: \"والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته\".\nوفي رواية: \"ألا أدلك على كلمة من كنوز الجنة؟ \".\nفلفظ رواية ابن رجب مقارب لبعض روايات مسلم وهو عند أحمد في المسند ٤/ ٤٠٢، ٤١٧ - ٤١٨ (الحلبي) وفي الموضع الأول: فإنكم ما تدعون أصم ولا غائبًا إنما تدعون سميعًا بصيرًا إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته. . .\".\nوفي الثاني: فإنكم لا تدعون … إنكم تدعون سميعًا قريبًا .. الحديث.\nوأخرجه ابن كثير في التفسير ١/ ٢١٨ عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ عن أحمد والشيخين.\n(^١) م: \"أحبابه وأوليائه\".","vol":"3","page":1084},{"text":"وفي سنن أبي داود عن عمر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - (^١) قال: \"إن من عباد الله لأناسًا ما هم بأنبياءَ ولا شهداء، يَغبطهم الأنبياءُ والشهداء يوم القيامة (^٢) بمكانهم من الله تعالى، قالوا: يا رسول الله! تُخْبرُنا مَنْ هم؟ قال: \"هم قوم تحابّوا برُوح الله من غير أرحامٍ بينهم، ولا أموالٍ يَتَعاطَوْنَها، فوالله! إنَّ وُجُوهَهُم لنُور، وإنهم لعلى (^٣) نور لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزِنَ الناس\".\nثم تلا هذه الآية: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (^٤).\n• ويروى نحوه من حديث أبي مالك الأشعري عن النبي - ﷺ - (^٥).\n_________\n(^١) سقطت من م.\n(^٢) م: \"أناسًا … والشهداء بمكانهم\" وما أثبتناه عن الأصول الخطية هو الموافق لما في السنن.\n(^٣) في إحدى نسخ أبي داود: \"وإنهم على\".\n(^٤) أخرجه أبو داود في السنن: ١٧ - كتاب البيوع: ٧٨ - باب الرهن ٣/ ٧٩٩ ح ٣٥٢٧.\nوقد قال الخطابي: قوله \"تحابوا بروح الله\" فسروه بالقرآن، وعلى هذا يتأول قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وسماه روحًا والله أعلم لأن القلوب تحيا به كما تكون حياة النفوس والأبدان بالأرواح. وإسناده صحيح وانظر صحيح أبي داود ٢/ ٦٧٣.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٣٤١، ٣٤٣ (الحلبي) مختصرًا وضمن قصة طويلة وأول الحديث فيها: يأيها الناس! اسمعوا واعقلوا واعلموا أن لله - ﷿ - عبادًا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء .. الحديث.\nوقد أخرجه أحمد عن قتادة، وعبد الحميد بن بهرام عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم عن أبي مالك.\nوأخرجه الطبراني في الكبير ٣/ ٢٩٠ - ٢٩١ ح ٣٤٣٣ - ٣٤٣٦ من وجوه مختصرًا ومطولًا لكن دون القصة في سياق أحمد، ومن روايات ابن أبي حسين وشمر بن عطية، وأبي المنهال وليث بن أبي سليم عن شهر بن حوشب عن أبي مالك.\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٧٦ - ٢٧٧ وقال: رواه كله أحمد والطبراني بنحوه ورجاله وثقوا. ثم أورد نحوه عن أبي يعلى من حديث شهر عن مالك أو ابن مالك وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير حوشب وقد وثقه غير واحد.\nأقول: والحديث بهذا حسن.\nوقد أخرجه البغوي في شرح السنة ١٣/ ٥٠ - ٥١ من رواية ابن أبي حسين.\nوأخرج الحاكم نحوه من حديث عبد الله بن عمر في المستدرك ٤/ ١٧٠ - ١٧١ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\nومضى لنا حديث عمر في سنن أبي داود.\nوقد أخرج ابن حبان في صحيحه كتاب البر والإحسان: باب الصحبة والمجالسة: ذكر وصف المتحابين في الله يوم القيامة عند حزن الناس وخوفهم في ذلك اليوم ١/ ٣٩٠ من حديث أبي هريرة نحو حديث أبي مالك، وفيه: تحابوا بنور الله.\nفللحديث أكثر من شاهد.","vol":"3","page":1085},{"text":"• وفي حديثه: \"يغبِطُهُم النبيّون بقُرْبِهِمْ ومقعَدِهمْ من الله تعالى (^١).\n• وفي المسند (^٢) عن عمرو بن الجموح عن النبي ﵌ قال: \"لا يُحِقُ العبدُ حَقَّ صريحِ الإيمان حتّى يحبَّ لله، ويُبْغضَ للهِ، فإذَا أحَبَّ لله، وأَبْغَضَ لله، فقد استَحَقَّ الولايةَ من الله إنَّ أوليائي مِنْ عِبَادِي وأَحِبّائي مِنْ خَلْقي: الذينَ يذكرون بِذِكْرِي، وأُذْكَرُ بِذِكْرِهِمْ\".\n• وسئل المرتعش بم تنال المحبة؟ قال: بموالاة أولياء الله، ومعاداة أعدائه. وأصله الموافقة.\n• وفي الزهد للإمام أحمد عن عطاء بن يسار قال: قال موسى - ﵇ -: يا رب! مَنْ هُمْ أهلك الذين تظلهم في (^٣) ظل عرشك؟ قال: يا موسى هم البريَّةُ أيديهم (^٤)، الطاهرة قلوبهم، الذيىن يَتَحابّونَ بجلَالي، الذين إذا ذُكِرْتُ ذُكِرُوا بي، وإذا ذُكِرُوا ذُكِرْتُ بذكرهم (^٥)، الذين يُسْبِغُونَ الوضوءَ في المكَارِه، ويُنيبُونَ إلى ذكري كما تُنِيبُ النُسُورُ إلى وكورها (^٦)، ويَكلفون بحبي كما يَكلف الصبي بحب الناس (^٧) ويغضبون (^٨) لمحارمي إذا استُحِلّت كما يَغْضَبُ النَّمِرُ إذا حوربَ (^٩).\n* * *\n_________\n(^١) في مسند أحمد في الموضع الأول: \"يغبطهم النبيون والشهداء لمقعدهم وقربهم من الله يوم القيامة وفي الموضع الثاني: بنحوه.\nوعند الطبراني ح ٣٤٣٣ يغبطهم النبيون والشهداء بقربهم ومقعدهم من الله - ﷿ - يوم القيامة.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٣٠ (الحلبي) من طريق الهيثم بن خارجة، عن رشدين بن سعد، عن عبد الله بن الوليد، عن أبي منصور مولى الأنصار، عن عمرو بن الجموح أنه سمع النبي - ﷺ - يقول: \"لا يحق العبد حق صريح الإيمان .. الحديث.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٨٩ وقال: رواه أحمد وفيه رشدين بن سعد وهو منقطع ضعيف.\nوفي المطبوع والمخطوط: \"لا يجد العبد صريح الإيمان\" وفيه تحريف ونقص، وفي المسند: فقد استحق الولاء.\nوفي الأصول والمجمع: \"الولاية\".\n(^٣) م: \"تحت\".\n(^٤) م: \"البريئة أيديهم\" وما أثبتناه عن أ هو الموافق لما في الزهد وإن يكن كلاهما صحيحًا.\n(^٥) م: \"بهم\".\n(^٦) م: \"أوكارها\" وما أثبتناه عن أ هو الموافق لما في الزهد.\n(^٧) \"ا\": \"بالناس\".\n(^٨) م: \"ويبغضون\" وهو تحريف.\n(^٩) م: \"حورب\" وما أثبتناه عن أ هو الموافق لما في الزهد.\nوالأثر في الزهد لأحمد بن حنبل ص ٩٥ من رواية عبد الرحمن عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم بن عطاء، والأولياء لابن أبي الدنيا ص ٥٣ ح ٣٧ من رواية الحسين بن حفص، عن هشام بن سعد - به - بنحوه.","vol":"3","page":1086},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1260>[فإذا أحببته كنت سمعه. . . إلخ]:</span>\n• قوله \"فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمعُ به، وبَصَرَه الذي يُبْصِرُ به، ويدَه التي يَبْطِشُ بها، ورجلَه التي يمشي بها\".\n• وفي بعض الروايات:\n\"وقلبه الذي يَعْقِل به، ولسانه الذي ينطق به\".\nالمراد بهذا الكلام: أن من اجتهد بالتقرب إلى الله تعالى بالفرائض، ثم بالنّوافل قرّبه الله إليه، ورقَّاه من درجه الإيمان إلى درجة الإحسان؛ فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة، كأنه يراه فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى، ومحبته وعظمته، وخوفه ومهابته، وإجلاله والأنس به، والشوق إليه؛ حتى يصيرَ هذا الذي في قلبه من المعرفة مُشَاهَدًا له بعين البصيرة كما قيل:\nساكنٌ في القلب يَعْمُرُهُ … لَسْتُ أَنْسَاهُ فأَذْكُرُهُ!؟\nغَابَ عَنْ سَمعي وعَنْ بَصَرِي … فَسُوَيَدا القلب تُبْصِرُهُ!؟ (^١)\n• قال الفضيل بن عياض: إن الله تعالى يقول: كذَب مَن ادّعى محبتي ونام عني (^٢) أليس كل مُحِبِّ يحب خلوة حبيبه (^٣) ها أنا مطلع على أحبائي، وقد مثَّلوني بين أعينهم، وخاطبُوني على المشاهدة، وكلّموني بحضور (^٤) غدًا أقر أعينهم في جِناني.\nولا يزال هذا الذي في قلوب المحبين المقربين يَقْوَى حتى تمتلئَ قلوبهم به، فلا يبقى في قلوبهم غيرُه، ولا تستطيعُ جوارحُهُم أن تَنْبَعِثَ إلا بموافقة ما في قلوبهم، ومَنْ كانَ حاله هذا قيل فيه ما بقي في قلبه إلا الله.\nوالمراد معرفته ومحبته وذكره.\n• وفي هذا المعنى: الأثر الإسرائيلي المشهور يقول الله - ﷿ -: \"ما وسعني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن\" (^٥).\n_________\n(^١) م: \"فسويد القلب يبصره\" وفيه خطأ بين.\n(^٢) م: \"من ادعى محبتي ونام عني\" ل: \"فإذا جنه الليل نام عني\" وضرب عليها.\n(^٣) م: \"محبوبه\".\n(^٤) \"ا\": \"بحضوري\".\n(^٥) قال ابن تيمية: هو مذكور في الإسرائيليات وليس له إسناد معروف عن النبي - ﷺ - ومعناه: وسع قلبه الإيمان بي ومحبتي ومعرفتي وإلا فمن قال إن الله يحل في قلوب الناس فهو أكفر من النصارى الذين خصوا ذلك بالمسيح وحده\". =","vol":"3","page":1087},{"text":"• وقال بعض العارفين: احذروه، فإنه غيُورٌ، لا يحبُّ أن يَرَى في قلب عبدِه غَيْرَهُ.\n• وفي هذا المعنى (^١) يقول بعضهم:\nليسَ للنَّاسِ مَوْضِعٌ في فُؤَادِي … زادَ فيه هواك حتّى امتلا\n* * *\nقال آخر:\nقد صيغ قلبي على مقدارِ حُبّهمُ … فما لِحُبِّ سِوَاهُمْ فيه مُتّسَعُ\n• وإلى هذا المعنى أشار النبي ﵌ في خطبته لما قدم المدينة فقال: \"أحبُّوا الله مِن كل قلوبكم\".\nكما ذكره ابن إسحاق في سيرته: (^٢).\nفمتى امتلأ القلب بعظمة الله تعالى محا ذلك من القلب كُلَّ ما سواه، ولم يبق للعبد شيءٌ من نفسه وهواه، ولا إرادةٌ إلا لما يريدُه منه مولاه؛ فحينئذ لا ينْطِقُ العبد إلا بذكره، ولا يتحركُ إلا بأمره، فإن نطق نطق بالله، وإن سمع سمع به، وإن نظر نظر به، وإن بَطَشَ بَطَش به.\n_________\n= قال العجلوني: وكأنه أشار بما في الإسرائيليات إلى ما أخرجه أحمد في الزهد عن وهب بن منبه قال: \"إن الله فتح السماوات لحزقيل حتى نظر إلى العرش فقال حزقيل: سبحانك ما أعظمك يا رب! فقال الله: إن السماوات والأرض ضعفن عن أن يسعنني ووسعني قلب المؤمن الوادع اللين\".\nوقال الزركشي: وضعه الملاحدة.\nفهو إذًا حديث موضوع راجع إتحاف السادة المتقين ٧/ ٢٣٤، والمقاصد الحسنة ص ٣٧٣ ح ٩٩٠، وكشف الخفاء ٢/ ٢٧٣، وشذرات من علوم السنة ١/ ٦٢ للمحقق، والأحاديث المشكلة الرتبة ص ٢٢٧ - ٢٢٨ والأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص: ٣١٠.\n(^١) ليست في \"ا\".\n(^٢) أورده ابن هشام في سيرته عن ابن إسحاق ١/ ١٤٢ - ١٤٣ ضمن خطبة خطبها - ﷺ - بعد خطبته الأولى بالمدينة، قال ابن إسحاق: ثم خطب رسول الله - ﷺ - الناس مرة أخرى فقال: إن الحمد لله، أحمده وأستعينه، نعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له. إن أحسن الحديث كتاب الله ﵎ قد أفلح من زينه الله في قلبه، وأدخله في الإسلام بعد الكفر، واختاره على ما سواه من أحاديث الناس، إنه أحسن الحديث وأبلغه، أحبوا ما أحب الله، أحبّوا الله من كل قلوبكم، ولا تملوا كلام الله وذكره، ولا تقسو عنه قلوبكم؛ فإنه من كل ما يخلق الله يختار ويصطفي، وقد سماه الله خيرته من الأعمال، ومصطفاه من العباد، والصالح من الحديث، ومن كل ما أوتي الناس الحلال والحرام؛ فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، واتقوه حق تقاته، واصدقوا الله صالح ما تقولون بأفواهكم، وتحابوا بروح الله بينكم، إن الله يغضب أن ينكث عهده والسلام عليكم\" لكن الرواية مرسلة.","vol":"3","page":1088},{"text":"فهذا هو المراد بقوله: كنتُ سمعَه الذي يسمعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويدَه التي يبطش بها، ورجلَه التي يمشي بها.\n• ومن أشار إلى غير هذا؛ فإنما يُشِيرُ إلى الإلحاد من الحلول، أو الاتحاد، والله ورسوله بريئان منه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1261>[من مأثور السلف]:</span>\n• ومن هنا كان بعض السلف كسليمان التيمي يقولون: إنه لا يَحْسُن أن يُعْصَى الله.\n• وأوصت امرأة من السلف أولادها فقالت لهم: تعوَّدوا حُبَّ الله وطاعتَه؛ فإن المتقين ألِفُوا الطاعةَ فاسْتَوحشت جوارحُهم من غيرها؛ فإن عرض لهم الملعون بمعصية مرّت المعصيةُ بهم محتشمةً؛ فهم لها مُنْكِرُونَ.\n• ومن هذا المعنى قولُ علي بن أبي طالب - ﵁ -: \"إن كنا لنَرى أنَّ شيطانَ عمرَ ليهَابُه أن يأمره بالخطيئة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1262>[وهذا من أسرار التوحيد]:</span>\n• وقد أشرنا فيما سبق إلى أن هذا من أسرار التوحيد الخاصة؛ فإن معنى: \"لا إله إلا الله: أنه لا يُؤلَّهُ غيره: حُبًّا ورجاءً وخوفًا وطاعةً فإذا تحَقَّق القلبُ بالتوحيد التام لم يبق فيه محبة لغير ما يحبّه الله، ولا كراهة لغير ما يكرهه الله.\nومن كان كذلك لم تَنْبعِثْ جَوَارِحُه؛ إلا بطاعة الله.\nوإنما تنشأ الذنوبُ من محبة ما يكرهه الله، أو كَراهَةِ ما يحبّه الله.\nوذلك ينشأ من تقديم هوى النفس (^١) على محبة الله تعالى، وخشيته، وذلك يقدح في كمال التوحيد الواجب، فيقعُ العبدُ بسبب ذلك في التفريط في بعض الواجبات، أو ارتكاب بعض المحظورات.\nفأما من تحقق قلبه بتوحيد الله فلا يبقى له هَمٌّ إلا في الله وفيما يرضيه به.\n• وقد ورد في الحديث مرفوعًا: \"من أصبح وهمه غيرُ الله؛ فليس من الله\" (^٢).\n_________\n(^١) \"ا\": \"النفوس\".\n(^٢) رواه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٢٠ من طريق إسحاق بن بشر، عن مقاتل بن سليمان ومن حديث ابن مسعود مرفوعًا وسكت عنه وعقب الذهبي بقوله: \"إسحاق ومقاتل ليسا بثقتين ولا صادقين\". وله وجوه أخرى ضعيفة وغير محفوظة في الحلية ٣/ ٤٨ والكامل ٧/ ٦٧ والإتحاف ٨/ ٨٤.","vol":"3","page":1089},{"text":"وخرجه الإمام أحمد من حديث أبيِّ بن كعب موقوفًا قال: \"من أصبح وأكبر همه غير الله فليس من الله (^١).\nقال بعض العارفين: \"منْ أخبرَك أن وليه له هم (^٢) في غيره فلا تصدقه\".\n• وكان داود الطائي ينادي بالليل: [اللهم!] هَمّك عَطّل عليّ الهموم، وحالف (^٣) بيني وبين السهاد! وشوقي إلى النظر إليك أوثَقَ مني اللذات، وحال بيني وبين الشهوات، فأنا في سجنك أيها الكريم مطلوب!؟.\n* * *\n• وفي هذا يقول بعضهم:\nقالوا تشاغلَ عنا واصطفَى بدلًا … منَّا وذاك فعلُ الخائن السَّالِي!؟\nوكيف أَشْغَلُ قَلْبِي عن مَحبَّتِكُم … بغير ذكركُم يا كلَّ أَشغَالي؟!\n\n<span data-type='title' id=toc-1263>[ولئن سألني لأعطينّه]:</span>\n• قوله \"ولئن سألني لأعطينّه ولئن استعاذني لأعيذنّه\".\n• وفي رواية أخرى: \"إن دعاني أجبتُه، وإن سأَلَني أعطيتُه\".\nيعني أن هذا المحبوبَ المقربَ له عند الله منزلة خاصة تقتضي أنه إذا سأل الله شيئًا أعطاه إياه، وإن استعاذ به من شيء أعاذه منه، وإن دعاه أجابه؛ فيصير مجابَ الدعوة لكرامته على ربِّه تعالى.\nوقد كان كثير من السلف الصالح معروفًا بإجابة الدعوة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1264>[ممن أُجيبت دعواتهم]:</span>\nوفي الصحيح أن الرُّبَيِّعَ بنتَ النضر كَسرت ثنيَّةَ جاريةٍ، فعرضوا عليهم الأرشَ فأبَوْا، فطَلبوا منهم العفو، فأبَوا، فقضى بينهم رسول الله ﵌\n_________\n(^١) لم أجده في مسند أحمد موقوفًا؛ فلعله في موضع آخر؛ لكن ابن رجب حين يذكر إخراج أحمد للحديث مطلقًا يعني المسند أما هذا الحديث مرفوعًا فهو موضوع، راجع ما كتبه عنه، وعن طرقه الشيخ ناصر الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ٣٠٩، ٣١٠، ٣١١.\n(^٢) م: \"أن وليه لهم\".\n(^٣) م والحلية: \"وحال\" وهو خطأ بين. وما بين المعكوفين من الحلية وانظره بسياقه فيها ٧/ ٣٥٦ - ٣٥٧ وفيها أيضًا: \"وشوقي إلى النظر إليك منع مني اللذات والشهوات\".","vol":"3","page":1090},{"text":"بالقصاص، فقال أنس بنُ النضر: أتكسر ثنية الرُّبَيِّع؟ والذي بعثك بالحق! لا تُكْسَرُ ثَنيّتُها، فرضي القوم وأخذوا الأرش، فقال رسولُ الله ﵌: \"إن مِنْ عِبَادِ الله مَنْ لَو أقسَمَ علَى الله لأبره\" (^١).\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه في: ٢٨ - كتاب القسامة: ٥ - باب إثبات القصاص في الأسنان وما في معناها ٣/ ١٣٠٢ ح ٢٤ - (١٦٧٥) عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عفان بن مسلم، عن حماد، عن ثابت، عن أنس: أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانًا، فاختصموا إلى النبي - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: \"القصاص القصاص\" فقالت أم الربيع: يا رسول الله! أيقتص من فلانة؟ والله! لا يقتص منها فقال النبي - ﷺ -: سبحان الله! يا أم الربيع! \"القصاص كتاب الله\" قالت: لا والله! لا يقتص منها أبدًا، قال: فما زالت حتى قبلوا الدِّية، فقال رسول الله - ﷺ -: فذكره.\nوأخرجه أحمد في المسند ٣/ ٢١٨ بنحو ما أورده ابن رجب وفي ٣/ ١٦٧ بأوضح وأتم عن أنس بن مالك أن الربيع بنت النضر عمة أنس بن مالك كسرت ثنية جارية فعرضوا عليهم الأرش فأبوا، وطلبوا العفو فأبوا، فأتوا النبي - ﷺ - فأمر بالقصاص، فجاء أخوها أنس بن النضر عم أنس بن مالك، فقال: يا رسول الله! أتكسر ثنية الربيع؟ لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها، فقال رسول الله - ﷺ -: يا أنس! كتاب الله القصاص! قال: فعفا القوم، فقال رسول الله - ﷺ - فذكره.\nوفي ٣/ ٢٨٤ بنحو ما عند مسلم.\nوأخرجه البخاري في ٥٣ - كتاب الصلح: ٨ - باب الصلح في الدية ٥/ ٣٠٦ ح ٢٧٠٣ من رواية محمد بن عبد الله الأنصاري، عن حميد، عن أنس: أن الربيع وهي ابنة النضر كسرت ثنية جارية فذكره مختصرًا: بنحو ما عند أحمد في الموضع الثاني.\nوفي: ٥٦ - كتاب الجهاد: ١٢ - باب قول الله - ﷿ -: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ٦/ ٢١ بنحوه مختصرًا ح ٢٨٠٦.\nوفي: ٦٥ - كتاب التفسير سورة البقرة ٢٣ - باب ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ - إلى قوله - عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٨/ ١٧٧ - ح ٤٤٩٩ مختصرًا ٤٥٠٠ بنحو ما تقدم للبخاري وفيه: فرضي القوم فعفوا: سورة المائدة: ٦ - باب ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ٨/ ٢٧٤ ح ٤٦١١ بنحوه، وفيه عن أنس أن الربيع عمته .. فرضي القوم وقبلوا الأرش.\nوفي: ٨٧ - كتاب الديات: ١٩ باب السِّنِّ بالسِّنِّ ١٢/ ٢٢٣ ح ٦٨٩٤ مختصرًا وفيه أن ابنة النضر.\nقال ابن حجر: وفي رواية مروان بن معاوية: عن حميد عند الإسماعيلي: فرضي أهل المرأة بأرش أخذوه فعفوا، فعرف أن قوله: \"فعفوا\" أي على الدية، زاد معتمر: فعجب النبي - ﷺ - وقال: \"إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره\" أي لأبر قسمه.\nووجه تعجبه أن أنس بن النضر أقسم على نفي فعل غيره مع إصرار ذلك الغير على إيقاع ذلك الفعل، فكان قضية ذلك أن يحنث في يمينه، فألهم الله الغير العفو فبر قسم أنس، وأشار بقوله \"إن من عباد الله\" إلى أن هذا الاتفاق؛ إنما وقع إكرامًا من الله لأنس ليبر يمينه، وأنه من جملة عباد الله الذين يجيب دعاءهم، ويعطيهم أربهم\".\nوفيما يتعلق بإنكار أنس بن النضر كسر سن الربيع مع سماعه من النبي - ﷺ - الأمر بالقصاص، وقوله: أتكسر سن الربيع وإقسامه أنها لا تكسر، فهذا أمر قد يبدو مستغربًا، كيف وهو من المؤمنين الذين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم فالشأن فيهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا؟. =","vol":"3","page":1091},{"text":"وفي صحيح الحاكم، عن أنس، عن النبي - ﷺ - (^١) قال: كم مِنْ ضَعِيفٍ متضعِّفٍ ذي طِمْرَيْنِ لو أقسمَ على الله لأبرَّه، منهم البراءُ بنُ مالك، وإنَّ البراءَ لَقِي زَحْفًا من المشركينَ فقال له المسلمون أَقسِمْ على ربك! فقال: أقسمتُ عليك يا رب! لما منحتنها أكتافهُم؛ فمنحُوا (^٢) أكتافَهُم، ثم التَقَوْا مرَّةً أُخْرَى فقالوا له: أقسم على ربّك! فقال: أقسمت عليك يا رب! لما منَحْتَنَا أكتافهم وألحقتني (^٣) بِنَبِيِّكَ - ﷺ - فمنحوا أكتافهم وقتِل البراء (^٤).\n_________\n= وقد أجيب عن هذا - كما قال ابن حجر: بأنه أشار بذلك إلى التأكيد على النبي - ﷺ - في طلب الشفاعة إليهم أن يعفوا عنها، وقيل: لم يرد الإنكار المحض والرد؛ بل قاله توقعًا ورجاء من فضل الله أن يلهم الخصوم الرضا حتى يعفوا أو يقبلوا الأرش، قال: وبهذا جزم الطيبي. فقال: لم يقله ردًّا للحكم، بل نفي وقوعه، لما كان له عند الله من اللطف به في أموره، والثقة بفضله أن لا يخيبه، فيما حلف به، ولا يخيب ظنه فيما أراده بأن يلهمهم العفو، وقد وقع الأمر على ما أراد\".\nوقد بقي أمر الاختلاف في الرواية بين البخاري ومسلم وقد أجمله النووي في وجهين: أحدهما: أن في رواية مسلم: أن الجارية هي أخت الربَيِّع، وفي رواية البخاري: أنها الربيع بنفسها.\nوالثاني: أن في رواية مسلم أن الحالف لا تكسر ثنيتها هي: أم الرَّبيع بفتى الراء، وفي رواية البخاري أنه أنس بن النصر وقد أجاب النووي عن هذا بقوله.\nقال العلماء: المعروف في الروايات رواية البخاري، وقد ذكرها من طرقه الصحيحة كما ذكرنا عنه، وكذا رواه أصحاب كتب السنن وعقب بقوله: قلت: إنهما قضيتان:\nأما الرُّبيع - الجارحة - في رواية البخاري وأخت الجارحة في رواية مسلم: فهي بضم الراء وفتح الباء، وتشديد الياء.\nوأما أم الربيع - الحالفة - في رواية مسلم؛ فهي بفتح الراء وكسر الباء وتخفيف الياء\".\nوالحديث أخرجه البيهقي ٨/ ٢٥ نحو رواية البخاري.\nوفي ٨/ ٦٤ نحو روايتي مسلم من حديث ثابت عن أنس، ونحو رواية البخاري من حديث حميد، عن أنس، ثم قال: ظاهر الخبر يدل على كونهما قصتين، وإلا فثابت أحفظ.\nوهو هنا يرجح رواية مسلم بثابت.\nوسبق للنووي أنه أومأ إلى ترجيح رواية البخاري على أساس أن المعروف في الروايات رواية البخاري، فالله أعلم، سيما وعامة الروايات على ما عند البخاري.\nوالحديث عند البغوي في شرح السنة ١٠/ ١٦٦ بنحو ما عند البخاري وانظر الموسوعة ٣/ ٤٣٧.\n(^١) ليست في \"ا\".\n(^٢) م: \"فمنحهم\".\n(^٣) م: \"وألحقني\".\n(^٤) الذي في المستدرك وتعليق الذهبي ٣/ ٢٩١ - ٢٩٢ من رواية عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n\"كم من ضعيف متضعف ذي طمرين لو أقسم على الله لأبر قسمه منهم البراء بن مالك، فإن البراء لقي زحفًا من المشركين وقد أوجع المشركون في المسلمين، فقالوا: يا براء! إن رسول الله - ﷺ - قال: إنك لو أقسمت على الله لأبرك فأقسم على ربك!؟ فقال: أقسمت عليك يا رب! لما منحتنا أكتافهم، ثم التقوا =","vol":"3","page":1092},{"text":"• وروى ابن أبي الدنيا بإسناد له أن النعمان بن قَوْقَل قال يوم أحدٍ: اللهم؛ إني أُقْسِمَ عليكَ أنْ أُقْتَل فأدخلَ الجنة؟ فقتل: فقال النبي ﵌ \"إنّ النُّعْمَانَ أَقسَمَ عَلَى الله فأبرَّه\" (^١).\n* * *\n• وروى أبو نُعيم بإسناده: عن سعد أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد: يا ربّ: إذا لقيتُ العدوّ غدًا فلقِّني رجلًا شديدًا بأسُهُ، شديدًا حَرَدُه، أقاتله فيك ويقاتلني (^٢)، ثم يأخذني فيجْدَعُ أنفي وأذني، فإذا لقيتُك غدًا قلتَ: يا عبدَ الله! مَنْ جدَع أنفك وأذنك؟ فأقول: فيكَ وفي رسولك؟ فتقول: صدقت، قال سَعْد: فلقَدْ رأيته (^٣) آخر النَّهار وإنَّ أنفَهُ وأُذُنَهُ لمعلَّقتَانِ في خَيْط (^٤).\n* * *\n• وكان سعد بن أبي وقاص مجابَ الدعوة فكذَب عليه رجلٌ فقال: \"اللهم! إن كان كاذبًا فأَعْمِ بصَرَهُ وأطِل عُمرهُ، وعَرِّضْهُ للفتن\". فأصابَ الرجلَ ذلك كُلُّه فكان يتعرَّضُ للجواري في السكك ويقول: \"شيخ كبير فقير، مفتون! أصابتني دعوةُ سعد\" (^٥).\n• ودعا على رجل سمعه يشتُم عليًّا؛ فما برحَ من مكانه حتى جاء بَعِيرٌ نادٌّ فخبطه بيديه ورجليه حتى قتله (^٦).\n_________\n= على قنطرة السوس فأوجعوا في المسلمين، فقالوا له: يا براء! أقسم على ربك؟ فقال: أقسمت عليك يا رب! لما منحتنا أكتافهم وألحقتني بنبيك - ﷺ - فمنحوا أكتافهم، وقتل البراء شهيدًا\".\nوقد صححه الحاكم على شرط الشيخين وأقره الذهبي وهكذا يستبين لنا وجه المخالفة بين ما في الحاكم وما عند ابن رجب سيما في النسخة التي مهرها بتوقيعه.\nأفكانت هناك نسخة أخرى للمستدرك؟ أم أن ابن رجب الحافظ كان يملي من الذاكرة وَجَلَّ من لا يسهو؟!.\n(^١) الحديث في \"مجابو الدعوة\" ص ٦٢ ح ٢٢ بإسناد حسن.\n(^٢) م: \"سعيد\" وهو تحريف. م: \"ويقتلني\" وما أثبتناه عن أ هو الموافق لما في الحلية.\n(^٣) م: \"لقد لقيته\".\n(^٤) رواه أبو نعيم في الحلية ١/ ١٠٨ - ١٠٩ من وجهين أولهما مثل ما أورده ابن رجب زاد في أوله: إن عبد الله بن جحش قال لسعد: ألا ندعو الله فخلوا في ناحية فدعا عبد الله بن جحش فقال: يا رب! فذكره. وثاني الوجهين بنحوه مختصرًا زاد في آخره: قال سعيد بن المسيب: فإني لأرجو أن يبر الله آخر قسمه كما أبر أوله.\n(^٥) أخرجه البخاري في صحيحه ح ٧٥٥ بسياقه مطولًا.\n(^٦) راجع ترجمته وأخبار إجابة دعوته ودعوة الرسول - ﷺ - له أن يكون مجاب الدعوة في الطبقات الكبرى ٢٢١ - ٢٣٢ من العشرة المبشرين بالجنة، والاستيعاب لابن عبد البر ٢/ ٦٠٦ - ٦١٠.","vol":"3","page":1093},{"text":"• ونازعت (^١) امرأةٌ سعيدَ بنَ زيد في أرض له، فادّعت أنه أخذ منها أرضها؛ فقال: اللهم! إن كانت كاذبة فأعْم بَصَرَها، واقتلها في أرضها، فعَميت. فبينما (^٢) هي ذاتَ ليلة تمشي في أرضها؛ إذ وقعت في بئر فيها؛ فماتت (^٣).\n* * *\n• وكانَ العلاءُ بنُ الحضْرمي في سَريّة فعطِشُوا فصلى فقال: \"اللهم (^٤)! يا عليمُ! يا حليم! يا عليّ! يا عظيم! إنا عبيدك، وفي سبيلك نقاتل عدُوَّك؛ فاسقنا غيثًا نشربْ منهُ ونتوضأ، ولا تجعل لأحد فيه نصيبًا غيرَنا\" فسارُوا قليلًا، فوجَدُوا نَهَرًا من ماء السماء يتدفق فشربوا وملؤوا أوعيتهم، ثم ساروا فرجع بعضُ أصحابه إلى موضع النهر فلم ير شيئًا، وكأنه لم يكن في موضعه ماء قط.\n• وشُكِيَ إلى أنس بن مالك عطشُ أرضه في البصرة فتوضأ وخرج إلى البَرِّية، وصلى ركعتين، ودعا فجاء المطر وسقا أرضه، ولم يجاوز المطر أرضه إلا يسيرًا (^٥).\n• واحترقت خِصَاصٌ بالبصرة في زمن أبي موسى الأشعري، وبقي في وسطها خُصٌّ لم يحترق، فقال أبو موسى لصاحب الخص: ما بال خُصّك لم يحترق؟ فقال: إني أَقْسَمْتُ على ربي أن لا يحرقه!؟ فقال أبو موسى: إني سمعت رسول الله ﵌ يقول: \"في أمتي رجال طُلْسٌ (^٦) رؤوسُهمْ دَنِسٌ ثيابهُم؛ لو أقسموا على الله لأبَرَّهُمْ\".\n• وكان أبو مسلم الخولاني مشهورًا بإجابة الدعوه فكان يمر به الظبْي فيقول له الصبيان: ادعُ الله لنا أن يَحْبِسَ علينا هذا الظّبْيِ؛ فيدعو الله فيحبِسه حتى يأخذوه\n_________\n(^١) م: \"ونازعته\" وفيه تحريف.\n(^٢) \"ا\": \"وبينا\".\n(^٣) راجع هذا في صحيح مسلم: ٢٢ - كتاب المساقاة: ٣٠ باب تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها ٣/ ١٢٣٠ - ١٢٣١ ح ١٣٨، ١٣٩، وانظره والترجمة في طبقات ابن سعد ٢٧٩ - ٢٨٥ والاستيعاب ٢/ ٦١٤ - ٦٢٠ وفي \"ا\": \"فأذهب بصرها\" وما أثبتناه هو الموافق لما في مسلم.\n(^٤) م: \"ثم قال\". والخبر في الحلية ١/ ٧ - ٨ بنحوه مختصرًا وفي: \"مجابو الدعوة\" مطولًا.\n(^٥) مجابو الدعوة ح ٤٤ مختصر تاريخ دمشق ٥/ ٧٢، السير ٣/ ٤٠٠ الطبقات الكبرى ٧/ ٢١.\n(^٦) مغبرة: والأصل فيه: الطُّلْسة: الغُبْرة إلى السَّواد، والأطلس: الأسود والوسخ.\nومنه الحديث: \"تأتي رجالًا طلسًا\" أي مغبرة الألوان: جمع أطلس، راجع النهاية ٣/ ١٣٢ ولم يشر ابن الأثير إلى الحديث الذي معنا. والخبر في الأولياء ح ٤٢ بسند ضعيف.","vol":"3","page":1094},{"text":"بأيديهم (^١).\n• ودعا على امرأة أفسدت عليه عشرة امرأة له بذهاب بصرها؛ فذهب بصرها في الحال؛ فجاءته، فجعلت تناشده الله وتطلب إليه، فرحمها ودَعَا الله تعالى، فردَّ عليها بَصَرَهَا، ورجَعَت امرأتُه إلى حَالها (^٢) معه.\n* * *\n• وكذب رجل على مطرّف بن عبد الله بن الشِّخِّير فقال له مطرف: إن كنت كاذبًا فعجل الله حتفك! فمات الرجل مكانه (^٣).\n• وكان رجل من الخوارج يغشى مجلس الحسن البصري فيؤذيهم، فلما زاد أذاه قال الحسن: اللهم! قد علمت أذاه لنا، فاكفناه بما شئت؛ فخر الرجل من قامته، فما حُمل إلى أهله، إلا ميتًا على سريره (^٤).\n* * *\n• وكان صلة بنُ أشيم في سرية فذهبت بغلته بثقلها، وارتحل الناس، فقام يصلي،\n_________\n(^١) الخبر أورده أبو نعيم في الحلية ٢/ ١٢٩ من رواية محمد بن حيان، عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد، عن أبيه، عن ضمرة، عن بلال بن كعب قال: كان الظبي يمر بأبي مسلم الخولاني فيقول له الصبيان: ادع الله يحبسه علينا، ونأخذه بأيدينا؟ فكان يدعو الله - ﷿ - فيحبسه حتى يأخذوه بأيديهم\" ورواه ابن أبي الدنيا في \"مجابو الدعوة\" ح ٨٤ بإسناد حسن. في م: \"الضَّب\" وفي أ: \"يمر به الضبي\" وفي كليهما تحريف.\n(^٢) أورد أبو نعيم القصة بتمام عناصرها في الحلية ٢/ ١٢٩ - ١٣٠ من رواية محمد بن أحمد بن محمد، عن أبي زرعة، عن سعيد بن أسد، عن ضمرة، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه قال: كان أبو مسلم الخولاني إذا انصرف إلى منزله من المسجد كبر على باب منزله: فتكبر امرأته، فإذا كان في صحن داره كبر فتجيبه امرأته، وإذا بلغ باب بيته كبر فتجيبه امرأته، فانصرف ذات ليلة، فكبر عند باب داره، فلم يجبه أحد، فلما كان في الصحن كبر فلم يجبه أحد، فلما كان عند باب بيته كبر فلم يجبه أحد، وكان إذا دخل بيته أخذت امرأته رداءه ونعليه، ثم أتته بطعامه قال: فدخل البيت فإذا البيت ليس فيه سراج، وإذا امرأته جالسة في البيت منكسة تنكت بعود معها، فقال لها: مالك؟ قالت: أنت لك منزلة من معاوية وليس لنا خادم، فلو سألته فأخذ منا وأعطاك، فقال: اللهم من أفسد علي امرأتي فأعم بصرها، قال: وقد جاءتها امرأة قبل ذلك، فقالت لها زوجك له منزلة من معاوية، فلو قلت له: يسأل معاوية يخدمه ويعطيه عشتم، قال: فبينا تلك المرأة جالسة في بيتها إذا أنكرت بصرها، فقالت: ما لسراجكم طفيء؟ قالوا: لا، فعرفت ذنبها، فأقبلت إلى أبي مسلم تبكي وتسأله أن يدعو الله - ﷿ - لها أن يرد عليها بصرها. قال: فرحمها أبو مسلم فدعا الله لها فرد عليها بصرها\".\nوهو في \"مجابو الدعوة\" ح ٨٥ وكلاهما ضعيف بعثمان بن عطاء وانظر التهذيب ٧/ ١٣٨ - ١٣٩ والميزان ٣/ ٤٨.\n(^٣) مجابو الدعوة ح ٩٢ بسياقه.\n(^٤) مجابو الدعوة ٩٣ بسياقه أيضًا.","vol":"3","page":1095},{"text":"وقال: \"اللهم إني أُقْسِمُ عليك أن تردَّ عليَّ بغلتي وثِقَلَها\".\nفجاءت حتّى قامت بين يديه.\n• وكان مرة في بَرِّيَّةٍ فقراء فجاع، فاستطعم الله، فسمع وجبة (^١) خلفه؛ فإذا هو بثوب أو منديل فيه دَوْخلَة (^٢) رُطَبٍ طريٍّ فأكل منه، وبقي الثوبُ عند امرأته معاذة العدوية، وكانت من الصالحات (^٣).\n• وكان محمد بن المنكَدر في غزاة، فقال له رجل من رفقائه: أشْتَهِي جُبْنًا رَطْبًا فقال ابن المنكدر: استطعِمُوا الله يُطْعِمْكُم؛ فإنه القادر فدعا القومُ فلم يسيروا إلا قليلًا حتى رأوا مِكْتَلًا مَخِيطًا؛ فإذا هو جُبنٌ رَطْبٌ، فقال بعض القوم: لو كان عَسلًا؟ فقال ابنُ المنكدر: إنَّ الذي أطعَمَكُم جُبْنًا (^٤) ها هنا قادر على أن يطعمكم عسلًا فاستطعِمُوه، فدعَوْا، فساروا قليلًا فوجدوا ظرف عَسَل على الطريق، فنزلُوا فأكلوا (^٥).\n• وكان حبيب العجمي أبو محمد معروفًا بإجابة الدعوة؛ دعا لغلام أقرعَ الرأس، وجعل يبكي ويمسح بدموعه رأس الغلام؛ فما قام حتى اسودّ شعر رأسه، وعاد كأَحْسَنِ الناس شَعرًا.\n• وأُتي برجل زِمِنٍ (^٦) في محمل فدعا له، فقام الرجل على رجليه، فحمَل مَحْملَه على عنقه، ورَجَع إلى عياله.\n• واشترى في مجاعة طعامًا كثيرًا فتصدّق به على المساكين، ثم خاط أكيسة فوضعها تحت فراشه، ثم دعا الله تعالى، فجاء أصحاب الطعام يطلبون ثمنه، فأخرج\n_________\n(^١) قال في اللسان ٦/ ٤٧٦٧ (معارف) أصل الوجوب: السقوط والوقوع، ووجب الميت إذا سقط ومات، والوجبة: السقطة مع الهدّة، ووجب وجبة سقط، وقال اللحياني: وجب البيت وكل شيء سقط، وجبًا، ووجبة وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ معناه سقطت جنوبها إلى الأرض، والوجبة صوت الشيء يسقط فيسمع له كالهدَّة.\n(^٢) الدَّوْخَلَّة والدَّوْخَلَة زَبيل أو زَنبيل \"قفة\" من خوص يجعل فيه التمر والجمع \"دواخل\" و\"زبُل وزُبلان\" و\"زنابيل\" على التوالي، وضبطت في أ: بضم الدال.\nراجع المعجم الوسيط ١/ ٢٧٥، ٣٩٠.\n(^٣) هذا والذي قبله في \"مجابو الدعوة\" ح ٥٥، ٥٦ بسياقيهما.\n(^٤) م: \"رطبًا جنيًا\". والخبر في \"في مجابو الدعوة\" ح ٦٧ بنحوه بإسناد ضعيف.\n(^٥) رواه أبو نعيم في الحلية ٣/ ١٥١ بنحوه.\n(^٦) يقال زمن زمنًا وزُمْنَةً وزمانة: مرض مرضًا يدوم طويلًا وضعف بكبر سنٍّ أو مطاولة علة، فهو زمن وزمين. المعجم الوسيط ١/ ٤٠٣ والخبر في \"مجابو الدعوة\" ح ٩٧.","vol":"3","page":1096},{"text":"تلك الأكيسة؛ فإذا هي مملوءةٌ دراهم، فوزنها - فإذا هي قدْرُ حقوقهم؛ فدفعها إليهم (^١).\n• وكان رجل يعبث به كثيرًا فدعا عليه حبيب؛ فبَرِصَ.\n• وكان مرَّة عند مالك بن دينار فجاء رجل فأغلظ لمالك من أجل دراهمَ قسَّمها مالك، فلما طال ذلك من أمره، رفع حبيب يديه إلى السماء فقال: اللهم إنّ هذا قد شَغَلَنَا عن ذِكْرِكَ؛ فأرِحْنا منه كيف شئتَ.\nفسقط الرجل على وجهه ميتًا (^٢).\n• وخرج قوم غُزَاةً في سبيل الله، وكان لبعضهم حمار، فمات وارتحل أصحابه، فقام فتوضأ وصلَى وقال: \"اللهم إني خَرجْتُ مجاهدًا في سبيلك، وابتغاءَ مرضاتك، وأشهد أنك تحيي الموتى، وتَبْعثُ مَن في القبور، فأحْي لي حماري؛ ثم قام إلى الحمار فضربه فقام الحمار، ينفض أذنيه، فركبه ولحقَ أصحابه، ثم باع الحمار بعد ذلك بالكوفة (^٣).\n• وخرجت سرِيَّةٌ في سبيل الله فأصابهم بَرْدٌ شديد، حتى كادوا أن يَهْلِكُوا، فدَعَوُا الله تعالى، وإلى جانبهم شجرةٌ عظيمة؛ فإذا هي تلتهب نارًا، فجففوا ثيابَهُم، ودَفئُوا بها حتى طلعت الشمس عليهم فانصرفوا، ورُدّت الشجرة على (^٤) هيئتها.\n• وخرج أبو قلابة حاجًّا (^٥) فتقدم أصحابَه في يوم صائف؛ فأصابه عطش شديد؛ فقال: اللهم! إنك قادر على أن تُذهب عطشي من غير فِطر، فأظلّته سَحَابةٌ، فأمطَرَت عليه، حتى بلّت ثوبه، وذهبَ العطَشُ عنه، فنزل فحوّض حياضًا فملأَها، فانتهى إليه أصحابه فشَرِبوا وما أصاب أصحابه من ذلك المطر شيءٌ (^٦).\n• ومثلُ هذا كثير جدًّا، ويطول استقصاؤه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1265>[من صبر مجابي الدعوة]:</span>\nوأكثرُ مَن كان مُجَابَ الدعوة من السلف كان يَصْبِر على البلاء، ويختار ثوابَهُ، ولا يدعو لنفسه بالفرج منه.\n* * *\n_________\n(^١) رواه أبو نعيم في الحلية ٦/ ١٥٠ بنحوه، وهو في \"مجابو الدعوة\" ٩٩.\n(^٢) هذا والذي قبله في \"مجابو الدعوة\" ٩٥، ١٢٤ بسياقيهما.\n(^٣) \"مجابو الدعوة\" ٤٩ بسياقه كاملًا.\n(^٤) م: \"إلى\".\n(^٥) سقطت من ا، ب. وفي م: \"صائمًا\".\n(^٦) الأولياء لابن أبي الدنيا ص ٦٨ ح ٦٣.","vol":"3","page":1097},{"text":"• وقد رُوي أن سعدَ بن أبي وقاص كان يدعو للناس لمعرفتهم له بإجابة الدعوة، فقيل: لو دعوت الله لبَصَرِك؟ وكان قد أَضَرَّ؛ فقال: \"قضاءُ الله أحبُّ إليّ من بصري! \".\n* * *\n• وابتلي بعضهم بالجذام، فقيل له: بلغنا أنك تَعْرف اسم الله الأعظم، فلو سألتَه أن يكشف ما بك؟ فقال: يا ابن أخي! إنه هو الذي ابتلاني وأن أكره أن أُرَادَّهُ!.\n• وقيل لإبراهيم التيمي وهو في سجن الحجاج: لو دعوت الله تعالى؟ فقال: أكره أن أدعوه أن يفرِّج عني ما لي فيه أجر.\nوكذلك سعيد بن جبير صبر على أذى الحجاج حتى قتله.\n• وكان مجاب الدعوة، كان له ديكٌ يقوم بالليل بصياحه إلى الصلاة؛ فلم يَصْحُ ليلة في وقته، فلم يقم سعيد للصلاة (^١) فشقّ عليه فقال: ماله! قطع الله صوته؟ فَمَا صاح الديك بعد ذلك، فقالت له أمه: \"يا بني! لا تدعُ بعد هذا على شيء\".\n• وذُكر لرابعة رجل له منزلة عند الله وهو يقتات مما (^٢) يلتقطه من المنبوذات على المزابل، فقال رجل: ما ضر هذا أن يدعو الله أن يغنيه عن هذا؟! فقالت رابعة: إن أولياءَ الله إذا قضى الله لهم قضاء (^٣) لم يتسخَّطُوه.\n* * *\n• وكان حيوة بن شُريح ضيق العيش جدًّا فقيل له: لَوْ دعوتَ الله أن يوسِّعَ عليك؟ فأخذ حصاة من الأرض فقال: اللهم اجعلها ذهبًا؛ فصارت تبرة في كفه، وقال: ما خَيْرٌ في الدنيا؛ إلا الآخرة ثم قال: \"هو أعلم بما يُصْلحُ عباده\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1266>[وقد يدعو المؤمن فلا يجاب]:</span>\nوربما دعا المؤمن المجابُ الدعوة بما يعلم الله الخِيَرَةَ له في غيره عنه (^٤) فلا يُجِيبُه إلى سؤاله، ويُعَوِّضه عنه ما هو خير له؛ إما في الدنيا أو في الآخرة.\nوقد تقدم في حديث أنس المرفوع: \"أن الله يقول: إن من عبادي من يسألني بابا\n_________\n(^١) م: \"إلى الصلاة\" والخبر في \"مجابو الدعوة\" ٨٣ بسياقه.\n(^٢) م: \"بما\".\n(^٣) ا، ب: \"إذا قضى لهم قضاء\".\n(^٤) ليست في م.","vol":"3","page":1098},{"text":"من العبادة؛ فأكفه عنه كيلا يدخله العُجْب (^١) \".\n• وخرج الطبراني من حديث سالم بن أبي الجعد، عن ثوبان، عن النبي ﵌ قال: \"إنّ من أمتي مَنْ لَو جَاء أحدكُم يَسْألُه دينارًا لم يعطه، ولو سأله درهمًا لم يعطه ولو سأله فِلْسًا لم يعطه، ولو سأل الله الجنة؛ لأعطاه إياها ذو طِمْرين لا يُؤْبه له لو أقسم على الله لأبره\" (^٢).\n• وخرجه غيره من حديث سالم مرسلًا وزاد فيه: \"ولو سأل الله شيئًا من الدنيا ما أعطاه الله تكرمة له\".\n* * *\n[وما ترددت عن شيء ترددي عن قبض نفس المؤمن]:\n• وقوله: وما ترددت عن شيء أنا فاعله تردّدي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكرَهُ الموتَ، وأكره مَساءَته.\nالمراد بهذا أن الله تعالى قضى على عباده بالموت كما قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1267>[الموت وكيف هو]:</span>\nوالموت هو: مفارقة الروح للجسد.\nولا يحصل ذلك؛ إلا بألم عظيم جدًّا، وهو أعظم الآلام التي تصيب العَبْدَ في الدنيا.\nقال عمر لكعب: أخبرني عن الموت؟ قال: يا أمير المؤمنين! هو مثل شَجَرَةٍ كثيرة الشَّوْك في جَوْفِ ابن آدم، فليس منه عِرْقٌ ولا مفصل؛ إلا ورجل شديد الذراعين؛ فهو يعالجها بنزعها؛ فبكى عمر (^٤).\n* * *\n_________\n(^١) ص ٥٦٠ وإسناده ضعيف وانظر الحلية ٨/ ٣١٨ - ٣١٩ والأولياء (١).\n(^٢) حديث صحيح أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٦٤ عن الطبراني في الأوسط وقال: رجاله رجال الصحيح.\nوفي الموسوعة ١٠/ ٢٧٤ وهو خطأ.\n(^٣) سورة آل عمران: ١٨٥.\n(^٤) م: \"وهو كرجل\". والخبر في الحلية ٥/ ٣٦٥ بنحوه.","vol":"3","page":1099},{"text":"• ولما احْتُضِرَ عمرو بن العاص سأله ابنه عن صفة الموت فقال: والله لكأن جنبي في تخت (^١) ولكأني أتنفس من سَمِّ إبرة، وكأن غُصْنَ شَوْكٍ يُجَرُّ بِهِ من قدمي إلى هامتي.\n• وقيل لرجل عند الموت كيف تجدك. قال: أجدني أُجتذَب اجتذابًا، وكأن الخناجر مختلفة في جوفي، وكأن جوفي في تنُّورٍ محميٍّ يلتهب توقُّدًا.\n• وقيل لآخر: كيف تجدك؟ قال: أجدني كأن السّماوات منطبقة على الأرض عليّ، وأجد نفسي كأنها تخرج من ثُقْب إبرة.\nفلما كان الموت بهذه الشدة والله تعالى قد حتَّمه على عباده كُلِّهم، ولا بدّ لهم منه، وهو تعالى يكره أذى المؤمن ومساءته؛ سمى ذلك ترددًا في حق المؤمن. فأما الأنبياء - ﵈ - فلا يقبضون حتى يخيروا قال الحسن: لما كرهت الأنبياء الموت هون الله عليهم بلقاء الله، وبكل ما أحبوا من تحفة أو كرامة حتى إن نفس أحدهم تنزع من بين جنبيه وهو يحب ذلك لما قد مثل له.\n• وقد قالت عائشة: ما أغبط أحدًا يُهَوَّنُ عليه الموت (^٢) بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله ﵌ (^٣).\nقالت: وكان عنده قدح من ماء فيدخل يدَه في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ويقول: اللهم! أعنّي على سَكرات الموت\".\n_________\n(^١) التخت وعاء أو صندوق تصان فيه الثياب. والخبر في الطبقات الكبرى ٤/ ٢٦٠ بنحوه.\n(^٢) م: \"يهون الله عليه الموت\".\n(^٣) أخرجه الترمذي في جامعه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في التشديد عند الموت ٣/ ٣٠٩ ح ٩٧٩ من طريق الحسن بن الصباح البغدادي، عن معشر بن إسماعيل الحلبي، عن عبد الرحمن بن العلاء، عن أبيه، عن ابن عمر، وعن عائشة قالت: ما أغبط أحدًا بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله - ﷺ - وعقب عليه بقوله:\nسألت أبا زرعة عن هذا الحديث، وقلت له: مَنْ عبد الرحمن بن العلاء. فقال: هو العلاء بن اللجلاج، وإنما عرفه من هذا الوجه.\nوأورده الزبيدي في الإتحاف عن الترمذي، وقال: هون: رفق.\nوأخرجه النسائي في: ٢١ - كتاب الجنائز: ٦ - باب شدة الموت ٣/ ٦ - ٧ ح ١٨٣٠ من وجه آخر عن عائشة قالت: مات رسول الله - ﷺ - وإنه بين حاقنتي وذاقنتي، فلا أكره شدة الموت لأحد أبدًا بعد ما رأيت رسول الله - ﷺ -.\nوالحاقنة هي الوهدة المنخفضة بين الترقوتين من الحلق، والذاقنة هي الذقن وقيل: هي طرف الحلقوم، وقيل ما يناله الذقن من الصدر (شرح السيوطي) وهو عند أحمد في المسند ٦/ ٦٤ (الحلبي) وابن الجوزي في الثبات عند الممات ص ٦٤ وابن ماجه.","vol":"3","page":1100},{"text":"قالت: وجعل يقول: \"لا إله إلا الله إن للموت لسكراتٍ (^١) \".\n• وجاءَ في حديث مرسل أنه ﵌ كان يقول: اللهم! إنك تأخذ الروح من بين العصَب، والقصَب، والأنامل، اللهم! فأَعِنِّي على الموت وهَوِّنْهُ عليّ (^٢).\nوقد كان بعض السلف يستحب أن يجهد عند الموت كما قال عمر بن عبد العزيز: \"ما أحبُّ أن تُهوَّنَ عليّ سَكَرَاتُ الموت؛ إنه لآخر ما يكفَّرُ به عن المؤمن! \".\n• وقال النخعي كانوا يستحبون أن يُجْهدُوا عند الموت، وكان بعضهم يخشى من تشديد الموت أن يفتتن (^٣) وإذا أرادَ الله أن يهون على العبد الموت هونه عليه.\n• وفي الصحيح (^٤) عن النبي ﵌ قال: إنَّ المؤمنَ إذا حضَره الموتُ بُشّر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحبَّ إليه مما أمامه؛ فأحب لقاءَ اللهِ وأحبَّ\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ٨١ - كتاب الرقاق: ٤٢ باب سكرات الموت ١١/ ٣٦١ ح ٦٥١٠ من رواية عمر بن سعيد، عن ابن أبي مليكة، عن ذكوان مولى عائشة أن عائشة - ﵂ - كانت تقول: إن رسول الله - ﷺ - كان بين يديه ركوة، أو علبة فيها ماء - يشك عمر - فجعل يدخل يده في الماء فيمسح بها وجهه ويقول: \"لا إله إلا الله إن للموت سكرات ثم نصب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قبض، ومالت يده\".\nوالترمذي في: ٨ - كتاب الجنائز؛ ٨ - باب ما جاء في التشديد عند الموت ٣/ ٣٠٨ ح ٩٧٨ من رواية موسى بن سرجس، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أنها قالت: رأيت رسول الله - ﷺ - وهو بالموت، وعنده قدح فيه ماء، وهو يدخل يده في القدح، ثم يمسح وجهه بالماء، ثم يقول: \"اللهم أعني على غمرات الموت\" أو \"سكرات الموت\".\nوعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب.\nوأحمد في المسند ٦/ ٦٤، ٧٠، ٧٧، ١٥٠ (الحلبي) من رواية موسى بن سرجس بنحوه.\nوالحاكم في المستدرك ٣/ ٥٦ - ٥٧ من رواية موسى بن سرجس بنحوه.\nوابن الجوزي في الثبات عند الممات ص ٦٣، ٧٧ والسيوطي في الدر المنثور ٦/ ١٠٥ من وجهين عن عائشة - ﵂ -.\nوابن ماجه في: ٦ - كتاب الجنائز: ٦٤ - باب ما جاء في ذكر مرض رسول الله - ﷺ - ١/ ٥١٨ - ٥١٩ ح ١٦٢٣.\n(^٢) أورده الزييدي في الإتحاف ١٠/ ٢٦٠ وقال: قال العراقي: رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الموت من حديث طعمة بن غيلان الجعفي وهو معضل سقط منه الصحابي والتابعي.\nقال الزبيدي: رواه، عن محمد بن الحسين، قال: حدثنا حسين بن علي الجعفي، حدثنا طعمة بن غيلان الجعفي قال: كان النبي - ﷺ - يقول: فذكره.\nثم نقل عن السيوطي قوله في أمالي الدرة الفاخرة: طعمة من طبقة أتباع التابعين، روى عن الشعبي وغيره. وعنه السفيانان، وذكره ابن حبان في الثقات.\nقال الزبيدي: \"هو كوفي روى له النسائي في مسند علي\" والقصب من العظام: كل عظم أجوف فيه مخ، واحدته: قصبة، وكل عظم عريض. لوح. (النهاية) ٤/ ٦٧.\n(^٣) م: \"يفتن\" وانظر أثر النخعي بنحوه في الحلية ٤/ ٢٣٢ والأثر الذي قبله في ٥/ ٣١٧.\n(^٤) م: \"الصحيحين\" وفيه تحريف.","vol":"3","page":1101},{"text":"الله لقاءَهُ (^١).\n• قال ابن مسعود: إذا جاء مَلَكُ الموْت يقبض رُوحَ المؤمن قال له: \"إنَّ رَبَّكَ يقرئُكَ السلام\".\n• وقال محمد بن كعب: يقول له ملك الموت: السلام عليك يا ولي الله! الله يقرأ عليك السلام ثم تلا: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ﴾ (^٢).\n• وقال زيد بن أسلم تأتي الملائكة للمؤمن إذا احتُضر فتقول له: لا تَخَفْ مما أنت قادمٌ عليه، فيذْهِبُ الله خوفه، ولا تحزَنُ على الدنيا وأهلها، وأَبْشِرْ بالجنَّة، فيموتُ وقد جاءته البُشْرى.\n• وخرج البزار من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵌ \"إن الله أضنُّ بموتِ عبْدِهِ المؤمنِ مِنْ أَحَدِكُم بِكَرِيمة ماله حتى يقبضه على فراشه\" (^٣) وقال زيد بن أسلم: قال رسول الله ﵌: \"إن لله عبادًا هم أهلُ المعافاة في الدنيا والآخرة (^٤) \".\nوقال ثابت البناني: \"إن لله عبادًا يضنُّ بهم في الدنيا عن القتل والأوجاع، يطيل أعمارهم، ويحسّنُ (^٥) أرزاقَهُم، ويميتهم على فرشهم، ويطبعونهم بطبائع الشهداء (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في السنن: ٣٧ - كتاب الزهد: ٣١ - باب ذكر الموت والاستعداد له ٢/ ١٤٢٢ - ١٤٢٣ ح ٤٢٦٣ من حديث زرارة ابن أوفى، عن سعد بن هشام، عن عائشة - ﵂ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فقيل له: يا رسول الله! كراهية لقاء الله في كراهية لقاء الموت، فكلنا يكره الموت؟ قال: لا؛ إنما ذاك عند موته، إذا بشر برحمة الله ومغفرته أحب لقاء الله؛ فأحب الله لقاءه، وإذا بشر بعذاب الله كره لقاء الله وكره الله لقاءه\". وانظر ما رواه الحاكم في المستدرك ١/ ٣٥٢ - ٣٥٣ من وجوه عن أبي هريرة وصححه وأقره الذهبي. وهو عند البخاري في الرقاق: باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ١١/ ٣٥٧ من حديث عبادة بن الصامت.\n(^٢) سورة النحل: ٣٢.\n(^٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١/ ٨٢ عن البزار من حديث عبد الله بن عمرو وقال: فيه عبد الرحمن بن أنعم ضعفه أحمد وأكثر الناس، ورجحه بعضهم على ابن لهيعة.\nوقد أخرجه البزار في كتاب الإيمان: باب كرم المؤمن على ربه ١/ ٣١ من الكشف من طريق سلمة بن شبيب، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الرحمن بن زياد، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو أن النبي - ﷺ - قال: فذكره.\n(^٤) أخرجه ابن أبي الدنيا في الأولياء (٢٤) وانظر الموسوعة ٣/ ٣٩٦.\n(^٥) م: \"يطيل الله\".\n(^٦) أخرجه الطبراني في الكبير ١٠/ ١٧٦ ح ١٠٣٧١ من طريق أحمد بن زهير التستري، عن جعفر بن محمد الوراق، عن عمرو بن طلحة القناد، عن حفص بن سليمان، عن عبد الملك بن عُمير، عن عبد الرحمن بن =","vol":"3","page":1102},{"text":"• وخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني مرفوعًا من وجوه ضعيفة.\n• وفي بعض ألفاظها إن لله ضَنَائن (^١) من خَلْقه يأبي بِهم عن البلاء؛ يحييهم في عافية، ويميتهم في عافية، ويدخلهم الجنة في عافية (^٢).\n• قال ابن مسعود وغيره: إن موتَ الفجأة تخفيفٌ عن المؤمن.\n• وكان أبو ثعلبة الخشني يقول: إني لأرجو أن لا يخنقني الله، كما أراكم تخنقون عند الموت، فكان ليلةً في داره، فسمعوه ينادي يا عبد الرحمن! وكان عبد الرحمن قد قُتِل مع رسول الله ﵌، ثم أتى مسجدَ بيته، فصلَّى فقُبض وهو ساجد.\n• وقُبِض جماعةٌ من السلف في الصلاة وهم سُجُودٌ.\n• وكان بعضهم يقول لأصحابه: أنا (^٣) لا أموت مَوْتكم، ولكن أُدعي فأجِيبُ. فكان يومًا قاعدًا مع أصحابه فقال: لبيك ثم خرَّ ميتًا.\n• وكان بعضهم جالسًا مع أصحابه فسمعوا صوتًا يقول: يا فلان! أجب؛ فهذه والله آخِرُ ساعتك من الدنيا فوثب وقال: هذا والله منادي (^٤) الموت فودَّع أصحابه\n_________\n= عبد الله، عن أبيه قال: قال رسول الله - ﷺ - بنحوه.\nوقد أورد محققه الأستاذ حمدي عبد المجيد السلفي قول الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٠٣ - ٢٠٤: وفيه جعفر بن محمد الواسطي الوراق ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات\" ثم قال:\nقلت: العجب من الحافظ الهيثمي كيف لم يعرف جعفرًا هذا وهو من رجال التهذيب؟\nقال الحافظ: صدوق، وكيف خفى عليه علة الحديث الحقيقية وهو حفص بن سليمان الأسدي أو عمرو البزاز قال الحافظ: متروك، وقال ابن خراش: كذاب متروك يضع الحديث. فهذا هو علة الحديث فالحديث ضعيف جدًّا. وهو عند ابن أبي الدنيا في الأولياء ح ٥ بإسناد رجاله ثقات. وفي هذا تأكيد لما ذكر ابن رجب عن الحديث سيما من رواية الطبراني.\n(^١) قال في النهاية ٣/ ١٠٤. الضنائن: الخصائص، واحدهم ضنينة، فعيلة بمعنى: مفعولة، من الضّن، وهو ما تختصه وتضن به، أي تبخل، لمكانه منك، وموقعه عندك، يقال: فلان ضني من بين إخواني، وضنّتي: أي أختص به، وأضن بمودته.\n(^٢) أخرجه الطبراني في الكبير ١٢/ ٣٨٥ ح ١٣٤٢٥ من طريق محمد بن عمرو بن خالد الحراني، عن أبيه، عن إسماعيل بن عياش، عن مسلم بن عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - بنحوه. وهو عند ابن أبي الدنيا في الأولياء من أحاديث ابن عمر وأنس وأبي سعيد الخدري ح ٢، ٣، ٤.\nوأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢٦٦ عن الطبراني في الكبير والأوسط وقال: فيه مسلم بن عبد الله الحمصي ولم أعرفه، وقد جهله الذهبي وبقية رجاله وثقوا.\n(^٣) م: \"إني\".\n(^٤) \"ا\" \"جادى\".","vol":"3","page":1103},{"text":"وسلّم عليهم ثم انطلق نحو الصوت، وهو يقول: سلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، ثم انقطع عنهم الصوت فتتبّعوا أثرَهُ؛ فوجَدُوهُ ميتًا.\n• وكان بعضهم جالسًا يكتبُ في مصحف، فوضع القلم من يده وقال: إن كان موتكم هكذا فوالله إنه لموت طيبٌ، ثم سقط ميتًا.\n• وكان آخر جالسًا يكتب الحديث فوضع القلم من يده، ورفع يديه يدعو الله، فمات رحمه الله تعالى.","vol":"3","page":1104},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1268>الحديث التاسع والثلاثون</span>\nعَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَال:\n\"إن اللّهَ تَجَاوَزَ لِي عَن أُمَّتِي الخَطَأَ والنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ\".\nحَدِيثٌ حسنٌ رَوَاهُ ابْنُ ماجَهْ والبيْهقيُّ وَغَيْرُهُما.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1269>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث خرجه ابن ماجه من طريق الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﵌ (^١).\n• وخرجه ابن حبان في صحيحه (^٢)، والدارقطني، (^٣) وعندهما، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس، عن النبي ﵌.\n• وهذا إسنادٌ صحيحٌ في ظاهر الأمر، ورواته كلهم محتجٌّ بهم في الصحيحين.\n• وقد خرجه الحاكم وقال: صحيح على شرطهما (^٤) كذا قال: ولكن له علة، وقد أنكره الإمام أحمد (^٥) جدًّا.\n• وقال: ليس يُروى فيه؛ إلا عن الحسن، عن النبي - ﷺ - مرسلًا (^٦).\n_________\n(^١) في السنن: ١٠ - كتاب الطلاق: ١٦ - باب طلاق المكره والناسي ١/ ٦٥٩ ح ٢٠٤٥ وعنده: إن الله وضع عن أمتي. . .\".\nقال البوصيري في الزوائد ١/ ٣٥٣: هذا إسناد صحيح إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع؛ قال المزي في الأطراف: ورواه بشر بن بكر التنيسي، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن ابن عباس؛ وليس ببعيد أن يكون السقط من صنعة الوليد بن مسلم فإنه كان يدلس تدلس التسوية.\n(^٢) في صحيحه: كتاب إخباره - ﷺ - عن مناقب الصحابة رجالها ونسائها: باب فضل الأمة: ذكر الإخبار عما وضع الله بفضله عن هذه الأمة ٩/ ١٧٤.\n(^٣) في السنن: النذور ٤/ ١٧٠ - ١٧١.\n(^٤) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ١٩٨ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\n(^٥) كما في العلل ١/ ٢٢٧.\n(^٦) أورد العقيلي هذا القول في الضعفاء الكبير ٤/ ١٤٥، والحديث أخرجه سعيد بن منصور في السنن ١/ ٢٧٨ ح ١١٤٤، ١١٤٥، ١١٤٦ من طريق هشيم عن منصور وعوف عن الحسن، قال: إن الله - ﷿ - تجاوز لهذه الأمة عن النسيان، والخطأ وما أكرهوا عليه هكذا مرسلًا. ومن طريق خالد بن عبد الله، عن هشام، عن الحسن عن النبي - ﷺ - بنحوه.\nومن طريق إسماعيل بن عياش، عن جعفر بن حيان العطاردي، عن الحسن مرفوعًا بنحوه أيضًا.","vol":"3","page":1105},{"text":"• وقيل لأحمد: إن الوليد بنَ مسلم رَوَى عن مالك، عن نافعٍ، عن ابن عمر (^١) مثلَه، فأنكره أيضًا.\n• وذكر لأبي حاتم الرازي: حديث الأوزاعي، وحديث مالك:\nوقيل له: إن الوليد رَوى أيضًا عن ابن لهيعة، عن موسى بن وَرْدان، عن عُقْبة بن عامر، عن النبي ﵌ مِثْلَه (^٢)؟ فقال أبو حاتم: هذه أحاديثٌ منكَرة، كأنها موضوعة وقال: \"لم يَسْمَع الأوزاعيُّ هذا الحديث من عَطَاء؛ إنما سمعه من رجل لم يُسمّه، أتوهَّم أنه عبد الله بنُ عامر أو إسماعيلُ بنُ مسلم، قال: ولا يصحُّ هذا الحديث ولا يثبتُ إسناده.\n• قلت: وقد رُوي عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عُبيد بن عُمير مُرْسلًا من غير ذكر ابن عباس.\n• وروى يحيى بنُ سليم عن ابن جُريج، قال عطاء: بلغني أن رسول الله ﵌ قال: إن الله - ﷿ - تجاوز لأمتي عن الخطأ والنسيان وما اسْتُكْرِهُوا عليه.\nخرجه الجوزَجاني.\nوهذا المرسل أشبه.\nوقد رُوي من وجه آخر عن ابن عباس مرفوعًا.\nرواه مسلم بن خالد الزنجي، عن سعيد العلاف عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﵌: \"تجوِّز لأمتي عن ثلاث من الخطأ والنسيان، وما استُكْرِهوا عليه\".\nخرجه الجوزجاني.\n• وسعيد العلاف، هو سعيد بنُ أبي صالح، قال أحمد: هو مكي قيل له: كيف حاله؟ قال: لا أدري، وما علمتُ أحدًا رَوَى عنه غيرَ مسلم بن خالد.\nقال أحمد: وليس هذا مرفوعًا، إنما هو عن ابن عباس، قوله.\nنقل ذلك عنه مهنا.\n_________\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٣٥٢ ولفظه عنده: إن الله وضع عن أمتي الخطأ .. الحديث وعقب عليه بقوله: غريب من حديث مالك تفرد به ابن مصفى، عن الوليد، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ١٤٥) وعقب عليه بقوله: وهذا يروى من غير هذا الوجه بإسناد جيد.\n(^٢) أورده الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٥٣ عن الطبراني في الأوسط وقال: فيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف.","vol":"3","page":1106},{"text":"ومسلم بن خالد ضعفوه.\n• ورُوي من وجه ثالث من رواية بقية بن الوليد، عن علي الهمداني، عن أبي حمزة، عن ابن عباس مرفوعًا.\n• خرجه حرب.\n• وروايات بقية، عن مشايخه المجاهيل لا تساوي شيئًا.\n• وروي من وجه رابع خرجه ابن عدي من طريق عبد الرحيم بن زيد العَميِّ (^١)، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن النبي - ﷺ -.\n• وعبد الرحيم هذا ضعيف (^٢).\n• وقد روي عن النبي - ﷺ - من وجوه أخر.\nوقد تقدم أن الوليد بن مسلم رواه عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا.\nوصححه الحاكم وغربه (^٣).\nوهو عند حذاق الحفاظ باطل على مالك.\nكما أنكره الإمام أحمد، وأبو حاتم وكانا يقولان عن الوليد: إنه كثير الخطأ.\n• ونقل أبو عبيد الآجري، عن أبي داود، قال: روى الوليد بن مسلم، عن مالك عشرة أحاديث ليس لها أصل، منها عن نافع أربعة.\n• قلت: والظاهر أن منها هذا الحديث والله أعلم.\n• وخرجه الجوزجاني من رواية يزيد بن ربيعة سمعت أبا الأشعث، يحدث عن ثوبان، عن النبي ﵌ قال: \"إن الله - ﷿ - تجاوز عن أمتي عن ثلاثة: الخطأ والنسيان، وما أكرهوا عليه\".\n_________\n(^١) م: \"الأعمى\" وهو تحريف. والحديث عند ابن عدي في الكامل ٥/ ٢٨٢ ت ٤٥٢/ ١٤٢٠ من الطريق المذكور وعقب بأنه عن أبيه، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس منكر.\n(^٢) قال البخاري: تركوه وقال ابن معين: كذاب خبيث وقال أبو حاتم: كان يفسد أباه يحدث عنه بالطامات تهذيب ٦/ ٣٠٥.\n(^٣) قوله وصححه الحاكم وغربه يفهم منه أن الحاكم روى هذا الحديث من رواية ابن عمر وأنه حكم عليه بالصحة والغرابة. وهذا غير صحيح، فلم يروه الحاكم من حديث ابن عمر، وإنما رواه من حديث ابن عباس وصححه فقط، ولم يحكم عليه بالغرابة، وقد سبق أن أوردنا هذا أول الحديث.\nوالذي حكم بغرابة الحديث هو أبو نعيم في الموضع السابق وقد حكم بغرابة حديث ابن عمر فيبدو أن في الأصول خطأ تعاقب عليه النساخ، وربما كان المقصود هنا: ورواه أبو نعيم وغربه، فالتبس الأمر، وتتابع الخطأ.","vol":"3","page":1107},{"text":"• ويزيد بن ربيعة ضعيف جدًّا (^١).\n• وخرج ابن أبي حاتم من رواية أبي بكر الهذلي، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن النبي ﵌ قال:\n\"إن الله تجاوز لأمتي عن ثلاث: عن الخطأ والنسيان، والاستكراه\".\n• قال أبو بكر: فذكرت ذلك للحسن فقال أجل! أما تقرأ بذلك قرآنًا؟ ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾؟ (^٢).\nوأبو بكر الهذلي متروك الحديث.\n• وخرجه ابن ماجه ولكن عنده عن شهر، عن أبي ذرّ الغفاري، عن النبي ﵌ قال: \"إن الله ﵎ تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\" (^٣).\n• ولم يذكر كلام الحسن.\n• وأما الحديث المرسل عن الحسن فرواه عنه هشام بن حسان (^٤).\n• ورواه منصورٌ وعوفٌ عن الحسن من قوله لم يرفعه (^٥).\nورواه جعفر بن جِسْر (^٦) بن فرقد، عن أبيه، عن الحسن، عن أبي بكرة\n_________\n(^١) أورده في المجمع ٦/ ٢٥٣ وأشار إلى ضعفه.\n(^٢) من الآية (٢٨٦) من سورة البقرة، والحديث: أورده السيوطي في الدر المنثور ١/ ٣٧٦ عن ابن أبي حاتم من طريق أبي بكر الهذلي.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه في السنن: ١٠ - كتاب الطلاق: ١٦ - باب طلاق المكره والناسي ١/ ٦٥٩ ح ٢٠٤٣. وأورده البوصيري في الزوائد ١/ ٣٥٣ ح ٧٢٨ وقال: هذا إسناد ضعيف؛ لاتفاقهم على ضعف أبي بكر الهذلي وله شاهد من حديث أبي هريرة. رواه الأئمة الستة.\n(^٤) م: \"حبان\" وهو تحريف؛ فهو هشام بن حسان الأزدي، مولاهم الحافظ، يروي عن الحسن وابن سيرين وعنه القطان وأبو عاصم الأنصاري مات في صفر سنة ١٤٨.\nكما ذكر الذهبي في الكاشف ٣/ ٢٣١.\n(^٥) انظره في سنن سعيد بن منصور في الموضع السابق.\n(^٦) م: حبيش بن الحسن، وفي أ: \"الحسين\" وكلاهما تحريف كما في الذي قبله.\nوهو جعفر بن جسر بن فرقد أبو سليمان القصاب بصري، ووالده جسر بن فرقد القصاب.\nفأما جعفر بن جسر فقد قال العقيلي: في حفظه اضطراب شديد، كان يذهب إلى القدر وحدث بمناكير وقال ابن عدي: ولجعفر مناكير ولعل ذلك من قبل أبيه، فإنه مضعف وترجمته في اللسان ٢/ ١١١ - ١١٢ والكامل ٢/ ١٥٠ - ١٥١، والضعفاء الكبير ١/ ١٨٧ وتنزيه الشريعة ١/ ٤٥.\nوأما جسر بن فرقد فقد وهاه البخاري وابن معين والنسائي، ونسبه ابن عدي إلى الوضع وقال ابن حبان =","vol":"3","page":1108},{"text":"مرفوعًا (^١).\nوجعفر وأبوه ضعيفان.\nقال محمد بن نصر المروزي: ليس لهذا الحديث إسناد يحتج به، حكاه البيهقي (^٢).\n_________\n= ضعيف، وقال مرة: يعتبر حديثه إذا روى عن غير أبيه، وقال أبو حاتم: كان رجلًا صالحًا وليس بالقوي، وترجمته في الضعفاء الكبير ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣، ولسان الميزان ٢/ ١٠٤ - ١٠٥.\n(^١) الحديث في الكامل ٢/ ١٥٠، واللسان ٢/ ١١١.\n(^٢) هذا الحديث رواه البيهقي في السنن الكبرى ٧/ ٣٥٦ - ٣٥٧ من حديثي ابن عباس وعقبة بن عامر.\nفأما حديث ابن عباس فرواه عن أبي ذر بن أبي الحسين بن أبي القاسم المذكر، وأبي عبد الله: إسحاق بن محمد بن يوسف السوسي في آخرين عن أبي العباس: محمد بن يعقوب، عن الربيع بن سليمان، عن بشر بن بكر، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن عبيد بن عُمير، عن ابن عباس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله تجاوز لي عن أمتي: الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\".\nوقد عقب عليه البيهقي بقوله:\nجود إسناده بشر بن بكر، وهو من الثقات.\nورواه الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، فلم يذكر في إسناده عبيد بن عمير.\nوساق إسناده من رواية محمد بن المصفى، عن الوليد بن مسلم. فذكره، وقال عن عطاء، عن ابن عباس - ﵄ -.\nومعنى هذا أن الطريق الأول وهو الطريق المتصل: طريق جيد الإسناد عند البيهقي.\nفكيف نسب إليه محمد بن نصر أن يحكي أن ليس لهذا الحديث إسناد يحتج به وهذا قوله فيه؟!.\nوهذا أول تعليق من البيهقي على هذا الحديث.\nوسيأتي لنا تعليقه الثاني مع تعليقه على حديث عقبة.\nوأما حديث عقبة فقد رواه البيهقي من طريق أبي الحسين بن الفضل القطان، عن عبد الله بن جعفر، عن يعقوب بن سفيان، عن محمد بن المصفي، عن الوليد، عن ابن لهيعة، عن موسى بن وردان عن عقبة بن عامر أن رسول الله - ﷺ - قال: \"وضع الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\".\nوقد وسم البيهقي هذين الحديثين بالحفظ في مقابل حديث ابن عمر مرفوعًا: \"وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\".\nوقد رواه في السنن الكبرى ٦/ ٨٤ من طريق أبي عبد الله الحافظ، عن أبي سعيد: محمد بن يعقوب الثقفي، عن أبي العباس بن الصقر السكري، عن محمد بن المصفى، عن الوليد بن مسلم، عن مالك بن أنس، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكره وقال: وكذلك رواه عمر بن سعيد المنيحي، عن محمد بن المصفى.