{"ً":{"ٌ":10463,"ٍ":"تفسير ابن رجب الحنبلي","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"التفاسير/روائع التفسير  تفسير ابن رجب الحنبلي - ت عوض الله - ط العاصمة 1-2","files":["00_57554.pdf|الغلاف","01_57554.pdf","02_57555.pdf"]},"ّ":"الكتاب: روائع التفسير (الجامع لتفسير الإمام ابن رجب الحنبلي)\nالمؤلف: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (ت ٧٩٥هـ)\nجمع وترتيب: أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد\nالناشر: دار العاصمة - المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى ١٤٢٢ - ٢٠٠١ م\nعدد الأجزاء: ٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":184,"ٕ":3,"ٖ":1770154087,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1","2"],"ٚ":[{"title":"مقدمة في فضائل القرآن","level":1,"page":2},{"title":"المعوذتان:","level":2,"page":19},{"title":"سورة الفاتحة","level":1,"page":44},{"title":"(بسم الله الرحمن الرحيم (١) الحمد لله رب العالمين (٢) الرحمن الرحيم (٣) مالك يوم الدين (٤) إياك نعبد وإياك نستعين (٥) اهدنا الصراط المستقيم (٦)","level":2,"page":44},{"title":"سورة البقرة","level":1,"page":70},{"title":"قوله تعالى: (أو كصيب من السماء)","level":2,"page":70},{"title":"قوله تعالى: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين (٢٤)","level":2,"page":74},{"title":"قوله تعالى: (ولهم فيها أزواج مطهرة)","level":2,"page":80},{"title":"قوله تعالى: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (٨١)","level":2,"page":81},{"title":"قوله تعالى: (قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (٩٤)","level":2,"page":82},{"title":"قوله تعالى: (ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون (١٠٢)","level":2,"page":83},{"title":"قوله تعالى: (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى)","level":2,"page":86},{"title":"قوله تعالى: (وما كان الله ليضيع إيمانكم)","level":2,"page":92},{"title":"قوله تعالى: (فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون (١٥٢)","level":2,"page":105},{"title":"قوله تعالى: (وبشر الصابرين (١٥٥) الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون (١٥٦) أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون (١٥٧)","level":2,"page":108},{"title":"قوله تعالى: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى","level":2,"page":110},{"title":"قوله تعالى: (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون (١٨٥)","level":2,"page":112},{"title":"قوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون (١٨٦)","level":2,"page":114},{"title":"قوله تعالى: (فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم)","level":2,"page":119},{"title":"قوله تعالى: (تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون (١٨٧)","level":2,"page":120},{"title":"قوله تعالى: (وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين (١٩٥) وأتموا الحج والعمرة لله) .","level":2,"page":122},{"title":"وقال الله تعالى: (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج)","level":2,"page":123},{"title":"قوله تعالى: (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)","level":2,"page":125},{"title":"قوله تعالى: (واستغفروا الله إن الله غفور رحيم (١٩٩)","level":2,"page":126},{"title":"قوله تعالى: (واذكروا الله في أيام معدودات)","level":2,"page":130},{"title":"قوله تعالى: (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب","level":2,"page":143},{"title":"قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم)","level":2,"page":149},{"title":"قوله تعالى: (ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر)","level":2,"page":154},{"title":"قوله تعالى: (فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه)","level":2,"page":156},{"title":"قال تعالى: (لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده)","level":2,"page":157},{"title":"قوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين)","level":2,"page":158},{"title":"قوله تعالى: (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون (٢٣٩)","level":2,"page":162},{"title":"قوله تعالى: (ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين (٢٥١)","level":2,"page":168},{"title":"قوله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن ج","level":2,"page":168},{"title":"قوله تعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير (٢٧١)","level":2,"page":169},{"title":"قوله تعالى: (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا","level":2,"page":172},{"title":"قوله تعالى: (لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء","level":2,"page":176},{"title":"سورة آل عمران","level":1,"page":177},{"title":"قوله تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام)","level":2,"page":177},{"title":"قوله تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم (٣١)","level":2,"page":177},{"title":"قوله تعالى: (إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم (٣٥)","level":2,"page":181},{"title":"قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله)","level":2,"page":183},{"title":"قوله تعالى: (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين (١٣٣)","level":2,"page":184},{"title":"قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر","level":2,"page":197},{"title":"قوله تعالى: (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (١٦٤)","level":2,"page":199},{"title":"قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون (١٦٩) فرحين بما آتاهم الله من فضله","level":2,"page":202},{"title":"قوله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل (١٧٣)","level":2,"page":248},{"title":"قوله تعالى: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (١٨٨)","level":2,"page":249},{"title":"سورة النساء","level":1,"page":256},{"title":"قوله تعالى: (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (٣)","level":2,"page":256},{"title":"قوله تعالى: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا (٩)","level":2,"page":257},{"title":"قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف","level":2,"page":257},{"title":"قوله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (١٧)","level":2,"page":274},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما (٢٩)","level":2,"page":297},{"title":"قوله تعالى: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما (٣١)","level":2,"page":304},{"title":"قوله تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله","level":2,"page":310},{"title":"قوله تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى","level":2,"page":310},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا","level":2,"page":314},{"title":"قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما (٤٨)","level":2,"page":316},{"title":"قوله تعالى: (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما (٥٦)","level":2,"page":318},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خ","level":2,"page":319},{"title":"قوله تعالى: (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة","level":2,"page":320},{"title":"قوله تعالى: (وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا (١٠١)","level":2,"page":321},{"title":"قوله تعالى: (فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا (١٠٣)","level":2,"page":333},{"title":"قوله تعالى: (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما (١١٤)","level":2,"page":335},{"title":"قوله تعالى: (ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا (١٢٣)","level":2,"page":336},{"title":"قوله تعالى: (وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا (١٣١)","level":2,"page":337},{"title":"قوله تعالى: (إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (١٤٥)","level":2,"page":345},{"title":"قوله تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم وكان الله سميعا عليما (١٤٨)","level":2,"page":352},{"title":"قوله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان م","level":2,"page":353},{"title":"سورة المائدة","level":1,"page":358},{"title":"قوله تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب (٢)","level":2,"page":358},{"title":"قوله تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)","level":2,"page":360},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين","level":2,"page":372},{"title":"قوله تعالى: (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم","level":2,"page":395},{"title":"قوله تعالى: (يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين (١٥)","level":2,"page":398},{"title":"قوله تعالى: (إنما يتقبل الله من المتقين)","level":2,"page":400},{"title":"قوله تعالى: (من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)","level":2,"page":402},{"title":"قوله تعالى: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)","level":2,"page":402},{"title":"قوله تعالى: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له","level":2,"page":408},{"title":"قوله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا)","level":2,"page":411},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه","level":2,"page":412},{"title":"قوله تعالى: (وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون (٥٨)","level":2,"page":418},{"title":"قوله تعالى: (إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (٩٠)","level":2,"page":422},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم (١٠١)","level":2,"page":424},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون (١٠٥)","level":2,"page":438},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الم","level":2,"page":440},{"title":"سورة الأنعام","level":1,"page":443},{"title":"قوله تعالى: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبي","level":2,"page":443},{"title":"قوله تعالى: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون (٨٢)","level":2,"page":447},{"title":"قوله تعالى: (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم","level":2,"page":450},{"title":"قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون (١٦٠)","level":2,"page":451},{"title":"سورة الأعراف","level":1,"page":454},{"title":"قوله تعالى: (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين (٣١)","level":2,"page":454},{"title":"قوله تعالى: (لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين (٤١)","level":2,"page":458},{"title":"قوله تعالى: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين (٤٤","level":2,"page":460},{"title":"قوله تعالى: (قد افترينا على الله كذبا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها)","level":2,"page":463},{"title":"قوله تعالى: (وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة)","level":2,"page":463},{"title":"سورة الأنفال","level":1,"page":464},{"title":"قوله تعالى: (واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (٢٤)","level":2,"page":464},{"title":"قوله تعالى: (وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (٣٥)","level":2,"page":464},{"title":"سورة التوبة","level":1,"page":467},{"title":"قوله تعالى: (ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أولئك حبطت أعمالهم وفي النار هم خالدون (١٧)","level":2,"page":467},{"title":"قال الله تعالى: (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (١٩)","level":2,"page":471},{"title":"قوله تعالى: (قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها","level":2,"page":472},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن الله عليم حكيم (٢","level":2,"page":485},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله","level":2,"page":490},{"title":"قال تعالى: (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم)","level":2,"page":492},{"title":"قوله تعالى: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون (٥١)","level":2,"page":502},{"title":"قل لن يمميبنا إلا ما كتب الله لمما","level":2,"page":502},{"title":"قوله تعالى: (وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون (٨١)","level":2,"page":503},{"title":"قوله تعالى: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم (٩١)","level":2,"page":505},{"title":"قوله تعالى (والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى","level":2,"page":506},{"title":"سورة يونس","level":1,"page":507},{"title":"قوله تعالى: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (٥)","level":2,"page":507},{"title":"قوله تعالى: (إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون (٧)","level":2,"page":513},{"title":"قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)","level":2,"page":517},{"title":"سورة هود","level":1,"page":524},{"title":"قوله تعالى: (ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (٥)","level":2,"page":524},{"title":"قوله تعالى: (وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا)","level":2,"page":525},{"title":"قوله تعالى: (ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (٨)","level":2,"page":529},{"title":"قوله تعالى: (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون (١٥)","level":2,"page":529},{"title":"قال تعالى: (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (١١٤)","level":2,"page":535},{"title":"قوله تعالى: (وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين (١٢٠)","level":2,"page":549},{"title":"سورة يوسف","level":1,"page":550},{"title":"قوله تعالى: (توفني مسلما وألحقني بالصالحين (١٠١)","level":2,"page":550},{"title":"سورة الرعد","level":1,"page":552},{"title":"قوله تعالى: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله)","level":2,"page":552},{"title":"قوله تعالى: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والب","level":2,"page":557},{"title":"قوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (٣٩)","level":2,"page":562},{"title":"سورة إبراهيم","level":1,"page":564},{"title":"قال الله تعالى: (ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ (١٧)","level":2,"page":564},{"title":"قوله تعالى: (ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (٢٤) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها","level":2,"page":565},{"title":"قال الله ﷿: (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (٢٧)","level":2,"page":567},{"title":"قال الله ﷿: (وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (٤٩) سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار (٥٠)","level":2,"page":577},{"title":"سورة الحجر","level":1,"page":579},{"title":"قوله تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (٩)","level":2,"page":579},{"title":"قال الله ﷿: (وإن جهنم لموعدهم أجمعين (٤٣) لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم (٤٤)","level":2,"page":583},{"title":"قوله تعالى: (فوربك لنسألنهم أجمعين (٩٢) عما كانوا يعملون (٩٣)","level":2,"page":586},{"title":"قوله تعالى: (واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (٩٩)","level":2,"page":587},{"title":"سورة النحل","level":1,"page":589},{"title":"قوله تعالى: (وبالنجم هم يهتدون (١٦)","level":2,"page":589},{"title":"قال تعالى: (وما بكم من نعمة فمن الله)","level":2,"page":590},{"title":"قوله تعالى: (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون (٨٨)","level":2,"page":590},{"title":"قوله تعالى: (ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (٨٩)","level":2,"page":592},{"title":"قوله تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (٩٠)","level":2,"page":593},{"title":"قوله تعالى: (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (٩٧)","level":2,"page":598},{"title":"قوله تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (٩٨)","level":2,"page":598},{"title":"سورة الإسراء","level":1,"page":603},{"title":"قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (١)","level":2,"page":603},{"title":"قوله تعالى: (ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا (٢٩)","level":2,"page":604},{"title":"قوله تعالى: (وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا (٤٤)","level":2,"page":606},{"title":"قوله تعالى: (وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا (٤٥)","level":2,"page":606},{"title":"قوله تعالى: (يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا (٧١)","level":2,"page":607},{"title":"قوله تعالى: (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا (٧٨)","level":2,"page":608},{"title":"قوله تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا (٨٢)","level":2,"page":616},{"title":"قال الله ﷿: (ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم","level":2,"page":616},{"title":"قوله تعالى: (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا (١١٠)","level":2,"page":617},{"title":"سورة الكهف","level":1,"page":619},{"title":"قوله تعالى: (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم","level":2,"page":619},{"title":"قوله ﷿: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (٢٣) إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا (٢٤)","level":2,"page":628},{"title":"قال الله تعالى: (إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (٢٩)","level":2,"page":632},{"title":"قوله تعالى: (ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (٣٩)","level":2,"page":635},{"title":"قوله تعالى: (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها)","level":2,"page":636},{"title":"قوله تعالى: (فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا (٩٧)","level":2,"page":638},{"title":"سورة مريم","level":1,"page":639},{"title":"قوله تعالى: (وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (٣٩)","level":2,"page":639},{"title":"قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (٧١) ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (٧٢)","level":2,"page":643},{"title":"قوله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (٩٦)","level":2,"page":653},{"title":"سورة طه","level":1,"page":655},{"title":"قوله تعالى: (وأقم الصلاة لذكري)","level":2,"page":655},{"title":"قوله تعالى: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى (١٥)","level":2,"page":659},{"title":"قوله تعالى: (وما تلك بيمينك يا موسى (١٧) قال هي عصاي أتوكأ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى (١٨)","level":2,"page":659},{"title":"قوله تعالى: (قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (٨٤)","level":2,"page":659},{"title":"قوله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا)","level":2,"page":660},{"title":"قوله تعالى: (ورزق ربك خير وأبقى)","level":2,"page":671},{"title":"سورة الأنبياء","level":1,"page":675},{"title":"قوله تعالى: (ونبلوكم بالشر والخير فتنة)","level":2,"page":675},{"title":"قوله تعالى: (الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (٤٩)","level":2,"page":678},{"title":"قوله تعالى: (لا يحزنهم الفزع الأكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (١٠٣)","level":2,"page":682},{"title":"قوله تعالى: (إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (١١٠)","level":2,"page":683},{"title":"قوله تعالى: (قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون (١١٢)","level":2,"page":683},{"title":"سورة الحج","level":1,"page":684},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم","level":2,"page":684},{"title":"قوله تعالى: (فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم (١٩) يصهر به ما في بطونهم والجلود (٢٠) ولهم مقامع من حديد (٢١)","level":2,"page":690},{"title":"قوله تعالى: (لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم)","level":2,"page":694},{"title":"سورة المؤمنون","level":1,"page":699},{"title":"قوله تعالى: (قد أفلح المؤمنون (١) الذين هم في صلاتهم خاشعون (٢)","level":2,"page":699},{"title":"قوله تعالى: (يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة)","level":2,"page":722},{"title":"قوله تعالى: (أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (٧٢)","level":2,"page":724},{"title":"قوله تعالى: (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (١٠٠)","level":2,"page":725},{"title":"قوله تعالى: (تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون (١٠٤)","level":2,"page":726},{"title":"سورة النور","level":1,"page":728},{"title":"قوله تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة)","level":2,"page":728},{"title":"قوله تعالى: (في بيوت أذن الله أن ترفع)","level":2,"page":729},{"title":"قوله تعالى: (قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون (٥٣)","level":2,"page":729},{"title":"سورة الفرقان","level":1,"page":731},{"title":"قوله تعالى: (أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (٨)","level":2,"page":731},{"title":"قوله تعالى: (وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (١١) إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (١٢)","level":2,"page":732},{"title":"قوله تعالى (فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا (١٩) وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام","level":2,"page":737},{"title":"قوله تعالى: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (٦٨) يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخل","level":2,"page":737},{"title":"قوله تعالى: (قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم)","level":2,"page":743},{"title":"سورة الشعراء","level":1,"page":745},{"title":"قوله تعالى: (أفرأيتم ما كنتم تعبدون (٧٥) أنتم وآباؤكم الأقدمون (٧٦) فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (٧٧) الذي خلقني فهو يهدين (٧٨) والذي هو يطعمني ويسقين (٧٩)","level":2,"page":745},{"title":"قوله تعالى: (يوم لا ينفع مال ولا بنون (٨٨) إلا من أتى الله بقلب سليم (٨٩)","level":2,"page":746},{"title":"قوله تعالى: (وتقلبك في الساجدين (٢١٩)","level":2,"page":751},{"title":"سورة النمل","level":1,"page":753},{"title":"قوله تعالى: (وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (١٩)","level":2,"page":753},{"title":"قوله تعالى: (من جاء بالحسنة فله خير منها)","level":2,"page":753},{"title":"سورة القصص","level":1,"page":759},{"title":"قوله تعالى: (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (٧١)","level":2,"page":759},{"title":"قوله تعالى: (وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن)","level":2,"page":759},{"title":"قوله تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين (٨٣)","level":2,"page":760},{"title":"سورة الروم","level":1,"page":762},{"title":"قوله تعالى: (وله المثل الأعلى في السماوات والأرض)","level":2,"page":762},{"title":"قوله تعالى: (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٣٠) منيبين إليه واتقوه","level":2,"page":767},{"title":"قوله تعالى: (من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (٤٤)","level":2,"page":770},{"title":"سورة لقمان","level":1,"page":771},{"title":"قوله تعالى: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث)","level":2,"page":771},{"title":"قوله تعالى: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (٣٤)","level":2,"page":775},{"title":"سورة السجدة","level":1,"page":777},{"title":"قوله تعالى: (وبدأ خلق الإنسان من طين (٧) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (٨) ثم سواه ونفخ فيه من روحه)","level":2,"page":777},{"title":"قوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون (١٦) فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (١٧)","level":2,"page":777},{"title":"سورة الأحزاب","level":1,"page":784},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (٤٥) وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا (٤٦)","level":2,"page":784},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (٥٩)","level":2,"page":784},{"title":"(يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها (٦٩)","level":2,"page":785},{"title":"سورة سبأ","level":1,"page":788},{"title":"قوله تعالى: (إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى)","level":2,"page":788},{"title":"سورة فاطر","level":1,"page":789},{"title":"قوله تعالى: (اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله)","level":2,"page":789},{"title":"قوله تعالى: (إليه يصعد الكلم الطيب)","level":2,"page":789},{"title":"قوله تعالى: (وما أنت بمسمع من في القبور (٢٢)","level":2,"page":790},{"title":"قوله تعالى: (إنما يخشى الله من عباده العلماء)","level":2,"page":798},{"title":"سورة يس","level":1,"page":837},{"title":"قوله تعالى: (إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين (١٢)","level":2,"page":837},{"title":"سورة الصافات","level":1,"page":840},{"title":"قوله تعالى: (وإنا لنحن الصافون (١٦٥)","level":2,"page":840},{"title":"سورة (ص)","level":1,"page":842},{"title":"قوله تعالى: (ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون (٦٩)","level":2,"page":842},{"title":"قوله تعالى: (قال فإنك من المنظرين (٨٠)","level":2,"page":914},{"title":"سورة الزمر","level":1,"page":916},{"title":"قوله تعالى: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (١٠)","level":2,"page":916},{"title":"قوله تعالى: (والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه)","level":2,"page":917},{"title":"سورة غافر","level":1,"page":921},{"title":"قوله تعالى: (فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (٧)","level":2,"page":921},{"title":"قوله تعالى: (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (٣٩)","level":2,"page":921},{"title":"قوله تعالى: (النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (٤٦)","level":2,"page":922},{"title":"قوله تعالى: (ادعوني أستجب لكم)","level":2,"page":924},{"title":"سورة الشورى","level":1,"page":927},{"title":"قوله تعالى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه","level":2,"page":927},{"title":"قوله تعالى: (وإذا ما غضبوا هم يغفرون (٣٧)","level":2,"page":928},{"title":"سورة الزخرف","level":1,"page":931},{"title":"قوله تعالى: (ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (٥٨)","level":2,"page":931},{"title":"قوله تعالى: (إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون (٧٤) لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون (٧٥)","level":2,"page":932},{"title":"قوله تعالى: (ونادوا يا مالك)","level":2,"page":934},{"title":"سورة الدخان","level":1,"page":939},{"title":"قوله تعالى: (فيها يفرق كل أمر حكيم (٤)","level":2,"page":939},{"title":"قوله تعالى: (إن هؤلاء ليقولون (٣٤) إن هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بمنشرين (٣٥) فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين (٣٦) أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم","level":2,"page":940},{"title":"قوله تعالى: (إن شجرت الزقوم (٤٣) طعام الأثيم (٤٤) كالمهل يغلي في البطون (٤٥) كغلي الحميم (٤٦)","level":2,"page":941},{"title":"سورة الجاثية","level":1,"page":945},{"title":"قوله تعالى: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه)","level":2,"page":945},{"title":"سورة الأحقاف","level":1,"page":954},{"title":"قوله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (١٣) أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزاء بما كانوا يعملون (١٤)","level":2,"page":954},{"title":"قوله تعالى: (فلما رأوه عارضا مستقبل أوديتهم)","level":2,"page":959},{"title":"سورة محمد","level":1,"page":964},{"title":"قوله تعالى: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم (١١)","level":2,"page":964},{"title":"قوله تعالى: (والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم (١٧)","level":2,"page":966},{"title":"قوله تعالى: (فاعلم أنه لا إله إلا الله)","level":2,"page":968},{"title":"سورة الفتح","level":1,"page":978},{"title":"قوله تعال: (ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه)","level":2,"page":978},{"title":"سورة الحجرات","level":1,"page":980},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم (١)","level":2,"page":980},{"title":"قوله تعالى: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (٧)","level":2,"page":980},{"title":"قوله تعالى: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم)","level":2,"page":981},{"title":"قوله تعالى: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا)","level":2,"page":983},{"title":"سورة (ق)","level":1,"page":995},{"title":"قوله تعالى: (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (١٧) ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (١٨)","level":2,"page":995},{"title":"قوله تعالى: (وما أنا بظلام للعبيد (٢٩)","level":2,"page":999},{"title":"قوله تعالى: (هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ (٣٢) من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب (٣٣)","level":2,"page":1000},{"title":"قوله تعالى: (ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب (٣٨)","level":2,"page":1009},{"title":"سورة الذاريات","level":1,"page":1013},{"title":"قوله تعالى: (وفي السماء رزقكم وما توعدون (٢٢)","level":2,"page":1013},{"title":"قوله تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (٥٦)","level":2,"page":1013},{"title":"سورة النجم","level":1,"page":1015},{"title":"قوله تعالى: (أفمن هذا الحديث تعجبون (٥٩) وتضحكون ولا تبكون (٦٠) وأنتم سامدون (٦١)","level":2,"page":1015},{"title":"سورة القمر","level":1,"page":1018},{"title":"قوله تعالى: (إن المجرمين في ضلال وسعر (٤٧) يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (٤٨)","level":2,"page":1018},{"title":"سورة الرحمن","level":1,"page":1020},{"title":"قوله تعالى: (رب المشرقين ورب المغربين (١٧)","level":2,"page":1020},{"title":"قوله تعالى: (ولمن خاف مقام ربه جنتان (٤٦)","level":2,"page":1020},{"title":"سورة الواقعة","level":1,"page":1023},{"title":"قوله تعالى: (إذا وقعت الواقعة (١) ليس لوقعتها كاذبة (٢) خافضة رافعة (٣)","level":2,"page":1023},{"title":"قوله تعالى: (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (٤١) في سموم وحميم (٤٢) وظل من يحموم (٤٣) لا بارد ولا كريم (٤٤)","level":2,"page":1023},{"title":"قوله تعالى: (ثم إنكم أيها الضالون المكذبون (٥١) لآكلون من شجر من زقوم (٥٢) فمالئون منها البطون (٥٣) فشاربون عليه من الحميم (٥٤) فشاربون شرب الهيم (٥٥)","level":2,"page":1026},{"title":"قوله تعالى: (أفرأيتم ما تحرثون (٦٣) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (٦٤) لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون (٦٥) إنا لمغرمون (٦٦) بل نحن محرومون (٦٧)","level":2,"page":1034},{"title":"قوله تعالى: (نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين (٧٣)","level":2,"page":1035},{"title":"قال الله تعالى: (فلولا إذا بلغت الحلقوم (٨٣) وأنتم حينئذ تنظرون (٨٤) ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون (٨٥) فلولا إن كنتم غير مدينين (٨٦) ترجعونها إن كنتم صادقين","level":2,"page":1047},{"title":"سورة الحديد","level":1,"page":1072},{"title":"قوله تعالى: (ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله)","level":2,"page":1072},{"title":"قوله تعالى: (إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا)","level":2,"page":1079},{"title":"قوله تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم)","level":2,"page":1080},{"title":"سورة المجادلة","level":1,"page":1081},{"title":"قوله تعالى: (فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة)","level":2,"page":1081},{"title":"سورة الحشر","level":1,"page":1082},{"title":"قوله تعالى: (ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم)","level":2,"page":1082},{"title":"قوله تعالى: (ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (٩)","level":2,"page":1089},{"title":"قوله تعالى: (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم (١٠)","level":2,"page":1090},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون (١٨) ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم","level":2,"page":1091},{"title":"سورة الممتحنة","level":1,"page":1094},{"title":"قوله تعالى: (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز الحكيم (٥)","level":2,"page":1094},{"title":"قوله تعالى: (إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن)","level":2,"page":1094},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن","level":2,"page":1095},{"title":"سورة الصف","level":1,"page":1116},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون (٢) كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (٣)","level":2,"page":1116},{"title":"قوله تعالى: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد)","level":2,"page":1118},{"title":"سورة الجمعة","level":1,"page":1120},{"title":"قوله تعالى: (هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (٢)","level":2,"page":1120},{"title":"قوله تعالى: (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (٩)","level":2,"page":1125},{"title":"قوله تعالى: (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما)","level":2,"page":1154},{"title":"قوله تعالى: (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض)","level":2,"page":1163},{"title":"سورة المنافقون","level":1,"page":1166},{"title":"قوله تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (١)","level":2,"page":1166},{"title":"قوله تعالى: (وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة)","level":2,"page":1166},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون (٩)","level":2,"page":1169},{"title":"سورة التغابن","level":1,"page":1170},{"title":"قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه)","level":2,"page":1170},{"title":"سورة الطلاق","level":1,"page":1173},{"title":"قوله تعالى: (وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه)","level":2,"page":1173},{"title":"قوله تعالى: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا)","level":2,"page":1176},{"title":"سورة التحريم","level":1,"page":1180},{"title":"قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (٦)","level":2,"page":1180},{"title":"سورة الملك","level":1,"page":1184},{"title":"قوله تعالى: (ليبلوكم أيكم أحسن عملا)","level":2,"page":1184},{"title":"سورة القلم","level":1,"page":1185},{"title":"قوله تعالى: (عتل بعد ذلك زنيم (١٣)","level":2,"page":1185},{"title":"قوله تعالى: (وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (٤٣)","level":2,"page":1186},{"title":"سورة الحاقة","level":1,"page":1187},{"title":"قوله تعالى: (فهو في عيشة راضية (٢١) في جنة عالية (٢٢) قطوفها دانية (٢٣) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية (٢٤)","level":2,"page":1187},{"title":"سورة الجن","level":1,"page":1192},{"title":"قوله تعالى: (قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (١)","level":2,"page":1192},{"title":"قوله تعالى: (وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (١٨)","level":2,"page":1194},{"title":"سورة المزمل","level":1,"page":1196},{"title":"قوله تعالى: (إن لدينا أنكالا وجحيما (١٢) وطعاما ذا غصة وعذابا أليما (١٣)","level":2,"page":1196},{"title":"سورة المدثر","level":1,"page":1199},{"title":"قوله تعالى: (وثيابك فطهر (٤)","level":2,"page":1199},{"title":"قوله تعالى: (ولا تمنن تستكثر (٦)","level":2,"page":1200},{"title":"قوله تعالى: (سأرهقه صعودا (١٧)","level":2,"page":1200},{"title":"قوله تعالى: (إن هذا إلا قول البشر (٢٥)","level":2,"page":1201},{"title":"قوله تعالى: (عليها تسعة عشر (٣٠) وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا)","level":2,"page":1202},{"title":"سورة القيامة","level":1,"page":1211},{"title":"قوله تعالى: (وجوه يومئذ ناضرة (٢٢) إلى ربها ناظرة (٢٣)","level":2,"page":1211},{"title":"سورة الإنسان","level":1,"page":1218},{"title":"قوله تعالى: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (٢)","level":2,"page":1218},{"title":"قوله تعالى: (إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا (٤)","level":2,"page":1218},{"title":"قوله تعالى: (متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (١٣)","level":2,"page":1223},{"title":"سورة المرسلات","level":1,"page":1226},{"title":"قوله تعالى: (ألم نجعل الأرض كفاتا (٢٥) أحياء وأمواتا (٢٦)","level":2,"page":1226},{"title":"سورة النبأ","level":1,"page":1227},{"title":"قوله تعالى: (لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (٢٤) إلا حميما وغساقا (٢٥) جزاء وفاقا (٢٦)","level":2,"page":1227},{"title":"سورة التكوير","level":1,"page":1231},{"title":"قوله تعالى: (وإذا البحار سجرت (٦)","level":2,"page":1231},{"title":"قوله تعالى: (وإذا الجحيم سعرت (١٢) وإذا الجنة أزلفت (١٣) علمت نفس ما أحضرت (١٤)","level":2,"page":1235},{"title":"قوله تعالى: (فلا أقسم بالخنس (١٥)","level":2,"page":1236},{"title":"سورة الانفطار","level":1,"page":1238},{"title":"قوله تعالى: (في أي صورة ما شاء ركبك (٨)","level":2,"page":1238},{"title":"سورة المطففين","level":1,"page":1240},{"title":"قوله تعالى (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين (٧)","level":2,"page":1240},{"title":"قوله تعالى: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون (١٤) كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون (١٥) ثم إنهم لصالو الجحيم (١٦)","level":2,"page":1242},{"title":"قوله تعالى: (ختامه مسك)","level":2,"page":1246},{"title":"سورة البروج","level":1,"page":1247},{"title":"قوله تعالى: (وشاهد ومشهود (٣)","level":2,"page":1247},{"title":"قوله تعالى: (وهو الغفور الودود (١٤)","level":2,"page":1248},{"title":"سورة الفجر","level":1,"page":1253},{"title":"قوله تعالى: (وليال عشر (٢)","level":2,"page":1253},{"title":"قوله تعالى: (والشفع والوتر (٣)","level":2,"page":1262},{"title":"قوله تعالى (كلا إذا دكت الأرض دكا دكا (٢١) وجاء ربك والملك صفا صفا (٢٢) وجيء يومئذ بجهنم يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى (٢٣)","level":2,"page":1262},{"title":"سورة البلد","level":1,"page":1281},{"title":"قوله تعالى: (فلا اقتحم العقبة (١١)","level":2,"page":1281},{"title":"قوله تعالى: (ألم نجعل له عينين (٨) ولسانا وشفتين (٩)","level":2,"page":1282},{"title":"سورة الشمس","level":1,"page":1284},{"title":"قال الله ﷿: (ونفس وما سواها (٧) فألهمها فجورها وتقواها (٨) قد أفلح من زكاها (٩) وقد خاب من دساها (١٠)","level":2,"page":1284},{"title":"سورة الضحى","level":1,"page":1285},{"title":"قوله تعالى: (والضحى (١) والليل إذا سجى (٢) ما ودعك ربك وما قلى (٣) وللآخرة خير لك من الأولى (٤) ولسوف يعطيك ربك فترضى (٥)","level":2,"page":1285},{"title":"قوله تعالى: (ووجدك ضالا فهدى)","level":2,"page":1286},{"title":"سورة الشرح","level":1,"page":1287},{"title":"قوله تعالى: (فإن مع العسر يسرا (٥) إن مع العسر يسرا (٦)","level":2,"page":1287},{"title":"سورة التين","level":1,"page":1291},{"title":"قوله تعالى (ثم رددناه أسفل سافلين (٥)","level":2,"page":1291},{"title":"سورة العلق","level":1,"page":1292},{"title":"قوله تعالى: (أرأيت الذي ينهى (٩) عبدا إذا صلى (١٠)","level":2,"page":1292},{"title":"قوله تعالى: (فليدع ناديه (١٧) سندع الزبانية (١٨)","level":2,"page":1297},{"title":"سورة القدر","level":1,"page":1298},{"title":"قوله تعالى: (إنا أنزلناه في ليلة القدر (١) وما أدراك ما ليلة القدر (٢) ليلة القدر خير من ألف شهر (٣) تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (٤)","level":2,"page":1298},{"title":"سورة الزلزلة","level":1,"page":1313},{"title":"قوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره (٧) ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره (٨)","level":2,"page":1313},{"title":"سورة التكاثر","level":1,"page":1318},{"title":"قوله تعالى: (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم (٨)","level":2,"page":1318},{"title":"سورة الهمزة","level":1,"page":1321},{"title":"قال الله تعالى: (كلا لينبذن في الحطمة (٤) وما أدراك ما الحطمة (٥) نار الله الموقدة (٦) التي تطلع على الأفئدة (٧)","level":2,"page":1321},{"title":"قوله تعالى: (إنها عليهم مؤصدة (٨)","level":2,"page":1322},{"title":"سورة الفيل","level":1,"page":1327},{"title":"قوله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل (١) ألم يجعل كيدهم في تضليل (٢) وأرسل عليهم طيرا أبابيل (٣) ترميهم بحجارة من سجيل (٤) فجعلهم كعصف مأكول (٥)","level":2,"page":1327},{"title":"سورة الماعون","level":1,"page":1330},{"title":"قوله تعالى: (فويل للمصلين (٤) الذين هم عن صلاتهم ساهون (٥)","level":2,"page":1330},{"title":"سورة النصر","level":1,"page":1333},{"title":"قوله تعالى: (إذا جاء نصر الله والفتح (١) ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا (٢) فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا (٣)","level":2,"page":1333},{"title":"سورة الإخلاص","level":1,"page":1348},{"title":"قوله تعالى: (قل هو الله أحد (١) الله الصمد (٢) لم يلد ولم يولد (٣) ولم يكن له كفوا أحد (٤)","level":2,"page":1348}],"ٛ":{"1,23":1,"1,25":2,"1,26":3,"1,27":4,"1,28":5,"1,29":6,"1,30":7,"1,31":8,"1,32":9,"1,33":10,"1,34":11,"1,35":12,"1,36":13,"1,37":14,"1,38":15,"1,39":16,"1,40":17,"1,41":18,"1,42":19,"1,43":20,"1,44":21,"1,45":22,"1,46":23,"1,47":24,"1,48":25,"1,49":26,"1,50":27,"1,51":28,"1,52":29,"1,53":30,"1,54":31,"1,55":32,"1,56":33,"1,57":34,"1,58":35,"1,59":36,"1,60":37,"1,61":38,"1,62":39,"1,63":40,"1,64":41,"1,65":42,"1,66":43,"1,67":44,"1,68":45,"1,69":46,"1,70":47,"1,71":48,"1,72":49,"1,73":50,"1,74":51,"1,75":52,"1,76":53,"1,77":54,"1,78":55,"1,79":56,"1,80":57,"1,81":58,"1,82":59,"1,83":60,"1,84":61,"1,85":62,"1,86":63,"1,87":64,"1,88":65,"1,89":66,"1,90":67,"1,91":68,"1,92":69,"1,93":70,"1,94":71,"1,95":72,"1,96":73,"1,97":74,"1,98":75,"1,99":76,"1,100":77,"1,101":78,"1,102":79,"1,103":80,"1,104":81,"1,105":82,"1,106":83,"1,107":84,"1,108":85,"1,109":86,"1,110":87,"1,111":88,"1,112":89,"1,113":90,"1,114":91,"1,115":92,"1,116":93,"1,117":94,"1,118":95,"1,119":96,"1,120":97,"1,121":98,"1,122":99,"1,123":100,"1,124":101,"1,125":102,"1,126":103,"1,127":104,"1,128":105,"1,129":106,"1,130":107,"1,131":108,"1,132":109,"1,133":110,"1,134":111,"1,135":112,"1,136":113,"1,137":114,"1,138":115,"1,139":116,"1,140":117,"1,141":118,"1,142":119,"1,143":120,"1,144":121,"1,145":122,"1,146":123,"1,147":124,"1,148":125,"1,149":126,"1,150":127,"1,151":128,"1,152":129,"1,153":130,"1,154":131,"1,155":132,"1,156":133,"1,157":134,"1,158":135,"1,159":136,"1,160":137,"1,161":138,"1,162":139,"1,163":140,"1,164":141,"1,165":142,"1,166":143,"1,167":144,"1,168":145,"1,169":146,"1,170":147,"1,171":148,"1,172":149,"1,173":150,"1,174":151,"1,175":152,"1,176":153,"1,177":154,"1,178":155,"1,179":156,"1,180":157,"1,181":158,"1,182":159,"1,183":160,"1,184":161,"1,185":162,"1,186":163,"1,187":164,"1,188":165,"1,189":166,"1,190":167,"1,191":168,"1,192":169,"1,193":170,"1,194":171,"1,195":172,"1,196":173,"1,197":174,"1,198":175,"1,199":176,"1,200":177,"1,201":178,"1,202":179,"1,203":180,"1,204":181,"1,205":182,"1,206":183,"1,207":184,"1,208":185,"1,209":186,"1,210":187,"1,211":188,"1,212":189,"1,213":190,"1,214":191,"1,215":192,"1,216":193,"1,217":194,"1,218":195,"1,219":196,"1,220":197,"1,221":198,"1,222":199,"1,223":200,"1,224":201,"1,225":202,"1,226":203,"1,227":204,"1,228":205,"1,229":206,"1,230":207,"1,231":208,"1,232":209,"1,233":210,"1,234":211,"1,235":212,"1,236":213,"1,237":214,"1,238":215,"1,239":216,"1,240":217,"1,241":218,"1,242":219,"1,243":220,"1,244":221,"1,245":222,"1,246":223,"1,247":224,"1,248":225,"1,249":226,"1,250":227,"1,251":228,"1,252":229,"1,253":230,"1,254":231,"1,255":232,"1,256":233,"1,257":234,"1,258":235,"1,259":236,"1,260":237,"1,261":238,"1,262":239,"1,263":240,"1,264":241,"1,265":242,"1,266":243,"1,267":244,"1,268":245,"1,269":246,"1,270":247,"1,271":248,"1,272":249,"1,273":250,"1,274":251,"1,275":252,"1,276":253,"1,277":254,"1,278":255,"1,279":256,"1,280":257,"1,281":258,"1,282":259,"1,283":260,"1,284":261,"1,285":262,"1,286":263,"1,287":264,"1,288":265,"1,289":266,"1,290":267,"1,291":268,"1,292":269,"1,293":270,"1,294":271,"1,295":272,"1,296":273,"1,297":274,"1,298":275,"1,299":276,"1,300":277,"1,301":278,"1,302":279,"1,303":280,"1,304":281,"1,305":282,"1,306":283,"1,307":284,"1,308":285,"1,309":286,"1,310":287,"1,311":288,"1,312":289,"1,313":290,"1,314":291,"1,315":292,"1,316":293,"1,317":294,"1,318":295,"1,319":296,"1,320":297,"1,321":298,"1,322":299,"1,323":300,"1,324":301,"1,325":302,"1,326":303,"1,327":304,"1,328":305,"1,329":306,"1,330":307,"1,331":308,"1,332":309,"1,333":310,"1,334":311,"1,335":312,"1,336":313,"1,337":314,"1,338":315,"1,339":316,"1,340":317,"1,341":318,"1,342":319,"1,343":320,"1,344":321,"1,345":322,"1,346":323,"1,347":324,"1,348":325,"1,349":326,"1,350":327,"1,351":328,"1,352":329,"1,353":330,"1,354":331,"1,355":332,"1,356":333,"1,357":334,"1,358":335,"1,359":336,"1,360":337,"1,361":338,"1,362":339,"1,363":340,"1,364":341,"1,365":342,"1,366":343,"1,367":344,"1,368":345,"1,369":346,"1,370":347,"1,371":348,"1,372":349,"1,373":350,"1,374":351,"1,375":352,"1,376":353,"1,377":354,"1,378":355,"1,379":356,"1,380":357,"1,381":358,"1,382":359,"1,383":360,"1,384":361,"1,385":362,"1,386":363,"1,387":364,"1,388":365,"1,389":366,"1,390":367,"1,391":368,"1,392":369,"1,393":370,"1,394":371,"1,395":372,"1,396":373,"1,397":374,"1,398":375,"1,399":376,"1,400":377,"1,401":378,"1,402":379,"1,403":380,"1,404":381,"1,405":382,"1,406":383,"1,407":384,"1,408":385,"1,409":386,"1,410":387,"1,411":388,"1,412":389,"1,413":390,"1,414":391,"1,415":392,"1,416":393,"1,417":394,"1,418":395,"1,419":396,"1,420":397,"1,421":398,"1,422":399,"1,423":400,"1,424":401,"1,425":402,"1,426":403,"1,427":404,"1,428":405,"1,429":406,"1,430":407,"1,431":408,"1,432":409,"1,433":410,"1,434":411,"1,435":412,"1,436":413,"1,437":414,"1,438":415,"1,439":416,"1,440":417,"1,441":418,"1,442":419,"1,443":420,"1,444":421,"1,445":422,"1,446":423,"1,447":424,"1,448":425,"1,449":426,"1,450":427,"1,451":428,"1,452":429,"1,453":430,"1,454":431,"1,455":432,"1,456":433,"1,457":434,"1,458":435,"1,459":436,"1,460":437,"1,461":438,"1,462":439,"1,463":440,"1,464":441,"1,465":442,"1,466":443,"1,467":444,"1,468":445,"1,469":446,"1,470":447,"1,471":448,"1,472":449,"1,473":450,"1,474":451,"1,475":452,"1,476":453,"1,477":454,"1,478":455,"1,479":456,"1,480":457,"1,481":458,"1,482":459,"1,483":460,"1,484":461,"1,485":462,"1,486":463,"1,487":464,"1,488":465,"1,489":466,"1,490":467,"1,491":468,"1,492":469,"1,493":470,"1,494":471,"1,495":472,"1,496":473,"1,497":474,"1,498":475,"1,499":476,"1,500":477,"1,501":478,"1,502":479,"1,503":480,"1,504":481,"1,505":482,"1,506":483,"1,507":484,"1,508":485,"1,509":486,"1,510":487,"1,511":488,"1,512":489,"1,513":490,"1,514":491,"1,515":492,"1,516":493,"1,517":494,"1,518":495,"1,519":496,"1,520":497,"1,521":498,"1,522":499,"1,523":500,"1,524":501,"1,525":502,"1,526":503,"1,527":504,"1,528":505,"1,529":506,"1,530":507,"1,531":508,"1,532":509,"1,533":510,"1,534":511,"1,535":512,"1,536":513,"1,537":514,"1,538":515,"1,539":516,"1,540":517,"1,541":518,"1,542":519,"1,543":520,"1,544":521,"1,545":522,"1,546":523,"1,547":524,"1,548":525,"1,549":526,"1,550":527,"1,551":528,"1,552":529,"1,553":530,"1,554":531,"1,555":532,"1,556":533,"1,557":534,"1,558":535,"1,559":536,"1,560":537,"1,561":538,"1,562":539,"1,563":540,"1,564":541,"1,565":542,"1,566":543,"1,567":544,"1,568":545,"1,569":546,"1,570":547,"1,571":548,"1,572":549,"1,573":550,"1,574":551,"1,575":552,"1,576":553,"1,577":554,"1,578":555,"1,579":556,"1,580":557,"1,581":558,"1,582":559,"1,583":560,"1,584":561,"1,585":562,"1,586":563,"1,587":564,"1,588":565,"1,589":566,"1,590":567,"1,591":568,"1,592":569,"1,593":570,"1,594":571,"1,595":572,"1,596":573,"1,597":574,"1,598":575,"1,599":576,"1,600":577,"1,601":578,"1,602":579,"1,603":580,"1,604":581,"1,605":582,"1,606":583,"1,607":584,"1,608":585,"1,609":586,"1,610":587,"1,611":588,"1,612":589,"1,613":590,"1,614":591,"1,615":592,"1,616":593,"1,617":594,"1,618":595,"1,619":596,"1,620":597,"1,621":598,"1,622":599,"1,623":600,"1,624":601,"1,625":602,"1,626":603,"1,627":604,"1,628":605,"1,629":606,"1,630":607,"1,631":608,"1,632":609,"1,633":610,"1,634":611,"1,635":612,"1,636":613,"1,637":614,"1,638":615,"1,639":616,"1,640":617,"1,641":618,"1,642":619,"1,643":620,"1,644":621,"1,645":622,"1,646":623,"1,647":624,"1,648":625,"1,649":626,"1,650":627,"1,651":628,"1,652":629,"1,653":630,"1,654":631,"1,655":632,"1,656":633,"1,657":634,"1,658":635,"1,659":636,"1,660":637,"1,661":638,"1,662":639,"1,663":640,"1,664":641,"1,665":642,"1,666":643,"1,667":644,"1,668":645,"1,669":646,"1,670":647,"1,671":648,"1,672":649,"1,673":650,"1,674":651,"1,675":652,"1,676":653,"1,677":654,"1,678":655,"1,679":656,"1,680":657,"1,681":658,"1,682":659,"1,683":660,"1,684":661,"1,685":662,"1,686":663,"1,687":664,"1,688":665,"1,689":666,"1,690":667,"1,691":668,"1,692":669,"1,693":670,"1,694":671,"1,695":672,"1,696":673,"1,697":674,"1,698":675,"1,699":676,"1,700":677,"1,701":678,"1,702":679,"1,703":680,"1,704":681,"1,705":682,"1,706":683,"1,707":684,"1,708":685,"1,709":686,"1,710":687,"1,711":688,"1,712":689,"1,713":690,"1,714":691,"1,715":692,"1,716":693,"1,717":694,"1,718":695,"1,719":696,"1,720":697,"2,4":698,"2,5":699,"2,6":700,"2,7":701,"2,8":702,"2,9":703,"2,10":704,"2,11":705,"2,12":706,"2,13":707,"2,14":708,"2,15":709,"2,16":710,"2,17":711,"2,18":712,"2,19":713,"2,20":714,"2,21":715,"2,22":716,"2,23":717,"2,24":718,"2,25":719,"2,26":720,"2,27":721,"2,28":722,"2,29":723,"2,30":724,"2,31":725,"2,32":726,"2,33":727,"2,34":728,"2,35":729,"2,36":730,"2,37":731,"2,38":732,"2,39":733,"2,40":734,"2,41":735,"2,42":736,"2,43":737,"2,44":738,"2,45":739,"2,46":740,"2,47":741,"2,48":742,"2,49":743,"2,50":744,"2,51":745,"2,52":746,"2,53":747,"2,54":748,"2,55":749,"2,56":750,"2,57":751,"2,58":752,"2,59":753,"2,60":754,"2,61":755,"2,62":756,"2,63":757,"2,64":758,"2,65":759,"2,66":760,"2,67":761,"2,68":762,"2,69":763,"2,70":764,"2,71":765,"2,72":766,"2,73":767,"2,74":768,"2,75":769,"2,76":770,"2,77":771,"2,78":772,"2,79":773,"2,80":774,"2,81":775,"2,82":776,"2,83":777,"2,84":778,"2,85":779,"2,86":780,"2,87":781,"2,88":782,"2,89":783,"2,90":784,"2,91":785,"2,92":786,"2,93":787,"2,94":788,"2,95":789,"2,96":790,"2,97":791,"2,98":792,"2,99":793,"2,100":794,"2,101":795,"2,102":796,"2,103":797,"2,104":798,"2,105":799,"2,106":800,"2,107":801,"2,108":802,"2,109":803,"2,110":804,"2,111":805,"2,112":806,"2,113":807,"2,114":808,"2,115":809,"2,116":810,"2,117":811,"2,118":812,"2,119":813,"2,120":814,"2,121":815,"2,122":816,"2,123":817,"2,124":818,"2,125":819,"2,126":820,"2,127":821,"2,128":822,"2,129":823,"2,130":824,"2,131":825,"2,132":826,"2,133":827,"2,134":828,"2,135":829,"2,136":830,"2,137":831,"2,138":832,"2,139":833,"2,140":834,"2,141":835,"2,142":836,"2,143":837,"2,144":838,"2,145":839,"2,146":840,"2,147":841,"2,148":842,"2,149":843,"2,150":844,"2,151":845,"2,152":846,"2,153":847,"2,154":848,"2,155":849,"2,156":850,"2,157":851,"2,158":852,"2,159":853,"2,160":854,"2,161":855,"2,162":856,"2,163":857,"2,164":858,"2,165":859,"2,166":860,"2,167":861,"2,168":862,"2,169":863,"2,170":864,"2,171":865,"2,172":866,"2,173":867,"2,174":868,"2,175":869,"2,176":870,"2,177":871,"2,178":872,"2,179":873,"2,180":874,"2,181":875,"2,182":876,"2,183":877,"2,184":878,"2,185":879,"2,186":880,"2,187":881,"2,188":882,"2,189":883,"2,190":884,"2,191":885,"2,192":886,"2,193":887,"2,194":888,"2,195":889,"2,196":890,"2,197":891,"2,198":892,"2,199":893,"2,200":894,"2,201":895,"2,202":896,"2,203":897,"2,204":898,"2,205":899,"2,206":900,"2,207":901,"2,208":902,"2,209":903,"2,210":904,"2,211":905,"2,212":906,"2,213":907,"2,214":908,"2,215":909,"2,216":910,"2,217":911,"2,218":912,"2,219":913,"2,220":914,"2,221":915,"2,222":916,"2,223":917,"2,224":918,"2,225":919,"2,226":920,"2,227":921,"2,228":922,"2,229":923,"2,230":924,"2,231":925,"2,232":926,"2,233":927,"2,234":928,"2,235":929,"2,236":930,"2,237":931,"2,238":932,"2,239":933,"2,240":934,"2,241":935,"2,242":936,"2,243":937,"2,244":938,"2,245":939,"2,246":940,"2,247":941,"2,248":942,"2,249":943,"2,250":944,"2,251":945,"2,252":946,"2,253":947,"2,254":948,"2,255":949,"2,256":950,"2,257":951,"2,258":952,"2,259":953,"2,260":954,"2,261":955,"2,262":956,"2,263":957,"2,264":958,"2,265":959,"2,266":960,"2,267":961,"2,268":962,"2,269":963,"2,270":964,"2,271":965,"2,272":966,"2,273":967,"2,274":968,"2,275":969,"2,276":970,"2,277":971,"2,278":972,"2,279":973,"2,280":974,"2,281":975,"2,282":976,"2,283":977,"2,284":978,"2,285":979,"2,286":980,"2,287":981,"2,288":982,"2,289":983,"2,290":984,"2,291":985,"2,292":986,"2,293":987,"2,294":988,"2,295":989,"2,296":990,"2,297":991,"2,298":992,"2,299":993,"2,300":994,"2,301":995,"2,302":996,"2,303":997,"2,304":998,"2,305":999,"2,306":1000,"2,307":1001,"2,308":1002,"2,309":1003,"2,310":1004,"2,311":1005,"2,312":1006,"2,313":1007,"2,314":1008,"2,315":1009,"2,316":1010,"2,317":1011,"2,318":1012,"2,319":1013,"2,320":1014,"2,321":1015,"2,322":1016,"2,323":1017,"2,324":1018,"2,325":1019,"2,326":1020,"2,327":1021,"2,328":1022,"2,329":1023,"2,330":1024,"2,331":1025,"2,332":1026,"2,333":1027,"2,334":1028,"2,335":1029,"2,336":1030,"2,337":1031,"2,338":1032,"2,339":1033,"2,340":1034,"2,341":1035,"2,342":1036,"2,343":1037,"2,344":1038,"2,345":1039,"2,346":1040,"2,347":1041,"2,348":1042,"2,349":1043,"2,350":1044,"2,351":1045,"2,352":1046,"2,353":1047,"2,354":1048,"2,355":1049,"2,356":1050,"2,357":1051,"2,358":1052,"2,359":1053,"2,360":1054,"2,361":1055,"2,362":1056,"2,363":1057,"2,364":1058,"2,365":1059,"2,366":1060,"2,367":1061,"2,368":1062,"2,369":1063,"2,370":1064,"2,371":1065,"2,372":1066,"2,373":1067,"2,374":1068,"2,375":1069,"2,376":1070,"2,377":1071,"2,378":1072,"2,379":1073,"2,380":1074,"2,381":1075,"2,382":1076,"2,383":1077,"2,384":1078,"2,385":1079,"2,386":1080,"2,387":1081,"2,388":1082,"2,389":1083,"2,390":1084,"2,391":1085,"2,392":1086,"2,393":1087,"2,394":1088,"2,395":1089,"2,396":1090,"2,397":1091,"2,398":1092,"2,399":1093,"2,400":1094,"2,401":1095,"2,402":1096,"2,403":1097,"2,404":1098,"2,405":1099,"2,406":1100,"2,407":1101,"2,408":1102,"2,409":1103,"2,410":1104,"2,411":1105,"2,412":1106,"2,413":1107,"2,414":1108,"2,415":1109,"2,416":1110,"2,417":1111,"2,418":1112,"2,419":1113,"2,420":1114,"2,421":1115,"2,422":1116,"2,423":1117,"2,424":1118,"2,425":1119,"2,426":1120,"2,427":1121,"2,428":1122,"2,429":1123,"2,430":1124,"2,431":1125,"2,432":1126,"2,433":1127,"2,434":1128,"2,435":1129,"2,436":1130,"2,437":1131,"2,438":1132,"2,439":1133,"2,440":1134,"2,441":1135,"2,442":1136,"2,443":1137,"2,444":1138,"2,445":1139,"2,446":1140,"2,447":1141,"2,448":1142,"2,449":1143,"2,450":1144,"2,451":1145,"2,452":1146,"2,453":1147,"2,454":1148,"2,455":1149,"2,456":1150,"2,457":1151,"2,458":1152,"2,459":1153,"2,460":1154,"2,461":1155,"2,462":1156,"2,463":1157,"2,464":1158,"2,465":1159,"2,466":1160,"2,467":1161,"2,468":1162,"2,469":1163,"2,470":1164,"2,471":1165,"2,472":1166,"2,473":1167,"2,474":1168,"2,475":1169,"2,476":1170,"2,477":1171,"2,478":1172,"2,479":1173,"2,480":1174,"2,481":1175,"2,482":1176,"2,483":1177,"2,484":1178,"2,485":1179,"2,486":1180,"2,487":1181,"2,488":1182,"2,489":1183,"2,490":1184,"2,491":1185,"2,492":1186,"2,493":1187,"2,494":1188,"2,495":1189,"2,496":1190,"2,497":1191,"2,498":1192,"2,499":1193,"2,500":1194,"2,501":1195,"2,502":1196,"2,503":1197,"2,504":1198,"2,505":1199,"2,506":1200,"2,507":1201,"2,508":1202,"2,509":1203,"2,510":1204,"2,511":1205,"2,512":1206,"2,513":1207,"2,514":1208,"2,515":1209,"2,516":1210,"2,517":1211,"2,518":1212,"2,519":1213,"2,520":1214,"2,521":1215,"2,522":1216,"2,523":1217,"2,524":1218,"2,525":1219,"2,526":1220,"2,527":1221,"2,528":1222,"2,529":1223,"2,530":1224,"2,531":1225,"2,532":1226,"2,533":1227,"2,534":1228,"2,535":1229,"2,536":1230,"2,537":1231,"2,538":1232,"2,539":1233,"2,540":1234,"2,541":1235,"2,542":1236,"2,543":1237,"2,544":1238,"2,545":1239,"2,546":1240,"2,547":1241,"2,548":1242,"2,549":1243,"2,550":1244,"2,551":1245,"2,552":1246,"2,553":1247,"2,554":1248,"2,555":1249,"2,556":1250,"2,557":1251,"2,558":1252,"2,559":1253,"2,560":1254,"2,561":1255,"2,562":1256,"2,563":1257,"2,564":1258,"2,565":1259,"2,566":1260,"2,567":1261,"2,568":1262,"2,569":1263,"2,570":1264,"2,571":1265,"2,572":1266,"2,573":1267,"2,574":1268,"2,575":1269,"2,576":1270,"2,577":1271,"2,578":1272,"2,579":1273,"2,580":1274,"2,581":1275,"2,582":1276,"2,583":1277,"2,584":1278,"2,585":1279,"2,586":1280,"2,587":1281,"2,588":1282,"2,589":1283,"2,590":1284,"2,591":1285,"2,592":1286,"2,593":1287,"2,594":1288,"2,595":1289,"2,596":1290,"2,597":1291,"2,598":1292,"2,599":1293,"2,600":1294,"2,601":1295,"2,602":1296,"2,603":1297,"2,604":1298,"2,605":1299,"2,606":1300,"2,607":1301,"2,608":1302,"2,609":1303,"2,610":1304,"2,611":1305,"2,612":1306,"2,613":1307,"2,614":1308,"2,615":1309,"2,616":1310,"2,617":1311,"2,618":1312,"2,619":1313,"2,620":1314,"2,621":1315,"2,622":1316,"2,623":1317,"2,624":1318,"2,625":1319,"2,626":1320,"2,627":1321,"2,628":1322,"2,629":1323,"2,630":1324,"2,631":1325,"2,632":1326,"2,633":1327,"2,634":1328,"2,635":1329,"2,636":1330,"2,637":1331,"2,638":1332,"2,639":1333,"2,640":1334,"2,641":1335,"2,642":1336,"2,643":1337,"2,644":1338,"2,645":1339,"2,646":1340,"2,647":1341,"2,648":1342,"2,649":1343,"2,650":1344,"2,651":1345,"2,652":1346,"2,653":1347,"2,654":1348,"2,655":1349,"2,656":1350,"2,657":1351,"2,658":1352,"2,659":1353,"2,660":1354,"2,661":1355,"2,662":1356,"2,663":1357,"2,664":1358,"2,665":1359,"2,666":1360,"2,667":1361,"2,668":1362,"2,669":1363,"2,670":1364,"2,671":1365,"2,672":1366,"2,673":1367,"2,674":1368,"2,675":1369,"2,676":1370,"2,677":1371,"2,678":1372},"ٜ":{"1":[23,720],"2":[4,678]},"ٝ":["1,23","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670","1,671","1,672","1,673","1,674","1,675","1,676","1,677","1,678","1,679","1,680","1,681","1,682","1,683","1,684","1,685","1,686","1,687","1,688","1,689","1,690","1,691","1,692","1,693","1,694","1,695","1,696","1,697","1,698","1,699","1,700","1,701","1,702","1,703","1,704","1,705","1,706","1,707","1,708","1,709","1,710","1,711","1,712","1,713","1,714","1,715","1,716","1,717","1,718","1,719","1,720","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","2,581","2,582","2,583","2,584","2,585","2,586","2,587","2,588","2,589","2,590","2,591","2,592","2,593","2,594","2,595","2,596","2,597","2,598","2,599","2,600","2,601","2,602","2,603","2,604","2,605","2,606","2,607","2,608","2,609","2,610","2,611","2,612","2,613","2,614","2,615","2,616","2,617","2,618","2,619","2,620","2,621","2,622","2,623","2,624","2,625","2,626","2,627","2,628","2,629","2,630","2,631","2,632","2,633","2,634","2,635","2,636","2,637","2,638","2,639","2,640","2,641","2,642","2,643","2,644","2,645","2,646","2,647","2,648","2,649","2,650","2,651","2,652","2,653","2,654","2,655","2,656","2,657","2,658","2,659","2,660","2,661","2,662","2,663","2,664","2,665","2,666","2,667","2,668","2,669","2,670","2,671","2,672","2,673","2,674","2,675","2,676","2,677","2,678"],"ٞ":{"2":[1],"19":[2],"44":[3,4],"70":[5,6],"74":[7],"80":[8],"81":[9],"82":[10],"83":[11],"86":[12],"92":[13],"105":[14],"108":[15],"110":[16],"112":[17],"114":[18],"119":[19],"120":[20],"122":[21],"123":[22],"125":[23],"126":[24],"130":[25],"143":[26],"149":[27],"154":[28],"156":[29],"157":[30],"158":[31],"162":[32],"168":[33,34],"169":[35],"172":[36],"176":[37],"177":[38,39,40],"181":[41],"183":[42],"184":[43],"197":[44],"199":[45],"202":[46],"248":[47],"249":[48],"256":[49,50],"257":[51,52],"274":[53],"297":[54],"304":[55],"310":[56,57],"314":[58],"316":[59],"318":[60],"319":[61],"320":[62],"321":[63],"333":[64],"335":[65],"336":[66],"337":[67],"345":[68],"352":[69],"353":[70],"358":[71,72],"360":[73],"372":[74],"395":[75],"398":[76],"400":[77],"402":[78,79],"408":[80],"411":[81],"412":[82],"418":[83],"422":[84],"424":[85],"438":[86],"440":[87],"443":[88,89],"447":[90],"450":[91],"451":[92],"454":[93,94],"458":[95],"460":[96],"463":[97,98],"464":[99,100,101],"467":[102,103],"471":[104],"472":[105],"485":[106],"490":[107],"492":[108],"502":[109,110],"503":[111],"505":[112],"506":[113],"507":[114,115],"513":[116],"517":[117],"524":[118,119],"525":[120],"529":[121,122],"535":[123],"549":[124],"550":[125,126],"552":[127,128],"557":[129],"562":[130],"564":[131,132],"565":[133],"567":[134],"577":[135],"579":[136,137],"583":[138],"586":[139],"587":[140],"589":[141,142],"590":[143,144],"592":[145],"593":[146],"598":[147,148],"603":[149,150],"604":[151],"606":[152,153],"607":[154],"608":[155],"616":[156,157],"617":[158],"619":[159,160],"628":[161],"632":[162],"635":[163],"636":[164],"638":[165],"639":[166,167],"643":[168],"653":[169],"655":[170,171],"659":[172,173,174],"660":[175],"671":[176],"675":[177,178],"678":[179],"682":[180],"683":[181,182],"684":[183,184],"690":[185],"694":[186],"699":[187,188],"722":[189],"724":[190],"725":[191],"726":[192],"728":[193,194],"729":[195,196],"731":[197,198],"732":[199],"737":[200,201],"743":[202],"745":[203,204],"746":[205],"751":[206],"753":[207,208,209],"759":[210,211,212],"760":[213],"762":[214,215],"767":[216],"770":[217],"771":[218,219],"775":[220],"777":[221,222,223],"784":[224,225,226],"785":[227],"788":[228,229],"789":[230,231,232],"790":[233],"798":[234],"837":[235,236],"840":[237,238],"842":[239,240],"914":[241],"916":[242,243],"917":[244],"921":[245,246,247],"922":[248],"924":[249],"927":[250,251],"928":[252],"931":[253,254],"932":[255],"934":[256],"939":[257,258],"940":[259],"941":[260],"945":[261,262],"954":[263,264],"959":[265],"964":[266,267],"966":[268],"968":[269],"978":[270,271],"980":[272,273,274],"981":[275],"983":[276],"995":[277,278],"999":[279],"1000":[280],"1009":[281],"1013":[282,283,284],"1015":[285,286],"1018":[287,288],"1020":[289,290,291],"1023":[292,293,294],"1026":[295],"1034":[296],"1035":[297],"1047":[298],"1072":[299,300],"1079":[301],"1080":[302],"1081":[303,304],"1082":[305,306],"1089":[307],"1090":[308],"1091":[309],"1094":[310,311,312],"1095":[313],"1116":[314,315],"1118":[316],"1120":[317,318],"1125":[319],"1154":[320],"1163":[321],"1166":[322,323,324],"1169":[325],"1170":[326,327],"1173":[328,329],"1176":[330],"1180":[331,332],"1184":[333,334],"1185":[335,336],"1186":[337],"1187":[338,339],"1192":[340,341],"1194":[342],"1196":[343,344],"1199":[345,346],"1200":[347,348],"1201":[349],"1202":[350],"1211":[351,352],"1218":[353,354,355],"1223":[356],"1226":[357,358],"1227":[359,360],"1231":[361,362],"1235":[363],"1236":[364],"1238":[365,366],"1240":[367,368],"1242":[369],"1246":[370],"1247":[371,372],"1248":[373],"1253":[374,375],"1262":[376,377],"1281":[378,379],"1282":[380],"1284":[381,382],"1285":[383,384],"1286":[385],"1287":[386,387],"1291":[388,389],"1292":[390,391],"1297":[392],"1298":[393,394],"1313":[395,396],"1318":[397,398],"1321":[399,400],"1322":[401],"1327":[402,403],"1330":[404,405],"1333":[406,407],"1348":[408,409]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالكتاب: روائع التفسير (الجامع لتفسير الإمام ابن رجب الحنبلي)\nالمؤلف: زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسن، السَلامي، البغدادي، ثم الدمشقي، الحنبلي (المتوفى: ٧٩٥هـ)\nجمع وترتيب: أبي معاذ طارق بن عوض الله بن محمد\nالناشر: دار العاصمة - المملكة العربية السعودية\nالطبعة: الأولى ١٤٢٢ - ٢٠٠١ م\nعدد الأجزاء: ٢\n_________\nوضع مَن جمع المادة التفسيرية - جزاه الله خيرًا - آية من سورة سبأ - على سبيل السهو أو الخطأ - ضمن آيات سورة فاطر، فألحقتها بسورتها.","vol":"1","page":23},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>مُقَدِّمَة في فَضائِلِ القُرآنِ</span>\nالحمدُ للَّه جابرِ القلوبِ المنكسرةِ من أجلِهِ، وغافرِ ذنوبِ المستغفرينَ بفضلِه\nوأشهدُ أنَّ لا إله إلا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، ولا شيءَ كمثلِهِ، وأشهدُ أنًّ\nمحمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، أرسله بالهُدى ودينِ الحق ليظهرَهُ على الدِّينِ كلِّه.