\nثم قال البيهقي والمحفوظ: عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس وعن الوليد، عن ابن لهيعة، عن موسى بن مروان، عن عقبة بن عامر.\nكلاهما عن النبي - ﷺ -.\nوهذه تزكية من البيهقي لهذين الحديثين، يضاف معها التزكية السابقة للحديث الأول.\nوله تزكية ثالثة لحديث ابن عباس سنوردها وشيكا - بإذن الله.\nفقد أورد البيهقي في الكبرى كذلك ١٠/ ٦٠ - ٦١ حديث ابن عباس من وجوه متصلًا ومنقطعًا ثم روى عقبه =","vol":"3","page":1109},{"text":"• وفي صحيح مسلم عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس قال: \"لما نزل قوله تعالى ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله تعالى: قد فعلت (^١).\nوعن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، أنها لما نزلت قال: نعم (^٢).\nوليس واحد منهما مُصَرِّحًا برفعه (^٣).\n_________\n= حديث أبي هريرة في رفع الإكراه من رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -:\n\"إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها وما أكرهوا عليه إلا أن يتكلموا به أو يعملوا به\".\nثم قال البيهقي: كذا قال عن أبي هريرة، والظاهر أن عطاء سمعه من الوجهين جميعًا، وهما حديثان يؤدي كل واحد منهما ما قصد به من المعنى، وفيهما جميعًا طرح الإكراه.\nوهذا تعليق ثالث على حديث ابن عباس في إطار تعليقه على الحديثين معًا.\nإنه يريد ليقول:\n• إن حديثي ابن عباس وأبي هريرة المتصلين مقبولان، وبشر بن بكر الذي جود إسناد حديث ابن عباس به، معنا في الوجوه المتصلة.\n• معنى هذا أن حديث ابن عباس المتصل - هنا - جيد الإسناد.\n• أن عطاء الذي روى عن ابن عباس هو هو الذي روى عن أبي هريرة وأن هاتين الروايتين تضافر كل منهما الأخرى؛ وقد استظهر البيهقي أن يكون عطاء قد سمعه على الوجهين.\n• وإذا كان الأمر كذلك، ورواة الإسنادين مقبولون من البيهقي في مستوى الجودة؛ فكل من الروايتين تشتد بها الأخرى - خاصة في جزئية رفع الإكراه.\n• إن هذه الدراسة التحليلية من البيهقي لحديثي ابن عباس، وأبي هريرة - تؤكد مدى قبول البيهقي لكل من الحديثين فيما يشير إليه من جزئيات.\nفكيف يقال بعد هذا وذاك إن البيهقي حكى أن هذا الحديث ليس له إسناد يصح؟!\nولئن صح إنه حكى ذلك فلماذا لم يرد على هذا الذي حكاه بهذا الذي حكيناه نحن عنه؟!\n(^١) الذي في صحيح مسلم: - كتاب الإيمان: ٥٧ - باب بيان أنه ﷾ لم يكلف إلا ما يطاق ١/ ١١٦ ح ٢٠٠ - (١٢٦) من حديث سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٤] قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، فقال النبي - ﷺ - \"قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا\" قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلت.\n﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا﴾ قال: قد فعلت [سورة البقرة: ٢٨٦].\nوإذًا فقد اختصر ابن رجب: النَّصَّ عن مسلم اختصارًا أدَّى إلى أن يَرْوِيَ حديثَ مسلم بمعنى شطر منه. ولهذا روينا النص بسياقه كاملًا؛ حتى يتضح سياقه ومساقه.\n(^٢) هذا معطوف على قوله: عن سعيد بن جبير، أي أن هذا مما رواه مسلم في صحيحه أيضًا. وهو كما قال فقد رواه مسلم في الموضع السابق، قبل الحديث السابق لكن بسياقه كاملًا أيضًا.\n(^٣) كيف وهذا هو نص رواية مسلم للحديث من رواية العلاء، عن أبيه عن أبي هريرة؛ قال: لما نزلت على =","vol":"3","page":1110},{"text":"• وخرج الدارقطني من رواية ابن جريج، عن عطاء، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: \"إن الله تَجَاوز عن أمتي ما حدّثَتْ به أنفسَها وما أُكْرِهُوا عليه، إلا أن يتكلموا به، أو يعملوا\" (^١).\nوهو لفظ غريب.\n• وقد خرجه النسائي ولم يذكر الإكراه (^٢).\n• وكذا رواه ابن عُيَيْنَة عن مِسْعَر، عن قتادة، عن زُرارة بن أوفى، عن أبي هريرة،\n_________\n= رسول الله - ﷺ -: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٤] قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله - ﷺ -: فأتوا رسول الله - ﷺ - ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله! كلفنا من الأعمال ما نطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية، ولا نطيقها، قال رسول الله - ﷺ -: \"أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير. فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [سورة البقرة: ٢٨٥] فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله - ﷿ -: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (قال: نعم) ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ (قال: نعم) ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (قال: نعم) [سورة البقرة: ٢٨٦] فأي تصريح برفع الحديث وإسناده إلى رسول الله - ﷺ - أظهر من هذا؟.\nوقد ألمح إلى ذلك الحاكم والنووي والسيوطي وغيرهم. قال الحاكم في معرفة علوم الحديث ص ٢٠: فأما ما نقول في تفسير الصحابي مسند فإنما نقوله في غير هذا النوع؛ فإنه كما أخبرناه أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الصفار، حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا إسحاق بن أبي أويس، حدثني مالك بن أنس، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال:\nكانت اليهود تقول: \"من أتى امرأته من دبرها في قبلها جاء الولد أحول\" فأنزل الله - ﷿ -: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾.\nقال الحاكم: هذا الحديث وأشباهه مسندة عن آخرها، وليست بموقوفة؛ فإن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل؛ فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا: فإنه حديث مسند.\nوانظر قول النووي في التقريب: \"وأما قول من قال: تفسير الصحابي مرفوع؛ فذاك في تفسير يتعلق بسبب نزول آية أو نحوه وغيره موقوف\".\nوراجع أيضًا ما علق به السيوطي على هذا في التدريب ١/ ١٩٢ - ١٩٣.\n(^١) أخرجه الدارقطني في السنن ٤/ ١٧١ من طريق أبي بكر النيسابوري، عن يوسف بن سعيد، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريح - به - وفيه: \"إلا أن يتكلموا له ويعملوا به\".\n(^٢) أخرجه النسائي في السنن: ٢٧ - كتاب الطلاق: ٢٢ - باب من طلق في نفسه ٦/ ١٥٦ - ١٥٧ من وجوه ح ٣٤٣٣ - ٣٤٣٥.","vol":"3","page":1111},{"text":"عن النبي ﵌ وزاد فيه: \"وما اسْتُكرهوا عليه\".\nخرجه ابن ماجه (^١) وقد أنكرت هذه الزيادة على ابن عُيَيْنَة، ولم يتابعه عليها أحد.\nوالحديث مخرج من رواية قتادة في الصحيحين والسنن والمسانيد بدونها (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1270>[شرح الحديث]:</span>\nولنرجع إلى شرح حديث ابن عباس المرفوع.\n\n<span data-type='title' id=toc-1271>[التجاوز عن الخطأ والنسيان]:</span>\nفقوله \"إن الله تَجَاوز لي عن أُمْتي الخطأ .. إلى آخره\" تقديره: إن الله رفع لي عن أمتي الخطأ أو ترك ذلك عنهم، فإنَّ \"تجاوز\" لا يتعدى بنفسه.\n• وقوله الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.\nفأما الخطأ والنسيان فقد صرّح القرآن بالتجاوز عنهما قال الله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (^٤).\nوفي الصحيحين عن عمرو بن العاص سمع النبيَّ ﵌ يقول: \"إذا حَكم الحاكِم فاجتهد فأخطأ فله أجر وإذا حكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران (^٥) \".\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في السنن: كتاب الطلاق: باب طلاق المكره والناسي ١/ ٦٥٩ ح ٢٠٤٤ وفيه: \"إن الله تجاوز لأمتي عما توسوس به صدورها ما لم تعمل به أو تتكلم به. . .\".\n(^٢) راجع ما أخرجه البخاري في: ٤٩ - كتاب العتق: ٦ - باب الخطأ والنسيان في العتاقة والطلاق ونحوه، ولا عتاقة إلا لوجه الله تعالى - وقال النبي - ﷺ -: \"لكل امرئ ما نوى\" ولا نية للناسي والمخطئ ٥/ ١٦٠ ح ٢٥٢٨. وفي: ٦٨ - كتاب النكاح: ١١ - باب الطلاق في الإغلاق والمكره والسكران والمجنون وأمرهما والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره؛ لقول النبي - ﷺ -: \"الأعمال بالنية ولكل امرئ ما نوى\" إلخ ٩/ ٣٨٨ ح ٥٢٦٩.\nوفي: ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور: ١٥ - باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان ١١/ ٥٤٨ - ٥٤٩ ح ٦٦٦٤.\nومسلم في: ١ - كتاب الإيمان: ٨٥ - باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر ١/ ١١٦ - ١١٧ من وجوه عن قتادة. ح ٢٠١ - (١٢٧)، ٢٠٢ - (. . .).\nوأبو داود في: ٧ - كتاب الطلاق: ١٥ - باب في الوسوسة بالطلاق ٢/ ٦٥٧ - ٦٥٨ ح ٢٢٠٩.\n(^٣) سورة البقرة: ٢٨٦.\n(^٤) سورة الأحزاب من الآية: ٥.\n(^٥) أخرجه البخاري في: ٩٦ - كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة: ٢١ - باب أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ ١٣/ ٣١٨ ح ٧٣٥٢.\nورواه مسلم في: ٣٠ - كتاب الأقضية: باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد فأصاب أو أخطأ ٣/ ١٣٤٢ ح ١٥ - (١٧١٦). وعندهما معًا: \"وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر\" وفي م: إذا حكم الحاكم ثم اجتهد فأصاب\" وما أثبتناه عن ا، ب هو الموافق لما في الصحيحين.","vol":"3","page":1112},{"text":"• وقال الحسن: لولا ما ذكر الله من أمر هذين الرجلين يعني داود وسليمان؛ لرأيت أن القضاة قد هلكوا؛ فإنه أثنى على هذا بعلمه وعَذَر (^١) هذا باجتهاده يعني قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ (^٢) الآية.\n• وأما الإكراه فصرح القرآن أيضًا بالتجاوز عنه قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ (^٤).\nونحن نتكلم - إن شاء الله - في هذا الحديث في فصلين.\n• أحدهما: في حكم الخطأ والنسيان.\n• والثاني: في حكم الإكراه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1272>الفصل الأول في حكم الخطأ والنسيان</span>\nالخطأ هو: أن يقصد بفعله شيئًا؛ فيصادفَ فعلُه غيرَ ما قصدَه؛ مثل أن يقصد قتل كافر؛ فيصادف قتله مسلمًا.\n• والنسيان: أن يكون ذاكرًا لشيء فينساه عند الفعل.\nوكلاهما معفوٌّ عنه بمعنى (^٥) أنه لا إثم فيه؛ ولكن رفع الإثم لا ينافي أن يترتب على نسيانه حكم، كما أن من نسي الوضوء وصلى ظانا أنه متطهر؛ فلا إثم عليه بذلك، ثم إن تبين أنه كان قد صَلّى مُحْدثًا؛ فإن عليه الإعادة.\nولو ترك التسمية على الوضوء نسيانًا، وقلنا بوجوبها فهل يجب عليه إعادة الوضوء؟.\nفيه روايتان عن الإمام أحمد.\n• وكذا لو ترك التسمية على الذبيحة نسيانًا.\nفيه عنه روايتان.\n• وأكثر الفقهاء على أنها تؤكل ولو ترك الصلاة نسيانًا ثم ذكر؛ فإن عليه القضاء، كما قال النبي ﵌: \"من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا\n_________\n(^١) م: \"وعلى\" وهو تحريف.\n(^٢) سورة الأنبياء: ٧٨.\n(^٣) سورة النحل: ١٠٦.\n(^٤) سورة آل عمران: ٢٨.\n(^٥) م: \"يعني\".","vol":"3","page":1113},{"text":"ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك ثُم تلا: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (^١).\nولو صَلَّى حاملًا في صلاته نجاسةً لا يعفى عنها، ثم علم بها بعد صلاته أو في أثنائها فأزالها، فهل يُعِيد صلاته أم لا؟ فيه قولان.\nوهما روايتان عن أحمد.\nوقد روي عن النبي ﵌ (^٢) أنه خَلَع نعليه في صلاته، وأتمها وقال: \"إن جبرائيل أخبرني أن فيهما أذى\" ولم يعِدْ صلاته (^٣).\n• ولو تكلم في صلاته ناسيًا لأنه في صلاةٍ ففي بطلان صلاته بذلك قولان مشهوران، هما روايتان عن أحمد.\nومذهب الشافعي أنها لا تبطل بذلك.\nولو أكل في صومه ناسيًا فالأكثرون على أنه لا يبطل صيامه؛ عملًا بقوله ﵌: \"من أكل أو شرِبَ ناسيًا فليتمَّ صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه\".\n• وقال مالك: عليه الإعادة؛ لأنه بمنزلة من ترك الصيام (^٤) ناسيًا.\nوالجمهور يقولون: أتى بنية الصيام، وإنما ارتكب بعض محظوراته ناسيًا فيعفى عنه.\n• ولو جامع ناسيًا: فهل حكمه حكم الآكل نسيانًا؟ أم لا؟ فيه قولان:\n_________\n(^١) البخاري في مواقيت الصلاة ح ٥٩٧ ومسلم في المساجد ح ٦٨٤ من حديث أنس - ﵁ - والآية رقم ١٤ من سورة طه.\n(^٢) صحيح أبي داود ١/ ١٢٨ وذكر الشيخ أن إسناده صحيح وهو من رواية أبى سعيد - ﵁ -.\n(^٣) م: \"الصلاة\".\n(^٤) حديث الآكل في صومه ناسيًا رواه الدارقطني بنحوه من وجوه ضعيفة وأورده بمعناه من وجهين صحيحين راجع سنن الدارقطني ٢/ ١٧٨ - ١٨٠.\nوأورده الترمذي بمعناه من حديث أبي هريرة في: ٦ - كتاب الصوم: ٢٦ - باب ما جاء في الصائم يأكل أو يشرب ناسيًا ٣/ ١٠٠ من وجهين ح ٧٢١، ٧٢٢ وقال: وفي الباب عن أبي سعيد، وأم إسحاق الغنوية.\nوحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم، وبه يقول سفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وقال مالك بن أنس: إذا أكل في رمضان ناسيًا فعليه القضاء.\nوالقول الأول أصح.\nوهو عند البخاري في: ٣٠ - كتاب الصوم: ٢٦ - باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا ٤/ ١٥٥ ح ١٩٣٣ بنحوه وطرفه ٦٦٦٩.\nوفي: ٨٣ - كتاب الأيمان والنذور: ١٥ - باب إذا حنث ناسيًا في الأيمان ١١/ ٥٤٩ ح ٦٦٦٩ ولفظ هذا الموضع: \"من أكل ناسيًا وهو صائم فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه\".\nومسلم في: ١٣ - كتاب الصيام: ٣٣ - باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر ٢/ ٨٠٩ ح ١٧١ - (١١٥٥) بنحوه.","vol":"3","page":1114},{"text":"• أحدهما: وهو المشهور عن أحمد: أنه يبطل صيامه بذلك وعليه القضاء.\nوفي الكفارة عنه روايتان:\n• والثاني: لا يبطل صَوْمه (^١) بذلك كالأكل، وهو مذهب الشافعي.\nوحُكي روايةً عن أحمد.\n• وكذا الخلاف في الجماع في الإحرام ناسيًا هل يبطل به النسك أم لا؟.\n\n<span data-type='title' id=toc-1273>[لو حلف أن لا يفعل ففعل ناسيًا؟]:</span>\n• ولو حلف لا يفعل شيئًا ففعله ناسيًا ليمينه أو مخطئًا ظانًّا أنه غيرُ المحلوف عليه، فهل يحنثُ في يمينه أم لا؟ فيه ثلاثة أقوال: هي ثلاث روايات عن أحمد.\n• أحدها: لا يحنث بكل حال ولو كانت اليمين بالطلاق والعتاق.\nوأنكر هذه الرواية عن أحمد: الخلَّالُ، وقال: هي سهو من ناقلها، وهو قولا الشافعي في أحد قوليه، وإسحاق وأبي ثور وابن أبي شيبة، وروى عن عطاء، قال إسحاق: ويُسْتَحْلَفُ أنه كان ناسيًا ليمينه.\n• والثاني: يَحْنثُ بكلِّ حالٍ.\nوهو قول جماعة من السلف، ومالك.\n• والثالث: يُفَرَّق بين أن يكون يمينه بطلاق، أو عتاق، أو بغيرهما وهو المشهور عن أحمد - ﵀ - وهو (^٢) قول أبي عبيد.\n• وكذا قال الأوزاعي في الطلاق، قال: وإنما الحديث الذي جاء في العفو عن الخطأ والنسيان ما دام ناسيًا، وأقام على امرأته فلا إثم عليه؛ فإذا ذكر فعليه اعتزال امرأته. فإن نسيانه قد زال.\nوحكى إبراهيم الحربي إجماع التابعين على وقوع الطلاق بالناسي.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1274>[لو قتل خطأ]:</span>\nولو قتل مؤمنًا خطأ؛ فإن عليه الكفارة والدية بنص الكتاب.\n_________\n(^١) م: \"صيامه\".\n(^٢) \"ا\": \"عن أحمد وقول أبي عبيد\".","vol":"3","page":1115},{"text":"• وكذا لو أتلف مال غيره خطأ يَظُنّهُ أنه لنفسه (^١).\nوكذا قال الجمهور في المحرم يَقْتُل الصيدَ خطأ أو ناسيًا لإحرامه: أنّ عليه جزاءه.\n• ومنهم من قال: لا جزاء عليه. إلا أن يكون متعمدًا لقَتله؛ تمسكًا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (^٢) الآية، وهو رواية عن أحمد.\n• وأجاب الجمهور عن الآية: بأنه رُتِّبَ على قتله (^٣) متعمدًا - الجزاءُ وانتقامُ الله تعالى.\nومجموعهما يختص بالعامد.\nفإذا انتفى العمدُ انتفى الانتقام، وبقي الجزاء ثابتًا بدليل آخر.\nوالأظهر والله أعلم؛ أن الناسي والمخطئ إنما عُفي عنهما بمعنى رفع الإثم عنهما؛ لأن الإثم مرتبٌ على المقاصد والنيات، والناسي والمخطئ لا قصدَ لهما؛ فلا إثم عليهما.\nوأما رفع الأحكام عنهما فليس مرادًا من هذه النصوص فيحتاج في ثبوتها ونفيها إلى دليل آخر.\n* * *\n_________\n(^١) م: \"أنه مال لنفسه\".\n(^٢) سورة المائدة ٩٥.\n(^٣) م: \"قاتله\".","vol":"3","page":1116},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1275>والفصل الثاني في حكم المكْرَه وهو نوعان</span>\n• أحدهما: من لا اختيار له بالكلية، ولا قدرة له على الامتناع؛ كمن حُمل كَرْهًا، وأدخل إلى مكان حلف على الامتناع من دخوله، أو حمل كرهًا، وضرب به غيره؛ حتى مات ذلك الغير، ولا قدرة له على الامتناع أو أضجعت المرأة ثم زني بها من غير قدرة لها على الامتناع، فهذا لا إثم عليه بالاتفاق، ولا يترتب عليه حنث في يمينه عند جمهور العلماء.\nوقد حُكي عن بعض السلف كالنخعي فيه خلافٌ، ووقع مثله في كلام بعض أصحاب الشافعي وأحمد.\nوالصحيح عندهم: أنه لا يَحنثُ بحال.\nوروي عن الأوزاعي في امرأة حلفت على شيء، وأحْنَثَها زوجُها كَرهًا أنَّ كفارتها عليه.\nوعن أحمد رواية كذلك فيما إذا وطئ امرأته مُكْرَهةً في صيامها أو إحرامها أنّ كفارتها عليه.\nوالمشهور عنه أنه يفسد بذلك (^١) صومها وحجها.\n• النوع الثاني: من أكره بضرب أو غيره حتى فعل.\nفهذا الفعل يتعلق به التكليف؛ فإنه يمكنه (^٢) أن لا يفعل، فهو مختار للفعل، لكن ليس غرضه نفس الفعل، بل دفع الضرر عنه، فهو مختار من وجه، غير مختار من وجه آخر (^٣)، ولهذا اختلف الناس: هل هو مكلف أم لا؟ واتفق العلماء على أنه لو أكره على قتل معصوم لم يُبَحْ (^٤) له أن يقتله؛ فإنه إنما يقتله باختياره؛ افتداءً لنفسه من القتل.\nهذا إجماع من العلماء المعتدّ بهم.\n• وكان في زمن الإمام أحمد يخالف فيه من لا يعتد به.\nفإذا قتله (^٥) في هذه الحال، فالجمهور على أنهما يشتركان في وجوب القوَد: المكرِه والمكرَه، لاشتراكهما في القتل، وهو قول مالك والشافعي في المشهور عنه وأحمد.\n_________\n(^١) \"ا\": \"صومها\".\n(^٢) م: \"فإن أمكنه\".\n(^٣) ليست في \"ا\"، ولا في ب.\n(^٤) م: \"لم يصح\".\n(^٥) \"ا\": \"وإذا\".","vol":"3","page":1117},{"text":"وقيل: يجب على المكرِه وحده؛ لأن المكره صار كالآلة، وهو قول أبي حنيفة، وأحدُ قولي الشافعي.\n• وروي عن زفر كالأول.\n• وروي عنه أنه: يجب على المكرَه لمباشرته، وليس هو كالآلة؛ لأنه آثم بالاتفاق.\n• وقال أبو يوسف: لا قود على واحد منهما.\n• وخرجه بعض أصحابنا (^١) وجهًا لنا من الرواية التي (^٢) لا توجب فيها قتلَ الجماعة بالواحد وأولى ولو أكره (^٣) بالضرب ونحوه على إتلاف مال الغير المعصوم فهل يباح له ذلك؟ فيه وجهان لأصحابنا:\n• فإن قلنا: يباح له ذلك فضمنه المالك، رجع بما ضمنه على المكره.\n• وإن قلنا: لا يباح له ذلك فالضمان عليهما معًا كالقَود، وقيل: على المكرَه المباشر وحده وهو ضعيف.\n• ولو أكره على شُرب (^٤) الخمر أو غيره من الأفعال المحرمة؛ ففي إباحته بالإكراه (^٥) قولان، أحدهما: يباح له (^٦) ذلك استدلالًا بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٧) وهذه نزلت في عبد الله بن أبي بن سَلُول كانت له أمتان يُكْرِهُهُمَا على الزنا، وهما يأبيان (^٨) ذلك.\nوهذا قول الجمهور: كالشافعي وأبي حنيفة، وهو المشهور عن أحمد.\n• وروي نحوه: عن الحسن، ومكحول، ومسروق.\nوعن عمر بن الخطاب - ﵁ - ما يدل عليه.\nوأهل هذه المقالة اختلفوا في إكراه الرجل على الزنا: فمنهم من قال: يصح إكراهه\n_________\n(^١) م: \"وجهان\".\n(^٢) ليست في م.\n(^٣) م: \"لو أكره\".\n(^٤) \"ا\": \"شراب\".\n(^٥) سقطت من م.\n(^٦) \"ا\": \"بذلك\".\n(^٧) سورة النور: ٣٣.\n(^٨) في تفسير ابن كثير ٣/ ٢٨٨ أنه كان لعبد الله بن أُبيّ إماء فكان يكرههن على البغاء طلبًا لخراجهن، ورغبة في أولادهن، ورياسة منه فيما يزعم. ثم أورد الروايات في ذلك وانظره في مسلم من حديث جابر في التفسير ح ٢٦ - ٣٠٢٩ و٢٧ - (. . .).","vol":"3","page":1118},{"text":"عليه ولا إثم عليه.\nوهو قول الشافعي، وابن عقيل من أصحابنا.\nومنهم من قال: لا يصح إكراهه عليه، وعليه الإثم والحد.\nوهو قول أبي حنيفة رحمه الله تعالى، ومنصوص أحمد، وروي عن الحسن.\n• والقول الثاني أن التَّقية (^١) إنما تكون في الأقوال ولا تقية (^٢) في الأفعال ولا إكراه عليها.\nروي ذلك عن ابن عباس - ﵄ -، وأبي العالية، وأبي الشعثاء، والربيع بن أنس، والضحاك.\nوهو رواية عن أحمد، وروي عن سُحنون أيضًا.\nوعلى هذا - فلو (^٣) شرب الخمر أو سرق مكرهًا حُدّ.\nوعلى الأول لو شرب الخمر مكرهًا ثم طلّق أو أعتق فهل يكون حكمه حكم المختار لشربها أم لا؛ بل يكون طلاقه وعتاقه لغوًا؟\nفيه لأصحابنا وجهان:\n• وروي عن الحسن فيمن قيل له: اسجد لصنم؛ وإلا قتلناك؟ قال: إن كان الصنم تجاه القبلة فليسجد، ويجعل نيَّتَه لله، وإن كان إلى غير القبلة؛ فلا يفعل وإن قتلوه.\n• قال ابن حبيب المالكي: وهذا قول حسن.\nقال ابن (^٤) عطية: وما يمنعه أن يجعل نيته لله وإن كان لغير القبلة.\nوفي كتاب الله: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ (^٥).\nوفي الشرع إباحة التنفل (^٦) للمسافر إلى غير القبلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1276>[الإكراه على الأقوال]:</span>\nوأما الإكراه على الأقوال فاتفق العلماء على صحته وأن من أُكْرِه على قول محرَّم\n_________\n(^١) م: \"التقاة\".\n(^٢) م: \"تقاة\".\n(^٣) م: \"لو\".\n(^٤) م: \"أبو\" وهو تحريف.\n(^٥) سورة البقرة: ١١٥.\n(^٦) \"ا\": \"النفل\".","vol":"3","page":1119},{"text":"إكراهًا معتبرًا: أن له أن يفتديَ نفسه به، ولا إثم عليه، وقد دلَّ عليه قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (^١).\n• وقال النبي ﵌ لعمّار: \"إن عادوا (^٢) فعُد\".\nوكان المشركون قد عذبوه حتى يوافقهم على ما يريدونه من الكفر؛ ففعل.\nوأما ما ورد (^٣) عن النبي ﵌ أنه وصَّى طائفة من أصحابه فقال:\n\"لا تشركوا باللّه شيئًا وإن قطعتم وحرِّقتُم\" (^٤) فالمراد الشرك بالقلوب كما قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (^٥)، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ﴾ (^٦).\n• وسائر الأقوال يتصور عليها الإكراه.\nفإذا أكره بغير حق على قول من الأقوال لم يترتب عليه حكم من الأحكام، وكان لغوًا، فإن كلام المُكْرَهِ صدر منه وهو غير راضٍ به فلذلك عُفي عنه، ولم يؤاخذ به في أحكام الدنيا والآخرة.\n• وبهذا فارق الناسي والجاهل.\nوسواء في ذلك العقود: كالبيع، والنكاح، أو الفسوخ: كالخُلْع، والطلاق، والعِتاق، وكذلك: الأيمان والنذور.\nوهذا قول جمهور العلماء، وهو قول مالك والشافعي وأحمد.\n_________\n(^١) سورة النحل: ١٠٦.\n(^٢) راجع ما أورده السيوطي في الدر المنثور ٤/ ١٣٢ وابن كثير في التفسير ٢/ ٣٤٦ - ٣٤٨ من المختصر.\n(^٣) \"ا\": \"روى\".\n(^٤) ورواه ابن ماجه في السنن: ٣٦ - كتاب الفتن: ٢٣ - باب الصبر على البلاء ٢/ ١٣٣٩ ح ٤٠٣٤ من طريق الحسين بن الحسن المروزي، عن ابن أبي عدي، ومن طريق إبراهيم بن سعيد الجوهري، عن عبد الوهاب بن عطاء كلاهما عن راشد الحماني، عن شهر بن حوشب، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، قال: أوصاني خليلي أن لا تشرك بالله شيئًا وإن قطعت وحرقت، ولا تترك صلاة مكتوبة، متعمدًا، فمن تركها متعمدًا؛ فقد برئت منه الذمة، ولا تشرب الخمر؛ فإنها مفتاح كل شر\".\nوأورده البوصيري في الزوائد ٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥ وعقب عليه بقوله: هذا إسناد حسن؛ شهر مختلف فيه.\n(^٥) سورة لقمان: ١٥.\n(^٦) سورة النحل: ١٠٦.","vol":"3","page":1120},{"text":"• وفرق أبو حنيفة بين ما يقبل الفسخ عنده ويثبت فيه الخيار كالبيع ونحوه فقال: لا يلزم مع الإكراه، وما ليس كذلك، كالنكاح والطلاق والعتاق والأيمان فَألزم بها مع الإكراه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1277>[الإكراه في الأفعال]:</span>\nولو حلف لا يفعل شيئًا ففعله مُكْرَهًا، فعلى قول أبي حنيفة يحنَثُ، وأمّا على قول الجمهور ففيه قولان:\n• أحدهما: لا يحنث كما لا يحنث إذا فُعل به ذلك كرهًا، ولم يقدر على الامتناع كما سبق، وهذا قول الأكثرين منهم.\n• والثاني: يحنَثُ ها هنا؛ لأنه فعله باختياره بخلاف ما إذا حُمِلَ ولم يمكنه الامتناع، وهو رواية عن أحمد وقولٌ للشافعي.\n• ومن أصحابه وهو القفال مَنْ فرَّق بين اليمين والطلاق والعتاق وغيرهما كما قلنا نحن في الناسي.\n• وخرجه بعض أصحابنا وجهًا لنا.\nولو أكره على أداء ماله بغير حق فباع عقاره؛ ليؤدي ثمنه فهل يصح الشراء منه أم لا؟\nفيه روايتان عن أحمد.\n• وعنه رواية ثالثة: إن باعه بثمن المثل اشْتُري منه، وإن باعه بدونه لم يُشْتَر منه.\nومتى رضي المكرَه بما أكره عليه لحدوث رغبة له فيه بعد الإكراهِ والإكراهُ قائم - صحَّ ما صدر منه من العقود وغيرها بهذا القصد.\nهذا هو المشهور عند أصحابنا.\nوفيه وجه آخر: أنه لا يصح أيضًا وفيه بُعْد.\nوأما الإكراهُ بحق فهو غير مانع من لزوم ما أُكْرِه عليه، فلو اُكْرِهَ الحربي على الإسلام فأسلم؛ صحَّ إسلامه.\n• وكذا لو أكره الحاكم أحدًا على بيع ماله ليوفي دينه، أو أكره المؤْلِي (^١) - بعد مدة\n_________\n(^١) م: \"موليا\".","vol":"3","page":1121},{"text":"الإيلاء وامتناعه من الفيئة - على الطلاق.\nولو حلف لا يوفي دينه فأكرهه الحاكم على وفائه؛ فإنه يحنَث بذلك، لأنه فعل ما حلف عليه حقيقة على وجه لا يُعذر فيه.\nذكره أصحابنا.\nبخلاف ما إذا امتنع من الوفاء فأدى عنه الحاكم؛ فإنه لا يحنَث؛ لأنه لم يوجد منه فعلُ المحلوف عليه.\n* * *","vol":"3","page":1122},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1278>الحديث الأربعون</span>\nعَن ابْنِ عُمَرَ ﵄ قالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِمَنْكبي فَقَالَ:\n\"كُنْ في الدُّنْيَا كأَنَّكَ غَرِيبٌ، أَوْ عَابِر سَبِيل\".\nوكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: \"إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ\". رَوَاهُ البُخَارِي.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1279>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث خرجه البخاري (^١)، عن علي بن المديني، حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطُّفَاوي، حدثنا الأعمش، حدثني مجاهد، عن ابن عمر فذكره.\n• وقد تكلم غير واحد من الحفاظ في قوله: حدثنا (^٢) مجاهد وقالوا: هي غير ثابتة، وأنكروها على ابن المديني، وقالوا: لم يسمع الأعمش هذا الحديث عن مجاهد؛ إنما سمعه من ليث بن أبي سُليم عنه.\n• وقد ذكر ذلك العُقَيْليُّ وغيره (^٣).\n• وأخرجه الترمذي من حديث ليث، عن مجاهد، وزاد فيه: \"وعد نفسك من أهل القبور\"، وزاد في كلام ابن عمر: \"فإنك لا تدري يا عبد الله! ما اسمك غدًا\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ٨١ - كتاب الرقاق: ٣ - باب قول النبي - ﷺ -: \"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل\" ١١/ ٢٣٣ ح ٦٤١٦.\nوقد علق ابن حجر على هذه الترجمة فقال: هكذا ترجم ببعض الخبر إشارة إلى ثبوت رفع ذلك إلى النبي - ﷺ - وأن من رواه موقوفًا قصَّر فيه.\n(^٢) الذي ذكر في الإسناد: حدثني مجاهد، وليس حدثنا، وهكذا جاء بصيغة المتكلم المفرد في صحيح البخاري.\n(^٣) رد هذا ابن حجر في الفتح تعليقًا على الحديث وعلى ما أثير حوله، وذلك بما أورده عن ابن حبان في روضة العقلاء من قوله: مكثت مدة أظن أن الأعمش دَلَّسَهُ عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، وإنما سمعه من ليث، حتى رأيت علي بن المديني رواه عن الطفاوي فصرح بالتحديث، يشير إلى رواية البخاري التي في الباب ثم قال: \"وللحديث طريق أخرى، أخرجه النسائي من رواية عبدة بن أبي لبابة، عن ابن عمر مرفوعًا، وهذا مما يقوي الحديث المذكور لأن رواته من رجال الصحيح، وإن كان اختلف في سماع عبدة من ابن عمر\". وانظر إيراد الشيخ ناصر الألباني للحديث في الأحاديث الصحيحة رقم ١١٥٧، ١٤٧٣.\n(^٤) أخرجه الترمذي في: ٣٧ - كتاب الزهد: ٢٥ - باب قصر الأمل ٤/ ٥٦٧ - ٥٦٨ ح ٢٣٣٣.","vol":"3","page":1123},{"text":"• وخرجه ابن ماجه ولم يذكر قول ابن عمر (^١).\n• وخرج الإمام أحمد (^٢) والنسائي (^٣) من حديث الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة، عن ابن عمر قال: أخذ النبي ﵌ ببعض جسدي فقال: \"اعبدِ الله كأنك تراه، وكن في الدنيا كأنك غريبٌ أو عابرُ سَبِيل\".\nوعبدة بن أبي لبابة أدرك ابنَ عمر، واختلف في سماعه منه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1280>[هذا الحديث أصل في قصر الأمل]:</span>\nوهذا الحديث أصل في قصر الأمل في الدنيا، وأن (^٤) المؤمن لا ينبغي له أن يتخذ الدنيا وطنًا ومسكنًا، فيطمئنّ فيها، ولكن ينبغي أن يكون فيها كأنه على جناح سفر يهيئ (^٥) جهَازَه للرحيل.\nوقد اتفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1281>[وصايا الأنبياء وأَتباعهم]:</span>\n• قال تعالى، حاكيًا عن مؤمنِ آلِ فِرْعَوْنَ أنه قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ (^٦).\n• وكان النبيُّ ﵌ يقول: \"مالي وللدّنيا؟ إنما مثَلي وَمثَلُ الدنيا\n_________\n(^١) في السنن: ٣٧ - كتاب الزهد: ٣ - باب مثل الدنيا ٢/ ١٣٧٨ ح ٤١١٤.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٤ (الحلبي) وزاد في آخره: واعدد نفسك في الموتى. وصحح الشيخ أحمد شاكر إسناده ٦/ ٣٤٣.\n(^٣) ذكر المزي في التحفة ٥/ ٤٨١ أن النسائي رواه في الرقائق في الكبرى، عن محمد بن علي، عن محمد بن يوسف، عن الأوزاعي عنه.\nوذكر المستدرِك: أنه ليس في الرواية ولم يذكره أبو القاسم.\nوالحديث رواه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٣٠١ من رواية أحمد بن جعفر بن حمدان، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن محمد بن أبي بكر المقدمي، عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي - شيخ شيخ البخاري - عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر - بنحوه ثم قال: هذا حديث صحيح متفق عليه من حديث الأعمش، ورواه ليث بن أبي سليم، عن مجاهد.\n(^٤) م: \"فإن\".\n(^٥) م: \"يعني\" وهو تحريف.\n(^٦) سورة المؤمن: ٣٩.","vol":"3","page":1124},{"text":"كمثل راكبٍ قال في ظل شجرة ثم راح وتركها (^١) \".\n• ومن وصايا المسيح - ﵇ - لأصحابه أنه قال لهم: \"اعْبُرُوهَا ولا تعْمُروها\".\n• وروى عنه أنه قال: \"مَنْ ذا الذي يبني على مَوْج البحر دارًا؟ تلكم الدنيا، فلا تتخذوها قرارًا (^٢) \".\n* * *\nودخل رجل على أبي ذر فجعل يقلّبُ بصره في بيته، فقال: يا أبا ذر! أين متاعكم؟ قال: إن لنا بيتًا نتوجه (^٣) إليه قال: إنه لا بد لك من متاع ما دمت ها هنا؟\nفقال: إنّ صاحبَ المنزل لا يدَعُنا فيه (^٤).\n* * *\nودخلوا على بعضِ الصالحين فقلّبوا بصَرَهم في بيته، فقالوا له: إنا نرى بيتَك بيت رجل مرتحل فقال: أَمُرْتَحِلٌ؟ لا: ولكني (^٥) أُطْرَدُ طَرْدًا.\n• وكان علي بن أبي طالب - ﵁ - يقول: إن الدنيا قد ارتحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ارتحلت مقبلة، ولكلٍّ منهما بنون، فكونُوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا؛ فإن اليومَ عملٌ ولا حسَابَ، وغدًا حسابٌ ولا عملَ! \".\n* * *\nقال بعض الحكماء: \"عجبتُ مِمَّن الدنيا مولّية عنه، والآخرة مقبلة إليه، يشتغل بالمدبِرة، ويُعرِض عن المقبلة؟! \".\n• وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته: \"إنَّ الدنيا ليست بدار قراركم، كتب الله\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في السنن: ٣٧ - كتاب الزهد: ٤٤ - باب حدثنا موسى بن عبدة (٤/ ٥٨٨) ح ٢٣٧٧ من رواية إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود قال: نام رسول الله - ﷺ - على حصير فقام وقد أثر في جنبه، فقلنا: يا رسول الله! لو اتخذنا لك وطاء؟ فقال: مالي وللدنيا؟ ما أنا في الدنيا؛ إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها، وعقب عليه بقوله: وفي الباب عن عمر وابن عباس.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.\nورواه الحاكم في المستدرك: ٤/ ٣٠٩ - ٣١٠ من حديث ابن عباس بنحوه وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي ثم روى شاهدًا له من حديث ابن مسعود عقبه، وسكت عنه هو والذهبي.\nوانظر باقي تخريجه في الموسوعة ٩/ ٣١٩.\n(^٢) الخبر رواه أحمد في الزهد ١/ ١٧٢ بنحوه.\n(^٣) \"ا\": \"نوجه\".\n(^٤) م: \"ها هنا\".\n(^٥) م: \"لا أرتحل ولكنني\".","vol":"3","page":1125},{"text":"عليها الفناءَ وكتب على أهلها منها الظَّعْنَ (^١)، فكم من عامر مُؤنق (^٢) عن قليل (^٣) يخرب! وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن! فأحسنوا رحمكم الله منها الرحلة بأحسن ما بحضرتكم من النقلة، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1282>[واجب المؤمن بالنسبة للدنيا]:</span>\nوإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة ولا وطنًا؛ فينبغي للمؤمن (^٤) أن يكون حاله فيها على أحد حالين: إما أن يكون كأنه غريب مقيم في بلد غُربةٍ همّه التزوّد للرجوع إلى وطنه، أو يكونَ كأنه مسافر غير مقيم ألبتة، بل هو ليلَه ونهارَه يسير إلى بلد الإقامة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1283>[لهذا كانت وصية الرسول - ﷺ - لابن عمر]:</span>\n• فلهذا وصَّى النبي ﵌ ابنَ عمر أن يكون في الدنيا على أحد هذين الحالين:\n\n<span data-type='title' id=toc-1284>[الحال الأول]:</span>\n• فأحدهما: أن ينزل المؤمنُ نفسَه كأنه غريبٌ في الدنيا فيتخيل الإقامة ولكن في بلد غُرْبة؛ فهو غير متعلق القلب ببلد الغربة، بل قلبه متعلِّقٌ بوطنه الذي يرجع إليه. وإنما هو مقيم في الدنيا ليقضي مرمَّة جهازه إلى الرجوع إلى وطنه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1285>[من مأثورات السلف]:</span>\nقال الفضيل بن عياض: المؤمن في الدنيا مهمُوم حزين همه مرمة جَهَازِه ومن كان في الدنيا كذلك فلا همة له (^٥) إلا في التزوّد بما ينفعه عند عوده (^٦) إلى وطنه ولا (^٧) ينافس أهلَ البلد الذي هو غريبٌ بينهم في عزهم، ولا يجزع من الذل عندهم.\n• قال الحسن: المؤمن في الدنيا كالغريب لا يجزع من ذلها، ولا ينافِس في عزّها؛ له شأن وللناس شأن!!.\n_________\n(^١) الظعْن: الرحيل والسفر، وقد قوبل في القرآن بالإقامة، قال تعالى: ﴿يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ﴾ سورة النحل: ٨٠.\n(^٢) أنق أنقًا وأناقة: راع حسنه وأعجب فهو أنيق، وآنقه الشيء إيناقًا: أعجبه؛ فهو مؤنق وأنيق. راجع المعجم الوسيط ١/ ٣٠.\n(^٣) ب: عن \"قريب\" والخبر في الحلية ٥/ ٢٩٢ بسياقه مطولًا بنحوه.\n(^٤) ليست في \"ا\".\n(^٥) م: \"فلا همّ له\".\n(^٦) م: \"العود\".\n(^٧) م: \"فلا\".","vol":"3","page":1126},{"text":"لما خلق الله آدم - ﵇ - أُسْكِن هو وزَوْجُه الجنة، ثم أهبطَا منها، ووُعِدَا الرجوعَ إليها، وصالح ذريتهما.\nفالمؤمن أبدًا يحنُّ إلى وطنه الأول، وحبُّ الوطن من الإيمان وكما قيل:\nوكم منزل للمرء يألفه الفتى … وحنينه أبدًا لأول منزلٍ\nولبعض شيوخنا:\nفحيَّ على جنات عدن فإنَّها … منازلكَ الأولى وفيها المخيَّمُ!\nولكننا سَبْيُ العدوِّ فهل تُرى … نعودُ إلى أوطاننا ونُسَلِّمُ؟\nوقد زعموا أنَّ الغريب إذا نأى … وشطَّتْ به أوطانُه فهو مغْرَمُ\nوأيّ اغترابٍ فوق غُرْبتنا التي … لها أضحت الأعداءُ فينا تَحَكَّمُ؟!\n• وكان عطاء السَّلِيمي يقول في دعائه: \"اللهم ارحم في الدنيا غربتي، وارحم في القبر (^١) وحشتي، وارحم موقفي غدًا بين يديك\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1286>[مثل الدنيا]:</span>\n• قال الحسن: بلغني أن رسول الله ﵌ قال لأصحابه: إنما مثلي ومثلُكم ومثلُ الدنيا كقوم (^٢) سلكُوا مفازة غبراء (^٣) حتى إذا لم يدْرُوا ما سلَكُوا منها أكثر، أو ما بقى، أنفدُوا الزادَ وحسَرُوا (^٤) الظهرَ، وبَقُوا بين ظهراني المفازَةِ، لا زادَ ولا حَمُولة، فأيقنوا بالهلَكة، فبينما (^٥) هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حُلّةٍ (^٦) يقطُرُ رأسه (^٧) فقالوا: إن هذا قريبُ عهدٍ بريفٍ (^٨) وما جاءكم هذا (^٩)؛ إلا من قريبٍ\n_________\n(^١) \"ا\": \"القبور\" وفي الحلية: \"قبري\"، والخبر فيها في ترجمته ٦/ ٢١٥ - ٢٢٦ بنحوه.\n(^٢) عند ابن أبي الدنيا: \"كمثل قوم\".\n(^٣) الغبراء: الأرض؛ لغبارها وترابها، والمفازة الغبراء: هي التي لا يهتدي للخروج منها. نهاية ٣/ ٣٣٧ - ٣٣٨.\n(^٤) حسروا الظهر: أتعبوا الدواب التي يمتطون ظهورها، وأعيوها. نهاية ١/ ٣٨٤.\n(^٥) في ذم الدنيا: \"فبينا\".\n(^٦) سقطت من م.\n(^٧) م: \"يقطر رأسه ماء\" والكلمة الأخيرة ليست في شيء من الأصول.\n(^٨) في هامش م: الريف: أرض فيها زرع وخصْب والجمع أرياف. أهـ مختار.\n(^٩) في ذم الدنيا: \"وما جاءهم\".","vol":"3","page":1127},{"text":"قال (^١): فلما انتهى إليهم قال: عَلامَ أنتم (^٢)؟ قالوا: على ما ترى، قال: أرأيتكم إن هدَيتُكم إلى ماءٍ رَوَاءٍ ورياض خضر (^٣) ما تعملون؟، قالوا: لا نَعْصِيكَ شيئًا، قال (^٤): عهودَكم ومواثيقكم بالله، قال: فأعطَوْه عهودَهُمْ ومواثيقَهُم بالله لا يَعْصُونه شيئًا، قال: فأورَدَهم ماءً ورياضًا خُضْرًا، قال: فمكثَ فيهم ما شاء الله ثم قال: يا هؤلاء! الرحيل (^٥) قالوا: إلى أينَ؟ قال: إلى ماءٍ ليسَ كمائِكُم، وإلى رِياضٍ ليست (^٦) كرياضِكُم، فقال جُلُّ القوم، وهم أكثرهم: والله ما وجدنا هذا حتَّى ظننا أن لَن نَجِدَهُ ومَا نصنع بعيشٍ خيرٍ من هَذا؟ قال: وقالت طائفة وهم أقلّهُمْ: ألم تُعْطُوا هذا الرجُلَ عُهُودَكُم ومَوَاثيقَكم بالله لا تَعصُونَهُ شيئًا وقد صَدَقَكُم في أول حديثه؟ فوالله ليصدقنكم في آخره؛ قال: فراح فيمن اتبعه وتخلفَ بقيتُهم فَنذِرَ (^٧) بهم عدُوٌ فأَصْبَحُوا ما بين أسيرٍ (^٨) وقتيلٍ.\nخرجه ابن أبي الدنيا (^٩).\n_________\n(^١) سقطت هذه الكلمة من الأصول وهي في \"ذم الدنيا\".\n(^٢) في ذم الدنيا: فلما انتهى إليهم قال: يا هؤلاء! قالوا: يا هذا! قال: علام أنتم؟.\n(^٣) في ذم الدنيا \"أرأيتم إن هديتكم إلى ماء رِوَى\" بوزان إلى، ويقال: بوازن غَنِيّ وسماء؛ قاموس ١٦٦٥.\n(^٤) م: \"أعطوني عهودكم\" والكلمة الأولى ليست في شيء من الأصول.\n(^٥) في ذم الدنيا: \"ثم قال: يا هؤلاء! قالوا: يا هذا! قال: الرحيل\".\n(^٦) \"ا\": \"ليس\".\n(^٧) \"ا\": \"فندر\" م: \"فنزل\" وفي القاموس ٦١٩: \"نَذِرَ بالشيء علمه فحذره وأنذره بالأمر أعلمه وحذره وخوفه في إبلاغه\".\n(^٨) م: \"فأصبحوا بين\" \"ا\" \"فأصبحوا من بين\" وما أثبتناه هو الموافق لما في: \"ذم الدنيا\".\n(^٩) أخرجه ابن أبي الدنيا في: \"ذم الدنيا\" ص ٣٧ ح ٨٨ من رواية إسحاق بن إسماعيل، عن روح بن عبادة، عن هشام بن حسان، عن الحسن.\nوهو هكذا مرسل.\nوقد أورده الغزالي في الإحياء ٨/ ١١٥ من الإتحاف، وقال الزبيدي: قال العراقي: رواه ابن أبي الدنيا هكذا بطوله، ولأحمد والطبراني والبزار من حديث ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - أتاه فيما يرى النائم ملكان الحديث، فقال، أي أحد الملكين: إن مثل هذا ومثل أمته مثل قوم سَفْرٌ انتهوا إلى مفازة فذكر نحوه، وأخصر منه، وإسناده حسن أهـ.\nوقد عقب الزبيدي بقوله: قلت: وبخط الحافظ ابن حجر إسناده صحيح.\nواللفظ الذي ساقه المصنف وهو سياق حديث الحسن عند ابن أبي الدنيا.\nوقد روى نحوه ابن عساكر، عن ابن المبارك، قال: بلغنا عن الحسن. قال ابن عساكر: وهذا مرسل، وفيه انقطاع بين ابن المبارك والحسن، وهو في الزهد لابن المبارك (٥٠٧) فحديث ابن أبي الدنيا - إن يكن ضعيفًا، فإن له شاهدًا من الصحيح، هو حديث ابن عباس على ما حكى الزبيدي عن ابن حجر. =","vol":"3","page":1128},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ولم أقف على ما أشار إليه الزبيدي من تصحيح ابن حجر للحديث بخطه؛ لكني وقفت على تضعيف ابن حجر للحديث بعلي بن زيد؛ فقد أورد الحديث في الفتح ١٣/ ٢٥٧ عن أحمد والبزار والطبراني من طريق علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس نحو حديث الحسن مختصرًا ثم قال: وهذا إن كان محفوظًا قوى الحمل على التعدد، إما للمنام، وإما لضرب المثل، ولكن عليّ بن زيد ضعيف من قبل حفظه\". ومع هذا وذاك؛ فقد صحح الشيخ أحمد شاكر حديث ابن عباس الذي رواه أحمد من طريق على بن زيد هذا. واعتمد في هذا على أن عليًّا عنده ثقة.\nوأشار إلى علة حكم الهيثمي على الحديث بالحسن: أن عليًّا هذا مختلف فيه.\nولئن لم ينزل عن درجة الحسن؛ فهو لا يرقى إلى درجة رجال الصحيح.\nولهذا يترجح لنا حكم الهيثمي على حكم الشيخ شاكر بشأن هذا الحديث.\nفعلي بن زيد: هو ابن جدعان وكما نعته الذهبي؛ فهو الإمام العالم الكبير أبو الحسن القرشي التيمي البصري الأعمى.\nأصله من مكة.\nروى عن: أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وابن المنكدر، ويوسف بن مهران، وخيرة أم الحسن البصري، وغيرهم.\nوروى عنه: قتادة، والسفيانان، والحمادان، وابن عون، وابن علية وغيرهم.\nقال الذهبي: ولد أعمى كقتادة، وكان من أوعية العلم على تشيع قليل فيه، وسوء حفظ يغضه من درجة الإتقان.\nوهذا القول من الذهبي هو مفتاح شخصية علي بن زيد؛ بل أساس الحكم العادل غير الغالي، له أو عليه. ضعفه جمهرة المحدثين كالبخاري، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والدارمي، والجوزجاني، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والنسائي، وحماد بن زيد، وغيرهم.\nوترجم له العجلي وابن شاهين في الثقات، ووثقه حماد بن سلمة، ونفى ابن معين أن يكون قد اختلط. وممن توسط في الحديث عنه: الترمذي؛ حيث قال: صدوق؛ إلا أنه ربما رفع الشيء الذي يوقفه غيره، والساجي حيث قال: كان من أهل الصدق، ويحتمل لرواية الجلة عنه، وليس يجرى مجرى من أجمع على ثبته.\nأما ابن حبان فقال: يهم ويخطئ فكثر ذلك منه، فاستحق الترك - فكيف - بعد هذا - يقال إنه من رجال الصحيح؟.\nوقد روى مسلم له لكن مقرونًا بغيره وهو ما يتفق مع ما انتهى إليه الهيثمي بشأنه أن حديثه حسن.\nوترجم له الذهبي في ذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثق ص ١٤٠ ت ٢٥٣ وأشار إلى الاختلاف فيه فقال: صويلح الحديث، قال أحمد ويحيى: ليس بشيء، وقواه غيرهما.\nوفي التذكرة ١/ ١٤٠ - ١٤١ ذكر عن الترمذي بشأنه قوله: صدوق، ربما رفع الموقوف، ثم قال الذهبي: لم يحتج به الشيخان لكن قرنه مسلم بغيره.\nوقد ذكر في السير - كما تقدم - أنه كان من أوعية العلم على تشيع قليل فيه.\nومعنى هذا - أنه لم يكن غاليًا في تشيعه.\nوقد أورد السيوطي في التدريب ١/ ٣٢٤ عن شيخ الإسلام ابن حجر قوله: والمعتمد أن الذي ترد روايته: من أنكر أمرًا متواترًا من الشرع معلومًا من الدِّين بالضرورة أو اعتقد عكسه، وأما من لم يكن كذلك وانضم إلى ذلك ضبطه لما يرويه، مع ورعه وتقواه؛ فلا مانع من قبوله. =","vol":"3","page":1129},{"text":"• وخرجه الإمام أحمد من حديث على بن زيد بن جُدْعَان، عن يوسف بن مِهْران، عن ابن عباس، عن النبي ﵌ بمعناه مختصرًا.\nفهذا المثل في غاية المطابقة لحال النبي ﵌ مع أمته. فإنه أتاهم والعرب؛ حينئذ (^١) أذل الناس، وأقلّهم وأسوؤُهم عيشًا في الدنيا، وحالًا في الآخرة؛ فدعاهم إلى سلوك طريق النجاة، وظهر لهم من براهين صدقه كما ظهر من صدق الذي (^٢) جاء إلى القوم الذين في المفازة، وقد نَفِدَ ماؤُهُمْ وهلك ظهرُهم؛ برؤيته في حلة مترجلًا (^٣) يقطرُ رأسُه ماء، ودلّهم على الماء والرياض المعْشِبة، فاستدلوا بهيئته وحاله (^٤) على صدق مقاله؛ فاتبعوه. وَوَعدَ من اتبعه بفتح بلاد فارس والروم، وأخذ كنوزهما، وحذرهم من الاغترار بذلك، والوقوف معه، وأمرهم بالتجزي من الدنيا بالبلاغ، وبالجد والاجتهاد في طلب الآخرة، والاستعداد لها، فوجدُوا ما وعَدَهم به كلَّه حقًّا، فلما فتحت عليهم الدنيا - كما وعدهم بها - اشتغل أكثر الناس بجمعها، واكتنازها، والمنافسة فيها، ورَضُوا بالإقامة فيها، والتمتع بشهواتها، وتركُوا الاستعدادَ للآخرة التي أمَرَهُمْ بالجد والاجتهاد في طلبها، وقَبِلَ قليلٌ من الناس وصيتَه في الاجتهاد في طلب الآخرة، والاستعداد لها.\n• فهذه الطائفة القليلة نجت ولحقت نبيها ﵌ في الآخرة؛ حيث سلكت طريقته في الدنيا، وقبلت وصيته، وامتثلت ما أمر به.\nوأما أكثرُ الناس فلم يزالوا في سكرة الدنيا، والتكاثر فيها، فشغلهم ذلك عن الآخرة، حتى فاجأهُم الموتُ بغتة على هذه الغِرَّة؛ فهلكوا وأصبحوا ما بين قتيل وأسير.\n• وما أحسن قولَ يحيى بن معاذ (^٥): الدنيا خمر الشيطان، من سكر منها، لم يفق؛ إلا في عسكر الموتى، نادمًا مع الخاسرين.\n_________\n= أما الضبط فحسبنا تحوط مسلم في الرواية له مقرونًا بغيره، وأما الورع والتقوى فحسبنا شهادة من شهد له بالصدق كالترمذي والساجي.\nتوفي سنة ١٢٩ وقيل ١٣١.\nراجع ترجمته أيضًا في: سير أعلام النبلاء ٥/ ٢٠٦ - ٢٠٧، والتاريخ الكبير للبخاري ٣/ ٢/ ٢٧٥.\nوتهذيب التهذيب ٧/ ٣٢٢ - ٣٢٤ والتقريب ٢/ ٣٧ والثقات للعجلي ص ٣٤٦ ت ١١٨٦، وأحوال الرجال للجوزجاني ص ١١٤ ت ١٨٥ والجرح والتعديل ٣/ ١/ ١٨٦ - ١٨٧.\n(^١) م: \"إذ ذاك\".\n(^٢) م: \"صدق أمر الذي\".\n(^٣) م: \"رجلًا\".\n(^٤) م: \"بهيئته وجماله وحاله\".\n(^٥) م: \"يحيى بن معاذ الرازي\".","vol":"3","page":1130},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1287>[الحال الثاني]:</span>\n• الحال الثاني: أن ينزل المؤمن نفسَه في الدنيا كأنه مسافر غيرُ مقيم ألبتة؛ وإنما هو سائر في قَطْع منازل السفر؛ حتى ينتهي به السفر إلى آخره: وهو الموت.\n• ومن كانت هذه حالَه في الدنيا؛ فهمته تحصيلُ الزاد للسفر، وليس له همة في الاستكثار من (^١) متاع الدنيا؛ ولهذا وصى النبي ﵌ جماعة من أصحابه أن يكون بلاغهم من الدنيا كزاد الراكب.\n\n<span data-type='title' id=toc-1288>[مما أثر عن السلف]:</span>\n• قيل لمحمد بن واسع: كيف أصبحت؟ قال: \"ما ظنُّك برجل يرتحل إلى الآخرة كل يوم مرحلة؟ \" (^٢).\n• قال الحسن: \"إنما أنتَ أيام (^٣) كلما محضى يومٌ مضى بعضُك\".\nوقال: \"ابنَ آدم! إنما أنتَ بين مطيتين يوضعانك: يوضعك النهار إلى الليل، والليل إلى النهار؛ حتى يسلمانك إلى الآخرة - فمن أعظم منك يا ابنَ آدم خطرًا؟! \".\n• وقال: \"الموت معقود بنواصِيكم، والدنيا تطوى من ورائكم\".\n* * *\n• قال داود الطائي (^٤): \"إنما الليل والنهار مراحل يَنْزلها الناس مرحلةً مرحلةً حتى ينتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادًا لما بين يديها فافعل، فإن انقطاع السفر عن قريب ما هو والأمر أعجلُ من ذلك، فتزوّد لسفرك، واقضِ ما أنت قاصت من أمرك، فكأنك بالأمر قد بَغَتَكَ!؟ \".\n* * *\n• وكتب بعض السلف إلى أخ له:\nيا أخي! يخيَّل لك أنكَ مقيم؟ بل أنت دائب السير تُساق مع ذلك سوقًا حثيثًا، الموت مُوجَّه إليك، والدنيا تُطوى من ورائك، وما مضى من عمرك فليس بكارّ عليك؛\n_________\n(^١) م: \"من طلب متاع\".\n(^٢) الحلية ٢/ ٣٤٨ بنحوه.\n(^٣) م: \"أيام مجموعة\" والخبر في الحلية ٢/ ١٥٢ بنحوه.\n(^٤) الخبر في الحلية ٧/ ٣٤٥ - ٣٤٦ وتتمته فيها: \"إني أقول هذا وما أعلم أحدًا أشد تضييعًا مني لذلك ثم قام\". وكان يحدث بذلك قريبًا له، سأله أن يوصيه.","vol":"3","page":1131},{"text":"حتى يكر عليك يوم التغابن، كما قيل (^١):\nسبيلكَ في الدنيا سَبِيلُ مسافرٍ … وَلا بدَّ من زادٍ لكلِّ مُسَافِرِ\nولا بدَّ للإنسانِ من حَمْل عُدّةٍ … وَلا سيّما إن خافَ صولة قَاهِرِ\n* * *\n• قال بعض الحكماء: كيف يفرح مَنْ يَومُه يهدِمُ شهرَه؟ وشهرُه يهدِم سنَته؟ وسنتُه تهدِمُ عُمُرَهُ؟ كيف يفرح من يقوده عُمُرُهُ إلى أجَلِه؟ وتقودُه حياتُه إلى موته؟.\n* * *\nوقال الفضيل بن عياض لرجل: كم أتَتْ عليك؟ قال: ستون سنة، قال: فأنتَ منذ ستين سنة تسير إلى ربك! يوشك أن تبلغ؟ فقال الرجل: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (^٢) فقال الفضيل: أتعرف تفسيره؟ تقول: أنا لله عبدٌ وإليه راجع (^٣) - فمن عَلِمَ أنه لله عبدٌ، وأنه إليه راجع. فليعلم أنه موقوفٌ، ومَنْ عَلم أنه موقوف؛ فليعلم أنه مسئول، ومن علم أنه مسئول؛ فليعدَّ للسؤال جوابًا.\nفقال الرجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة، قال: ما هي؟ قال: تُحْسنُ فيما بقى يُغْفَرْ لك ما مضى؛ فإنك إن أسأت فيما بقى؛ أُخِذْت بما مضى وبما (^٤) بقى، وفي هذا المعنى (^٥) يقول بعضهم:\nوإن امْرَأً قد سارَ ستِّينَ حجَّةً … إلى مَنْهَلٍ مِنْ وِرْدِه لقريبُ\nقال بعض الحكماء: \"من كانت الأيامُ والليالي مطاياه سارت به وإن لم يسر\".\n• وفي هذا قال بعضهم:\nوما هذه الأيامُ إلا مراحِلٌ … يحثُ بها داعٍ إلى الموت قاصدُ\nوأعجب شيءٍ لو تأملتَ أنها … منازلُ تُطوَى والمسَافِر قَاعِدٌ!؟\n* * *\nوقال آخر:\n_________\n(^١) ليست في \"ا\".\n(^٢) سورة البقرة: ١٥٦.\n(^٣) م: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.\n(^٤) م: \"وما\".\n(^٥) ليست في \"ا\" ولا ب.","vol":"3","page":1132},{"text":"أيا ويحَ نفسي من نهارٍ يقودُها … إلى عسكر الموتى وليلٍ يذودُها\n* * *\nقال الحسن: لم يزل الليلُ والنهارُ سريعين في نقص الأعمار، وتقريب الآجال، هيهات؛ قد صحبا نوحًا وعادًا وثمودَ وقرونًا بين ذلك كثيرًا فأصبحوا قد (^١) قدموا على ربهم، ووردوا (^٢) على أعمالهم، وأصبح الليل والنهار غَضَّين جديدين لم يُبْلِهِمَا ما مرَّا به مستعدين لمن بقى بمثل ما أصابه من مضى.\n* * *\n• وكتب الأوزاعي إلى أخ له: أما بعد! فقد أحيط بك من كل جانب، واعلم أنه يُسَارُ بك في كل يوم وليلة، فاحذر الله والمقام بين يديه، وأن يكون آخر عهدك به والسلام (^٣).\nنسيرُ إلى الآجال في كُلِّ لحظةٍ … وأيامنا تُطْوَى وهُنَّ مَرَاحِلُ؟!\nولم أر مثلَ الموتِ حقًّا كَأنَّهُ … إذا ما تخطّته الأمانيّ باطلُ؟!\nوما أقبَح التفريطَ في زمنِ الصِّبا … فكيفَ به والشَّيْبُ للرأس شامِلُ؟!\nترحَّلْ مِنَ الدنيا بزادٍ من التقى … فعُمْرُك أيامٌ وهنَّ قلائلُ!\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1289>[وصية ابن عمر]:</span>\n• وأما وصية ابن عمر - ﵁ - فهي مأخوذة من هذا الحديث الذي رواه، وهي متضمنة لنهاية قِصَرِ الأمل، وأن الإنسانَ إذا أمسى لم ينتظر الصباح، وإذا أصبحَ لم ينتظرِ المساء؛ بل يظن أن أجلَه يدركُهُ قبل ذلك؛ وبهذا فسر غير واحد من العلماء الزهدَ في الدنيا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1290>[الزهد في أقوال السلف]:</span>\n• قال المروزي: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد - أي شيء الزهد في الدنيا؟\n_________\n(^١) ليست في \"ا\".\n(^٢) ب: \"وردوا\".\n(^٣) م: \"شاغل\" وأورده أبو نعيم في الحلية ٦/ ١٤٠.","vol":"3","page":1133},{"text":"قال: قصر الأمل من إذا أصبح يقول: لا أمسي قال: وهكذا قال سفيان.\n• قيل لأبي عبد الله (^١): بأي شيء نستعين على قصر الأمل؟ قال: ما ندري؛ إنما هو توفيق.\n* * *\n• قال الحسن: اجتمع ثلاثة من العلماء فقالوا لأحدهم: ما أَمَلُكَ؟ قال: ما أتى عليّ شهرٌ؛ إلا ظننتُ أني سأموتُ فيه، قال: فقال صاحباه: إن هذا هو (^٢) الأمل، فقال لأحدهم: (^٣) فما أملك؟ قال: ما أتت علي جمعة؛ إلا طننت أني سأموت فيها، قال: فقال صاحباه: إن هذا هو الأمل، فقالا للآخر: فَمَا أملك؟ قال: ما أمَلُ مَنْ نَفْسُهُ في يدِ غيره؟!.\n* * *\n• قال داود الطائي: سألتُ عطوان بن عمرو التميمي قلت: ما قِصَرُ الأملِ؟ قال: ما بين تَردُّدُ النفس، فحدّث بذلك الفضيلَ بنَ عياض؛ فبكى، وقال: يقول: يتنفس، فيخافُ أن يموتَ قبل أن ينقطع نفَسه:\nلقد كان \"عطوان\" من الموت على حذر (^٤).\n• وقال بعض السلف: ما نمتُ نومًا قط فحدثت نفسي أني أستيقظ منه.\nوكان حبيبٌ أبو محمد يوصى كل يوم بما يوصى به المحتضِر عند موته مِن تغسيله ونحوه.\nوكان يبكي كلما أصبح أو أمسى، فسئلت امرأتُه عن بكائه فقالت: يخاف والله إذا أمسى أن لا يُصْبِحَ، وإذا أصبح أن لا يمسى.\n* * *\n• وكان محمد بن واسع إذا أراد أن ينام قال لأهله: أستودِعُكُمْ الله؛ فلعلها أن\n_________\n(^١) \"ا\": \"عبيد الله\".\n(^٢) ليست في \"ا\"، ولا في ب والخبر عند ابن المبارك في الزهد باختلاف يسير ص ٨٥ - ٨٦ ح ٢٥٣ عن مبارك بن فضالة، عن الحسن.\n(^٣) م: \"له\".\n(^٤) أورده ابن الجوزي في صفة الصفوة (٣/ ١٢٧) وفيه: … ما بين تردد النفس قال رستم: فحدثت بذلك الفضيل. . .\".","vol":"3","page":1134},{"text":"تكون منيتي التي لا أقوم منها؛ فكان هذا دأبَه إذا أراد النوم.\n* * *\n• وقال بكر المزني: إن استطاع أَحَدُكم أن لا يبيتَ؛ إلا وعهدُه عند رأسه مكتوبٌ فليفعل؛ فإنه لا يدري لعله أن يبيتَ في أهل الدنيا، ويصبحَ في أهل الآخرة.\n* * *\n• وكان أويسٌ (^١) إذا قيل له: كيف الزمان؟ قال: كيف الزمانُ على رَجُل إن أمسى ظن أنه لا يُصْبِح، وإن أَصْبَحَ ظن أنه لا يُمسي، فَمُبَشَّرٌ بالجنة أو النار؟.\n• وقال عون بن عبد الله: ما أنزل الموتَ كنه منزلته مَنْ عَدَّ غدًا من أجله؟!.\nكَمْ من مستقبل يومًا لا يستكمله! وكم من مؤمِّلٍ لغدٍ لا يدْرِكه! إنكم لو رأيتم الأجل ومسيرَه؛ لأبغضتم الأملَ وغروره.\nوكان يقول: إن مِنْ أنفع أيام المؤمن له في الدنيا ما ظن أنه لا يدرك آخره.\n* * *\n• وكانت امرأة متعبدة بمكة إذا أمست قالت: يا نفسُ! الليلة ليلتك لا ليلة لك غيرها، فاجتهدت، فإذا أصبَحَت قالت: يا نفسُ! اليوم يومكِ لا يوم لكِ غيره، فاجتهدت.\n* * *\n• وقال بكر المزني: إذا أردتَ أن تنفعَك صلاتُكَ فقل: لَعَلِّي لا أصلي غيرَها وهذا مأخوذ مما روي عن النبي ﵌ أنه قال: \"صلّ صلاة (^٢) مودّع\".\n_________\n(^١) رواه أبو نعيم - تامًا - في الحلية ٢/ ٨٣.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٤١٢ (الحلبي) وابن ماجه في السنن: ٣٧ - كتاب الزهد: ١٥ - باب الحكمة ٢/ ١٣٩٦ ح ٤١٧١.\nكلاهما من رواية عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عثمان بن جبير، عن أبي أيوب الأنصاري قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: عظني وأوجز؛ فقال: إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع، ولا تكلم بكلام تعتذر منه غدًا، وأجمع الإياس [اعزم واعتقد] مما في أيدي الناس.\nوقد علق البوصيري على الحديث في الزوائد ٢/ ٣٣٢ فقال: هذا إسناد ضعيف؛ عثمان بن جبير قال الذهبي في الطبقات: مجهول، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال البخاري وأبو حاتم: روى عن أبيه، عن جده، عن أبي أيوب [و] رواه أحمد بن منيع في مسنده، ثنا علي بن عاصم، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، =","vol":"3","page":1135},{"text":"• وأقام معروف الكرخي الصلاة ثم قال لرجل: تقدَّم فَصَلِّ بنا؟ فقال الرجل: إني إن صليتُ بكم هذه الصلاة لم أصل بكم غيرَها؟ فقال معروف: وأنت تحدث نفسك أنك تصلي صلاة أخرى، نعوذ بالله من طول الأمل، فإنه يمنع خير العمل (^١).\n* * *\n• وطرق بعضهم باب أخ له فسأل عنه فقيل له: ليس هو في البيت، فقال: متى يرجع؟ فقالت له جارية من البيت: مَنْ كانت نفسه في يد غيره مَنْ يَعلم متى يرجع؟\n• ولأبي العتاهية:\nوما أدري وإن أملت عمرًا … لعلي حين أصبح لست أمسي\nألم تر أن كل صباح يوم … وعمرك فيه (^٢) أقصر منه أمس\nوهذا البيت الثاني أخذه مما روى عن أبي الدرداء والحسن أنهما قالا: ابنَ آدم! إنك لما تزل في هَدْمِ عُمُرِك منذ سقطت من بَطْنِ أُمّكَ.\n* * *\n• ومما أنشده بعض السلف:\nإنا لنفرحُ بالأيام نقطعها … وكلُّ يَومٍ مضَى يُدْنِي مِنَ الأجَل\n_________\n= ثنا عثمان بن جبير، عن أبيه أو جده، شك عثمان، عن أبي أيوب فذكره بتمامه ورواه أبو الشيخ في الأمثال ص ٢٦٦ ح ٢٢٦ والبيهقي في الزهد الكبير ص ٨٧ - ٨٨ ح ١٠٢.\nوقد قال أبو نعيم: غريب من حديث أبي أيوب، لم يروه إلا عبد الله بن عثمان بن خثيم.\nورواه أبو نعيم في الحلية ١/ ٣٦٢ من رواية ابن جبير. وقد قال أبو نعيم: غريب من حديث أبي أيوب، لم يروه إلا عبد الله بن عثمان بن خثيم.\nوروى ابن عمر نحوه عن رسول الله - ﷺ -.\nومن رواية عثمان بن جبير أيضًا رواه الطبراني في الكبير ٤/ ١٥٤ - ١٥٥ من وجهين ح ٣٩٨٧، ٣٩٨٨ بيد أن لهذا الحديث شاهدًا من رواية سعد بن أبي وقاص أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٢٦ - ٣٢٧ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي هكذا في المطبوع لكن قال المناوي: وتعقبه الذهبي بأن فيه محمد بن سعد المذكور وهو مضعف، ثم أشار إلى تضعيف السخاوي له أيضًا بمحمد بن أبي حميد، والحديث عند البيهقي في الزهد ح ١٠١ وانظر فيض القدير ٤/ ٣٢٩ والمقاصد الحسنة ص ٢٢٥ فقد أشار إلى شواهده.\nوقد أورده الشيخ ناصر الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة ١ - ٤ وأشار إلى تصحيح الحاكم والذهبي، وإلى شاهد آخر له من حديث ابن عمر أخرجه الضياء في المختارة.\n(^١) الخبر أورده أبو نعيم في الحلية ٨/ ٣٦١.\n(^٢) سقطت من \"ا\".","vol":"3","page":1136},{"text":"فاعْمَلْ لنفسك قبلَ الموت مجْتهِدًا … فإنما الربحُ والخسرَان في العمَلِ\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1291>[وخذ من صحتك]:</span>\n• وقوله \"وخذ من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك\" يعني: اغتنم الأعمال الصالحة في الصحة قبل أن يحول بينك وبينها السُّقْم، وفي الحياة قبل أن يحول بينك وبينها الموت.\nوفي رواية: فإنك يا عبد الله! لا تدري ما اسمك غدًا؟\nيعني لعلك غدًا من الأموات دون الأحياء.\n• وقد روى معنى هذه الوصية عن النبي - ﷺ - من وجوه، ففي صحيح البخاري عن، ابن عباس، عن النبي ﵌ قال: \"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1292>[اغتنم خمسًا]:</span>\n• وفي صحيح الحاكم، عن ابن عباس أن رسول الله ﵌ قال - لرجل وهو يعظه -: \"اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابَك قبل هَرَمِكَ، وصحتَك قَبْل سُقْمِك، وغناك قبل فقرك، وفراغَكَ قبل شُغْلِك، وحياتَك قبل مَوْتِكِ (^٢) \".\n• وقال غنيم بن قيس: \"كنا نتواعَظُ في أول الإسلام: ابن آدم! اعمل في فَراغك قبل شُغْلِك، وفي شبابك لكبرك، وفي صحتك لمرضك، وفي دنياك لآخرتك، وفي حياتك لموتك (^٣) \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1293>[بادروا ستًّا]:</span>\n• وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ٨١ - كتاب الرقاق: ١ - باب ما جاء في الرقاق وأن لا عيش؛ إلا عيش الآخرة ١١/ ٢٢٩ ح ٦٤١٢ بهذا اللفظ.\n(^٢) أخرجه الحاكم في المستدرك أوائل كتاب الرقاق ٤/ ٣٠٦ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\n(^٣) أورده أبو نعيم في الحلية ٦/ ٢٠٠.","vol":"3","page":1137},{"text":"\"بادروا بالأعمال ستًّا؛ طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصَّةَ أحدكم، أو أمرَ العامة\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1294>[سبعًا]:</span>\n• وفي الترمذي، عنه عن النبي ﵌ قال: \"بادروا بالأعمال سبعًا؛ هل تنظرون (^٢) إلا إلى فقرٍ منس، أو غنىً مُطِغٍ، أو مرضٍ مُفْسِدٍ، أو هَرَمٍ مُفْنِدٍ (^٣) أو موت مُجْهِزٍ، أو الدجال فشرُّ غائبٍ منتظر، أو الساعةِ؛ فالساعةُ أدْهَى وأمرّ؟ \" (^٤).\nوالمراد من هذا: أن هذه الأشياء كلّها تعوِّق عن الأعمال، فبعضُها يشغل عنه إما في خاصّة الإنسان كفقرِه، وغناه ومرضِهِ، وهَرَمِه وموته.\n_________\n(^١) أخرجه مسلم في صحيحه: ٥٢ كتاب الفتن: ٢٥ - باب في بقية من أحاديث الدجال ٤/ ٢٢٦٧ ح ١٢٨ - (٢٩٤٧) وفي \"ا\": \"ستة\".\n(^٢) في م: \"تنتظرون\" وما أثبتناه عن الأصول هو الموافق لما في الترمذي (الهندية) وفي المصرية: هل تنتظرون إلا فقرًا .. إلخ، وهو مخالف لما في الهندية.\n(^٣) قال ابن الأثير: الفَنَد في الأصل: الكذب، وأفند: تكلم بالفند، ثم قالوا للشيخ إذا هرم: قد أفند؛ لأنه يتكلم بالمحرف من الكلام عن سنن الصحة، وأفنده الكبر إذا أوقعه في الفند.\nوالمفَنَّد هو: الذي لا فائدة في كلامه لكبر أصابه.\nوالهرم المفند يمكن إذًا أن يكون مأخذه عن الإفناد أو من التفنيد فيضبط بالوجهين.\nراجع النهاية ٣/ ٤٧٤ - ٤٧٥ وقد ضبط في أ بتشديد النون مع فتحها وكسرها.\n(^٤) أخرجه الترمذي في: ٣٧ - كتاب الزهد: ٣ - باب ما جاء في المبادرة بالعمل ٤/ ٥٥٢ ح ٢٣٠٦.\nوفي الأصول والمطبوعة: والساعة أو هي، وما أثبتناه؛ فهو عند الترمذي في النسختين وانظر الهندية ٣/ ٢٥٧ وقد عقب الترمذي بقوله:\nهذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث الأعوج عن أبي هريرة؛ إلا من حديث محرز بن هارون.\nوقد روى بشر بن عمر وغيره عن محرز بن هارون هذا.\nوقد روى معمر هذا الحديث، عمن سمع سعيدًا المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - نحوه وقال: \"تنتظرون\".\nأقول: وهذا مما يؤكد أنها في الرواية: \"تنظرون\".\nوأن ما ذكره في المطبوعة والمصرية \"تنتظرون\" تحريف.\nبقى أن نقول: إن قوله: \"وقال: تنتظرون\" ليس في الهندية، ولم يشر إليه في التحفة. وأما محرز بن هارون فقد ضبطه المباركفوري بضم الميم، سكون الحاء المهملة، وكسر الراء، وبالزاي، وذكر عن الخلاصة ما ضبطه به عبد الغني، وابن أبي حاتم، وأن البخاري ضبطه بمهملتين براءين وزن محمد على الصحيح، وأن ابن حجر في التقريب والتهذيب ذكر عن البخاري والنسائي أنه منكر الحديث ثم قال: متروك من السابعة. ولعل تحسين الترمذي لحديثه مؤسس على أمرين:\nالأول: ما ثبت من أن الثقات كبشر بن عمر وغيره قد رووا عن محرز بن هارون الذي يعل الحديث به.\nوالثاني: أن للحديث شاهدًا من حديث أبي هريرة، رواه معمر، عَمَّن سمع سعيد المقبري، عن أبي هريرة.","vol":"3","page":1138},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1295>[وفتنًا كقطع الليل]:</span>\nوبعضها عام كقيام الساعة، وخروج الدجّال، وكذلك الفتن المزعجة كما جاء في حديحث آخر: \"بادروا بالأعمال فتنًا كَقِطع الليل المظْلِم\" (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1296>[ما لا ينفع بعده عمل]:</span>\nوبعض هذه الأمور العامة لا ينفع بعدها عمل كما قال تعالى ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (^٢).\nوفي الصحيحين (^٣) عن أبي هريرة عن النبي ﵌ قال:\n\"لا تقوم الساعةُ حتى تطلع الشمسُ من مَغْرِبها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنُوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسًا إيمانُها لم تكن آمنتْ مِن قَبْلُ أوْ كَسَبَتْ في إيمانِها خيرًا\".\n_________\n(^١) كما في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه: ١ - كتاب الإيمان: ٥١ - باب الحث على المبادرة بالأعمال قبل تظاهر الفتن ١/ ١١٠ ح ١٨٦ - (١١٨) من حديث أبي هريرة - ﵁ -: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويمسي كافرًا، أو يمسى مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا\".\nومن حديث أبي هريرة أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٣٠٣ - ٣٠٤، ٥٢٣ (الحلبي) وفي آخره في الموضعين: \"بعرض من الدنيا قليل\".\nوالترمذي في السنن: ٣٤ - كتاب الفتن: ٣٠ - باب ما جاء ستكون فتن كقطع الليل المظلم ٤/ ٤٨٧ ح ٢١٩٥ بنحو ما عند مسلم وقال: هذا حديث حسن صحيح.\n(^٢) سورة الأنعام: ١٥٨.\n(^٣) أخرجه البخاري في: ٦٥ - كتاب التفسير: ٩ - باب (قل هلم شهداءكم ٨/ ٢٩٦ - ٢٩٧ ح ٤٦٣٥). و: ١٠ - باب لا ينفع نفسًا إيمانها ٨/ ٢٩٧ ح ٤٦٣٦.\nوفي: ٨١ - كتاب الرقاق: ٤٠ - باب حدثنا أبو اليمان ١١/ ٣٥٢ - ٦٥٠٦.\nوفي الموضع الأول رواه مختصرًا إلى قوله: \"إيمانها\" وفي الموضع الثاني زاد قوله: ثم قرأ الآية، وفي الثالث روى الحديث تامًا عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال:\nلا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت فرآها الناس آمنوا أجمعون، فذاك حين لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا، ولَتَقُومَنَّ الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه؛ فلا يسقى فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها\".\nورواه مسلم في: ١ - كتاب الإيمان: ٧٢ - باب الزمن الذي لا يقبل فيه الإيمان ١/ ١٣٧ ح ٢٤٨ - (١٥٧) من حديث أبي هريرة بنحو شطره الأول إلى آخر الآية.\nوأشار إلى روايته من وجوه أخرى عديدة.","vol":"3","page":1139},{"text":"وفي صحيح مسلم عنه عن النبي ﵌ قال:\n• \"ثلاث إذا خرجْنَ لم ينفعْ نفسًا إيمانُها لم تكن آمنت من قبل أو كسبتْ في إيمانِهَا خيرًا: طلوعُ الشمس من مغربها، والدَّجالُ، ودابةُ الأرض\" (^١).\n• وفيه أيضًا عنه، عن النبي - ﷺ - قال:\n• \"من تابَ قبلَ أن تطلُعَ الشمسُ من مغربها؛ تابَ الله عليه\" (^٢).\n• وعن أبي موسى، عن النبي ﵌ قال: \"إن الله - ﷿ - يبسط يده بالليل؛ ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار؛ ليتوب مسيء الليل، حتى تطلعَ الشمس من مغربها\" (^٣).\n* * *\nوخرج الإمام أحمد (^٤) والنسائي (^٥) والترمذي (^٦) وابن ماجه (^٧) من حديث صفوان بن عسال، عن النبي ﵌ قال: \"إن الله فتح بابًا قِبَلَ المغرب\n_________\n(^١) أخرجه مسلم بهذا النص عقب الحديث السابق، من حديث أبي هريرة.\n(^٢) أخرجه مسلم في: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: ١٢ - باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه ٤/ ٢٠٧٦ ح ٤٣ - (٢٧٠٣) من رواية هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة، بالنص المذكور.\n(^٣) أخرجه مسلم في: ٤٩ - كتاب التوبة: باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة ٤/ ٢١١٣ ح ٣١ - (٢٧٥٩) من حديث أبي موسى بالنص المذكور.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٢٤٠ (الحلبي) رواية عن عبد الرزاق، عن معمر، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن صفوان بن عسال المرادي - ﵁ - قال: وسمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\n\"إن بالمغرب بابًا مفتوحًا للتوبة مسيرته سبعون سنة لا يغلق حتى تطلع الشمس من نحوه\".\nوأخرجه عقبه من وجهين آخرين ولفظ الأول: إن من قبل الغرب لبابًا مسيرة عرضه سبعون أو أربعون عامًا فتحه الله - ﷿ - للتوبة يوم خلق السماوات والأرض ولا يغلقه حتى تطلع الشمس منه. ولفظ الثاني: إن الله - ﷿ - جعل بالمغرب بابًا مسيرة عرضه سبعون عامًا للتوبة لا يغلق ما لم تطلع الشمس من قبله، وذلك قول الله - ﷿ -: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا﴾.\n(^٥) في التفسير في الكبرى كما في التحفة ٤/ ١٩٢.\n(^٦) في السنن: ٤٩ - كتاب الدعوات: ٩٩ - باب فضل التوبة وما ذكر من رحمة الله بعباده ٥/ ٥٤٥ ح ٣٥٣٥ بسياقه مطولًا من رواية ابن أبي عمر، عن سفيان بن عيينة، ومن رواية أحمد بن عبدة الضبي كلاهما، عن عاصم بن أبي النجود، عن زر بن حبيش، عن صفوان.\nوفي آخر كل منهما حديث التوبة بنحو ما تقدم.\nوقد عقب على كل منهما: أنه حديث حسن صحيح.\n(^٧) أخرجه ابن ماجه في السنن: ٣٦ - كتاب الفتن: ٣٢ - باب طلوع الشمس من مغربها ٢/ ١٣٥٣ ح ٤٠٧٠ بنحو ما عند أحمد في الموضعين الأخيرين.","vol":"3","page":1140},{"text":"عرضه سبعون عامًا للتوبة، ثم لا يغلق حتى تطلع الشمس منه\".\n• وفي المسند (^١) عن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عمرو ومُعاوية، عن النبي ﵌ قال: \"لا تزالُ التوبةُ مقبولةً حتى تَطْلُعَ الشمسُ من المغربِ فإذا طلعت طُبِعَ على كل قلب بما فيه، وكُفِي الناسُ العمل\".\n• ورُوي عن عائشة قالت: \"إذا خرج أول الآيات طُرِحت الأقلام، وحُبِست الحفَظة، وشهدت الأجساد على الأعمال\".\n• خرجه ابن جرير الطبري (^٢).\nوكذا قال كثير بن مرة ويزيد بن شريح وغيرهما من السلف: \"إذا طلعت الشمس من مغربها طبع على القلوب بما فيها، وترفع الحفظة الأعمال، وتؤمر الملائكة أن لا يكتبوا عملًا\".\n• وقال سفيان الثوري: \"إذا طلعت الشمس من مغربها طوَت الملائكة صحائفَها، ووضعت أقلامَها\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1297>[وجوب المبادرة بالأعمال الصالحة]:</span>\n• فالواجب على المؤمن المبادرة بالأعمال الصالحة قبل أن لا يقدَر عليها، ويحالَ بينه وبينها؛ إما بمرض أو موت أو بأن يدركه بعضُ هذه الآيات التي لا يُقْبلُ معها عملٌ.\nقال أبو حازم: \"إنّ بضاعة الآخرة كاسدة يوشك أن تنفَق، فلا يوصَل منها إلى قليل ولا كثير\".\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ١٣٣ - ١٣٤ (المعارف) من رواية الحكم بن نافع، عن إسماعيل بن عياش، عن ضمضم بن زرعة، عن شريح بن عبيد، يرده إلى مالك بن يُخامِر، عن ابن السعدي: أن النبي - ﷺ - قال: لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل، فقال معاوية، وعبد الرحمن بن عوف، وعبد الله بن عمرو بن العاص: إن النبي - ﷺ - قال:\n\"إن الهجرة خصلتان: إحداهما أن تهجر السيئات، والأخرى: أن تهاجر إلى الله ورسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تقبلت التوبة ولا تزال التوبة … الحديث\".\nوذكر محققه الشيخ أحمد شاكر أن إسناده صحيح وأورد رواية الهيثمي للحديث في مجمع الزوائد ٥/ ٢٥٠ - ٢٥١ عن أحمد والطبراني في الأوسط والصغير من غير ذكر حديث ابن السعدي، ثم ذكر أن رجال أحمد ثقات.\n(^٢) في التفسير ١٢/ ٢٦٥ ح ١٤٢٤٦ بإسناد صحيح كما ذكر محققه.","vol":"3","page":1141},{"text":"ومتى حيل بين الإنسان والعمل لم يبق له؛ إلا الحسرة والأسف عليه، ويتمنى الرجوع إلى حال يتمكَّن فيها من العمل؛ فلا تنفعه الأمنية.\n• قال تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧) أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^١) وقال تعالى ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (^٢) وقال - ﷿ -: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ (^٣).\n• وفي الترمذي، عن أبي هريرة مرفوعًا: \"ما من ميت يموتُ إلا ندم قالوا: وما نَدَامَتُه؟ يا رسول الله! (^٤) قال: إنْ كان مُحسِنًا ندمَ (^٥) أن لا يكونَ ازدادَ، وإن كان مسيئًا ندم (^٦) أن لا يكون استعتب\" (^٧).\nفإذا كان الأمر على هذا فيتعين على المؤمن اغتنام ما بقى من عمره.\nولهذا قيل: إن بقية عمر المؤمن لا قيمة له.\n• وقال سعيد بن جبير: \"كُلُّ يومٍ يعيشُه المؤمنُ غَنيمَةٌ\".\n• وقال بكر المزني: مَا مِنْ يومٍ أخرجَهُ الله إلى الدنيا؛ إلا يقول: يا ابنَ آدم! اغتنمني\n_________\n(^١) سورة الزمر: ٥٤ - ٥٨.\n(^٢) سورة المؤمنون: ٩٩ - ١٠٠.\n(^٣) سورة المنافقون ١٠ - ١١. وانظر الحجة في القراءات ص ٧١٠ فقد قرئ قوله تعالى: (وأكون) بالجزم أيضًا.\n(^٤) من الترمذي.\n(^٥) ليست في \"ا\".\n(^٦) ليست في \"ا\".\n(^٧) أخرجه الترمذي في السنن: ٣٧ - كتاب الزهد: ٥٨ - باب حدثنا محمد بن حميد الرازي ٤/ ٦٠٤ ح ٦٤٠٣ من رواية سويد بن نصر، عن ابن المبارك، عن يحيى بن عبيد الله قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبا هريرة يقول:، فذكره وفي آخره: ندم أن لا يكون نزع.\nقال أبو عيسى: هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه، ويحيى بن عبيد الله قد تكلم فيه شعبة، وهو يحيى بن عبيد الله بن موهب، مدني.\nوهذا - إذًا - إشارة إلى ضعف إسناد الحديث.\nوقد أورده الشيخ ناصر الألباني في ضعيف الجامع الصغير ٥/ ١٠٩.","vol":"3","page":1142},{"text":"لعله لا يومَ بَعْدِي، ولا ليلة؛ إلا تُنادي: ابنَ آدم! اغتنمني لعله لا ليلةَ لكَ بعْدِي.\nولبعضهم (^١):\nاغتنم في الفراغ فضلَ ركوعٍ … فعسى أن يكونَ موتُكَ بغتهْ\nكم صحيح رأيت من غَيْرِ سُقْمٍ … ذَهَبَتْ نفسُه الصحيحة فَلْتَهْ؟!\nولمحمود الوراق.\nمضى أمسُك الماضي شهيدًا معدَّلًا … وأَعقبه يومٌ عليكَ جديدُ\nفإن كنتَ بالأمس اقترفتَ إساءةً … فثنِّ بِإحْسَانٍ وأنتَ حَمِيدُ\nفيومُك إنْ أَعتَبتَهُ عادَ نفعُه … عليكَ وماضي الأمس لَيْسَ يعودُ\nولا تُرْجِ فِعْلَ الخيرِ يَوْمًا إلى غَدٍ … لَعَلّ غَدًا يأتِي وَأنْتَ فَقِيدُ\n* * *\n_________\n(^١) هو أبو عبد الله البخاري صاحب الصحيح، قال السبكي في طبقات الشافعية ٢/ ٢٣٥: قال الحاكم أبو عبد الله ومن شعر البخاري، قرأت بخط أبي عمر والمستملي، وأنشد البخاري: وساق البيتين.","vol":"3","page":1143},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1298>الحديث الحادي والأربعون</span>\nعَنْ أَبِي مُحمَّدٍ: عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ - ﵄ - قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ - ﷺ -:\n\"لا يُؤمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ\".\nقال الشيخ - ﵀ - حديث حَسَنٌ صَحِيحٌ رُوِّيْنَاهُ في كِتَابِ الحُجَّةِ بإسْنَادٍ صَحِيحٍ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1299>[تخريج الحديث]:</span>\n• يريد بصاحب كتاب الحجة: الشيخ أبا الفتح: نصر بن إبراهيم المقدسي الشافعي الفقيه الزاهد، نزيل دمشق. وكتابه هذا هو كتابُ \"الحجة على تارك المحجة\" يتضمن ذِكْر أصول الدين، على قواعد أهل الحديث والسنة.\n• وقد خرّج هذا الحديثَ الحافظُ أبو نُعيم في كتاب \"الأربعين\" وشرط في أولها أن تكون من صحاح الأخبار، وجياد الآثار، مما أجمع الناقلونَ على عدالة ناقليه، وخرَّجته الأئمة في مسانيدهم، ثم خرجه عن الطبراني:\n• حدثنا أبو زيد: عبد الرحمن بن حاتم المرادي، حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عُقْبةَ بنِ أوس، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﵌: \"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به، لا يزيغ عنه (^١) \".\n• ورواه الحافظ أبو بكر بن أبي عاصم الأصبهاني، عن ابن واره، عن نعيم بن حماد، حدثنا عبد الوهاب الثقفي، حدثنا بعض مشيختنا: هشام أو غيره، عن ابن سيرين فذكره وليس عنده: \"لا يزيغ عنه\".\n• قال الحافظ أبو موسى المديني: هذا الحديث مختلَف فيه على نُعيم، وقيل فيه:\n_________\n(^١) أورده ابن أبي عاصم في السنة ١/ ١٢ ح ١٥ من طريق نعيم بن حماد - به - وضعفه الشيخ ناصر محققه بنعيم وانظر تخريجه بهامشه. لكن أورده الحافظ ابن حجر في الفتح ١٣/ ٢٨٩ من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح وقال: \"أخرجه الحسن بن سفيان وغيره، ورجاله ثقات، وصححه النووي في آخر الأربعين\" وهو يعني هذا الموطن.\nوستأتي الإشارة إلى هذا.","vol":"3","page":1145},{"text":"حدثنا بعض مشيختنا، حدثنا هشام أو غيره.\n• قلت: تصحيح هذا الحديث بعيدٌ جدًّا من وجوه، منها:\nأنه حديث يتفرد به نعيم بن حماد المروزي، ونعيم هذا - وإن كان وثقه جماعة من الأئمة وخرّج له البخاري، فإن أئمةَ الحديث كانوا يحسنون به الظن؛ لصلابته في السنة، وتشدّده في الرد على أهل الأهواء، وكانوا يَنْسُبونه إلى أنه يهم، ويُشَبَّه عليه في بعض الأحاديث، فلما كثر عثُورهم على مناكيره، حكموا عليه بالضعف. فروى صالح بن محمد الحافظ، عن ابن معين؛ أنه سُئِل عنه فقال: ليس بشيء، ولكنه صاحب سنة.\nقال صالح: وكان يحدِّث من حفظه، وعنده مناكير كثيرة لا يتابَع عليها.\nوقال أبو داود: عند نُعيم نحوُ عشرين حديثًا عن النبي ﵌ ليس لها أصل.\nوقال النسائي: ضعيفٌ، وقال مرة: ليس بثقة، وقال مرة: قد كثر تفرّده عن الأئمة المعروفين في أحاديث كثيرة؛ فصار في حَدِّ مَنْ لا يُحْتَجُّ به.\nوقال أبو زرعة الدمشقي: يصل أحاديث يوقفها الناس.\nيعني أنه يرفع الموقوفات.\nوقال أبو عروبة الحرّاني: هو مظلم الأمر.\n• وقال أبو سعيد بن يونس: روى أحاديث مناكير عن الثقات.\nونسبه آخرون إلى أنه كان يضعُ الحديث (^١) وأين كان أصحابُ عبد الوهاب\n_________\n(^١) روى ابن عدي في الكامل ٧/ ١٦ أنه كان يضع الحديث في تقوية السنة.\nوليس هذا مبررًا للوضع، لكن كانت هذه هي دائرة وضعه للحديث.\nثم أخذت عليه أحاديث ذكرها ابن عدي في ترجمته في الموضع السابق ليس هذا الحديث منها، ثم عقب عليها بقوله: ولنعيم بن حماد غير ما ذكرت، وقد أثنى عليه قوم، وضعفه قوم. وكان ممن يتصلب في السُّنة، ومات في محنة القرآن في الحبس، وعامةُ ما أنكر عليه هو هذا الذي ذكرته، وأرجو أن يكون باقي حديثه مستقيمًا.\nولعله لهذا روى عنه البخاري مقرونًا بغيره، وروى له الباقون سوى النسائي بواسطة الحسن بن علي الحلواني، ويحيى بن معين، وأبو زرعة الدمشقي وغيرهم.\nوقد وثقه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والعجلي، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ ووهم. =","vol":"3","page":1146},{"text":"الثقفي، وأصحاب هشام بن حسان، وأصحاب ابن سيرين عن هذا الحديث حتى يتفرد (^١) به نعيم؟!\n• ومنها أنه قد اختلف على نُعيم في إسناده:\n• فروى عنه، عن الثقفي، عن هشام.\n• وروى عنه عن الثقفي: حدثنا بعض مشيختنا: هشام أو غيره.\nوعلى هذه الرواية فيكون الشيخ الثقفي غيرَ معروف عَيْنُه (^٢).\n• وروى عنه عن الثقفي: حدثنا بعض مشيختنا، حدثنا هشام أو غيره.\nوعلى هذه الرواية، فالثقفي رواه عن شيخ مجهول، وشيخه رواه عن غير معين، فتزداد الجهالة في إسناده.\n• ومنها أن في إسناده عقبة بن أوس السَّدوسِي البصري.\nويقال: فيه يعقوب بن أوس أيضًا.\n• وقد خرج له أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، حديثًا عن عبد الله بن عمرو.\n_________\n= وقد أورد ابن حجر أقوال الموثقين له، والمجرحين فيه، ثم قال: وأما نعيم، فقد ثبتت عدالته وصدقه، ولكن في حديثه أوهام معروفة، وقد قال فيه الدارقطني:\nإمام في السنة، كثير الوهم.\nوقال أبو أحمد الحاكم: ربما يخالف في بعض حديثه.\nوقد مضى أن ابن عدي يتتبع ما وهم فيه.\nفهذا فصل القول فيه.\nوقد عثرت على نص صريح من ابن حجر بشأن درجة الحديث أورده في فتح الباري ١٣/ ٢٨٩ قال - ﵀ -: \"وأخرج البيهقي في المدخل، وابن عبد البر في بيان العلم عن جماعة من التابعين كالحسن، وابن سيرين، وشريح، والشعبي، والنخعي، بأسانيد جياد ذم القول بالرأي المجرد.\nويجمع ذلك كله حديث أبي هريرة: \"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به\".\nأخرجه الحسن بن سفيان وغيره، ورجاله ثقات، وقد صححه النووي في آخر الأربعين\".\nوكانت وفاة نعيم عام ٢٢٩.\nوانظر ترجمة نعيم في الثقات للعجلي ص ٤٥١ ت ١٦٩٥، والجرح والتعديل ٤/ ١/ ٤٦٣ - ٤٦٤، والكامل لابن عدي ٧/ ١٦ - ١٩، وتهذيب التهذيب ١٠/ ٤٥٨ - ٤٦٣ والتقريب ٢/ ٣٠٥، والتاريخ الكبير ٤/ ٢ / ١٠٠، وتاريخ بغداد ١٣/ ٣٠٦ - ٣١٤، وسير أعلام النبلاء ١٠/ ٥٩٥ - ٢١٦، والكاشف ٣/ ٢٠٧، وذكر أسماء من تكلم فيه وهو موثق للذهبي أيضًا ص ١٨٤ - ١٨٥، وتذكرة الحفاظ ٢/ ٤١٨.\n(^١) م: \"ينفرد\".\n(^٢) م: \"يكون الشيخ الثقفي غير معروف عنه\" وفيها تحريف واضح.","vol":"3","page":1147},{"text":"ويقال: عبد الله بن عُمَر.\nوقد اضطرَب في إسناده، وقد وثَّقه العجلي، وابنُ سعد وابنُ حبان.\n• وقال ابن خزيمة: روى عنه ابنُ سيرين مع جلالته.\nوقال ابن عبد البر: هو مجهول.\nوقال الغلابي في تاريخه: يزعمون أنه لم يسمع من عبد الله بن عمرو، وإنما يقول: قال عبد الله بن عَمرو فعلى هذا تكون رواياته عن عبد الله بن عمرو منقطعة، والله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1300>[معنى الحديث]:</span>\nوأما معنى الحديث فهو أن الإنسان لا يكونا مؤمنًا كامل الإيمان الواجب حتى تكون محبته تابعة لما جاء به الرسول - ﷺ - من الأوامر (^١) والنواهي وغيرها، فيحب ما أمر به، ويكْرَهُ ما نَهَى عنه.\n• وقد ورد القرآن بمثل هذا في غير موضع.\n• قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (^٢).\n• وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (^٣).\nوذم سبحانه من كره ما أحبه الله، وأحبَّ ما كَرهَهُ الله؛ قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (^٤) وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ (^٥) فالواجب على كل مؤمن أن يحبَّ ما أحبه الله محبةً توجِبُ له الإتيانَ بما وَجَب عليه منه؛ فإن زادت المحبةُ حتى أتى بما نُدب إليه منه كان ذلك فضلًا، وأن يكره ما كرهه الله تعالى كراهةً توجبُ له الكفَّ عما حَرَّم عليه منه.\n_________\n(^١) في م: \"وأما معنى الحديث من الأوامر\" وفيها سقط زهاء سطرين.\n(^٢) سورة النساء: ٦٥.\n(^٣) سورة الأحزاب: ٣٦.\n(^٤) سورة محمد: ٩.\n(^٥) سورة محمد: ٢٨.","vol":"3","page":1148},{"text":"فإن زادت الكراهة حتى أوجبت (^١) الكف عما كرهه تنزيهًا كان ذلك فضلًا.\n* * *\n• وقد ثبت في الصحيحين عنه ﵌ أنه قال: \"لا يؤمنُ أحَدُكُم حتى أكونَ أحبَّ إليه مِن نفْسِه وَوَلَدِهِ وأهلِهِ والناس أجمعين\" (^٢).\nفلا يكون المؤمن مؤمنًا حتى يقدمَ محبةَ الرسول على محبة جميع الخلق، ومحبةُ الرسول تابعةٌ لمحبّة مرسله - ﷿ -.\nوالمحبة الصحيحة تقتضي المتابعةَ والموافقة في حُبِّ المحبوبات، وبُغْضِ المكروهات؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (^٤).\nقال الحسن: قال أصحاب النبي ﵌ للنبي - ﷺ -: يا رسول الله! إِنا نحب ربَّنا حبًّا شديدًا؛ فأَحب الله أن يجعل لحبه عَلَمًا، فأنزل الله هذه الآية (^٥).\n• وفي الصحيحين عن النبي ﵌ قال: \"ثلاثٌ منْ كُنَّ فيهِ وجد حلاوَة الإيمان: أن يكون الله ورسولُه أحب إليه مما سِوَاهُمَا، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبّهُ إلا لله وأن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن (^٦) أنقذه الله منه كما يكرهُ أن يُلْقَى في\n_________\n(^١) \"ا\": \"أوجب\".\n(^٢) أخرجه البخاري في: ٢ - كتاب الإيمان: ٨ - باب حب الرسول من الإيمان ١/ ٥٨ ح ١٥.\nومسلم في: ١ - كتاب الإيمان: ١٦ - باب وجوب محبة رسول الله - ﷺ - أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين، وإطلاق عدم الإيمان على من لم يحبه هذه المحبة ١/ ٦٧ ح ٦٩ - (٤٤)، ٧٠ - (. . .). كلاهما من حديث أنس - ﵁ -.\nولفظ البخاري: \"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين\".\nوعند مسلم: … من ولده ووالده. . .\".\nوعنده كذلك: .. من أهله وماله .. \".\nوليس في أي منهما: \"من نفسه\" فلْيتأمَّل.\n(^٣) سورة التوبة: ٢٤.\n(^٤) سورة آل عمران: ٣١.\n(^٥) وعند ابن كثير ١/ ٣٥٨: وقال الحسن البصري وغيره من السلف: زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية.\n(^٦) \"ا\": \"بعد إذ أنقذه\". وكلاهما في الصحيحين.","vol":"3","page":1149},{"text":"النَّار\" (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-1301>[حب الله ورسوله وماذا يقتضيه؟]:</span>\nفمن أحب الله ورسولَه محبةً صادقة من قلبه أوجب له ذلك أن يحبَّ بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكرَهَ ما يكرهه الله ورسولُه، ويَرْضَى بما يرضى به الله ورسولُه، ويسخطَ ما يَسْخَطُه الله ورسوله، وأن يعملَ بجوارحه بمقتضى هذا الحبِّ والبغض، فإن عمل بجوارحه شيئًا يخالف ذلك بأن ارتكبَ بعضَ ما يكرهه الله ورسوله، أو تركَ بعضَ ما يحبّه الله ورسولُه، مع وجوبه والقدرة عليه، دل ذلك على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوبَ من ذلك ويرجعَ إلى تكميل المحبة الواجبة.\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ٢ - كتاب الإيمان: ٩ - باب حلاوة الإيمان ١/ ٦٠، وباب من كره أن يعود في الكفر كما يكره أن يلقى في النار من الإيمان ١/ ٧٢ ح ١٦، ٢١ وفي: ٧٨ - كتاب الأدب: ٤٢ - باب الحب في الله ١٠/ ٤٦٣ ح ٦٠٤١ وفي: ٨٩ - كتاب الإكراه: ١ - باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر ١٢/ ٣١٥ ح ٦٩٤١.\nولفظ الموضع الأول:\n\"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار\".\nوفي الموضع الثاني: … من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدًا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار\".\nوفي الموضع الثالث: \"لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا لله، وحتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله، وحتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما.\nوفي الرابع: بمثل الموضع الأول إلا أنه رواه في الأول عن محمد بن المثنى، وفي الرابع عن محمد بن عبد الله بن حوشب؛ كلاهما عن عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس.\nورواه مسلم في: ١ - كتاب الإيمان: ١٥ - باب بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان ١/ ٦٦ ح ٦٧ - (٤٣)، ٦٨ - (. . .) من وجوه عن أنس.\nولفظ الأول:\n\"ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار\".\nولفظ الثاني:\n\"ثلاث من كن فيه وجد طعم الإيمان: من كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان أن يبقى في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه\".\nولفظ الثالث:\nبنحوه غير أنه قال في آخره: \"من أن يرجع يهوديًّا أو نصرانيًّا\".\nوكلها في الصحيحين من حديث أنس.","vol":"3","page":1150},{"text":"قال أبو يعقوب النهرجوري (^١): \"كُلُّ مَن ادّعى محبةَ الله تعالى، ولم يوافق الله في أمره؛ فدعواه باطل، وكل محب ليس يخاف الله؛ فهو مغرور\".\nوقال يحيى بنُ معاذ: \"ليس بصادقٍ من ادَّعى محبةَ الله - ﷿ -، ولم يحفظ حدوده\".\n* * *\n• وسئل رُوَيْمٌ عن المحبة فقال: الموافقة في جميع الأحوال، وأنشد:\nولو قلتَ لي متْ متُّ سمعًا وطاعةً … وقلتُ لداعي الموتِ أهلًا ومرحبًا!!\nولبعض المتقدمين (^٢).\nتعصي الإله وأنتَ تزعمُ حبَّهُ … هذا لعمري في القياس شنيعُ؟!\nلو كان حبُّكَ صادقًا لأطعتَهُ … إنَّ المحِبَّ لمن يُحِبُّ مطيعُ؟!\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1302>[منشأ المعاصي]:</span>\nفجميع المعاصي، إنما (^٣) تنشأ من تقديم هوى النفوس على محبة الله ورسوله، وقد وصف الله المشركين باتباع الهوى في مواضعَ من كتابه فقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (^٤).\nوكذلك البدع: إنما تنشأ من تقديم الهوى على الشرع. ولهذا يسمى أهلُها أهلَ الأهواء.\n• وكذلك المعاصي: إنما تقعُ من تقديم الهوى على محبة الله ورسوله ومحبة (^٥) ما يحبه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1303>[واجب المؤمن في المحبة]:</span>\n• وكذلك حب الأشخاص: الواجبُ فيه أن يكون تبعًا لما جاء به الرسولُ - ﷺ -.\n_________\n(^١) ترجم له أبو نعيم في الحلية ١٠/ ٣٥٦ لكن لم يورد فيها هذا الأثر.\n(^٢) م: \"ولبعضهم\".\n(^٣) ليست في \"ا\".\n(^٤) سورة القصص: ٥٠.\n(^٥) \"ا\": \"محبة الله ومحبة ما يحبه\".","vol":"3","page":1151},{"text":"فيجب على المؤمن محبة الله، ومحبةُ مَنْ يحبُّه الله من الملائكة، والرسل، والأنبياء، والصديقين، والشهداء، والصالحين عمومًا.\nولهذا كان من علامات وجود حلاوة الإيمان؛ أن يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله، وتحرم موالاة أعداء الله، ومن يكْرهه الله عمومًا.\nوقد سبق ذكر ذلك في موضع آخر.\nوبهذا يكون الدين كله لله.\nومن أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله؛ فقد استكمل الإيمان.\n\n<span data-type='title' id=toc-1304>[حين تكون العلاقات على أساس الهوى]:</span>\n• ومن كان حبُّه وبغضُه وعطاؤهُ ومنعُه لهوى نفسه؛ كان ذلك نقصًا في إيمانه الواجب، فتجب (^١) عليه التوبة من ذلك، والرجوعُ إلى اتباع ما جاء به الرسول ﵌ من تقديم محبة الله ورسوله، وما فيه رضا الله ورسولِه، على هوى النفس ومراداتها كلها.\n• قال وهيب بن الورد: \"بلغنا - والله أعلم - أن موسى - ﵇ - قال: يا ربّ! أوصني، قال: أوصيك بي، قالها ثلاثًا، حتى قال في الآخرة: أوصيك بي أن لا يَعْرِضَ لك أمرٌ إلا آثرتَ فيه محبتي على ما سواها.\nفمن لم يفعل ذلك لم أزكّه ولم أرحمه (^٢) \".\n\n<span data-type='title' id=toc-1305>[معنى الهوى أظنها: عند الإطلاق]:</span>\n• والمعروف في استعمال الهوى عند الإطلاق أنه الميل إلى خلاف الحق كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (^٣).\nوقال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (^٤).\n• وقد يطلق الهوى بمعنى المحبة والميل مطلقًا فيدخل فيه الميلُ إلى الحق وغيره. وربما استعمل بمعنى محبة الحق خاصة والانقياد إليه.\n_________\n(^١) ب: م: \"فيجب\".\n(^٢) رواه أحمد في الزهد ١/ ١٢٧ بنحوه، وأبو نعيم في الحلية ٨/ ١٤١ - ١٤٢ بمثله.\n(^٣) سورة ص: ٢٦.\n(^٤) سورة النازعات: ٤٠، ٤١.","vol":"3","page":1152},{"text":"• وسئل صفوان بن عسال: هل سمعت من النبي ﵌ يذكر الهوى؟ فقال: سأله أعرابي عن الرجل يحب القوم ولم يلحق بهم فقال: \"المرء مع منْ أَحبَّ (^١) \".\nولما نزل قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (^٢) قالت عائشة للنبي ﵌: ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك (^٣).\n* * *\n• وقال عمر - ﵁ -: في قصة المشاورة في أسارى بدر فهوِيَ رسول الله ﵌، ما قال أبو بكر ولم يَهْوَ ما قلت (^٤).\n\n<span data-type='title' id=toc-1306>[الهوى في الحديث]:</span>\n• وهذا الحديث مما جاء استعمال الهوى فيه بمعنى المحبة المحمودة.\n• وقد وقع مثل ذلك في الآثار الإسرائيلية كثيرًا.\n• وكلام مشايخ القوم وإشاراتهم نظمًا ونثرًا يكثر فيها هذا الاستعمال.\n* * *\nومما يناسب معنى هذا الحديث من ذلك قول بعضهم.\nإن هواكَ الذي بقلبي … صَيَّرني سامعًا مطيعَا\nأخذت قلبي وغَمْضَ عيني … سلَبتنِي النومَ والهجوعَا\nفَذْر فؤادي وخُذْ رُقادِي … فقال؛ لا بلْ هُمَا جميعَا (^٥).\n_________\n(^١) رواه ابن حبان في صحيحه ح ١٣٢١ وفيه ذكر الهوى بسياق أتم ورواه الترمذي كذلك بإسناد حسن صحيح ح ٣٥٢٩.\n(^٢) سورة الأحزاب: ٥١.\n(^٣) أخرجه البخاري في: ٦٥ - كتاب التفسير: ٧ - باب ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ ٨/ ٥٢٤ - ٥٢٥ ح ٤٧٨٨ بالنص المذكور.\nوفي ٦٧ - كتاب النكاح: ٢٩ - باب هل للمرأة أن تهب نفسها لأحد ٩/ ١٦٤ ح ٥١١٣ بهذا النص؛ لكن شطر حديث فيه حديث عائشة عمن تهب نفسها.\nوأخرجه مسلم في: ١٧ - كتاب الرضاع: ١٤ - باب جواز هبتها نوبتها لضرتها ٢/ ١٠٨٥ ح ٤٩ - (١٤٦٤) نحو الموضع الثاني عند البخاري.\n(^٤) رواه مسلم في الجهاد والسير: باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم ٣/ ١٣٨٣ ح ٥٨ - (١٧٦٣) بسياقه تامًّا.\n(^٥) ليست في ب.","vol":"3","page":1153},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1307>الحديث الثاني والأربعون</span>\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مالِك ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ:\n\"قالَ اللهُ تَعَالَى: يَا ابْنَ آدَمَ! إِنَّكَ ما دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي، غَفَرْتُ لَكَ عَلَى ما كانَ مِنْكَ وَلا أُبَالي. يَا ابْنَ آدَمَ! لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ [ولا أبالي] (^١) يَا ابْن آدَمَ! إنَّكَ لَوْ أَتَيْتَني بِقُرَابِ الأَرْضِ خطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا، لأَتَيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً\". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُ وَقالَ: حَديثٌ حَسَنٌ [غريب] (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1308>[تخريج الحديث]:</span>\n• هذا الحديث تفرد به الترمذي (^٣).\n• خرجه من طريق كثير بن فائد، حدثنا سعيد بن عُبَيد، سمعت بكر بن عبد الله المزني يقول: حدَّثنا أنس، فذكره، وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه انتهى.\n• وإسناده لا بأس به.\n• وسعيد بن عبيد هو الهنائي، قال أبو حاتم: شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات. ومن زعم أنه غير الهنائي؛ فقد وهم.\n• وقال الدارقطني: تفرّد به كثير بن فائد عن سعيد مرفوعًا.\nورواه سَلْمُ بن قتيبة، عن سعيد بن عبيد، فوقفه على أنس.\n• قلت: قد روي عنه مرفوعًا وموقوفًا وتابعه على رفعه أيضًا أبو سعيد، مولى بني هاشم؛ فرواه عن سعيد بن عبيد مرفوعًا أيضًا.\nوقد روى أيضًا من حديث ثابت، عن أنس مرفوعًا، ولكن قال أبو حاتم: هو منكر.\n_________\n(^١) من الترمذي وفي \"ا\": \"ابن آدم … أتيتك\".\n(^٢) \"ا\"، ب: حديث حسن، م حديث حسن صحيح، وما أثبتناه من الترمذي، النسخة الهندية والتركية، وفي المصرية: هذا حديث غريب، وسيأتي من كلام ابن رجب ما يعضّد ما آثرناه.\n(^٣) وهو في سننه: ٤٩ - أبواب الدعوات: ١٠٦ باب غفران الذنوب مهما عظمت ٩/ ١٩٤ - ١٩٥ ح ٣٥٣٤ وعقب عليه بما ذكر.","vol":"3","page":1155},{"text":"• وقد روى أيضًا من حديث أبي ذر، خرجه الإمام أحمد من رواية شهر بن حوشب، عن معد يكرب، عن أبي ذرّ، عن النبي ﵌ يرويه عن ربِّه تعالى؛ فذكره بمعناه (^١).\n• ورواه بعضهم: عن شهر، عن عبد الرحمن بن غَنْم، عن أبي ذر، وقيل: عن شهر، عن أم الدرداء، عن أبي الدرداء، عن النبي - ﷺ - ولا يصح هذا القول.\nوروى من حديث ابن عباس، خرجه الطبراني من رواية قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي ﵌ (^٢).\n• وروى بعضه من وجوه أخر.\nفخرج مسلم في صحيحه من حديث معرور بن سويد، عن أبي ذر، عن النبي ﵌ قال: يقول الله تعالى: \"من تقرَّب مني شبرًا تقرَّبتُ منه ذراعًا، ومن تقرَّب مني ذراعًا تقرَّبْتُ منه باعًا، ومن أتاني يمشى أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يُشْرك بِي شيئًا لقيتُه بِقُرَابِها مغفرةً\" (^٣).\n• وخرجه الإمام أحمد من رواية أخشن السدوسي قال: \"دخلت على أنس فقال: سمعتُ رسولَ ﵌ يقول: والذي نفسي بيده لو أخطأتُم حتى تملأَ خطاياكُم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتُم الله لغَفَر لكم (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٧٢ (الحلبي).\n(^٢) أورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢١٨ - ٢١٩ عن الطبراني في الثلاثة وقال: فيه إبراهيم بن إسحق الصيني وقيس بن الربيع وكلاهما مختلف فيه وبقية رجاله رجال الصحيح.\n(^٣) أخرجه مسلم في: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: ٦ - باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله تعالى ٤/ ٢٠٦٨ ح ٢٢ (٢٦٨٧) من حديث المعرور، عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: يقول الله - ﷿ -: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد، ومن جاء بالسيئة فجزاؤه سيئة مثلها، أو أغفر، ومن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن لقيني بقراب الأرض [ما يقارب ملأها بضم القاف أو كسرها] خطيئة لا يشرك بي شيئًا، لقيته بمثلها مغفرة.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٢٣٨ (الحلبي) من رواية سريج بن النعمان، عن أبي عبيدة السدوسي، عن أخْشَن السدوسي، قال: دخلت على أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: والذي نفسي بيده أو قال: والذي نفس محمد بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله - ﷿ - لغفر لكم، والذي نفس محمد بيده أو والذي نفسي بيده لو لم تخطئوا لجاء الله - ﷿ - بقوم يخطئون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم\".\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ٢١٥ وقال: رواه أحمد وأبو يعلى ورجاله ثقات.","vol":"3","page":1156},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1309>[أسباب المغفرة]:</span>\nوقد تضمن حديث أنس المبدوء بذكره أن هذه الأسباب الثلاثة يحصل بها المغفرة.\n• أحدها: الدعاء مع الرَّجَاء؛ فإن الدعاءَ مأمورٌ به، ومَوْعُودٌ عليه بالإجابة كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.\nوفي السنن الأربعة عن النعمان بن بشير عن النبي ﵌ قال: \"إنّ الدُّعاءَ هو العبادة\" ثم تلا هذه الآية.\nوفي حديث آخر (^١) خرجه الطبراني مرفوعًا: \"من أُعْطِيَ الدعاءَ أعْطِيَ الإجابة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ (^٢).\nوفي حديث آخر: \"ما كان الله ليَفتحَ عَلَى عَبْدٍ بابَ الدّعاءِ، ويغلقَ عنه بابَ الإجابة\" (^٣).\nلكن الدعاءَ سببٌ مقتضٍ للإجابة مع استكمال شرائطه، وانتفاء موانعه.\nوقد تتخلّف إجابته (^٤) لانتفاءِ بعض شروطه أو وجود بعض موانعه (^٥).\nوقد سبق ذكر بعض شرائطه وموانعه وآدابه في شرح الحديث العاشر (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1310>[شرائط إجابة الدعاء]:</span>\n• ومن أعظم شرائطه حضورُ القلب، ورجاءُ الإجابة من الله تعالى؛ كما خرجه\n_________\n(^١) ليست في \"ا\"، ولا في ب.\n(^٢) أورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٥٢ من حديث ابن مسعود وقال: رواه الطبراني في الصغير والأوسط، وفيه محمود بن العباس وهو ضعيف والآية رقم ٦٠ من سورة غافر.\n(^٣) أورده الفتني في تذكرة الموضوعات ص ٥٦ وقال: لا أصل له وهو من رواية البلخي.\nوكذلك قال العقيلي في الكبير ١/ ٢٤١ وذكر أنه منكر الحديث وأورد له حديثين هذا أحدهما وقال: جميعًا غير محفوظين لا يتابع عليهما.\nوالعلة في الحديث من الحسن بن محمد البلخي؛ حيث يروى عنه، عن حميد الطويل، عن أنس.\nوالحسن البلخي وضَّاع وعامة أحاديثه مناكير.\nوهكذا أورد ابن عدي هذا الحديث ضمن أحاديث منكرة للحسن البلخي في ترجمته في الكامل ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣ ثم قال: والحسن بن محمد البلخي - هذا - لا أدري هل له من الحديث غير ما ذكرت أم لا؟ وإن روى عنه غير ما ذكرته؛ فإنه يكون قليلًا وكلها مناكير.\nولست أدري كيف أورد ابن رجب هذا الحديث الموضوع دون أن ينبه على وضعه أو نكارته؟!.\nوانظر في تنزيه الشريعة ٢/ ٣٢١.\n(^٤) م: \"الإجابة\".\n(^٥) م: \"موانعه وآدابه\" وذكر الكلمة الثانية لغو.\n(^٦) ص ٢٧٣.","vol":"3","page":1157},{"text":"الترمذي من حديث أبي هريرة - ﵁ - عن النبي ﵌ قال: \"ادعُوا الله وأنتم مُوقِنُونَ بالإجابة؛ فإن الله تعالى لا يقبل دعاءً من قلبٍ غافلٍ (^١) لاهٍ\".\n• وفي المسند عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵌ قال: \"إنَّ هذه القلوبَ أوعية فبعضُها أَوْعَى من بَعْضٍ، فإذا سألتم الله فاسألوهُ وأنتم موقنونَ بالإجابة؛ فإن الله لا يستجيب لعبد دعاء من ظهر قلب غافل (^٢) \".\n• ولهذا نُهي العبد أن يقول في دعائه: \"اللهم اغفر لي إن شئت\" ولكن ليعزم المسألة؛ فإن الله لا مُكرهَ له (^٣)، ونُهي أن يستعجل، ويترك الدعاء؛ لاستبطاء الإجابة، وجُعِل ذلك من موانع الإجابة؛ حتى لا يقطع العبد رجاءَهُ من إجابة دعائه، ولو طالت المدة؛ فإنه سبحانه يحبُّ الملحِّينَ في الدعاء.\n• وجاء في الآثار أن العبدَ إذا دعا ربَّه، وهو يحبه قال: يا جبريل! لا تعجل بقضاء حاجة عبدي؛ فإني أحب أن أسمع صوته، وقال تعالى: ﴿وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (^٤) فما دام العبد يلح في الدعاء، ويطمعُ في الإجابة من غير قطع الرجاء، فهو قريبٌ من الإجابة.\n• ومن أدمن قرع الباب يوشك أن يُفتح له.\n• وفي صحيح الحاكم عن أنس مرفوعًا \"لا تَعْجِزُوا عن الدعاء؛ فإنه لن يَهْلِكَ مع الدُّعاءِ أحدٌ (^٥) \".\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في السنن: ٤٩ - كتاب الدعوات: ٦٦ - باب حدثنا عبد الله بن معاوية ٥/ ٥١٧ - ٥١٨ ح ٣٤٧٩، من رواية عبد الله بن معاوية الجمحي، قال الترمذي وهو رجل صالح: عن صالح المرى، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكره وفيه: \" .. واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه؛ إلا من هذا الوجه، سمعت عباسًا العنبري يقول: اكتبوا عن عبد الله بن معاوية الجمحي؛ فإنه ثقة.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ١٠/ ١٤٠ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه الشيخ أحمد شاكر وإن كان قد نقل عن الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٤٨ أنه حسن إسناده، ويبدو أن هذا الاختلاف في الحكم مأتاه بكر بن عمرو المعافري، وابن لهيعة، وهما من رواة الحديث، وقد اعتمد الشيخ شاكر توثيقهما؛ أما الهيثمي فراعى الخلاف فيهما، وانظر ما علق به الشيخ أحمد شاكر في هذا الموضع.\n(^٣) حديث النهي المذكور رواه البخاري ٦٣٣٩، ٧٤٧٧، ومسلم ٢٦٧٨، ٢٦٧٩ من حديثي أنس وأبي هريرة.\n(^٤) سورة الأعراف: ٥٦.\n(^٥) ضعيف جدًّا: فهو من رواية عمر بن محمد بن صهبان الأسلمي، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول =","vol":"3","page":1158},{"text":"• ومن أهم ما يَسأل العبد ربّه مغفرةُ ذنوبه، أو ما يستلزم ذلك كالنجاة من النار، ودخول الجنة، وقد قال النبي ﵌ (^١)، \"حولها نُدَنْدِن\".\nيعني حول سؤال الجنة والنجاة من النار.\n• قال أبو مسلم الخولاني: \"ما عرضت لي دعوةٌ فذكرت النارَ؛ إلا صرفتُها إلى الاستعاذة منها\".\n• ومن رحمة الله تعالى بعبده أن العبدَ يدعوه بحاجةٍ من الدنيا، فيصرفُهَا عنه، ويعوضه خيرًا منها، إما أن يصرف عنه بذلك سوءًا أو يدخرها (^٢) له في الآخرة، أو يغفر له بها ذنبًا؛ كما في المسند والترمذي من حديث جابر عن النبي - ﷺ - قال:\n\"ما من أحد يدعو بدعاء؛ إلا آتاه الله ما سأل أو كفّ عنه من السوء مثلَه، ما لم\n_________\n= الله - ﷺ -: لا تعجزوا في الدعاء .. الحديث.\nوآفته من عمر بن محمد المذكور.\nهكذا ضعفه الشيخ ناصر الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ح ٨٤٣ ورد تصحيح الحاكم وابن حبان له.\nوأورده ابن عدي في الكامل ٥/ ١٣ - ١٤ وذكر أن عمر بن محمد هذا متروك الحديث وأن عامة أحاديثه مناكير. والعقيلي في الكبير ٣/ ١٨٨ - ١٨٩ وقال: عمر بن محمد، عن ثابت ولا يتابع عليه ولا يعرف إلا به.\nوقد أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٤٩٣ - ٤٩٤ من رواية عمر بن محمد الأسلمي، عن ثابت - به - بمثله. وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.\nورده الذهبي فقال: \"لا أعرف عمرًا؛ تعبت عليه\".\nوعمرو: هو عمرو بن محمد وليس عمرًا، وهو الذي ضعف الشيخ الحديث به تبعًا للعقيلي وابن عدي.\n(^١) أخرجه أبو داود في السنن: ٢ - كتاب الصلاة ١٢٧ - باب تخفيف الصلاة ١/ ٥٠١ ح ٧٩٢ من حديث أبي صالح عن بعض أصحاب النبي - ﷺ - قال: قال النبي - ﷺ - لرجل: \"كيف تقول في الصلاة؟ \" قال: أتشهد وأقول: اللهم إني أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، أما إني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ، فقال النبي - ﷺ -: \"حولها ندندن\".\nوأخرجه ابن ماجه في: ٥ - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها: ٢٦ - باب ما يقال في التشهد والصلاة على النبي - ﷺ - ١/ ٢٩٥ من رواية يوسف بن موسى القطان: عن جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: فذكره بمثله ح ٩١٠.\nوقد أورده البوصيري في مصباح الزجاجة ١/ ١٨٣ وقال هذا إسناد صحيح رجاله ثقات.\nوأخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٧٤ بمثل رواية أبي داود وإسناده، وابن خزيمة في صحيحه كتاب الصلاة: باب مسألة الله الجنة بعد التشهد وقبل التسليم والاستعاذة بالله من النار ١/ ٣٥٨ - ٣٥٩ ح ٧٢٥ من رواية جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وفيه قول النبي - ﷺ -: \"حولهما ندندن\" بالتثنية كما أوردها ابن رجب، وقد عقب ابن خزيمة بقوله: الدندنة: الكلام الذي لا يفهم\".\n(^٢) ب: \"أو أن يدخرها\".","vol":"3","page":1159},{"text":"يَدْعُ بإثْمٍ أو قطيعةِ رحم\" (^١).\n• وفي المسند وصحيح الحاكم عن أبي سعيد، عن النبي ﵌ قال: \"مَا مِنْ مُسْلمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ ليس له فيها إثمٌ أو قطيعةُ رَحِمٍ؛ إلا أعطاهُ الله بها إحْدَى ثَلاث: إما أن يُعجِّلَ له دعوتَهُ، وَإما أن يدَّخِرَهَا له في الآخرة، وإما أن يكْشِفَ عنه من السوءِ مثلَها\" قالوا: إذًا نُكْثِر؟ قال: \"الله أَكْثَرُ (^٢) \".\nوخرجه الطبراني.\nوعنده:\n\"أو يغفر له بها ذنبًا قد سلف\" بدل قوله: \"أو يكشفَ عنه من السوء (^٣) مثلَها\".\nوخرج الترمذي من حديث عبادة مرفوعًا نحو حديث أبي سعيد (^٤) أيضًا.\nوبكل حال فالإلحاح بالدعاء بالمغفرة مع رجاء الله تعالى موجب للمغفرة والله تعالى يقول: \"أنا عند ظن عبدي بي فَلْيَظُنَّ بِي ما شَاء\".\nوفي رواية \"فلا تَظُنّوا بالله إلَّا خيْرًا (^٥) \".\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي في: ٤٩ - كتاب الدعاء: ٩ - باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة ٥/ ٤٦٢ ح ٣٣٨١ وعقب عليه بقوله: وفي الباب عن أبي سعيد وعبادة بن الصامت، وأخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣٦٠ (الحلبي) وكلاهما من رواية قتيبة بن سعيد، عن ابن لهيعة، عن أبي الزيير، عن جابر، ولعل سكوت الترمذي عنه لوجود ابن لهيعة، وقد أورده الشيخ ناصر في صحيح الجامع الصغير وزيادته ٢/ ٩٩١ وحسنه.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ١٨ (الحلبي) من رواية أبي عامر، عن علي بن عليّ، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد فذكره بنحوه.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٤٩٣ من رواية أبي عبد الله الصفار، عن ابن أبي الدنيا، عن محمد بن يزيد، عن علي بن علي - به - بنحوه أيضًا وليس بنصه وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\n(^٣) أخرجه الطبراني في الصغير ٢/ ٣٦٤ ح ١٠٠٠ بنحو ما في المسند والمستدرك، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ١٠/ ١٤٨ من حديث أبي سعيد وقال: رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والبزار والطبراني في الأوسط ورجال أحمد وأبي يعلى وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح غير علي بن علي الرفاعي وهو ثقة.\n(^٤) أخرجه الترمذي في: ٤٩ - كتاب الدعوات: ١١٦ - باب انتظار الفرج وغير ذلك ٥/ ٥٦٦ - ٥٦٧ ح ٣٥٧٣ من رواية عبد الله بن عبد الرحمن، عن محمد بن يوسف، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير: أن عبادة بن الصامت حدثهم أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ما على الأرض مسلم يدعو الله بدعوة؛ إلا آتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم\" فقال رجل من القوم: إذًا نكثر؟ قال: \"الله أكثر\". وعقب الترمذي بقوله: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه.\nوابن ثوبان: هو عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان العابد الشامي.\nوحديث عبادة؛ هو ما أشار إليه الترمذي في الموضع السابق مع حديث جابر.\n(^٥) متفق عليه أخرجه البخاري في: ٩٧ - كتاب التوحيد ١٥ - باب قول الله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ =","vol":"3","page":1160},{"text":"ويروى من حديث سعيد بن جبير عن ابن عمر مرفوعًا \"يأتي الله تعالى بالمؤمن يوم القيامة، فيقرّبُهُ حتى يجعله في حِجَابِهِ مِنْ جميع الخلق، فيقول له: اقرأ فيعرّفُه ذَنْبًا ذَنْبًا أتعرف؟ أتعرف؟ فيقول: نعم! نعم! ثم يلتفتُ العبدُ يمنةً ويَسْرَةً فيقولُ الله تعالى: \"لا بأسَ عليك يا عبدي! أنتَ في سِتْرِي من جميع خَلْقِي، ليس بيني وبينك اليومَ\n_________\n= نَفْسَهُ﴾ [سورة آل عمران: ٢٨] وقوله جل ذكره: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [سورة المائدة: ١١٦] ١٣/ ٣٨٤ ح ٧٤٠٥ من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: يقول الله - ﷿ -:\n\"أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إليّ شبرًا تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إليّ ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة\".\nوانظر طرفيه رقم ٧٥٠٥، ٧٥٣٧.\nوقد أخرجه مسلم في: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ٤/ ٢٠٦١ ح - ٢ (٢٦٧٥) بنحوه، وقد مضى ص ١١٥٦.\nوانظره في المقاصد السنية في الأحاديث الإلهية لابن بلبان المقدسي ح ٣١ ص ٢١٧ - ٢١٨ بتحقيق محيي الدين مستو، والدكتور محمد العيد الخضراوي وانظر باقي تخريجه بهامشه.\nواللفظ المذكور لفظ حديث أبي هريرة وفيه الشطر الأول فحسب مما ساقه ابن رجب.\nأما نص ابن رجب الأول؛ فقد أورده ابن حبان في صحيحه كتاب الرقاق: باب حسن الظن بالله تعالى: ذكر الإخبار عما يجب على المرء من مجانبة سوء الظن بالله - ﷿ - وإن كثرت حياته في الدنيا ٢/ ١٥ من رواية واثلة بن الأسقع فذكره.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٢٤٠ أول كتاب التوبة والإنابة وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي على شرط مسلم.\nوأحمد في المسند ٣/ ٤٩١ (الحلبي) من رواية الوليد بن مسلم، عن الوليد بن سليمان، عن حبان أبي النضر قال: دخلت مع واثلة بن الأسقع على أبي الأسود الجرشي في مرضه الذي مات فيه؛ فسلم عليه وجلس، قال: فأخذ أبو الأسود يمين واثلة فمسح بها على عينيه ووجهه لبيعته بها رسول الله - ﷺ - فقال له واثلة: واحدة أسألك عنها؟ قال: وما هي؟ قال: كيف ظنك بربك؟ قال: فقال أبو الأسود وأشار برأسه، أي حسن! قال واثلة: أبشر؛ إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: قال الله - ﷿ -؛ فذكره.\nوأخرجه في ٤/ ١٠٦ من وجه آخر عن واثلة بمثله.\nورواه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله تعالى ص ١٦ - ١٧ رقم ٢ من وجه آخر عن واثلة وفيه: أن واثلة قال: ألا تخبرني عن شيء أسألك عنه؟ كيف ظنك بالله؟ قال: اعترتني ذنوبي وأشفيت على هلكتي؛ ولكني أرجو لرحمة الله - ﷿ -.\nقال: فكبر واثلة، وكبر أهل البيت بتكبيره، قال: الله أكبر؛ سمعت رسول الله - ﷺ - يقول. فذكره وذكر محققه أن إسناده صحيح.\nوانظر فيه باقي تخريجه، وفي الإتحاف ٩/ ١٦٩ و١٠/ ٢٧٧ وفيها وفي الإتحاف ٦٧ - ٧٣ إشارة إلى معنى الجزء الثاني من نص ابن رجب.","vol":"3","page":1161},{"text":"أحدٌ يطَّلعُ علَى ذنوبك غيري، اذْهَبْ فقد غفرتُها لك بحرفٍ واحد من جميع ما أتيتني به قال: ما هو يا رب؟!! قال: كُنْتَ لا ترجُو العفوَ مِنْ أحَدٍ غيري\" (^١).\nفمن أعظم أسباب المغفرة: أن العبد إذا أذنبَ ذنبًا لم يرجُ مغفرته من غير ربه، ويعلم أنه لا يغفر الذنوبَ، ويأخذ بها غيرُه.\nوقد سبق ذكر ذلك في شرح حديث أبي ذرّ: \"يا عبادي! إني حرمت الظلم على نفسي … الحديث.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1311>[إنك ما دعوتني ورجوتني]:</span>\nوقوله: \"إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك ما كان منك ولا أبالي\".\nيعني على كثرة ذنوبك وخطاياك، ولا يتعاظمني ذلك، ولا أسْتَكْثِرُه.\nوفي الصحيح عن النبي ﵌ قال: \"إذا دعا أحدكم فلْيُعْظِمْ الرغبةَ؛ فإن الله لا يتعاظمه شيء (^٢).\nفذنوبُ العبادِ (^٣) وإن عظمتْ؛ فإن عفوَ الله ومغفرته أعظمُ منها وأعظم، فهي صغيرة في جنب عفو الله ومغفرته.\nوفي صحيح الحاكم عن جابر أن رجلًا جاء إلى النبي ﵌ وهو يقول: واذُنُوبَاهُ! مرتين أو ثلاثًا فقال له النبي ﵌: \"قل: اللهم مغفرتُكَ أوسعُ من ذنوبي، ورحمتُك أرجَى عندي مِنْ عَمَلي\" فقالها، ثم قال له: \"عُد\" فعاد، ثم قال له: \"عد\" فعاد، فقال له: \"قم؛ فقد غفر الله لك (^٤) \".\n* * *\n_________\n(^١) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٧/ ٣٧ بنحوه عن الطبراني من حديث ابن عمر، وقال: فيه القاسم بن بهرام، وهو ضعيف.\n(^٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب الرقائق: باب الأدعية ذكر العلة التي من أجلها أمر المرء بتفويض الأمور كلها إلى بارئه مع سؤاله إياه الدِّق والجل من أسبابه ٢/ ١٢٧، من حديث أبي هريرة بالنص المذكور.\n(^٣) م: \"العبد\".\n(^٤) أخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٥٤٣ - ٥٤٤ من حديث جابر، وفيه: \"فقالها ثم قال: عد فعاد، ثم قال: عد فعاد، فقال: قم؛ فقد غفر الله لك\".\nوعقب الحاكم بقوله: حديث رواته عن آخرهم مدنيون ممن لا يعرف واحد منهم بجرح ولم يخرجاه.\nوعلق الذهبي بقوله: سمعه إبراهيم بن المنذر منه، وهم مدنيون لم يجرحوا.","vol":"3","page":1162},{"text":"وفي هذا المعنى (^١) يقول بعضهم:\nيا كَبيرَ الذنب عفو … الله من ذنبك أكبر\nذنبك أعظم الأشياء في … جَانب عفو الله يَصْغُر\nوقال آخر:\nيا ربّ! إن عظمت ذنوبي كثْرةً … فلقد علمتُ بأنَّ عفوَك أعظمُ\nإن كَانَ لا يَرْجُوكَ إلا مُحْسِنٌ … فمن الذي يدعو ويرجُو المجرمُ؟\nمالي إليكَ وسيلةٌ إلا الرجَا … وجميل عفوك، ثم أَنِّيَ مُسْلِمُ؟\n• السبب الثاني للمغفرة:\nالاستغفار:\nولو عظمت الذنوب، وبلغت الكثرة عَنَانَ السماء، وهو السحاب وقيل ما انتهى إليه البصر منها، وفي الرواية الأخرى: لو أخطأتم حتى بلغت خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله لغفر لكم.\nوالاستغفار طلبُ المغفرة.\nوالمغفرة: هي وقاية شر الذنوب مع سترها.\nوقد كثر في القرآن ذكر الاستغفار.\n• فتارة يؤمر به.\nكقوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (^٢)، وقوله: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ﴾ (^٣).\n• وتارة يُمدحُ أهلُه.\nكقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ (^٤) ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ (^٥).\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) ليست في \"ا\"، ولا في ب.\n(^٢) سورة البقرة: ١٩٩.\n(^٣) سورة هود: ٣.\n(^٤) سورة آل عمران: ١٧.\n(^٥) سورة الذاريات: ١٨.\n(^٦) سورة آل عمران: ١٣٥.","vol":"3","page":1163},{"text":"• وتارة يُذكَر أن الله يغفر لمن استغفره.\nكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (^١).\nوكثيرًا ما يُقْرَن الاستغفارُ بذكر التوبة؛ فيكون الاستغفار حينئذ عبارةً عن طلب المغفرة باللسان، والتوبةُ عبَارةً عن الإقلاع عن الذنوب بالقلبِ والجوارح.\n• وتارة يفرد الاستغفار ويرتب عليه المغفرة.\nكما ذكر في هذا الحديث وما أشبهه؛ فقد قيل: إنه أريد به الاستغفار المقتَرنُ بالتوبة.\nوقيل: إن نصوص الاستغفار المفردة كلها مطلقة تقيد بما ذكر في آية آل عمران من عدم الإصرار؛ فإن الله - ﷿ - وعد فيها بالمغفرة لمن استغفره من ذنوبه، ولم يُصرَّ على فعله.\nفتحمل النصوص المطلقة في الاستغفار كلها على هذا المقيد.\nومجرد قول القائل: اللهم اغفر لي طلب منه للمغفرة ودُعَاءٌ بها، فيكون حكمه حكم سائر الدعاء، فإن شاء الله أجابه وغفر لصاحبه، لا سيما إذا خرج عن قلب منكسر بالذنب (^٢) أو صادف ساعة من ساعات الإجابة؛ كالأسحار وأدبار الصلوات.\n• ويروى عن لقمان - ﵇ - أنه قال لابنه: \"يا بنيَّ! عوِّد لسانك: اللهم! اغفر لي؛ فإن لله ساعات لا يردُّ فيها سائلًا (^٣) \".\n• وقال الحسن: أكثروا من الاستغفار في بيوتكم، وعلى موائدكم، وفي طرقكم، وفي أسواقكم، وفي مجالسكم، وأينما كنتم؛ فإنكم ما تدرون متى تنزل المغفرة.\n• وخرّج ابن أبي الدنيا في كتاب \"حُسْنُ الظَّنِّ\" من حديث أبي هريرة مرفوعًا (^٤) بينما رجل مستلق إذ نظر إلى السماء (^٥) وإلى النجوم فقال: إني لأعلم (^٦) أن لكِ ربًّا خالقًا اللهم! اغفر لي؛ فغفر له (^٧).\n• وعن مورق قال: كان رجلٌ يعمل السيئاتِ فخرج إلى البَرِّيَة، فجمع ترابًا،\n_________\n(^١) سورة النساء: ١١٠.\n(^٢) م: \"بالذنوب\".\n(^٣) حسن الظن بالله ص ٩٣ ح ١١٩.\n(^٤) م: \"بينما\" وما أثبتناه عن \"ا\" هو الموافق لما عند ابن أبي الدنيا.\n(^٥) سقطت من ب.\n(^٦) في حسن الظن: \"أعلم\".\n(^٧) أخرجه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله ص ٨٧ ح ١٠٧ عن يحيى بن يوسف الزَّمي عن عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة.\nوإسناده ضعيف لضعف عبد الله بن جعفر، ضعفه النسائي ويحيى بن معين، والعقيلي، وقال ابن حبان: كان ممن يهم في الأخبار حتى يأتي بها مقلوبة، ويخطئ في الآثار حتى كأنها معمولة، وقد كتبنا نسخته =","vol":"3","page":1164},{"text":"فاضطجع مستلقيًا عليه فقال: ربِّ! اغفر لي ذنوبي، فقال: إن هذا ليعرف أن له ربًّا يغفر، ويعذب، فغفر له (^١).\n• وعن مغيث بن سُمَيّ قال: بينما رجلٌ خبيثٌ فتذكر يومًا فقال: اللهم! غفرانك، اللهم! غفرانك، اللهم! غفرانك، ثم مات فغفر له (^٢).\n• ويشهد لهذا ما في الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي ﵌: \"إن عبدًا أذنب ذنبًا فقال: ربِّ! أذنبتُ ذَنْبًا فاغفر لي، قال الله تعالى: علم عبدي أن له رَبًّا يغفرُ الذَّنْبَ، ويأخذ به، غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله تعالى ثم أذنبَ ذنبًا آخر فذكر مثل الأوّل مرتين أُخْرَيَيْنِ\".\n• وفي رواية لمسلم أنه قال في الثالثة \"قد غفرتُ لعبدي فليعمل ما شاء\" (^٣).\nوالمعنى ما دام على هذه الحال كلما أذنب استغفر، والظاهر أن مراده؛ الاستغفار المقرون بعدم الإصرار.\nولهذا في حديث أبي بكر الصدّيق - ﵁ - عن النبي ﵌ قال: \"ما أصرّ من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة\".\nخرّجه أبو داود (^٤) والترمذي (^٥).\n_________\n= وأكثرها لا أصول لها.\nمن الثامنة توفى عام ١٧٨ هـ.\nوترجمته في التقريب ١/ ٤٠٦ - ٤٠٧ والتهذيب ٥/ ١٧٤ - ١٧٦.\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله ص ٨٧ ح ١٠٨ - من طريق الربيع بن ثعلب، عن أبي موسى المؤدب، عن عاصم الأحول، عن مورق فذكره بمثله؛ إلا أنه قال: \"وإنه خرج\".\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في الموضع السابق عقب حديث مورق، من رواية خلف بن هشام، عن أبي شهاب، عن الأعمش، عن جامع بن شداد، عن مغيث بن سمي.\nوفيه: \"فتذكر يومًا أن قال\".\n(^٣) أخرجه البخاري في: ٩٧ - كتاب التوحيد: ٣٥ - باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ ح ١٣/ ٤٦٦ ح ٧٥٠٧.\nومسلم في: ٤٩ - كتاب التوبة: ٥ - باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة ٤/ ٢١١٢ ح ٢٩ - (٢٧٥٨) - ٣٠ - (. . .) من وجوه عديدة وفي أ: \"آخرتين\".\n(^٤) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة: ٣٦١ - باب الاستغفار ٢/ ١٧٧ ح ١٥١٤ من رواية النفيلي عن مخلد بن يزيد، عن عثمان بن واقد العمري، عن أبي نُضَيرة، عن مولى لأبي بكر الصديق، عن أبي بكر الصديق - ﵁ -.\n(^٥) أخرجه الترمذي في: ٤٩ - كتاب الدعوات: ١٠٧ - باب حدثنا حسين بن يزيد ٥/ ٥٥٨ عن حسين بن =","vol":"3","page":1165},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1312>[الاستغفار مع الإصرار]:</span>\n• وأما استغفار اللسان مع إصرار القلب على الذنب فهو دعاء مجرد، إن شاء الله أجابه، وإن شاء ردّه.\n• وقد يكون الإصرار مانعًا من الإجابة.\nوفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: \"ويل للذين يصرون على ما فَعَلُوا وهُم يعلَمون\" (^١).\n_________\n= يزيد الكوفي، عن أبي يحيى الجماني، عن عثمان بن واقد - به.\nوقد عقب الترمذي بقوله:\nهذا حديث غريب؛ إنما نعرفه من حديث أبي نُضَيرة، وليس إسناده بالقوي.\nوأورده السخاوي في المقاصد الحسنة ص ٣٥٩ عن أبي داود والترمذي وأبي يعلي والبزار من طريق عثمان بن واقد مرفوعًا وذكر تعقيب الترمذي ثم أورد عن البزار قوله: لا نحفظه؛ إلا من حديث لأبي بكر بهذا الطريق وأبو نضيرة وشيخه لا يعرفان.\nثم قال: وله شاهد عند الطبراني في الدعاء من حديث ابن عباس.\nوأورده الشيخ ناصر الألباني في ضعيف الجامع الصغير ح ٥٠٠٦ وأحال إلى المشكاة، وضعيف أبي داود. لكن أورده الزبيدي في الإتحاف ٥/ ٥٩ وشرحه وحكى قول العراقي: رواه أبو داود والترمذي من حديث أبي بكر وقال: غريب وليس إسناده بالقوي، وعقب بقوله: قلت: قال الزيلعي: إنما لم يكن قويًّا لجهالة مولى أبي بكر الراوي عنه، لكن جهالته لا تضر؛ إذ تكفيه نسبته إلى الصديق.\nثم حكى قول المناوي: وفيه أيضًا عثمان بن واقد، ضعفه أبو داود نفسه.\nوعلق الزبيدي بقوله: عثمان بن واقد لم أر له ذكرًا في كتاب الضعفاء للذهبي ولا في ذيله. ولعله عثمان بن فائد فلينظر ذلك.\nوقد أورده ابن كثير في التفسير ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨ عن أبي يعلى ثم قال: ورواه أبو داود والترمذي والبزار في مسنده من حديث عثمان بن واقد - وقد وثقه يحيى بن معين - به - وشيخه أبو نصير المقاسطي واسمه سالم بن عبيد وثقه الإمام أحمد وابن حبان.\nثم وضح أساس تضعيف الترمذي وابن المديني للحديث ورد على ذلك واستحسن القول بحسن الحديث؛ حيث قال: وقول علي بن المديني والترمذي ليس إسناد هذا الحديث بذاك؛ فالظاهر أنه لأجل جهالة مولى أبي بكر، ولكن جهالة مثله لا تضر؛ لأنه تابعي كبير، ويكفيه نسبته إلى أبي بكر؛ فهو حديث حسن والله أعلم. وبهذا يلتقي ابن كثير إلى حد كبير مع الزبيدي في الحكم على الحديث.\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ١٠/ ٥١ - ٥٢ (المعارف) ح ٦٥٤١ من طريق يزيد بن هارون، عن حريز بن عثمان الرحبي، عن حبان الشرعبي، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي - ﷺ - أنه قال وهو على المنبر: \"ارحموا ترحموا، واغفروا يغفر الله لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون\".\nوقد صحح الشيخ أحمد شاكر إسناده لما ذكره عن رواته أنهم رواة الصحيح، ولما أورده عن الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٩١ من أن رجال أحمد في هذا الحديث رجال الصحيح غير حبان بن زيد الشرعبي، وقد وثقه ابن حبان. =","vol":"3","page":1166},{"text":"• وخرّج ابن أبي الدنيا من حديث ابن عباس - ﵄ - مرفوعًا: \"التائبُ من الذنب كمن لا ذنبَ له، والمستغفر من ذنبٍ وهو مقيمٌ عليه كالمستهزئ بربِّه\".\nورفعه منكر، ولعله موقوف (^١).\n• قال الضحاك: \"ثلاثة لا يستجاب لهم؛ فذكر منهم: رجل مقيم على امرأة زنا، كلما قضى منها (^٢) شهوته قال: رب! اغفر لي ما أصبت من فلانة، فيقول الرب: تحول عنها وأغفر لك، وأما ما دمت عليها مقيمًا؛ فإني لا أغفر لك\".\n\"ورجُلٌ عنده مالُ قوم يرى أهلَه فيقول: رب اغفر لي ما آكلُ من مال فلان، فيقول تعالى: رُدَّ إليهم مالَهم، وأَغْفِر لك، وأما ما لم تردَّ إليهم؛ فلا أغفرُ لك\".\n• وقول القائل: أستغفرُ الله معناه: أطلبُ مغفرتَه، فهو كقوله: اللهم! اغْفِرْ لي، فالاستغفار التام الموجبُ للمغفرة: هو ما قارنَ عدَم الإصرار كما مدح الله تعالى أهله، ووعدهم المغفرة (^٣).\n• قال بعض العارفين: من لم يكن ثمرةُ استغفاره تصحيحَ توبته؛ فهو كاذب في استغفاره.\nوكان بعضهم يقول: استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار كثير.\nوفي ذلك يقول بعضهم:\nأستغفر الله من: \"أستغفرُ اللهَ\" … من لفظة بَدَرَتْ خَالفْتُ مَعْنَاهَا؟!