\nوخيَّرهُ بين أن يكونَ مَلِكًا نبيا أو عبدًا رسولًا، فاختارَ مقامَ العبوديةِ مع\nرسلِهِ.\nأما بعدُ:\nاعلم أنَّ هذا البابَ واسعٌ كبير، ألَّفَ فيه العلماءُ كتبًا كثيرةً، وصنفوا فيه\nتصانيفَ عديدةً نذكرُ من ذلك نكتًا تدلُّ على فضلِهِ، وما أعدَّ الله لأهلهِ إذا\nأخلصُوا الطلبَ لوجهِهِ وعملُوا به، فأوَّلُ ذلك: أنْ يستشعرَ المؤمن من فضلِ\nالقرآنِ أنه كلامُ رب العالمينَ غيرُ مخلوقٍ، كلامُ منْ ليس كمثلِهِ شيءٌ، وصفَةُ\nمن ليس له شبيه ولا ند، فهو من نورِ ذاتِهِ ﷿، وأنَّ القرَّاءَ ونغماتِهِم.\nوهي أكسابُهم التي يُؤمرونَ بها في حالٍ، إيجابًا في بعضِ العباداتِ، وندبًا\nفي كثيرٍ من الأوقاتِ، ويُزجرون عنها إذا أُجنبوا، ويُثابون عليها ويُعاقبون\nعلى تركِها، وهذا مما أجمع عليه المسلمونَ أهلُ الحقِّ ونطقتْ به الآثارُ، ودلَّ\nعليها المستفيضُ من الأخبارِ، ولا يتعلقُ الثوابُ والعقابُ إلا بما هو أكسابُ\nالعبادِ، ولولا أنه - سبحانه - جعلَ في قلوبِ عبادِهِ من القوةِ على حملِهِ ما\nجعله ليتدبَّروه وليعْتَبروا وليتذكروا ما فيه من طاعتِهِ وعبادِتِه، وأداءِ حقوقِه","vol":"1","page":25},{"text":"وفرائضِه، لضعفت ولاندكتْ بثقلِهِ، أو لتضَعْضَعَتْ له، وأنَّى تطيقُه، وهو\nيقولُ - تعالى جدُّه - وقوله الحق: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) .\nفأين قوةْ القلوبِ من قوةِ الجبالِ؟! ولكنَّ اللَّهَ تعالى رزقَ عبادَهُ من القوةِ\nعلى حملِهِ ما شاءَ أن يرزقَهُم، فضلًا منه ورحمةً.\nقال ابنُ عباسٍ: القرآنُ هو المهيمنُ الأمينُ على كلِّ كتابٍ قبله.\nوجاءَ في \"البخاريِّ \": حدثنا عبيدُ اللَّه بنُ موسى، عن شيبانَ، عن\nيحيى، عن أبي سلمةَ، قال: أخبرتني عائشةُ وابنُ عباسٍ - ﵄ - قالا: لبث النبيُّ - ﷺ - بمكةَ عشرَ سنينَ ينزلُ عليه القرآنُ وبالمدينةِ عشرًا.\nوجاء عن موسى بن إسماعيلَ عن معتمرٍ، قال: سمعتُ أبي عن\nعثمان قال: أنبئتُ أن جبريلَ أتى النبيَّ - ﷺ - وعنده أمُّ سلمةَ فجعلَ يتحدثُ فقال النبيُّ - ﷺ -\nلأمِّ سلمة: \"من هذا؟ \" أو كما قال، قالت: هذا دِحيةُ.\nقامَ قالتْ: واللَّه ما حسبتُه إلا إياهُ حتى سمعتُ خطبةَ النبيِّ - ﷺ - يخبرُ خبرَ جبريلَ أو كما قال: قال أبي: قلت لأبي عثمان: ممن سمعتَ هذا قال: أسامةَ بنِ زيدٍ.\nوقال النبيُّ - ﷺ -:\n\"ما مِنْ الأنبياءِ نبيّ إلا أعطيَ ما مثلُهُ آمنَ عليه البشرُ وإنما الذي أوتيتُ وحيًا أوحاهُ اللَّهُ إليَّ فأرجُو أن أكون أكثرَهم تابعًا يوم القيامةِ\".\nوقال أنسُ بن مالكٍ - ﵁ -: إنَّ اللَّه تعالى تابع على رسولِهِ - ﷺ - الوحيَ قبلَ","vol":"1","page":26},{"text":"وفاتِهِ حتَّى توفاه، أكثرَ ما كان الوحيُ ثمَّ توفيَ رسولُ اللَهِ - ﷺ - بعد.\nأي أن أكثر فترةِ تتابع الوحي على الرسولِ فترةُ قبل وفاته - ﷺ -.\nوقال الأسودُ بن قيس: سمعتُ جندبًا يقولُ: \"اشتكى النبيُّ - ﷺ - فلم يقمُ ليلةً أو ليلتينِ فأتتْه امرأةٌ فقالتْ: يا محمدُ، ما أرى شيطانك إلا قد تركَكَ، فأنزل الله ﷿: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) .\nنزلَ القرآنُ بلسانِ قريشٍ والعربِ، قرآنًا عربيًّا بلسانٍ عربيٍّ مبين.\nقال أنسُ بن مالكٍ: فأمرَ عثمانُ زيدَ بنَ ثابتٍ وسعيدَ بنَ العاصِ وعبدَ اللهِ\nابنَ الزبيرِ وعبدَ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ أن ينسَخُوا المصحفَ، وقال\nلهم: إذا اختلفتُم وزيدَ بنَ ثابتٍ في عربيةٍ من عربية القرآنِ فاكتبوها بلسان\nقريشٍ، فإنَّ القرآن أنزلَ بلسانِهِم ففعلُوا.\nوكان يعْلى بنُ أميةَ يقولُ: ليتني أرى رسولَ اللَّه - ﷺ - حين ينزلُ عليه الوحيُ؛ فلمَّا كان النبيُّ - ﷺ - بالجعرانةِ عليه ثوبٌ قد أظلَّ عليه ومعه ناسٌ من أصحابِهِ إذ جاءَهُ رجلٌ متضمخٌ بطيبٍ، فقال رسولَ اللَّه: كيفَ ترى في رجلٍ أحرمَ في جبةٍ بعد ما تضمخ بطيبٍ؟ فنظر النبي - ﷺ - ساعة، فجاءه الوحيُ\nفأشارَ عمرُ إلى يَعْلى أن تعالَ: فجاءَ يعْلى فأدخلَ رأسَهُ فإذا هو مُحمَرُّ الوجهِ\nيغط كذلك ساعةً ثم سُرِّي عنه فقالَ: \"أين الذي يسألني عن العمرة آنفًا\"، فالتُمِسَ الرجلُ فجيءَ به إلى النبيِّ - ﷺ - فقالَ:\n\"أما الطيبُ الذي بك فاغسلهُ ثلاثَ مرَّات","vol":"1","page":27},{"text":"وأمّا الجبةُ فانزَعْها، ثم اصنعْ في عمرتِكَ كما تصنعُ في حجِّك \".\nقال زيدُ بنُ ثابتٍ - ﵁ -: أُرسِلَ إلى أبي بكرٍ مقتلُ أهلِ اليمامةِ فإذا عمرُ ابنُ الخطابِ عندَهُ، قال أبو بكرٍ - ﵁ -:\nإنَّ عمرَ أتاني فقال: إنَّ القتلَ قد استحرَّ يومَ اليمامةِ بقرَّاءِ القرآنِ، وإني أخْشى أن يستحرَّ القتلُ بالقراءِ بالمواطنِ فيذهبُ كثيرٌ من القرآنِ، وإني أرى أنْ تأمرَ بجمع القرآنِ، قلتُ لعمرَ: كيفَ تفعلُ شيئًا لم يفعلْه رسول اللَّهِ - ﷺ -؟\nقال عمرُ: هذا واللَّهِ خيرٌ فلم يزل عمرُ يراجعُني حتى شرحَ اللَّهُ صدري لذلك، ورأيتُ في ذلكَ الذي رأى عمرُ.\nقال زيدٌ: قال أبو بكر: إنك رجلٌ شابٌ عاقلٌ لا نتهمُكُ، وقد كنتَ تكتبُ\nالوحيَ لرسولِ اللَّهِ - ﷺ - فتتبع القرآنَ فاجْمعهُ فواللَّهِ لو كلَّفوني نقلَ جبلٍ من الجبالِ ما كان أثقلَ عليَّ مما أمرَني به منْ جمع القرآنِ، قلتُ: كيفَ تفعلونَ شيئًا لم يفعلْه رسول اللَّه - ﷺ -؟\nقال: هو واللَّهِ خيرٌ، فلم يزل أبو بكر يراجعُني حتى شرحَ اللَّه صدري للذي شرح له صدرَ أبي بكرٍ وعمرَ - ﵄ -.\nفتتبعتُ القرآنَ أجمعُه من العسبِ واللخافِ وصدورِ الرجال حتى وجدتُ آخرَ\nسورةِ التوبةِ مع أبي خزيمةَ الأنصاريِّ لم أجدْها مع أحدٍ غيره:\n(لَقَدْ جَاءَكمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُمْ)، حتى خاتمةِ براءة، فكانتِ الصحفُ عند أبي بكر حتى توفاهُ اللَّهُ، ثمَّ عند عمرَ مدةَ حياتِهِ، ثم عندَ حفصةَ بنتِ عمرَ - ﵄ -.\nوقدمَ حذيفةُ بنُ اليمانَ على عثمانَ وكانَ يغازِي أهلَ الشامِ في فتح أرمينيةَ\nوأذربيجانَ مع أهلِ العراقِ فأفزعَ حذيفةُ بنُ اليمانِ اختلافُهم في القراءةِ، فقال:","vol":"1","page":28},{"text":"حذيفةُ لعثمانَ: يا أميرَ المؤمنينَْ، أدركْ هذه الأُمَّةَ قبلَ أن يختلفُوا في الكتابِ\nاختلافَ اليهودِ والنصارى، فأرسلَ عثمانُ إلى حفصةَ أنْ أرسلي إلينا\nبالصحفِ ننسخُهَا في المصاحفِ ثمَّ نردُّها إليكِ فأرسلتْ حفصةُ إلى عثمانَ\nفأمرَ زيدَ بن ثابتٍ، وعبدَ اللَّه بنَ الزبيرِ، وسعيدَ بن العاصِ، وعبدَ الرحمنِ\nبنَ الحارثِ بنِ هشامٍ، فنسخوها في المصاحفِ، وقال عثمانُ للرهطِ القرشيينَ\nالثلاثةِ: إذا اختلفتم أنتم وزيدُ بنُ ثابتٍ في شيءٍ من القرآنِ فاكتبوه بلسانِ\nقريشٍ فإنما نزلَ بلسانِهِم، ففعلوا حتَّى إذا نسخُوا الصحفَ في المصاحفِ ردَّ\nعثمانُ الصحفَ إلى حفصةَ وأرسلَ إلى كلِّ أفقٍ مما نسخُوا، وأمرَ بما سواهُ منَ\nالقرآنِ في كل صحيفةٍ أو مصحفٍ أن يحرَّق.\nويقولُ زيدُ بنُ ثابت: إنَّ آيةً فُقدتْ من الأحزابِ حين نسخُوا المصحفَ.\nوقد كنتُ أسمعُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقرأُ بها فالتمسنَاها فوجدْنَاها مع خزيمةَ بنِ ثابتٍ الأنصاري: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ) .\nفألحقْناها في سورتِها في المصحفِ.\nأرسلَ أبو بكرٍ - ﵁ - إلى زيدِ بنِ ثابتٍ قائلًا: إنك كنتَ تكتبُ الوحيَ لرسولِ اللَّهِ - ﷺ -، فاتبع القرآنَ، فتتبعتُ - القائل زيد - حتى وجدتُ آخرَ سورةِ التوبةِ آيتينِ مع أبي خزيمةَ الأنصاري لم أجدْهما مع أحدٍ غيره (لَقَدْ جَاءَكمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتمْ..) إلى آخرِها.\nويقولُ البراءُ: لما نزلتْ: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. . .)","vol":"1","page":29},{"text":"قال النبيُّ - ﷺ -:\n\"ادعُ لي زيدًا وليجِئْ باللوح والدواةِ والكتف أو الكتفِ والدواة\"\nثم قال: اكتبْ: \" لا يستوي القاعدونَ \" وخلفَ ظهرِ النبيًّ - ﷺ - عمرُو بنُ أمِّ مكتومٍ الأعْمَى، قال: يا رسولَ اللَّهِ فما تأمرُوني؟\nفإئي رجلٌ ضريرُ البصرِ، فنزلتْ مكانَها: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) .\nويتحدثُ عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ - ﵄ -: أنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قال: \"أقرأني جبريلُ على حرف فراجعتُه فلمْ أزل استزيدُه ويزيدُني حتَى انتهى إلى سببعةِ أحرف \".\nويتكلمُ كل منَ المسورِ بنِ مخرمةَ وعبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ القاري، أنَّهما سمِعا\nعمرَ بنَ الخطابِ يقول: سمعتُ هشامَ بنِ حكيم يقرأُ سورةَ الفرقانِ في حياةِ\nرسولِ اللَّهِ - ﷺ -، فاستمعتُ لقراءتِهِ فإذا هو يقرأُ على حروف كثيرة لم يُقْرئنِيها رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، فكدتُ أساورُهُ في الصلاةِ، فتصبرت حتى سلًّمَ، فلبَّبْتُه بردائِهِ، فقلتُ: منْ أقرأكَ هذه السورةَ التي سمعتُك تقرأُ؟!\nقال: أقرأنيها رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، فقلتُ: كذبتَ، فإنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قدْ أقرأنِيها على\nغيرِ ما قرأتَ، فانطلقتُ به أقودُهُ إلى رسولِ اللَّهِ - ﷺ - فقلتُ: إني سمعتُ هذا يقرأُ بسورةِ الفرقانِ على حروف لم تُقرِئنيها، فقالَ رسولُ اللَّه - ﷺ -: \"أرْسِله.\nاقرأ يا هشامُ \" فقرأ عليه القراءةَ الَّتي سمعتُه يقرأ، فقالَ رسولُ الَلَّهِ - ﷺ -: (كذلك أنزلتْ، ثم اقرأ يا عمرُ\" فقرأتُ القراءةَ التي أقرأني، فقالَ رسول اللَّه - ﷺ -:\n\"كذلك أنزلتْ، إنَّ هذا القرآنَ أنزلَ على سبعةِ أحرفٍ فاقرؤُا ما تيسر منه \".","vol":"1","page":30},{"text":"جاء رجل إلى عائشةَ أمِّ المؤمنينَ - ﵂ - من العراقِ، فقال: أيُّ الكفنِ خيرٌ؟\nقالتْ: ويحك!! وما يضرك؟!\nقال: يا أمَّ المؤمنينَ أريني مصحفكِ، قالتْ لِمَ؟\nقال: لعلِّي أؤلفُ القرآنَ عليه، فإنه يُقرأ غير مؤلَفٍ.\nقالتْ: وما يضرك أيَّهُ قرأتَ قبلُ، إنما نزل أولُ ما نزلَ منه سورة من المفَصلِ فيها ذكرُ الجنة والنارِ، حتى إذا ثابَ الناسُ إلى الإسلامِ، نزلَ الحلالُ والحرامُ ولو نزل أولَ شيءٍ: لا تشربوا الخمرَ لقالوا: لا ندعُ الخمرَ أبدًا.\nولو نزل: لا تزنُوا، لقالوا: لا ندعُ الزّنا أبدًا، لقد نزلَ بمكةَ على محمدٍ - ﷺ -، وإنّي لجاريةٌ ألعبُ:\n(بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ)، وما نزلتْ سورةُ البقرةُ\nوالنساءِ إلا وأنا عندَهُ، قال: فأخرجتْ له المصحَفَ فأملتْ عليه آيَ السُّورِ.\nويقول ابنُ مسعود في بني إسرائيلَ والكهفِ ومريمَ وطه والأنبياءِ: إنَهن\nمن العتاقِ الأولِ وهن من تلادِي.\nوقال البراءُ: تعلمتُ سبّح اسمَ ربِّك قبلَ أن يقدمَ النبيُّ - ﷺ -.\nوقال عبدُ اللَّهِ: قد علمتُ النظائرَ التي كانَ النبيُّ - ﷺ - يقرؤُهنَّ اثنينِ اثنينِ في كل ركعةٍ، فقامَ عبدُ اللَّهِ ودخلَ معه علقمة، وخرجَ علقمةُ، فسألنا، فقال: عشرونَ سورة من أولِ المفصلِ على تأليف ابنِ مسعود آخرُهنَّ الحواميمُ حم الدخان، وعمَّ يتساءلون. َ\nوسأل قتادةُ أنسَ بنَ مالكٍ: مَنْ جمعَ القرآنَ على عهدِ النبيّ - ﷺ -؟\nقال: أربعةٌ كلُّهم من الأنصارِ: أُبي بنُ كعب، ومعاذُ بنُ جبل،","vol":"1","page":31},{"text":"وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو زيد.\nوقال أنسُ بنُ مالكٍ: لم يجمع القرآنَ غيرُ أربعةٍ: أبو الدرداءَ ومعاذُ بنُ\nجبلٍ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو زيدٍ، ثم أضاف أنس: ونحن ورثناه.\nوقال عمرُ بنُ الخطابِ: أُبيٌّ أقرؤُنا، وإنَّا لندعُ من لحنِ أُبي، وأُبيٌّ يقولُ:\nأخذتُه منْ فِيِّ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - فلا أتركُه لشيء، قال الله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) .\nحدثنا أبو نُعيمٍ، قالَ: حدثنا شيبانُ، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، عن أبي\nسلمةَ، عن عائشةَ وابنِ عباسٍ أنَّ رسولَ اللَهِ - ﷺ - لبثَ بمكةَ عشر سنينَ ينزلُ عليه القرآنُ وبالمدينةِ عشرًا.\nحدثنا الحسنُ بنُ موسى: قال: حدثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ.\nعن أنسِ بنِ مالكٌ، قال: قال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"رأيتُ ليلةَ اسْرِي بي رجالًا تُقرضُ شفاههُم بمقاريضَ من نارٍ فقلتُ لجبريلَ: من هؤلاءِ؟\nقال: هؤلاء خطباءُ من أمَّتِكَ يأمرونَ بالبر وينسونَ أنفسَهم وهو يتلونَ الكتابَ أفلا تعقلون \".\nحدثنا أبو عاصم، عن عبيدِ اللَّه بنِ أبي زيادٍ، عن شهرِ بنِ حوشبٍ، عن\nأسماءَ بنتِ يزيدَ أنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قال:\n\"اسمُ اللَّهِ الأعظمُ في هاتينِ الآيتينِ:\n(اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) \".","vol":"1","page":32},{"text":"حدَّثني ابنُ أبي شيبةَ، قال: حدثنا أبو خالدٍ الأحمرُ سليمانُ بنُ حيانَ.\nعن مجالدٍ، عن الشعبيِّ، عن جابرٍ قال: كنَّا جلوسًا عند النبيِّ - ﷺ - فخط خطا هكذا أمامَهُ فقال: \"هذا سبيلُ اللَّه \" وخطينِ عن يمينِهِ، وخطينِ عن شمالِهِ فقالَ: \"هذه سبلُ الشيطانِ \" ثم وضعَ يدَهُ في الخطِ الأوسطِ ثمَّ تلا هذه الآيةَ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) .\nحدثنا يحيى بنُ إسحاقَ، قال: أخبرنا ابنُ لهيعةَ، عن أبي الزبيرِ، قال:\nسمعتُ جابرَ بن عبدِ اللَّهِ بعدَما رجِعنا من غزوةِ تبوكٍ، قال رسول اللَّه - ﷺ -:\n\"إن بالمدينةِ لأقوامًا ما سِرْتُم ولا قطعتُم واديًا إلا كانُوا معكم، حبسهُمُ المرضُ\".\nحدثنا يحيى بن إسحاقَ، قال: أخبرنا ابنُ لهيعةَ عن أبي الزبيرِ، قال:\nسمعتُ جابرَ بن عبدِ اللَّهِ بعدما رجِعنا من غزوةِ تبوكٍ، قال:..\nوحدثني محاضرٌ، قال: حدثنا الأعمشُ، عن ابنِ سفيانَ، عن جابرٍ\nقال: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - ونحنُ في سفرٍ:\n\"إنَّ بالمدينة لرجالًا ما تقطعونَ واديًا ولا تسلكون طريقًا إلا وهُم معكُم، حبسهُم عنكُم المرضُ \".\nقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"ستكونُ فتنٌ\" قلتُ: فما المخرجُ منها يا رسولَ اللَّه؟\nقال: \"كتابُ اللَّهِ فيه نبأ ما قبلكُم، وخبرُ ما بعدكم، وحكمُ ما بينَكم، وهو الفصلُ ليس","vol":"1","page":33},{"text":"بالهزلِ، من تركَهُ من جبارٍ قصمهُ اللَّهُ، ومَنْ ابتغى الهُدَى من غيره أضلَّه اللَّهُ، وهو حبلُ اللَّه المتينِ، وهو الذكرُ الحكيمُ وهو الصراطُ المستقيمُ، وهو الذي لا تزيغُ به الأهواءُ، ولا تلبسُ به الألسنةُ، ولا تشبعُ منه العلماءُ، ولا يخلَقُ على كثرةِ الردِّ، ولا تنقضِي عجائبُه.\nمن قالَ به صدَقَ، ومن عملَ به أُجِرَ، ومن حكمَ به عدلَ، ومن دعا إليه هُدي إلى صراطٍ مستقيمٍ \".\nوقال: \"من قرأ القرآنَ في سبيلِ اللَّه كُتبَ مع الصديقينَ والشهداءِ والصالحينِ\nوحسنُ أولئك رفيقًا\".\nوقال: \"أيحبُّ أحدُكم إذا رجعَ إلى أهلِهِ أنْ يجدَ ثلاثَ خلفاتٍ عظامٍ سمانٍ؟ \"\nقلنا: نعم، قال: \"ثلاثُ آياتٍ يقرأُ بهنَّ أحدُكم في صلاةٍ، خير له من ثلاثِ خلفاتٍ سمانٍ \".\nقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لو كانَ القرآنُ في إهابٍ ما مستْهُ النارُ\".\nوقال: \"لو جُمع القرآنُ في إهابٍ ما أحرقتْهُ النارُ\".\nوقال: \"لو كان القرآنُ في إهابٍ ما أكلتْهُ النارُ\".\nقال رسولُ اللَّه - ﷺ -:\n\"ما أنزلَ اللَّهُ في التوراة ولا في الإنجيلِ مثل: أمِّ القرآنِ وهي\nالسبعُ المثاني \". َ","vol":"1","page":34},{"text":"وقالَ: \"أَخْيرُ سورةٍ في القرآن: الحمدُ للَّهِ ربِّ العالمينَ \".\nوقالَ: \"أفضلُ القرآنِ: الحمدُ للَّهِ ربِّ العالمينَ \".\nوقالَ: \"أعظمُ سورةٍ في القرآنِ: الحمدُ للَّهِ ربِّ العالمينَ \".\nوقالَ: \"فاتحةُ الكتابِ تعدلُ بثلثي القرآنِ \".\nقال رسولُ اللَّهِ: - ﷺ -:\n\"ما من مسلمٍ يأخذُ مضجَعَهُ فيقرأُ سورةً من كتاب اللَّه.\nإلا وَكَلَ به ملكًا يحفظهُ فلا يقربُهُ شيءٌ يؤذيه حتَّى يهبَّ متى هبَّ \".\nوقال: \"إنكم لا ترجعون إلى اللَّهِ بشيءِ أفضلَ مما خرجَ منه \" يعني القرآن.\nوقالَ: \"الصيامُ والقرآنُ يشفعانِ للعبدِ\".\nوقال: \"يجيءُ صاحبُ القرَآنِ يومَ القيامةِ، فيقولُ القرَآنُ: يا ربِّ حلِّه، فيلبسُ تاجَ الكرامةِ، ثم يقولُ: يا ربِّ زِدْه، يا ربِّ ارضَ عنه، فيرضَى عنه، ويقالُ له اقرأ وارْقَ، ويُزادُ له بكلِّ آيةٍ حسنةٌ\".\nقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"خيرُكم من تعلَّم القرآنَ وعلَّمَهُ \".\nوفي لفظٍ: \"إنَّ أفضلَكم من تعلَّم القرَان وعلَّمه \".","vol":"1","page":35},{"text":"وزاد البيهقيُّ في \"الأسماءِ\":\n\"وفضلُ القرآنِ على سائرِ الكلامِ كفضلِ اللَّهِ على سائرِ خلقِهِ \".\nوقالَ: \"من جمعَ القرآنَ كانتْ له عندَ اللَّهِ دعوة مستجابة إن شاءَ عجَّلها في الدنيا، وإن شاءَ ادَّخرها له في الآخرةِ\".\nقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -:\n\"ما مِنْ رجلٍ يُعلِّمُ ولدَه القرآنَ إلا تُوجٍّ يومَ القيامةِ بتاجٍ في الجنةِ\".\nقالَ - ﷺ -:\n\"إنَّ الله كتبَ كتابًا قبلَ أن يخلقَ السمواتِ والأرضَ بألفَي عامٍ، فأنزلَ\nمنه آيتينِ فختمَ بهما سورةَ البقرةِ\".\nوقال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ: أُعطي رسولُ اللَّهِ - ﷺ - ثلاثًا، أُعطي الصلوات الخمس، وأُعطي خواتيمَ سورةِ البقرةِ، وغُفر لمنْ لم يشركْ باللَّه من أمتِهِ شيئًا.\nوقال - ﷺ -:\n\"أعطيتُ خواتيم سَورةِ البقرةِ الآيتينِ. . . \".\nوقال: \"هذه الآياتُ من آخرِ سورةِ البقرةِ من بيت رحمة اللَّه \".\nوقال: \"هذه الآياتُ من آخرِ سورةِ البقرةِ من خزائنِ رحمة اللَهِ تعالى\".\nوقال: \"هذه الآياتُ من آخرِ سورةِ البقرةِ من كنز\".","vol":"1","page":36},{"text":"قال: \"هذه الآياتُ من آخرِ سورةِ البقرةِ من تحت العرشِ \".\nوقالَ - ﷺ -:\n\"من قرأ أولَ سورةِ الكهفِ، وآخرها، كانتْ له نُورًا منْ قدمِهِ إلى رأسِهِ.\nومن قرأها كلَّها كانتْ له نورًا ما بين الأرض والسماءِ\".\nوقالَ - ﷺ -: \"من قرأ في ليلةٍ:\n(فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ..) الآيةَ، كانَ له نورٌ من عدن أبْينَ إلى مكةَ، حشوُهُ الملائكةُ\".\nيقول - ﷺ -: \"إن الله ﵎ قرأ طه ويس قبل أن يخلق السموات والأرضَ \".\nوكان - ﷺ - يقرأُ في الركعة الأولى الفاتحةَ وسورةَ يس.\nوصلَّى بالصحابةِ الظهرَ، فحسبوا أنَّهم سمِعُوا منه آياتٍ من يس.\nوقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"اقرؤوها عند موتاكُم \" - يَعْني: يس.\nوفي كسوفٍ للشمسِ صلَّى عليٌّ - كرَّم اللَّه وجَهه - للناسِ، فقرأ يس أو\nنحوها.","vol":"1","page":37},{"text":"ويقولُ الرسولُ - ﷺ -:\n\"بلغني أنَّ يس تعدلُ القرآنَ كلَّه \".\nوقالَ: \"من قرأ يس حينَ يصبحُ، أُعطي يسرَ يومِهِ \".\nوقالَ: \"من قرأ يس في ليلةٍ ابتغاءَ وجهِ اللَّهِ غُفرَ له \".\nوقالَ: \"من قرأ يس في صدرِ النهارِ، قُضيتْ حوائجُهُ \".\nوقالَ: \"من قرأ يس كتب اللَّه له بقراءَتِها، قراءةَ القرآنِ عشرَ مرَّاتٍ \".\nكان النبيُّ - ﷺ - يسجدُ إحْدى عشرةَ سجدةً وسجدةَ الحواميم.\nويقالُ: عشرونَ سورةً من أول المفصلِ على تأليف ابنِ مسعود وآخرُهن\nالحواميم.\nوالحواميمُ هي المسبحاتُ.\nوكان الرسولُ - ﷺ - يقرأ المسبحاتِ قبلَ أن يرقد.\nوكان النبيُّ - ﷺ - لا ينامُ حتَّى يقرأَ المسبحات.\nوالمسبحاتُ آية خير من ألفِ آيةٍ.\nوجاء عن النبيِّ - ﷺ -: \"إنَّ لكلِّ شيءٍ لُبابًا، ولبابُ القرآنِ الحواميمُ \".","vol":"1","page":38},{"text":"وقالَ: \" الحواميمُ ديباجُ القرآنِ \".\nوقالَ: \"من قرأ حم (الدخان) في ليلةٍ، أصبحَ يستغفرُ له سبعونَ ألف ملَكٍ \".\nوقال - ﷺ -:\n\"إِنَّ لِكُلِّ شَىْءٍ لُبَابًا، وَإِنَّ لُبَابَ الْقُرْآنِ الْمُفَصَّلُ \".\nقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"لكلِّ شيءٍ عروسٌ وعروسُ القرآنِ الرحمنُ \".\nويقالُ: لكن النبيَّ كان يقرأ النظائرَ، النظرُ: الرحمنُ والنجم.\nوالنظائرُ التي كان رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يقرنُ: الرحمنُ والنجمُ.\nوكانَ أولُ مفصلِ ابنِ مسعودٍ: الرحمنُ.\nنزلتْ سورةُ الحشرِ في بني النضيرِ.\nوسماها البعضُ سورةُ النضيرِ.\nوقالَ - ﷺ -:\n\"من قال حين يصبحُ أعوذُ باللَّه السميع العليم من الشيطانِ الرجيم.\nوثلاثَ آياتٍ من آخرِ سورةِ الحشرِ، وَكَّلَ اللَهُ به سبعينَ ألفَ ملَكٍ يصلُّونَ عليه \".\nوقالَ: \"من قرأ ثلاثَ آياتِ من آخرِ سورةِ الحشرِ إذا أصبحَ فماتَ من يومِهِ ذلكَ طُبع بطبائع الشهداءِ\".\nقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"من القرآنِ سورة ثلاثونَ آيةً شفعتْ لرجل حتى غُفر له:\n(تباركَ الذي بيده الملك) \".","vol":"1","page":39},{"text":"وقالَ: \"هي المانعةُ، هي المنجيةُ، تنجي من عذابِ النارِ\".\nوقالَ: \"وددتُ أنَّها في قلبِ كلِّ مؤمنٍ: تباركَ الذي بيده الملك \".\nوقالَ: \"من قرأ (تباركَ الذي بيدهِ الملكُ) كلَّ ليلةِ، منعهُ اللَّهُ من عذابِ القبرِ\".\nقال - ﷺ -:\n\"إني نسيتُ أفضلَ المسبحاتِ \" قال أُبيُّ بنُ كعبٍ: فلعلها: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)؟\nقال: \"نعم\".\nقالَ - ﷺ -:\n\"إن الشيطانَ يخرجُ من البيتِ إذا سمعَ سورةَ البقرةِ تُقرأُ فيهِ \".\nوقالَ: \"من قرأ سورةَ آلِ عمرانَ يومَ الجمعةِ صلَّتْ عليه الملائكةُ إلى الليلِ \".\nوقالَ: \"أعظمُ آيةٍ في كتابِ اللَّهِ آيةُ الكرسي \".\nوقالَ: \"إنَّ لكلِّ شيء سنامًا، وإنَّ سنامَ القرآنِ البقرةُ، وفيها آيةٌ هي سيدةُ آي القرآنِ آيةُ الكرسي \".\nوقالَ: \"أفضلُ القرآنِ سورةُ البقرةِ وأعظمُ آيةٍ فيها، آيةُ الكرسي \".\nوقالَ: \"من قرأ آيةَ الكرسي دُبرَ كلِّ صلاة مكتوبة لم يمنعْه من دخولِ الجنة إلا أن يموتَ \".","vol":"1","page":40},{"text":"وقالَ: \"آيةُ الكرسي ربعُ القرآنِ \".\nوقالَ: \"من قرأ الآيتينِ من آخرِ سورةِ البقرةِ في ليلة، كفتاهُ \".\n\"من قرأ آخرَ آلِ عمرانَ في ليلة، كتبَ له قيامُ ليلة\".\n\"إن الله كتبَ كتابًا قبل أن يخلَق السماواتِ والأرضَ بألفي عامٍ، وأنزلَ منه آيتينِ ختمَ بهما سورةَ البقرةِ، ولا يُقرآنِ في دار فيقربُها شيطانٌ ثلاثَ ليالي \".\nقال - ﷺ -: \"الأنعامُ من نواجبِ القرآنِ \".\nوقالَ: \"من أخذَ السبعَ الطوالَ فهو حبرٌ\".\nوقالَ: \" لا يحفظُ منافقٌ سورَ: براءةَ، وهودَ، ويس، والدخانَ، وعمَّ يتساءلون \".\nوقالَ: \"آيةُ العزِّ: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) .. إلخ السورةِ.\nقالَ - ﷺ -:\n\"ألا يستطيعُ أحدُكُم أنْ يقرأ ألفَ آية في كلّ يومٍ؟ \"\nقالُوا: ومن يستطيعُ أن يقرأ ألفَ آيةٍ؟\nقال: \"أما يستطيعُ أحدُكُم أن يقرأ: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ) \".","vol":"1","page":41},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>المعوذتان:</span>\nالمقصودُ بهما سورةُ الفلق وسورةُ الناسِ.\nوقال - ﷺ -:\n\"أُنزلَ (أو أنزلتْ) عليَّ آياتٌ لم يُرَ مثلُهُنَّ قط: المعوذتين \".\nوكان رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: يقرأُ في الركعة الثالثةِ المعوذتينِ وقل هو اللَّه أحد.\nوكان يطلبُ من الصحابةِ القراءةَ بالمعوذتين في دبرِ كلِّ صلاةٍ.\nوكان النبيُّ - ﷺ - إذا مرضَ قرأ على نفسِهِ بالمعوذتين.\nوكان إذا أخذ مضجعَهُ إذا أوى إلى فراشِهِ نفثَ في يديهِ بالمعوذتين\".\nوكان يتعوذُ حتَّى نزلتْ المعوذتان، فلمَّا نزلتْ أخذَ بهما وترك ما\nسواهما.\nوكانَ ابنُ مسعودٍ لا يكتبُ المعوذتينِ في مصحفِهِ.\nحدثنا يزيدُ بنُ أبي حكيمِ، قال: حدثنا سفيانُ، عن عاصم الأحولِ قالَ:\nسألتُ أنسًا عن الصفا والمروة، فقال: كانا من شعائرِ الجاهليةِ فلمَّا كانَ\nالإسلامُ أمسكْنا عنهما، فأنزلَ اللَّهُ ﷿:\n(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) .","vol":"1","page":42},{"text":"حدثني أبو بكرٍ بنُ أبي شيبةَ، قال: حدثنا كثيرُ بنُ هشامٍ، عن أبي الزبيرِ.\nعن جابرٍ، قال: اشتكيتُ وعندي سبعَ أخواتٍ لي فدخلَ عليَّ رسولُ اللَّهِ\n- ﷺ - فنفخَ في وجهي فأفقتُ، فقلتُ: يا رسولَ اللهِ ألا أوصي لإخوتي بالثلثينِ، قال: \"احبِسْ \" قلتُ: الشطرُ، قال: \"احبِسْ \".\nثم خرجَ وتركني فقالَ:\n\"يا جابرُ إني أراكَ ميتًا من وجعكِ هذا وإنَّ اللَّه ﷿ قد أنزلَ فبين لأخواتِكَ فجعلَ لهنَّ الثلثينِ \" قال: فكان جابرٌ يقولُ: نزلتْ هذه الآيةُ فيَّ (يَسْتَفْتُونكَ قًلِ اللَّه يُفْتِيكم فِي الْكَلالَةِ) .\nحدثني محاضر، قال: حدثنا الأعمشُ، عن ابنِ سفيانَ، عن حابرٍ، قالَ:\nقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، ونحنُ في سفرٍ: \"إن بالمدينة لرجالًا ما تقطعونَ واديًا ولا تسلكون طريقًا إلا وهم معكُم حبسهُم عنكم المرضُ \".\nقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"القرآنُ أحبُّ إلى اللَّهِ من السمواتِ والأرضِ ومن فيهنَّ\".\nقالَ - ﷺ -:\n\"حملةُ القرآنِ في ظلِّ اللَّهِ يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه \".\nوقالَ: \"إنَّ هذا القرآنَ سببٌ طرفُهُ بيدِ اللَّه، وطرفُه بأيديكُم فتمسَّكوا به،","vol":"1","page":43},{"text":"فإنَّكُم لن تضلّوا ولنْ تهلِكُوا بعدَهُ أبدًا\".\nوقالَ: \"منْ تعلَّم كتابَ اللَّه ثم اتَّبع ما فيه، هداهُ اللَّهُ به من الضلالةِ، ووقاه يومَ القيامةِ سوءَ الحسابِ \".\nوقالَ: \"لأن تغدو فتتعلمَ آيةً من كتابِ اللَّهِ خيرٌ لك من أن تصلِّي مائةَ ركعةٍ\".\nوقالَ: \"إنَّ الذي ليسَ في جوفهِ شيءٌ من القرآنِ كالبيتِ الخربِ \".\nقال - ﷺ -:\n\"الماهر بالقرآنِ مع السفرة الكرام البررةِ، والذي يقرأ القرآن ويتتعتعُ فيهِ.\nوهو عليهِ شاقٌّ له أجرانِ \".\nوقالَ: \"من تعلَّم آيةً من كتابِ اللَّهِ استقبلتْه يومَ القيامةِ تضحكُ في وجهِهِ \".\nوقالَ: \"من قرأ القرآنَ فاستظهرَهُ، فأحَلَّ حلالَهُ، وحرمَ حرامَهَ أدخله اللَّهُ الجنةَ، وشفَعه في عشرةٍ من أهلِ بيتِهِ، كلِّهم قد وجبتْ لهم النارُ\".\nوقالَ: \"من قرأ القرآنَ فأكملَهُ وعملَ به أُلبِسَ والداه تاجًا يومَ القيامةِ، ضوءُه أحسنُ من ضوءِ الشمسِ في بيوتِ الدُّنيا لو كانتْ فيكم فما ظنُّكم بالذي عمل بهذا؟! \".\nقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"خيرُ الحديثِ كتابُ اللَّهِ \".\nوقالَ: \"حملةُ القرآنِ عُرفاءُ أهلِ الجنةِ\".","vol":"1","page":44},{"text":"وقالَ: \"أهلُ القرآنِ هم أهلُ اللَّهِ وخاصتُه \".\nوقالَ: \" القرآنُ شافعٌ مشفعٌ وماحِلٌ مصدَّق من جعلَه أمامَه قادَهُ إلى الجنةِ، ومن جعلَهُ خلفَهُ ساقَهُ إلى النارِ\".\nوقال: \"من قرأ القرآنَ يقوم به آناءَ الليلِ والنهارِ، يُحلُّ حلالَهُ ويحرِّمُ حرامَهُ، حرَّم اللَّهُ لحمَهُ ودمَهُ على النارِ، وجعلَهُ مع السفرةِ الكرام البررةِ حتَّى إذا كان يومُ القيامةِ كانَ القرآنُ حجةً له \".\nقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"القرآنُ غِنًى لا فقرَ بعده، ولا غِنًى دونَهُ \".\nوقالَ: \"ثلاثةٌ لا يهولهم الفزعُ الأكبرُ، ولا ينالُهم الحسابُ، هم على كثيبٍ من مسكٍ حتَّى يُفرغَ من حسابِ الخلائقِ: رجل قرأ القرآنَ ابتغاءَ وجهِ اللَّهِ، وأمَّ به قومًا وهم به راضونَ \".\nوقالَ: \"من قرأ القرآنَ فقد استدرجَ النبوةَ بين جنبيه غيرَ أنَّه لا يُوحى إليه \".\n\"لا ينبغي لصاحبِ القرآنِ أن يجدَ مع من يجدُ، ولا يجهلَ مع من يجهَلُ وفي جوفِهِ كلامُ اللَّهِ \".\nقالَ - ﷺ -:\n\"من صلَّى صلاةً لم يقرأ فيها بأمِّ القرآنِ فهي خِداجٌ \".","vol":"1","page":45},{"text":"وقالَ: \"من لم يقرأ بأمِّ القرآنِ فلا صلاةَ له \".\nوقالَ: \"من صلَّى ركعةً لم يقرأ بأمِّ القرآنِ فلم يصلِّ \".\nوقالَ: \"ومن فاتَهُ قراءةُ أمِّ القرآنِ فقد فاتَهُ خيرٌ كثيرٌ\".\nوكان النبيُّ - ﷺ - يقرأُ بأمِّ القرآنِ وسورتينِ معها في الركعتينِ الأوليينِ من صلاةِ الظهرِ وصلاةِ العصرِ، وكان يقرأ في الركعتينِ الأخريينِ بأمِّ القرآنِ وكان يخفف الركعتينِ.\nفصلَّى ركعتينِ خفيفتين قبلَ صلاة الفجرِ حتَّى كانَ الصحابةُ يقولونَ: هلْ\nقرأ فيهما بأمِّ القرآنِ؟.\nوسمعتُ الحجاجَ يقولُ على المنبر: لا تقولوا: سورةَ البقرةِ، قولوا:\nالسورةُ التي يُذكر فيها البقرةُ.\nويقالُ: إن عبدَ اللَّهِ بن عمرَ مكثَ على سورةِ البقرةِ ثماني سنينَ يتعلمُها.\nويقولُ أنسٌ - ﵁ -: كان رجلٌ يكتبُ بين يدي رسولِ اللَّهِ - ﷺ -: وكانَ الرجلُ إذا قرأ البقرةَ وآلَ عمرانَ يُعدُّ فينا عظيمًا.\nوكان رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يقرأُ في الصلاةِ دائمًا آيةَ:\n(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا) .\nويقولُ ابنُ عباسٍ: إنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - كان ينامُ حتَّى منتصفِ الليلِ، فيستيقظُ،","vol":"1","page":46},{"text":"ثمَّ يقرأُ الخمسَ أو العشرَ الآياتِ الأواخرِ، الخواتيم من سورةِ آلِ عمران.\nويقولُ ابنُ عباسٍ أيضًا: قامَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - من الليلِ فخرجَ فنظرَ في السماءِ ثم تلا هذه الآيةَ التي في آلِ عمرانَ:\n(إِنَّ فِي خَلْقِ. . .) الآية.\nويقول رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"من قرأ البقرةَ وآلَ عمرانَ جاءَتا يومَ القيامةِ تقولانِ: ربَّنا لا سبيلَ عليهِ \".\nوقال - ﷺ -:\n\"تعلَّمُوا واقرؤُوا سورةَ البقرةِ وآلِ عمرانَ فإنَّما الزهراوانِ \".\nوسمعتُ الحجاجَ على المنبرِ يقولُ: قولُوا السورةُ التي يُذكرُ فيها آلُ\nعمرانَ.\nقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"من قرأ سورةَ الكهفِ في يوم الجمعةِ، أضاءَ له من النورِ ما\nبينه وبين الجمعتينِ \".\nوقال: \"من قرأ سورةَ الكهفِ ليلةَ الجمعةِ، أضاء له مِنَ النورِ فيما بينه وبين البيتِ العتيقِ \".\nوقالَ: \"من قرأ الكهفَ لساعةٍ يريد يقوم من الليل قامها\".\nوقال: \"من قرأ عشر آياتٍ من الكهفِ لم يخفِ الدَّجال \".","vol":"1","page":47},{"text":"وقالَ: \"من حفظَ عشرَ آياتٍ من أولِ الكهفِ عُصِمَ من فتنةِ الدجالِ \".\nوقالَ: \"من قرأَ ثلاثَ آياتٍ من أوَّلِ الكهفِ عُصِمَ من فتنة الدجالِ \".\nوقالَ: \"من قرا أوَّلَ سورةِ الكهفِ وآخرَها، كانتْ له نورٌ من قدَمِهِ إلى رأسِهِ \".\nقال - ﷺ -:\n\"تجِيءُ الم السجدةُ يومَ القيامةِ لها جناحانِ تُظلُّ صاحبَها، تقولُ: لا سبيلَ\nعليك، لاسبيلَ عليكَ \".\nوقالَ: \"في تنزيل (السجدة) وتباركَ (المُلك) فضلُ ستينَ درجةٍ على غيرِهما من\nسورِ القرآنِ \".\nوجاء عن رسولِ اللهِ - ﷺ -:\n\"يس قلبُ القرآنِ لا يقرؤُها رجلٌ يريدُ اللهَ والدارَ\nالآخرةَ إلا غَفَرَ الله له، اقرؤوها على موتاكم \".\nوقالَ: \"إن لكلِّ شيء قلبًا، وقلبُ القرآنِ يس، من قرأها كتبَ اللَّه له بقراءتها قراءةَ القرآنِ عشرَ مراتٍ \".\nوقالَ: \"من قرأ يس في ليةٍا ابتغاءَ وجهِ اللَّهِ تعالى، غُفِرَ له \".\nوقالَ: \"من دامَ على قراءةِ يس كلَّ ليلةٍ ثمَّ ماتَ، ماتَ شهيدًا \".","vol":"1","page":48},{"text":"ويقولُ: سمعنا رجلًا يقرأ (حم) الثلاثينَ يعني سورةَ الأحقافِ.\nونقولُ: قرأَنا (حم) لدخان.\nونقول: قرأنا (حم) المؤمن.\nويقولُ النبيُّ - ﷺ -:\n\"من قرأ آيةَ الكرسي وفاتحةَ حم المؤمنِ، لم يرَ شيئًا يكرهُهُ \".\nوالقرائنُ التي يقرنُ بينهنَّ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - ثماني عشرةَ سورة من الفصلِ وسورتينِ مِنْ آلِ حم.\nيقالُ: إنما نزلَ أولُ ما نزلَ منه (أي من القرآنِ الكريمِ) سورة من المفصلِ\nفيها ذكرُ الجنةِ والنارِ.\nويقولُ صحابي من أصحابِ النبيِّ - ﷺ -:\nقرأتُ (سبح اسمَ ربِّك الأعلى) في سورٍ من المفصلِ.\nقال رجلٌ: قرأتُ المفصلَ البارحةَ كلَّه.\nوقال بعضهم: إنه لا يَرى السجودَ في المفصلِ.\nوسجدَ الرسولُ - ﷺ - إحدى عشرةَ سجدةً ليس فيها من المفصلِ شيء.\nوكان الرسولُ - ﷺ - لا يسجدُ في شيءٍ من المفصلِ منذُ تحوَّل إلى المدينةِ\n(هاجرَ إلى المدينة) فليس في المفصلِ سجدةٌ.\nكان النبيُّ - ﷺ - يقرأُ في العشاءِ بسورٍ من أوساط المفصلِ نحوِ سورةِ المنافقينِ، وحزب المفصلِ من قافٍ، حتى يختم.","vol":"1","page":49},{"text":"كان النبيُّ - ﷺ - يقرأ المسبحاتِ كلَّ ليلةٍ قبلَ أن يرقدَ ويقولُ: \"فيهنَّ آيةٌ خيرٌ منْ ألفِ آية\".\nوأوصى النبيُّ - ﷺ - رجلًا إذا أتى مضجعَهَ أن يقرأ سورةَ الحشرِ، وقال: \"إنْ مِتَّ متَّ شهيدًا\".\nوقال الرسولُ - ﷺ -:\n\"من قرأ حين يصبحُ ثلاثَ آياتٍ، من آخرِ سورةِ الحشرِ وَكَّلَ\nاللَّهُ به سبعينَ ألفَ ملكٍ يصلُّون عليه حتَّى يُمسي وإن ماتَ في ذلك اليومِ ماتَ شهيدًا.\nومن قالَها حين يُمسي كانَ بتلكَ المنزلةِ\".\nوقالَ: \"من قرأ خواتيمَ الحشرِ في ليلٍ أو نهارٍ فماتَ في يومِهِ أو ليلتِهِ، فقدْ أوجبَ اللهُ له الجنةَ\".\nقال - ﷺ -:\n\"من قرأ: (إِذَا زُلْزِلَتِ) عدلتْ له بنصفِ القرآنِ \".\nوقالَ: \" (إِذَا زُلْزِلَتِ) تعْدِلُ بنصفِ القرآنِ، و(وَالعَادِيَاتِ) تعدلُ بنصفِ\nالقرآنِ \".\nويقال: إنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قرأ يومَ الجمعةِ تباركَ وهم قائمٌ.\nوقيل: كان رسولُ اللَهِ - ﷺ - في ليلةِ الجمعةِ يقرأ في الركعةِ الرابعةِ بفاتحةِ الكتابِ وتبارك المفصلِ.","vol":"1","page":50},{"text":"قال - ﷺ -:\n\"إنَّ اللهَ لَيسمعُ قراءةَ (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كفَرُوا) فيقول: أبشر عبدي.\nلأمكنَنَّ لكَ في الجنةِ حتى ترضَى\".\nقالَ - ﷺ -: \" (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) ربع القرآن \".\nوقال: \" (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) تعدل ربع القرآن \".\nوقال: \"اقرأ (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) ثم نمْ على خاتمتِها، فإنها براءة من الشركِ \".\nوقال: \"ألا أدلكم على كلمة تنجيكُم من الإشراكِ باللَّهِ؛ تقرءون.\n(قلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) عند منامِكُم \".\nوقال - ﷺ - لعقبةَ بن عامرٍ:\n\"ألا اعلمُكَ سورة، ما أُنزل في التوراةِ ولا في الزبورِ\nولا في الإنجيلِ ولا في الفرقانِ مثلُها؟ \"\nقلتُ: بلى، قالَ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) .\nو(قلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) \".\nوقال لعقبةَ بن عامر أيضًا: \"ألا أخبرُكَ بأفضلَ ما تعوَّذَ به المتعودونَ؟ \"\nقالَ: بلى، قالَ: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) \".\nوقالَ: \"اقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، والمعوذتين حين تمسي وحين تصبحُ ثلاثَ مراتٍ","vol":"1","page":51},{"text":"تكفيكَ من كلِّ شيءٍ\".\nوقال: \"من قرأ بعدَ صلاةِ الجمعةِ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) .\nو(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِ النَّاسِ) سبعَ مراتٍ أعاذَهُ اللَهُ من السوءِ إلى الجمعةِ الأخرى\".\nكان أسيدُ بنُ حُضير يقرأ من الليلِ سورةَ البقرةِ، وفرسُهُ مربوطٌ عندَهُ إذْ\nجالتِ الفرسُ فسكتَ، فسكتتْ فقرأ فجالتِ الفرسُ، فسكتَ، وسكتت\nالفرسُ، ثم قرأ فجالتِ الفرسُ فانصرفَ، وكان ابنُه يحيى قريبًا منها فأشفق\nأنْ تصيبَه، فلمَّا اجتره رفعَ رأسهَ إلى السماءِ حتَّى ما يراها، فلمَّا أصبح\nحدث النبيَّ - ﷺ -: فقال:\n\"اقرأ يا ابن حُضيرٍ، أقرأ يا ابن حُضيرٍ\"\nقال: فأشفقتُ يا رسول اللَّه أن تطأ يحيى وكان منها قريبًا، فرفعتُ رأسي فانصرفتُ إليه، فرفعتُ رأسي إلى السماءِ، فإذا مثل الظلةِ، فيها أمثالُ المصابيح، فخرجتُ حتى لا أرَاها، قال: وتدري ما ذاك؟\nقال: لا، قال: \"تلك الملائكةُ دَنَتْ لصوتِك ولو قرأتَ لأصبحتْ ينظرُ الناسُ إليها لا تتوارَى منهم \".\nدخل عبدُ العزيزِ بنُ رفيع وشدادُ بنُ معقلٍ على ابنِ عباسٍ - ﵄ - فقال له شدادُ بنُ معقل:\nأتَرَكَ النبيُّ - ﷺ - منْ شيءٍ؟\nقال: ما تركَ إلا ما بين الدفتين.\nودخل عبدُ العزيز بنُ رفيع وشدادُ بن معقلٍ على محمدِ بنِ الحنفيةِ فسألاه\nفقال: ما ترك إلا ما بين الدفتين.\nقال رسولُ اللَّه - ﷺ -:\n\"مثلُ الذي يقرأُ القرآنَ كالأترجةِ طَعْمُها طيبٌ وريحُها\nطيب والذي لا يقرأُ القرآنَ كالتمرةِ طعمُها طيبٌ ولا ريحَ لها.\nومثلُ الفاجرِ الذي يقرأُ","vol":"1","page":52},{"text":"القرآنَ كمثلِ الرَّيحانةِ ريحُهَا طيبٌ وطعْمُها مرٌّ، ومثلُ الفاجرِ الذي لا يقرأ القرآنَ كمثلِ الحنظلةِ طعْمُها مُرٌّ ولا ريحَ لها\".\nويقولُ ابنُ عمرَ - ﵄ - عن النبيِّ - ﷺ - أنه قالَ: \"إنما أجلُكُم في أجلِ من خلا من الأمم كما بين صلاةِ العصرِ ومغربِ الشمسِ، ومثلُكُم ومثلُ اليهودِ والنصارى، كمثلِ\nرجل استعملَ عمالًا فقال: من يعملُ لي إلى نصفِ النهارِ على قيراط قيراطٍ؟ فعملتِ اليهودُ فقال: من يعمل لي من نصفِ النهارِ إلى العصرِ؟\nفعملتِ النصارى، ثم أنتم تعملونَ من العصرِ إلى المغربِ بقيراطينِ قيراطينِ \" قالوا: نحنُ أكثرُ عملًا وأقلُّ عطاءً، قال: \"هل ظلمتُكم من حقكم؟\nقالوا: لا، قال: فذاكَ فضْلِي أوتيه من شئتُ \".\nوسألَ طلحةُ عبدَ اللَّهِ بنَ أبي أوفى: أأوصى النبيُّ - ﷺ -؟\nفقال: لا، فقلتُ: كيف كتبَ على الناسِ الوصيةَ، أُمِروا بها ولم يوصِ؟\nقال: أوصَى بكتابِ اللَّه.\nقال تعالى: (أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَئ عَلَيْهِمْ. . .) .\nوعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"لم يأذن اللَّهُ لشيء ما أذِنَ لنبيٍّ أن يتغنَّى بالقرآنِ \"\nوقالَ صاحبٌ له: يريدُ يجهرُ به.\nوقال أبو هريرة: إن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قال: \"ما أذِنَ اللَّهُ لشيءٍ ما أذِنَ لنبيٍّ أن يتغنى بالقرآنِ \".","vol":"1","page":53},{"text":"وقال سفيانُ: تفسيرُه يسْتغنِي به.\nوسمعَ عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ - ﵄ - رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ:\n\"لا حسدَ إلا على اثنتينِ: رجلٌ آتاهُ اللَهُ الكتابَ وقامَ به آناءَ الليلِ.\nورجلٌ أعطاه اللَّهُ مالًا فهو يتصدَّقُ به آناءَ الليلِ والنَّهارِ\".\nوقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"لا حسدَ إلا في اثنتينِ: رجلٌ علَّمه اللَهُ القرآنَ فهو يتلوهُ\nآناءَ الليلِ وآناءَ النهارِ، فسمعَهُ جارٌ له، فقال: ليتني أوتيتُ مثلَ ما أوتي فلانٌ، فعملتُ مثلَ ما يعملُ، ورجلٌ آتاهُ اللَّهُ مالًا فهو يهلكُه في الحقِّ، فقال رجلٌ: ليتني أوتيتُ مثلَ ما أوتي فلانٌ فعملتُ مثلَ ما يعملُ \".\nقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"خيرُكُم من تعلَّم القرآن وعلَّمَهُ \"\nوقيلَ: إنَّ أبا عبدِ الرحمنِ أقرأ في إمرةِ عثمانَ بن عفَّانَ حتَّى كان الحجاجُ، قال: وذاك الذي أقعدَني مقْعدي هذا.\nوقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"أفضلكُم من تعلَّم القرآنَ وعلَّمَهُ \".\nوأتتِ امرأةٌ النبيَّ - ﷺ - فقالتْ: إنَّها قدْ وهبتْ نفسَهَا للَّه ولرسولِهِ - ﷺ -\nفقال: \"ما لي في النساء من حاجةٍ\"، فقال رجلٌ: زوِّجنيها.\nقال: \"أعطِهَا ثوبًا\"\nقال: لا أجدُ، قال: \"أعْطِها ولو خاتمًا من حديدٍ\"، فاعتلَّ له فقال:\n\"ما معك من القرآنِ؟ \"\nقال: كذا وكذا، قال: \"فقد زوجتُكَها بما معك من القرآنِ \".","vol":"1","page":54},{"text":"قال تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرانَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيم) .\nوقال: (إِنَّ هَذَا الْقُرانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ) .\nوقال: (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٦) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧) كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) .\nوقال: (نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥) .\nوقال: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤) .\nوقال: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) .\n(وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرآنَ) .\n(وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) .\n(ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) .\nواعلمْ أنَ اللَّه تعالى صرَفَ في هذا القرآنِ ليذَّكَّروا، ولكن ما زادَهُم إلا\nنفُورًا وجُحودًا ففي قلوبِهِم أقفالٌ مغلقة، وإذا قرأ محمد - ﷺ - القرآن جعلَ اللَّهُ تعالى بينه وبين الذين لا يؤمنونَ بالآخرةِ حجابًا مستورًا، ولتقم الصلاةَ لدلوك الشمس إلى غسقِ الليل وقرآنَ الفجرِ، ما أروعَهُ! إن قرآنَ الفجرِ كان مشهودًا.\nوأنزلَ اللَّهُ من القرآنِ ما فيه شفاءٌ ورحمة للمؤمنينَ، ولئن اجتمعتِ الإنسُ","vol":"1","page":55},{"text":"والجنُّ على أنْ يأتوا بمثلِ هذا القرآنِ لا يأتونَ بمثلِهِ ولعجزُوا عجْرًا أبديا.\nوصرَّفه اللَّهُ للناسِ، صرَّف القرآنَ من كُلّ مثل. ولكنْ ما أنزلَهُ اللَّه ليشقى\nأحدٌ من الناسِ، ويطلبُ ربُّ العزة من محمدِ - ﷺ - ألا يعْجلَ به من قبلِ أن يُقضى إليه وحيُه بإذنِه تعالى - جل شأنُه -.\nويقولُ الرسولُ: (يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقرْآنَ مَهْجُورًا) .\nويطمئنه اللَهُ فعلى محمدٍ - ﷺ - ألا يخافَ ولا يحزنَ فهم يقولونَ: (لولا نزل عليه القرآنُ جملةً واحدةً)؟ وهم لا يعرفونَ أن تلك الآياتِ حكيمةٌ من لدنْ حكيم عليم، وكلامُهُم غثاءٌ أحْوى.\nالقرآنُ الذي يقص على بني إسرائيل أكثرَ الذي هم في يختلفونَ دائمًا، ولقد أُمرتَ يا محمدُ أن تكونَ من المسلمينَ تاليًا للقرآنِ والذي فرضَهُ عليك لرادُّك إلى معادٍ.\nفي هذا القرآنِ ضربَ الله للناسِ كلَّ الأمثالِ لعلَّهم يتفكرونَ ويعقلونَ. والذين كفرَوا قالُوا: إنَّهم لن يؤمنوا بهذا القرآنَ ولا بالذي بين يديه، بئس قولُهم، فالقرآنُ حكيمٌ، ومحمدُ ابنُ عبدِ اللَّه لا ريبَ من المرسلينَ، ما علَّمه اللَّهُ الشعْرَ وما ينبغي له، إن هوَ إلا ذكرٌ وقرآنٌ مبين.\nالقرآنُ ذو الذكر ولكنَّ الذين كفروا في عزةٍ مزعومةٍ وشقاقٍ.\nالقرآنُ يسره اللَّه للذكرِ فهلْ من مدَّكرٍ، ولنذكر ثمودَ وقومَ لوطٍ وآل\nفرعونَ إذ جاءهم النذرُ.\nفالرحمنُ علَّم القرآنَ، فهو قرآنٌ كريمٌ في كتابٍ مكنونٍ لو أنزله اللَّهُ على\nجبلٍ لرأيناه خاشعًا متصدِّعًا، أقبِلْ عليه يا محمدُ ورتِّلْه ترتيلًا.\nواقرءوا في السرِ والجهرِ ما تيسرَ منه.\nوهو قرآن مجيدٌ، في لوحِ محفوظٍ، قد نزله اللَّه تنزيلًا، ولكنْ ما عسَاهم لا يسجدونَ إذا قُرِئَ عليهم القرآنُ؛ إنه","vol":"1","page":56},{"text":"قرآن عربيٌ مبينٌ لعلنا نعقلُ، ولو أنَّ قرآَنا سيرتْ به الجبالُ أو قُطِّعَتْ به\nالأرضُ أو كلِّم به الموتَى بل للَّهِ سبحانه الأمرُ جميعًا أفلم يعرفِ الذين آمنُوا\nأن لو يشاءُ اللَّهُ لهدى الناسَ جميعًا؛ ولا يزالُ الذين كفرُوا وجحذدوا لصيبُهم\nبما صنعُوا قارعةٌ، أو تحلُّ قريبًا من دارهم حتَّى يأتي وعد اللَّهِ المحتومُ، واللَّهُ\nلا يخلفُ الميعادَ.\nولقد استهزِئَ برسلٍ من قبل محمدٍ - ﷺ - فأملى اللَّهُ للذين كفروا ثم أخذتْهم الصيحةُ، فانظرْ كيفَ كان عقاب اللَّه لهم جزاء فعْلِهِم ونُكرانِهِم.\nلقد أنزلَهُ اللَّهُ على رسولِهِ محمدٍ - ﷺ - على مُكْثٍ فرَّقَهُ، ليقْرأه محمدٌ على الناسِ على مُكْثٍ أيضًا في هدوءٍ ودرس وتؤده كي تعم الفائدةُ.\nوكذلك أنزلَهُ اللَهُ قرآنًا عربيًا لقومٍ يعلمون، ولو جعلَهُ اللَّهُ قرآنًا أعجميًا.\nلقالُوا: لولا فُصّلتْ آياتُه، أعجميٌّ وعربي، قل لهم يا محمد: هو للذين\nآمنوا هُدًى وشفاءٌ والذين لا يؤمنونَ في آذانِهِم وقرٌ وهو عليهم عمًى أولئك\nيُنادَوْن من مكانٍ بعيدٍ ومَنْ عملَ صالحًا فلنفسِهِ، ومن أساء فعليها، وما ربُّك\nبظلام للعبيدِ.\nلقد أوحينا إليك يا محمدُ قرآنَا عربيًا لتنذرَ أمَّ القرى، جعلْناه قرآنًا عربيا\nلعلنا نعقلُ. نعقلُ هذا العجبَ الذي سمعنَاه، وعلينا جمعهُ وقرآنهُ وإذا قرأناه\nفلنتَّبِعْهُ ونعملْ في دنيانا كي ننالَ الجزاءَ الأوفى في أُخرانا.\nقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"من قرأ حرفًا من كتابِ اللَّه فله حسنةٌ: والحسنةُ بعشرِ\nأمثالِها، لا أقول الم حرفٌ ولكن الف: حرف، ولام: حرف، وميم: حرفٌ\".","vol":"1","page":57},{"text":"وعن عقبةَ بنِ عامرٍ - ﵁ -، قال: خرج رسولُ اللَّهِ - ﷺ - ونحن في الصُّفَةِ فقال:\n\"أيكم يحب أن يغدوَ كل يوم إلى بُطحانَ، أو إلى العقيقِ فيأتيَ منه\nبناقتين كوماوينِ في غيرِ إثمٍ ولا قطع رَحِم؟ \".\nفقلنا: يا رسولَ اللَّه، نُحبّ ذلك، قال: \"أفلا يغدو أحدُكُم إلى المسجدِ فيعلمَ أو يقرأ آيتينِ من كتابِ اللَّه ﷿ خيرٌ له من ناقتين، وثلاث خيرٌ من ثلاث وأربعٌ خيرٌ له من أربع ومن أعدادهنِّ مِنَ الإبلِ \".\nعن أبي أُمامة - ﵁ - قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ:\n\"اقرءوا القرآنَ فإنه يأتي يومَ القيامةِ شفيعًا لأصحابِهِ \".\nقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"يُؤتَى يومَ القيامةِ بالقرآنِ وأهلِه الذينَ كانُوا يعملونَ به في\nالدّنيا تقدَّمُه سورةُ البقرةِ وآلُ عمرانَ، تحاجَّانِ عن صاحبِهِما\".\nقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"خيرُكُم من تعلَّم القرآنَ وعلَّمَهُ \".\nقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"الذي يقرأ القرآنَ وهو ماهر به مع السفرةِ الكرام البررةِ.\nوالذي يقرأ القرآنَ وبتتعتعُ فيه وهوَ عليه شاق له أجرانِ \".\nوقال - ﷺ -:\n\"إن اللَّه يرفعُ بهذا الكتابِ أقوامًا ويضعُ به آخرينَ \".\nوقال - ﷺ -:\n\"إنَّ الذي ليسَ في جوفِهِ شيءٌ من القرآن كالبيت الخرِبِ \".","vol":"1","page":58},{"text":"وقال ﵊:\n\"يقالُ لصاحبِ القرآنِ: اقرأ وارتقِ ورتَل كما كنتَ\nترتِّلُ في الدنيا، فإن منزلتَكَ عندَ آخرِ آية تقرؤها\".\nقال النبيُّ ﵊:\n\"تعاهدُوا هذا القرآنَ فوالذي نفسُ محمد بيده لهو أشدُّ تفلُتا من الإبلِ في عُقُلِها\".\nوقالَ: \"إنما مثلُ صاحبِ القرآنِ كمثلِ الإبلِ المعقَّلةِ، إن عاهدَ عليها، أمْسَكَها، وإنْ أطلقَها، ذهبتْ \".\nوقالَ: \"ما أذَنَ اللَّهُ لشيء ما أذِنَ لنبي حسنِ الصوتِ يتغَنَّى بالقرآنِ يجهرُ به \".\nقال - ﷺ -:\n\"لقد أوتيتَ مِزمارًا منْ مزاميرِ آلِ داودَ\".\nويقول البراءُ بن عازبٍ - ﵁ -: سمعتُ النبيَّ - ﷺ - قرأ في العشاء بالتين والزيتون، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا منه.\nوقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"من لم يتغن بالقرآنِ فليس منَّا\".\nقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ - لابنِ مسعودٍ:\n\"اقرأ عليَّ القرآنَ \" قال ابنُ مسعودٍ: يا رسولَ اللَّه، أقرأ عليك وعليكَ أُنزِلَ؟\nقال: \"إني أحبُّ أنْ أسمعَهُ من غيرِي \".","vol":"1","page":59},{"text":"فقرأ ابنُ مسعودٍ عليه سورةَ النساءِ حتَى جاء إلى هذه الآيةِ:\n(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا) .\nقال الرسولُ: \"حسبُكَ الآنَ \" فالتفت إليه ابنُ مسعودٍ، فإذا عيناهُ تذرِفَانِ.\nويقولُ رسولُ اللَّه - ﷺ - لأبي سعيدٍ رافع بنِ المعلَّى - ﵁ -:\n\"إن أعظمَ سورةً في القرآنِ هىِ السبعُ المثاني والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُه \".\nويقولُ: \"قل هو الله أحد، تعدلُ ثلثُ القرآنِ \".\nويقولُ: \"قل هو الله أحد، الله الصمد: ثلثُ القرآن \".\nويقولُ: \"والذي نفسي بيدِهِ، إنها لتعدلُ ثلثَ القرآن \".\nويقولُ: \"إنها تعدلُ ثلثَ القرآنِ \".\nويقولُ: \"إنَّ حبَّها أدخلك الجنة\".\nويقولُ رسولُ اللَّه لعقبة بن عامرٍ - ﵁ -:\n\"ألم ترَ آياتٍ أنزلتْ هذه الليلةَ لم يُرَ مثلُهن قط؟\nقلْ أعوذُ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس \".\nوكان رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يتعوَّذُ من الجانِّ، وعينِ الإنسانِ، حتَّى نزلتِ المعوذتانِ، فلما نزلَتَا أخذ بهما وتركَ ما سواهُمَا.","vol":"1","page":60},{"text":"قال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"من القرآنِ سورةٌ ثلاثونَ آيةً شفعتْ لرجل حتَّى غُفرِ له.\nوهي (تبارك الذي بيده الملك) \".\nقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"لا تجعلُوا بيوتَكم مقابِرَ، إنَّ الشيطانَ ينفرُ من البيتِ الذي\nتُقرأ فيه سورةُ البقرةِ\".\nقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ - لأُبي بنِ كعبٍ - ﵁ -: \"يا أبا المنذرِ أتدْرى أيَّ آية منْ كتابِ اللَّه معكَ أعظمُ؟ \"\nقلتُ: (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ)، فضربَ في\nصدْرى وقال: \"ليهنك العِلمُ أبا المنذرِ\".\nوفي الأثر أن الرسولَ - ﷺ - كان يعلِّم أبا هريرة - ﵁ - أن يقرأ آيةَ الكرسي من أوَّلها إلى آخرِها إذا أوى إلى فراشِهِ، وبها لن يقرَبَهُ شيطانٌ حتى يصبح ويكون اللَّه حافظًا له.\nويقولُ الرسولُ - ﷺ -:\n\"من حفظَ عشرَآياتٍ من أولِ سورةِ الكهفِ، عُصِمَ من الدَّجالِ \".\nوفي روايةٍ: \"منْ آخرِ سورةِ الكهفِ \".\nويقولُ ابنُ عباسٍ - ﵁ -: بينما جبريلُ - ﵇ - قاعدٌ عند النبيِّ - ﷺ - سمعَ نقيضًا من فوقِهِ، فرفع رأسَهُ فقال: هذا باب من السماءِ فُتح اليومَ، ولم يُفتح قط إلا اليومُ، فنزلَ منه ملكٌ، فقال: هذا ملكٌ نزل إلى الأرضِ","vol":"1","page":61},{"text":"لم ينزلْ قط إلا اليومَ، فسلَّمْ، وقال: أبشرْ بنورينِ أُوتيتَهما، لم يُؤْتَهما نبيٌّ\nقبلك: فاتحةُ الكتابِ، وخواتيمُ سورةِ البقرة، لن تقرأ بحرفِ منها إلا\nأُعطيته.\nقال - ﷺ -:\n\"وما اجتمعَ قومٌ في بيتٍ من بيوتِ اللَّه يتلونَ كتابَ اللَّه، ويتدارسُونَه\nبينهم إلا نزلتْ عليهم السكينةُ، وغشيتْهُمُ الرحمةُ، وحفتْهُمُ الملائكةُ، وذكرَهُمُ اللَّه فيمن عندَه\".\nكان جبريلُ يعرضُ القرآنَ على النبيِّ - ﷺ -، عن فاطمة - ﵍ -: فقد أسرَّ إليَّ النبيُّ - ﷺ -: \"أن جبريل يعارِضُني بالقرآنِ كلَّ سنةٍ، وإنَّه عارضني العامَ مرتينِ ولا أراه إلا حضرَ أجلي \".\nوكان النبيُّ - ﷺ - أجودَ الناسِ بالخيرِ، وأجودَ ما يكونُ في شهرِ رمضانَ، لأنَّ جبريلَ كان يلقاهُ كلَّ ليلةٍ في شهرِ رمضانَ حتى ينسلخَ، يعرضُ عليه رسولُ اللَّه - ﷺ - القرآنَ فإذا لقيهُ جبريلُ كان أجودَ بالخير من الرِّيح المرسلةِ.\nوكان القرآنُ يُعرضُ على النبيِّ - ﷺ - مرتين في العامِ الذي قُبضَ وكان يعتكفُ كلَّ عامٍ عشرًا فاعتكفَ عشرينَ في العامِ الذي قُبِضَ.\nيقولُ الرسول - ﷺ -:\n\"خذوا القرآنَ من أربعةٍ: من عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، وسالمٍ.\nومعاذٍ، وأُبيّ بنِ كعبٍ \".","vol":"1","page":62},{"text":"وخطب عبدُ اللَّه بنُ مسعودٍ بعضَ الصحابةِ قائلًا: واللهِ لقد أخذتُ من\nفيِّ رسولِ اللَّه ﵊ بضعًا وسبعينَ سورةً، واللَّه لقد علمَ\nأصحابُ النبيِّ - ﷺ - أنِّي من أعلمِهِم بكتابِ اللَّهِ.\nوما أنا بخيرِهِم.\nويقولُ شقيقُ بنُ سلمةَ الذي كان من حضورِ هذه الخطبةِ: فجلستُ في\nالحلقِ، أسمعُ ما يقولونَ: فما سمعتُ رادًّا يقولُ غيرَ ذلك.\nويحكي إبراهيمُ عن علقمةَ أنهم كانوا بحمْص، فقرأ ابنُ مسعودٍ سورةَ\nيوسفَ، فقالَ رجلٌ: ما هكذا أنزلتْ.\nقال: قرأتُ على رسولِ اللَّه - ﷺ - فقالَ: \"أحسنتَ \"\nووجدَ منه ريحَ الخمرِ، فقال: أتجمعُ أن تكذبَ بكتابِ اللَّهِ وتشربَ\nالخمرَ؟ فضربَهُ الحدَّ.\nيقولُ عبدُ اللَّه بنُ مسعودٍ - ﵁ -:\nواللَّهِ الذي لا إله غيرُه ما أُنزلتْ سورةٌ منْ كتابِ اللَّه إلا أنا أعلمُ أينَ أُنزلتْ؛ ولا نزلتْ آيةٌ من كتابِ اللَّه إلا أنا أعلم فيم أنزلت؛ ولو أعلمُ أحدًا أعلمُ مِنِّي بكتابِ اللَّه تبلُغهُ الإبلُ لركبتُ إليه.\nقال أبو سعيدٍ بن المعلَّى: إنَّه كانَ يصلِّي فدعاهُ النبيُّ - ﷺ - فلم يجبْهُ، قالَ: يا رسولَ اللَّه إنِّي كنتُ أصلِّي، قال: \"ألم يَقُلِ اللَّهُ: (اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ ولِلرَّسولِ إِذَا دَعَاكُمْ)؟ \"\nثمَّ قال: \"ألا أعلمُكَ أعظمَ سورة في القرآنِ، قبلَ أنْ تخرجَ\nمن المسجدِ\" فأخذَ الرسولُ بيدِ ابنِ المعلَّى، فلمَّا أرادُوا الخروجَ\nقال: يا رسولَ اللَّه، إنَّك قلتَ: لأعلمنَّك أعظمَ سورة من القرآنِ،","vol":"1","page":63},{"text":"قال: \" (الحمدُ لله ربِّ العالمينَ) هي السبعُ المثاني والقرآنُ العظيمُ الذي أوتيتُه \".\nقال أبو سعيدٍ الخدري: كنا في مسيرٍ لنا فنزلنا فجاءتْ جاريةٌ فقالتْ: إنَّ\nسيِّد الحيِّ سليمٌ، وإنَّ نفرنا غيبٌ فهلْ منكم راق؟ فقامَ معها رجلٌ ما كنَّا\nنأبِنُهُ برقيةٍ فرقاه، فبرَأ، فأمر له بثلاثينَ شاة وسقانا لبنًا، فلمَّا رجع قلْنا له:\nأكنتَ تحسنُ رقيةً؟ أو كنتَ ترقي؟\nقال: لا ما رقيتُ إلا بأمِّ الكتابِ، قلْنا: لا تُحدِثُوا شيئًا حتى نأتيَ أو نسألَ النبي - ﷺ -، فلما قدمنا المدينةَ ذكرناهُ للنبيِّ\n- ﷺ - فقال: \"وما كان يُدْرِيه أنَّها رقية؟\nاقسمُوا واضربُوا لي بسهمٍ \".\nقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"من قرأ بالآيتينِ من آخرِ سورةِ البقرةِ في ليلة كفتاهُ \".\nوقال أبو هريرة: وكلني رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بحفظِ زكاةِ رمضانِ، فأتاني آتٍ، فجعلَ يحثو من الطعامِ، فأخذتُهُ فقلتُ: لأرفعنَّك إلى رسولِ اللَّهِ - ﷺ - فقصَّ الحديثَ، فقال:\n\"إذا أويتَ إلى فراشِكَ فاقرأ آيةَ الكرسي، لن يزالَ معك من اللَّه\nحافظٌ ولا يقربُك شيطانٌ حتى تصبحَ \".\nوقال النبيُّ - ﷺ - َ: \"صدقك وهو كذوبٌ، ذاك\nشيطانٌ \".\nكان رجلٌ يقرأ سورةَ الكهفِ، وإلى جانبِهِ حصانٌ مربوطٌ بشطنينِ.\nفتغشتْه سحابةٌ جعلتْ تدنُو وتدنُو وجعلَ فرسُهُ ينفرُ فلما أصبحَ أتى النبيَّ - ﷺ -","vol":"1","page":64},{"text":"فذكر ذلك فقال: \"تلك السكينة تنزَّلتْ بالقرآنِ،.\nكان رسولُ الله - ﷺ - يسيرُ وعمرُ بنُ الخطابِ يسيرُ معه ليلًا، فسأله عمرُ عن شيء فلم يجبْه رسولُ اللَّه - ﷺ -، ثم سالُه فلم يجبْه، ثم سأله فلم يجبْه، قال عمرُ لنفسه: ثكلتْك أمُّكَ، نزرتَ رسولَ اللَّه - ﷺ - ثلاثَ مراتٍ كلَّ ذلك لا يجيبُك.\nقال عمرُ: فحركتُ بَعيري حتى كنتُ أمامَ الناسِ، وخشيتُ أن ينزلَ\nفِيَّ قرآنٌ، فما نشبتُ أن سمعتُ صارخًا يصرخُ، قال: فقلتُ: لقد خشيتُ\nأن يكونَ نزلَ فِيَّ قرآنٌ، قال: فجئتُ رسولَ اللَّه - ﷺ -، فسلَّمتُ عليه، فقال:\n\"لقد أنزلتْ علي الليلةَ سورة لهِيَ أحبُّ إليَّ مما طلعتْ عليه الشمسُ.\nثم قرأ: (إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) \".\nوسمعَ رجل رجلًا يقرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) يرددهُا، فلما أصبحَ جاء إلى\nرسولِ الله - ﷺ - فذكرَ ذلك له وكانَّ الرجلَ يتقالُّها، فقالَ رسول الله - ﷺ -:\n\"والذي نفسي بيده إنها لتعدلُ ثلثَ القرآنِ\".\nوقامَ رجل في زمنِ النبيّ - ﷺ - يقرأ من السَّحرِ:\n(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) لا يزيدُ عليها فلمَّا أصبحَ أتى رجل النبيَّ - ﷺ -. . . نحوه.\nوقال النبيُّ ﵊ لأصحابِهِ:\n\"أيعجزُ أحدُكم أن يقرأ ثلثَ القرآنِ في ليلة؟ \"\nفشقَّ ذلك عليهم، وقالُوا: أينا يطيقُ ذلك يا رسولَ اللَّه:\nفقال: \"الله الواحدُ الصمد ثلثُ القرآنِ \".","vol":"1","page":65},{"text":"تقول عائشة - ﵂ -: إنَّ رسولَ اللَّه - ﷺ - ان إذا اشتكَى يقرأُ على نفسِهِ بالمعوذاتِ، وينفثُ، فلمَّا اشتدَّ وجعُه كنتُ اقرأُ عليه وأمسحُ بيدِهِ رجاء برَكَتِها.\nوعنها أيضًا: كان رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا أوَى إلى فراشِهِ كلَّ ليلة، جمعَ كفَّيه ثمَّ نفثَ فيهما فقرأ فيهما: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) .\nو(قُلْ أَغوذُ بَّرًبّ الْفَلَقِ)، و(قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) ثمَّ يمسحُ بهما ما استطاعَ من جسدهِ يبدأَ بهما على رأسِهِ ووجهِه وما أقبلَ من جسدِهِ، يفعلُ ذلكَ ثلاثَ مراتٍ.\n* * *","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>سُورَةُ الفَاتِحَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) </span>صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)\n[قال البخاري]: حَدَّثَنَا عبْدُ الله بن يُوسُف: ثنا مالكٌ، عنْ أبي الزِّنادِ.\nعنِ الأعرج، عنْ أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ: \"إذا قالَ أحدكمْ: آمينَ وقالتِ الملائكةُ في السماءِ: آمينَ، فوافقتْ إحْداهمَا الأخْرَى غُفرَ لهُ ما تقدَّمَ منْ ذنبِهِ \".\nوخرَّجَ مسلمٌ من روايةِ أبي يونسَ، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللهِ - ﷺ -\nقال: \"إذا قالَ أحدُكم في الصلاة: آمينَ، والملائكةُ في السماءِ: آمينَ، فوافقَ إحداهمَا\nالأخرى غُفرَ له ما تقدَّمَ منْ ذنبِهِ \".\nومن روايةِ سهيلً، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، أن رسولَ اللَهِ - ﷺ - قال: \"إذا قالَ القارئُ: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)، فقالَ منْ خلفَهُ: آمينَ. فوافقَ قولُهُ قولَ أهلِ السماءِ، غُفرَ لهُ ما تقدَّمَ منْ ذنبِهِ \".","vol":"1","page":67},{"text":"وروى إسحاقُ بنُ راهويه: حدثنَا جريرٌ: ثنا ليثٌ، عن كعب، عن أبي\nهريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللَهِ - ﷺ -: \"إذا قالَ الإمامُ: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) فقالَ: آمينَ، فوافقَ آمينُ أهلِ الأرضِ أمينَ أهلِ السماءِ، غَفَرَ اللَهُ للعبدِ ما تقدَّمَ منْ ذنبِهِ.\nومثلُ من لا يقولُ: آمينَ كمثلِ رجل غزا مع قومٍ فاقترَعُوا، فخرجتْ\nسهامُهُم ولم يخرجْ سهمُه، فقال: لِمَ لَمْ يخرجْ سَهْمِي؛ فقيل: إنكَ لم تقلْ آمينَ \"..\nقال أبو هريرةَ: وكانَ الإمامُ إذا قالَ؛ (وَلا الضَّالِّينَ) جهرَ بـ آمينَ.\nكعبٌ هذا، قالَ أحمدُ: لا أدْري منْ هوَ. وقالَ أبو حاتم: مجهولٌ لا\nيعرَفُ.\nوقد ذكرْنا - فيما تقدَّمَ - أن الحديثَ على ظاهرهِ، وأن الملائكةَ في السماءِ\nتؤمِّنُ على قراءةِ المصلِّينَ في الأرضِ للفاتحةِ.\nوفي \"صحيح مسلم \" من رواية العلاءِ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن\nالنبيِّ - ﷺ -، قالَ: \"قالَ اللَهُ ﷿ قسمتُ الصلاةَ بيني وبينَ عبدِي نِصفَيْنِ، ولعبدي ما سألَ، فإذا قالَ العبدُ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) قالَ اللَهُ: حمدني عبْدِي، فإذا قالَ: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) قالَ اللَّهُ: أثْنَى علي عبدي، فإذا قالَ: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) قال: مجَّدني عبدِي - وقالَ مرة: فوَّضَ إليَّ عبدِي فإذا قالَ: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) قالَ: هذا بينِي وبينَ عبدِي، ولعبدِي ما سألَ: فإذَا قالَ: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ)\nقالَ: هذا لعبدِي ولعبدِي ما سألَ \".\nفهذا الحديثُ يدل على أنَّ اللَّهَ يَسْتَمِعُ لقراءةِ المصلِّي حيثُ كان مناجيًا له،","vol":"1","page":68},{"text":"ويردُّ عليه جوابَ ما يناجيه به كلمةً كلمةً، فأولُ الفاتحةِ حمدٌ، ثم ثناء، وهو\nتثنيةُ الحمدِ وتكريرُهُ، ثم تمجيدٌ، والثناءُ على اللَهِ بأوصافِ المجدِ. والكبرياءِ\nوالعظمةِ، ثم ينتقلُ العبدُ منَ الحمدِ والثناءِ والتمجيدِ إلى خطابِ الحضورِ.\nكأنه صلُحَ حينئذٍ للتقريبِ منَ الحضرةِ فخاطبَ خطابَ الحاضرينَ، فقال:\n(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) .\nوهذه الكلمةُ قدْ قيلَ: إنَّهَا تجمعُ سر الكتبِ المنزلةِ منَ السماءِ كلِّها\" لأنَّ\nالخلقَ إنما خُلِقُوا ليؤْمَروا بالعبادةِ، كما قالَ: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِن والإِنسَ إِلا\nلِيَعْبُدُونِ)، وإنما أُرسلتِ الرسلُ وأُنزلتِ الكتبُ لذلكَ، فالعبادةُ\nحقُّ اللَّهِ على عبادِهِ، ولا قدرةَ للعبادِ عليها بدون إعانة اللَّهِ لهم، فلذلك\nكانتْ هذه الكلمةُ بينَ اللَّهِ وبين عبدِهِ، لأنَّ العبادةَ حقُّ اللَّهِ على عبدِه.\nوالإعانةُ من اللَّهِ فضل من اللَّه على عبْدِهِ.\nوبعد ذلك الدعاءُ بهدايةِ الصراط المستقيمِ؛ صراطِ المُنْعَم عليهم، وهم\nالأنبياءُ وأتباعُهم منَ الصديقين والشهداء والصالحين، كما ذكرَ ذلكَ في سورة النساء.\nفمنِ استقامَ على هذا الصراطِ حصلَ له سعادةُ الدنيا والآخرةِ، واستقامَ\nسيْرُه على الصراطِ يومَ القيامةِ، ومن خرجَ عنه فهو إما مغضوب عليه، وهو\nمن يعرفُ طريقَ الهُدَى ولا يتبعُه كاليهود، أو ضالّ عن طريقِ الهُدَى\nكالنصارى ونحوِهم منَ المشركين.\nفإذا ختم القارئُ في الصلاة قراءةَ الفاتحةِ، أجابَ اللَّهُ دعاءَه فقال: \"هذا\nلعبدي ولعبدي ما سألَ \"، وحينئذٍ تؤمِّنُ الملائكةُ على دعاءِ المصلِّي، فيشرعُ","vol":"1","page":69},{"text":"للمصلِّين موافقتُهم في التأمينِ معهم، فالتأمينُ مما يستجابُ به الدعاء.\nوفي \"صحيح مسلمٍ \" عن أبي موسى الأشعريِّ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"إذا قالَ الإمامُ: (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ) فقُولُوا: آمينَ، يُجِبكُم اللَّهُ \".\nولما كانَ المأمومُ مأمورًا بالإنصاتِ لقراءةِ الإمامِ، مأمورًا بالتأمينِ على دعائِهِ\nعندَ فراغ الفاتحةِ، لم يكن عليه قراءةٌ؛ لأنَّه قد أنصتَ للقراءةِ، وآمَّنَ على\nالدعاءِ فكأنَّهُ دعا؛ كما قالَ كثيرٌ منَ السلَفِ في قولِ اللَّهِ تعالَى لموسى\nوهارونَ: (قَدْ أُجِيبَت دعوَتُكُمَا) .\nقالُوا: كانَ موسى يدعُو، وهارونُ يُؤمِّنُ، فسمَّاهُما دَاعِيَيْنِ.\n* * *\nوقولُه - ﷺ -: \"إذا سألتَ فاسألِ اللَهَ، وإذا استعنتَ، فاستعنْ باللَّهِ \"، هذا منْتَزعٌ من قولِهِ تعالَى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)، فإنَّ السؤالَ للهِ هو دعاؤه والرغبةُ\nإليهِ، والدُّعاءُ هو العبادةُ، كذا رُويَ عنِ النَّبيِّ - ﷺ - من حديثِ النعمانِ بنِ بشيرٍ، وتلا قولَهُ تعالى: (وَقَالَ رَبُّكمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، خرَّجَهُ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُ، والنسائيُّ، وابنُ ماجةَ.\nوخرَّج الترمذيُّ من حديثِ أنسِ بنِ مالك عنِ النبيِّ - ﷺ -: \"الدعاءُ مُخُّ العبادة\"، فتضمنَ هذا الكلامُ أن يُسألَ اللَّهُ ﷿، ولا يسألَ غيرُه،","vol":"1","page":70},{"text":"وأن يُستعانَ باللَّهِ دونَ غيرِهِ.\nفأما السؤالُ، فقد أمرَ اللَّهُ بمسألتِهِ، فقالَ: (وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ)\nوفي الترمذي عنِ ابنِ مسعودٍ مرفوعًا: \"سَلُوا اللَّهَ منْ فَضلِهِ، فإنَّ اللَّهَ يُحبُّ أن يُسألَ \".\nوفيه - أيضًا - عن أبي هريرةَ مرفُوعًا: \"من لم يسألِ اللَّهَ يغضبْ عليهِ \".\nوفي حديثٍ آخرَ: \"ليسألْ أحدُكُمْ ربَّه حاجَتَه كلَّها حتَّى يسألَهُ شِسْعَ نعلِهِ إذا\nانْقطعَ \".\nوفي النَّهي عن مسألةِ المخلوقينَ أحاديثُ كثيرةٌ صحيحةٌ، وقد بايعَ النبيُّ\n- ﷺ - جماعةً من أصحابِهِ على أن لا يسألُوا النَّاسَ شيئًا: منهم أبو بكرٍ الصدِّيقُ، وأبو ذرٍّ، وثوبانُ، وكان أحدُهم يسقطُ سوطُه أو خطام ناقتِهِ، فلا يسألُ أحدًا أن يُناولَه إياه) .\nوخرَّج ابنُ أبي الدُّنيا من حديثِ أبي عبَيدةَ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ أنَّ\nرجلًا جاءَ إلى النبيِّ - ﷺ -، فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ بَني فُلانٍ أغاروا عليَّ فذهبُوا بابنِي وإبلِي، فقالَ له النبيُّ - ﷺ -: \"إنَّ آلَ محمَّدٍ كذا وكذا أهلَ بيتٍ ما لهُم\nمدٌّ منْ طعامٍ أو صاعٍ، فاسألِ اللَّهَ ﷿ \"، فرجعَ إلى امرأتهِ، فقالت: ما قالَ لكَ؛ فأخبرَهَا، فقالتْ: نِعْمَ ما رَدَّ عليكَ، فما لبثَ أن ردَّ اللَّهُ عليه ابنَه وإبلَهُ أوفرَ ما كانتْ، فأتى النبيَّ - ﷺ - فأخبرَهُ، فصعدَ المنبرَ فحَمِدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ،","vol":"1","page":71},{"text":"وأمرَ الناسَ بمسألةِ اللَّهِ ﷿ والرغبة إليهِ، وقرأَ: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) .\nوقد ثبتَ في \"الصحيحينِ \" عنِ النبيِّ - ﷺ - \"إنَّ اللهَ ﷿ ينزلُ كلَّ ليلة إلى سماءِ الدُّنيا حينَ يبْقَى ثلثُ اللَّيْلِ الآخرِ، يقولُ: هلْ من داع، فأستجيبَ له؛ هلْ من سائل فأعْطِيَهُ؛ هلْ منْ مُستغفرٍ فأغْفِرَ لَهُ؟ \".\nوخرَّج المحامليُّ وغيرُهُ من حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ: \"قالَ اللَّهُ تعالَى: من ذا الذي دعانِي فلمْ أُجِبْهُ؟ وسألَني فلمْ أُعطِهِ؛ واستغفرَنِي، فلمْ أغفرْ لهُ، وأنا أرحمُ الراحمين؟ \".\nواعلمْ، أنَّ سؤالَ اللَّهِ ﷿ دونَ خلقِهِ هو المتعينُ، لأنَّ السؤالَ فيه\nإظهارُ الذلِّ من السائلِ والمسكنةِ والحاجةِ والافتقارِ، وفيه الاعترافُ بقدرةِ\nالمسئولِ على رفع هذا الضرِّ، ونيلِ المطلوبِ، وجلبِ النافع ودرءِ المضارِّ، ولا يصلحُ الذلُّ والافتقارُ إلا للَّهِ وحدَه، لأنَّه حقيقةُ العبادة.\nوكانَ الإمامُ أحمدُ يدعُو ويقولُ: اللَّهمَّ كَمَا صُنتَ وجهِي عنِ السُّجودِ\nلغيرِك فصُنْه عن المسألةِ لغيرِك. ولا يقدرُ على كشفِ الضرِّ وجلبِ النفع\nسواهُ، كمَا قالَ: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ)، وقالَ: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ) .","vol":"1","page":72},{"text":"واللَّهُ سبحانهُ يحبُّ أن يُسألَ ويُرْغَبَ إليهِ في الحوائج، ويُلَح في سؤالِه\nودُعائِهِ، ويغضَبُ على من لا يسألُه، ويستدْعِي مِنْ عبادِهِ سؤالَهُ، وهو قادر\nعلى إعطاءِ خلقِه كُلِّهِم سُؤْلَهُم من غيرِ أن يَنْقُصَ منْ ملكِهِ شيء، والمخلوقُ\nبخلافِ ذلكَ كلِّه: يكرهُ أن يُسألَ، ويُحبُّ أن لا يُسألَ، لعجزِهِ وفقى\nوحاجتِهِ. ولهذا قالَ وهبُ بنُ منبهٍ لرجلٍ كانَ يأتي الملوكَ: ويحكَ، تأتي من\nيُغلِقُ عنكَ بابَه، ويُظهِرُ لك فقرَهُ، ويوارِي عنك غناهُ، وتَدعُ من يفتحُ لكَ\nبابَه بنصفِ الليلِ ونصفِ النهارِ، ويُظهرُ لك غناهُ، ويقولُ: ادعُنِي أستجبْ\nلكَ؟!.\nوقالَ طاووس لعطاءٍ: إياكَ أن تطلبَ حوائجَكَ إلى من أغلقَ دونَكَ بابَهُ\nويجعلُ دونَهَا حجابَهُ، وعليكَ بمنْ بابُهُ مفتوحٌ إلى يومِ القيامةِ، أمركَ أن\nتسألَهُ ووعدَكَ أن يُجيبَكَ.\nوأما الاستعانةُ باللَّهِ ﷿ دونَ غيره من الخلقِ، فلأنَّ العبدَ عاجزٌ عن\nالاستقلالِ بجلب مصالحِهِ، ودفع مضارِّهِ، ولا معينَ لهُ علَى مصالح دينِه.\nودنياهُ إلا اللَهُ ﷿، فمنْ أعانَهُ اللَهُ، فهو المُعانُ، ومن خذَلَهُ فهو\nالمخذولُ، وهذا تحقيقُ معنى قولِ: \"لا حولَ ولا قوَّةَ إلا باللَّهِ \"، فإنَّ المعنى لا تحوُّلَ للعبدِ منْ حال إلى حالٍ، ولا قُوَّةَ له على ذلكَ إلا باللَّهِ، وهذه كلمة عظيمة وهي كنز من كنوزِ الجنةِ، فالعبدُ محتاج إلى الاستعانةِ باللَّهِ في فعلِ المأموراتِ، وتركِ المحظوراتِ، والصبرِ على المقدوراتِ كلِّها في الدنيا وعندَ الموت وبعدَهُ من أهوالِ البرزخ ويومِ القيامةِ، ولا يقدرُ على الإعانةِ على ذلكَ إلا الَلهُ ﷿، فمنْ حقَّقَ الاستعانةَ عليه في ذلكَ كلِّه أعانَهُ. وفي","vol":"1","page":73},{"text":"الحديث الصحيح عَنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"احْرصْ على ما ينفعُكَ، واستعن بالله ولا تعجر\".\nومن تركَ الاستعانةَ باللَّهِ، واستعانَ بغيره، وكَلَهُ اللَّهُ إلى منْ استعانَ به\nفصارَ مخذُولًا.\nكتبَ الحسنُ إلى عُمَرَ بنِ عبدِ العزيز: لا تستعن بغيرِ اللَّهِ فيكِلَكَ اللَّهُ إليهِ.\nومن كلامِ بعضِ السلفِ: يا ربِّ عَجبتُ لمن يعرفك كيفَ\nيرجُو غيرَك، عجبتُ لمن يعرفُك كيفَ يستعينُ بغيرِكَ.\n* * *\nخرَّج الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ، والترمذيُّ من حديثِ النوَّاسِ بنِ\nسِمْعَانَ، عنِ النبيِّ - ﷺ -، قالَ:\n\"ضربَ اللَّهُ مثلًا صِرَاطا مستقيمًا، وعلَى جنبتيِّ\nالصراطِ سُورانِ فيهِمَا أبوابٌ مفتحةٌ وعلَى الأبوابِ سُتورٌ مرخاةٌ، وعلى بابِ الصراطِ داعٍ، يقولُ: أيُّها الناسُ ادْخُلُوا الصراطَ جميعا ولا تعوجُوا، وداعٍ يدْعُو من جوفِ الصراطِ، فإذَا أرادَ أن يَفتحَ شيئًا منْ تلكَ الأبوابِ، قالَ: ويحكَ لا تَفْتَحْهُ فإنَّكَ إنْ تفتَحْهُ تلِجْهُ. والصراطُ: الإسلامُ. والسورانِ: حُدودُ اللَّهِ. والأبوابُ المفتَّحةُ: محارمُ اللَّهِ.\nوذلكَ الداعِي علَى رأسِ الصراطِ: كتابُ اللَّهِ - ﷿ - والداعِي من فوق: واعظُ اللَّهِ في قلبِ كلِّ مسلمٍ \" وهذا لفظُ الإمامِ أحمدَ.\nوعندَ الترمدْيِّ زيادةُ: \"وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ\"","vol":"1","page":74},{"text":"وحسَّنه الترمذيُّ، وخرَّجه الحاكمُ، وقالَ: صحيحٌ عَلى شرطِ\nمسلمِ، لا أعلمُ له علَّةً.\nضربَ النبيُّ - ﷺ - في هذا الحديثِ العظيم - الذي حكاهُ عن ربِّه - ﷿ - مَثَل الإسلامِ: بالصراطِ المستقيم. وقد سمَّى اللَّهُ دِينَهُ الذي هوَ دينُ الإسلامِ صراطَا مستقيمًا في مواضعَ كثيرةٍ من كتابِهِ، كقولِهِ تعالَى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) .\nوقد فُسِّر الصراطُ هُنا: بكتابِ اللَّهِ. وكتابُ اللَّهِ فيه شرحُ دينِ الإسلام.\nوبيانُه وتفصيلُه والدعوةُ إليهِ.\nوعنِ جابرٍ، قالَ: الصراطُ المستقيمُ: هو الإسلامُ، وهوَ أوسعُ ممَّا بينَ\nالسماءِ والأرضِ.\nوقالَ تعالَى: (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦) .\nوقالَ تعالَى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) .\nوخرَّجَ الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ في \"تفسيره، والحاكمُ منِ حديثِ ابنِ مسعودٍ،","vol":"1","page":75},{"text":"قالَ: خطَّ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - خطا بيدِهِ ثمَّ قالَ: \"هذا سبيلُ اللَّهِ مُستقيما\"\nوخطَّ عن يمينِهِ وشمالِهِ، ثم قالَ: \"هذه السبلُ ليسَ مِنْهَا سبيل إلا عليهِ شيطانٌ\nيدْعُو إليهِ \" ثمَّ قرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ) .\nوخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجةَ، من حديثِ مُجاهدٍ، عن الشَّعبيِّ.\nعن جابرٍ، قالَ: كُنَّا جلوسًا عندَ النبيِّ - ﷺ -، فخط خطا هكذا أمامهُم، قالَ:\n\"هذا سبيلُ اللهِ \" وخطينِ عن يمينِه، وخطينِ عن شمالِهِ، وقالَ: \"هذه سبيلُ\nالشيطانِ \" ثم وضعَ يدَهُ في الخطًّ الأوسطِ، ثمَّ تلا هذه الآيةَ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ)، الآية.\nوقد رُويَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه سُئلَ عن الصراطِ المُستقيم فقالَ: تركَنَا\nمحمدٌ - ﷺ - في أدناهُ وطرفُه في الجنةِ، وعن يمينِهِ جوادٌّ وعن شمالِهِ جوادٌّ.\nوثمَّ رجا ٤ يدعونَ من مرَّ بِهِم. فمن أخذَ في تلكَ الجوادِ انتهتْ بهِ إلَى النَّارِ، ومن أخذَ علَى الصراطِ انتهَى بهِ إلى الجنَّة. ثمَّ قرأَ ابنُ مسعودٍ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ) خرَّجه ابنُ جريرٍ وغيرُه.\nوإنَما سُمِّيَ الصراطُ صِراطا: لأنَّه طريقٌ واسع سَهْل، يوصِّلُ إلى\nالمقصودِ. وهذا مَثَلُ دينِ الإسلامِ في سائرِ الأديانِ، فإنَّه يُوصلُ إلى اللَّهِ وإلَى\nدارِه، وجوارِه، مع سهولَتِهِ وسعتِهِ.\nوبقيةُ الطرقِ وإنْ كانتْ كثيرةً، فإنَّها كلَّها مَعَ ضيقِهَا وعُسْرِها لا تُوصِّلُ","vol":"1","page":76},{"text":"إلى اللَّهِ، بل تقطعُ عنه وتُوصلُ إلى دارِ سخطِهِ وغضبِهِ، ومجاوق ةِ أعدائهِ \"\nولهذا قالَ تعالَى: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥) .\nوقالَ تعالَى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) .\nوالإسلامُ العامُّ: هو دينُ اللَّهِ الَّذي كانَ عليهَ جميعُ الرسلِ، كما قالَ\nنوحٌ: (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)، وقالَ تعالَى:، (مِّلَّةَ أَبِيكمْ\nإِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ)، وقالَ تعالَى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢) .\nوقالَ عن يوسف إنَّه قالَ: (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١) .\nوقالَ تعالَى عن ملكةِ سبأ: (وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤) .\nوقالَ عنِ الحواريينَ: إنهم قالُوا: (آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ) .\nوقد وصفَ اللَّهُ في سُورةِ الفاتحةِ الصراطَ بأنَّه: (صِرَاطَ الذِينَ أَنعَمْتَ\nعَلَيْهِم) .\nثم سمَّى الذينَ أنعمَ عليهم في سُورةِ النساءِ، وجعلَهُم أربعةَ أصنافٍ:\nالنبيينَ والصِّديقينَ والشُّهداءَ والصالحينَ. فدلَّ على أنَّ هؤلاءِ كلَّهُم علَى هذا\nالصراطِ المستقيم، فلا يخرجُ عنهُم إلا: إمَّا مغضوبٌ عليهِ، وهو من عَرفَ\nالصراطَ وسلكَ غيرَهُ عمْدًا كاليهودِ والمشركينَ.\nوإمَّا ضالّ جاهل يسلكُ غيرَ الصراطِ جَهْلًا، ويظنُّ أنَّه الصراطُ.\nوحقيقةُ الإسلامِ: الاستسلامُ للَّه تعالَى والانقيادُ لطاعتِهِ. وأمَّا الإسلامُ","vol":"1","page":77},{"text":"الخاصُّ، فهو دينُ مُحَمَّدٍ - ﷺ -.\nومُنذ بَعثَ اللَّه محمَّدًا - ﷺ - لم يقبلْ من أحدٍ دينًا غيرَ دينِهِ. وهوَ الإسلامُ الخاصُّ وجعل بقية الأديانِ كفرًا، لما تضمَّنَ اتباعُهَا من الكفرِ بدينِ محمدٍ والمعصيةِ للَّهِ في الأمرِ باتباعِه، فإنَّه ليسَ هناكَ إلا أحدُ أمرينِ:\nإمَّا الاستسلامُ للَّهِ والانقيادُ لطاعتِهِ وأوامر، وهوَ دينُ الإسلامِ الذي أمرَ\nاللَّهُ تعالَى بِهِ.\nوإمَّا المعصيةُ للَّهِ والمخالفةُ لأوامر، وذلكَ يستلزمُ طاعةَ الشيطانِ \" لأن\nالشيطانَ يأمرُ بسلوكِ الطرقِ التي عن يمينِ الصراطِ وشمالِهِ، ويصدُّ عن سلوكِ\nالصراطِ المستقيم، كَمَا قالَ تعالَى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) .\nقالَ تعالَى حاكِيًا عنِ الشيطانِ: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨) .\nوقالَ تعالَى: (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (٤١) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) .\nوصحَّ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه قالَ: إنَّ هذا الصراطَ مُحتضر، تحضرُهُ\nالشياطينُ.\nيا عبدَ اللَّهِ، هذا الطريقُ، هلُمَّ إلى الطريقِ، فاعتصِمُوا بحبلِ اللَّه، فإنَّ","vol":"1","page":78},{"text":"حبلَ اللَّهِ هو القرآنُ، وهذا كَمَا أنَّ الكتبَ المنزَّلة، والرسلَ المُرسلةَ وأتباعَهُم\nيدعونَ إلى اتِّباع الصراطِ المستقيم، فالشيطانُ وأعوانُهُ وأتباعُهُ من الجنِّ\nوالإنسِ يدعونَ إلى بقيةِ الطرقِ الخارجةِ عن الصراطِ المستقيم، كما قالَ\nتعالى: (كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٧١) .\nوالإسلامُ لهُ: هوَ الاستسلامُ، والإذعانُ، والانقيادُ، والطاعةُ.\nوالإسلامُ قد فسَّره النبيُّ - ﷺ - في حديثِ جبريل بالشهادتينٍ، معَ إقامِ الصلاةِ، وإتاء الزكاة، والحجِّ، والصيامِ.\nوأخبرَ - ﷺ - في حديثٍ آخرَ: أنَّ الإسلامَ بُني على هذهِ الخمسِ: يعني: أنه أركانُ بنائِهِ التي لا يقومُ البناءُ إلا عليها، وبقيةُ الأعمالِ داخلة في مسمَّاهُ أيضًا.\nورُويَ من حديث أبي الدرداءِ مرفوعًا ومن حديثِ حُذيفةَ مرفوعًا\nوموقوفًا، وعدَّ من سهامِهِ الجهاد.\nوأفضلُ الإسلامِ: أنْ يسلمَ المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ، ومن حُسنِ إسلامِ\nالمرءِ تركُه ما لا يعنيهِ.","vol":"1","page":79},{"text":"وفي \"صحيح مسلم \" عن عبدِ اللَّهِ بنِ سلامٍ، قال: بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلٌ فَقَالَ لِي قُمْ فَأَخَذَ بِيَدِي فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ قَالَ فَإِذَا أَنَا بِجَوَادَّ عَنْ شِمَالِي قَالَ فَأَخَذْتُ لِآخُذَ فِيهَا فَقَالَ لِي لَا تَأْخُذْ فِيهَا فَإِنَّهَا طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ قَالَ فَإِذَا جَوَادُّ مَنْهَجٌ عَلَى يَمِينِي فَقَالَ لِي خُذْ هَاهُنَا فَأَتَى بِي جَبَلًا فَقَالَ لِيَ اصْعَدْ قَالَ فَجَعَلْتُ إِذَا أَرَدْتُ أَنْ أَصْعَدَ خَرَرْتُ عَلَى اسْتِي قَالَ حَتَّى فَعَلْتُ ذَلِكَ مِرَارًا قَالَ ثُمَّ انْطَلَقَ بِي حَتَّى أَتَى بِي عَمُودًا رَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ وَأَسْفَلُهُ فِي الْأَرْضِ فِي أَعْلَاهُ حَلْقَةٌ فَقَالَ لِيَ اصْعَدْ فَوْقَ هَذَا قَالَ قُلْتُ كَيْفَ أَصْعَدُ هَذَا وَرَأْسُهُ فِي السَّمَاءِ قَالَ فَأَخَذَ بِيَدِي فَزَجَلَ بِي قَالَ فَإِذَا أَنَا مُتَعَلِّقٌ بِالْحَلْقَةِ قَالَ ثُمَّ ضَرَبَ الْعَمُودَ فَخَرَّ قَالَ وَبَقِيتُ مُتَعَلِّقًا بِالْحَلْقَةِ حَتَّى أَصْبَحْتُ\nقَالَ فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ فَقَالَ أَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَسَارِكَ فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الشِّمَالِ قَالَ وَأَمَّا الطُّرُقُ الَّتِي رَأَيْتَ عَنْ يَمِينِكَ فَهِيَ طُرُقُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا الْجَبَلُ فَهُوَ مَنْزِلُ الشُّهَدَاءِ وَلَنْ تَنَالَهُ وَأَمَّا الْعَمُودُ فَهُوَ عَمُودُ الْإِسْلَامِ وَأَمَّا الْعُرْوَةُ فَهِيَ عُرْوَةُ الْإِسْلَامِ وَلَنْ تَزَالَ مُتَمَسِّكًا بِهَا حَتَّى تَمُوتَ\".\nوقال تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُم أَجْمَعِينَ) .\nفأخبرَ أنَّ قصدَ السبيل - وهو الطريقُ القاصدُ - عليه، يعني: أنه يُوصِّلُ\nإليه، وأنَّ من السبيلِ ما هو جائرٌ عنْ القصدِ غيرُ مُوصِّلٍ.\nفالسبيلُ القاصدُ: هو الصراطُ المستقيمُ. والسبيلُ الجائرُ: هو سبيلُ\nالشيطانِ الرجيم. وقد وحَّدَ طريقَهُ في أكثرِ المواضع، وجَمَعَ طرقَ الضلال؛","vol":"1","page":80},{"text":"لأنَّ طريقَ الحقِّ أصلُهُ شيءٌ واحدٌ، ودينُ الإسلامِ العامُّ كما سبقَ وهو توحيدُ\nاللَّهِ وطاعتُهُ، وطُرقُ الضلالةِ كثيرة متبوعة، وإنْ جمعَهَا الشركُ والمعصيةُ.\nقولُهُ: \"وعلى جَنْبتِي الصراط سُورانِ \" ثم فسَّرها بحدودِ اللَّهِ.\nوالمُرادُ: أنَّ اللَّهَ تعالى حدَّ حدودًا، ونهى عن تعدِّيهَا، فمنْ تعدَاهَا فقدْ\nظلمَ نفسَهُ وخرجَ عن الصراطِ المستقيم الَّذي أُمِرَ بالثبوتِ عليهِ.\nولمَّا كانَ السورُ يمنعُ من وراءَهُ مِنْ تعدِّيه ومجاوزَتِهِ: سمَّى حدودَ اللَّهِ\nسُورًا؛ لأنه يمنعُ منْ دخلَهُ من مجاوزتِهِ وتعدَي حدودِهِ.\nقالَ اللَّهُ تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا)، وقال: (تِلكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ) إلى قوله:\n(وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مهِينٌ) .\nوقال: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، وقالَ: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) .\nوفي حديثِ أبي ثعلبةَ الخُشنيِّ، عنِ النبيِّ - ﷺ -:\n\"إنَّ اللَهَ فرضَ فرائضَ فلا تضيِّعُوها وحرَّمَ أشياءَ فلا تنتهِكُوها وحدَّ حدودًا فلا تعتدُوها\".\nفحدودُ اللَّه تطلقُ ويُرادُ بها غالبًا: ما أذِنَ فيه وأباحَ فمن تعدَّى هذه الحدودَ\nفقدْ خرجَ ممَّا أحلَّه اللَّهُ إلى ما حرَّمهُ؛ فلهذا نُهِي عن تعدِّي حدودِ اللهِ، لأنَّ\nتعديهَا بهذا المعنى محرَّمٌ.\nويُرادُ بها تارةً ما حرَّمَهُ اللَّهُ ونَهَى عنه.","vol":"1","page":81},{"text":"وبهذا المعنى، يُقال: لا تقربُوا حدودَ اللَّه؛ كما قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ\nاللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا)، بعد أن نهى عن ارتكابِ المفطراتِ في نهارِ\nالصيامِ، وعن مباشرةِ النساءِ في الاعتكافِ في المساجدِ.\nفأرادَ بحدودِهِ هاهُنا: ما نَهَى عنه؛ فلذلكَ نَهَى عن قُربَانِهِ.\nفإنَّه تعالى جعلَ لكلِّ شيءٍ حدًّا، فجعلَ للمباح حدًّا، وللحرامِ حدًّا، وأمرَ\nبالاقتصارِ على حدِّ المباح وأنْ لا يُتعَدَّى. ونَهَى عن قربانِ حدِّ الحرامِ.\nوممَّا سُمِّي فيه المحرماتُ حُدودًا: قولُ النبيِّ - ﷿ -:\n\"مثلُ القائم على حدودِ اللَّهِ والمدهنِ فيها كمثلِ قومٍ استهمُوا سفينةً\" الحديثُ المعروف.\nوالمرادُ بالقائم على حدودِ اللَّهِ: المنكرُ للمحرماتِ والناهي عنها.\nوفي حديثِ ابنِ عباسٍ، عنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"أنا آخذٌ بحُجزِكم اتَّقوا النارَ اتقوا الحدود\" قالَها ثلاثًا\". خرَّجه الطبرانيُّ والبزار. ومرادُهُ بالحدودِ: محارم اللَّه ومعاصيهِ، وقد تُطلقُ الحدودُ باعتبارِ العُقوباتِ المقدَّرةِ الرادعةِ عن الجرائم المغَلَّظةِ. فيُقالُ: حدُّ الزِّنا، حدُّ السرقة، حدُّ شربِ الخمر، وهو هذا المعروف من اسم الحدودِ في اصطلاح الفقهاءِ، ومنهُ قولُ النبيِّ - ﷺ - لأسامةَ:\n\"أتشفعُ في حدٍّ من حدودِ اللَّهِ؟ \" لمَّا شفع في المرأة التي سرَقَتْ.\nوفي حديث: \"أقيموا الحدودَ في الحضرِ والسفرِ على القريبِ والبعيدِ\".","vol":"1","page":82},{"text":"وقالَ عليّ: أقيمُوا الحدودَ على ما ملكتْ أيمانُكُم.\nوأمَّا قولُه - ﷺ - في حديثِ أبي بُردةَ:\n\"لا يُجلَدُ فوقَ عشرِ جلداتٍ إلا في حدٍّ من حدودِ اللَّهِ ﷿ \".\nفقد اختَلَفُوا في المراد بالحدِّ هُنا: هل هو الحدودُ\nالمقدَّرةُ شرْعًا، أم المُرادُ بالحدِّ ما حدَّه اللَّهُ ونهى عن قُربانِهِ، فيدخلُ فيه سائرُ\nالمعاصِي، ويكونُ المرادُ: النهيَ عن تجاوزِ العشرِ جلداتٍ بالتأديبِ ونحوه، مما\nليسَ عقوبةً على محرَّمٍ.\nهذا فيه اختلافٌ مشهور بين العلماءِ.\nوقالَ تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْم يَعْلَمُونَ) .\nوقال تعالى: (الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) .\nوالمُرادُ بحدودِ اللَّهِ هَاهُنا: ما يفصلُ بينَ الحلالِ والحرامِ، ويتميَّزُ به أحدُهُما\nمن الآخرِ.\nوقد مدحَ اللَّهُ الحافظينَ لحدودِهِ في قولِهِ: (وَالْحَافِظُونَ لِحُدودِ اللَّهِ) .\nوفي الحديث المرفوع منْ حديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ، عنْ أبيه عنْ جدِّه:\n\"يمثَّلُ القرآنُ رجُلًا يومَ القيامةِ فيُؤْتَى بالرجلِ قدْ حمَلَهُ فخالفَ أمرَهُ ونهيَهُ، فيمثَّلُ له خَصْمًا فيقولُ: يا ربِّ حفَلتَهُ إياى فبئس حَامِلٍ. تعدَّى حدُودِي وضيَّعَ فرائِضي وركبَ معصَيتي.","vol":"1","page":83},{"text":"وقالَ: ويُؤتَى بالرجلِ الصالح كانَ قدْ حمَلَهُ، فيمثلُ خَصْمًا دونَهُ، فيقولُ: يا\nربّ حمَّلتَهُ إيَّاي فخيرُ حامِلٍ حفظَ حدودي وعمِلَ بفرائِضي واجتنبَ معصِيتِي \".\nوالمراد بحفظِ الحدودِ هُنا: المحافظةُ على الواجباتِ والانتهاءُ عن\nالمحرَّماتِ.\nوفي حديثِ النُعْمانِ بنِ بشيرٍ، عن النبي - ﷺ -:\n\"الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بيَنٌ وبينهُما أمورٌ مشتبهاتٌ لا يعلمُهُنَّ كثيرٌ من الناسِ، فمنِ اتَّقَى الشبهاتِ استبرأ لدِينِهِ وعرْضِهِ، ومنْ وقَعَ في الشبهاتِ وقَعَ في الحرام كالرَّاعي يرعَى حولَ الحِمَى يُوشِكُ أن يخالطَهُ. ألا وإنَّ لكل ملك حمىً، ألا وإن حمَى اللَّه في أرضه محارمُهُ \".\nوهو حديث متفق على صحتِهِ. ًًَ\nفمثَّلَ المحرَّماتِ في هذا الحديثِ: بالحِمَى، وهو ما يحميهِ الملوك وتمنعُ من\nقُربانِهِ، وجعلَ الحلال بيِّنًا والحرامَ بيِّنًا، ومُرادُهُ: الحلالُ المحض والحرامُ\nالمحضُ، فإنَّ لكلٍّ منهَا حُدودًا معروفةً في الشريعةِ.\nوجعلَ بينهُمَا أمورًا مشتبهةً على كثيرٍ من الناسِ، لا يدرونَ هلْ هيَ من الحلالِ أم منَ الحرامِ.\nفدلَّ على أنَّ من الناسِ من لا يشتبِهُ عليهِ حُكْمُها، فيعلمُ أنَّها حلالٌ أو أنَّها\nحرامٌ.\nفأمَّا من اشتبهَ عليه حُكْمُها: فإن الأوْلَى لهُ أنْ يتَّقيَهَا ويجتنبَهَا، كما قالَ\nعُمَرُ: ذَرُوا الرِّبا والرِّيبة) .\nوأخبر أنَه منْ وقعَ في الأمورِ المُشتبهةِ وقعَ في الحرامِ، والمُراد: أنَّ نفسَهُ","vol":"1","page":84},{"text":"تدعُوه من ارتكابِ الشبهاتِ إلى ارتكابِ الحرامِ.\nومثَّله بالراعي حولَ الحِمَى يُوشكُ أنْ يرتَعَ فيه، فأمَّا منْ بعُدَ عَنِ الحِمَى\nفإته يبعُد وقوعُه في الحرامِ؛ ولهذا قالَ منْ قالَ من السلفِ: اجعلْ بينَكَ وبينَ\nالحرامَ شيئًا من الحلالِ.\nوفي الحديثِ المرفوع، الَّذي خرَّجَهُ الترمذيُّ: \"لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من\nالمتقينَ حتَّى يدع ما لا بأسَ بِهِ حذرًا ممَّا به بأس\".\nوهذه الأمورُ المشتبهاتُ: منْهَا ما يَقْوَى شبهُه بالحرامِ، ومنها ما يبعُد شبهُهُ\nبالحرامِ، ومنها ما يترددُ، لشبهةٍ بين الحلالِ والحرامِ.\nفالأولُ: يَقْوَى فيه التحردمُ، والثاني: يَقْوَى فيه الكراهةُ، والثالثُ: يترددُ\nفيه، واجتنابُ الكلِّ حسنٌ، وهو الأفضلُ والأوْلَى.\nوقولُهُ: \" فيهمَا - يعني: السورينِ - أبواب مفتحة وعلى الأبوابِ سُتور\nمُرخاة\".\nثم فسَرَ الأبوابَ المُفتحةَ: بمحارمِ اللهِ، لما شبَّه حدودَ اللَّهِ بالسورينِ\nالمكتنفينِ للصراطِ يَمْنَةً ويَسْرةً - والسورُ يقتضي المنع، وأصلُ الحدِّ في اللغةِ\nالمنعُ - شبَّه المحارمَ بالأبوابِ المفتحةِ في السورينِ الذَيْنِ هُمَا حد الصراط\nالمستقيم ونهايتُهُ، وجعلَ الأبوابَ مفتحةً غيرَ مغلَّقةٍ ولا مُقفلةٍ، وجعلَ عليها\nستورًا مرخاةً بحيثُ يتمكنُ كل أحدٍ من رفع تلك الستورِ وولوج تلكَ\nالأبوابِ.","vol":"1","page":85},{"text":"وهكذَا الشهواتُ المحرَّمةُ، فإنَّ النفوسَ متطلعةٌ إليها وقادرةٌ عليها، وإنَّما\nيمنعُ منها مانعُ الإيمانِ خاصةً، والنفوسُ مولعةٌ بمطالعة ما مُنعتْ منه؛ كَما في\nالحديثِ \"لو يُمنعُ الناسُ فتَّ البعرِ لقالُوا فيه الدر\".\nوفي حديثٍ آخر مرفوع: \"لو نهيتُ أحدَهم أنْ يأتيَ الحجونَ لأوشكَ أنْ يأتيَه\nمِرَارًا وليسَ له إليه حاجةٌ\".\nوحكايةُ ذِي النونِ المصريِّ مع يوسفَ بن الحسينِ الرازيِّ - في الطبقِ الذي\nأرسلَهُ، وأمرَهُ أنْ لا يكشِفَهُ - معروفةٌ.\nوالمحرَّماتُ أمانةٌ مِنَ اللَّهِ عندً عبدِهِ، والسمعُ أمانةٌ، والبصرُ واللسانُ أمانةٌ.\nوالفرجُ أمانةٌ، وهو أعظَمُهَا.\nوكذلك الواجباتُ كلُّها أماناتٌ: كالطهارةِ، والصيامِ، والصلاةِ، وأداءِ\nالحقوقِ إلى أهلها، قالَ اللَّهُ تعالَى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)\nثم ذكرَ حكمَهُ، فقالَ: (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ) .\nوفي الحديثِ الصحيح عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"حُفَّتِ الجنةُ بالمكارِهِ وحفَّتِ النارُ بالشهواتِ \".\nوفي روايةٍ: \"حُجبتْ \" بدل: \"حُفَّتْ \".\nفاللَّهُ سبحانَهُ امتحنَ عبادَهُ في هذهِ الدارِ بهذِهِ المحرَّماتِ من الشهواتِ","vol":"1","page":86},{"text":"والشبهاتِ، وجعلَ في النَّفْسِ داعِيًا إلى حبِّها مع تمكِّنِ العبدِ منهَا وقُدرتِهِ\nفمن أدَّى الأمانةَ، وحفظَ حدودَ اللَّهِ ومنعَ نفسَهُ ما يُحبُّه من محارمِ اللَّهِ\nكانَ عاقبتَهُ الجنةُ؛ كما قال تعالَى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) .\nفلذلك يحتاجُ العبدُ في هذهِ الدارِ إلى مُجاهدةٍ عظيمةٍ، يُجاهدُ نفسَهُ في الله - ﷿ - كما في الحديثِ:\n\"المجاهدُ مَنْ جاهَدَ نفسَهُ في اللَّه - ﷿ \"\nفمنْ كانتْ نفسُه شريفةً، وهمَّتُهُ عالية لم يرض لَهَا بالمعاصِي، فإنها خيانة\nولا يَرْضَى بالخيانة إلا مَن لا نفسَ لهُ.\nقال بعضُ السلفِ: رأيتُ المعاصِي نذالة، فتركتُها مروَّةً فاستحالتْ ديانةً.\nوقالَ آخرُ منهُم: تركتُ الذنوبَ حياءً أربعينَ سنةً، ثم أدركنِي الورعُ.\nوقالَ آخرُ: مَنْ عمِلَ في السرِّ عملًا يستحيي منهُ إذا ظَهَرَ عليه، فليسَ\nلنفسِهِ عندَهُ قدر.\nقالَ بعضُهُم: ما أكرمَ العبادُ أنفسَهُم بمثلِ طاعةِ اللَّهِ، ولا أهانوها بمثلِ\nمعاصِي اللَّه ﷿. فمنِ ارتكبَ المحارمَ فقد أهانَ نفسَهُ.\nوفي المَثَلِ المضروبِ: أنًّ الكلبَ قالَ للأسدِ: يا سيدَ السباع، غيَر اسمِي فإنَّه قبيح.\nفقال لهُ: أنتَ خائنٌ، لا يصلحُ لكَ غيرَ هذا الاسمِ.\nقال: فجرّبْنِي. فأعطَاهُ شقةَ لحم، وقالَ: احفظْ لي هذهِ إلى غدٍ، وأنا أغيِّرُ اسمَكَ. فجاعَ، وجعلَ","vol":"1","page":87},{"text":"ينظرُ إلى اللحم ويصبرُ. فلما غلبتْهُ نفسُهُ قالَ: وأيُّ شيءٍ أعملُ باسمِي.\nوما كلبٌ إلا اسم حَسَنٌ فأكَلَ.\nولهذَا المَعْنَى: شبَّه اللَّهُ عالمَ السُّوءِ الَّذي لم ينتفعْ بعلمِهِ بالكلبِ \" فقالَ\nتعالَى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) .\nوالمُرادُ بهذا المثلِ: أنَّ منْ لم يزجرْهُ علمُه عن القبيح، صارَ القبيحُ عادةً لهُ\nولم يؤثرْ فيه علمُه شيئًا، فيصيرُ حالُه كحالِ الكلبِ اللاهثِ \" فإنَه إنْ طُرِدَ\nلَهِثَ، وإنْ ترِكَ لَهِثَ، فالحالتانِ عنده سواءٌ.\nوهذا أخسُّ أحوالِ الكلبِ وأبشعُهَا، فكذلكَ من يرتكبُ القبائح مع جهلِهِ\nومع علمِهِ، فلا يؤثِّرُ علمُه شيئًا\" وكذلكَ مثل مَنْ لا يرتدع عن القبيح بوعظ\nولا زجرٍ ولا غيرِهِ.\nفإنَّ فعلَ القبيح يصيرُ عادةً، ولا ينزجِرُ عنه بوعظٍ ولا تأديبٍ ولا تعليم.\nبل هو متبعٌ للهَوى على كلِّ حالٍ، فهذا كل من اتَبعَ\nهواهُ، ولم ينزجرْ عنهُ بوعظ ولا غيرِهِ.\nوسواءٌ كانَ الهَوى المُتبَع داعيًا إلى شهوةٍ حسيةٍ، كالزنا والسرقة وشربِ\nالخمرِ، أو إلى غضبٍ وحقدٍ وكبرٍ وحسدٍ، أو إلى شُبهةٍ مضلَّةٍ في الدِّينِ.\nوأشدُّ ذلكَ: حالُ من اتَّبع هواهُ في شبهةٍ مضلةٍ، ثمَّ من اتبع هواهُ في\nغضبٍ وكبرٍ وحقدٍ وحسدٍ، ثم من اتَّبع هواهُ في شهوةٍ حسيةٍ.","vol":"1","page":88},{"text":"ولهذَا يُقالُ: إنَّ مَن كانتْ معصيتُهُ في شهوةٍ فإنَه يُرجَى له، ومن كانتْ\nمعصيتُهُ في كبرٍ لم يُرج.\nويُقال: إنَّ البدعَ أحبُّ إلى إبليسَ من المعاصِي \" لأنَّ المعاصِيَ يُتابُ منها\nوالبدعَ يعتقِدُهَا صاحبُها دِينًا فلا يتوبُ مِنهَا.\nوالمقصودُ: أنَّه لمَّا كانتِ النفسُ والهَوى داعيينِ إلى فتح أبوابِ المحارِمِ\nوكشفِ ستورِها وارتكابِها، جعلَ اللَّهُ - ﷿ - لها داعيَيْنِ يزجرانِ مَن\nيُريدُ ارتكابَ المحارمِ وكشفَ ستورِهما.\nأحدُهما: داعِي القرآنِ، وهو الداعِي على رأسِ الصراطِ يدعُو الناسَ كلَّهم\nإلى الدخولِ في الصراطِ والاستقامةِ عليهِ، وأنْ لا يَعْوَجُّوا عنه يمنةً ولا يسرةً.\nولا يفتحُوا شيئًا من تلكَ الأبوابِ التي عليَها الستورُ المُرخاةُ:\nقالَ اللَّهُ ﷿ حاكيًا عن عبادِهِ المؤمنينَ أنَّهم قالُوا: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا)، والمُرادُ به القرآنُ عندَ أكثرِ السلفِ.\nوقالَ حاكيًا عنِ الجنّ الذين استمعُوا القرآنَ، أنَّهُم لمَّا رجعُوا إلى قومِهِم\nقالُوا: (إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ) .\nوقد وصفَ اللَهُ نبيَّه - ﷺ - بأنَّه يدعُو الخلقَ بالكتابِ إلى الصراطِ المستقيم؛ كما قالَ اللَّهُ - تعالَى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) .\nوقالَ تعالَى: (وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤) .","vol":"1","page":89},{"text":"وقد كانَ النبيُّ - ﷺ - يدعُو الخلقَ بالقرآنِ إلى الدخولِ في الإسلامِ، الَّذي هو الصراطُ المستقيمُ، وبذلكَ استجابَ له خواصُّ المؤمنينَ كأكابرِ المهاجرينَ والأنصارِ.\nولهذا المعْنَى قال مالكٌ: فُتحت المدينةُ بالقرآنِ.\nيعني: أنَّ أهلَهَا إنَّما دخلُوا في الإسلامِ بسماع القرآنِ.\nكما بعثَ النبيُّ - ﷺ - مصعبَ بنَ عميرٍ، قبلَ أنْ يُهاجِرَ إلى المدينةِ. فدعَا أهلَ المدينةِ إلى الإسلامِ بتلاوةِ القرآنِ عليْهِم، فأسلمَ كثيرٌ منْهُم.\nقال بعضُ السلفِ: من لم يردعْهُ القرآنُ والموتُ، لو تناطحتِ الجبالُ بين\nيديهِ لم يرتدعْ.\nوقالَ آخرُ: من لم يتَّعِظْ بثلاثٍ، لم يتعِظْ بشيءٍ: الإسلامِ والقرآنِ.\nوالمشيبِ، كما قيلَ:\nكفى الشيبُ والإسلامُ للمرءِ ناهيًا\nقال يحيى بنُ معاذٍ: الإسلامَ نقيٌّ فلا تدنّسْهُ بآثامِكَ.\nمنع الهَوى مِن كاعبٍ ومدام. . . نورُ المشيبِ وواعظُ الإسلامِ\nومَن كان في الدنيا قد خرَجَ عن الاستقامةِ على الصراطِ، ففتحَ أبوابَ\nالمحارمِ الَّتي في ستورِ الصراطِ يمنةً ويسرةً، ودخلَ إليْهَا - سواءٌ كانت المحارمُ\nمن الشهواتِ أو مِنَ الشبهاتِ - أخذتْهُ الكلاليبُ الَّذي على ذلك الصراطِ يمنةً ويسرةً، بحسبِ ما فتحَ في الدنيا من أبوابِ المحارمِ ودخلَ إليْهَا.\nفمنهُم المكدوشُ في النارِ، ومنهم من تخدِشُهُ الكلاليبُ وينجُو.\nرأى بعضُ السلفِ - وكانَ شَابا - في منامِهِ: كأنَّ الناسَ حُشِرُوا، وإذا بنهرٍ\nمن لهبِ النارِ عليه جسرٌ يجوزُ الناسُ عليهِ يُدْعونَ بأسمائِهِم. فمنْ دُعِيَ","vol":"1","page":90},{"text":"أجابَ، فناج وهالِكٌ. قالَ: فدُعِيَ باسْمِي، فدخلتُ في الجسرِ فإذَا حدٌّ كحدِّ السيفِ يمورُ بي يمينًا وشِمالًا.\nفأصبحَ الرجلُ أبيضَ الرأسِ واللحيةِ، ممَّا رأى.\nسمعَ بعضُهم قائِلًا يقولُ شعرًا:\nأمامِي موقفٌ قُدَّام ربِّي. . . يُسائِلُنِي وينكشفُ الغطاءُ\nوحسْبِي أنْ أمرَّ على صراطٍ. . . كحدِّ السيفِ أسفلُه لَظاءُ\nفغُشِي عليه.\nقال الفُضيلُ لبِشرٍ: بلغَنِي أنَّ الصراطَ مسيرةَ خمسةَ عشرَ ألف فرسخ.\nفانظرْ كيفَ تكونُ عليهِ.\nقال بعضُ السلفِ: بلغَنا أنَّ الصراطَ يكونُ على بعضِ الناسِ أدقُّ مِنَ\nالشعرِ، وعلَى بعضِهِم كالوادِي الواسع.\nقال سهلٌ التستُريُّ: مَن دقَّ على الصراطِ في الدُّنيا عرضَ له في الآخرةِ\nومن عرضَ له في الدنيا الصراطُ دقُّ عليهِ في الآخرةِ.\nوالمعنى: أنَّ مَنْ صبَّر نفسَهُ على الاستقامةِ على الصراطِ ولم يعرجْ عنه يمنةً\nويسرةً، ولا كشفَ شيئًا من الستورِ المُرخاةِ على جانبيهِ - مما تهواهُ النفوسُ من الشهواتِ أو الشبهَاتِ - بلْ سارَ علَى متنِ الصراطِ المستقيم حتَّى أتَى ربَّه\nوصبرَ على دِقَّةِ ذلكَ، عرضَ له الصراطُ في الآخرةِ.\nومن وسَّعَ على نفسهِ الصراطَ في الدُّنيا، فلم يستقمْ على جادَّتِهِ - بل كشفَ ستورَهُ المرخاةَ من جانبيهِ يمنةً ويسرةً، ودخلَ ممَّا شاءتْ نفسُه من الشهواتِ والشبهاتِ - دقُّ عليه الصراطُ في الآخرةِ، فكانَ عليه أدقَّ من الشَّعرِ.","vol":"1","page":91},{"text":"أمَا آنَ يا صاح أنْ تسْتَفيقَا. . . وأنْ تتناسَى الهَوى والفُسوقَا\nوقد ضحِكَ الشيبُ فاحزنْ لهُ. . . وصارَ مساؤُكَ فيه شُروقَا\nألا فازجرِ النفسَ عنْ غيِّها. . . عساكَ تجوزُ الصراطَ الدَّقيقَا\nودونَ الصراطِ لَنَا موقف. . . به يتناسَى الصديقُ الصَّديقَا\nفتُبصرُ ما شئتَ كَفًّا تُعضُّ. . . وعينًا تسحُّ وقلْبا خَفُوقَا\nإذا أطبقتْ فوقَهُم لم تكنْ. . . تسَمع إلا البكاء والشهيقَا\nشرابُهُم المُهْلُ في قعرِهَا. . . يقطَعُ أوصالَهُم والعُروقَا\nقال إبراهيمُ بنُ أدهمَ: كُلِ الحلالَ، وادع بما شئتَ.\nوقالَ لرجل: اعبدِ اللَّهَ سرًّا، حتى تخرجَ على الناسِ يومَ القيامةِ كمينًا.\nومما أنشدَ بعضُهم شِعْرًا:\nأروحُ وقد ختمتُ على فؤادِي. . . بحبِّكَ أنْ يحلَّ به سِواكَا\nفلو أنِّى استطعتُ غضضتُ طَرفِي. . . فلم أبصرْ به حتَّى أراكَا\nأحبُّكَ لا ببعْضِي بل بكُلِّي. . . وإنْ لم يُبقِ حبُّك لي حِراكَا\nويقبُحُ مِن سواكَ الفعلُ عندِي. . . وتفعلُه فيحسُنُ منكَ ذاكَا\nوفي الأحبابِ مخصوصٌ بوجدٍ. . . وآخرُ يدَّعي معه اشترَاكَا\nإذا اشتبكتْ دموعٌ في خدود. . . تَبَيَّن مَن بكى مِمَّنْ تباكَى\nفأمَّا منْ بكَى فيذوبُ وجْدًا. . . وينطقُ بالهَوى من قد تَشَاكَا\n* * *","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>سُورَةُ البَقَرَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-6>قوله تعالى: (أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ)</span>\n[قالَ البخاريُّ]: \"باب: ما يَقُولُ إذَا أمْطَرَتْ \":\nوقال ابنُ عباسٍ: (كَصَيبً) البقرة: ١٩،: المطرُ.\nوقالَ غيرُهُ: صابَ وأصَابَ يَصُوبُ.\nحدَّثَنَا مُحمَّدُ بنُ مُقاتِلٍ أبو الحسنِ المرْوَزِيُّ: أنا عبدُ اللَّهِ - هُوَ: ابنُ\nالمباركِ -: أنا عُبَيْدُ اللَّهِ، عنْ نافع، عنِ القاسم بنِ مُحمَّدٍ، عنْ عائشةَ، أنَّ\nرسولَ اللَهِ - ﷺ - كانَ إذا رأى المَطَرَ قالَ: \"صيَبا نافِعًا\".\nتابَعَهُ: القاسمُ بنُ يحيى، عنْ عبيدِ اللَّهِ.\nورواهُ الأوزاعيُّ وعُقيل، عنْ نافعِ.\nأمَّا ذكر المتابعاتِ على هذا الإسنادِ، لاختلافٍ وقعَ فيه:\nفإنَّه رُوي عن عبيدِ اللَّهِ، عن القاسم، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ اللَّه - ﷺ - من غيرِ ذكرِ: \"نافع \".\nوالصحيحُ: ذكرُ: \" نافع \" فيه.\nوقد رواه - أيضًا - يحيى القطانُ وعبدةُ بن سليمانَ، عن عبيدِ اللَّهِ.\nكذلك -: ذكره الدارقطنيُّ في \"عللِهِ \".","vol":"1","page":93},{"text":"فإن كان ذلك محفوظا عنهمَا، فكيفَ لم يذكرِ البخاريُّ متابعتَهَما لابنِ\nالمباركِ، وعدل عنه إلى متابعةِ القاسم بن يحيى.\nوأما عقيلٌ، فرواهُ عنْ نافع، - عنِ القاسم، عنْ عائشةَ.\nورواه - أيضًا - أيوبُ، عنِ القاسم، عنْ عائشةَ.\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ، عنْ عبدِ الرزاقِ، عنْ معمرٍ، عنه، ولفظُ حديثِهِ:\n\"اللهُمَ صيبا هنيئًا - أو - صيَبا هنيئًا\".\nوأمَّا الأوازعيُّ، فقد رواهُ عن نافع، عنِ القاسم، عنْ عائشةَ، كما ذكرهُ\nالبخاريُّ، ولفظُ حديثِهِ: \"اللَّهُمَ اجعَلهُ صيبا هنيئًا\".\nوقد خرَّج حديثَهُ كذلكَ الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجةَ.\nوفي روايةِ ابنِ ماجةَ: أنَّ الأوزاعيَّ قال: \"أخبرني نافعٌ \"، كذا خرَّجه من\nطريقِ عبدِ الحميدِ بنِ أبي العشرين، عنه.\nوقد رُوي التصريحُ بالتحديثِ فيه عنِ الوليدِ بن مسلم، عنِ الأوزاعيِّ\nأيضًا.\nورواه إسماعيلُ بنُ سماعةَ، عنِ الأوزاعيِّ، عنْ رجل، عن نافع، عن\nالقاسم، عنْ عائشةَ.\nوقال البابْلُتِّيُّ: عنِ الأوزاعيِّ، عنْ محمدِ بنِ الوليدِ الزبيديِّ، عنْ نافع.\nعنِ القاسم، عنْ عائشةَ.\nوقال عقبةُ بنُ علقمةَ: عنِ الأوزاعيِّ، عنِ الزهريَ، عنْ نافع، عنِ","vol":"1","page":94},{"text":"القاسم، عنْ عائشةَ.\nقال الدارَقُطنيُّ: وهو غيرُ محفوظٍ.\nوقال عيسى بنُ يونسَ وعبادُ بنُ جويريةَ: عنِ الأوزاعيِّ، عنِ الزهريِّ.\nعنِ القاسم، عنْ عائشةَ - منْ غيرِ ذكرِ: \"نافع \".\nوكذا رُوي عنِ ابنِ المباركِ، عنِ الأوزاعيِّ.\nقال الدارقطنيُّ: فإنْ كانَ ذلك محفوظا عنِ الأوزافيَ، فهو غريبٌ عنِ\nالزهريِّ.\nوخرَّجه البيهقيُّ منْ روأيةِ الوليدِ بنِ مسلم: نَا الأوزاعيُّ: حدثني نافعٌ.\nثم قال: كانَ ابنُ معينٍ يزعمُ أنَّ الأوزاعيَّ لم يسمعْ من نافع شيئًا.\nثمَّ خرَّجه من طريقِ الوليدِ بنِ مَزْيَد: نَا الأوزاعيُّ: حدثني رجلٌ، عن\nنافع - فذكرَه.\nقال: وهذا يشهدُ لقولِ ابنِ معين.\nقلتُ: وقد سبقَ الكلامُ على روايةِ الأوزاعيِّ عنْ نافع في \"بابِ: حملِ\nالعنزة بين يَدَي الإمامِ يومِ العيدِ\"، فإنَّ البخاريَّ خرَّج حديثًا للأوزاعيِّ عنْ\nنافع مصرحًا فيه بالسماع.\nوقد رُوي هذا الحديثُ عنْ عائشةَ من وجهٍ آخَر:\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ وابنُ ماجةَ من حديثِ المقدَامِ بنِ\nشُريْح،","vol":"1","page":95},{"text":"عنْ أبيهِ، عنْ عائشةَ، أنَّ النبيَّ، كانَ إذا أُمطرَ، قالَ: \"اللَّهُمَّ صيَبا\nهنيئًا\" - لفظُ أبي داودَ.\nولفظُ النسائيِّ: \"اللَّهُمَّ اجعله سيبًا نافِعًا\".\nولفظُ ابنِ ماجةَ: \"اللَهُمَّ سيبًا نافعًا\" - مرتينِ أو ثلاثًا.\nوفي رواية لابنِ أبي الدنيا في \"كتاب المطرِ\": \"اللهُمَّ سقيًا نافعًا\".\nوخرَّج مسلمٌ من طريقِ جعفر بنِ محمدٍ، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، أنَّ\nالنبيَّ - ﷺ - كانَ يقول إذا رأى المطرَ: \"رحمة\".\nوقد أشارَ البخاريُّ إلى تفسيرِ قولِهِ - ﷺ -: \"صيبا هنيئًا\"، فذكرَ عنِ ابنِ عباسٍ، أنَّ الصيِّبَ هو المطرُ.\nوقد خرَّجه ابنُ أبي الدنيا في \"كتابِ المطر\" من روايةِ هارونَ بنِ عنترةَ.\nعن أبيه، عنِ ابنِ عباسٍ.\nوقالَ غيرُهُ: هو المطرُ الشديدُ.\nوقد ذكرَ البخاريُّ عن بعضِهِم، أنَّ الفعلَ الماضِي منه: \"صابَ وأصابَ \".\nوالمضارعُ منه: \"يصوبُ \".\nوهذا عجيبٌ: فإنَّ \"أصابَ \" إنما تقالُ في ماضِي \"يصيبُ \"، مِنَ الإصابةِ\nالتي هي ضدَّ الخطإِ.\nوأمَّا \"صابَ يصوبُ \"، فمعناه: نزلَ من علوٍ إلى سفْل.\nوأمَّا روايةُ من روى \"سيِّبًا\" بالسينِ، فيجوزُ أنَّ تكونَ السينُ مبدلةً\nمن الصادِ.","vol":"1","page":96},{"text":"وقيل: بل هو بسكونِ الياءِ، ومعناه: العطاءُ.\nورُوي عنْ محمدِ بنِ أسلمَ الطوسيِّ، أنَّه رجَّح هذه الروايةَ؛ لانَّ العطاءَ\nيعمُّ المطرَ وغيرَهُ منْ أنواع الخيرِ والرحمةِ، وفي هذه الأحاديثِ كلِّها: الدعاءُ\nبأن يكونَ النازلُ من السماءِ نافعًا، وذلك سقيا الرحمةِ، دون العذابِ.\nوروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ، عنْ عبدِ الملكِ بنِ جابرِ بنِ عتيك، أنَّ رجلًا\nمن الأنصارِ كانَ قاعدًا عند عُمرَ في يومِ مطرٍ، فأكثرَ الأنصاريّ الدعاءَ\nبالاستسقاءِ، فضربَه عمرُ بالدِّرةِ، وقالَ: ما يدريكَ ما يكونُ في السقْيا، ألا\nتقول: سقْيا وادعةً، نافعةً، تسعُ الأموالَ والأنْفُسَ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>قوله تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)</span>\nقالَ اللَّهُ تعالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) .\nوقال: (فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) .\nواختلفَ المفسرونَ في هذهِ الحجارةِ، فقالتْ طائفةٌ منهم الربيع بنُ أنسٍ:\nالحجارةُ هي الأصنامُ التي عبدَتْ من دونِ اللَّهِ، واستشهدَ بعضُهم لهذا بقولِهِ","vol":"1","page":97},{"text":"تعالى: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا) .\nقالَ ابنُ أبي حاتمٍ: حدثنا أبو صالح، حدثنا معاويةُ بنُ أبي صالح، عنْ\nأبي بكرٍ بنِ أبي مريمَ، عنْ أبيه أنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ في قولِهِ: (إِذَا الشَّمْس كُوِّرَتْ)، قالَ: \"كورتْ في جهنمَ \"، (وإِذَا النُّجُومُ\nانكَدَرَتْ)، قال: \"انكدرتْ في جهنمَ، وكلُّ من عُبِدَ من دونِ اللهِ فهو في\nجهنمَ، إلا ما كانَ مِنْ عيسى وأمِّه ولو رضيا لدخلاَهَا\" غريبٌ جدًّا، وأبو بكرٍ بنُ أبي مريمَ فيه ضعفٌ.\nوقد رُويَ أنَّ الشمسَ والقمرَ يكورانِ في النارِ.\nورواهُ عبدُ العزيزِ بنِ المختارِ عنْ عبدِ اللَهِ - هو ابنُ فيروزَ الداناج - قالَ:\nسمعتُ أبا سلمةَ بنَ عبدِ الرحمنِ يحدثُ عن أبي هريرةَ عنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"الشمسُ والقمرُ ثورانِ يكورانِ في النارِ يومَ القيامةِ\" خرَّجه البزار وغيرهُ.\nوخرَّجهُ البخاريُّ مختصرًا، ولفظُه: \"الشمسُ والقمرُ يكورانِ يومَ القيامةِ\".\nوخرَّج أبو يَعْلَى منْ روايةِ درستْ بنِ زيادٍ عن يزيدَ الرقاشيَ عن أنسٍ\nعنِ النبيِّ - ﷺ -، قالَ: (الشمسُ والقمرُ ثورانِ عقيرانِ في النارِ\" وهذا إسنادٌ ضعيف جدًّا.\nوقد قيلَ: إنَّ المعنى في ذلكَ أنَّ الكفارَ لمَّا عبدُوا الآلهةَ من دونِ اللَّهِ\nواعتقدُوا أنها تشفعُ لهم عندَ اللَّهِ وتقرِّبُهم إليه عوقِبُوا بأن جعلت معهم في","vol":"1","page":98},{"text":"النارِ إهانةً لها وإذلالًا، ونكايةً لهم وإبلاغًا في حسرتِهِم وندامتِهِم، فإنَّ\nالإنسانَ إذا قرنَ في العذابِ بمنْ كانَ سببَ عذابِهِ كانَ أشدَّ في ألَمِهِ وحسرَتِهِ.\nولهذا المعنى يقرنُ الكفارُ بشياطينهِم التي أضلتْهُم.\nقالَ اللَّهُ تعالَى: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨) وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩) .\nقالَ مَعْمرٌ عنْ سعيدٍ الجريريِّ في هذهِ الآياتِ: بلغنَا أن الكافرَ إذا بُعِثَ يومَ\nالقيامةِ منْ قبر، شُفِعَ بشيطانِهِ فلم يفارقْه حتى يصيرَهُما اللَّهُ إلى النارِ، فذاكَ\nحينَ يقولُ: (يَا لَيْتَ بيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ) .\nوقالَ أبو الأشهبِ عن سعيدٍ الجريريِّ عن عباسٍ الجشميِّ: إنَّ الكافرَ إذا\nخرجَ من قبرِهِ وجَدَ عندَ رأسِهِ مثلَ السرحةِ المحترقةِ شيطانةً فتأخذُ بيده.\nفتقولُ: أنا قرينتُكَ أدخلُ أنا وأنتَ جهنَّم، فذاك قولُهُ: (يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ)، خرَّجَهما ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُهُ، والسرحةُ:\nشجرةٌ كبيرةٌ.\nوقد أخبرَ اللَّهُ تعالى عن حنقِ الكفارِ على من أضلَّهُم بقولِهِ: (وقَالَ الَّذِينَ\nكَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامَا لِيكُونَا مِنَ الأَسْفَلِينَ) .\nفإذا قُرن أحدُهُم بمن أضلَّه في العذابِ كانَ أشدَّ لعذابِهِ، فإنَّ المكانَ المتسعَ\nيضيقُ على المتباغِضينِ باقترانِهِما في المكانِ الضيقِ.\nوأخبرَ اللَّهُ تعالى عن اختصامِ الكفارِ معَ من كانَ معهُم من الشياطينِ ومن","vol":"1","page":99},{"text":"عبدُوه من دونِ اللَّهِ تعالى.\nقالَ اللَّهُ تعالى: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) .\nومن جملةِ أنواع عذابِ أهلِ النارِ فيها: تلاعنُهم وتباغضُهم، وتبرُّؤُ\nبعضُهم من بعضٍ، ودعاءُ بعضِهم على بعضٍ، بمضاعفةِ العذابِ، كما قالَ\nاللَّه تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ) .\nقالَ اللَّهُ تعالى: (وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا) الآيات.\nوقال اللَّهُ تعالى: (هَذَا فَوْجٌ مقْتَحِمٌ معَكُمْ لا مَرْحَبًا بِهِمْ) إلى قولِهِ: (إِنَّ ذَلِكَ\nلَحَق تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ)، وحينئذ لا يبعدُ أن يقرنَ كلُّ كافرٍ بشيطانِهِ\nالذي أضَلَّهُ وبصورة من عَبَدَهُ من دونِ اللَّهِ من الحجارةِ.\nوقالَ ابنُ أبي الدنيا: حدثنا عبدُ اللَّه بنُ وضاح، حدثنا عبادة بنُ كليبٍ\nعن محمدِ بنِ هاشمٍ، قالَ: لما نزلتْ هذه الآية ُ: (وَقُودُهَا النَّاسُ والحِجَارَةُ) .\nوقرأها النبيُّ - ﷺ - فسمعَهَا شابٌّ إلى جنبِهِ فصُعِقَ، فجعلَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - رأسَهُ في حجره، رحمةً لَهُ، فمكثَ ما شاءَ أن يمكثَ، ثم فتحَ عينيهِ، فقالَ: بأبي أنتَ وأمِّي مثلَ أيِّ شيء الحجرُ؛ قالَ: \"أما يكفيكَ ما أصابَكَ، على أنَّ الحجرَ الواحدَ منها لو وُضِعَ عن جبالِ الدنيا كلِّها لذابتْ منهُ، وإنَّ معَ","vol":"1","page":100},{"text":"كل إنسانٍ منهُم حجرًا وشيطانا\".\nوقالَ الحسنُ في موعظَتِهِ: أذكركَ اللهَ ما رحمتَ نفسَكَ، فإنَّك قد حذرتَ\nنارًا لا تطفأ، يهوِي فيها من صارَ إليها، ويترددُ في أطباقِهَا قرينُ شيطانٍ.\nولزيقُ حجرٍ يتلهبُ في وجههِ شعلُها (لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا) .\nوأكثرُ المفسرينَ على أن المرادَ بالحجارةِ حجارةُ الكبريتِ توقدُ بها النارُ.\nويقالُ: إن فيها خمسةُ أنواع من العذابِ ليسَ في غيرِها من الحجارةِ: سرعةُ\nالإيقادِ، ونتن الرائحةِ، وكثرةُ الدخانِ، وشدةُ الالتصاقِ بالأبدانِ، وقوةُ حرِّهَا إذا أحميتْ.\nقالَ عبدُ الملكِ بنُ عميرِ عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ عنْ عمرِو بنِ ميمونَ\nعنِ ابنِ مسعودٍ في قولِهِ تعالى: (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) قالَ: هي\nحجارةٌ من الكبريتِ خلقَهَا اللَّهُ يومَ خلقَ السموات والأرضَ في السماءِ الدنيا\nيُعدها للكافرينَ. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ والحاكمُ في \"المستدركِ \" وقال: صحيحٌ\nعلى شرطِ الشيخينِ.\nوقالَ السُّديُّ في \"تفسيره\" عنْ أبي مالكِ وعنْ أبي صالح، عنِ ابنِ عباسٍ\nوعن مرة عن ابنِ مسعودٍ، وعن أناسٍ من الصحابةِ: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) .\nأما الحجارةُ حجارةٌ في النار من كبريتٍ أسودَ يعذبونَ به مع النارِ.\nوقالَ مجاهدٌ: حجارة من كبريتٍ أنتن من الجيفةِ.\nوهكذا قالَ أبو جعفرِ وابنُ جريج، وعمرُو بنُ دينار وغيرُهم.\nوقالَ ابنُ وهبٍ: أخبرَني عبدُ اللَّهِ بنُ عياشٍ، أخبرَني عبدُ اللَّهِ بن سليمانَ\nعنْ درَّاج عن أبي الهيثم، عن عيسى بنِ هلالي الصدفيّ، عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ\nعمرو،","vol":"1","page":101},{"text":"قالَ: قالَ رسولُ اللَهِ - ﷺ -: \" إن الأرضينَ بينَ\nكل أرض إلى التي تليهَا مسيرةُ خمسمائة سنةٍ، فالعُليا منها على ظهرِ حوتٍ قد التقَى طرفَاهُ في السماءِ، والحوتُ على صخرةٍ، والصخرةُ بيدِ ملكٍ، والثانية سجنُ الريح، فلما أرادَ اللَهُ إهلاكَ عادٍ أمرَ خازنَ الريح أن يرسلَ عليهم ريحًا تهلكُ عادًا، قالَ: يا ربِّ أرسلْ عليهم من الريح قدرَ منخرِ ثورٍ، قالَ له الجبارُ ﵎: إذنْ يكفي الأرضَ ومن عليها، ولكنْ أرسِل عليهم بقدرِ خاتمٍ، فهي التي قالَ اللَّهُ في كتابه: (مَا تَذَرُ مِن شيءٍ أتت عَلَيْهِ إِلا جَعَلَتْهُ كالرميمِ)، والثالثةُ فيها حجارةُ جهنَم، والرابعةُ\nفيها كبريتُ جهنمَ \" قالُوا: يا رسولَ اللَهِ أللنارِ كبريتٌ؟!\nقالَ: \"نعم، والذي نفسي بيدِهِ إنَّ فيها لأوديةً من كبريت لو أرسلتْ فيها الجبالُ الرواسي لماعَتْ، والخامسةُ فيها حياتُ جهنمَ وإنَ أفواهَها كالأوديةِ تلسعُ الكافرَ اللسعةَ فلا يبْقى منه لحمٌ على وضَمٍ.\nوالسادسةُ فيها عقاربُ جهنَّم، وإنَّ أدنى عقربة منها كالبغالِ الموكفةِ، تضربُ الكافرَ ضربةً تنسيه ضربتُها حرَّ جهنَّم، والسابعةُ سقرُ، وفيها إبليسُ مصفدٌ بالحديد أمامَهُ ويدُه من خلفِهِ، فإذا أرادَ اللَّه أن يطلِقَهُ لما يشاءُ من عبابٍ أطلَقَهُ \" خرَّجه الحاكمُ في آخرِ: \"المستدركِ \" وقالَ: تفرد به أبو السمح، وقد ذكرتْ عدالتُه بنصِ الإمامِ يحيى بنِ معين، والحديثُ صحيحٌ ولم يخرِّجاه، وقالَ بعضُ الحفاظِ المتأخرين: هو حديثٌ منكرٌ، وعبدُ اللَهِ بنُ عياشٍ القتبانيُّ ضعَّفه أبو داودَ، وعندَ مسلم أنَه ثقةٌ، ودرَاج كثيرُ المناكيرِ، واللَّهُ أعلمُ.\nقلتُ: رفْعُه منكرٌ جدًّا، ولعله موقوفٌ، وغلطَ بعضُهم فرفَعَه، وروى","vol":"1","page":102},{"text":"عطاءُ بنُ يسارٍ عن كعب من قولِهِ نحوَ هذا الكلام أيضًا.\nوعن عبدِ العزيز بن أبي روادٍ قالَ: بلغني أنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - تلا هذهِ الآيةَ: (قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ)، وعندهُ بعضُ أصحابِهِ وفيهم شيخٌ، فقالَ الشيخُ: يا رسولَ اللَّهِ حجارةُ جهنَّم كحجارةِ الدنيا؟\nفقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده، إنَّ صخرةً من صخرِ جهنَّم أعظمُ من\nجبالِ الدنيا كلِّها\" فوقعَ الشيخُ مغشيًّا عليه، فوضعَ النبي - ﷺ - يدَهُ على فؤادِهِ، فإذا هو حيٌّ فناداه قلْ: \"لا إله إلا اللَهُ \" فقالَهَا، فبشَّره بالجنةِ، فقالَ أصحابُهُ: يا رسولَ اللهِ أمِنْ بيننا؟ قالَ: \"نعم، يقولُ الله ﵎: (ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ) \"\nخرَّجه ابن أبي الدنيا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>قوله تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مطَهَّرَةٌ)</span>\nوروى ابنُ جريرٍ في \"تفسيره\": نا يُونُسُ: نا ابنُ وهْبٍ، عنْ عبدِ\nالرحمنِ بنِ زيدِ بنِ أسلمَ، في قوله: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مطَهَّرَةٌ)\nقال: المطهرةُ: التي لا تحيضُ، قالَ: وكذلكَ خُلقَتْ حواءُ ﵍ حتى عَصَتْ، فلما عصتْ قالَ اللَّهُ تعالى: \"إني خلقْتُكِ مطهرةً، وسأدْميكِ كما أدْميتِ هذه الشجرة\".\nوقد استدلَّ البخاريُّ لذلكَ بعمومِ قولِ النبيِّ - ﷺ -: \"إن هذا شيءٌ كتبه اللَّهُ على بنات آدمَ \"، وهو استدلالٌ ظاهرٌ حسنٌ، ونظيرُهُ: استدلالُ الحسنِ على","vol":"1","page":103},{"text":"إبطال قول من قال: أوَّل من رأى الشَّيْبَ إبراهيمُ ﵇، بعمومِ قول\nاللَّه ﷿: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قوَّةً ثمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>قوله تعالى: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)</span>\nقالَ اللَهُ تعالى: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) .\nوفُسرتْ إحاطةُ الخطيئةِ بالموتِ على الشركِ، وفسِّرتْ بالموتِ على الذنوبِ\nالموجبةِ للنارِ من غيرِ توبةٍ منْهَا.\nفكأنَّ ذنوبَهُ أحاطتْ به من جميع جهاتِهِ، فلم يبقَ لَهُ مَخلصٌ منها.\nفالخطايا تُحيطُ بصاحبِهَا حتى تُهلكهُ، وقد ضربَ النبي - ﷺ - مثلَ الخطايَا التي يتلبَّسُ بها العبدُ بمثل درع ضيقةٍ يلبسُهَا، فتضيقُ عليهِ حتى تخنقَهُ، ولا تنفكَّ عنهُ إلا بعملِ الحسناتِ من توبةٍ أو غيرِهَا من الأعمال الصالحةِ، ففي \"المسند\"، عن عُقبةَ بن عامرٍ، عنِ النبيِّ - ﷺ -، قالَ: \"إنَّ مثلَ الذي يعملُ السيئاتِ ثمَّ يعملُ الحسناتِ كمثلِ رجل كانتْ عليه درعٌ ضيقةٌ ثم خنقتْهُ، ثم عملَ حسنةً\nفانفكتْ حلقة ثم عملَ حسنةً أخرى فانفكتْ حلقة أخرى حتى يخرجَ إلى الأرضِ \".\nفلا يَخلُصُ العبدُ من ضيقِ الذنوبِ عليهِ وإحاطتِهَا بهِ، إلا بالتوبةِ والعملِ\nالصالح.","vol":"1","page":104},{"text":"كانَ بعضُ السلفِ يُردد هذينِ البيتينِ بالليلِ، ويبكِي بكاءً شديدًا شعر:\nابْكِ لذنبِكَ طولَ الليلِ مجتهدًا. . . إن البكاءَ معولُ الأحزانِ\nلا تنسَ ذنبكَ في النهارِ وطولِهِ. . . إن الذنوبَ تحيطُ بالإنسانِ\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)</span>\nوقدْ دلَّ قولُهُ تعالى في حقَ اليهودِ: (قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)، على أنَّ منْ كانَ\nعلى حالةٍ حسنةٍ من الاستعدادِ للقاءِ اللَّهِ فإنَّه يتمنَّى لقاءَ اللَّهِ ويحبُّه، وأنَّه لا\nيكرهُ ذلكَ إلا من هوَ مريبٌ في أمرِهِ. ولهذَا قالَ: (وَلَن يتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ)، ثم قال تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ)، فذمَّهم على حرصِهم على الحياةِ الدنيا.\nوفي \"مسندِ الإمام أحمدَ\" عنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"لا يتَمَنّيَنَ الموْتَ إلا منْ وَثَقَ بعَمَلِهِ \".\nوقد كان كثير من السلف الصالح يتمنونَ الموتَ شوقًا إلى لقاء اللَّه عزَّ\nوجلَ. ً","vol":"1","page":105},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-11>قوله تعالى: (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)</span>\nمَن آثرَ المعصيةَ على الطَّاعةِ فإنَّما حملَهُ على ذلكَ جهلُهُ وظنُّه أنَّها تنفعُهُ\nعاجلًا باستعجالِ لذَّتِها، وإن كانَ عندهُ إيمانٌ فهو يرجُو التخلُّصَ من سوءِ\nعاقبَتِها بالتوبةِ في آخرِ عمرِهِ، وهذا جهلٌ محْضٌ، فإنَّه يتعجلُ الإثمَ\nوالخزي، ويفوته عزُّ التقوى وثوابُها ولذَّةُ الطاعة، وقد يتمكَّنُ من التوبةِ بعد\nذلك، وقد يعاجلُهُ الموتُ بغتةً، فهو كجائع أَكَلَ طعامًا مسمومًا لدفع جوعِهِ\nالحاضر، ورجَا أن يتخلَّص من ضررِه بشُرِبِ الدِّرياق بعدَه، وهذا لا يفعلُه إلا جاهلٌ، وقد قالَ تعالَى في حقِّ الذين يؤثرون السحرَ: (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) .\nوالمرادُ: أنَّهم آثرُوا السحرَ على التقوى والإيمانِ، لما رجُوا فيه من منافع\nالدنيا المعجلة، مع علمهِم أنَّهم يفوتُهم بذلكَ ثوابُ الآخرةِ، وهذا جهلٌ\nمنهم، فإنَّهم لو علِمُوا لآثرُوا الإيمانَ والتقوى على ما عَداهُما، فكانُوا\nيُحرِزون أجرَ الآخرةِ ويأمنونَ عقابها، ويتعجَّلون عزَّ التقوى في الدنيا، وربَّما\nوصلُوا إلى ما يأمُلُونه في الدنيا أو إلى خير منه وأنفعُ، فإن أكثرَ ما يطلبُ\nبالسِّحرِ قضاءُ حوائجَ محرَّمة أومكروهةٍ عند اللَّه ﷿.\nوالمؤمنُ المتقي يُعوِّضُه اللَّهُ في الدنيا خيرًا مما يطلبُه السَّاحرُ ويؤثرُه، مع\nتعجيلهِ عِزَّ التَّقوى وشرفها، وثوابَ الآخرةِ وعُلُوَّ درجاتِهَا، فتبيَّنَ بهذا أنَ\nإيثارَ المعصيةِ على الطاعةِ إنما يحملُ عليه الجهلُ، فلذلكَ كان كُل مَنْ عصى","vol":"1","page":106},{"text":"اللَّهَ جاهلًا، وكُلُّ مَنْ أطاعَه عالمًا، وكفى بخشيةِ اللهِ علمًا، وبالاغترار به\nجهلًا. وأما التوبةُ من قريبٍ فالجمهورُ على أنَّ المرادَ بها التوبةُ قبلَ الموتِ.\nفالعمرُ كلُّه قريبٌ، والدنيا كلُّها قريبٌ. فمن تابَ قبل الموتِ فقد تابَ من\nقريبٍ، ومن ماتَ ولم يتُبْ فقد بَعُدَ كلَّ البُعد.\n* * *\nعن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ - ﵁ -: أن رجلاَّ سَألَ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - فقالَ: أرأيتَ إذا صَلَّيتُ المكتُوباتِ، وصُمْتُ رمضانَ، وأحْللْتُ الحلالَ، وحرَّمتُ الحرامَ، ولم أزِدْ على ذلك شيئًا، أأدخلُ الجنَّة؟ قال: \"نعَمْ \" رواه مسلم.\nهذا الحديثُ: خرَّجه مسلمٌ من روايةِ أبي الزبيرِ عن جابرٍ، وزادَ في\nآخر: قال: واللَّهِ لا أزيدُ على ذلكَ شيئًا. وخرَّجه - أيضًا - من روايةِ\nالأعمشِ عن أبي صالح، وأبي سفيانَ عن جابرَ قالَ: قال النعمانُ بن قوقل: يا رسولَ اللَّهِ، أرأيتَ إذا صليتُ المكتوبة، وحرمتُ الحرامَ، وأحللتُ الحلالَ ولم أزدْ على ذلكَ شيئًا أأدخُلُ الجنَّةَ؟\nقال النبيُّ - ﷺ -: \"نعم \".\nوقد فسرَ بعضُهم تحليلَ الحلال باعتقادِ حلِّه، وتحريمَ الحرامِ باعتقاد حُرمتِه\nمع اجتنابِهِ، ويُحتملُ أن يرادَ بتحليلِ الحلالِ إتيانُه، ويكونُ الحلالُ ههنا عبارةً عمَّا ليس بحرامٍ، فيدخلُ فيه الواجبُ والمستحبُّ والمباحُ، ويكونُ المعنى أنَّه يفعلُ ما ليس بمحرَّمٍ عليه، ولا يتعدَّى ما أُبيحَ له إلى غيره، ويجتنبُ\nالمحرَّماتِ.\nوقد رُوي عن طائفة من السلفِ، منهم ابنُ مسعود وابنُ عباس\nفي قولِهِ ﷿: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُوْلَئِكًّ يَؤمنُونَ بِهِ)","vol":"1","page":107},{"text":"قالُوا: يُحلِّونَ حلالَهُ ويحرّمون حرامَه، ولا يحرِّفونه عن مواضعِهِ.\nوالمرادُ بالتحليلِ والتحريمِ فعلُ الحلالِ واجتنابُ الحرامِ كما ذُكرَ في هذا\nالحديثِ.\nوقد قالَ اللَّه في حقّ الكفارِ الذينَ كانُوا يُغيّرونَ تحريمَ الشهورِ\nالحُرُمِ: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ)، والمرادُ: أنَّهم كانُوا يُقاتِلونَ في الشهرِ الحرامِ عامًا، فيُحلونهُ بذلكَ، ويمتنعونَ من القتالِ فيه عامًا، فيحرِّمونَهُ بذلكَ.\nوقالَ اللَّهُ ﷿: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧) وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا)، وهذِهِ الآيةُ نزلتْ بسببِ قومِ امتنعوا من تناولِ بعضِ الطيباتِ زهدًا في\nالدنيا وتقشفًا، وبعضُهم حرَّمَ ذلكَ عن نفسِهِ، إمَّا بيمينِ حَلَفَ بها، أو\nبتحريمهِ على نفسِهِ، وذلكَ كلُّه لا يوجبُ تحريمَهُ في نفسِ الأمرِ، وبعضُهم\nامتنعَ منه من غيرِ يمينٍ ولا تحريم، فسمَّى الجميعَ تحريمًا، حيثُ قصدَ الامتناعَ\nمنه إضرارًا بالنفسِ، وكفًّا لها عن شهواتِهَا. ويقالُ في الأمثالِ: فلان لا\nيحلِّلُ ولا يحرِّمُ، إذا كان لا يمتنعُ من فعلِ حرامٍ، ولا يقفُ عندَ ما أُبيحَ له.\nوإن كان يعتقدُ تحريمَ الحرامِ، فيجعلونَ من فعلَ الحرامَ ولم يتحاشَ منه مُحلِّلًا\nله، وإن كانَ لا يعتقدُ حلَّه. وبكلّ حالٍ، فهذا الحديثُ يدلُّ على أن من قامَ\nبالواجباتِ، وانتهى عن المحرَّماتِ، دخلَ الجنَّةَ.\nوقد تواترتِ الأحاديثُ عنِ النبيِّ - ﷺ - بهذا المعنى، أو ما هو قريب منه.","vol":"1","page":108},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>قوله تعالى: (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)</span>\n[قالَ البخاريُّ]: \"بابُ: قولِ اللَّهِ ﷿: (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) .\nحديثُ عمرَ في سببِ نزولِ هذه الآيةِ، قد خرَّجهُ البخاريُّ فيما بعد.\nوسيأتي في موضعِهِ قريبًا - إن شاء اللَّه تعالَى.\n[قالَ البخاريُّ]: حدَّثنا الحُميْديُّ: ثنا سفيانُ: ثنا عمْرُو بنُ دينارٍ، قالَ:\nسألنا ابنَ عُمَرَ عن رجلٍ طافَ بالبيتِ العُمْرةَ، ولمْ يطفْ بيْنَ الصفا والمرْوةِ.\nأيأتِي امرأتَه؟\nفقالَ: قدِمَ النبيُّ - ﷺ - فطافَ بالبيْتِ سبْعًا، وصلَّى خلفَ المقامِ ركْعتينِ، وطافَ بيْنَ الصَّفا والمرْوةِ، وقدْ كانَ لكُمْ في رسولِ اللَّهِ أسْوَةٌ حسنةٌ.\nوسألنا جابرَ بنَ عبد اللَّه، فقالَ: لا يقْربنَّها حتَّى يطوف بيْن الصَّفا\nوالمروة.\nمقصودُهُ من هذا الحديثِ هاهنا: أنَّ النبيَّ - ﷺ - لما اعتمرَ طافَ بالبيتِ وصلَّى خلف المقامِ ركعتينِ، وكذلك فَعلَ في حَجتِهِ - أيضًا.\nوقد رَوى جابر أن النبيَّ - ﷺ - تلا هذهِ الآيةَ عندَ صلاتِهِ خلف المقامِ: (وَاتَّخِذوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) .\nخرَّجه مسلمٌ.\nوهذا كلُّه يدلّ على أنَّ المرادَ بمقامِ إبراهيمَ في الآيةِ: مقامُه المُسمَّى بذلكَ","vol":"1","page":109},{"text":"عندَ البيتِ، وهوَ الحَجَرُ الذي كانَ فيه أثرُ قدمِه ﵇، وهذا قولُ كثيرٍ منَ المفسرينَ.\nوقال كثير منهم: المرادُ بمقامِ إبراهيمَ: الحجُّ كلُّه.\nوبعضُهم قالَ: الحرمُ كلُّه.\nوبعضُهم قالَ: الوقوفُ بعرفةَ، ورميُ الجمارِ والطوافُ، وفسَّرُوا المصلَّى:\nبالدعاءِ، وهو موضعُ الدعاءِ.\nورُوي هذا المعنى عن ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ وغيرِهِما.\nوقد يُجْمعُ بين القولينِ، بأنْ يُقالَ: الصلاةُ خلفَ المقامِ المعروف داخل فيما\nأُمِرَ به من الاقتداءِ بإبراهيمَ ﵇ مما في أفعالِهِ في مناسكِ الحجِّ كلِّها\nواتخاذِهَا مواضعَ للدعاءِ وذكرِ اللَّهِ.\nكما قالتْ عائشةُ - ورُوي مرفوعًا -: \"إنَّما جُعِلَ الطوافُ بالبيتِ والسعيُ بينَ الصفا والمروةِ ورَمْيُ الجمارِ لإقامةِ ذِكْرِ اللهِ \".\nخرَّجه أبو داودَ والترمذيُّ.\nفدلالةُ الآيةِ على الصلاةِ خلفَ مقامِ إبراهيمَ ﵇ لا تُنافي دلالتَها\nعلى الوقوفِ في جميع مواقفِه في الحجِّ لذكرِ اللَّهِ ودعائِهِ والابتهالِ إليهِ.\nواللَّه أعلمُ.\nوبكلِّ حالٍ؛ فالأمرُ باتخاذِ مقامِ إبراهيمَ مُصلًّى لا يدْخلُ فيه الصلاةُ إلى\nالبيتِ إلا أن تكونَ الآيةُ نزلتْ بعد الأمرِ باستقبالِهِ، وحديثُ عمر قد يُشرعُ\nبذلك.","vol":"1","page":110},{"text":"فيكون حينئذٍ مما أُمِرَ به من اتخاذ مقامِ إبراهيمَ مُصلًّى: استقبالُ البيتِ\nالذي بناهُ في الصلاةِ إليه، كما كانَ إبراهيمُ يستقبلُهُ، وخصوصًا إذا كانتِ\nالصلاةُ عندَهُ.\nوعلى هذا التقديرِ يَظْهرُ وجهُ تبويبِ البخاريِّ على هذه الآية في \"أبواب\nاستقبالِ القبلةِ\"، وإلا ففيه قَلَقٌ. واللَّه أعلمُ.\n* * *\n[قالَ البخاريُّ]: حدَّثنا عمْرُو بْنُ عوْنٍ: ثنا هُشيْمٌ، عنْ حمُيدٍ، عنْ\nأنسٍ، قالَ: قالَ عُمَرُ: وافقتُ ربي في ثلاثٍ: قُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، لو\nاتَّخَذْنَا منْ مقامِ إبراهيمَ مُصلًّى، فنزلَتْ: (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهيم مُصَلًّى)\n، وآيةُ الحِجابِ، قُلتُ: يا رسولَ اللَّه، لوْ أمرتَ نساءَكَ أن\nيحْتَجِبْنَ، فإنَه يُكَلِّمُهُن البَرُّ والفاجرُ، فنزلَتْ آيةُ الحِجابِ، واجْتَمعَ نساءُ النبيِّ - ﷺ - في الغيْرةِ عليْهِ، فقُلْتُ لهُن: (عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكنَّ أَن يُبْدِلَهُ أزوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ)، فنزلتْ هذهِ الآيةُ.\nوقالَ ابنُ أبي مريمَ: أبنا يحيى بنُ أيوبَ: حدَّثني حُميدٌ، قالَ: سمعتُ\nأنسًا - بهذا.\nهذا الحديثُ مشهورٌ عن حميدٍ، عنْ أنسٍ، وقد خرَّجَهُ البخاريُّ - أيضًا -\nفي \"التفسيرِ\" من حديثِ يحيى بن سعيدٍ، عنْ حُميدٍ.\nورواه - أيضًا - يزيدُ بن زُرَيعْ وابن عُليَّةَ وابنُ أبي عدي وحماد بنُ سلمةَ","vol":"1","page":111},{"text":"وغيرُهُم، عن حميدٍ، عنْ أنسٍ.\nوإنَّما ذكرَ البخاريُّ روايةَ يحيى بنِ أيوبَ: حدثنى حميد، قالَ: سمعتُ\nأنسًا؛ ليبينَ به أنَّ حميدًا سمعَهُ من أنس، فإنّ حميدًا يروي عن أنسٍ كثيرًا.\nورُوي عن حمادِ بنِ سلمةَ، أنَّه قالَ: أكثرُ حديثِ حميد لم يسمعْه من\nأنسٍ، إنَما سمعه من ثابت، عنهُ.\nورُوي عن شعبةَ، أنه لم يسمعْ من أنسٍ إلا خمسةَ أحاديث.\nوروي عنه، أنَّه لم يسمع منه إلا بضعة وعشرينَ حديثًا.\nوقد سبقَ القولُ في تسامح يحيى بنِ أيوبَ والمصريينَ والشاميينَ في لفظةِ:\n\"ثنا\" -: كما قاله الإسماعيليُّ.\nوقالَ عليٌّ بنُ المدينيُّ في هذا الحديثِ: هو من صحيح الحديثِ.\nولم يخرِّجْ مسلمٌ هذَا الحديثَ، إنَّما خرَّج من روايةِ سعيدِ بنِ عامرٍ.\nعن جُويريةَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عن عُمرَ، قالَ: وافقتُ ربِّي في\nثلاثٍ: في الحجابِ، وفي أُسارَى بَدْرٍ، وفي مقامِ إبراهيمَ.\nوقد أعلَّه الحافظُ أبو الفضلِ بنُ عمارٍ الشهيدُ - ﵀ - بأنَّه روي\nعن سعيدِ بنِ عامرٍ، عن جُويريةَ، عن رجل، عن نافع، أنَّ عُمرَ قالَ:\nوافقتُ ربي في ثلاث: فدخَلَ في إسنادِهِ رجلٌ مجهولٌ، وصار منقطعًا.\nوروى ابنُ أبي حاتم من طريقِ عبدِ الوهابِ بنِ عطاءٍ، عن ابنِ جُريج،","vol":"1","page":112},{"text":"عن جعفرِ بنِ محمدٍ، عن أبيه: سمعتُ جابرًا يُحدِّث عن حجةِ الوداع قالَ:\nلما طافَ النبيُّ - ﷺ - قالَ له عُمرُ: هذا مقامُ إبراهيمَ؟ قالَ: \"نعمَ \"، قالَ: أفلا نتخذُهُ مُصلًّى؛ فأنزلَ اللَّهُ (وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) .\nوهذا غريب، وهو يدلُّ على أنَّ هذا القولَ كانَ في حجةِ الوداع، وأنَّ\nالآيةَ نزلتْ بعد ذلكَ، وهو بعيدٌ جدًّا، وعبدُ الوهابِ ليسَ بذاك المتقنِ.\nوقد خالفَهُ الحفاظُ، فرووا في حديثِ حجةِ الوداع الطويلِ، عن جعفرِ بنِ\nمحمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - أتى إلى المقامِ، وقرأ: (وَاتَّخِذُوا مِن مقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)، ثم صلَّى ركعتينِ، والمقامُ بينه وبينَ البيتِ.\nوروى الوليدُ بنُ مسلم، عنْ مالكٍ، عن جعفرٍ، عن أبيهِ، عن جابرٍ.\nقالَ: لمَّا وقفَ النبيُّ - ﷺ - يومَ فتح مكةَ عندَ مقامِ إبراهيمَ، قالَ له عُمَرُ: يا رسول اللهِ، هذا مقامُ إبراهيمَ الذي قالَ اللَهُ: (وَاتَخِذُوا مِن مّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)؟ قال: \"نعَمْ \".\nقال الوليدُ: قلتُ لمالكٍ: هكذا حدَّثك؟\nقال: نعَمْ.\nوقد خرَّجه النسائي بمعناه.\nوالوليدُ كثيرُ الخطأِ -: قاله أبو حاتمٍ وأبو داودَ وغيرُهُما.\nوذكر فتح مكةَ فيه غريب أو وهْمٌ، فإنَّ هذا قطعةٌ من حديثِ جابرٍ في\nحجةِ الوداع.","vol":"1","page":113},{"text":"وقد رُويَ حديثُ أنسٍ، عن عُمرَ من وجهٍ آخر:\nخرَّجه أبو داودُ الطيالسيُّ: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ: ثنا علي بن زيدٍ، عن\nأنسٍ، قالَ: قالَ عمرُ: وافقتُ ربِّي في أربع - فذكرَ الخصالَ الثلاثَ المذكورةَ في حديثِ حميدٍ، إلا أنَّه قال في الحِجابِ: فأنزلَ اللَّهُ: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ)، قال: ونزلتْ هذه الآيةُ: (ولَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلالَةٍ مِّن طِينٍ)، فلما نزلتْ قلتُ أنا: تباركَ اللَّهُ\nأحسنُ الخالقينَ، فنزلَ: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) .\nوقولُ عُمرَ: \"وافقتُ ربِّي في ثلاثٍ \"، ليسَ بصيغةِ حصرٍ، فقدْ وافقَ في\nأكثرَ من هذه الخصالِ الثلاثِ والأربع.\nومما وافقَ فيه القرآنَ قبلَ نزولهِ: النهيُّ عن الصلاةِ على المنافقينَ.\nوقولُهُ لليهودِ: من كانَ عدوًّا لجبريلَ، فنزلتِ الآيةُ.\nوقولُهُ للنبي - ﷺ - لما اعتزل نساءَه ووَجَدَ عليهنَّ:\nيا رسولَ اللَّهِ، إنْ كنتَ طلقتَهَنَّ، فإن اللَّه معكَ وملائكتَه وجبريلَ وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنونَ معك.\nقالَ عمرُ: وقلَّ ما تكلمتُ - وأحمدُ اللَّهَ - بكلامٍ إلا رجوتُ أن يكونَ\nاللَّه يصدِّقُ قولِي الذي أقولُ، فنزلتْ آيةُ التخييرِ: (عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ) .\nوقد خرَّج هذا الأخيرَ مسلمٌ من حديثِ ابنِ عباسٍ، عن عمرَ.\nوأما موافقتُهُ في النهيِّ عنِ الصلاةِ على المنافقينَ، فمخرَّجٌ في","vol":"1","page":114},{"text":"\"الصحيحينِ \" من حديثِ ابنِ عباسٍ، عن عُمرَ - أيضًا.\nوأما موامفقتُهُ في قولِهِ: (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ)، فرواه: أبو\nجعفرٍ الرازيُّ، عن حُصينِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عنْ ابنِ أبي ليلى، عن عُمرَ.\nورواه: داودُ، عن الشعبيِّ، عن عمرَ، هما منقطعانِ.\nوقد رُوي موافقته في خصالٍ أخَرَ، وقد عدَّ الحافظُ أبو موسى المدينيُّ من\nذلك اثنتي عشرةَ خصلةً.\nوتخريجُ البخاريِّ لهذا الحديثِ في هذا البابِ: يدلّ على أنه فسر قولَهُ\nتعالَى: (وَاتَخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)، بالأمرِ بالصلاةِ إلى البيتِ\nالذي بناهُ إبراهيمُ، وهو الكعبةُ، والأكثرونَ على خلاف ذلكَ، كما سبقَ\nذكرُه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-13>قوله تعالى: (وَمَا كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ)</span>\nخرَّج البخاريُّ ومسلم: من حديثِ: أبي إسحاقَ، عن البراءِ، أنَّ\nالنبيَّ - ﷺ - كانَ أولَ ما قدِمَ المدينةَ نزَلَ على أجْدادِهِ - أوْ قالَ: أخوالِهِ - من الأنْصارِ، وأنَّه صلَّى قِبَلَ بيتِ المقْدسِ ستَّةَ عشرَ شهرًا - أوْ سبعة عشر شهْرًا - وكان يُعجبُهُ أنْ تكونَ قبْلَتُهُ قِبَلَ البيت، وأنَّه صلَّى أوَّل صلاة صلاَّها صلاةَ العصرِ، وصلَّى معه قومٌ، فخرجَ رجل ممَّنْ صلَّى معه، فمرَّ على أهْلِ مسجدٍ وهُمْ راكعُونَ، فقال: أشْهَدُ باللَّه، لقدْ صلَّيْتُ مع رسولِ اللَّهِ - ﷺ - قبَلَ مكَّةَ،","vol":"1","page":115},{"text":"فدارُوا كما هُمْ قِبَلَ البيْتِ.\nوكانتِ اليهودُ قد أعْجبَهُم إذْ كانَ يُصلِّي قِبلَ بيتِ المقدسِ.\nوأهلُ الكتابِ، فلمَّا ولَّى وجهه قبل البيتِ، أنكروا ذلك.\nقال زُهيْر: ثنا أبو إسحاقَ، عنِ البراءِ - في حديثِهِ هذا - أنَّه ماتَ على\nالقبْلةِ قبْلَ أن تُحوَّل رجالٌ وقُتِلُوا، فلم نَدْرِ ما نقولُ فيهم، فأنزلَ اللَّه تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) .\nقالَ البخاريُّ: يعنِي: صلاتَكُمْ.\nوبوَّبَ على هذا الحديثِ: \"بابُ: الصلاةِ منَ الإيمانِ \".\nوالأنصارُ للنبيِّ - ﷺ - فيهم نسب؛ فإنَهم أجدادُه وأخوالُه من جهةِ جدِّ أبيه هاشمِ بنِ عبدِ منافٍ، فإنه تزوَّج بالمدينة امرأةً من بني عديِّ بنِ النجارِ، يُقالُ لها: سلمَى، فولدتْ له ابنَه عبدَ المطلبِ، وفي رأسِهِ شيبة، فسمِّي شيبةً.\nوذكرَ ابنُ قتيبةَ: أن اسمَهُ عامر، والصحيحُ: أن اسمَه شيبة.\nوإنَّما قيل له: عبدُ المطلب؛ لأنَّ عمَّه المطلبَ بنَ عبدِ مناف قدمَ به منَ\nالمدينةِ إلى مكة، فقالتْ قريش: هذا عبدُ المطلبِ، فقالَ: ويحكُم، إنَّما هو\nابنُ أخي شيبةُ بنُ عمرو، وهاشم اسمُه عمْرو.\nففي حديث البراءِ هذا: أنَّ النبيَّ - ﷺ - لما قدِمَ المدينةَ نزلَ على اجدادِهِ - أو قالَ: أخوالِهِ - منَ الأنصارِ.\nوظاهرُهُ: يدلُّ على أنَه نزلَ على بني النجار؛ لأنَّهم هُمْ أخوالُه وأجدادُه.\nوإنما أرادَ البراءُ جنسَ الأنصارِ دونَ خصوصِ بني النجارِ.\nوقد خرَّج البخاريُ في \"كتاب الصلاةِ\" و\"أبواب الهجرةِ\" من حديثِ\n.","vol":"1","page":116},{"text":"أنسٍ، أنَّ النبيِّ - ﷺ - لما قدِمَ المدينةَ نزلَ في علوِ المدينة، في حيٍّ يقالَ لهمْ: بنُو عمْرو بنِ عوفٍ، فأقامَ فيهم أربعَ عشرة ليلةً، ثم أرسلَ إلى ملإِ بني النجارِ، فجاءُوا متقلِّدينَ سيوفهم.\nقال: وكأني أنظر إلى رسولِ اللَّهِ - ﷺ - على راحلتِهِ\nوأبو بكرٍ ردفَه وملأُ بني النجارِ حولَهُ، حتى ألقى بفناءِ أبي أيوبَ - وذكرَ\nالحديثَ.\nوخرَّج - أيضًا - معنى ذلك، من حديث الزهريِّ، عن عروةَ بنِ\nالزبيرِ.\nوأما ما ذكرَهُ البراءُ في حديثِهِ: أنَّ النبي - ﷺ - صلَّى بالمدينةِ قِبَلَ بيت المقدسِ ستةَ عشرَ - أو سبعة عشرَ - شهرًا، فهذا شكّ منه في مقدارِ المدة.\nورُوي عن ابنِ عباسٍ، أنَ مدةَ صلاتِهِ بالمدينةِ إلى بيتِ المقدسِ كانت ستةَ\nعشرَ شهرًا.\nخرَّجه أبو داودَ.\nوخرَّج - أيضًا - من حديثِ معاذٍ، أنَّ مدةَ ذلك كانَ ثلاثةَ عشرَ شهرًا.\nوروَى كثيرُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُزنيّ - وهو ضعيفٌ -، عن أبيه، عن جدِّهِ عمرِو\nابنِ عوف، قالَ: كنَّا معَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - حينَ قدِمَ المدينةَ، فصلَّى نحو بيتِ المقدسِ سبعةَ عشرَ شهرًا.","vol":"1","page":117},{"text":"وقالَ سعيدُ بن المسيبِ: صلَّى رسولُ اللَّه - ﷺ - نحوَ بيت المقدسِ تسعةَ عشرَ شهرًا، ثم حُوِّلتِ القبلةُ بعدَ ذلكَ قِبَلَ المسجدِ الحرامِ، قبْلَ بدرٍ بشهرينِ.\nورواه بعضهم، عن سعيد، عن سعدِ بنِ أبي وقاصٍ.\nوالحفاظُ يروْن، أنَّه لا يصحُ ذكرُ: \"سعدِ بنِ أبي وقاصٍ \" فيه.\nوقيلَ: عن سعيدِ بنِ المسيبِ - في هذا الحديثِ -: ستة عشرَ شهرًا.\nوكذا قالَ محمدُ بنُ كعبٍ القرظيُّ وقتادةُ وابنُ زيدٍ، وغيرُهُم: إنَّ\nمدةَ صلاتِهِ إلى بيتِ المقدسِ كانتْ ستة عشرَ شهرًا.\nوقالَ الواقديُّ: الثبتُ عندنا أنَّ القبلةَ حُوِّلتْ إلى الكعبةِ يوم الاثنينِ.\nللنصفِ من رجبٍ، على رأسِ سبعةَ عشرَ شهرًا.\nوعن السُّدِّيِّ، أنَّ ذلكَ كانَ على رأسِ ثمانيةَ عشرَ شهرًا.\nوقيلَ: كانَ بعدَ خمسةَ عشرَ شهرًا ونصف.\nولا خلافَ أنَّ ذلك كانَ في السنةِ الثانيةِ منَ الهجرةِ، لكن اختلفوا في أيِّ\nشهرٍ كانَ؛ فقيلَ: في رجبٍ، كما تقدمَ، وحُكي ذلك عن الجمهورِ، منهم: ابنُ إسحاقَ.\nوقيلَ: في يومِ الثلاثاءِ نصفَ شعبانَ، وحُكيَ عن قتادةَ، واختارَه محمدُ","vol":"1","page":118},{"text":"ابنُ حبيبٍ الهاشميُّ وغيرُهُ.\nوقيلَ: بل كانَ في جُمادى الأولِ، وحُكيَ عن إبراهيمَ الحربيَ، ورواه\nالزهريُّ عن عبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ.\nوقولُهُ: \"وكان يعجبُه - يعني: النبيَّ - ﷺ - أن تكونَ قبلتُه قبلَ البيتِ \" -\nيعني: الكعبةَ.\nهذا؛ يشهدُ له قولُ اللَّه تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) .\nوروى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قالَ:\nلما هاجرَ النبيُّ - ﷺ - إلى المدينةِ، وكانَ أكثرَ أهلِهَا اليهودُ، أمرَهُ اللَّهُ أنْ يستقبلَ بيتَ المقدسِ، ففرحتِ اليهودُ، فاستقبلَها رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بضعةَ عشر شهرًا، فكانَ رسولُ اللَّه - ﷺ - يحبُ قبلة إبراهيمَ، فكانَ يدعو وينظرُ إلى السماءِ.\nفأنزلَ اللَّهُ: (قَذ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) الآية.\nوقالَ مجاهد: إنَّما كان يحبُّ أنْ يُحوَّل إلى الكعبة، لأنَّ يهودَ قالُوا:\nيخالفُنا محمد ويتبعُ قبلَتنا.\nوقالَ ابنُ زيد: لمَّا لْزلَ: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) .\nقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"هؤلاءِ قومُ يهود يستقبلون بينًا من بيوت اللَّهِ - لبيتِ المقدسِ - لو أئا استقبلناه \"، فاستقبلَه النبيُّ - ﷺ - ستةَ عشرَ شهرًا، فبلغَه أن اليهود تقولُ:\nواللهِ، ما درى محمد وأصحابُهُ أين قبلتُهُم حتَّى هديناهم، فكرهَ ذلك النبيُّ\n- ﷺ - ورفع وجهَه إلى السماءِ، فنزلتْ هذه الآية ُ: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) .","vol":"1","page":119},{"text":"ويشهدُ لهذا: ما في حديثِ البراءِ: \"وكانتِ اليهودُ قد أعجبَهم إذْ كان\nيصلِّي قِبلَ بيتِ المقدسِ وأهلُ الكتابِ - يعني: من غيرِ اليهودِ، وهُم\nالنصارَى - فلمَّا ولَّى وجهَه قِبلَ البيتِ أنكرُوا ذلك \".\nوقد اختلفَ الناسُ: هل كانَ النبيُّ - ﷺ - بمكةَ قبلَ هجرتِهِ يصلِّي إلى بيتِ المقدسِ، أو إلى الكعبة؟\nفرُوي عن ابنِ عباسٍ، أنَّه كانَ يصلِّي بمكةَ نحوَ بيتِ المقدسِ، والكعبةُ بينَ\nيديه.\nخرَّجه الإمام أحمدُ.\nوقال ابنُ جُرَيج: صلَّى أول ما صلَّى إلى الكعبةِ، ثم صُرِفَ إلى بيتِ\nالمقدسِ، وهو بمكةَ، فصلَّتِ الأنصارُ قبْلَ قدومِهِ - ﷺ - إلى بيتِ المقدسِ ثلاثَ حجج، وصلَّى بعد قدومِهِ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وجَّههُ اللَّهُ إلى البيت الحرامِ.\nوقال قتادةُ: صلتِ الأنصارُ قبلَ قدومِهِ - ﷺ - المدينةَ نحوَ بيتِ المقدسِ حولينِ.\nواستدل من قال: إنَّما صلَّى النبيُّ - ﷺ - إلى بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا، أو سبعةَ عشرَ شهرًا، فدل على أنَّه لم يصلِّ إليه غيرَ هذهِ المدة.\nولكن قد يقال: إنَّه إنَّما أرادَ بعدَ الهجرةِ.","vol":"1","page":120},{"text":"ويدلُّ عليه - أيضًا -: أن جبريلَ صلَّى بالنبيِّ - ﷺ - أولَ ما فُرضتِ الصلاةُ عند بابِ البيتِ، والمصلِّي عند بابِ البيتِ لا يستقبلُ بيتَ المقدس، إلا أن ينحرفَ عن الكعبةِ بالكليَّة ِ، ويجعلُها عن شمالِهِ، ولم ينقلْ هذا أحد [] .\nوهؤلاءِ\" منهم مَن قال: ذلكَ كانَ باجتهادٍ منه لا بوحي، كما تقدمَ عن\nابنِ زيدٍ.\nوكذا قالَ أبو العاليةَ: إنَّه صلَّى إلى بيتِ المقدسِ يتألفُ أهلَ الكتابِ.\nوفي \"صحيح الحاكم \" عن ابنِ جريج، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ:\n(وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)، فاستقبل رسولُ\nاللَّه - ﷺ -، فصلَّى نحوَ بيت المقدسِ.\nوتركَ البيتَ العتيقَ، فقالَ الله تعالى:\n(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا) .\nيعنونَ: بيتَ المقدسِ، فنسخَها اللَّهُ وصرفَه إلى بيتِ العتيقِ.\nوقال: صحيح على شرطِهِما.\nوليس كما قال \" فإنَّ عطاءً هذا هو الخُراسانيُّ، ولم يلقَ ابنَ عامرٍ.\nكذا وقعَ مصرَحًا بنسبَتِهِ في \"كتاب الناسخ والمنسوخ \" لأبي عبيدٍ، ولابنِ\nأبي داودَ، وغيرِهِما.\nوقولُ البراءِ: \"وكانَ أول صلاة صلاها العصرَ\".\nيعني: إلى الكعبةِ، بعدَ الهجرةِ.\nوقد رُوي عن عمارةَ بنِ أوسٍ - وكانَ قد صلَّى القبلتينِ -، قالَ: كنَّا في","vol":"1","page":121},{"text":"إحدى صلاتَي العشيِّ ونحنُ نصلِّي إلى بيت المقدسِ، وقد قضيْنَا بعضَ\nالصلاةِ، إذْ نادى منادٍ بالبابِ: إنَّ القبلةَ قد حُوّلتْ، فأشهدُ على إمامِنا أنَّه\nتحرَف.\nخرَّجه الأثرمُ وغيرُهُ.\nوخرَّج الأثرمُ وابنُ أبي حاتمٍ من حديثِ تُوَيْلة بنت أسلمَ، قالت:\nصليتُ الظهرَ - أو العصرَ - في مسجدِ بني حارثةَ، فاستقبلْنَا مسجدَ إيلياءَ.\nفصليْنَا سجدتينِ، ثمَّ جاءنا مَن يخبرُنا أنَّ رسول اللَّهِ - ﷺ - قد استقبلَ البيتَ الحرامَ، فتحوَّل النساءُ مكانَ الرجال، والرجال مكانَ النساء، فصَلَّيْنَا السجدتينِ الباقيتينِ، ونحنُ مستقبلو البيتِ الحرامِ.\nوقد رُوي أن هذه الصلاةَ كانتْ صلاةَ الفجرِ.\nففي \"الصحيحينِ \" عن ابنِ عمرَ، قال: بينَا الناسُ بقباءَ في صلاةِ\nالصبح، إذ جاءهم آتٍ، فقال: إنَّ رسول اللَّهِ - ﷺ - قدْ أُنزل عليه الليلةَ قرآنٌ، وقد أُمِرَ أن يستقبلَ الكعبة، فاسْتَقْبِلُوها، وكانتْ وجوهُهُم إلى الشامِ، فاستدارُوا إلى الكعبة.\nوخرَّج مسلمٌ - معناه - من حديث أنس - أيضًا.","vol":"1","page":122},{"text":"وقد قيلَ - في الجمع بينَ الأحاديثِ -: إنَّ التحويلَ كان في صلاةِ العصرِ.\nولم يبلغْ أهلَ قباءَ إلا في صلاةِ الصبح.\nوفيه نظرٌ.\nوقيلَ: إنَّ تلكَ الصلاةَ كانتِ الظهرَ.\nوقد خرَّجه النسائيُّ فى \"تفسيرِه \" من حديث أبى سعيد بن المعلَّى، عن\nالنبيِّ - ﷺ -\nورُوي عن مجاهدٍ.\nوحديثُ البراءِ: يدل على أنَّ النبيَّ - ﷺ - صلَّى صلاةَ العصرِ كلَّها إلى الكعبةِ، وأنَّ الذين صلَّوْا إلى بيتِ المقدسِ ثمَّ استدارُوا إلى الكعبةِ هُم قومٌ كانوا في مسجد لهمْ، وراءَ إمامٍ لهم، وفي حديثِ ابنِ عمرَ: أنَّهم أهلُ مسجدِ قباءَ، وفي حديثِ تويلة: مسجدِ بني حارثةَ.\nوقد رُوي أنَّ النبيَّ - ﷺ - ومَن صلَّى معه هم الذينَ استدارُوا في صلاتهم، وأنَّ الكعبة حُوّلتْ في أثناءِ صلاتِهِم.\nوقد رُوي نحوُه عن مجاهدٍ وغيره.\nوقد ذكرَ ابنُ سعدٍ في \"كتابِهِ \"، قال: يقالُ: إنَّ رسولَ اللَّه - ﷺ - صلى ركعتين من الظهرِ في المسجدِ بالمسلمين، ثم أُمِرَ أن يتوجهَ إلى المسجد الحرامِ، واستدارَ إليه ودارَ معه المسلمون، ويقال: بل زارَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أمًّ بشرِ بنِ البراءِ بنِ معرور","vol":"1","page":123},{"text":"في بني سلمةَ، فصنعتْ لهم طعامًا، وكانت الظهرُ، فصلَّى\nرسولُ اللَّهِ - ﷺ - بأصحابِهِ ركعتينِ، ثم أُمِرَ أنْ يوجه إلى الكعبةِ، فاستدارَ إلى الكعبةِ، واستقبلَ الميزابَ، فسُمِّي المسجدُ مسجدَ القبلتينِ.\nوحَكَى عن الواقديّ، أنَّه قال: هذا الثبتُ عندنا.\nوروى أبو مالكٍ النخَعيُّ عبدُ الملكِ بنُ حسينٍ، عن زيادِ بنِ عِلاقةَ، عن\nعمارةَ بنِ رُويبةَ، قال: كُنَّا معَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - في إحدى صلاتَي العشيِّ، حينَ صُرِفتِ القبلةُ، فدارَ النبيُّ - ﷺ - ودُرْنَا معه في ركعتينِ.\nخرَّجه ابنُ أبي داود.\nوأبو مالكٍ، ضعيف جدًّا.\nوالصوابُ: روايةُ قيسِ بنِ الربيع، عن زيادِ بنِ علاقةَ، عن عمارةَ بنِ\nأوسٍ، وقد سبق لفظُه.\nورَوى عثمانُ بنُ سعدٍ، قال: ثنا أنسُ بنُ مالكٍ، قالَ: انصرفَ رسولُ اللَّهِ\n- ﷺ - نحوَ بيتِ المقدسِ وهو يصلِّي الظهرَ، وانصرفَ بوجهه إلى القبلةِ.\nخرَّجه البزارُ وغيرُهُ.\nوعثمانُ هذا، تُكُلِّمَ فيه.\nوخرَّج الطبرانيّ من روايةِ عمارةَ بنِ زاذانَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ،","vol":"1","page":124},{"text":"قال: صُرفَ النبيُّ - ﷺ - عن القبلةِ وهم في الصلاةِ، فانحرفُوا في ركوعِهم.\nوعمارةُ، ليسَ بالقويِّ.\nوخالفَه حماد بنُ سلمةَ، فروى عن ثابتٍ، عن أنسٍ، أنَّ رسول اللَّهِ - ﷺ - كانَ يصلِّي نحوَ بيتِ المقدسِ، فنزلتْ: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) الآيةَ، فمرَّ رجلٌ من بني سلمةَ وهم ركوع في صلاةِ الفجرِ، فنادَى: ألا إنَّ القبلةَ قد حُوِّلت، فمالُوا كما هُمْ نحوَ القبلةِ.\nخرَّجه مسلمٌ.\nوهذا هو الصحيحُ.\nفإنْ كانَ التحويلُ قد وقعَ في أثناءِ الصلاةِ، وقد بنى النبيُّ - ﷺ - على ما مضى من صلاتِه إلى بيت المقدسِ؛ استدلَّ بذلكَ على أنَّ الحكمَ إذا تَحوَلَ المصلِّي في أثناء صلاتِهِ انتقلَ ما تحوَّل إليه، وبنى على ما مضى من صلاته.\nفيدخلُ في ذلكَ الأَمَةُ إذا أُعتِقَتْ في صلاتِها وهي مكشوفةُ الرأسِ.\nوالسترة قريبةٌ، والمتيممُ إذا وجدَ الماءَ في صلاتِهِ قريبًا، وقدرَ على الطهارةِ بهِ، والمريضُ إذا صلَّى بعضَ صلاتِهِ قاعدًا، ثم قدرَ على القيامِ.\nوإنْ كانَ التحويلُ وقعَ قبلَ صلاةِ النبيِّ - ﷺ - بأصحابِهِ، ولكن لم يبلغْ غيرَهم إلا في أثناءِ صلاتِهِم فبنَوْا؛ استدلَّ به على أن من دخلَ في صلاتِه باجتهادٍ سائغ إلى جهةٍ، ثمَّ تبينَ لهُ الخطأُ في أثناءِ الصلاةِ، أنَّه ينتقل ويبني.\nويستدلُّ به على أنَّ حكمَ الخطابِ لا يتعلقُ بالمكلفِ قبلَ بلوغِهِ إياه.","vol":"1","page":125},{"text":"ويستدلُّ بهِ - على التَّقْديرَينِ - على قبولِ خبرِ الواحدِ الثقةِ في أمورِ\nالدياناتِ، مع إمكانِ السماع منَ الرسولِ - ﷺ - بغيرِ واسطةٍ، فمع تعذرِ ذلكَ أولَى وأحرى.\nوما يقالُ من أنَّ هذا يلزمُ منه نسخُ المتواترِ - وهو الصلاةُ إلى بيتِ\nالمقدسِ - بخبرِ الواحدِ، فالتحقيقُ في جوابِهِ: أنَّ خبرَ الواحدِ يفيدُ العلمَ إذا\nاحتفتْ بهِ القرائنُ، فنداءُ صحابيًّ في الطرقِ والأسواقِ بحيثُ يسمعُهُ\nالمسلمونَ كلُّهم بالمدينةِ، ورسولُ اللَّهِ - ﷺ - بها موجود لا يتداخل مَن سمِعَه شكّ فيه أنَّه صادق فيما يقولُهُ وينادي به. واللَّهُ أعلم.\nوقولُ البراءِ: \"إنَّه ماتَ على القبلةِ قبلَ أن تُحوَّل رجالٌ وقُتِلُوا، فلم ندرِ ما\nنقولُ فيهم، فأنزلَ اللَّهُ: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضيعَ إِيمَانَكمْ) \".\nفهذا خرَّجه مسلمٌ من طريقِ إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عنِ البراءِ -\nأيضًا.\nورواه شريكٌ، عن أبي إسحاقَ، عن البراءِ - موقوفًا - في قولِهِ تعالى:\n(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيضِيعَ إِيمَانَكُمْ)، قالَ: صلاتكم إلى بيتِ المقدسِ.\nوخرَّجَ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ - وصحَّحه - من حديثِ\nسماكٍ، عن عكرمةَ، عنِ ابنِ عباسٍ، قال: لما وُجِّه النبيُّ - ﷺ - إلى الكعبةِ، قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، كيفَ بإخوانِنا الذَيْنَ ماتُوا وهُم يصلونَ إلى بيتِ","vol":"1","page":126},{"text":"المقدسِ؛ فأنزل اللَّهُ ﷿: (وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) الآية.