\n_________\n= وأخرجه عقبه ٦٥٤٢ من رواية ابن القاسم عن حريز - به بمعناه وفي ١٢/ ٨ من رواية حسن بن موسى، عن حريز، وإسناده صحيح أيضًا كالإسنادين السابقين، كما ذكر محققه.\nأما الأقماع فقد قال ابن الأثير في النهاية ٤/ ١٠٩: \"الأقماع جمع قِمَع كضلع بكسر الضاد وفتح اللام وهو الإناء الذي يترك في رءوس الظروف لتملأ بالمائعات من الأشربة والأدهان.\nشبه أسماع الذين يستمعون القول ولا يعونه ويحفظونه ويعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئًا يفرغ فيها؛ فكأنه يمر عليها مجازًا، كما يمر الشراب في الأقماع اجتيازًا\".\n(^١) أورده الزبيدي في الإتحاف ٨/ ٥٠٦ عن ابن أبي الدنيا والطبراني والبيهقي والديلمي من حديث ابن عباس: التائب من الذنب كمن لا ذنب له، والمستغفر من الذنب وهو مقيم عليه كالمستهزئ بربه، ومن آذى مسلمًا كان عليه من الذنوب مثل منابت النخل\".\nثم قال الزبيدي: قال الذهبي: إسناده مظلم، وقال الحافظ في الفتح: الراجح أن قوله: والمستغفر إلخ موقوف. وأورده الشيخ ناصر الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة ٦١٦ وذكر أنه ضعيف لضعف أحد رواته وهو سلم بن سالم البلخي، ولجهالة راوٍ آخر وهو سعيد الحمصي.\n(^٢) ليست في \"ا\"، ولا في ب.\n(^٣) م: \"بالمغفرة\".","vol":"3","page":1167},{"text":"وكيف أرجو إجاباتِ الدعاء وقد … سدَدْتُ بالذنب عندَ الله مَجْرَاهَا؟!\nفأفضل الاستغفار ما اقترن (^١) به ترك الإصرار، وهو حينئذ (^٢) توبةٌ نصوحٌ.\n• وإن قال بلسانه: أستغفر الله، وهو غير مقلع بقلبه؛ فهو داع لله بالمغفرة كما يقول: اللهم! اغفر لي وهو حسن، وقد يرجى له الإجابة.\n• وأما من قال: هو توبة الكذابين (^٣).\nفمراده أنه ليس بتوبة كما يعتقده بعضُ الناس.\nوهذا حق؛ فإن التوبة لا تكون مع الإصرار.\nوإن قال: \"أستغفر الله وأتوب إليه\" فله حالتان:\n• إحداهما:\nأن يكون مصرًّا بقلبه على المعصية؛ فهذا كاذب في قوله: \"وأتوب إليه\"؛ لأنه غير تائب، فلا يجوز له أن يخبر عن نفسه بأنه تائب، وهو غير تائب.\n• والثانية: أن يكون مقلعًا عن المعصية بقلبه.\n• فاختلف الناس في جواز قوله: وأتوبُ إليه فكرهه طائفة من السلف، وهو قول أصحاب أبي حنيفة؛ حكاه عنهم الطحاوي.\n• وقال الربيع بن خُثَيم: يكون قوله \"وأتوب إليه\" كذبة وذنبًا، ولكن ليقل: \"اللهم تب عليّ\" أو يقول: \"اللهم! إني أستغفرك؛ فتب عليّ\".\nوهذا قد يحمل على من لم يقلع بقلبه وهو بحاله أشبه.\n• وكان محمد بن سوقة يقول في استغفاره: \"أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيومَ وأسأله توبةً نصوحًا\".\n• وروى عن حذيفة أنه قال: بحسب المرء (^٤) من الكذب أن يقول: \"أستغفر الله\" ثم يعود.\nوسمع مطرف رجلًا يقول: أستغفر الله وأتوب إليه فتغيظ عليه وقال: لعلك لا تفعل.\nوهذا ظاهره يدل على أنه إنما كره أن يقول: وأتوب (^٥) إليه؛ لأن التوبة النصوح أن\n_________\n(^١) م: قرن.\n(^٢) سقطت من \"ا\"، ب.\n(^٣) م: \"تاب توبة الكذابين\".\n(^٤) ليست في م.\n(^٥) \"ا\": \"أتوب\".","vol":"3","page":1168},{"text":"لا يعود إلى الذنب أبدًا فمتى عاد إليه؛ كان كاذبًا في قوله: \"وأتوب إليه\".\n• وكذلك سئل محمد بن كعب القُرظي عمن عاهد الله أن لا يعود إلى معصية أبدًا فقال: مَنْ أعظَمُ منه إثمًا؟ يتألّى على الله أن لا ينفذ فيه قضاؤه؟!.\n• ورجح قوله في هذا أبو الفرج بن الجوزي.\n• وروى عن سفيان بن عيينة نحو ذلك.\n• وجمهور العلماء على جواز أن يقول التائب: أتوب إلى الله، وأن يعاهد العبد ربه على أن لا يعود إلى المعصية؛ فإن العزم على ذلك واجب عليه؛ فهو مخبر على ما عزم عليه (^١) في الحال؛ ولهذا قال: \"ما أصَرَّ مَن استغفر، ولو عاد في اليوم سبعين مرة\" (^٢) وقال في المعاود (^٣) للذنب: \"قد غفرتُ لعبدي؛ فليعمل ما شاء\".\n• وفي حديث كفارة المجلس: أستغفرك اللهم وأتوب إليك! (^٤).\n• وقطع النبي ﵌ سارقًا ثم قال له: \"اسْتَغْفِرِ اللهَ وتُبْ إليه\" فقال: أستغفر الله وأتوبُ إليه فقال: \"اللهم تب عليه\".\n_________\n(^١) م: \"واجب عليه في الحال\".\n(^٢) مضى الحديث ص ١١٦٥.\n(^٣) مضى الحديث ص ١١٦٥.\n(^٤) هذا جزء حديث أخرجه الترمذي في: ٤٩ - كتاب الدعوات: ٣٩ - باب ما يقول إذا قام من المجلس ٥/ ٤٩٤ ح ٣٤٣٣ من رواية سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من جلس في مجلس فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم من مجلسه ذلك: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك؛ إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك\".\nقال أبو عيسى: وفي الباب عن أبي برزة وعائشة [و] هذا حديث حسن غريب صحيح من هذا الوجه لا نعرفه من حديث سهيل؛ إلا من هذا الوجه.\nوأخرجه أبو داود في: ٣٥ - كتاب الأدب: ٣٢ - باب كفارة المجلس ٥/ ١٨١ - ١٨٢ ح ٤٨٥٧ - ٤٨٥٩ موقوفًا على عبد الله بن عمرو ومرفوعًا من حديث أبي هريرة وأبي برزة الأسلمي - ﵃ - بنحوه.\nوهو عند أحمد في المسند ٢/ ٣٦٩ (الحلبي) من حديث أبي هريرة: مرفوعًا: كفارة المجالس أن يقول العبد: \"سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك\".\nوفي ٢/ ٤٩٤ (الحلبي) من حديثه أيضًا بنحو ما عند الترمذي، وأخرجه الدارمي في ١٩ - كتاب الاستئذان: ٢٩ - باب كفارة المجلس ٢/ ٣٦٧ ح ٢٦٥٨ من حديث أبي برزة الأسلمي، قال: لما كان بآخرة كان رسول الله - ﷺ - إذا جلس في المجلس، فأراد أن يقوم قال: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، فقالوا: يا رسول الله! إنك لتقول الآن كلامًا ما كنت تقوله فيما خلا؟ فقال: \"هذا كفارة لما يكون في المجلس\".\nوانظر الأذكار للنووي: ١٥ - كتاب الأذكار المتفرقة: ٤ - باب ما يقوله عند القيام من المجلس ص ٣١٤ وعمل اليوم والليلة للنسائي ح ٤٢٦، ٤٢٧، ٤٢٨، ٤٢٩، ٤٣٠.","vol":"3","page":1169},{"text":"خرجه أبو داود (^١).\n• واستحب جماعة من السلف الزيادة على قوله: أستغفر الله وأتوب إليه.\n• فروى عن عمر - ﵁ - أنه سمع رجلًا يقول: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال له: قل يا حُميق! قل توبة من لا يملك لنفسه ضرًا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا.\n• وسئل الأوزاعي عن الاستغفار أيقول: أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه؟ فقال: إن هذا لَحَسَنٌ ولكن يقول: رب! اغفر لي حتى يتم الاستغفار.\n\n<span data-type='title' id=toc-1313>[أفضل أنواع الاستغفار]:</span>\n• وأفضل أنواع الاستغفار:\nأن يبدأ العبدُ بالثناء على ربه.\nثم يثنّى بالاعتراف بذنبه.\nثم يسأل الله المغفرة.\nكما في حديث شداد بن أوس عن النبي ﵌ قال: \"سيّد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم! أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوءُ لك بنعمتك عليّ، وأبوءُ بذنبي، فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت\".\nخرجه البخاري (^٢).\n• وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو، أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله!\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في السنن: ٣٢ - كتاب الحدود: ٨ - باب التلقين في الحد ٤/ ٥٤٢ - ٥٤٤ ح ٤٣٨٠ من حديث أبي أمية المخزومي أن النبي - ﷺ - أتى بلص قد أعترف اعترافًا، ولم يوجد معه متاع. فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما إخالك سرقت؟ \" قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، فأمر به فقطع وجيء به، فقال: استغفر الله وتب إليه، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، فقال - ﷺ -: \"اللهم تب عليه\" ثلاثًا. وإسناده ضعيف، وانظر ضعيف أبي داود ٩٤٣. وانظره عند النسائي ح ٤٨٧٧ وابن ماجه ح ٢٥٩٧ وأحمد في المسند ٥/ ٢٩٣ (الحلبي).\n(^٢) أخرجه البخاري في: ٨٠ - كتاب الدعوات: ٢ - باب أفضل الاستغفار ١١/ ٩٧ - ٩٨ ح ٦٣٠٦ من حديث شداد بن أوس - ﵁ - بالنص المذكور زاد في آخره:\nقال: ومن قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي؛ فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح؛ فهو من أهل الجنة\".\nوأخرجه كذلك في: ١٦ - باب ما يقول إذا أصبح ١١/ ١٣٠ ح ٦٣٢٣.","vol":"3","page":1170},{"text":"علمني دعاء أدعو به في صلاتي قال: \"قل: اللهم! إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم (^١) \".\n• ومن أنواع الاستغفار أن يقول العبد: \"أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيومَ وأتوبُ إليه\".\nوقد روى عن النبي ﵌ أنَّ من قاله غفر له وإن كان فر من الزحف.\nخرجه أبو داود والترمذي (^٢).\n• وفي كتاب اليوم والليلة للنسائي عن خَبَّاب بن الأرَتّ، قال: قلتُ: يا رسول الله! كيف نستغفر!؟ قال: \"قل: اللهم! اغفر لنا وارحمنا وتب علينا إنك التواب الرحيم\" (^٣).\n• وفيه عن أبي هريرة - ﵁ - قال.\n\"ما رأيت أحدًا أكثر أن يقول: أستغفر الله وأتوب إليه من رسول الله ﵌ (^٤) \".\n• وفي السنن الأربعة عن ابن عمر قال:\n\"إن كنا لنعد لرسول الله ﵌ في المجلس الواحد مائة مرة يقول:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ١٠ - كتاب الأذان: ١٤٩ - باب الدعاء، قبل السلام ٢/ ٣١٧ ح ٨٣٤ بالنص المذكور. وطرفاه في ٦٣٢٦، ٧٣٨٨.\nوأخرجه مسلم في: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: ١٣ - باب استحباب خفض الصوت بالذكر ٤/ ٢٠٧٨ ح ٤٨ - (٢٧٠٥).\nكلاهما من حديث أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو، عن أبي بكر الصديق - ﵃ -.\nوعند مسلم في إحدى رواياته: \"ظلمًا كبيرًا\".\n(^٢) أخرجه أبو داود في: ٢ - كتاب الصلاة: ٣٦١ - باب الاستغفار ٢/ ١٧٨ ح ١٥١٧.\nوالترمذي في: ٤٩ - كتاب الدعوات: ١١٨ - باب دعاء الضيف ٥/ ٥٦٨ ح ٣٥٧٧.\nكلاهما من حديث بلال بن يسار بن زيد مولى النبي - ﷺ - عن أبيه عن جده أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"من قال: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان قد فر من الزحف\". وعقب الترمذي بقوله: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٥١١ - ٥١٢ و٢/ ١١٧ - ١١٨ بنحوه، وصححه على شرط الشيخين ورده الذهبي في شرط البخاري وأقره على شرط مسلم.\n(^٣) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة ص ٣٣٢ ح ٤٦١.\n(^٤) ص ٣٣٠ ح ٤٥٤.","vol":"3","page":1171},{"text":"\"رب اغفر لي وتب عليّ إنك أنت التوابُ الغفور\" (^١).\n• وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي ﵌ قال:\n\"والله! إني لأستغفر الله وأتوبُ إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة\" (^٢).\n• وفي صحيح مسلم عن الأغر المزني عن النبي ﵌ قال: \"إنه ليُغَانُ على قلبي وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة\" (^٣).\n• وفي المسند عن حذيفة قال: قلت: يا رسول الله! إني ذَرِبُ اللسان، وإن عامّة ذلك على أهلي؟ فقال: \"أين أنتَ من الاستغفار؟ إني لأستغفر الله في اليوم والليلة مائة مرّة\" (^٤).\n• وفي سنن أبي داود، عن ابن عباس، عن النبي ﵌ قال: \"من أكثر من الاستغفار جعلَ الله له من كلِّ همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ورزقه من حيث لا يحتسب\" (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في: ٢ - الصلاة: ٣٦١ - باب الاستغفار ٢/ ١٧٨ ح ١٥١٦ بهذا اللفظ والترمذي في: ٤٩ - كتاب الدعوات: ٣٩ - باب ما يقول إذا قام من المجلس ٥/ ٤٩٤ ح ٣٤٣٤ من حديث ابن عمر قال: كان يُعَدُّ لرسول الله - ﷺ - في المجلس الواحد. . .\".\nوعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن صحيح غريب وابن ماجه في: ٣٣ - كتاب الأدب: ٥٧ - باب الاستغفار ٢/ ١٢٥٣ ح ٣٨١٤ نحو حديث أبي داود.\nوالنسائي في عمل اليوم والليلة ص ١٤٨ ح ٤٦٢ نحوه.\nكلهم من رواية محمد بن سوقة، عن نافع، عن ابن عمر.\n(^٢) في: ٨٠ - كتاب الدعوات: ٣ - باب استغفار النبي - ﷺ - في اليوم والليلة ١١/ ١٠١ ح ٦٣٠٧.\n(^٣) في: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: ١٢ باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه ٤/ ٢٠٧٥ ح ٧١ (٢٧٠٢).\nوقوله: \"ليغان على قلبي\" قال في النهاية ٣/ ٤٠٣: الغين: الغيم، وغينت السماء تغان: إذا أطبق عليها الغيم، وقيل: الغين شجر ملتف.\nأراد ما يغشاه - ﷺ - من السهو الذي لا يخلو منه البشر؛ لأن قلبه أبدًا كان مشغولًا بالله تعالى؛ فإن عرض له وقتًا ما عارض بشرى يشغله من أمور الأمة والملة ومصالحهما عدَّ ذلك ذنبًا وتقصيرًا، فيفزع إلى الاستغفار.\n(^٤) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٣٩٤، ٣٩٦، ٤٠٢ (الحلبي) بنحوه.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٥١٠، ٥١١ من وجهين وصححه على شرط البخاري ومسلم وأقره الذهبي. وانظر الإتحاف ٥/ ٥٧.\nواللسان الذرب: هو الحاد السليط الفاحش كما أفاده الزبيدي.\n(^٥) أخرجه أبو داود في السنن: ٢ - كتاب الصلاة: ٣٦١ - باب الاستغفار ٢/ ١٧٨ - ١٧٩ ح ١٥١٨ لكن بلفظ: \"من لزم الاستغفار … الحديث وهو في الضعيف من سنن أبي داود ح ٣٢٧ وضعيف الجامع الصغير ٥٨٢٩.","vol":"3","page":1172},{"text":"قال أبو هريرة - ﵁ -: \"إني لأستغفر الله وأتوب إليه كلَّ يوم ألف مرة\". وذلك على قدر ديتي.\n• وقالت عائشة - ﵂ -: \"طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا\".\nقال أبو المنهال: \"ما جاور عبد في قبره مِنْ جَارٍ أحبَّ إليه من استغفار كثير\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1314>[الاستغفار دواء الذنوب]:</span>\n• وبالجملة فدواء الذنوب الاستغفار.\n• ورُوّينا من حديث أبي ذر مرفوعًا.\n\"إن لكل داء دواءٌ، وإن دواءَ الذنوب الاستغفار\" (^١).\nقال قتادة: إنَّ هذا القرآن يدلّكم على دَائِكم ودوائِكُم؛ فأما دَاؤكُم: فالذنوب، وأما دواءكم: فالاستغفار\".\n[و] قال بعضهم: \"إنما معوّل المذنبين البكاءُ والاستغفارُ؛ فمن أهمته ذنوبه أكثر لها من الاستغفار\".\nقال رياح القيسي: \"لي نيف وأربعون ذنبًا؛ قد استغفرت الله لكل ذنب مائة ألف مرة\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1315>[من أحوالهم في الاستغفار]:</span>\n• وحاسب بعضهم نفسه من وقت بلوغه، فإذا زلاته لا تجاوز ستًا (^٢) وثلاثين، فاستغفر لكل زلة مائة ألف مرة، وصلى لكل زلة ألف ركعة، وختم في كل ركعة منها ختمة، قال: ومع ذلك؛ فإني غيرُ آمن من سطوة ربي أن يأخذني بها وأنا على خَطَر عظيم من قبول التوبة.\nومن زاد أهتمامه بذنوبه؛ فربما تعلق بأذيال مَنْ قلّت ذنوبه يلتمس منهم الاستغفار.\n• وكان عمر يطلب من الصبيان الاستغفار ويقول: \"إنكم لم تذنبوا\".\n• وكان أبو هريرة يقول لغلمان الكتَّاب: \"قولوا: اللهم! اغفر لأبي هريرة\" فيؤَمِّن\n_________\n(^١) أورده الديلمي في الفردوس ٥/ ٣٣٦ ح ٥٠١١ من حديث جابر. وانظر ضعيف الجامع الصغير ٤٧٢٠. ورواه الحاكم في المستدرك ٤/ ٢٤١ - ٢٤٢ بسياقه عن أبي ذر - قوله - وصحح الحاكم والذهبي وقفه.\n(^٢) ا، ر: \"ستة\" وفيها خطأ نحوي بيّن.","vol":"3","page":1173},{"text":"على دعائهم.\nقال بكر المزني: لو كان رجل يطوف على الأبواب كما يطوف المسكين يقول: استغفروا لي: لكان نوْلُه أن يُفْعلَ (^١).\nومن كثرت ذنوبه وسيئاته حتى فاقت العدد، والإحصاء فليستغفر الله مما علم الله؛ فإن الله قد علم كلَّ شيء وأحصاه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ (^٢) وفي حديث شداد بن أوس، عن النبي ﵌: \"أسألك من خير ما تَعْلَم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستَغْفِرُكَ لما تعلم؛ إنكَ أنْتَ عَلَّام الغُيُوبِ (^٣) \".\n• وفي هذا يقول بعضهم:\nأستغفر الله مما يعلم اللّهُ … إن الشقي لَمَنْ لا يَرْحَمُ اللّهُ\nمَا أحلم اللّهَ عمّن لا يراقبُهُ … كلٌّ مُسِيءٌ ولكنْ يَحْلُم اللّهُ\nفَاسْتغِفرِ الله مما كانَ من زَلَلٍ … طُوبَى لمن كفَّ عما يكرهُ اللّهُ\nطُوبَى لمن حَسُنَتْ منه سَرِيرَتهُ … طُوبَى لمن ينْتَهِى عما نَهَى اللّهُ\n* * *\n_________\n(^١) م: \"قبوله\" وهو تحريف.\n(^٢) سورة المجادلة: ٦.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٧/ ١٢٣ (الحلبي) من رواية روح، عن الأوزاعي، عن حسان بن عطية، قال: كان شداد بن أوس في سفر فنزل منزلًا، فقال لغلامه: ائتنا بالسفرة نعبث بها، فأنكرت عليه، فقال: ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت؛ إلا وأنا أخطمها وأزمها إلا كلمتي هذه فلا تحفظوها عليَّ، واحفظوا مني ما أقول لكم: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\nإذا كنز الناس الذهب والفضة فأكثروا هؤلاء الكلمات: اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد، وأسألك شكر نعمتك، وأسألك حسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا، وأسألك لسانًا صادقًا، وأسألك من خير ما تعلم، وأعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلم، إنك أنت علام الغيوب\" وأخرجه من وجه آخر في ٤/ ١٢٥ بنحوه.\nوأورده السيوطي في الدر المنثور ١/ ١٥٤ عن ابن سعد وابن أبي شيبة والخرائطي في الشكر.\nوأبو نعيم في الحلية ١/ ٢٦٦ - ٢٦٧ من طرق ووجوه عديدة ورواه في ٦/ ٧٧ - ٧٨ بسياق تامًا على نحو ما عند أحمد والسيوطي والطبراني في الكبير ٧/ ٢٧٩ ح ٧١٣٥ و٢٨٧ - ٢٨٨ ح ٧١٥٧ و٢٩٣ - ٢٩٤ ح ٧١٧٥ - ٧١٨٠ من وجوه عدة تامًا ومختصرًا والترمذي في السنن ح ٤٠٠٤.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٥٠٨ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي على شرط مسلم. وابن حبان في صحيحه ٣/ ٢١٤ ح ١٩٧١","vol":"3","page":1174},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1316>[السبب الثالث]:</span>\n• السبب الثالث (^١) من أسباب المغفرة: التوحيد.\nوهو السبب الأعظم.\nفمن فقده؛ فقد المغفرة، ومن جاء به؛ فقد أتى بأعظم أسباب المغفرة، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (^٢) فمن جاء مع التوحيد بقُراب الأرض - وهو ملؤها، أو ما يقارب ملأها - خطايا؛ لقيه الله بقُرابها مغفرة لكنَّ هذا مع مشيئة الله - ﷿ -، فإن شاءَ غفر له، وإن شاء أخذَه بذُنُوبه، ثم كان عاقبته أن لا يُخَلَّد في النار، بل يُخْرَجُ منها ثم يُدْخَل الجنة.\nقال بعضهم: الموحد لا يُلقى في النار كما يُلقى الكفار، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفار.\nفإن كمل توحيد العبد وإخلاصه لله فيه، وقام بشروطه كلِّها، بقلبه ولسانه، وجوارحه، أو بقلبه ولسانه عند الموت أوجب ذلك مغفرةَ ما سلَف من الذنوب كُلِّها، ومنْعَعُه من دخول النار بالكلية.\nفمن تحقق بكلمة التوحيد قلبه أَخرجت منه كُلَّ ما سوى الله محبةً، وتعظيمًا، وإجلالًا، ومهابةً، وخشيةً، ورجاءً، وتوكلًا.\nوحينئذ تُحرَق ذنوبُه وخطاياه كُلُّها ولو كانت مثل زَبَد البحر، وربما قَلَبَتْهَا حَسَنَاتٍ كما سبق ذكره في تبديل السيئات حسنات؛ فإن هذا التوحيدَ هو الأُكسير الأعظم، فلو وُضع ذرة منه على جبال الذنوب والخطايا؛ لقلبها حسنات، كما في المسند وغيره، عن أم هانئ عن النبي ﵌ قال: \"لا إله إلا الله لا تترك ذنبًا ولا يسبقها عمل\" (^٣).\n• وفي المسند عن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت أن النبي ﵌ قال لأصحابه: \"ارفعوا أيديكم وقولوا لا إله إلا الله\" فرفعنا أيدينا ساعة، ثم وضع رسول الله ﵌ يده، ثم قال: \"الحمد لله، اللهم! بعثتني بهذه الكلمة، وأمَرْتَني بها، ووعدتني الجنة عليها، وإنك لا تخلف الميعاد\"، ثم قال:\n_________\n(^١) ب: \"الثاني\".\n(^٢) سورة النساء: ١١٢.\n(^٣) ضعيف سنن ابن ماجه ص ٣٠٦ ح ١٢٧.","vol":"3","page":1175},{"text":"\"أبشروا؛ فإن الله (^١) قد غَفَر لَكُم\".\n• قال الشبلي:\nمَنْ ركن إلى الدنيا؛ أحرقته بنارها فصار رمادًا تذْرُوه الرياح!\nومن ركن إلى الآخرة؛ أحرقته نورها فصار ذهبًا أحمر يُنتفَع به!\nومن ركن إلى الله؛ أحرقه نور التوحيد فصار جوهرًا لا قيمة له!\nإذا عَلِقَتْ نارُ المحبة بالقلب أحرقت منه كل شيء ما سوى الرب - ﷿ -، فطهُرَ القلب - حينئذ - من الأغيار، وصلح غَرسًا للتوحيد.\nما وسعني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن (^٢).\nغَصَّني الشوقُ إليهم بريقي … وا حريقي في الهوى وا حريقي!\nقد رماني الحب في لُج بَحْرٍ … فخذوا باللّه كفّ الغريقِ\nحلَّ عندي حُبّكُم في شَغَافِي … حلَّ مني كلَّ عَقْدٍ وَثِيقِ\n* * *\n• فهذا آخر ما ذكره الشيخ رحمه الله تعالى من الأحاديث في هذا الكتاب.\nونحن بعون الله ومشيئته نذكر تتمة الخمسين حديثًا من الأحاديث الجامعة لأنواع العلوم، والحكم، والآداب، الموعود بها في أول الكتاب، واللّه الموفق للصواب، [وهو حسبنا ونعم الوكيل وإليه المآب].\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٢٤ (الحلبي) من طريق الحكم بن نافع أبو اليمان. عن إسماعيل بن عياش عن راشد بن داود، عن يعلي بن شداد بن أوس وعبادة بن الصامت حاضر يصدقه قال:\nكنا عند النبي - ﷺ - فقال: هل فيكم غريب؟ - يعني أهل الكتاب -، فقلنا: لا يا رسول الله! فأمر بغلق الباب وقال: ارفعوا أيديكم … الحديث.\nوأورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٨١ من حديث شداد وعبادة وقال: رواه أحمد، وفيه راشد بن داود وقد وثقه غير واحد، وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات.\nيشير إلى أن الحديث حسن.\n(^٢) هذا نص حديث موضوع وقد تقدم ص ١٠٨٧.","vol":"3","page":1176},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1317>الحديث الثالث والأربعون</span>\nعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ - قالَ: قالَ رَسُولُ اللّهِ ﵌: \"أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا فَمَا أَبْقَتِ الفَرَائِضُ فلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ\".\nخَرَّجَهُ البُخَاريُّ وَمُسْلِمٌ (^١).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1318>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث الذي زعم بعض شرَّاح هذه الأربعين أن الشيخ رحمه الله تعالى أغفله فإنه مشتمل على أحكام المواريث، وجامعٌ لها.\nوهذا الحديث خرجاه من رواية وُهَيْب، ورَوْح بن القاسم، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس (^٢).\n• وخرجه مسلم من رواية معمر، ويحيى بن أيوب، عن ابن طاوس، أيضًا (^٣).\nوقد رواه الثوري، وابن عيينة، وابن جريج، وغيرهم، عن ابن طاوس، عن أبيه مرسلًا من غير ذكر ابن عباس.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ٨٥ - كتاب الفرائض: ٥ - باب ميراث الولد من أبيه وأمه ١٢/ ١١ ح ٦٧٣٢ من رواية موسى بن إسماعيل، عن وهيب، عن عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس وفيه: \"فما بقي فهو. . .\". وفي: ٧ - باب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن ١٢/ ١٦ ح ٦٧٣٥ من رواية مسلم بن إبراهيم، عن وهيب - به - بالنص السابق.\nوفي: ٩ - باب ميراث الجد مع الأب والإخوة ١٢/ ١٨ ح ٦٧٣٧ من رواية سليمان بن حرب عن وهيب - به - بالنص الذي أورده ابن رجب.\nوفي: ١٥ - باب ابني عم أحدهما أخ للأم، والآخر زوج وقال علي: للزوج النصف وللأخ من الأم السدس وما بقي بينهما نصفان ١٢/ ٢٧ ح ٦٧٤٥ من رواية أمية بن بسطام، عن يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم العنبري، عن عبد الله بن طاوس - به - وفيه: \"فما تركت الفرائض فلأولى رجل ذكر\".\nوأخرجه مسلم في صحيحه: ٢٣ - كتاب الفرائض: ١ - \"باب ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر ٣/ ١٢٣٣ ح ٢ - (١٦١٥) من رواية عبد الأعلى بن حماد النرسي، عن وهيب - به - بنص الموضع الأول عند البخاري.\nومن رواية أمية بن بسطام العيشي - به - بنص الموضع الأخير عند البخاري.\n(^٢) قد بينا تفصيل هذا.\n(^٣) عقب الروايتين السابقتين، ونص رواية معمر: \"اقسموا المال بين أهل الفرائض، على كتاب الله، فما تركت الفرائض. . .\".","vol":"3","page":1177},{"text":"ورجح النسائي إرساله (^١).\nوقد اختلف العلماء في معنى قوله: \"ألحقوا الفرائض بأهلها\".\nفقالت طائفة: المراد بالفرائض: الفروض المقدرة في كتاب الله تعالى، والمراد: أعطوا الفرائضَ المقدرة لمن سماها الله لهم، فما بقى بعد هذه الفروض فيستحقه أَوْلَى الرجال.\n• والمراد بالأولى:\nالأقرب؛ كما يقال: هذا يلي هذا، أي: يقرب منه، فأقرب الرجال هو: أقرب العصبات؛ فيستحق الباقي بالتعصيب.\nوبهذا المعنى فسر الحديثَ جماعةٌ من الأئمة منهم: الإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه نقله عنهما إسحَق بنُ منصور.\nوعلى هذا: فإذا اجتمع بنتٌ وأختٌ وعمٌّ أو ابنُ عم أو ابن أخ فينبغي أن يأخذ الباقي بعد نصف البنت: العصبة.\nوهذا قول ابن عباس وكان يتمسك بهذا الحديث ويُقرّ بأن الناس كُلّهم على خلافه.\n• وذهبت الظاهرية إلى قوله أيضًا.\nوقال إسحاق: إذا كان مع البنت والأخت عصبة؛ فالعصبة أولى، وإن لم يكن معها أحد؛ فالأخت لها الباقي.\nوحكى عن ابن مسعود أنه قال: البنت عصبة من لا عصبة له.\nوردّ بعضهم هذا وقال: لا يصحّ عن ابن مسعود.\nوكان ابن الزبير ومسروق يقولان بقول ابن عباس، ثم رجعا عنه.\nوذهب جمهور العلماء إلى أن الأخت مع البنت عَصَبة لها ما فضل، منهم: عمر، وعليّ، وعائشة، وزيد، وابنُ مسعود، ومعاذ بن جبل: وتابَعهُم سائر العلماء.\n• وروى عبد الرزاق: (^٢) أنبأنا ابن جريج: سألت ابن طاوس، عن ابنة وأخت، فقال: كان أبي يذكر عن ابن عباس، عن رجل، عن النبي ﵌ فيها شيئًا، وكان طاوس لا يرضى بذلك الرجل، قال: \"وكان أبي يشكّ فيها، ولا\n_________\n(^١) في الكبرى ٤/ ٧١ - ٧٢ ح ٦٣٣١ و٦٣٣٢.\n(^٢) في المصنف ١٠/ ٢٦٠ ح ١٩٠٣٨.","vol":"3","page":1178},{"text":"يقول فيها شيئًا، وقد كان يسئل عنها\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1319>[مراد طاووس]:</span>\n• والظاهر - واللّه أعلم - أن مراد طاووس هو هذا الحديث؛ فإن ابن عباس لم يكن عنده نص صريح عن النبي ﵌ في ميراث الأخت مع البنت، إنما كان يتمسك بمثل عموم هذا الحديث. وما ذكره طاووس أن ابن عباس رواه عن رجل، وأنه لا يرضاه، فابن عباس أكثر رواياته للحديث عن الصحابة، والصحابة كلهم عدول قد ﵃، وأثنى عليهم؛ فلا عبرة بعد ذلك بعدم رضا طاووس.\n\n<span data-type='title' id=toc-1320>[قضاء أبي موسى في بنت وبنت ابن وأخت]:</span>\n• وفي صحيح البخاري، عن أبي قيس الأودي، عن هُزَيْل بن شرحبيل قال: \"جاء رجلٌ إلى أبي موسى، فسأله عن ابنة، وابنة ابن، وأختٍ لأب وأم\"، فقال: \"للابنة النصف، وللأخت ما بقي\" وائت ابن مسعود فسيتابعني؛ فأتى ابنَ مسعود، فذكر ذلك له، فقال: \"لقد ضللت إذًا وما أنا من المهتدين، لأقضين فيها بقضاء رسول الله ﵌: للابنة النصف، ولابنة الابن السُّدُس تكملةَ الثُّلُثينِ، وما بقي فللأخت، قال: فأتينا أبا موسى، فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال: لا تسألوني ما دام هذا الحَبْرُ (^١) فيكُم\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1321>[قضاء معاذ في بنت وأخت]:</span>\nوفيه أيضًا: عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود بن يزيد قال: \"قضى فينا معاذ بن جبل على عهد رسول الله - ﷺ -: النصف للابنة، والنصف للأخت\".\nثم ترك الأعمش ذكر عهد رسول الله ﵌ فلم يذكره (^٢).\n• وخرجه أبو داود من وجه آخر عن الأسود، وزاد فيه: \"ونبي الله ﵌ يومئذ حي (^٣) \".\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في ٨٥ - كتاب الفرائض: ٨ - باب ميراث ابنة ابن مع ابنة ١٢/ ١٧ ح ٦٧٣٦ بألفاظ مقاربة.\nوفي: ١٢ - باب ميراث الأخوات مع البنات عصبة ١٢/ ٢٤ ح ٦٧٤٢ شطره الأخير.\n(^٢) رواه البخاري في الموضع السابق قبل الحديث المذكور بنحوه أيضًا.\n(^٣) أخرجه أبو داود في: ١٣ - كتاب الفرائض: ٤ - باب ما جاء في ميراث الصلب ٣/ ٣١٦ ح ٢٨٩٣ بإسناد صحيح وانظر صحيح سنن أبي داود ٢/ ٥٦١ ح ٢٥١٦.","vol":"3","page":1179},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1322>[استدلال ابن عباس بآية الكلالة]:</span>\n• واستدل ابن عباس لقوله بقول الله - ﷿ -: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (١)، وكان يقول: أأنتم أعلم أم الله؟ يعني أن الله لم يجعل لها النصفَ؛ إلا مع عدم الولد، وأنتم تجعلون لها النصفَ مع الولد وهو البنت.\n\n<span data-type='title' id=toc-1323>[والصواب]:</span>\n• والصواب قول عمر والجمهور، ولا دلالة في هذه الآية على خلاف ذلك؛ لأن المراد بقوله: ﴿فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ بالفَرْضِ، وهذا مشروطٌ بعدم الولد بالكلية؛ ولهذا قال بعده: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ (٢) يعني بالفرض والأخت الواحدة؛ إنما تأخذ النصف مع عدم وجود الولد الذكر والأنثى، وكذلك الأختان فصاعدًا، إنما يستحقون الثلثين مع عدم وجود الولد: الذكر والأنثى.\n• فإن كان هناك ولد؛ فإن كان ذكَرًا؛ فهو مقدَّمٌ على الأخوة مطلقًا ذكورهم وإناثهم.\n• وإن لم يكن هناك ولد ذكر بل أنثى؛ فالباقي بعد فَرْضِهَا يستحقه الأخ مع أخته بالاتفاق.\n• فإذا كانت الأختُ لا يسقطها أخوها فكيف يسقطها من هو أبعد منه من العصبات كالعم وابنه؟.\n• وإذا لم يكن العصبة الأبعد مُسقِطًا لها فيتعين تقديمُها عليه؛ لامتناع مشاركته لها.\n• فمفهوم الآية: أن الولدَ يمنع أن يكون للأخت النصف بالفرض، وهذا حق؛ ليس مفهومها أن الأخت تسقط بالبنت، ولا تأخذُ ما فضَلَ من ميراثها؛ يدُلُّ عليه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ (٣).\nوقد أجمعت الأمة على أن الولد الأنثى لا يمنع الأخ أن يرث من مال أخيه (٤) ما فضل عن البنت أو البنات. وإنما وجود الولد، والأنثى يمنع أن يحوز الأخُ ميراثَ أخيه (٥) كلَّه.\n_________\n(١ - ٣) سورة النساء: ١٧٦.\n(٤ - ٥) م: \"أخته\".","vol":"3","page":1180},{"text":"• فكما أن الولَد إنْ كان ذكرًا منع الأخَ من الميراث، وَإِن كان أنثى لم يمنعه الفاضل عن ميراثها، وإن منعه حيازةَ الميراث، فكذلك الولد إن كان ذكرًا، منع الأختَ الميراثَ بالكليّة، وإن كان أنثى منعت الأخت أن يفرض لها النصف، ولم تمنعها أن تأخذ ما فضَل عن فرضها والله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1324>[فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر]:</span>\nوأما قوله: \"فما أبقت الفرائض فلأولى رجل ذكر\".\n• فقد قيل: إن المرادَ به العصبةُ البعيدُ خاصة كبني الإخوة، والأعمام، وبنيهم، دون العصبة القريب، بدليل أن الباقي بعد الفروض يشترك فيه الذكر والأنثى، إذا كان العصبةُ قريبًا كالأولاد والإخوةِ بالاتفاق، فكذلك الأخت مع البنت بالنص الدال عليه.\nوأيضًا؛ فإنهُ يُخَضُّ منه هذه الصورة بالاتفاق، وكذلك يُخَصُّ منه المعتقَة مولاة النعمة بالاتفاق، فتُخَصُّ منه صورةُ الأخت مع البنت بالنص.\n* * *\n• وقالت طائفة آخرون (^١).\nالمراد بقوله: \"ألحقوا الفرائضَ بأهلها\" ما يستحقه ذوو الفروض في الجملة، سواء أخذوه بفرض أو بتعصيب طرأ لهم.\nوالمراد بقوله: \"فما بقى فلأولى رجل ذكر\": العصبةُ الذي ليس له فرض بحال ويدل عليه أنه قد رُوِيَ الحديثُ بلفظ آخر وهو: \"أقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله\" (^٢)؛ فدخل في ذلك كل من كان من أهل الفروض بوجه من الوجوه.\nوعلى هذا - فما تأخذه الأخت مع أخيها، أو ابن عمها، إذا عصَّبها هو داخلٌ في هذه القسمة؛ لأنها من أهل الفرائض في الجملة.\nفكذلك ما تأخذه الأخت مع البنت.\n* * *\n_________\n(^١) م: \"أخرى\".\n(^٢) كما سبق أن أشرنا إلى هذه الرواية في صحيح مسلم ص ١١٧٧.","vol":"3","page":1181},{"text":"• وقالت فرقة أخرى:\nالمراد بأهل الفرائض في قوله: \"ألحقوا الفرائض بأهلها\"، وقوله: \"اقسموا المالَ بين أهل الفرائض\" جملة من سمّاه الله في كتابه من أهل المواريث من ذوي الفروض والعصبات كلّهم؛ فإن كل ما يأخذه الورثة؛ فهو فرضٌ فرضَهُ الله لهم، سواء كان مقدَّرًا أو غَيْرَ مقدّر؛ كما قال بعد ذكر ميراث الوالدين والأولاد: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ (^١) وفيهم ذو فرض وعصبة، وكما قال: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (^٢). وهذا يشملُ العصبات وذوي الفروض؛ فلذلك قوله: \"اقسموا الفرائض بين أهلها على كتاب الله\" يشمل قسمته بين ذوي الفروض والعصبات على ما في كتاب الله.\nفإن قسم على ذلك ثم فضل منه شيء فيخْتَصُّ (^٣) بالفاضل؛ أقرب الذكور من الورثة.\nولذلك - إن لم يوجد في كتاب الله تصريحٌ بقسمته بين من سماه الله من الورثة: فيكون؛ حينئذٍ المال لأَوْلَى رجل ذكر منهم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1325>[هذا الحديث بيّن قسمة المواريث]:</span>\n• فهذا الحديث مبيّن لكيفية قسمة المواريث المذكورة في كتاب الله بين أهلها، ومبيّن لقسمة ما فضل من المال عن تلك القسمة مما لم يُصَرِّحْ به في القرآن من أحوال أولئك الورثة وأقسامهم، ومبين أيضًا لكيفية توريث بقية العصَبات الذين لم يُصَرَّح بتسميتهم في القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-1326>[وإذا ضم إلى آيات القرآن في ذلك]:</span>\n• فإذا ضُمَّ هذا الحديث إلى آيات القرآن انتظم في (^٤) ذلك كله معرفة قسمة المواريث بين جميع ذوي الفروض والعصبات.\n• ونحن نذكر حكم توريث الأولاد والوالدين، كما ذكره الله تعالى في أول (^٥)\n_________\n(^١) سورة النساء ١١.\n(^٢) سورة النساء: ٧.\n(^٣) م: \"فنخص\".\n(^٤) ليست في م.\n(^٥) ليست في ب.","vol":"3","page":1182},{"text":"سورة النساء، وحكم توريث الإخوة من الأبوين أو من الأب، كما ذكره الله تعالى في آخر السورة المذكورة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1327>[توريث الأولاد]:</span>\n• فأما الأولاد؛ فقد قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (^١) فهذا حكم اجتماع ذكورهم وإناثهم: أنه يكون للذكر مثلُ حظ الأنثيين، ويدخلُ في ذلك: الأولادُ وأولاد البنين باتفاق العلماء، فمتى اجتمع من الأولاد إخوة وأخوَات، اقتسموا الميراثَ على هذا الوجه عند الأكثرين.\n\n<span data-type='title' id=toc-1328>[بنت أو أكثر مع ابن ابن وأخته]:</span>\n• فلو كان هناك بنتٌ للصلب أو ابنتان وكان هناك ابنُ ابنٍ مع أخته اقتسما الباقي أثلاثًا؛ لدخولهم في هذا العموم.\nهذا قول جمهور العلماء، منهم عمر - ﵁ -، وعلي - ﵁ -، وزيدٌ - ﵁ -، وابن عباس - ﵁ -.\n• وذهب إليه عامةُ العلماءِ والأئمةُ الأرْبعة.\n• وذهب ابنُ مسعودٍ إلى أن الباقي بعد استكمال بنات الصلب الثلثين كلُّه لابن الابن، ولا يعصّبُ أختَه، وهو قول علقمة، وأبي ثور، وأهل الظاهر، فلا يعصِّب الولدُ عندهم أُخْتَه؛ إلا أن يكون لها فريضةٌ لو انفردتْ عنه.\n• وكذلك قالوا فيما إذا كان هناك بنتٌ وأولادُ ابنٍ ذكور وإناث: \"إن الباقي لجميع ولد الابن: للذكر منهم مثلُ حَظِّ الأنثَيَيْنِ\".\n• وقال ابن مسعود في بنت وبنات ابن وبني ابن: للبنت النصف، والباقي بين ولد الابن للذكر مثل حظ الأنثيين؛ إلا أن تزيد المقاسمة بناتِ الابن على السُّدُس فيفرضُ لهن السُّدُسُ، ويجعل الباقي لبني الابن وهو (^٢) قول أبي ثَوْر (^٣) وأما الجمهور فقالوا: النصف الباقي لولد الابن؛ للذكر مثلُ حظ الأنثيين عملًا بعموم الآية.\n• وعندهم أن الولد وإن نزل يعصب من في درجته بكل حال، سواء كان للأنثى\n_________\n(^١) سورة النساء: ١١.\n(^٢) م: \"وهذا\".\n(^٣) م: \"أبي ذر\".","vol":"3","page":1183},{"text":"فرضٌ بدونه أو لم يكنْ.\nولا يعصّب من هو (^١) أعلى منه من الإناث؛ إلا بشرط أن لا يكون لها فرض بدونه، ولا يعصِّبُ مَن [هو] أسفل منه بكل حال، ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (^٢) فهذا حكم انفراد الإناث من الأولادِ: أنَّ للواحدة النصفَ، ولا فوق الاثنتين الثلثان.\n• ويدخل في ذلك بنات الصُّلب، وبناتُ الابن عند عدَمهِنّ، فإن اجتمعن، فإن استكملَ بناتُ الصُّلْبِ الثلثين، فلا شيء لبنات الابن المنفردات، وإن لم يستكمل البناتُ الثلثين، بل كان ولدُ الصلب بنتًا واحدة (^٣) ومعها بنات ابن؛ فللبنت النصف؛ ولبنات الابن السدس تكملة الثلثين، لئلا يزيد فرضُ البنات على الثلثين.\n• وبهذا قضى النبي ﵌ في حديث ابن مسعود الذي تقدم ذكره (^٤).\nوهو قول عامة العلماء؛ إلا ما روي عن أبي موسى، وسلمان بن ربيعة، أنه لا شيء لبنات الابن.\n• وقد رجع أبو موسى إلى قول ابن مسعود لمَّا بلغه قولُه في ذلك (^٥).\n• وإنما أشكل على العلصاء حكم ميراث البنتين؛ فإن لهما الثلثين بالإجماع كما حكاه ابن المنذر وغيره.\n• وما حكى فيه عن ابن عباس: أن لهما النصف؛ فقد قيل: إن إسناده لا يصح، والقرآن يدل على خلافه، حيث قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ (^٦).\nفكيف تورَّثُ أكثر من واحدة النصف؟.\n\n<span data-type='title' id=toc-1329>[بنت وبنت ابن وبنتان]:</span>\n• وحديث ابن مسعود في توريث البنت النصفَ، وبنتِ الابن السدُسَ، تكملةَ الثلثين يدل على توريث البنتين الثلثين بطريق الأولى.\n_________\n(^١) ليس في \"ا\" ولا في ب.\n(^٢) سورة النساء: ١١.\n(^٣) ليست في ب.\n(^٤) ص: ١١٧٩.\n(^٥) راجع البخاري ح ٦٧٣٦ وأبا داود ح ٢٨٩٠ وابن ماجه ٢٧٢١.\n(^٦) سورة النساء: ١١.","vol":"3","page":1184},{"text":"• وخرج الإمام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث جابر أن النبي ﵌ ورَّث ابنتي سعد بن الربيع الثلثين (^١).\nولكن أشكل فهم ذلك من القرآن لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ (^٢).\nفلهذا اضطرب الناس في هذا.\n• وقال كثير من الناس فيه أقوالًا مستبعدة (^٣).\n• ومنهم من قال: استُفيد حكم ميراث الابنتين من ميراث الأختين؛ فإنه قال تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ (^٤).\n• واستفيد حكم ميراث أكثر من الأُختين من حكم ميراث ما فوق الاثنتين.\n• ومنهم من قال: البنت مع أخيها لها الثلث بنص القرآن، فلأن يكونَ لها الثُّلُثُ مع أختها أولى.\n• وسلك بعضهم مسلكًا آخر:\nوهو أن الله تعالى ذكر حُكْمَ توريثِ اجتماع الذكور والإناث من الأولاد، وذكر حكم توريث الإناث إذا انفردن عن الذكور، ولم ينصَّ على حكم انفراد الذكور منهم عن الإناث، وجعل حكم الاجتماع أن الذكر له مثلُ حظ الأنثيين، فإن اجتمع مع الابن ابنتان فصاعدًا؛ فله مثل نصيب اثنتين منهن.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٣٥٢ (الحلبي) من طريق زكريا بن عدي، عن عبيد الله، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر، قال:\n\"جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله - ﷺ - بابنتيها من سعد، فقالت: يا رسول الله! هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قتل أبوهما معك في أحد شهيدًا، وإن عمهما أخذ مالهما فلم يدع لهما مالًا ولا ينكحان؛ إلا ولهما مال، قال: فقال: يقضي الله في ذلك؛ فنزلت آية الميراث، فأرسل رسول الله - ﷺ - إلى عمهما فقال: أعط ابنتي سعد الثلثين وأمهما الثمن وما بقى؛ فهو لك\".\nوأخرجه الترمذي في: ٣٠ - كتاب الفرائض: ٣ - باب ما جاء في ميرات البنات ٤/ ٤١٤ ح ٢٠٩٢ من طريق عبد بن حميد، عن زكريا بن عدي - به - بنحوه. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه؛ إلا من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل. وقد رواه شريك أيضًا، عن عبد الله بن محمد بن عقيل. ورواه أبو داود في ١٣ - كتاب الفرائض: ٤ - باب ما جاء في ميراث الصلب ٣/ ٣١٦ ح ٢٨٩١، ٢٨٩٢ من طريق ابن السرح، عن ابن وهب، عن داود بن قيس وغيره من أهل العلم، عن عبد الله بن محمد بن عقيل - به - نحوه وابن ماجه في: ٢٣ - الفرائض: ٢ - فرائض الصلب ٢/ ٩٠٨ - ٩٠٩ ح ٢٧٢٠.\n(^٢) سورة النساء: ١١.\n(^٣) م: \"متعددة\".\n(^٤) سورة النساء: ١٧٦.","vol":"3","page":1185},{"text":"وإن لم يكن معه إلا ابنة واحدة؛ فله الثلثان ولها الثلث.\nوقد سمى الله ما يستحقه الذكر حظ الأنثيين مطلقًا، وليس الثلثان حظّ الأنثيين في حال اجتماعهما مع الذكر؛ لأن حظَّهُمَا؛ حينئذ النِّصْفُ، فتعين أن يكون الثلثان حَظَّهُمَا حالَ الانفراد.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1330>[انفراد الذكور]:</span>\n• وبقى ها هنا قسم ثالث لم يصرح القرآن بذكره وهو حكم انفراد الذكور من الولَدِ.\nوهذا مما يمكن إدخاله في حديث ابن عباس: \"فما بقي فلأَوْلَى رَجُلٍ ذكر\" فإن هذا القسم قد بقي، ولم يصرح بحكمه في القرآن؛ فيكون المال حينئذٍ لأقرب الذكور من الولد.\nوالأمر على هذا؛ فإنه لو اجتمع ابنٌ وابنُ ابنٍ؛ لكانَ المالُ كُلُّه للابن.\nولو كان ابن ابن وابن ابن ابن؛ لكان المال كله لابن الابن على مقتضى حديث ابن عباس - ﵄ - والله أعلم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1331>[ميراث الأبوين]:</span>\nثم ذكر تعالى حكم ميراث الأبوين فقال تعالى: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (^١).\nفهذا حكم ميراث الأبوين إذا كان للولد المتوفي ولدٌ، وسواء في الولد الذكر والأنثى، وسواء فيه ولد الصلب، وولد الابن، هذا كالإجماع من العلماء.\nوقد حكى بعضهم عن مجاهد فيه خلافًا.\n• فمتى كان للميت ولد أو ولدُ ابن وله أبوان، فلكل واحد من أبويه السدس، فرضًا، ثم إن كان الولد ذكرًا، فالباقي بعد سُدُسَيِ الأبوين له.\nوربما دخل هذا في قوله ﵌: \"ألحقوا الفرائضَ بأهْلِهَا فَمَا بَقِي فلأولى رَجُلٍ ذَكَرٍ\".\n_________\n(^١) سورة النساء: ١١.","vol":"3","page":1186},{"text":"• وأقرب العصبات: الابن.\n• وإن كان الولد أنثى، فإن كانتا اثنتين فصاعدًا فالثلثان لهن، ولا يَفضلُ من المال شيء.\n• وإن كانت بنتًا واحدةً؛ فلها النصف، ويفضُلُ من المال سُدُسٌ آخر؛ فيأخذُه الأب بالتعصيب؛ عملًا بقوله ﵌: \"ألْحِقُوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأولى رجل ذكر\".\nفهو أولى رجل ذكر عند فقد الابن؛ إذ هو أقرب من الأخ وابنه، والعم وابنه.\n* * *\n• ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (^١) يعني إذا لم يكن للميت ولد وله أبوان يرثانه، فلأمه الثلث.\nفيفهم من ذلك: أن الباقي بعد الثلث للأب؛ لأنه أثبَتَ ميراثه لأبويه، وخَصَّ الأمَّ من الميراث بالثلث؛ فعلم أن الباقي للأب ولم يقل: فللأب مِثْلا ما (^٢) لِلأُم؛ لئلا يوهم أن اقتسامهما المال هو بالتعصيب، كالأولاد والإخوة إذا كان فيهم ذكور وإناث.\n\n<span data-type='title' id=toc-1332>[العمريتان]:</span>\n• وكان ابن عباس يتمسك بهذه الآية بقوله في المسألتين الملقبتين بالعمريتين؛ وهما زوج وأبوان وزوجة؛ فإن عمر قضى: أن الزوجين يأخذان فرضهما من المال، وما بقي بعد فرضهما في المسئلتين فللأم ثلُثٌ والباقي للأب.\nوتابعه على ذلك جمهور الأمة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1333>[رأي ابن عباس]:</span>\nوقال ابن عباس: بل للأم الثلث كامِلًا تَمسّكًا بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1334>[وقد يجاب عن ذلك]:</span>\n• وقد قيل في جواب هذا: إن الله إنما جعل للأم الثلث بشرطين.\n_________\n(^١) سورة النساء: ١١.\n(^٢) ب: \"مثل ما للأم\" وفيه تحريف واضح. وقد ضبطت في أ، ل بكسر الميم وسكون المثلثة كما ضبطناها.\n(^٣) سورة النساء: ١١.","vol":"3","page":1187},{"text":"• أحدهما: أن لا يكون للولد المتوفي ولد.\nوالثاني: أن يرثه أبواه، أي أن ينفرد أبواه بميراثه، فما لم ينفرد أبواه بميراثه فلا تستحق الأم الثلث؛ وإن لم يكن للمتوفي ولد.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1335>[ابن رجب وجواب لم يسبق به]:</span>\n• وقد يقال - وهو أحسن -: إن قوله: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ أي مما ورثه الأبوان، ولم يقل: \"فلأمه الثلث مما ترك\" كما قال في السدس، فالمعنى: أنه إذا لم يكن له ولد وكان لأبويه من ماله ميراثٌ؛ فللأم ثُلُثُ ذلك الميراث الذي يختص به الأبوان، ويبقى الباقي للأب.\nولهذا السر - والله أعلم - حيث ذكر الله الفروضَ المقدرةَ لأهلها قال فيها: مما ترك أو ما يدل على ذلك كقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (^١) ليبين أن ذا الفرض حقه ذلك الجزء المفروض المقدّر له من جميع المال بعد الوصايا والديون.\nوحيث ذكر ميراث العصبَات أو ما يقتسمه (^٢) الذكور والإناث على وجه التعصيب، كالأولاد والإخوة لم يقيِّدْهُ بشيء من ذلك؛ ليبين أن المال المقتسَمَ بالتعصيب ليس هو المالَ كُلّه، بل تارة يكون جميعَ المال، وتارةً يكون هو الفاضل عن الفروض المفروضة المقدَّرة، وهنا لما ذكر ميراثَ الأبوين من ولدهما الذي لا ولد له، ولم يكن اقتسامهما المال بالفرض المحض كما في ميراثها مع الولد، ولا كان بالتعصيب المحض الذي يُعَصِّبُ فيه الذكرُ الأنثى، ويأخذ مثلي (^٣) ما تأخذه الأنثى؛ بل كانت الأم تأخذ ما تأخذُه بالفرض، والأبُ يأخذ ما يأخذُه بالتعصيب:\n• وقال: ﴿وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ (^٤) يعني أن القدْر الذي يستحقه الأبوان من ميراثه تأخذ الأم ثلثه فرضًا، والباقي يأخذه الأب بالتعصيب.\nوهذا مما فتح الله به، ولا أعلم أحدًا سبق إليه ولله الحمد والمنة.\n* * *\n_________\n(^١) سورة النساء: ١٢.\n(^٢) م: \"تقتسمه\".\n(^٣) \"ا\": \"مثلًا\" وهو خطأ نحوي.\n(^٤) سورة النساء: ١١.","vol":"3","page":1188},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1336>[فإن كان له إخوة فلأمه السدس]:</span>\n• ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (^١).\nيعني: للأمّ السدُس مع الإخوة من جميع التركة الموروثة التي تقتسمها الورثة، ولم يذكر هنا ميراث الأب مع الأم، ولا شك أنه إذا اجتمع أم وإخوة ليس معهم أب؛ فإن للأم السُّدُسَ، والباقي للإخوة، ويحجبها الأخوان فصاعدًا عند الجمهور.\n• وأما إن كان مع الأم والأخوة أب؛ فقال الأكثرون: يحجُبُ الإخوة الأمّ (^٢) ولا يرثون.\nوروي عن ابن عباس: أنهم يرثون السدُس الذي حَجبُوا عنه الأم بالفرض، كما يرث ولد الأم مع الأم بالفرض.\n• وقد قيل: إن هذا مبني على قوله: إن الكلالة من لا ولد له خاصة، ولا يشترط للكلالة فَقْدُ الوالد؛ فيرثُ الإخوة مع الأب بالفرض.\nومن العلماء المتأخرين من قال: \"إذا كان الإخوه محجوبين بالأب؛ فلا يحجبون الأم عن شيء، بل لها حينئذٍ الثلث\".\nورجحه الإمام أبو العباس بن تيمية [رحمة الله عليه].\nوقد يؤخذ من عموم قول عمر وغيره من السلف من لا يرث لا يحجب (^٣).\n• وقد قال نحوه أحمد والخرقي، لكن أكثر العلماء يحملون ذلك على أن المراد: مَنْ ليس له أهلية الميراث بالكية كالكافر والرقيق، دون من لا يرث لِانْحِجَابِةِ بمن هو أقرب منه والله أعلم.\n• وقد يشهد للقول بأن الإخوةَ إذَا كانوا محجُوبِين لا يَحْجُبُون الأُمَّ: أنَّ الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ (^٤) ولم يذكر الأب؛ فدل على أن ذلك حكم انفراد الأم مع الإخوة، فيكون الباقي بعد السدس كُلُّه لهم.\nوهذا ضعيف؛ فإن الإخوة قد يكونون من أم؛ فلا يكون لهم سوى الثلث والله أعلم.\n_________\n(^١) سورة النساء: ١١.\n(^٢) م: \"الأب\"، ب: \"الأخوة تحجب الأم\".\n(^٣) م: \"من لا يرث عولًا لا يحجب\".\n(^٤) سورة النساء: ١١.","vol":"3","page":1189},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1337>[الجد والجدة]:</span>\nواعلم أن الله تعالى ذَكَر حُكْم ميراثِ الأبوين، ولم يذكر الجدّ ولا الجدّة.\nفأمّا الجدّة:\nفقد قال أبو بكر الصديق - ﵁ -، وعمر بن الخطاب - ﵁ -: إنه ليس لهما في كتاب الله شيء.\nوقد حكى بعضُ العلماء الإجماعَ على ذلك، وأن فرضَها إنما ثبت بالسنة.\n• وقيل: إن السدسَ طُعْمَةٌ أطعمها رسول الله ﵌، وليس بفرض.\nوكذا روي عن ابن مسعود، وسعيد بن المسيب.\n• وقد روي عن ابن عباس من وجوه فيها ضعف، أنها بمنزلة الأم عند فقد الأم، ترث ميراث الأم؛ فترث الثلث تارة، والسدس أخرى.\nوهذا شذوذ.\nولا يصح إلحاق الجدّة بالجدّ؛ لأن الجدّ عصبة يدلى بعصبة، والجدة ذات فرض؛ تدلى بذات فرض؛ فضعفت.\n• وقد قيل: إنه ليس لها فرضٌ بالكلية وإنما السُّدُسُ طُعْمَةٌ أطعمها النبي ﵌.\nولهذا قالت طائفة ممن يرى الردّ على ذوي الفروض: إنه لا يُرَدُّ على الجدّة؛ لضعف فرضها، وهو رواية عن أحمد.\n• وأما الجد: فاتفق العلماء على أنه يقوم مقام الأب في أحواله المذكورة من قبل، فيرث مع الولد السُّدُسَ بالفرض، ومع عدم الولد يرث بالتعصيب، وإن بقى شيءٌ مع إناث الولد أخذه بالتعصيب أيضًا؛ عملًا بقوله: \"فما أبقت الفرائض فلأولى رَجُلٍ ذَكر\" ولكن اختلفوا إذا اجتمع أم وجد مع أحد الزوجين، فروِي عن طائفة من الصحابة، أن للأم ثلثَ الباقي كما لو كان معها الأبُ كما سبق، روى ذلك عن عمر وابن مسعود - كذا نقله بعضهم.\n• ومنهم من قال: إنما رُوي عن عمر، وابن مسعود في زوج وأم وجدّ: أن للأم ثلثَ الباقي.","vol":"3","page":1190},{"text":"• وروي عن ابن مسعود رواية أخرى: أن النصف الفاضل بين الجدّ والأم نصفان.\n• وأمّا في زوجة وأم وجد؛ فروي عن ابن مسعود رواية شاذة أن للأم ثلث الباقي.\n• والصحيح عنه كقول الجمهور، أن لها الثلث كاملًا.\nوهذا يشبه تفريق ابن سيرين في الأم مع الأب؛ أنه إن كان معهما زوج؛ فللأم ثلث الباقي، وإن كان معهما زوجة؛ فللأم الثلث.\n• وجمهور العلماء على أن الأم لها الثلُث مع الجد مطلقًا، وهو قول على وزيدٍ وابنِ عباس.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1338>[الأم مع الأب والجد]:</span>\n• والفرق بين الأم مع الأب ومع الجد: أنها مع الأب يشملهما اسم واحد، وهما في القرب سواء إلى الميت؛ فيأخذ الذكر منهما مثل حظ الأنثى مرتين (^١)، كالأولاد والإخوة.\n• وأما الأم مع الجد فليس يشملها اسمٌ واحدٌ، والجد أبعد من الأب؛ فلا يلزم مساواته به في ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1339>[الجد والإخوة]:</span>\n• وأما إن اجتمع الجدّ مع الإخوة فإن كانوا لأمٍّ سقطوا به؛ لأنهم إنما يرثون من الكَلالة، والكَلالة \"مَنْ لا وَلد له ولا والد\"؛ إلا روايةً شذت عن ابن عباس.\nوأما إن كانوا لأبٍ أو لأبوين، فقد اختلف العلماء في حكم ميراثهم قديمًا وحديثًا.\nفمنهم من أسقط الإخوة بالجد مطلقًا، كما يسقطون بالأب؛ وهذا قولُ الصِّدِّيق - ﵁ -، ومعاذٍ، وابن عباسٍ وغيرهم.\nواستدلوا بأن الجد أبٌ في كتاب الله - ﷿ -؛ فيدخل في مسمى الأب في المواريث، كما أن ولد الولد ولد، ويدخل في مُسَمَّى الولد عند عدم الولد بالاتفاق، وبأن الإخوة؛ إنما يرثون مع الكلالة فيحجبهم الجدّ كالإخوة من الأب (^٢)؛ وبأن الجد أقوى من الإخوة؛ لاجتماع الفرض والتعصيب له من جهة واحدة، فهو كالأب، وحينئذ فيدخل في عموم قوله ﵌: \"فما بقي فلأَوْلى رجلٍ ذكر\"\n_________\n(^١) م: \"الأنثيين\".\n(^٢) \"ا\": \"الأبوين\"، م: \"من الأم\".","vol":"3","page":1191},{"text":"ومنهم من شَرَّكَ بين الإخوة والجدّ، وهو قول كثير من الصحابة، وأكثر الفقهاء بعدهم على اختلاف طويل بينهم في كيفية التشريك بينهم في الميراث.\n• وكان من السلف مَنْ يتوقف في حكمهم، ولا يُجيبُ فيهم بشيء؛ لاشتباه أمرهم، وإشْكاله.\nولولا خشية الإطالة؛ لبسطنا القول في هذه المسئلة، ولكن ذلك يؤدي إلى الإطالة جدًا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1340>[ميراث الإخوة والكلالة]:</span>\n• وأما حكم ميراث الإخوة للأبوين، أو للأب؛ فقد ذكره الله تعالى في آخر سورة النساء في قوله تعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (^١) والكلالة مأخوذة من تَكَلُّل النسَب، وإِحاطته بالميت، وذلك يقتضي انتفاءَ الانتساب مطلقًا من العمودين: الأعلى والأسفل.\n• وتنصيصه ﷾ على انتفاء الولد، تنبيه على انتفاء الوالد بطريق الأَولى؛ لأن انتسابَ الولد إلى والده أظهر من انتسابه إلى ولده؛ فكان ذكر عدم الولد تنبيهًا على عدم الوالد بطريق الأولى.\n• وقد قال أبو بكر الصديق - ﵁ -: الكَلالَة: مَنْ لا ولد له ولا والد. وتابعه جمهور الصحابة، والعلماء بعدهم.\nوقد روى ذلك مرفوعًا من مراسيل أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن النبي ﵌.\nخرجه أبو داود في المراسيل (^٢).\n• وخرجه الحاكم من رواية عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا وصححه (^٣).\n_________\n(^١) سورة النساء: ١٧٦.\n(^٢) المراسيل ص ٣٤١ ط. الأزهر، ٥٨ - باب الكلالة ص ١٩٤ ط. بيروت.\n(^٣) أخرجه الحاكم في المستدرك ٤/ ٣٣٦ من رواية أبي النضر الفقيه، عن أحمد بن نجدة، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن يحيى بن آدم، عن عمار بن زريق، عن أبي إسحاق، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن،","vol":"3","page":1192},{"text":"وَوَصْلُهُ بذكر أبي هريرة ضعيف.\nفقوله: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ (^١):\nيعني إذا لم يكن للميت ولد بالكلية، لا ذكر ولا أنثى؛ فللأخت حينئذ: النصف مما ترك فَرْضًا.\nومفهوم هذا: أنه إذا كان له وَلَدٌ فليس للأخْتِ النِّصْفُ فرضًا.\nثم إنما كان الولد ذكرًا؛ فهو أولى بالمال كله لما سبق تقريره في ميراث الأولاد الذكور إذا انفردوا؛ فإنهم أقربُ العصبات، وهم يُسْقِطُون الإخوة، فكيف لا يُسْقِطُون الأخَوَاتِ؟.\nوأيضًا فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (^٢) وهذا يدخل فيه ما إذا كان هناك ذو فرض كالبنات وغيرهنّ.\nفإذا استحق الفاضلَ ذكورُ الإخوة مع الأخوات، فإذا انفردوا فكذلك يستحقونه، وأولى.\nوإن كان الولد أنثى؛ فليس للأخت هنا النصف بالفرض؛ ولكن لها الباقي بالتعصيب عند جمهور العلماء.\nوقد سبق ذكر ذلك والاختلاف فيه (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1341>[ميراث الابن والأخ]:</span>\nفلو كان هناك ابن لا يستوعب المال كله (^٤) وأخت مثل ابن نصفه حر عند من يورثه نصف الميراث، وهو مذهب الإمام أحمد وغيره من العلماء، فهل يقال: إن الابن هنا يُسقط نصفَ فرض الأخت فترث معه الربع فرضًا؟ أم يقال: إنه يصير كالبنت؛ فتصيرُ\n_________\n= عن أبي هريرة - ﵁ - أن رجلًا قال: يا رسول الله! ما الكلالة؟ قال: \"أما سمعت الآية التي نزلت في الصيف ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ والكلالة: من لم يترك ولدًا ولا والدًا\".\nوصححه على شرط الشيخين ورده الذهبي فقال: الحماني ضعيف.\nوالحماني قال عنه البخاري: يتكلمون فيه وثقه يحيى بن معين وغيره وكذبه أحمد والنسائي، وقال ابن عدي: لم أر في مسنده وأحاديثه أحاديث مناكير، وأرجو أنه لا بأس به، وقال الذهبي: إلا أنه شيعي بغيض. راجع ترجمته في الضعفاء للبخاري ص ١٢٤ - ١٢٥ ت ٣٩٨ والتاريخ الكبير له ٤/ ٢/ ٢٩١، والكامل في الضعفاء لابن عدي ٧/ ٢٣٧ - ٢٣٩.\n(^١) سورة النساء: ١٧٦.\n(^٢) سورة النساء: ١٧٦.\n(^٣) ص ١١٧٨ وما بعدها.\n(^٤) ليست في \"ا\" ولا في ظ.","vol":"3","page":1193},{"text":"الأخْتُ معه عصبة كما تصير مع البنت؟ (^١)، لكنه يُسْقِطُ نصفَ تَعْصِيبها فتأخذ معه النصف الباقي بالتعصيب؟. هذا محتمل.\nوفي هذه المسألة لأصحابنا وجهان.\n\n<span data-type='title' id=toc-1342>[ميراث الأخ من الأخت]:</span>\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ (^٢).\nيعني أن الأخ يستقل بميراث أخته إذا لم يكن لها ولد ذكر أو أنثى، فإن كان لها ولد ذكر فهو أولى من الأخ بغير إشكال؛ فإنه أولى رجل ذكر.\nوإن كان أنثى؛ فالباقي بعد فرضها يكون للأخ؛ لأنه أولى رجل ذكر، ولكن لا يستقل بميراثها حينئذ (^٣)؛ كما إذا لم يكن لها ولد.\n\n<span data-type='title' id=toc-1343>[الأختان]:</span>\n• وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾ (^٤).\nيعني أنَّ فرض البنتين: الثلثان، كما أن فرض الواحدة: النصف؛ فهذا كله في حكم انفراد الإخوة والأخوات.\n\n<span data-type='title' id=toc-1344>[الإخوة]:</span>\n• وأما حكم اجتماعهم فقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (^٥) فدخل في ذلك ما إذا كانوا منفردين.\n• وأما إذا كان هناك ذو فرض من الأولاد أو غَيرهم كأحد الزوجين، أو الأم، أو الإخوة من الأم؛ فيكون الفاضل عن فروضهم للإخوة والأخوات بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين.\nفقد تبين بما ذكرناه: أن وجود الولد؛ إنما يُسْقِطُ فرضَ الأَخَوَاتِ من الأبوين أو الأب، ولا يُسْقِطُ توريثَهنّ بالتعصيب مع أخوَاتِهِنّ بالإجماع، ولا تعصِيبهن (^٦) بانفرادهنّ مع البنات عند الجمهور، فالكلالة شرط لثبوت فرض الأخوات؛ لا لثبوت ميراثهنّ، كما أنه ليس بشرط لميراث ذكورهم بالإجماع.\nوهذا بخلاف ولد الأم، فإن انتفاء الكلالة أسقطت فروضهم، وإذا أسقطت\n_________\n(^١) في الأصول: \"الأخت\" والتصويب من \"ل\" فقد ضرب على \"الأخت\" وكتب الصواب في الهامش.\n(^٢) سورة النساء: ١٧٦.\n(^٣) م: \"حينئذ، لأنه كما إذا\".\n(^٤)، (^٥) سورة النساء: ١٧٦.\n(^٦) ل: \"يعصبهن\".","vol":"3","page":1194},{"text":"فروضهم؟ سقطت مواريثهم. لأنه لا تعصيب لهم بحال؛ لإدلائهم بأنثى، والأخواتُ للأبوين أو للأب يُدْلون بذكر فيرثن بالتعصيب مع إخواتهن بالاتفاق، وبانفرادهن مع البنات عند الجمهور.\nوإذا كان الولد مسقطًا لفرض ولد الأبوين أو للأب دون أصل توريثهم بغير الفرض فقد يقال: إن الله تعالى إنما خص انتفاء الولد في قوله: ﴿لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ ولم يذكر انتفاء الوالد أو الأب؛ لأنه كان يدخل فيه الجدّ، والجدّ لا يُسْقِطُ ميراثَ الإخْوة بالكلية، وإنما يشتركون معه في الميراث تارة بالفرض، وتارة بغيره.\nوهذا على قول من يقول: إن الجد لا يُسْقِطُ الإِخوة - وهم الجمهور - ظاهر، وهذا كله في انفراد ولد الأبوين أو الأب، فإن اجتمعوا فإن العصباتِ من ولد الأبوين يُسْقِطون ولدَ الأب كلَّهم بغير خلاف حتى في الأخت من الأبوين مع البنت عند مَنْ يجعلها عَصَبَةً يَسْقُطُ بها الأخُ من الأبوَيْنِ.\n• وفي المسند (^١) والترمذي (^٢) وابن ماجه (^٣) عن عليٍّ - ﵁ - قال: قَضَى رسولُ الله ﵌: \"أنَّ أعيان بني الأم يرثون دون بني العَلَّات؛ يرث الرجل أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه\".\nوقال عمرو بن شعيب: قضى رسول الله ﵌: أن الأخ للأب والأم أولى الكلالة بالميرات، ثم الأخ للأب.\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٣٣، ٢٤٧، ٢٩٣ (المعارف) ح ٥٩٥، ١٠٩١، ١٢٢١ من رواية الحارث الأعور، عن علي وقد ضعف محققه إسناده بضعف الحارث.\n(^٢) أخرجه الترمذي في: ٣٠ - كتاب الفرائض: ٥ - باب ما جاء في ميراث الإخوة من الأب والأم ٤/ ٤١٦ ح ٢٠٩٤، ٢٠٩٥ تامًّا ومختصرًا من رواية الحارث، عن علي كذلك، وقد عقب الترمذي بقوله:\nهذا حديث لا نعرفه؛ إلا من حديث أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي.\nوقد تكلم بعض أهل العلم في الحارث.\nوالعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم.\n(^٣) أخرجه ابن ماجه في ٢٢ - كتاب الوصايا: ٧ - باب الدين قبل الوصية ٢/ ٩٠٦ - ح ٢٧١٥. وفي: ٢٣ - كتاب الفرائض: ١٠ - باب ميراث العصبة ٢/ ٩١٥ ح ٢٧٣٩.\nوبنو الأعيان: هم الأخوة الأشقاء مأخوذ من عين الشيء وهو النفيس منه.\nوبنو العلّات: هم الأخوة لأب واحد من أمهات شتى، مأخوذ من العَلَّة وهو ما يتلهى به، وهو أيضًا الضرة التي تكون زوجة أخرى للرجل، ومنه الحديث: \"الأنبياء أولاد عَلَّات\" إيمانهم واحد، وشرائعهم شتى ويقابلهم بنو الأخياف؛ وهم بنو الأم الواحدة من آباء شتى.\nوانظر المعجم الوسيط ٢/ ٦٣٠.","vol":"3","page":1195},{"text":"وهذا أيضًا مما يدخل في قوله - ﵇ -: \"فما بقى؛ فلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ\".\n• والتحقيق في ذلك: أن كل ما دل عليه القرآن ولو بالتنبيه، فليس هو مِمَّا أبقته الفرائض، بل هو من إلحاق الفرائض المذكورة في القرآن بأهلها، كتوريث الأولاد: ذكورهم وإناثِهم الفاضلَ عن الفروض: للذكر مثلُ حظِّ الأنثيين، وتوريثِ الإخوة: ذكورِهِم وإناثهم كذلك.\nودل ذلك بطريق التنبيه على أن الباقي يأخذه الذكر منهم عند الانفراد بطريق الأوْلَى، ودل أيضًا بالتنبيه على أن الأختَ تأخذُ الباقي مع البنت؛ كما كانت تأخذهُ مع أخيها، ولا يقدَّم عليها من هو أبعدُ منها كابن الأخ، والعم، وابنه؛ فإن أخاها إذا لم يُسْقطْهَا فكيف يُسْقِطُها مَنْ هُوَ أَبْعَد منه؟\n• فهذا كله من باب إلحاق الفرائض بأهلها، ومن باب قسمة المال بين أهل الفرائض على كتاب الله.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1345>[أولو الأرحام]:</span>\n• وأما من لم يذكر باسمه من العصبات في القرآن كابن الأخ والعم، وابنه؛ فإنما دخل في عمومات مثل قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (^١)، وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (^٢)؛ فهذا يُحتاج في توريثهم إلى هذا الحديث، أعني حديث ابن عباس.\nفإذا لم يوجد للمال وارث غيرهم، انفردوا به، ويقدَّمُ منهم الأقربُ فالأقربُ؛ لأنه أولى رجلٍ ذكر.\nوإن وجدت فروضٌ لا تستغرق المال كأحد الزوجين أو الأم، أو ولد الأم، أو بنات منفردات، أو أخوات منفردات؛ فالباقي كله لأولى ذَكَرٍ من هؤلاء.\nولهذا لو كان هؤلاء إخوة رجالًا ونساء؛ لاختص به رجالهم دون نسائهم، بخلاف الأولاد والإخوة؛ فإنه يشترك في الباقي، أو في المال كُلِّهِ ذُكُورُهم وإناثهم بنص القرآن. والحديث إنما دل على توريث العصبات الذين يختص ذكورهم دون إناثهم؛ وهم مَنْ عدا الأولاد والإخوة.\n_________\n(^١) سورة الأنفال: ٧٥.\n(^٢) سورة النساء: ٣٣.","vol":"3","page":1196},{"text":"فهذا حكم العصبات المذكورين في كتاب الله تعالى، وفي حديث ابن عباس.\n• وأما ذوو الفرض فقد ذكرنا حكم مواريثهم، ولم يبق منهم؛ إلا الزوجان والإخوة للأم.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1346>[الزوجان]:</span>\n• فأما الزوجان، فيرثان (^١) بسبب عقد النكاح.\nولما كان بين الزوجين من الألفة، والمودة والتناصر، والتعاقب، ما بين الأقارب؛ جُعل ميراثُهُمَا كميراث الأقارب، وجُعل للذكر منهما مثلا ما للأنثى، لامتياز الذكر على الأنثى بمزيد النفع بالإنفاق، والنُّصْرة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1347>[الإخوة لأم]:</span>\n• وأما ولد الأم؛ فإنهم ليسوا من قبيلة الرجل، ولا عشيرته؛ وإنما هم في المعنى من ذوي رحمه؛ ففرض الله لواحدهم السُّدس، ولجماعتهم الثُّلُث؛ صلةً، وسوَّى فيه بين ذُكُورِهِمْ وإناثهم، حيث لم يكن لذكرهم زيادةٌ على أنثاهم في الحياة (^٢) من المعاضدة والمناصرة، كما بين أهل القبيلة والعشيرة الواحدة؛ فسوَّى بينهم في الصلة.\nولهذا لم تُشرع الوصية للأجانب بزيادة على الثلُث، بل كان الثُّلُثُ كثيرًا في حقهم؛ لأنهم أبعدُ من ولد الأم؛ فينبغي أن لا يُزادُوا على ما يُوصَل به ولدُ الأم؛ بل يُنقصون منه.\nواستدلّ بعضهم بقوله: \"فما بقى فلأَوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ\" على أن لا ميراث لذوي الأرحام؛ لأنه لم يجعل حق الميراث لمن لم يذكر في القرآن؛ إلا لأقرب الذكور، وهذا الحكم يختص بالعصبات دون ذوي الأرحام؛ فإن من وَرَّث ذوي الأرحام ورث ذكورهم وإناثهم.\nوأجاب (^٣) من يرى توريثَ ذوي الأرحام، بأن هذا الحديث دلَّ على توريث العصبَات لا على نفي توريث غيرهم.\n_________\n(^١) م: \"فأما الزوجان فيرثن\" وفيها تحريف واضح.\n(^٢) ليست في م.\n(^٣) م: \"فأجاز\" وهو تحريف.","vol":"3","page":1197},{"text":"وتوريث ذوي الأرحام مأخوذ من أدلة أخرى؛ فيكون ذلك زيادة على ما دل عليه حديث ابن عباس - ﵄ -.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1348>[وصف الرجل بالذكورة]:</span>\n• وأما قوله فلأولى (^١) رجل ذكر مع أن الرجل لا يكون إلا ذكَرًا؛ فالجواب الصحيح عنه؛ أنه قد يُطلق الرجل، ويراد به الشخص كقوله: \"مَنْ وُجِد مالُه عند رجل قد أفلس\" ولا فرق بين أن يجده عند رجل أو امرأة، فتقييده بالذكر ينفي هذا الاحتمال، ويُخلصه للذكر دون الأنثى، وهو المقصود.\nوكذلك الابن لما كان قد يطلق ويراد به أعمُّ من الذكر، كقوله: ابن السبيل؛ جاء تقييد ابن اللَّبُون في نصب الزكاة بالذكر.\nوللسهيلي كلام على هذا الحديث فيه تكلّف وتعسّف شديد، ولا طائل تحته، وقد رده عليه جماعة ممن أدركناهم. والله أعلم.\n* * *\n_________\n(^١) \"ا\": \"لأولى\".","vol":"3","page":1198},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1349>الحديث الرابع والأربعون</span>\nعَنْ عائِشَةَ ﵂، عَنِ النَّبِيِّ ﵌ قالَ:\n\"الرَّضَاعَة تحَرِّمُ ما تُحَرِّمُ الْوِلادَةُ\". خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمسْلِمٌ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1350>[تخريج الحديث]:</span>\n• هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية عمرة، عن عائشة (^١).\n• وخرج مسلم أيضًا من رواية عروة، عن عائشة، عن النبي ﵌ قال: \"يحرُم من الرضاعة ما يحرمُ من النسب (^٢).\n• وخرجاه أيضًا من رواية عروة، عن عائشة من قولها (^٣).\n• وخرجاه من حديث ابن عباس، عن النبي ﵌ (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في ٦٧ - كتاب النكاح: ٢٠ - باب (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ٩/ ١٣٩ - ١٤٠ ح ٥٠٩٩ من حديث عمرة بنت عبد الرحمن أن عائشة زوج النبي - ﷺ - أخبرتها أن رسول الله - ﷺ - كان عندها، وأنها سمعت صوت رجل يستأذن في بيت حفصة، قالت: فقلت: يا رسول الله! هذا رجل يستأذن في بيتك؟ فقال النبي - ﷺ -: أراه فلانًا - لعم حفصة من الرضاعة - قالت عائشة: لو كان فلان حيًّا؟ - لعمها من الرضاعة - دخل عليّ\" - فقال - ﷺ -: \"نعم؛ الرضاعة تحرم ما تحرم الولادة\". وانظر طرفيه في ٢٦٤٦، ٣١٠٥.\nوأخرجه مسلم في ١٧ - كتاب الرضاع: ١ - باب يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة. ٢/ ١٠٦٨ ح ١ - (١٤٤٤) من رواية مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمرة، عن عائشة.\n(^٢) أخرجه مسلم في باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل ح ٩ من حديث عروة، عن عائشة أنها أخبرته، أن عمها من الرضاعة يسمى أفلح، استأذن عليها فحجبته، فأخبرت رسول الله - ﷺ -. فقال لها: \"لا تحتجبي منه؛ فإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب\".\n(^٣) أخرجه مسلم في الباب السابق ح ٥ وفيه قول عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: \"حرموا من الرضاعة ما تحرمون من النسب\".\nوأخرجه البخاري في: ٦٥ - كتاب التفسير: ٩ - باب ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ٨/ ٥٣١ - ٥٣٢ ح ٤٧٩٦ وفيه قول عروة: \"فلذلك. . .\".\n(^٤) أخرجه البخاري في: ٥٢ - كتاب الشهادات: ٧ - باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض ٥/ ٢٥٣ ح ٢٦٤٥ من رواية جابر بن زيد، عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال النبي - ﷺ - في بنت حمزة: \"لا تحل لي؛ يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب؛ هي ابنة أخي من الرضاعة\" وانظر طرفه في: ٥١٠٠. ومسلم في: ٣ - باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة ٢/ ١٠٧١ ح ١٢ - (١٤٤٧) من حديث جابر، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - أريد على ابنة حمزة فقال: إِنها لا تحل لي … الحديث بنحوه.","vol":"3","page":1199},{"text":"• وخرجه الترمذي من حديث عليّ (^١)، عن النبي ﵌.\n\n<span data-type='title' id=toc-1351>[الإجماع على العمل بهذه الأحاديث]:</span>\n• وقد أجمع العلماء على العمل بهذه الأحاديث في الجملة، وأن الرضاعَ يحرِّم ما يحرِّمه النسب.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1352>[المحرمات من النسب قسمان]:</span>\nولنذكر المحرمات من النسب كلَّهن حتى يعلم بذلك ما يحرم من الرضاع فنقول:\nالولادة والنسب قد يؤثران التحريم في النكاح، وهو على قسمين:\n\n<span data-type='title' id=toc-1353>[القسم الأول]:</span>\n• تحريم مؤبد على الانفراد.\nوهو نوعان:\n• أحدهما: ما يحرِّم بمجرد النسب؛ فيحرّم على الرجل أصولَه وإن علون، وفروعَه وإن سَفَلْنَ.\nوفروعَ أصلهِ الأدنى وإن سَفَلن، وفروع أصوله البعيدة دون فروعهن.\nفدخل في أصوله أمهاتُه وإن عَلَوْن من جهة أبيه وأمه، وفي فروعه بناتُه وبناتُ أولاده وإن سَفَلن.\nوفي فروع أصله الأدنى: أخواته من الأبوين أو من أحدهما؛ وبناتُهن وبنات الإخوة وأولادهم وإن سَفَلن.\nودخل في فروع أصوله البعيدة: العماتُ والخالاتُ وعماتُ الأبوين وخَالاتُهما، وإن عَلَوْن.\n_________\n(^١) في: ١٠ - كتاب الرضاع: ١ - باب ما جاء يحرّم من الرضاع ما يحرّم من النسب ٣/ ٤٥٢ ح ١١٤٦ من رواية علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله حرّم من الرضاعة ما حرم من النسب\".\nوعقب بقوله: وفي الباب عن عائشة وابن عباس وأم حبيبة.\n[و] حديث علي حسن صحيح، والعمل على هذا عند عامة أهل العلم من أصحاب النبي - ﷺ - وغيرهم لا نعلم بينهم في ذلك اختلافًا.","vol":"3","page":1200},{"text":"فلم يبق من الأقارب حلالًا للرجل سوى فروع أصوله البعيدة، وهن بنات العم، وبنات العمات، وبنات الخال، وبنات الخالات.\n* * *\n• والنوع الثاني: ما يحرم من النسب مع سبب آخر، وهو المصاهرة فيحرم على الجل حلائل آبائه، وحلائل أبنائه، وأمهات نسائه، وبنات نسائه الدخول بهن.\nفيحرم على الرجل أم امرأته وأمهاتها من جهة الأم والأب وإن علون، ويحرم عليه بنات امرأته وهن الريائب وبناتهن وإن سفلن، وكذلك بنات بَني زوجته وهن بنات الربائب.\nنص عليه الشافعي ﵀، وأحمد ﵀، ولا يعلم فيه خلاف.\nويحرم عليه أن يتزوّج بامرأة أبيه وإن علا، وبامرأة (١) ابنه وإن سفل.\nودخول هؤلاء في التحريم بالنسب ظاهر؛ لأن تحريمهن من جهة نسب الرجل بسبب المصاهرة.\nوأما أمهات نسائه وبناتُهُنَّ فتحريمهن مع الصاهرة، بسبب نسب المرأة.\nفلم يخرج التحريم بذلك عن أن يكون بالنسب مع انضمامه إلى سبب المصاهرة؛ فإن التَّحريم بالنَّسب المجرد والنسب المضاف إلى المصاهرة، يشترك فيه الرجال والنساء.\nفيحرم على المرأة أن تتزوّج أصولها وإن عَلَوْا، وفروعَها وإن سَفَلُوا، وفروعَ أصلِها الأدنى، وإن سَفَلُوا من أخواتها، وأولاد الإخوة وإن سفلوا، وفروعَ أصولها البعيدة، وهم الأعمام والأخوال، وإن علوا دون أبنائهم.\nفهذا كله بالنسب المجرد؛ وأما بالنسب المضاف إلى المصاهرة؛ فيحرم عليها نكاح أبي زوجها وإن علا، ونكاحُ ابنه وإن سَفَل بمجرد العقد.\nويحرم عليها زوج ابنتها وإن سفلت بالعقد، وزوج أمها وإن علت لكن بشرط الدخول بها.\n* * *","vol":"3","page":1201},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1354>[والقسم الثاني]:</span>\n• والقسم الثاني: التحريم المؤبد على الاجتماع دون الانفراد.\nوتحريمه يختص بالرجال، لاستحالة إباحة جمع المرأة بين زوجين؛ فكل امرأتين بينهما رحم محرم، يحرم الجمع بينهما بحيث لو كانت إحداهما ذكرًا لم يجز له التزوّج بالأخرى، فإنه يحرم الجمع بينهما بعقد النكاح.\n• قال الشعبى: كان أصحابُ محمد - ﷺ - يقولون: \"لا يجمع الرجل بين امرأتين لو كانت إحداهما رجلًا لم يصلح له أن يتزوجها\".\nوهذا إذا كان التحريم لأجل النسب.\nوبذلك فسره سفيان الثوري، وأكثر العلماء.\nفلو كان لغير النسب مثل أن يجمع بين زوجة رجل وابنتِه من غيرها؛ فإنه يباح عند الأكثرين، وكرهه بعض السلف.\nفإذا عُلم ما يحرم من النسب فكل ما يَحْرُمُ منه، فإنه يَحْرُم من الرضاع نظيره.\n• فيحْرُمُ على الرجل أن يتزوج أمهاتِه من الرضاعة وإن علَوْن، وبناتِه من الرضاعة، وإن سَفَلن، وأخواتِه من الرضاعة، وبناتِ أخواته من الرضاعة، وعماتِه وخالاتِه من الرضاعة، وإن علون دون بناتهن.\n• ومعنى هذا: أن المرأة (^١) إذا أرضعت طفلًا: الرضاعَ المعتبر في المدة المعتبرة، صارت أُمًّا له بنص كتاب الله فتَحْرُم عليه هي وأمهاتها، وإن علون من نسب أو رضاع، وتصير بناتها كُلُهنَّ أخواتٍ له من الرضاعة، فيَحْرُمْن عليه بنص القرآن.\n\n<span data-type='title' id=toc-1355>[بقية التحريم من الرضاعة استفيد من السنة]:</span>\n• وبقيةُ التحريم من الرضاعة استفيد من السنة، كما استفيد من السنة أن تحريم الجمع لا يختص بالأختين، بل المرأة وعمتها، والمرأة وخالتها كذلك.\n• وإذا كان أولادُ المرضِعَةِ من نسب أو رضاع إخوةً للمرتضع؛ فيحرم عليه بناتُ إخوته أيضًا.\n_________\n(^١) م: \"المراد\" وهو تحريف.","vol":"3","page":1202},{"text":"• وقد امتنع النبي ﵌ من تزويج ابنة عمه حمزة، وابنة أبي سلمة، وعلّل بأن أبويهما كانا أخوين له من الرضاعة (^١).\n• ويَحْرُمُ عليه أيضًا أخواتُ المرضِعة؛ لأنهن خالاتُه، وينتشر التحريم أيضًا إلى الفحل صاحب اللبن، الذي ارتضع منه الطفل؛ فيصير صاحبُ اللبن أبا الطفل، وتصير أولاده كلّهم من المرضعة أو من غيرها من نسب أو رضاع إخوةً للمرتضِع، ويَصير إخوتُه أعمامًا للطفل المرتضِع.\nوهذا قول الجمهور من السلف.\nوأجمع عليه الأئمة الأربعة، ومَنْ بعدهم.\n• وقد دل على ذلك من السنة ما روت عائشة ﵂: أن أفلح أخا أبي القعيس استأذن عليها بعد ما أنزل الحجاب، قالت عائشة ﵂: فقلت: والله لا آذن حتى أستأذنَ رسولَ الله ﵌، فإن أبا القُعَيْس ليس هو أرضَعَني، ولكن أرضعتني امرأتُه، قالت: فلما دخل رسول الله ﵌ ذكرتُ ذلك له فقال: \"ائذني له\" فإنه عمك تَرِبَتْ يمينُكِ! \".\n• وكان أبو القعيس زوجَ المرأة التي أرضعت عائشة ﵂.\nخرجاه في الصحيحين بمعناه (^٢).\n_________\n(^١) حديث ابنة حمزة متفق عليه وقد مضى قريبًا، وقد روى مسلم في صحيحه قبل حديثه السابق أن علي بن أبي طالب قال: قلت: يا رسول الله! مالك تنوّق في قريش (تتخير) وتدعنا؟ فقال: \"وعندكم شيء؟ \" قلت: نعم؛ بنت حمزة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي هن الرضاعة\". وحديث ابنة أبي سلمة متفق عليه كذلك.\nأخرجه البخاري في ٦٧ - كتاب النكاح: ٢٥ - باب ﴿وربائبكم اللاتي في حجوركم﴾ \" ٩/ ١٥٧ - ١٥٨. ومسلم في: ١٧ - كتاب الرضاع: ٤ - باب تحريم الربيبة وأخت المرأة ٢/ ١٠٧٢ ح ١٥ - (١٤٤٩) وفيهما قول أم حبيبة لرسول الله - ﷺ -: هل لك في أختى بنت أبي سفيان؟ فقال: أفعل ماذا؟ قالت: تنكحها. قال: أو تحبين ذلك؟ قالت: ليست لك بمخلية وأحب من شركني في الخير أختى، قال: \"فإنها لا تحل لي\" قال: فإني أخبرت أنك تخطب درة بنت أبي سلمة؟ قال: بنت أم سلمة؟ قالت: نعم. قال: لو أنها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثويبة؛ فلا تعرضن عليّ بناتكن ولا أخواتكن\". وفي ب: \"ابنة حمزة\" وفي أ: \"وعلل بأن أباهما كانا. . .\".\n(^٢) أخرجه البخاري في: ٦٥ - كتاب التفسير: ٩ - باب ﴿إن تبدوا شيئًا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليمًا﴾ ٨/ ٥٣١ - ٥٣٢ ح ٤٧٩٦.\nومسلم في: ١٧ - كتاب الرضاع: ٢ - باب تحريم الرضاعة من ماء الفحل ٢/ ١٠٦٩ - ١٠٧١ ح ٣ - (١٤٤٥)، ٤ - ١٠ من وجوه عديدة من حديث عائشة.","vol":"3","page":1203},{"text":"• وسئل ابن عباس عن رجل له جاريتان أرضعت إحداهما جارية، والأخرى غلامًا أيحل للغلام أن يتزوج الجارية؟ فقال: لا؛ اللقاح واحد.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1356>[لو كانت مرضعة من غير زواج]:</span>\n• ولو كان اللبن الذي ارتضع به الطفل قد ثاب للمرأة من غير وطْءِ فحل بأن تكون امرأةً لا زوجَ لها قد ثاب لها لبن أو هي بكر أو آيسة؛ فأكثر العلماء على أنه يَحْرُمُ الرضاع به وتصير المرضعة أمًّا للطفل.\nوقد حكاه ابنُ المنذر إجماعًا عمّن يُحْفَظ عنه من أهل العلم.\nوهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحق وغيرهم.\nوذهب الإمام أحمد في المشهور المنصوص عنه إلى أنه لا ينتشر التحريم به بحال حتى يكون له فحلٌ يدر اللبن من رضاعه.\nوحكى عن الشافعي قول مثله.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1357>[لو انقطع النسب من جهة صاحب اللبن]:</span>\n• ولو انقطع نسبه من جهة صاحب اللبن كولد الزنا، فهل تنتشر الحرمة إلى الزاني صاحب اللبن؟ هذا ينبني على أن البنت من الزنا هل تحرم على الزاني أم لا (^١).\n• ومذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك في رواية عنه تحريمها عليه خلافًا للشافعي.\n• وبالغ الإمام أحمد في الإنكار على من خالف في ذلك.\nفعلى قولهم: هل ينتشر التحريم إلى الزاني: صاحب اللبن فيكون أبًا للمرتضع أم لا؟ فيه قولان هما وجهان لأصحابنا.\n• واختار ابنُ حامد أن التحريم لا ينتشر إليه.\n• واختار أبو بكر والقاضي أبو يعلي أن التحريم ينتشر إلى الزاني.\nوهو نص أحمد، وحكاه عن ابن عباس، وهو قول إسحق بن راهويه نقله عنه حرب.\n_________\n(^١) ليست في \"ظ\"، ولا \"د\".","vol":"3","page":1204},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1358>[امتداد التحريم بالرضاع]:</span>\n• وينتشر التحريم بالرضاع إلى ما حرم بالنسب مع الصهر إما من جهة نسب الرجل كامرأة أبيه وابنه، أو من جهة نسب الزوجة كأمها وابنتها، وإلى ما حرم جمعه لأجل نسب المرأة أيضا كالجمع بين الأختين والمرأة وعمتها أو [و] خالتها، فيحرم ذلك كله من الرضاع، كما يحرم من النسب لدخوله في قوله ﵌: \"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب\".\n• وتحريمُ هذا كله للنسب، فبعضه لنسب الزوج، وبعضُه لنسب الزوجة.\nوقد نص على ذلك أئمة السلف، ولا يُعلم بينهم اختلاف، ونص عليه الإمام أحمد واستدل بعموم قوله: \"يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1359>[وحلائل الأبناء]:</span>\n• وأما قوله ﷿: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ (^١) فقالوا: لم يُردْ بذلك أنه لا يحرم حلائلُ الأبناء من الرَّضَاع، إنما أرادَ إخراجَ حلائلِ الذين تُبُنُّوا ولم يكونوا أبناءً من النَّسب، كما تزوج النبيُّ - ﷺ - زوجةَ زيدِ بْنِ حارثة بعد أن كان قد تبنَّاه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1360>[التحريم بالرضاع وإلى من ينتشر؟]:</span>\n• وهذا التحريم بالرضاع يختص بالمرتضِع نفسِه، وينتشِر إلى أولاده، ولا ينتشر تحريمه إلى من في درجة المرتَضَع من إخوته وأخواته، ولا إلى مَن هو (^٢) أعلى منه من آبائه، وأمهاتِه وأعمامِه وعماتِه وأخوالِه وخالاتِه، فتباحُ المرضِعَةُ نَفْسُها لأبي المرتضَع من النسب ولأخيه، وتباح أم المرتضع من النسب وأخته منه لأبي المرتضَع من الرضاع، ولأخيه.\nهذا قول جمهور العلماء وقالوا: يباح أن يتزوج أخت أخيه، من الرضاعة، وأختَ ابنتِه من الرضاعة، حتى قال الشعبي: هي أحل من ماء قدس.\n_________\n(^١) سورة النساء: ٢٣.\n(^٢) ليست في \"ا\"، ولا في ب.","vol":"3","page":1205},{"text":"وصرح بإباحتها حبيب بن أبي ثابت وأحمد (^١).\nوروى أشعث (^٢) عن الحسن أنه كره أن يتزوج الرجل بنت ظئر ابنه، ويقول أخت ابنه، ولم ير بأسًا أن يتزوج أمها؛ يعني ظئر (^٣) ابنه.\nوروى سليمان التيمي، عن الحسن أنه سئل عن رجل يتزوج أختَ أخيه من الرضاعة، فلم يقل فيه شيئًا، وهذا يقتضي توقّفه فيه.\nولعل الحسن إنما كان يكره ذلك؛ تنزيهًا لا تحريمًا لمشابهته للمحَرَّم بالنسب في الاسم.\nوهذا بمجرده لا يوجب تحريمًا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1361>[ما يستثنى مما يحرم بالنسب]:</span>\n• وقد استثنى كثير من الفقهاء من أصحابنا وغيرِهم مما يَحْرُمُ من النسب صورتين فقالوا: لا يَحْرُم نظيرها من الرضاع.\n• إحداهما: أم الأخت، فتحْرُم من النسب، ولا تحرم من الرضاع.\n• والثانية أخت الابن فتحرم من النسب دون الرضاع ولا حاجة إلى استثناء هذين ولا أحدهما.\nأما أم الأخت، فإنما تحرُم من النسب؛ لكونها أمًا أو زوجة أب لا لمجرد كونها أم أخت، فلا يعلّق التحريم بما لم يعلّقه الله به.\nوحينئذٍ فيوجد في الرضاع من هي أم أخت (^٤) ليست أمًا ولا زوجة أب فلا تحرم؛ لأنها ليست نظيرًا لذات النسب.\nوأما أخت الابن فإن الله تعالى إنما حرم الربيبة المدخول بأمها، فتحرم لكونها ربيبة دخل بأمها لا لكونها أخت ابنه، والدخول في الرضاع منتف؛ فلا تحرم به أولاد المرضِعة.\n_________\n(^١) ليست في \"أ\".\n(^٢) م: \"الأشعث\".\n(^٣) ظأرت المرأة والناقة على ولد غيرها ظأرا، وظئارًا؛ عطفت عليه.\nوالظِّأر: كل شيء مع مثله.\nوالظَّئْر: المرضعة لغير ولدها، ويطلق على زوجها أيضًا.\nراجع المعجم الوسيط ٢/ ٥٨٠.\n(^٤) \"ا\"، ب: \"أخ\".","vol":"3","page":1206},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1362>[وما الذي يدخل في عموم الحديث؟]:</span>\n• ومما قد يدخل في عموم قوله \"يحرمُ من الرضاع ما يحرمُ من النسب\" لو ظاهر من امرأته فشبهها بمحرمة من الرضاع فقال لهات أنتِ على كأمي من الرضاع، فهل يثبت بذلك تحريم الظهار أم لا؟\nفيه قولان:\nأحدهما: أنه يثبت به تحريم الظهار وهو قول الجمهور ومنهم: مالك والثوري وأبو حنيفة والأوزاعي والحسن بن صالح وعثمان البَتِّي (^١).\nوهو المشهور عن أحمد.\nوالثاني: لا يثبت به التحريم، وهو قول الشافعي، وتوقف فيه أحمد في رواية ابن منصور.\n_________\n(^١) م: \"التيمي\" وهو تحريف؛ فهو عثمان البتي، وفي هامش ب: البتّ: الكساء، جمعه بتوت. وعثمان هذا كان يبيعُ البتوت.","vol":"3","page":1207},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1363>الحديث الخامس والأربعون</span>\nعَنْ جابِرٍ - ﵁ - أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - عامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بمَكَّةَ يَقُولُ:\n\"إِنَّ الله ﷿ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْع الْخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالْخَنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ! أَرَأيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ وَيُدْهَنُ بِهَا الجلودُ وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ قَالَ: لَا، هُوَ حَرَامٌ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عِنْدَ ذلِكَ: قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ! إِنَّ الله حَرَّمَ عَلَيهِمْ الشُّحُومَ فَأَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ\". خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1364>[تخريج الحديث]:</span>\n• هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من حديث يزيد بن أبي حبيب عن عطاء عن جابر (^١).\n• وفي رواية مسلم أن يزيد قال: كتب إليَّ عطاء فذكره (^٢).\nولهذا قال أبو حاتم الرازي (^٣): \"لا أعلم يزيد بن أبي حبيب، سمع من عطاء شيئًا\" يعني: أنه إنما يروي عنه كتابه.\nوقد رواه أيضًا يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد بن عبدة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﵌ بنحوه (^٤).\n• وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: \"بلغ عمر أن رجلًا باع خمرًا\" فقال: قاتله الله! ألم يعلم أن رسول الله ﵌ قال: \"قاتل الله اليهود! حرمت\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ٣٤ كتاب البيوع: ١٠٢ - باب بيع الميتة والأصنام ٤/ ٤٢٤ ح ٢٢٣٦، وانظر طرفيه في ٤٢٩٦، ٤٦٣٣.\nومسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة: ١٣ - باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ٣/ ١٢٠٧ ح ٧١ - (١٥٨١).\n(^٢) عقب الرواية السابقة.\n(^٣) في العلل ١/ ٣٨٢.\n(^٤) انظر ما رواه أحمد في المسند ١١/ ٢٠٢ (المعارف) بإسناد صحيح من رواية أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، من جده عبد الله بن عمرو.\nومن حديث عبد الله بن عمرو أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ٩٠ - ٩١ وقال: رواه أحمد والطبراني في الأوسط؛ إلا أنه قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن ثمن الكلب، وثمن الخنزير، وعن مهر البغي، وعن عسب الفحل، ورجال أحمد ثقات، وإسناد الطبراني حسن.","vol":"3","page":1209},{"text":"عليهم الشحوم فجملوها فباعوها؟ \" (^١).\n• وفي رواية: \"وأكلوا أثمانها\" (^٢).\n• وخرجه أبو داود (^٣) من حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - نحوه وزاد فيه: \"وإن الله إذا حرّم أكل شيء حرم عليهم ثمنه\" (^٤).\n• وخرجه ابن أبي شيبة ولفظه: إن الله إذا حَرّم شيئًا حرم ثمنه (^٥).\n• وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله وآله وسلم قال: \"قاتلَ الله اليهودَ حُرّمتْ عليهم الشّحُومُ فباعُوها وأكلوا ثمنَها (^٦).\n• وفي الصحيحين عن عائشة قالت: \"لما أنزلت الآيات من آخر سورة البقرة خرج رسول الله ﵌ فاقترأهُنَّ على الناس ثم نَهَى عن التجارة في الخمر\" (^٧).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ٣٤ - كتاب البيوع: ١٠٣ - باب لا يذاب شحم الميتة، ولا يباع ودكه - رواه جابر ﵁، عن النبي - ﷺ - ٤/ ٤١٤.\nوفي: ٦٠ - كتاب أحاديث الأنبياء: ٥٠ - باب ما ذكر عن بني إسرائيل ٦/ ٤٩٦ ح ٣٤٦٠ ومسلم في الموضع السابق عقب حديث جابر ح ٧٢ - (١٥٨٢) وفيه: ألم يعلم أن رسول الله - ﷺ - قال: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم؛ فجملوها فباعوها.\n(^٢) أخرجه البخاري عقب حديث ابن عباس في الموضع الأول ح ٢٢٢٤.\nومسلم في الموضع السابق عقب حديث ابن عباس ح ٧٣ - (١٥٨٣)، ٧٤ - (. . .) كلاهما من حديث أبي هريرة.\n(^٣) أخرجه أبو داود في: ١٧ - كتاب البيوع والإجارات: ٦٦ - باب في ثمن الخمر والميتة ٣/ ٧٥٨ ح ٣٤٨٨ وانظره في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٦٦٧ ح ٢٩٧٨.\n(^٤) الذي في السنن:. . . حرم على قوم. . .\".\n(^٥) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ١٠٠ - ١٠١، ح ٤٢٢ من رواية عبد الأعلى، عن خالد، عن أبي الوليد، عن ابن عباس رفعه قال:\n\"إن الله إذا حرّم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه\".\nوانظر أطرافه في أحاديث ٤٢٧، ١٦٥٦، ٢٢٨٦، ١٨٧٩١ من المصنف.\n(^٦) أخرجه البخاري في: ٣٤ - كتاب البيوع: ١٠٣ - باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع ودكه ٤/ ٤١٤ ح ٢٢٢٤ باللفظ المذكور.\nومسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة: ١٣ - باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ٣/ ١٢٠٨ ح ٧٤ - (. . .).\n(^٧) أخرجه البخاري في: ٨ - كتاب الصلاة: ٧٣ - باب تحريم تجارة الخمر في المسجد ١/ ٥٥٣ - ٥٥٤ ح ٤٥٩.\nوأطرافه في: ٢٠٨٤، ٢٢٢٦، ٤٥٤٠، ٤٥٤١، ٤٥٤٢، ٤٥٤٣.\nقال ابن حجر في الموضع الأول: قال القاضي عياض: كان تحريم الخمر قبل نزول آية الربا بمدة طويلة؛ فيحتمل أنه - ﷺ - أخبر بتحريمها مرة بعد أخرى تأكيدًا، قال ابن حجر: قلت: ويحتمل أن يكون تحريم التجارة فيها تأخر عن وقت تحريم عينها، والله أعلم.\nوالحديث أخرجه مسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة: ١٢ - باب تحريم الخمر ٣/ ١٢٠٦ ح ٦٩ - (١٥٨٠) باللفظ المذكور؛ إلا أن فيه: \"لما نزلت\" وعند البخاري في الموضع الأول: \"لما أنزلت الآيات. . . الحديث بنحوه.","vol":"3","page":1210},{"text":"• وفي رواية لمسلم: لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا خرج رسول الله - ﵌ - إلى المسجد؛ فحرم التجارة في الخمر (^١).\n• وخرج مسلم من حديث أبي سعيد عن النبي - ﵌ - قال: \"إن الله حرم الخمر فمن أدركته هذه الآية وعنده منها شيء فلا يشربْ ولا يبعْ\" قال: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها في طريق المدينة فسفكوها (^٢).\n• وخرج أيضًا من حديث ابن عباس أن رجلًا أهدى لرسول الله - ﷺ - راويةَ خمرٍ؛ فقال له رسولُ اللّه - ﵌ -: \"هل عَلِمتَ أن اللّه قد حَرّمها؟ \"، قال: لا، قال: فَسَارَّ إنسانًا، فقال له رسول اللّه - ﷺ -: \"بم سَاررتَه\"؟ قال: أمَرْته ببيعها؟ قال: \"إنَّ الذي حَرّم شُرْبَهَا حَرّم بيعَه\" قال: \"ففتح المزادة (^٣) حتى ذَهَبَ ما فيها\" (^٤).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1365>[وحاصل هذه الأحاديث]:</span>\n• فالحاصل من هذه الأحاديث كلها أن ما حرم اللّه الانتفاع به؛ فإنه يحرُم بيعُه وأكلُ ثمنه؛ كما جاء مصرّحًا به في الرواية المتقدمة: \"إن اللّه إذا حَرّم شيئًا حرَّم ثمنَه\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1366>[ما يحرم الانتفاع به قسمان]:</span>\n• وهذه كلمة عامة جامعة تطّرد في كل ما كان المقصودُ من الانتفاع به حرامًا، وهو قسمان:\n_________\n(^١) أخرجه مسلم عقب الرواية السابقة، بهذا اللفظ؛ إلا أن في أوله: \"لما أنزلت … \".\n(^٢) أخرجه مسلم أول الباب السابق ح ٦٧ - (١٥٧٨) من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: سمعت رسول اللّه - ﷺ - يخطب بالمدينة، قال: \"يأيها الناس! إن اللّه تعالى يعرض بالخمر، ولعل اللّه سينزل فيها أمرًا؛ فمن كان عنده منها شيء فليبعه به ولينتفْع به\" قال: فما لبثنا إلا يسيرًا حتى قال النبي - ﷺ -: إن الله تعالى حرم الخمر … الحديث.\n(^٣) ا، ب: \"المزاد\" وهما روايتان بمعنى وكلاهما صحيح.\nانظر هامش مسلم وشرح النووي.\n(^٤) أخرجه مسلم عقب الحديث السابق ح ٦٨ - (١٥٧٩) باللفظ المذكور وفيه: أن عبد الرحمن بن وعلة - من أهل مصر - سأل عبد اللّه بن عباس عما يعصر من العنب؟ فقال ابن عباس: إن رجلًا أهدى لرسول اللّه - ﷺ - راوية خمر … الحديث.","vol":"3","page":1211},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1367>[القسم الأول: ما ينتفع به مع بقاء عينه]:</span>\n• أحدهما: ما كان الانتفاع به حاصلًا مع بقاء عينه كالأصنام؛ فإن منفعَتها المقصودَةَ منها: الشركُ (^١) باللّه، وهو أعظم المعاصي على الإطلاق.\nويلتحق بذلك:\nما كانت منفعته محرمة؛ ككتب الشرك والسحرِ والبدعِ والضلالِ.\nوكذلك الصور المحرمة، وآلاتُ الملاهي المحرمة كالطنبور، وكذلك شراء الجواري للغناء.\nوفي المسند عن أبي أمامة عن النبي - ﵌ - قال: \"إن اللّه بعثني رحمةً وهُدىً للعالمين، وأمرَني أن أمحَقَ المزامير والكَنَّارات يعني البَرَابِط (^٢)، والمعازِفَ والأوثانَ التي كانت تُعْبَدُ في الجاهلية، وأقسم ربي بعزته لا يشرب عبدٌ من عبيدي جُزعةً من خمر إلا سقيتُه مكانَها من حَمِيم جهنَّم مُعَذَبًا أو مغفورًا له، ولا يُسْقاها صبيًّا صغيرًا؛ إلا سقيتُه مكانَها من حَمِيم جهنم معذبًا أو مغفورًا له\".\n\"ولا يدعها عبد من عبيدي من مخافتي إلا سقيتها إياه في حظيرة القدس، ولا يحل بيعهنّ ولا شراؤُهُنَّ ولا تعليمهن، ولا تجارةٌ فيهن، وأثمانُهنَّ حَرَامٌ: للمغنيات\" (^٣).\n*وخرجه الترمذي (^٤).\n_________\n(^١) ا، ب: \"هو الشرك\".\n(^٢) الكنارات: جمع كنارة بفتح الكاف وكسرها العود أو الدف الذي تضرب به النساء، أو الطنبور، أو الطبل، والجمع كنانير.\nمعجم وسيط ٢/ ٨٠٦.\nوالبرابط: جمع بَرْبَط: العود من آلات الموسيقا، ومعناه: صدر البط معرب.\nمعجم وسيط ١/ ٤٦.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٢٥٧ (حلبي) وفيه الكفارات وهو تحريف.\nوأورده الهيثمي في المجمع ٥/ ٦٩ من حديث أبي أمامة وقال:\nرواه كله أحمد والطبراني وفيه علي بن يزيد وهو ضعيف.\n(^٤) في: ٤٨ - كتاب تفسير القرآن: ٣٢ - باب ومن سورة لقمان ٥/ ٣٤٥ - ٣٤٦ ح ٣١٩٥ من رواية قتيبة بن سعيد، عن بكر بن مضر، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة، عن رسول الله - ﷺ - قال: لا تبيعوا القينات ولا تشتروهن ولا تعلموهن ولا خير في تجارة فيهن وثمنهن حرام، في مثل ذلك أنزلت عليه هذه الآية: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. إلى آخر الآية. =","vol":"3","page":1212},{"text":"ولفظه: \"لا تبيعوا القَيْنَات، ولا تشتروهن، ولا تعملوهن ولا خير في تجارة فيهن، وثمنهن حرام\".\nوفي مثل ذلك أنزل اللّه -: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ - الآية وخرجه ابن ماجه أيْضًا (^١).\nوفي إسناد الحديث مقال (^٢).\nوقد روي نحوه من حديث عمر - ﵁ -، وعلي - ﵁ -، بإسنادين فيهما ضعف (^٣) أيضًا.\n_________\n= قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، إنما يروى من حديث القاسم، عن أبي أمامة، والقاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث، قال:\nسمعت محمدًا يقول: القاسم ثقة، وعلي بن يزيد يضعف.\n(^١) أخرجه ابن ماجه في ١٣ - كتاب التجارات:١١ - باب ما لا يحل بيعه ٢/ ٧٣٣ ح ٢١٦٨ من طريق أبي المهلب، عن عبيد الله الأفريقي، عن أبي أمامة قال: \"نهى رسول اللّه - ﷺ - عن بيع المغنيات، وعن شرائهن، وعن كسبهن، وعن أكل أثمانهن\".\n(^٢) وعبيد اللّه الأفريقي؛ هو عبيد اللّه بن زَحْر الضمري الأفريقي، ودخل العراق في طلب العلم. روى عن علي بن يزيد الألهاني نسخة والأعمش وجماعة. وأرسل عن أبي أمامة، وأبي العالية. وروى عنه يحيى بن سعيد الأنصاري، وضمام بن إسماعيل وغيرهما.\nضعفه أحمد، ويحيى بن معين، والدارمي، وابن المديني، والدارقطني.\nأما أحمد بن صالح فوثقه، وقال أبو زرعة: لا بأس به، وقال الخطيب: كان رجلًا صالحًا وفي حديثه لينِ.\nوأما ابن المديني فكان يقول: منكر الحديث، وقال ابن حبان: يروى الموضوعات عن الأثبات، فإذا روى عن علي بن يزيد أتى بالطامات، وإذا اجتمع في إسناد خبر: عبيد اللّه بن زحر وعلي بن يزيد، والقاسم أبو عبد الرحمن لم يكن من ذلك الخبر؛ إلا مما عملته أيديهم وليس في الثلاثة من اتهم؛ إلا علي بن زيد؛ وأما الآخران فهما في الأصل صدوقان، وإن كانا يخطئان، ولم يخرج البخاري من رواية ابن زحر، عن علي بن يزيد شيئًا فإذا أضفنا إلى هذا ما قال ابن عدي في ترجمة علي بن يزيد بعد أن أورد أحاديث منكرة له: \"ولعلي بن يزيد أحاديث ونسخ غير ما ذكرت وهو في نفسه صالح؛ إلا أن يروى عنه ضعيف فيؤتى من قبل ذلك الضعيف\".\nفسواء أكان الطعن في الإسناد من قبل علي هذا أو من قبل عبيد الله ذاك فقد تبين ما يشير إليه ابن رجب: أن في الحديث مقالًا.\nراجع الكامل ٥/ ١٧٨ - ١٧٩، والتهذيب ٧/ ١٢ - ١٣.\nوقد أورد ابن كثير في هذا الحديث في التفسير ٣/ ٤٤٢ عن الترمذي وذكر تعقيبه ثم قال: علي وشَيْخه والراوي عنه كلهم ضعفاء، والله أعلم.\n(^٣) أوردهما الهيثمي في المجمع ٤/ ٩١ فقال:\nوعن عمر بن الخطاب أن رسول - ﷺ - قال: \"القينة سحت، وغناؤها حرام، والنظر إليها حرام، وثمنها مثل ثمن الكلب، وثمن الكلب سحت، ومن نبت لحمه على السحت فالنار أولى به\". =","vol":"3","page":1213},{"text":"ومن يحرم الغناء كأحمد ومالك فإنهما يقولان: إذا بيعت الأمة المغنية، تباع على أنها ساذجة، ولا يؤخذ لغنائها ثمن، ولو كانت الجارية ليتيم، ونص على ذلك أحمد.\nولا يَمنع الغناء من أصل بيع العبد والأمة؛ لأن الانتفاعَ به في غير الغناء حاصل بالخدمة وغيرها.\nوهو من أعظم مقاصد الرقيق.\nنعم لو علم أن المشتري لا يشتريه إلا للمنفعة المحرمة منه، لم يجز بيعه له عند الإمام أحمد، وغيره من العلماء، كما لا يجوز بيعُ العَصير ممن يتخذه خمرًا، ولا بيع السلاح في الفتنة، ولا بيعُ الرياحين والأقداح لمن يعلم أنه يشرب عليها الخمر، أو الغلام لمن يعلم منه الفاحشة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1368>[والقسم الثاني ما ينتفع به مع إتلاف عينه]:</span>\n• القسم الثاني: ما (^١) ينتفع به مع إتلاف عينه.\nفإذا كان المقصود الأعظم منه محرمًا فإنه يحرم بيعه كما يحرم بيع الخنزير والخمر والميتة مع أن في بعضها منافع غير محرمة؛ كأكل الميتة للمضطر، ودفع الغصة بالخمر، وإطفاء الحريق به، والخرْز بشعر الحرير عند قوم، والانتفاع بشعره وجلده عند من يرى ذلك؛ ولكن لما كانت هذه المنافع غير مقصودة لم يعبأ بها، وحرم البيع؛ لكون المقصود الأعظم من الخنزير والميتة أكلهما. ومن الخمر شربها، ولم يلتفت إلى ما عدا ذلك، وقد أشار - ﵌ - إلى هذا المعنى لما قيل له: أرأيت شحوم الميتة؛ فإنها يطلى بها السفن، ويدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: \"لا؛ هو حرام\" (^٢).\n* * *\n_________\n= رواه الطبراني وفيه يزيد بن عبد الملك النوفلي وهو متروك، ضعفه جمهور الأئمة، ونقل عن ابن معين في رواية: لا بأس به، وضعفه في أخرى.\nوعن علي قال: نهى رسول اللّه - ﷺ - عن بيع المغنيات والنواحات وشرائهن وبيعهن، وقال: \"كسبهن حرام\".\nرواه أبو يعلى وفيه ابن نبهان وهو متروك.\n(^١) م: \"لا ينتفع\".\n(^٢) هو حديث جابر (الخامس والأربعون)، والذي تقدم سياقه ص ١٢٠٩.","vol":"3","page":1214},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1369>[معنى قوله - ﷺ -: هو حرام]:</span>\n• وقد اختلف الناس في تأويل قوله - ﵌ -: \"هو حرام\":\n• فقالت طائفة: أراد: أن هذا الانتفاع المذكور بشحوم الميتة حرام.\nوحينئذ فيكون ذلك تأكيدًا للمنع من بَيْع الميتة؛ حيث لم يجعل شيئًا من الانتفاع بها مباحًا.\n• وقالت طائفة: بل أراد أن بيعها حرام، وإن كان قد يُنتفع بها بهذه الوجوه.\nلكن المقصود من الشحوم، هو الأكل؛ فلا يباح بيعها لذلك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1370>[الانتفاع بشحوم الميتة]:</span>\n• وقد اختلف العلماء في الانتفاع بشحوم الميتة.\n• فرخص فيها عطاء، وكذلك نقل ابن منصور عن أحمد وإسحق؛ إلا أن إسحاق قال: إذا احتيج إليه.\nوأما إذا وجد عنه مندوحة فلا.\n• وقال أحمد: يجوز إذا لم يمسه بيده.\n• وقالت طائفة: لا يجوز ذلك، وهو قول مالك والشافعي، وأبي حنيفة.\nوحكاه ابن عبد البر إجماعًا من غير عطاء.\n\n<span data-type='title' id=toc-1371>[الأدهان الطاهرة إذا تنجست]:</span>\n• وأما الأدهان الطاهرة إذا تنجست بما وقع فيها من النجاسات؛ ففي جواز الانتفاع بها بالاستصباح ونحوه اختلاف مشهور في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما.\nوفيه روايتان عن أحمد.\n• وأما بيعها فالأكثرون على أنه لا يجوز بيعها.\nوعن أحمد رواية بجواز بيعها من كافر، ويُعْلَم بنجاستها.\nوهو مروي عن أبي موسى الأشعري.","vol":"3","page":1215},{"text":"• ومن أصحابنا من خرج جواز بيعها على جواز الاستصباح بها وهو ضعيف مخالف لنص أحمد بالتفرقة؛ فإن شحوم الميتة لا يجوز بيعها، وإن قيل بجواز الانتفاع بها.\n• ومنهم من خرجه على القول بطهارتها بالغسل؛ فيكون - حينئذ - كالثوب المتضمخ بنجاسة.\nوظاهر كلام أحمد منع بيعها مطلقًا؛ لأنه علل بأن الدهن المتنجس فيه ميتة والميتة لا يؤكل ثمنها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1372>[بقية أجزاء الميتة]:</span>\nوأما بقية أجزاء الميتة فَمَا حكم بطهارته منها جاز بيعه؛ لجواز الانتفاع به، وهذا كالشَّعَر، والقَرْن، عند من يقول بطهارتهما.\nوكذلك الجلد عند من يرى أنه طاهر بغير دباغ.\nكما حكي عن الزهري، وتبويب البخاري يدل عليه.\nواستدل بقوله: \"إنما حُرِّمَ من الميتة أكلُها\".\n• وأما الجمهور الذين يرون نجاسة الجلد قبل الدباغ؛ فأكثرهم منعوا من بيعه حينئذ؛ لأنه جزء من الميتة، وشذ بعضهم فأجاز بيعَه كالثوب النجس، ولكن الثوب طاهر طرأت عليه النجاسة، وجلد الميتة جزء منها، وهو نجس العين.\n• وقال سالم بن عبد الله بن عمر: \"هل بيع جلود الميتة إلا كأكل لحمها!؟ \".\nوكرهه طاووس وعكرمة (^١).\n• وقال النخعي: كانوا يكرهون أن يبيعوها؛ فيأكلوا أثمانها (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1373>[وإذا دبغت؟]:</span>\nوأما إذا دبغت فمن قال بطهارتها بالدبغ أجاز بيعها.\n_________\n(^١) كما رواه ابن أبي شيبة في المصنف ٦/ ١٠٠ ح ٤٣٠.\n(^٢) المصنف ٦/ ١٠١ ح ٤٢٤ و٤٢٥.","vol":"3","page":1216},{"text":"ومن لم ير طهارتها بذلك لم يُجِزْ بيعَها.\n• ونص أحمد على منع بيع القمح؛ إذا كان فيه بول الحمار حتى يُغْسَلَ.\nولعله أراد بيعه ممن لا يعلم بحاله خَشية أن يأكله، ولا يعلم نجاسته.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1374>[ثمن الكلب]:</span>\nوأما الكلب؛ فقد ثبت في الصحيحين عن أبي مسعود الأنصاري (^١) أن رسولَ اللّه - ﷺ - \"نهى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ\".\n• وفي صحيح مسلم عن رافع بن خديج، سمع النبي - صلى اللّه وآله وسلم - يقول: \"شَرُّ الكَسْبِ مَهرُ البغيّ، وثمنُ الكَلْب، وكَسْبُ الحجّام\" (^٢).\nوفيه عن معقل الجزري، عن أبي الزبير قال: سألتُ جابرًا عن ثمن الكلب والسِّنَّور، فقال: \"زَجَر النبي - ﷺ - عن ذلك\" (^٣).\nوهذا إنما يعرف عن أبي لهيعة عن أبي الزبير.\n• وقد استنكر الإمام أحمد روايات معقل عن أبي الزبير، وقال: هي تشبه أحاديثَ ابن لهيعة.\nقد تُتُبِّعَ ذلك فوُجد كما قاله أحمد ﵀.\nوقد اختلف العلماء في بيع الكلب؛ فأكثرهم حرموه؛ منهم: الأوزاعي، ومالك في المشهور عنه، والشافعي، وأحمد، وإسحق وغيرهم.\n• وقال أبو هريرة هو سُحت (^٤).\n• وقال ابن سيرين: هو أخبث الكسب (^٥).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ٣٤ - كتاب البيوع: ١١٣ - باب ثمن الكلب ٤/ ٤٢٦ ح ٢٢٣٧.\nوأطرافه في: ٢٢٨٢، ٥٣٤٦، ٥٧٦١.\nوأخرجه مسلم في: ٢٢ - كتاب المساقاة: ٩ - باب تحريم ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغيِّ والنهي عن بيع السنّور ٣/ ١١٩٨، ح ٣٩ - (١٥٦٧) من حديث أبي مسعود أن رسول اللّه - ﷺ - نهى عن ثمن الكلب ومهر البغيّ [جُعل الزانية] وحلوان الكاهن [أجر الكاهن على كهانته].\n(^٢) عقب روايات حديث أبي مسعود.\n(^٣) عقب روايات حديث رافع بن خديج.\n(^٤) المصنف ٦/ ٢٤٣ ح ٩٤٧.\n(^٥) المصنف ٦/ ٢٤٥ - ٢٤٦ ح ٩٥٤.","vol":"3","page":1217},{"text":"• وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: ما أبالي ثمن كلب أكلت أو ثمن خنزير (^١).\n• وهؤلاء لهم مآخذ.\n• أحدها: أنه إنما نهى عن بيعها لنجاستها، وهؤلاء التزموا تحريمَ بيع كل نجس العين.\nوهذا قول الشافعي وابن جرير الطبري، ووافقهم جماعة من أصحابنا كابن عقيل في \"نظرياته\" وغيره والتزموا: أن البغل والحمار إنما نجيز بيعَهُما إذا لم نقل بنجاستهما.\nوهذا مخالف للإجماع.\n• والثاني: أن الكلب لم يُبَحْ الانتفاعُ به وافتناؤُه مطلقًا كالبغل والحمار، وإنما أبيحَ اقتناؤُه لحاجاتٍ مخصوصة؛ وذلك لا يبيح بيعه؛ كما لا تُبيحُ الضرورة إلى الميتة والدم بيعهما.\nوهذا مأْخذ طائفة من أصحابنا وغيرهم.\n• والثالث: أنه إنما نهى عن بيعه لخسَّتِهِ، ومهانته؛ فإنه لا قيمة له إلا عندَ ذوي الشُّحِّ والمهانة، وهو متيسر الوجود، فنهى عن أخذ ثمنه ترغيبًا في المواساة بما يفضل منه عن الحاجة. وهذا مأخذ الحسن البصري وغيره من السلف.\nوكذا قال بعض أصحابنا في النهي عن بيع السّنَّور.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1375>[كلب الصيد]:</span>\nورخصت طائفة في بيع ما يباح اقتناؤه من الكلاب ككلب الصيد وهو قول عطاء والنخعي وأبي حنيفة رحمه اللّه تعالى وأصحابه، ورواية عن مالك.\nوقالوا: إنما نُهِيَ عن بيع ما يَحْرُمُ اقتناؤهُ منها.\nورَوَى حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر: أن النبي - ﷺ - نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كَلْبَ صيد.\nخرجه النسائي، وقال: هو حديثٌ مُنْكَر، وقال أيضًا: ليس بصحيح (^٢).\n_________\n(^١) المصنف ٦/ ٢٤٥ ح ٩٥٥.\n(^٢) أخرجه النسائي في السنن: ٤٢ - كتاب الصيد والذبائح: ١٦ - الرخصة في ثمن كلب الصيد ٧/ ١٩٠ - ١٩١ ح ٤٢٩٥ رواية عن إبراهيم بن الحسن المقَسَمي عن حجاج بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر، أن رسول الله - ﷺ - نهى عن ثمن السنور والكلب. =","vol":"3","page":1218},{"text":"• وذكر الدارقطني أن الصحيح وقفه على جابر (^١).\n• وقال أحمد: لم يصح عن النبي - ﷺ - رخصة في كلب الصيد (^٢).\nوأشار البيهقي (^٣) وغيره إلى أنه اشتبه على بعض الرواة هذا الاستثناء فظنه من البيع وإنما هو من الاقتناء.\nوحماد بن سلمة في رواياته عن أبي الزبير ليس بقوي.\nومن قال: إن هذا الحديث على شرط مسلم كما ظنه طائفة من المتأخرين فقد أخطأ؛ لأن مسلمًا لم يخرّج لحماد بن سلمة عن أبي الزبير شيئًا، وقد بين في كتاب \"التمييز\" (^٤) أن رواياته عن كثير من شيوخه أو أكثرهم غير قوية.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1376>[بيع الهر]:</span>\n• فأما بيع الهر فقد اختلف العلماء في كراهته:\nفمنهم من كرهه، وروي ذلك عن أبي هريرة، وجابر، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وجابر بن زيد، والأوزاعي، وأحمد في رواية عنه، وقال: هو أهونُ من جلود السباع.\nوهذا اختيار أبي بكر من أصحابنا، ورخص في بيع الهر ابن عباس، وعطاء في رواية الحسن، وابن سيرين، والحكم، وحماد (^٥) وهو قول الثوري، وأبي حنيفة ﵀\n_________\n= وقد عقب أبو عبد الرحمن بقوله:\nوحديث حجاج عن حماد بن سلمة ليس هو بصحيح.\nأما الحكم على الحديث بالنكارة فلم يرد في المجتبى.\n(^١) راجع سنن الدارقطنيّ ٣/ ٧٣ ح ٢٧٤ - ٢٧٨ والتعليق المغني ففيهما تأكيد ذلك.\n(^٢) أي في البيع والشراء وأخذ البائع الثمن من المشتري لا في الاقتناء فقد صحت به الأحاديث في الصحاح والسنن وراجع صحيح مسلم، فقد روي من حديث ابن عمر وأبي هريرة، وأبي سفيان بن أبي زهير الترخيص في اقتناء كلب الصيد والحراسة.\nونص حديث ابن عمر في إحدى رواياته أن النبي - ﷺ - قال: \"من اقتنى كلبًا؛ إلا كلب صيد أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراطان\".\n٢٢ - كتاب المساقاة: ١٠ - باب الأمر بقتل الكلاب وبيان نسخه، وبيان تحريم اقتنائها؛ إلا لصيد أو زرع أو ماشية ونحو ذلك ٣/ ١٢٠٠ - ١٢٠٤ ح ٤٣ - (١٥٧٠) إلى ح ٦١ - (١٥٧٦).\n(^٣) في السنن ٦/ ٧.\n(^٤) التمييز لمسلم ص ١٧٠ - ١٧١.\n(^٥) م: \"وهناد\".","vol":"3","page":1219},{"text":"تعالى، ومالك، والشافعي، وأحمد في المشهور عنه.\n• وعن إسحاق روايتان.\n• وعن الحسن أنه كره بيعَها، ورخّص في شرائها للانتفاع بها.\nوهؤلاء منهم من لم يصحح النهي عن بيعها؛ قال أحمد: ما أعلم فيه شيئًا يثبت أو يصح.\nوقال أيضًا: الأحاديث فيه مضطربة.\n• ومنهم من حمل النهي على ما لا نفع فيه كالبرّي ونحوه.\n• ومنهم من قال: إنما نُهي عن بيعها؛ لأنه دناءة، وقلةُ مروءة؛ لأنها متيسرة الوجود والحاجة إليها داعية؛ فهي من (^١) مرافق الناس التي لا ضرر عليهم في بذل فضلها.\nفالشحُّ بذلك من أقبح الأخلاق الذميمة، فلذلك زجر عن أخذ ثمنها.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1377>[حكم بقية الحيوانات التي لا تؤكل كالحشرات]:</span>\n• وأما بقية الحيوانات التي لا تؤكل؛ فما لا نفع فيه كالحشرات ونحوها، لا يجوز بيعُه، وما يُذْكَر من نفع في بعضها فهو قليل، فلا يكونُ مبيحًا للبيع، كما لم يبح النبي - ﷺ - بيع الميتة؛ لما ذكر له ما فيها من الانتفاع.\nولهذا كان الصحيح أنه لا يباح بيع العَلُق (^٢) لمصّ الدم، ولا الديدان للاصطياد، ونحو ذلك.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1378>[ما يستخدم في الاصطياد]:</span>\n• وأما ما فيه نفع للاصطياد منها؛ كالفهد والبازي والصقر؛ فحكى أكثر الأصحاب في جواز بيعها، روايتين عن أحمد.\n_________\n(^١) ليست في م.\n(^٢) العلق: جمع علقة، والمراد بها هنا دودة في الماء تمص الدم.\nمختار: (علق).","vol":"3","page":1220},{"text":"ومنهم من أجاز بيعها، وذكر الإجماع عليه، وتأول رواية الكراهة كالقاضي أبي يعلى في \"المجرد\".\nومنهم من قال: لا يجوز بيع الفهد والنسر.\nوحكى فيه وجهًا آخر بالجواز، وأجاز بيعَ البزاة والصقور، ولم يحك فيه خلافًا.\nوهو قول أبي موسى وأجاز بيعَ الصقر والبازي والعُقَابِ ونحوهِ أكثرُ العلماء؛ منهم: الثوريُّ، والأوزاعيُّ، والشافعيُّ، وإسحقُ.\nوالمنصوص عن أحمد في أكثر الروايات عنه جوازُ بيعها.\nوتوقف في رواية عنه في جوازه إذا لم تكن مُعَلّمةً.\n* قال الخلال: العمل على ما رواه الجماعة: أنه يجوزُ بيعُها بكل حال.\nوجعل بعض أصحابنا الفيلَ حكمه حكم الفهد ونحوه وفيه نظر.\n* والمنصوص عن أحمد في رواية حنبل؛ أنه لا يحل بيعه، ولا شراؤه وجعلَه كَالسَّبُع.\n* وحُكي عن الحسن أنه قال: لا يركب ظهره وقال: هو مسخ.\nوهذا كله يدل على أنه لا منفعة فيه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1379>[بيع الدب]:</span>\nولا يجوز بيع الدب؛ قاله القاضي في \"المجرد\".\nوقال ابن أبي موسى: لا يجوز بيعُ القرد.\nقال ابن عبد البر: لا أعلم في ذلك خلافًا بين العلماء.\nوقال القاضي في \"المجرد\": إن كان يُنتفع به في موضع؛ لحفظ المتاع؛ فهو كالصقر والبازي، وإلا؛ فهو كالأسد.\nلا يجوز بيعه.\nوالصحيح: المنع مطلقًا، وهذه المنفعة يسيرة، وليست هي المقصودةَ منه؛ فلا يبيح البيع كمنافع الميتة.\nومما نهي عن بيعه: جِيفُ الكفار إذا قُتلوا.","vol":"3","page":1221},{"text":"خرج الإمام أحمد من حديث ابن عباس - ﵁ - قال: \"قتل المسلمون يوم الخندق رجلًا من المشركين، فأُعْطُوا بجيفته مالًا، فقال رسول الله ﵌: \"ادفعوا إليهم جيفته؛ فإنه خبيثُ الجيفة، خبيثُ الدية\" فلم يقبل منهم شيئًا (^١).\n* وخرجه الترمذي ولفظه: \"إن المشركين أرادوا أن يشتروا جسد رجلٍ من المشركين؛ فأبى النبي - ﷺ - أن يبيعهم [إياه] \" (^٢).\nوخرجه وكيع في كتابه من وجه آخر عن عكرمة مرسلًا.\nثم قال وكيع: الجيفةُ لا تُباع.\nوقال حرب: قلت لإسحاق: ما تقول في بيع جيف المشركين من المشركين؟ قال: لا.\nوروى أبو عمر الشيباني: أن عليًّا أتي بالمستورد العجلي وقد تنصر، فاستتابه؛ فأبى أن يتوب؛ فقتله فطلبت النصارى جيفته بثلاثين ألفًا؛ فأبى عليّ فأحرقه (^٣).\n* * *\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٥٣ (المعارف) ح ٢٢٣٠ بإسناد صحيح كما ذكر محققه.\n(^٢) أخرجه الترمذي في: ٢٤ - كتاب الجهاد: ٣٥ - باب ما جاء لا تفادى جيفة الأسير ٤/ ٢١٤ ح ١٧١٥ وقد عقب أبو عيسى بقوله:\nهذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث الحكم.\nورواه الحجاج بن أرطأة أيضًا عن الحكم. وقال أحمد بن حنبل: ابن أبي ليلى لا يحتج بحديثه.\nوقال محمد بن إسماعيل: ابن أبي ليلى صدوق، ولكن لا نعرف صحيح حديثه من سقيمه، ولا أروي عنه شيئًا، وابن أبي ليلى صدوق فقيه، وإنما يهم في الإسناد وما بين القوسين من الترمذي.\n(^٣) رواه عبد الرزاق في المصنف ١٠/ ١٧٠ ح ١٨٧١٠ وبلغ ذلك عن علي في مثله: ابنَ عباس فقال - كما روى البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم: باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم ١٢/ ٢٦٧ ح ٦٩٢٢: \"لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله - ﷺ -: \"لا تعذبوا بعذاب الله\"، ولقتلتهم لقول رسول الله - ﷺ -: \"من بدل دينه فاقتلوه\" أقول: فالتحريق اجتهاد من الإمام علي، وليس باتجاه إسلامي.","vol":"3","page":1222},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1380>الحديث السادس والأربعون</span>\nعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيه أبِي مُوسى الأشْعَرِيٍّ أن النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ فَسَأَلَة عَنْ أَشْرِبَةٍ تُصنَعُ بِهَا (^١)، فَقَالَ: \"وَمَا هِيَ؟ \" قَالَ: الْبِتْعُ وَالمزْرُ، فَفِيلَ لِأَبِي بُرْدَةَ: ما الْبِتْعُ؟ قالَ: نَبِيذُ الْعَسَلِ، وَالمِزْرُ: نَبِيذُ الشَّعِيرِ.\nفَقَالَ: \"كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1381>[تخريج الحديث]:</span>\nخَرَّجَه الْبُخَارِيُّ (^٢).\n• وخرجه مسلم ولفظه قال: بعثني رسول الله ﵌ أنا ومعاذَ بنَ جبل إلى اليمن فقلت: يا رسول الله! إنّ شرابًا يُصنَعُ بأرضنَا يقالُ له: المزْرُ، من الشعير، وشرابٌ يقال له: البِتْعُ، من العسل؟ فقال: \"كلّ مسكرٍ حرام\" (^٣).\n• وفي رواية لمسلم فقال: \"كلُّ ما أسكَر عن الصلاة فهو حرام\".\nوفي رواية له قال: وكان رسول الله ﵌ قد أُعطي جوامعَ الكلم بخواتمه فقال: \"أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة\" (^٤).\n_________\n(^١) م: \"الأشربة\" وما أثبتناه عن \"ا\" هو الموافق لما في البخاري.\n(^٢) أخرجه البخاري في: ٦٤ - كتاب المغازي: ٦٠ - باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن؛ قبل حجة الوداع ٨/ ٦٢ ح ٤٣٤٣ من حديث سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي - ﷺ - بعثه إلى اليمن فسأله عن أشربة تصنع بها، فقال: وما هي؟ قال: البتع والمزر، فقلت لأبي بردة: ما البِتْعُ؟ قال: نبيذ العسل، والمزر نبيذ الشعير، فقال: \"كل مسكر حرام\".\nوأخرجه عقبه ح ٤٣٤٤، ٤٣٤٥ بنحوه. وفيه أن أبا موسى قال: يا نبي الله! إن أرضنا بها شراب من الشعير: المزر، وشراب من العسل: البِتْع؟ فقال: \"كل مسكر حرام … \" الحديث.\n(^٣) أخرجه مسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة: ٧ - باب بيان أن كل مسكر خمر، وأن كل خمر حرام ٣/ ١٥٨٦ ح ٧٠ - (١٧٣٣).\n(^٤) كلا الروايتين في صحيح مسلم في الموضع المذكور عقب الحديث السابق.\nومعنى قوله: أعطي جوامع الكلم بخواتمه كما قال النووي: أنه ﵇ أوتي إيجاز اللفظ مع تناوله المعاني الكثيرة جدًّا، بخواتمه؛ أي كأنه يختم على المعاني الكثيرة التي تضمنها اللفظ اليسير؛ فلا يخرج منها شيء عن طالبه ومستنبطه؛ لعذوبة لفظة وجزالته. نووى ١٣/ ١٧٠.","vol":"3","page":1223},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1382>[هذا الحديث أصل في تحريم كل مسكر]:</span>\n• فهذا (^١) الحديث أصل في تحريم تناول جميع المسكرات المغطية للعقل.\n\n<span data-type='title' id=toc-1383>[العلة المحرمة للمسكر]:</span>\n• وقد ذكر الله تعالى في كتابه العلَّة المقتضية لتحريم المسكرات.\n\n<span data-type='title' id=toc-1384>[هذا الحديث أصل]:</span>\n• وكان أول ما حرمت الخمر عند حضور وقت الصلاة لما صلى بعض المهاجرين وقرأ في صلاته فخلط في قراءته؛ فنزل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (^٢).\n• وكان منادي رسول الله ﵌ ينادي: لا يقرب الصلاةَ سكران. ثم إن الله حرمها على الإطلاق بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (^٣) فذكر سبحانه علة تحريم الخمر والميسر - وهو القمار - وهو أن الشيطان يُوقعُ بينهم العدواةَ والبغضاء؛ فإن من سَكِرَ اختلَّ عقلُه، فربما تسلَّط على أذى الناس في أنفسهم وأموالهم، وربما بَلَغ إلى القتل، وهي أم الخبائث؛ فمن شربها قتل النفس، وزنى، وربما كفر.\n• وقد رُوي هذا المعنى عن عثمان وغيره (^٤).\n_________\n(^١) \"ا\": \"هذا\".\n(^٢) سورة النساء: ٤٣.\n(^٣) سورة المائدة: ٩٠، ٩١.\n(^٤) كما روى ابن حبان في صحيحه: (٧/ ٣٦٧) من حديث أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أبيه: عبد الرحمن بن الحارث قال: سمعت عثمان بن عفان خطيبًا، سمعت النبي - ﷺ - يقول: اجتنبوا أم الخبائث؛ فإنه كان رجل ممن قبلكم يتعبد ويعتزل الناس، فعلقته امرأة فأرسلت إليه خادمًا فقالت: إنا ندعوك لشهادة، فدخل، فطفقت كلما يدخل بابًا أغلقته دونه حتى أفضى إِلى امرأة وضية جالسة وعندها غلام وباطية (وعاء كبير) فيها خمر، فقالت: إنا لم ندعك لشهادة، ولكن دعوتك لتقتل هذا الغلام، أو تقع عليّ، أو تشرب كأسًا هذا الخمر، فإن أبيت صحت بك وفضحتك، قال: فلما رأى أنه لا بد له من ذلك قال: اسقيني كأسًا من هذا الخمر، فسقته كأسًا من الخمر، فقال: زيديني، فلم يزل حتى وقع عليها، وقتل النفس؛ فاجتنبوا الخمر؛ فإنه والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر في صدر رجل أبدًا، ليوشكن أحدهما يخرج صاحبه. وقد أورده المنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٢٥٨ - ٢٥٩ وزاد نسبته إلى البيهقي مرفوعًا مثله، وموقوفًا، قال: وذكر [البيهقي] أنه المحفوظ.","vol":"3","page":1224},{"text":"• وروي مرفوعًا (^١) أيضًا.\n• ومن قامر، فربما قُهِر، وأُخذِ مالُه قهرًا فلم يبق له شيء، فيشتدّ حقدُه على مَن أخذ مالَه.\n• وكل ما أدى إلى إيقاع العداوة والبغضاء كان حرامًا، وأخبر سبحانه أن الشيطان يصد بالخمر واليسر عن ذكر الله وعن الصلاة؛ فإن السكرانَ يزولُ عقله، أو يختلّ؛ فلا يستطع أن يذكر الله ولا أن يصلي.\n• ولهذا قالت طائفة من السلف: إن شاربَ الخمر تمرُّ عليه ساعةٌ لا يعرف فيها ربَّه، والله سبحانه تعالى إنما خلق الخلق ليعرفوه، ويذكروه، ويعبدوه، ويطيعوه، فما أدى إلى الامتناع من ذلك، وحالَ بين العبد وبينَ معرفة ربه وذِكْرِه ومُنَاجَاتِهِ؛ كان محرَّمًا وهو السكر.\n* * *\n• وهذا بخلاف النوم؛ فإن الله تعالى جَبَلَ العباد عليه واضطرَّهُمْ إليه، ولا قوامَ لأبدانهم إلا به، إذ هو راحة لهم من السعي والنَّصَب؛ فهو من أعظم أَنْعُمِ الله علَى عباده؛ فإذا نامَ المؤمنُ بقدر الحاجة، ثم استيقظ إلى ذكر الله ومناجاته، ودعائه؛ كان نومُه عونًا له على الصلاة والذكر.\nولهذا قال مَن قال مِنَ الصحابة: إني أحتسبُ نَوْمَتِي كما أَحْتَسِبُ قَوْمَتِي (^٢).\n• وكذلك الميسر يَصُدّ عن ذكر الله، وعن الصلاة؛ فإن صاحبَه يعكُف بقلبه عليه، ويشتغلُ به عن جميع مصالحه ومُهماته، حتى لا يكاد يذكرها لاستغراقه فيه.\nولهذا قال عليّ ﵁ لما مرّ على قوم يلعبون بالشَّطرنج: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ فشبّههم بالعاكفين على التماثيل.\n_________\n(^١) وانظر أيضًا ما أورده الحاكم في المستدرك ٤/ ١٤٧ والمنذري في الترغيب والترهيب ٣/ ٢٥٨ من حديث عبد الله بن عمرو وفيه: أن رسول الله - ﷺ - قال: إن ملكًا من ملوك بني إسرائيل أخذ رجلًا فخيره بين أن يشرب الخمر، أو يقتل نفسًا، أو يزني، أو يأكل لحم خنزير، أو يقتلوه؛ فاختار الخمر، وأنه لا شرب الخمر؛ لم يمتنع من شيء أرادوه منه … الحديث.\nوقد ذكر المنذري أن الطبراني رواه بإسناد صحيح وأن الحاكم قال: على شرط مسلم.\nأقول: وقد سكت عنه الذهبي.\n(^٢) القائل هو معاذ بن جبل راجع صحيح البخاري ٨/ ٦٢ ح ٤٣٤٤، ٤٣٤٥.","vol":"3","page":1225},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1385>[مدمن الخمر كعابد الوثن]:</span>\n• وجاء في الحديث أن \"مُدْمِنَ الخمر كعابد وثن\" (^١)؛ فإنه يتعلق قلبه بها، فلا يكاد يمكنه أن يدعها كما لا يدع عابد الوثن عبادته.\n• وهذا كله مضاد لما خلق الله العبادَ لأجله من تفريغ قلوبهم لمعرفته، ومحبته، وخشيته، وذكرِه، ومُنَاجاته، ودعائه، والابتهال إليه. فما حال بين العبد وبين ذلك، ولم يكن بالعبد إليه ضرورةٌ بل كان ضررًا محضًا عليه كان محرَّمًا.\n• وقد روي عن علي ﵁ أنه قال لمن رآهم يعلبون الشطرنج: \"ما لهذا خلقتم\".\n• ومن هنا يعلم أن الميسر محرم سواء كان بعِوَض أو بغير عِوَض، وأن الشطرنج كالنَّرد أو شرٌّ منه؛ لأنها تشغل أصحابَها عن ذكر الله وعن الصلاة أكثر من النّرد.\n• والمقصود أن النبي ﵌ قال: \"كلّ مُسْكِرٍ حرامٌ، وكُلُّ ما أسكَر عن الصلاة فهو حَرَام\".\n• وقد تواترت الأحاديث بذلك عن النبي ﵌؛ فخرّجا في الصحيحين عن ابن عمر - ﵄ - عن النبي ﵌ قال: \"كلّ مسكر خمر، وكلّ خَمْرٍ حرام\" (^٢).\nولفظ مسلم: \"وكُلّ مسكرٍ حرام\" (^٣).\nوخرجا أيضًا من حديث عائشة ﵂: أن النبي ﵌\n_________\n(^١) رواه ابن حبان في صحيحه ٧/ ٣٦٧ من رواية العوام بن حوشب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من لقي الله مدمن خمر لقيه كعابد وثن\".\nقال أبو حاتم: يشبه أن يكون معنى هذا الخبر: من لقي الله مدمن خمر مستحلا لشربه كعابد وثن لاستوائهما في حالة الكفر.\n(^٢) هذه الرواية عن ابن عمر ليست في البخاري؛ وإنما هي في صحيح مسلم: ٣٦ - كتاب الأشربة: ٧ - باب بيان أن كل مسكر خمر وأن كل خمر حرام ٣/ ١٥٨٧ - ح ٧٣ - (٢٠٠٣) من حديث أيوب السختياني، عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب منها لم يشربها في الآخرة\" و٧٤ - (…) من طريق موسى بن عقبة عن نافع … بلفظ: \"كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام\".\nو٧٥ - (…) من طريق عبيد الله، عن نافع … بلفظ: \"كل مسكر خمر، وكل خمر حرام\".\n(^٣) هذا يفيد أن اللفظ الأول ليس لمسلم، وقد علمت أن مسلمًا هو الذي روى الصيغتين جميعًا.\nوانظر الإرواء ٨/ ٤٠ ففيه جميع طرق حديث ابن عمر في هذا وليس منها البخاري.","vol":"3","page":1226},{"text":"سئل عن البتع، فقال: \"كل شراب أسكر فهو حرام\". وفي رواية لمسلم: \"كل شراب مسكر حرام\" (^١).\nوقد صحح هذا الحديث أحمد ويحيى بن معين وأصحابه واحتجَّا به.\nونقل ابن عبد البر إجماعَ أهل العلم بالحديث على صحته، وأنه أثبت شيء يروى عن النبي ﵌ في تحريم المسكر.\nوأما ما نقله بعض فقهاء الحنفية عن ابن معين من طعنه فيه فلا يثبت ذلك عنه.\nوخرج مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر عن النبي - ﷺ - قال: \"كل مسكر حرام\" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1386>[إلى هذا ذهب الجمهور]:</span>\nوإلى هذا القول ذهب جمهور من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين، ومَنْ بعدهم من علماء الأمصار.\nوهو مذهب مالك، والشافعي، والليث، والأوزاعي، وأحمد، وإسحق، ومحمد بن الحسن، وغيرهم.\nوهو مما أَجْمَعَ على القول به أهلُ المدينة كلُّهم.\nوخالف فيه طوائفُ من علماء أهل الكوفة، وقالوا: إن الخمر إنما هو خَمْرُ العنب خاصة، وما عاداها؛ فإنما يَحْرُم منه القدرُ الذي يُسْكِرُ، ولا يَحْرُمُ ما دونه.\nوما زال علماء الأمصار ينكرون ذلك عليهم، وإن كانوا في ذلك مجتهدين، مغفورًا لهم، وفيهم خَلْقٌ من أئمة العلم والدين.\n• قال ابن المبارك: ما وجدتُ في النبيذ رُخْصَة عن أحد صحيح؛ إلا عن إبراهيم،\n_________\n(^١) رواه مسلم في صحيحه في الموضع السابق ح ٦٨ - (…) و٦٩ (…) وهو عند البخاري ح ٢٤٢ وطرفاه في ٥٥٨٥، ٥٥٨٦.\n(^٢) هذا جزء حديث أخرجه مسلم في الباب المذكور ح ٧٢ - (٢٠٠٢) من حديث عمارة بن غزية، عن أبي الزبير، عن جابر أن رجلًا قدم من جيشان (وجيشان من اليمن) فسأل النبي - ﷺ - عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له: المِزْرُ؟ فقال النبي - ﷺ -: \"أو مسكر هو؟ \" قال: نعم، قال رسول الله - ﷺ -: \"كل مسكر حرام، إن على الله ﷿ عهدا لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال\": قالوا: يا رسول الله! وما طينة الخبال؟: قال: \"عرق أهل النار، أو عصارة أهل النار\".","vol":"3","page":1227},{"text":"يعني النخعي.\n• ولذلك أنكر الإمام أحمد أن يكون فيه شيءٌ يصحّ.\n• وقد صنف كتابَ الأشربة ولم يذكر فيه شيئًا من الرخصة.\n• وصنف كتابًا في المسح على الخفين، وذكر فيه عن بعض السلف إنكارَه، فقيل له: كيف لم تجعلْ في كتاب الأشربة الرخصة كما جعلتَ في المسح؟ فقال: ليس في الرخصة في السكر حديث صحيح.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1387>[دليل على أن كل مسكر خمر]:</span>\n• ومما يدلّ على أن كل مسكر خمر أن تحريمَ الخمر إنما نزل في المدينة بسبب سؤال أهل المدينة عما عندهم من الأشربة، ولم يكن بها خمر العنب، فلو لم تكن آية تحريم الخمر شاملة لما عندهم؛ لما كان فيها بيانٌ لما سألوا عنه، ولكان محملُ السبب خارجًا من عموم الكلام، وهو ممتنع.\nولما نزل تحريم الخمر أراقُوا مَا عندهم من الأشربة؛ فدلّ على أنهم فهموا أنه من (^١) الخمر المأمور باجتنابه.\n• وفي صحيح البخاري عن أنس قال: حرمت علينا الخمر حين حرمت، وما نجد خمر الأعناب إلا قليلًا، وعامة خَمْرِنَا البُسْر (^٢) والتمر.\nوعنه أنه قال: إني لأَسقي أبا طلحة، وأبا دُجَانة، وسُهَيْلَ بنَ بيضاء، خليط بسر وتمر إذ حرمت الخمر؛ فقذفتها وأنا ساقيهم وأصْغَرُهم، وإنا لنعدها حينئذٍ الخمر (^٣).\n• وفي الصحيحين عنه قال: \"ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ\" (^٤).\n• وفي صحيح مسلم عنه قال: لقد أنزل الله الآية التي حرم فيها الخمر وما بالمدينة\n_________\n(^١) ليست في ب.\n(^٢) أخرجه البخاري في: ٧٤ - كتاب الأشربة: ٢ - باب الخمر من العنب وغيره ١٠/ ٣٥ ح ٥٥٨٠.\n(^٣) راجع ما أخرجه مسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة: ١ - باب تحريم الخمر ٣/ ١٥٧١ - ١٥٧٢.\n(^٤) أخرجه البخاري: ٦٥ - كتاب التفسير: ١٠ - باب الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ٨/ ٢٧٧ ح ٤٦١٧ ومسلم ٣/ ١٥٧٠ - ١٥٧١ ح ٣ - ١٩٨٠.","vol":"3","page":1228},{"text":"شراب يشرب إلا من تمر (^١).\n• وفي صحيح البخاري عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر، وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب (^٢).\n• وفي الصحيحين عن الشعبي، عن ابن عمر قال: قام عمر - ﵁ - على المنبر فقال: أما بعد؛ نزل تحريم الخمر وهي من خمس: العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير. والخمر: ما خامر العقل (^٣).\nوخرجه الإمام أحمد (^٤) وأبو داود (^٥) والترمذي (^٦) من حديث الشعبي عن النعمان بن بشير عن النبي ﵌.\nوذكر الترمذي أن قول من قال: عن الشعبي، عن ابن عمر، عن عمر أصح.\nوكذا قال ابن المديني.\n_________\n(^١) مسلم ٣/ ١٥٧٢ ح ١٠ - ١٩٨٢، والفضيخ: عصير العنب، وشرابٌ يُتخذ من البُسْر: البلح قبل أن يرطب فيكسر وينقع من غير أن تمسَّه النار، فإن كان مع البُسْر تمر؛ فهو الذي يسمى الخليطين.\nالمعجم الوسيط ٢/ ٦٩٩، وغريب الهروي ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣.\n(^٢) صحيح البخاري: الموضع السابق ح ٤٦١٦ قبل الحديث المذكور.\n(^٣) أخرجه البخاري في الموضع السابق ح ٤٦١٦ وأطرافه في ٥٥٨١، ٥٥٨٨، ٥٥٨٩، ومسلم في: ٥٤ - كتاب التفسير: ٦ - باب نزول تحريم الخمر ٤/ ٢٣٢٢ ح ٣٢ - (٣٠٣٢)، ٣٣ - (…).\n(^٤) في المسند ٤/ ٢٧٣ (الحلبي) من رواية يُونس عن ليث، عن يزيد بن أبي حبيب. عن خالد بن كثير الهمداني، عن السرى بن إسماعيل، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن من الحنطة خمرًا، ومن الشعير خمرًا، ومن الزبيب خمرًا، ومن التمر خمرًا، ومن العسل خمرًا، وأنا أنهى عن كل مسكر\".\n(^٥) في السنن: ٢٠ - كتاب الأشربة: ٤ - باب الخمر مم هو؟ ٤/ ٨٣ - ٨٤ من رواية الحسن بن علي، عن يحيى بن آدم، عن إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن الشعبي - به: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"إن من العنب خمرًا، وإن من التمر خمرًا، وإن من العسل خمرًا، وإن من البُر خمرًا، وإن من الشعير خمرًا\".\n(^٦) في السنن: ٢٧ - كتاب الأشربة: ٨ - باب ما جاء في الحبوب التي يتخذ منها الخمر ٤/ ٢٩٧ ح ١٨٧٢ من رواية محمد بن يحيى، عن محمد بن يوسف، عن إسرائيل - به بمثل ما عند أحمد، بتقديم وتأخير. قال: وفي الباب عن أبي هريرة.\n[و] هذا حديث غريب.\nوأورده عقبه من وجه آخر عن يحيى بن آدم - به - وقال: وروى أبو حيان التيمي هذا الحديث، عن الشعبي، عن ابن عمر، عن عمر قال: إن من الحنطة خمرًا؛ فذكر هذا الحديث، وإسناده ثم قال: وهذا أصح من حديث إبراهيم بن مهاجر، وقال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: لم يكن إبراهيم بن مهاجر بالقوى الحديث، وقد روي من غير وجه أيضًا عن الشعبي، عن النعمان بن بشير.","vol":"3","page":1229},{"text":"وروى أبو إسحق عن أبي بُردة (^١) قال: قال عمر: ما خمرته فَعَتَّقْتَهُ: فهو خمر، وأَنَّى كانت لنا الخمر خَمْرَ العنب؟\n\n<span data-type='title' id=toc-1388>[ما أسكر كثيرة فقليله حرام]:</span>\n• وفي مسند الإمام أحمد، عن المختار بن فلفل قال: سألت أنس بن مالك عن الشّرب في الأوعية قال: نهى رسول الله ﵌ عن المزفتة فقال: \"كُلّ مسكرٍ حرام\" قلت له: صدقت، السَّكَر حرام فالشربة والشربتان على طعامنا؟ قال: المسكر قليلُه وكَثِيرُه حرام، وقال: الخمر من العِنَبِ، والتَمْرِ، والعَسَلِ، والحِنْطَة، والشعير والذرة؛ فما خمرت من ذلك؛ فهو الخمر (^٢).\nخرجه أحمد، عن عبد الله بن إدريس، سمعت المختار يقول … فذكره.\nوهذا إسناد على شرط مسلم.\n• وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة، عن النبي ﵌ قال: \"الخمر من هاتين الشَّجَرَتَيْن: النَّخْلة (^٣) والعِنَبة\".\nوهذا صريح في أن نبيذ التمر خمر.\n• وجاء التصريح بالنهي عن قليل ما أسكر كثيره، كما خرجه أبو داود (^٤) وابن ماجه (^٥)\n_________\n(^١) م: \"هريرة\".\n(^٢) نص الحديث في مسند أحمد ٣/ ١١٢ (الحلبي) من حديث المختار بن فلفل قال: سألت أنس بن مالك عن الشرب في الأوعية، فقال: نهى رسول الله - ﷺ - عن المزفتة، وقال: \"كل مسكر حرام\" قال: قلت: وما المزفتة؟ قال: \"المقيرة\" قال: قلت؛ فالرصاص والقارورة؟ قال: \"ما بأس بهما\"، قال: قلت: فإن ناسًا يكرهونها؟، قال: \"دع ما يريبك إلا ما لا يريبك؛ فإن كل مسكر حرام\"، قال: قلت له: صدقت، السكر حرام؛ فالشربة والشربتان على طعامنا؟، قال: \"ما أسكر كثيره فقليله حرام\" وقال: \"الخمر من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير والذرة فما خمرت من ذلك؛ فهي الخمر\".\nوإذًا فقد اختصره ابن رجب.\nورواه أحمد مختصرًا في ٣/ ١١٩.\nوقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٥٦ عن أحمد والبزار وقال: رجال أحمد رجال الصحيح.\nوفي المطبوعة: \"صدقت فالشربة\" وما ذكرناه من الأصول الخطية.\n(^٣) أخرجه مسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة: ٤ - باب بيان أن جميع ما ينبذ مما يتخذ من النخل والعنب يسمى خمرًا، ٣/ ١٥٧٣ - ١٥٧٤ ح ١٣ - (١٩٨٥) و١٤، ١٥ من وجوه عن أبي هريرة، والوجهان الأولان بالنص المذكور.\n(^٤) أخرجه أبو داود في: ٢٠ - كتاب الأشربة: ٥ - باب النهي عن المسكر ٤/ ٨٧ ح ٣٦٨١.\n(^٥) أخرجه ابن ماجه في: ١٠ - كتاب الأشربة: ١٠ باب ما أسكر كثيره فقليله حرام ٢/ ١١٢٥.","vol":"3","page":1230},{"text":"والترمذي (^١) وحسنه، من حديث جابر، عن النبي ﵌ قال:\n\"ما أسكر كثيرُه فقليله حرام\".\nوخرج أبو داود (^٢) والترمذي (^٣) وحسنه من حديث عائشة ﵂، عن النبي ﵌ قال: \"كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرْقُ فمِلْءُ الكَفِّ منه حَرَام\".\nوفي رواية: \"الحَسْوَةُ منه حرام\".\n• وقد احتج به أحمد وذهب إليه.\nوسئل عن قال إنه لا يصح فقال: هذا رجل مُغْلٍ يعني: أنه قد غلا في مقالته.\n• وقد خرّج النسائي هذا الحديث من رواية سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - (^٤).\n• وقد روي عن النبي ﵌ من وجوه كثيرة يطول ذكرها.\n• وروى ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، حدثني أبو وهيب الجيشاني، عن وفد أهل اليمن، أنهم قدموا على النبي - ﷺ - فسألوه عن أشربة تكون باليمن قال: فَسَمَّوْا له البِتْعَ من العَسَل، والمِزْرَ من الشعير، قال النبي - ﷺ -: \"هل تَسْكَرُونَ منها \"؟ قالوا: إن أكثرنا منها (^٥) سكرنا، قال: \"فحرام قليل ما أسكَرَ كَثيرُه\".\nخرجه القاضي إسماعيل.\n• وقد كانت الصحابة - ﵃ - تحتج بقول النبي صلى الله عليه وآله\n_________\n(^١) في: ٢٧ - كتاب الأشربة: ٣ - باب ما جاء ما أسكر كثيره فقليله حرام ٤/ ٢٩٢.\nقال أبو عيسى: وفي الباب عن سعد وعائشة، وعبد الله بن عمرو وابن عمر وخوات بن جبير.\n[و] هذا حديث حسن غريب من حديث جابر.\n(^٢) أبو دارد في الباب السابق ح ٣٦٨٧ والفرق بفتح الراء وسكونها مكيال مدني سعته ١٦ رطلًا - قاموس.\n(^٣) أخرجه الترمذي في الموضع السابق ح ١٨٦٦ من طريقين وأشار عقب الحديث إلى الرواية الأخرى التي أشار إليها ابن رجب ثم قال:\nهذا حديث حسن وقد رواه ليث بن أبي سليم، والربيع بن صبيح .. إلخ.\n(^٤) أخرجه النسائي في السنن: ٥١ - كتاب الأشربة: ٢٥ - تحريم كل شراب أسكر كثيره (٨/ ٣٠٠ - ٣٠١) ح ٥٦٠٧ - ٥٦٠٩ من حديثهما بنحوه، وهما في صحيح السنن ٣/ ١٣٧، وذكر الشيخ أن أولهما حسن صحيح وإن ثانيهما صحيح.\n(^٥) ليست في \"ا\"، ولا في ب.","vol":"3","page":1231},{"text":"وسلم: \"كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ \" على تحريم جميع أنواع المسكرات، ما كان موجودًا منها على عهد النبي ﵌، وما حَدَث بعده، كما سئل ابنُ عباس عن الباذَقِ؟ فقال: \"سبق محمد - ﷺ - الباذَقَ؛ فما أسكر فهو حرام\" (^١).\nخرجه البخاري.\nيشير إلى أنه إن كان مُسْكِرًا، فقد دخل في هذه الكلمة الجامعة العامة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1389>[السكر نوعان]:</span>\n• واعلم أن المسكر المزيل للعقل نوعان:\n• أحدهما: ما كان فيه لذة وطرب، فهذا هو الخمر المحرَّم شربُه.\nوفي المسند عن طلق الحنفي، أنه كان جالسًا عند النبي - ﷺ -، فقال له رجل: يا رسول الله! ما ترى في شراب نصنعه بأرضنا من ثمارنا؟ فقال - ﷺ -: \"مَنْ سائلٌ عن المسكر؟ فلا تشربْه ولا تَسْقِهِ أخاكَ السلم؛ فوالذي نفسي بيده - أو بالذي يحلف به - لا يشربه رجلٌ ابتغاءَ لذةٍ مُسْكِرَةٍ؟ فيسقيَه الله الخمر يوم القيامة\" (^٢).\nقالت طائفة من العلماء: وسواء كان هذا المسكر جامدًا أو مائعًا.\nوسواء كان مطعومًا أو مشروبًا.\nوسواء كان من حب أو تمر أو لبن أو غير ذلك.\nوأدخلوا في ذلك الحشيشة التي تعمل هن ورق القنَّب (^٣) وغيرها مما يؤكل لأجل\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ٧٤ - كتاب الأشربة: ١٠ - باب الباذَق ومن نهى عن كل مسكر من الأشربة ١٠/ ٦٢ ح ٥٥٩٨ من حديث أبي الجويرية، قال: سألت ابن عباس عن الباذَق؛ فقال: سبق محمد الباذق، فما أسكر فهو حرام، قال: الشراب الحلال الطيب؛ قال: ليس بعد الحلال الطيب، إلا الحرام الخبيث.\nوالباذق ضبط بفتح المعجمة، وقيل: بكسرها، هو الخمر إذا طبخ، فارسي معرب، وقيل: هو المطبوخ من عصير العنب إذا أسكر، أو إذا طبخ بعد أن اشتد.\n(^٢) أورده الهيثمي في المجمع ٥/ ٧٣ عن أحمد والطبراني، وقال: رجال أحمد ثقات، ولم أجده في المطبوع من المسند، وفي المجمع: \" … ابتغاء سكره\" وفي بعض الأصول \"لذة سكر\" وفي بعضها \"سكره\".\n(^٣) القُنَّب: نبات حولي زراعي ليفي من الفصيلة القنبية، تفتل لحاؤه حبالًا، والقنب الهندي نوع من القنب يستخرج منه المخدر الضار المعروف بالحشيش والحشيشة. المعجم الوسيط ٢/ ٧٦٧ وفي القاموس: القنب كَدِنَّم وسُكّر: نوع من الكتان.","vol":"3","page":1232},{"text":"لذته وسكره، وفي سنن أبي داود من حديث شهر بن حوشب، عن أم سلمة قالت:\n\"نهى رسول الله - ﷺ - عن كل مسكر ومُفْتِر\" (^١).\nوالفْتِر! هو الخدر للجسد وإن لم ينته إلى حد الإسكار.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1390>[التداوي بالسكر غير الملذ]:</span>\n• والثاني: ما يزيل العقل ويسكره، ولا لذّة فيه ولا طرب، كالبنج ونحوه.\nفقال أصحابنا: إنْ تناولَه لحاجة التداوي به، وكان الغالب منه السلامة جاز.\nوقد روي عن عروة بن الزبير أَنه لما وقعت الأكِلَة في رجله، وأرادوا قطعها، قال له الأطباء: نسقيك دواءً حتى يغيب عقلك، ولا تُحِسَّ بألم القطع؟ فأبى وقال: ما ظننت أن خلقًا يشرب شرابًا يزول منه عقله حتى لا يعرف ربه!!.\nوروي عنه أنه قال: لا أشرب شيئًا يحول بيني وبين ذكر ربي ﷿.\n\n<span data-type='title' id=toc-1391>[تناول السكر الذي لا لذة فيه لغير التداوي]:</span>\n• وإن تناول ذلك لغير حاجة التداوي، فقال أكثر أصحابنا: كالقاضي، وابن عقيل، وصاحب المغني: إنه محرم؛ لأنه تسبب إلى إزالة العقل لغير حاجة؛ فحرم كشُرْب المسكر.\n• وروي حَنَش الرحبي - وفيه ضعف - عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: \"من شرب شرابًا يذهب بعقله؛ فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر\" (^٢).\n• وقالت طائفة منهم ابن عقيل في فنونه: لا يحرم ذلك؛ لأنه لا لذة فيه، والخمر\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في الباب السابق ح ٣٨٨٦ وفي النهاية ٣/ ٤٠٨ أنه من أفتر: صار فيه فتور وضعف.\n(^٢) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/ ٧٠ من حديث ابن عباس، وقال: رواه أبو يعلى الطبراني، وفيه حسين بن قيس الرحبي، وهو ضعيف.\nوقد حرف حنش بن قيس إلى حسين بن قيس وقد رواه ابن عبد البر في التمهيد ٥/ ٧٧ من طريق حنش بن قيس الرحبي به أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر، ومن شهد شهادة فاجتاح بها مال مسلم؛ فقد تبرأ مقعده من النار، ومن شرب شرابًا حتى يذهب عقله الذي رزقه الله؛ فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر\".\nقال ابن عبد البر:\nوهذا حديث وإن كان في إسناده من لا يحتج بمثله أيضًا من أجل حنش؛ فإن معناه صحيح من وجوه.","vol":"3","page":1233},{"text":"إنما حرمت لما فيها من الشدة المطربة، ولا إطرابَ في البنج ونحوه ولا شدة.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1392>[وماذا لو طلق في هذه الحال؟]:</span>\n• فعلى قول الأكثرين: لو تناول ذلك لغير حاجة وسَكِرَ به فطلّق فحكم طلاقه حُكْم طلاق السكران.\nقاله أكثر أصحابنا كابن حامد، والقاضي، وأصحاب الشافعي.\n• وقالت الحنفية: لا يقع طلاقه.\nوعللوا بأنه ليس فيه لذة.\nوهذا يدلّ على أنهم لم يُحَرّمُوه.\n• وقالت الشافعية: هو محرم، وفي وقوع الطلاق معه وجهان.\nوظاهر كلام أحمد: أنه لا يقع طلاق بخلاف السكران.\n• وتأوله القاضي وقال: إنما قال ذلك إلزامًا للحنفية لا اعتقادًا له.\nوسياق كلامه محتمل لذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1393>[عقوبة المسكر]:</span>\nوأما الحد؛ فإنما يجب بتناول ما فيه شدة وطرب من المسكرات، لأنه هو الذي تدعو النفوس إليه؛ فجعل الحدَّ زاجرًا عنه.\nفأما ما فيه سكر بغير طرب، ولا لذة؛ فليس فيه سوى التعزير؛ لأنه ليس في النفوس داعٍ إليه حتى يحتاج إلى حدّ مقدّر زاجر عنه؛ فهو كأكل الميتة، ولحم الخنزير، وشرب الدم.\nوأكثر العلماء الذين يرون تحريمَ قليل ما أسكر كثيرُه، يرَوْنَ حدّ مَنْ شَرِب ما يُسكر كثيره، وإن اعتقد حِلّه متأولًا - وهو قول الشافعي، وأحمد، خلافًا لأبي ثور، فإنه قال: لا يُحَدُّ، لتأوُّلِه فهو كالناكح بلا وليّ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1394>[والناكح بغير ولي]:</span>\nوفي حد الناكح بغير وليٍّ خلافٌ أيضًا.\nلكن الصحيح أنه لا يحدّ.","vol":"3","page":1234},{"text":"• وقد فرّق مَنْ فرّق بينه وبين شرب النبيذ متأولًا بأن شرب النبيذ المختلف فيه داع إلى شرب الخمر المجمعِ على تحريمه، بخلاف النكاح بغير ولي؛ فإنه مغن عن الزنا المجمع على تحريمه، وموجبٌ للاستعفاف عنه.\n• والمنصوص عن أحمد: أنه إنما حَدَّ شاربَ النبيذ متأوّلًا لأن تأويله ضعيف لا يُدرأ عنه الحدُّ به؛ فإنه قال في رواية الأثرم: \"يحدّ مَنْ شَرِب النبيذَ متأولًا\".\nولو رُفع إلى الإمام مَن طلّق ألبتة، ثم راجعها متأولًا: أن طلاق ألبتة واحدة والإمام يرى أنها ثلاث؛ لا يفرق بينهما.\nوقال: هذا غيرُ ذاك، أمْرُه بين في كتاب الله ﷿، وسنة نبيه - ﷺ -\nونزل تحريم الخمر وشرابهم الفضيخ.\nوقال النبي - ﷺ -: \"كل مسكر خمر\".\nفهذا بيِّن، وطلاق ألبتة إنما هو شيء اختلف الناس فيه.\n* * *","vol":"3","page":1235},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1395>الحديث السابع والأربعون</span>\nعَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مُعْدِ يكَرِبَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ:\n\"ما مَلأَ ابْنُ (^١) آدَمَ وِعاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحِسْبِ ابْنِ آدَمَ أَكَلَاتٌ (^٢) يُقِمْنَ صلْبَهُ، فَإِنْ كانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ\". رَوَاهُ الإِمامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ. وَقالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ (^٣) حَسَنٌ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1396>[تخريج الحديث]:</span>\nهذا الحديث خرجه الإمام أحمد (^٤) والترمذي (^٥) من حديث يحيى بن جابر الطائي، عن المقدام، وخرجه النسائي من هذا الوجه (^٦)، ومن وجه آخر من رواية صالح بن يحيى بن المقدام عن (^٧) جدّه.\nوخرجه ابن ماجه من وجه آخر عنه (^٨).\n_________\n(^١) \"ا\" \"آدمي\" كما في الترمذي وابن ماجة، وما أثبتناه كما في المسند.\n(^٢) في سنن ابن ماجة و\"م\": \"لقيمات\" وكلها مروي صحيح.\n(^٣) ليست في \"ا\".\n(^٤) في المسند ٤/ ١٣٢ (الحلبي) من رواية أبي المغيرة، عن سليمان بن سليم الكناني، عن يحيى بن جابر الطائي، عن المقدام.\n(^٥) في السنن: ٣٧ - كتاب الزهد: ٤٧ - باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل ٤/ ٥٩٠ ح ٢٣٨٠ من رواية سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن إسماعيل بن عياش، عن أبي سلمة الحِمصي وحبيب بن صالح، عن يحيى بن جابر، عن المقدام، سمعت رسول الله - ﷺ - يقول … فذكره.\nومن رواية الحسن بن عرفة، عن إسماعيل بن عياش نحوه عن النبي - ﷺ - ولم يذكر فيه \"سمعت\". وعقّب أبو عيسى بقوله:\nهذا حديث حسن صحيح.\nوذكر ابن رجب أنه عقب بالحسن فقط، وذلك راجع إلى اختلاف النسخ كما في التحفة ٨/ ٥١٢.\n(^٦) في الكبرى في الوليمة (٩٩: ٢) عن عمرو بن عثمان، عن بقية بن الوليد، عن أبي سلمة: سليمان بن سليم و(٣:٩٩) عن محمد بن سلمة، عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح كلاهما عنه - به كما في التحفة في الموضع السابق.\n(^٧) في الكبرى أيصا في الوليمة (٩٩: ١) عن عمرو بن عثمان، عن محمد بن حرب، عن أبي سلمة بن سليم، عن صالح بن يحيى، عن جده المقدام بن معد يكرب كما في التحفة ٨/ ٥٠٩.\n(^٨) في: ٢٩ - كتاب الأطعمة: ٥٠ - باب الاقتصاد في الأكل ٢/ ١١١١ ح ٣٣٤٩ من رواية هشام بن عبد الملك الحمصي، عن محمد بن حرب، عن أمه، عمن أمها، أنها سمعت المقدام بن معد يكرب يقول … فذكره.","vol":"3","page":1237},{"text":"وله طرق أُخر (^١).\nوقد روى هذا الحديث مع ذكر سببه.\nفروى أبو القاسم البغوي في معجمه من حديث عبد الرحمن بن المرقَّع، قال: فتح رسول الله - ﷺ - خيبر، وهي مخضرة من الفواكه؛ فوقع الناس في الفاكهة فَغَشِتتْهُم الحمّى، فَشَكوْا إلى رسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -: \"إنما الحمّى رائدُ الموت، وسجْنُ الله في الأرض، وهي قطعة من النار، فإذا أخذتكمْ فَبَرِّدُوا الماءَ في الشِّنَانِ، فصبّوها عليكم بين الصلاتَين يعني المغرب والعشاء\"، قال: ففعلوا ذلك؛ فذهبَتْ عنهم فقال رسول الله - ﷺ -: \"لم يخلق الله وعاءً إذا مُلِئَ شَرًّا من بطن، فإن كان لابد، فاجعلوا ثلثًا للطعام، وثلثًا للشراب، وثلثًا للريح\" (^٢).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1397>[هذا الحديث أصل جامع في الطب]:</span>\nوهذا الحديث أصل جامع لأصول الطب كلها، وقد روي أن ابن ماسويه الطبيب لما قرأ هذا الحديث في كتاب أبي خيثمة قال: لو استعمل الناس هذه الكلمات لسلموا (^٣) من الأمراض والأسقام، ولتعطلت المارستانات (^٤)، ودكاكين الصيادلة.\n\n<span data-type='title' id=toc-1398>[التخمة أصل الداء]:</span>\nوإنما قال هذا لأن أصل كل داء التُّخَم كما قال بعضهم: \"أصل كل داء: البَرَدَةُ\".\nوروي مرفوعًا ولا يصح رفعه (^٥).\n_________\n(^١) وانظر التحفة ٨/ ٥٠٩، ٥١٢، ٥١٣، والموسوعة ٩/ ٢٢٥.\n(^٢) وأورده الهيثمي في المجمع ٥/ ٩٧ - ٩٨ وقال: رواه الطبراني: وفيه المحبر بن هارون ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. ثم أورده عقبه من طريق فريح بن عبيد والمحبر وقال: لم أعرفهما وبقية رجاله ثقات.\n(^٣) \"ا\": \"سلموا\".\n(^٤) م: \"المارشايات\" وهو تحريف.\n(^٥) أورده العجلوني في كشف الخفاء ١/ ١٤٦ - ١٤٧ وقال: \"رواه أبو نعيم المستنفري، والدارقطني في العلل بسند فيه تمام بن نجيح ضعفه الدارقطني، ووثقه ابن معين وغيره عن أنس رفعه.\nوفى رواية عند المستغفري: أصل كل داء البردة.\nولأبي نعيم - أيضًا - عن ابن عباس مرفوعًا مثله.\nومن حديث عمرو بن الحارث، عن أبي سعيد رفعه: \"أصل كل داء من البردة\".\nومفرداتها ضعيفة. =","vol":"3","page":1238},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1399>[والحمية رأس الدواء]:</span>\n• وقال الحارث بن كَلَدَة طبيب العرب: \"الحِمْيَةُ رأسُ الدواء، والبِطْنَةُ رأس الداء\".\nورفعه بعضهم ولا يصح أيضًا (^١).\n• وقال الحارث أيضًا: \"الذي قتل البَرِية، وأهلك السِّبَاعَ في البرِّية، إدخال الطعام على الطعام، قبل الانهضام\".\nوقال غيره: \"لو قيل لأهل القبور: ما كان سبب آجالكم؛ لقالوا: التخم\".\nفهذا بعض منافع تقليل الغذاء، وترك التملي من الطعام بالنسبة إلى صلاح البدن وصحته.\n\n<span data-type='title' id=toc-1400>[صلاح القلب في قلة الغذاء]:</span>\n• وأما منافعه بالنسبة إلى القلب وصلاحه؛ فإن قلة الغذاء تُوجب رِقَّةَ القلب، وقوة الفهم، وانكسارَ النفس، وضعفَ الهوى والغضب.\nوكثرةُ الغذاء توجب ضدَّ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1401>[من المأثور في ذلك]:</span>\n• قال الحسن: يا ابن آدم! كُلْ في ثلث بطنك، واشرب في ثلثه، ودعْ ثُلُث بطنك يتنفس؛ لتتفَكّر (^٢).\n* * *\n_________\n= وقال الدارقطني - كغيره -: الأشبه بالصواب؛ أنه من قول الحسن البصري.\nوحكاه في الفائق من كلام ابن مسعود.\nأما عن تفسير الكلمة؛ فقد نقل العجلوني، عن الدارقطني شرحها وضبطها فقال: قال الدارقطني: \"المحدثون يروونه بسكون الراء؛ ولذلك ضم إليه بعضهم: \"والحر\".\nوالصواب فتحها بمعنى التخمة؛ لأنها تبرد حرارة الشهوة؛ أو لأنها ثقيلة على المعدة، بطيئة الذهاب، من برد إذا ثبت وسكن\".\nوهكذا خطَّأ العسكري في التصحيفات: (١/ ١٥٥) القول بسكون الراء وصوَّب فتحها بمعنى التخمة وقال: \"هكذا سمعته من أبي بكر بن دريد وغيره\"، ورواه الأعمش عن خيثمة، عن عبد الله؛ أنه قال: \"أصل كل داء البَرَدَة\".\nثم قال: قال الأعمش: \"سألت أعرابيًّا من كَلْب عن البَردة؟! فقال: هي التخمة، وسميت التخمة بردة؛ لأنها تبرد حرارة الجوف … إلخ.\n(^١) وراجع كشف الخفاء ٢/ ٢١٤ ح ٢٣٢٠. والمقاصد ٣٨٨ ومختصر المقاصد ٢٠٦ ح ٩٥٢ والتمييز ٢٤٥ ح ١٢٧٦ والدرر المنتثرة ٣٧٢ ح ٣٧٠ والكشف الإلهي ٢/ ٧٣٤ ح ١٠٦٦/ ٢٩٧ والتذكرة للزركشي ١٤٥ وهوامشها.\n(^٢) م: \"ويفكر\".","vol":"3","page":1239},{"text":"وقال المروزي: جعل أبو عبد الله - يعني الإمام أحمد - يعظم أمر (^١) الجوع والفقر؛ فقلت له: يُؤْجَرُ الرجل في ترك الشهوات؟ فقال: وكيف لا يؤجر؟ وابن عمر يقول: ما شبعت منذ أربعة (^٢) أشهر!.\n• قلت لأبي عبد الله: يجد الرجل من قلبه رقة وهو شبع (^٣)؟ قال: ما أرى.\nوروى المروزي عن أبي عبد الله قول ابن عمر هذا من وجوه.\nفروى بإسناده عن ابن سيرين قال: \"قال رجل لابن عمر: ألا أجيئك بجوارش؟ قال: وأي شيء هو؟ قَال: شيءٌ يهضمُ الطعام إذا أكلته. قال: ما شبعت منذ أربعة أشهر، وليس ذاك أني لا أقدر عليه، ولكن أدركت أقوامًا يجوعون أكثر مما يشبعون\" (^٤).\n• وبإسناده عن نافع قال: \"جاء رجل بجوارش إلى ابن عمر فقال: ما هذا؟ قال: شيء (^٥) يهضم به الطعام قال: ما أصنع به؟ إني ليأتي (^٦) عليَّ الشهرُ ما أشبع فيه من الطعام\".\n• وبإسناده عن رجل قال: قلت لابن عمر: يا أبا عبد الرحمن! رقت مَضغَتُك، وكَبِر سنُّك، وجُلَسَاؤك لا يعرفون لك حقَّك، ولا شرفَك؟ فلو أمرت أهلك أن يجعلوا لك شيئًا يُلْطِفُوكَ إذا رجعتَ إليهم؟ قال: ويحك! والله ما شبعتُ منذ إحدى عشرة سنة، ولا اثنتي عشرة سنة، ولا ثلاث عشرة سنة، ولا أربع عشرة سنة، مرة واحدة، فكيف بي وإنما بقي مني كَظِمْءِ الحمار (^٧).\nوبإسناده عن عمرو بل الأسوِد العنَسي أنه كان يدع كثيرًا من الشِّبع مخافة الأشر (^٨).\n• وروى ابن أبي الدنيا في كتاب \"الجوع\" بإسناده عن نافع، عن ابن عمر قال: \"ما شبعتُ منذ أسلمتُ\" (^٩).\n• وروى بإسناده عن محمد بن واسع قال: \"من قل طُعْمُه، فَهِم وأفهَمَ، وصفا\n_________\n(^١) م: \"من\".\n(^٢) م: \"ثلاثة\".\n(^٣) \"ا\": \"يشبع\".\n(^٤) أورده أحمد في الزهد ٢/ ١٢١ بنحوه.\n(^٥) \"ا\": \"جوارش\".\n(^٦) \"ا\": \"إنه\".\n(^٧) م: \"بقي مني ما بقي\" وهو تحريف والتصويب من \"ا\".\nوهو من الظّمء: ما بين الشربين، وفي المثل: \"لم يبق منه إلا قدر ظمء الحمار\": لم يبقَ من عمره إلا اليسير، لأن الحمار قليل الصبر على الظمأ.\nالمعجم الوسيط ٢/ ٥٨٣، والخبر في الزهد لأحمد ٢/ ١٢٦ وفيه: \"يلطفونك به … \" والحلية ١/ ٢٢٩ كذلك.\n(^٨) الحلية ٥/ ١٥٦.\n(^٩) الخبر في الحلية ١/ ٢٩٩.","vol":"3","page":1240},{"text":"ورقّ، وإنَّ كثرةَ الطَّعام؛ لتثْقِلُ صاحبه عن كثير مما يريد (^١) \".\n• وعن أبي عبيدة الخواص قال: حَتفُك في شبعك، وحَظّك في جوعك، إذا أنتَ شبعتَ ثَقُلْتَ فنمتَ، استمكن منك العدو، فجثَم عليك، وإذا أنتَ، تجوّعتَ، كنتَ للعدو بمرصد.\n• وعن عمرو بن قيس قال: إياكم والبطنة؛ فإنها تُقْسِي القلبَ.\n• وعن سلمة بن سعيد قال: إن كان الرجل ليعير بالبطنة كما يعير بالذنب يعمله.\n• وعن بعض العلماء قال: إذا كنتَ بطينًا؛ فاعْدُدْ نَفْسَك زَمِنًا حتى تَخْمَصَ.\n• وعن ابن الأعرابي قال: كانت العرب تقول: ما بات رجل بطينًا فتم عزمه.\n• وعن أبي سليمان الداراني قال: إذا أردتَ حاجة من حوائج الدنيا والآخرة، فلا تأكل حتى تقضيها؛ فإن الأكل يغيّر العقل.\n• وعن مالك بن دينار قال: \"ما ينبغي للمؤمن أن يكون بطنه أكبرَ همه، وأن تكون شهوته هي الغالبة عليه (^٢) \".\nقال: وحدّثني الحسين (^٣) بن عبد الرحمن، قال: قال الحسن أو غيره: كانت بلية أبيكم آدم ﵇ أكلة، وهي بليتكم إلى يوم القيامة.\nقال: وكان يقال: مَنْ ملك بطنَه ملَكَ الأعمالَ الصالحة كلّها.\n• وكان يقال: لا تسكن الحكمة معدةً ملأى.\n• وعن عبد العزيز بن أبي رواد قال: كان يُقال: قِلة الطعم عونٌ على التسرُّع إلى الخيرات.\n• وعن قثم العابد قال: كان يُقال: ما قلَّ طعمُ امرئٍ قطُّ إلا رقَّ قلبه، ونديت عيناه.\n• وعن عبد الله بن مرزوق قال: لم نَرَ للأشِر مثلَ دوام الجوع، فقال له أبو عبد الرحمن العمري الزاهد: وما دوامه عندك؟ قال: دوامُه أن لا تشبع أبدًا. قال: وكيف يقدر مَنْ كان في الدنيا على هذا؟ قال: ما أيسرَ ذلك يا ألا عبد الرحمن! على أهل ولايته، ومن وفَّقه لطاعته، لا يأكل إلا دونَ الشبع وهو دوامُ الجوع.\nويشبه هذا قولُ الحسن لما عرض الطعامَ على بعض أصحابه، فقال له: أكلتُ حتى لا\n_________\n(^١) الخبر في الحلية ٢/ ٣٥١.\n(^٢) سقطت من م.\n(^٣) م: \"الحسن\" وفيه تحريف.","vol":"3","page":1241},{"text":"أستطع أن آكل، فقال الحسن: سبحان اللّه! ويأكل المسلم حتى لا يستطيع أن يأكل؟!.\n• وروى أيضًا إسناده عن أبي عمران الجوني، قال: كان يقال: من أحبّ أن يُنوَّرَ له قلبه، فليُقِلَّ طُعمَه.\n• وعن عثمان بن زائدة قال: كتب إليَّ سفيان الثوري: إن أردت أن يصحَّ جسمك، ويَقِلَّ نومك، فأقلَّ من الأكل.\n• وعن ابن السماك قال: خلا رجل بأخيه، فقال: أي أخي، نحن أهونُ على اللّه من أن يُجيعنا، إنَّما يُجيع أولياءَه.\n• وعن عبد اللّه بن الفرج (^١) قال: قلت لأبي سعيد التميمي: الخائف يشبع؟ قال: لا، قلت: المشتاق يشبع؟ قال: لا.\n• وعن رياح القيسي أنه قرب إليه طعام، فأكل منه، فقيل له: ازدد، فما أراك شبعت، فصاح صيحة وقال: كيف أشبع أيام الدنيا، وشجرةُ الزّقوم طعامُ الأثيم بين يديّ؟ فرفع الرجل الطعام من بين يديه، وقال: أنت في شيء، ونحن في شيء (^٢).\n• قال المروزي: قال لي رجل: كيف ذاك المتنعم يعني أحمد؟ قلت له: وكيف هو متنعم؟ قال؟ أليس يجد خبزًا يأكل، وله امرأة يسكن إليها، ويطؤها، فذكرتُ ذلك لأبي عبد اللّه فقال: \"صدق\" وجعل يسترجع وقال: \"إنا لنشبع! \".\n• وقال بشر بن الحارث: ما شبعتُ منذ خمسين سنة.\n• وقال: \"ما ينبغي للرجل أن يشبعَ اليومَ من الحلال، لأنه إذا شبع من الحلال، دعته نفسه إلى الحرام، فيكُفّ (^٣) من هذه الأقذار\".\n• وعن إبراهيم بن أدهم قال: \"من ضَبَطَ بطنه، ضبط دينَه، ومَنْ مَلَك جُوعَه ملك الأخلاق الصالحة، وإن معصية اللّه بعيدة من الجائع، قريبةٌ من الشَّبعان، والشِّبَعُ يميت القلبَ، ومنه يكون الفرحُ والمرحُ والضحك\".\n• وقال ثابت البُنَاني: \"بلغنا أن إبليسَ [لعنه اللّه] ظهر ليحيى بن زكريا عليهما\n_________\n(^١) م: \"بن أبي الفرج\" وهو تحريف.\nوأخبار عبد اللّه بن الفرج في الحلية ٦/ ٢٣٩ و٧/ ٣٥٥.\n(^٢) الخبر في الحلية ٦/ ١٩٤ وفيها أن الذي قرب إليه الطعام هو عبد المؤمن الصائغ حيث كان مضيفًا له في منزله.\n(^٣) م: \"فكيف\".","vol":"3","page":1242},{"text":"السلام، فرأى عليه معاليق من كل شيء، فقال له يحيى ﵇: يا إبليس! ما هذه المعاليق التي أرى عليك؟ قال: هذه الشهوات التي أصيبُ من بني آدم؟ قال: فهل لي فيها شيء؟ قال: ربما شبعتَ فثقّلناك عن الصلاة، وعن الذكر. قال: فهل غيرُ هذا؟ قال: لا، قال: للّه على أن لا أملأ بطي من الطعام أبدًا، قال: فقال إبليس - لعنه اللّه -: للّه علي أن لا أنصح مسلمًا أبدًا\" (^١).\n• وقال أبو سليمان الداراني: \"إن النفس إذا جاعت وعطشت، صفَا القلبُ ورَقّ، وإذا شبعت ورويت، عَمِيَ القلبُ\".\n• وقال: مفتاح الدنيا الشبع، ومفتاح الآخرة الجوع، وأصل كل خير في الدنيا والآخرة: الخوف من اللّه ﷿، وإن اللّه ليعطي (^٢) الدنيا مَن يحبّ ومن لا يحبّ، وإن الجوع عنده في خزائن مدخرة، فلا يُعْطِي إلا مَنْ أحبّ خاصة، ولأن أدع من عَشَائي لُقْمَةً أَحَبُّ إليَّ من أَنْ آكلها، ثم أقومَ من أول الليل إلى آخره\".\n• وقال الحسن بن يحيى الخشني: \"من أراد أن تَغْزُرَ دموعُه، ويرقَّ قلبُه، فليأكل وليشرب في نصف بطنه\" (^٣).\n• وقال أحمد بن أبي الحواري، فحدثتُ بهذا أبا سليمان، فقال: \"إنما جاء الحديث: ثلث طعام، وثلث شراب، وأرى هؤلاء قد حاسبوا أنفسهم فربحوا سُدُسًا\".\n• وقال محمد بن النضر الحارثي: \"الجوعُ يَبْعثُ على البر كما تبعث البطنة على الأشر\" (^٤).\n• وعن الشافعي قال: \"ما شبعتُ منذ ستة عشر سنة، إلا شَبْعَةً أطرحُها؛ لأن الشبع يثقل البدن، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة\".\nوقد ندب النبي - ﷺ - إلى التقلل من الأكل في حديث المقدام وقال: \"حسب ابن آدم لقيماتٌ يقمْن صُلْبه\" (^٥).\n• وفي الصحيحين عنه - ﷺ - أنه قال: \"المؤمنُ يأكل في معيٍّ واحد، والكافر يأكل\n_________\n(^١) الخبر في الحلية ٦/ ٣٢٨ - ٣٢٩ وفي إحدى نسخها: أن لا أنصح إنسائا.\n(^٢) \"١\": \"يعطي\" والخبر في الحلية ٩/ ٢٥٩ أتم من هذا وباختلاف يسير في التقديم والتأخير.\n(^٣) الخبر في الحلية ٨/ ٣١٨ بنحوه.\n(^٤) الخبر في الحلية ٨/ ٢٢٢ وفيه تحريف مطبعي بيّن.\n(^٥) الذي ساقه وشرحه من ص ١٢٣٧.","vol":"3","page":1243},{"text":"في سبعة أمعاء\" (^١) والمراد أن المؤمن يأكل بآداب الشرع؛ فيأكل في معي واحد، والكافر يأكل بمقتضى الشهوة والشرَه (^٢) والنهم فيأكل في سبعة أمعاء، وندب - ﷺ - مع التقلل من الأكل والاكتفاء ببعض الطعام إلى الإيثار بالباقي منه فقال: \"طعامُ الواحد يكفي الاثنين، وطعامُ الاثنين يكفي الثلاثة، وطعامُ الثلاثة يكفي الأربعة\" (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1402>[أحسن ما أكل المؤمن]:</span>\nفأحسنُ ما أكل المؤمن في ثلث بطنه، وشرب في ثلث، وترك للنفس ثلثًا، كما ذكره النبي - ﷺ - في حديث المقدام؛ فإن كثرةَ الشرب تجلبُ النوم، وتُفسد الطعام.\n• قال سفيان: كلْ ما شئت، ولا تشرب؛ فإذا لم تشرب لم يجئك النوم (^٤).\n• وقال بعض السلف: كان شباب يتعبدون في بني إسرائيل؛ فإذا كان عيد فطرهم قام عليهم قائم فقال: لا تأكلوا كثيرًا، فتشربوا كثيرًا، فتناموا كثيرًا، فتخسروا كثيرًا.\n• وقد كان النبي ﵌ وأصحابه يجوعون كثيرًا (^٥)، ويتقللون من أكل الشهوات، وإن كان ذلك لعدم وجود الطعام؛ إلا أن اللّه تعالى لا يختار لرسوله إلا أكملَ الأحوال وأفضلَها (^٦).\nولهذا كان ابن عمر يتشبه بهم في ذلك (^٧)، مع قدرته على الطعام، وكذلك أبوه (^٨)\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ٧٠ - كتاب الأطعمة: ١٢ - باب المؤمن يأكل في معي واحد ٩/ ٥٣٦ ح ٥٣٩٣، ٥٣٩٤، ٥٣٩٥، ٥٣٩٦، ٥٣٩٧.\nومسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة: ٣٤ - باب المؤمن يأكل في معى واحد، والكافر يأكل في سبعة أمعاء ٣/ ١٦٣١، ١٦٣٢ ح ١٨٢ - ١٨٦ كلاهما من حديثي ابن عمر وأبي هريرة.\nوروى مسلم في هذا حديث أبي موسى كذلك.\n(^٢) م: \"والشدة\" وهو تحريف.\n(^٣) أخرجه البخاري في: ٧٠ - كتاب الأطعمة: ١١ - باب طعام الواحد يكفي الاثنين ٩/ ٥٣٥ ح ٥٣٩٢ من حديث أبي هريرة.\nوأخرجه مسلم في: ٣٦ - كتاب الأشربة: ٣٣ - باب فضيلة المواساة في الطعام القليل، وأن طعام الاثنين يكفي الثلاثة ونحو ذلك ٣/ ١٦٣٠ ح ١٧٨ - (٢٠٥٨)، ١٧٩ - (٢٠٥٩)، ١٨٠ - (…)، ١٨١ - (…) من أحاديث أبي هريرة وجابر، ومن وجوه عديدة.\n(^٤) أورده أبو نعيم في الحلية ٧/ ١٨.\n(^٥) في م: \"يجوعون كثيرًا ولا يشربون كثيرًا ويتقللون\".\n(^٦) راجع في هذا ص ٢٢٣ وما بعدها من كتابنا \"منهج السنة في الزواج\".\n(^٧) \"ا\": \"يتشبه بهم مع قدرته\".\n(^٨) ليست في م.","vol":"3","page":1244},{"text":"من قبله.\n• ففي الصحيحين عن عائشة قالت: \"ما شبع آل محمد - ﷺ - منذ قدم المدينة من خبز برّ ثلاث ليال تباعًا، حتى قبض\" (^١).\n• ولمسلم قالت: \"ما شبع رسول اللّه - ﷺ - من خبز شعير يومين متتابعين؛ حتى قبض\" (^٢).\nوخرج البخاري عن أبي هريرة قال: \"ما شبع رسول اللّه - ﷺ - من طعام ثلاثة أيام؛ حتى قبض\" (^٣).\n• وعنه قال: \"خرج رسول اللّه - ﷺ - من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير\" (^٤).\nوفي صحيح مسلم عن عمر: أنه خطب فذكر ما أصابَ الناسُ من الدنيا فقال: لقد رأيت رسول الله - ﷺ - يظل اليوم يلتوي ما يجد دَقَلًا يملأ به بطنه (^٥).\nوخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أنس عن النبي - ﷺ - ﵌، قال: \"لقد أوذيتُ في اللّه وما يؤذَى أحد، ولقد أُخِفْتُ في اللّه وما يُخَافُ أحد، ولقد أتتْ عليّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي الطعام؛ إلا مَا وارَاهُ إبِطُ بِلالٍ\" (^٦).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ٧٠ - كتاب الأطعمة: ٢٣ - باب ما كان النبي - ﷺ - - ﷺ - وأصحابه يأكلون ٩/ ٧٤٩ ح ٥٤١٦ وانظر طرفه في ٦٤٥٤ وأخرجه مسلم في: ٥٣ - كتاب الزهد والرقائق:١ - ٢٢٨١ ح ٢٠ - (٢٩٧٠)، ٢١ - ٢٤ من وجوه، كلاهما عن عائشة.\n(^٢) في الموضع السابق ح ٢٢.\n(^٣) أخرجه البخاري في: ٧٠ - كتاب الأطعمة: ١ - باب قوله تعالى: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾ ٩/ ٥١٧ ح ٥٣٧٤.\nوهو عند مسلم أيضًا في الموضع السابق ح ٣٢ (٢٩٧٦)، ٣٣.\n(^٤) البخاري في ٧٠ - كتاب الأطعمة: ٢٣ - باب ما كان النبي - ﷺ - وأصحابه يأكلون ٩/ ٥٤٩ ح ٥٤١٤ وقد سقطت كلمة: \"من الدنيا\"، من أ.\n(^٥) مسلم في الموضع السابق: الزهد ح ٣٦ - ٢٩٧٨ (٤/ ٢٢٨٥).\nوالدقل: رديء التمر.\nوالجملة الأخيرة ليست في م.\n(^٦) أخرجه الترمذي في: ٣٨ - كتاب صفة القيامة: ٣٤ - باب حدثنا هرون (٤/ ٦٤٥) ح ٢٤٧٢.\nوعقب عليه بقوله: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\".\nومعنى هذا الحديث: حين خرج النبي - ﷺ - هاربًا من مكة ومعه بلال، إنما كان مع بلال من الطعام ما يحمله تحت إبطه، وكلمة صحيح في بعض نسخ الترمذي على ما في طبعة إستامبول ٧/ ١٧٤.\nوأخرجه ابن ماجه في مقدمة السنن ١/ ٥٤ ح ١٥١.","vol":"3","page":1245},{"text":"• وخرَّج ابن ماجه بإسناده عن سليمان بن صرد قال: \"أتانا رسول اللّه - ﷺ - فَمَكَثْنَا ثلاث ليال لا نقدر - أو لا يقدر - على طعام\" (^١).\nوبإسناده عن أبي هريرة قال: \"أُتي رسول اللّه - ﷺ - بطعامٍ سُخْنٍ، فأكل؛ فلما فرغَ قال: الحمد للّه ما دخل بطني طعامٌ سُخْنٌ منذ كذا وكذا\" (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1403>[ذم القرآن من اتبع الشهوات]:</span>\n• وقد ذم اللّه ورسوله من اتبع الشهوات قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ (^٣). وصح عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"خيرُ القُرون قَرْني، ثم الذين يلُونَهُم ثم الذين يلونَهُمْ، ثم يأتي قوم يَشْهدون ولا يُسْتَشْهَدُون، وَيَنذِرُون ولا يُوفونَ، ويظهرُ فيهم السِّمَنُ\" (^٤).\n• وفي المسند أن النبي - ﷺ - رأى رجلًا سمينًا فجعل يومئ بيده إلى بطنه ويقول: \"لو كان هذا في غير هذا؛ لكان خيرًا لك\" (^٥).\n• وفي المسند عن أبي بَرْزَة عن النبي - ﷺ - قال: \"إن أخوف ما أخاف عليكم؛ شهواتُ الغَيِّ في بطونكم وفروجكم ومُضِلَّاتُ الهوى\" (^٦).\n• وفي مسند البزَّار وغيره عن فاطمة عن النبي - ﷺ - قال: \"شرار أمتي الذين غذُّوا\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في: ٣٧ - كتاب الزهد: ١٥ - باب معيشة آل محمد - ﷺ - ٢/ ١٣٨٩ ح ٤١٤٩، وأورده البوصيري في الزوائد ٢/ ٣٣٠ ح ١٤٧٢، وقال: هذا إسناد ضعيف لجهالة التابعي، ولم أرَ مَن صنف في المبهمات ذكره وما علمته؛ وهو في ضعيف السنن ص ٣٤١.\n(^٢) أخرجه ابن ماجه عقب الحديث السابق ح ٤١٥٠، وأورده البوصيري في الزوائد عقب الحديث السابق وقال: هذا إسناد حسن.\n(^٣) سورة ص مريم: ٥٩، ٦٠.\n(^٤) انظر في هذا ما رواه مسلم في صحيحه: ٤٤ - كتاب فضائل الصحابة: ٥٢ - باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم ٤/ ١٩٦٢ - ١٩٦٥ ح ٢٠٨ - ٢١٦ (٢٥٣٢ - ٢٥٣٦). والبخاري ح ٣٦٥٠، ٢٦٥١، ٦٤٢٨، ٦٦٩٥ من حديث عبد الله بن مسعود وغيره.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٣٣٩ (الحلبي) من رواية وكيع، عن شعبة، عن أبي إسرائيل الجشمي، عن شيخ لهم يقال له: جعدة أن النبي - ﷺ - رأى لرجل رؤيا، قال: فبعث إليه، فجاء، فجعل يقصها عليه، وكان الرجل عظيم البطن، قال: \"فجعل يقول: بإصبعه في بطنه: لو كان … \".\nأورده الهيثمي في المجمع ٥/ ٣١ عن الطبراني وأحمد، وقال: رواه كله الطبراني، ورواه أحمد، ورجال الجميع رجال الصحيح، غير أبي إسرائيل الجشمي، وهو ثقة.\nأي فالحديث حسن. وقد صححه الحاكم في المستدرك ٤/ ١٢١ - ١٢٢ وأقره الذهبي.\n(^٦) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ٤٢٠، ٤٢٣ (الحلبي) من وجوه، عن أبي برزة بنحوه. وقد أورده الهيثمي في المجمع ١/ ١٩٣ وقال: رواه أحمد، والبزار، والطبراني في الثلاثة، ورجاله رجال الصحيح.","vol":"3","page":1246},{"text":"بالنعم، الذين يأكلون ألوان الطعام، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدقون في الكلام\" (^١).\nوخرج الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عمر قال: \"تجشأ رجل عند النبي - ﷺ - فقال: \"كُفَّ عنَّا جُشَاءَكَ؛ فإن أكثَرَهُمْ شِبَعًا في الدُّنْيَا أطولُهم جوعًا يوم القيامة\" (^٢).\n• وخرجه ابن ماجه من حديث سلمان أيضًا بنحوه (^٣).\n_________\n(^١) قال الزبيدي في الإتحاف ٧/ ٤١٢:\nأي يتوسعون فيه من غير تحرز ولا احتياط. قال العراقي: رواه ابن عدي في الكامل من طريق البيهقي في الشعب من حديث فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، وروى من حديث فاطمة بنت الحسين مرسلًا، قال الدارقطني في العلل: إنه أشبه بالصواب، ورواه أبو نعيم في الحلية من حديث عائشة بإسناد لا بأس به. اهـ.\nقلت: وكذلك رواه ابن أبي الدنيا في ذم الغيبة، وابن عساكر، كلهم من رواية عبد الله بن الحسن عن أمه، عن فاطمة بنت رسول اللّه - ﷺ -، ولفظ حديثهم: شرار أمتي الذين غذوا بالنعيم، الذين يأكلون أنواع الطعام، ويلبسون ألوان الثياب! ويتشوقون في الكلام.\nوقال البيهقي بعد أن أورده: تفرد به علي بن ثابت، عن عبد الحميد الأنصاري. اهـ.\nوعلي بن ثابت ساقه الذهبي في الضعفاء، وقال: ضعفه الأزدي، قال: وعبد الحميد ضعفه القطان، وهو ثقة. اهـ.\nوجزم المنذري بضعفه وقد روي هذا الحديث أيضًا عن عبد اللّه بن جعفر، وعن ابن عباس فحديث عبد اللّه بن جعفر لفظه: شرارُ أمَّتى الذين ولدوا في النعيم وغذوا به .. يأكلون من الطعام ألوانًا، ويلبسون في الثياب ألوانًا، ويركبون من الدواب ألوانًا، يتشدقون في الكلام. رواه الحاكم والبيهقي في الشعب، وقال الحاكم: صحيح، وتعقبه الذهبي؛ بأن فيه أصرم بن حوشب، وهو ضعيف.\nوأما لفظ حديث ابن عباس: شرارُ أمتى الذين غذوا بالنعيم وغذوا فيه؛ الذين يأكلون طيب الطعام، ويلبسون لين الثياب، هم شرار أمتي حقًّا حقًّا. فقد رواه الديلمي في مسند الفردوس.\nوالحديث عند ابن أبي الدنيا في \"ذم الغيبة\" ص ٣٢ - ٣٣ ح ١٠ وفي \"الصمت\" ص ١٠٩، ١١٠ ح ١٥٠ وكلا الموضعين من رواية إسماعيل بن إبراهيم الترجماني، عن علي بن ثابت، عن عبد الحميد بن جعفر الأنصاري، عن عبد اللّه بن حسن، عن أمه، عن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، عن رسول اللّه - ﷺ -.\nوعند الحاكم في المستدرك ٣/ ٥٦٨ من رواية عبد اللّه بن جعفر، ولم يكتف الذهبي بتضعيف الحديث.\nكما يذكر الزبيدي؛ وإنما قال: أظنه مرفوعًا، فإسحاق، متروك وأصرم متهم بالكذب.\nوأفاض الشيخ ناصر الألباني في ذكر طرقه المرسلة والموصُولة، وأن مراسيله صحاح وجياد، وإِن طرقه الموصُولة المختلفة والمروية من أحاديث البراء، وأبي أمامة، وعائشة ﵃، وإن تكن ضعافًا فإنها بمجموعها ترقى بالحديث إلى الحسن لغيره.\nوانظر - إذًا - ما أورده في الصحيحة ٤/ ٥١٢ - ٥١٥ ح ١٨٩١، وصحيح الجامع الصغير وزيادته ١/ ٦٣٠ ح ٣٧٠٥. وقد أورده ابن عدي في الكامل ٥/ ٣١٩ من حديث فاطمة الزهراء ﵂، ومن طريق علي بن ثابت، عن عبد الحميد بن جعفر، مع أحاديث أخرى لعبد الحميد بن جعفر. ثم قال: ولعبد الحميد غير ما ذكرت روايات، وأرجو أنه لا بأس به، وهو ممن يكتب حديثه، وانظر هامشي الصمت وذم الغيبة. ولم يعزه أحد إلى البزار كما رأيت وإنما هو فيه من مسند أبي هريرة ح ٣٦١٦.\n(^٢) أخرجه ابن ماجة في السنن: ٢٩ - كتاب الأطعمة: ٥٠ - باب الاقتصاد في الأكل وكراهة الشبع ٢/ ١١٢ ح ٣٣٥٠. وهو عند الترمذي في السنن ٢٤٨٠ بإسناد حسن غريب كما في إحدى نسخ طبعة إستامبول.\n(^٣) عقب الحديث السابق من رواية داود بن سليمان العسكري، ومحمد بن الصباح، عن سعيد بن محمد=","vol":"3","page":1247},{"text":"وخرجه الحاكم من حديث أبي جحيفة (^١)\nوفي أسانيدها كلها مقال واللّه أعلم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1404>[ثلث للطعام]:</span>\n• وروى يحيى بن منده في كتاب مناقب الإمام أحمد بإسناد له عن الإمام أحمد أنه سئل عن قول النبي - ﷺ -: \"ثلثٌ للطعام، وثلثٌ للشراب، وثلثٌ للنفَس\" فقال: \"ثلُث للطعام هُوَ القُوت، وثُلُث للشَّرَاب هو القُوَى، وثُلُث للنَّفَس هو الروح\".\n* * *\n_________\n= الثقفي، عن موسى الجهني، عن زيد بن وهب، عن عطية بن عامر الجهني قال: سمعت سلمان وأكره على طعام يأكله فقال: حسبي؛ إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن أكثر الناس شبعًا في الدنيا، أطولهم جوعًا يوم القيامة\".\nوقد عقب البُوصيري على الحديث في الزوائد بقوله: \"هذا إسناد فيه مَقال؛ سعيد بن محمد الوراق ضعفه ابن معين، وأبو حاتم، وابن سعد، وأبو داود، والنسائي، وابن عدي والدارقطي، ووثقه ابن حبان والحاكم، وقال المزي في الأطراف:\nرواه سعيد بن عنبسة الرازي وهو ضعيف، عن سعيد بن محمد.\nوقال عامر بن عطية:\nرواه أبو يعلى الموصلي في مسنده من رواية سعد بن محمد، عن موسى، عن زيد، عن عطية بن عامر به - فذكره بزيادة.\nوله شاهد من حديث ابن عمر، رواه الترمذي ورواه الحاكم من حديث أبي جحيفة.\n(^١) في المستدرك ٤/ ١٢١، وفي إسناده فهد بن عوف، وعمر بن موسى، قال الذهبي: فهد، قال المديني: كذاب، وعمر هالك.","vol":"3","page":1248},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1405>الحديث الثامن والأربعون</span>\nعَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرو عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كانَ مُنَافِقًا وَإِن (^١) كانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: مَنْ إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإذَا وَعدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا خاصَمَ فَجَرَ، وَإِذَا عاهَدَ غَدَرَ\". خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1406>[تخريج الحديث]:</span>\n• هذا الحديث خرجاه في الصحيحين من رواية الأعمش، عن عبد اللّه بن مرة، عن مسروق، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص (^٢).\n• وخرجاه في الصحيحين أيضًا من حديث أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: \"آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان\" (^٣).\n• وفي رواية لمسلم: وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم.\nوفي رواية له أيضًا: \"من علامات المنافق ثلاثة … \".\nوقد روي هذا عن النبي - ﷺ - من وجوه أخر.\n\n<span data-type='title' id=toc-1407>[تأويل الحديث]:</span>\n• وهذا الحديث قد حمله طائفة ممن يميل إلى الإرجاء على المنافقين الذين كانوا في عهد النبي - ﷺ -؛ فإنهم حدثوا النبي - ﷺ -، فكذَبوه، وائتمنهم على سره؛ فخانوه،\n_________\n(^١) م: \"ومن\" وهو موافق لإحدى روايتي مسلم.\n(^٢) أخرجه البخاري في ٢ - كتاب الإيمان: ٢٤ - باب علامة المنافق ١/ ٨٩ ح ٢٣.\nوفي: ٤٦ - كتاب المظالم: ١٧ - باب إذا خاصم فجر ٥/ ١٠٧ ح ٢٤٥٩.\nوفي: ٥٨ - كتاب الجزية والوادعة: ١٧ - باب إثم من عاهد ثم غدر ٦/ ٢٧٩ ح ٣١٧٨.\nوفي هذا الموضع: \"من إذا حدث كذب\".\nوأخرجه مسلم في: ١ - كتاب الإيمان: ٢٥ - باب بيان خصال المنافق ١/ ٧٨ ح ١٠٦ - (٥٨).\nمن وجهين في الثاني منهما: \"وإن كانت فيه خصلة منهن\".\n(^٣) في البخاري في الموضع الأول وأطرافه في أحاديث ٢٦٨٢، ٢٧٤٩، ٦٠٩٥.\nوفي مسلم عقب حديث عبد اللّه بن عمرو ومن وجوه عديدة، فيها الروايات التي أشار إِليها ابن رجب وفي ا، ر: \"وخرجا في الصحيحين\".","vol":"3","page":1249},{"text":"ووعدوه أن يخرجوا معه في الغزو؛ فأخلفوه.\nوقد روى محمد المحرم هذا التأويل عن عطاء، وأنه قال: حدثني به جابر، عن النبي - ﷺ -، وذكر أن الحسن رجع إلى قول عطاء هذا لما بلغه عنه، وهذا كذب والمحرم هذا: شيخ كذاب معروف بالكذب.\nوقد روي عن عطاء من وجهين آخرين ضعيفين؛ أنه أنكر على الحسن قوله: ثلاث من كن فيه؛ فهو منافق، وقال: قد حدث إخوة يوسف فكذَبوا، ووعدوا فأخلفوا، وائتمنوا فخافوا، ولم يكونوا منافقين.\nوهذا لا يصح عن عطاء، والحسنُ لم يقل هذا من عنده، وإنما بلغه عن النبي - ﷺ -؛ فالحديث ثابت عنه ﵌، لا شك في ثبوته وصحته.\n\n<span data-type='title' id=toc-1408>[بماذا فسر النفاق؟]:</span>\nوالذي فسره به أهل العلم المعتبرون: أن النفاق في اللغة هو من جنس الخداع والمكر وإظهار الخير وإبطان خلافه.\nوهو في الشرع ينقسم إلى قسمين:\n• أحدهما: النفاق الأكبر، وهو أن يُظْهِرَ الإنسانُ الإيمان باللّه وملائِكَتِهِ وكُتُبِه ورُسُلِهِ واليوم الآخِر، ويُبْطِنَ ما يناقض ذلك كُلّه أو بعضَه.\nوهذا هو النفاق الذي كان على عهد رسول اللّه - ﷺ -، ونزل القرآن بذم أهله، وَبكُفرِهم (^١)، وَأَخْبَر أن أهله في الدرك الأسفل من النار.\n• والثاني: النفاق الأصغر، وهو نِفَاقُ العمَل، وهو أن يظهر الإنسانُ علانيةً صالحةً، ويبطنَ ما يُخَالِفُ ذلك.\n\n<span data-type='title' id=toc-1409>[أصول النفاق]:</span>\nوأصولُ هذا النفاق ترجع إلى الخصال المذكورة في هذه الأحاديث وهي خَمْسَة:\n• أحدها: أن يحدّث بحديث لمن يصدقه به، وهو كاذب له.\nوفي المسند (^٢) عن النبي - ﷺ - قال: \"كَبُرَتْ خِيَانةً أن تحدِّثَ أخاكَ حديثًا هُوَ لَكَ\n_________\n(^١) ر: \"وتكفيرهم\".\n(^٢) في المسند ٤/ ١٨٣ (الحلبي) من حديث النواس بن سمعان. وضعفه الهيثمي في المجمع ٨/ ١٠١ بعمر بن هارون وهو في ضعيف الجامع ٤١٦٢ والضعيفة ١٢٥١ وفي بعض النسخ: أشد الخلف.","vol":"3","page":1250},{"text":"مُصَدّق، وأنت به كاذب\".\nقال الحسن: كان يقال: النفاق اختلاف السرِّ والعلانية، والقولِ والعمل، والمدخلِ والمخرج، وكان يقال: أسُّ النفاق الذي بنى عليه النفاق: الكذب.\n* * *\n• الثاني: إذا وعد أخلف.\nوهو على نوعين:\nأحدهما: أن يعد، ومن نيته أن لا يفي بوعده، وهذا أشرُّ الخُلف.\nولو قال: أفعل كذا إن شاء الله تعالى، ومن نيته أن لا يفعل؛ كان كذبًا وخلفًا.\nقاله الأوزاعي.\nوالثاني: أن يَعِدَ ومن نيته أن يفي، ثم يبدو له فيُخلفُ من غير عذر له في الخُلف.\nوخرج أبو داود (^١) والترمذي (^٢) من حديث زيد بن أرقم، عن النبي - ﷺ - قال: \"إذا وعَدَ الرَّجُلُ ونَوى أن يفي به، فلم يف؛ فلا جُنَاحَ عليه\".\nوقال الترمذي: ليس إسناده بالقوي.\nوخرجه الإسماعيلي وغيرُه من حديث سَلْمَان أن عليًّا لقي أبا بكر وعمر - ﵄ - فقال: ما لي أَرَاكُما ثقيلين؟ قالا: حديث سمعناه من النبي - ﷺ - ذكر خلالَ المنافق، \"إذا وعد أخلف، وإذا حدّث كذَب، وإذا ائتُمِنَ خان\" فأينا ينجُو من هذه الخصال. فدخل عليٌّ على النبي - ﷺ - فذكر ذلك له، فقال: \"قد حدَّثْتُهُمَا ولم أضَعْه على الموضع الذي تضعونه، ولكن المنافق إذا حدث وهو يحدث نفسَهُ أن يكذب، وإذا وعَد وهو يحدِّثُ نفسَه أن يُخلف، وإذا ائتُمِنَ وهو يحدّث نفسه أن يخون\".\n_________\n(^١) أخرجه أبو داود في: ٣٥ - كتاب الأدب: ٩٠ - باب في العدة ٥/ ٢٦٨ ح ٤٩٩٥،\nرواية محمد بن المثني، عن أبي عامر، عن إبراهيم بن طهمان، عن علي بن عبد الأعلى، عن أبي النعمان، عن أبي وقاص، عن زيد بن أرقم، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"إذا وعد الرجل أخاه ومن نيته أن يفى له فلم يف ولم يجئ للميعاد؛ فلا إثم عليه\".\n(^٢) أخرجه الترمذي في ٤١ - كتاب الإيمان: ١٤ - باب ما جاء في علامة النفاق ٢٠/ ٥ ح ٢٦٣٣ من رواية محمد بن بشار، عن أبي عامر - به - بنحوه.\nوعقب أبو عيسى بقوله: هذا حديث غريب، وليس إسناده بالقوى، علي بن عبد الأعلى ثقة، ولا يعرف أبو النعمان، ولا أبو وقاص، وهما مجهولان.","vol":"3","page":1251},{"text":"وقال أبو حاتم الرازي: هذا الحديث من رواية سلمان، وزيدِ بن أرقم: الحديثان مضطربان، وفي الإسناد مجهولان (^١) وقال الدارقطني (^٢): \"الحديث مضطرب غير ثابت\" والله أعلم.\nوخرج الطبراني والإسماعيلي من حديث عليّ مرفوعًا: \"العِدَةُ دَيْنٌ. وَيْلٌ لمن وَعَدَ ثم أخلَفَ\" قالها ثلاثًا.\nوفي إسناده جهالة (^٣). ويروى من حديث ابن مسعود قال: لا يعد أحدكم صبيه، ثم لا ينجز له فإن رسول الله - ﷺ - قال: \"العدة عطية\" وفي إسناده نظر.\nوَأوله صحيح عن ابن مسعود من قوله.\nوفي مراسيل الحسن عن النبي - ﷺ - قال: \"العدة هبة\" وفي سنن أبي داود، عن مولى لعبد الله بن عامر بن ربيعة، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، قال: جاء النبي - ﷺ - إلى بيتنا وأنا صَبيٌّ فخرجت لألعب، فقالت أمي: يا عبد الله تعالَ أعطك، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما أردت أن تعطيه؟ \" قلت: أردت أن أعطيه تمرا، فقال: \"إن لم تفعلي كتبت عليك كَذْبَة\".\nوفي إسناده من لا يعرف (^٤).\nوذكر الزهري عن أبي هريرة قال: \"من قال لصبيّ تعالَ هاك تمرًا ثم لا يعطيه شيئًا فهي كذبة\".\nوقد اختلف العلماء في وجوب الوفاء بالوعد، فمنهم من أوجبه مطلقًا.\nوذكر البخاري في صحيحه أن ابن أشوع قضى بالوعد (^٥)، وهو قول طائفة من أهل\n_________\n(^١) كذا قال الهيثمي في المجمع ١/ ١١٣ إذْ أورده عن الطبراني، وقال الحافظ في الفتح ١/ ٩٠ إسناده لا بأس به ليس فيهم من أجمع على تركه.\n(^٢) في العلل ١/ ١٨٥ - ١٨٦ س ١١.\n(^٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١٦٦ من حديث علي وابن مسعود عن الطبراني في الأوسط، والصغير ثم قال: وفيه حمزة بن داود ضعفه الدارقطني.\n(^٤) أخرجه أبو داود في: ٣٥ - كتاب الأدب: ٨٨ - باب في التشديد في الكذب ٥/ ٢٦٥ ح ٤٩٩١ رواية عن قتيبة بن سعيد، عن الليث بن سعد، عن ابن عجلان، عن رجل من موالى عبد الله بن عامر - به. وإسناده ضعيف للجهالة بهذا المولى. لكن أورده الشيخ ناصر الألباني في صحيح أبي داود ٣/ ٩٤٢، ٩٤٣ وحسن إسناده وأحال على الصحيحة ٧٤٨.\n(^٥) ابن الأشوع كما في الفتح وعمدة القارى: هو سعيد بن عمرو بن الأشوع الهمداني، قاضي الكوفة في زمان إمارة خالد القسري على العراق، وذلك بعد المائة، مات في ولاية خالد، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال يحيى بن معين: مشهور يعرفه الناس. وقضاؤه في الصحيح ٥/ ٢٨٩ من الفتح.","vol":"3","page":1252},{"text":"الظاهر وغيرهم.\nومنهم من أوجبَ الوفاءَ به إذا اقتضى تغريمًا للموعود وهو المحكي عن مالك.\nوكثيرٌ من الفقهاء لا يوجبونه مطلقًا\n* * *\n• والثالث: إذا خاصم فجر.\nويعني بالفجور أن يخرج عن الحق عمدًا حتى يصير الحق باطلًا، والباطل حقًّا.\nوهذا مما يدعو إليه الكذب كما قال النبي - ﷺ -: \"إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار\" (^١).\nوفي الصحيحين عن النبي - ﷺ -: \"إن أبغضَ الرجال إلى الله الألدّ الخَصِمُ\" (^٢).\nوقال - ﷺ -: \"إنكم لتختصمون إليَّ ولَعَلَّ بَعْضَكُمْ أن يكونَ ألحنَ بحجته من بعض، وإنما أقضي على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار\" (^٣).\n_________\n(^١) انظر في هذا ما رواه مسلم في صحيحه: ٤٥ - كتاب البر والصلة: ٢٩ - باب قبح الكذب، وحسن الصدق وفضله ٤/ ٢٠١٢ - ٢٠١٣ ح ١٠٣ - (٢٦٠٧) وما بعده من حديث عبد الله.\nومعنى قضائه بالوعد: حكمه بوجوب إنجاز الوعد، وقد روي ذلك عن سمرة بن جندب.\nوكان إسحاق بن راهويه - كما ذكر البخاري يحتج بحديث ابن الأشوع عن سمرة في القول بوجوب إنجاز الوعد؛ ولما كان من صفات المنافقين خلف الوعد؛ كان من صفات المؤمنين إنجاز الوعد؛ ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد.\nوكذلك كان رسول الله - ﷺ - لا يعد أحدًا شيئا إلا وفي له به.\nوقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب فقال: حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي.\nراجع تفسير ابن كثير ٣/ ١٢٥، وعمدة القاري ١٣/ ٢٥٨، وفتح الباري ٥/ ٢٨٩ - ٢٩٠.\n(^٢) أخرجه البخاري في: ٤٦ - كتاب المظالم: ١٥ - باب قول الله تعالى: ﴿وهو ألد الخصام﴾ ٥/ ١٠٦. وطرفاه في ح ٤٥٢٣، ٧١٨٨.\nقال ابن حجر: الألد: الشديد اللَّدَد أي الجدال مشتق من اللديدين؛ وهما صفحتا العنق، والمعنى أنه من أي جانب أخذ في الخصومة قوي.\nوالخصم: الشديد الخصومة في الباطل، وبالباطل ولو في إثبات حقٍّ.\nومسلم في ٤٧ - كتاب العلم: ٢ - باب في الألد الخصم ٤/ ٢٠٥٤ ح ٥ (٢٦٦٨) من حديث عائشة.\n(^٣) راجع في هذا ما أخرجه البخاري في: ٤٦ كتاب الظالم: ١٦ - باب إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه ٥/ ١٠٧ ح ٢٤٥٨ وأطرافه في أحاديث: ٢٦٨٠، ٦٩٦٧، ٧١٦٩، ٧١٨١، ٧١٨٥.\nومسلم في: ٣٠ - كتاب الأقضية: ٣ - باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة ٣/ ١٣٣٧ - ١٣٣٨ ح ٤ - (١٧١٣)، ٥، ٦ من حديث أم سلمة من وجوه عديدة. وفي بعض النسخ: \"مما أسمع\".","vol":"3","page":1253},{"text":"وقال - ﷺ - (^١): \"إن من البيان سِحْرًا\".\nفإذا كان الرجلُ ذا قدرةٍ عند الخصومة سواء كانت خصومتُه في الدين، أو في الدنيا على أن ينتصر للباطل، ويخيل للسامع أنه حق، ويوهن الحقّ، ويخرجه في صورة الباطل كان ذلك من أقبح المحرمات، ومن أخبث خصال النفاق.\nوفي سنن أبي داود عن ابن عمر عن النبي ﵌ قال: \"من خاصمَ في باطلٍ وهو يعلمه لم يزل في سَخَطِ الله حتى يَنْزِعَ\" (^٢).\nوفي رواية له أيضًا: \"ومَنْ أعان على خُصُومَةٍ بظُلْمٍ فقد بَاءَ بغضَبٍ من الله\" (^٣).\n* * *\n• الرابع إذا عاهد غدر ولم يف بالعهد.\nوقد أمر الله بالوفاء بالعهد، فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ (^٤).\n_________\n(^١) راجع في هذا ما أخرجه مالك في الموطأ ٩٨٦ وأبو داود في السنن: ٣٥ - كتاب الأدب: ٩٥ - باب ما جاء في الشعر ٥/ ٢٧٦ - ٢٧٩ ح ٥٠٠٩ - ٥١١٢ من حدَيثي ابن عباس وبريدة ﵄.\nوأحمد في المسند ٤/ ٢٦٣ (الحلبي) من حديث قريش بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن عبد الملك بن أبجر، عن أبيه، عن واصل بن حيان، قال أبو وائل: خطبنا عمار؛ فأبلغ وأوجز، فلما نزل قلنا: يا أبا اليقظان! لقد أبلغت وأوجزت فلو كنت تنفست! قال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن طول صلاة الرجل وقصر خطبته مئنة من فقهه، فأطيلوا الصلاة وأقصروا الخطبة، فإن من البيان لسحرا\".\nوالمئنة: هي الأمارة والعلامة، وأخرجه مسلم في صحيحه: ٧ - كتاب الجمعة: ١٣ - باب تخفيف الصلاة والخطبة ٢/ ٥٩٤ ح ٤٧ - (٨٦٩) من رواية سريج بن يونس، عن عبد الرحمن بن عبد الملك - به - بمثله؛ إلا أنه قال: \"وإن من البيان سحرًا\".\nوعن طريق مسلم أخرجه البيهقي في السنن ٣/ ٢٠٨ وأخرجه من وجوه أخرى مرفوعًا وموقوفًا، من قول ابن مسعود.\nوانظره من وجهين آخرين في المستدرك ٣/ ٦١٣، ومن وجوه عديدة عن ابن عمر وابن عباس، وبريدة وغيرهم في شرح السنة للبغوي ١٢/ ٣٦٢ - ٣٦٥.\nوباقي مصادره في الموسوعة ٣/ ٤٢٥.\n(^٢) ليس هذا أول الحديث كما يتبادر.\nفقد رواه أبو داود في سننه: ١٨ - كتاب الأقضية: ١٤ - باب فيمن يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها ٤/ ٢٣ ح ٣٥٩٧ من رواية أحمد بن يونس، عن زهير، عن عمارة بن غزية، عن يحيى بن راشد، قال: جلسنا لعبد الله بن عمر، فخرج إلينا فجلس، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول:\n\"من حالت شفاعته دون حد من حدود الله؛ فقد ضاد الله، ومن خاصم في باطل وهو يعلمه؛ لم يزل في سخط الله حتى ينزع عنه، ومن قال في مؤمن ما ليس فيه؛ أسكنه الله ردغة الخبال حتى يخرج مما قال\".\n(^٣) عقب الرواية السابقة في السنن ح ٣٥٩٨.\n(^٤) سورة الإسراء: ٣٤.","vol":"3","page":1254},{"text":"وقال: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ (^١).\nوقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٢).\nوفي الصحيحين عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -، قال: \"لكُلِّ غادِرٍ لواءٌ يومَ القيامة يُعْرَفُ به\" (^٣).\nوفي رواية: \"إن الغادرَ يُنْصبُ له لواءٌ يومَ القيامةِ فيقالُ: ألا! هذه غَدْرةُ فلان\" (^٤).\nوخرجاه من حديث أنس (^٥) بمعناه.\nوخرج مسلم من حديث أبي سعيد عن النبي - ﷺ - قال: \"لكل غادر لواءٌ عندَ اسْتِه يوم القيامة\" (^٦).\nوالغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهَد كافرًا، ولهذا في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي - ﷺ -: \"من قتل نفسًا معاهدًا بغير حقه لم يُرِحْ رائحةَ الجنة وإِن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا\".\nخرجه البخاري (^٧).\n• وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا على عُهُودهم، ولم\n_________\n(^١) سورة النحل: ٩١.\n(^٢) سورة آل عمران: ٧٧.\n(^٣) أخرجه البخاري بهذا النص في: ٩٠ - كتاب الحيل: ٩ - باب إذا غصب جارية فزعم أنها ماتت ١٢/ ٣٣٨ ح ٦٩٦٦.\nوأطرافه في: ٣١٨٨، ٦١٧٧، ٧١١١،٦١٧٨.\nوأخرجه مسلم في: ٣٢ - كتاب الجهاد والسير: ٤ - باب تحريم الغدر ٣/ ١٣٦٠ ح ١١ - (١٧٣٥) بمثله وليس فيه قوله: \"يعرف به\".\n(^٤) البخاري في: ٧٨ - كتاب الأدب: ٩٩ - باب ما يدعي الناس بآبائهم ١٠/ ٥٦٣ ح ٦١٧٧، ٦١٧٨ ومسلم في الموضع المذكور قبل الحديث السابق ح ٩ - - (١٧٣٥)، ١٠ (…).\n(^٥) البخاري في: ٥٨ - كتاب الجزية: ٢٢ باب إثم الغادر للبر والفاجر ٦/ ٢٨٣ ح ٣١٨٧.\nومسلم في الموضع السابق عقب روايات ابن عمر.\n(^٦) في صحيح مسلم عقب حديث أنس ٣/ ١٣٦١ ح ١٥ - (١٧٣٨).\nومعنى قوله: \"عند استه\" خلف ظهره، قال النووي: لأن لواء العزة ينصب تلقاء وجهه؛ فناسب أن يكون علم المذلة فيما هو كالمقابل له.\n(^٧) أخرجه البخاري في: ٥٨ - كتاب الجزية: ٥ - باب إثم من قتل معاهدًا بغير جرم ٦/ ٢٦٩ - ٢٧٠ ح ٣١٦٦ وفي: ٨٧ - كتاب الدِّيات: ٣٠ - باب إثم من قتل ذميًّا بغير جرم (١٢/ ٢٥٩) ح ٦٩١٤، وليس في الموضعين \"بغير حقه\" بل هي في غير البخاري كما أشار ابن حجر في الموضع الأول.","vol":"3","page":1255},{"text":"ينقضوا منها شيئًا.