\nقالَ عبيدُ اللَّه بنُ موسى: هذا الحديثُ يخبرُكَ أن الصلاةَ من الإيمانِ.\nوهذا هو الذي بوَّبَ عليه البخاريُّ في هذا الموضع؛ ولأجلهِ ساقَ حديثَ\nالبراءِ فيه.\nوكذلك استدلَّ به ابنُ عيينةَ وغيرُهُ من العلماءِ على أنَّ الصلاةَ من الإيمانِ.\nوممَّن رُويَ عنه أنَّه فسَّر هذه الآيةَ بالصلاةِ إلى بيتِ المقدسِ: ابنُ عباسٍ\nمن روايةِ العوفيِّ، عنه - وسعيدُ بنُ المسيبِ، وابنُ زيدٍ، والسُّدِّيُّ\nوغيرُهُم.\nوقال قتادةُ والربيعُ بنُ أنسٍ: نزلتْ هذه الآية ُ لمَّا قالَ قومٌ من المسلمينَ:\nكيف بأعمالِنا التي كنا نعملُ في قبلتنا الأولى؟\nوهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ بها الصلاةُ أيضًا؛ لأنَّها هي التى تختصُّ بالقبلة\nمن بينِ الأعمال، ولم يذكرْ أكثرُ المفسرينَ في هذا خلافًا، وأنَّ المرادَ بالإيمانِ\nها هنا الصلاةُ، فإنَّها عَلمُ الإيمانِ وأعظمُ خصالِهِ البدنيةِ.\nوروى ابنُ إسحاقَ: حدثني محمدُ بنُ أبي محمدٍ، عن عكرمة أو سعيدِ\nابنِ جبير -، عن ابنِ عباسٍ: (وَمَا كَانَ اللَّه لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) .","vol":"1","page":127},{"text":"قال: أيْ: بالقبلةِ الأولى، وتصديقِكم نبيَّكم، واتِّباعه إلى الآخرةِ، أيْ: ليعطينَكم أجرَهما جميعًا، (إِنَّ اللهَ بِالناسِ لَرَءُوفٌ رحِيمٌ) .\nوعنِ الحسنِ في هذه الآيةِ، قالَ: ما كانَ اللَّهُ ليضيعَ محمدًا - ﷺ - وانصرافَكم معه حيثُ انصرفَ، (إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رحِيمٌ) .\nوهذا القولُ: يدلُّ على أنَّ المرادَ بالإيمانِ التصديقُ مع الانقياد، الاتباعُ\nالمتعلقُ بالقبلتينِ معًا، فيدخلُ في ذلكَ الصلاةُ - أيضًا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>قوله تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)</span>\nوفي \"صحيح مسلم\" عن أبي هريرةَ وأبي سعيدٍ - كلاهُما - عن النبيِّ\n- ﷺ -، قال: \"إنَّ لأهلِ ذكرِ اللَّهِ أربعا: تنزلُ عليهمُ السَّكينةُ، وتغشاهمُ الرَّحمةُ، وتحفُّ بهم الملائكةُ، ويذكرُهُم الرَّبُّ فيمن عندَهُ\".\nوقد قالَ اللَّهُ ﷿: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)، وذِكْرُ اللَّهِ\nلعبدِهِ: هو ثناؤهُ عليهِ في الملإِ الأعلَى بين الملائكةِ ومباهاتُهُم به وتنويهُهُ\nبذكره.\nقال الربيعُ بنُ أنسٍ: إنَّ اللَّهَ ذاكر مَنْ ذكرهُ، وزائد مَنْ شكَرَهُ، ومعذِّب من\nكفره.\nوقال ﷿: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) .","vol":"1","page":128},{"text":"وصلاةُ اللَّهِ ﷿ على العبدِ: هو ثناؤهُ عليهِ بين ملائكته.\nوتنويههُ بذكر، كذا قالَ أبو العاليةَ، ذكرهُ البخاريُّ في \"صحيحِهِ \".\nوقالَ رجل لأبي أمامةَ: رأيتُ في المنامِ كأن الملائكةَ تُصلّي عليكَ كلَّما\nدخلتَ، وكلَّما خرجتَ، وكلَّما قمتَ، وكلَّما جلستَ، فقالَ أبو أمامةَ:\nوأنتم لو شئتم صلَّت عليكم الملائكةُ، ثم قرأ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ) .\n* * *\nقالَ تعالى: (وَاشْكرُوا لِي وَلا تَكْفُرونِ)، وقال: (وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) .\nوالشكرُ بالقلب واللسانِ، والعملُ بالجوارح؛ فالشكرُ بالقلبِ: الاعترافُ\nبالنعم للمنعم، وأَنها منه وبفضلِهِ.\nوجاءَ من حديثِ عائشةَ مرفوعًا: \"ما أنعمَ اللَّهُ على عبد نعمةً فعلمَ أنَّها من عندِ اللَّهِ إلا كتبَ اللَهُ له شكرَهَا\".\nومن الشكر بالقلبِ: محبةُ اللهِ على نعمِهِ، ومنه حديثُ ابنِ عباسٍ\nالمرفوعُ: \"أحبوا اللَّهَ لما يغذوكُم به من نعمِهِ \".\nقالَ بعضُهم: إذا كانتِ القلوبُ جبلتْ على حبِّ من أحسنَ إليهَا\nفواعجبًا لمنْ لا يَرى محسِنًا إلا اللَّه! كيف لا يميلُ بكلِّيته إليه! وقالَ بعضُهم:","vol":"1","page":129},{"text":"إذا أنتَ لم تَزْددْ على كلِّ نعمة. . . لمؤتِيكَهَا حبًّا فلستَ بشَاكرٍ\nإذا أنتَ لم تؤثرْ رِضا اللهِ وحدَهُ. . . على كلِّ ما تهْوَى فلستَ بصَابرٍ\nوالشكرُ باللسانِ: الثناءُ بالنعم وذكرُها وتعدادُها، وإظهارُهَا، قالَ اللَّهُ\nتعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) . وفي حديثِ النعمانِ بنِ بشيرٍ\nالمرفوع: \"التحدثُ بالنعم شكر وتركُها كفر\".\nوقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: \"ذكرُ النعم شكرُها\".\nوكانَ يقولُ في دعائِهِ: \"اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بكَ أن أُبدلَ\nنعمتَكَ كُفرًا، وأن أكفرَهَا بعد معرفتِهَا أو أنسَاهَا فلا أُثنِي بهَا\".\nقال فضيلٌ: \"كانَ يُقال: مِن شكرِ النعمةِ أن تحدِّثَ بهَا\"\nوجلسَ ليلةً هو وابنُ عيينةَ يتذاكرنِ النعمَ إلى الصباح.\nوالشكرُ بالجوارح: أن لا يستعانَ بالنعم إلا على طاعةِ اللَّهِ ﷿، وأن\nيحذرَ من استعمالِهَا في شيءٍ من معاصِيه؛ قالَ تعالَى: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ\nشكْرًا) .\nقال بعضُ السلف: \"لما قيلَ لهم هذا؛ لم تأتِ عليهم ساعةٌ\nإلا وفيهم مُصَلٍّ.\nوكانَ النبيُّ - ﷺ - يقومُ حتى تتورمَ قدماهُ.\nوقالَ: \"أفلا أكونُ عبدًا شكورًا\".\nومرَّ ابنُ المنكدرِ بشابٍ يقاومُ امرأةً، فقالَ: \"يا بنيَّ ما هذا جزاء نعمةِ اللَّهِ\nعليكَ \".\nالعجبُ ممَّنْ يعلمُ أنَّ كلَّ ما بِهِ من النعم من اللَّهِ ثمَّ لا يستحيي من\nالاستعانةِ بها على ارتكابِ ما نهاهُ.","vol":"1","page":130},{"text":"هبِ البعثَ لم تأتِنا رسلُهُ. . . وجَاحِمَةُ الجحيم لم تُضرَمِ\nأليسَ من الواجبِ المسْتَحِقِّ. . . حياءُ العبادِ من المُنعِمِ\nوحافظْ عليها بشكرِ الإلهِ. . . فشكرُ الإله يزيلُ النقمِ\nدخلَ خالدُ بنُ صفوانَ على عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، فقالً: يا أميرَ المؤمنينَ.\nإنَّ اللَّهَ لم يرضَ أن يكونَ أحدٌ فوقك، فلا ترضَ أن يكونَ أحدٌ أولى بالشكر\nله منكَ. فبكى عمرُحتى غُشِيَ عليهِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>قوله تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)</span>\nالرِّضا فضلٌ مندوبٌ إليه، مستحبٌّ، والصبرُ واجبٌ على المؤمنِ حتمٌ.\nوفي الصَّبرِ خيرٌ كثيرٌ، فإنَّ اللَّه أمرَ به، ووعدَ عليه جزيلَ الأجرِ.\nقال اللَّهُ ﷿: (إِنَّمَا يُوَفَى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) .\nوقال: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧) .\nقال الحسنُ: الرِّضا عزيزٌ، ولكنَّ الصبر معولُ المؤمنِ.\nوالفرقُ بين الرِّضا والصبرِ: أن الصَّبرَ: كفُّ النَّفس وحبسُها عن\nالتسخطِ مع وجودِ الألم، وتمنِّي زوالِ ذلكَ، وكفُّ الجوارح عن العملِ\n: بمقتضَى الجزع، والرِّضا: انشراحُ الصدرِ وسعتُهُ بالقضاءِ، وترك تمنَي زوالِ ذلك المؤلم، وإنْ وجدَ الإحساسَ بالألمِ، لكنَّ الرِّضا يخفِّفُه، لما يباشر","vol":"1","page":131},{"text":"القلبَ من رَوح اليقينِ والمعرفةِ، وإذا قوِيَ الرِّضا، فقد يزيلُ الإحساسَ بالألم\nبالكليّة.\nكان العقلاءُ في عهد النبيِّ - ﷺ - إذا سمعُوا كلامَهُ وما يدعُو إليه، عرفُوا أنَّه صادقٌ، وأنَه جاء بالحقًّ، وإذا سمعُوا كلامَ مسيلمةَ، عرفُوا أنَه كاذبٌ، وأنَّ هجاءَ بالباطلِ، وقد رُويَ أن عمرَو بنَ العاصِ سمعُهُ قبلَ إسلامِهِ يدَّعي أنَّه أنزلَ عليه: يا وَبْرُ يا وَبْر، لَكِ أذنانِ وصَدْرُ، وإنَّك لتعلمُ يا عمرُو، فقالَ:\nواللَّه إني لأعلم أنك: تكْذِبُ.\nوقال بعضُ المتقدمينُ: صوِّرْ ما شئتَ في قلبِكَ، وتفكَّر فيهِ، ثم قِسه إلى\nضدِّه، فإنَّك إذا ميَّزْتَ بينهُمَا، عرفتَ الحقَّ من الباطلِ، والصدقَ من\nالكذبِ، قال: كأنك تصَورُ محمدًا - ﷺ -، ثم تتفكر فيما أتَى به من القرآنِ\nفتقرأُ: (إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ الَّليْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ) الآية، ثم تَتَصورُ ضدَّ محمدٍ - ﷺ - تجدُهُ مسيلمةَ، فتتفكرُ فيما جاء به فتقرأُ:\nألا يا رَبَّةَ المَخْدع. . . لقَدْ هُيئ لَكِ المَضْجَعْ\nيعني: قولَه لِسجاح حين تزوَّج بِهَا، قال: فترى هذا - يعني القرآن -\nرصينًا عجيبًا، يلوطُ بالقلبِ، ويحْسُنُ في السمع، وترى ذا - يعني قولَ\nمسيلمةَ - باردًا غثًّا فاحشًا، فتعلمُ أن محمَّدًا حق أُتِيَ بوحي، وأنَّ مسيلمةَ\nكذَّابٌ أُتِيَ بباطلٍ.\n* * *","vol":"1","page":132},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>قوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى </span>وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)\n[قالَ البخاريُّ]: وقوْلُ اللَّهِ ﷿: (لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وجُوهَكُمْ قِبَلَ\nالْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) إلى قوله: (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) .\nوأمور الإيمانِ: خصالُهُ وشُعَبُهُ المتعددة.\nواستدل البخاريُّ بقولهِ تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) .\nوقد سألَ أبو ذر النبيَّ - ﷺ - عنِ الإيمانِ.\nفتلا عليهِ هذهِ الآيةَ.\nوهذا يدلُّ على أن الخصالَ المذكورةَ فيها، هي خصالُ الإيمانِ المطلقِ، فإذا\nأطلقَ الإيمانُ دخلَ فيه كلُّ ما ذكرَ في هذهِ الآيةِ، كما سألَ السائلُ عن\nالإيمانِ، فتلا عليهِ النبى - ﷺ - هذهِ الآيةَ.\nوإذا قُرن الإيمانُ بالعملِ، فقد يكونُ من بابِ عطفِ الخاص على العامَ.\nوقد يكون المرادُ بالإيمانِ حينئذٍ التصديقَ بالقلبِ، وبالعملِ عملَ الجوارح.\nكما ذكرَ في هذهِ الآيةِ الإيمانَ باللهِ واليومِ الآخرِ والملائكةِ والكتابِ والنبيينَ، ثمَّ عطفَ عليه أعمالَ الجوارح.","vol":"1","page":133},{"text":"والبرُّ يطلقُ بمعنيينِ:\nأحدهما: بمعنى الإحسانِ إلى الناسِ، كما يُقال: البرُّ والصِّلةُ، وضدُّه\nالعُقُوقُ.\nوفي \"صحيح مسلم \" أنَّ النبيَّ - ﷺ - سُئِلَ عنِ البِرِّ، فقالَ: \"البرُّ: حُسْنُ الخُلُق\".\nوكان ابنُ عمرَ - ﵂ - يقولُ: إنَّ البرَّ شيْء هيِّنٌ: وجْهٌ طليق، وكلام ليِّنٌ.\nالمعنى الثاني: مما يُرادُ بالبِرِّ فعْلُ الطَّاعاتِ كُلّها، وضدُّهُ الإثمُ، وقد فسَّر اللهُ\nتعالى البِرَّ بذلك في قولِهِ: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) .\nفتضمَّنتِ الآية ُ أنَّ أنواعَ البِرِّ ستَّةُ أنواع، مَن استكملهَا فقد استكمَلَ البِرَّ.\nأولها: الإيمانُ بأصولِ الإيمانِ الخمسةِ.\nوثانيها: إيتاءُ المالِ المحبوبِ لذوي القُرْبَى واليتامى والمساكين وابنِ السبيلِ\nوالسَّائلين وفي الرقاب.\nوثالثُها: إقامُ الصلاةِ.\nورابعُها: إيتاءُ الزكاةِ.\nوخامسُها: الوفاءُ بالعهدِ.\nوسادسُها: الصَّبْرُ على البأساءِ والضَّرَّاءِ وحين البأس.","vol":"1","page":134},{"text":"وقال إبراهيمُ التيميُّ: ما من عبدٍ وهبَهُ اللَّهُ صبرًا على الأذى، وصبرًا على\nالبلاءِ وصبرًا على المصائبِ، إلا وقد أُوتي فضلًا، ما أوتيهِ أحدٌ بعدَ الإيمانِ\nباللَّه ﷿.\nوهذا منتزعٌ من قولِه تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)\nوالمرادُ بالبأساءِ: الفقرُ ونحوُه، وبالضَّرَّاءِ. المرضُ ونحوُه.\nوحينَ البأسِ: حالُ الجهادِ.\nوقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: ما أنعمَ اللَّه علَى عبدٍ نعمةً فانتزعَهَا منه.\nفعاضَهُ مكانَ ما انتزعَ منه الصبرَ إلا كانَ ما عوضَهُ خيرًا مما انتزعَ منه، ثم\nتلا: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) .\nوكان بعضُ الصالحينَ في جيبهِ ورقةٌ يفتحُهَا كلَّ ساعةٍ فينظرُ فيها، وفيها\nمكتوبٌ: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) .\nوالصبرُ الجميلُ هو أن يكتمَ العبدُ المصيبةَ ولا يخبرَ بِهَا.\nقالَ طائفةٌ من السلفِ في قولِهِ تعالى: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ)، قال: لا شكوى معه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>قوله تعالى: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)</span>\nوقد أمرَ اللَّه ﷾ عبادَهُ بشُكْر نعمةِ صيام رمضانَ بإظهارِ ذكْرِهِ.\nوغيرِ ذلكَ من أنواع شكرِهِ، فقال: (وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)","vol":"1","page":135},{"text":"فمن جملةِ شكرِ العبْدِ لربِّه على توفيقِه لصيامِ\nرمضانَ وإعانتِهِ عليه ومغفرةِ ذنوبِهِ أنْ يصومَ له شكرًا عقيب ذلكَ.\nكانَ بعضُ السلفِ إذا وُفِّقَ لقيام ليليةٍ من الليالي أصبَحَ في نهارِهَا صائمًا.\nويجعلُ صيامَه شكرًا للتوفيق للقيامِ.\nوكان وهيبُ بنُ الوردِ يُسأل عن ثوابِ شيء من الأعمالِ، كالطوافِ\nونحوه، فيقول: تسألوا عن ثوابِهِ؟! ولكنْ سلُوا ما الذي على مَن وُفِّقَ لهذا\nالعملِ من الشكرِ، للتوفيقِ والإعانةِ عليهِ؟!\nإذا أنْتَ لم تَزْدَدْ على كُلِّ نعْمَةٍ. . . لموليكها شكْرًا فلسْتَ بشاكرٍ\nكُلُّ نعمةٍ على العبدِ منَ اللهِ في دِينٍ أو دنيا يحتاجُ إلى شكرٍ عليها، ثمَّ\nالتوفيقُ للشكرِ عليها نعمةٌ أخرى تحتاجُ إلى شكرٍ ثانٍ، ثم التوفيقُ للشكر\nالثاني نعمةٌ أخرى يحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبدًا فلا يقدِرُ العبادُ على\nالقيامِ بشكْرِ النعم.\nوحقيقةُ الشُّكْرِ الاعترافُ بالعجزِ عن الشكر، كما قيل:\nإذا كان شكْري نعْمةَ اللَّهِ نعْمَةً. . . عليَّ لَهُ في مِثْلِها يجبُ الشُّكْرُ\nفكيفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إلا بفَضْلِهِ. . . وإن طالتِ الأيَّامُ واتَصَلَ العُمْرُ\nقال أبو عمرٍو الشيبانيُّ: قالَ موسى - ﵇ - يومَ الطُّور: يا ربّ!\nإنْ أنا صليتُ فَمِن قِبَلِكَ، هان أنا تصدَّقْتُ فمن قبَلكَ، وإن بلَّغْتَ رسالاتك\nفَمِنْ قِبَلِكَ، فكيف أشكرك؟\nقال: يا موسى، الَآنَ شكرتَني، فأمَّا مقابلة نعمة التوفيق لصيامِ شهر رمضانَ بارتكابِ المعاصي بعده، فهو من فِعْلِ مَن بدَّلَ نِعْمةَ اللَّهِ كفرًا، فإن كان قد عَزَمَ في صيامِهِ على معاودةِ المعاصِي بعدَ انقضاءِ الصيامِ، فصيامُه عليه مردودٌ، وبابُ ألرَّحمةِ في وجههِ مسدودٌ.\nقال كعبٌ: مَن صامَ رمضانَ وهو يُحدِّثُ نفسَهُ أنَّه إن أفطر رمضانَ","vol":"1","page":136},{"text":"أن لا يعصِي اللَّهَ، دخلَ الجنةَ بغيرِ مسألةٍ ولا حساب، ومَن صامَ رمضانَ وهو يحدِّثُ نفسَه أنَّه إذا أفطر عصَى ربَّه، فصيامُه عليه مردودٌ.\n* * *\nلمَّا كانتِ المغفرةُ والعِتْقُ من النارِ كلٌّ منهما مرتبًا على صيامِ رمضانَ\nوقيامِهِ، أمرَ اللَّهُ ﷾ عندَ إكمالِ العدَّةِ بتكبيره، وشكره، فقال:\n(وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكمْ تَشْكُرُونَ) .\nفشُكْرُ من أنعَمَ على عبادِهِ بتوفِيقهِم للصيامِ، وإعانتِهِم عليه، ومغفرتِه لهم\nبهِ، وعتقهِم من النَّارِ، أن يذكُروه ويشكروه ويتَّقوه حقَّ تُقَاتِهِ.\nوقد فسَّرَ ابنُ مسعودٍ ﵁ تقواه حقَّ تُقاتِهِ بأنْ يطاعَ فلا يُعْصَى، ويذكرَ فلا يُنْسى، ويُشكرَ لا يُكْفَر.\nفيا أربابَ الذُّنوبِ العظيمةِ! الغنيمةَ الغنيمةَ في هذه الأيام الكريمةِ؛ فما\nمنها عوضٌ ولا لها قيمةٌ، فكم يعتقُ فيها من النَّارِ من ذي جريرة وجريمة.\nفمن أُعتقَ فيها من النَّارِ فقد فازَ بالجائزةِ العميمةِ والمنحةِ الجسيمةِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)</span>\nوقد أخبرَ اللَّهُ تعالَى بقربِهِ ممن دعاهُ، وإجابتِهِ لهُ، فقالَ: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) .\nوقد رُوي في سببِ نزولهَا: أنَّ أعرابيًّا قالَ: يا رسولَ اللَّهِ، أقريبٌ ربُّنا\nفنناجيهِ، أم بعيدٌ فننادِيهِ؟\nفأنزل اللَّهُ ﷿: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ) .","vol":"1","page":137},{"text":"خرَّجه ابنُ جريرٍ، وابنُ أبي حادمٍ.\nوروى عبدُ الرزاقِ، عن جعفرِ بنِ سليمانَ، عن عوفٍ، عن الحسنِ، قال:\nسالَ أصحاب رسولِ اللهِ - ﷺ - رسولَ اللَّه - ﷺ -: أين ربُّنا؟ فأنزلَ اللَّهُ ﷿: (وَإِذَاْ سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب) .\nوروى عبدُ بنُ حميدٍ بإسنادِهِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبيدِ بنِ عميرٍ، قالَ:\nنزلتْ هذهِ الآية ُ: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)، قالُوا: كيفَ لنا بهِ أن نلقَاهُ\nحتى ندعُوه؟ فأنزلَ اللَّهُ ﷿ على نبيِّه - ﷺ -: (وَإِذَا سَألَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيب أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) .\nفقالُوا: صدَق ربُّنا، هوَ بكلِّ مكانِ.\nوقَد خرَّج البخاريُّ في \"الدعوات \" حديثَ أبي مُوسى، أنَهم رَفَعُوا\nأصواتَهُم بالتكبير، فقالَ لَهُم النبيُّ - ﷺ -:\n\"إنَّكم لا تدعونَ أصمَّ ولا غائبًا، إنَّكم تدعون سميعًا قريبًا\".\nوفي روايةٍ: \"إنَّه أقربُ إليكُم من أعناقِ رواحِلِكُمْ \".\nولم يكنْ أصحابُ النبيِّ - ﷺ - يفهمونَ من هذهِ النصوصِ غيرَ المعنى الصحيح المرادِ بها، يستفيدونَ بذلكَ معرفةَ عظمةِ اللَّهِ وجلالِهِ، واطلاعِهِ على عبادِهِ وإحاطتِهِ بهم، وقربِه من عابديهِ، وإجابتِه لدعائهِم، فيزدادونَ به خشيةً للَّهِ وتعظيمًا وإجلالًا ومهابةً ومراقبةً واستحياءً، ويعبدونَهُ كأنَّهم يرونَه.\nثم حدث بعدَهُم مَن قلَّ ورعُهُ، وساءَ فهمُهُ وقصدُهُ، وضعفت عظمةُ اللَّه\nوهيبتُهُ في صدره، وأرادَ أن يُري الناسَ امتيازَهُ عليهم بدِقةِ الفهمِ وقوةِ النظرِ.","vol":"1","page":138},{"text":"فزعمَ أنَّ هذه النصوصَ تدلُّ على أن اللَّهَ بذاتِهِ في كلِّ مكانٍ، كما يحكى\nذلك عن طوائفَ من الجهميةِ والمعتزلةِ ومن وافقَهُم، تعالى اللَّهُ عمَّا يقولون\nعلوًّا كبيرًا، وهذا شيءٌ ما خطرَ لمن كان قبلَهُم من الصحابة - رضي اللَّه\nعنهم، وهؤلاءِ ممن يتبعُ ما تشابَهَ منه ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويله \" وقد حذَّر\nالنبي - ﷺ - أُمَّتَه منهم في حديثِ عائشةَ الصحيح المتفقِ عليهِ.\nوتعلَّقُوا - أيضًا - بما فهمُوه بفهمهم القاصرِ مع قصدِهِم الفاسدِ بآياتٍ في\nكتاب اللَّهِ، مثل قولِهِ تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كنتُمْ) .\nوقولِهِ: (مَا يَكُون مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ) .\nفقالَ من قال من علماءِ السلفِ حينئذٍ: إنَّما أرادَ أنَّه معهم بعلمِهِ، وقصدُوا بذلكَ إبطالَ ما قالَهُ أولئكَ، مما لم يكنْ أحدٌ قبلهم قالَهُ ولا فهمَهُ من القرآنِ.\nوممن قالَ: إنَّ هذهِ المعيةَ بالعلم مُقاتِلُ بنُ حيَّانَ، ورويَ عنه أنَه رواهُ عن\nعكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ.\nوقاله الضحاكُ، قالَ: اللَّهُ فوقَ عرشِهِ، وعلمُهُ بكلِّ مكانٍ.\nورويَ نحوُه عن مالكٍ وعبدِ العزيزِ الماجشون والثوريِّ وأحمدَ وإسحاقَ\nوغيرِهِم من أئمةِ السلفِ.\nوروى الإمامُ أحمدُ: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ نافع، قال: قالَ مالكٌ: اللَّهُ في\nالسماءِ، وعلمُهُ بكلِّ مكانٍ.\nوروي هذا المعنى عن علي وابنِ مسعودٍ - أيضًا.\nوقالَ الحسنُ في قولِهِ تعالى: (إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ) .","vol":"1","page":139},{"text":"قالَ: علمُهُ بالناسِ.\nوحكى ابنُ عبدِ البَرِّ وغيرُهُ إجماعَ العلماءِ من الصحابةِ والتابعينَ في تأويلِ\nقولِهِ: (وَهُوَ مَعَكمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ)، أنَّ المرادَ علمُهُ.\nوكلُّ هذا قصدُوا به ردَّ قولِ من قالَ: إنَّه تعالى بذاتِهِ في كل مكانٍ.\nوزعم بعضُ من تَحَذْلَقَ أنَّ ما قاله هؤلاءِ الأئمةُ خطأٌ، لأنَّ علم اللَّهِ صفةٌ\nلا تفارقُ ذاتِهِ، وهذا سوءُ ظنٍّ منه بأئمةِ الإسلامِ؛ فإنَّهم لم يريدُوا ما ظنَّه\nبهم، وإنما أرادُوا أن علمَ اللَّهِ متعلِّقٌ بما في الأمكنةِ كلِّها ففيها معلوماتِهِ، لا\nصفةَ ذاتِهِ، كما وقعتِ الإشارةُ في القرآنِ إلى ذلكَ بقولِهِ تعالى: (وَسِعَ كُلَّ\nشَيْءٍ عِلْمًا)، وقولِهِ: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كلَّ شَيْء رَّحْمَةً وَعِلْمًا) .\nوقولِهِ: (ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُج مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) .\nوقالَ حربٌ: سألتُ إسحاقَ عن قولِهِ: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ\nرَابِعُهُمْ)، قال: حيثُ ما كنتَ هو أقربُ إليكَ من حبلِ الوريدِ، وهو\nبائِنٌ من خلقِهِ.\nوروى عمرُ بنُ أبي سلمةَ، عن أبيه، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ مرَّ بقاصٍّ وقد\nرفعُوا أيدِيهم، فقالَ: ويلكم! إنَّ ربكم أقربُ ممَّا ترفعون، وهو أقربُ إلى\nأحدِكُم من حبلِ الوريدِ.\nوخرَّجه أبو نُعيمٍ، وعندَهُ: أنَّ المارَّ والقائلَ بذلك هو ابنُ عمرَ.\nوخطبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، فذكرَ في خطبتِهِ: إنَّ اللَّهَ أقربُ إلى عبادِهِ\nمن حبلِ الوريدِ. وكانَ مجاهدٌ حاضِرًا يسمعُ، فأعجبه حسنُ كلامِ عمرَ.","vol":"1","page":140},{"text":"وهذا كلّه يدلُّ على أن قربَ اللَّه من خَلْقِهِ شاملٌ لهم، وقرئهُ من أهلِ\nطاعتِهِ فيه مزيدُ خصوصيةٍ، كما أنًّ معيّتهُ مع عبادِهِ عامَّة حتى ممَّن عصاهُ.\nقالَ تعالَى: (يَستَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِدْ يبَيِّتونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ)، ومعيّته مع أهلِ طاعتهِ خاصةً لهُم، فهو\nسبحانه مع الذين اتقَّوا والذين هم محسنونَ.\nوقال لموسى وهارونَ: (إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسمعُ وَأَرَى) .\nوقال موسى: (إِنَّ مَعِيَ رَبِي سَيَهْدِينِ) .\nوقال في حقِّ محمدٍ وصاحبِهِ: (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) .\nولهذا قالَ النبيُّ - ﷺ - لأبي بكرٍ في الغارِ:\n\"ماظنُّك باثنينِ اللَهُ ثالثُهما\".\nفهذه معية خاصةٌ غيرَ قولِهِ: (مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاثَة إِلَّا هو رَابِعُهُمْ) الآية، فالمعيَّةُ العامُّةُ تقتضِي التحذير من علمِهِ واطلاعِهِ وقدرتِهِ\nوبطشِهِ وانتقامِهِ، والمعيةُ الخاصةُ تقتضِى حسنَ الظنِّ بإجابتِهِ ورضَاه وحفظِهِ\nوصيانتِهِ، فكذلك القربُ.\nوليسَ هذا القربُ كقربِ الخلقِ المعهودِ منهم، كما ظنَه من ظنه من أهلِ\nالضلالِ، وإنَّما هو قربٌ ليسَ يشبهُ قربَ المخلوقينَ، كما أنَّ الموصوفَ به\n(لَيْسَ كمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) .\nوهكذا القولُ في أحاديث النزولِ إلى سماءِ الدنيا، فإنَه من نوع قربِ\nالربِّ من داعيهِ وسائليهِ ومستغفريهِ.\nوقد سئلَ عنه حماد بنُ زيدٍ، فقالَ هو في مكانِهِ يقربُ من خلقه كما\nيشاءُ.","vol":"1","page":141},{"text":"ومرادُه أنَّ نزولَهُ ليس هو انتقال من مكانٍ إلى مكانٍ كنزول المخلوقينَ.\nوقال حنبل: سألتُ أبا عبدِ اللَّه: ينزل اللَّهُ إلى سماءِ الدُّنيا؟\nقال: نعم.\nقلتُ: نزولُهُ بعلمِهِ أو بمَاذا؟\nقال: اسكتْ عن هذا، مالكَ ولهذَا؛ أمْضِ\nالحديثَ على ما رُوي بلا كيفٍ ولا حَدٍّ، إلا بما جاءت به الآثار، وجاءَ به\nالكتابُ، قال اللَّهُ: (فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ)، ينزل كيفَ شاءَ.\nبعلمِهِ وقدرتِهِ وعظمتِهِ، أحاطَ بكلِّ شيء علمًا، لا يبلغُ قَدْرَه واصفٌ، ولا\nينأَى عنه هَربُ هاربٍ، ﷿.\nومرادُهُ: أنَّ نزولَهُ تعالى ليس كنزول المخلوقينَ، بل هو نزول يليقُ بقدرتِهِ\nوعظمتِهِ وعلمِهِ المحيطِ بكلِّ شيءٍ، والمخلوقونَ لا يحيطونَ به عِلمًا، وإنَّما\nينتهونَ إلى ما أخبرهم به عن نفسِهِ، أو أخبرَ به عنه رسولُهُ.\nفلهذا اتفقَ السلفُ الصالحُ على إمرارِ هذهِ النصوصِ كما جاءت من غيرِ\nزيادةٍ ولا نقصٍ، وما أشكلَ فهمُهُ منها، وقصرَ العقلُ عن إدراكِهِ وُكِلَ إلى\nعالمه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>قوله تعالى: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ)</span>\nوقد قال طائفة من السَّلفِ في تفسيرِ قولِهِ تعالَى: (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ): إنه طلبُ ليلةِ القدرِ.\nوالمعنى في ذلكَ أنَّ اللَّهَ تعالى لما أباحَ مباشرةَ النِّساءِ في ليالي الصيامِ، إلى","vol":"1","page":142},{"text":"أنْ يتبيَّنَ الخيطُ الأبيضُ من الخيطِ الأسودِ، أمَرَ مَعَ ذلك بطلبِ ليلةِ القدْرِ.\nلئلا يشتغلَ المسلمونَ في طولِ ليالِي الشهرِ بالاستمتاع المباح، فيفوتُهم طلبُ\nليلةِ القدْرِ، فأمرَ مع ذلكَ بطلبِ ليلةِ القَدْرِ بالتهجُّد من الليلِ، خصوصًا في\nالليالِي المرجُوِّ فيها ليلةُ القَدْرِ، فمن هاهُنا كانَ النبيُّ - ﷺ - يصيبُ من أهلِهِ في العشرينَ من رمضانَ، ثم يعتزلُ نساءَه ويتفرغَّ لطلب ليلةِ القَدْرِ في العشر الأواخرِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>قوله تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)</span>\nوقولُهُ - ﷺ -: \"كالراعِي يرعَى حولَ الحِمَى يُوشِكُ أن يرتَعَ فيه، ألا وإنَّ لكلِّ ملكٍ حِمَى، وإنَّ حِمَى اللَّهِ محارمُهُ \":\nهذا مَثَلٌ ضربَهُ النبيُّ - ﷺ - لمنْ وقع في\nالشبهاتِ، وأنَّه يقرُبُ وقوعُهُ في الحرامِ المحضِ، وفي بعضِ الرواياتِ أنَّ\nالنبيَّ - ﷺ - قالَ:\n\"وسأضربُ لَكُم مثلًا\" ثم ذكرَ هذا الكلامَ، فجعلَ النبيُّ - ﷺ - مثلَ المحرَّماتِ كالحِمى الَّذي تحميه الملوكُ، ويمنعونَ غيرَهم من قُربانِهِ، وقد جعلَ النبيُّ - ﷺ - حولَ مدينتِهِ اثني عشرَ ميلًا حِمى محرَّمًا، لا يُقطعُ شجرُه، ولا يُصادُ صيدُه، وحَمَى عمرُ وعثمانُ أماكنَ ينبتُ فيها الكلأ لأجلِ إبلِ الصدقةِ.\nواللَّهُ ﷿ حَمَى هذه المحرَّماتِ، ومنعَ عبادَهُ من قربانِهَا، وسمَّاها\nحدودَه، فقالَ تعالَى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧) .","vol":"1","page":143},{"text":"وهذا فيه بيانُ أنَّه حدَّ لهم ما أحلَّ لهُم وما حرَّم\nعليهم، فلا يقربُوا الحرامَ، ولا يتعدَّوْا الحلالَ، ولذلكَ قالَ في آيةٍ آخرى:\n(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) .\nوجعلَ من يرعى حولَ الحِمى وقريبا منه جديرًا بأن يدخُلَ الحِمى ويرتعَ فيه.\nفكذلكَ منْ تعدَّى الحلالَ، ووقعَ في الشبهاتِ، فإنَّه قد قاربَ الحرامَ غايةَ\nالمقاربةِ، فما أخلقَهُ بأن يُخالِطَ الحرامَ المحضَ، ويقع فيهِ، وفي هذا إشارةٌ إلى\nأنَّه ينبغي التباعدُ عن الحرَّماتِ، وأنْ يجعلَ الإنسانُ بينه وبينها حاجزًا.\nوقد خرَّج الترمذيُ وابنُ ماجةَ مِنْ حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ يزيدَ عن النبيِّ\n- ﷺ - قالَ: \"لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من المتَقين حتى يدع ما لا بأسَ به حذرًا مما به بأس\".\nوقال أبو الدرداءِ: تمامُ التقوى أن يتقي اللَّهَ العبدُ، حتَّى يتقيَه منْ مثقالِ\nذرَّةٍ، وحتى يتركَ بعضَ ما يرى أنَّه حلالٌ، خشية أن يكون حرامًا، حجابًا\nبينه وبيْنَ الحرامِ.\nوقال الحسنُ: ما زالتِ التقوى بالمتقينَ حتى تركُوا كثيرًا من الحلالِ مخافةِ\nالحرامِ.\nوقال الثوريُّ: إنَّما سُموا \"المتقين \" لأنَّهم اتَّقوا ما لا يُتَّقى.\nورُوي عن ابنِ عمرَ قالَ: إنِّى لأحبُّ أن أدع بيني وبين الحرامِ سترة من الحلالِ لا أخرقُها.\nوقال ميمونُ بنُ مهرانَ: لا يسْلَمُ للرجلِ الحلالُ حتى يجعلَ بينه وبين\nالحرامِ حاجزًا من الحلالِ.\nوقال سفيانُ بن عيينةَ: لا يصيبُ عبد حقيقةَ الإيمانِ حتى يجعلَ بينه وبين","vol":"1","page":144},{"text":"الحرامِ حاجزًا من الحلالِ، وحتى يدعَ الإثمَ وما تشابَهَ منه.\nويَستدلُّ بهذا الحديثِ مَنْ يذهبُ إلى سدِّ الذرائع إلى المحرماتِ وتحريمِ\nالوسائلِ إليها، ويدُلُّ على ذلكَ أيضًا من قواعدِ الشَّريعة تحريمُ قليلِ ما يُسكر\nكثيرُه، وتحريمُ الخلوةِ بالأجنبيةِ، وتحريمُ الصَّلاةِ بعدَ الصُّبح وبعدَ العصرِ سدًّا\nلذريعةِ الصَّلاةِ عند طلوع الشمسِ وعندَ غروبِهَا، ومنعُ الصَّائم من المباشرةِ إذا كانت تحرِّكُ شهوتَهُ، ومنعُ كثيرٍ من العلماءِ مباشرةَ الحائض فيما بين سرَّتها\nورُكبتِهَا إلا مِنْ وراءِ حائلٍ، كما كان النبيُّ - ﷺ - يأمرُ امرأتَه إذا كانت حائضًا أن تتَّزر، فيباشِرُها من فوق الإزارِ.\nومن أمثلةِ ذلكَ وهو شبيهٌ بالمثلِ الذي ضربَهُ النبي - ﷺ - من سيَّبَ دابَّتَه ترعى بقُرْبِ زرع غيره، فإنَّه ضامنٌ لما أفسدتْهُ من الزرع، ولو كانَ ذلك نهارًا.\nهذا هو الصحيحُ، لأنَّه مفرط بإرسالِهَا في هذه الحالِ.\nوكذا الخلافُ لو أرسلَ كلبَ الصَّيدِ قريبًا من الحرمِ، فدخل الحرمَ فصادَ\nفيه، ففي ضمانِهِ روايتانِ عن أحمدَ، وقيل: يضمنُهُ بكلِّ حالٍ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>قوله تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) </span>.\nوفي \"مسندِ الإمامِ أحمدَ\" عن بُرَيْدَةَ - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"النفقةُ","vol":"1","page":145},{"text":"في الحَجِّ كالنَّفقةِ في سبيلِ اللهِ بسبعمائةِ ضعفٍ\".\nوخرَّجه الطبرانيُّ من حديثِ أنسٍ ﵁، عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ: \"النفقةُ في سبيلِ اللِّهِ؛ الدِّرْهَمُ فيه بسبعمائةِ\" ويُدلُّ عليه قولُهُ تعالى: (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) .\nففيه دليلٌ على أنَّ النفقةَ في الحجِّ والعمرةِ تدخلُ في جملةِ النَّفقة في سبيلِ اللَّهِ. وقد كانَ بعضُ الصحابةِ جعلَ بعيرَهُ في سبيلِ اللَّهِ، فأرادتْ امرأتُهُ أن تحجَّ عليه، فقالَ لها النبيُّ - ﷺ -:\n\"حجِّي عليه؛ فإنَّ الحجَّ في سبيلِ اللَّهِ \".\nوقد خرَّجه أهلُ المسانيد والسنن من وجوهٍ متعدِّدةٍ، وذكره البخاريُّ تعليقًا، وهذا يستدل به على أنَّ الحجَّ يصرف فيه من سهمِ سبيلِ اللَّهِ المذكورِ في آيةِ الزكاةِ، كما هو أحدُ قولي العلماءِ، فيعطى من الزَّكاةِ من لم يحجَّ ما يحجُّ به. وفي إعطائِهِ لحجِّ التطوعُّ اختلافٌ بينهم أيضًا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>وقال الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ)</span>\nقالَ ابنُ عمرَ: الفسوقُ: ما أصيبَ مِنْ معاصِي اللَّهِ صيدًا كانَ أو غيرُهُ،","vol":"1","page":146},{"text":"وعنه قالَ: الفسوقُ إتيانُ معاصِي اللَّهِ في الحرمِ.\nوقال ﷿: (وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) .\nوكانَ جماعة من الصحابةِ يتَّقون سُكْنى الحرمِ، خشيةَ ارتكابِ الذُّنوبِ\nفيه: منهمُ ابنُ عباسٍ، وعبدُ اللَّهِ بن عمرِو بنِ العاصِ، وكذلكَ كانَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يفعلُ، وكانَ عبدُ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ يقولُ: الخطيئةُ فيه\nأعظمُ.\nورُويَ عن عمرَ بنِ الخطابِ - ﵁ - قال: لأنْ أُخطى سبعينَ خطيئةً - يعني بغير مكةَ - أحبُّ إليَّ منْ أن أُخطئ خطيئةً واحدةً بمكةَ.\nوعن مجاهدٍ قالَ: تُضاعفُ السيئاتُ بمكةَ كما تُضاعفُ الحسناتُ.\nوقال ابنُ جريجِ: بلغني أن الخطيئةَ بمكةَ بمائةِ خطيئةٍ، والحسنةَ على نحو ذلكَ.\nوقال إسحاقُ بنُ منصور: قلتُ لأحمدَ: في شيء من الحديثِ أنَ السيئةَ\nتُكتبُ بأكثرَ منْ واحدةٍ؟ قالَ: لا، ما سمعْنا إلا بمكَّةَ لتعظيم البلدِ \"ولو أنَّ\nرجلًا بعَدنِ أبْيَنَ همَّ \". وقال إسحاقُ بنُ راهويه كما قالَ أحمدُ، وقولهُ: \"ولو أنَّ رجلًا بعدنِ أبْينَ همَّ \"، هو من قولِ ابنِ مسعود، وسنذكرُهُ فيما بعدُ إن شاءَ اللَّهُ تعالى.\nوقد تضاعفُ السيِّئاتُ بشرفِ فاعلِها، وقوَّةِ معرفتهِ باللَّهِ، وقُرْبِهِ منه، فإنَّ\nمن عصى السُّلطانَ على بساطه أعظمُ جُرْمًا ممَّن عصاهُ على بُعدٍ، ولهذا توعَّدَ\nاللَّهُ خاصَّة عبادِهِ على المعصيةِ بمضاعفةِ الجزاءِ، وإن كانَ قد عصمَهم منها.\nليبيِّنَ لهُم فضلَهُ عليهم بعصمَتِهم منْ ذلكَ، كما قالَ تعالى:","vol":"1","page":147},{"text":"(وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ) .\nوقال تعالى: (يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) .\nوكانَ عليٌّ بنُ الحسينِ يتأوَّلُ في آل النبيِّ - ﷺ - من بني هاشم مثك ذلك لقربِهِم من النبيِّ - ﷺ -.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>قوله تعالى: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)</span>\nوقد رُويَ عن ابنِ عباسٍ، قالَ: كانَ أهلُ اليمنِ يَحُجُّون ولا يتزوَّدونَ.\nويقولونَ: نحن متوكِّلون، فيحجونَ، فيأتونَ مكةَ، فيسألونَ الناسَ، فأنزلَ\nاللَّهُ هذه الآيةَ: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى)، وكذا قالَ\nمجاهد، وعكرمةُ، والنخعيُّ، وغيرُ واحدٍ من السلفِ، فلا يُرخَصُ في ترك\nالكَسْبِ بالكليةِ إلا لمنِ انقطعَ قلبُه عن الاستشرافِ إلى المخلوقينَ بالكليةِ.\nوقدْ رُويَ عن أحمدَ أنه سُئلَ عن التوكُلِ، فقالَ: قطعُ الاستشرافِ باليأسِ\nمن الخلقِ، فسُئلَ عن الحجةِ في ذلكَ، فقالَ: قولُ إبراهيمَ ﵇ لما\nعرضَ له جبريلُ وهو يُرْمَى في النارِ، فقالَ لهُ: ألكَ حاجة، فقالَ: أمَّا إليكَ\nفلا.\nوظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّ الكسبَ أفضلُ بكلِّ حالٍ، فإنَّه سُئلَ عمَّن يقعدُ ولا\nيكتسبُ ويقولُ: توكَّلتُ على اللَّهِ، فقالَ: ينبغي للناسِ كُلِّهم يتوكَّلونَ على","vol":"1","page":148},{"text":"اللَّهِ، ولكنْ يعودونَ على أنفسِهِم بالكَسْبِ.\nورَوَى الخَلاَّلُ بإسنادِه عن الفضيلِ بنِ عِياضٍ أنَّهُ قيلَ لهُ: لو أن رجلًا قعدَ\nفي بيتِهِ زعمَ أنَّه يثقُ باللًّهِ، فيأتيِه برزقهِ، قالَ: إذا وثقَ باللَّهِ حتى يعلمَ منه أنَّه\nقدْ وثقَ به لم يمنعْهُ شيءٌ أرادَهُ، لكنْ لم يفعلْ هذا الأنبياءُ ولا غيرُهم، وقد\nكانَ الأنبياءُ يؤجَرون أنفسَهم، وكانَ النبيُّ - ﷺ - يؤجِّرُ نفْسَه وأبو بكرٍ وعمرُ، ولم يقولوا: نقعدُ حتَّى يرزقُنا اللَّهُ ﷿.\nوقالَ اللَّهُ ﷿: (وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللهِ)، ولا بُدَّ من طلبِ المعيشةِ.\nوقد رُوي عن بِشْرٍ ما يُشعرُ بخلافِ هذا، فرَوَى أبو نُعيمٍ في \"الحلْيةِ\" أنَّ\nبشرًا سُئلَ عن التوكُلِ، فقالَ: اضطرابٌ بلا سكونٍ، وسكونٌ بلا اضطرابٍ، فقالَ له السائلُ: فسِّره لنا حتى نفقهَ، قالَ بشرٌ: اضطرابٌ بلا سكونٍ: رجلٌ يضطربُ بجوارحِهِ، وقلبُه ساكنٌ إلى اللَّهِ لا إلى عملِهِ، وسكونٌ بلا\nاضطرابِ: فرجلٌ ساكنٌ إلى اللَّهِ بلا حركةٍ، وهذا عزيزٌ، وهوَ من صفاتِ\nالأبدالِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>قوله تعالى: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)</span>\nوالاستغفارُ طلبُ المَغْفرةِ، والمغفرةُ هى وِقَايةُ شَرِّ الذنوبِ معَ سَترِهَا وقد\nكثرُ في القرآنِ ذكرُ الاستغفارِ، فتارةً يؤمرُ به، كقولِهِ: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، وقولِهِ: (وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إِليه) .\nوتارةً يمدحُ أهلَهُ، كقولِهِ: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) .\nوقوله:","vol":"1","page":149},{"text":"(وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)، وقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) .\nوتارةً يذكرُ أن اللَّهَ يغفرُ لمن استغفرهُ، كقولِهِ: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (١١٠) .\nوكثيرًا ما يُقرن الاستغفارُ بذكر التوبةِ، فيكونُ الاستغفارُ حينئذٍ عبارةً عن\nطلبِ المغفرةِ باللسانِ، والتوبةُ عبارةٌ عن الإقلاع عن الذنوبِ بالقلوبِ\nوالجوارح.\nوتارةً يفردُ الاستغفارُ، ويُرتَّبُ عليه المغفرةُ، كما ذكرَ في هذا الحديثِ وما\nأشبههُ، فقد قيلَ: إنَه أريدَ به الاستغفارُ المقترنُ بالتوبةِ، وقيلَ: إنَّ نصوصَ\nالاستغفارِ المفردةَ كلَّها مطلقةٌ تُقيَّدُ بما يذكر في آيةِ \"آلِ عمرانَ \" من عدمِ\nالإصرارِ؛ فإنَّ اللَّه وعدَ فيها المغفرةَ لمن استغفرَهُ من ذنوبِهِ، ولم يُصِرَّ على\nفعلِهِ، فتُحْمَلُ النُصوصُ المطلقةُ في الاستغفارِ كلها على هذا المقيد.\nومجرَّدُ قولِ القائل: اللَّهُمَّ اغفر لي، طلبٌ منه للمغفرةِ ودعاءٌ بها، فيكونُ\nحكمُهُ حكمَ سائرِ الدعاءِ، فإنْ شاءَ اللَّهُ أجابه وغفرَ لصاحبِهِ، لا سيما إذا\nخرجَ عن قلبِ منكسرٍ بالذنبِ أو صادفَ ساعةً من ساعاتِ الإجابةِ كالأسحارِ وأدبارِ الصلواتِ.\nويُروَى عن لُقمانَ ﵇ أنّه قالَ لابنِه: يا بنيَّ عَوِّدْ لسانكَ اللَّهمَّ\nاغفرْ لي، فإنَّ للَّهِ ساعاتٍ لا يَرُدُّ فيها سائلًا.\nوقال الحسنُ: أكثِروا من الاستغفارِ في بيوتِكم، وعلى موائِدكم، وفي\nطُرقِكُم، وفي أسواقِكُم، وفي مجالسِكُم أينما كُنتُم، فإنَّكم ما تدرونَ متى\nتنزلُ المغفرةُ.","vol":"1","page":150},{"text":"وخرَّج ابن أبي الدنيا في كتاب \" حسنِ الظنِّ \" من حديثِ أبي هريرةَ\nمرفوعًا: \"بينما رجلٌ مستلقٍ إذْ نظرَ إلى السماءِ وإلى النجومِ، فقال: إني لأعلمُ أن لكِ ربًّا خالِقًا، اللَّهُمَّ اغفرْ لي، فغفرَ له \".\nوعن مُوَرِّقٍ قالَ: كانَ رجلٌ يعملُ السيئاتِ، فخرجَ إلى البريةِ، فجمعَ\nترابًا، فاضطجَعَ عليه مستلقيًا، فقالَ: ربِّ اغفرْ لي ذنوبي، فقالَ: إنَّ هذا\nليعرفُ أنَّ له ربَّا يغفرُ ويعذِّب، فغفرَ له.\nوعن مُغيثِ بنِ سُميٍّ، قالَ: بينما رجلٌ خبيثٌ، فتذكر يومًا، فقال: اللَّهمَّ\nغُفرانَك، اللَّهمَّ غفرانَك، اللَّهمَّ غفرانَك، ثم ماتَ فغُفِر له.\nويشهد لهذا ما في \"الصحيحينِ \" عن أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ -: \"أنَّ عبدًا أذنَبَ ذنبا، فقالَ: ربِّ أذنبتُ ذنبًا فاغفرْ لي.\nقالَ اللَّهُ ﷿: عَلِمَ عبدي أنَّ له ربًّا يغفر الذنب، ويأخذُ به، غفرتُ لعبدِي، ثمَّ مكثَ ما شاء الله، ثم أذنبَ ذنبًا آخر فذكرَ مثل\nالأولِ مرتينِ أُخريينِ \"\nوفي روايةٍ لمسلمٍ أنه قالَ في الثالثةِ: \"قد غفرتُ لعبدِي، فليعملْ ماشاءَ\".\nوالمعنى ما دامَ على هذه الحالِ كلَّما أذنبَ استغفرَ.\nوالظاهرُ أنَّ مرادَهُ الاستغفارُ المقرونُ بعدم الإصرارِ، ولهذا في حديثِ أبي بكرٍ الصديقِ - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"ما أصرَّ من استغفرَ وإن عادَ في اليوم سبعين مرّة\"\nوخرَّجه أبو داودَ والترمذيُّ.\nوأمَّا استغفارُ اللسانِ معَ إصرارِ القلبِ على الذنبِ، فهو دُعاءٌ مجرَّدٌ إنْ","vol":"1","page":151},{"text":"شاء اللَّهُ أجابهُ، وإن شاءَ ردَّه.\nوقد يكون الإصرارُ مانعًا من الإجابةِ، وفي \"المسندِ\" من حديثِ عبدِ اللَّهِ\nابنِ عمرٍو مرفوعًا: \"ويلٌ للذينَ يُصرُّون على ما فعلُوا وهم يَعلَمون \".\nوخرَّج ابنُ أبي الدنيا من حديثِ ابنِ عباسٍ مرفوعًا: \"التائبُ من الذَّنبِ\nكمن لا ذنبَ لهُ، والمستغفرُ من ذنبٍ وهو مُقيم عليه كالمستهزئِ بربِّهِ \" ورَفعُه منكر، ولعلَّه موقوف.\nقال الضحاكُ: ثلاثة لا يُستجاب لهم، فذكرَ منهُم: رجل مقيم على امرأةِ\nزِنى كلَّما قَضِى منها شهوتَهُ، قالَ: ربِّ اغفرْ لي ما أصبتُ من فلانةٍ، فيقولُ\nالربُّ: تحوَّلْ عنها، وأغفرُ لكَ، فأمَّا ما دمتَ مقيمًا عليها، فإنِّي لا أغفرُ\nلكَ، ورجل عندَهُ مالُ قومٍ يَرى أهلَهُ، فيقول: ربِّ اغفرْ لي ما آكلُ من مالِ فلانٍ، فيقولُ تعالى: ردَّ إليهم مالَهُم، وأغفرُ لكَ، وأمَّا ما لم تردَّ إليهم، فلا أغفرُ لك.\nوقولُ القائلِ: أستغفرُ اللهَ، معناه: أطلبُ مغفرتَهُ، فهو كقولِهِ اللَهُمَّ اغفرْ\nلِي، فالاستغفارُ التامُ الموجبُ للمغفرةِ: هو ما قارنَ عدمَ الإصرارِ، كما مدحَ اللَّهُ أهلَهُ، ووعدَهُم المغفرةَ.\nقال بعضُ العارفينَ: من لم يكنْ ثمرةَ استغفاره تصحيحَ توبتِهِ، فهوَ كاذب في استغفاره، وكان بعضُهم يقولُ: استغفارُنا هذا\nيحتاجُ إلى استغفارٍ كثيرٍ، وفي ذلكَ يقولُ بعضُهم:\nأستغفرُ اللَّهَ من أستغفرُ اللَّهَ. . . منْ لفْظَةٍ بَدَرَتْ خالفْتُ معناها","vol":"1","page":152},{"text":"وكيفَ أرجُو إجاباتِ الدُّعاءِ وقد سدَدْتُ بالذَّنبِ عندَ اللَّهِ مجرَاها\nفأفضلُ الاستغفارِ ما اقترَنَ به ترْكُ الإصرارِ، وهو حينئذٍ توبة نصوح، وإن\nقالَ بلسانِهِ: أستغفرُ اللَّهَ، وهو غيرُ مقلع بقلبِهِ، فهو داع للَّه بالمغفرةِ، كما\nيقولُ: اللَّهُمَّ اغفر لي، وهو حسن، وقد يُرجَى له الإجابةُ، وأما من قالَ:\nهو توبةُ الكذابينَ، فمرادُه: أنَّه ليسَ بتوبة، كما يعتقدُهُ بعضُ الناسِ، وهذا\nحقّ، فإن التوبةَ لا تكونُ مع الإصرارِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ)</span>\n[قال البخاري]: \"بابُ فضْلِ العملِ في أيَّامِ التشريقِ \":\nوقالَ ابنُ عباسٍ: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ): أيامُ\nالعشرِ. والأيَّامُ المعدوداتُ: أيَّام التَّشريقِ.\nوكانِ ابنُ عمرَ وأبو هريرةَ يخْرُجَانِ إلى السُّوقِ في أيام العشْرِ، يُكبِّرانِ\nويُكبرُ الناسُ بتكبيرِهِمَا، وكبَّر محمدُ بنُ علي خلفَ النَّافلة.\nبوَّبَ على فضلِ أيام التشريق والعملِ فيها، وذكر في البابِ أيامَ التشريق\nوأيامَ العشرِ، وفضلَهُما جميعًا.\nوذكر عنِ ابنِ عباسٍ: أنَّ الأيامَ المعلوماتِ المذكورةَ في سورة الحج هي أيامُ\nالعشرِ، والأيامَ المعدوداتِ المذكورةَ في سورة البقرةِ هي أيامُ التشريقِ.","vol":"1","page":153},{"text":"وفي كلٍّ منهما اختلافٌ بين العلماءِ.\nفأمَّا المعلوماتُ:\nفقد رُوي عن ابنِ عباسٍ، أنَّها أيامُ عشرِ ذي الحجةِ، كما حكاه عنه\nالبخاريُّ.\nورُوي - أيضًا - عن ابنِ عُمرَ، وعن عطاءٍ والحسنِ ومجاهدِ وعكرمةَ\nوقتادةَ. وهو قولُ أبي حنيفة والشافعيِّ وأحمدَ - في المشهور عنه.\nوقالت طائفةٌ: الأيامُ المعلوماتُ: يومُ النحرِ ويومانِ بعدَهُ، رُوي عن ابنِ\nعمرَ وغيرِه من السلفِ، وقالُوا: هي أيامُ الذَّبح.\nورُويَ - أيضًا - عن علي وابنِ عباسٍ، وعن عطاءٍ الخراسانيِّ والنخعيِّ.\nوهو قولُ مالكٌ وأبي يوسفَ ومحمدٍ وأحمدَ - في رواية عنه.\nومن قالَ: أيامُ الذبح أربعةٌ، قالَ: هي يومُ النحرِ وثلاثةُ أيامٍ بعدَه.\nوقد رُوي عن أبي موسى الأشعريِّ، أنَّه قالَ - في خطبتِهِ يومَ النحرِ -:\nهذا يومُ الحجِّ الأكبرِ، وهذه الأيامُ المعلوماتُ التسعةُ التي ذكرَ اللَّهُ في القرآنِ، لا يُردُّ فيهنَّ الدُّعاءُ، هذا يومُ الحجِّ الأكبرِ، وما بعدَه من الثلاثةِ اللائي ذكرَ اللَّهُ الأيامُ المعدوداتُ، لا يُرَدُ فيهنَّ الدُّعاءُ.\nوهؤلاء جعلُوا ذكرَ اللَّهِ فيها هو ذكره على الذَّبائح.\nورُويَ عن محمد بنِ كعبٍ، أنَّ المعلوماتِ أيامُ التشريقِ خاصة.\nوالقولُ الأولُ أصحُّ، فإنَّ اللَّهَ ﷾ قالَ بعد ذكره في هذه الأيامِ\nالمعلوماتِ: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) .","vol":"1","page":154},{"text":"والتفثُ: هو ما يصيبُ الحاجَّ منَ الشعَثِ والغبارِ.\nوقضاؤه: إكماله.\nوذلك يحصل يومَ النحرِ بالتحللِ فيه من الإحرامِ، فقد جعلَ ذلكَ بعد\nذكر في الأيامِ المعلوماتِ، فدلَّ على أنَّ الأيَّامَ المعلوماتِ قبل يومِ النحرِ الذي\nيقضى فيه التفث ويُطَّوف فيه بالبيت العتيقِ.\nفلو كانت الأيامُ المعلوماتُ أيامَ الذبح لكان الذكرُ فيها بعدَ قخحاءِ التفثِ\nووفاءِ النذورِ والتطوفِ البيتِ العتيقِ، والقرآنُ يدلُّ على أنَّ الذكرَ فيها قبلَ\nذلك.\nوأمَّا قولُهُ تعالى: (عَلَى مَا رَزَقَهم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) .\nفإمَّا أنْ يقالَ: إنَّ ذكرَه على الذبائح يحصلُ في يوم النحرِ، وهو أفضلُ\nأوقاتِ الذبح، وهو آخرُ العشرِ.\nوإمَّا أنْ يقالَ: إنَّ ذكرَه على ما رزقَنا من بهيمةِ الأنعامِ، ليسَ هو ذكره\nعلى الذبائح، بل ذكرُهُ في أيامِ العشرِ كلِّها، شكرًا على نعمةِ رزقهِ لنا من\nبهيمةِ الأنعامِ، فإنَّ للَّهِ تعالى علينا فيها نِعَمًا كثيرةً دنيويةً ودينيةً.\nوقد عدَّدَ بعضَ الدنيويةِ في سورة النَّحلِ، وتختصُ عشرُ ذي الحجةِ منها\nبحملِ أثقالِ الحاجِّ، وإيصالهم إلى قضاء مناسكِهِم والانتفاع بركوبِها ودرِّها\nونسلِها وأصوافِهَا وأشعارِهَا.\nوأمَّا الدينية فكثيرةٌ، مثلُ: إيجابِ الهدْي وإشعارِه وتقليدِهِ، وغالبًا يكونُ\nذلكَ في أيامِ العشرِ أو بعضِهَا، وذبحهُ في آخرِ العشرِ، والتقربُ به إلى اللَّهِ.\nوالأكلُ من لحمِهِ، وإطعامُ القانِع والمعترِّ.","vol":"1","page":155},{"text":"فلذلك شُرعَ ذكرُ اللَّهِ في أيامِ العشر شكرًا على هذه النعم كلِّها، كما\nصرَّح به في قولِهِ تعالى: (كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّروا اللَّهَ عَلَى ما هَدَاكُم)، كما أمَرَ بالتكبيرِ عندَ قضاءِ صيامِ رمضانَ، وإكمالِ العدةِ، شكرًا\nعلى ما هدانا إليه من الصيامِ والقيامِ المقتضِي لمغفرةِ الذنوبِ السابقةِ.\nوأمَّا الأيامُ المعدوداتُ:\nفالجمهورُ على أنَّها أيامُ التشريقِ، ورُوي عن ابنِ عُمرَ وابنِ عباسٍ\nوغيرِ هِما.\nواستدل ابنُ عُمرَ بقولهِ: (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) .\nوإنَّما يكون التعجيلُ في ثاني أيامِ التشريقِ.\nقال الإمامُ أحمدُ: ما أحسنَ ما قالَ ابنُ عمرَ.\nوقد رُوي عن ابنِ عباسٍ وعطاء أنها أربعةُ أيام: يومُ النحرِ، وثلاثة بعدَه.\nوفي إسناد المرويِّ عن ابنِ عباسٍ ضعفٌ.\nوأمَّا ما ذكرَه البخاريُّ عن ابنِ عمرَ وأبي هريرةَ، فهو من روايةِ سلامٍ أبي\nالمنذرِ، عنْ حميدٍ الأعرج، عن مجاهدٍ، أن ابنَ عمرَ وأبا هريرةَ كانا يخرجانِ\nفي العشر إلى السوقِ يكبِّرانِ، لا يخرجَانِ إلا لذلكَ.\nخرَّجه أبو بكر عبدُ العزيز بنُ جعفرَ في \"كتاب الشافي \" وأبو بكرٍ المروذيُّ\nالقاضي في \"كتاب العبدين \".\nورواه عفانُ: نا سلام أبو المنذرِ - فذكره، ولفظه: كانَ أبو هريرةَ وابنُ عُمرَ يأتيانِ السوقَ أيامَ العشر، فيكبِّرانِ، ويكبِّرُ الناسُ معهما، ولا يأتيانِ لشيءٍ","vol":"1","page":156},{"text":"إلا لذلكَ.\nوروى جعفر الفريابيُّ، من روايةِ يزيدَ بنِ أبي زياد، قالَ: رأيتُ سعيدَ بنَ\nجبير وعبدَ الرحمنِ بن أبي ليلى ومجاهدًا - أو اثنينِ من هؤلاء الثلاثةِ - ومن\nرأينَا من فقهاءِ الناسِ يقولون في أيامِ العشرِ: \"اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ، لا إله إلا\nاللهُ، واللَّه أكبرُ اللَّهُ أكبرُ وللَّهِ الحمدُ\".\nوروى المروزيُّ، عن ميمونَ بن مهرانَ، قالَ: أدركتُ الناسَ وإنَّهم ليكبرون\nفي العشرِ، حتى كنت أشبهه بالأمواج من كثرتِهَا، ويقول: إنَّ الناسَ قد\nنقصُوا في تركِهمُ التكبيرَ.\nوهو مذهبُ أحمدَ، ونصَّ على أنَّه يجهرُ به.\nوقال الشافعيُّ: يكئرُ عند رؤيةِ الأضاحي.\nوكأنه أدخله في التكبيرِ على بهيمةِ الأنعامِ المذكورِ في القرآنِ، وهو وإنْ\nكان داخلًا فيه، إلا أنه لا يختصُّ به، بل هو أعمُّ من ذلكَ كما تقدم.\nوهذا على أصلِ الشافعيِّ وأحمدَ: في أن الأيامَ المعلوماتِ هي أيامُ العشرِ.\nكما سبق.\nفأمَّا من قالَ: هي أيامُ الذبح، فمنهُم من لم يستحبُّ التكبيرَ في أيامِ\nالعشرِ، وحُكي عن مالكٍ وأبي حنيفة.\nومنَ الناسِ مَن بالغَ، وعدَّه من البدع، ولم يبلغْه ما في ذلكَ من السُّنَّةِ.\nوروى شعبةُ قالَ: سألتُ الحكمَ وحمادًا عنِ التكبيرِ أيامَ العشرِ؛ فقالا:\nلا؛ مُحْدَثٌ. خرَّجه المروزيُّ.","vol":"1","page":157},{"text":"وخرَّج الإمامُ أحمد من حديثِ ابنِ عُمرَ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"ما منْ أيام أعظم عندَ اللَّهِ ولا أحبُّ إليه العملُ فيه من هذه الأيام العشرِ، فأكثروا فيهنَّ منَ التهليلِ والتكبيرِ والتحميدِ\".\nويروى نحوُه من حديثِ ابنِ عباسٍ - مرفوعًا، وفيه: \"فأكثروا فيهنَّ\nالتهليل والتكبير، فإنَّها أيامُ تهليلٍ وتكبير وذكر اللَّهِ ﷿ \".\nوأمَّا ما ذكره عن محمدِ بنِ على في التكبيرِ خلفَ النافلةِ، فهوَ في أيامِ\nالتشريقِ.\nومرادُه: أنَ التكبيرَ يُشْرعُ في أيامِ العشرِ وأيام التشريقِ جميعًا.\n* * *\nأيام مِنًى هي الأيامُ المعدوداتِ التي قالَ اللَهُ ﷿ فيها: (وَاذْكرُوا اللَّهَ\nفِي أَيَّامٍ معْدُودَاتٍ)، وهي ثلاثةُ أيام بعدَ يومِ النحرِ، وهيَ أيامُ\nالتشريقِ، هذا قولُ ابنِ عمرَ وأكثر العلماءِ.\nورُوي عن ابنِ عباسِ وعطاءٍ أنَّها أربعة أيام: يومُ النَّحْرِ، وثلاثةُ أيامٍ بعدَه، وسمَّاها عطاء أيَّامَ التشريقِ، والأولُ أظهرُ.\nوقد قال النبي - ﷺ -: \"أيَّامُ مِنًى ثلاثةٌ، (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) \"\nخرَّجه أهل السنن الأربعة من حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ يَعْمُرَ، عن النبيِّ - ﷺ.","vol":"1","page":158},{"text":"وهذا صريحٌ في أنَّها أيامُ التشريقِ، وأفضلُها أولُها، وهو يوم القَرِّ؛ لأنَّ\nأهلَ مِنًى يستقرِّون فيه، ولا يجوزُ فيه النَّفر.\nوفي حديثِ عبد اللَّهِ بن قُرْط عن النبي - ﷺ -: \"أعظم الأيام عندَ اللَّهِ يومُ النَّحرِ، ثمَّ يومُ القَرِّ\".\nوقد رُوي عن سعيد بنِ المسيبِ أنَّ يومَ الحج الأكبرِ هو\nيومُ القَرِّ، وهو غريبٌ. ثم يومَ النَّفْر الأوَّل، وهو أوسطُها. ثم يومَ النَّفْر\nالثاني، وهو آخرُها، قال اللَّهُ تعالى: (فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثمَ عَلَيْهِ وَمَن\nتَأخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) .\nقال كثيرٌ من السّلَفِ: يريدُ أن المتعجِّل والمتأخِّر يُغفَر له، ويذهبُ عنه الإثمُ الذي كان عليه قبلَ حجِّه، إذا حجَّ فلم يرفُثْ ولم يَفْسُقْ، ورَجَعَ من ذنوبِهِ كيومِ ولدتْهُ أمُّه، ولهذا قال تعالى: (لِمَنِ اتَّقَى)، فتكونُ التقوى شَرْطا لذهابِ الإثم على هذا التقديرِ، وتصيرُ الآيةُ\nدالَّةً على ما صرَح به قول النبيِّ - ﷺ -:\n\"مَن حجَّ فلم يرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رجع من ذُنوبِه كيومِ ولدتْهُ أمَّهُ \".\nوقد أمرَ اللَّهُ تعالى بذكْرِه في هذه الأيامِ المعدُوداتِ، كما قالَ النبيُّ - ﷺ -:\n\"إنَّها أيامُ اكْل وشُرْب وذِكرِ اللَّهِ ﷿ \"\nوذِكْرُ اللَّهِ ﷿ المأمورُ بهِ في أيامِ التشريقَِ أنواعٌ متعددة:\nمنها: ذِكْرُ اللَّه ﷿ عقبَ الصَّلواتِ المكتوباتِ بالتكبيرِ في أدْبارها.\nوهوَ مشروعٌ إلى آخرِ أيَّام التشريقِ عند جمهورِ العلماءِ.\nوقد رُوي عن عمرَ","vol":"1","page":159},{"text":"وعليٍّ وابنِ عباسٍ، وفيه حديث مرفوع في إسنادِهِ ضعف.\nومنها: ذِكْرُه بالتَّسميةِ والتكبيرِ عند ذبْح النُّسُك، فإنَّ وقتَ ذبْح الهدايا\nوالأضاحي يمتدُّ إلى آخر أيامِ التشريقِ عند جماعةٍ من العلماءِ، وهو قولُ\nالشافعيِّ، ورواية عن الإمامِ أحمدَ، وفيه حديثٌ مرفوع: \"كلُّ أيام مِنًى\nدبْحٌ \"، وفي إسنادهِ مقالٌ.\nوأكثرُ الصحابةِ على أنَّ الذبح يختصُّ بيومين من أيَّامِ التشريقِ مع يومِ النَّحْرِ، وهو المشهورُ عن أحمدَ، وقول مالكٍ، وأبي حنيفةَ، والأكثرينَ.\nومنها: ذِكْرُ اللَّهِ ﷿ على الأكْلِ والشربِ؛ فإن المشروع في الأكلِ\nوالشربِ أن يُسمِّيَ اللَّه في أولِهِ، ويحمَدَهُ في آخر.\nوفي الحديثِ عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"إن اللَّهَ ﷿ يرْضَى عن العبْدِ أن يأكُلَ الأكْلَةَ\nفيحمدَهُ عليها، ويشربَ الشَّرْبةَ فيحمَدَهُ عليها\".\nوقد رُوي أنَّ من سمَّى على أول طعامه وحمدَ اللَّهَ على آخر، فقد أدَّى ثمنَه، ولم يُسأل بعدُ عن شكر.\nومنها: ذِكْرُهُ بالتكبيرِ عند رَمْي الجمارِ في أيَّامِ التشريقِ، وهذا يختصُّ بِهِ\nأهلُ الموسم.\nومنها: ذِكْرُ اللَّه تعالَى المطلقُ، فإنَّه يستحبُّ الإكثارُ منه في أيَّامِ التشريقِ.\nوقد كان عُمَرُ يُكبِّر بمنًى في قبّته، فيسمعُهُ الئاسُ فيكبِّرون فترتجّ منًى\nتكبيرًا.\nوقد قال اللَّهُ تعالى:","vol":"1","page":160},{"text":"(فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) .\nوقد استحبَّ كثير من السَّلفِ كثرةَ الدعاء بهذا في أيام\nالتشريقِ.\nقال عكرمة: كان يُستحبُّ أن يُقالَ في أيامِ التشريقِ: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) .\nوعن عطاءٍ، قال: ينبغِي لكُلِّ من نَفَر أن يقولَ حين ينفرُ متوجهًا إلى\nأهلِه: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) .\nخرَّجهما عبدُ بن حُميدٍ في \"تفسيره\" وهذا الدعاءُ من أجمع الأدعيةِ للخير.\nوكانَ النبي - ﷺ - يكثرُ منه.\nورُوي أنَّه كان أكثرَ دعائِهِ، وكانَ إذا دعا بدعاءٍ\nجعله معه، فإنَّه يجمعُ خيرَ الدنيا والآخرةِ.\nقالَ الحسنُ: الحسنةُ في الدُّنيا العْلمُ والعبادةُ، وفي الآخرةِ الجنة.\nوقالَ سفيانُ: الحسنةُ في الدنيا العِلْمُ والرزقُ الطيّبُ؛ وفي الآخرةِ الجنة.\nوالدُّعاءُ من أفضلِ أنواع ذكْرِ اللَّهِ ﷿. وقد روى زيادٌ الجصَّاصُ عن\nأبي كنانةَ القرشيِّ أنَّه سمع أبا مُوسى الأشعريَّ، يقولُ في خطبتِهِ يومَ النَّحْر:\nبعد يومِ النَّحرِ ثلاثةُ أيامٍ التي ذكرَ اللَّهُ الأيامَ المعدُوداتِ لا يُرَدُّ فيهنَ الدُّعاءُ.\nفارفعُوا رغبتكُم إلى اللَّهِ ﷿.\nوفي الأمرِ بالذكرِ عند انقضاء النُّسُك معنًى، وهو أنَّ سائر العباداتِ","vol":"1","page":161},{"text":"تنقضِي ويُفرغُ منها، وذِكْرُ اللَّه باقٍ لا ينقضي ولا يفرغ منه، بل هو مستمرٌ\nللمؤمنينَ في الدنيا والآخرةِ.\nوقد أمرَ اللَّه تعالى بذكر عند انقضاءِ الصلاةِ، قال اللَّهُ تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) .\nوقال تعالى في صلاةِ الجمعةِ: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) .\nوقال تعالى: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨) .\nرُوي عن ابنِ مسعود، قالَ: فإذا فرغتَ من الفرائضِ فانْصَبْ.\nوعنه في قولِه تعالى: (وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) قال: في المسألةِ، وأنتَ جالسٌ.\nوقال الحسنُ: أمرَه إذا فرغَ من غزوهِ أن يجتهدَ في الدُّعاءِ والعبادةِ.\nوالأعمالُ كلُّها يُفرغُ مِنْهَا، والذِّكْرُ لا فراغَ له، ولا انقضاءَ، والأعمالُ\nتنقطعُ بانقطاع الدنيا ولا يبقى منها شيءٌ في الآخرة، والذِّكرُ لا ينقطعُ.\nالمؤمنُ يعيشُ على الذكرِ، ويموتُ عليه، وعليه يُبعثُ.\nأحسِبْتُمُ أنَّ اللياليَ غَيَّرَْتْ. . . عهْدَ الهَوى لا كانَ مَن يتغيَرُ\nيفنى الزَّمانُ وليس يفنى ذِكْرُكُمْ. . . وعلى محبَّتِكُم أمُوتُ وأحْشَرُ\nقال ذو النون: ما طابتِ الدُّنيا إلا بذكره، ولا الآخرةُ إلا بعفوه، ولا الجنَّةُ\nإلا برؤيتِهِ.","vol":"1","page":162},{"text":"بذكر اللَّهِ ترْتَاحُ القُلُوبُ. . . ودُنيانا بذكْراهُ تطيبُ\nإذا ذُكِرَ المحبوبُ عندَ حبيبِهِ. . . ترَنَّح نشوانٌ وحنَّ طروبُ\nفأيَّامُ التشريقِ يجتمعُ فيها للمؤمنينَ نعيمُ أبدانهِم بالأكْل والشُّربِ، ونعيمُ\nقلوبهِم بالذِّكرِ والشكرِ، وبذلكَ تتمُّ النِّعمةُ، وكلمَا أحدثُوا شكرًا على النِّعمةِ كان شكرُهُم نعمةً أخرى، فيحتاجُ إلى شكرٍ آخرَ، ولا ينتهي الشكر أبدًا.\nإذا كان شكْرِي نعْمةَ اللَّهِ نعْمَةً. . . عليَّ لَهُ في مِثْلِها يجبُ الشُّكْرُ\nفكيف بلوغ الشُّكْر إلا بفضلِهِ. . . وإنْ طالتِ الأيَّامُ واتَّصلَ العُمْرُ\nوفي قول النبيِّ - ﷺ -: \"إنَّها أيامُ أكْلٍ وشُرْب وذِكْرِ اللَّهِ ﷿ \"، إشارةٌ إلى أنَّ الأكل في أيام الأعيادِ والشُّربَ إنَّما يستعانُ به على ذِكْرِ اللَّهِ تعالى وطاعتِهِ، وذلكَ من تمامِ شُكْرِ النِّعْمة أن يستعانَ بها على الطاعاتِ.\nوقد أمرَ اللَّهُ تعالى في كتابِهِ بالأكلِ من الطَيِّباتِ والشكرِ لَهُ، فمنَ استعانَ بنعمِ اللَّهِ على معاصِيه فقدْ كفرَ نِعْمةَ اللَّهِ وبدَّلَها كُفْرًا، وهو جديرٌ أن يُسْلَبَها، كما قيل:\nإذا كنتَ في نعْمةٍ فارْعَها. . . فإنَّ المعاصي تُزيلُ النعم\nوداوِمْ عليها بشُكْر الإلهِ. . . فشُكْرُ الإله يزيلُ النقَم\nوخصوصًا نعمةُ الأكلِ من لحومِ بهيمةِ الأنعامِ، كما في أيامِ التشريقِ، فإنَّ\nهذه البهائمَ مطيعةٌ للَّه لا تعصيه، وهي مُسبِّحةٌ له قانتةٌ، كما قال تعالى:\n(وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)، وأنَّها تسجد لَهُ، كما أخبرَ بذلكَ","vol":"1","page":163},{"text":"في سورةِ النحلِ وسورةِ الحج، وربما كانت أكثر ذكرًا للَّهِ من بعضِ بني آدمَ.\nوفي \"المسندِ\" مرفوعًا: \"رُبَّ بهيمةٍ خيرٌ من راكِبِها، وأكثرُ للَّهِ منه ذكرًا\".\nوقد أخبر اللَّه تعالى في كتابِهِ أنَّ كثيرًا من الجنِّ والإنسِ كالأنعامِ بل هم\nأضلُّ.\nفأباحَ اللَّهُ ﷿ ذبْحَ هذه البهائم المطيعةِ الذاكرةِ له لعبادِهِ المؤمنينَ حتى\nتتقوى بها أبدانُهم، وتكمُلَ لذَّاتُهم في أكلِهِم اللحومَ، فإنَها من أجلِّ الأغذيةِ\nوألذِّها، مع أنَّ الأبدانَ تقومُ بغيرِ اللحم من النباتاتِ وغيرها، لكن لا تكمُل\nالقوَّةُ والعقلُ واللذةُ إلا باللحم، فأباحَ للمؤمن قَتْلَ هذه البهائم والأكْلَ من\nلحومها، ليكمّل بذلك قوَّةَ عباده وعقولَهم، فيكونُ ذلك عوْنًا لهم على علومٍ نافعةٍ وأعمال صالحةٍ يمتازُ بها بنو آدمَ على البهائم، وعلى ذكْرِ اللَّه ﷿، وهو أكثرُ من ذكرِ البهائم، فلا يليقُ بالمؤمن مع هذا إلا مقابلةُ هذه النعم بالشكرِ عليهَا، والاستعانةُ بها على طاعةِ الله ﷿، وذكْرِه حيثُ فضَّلَ اللَّهُ ابنَ آدمَ على كثيرٍ من المخلوقات، وسخَّر له هذه الحيواناتِ، قال اللَّهُ تعالى: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) .\nفأمَّا من قَتَلَ هذه البهائمَ المطيعةَ الذَّاكرة للَّهِ ﷿، ثم استعانَ بأكلِ\nلحومِهَا على معاصِي اللَّهِ ﷿، ونسِي ذكرَ اللَّهِ ﷿، فقد قَلَبَ\nالأمرَ وكفرَ النِّعمةَ، فلا كانَ من كانتِ البهائمُ خيرًا منه وأطوعً.\nنهارُك يا مَغْرُورُ سهْوٌ وغَفْلَة. . . وليلُك نَوْمٌ والرَّدَى لكَ لازِمُ","vol":"1","page":164},{"text":"وتتعَبُ فيما سَوْفَ تكرَهُ غِبَّهُ. . . كذلك في الدُّنيا تعيشُ البهائمُ\nوإنَّما نُهيَ عن صيامِ أيامِ التشريقِ، لأنَّها أعيادٌ للمسلمينَ مع يومِ النَّحرِ.\nفلا تُصامُ بمنًى ولا غيرها عندَ جمهورِ العلماء، خلافًا لعطاءٍ، في قولِهِ: إنَّ\nالنهي مختصّ بأهل منًى، وإنَّما نُهِي عن التطوَع بصيامها، سواء وافقَ عادةً أو لم يُوافق.\nفأمَّا صيامُها عن قضاءِ فرضٍ أو نَذْرٍ، أو صيامُها بمنًى للمتمتع إذا لم يجدِ\nالهَدْيَ، ففيه اختلافٌ مشهورٌ بين العلماءِ، ولا فرقَ بينَ يومٍ منها ويومٍ عند\nالأكثرين، إلا عندَ مالكٍ، فإنَّه قال: في اليومِ الثالثِ منها يجوزُ صيامُه عن\nنَذْرٍ خاصةً.\nوفي النهي عن صيامِ هذه الأيامِ والأمرِ بالأكلِ فيها والشُّرب سِرٌّ حسنٌ.\nوهو أنَّ اللَّهَ تعالى لمَّا علِمَ ما يُلاقي الوافِدون إلى بيتِهِ من مشاقِّ السَّفرِ وتعبِ\nالإحرامِ وجهادِ النفوسِ على قضاء المناسك، شرع لهم الاستراحةَ عقيبَ ذلك بالإقامةِ بمنًى يومَ النَّحْرِ وثلاثةَ أيامٍ بعدَه، وأمرَهُم بالأكْلِ فيها من لحومِ\nنُسُكِهم، فهم في ضيافةِ اللَّهِ ﷿ فيها، لطفًا من اللَّه بهم، ورأفةً\nورحمةً. وشاركَهُم أيضًا أهلُ الأمصارِ في ذلكَ؛ لأنَّ أهلَ الأمصارِ شاركُوهم\nفي حصولِ المغفرةِ والنَّصَبِ للَّهِ والاجتهادِ في عشْرِ ذي الحجَّة، بالصَّومِ\nوالذِّكْرِ والاجتهادِ في العباداتِ، وشاركُوهم في حُصولِ المغفرةِ وفي التقرُّبِ\nإلى اللَّهِ تعالى بإراقةِ دماءِ الأضاحي، فشاركُوهم في أعيادهم، واشتركَ\nالجميعُ في الراحةِ في أيامِ الأعيادِ بالأكْلِ والشربِ، كما اشتركُوا جميعًا في\nأيام العشْرِ في الاجتهادِ في الطاعةِ والنَّصَبِ، وصارَ المسلمونَ كلُّهم في ضيافةِ","vol":"1","page":165},{"text":"اللَّهِ ﷿ في هذه الأيامِ، يأكلونَ من رزقِه، ويشكرونَهُ على فضلِهِ.\nونُهوا عن صيامِها؛ لأنَّ الكريمَ لا يليقُ به أن يُجيعَ أضيافَهُ، فكأنَّه قيل\nللمؤمنينَ في هذه الأيامِ: قد فَرغ عملُكم الذي عَمِلْتُموه، فما باقي لكُم إلا\nالرَّاحةُ؛ فهذه الرَّاحةُ بذلك التعبِ، كما أُريح الصائمونَ لله في شهر رمضانَ\nبأمرِهم بإفطارِ يومِ عيدِ الفطر.\nويؤخذُ من هذا إشارةٌ إلى حالِ المؤمنِ في الدنيا، فإنَّ الدُّنيا كلَّها أيامُ سفرٍ كأيَّامِ الحجِّ، وهي زمانُ إحرامٍ المؤمنِ عمَّا حرَّم اللَّهُ عليه من الشهواتِ.\nفمن صبَرَ في مدَّةِ سفرِهِ على إحرامِهِ وكفَّ عن الهوى، فإذا انتهى سفرُ عمى، ووصَلَ إلى مِنَى المُنَى، فقد قضى تَفَثَه ووفَّى نذْرَه، فصارتْ أيامُه كلُّها كأيامِ مِنًى، أيامُ أكل وشُربٍ وذكر اللَّه ﷿.\nوصارَ في ضيافةِ اللَّهِ ﷿ في جوارر أبدَ الأبدِ، ولهذا يُقال لأهلِ الجنةِ:\n(كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)، (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) .\nوقد قيل: إنَّها نزلتْ في الصُّوَامِ في الدنيا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ </span>الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢)\nوقولِ اللَّهِ ﷿: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) إلى قوله: (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) .","vol":"1","page":166},{"text":"خرَّج مسلمٌ في \"صحيحهِ \" من حديثِ حمَّاد بن سلَمَةَ: نا ثابتٌ، عن\nأنَسٍ، أنَّ اليهودَ كانوا إذا حاضت المرأةُ فيهم لم يُؤاكلُوها ولم يُجامِعوهُنَّ في\nالبيوتِ، فسأل أصحابُ النبيَِّ - ﷺ - النبيَّ - ﷺ -، فأنزل اللَّهُ ﷿: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) إلى آخرِ الآيةِ.\nفقال رسول اللهِ - ﷺ -:\n\"اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلا النكِّاحَ \" -\nوذكر بقيَّةَ الحديثِ.\nفقولُهُ ﷿: (وَيَسْألُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ)، أي: عن حُكمِهِ\nوالمباشرةِ فيه.\nو\"المحيضُ \"، قيل: إنَّه مَصْدَرٌ كالحَيْضِ، وقيلَ: بل هو اسم للحيض.\nفيكونُ اسمَ مصدرٍ.\nوقولُهُ تعالى: (قُلْ هُوَ أَذًى)، فُسِّر الأذى بالدَّمِ النَّجسِ وبما فيه\nمن القَذَرِ والنّتنِ وخروجهِ من مَخْرج البَوْل، وكل ذلك يُؤذِي.\nقال الخطَّابيُّ: الأذي هو المكروهُ الذي ليسَ بشديد جدًّا، كقولِهِ: (لَن\nيَضُرُوكُمْ إِلاَّ أَذًى)، وقولِهِ: (إِن كانَ بِكمْ أَذًى مِن مَطَرٍ)، قال: والمرادُ: أذًى يعتزِل منها مَوْضِعَه لا غيره، ولا يتعدَّى ذلك\nإلى سائرِ بدنِها، فلا يُجْتنبْنَ ولا يُخْرَجْنَ من البيوت كفعلِ المَجُوسِ وبعض\nأهلِ الكتابِ، فالمرادُ: أن الأذى بهنَّ لا يبلغ الحدَّ الذي يُجاوِزُونه إليه، وإنَّما يُجْتنب منهن موضحُ الأذى، فإذا تطهَّرنَ حلَّ غِشْيانُهنَّ.\nوقولُهُ تعالى: (فَاعْتَزِلُوا النسَاءَ فِي الْمَحِيضِ)، قد فسَّره النبيُّ\n- ﷺ - باعتزال النكاح.\nوسيأتي فيما بعدُ - إنْ شاء اللَّهُ تعالى - ذِكْرُ ما يَحْرُم من","vol":"1","page":167},{"text":"مباشرةِ الحائضِ وما يَحِلُّ منه في البابِ الذي يخْتَصُّ المباشرةَ من الكتابِ.\nوقد قيلَ: بأن المرادَ بالمحيضِ ها هُنا: مكانَ الحيضِ، وهو الفَرجُ، ونصَّ\nعلى ذلكَ الإمامُ أحمدُ، وحكاه الماورْدِيُّ عن أزواج النبيِّ - ﷺ - وجمهورِ المفسرينَ، وحكى الإجماعَ على أنَّ المرادَ بالمحيضِ المذكورِ في أولِ الآية: الدَّمُ.\nوقد خالفَ في ذلك ابنُ أبي موسى من أصحابنِا في \"شرح الخِرَقي \".\nفزعم أن مذهبَ أحمدَ أنَّه الفرجُ - أيضًا -، وفيه بُعدٌ.\nوجمهورُ أصحابِ الشافعيِّ على أنَّ المرادَ بالمحيضِ في الآيةِ الدَّمُ، في\nالموضعينِ.\nوقولُهُ: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ)، نهي بعدَ الأمرِ باعتزالِهنَّ في المحيضِ عن\nقرْبأنهنَّ فيه، والمرادُ به: الجماعُ - أيضًا -، وفيه تأكيد لتحريمِ الوَطْءِ في\nالحيضِ.\nوقولُهُ: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) فيه قراءتان: \"يَطهُرْنَ \" - بسكُونِ الطاءِ وضمَ الهاءِ -، و\"يَطَّهَّرْنَ \" - بفتح الطاءِ وتشديدِهَا وتشديدِ الهاءِ.\nوقد قيل: إنَّ القراءة الأولى أُريدَ بها انقطاعُ الدَّمِ، والقراءةُ الثانيةُ أُريدَ بها\nالتَّطَهُّر بالماءِ.\nوممن فسر الأولى بانقطاع الدمِ ابنُ عباسٍ ومُجاهد وغيرُهما.\nوابنُ جريرٍ وغيرُهُ: يشيرونَ إلى حكايةِ الإجماع على ذلكَ.\nومنَعَ غيرُه الإجماعَ، وقال: كل من القراءتينِ تحتملُ أن يُراد بها الاغتسالُ\nبالماءِ، وأنْ يُراد بها انقطاعُ الدمِ، وزوَالُ أذَاهُ.","vol":"1","page":168},{"text":"وفي ذلك نظر، فإنَّ قراءةَ التشديدِ تدل على نسبة فِعْلِ التطهر إليها.\nفكيف يُراد بذلكَ مجردُ انقطاع الدمِ ولا صنع لها فيه.\nوقولُهُ: (حَتَّى يَطْهُرْنَ)، غاية النَّهْي عن قربأنهن، فيدل بمفهومِهِ\nعلى أنَّ ما بعد التطهير يزول النهي.\nفعلى قراءةِ التشديدِ المُفَسَّرة بالاغتسال إنَّما يزول النَّهْيُ بالتطهرِ بالماءِ.\nوعلى قراءةِ التخفيفِ يدل على زوال النهي بمجردِ انقطاع الدمِ.\nواستدل بذلكَ فرقةٌ قليلة على إباحةِ الوطْءِ بمجرد انقطاع الدمِ، وهو قول\nأبي حنيفةَ، وأصحابِهِ، إذا انقطعَ الدمُ لأكثرِ الحيضِ، أو لدونِهِ، ومضَى عليها وقتُ صلاةٍ، أو كانتْ غيرَ مخاطبةٍ بالصلاةِ كالذِّمِّيَّة.\nوحُكي عن طائفةٍ إطلاقُ الإباحةِ، منهم: ابنُ بُكَيْرٍ وابنُ عبدِ الحَكَم.\nوفي نقله عنهُما نظرٌ.\nوالجمهورُ على أنَّه لا يباحُ بدونِ الاغتسال، وقالُوا: الآيةُ وإنْ دلَّتْ\nبمفهومِهَا على الإباحةِ بالانقطاع إلا أن الإتيانَ مشروطٌ له شَرْطٌ آخرُ وهو\nالتَّطَهُر، والمرادُ به: التطهرُ بالماءِ، بقوله: (فَإِذَا تَطَهَرْنَ فَأتُوهُنَّ) .\nفدل على أنَّه لا يكفي مجردُ التطهرِ، وأن الإتيانَ متوقفٌ على التطهرِ، أو\nعلى الطُهْرِ والتَّطَهُّرِ بَعْدَه، وفسَّر الجمهورُ التَّطَهُّرَ بالاغتسال، كما في قولهِ:\n(وَإِن كنتُمْ جُنُبًا فَاطَهَّرُوا) .\nوحُكي عن طائفةٍ من السَّلفِ: أن الوضوءَ كافٍ بعد انقطاع الدمِ، منهم:\nمُجاهدٌ، وعِكْرمةُ، وطاوسٌ، على اختلافٍ عنهم في ذلك.\nقال ابنُ المنذرِ: رُوِّينا بإسنادٍ فيه مقال عن عطاءٍ وطاوسٍ ومجاهدٍ، أنهم","vol":"1","page":169},{"text":"قالُوا: إذا أدركَ الزوجَ الشَّبَقُ أمَرَها أنْ تتوضأ، ثم أصابَ منها\nوأصحُّ من ذلكَ عن عطاءٍ ومجاهدٍ موافقةُ القولِ الأولِ -\nوكراهتَه بدونِ الغُسلِ -، قالَ: ولا يثبتْ عن طاوسٍ خلافُ ذلك\nقال وإذا بطَلَ أن يَثبت عن هؤلاء قولٌ ثانٍ كان القولُ الأولُ كالإجماع، انتهى.\nولذلك ضَعَفَ القاضي إسماعيلُ المالكي الروايةَ بذلك عن طاووس وعطاء\nلأنَّها من روايةِ لَيْثِ بنِ أبي سُلَيْم عنهما، وهو ضعيفٌ.\nوحُكي عن بعضِ السلفِ أن التطهرَ غَسْلُ الفرْج خاصة، رواه ابن جريج\nولَيْث عن عطاءٍ، ورواه مَعْمَرٌ عن قتادةَ، وحكاه بعض أصحابنا عن\nالأوزاعيِّ، ولا أظنَّه يصحُّ عنه، وقاله قومٌ من أهل الظاهرِ.\nوالصحيحُ الذي عليه جمهورُ العلماءِ: أنّ تطَهُّر الحائضِ كتطهر الجُنُب.\nوهو الاغتسال.\nولو عَدِمَتِ الماءَ، فهل يُباح وطؤهَا بالتيمم؛ فيه قولان:\nأحدهما: يباحُ بالتيمم، وهو مذهبُنا، ومذهبُ الشافعيَ وإسحاقَ\nوالجمهورِ، وقولُ يحيى بن بُكَيْرٍ من المالكية، والقاضِي إسماعيلَ منهم أيضًا.\nوقالَ مكْحُولٌ ومالكٌ: لا يُباح وطْؤُها بدون الاغتسال بالماءِ.\nوقوله: (فَأتُوهُنَّ)، إباحةٌ، وقولُهُ: (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكمُ اللَّهُ) .\nأي: باعتزالِهنَّ، وهو الفَرْجُ، أو ما بين السّرَّةِ والركبةِ، على ما فيه\nمن الاختلافِ كما سيأتِي.\nروي هذا عن ابنِ عباسٍ، ومُجاهد وعِكرِمةَ.\nوقيلَ: المرادُ: من الفَرْج دون الدُّبر، رواه عليٌّ بنُ أبي طلْحةَ عنِ ابنِ\nعباسٍ.","vol":"1","page":170},{"text":"وروى أبانُ بنُ صالح، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: (مِنْ حَيْثُ\nأَمَرَكُم اللَّهُ) أن تعتزلوهنَّ. ورواه عِكْرمةُ، عن ابنِ عباسٍ - أيضًا.\nوقيل: المرادُ من قِبَلِ التطهرِ لا من قِبَلِ الحيض، ورُوي عن ابن عباسٍ -\nأيضًا -، وغير.\nو\"التوابون \": الرَّجَّاعونَ إلى طاعةِ اللَّهِ من مخالفتِهِ.\nو\"المتطهرونَ \": فسَّره عطاءٌ وغيرُهُ: بالتطهرِ بالماءِ، ومجاهدٌ وغيرةُ: بالتطهرِ\nمن الذنوبِ.\nوعن مجاهدٍ، أنَّه فسَّره: بالتَّطهرِ من أدبارِ النساءِ.\nويشهدُ له قولُ قومِ لُوطٍ: (إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) .\n* * *\nوالاعتزالُ الذي أمرَ اللَّهُ به: هو اجتنابُ جماعِهِنَّ، كما فَسَره بذلك رسولُ\nاللَّهِ - ﷺ -\nوقال عِكْرمةُ: كان أهلُ الجاهليةِ يصنعونَ في الحيضِ نحوًا سن صنيع\nالمَجُوسِ، فذكرُوا ذلكَ لرسولِ اللَّهِ - ﷺ -، فنزلتْ: (وَيسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قلْ هُوَ أَذًى) الآية، فلم يَزِدِ الأمرُ فيهن إلا شدَّةً، فنزلت: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأتوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ): أن تعتزِلُوا.\nأخرَّجَهُ القاضِي إسماعيلُ، بإسنادٍ صحيح.\nوهو يدلُّ على أنَّ أولَ ما نزلَ الأمرُ باعتزالِهنَّ فَهِمَ كثيرٌ من الناسِ منه","vol":"1","page":171},{"text":"الاعتزال في البيوتِ والفرش كما كانوا يصنعونَ أوَّلًا، حتى نزل آخرُ الآيةِ:\n(فَأتُوهُنَّ مِنْ حَيْث أَمَرَكمُ اللَّهُ)، ففُهِم من ذلك أن اللَّهَ أمر\nباعتزالِهنَّ في الوطْءِ خاصةً.\nوفسَّر النبيُّ - ﷺ - ذلك بقولِهِ: \"اصنعوا كلَّ شيءٍ غيرَ النِّكاح \"، وبِفعْله مع أزواجِهِ؛ حيث كان يباشرهنَّ في المحيضِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>قوله تعالى: (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)</span>\n[قال البخاريّ]: \"بابُ: قول النبيِّ - ﷺ -\n\"أنا أعلمُكُمْ باللَّهِ \"، وأنَّ المعرفةَ فعْلُ القَلْبِ، لقوْلِهِ تعالى: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) .\nمرادُه بهذا التبويبِ: أن المعرفةَ بالقلبِ التي هي أصلُ الإيمانِ فعلٌ للعبدِ\nوكسبٌ له، واستدلَّ بقوله تعالى: (بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ)، فجعلَ\nللقلوبِ كسبًا، كما جعل للجوارح الظاهرةِ كسبًا.\nوالمعرفةُ: هي مركبة من تصور وتصديقٍ، فهي تتضمنُ علمًا وعملًا، وهو\nتصديقُ القلبِ، فإن التصورَ قد يشتركُ فيه المؤمنُ والكافرُ.\nوالتصديقُ يختصُّ به المؤمنُ، فهو عملُ قلبِهِ وكسبهُ.\nوأصلُ هذا: أن المعرفةَ مكتسبة، تُدركُ بالأدلةِ، وهذا قول أكثرِ أهلِ السنن\nمن أصحابِنا وغيرِهِم، ورجَّحه ابنُ جريرٍ الطبريُّ.","vol":"1","page":172},{"text":"وروى بإسنادِهِ، عن الفضيلِ بنِ عياضٍ، أنَّه قال: أهلُ السنةِ يقولونَ:\nالإيمانُ: المعرفةُ والقولُ والعملُ.\nوقالت طائفةٌ: إثها اضطراريةٌ، لا كسبَ فيها.\nوهو قولُ بعض أصحابِنا، وطوائفَ منَ المتكلمينَ والصوفيةِ وغيرِهِم.\nوخرَّج البخاريُّ في هذا البابِ:\nحديثَ: هشامٍ، عنْ أبيه، عنْ عائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا أمرَهُم أمرَهُم منَ الأعمالِ بما يطيقُونَ، قالُوا: إنَّا لسْنا كهيْئتكَ يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ قد غفَرَ لكَ ما تقدَّم من ذنْبِكَ وما تأخَّرَ، فيغضبُ حتَى يُعرفَ الغضبُ في وجْههِ، ثمَّ يقولُ: \"إنَّ أتقاكم وأعلمَكُم بالله أنا\".\nكانَ النبيُّ - ﷺ - يأمرُ أصحابَه بما يطيقونَ من الأعمالِ، وكانوا لشدةِ حرصِهِم على الطاعاتِ يريدونَ الاجتهادَ في العملِ، فربما اعتذرُوا عن أمرِ النبيِّ - ﷺ - بالرفقِ، واستعمالِهِ له في نفسه، أنَّه غيرُ محتاج إلى العملِ بضمانِ المغفرةِ له، وهم غيرُ مضمونٍ لهم المغفرةُ، فهم محتاجونَ إلى الاجتهادِ، ما لا يحتاجُ هوَ إلى ذلك، فكانَ - ﷺ - يغضبُ من ذلك، ويخبرُهُم أنَّه أتقاهم للَّهِ\nوأعلمُهُم به.\nفكونُه أتقاهُم للَّهِ يتضمنُ شدةَ اجتهادِهِ في خصالِ التقوى، وهو العملُ.\nوكونُه أعلمُهُم به يتضمنُ أنَّ علمَه باللَّهِ أفضلُ من علمِهِم باللَّهِ.\nوإنَّما أراد علمَه باللَّهِ، لمعنيينِ:\nأحدُهما: زيادةُ معرفتِهِ بتفاصيلِ أسمائه وصفاتِه وأفعالِه وأحكامِه وعظمتِه","vol":"1","page":173},{"text":"وكبريائِه، وما يستحقُّه من الجلال والإكرامِ والإجلال والإعظامِ.\nوالثاني: أن علمَهُ باللَّهِ مستندٌ إلى عينِ اليقينِ؛ فإنَّه رآهُ، إما بعينِ بصرِه.\nأو بعينِ بصيرتِه.\nكما قالَ ابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ وغيرُهما: رآه بفؤادِه مرتينِ..\nوعلمُهم به مستندٌ إلى علمِ يقينٍ، وبينَ المرتبتينِ تباينٌ.\nولهذا سألَ إبراهيمُ - ﵇ - ربَّه أن يرقيه من مرتبةِ علمِ اليقينِ إلى\nمرتبةِ عينِ اليقينِ، بالنسبةِ إلى رؤيةِ إحياءِ الموتى، وقد سبقَ التنبيهُ على ذلكَ\nوالكلامُ في تفاصيل المعرفةِ القائمةِ بالقلبِ.\nفلمَّا زادتْ معرفةُ الرسولِ بربِّه، زادتْ خشيتُه له وتقواه، فإنَّ العلمَ التامَّ\nيستلزمُ الخشيةَ، كما قالَ تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ العُلَمَاءُ) .\nفمن كان باللَّهِ وبأسمائِه وصفاتِه وأفعالِه وأحكامِه أعلم، كان له أخشى\nوأتقى، وإنَّما تنقص الخشيةُ والتقوى بحسبِ نقصِ المعرفةِ باللَّهِ.