\nأما عهود المسلمين فيما بينهم فالوفاء بها أشدّ، ونقضها أعظم إثمًا.\nومن أعظمها نقضُ عهد الإمام علَى من بايعه، ورضي به.\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"ثلاثة لا يكلّمهم الله يومَ القيامة ولا يزكيهم وله عذاب أليم، فذكر منهم: \"ورجل بايع إمامًا لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه ما يريد وفَى له، وإلا لم يف له\" (^١).\nويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها ويحرم الغدر فيها جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها.\nوكذلك ما يجب الوفاء به لله ﷿ مما يُعَاهِدُ العبد ربَّه عليه من نذر التبرّر (^٢) ونحوه.\n* * *\n• والخامس الخيانة في الأمانة، فإذا اؤتُمن الرجل أمانة فالواجب عليه أن يردها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ (^٣).\nوقال النبي - ﷺ -: \"أَدِّ الأمانةَ إلى مَن ائتمنَكَ\" (^٤).\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في: ٤٢ - كتاب المساقاة: ٥ - باب إثم من منع ابن السبيل من الماء (٥/ ٣٤) ح ٢٣٥٨ ومسلم في: ١ - كتاب الإيمان: ٤٦ - باب غلظ تحريم إسبال الإزار والمن بالعطية، وتنفيق السلعة بالحلف، وبيان الثلاثة الذين لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم. وعنده: \"فإن أعطاه منها وفَى، وإن لم يعطه لم يف\". كلاهما من رواية الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل، ورجل بايع لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها رضي، وإن لم يعطه منها سخط، ورجل أقام سلعته بعد العصر؛ فقال: والله الذي لا إله غيره؛ لقد أعطيت بها كذا وكذا فصدقه رجل، ثم قرأ هذه الآية: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا﴾ لفظ البخاري وأطرافه في: ٢٣٦٩، ٢٦٧٢، ٧٢١٢، ٧٤٤٦.\n(^٢) هو نذر التقرب المحض لله تعالى وصاحبه بر، وبارٌّ أي صادق وناءٍ عن الآثام في نذره كقولك: \"لله عليَّ أن أتصدق بكذا، ويقابله نذر المجازاة وهو المكروه كقولك: لله عليّ كذا إن شفى الله مريضى، وانظر الفتح ١١/ ٥٧٨.\n(^٣) سورة النساء: ٥٨.\n(^٤) أخرجه أبو داود في: ١٧ - كتاب البيوع: ٨١ - باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده ٣/ ٨٠٤ - ٨٠٥ ح ٣٥٣٤، ٣٥٣٥ من حديث أبي هريرة وغيره.\nوالترمذي في: ١٢ - كتاب البيوع: ٣٨ - باب حدثنا أبو كريب ٣/ ٥٦٤ - ٥٦٥ ح ١٢٤٦ من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك\".\nوعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب، وانظر باقي تخريجه في الموسوعة ١/ ١٨٩.","vol":"3","page":1256},{"text":"وقال في خطته في حجة الوداع: \"من كانت عنده أمانة فليؤدها إلى ما ائتمنه عليها\" (^١).\nوقال الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٢) فالخيانة في الأمانة من خصال النفاق.\nوفي حديث ابن مسعود من قوله وروي مرفوعًا: \"القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب إلا الأمانةَ؛ يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له: أدّ أمانتك فيقول: من أينَ يا ربِّ! وقد ذهبت الدنيا فيقال: اذهبوا به إلى الهاوية فيُهْوى به حتى ينتهي إلى قعرها فيجدها هناك كهيئتها، فيحملها فيضعها على عنقه فيصعد بها في نار جنهم حتى إذا رأى أنه قد خرج منها زلت فهوت فيُهْوى هو في أَثَرِهَا أبَدَ الآبدين\".\nقال: \"والأمانة في الصلاة، والأمانة في الصوم، والأمانة في الحديث، وأشدّ من ذلك الودائع\" (^٣).\nوقد روي عن محمد بن كعب القُرَظي أنه استنبط ما في هذا الحديث أعني حديث \"آية المنافق ثلاث من القرآن\".\nوقال: مصداقُ ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (^٤) وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ (^٥) وقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ﴾ إلى قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ (^٦) وروي عن ابن مسعود نحو ذلك الكلام. ثم تلا قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ …﴾ الآية (^٧).\n_________\n(^١) مسند أحمد ٥/ ٧٢ - ٧٣ (الحلبي) من حديث أبي حرة الرقاشي، عن عمه. وأورده الهيثمي في المجمع ٣/ ٢٦٥ - ٢٦٦ وقال: رواه أحمد، وأبو حرة الرقاشي وثقه أبو داود، وضعفه ابن معين، وفيه علي بن زيد وفيه كلام.\n(^٢) سورة الأنفال: ٢٧.\n(^٣) أورده أبو نعيم في الحلية ٤/ ٢٠١ من حديث ابن مسعود مرفوعًا وموقوفًا من قوله.\nوأورده الهيثمي في المجمع ٥/ ٢٩٢ - ٢٩٣ من حديث ابن مسعود مرفوعًا وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات، كما أورده ابن كثير في التفسير ١/ ٤٨٨ و٣/ ٥٠٢ عن ابن أبي حاتم وابن جرير.\n(^٤) سورة المنافقون: ١.\n(^٥) سورة التوبة: ٧٥ - ٧٧.\n(^٦) سورة الأحزاب: ٧٢ - ٧٣. وخبر محمد بن كعب في مكارم الأخلاق للخرائطي ل ٢٢ خط ومساوئها له ح ٣٠٣ مرسلًا لكن له شواهد موصولة.\n(^٧) سورة التوبة: ٧٧. وخبر ابن مسعود في الزهد لوكيع ٤٠٠، ٤٧٢ وصفة المنافق للفريابي ص ٤٧ ح ١٠، وانظر هوامشهما.","vol":"3","page":1257},{"text":"وحاصل الأمر:\nأن النفاق الأصغر كلَّه يرجع إلى اختلاف السريرة والعلانية كما قاله الحسن.\n• وقال الحسن أيضًا:\nمن النفاق اختلافُ القلب واللسان، واختلافُ السر والعلانية، واختلاف الدخول والخروج.\n• وقال طائفة من السلف: \"خشُوعُ النفاقِ أن تَرى الجسَدَ خاشعًا والقلبَ ليس بخاشع\".\nوقد روي معنى ذلك عن عمر.\nوروي عنه أنه قال على المنبر: \"إن أخوفَ ما أخافُ عليكم: المنافق العليمُ\" قالوا: كيف يكون المنافق عليمًا؟ قال: \"يتكلم بالحكمة، ويعمل بالجَوْر أو قال: المنكر؟ \".\n• وسئل حذيفة عن المنافق فقال: الذي يصف الإيمانَ ولا يعملُ به.\nوفي صحيح البخاري عن ابن عمر أنه قيل له: إنا نَدْخُل على سلطاننا فنقول له بخلاف ما نتكلم إذا خرجنا من عنده قال: \"كنا نعد هذا نفاقًا\" (^١).\n• وفي المسند عن حذيفة قال: \"إنكم لتكلّمون كلامًا إن كنَّا لنعدُّهُ علَى عَهْدِ رَسُولِ الله - ﷺ - النفاقَ\" (^٢).\nوفي رواية قال: إن كان الرجُل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله - ﷺ - يصير بها منافقًا وإني لأسمعها من أحدكم في اليوم أو في المجلس عشر مِرار\" (^٣).\n• قال بلال بن سعد: \"المنافق يقول ما يُعْرَف، ويعمل ما يُنْكَر\".\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في صحيحه: ٩٣ - كتاب الأحكام: ٢٧ - باب ما يكره من ثناء السلطان.\nوإذا خرج قال غير ذلك ١٣/ ١٧٠ ح ٧١٧٨.\nوقد اختلفت روايات البخاري في لفظ ابن عمر؛ فرواية أبى ذر: \"كنا نعدها\" وهى التي جاءت في الصلب وله عن الكشميهني: \"نعد هذا\".\nوعند ابن بطال: \"ذلك\" بدل: \"هذا\".\nوعند الإسماعيلي: \"من النفاق على عهد رسول الله - ﷺ - \". راجع الفتح ١٣/ ١٧٠ - ١٧١.\n(^٢) أورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٢٩٧ عن أحمد في المسند من حديث حذيفة وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات؛ إلا أن ليث بن أبي سليم مدلس.\n(^٣) أورده الهيثمي في الموضع السابق عقب الرواية المذكورة وقال: رواه أحمد، وفيه أبو الرقاد الجهني؛ ولم أعرفه، وبقية رجاله ثقات.","vol":"3","page":1258},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1410>[خوف الصحابة من النفاق]:</span>\nومن هنا كان الصحابة يخافون على أنفسهم، وكان عمر يسأل حذيفة عن نفسه.\nوسئل أبو رجاء العُطَارِدي: هل أدركتَ من أدركت من أصحاب رسول الله - ﷺ - يخشون النفاق؟ فقال: نعم، إني أدركت منهم بحمد الله صدرًا حسنًا، نعم شديدًا، نعم شديدًا (^١).\nوقال البخاري في صحيحه: وقال ابنُ أبي ملكية: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ - كلهم يخاف النفاق على نفسه (^٢).\nويذكر عن الحسن قال: \"ما خافه؛ إلا مؤمن، ولا أمنه؛ إلا منافق\". انتهى.\nوروي عن الحسن أنه حلف: ما مضى مؤمن قط ولا بقي؛ إلا وهو من النفاق مشفق (^٣)، وما مضى منافق قط ولا بقي؛ إلا وهو من النفاق آمن.\nوكان يقول: من لم يخف النفاق فهو منافق.\nوسمع رجل أبا الدرداء يتعوّذ من النفاق في صلاته فلما سلم قال له: ما شأنك وشأن النفاق؟ فقال: \"اللهم (^٤) اغفر لي \"ثلاثًا\"؛ لا تأمن البلاء، واللهِ إن الرجلَ ليفتن في ساعة واحدة فينقلب عن دينه\".\nوالآثار عن السلف في هذا كثيرَة جدًّا.\n• قال سفيان الثوري: خلافُ ما بيننا وبين المرجئة ثلاث: فذكر منها قال: نحن نقول: نفاق. وهم يقولون: لا نفاق.\n• وقال الأوزاعي: قد خاف عمر النفاق على نفسه قيل له (^٥): إنهم يقولون: إن عمر لم يخف أن يكون يومئذ منافقًا حتى سأل حذيفة، ولكن خاف أن يُبْتلى بذلك قبل أن يموت؟ قال: هذا قولُ أهلِ البدع، يشير إلى أن عُمرَ كان يخاف النفاق على نفسه في الحال.\n_________\n(^١) صفة المنافق (٨١) والحلية ٢/ ٣٠٧.\n(^٢) أخرجه البخاري تعليقًا في: ٢ - كتاب الإيمان: ٣٦ - باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر ١/ ١٠٩ وتمامه في الترجمة: ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل. وانظر صفة المنافق (٨٢ - ٨٦).\n(^٣) م: \"إلا وهو من النفاق غير آمن\". والخبر في صفة المناقق ٨٧، ٨٨.\n(^٤) م \"اللهم غفرًا\". والخبر في صفة المنافق للفريابي ٧٣، ٧٤.\n(^٥) م: \"لهم\".","vol":"3","page":1259},{"text":"والظاهر أنه أراد أن عمر كان يخاف على نفسه في الحال من النفاق الأصغر، والنفاق الأصغر وسيلة وذريعة (^١) إلى النفاق الأكبر - كما أن العاصي بريد الكفر، فكما (^٢) يُخْشَى على مَنْ أصَرّ على المعصية أن يسلب الإيمانَ عند الموت كذلك يخشى على من أصرّ على خصال النفاق أن يُسْلَبَ الإيمان؛ فيصيرَ منافقًا خالصًا (^٣).\n• وسئل الإمام أحمد: \"ما تقولُ فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ قال؟ ومَنْ يأمَنُ على نفسه النفاق؟ \".\n• وكان الحسن يسمي من ظهرت منه أوصافُ النفاق العملي: منافقًا.\nوروي نحوه عن حذيفة.\n• وقال الشعبي: \"مَنْ كذب فهو منافق\".\nوحكى محمد بن نصر المروزي هذا القول عن فرقة من أهل الحديث.\n\n<span data-type='title' id=toc-1411>[مرتكب الكبيرة وهل يسمى كافرًا؟]:</span>\nوقد سبق في أوائل الكتاب ذكر الاختلاف عن الإمام أحمد وغيره في مرتكب الكبائر هل يسمى كافرًا كُفْرًا لا ينقل عن الله أم لا؟ واسم الكفر أعظمُ من اسم النفاق، ولعل هذا هو الذي أَنَكَرَهُ عطاء على الحسنِ إن صح ذلك عنه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1412>[من أعظم خصال النفاق العملي]:</span>\n• ومن أعظم خصال النفاق العملي: أن يعمل الإنسان عملًا ويُظْهرَ أنه يقصد به الخير، وإنما عَمِله ليتوصل به إلى غرض له سَيِّيءِ، فيتم له ذلك، ويتوصَّلُ بهذه الخديعة إلى غَرَضه، ويفرح بمكره، وحَمْدِ الناس له على ما أظهره، وتوصُّلِه به إلى غَرَضِهِ السَّيِّئ الذي أبطنه.\n* * *\n_________\n(^١) سقطت من م.\n(^٢) \"أ\": \"كما\".\n(^٣) حوار عمر مع حذيفة في هذا أخرجه مسلم في صحيحه: ١ - كتاب الإيمان: ٦٥ - باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا، وأنه يأرز بين المسجدين ١/ ١٢٨ - ١٣٠ ح ٢٣١ (١٤٤).","vol":"3","page":1260},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1413>[ما حكاه عن المنافقين واليهود في هذا]:</span>\nوهذا وقد حكاه الله في القرآن عن المنافقين واليهود.\n• فحكى عن المنافقين أنهم: ﴿اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (^١).\n• وأنزل في اليهود: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (^٢).\n* وهذه الآية نزلت في اليهود سألهم النبي - ﷺ - عن شيء فكتموه وأخبروه بغيره فخرجوا وفد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك، وفرحوا بما أتوا (^٣) من كتمانهم ما سئلوا عنه. قال ذلك ابن عباس، وحديثه مخرج في الصحيحين (^٤).\n• وفيهما (^٥) أيضًا عن أبي سعيد أنها نزلت في رجال من المنافقين كانوا إذا خرج النبي - ﷺ - إلى الغزو تخلفوا عنه، وفرِحُوا بمقْعَدِهِم خِلافَه، فإذا قَدِمَ رسولُ الله من الغزو اعتذرُوا إليه، وحلَفوا وأَحبُّوا أن يُحْمَدُوا بما لَم يَفْعَلوا (^٦).\n• وفي حديث ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: \"من غشَّنا فليس منا، والمكرُ والخديعةُ في النار\" (^٧).\n_________\n(^١) سورة التوبة: ١٠٧.\n(^٢) سورة آل عمران: ١٨٨.\n(^٣) \"ا\": \"أوتوا\" ولا يستقيم.\n(^٤) رواه البخاري في: ٦٥ - كتاب التفسير: ١٦ - باب ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ ٨/ ٢٣٣ ح ٤٥٦٨.\nومسلم في: ٥٠ - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم ٤/ ٢١٤٣ ح - (٢٧٧٨).\n(^٥) \"ا\": \"وفي الصحيحين أيضًا\".\n(^٦) البخاري في الموضع نفسه ح ٤٥٦٧.\nومسلم في الموضع نفسه كذلك ح ٧ - (٢٧٧٧).\n(^٧) رواه ابن حبان في صحيحه: كتاب الحظر والإباحة: ذكر الزجر عن أن يمكر المرء أخاه المسلم أو يخادعه في أسبابه ٧/ ٤٣٤ ح ٥٥٣٣.\nوالطبراني في الكبير والصغير كما أورده الهيثمي عنه في المجمع ٤/ ٧٨ - ٧٩ وقال: ورجاله ثقات، وفي عاصم بن بهدلة كلام لسوء حفظه.\nلكن ذكر الشيخ الألباني - تعليقًا على هذا: أن المتقرر عند أهل العلم أنه حسن الحديث يحتج به لا سيما إذا وافق الثقات وأكد هذا بقوله المنذري في الترغيب ٣/ ٢٢:\nإسناده جيد، ورواه أبو داود في مراسيله عن الحسن مرسلًا مختصرًا: قال: \"المكر والخديعة والخيانة في النار\" وهذا الحديث المرسل في مراسيل أبي داود: كتاب البيوع ص ١٢٩ ح ٤.\nوفي الحلية ٤/ ١٨٨ - ١٨٩ من رواية أبي أحمد: محمد بن أحمد الجرجاني، في جماعة، عن الفضل بن الحباب =","vol":"3","page":1261},{"text":"• وقد وصف الله المنافقين بالمخادعة، ولقد أحسن أبو العتاهية في قوله:\nلَيْسَ دُنْيَا إلا بِدينٍ وليس الدّ … ينُ إلا مكارمَ الأخلاقِ\nإنَّمَا المَكْرُ والخدِيعةُ في النّا … رِ هُمَا مِنْ خِصَالِ أهْلِ النّفاقِ\n• ولما تقرر عند الصحابة ﵃: أنّ النفاقَ هو اختلافُ السّر والعلانية خَشِيَ بعضهم علَى نفسه أن يكون إذا تغير عليه حُضُورُ قلبه ورقَّتُه وخشُوعه عند سماع الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال أن يكون ذلك منه نفاقًا، كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأُسَيْدي أَنه مرَّ به أبو بكر (^١) - ﵁ - وهو يبكي فقال: ما لك؟. قال: نافق حنظلة يا أبا بكر! نكونُ عند رسول الله - ﷺ - يذكّرنا بالجنة والنار كأنّا رأيُ عَين، فإذا رجَعْنَا عافَسْنَا الأزواجَ والضيعة (^٢) فنسينا كثيرًا، قال أبو بكر: فوالله إنا لكذلك، فانطلقا إلى رسول الله - ﷺ - فقال: ما لك يا حنظلة؟! قال: نافق حنظلة يا رسول الله! وذكر له مثل ما قال لأبي بكر، فقال رسول الله - ﷺ -: لو تدومون على الحال التي تقومُون بها من عندي لصَافحتكم الملائكة في مَجَالِسِكُم وفي طُرُقِكُم ولكن يا حنظلة! ساعةً وساعةً (^٣).\n_________\n= الجمحي، عن عثمان بن الهيثم، عن أبيه، عن عاصم، عن زر، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ - … فذكره.\nوعقب عليه أبو نعيم بقوله: غريب من حديث عاصم، تفرد به عثمان، ولم نكتبه؛ إلا من حديث الفضل بن الحباب.\nوهو عند القضاعي في مسند الشهاب ح ٢٥٣، ٢٥٤ من رواية الفضل بن الحباب.\nوقد أورده الشيخ الألباني في الصحيحة ٣/ ٤٨ - ٤٩ والإرواء ٥/ ١٦٤ واستظهر أن إسناده حسن، وأن جملتي الحديث لهما شواهد بمجموعها يرقى الحديث إلى الصحيح. وراجع الموسوعة ٨/ ٤١١، ٤١٢.\n(^١) \"ا\": \"مر بأبي بكر\".\n(^٢) م: \"والصبية\" وكلاهما في الحديث؛ ففي صحيح مسلم: \"عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات\"؛ فالمحكي من ابن رجب على المعنى لا على اللفظ.\nوعافسنا: أي مارسنا معايشنا وحظوظنا، والضيعة: معاش الرجل من مال أو حرفة أو صناعة.\n(^٣) هذا معنى حديث رواه مسلم في: ٤٩ - كتاب التوبة: ٣ - باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة والمراقبة، وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات، والاشتغال بالدنيا ٤/ ٢١٠٦ - ٢١٠٧ ح ١٢ - (٢٧٥٠)، ١٣ - (…).\nوفي الرواية الأولى: \"والذي نفسي بيده! أن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة! ساعة وساعة\" ثلاث مرات، وفي الثانية: يا حنظلة! ساعة وساعة، ولو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر لصافحتكم الملائكة حتى تسلم عليكم في الطرق\".","vol":"3","page":1262},{"text":"• وفي مسند البزار عن أنس قال: قالوا: يا رسول الله! إنا نكون عندك على حال، فإذا فارقناكَ كُنّا على غيره؟ قال: \"كيفَ أَنْتُم؟ \" قالوا: الله ربُّنَا في السِّرِّ والعلانية، قال: \"ليس ذَاكُمُ النفاق\" (^١).\n• وروي من وجه آخر عن أنس قال: غَدَا أصحابُ رسول الله - ﷺ - فقالوا: هَلَكْنَا. قال: \"وما ذاك؟ \" قالوا النفاق. قال: \"ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؟ \". قالوا: بلى. قال: \"فليس ذاك بالنفاق\" ثم ذكر معنى (^٢) حديث حنظلة (^٣) كما تقدم.\n* * *\n_________\n(^١) أورده الهيثمي في المجمع ١/ ٣٤ من حديث أنس وقال: رواه أبو يعلى والبزار، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.\nوقد رواه البزار في مسنده (١/ ٣٤ - ٣٥) من الكشف، وفي آخره: \"ليس ذلكم النفاق\". من رواية طالوت بن عباد، عن الحارث بن عبيد، عن ثابت، عن أنس .. فذكره. وعقب عليه بقوله: لا نعلم رواه عن ثابت؛ إلا الحارث بن عبيد.\n(^٢) م: \"يعني\" وهو تصحيف.\n(^٣) حديث أنس أورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ٣١٠ بسياقه كاملًا وعقب عليه بقوله: رواه أبو يعلى، ورجاله رجال الصحيح، غير غسان بن بُرْزِين وهو ثقة.","vol":"3","page":1263},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1414>الحديث التاسع والأربعون</span>\nعَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُم (^١) تَوَكَّلونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوح بِطَانًا\".\nرَوَاهُ الإِمامُ أَحْمَدُ (^٢) وَالتِّرْمِذِيُّ (^٣) وَالنَّسَائِيُّ (^٤) وَابْنُ ماجَه (^٥) وَابْنُ حِبَّانَ (^٦) في صحيحه وَالحَاكِمُ (^٧). وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَصَنٌ صَحِيحٌ.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1415>[تخريج الحديث]:</span>\n• هذا الحديث خرجه هؤلاء كلهم من رواية عبد الله بن هبيرة سمع أبا تميم الجيشاني، سمع عمرَ بن الخطاب ﵁ يحدثه عن النبي - ﷺ -.\nوأبو تميم، وعبد الله بن هُبيرة، خرّج لهما مسلم، ووثقهما غير واحد، وأبو تميم ولد في حياة النبي - ﷺ - وهاجر إلى المدينة في زمن عمر ﵁.\n_________\n(^١) سقطت من م، وغيرها وما أثبتناه عن \"ا\" هو الموافق لما في الترمذي.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ١/ ٢٤٣ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه.\n(^٣) في السنن: ٣٧ - كتاب الزهد: ٣٣ - باب التوكل على الله ٤/ ٥٧٣ ح ٢٣٤٤ بنحوه.\nوعقب أبو عيسى بقوله: هذا حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه.\nوأبو تميم الجيشاني اسمه عبد الله بن مالك. والحديث رواه الترمذي، عن علي بن سعيد الكندي، عن ابن المبارك، عن حيوة بن شريح، عن بكر بن عمرو، عن عبد الله بن هبيرة، عن أبي تميم الجيشاني، عن عمر.\n(^٤) في الرقائق، في الكبرى، عن سويد بن نصر، عن ابن المبارك - به، كما في التحفة ٨/ ٧٩ وذكر المستدرك أن حديث النسائي ليس في الرواية، ولم يذكره أبو القاسم.\n(^٥) في الزهد: (١٤: ١) عن حرملة بن يحيى، عن عبد الله بن وهب، عن عبد الله بن لهيعة، عن عبد الله بن هبيرة - به ٢/ ١٣٩٤ ح ٤١٦٤ بنحوه.\n(^٦) أخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب الرقاق: باب الورع والتوكل: ذكر الإخبار عما يجب على المؤمن قطع القلب عن الخلائق بجميع العلائق في أحواله وأسبابه ٢/ ٥٦ من الإحسان من طريق أحمد بن علي بن المثنى، عن أبي خيثمة، عن المقبري، عن حيوة بن شريح - به - بنحوه.\n(^٧) في المستدرك ٤/ ٣١٨ من طريق أبي أحمد: بكر بن محمد الصيرفي، عن عبد الصمد بن الفضل، عن عبد الله بن يزيد المقري، عن حيوة بن شريح - به - بنحوه.\nوصححه على شرط الشيخين وسكت عنه الذهبي.","vol":"3","page":1265},{"text":"• وقد روي هذا الحديث من حديث ابن عمر (^١)، عن النبي - ﷺ - ولكن في إسناده من لا يعرف حاله، قاله أبو حاتم الرازي (^٢).\nوهذا الحديث أصل في التوكل؛ وأنه من أعظم الأسباب التي يُسْتَجْلَبُ بها الرزق، قال الله ﷿: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (^٣). وقد قرأ النبي - ﷺ - هذه الآية على أبي ذرّ وقال له: \"لو أن الناسَ كلَّهم أخذوا بها (^٤) لكَفتهم\" يعني أنهم لو حققوا التقوى والتوكل لاكتفوا بذلك في مصالح دينهم ودنياهم، وقد سبق الكلام على هذا المعنى في شرح حديث ابن عباس: \"احفظ الله يحفَظْك\".\n• قال بعض السلف: بحسبك من التوسل إليه أن يعلم من قلبك حُسْنَ توكلك عليه، فكم من عبد من عباده قد فوَّض إليه أمره، فكفاه منه ما أهمّه تم قرأ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ (^٥).\n\n<span data-type='title' id=toc-1416>وحقيقة التوكل:</span>\n• هو صدق اعتماد القلب على الله ﷿ في استجلاب الصالح، ودفع الضار، من أمور الدنيا والآخرة كلها، وَكِلَة (^٦) الأمور كُلِّها إليه، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضرُّ ولا ينفعُ سواه.\n* * *\nقال سعيد بن جبير: \"التوكل جماع الإيمان\" (^٧).\n• وقال وهب بن منبه: الغاية القصوى التوكل.\n• قال الحسن: إن توكل العبد على ربه؛ أن يعلم أن الله هو ثقَتُه.\n• وفي حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - قال: \"من سَرَّه أن يكونَ أقوى الناس\n_________\n(^١) رواه أبو نعيم في: \"ذكر أخبار أصبهان\" ٢/ ٢٩٧ في ترجمة محمد بن بكر الغزّال.\n(^٢) في العلل ٢/ ١١٢.\n(^٣) سورة الطلاق: ٢.\n(^٤) هذا جزء حديث أخرجه أحمد في المسند ٥/ ١٧٨ - ١٧٩ (الحلبي) وابن حبان في صحيحه ٨/ ٢٣٤ من الإحسان وابن كثير في التفسير ٤/ ٣٧٩ عن أحمد في المسند.\n(^٥) سورة الطلاق: ٢.\n(^٦) م: \"ووكلت\" وهو تحريف بيّن.\n(^٧) الحلية ٤/ ٢٧٤.","vol":"3","page":1266},{"text":"فلْيتوكّل على الله\" (^١).\nوروي عنه - ﷺ -: أنه كان يقول في دعائه: \"اللهم إني أسألك صِدْقَ التوكل عليك\" (^٢).\nوأنه كان يقول: \"اللهمَّ اجعلني ممن توكَّل عليك فكفيتَه\" (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-1417>[التوكل لا ينافي السعي في الأسباب]:</span>\nواعلم أن تحقيق التوكل لا ينافي السَّعْيَ في الأسباب التي قدّر الله ﷾\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي الدنيا في التوكل ص ٤٤ ح ٩ رواية عن محمد بن الربيع الأسدي، عن عبد الرحيم بن زيد العمي، عن أبيه، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس ﵄، وعبد الرحيم بن زيد العمي منكر الحديث متروك مرمي بالضعف الشديد والكذب، وعامة رواياته لا يتابعه عليها الثقات. وقد قال أبو حاتم: يترك حديثه منكر الحديث، كان يفسد أباه، يحدث عنه بالطامات، وقال العقيلي: قال ابن معين: كذاب خبيث، وترجمته في الكامل ٥/ ٢٨١ والتاريخ لابن معين ٢/ ٣٦٢، ٤/ ٢١٧ والتهذيب ٦/ ٣٠٥ - ٣٠٦، والتقريب ١/ ٥٠٤ وفيه: أنه من الثامنة، مات سنة أربع وثمانين أي ومائة والضعفاء الكبير ٣/ ٧٨ - ٧٩ وقال ابن حبان: يروي عن أبيه العجائب، لا يشك من الحديث، صناعته أنها معمولة أو مقلوبة كلها. وأورده الدارقطني في الضعفاء والمتروكين ت ٣٤٢.\nوحديثه إذًا بين الضعف الشديد كما يقول المحقق للتوكل أو الوضع.\nوالحديث روي من وجه آخر عن ابن عباس فقد رواه الحاكم في المستدرك ٤/ ٢٧٠، وأبو نعيم في الحلية ٣/ ٢١٨ - ٢١٩ من طريق هشام بن زياد، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس وأخرجه الحاكم من وجه آخر فيه محمد بن معاوية، قال الذهبي: هشام متروك ومحمد بن معاوية كذبه الدارقطني؛ فبطل الحديث. وغريب - بعد هذا - أن يحكم المناوي في التيسير ٢/ ٤٢٢ بحسن الحديث مع أنه أورده عن ابن أبي الدنيا في التوكل، وقد علمت ما فيه من الطريقين، وليس في الطريقين ما يصح أن يكون جابرًا فضلًا عن أن يكون مجبورًا.\nوقد حكم العراقي على الحديث بالضعف، وسايره الزبيدي حيث حكى هذا التضعيف دون أن يرده بل أكده بما نقل عن البيهقي من قوله: تكلموا في هشام بسبب هذا الحديث.\n(^٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في التوكل ص ٣٧ ح ٣ رواية عن إسحاق بن إبراهيم، عن الحسين بن علي الجعفي، عن يحيى بن عمر الثقفي، عن محمد بن النضر الحارثي، عن الأوزاعي، قال:\nكان من دعاء النبي - ﷺ -: \"اللهم إني أسألك التوفيق لمحابك من الأعمال، وصدق التوكل عليك، وحسن الظن بك\".\nوإسناده ضعيف معضل، كما ذكر محقق التوكل؛ وقد ذكر تخريج أبي نعيم له من وجه آخر وتعليقه عليه بما يؤكد غرابته. وهو يشير إلى رواية أبي نعيم له في الحلية ٨/ ٢٢٤.\n(^٣) أخرجه ابن أبي الدنيا في التوكل ص ٣٨ ح ٤ عقب الحديث السابق رواية عن محمد بن إدريس الرازي، عن بشر بن محمد الواسطي، عن خالد بن محدوج - ويقال: ابن مقدوح، عن أنس بن مالك، قال: كان رسول الله - ﷺ - يقول في دعائه: \"اللهم اجعلني ممن توكل عليك فكفيته، واستهداك فهديته، واستنصرك فنصرته\".\nوهو حديث منكر أعله المحقق بخالد بن محدوج، وبشر بن محمد، وذكر براهين وهاء إسناده.\nولست أدري لِمَ لَمْ يبين ابن رجب ضعف الحديثين. وما في رواتهما من مقال؟!.","vol":"3","page":1267},{"text":"المقدورات بها، وجَرَت سنته في خلقه بذلك؛ فإن الله تعالى أمر بتعاطي الأسباب مع أمره بالتوكل؛ فالسعي في الأسباب بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلب عليه إيمانٌ به: قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (^١) وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ (^٢) وقال: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (^٣).\nقال سَهْلٌ التُّسْتَرِي (^٤): \"مَنْ طعنَ في الحركة يعني في السعي والكسب؛ فقد طعَنَ في السنة، ومَنْ طَعَن في التوكُّلِ؛ فقدْ طَعَنَ في الإيمان\".\nفالتوكل حالُ النبي ﵌، والكَسْبُ سُنّته؛ فمن عَمل علَى حالِه فلا يتركَنَّ سُنتُه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1418>[الأعمال التي يعملها العبد ثلاثة أقسام]:</span>\nثمَّ إن الأعمالَ التي يعملها العبد ثلاثة أقسام:\n\n•<span data-type='title' id=toc-1419> أحدها:</span>\nالطاعاتُ التي أمر الله عبادَه بها، وجعلها سببًا للنجاة من النار، ودخولِ الجنة، فهذا لابد من فعله مع التوكل على الله فيه، والاستعانة به عليه؛ فإنه لا حول ولا قوّة إلا به، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.\nفمن قصر في شيء مما وجب عليه من ذلك استحق العقوبة في الدنيا والآخرة شرعًا وقَدَرًا، قال يوسف بن أسباط: \"كان يقال: اعْمَل عَمَلَ رجلٍ لا يْنجِيه إلا عملُه، وتوكلْ توكل رَجُلٍ لا يصيبُه إلا ما كُتِبَ له\" (^٥).\n\n•<span data-type='title' id=toc-1420> والثاني:</span>\nما أجرى الله العادة به في الدنيا، وأمر عبادَه بتعاطيه، كالأكل عند الجوع، والشُّرْبِ عند العطش، والاستظلال من الحرّ، والتَّدَفيِّ من البرد، ونحو ذلك.\nفهذا أيضًا واجبٌ على المرء تعاطى أسبابه.\n_________\n(^١) سورة النساء: ٧١.\n(^٢) سورة الأنفال: ٦٠.\n(^٣) سورة الجمعة: ١٠.\n(^٤) أورده أبو نعيم في الحلية ١٠/ ١٩٥ بنحوه وباختلاف في الترتيب.\n(^٥) أورده أبو نعيم في الحلية ٨/ ٢٣٩ - ٢٤٠.","vol":"3","page":1268},{"text":"ومن قصر فيه حتى تضرّر بتركه مع القدرة على استعماله؛ فهو مفرِّطٌ يستحق العقوبة، لكن الله ﷾ قد يُقوّي بعضَ عباده من ذلك على ما لا يُقوِّي عليه غيرَه، فإذا عمل بمقتضى قوّته التي اختُصَّ بها عن غيره؛ فلا حرج عليه.\nولهذا كان النبي - ﷺ - يُواصِلُ في صيامه، ويَنْهَى عن ذلك أصحابه، ويقول لهم: \"إني لستُ كهيئتِكم إني أُطْعَم وأُسْقَى\" وفي رواية: \"إني أظلّ عندَ ربّي يُطْعِمُني، ويَسْقِيني\". وفي رواية: \"إن لي مُطْعِمًا يُطْعِمُني وساقيًا يَسْقِيني\" (^١).\nوالأظهر أنه أراد بذلك أن الله يقوّيه ويغذيه بما يورده على قلبه من الفتوح القدسية، والمنَحِ الإلهية، والمعارف الربانية التي تُغْنِيه عن الطعام والشراب برهةً من الدهر؛ كما قال القائل:\nلها أحاديثُ منْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلهَا … عن الشَّرَابِ وتُلْهِيهَا عَن الزَّادِ\nلها بِوَجْهِكَ نورٌ تستضِيءُ بهِ … وقْتَ المسِيرِ وفي أعقابِها حادِي\nإذا اشتكَتْ من كَلال السَّير أَوْ عَدَهَا … رَوْحَ القُدُوم فتحْيَا عندَ ميعادِ\nوقد كان كثير من السلف لهم من القوّة على ترك الطعام والشراب ما ليس لغيرهم، ولا يتضرَّرُونَ بذلك.\nفكان ابن الزبير يواصل ثمانية أيام.\nوكان أبو الجوزاء يواصل في صومه بين سبعة أيام، ثم يقبِضُ، على ذراعِ الشابِّ (^٢)؛ فيكاد يحطمها.\nوكان إبراهيم التيمي يمكث شهرين لا يأكل شيئًا، غير أنه يشرب شَرْبَة حلوى.\nوكان حجاج بن فُرَافِصَةَ يبقى أكثرَ من عشرة أيام لا يأكل، ولا يشرب، ولا ينام.\nوكان بعضهم لا يبالي بالحر، ولا بالبرد كما كان عليٌّ ﵁ يلبس لباسَ\n_________\n(^١) راجع في هذا ما أخرجه البخاري في ٣٠ - كتاب الصوم: ٤٨ - باب الوصال، ومن قال: ليس في الليل صيام؛ بقوله ﷿: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، ونهى النبي - ﷺ - عنه رحمة لهم، وإبقاء عليهم، وما يكره من التعمق ٤/ ٢٠٢ ح: ١٩٦١، ١٩٦٢، ١٩٦٣، ١٩٦٤، ٤٩ - باب التنكيل لمن أكثر الوصال ٤/ ٢٠٥ ح ١٩٦٥، ١٩٦٦، ٥٠ - باب الوصال إلى السحر ٤/ ٢٠٨ ح ١٩٦٧.\nمن أحاديث أنس وطرفه في ٧٢٤١، وعبد الله بن عمر، وأبي سعيد الخدري، وعائشة، وأبي هريرة ﵃ وأطرافه في: ٦٨٥١، ٧٢٤٢، ٧٢٩٩.\n(^٢) م: \"الشاة\" وهو تحريف.","vol":"3","page":1269},{"text":"الصيف في الشتاء، ولباسَ الشتاء في الصيف.\nوكان النبي - ﷺ - دعا له أن يُذْهِبَ الله عنه الحرّ (^١) والبرد.\nفمن كان له قوّة على مثل هذه الأمور فعمل بمقتضى قوّته، ولم يضعفه عن طاعة الله؛ فلا حَرَجَ عليه.\nومن كلف نفسه ذلك حتى أضعفها عن بعض الواجبات؛ فإنه يُنْكَرُ عليه ذلك.\nوكان السلف ينكرون على عبد الرحمن بن أبي نُعْم (^٢)؛ حيث كان يترك الأكل مدة حتى يعاد من ضعفه.\n\n•<span data-type='title' id=toc-1421> القسم الثالث:</span>\nما أجرى الله العادة به في الدنيا في الأعم الأغلب، وقد يخرق العادة في ذلك لمن يشاء من عباده، وهو أنواع: منها ما يخرقه كثيرًا، ويُغني عنه كثيرًا من خلقه، كالأدوية بالنسبة إلى كثير من البلدان، وسكان البوادي ونحوها.\nوقد اختلف العلماء هل الأفضل لمن أصابه المرض التداوي أم تركه لمن حقق التوكل على الله؟ فيه قولان مشهوران؛ وظاهر كلام أحمد أن التوكل لمن قوي عليه أفضل لا صح عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"يدخُلُ مِنْ أمتي الجنةَ سبعُون ألفًا بغير حِسَاب ثم قال: هُمُ الذينَ لا يتطيَّرُونَ ولا يستَرقُونَ ولا يكتوونَ وعلى ربهم يتوكلون\" (^٣).\n_________\n(^١) أخرجه ابن ماجه في مقدمة السنن: ١١ - باب فضل أصحاب رسول الله - ﷺ -: فضل علي بن أبي طالب ١/ ٤٣ - ٤٤ ح ١١٧ رواية عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: كان أبو ليلى يسمر مع علي؛ فكان يلبس ثياب الصيف في الشتاء، وثياب الشتاء في الصيف، فقلنا: لو سألته؟ قال: إن رسول الله - ﷺ - بعث إليّ وأنا أرمد العين، يوم خيبر، قلت: يا رسول الله! إني أرمد العين؟ فتفل في عيني ثم قال: اللَّهم أذهب عنه الحر والبر؛ فما وجدت حرًّا ولا بردًا بعد يومئذ، وقال، \"لأبعثن رجلًا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ليس بفرار. فتشرف له الناس، فبعث إلى عليٍّ فأعطاها إياه\".\nوقد علق البوصيري على الحديث في الزوائد ١/ ٦٠ فقال: هذا إسناد ضعيف؛ ابن أبي ليلى شيخ وكيع، هو: محمد؛ وهو ضعيف الحفظ، ولا يحتج بما ينفرد.\n(^٢) م: \"بن غنم\" وهو تحريف وترجمته في الحلية ٥/ ٦٩ - ٧٣.\n(^٣) أخرجه البخاري في ٧٦ - كتاب الطب: ١٧ - باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكو ١٠/ ١٥٥ ح ٥٧٠٥.\nوأطرافه في: ٥٧٥٢، ٦٤٧٢، ٦٥٤١.\nومسلم في: ١ - كتاب الإيمان: ٩٤ - باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب ١/ ١٩٨ ح ٣٧١ - (٢١٨) كلاهما من حديث عمران بن حصين.","vol":"3","page":1270},{"text":"ومن رجح التداوي قال: إنه حالُ النبي ﵌ الذي كان يداوم عليه، وهو لا لفعل إلا الأفضل، وحمل الحديث على الرقى المكروهة التي يخشى منها الشرك، بدليل أنه قرنها بالكيّ والتطير (^١)، وكلاهما مكروه.\nومنها ما يخرقه لقليل من عباده (^٢) كحصول الرزق، لمن ترك السعي في طلبه.\nفمن رزقه اللّه صدقَ يقين وتوكل، وعلم من اللّه أن يَخرقَ له العوائد، ولا يحوجَه إلى الأسباب المعتادة في طلب الرزق ونحوه، جاز له تركُ الأساب، ولم ينكَر عليه ذلك؟ وحديث عمر هذا الذي نتكلم عليه يدل على ذلك، ويدلّ على أن الناسَ إنما يؤتَوْن مِن قلة تحقيق التوكل، ووقوفِهم مع الأسباب الظاهرة بقلوبهم، ومُسَاكنتهم لها، فلذلك يُتْعِبون أنفسَهم في الأسباب، ويجتهدون فيها غاية الاجتهاد، ولا يأتيهم إلا ما قُدّر لهم.\n\n<span data-type='title' id=toc-1422>[لو حقق العبد التوكل بالقلب]:</span>\n• فلو حققوا التوكل على اللّه بقلوبهم لساق اللّه إليهم أرزاقهم مع أدنى سبب، كما يسوق إلى الطير أرزاقَها بمجرد الغدوّ والرواح، وهو نوعٌ من الطلب، والسعي، لكنه سعيٌ يسير.\nوربما حرم الإنسان رزقه أو بعضه بذنب يصيبه، كما في حديث ثوبان عن النبي - ﷺ - قال: \"إنَّ العَبْدَ ليحرم الرزق بالذنبِ يصيبه\" (^٣).\nوفي حديث جابر عن النبي - ﷺ -: \"إن نَفْسًا (^٤) لن تموت حتى تستكمل رزقها فاتقوا اللّه، وأجملوا في الطلب؛ خذوا ما حَلّ، ودعوا ما حَرُم\" (^٥).\n_________\n(^١) م \" الطيرة\".\n(^٢) م: \"العامة\".\n(^٣) أخرجه أحمد في السند ٥/ ٢٨٠ (الحلبي) من حديث ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - رفعه إلى النبي - ﷺ - قال: \"لا يردُّ القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه\".\nوأخرجه في ٥/ ٢٨٢ بنحوه بتقديم وتأخير، ومن حديث ثوبان أيضًا.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٤٩٣ من حديث ثوبان بنحوه وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبي وانظر الإتحاف ٥/ ٣٠ والموسوعة ٣/ ١٠٧.\n(^٤) سقطت من م.\n(^٥) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤ من وجهين عن جابر - بنحوه وابن حبان ٥/ ٩٨ بمعناه، والقضاعي في الشهاب ٢/ ١٨٦ ح ١١٥٢.\nوللحديث شواهد من أحاديث ابن مسعود، والمطلب بن حنطب، وأبي أمامة.\nراجع عنها المستدرك في الموضع المذكور، والرسالة للشافعي بتحقيق الشيخ أحمد شاكر؛ وسد أوسع وأوعب الكلام عن الحديث ورواياته وشرح السنة ١٤/ ٣٠٢ - ٣٠٥ والتمهيد لابن عبد البر ١/ ٢٨٤، والشهاب للقضاعي ٢/ ٨٥ ح ١١٥١.","vol":"3","page":1271},{"text":"• وقال عمر: \"بين العبد وبين رزقه حجاب، فإن قَنِعَ ورَضِيت نفسُه آتاه اللّه رزقَه، وإن اقتحم وهتك الحجاب، لم يزد فوق رزقه\".\n• وقال بعض السلف: توكّل تُسَقْ إليك الأرزاقُ بلا تعب ولا تكلف.\n• قال سالم بن أبي الجعد: حدثت أن عيسى بن مريم ﵇ كان يقول: \"اعملوا للّه ولا تعملوا لبطونكم، وإياكم وفضولَ الدنيا؛ فإن فُضُولَ الدنيا عند اللّه رِجْز، هذه (^١) طير السماء تغدو وتروح، ليس (^٢) معها من أرزاقها (^٣) شيء، لا تحْرث ولا تحصد؛ اللّه (^٤) يرزقها، فإن قلتم: إن بطوننا أعظم من بطون الطير، فهذه الوحوش من البقر (^٥) والحمير تغدو وتروح؛ ليس معها من أرزاقها شيء، لا تحرث ولا تحصد، اللّه يرزقها\". خرجه ابن أبي الدنيا.\n• وخرج بإسناده عن ابن عباس قال: كان عابد يتعبد في غار فَكان غراب يأتيه كل يوم برغيف يجد منه (^٦) طعم كل شيء؛ حتى مات ذلك العابد.\n• وعن سعيد بن عبد العزيز، عن بعض مشيخة دمشق قال أقام إلياس هاربًا من قومه في جبل عشرين ليلة، أو قال: أربعين، تأتيه الغربان برزقه.\n• وقال سفيان الثوري: قرأ واصل الأحدب هذه الآية: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (^٧) فقال: ألا إن رزقي في السماء، وأنا أطلبه في الأرض؟ فدخل خَرِبةً، فمكث ثلاثا لا يصيب شيئًا، فلما كان اليوم الرابع (^٨) إذا هو بدَوْخَلَة (^٩) من رُطَب، وكان له أَخٌ أحسنُ نيةً منه، فدخلَ معه فصارتَا دَوْخَلَتين، فلم يزلْ ذلك دأبَهُمَا، حتى فرق الموت بينهما.\n• ومن هذا الباب مَنْ قَوِي توكلّه على اللّه ووثُوقُه به، فدخل المفاوز بغير زاد، فإنه يجوز لمن هذه صفته، دون من لم يبلغ هذه المنزلة.\nوله في ذلك أسوة بإبراهيم الخليل ﵇ حيث ترك هاجر وابنها إسماعيل بواد غير ذي زرع، وترك عندهما جرابًا فيه تمر، وسِقَاءً فيه ماء؛ فلما تبعته هاجر وقالت له:\n_________\n(^١) م: \"هذا\".\n(^٢) م: \"معه\".\n(^٣) م: \"أرزاقه\".\n(^٤) م: \"ويرزقه اللّه\".\n(^٥) \"ا\": \"الباقر\".\n(^٦) م: \"فيه\".\n(^٧) سورة الذاريات: ٢٢.\n(^٨) \"أ\": \"الثالث\" وهو خطأ.\n(^٩) الدوخلة كما تقدم سفرة من خوص يوضع عليها التمر.","vol":"3","page":1272},{"text":"\"إلى مَنْ تدعنا \"؟ قال لها: إلى اللّه، قالت: رضيت باللّه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1423>[التوكل والصدق]:</span>\nوهذا كان يفعله بأمر اللّه ووحيه، فقد يقذف اللّه تعالى في قلوب بعض أوليائه من الإلهام الحق ما يعلمون أَنه حق، ويثقون به.\nقال المروزي: قيل لأبي عبد اللّه: أي شيء صدق التوكل على اللّه؟ قال: أن يتوكلَ على اللّه، ولا يكون في قلبه أحد من الآدميين يطمع أن يجيئه بشيء، فإذا كان كذا (^١)، كان اللّه يرزقه، وكان متوكلًا.\n• قال: وذكرت لأبي عبد اللّه التوكل؛ فأجازه لمن استعمل فيه الصدق.\n\n<span data-type='title' id=toc-1424>[بين الجلوس في البيت وعدم الحاجة إلى الخلق]:</span>\n• قال: وسألت أبا عبد اللّه عن رجل جلس في بيته ويقول: أجلسُ وأصبرُ ولا أطلِعُ على ذلك أحدًا، وهو يقدر أن يحترف؟ قال: لو خرج فاحترف كان أحبّ إليّ، وإذا جلس خفت أن يحوجه (^٢) إلى أن يكون يتوقع أن يُرْسَلَ (^٣) إليه بشيء.\n• قلت: فإذا كان يبعث إليه بشيء فلا يأخذ (^٤)؟ قال: هذا جيّد. قلت لأبي عبد اللّه: إن رجلًا بمكة، قال: لا آكل شيئًا حتى يطعمني ربي (^٥) ودخل في جبل أبي قبيس، فجاء إليه رجلان وهو متزر (^٦) بخرقة فألقيا (^٧) إليه قميصًا وأخذا بيديه (^٨) فألبساه القميص، ووضعا بين يديه شيئًا (^٩)، فلم يأكل حيّ وضعا مفتاحًا (^١٠) حديدًا في فيه، وجعلا يدسّان في فمه؛ فضحك أبو عبد اللّه وجعل يتعجب.\n• قلت لأبي عبد اللّه: إن رجلًا ترك البيع والشراء، وجعل على نفسه أن لا يقع في يديه ذهب ولا فضة، وترك دُورَهُ، فلم (^١١) يأمر فيها بشيء وكان يمر في الطريق، فإذا رأى شيئًا مطروحًا أخذه (^١٢) مما قد ألقي؟ قال المروزي: فقلت للرجل: ما لك حجة\n_________\n(^١) م \"كذلك\".\n(^٢) م: \"يحوجه\" والضمير المنصوب يعود إلى الجالس وضمير الفاعل يعود على الجلوس والتقدير: يحرجه أو يحوجه إلى أن يتوقع أن يرسل إليه شيء، وفي ب: \"يخرجه\".\n(^٣) \"يرسلوا\".\n(^٤) م: \"يأخذه\".\n(^٥) \"ا\" \"تطعموني\" ب \"يطعموني\".\n(^٦) \"ا\"، ب: \"موتزر\".\n(^٧) \"ا\"، ب: \"فألقى\".\n(^٨) \"ا\": \"وأخذوا\" م: \"بيده\".\n(^٩) \"ا\" وضع بين يديه شيء\".\n(^١٠) \"ا\": \"وضع مفتاح حديد\".\n(^١١) \"ا\": لم.\n(^١٢) \"أخذ بيده\".","vol":"3","page":1273},{"text":"على هذا غير أبي معاوية الأسود؟ قال: بل أويس القرني، وكان يمر بالمزابل، فيلتقط الرقاع. قال: فصدقه أبو عبد اللّه وقال: قد شدَّد على نفسه. ثم قال: قد جاءني البقلي ونحوه فقلت لهم: لو تعرضتم للعمل تُشْهِرُونَ أنفسَكم. قال: وإيش نُبَالي (^١) من الشهرة.\n• وروى أحمد بن الحسين بن حسان، عن أحمد: أنه سئل عن رجل يخرج إلى مكة بغير زاد فقال (^٢): إن كنتَ تُطِيق، وإلا فلا تخرج إلا بزادٍ وراحلة، لا تخاطر.\n• قال أبو بكر الخلال: يعني إن أطاق وعلم أنه يقوى على ذلك، ولا يسأل ولا تستشرف نفسُه لأن يأخذ أو يعطي فيقبَل؛ فهو متوكل على الصدق.\nوقد أجاز العلماء التوكلَ على الصدق.\n• قال: وقد حج أبو عبد اللّه، وكفاه في حجته أربعة عشر درهمًا.\n• وسئل إسحق بن راهويه: هل للرجل أن يدخل المفازة بغير زاد؟ فقال: إن كان الرجل مثلَ عبد اللّه بن مُنِيْر (^٣)، فله أن يدخل المفازة بغير زاد، وإلا لم يكن له أن يدخل.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1425>[متى تعرض العبد لسؤال الخلق لم يجز له ترك الكسب]:</span>\nومتى كان الرجل ضعيفًا، وخَشِيَ على نفسه أن لا يصبر، أو يتعرضَ للسؤال، أو أن يقعَ في الشك والتّسخُّط، لم يجز له ترك الأسباب حينئذ، وأُنكِرَ عليه غايةَ الإنكار، كما أنكر الإمام أحمد وغيره على من ترك الكسب، وعلى من دخل المفازة بغير زاد، وخُشي عليه التعرض للسؤال.\n• وقد روي عن ابن عباس قال: كان أهل اليمن يحجّون ولا يتزودُون، ويقولون:\n_________\n(^١) م: \"ينالني\" من الشهرة، ب: \"بنا\" من الشهرة؟.\n(^٢) \"ا\": \"قال\".\n(^٣) م: \"جبير\". وهو تحريف؛ فهو عبد الله بن منير المروزي الإمام القدوة الحجة أبو عبد الرحمن الحافظ روى عن النضر بن شميل، وعبد الرزاق، ويزيد بن هارون، كان واسع الرحلة، كثير الحديث والفضل روى عنه البخاري وقال: لم أر مثله والترمذي والنسائي ووثقه وقال الفربري: توفي ٢٤١ هـ ترجم له ابن الجوزي في صفة الصفوة ٤/ ١٤٩ - ١٥٠ والذهبي في السير ١٢/ ٣٦٠ - ٣٦١ والمزي في التهذيب ٣٥٩٣ والخزرجي في الخلاصة ٢١٦ وانظر هامشه.","vol":"3","page":1274},{"text":"نحن متوكلون فيحجون فيأتون مكة فيسألون الناس، فأَنزل اللّه هذه الآية: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (^١).\n• وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والنخعي، وغير واحد من السلف، فلا يرخص في ترك السبب بالكلية إلا لمن انقطع قلبه عن الاستشراف إلى المخلوقين بالكلية؛ وقد روي عن أحمد أنه سئل عن التوكل فقال: قَطعُ الاستشراف باليأس من الخلق. فسئل عن الحجة في ذلك، فقال: قول إبراهيم ﵇ لما عرض له جبريل وهو يُرْمَى في النار، فقال له: ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-1426>[الكسب أفضل]:</span>\nوظاهر كلام أحمد: أن الكسب أفضلُ بكل حال، فإنه سُئِل عمن يقعد ولا يكتسب ويقول: توكلتُ على اللّه فقال: ينبغي للناس كلِّهم؛ يتوكلّون على اللّه، ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب.\n• وروى الخلال بإسناده عن الفضيل بن عياض: أنه قيل له: لو أن رجلًا قعد في بيته زعم أنَّه يثق باللّه؛ فيأتيه برزقه؟ قال: إذا وثق باللّه حتى يعلم منه أنه قد وثق به لم يمنعه شيء أراده، لكن لم يفعل هذا الأنبياء، ولا غيرهم.\nوقد كانت الأنبياء يؤجرون أنفسهم، وكان النبي - ﷺ - يؤجّر نفسه، وأبو بكر، وعمر ولم يقولوا: نقعد، حتى يرزقنا اللّه ﷿.\n• وقال اللّه ﷿: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (^٣) ولابد من طلب المعيشة.\n_________\n(^١) الآية: ٩٧، من سورة البقرة.\nوانظر في خبر ابن عباس أسباب النزول للواحدي ص ٥٥ وصحيح البخاري ح ١٥٢٣.\n(^٢) هذا أثر لا أصل له، بل هو موضوع، وهو مروي عن كعب الأحبار، أن إبراهيم ﵇ لما رموا به في المنجنيق إلى النار استقبله جبريل فقال: يا إبراهيم! ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال جبريل: \"فسل ربك\" فقال إبراهيم: حسبي من سؤالي علمه بحالي.\nوقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية أنه حديث موضوع.\nوانظر سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ح ٢١ وتنزيه الشريعة ١/ ٢٥٠ وقد أفاض الشيخ في نقد هذا المتن من حيث موضوعه، ومن حيث ثبوته. وصحيح البخاري: كتاب التفسير: باب ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ الآية وفيه حديث ابن عباس: كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: (حسبي الله ونعم الوكيل) ٨/ ٢٢٩ ح ٤٥٦٤.\n(^٣) سورة الجمعة: ١٠.","vol":"3","page":1275},{"text":"• وقد روي عن بشر ما يشعر بخلاف هذا، فروى (^١) أبو نعيم في الحلية (^٢): أن بشرًا سئل عن التوكل فقال: اضطراب بلا سكون، وسكون بلا اضطراب فقال له السائل: فسره لنا حتى نفقه؟ قال بشر: اضطراب بلا سكون، رجل يَضْطَرب (^٣) بجوارحه وقلبه ساكن إلى اللّه، لا إلى عمله، وسكون بلا اضطراب، فرَجُلٌ (^٤) ساكن إلى اللّه بلا حركة.\nوهذا عزيز، وهو من صفات الأبدال.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1427>[من لم يصل إلى المقامات العالية]:</span>\nوبكل حال، فمن لم يصل إلى هذه المقامات العالية، فلابد له من معاناة الأسباب لا سيما مَن له عيال لا يصبرون؛ وقد قال النبي - ﷺ -: \"كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت\" (^٥).\n• وكان بشر يقول: لو كان لي عيالٌ؛ لعملتُ واكتسبتُ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1428>[من ضيع بترك الأسباب حقًّا]:</span>\nوكذلك من ضيّع بتركه للأسباب (^٦) حقًّا له، ولم يكن راضيًا بفوات حقه، فإن هذا عاجزٌ مفرط.\n• وفي مثل هذا جاء قول النبي - ﷺ -: \"المؤمنُ القويّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللّه من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خير، وأحرصْ علَى ما ينفَعُك واستعِنْ باللّه ولا تعجِز؛ فإن أصابك شيء فلا تقل (^٧): لو أني فعلت كذا لكان كذا (^٨) ولكن قُلْ: قَدّر اللّه وما شَاءَ\n_________\n(^١) \"ا\": \"روى\".\n(^٢) في ترجمته لبشر بن الحارث ٨/ ٣٣٦ - ٣٦٠ والرواية المشار إليها ص ٣٥١.\n(^٣) م: \"تضطرب جوارحه\".\n(^٤) م: \"رجل\".\n(^٥) رواه أحمد في المسند ٩/ ٢٥٧ (المعارف) بإسناد صحيح كما ذكر محققه الشيخ أحمد شاكر. وأبو داود في السنن: ٣ - كتاب الزكاة: ٤٥ - باب في صلة الرحم ٢/ ٣٢١ ح ١٦٩٢.\nوالحاكم في المستدرك ١/ ٤١٥ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\nوالبيهقي في السنن ٧/ ٤٦٧.\nكلهم من حديث عبد اللّه بن عمرو.\nوأخرجه البيهقي من حديث جابر في السنن ٩/ ٢٥.\n(^٦) ظ: \"بتركه الأسباب\".\n(^٧) \"ا\": \"تقولن\" وما أثبتناه هو الموافق لما في مسلم.\n(^٨) \"ا\": \"لو أني فعلت كذا\" وفي صحيح مسلم: \"لو أني فعلت كان كذا وكذا\".","vol":"3","page":1276},{"text":"فَعَلَ، فإن لو (^١) تفتحُ عملَ الشيطان\".\nخرجه مسلم بمعناه من حديث أبي هريرة (^٢).\n• وفى سنن أبي داود، عن عوف بن مالك أن النبي - ﷺ - قَضَى بين رجلين فقال المقضي عليه لما أدبر: حسبنا اللّه ونعم الوكيل فقال النبي - ﷺ -: إن الله يلوم على العجز، ولكن عليك بالكيس، فإذا غلبك أمر، فقل: حسبي اللّه ونعم الوكيل (^٣).\nوخرج الترمذي من حديث أنس قال: قال رجل: يا رسول الله! أعقلها وأتوكل، أو أطلقها وأتوكل؟ قال: \"أعقلها (^٤) وتوكل\".\nوذكر عن يحيى القطان أنه قال: هو عندي حديث منكر.\n_________\n(^١) \"ا\": \"فإن اللو\" وما أثبتناه هو الموافق لما في صحيح مسلم.\n(^٢) أخرجه مسلم في: ٤٦: كتاب القدر: ٨ - باب الأمر بالقوة، وترك العجز، والاستعانة باللّه، وتفويض المقادير لله ٤/ ٢٠٥٢.\n(^٣) أخرجه أبو داود في: ١٨ - كتاب الأقضية: ٢٨ - باب الرجل يحلف على حقه ٤/ ٤٤ - ٤٥ ح ٣٦٢٧ رواية عن عبد الوهاب بن نجدة، وموسى بن مروان الرقي، قالا: حدثنا بقية بن الوليد، عن بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن سيف، عن عرف بن مالك … فذكره.\n\"والعجز: ترك ما يجب فعله بالتسويف، وهو عام في أمور الدنيا والدين.\nوالكيس في الأمرر يجري مجرى الرفق والفطنة، والكيس العقل\" منذري بهامش السنن.\n(^٤) أخرجه الترمذي في: ٣٨ - كتاب صفة القيامة: ٦٠ - باب حدثنا عمرو بن علي ٤/ ٦٦٨ وعقب عليه بما ذكره ابن رجب عن يحيى ثم قال:\nوهذا حديث غريب من حديث أنس لا نعرفه؛ إلا من هذا الوجه.\nوقد روي عن عمرو بن أمية الضمري، عن النبي - ﷺ - نحو هذا.\nوحديث عمرو بن أمية أخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب الرقائق: باب الورع والتوكل: ذكر الإخبار؛ بأن المرء يجب عليه مع توكل القلب والاحتراز بالأعضاء ضد قول من كرهه ٢/ ٥٦ ح ٧٢٩ رواية عن الحسين بن عبد الله القطان، عن هشام بن عمار، عن حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن عبد الله، عن جعفر بن عمرو بن أمية، عن أبيه - بنحوه.\nثم عقب عليه بقوله: يعقوب هذا: هو يعقوب بن عمرو بن عبد اللّه بن عمرو بن أمية الضمري من أهل الحجاز مشهور مأمون.\nوقد أقر الزبيدي في الإتحاف ٩/ ٥٠٧ ما ذكره العراقي عن رواية عمرو بن أمية الضمري، وأن الطبراني رواها بإسناد جيد، وكذلك ابن خزيمة في التوكل، وقال: إنما أنكره القطان من حديث أنس.\nفالحديث إذا ثابت من رواية عمرو بن أمية.\nوهو شاهد من الصحيح لرواية أنس يرتقي به حديثه إلى الحسن.\nوهذا ما نحا إليه الأستاذ جاسم الفهيد في تحقيقه للتوكل لابن أبي الدنيا تعليقًا على رواية أنس في هذا الكتاب ح ١١ حيث ذكر رواياته، وطرقها، ومصادرها، ودرجة رواتها.\nوانظر أيضًا: الإتحاف في الموضع المذكور والموسوعة ٢/ ٢٦.","vol":"3","page":1277},{"text":"وخرجه الطبراني من حديث عمرو بن أمية عن النبي - ﷺ - (^١).\nورَوَى الوضين بن عطاء، عن محفوظ بن علقمة، عن ابن عابد، أن النبي - ﷺ - قال: \"إن التوكُّل بعد الكَيْسِ\".\nوهذا مرسل.\nومعناه أن الإنسان يأخذ بالكيس والسعي في الأسباب الباحة، ويتوكل على اللّه بعد سعيه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1429>[التوكل لا ينافي الأسباب]:</span>\nوهذا كله إشارة إلى أن التوكل لا ينافي الإتيان بالأسباب، بل قد يكون جمعهما أفضل.\n• قال معاوية بن قرة: \"لقي عُمَرُ بنُ الخطاب ناسًا من أهل اليمن، فقال: مَنْ أنتم؟ قالوا: نحن المتوكّلُونَ. قال: بل أنتم المتأكّلون، إنما المتوكل الذي يُلْقي حَبَّه في الأرض، ويتوكّل على اللّه ﷿\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1430>[التوكل الحقيقي]:</span>\n• قال الخلال: أخبرنا محمد بن أحمد (^٢) بن منصور قال: سأل المازني بِشْرَ بنَ الحارثَ عن التوكل فقال: \"التوكل لا يتوكل على اللّه ليُكفَى، ولو حلت هذه القصة في قلوب المتوكِّلة (^٣)؛ لضجوا إلى اللّه بالندم والتوبة، ولكنَّ المتوكلّ يحلّ بقلبه الكفايةُ من اللّه ﵎، فيصدِّق اللّه ﷿ فيما ضمن\".\nومعنى هذا الكلام، أن المتوكل على اللّه حقّ التوكل، لا يأتي بالتوكل ويجعله سببًا لحصول الكفاية له من اللّه بالرزق وغيره؛ فإنه لو فعل ذلك لكان كمن أتى بسائر (^٤) الأسباب؛ لاستجلاب الرزق، والكفاية بها.\n\n<span data-type='title' id=toc-1431>[بين التوكل لطلب الرزق والتوكل ثقة باللّه]:</span>\nوهذا نوعُ نقص في تحقيق التوكل، وإنما المتوكِّل (^٥) حقيقةً مَنْ يعلم أن اللّه قد ضمنَ\n_________\n(^١) قد علمت ما قاله العراقي بشأنه.\n(^٢) م: \"محمد بن منصور\".\n(^٣) م: \"المتوكلين\".\n(^٤) م: \"سائر\".\n(^٥) م: \"التوكل\" وفيه تحريف.","vol":"3","page":1278},{"text":"لعبده رزْقَه (^١) وكفايته، فيصدق اللّه فيما ضمنه، ويثق به بقلبه، ويحقق الاعتماد عليه فيما ضمنه من الرزق، من غير أن يخرج التوكل مخرج الأسباب في استجلاب الرزق به، والرزق مقسوم لكل أحد، من برٍّ وفاجرٍ، ومؤمنٍ وكافرٍ، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (^٢) هذا مع ضعف كثير من الدواب وعجزها عن السعي في طلب الرزق، قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ (^٣) فما دام العبدُ حَيًّا فرزقهُ على الله، وقد ييسره اللّه له بكسب، وبغير كسب؛ فمن توكل على الله لطلب الرزق، فقد جعل التوكل سببًا وكَسْبًا، ومن توكّلَ عليه لثقته بضمانه؛ فقد توكَّل عليه ثقة به وتصديقًا بوعده (^٤) وما أحسن قول المثني (^٥) الأنباري، وهو من أعيان أصحاب الإمام أحمد: \"لا تكونوا بالمضمون مهْتَمّين، فتكونُوا للضامن متَّهِمين، وبرِزْقِه (^٦) غير راضين\".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1432>[ثمرة التوكل: الرضا بالقضاء]:</span>\nواعلما أن ثمرة التوكل الرضا بالقضاء؛ فمن وكَل أمورَه إلى اللّه ورَضِي بما يقضيه له، ويختَارُه؛ فقد حقق التوكل عليه (^٧) ولذلك كان الحسَنُ والفُضَيل وغيرُهما يفسرون التوكل على اللّه بالرضا.\n\n<span data-type='title' id=toc-1433>[التوكل ثلاث درجات]:</span>\nقال ابنُ أبي الدنيا: بلغني عن بعض الحكماء قال: التوكل على ثلاث درجات:\n• أولها ترك الشكاية.\n• والثانية الرضا.\n• والثالثة المحبة.\n• فترك (^٨) الشكايةِ درجةُ الصبر.\n• والرضا سكونُ القلب بما قَسَم اللّه له، وهي أرفع من الأولى.\n_________\n(^١) م: \"يرزقه\" وهو تحريف.\n(^٢) سورة هود: ٦.\n(^٣) سورة العنكبوت: ٦٠.\n(^٤) ليست في \"ا\".\n(^٥) م ت \"المثنى\".\n(^٦) م: \"وبرقه\" وفيه تحريف بين.\n(^٧) ليست في م.\n(^٨) م: \"بترك\" وهو تحريف.","vol":"3","page":1279},{"text":"• والمحبة أن يكون حُبه لما يَصنع اللّه به.\n• فالأولى للزاهدين.\n• والثانية للصادقين.\n• والثالثة للمرسلين. انتهى.\n\n<span data-type='title' id=toc-1434>[المتوكل]:</span>\nفالمتوكل (^١) على اللّه، إن صبر على ما يقدره اللّه له من الرزق أو غيرِه؛ فهو صابر.\nوإن رضي بما يقدر له بعد وقوعه، فهو الراضي.\nوإن لم يكن له اختيار بالكلية، ولا رضًا؛ إلا فيما يقدر له فهو درجة المحبين العارفين، كما كان عمر بن عبد العزيز يقال: أصبحت وما لي سرور إلا في مواقع (^٢) القضاء والقدر.\n* * *\n_________\n(^١) م: \"المتوكل\".\n(^٢) م: \"مواضع\".","vol":"3","page":1280},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1435>الحديث الخمسون</span>\nعَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ (^١) قالَ: أَتَى النَّبيَّ - ﷺ - رَجُلٌ فَقالَ:\nيَا رَسُولَ اللّهِ! إِنَّ شَرَائِعَ الإِسلَامِ قَدْ كثُرتْ عَلَيْنَا (^٢) فَبَابٌ نَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِعٌ، قال: \"لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ ﷿\". خَرَّجَهُ الإِمامُ أَحْمَدُ بِهذَا اللَّفْظِ (^٣).\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1436>[تخريج الحديث]:</span>\n• وخرجه الترمذي (^٤).\nوابن ماجه (^٥) وابن حبان في صحيحه (^٦) بمعناه، وقال الترمذي: حسن غريب.\n_________\n(^١) م: \"بشر\" وهو تحريف؛ فهو عبد الله بن بسر المازني القيسي أبو بسر، ويقال: أبو صفوان له ولأبيه صحبه.\nروى عن النبي - ﷺ - وعن أبيه - إن كان محفوظًا - هكذا قال ابن حجر، وروى عن أخته وعمته، وقيل: خالته.\nروى عنه أبو الزاهرية وخالد بن معدان وسليم بن عامر، وعمرو بن قيس السكوني الذي روى عنه هذا الحديث.\nوهو آخر من مات بالشام من الصحابة سنة ثمان وثمانين وهو ابن أربع وتسعين سنة وترجمته في التهذيب ٥/ ١٥٩ والإعلام بوفيات الأعلام ص ٥٠ وتاريخ ابن زبر ١/ ٢١٥.\n(^٢) م: \"عليّ\" وما أثبتناه عن أ هو الموافق لما في المسند في الموطن الأول منه.\n(^٣) في المسند ٥/ ١٨٨ (الحلبي) رواية عن علي بن عياش، عن حسان بن نوح، عن عمرو بن قيس، عن عبد الله بن بسر قال: أتى النبي - ﷺ - أعرابيان فقال أحدهما: من خير الرجال يا محمد!؟ قال النبي - ﷺ -: من طال عمره وحسن عمله، وقال الآخر: إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا .. الحديث.\nوأخرجه من وجه آخر عقبه ص ١٩٠ بمثله إلا أنه قال: إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ فمرني بأمر أتثبت به … الحديث، وذلك رواية عن عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس - به.\n(^٤) في السنن: ٤٩ - كتاب الدعاء: ٤ - باب ما جاء في فضل الذكر ٥/ ٤٥٨ ح ٣٣٧٥ رواية عن أبي كريب، عن زيد بن حباب، عن معاوية بن صالح - به: أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ فأخبرني بشيء أتشبث به … الحديث، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.\n(^٥) في السنن: ٣٣ - كتاب الأدب: ٥٣ - باب فضل الذكر ٢/ ١٢٤٦ ح ٣٧٧٣ عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن زيد بن الحباب - به - بنحو حديث الترمذي.\n(^٦) في الصحيح: كتاب الرقائق: باب الأذكار: ذكر الاستحباب للمرء دوام ذكر الله ﷿ في الأوقات والأسباب ٢/ ٩٢ ح ٨١١ رواية عن ابن قتيبة، عن يزيد بن موهب، عن ابن وهب، عن معاوية بن صالح - به - بنحو حديث أحمد شطره الثاني وذكر عن الأعرابيين.","vol":"3","page":1281},{"text":"• وكلهم خرجه من رواية عمرو بن قيس الكندي، عن عبد الله بن بُسْرِ.\nوخرج ابن حبان في صحيحه وغيره من حديث معاذ بن جبل قال: آخرُ ما فارقْتُ عليه رسولَ اللّه - ﷺ - أن قلت له: أيُّ الأعمال خيرٌ وأقربُ إلى اللّه؟ (^١) قال: \"أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله ﷿\".\nوقد سبق في هذا الكتاب مفرقًا ذكرُ كثيرٍ من فضائل الذكر، ونذكر هنا فضلَ إدامته والإكثارِ منه.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1437>[مقاصد الحديث]:</span>\n• قد أمر الله المؤمنين (^٢) بأن يذكروه ذكرًا كثيرًا، ومدح مَنْ ذكره كذلك؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (^٣) وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^٤). وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٥) وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ (^٦).\n\n<span data-type='title' id=toc-1438>[الذاكرون]:</span>\n• وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - مرّ على جبل يُقال له جُمْدَان فقال: \"سيرُوا، هذا جُمْدَان سبق المفَرِّدُونَ\" قالوا: ومن المفرّدون؟ يا رسولَ الله! قال: \"الذاكرونَ الله كثيرًا والذاكراتُ\" (^٧).\n* * *\n_________\n(^١) في الصحيح عقيب الحديث السابق في ذكر البيان بأن المداومة للمرء على ذكر الله من أحب الأعمال إلى الله جل وعلا ٢/ ٩٣ ح ٨١٥ - عن محمد بن عبد الله بن عبد السلام، عن محمد بن هاشم البعلبكي عن الوليد، عن ابن ثوبان عن أبيه، عن مكحول، عن جبير بن نفير، عن مالك بن يخامر، عن معاذ بن جبل … فذكره بنحوه.\nوانظر الموسوعة ٧/ ٣٩٧.\n(^٢) \"ا\": \"أمر سبحانه المؤمنين\".\n(^٣) سورة الأحزاب: ٤١.\n(^٤) سورة الجمعة: ١٠.\n(^٥) سورة الأحزاب: ٣٥.\n(^٦) سورة آل عمران: ١٩١.\n(^٧) أخرجه مسلم في: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: ١ - باب الحث على ذكر اللّه تعالى ٤/ ٢٠٦٢ ح ٢٦٧٦.","vol":"3","page":1282},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1439>[والمهترون]:</span>\n• وخرجه الإمام أحمد ولفظه: \"سبق المفرّدون\". قالوا: وما المفردون؟ قال: \"الذين يهترون في ذكر الله ﷿\" (^١). وخرجه الترمذي، وعنده: قالوا: يا رسول اللّه! وما المفرِّدون؟ قال: \"المستهترون في ذكر الله تعالى\"، يضع الذكر، عنهم أثقالَهم؛ فيأتون يومَ القيامة خِفَافًا (^٢).\nوروى موسى بن عبيدة، عن أبي عبد اللّه القَرَّاظ (^٣)، عن معاذ بن جبل قال: بينما نحن مع رسول اللّه - ﷺ - نسير بالدَّفِّ (^٤) من جُمْدان إذ استنبه (^٥) فقال: يا معاذ! أينَ السابقون؟ فقلت: قَدْ مَضَوْا وتخلّف أُناس (^٦)، فقال: \"يا معاذ! إنَّ السابقين: الذينَ يُسْتَهْتَرون بذكر اللّه ﷿!؟ \".\nخرجه جعفر الفريابي (^٧).\nومن هذا السياق يظهر وجه ذكر السابقين في هذا الحديث؛ فإنه لما سبق الركبَ، وتخلف بعضهم، نبّه النبيُّ - ﷺ - على أن السابقين على الحقيقة؛ هم الذين يُدْمِنُونَ ذِكْرَ الله ﷿ ويولعونَ به، فإن الاستهتارَ بالشيء؛ هو الْوَلُوعُ به والشغَف حتى لا يكاد يفارق ذكره.\nوهذا على رواية من رواه: المسْتَهْتَرون.\n_________\n(^١) في المسند ٢/ ٣٢٣ (الحلبي) بهذا اللفظ وفي ص ٤١١ من وجه آخر؛ وفيه: وما المفردون؟ قال: \"الذاكرون الله كثيرًا\" ثم قال: \"اللهم اغفر للمحلقين\". قالوا: والمقصرين؟ قال: \"والمقصرين\".\n(^٢) في: ٤٩ - كتاب الدعوات: ١٢٩ - باب العفو والعافية ٥/ ٥٧٧ ح ٣٥٩٦ وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب.\n(^٣) م: \"القراط\".\n(^٤) م \"بالقريب\" والدَّف هو الجنب ومعنى الكلمتين متقارب؛ وراجع اللسان ٢/ ١٣٩٥ (المعارف).\n(^٥) \"ا\": \"إذا ستنبه\" وفي إذا تحريف.\n(^٦) م: \"أناس\".\n(^٧) هذا حديث ضعيف جدًّا من هذا الطريق والعلة فيه من موسى بن عبيدة، قال أحمد بن حنبل: لا يكتب حديثه، وحديثه منكر، وقال ابن معين: لا يحتج بحديثه، ضعيف، إلا أنه يكتب من أحاديثه الرقاق، وقال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث جدًّا وليس بحجة، وقال يعقوب بن شيبة: صدوق ضعيف الحديث جدًّا، ومن الناس من لا يكتب حديثه لوهائه وضعفه وكثرة اختلاطه.\nقيل: توفي ١٥٢، وقيل: ١٥٣.\nراجع في ترجمته الضعفاء الكبير للعقيلي ٤/ ١٦٠ - ١٦٢، والكامل لابن عدي ٦/ ٣٣٣ - ٣٣٧ وتهذيب التهذيب ١٠/ ٣٥٦ - ٣٦٠.\nوقد أورد الزبيدي في الإتحاف ٧/ ٢٥٤ حديث أبي هريرة في مسلم، وحديث معاذ من طريق موسى بن عبيده عن أبي عبيدة القراظ، ومن رواية إسحق بن راهويه في مسنده وقال: وموسى ضعيف لكن يقوى بحديث أبي هريرة السابق.","vol":"3","page":1283},{"text":"ورواه بعضهم فقال فيه (^١): \"الذين أُهْتِرُوا في ذكر اللّه، وفسر ابن قتيبة الهتْرَ (^٢)؛ بالسَّقَطِ في الكلام، كما في الحديث: \"المستبَّان شيطانَان يتكاذَبانِ ويتهاتَران\" (^٣).