\nوقد خرَجَ البخاريُ في آخرِ: \"صحيحِهِ \" عن مسروقٍ، قالَ: قالتْ\nعائشةُ: صنعَ النبيُّ - ﷺ - شيئًا، ترخَّصَ فيه، وتنزَّه عنه قومٌ، فبلغ ذلك النبيَّ - ﷺ -، فحَمِدَ اللَّهَ، ثمَّ قالَ: \"ما بالُ أقوامٍ يتنزَّهون عن الشيءِ أصنَعُه، فواللَّهِ؛ إنِّي لأعلمُهُم باللهِ وأشدُّهم له خشيةً\".\nوفي \"صحيح مسلم\" عن عائشةَ، أنَّ رجلًا قالَ لرسولِ اللَهِ - ﷺ -: يا رسولَ اللهِ إني أصبحُ جنبًا، وأنا أريدُ الصيامَ. فقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"وأنا أصبحُ جنبًا، وأنا أريدُ الصيامَ، فأغتسلُ وأصومُ \".","vol":"1","page":174},{"text":"فقال الرجلُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنك لستَ مثلَنا، قد غُفرَ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّرَ، فغضب رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، وقال:\n\"إنِّي لأرجو أنْ أكونَ أخشاكُم للَّهِ وأعلَمكُم بما أتَقِي \".\nوفي حديثِ أنسٍ، أن ثلاثةَ رهطٍ جاءُوا إلى بيوتِ أزواج النبيِّ - ﷺ -.\nيسألونَ عن عبادةِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، فلمَّا أُخبروا بها كأنَّهم تقالُّوهَا، فقالُوا:\nوأينَ نحنُ منَ النبيِّ - ﷺ -، قد غَفَرَ اللَّهُ له ما تقدَّم من ذنبهِ وما تأخَرَ، فقالَ أحدُهم: أمَّا أنا، فإنِّي أصلِّي الليلَ أبدًا، وقالَ آخرُ: أصومُ الدهرَ ولا أفطرُ.\nوقال الآخرُ: أنا أعتزلُ النساءَ ولا أتزوّجُ أبدًا. فجاءَ النبيُّ - ﷺ - إليهم، فقالَ: \"أنتم الذين قلتُمْ كذ وكذا؛ أما واللَّهِ، إنِّي لأخشاكُم للَّهِ، وأتقاكُم له، لَكِنِّي أصومُ وأُفطرُ، وأصلِّي، وأرقدُ، وأتزوج النساءَ، فمن رغبَ عن سنتي فليسَ منِّي \".\nوقد خرَّجاه في \"الصحيحينِ \" بمعناه.\nففي هذه الأحاديثِ كلِّها: الإنكارُ على مَن نسبَ إليه التقصيرَ في العملِ\nللاتكالِ على المغفرةِ، فإنَّه كان يجتهدُ في الشكرِ أعظمَ الاجتهادِ، فإذا عُوتبَ\nعلى ذلكَ، وذُكرتْ له المغفرةُ، أخبرَ أنَه يفعلُ ذلك شكرًا.\nكما في \"الصحيحينِ \" عن المغيرةَ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يقومُ حتى تتفطَّر قدمَاه، فيقالَ له: تفعلُ هذا، وقد غُفِرَ لك ما تقدَّم من ذنبِكَ وما تأخَّرَ.\nفيقولُ: \"أفلا أكونُ عبدًا شكورًا\".\nوقد كان يواصلُ في الصيامِ وينهاهم، ويقول: \"إنِّي لستُ كهيئتِكم، إنِّي أظلُّ","vol":"1","page":175},{"text":"عند ربي يطعمنِي ويسقيني \".\nفنسبةُ التقصيرِ إليه في العملِ لاتكالِه على المغفرةِ خطأ فاحشٌ، لأنه\nيقتضي أن هديَه ليسَ هو أكمل الهديِ وأفضلَه، وهذا خطأ عظيم، ولهذا كانَ - ﷺ - يقولُ في خطبته:\n\"خير الهديِ هديُ محمد\".\nويقتضي - أيضًا - هذا الخطأ أنَّ الاقتداءَ بهديِه في العملِ ليس هو أفضلَ.\nبلِ الأفضلُ الزيادةُ على هديه في ذلك، وهذا خطأ عظيم جدًّا؛ فإنَّ اللَّهَ\nتعالى قد أمرَ بمتابعتِه، وحثَّ عليها، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) .\nفلهذا كان - ﷺ - يغضبُ من ذلك غضبًا شديدًا، لما في هذا الظن من القدح في هديه ومتابعتِه والاقتداءِ به.\nوفي روايةِ للإمامِ أحمد: \"واللَّهِ، إنّي لأعلمُكُم باللَّهِ، وأتْقَاكم له قلبًا\".\nوقولُه في الروايةِ التي خرَّجها البخاريُّ في هذا الباب:\n\"إنَّ أتقاكمْ وأعلمكُم باللَّهِ أنا\"، فيه: الإتيانُ بالضميرِ المنفصلِ مع تأتَي الإتيانِ بالضميرِ المتصلِ، وهو ممنوع عند أكثرِ النحاةِ، إلا للضرورةِ، كقولِ الشاعِرِ:\nضَمِنَتْ إيَّاهُمُ الأرْضُ في دَهْرِ الدَّهَارِيرِ\nوإنَّما يجوزُ اختيارًا، إذا لم يتأتَّ الإتيانُ بالمتصلِ، مثلُ أن تبتدئ بالضميرِ\nقبلَ عاملِهِ، نحوُ: (إِياكَ نَعْبُدُ)، فإنَه لا يُبتدئ بضميرٍ متصلٍ، أو\nيقعُ بعدَ نحوِ: \"إلا إياهُ \".","vol":"1","page":176},{"text":"فأمَّا قولُ الشاعر:\nأنْ لا يُجَاوِرُنَا إلاكِ ديَّارُ\nفَشَاذٌّ.\nوأمَا قولُهُ:\nوإنَّما يُدَافعُ عنْ أحْسَابِهِم أنا أوْ مثْلِي\nفهو - عندهم - متأوَّل على أنَّ فيه مَعْنى الاستثناءِ.\nكأنَّه قال: ما يدافعُ عن أحْسابهم إلا أنا.\nولكن؛ هذا الذي وقعَ في هذا الحديثِ يشهدُ لجوازه من غيرِ ضرورةٍ.\nويكون حينئذٍ قولُهُ: \"إنَّما يدافعُ عن أحْسابِهم أنا\" شاهدًا له، غيرَ محتاج إلى\nتأويلٍ. واللَّهُ أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>قوله تعالى: (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)</span>\nأما قولُ اللَّهِ ﷿: (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ)\nفإنَّه يدلُّ على أنَّ المرأةَ مؤتمنةْ على الإخبار بما في رحِمِها.\nومُصَدَّقة فيه إذا ادَّعَتْ من ذلك مُمْكِنًا.\nروى الأعْمشُ، عن مُسْلمٍ، عن مسروق، عن أبيِّ بنِ كعْبٍ.\nقال: إنَّ من الأمانةِ أن ائتمنتِ المرأة على فَرْجِها.","vol":"1","page":177},{"text":"وقد اختلفَ المفسرونَ من السلفِ فمن بعدَهم في المرادِ بقولِهِ تعالى: (مَا\nخَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ)، ففسَّره قومٌ بالحملِ، وفسَّره قومٌ بالحيضِ.\nوقال آخرونَ: كل منهما مراد، واللَّفظُ صالحٌ لهما جميعًا، وهذا هو\nالمروِي عن أكثرِ السلفِ، منهم: ابن عمرَ، وابنُ عباسٍ، ومجاهد، والحسنُ\nوالضَّحاك.\nوأمَّا ما ذكره عن عَليٍّ وشُرَيْحٍ:\nفقال حَرْبٌ الكرمانيُّ: ثنا إسحاقُ - هو: ابن راهويه -: ثنا عيسى بن\nيونسَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن الشَّعْبيِّ، أنَّ امرأةً جاءت إلى عليِّ\nبن أبي طالبٍ فقالت: إني طُلِّقْتُ، فحضْتُ في شهرٍ ثلاثَ حِيَضٍ؛ فقال\nعليٌّ لشريح: قُل فيها، فقالَ: أقول فيها وأنت شاهد، قال: قُلْ فيها، قال: إنْ جاءت ببطانة من أهلها ممن يُرضى دينُهنَّ وأمانتهن فقل: إنَّها حاضت ثلاثَ حيضٍ طَهُرت عند كل حيضة، صُدِّقَتْ، فقال عليٌّ: قالون. قال عيسى: با لرُّوميَّةِ: أصبتَ.\nقال حرْبٌ: وثنا إسحاقُ: أبنا محمدُ بن بكرٍ، ثنا سعيدُ بنُ أبي عَرُوبةَ.\nعن قتادةَ، عن عزرةَ، عن الحسنِ العُرَنيِّ، أنَّ امرأةً طلَّقها زوجُها، فحاضت\nفي خمس وثلاثينَ ليلةً ثلاثَ حيضٍ، فرفعتْ إلى شُريح فلم يَدرِ ما يقول\nفيها، ولم يَقُل شيئًا، فرُفعت إلى عليِّ بنِ أبي طالب، فقال: سلُوا عنها\nجاراتِها، فإنْ كان هكذا حيضُها فقد انْقضَتْ عدَّتها، وإلا فأشهر ثلاثٌ.\nوهذا الإسنادُ فيه انقطاعٌ، فإنَّ الحسنَ العُرني لم يدرك عليًّا -: قاله","vol":"1","page":178},{"text":"أبو حاتمٍ الرازيُّ.\nوأمَّا الإسنادُ الذي قبله، فإنَّ الشعبيَّ رأى عليًّا يرجُم شُراحة ووصفَه.\nقال يَعْقُوبُ بنُ شيْبةَ: لكنه لم يُصحَّح سماعُه منه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>قوله تعالى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)</span>\nقال تعالى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) .\nوقال: (وَبُعولَتُهُنَّ أَحَق بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا) .\nفدلَّ ذلكَ على أنَّ من كانَ قصدُه بالرَّجعةِ المضارَّةَ، فإنَّه آثم بذلكَ، وهذا\nكما كانُوا في أوَّلِ الإسلامِ قبل حصرِ الطَّلاقِ في ثلاثٍ، يطلًّقُ الرجلُ امرأتَه\nثمَّ يتركُها حتى تقاربَ انقضاءَ عدَّتها، ثمَّ يراجعُها، ثم يطلِّقُها، ويفعلُ ذلكَ\nأبدًا بغيرِ نهايةٍ، فيدعُ المرأة لا مُطلقة ولا ممسكةً، فأبطلَ اللَّهُ ذلك، وحصر\nالطلاقَ في ثلاثِ مراتٍ.\nوذهبَ مالكٌ إلى أنَّ من راجعَ امرأتَهُ قبلَ انقضاءِ عدَّتِها، ثم طلَّقها من\nغيرِ مسيس: إن قصدَ بذلك مضارَّتها بتطويلِ العدَّة لم تستأنفِ العدَّةَ، وبَنتْ\nعلى ما مضى منها، وإنْ لم يقصدْ ذلكَ استأنفتْ عدَّةً جديدةً، وقيل: تَبْنِ\nمطلقًا، وهو قولُ عطاءٍ وقتادةَ، والشافعيِّ في القديم، وأحمدَ في روايةٍ.\nوقيل: تستأنفُ مطلقًا، وهو قولُ الأكثرينَ، منهم: أبو قِلابة، والزُّهريُّ","vol":"1","page":179},{"text":"والثَّوريُّ وأبو حنيفة والشافعيُّ - في الجديدِ - وأحمدُ في روايةٍ وإسحاقُ وأبو\nعُبيدٍ وغيرُهم.\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>قال تعالى: (لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ)</span>\nقال مجاهدٌ في قولِهِ: (لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) قال: لا يَمنع أمَّه أن\nتُرضِعَهُ ليحزنَها، وقال عطاءٌ وقتادةُ والزهريُّ وسفيانُ والسُّدِّيُّ وغيرُهم: إذا رضيَتْ ما يرضَى به غيرُها فهي أحقُّ به.\nوهذا هو المنصوصُ عن أحمدَ، ولو كانتَ الأمُّ في حبالِ الزَّوج.\nوقيلَ: إن كانتْ في حبالِ الزَّوج، فله منعُها منْ إرضاعِهِ، إلا أن لا يُمكنَ\nارتضاعُه من غيرِها، وهو قولُ الشافعيِّ، وبعضِ أصحابِنا، لكن إنَّما يجوزُ\nذلكَ إذا كان قصدُ الزوج به توفيرَ الزوجة للاستمتاع، لا مجرَّدَ إدخالِ الضررِ عليها.\nوقوله تعالى: (وَلا مَوْلُودٌ لهُ بِوَلَدِهِ) يدخلُ فيه أدنَّ المطلقةَ إذا\nطلبتْ إرضاعَ ولدِهَا بأجرةِ مثْلِها لزمَ الأب إجابتُها إلى ذلك، وسواءٌ\nوُجِدَ غيرُها أو لم يُوجَدْ، هذا منصوصُ الإمامِ أحمدَ، فإنْ طلبَتْ زيادةً\nعلى أجرةِ مثلها زيادةً كثيرةً، ووجدَ الأبُ منْ يُرضعُه بأجرةِ المثلِ، لم يلزمِ\nالأبَ إجابتُها إلى ما طلبَتْ، لأنَّها تقصدُ المضارَّةَ، وقد نصَّ عليه الإمامُ\nأحمدُ أيضًا.\n* * *","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-31>قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)</span>\n[قال البخاريّ]: ثنا إبْراهيمُ بنُ موسى: ثنا عيسى - هو: ابنُ\nيونسَ -، ثنا إسماعيلُ - هو: ابنُ أبي خالدٍ -، عنِ الحارثِ بنِ شُبَيْلٍ.\nعنْ أبي عمرو الشيبانيِّ، قال: قالَ لي زَيدُ بنُ أرقمَ: إنْ كُنَّا لنتكلمُ في الصلاةِ على عهدِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، فيكلِّمُ أحدُنا صاحبَه بحاجَته حتى نزلتْ: (حافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى)، فأُمِرْنا بالسُّكُوتِ.\nوخرَّجه مسلمٌ، وزاد فيه: \"ونُهينا عن الكلامِ \"، وليس عنده: ذكرُ عهدِ\nالنبيِّ - ﷺ -.\nوخرَّجه النسائيُّ، وعندَهُ: \"فأمِرْنا حينئذ بالسكوتِ \".\nوخرَّجه الترمذيُّ، ولفظُه: كنا نتكلمُ خلفَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - في الصلاةِ، فيكلمُ الرجلُ منَّا صاحبَه إلى جنبِه، حتى نزلتْ\n(وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)، قال: \"فأُمرنا بالسكوت، ونُهينا عن الكلامِ \".\nوهذه الروايةُ صريحةٌ برفع آخر.\nواختلفَ الناسُ في تحريمِ الكلامِ في الصلاةِ: هل كان بمكةَ، أو بالمدينةِ؟\nفقالتْ طائفةٌ: كان بمكةَ.\nواستدلُّوا بحديثِ ابنِ مسعودٍ المتقدمِ، وأن النبي - ﷺ - امتنعَ من الكلامِ عند قدومِهِم عليه من الحبشةِ، وإنَّما قدِمَ ابنُ مسعود عليه من الحبشةِ إلى مكةَ،","vol":"1","page":181},{"text":"ثم هاجرَ إلى المدينةِ، كذا ذكرَه ابنُ إسحاقَ وغيرُه.\nويعضدُ هذا: أنَه رُويَ: أنَّ امتناعهم من الكلامِ كان بنزولِ قولِهِ: (وَإِذَا\nقُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعوا لَهُ وَأَنصِتوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وهذه الآيةُ مكيَّةٌ.\nفروى أبو بكرٍ بنُ عياشٍ، عن عاصمٍ، عن المسيّبِ بنِ رافعِ، قالَ:\nقالَ ابنُ مسعودٍ: كنا يسلمُ بعضُنا على بعضٍ في الصلاةِ، فجاءَ القرآنُ (وَإِذَا قُرِئَ الْقرْآن فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتوا) .\nوأخرَّجَه ابنُ جريرٍ وغيرُه.\nوهذا الإسنادُ منقطعٌ؛ فإن المسيبَ لم يلقَ ابنَ مسعودٍ.\nوروى الهَجَريُّ، عن أبي عياضٍ، عن أبي هريرةَ، قال: كانوا يتكلَّمون\nفي الصلاةِ، فلما نزلتْ هذه الآيةَُ (وَإِذَا قرِئَ الْفرْآنُ)، والآيةُ\nالأخرى، قال: فأمِرْنا بالإنصاتِ.\nوخرَّجه بقيُّ بنُ مخلدٍ في \"مسندهِ \". وخرَّجه غيرُه، وعنده: \"أو الآيةُ\nالأخرى\" - بالشكِّ. والهجريُّ، ليس بالقويِّ.\nولكن يشكلُ على أهلِ هذه المقالةِ حديثُ زيدِ بنِ أرقم، الذي خرَّجه\nالبخاريُّ هاهنا، فإن زيدًا أنصارفيٌ، لم يصلِّ خلفَ النبيَّ - ﷺ - بمكةَ، إنَّما صلى خلفه بالمدينةِ، وقد أخبر أنهم كانوا يتكلَّمون حتى نزلتْ (وقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)، وهي مدنيةٌ بالاتفاق.\nوأجابَ أبو حاتمٍ ابنُ حبانِ - وهو ممن يقولُ: إن تحريمَ الكلامِ كان","vol":"1","page":182},{"text":"بمكة -: وأجيبَ عن هذا بجوابينِ:\nأحدُهما: أن زيدَ بنَ أرقم حكى حال الأنصارِ وصلاتَهم بالمدينةِ قبلَ هجرة\nالنبيِّ - ﷺ - إليهم، وأنَّهم كانوا يتكلمونَ حينئذٍ في الصلاةِ، فإنَّ الكلامَ حينئذٍ كان مباحًا، وكانَ النبيُّ - ﷺ - إذْ ذاكَ بمكةَ، فحكى زيد صلاتَهم تلك الأيامَ، لا أنَّ نسخَ الكلامِ كانَ بالمدينةِ.\nقلتُ: هذا ضعيف، لوجهينِ:\nأحدُهما: أن في روايةِ الترمذيِّ: \"كنَّا نتكلمُ خلفَ النبيِّ - ﷺ - في الصلاةِ\"، فدلَّ على أنَّه حكى حالَهم في صلاتِهم خلفَ النبيَّ - ﷺ - بعد هجرتِهِ إلى المدينةِ.\nوالثاني: أنه ذكرَ أنهم لم يُنْهوا عن الكلامِ حتى نزلتِ الآية ُ، وهي إنَما\nنزلتْ بعدَ الهجرةِ بالاتفاقِ، فعلمَ أنَّ كلامَهم استمرَّ في الصلاةِ بالمدينةِ، حتى\nنزلتْ هذه الآية ُ.\nثم قال ابنُ حبانَ:\nوالجوابُ الثاني: أن زيدًا حكى حال الصحابةِ مطلقًا من المهاجرينَ وغيرِهم.\nممن كانَ يصلِّي مع النبيِّ - ﷺ - قبلَ تحريمِ الكلامِ في الصلاةِ، ولم يرد الأنصارَ، ولا أهلَ المدينةِ بخصوصِهم، كما يقولُ القائلُ: فعلْنا كذا وإنَّما فعلَه بعضُهم.\nقلتُ: وهذا يردُّه قولُه: \"حتى نزلتِ الآية ُ\"، فإنَّه يصرحُ بأن كلامَهم\nاستمرَّ إلى حين نزولِها، وهي إنما نزلتْ بالمدينةِ.\nوأجابَ غيرُ ابنِ حبانَ بجوابينِ آخرينِ:","vol":"1","page":183},{"text":"أحدُهما: أنَّه يحتملُ أنه كان نهى عن الكلامِ متقدمًا، ثم أذنَ فيه، ثم نهى\nعنه لما نزلتِ الآيةُ.\nوالثاني: أنه يحتملُ أن يكونَ زيدُ بنُ أرقم ومن كان يتكلَّمُ في الصلاةِ لم\nيبلغْهم نهيُ النبيِّ - ﷺ -، فلما نزلتِ الآيةُ انتهَوْا.\nوكلا الجوابينِ فيه بُعْدٌ، وإنَّما انتهوا عند نزولِ الآيةِ، بأمرِ النبي - ﷺ - بالسكوتِ، ونهيِه عن الكلامِ، كما تقدمَ.\nوقالت طائفةٌ أخرى: إنَّما حُرِّمَ الكلامُ في الصلاةِ بالمدينةِ؛ لظاهرِ حديثِ\nزيدِ بنِ أرقم، ومنعُوا أن يكونَ ابنُ مسعود رجعَ من الحبشةِ إلى مكةَ.\nوقالُوا: إنما رجع من الحبشةِ إلى المدينةِ، قبيل بَدْرٍ.\nواستدلُّوا بما خرَّجه أبو داودَ الطيالسيُّ في \"مسندِهِ \" من حديثِ عبدِ اللَّهِ\nبنِ عتبةَ، عن ابنِ مسعود، قال: بعثنَا النبيُّ - ﷺ - إلى النجاشيِّ، ونحن ثمانونَ رجلًا، ومعنا جعفرُ بنُ أبي طالب - فذكرَ الحديثَ في دخولِهم على النجاشيِّ، وفي آخر -: فجاءَ ابنُ مسعود، فبادرَ، فشهدَ بدرًا.\nوروى آدمُ ابنُ أبي إياسٍ في \"تفسيره\": حدثَنا أبو مَعْشر، عن محمدِ بنِ\nكعبٍ، قال: قدمَ النبيُّ - ﷺ - المدينةَ، والناسُ يتكلمونَ بحوائجِهم في الصلاةِ، كما يتكلَّمُ أهلُ الكتابِ، فأنزلَ اللَّهُ: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)، فسكتَ القومُ عن الكلامِ.\nوهذا مرسلٌ. وأبو معشرٍ، هو: نجيحٌ السِّنديُّ، يتكلمونَ فيه.\nوقد اتفقَ العلماءُ على أنَّ الصلاةَ تبطلُ بكلامِ الآدميين فيها عمدًا لغيرِ","vol":"1","page":184},{"text":"مصلحةِ الصلاةِ، واختلفُوا في كلامِ الناسي والجاهلِ والعامدِ لمصلحةِ الصلاةِ.\nفأمَّا كلامُ الجاهلِ، فيأتي ذكرُه - قريبًا.\nوأمَّا كلامُ الناسي والعامد لمصلحة، فيأتي ذكرُه في \"أبواب سجود السهوِ\"\nقريبًا - إن شاءَ اللَّه تعالى َ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)</span>\n[قال البخاريُّ]: \"بابُ: صلاةِ الخوفِ رِجَالًا ورُكْبَانًا\":\nرَاجِل: قَائِمٌ.\nحدَّثنا سعيدُ بنُ يحيى بنِ سعيدٍ القُرشيُّ: أنا أبي: نا ابنُ جُريج عن\nموسى بنِ عقبةَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ - نحوًا من قولِ مجاهدٍ: إذا\nاختلطُوا قيامًا. وزادَ ابنُ عمرَ عن النبيِّ - ﷺ -: \"وإن كانُوا أكثرَ منْ ذلكَ فليُصَفُوا قيامًا ورُكبَانًا\".\nوخرَّج مسلم من حديثِ سفيانَ، عن موسى بن عقبةَ، عن نافعِ، عن\nابنِ عمرَ، قال: صلَّى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - صلاةَ الخوفِ في بعضِ أيامه، فقامتْ طائفة معه، وطائفةٌ بإزَاءِ العدوِّ، فصلَّى بالذين معه ركعةً، ثم ذهبُوا، وجاء الآخرونَ فصلَّى بهم ركعةً، ثم قضتِ الطائفتانِ ركعةً، ركعةً.","vol":"1","page":185},{"text":"قال: وقالَ ابنُ عمرَ: فإذا كان خوف أكثرُ من ذلك فصلِّ راكبًا أو قائمًا\nتُومِيءُ إيماءً.\nفجعلَ هذ الوجهَ من قولِ ابنِ عُمرَ، ولم يرفعْه.\nوروى أبو إسحاق الفزاريُّ، عن موسى بن عقبةَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ\n- الحديثَ مرفوعًا، ولم يذكرْ في آخرِه: \"فإذا كان خوف أكثرُ من ذلك \" -\nإلى آخر.\nوخرَّج ابنُ ماجةَ وابنُ حبانَ في \"صحيحِه \" من حديثِ جريرٍ، عن\nعبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، عن نافع، عنِ ابنِ عمرَ، عنِ النبيِّ - ﷺ - في صلاةِ الخوفِ\n- فذكرَ صفتِها بمعنى حديثِ موسى بنِ عقبةَ، وقال في آخرِ الحديثِ: \"فإنْ\nكانَ خوفًا أشدَّ من ذلك فَرِجالًا أو رُكبانًا\".\nوقد خالفَ جريرًا يحيى القطَّانُ وعبدُ اللَّهِ بنُ نُميرٍ ومحمدُ بنُ بشرٍ\nوغيرُهم، روَوْه عن عبيدِ اللَّهِ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ - موقوفًا كلَّه.\nورواه مالكٌ في \"الموطإِ\"، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ - في صفةِ صلاةِ\nالخوفِ بطولِهِ -، وفي آخره: \"فإن كان خوفًا هو أشدَّ من ذلك صلُّوا رجالًا\nقيامًا على أقدامِهم، أو ركبانًا، مستقبلي القبلةِ، أو غيرَ مستقبِليها\".\nقال مالكٌ: قال نافع: لا أرى ابنَ عمرَ ذكرَ ذلك إلا عن رسولِ اللَّهِ - ﷺ -.\nوخرَّجه البخاريُّ في \"التفسيرِ\" من طريقِ مالكٍ كذلك.","vol":"1","page":186},{"text":"قال ابنُ عبدِ البرِّ: رواه مالكٌ، عن نافع على الشكِّ في رفعهِ، ورواه\nعن نافع جماعةٌ لم يشكُّوا في رفعهِ، منهمُ: ابنُ أبي ذئبٍ وموسى بنُ عقبةَ\nوأيوبُ بنُ موسى.\nوذَكَرَ الدارقطنيُّ أن إسحاق الطبَّاعَ رواه عن مالكٍ ورفعَهُ من غيرِ شكٍّ.\nوهذا الحديثُ ينبغِي أن يضافَ إلى الأحاديثِ التي اخْتَلفَ في رفعِها نافعٌ\nوسالم، وهي أربعةٌ سبقَ ذكرُها بهذَا الاختلافِ في رفع أصلِ الحديثِ في\nصلاةِ الخوفِ عن نافع.\nوبقي اختلافٌ آخرُ، وهو في قولِهِ في آخرِ الحديثِ: \"فإنْ كان خوفًا أكثرَ\nمن ذلك \" إلى آخر؛ فإن هذا قد وقفه بعضُ من رفعَ أصلَ الحديثِ، كما\nوقفَه سفيانُ، عن موسى بن عقبةَ، وجعلَه مُدرجًا في الحديثِ.\nوقد ذكرَ البخاريُ؛ أنَّ ابنَ جريج رفعَه عن موسى، وخرَّجه من طريقِه\nكذلك.\nوأمَّا قولُ مجاهدٍ المشارُ إليه في روايةِ البخاريِّ: روى ابنُ أبي نجيحٍ، عن\nمجاهدٍ: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا)، إذا وقعَ الخوفُ صلَّى على\nكلِّ وجهةٍ، قائمًا أو راكبًا أو ما قدرَ، ويومئُ برأسِهِ، ويتكلَّمُ بلسانهِ.\nوروى أبو إسحاقَ الفزاريُّ، عن ابن أبي أنيسةَ، عن أبي الزبير، قالَ:\nسمعتُ جابرًا سُئلَ عن الصلاةِ عند المسايفة؟\nقال: ركعتينِ ركعتينِ، حيث\nتوجهتَ على دابتكَ تومى إيماءً.\nابنُ أبي أنيسةَ، أظنُّه: يحيى، وهو ضعيفٌ.","vol":"1","page":187},{"text":"وخرَّج الإسماعيليُّ في \"صحيحِه \"، وخرَّجه من طريقه البيهقى، من\nروايةِ حجاج بنِ محمدٍ، عن ابنِ جريجٍ، عن ابنِ كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال:\nإذا اختلطُوا، فإنَما هو التكبير والإشارةُ بالرأسِ.\nقال ابنُ جريج: حدثني موسى بنُ عقبةَ، عن نافع، عن ابنِ عُمرَ، عنِ\nالنبيِّ - ﷺ - بمثلِ قولِ مجاهدٍ: إذا اختلطُوا، فإنَّما هو التكبيرُ والإشارةُ بالرأسِ.\nوزاد: عن النبيِّ - ﷺ -: \"فإنْ كثرُوا فليصلُّوا ركبانًا أو قياما على أقدامِهِم \" - يعني: صلاةَ الخوفِ.\nوخرَّجه - أيضًا - من رواية سعيدِ بنِ يحيى الأمويِّ، عن أبيه، عن ابنِ\nجريجٍ، ولفظُه: عن ابنِ عمرَ - نحوًا من قولِ مجاهد: إذا اختلطوا، فإنَّما\nهو الذكرُ وإشارةٌ بالرأسِ.\nوزاد ابنُ عمرَ: عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"وإن كانُوا أكثرَ من ذلك فليصلُّوا قيامًا وركبانًا \".\nكذا قرأتُه بخط البيهقيِّ.\nوخرَّجه أبو نُعيمٍ في \"مستخرجِهِ على صحيح البخاريّ \" من هذا الوجهِ.\nوعندَهُ: \"قيامًا وركبانًا\"، وهو أصحُّ.\nوهذه الروايةُ أتمُّ من روايةِ البخاريِّ.\nومقصودُ البخاريِّ بهذا: أنَّ صلاةَ الخوفِ تجوزُ على ظهورِ الدوابِّ","vol":"1","page":188},{"text":"للركبانِ، كما قال تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ ركبانًا) .\nويعني: \"رجالًا\": قيامًا على أرجلهم، فهو جمعُ راجلٍ، لا جمعَ رجلٍ، و\"الركبانُ \": على الدوابِّ.\nوقد خرَّج فيه حديثًا مرفوعًا.\nوقد روي عن ابنِ عمرَ وجابرٍ، كما سبق.\nوقال ابنُ المنذرِ: أجمعَ أهلُ العلم على أن المطلوبَ يصلِّي على دابتِهِ -\nكذلك قال عطاءُ بنُ أبي رباحِ، والأوزاعيُّ، والشافعيّ وأحمدُ، وأبو ثورٍ -، وإذا كان طالبًا نزلَ فصلى بالأرضِ.\nقال الشافعيُّ: إلا في حالٍ واحدةٍ، وذلك أن يقل الطالبونَ عن المطلوبين.\nويُقطَع الطالبونَ عن أصحابِهم، فيخافون عودةَ المطلوبين عليهم، فإذا كانُوا\nهكذا كان لهم أن يصلُّوا يُومِئُون إيماءً، انتهى.\nوممن قال: يصلِّي على دابته ويومِئُ: الحسنُ والنخعي والضحاكُ، وزاد:\nأنه يصلِّي على دابَّتِه طالبًا كانَ أو مطلوبًا، وكذا قال الأوزاعيُّ.\nواختلفتِ الروايةُ عن أحمدَ: هل يصلِّي الطالبُ على دابتِه، أم لا يصلِّي\nإلا على الأرضِ؟ على روايتين عنه، إلا أن يخافَ الطالبُ المطلوبَ، كما قال الشافعيُّ، وهو قولُ أكثرِ العلماءِ.\nقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ: أما المطلوبُ، فلا يختلفُ القولُ فيه، أنه\nيصلِّي على ظهرِ الدابةِ.\nواختلفَ قولُه في الطالبِ، فقالُوا عنه: ينزلُ فيصلِّي\nعلى الأرضِ، وإن خافَ على نفسِهِ صلَّى وأعادَ، وإنْ أخَّرَ فلا بأسَ، والقولُ الآخرُ: أنه إذا خافَ أن ينقطعَ عن أصحابِهِ أن يعودَ العدوُّ عليه، فإنه يصلِّي على ظهرِ دابتِه، فإنه مثلُ المطلوبِ لخوفِهِ، وبه أقولُ. انتهى.\nوما حكاه عن أحمدَ من أن الطالبَ إذا خافَ فإنه يصلِّي ويعيدُ، فلم يذكر","vol":"1","page":189},{"text":"به نصًّا عنه، بل قد نصَ على أنه مثلُ المطلوبِ.\nقال - في رواية أبي الحارث -: إذا كان طالبًا وهو لا يخافُ العدوَّ، فما\nعلصتُ أحدًا رخَّص له في الصلاة على ظهرِ الدابةِ، فإن خافَ إنْ نزلَ أن\nينقطعَ من الناسِ، ولا يأمنُ العدوًّ فليصل على ظهرِ دابتِه ويلحقُ بالناسِ.\nفإنه في هذه الحالِ مثلُ المطلوبِ.\nونَقَلَ هذا المعنى عنه جماعةٌ، منهم: أبو طالبٍ والأثرمُ.\nوله أن يصلِّيَ مستقبلَ القبلةِ وغيرَ مستقبلِها على حسبِ القدرةِ.\nوفي وجوبِ استفتاح الصلاةِ إلى القبلةِ روايتانِ عن أحمدَ:\nفمن أصحابِنا من قال: الروايتانِ مع القدرةِ، فأمَّا معَ العجزِ فلا يجبُ.\nروايةً واحدةً.\nوقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ عكسَ ذلك، قال: يجبُ مع القدرةِ لأ ومع عدمِ\nالإمكانِ، روايتانِ.\nوهذا بعيدٌ جدًّا - أعني: وجوبَ الاستفتاح إلى القبلةِ مع العجزِ، ولعلَّ\nفائدة إيجابِ الإعادةِ بدونِهِ.\nولهم أن يصلُّوا صلاةَ شدةِ الخوفِ رجالًا وركبانًا في جماعةٍ، نصَّ عليه\nأحمدُ، وهو قولُ الشافعيِّ ومحمدِ بنِ الحسنِ.\nوقال أبو حنيفةَ والثوريُّ والأوزاعيُّ: لا يصلونَ جماعةً، بل فرادَى؛ لأنَّ\nالمحافظةَ على الموقفِ والمتابعةِ لا تمكنُ.\nوقال أصحابُنا ومَن وافقهم: يُعْفَى عن ذلك هاهنا، كما يُعْفَى عن استدبارِ\nالقبلةِ والمشي في صلواتِ الخوفِ، وإن كان معَ الانفرادِ يمكن تركُ ذلك.","vol":"1","page":190},{"text":"قالُوا: ومتى تعذَّرتِ المتابعةُ لم تصحَّ الجماعةُ بلا خلافٍ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>قوله تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٢٥١)</span>\nوقد قيلَ في تأويلِ قولِهِ تعالى: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ): إنه يدخل فيها دفْعُهُ عن العُصاةِ باهلِ الطَّاعةِ، وجاءَ في\nالآثارِ: إنَّ اللهِ يدْفَعُ بالرجلِ الصالح عن أهلهِ وولدِهِ وذريَّتِه ومنْ حَوله.\nوفي بعضِ الآثارِ يقول اللَّهُ ﷿: \"أحبُّ العبادِ إليَّ المتحابونَ بجلالِي المشَّاءونَ في الأرضِ بالنصيحةِ، المشَّاءونَ على أقدامِهِم إلى الجُمُعاتِ \".\nوفي رواية: \"المعلَّقةُ قلوبُهم بالمساجدِ، والمستغفرونَ بالأسحارِ، فإذا أردْتُ إنزالَ عذاب بأهلِ الأرضِ فنظَرْتُ إليهم صرفْتُ العذابَ عن الناسِ \"\nوقال مكحولٌ: ما دامَ في الًنَّاسِ خمسةَ عشرَ يستغفرُ كلّ منهُم اللَّهَ كلَّ يومٍ خمسًا وعشرينَ مرَّةً لم يَهْلِكُوا بعذابِ عامَّة.\nوالآثارُ في هذا المعنى كثيرةٌ جدًّا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُ</span>زْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)\n[قال البخاريُّ]: وقال إبراهيمُ ﵇: (وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)\nوقد فسَّرها سعيدُ بن جبيرٍ بالازديادِ من الإيمانِ، فإنَّه قال لَهُ:","vol":"1","page":191},{"text":"(أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي)، فطلبَ زيادةً في إيمانِهِ؛ فإنَّه\nطلبَ أن ينتقل من درجةِ علم اليقينِ إلى درجة عينِ اليقينِ وهي أعلى\nوأكمل، وفي \"المسندِ\" عن ابنِ عباس عن النبي - ﷺ - قال: \"ليس الخبر كالمعاينةِ\".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>قوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١)</span>\nفي صدقةِ السِّرِ، وفي فضلِهَا، نصوصٌ كثيرة، فمن القُرآنِ:\nقولُهُ: (وَإِن تخْفُوهَا وَتؤْتوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لكمْ) .\nومن السنة: حديثُ:\n\"رجلٌ تصدَّق بصدقةٍ فأخفَاهَا، حتى لا تعلمَ شمالُه، ما تُنفق يمينُه \".\nوحديثُ: \"الجاهرُ بالقرآنِ كالجاهرِ بالصدقةِ، والمسرُّ بالقرآنِ كالمُسِر\nبالصدقةِ\".\nوحديثُ أنسٍ: \"لمَّا خلقَ اللَّهُ الأرضَ، جعلَتْ تميدُ فخلقَ الجبالَ.. \"\nالحديثَ، وفي آخره: \"قيلَ: فهل منْ خلقِكَ شيء أشدُّ من الريحِ؛ قالَ: نعمْ، ابنُ آدمَ يتصدقُ بيمينِه فيُخفِيهَا عنْ شمالِهِ \".\nوحديثُ أبي ذر، وزادَ: ثمَّ نزعَ بهذه الآية: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ) .","vol":"1","page":192},{"text":"وحديثُ: \"صدقة السرِّ، تُطفئُ غضبَ الربَ ﷿، وتدفعُ مِيتةَ السوءِ\"\nخرَّجه الترمذيُّ، وابنُ حبانٍ.\nوحديثُ أبي طلحةَ، لمَّا تصدَّقَ بحائِطِه، وقالَ: \"لو استطعتُ أن أُسره، لم\nأعلنْه \" خرَّجه الترمذيُّ في \"تفسير\".\nواختلفُوا في الزكاةِ: هلِ الأفضلُ إسرارُها أم إظهارُها؟\nفرُويَ عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عنِ ابنِ عباسٍ، قالَ: جعلَ اللَّهُ صدقةَ الفريضة علانيتَها أفضلَ من سرِّها، يُقالُ: بخمسةٍ وعشرينَ ضعفًا، خرَّجه ابنُ جريرٍ.\nوفي روايةٍ، قال: وكذلك جميعُ الفرائضِ والنوافلِ في الأشياءِ كلِّها.\nوقال سفيانُ الثوريّ في هذه الآيةِ: هذا في التطوع.\nوعن يزيد بنِ أبي حبيب: إنَّما نزلتْ هذه الآية ُ في اليهودِ والنصارى وكان\nيأمرُ بِقَسم الزكاةِ في السرِّ، قالَ ابنُ عطيةَ: وهذا مردود، لا سيَّما عند\nالسلفِ الصالح، فقد قالَ ابنُ جريرٍ الطبريِّ: أجمعَ الناسُ، أنَّ إظهارَ\nالواجبِ، أفضلُ.\nقال المهدويُّ: وقيل المُرادُ بالآيةِ فرضُ الزكاةِ والتطوعُ، وكان الإحفاءُ فيها\nأفضلَ في مدّة النبيِّ - ﷺ -، ثمَّ ساءتْ ظنونُ الناسِ، بعد ذلك، فاستحسنَ العلماءُ، إظهارَ الفرائضِ، لئلا يُظن بأحدٍ المنعُ.\nقال ابنُ عطيةَ: وهذا القولُ مخالف للآثارِ، قالَ: ويشبه في زمنِنا أنْ","vol":"1","page":193},{"text":"يحسنَ التسترُ بصدقةِ الفرضِ، فقد كثر المانعُ لها، وصار إخراخها عُرضةً\nللرِّياءِ.\nوهذا الذي تخيَّله ابنُ عطيةَ ضعيف، فلو كانَ الرجلُ في مكانٍ يتركُ أهلُه\nالصلاةَ، فهل يُقال: إن الأفضلَ أنْ لا يُظهرَ صلاتَه المكتوبة؟!.\nوقال النَّقاشُ: إنَّ هذه الآيةَ نسخَها قولُهُ تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقونَ أَموَالَهُم\nبِالَّليْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً) الآية. انتهى ما ذكرَهُ.\nودعوى النسخ ضعيف جدًّا، وإنَّما معْنى هذه الآيةِ، كمَعْنى التِي قبلها:\nإنَّ النفقةَ تُقبلَ سرًّا، وعلانيةً.\nوحُكي عن المهدويِّ أنَّ قولَه تعالى: (لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِن اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ)، رخَّصتْ في صدقةِ الفرضِ، على أهلِ القراباتِ المشركين.\nقال ابنُ عطيةَ: وهذا عندي مردود.\nوحكي عن ابنِ المنذرِ نَقْلُ إجماع من يحفظُ: أنَّه لا يُعْطَى الذِمِّيُّ من\nصدقةِ المالِ شيئًا.\nقلتُ: رُوي عن ابنِ عمرَ أنَّه قال: في قولِهِ تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفقَرَاءِ\nوَالْمَسَاكِينِ): أن المساكينَ: أهلُ الكتابِ، وإسنادُهُ لا يثبتُ.\nوروى الثعلبيُّ بإسنادِهِ عن سعيدِ بنِ سُويدٍ الكلبيِّ يرفعُه، أنَّ النبيَّ - ﷺ - سئل عن الجهرِ بالقراءة، والإخفاءِ فقالَ -: هي كمنزلةِ الصدقةِ (إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تخْفوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ) .\nوروى الثعلبيُّ في \"تفسيره\"، عن أبي جعفرٍ في قولِهِ تعالى: (إِن تُبْدُوا\nالضَدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ) قال: هي الزكاةُ المفروضةُ، (وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لكُمْ)","vol":"1","page":194},{"text":"قال: يعني التطوعَ. هذا تفسير غريب.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>قوله تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا </span>وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٧) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)\n[قال البخاريُّ]: \"بابُ: تحْريمِ تجارةِ الخَمْرِ في المسْجِدِ\":\nحدثنا عبْدانُ، عنْ أبي حمزةَ، عن الأعمش، عنْ مسلمٍ عن مسروقٍ، عن\nعائشةَ، قالتْ لما أُنزلتْ الآياتُ من سُورة البقرةِ في الرِّبا خرجَ رسولُ اللِّه - ﷺ - إلى المسجدِ، فقرأهُنَّ على الناسِ، ثمَّ حرَّم تجارةَ الخمرِ.\nذكْرُ الخمرِ بالتحريمِ - إما لشربِه، أو للتجارةِ فيه -: من جملةِ تبليغ دينِ\nاللَّهِ وشرعِهِ، وذلكَ لأنَّه تُصان عنه المساجدُ، فإنَّ اللَّهَ ذكرَ في كتابِهِ الذي\nيُتلى في الصلواتِ في المساجدِ: الخمرَ والميسرَ والأنصابَ والأزلامَ، كما ذكرَ: الزِّنا والرِّبا وسائرَ المحرمات من الشركِ والفواحشِ، ولم يزلِ النبي - ﷺ - يتلُو","vol":"1","page":195},{"text":"ذلكَ في المسجدِ في الصلواتِ وغيرِها، ولم يزلْ يذكرُ تحريمَ ما حرَمه اللَّهُ في\nالمساجدِ وفي خطبِهِ على المنبرِ، وهذا البابُ مما لا تدعُو الحاجةُ إليه؛ لظهوره.\nولكن يشكل في هذا الحديثِ أمرانِ:\nأحدُهُما: أن تحريمَ التجارة في الخمرِ مما شرعَ من حينِ نزولِ تحريمِ الخمرِ.\nولم يتأخرْ إلى نزولِ آياتِ الرًّبا، فإنَّ آياتِ الرّبا من آخر ما نزلَ من القرآنِ.\nكما رَوَى البخاريّ في \"التفسيرِ\" من روايةِ الشعبيِّ، عن ابنِ عباسٍ، قال:\nآخرُ آيةٍ نزلتْ على رسولِ اللَّه - ﷺ - آيةُ الرئا.\nوفي \"الصحيحينِ \" عن جابرٍ، أنه سمعَ النبيَّ - ﷺ - عامَ الفتح وهو بمكةَ يقولُ: \"إن اللَهَ ورسولَهُ حرَّمَ بيع الخمر والميتةَ والخنزيرَ والأصنامَ \".\nوخرَّج مسلم من حديثِ أبي سعيد الخدري، أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"يا أيها\nالنَّاسُ، إن اللَّهَ يعرِّض بالخمرِ، ولعل الله سينزلُ فيها أمرًا، فمنْ كانَ عندَهُ منها شيء فليبْعهُ ولينتفعْ بهِ \" قال: فما لبثنا إلا يسيرًا حتَى قالَ: \"إن اللَّه حرَّم الخمرَ، فمنْ أدركتْه هذه الآيةُ وعندَهُ منها شيء فلا يشربْ ولا يبعْ \"، قال: فاستقبلَ الناسُ بما كانَ عندَهُم منها في طريقِ المدينةِ فسفكُوهَا.\nوهذا نصّ في تحريمِ بيعِها مع تحريمِ شربِها.\nوالثاني: أن آياتِ الربا ليسَ فيها ذكرُ الخمرِ، فكيفَ ذكرَ تحريمَ التجارةِ في\nالخمرِ مع تحريمِ الرِّبا؟\nويجابُ عن ذلكَ: بأنَّ مرادَ عائشةَ: أنَّ النبيَّ - ﷺ - أخبرَ بتحريمِ التجارةِ في","vol":"1","page":196},{"text":"الخمرِ مع الرِّبا، وإنْ كانَ قد سبقَ ذكرُ تحريمِ بيع الخمرِ.\nوقد رَوى حجَّاجُ بنُ أرطأة - حديثَ عائشةَ -، عن الأعمشِ بإسنادِ\nالبخاريِّ، ولفظُهُ: لما نزلتْ الآياتُ التي في سورةِ البقرةِ نَهَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عن الخمرِ والرِّبا.\nوإنَّما أرادَ النبيُّ - ﷺ - واللَّهُ أعلمُ - بتحريمِ التجارةِ في الخمرِ مع الربا ليُعْلمَ بذلك أنَّ الرِّبا الذي حرَّمه اللَّهُ يشملُ جميعَ أكل المالِ مما حرَّمه اللَّهُ من المعاوضاتِ، كما قالَ: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا)، فما كانَ بيْعًا فهو حلالٌ، وما لم يكن بيْعًا فهو رِبًا حرام - أي: هو زيادة على البيع الذي أحلَّه اللَّهُ.\nفدخلَ في تحريمِ الربا جميعُ أكلِ المالِ بالمعاوضاتِ الباطلةِ المحرمةِ، مثلُ رِبا\nالفضلِ فيما حرَّم فيه التفاضلُ، وربا النَّسَاء فيما حرَّم فيه النَّسأ، ومثل أثمانِ\nالأعيانِ المحرَّمة، كالخمرِ والميتةِ والخنزيرِ والأصنامِ، ومثل قَبولِ الهدية على\nالشَّفاعةِ، ومثل العقودِ الباطلةِ، كبيع الملامسةِ والمنابذةِ، وبيع حَبَلِ الحبلةِ.\nوبيع الغَرَرِ، وبيع الثمرة قبل بدوِّ صلاحِها، والمُخَابرةِ، والسَّلَفِ فيما لا يجوز السَّلَفُ فيه.\nوكلامُ الصحابةِ في تسميةِ ذلكَ رِبًا كثير، وقد قالُوا: القَبَالاتُ رِبا، وفي\nالنَّجشِ أنه رِبا، وفي الصفقتين في الصفقةِ أنه رِبا، وفي بيع الثمرةِ قبلَ بدوِّ\nصلاحِها أنَه رِبا.\nورُوي: أنَّ غَبْنَ المُسْتَرسلِ رِبًا، وأنَّ كلَّ قرْضٍ جَرَّ نفْعًا فهو رِبًا.","vol":"1","page":197},{"text":"وقال ابنُ مسعود: الرِّبا ثلاثة وسبْعُونَ بابًا.\nوخرَّجه ابنُ ماجةَ والحاكمُ عنه مرفوعًا.\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجةَ، أن عمر قالَ: من آخرِ ما نزلَ آيةُ\nالرِّبا، وإنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قبِضَ قبلَ أن يُفسِّرها لنا، فدَعُوا الرِّبا والريبةَ.\nيشيرُ عمرُ إلى أنَّ أنواعَ الرِّبا كثيرة، وأنَّ من المُشْتَبِهَاتِ ما لا يتحققُّ دخولُه\nفي الرِّبا الذي حرَّمه اللَّهُ، فما رابكم منه فدعُوه.\nوفي \"صحيح مسلم \" عن عمرَ، أنَّه قالَ: ثلاث وددتُ أنَّ رسولَ اللَّهِ\n- ﷺ - كانَ عهِدَ إلينا عهْدًا ننتهي إليه: الجَدُّ، والكَلالةُ، وأبوابّ من أبوابِ الرَبا.\nوبعضُ البيوع المنهيِّ عنها نُهِيَ عنها سدًا لذريعةِ الرِّبا، كالمُحاقَلةِ.\nوالمزَابنةِ، وكذلك قِيلَ في النهي عن بيع الطعامِ قبل قبضِهِ، وعن بيعتينِ في\nبيعيةٍ، وعن ربح ما لم يضمنْ، وبسطُ هذا موضعُهُ \"البيوعُ \".\nوإنَّما أشرْنَا هنا إلى ما يبيِّنْ كثيرةَ أنواع أبوابِ الرِّبا، وأنَّها تشملُ جميعَ\nالمعاوضاتِ المحرمة، فلذلكَ لمَّا نزلَ تحريمُ الرِّبا نَهَى النبيُّ - ﷺ - عن الرِّبا، وعن بيع الخمرِ، ليبينَ أنَّ جميعَ ما نُهِيَ عن بيعِهِ داخل في الرِّبا المنهيِّ عنه. واللَّهُ أعلم.\n* * *","vol":"1","page":198},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>قوله تعالى: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ </span>وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٨٦)\nولمَّا نزل قولُه تعالى: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ)، شقَّ ذلك على المسلمين، وظنُّوا دخُولَ\nهذه الخواطرِ فيهِ، فنزلتْ الآية ُ التي بعدَها، وفيها قولُه: (رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ)، فبيَّنت أنَّ ما لا طاقةَ لهُم بهِ، فهو غيرُ مؤاخذٍ لهِ.\nولا مُكلَّف به، وقد سمَّى ابنُ عباسٍ وغيرُه ذلك نسْخًا، ومرادهُم أنَّ هْذه\nالآيةَ أزالتِ الإيهامَ الواقعَ في النُّفوسِ من الآيةِ الأُولى، وبيَّنت أنَّ المرادَ:\nبالاَية الأُولى العزائمُ المصمَّمُ عليْهَا، ومثل هذا البيان كانَ السلفُ يسمّونَه\nنسخًا.\n* * *","vol":"1","page":199},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-38>سُورَةُ آلِ عِمْرَان</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>قوله تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ)</span>\nإنَّ الشهادتينِ منْ خصالِ الإسلامِ بغير نزاع، وليسَ المرادُ الإتيانَ بلفظِهِمَا\nدونَ التَّصديقِ بهما، فعُلِمَ أنَّ التصديق بهِمَا، داخلٌ في الإسلامِ، وقد فسَّرَ\nالإسلامَ المذكورَ في قولِهِ تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الإِسْلامُ) .\nبالتَوحيدِ والتَّصديقِ، طائفةٌ من السلفِ، منهُم محمدُ بنُ جعفرِ بنِ الزُّبيرِ.\nوأمَّا إذا نُفِيَ الإيمانُ عنْ أحدٍ، وأُثبتَ له الإسلامُ، كالأعرابِ الَّذينَ أَخبرَ\nاللَّهُ عنهُم، فإنَه ينتفِي عنهُم رسُوخُ الإيمانِ في القلبِ، وتثبُتُ لهم الشاركةُ\nفي أعمالِ الإسلامِ الظاهرةِ مع نوع إيمان يُصحِّحُ لهم العملَ، إذْ لولا هذا\nالقدرُ منَ الإيمانِ، لم يكونُوا مسلمينَ، وإنَّما نَفَى عنهُمُ الإيمانَ، لانتفاءِ ذوقِ\nحقائقه، ونقصِ بعضِ واجباتِهِ، وهذَا مبنيٌّ على أنَّ التصديقَ القائمَ بالقلوبِ\nيتفاضل.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)</span>\nالمحبةُ الصحيحةُ تقتضِي المتابعةَ والموافقةَ في حبِّ المحبوباتِ وبغضِ","vol":"1","page":200},{"text":"المكروهاتِ، قالَ ﷿: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) .\nوقال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) .\nقال الحسنُ: قال أصحابُ النبيِّ - ﷺ -: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّا نُحبّ ربَّنا حبًّا شديدًا، فأحبَّ اللَّه أن يجعلَ لحبّه علمًا، فأنزلَ اللَّهُ هذه الآية.\nوفي \"الصحيحين \" عن النبيِّ - ﷺ -، قال: \"ثلاثٌ منْ كُنَّ فيه وجَدَ حلاوةَ الإيمانِ: أنْ يكونَ اللَّهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه ممَّا سواهُمَا، وأنْ يُحبَّ المرءَ لا يُحبُه إلا للَّهِ، وأنْ يكره أن يرْجِعَ إلى الكُفرِ بعد إذ أنقذَهُ اللَّهُ منه كما يكرَهُ أنْ يُلقَى في النارِ\".\nفمنْ أحبَّ اللَّهَ ورسولَهُ محبةً صادقةً من قلبِهِ، أوجبَ له ذلكَ أنْ يحبَّ\nبقلبِهِ ما يُحبُّه اللَّهُ ورسولُهُ، ويكرهُ ما يكرههُ اللَّهُ ورسولُهُ، ويرضَى بما يَرضَى اللَّهُ رسولُهُ، ويسخطُ ما يسخطهُ اللَّهُ ورسولُهُ، وأنْ يعملَ بجوارحِهِ بمقتضَى هذا الحبِّ والبغضِ، فإنْ عملَ بجوارِحِهِ شيئًا يخالفُ ذلكَ، بأن ارتكبَ بعض ما يكرههُ اللَّهُ ورسولُه، أو تركَ بعضَ ما يحبهُ اللَّهُ ورسولُهُ مع وجوبِهِ والقدرةِ عليه، دل ذلكَ على نقصِ محبَّته الواجبةِ، فعليهِ أن يتوبَ من ذلكَ ويرجعَ إلى تكميلِ المحبةِ الواجبةِ.\nقال أبو يعقوب النَّهْرُجُوريُّ: كلُّ من ادَّعى محبةَ اللَّه ﷿ ولم يوافقِ\nاللَّهَ في أمرِهِ، فدعواهُ باطلةٌ، وكلُّ محب ليسَ يخافُ اللَّهً، فهو مغرور.","vol":"1","page":201},{"text":"وقالَ يحيى بنُ معاذٍ: ليسَ بصادقٍ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ ﷿ ولم\nيحفظْ حدودَهُ.\nوسُئلَ رُويمٌ عن المحبةِ، فقالَ: الموافقةُ في جميع الأحوالِ، وأنشدَ:\nولو قُلتَ لي مُتْ مِتُّ سمعًا وطاعةً. . . وقُلتُ لداعِي الموتِ أهلًا ومرْحبًا\nولبعضِ المتقدمينَ:\nتعصي الإلهَ وأنت تزعُمُ حُبَّه. . . هذا لعَمْرِي في القياسِ شَنيعُ\nلو كانَ حُبُّك صادقًا لأطعتَه. . . إنَّ المُحِبَّ لمن يُحبُّ مطيعُ\nفجميعُ المعاصِي تنشأُ من تقديمِ هوى النفوسِ على محبةِ اللَّهِ ورسولِهِ.\nوقد وصفَ اللَهُ المشركينَ باتِّباع الهَوى في مواضعَ منْ كتابِهِ، وقال تعالى:\n(فَإِن لَّم يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاه بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ) .\nوكذلكَ البدعُ إنَّما تنشأُ من تقديمِ الهَوى على الشَّرع، ولهذا يُسمَّى أهلُها\nأهلَ الأهواءِ.\nوكذلكَ المعاصِي إنَّما تقعُ من تقديمِ الهوى على محبةِ اللَّهِ، ومحبةِ ما\nيحبه.\nوكذلك حَبُّ الأشخاصِ: الواجبُ فيه أنْ يكونَ تبعًا لما جاءَ بهِ الرسولُ\n- ﷺ -.\nفيجبُ على المؤمنِ محبةُ اللَّهِ ومحبةُ من يحبُّهُ اللَّهُ من الملائكةِ والرسلِ\nوالأنبياءِ والصديقينَ والشهداءِ والصالحينَ عمومًا، ولهذا كانَ من علاماتِ\nوجودِ حلاوةِ الإيمانِ أن يُحبَّ المرءَ لا يحبُه إلا للَّهِ، ويحرِّمَ موالاةَ أعداءِ اللهِ\nومن يكرهُهُ اللَّهُ عمومًا، وقد سبقَ ذلكَ في موضع آخرَ، وبهذا يكونُ الدِّينُ","vol":"1","page":202},{"text":"كلُّه للِّهِ. و\"منْ أحبَّ للَّهِ وأبغضَ للِّهِ، وأعطَى للهِ، ومنع للهِ، فقدِ استكملَ الإيمانَ \".\nومن كانَ حُبُّه وبُغضُه وعطاؤه ومنعُه لِهَوى نفسِهِ، كانَ ذلك نقصًا في\nإيمانِهِ الواجبِ، فيجبُ عليه التَّوبةُ من ذلكَ والرُّجوعُ إلى اتِّباع ما جاء به\nالرسول - ﷺ - من تقديمِ محبةِ اللَّهِ ورسولِهِ، وما فيهِ رضا اللَّهِ ورسولِهِ على هوى النفوسِ ومراداتِهَا كلِّها.\nقال وهيبُ بنُ الوردِ: بلغَنَا - واللَّهُ أعلمُ - أنَّ موسى - ﵇ - قالَ: يا ربَ أوصِني؟\nقال: أوصيكَ بي، قالَهَا ثلاثًا، حتَّى قال في الآخرةِ:\nأوصيكَ بي أن لا يعرضَ لكَ أمرٌ إلا آثرتَ فيه محبَّتِي على ما سِواها، فمنْ\nلم يفعلْ ذلكَ لم أزكِّهِ ولم أرحمْهُ.\nوالمعروفُ في استعمال الهَوى عند الإطلاقِ أنَّه الميلُ إلى خلافِ الحق، كما\nفي قولِهِ ﷿: (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) .\nوقالَ: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١) .\nوقد يُطلقُ الهوى بمعنى المحبةِ والميلِ مطلقًا، فيدخلُ فيه الميل إلى الحقِّ\nوغيرِهِ، وربَّما استُعْمِلَ بمعنى محبةِ الحقِّ خاصةً والانقيادِ إليه.\nوسئلَ صفوانُ بنُ عسَّالٍ: هل سمعتَ من النبيِّ - ﷺ - يذكرُ الهَوى؟\nفقال: سأله أعرابيٌّ عن الرجل يُحبُّ القومَ ولم يلحقْ بِهِم، فقال: \"المرءُ مَعَ مَنْ أحبَّ \".","vol":"1","page":203},{"text":"ولمَّا نزلَ قولُهُ ﷿: (تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ)، قالتْ عائشةُ للنبيِّ - ﷺ -: ما أرَى ربَّك إلا يُسارِعُ في هواك.\nوقال عمرُ في قصة المشاورةِ في أُسارَى بدرٍ: فهوَى رسولُ الله - ﷺ - ما قالَ أبو بكرٍ، ولم يَهْوَ ما قلتُ، وهذا الحديثُ مما جاء استعمالُ الهَوى فيه بمعنى المحبةِ المحمودةِ.\nوقد وقعَ مثلُ ذلكَ في الآثارِ الإسرائيليةِ كثيرًا، وكلامُ\nمشايخ القومِ وإشاراتُهم نظمًا ونثرًا يكثُر فيها هذا الاستعمال.\nوممَّا يناسبُ معنى الحديثِ من ذلكَ قولُ بعضهِم:\nإن هواكَ الَّذي بقلْبِي. . . صَيرنِي سامِعًا مطِيعًا\nأخذتَ قلْبي وغَمْضَ عيني. . . سَلَبتنِي النَّومَ والهُجُوعا\nفذَرْ فؤادِي وخُذْ رُقادِي. . . فقالَ: لا بلْ هُمَا جميعًا\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>قوله تعالى: (إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) </span>فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧\"\n[قالَ البخاريُّ]: وقال ابنُ عباسٍ: (نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا)","vol":"1","page":204},{"text":": للمسجدِ يخدُمُها.\nهذا من روايةِ عطاءِ بنِ السائبِ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ.\nوقاله - أيضًا -: مُجاهد، وعكرمة، وقتادةُ، والربيعُ بنُ أنسٍ وغيرُهم.\nوقال قتادةُ والربيعُ وغيرُهما: كانوا يُحَرِّرُونَ الذكورَ من أولادِهِم للكنيسةِ\nيخدُمُها، فكانتْ تظن أنَّ ما في بطنِهَا ذكرًا، فلمَّا وضعتْ أنثى اعتذرتْ من\nذلكَ إلى اللَّهِ، وقالتْ: (وَلَيْسَ الذَّكَر كالأُنثَى)، لأنَ الأنثى لا\nتقْوى على ما يقْوَى عليه الذكرُ من الخدمةِ، ولا تستطيعُ أن تلازمَ المسجدَ في\nحيضِها، فقالَ اللَّهُ ﷿: (فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبول حَسَنٍ) - يعني:\nأنَّ اللَّهَ قبِلَ نَذْرَها، وإنْ كان أنثَى، فإنه أعلمُ بما وضعتْ، وهذا كان في دينِ بني إسرائيلَ.\nوقد ذكَرَ طائفة من المفسرينَ: أنَّ هذا كانَ شرعًا لهُم، وأنَّ شرْعَنا غيرَ\nموافقٍ له.\nوخالفهُم آخرونَ:\nقال القاضي أبو يَعْلَى في \"كتاب أحكام القرآنِ \": هذا النذرُ صحيح في\nشريعتِنَا، فإنَّه إذا نذَرَ الإنسانُ أن ينَشِّئَ ولدَهُ الصغيرَ على عبادةِ اللَّهِ وطاعتِهِ\nوأنْ يعلمَه القرآنَ والفقهَ وعلومَ الدِّينِ صَحَّ النذرُ.\nوهذا الذي قالَهُ حقٌّ، فقدْ قالَ النبيُّ - ﷺ -:\n\"من نذَرَ أن يطيعَ اللهَ فليطعْه \".\nفلو نذرَ أحد أن يخدُمَ مسجدا للَّهِ ﷿ لزِمَه الوفاءُ بذلكَ مع القدرةِ،","vol":"1","page":205},{"text":"وأمَّا إنْ نذَرَ أن يجعلَ ولده للَّهِ ملازمًا لمسجدٍ يخدُمُه ويتعبَّدُ فيه، فلا يبعد أن\nيلزمَهُ الوفاءُ بذلكَ، فإنَّه نذرُ طاعةٍ فيلزمه أن يجرِّد ولدَه لما نذرَهُ له، ويجبُ\nعلى الولدِ طاعةُ أبيه إذا أمرَهُ بطاعةِ اللِّهِ ﷿.\nوقد نصَّ الإمامُ أحمدُ على أن الكافرينِ إذا جعَلا ولدهُمَا الصغيرَ مسلمًا\nصار مسلمًا بذلكَ.\nولو وقفَ عبْدَهُ على خدمةِ الكعبةِ صحَ - نصَّ عليه أحمدُ - أيضًا.\nونصَّ في عبدٍ موقوفٍ على خدمةِ الكعبةِ أنَّه إذا أبَى أن يخدُمَ بيعَ واشتُري\nبثمنِهِ عبد يخدمُ مكانَهُ.\nورَوَى سعيدُ بنُ سالم القداحُ، عن ابنِ أبي نَجيح، عن أبيهِ، أنَّ معاويةَ\nأخدَمَ الكعبةَ عبيدًا بعثَ بهم إليها، ثم اتَّبعتطْ ذلك الولاةُ بعدَهُ. خرَّجه\nالأزْرقي.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ)</span>\nقال اللَّهُ تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) .\nقالَ أبو هريرةَ - ﵁ - في هذه الآيةِ:\nيجيئونَ بهِم في السَّلاسلِ حتَّى يُدخلونَهُم الجنَّةَ.\nوفي الحديثِ المرفوع: \"عجبَ ربُّك من قومٍ يُقَادُون إلى الجنَّةِ بالسّلاسلِ \".","vol":"1","page":206},{"text":"فالجهادُ في سبيلِ اللَّهِ دعاءُ الخلْقِ إلى الإيمانِ باللَّهِ ورسولِهِ بالسَّيفِ\nواللسان، بعدَ دعائهِم إليه بالحجَّةِ والبرهانِ.\nوقد كانَ النبيُّ - ﷺ - في أولِ الأمرِ\nلا يقاتلُ قومًا حتى يدعُوهم.\nفالجهادُ به تعلُو كلمةُ الإيمانِ، وتتسعُ رُقْعَةُ الإسلامِ، ويكثُرُ الداخلون فيه.\nوهو وظيفةُ الرُّسل وأتباعهم، وبه تصيرُ كلمةُ اللَّهِ هي العُليا.\nوالمقصودُ منه أن يكونَ الدِّينُ كلُّه للَّهِ، والطاعةُ له، كما قال تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) .\nوالمجاهدُ في سبيلِ اللَّه هو المقاتلُ لتكونَ\nكلمةُ اللَّهِ هي العُليا خاصَّة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>قوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) </span>الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)\nوقد وصفَ اللَّهُ في كتابِهِ أهلَ الجنةِ ببذل النَّدى وكفِّ الأذى ولو كانَ\nالأذَى بحقٍّ فقال: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) .\nفهذا حال معاملتِهِم للخلقِ، ثم وصفَ قيامَهُم بحقِّ الحقِّ فقالَ: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) .","vol":"1","page":207},{"text":"فوصفَهُم اللَّهُ عندَ الذنوبِ والاستغفارِ وعدمِ الإصرارِ وهو حقيقةُ التوبةِ\nالنصوح.\nوقريبٌ من هذهِ الآيةِ قولُهُ تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (١٨) .\nوالعقبةُ قد فسَّرَها ابنُ عباس بالنارِ.\nوفسَّرها ابنُ عمرَ بعقبةٍ في النارِ كما تقدَّم، فأخبرَ سبحانَهُ أنَّ اقتحامَهَا.\nوهو قطعُها ومجاوزتُها يحصلُ بالإحسانِ إلى الخلقِ، إما بعتقِ الرقبةِ وإما بالإطعامِ في المجاعة، والمطعَمُ إما يتيمٌ من ذوي القُربى أو مسكينٌ قد لصِقَ بالترابِ فلم يبقَ له شيءٌ، ولا بدَّ مع الإحسانِ أن يكونَ من أهلِ الإيمانِ، والآمرُ لغيرِهِ بالعدلِ والإحسانِ، وهو التواصِي بالصبرِ والتواصي بالمرحمةِ، وأخبرَ سبحانَهُ أنَّ هذه الأوصافَ:\nأوصافُ أصحابِ الميمنةِ.\n* * *\nقوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)\n[قالَ البخاريُّ]: \"بابُ: خوفِ المؤمنِ أنْ يَحْبَطَ عملُهُ وهو لا يَشْعُرُ\":","vol":"1","page":208},{"text":"وقال إبراهيمُ التَيْمي: ما عرضتُ قوْلِي على عملي إلا خشيتُ أن أكُونَ\nمُكَذَّبًا.\nوقال ابنُ أبي مليكةَ: أدركتُ ثلاثينَ منْ أصحابِ النبيِّ - ﷺ -، كلُّهم يخافُ النِّفاقَ على نفسِهِ، ما منهم أحدٌ يقولُ: إنَّه على إيمانِ جبريلَ وميكائيلَ.\nويذكَرُ عنِ الحسنِ: ما خافَهُ إلا مُؤمنٌ، ولا أَمِنَهُ إلا مُنافقٌ.\nوما يحذَرُ منَ الإصرارِ على النفاق والعصيانِ من غيرِ توبة؛ لقولِ اللَّهِ\nتعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمون) .\nمرادُ البخاريِّ بهذا البابِ: الردُّ على المرجئةِ، القائلين بأنَّ المؤمنَ يقطعُ\nلنفسهِ بكمالِ الإيمان، وأنَّ إيمانَهُ كإيمانِ جبريلَ وميكائيلَ، وأنَّه لا يخافُ على\nنفسِهِ النفاقَ العمليًّ ما دام مؤمنًا.\nفذكر عن إبراهيمَ التيميِّ، أنَّه قال: ما عرضتُ قولي على عملي إلا\nخشيتُ أن أكونَ مكذَّبًا.\nوهذا معروفٌ عنه.\nوخرَّجه جعفر الفريابيُّ، بإسنادٍ صحيح عنه، ولفظُه: ما عرضتُ قولي\nعلى عملي إلا خشيتُ أن أكون كذابًا.\nومعناهُ: أنَّ المؤمنَ يصفُ الإيمانَ بقولِهِ، وعمَلُهُ يقصرُ عن وصفِه، فيخشى\nعلى نفسه أن يكونَ عملُه مكذبا لقولهِ.\nكما رُوي عن حذيفةَ، أنَّه قال: المنافقُ الذي يصفُ الإسلامَ، ولا يعملُ\nله.\nوعن عمرَ، قالَ: إنَّ أخوفَ ما أخافُ عليكمُ المنافقُ العليمُ.\nقالُوا: وكيفَ","vol":"1","page":209},{"text":"يكونُ المنافقُ عليمًا؟\nقالَ: يتكلمُ بالحكمةِ، ويعملُ بالجورِ - أو قال: بالمنكرِ.\nوقال الجعدُ أبو عثمانَ: قلتُ لأبي رجاءٍ العطارديِّ: هل أدركتَ منْ\nأدركتَ من أصحابِ رسول اللِّهِ - ﷺ - ّ يخشَونَ النفاق؟ قال: نعم، إنِّي أدركتُ - بحمدِ اللَهِ - منهم صدرًا حسنًا، نعم، شديدًا، نعم، شديدًا - وكان قد أدركَ عمرَ.\nوممَّن كان يتعوذُ من النفاقِ ويتخوَّفه من الصحابةِ: حذيفةُ وأبو الدرداءِ\nوأبو أيوب الأنصاريُّ.\nوأما التابعونَ، فكثير:\nقال ابنُ سيرينَ: ما عليَّ شيء أخوفُ من هذه الآية: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ\nآمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ) .\nوقالَ أيوبُ: كلُّ آيةٍ في القرآنِ فيها ذكرُ النفاقِ، فإنِّي أخافُها على نفسِي.\nوقال معاويةُ بنُ قرَّةَ: كان عُمَرُ يَخْشاهُ، وآمنُهُ أنا؟!\nوكلامُ الحسنِ في هذا المعنى كثيرٌ جدا، وكذلك كلامُ أئمةِ الإسلامِ\nبعدَهم.\nقال زيدُ بنُ أبي الزرقاءِ، عن سفيانَ الثوريِّ: خلافُ ما بيننا وبينَ المرجئةِ\nثلاثٌ. نقول: الإيمانُ قولٌ وعملٌ، وهم يقولون: الإيمانُ قول ولا عملٌ.\nونقولُ: الإيمانُ يزيدُ وينقصُ، وهم يقولونَ: لا يزيدُ ولا ينقصرُ.\nونحنُ نقول: النفاقُ، وهمْ يقولونَ: لا نفاقَ.\nوقال أبو إسحاقَ الفزاريُّ، عن الأوزاعيِّ: قد خاف عمرُ على نفسِهِ\nالنفاقَ، قال: فقلتُ للأوازعيِّ، إنهم يقولون: إن عمرَ لم يخفْ أن يكون","vol":"1","page":210},{"text":"يومئذٍ منافقًا حين سأل حذيفة، لكن خافَ أن يُبتَلَى بذلك قبلَ أن يموتَ\nقال: هذا قولُ أهلِ البدع.\nوقال الإمامُ أحمدُ - في روايةِ ابنِ هانئٍ - وسئلَ: ما تقول فيمن لا\nيخافُ النفاقَ على نفسِه؟ فقال: ومن يأمنُ على نفسِه النفاقَ؟\nوأصلُ هذا: يرجعُ إلى ما سبقَ ذكْرُهُ من أن النفاقَ أصغرُ وأكبرُ.\nفالنفاقُ الأصغرُ هو نفاقُ العملِ، وهو الذي خافه هؤلاءِ على أنفسهم.\nوهو بابُ النفاقِ الأكبرِ، فيُخْشى على من غلبَ عليه خصال النفاقِ الأصغرِ في حياتِهِ أن يخرِجَه ذلك إلى النفاقِ الأكبرِ، حتى ينسلخَ من الإيمانِ بالكليةِ. طما قال اللَّهُ تعالى: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّه قُلُوبَهُمْ) .\nوقال: (وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ) .\nوالأثرُ الذي ذكرَهُ البخاريُّ عن ابنِ أبي مليكةَ، هو معروفٌ عنه من روايةِ\nالصلتِ بنِ دينارٍ، عنه.\nوفي الصلتِ ضعفٌ.\nوفي بعضِ الرواياتِ عنهُ، عنِ ابنِ أبي مليكةَ، قال: أدركتُ زيادةً على\nخمسمائةٍ من أصحابِ رسول اللَّهِ - ﷺ -، ما ماتَ أحدٌ منهم إلا وهو يخافُ النفاقَ على نفسِهِ.\nوأما الأثرُ الذي ذكرَهُ عن الحسنِ، فقال: ويُذْكَر عنِ الحسنِ، قال: ما\nخافَه إلا مؤمنٌ، ولا أَمِنَهُ إلا منافقٌ.","vol":"1","page":211},{"text":"فهذا مشهور عن الحسنِ، صحيحٌ عنه.\nوالعجبُ من قولِه في هذا: \"ويُذْكَرُ\".\nوفي قولِهِ في الذي قبلَهُ:\n\"وقالَ ابنُ أبي مليكةَ\" جزمًا.\nقال الإمامُ أحمدُ في \"كتاب الإيمانِ \" له: حدثنا مؤمل، قال: سمعتُ\nحمَّادَ بنَ زيد، قال: ثنا أيوبُ، قال: سمعتُ الحسنَ يقولُ: واللَّهِ، ما أصبحَ\nعلى وجهِ الأرض مؤمن، ولا أمسَى على وجهها مؤمن، إلا وهو يخافُ\nالنفاقَ على نفسه، وما أمِنَ النفاقَ إلا منافق.\nحدثنا روحُ بنُ عبادةَ، قالَ: ثنا هشام، قالَ: سمعتُ الحسنَ يقولُ: واللَّهِ.\nما مضى مؤمن ولا بقي إلا يخافُ النفاقَ، ولا أمِنَهُ إلا منافق.\nوروى جعفرُ الفريابيُّ في \"كتاب صفة المنافقِ \" من حديثِ جعفرِ بنِ\nسليمانَ، عن معلَّى بنِ زيادٍ، قال: سمعتُ الحسنَ يحلفُ في هذا المسجدِ\nباللَّهِ الذي لا إله إلا هو، ما مضى مؤمن قطُّ ولا بقي إلا وهو من النفاقِ\nمشفقٌ، ولا مضى منافق قطُّ ولا بقيَ إلا وهو منَ النفاقِ آمِن.\nقال: وكانَ يقولُ: من لم يخفِ النفاقَ فهو منافقٌ.\nوعن حبيبِ بنِ الشهيدِ، عنِ الحسنِ، قال: إنَّ القومَ لما رأوْا هذا النفاقَ\nيغُولُ الإيمانَ لم يكن لهم همّ غيرَ النفاقِ.\nوالرواياتُ في هذا المعنى عن الحسنِ كثيرةٌ.\nوقولُ البخاريِّ بعدَ ذلكَ: \"وما يحذرُ من الإصرارِ على النفاقِ والعصيانِ","vol":"1","page":212},{"text":"من غيرِ توبة، لقولِ اللَّهِ تعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) .\nفمرادُه: أنَّ الإصرارَ على المعاصِي وشعبِ النفاق من غيرِ توبة؛ يُخشى\nمنها أن يعاقبَ صاحبُها بسلبِ الإيمانِ بالكليَّة، وبالوصولِ إلى النفاقِ الخالصِ\nوإلى سوءِ الخاتمةِ، نعوذُ باللَّهِ من ذلكَ، كما يقال: إنَّ المعاصي بريدُ الكفرِ.\nوفي \"مسندِ الإمامِ أحمدَ\" من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عنِ النبيِّ\n- ﷺ -، قال: \"ويل لأقْماع القولِ، ويل للذين يُصرُّون على ما فعلوا وهم يعلمون \".\nوأقماعُ القولِ: الذين آذانهم كالقمع، يدخلُ فيه سماعُ الحقِّ من جانبٍ.\nويخرجُ من جانبٍ آخرَ، لا يستقرُّ فيه.\nوقد وصفَ اللَّهُ أهلَ النارِ بالإصرارِ على الكبائرِ، فقال: (وَكانُوا يُصِرُّونَ\nعَلَى الْحِنثِ الْعَظِيم) .\nوالمرادُ بالحنثِ: الذنبُ الموقِعُ في الحنْثِ، وهوَ الإثمُ.\nوتبويبُ البخاريِّ لهذا البابِ يناسبُ أن يذكرَ فيه حبوطَ الأعمالِ الصالحةِ\nببعضٍ الذنوبِ، كما قال تعالى: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِي وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكمْ وَأَنتمْ لا تَشْعُرُونَ) .\nقال الإمامُ أحمدُ: حدثنا الحسنُ بنُ موسى، قالَ: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ.\nعن حبيب بنِ الشهيد، عن الحسنِ، قالَ: ما يرى هؤلاءِ أن أعمالًا تحبطُ\nأعمالًا، واللًّهُ ﷿ يقولُ: (لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ) إلى قوله: (أَن تَحْبَطَ\nأَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لا تَشْعُرُونَ) .","vol":"1","page":213},{"text":"وما يدل على أن هذا - أيضًا - قولُ اللَّهِ ﷿: (يَا أَيهَا الَذِينَ آمَنُوا لا\nتُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى) الآية.\nوقال: (أَيَوَدُّ أَحَدُكم أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ من نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ) الآية.\nوفي \"صحيح البخاريِّ \"، أن عمر سألَ الناسَ عنها، فقالُوا: اللَّه أعلمُ.\nفقال ابنُ عباس: ضربتْ مثلًا لعمل. قال عمرُ: لأيِّ عملٍ؟\nقال ابنُ عباسٍ: لعملٍ. قال عمرُ: لرجل غني يعملُ بطاعةِ اللَّهِ، ثم يبعثُ اللَّهُ إليه الشيطان فيعملُ بالمعاصي، حتى أغرقَ أعمالَه.\nوقال عطاء الخراساني: هو الرجلُ يختمُ له بشركٍ أو عملِ كبيرةٍ، فيحبطُ\nعملَه كلَّه.\nوصحَّ عن النبيِّ - ﷺ -، أنَّه قال:\n\"من ترك صلاةَ العصرِ حبطَ عملُهُ \".\nوفي \"الصحيح \" - أيضًا -: \"أنَّ رجلًا قال: واللَّهِ، لا يغفرُ اللَّهُ لفلانٍ، فقالَ اللهُ: من ذا الذي يتألَّى عليَّ أن لا أغفرَ لفلانٍ، قد غفرتُ لفلانٍ وأحبطتُ عملَك \".\nوقالتْ عائشةُ: أَبْلِغِي زيدًا، أنه أحبطَ جهادَه مع رسول اللَّهِ - ﷺ -، إلا أن يتوب.\nوهذا يدلُّ على أن بعضَ السيئاتِ تحبطُ بعضَ الحسناتِ، ثم تعودُ بالتوبةِ\nمنها.","vol":"1","page":214},{"text":"وخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ في \"تفسيره\"، من روايةِ أبي جعفرَ، عن الربيع بن\nأنسٍ، عن أبي العاليةِ، قال: كانَ أصحابُ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - يرونَ أنه لا يضرّ مع الإخلاص ذنبٌ، كما لا ينفعُ مع الشركِ عملٌ صالحٌ، فأنزلَ الله ﷿: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعوا اللَّهَ وَأَطِيعوا الرَّسولَ وَلا تبْطِلُوا أَعْمَالَكمْ) .\nفخافُوا الكبائرَ بعدُ أن تحبطَ الأعمالَ.\nوبإسنادهِ، عن الحسنِ، في قولِهِ: (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)، قال: بالمعاصي.\nوعن معمرٍ، عن الزهري، في قولِهِ تعالى: (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُم) قال:\nبالكبائر.\nوبإسنادِهِ، عن قتادةَ، في هذه الآيةِ، قال: من استطاعَ منكم أن لا يبطلَ\nعملًا صالحًا عملَه بعملٍ سيئٍ فليفعلْ، ولا قوةَ إلا باللَّهِ، فإن الخير ينسخُ\nالشرَّ، وإن الشرَّ ينسخُ الخير، وإن مِلاكَ الأعمالِ خواتيمُها.\nوعن السّدِّيِّ، قال في هذه الآية: يقول: لا تعصوا الرسولَ - ﷺ - فيما يأمرُكم به من القتالِ، فتبطل حسناتُكم\nوعن مقاتلِ بنِ حيان، قال: بلغَنَا أنها نزلتْ فشقَّت على أصحابِ النبيِّ\n- ﷺ - وهم يومئذ يروْنَ أنه ليس شيءٌ من حسناتِهِم إلا هي مقبولةٌ، فلما نزلتْ هذه الآيةُ، قال أبو بكرٍ:\nما هذا الذي يبطلُ أعمالنا؟ فبلغني - واللهُ أعلمُ -\nأنهم ذكروا الكبائرَ التي وجبتْ لأهلها النارُ، حتى جاءت الآيةُ الأخرى: (إِنَّ\nاللَّهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ) .\nفقال ابنُ عمرَ: لما جاءتْ هذه الآية ُ، كفَفْنا عن القولِ في ذلك، وردَدْنا إلى اللَّهِ ﷿،","vol":"1","page":215},{"text":"وكنا نخافُ على من رَكبَ الكبائرِ والفواحشَ أنها تهلكُه.\nوالآثارُ عن السلفِ في حبوطِ بعضِ الأعمالِ بالكبيرةِ كثيرة جدًّا، يطولُ\nاستقصاؤها.\nحتَّى قالَ حذيفةُ: قذفُ المُحْصنةِ يَهدِمُ عملَ مائة سنةٍ.\nوخرَّجه البزار عنه مرفوعًا.\nوعن عطاءٍ، قال: إنَّ الرجل ليتكلَّمُ في غضبِهِ بكلمةٍ، يهدِم بها عملَ\nستينَ سنةٍ، أو سبعينَ سنةٍ.\nوقال الإمامُ أحمدُ - في روايةِ الفضلِ بنِ زيادٍ، عنه -: ما يؤمنُ أحدُكم\nأن ينظرَ النظرةَ، فيحبطَ عملُه.\nوأمَّا مَن زعم أن القولَ بإحباطِ الحسناتِ بالسيئاتِ قولُ الخوارج والمعتزلةِ\nخاصةً، فقد أبطلَ فيما قال، ولم يقفْ على أقوالِ السلفِ الصالح في ذلك.\nنعم، المعتزلةُ والخوارجُ أبطلُوا بالكبيرةِ الإيمانَ كلَّه، وخلَّدُوا بها في النارِ.\nوهذا هو القولُ الباطلُ، الذي تفرَدُوا به في ذلك.\nثم خرَّج البخاريُ في هذا البابِ حديثينِ:\nأحدُهما: حديث: شُعْبةَ، عن زُبيدٍ، قالَ: سألتُ أبا وائل عن المُرْجئة؟\nفقالَ: حدَّثني عبدُ اللَّهِ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"سبابُ المسلم فُسُوقٌ وقِتالُهُ كفرٌ\".\nفهذا الحديثُ ردَّ به أبو وائلٍ على المرجئةِ، الذي لا يُدخلون الأعمالَ في","vol":"1","page":216},{"text":"الإيمانِ، فإن الحديثَ يدلُّ على أنَّ بعضَ الأعمالِ يسمَّى كفرًا، وهو قتالُ\nالمسلمينَ، فدلَّ على أنَّ بعضَ الأعمالِ يسمَّى كفرًا، وبعضَها يسمَّى إيمانًا.\nوقد اتهمَ بعضُ فقهاءِ المرجئة أبا وائلٍ في روايةِ هذا الحديثِ.\nوأما أبو وائلٍ، فليس بمتهمٍ، بل هو الثقةُ العدلُ المأمونُ.\nوقد رواه معه، عن ابنِ مسعودٍ - أيضًا - أبو عمرٍو الشيبانيُّ وأبو الأحوصِ\nوعبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ.\nلكن، فيهم من وقفَه.\nورواه - أيضًا - عن النبيِّ - ﷺ -: سعدُ بنُ أبي وقاصٍ، وغيرُه.\nومثلُ هذا الحديثِ: قولُ النبيِّ - ﷺ -:\n\"لا ترجعوا بعدِي كفارًا، يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ\".\nوقد سبقَ القولُ في تسميةِ بعضِ الأعمالِ كفرًا وإيمانًا مستوفًى في\nمواضعَ.\nقال أبو الفرج زينُ الدّينِ ابنُ رجبٍ: وقد ظهرَ لي في القرآن شاهدٌ\nلتسميةِ القتالِ كفرًا، وهو قولُه تعالى - مخاطبًا لأهلِ الكتابِ -:\n(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) .","vol":"1","page":217},{"text":"والمعنى: أنَّ اللَّهَ حرَّم على أهلِ الكتابِ أن يقتلَ بعضُهم بعضًا، أو يخرجَ\nبعضُهم بعضًا من دارِه، وكان اليهودُ حلفاء الأوسِ والخزرج بين المدينة، فكانَ إدْا وقعَ بينَ الأوسِ - أو الخزرج - وبينَ اليهودِ قتالٌ، ساعدَ كل فريقٍ من اليهودِ بحلافه من الأوسِ والخزرج على أعدائِهم، فقتلوهم معهم.\nوأخرجُوهم معهُم من ديارِهم، بعد أن حُرِّم عليهم ذلكَ في كتابهِم وأقرُّوا\nبهِ، وشهدُوا به، ثُمَّ بعدَ أن يؤسَرَ أولئكَ اليهودُ يفدوهُم هؤلاءِ الذين\nقاتلُوهم، امتثالًا لما أُمِروا به في كتابِهم من افتداءِ الأسرى منهم.\nفسمَّى اللَّهُ ﷿ فعلَهم للافتداءِ لإخوانهم إيمانًا بالكتابِ، وسمَّى\nقتلَهم وإخراجَهم من ديارِهم كفرًا بالكتابِ، فدلتْ هذه الآية ُ على أنَّ القتالَ والإخراجَ من الديارِ إذا كان محرَّمًا يسمَّى كفرًا، وعلى أن فعلَ بعضِ\nالطاعاتِ يسمَّى إيمانًا؛ لأنه سمَّى افتداءهم للأسارى إيمانًا.\nوهذا حسنٌ جدًّا، ولم أرَ أحدًا من المفسرينَ تعرَّض له، وللَّهِ الحمدُ والمنَّةُ.\nوالحديثُ الثاني:\nحديث: عُبادةَ بنِ الصامتِ، أنَّ النبيَّ - ﷺ -\nخرَجَ يُخبرُ بليْلةِ القدْرِ، فتَلاحَى رَجُلانِ من المسلمينَ، فقالَ: \"إنِّي خرجتُ لأخْبِرَكُم بليلةِ القدْرِ، وإنَّه تلاحَى فُلانٌ وفُلانٌ فَرُفِعَتْ، فعسى أن يكون خيرًا لكُم، التمسُوها في السَّبعْ والتِّسع والخَمْسِ \".\nإنَّما خرَّج البخاريُّ هذا الحديثَ في هذا البابِ، لذكرِ التلاحي.\nوالتلاحي: قد فسِّر بالسبابِ، وفسِّر بالاختصامِ والمُمَاراةِ من دونِ سبابِ.","vol":"1","page":218},{"text":"ويؤيدُ هذا: أنه جاء في روايةٍ في \"صحيح مسلم \": \"فجاء رجلانِ\nيحتقَّان \"أيْ: يطلبُ كلُّ واحدٍ منهما حقَّه من الآخرِ، ويخاصمُه في ذلكَ.\nفمن فسَّره بالسبابِ احتملَ عنده إدخال البخاريِّ للحديثِ في هذا البابِ:\nأنَّ السباب تُعجَّلُ عقوبتُه حتى يُحرمَ المسلمونَ بسببِه معرفةَ بعضٍ ما يحتاجُون\nإليه من مصالح دينهم.\nوإنما رجا النبيُّ - ﷺ - أن يكون ذلك خيرًا، لأن إبهامَ ليلةِ القدْرِ أدْعى إلى قيام العشر كلِّه - أو أوْتَارِه - في طلبِها، فيكونُ سببًا لشدةِ الاجتهادِ وكثرتِه، ولكنَّ بيانَ تلك الليلةِ ومعرفتَهم إياها بعينِها له مزيةٌ على إبهامِها، فرُفِع ذلك بسبب التلاحي.\nفدلَّ هذا الحديثُ على أن الذنوبَ قد تكون سببًا لخفاءِ بعضِ معرفةِ ما\nيحتاجُ إليه في الدِّينِ.\nوقال ابنُ سيرينَ: ما اختلفَ في الأهلِ (١) حتى قُتلَ عثمانُ.\nفكلَّما أحدثَ الناسُ ذنوبًا أوجب ذلك خفاءَ بعضِ أمورِ دينِهِم عليهم.\nوقد يكونُ في خفائِه رخصةٌ لمن ارتكبَه، وهو غيرُ عالمٍ بالنهي عنه، إذ لو\nعلِمَه ثم ارتكبَه لاستحقَّ العقوبةَ.\nومَن فسَّر التلاحي بالاختصامِ، قال: مرادُ البخاريِّ بإدخالهِ هذا الحديثَ\nفي هذا البابِ: أنَّ التلاحِي من غيرِ سبابٍ ليس بفسوق، ولا يترتَّبُ عليه\nحكمُ الفسوقِ، لأنه كان سببًا لما هو خيرٌ للمسلمينَ.\n_________\n(١) كذا في الأصل، ولعله الأهلة.","vol":"1","page":219},{"text":"وهذا هو الذي أشارَ إليه الإسماعيليُّ.\nوفيه نظر. واللَّهُ أعلمُ.\nويحتملُ أن يكونَ مرادُ البخاريِّ: أن السبابَ ليس بمخرج عن الإسلامِ.\nمع كونِه فسوقا، ولهذا قالَ في الحديثِ: \"فتلاحى رجلانِ من المسلمين \".\nفسمَّاهُما مسلمينِ مع تلاحِيهما.\nوفي \"مسندِ البزارِ\" من حديثِ معاذٍ، عن النبيِّ - ﷺ -، أنَّه قالَ: \"إنَّ أولَ شيءٍ نهاني عنه ربِّي بعد عبادةِ الأوثانِ شربُ الخمرِ، وملاحاةُ الرِّجالِ \".\nوفي إسنادِهِ: عمرُو بنُ واقدٍ الشاميُّ، وهو ضعيف جدًّا.\nوإنما حُرمتِ الخمرُ بعدَ الهجرةِ بمدةٍ.\nولكن رواه الأوزاعيُّ، عن عروةَ بنِ رُوَيم - مرسلًا.\nخرَّجه أبو داودَ في \"مراسيلِهِ \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>قوله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ </span>فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (١٥٩)\nفالعبدُ يحتاجُ إلى الاستعانةِ باللَّهِ والتوكلِ عليهِ في تحصيلِ العزمِ، وفي\nالعملِ بمقتضَى العزمِ بعدَ حصولِ العزمِ، قالَ اللَّهُ: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) .","vol":"1","page":220},{"text":"والرشدُ: هو طاعةُ الله ورسولِه، قالَ اللهُ تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) .\nوكان النبيُّ - ﷺ - يقولُ في خطبتِهِ: \"من يطع اللَّهَ ورسولَهُ فقدْ رَشَد، ومن يعصِ اللهَ ورسولَهُ فقد غَوَى\".\nوالرشدُ ضِدُّ الغَيِّ، قال تعالى: (قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) .\nفمن لم يكنْ رشيدًا فهوَ إمَّا غاوٍ وإمَّا ضال، كما قالَ تعالى: (مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى) .\nفالغاوي: من تعمَّدَ خلافَ الحقِّ، والضالُّ: من لم يتعمَّدْ.\nوالعزمُ نوعانِ: أحدُهما: عزمُ المريدِ على الدخولِ في الطريقِ، وهو من\nالبداياتِ.\nوالثانِي: العزمُ على الاستمرارِ على الطاعاتِ بعدَ الدخولِ فيها، وعلى\nالانتقالِ من حالٍ كامل إلى حالٍ أكملَ منهُ، وهو مِنَ النهاياتِ، ولهذا سمَّى\nاللَّهُ تعالى خواصَّ الرسلِ وهم أُولُو العزمِ، وهم خمسةٌ، وهم أفضلُ\nالرسلِ، فالعزمُ الأولُ يحصِّلُ للعبدِ الدخولَ في كلّ خيرٍ والتباعُد من كلِّ شر\nإذْ به يحصلُ للكافرِ الخروجُ من الكفرِ والدخولُ في الإسلامِ، وبه يحصلُ\nللعاصِي الخروجُ من المعصيةِ والدخولُ في الطاعةِ، فإذا كانتِ العزيمةُ صادقةً.\nوصمَّمَ عليها صاحبُها، وحملَ على هَوَى نفسِهِ وعلى الشيطانِ حملةً صادقةً\nودخلَ فيما أُمِرَ به من الطاعاتِ؛ فقد فازَ.\nوعونُ اللَّهِ للعبدِ على قدرِ قوةِ عزيمتِهِ وضعفِهَا، فمنْ صمَّمَ على إرادةِ","vol":"1","page":221},{"text":"الخيرِ أعانَهُ وثبته؛ كما قِيل:\nعلى قدرِ أهلِ العزمِ تأتى العزائمُ. . . وتأتِي على قدرِ الكرامِ المكارمُ\nقال أبو حازمٍ: إذا عَزَمَ العبدُ على تركِ الآثامِ أتتْهُ الفتوح.\nيشيرُ إلى ما يفتحُ عليه بتيسيرِ الإنابةِ والطاعةِ ومقاماتِ العارفينَ.\nسُئِلَ بعضُ السلفِ: متى ترتحلُ الدُّنيا من القلبِ؟\nقال: إذا وقعتِ العزيمةُ، ترحلتِ الدنيا من القلبِ\nودرجَ القلبُ في ملكوتِ السماءِ، وإذا لم تقع العزيمةُ اضطربَ القلبُ ورجعَ\nإلى الدُّنيا، مَنْ صدقَ العزيمةَ يئسَ منه الشيطانُ، ومتى كانَ العبدُ مترددًا طمعَ فيه الشيطانُ وسوَّفَهُ ومنَاه، يا هذا، كلما رآكَ الشيطانُ قد خرجتَ من مجلسِ الذكرِ كما دخلتَ، وأنت غيرُ عازمٍ على الرشدِ فرِحَ بك إبليسُ، وقال: فديتُ من لا يفلحُ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>قوله تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤)</span>\nإنَّ أعظم نعم اللَّهِ على هذه الأُمَّة إظهارُ محمدٍ - ﷺ - لهم وبعثتهُ وإرسالُهُ إليهم، كما قال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) .\nفإنَّ النِّعْمةَ على الأُمَّةِ بإرسالِهِ أعظمُ من النِّعْمةِ عليهم بإيجادِ السماءِ.\nوالأرضِ، والشَّمسِ، والقمرِ، والرِّياح، والليلِ، والنَّهارِ، وإنزال المطرِ،","vol":"1","page":222},{"text":"وإخراج النباتِ، وغيرِ ذلك؛ فإنَّ هذه النِّعمة كلَّها قد عمَّتْ خلْقًا من بني آدمَ كفَرُوا باللَّهِ وبرُسُلهِ وبلقاءهِ، فبدّلوا نعمةَ اللَّهِ كفرًا.\nوأمَّا النِّعْمةُ بإرسالِ محمدٍ - ﷺ -، فإنَّ بها تمَّتْ مصالحُ الدنيا والآخرةِ، وكَمُلَ بسببها دينُ اللهِ الذي رَضيَهُ لعبادِه، وكان قبولُه سببَ سعادَتِهِم في دُنياهم وآخرتِهِم، فصيامُ يومٍ تجدَّدَتْ فيه هذه النِّعمُ من اللَّه على عبادهِ المؤمنينَ حسنٌ جميلٌ، وهو من بابِ مقابلةِ النِّعم في أوقاتِ تجدُّدِها بالشكر.\nونظيرُ هذا صيامُ يومِ عاشوراءَ حيث أنجَى اللَّهُ فيه نوحًا من الغرقِ، ونجَّى فيه\nموسى وقوْمَه من فرعون وجنودِهِ، وأغرقهم في اليمِّ، فصامَهُ نوح وموسى\nشكرًا للَّهِ، فصامَهُ رسول اللَّهِ - ﷺ - متابعةً لأنبياءِ اللَّهِ، وقال لليهودِ: \"نحنُ أحقُّ بموسى منكم \" فصامه وأمَرَ بصيامِهِ.\nوقد رُوي أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يتحرَّى صيامَ يومِ الاثنينِ ويومِ الخميس، رُوي ذلك عنه من حديثِ عائشةَ، وأبي هريرةَ، وأسامةَ بن زيدٍ.\nوفي حديثِ أُسامةَ أنَّه سأله عن ذلك، فقال - ﷺ -: \"إنَّهما يومان تُعرَضُ فيهما الأعمالُ على رَبِّ العالمين، فأُحِبُّ أن يُعْرَضَ عمَلِي وأنا صائم\".\nوفي حديثِ أبي هريرةَ، أنَّه سُئِلَ عن ذلك، فقال، \"إئه يُغْفَرُ فيهما لكل مسلم، إلا مُهْتجِرَيْنِ، يقولُ: دعْهُما حتى يصطلحا\".","vol":"1","page":223},{"text":"وفي \"صحيح مسلم\" عن أبي هريرة مرفوعًا: \"تفتح أبوابُ الجنةِ يومَ الاثنين\nوالخميس، فيُغْفَرُ لكلّ عبدٍ لا يُشْركُ باللَّهِ شيئًا، إلا رجلٌ كانتْ بينه وبين أخيه شحناءُ.\nفيقالُ: أنظِرُوا هذين حتَّى يصْطلحا\".\nويُروى من حديثِ أبي أمامة مرفوعًا:\n\"تُرْفع الأعمالُ يومَ الاثنينِ والخميسِ.\nفيُغْفَرُ للمستغْفِرينَ، ويُتركُ أهلُ الحِقْدِ بحقدِهِم \".\nوفي \"المسندِ\" عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"إنَّ أعمالَ بني آدمَ تُعْرَضُ على اللَّهِ ﵎ عشيّةَ كلِّ خميسٍ، ليلة الجُمعة، فلا يُقْبَل عَمَلُ قاطع رَحِم \".\nكان بعضُ التابعينَ يبْكي إلى امرأته يومَ الخميسِ وتبكي إليه، ويقول:\nاليومَ تُعْرَضُ أعمالُنا على اللَّهِ ﷿.\nيا من يُبَهْرِجُ بعملِهِ، على مَنْ تُبَهْرِجُ، والناقدُ بصيرٌ؛ يا منْ يُسوِّفُ بتطويلِ\nأمَلِه، إلى كمْ تسوِّفُ والعُمُرُ قصير؟\nصرُوفُ الحَتْفِ مُتْرَعَةُ الكؤوسِ. . . تُدارُ على الرَّعايا والرُّؤوسِ\nفلا تتْبَعْ هواكَ فكل شَخْصٍ. . . يصيرُ إلى بِلى وإلى دُرُوسِ\nوخَفْ مِن هوْلِ يومٍ قمطريرٍ. . . مَخُوفٍ شرةُ ضنْكٍ عبُوسِ\nفما لَكَ غيرُ تقوى اللَهِ زادًا. . . وفِعْلُكَ حين تُقْبَرُ من أنيسِ\nفحَسِّنْهُ ليُعْرضَ مُستقيمًا. . . ففي الاثنينِ يُعرَضُ والخميسِ\n* * *","vol":"1","page":224},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-46>قوله تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ </span>وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)\nأما الأنبياءُ عليهمُ الصلأةُ والسلامُ، فليسَ فيهم شكّ أنَّ أرواحَهم عندَ اللَّه\nفي أعلى عليين.\nوقد ثبتَ في \"الصحيح \" أنَّ آخرَ كلمة تكلَّم بها النبيُّ - ﷺ - عند موتِهِ أنْ قالَ: \"اللَّهُمَّ الرفيقُ الأعلى\" وكرَّرها حتى قبضَّ.\nوقال رجل لابنِ مسعود: قُبضَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - فأينَ هُو؟ قال: في الجنةِ.\nوأمَّا الشهداءُ فأكثرُ العلماءِ على أنهم في الجنةِ، وقد تكاثرتِ الأحاديثُ\nبذلك.\nففي \"صحيح مسلم \" عن مسروق، قالَ: سألنا عبدَ اللَّهِ بنَ مسعودَ - ﵁ -، عن هذه الآيةِ: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)، فقالَ: أما إنا قدْ سألنا رسولَ اللهِ - ﷺ - عن ذلكَ، فقال: \"أرواحُهُم في جوفِ طيرٍ خضرٍ، لها قناديلُ معلقة بالعرشِ، تسرحُ في الجنةِ حيثُ شاءتْ، ثم تأوي إلى تلكَ القناديلِ، فاطَّلع إليهم ربُّهم اطلاعة، فقالَ:\nهل تشتهونَ شيئًا؛ قالُوا: أيَّ شيء نشتهي ونَحنُ نسرحُ من الجنةِ حيثُ شِئنا، ففعلَ ذلكَ بهم ثلاثَ مرات، فلمَّا رأوَا أنَّهم لم يُتركوا من أنْ يُسألوا، قالُوا: يا ربَّ نريدُ أن تردَّ أرواحَنا في أجسادِنا حقى نقتلَ في سبيلِكَ مرة أُخرى، فلمَّا رأى أنْ ليسَ لهم حاجةً تُرِكُوا \".","vol":"1","page":225},{"text":"روى الإمام أحمدُ، وأبو داودَ، والحاكم، من حديثِ سعيدِ بنِ جبيرٍ.