\nقال: والمراد من هذا الحديث من عُمِّر وخَرِفَ في ذكر اللّه وطاعته.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1440>[والمفردون]:</span>\nقال: والمراد بالمفردين على هذه الرواية، من انفرد بالعمر عن القَرْن الذي كان فيه.\nوأما على الرواية الأولى قال (^٤): فالمراد بالمفردين المتخلون (^٥) من الناس بذكر اللّه تعالى، كذا قال.\nويحتمل وهو الأظهر أن المراد بالانفراد على الروايتين الانفراد بهذا العمل، وهو كثرة الذكر دون الانفراد الحسي، إما عن القَرْن، أو عن المخالطة واللّه أعلم.\nومن هذا المعنى، قول عمر بن عبد العزيز ليلة عرفة بعرفة عند قرب الإفاضة: ليسَ السابقُ اليومَ مَن سَبق بعيرُه؛ وإنما السابق من غُفِر له.\n_________\n(^١) في رواية إسحق بن راهويه: \"الذين يهترون بذكر الله ﷿\".\n(^٢) في الغريب ١/ ١٠٣.\n(^٣) أخرجه أحمد في المسند ٤/ ١٦٢ (الحلبي) من حديث عياض بن حمار قال: قلت: يا رسول الله! رجل من قومي يشتمني وهو دوني؛ عليّ بأس أن أنتصر منه؟ قال: \"المستبان شيطانان يتهاذيان ويتكاذبان\".\nوأخرجه عقيبه في الصحيفة ذاتها من وجه آخر عن عياض أن النبي - ﷺ - قال: \"المستبان شيطانان يتكاذبان ويتهاتران\".\nوفي ص ٢٦٦ من الجزء ذاته من وجه ثالث أن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"أثم المستبان ما قالا، على البادئ ما لم يعتد المظلوم والمستبان شيطانان يتكاذبان ويتهاتران\" وهو عند الطبراني في الكبير ١٧/ ٣١١ من وجهين عن عياض بنحوه.\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ٨/ ٧٥ من حديث عياض ثم قال: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير والأوسط ورجال أحمد رجال الصحيح.\nورواه ابن حبان في الصحيح ٧/ ٤٩٢ من وجهين عن عياض بنحو ما عند أحمد في الموضع الأول.\nوقد عقب أبو حاتم بقوله:\nأطلق - ﷺ - اسم الشيطان على المستب على سبيل المحاورة؛ إذ الشيطان دلَّه على ذلك الفعل حتى تهاتر وتكاذب، لا أن المستبين يكونان شيطانين.\nورواه البيهقي في السنن الكبرى ١٠/ ٢٣٥ بنحوه.\n(^٤) ليست في م.\n(^٥) ا، ب: \"المتخلين\".","vol":"3","page":1284},{"text":"<span data-type='title' id=toc-1441>[من أحب أن يَرتع في الجنة]:</span>\nوبهذا الإسناد عن النبي - ﷺ - قال: \"من أحب أن يَرتعَ في رياض الجنة؛ فليكثِرْ ذكرَ اللّه ﷿\" (^١).\nوخرج الإمام أحمد (^٢) والنسائي (^٣) وابن حبان في صحيحه (^٤)، من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال: \"استكثِرُوا من الباقياتِ الصالحات. قيل: وما هُنَّ؟ يا رسول اللّه!؟ قال: \"التكبير والتسبيح والتهليل، والحمد للّه، ولا حول ولا قوّة إلا باللّه\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1442>[الترغيب في الذكر]:</span>\n• وفي المسند (^٥) وصحيح ابن حبان (^٦) عن أبي سعيد الخدري أيضًا عن النبي - ﷺ - قال: \"أكثروا ذكر الله حتى يقولوا: مجنون\".\n_________\n(^١) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ١٠/ ٣٠٢ رواية عن يحيى بن واضح، عن موسى بن عبيدة، عن أبي عبد الله القراظ، عن معاذ بن جبل … فذكره.\nوهو إذًا ضعيف، والعلة فيه من موسى بن عبيدة، وقد علمت ما فيه من قريب.\nوعن ابن أبي شيبة أخرجه ابن عبد البر في التمهيد ٦/ ٥٨ وشاهده حديث أنس أخرجه الترمذي في: ٤٩ - كتاب الدعوات: ٨٣ - باب حدثنا يوسف بن حماد البصري (٥/ ٥٣٢ - ٥٣٣ ح ٣٥١٠) رواية عن محمد بن ثابت البناني، عن أبيه، عن أنس بن مالك - ﵁ -، أن رسول اللّه - ﷺ - قال: \"إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا\" قال: وما رياض الجنة؟ قال \"حِلَقُ الذكر\".\nوعقب عليه بقوله: هذا حسن غريب من هذا الوجه، من حديث أنس.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٧٥ (الحلبي) من رواية ابن لهيعة عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال: استكثروا من الباقيات الصالحات، قيل: وما هي؟ يا رسول اللّه! قال: الملة، قيل: وما هي؟ يا رسول اللّه! قال: \"الملة\"، قيل: وما هي؟ يا رسول اللّه! قال: \"الملة\" قيل: وما هي؟ يا رسول الله! قال: \"التكبير والتهليل والتسبيح والتحميد ولا حول ولا قوة إلا باللّه\".\n(^٣) في عمل اليوم والليلة عن أبي الطاهر بن السرح، عن ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، كما في التحفة ٣/ ٣٦٢ ح ٤٠٦٦.\n(^٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه: كتاب الرقاق: باب الأذكار: ذكر البيان بأن الكلمات التي ذكرناها مع التبري من الحول والقوة إِلا بالله من الباقيات الصالحات ٢/ ١٠٢ من الإحسان ح ٨٣٧ عن ابن أسلم، عن حرملة، عن ابن وهب - به - بالنص المذكور. وضعف بدراج.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٦٨، ٧١ (الحلبي) الأول من رواية سريج عن ابن وهب - به - والثانى من رواية ابن لهيعة، عن دراج - به بالنص المذكور في الموضعين.\n(^٦) أخرجه في الصحيح: في الباب السابق: ذكر استحباب الاستهتار للمرء بذكر ربه جل وعلا، عن عمر بن محمد الهمداني، عن أبي الطاهر - به - بمثله. وهو مضعف بدراج عن أبي الهيثم أيضًا.","vol":"3","page":1285},{"text":"• وروى أبو نعيم في الحلية، من حديث ابن عباس مرفوعًا \"اذكُرُوا اللهَّ ذكرًا؛ (^١) يقول المنافقون: إنكم تُراؤُونَ\".\n• وخرج الإمام أحمد (^٢)، والترمذي (^٣) من حديث أبي سعيد، عن النبي - ﷺ - أنه سئل: أي العباد أفضل درجة عند الله يوم القيامة؟ قال: \"الذاكرون الله كثيرًا\". قيل: يا رسول الله! ومِنْ الغازي في سبيل الله؟ قال: \"لَوْ ضَرَبَ بسيف في الكفار والمشركين، حتى ينكسر، ويتخضَّب دمًا؛ لكان الذاكروان لله ﷿ أفضل منه درجة\".\n• وخرج الإمام أحمد، من حديث سهل بن معاذ، [عن أبيه] (^٤)، عن النبي - ﷺ - أن رجلًا سأله فقال: أيُّ الجهاد أعظم أجرًا؟ يا رسول الله! قال: \"أكثرهم للّه ذكرًا\". قال: \"فأي الصائمين أعظم؟ قال: \"أكثرهم للّه ذكرًا\" ثم ذكَر لنا الصلاةَ، والزكاةَ، والحجَّ، والصدقة، كل ذلك (^٥) ورسول الله - ﷺ - يقول: \"أكثَرُهُم للهِ ذِكْرًا\" فقال أبو بكر: يا أبا حفص! (^٦) ذهب الذاكرون بكل خير؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"أجل! \".\n• وقد خرجه ابن المبارك، وابن أبي الدنيا من وجوه مرسلة بمعناه.\n• وفي صحيح مسلم عن عائشة قالت: \"كان رسول - ﷺ - يذكر اللّه على كل أحيانه\" (^٧).\n_________\n(^١) في م: \"أكثروا ذكر الله حتى يقول المنافقون\" وفيه تحريفات بينة.\nوالحديث رواه أبو نعيم في الحلية ٣/ ٨٠ - ٨١ من رواية سليمان بن أحمد، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن عقبة بن مكرم، عن سعيد بن سفيان الجحدري، عن الحسن بن أبي جعفر، عن عقبة الراسبي، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - مرفوعًا .. فذكره ثم قال:\nغريب من حديث أبي الجوزاء له يوصله إلا سعيد عن الحسن.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٧٥ (الحلبي) من رواية ابن لهيعة عن دراج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، بمثله إلا أن فيه: \"ويختضب\".\n(^٣) أخرجه الترمذي في السنن: ٤٩ - كتاب الدعاء: ٥ - باب حدثنا قتيبة ٥/ ٤٥٨ ح ٣٣٧٦ من رواية قتيبة بن سعيد، عن ابن لهيعة - له بمثله.\nوعقب عليه بقوله: \"هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث دراج\". فأومأ - بهذا - لضعفه.\n(^٤) زيادة واجبة.\n(^٥) م: \"كلا ورسول اللّه\" وفي أولها تحريف واضح.\n(^٦) في المسند: \"فقال أبو بكر - رضي الله تعالى عنه لعمر - ﵁ -: يا أبا حفص! \".\n(^٧) أخرجه مسلم في: ٣ - كتاب الحيض: ٣٠ - باب ذكر الله تعالى في حال الجنابة وغيرها ١/ ٢٨٢ ح ١١٧ - (٣٧٣) بمثله وهو عند ابن المبارك في الزهد ١٤٢٩.","vol":"3","page":1286},{"text":"وقال أبو الدرداء: الذين لا تزال ألسنتهم رطبةً من ذكر اللّه، يدخل أحدُهما الجنةَ وهو يَضحَكُ (^١).\nوقيل له: إن رجلًا أعتق مائة نَسمَة، فقال: إن مائة نسمة من مال رجلٍ كثيرٌ، وأَفْضَلُ من ذلك إيمانٌ ملْزومٌ بالليل والنهار، وأن لا يزالَ لسانُ أحدكم رَطْبًا من ذكر اللّه ﷿ (^٢).\nوقال معاذ: لأن أَذْكُرَ اللّه من بُكْرَةٍ إلى اللَّيل أحبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أَحْمِلَ على جِيادِ الخيل في سبيل الله، من بكرة إلى الليل (^٣).\n• وقال ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ (^٤) قال: \"أن يُطَاعَ فلا يُعْصَى، ويُذْكَرَ فلا ينسى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر\".\nخرجه الحاكم مرفوعًا وصححه (^٥).\nوالمشهور وقفه.\n\n<span data-type='title' id=toc-1443>[من المأثور في الذكر]:</span>\n• وقال زيد بن أسلم: قال موسى ﵇: يا رب! قد أنعمتَ عليّ كثيرًا فدلني على (^٦) أن أشكرك كثيرًا، قال: اذكرني كثيرًا فإذا ذكرتَنِي كثيرًا؛ فقد شكرتَنِي، وإذا نسيتَني فقد كفرتَني.\n• وقال الحسن: \"أحب عباد اللّه إلى الله أكثرهم له ذكرًا، وأتقاهم قلبًا\" (^٧).\n• وقال أحمد بن أبي الحواري: حدثني أبو المخارق قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مررتُ ليلةَ أسْرِيَ بي برجُلٍ مُغَيَّبٍ في نُورِ العرش، فقلت: مَنْ هذا؟ مَلَك؟ قيل: لا، قلت: نبيٌّ؟ قيل: لا، قلت: مَنْ هو؟ قال: هذا رجل كان لسانه رَطْبًا من ذكر\n_________\n(^١) الحلية ١/ ٢١٩ والزهد لأحمد ٢/ ٥٧ ولابن المبارك ١١٢٦.\n(^٢) الحلية عقب الحديث السابق والزهد لأحمد ٢/ ٥٧ - ٥٨ بنحوه.\n(^٣) الحلية ١/ ٢٣٥ والزهد لأحمد ٢/ ١١٧ - ١١٨ بمعناه.\n(^٤) سورة آل عمران: ١٠٢.\n(^٥) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٢٩٤ وصححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\n(^٦) ليست في \"ا\".\n(^٧) وروى الخرائطي في الشكر ح ٢٥ من حديث أبي عمرو الشيباني قال: \"بلغنا أن موسى - ﷺ - سأل ربه: أي عبادنا أحب إليك؟ قال: أكثرهم ذكرًا\".","vol":"3","page":1287},{"text":"الله، وقلبه معلق بالمساجد، ولم يَسْتَسِبَّ لِوالديه قط! \" (^١).\n• وقال ابن مسعود: قال موسى ﵇: رب! أيّ الأعمال أحبُّ إليك أن أعمل به؟ قال: تذكرني فلا تنساني.\n• وقال أبو إسحق عن هيثم: بلغني أن موسى ﵇ قال: يا رب! أيُّ عبادك أحبُّ إليك؟\nقال: \"أكثرهم لي ذكرًا\" (^٢).\n• قال كعب: \"من أكثر ذكرَ الله برئ من النفاق\".\nورواه مؤمِّل، عن حَمَّاد بن سلمة، عن سُهَيل، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا (^٣).\n• وخرج الطبراني بهذا الإسناد مرفوعًا: \"من لم يكثر ذكرَ اللّه فقد برئَ من الإيمان\" (^٤).\nويشهد لهذا المعنى أن الله وصف المنافقين؛ بأنهم لا يذكرون الله إلا قليلًا.\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1444>[بماذا نباين المنافقين]:</span>\nفمن أكثر ذكر الله فقد باينهم في أوصافهم؛ ولهذا خُتِمَتْ سورةُ المنافقين بالأمر بذكر اللّه، وأن لا يلهي المؤمنَ عن ذلكَ مالٌ، ولا ولدٌ، وأنّ مَنْ أَلْهَاهُ ذلك عن ذِكْرِ اللّهِ؛ فهوَ مِنَ الخَاسِرِينَ.\n\n<span data-type='title' id=toc-1445>[علامة حب اللّه]:</span>\n• قال الربيع بن أنس عن بعض أصحابه: \"علامةُ حُبِّ اللّه كَثْرةُ ذِكْرِه؛ فإنك لن تحبَّ شيئًا إلا أكثرت ذكره\".\n• قال فتح الموصلي: المحب للّه لا يغفُل عن ذكر اللّه طرفةَ عين.\nوقال ذو النون: \"من اشتغل قلبه ولسانه بالذكر قذَفَ الله في قلبه نورَ الاشتياق إليه\".\n• قال إبراهيم الجنيد: \"كان يقال: من علامة المحب لله دَوامُ الذكر بالقلب واللسان،\n_________\n(^١) أورده الدمياطى في \"المتْجر الرابح\" ص ٤١٣ عن ابن أبي الدنيا في الذكر من حديث أبي المخارق مرسلًا أي لأن أبا المخارق تابعي؛ كما ذكر محققه.\n(^٢) راجع ما أوردناه لك عن الخرائطي في هذا.\n(^٣) حديث ضعيف راجع عنه سلسلة الأحاديث الضعيفة ٢/ ٢٩٣.\n(^٤) حديث موضوع راجع السلسلة ٢/ ٢٩٢ - ٢٩٣ ح ٨٩٠.","vol":"3","page":1288},{"text":"وقلما وَلِعَ المرء بذكر اللّه؛ إلا أفاد منه حُبَّ اللّه ﷿\".\n\n<span data-type='title' id=toc-1446>[المحبون وذكر اللّه]:</span>\n• وكان بعض عُبّادِ السلف يقول في مناجاته: \"إذا سئم البطالون من بطالتهم؛ فلن يسأم محبّوك من مُنَاجَاتِكِ وذكرِكَ\".\n• وقال أبو جعفر المحوَّلي (^١): \"وليُّ اللّه المحبُّ للّه، لا يخلو قلبُهُ مِنْ ذِكْرِ ربّه، ولا يسأمُ مِنْ خِدْمته\".\nوقد ذكرنا قولَ عائشة: كان النبي - ﵌ - يذكر اللّه على كل أحيانه (^٢).\nوالمعنى: في حال قيامِه ومشيه وقعوده واضطجاعِه.\nوسواء كان على طهارة أو على حدث.\n• وقال مسعر: \"كانت دوابُّ البحر في البحر تسكن، ويوسف ﵇ في السجن لا يسكن عن ذكر الله ﷿\".\nوكان لأبي هريرة خيط فيه ألف عقدة؛ فلا ينام حتى يسبِّحَ به (^٣).\n• وكان خالد بن مَعْدَان يسبّح كل يوم أربعين ألف تسبيحة، سوى ما يقرأ من القرآن، فلما مات وضع على سريره لِيُغَسَّل؛ فجعل يشير بأصبعه يحركها بالتسبيح.\n• وقيل لعمير بن هانئ: ما نرى لسانَك يفتُر؟؛ فكم تسبّح كُلَّ يوم؟ قال: مائة ألف تسبيحة، إلا أن تخطئ الأصابع. يعني أنه يعدّ ذلك بأصابعه.\n• وقال عبد العزيز بن أبي روّاد: كانت عندنا امرأة بمكة تسبّح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة، فماتت؛ فلما بلغت القبر اختُلست من أيدي الرجال.\n• وكان الحسن البصري كتيرًا ما يقول، إذا لم يحدّث، ولم يكن له شُغُل: \"سبحان الله العظيم\". فذكر ذلك لبعض فقهاء مكة فقال: إن صاحبَكم لفقيه ما قالها أحد سبع مرات إلا بني له بيتٌ في الجنة (^٤).\n_________\n(^١) نسبة إلى مُحَوَّل، قرية بالعراق، على فرسخين من بغداد؛ الأنساب ٥/ ٢٢١، ولب اللباب ٢/ ٢٤١.\n(^٢) ص ١٢٨٦.\n(^٣) الحلية ١/ ٣٨٣ من حديث نعيم بن المحرر بن أبي هريرة عن جده.\n(^٤) هذا أمر لا يعتمد بدون نقل صحيح؟!.","vol":"3","page":1289},{"text":"• وكان عامة كلام ابن سيرين: \"سبحان اللّه العظيم، سبحان اللّه وبحمده\".\n• وكان المغيرة بن حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون نزل إلى البحر، وقام في الماء يذكر الله مع دوابّ البحر.\n• نام بعضهم عند إبراهيم بن أدهم قال: فكنت كلما استيقظت من الليل وجدتُه يذكر اللّه، فأغتمّ ثمَّ أعزّي نفسي بهذه الآية: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (^١).\nالمحب: اسم محبوبه لا يغيب عن قلبه، فلو كُلِّف أن ينسى ذكره لما قدر، ولو كلف أن يكفَّ عن ذكره بلسانه؛ لما صبر.\nكيف ينسى المحبُّ ذكرَ حبيبٍ … اسمُه في فُؤادِهِ مَكْتُوبُ\n• كان بلال كلما عذبه المشركون في الرمضاء على التوحيد يقول: أَحَدٌ. أحَد!\nفإذا قالوا له قل: واللاتِ والعزى قال: لا أُحْسِنُه.\nيُرادُ من القلب نسيانُكُم … وتأبى الطباعُ عَلى النَّاقِلِ\n* * *\nكما قويت المعرفة، صار الذكر يجري على لسان الذاكر، من غير كُلْفة، حتى كان بعضهم يجري على لسانه في منامه: الله الله، ولهذا يُلْهَم أهلُ الجنة التسبيحَ، كما يلهَمُون النَّفَسَ، وتصير \"لا إله إلا اللّه\" لهم كالماء البارد لأهل الدّنيا.\nكان النُّوري يُنْشِد:\nلا لأني أنساك أُكْثِرُ ذِكْرَا … كَ لكن بِذاكَ يجرِي لسَانِي\n* * *\nإذا سمع المحب ذكر اسم حبيبه من غيره، زاد طرَبُه، وتضاعف قلَقُه، قال النبي - ﷺ - لابن مسعود: اقرأ عَليَّ القرآن قال: أقرأُ عليك وعليك أنزِلْ؟ قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأ عليه، ففاضت عيناه (^٢).\n_________\n(^١) سورة الحديد: ٢١.\n(^٢) أخرجه البخاري في ٦٥ - كتاب التفسير: ٤ - سورة النساء: ٩ - باب ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ ٨/ ٢٥٠ ح ٤٥٨٢ وأطرافه ٥٠٤٩، ٥٠٥٠، ٥٠٥٥ ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها: باب فضل استماع القرآن وطلب القراءة من حافظ للاستماع، والبكاء عند القراءة والتدبر ١/ ٥٥١ ح ٢٤٧ - (٨٠٠)، (…)، ٢٨٤ - (…).","vol":"3","page":1290},{"text":"سمع الشبلي قائلًا يقول: يا الله! يا جواد! فاضطرب.\nوداعٍ دعا إذْ نَحْن بالخَيْفِ من مِنًى … فهيَّج أشْجَانَ الفؤاد وما يَدْرِي\nدعا باسم لَيْلَى غيرَها فكأنما … أطارَ بلَيْلي طائرًا كانَ في صَدْرِي\n* * *\nالنَّبْضُ يَنزعج عند ذكر المحبوب.\nإذا ذُكِر المحبوبُ عندَ حبِيبِه … تَرَنَّحَ نشوانٌ وحَنَّ طَرُوبُ\nذكر المحبين على خلاف ذكر الغافلين:\n﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ (^١).\n* * *\nوإني لتَعْرُوني لذكراكِ هِزَّةٌ … كما انتفَضَ العُصْفُورُ بلَّله القَطْرُ\n* * *\nأحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه.\n• قال أبو الجلد (^٢): أوحى الله إلى موسى: إذا ذكرتَني، فاذكرني وأنت تنتفضُ أعضاؤك، وكنْ عندَ ذِكْرِي خاشعًا مطمئنًّا، وإذا ذكرتَني، فاجْعَل لسانَك مِن وَرَاءِ قَلْبِكَ.\n* * *\nوصف علي ﵁ الصحابةَ فقال: كانوا إذا ذكروا الله مادُوا كما تميدُ الشجرة في اليوم الشديد الريح، وجَرَت دموعُهم على ثيابهم (^٣).\n* * *\n• قال زهير البابي: إن للّه عبادًا ذكَرُوهُ، فخَرجَتْ نُفُوسُهُمْ إعظَامًا واشتياقًا، وقوم\n_________\n(^١) سورة الأنفال: ٢.\n(^٢) هو جيلان بن فروة، وخبره عند أحمد في الزهد ١/ ١٢٥ تامًّا؛ ففيه بعد هذا: وإذا قمت بين يدي فقم مقام العبد الحقير الذليل، وذم نفسك؛ فهي أولى بالذم، وناجِني حين تناجيني بقلب وجل، ولسان صادق.\n(^٣) الحلية ١/ ٧٦ بأتم من هذا بيد أن الإسناد فيه مجهول وضعيف جدًّا.","vol":"3","page":1291},{"text":"ذكروه، فوجلت قلوبهم فرقًا وهيبة، فلو حرقوا بالنار لم يجدوا مس النار، وآخرون ذكروه في الشتاء وبرده، فارفضُّوا عرفًا من خَوْفِهِ، وقوم ذكروه، فحالت ألوانُهم غِيَرًا، وقوم ذكروه، فَجفّتْ أعينُهم سَهَرًا.\n* * *\n• صلّى أبو يزيد الظّهر، فلَّما أراد أن يكبّر لم يقدِرْ إجلالًا لاسْمِ الله، وارتعدتَ فرائصه، حتى سُمِعَتْ قعقعةُ عِظَامِهِ.\n* * *\nكان أبو حفص النيسابوري، إذا ذكر الله تغيّرت عليه حاله، حتى يرى جميعَ ذلك مَنْ عنده.\nوكان يقول: ما أظنّ أن مُحِقًّا يذْكُر الله عَن غير غفلة، ثم يبقى حيًّا إلا الأنبياءَ، فإنهم أُيدُوا بقوة النبوة، وخواصُّ الأولياء بقوةِ ولايتهم (^١).\n* * *\nإذا سَمِعَتْ باسْم الْحَبِيبِ تَقَعْقَعَتْ … مفاصِلُهَا مِنْ هَوْلِ ما تتَذكّرُ!؟\nوقف أبو يزيد ليلة إلى الصباح يجتهد أن يقول: \"لا إله إلا الله\" فما قدر إجلالًا وهيبة، فلما كانَ عند الصباح نزل؛ فبال الدم.\n* * *\nوما ذكرتكُمُ إلا نَسيتُكُمُ … نِسيانَ إِجْلَالٍ لا نسيانَ إهْمَالِ\nإذا تذكرتُ مَنْ أنتم وكَيفَ أنا … أجْلَلْتُ مِثْلَكُمُ يخطر علَى بَالي\n* * *\nالذكر لذةُ قلُوب العَارِفين؛ قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (^٢).\n• قال مالك بن دينار: ما تلذذ المتلذذُونَ بمثل ذكرِ الله.\n_________\n(^١) أورده ابن الجوزي في صفة الصفوة بسياقه تامًّا ٤/ ١١٩ وفيه قبل هذا: \"وقال مرة، وقد ذكر الله تعالى وتغيرت حاله، فلما رجع قال: ما أبعد ذكرنا عن ذكر المحققين؛ فما أظن أن محقًّا … \".\n(^٢) سورة الرعد: ٢٨.","vol":"3","page":1292},{"text":"• وفي بعض الكتب السَّالفة يقول الله: معشَرَ الصديقين، بي فافرحوا، وبذكري فتنعموا.\n• وفي أثر آخر سبق ذكره: ويُنيبون إلى الذّكْرِ كما تُنيب النُّسُورُ إلَى وُكُورِهَا (^١).\n* * *\n• وعن ابن عمر قال: \"أخبرني أهل الكتاب أن هذه الأمة تحبّ الذكرَ كما تحبُّ الحمامة وَكْرها ولهم أسرع إلى ذكر الله من الإبل إلى وِرْدِهَا يوم ظمئها.\nقلوب المحبين لا تطمئن إلا بذكره، وأرواحُ المشتاقين لا تسكن؛ إلا برؤيته\".\nقال ذو النون: ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة؛ إلا بعفوه، ولا طابت الجنة؛ إلا برؤيته (^٢).\nأبدا نفوسُ الطالبيـ … ـــن إلى طُلُولِكُم تحنُّ\nوكذا القلوب بذكركم … بعد المخافة تطمئنُّ\nجُنَّت بحبكمُ ومَنْ … يَهْوى الحبِيبَ ولا يُجَنُّ؟\nبحياتكم يا سادتي … جودُوا بِوَصْلِكمُ ومُنّوا\nقد سبق حديث: \"اذكُروا الله حتّى يقولُوا مجنون\" (^٣).\nولبعضهم:\nلقد أكثرتُ من ذكْرَا … كَ حتى قيل وَسْوَاسُ\n• كان أبو مسلم الخولاني كثيرَ الذكر، فرآه بعضُ الناس، فأنكرَ حاله؛ فقال لأصحابه: أمجنونٌ صاحِبكم؟ فسمعه أبو مسلم فقال: لا يا أخي: ولكن هذا دواء الجنُون!؟.\nوحرمةِ الودّ ما لي عنكُمُ عِوَضٌ … وليسَ لِي في سِوَاكُمْ سَادَتي غَرَضُ\nوقد شرطتُ على قومٍ صَحِبتُهُمُ … بأَنَّ قلبي لَكُم مِنْ دُونِهِم فَرَضُوا (^٤)\n_________\n(^١) ص ١٠٨٦.\n(^٢) الحلية: ٩/ ٣٧٢ وفيها: \"طابت الجنان … \".\n(^٣) انظر ١٢٨٥.\n(^٤) م: \"فرض\" وهو تحريف.","vol":"3","page":1293},{"text":"ومن حديثي بِكُم قالوا: بِهِ مَرَضٌ … فقلتُ: لا زالَ عَنِّيَ ذَلكَ المرَضُ\n* * *\nالمحبونَ يِسْتَوْحِشُونَ من كُلِّ شاغِل يَشْغَلُ عن الذكر، فَلَا شيءَ أحبُّ إليهم من الخلوة بحبيبهم.\n* * *\n• قال عيسى ﵇: يا معشر الحواريين! كلّموا الله كثيرًا، وكلّموا الناسَ قليلًا قالوا: كيف نكلم الله كثيرًا؟ قال: اخْلُوا بمناجاته، اخلُوا بدعائه.\n• وكان بعض السلف يصلي كلّ يوم ألفَ ركعة حتى أُقعد من رجليه، وكان يصلي ألْفَ ركعة جالسًا، فإذا صلى العصر احْتَبَى (^١) واستقبل القبلة ويقول: عجبتُ للخليقة كيف أَنِسَتْ بسواك؟ بل عجبت للخليقة كيف استنارت قلوبُها بذكْرِ سِواك؟.\n* * *\n• وكان بعضهم يصوم الدهر، فإذا كان وقتُ الفطور قال: أخشى بنفسي تخرج لاشتغالي عن الذكر بالأكل.\n* * *\nقيل لمحمد بن النضر: أما تستوحش وحدك؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: أنا جليس من ذكرني؟\n* * *\nكتمتُ اسمَ الحبيبِ مِنَ العبادِ … وردَّدْتُ الصبابةَ في فؤادِي\nفوا شوقًا إلى بلدٍ خَلِيٍّ … لعَلِّي باسْم مَنْ أَهْوَى أنَادِي\n* * *\n• فإذا قوي حال المحب ومعرفته، لم يشغله عن الذكر بالقلب واللسان شاغل؛ فهو بين الخَلْقِ بجسمه وقلبُه معلّقٌ بالمحلِّ الأعلى، كما قال علي ﵁ في وصفهم:\n_________\n(^١) م: \"جثا\" ومعنى \"احتبى\" جلس على أَلْيتيه وضم فخذيه وساقيه إلى بطنه بذراعيه ليستند، ويقال: احتبى بالثوب: أداره على ساقيه وظهره وهو جالس على نحو ما سبق ليستند، المعجم الوسيط ١/ ١٥٤.","vol":"3","page":1294},{"text":"صحبُوا الدنيا بأجسادٍ أرواحُها معلَّقةٌ بالمحل الأعلى.\n* * *\nوفي هذا المعنى قيل:\nجسمي معي غَيْرَ أن الرُّوحَ عِنْدَكُمُ … فالجسمُ في غُرْبَةٍ والرُّوحُ في وَطَنِ\n* * *\nوقال غيره:\nولقد جَعَلْتُكَ في الفُؤَادِ مُحَدِّثِي … وأَبَحْتُ جِسمي مَنْ أرادَ جُلُوسِي\nفالجسم مني للجليس مؤانسٌ … وحبيبُ قَلْبِي ففي الفؤادِ أَنيسِي\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1447>[كان هذا حال الأنبياء والصديقين]:</span>\n• وهذه كانت حالةَ (^١) الرسل والصديقين (^٢) كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (^٣) وفي الترمذي مرفوعًا يقول الله ﷿: \"إنَّ عبدي كلّ عبدي: الذي يذكُرني وهو مُلاقٍ قِرْنَه (^٤) \".\n• وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ (^٥) يعني الصلاة في حال الخوف.\n• ولهذا قال: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (^٦).\n_________\n(^١) م: \"حال\".\n(^٢) ليست في \"أ\".\n(^٣) سورة الأنفال: ٤٥.\n(^٤) الترمذي في: ٤٩ - كتاب الدعوات: ١١٩ - باب حدثنا محمود بن غيلان ٥/ ٥٧٠ ح ٣٥٨٠ من رواية أبي الوليد الدمشقي، عن أحمد بن عبد الرحمن بن بكار، عن الوليد بن مسلم، عن عفير بن معدان، عن أبي دوس اليحصبي، عن ابن عائذ اليحصبي، عن عمارة بن زعكرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إن الله ﷿ يقول … فذكره، وفي آخره: يعني محمد القتال.\nوعقب عليه بقوله: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، ليس إسناده بالقوي، ولا نعرف لعمارة بن زعكرة عن النبي - ﷺ - إلا هذا الحديث الواحد، ومعنى قوله: وهو ملاق قرنه، إنما يعني عند القتال، يعني أن يذكر الله في تلك الساعة.\n(^٥) سورة النساء: ١٠٣.\n(^٦) سورة النساء: ١٠٣.","vol":"3","page":1295},{"text":"• وقال تعالى في ذكر صلاة الجمعة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (^١) فأمر بالجمع بين الابتغاء من فضله، وكثرة ذِكره.\n\n<span data-type='title' id=toc-1448>[فضل الذكر]:</span>\nولهذا ورد فضلُ الذكر في الأسواق، ومواطن الغفلة كما في المسند، والترمذي وسنن ابن ماجه، عن ابن عمر مرفوعًا.\n\"من دخل سوقًا يُصَاحُ فيها، ويُباعُ فيها، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، كتَب الله له ألفَ ألفِ حسنةً، ومحا عنه أَلف ألفِ سيئةً، ورفع له ألفَ ألف دَرَجَة\" (^٢).\n_________\n(^١) سورة الجمعة: ١٠.\n(^٢) أخرجه أحمد في المسند ٢٩٧ (المعارف) بإسناد ضعيف جدًّا كما ذكر محققه الشيخ شاكر؛ فالحديث من رواية حماد بن زيد، عن عمرو بن دينار مولى آل الزبير، عن سالم، عن أبيه، عن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ - فذكرهُ.\nوالعلة فيه من عمرو بن دينار البصري الأعور قال أحمد: ضعيف منكر الحديث، وقال ابن حبان: \"لا يحل كتب حديثه إلى على جهة التعجب، كان يتفرد بالموضوعات عن الأثبات\".\nقال: وهو غير عمرو بن دينار المكي الجمحي الإمام.\nوأخرجه الترمزي في ٤٩ - كتاب الدعوات: ٣٦ - باب ما يقول إذا دخل السوق (٥/ ٤٩١ - ٤٩٢) ح ٣٤٢٩ من رواية عمرو بن دينار المذكور وعقب عليه بقوله: وعمرو بن دينار شيخ بصري، وقد تكلم فيه بعض أهل الحديث من غير هذا الوجه.\nورواه يحيى بن سليم الطائفي، عن عمران بن مسلم، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - ولم يذكر فيه عن عمر ﵁.\nورواه الترمذي في الموضع نفسه وقبل الحديث السابق برقم ٣٤٢٨ من وجه آخر عن عمر وقال الترمذي: هذا حديث غريب.\nومن رواية عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جده أخرجه ابن ماجه في: ١٢ - كتاب التجارات: ٤٠ - باب الأسواق ودخولها ٢/ ٧٥٢ ح ٢٢٣٥ ولفظ أحمد: من قال في سوق: لا إله إلا الله … روايتا الترمذي: من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله …، من قال في السوق: لا إله إلا الله .... ولفظ ابن ماجه: من قال حين يَدْخل السوق … وليس في شيء منها هذا اللفظ الذي عزاه ابن رجب إليها؛ وإنما هذا لفظ ابن عدي رواه في الكامل ٥/ ١٣٥ - ١٣٦ في ترجمته لعمرو بن دينار هذا.\nوقد أورد له هذا الحديث وحديثا آخر كلاهما من وجوه ثم قال:\nوعمرو بن دينار قهرمان آل الزبير حدث بهذين الحديثين هكذا، وقد روي عنه ما ذكرت، وقد روي عن عمرو بن دينار، عن نافع، عن ابن عمر. =","vol":"3","page":1296},{"text":"وفي حديث آخر \"ذاكر اللهِ في الغَافِلينَ كمَثل المقاتل عن الفارِّينَ، وذَاكِر الله في الغافلين، كشَجَرةٍ خضراءَ في وسَط شَجَرٍ يابس\" (^١).\n• قال أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود:\nما دام قلبُ الرجل يذكر الله، فهو في صلاةٍ، وإن كانَ في السوق، وإِن حَرَّكَ به شفتيه؛ فهو أفضل (^٢).\n• وكان بعضُ السلف يقصد السوق ليذكر الله فيها بين أهل الغفلة.\nوالتقى رجلان منهم في السوق، فقال أحدهما لصاحبه: تعالى حتى نذكر الله في\n_________\n= ولا يعرف هذان الحديثان عن سالم، ولا يرويهما عن سالم غير عمرو بن دينار هذا.\nوله هذا من الحديث مما لم أذكره.\nأقول: وإذا؛ فهو حديث منكر إن لم يكن موضوعًا.\nوترجمة عمرو هذا في التاريخ الكبير ٣/ ٢/ ٣٢٩، والجرح والتعديل ٣/ ١/ ٢٣٢، والضعفاء الكبير ٣/ ٢٦٩ - ٢٧٠، والكامل ٥/ ١٣٥ - ١٣٦.\n(^١) أخرجه أبو نعيم في الحلية ٦/ ١٨١ عن أبيه، عن جعفر بن محمد بن يعقوب، وأبي محمد بن حيان، عن جعفر بن أحمد المهرجان كلاهما، عن الحسن بن عرفة، عن يحيى بن سليم، عن عمران القصير، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال:\n\"ذاكر الله في الغافلين كالذي يقاتل عن الفارين، وذاكر الله في الغافلين؛ مثل الشجرة الخضراء في وسط الشجر، وذاكر اللّه في الغافلين يعرفه الله مقعده من الجنة، وذاكر الله في الغافلين يغفر الله له بعدد كل فصيح وأعجمي، فالفصيح: بنو آدم، والأعجمي: البهائم\".\nقال أبو نعيم: رواه محمد بن يزيد الآدمي، عن يحيى بن سليم مثله.\nوقد أورده الشيخ ناصر الألباني في سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة ٢/ ١٢٠، وذكر أنه ضعيف جدًّا وأن العلة فيه من عمران بن مسلم.\nورواه المنذري في الترغيب ٢/ ٥٣٢ من رواية مالك بلاغًا بنص ابن رجب ثم أورد له رواية ذكر فيها أن قوله \"والفصيح بنو آدم، والأعجم: البهائم\" ذكره رزين ولم يره المنذريُّ في شيء من نسخ الموطأ، إنما رواه البيهقي في الشعب، عن عباد بن كثير، وفيه خلاف عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ - … فذكره بنحوه.\nثم روى من حديث ابن مسعود بنحوه وقال: رواه البزار والطبراني في الكبير والأوسط بإسناد لا بأس به.\nوأورده الغزالي في الإحياء ٥/ ٥ من الإتحاف، وذكر الزبيدي قول العراقي بتضعيف الحديث بعمران بن مسلم القصير وقول الذهبي في الميزان: قال البخاري: منكر الحديث، ثم قال الزبيدي: لكن ذكر السيوطي في الجامع الكبير أنه رواه ابن صصرى في أماليه، وابن شاهين في الترغيب في الذكر وقال: حديث صحيح الإسناد حسن المتن، غريب الألفاظ.\nثم أورد قطعة منه: ذاكر الله في الغافلين كالمقاتل بين الفارين وعلق بنحو ما علق المنذري. وأعاد الكلام عليه ص ٥١١ من الجزء نفسه. وأورده ابن عدي في الكامل ٥/ ٩١.\n(^٢) الحلية ٤/ ٢٠٤ باختلاف يسير.","vol":"3","page":1297},{"text":"غفلة الناس، فخلوا في موضع، فذكرا الله ثم تفرقا، ثم مات أحدهما، فلقيه الآخر في منامه، فقال له: \"أشعرتَ أن الله غَفَر لنا عشيةَ التقينا في السوق؟ \".\n* * *\n\n<span data-type='title' id=toc-1449>[وظائف الذكر في اليوم والليلة]:</span>\n(فصل) في وظائفِ (^١) الذّكْرِ الموظَّفة في الْيَوْمِ وَاللّيلَة.\n• معلوم أن الله فرضَ على المسلمين أن يَذْكروه كلّ يوم وليلة خمس مراتٍ، بإقامة الصلوات الخمس في مواقيتها المؤقتة، وشَرَع لهم مع هذه الفرائض الخمس أن يذكروه ذِكْرًا يكونُ لهم نافلةً، والنافلة: الزيادة؛ فيكون ذلك زيادةً على الصلوات الخمس، وهُوَ نوعان:\n• أحدهما: ما هو من جنس الصلاة، فشرع لهم أن يصلّوا مع الصلوات الخمس قبلَها أو بعدَها، أو قبلها وبعدها، سُنَنًا؛ فتكونَ زيادةً على الفريضة، فإن كان في الفريضة نقصٌ جَبَر نَقْصَهَا بهذه النوافل، وإلا كانت النوافلُ زيادةً على الفرائض.\n• وأطول ما يتخلل بين مواقيت الصلاة مما ليس فيه صلاة مفروضة: ما بين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، وما بين صلاة الفجر، وصلاة الظهر؛ فشرع ما بين كل واحدة من هاتين الصلاتين، صلاةً تكون نافلةً؛ لئلا يطولَ وقتُ الغفلة عن الذكر، فشرع ما بين صلاة العشاء، وصلاة الفجر: صلاةَ الوَتْر، وقيامَ الليل، وشرع ما بين صلاة الفجر، وصلاة الظهر: صلاةَ الضحى.\nوبعضُ هذه الصلوات آكدُ من بعض، فآكدُها الوَتْرُ؛ ولذلك اختلف العلماء في وجوبه، ثم قيامُ الليل.\n• وكان النبي ﵌ يداوم عليه حضرًا وسفرًا، ثم صلاةُ الضحى.\nوقد اختلف الناس فيها.\nوفي استحباب المداومةِ عليها وفي الترغيبِ فيها أحاديث صحيحة (^٢).\n_________\n(^١) \"ا\": \"وضايف\".\n(^٢) من ذلك ما رواه الترمذي في السنن: أبواب الصلاة: ٣٤٦ باب ما جاء في صلاة الضحى ٢/ ٣٤٠ ح ٤٧٥ من رواية خالد بن معدان، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء وأبي ذر عن رسول الله - ﷺ - عن الله ﷿، أنه قال: \"ابن آدم اركع لي من أول النهار أربع ركعات أكفك آخره\".\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب. =","vol":"3","page":1298},{"text":"وورد الترغيب أيضًا في الصلاة عقيب زوال الشمس (^١).\n• وأما الذكر باللسان، فمشروع في جميع الأوقات، ويتأكد في بعضها.\nفمما يتأكد فيه الذكر؛ عقيبَ الصلوات المفروضات، وأن يذكر الله عقيبَ كل صلاة منها مائةَ مرة ما بين تسبيحٍ وتحميدٍ وتكبيرٍ وتهليلٍ.\nويستحب أيضًا الذكر بعد الصلاتين اللتين لا تطوع بعدهما، وهما الفجر، والعصر، فيشرع الذكرُ، بعد صلاة الفجر إلى أن تطلعَ الشمس، وبعد العصر حتى تغربَ الشمس.\nوهذان الوقتان - أعني: وقت الفجر، ووقت العصر - هما أفضلُ أوقات النهار للذكر.\n• ولهذا أمر الله تعالى بذكره فيهما في مواضع من القرآن كقوله: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (^٢) وقوله: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (^٣) وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (^٤) وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (^٥). وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ (^٦) وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (^٧) وقوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ (^٨) وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ (^٩).\n• وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (^١٠).\nوأفضل ما فُعِلَ في هذين الوقتين من الذكر، صلاةُ الفجر، وصلاةُ العصر، وهما\n_________\n= ومن طريق فضيل بن مرزوق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري قال:\n\"كان نبي الله - ﷺ - يصلي الضحى حتى نقول: لا يدع، ويدعها حتى نقول: لا يصلي\" ح ٤٧٧ في الباب نفسه.\nقال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب.\n(^١) كما روى الترمذي في الباب التالي للباب السابق ٣٤٦ ج ٢ ص ٣٤٢ - ٣٤٣ من حديث عبد الكريم الجزري، عن مجاهد، عن عبد الله بن السائب: أن رسول الله - ﷺ - كان يصلي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر، وقال: \"إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء، وأحب أن يصعد لي فيها عمل صالح\".\nقال أبو عيسى: حديث عبد الله بن السائب حديث حسن غريب.\n(^٢) سورة الأحزاب: ٤٢.\n(^٣) سورة الإنسان: ٢٥.\n(^٤) سورة آل عمران: ٤١.\n(^٥) سورة مريم: ١١.\n(^٦) سورة الروم: ١٧.\n(^٧) سورة غافر: ٥٥.\n(^٨) سورة الأعراف: ٢٠٥.\n(^٩) سورة طه: ١٣٠.\n(^١٠) سورة ق: ٣٩.","vol":"3","page":1299},{"text":"أفضل الصلوات.\n• وقد قيل في كل منهما: إنهما الصلاة الوسطى، وهما البَرْدَان اللذان من حافظ عليهما دخل الجنة (^١).\nويليهما من أوقات الذكر الليل.\n• ولهذا يذكر بعد هذين الوقتين في القرآن تسبيحُ الليل وصلاته.\nوالذكر المطلق يدخل فيه الصلاة، وتلاوة القرآن، وتعلّمه وتعليمه، والعلم النافع، كما يدخل فيه التسبيحُ والتكبيرُ والتهليل.\nومن أصحابنا من رَجَّحَ التلاوة على التسبيح ونحوه بعد الفجر والعصر.\n• وسئل الأوزاعي عن ذلك فقال: كان هديُهم ذكرَ الله، فإن قرأ فحسَنٌ.\nوظاهر هذا أن الذكر في هذا الوقت أفضل من التلاوة.\nوكذا قال إسحاق في التسبيح عقيب المكتوبات مائة مرة أنه أفضلُ من التلاوة حينئذ.\n• والأذكار والأدعية المأثورة عن النبي - ﷺ - في الصباح والمساء كثيرة جدًّا.\n• ويستحب أيضًا إحياءُ ما بين العِشاءين بالصلاة والذكر وقد تقدم حديث أنس: أنه نزل في ذلك قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ (^٢) ويستحب تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل، كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة، وهو مذهب الإمام أحمد وغيره، حتى تُفْعلَ هذه الصلاةُ في أفضل وقتها، وهو آخره، ويشتغل منتظر هذه الصلاة في الجماعة في هذا الثلث الأول من الليل بالصلاة أو بالذكر، وانتظار الصلاة في المسجد، ثم إذا صلى العشاء وصلى بعدها ما يتبعها من سنتها الراتبة أو أوتر بعد ذلك إن كان يريد أن يوتر قبل النوم؛ فإذا أوى إلى فراشه بعد ذلك للنوم، فإنه يستحب له أن لا ينام إلا على طهارة، وذكر، فيسبح ويحمد ويكبر (^٣) تمام مائة،\n_________\n(^١) إشارة إلى ما رواه مسلم في صحيحه ١/ ٤٤٠ ح ٢١٥ - (٦٣٥) من حديث أبي بكر عن أبيه أبي موسى أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من صلى البَرْدين دخل الجنة\" قال معلقه: أي من صلى صلاة الفجر والعصر، لأنهما في بردي النهار أي طرفيه حين يطيب الهواء وتذهب سورة الحر وقال في النهاية ١/ ١١٤: البرادان والأبردان: الغداة والعشي وقيل: ظلَّاهما: وقال في المعلم بفوائد مسلم، ١/ ٢٩٠ قيل: المراد بهما الصبح والعصر، قال يعقوب بن السكيت: البردان: الغداة والعشي وهما الأبردان والقرّتان والكرتان والعصران والصرعان والردفان والفتيان.\n(^٢) سورة السجدة: ١٦ وقد مضى الحديث في شرح الحديث التاسع والعشرين.\n(^٣) في \"ا\": \"ويكبر ويحمد\".","vol":"3","page":1300},{"text":"كما علّم النبي - ﷺ - فاطمة وعليًّا أن يفعلاه عند منامهما (^١)، ويأتي بما قدر عليه من الأذكار الواردة عن النبي - ﷺ - عند النوم، وهي أنواع متعددة، من تلاوة القرآن، وذكر الله، ثم ينام على ذلك، فإذا استيقظ من الليل وتقلب على فراشه، فليذكر الله كُلَّمَا تقلب.\n• وفي صحيح البخاري، عن عبادة عن النبي - ﷺ - قال: \"مَنْ تَعَارَّ من الليل فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: ربِّ! اغفر لي -أو قال: \"ثم دعا- استجيبَ له؛ فإن عزمَ فتوضأ ثم صلَّى، قُبِلَتْ صلاته\" (^٢).\n• وفي الترمذي، عن أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - قال: \"من أوى إلى فراشه طاهرًا يذكر الله حتى يدركه النعاس لم يتقلب ساعةً من الليل يسأل الله فيها شيئًا مِنْ خَيْرِ الدنيا والآخرة؛ إلا أعطاه إياه\" (^٣).\n• وخرجه أبو داود بمعناه من حديث معاذ (^٤).\nوخرجه النسائي (^٥) من حديث عمرو بن عبسة، وللإمام أحمد من حديث عمرو\n_________\n(^١) كما روى مسلم في صحيحه: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: ١٩ - باب التسبيح أول النهار وعند النوم ٤/ ٢٠٩١ ح ٨٠ - (٢٧٢٧) من حديث ابن أبي ليلى، عن علي، أن فاطمة اشتكت ما تلقى من الرحى في يدها، وأتى النبي - ﷺ - سبي، فانطلقت فلم تجده، ولقيت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي - ﷺ - أخبرته عائشة بمجيء فاطمة إليها، فجاء النبي - ﷺ - إلينا، وقد أخذنا مضاجعنا؛ فذهبنا نقوم، فقال النبي - ﷺ -: على مكانكما، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدمه على صدري، ثم قال: \"ألا أعلمكما خيرًا مما سألتما؟ إذأ أخذتما مضاجعكما: أن تكبرا الله أربعًا وثلاثين، وتسبحاه ثلاثًا وثلاثين، وتحمداه ثلاثًا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم\" وهو في البخاري ٣١١٣، ٣٧٠٥، ٥٣٦١، ٥٣٦٢، ٦٣١٨.\n(^٢) أخرجه البخاري في: ١٩ - باب التهجد: ٢١ - باب فضل من تعار من الليل فصلى ٣/ ٣٩ ح ١١٥٤، وانظر الفتح في هذا الموضع؛ ففيه روايات هذا الحديث في البخاري وغيره.\n(^٣) أخرجه الترمذي في ٤٩ - كتاب الدعوات: ٩٣ - باب حدثنا الحسن بن عرفة ٥/ ٥٤٠ ح ٣٥٢٦ وعقب عليه بقوله: هذا حديث حسن غريب.\nوفي م: \"لم تمض ساعة … خيري\" وفي المصرية: \"سأل\" وكلها مخالف لما في السنن وانظر النسخة الهندية ٤/ ٢٦٨.\n(^٤) أخرجه أبو داود في: ٣٥ - كتاب الأدب: ١٠٥ - باب النوم على طهارة (٥/ ٢٩٦ - ٢٩٧) ح ٥٠٤٢ من رواية عاصم بن بهدلة، عن شهر بن حوشب، عن أبي ظبية، عن معاذ بن جبل، عن النبي - ﷺ - قال: \"ما من مسلم يبيت على ذكر طاهرًا فيتعار من الليل، فيسأل الله خيرًا من الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه\". وهو في صحيح سنن أبي داود ٣/ ٩٥١ ح ٤٢١٦.\n(^٥) في عمل اليوم والليلة ح ٨٠٨ و٨٠٩ من وجوه بنحوه.","vol":"3","page":1301},{"text":"ابن عبسة في هذا الحديث: \"وكان أول ما يقول إذا استيقظ: سبحانك لا إله إلا أنت، فاغفر لي إلا انسلخ من خطاياه، كما تنسلخ الحية من جلدها\" (^١).\nوثبت أنه - ﷺ - كان إذا استيقظَ من مَنامِهِ يقول: \"الحمدُ لله الذي أَحْيَاني بَعْدَ مَا أمَاتني وإليْهِ النشور\" (^٢).\nثم إذا قام إلى الوضوء والتهجد أتى بذلك كله على ما ورد عن النبي - ﷺ -، ويختم تهجده بالاستغفار في السحر، كما مدح الله المستغفرين بالأسحار.\nوإذا طلع الفجر، صلى ركعتي الفجر، ثم صلى الفجر، ويشتغل بعد صلاة الفجر بالذكر المأثور، إلى أن تطلع الشمس على ما تقدم ذكره.\nفمن كان حالُه على ما ذكرنا، لم يزل لسانُه رَطْبًا بذكر الله فيستصحب الذكر في يقظته، حتى ينام عليه ثم يبدأ به عند استيقاظه، وذلك من دلائل صدق المحبة كما قال بعضهم:\nوآخر شيء أنت في كل هجْعةٍ … وأول شيء أنت وقت هُبُوبي\n• وأما ما يفعله الإنسان في آناء الليل والنهار (^٣) من مصالح بدنه ودنْياه (^٤)، فعامة ذلك يشرع ذكر اسم الله عليه، فيشرع له ذكر اسم الله وحمده على أكله، وشربه، ولباسه، وجِماعه لأهله، ودخولِه منزله، وخروجه منه، ودخوله الخلاءَ، وخروجه منه، وركوبه دابّته، ويسمي على ما يذبحه من نسك وغيره.\n• ويشرع له حمدُ الله على عُطاسه، وعند رؤية أهل البلاء في الدين أو الدنيا، وعند التقاء الإخوان وسؤال بعضهم بعضًا عن حاله، وعند تجدد ما يحبه الإنسان من النعم، واندفاع ما يكرهه من النقم، وأكمل من ذلك أن يحمد الله على السراء والضراء، والشدةِ والرخاء، ويحمدَه على كل حال.\n• ويُشرع له دعاء الله عند دخول السوق، وعند سماع أصوات الدِّيكَة بالليل، وعند سماع الرعد، وعند نزول المطر، وعند اشتداد هبوب الرياح، وعند رؤية الأهلة،\n_________\n(^١) الذي في المسند ٤/ ١١٣ من حديث عمرو بن عبسة بنحو ما عند النسائي.\n(^٢) أخرجه النسائي في عمل اليوم ح ٨٥٦، ٨٥٧، ٨٥٨، ٨٥٩، ٨٦٠ بتمامه ومختصرًا من حديث حذيفة، ومن وجوه عديدة. وهو عند البخاري في الدعوات والتوحيد ح ٦٣١٢، ٦٣١٤، ٦٣٢٤، ٧٣٩٤ من حديث حذيفة و٧٣٩٥ من حديث أبي ذر وعند مسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار ح ٢٧١١ من حديث البراء بن عازب.\n(^٣) م: \"وأطراف النهار\".\n(^٤) م: \"دينه وبدنه ودنياه\".","vol":"3","page":1302},{"text":"وعند رؤية باكورة الثمار.\n• ويشرع أيضًا ذكر الله ودعاؤه عند نزول الكرْب، وحدوث المصائب الدنيوية، وعند الخروج للسفر، وعند نزول المنازل في السفر، وعند الرجوع من السفر، ويشرع التعوذ بالله عند الغضب، وعند رؤية ما يكره في منامه، وعند سماع أصوات الكلاب والحمير بالليل، ويشرع استخارة الله عند العزم على ما لا تظهر (^١) الخِيَرَةُ فيه، وتجب التوبة إلى الله، والاستغفارُ من الذنوب كُلِّها صغيرِها وكبيرِها كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ (^٢) فمن حافظ على ذلك لم يزل لسانه رطبًا بذكر الله في كل أحواله.\n* * *\n[جوامع الكلم حتى في الذكر]:\n(فصل) قد ذكرنا في أول الكتاب أن النبي - ﷺ - بعث (^٣) بجوامع الكلم فكان - ﷺ - يعجبه جوامع الذكر، ويختاره على غيره من الذكر، كما في صحيح مسلم، عن ابن عباس، عن جويرية بنت الحارث، أن النبي - ﷺ - خرج من عندها بُكْرةً حين صلَّى الصّبح، وهي في مَسْجدها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة فقال: \"ما زلت على الحال التي فارقتك عليها؟ \" قالت: نعم فقال النبي: \"لقد قلتُ بعدكِ أربعَ كلمات ثلاث مرات لو وزِنَتْ بما قُلْتِ منذُ اليوم لوزَنَتْهن: سبحان الله وبحمده عدَدَ خلِقهِ، ورضا نفسِه، وزنة عَرْشِه، ومدادَ كلماته\" (^٤).\n• وخرجه النسائي (^٥) ولفظه: \"سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله\n_________\n(^١) م: \"على ما تظهر\".\n(^٢) سورة آل عمران: ١٣٥.\n(^٣) م: \"قد بعث\".\n(^٤) أخرجه مسلم في: ٤٨ - كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار: ١٩ - باب التسبيح أول النهار وعند النوم ٤/ ٢٠٩٠ ح ٧٩ - (٢٧٢٦).\n(^٥) أخرجه النسائي في السنن: ١٣ - كتاب السهو: ٩٤ - باب نوع آخر من عدد التسبيح ٣/ ٧٧ ح ١٣٥٢، من حديث كريب، عن ابن عباس، عن جويرية بنت الحارث: أن النبي - ﷺ - مر عليها وهي في المسجد تدعو، ثم مر بها قريبًا من نصف النهار، فقال لها: ما زلت على حالك؟ قالت: نعم، قال: ألا أعلمك يعني كلمات تقولينهن؟ سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته، سبحان الله مداد كلماته، سبحان الله مداد كلماته، وأخرجه في عمل اليوم والليلة ص ٦٩، ٧١ ح ١٦١ - ١٦٥ من وجوه عدة، بدون تكرار، وبعضها بالنص المذكور وبعضها بنحوه.","vol":"3","page":1303},{"text":"أكبر، عدَدَ خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته\".\n• وخرج أبو داود، والترمذي، والنسائي (^١) من حديث سعد بن أبي وقاص أنه دَخَلَ مع النبي - ﷺ - على امرأة وبين يَديْها نواةٌ أو قال حصاةٌ تسبحُ به، فقال: \"ألا أُخبركِ بما هو أيسر من هذا أو أفضل؟ سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحانَ الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحانَ الله عَدَد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر، مثلَ ذلك، والحمد لله، مثلَ ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك\".\n• وخرج الترمذي من حديث صفية قالت: دخل عليّ رسول الله - ﷺ - وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح الله بها فقال: لقد سبَّحتِ بهذه فقال: ألا أعلمك بأكثر مما سبحت به؟ فقلت: علمني، فقال: \"قولي سُبْحَانَ الله عَدَد خَلْقِه\" (^٢).\n• وخرج النسائي وابن حبان في صحيحه من حديث أبي أمامة: أن النبي مر به وهو يحرك شفتيه فقال: ماذا تقول؟ يا أبا أمامة! قال: أذكرُ رَبِّي، قال: ألا أُخبرك بأكثَر وأفضلُ مِنْ ذِكْرِكَ الليلَ مع النّهارِ والنَّهارَ مع الليل؟ أن تقول: سبحانَ الله عدَدَ ما خلقَ، سبحان الله مِلء ما خَلَقَ، سبحان الله عدد ما في الأرض والسماء، وسبحان الله ملء ما في الأرض والسماء، وسبحان الله عدد ما أحصى كتابه، وسبحان الله ملء ما أحصى كتابه، وسُبْحَانَ الله عددَ كلِّ شيء، وسبحانَ الله ملء كلِّ شيء، وتقول: الحمد لله مثلَ ذلك (^٣).\n_________\n(^١) أبو داود في السنن: في كتاب الصلاة: ٣٥٩ - باب التسبيح بالحصى ٢/ ١٦٩ - ١٧٠ ح ١٥٠٠ بنحوه وفيه: فقال: \"أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل؟ … \". والترمذي في السنن: ٤٩ - كتاب الدعوات: ١١٤ - باب في دعاء النبي - ﷺ - وتعوذه دبر كل صلاة (٥/ ٥٦٢ - ٥٦٣) ح ٦٥٦٨ بنحوه، وفيه: نوى أو قال: حصى تسبح به فقال: \"ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا؟ … \". وعقب عليه بقوله: وهذا حديث حسن غريب من حديث سعد.\nوهو في ضعيف أبي داود ص ١٤٧ ح ٣٢٣. وقوله: \"به\" ليست في أ.\nوأخرجه النسائي في اليوم والليلة على ما ذكر المزي في التحفة ٣/ ٣٢٥.\n(^٢) أخرجه الترمذي في: ٤٩ - كتاب الدعوات: ١٠٤ - باب حدثنا موسى بن عبد الرحمن ٥/ ٥٥٥ ح ٣٥٥٤ من رواية هاشم بن سعيد الكوفي، عن كنانة مولى صفية عن صفية ﵂ .. فذكره وفيه: ألا أعلمك بأكثر مما سبحت؟ فقلت .. الحديث.\nوعقب عليه بقوله: هذا حديث غريب لا نعرفه من حديث صفية إلا من هذا الوجه، من حديث هاشم بن سعيد الكوفي، وليس إسناده بمعروف.\nوفي الباب عن ابن عباس.\n(^٣) أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة ص ٧١ - ح ١٦٦ بنحوه باختصار وزيادة. =","vol":"3","page":1304},{"text":"• وخرج البزار نحوه من حديث أبي الدرداء (^١).\nوخرج أبن أبي الدنيا بإسناد له، أن النبي - ﷺ - قال لمعاذ: يا معاذ! كم تذكر ربّك كلّ يوم؟ تذكره كلَّ يوم عشرة آلاف مرة قال: كل ذلك أفعل؟! قال؛ أفلا أدلك على كلمات هن أهون عليك من عشرة آلاف، وعشرة آلاف؟ أن تقول: لا إله إلا الله عدد ما أحصاه [علمه] لا إله إلا الله عدد كلماته، لا إله إلا الله عدَدَ خلقه، لا إله إلا الله زِنَة عَرْشِهِ، لا إله إلا الله ملء سمواته، لا إله إلا الله ملءَ أرضه، لا إله إلا الله مثلَ ذلك معه، والله أكبر مثل ذلك معه، والحمد لله مثلَ ذلك معه (^٢).\n• وبإسناده أن ابن مسعود ذكر له امرأة تسبح بخيوط معقدة فقال: ألا أدلكِ على ما هو خَيْرٌ لك منه؟ سبحانَ الله ملءَ البر والبَحْرِ، سبحان الله ملءَ السمواتِ والأَرَضِ، سبحان الله عددَ خَلْقِه، سبحان الله رضا نفسه، فإذا أنت قد ملأت البر والبحر والسماء والأرض.\n• وبإسناده عن المعتمر بن سليمان التيمي (^٣) قال: كان أبي يحدث خمسة أحاديث، ثم يقول: أمهلوا؛ سبحان الله، والحمدُ لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله عَدَد ما خلق وزنة ما خلق، وعدَد ما هو خالق، وزنةَ ما هو خالق، وملء ما خلق، وملء ما هو خالق، وملء سمواته، وملء أرضه، ومثْل ذلك وأضعافَ ذلك، وعدَد خلقهِ، وزنة عَرْشه، ومُنْتَهى رحمته، ومدادَ كلماته، ومبلَغَ رضاه، وحتى يرضى، وإذا رضي، وعددَ ما ذَكَرهُ به خَلقهُ في جميع ما مضى، وعدد ما هم ذاكروه (^٤) فيما بقي في كل سنة، وشهر، وجمعة، ويوم، وليلة، وساعةٍ من الساعات، وتنسُّم وتنفس من أبدٍ (^٥) إلى الأبد، أبد الدنيا والآخرة أمَدٌ (^٦) من ذلك لا ينقطع أولاه، ولا ينفد أخراه.\n_________\n= وابن حبان في الصحيح ٢/ ٩٨ من الإحسان ح ٨٢٧ بنحوه وليس فيه: \"وسبحان الله ملء ما أحصى كتابه\" كما أن هذه الجملة ليست عند النسائي في الموضع المذكور.\n(^١) راجع مختصر زوائد البزار ٢/ ٤٠٢ - ٤٠٣ والمجمع ١٠/ ٩٦ - ٩٧.\n(^٢) وأخرجه الدولابي في الكنى ١/ ٣٩ من رواية إبراهيم بن يعقوب، عن مسلم بن إبراهيم، عن واصل بن مرزوق، عن رجل من بني مخزوم يكنى أبا شبل، عن جده وكان من أصحاب النبي - ﷺ - أن النبي - ﷺ - قال لمعاذ بن جبل … فذكره. وما بين المعكوفين ليس في أ.\nوفي آخره: \"لا يحصي محصٍ: ملك ولا غيره\" وليس فيه \"لا إله إلا الله مثل ذلك معه\".\n(^٣) ليست في \"ا\".\n(^٤) م: \"ذاكرونه\" وفيها خطأ نحوي واضح.\n(^٥) م: \"الأبد\".\n(^٦) م: \"أبدًا\".","vol":"3","page":1305},{"text":"• وبإسناده عن المعتمر بن سلَيمانَ قال: رأيتُ عبدَ الملك بنَ خالد بعد موته فقلت: ما صنعت؟ قال: خيرًا، فقلتُ: ترجو للخاطئ شيئًا؟ قال: يلتمس عِلْم تسبيحات أبي المعْتَمِر، نِعمَ الشيء.\nقال ابن أبي الدنيا: وحدثني محمد بن الحسين (^١)، حدّثني بعضُ البصريين، أن يُونس بنَ عُبيد رأَى رجُلًا (^٢) فيما يرى النائم كان قد أصيب ببلاد الروم، فقال: ما أفضلُ ما رأيتَ ثَمَّ منَ الأعمال؟ قال: رأيتُ تسبيحات أبي المعتمر من الله بمكان.\nوكذلك (^٣) كان - ﷺ - يعجبه من الدعاء جوامعه:\n• ففي سنن أبي داود عن عائشة قالت: كان النبي - ﷺ - يعجبه الجوامع من الدعاء، ويدع ما بين ذلك (^٤).\n• وخرج الفريابي وغيره من حديث عائشة ﵂ أيضًا أن النبي - ﷺ - قال لها: \"يا عائشة! عليك بجوامع الدعاء، اللهم! إني أسألكَ من الخير كله عاجله وآجله: ما علمت منه وما لم أعلم: وأعوذ بك من الشر كلِّه عاجله وآجله: ما علمتُ منه، وما لم أعلم، اللهم! إني أسألك من خير ما سألكَ منه محمدٌ عبدُك ونبيك، وأعوذ بك من شرِّ ما عاذَ منه عبدُك ونبيك، اللهم! إني أسألك الجنة وما قربَ إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النَّار ومَا قرَّبَ إليها من قولٍ وعَمَلٍ، وأسألك ما قضيتَ لي من قضاء أن تجعلَ عاقبته رشدًا\".\n• وخرجه الإمام أحمد وابنُ ماجه وابنُ حبان في صحيحه والحاكم، وليس عندهم\n_________\n(^١) م: \"أبي الحسين\".\n(^٢) م: \"رآه رجل\".\n(^٣) \"ا\": \"ولذلك\".\n(^٤) أخرجه أبو داود في السنن: كتاب الصلاة: ٣٥٨ - باب الدعاء ٢/ ١٦٢ - ١٦٣ ح ١٤٨٢ من حديث الأسود عن عائشة ﵂ قالت:\n\"كان رسول الله - ﷺ - يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك\".\nفقد أورده ابن رجب بالمعنى.\nوقد ذكر الصديقي في عون المعبود ١/ ٥٥٢ أن هذا الحديث سكت عنه المنذري.\nأقول: وسكت عنه أبو داود؛ فهو حسن.\nوذكر محقق أبي داود عن هذا الحديث بهامش المنذري أنه حديث حسن.\nوهو إذًا استنتاج من سكوت المنذري وأبي داود معًا، قيد على الهامش من قارئ النسخة ودارسها وانظره في صحيح أبي داود ١/ ٢٧٨ ح ١٣١٥ وقد صححه الشيخ.","vol":"3","page":1306},{"text":"ذكر جوامع الدعاء (^١).\n• وعند الحاكم: عليك بالكوامل وذكره.\n• وخرجه أبو بكر الأثرم وعنده: أن النبي - ﷺ - قال لها: ما منعك أن تأخذي بجوامع الكلم وفواتحه؟ وذكر هذا الدعاء.\n• وخرج الترمذي من حديث أبي أمامة (^٢) قال: دعا رسول الله - ﷺ - بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئًا، فقلنا: يا رسول الله! دعوتَ بدعاء كثير لم نحفظ منه شيئًا، فقال: ألا أدلكم على ما يجمعُ ذلك كلَّه؟ تقول: اللهم إنا نسألك من خير ما سألك منه نبيك محمد - ﷺ -، ونعوذُ بك من شر ما استعاذَ منه نبيُّكَ محمدٌ - ﷺ -، وأنت المستعانُ، وعليك البلاغُ، ولا حَول ولا قوة إلا بالله.\n_________\n(^١) مسند أحمد ٦/ ١٤٧ (الحلبي) من رواية محمد بن جعفر عن شعبة، عن جبر بن حبيب، عن أم كلثوم، عن عائشة، أنَّ أبا بكر دخل على رسول الله - ﷺ - فأراد أن يكلمه، وعائشة تصلي فقال لها رسول الله - ﷺ -: عليك بالكوامل، أو كلمة أخرى؛ فلما انصرفت عائشة، سألته عن ذلك فقال لها: قولي اللهم .. فذكره بنحوه وبتقديم وتأخير.\nوأورده عقبه من حديث عبد الصمد، عن شعبة -به- أن رسول الله - ﷺ - قال لعائشة: عليك بالجوامع الكوامل … فذكره؛ فكيف قال ابن رجب: وليس عندهم ذكر جوامع الدعاء؟ وأخرجه ابن ماجه في: ٣٤ - كتاب الدعاء: ٤ - باب الجوامع من الدعاء (٢/ ١٢٦٤) ح ٣٨٤٦ من رواية أبي بكر بن أبي شيبة، عن عفان، عن حماد بن سلمة، عن جبر بن حبيب -به-.\nوليس فيه ذكر الجوامع من الدعاء.\nوأورده البوصيري في الزوائد ٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩ وقال: هذا إسناد فيه مقال؛ أم كلثوم هذه لم أر من تكلم فيها، وعدها جماعة من الصحابة وفيه نظر؛ لأنها ولدت بُعيد موت أبي بكر، وباقي رجال الإسناد ثقات، ثم ذكر رواية أبي داود الطيالسي وابن حبان للحديث؛ وكأنه يريد أن يستأنس لصحة الحديث أو حسنه برواية ابن حبان له؛ سيما وهو يرويه من حديث حماد بن سلمة عن الجريري، عن أم كلثوم -به-.\nوهو عند ابن حبان في: كتاب الرقاق: باب: الأدعية: ذكر الأمر للمرء أن يسأل ربه جل وعلا جوامع الخير، ويتعوذ به من جوامع الشر ٢/ ١١٥ ح ٨٦٦ بنحوه.\nوأخرجه الحاكم في المستدرك ١/ ٥٢١ - ٥٢٢ من رواية أحمد بن جعفر القطيعي، عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه، عن محمد بن جعفر -به- أن أبا بكر الصديق ﵁ دخل على رسول الله - ﷺ - فكلمه في شيء يخفيه عن عائشة، وعائشة تصلي، فقال النبي - ﷺ -: يا عائشة! عليك بالكوامل أو كلمة أخرى … الحديث بنحوه.\nوقد صححه على شرط الشيخين وأقره الذهبي.\n(^٢) أخرجه الترمذي في ٤٩ - كتاب الدعوات: ٨٩ - باب حدثنا محمد بن حاتم ٥/ ٥٣٧ - ٥٣٨ ح ٣٥٢١ بمثله وعقب عليه بقوله:\nهذا حديث حسن غريب.\nوفي م: \"تقولون\" وهو تحريف.","vol":"3","page":1307},{"text":"• وخرج الطبراني وغيره من حديث أم سلمة أن النبي - ﷺ - كان يقول: في دعاءٍ له طويل: اللَّهم! إني أسألكَ فواتحَ الخير وخواتِمَهُ، وَجَوَامِعَه، وأولهَ وآخره، وظاهِرَه، وَباطنِه (^١).\n• وفي المسند أن سعد بنَ أبي وقاص سمع ابنًا له يدعو ويقول: اللهم! إني أسألك (^٢) الجنة ونعيمَها وإستبرقها ونحوًا من هذا، وأعوذُ بكَ من النار وسَلاسِلها وأغلالِها، فقالت: لقد سألتَ اللهَ خيرًا كثيرًا وتعوذتَ بالله من شر كثير، وإني سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: \"إنه سيكون قومٌ يعتدون في الدعاء وقرأ هذه الآية ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (^٣) وإن حسبك (^٤) أن تقول: اللهم! إني أَسْأَلُكَ الجنة وما قَرَّب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قَرَّبَ إليها من قول وعمل\" (^٥).\n• وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال: كنّا نقولُ في الصلاة خلفَ رسول الله\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني في الكبير ٢٣/ ٣١٦ - ٣١٧ ح ٧١٧ ضمن حديث طويل عن أم سلمة أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو بهؤلاء الكلمات: \"اللهم أنت الأول لا شيء قبلك، وأنت الآخر لا شيء بعدك، أعوذ بك من كل دابة ناصيتها بيدك، وأعوذ بك من الإثم والكسل، ومن عذاب النار ومن عذاب القبر، ومن فتنة الغنى، وفتنة الفقر، وأعوذ بك من المأثم والمغرم، اللهم نقِّ قلبي من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، اللهم بعِّد بيني وبين خطيئتي كما بعَّدت بين المشرق والمغرب، هذا ما سأل محمد ربه؛ اللهم إني أسألك خير المسألة، وخير الدعاء، وخير النجاح، وخير العمل، وخير الثواب، وخير الحياة، وخير الممات، وثبتني وثقل موازيني، وأحق إيماني، وارفع درجتي، وتقبل صلاتي، واغفر خطيئتي، وأسألك الدرجات العلى من الجنة آمين. اللّهم! إني أسألك فواتح الخير، وخواتمه، وجوامعه، وأوله، وآخره، وظاهره وباطنه، والدرجات العلى من الجنة، آمين، اللهم! ونجني من النار، ومغفرة بالليل والنهار، والمنزل الصالح من الجنة آمين. اللهم! إني أسألك خلاصًا من النار سالمًا، وأدخلني الجنة آمنًا، اللهم! إني أسألك أن تبارك لي في نفسي، وفي سمعي، وفي بصري، وفي روحي، وفي خلقي، وفي خليقتي وأهلي، وفي محياي وفي مماتي، اللهم! وتقبل حسناتي، وأسألك الدرجات العلى من الجنة آمين.\nورواه مختصرًا في الجزء نفسه رقم ٨٢٥.\nوقد أورده الهيثمي في المجمع ١٠/ ١٧٦ - ١٧٧ عن الطبراني في الكبير والأوسط وقال: أحد إسنادي الكبير، والسياق له رجال الأوسط ثقات.\nورواه الحاكم في المستدرك ١/ ٥٢٠ وصححه على شرط الشيخين، وأقره الذهبي.\nوأورده الغزالي في الإحياء ٥/ ٨٠ من الإتحاف، وذكر الزبيدي قول العراقي: فيه عاصم بن عبيد لا أعلمه روى عنه إلا موسى بن عقبة ثم ذكر رواية الحاكم له وتصحيحه.\n(^٢) في \"ا\": يدعو يقول: \"اللهم أسألك … \".\n(^٣) سورة الأعراف: ٥٥.\n(^٤) \"ا\" \"بحسبك\" وهو مخالف لما في المسند.\n(^٥) أخرجه أحمد في المسند ٣/ ٤٧، ٨٩ ح ١٤٨٣، ١٥٨٤ (المعارف) بإسناد ضعيف في الموضعين كما ذكر محققه للجهالة براوٍ في الموضع الأول؛ هو مولى سعد بن أبي وقاص، وراو آخر في الموضع الثاني؛ هو ابن سعد. والإسناد الأول من رواية عبد الرحمن بن مهدي، عن شعبة، عن زياد بن مخراق، قال: سمعت أبا عباية، عن مولى لسعد أن سعدا سمع ابنًا له يدعو ويقول … فذكره. =","vol":"3","page":1308},{"text":"- ﷺ -: السلامُ على الله، السلام على جبريل، وميكائيل، السلام، على فلان وفلان، فقال لنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم: إن الله هو السلامُ، فإذا قعدَ أحدكم في الصلاة فليقل: التحياتُ لله والصلواتُ والطيباتُ (^١) السلامُ عليكَ أيها النبي ورحمةُ الله وبركاتهُ، السلام علينا، وعلى عباد الله الصالحين، فإذا قالها أصابت كلَّ عبدٍ صالح في السماء والأرض: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ثم يتخير من المسألة ما شاء (^٢).\nوفي المسند عن ابن مسعود ﵁ قال: إن رسول الله - ﷺ - عُلِّم فواتح (^٣) الخير أو جوامع الخير وفواتحه وخواتمه؛ وإن كنا لا ندري ما نقول في صلاتنا حتى علَّمنا فقال: قولوا التحيات لله؛ فذكره إلى آخره (^٤). والله أعلم. [وأحكم وصلى الله على خير خلقه محمد - ﷺ -] (^٥).\n_________\n= أما في الموضع الثاني؛ فهو من رواية أبي النصر، ومحمد بن جعفر، عن شعبة، عن زياد بن مخراق، عن قيس بن عباية، عن مولى لسعد، عن ابنٍ لسعد؛ أنه كان يصلي فكان يقول في دعائه .... فذكره.\n(^١) م: \"والطيبات لله\" وهو مخالف لما في أ، والصحيحين.\n(^٢) أخرجه البخاري في صحيحه: ١٠ - كتاب الأذان: ١٤٨ - باب التشهد في الآخرة ٢/ ٣١١ ح ٨٣١ وأطرافه في أحاديث: ٨٣٥، ١٢٠٢، ٦٢٣٠، ٦٢٦٥، ٦٣٢٨، ٧٣٨١ وأخرجه مسلم في: ٤ - كتاب الصلاة: ١٦ - باب التشهد في الصلاة ١/ ٣٠١ - ٣٠٢ ح ٥٥ - (٤٠٢) وفي م: \"ليتخير\" وهو مخالف لما في الأصول.\n(^٣) م: \"مفاتح\" وهو مخالف لما في الأصول.\n(^٤) أخرجه أحمد بتمامه في المسند ٥/ ٣٣٦ (المعارف) ح ٣٨٧٧ وأطرافه في ٣٥٦٢، ٣٦٢٢، ٣٧٣٨. بإسناد صحيح كما ذكر محققه الشيخ أحمد شاكر.\n(^٥) بعد هذا في \"ا\":\nوهذا آخر ما وقف عليه المصنف نفع الله به، وفسح في علمه، وأمتع بطول بقائه، علق ذلك لنفسه ولمن يشاء الله تعالى من بعده: العبد الفقير إلى الله تعالى، المقصر في شأنه، المعترف بذنبه. عبد القادر بن محمد بن علي الحجار الحنبلى مذهبًا المدني مولدًا؛ من خط مؤلفه.\nوكان فراغه منه ضحى يوم الثلاثاء خامس شهر جمادى الأولى من سنة تسعين وسبعمائة بالمدرسة الصدرية بدمشق المحروسة، نفع الله بذلك كاتبه وقارئه والسامع له ومن دعا لهم بالمغفرة. آمين والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا [توثيق المؤلف].\nقابلت: على هذا الكتاب من جمعي وتأليفي وهو شرح الأربعين النووية مع ما أضيف إليها: كاتبها الشيخ العالم القدوة لصالح العلامة بقية السلف: محيي الدين أبو محمد عبد القادر بن محمد بن علي بن الحجار المدني الحنبلي نفعه الله ونفع به وقابل بنسخته على أصلي وأصلي بيدي أنظر إليه.\nصحت على النسخة … العلّامة وأجزت له روايته عني مع رواية ما حرر من أصوله.\nيوم الثلاثاء ثاني عشر جمادى الأولى سنة تسعين وسبعمائة بدار الحديث السكرية بالقصاعين بدمشق المحروسة … وكتبه عبد الرحمن بن أحمد بن رجب الحنبلي عفا الله عنه، ورفق به، والحمد لله وحده وصلى الله على محمد عبده ورسوله النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.","vol":"3","page":1309}]}