\nعن ابنِ عباسٍ - ﵂ -، قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لمَّا أصيبَ إخوانُكم بأحدٍ جعلَ اللَّهُ أرواحَهم في أجوافِ طيرٍ خضرٍ، تردُ أنهارَ الجنةِ، وتأكلُ من ثمارِها، وتأوِي إلى\nقنادِيلَ من ذهبٍ، معلقةٍ في ظلِّ العرشِ، فلمَّا وجدُوا طيبَ مأكلهِم ومشربِهِم ومقيلِهم، قالُوا: من يبلغُ عنَّا إخوانَنا أنا أحياءٌ في الجنةِ نرزقُ، لئلا ينكُلوا عن الحربِ، ولا يزهدُوا في الجهادِ؟ \" قال: \"فقال اللَّهُ ﷿: أنا أبلِّغُهم عنكُم، فأنزلَ اللَّهُ تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) \".\nوخرَّج أبو عبد اللَّهِ بن منده وغيرُهُ، حدثنا إسماعيلُ بنُ المختارِ عن عطيةَ.\nعن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"أرواحُ الشهداءِ في طيرٍ خضرٍ، ترعى في رياضِ الجنةِ، ثم يكونُ مأواها إلى قناديلَ معلقةٍ بالعرشِ، فيقولُ لهم الربّ ﷿:\nهلْ تعلمونَ ك رامةً أكرمَ مِنْ كرامةٍ أَكْرَمتُكُموها؟\nفيقولون: لا، إنَّا وَدَدْنا أنك رددتَ أرواحَنا في أجسادنا حتى نقاتلَ مرةً أخرى، فنقتلَ في سبيلِكَ \".\nوخرَّج أبو الشيخ الأصبهانيُّ وغيرُهُ، من طريقِ عبدِ اللَّهِ بنِ ميمونَ، عن\nعمِّه مصعبِ بنِ سليمٍ، عن أنسٍ - ﵁ -، أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"يبعثُ اللَهُ الشهداءَ من حواصلِ طيرٍ بيضٍ كانُوا في قناديلَ معلقةٍ بالعرشِ \".\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ وصححه، من حديثِ عمرِو بنِ دينارٍ.\nعن الزهريِّ، عن عبد الرحمن بن كعبِ بنِ مالكٍ، عن أبيه، أنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ -","vol":"1","page":226},{"text":"قالَ: \"إنَّ أرواح الشهداءِ في طير خضر، تعْلُقُ من شجرِ الجنة\".\nكذا رواه عمرُو، عنِ الزهريّ، ورواه سائرُ أصحابِ الزهريِّ عنه، ولم يذكرُوا: الشهداءَ، إنَّما ذكروا نسمةَ المؤمنِ وسيأتِي حديثُهم إن شاءَ اللَّهُ.\nوقد ذكرنا فيما تقدم حديثَ أبي عبادةَ عيسى بنِ عبدِ الرحمنِ، عن\nالزهريِّ، عن عامرِ بنِ سعدٍ، عن إسماعيلَ بنِ طلحةَ بنِ عبيدِ اللَّهِ، عن\nأبيه، عن النبيِّ - ﷺ - في شهداءِ أحدٍ، وهو منكر، وأبو عبادةَ هذَا: ضعيفٌ جدًّا.\nوخرَّج ابنُ منده، من طريقِ معاويةَ بنِ صالح، عن سعيدٍ بنِ سويدٍ، أنّه\nسألَ ابنَ شهابٍ عن أرواح المؤمنينَ فقالَ: بلغني أن أرواحَ الشهداءِ كطيرٍ\nخضرٍ معلقة بالعرشِ، تغدُو ثم تروحُ إلى رياضِ الجنةِ، تأتي ربَّها ﷿\nفي كلِّ يومٍ تسلِّمُ عليه، وهذا أشبهُ.\nوكذا قال الضحاكُ، وإبراهيمُ التيميُّ، وغيرُهما من السلفِ، في أرواح\nالشهداءِ.\nوخرَج ابنُ منده، من طريقِ عبدِ الرحمن بن زيادِ بنِ أنعمَ، عن حِبَّانَ بنِ\nأبي جبلةَ، قالَ: بلغني أنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"إنَّ الشهداءَ إذا استشهدُوا أنزلَ اللَّهُ جسدًا كأحسنِ جسد، ثم يقالُ لروحه: ادخلي فيه، فينظر إلى جسدهِ الأولِ ما يُفْعلُ به، ويتكلمُ فيظنُ أنهم يسمعونَ كلامَه، وينظرُ بهِم، فيظنُّ أنهم ينظرونَه، حتى تأتيَه أزواجُه - يعني الحورَ العينِ - فيذهبْنَ بِهِ \".\nويشهدُ لهذه النصوصِ - أيضًا - ما في \"الصحيحينِ \" عن جابرٍ، قالَ:","vol":"1","page":227},{"text":"قالَ رجل يومَ أُحُدٍ: أين أنا إنْ قتلتُ يا رسولَ اللَّه؟ قال: \"في الجنة\"، فألقى تمراتٍ كنَّ في يدهِ، ثم قاتلَ حتى قُتِلَ.\nوفي \"صحيح مسلم \" عن أنسٍ - ﵁ -، أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال لأصحابِهِ يومَ بدرٍ:\n\"قومُوا إلى جنة عرضُها السماواتُ والأرضُ \".\nوذكر قصةَ عميرِ بن الحمامِ.\nوفي \"صحيح البخاريِّ \" عن المغيرةِ بن شعبةَ، قالَ: أخبرنا نبيُّنا - ﷺ - عن رسالةِ ربِّنا أنه من قُتِلَ صارَ إلى الجنةِ.\nو\"فيه \" - أيضًا - عن المسورِ بنِ مَخْرَمةَ، ومروانَ بنِ الحكم، أنَّ عمرَ\n- ﵁ -، قال للنبيِّ - ﷺ - يومَ الحديبيةِ: أليسَ قتلانا في الجنةِ وقتلاهُم في النارِ؟\nقال: \"بلَى\".\nوفي \"صحيح مسلم\" عن أبي مُوسى، عن النبيِّ - ﷺ -\nقالَ: \"إنَّ أبوابَ الجنةِ تحتَ ظلالِ السيوفِ \".\nوفي \"صحيح البخاريِّ \" عن أنسٍ - ﵁ -، قالَ: أصيبَ حارثة يومَ بدرٍ - وهو غلامٌ - فجاءتْ أمُّه إلى النبيِّ - ﷺ - فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، قد عرفتَ منزلةَ حارثةَ مِنِّي، فإن يكنْ في الجنةِ صبرتُ واحتسبتُ، وإن تكن الأُخرى ترى ما أصنعُ؟\nقالَ: \"ويحكِ أو هبلتِ؟ جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة، وإنهُ في جنةِ الفردوسِ \".","vol":"1","page":228},{"text":"وخرَّج الترمذيُّ، والحاكم، من حديثِ أبي هريرةَ - ﵁ -.\nعن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"رأيتُ في الجنةِ جعفرًا يطيرُ مع الملائكةِ\".\nوخرَّج الحاكم من حديثِ ابنِ عباس - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"دخلتُ البارحةَ الجنةَ فنظرتُ فيها، فإذا جعفرُ يطيرُ مع الملائكةِ، وإذا حمزةُ متكئٌ على سرير\".\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ، وأبو يَعْلى، وابنُ أبي الدنيا، من حديثِ ثابتٍ.\nعن أنسٍ - ﵁ -، قالَ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - تعجبُهُ الرؤيا الحسنةُ، فكانَ فيما يقولُ: \"هل رأى أحا منكم رؤْيا؟ \"\nفإذا رأى الرجلُ الذي لا يعرفُه الرؤْيا، سألَ عنه، فإن أخبرَ عنه بمعروفٍ كان أعجبَ لرؤياه، قال: فجاءتِ امرأةٌ فقالتْ:\nيا رسولَ اللَّهِ، رأيتُ في المنامِ كأنَي خرجتُ فأُدْخِلتُ الجنةَ، فسمعتُ وجبةً\nارتجتْ لها الجنةُ، فإذا أنا بفلانٍ وفلان وفلانٍ، حتى عدَّتْ اثني عشرَ رجلًا -\nوبعثَ رسولُ اللَّه - ﷺ - سرية قبل ذلكَّ فَجيءَ بهم عليهم ثيابٌ طلس تشخبُ أوداجُهم، فقالَ: \"اذهبوا بهم إلى نهرِ البيذخ، فغمسُوا فيه، فأخرجُوا ووجوهُهم كالقمرِ ليلةَ البدرِ، وأُتوا بكراسي من ذهبٍ فأقعدوا عليها، وجيءَ بصحفةٍ من ذهب فيها\nبسر، فأكلوا من بُسره ما شاءُوا فما يقلِّبونَها لوجهٍ إلا أكلوا\nمن فاكهةٍ ما شاءُوا\".\nقالتْ: وأكلتُ معهُم، قال: فجاءَ البشيرُ من تلك السريةِ، فقال: يا\nرسولَ اللَّه! كان كذا وكذا، وأصيبَ فلان وفلان حتى عدَّ اثني عشر رجلًا، فقالَ: عليًّ بالمرأةِ\" فقال: \"قصِّي رؤياكَ على هذا\" فقال الرجلُ: هو كما قالتْ، أصيب فلان وفلان.","vol":"1","page":229},{"text":"وروى ابنُ عيينةَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي يزيدَ، سمعَ ابنَ عباسٍ، يقول:\nأرواحُ الشهداءِ تجول في حواصلِ طيرٍ خضرٍ، تعْلُقُ في ثمرِ الجنةِ.\nوروى معمر، عن قتادةَ، قالَ: بلغنا أن أرواحَ الشهداءِ في حواصلِ طيرٍ\nبيضٍ، تأكلُ من ثمارِ الجنةِ.\nوروى أبو عاصم، عن ثورِ بنِ يزيدَ، عن خالدِ بنِ معدانَ، عن عبدِ اللَّهِ\nابنِ عمرٍو، قال: أرواحُ الشهداءِ في أجوافِ طيرٍ كالزرازيرِ، يتعارفونَ\nويرزقونَ من ثمرِ الجنةِ.\nوروى ابنُ المباركِ، عن زائدةَ، حدَّثنا ميسرةُ الأشجعيُّ، عن عكرمةَ، عن\nابنِ عباسٍ، عن كعبٍ - ﵁ -، قال: جنةُ المأوَى: جنةٌ فيها طير خضرٌ، ترعى فيها أرواحُ الشهداءِ.\nكذا رواه عطيةُ، عن ابنِ عباسٍ، قالَ: قلت لكعبٍ: إني أسألُك عن أشياءَ\nفإنْ كانتْ في كتابِ اللَّهِ فحدِّثْني، وإن لم يكنْ في كتابِ اللَّهِ فلا تحدثني.\nفذكرَ مسائلَ، فقال كعبٌ: ما سألْتَني عن شيءٍ إلا وهوَ في كتابِ اللَّهِ، قال: وأمَّا جنةُ المأوى فإنَّها جنة فيها أرواحُ الشهداءِ، في أجوافِ طيرٍ خضرٍ، تأوي إلى قناديلِ الجنةِ.\nوروى أبو المغيرةِ عبدُ القدوسِ بن الحجاج، حدثنا عمرُو بنُ عمرَ\nالأحموسي، عن السفرِ بنِ نسيرٍ، قال: سئلَ أبو الدرداء عنْ أرواح الشهداءِ\nفقال: هي طيرٌ خضرٌ، معلقةٌ في قناديلَ تحت العرشِ، تسرحُ في الجنةِ حيثُ\nشاءتْ، ثم ترجعُ إلى قناديلِها.\nوروى ليثٌ عنِ أبي قيسٍ، عن هذيلٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قالَ: أرواحُ","vol":"1","page":230},{"text":"الشهداءِ طيرٌ خضرٌ في قناديلَ تحتَ العرشِ تسرحُ في الجنةِ حيثُ شاءتْ، ثم\nتأوِي إلى قناديلِها.\nورُوي عن مجاهد، أنه قالَ: ليس الشهداءُ في الجنة، ولكنَّهم يرزقونَ\nمنها. ً\nفروى آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحِ، عن مجاهدٍ في\nقولِهِ تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءِّ عِندَ رَبِّهِم\nيرْزَقُونَ) الآية.\nقال: يقول: أحياءٌ عندَ ربِّهم يرزقونَ من ثمرِ الجنةِ، ويجدونَ ريحَها وليسُوا فيها.\nوروى ابنُ المباركِ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: ليس هم في\nالجنةِ، ولكنَّهم يأكلونَ من ثمارِهَا، ويجدونَ ريحَهَا.\nوقد يستدل لقولِهِ بما رواه ابنُ إسحاقَ، عن عاصمٍ بنِ عمرَ بنِ قتادةَ، عن\nمحمودِ بنِ لبيدٍ، عن ابن عباسٍ ﵄، قال: قال رسولُ اللَّهِ\n- ﷺ -: \"الشهداءُ على بارقِ نهر بباب الجنة، في قبة خضراءَ، يخرجُ عليهم رزقُهم من الجنةِ بكرةً وعشيًّا\". ً\nوخرَّجه ابنُ منده، ولفظُه: \"على بارقِ نهر في الجنةِ\".\nوهذا يدلُّ على أنَّ النهرَ خارجٌ من الجنةِ، وابنُ إسحاقَ مدلسٌ، وليس\nيصرحُ بالحديثِ هنا، ولعلَّ هذا في عمومِ الشهداءِ، والذينَ في القناديلِ التي\nتحتَ العرشِ خواصُّهم، ولعلَّ المرادَ بالشهداءِ هنا من هو شهيدٌ من غيرِ قَتْلٍ.","vol":"1","page":231},{"text":"في سبيلِ اللَّهِ، كالمطعونِ والمبطون والغريقِ وغيرِهم ممنْ وردَ النصُّ بأنه\nشهيدٌ.\nوالأحاديثُ السابقةُ كلُّها فيمن قُتِلَ في سبيلِ اللَّهِ، وبعضُها صريحٌ في\nذلكَ.\nوفي بعضِها أن الآيةَ نزلتْ في ذلك، وهو قولُهُ تعالى: (وَلا تَحْسَبَنَ\nالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا) الآية، والاَية نصٌّ في المقتولِ في سبيلِ اللَّهِ.\nوقد يطلقُ الشهيدُ على من حقَّقَ الإيمانَ وشهدَ بصحتِهِ بقولِهِ، كما قال\nتعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ) .\nقالَ ابنُ أبي نجيحٍ، عن مجاهد، في هذه الآية يقولُ: يشهدونَ على\nأنفسِهِم بالإيمانِ باللَّهِ.\nوروى سفيانُ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ، قالَ: كلُّ مؤمنٍ صدِّيقٌ وشهيدٌ.\nثم قرأ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ همُ الصِّدِيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ) .\nوخرج ابن أبي حاتمٍ، من رواية رِشدين بنِ سعدٍ، عن ابنِ عقيلٍ، عن\nأبيه عن أبي هريرةَ - ﵁ -، قالَ: كلُّكم صديقٌ وشهيد، قيلَ له: ما تقولُ يا أبا هريرة؟ قالَ: اقرأوا: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُوْلَئِكَ هُم الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ) .\nوخرَّج ابنُ جريرٍ، من طريقِ إسماعيلَ بنِ يحيى التيمي،","vol":"1","page":232},{"text":"عن ابنِ عجلانَ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن البراءِ بن عازدب، عن النبيّ - ﷺ - قالَ: \"مؤمنو أمتِي شهداءٌ\" ثم تلا رسولُ اللَّهِ هذه الآيةَ: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلهِ أوْلَئِكَ هُمُ الصِّدِيقُونَ وَالشّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ)، وإسماعيلُ هذا: ضعيفٌ جدًّا.\nويَعضَدُ هذا ما وردَ في تفسير قولِه تعالى: (لِّتَكونوا شهَدَاء عَلَى النَّاسِ\nوَيَكُونَ الرَّسولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا) من شهادةِ هذه الأمةِ للأنبياءِ عليهم\nالسلامُ بتبليغ رسالاتِهم.\nوبكلِّ حالٍ فالأحاديثُ المتقدمةُ كلُّها في الشهيدِ المقتولِ في سبيلِ اللَّهِ عزَّ\nوجلَّ لا تحتملُ غيرَ ذلكَ، وإنَّما النظرُ في حديثِ ابنِ إسحاقَ هذا واللَّهُ\nأعلمُ.\nوأما بقيةُ المؤمنينَ سوى الشهداءِ؛ فينقسمونَ إلى: أهلِ تكليف، وغيرِ أهلِ\nتكليفٍ؛ فهذانِ قسمانِ:\nأحدُهما: غيرُ أهل التكليفِ: كأطفالِ المؤمنينَ.\nفالجمهورُ على أنهم في الجنة، وقد حكى الإمامُ أحمدُ الإجماعَ على\nذلك.\nوقال - في روايةِ جعفرِ بنِ محمدٍ -: ليسَ فيهم اختلافٌ، يعني أنهم في\nوقالَ - في روايةِ الميمونيّ -: لا أحدَ يشكُّ أنَّهم في الجنةِ.\nوذكر الخلالُ من طريقِ حنبل، عن أحمدَ، قالَ: نحن نقرُّ بأنّ الجنةَ قد\nخلقتْ، ونؤمنُ بها، والجنةُ والنار مخلوقتانِ، قال اللَّهُ ﷿: (النَّارُ\nيُعْرَضونَ عَلَيْهَا غُدوًّا وَعَشِيًّا)، لآلِ فرعونَ، وقالَ: أرواحُ ذراري","vol":"1","page":233},{"text":"المسلمينَ، في أجوافِ طيرٍ خضرٍ، تسرحُ في الجنةِ، يكفلُهم أبوهم إبراهيمُ.\nفيدلُّ هذا على أنهما قد خلقَتا.\nوكذلكَ نصَّ الشافعيُّ على أن أطفال المسلمينَ في الجنةِ.\nوجاء صريحًا عن السلفِ على أنَّ أرْواحهم في الجنةِ كما روى الليثُ، عن\nأبي قيسٍ، عن هذيلٍ، عن ابنِ مسعودٍ، قالَ: إنَّ أرواحَ الشهداءِ في أجوافِ\nطيرٍ خضرٍ، تسرحُ بهم في الجنةِ حيث شاءُوا، وإن أرواحَ ولدانِ المسلمينَ\nفي أجوافِ عصافيرَ في الجنة، تسرحُ بهم في الجنة حيثُ شاءتْ فتأوِي إلى\nقناديلَ معلقةٍ في العرشِ. خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ.\nورواه الثوريُّ والأعمشُ، عن أبي قيسٍ، عن هذيلٍ، من قولِه، لم يذكرِ\nابنَ مسعودٍ.\nوخرَّج البيهقيُّ، من طريقِ عكرمة، عن ابنِ عباسٍ، عن كعبٍ، نحوَه.\nوخرَّج الخلالُ، من طريقِ ليثٍ، عن أبي الزبيرِ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ.\nقالَ: إنَّ في الجنةِ لشجرةً لها ضروعٌ كضروع البقرِ، يغذَّى به ولدانُ أهلِ\nالجنةِ، حتَّى إنَّهم ليستنونَ استنانَ البكارةِ.\nوخرَّج ابنُ أبي حاتمِ بإسنادهِ، عن خالدِ بن معدانَ، قالَ: إنَّ في الجنةِ\nشجرةً يقال لها: طُوبى ضروعٌ كلُّها، تُرْضِعُ صبيانَ أهلِ الجنةِ، وإنّ سقْطَ\nالمرأةِ يكونُ في نهرٍ من أنهارِ الجنةِ، يتقلبُ فيه حتى تقومَ الساعةُ، فيبعثُ ابنَ\nأربعينَ سنةٍ.\nويدلُّ على صحةِ ذلك ما في \"صحيح مسلمٍ\" عن أنسٍ قالَ: لما تُوفِّي","vol":"1","page":234},{"text":"إبراهيمُ ﵇، قالَ النبيُّ - ﷺ -:\n\"إنَّ إبراهيمَ ابني، وإنه ماتَ في الثدْي، وإنَّ له لظئرَيْنِ فيكفَلانِ رِضاعَهُ في الجنةِ\"\nوخرَّجَ ابنُ ماجةَ نحوَه من حديثِ ابنِ عباسٍ - ﵄ -.\nوحْرَّج الإمامُ أحمد نحوَه من حديثِ البراءِ بن عازبٍ.\nوروى سعيدُ بن منصورٍ، عن إسماعيلَ بنِ عياشٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن عثمانَ\nبنِ خُثَيْم، عن مكحولٍ، أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ:\n\"إن ذرارِي المؤمنينَ أرواحُهم في عصافيرَ في شجرٍ في الجنةِ، يلقاهُم أبوهُم إبراهيمُ ﵇ \".\nوكذا رواه عليٌّ بنُ عثمانَ اللاحقيُّ، عن حمَّادِ بنِ سلمةَ، عن أبنِ خُثَيْم.\nعن مكحولٍ، إلا أنه قالَ: عصافيرُ حْضر في الجنةِ. وهذا مرسلٌ، ولفظه\nيشبُه لفظَ الحديثِ الذي احتجَ به الإمامُ أحمدُ على خلقِ الجنةِ، كما تقدَّم.\nوقد رُويَ متصلًا من وجهٍ آخرَ، من روايةِ عبدِ الرحمنِ بنِ ثابتِ بنِ\nثوبانَ، عن عطاءِ بنِ قُرة، عن عبدِ اللَّهِ بنِ ضمرةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"ذرارِي المؤمنينَ يكفلُهم إبراهيمُ ﵇ في الجنةِ\"\nخرَّجه ابنُ حبانَ في \"صحيحِه \" والحاكمُ وقالَ: صحيحُ الإسنادِ.\nوخرَّجهُ الإمامُ أحمد، عن موسى بن داودَ، عن ابنِ ثوبانَ، إلا أنَّه ذكرَ\nأنَّ موسى شكَّ في رفعهِ.\nولكنْ رواهُ غيرُ واحدٍ، عن ثوبانَ، ولم يشكُّوا في رفعِهِ.","vol":"1","page":235},{"text":"ورُويَ من وجهٍ آخرَ، من روايةِ مؤملٍ، عن سفيانَ، عن ابنِ الأصبهانيِّ.\nعن أبي حازمً، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"أولادُ المسلمين في جبلٍ في الجنةِ، يكفلُهم إبراهيمُ وسارةُ - ﵉ - فإذا كان يومُ القيامةِ دُفعوا إلى آبائِهِم \".\nوكذا رواه محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ نمير، عن وكيع، عن سفيانَ مرفوعًا.\nورواهُ ابنُ مهدي وأبو نعيم، عن سفيانَ، موقوفًا، قال الدارقطنيُّ:\nوالموقوفُ أشبهُ.\nومما يستدلُّ لهذا - أيضًا - ما خرَّجه البخاريُّ عن سمرةَ بتِ جندبٍ.\nعن النبيِّ - ﷺ - أنَّه رأى في منامِهِ جبرائيل وميكائيل أتياه فانطلَقَا بهِ، وذكر حديثًا طويلًا، وفيه: \"فإذا روضة خضراءُ فيها شجرةٌ عظيمةٌ وإذا شيخٌ في أصلِها حولَهُ صبيانُ، فصعدَا بي الشجرةَ وأدخلاني دارًا لم أرَ قط أحسنَ منها، فإذا فيها رجالٌ وشيوخ وشبابٌ وفيها نساءٌ وصبيانٌ \"، وذكرَ الحديثَ وفيه: \"قالا: فأمَّا الشيخُ الذي رأيتَ في أصلِ الشجرةِ فذاك إبراهيمُ، وأمَّا الصبيانُ الذي رأيتَ حولَه فأولادُ الناسِ \".\nوفي روايةٍ: \"فكل مولودٍ ماتَ على الفطرةِ، وأمَّا الدارُ التي دخلتَ أولًا فدارُ عامةِ المؤمنينَ، وأمَّا الدارُ الأخرى فدار عامةِ الشهداءِ \".\nورواه ابنُ خلدةَ، عن أبي رجاءٍ العطارديِّ، عن سمرةَ، وفي حديثِه:\n\"قلتُ: فالذينَ في الروضة؟\nقال: أولئكَ الأطفالُ، وُكِّلَ بهم إبراهيمُ ﵇، يربِّيهم إلى يوم القيامةِ\".","vol":"1","page":236},{"text":"وخرَّج الطبرانيُّ، والحاكم، من حديثِ سليم بنِ عامرٍ، عن أبي أمامةَ.\nعن النبيِّ - ﷺ - قال: \"بينَا أنا نائم انطلقَ بي إلى جبل وعرٍ\"، فذكرَ الحديثَ، وفيه: \"ثمَّ انطلقَ بي حتى أشرفتُ على غلمانٍ يلعبونَ بين نهرين، قلتُ: مَنْ هؤلاءِ؟\nقال: ذراري المؤمنينَ يحضنُهم أبوهم إبراهيمُ - ﵇ - ثم انطلقَ بي حتى أشرفتُ على ثلاثة نفرٍ، قلتُ: من هؤلاءِ؟\nقال: إبراهيمُ وموسى وعيسى - ﵈ - وهم ينتظرونك \".\nوذهبتْ طائفةٌ إلى أنَّه يشهدُ لأطفالِ المؤمنينَ عمومًا أنهم في الجنةِ ولا\nيُشهد لآحادِهِم، كما يُشهدُ للمؤمنينَ عمومًا أنهم في الجنةِ، ولا يشهد\nلآحادهم وهو قولُ إسحاقَ بن راهويه، نقله عنه إسحاقُ بنُ منصورٍ وحربٌ\nفي مسائلِهما، ولعلَّ هذا يرجعُ إلى الطفل المُعَيَّنِ لا يُشْهَد لأبيه بالإيمانِ، فلا\nيُشْهدُ له حينئذٍ أنه من أطفالِ المؤمنين، فيكونُ الوقفُ في آحادهم كالوقفِ في\nإيمانِ آبائِهم.\nوحكى ابنُ عبد البرِّ عن طائفةٍ من السلفِ القولَ بالوقفِ في أطفالِ\nالمؤمنينَ، وسمَّى منهم حمادَ بنَ زيدٍ، وحمادَ بنَ سلمةَ، وابنَ المباركِ.\nوإسحاقَ، وهذا بعيدٌ جدًّا، ولعله أخذَ ذلكَ من عموماتِ كلامٍ لهم، وإنما\nأرادوا بها أطفالَ المشركين.\nوكذلكَ اختارَ القولَ بالوقفِ طائفةٌ منهُم: الأثرمُ، والبيهقيُّ.\nوذكِرَ أنَّ ابنَ عباسٍ رجعَ إليه والإمامُ أحمدُ ذكر أن ابنَ عباسٍ إنما قالَ ذلك في أطفال المشركينَ، وإنما أخذه البيهقي من عمومِ لفظٍ رُويَ عنه، كما أنه رُوي في","vol":"1","page":237},{"text":"بعص ألفاظِ حديثِ أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - سُئلَ عن الأطفالِ، فقالَ: \"اللهُ أعلمُ بما كانُوا عاملينَ \"، ولكن الحفَّاظَ الثقاتِ ذكرُوا أنه سئلَ عن أطفالِ المشركينَ.\nواستدلَّ القائلونَ بالوقفِ، بما أخرَّجَهُ مسلم، من حديثِ فضيلِ بنِ\nعمرو، عن عائشةَ بنتِ طلحةَ، عن عائشةَ أمِّ المؤمنينَ - ﵂ -، قالتْ: توفِّي صبيّ، فقلتْ: طُوبى له، عصفور من عصافيرِ الجنةِ.\nفقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"أو لا تدرينَ أنَّ اللَّهَ خلقَ الجنةَ وخلقَ النارَ، فخلقَ لهذهِ أهلًا ولهذِه أهلًا\".\nوخرَّجه مسلم - أيضًا - من طريقِ طلحةَ بنِ يحيى، عن عمّتِه عائشةَ بنتِ\nطلحةَ، عن عائشةَ أمِّ المؤمنينَ ﵂، قالتْ: دُعِيَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إلى جنازةِ صبيٍّ من الأنصارِ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ طُوبى لهذا، عصفور من عصافيرِ أهلِ الجنةِ، لم يعملِ السوءَ ولم يدركه، قال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أو غيرَ ذلكَ يا عائشةَ، إن اللَّهَ خلق للجنَّةِ أهلًا، خلقَهُم لها وهمْ في أصلابِ آبائِهِم \".\nوقد ضعَف الإمامُ أحمدُ ﵁ هذا الحديثَ من أجلِ طلحةَ بنِ\nيحيى، وقالَ: قد رَوى مناكيرَ، وذكر له هذا الحديثَ، وقال ابنُ معينٍ فيه:\nليس بالقويِّ.\nوأما روايةُ فضيلِ بنِ عمرٍو له عن عائشةَ، فقال أحمدُ: ما أراه سمعهُ إلا\nمن طلحةَ بنِ يحيى، يعني أنه أخذه عنه، ودلَّسهُ، حيثُ رواه عن عائشةَ بنتِ\nطلحةَ.","vol":"1","page":238},{"text":"وذكر العقيليُّ أنه لا يُحفظُ إلا من حديثِ طلحةَ.\nويعارِضُ هذا ما خرَّجه مسلمٌ، من حديثِ أبي السليلِ، عن أبي\nحسانَ، قال: قلتُ لأبي هريرةَ: إنه قد مات لي ابنتانِ، فما أنتَ محدِّثي عن\nرسولِ اللَّهِ - ﷺ - بحديثٍ تطيبُ به أنفسنَا عن موتانَا، قال: نعم، صغارُهم دعاميصُ أهلِ الجنة، يتلقَّى أحدُهم أباه - أو قالَ أبويه - فيأخذُ بثوبِهِ، أو قال بيدهِ - كما آخذُ أنا بصنفةِ ثوبِكَ هذا فلا يتباهى أو قال: فلا ينتهي حتَّى يدخلَه اللَّهُ وأباهُ الجنةَ\".\nوفي \"الصحيحينِ \" عن أنسٍ ﵁، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"ما من الناسِ مسلم يموتُ له ثلاثة من الولدِ لم يبلغوا الحِنْثَ إلا أدخلَهُ اللَّهُ الجنةَ بفضلِ رحمتِهِ إياهُم \".\nولهذا قالَ الإمامُ أحمدُ: \"هو يُرجى لأبويه، فكيف يُشكُّ فيه؟ \"\nيعني أنه يُرجى لأبويه بسببه دخول الجنةِ.\nولعلَّ النبيَّ - ﷺ - نهى أولًا عن الشهادةِ لأطفال المسلمينَ بالجنةِ قبل أن يطلع على ذلك، لأن الشهادةَ على ذلك تحتاجُ إلى علم به، ثم اطلعَ على ذلك فأخبرَ بهِ، واللَّهُ أعلمُ.\nالقسم الثاني: أهل التكليف من المؤمنين سوى الشهداء:\nوقد اختلفَ العلماءُ فيه قدِيمًا وحديثًا والمنصوصُ عن الإمامِ أحمدَ: أنَّ\nأرواحَ المؤمنينَ في الجنةِ، ذكرَ ذلك الخلال في كتابِ \"السنةِ\" عن غيرِ واحدٍ\nعن حنبلٍ، قال: سمعتُ أبا عبدِ اللَّهِ يقول: أرواحُ الكفارِ في النارِ، وأرواحُ","vol":"1","page":239},{"text":"المؤمنينَ في الجنةِ، وقال حنبل في موضع آخرَ: قال: عمومُ أرواح المؤمنينَ في\nالجنةِ، وأرواحُ الكفارِ في النارِ، والأبدانُ في الدنيا يعذِّبُ اللَّهُ من يشاءُ.\nويرحمُ من يشاءُ بعفوهِ.\nقال أبو عبدِ اللَّهِ: ولا نقولُ إنهما يفنيانِ، بلْ هُما على علم الله باقيتانِ.\nيبلغُ اللَّهُ فيهما عملَه، نسأل اللَّهَ التثبيتَ وأن لا يُزِيغَ قلوبنا بعد إذ هدانا.\nوقولُهُ: ولا نقولُ: هما يفنيانِ، يعني الجنةَ والنارَ، فإن في أولِ الكلامِ عن\nحنبلٍ، أن أبا عبدِ اللَّهِ حكى قصةَ ضرار، وحكايتَه اختلافَ العلماءِ في خلقِ\nالجنةِ والنارِ، وأن القاضيَ الجمعي أهدر دمَ ضرار، فلذلكَ استخفَى إلى أن\nماتَ. وأن أبا عبدِ اللَّه، قالَ: هذا كفرٌ، يعني القولَ بأنهما لم يُخْلَقَا بعدُ.\nقال حنبل: وسألتُ أبا عبدِ اللَّهِ، عمَّن قالَ: إنْ كانتا خلِقَتَا فإنهما إلى\nفناء، ثمَّ ذكرَ هذا الجوابَ عن أحمدَ.\nولا يصحُّ أن يقالَ: إنَّ أحمدَ إنما نفى الفناءَ عنهُما معًا، فيصدق ذلك بأن\nتكونَ الجنةُ وحدها لا تَفْنى لأنَّ ما بعدَ هذا مبطلٌ لهذا التأويلِ، وهو قوله:\nبلْ هما على علم اللَّهِ باقيتانِ. فإنَّ هذا ينفي ذلك الاحتمالَ والتوهمَ، ويثبتُ\nلهما البقاءُ معًا، وهذا كما تقولُ: زيدٌ وعمرُ ولا يعلمانِ، فهذا قد يحتمل أن\nيرادَ به نفي العلم عنهُما جميعًا دونَ أحدِهما، فإذا قلتَ بعدَ ذلك: بل هُما\nجاهلانِ، زالَ ذلك الاحتمالُ، وأثبتَ الجهلَ لهما جميعًا، وأيضًا فلا يقعُ\nاستعمالُ نفي عن شيئينِ والمرادُ نفيُ اجتماعهما خاصةً، إلا معَ - ﷺ - بَيَّنَ ذلك في سياقِ الكلامِ، أو عن لفظٍ يدلُّ عليه، فأمَّا مع الإطلاقِ فلا يقع ذلكَ، بل لا يجوزُ استعمالُهُ مع الإيهامِ، كما لا يُقالُ: الجنةُ والنارُ لا يفنيانِ،","vol":"1","page":240},{"text":"وكما لا يُقالُ: الخالقُ والمخلوقُ لا يفنيانِ، ويرادُ به أنَّ المخلوقَ وحدَه يقنى، ولا يقالُ: الدنيا والآخرةُ لا تبقيانِ، ويُرادُ به أنَّ الدنيا وحدها تفْنى، ولا يُقالُ: إنَّ محمدًا ومسيلمةَ لا يصدَّقانِ أو لا يكذَّبانِ، ويرادُ به صدقَ محمدٍ - ﷺ - وحده، وكذبُ مسيلمة وحدَه، فإن هذا كلَّه استعمالٌ قبيحٌ ممنوعٌ؛ ولا يُعهدُ مثلُه في كلامِ أحدٍ ممنْ يُعتدُّ بهِ.\nوقولُ أحمدَ بعد هذا: \"نسألُ اللَّهَ التثبيتَ أن لا يُزيغَ قلوبنَا بعدَ إذْ هدَانا\"\nيدلُّ على أنَّ القولَ بخلافِ ذلك عندَهُ من الضلالِ والزيغ، وقد صرَّح بهذا\nفيما نقلَهُ عنه حربٌ، قال حربٌ في مسائِلِهِ: هذا مذهبُ أئمة أهل العلمِ\nوأصحابِ الأثرِ، وأهلِ السنةِ المعروفينَ بها، المقتدَى بِهِم، وأدركتُ من\nأدركتُ من علماءِ أهل العراقِ والحجازِ والشامِ وغيرِهم، فمن خالف شيئًا مِنْ هذه المذاهبِ أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدعٌ خارجٌ من الجماعةِ، زائلٌ عن منهج السنة وسبيلِ الحقِّ، وهو مذهبُ أحمدَ، وإسحاق والحميديِّ، وسعيدِ بنِ منصورٍ، وغيرِهم ممَّن جالسْنَا، وأخذنا عنهم العلمَ، فكانَ من\nقولِهِم: الإيمانُ قولٌ وعملٌ - وذكرَ العقيدةَ ومن جملتها - قالَ: ولقد خُلِقتِ الجنةُ وما فيها وخُلِقَتِ النارُ وما فيها، خَلَقَهما اللَّهُ ثم خلقَ الخلقَ لهما لا يفنيانِ، ولا يفْنى ما فيهما أبدًا، فإن احتجَّ مبتدعٌ أو زنديقٌ بقولِ اللَّهِ تعالى: (كلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ)، ونحو هذا، فقلْ له: كل شيء ممَّا\nكتبَ اللَّهُ عليه الفناءَ والهلاكَ هالكٌ، والجنةُ والنارُ خلقتا للبقاءِ لا للفناءِ ولا\nللهلاكِ، وهُما من الآخرةِ لا من الدُّنيا. . . وذكر بقيةَ العقيدةِ.\nفقوله في آخرِ كلامِهِ: \"خلقتا للبقاءِ لا للفناءِ ولا للهلاكِ \" يبطل تأويلَ مَنْ\nتأوَّلَ أولَ الكلامِ على أنَّ المرادَ به لا يفْنى مجموعُهُما.","vol":"1","page":241},{"text":"وقد نُقلَ هذا الكلامُ الذي نقلَهُ حربٌ كلُّه، عن أحمدَ صرِيحًا.\nكذلك نقلَهُ عنه أبو العباسِ أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ يعقوبَ الأصطخريُّ، أنَّه\nقال: إنَّ هذه مذاهبَ أهلِ العلم وأصحابِ الأثرِ، وأهلِ السنةِ، المتمسكينَ\nبعروقِها، المعروفينَ بها، المقتدَى بهم فيها، ومن لدنْ أصحابِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - إلى يومِنا هذا، وأدركتُ من أدركتُ من علماءِ الحجازِ وأهلِ الشامِ وغيرِهِم، فمنْ خالفَ شيئًا من هذهِ المذاهبِ، أو طعنَ فيها، أو عابَ قائلَها، فهو مخالفٌ مبتدعٌ خارجٌ من الجماعةِ، زائلٌ عن منهج السنةِ وسبيلِ الحقِّ - فذكرَ العقيدةَ كلَّها - وفيها: وقد خُلقتِ الجنةُ وما فيها، وخُلِقَتِ النارُ وما فيها، خلقهُما اللَّهُ، وخلقَ الخلقَ لَهُما، ولا يفنيانِ، ولا يَفْنى ما فيهما أبدًا، فإن احتجَّ مبتدعٌ أو زنديقٌ بقولِ اللَّهِ ﷿: (كلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ)، ونحو هذا من متشابه القرآنِ؟\nقيلَ لهُ: كلُّ شيءٍ هالك مما كتبَ اللَّهُ عليه الفناءَ والهلاكَ هالكٌ، والجنةُ والنارُ خلقتا للبقاءِ لا للفناءِ ولا للهلاكِ، وهُما من الآخرةِ لا من الدُّنيا، وذكرَ بقيةَ العقيدةِ.\nوقدْ رُويَتْ هذه العقيدةُ عن الإمامِ أحمدَ: أرواحُ المؤمنينَ في الجنةِ\nوأرواخُ الكفارِ في النارِ.\nوقد حكَى القاضي أبو يَعْلَى في كتابِ \"المعتمدِ\" ومن تبعهُ من الأصحابِ\nهذا الكلامَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ أحمدَ عن أبيه، ولم ينقلْه عبدُ اللَّهِ عن أبيهِ إنَّما\nنقلَهُ عن حنبلٍ.\nإنما نقل عبدُ اللَّهِ عن أبيه، فقالَ الخلالُ: أنبأنا عبدُ اللَّهِ بنُ أحمدَ بنُ\nحنبلٍ، قال: سألتُ أبي عن أرواح الموتى، أتكونُ في أفنيةِ قبورِها، أم في","vol":"1","page":242},{"text":"حواصلِ طيرٍ، أم تموتُ كما تموتُ الأجسادُ؟\nقال: رُوي عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه قالَ: \"نسمةُ المؤمنِ إذا ماتَ طائرٌ يعلقُ في شجرِ الجنةِ حتَّى يرجعَهُ اللَّهُ إلى جسدِهِ يومَ بعثه \".\nوقد رُوي عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو قالَ: أرواحُ المؤمنينَ في أجوافِ طيرٍ\nخضرٍ كالزرازيرِ ثم يتعارفونَ فيها ويرزقونَ من ثمارِهَا.\nوقال بعضُ الناسِ: أرواحُ الشهداءِ في أجوافِ طيرٍ خضرٍ، تأوِي إلى\nقناديلَ في الجنةِ معلقةٍ بالعرشِ. انتهى.\nوهذا الكلامُ - أيضًا - يدلُّ على أنَّ أرواحَ المؤمنينَ عندَ اللَّهِ في الجنةِ، لأنَّه\nذكَرَ في جوابِهِ الأحاديثَ الدالةَ المرفوعةَ والموقوفةَ على ذلكَ. ولم يذكرْ سوى ذلكَ، ففي روايةِ حنبلٍ جزمَ بأنَّ أرواحَ المؤمنينَ في الجنةِ.\nوفي روايةِ عبدِ اللَّهِ ذكرَ الأدلةَ على ذلكَ.\nفأمَّا الحديثُ المرفوعُ الذي ذكرَهُ، فهو من روايةِ مالكٍ، عن ابنِ شهابٍ.\nأنَّ عبدَ الرحمنِ بنَ كعبِ بنِ مالكٍ أخبره أنَّ أباه كعْبًا، كان يحدِّثُ عن\nرسولِ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"إنَّما نسمةُ المؤمنِ طائرٌ يعلق في شجرِ الجنةِ، حتى يرجعَهُ اللَّهُ\nإلى جسدهِ \"، كذا رواه مالكٌ في \"الموطإ\" ورواه عن مالكٍ جماعة منهُم\nالشافعيُّ، ورواه الإمامُ أحمد في \"مسندهِ \" عن الشافعيِّ، وخرَّجهُ الشافعيّ\nمن طريقِ مالكٍ أيضًا.","vol":"1","page":243},{"text":"وخرَّجه ابنُ ماجةَ من طريقِ الحارثِ بنِ فضيلٍ، عن الزهريِّ، بهذا\nالإسنادِ. وكذا رواه عن الزهريِّ: يونسُ والزبيديُّ والأوزاعيُّ وابنُ إسحاقَ، ورواه شعيبٌ وابنُ أخي الزهريِّ وصالحُ بنُ كيسانَ، عن الزهريِّ، عن\nعبدِ الرحمنِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ كعب بنِ مالكٌ عن جدة كعبٌ.\nوقال صالحٌ في حديثِهِ: إنَّه بلَغَه أنَّ كعبًا كان يحدًّثُ؛ وقال شعيبٌ في حديثِهِ: إنَّ كعبًا كان يحدِّثُ فهو على روايةِ صالح ومن وافقه فهو منقطعٌ، وذكر محمد بنُ يحيى الذهليُّ أنَّ ذلكَ هو المحفوظُ، وخالفَهُ ابنُ عبدِ البرِّ في ذلكَ. ورجَّح روايةَ مالكٍ ومن وافقَهُ، وقد روي - معنى حديثِ كعبِ - من وجوه متعددة.\nفروى حمادُ بنُ سلمةَ، عن محمدِ بنِ عمرو، عن أبي سلمةَ، عن أبي\nهريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - فذكرَ حديثَ القبرِ بطولِهِ، وفيه في حقِّ المؤمنِ، قال:\n\"ويُعادُ الجسدُ إلى ما بُدئُ منهُ، ويجعل روحُه في نسيمٍ طيب يعلقُ في شجرِ الجنةِ\"\nخرَّجه الطبراني وغيرُهُ.\nوخرَّجه ابنُ حبانُ في \"صحيحِه \" من طريقِ معمرٍ، عن محمدِ بنِ عمرٍو\nبهِ، ولفظُه: \"وتُجعلُ نسمتُه في النسيمِ الطيبِ، وهو طير يعلقُ في شجرِ الجنةِ\"\nوقد سبقَ أنَّ غيرَهُما رواه عن محمدِ بنِ عمرٍو، ووقَفَهُ على أبي هريرةَ.\nوقد تقدَّم حديثُ أمِّ هانئ الأنصاريةِ عنِ النبيِّ - ﷺ - قال: \"يكونُ النَّسَمُ طيرًا تعلَّقُ بالشجرِ، حتى إذا كان يومُ القيامةِ دخلتْ كلّ نفسي في جسدِها\".\nوخرَّج ابنُ منده، من روايةِ موسى بنُ عبيدةَ الربَذيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ\nزيدِ، عن أمِّ بشرِ بنتِ العرورِ، قالتْ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنَّ أرواحَ المؤمنينَ","vol":"1","page":244},{"text":"في حواصِلِ طيرٍ خضرٍ، تَرعَى في الجنةِ، تاكُلُ من ثمارِهَا، وتشربُ مِنْ مائِها، وتأوِي إلى قناديلَ من ذهبٍ تحتَ العرشِ، فتقولُ: ربَّنا ألحِقْ بنا إخوانَنا وآتِنَا ما وعدْتنا، وإنَّ أرواحَ الكفارِ في حواصلِ طيرٍ سود، تأكلُ من النارِ، وتشربُ مِنَ النارِ، وتأوِي إلى حجرة في النارِ، فيقولونَ: ربَّنا لا تلحِق بنا إخوانَنا، ولا تؤْتِنا ما وعدْتنا\".\nوموسى بنُ عبيدةَ شيخ صالح، شغلتْه العبادةُ عن حفظِ الحديثِ، فكثرتْ المناكيرُ في حديثه.\nوخرَّج ابنُ منده - أيضا - من روايةِ معاويةَ بنِ صالح، عن سمرةَ بنِ\nجندبٍ، قالَ: سئلَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عن أرواح المؤمنينَ، فقالَ: \"في طيرٍ حضرٍ تسرحُ في الجنةِ حيثُ شاءَتْ \".\nقالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، أرواحُ الكفارِ؟\nقال: \"محبوسةٌ في سجينٍ \".\nوهذا مرسل.\nوخرَّج أيضًا من روايةِ عيسى بنِ موسى، عن سفيانَ الثوريِّ، عن ثورِ بنِ\nيزيدَ، عن خالدِ بن معدانَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، قالَ: قالَ رسولُ اللِّهِ\n- ﷺ -:\n\"أرواحُ المؤمنينَ في أجوافِ طيرٍ كالزرازير كلُ من ثمرِ الجنة\".\nثم قالَ ابنُ منده: رواه جماعةٌ عن الثوريِّ موقوفًا، يعني على عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو.\nقلتُ: والصوابُ وقفُه.\nوقد سبقَ أنَّ الإمامَ ذكرَهُ في روايةِ ابنِهِ عبدِ اللَّهِ موقوفًا، وكذا رواهُ وكيع.\nعن ثورِ بنِ يزيدَ، عن خالدِ بنِ معدانَ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، قال: أرواحُ المؤمنينَ في أجوافِ طيرٍ خضرٍ كالزرازيرِ، يتعارفونَ فيها، ويرزقونَ من ثمارِها.\nخرَّجه الخلالُ.\nوخرَّجَ - أيضًا - من حديثِ أبي هاشم، عن أبي إسحاق، عن أبي","vol":"1","page":245},{"text":"الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، فذكرَ احتضارَ المؤمنِ، وأنَّ روحَهُ تعادُ\nإلى جسدِه عند سؤالهِ في القبرِ، ثم تُرفعُ روحُهُ، فتجعلُ في أعْلى عليين.\nثم تلا عبدُ اللهِ الآيةَ: (إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) .\nقال: في السماءٍ السابعةِ، فأمَّا الكافرُ فذكرَ الكلامَ، وتلا: (إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨) .\nقالَ: الأرضُ السابعةُ.\nورُوي مثلُ هذا المعنى عن أبي هريرةَ وعبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو.\nوذكرَه ابنُ عبدِ البرِّ.\nوروى سعيدٌ، عن قتادةَ قالَ: ذُكر لنا أنَّ عبدَ الله بنَ عمرٍو كانَ يقولُ: في\nسجِّين هي الأرض السفلى فيها أرواح الكفارِ.\nوروى ابنُ المباركِ، عن ابن لهيعةَ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، أنَّ منصورَ بنَ\nأبي منصورٍ، حدّثه، قالَ: سألتُ عبدَ اللهِ بنَ عمرٍو، عن أرواحِ المسلمينَ\nحينَ يموتونَ، قالَ: ما تقولونَ يا أهلَ العراقِ؟\nقلتُ: لا أدرِي. قالَ: فإنَّها صُوَر طيرٍ بيضٍ في ظلِّ العرشِ، وأرواحُ الكفارِ في الأرضِ السابعَةِ.\nوروى - أيضًا - عن كعبٍ، من روايةِ الأعمشِ، عن شمْر بنِ عطيةَ عنْ\nهلالِ بنِ يسافٍ قالَ: كنّا جلوسًا إلى كعبٍ، فجاءَ ابنُ عباسٍ، فقالَ: يا\nكعبُ، كل ما في القرآنِ قد عرفتُ، غيرَ أربعةِ أشياءَ، فأخبرْنِي عنهُنَّ، فسأله عن سجِّينٍ وعلِّيين، فقال كعبٌ: أما علِّيون فالسماءُ السابعةُ فيها أرواحُ المؤمنينَ، وأمَّا سجِّين فالأرضُ السابعةُ السُّفلى وفيها أرواحُ الكفارِ تحتَ خد إبليس.","vol":"1","page":246},{"text":"وقد ثبتَ بالأدلةِ أنَّ الجنةَ فوقَ السماءِ السابعةِ، وأنَّ النارَ تحتَ الأرضِ\nالسابعةِ وقد ذكرْنا ذلك في كتابِ: \"صفة النارِ\" مستوفىً.\nوروى أبو نُعيمٍ، من طريقِ الحكم بنِ أبانَ، قالَ: نزلَ بي ضيفٌ من أهلِ\nصنعاءَ، فقال: سمعتُ وهبَ بنَ منبه، يقولُ: إنَّ للَّهَ ﷿ في السماءِ\nالسابعةِ دارًا يُقالُ لها: البيضاءُ، تجتمعُ فيها أرواحُ المؤمنينَ، فإذا ماتَ الميتُ\nمن أهلِ الدنيا تلقتْهُ الأرواحُ، فيسألونَهُ عن أخبارِ أهلِ الدنيا، كما يسألُ\nالغائبُ أهلَهُ إذا قدِمَ عليهِم.\nوخرَّج ابنُ منده، من طريقِ سفيانَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ\nالمسيبِ، أنَّ سلمانَ الفارسيَّ وعبدَ اللَّهِ بنَ سلامٍ، لقيَ أحدُهُما صاحبَهُ.\nفقالَ: إنْ متَّ قبلي فحدِّثني بما لقيتَ، وإنْ مِتُ قبلَك حدَّثْتُك بما لقيتُ.\nقالَ: وكيف يكونُ ذلك؟\nفقال: أرواحُ المؤمنينَ تذهبُ في الجنةِ حيثُ شاءتْ.\nوخرَّجه ابنُ أبي الدنيا، من طريقِ جرير عنْ يحيى به.\nوخرَّج - أيضًا - من طريقِ ابنِ لهيعةَ، عن يزيدِ بنِ أبي حبيبٍ، عن\nمنصورِ بنِ أبي منصورٍ، أنه سألَ عبدَ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عن أرواح المؤمنينَ إذا\nماتُوا أينَ هِي؟\nقالَ: هي صورُ طيرٍ بيضٍ، في ظلِّ العرشِ.\nوروى ليثٌ، عن أبي قيسٍ، عن هذيلٍ، عن ابنِ مسعود، قالَ: إنَّ أرواحَ\nآلِ فرعود في أجواف طير سود، تغدُو على جهنَّم، وتروحُ إليها، فذلكَ\nعرضُها. َ","vol":"1","page":247},{"text":"وقالَ عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ، في قولِهِ تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)، قالَ: هم فيها اليوم، يُعدَى بهم ويُراح إلى أن تقومَ\nالساعةُ.\nخرَّجهما ابنُ أبي حاتمٍ.\nوخرَّج اللالكائيُّ، من روايةِ عاصم، عن أبي وائل، عن أي موسى\nالأشعريِّ، قال: تخرجُ روحُ المؤمنِ وهي أطيبُ من المسكِ، فتعرجُ به\nالملائكةُ إلى ربِّه ﷿، حتى تأتِي ربَّه، وله برهانٌ مثلُ الشمسِ، وروحُ\nالكافرِ - يعني: أنتن من الجيفةِ -، وهو بوادِي حضرموْت، في أسفلِ الثَّرَى، من سبع أرضينَ.\nوقد يُستدلّ للقولِ بأنَّ أرواحَ المؤمنين في الجنةِ، وأرواحَ الكفارِ في النارِ.\nمن القرآنِ بأدلة، منها قولُه تعالى: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) .\nإلى قولِهِ: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) .\nهو دخولُ النارِ مع إحراقِهَا وإنضاجِها، فجعل هذا كلَّه متعقبًا للاحتضارِ والموت.\nوكذلك قولُه تعالى في قصةِ المؤمنِ في سورةِ يس: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (٢٦) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (٢٧) .\nوإنَّما قالَ هذا بعدَ أن قتلوه، ورأى ما أعدَّ اللَّهُ له وكذلكَ قولُهُ: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) .\nعلى تأويلِ من تأوَّل ذلك عند الاحتضارِ.","vol":"1","page":248},{"text":"وكذلك قولُهُ تعالى: (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (٣٧) قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ) .\nونظيرُ هذه الآيةِ قولُهُ: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٢٩) .\nوممَّا يُستدلُّ به - أيضًا - لذلكَ، ما رواه مجالدٌ، عن الشعبيِّ، عن جابرٍ.\nأنَّ النبيَّ - ﷺ - سُئلَ عن خديجةَ، قال: \"أبصرتُها على نهر من أنهارِ الجنة، في بيت من قصبٍ، لا لغو فيه ولا نصب \"\nخرَّجه البزارُ والطبرانيُّ. َ\nوخرَج الطبرانيُّ أيضًا بإسنادٍ منقطع عن فاطمةَ ﵂، أنها\nقالتْ للنبيِّ - ﷺ -: أين أُمُّنَا خديجة ﵂؟\nقال: \"في بيتٍ من قصبٍ لا لغوٌ فيه ولا نصب مع مريمَ وآسيةَ امرأةِ فرعونَ \" قالتْ: ممن هذا القصبُ؟\nقال: \"من القصبِ المنظوم بالدررِ واللؤلؤ والياقوتِ \".\nوخرَّج أبو داودَ في \"سننهِ \" من حديثِ أبي هريرةَ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - لما رجمَ الأسلميّ - الذي اعترفَ عنده بالزِّنا - قال: \"والذي نفسِي بيدِه إنه الآن لفي أنهارِ الجنةِ ينغمسُ فيها\".","vol":"1","page":249},{"text":"فصل\nوإنَّما تدخلُ أرواحُ المؤمنينَ والشهداءِ الجنةَ إذا لم يمنعْ من ذلكَ مانع، من\nكبائرَ تستوجبُ العقوبةَ، أو حقوقِ آدميينَ حتَّى يبرأَ منها.\nففي \"الصحيحينِ \" عن أبي هريرةَ ﵁، أنَ مِدْعَمًا قتلَ يومَ\nخيبرٍ، فقال الناسُ: هنيئًا له الجنةَ، فقال النبيُّ - ﷺ -: \"كلاَّ، والذي نفسِي بيده إن الشَّمْلةَ التي أخذَهَا يومَ خيبرَ لم تصبْها المقاسمُ لتشتعلُ عليه نَارًا\".\nوعن سمرةَ بنِ جندبٍ، قالَ: صلَّى بنا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - فقالَ: \"ها هنا أحدٌ من بني فلانٍ؟ \" ثلاثًا، فلم يجبْهُ أحد، ثم أجابهُ رجلٌ، فقالَ: \"إنَّ فلانًا الذي تُوفِّيَ احتبسَ عن الجنةِ من أجلِ الدَّينِ الذي عليهِ، فإن شئتم فافْتَكُّوه - أو فافدُوه - وإن شئتُم فأسْلِمُوه إلى عذاب اللهِ ﷿ \"\nخرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، بألفاظ مختلفة.\nوخرَّج البزارُ من حديثِ ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - ﷺ - نحوه.\nوفي حديثِه قالَ: \"إنَّ صاحبَكُم محبوس على بابِ الجنةِ\" أحسبه قال: بدينٍ.\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ، وابنُ ماجةَ، من حديثِ ثوبانَ، عن\nالنبيِّ - ﷺ -، قالَ: \"من فارقَ الروحُ الجسدَ، وهو بريءٌ من ثلاث، دخلَ الجنةَ، من الكبرِ، والغلولِ، والدَّينِ \".\nوخرَّج الطبرانيُّ، من حديثِ أنسٍ، قالَ: أُتِي النبيُّ - ﷺ - برجل يصلِّي","vol":"1","page":250},{"text":"عليه، فقالَ: \"على صاحبِكُم دَيْنٌ؟ \" فقالُوا: نعم، قالَ: \" فما ينفعُكُم أنْ أصلِّيَ على رجلٍ مرتهن في قبرِهِ، لا تصعدُ روحُه إلى السماءِ، فلو ضمِنَ رجلٌ دَيْنَه قمتُ فصلَّيتُ عليه، فإنَّ صلاِتي تنفعُهُ \".\nوفي المعنى أحاديث متعددة.\nوخرَّج ابنُ أبي الدنيا، في كتابِ \"من عاشَ بعد الموتِ \" من طريقِ سيَّارِ\nابنِ جسرٍ، قالَ: خرج أبي وعبدُ اللَهِ بنُ زيدٍ، يريدانِ الغزوَ، فهجمُوا على\nرَكيةٍ عميقةٍ واسعةٍ، فأدلَوا حبالَهُم بقدرٍ، فإذا القدر قد وقعت في الرَّكِيَّةِ.\nقالَ: فقرنوا حبالَ الرفقةِ بعضُها ببعضٍ، ثم دخلَ أحدُهما إلى الرَّكيِّ، فلمَّا\nصارَ في بعضِه إذا هُوَ بهمهمةٍ في الرَّكِيِّ، فرجعَ فصعدَ، فقالَ: أتسمعُ ما\nأسمعُ؟ قالَ: نعمْ، فناولني العمودَ، فأخذ العمود ثم دخلَ الرَّكِيَّةَ، فإذا هُو\nبرجلٍ جالسٍ على ألواح وتحتَهُ الماءُ. فقالَ: أجنيّ أم إنسيّ؟\nقال: بل إنسيٌّ، فقالَ: ما أنت؟\nقال: أنا رجل من أهلِ إنطاكية، وإني مِتُّ فحبسنِي ربِّي ﷿ ها هُنا بدَيْنٍ عليَّ، وإن ولَدي بإنطاكية، ما يذكروني، ولا يقضونَ عنَي.\nفخرجَ الذي كان في الرَّكِيًّةِ، فقال لصاحبِهِ: غزوةٌ بعدَ غزوة، فدعْ\nأصحابَنا يذهبونَ، فسارُوا إلى إنطاكية، فسألوا عن الرجلِ وعن بَنِيه، فقالوا: نعم، إنه - واللَّهِ - لأبونا، وقد بعنا ضيعةً لنا، فامشوا معنا حتى نقضيَ عنهُ دَيْنَهُ، قال: فذهبُوا معهُم، حتى قضوا ذلك الدَّينَ، قال: ثم رجعْنا من\nإنطاكية حتى أتيْنَا موضعَ الركيةِ، ولا نشكُّ أنها ثمَّ، فلم يكنْ ركيةً ولا شيء\nفأمسُوا فباتُوا هناكَ. فإذا الرجلُ قد أتاهُم في منامِهِم، وقال: جزاكمُ اللَّهُ\nخيرًا، فإن ربِّي ﷿ حَوَلني إلى مكانِ كذا وكذا من الجنةِ حيثُ قُضِي\nعنَي دَيني.","vol":"1","page":251},{"text":"وروى في كتابِ \"المناماتِ \" قال: حدثنا زكريا بنُ الحارثِ البصريُّ، قالَ:\nرُئِيَ محمدُ بنٍ عبادٍ في النومِ، فقيلَ لهُ: ما فعلَ اللَّهُ بك؟\nفقالَ: لولا دَيْنِي أُدْخِلتُ الجنةَ.\nوقالتْ طائفةٌ: الأرواحُ في الأرضِ، ثم اختلفُوا.\nفقالتْ فرقةٌ منهم: الأرواحُ تستقرُّ على أفنيةِ القبورِ.\nوهذا القولُ هو الذي ذكرَه عبدُ اللَّهِ ابن الإمامِ أحمدَ لأبيه في سؤالِهِ المتقدمِ. وحكى ابنُ حزمٍ هذا القولَ عن عامَّة أصحابِ الحديثِ.\nوقال ابنُ عبدِ البرِّ: كان ابنُ وضَّاحٍ يذهبُ إليه، ويحتجُّ بحديثِ النبيِّ - ﷺ - حين خرجَ إلى المقبرةِ فقال: \"السلامُ عليكُم دارَ قومٍ مؤمنينَ \"، فهذا يدلُّ على أنَّ الأرواحَ بأفنيةِ القبور.\nورجَّح ابنُ عبدِ البرِّ أنَّ أرواحَ الشهداءِ في الجنةِ، وأرواحَ غيرِهِم على أفنيةِ\nالقبورِ تسرحُ حيثُ شاءتْ.\nوذَكرَ عن مالكٍ أنه قالَ: بلغَنِي أنَّ الأرواحَ مرسلةٌ تذهبُ حيثُ شاءتْ.\nوعن مجاهدٍ قالَ: الأرواحُ على القبورِ سبعةُ أيامٍ، من يومِ دفنِ الميتِ، لا\nتفارقُ ذلكَ.\nواستدلَّ هو وغيرُه بحديثِ ابنِ عمرَ عن النبيِّ - ﷺ -\nقالَ: \"إذا ماتَ أحدُكُم عُرِضَ عليه مقعدُه بالغداةِ والعشيِّ، إنْ كانَ من أهل الجنةِ فمنْ أهلِ الجنةِ، وإنْ كانَ من\nأهلِ النارِ فمِنْ أهلِ النارِ، يُقالُ له: هذا مقعدُك حتَّى يبعثَكَ اللَهُ يومَ القيامةِ\"","vol":"1","page":252},{"text":"وهذا يدلُّ على أنَّ الأرواحَ ليستْ في الجنةِ، وإنّما تعرضُ عليها بكرةً وعشيًّا.\nكذلك ذكرَ ابنُ عطيةَ وغيرُه.\nوهذا لا حجةَ لهم فيه لوجهين:\nأحدهما: أنه يحتملُ أنْ يكون العرضُ بكرةً وعشيًّا على الروح المتصلةِ\nبالبدنِ، والروحُ وحدَها في الجنةِ فتكونُ البشارةُ والتخويفُ للجسدِ في هذينِ\nالوقتينِ باتصالِ الروح به. وأما الروحُ فهيَ أبدًا في نعيم أو عذابٍ.\nوالثاني: أن الذي يُعرضُ بالغداةِ والعشيِّ هو مسكنُ ابنِ آدمَ الذي يستقرُ فيه\nفي الجنةِ أو النارِ، وليستِ الأرواحُ مستقرةً فيه في مدةِ البرزخ، وإنْ كانتْ في الجنةِ أو النارِ.\nولهذا جاءَ في حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ، عن النبيِّ - ﷺ -: \"إنَّ المؤمنَ إذا فتحَ له في قبى بابٌ إلى الجنةِ، وقيلَ له: هذا منزلُكَ. فيقولُ: ربِّ أقِم الساعةَ حتَى أرجعَ إلى أهلِي ومالِي \".\nوأمَّا السَّلامُ على أهلِ القبورِ فلا يدلّ على استقرارِ أرواحهِم على أفنيةِ\nقبورِهم، فإنَّه يسلِّمُ على قبورِ الأنبياءِ والشهداءِ، وأرواحُهم في أعلى عليِّين، ولكنْ لها مع ذلكَ اتصالٌ سريعٌ بالجسدِ، ولا يعلمُ كُنْهَ ذلكَ وكيفيتَهُ على\nالحقيقةِ إلا اللَّهُ ﷿.\nويشهدُ لذلكَ الأحاديثُ المرفوعةُ والموقوفةُ على أصحابِهِ، كأبي الدرداءِ.\nوعبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ ﵃، في أنَّ النائمَ يُعرجُ بروحِهِ\nإلى العرشِ مع تعلّقها ببدنِهِ، وسرعةِ عودِها إليه عند استيقاظهِ، فروحُ الموتى","vol":"1","page":253},{"text":"المتجردةُ عن أبدانِهِم أوْلَى بعروجِهَا إلى السماءِ وعودِها إلى القبرِ في مثلِ تلك\nالسرعةِ، واللَّهُ أعلمُ.\nوخرَّج ابنُ منده، من طريقِ عليِّ بنِ زيدٍ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، أنَّ\nسلمانَ قال لعبدِ اللَّهِ بنِ سلامٍ: إنَّ أرواحَ المؤمنينَ في برزخٍ مِنَ الأرضِ\nتذهبُ حيثُ شاءتْ، وإنَّ أرواحَ الكفارِ في سجِّين.\nوخرَّجه ابن سعدٍ في \"طبقاتِهِ \" ولفظُه: \"إنَّ روحَ المؤمنِ تذهبُ في الأرضِ حيثُ شاءتْ، وروحَ الكافر في سجين \".\nوعليٌّ بنُ زيدٍ ليسَ بالحافظِ، خالفَهُ يحيى بنُ سعيد الأنصاريّ مع عظمتِهِ وجلالتِه وحفظِهِ.\nفرواه عن سعيدِ بنِ السيبِ، قالَ فيهِ: إنَّ أرواحَ المؤمنينَ تذهبُ في الجنةِ\nحيثُ شاءتْ، كما سبقَ ذكرهُ، وخرَّجه ابنُ سعدٍ في \"طبقاتِهِ \" ولفظُه: \"إنَّ\nالمؤمنَ روحُهُ تذهبُ في الأرضِ حيثُ شاءتْ، ونسمُ الكافرِ في سجِّين \".\nوقد تقدَّمَ عن مالكٍ أنَّه قالَ: بلغَنِي أنَّ الأرواحَ مرسلة تذهبُ حيثُ\nشاءتْ، وخرَّجه ابنُ أبي الدنيا، عن خالدِ بنِ خداشٍ، قالَ: سمعتُ مالكًا\nيقولُ ذلكَ.\nوخرَّج - أيضًا - عن حسينِ بنِ على العجليِّ، حدثنا أبو نُعيمٍ، حدثنا\nشريلث عن يعْلَى بنِ عطاءِ، عن أبيه، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، قالَ؛ مثلُ:\nالمؤمنِ حينَ تخرجُ نفسُهُ، أو قالَ روحُهُ، مثلُ رجلٍ كان في سجْنٍ، فأُخْرِجَ منه، فهو ينفسحُ في الأرضِ ويتقلبُ فيها.\nومما استدلَّ به على أنَّ الأرواحَ في الأرضِ، حديثُ البراءِ بن عازبٍ.\nالذي تقدَّم سياقُ بعضِه، وفيه صفةُ قبضِ رُوح المؤمنِ: \"فإذا انتهَى إلى العرشِ","vol":"1","page":254},{"text":"كتبَ كتابَهُ في علِّيين، ثم يقولُ الربُّ ﷿: ردُّوا عبدِي إلى مضجعِهِ، فإنَي وعدتُهم أني منها خلقتُهم، وفيها أُعيدُهم، ومنها أُخرِجُهم تارةً أخرى، فيُرَدُّ إلى مضجعِهِ \".\nوذكرَ الحديثَ. وقال في روء الكافرِ: \"فيصعدُ بها إلى السماءِ، فتغلق دونه أبوابُ السماءِ قال: ويُقالُ: اكتبوا كتابَهُ في سجِّين، قالَ: ثم يقالُ: أعيدُوا عبدِي إلى الأرضِ، فإني وعدتُهُم أنِّى منها خلقتُهم، وفيها أعيدُهُم، ومنها أخرجُهم تارةً أخرى\".\nوفي روايةٍ: \"فيقولُ اللَّهُ تعالى: ردُّوا روحَ عبدِي إلى الأرضِ، فإنِّي وعدتُهُم أنِّي أردُّهم فيها\" ثم قرأ رسولُ اللهِ - ﷺ -: (مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥) .\nوهذا يدل على أنَّ أرواحَ المؤمنينَ تستقرُ في الأرضِ، ولا تعودُ إلى السماءِ\nبعد عرضِها ونزولهَا إلى الأرضِ، ولكنَّ حديثَ البراءِ وحدَهُ لا يعارضُ\nالأحاديثَ المتقدمةَ في أنَّ الأرواحَ في الجنةِ، ولا سيما الشهداءُ.\nوفي \"صحيح مسلم\" عن عبدِ اللَّهِ بن شقيقٍ، عن أبي هريرةَ، في صفةِ\nقبضِ روء المؤمنِ، قالَ: \"ثم يصعدُ به إلى اللهِ - ﷿ - فيقولُ: ردُوه إلى آخر الأجلبنِ \"، وذكرَ مثلهُ في روءِ الكافرِ، وقال فيه: وردَّ النبيِّ - ﷺ - ريطةً كانتْ له على أنفهِ، يعني لمَّا ذكر نتن ريحهِ. وهذا يشهدُ لرفع الحديث كلِّهِ.\nوخرَّج ابنُ أبي الدنيا، منْ حديثِ قتادةَ عن قسامةَ بنِ زهيرٍ، عن أبي\nهريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"إنَّ المؤمنَ إذا احتُضِرَ أتتهُ الملائكةُ بحريرة فيها مسكٌ وضبائرُ\nالريحانِ، فتُسل روحُهُ كما تُسلُّ الشعرةُ من العجينِ، وتقولُ: أيتها النفسُ المطمئنةُ اخرجِي راضيةً، مرضيًّا عنكِ إلى روحِ اللَّهِ وكرامتِهِ، فإذا خرجتْ روحُه وُضِعَتْ على","vol":"1","page":255},{"text":"ذلكَ المسكِ والريحانِ، وطويتْ عليها الحريرةُ، وبُعثِ بها إلى عليين.\nوإنَّ الكافرَ إذا احتضرَ أتتْهُ الملائكةُ بمسحٍ فيه جمرةٌ، فتنزعُ روحُهُ نزعًا شديدًا، ويقالُ: أيتها النفس الخبيثةُ، اخرجِي ساخطةً مسخوطًا عليكِ إلى هوانِ اللَّهِ وعذابِهِ، فإذا أُخرجَتْ روحُه وُضِعَتْ على تلكَ الجمرةِ، فإنَّ لها نشيشًا، يُطوى عليها المسحُ ويذهبُ بها إلى سِجِّين \".\nوخرَّجه النسائيُّ وغيرُه، من حديثِ قتادةَ، عن أبي الجوزاءِ عن\nأبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -، ولفظُهُ مخالفٌ لما قبلَهُ، وذكرَ فيه في روح المؤمنِ: حين ينتهوا به إلى السماءِ العُليا، وقال في روح الكافرِ، حينَ ينتهوا به إلى الأرضِ السّفلى.\nوقد ذكرنا فيما تقدَّم عن ابنِ مسعودٍ: أنَّ الروحَ بعدَ السؤالِ في القبرِ تُرفع\nإلى عليينَ، وتلا قولَهُ تعالى: (كَلاَّ إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِيِّينَ) .\nوقالتْ فرقة: تجتمعُ الأرواحُ بموضع من الأرضِ، كما روى همامُ بنُ يحيى\nالمسعوديُّ، عن قتادةَ: قالَ: حدثني رجل، عن سعيدِ بن المسيبِ، عن\nعبدِ اللَّهِ بن عمرٍو، قالَ: إنَّ أرواحَ المؤمنينَ تجتمعُ بالجابيةِ، وأمَّا أرواحُ الكفارِ فتجمعُ بسبخةٍ بحضرموت، يُقال لهُ: برهوتُ، خرَّجه ابنُ منده.\nورواه هشامُ الدستوائيُّ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بن المسيبِ من قولِهِ، ولم\nيذكرْ عبدَ اللَّهِ بنِ عمرو، خرَّجه من طريقِ ابنِ أبي الدنيا، وقد تبيّنَ أن قتادةَ\nلم يسمعْه من سعيدٍ، إنما بَلَغَه عنه ولا يدرِ عَمَّن أخذهُ.\nوخرَّج ابنُ منده، من طريقِ فراتِ القزازِ، عن أبي الطفيلِ، عن علي.\nقال: شرُّ وادٍ بئر في الأحقافِ: برهوتُ، بئرٌ في حضرمَوت، ترده\nأرواحُ الكفارِ.","vol":"1","page":256},{"text":"قال: ورواه حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن يوسفَ بن مهرانَ.\nعن ابنِ عباسٍ: عن عليٍّ - ﵁ -، قال: أبغضُ بقعة في الأرضِ وادٍ بحضرموت، يُقال له: بَرهوتُ، فيه أرواحُ الكفارِ، وفيه بئر ماؤُه بالنهارِ أسودُ كأنه قيحٌ تأوِي إليه الهوامُ.\nوروى بإسناده عن شهرِ بنِ حوشبٍ، أنَّ كعبًا رأى عبدَ اللَّهِ بنَ عمرٍو.\nوقد تكالبَ الناسُ عليه يسألونَهُ، فقال رجل لرجلٍ: سله أينَ أرواحُ المؤمنينَ؟\nقال: بالجابيةِ وأرواحُ الكفارِ ببرهوتَ.\nوبإسنادٍ عن سفيانَ، عن أبانَ بنِ تغلبٍ، قال: قال رجل: بتّ فيه - يعني\nوادي برهوت، وكأنَّما حُشدتْ فيه أرواحُ الناسِ، وهم يقولونَ: يا دومةُ يا\nدومةُ، قال أبانُ: فحدثنا رجل من أهلِ الكتابِ: هو المَلكُ الذي على أرواحِ الكفارِ.\nقال سفيانُ: وسألنا الحضرميّينَ، فقالُوا: لا يستطيعُ أن يبيتَ فيه أحدٌ\nبالليلِ.\nوقال ابنُ قتيبةَ في كتابِ: \"غريبِ الحديثِ \": ذكرَ الأصمعيُّ، عن رجلٍ\nمن أهلِ برهوتَ - يعني البلدَ فيه هذا البئرُ -، قال: نجدُ الرائحة المنتنةَ\nالفظيعةَ جدًّا، ثم نمكثُ حينًا، فيأتينا الخبرُ بأن عظيمًا من عظماء الكفارِ قد\nماتَ، فنرى أن تلكَ الرائحةَ منْهُ.\nقال: وقالَ ابنُ عيينةَ: أخبرنِي رجل أنه أمْسَى ببرهوتَ، فكأنَّ فيه\nأصواتُ الحاجِّ، قال: وسألتُ أهلَ حضرموت، فقالُوا: لا يستطيعُ أحدُنا أن","vol":"1","page":257},{"text":"يمشي به فيه.\nوقال ابنُ أبي الدنيا: حدثنا الحسينُ بنُ عبدِ العزيزِ، حدثنا عمرو بنُ أبي\nسلمةَ، عن عمرَ بنِ سليمانَ، قالَ: ماتَ رجلٌ من اليهودِ وعندَهُ وديعةٌ\nلمسلم، وكانَ لليهوديِّ ابنٌ مسلمٌ، فلم يعرفْ موضعَ الوديعةِ، فأخبرَ شعيبًا\nالجبائيَّ، فقال: ائت برهوتَ فإنَّ دونهُ عينٌ تسيبُ، فإذا جئتَ في يومِ السبتِ فامشِ عليها حتَّى تأتِي عينًا هناكَ، فادعُ أباك فإنه سيجيبُكَ، فاسألْه عما تريدُ، فعلَ ذلك الرجلُ، ومضى، حتى أتى العينَ، فدعا أباه مرتينَ أو ثلاثًا فأجابَهُ، فقالَ: أين وديعةُ فلانٍ؟ فقال: تحت إسكفةِ البابِ، فادفعْها إليه.\nوفي كتابِ \"الحكاياتِ \" لأبي عمرٍو أحمدَ بنِ محمدٍ النيسابوريِّ، قالَ:\nحدثنا أبو بكرٍ بنُ محمدِ بنِ عيسى الطرطوسيُّ، حدثنا حامدُ بنُ يحيى حدثنا\nيحيى بنُ سليم، قالَ: كانَ عندنا بمكةَ رجلُ صدق من أهلِ خراسانَ يُودعَ\nالودائعَ فيؤدِّيها، فأودعه رجلٌ عشرة آلافِ دينارٍ، وغابَ، فحضرتِ\nالخراسانيَّ الوفاةُ، فما ائتمنَ أحدًا من ولدِهِ، فدفنَهَا في بعضِ بيوتِهِ، وماتَ.\nفقدِمَ الرجلُ وسألَ بنيهِ، فقالُوا: ما لنا بها علمٌ، قالَ العلماءُ الذين بمكةَ.\nوهم يومئذٍ متوافرونَ، فقالُوا: ما نراهُ إلا من أهلِ الجنةِ، وقد بلغَنا انَّ أرواحَ أهل الجنةِ، في زمزمَ، فإذا مضى من الليلِ ثلثُه أو نصفُهَ فائتِ زمزمَ، فقفْ على شفيرِهَا، ثم نادِهِ، فإنا نرجُو أن يجيبَكَ، فإنْ أجابكَ فاسْألْه عن مالِكَ.\nفذهبَ كما قالُوا: فنادَى أولَ ليلةٍ وثانيةٍ وثالثةٍ، فلم يُجَبْ، فرجَعَ إليهم.\nفقالَ: ناديتُ ثلاثا فلم أُجَبْ؛ فقالُوا: إنا للَّه وإنا إليه راجعون، ما نرى\nصاحبَك إلا من أهل النارِ، فاخرجْ إلى اليمنِ، فإنَّ بها واديًا يُقالُ له:\nبرهوتَ، فيه بئرٌ يقالُ له: يلهوتُ فيها أرواحُ الكفارِ، فقِفْ على شفيرها فنادِهِ","vol":"1","page":258},{"text":"في الوقت الذي ناديتَهُ في زِمزمَ، فذهب كما قيل له في الليلِ، فنادَى يا\nفلانُ يا فلانُ بنُ فلانٍ أنا فلانُ بنُ فلانٍ، فأجابَهُ في أولِ صوتِ، فقال له:\nويحكَ ما أنزلَكَ ها هنا وقد كنتَ صاحبَ خيرٍ؟\nقال: كان لي أهلٌ بخراسانَ، فقطعتُهم حتى مِتُّ، فأخذَنِي اللَّهُ فأنزلني هذا المنزلَ، وأمَّا مالُك فإني لم آمنْ عليه ولدِي، وقد دفنتُه في موضع كذا.\nفرجع صاحبُ المالِ إلى مكةَ، فوجدَ المالَ في المكانِ الذي أخبرَهُ.\nورجَّحت طائفةٌ من العلماء أن أرواحَ الكفارِ في بئر برهوت، منهم\nالقاضي أبو يعْلَى من أصحابِنا في كتابِه: \"المعتمد\" وهو مخالفٌ لنص أحمدَ:\nأنَّ أرواح الكفارِ في النارِ.\nولعلَّ لبئر برهوت اتصالًا في جهنَّم في قعرِها، كما رُوي في البحرِ أنَّ\nتحته جهنَّم، واللَّه أعلمُ.\nويشهدُ لذلكَ ما سبقَ من قولِ أبي موسى الأشعريِّ: فروحُ الكافرِ بوادي حضرَموت، في أسفلِ الثرى من سبع أرضينَ.\nوقال صفوانُ بنُ عمرٍو: سألتُ عامرَ بنَ عبدِ اللَّهِ اليمانيَّ، هل لأنفسِ\nالمؤمنينَ مجتمعٌ؟\nفقال: يُقالُ: إن الأرضَ التي يقولُ اللَّهُ: (أَنَّ الأَرْض يَرِثُهَا\nعِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)، قالَ: هي الأرض التي تجتمعُ فيها أرواحُ المؤمنينَ، حتى يكونَ البعثُ.\nخرَّجه ابنُ منده، وهذا غريبٌ جدًّا، وتفسيرُ الآيةِ بذلك ضعيفٌ.\nوخرَّج ابنُ أبي الدنيا، في كتابِ \"من عاشَ بعدَ المماتِ \" من طريقِ","vol":"1","page":259},{"text":"عبدِ الملكِ بنِ قدامةَ، عن عبدِ اللَّهِ بن دينارٍ، عن أبي أيوبَ اليمانيِّ، عن\nرجلٍ من قومِهِ يقال له: عبدُ اللَّه، إنه ونفرٌ من قومِهِ ركبُوا البحرَ، وإنَّ\nالبحرَ أظلمَ عليهم أيامًا، ثم انجلتْ عنهم تلك الظلمةُ، وهم قرب قريةٍ، قالَ\nعبدُ اللَّه: فخرجتُ ألتمسُ الماءَ، فإذا أبوابَ المدينةِ مغلقة، تجأجأ فيها الريحُ\nفهتفتُ بها، فلم يجبْني أحدٌ، فبينا أنا كذلك إذ طلعَ عليَّ فارسانِ، تحتَ كلِّ\nواحدٍ منهما قطيفةٌ بيضاءُ، فسألانِي عن أمرِي، فأخبرتُهما بالذي أصابَنا في\nالبحرِ، وإني خرجتُ أطلبُ الماءَ. فقالا لي: يا عبدَ اللَّهِ، اسْلُكْ في هذه\nالسكّةِ، فإنك ستنتهِي إلى بركةٍ فيها ماءٌ فاسْقِ منها، ولا يهولنّك ما ترى\nفيها، قال: فسألتُهما عن تلكَ البيوتِ المغلقةِ التي تجاجا فيها الريحُ فقالا:\nهذه بيوت فيها أرواحُ الموتى.\nقال: فخرجتُ حتى انتهيتُ إلى البركةِ، فإذا فيها رجلٌ مصلوبٌ معلَّقٌ\nعلى رأسِهِ، يريدُ أن يتناولَ الماءَ بيدِهِ، وهو لا ينالُه، فلما رآني هتفَ بِي.\nوقال: يا عبدَ اللَّهِ اسقنِي، قال: فغرفتُ بالقدح لأناوَلَهُ فقبضتْ يدِي، قالَ\nلي: بلَّ العمامةَ ثم ارمِ بها إليَّ، قال: فبللت العمامة لأرمي بها إليه.\nفقبضت يدي العمامةَ، ثم بللتُ ثانيًا لأرمي بها إليه قبضتْ يدي. فقلتُ: يا\nعبدَ اللَّه غرفتُ بالقدح لأناولكَ فقُبِضَتْ يدي، ثم بللتُ العمامة لأرمي بها\nإليكَ فقُبِضَتْ يدي، فأخبرْنِي من أنت؟\nفقال: أنا ابنُ آدم، أنا أول من سفكَ دمًا في الأرضِ.\nخرَّجَ أبو نعيمٌ بإسنادِهِ عن ابنِ وهبٍ، حدثنا عبدُ الرحمنِ بنُ زيدٍ بنِ\nأسلمَ، قالَ: بينا رجلٌ في مركبٍ في البحرِ، إذ انكسرَ بهم مركبُهم، فتعلقَ\nبخشبةٍ، فطرحتُه في جزيرة من الجزائرِ، فخرج يمشي، فإذا هو بماءٍ، فتبعهُ","vol":"1","page":260},{"text":"فدخلَ في شعبٍ، فإذا رجل في رجليه سلسلةٌ مربوطٌ بها، بينه وبينَ الماءِ\nشبرٌ، فقال: اسقني رحمكَ اللَهُ، قال: فأخذتُ ملءَ كفي ماءً فرفعَ بالسلسلةِ فذهبَ الماءُ، فلما ذهبَ الماءُ حطّ الرجل: قال: ففعلتُ ذلكَ ثلاثَ مرَّاتٍ، أو أربعًا، قال: فلما رأيتُ ذلك منه، قلتُ له: ما لكَ ويحكَ؟\nقال: هو ابنُ آدم الذي قتلَ أخاهُ، والله ما قُتِلَتْ نفسٌ ظُلْمًا منذ قتلتُ أخي إلا يعذِّبني اللهُ بها، لأنِّي أوَّل من سنًّ القتلَ.\nوروى تمامُ بنُ محمدِ الرازيُّ في كتابِ \"الرهبانِ \" حدثنا عصمةُ العبادانيُّ.\nقال: كنتُ أجول في بعضِ الفلواتِ، إذ بصرتُ دِيرًا وفيه صومعةٌ، وفيها\nراهب، فناديتُه، فأشرفَ عليَّ، فقلتُ له: من أينَ تأتيكَ الميرةُ؟\nقال: من مسيرة شهرٍ.\nقلتُ: حدثني بأعجبِ ما رأيتَ في هذا الموضع. قال: بينا أنا\nذاتَ يومٍ أديرُ ببصري في هذهِ البريةِ القفرِ وأتفكر في عظمةِ اللَّهِ وقدرتِهِ، إذ\nرأيتُ طائرًا أبيضَ مثلَ النعامةِ كبيرًا، قد وقعَ على تلك الصخرةِ - وأومئ\nبيده إلى صخرةٍ بيضاء فتقيأ رأسًا، ثمَّ رجلًا، ثم ساقًا، فإذا هو كلما تقيأ\nعضوًا من تلك الأعضاءِ التمتْ بعضُها إلى بعضِ أسرعَ من البرقِ، فإذا هَمَّ\nبالنهوضِ نقره الطائرُ نقرةً قطعه أعضاءً، ثم يرجعُ فيبتلعه، فلم يزل على\nذلك أيامًا، فكثرَ تعجبي منه، وازددتُ يقينًا بعظمة اللَّهِ، وعلمت أن لهذهِ\nالأجسادِ حياةً بعد الموتِ، وذكر أنه سأل عن ذلكَ الرجلَ يومًا عن أمر.\nفقال: أنا عبدُ الرحمنِ بنُ مُلجم، قاتلُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ كرَّم اللَّه وجهَهُ.\nأمرَ اللَّهُ هذا المَلَكَ أن يعذِّبني إلى يومِ القيامة، قال: وقال لي الملكُ: أمرَنِي\nرسول اللَّهِ - ﷺ - أن أمضي بهذا الجسدِ إلى جزيرةِ في البحرِ الأسودِ التي يخرجُ\nمنه هوامُ أهلِ النارِ، فأعذدهُ إلى يومِ القيامةِ.","vol":"1","page":261},{"text":"وقد رويتْ هذه الحكايةُ من وجه آخرَ، خرَّجها ابنُ النجارِ في \"تاريخه \"\nمن طريقِ السلَفيِّ، بإسنادٍ له، إلى الحسينِ بنِ محمدِ بنِ عبيدِ العسكريَ.\nأخبرنا إسماعيلُ بنُ أحمدَ بنِ عليِّ بنِ أحمدَ بنِ يحيى بنِ النجم - سنةَ ثلاثَ\nعشرةَ وثلاثمائة - أنه حضر مع يوسفَ بنِ أبي التياح ببلاد سنجاطَ حينَ\nفتحَهَا، وأن سنباطَ حضر مجلسَهُ، وحدّثه عن راهبٍ سماه لي، فأحضرَ\nيوسفُ الراهبَ، فحدَّثه الراهبُ بعد الامتناع، أن مَلِكا نفاهُ إلى جزيرةٍ على\nالبحرِ منفردةٍ، قال: فرأيتُ يومًا طيرًا - فذكرَ شبيهًا بالحكايةِ.\nورُويتْ من وجهٍ آخرَ، من طريقِ أبي عبدِ اللَّهِ محمدِ بن أحمدَ بنِ إبراهيمَ\nالرازيِّ، صاحب \"السداسياتِ \" المشهورةِ، عن عليِّ بنِ بقاءِ بنِ محمدٍ\nالوراقِّ، حدثنا أبو محمدٍ عبد الرحمنِ بن عمرَ البزارِ، قال: سمعتُ أبا بكر\nمحمدَ بنَ أحمدَ بنَ أبي الأصبغ، قال: قَدِم علينا شيخٌ غريبٌ، فذكرَ أنه كان\nنصرانيًّا سنينَ، وأنه تعبَّدَ في صومعتِهِ قال: فبينما هو جالسٌ ذاتَ يومٍ، إذ\nجاءَ طائرٌ كالنسرِ، أو كالكرْكِيِّ. فذكر شبيهًا بالحكايةِ مختصرًا.\nوكلُّ ما وردَ من هذه الآثارِ فإنه محمولٌ على أنَّ الأرواحَ تنتقل من مكانٍ\nإلى مكانٍ، ولا يدلُّ على أنَّها تستقرُ في موضع معينٍ من الأرضِ، واللَّهُ\nأعلمُ.\nويشهدُ لهذا ما رُوي عن شهرِ بنِ حوشبٍ، قال: كتبَ عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو\nإلى أبي بن كعبٍ، يسأله: أين تلْتَقِي أرواحُ أهلِ الجنةِ وأرواحُ أهلِ النارِ.\nفقال: أما أرواحُ أهلِ الجنةِ فبالباديةِ، وأما أرواحُ الكفارِ، فبحضرَموت، ذكره ابنُ منْدَه تعلِيقًا.","vol":"1","page":262},{"text":"وقالتْ طائفة من الصحابةِ: الأرواحُ عندَ اللَّهِ ﷿، وقد صحَّ ذلك\nعن ابنِ عمرٍو، وقد سبقَ قولُهُ.\nوكذلكَ رُوي عن حذيفةَ، خرَّجه ابن منده، من طريقِ داودَ الأوديِّ، عن\nالشعبيِّ، عن حذيفةَ، قال: إنَّ الأرواحَ موقوفة عندَ اللَّهِ تعالى، تنتظرُ\nموعدَها، حتَّى ينفخَ فيها، وهذا إسناد ضعيف، هذا لا ينافي ما وردتْ به\nالأخبارُ من محلِّ الأرواح على ما سبقَ.\nوقال طائفةٌ: أرواحُ بني آدمَ عند أبيهم آدمَ ﵇ عن يمينِه وشمالِه\nوهذا يستدل له بما في \"الصحيحينِ \" عن أنسٍ، عن أبي ذرٍّ - ﵁ -، عن النبيًّ - ﷺ -، قال: \"فرج سقف بيتي وأنا بمكة\"، فذكر الحديثَ وفيه: \"فلمَّا فتحَ، علونَا السماءَ الدنيا، فإذا رجل قاعد عن يمينِهِ أسوِدَة، وعن يسارِهِ أسودة، فإذا نظر قِبَل يمينهِ ضحكَ، وإذا نظرَ قِبَلِ شمالهِ بَكى، فقال: مرحبًا بالنبيِّ الصالح والابن الصالحِ، قلتُ لجبريلَ: من هذَا؟\nقال: هذا آدمُ، وهذه الأسودةُ عن يمينِهِ وعن شمالِهِ نسمُ بني آدمَ، فأهل\nاليمينِ منهم أهلُ الجنةِ، والأسودةُ التي عن شمالِهِ أهلُ النارِ، فإذا نظرَ عن يمينِهِ ضحكَ، وإذا نظرَ عن شمالِهِ بَكَى.. \" وذكر بقية الحديثِ.\nوظاهرُ هذا اللفظِ يقتضِي أنَّ أرواحَ الكفارِ في السماءِ، وهذا مخالف لقولِهِ\nتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَاب السَّمَاءِ)، وكذلك حديثُ البراءِ وأبي هريرةَ وغيرِهما، أنَّ السماءَ لا تفتحُ\nلروح الكافرِ، وأنها تطرحُ طرْحًا، وأنَّ رسول اللَّه - ﷺ -، قرأ: (وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَاَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ)","vol":"1","page":263},{"text":"قد حملَهُ بعضُهم على أنَّ هذه الأرواحَ التي عن يمينِ آدمَ وشمالِه هي\nأرواحُ العصاةِ من الموحدينَ وحملَها بعضُهم على أنها أرواحُ بنيهِ الذينَ لم\nتُخلقْ أجسادُهُم بعد، وهذا في غايةِ البعدِ مع منازعةِ بعضِهم في خلقِ\nالأرواح قبل أجسادِها.\nوقد وردَ من حديثِ أبي هريرةَ، ما يزيلُ هذا الإشكالَ كلَّه، من روايةِ أبي\nجعفر الرازيِّ، عن الربيع بنِ أنسي عن أبي العاليةَ أو غيرِه، عن أبي هريرةَ.\nفذكر حديثَ الإسراء بطول، إلى أن قال: \"ثمَّ صعد به إلى سماءِ الدنيا، فاستفتح، فقيل: من هذا؟\nقال: جبريلُ، قيلَ: ومن معك؟\nقال: محمدٌ قالُوا: وقد أُرسِلَ محمد؟\nقال: نعمْ، قالَ: حيَّاه اللَّهُ من أخٍ ومن خليفة، فنِعْمَ الأخُ، ونعمَ الخليفةُ، ونعِمَ المجيءُ جاءَ، قال: فدخلَ فإذا هو برجلٍ تامِّ الخلقِ، لم ينقص خلقِه شيء كما ينقص من خلقِ الناسِ، عن يمينِهِ باب يخرجُ منه ريح طيبة وعن شمالِهِ باب يخرجُ منه ريح خبيثة إذا نظرَ إلى البابِ الذي عن يمينِهِ ضحكَ واستبشرَ، وإذا نظرَ إلى البابِ الذي عن شمالهِ بكى وحزنَ، قالَ النبيُّ - ﷺ -: يا جبريلُ من هذا الشيخُ التامُّ الخلقِ الذي لم ينقصْ من خلقِهِ شيء؛ وما هذانِ البابانِ؟\nقال: هذا أبوكَ آدمُ ﷺ.\nالبابُ الذي عن يمينِه بابُ الجنةِ، فإذا نظرَ من يدخلُ الجنةَ من ذرينِه ضحكَ واستبشرَ، والبابُ الذي عن شمالِهِ بابُ جهنّم، فإذا نظرَ من يدخلُ من ذريتِه النارَ بكى وحزِنَ \"، وذكر الحديثَ.\nوقد خرَّجه بتمامِهِ البزَّارُ في \"مسندهِ \"، وأبو بكرٍ الخلالُ وغيرُ واحدٍ.\nوفيه التصريحُ بأن أرواحَ ذريته في الجنة والنارِ، وأنه ينظرُ إلى أهلِ الجنة من\nبابٍ عن يمينِه، وإلى أهلِ النارِ من باب عن شمالِه، وهذا لا يقتضِي أن تكون","vol":"1","page":264},{"text":"الجنةُ والنارُ في السماءِ الدنيا، وإنَّما معناه أنَّ آدمَ في السماء الدنيا، يفتحُ له\nبابانِ إلى الجنةِ والنارِ، ينظرُ منهما إلى أرواح ولدِه فيهما.\nوقد رأى النبيُّ - ﷺ - الجنةَ والنارَ في صلاةِ الكسوفِ وهو في الأرضِ وليستِ الجنةُ في الأرضِ.\nورُوي أنه رآها ليلةَ الإسراء في السماءِ؛ ليستِ النارُ في السماءِ.\nويشهدُ لذلكَ - أيضًا - ما في حديثِ أبي هارونَ العبدِيِّ - مع ضعفِ\nحديثِهِ - عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ - ﷺ - في حديثِ الإسراءِ الطويلِ إلى أنْ ذكرَ السماءَ الدنيا: \"وإذا أنا برجلٍ كهيئتِه يومَ خلقَهُ اللَهُ - ﷿ - لم يتغيرْ منه شيءٌ، وإذا تُعْرَضُ عليه أرواحُ ذريتِهِ، فإذا كان روحُ مؤمنٍ قال: روحٌ طيبةٌ، وريحٌ\nطيبة اجعلُوا كتابَهُ في عليّينَ. وإذا كان روحُ كافرٍ، قال: روحٌ خبيثةٌ، وريحٌ خبيثة اجعلُوا كتابه في سجِّين، قلتُ: يا جبريلُ من هذا؟\nقال: أبوكَ آدمُ \"، وذكر الحديثَ.\nففي هذا أنه تُعْرَضُ عليه أرواحُ ذريتِه في السماءِ الدنيا، وأنه يأمرُ بجعلِ\nالأرواح في مستقرِّها من علِّيينَ وسجًّينَ، فدلَّ على أن الأرواحَ ليس محل\nاستقرارِها في السماءِ الدُّنيا.\nوزعمَ ابنُ حزمٍ أنَّ اللَّه خلقَ الأرواحَ جملةً قبلَ الأجسادِ، وأنه جعلها في\nبرزخ، وذلك البرزخُ عند منقطع العناصرِ، يعني حيثُ لا ماءَ ولا هواءَ ولا\nنارَ ولا ترابَ، وأنه إذا خلقَ الأجسادَ أدخلَ فيها تلكَ الأرواحَ، ثم يعيدها\nعند قبضِها إلى ذلك البرزخ، وهو الذي رآها رسولُ اللَّهِ - ﷺ - في ليلةِ أُسْرِي به، عند سماءِ الدنيا، أرواحُ أهلِ السعادةِ عن يمينِ آدمَ، وأرواحُ أهلِ الشقاوةِ عن يسارِهِ، وذلك عند منقطع العناصرِ، وتُجعلُ أرواحُ الأنبياء والشهداءِ إلى الجنةِ.\nقال: وذكرَ محمدُ بنُ. نصر المروزيُّ، عن إسحاقَ بنِ راهويه، أنه ذكرَ هذا","vol":"1","page":265},{"text":"الذي قلنَاه بعينِه، قالَ: وعلى هذا أجمعَ أهلُ العلم، قالَ ابنُ حزمٍ: وهو\nقولُ جميع أهلِ الإسلامِ، هذا مختصرُ ما ذكرَهُ، ولا يُعرفُ ما قالَهُ في هذا\nعن أحدٍ من أهلِ الإسلامِ غيرِهِ.\nفكيفَ يكونُ قولَ جميعَ أهلِ الإسلامِ، وكلامُهُ يقتضِي أن الأرواحَ رآها\nالنبيُّ - ﷺ - ليلةَ الإسراءِ تحتَ السماءِ الدُّنيا، والحديثُ إنما يدلُّ على أنه إنما راَها فوقَ السماءِ الدنيا، وما حُكِي عن محمدِ بن نصرٍ، عن إسحاقَ بنِ راهويْهِ، فلا يدلُّ على ما قالَهُ بوجهٍ، فإن محمدَ بنَ نصرٍ حكى عن إسحاقَ بنِ راهويْهِ إجماعَ أهلِ العلم على أنَّ اللَّهَ تعالى استخرجَ ذريتَهُ من صلبِهِ قبلَ خلقَ أجسادِهم واستنطَقَهُم واستشهدَهُم على أنفسِهِم (ألَسْتُ بِرَبِّكم قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا) .\nولم يذكر أكئرَ من هذا، وهذا لا يدلُّ على شيءٍ مما\nقاله ابنُ حزمٍ في مستقرِّ الأرواح الميتةِ، بل ولا على أنَّ الأرواحَ بقيتْ على\nحالِها، بلْ في بعضِ الأحاديثِ أنه ردَّها إلى صلبِ آدمَ، ولم يقلْ إسحاقُ\nولا غيرُه من المسلمينَ: إن مستقرَ الأرواح حيثُ منقطع العناصِر، بل وليسَ\nهذا من جنسِ كلامِ المسلمينَ، بل من جنسِ كلامِ المتفلسفةِ.\nوقد خرَّج ابنُ جريرٍ الطبريُّ في كتابِ \"الآدابِ \" لهُ، من طريقِ أبي\nمعشرٍ، عن محمدِ بنِ كعبٍ، عن المغيرةِ بنِ عبدِ الرحمنِ، قالَ: قالَ سلمانُ\nلعبدِ اللَّهِ بنِ سلامٍ: إنَّ متَّ قبلي فأخبرْنِي بما تلْقَى، وإنْ متُّ قبلكَ أخبرتُك\nبما ألْقى، فقالَ له الناسُ: يا عبدَ اللَّهِ كيف تخبرُنا وقد مِتَّ؟ قالَ: ما منْ روح تُقبضُ من جسدٍ إلا كانتْ بينَ السماءِ والأرضِ حتى تُردَّ في جسدهِ الذي أخذتْ منه، وهذا لا يثبتُ وهو منقطعٌ، وأبو معشرٍ: ضعيفٌ، وقد سبقَ روايةُ سعيدِ بنِ المسيبِ لهذه القصة بغير هذا اللفظِ وهو الصحيحُ.","vol":"1","page":266},{"text":"وقد تقدمَ في سؤال عبدِ اللَّهِ بنِ الإمامِ أحمدَ لأبيهِ عن الأرواح هل تموتُ\nبموتِ الأجسادِ؟ وهذا يدلُّ على أنَّ هذا قد قيل أيضًا وهو كذلكَ.\nوقد حُكِي عن طائفة من المتكلمينَ وذهبَ إليه جماعة من فقهاءِ الأندلسِ\nقدِيمًا، منهم عبدُ الأعلى بنُ وهبٍ ومحمدُ بنُ عمرَ بن لبابة، ومن متأخرِيهم\nكالسهيلي وأبي بكرِ بنِ العربيِّ وغيرِهِما، قال أبو الوليد بنُ الفرضيِّ في\n\"تاريخ الأندلسِ \": أخبرني سليمانُ بنُ أيوبَ، قالَ: سألتُ محمدَ بنَ\nعبدِ الملكِ بنِ أيمن، عنِ الأرواح؟\nفقال لِي: كانَ محمدُ بنُ عمرَ بنِ لبابةِ\nيذهبُ إلى أنها تموتُ. وسألته عن ذلكَ؟\nفقال: كذا كانَ عبدُ الأعْلَى يذهبُ\nفيها، قال ابنُ أيمن، فقلتُ له: إنَّ عبدَ الأعْلَى كان قدْ طالعَ كتبَ المعتزلةِ\nونظرَ في كلامِ المتكلمينَ، فقال: إنَّما قلدتُ عبدَ الأعْلَى ليسَ عليَّ من هذا\nشيء. انتهى.\nوقد استدل أربابُ هذا القول بقولِهِ تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الموتِ)، وهذا حقّ كما أخبرَ اللَّهُ به، لا مِرْيَةَ فيه، ولكن الشأنَ في فهم\nمعناهُ، فإن النفسَ يُرادُ بها مجموعُ الروح والبدنِ. كما في قولِهِ تعالى:\n(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨\".\nوقوله ﷾: (فَلا تُزَكوا أَنفُسَكُمْ) .\nوقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ)\nوقوله تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كسَبَتْ رَهِينَة) .\nوقوله تعالى: (يَوْمَ تَأتِي كلّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن ئفْسِهَا) .\nوقوله - ﷺ -: \"ما منْ نفسٍ مَنْفُوسةٍ إلا اللَهُ خالقُها\".","vol":"1","page":267},{"text":"وقوله - ﷺ - ا: \"ما مِنْ نفسٍ منْفُوسة اليومَ، يأتي عليها مائةُ سنة وهي حيَّةّ يومئذٍ\".\nوفي رواية: \"لا يأتي مائةُ سنة وعلى الأرضِ نفسٌ منفوسةٌ اليومَ \".\nوالمرادُ موتُ الأحياءِ الموجودينَ في يومِهِ ذلكَ، ومفارقةَ أرواحِهِم\nلأبدانِهِم، قبلَ المائةِ سنةِ، ليس المرادُ عدمَ أرواحِهِم واضمحلالِهَا، فكذلك\nقولُهُ سبحالهُ وتعالى: (كلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ)، إنَّما المرادُ كلُّ\nمخلوق فيه حياةٌ فإنَه يذوقُ الموتَ، وتفارقُ رُوحُه بدَنَه، فإنْ أرأدَ من قالَ: إن النفسَ والروحَ تموتُ، إنها تذوقُ ألمَ مفارقةِ الجسدِ فهو حق، وإنْ أرادَ أنَّها تُعدم وتتلاشى فليسَ بحق، وقدْ استنكرَ العلماءُ هذه المقالةَ، حتى قالَ\nسحنونُ بنُ سعيد وغيرُهُ: هذا قولُ أهلِ البدع، والنصوصُ الكثيرةُ الدالةُ على بقاءِ الأرواح بعدَ مفارقِتها للأبدانِ تردُّ ذلكَ وتبطلُهُ.\nولكن قد تخيلَ بعضُ المتأخرينَ موتَ الأرواح عند النفخةِ الأولى مستدِلًا\nبقوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَمَن فِي الأَرْض إلاَّ مَن شَاءَ اللهُ) .\nوردَّ عليه آخرونَ، وقالَ: إنَّما المرادُ أنه يموتُ من لم يكنْ\nماتَ قبلَ ذلكَ، ولكنْ وردَ عن طائفةٍ من السلفِ في قولِهِ: (إِلاَّ مَن شَاءَ اللَّهُ) أن المستثنى هم الشهداءُ.\nروي ذلك عن أبي هريرةَ وابنِ عباس وسعيدِ بنِ جبيرٍ وغيرِهم - ﵃ -.\nورُوي ذلكَ عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ - في حديثِ الصورِ الطويلِ، ومن وجهٍ آخرَ بإسنادٍ أجودَ من إسنادِ حديثِ الصورِ، وهذا يدلُّ على أن للشهداءِ حياةً يشاركونَ بها الأحياءَ، حتى يحتاجَ إلى استثنائهِم ممن يصعقُ من","vol":"1","page":268},{"text":"الأحياءِ وقد قيلَ في الأنبياءِ مثلُ ذلكَ أيضًا.\nوعلى هذا حمَلَ طائفةٌ من العلماءِ منهمُ البيهقي وأبو العباسِ القرطبيُّ قولَ\nالنبي - ﷺ - في قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى)، فأكونُ أنا أولُ من يبعثُ، فإذا موسى آخذٌ بالعرشِ، فلا أدْرِي أحوسبَ بصعقةِ الطورِ أم بُعثَ قبلِى\".\nوفي رواية: \"أوْ كانَ ممن استَثْنى اللَّهُ \". فإن حياةَ الأنبياءِ أكملُ من حياةِ الشهداءِ، بلا ريبٍ، فيشملُهم حكمُ الأحياءِ أيضًا، ويصعقونَ مع الأحياءِ حينئذ، لكن صعقةُ غشي لا صعقةَ موتٍ، إلا موسى فإنه تردَّدَ فيه هل صُعِقُ أم كان ممن استثْنى اللَّهُ، فلم يُصعقْ لمجازاةِ اللَّه له، بصعقةِ الطورِ؛ ولكنْ على هذا التقدير فموسى مبعوثٌ قبل مَحمدٍ - ﷺ -، لا محالةَ، فكيفَ تردَّد النبيَّ - ﷺ - في ذلك\nفي كونِ الشهداءِ لا يُصعقونَ والأنبياءُ يُصعقُونَ، إشكالٌ أيضًا، واللَّه أعلمُ\nبمرادِهِ ومرادِ رسولِه - ﷺ - في ذلك كلِّه.\nوالفرقُ بينَ حياةِ الشهداءِ وغيرِهم منَ المؤمنينَ الذين أرواحُهُم في الجنةِ.\nوجهين:\nأحدُهُما: أنَّ أرواحَ الشهداءِ تُخلقُ لها أجسادٌ، وهي الطيرُ التي تكونُ في\nحواصِلِها، ليكملَ بذلك نعيمُها، ويكونُ أكملُ من نعيم الأرواء المجردةِ عنِ\nالأجسادِ، فإن الشهداءَ بذلُوا أجسادَهُم للقتلِ في سبيلِ اللَهِ فعوّضوا عنها بها\nالأجسادَ في البرزخ.\nوالثاني: أنهم يُرزقونَ في الجنةِ، وغيرُهُم لم يثبتْ له في حقِّه مثلُ ذلكَ فإنه","vol":"1","page":269},{"text":"جاءَ أنهم يُعلَّقون في شجرِ الجنةِ. ورُوي يعلقون بفتح اللامِ وضَقَها، فقيلَ:\nإنَّهما بمعى، وأنَّ المرادَ الأكلُ من الشجرِ، قال ابنُ عبدِ البرِّ: وقيل: بلْ روايةُ الضمِّ معناها الأكلُ، وروايةُ الفتح معناها التعلُّق.\nوهو التسترُ. وبكلِّ حالٍ فلا يلزم مساواتُهُم للشهداءِ في كمالِ تنعمهم بالأكلِ، واللَّهُ أعلم.\nوقد ذهبَ طائفةٌ من المتكلمينَ إلى أن الروحَ عرضٌ لا تبقى بعدَ الموتِ.\nوحملُوا ما وردَ من عذابِ الأرواح ونعيمِها بعدَ الموتِ على أحدِ أمرينِ: إما\nأنَّ العرضَ الذي هو الحياةُ يعادُ إلى جزءٍ من البدنِ، أو على أنْ يخلقَ في بدنٍ\nآخرَ.\nوهذا الثاني باطلٌ قطْعًا، لأنه يلزمُ منه أنْ يعذَّب بدنٌ غيرُ بدنِ الميتِ، معَ\nروح غيرِ روحِهِ، فلا يعذَّبُ حينئذٍ بدنُ الميتِ ولا رُوحُه، ولا يتنعمانِ أيضًا، وهذا باطلٌ قطعًا، والأولُ باطلٌ - أيضًا - بالنصوصِ الدالةِ على بقاءِ الروح منفردةً عن البدنِ بعد مفارقتِها له، وهي كثيرةٌ جدًّا وقد سبقَ ذكرُ بعضِها.\nوقد احتجَّ بعضُهم على فناءِ الأرواح وموتِها بما رُوي عن النبيِّ - ﷺ - أنه كانَ إذا دخلَ المقابرَ قالَ: \"السَّلامُ عليكُم أيتُها الأرواحُ الفانيةُ، والأبدانُ الباليةُ، والعظامُ النخرةُ، التي خرجتْ من الدُّنيا وهي باللَّه مؤمنه اللَّهُمَّ أدخلْ عليهم رَوْحًا منكَ وسَلاما مِنَّا\".\nوهذا حديثٌ خرَّجه ابنُ السُّني، من طريقِ عبدِ الوهابِ بنِ جابرِ\nالتيميِّ، حدثنا حبانُ بنُ عليٍّ، عن الأعمشِ، عن أبي رزينٍ، عن ابنِ مسعودٍ - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ -، وهذا لا يثبت رفعُه، وعبدُ الوهابِ لا يُعرفُ، وحبّانُ ضعيف، ولو صحَّ حُمِلَ على أنَّه أرادَ بفناءِ الأرواح ذهابَها من الأجسادِ","vol":"1","page":270},{"text":"المشاهدةِ، كما في قوله تعالى: (كلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ)، وبعضُ الأبدانِ باقية، كأجسادِ الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلامُ وغيرِهم، وإنما تفارقُ\nأرواحُها أجسادَها.\nوذَكَرَ بعضُهم عن ابنِ عباسٍ - ﵄ - أنه سئل أينَ تكونُ الأرواح إذا فارقتِ الأجسادَ؟\nفقال: أين يكونُ السراجُ إذا طُفِي، والبصرُ إذا عَمِيَ، ولحمُ المريضِ\nإذا مَرِض؛ فقالُوا: إلى أينَ؟\nقال: فكذلكَ الأرواحُ، وهذا لا يصحّ عنِ ابنِ عباسٍ ﵄، واللَّهُ أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)</span>\nإذا وفَّق اللَهُ عبدًا: توكَّلَ بحفْظِهِ وكلاءته، وهدايتِهِ وإرشادِهِ، وتوفيقِه\nوتسديدِهِ. وإذا أخذلَهُ وكله إلى نفسِهِ أو إلى غيرِه، ولهذا كانتْ هذه الكلمةُ:\n(حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، كلمةً عظيمةً، وهي التي قالها إبراهيمُ\n﵊ حين أُلقيَ في النارِ، وقالَهَا محمد رسولُ اللَّهِ - ﷺ - حين قالَ لهُ الناسُ: (إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعوا لَكمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، وقالتْهَا عائشةُ حين ركبتِ الناقةَ لمَّا انقطعتْ عن الجيشِ، وهي كلمةُ المؤمنينَ.\nفمن حقَّق التوكلَ على اللَّهِ لم يكلْهُ إلى غيره، وتولاَّه بنفسِهِ.\nوحقيقةُ التوكلِ: تكِلة الأمورِ كلِّها إلى من هي بيدِهِ. فمن توكَّلَ على اللَّهِ","vol":"1","page":271},{"text":"في هدايتِهِ وحراستِه وتوفيقِهِ وتأييدِهِ ونصى ورزقِهِ، وغير ذلك من مصالح\nدينِهِ ودنياهُ تولَّى اللًّه مصالحَهَ كلَّها، فإنَّه تعالى ولِيُّ الذين آمنوا. وهذا هو\nحقيقةُ الوثوقِ برحمةِ اللَّهِ كما في هذا الدعاءِ \"فإني لا أثقُ إلا برحمتِكَ \".\nفمن وثقَ برحمةِ ربِّه ولم يثقْ بغيرِ رحمتِهِ، فقد حقَّقَ التوكلَ على ربِّه في\nتوفيقِهِ وتسديدِهِ، فهو جديرٌ بأن يتكفلَ اللَهُ بحفظِهِ، ولا يكلُهُ إلى نفسِهِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>قوله تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)</span>\nومِنْ أظهرِ التَّعييرِ: إظهارُ السوءِ وإشاعتُه في قالَبِ النُّصح وزعْمُ أنه إنما\nيحملُهُ على ذلك العيوبُ إما عامًا أو خاصًا وكان في الباطن إنما غرضُهُ التعييرُ\nوالأذَى فهو من إخوانِ المنافقينَ الذينَ ذمَّهم اللَّهُ في كتابه، في مواضعَ، فإنَّ\nاللًّهَ تعالى ذمَّ من أظهرَ فعلًا وقولًا حسنًا وأرادَ به التوصُّلَ إلى غَرَضٍ فاسدٍ\nيقصدُهُ في الباطنِ، وعدَّ ذلك من خصال النفاقِ كما في سورةِ براءةَ التي\nهتَكَ فيها المنافقينَ وفضَحَهُمْ بأوصافهم الخبيثة، (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ) .\nوقال تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا..)، وهذه الآيةُ نزلتْ في اليهودِ لمَّا سالهم النبيُّ - ﷺ - عن شيء فكتمُوه وأخبرُوه بغيرِه، وقد أرَوْه أنْ قد أخبرُوه بما سألهم عنه، واستحمدُوا بذلك عليه وفرحوا بما أتَوا من كتمانِهِ ما سألهُم عنه.","vol":"1","page":272},{"text":"كذلك قالَ ابنُ عباسٍ - ﵁ -، وحديثُه بذلكَ مخرَّجٌ في \"الصحيحين \".\nوعن أبي سعيد الخدري: أن رجالًا من المنافقين كانُوا إذا خرج رسولُ اللَّهِ\n- ﷺ - إلى الغزوِ وتخلَّفوا عنه وفرِحُوا بمقعدهِم خلافَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، فإذا قدِمَ رسولُ اللَّهُ اعتذرُوا إليه وحَلَفُوا، وأحبُوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا.\nفنزلتْ هذه الآية ُ.\nفهذه الخصالُ، خصالُ اليهودِ والمنافقينَ، وهو أن يُظهرَ الإنسانُ في الظاهرِ\nقولًا أو فعلًا، وهو في الصورةِ التي ظهرَ عليها حسنٌ، ومقصودُهُ بذلك\nالتوصُّلُ إلى غَرَضٍ فاسدٍ، فيحمدُهُ على ما أظهر من ذلك الحسَنِ، ويتوصَّلُ\nهو به إلى غرَضِهِ الفاسدِ الذي هو أبْطَنَهُ، ويفرحُ بحمدِهِ على ذلك الذي\nأظهرَ أنه حسنٌ وفي الباطنِ شيء، وعلى توصُّلِهِ في الباطنِ إلى غرضِهِ\nالستَيِّئ، فتتمُّ له الفائدةُ وتُنفّذُ له الحيلةُ بهذا الخداع!!.\nومَنْ كانتْ هذه صفتُهُ فهو داخلٌ في هذه الآيةِ ولا بُدَّ، فهو مُتَوَعَّدٌ\nبالعذابِ الأليم، ومثالُ ذلك: أن يُريدَ الإنسانُ ذمَّ رجل وتنقُّصَهُ وإظهارَ عيْبِهِ لينفر الناس عنه إما محبةً لإيذائهِ أو لعداوتِهِ، أو مخافةً من مُزاحمتِهِ على مالٍ أو رئاسة أو غير ذلك من الأسبابِ المذمومةِ، فلا يتوصَّل إلى ذلك إلا بإظهار الطَّعْنِ فيه بسببِ ديني، مثل: أن يكونَ قد ردَّ قولًا ضعيفًا من أقوالِ عالمٍ مشهور فيشيعُ بين من يُعَظِّم ذلك العالِمَ، أن فلانًا يُبْغِضُ هذا العالِمَ ويذمُّه ويطعنُ عليه فيغِرُّ بذلك كلَّ من يُعظمه ويُوهمهُم أن بُغْضَ الرادِّ وأذاهُ من أعمال العربِ، لأنه ذبٌّ عن ذلك العالِم، ورفع الأذى عنه، وذلك قُربةٌ إلى","vol":"1","page":273},{"text":"اللَّهِ تعالى وطاعتِهِ فيجمعُ هذا الظْهِرُ للنصح بين أمرين قبيحين مُحرَّمين:\nأحدهما: أن يُحملَ ردُّ هذا العالِم القولَ الآخرَ على البُغْضِ والطَّعْنِ\nوالهَوَى، وقد يكونُ إنَّما أراد به النُّصحَ للمؤمنينَ، وإظهارَ ما لا يحلُّ له\nكتمانُه من العلم.\nوالثاني: أن يُظهرَ الطَّعْنَ عليه ليتوصَّل بذلكَ إلى هواه وغَرَضه الفاسد في\nقالَبِ النُّصح والذَّبِّ عن عُلماءِ الشرع، وبمثلِ هذه المكيدةِ كان ظلمُ بني\nمروانَ وأتباعُهم يستميلونَ الناسَ إليهم ويُنفِّرون قلوبَهُم عن عليِّ بنِ أبي\nطالبٍ والحسنِ والحسينِ وذريتِهم - ﵁ أجمعين.\nوأنه لما قُتِلَ عثمانُ - ﵁ - لم تَرَ الأمَّةُ أحقَّ من عليٍّ - ﵁ - فبايعوه فتوصَّلَ منْ توصَّل إلى التنفير عنه، بأنْ أظهرَ تعظيمَ قتلَ عثمانَ وقُبْحَهُ، وهو في نفس الأمر كذلكَ، ضُمَّ إلى ذلك أن المُؤلِّب على قتلِهِ والسَّاعِي فيه عليّ - ﵁ -، وهذا كان كَذِبًا وبهْتًا.\nوكان عليّ - ﵁ - يحلفُ ويُغَلِّظُ الحَلِفَ على نفي ذلكَ، وهو الصادقُ البارُّ في يمينِهِ - ﵁ -، وبادرُوا إلى قتالِهِ ديانةً وتقربا ثم إلى قتالِ أولادِهِ رضوانُ اللهِ عليهم، واجتهدَ أولئكَ في إظهارِ ذلك وإشاعتِهِ على المنابِرِ في أيَّامِ الجُمع وغيرِها من المجَامِع العظيمةِ، حتى استقرَّ في قلوبِ أتباعِهِم أنَّ الأمرَ على ما قالوه، وأن بني مروانَ أحقُّ بالأمرِ من عليٍّ وولدِهِ لقُربِهِم من عُثمانَ، وأخْذهم بثأرِه، فتوصَّلوا بذلكَ إلى تأليفِ قُلوبِ الناسِ عليهم، وقتالهم لعليٍّ وولدِهِ من بعْدِهِ، ويثبُتُ بذلكَ لهم المُلْكُ، واستوثقَ لهم الأمرُ.\nوكان بعضُهم يقولُ في الخَلْوة لمن يثقُ إليه كلامًا ما معناه: \"لم يكن أحد","vol":"1","page":274},{"text":"من الصحابة أكفأ عن عثمان من عليٍّ \" فيقالُ له: لِمَ يسبُّونه إذًا؛ فيقول: \"إنَّ المُلْكَ لا يقومُ إلا بذلك \".\nومُرادُهُ أنَّه لولا تنفيرُ قلوبِ الناسِ عن عليٍّ ووَلَدِهِ ونسبُهم إلى ظلم عثمانَ\nلما مالتْ قلوبُ الناسِ إليهم، لما علموه من صفاتِهِم الجميلةِ وخصائصِهم\nالجليلةِ، فكانوا يُسرعون إلى مُتابعتهم ومبايعتِهم فيزولُ بذلك مُلكُ أميَّة.\nوينصرفُ الناسُ عن طاعتِهِم.\n* * *\nومن هذا البابِ - أيضًا - أن يحبَّ ذُو الشرفِ والولايةِ أن يُحمدَ على\nأفعالِهِ ويُثْنَى عليه بها، ويَطلبُ من الناسِ ذلك، ويَتَسببُ في أذى من لا\nيُجيبُه إليه، ورُبَّما كان ذلك الفعلُ إلى الذمِّ أقربَ منه إلى المدح، ورُبَّما أظهر أمرًا حسنًا في الظاهرِ، وأحبَّ المدحَ عليه وقصَدَ به في الباطنِ شرًّا، وفرِحَ بتمْويهِ ذلك وترويجه على الخلقِ.\nوهذا يدخلُ في قولِهِ تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ)، الآية.\nفإن هذه الآيةَ إنما نزلتْ فيمن هذهِ صفاتُهُ، وهذا الوصفُ - أعني: طلبَ\nالمدح منَ الخلقِ ومحبَّتَهُ والعقوبةَ على تركِهِ - لا يصلحُ إلا للَّه وحدَهُ لا\nشريكَ لهُ، ومن هُنا كان أئمةُ الهُدى ينهَوْن عن حمدِهِم على أعمالِهِم وما\nيَصدُرُ منهم منَ الإحسان إلى الخلْقِ، ويأمرُونَ بإضافةِ الحمدِ على ذلكَ للَّهِ\nوحدَهُ لاشريكَ لهُ، فإن النًّعَمَ كلَّها منه.","vol":"1","page":275},{"text":"وكانَ عُمرُ بنُ عبد العزيزِ - ﵀ - شديدَ العنايةِ بذلكَ، وكتبَ مرَّةً\nإلى أهلِ الموْسم كتابًا يُقرأ عليهم، وفيه الأمرُ بالإحسانِ إليهم، وإزالةُ المظالم\nالتي كانَتْ عليهم، وفي الكتابِ: \"ولا تَحْمدُوا على ذلكَ كُلِّه إلا اللَّه، فإنَّه\nلوْ وَكَلَنِي إلي نفْسِي كُنْتُ كغيرِي \".\nوحكايتُهُ مع المرأةِ التي طلبتْ منه أن يَفرضَ لبَناتها اليتامى مشهورةٌ، فإنها\nكانتْ لها أربعُ بنَاتٍ، ففرض لثْنتينِ منهنَّ، وهي تحمدُ اللَّه، ثم فرض للثالثةِ\nفشكرتْهُ فقال: إنَّما كُنَّا نفرِضُ لهُنَّ حيثُ كُنتِ تولينَ الحمدَ أهلَهُ، فمُري هذه الثلاثَ يُواسينَ الرابعةَ. أو كما قال - ﷺ -.\nأرادَ أن يُعرفَ أنَّ ذا الولايةِ إنما هو مُنتصب لتنفيذِ أمر اللَّه، وآمرٌ العبادَ\nبطاعتِهِ تعالى، وناهٍ لهم عن محارمِ اللَّهِ، ناصحٌ لعبادِ اللَّهِ بدُعائهم إلى اللَّهِ.\nفهو يقصدُ أن يكون الدينُ كلُّه للَّه، وأن تكونَ العِزَّة للَّه، وهو مع ذلك\nخائفٌ من التقصيرِ في حقوقِ اللَّه تعالى - أيضًا -.\nفالمحبُّونَ للَّهِ غايةُ مقاصدِهِم من الخلقِ أن يُحبُّوا اللَّهَ ويطيعُوه.\nويُفردوه بالعبوديةِ والإلهيةِ، فكيفَ من يزاحِمُهُ في شيء من ذلكَ؛ فهو لا\nيريدُ منَ الخلقِ جزاءًا ولا شُكُورًا، وإنما يرجُو ثوابَ عملِهِ من اللَّهِ كما قال\nاللَّهُ تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) .\nوقال - ﷺ -: \"لا تُطرُوني كما أطرَتِ النصارى المسيحَ ابنَ مريمَ، إنَّما أنا عبد، فقولُوا: عبدَ اللَّهِ ورسولَهِ \".","vol":"1","page":276},{"text":"وكان رسول اللَّهِ - ﷺ - ينُكر على من لا يتأدَّبُ معه في الخطابِ بهذا الأدبِ، كما قال: \"لاتقولُوا: ما شاءَ اللَّهُ وشاءَ محمدٌ بلْ قُولُوا: ما شاءَ اللَّهُ ثم شاءَ محمدٌ\".\nوقال: لمن قال: ما شاء اللَّه وشِئتَ: \"أجَعَلتَنِى للَّه ندًا؟ بل ما شاءَ اللَّهُ\nوحده \".\nفمِن هُنا كان خُلفاءُ الرُّسل وأتباعُهم من أُمراءِ العدل وأتباعِهم وقُضاتِهم لا\nيدْعُون إلى تعظيم نُفُوسهم ألبتَّة، بل إلى تعظيم اللَّه وحدَه، وإفرادِهِ بالعبوديةِ\nوالإلهيةِ، ومنهُم من كان لا يريدُ الولايةَ إلا للاستعانةِ بها على الدعوةِ إلى\nاللَّهِ وحدَه.\nوكان بعضُ الصالحينَ يتولَّى القضاءَ ويقول: ألا أتولاهُ لأستعينَ به على\nالأمر بالمعروفِ والنهي عن المُنكر.\nولهذا كانتِ الرُّسل وأتباعُهُم يصبرونَ على الأذى في الدعوة إلى اللَّهِ.\nويتحملونَ في تنفيذِ أوامرِ اللَّه من الخلقِ غايةَ المشقةِ وهُم صابرونَ، بل\nرَاضُون بذلكَ، فإنَّ المحبَّ رُبَّما يتلذذُ بما يُصيبه منَ الأذى في رضى محبوبِه.\nكما كانَ عبدُ الملك بنُ عمرَ بنِ عبدِ العزيز - ﵀ - يقولُ لأبيه في\nخلافتِهِ إذا حرصَ على تنفيذِ الحق وإقامةِ العدل: با أبَتِ، لودِدْت أنِّي غَلتْ","vol":"1","page":277},{"text":"بي وبِكَ القُدورُ في اللَّهِ ﷿.\nوقال بعضُ الصالحين: وددتُ أنَّ جسمي قُرِضَ بالمقاريضِ وأنَ هذا الخلقَ\nكلَّهم أطاعُوا اللَّهَ ﷿، فعُرِض قولُهُ على بعضِ العارفينَ فقال: إن كان\nأراد بذلك النصيحةَ للخلقِ وإلا فلا أدري، ثم غُشيَ عليه.\nومعنى هذا: أن صاحبَ هذا القولِ قد يكونُ لَحِظَ نُصحَ الخلقٍ والشفقةَ\nعليهم من عذابِ اللَّه، وأحبَّ أن يفديَهم من عذابِ اللَّهِ بأذى نفسِهِ، وقد\nيكونُ لَحِظَ جلالَ اللَّهَ وعظمتِه وما يستحقُهُ من الإجلالِ والإكرامِ والطَّاعةِ\nوالمحبةِ، فوَدَّ أن الخلقَ قاموا بذلك، وإن حصلَ له في نفسِهِ غايةُ الضرر.\nوهذا هو مشهدُ خَواصِّ المُحبين العارفينَ بملاحظتِهِ فغشي على هذا الرجلِ\nالعارفِ.\nوقد وصفَ اللَّهُ تعالى في كتابِهِ أن المحبين له يجاهدون في سبيله ولا\nيخافون لومة لائم.\nوفي ذلك يقولُ بعضُهُم:\nأجدُ الملامةَ في هَواَك لذيذةً. . . حبًّا لذكْرِكَ فلْيَلُمْنِي اللُّوَّمُ\n* * *","vol":"1","page":278},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-49>سُورَةُ النِّسَاءِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)</span>\nومما يستدلُّ به على فضلِ قلةِ العيالِ قولُهُ تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا)، على تفسير من فسَّرَهُ\nبكثرة العيال، ولكنَّ الجمهورَ على تفسير بالجورِ والحيفِ، فإنَّ ملكَ اليمينِ\nقد تكثرُ به الأولادُ أكثرُ من الزوجاتِ الأربع، فإنه لا ينحصرُ في عددٍ.\nوكانَ الإمامُ أحمدُ ينكرُ على من كرهَ كثرةَ الأزواج والعيال، ويستدلُّ بحال\nالنبيِّ - ﷺ - وأصحابِه من كثرةِ أزواجهِم وعيالِهِم، وبمثلِ قولهِ: \"تزوجُوا الودودَ الولودَ، فإنِّي أكاثرُ بكُمُ الأممَ يومَ القيامةِ\"، ولكنه يأمرُ مع هذا بطلبِ الحلالِ والكسبِ، والصبرِ على الفقرِ وإنْ شقَّ.\nفالإمامُ أحمدُ أمرَ بما جاءَ الأمرُ به في الشرع، وسفيانُ نظرَ إلي قلَّةِ صبرِ\nالناسِ إلى ما يئولُ إليهِ حالُهم عند كثرةِ عيالهِم منْ تركِ الورع، والتكسبِ من الوجوهِ المكروهةِ، وهذا هُوَ الغالبُ على النَّاسِ لا سيَّما مع قلةِ العِلْم\nوالصبرِ، وأمَّا حالُ الصابرينَ على العيالِ المحافظينَ على الورع معهُم فعزيز\nجدًا.","vol":"1","page":279},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>قوله تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)</span>\nقال المباركُ بنُ كاملٍ: سمعتُ عبدَ الوهابِ بنِ قاسم بنِ عليٍّ الشعرانيَّ.\nقال: رأيتُ جعفرَ الدرزيجاني جاء إلى بغدادَ، فالتقى به أبو الحسين\nالدرزيجانيُ، فقال له: كيف تركتَ الصبيانَ؟\nفقال له: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩)\nتقوى اللَّهِ لنا ولَهُم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ </span>وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١) وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢) .","vol":"1","page":280},{"text":"قال تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) .\nفهذا حكمُ اجتماع ذكورِهم وإناثِهم أنَّه يكونُ للذكرِ منهم مثلُ حط الأنثيينِ، ويدخلُ في ذلك الأولادُ، وأولادُ البنينَ باتِّفاقِ العلماءِ، فمتى اجتمعَ من\nالأولادِ إخوةٌ وأخواتٌ، اقتسَمُوا الميراثَ على هذا الوجهِ عند الأكثرينَ، فلو كانَ هناكَ بنتٌ للصُّلبِ أو ابنتانِ، وكان هناك ابنُ ابنٍ مع أخته اقتسما الباقِي أثلاثا، لدخولِهم في هذا العمومِ.\nهذا قولُ جمهورِ العلماءِ، منهم عمرُ وعليٌّ وزيدٌ وابنُ عباسٍ، وذهبَ إليه عامَّة العلماءِ، والأئمةُ الأربعة.\nوذهبَ ابنُ مسعودٍ إلى أنَّ الباقي بعدَ استكمالِ بناتِ الصُّلبِ الثلثين، كلُّه\nلابن الابنِ، ولا يُعصِّبُ أخته، وهو قولُ علقمةَ وأبي ثورٍ وأهلِ الظاهرِ، فلا\nيُعصِّبُ عندَهُم الولدُ أختَه إلا أن يكونَ لها فريضةٌ لو انفردتْ عنه، فكذلك\nقالُوا فيما إذا كان هناكَ بنتٌ وأولادُ ابنٍ ذكورٌ وإناث: إنَّ الباقي لجميع ولد\nالابنِ، للذكرِ منهم مثلُ حظِّ الأنثيينِ.\nوقال ابنُ مسعودٍ في بنتٍ وبناتِ ابنٍ وبني ابنٍ: للبنتِ النصفُ، والباقي\nبين ولدِ الابنِ، للذكرِ مثلُ حظِّ الأُنثيين إلا أن تزيدَ المقاسمةُ بناتَ الابنِ على\nالسدسِ، فيُفرضُ لهنَّ السدسُ، ويجعلُ الباقي لبني الابنِ، وهو قولُ أبي\nثَوْر.\nوأمَّا الجمهورُ، فقالُوا: النصفُ الباقي لولدِ الابنِ، للذكرِ مثلُ حط الأنثيين\nعملًا بعمومِ الآيةِ، وعندهم أن الولدَ وإن نزَلَ يُعَصّبُ من في درجتِهِ بكلِّ","vol":"1","page":281},{"text":"حالٍ، سواء كان للأنثى فرض بدونه أو لم يكن، ولا يُعَصِّبُ من أعلى منه\nمن الإناثِ إلا بشرطِ أن لا يكونَ لها فرضٌ بدونه، ولا يُعصِّبُ من أسفلَ منه\nبكلِّ حالٍ.\nثم قالَ تعالى: (فَإِن كنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَك وَإِن كانَت واحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ)، فهذا حكمُ انفرادِ الإناثِ من الأولاد أن للواحدةِ\nالنصفَ، ولما فوقَ الاثنتينِ الثلثانِ، ويدخلُ في ذلك بناتُ الصلبِ وبناتُ\nالابنِ عند عدمهِنَّ، فإنِ اجتمعنَ، فإن استكملَ بناتُ الصلبِ الثلثين، فلا\nشيءَ لبناتِ الابنِ المنفرداتِ، وإن لم يستكملِ البناتُ الثُّلثين، بل كانَ ولدُ\nالصلبِ بنتًا واحدةً، ومعها بناتُ ابنٍ، فللبنتِ النِّصفُ، ولبناتِ الابنِ السدسُ تكملةَ الثلثين، لئلا يزيدَ فرض البنات على الثلثين.\nوبهذا قَضى النبيُّ - ﷺ - في حديثِ ابنِ مسعودٍ الذي تقدَّمَ ذكرُهُ، وهو قولُ عامَّةِ العلماءِ، إلا ما رُوي عن أبي مسعودٍ وسلمانَ بنِ ربيعةَ أنه لا شيء لبنتِ الابنِ، وقد رجعَ أبو موسى إلى قولِ ابنِ مسعودٍ لما بلغَهُ قولُهُ في ذلك.\nوإنما أُشكِلَ على العلماءِ حكمُ ميراثِ البنتينِ، فإنَّ لهما الثلثين بالإجماع\nكما حكاه ابن المنذرِ وغيرُه، وما حُكيَ فيه عن ابن عباسٍ أنَّ لهما النِّصفَ.\nفقد قيل: إن إسنادَهُ لا يصحُّ، والقرآنُ يدل على خلافِهِ، حيث قال تعالى:\n(وَإِن كانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْف)، فكيف تُورث أكثرُ من واحدةٍ","vol":"1","page":282},{"text":"النصفَ؛ وحديثُ ابن مسعودٍ في توريثِ البنتِ النصفَ وبنتِ الابنِ السدسَ\nتكملة الثلثين يدلُّ على توريثِ البنتين الثلثين بطريقِ الأولى.\nوخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمذيُّ من حديثِ جابرٍ: أنَّ النبيَّ\n- ﷺ - ورَّث ابنتيْ سعدِ بنِ الرَّبيع الثلثينِ.\nولكن أشكلَ فهمُ ذلكَ من القرآنِ لقولِهِ تعالى: (فَإِن كنَّ نِسَاءً فَوقَ اثْنَتَين)، فلهذا اضطربَ الناسُ في هذا، وقالَ كثيرٌ من الناسِ فيه أقوالاَ\nمستبعدة.\nومنهم من قالَ: استُفيد حكم ميراث الابنتين من ميراث الأختين، فإنَّه قال\nتعالى: (فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهمَا الثلثَانِ مِمَّا تَرَكَ)، واستفيد حكمُ\nميراثِ أكثر من الأختينِ من حكم ميراثِ ما فوقَ الاثنتينِ.\nومنهم من قال: البنتُ مع أخيها لها الثلثُ بنصِّ القرآنِ، فلأن يكونَ لها\nالثلثُ مع أختِهَا أولى، وسلكَ بعضُهم مسلكًا آخر، وهو أنَّ اللَّهَ تعالى ذكرَ\nحُكمَ توريثِ اجتماع الذكورِ والإناثِ من الأولادِ، وذكر حُكْمَ توريثِ الإناثِ إذا انفردنَ عن الذكور، ولم ينصَّ على حكم انفرادِ الذكور منهم عن الإناثِ، وجعل حُكمَ الاجتماع أن الذكرَ له مثلُ حظِّ الأنثيين، فإن اجتمعَ مع الابنِ ابنتان فصاعدًا، فله مثلُ نصيبِ اثنتينِ منهنَّ، وإن لم يكنْ معهُ إلا ابنةٌ واحدةَ فله الثلثانِ ولها الثلثُ، وقد سمَّى اللَّه ما يستحقه الذكرُ حظَّ الأنثيين مطلقًا، وليس الثلثان حظَّ الأنثيين في حالِ اجتماعِهِمَا مع الذكرِ، لأنَّ حظَّهما حينئذٍ النِّصفُ، فتعيَّن أن يكونَ الثُّلثان حظَّهما حال الانفرادِ.","vol":"1","page":283},{"text":"وبقي ها هنا قسم ثالثٌ لم يصرِّح القرآنُ بذكر، وهو حكمُ انفرادِ الذكورِ\nمن الولدِ، وهذا مما يُمكن إدخالُهُ في حديثِ ابن عباسٍ: \"فما بقي فلأوْلى\nرجل ذَكَرٍ\"، فإنَّ هذا القسمَ قد بقي ولم يصرَّح بحكمه في القرآن، فيكون\nالمالُ حينئذٍ لأقربِ الذكور مِنَ الولد والأمرُ على هذا، فإنَّه لو اجتمعَ ابن\nوابنُ ابنٍ، لكانَ المالُ كُلُّه للابنِ، ولو كان ابنُ ابنٍ وابنُ ابنِ ابني، لكانَ المالُ كُلُّه لابنِ الابنِ على مقتضى حديثِ ابنِ عباسٍ، واللَّه أعلم.\nثم ذكر تعالى حكمَ ميراثِ الأبوين، فقال: (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ)، فهذا حكمُ ميراثِ الأبوين إذا كانَ للولدِ المتوفَّى ولدٌ، وسواءٌ في الولدِ الذكر والأنثى، وسواء فيه ولدُ الصلبِ وولدُ الابنِ، هذا كالإجماع من العلماءِ، وقد حكى بعضُهُم عن مجاهدٍ فيه خلافًا، فمتى كانَ للميتِ ولدٌ، أو ولدُ ابنٍ، وله أبوان، فلكلِّ واحدٍ من أبويه السُّدسُ فرضًا، ثم إن كان الولدُ ذكرًا، فالباقي بعد سدسي الأبوين له، وربما دخل هذا في قوله - ﷺ -: \"ألحقوا الفرائض بأهلهِا، فما بقي فلأوْلى رَجُل ذَكَرٍ \".\nوأقرب العصباتِ الابنُ، وإن كان الولدُ أنثى، فإن كانتَا اثنتينِ فصاعدًا.\nفالثُّلثان لهنَّ، ولا يَفضُلُ منَ المالِ شيءٌ، وإن كانت بنتًا واحدةً، فلها النصف ويفضلُ من المال سدسٌ آخر، فيأخذُهُ الأبُ بالتَّعصيبِ، عملًا بقوله - ﷺ -:\n\"ألحقوا الفرائض بأهلِهَا، فما بقي فلأولى رجل ذكر\".\nفهو أولى رجلٍ ذكر عندَ فقدِ الابنِ، إذ هو أقربُ من الأخ وابنِه والعمِّ وابنِهِ.\nثم قال تعالى: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ)","vol":"1","page":284},{"text":"يعني: إذا لم يكن للميت ولدٌ، وله أبوانِ يرثانِه، فلأُمه الثلث، فيُفهم من\nذلك أنَّ الباقي بعد الثلثِ للأبِ، لأنه أثبتَ ميراثَه لأبويه، وخصَ الأمَّ من\nالميراثِ بالثلثِ، فعلم أنَّ الباقي للأبِ، ولم يقُل: فللأبِ - مثلًا -: ما للأمِّ، لئلا يُوهم أنَّ اقتسامَهُما المال هو بالتَّعصيبِ كالأولاد والإخوةِ، إذا كان فيهم ذكورٌ وإناثٌ.\nوكان ابنُ عباسٍ يتمسَّكُ بهذهِ الآيةِ بقولِهِ في المسألتين الملقبتينِ بالعُمريتينِ\nوهما زوجٌ وأبوان، وزوجةٌ وأبوان، فإن عمر قضى أن الزوجين يأخذان\nفرضَهُما من المال، وما بقي بعد فرضهما في المسألتين، فللأم ثلثُه، والباقي\nللأب، وتابعه على ذلك جمهور الأمَّة.\nوقال ابن عباسٍ: بل للأم الثلثُ كاملًا، تمسُّكًا بقوله: (فَإِن لَمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ\nوَوَرِثَة أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ) .\nوقد قيلَ في جوابِ هذا: إنَّ اللَّهَ إنما جعل للأمِّ الثلثَ بشرطينِ: أحدُهما\nأن لا يكونَ للولدِ المُتوفَّى ولدٌ، والثاني: أن يرثَه أبواه، أي: أن ينفرِدَ أبواه\nبميراثه، فما لم ينفردْ أبواه بميراثِهِ، فلا تستحقُّ الأئمُ الثلثُ، وإن لم يكن\nللمتوفَّى ولدٌ.\nوقد يقال - وهو أحسنُ -: إن قوله: (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ) .\nأي: مما ورثه الأبوانِ، ولم يقل: فلأمه الثلثُ مما ترك كما قال في السُّدسِ.\nفالمعنى أنَّه إذا لم يكن له ولدٌ، وكان لأبويه من ماله ميراثٌ، فللأمَ ثُلُثُ ذلك\nالميراثِ الذي يختصّ به الأبوان، ويبقى الباقي للأبِ.\nولهذا السرِّ - واللهُ أعلمُ - حيثُ ذكرَ اللَّه الفروضَ المقدَّرةَ لأهلها، قال","vol":"1","page":285},{"text":"فيها: (مِمَّا تَرَكَ)، أو ما يدلُّ على ذلك، كقوله: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ)، ليبين أن ذا الفرضِ حَقُّه ذلك الجزءُ المفروضُ المقدَّر له من جميع المالِ بعد الوصايا والديونِ، وحيثُ ذكر ميراثَ العصباتِ، أو ما يقتسمُه الذُّكورُ والإناثُ على وجهِ التَّعصيبِ، كالأولادِ والإخوةِ لم يقيِّده بشيءٍ من ذلك، ليبيِّنَ أنَّ المالَ المقتسَمَ بالتَّعصيبِ ليسَ هو المال كُلَّهُ، بل تارةً يكونُ جميعَ المالِ، وتارةً يكونُ هو الفاضلَ عن الفروضِ المفروضةِ المقدَّرةِ.\nوهُنا لمَّا ذكرَ ميراثَ الأبوينِ من ولدِهِما الذي لا ولدَ لَهُ، ولم يكنْ\nاقتسامُهُما للميراثِ بالفرضِ المحضِ، كما في ميراثِهِما مع الولد، ولا كان\nبالتَّعصيب المحض الذي يُعصب فيه الذَّكر الأنثى، ويأخذ مِثليَ ما تأخذُهُ\nالأنثى، بل كانتِ الأمُّ تأخذُ ما تأخذُهُ بالفرضِ، والأبُ يأخذُ ما يأخذُهُ\nبالتَّعصيبِ، قال: (وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُث)، يعني: أن القدرَ الذي\nيستحقُّه الأبوانِ من ميراثِهِ تأخذُ الأمُّ ثلثُه فرضًا، والباقي يأخذه الأب\nبالتَّعصيبِ، وهذا ممَّا فتح اللَّه به، ولا أعلم أحدًا سبقَ إليه، وللَّه الحمد\nوالمنَّة.\nثم قال تعالى: (فَإِن كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ\nدَيْنٍ)، يعني للأمِّ السدس مع الإخوةِ من جميع التركة الوروثةِ\nالتي يقتسمُها الورثةُ، ولم يذكرْ هُنَا ميراثَ الأبِ مع الأمِّ، ولا شكًّ أنَّه إذا\nاجتمعَ أمٌّ وإخوةٌ وليس معهم أبٌ، فإنَّ للأمِّ السدسَ، والباقي للإخوةِ.\nويحجُبُها الأخوانِ فصاعدًا عندَ الجمهورِ.\nوأما إن كانَ مع الأمِّ والإخوةِ أبٌ، فقال الأكثرونَ: يحجبُ الإخوةَ الأمُّ\nولا يرثون، ورُويَ عن ابنِ عباسٍ أنهم يرثُون السُّدسَ الذي حجبوا عنه الأمَّ","vol":"1","page":286},{"text":"بالفرضِ، كما يَرِثُ ولدُ الأمِّ مع الأمِّ بالفرضِ.\nوقد قيلَ: إنَّ هذا مشيّ على قولِهِ: \"إنَّ الكلالة من لا ولدَ له خاصّة\".\nولا يُشترط للكلالةِ فقْدُ الوالدِ، فيرثُ الإخوةُ مع الأبِ بالفرضِ.\nومن العلماءِ المتأخرين من قالَ: إذا كانَ الإخوةُ محجوبينَ بالأبِ، فلا\nيَحجُبُون الأمَ عن شيءٍ، بل لها الثُّلثُ، ورجَّحَهُ الإمامُ أبو العباسِ ابنِ تيميةَ\nرحمة اللَّهِ عليه، وقد يُؤخذُ من عمومِ قولِ عمرَ - ﵁ - وغيره من السَّلف: من لا يرثُ لا يَحجبُ، وقد قالَ نحوَه أحمدُ والخِرَقي، لكن أكثرَ العلماءِ يحملونَ ذلكَ على أنَّ المرادَ منْ ليسَ له أهليّةُ الميراث بالكليَّة ِ كالكافرِ والرقيقِ، دونَ من لا يرثُ لانحجَابِهِ بمنْ هو أقربُ منه، واللًّهُ أعلم.\nوقد يشهدُ للقولِ بأن الإخوةَ إذا كانُوا محجوبينَ لا يحجُبونَ الأمَّ أنَّ اللَّهَ\nتعالى قال: (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ)، ولم يدْكرِ الأبُ، فدلَّ\nعلى أنَّ ذلك حكمُ انفرادِ الأم مع الإخوةِ، فيكون الباقي بعد السدسِ كلِّه\nلهم، وهذا ضعيفٌ، فإن الإخوةَ قد يكونون من أمٍّ، فلا يكون لهم سوى\nالثلث، واللَّهُ تعالى أعلمُ.\nواعلم أن اللَّهَ تعالى ذكرَ حُكْمَ ميراثِ الأبوين، ولم يذكر الجَدَّ ولا الجَدةَ.\nفأما الجدةُ، فقد قال أبو بكرٍ الصديقُ وعمرُ بنُ الخطابِ - ﵄ -: إنه ليسَ لهَا في كتابِ اللَّهِ شيء، وقد حكَى بعضُ العلماءِ الإجماعَ على ذلكَ، وأنَ فرضَهما إنما ثبتَ بالسُّنّة، وقيلَ: إنَّ السدسَ طُعْمةٌ أطعَمَها رسولُ اللهِ - ﷺ - وليس بفرضِ، كذا رُوي عن ابنِ مسعودٍ وسعيدِ بنِ المُسيبِ.","vol":"1","page":287},{"text":"وقد رُوي عنِ ابنِ عباسٍ من وجوهٍ فيها ضعف أنها بمنزلةِ الأمَ عند فقْدِ\nالأمِّ ترثُ ميراثَ الأمِّ، فترثُ الثلثَ تارةً، والسدسَ أخرى، وهذا شذوذٌ، ولا يصحُّ إلحاقُ الجدّة بالجدِّ، لأن الجدَّ عصبة يُدْلى بعصبة، والجدّة ذاتُ فرضٍ تُدلي بذات فرض فضعفت، وقد قيل: إنَّه ليس لها فرضٌ بالكليةِ، وإنما السدسُ طعمةٌ أطعَمَها النبي - ﷺ -، ولهذا قالتْ طائفةٌ ممن يرى الردَّ على ذوي الفروضِ: إنه لا يرد على الجدةِ، لضعفِ فرضِها، وهو روايةٌ عن أحمدَ.\nوأما الجد، فاتَّفقَ العلماءُ على أنَّه يقومُ مقامَ الأبِ في أحوالِهِ المذكورةِ من\nقبلُ، فيرثُ مع الولدِ السُّدسَ بالفرضِ، ومع عدمِ الولد يرثُ بالتعصيبِ، وإن بقيَ شيء مع إناثِ الولدِ أخذهُ بالتعصيبِ - أيضًا - عملًا بقوله: \"فما أبقت الفرائضُ، فلأولى رَجُلٍ ذكر \".\nولكن اختلفُوا إذا اجتمعَ أمٌّ وجد مع أحدِ الزوجينِ، فرُوي عن طائفةٍ من\nالصَّحابةِ أن للأمِّ ثُلُثَ الباقي، كما لو كانَ معها الأبُ كما سبقَ، رُوي ذلك\nعن عمرَ، وابنِ مسعودٍ كذا نقلهُ بعضُهم، ومنهم من قال: إنما رُوي عن\nعمرَ، وابنِ مسعودٍ في زوج وأم وجد: أن للأمِّ ثلثَ الباقي.\nورُوي عن ابنِ مسعود رواية أخرى: أنَّ النِّصفَ الفاضلَ بين الجدِّ والأمِّ\nنصفانِ، وأمَّا في زوجةٍ وأمًّ وجدٍّ، فرُوي عن ابنِ مسعودٍ رواية شاذّة: أنَّ\nللأمِّ ثلثَ الباقي، والصَّحيحُ عنه، كقولِ الجمهورِ: أن لها الثُّلثَ كاملًا، وهذا يشبهُ تفريقَ ابنِ سيرينَ في الأمِّ مع الأبِ أنَه إن كانَ معهُما زوج، للأمِّ ثلثُ الباقي، وإن كان معهُمَا زوجةٌ، فللأمِّ الثُلث.\nوجمهورُ العلماءِ على أنَّ الأمَّ لها الثلثُ مع الجدِّ مطلقًا، وهو قولُ على","vol":"1","page":288},{"text":"وزيدٍ، وابنِ عباسٍ، والفرقُ بين الأمِّ مع الأبِ ومعَ الجدِّ أنها مع الأبِ\nيشملُها اسمٌ واحدٌ، وهما في القُربِ سواءٌ إلى الميتِ، فيأخذُ الذكر منهما\nمثلَ حظِّ الأنثى مرتينِ كالأولادِ والإخوةِ، وأما الأمُّ مع الجدِّ، فليسَ يشملُها\nاسمٌ واحدٌ، والجدُّ أبعدُ من الأبِ، فلا يلزمُ مُساواتُهُ به في ذلكَ.\nوأمَّا إن اجتمع الجدُّ مع الإخوةِ، فإن كانُوا لأمٍّ سَقَطُوا به، لأنهم إنما\nيرثون من الكلالةِ، والكلالةُ: منْ لا وَلَدَ له ولا والد، إلا رواية شذَّتْ عن\nابنِ عباسٍ.\nوأما إن كانوا لأبٍ أو لأبوين، فقد اختلفَ العلماءُ في حكم ميراثِهِم قديمًا\nوحديثًا، فمنهم من أسقطَ الإخوةَ بالجدِّ مطلقًا، كما يسقطونَ بالأبِ، وهذا\nقولُ الصديق، ومعاذ، وابنِ عباسٍ، وغيرهم، واستدلُّوا بأنَّ الجدَّ أبٌ في\nكتابِ اللَّهِ ﷿، فيدخلُ في مسمى الأبِ في المواريثِ، كما أنَّ ولدَ\nالولدِ ولدٌ، ويدخل في مسمَّى الولد عندَ عدم الولدِ بالاتفاقِ، وبأن الإخوة\nإنما يرثونَ مع الكلالةِ، فيحجبُهُم الجدُّ كالإخوةِ من الأم، وبأنَّ الجدَّ أقوى\nمن الإخوةِ، لاجتماع الفرضِ والتَّعصيب له من جهةٍ واحده، فهو كالأبِ.\nوحينئذ، فيدخلُ في عموم قوله - ﷺ -:\n\"فما بقي، فلأولى رجلٍ ذكر\".\nومنهم من شرَّك بين الإخوةِ والجدِّ وهو قولُ كثيرٍ من الصحابةِ، وأكثر\nالفقهاءِ بعدهم على اختلافٍ طويل بينهم في كيفية التشريكِ بينهم في\nالميراثِ، وكان من السلفِ منْ يتوقَّف في حكمهم ولا يُجيبُ فيهم بشيء.\nلاشتباهِ أمرهم وإشكالِهِ، ولولا خشيةُ الإطالةِ لبسطنا القولَ في هذه المسألةِ.\nولكن ذلك يؤدِي إلى الإطالةِ جدًّا.","vol":"1","page":289},{"text":"وأما حكمُ ميراثِ الإخوةِ للأبوينِ أو للأبِ، فقد ذكره اللَّه تعالى في آخر\nسورة النساءِ في قولِهِ تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) .\nوالكَلالةُ: مأخوذةٌ من تكلُّلِ النسبِ وإحاطتِهِ بالميثِ، وذلك يقتضِي انتفاءَ\nالانتسابِ مطلقًا من العمودينِ الأعلى والأسفل، وتنصيصُه تعالى على انتفاءِ\nالولدِ تنبيهٌ على انتفاءِ الوالدِ بطريقِ الأوْلى، لأن انتسابَ الولدِ إلى والدِهِ أظهرُ من انتسابِهِ إلى ولدِهِ، فكانَ ذكرُ عدمِ الولد تنبيهًا على عدمِ الوالدِ بطريقِ الأولى.\nوقد قال أبو بكرٍ الصديقُ - ﵁ -: الكلالةُ: مَنْ لا وَلَدَ له ولا والدَ، وتابعَهُ جمهورُ الصحابةِ والعلماءِ بعدَهُم.\nوقد رُوي ذلك مرفوعًا من مراسيلِ أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن النبي - ﷺ -، خرَّجه أبو داود في \"المراسيل \"، وخرَّجه الحاكم من روايةٍ، عن أبي سلمة، عن أبي هريرةَ مرفوعًا، وصحَّحَه ووصْلُه بذكرِ أبي هريرةَ ضعيف.\nفقوله: (إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أختٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ)، يعني إذا لم يكنْ للميتِ ولدٌ بالكليَّة ِ لا ذكرٌ ولا أنثى، فللأختِ - حينئذٍ - النِّصفُ مما تركَ فرضًا، ومفهومٌ هذا أنه إذا كان له ولد فليسَ للأختِ النِّصفُ فرضًا، ثم إنْ كان الولدُ ذكرًا، فهو أولى بالمالِ كلِّه لما سبقَ تقريرُه في ميراثِ الأولاد الذُّكور إذا انفردُوا، فإنهم أقربُ العصباتِ، وهم يُسقطُون الإخوةَ فكيف لا يُسقِطون","vol":"1","page":290},{"text":"الأخوات؛ وأيضًا، فقد قال تعالى: (وَإِن كانوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)، وهذا يدخل فيه ما إذا كانَ هناك ذو فرضةٍ كالبناتِ وغيرِهنَّ، فإذا استحقَّ الفاضلُ ذكورَ الإخوةِ مع الأخواتِ، فإذا انفردُوا، فكذلك يستحقُّونه وأوْلى، وإن كانَ الولدُ أنثى، فليسَ للأختِ هنا النِّصفُ بالفرضِ، ولكن لها الباقي بالتَّعصيب عندَ جمهورِ العلماءِ، وقد سبقَ ذكرُ ذلك والاختلافُ فيه، فلو كانَ هناكَ ابنٌ لا يستوعِبُ المالَ وأختٌ، مثلُ ابنٍ نِصْفُه حُر عندَ من يُورِّثه نصفَ الميراثَ، وهو مذهبُ الإمامِ أحمدَ وغيرِه من\nالعلماءِ، فهل يقالُ: إن الابنَ هنا يسقط نصفَ فرضِ الأختِ، فترثَ معه\nالرُّبعَ فرضًا؛ أم يقال: إنَه يصيرُ كالبنتِ فتصيرَ الأختُ معه عصبة كما تصيرُ\nمع الأخت، لكنه يُسقط نصفَ تعصيبها، فتأخذُ معه النِّصفَ الباقي\nبالتعصيب؛ هذا محتملٌ، وفي هذه المسألةِ لأصحابِنا وجهانِ.\nوقوله تعالى: (وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكن لَّهَا وَلَدٌ)، يعني أنَّ الأخَ يستقلُّ بميراثِ\nأخته إذا لم يكن لها ولدٌ ذكرٌ أو أنثى، فإن كان لها ولدٌ ذكرٌ، فهو أوْلى من\nالأخ بغير إشكالٍ، فإنَّه أولى رجلٍ ذكرٍ، وإن كان أنثى، فالباقي بعد فرضِها\nيكونُ للأخ، لأنَّه أوْلى رجلٍ ذكر، ولكن لا يستقلُّ بميراثِها حينئذِ، كما إذا\nلم يكن لها ولدٌ. وقوله: (فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ) يعني: أنَّ فرضَ الثِّنتين الثلثان، كما أنَّ فرضَ الواحدةِ النِّصفُ، فهذا كلُّه في حكم انفرادِ الإخوةِ والأخواتِ.\nوأما حكمُ اجتماعِهِم، فقد قالَ تعالى: (وَإِن كانُوا إِخْوَةً رِّجَالًا وَنسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ)، فيدخلُ في ذلكَ ما إذا كانوا مفردينِ، وأما إذا كان هناكَ","vol":"1","page":291},{"text":"ذو فرضٍ منَ الأولادِ أو غيرِهم، كأحدِ الزوجينِ أو الأمّ أو الإخوةِ من الأم.\nفيكونُ الفاضلُ عن فروضِهم للإخوةِ والأخواتِ بينهم للذَّكَر مثلُ حظِّ\nالأنثيين.\nفقد تبيَّن بما ذكرناهُ أنَّ وجودَ الولد إنما يُسقط فرضَ الأخواتِ منَ الأبوينِ\nأو الأبِ، ولا يُسقط توريثهُن بالتَّعصيبِ مع أخواتِهِنَّ بالإجماع، ولا\nتَعْصيبَهُنَّ بانفرادهِنَّ مع البناتِ عثدَ الجمهورِ، فالكلالةُ شرطٌ لثبوتِ فرضِ\nالأخواتِ، لا لثبوتِ ميراثِهنَّ، كما أنَّه ليسَ بشرطٍ لميراثِ ذكورهم بالإجماع، وهذا بخلافِ ولدِ الأمِّ، فإنَّ انتفاءَ الكلالةِ أسقطت فروضَهم، وإذا أسقطت فروضَهم، سقطت مواريثُهُم، لأنَّه لا تعصيبَ لهم بحالٍ لإدلائهم بأنثى، والأخوات للأبوين أو للأب يدلون بذكرٍ، فيرثنَ بالتَّعصيبِ مع إخوتِهِنَّ بالاتفاقِ، وبانفرادِهِنَّ مع البناتِ عند الجمهورِ.\nوإذا كانَ الولدُ مسقطًا لفرضِ ولد الأبوينِ، أو الأبِ دونَ أصلِ توريثهم\nبغيرِ الفرضِ، فقد يقال: إنَّ اللَّهَ تعالى إنَّما خصَّ انتفاءَ الولدِ في قوله:\n(لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ)، ولم يذكر انتفاءَ الولدِ، أو الأبِ، لأنَّه كان يدخلُ\nفيه الجدُّ، والجدُّ لا يُسقطُ ميراثَ الإخوةِ بالكليَّة، وإنَّما يشتركون معه في\nالميراثِ، تارةً بالفرضِ، وتارةً بغيرهِ، وهذا على قول من يقول: إنَّ الجدَّ لا\nيُسقطُ الإخوةَ - وهمُ الجمهورُ - ظاهرٌ، وهذا كلُّه في انفرادِ ولدِ الأبوينِ أو\nالأبِ، فإن اجتمعُوا فإن العصباتِ منْ ولدِ الأبوينِ يُسقطونَ ولدَ الأبِ كلهم\nبغير خلافٍ حتى في الأختِ منَ الأبوينِ مع البنتِ عند من يجعلُها عصبةً\nيُسقط بها الأخ من الأبوينِ.\nوفي \"المسندِ\" و\"الترمذيِّ \" و\"ابن ماجةَ \" عن علي قال: قَضَى رسول اللَّهِ - ﷺ -","vol":"1","page":292},{"text":"أن أعيانَ بني الأم يرثُون دونَ بني العلاَّتِ، يرثُ الرَّجُلُ أخاه لأبيه وأمّهِ\nدونَ أخيه لأبيه.\nوقال عمرُو بنُ شُعيبٍ: قضى رسولُ اللَّه - ﷺ - أن الأخَ للأبِ والأم أولى بالكلالةِ بالميراثِ، ثم الأخُ للأبِ، وهذا - أيضا - مما يدخلُ في قولِهِ ﵊: \"فما بقي فلأوْلى رجُلٍ ذكرَ\".\nوالتحقيقُ في ذلك: أن كلَّ ما دلَّ عليه القرآنُ، ولو بالتَّنبيه، فليسَ هو ممَّا\nأبقته الفرائضَ، بل هوَ من إلحاقِ الفرائضِ المذكورةِ في القرآنِ بأهلِهَا.\nكتوريثِ الأولادِ ذكورِهم وإناثِهم الفاضلَ عن الفروضِ، للذَّكرِ مثلُ حظِّ\nالأنثيينِ، وتوريثِ الإخوةِ ذكورِهم وإناثِهم كذلك، ودلَّ ذلكَ بطريقِ التَّنبيه\nعلى أنَّ الباقي يأخذه الذَّكرُ منهم عند الانفرادِ بطريق الأوْلى، ودلَّ - أيضًا - بالتَّنبيه على أنَّ الأختَ تأخذُ الباقي مع البنتِ كما كانتْ تأخذُهُ مع أخيهَا، ولا يُقدَّمُ عليها من هو أبعدُ منها، كابنِ الأخ والعمِّ وابنِهِ، فإنَّ أخاها إذا لم\nيُسقِطها فكيف يُسقِطها من هو أبعدُ منه؛ فهذا كلُّه من باب إلحاقِ الفرائضِ\nبأهلها، ومن باب قسمة المالِ بين أهلِ الفرائضِ على كتابِ اللًّهِ.\nوأمَّا منْ لم يُذكر باسمِهِ منَ العصباتِ في القرآنِ، كابنِ الأخ والعمِّ وابنِه.\nفإنَّما دخلَ في عموماتِ مثلِ قولِهِ تعالى: (وَأُولوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَولى بِبَعْضٍ فِي كتَابِ اللَّهِ)، وقوله: (وَلِكل جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ)\n، فهذا يحتاجُ في توريثِهم إلى هذا الحديثِ: أعني حديثَ ابنِ\nعباسٍ، فإذا لم يُوجَدْ للمالِ وارثٌ غيرُهم، انفردُوا به، ويقدَّم منهُمُ الأقربُ","vol":"1","page":293},{"text":"فالأقربُ، لأنَه أولى رجلٍ ذكر، وإن وُجِدَتْ فروضٌ لا تستغرقُ المالَ، كأحدِ الزوجينِ أو الأمِ، أو ولد الأمِّ، أو بناب منفرداتٍ، أو أخواتٍ منفرداتٍ، فالباقي كلُّه لأوْلى ذكرٍ من هؤلاءِ.\nولهذا لو كانَ هؤلاء إخوةً رجالًا ونساءً، لاختصَّ به رجالُهم دون نسائِهم، بخلافِ الأولادِ والإخوةِ فإنَّه يشتركُ في الباقي أو في المالِ كلِّه ذكورُهم وإناثُهِم، بنصِّ القرآنِ، والحديثُ إنَّما دلَّ على\nتوريثِ العصباتِ الذينَ يختصُّ ذكورُهم دونَ إناثِهم، وهم مَنْ عدا الأولادِ\nوالإخوةِ، فهذا حكمُ العصباتِ المذكورينَ في كتابِ اللَّهِ، وفي حديثِ ابنِ\nعباسٍ.\nوأما ذوو الفروضِ، فقد ذكرنَا حكمَ موارِيثِهم، ولم يبقَ منهم إلا الزوجانِ\nوالإخوةِ للأم.\nفأما الزوجانِ، فيرثانِ بسببِ عقدِ النكاح، ولمَّا كان بين الزوجينِ من الألفةِ\nوالمودةِ والتَّناصُرِ والتعاضُدِ ما بينَ الأقاربِ، جُعِلَ ميراثُهما كميراثٍ الأقاربِ، وجُعل للذَّكرِ منهما مثْلا ما للأنثى، لامتيازِ الذكرِ على الأنثى بمزيدِ النَّفع\nبالإنفاقِ والنصرةِ.\nوأما ولدُ الأمِّ، فإنَهم ليسُوا من قبيلةِْ الرَّجُلِ، ولا عشيرِتِه، وإنما هم في\nالمعنى من ذوي رحمِهِ، ففرضَ اللَّهُ لواحدِهِم السُّدُسَ، ولجماعتِهِم الثُّلثَ\nصِلَةً، وسوَّى فيه بين ذكورِهِم وإناثِهم، حيثُ لم يكنْ لذكرِهِم زيادةً على\nأنثاهم في الحياةِ من المعاضدةِ والمناصرةِ، كما بين أهلِ القبيلةِ والعشيرةِ\nالواحدةِ، فسوَّى بينَهُم في الصلةِ، ولهذا لم تُشرع الوصيَّةُ للأجانبِ بزيادةٍ\nعلى الثلثِ، بل كانَ الثُّلثُ كثيرًا في حقِّهم، لأنَهم أبعدُ من ولدِ الأمِّ.\nفينبغِي أن لا يُزادوا على ما يُوصل به ولدُ الأمِ، بل ينقصونَ منه.","vol":"1","page":294},{"text":"واستدلَّ بعضُهم بقولِهِ: \"فما بقيَ فلأوْلى رجلٍ ذكر\" على أنْ لا ميراثَ لذوي\nالأرحامِ، لأنَّه لم يجعلْ حقَّ الميراثِ لمنْ لم يُذكر في القُرآنِ إلا لأقربِ\nالذكورِ، وهذا الحكمُ يختصُّ بالعصباتِ دونَ ذوِي الأرحامِ، فإنَّ منْ ورَّث\nذوي الأرحامِ، ورَّث ذكورَهُم وإناثَهُم.\nوأجابَ من يرى توريثَ ذوي الأرحامِ بأنَّ هذا الحديثَ دلَّ على توريثِ\nالعصباتِ، لا على نفي توريثِ غيرِهم، وتوريثُ ذوي الأرحامِ مأخوذٌ من\nأدلةٍ أخرى، فيكونُ ذلكَ زيادةً على ما دلَّ عليه حديثُ ابنِ عباسٍ.\nوأمَّا قوله: \"لأوْلى رجلٍ ذكَرٍ\" مع أنَّ الرجُلَ لا يكون إلا ذكرًا، فالجوابُ\nالصحيحُ عنه أنه قد يُطْلَقُ الرجل ويرادُ به الشخصُ، كقولِهِ: \"منْ وَجَدَ ماله\nعندَ رجلٍ قد أفلس \" ولا فرقَ بين أن يجده عند رجل أو امرأة، فتقييدُه بالذَّكر ينفي هذا الاحتمالَ، ويُخلصهُ للذكرِ دونَ الأنثي وهو المقصود، وكذلك الابنُ: لمَّا كان قد يُطلق، ويُراد به أعمُّ من الذكر، كقوله: ابن السبيل، جاء تقييدُ ابنِ اللّبون في نُصُبِ الزكاة بالذكرِ.\nوللسهيليِّ كلامٌ على هذا الحديثِ فيه تكلُّف وتعسُّفٌ شديد ولا طائلَ\nتحتَه، وقد ردَّه عليه جماعة ممن أدركنَاهُم، واللَّهُ أعلمُ.\n* * *\nقال تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍ)\nوفي حديثِ أبي هريرةَ المرفوع: \"إنَّ العبد ليعملُ بطاعةِ اللَّهِ ستِّينَ سنة، ثم","vol":"1","page":295},{"text":"يَحضُره الموتُ، فيضارَّ في الوصيةِ، فيدخلُ النارَ\"، ثم تلا: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ)، إلى قوله: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَاا) .\nوخرَّجه الترمذيُّ وغيرُه بمعناه.\nوقال ابنُ عباسٍ: الإضرارُ في الوصيةِ من الكبائرِ، ثم تلا هذه الآية.\nوالإضرارُ في الوصيَّةِ تارةً يكونُ بأنْ يخُصَّ بعضَ الورثةِ بزيادةٍ على فَرْضَه\nالذي فرَضَهُ اللَّهُ له فيتضرَّرُ بقيَّةُ الورثةِ بتخصِيصِه، ولهذا قال النبي - ﷺ -: \"إنًّ اللَّهَ قدْ أعطى كلَّ ذي حق حقَّه، فلا وصيَّةَ لوارث \".\nوتارةً بأن يُوصِي لأجنبيًّ بزيادة على الثُّلثِ، فتنقصُ حقوقاُ الورثةِ، ولهذا\nقال النبيُّ - ﷺ -: \"الثلث والثلثُ كثيرٌ.\nومتى وصَّى لوارثٍ أو لأجنبيٍّ بزيادةٍ على الثلثِ لم ينفذْ ما وصىَّ به إلا\nبإجازة الورثةِ، وسواء قصدَ المضارَّة أو لم يقصدْ، وأمَّا إنْ قصدَ المضارة\nبالوصيًّةِ لأجنبيٍّ بالثلثِ فإنه يأثمُ بقصدِهِ المضارَّة، وهلْ تُرَدُّ وصيَّتُه إذا ثبتَ\nذلكَ بإقراور أم لا؛ حكَى ابنُ عطيةَ روايةً عن مالكٌ أنها تُرَدُّ، وقيلَ: إنه\nقياسُ مذهبِ أحمد.\n* * *","vol":"1","page":296},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>قوله تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧) </span>وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)\nخرَج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ حبانَ في \"صحيحِهِ \" من حديثِ ابنِ\nعمرَ عن النبيِّ - ﷺ -، قال:\n\"إنَّ اللَّهَ ﷿ يقبَلُ توبةَ العبدَ ما لم يُغَرْغِر\"\nوقال الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ. دلَّ هذا الحديثُ على قبولِ توبةِ اللَّهِ ﷿ لعبده ما دامَتْ روحُه في جسدِهِ لم تبلُغ الحُلْقُومَ والتراقي.\nوقد دلَّ القرآنُ على مثلِ ذلك أيضًا، قال اللَّهُ ﷿: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا)، وعمَلُ السُّوءِ إذا أفرد دَخَل فيه جميعُ السَّيئات، صغيرُها وكبيرُها، والمرادُ بالجهالة الإقدامُ على عملِ السُّوء.\nوإنْ علِمَ صاحبُه أنه سوء، فإنَّ كُلَّ من عَصَى اللًّهَ فهو جاهلٌ، وكُلَّ من أطاعَهُ فهو عالمٌ، وبيانُهُ من وجهينِ:\nأحدُهما: أنَّ من كانَ عالِمًا باللَّهِ تعالى وعظمتِهِ وكبريائِهِ وجلالِهِ، فإنَّه\nيَهَابُهُ ويخشاهُ، فلا يقعُ منه مع استحضارِ ذلكَ عصيانُه، كما قال بعضُهم:\nلو تفكَّر الناسُ في عظمةِ اللَّه تعالى ما عَصَوهُ، وقال آخرُ: كفَى بخشيةِ اللَّه\nعِلْمًا، وكَفى بالاغترارِ باللَّهِ جهلًا.","vol":"1","page":297},{"text":"والثاني: أنَّ مَنْ آثرَ المعصيةَ على الطاعةِ فإنَّما حَمَلَهُ على ذلك جهلُه وظنُّه\nأنها تنفعُهُ عاجلًا باستعجالِ لذَّتِها، وإن كان عندهُ إيمان فهو يرجو التخلُّصَ\nمن سوءِ عاقِبتها بالتوبةِ في آخر عمى، وهذا جَهْل محْضٌ، فإنَّه يتعجَّلُ الإثمَ\nوالخزي، ويفوتُه عِزُّ التقوى وثوابُها ولذَّةُ الطاعة، وقد يتمكَّنُ من التوبةِ بعد\nذلك، وقد يعاجلُهُ الموتُ بغتةً، فهو كجائع أكلَ طعامًا مسمومًا لدفع جوعه\nالحاضر، ورجا أن يتخلَّص من ضرره بِشُرْبِ الدِّرياق بعده، وهذا لا يفعله إلا جاهلٌ، وقد قال تعالى في حقِّ الذين يؤثرونَ السحرَ: (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) .\nوالمرادُ: أنَّهم آثرُوا السحرَ على التقوى والإيمانِ، لما رجوا فيه من منافع\nالدنيا المعجلةِ، مع علمهم أنَّهم يفوتُهم بذلكَ ثوابُ الآخرةِ، وهذا جهلٌ\nمنهم، فإنَّهم لو علمُوا لآثرُوا الإيمانَ والتقوى على ما عَداهُمَا، فكانُوا\nيحرزونَ أجرَ الآخرةِ ويامنونَ عقابَها، ويتعجَّلونَ عِزَّ التقوى في الدنيا، وربما\nوصلُوا إلى ما يأمُلُونه في الدنيا أو إلى خيرٍ منه وأنفعُ، فإنَّ أكثر ما يُطلبُ\nبالسِّحرِ قضاءُ حوائجَ محرَّمةٍ أو مكروهةٍ عندَ اللَّهِ ﷿.\nوالمؤمنُ المتقي يُعوِّضُه اللَّهُ في الدنيا خيرًا مما يطلبُه السَّاحرُ ويؤثِرُه، مع\nتعجيلهِ عِزَّ التّقوى وشرفِها، وثوابَ الآخرةِ وعلُوَّ درجاتِهَا، فتبيَّن بهذا أنَّ\nإيثارَ المعصيةِ على الطاعةِ إنما يحملُ عليه الجهلُ، فلذلكَ كان كُل منْ عصَى\nاللَّهَ جاهلًا، وكُلُّ من أطاعه عالِمًا، وكفى بخشية اللَّهِ علْمًا، وبالاغترارِ به\nجهْلًا.","vol":"1","page":298},{"text":"وأمَّا التوبةُ من قريبٍ فالجمهورُ على أنَّ المرادَ بها التوبةُ قبلَ الموتِ، فالعمرُ\nكلُّه قريب، والدنيا كلُّها قريبٌ، فمن تابَ قبلَ الموتِ فقد تابَ من قريبٍ.\nومن ماتَ ولم يتُبْ فقد بَعُدَ كلَّ البُعد، كما قيل:\nيقولون لا تبْعد وَهُم يدْفِنُونني. . . وأينَ مكانُ البُعْد إلا مكانِيا\nوقال آخرُ:\nمِن قبْل أن تلقِي وليـ. . . سَ النأْيُ إلا نأيُ دارِك\nوكما قيل:\nفهم جِيرةُ الأحياءِ أمَّا مزارُهُم. . . فدانٍ وأمَّا المُلْتَقى فبَعيدُ\nفالحيُّ قريبٌ، والميتُ بعيدٌ من الدنيا على قُربه منها، فإنَّ جسْمَهُ في\nالأرضِ يبْلى ورُوحَه عند اللَّهِ تُنَعَّم أو تُعَذَّبُ، ولقاؤهُ لا يرجى في الدنيا.\nكما قيل:\nمقيمٌ إلى أن يبعثَ اللَّهُ خلْقَهُ. . . لقاؤك لا يُرجَى وأنتَ قريبُ\nتزيدُ بِلى في كل يومٍ وليلةٍ. . . وتُنْسَى كما تُبْلى وأنتَ حبيبُ\nوهذان البيتانِ سمعَهما داودُ الطائيُّ - ﵀ - من امرأة في مقبرةٍ تَنْدُبُ\nبهما ميّتًا لها، فوقعتا من قلبه موقِعًا، فاستيقظَ بهما ورَجَع زاهدًا في الدنيا.\nراغبًا في الآخرة، فانقطع إلى العبادةِ إلى أن ماتَ - ﵀.\nفمن تابَ قبل أن يغرغِر، فقد تاب من قريبٍ، فتقبَلُ توبتُهُ ورُوي عن ابنِ\nعباسٍ، في قوله تعالى: (يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ)، قال: قبل المرض\nوالموت، وهذا إشارة إلى أن أفضلَ أوقاتِ التوبةِ، هو أن يبادرَ الإنسانُ بالتوبةِ في صحتِهِ قبل نُزولِ المرضِ به حتَّى يتمكَّن حينئذٍ من العمل الصالح.","vol":"1","page":299},{"text":"ولذلك قَرَنَ اللَّه تعالى التوبةَ بالعملِ الصالح في مواضعَ كثيرة من القرآنِ.\nوأيضًا فالتوبةُ في الصحةِ ورجاءِ الحياةِ تُشبهُ الصَّدَقةَ بالمالِ في الصحةِ ورجاءِ\nالبقاءِ، والتوبةُ في المرضِ عند حضورِ أماراتِ الموت تشبهُ الصدقةَ بالمالِ عندَ\nالموتِ، فكأنَّ من لا يتوبُ إلا في مرضه قد استفْرغً صِحَتَه وقوَتَه في شهواتِ\nنفسه وهواه ولذَّات دنياه، فإذا أيسَ من الدنيا والحياةِ فيها تابَ حينئذٍ وتركَ ما كانَ عليه، فأين توبةُ هذا من توبةِ مَنْ يتوبُ من قريبٍ، وهو صحيحٌ قويٌّ قادرٌ على عملِ المعاصي، فيتركها خوفًا من اللَّهِ ﷿، ورجاءً لثوابه، وإيثارًا لطاعتِهِ على معصيتِه.\nدخلَ قومٌ على بِشْرِ الحافي، وهو مريضٌ، فقالوا له: على ماذا عزَمْتَ؟\nقال: عزَمْتُ أنى إذا عُوفِيتُ تُبْتُ، فقال له رجلٌ منهم: فهلا تُبْتَ السَّاعةَ؟\nفقال: يا أخي: أما علِمْتَ أنَّ الملوك لا تقبَلُ الأمانَ ممن في رجليه القيدُ.\nوفي رقبتِه الغلُّ؛ إنَّما يُقبَلُ الأمانُ ممن هو راكبٌ الفرسَ والسيفُ مجرَّدٌ بيده.\nفبكى القومُ جميعًا.\nومعنى هذا أنَّ التائب في صحتِه بمنزلة من هو راكبٌ على متن جوادِهِ\nوبيدِهِ سيفٌ مشهور، فهو يقدرُ على الكَرِّ والفَرِّ والقتالِ، وعلى الهربِ من\nالملكِ وعصْيانِهِ، فإذا جاء على هذه الحالِ إلى بينَ يدي الملكِ ذليلًا له، طالبًا لأمانهِ، صارَ بذلك من خواص الملكِ وأحبابِهِ، لأنَه جاءهُ طائعًا مختارًا له، راغبًا في قربه وخدمتِهِ.\nوأمَّا من هو في أسْرِ الملك، وفي رِجْلِه قيْدٌ، وفي رقبتِهِ غُلٌّ، فإنه إذا\nطلب الأمانَ من الملكِ فإنَّما طلبه خوفًا على نفسه من الهلاكِ، وقد لا يكونُ\nمحبّا للملكِ ولا مؤثرًا لرضاه، فهذا مَثَلُ من لا يتوبُ إلا في مرضِهِ عند","vol":"1","page":300},{"text":"موتِهِ، والأولُ بمنزلة من يتوبُ في صحَّته وقوَّتِهِ وشبيبته، لكن مَلكُ الملوكِ.\nأكرمُ الأكرمين، وأرحَمُ الراحمينَ، وكُلُّ خلْقه أسيرٌ في قبضتِهِ، لا يُعْجِزُه\nمنهم أحَدٌ، لا يُعْجِزُه هاربٌ، ولا يفوتُه ذاهبٌ، كما قيل: لا أقدَرَ ممَّن طلبتُه في يده، ولا أعْجَز مِمَّن هو في يد طالبِهِ، مع هذا فكُلُّ منْ طلبَ الأمانَ من عذابِهِ من عبادِهِ أمنَهُ على أي حالٍ كانَ، إذا علم منه الصِّدْقَ في طلبه أنشد\nبعض العارفين:\nالأمانَ الأمانَ وِزْرِي ثَقِيلُ. . . وذُنُوبي إذا عدَدْتُ تَطُولُ\nأوْبَقَتْنِي وأوْثَقَتْنِي ذُنُوبي. . . فتُرَى لي إلى الخلاصِ سبيلُ\nوقوله ﷿: (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨) .\nفسوَّى بين مَن تابَ عند الموتِ ومن ماتَ من غيرِ توبةٍ، والمرادُ\nبالتوبةِ عندَ الموتِ التوبةُ عند انكشافِ الغطاءِ، ومعاينةِ المحتضرِ أمورَ الآخرةِ.\nومشاهدةِ الملائكةِ، فإنَّ الإيمانَ والتوبةَ وسائرَ الأعمالَ إنَّما تنفعُ بالغيبِ، فإذا كُشِفَ الغِطاءُ وصارَ الغيبُ شهادةً، لم ينفع الإيمانُ ولا التوبةُ في تلكَ الحالِ.\nوروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن على، قال: لا يزالُ العبدُ في مهلٍ من\nالتَّوبةِ ما لم يأتِه ملَكُ الموتِ يقبضُ رُوحَه، فإذا نزل ملَكُ الموتُ فلا توبةَ\nحينئذ.\nوبإسنادِهِ عن الثوريِّ، قال: قال ابنُ عمرَ: التوبةُ مبسوطةٌ ما لم ينزلْ\nسلطانُ الموت.\nوعن الحسن، قال: التوبةُ معروضةٌ لابنِ آدمَ ما لم يأخُذِ الموتُ بِكَظَمِه.","vol":"1","page":301},{"text":"وعن بكرٍ المزنيِّ، قال: لا تزالُ التوبةُ للعبدِ مبسُوطةً ما لم تأتِه الرسلُ، فإذا\nعاينَهم انقطعتِ المعرفةُ، وعن أبي مجْلَزٍ قال: لا يزالُ العبدُ في توبةٍ ما لم\nيعاين الملائكةَ.\nوروى أيضًا في \"كتاب الموت \" بإسنادِهِ عن أبي موسى الأشعريِّ، قال: إذا\nعايَنَ الميتُ الملَكَ ذهبتِ المعرفةُ. وعن مجاهد نحوه.\nوعن حصينٍ، قالَ: بلغني أنَّ ملَكَ الموتِ إذا غَمَزَ ورِيدَ الإنسانِ حينئذٍ\nيشخَصُ بصرُهُ، ويذهَلُ عن الناسِ.\nوخرَّج ابنُ ماجةَ حديثَ أبي موسى الأشعريِّ مرفوعًا، قال: سألتُ النبيَّ - ﷺ -: متى تنقطعُ معرفةُ العبد من الناس؟\nقال: \"إذا عاينَ \". وفي إسنادِهِ مقالٌ. والموقوفُ أشبَهُ.\nوقد قيل: إنَّه إنَّما مُنع من التوبةِ حينئذٍ، لأنَّه إذا انقطعتْ معرفتُه وذهَلَ عقلُه، لم يتصوَّر منه ندم ولا عزْم، فإنَّ النَّدمَ والعزمَ إنَّما يصحُّ مع حضورِ العقْل، وهذا ملازم لمعاينةِ الملائكةِ، كما دلَّت عليه هذه الأخبار.\nوقولُه - ﷺ - في حديثِ ابنِ عمرَ: \"ما لم يُغَرْغِر\"، يعني إذا لم تبلُغْ رُوحُه عند خروجِهَا منه إلى حلْقِه، فشبَّه تردُّدها في حلقِ المحتضرِ بما يتغرْغَرُ به الإنسانُ من الماءِ وغيرِه، ويردده في حلقِهِ. وإلى ذلكَ الإشارة في القرآن بقولِهِ ﷿: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) .\nوبقولِهِ ﷿ (كلَّا إِذا بَلَغَتِ التَرَاقِيَ) .\nوروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ، عن الحسنِ، قالَ: أشدُّ ما يكونُ الموتُ على","vol":"1","page":302},{"text":"العبدِ إذا بلغتِ الروحُ التَّراقيَ، قالَ: فعندَ ذلكَ يضطربُ ويعلو نَفَسُهُ ثم بكى الحسنُ - رحمه اللَّه تعالى.\nعِشْ ما بدَالك سالما. . . في ظِلِّ شاهقةِ القُصورِ\nيُسْعَى عليكَ بما اشتهيـ. . . ت لدَى الرَّواح وفي البُكُور\nفإذا النُّفوسُ تقَعْقَعَتْ. . . في ضيقِ حَشْرَجَةِ الصُّدورِ\nفهناكَ تعْلمُ مُوقِنًا. . . ما كنْتَ إلا في غُرورِ\nواعلم؛ أن الإنسانَ ما دامَ يؤملُ الحياةَ فإنه لا يقطعُ أملَه من الدنيا، وقد لا\nتسمحُ نفسُه بالإقلاع عن لذَّاتِها وشهواتِها من المعاصِي وغيرِها، ويُرجِّيه\nالشيطان التوبةَ في آخرِ عُمُر، فإذا تيقَّن الموتَ، وأيسَ من الحياة، أفاقَ من\nسكرته بشهواتِ الدنيا، فندِم حينئذٍ على تفريطه ندامةً يكادُ يقتلُ نفسَهُ.\nوطلبَ الرَّجعةَ إلى الدنيا ليتوبَ ويعمَلَ صالحًا، فلا يجابُ إلى شيءٍ من\nذلك، فيجتمعُ عليه سكرةُ الموتِ مع حَسرةِ الفَوْتِ.\nوقد حذَّر اللَهُ تعالى عبادَهُ من ذلكَ في كتابِهِ؛ ليستعدُّوا للموتِ قبلَ\nنزولِهِ، بالتوبةِ والعملِ الصالح، قال اللَّهُ تعالى: (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) .\nسُمِعَ بعضُ المُحْتضرين عند احتضاره يلطِمُ على وجههِ ويقول:، (يا حَسْرَتَى\nعَلَى مَا فرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ)، وقال آخر عند احتضاره: سخرَت بي الدنيا\nحتى ذهبتْ أيامي.\nوقال آخرُ عند موتِهِ: لا تغرنَّكُم الحياة الدنيا كما غرَّتني.","vol":"1","page":303},{"text":"وقال اللَّهُ تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا)، وقال اللَّهُ\nتعالى: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١١) .\nقال اللَهُ تعالى: (وَحِيلَ بَيْنَهمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ)، وفسَّره طائفةٌ من السَّلفِ؛ منهم عمرُ بنُ عبد العزيزِ ﵀: بأنهم طلبوا التوبةَ حين حِيلَ بينهم وبينها.\nقال الحسنُ: اتقِ اللَّه يا ابنَ آدمَ، لا يجتمع عليك خَصْلتانِ، سكرةُ الموتِ.\nوحَسْرةُ الفوْتِ.\nوقال ابنُ السَّمَّاك: احْذر السَّكرةَ والحَسْرةَ أن يفجأك الموتُ وأنت على\nالغِرَّةِ، فلا يصفُ واصفٌ قدْرَ ما تلقى ولا قدْرَ ما ترى.\nقال الفُضيلُ: يقول اللَّه ﷿: ابنَ آدمَ، إذا كنتَ تتقلَّب في نِعمتي\nوأنتَ تتقلَّبُ في معصيتي، فاحْذَرْني لا أصْرعُك بين معاصيَّ.\nوفي بعض الإسرائيليات: ابنَ آدم، احْذر لا يأحذك اللَّهُ على ذنب فتلقاهُ\nلا حُجَّةَ لك، مات كثير من المُصِرِّين على المعاصي على أقبح أحوالهم وهم\nمباشرون للمعاصي، فكان ذلك خزيًّا لهم في الدنيا مع ما صاروا إليه من\nعذاب الآخرةِ.\nوكثيرًا ما يقَعُ هذا للمصِرِّين على الخمرِ المدمنينَ لشربِهَا، كما\nقال القائلُ:\nأتأمنُ أيها السكرانُ جهْلا. . . بأنْ تفْجاكَ في السُّكْر المنِيَّة\nفتضْحى عِبْرةً للنَّاسِ طُرأ. . . وتلقى اللهَ مِن شَرِّ البريَّة","vol":"1","page":304},{"text":"سكر بعضُ المتقدمين ليلةً، فعاتبته زوجتُه على تركِ الصلاةِ، فحلف\nبطلاقِهَا ثلاثًا لا يُصلِّي ثلاثة أيام، فاشتدَّ عليه فراقُ زوجتِهِ، فاستمرَّ على\nترك الصلاة مدَّة الأيام الثلاثة، فماتَ فيها على حالِهِ وهو مُصِرّ على الخمر.\nتاركٌ للصلاةِ.\nكان بعضُ المصرّين على الخمر يُكنى أبا عمرو، فنام ليلةً وهو سكران.\nفرأى في منامه قائلًا يقول له:\nجَدَّ بك الأمرُ أبا عمرو. . . وأنْتَ معْكُوفٌ على الخَمْر\nتشربُ صَهْباءَ صُرَاحِيَّةً. . . سالَ بكَ السَّيْلُ ولا تدْرِي\nفاستيقظ منزعجًا وأخبر مَن عنده بما رأى، ثم غلبَه سُكْرُه فنامَ، فلمَّا كان\nوقتُ الصُّبح مات فجأة.\nقال يحيى بن معاذٍ: الدنيا خمرُ الشيطان، من سكرَ منها لم يُفقْ إلا في\nعسْكَر الموتى نادمًا مع الخاسرين.\nوفي حديثٍ خرَّجه الترمذيُّ مرفوعًا: \"ما من أحد يموتُ إلا نَدِمَ \" قالوا:\nوما ندامتُه؟\nقال: \"إنْ كان مُحْسِنًا ندِمَ أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئًا ندِمَ أن لا\nيكون استعتَبَ \".\nإذا ندم المحسنُ عندَ الموتِ فكيفُ يكون حالُ المسيء. غايةُ أمنيَّةِ الموتى في\nقبورِهم حياةُ ساعةٍ يستدركون فيها ما فاتهم من توبة وعملٍ صالحِ، وأهلُ\nالدنيا يفرِّطون في حياتِهم فتذهبُ أعمارُهم في الغفْلَّةَ ضياعًا، ومنهم من\nيقطَعُها بالمعاصي.","vol":"1","page":305},{"text":"قال بعضُ السلفِ: أصبحتُم في أمنيَّةٍ ناسٍ كثيرٍ، يعني أنَّ الموتَى كلَّهم\nيتمنَّون حياةَ ساعةٍ، ليتوبوا فيها ويجتهدُوا في الطَّاعةِ، ولا سبيل لهم إلى\nذلك، وقد أنشدَ بعضُهُم:\nلو قيلَ للقومِ ما مُنَاكُم طلَبُوا. . . حياةَ يومٍ ليتوبُوا فاعْلَم\nويْحَكِ يا نَفْسُ ألا تيقُّظٌ. . . ينْفَعُ قبلَ أن تزِل قدمِي\nمضى الزَّمان في توَانٍ وهَوَى. . . فاسْتدْرِكي ما قدْ بقي واغْتنمِي\nالناسُ في التوبة على أقسامٍ:\nفمنهم: من لا يوفَّقُ لتوبة نصوح، بل ييسَّر له عملُ السَّيّئات من أوَّل عُمُره\nإلى آخره حتى يموتَ مُصِرًّا عليها، وهذه حالةُ الأشقياء.\nوأقبحُ من ذلك من يُسِّر له في أوّلِ عمر عملُ الطاعاتِ، ثم خُتِمَ له بعملٍ سيِّى حتى ماتَ عليه، كما في الحديثِ الصحيح:\n\"إنَ أحدكم ليَعْملُ بعملِ أهلِ الجنةِ، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبقُ عليه الكتابُ فيعمَلُ بعملِ أهلِ النار فيدخُلُها\".\nوفي الحديثِ الذي خرَّجه أهلُ السننِ:\n\"إنّ العبدَ ليعْملُ بعملِ أهلِ الجنةِ سبعينَ عامًا، ثم يحضرُه الموتُ فيجورُ في وصيتِهِ فيدخلُ النارَ\".\nما أصعبَ الانتقال من البصرِ إلى العَمَى، وأصعبُ منه الضلالةُ بعد\nالهُدى، والمعصيةُ بعد التُّقى. كم من وجوهٍ خاشعةٍ وُقِّعَ على قصص أعمالِها: (عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً)، كم من شارَفَ مركَبُهُ","vol":"1","page":306},{"text":"ساحِلَ النَّجاة، فلمَّا همَّ أن يرْتَقِي لعِبَ به موْجُ الهوى فغرق.\nالخلْقُ كلُّهم تحت هذا الخطرِ. قلوبُ العبادِ بينَ أصبعينِ من أصابع الرحمنِ يُقلِّبها كيف يشاءُ.\nقال بعضُهُم: ما العجبُ ممن هلكَ كيفَ هلكَ، إنَّما العجب ممن نجا كيف\nنجا، وأنشدَ:\nيا قلبُ إلام تطالبُني. . . بلِقا الأحبابِ وقدْ رحَلُوا\nأرسلتُك في طلبي لهُمُ. . . لتعودَ فضِعْتَ وما حَصَلُوا\nسلِّمْ واصْبِرْ واخضعْ لهُمُ. . . كم قبْلَكَ مِثلكَ قد قَتَلُوا\nما أحسنَ ما علَّقْتَ به. . . آمالَك مِنْهُمْ لو فعلوا\nوقسمٌ: يفنى عمرُهُ في الغفلةِ والبطالة، ثم يوفَّقُ لعملٍ صالحِ فيموت عليه.\nوهذه حالة من عملَ بعملِ أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع.\nفيسبق عليه الكتابُ فيعمَلُ بعملِ أهل الجنة فيدخلها.\nالأعمالُ بالخواتيم، وفي الحديثِ:\n\"إذا أراد اللَّهُ بعبد خيرًا عسَلَه \" قالوا: وما عسْلُه؟\nقال: \"يوفِّقه لعمل صالحٍ ثم يقبضُهُ عليه \".\nوهؤلاء منهم من يوقَظُ قبل موته بمدَّةٍ يتمكَّن فيها من التزوُّد بعملٍ صالح.\nيختم به عمرَه، ومنهم من يُوقَظُ عندَ حضورِ الموت فيُوفَّقُ لتوبةٍ نصوح يموت\nعليها.\nقالتْ عائشة - ﵂ -: إذا أرادَ اللَّه بعبدٍ خيرًا قيَّضَ له مَلَكًا قبل موتِهِ بعامٍ","vol":"1","page":307},{"text":"فيُسدِّدُه وييسِّرهُ حتى يموتَ وهو خير ما كان، فيقولُ الناسُ: ماتَ فلان خير\nما كان.\nوخرَّجه البزارُ عنها مرفوعًا، ولفظُه:\n\"إذا أراد الله بعبدٍ خيرًا بعثَ إليه ملَكًا من عامِهِ الذي يموتُ فيه فيُسَدِّدُه وييسِّره، فإذا كان عند موته أتاه مَلَكُ الموت فقعد عند\nرأسه، فقالَ: أيتها النفس المطمئنة اخْرُجي إلى مغفرة من اللَّهِ ورضوانٍ، فذلك حين يُحِبُّ لقاءَ اللهِ ويحبُّ اللُّهُ لقاءَه، وإذا أرادَ اللَهُ بعبدٍ شرًّا بعثَ إليه شيطانًا من عامِهِ الذي يموتُ فيه فأغواهُ، فإذا كان عند موتِهِ أتاه ملكُ الموت فقَعَدَ عند رأسه، فقال: أيتها النفس الخبيثةُ، اخْرُجِي إلى سخط من اللَهِ وغضبٍ، فتتفرق في جسده، فذلكَ حين يُبغضُ لقاءَ اللهِ، ويُبْغِضُ الله لقاءَه \"وفي الدعاء المأثورِ: \"اللهمَّ، اجعلْ خير عملي خاتمتَه، وخير عمري آخره\"\nوفي \"المسند\" عن عبدِ اللَّهِ بن عمرِو بن العاص، قالَ: من تاب قبْلَ\nموْتِهِ عامًا تِيبَ عليه، ومن تاب قبل موتِه شهرًا تِيبَ عليه، حتى قال: يومًا، حتى قال: ساعةً، حتى قال: فُوَاقًا.\nقالَ: قال له إنسان: أرأيتَ إن كان\nمشركًا فأسلمَ؟\nقال: إنما أحدِّثُكم ما سمعتُ من رسولِ اللَّهِ - ﷺ -.\nوفيه ايضا، عن عبد الرحمنِ البيلماني، قال: اجتمع أربعة من أصحاب\nرسولِ اللَّهِ - ﷺ -، فقال أحدُهم: سمعْتُ رسولَ اللَّهِ يقولُ: \"إن اللَّه ﷿ يقبلُ توبةَ العبْدِ قبلَ أن يموت بيومٍ \" قال الآخر: أنتَ سمعتَ هذا من رسولِ اللَّهِ - ﷺ -","vol":"1","page":308},{"text":"قال: نعم، قال: وأنا سمعْتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقول: \"إنَّ الله ﷿ يقبل توبة العبدِ قبل أن يموتَ بنصف يوم \". فقال الثالثُ: أنتَ سمعْتَ هذا من رسولِ اللَّه - ﷺ -؟\nقال: نعم، قال: وأنا سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقول: \"إن اللَّه ﷿ يقبَلُ توبةَ العبدِ قبل أن يموتَ بضَحْوَة\"\nقال الرابع: أنتَ سمعتَ هذا من رسولِ اللَّه - ﷺ -؟\nقال: نعم، قال: وأنا سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقول: \"إن اللَّه ﷿ يقبل توبةَ العبدِ ما لم يُغَرْغِرْ بنفسه \".\nوفيه أيضًا: عن أبي سعيدٍ الخدريَ - ﵁ -.\nعن النبيِّ - ﷺ -، قال:\n\"إن الشيطان قال: وعِزَّتِك يا رب، لا أبرحُ أُغوِي عبادَك ما دامتْ أرواحُهم في أجسادِهِم.\nفقال الربُّ ﷿: وعِزتي وجلالي، لا أزالُ أكفِرُ لهم ما استغفروني \".\nذكر ابن أبي الدنيا بإسناد له: أنَّ رجلًا من ملوكِ البصرةِ كان قد تَنَسَّك.\nثمَّ مالَ إلى الدنيا والشيطان فبنى دارًا وشيَّدها، وأمر بها ففُرشتْ له ونُجِّدَتْ، واتَّخذ مأدُبةً، وصنع طعامًا ودعا الناس، فجعلوا يدخلون فيأكلون ويشربونَ وينظرونَ إلى بنائه ويعجبون منه، ويدْعُون له ويتفرَّقون، فمكث بذلك أيامًا حتى فرغَ من أمر الناس. ثم جلسَ في نفرٍ من خاصة إخوانه، فقال: قد ترون سُروري بدارِي هذه، وقد حدَّثت نفسِي أن أتخذ لكلِّ واحدٍ من ولدي مثلَها، فأقيموا عندِي أيامًا أستمتع بحديثِكم وأشاوركم فيما أريدُ من هذا البناءِ لولدي، فأقاموا عنده أيامًا يلْهُون ويلعبون ويشاوِرُهم كيف يبني لولده، وكيف يريد أن يصنع، فبينما هم ذات ليلةٍ في لهوهِم إذ سمعوا قائلًا يقولُ من أقاصي الدَّار:","vol":"1","page":309},{"text":"يا أيها الباني النَّاسِي مَنِيَّتَه. . . لا تأمننَّ فإنَّ الموتَ مكتُوبُ\nعلى الخلائِق إن سُرُّوا وإنْ فرِحوا. . . فالموتُ حتْفٌ لذي الآمالِ منصُوبُ\nلا تبنين ديارًا لسْتَ تسْكُنُها. . . وراجِع النُسْك كيما يغفرَ الحُوبُ\nقال: ففزع من ذلك وفزع أصحابه فزعًا شديدًا، وراعَهُم ما سمعوا من\nذلك، فقال لأصحابه: هل سمِعْتم ما سمِعْتُ؟ قالوا: نعم، قال: فهل\nتجدون ما أجدُ؟ قالوا: وما تجدُ؟\nقال: أجد واللَّه مسْكة على قلبي ما أراها إلا علَّة الموت، قالوا: كلا، بل البقاءُ والعافية، قال: فبكى وقال: أنتم أخلائي\nوإخواني فما لي عندكُم؟ قالوا: مُرْنا بما أحببتَ.\nقال: فأمر بالشراب فأُهريق، وبالملاهي فأخرجت، ثم قال: اللَّهُمَّ إني أشهدُك ومن حضر من عبادِك أني تائبٌ إليك من جميع ذنوبي، نادم على ما فرطَّت أيام مُهلتي، وإياك أسالُ إن أقلْتَنِي أن تُتِمَّ عليَّ نعمتك بالإنابةِ إلى طاعتِك، وإن أنت قبضتني إليك أن تغفرَ لي ذنوبي تفضلًا منك عليَّ.\nواشتدَّ به الأمرُ فلم يزلْ يقول: الموتُ واللهِ، الموتُ واللَّهِ، حتى خرجتْ نفسُه فكان الفقهاء يرون أنه مات على توبة.\nوروى الواحدي في كتابِ \"قتلى القرآنِ \" بإسنادٍ له، أن رجلًا من أشراف\nأهلِ البصرةِ كان مُنحدرًا إليها في سفينةٍ ومعه جاريةٌ له، فشربَ يومًا، وغنَّتَهُ\nجاريته بعودٍ لها، وكان معهم في السفينة فقير صالحٌ، فقال له: يا فتى\nتُحسِنُ مثل هذا؟\nقال: أُحْسِنُ ما هو أحسن منه، وكان الفقيرُ حسنَ الصوت.\nفاستفتح وقرأ: (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧٧) أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) .","vol":"1","page":310},{"text":"فرمَى الرَّجُلُ ما بيده من الشرابِ في الماء، وقال: أشهدُ أن هذا أحسنُ مما سمعت، فهل غير هذا؟\nقال: نعم فتلا عليه: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا) الآية، فوقعت\nمن قلبه موْقعًا، ورمَى بالشرابِ وكسر العُودَ، ثم قال: يا فتى هل هنا فرجٌ\nقال: نعم. (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) .\nفصاح صيْحة عظيمةً، فنظروا إليه فإذا هو قد ماتَ - ﵀.\nوروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ له أنَّ صالحًا المُرِّيَّ - ﵀ - كان يومًا في\nمجلسِه يقُصُّ على الناس، فقرأ عنده قارئ: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨) .\nفذكر صالحٌ النار وحالَ العصاة فيها، وصِفَةَ سياقهم إليها، وبالغ في ذلك وبكى الناس، فقام فتًى كان حاضرًا من مجلسِه، وكان مسرفًا على نفسه، فقال: أكُلُّ هذا في القيامة؟\nقال صالح: نعم، وما هو أكثر منه، لقد بلغني أنَّهم يصرخُون\nفي النار حتى تنقطع أصواتُهم فلا يبقى منهم إلا كهيئة الأنينِ من المريضِ\nالمدنَفِ، فصاح الفتى: يا للَّه وا غفْلتاهُ عن نفسِي أيامَ الحياة، وا أسفاهُ على\nتفريطي في طاعتك يا سيداهُ وا غفلتاه على تضييع عمري في دارِ الدنيا ثم\nاستقبلَ القِبْلةَ، وعاهَدَ اللَّهَ على توبةٍ نصوح، ودعا اللَّهَ أنا يتقبَّلَ منه وبكى\nحتى غُشي عليه، فحُمِلَ من المجلسِ صريعًا، فمكث صالح وأصحابه\nيعودُونه أيامًا، ثم مات، فحضره خَلْقٌ كثير، فكان صالح يذكره في مجلسِهِ\nكثيرًا، ويقول: وبأبي قتيل القرآن؛ وبأبي قتيلَ المواعظِ والأحزانِ؛ فرآه رجل في منامِهِ، فقال: ما صنعتَ؟\nقال: عمَتْنِي بركةُ مجلس صالح فدخلتُ في","vol":"1","page":311},{"text":"سعة رحمة اللَّه التي (وَسِعَتْ كُل شَيْءٍ) .\nمن آلمتُه سياطُ المواعظِ فصاح فلا جناح، ومن زاد ألمه فمات فدسُهُ مباح.\nقضى اللَّهُ في القتْلى قصاصَ دمائهم ولكن دماء العاشقين جُبَارُ\nوبقي ها هنا قسمٌ آخرُ، وهو أشرفُ الأقسامِ وأرفعُها، وهو من يُفْني عمرَه في الطاعة، ثمَّ يُنبَّه على قرْبِ الأجلِ، ليجدَّ في التزودِ ويتهيأ للرحيلِ بعملٍ\nصالح للقاء، ويكونُ خاتمةً للعملِ قال ابنُ عباسٍ: لما نزلتْ على النبيِّ - ﷺ -:\n(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)، نُعِيتْ لرسولِ اللِّه - ﷺ - نفسُه؛ فأخذ في أشدِّ ما كان اجتهادًا في أمر الآخرةِ.\nقالت أم سلمةَ: كان النبي - ﷺ - في آخرِ أمرهِ لا يقومُ ولا يقعُد ولا يذهبُ ولا يجيءُ إلا قال: \"سبحان الله وبحمدهِ \"\nفذكرتُ ذلك له، فقال: \"إني أمِرتُ بذلك \" وتلا هذه السورة.\nوكان من عادتِهِ أن يعتكفَ في كُلِّ عامٍ في رمضانَ عشرًا، ويعرضُ القرآنَ\nعلى جبريلَ مرة، فاعتكف في ذلك العامِ عشرين يومًا، ويعرض القرآنَ\nمرَتينِ، وكان يقولُ: \"ما أرى ذلك إلا لاقترابِ أجِلي \" ثم حجَ حجةَ الوداع، وقال للناس: \"خذوا عنَي مناسككم، فلعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا\". وطفقَ يودعُّ الناسَ، فقالوا: هذه حجَّةُ الوداع، ثم رجع إلى المدينةِ فخطبَ قبل وصولِهِ إليها، وقال: \"أيها الناس إنَّما أنا بشر، يُوشِكُ أن يأتيَني رسولُ ربِّي فأجيبَ \"","vol":"1","page":312},{"text":"، ثم أمر بالتمسُّكِ بكتابِ اللِّه، ثم توفي بعد وصولِهِ إلى المدينةِ\nبيسير - ﷺ -\nإذا كان سيِّدُ المحسنينَ يُؤمَرُ أن يختِمَ عمرَه بالزِّيادة في الإحسان فكيف\nيكون حالُ المسيء. دُو بيْت:\nخُذْ في جد فقد تولَّى العُمُر. . . كم ذا التفريطُ قد تدانى الأمرُ\nأقبِل فعسى يُقبلُ منك العُذْر. . . كم تبني كم تنقضُ كم ذا الغَدْرُ\nمرض بعضُ العابدينَ فوُصِف له دواءٌ يشربُه، فأتي في منامه فقيل له:\nأتشربُ الدواء والحورُ العينُ لك تُهَيّأ؛ فانتبه فزِعًا، فصلَّى في ثلاثة أيام.\nحتى انحنى صُلْبُه، ثم ماتَ في اليوم الثالثِ.\nوكان رجلٌ قد اعتزل وتعبَّد، فرأى في منامِهِ قائلًا يقول له: يا فلان ربُّك\nيدعوك فتجهَّزْ واخْرُج إلى الحجِّ، ولسْتَ عائدًا، فخرج إلى الحج فماتَ في\nالطريقِ.\nرأى بعضُ الصالحينَ في منامِهِ قائلًا يُنشدُهُ:\nتأهَّبْ للذي لا بُدَّ منه. . . من الموت المُوَكَّل بالعبادِ\nأترضى أن تكون رفيق قومٍ. . . لهُمْ زادٌ وأنتَ بغير زادٍ\nخرَّج ابنُ ماجةَ من حديثِ جابرٍ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - خطب، فقال في خطبتِهِ: \"أيَّها الناس، توبوا إلى ربّكم قبل أن تموتوا، وبادروا بالأعمال الصالحة قبل أن تُشْغَلُوا\".","vol":"1","page":313},{"text":"وفي سنده ضعف، فأمرَ بالمبادرةِ بالتوبةِ قبل الموت، وكلُّ ساعةٍ تمرُّ على\nابن آدمَ فإنَّه يمكنُ أن تكون ساعة موتِهِ، بل كلُّ نفسٍ، كما قِيل:\nلا تأمَن الموتَ في طرف ولا نفَسٍ. . . ولو تمنَّعْتَ بالحُجَّابِ والحَرَسِ\nقال لقمانُ لابنِهِ: يا بني، لا تؤخِّر التوبةَ، فإنَّ الموتَ يأتي بغتةً.\nوقالَ بعضُ الحكماءِ: لا تكنْ ممن يرجُو الآخرةَ بغير عملٍ، ويؤخِّرُ التوبةِ لطولِ الأملِ.\nإلى اللَّه تب قبل انقضاءٍ من العمر. . . أُخَيَّ ولا تأمَنْ مفاجأة الأمر\nولا تستصمَنْ عن دُعائي فإنما. . . دعوتُك إشفاقًا عليك من الوزرِ\nفقد حَذَّرَتْك الحادثاتُ نزولها. . . ونادَتْك إلا أنَّ سمعَكَ ذو وَقْرِ\nتَنُوحُ وتبكي للأحبَّة إن مضَوا.. ونفْسَكَ لا تبكي وأنتَ على الإثْرِ\nقال بعضُ السلف: أصبِحُوا تائبين، وأمسُوا تائبين، يشير إلى أنَّ المؤمن لا\nينبغي أن يُصبح ويُمسي إلا على توبةٍ، فإنه لا يدري متى يفجأه الموتُ صباحًا\nأو مساءً، فمن أصبح أو أمسى على غير توبة، فهو على خطرٍ، لأنه يُخشى\nأن يلقَى اللَّه غير تائب، فيُحشر في زمرة الظالمين، قال اللَّه تعالى:\n(وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأوْلَئِكَ هُم الظَّالِمونَ) .\nتُبْ من خطاياكَ وابْكِ خشْيَةً. . . ما أثبت منها عليك في الكُتُبِ\nأيَّةُ حالٍ تكون حالَ فتًى. . . صارَ إلى ربِّه ولم يتُبِ\nتأخيرُ التوبةِ في حال الشباب قبيحٌ، ففي حال المشيبِ أقبْحُ وأقبَحُ.\nنَعَى لك ظِلَّ الشبابِ المشيبُ. . . ونادتْكَ باسم سواكَ الخطوبُ","vol":"1","page":314},{"text":"فكُنْ مستعدًا لداعِي الفنا. . . فكُلُّ الذي هو آتٍ قريبُ\nألسْنا نَرَى شهواتِ النُفوسِ. . . تفْنَى وتبقى علينا الذُّنوبُ\nيخافُ على نفسِهِ من يتوبُ. . . فكيفَ يكنْ حالُ من لا يتوبُ\nفإن نزلَ المرضُ بالعبدِ فتأخيرُهُ للتوبةِ حينئذٍ أقبحُ من كلِّ قبيع، فإنَّ المرضَ\nنذيرُ الموتِ، وينبغي لمن عادَ مريضًا أن يذكره التوبةَ والاستغفارَ، فلا أحسنَ\nمن ختامِ العملِ بالتوبةِ والاستغفارِ، فإنْ كان العملُ سيئًا كان كفَّارةً له، وإنْ\nكان حسنًا كان كالطابَع عليه.\nوفي حديث \"سيد الاستغفارِ\" المخرَّج في \"الصحيح \" أنَّ من قاله إذا\nأصبح وإذا أمسَى، ثم ماتَ من يومِهِ أو ليلتِهِ، كان من أهلِ الجنةِ، وليُكْثِرْ\nفي مرضِهِ من ذكر اللَّهِ ﷿، خصوصًا كلمةَ التوحيدِ، فإنَّه من كانتْ\nآخِرَ كلامِهِ دخل الجنة.\nوفي حديثِ أبي سعيد وأبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ - أنه: \"من قالَ في مرضِهِ: لا إله إلا اللَّهُ، اللَّهُ أكبرُ، لا إله إلا اللَّهُ وحده لا شريكَ لهُ، له الملك وله الحمدُ، لا إله إلا اللَّهُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللَّهِ، فإنْ مات من مرضه لم تطعَمْهُ النار\".\nخرَّجه النسائي وابنُ ماجةَ والترمذيُّ وحسَّنه.\nوفي روايةٍ للنسائي: \"من قالَهُنَّ في يومٍ أو في ليلةٍ أو في شهرٍ، ثم ماتَ في\nذلك اليومِ أو في تلك الليلةِ، أو في ذلك الشهرِ، غُفِرَ له ذنبُه \".\nويُروى من حديثِ حذيفةَ عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"من خُتم له بقولِ لا إله إلا اللَّهُ دخلَ الجنة، ومن خُتِمَ له","vol":"1","page":315},{"text":"بصيام يومٍ أراد به وَجْهَ اللَّه أدخله اللَّه الجنة، ومنْ خُتِمَ له بإطعام مسكينٍ أراد به وجه اللَّه أدخله اللَّه الجنةَ\".\nكان السلف يرون أن من مات عقيبَ عمل صالح، كصيامِ رمضانَ، أو\nعقيبَ حج أوعمرةٍ، أنَّه يُرجَى له أن يدخل الجنة، وكانوا مع اجتهادهم في\nالصحة في الأعمالِ الصالحةِ يجددون التوبةَ والاستغفارَ عندَ الموتِ، ويختمُونَ\nأعمالهم بالاستغفارِ وكلمةِ التوحيدِ.\nلما احتُضِرِ العلاءُ بن زيادٍ، بكى، فقيلَ له: ما يُبكيك؟\nقال: كنتُ واللَّهِ أحب أن أستقبلَ الموتَ بتوبةٍ.\nقالوا: فافعلْ رحمك اللَّه، فدعا بطَهُور فتطهَّر، ثم دعا بثوبٍ له جديد فلبسه، ثم استقبلَ القبلةَ، فأومَأ برأسه مرتينِ\nأو نحو ذلك، ثم اضطجع ومات.\nولما احتُضِرَ عامر بن عبد الله بكى، وقال: لمثل هذا المصرع فليعملِ\nالعاملونَ، اللَهُمَّ إنِّي أستغفرك من تقصيرِي وتفريطي، وأتوبُ إليك من جميع\nذنوبي، لا إله إلا اللَهُ، ثم لم يزل يردِّدُها حتى ماتَ - ﵀.\nوقال عمرو بن العاص - ﵀ - عند موتِهِ: اللَّهُمَ أمرتنا فعصيْنا.\nونهيتنا فركبنا، ولا يسعُنا إلا عفوُك، لا إله إلا اللَهُ، ثم ردَّدها حتى مات.\nوقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ - ﵀ - عند موتِهِ: أجلِسُوني، فأجلسُوه.\nفقالَ: أنا الذي أمرْتَني فقصَّرْتُ، ونهيتني فعصيْتُ، ولكن لا إله إلا اللَّهُ، ثم\nرَفَعَ رأسه فأحَدَّ النظرَ، فقالُوا له: إنَّك تنظرُ نظرًا شديدًا يا أميرَ المؤمنين.\nقال: إنِّي أرى حضرةً ما هم بإنسٍ ولا جنٍّ، ثم قُبضَ رحمةُ اللَّهُ عليه.\nوسمعوا تاليًا يتلو: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) .","vol":"1","page":316},{"text":"يا غافِل القلْبِ عن ذِكْرِ المَنيَّاتِ. . . عما قليل ستثْوِي بين أمْواتِ\nفاذكُرْ مَحَلَّكَ مِن قبْلِ الحُلُولِ بهِ. . . وتُبْ إلى اللَّهِ منْ لهوٍ ولذاتِ\nإنَّ الحمامَ لهُ وقْتٌ إلى أجَلٍ. . . فاذْكُرْ مصائبَ أيَّامٍ وساعاتِ\nلا تطمئن إلى الدنيا وزينتها. . . قدْ حانَ للموْتِ يا ذا اللبِّ أن ياتِي\nالتَوبةَ التوبةَ قبل أن يصل إليكم من الموت النَّوْبة، فيحصلُ المفرطُ على\nالندمِ والخيبةِ.\nالإنابة الإنابةَ قبل غَلْقِ بابِ الإجابةِ، الإفاقةَ الإفاقةَ فقد قرُبَ وقتُ الفاقَة.\nما أحسنَ قلقَ التُّوَّاب! ما أحْلَى قدومَ الغُيَّابِ! ما أجملَ وقوفَهم بالبابِ!\nأسأتُ ولم أُحْسنُ وجئتُك تائبًا. . . وأنَّى لعبْدٍ من مواليه مهْرَبُ\nيُؤمِّلُ غُفرانًا فإنْ خابَ ظَنُّه. . . فما أحَدٌ منه على الأرضِ أخيَبُ\nمن نزلَ به الشيبُ فهو بمنزلةِ الحاملِ التي تمَتْ شهورُ حَمْلِها، فما تنتظر إلا\nالولادةَ، كذلك صاحبُ الشيبِ لا ينتظر غير الموت، فقبيحٌ منه الإصرارُ على الذنبِ.\nأىُّ شيءٍ تُريدُ منِّي الذُّنوبُ. . . شَغُفَتْ بي فليس عنِّي تَغيبُ\nما يضرُ الذنُوبَ لو أعتقتني. . . رحمةً بي فقد علاني المشيبُ\nولكن توبة الثالث أحسنُ وأفضلُ.\nفي حديث مرفوع خرَّجه ابنُ أبي الدنيا:\n\"إنَ اللَّه يحبّ الشابَّ التائبَ \".\nقال عُمير بن هانئٍ: تقول التوبةُ للشابِ:\nأهلًا ومرحبًا، وتقول للشيخ: نقبَلُكَ على ما كان منك.","vol":"1","page":317},{"text":"الشابُّ ترك المعصيةَ مع قوَّةِ الدَّاعِي إليها، والشيخُ قد ضعُفتْ شهوتُه وقلّ\nداعيه فلا يستويانِ، وفي بعض الآثار، يقول اللَّهُ ﷿: أيها الشابُّ.\nالتارك شهوتَه، المبتذِلُ شبابَه لأجلي، أنتَ عندِي كبعضِ ملائكتي.\nقال عمرُ بنُ الخطابِ - ﵁ -: إنَّ الذين يشتهونَ المعاصِي ولا يعملونَ بها (أولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) كم بين حالِ الذي (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَتْوَايَ)، وبين شيخ عِنِّين\nيُدعَى لمثلِ ذلك فيجيبُ.\nكان عمرُ يَعُسُّ بالمدينةِ فسمعَ امرأةً غابَ عنها زوجُها تقولُ:\nتطاولَ هذا الليلُ واسْوَدَّ جانبُه. . . وأرَّقني أن لا خليلٌ ألاعِبُهْ\nفواللَّهِ لولا اللَّه لا شيءَ غيرُهُ. . . لَحُرِّكَ من هذا السَّرير جوانِبُه\nولكن تقْوى اللَّهِ عنْ ذا تَصُدُّني. . . وحِفظا لبَعْلي أن تنالَ مراكبُه\nولكنَّني أخْشَى رَقيبًا موكَّلًا. . . بأنْفُسِنا لا يَفْتُرُ الدَّهْرَ كاتبُه\nفقال لها عمرُ: يرحمك اللَّهُ، ثم بعثَ إلى زوجها فأمره أن يقدُمَ عليها.\nوأمَرَ أن لا يغيبَ أحد عن امرأته أكثر من أربعة أشهر وعشرًا.\nالشيخُ قد تركتك الذنوب، فلا حمدَ له على تركها.\nكما قيل:\nتاركَكَ الدْنبُ فتارَكْتَهُ. . . بالفعْلِ والشهَوْةُ في القلبِ\nفالحَمْدُ للذَّنْبِ على تركِهِ. . . لا لكَ في تركِكَ للذَّنْبِ\nأما تستحِي منا لما أعرضَتْ لذاتُ الدنيا عنك فلم يبقَ لك فيها رغبةٌ.\nوصِرْتَ من سَقَطِ المتاع لا حاجةَ لأحدٍ فيك، جئت إلى بابنا فقلْتَ: أنا","vol":"1","page":318},{"text":"تائبٌ، ومع هذا فكُلُّ من أوى إلينا آويناه، وكلُّ من استجارَ بنا أجرْناه، ومن تابَ إلينا أحببناه، أبشر، فربَّما يكون الشَّيبُ شافعًا لصاحبه من العقوباتِ.\nمات شيخ كان مفرِّطًا، فرؤي في المنامِ، فقيل له: ما فعَلَ اللَّهُ بك، قال:\nقال لي: لولا أنَّك شيخ لعذَّبْتُك.\nوقفَ شيخٌ بعرفةَ والنَّاسُ يضِجُّون بالدُّعاءِ، وهو ساكتٌ، ثم قبض على\nلحيته، وقال: يا ربِّ، شيخ يا ربِّ، شيخ يرجُو رحمتك.\nلمَّا أتَوْنا والشَّيْبُ شافعُهُمْ. . . وقدْ توالَى عليهم الخَجَلُ\nقُلْنا لِسُودِ الصَّحائفِ انقلِبي. . . بيضًا فإنَّ الشُّيوخَ قد قُبِلُوا\nكان بعضُ الصالحينَ يقولُ:\nإنّ الملوكَ إذا شابَتْ عبيدُهُم. . . في رِقِّهم عتقُوهُم عِتْقَ أبرارِ\nوأنتَ يا خالِقي أوْلى بذا كَرَمًا. . . قد شِبْتُ في الرقِّ فأعْتِقْنِي منَ النَارِ\nأيها العاصِي، ما يقطعُ من صلاحِك الطَّمَعُ، ما نصبنا اليومَ شركَ المواعِظِ\nإلا لتقَعُ، إذا خرجتَ من المجلسِ وأنتَ عازِم على التوبةِ، قالتْ لك ملائكةُ\nالرحمةِ: مرحبًا وأهلًا، فإن قال لكَ رفقاؤُك في المعصيةِ: هَلُمَّ إلينا، فقلْ\nلهُم: كلاَّ، ذاك خَمْرُ الهوى الذي عهدتمُوه قد استحالَ خلاَّ: يا مَن سوَد\nكتابَهُ بالسيئاتِ قد آنَ لك بالتَّوبةِ أن تمحُو. يا سكرانَ القلبِ بالشهواتِ أما آن لفؤادِك أن يصحُو.\nيا ندامَاي صحَا القلبُ صَحَا. . . فاطرُدُوا عنِّي الصبَا والمَرَحا\nزَجَرَ الوعْظُ فؤادِي فارْعَوى. . . وأفاقَ القلْبُ منِّي وصَحَا\nهَزَم العَزْمُ جُنودًا للهوى. . . فاسِدِي لا تعْجَبُوا إن صَلَحَا","vol":"1","page":319},{"text":"بادِرُوا التَوْبةَ من قبلِ الرَّدى. . . فمُنادِيه يُنادينا الوَحَا\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) </span>وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)\n[قالَ البخاريُّ]: ويُذْكر: أنَّ عمرَو بن العاصِ أجنبَ في ليلةٍ باردةٍ فتيمَّم، وتلا: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا)، فذكر ذلك للنبيِّ\n- ﷺ - فلم يُعَنِّفْ.\nحديثُ عمرِو بن العاصِ خرَّجه أبو داود من روايةِ يحيى بنِ أيُّوبَ.\nعن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن عِمرانَ بنِ أبي أنَسٍ، عن عبدِ الرحمنِ بن\nجُبيرٍ، عن عمرِو بنِ العاصِ، قال: احتلمْتُ في ليلةٍ بارد في غزوةِ ذاتِ\nالسَّلاسلِ، فأشفقتُ إن اغتسَلْتُ أنْ أهلِكَ، فتيَمَّمْتُ ثم صلَّيت بأصحابي\nالصُّبْح، فذكرُوا ذلكَ للنبيِّ - ﷺ -، فقال: \"يا عمرُو، صليتَ بأصحابك وأنت جُنب! \" فأخبرتُه بالذي منَعَني من الاغتسالِ، وقلتُ: إني سمعتُ اللَّهَ يقولُ: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِن اللهَ كَانَ بِكمْ رَحِيمًا)، فضحِكَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، ولمْ يقُل شيئًا.\nوخرَّجه - أيضًا - من طريقِ عمرِو بنِ الحارثِ وغيرِه، عن يزيدَ بنِ أبي","vol":"1","page":320},{"text":"حبيبٍ، عن عِمرانَ، عن عبدِ الرحممنِ بن جُبَيْرٍ، عن أبي قيْسٍ مولى عمرِو\nابنِ العاصِ، أن عمرَو بن العاصِ كانَ على سَرِيَّة - فذكر الحديثَ بنحوهِ.\nوقال فيه: فغسَلَ مَغابِنَه وتوضَّأ وضوءه للصلاةِ، ثم صلَّى بهم - وذكر باقيه\nبنحوه، ولم يذكرِ التيممَ.\nوفي هذه الروايةِ زيادةُ: \"أبي قيسٍ \" في إسنادِهِ، وظاهرُهَا الإرسالُ.\nوخرَّجه الإمامُ أحمدُ والحاكم، وقال: على شرط الشيخينِ، وليس كما\nقال، وقال أحمدُ: ليس إسنادُه بُمتصلٍ.\nوروى أبو إسحاقَ الفزاريُّ في \"كتابِ السيرِ\" عن الأوْزاعيِّ، عن حسَّان بنِ\nعطيّةَ، قال: بعَثَ النبيُّ - ﷺ - بعْثًا وأمَّر عليهم عمرَو بنَ العاصِ، فلما أقبلوا سألهم عنه، فأثْنَوْا خيرًا، إلا أنه صلَّى بنا جُنبا، فسأله، - فقال: أصابتْنِي جنابة فخشيتُ على نفسِي من البردِ، وقد قال اللَّهُ تعالى: (وَلا تقْتُلوا أَنفسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكمْ رَحِيمًا)، فتيبسَّمَ النبيُّ - ﷺ -.\nوهذا مرسلٌ.\nوقد ذَكَره أبو داودَ في \"سننِهِ \" تعليقًا مختصرًا، وذكر فيه: أنه تيمَّمَ.\nوأكثرُ العلماءِ: على أن من خافَ من استعمال الماءِ لشدةِ البردِ فإنه يتيمم\nويصلِّي، جُنبا كان أو مُحْدِدثًا.\nواختلفوا: هل يُعِيد أم لا؟\nفمنهُم من قال: لا إعادةَ عليه، وهو قول الثوريِّ، والأوْزاعيِّ.\n.","vol":"1","page":321},{"text":"وأبي حنيفةَ، ومالكٍ، والحسنِ بنِ صالح، وأحمدَ في روايةٍ.\nومنهم من قال: عليه الإعادةُ بكلِّ حالٍ سواءٌ كان مسافرًا أو حاضرًا، وهو\nقولُ الشافعيِّ، وروايةٌ عن أحمدَ.\nومنهم من قالَ: إن كانَ مسافرًا لم يُعِد، وإن كانَ حاضِرًا أعادَ، وهو قولٌ\nآخرُ للشافعيِّ، وروايةٌ عن أحمدَ، وقولُ أبي يوسف ومحمدٍ.\nوحكى ابنُ عبدِ البرِّ عن أبي يوسفَ وزُفَرَ: أنه لا يجوزُ للمريضِ في\nالحضرِ التيممُ بحالٍ.\nوذكرَ أبو بكرٍ الخلاَّلُ من أصحابِنا: أنه لا يجوزُ التيممُ في الحضرِ لشدةِ\nالبردِ، وهو مخالفٌ لنصِّ أحمدَ وسائرِ أصحابهِ.\nوحكى ابنُ المنذرِ وغيرُه عن الحسنِ وعطاءٍ: أنه إذا وَجَدَ الماءَ اغتسل به وإن\nماتَ، لأنه واجدٌ للماءِ، إنما أُمِرَ بالتيمم من لم يجدِ الماءَ.\nونقلَ أبو إسحاق الفزاريُّ في كتابِ \"السيرِ\" عن سُفيانَ نحوَ ذلك، وأنه لا\nيتيممُ لمجردِ خوفِ البردِ، وإنما يتيممُ لمرضٍ مخوفٍ، أو لعدمِ الماءِ.\nوينبغي أن يُحمل كلامُ هؤلاءِ على ما إذا لم يخْشَ الموتَ، بل أمكنهُ\nاستعمالُ الماء المُسخَّن وإن حصلَ له به بعضُ ضررٍ، وقد رُوي هذا المعنى\nصريحًا عن الحسنِ - أيضًا - وكذلك نقلَ أصحابُ سفيانَ مذهبَهُ في\nتصانيفهم، وحكَوا أن سفيان ذكر أن الناسَ أجمعُوا على ذلكَ.\nوقد سبقَ الكلامُ في تفسيرِ الآيةِ، وأنَّ اللهَ تعالى أذِن في التيمم للمريضِ\nوللمسافرِ ولمن لم يجدِ الماءِ من أهلِ الأحداثِ مُطلقًا، فمن لم يجدِ الماءَ","vol":"1","page":322},{"text":"فالرحْصةُ له محققة.\n* * *\nوفرَّق اللَّهُ بين الظلم والعُدوانِ، في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠) .\nوقد يُفرق بين الظلم والعُدوانِ، بأنَّ الظلمَ: ما كانَ بغيرِ حقً بالكليَّة.\nكأخذ مالٍ بغير استحقاقٍ لشيء منه، وقتلِ نفس لا يحلُّ قتلُها، وأمَّا\nالعُدوانُ: فهو مُجاوزةُ الحدودِ وتعدَّيَهَا فيما أصلُه مباح، مثل أن يكونَ له\nعلى أحدٍ حقّ من مالٍ أو دمٍ أو عرضٍ، فيستوفي أكثرَ منه، فهذا هو\nالعُدوانُ، وهو تجاوزُ ما يجوزُ أخذُه، فيأخذُ ما لَهُ أخْذُهُ وما ليسر له أخْذُهُ.\nوهو من أنواع الرِّبا المحرَّمةِ.\nوقد ورد \"السبتانِ بالسبةِ رِبا\".\nوالظلمُ المُطلقُ: أخذُ ما ليسَ له أخْذُهُ ولا شيءٍ منه من مال أو دمٍ أو\nعرضٍ.\nكلاهما في الحقيقةِ ظلم، وقد حرَّم اللَّهُ الظلمَ، وفي \"الصحيح \" عن النبيِّ\n- ﷺ -: \"يقولُ اللَهُ: يا عبادِي، إنِّي حرَّمتُ الظلمَ على نفسِي وجعلتُه بينكُم محرَّمًا فلا تظالموا \".","vol":"1","page":323},{"text":"وفي \"الصحيحينِ \" عنه - ﷺ - قال:\n\"الظلمُ ظلماتٌ يومَ القيامةِ\".\nوفيهما عنه - ﷺ -، قالَ:\n\"إن اللهَ يُملي للظالم حتى إذا أخذَهُ لم يُفلته \"\nثم قرأ: (وَكَذَلِكَ أَخْذ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) .\nوفي \"البخاري\" عنه - ﷺ -، قال:\n\"من كانت عنده مظلمةٌ لأخيه فليتحلله منها، فإنَّه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا دِرْهَمٌ من قبل أن يُؤخذَ لأخيهِ من حسناتِهِ فإن لم يكنْ له حسنات أخذ من سيئاتِ أخيه فطُرحتْ عليهِ \".\nوفي \"صحيح مسلم \" عنه - ﷺ - قال:\n(أتدرونَ من المفلسُ؟ \" قالوا: المُفلسُ من لا درهمَ له ولا متاعَ.\nقال: \"إن المفلس من أمَّتي من يأتي يومَ القيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وقيامٍ، وقد شتمَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسفكَ دمَ هذا، وضربَ هذا، فيقضِي\nهذا من حسناتِهِ وهذا من حسناتِهِ، فإذا فنيتْ حسناتُهُ قبل أنْ يُقضَى ما عليهِ، أُخِذَ من سيئاتِهِم فطرحتْ عليه، ثم طُرِحَ في النارِ\".\nوفي الحديثِ: \"لتؤدنَّ الحقوقَ إلى أهلها يومَ القيامةِ، حتى يُقادَ للشاةِ الجمَّاءِ من الشاةِ القرناءِ \".\nوفي حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ أُنيسٍ: \"وليسألَنَّ الحجرُ لم نكبَ الحجرَ، وليسألن\nالعُودَ لم خدشَ صاحبَهُ \".","vol":"1","page":324},{"text":"شعر:\nفخِفِ القضاءَ غدًا إذا وافيتَ ما. . . كسبتْ يداك اليومَ بالقِسطاسِ\nأعضاؤُهُم فيه الشهودُ وسجنُهم. . . نارٌ وحاكمُهُم شديدُ الباسِ\nفي موقفٍ ما فيه إلا شاخصٌ. . . أو مهطعٌ أو مقنعٌ للراسِ\nإن تمطلِ اليومَ الحقوقَ مع الغِنى. . . فغدًا تؤديهَا معَ الإفلاسِ\nوالظلمُ المحرَّمُ: تارةً يكون في النفوسِ، وأشدهُ في الدماءِ وتارةً في\nالأموالِ، وتارةً في الأعراضِ، ولهذا قالَ - ﷺ - في خطبتِهِ في حجةِ الوداع:\n\"إنَّ دماءَكُم وأموالَكُم وأعراضَكُم عليكم حرامٌ كحرمةِ، يومِكُم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا\".\nوفي روايةٍ: ثم قال:\n\"ألا اسمعوا منِّي تعيشُوا، ألا لا تظالموا ألا لا تظالموا، فإنه لا يحلّ مالُ امرئٍ مسلمٍ إلا عن طيبِ نفْسٍ منه \".\nوفي \"صحيح مسلمٍ \" عنه - ﷺ -، قالَ:\n\"كلُّ المسلم على المسلم حرامٌ دمُهُ ومالُهُ وعِرضُه \".\nفظلمُ العبادِ شر مكتسبٌ، لأنَّ الحقَّ فيه لآدميّ مطبوع على الشحِّ، فلا\nيتركُ من حقِّه شيئًا لا سِيَّما مع شدةِ حاجتِهِ يومَ القيامةِ، فإن الأمَّ تفرحُ يومئذٍ\nإذا كانَ لهَا حقٌّ على ولدِهَا لتأخذَ منهُ.\nومع هذا؛ فالغالبُ أنَّ الظالمَ تُعجَّل له العقوبةُ في الدنيا وإنْ أُمهل، كما\nقالَ - ﷺ -:\n\"إن اللَّهَ يُملي للظالم حتَّى إذا أخذَهُ لم يفلتْهُ \" ثم تلا: (وكَذَلِكَ أَخْذُ\nرَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَة إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ) .","vol":"1","page":325},{"text":"وذهبَ قوم من أهلِ الحديثِ وغيرُهم إلى أنَّ هذهِ الأعمالَ تُكفِّرُ الكبائرَ.\nومنهُم ابنُ حزمٍ الظاهريُّ، وإيَّاه عنى ابنُ عبدِ البرِّ في كتابِ \"التمهيدِ\" بالردِّ\nعليه، وقالَ: قد كنتُ أرغبُ بنفسِي عن الكلامِ في هذا البابِ، لولا قولُ\nذلكَ القائلِ، وخشيتُ أن يغترَّ به جاهل، فينهمِكَ في الموبقاتِ، اتكالًا على\nأنَّها تكفِّرُها الصلواتُ دونَ الندمِ والاستغفارِ والتوبةِ، واللَّهَ نسألُهُ العصمةَ\nوالتوفيقَ.\nقلتُ: وقد وقعَ مثلُ هذا في كلامِ طائفةٍ من أهلِ الحديثِ في الوضوءِ\nونحوِه، ووقعَ مثلُه في كلام ابنِ المنذرِ في قيامِ ليلةِ القدرِ، قالَ: يُرجى لمنْ\nقامَهَا أن يغفرَ لهُ جميعُ ذنوبه صغيرُها وكبيرُها، فإن كان مرادُهم أنَّ مَنْ أتى\nبفرائضِ الإسلامِ وهو مُصِرًّ على الكبائرِ تُغفرُ له الكبائرُ قطْعًا، فهذا باطلٌ\nقطعًا، يُعْلَمُ بالضرورةِ من الدِّينِ بطلانُهُ، وقد سبقَ قولُ النبيِّ - ﷺ -\n\"منْ أساءَ في الإسلام اخِذَ بالأولِ والآخرِ\"\nيعني: بعملِهِ في الجاهليةِ والإسلامِ، وهذا\nأظهرُ من أن يحتاجَ إلى بيانٍ، وإن أرادَ هذا القائلُ أن من تركَ الإصرارَ على\nالكبائرِ، وحافظَ على الفرائضِ من غيرِ توبةٍ ولا ندم على ما سلفَ منه.\nكُفِّرَتْ ذُنوبُهُ كلُّهَا بذلكَ، واستدلَّ بظاهرِ قولِهِ: (إِن تَجْتَنِبوا كبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلًا كَرِيمًا) .\nوقال: السيئاتُ تشملُ الكبائرَ والصغائرَ، وكما أنَّ الصغائرَ تُكفَّرُ باجتنابِ\nالكبائرِ من غيرِ قصدٍ ولا نيّة، فكذلكَ الكبائرُ، وقد يستدلُّ لذلكَ بأنَّ اللَّهَ\nوعدَ المؤمنينَ والمتقينَ بالمغفرةِ وبتكفيرِ السيِّئاتِ، وهذا مذكورٌ في غيرِ موضع\nمن القرآنِ، وقد صارَ هذا من المتقين، فإنَّه فعلَ الفرائضَ، واجتنبَ الكبائرَ،","vol":"1","page":326},{"text":"واجتنابُ الكبائرِ لا يحتاجُ إلى نيَّةٍ وقصدٍ، فهذا القولُ يمكنُ أن يُقالَ في\nالجملةِ.\nوالصَّحيحُ قولُ الجمهورِ: إنَّ الكبائرَ لا تُكفَّرُ بدونِ التوبةِ، لأنَّ التوبةَ\nفرضٌ على العبادِ، وقد قالَ ﷿: (وَمَن لَّمْ يَتبْ فَأوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) .\nوقد فسَّرتِ الصحابةُ كعمرَ وعليٍّ وابنِ مسعودٍ التوبةَ بالندمِ، ومنهم من\nفسرها بالعزمِ على أن لا يعودَ، وقد رويَ ذلك مرفوعًا من وجهٍ فيه ضعف.\nلكن لا يعلمُ مخالفٌ من الصحابةِ في هذا، وكذلك التابعونَ ومَن بعدَهُم.\nكعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والحسنِ، وغيرِهما.\nوأما النصوصُ الكثيرةُ المتضمنةُ مغفرةَ الذنوبِ، وتكفيرَ السيئات للمتقينَ.\nكقولِهِ تعالى: (إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكمْ سَيِّئَاتِكُمْ ويغفِرْ لَكُمْ) .\nوقولِهِ: (وَمَن يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يكَفِّرْ عَنْهُ سَيئَاتهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ) .\nوقولِهِ: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفَر عَنْهُ سَيئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا) .\nفإنه لم يُبينْ في هذهِ الآياتِ خصالَ التقوى، ولا العملَ الصالحَ.\nومن جملةِ ذلكَ: التوبةُ النصوحُ، فمَنْ لم يتُبْ، فهو ظالمٌ، غيرُ متَقٍ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>قوله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)</span>\nوقد بَيَّنَ في سورةِ آلِ عمرانَ خصالَ التقوى التي يَغفر لأهْلِهَا ويدخلهم","vol":"1","page":327},{"text":"الجنةَ، فذكرَ منها الاستغفارَ، وعدمَ الإصرارِ، فلم يضمنْ تكفير السيئاتِ\nومغفرة الذنوبِ إلا لمن كان على هذهِ الصفةِ، واللهُ أعلمُ.\nالصغائرُ هل تجبُ التَّوبةُ منها كالكبائرِ أم لا؟\nلأنها تقعُ مكفرةً باجتنابِ الكبائرِ، لقولِهِ تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا)؟\nهذا ممَّا اختلفَ الناسُ فيه.\nفمنهم من أوجبَ التوبةَ مِنْهَا.\nوهو قولُ أصحابِنا وغيرِهم من الفقهاءِ والمتكلمينَ وغيرِهم.\nوقد أمر اللَّهُ بالتوبةِ عقيبَ ذكرِ الصغائرِ والكبائرِ، فقالَ تعالى: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) الآية إلى قولِهِ: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .\nوأمرَ بالتوبةِ من الصَّغائرِ بخصوصِهَا في قولِهِ:\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١) .\nومن الناس من لم يُوجب التوبةَ منها، وحكي عن طائفةٍ من المعتزلةِ ومن\nالمتأخرينَ من قالَ: يجبُ أحدُ أمرينِ، إمَّا التَوبةُ منها، أو الإتيانُ ببعض\nالمكفِّرات للذنُوب من الحسناتِ.\nوحكى ابنُ عطيّة في \"تفسيره\" في تكفير الصغائر بامتثالِ الفرائضِ\nواجتنابِ الكبائرِ قولينِ:","vol":"1","page":328},{"text":"أحدهما - وحكاه عن جماعة من الفقهاءِ وأهلِ الحديثِ -. أنه يُقطع\nبتكفيرها بذلك قطعًا، لظاهر الآية والحديثِ.\nوالثاني - وحكاه عن الأصوليين -: أنه لا يُقطع بذلك، بل يُحمل على\nغلبةِ الظنِّ وقوَّة الرجاء، وهو في مشيئةِ اللَّه ﷿، إذ لو قطع بتكفيرها، لكانتِ الصغائر في حكم المباح الذي لا تبِعَةَ فيه، وذلك نقضٌ لِعُرى\nالشريعة.\nقلتُ: قد يقال: لا يُقطع بتكفيرها لأنَّ أحاديثَ التكفيرِ المطلقةِ بالأعمالِ\nجاءتْ مقيَّدةً بتحسينِ العملِ، كما وردَ ذلك في الوضوءِ والصَّلاةِ، وحينئذٍ\nفلا يتحقَّقُ وجودُ حسنِ العملِ الذي يوجب التَّكفير، وعلى هذا الاختلافِ\nالذي ذكره ابنُ عطيّة ينبني الاختلافُ في وجوبِ التوبةِ من الصغائر.\nوقد خرَّج ابنُ جريرٍ من روايةِ الحسنِ أن قومًا أتوا عمرَ، فقالوا: نرى\nأشياءَ من كتابِ اللَّهِ لا يُعْمَلُ بها، فقال لرجلٍ منهم: أقرأتَ القرآن كُلَّه؟\nقال: نعم، قال: فهل أحصيتَهُ في نفسك؟\nقال: اللَّهُمَّ لا، قال: فهل أحصيتَهُ في بصرك؟ فهل أحصيتَهُ في لفظك؟\nهل أحصيتَهُ في أثَرِكَ؟ ثم تتبعهم حتَّى أتى على آخرِهِم، ثم قال: ثكِلَت عمرَ أمُّهُ أتكلفونه أن يُقيمَ على الناس كتابَ اللَّهِ؟ قد علم ربُّنا أنه سيكون لنا سيئات، قال وتلا: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) .\nوبإسنادِهِ عن أنس بن مالكٍ أنه قال: لم أرَ مثلَ الذي بلغنا عن ربِّنا\nتعالى، ثم لم نَخْرُجْ له عن كلِّ أهلٍ ومال، ثم سكت، ثم قال: واللَّه لقد","vol":"1","page":329},{"text":"كلَّفنا ربُّنا أهونَ من ذلك، لقد تجاوزَ لنا عمَّا دونَ الكبائر، فما لنا ولها؛ ثم\nتلا: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١) .\nوخرَّجه البزارُ في \" مسندِهِ \" مرفوعًا، والموقوف أصحَّ.\nوقد وصف اللَّهُ المحسنينَ باجتنابِ الكبائرِ، قالَ اللَّهُ تعالى: (وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) .\nوفي تفسيرِ اللَّمم قولانِ للسَّلفِ:\nأحدُهُما: أنَّه مقدماتُ الفواحشِ كاللمسِ والقبلةِ ة.\nوعن ابن عباسٍ: هو ما دونَ الحدَّينِ: وعيدِ الآخرةِ بالنارِ وحدَ الدنيا.\nوالثاني: أنَّه الإلمامُ بشيءٍ من الفواحشِ والكبائر مرَّةً واحدةً، ثم يتوبُ منه.\nورويَ عن ابنِ عباسٍ وأبي هريرة.\nورويَ عنه مرفوعًا بالشَّكِّ في رفعِهِ، قال: \"اللمةُ من الزنى ثم يتوبُ فلا يعودُ، واللمةُ من شرب الخمرِ ثم يتوبُ فلا يعودُ، واللمة من السرقةِ ثم يتوبُ فلا يعود\".\nومن فسَّر الآيةَ بهذا قالَ: لا بدَّ أن يتوبَ مِنْهُ، بخلافِ من فسَّرَهُ\nبالمقدِّماتِ، فإنَّه لم يشترطْ توبةً.","vol":"1","page":330},{"text":"والظاهرُ: أن القولينِ صحيحانِ، وأنَّ كلاهُما مرادٌ من الآيةِ، وحينئذٍ\nفالمحسنُ: هو من لا يأتِي بكبير إلا نادرًا ثم يتوبُ منها، ومن إذا أتى\nبصغيره كانتْ مغمورةً في حسناتِهِ المكفرةِ لها، ولا بُد أن لا يكونَ مصِرًّا\nعليها، كما قال تعالى: (وَلَمْ يصِرّوا عَلَى مَا فَعَلوا وَهُمْ يَعْلَمون) .\nورويَ عن ابن عباسِ أنَّه قالَ: لا صغيرةَ مع إصرار، ولا كبيرةَ مع\nاستغفار، ورويَ مرفوعًا من وجوهٍ ضعيفة.\nوإذا صارتِ الصغائرُ كبائرَ بالمداومةِ عليها، فلا بُدَّ للمحسنينَ من اجتنابِ\nالمداومةِ على الصغائر حتى يكونوا مجتنبينَ لكبائرِ الإثم والفواحشِ.\nوقال اللَّهُ ﷿: (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦) وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧) وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (٣٩) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) .\nفهذه الآياتُ تضمنتْ وصفَ المؤمنينَ بقيامِهِم بما أوجبَ اللَّه عليهم منَ\nالإيمانِ والتوكلِ، وإقامِ الصلاةِ، والإنفاقِ مما رزقهَمُ اللَهُ والاستجابةُ للهِ في\nجميع طاعاتِهِ، ومع هذا، فهم مجتنبون كبائرَ الإثم والفواحش، فهذا هو\nتحقيقُ التقوى، ووصفهم في معاملتهم للخلقِ بالمغفرةِ عندَ الغضبِ، وندبهم\nإلى العفوِ والإصلاح.\nوأمَّا قولُهُ: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنتَصِرُونَ)، فليس منافيًا للعفوِ، فإن الانتصارَ يكونُ بإظهارِ القُدرة على الانتقامِ، ثم يقعُ العفوُ بعد ذلك، فيكونُ أتمَّ وأكملَ، قال النخعيُّ في هذهِ","vol":"1","page":331},{"text":"الآية ِ: كانُوا يكرهونَ أن يُستذلُّوا فإذا قَدَرُوا عَفَوْا.\nوقال مجاهدٌ: كانوا يكرهون للمؤمنِ أن يذلَّ نفسَهُ، فيجترئُ عليه الفُسَّاقُ، فالمؤمنُ إذا بُغِي عليهِ يُظهرُ القدرةَ على الانتقامِ، ثم يعفوُ بعدَ ذلك، وقد جَرَى مثلُ هذا لكثيرٍ من السلفِ، منهم قتادةُ وغيرُه.\nفهذه الآياتُ تتضمنُ جميعَ ما ذكره النبيُّ - ﷺ - في وصيته لمعاذٍ، فإنَّها تضمنتْ أصولَ خصالِ التقوى بفعلِ الواجباتِ، والانتهاءِ عن كبائرِ المحرَّماتِ ومعاملةِ الخلقِ بالإحسانِ والعفوِ، ولازِمُ هذا أنَّه إنْ وقعَ منهم شيء من الإثم من غيرِ الكبائرِ والفواحشِ، يكونُ مغمورًا بخصالِ التَّقوى المقتضيةِ لتكفيرِهَا ومحوِها.\nوأما الآياتُ التي في سورةِ \"آل عمرانَ \"، فوَصَفَ فيها المتقينَ بالإحسانِ إلى\nالخَلْقِ، وبالاستغفارِ من الفواحشِ وظلم النفسِ، وعدمِ الإصرارِ على ذلكَ.\nوهذا هو الأكملُ، وهو إحداثُ التوبة، والاستغفارُ عَقِيْبَ كل ذنبٍ مِنَ\nالذنوبِ صغيرًا كان أو كبيرًا، كما رُويَ أن النبيَّ - ﷺ - وصَّى بذلكَ معاذًا، وقد ذكرناهُ فيما سبَقَ.\nوإنما بسطنا القولَ في هذا، لأنَّ حاجةَ الخلقِ إليه شديدة، وكلّ أحد\nيحتاجُ إلى معرفةِ هذا، ثم إلى العملِ بمقتضاهُ، واللَّهُ الموفقُ والمعين.\n* * *","vol":"1","page":332},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>قوله تعالى: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ </span>إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)\nقول اللَّهِ ﷿: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) .\nفقد فُسِّرَ ذلك بالحسدِ، وهو تمنّي الرجلِ نفسَ ما أُعطي أخوهُ من أهلٍ ومالٍ\nوأن ينتقلَ ذلك إليهِ، وفُسِّرَ بتمنِّي ما هو ممتنع شرعًا أو قدرًا، كتمنِّي النِّساءِ\nأن يكنَّ رجالًا أو يكون لهن مثلُ ما للرجالِ من الفضائِل الدينيةِ، كالجهادِ.\nوالدنيويةِ كالميراثِ والعقلِ والشهادةِ، ونحو ذلك.\nوقيل: إنَّ الآيةَ تشملُ ذلك كُلَّه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>قوله تعالى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى </span>وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦)\nوأمَّا إكرامُ الجارِ والإحسانُ إليه، فمأمور به، وقد قال اللَهُ ﷿:\n(وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا) .\nفجمعَ اللَّهُ تعالى في هذهِ الآيةِ بينَ ذكرِ حقِّه على العبدِ وحقوقِ العبادِ على العبدِ - أيضًا - وجعلَ العبادَ","vol":"1","page":333},{"text":"الذينَ أمرَ بالإحسانِ إليهم خمسةَ أنواع:\nأحدُها: من بينه وبينَ الإنسانِ قرابة، وخصَّ منهُمُ الوالدين بالذِّكرِ.\nلامتيازِهِمَا عن سائرِ الأقاربِ بما لا يشْركونهما فيه، فإنهما كانا السببَ في\nوجودِ الولدِ ولهما حقُّ التربيةِ والتأديبِ وغيرِ ذلك.\nالثاني: منْ هو ضعيف محتاج إلى الإحسان وهو نوعانِ: من هو محتاج\nلضعفِ بدنِهِ، وهو اليتيمُ، ومن هو محتاج لقلَّةَ مالِهِ، وهو المسكينُ.\nوالثالثُ: منْ له حقُّ القُربِ والمخالطةِ، وجعلَهُم ثلاثةَ أنواعْ جار ذو\nقُربى، وجار جُنب، وصاحبُ بالجنبِ.\nوقد اختلفَ المفسرونَ في تاويلِ ذلكَ، فمنهُم من قالَ: الجارُ ذو القُربى:\nالجارُ الذي له قرابة، والجارُ الجُنب: الأجنبيّ، ومنهم من أدخلَ المرأةَ في\nالجارِ ذىِ القربى، ومنهم من أدخلها في الجار الجنب، ومنهم من أدخلَ\nالرَّفيقَ في السَّفرِ في الجارِ الجُنب.\nوقد رُوي عن النبيِّ - ﷺ - أنه كان يقولُ في\nدعائِهِ: \"أعوذُ بك من جارِ السَّوءِ في دار الإقامةِ، فإنَّ جارَ الباديةَ يتحوَّلُ \".\nومنهم من قال: الجارُ ذو القربى: الجارُ المسلمُ، والجارُ الجنبُ: الكافرُ.\nوفي \"مسندِ البزارِ\" من حديثِ جابرٍ مرفوعًا:\n\"الجيرانُ ثلاثة: جار له حقّ واحد وهو أدنى الجيرانِ حقًّا، وجاز له حَقَّانِ، وجاز له ثلاثةُ حقوقٍ، وهو أفضلُ الجيرانِ حقًّا.\nفأمَّا الذي له حق واحد فجارْ مشركٌ لا رَحِمَ له، له حقُّ الجوارِ، وأمَّا الذي له حقَّانِ، فجارٌ مسلمٌ له حقُّ الإسلام، وحقّ الجوارِ، وأمَّا الذي له ثلاثةُ حقوقٍ، فجارٌ مسلمٌ ذو رحمٍ، له حقُّ الإسلام،","vol":"1","page":334},{"text":"وحق الجوارِ، وحقُّ الرحم \".\nوقد رُوي هذا الحديثُ من وجوه أخرَ متصلةٍ ومرسلةٍ، ولا تخلو كلُّها منْ\nمقال.\nوَقيلَ: الجارُ ذو القُربى: هو القريبُ الجوارِ الملاصقُ، والجارُ الجنبُ: البعيدُ\nالجوارِ.\nوفي \"صحيح البخاريِّ \": عن عائشةَ، قالتْ: قلتُ: يا رسولَ اللَّه إنَّ لي\nجارينِ، فإلى أيهِمَا أُهدِي؛ قالَ: \"إلى أقربِهِمَا منك بابًا\".\nوقالَ طائفة من السلفِ: حدُّ الجوارِ أربعون دارًا، وقيل: مستدار أربعينَ\nدارًا من كل جانبٍ.\nوفي \"مراسيلِ الزهريِّ \": أن رجلًا أتى النبيَّ - ﷺ - يشكُو جارًا له، فأمر النبيُّ - ﷺ - بعضَ أصحابِهِ أن ينادِي: \"ألا إنَّ أربعين دارًا جار\".\nقال الزهريُّ: أربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، وأربعون هكذا، يعني بين يديه ومِن خلفِهِ، وعن يمينِهِ، وعن شمالِهِ.\nوسئلَ الإمامُ أحمدُ عمَّن يطبخُ قدرًا، وهو في دار السبيل، ومعه في الدار\nنحو ثلاثين أو أربعين نفسًا: يعني أنهم سكان معه في الدارِ، فقال: يبدأ\nبنفسِهِ، وبمن يعول، فإن فضلَ فضل، أعطى الأقرب إليه، وكيفَ يُمكنه أن\nيُعطِيهُم كلَّهم؛ قيلَ لهُ: لعل الذي هو جارُهُ يتهاونُ بذلكَ القدرِ ليسَ له عنده موقعٌ؛ فرأى أنه لا يبعثُ إليه.","vol":"1","page":335},{"text":"وأمَّا الصَّاحبُ بالجنبِ ففسره طائفةٌ بالزَّوجةِ، وفسرهُ طائفة منهم ابنُ\nعباسٍ بالرَّفيقِ في السفر، ولم يريدُوا إخراجَ الصاحبِ الملازِمِ في الحضرِ، إنما\nأرادُوا أن صحبةَ السفرِ تكفِي، فالصحبةُ الدائمةُ في الحضرِ أوْلى، ولهذا قالَ\nسعيدُ بنُ جبيرٍ: هو الرفيقُ الصالحُ، وقالَ زيدُ بنُ أسلمَ: هو جليسُك في\nالحضرِ، ورفيقُك في السفرِ، وقالَ ابنُ زيدٍ: هو الرَّجلُ يعتريكَ ويُلِمُّ بك\nلتنفعه.\nوفي \"المسندِ\" والترمذيِّ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ، عن النبيِّ\n- ﷺ - قال:\n\"خيرُ الأصحابِ عندَ اللهِ خيرُهم لصاحبِهِ، وخيرُ الجيرانِ عند اللهِ خيرُهُم\nلجارِهِ \".\nالرابعْ: من هو واردٌ على الإنسانِ، غيرُ مقيم عندَهُ، وهو ابن السبيلِ: يعني\nالمسافرَ إذا وردَ إلى بلد آخرَ، وفسَّره بعضُهم بالضَّيفِ: يعني به ابنَ السبيلِ إذا نزلَ ضيفًا على أحدٍ.\nوالخامس: ملكُ اليمين، وقد وصَّى النبي - ﷺ - بهم كثيرًا وأمر بالإحسانِ إليهم، ورُوي أنَّ آخرَ ما وصَّى به عندَ موتِهِ:\n\"الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ \".\nوأدخل بعضُ السلفِ في هذه الآيةِ: ما يملُكُه الإنسانُ من الحيواناتِ\nوالبهائم.\n* * *","vol":"1","page":336},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-58>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا </span>وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)\n[قال البخاريُّ]: \"كتابُ الغُسْلِ \"، وقولُ اللَّهِ تعالى: (وَإِن كنتُمْ جُنُبًا\nفَاطَّهَروا) إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَشْكرُونَ)، وقوله: (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا\nلا تَقرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى) إلى قولِهِ: (عَفُوًّا غَفْورًا) .\nصدَّر البخاريُّ - ﵀ - \"كتابَ الغُسْلِ \" بهاتينِ الآيتينِ، لأن غُسلَ\nالجنابةِ مذكورٌ فيهما.\nأما قولُه تعالى: (وَإِن كنتُمْ جُنُبًا فَاطَهَّرُوا)، فأمْر للجنبِ إذا قام إلى\nالصلاة أن يتطهَّر.\nوتطهُّرُ الجُنبِ هو غُسْلُه، كما في تطهُّر الحائضِ إذ انقطعَ دمُها، ولهذا قال\nتعالى: (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ) .\nوالمرادُ بتطهرهنَّ: اغتسالُهُنَّ عند جمهورِ العلماءِ، فلا يُباحُ وطؤها حتى\nتغتسلَ، وسيأتي تفسيرُ الآيةِ في \"كتابِ الحيضِ \" - إن شاء اللَّهُ تعالى.\nوأما قولُه تعالى: (لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا)، فنهْي عن قُربانِ الجنبِ الصلاةَ\nحتى يغتسلَ، فصرَّح هُنا بالغُسْلِ، وهو تفسيرُ التطهيرِ المذكورِ في آيةِ المائدةِ.\nوهل المرادُ: نهيُ الجنبِ عن قُربانِ الصلاةِ حتى يغتسلَ، إلا أن يكونَ","vol":"1","page":337},{"text":"مسافرًا - وهو عابرُ السبيلِ -، فيعدمُ الماءَ، فيصلِّي بالتيمم؛ أو المرادُ: نهيُ الجنبِ عن قربانِ موضع الصلاةِ - وهو المسجدُ - إلا عابرَ سبيل فيه.\nغيرَ جالسٍ فيه، ولا لابث؛ هذا مما اختلفَ فيه المفسرونَ من السلفِ.\nوبكلِّ حالٍ؛ فالآيةُ تدلُّ على أن الجنبَ ما لم يغتسلَ مَنْهِيّ عن الصلاةِ، أو\nعن دخولِ المسجدِ، وأنَّ استباحةَ ذلك يتوقفُ على الغسلِ، فيُستدلُّ به على وجوبِ الغُسل على الجنبِ إذا أرادَ الصلاةَ، أو دخولَ المسجدِ.\n* * *\nوقد تأول طائفةٌ من الصحابةِ قولَ اللَّهِ ﷿: (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ\nسُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقولُونَ وَلا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) .\nبأنَّ المرادَ: النهيُ عن قُربانِ موضع الصلاةِ - وهو المسجدُ - في حالِ الجنابةِ، إلا أن يكونَ عابرَ سبيلٍ، وهو المجتازُ به من غيرِ لبثٍ فيه.\nوقد رُوي ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، وأنسٍ - ﵃ -.\nوفي \"المسندِ\" عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - سدَّ أبوابَ المسجدِ غيرَ بابِ عليٍّ.\nقالَ: \"فيدخلُ المسجدَ جنبًا، وهو طريقُه ليسَ له طريق غيرُهُ \".\nوروى ابنُ أبي شيبة بإسنادِهِ، عن العوامِ، أن عليًا كان يمرُّ في المسجدِ\nوهو جنب.","vol":"1","page":338},{"text":"وبإسنادِهِ، عن جابرٍ، قالَ: كانَ أحدُنا يمشِي في المسجدِ وهو جنبٌ.\nمجتازًا.\nوخرَّجه - أيضًا - سعيدُ بنُ منصورٍ وابنُ خزيمةَ في \"صحيحِهِ \".\nوعن زيدِ بن أسلمَ، قالَ: كان أصحابُ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - يمشون في المسجدِ، وهمْ جنبٌ.\nخرَّجه ابنُ المنذرِ وغيرُه.\n* * *\nوخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ من روايةِ قيسٍ، عن خُصيفٍ، عن مجاهدٍ، في قولِهِ\nتعالى: (وَإِن كنتُم مَّرْضَى)، قالَ: نزلتْ في رجلٍ من الأنصارِ.\nكان مريضًا فلم يستطع أن يقومَ فيتوضأ، ولم يكنْ له خادم فيناولَهُ، فأتى\nرسولَ اللَّهِ - ﷺ - فذكر ذلك لهُ، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذهِ الآية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)</span>\nقالَ تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ..)، فمن جاء مع التوحيدِ\nبقُرابِ الأرضِ - وهو ملؤُهَا، أو ما يقاربُ ملأَهَا - خطايا، لقيَهُ اللَّهُ بقرابِهَا","vol":"1","page":339},{"text":"مغفرة، لكنْ هَذا مع مشيئةِ اللَّهِ - ﷿ -، فإن شاء غفرَ له، وإن شاءَ\nأخذه بذنوبِهِ، ثم كان عاقبتُهُ ألاَّ يُخلَّدَ في النار، بل يخرج منها، ثم يدخلُ\nالجنَةَ.\nقال بعضُهم: الموحِّد لا يُلقى في النارِ كما يُلقى الكفارُ، ولا يَلقى فيها ما\nيَلقى الكفارُ، ولا يبقى فيها كما يبقى الكفارُ، فإنْ كَمُلَ توحيدُ العبدِ\nوإخلاصُه للَّهِ فيه، وقامَ بشروطِهِ كلها بقلبِهِ ولسانِهِ وجوارحِهِ، أو بقلبِهِ\nولسانِهِ عندَ الموتِ، أوجبَ ذلك مغفرةَ ما سلفَ من الذنوبِ كلِّها، ومنعَهُ من دخولِ النَّارِ بالكليةِ.\nفمن تحقَّق بكلمةِ التوحيدِ قَلبُه أخرجَتْ منه كلَّ ما سوى الله محبةً\nوتعظيمًا وإجلالا ومهابةً، وخشيةً، ورجاءً وتوكُّلًا، وحينئذٍ تحرَقُ ذنوبه\nوخطاياهُ كلُّها ولو كانتْ مثلَ زبدَ البحرِ، وربما قلبتَها حسناتٍ، كما سبق\nذكره في تبديلِ السيئاتِ حسناتٍ، فإنَّ هذا التوحيدَ هو الإكسيرُ الأعظمُ، فلو وُضع ذرَّة منها على جبالِ الذنوبِ والخطايا، لقلبها حسناتٍ، كما في \"السندِ\" وغيره، عن أم هانِئ، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: \"لا إله إلا اللَّهُ لا تترُكُ ذنبا ولا يسبِقها عمل \".\nوفي \"المسندِ\" عن شدَّادِ بنِ أوسٍ، وعبادة بن الصامت أن النبيَّ - ﷺ - قال لأصحابِهِ:\n\"ارفعُوا أيديَكم، وقولُوا: لا إلهَ إلا اللًّهُ \"، فرفعنا أيدينا ساعةً، ثم\nوضعَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يدَهُ، ثم قالَ: \"الحمدُ اللَّهِ، اللهُمَّ بعثتني بهذهِ الكلمةِ، وأمرتنِي بهَا، ووعدتنِي الجنةَ عليْهَا، وإنَّك لا تُخلِفُ الميعادَ\"، ثم قالَ: \" أبشِرُوا، فإن اللهَ قد غفرَ لكُم\".","vol":"1","page":340},{"text":"***\n<span data-type=\"title\" id=toc-60>قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)</span>\nقال اللَّهُ ﷿: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) .\nروى نافعٌ مولى يوسف السلمي عن نافع عن ابنِ عمرَ، قالَ: قرأ رجلٌ\nعندَ عمرَ هذه الآيةَ: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا) .\nفقال عمرُ: أعِدْ علي فأعادَهَا عليهِ، فقال معاذُ بنُ جبلٍ: عندي تفسيرُها، تبدَّل في الساعةِ الواحدةِ مائةَ مرة، فقال عمرُ: هكذا سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ -.\nخرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ وابنُ مردويه.\nوخرَّجه ابنُ مردويهِ أيضًا من طريقِ نافع أبي هرمز أنبانا نافعٌ عن ابنِ عمرَ\nقال: تلا رجلٌ عندَ عمرَ هذه الآيةَ: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا)، فقال عمرُ: أعِدْه عليَّ، وثَمَّ كعب، فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ\nأنا عندِي تفسيرُ هذه الآيةِ قرأتُها قبلَ الإسلام، قالَ: فقالَ: هاتِهَا يا كعبُ، فإن جئت به كما سمعتُ من رسولِ اللَّهِ - ﷺ - صدَّقناك، وإلا لم ننظرْ إليها.\nقالَ: إني قرأتُها قبلَ الإسلامِ: «كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا)، في الساعة الواحدة عشرينَ ومائةَ مرة، فقالَ عمرُ: هكذا سمعتُ\nمن رسولِ اللهِ - ﷺ -.","vol":"1","page":341},{"text":"نافع أبو هرمزٍ ضعيفٌ جدًّا، وهو نافعُ مولى يوسفَ السلمي أيضًا، عند\nطائفةٍ من الحفاظ منهم ابن عدي، ومنهم من قال: هما اثنانِ وكلاهما\nضعيفٌ.\nوروى الربيعُ بنُ برةَ عن الفضلِ الرقاشيِّ أنَّ عمرَ سألَ كعبًا عن هذه الآيةِ\nفقالَ: إن جلَدَه يحرقُ ويجدَد في ساعةٍ أو في مقدارِ ساعةٍ مائةَ ألفِ مرةٍ.\nقال عمرُ: صدقتَ، وهذا منقطعٌ.\nوروى ثوير بن أبي فاختة - وهو ضعيفٌ - عن ابنِ عمرَ أنه قالَ في هذه\nالآية ِ: إذا أُحرقتْ جلودُهُم بُدلُوا جلودًا بيضاءَ أمثالِ القراطيس.\nخرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ.\nوخرَّج أيضًا بإسنادِهِ عن يحي بن يزيدَ الحضرميِّ أنه بلغه في هذهِ الآيةِ.\nقالَ: يجعلُ اللَّهُ للكافرِ مائةَ جلدٍ لين كلِّ جلدين لونٌ من العذابِ.\nوعن هشامٍ عن الحسنِ في هذهِ الآيةِ، قالَ: تأكلُهُم النارُ كلَّ يومٍ سبعينَ\nألفَ مرةٍ كلما أكلتهم قيلَ لهُم: عودُوا، فيعودُون كما كانوا.\nوعن الربيع بنِ أنسٍ، قالَ: مكتوبٌ في الكتابِ الأولِ أن جلدَ أحدِهِم\nأربعونَ ذراعًا، وسنَّه تسعونَ ذراعًا، وبطنَهُ لو وُضِعَ فيه جبلٌ لوسعَهُ، فإذا\nأكلتِ النارُ جلودَهُم بُدلُوا جلودًا غيرَها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَ</span>يْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)","vol":"1","page":342},{"text":"وسُئل عكرمة عن أمِّ الولدِ؟\nفقالَ: تعتقُ بموتِ سيِّدها فقيلَ لهْ بأيِّ شيء تقولُ؟\nقالَ: بالقرآنِ، قالَ: بأيِّ القرآنِ؟\nقالَ: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)، وعمرُ من أولي الأمر.\nوقال وكيعٌ: إذا اجتمع عمرُ وعليٌّ على شيء، فهو الأمرُ.\nورُوي عن ابنِ مسعودٍ أنَّه كان يحلفُ بالله: إنَّ الصراطَ المستقيمَ هو الذي\nثبتَ عليه عمرُ حتى دخلَ الجنة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>قوله تعالى: (لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً </span>وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)\nقوله تعالى: (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً) .\nقال ابنُ عباسٍ وغيرُهُ؛ القاعدونَ المفضَّلُ عليهم المجاهدونَ درجةً هم\nالقاعدونَ من أهلِ الأعذارِ، والقاعدونَ المفضَّل عليهم المجاهدون درجات هم\nالقاعدونَ من غيرِ أهلِ الأعذارِ.","vol":"1","page":343},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-63>قوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) </span>وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٠٢)\n[قالَ البخاريُّ]: وقول اللَّه ﷿: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) إلى قولِهِ: (إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا) .\nقوله تعالى: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاح أَن تَقْصُرُوا منَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) .\nقد ذكر طائفة من السلفِ أنها نزلتْ في صلاةٍ في السفرِ، لا في صلاةِ\nالسفرِ بمجردِهِ، ولهذا ذكرَ عقيبها قولَه تعالى: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ) .","vol":"1","page":344},{"text":"ثمَّ ذكر صفةَ صلاةِ الخوفِ، فكان ذلك تفسيرًا للقَصْرِ\nالمذكورِ في الآيةِ الأولى.\nوهذا هو الذي يُشير إليه البخاريُّ، وهو مَرْوي عن مُجاهد والسُّدِّيِّ\nوالضَّحَّاكِ وغيرِهِم، واختارَهُ ابنُ جريرٍ وغيرُهُ.\nوتقديرُ ذلك من وَجْهَيْنِ:\nأحدُهُما: أنَّ المراد بقصرِ الصلاةِ قصرُ أركانِها بالإيماءِ ونحوهِ، وقصرُ عددِ\nالصلاةِ إلى ركعةٍ، فأمَّا صلاة السفرِ، فإنها ركعتانِ، وهي تمامٌ غيرُ قصرٍ، كما قاله عمرُ - ﵁ -.\nورَوى سماكٌ الحنفيُّ، قالَ: سمعتُ ابنَ عمرَ، يقولُ: الركعتانِ في السفرِ\nتمامٌ غيرُ قصرٍ، إنما القصرُ صلاةُ المخافةِ.\nخرَّجه ابنُ جريرٍ وغيرُه.\nورَوى ابنُ المباركِ عن المسْعُودِيِّ، عن يزيدَ الفقِيرِ، قالَ: سمعتُ جابرَ بنَ\nعبدِ اللَّهِ يُسألُ عن الركعتينِ في السفرِ، أقصْرٌ هُما؟\nقال: إنَّما القصرُ ركعةٌ عند القتال، وإن الركعتينِ في السفرِ ليستا بقصرٍ.\nوخرَّج الجوزَجانيُّ من طريقِ زائدةَ بنِ عُميرٍ الطَّائيِّ، أنه سأل ابنَ عباسٍ\nعن تقصيرِ الصلاةِ في السفرِ، قال: إنها ليستْ بتقصير، هما ركعتانِ من حين\nتخرجُ من أهلِكَ إلى أن ترجعَ إليهم.","vol":"1","page":345},{"text":"وخرَّج الإمامُ أحمد بإسنادٍ منقطع، عن ابنِ عباسٍ، قالَ: صلَّى\nرسولُ اللَّهِ - ﷺ - ركعتينِ ركعتينِ، وحين أقامَ أربعًا أربعًا، وقال ابن عباسٍ: فمن صلَّى في السفرِ أربعًا كمن صلَّى في الحضرِ ركعتينِ. وقال ابنُ عباسٍ.\nلم تُقصر الصلاةُ إلا مرَّةً واحدةً حيثُ صلَّى رسولُ اللهِ - ﷺ - ركعتنِ، وصلَّى الناسُ ركعةً واحدةً.\nيعني: في الخوفِ.\nوروى وكِيع، عن سفيانَ، عن سالمٍ الأفْطسِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قالَ:\nصلَّى رسولُ اللهِ - ﷺ - صلاةَ الخوفِ ركعةً ركعةً.\nقال سعيد: كيف تكون مقصورةً وهما ركعتانِ.\nوالوجهُ الثاني: أن القصرَ المذكورَ في هذهِ الآيةِ مطلق، يدخلُ فيه قصرُ\nالعددِ، وقصرُ الأركانِ، ومجموعُ ذلك يختصُّ بحالةِ الخوفِ في السفرِ، فأمَّا\nإذا انفردَ أحدُ الأمرينِ - وهو السفرُ أو الخوف - فإنه يختصّ بأحدِ نوعي\nالقصرِ، فانفرادُ السفرِ يختصُّ بقصرِ العددِ، وانفرادُ الخوفِ يختصُّ بقصرِ\nالأركانِ.\nلكنْ هذا مما لم يُفهم من ظاهرِ القرآنِ، وإنما بيَّن دلالته عليه رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، والآيةُ لا تنافيه، وإن كانَ ظاهرُها لا يدلُّ عليه، والله ﷾ أعلمُ.\nوقيلَ: إنَّ قولَه: (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تقصُروا مِنَ الصَّلاةِ)","vol":"1","page":346},{"text":"نزلتْ بسببِ القصر في السفرِ من غيرِ خوفٍ، وأنَّ بقيةَ\nالآية ِ مع الآيتينِ بعدَها نزلتْ بسببِ صلاةِ الخوفِ.\nرُوي ذلك عن عليٍّ - ﵁ -.\nخرَّجه ابنُ جريرٍ عنه، بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا، لا يصحُّ.\nواللَّه ﷾ أعلمُ.\nوقد رُوي ما يدلُّ على أنَّ الآيةَ الأُولى المذكورَ فيها قصرُ الصلاةِ إنما نزلتْ\nفي صلاةِ الخوفِ.\nفروى منصورٌ، عن مجاهدٍ، عن أبي عيَّاشٍ الزرقي، قالما: كنا مع\nرسولِ اللَّهِ - ﷺ - بعُسْفان - وعلى المشركينَ خالدُ بنُ الوليدِ - فصلَّيْنا الظهرَ، فقال المشركونَ: لقد أصبْنا غِرَّةً، لقد أصبْنَا غفْلةً، لو كنا حمَلْنا عليهم وهُم في الصلاةِ، فنزلتْ آيةُ القصرِ بينَ الظهرِ والعصرِ، فلما حضرتِ العصرُ قامَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - مستقبلَ القبلةِ، والمشركونَ أمامَه، فصفَّ خلفَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -.\nصفٌّ، وصف بعد ذلك الصفِّ صفٌّ آخر، فركعَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وركعُوا جميعًا، ثم سجدُوا وسجدَ الصفُّ الذين يلُونَه، وقام الآخرونَ يحرسونَهم، فلما صلَّى هؤلاءِ سجدتينِ وقاموا، سجدَ الآخرونَ الذين كانوا خلفَه، ثم تأخَّر الصفُّ الذي يليه إلى مقامِ الآخرينَ، وتقدَّمَ الصفُّ الآخرُ إلى مقامِ الصفِّ الأولِ، ثم ركعَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وركعُوا جميعًا، ثم سجدَ وسجدَ الصفُّ الذي يليه، وقام الآخرونَ يحرسونَهم، فلما جلسَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - والصفُّ الذي يليه سجدَ الآخرونَ، ثم جلَسُوا جميعًا فسلَّم عليهم","vol":"1","page":347},{"text":"جميعًا، فصلاَّها بعُسْفان، وصلاَّها يومَ بني سُلَيْم.\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ - وهذا لفظُه - والنسائيُّ وابنُ حبانَ في\n\" صحيحِه \" والحاكم، وقال: على شرطِهما.\nوفي رواية للنسائيِّ وابنِ حبان، عن مجاهدٍ: نا أبو عيَّاشٍ الزرقيُّ.\nقالَ: كُنَّا مع رسولِ اللَّهِ - ﷺ -. . . فذكرَهُ.\nورَدَّ ابنُ حبانَ بذلك على من زعَمَ: أن مجاهدًا لم يسمعْه من أبي عيَّاشٍ.\nوأن أبا عياش لا صُحبة له.\nكأنه يشيرُ إلى ما نقله الترمذيُّ في \"عللِهِ \" عن البخاريِّ، أنه قالَ: كلّ\nالرواياتِ عندي صحيحٌ في صلاةِ الخوفِ، إلا حديثُ مجاهدِ عن أبي\nعياش الزرقيِّ، فإني أراه مرسلًا.\nوابن حبانَ لم يَفهْم ما أرادَه البخاريُّ، فإنَّ البخاريَّ لم ينكرْ أن يكونَ أبو\nعيَّاشٍ له صحبة، وقد عَدَّة في \"تاريخه \" من الصحابةِ، ولا أنكرَ سماعَ\nمجاهدٍ من أبي عيَّاشٍ، وإنَّما مرادُه: أن هذا الحديثَ الصوابُ: عن مجاهدٍ\nإرسالُهُ عن النبيِّ - ﷺ - من غيرِ ذكرِ أبي عياشٍ، كذلك رواهُ أصحابُ مجاهدٍ، عنهُ بخلافِ روايةِ منصورٍ، عنه، فرواهُ عكرمةُ بنُ خالدٍ وعُمر بن ذَرٍّ وأيوبُ ابنُ موسى ثلاثتُهم عن مجاهدٍ، عن النبيِّ - ﷺ - مرسلًا من غيرِ ذكرِ أبي عياشٍ.","vol":"1","page":348},{"text":"وهذا أصحّ عند البخاريِّ، وكذلكَ صحَّح إرسالَهُ عبدُ العزيز النخشبيُّ\nوغيرُهُ من الحفاظِ.\nوأما أبو حاتمٍ الرازيُّ، فإنَّه قال - في حديثِ منصور، عن مجاهدٍ، عن\nأبي عياشٍ -: إنه صحيحٌ، قيل له: فهذه الزيادةُ \"فنزلتْ آيةُ القصرِ بينَ\nالظهرِ والعصرِ\" محفوظة هي؛ قالَ: نعم.\nوقال الإمامُ أحمدُ: كُلُّ حديثٍ رُوي في صلاةِ الخوفِ فهو صحيحٌ.\nوقد جاءَ في روايةٍ: فنزلتْ: (وَإِذَا كنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) .\nوهذا لا ينافي روايةَ: \"فنزلتْ آيةُ القصرِ\" بل تبيَّن أنه لم تنزل آيةُ القصرِ\nبانفرادِها في هذا اليومِ، بل نزل معها الآيتانِ بعدَها في صلاةِ الخوفِ.\nوهذا كلّه مما يشهد بأن آية القَصْرِ أُريدَ بها قصْرُ الخوفِ في السفرِ، وإنْ\nدلَّت على قصرِ السفرِ بغيرِ خوفٍ بوَجْهٍ من الدلالةِ، واللَّهُ ﷾\nأعلمُ.\n[قالَ البخاريُّ]: نا أبو اليمانِ: ثنا شُعيْب عن الزُّهريِّ، قالَ: سألتُهُ:\nهلْ صلَّى النبيُّ - ﷺ - صلاةَ الخوفِ؟\nفقالَ: أخبرني سالمٌ أنَّ عبدَ اللَّه بنَ عُمرَ.\nقالَ: غزوتُ معَ رسول اللهِ - ﷺ - قبلَ نَجْدٍ، فوازَيْنا العدُوَّ، فصاففنا لهُم، فقام رسول اللَّهِ - ﷺ - يُصلِّي لنا، فقامتْ طائفةٌ معَهُ وأقْبلتْ طائفة على العدوِّ، وركعَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بمن معَهُ وسجدَ سجْدتيْنِ، ثمَّ انصرفُوا مكانَ الطائفة\nالتي لم تُصَلِّ، فجاءُوا فركعَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بهم ركعةً وسجدَ سجْدتينِ، ثم سلَّمَ، فقامَ كُل واحدٍ منهم فركعَ لنفْسِهِ ركعة وسجدَ سجدتينِ \".","vol":"1","page":349},{"text":"وخرَّجه في موضع آخرَ من روايةِ معمرٍ.\nوخرَّجه مسلمٌ من روايةِ معمرٍ وفُلَيْح كلاهُما، عن الزهريِّ، به - بمعناه.\nوقد رُوي عن حُذيفةَ نحوُ روايةِ ابنِ عمرَ - أيضًا.\nخرَّجه الطبرانيُّ من روايةِ حكَّام بنِ سلْم، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن\nقتادةَ، عن أبي العاليةِ، قالَ: صلَّى بَنا أبو موسى الأشْعريُّ بأصبهانَ صلاةَ\nالخوفِ، وما كانَ كبيرُ خوْفٍ؛ ليريَنا صلاةَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - فقام فكبَّرَ، وكبَّرَ معه طائفة من القومِ، وطائفة بإزاء العدوِّ، فصلَّى بهم ركعة فانصرفوا، وقامُوا مقامَ إخوانِهِم، فجاءت الطائفةُ الأخرى فصلَّى بهم ركعةً أخرى، ثم سلَّمَ، فصلَّى كل واحدٍ منهمُ الركعةَ الثانية وُحْدَانًا.\nورواه سعيدُ بنُ أبي عَروبةَ، عن قتادةَ، عن أبي العاليةِ، أنَّ أبا موسى كان\nبالدارِ من أرضِ أصبهانَ، وما بها كَبيرُ خوفٍ، ولكن أحب أن يعلِّمهم دينَهم\nوسنةَ نبيِّهم، فجعلَهم صفَّينِ: طائفةً معها السلاحُ مُقْبِلةً على عدوِّها، وطائفةً من ورائهَا، فصلَّى بالذين بإزائِه ركعةً، ثم نكصُوا على أدبارِهم حتى قامُوا مقامَ الأخرَى، وجاءُوا يتخفَلونَهم حتى قاموا وراءَه فصلَّى بهم ركعةً أخرَى، ثم سلَّم، فقام الذين يلونَه والآخرونَ فصلَّوا ركعةً ركعةً، ثم سلَّم بعضُهم على بعضٍ، فتمَّتْ للإمامِ ركعتانِ في جماعةٍ، وللناسِ ركعةٌ ركعة.","vol":"1","page":350},{"text":"يعني: في جماعةٍ.\nخرَّجه ابنُ أبي شيبة، وعنه بقيُّ بنُ مَخْلدٍ في \"مسندهِ \".\nوهو إسنادٌ جيدٌ.\nوهو في حكمُ المرفوع، لما ذكر فيه من تعليمِهم بسُنةِ نبيِّهم.\nورواه أبو داود الطيالسيُّ، عن أبي حُرَّةَ، عن الحسنِ، عن أبي موسى، أنَّ\nرسولَ اللَّهِ - ﷺ - صلَّى بأصحابهِ - فذكرَ نحوَه، وفيه زيادةٌ على حديثِ ابنِ عُمرَ: أنَّ الطائفة الأولى لما صلَّت ركعة وذهبتْ لم تستدبر القبلةَ، بل نَكَصَتْ على أدبارِها.\nورُويَ - أيضًا - عن ابنِ مسعود، عن النبي - ﷺ - ذلك، من روايةِ خُصَيفٍ، عن أبي عُبيدةَ، عن عبدِ اللَّهِ، قالَ: صلَّى بنا رسول اللَّهِ - ﷺ - صلاةَ الخوفِ، فقامُوا صفَّين، فقامَ صفٌّ خلفَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، وصفٌّ مُستقبلَ العدوِّ، فصلَّى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بالصفِّ الذين يلُونَه ركعةً، ثم قامُوا\nفذهبُوا، فقامُوا مقامَ أولئك مستقبلي العدوِّ، وجاءُوا أولئك فقامُوا مقامَهم.\nفصلَّى بهم رسولُ اللَّهِ - ﷺ - ركعةً، ثم سلَّم، ثم قامُوا فصلَّوا لأنفسِهِم ركعةً، ثم سلَّموا ثم ذهبُوا، فقامُوا مقامَ أولئك مستقبلي العدوِّ، ورجع أولئك إلى مقامِهِم، فصلَّوْا لأنفسهِمِ ركعةً ثم سلَّموا.\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ - وهذا لفظُه - وأبو داودَ - بمعناه.\nوخُصَيفٌ، مختلَفٌ في أمر، وأبو عُبيدةَ لم يسمعْ من أبيهِ، لكن","vol":"1","page":351},{"text":"رواياتُه عنه أخذَها عن أهلِ بيتِه، فهي صحيحة عندهم.\nوهذه الصفةُ توافقُ حديثَ ابنِ عمرَ وحذيفةَ، إلا في تقدُّمِ الطائفةِ الثانيةِ\nبقضاءِ ركعةٍ، وذَهابهم إلى مقامِ أولئك مستقبلي العدوِّ، ثم مجيءِ الطائفة\nالأولَى إلى مقامِهم فقضوْا ركعةً.\nوحديثُ ابنِ عمرَ وحذيفةَ فيهما: قيامُ الطائفتينِ يقضُون لأنفسِهِم.\nوظاهرُهُ: أنهم قامُوا جملةً وقضَوْا ركعة ركعةً وُحْدَانًا.\nوقد رواه جماعة، عن حصيف، عن أبي عُبيدةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وزادُوا\nفيه: أنَّ النبي - ﷺ - كبَّر وكبَّر الصفاَّنَ معه جميعًا.\nوقد خَرَّجه كذلك الإمامُ أحمدُ وأبو داود.\nوزاد الإمامُ أحمدُ: \"وهمْ في صلاةٍ كلُّهم \".\nواختلفَ العلماءُ في صلاةِ الخوفِ على الصفةِ المذكورةِ في حديثِ ابنِ\nعُمرَ وما وافقَهُ:\nفذهبَ الأكثرونَ إلى أنها جائزة وحسنة، وإن كان غيرُها أفضلَ منها، هذا\nقولُ الشافعيِّ - في أصحِّ قوليه - وأحمدَ وإسحاقَ وغيرِهم.\nوقالت طائفةٌ: هي غيرُ جائزة على هذه الصفةِ، لكثرةِ ما فيه من الأعمالِ\nالمباينةِ للصلاةِ من استدبارِ القبلةِ والمشىِ الكثيرِ، والتخلُّفِ عن الإمامِ، وادَّعَوا أنها منسوخة، وهو أحدُ القولينِ للشافعيِّ.\nودعوى النسخ ها هنا لا دليلَ عليها.","vol":"1","page":352},{"text":"وقالتْ طائفة: هي جائزةٌ كغيرِها من أنواع صلاةِ الخوفِ الواردةِ عن النبيِّ\n- ﷺ -، لا فضلَ لبعضِها على بعضٍ، وهو قولُ إسحاقَ -: نقله عنه ابن ُمنصورٍ.\nونقلَ حرب عن إسحاقَ، أن حديثَ ابنِ عمرَ وابنِ مسعودٍ يعملُ به إذا\nكانَ العدوُّ في غير جهةِ القبلةِ.\nوكذلك حكى بعضُ أصحابِ سفيانَ كلامَ سفيانَ في العملِ بحديثِ ابنِ\nعُمرَ على ذلك.\nوقالتْ طائفة: هي أفضلُ أنواع صلاةِ الخوفِ، هذا قولُ النخعيِّ، وأهلِ\nالكوفةِ وأبي حنيفةَ، وأصحابِهِ، ورواية عن سفيانَ، وحكيَ عن الأوزاعيِّ\nوأشهبَ المالكيِّ.\nوروى نافع، أنَ ابنَ عمرَ كان يعلِّم الناسَ صلاةَ الخوفِ على هذا الوجهِ.\nوحُكِي عن الحسنِ بنِ صالح، أنه ذهبَ إلى حديثِ ابنِ مسعودٍ، وفيه: أن\nالطائفةَ الثانيةَ تصلِّي مع الإمامِ الركعةَ الثانيةَ، ثم إذا سلَّم قضتْ ركعةً، ثم\nذهبتْ إلى مكانِ الطائفةِ الأولى، ثم قضت الطائفةُ الأولَى ركعةً، تم تسلِّمُ.\nوقد قيلَ: إنَّ هذا هو قولُ أشهبَ.\nوحكَى ابنُ عبدِ البر، عن أحمدَ، أنَّه ذهبَ إلى هذا - أيضًا.\nوقال بعضُ أصحابِنا: هو أحسنُ من الصلاةِ على حديثِ ابنِ عمر\" لأنَّ\nصلاةَ الطائفةِ الثانيةِ خلتْ عن مفسدٍ بالكليةِ.","vol":"1","page":353},{"text":"وحُكي عن أبي يوسفَ ومحمدٍ والحسنِ بن زيادٍ والمزَنيِّ: أنَّ صلاةَ الخوفِ\nلا تجوز بعد النبيِّ - ﷺ -، لظاهرِ قولِ اللَّهِ تعالى: (وَإِذَا كنتَ فِيهِم فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ منْهُم مَّعَكَ) الآية.\nقالُوا: وإنَّما يصلِّي الناسُ صلاةَ الخوفِ بعدَهُ بإمامين، كلُّ إمامٍ يصلي\nبطائفةٍ صلاةً تامةً، ويسلِّم بهم.\nوهذا مردودٌ بإجماع الصحابةِ على صلاتِها في حروبِهم بعدَ النبيِّ - ﷺ -، وقد صلاَّها بعدَهُ: عليٌّ بنُ أبي طالبٍ، وحذيفةُ بنُ اليمانِ، وأبو موسى الأشعريُّ، مع حضورِ غيرِهم من الصحابةِ، ولم ينكرْه أحدٌ منهم.\nوكان ابنُ عمرَ وغيرُه يعلِّمون الناسَ صلاةَ الخوفِ، وجابرٌ، وابنُ عباس\nوغيرُهما يروونها للناس تعليمًا لهم، ولم يقل أحدٌ منهم: إن ذلك من\nخصائصِ النبيِّ - ﷺ -.\nوخطابُه - ﷺ - لا يمنعُ مشاركةَ أُمَّتِه له في الأحكام، كما في قوله تعالى: (يَا أَيهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) .\nوقوله. (خُذ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) .\nوحُكي عن مالكٍ، أنها تجوزُ في السفرِ دون الحضرِ، وهو قول عبدِ الملكِ\nابنِ الماجشونِ من أصحابِهِ.\nويحتجُّ له بحملِ آيةِ القصرِ على صلاةِ الخوفِ، وقد شُرط لها شرطانِ:\nالسفرُ والخوفُ، كما سبقَ، ولأنَّ النبيَّ - ﷺ - إنَّما كان يصلِّي صلاةَ الخوفِ في","vol":"1","page":354},{"text":"أسفارِهِ، ولم يصلِّها في الحضرِ مع أنه حُوصرَ بالمدينةِ عامَ الخندقِ، وطالتْ\nمدةُ الحصارِ، واشتدَّ الخوفُ، ولم يصلِّ فيها صلاةَ الخوفِ.\nوقد قيلَ: إنَّ صلاةَ الخوفِ إنَّما شُرعتْ بعدَ غزوةِ الأحزاب في السنةِ\nالسابعةِ.\nوقد ذكرَ البخاريُّ في \"المغازي \" من \"كتابِهِ \" هذا - تعليقًا - من حديثِ\nعِمرانَ القطَّانِ، عن يحيى بن أبي كَثيرٍ، عن أبي سلمةَ، عن جابرٍ، قال:\nصلَّى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بأصحابِهِ في الخوفِ في غزوةِ السابعةِ: غزوةِ ذاتِ الرقاع.\nوخرَّجه الإمامُ أحمد من روايةِ ابنِ لهيعةَ، عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ.\nقالَ: غزَا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - سِتَّ مِرَارٍ قبلَ صلاةِ الخوفِ، وكانتْ صلاةُ الخوفِ في السابعةِ.\nوقد تقدَّمَ في حديثِ أبي عيَّاشٍ، أنَّ أولَ صلاةِ الخوفِ كانت بعُسْفانَ.\nوعلى المشركين خالدٌ.\nوقد روى الواقديُّ بإسنادٍ له، عن خالدِ بنِ الوليدِ، أنَّ ذلك كان في\nمخْرج النبيِّ - ﷺ - إلى عُمرةِ الحديبيةِ.\nوقد تقدَّمَ أنَّ أبا موسى صلَّى بأصبهَانَ هذه الصلاةَ، ولم يكن \" هناك كبيرُ\nخوفٍ، وإنَّما صلَّى بهم ليعلِّمَهم سنةَ صلاةِ الخوفِ.\nوهذا قد يحملُ على أن كانَ ثمَّ خوفٌ يُبيحُ هذه الصلاةَ، ولم يكن وُجد","vol":"1","page":355},{"text":"خوفٌ شديدٌ يبيحُ الصلاةَ بالإيماءِ.\nوقد قالَ أصحابُنا وأصحابُ الشافعيّ: لو صلَّى صلاةَ الخوفِ على ما في\nحديثِ ابنِ عُمرَ في غيرِ خوف لم تصح صلاةُ المأمومين كلهم؛ لإتيانِهِم بما لا\nتصحُّ معه الصلاةُ في غيرِ حالةِ الخوفِ من المشي والتخلّفِ عن الإمامِ.\nفأما الإمامُ، فلأصحابِنا في صلاتِهِ وجهانِ، بناءً على أنَّ الإمامَ إذا بَطَلَتْ\nصلاةُ منْ خلفَه، فهل تبطلُ صلاتُهُ لنيته الإمامةَ وهو منفردٌ، أو يتمُّها منفردًا\nوتصحُّ؛ وفيه وجهان للأصحابِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>قوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)</span>\n[قالَ البخاريُّ]: وقولُ الله ﷿: (إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ علَى الْمُؤْمِنِينَ\nكتَابًا مَّوْقُوتًا)، مُوَقَتَا، وَقًّتَهُ علَيْهِم.\nأمَّا \"الكتابُ \" فالمرادُ به: الفرْضُ ولم يُذْكَر في القرآن لفظُ الكتاب وما\nتصرَّف منه إلا فيما هو لازِم: إمَّا شرعًا، مثل قوله: (كُتِبَ عَلَيْكمْ الصِّيَامُ)\n، (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ)، وقوله: (كتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) .\nوإمَّا قدرًا، نحو قوله: (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَن أَنَا وَرُسُلِي) .\nوقوله: (وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ) .","vol":"1","page":356},{"text":"وأما قوله: (مَوْقُوتًا) ففيه قولان:\nأحدهما: أنه بمعنى المؤقَتِ في أوقات معلومة، وهو قولُ ابنِ مسعودٍ\nوقتادةَ وزيد بن أسلمَ، وهو الذي ذكره البخاريّ هنا، ورجَّحه ابنُ قُتيبةَ وغيرُ واحدٍ.\nقال قتادةُ في تفسيرِ هذهِ الآيةِ: قال ابنُ مسعود: إنَّ للصلاةِ وقتًا كوقتِ\nالحجَ.\nوقال زيدُ بنُ أسلمَ: مُنجَّمًا، كلما مضى نَجْمٌ جاء نَجْمٌ، يقول: كلما\nمضى وقت جاء وقت.\nوقالتْ طائفةٌ: معنى (مَوْقُوتًا): مفروضًا أو واجبًا: قاله\nمجاهدٌ والحسنُ وغيرُهُما.\nورَوَى عليّ بن أبي طلحة، عن ابنِ عباس، قال: يعني: مفروضًا.\nوتأوَّل بعضُهم الفرضَ هنا على التقدير، فرَجعَ المعنى حينئذٍ إلى تقديرِ\nأعدادِها ومواقيتِها، واللَّهُ أعلمُ.\nوقال الشافعيّ: الموقوتُ - واللَّهُ أعلمُ -: الوقتُ الذي تُصلَّى فيه\nوعددُها.","vol":"1","page":357},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-65>قوله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)</span>\nوقوله: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)\nفنَفَى الخيرَ عن كثيرٍ مما يتناجى به الناسُ إلا في الأمرِ بالمعروفِ، وخصَّ\nمن أفرادِهِ الصَّدقةَ والإصلاحَ بينَ الناسِ لعمومِ نفعِهِما، فدلَّ ذلكَ على أنَّ\nالتناجِي بذلكَ خير، وأمَّا الثوابُ عليه مِنَ اللَّهِ، فخصَّه بمنْ فعله ابتغاءَ\nمرضاتِ اللَّهِ.\nوإنَّما جعلَ الأمرَ بالمعروفِ مِنَ الصَّدقة والإصلاح بينَ الناسِ وغيرِهما\nخيرًا، وإنْ لم يُبْتَغَ به وجهُ اللَّهِ، لما يترَتَّبُ على ذلكَ منَ النَّفعْ المُتعدِّي.\nفيَحْصُلُ به للناسِ إحسانٌ وخيرٌ، وأمَّا بالنسبةِ إلى الأمرِ، فإن قَصَدَ به وجْهَ\nاللهِ، وابتغاءَ مرضاتِهِ، كان خيرًا له وأُثِيبَ عليه، وإنْ لم يقصدْ ذلك، لم\nيكن خيرًا له، ولا ثوابَ له عليه.\nوهذا بخلافِ من صامَ وصلَّى وذكرَ اللَّهَ، يَقصدُ بذلك عَرَضَ الدنيا، فإنَّه\nلا خيرَ له فيه بالكُليّة، لأنَّه لا نفعَ في ذلكَ لصاحبِهِ، لما يترتَّب عليه من\nالإثم فيهِ، ولا لغير؛ لأنَّه لا يتعدَّى نفعُه إلى أحدٍ، اللَّهُمَّ إلا أنْ يحصُلَ\nلأحدٍ به اقتداء في ذلك.\n* * *","vol":"1","page":358},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-66>قوله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)</span>\nوخرَّج الترمذيُّ من حديثِ عائشةَ أنها سألتِ النبيَّ - ﷺ - عن قولِهِ تعالى: (وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ) .\nوعن قولِهِ: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ)، فقال: \"هذه معاتبةُ اللَّهِ العبدَ بما\nيصيبُه من الحمَّى، والنكبةِ، حتى البضاعةِ يضعها في جيبِ قميصِه، فيفقدُها، فيفزعُ لذلك، حتَّى إنَّ العبدَ ليخرجَ من ذنوبِهِ، كما يخرجُ التَبْر الأحمرُ من الكِيرِ\".\nوقال: حسنٌ غريب.\n* * *\nوفي الترمذي عن أبي بكرٍ الصديقِ أنه كانَ عندَ النبيِّ - ﷺ - فقرأ هذه الآيةَ حين أنزلتْ: (مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) .\nقالَ: ولا أعلم إلا أنِّي وجدتُ في ظهري انفصامًا، فتمطأتُ لَهَا.\nوقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، وأيُّنا لم يعملْ سوءًا؟ أو إنَّا لمجزيون بما عملْنَا؟\nفقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"أمَّا أنت يا أبا بكرٍ والمؤمنونَ، فتجزونَ بذلكَ في الدُّنيا، حتى تلقوا اللَّهَ وليس لكم ذنب وأمَّا الآخرونَ\nفيجمعُ ذلك لهم حتَّى يُجزوا به يومَ القيامةِ\".\nوفي \"مسندِ بقيِّ بن مَخْلَدٍ\" بإسنادٍ جيدٍ - عن عائشةَ أنَّ رجلًا تلا هذه\nالآية: (مَن يَعْمَلْ سوءًا يجْزَ بِهِ)، فقالَ: إنا لَنُجْزَى بكلِّ عملٍ\nعملنا؛ هلكنا إذًا! فبلغَ ذلكَ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - فقالَ: \"نعم، يُجزى به المؤمنُ في","vol":"1","page":359},{"text":"الدنيا، في نقسِهِ، في جسدِهِ فما دونَهُ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>قوله تعالى: (وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١)</span>\nحقُّ اللَّهِ على عبادِهِ أن يتَقُوهَ حقَّ تقاتِه، والتَّقوى وصيةُ اللهِ للأولينَ\nوالآخرينَ، قالَ تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) .\nوأصلُ التقوى: أن يجعل العبدُ بينه وبينَ ما يخافُهُ ويحذرُهُ وقايةً تقيهِ منه.\nفتقوى العبدِ لربِّه أن يجعلَ بينَه وبينَ ما يخشاهُ من رّبه من غضبِهِ وسخطِهِ\nوعقابِهِ وقايةً تقيه من ذلك، وهو فعلُ طاعتِهِ واجتنابُ معاصيهِ.\nوتارةً تُضافُ التقوى إلى اسم اللهِ ﷿، كقولِهِ تعالى: (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ)، وقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) .\nفإذا أضيفت التقوى إليه ﷾، فالمعنى: اتقوا سخطَهُ وغضبَهُ.\nوهو أعظمُ ما يُتَّقَى، وعن ذلكَ ينشأ عقابُهُ الدنيويُّ والأخرويُّ.\nقال تعالى: (وَيُحَذِّرُكمُ اللَّهُ نَفْسَهُ)\nوقال تعالى: (هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ)، فهوَ","vol":"1","page":360},{"text":"سبحانَهُ أهلٌ أن يُخشى ويُهابَ، ويُجلَّ ويُعَظَّمَ في صدورِ عبادِهِ حتَّى يعبدوُهُ\nويُطيعوهُ، لما يستحقُّه من الإجلالِ والإكرامِ، وصفاتِ الكبرياءِ والعظمةِ وقوَّة البطشِ، وشدَّةِ البأسِ.\nوفي الترمذيِّ عن أنس عن النبيِّ - ﷺ - في هذهِ الآيةِ: (هُوَ أَهْلُ التَّقوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ)، قال: \"قال اللَّهُ تعالى: أنا أهلٌ أنْ أُتَّقى، فمنْ اتقاني فلم يَجْعَل معِي إلهًا آخرَ، فأنا أهْل أن أغْفِرَ له \".\nوتارةً تُضافُ التقوى إلى عقابِ اللَّهِ وإلى مكانِهِ، كالنارِ، أو إلى زمانِه.\nكيومِ القيامةِ، كما قالَ تعالى: (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) .\nوقال تعالى: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ\nلِلْكَافِرِينَ)، وقال تعالى: (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللَّهِ) .\n(وَاتَّقُوا يَومًا لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا) .\nويدخلُ في التقوى الكاملةِ فعلُ الواجباتِ وتركُ المحرَّماتِ والشبهاتِ.\nوربما دخلَ فيها بعدَ ذلكَ فعلُ المندوباتِ، وتركُ المكروهاتِ، وهيَ أعْلى\nدرجاتِ التَّقوى، قالَ اللَّهُ تعالى: (الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) .\nوقال تعالى: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) .","vol":"1","page":361},{"text":"قال مُعُاذُ بنُ جبلٍ: يُنادَى يومَ القيامةِ: أين المتقونَ؟ فيقومون في كَنَفٍ من\nالرحمنِ لا يحتجِبُ منهُم ولا يستترُ، قالُوا لَهُ: مَن المتَّقونَ؟\nقال: قومٌ اتَّقوا الشِّركَ وعبادةَ الأوثانِ، وأخلصُوا للَّهِ بالعبادةِ.\nوقالَ ابنٍ عباسٍ: المتَقونَ الذين يحْذَرون من اللَهِ عقوبتَه في تركِ ما يعرِفُون\nمن الهُدى، ويَرجونَ رحمته في التصديقِ بما جاء به.\nوقال الحسنُ: المتقونَ اتَّقَوْا ما حُرِّم عليهِم، وأدَوا ما افْتُرِص عليهم.\nوقال عُمرُ بنُ عبد العزيزِ: ليسَ تقوى اللَهِ بصيامِ النهارِ، ولا بصيامِ الليلِ.\nوالتخليطِ فيما بيْنَ ذلكَ، ولكن تقوى اللَّهِ تركُ ما حرَّم اللَّهُ، وأداءُ ما افترضَ اللَّه، فمن رُزِقَ بعدَ ذلك خيرًا، فهو خيرٌ إلى خيرٍ.\nوقال طلقُ بن حبيبٍ: التَّقوى أن تعملَ بطاعة اللَّهِ على نورٍ من اللَّهِ ترجُو\nثوابَ اللَّه، وأن تتركَ معصيةَ اللَّهِ على نورٍ من اللهِ تخافُ عقابَ اللهِ.\nوعن أبي الدرداءِ قالَ: تمامُ التقوى أن يتقيَ اللَّهَ العبدُ حتى يتقيَة من مثقال\nذرَّه، حتى يترك بعضَ ما يرى أنه حلالٌ خشيةَ أن يكونَ حرامًا يكونَ حجابًا\nبينه وبين الحرامِ، فإنَّ اللَهَ قد بيَّنَ للعبادِ الذي يُصيرِهم إليه فقال:\n(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) .\nفلا تحقرنَّ شيئًا من الخيرِ أن تفعلَهُ، ولا شيئًا من الشرِّ أن تتقيَهُ.\nوقال الحسنُ: ما زالتِ التَّقوى بالمتقينَ حتَّى تركُوا كثيرًا من الحلالِ مخافةَ\nالحرامَ.\nوقال الثوريُّ: إنَّما سُمُّوا متقينَ، لأنهم اتقوْا ما لا يُتَّقَى.\nوقال موسى بنُ أعْينَ: المتقونَ تنزَّهوا عن أشياءَ من الحلالِ مخافةَ أن يقعُوا","vol":"1","page":362},{"text":"في الحرامِ، فسماهُم اللَّهُ متقينَ.\nوقد سبقَ حديثُ: \"لا يبلغُ العبدُ أن يكونَ من المتقينَ حتَى يدعَ ما لا بأسَ به حذرًا مما به بأس \".\nوحديث: \"من اتَقى الشبهاتِ استبرأ لِدِينِهِ وعِرْضِهِ \".\nوقال ميمونُ بنُ مِهرانُ: المُتَّقي أشدُّ محاسبةً لنفسِهِ، من الشريكِ الشحيح\nلشريكه.\nوقال ابنُ مسعودٍ في قولِهِ تعالى: (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) .\nقال: أن يُطاعَ، فلا يُعصَى، ويُذكرُ فلا يُنْسَى، وأن يُشكرَ، فلا يُكفر.\nوخرَّجه الحاكمُ مرفوعًا، والموقوفُ أصحُّ، وشكرُه يدخلُ شيه جميعُ\nفعلِ الطاعاتِ.\nومعنى \"ذكره فلا يُنْسى\": ذكرُ العبدِ بقلبِهِ لأوامرِ اللَّهِ في حركاتِهِ وسكناتِهِ\nوكلماتِهِ فيمتثلها، ولنواهِيهِ في ذلكَ كلِّه فيجتنبهَا.\nوقد يغلِبُ استعمالُ التقوى على اجتنابِ المحرَّماتِ، كما قالَ أبو هريرةَ\nوسئلَ عن التَّقوى، فقالَ: هلْ أخذتَ طريقًا ذا شوْك؟\nقالَ: نعم، قالَ: فكيف صنعتَ؟\nقالَ: إذا رأيتُ الشوكَ عدلتُ عنه، أو جاوزتُه، أو قصرتُ\nعنه، قال: ذاك التَّقوى.\nوأخذ هذا المعنى ابنُ المعتز فقال:\nخلِّ الذنُوب صَغيرَها. . . وكبيرَها فهوَ التُّقَى","vol":"1","page":363},{"text":"واصْنَع كماشٍ فَوْقَ أرْ. . . ضِ الشَّوْكِ يحْذَرُ ما يرَى\nلا تحْقِرَنَ صغيرةً. . . إن الجبالَ من الحَصَى\nوأصلُ التَّقوى: أن يعلمَ العبدُ ما يُتَّقى ثم يتَّقِي.\nقال عونُ بن عبدِ اللَّهِ:\nتمامُ التقوى أن تبتغيَ علمَ ما لم تعلمْ منها إلى ما علمتَ منها.\nوذكر معروفٌ الكرخيُّ عن بكر بن خُنيسٍ، قال: كيف يكون متقيًا من لا\nيدري ما يَتَّقي؟\nثم قال معروفٌ: إذا كنتَ لا تحسنُ تتقي أكلتَ الرِّبا، وإذا\nكنتَ لا تُحسن تتقي لقيتك امرأةٌ فلم تَغُضَّ بصرَك، وإذا كنتَ لا تحسنُ تتقي وضعتَ سيفَكَ على عاتقِكَ.\nوقد قالَ النبي - ﷺ - لمحمدِ بنِ مسلمةَ:\n\"إذا رأيتَ أُمَّتي قد اختلفَتْ، فاعمدْ إلى سيفِكَ فاضْرِبْ به أُحُدًا\".\nثم قال معروفٌ: ومجلسِي هذا لعلَّهُ كان ينبغي لنا أن نتَّقيَه، ثم قالَ:\nومجيئكم معِي من المسجدِ إلى هَاهُنا كان ينبغِي لنا أن نتقيَهُ، أليس جاءَ في\nالحديثِ: \"إنه فتنة للِمَتْبُوع، مذلةٌ للتابع \".\nيعني: مشيَ الناسِ خلفَ الرجلِ.\nوفي الجملةِ، فالتقوى هي وصيةُ اللَّهِ لجميع خلْقِهِ، ووصيةُ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - لأمتِهِ، وكانَ - ﷺ - إذا بَعَثَ أميرًا على سَرِيَّةٍ أوصاهُ في خاصةِ نفسهِ بتقوى اللَّهِ، وبمن معهُ من المسلمينَ خيرًا.","vol":"1","page":364},{"text":"ولما خطبَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - في حَجَّةِ الوداع يومَ النَّحرِ وصَّى الناسَ بتقوى اللَّهِ وبالسمع والطاعةِ لأئمتِهِم.\nولما وعَظَ الناسَ، وقالُوا له: كأنَّها موعظةُ مودعٍ فأوصِنَا، قالَ:\n\"أُوصيكم بتقْوَى اللهِ والسَّمعْ والطَّاعةِ\".\nوفي حديثِ أبي ذزٍّ الطويلِ الذي خرَّجهُ ابنُ حبانَ وغيرُه:\nقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أوصِني، قالَ: \"أوصيكَ بتقوى اللهِ، فإنَه رأسُ الأمرِ كلِّهِ \".\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ من حديثِ أبي سعيدٍ الخدريَ، قالَ.\nقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أوصِنِى، قالَ: \"أوصيكَ بتقوى اللَّهِ، فإنَّه رأسُ كل شيءِ، وعليكَ بالجهادِ، فإنَّه رهبانيةُ الإسلام\".\nوخرَّجه غيرُه ولفظُهُ: قالَ: \"عليكَ بتقوى اللَّهِ، فإنها جِماعُ كلِّ خيرٍ\".\nوفي الترمذيِّ عن يزيدَ بنِ سلمةَ: أنه سألَ النبيَّ - ﷺ - قال: يا رسولَ اللَّهِ، إني سمعتُ منكَ حديثًا كثيرًا فأخافُ أن ينسنِي أوَّلَه آخرُه، فحدَثني بكلمة تكونُ جِماعًا، قالَ: \"اتَقِ اللَّه فيما تعْلَمُ \".\nولم يزلِ السلفُ الصالحُ يتَواصَوْنَ بِهَا، كان أبو بكرٍ الصديقُ - ﵁ -، يقولُ في خطبتِهِ: أما بعدُ، فإنِّي أُوصيكُم بتقْوَى اللَّهِ، وأن تُثْنُوا عليه بما هو أهلُهُ،","vol":"1","page":365},{"text":"وأن تَخلِطُوا الرغبةَ بالرهبةِ، وتجمعُوا الإلحافَ بالمسألةِ، فإنَّ اللَّهَ ﷿ أثنى على زكريا وأهلِ بيتِهِ، فقالَ: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) .\nولمَّا حضرتهُ الوفاةُ، وعهدَ إلى عمرَ، دعاهُ فوصَّاهُ بوصيَّةٍ، وأوَّلُ ما قالَ\nلهُ: اتَّقِ اللَّهَ يا عُمرُ.\nوكتبَ عُمَرُ إلى ابنِهِ عبدِ اللَهِ: أمَّا بعدُ، فإني أوصيك بتقوى اللَّهِ عزَّ\nوجلَّ، فإنَّه من اتَّقاه وقاهُ، ومنْ أقرضَهُ جزاه، ومنْ شكرهُ زاده، فاجعلِ\nالتَّقوى نصبَ عينيك وجلاء قلبك.\nواستعمل عليٌّ بنُ أبي طالبٍ رجلًا على لسَرِيَّةٍ، فقالَ لَهُ: أُوصيكَ بتقوى\nاللَّهِ ﷿ الذي لا بُدَّ لك من لقائِهِ، ولا مُنتهى لك دونَه، وهو يَمِلكُ\nالدنيا والآخرة.\nوكتبَ عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ إلى رجلٍ: أُوصيكَ بتقْوَى اللَّهِ ﷿ التي\nلا يقبلُ غيرَها، ولا يرحَمُ إلا أهلَها، ولا يُثيبُ إلا عليها، فإنَّ الواعظينَ بها\nكثير، والعاملينَ بها قليل، جعلنا اللَّهُ وإيَّاك من المتقينَ.\nولما وُلِّي خطبَ، فحَمِد اللَّهَ، وأثنى عليه، وقالَ: أُوصيكم بتقوى اللَّهِ عزَّ\nوجلَّ، فإنَّ تقوى اللَّهِ ﷿ خلف من كلِّ شيءٍ، وليس من تقوى اللَّهِ\nخلَفٌ.\nوقالَ رجل ليونسَ بنِ عُبيدٍ: أوصِنِي، فقالَ: أُوصيك بتقوى اللَّهِ\nوالإحسانِ. فإنَّ اللَّهَ مع الذين اتَّقوا والذين هم محسِنُون.","vol":"1","page":366},{"text":"وقال له رجل يُريدُ الحَجَّ: أوصِنِي، فقالَ له: اتَّقِ اللَّهَ، فمن اتَّقى اللَّهَ\nفلا وحشةَ عليه.\nوقيل لرجل من التابعينَ عندَ موتِه: أوصِنَا، فقالَ: أوصيكُم بخاتمةِ سورةِ\nالنحلِ: (إِنَّ اللَّهَ معَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُون.\nوكتبَ رجل من السلفِ إلى أخٍ له: أوصيكَ بتقْوَى اللَّه، فإنَّها أكرمُ ما\nأسررتَ، وأزينُ ما أظهرتَ، وأفضلُ ما ادَّخرتَ، أعاننَا اللًّهُ وإيَّاك عليها.\nوأوجبَ لنا ولكَ ثوابَها.\nوكتبَ رجل إلى أخٍ لهُ: أُوصيكَ وأنفسَنا بالتقْوى، فإنَّها خيرُ زادِ الآخرةِ\nوالأُولى، واجعلْهَا إلى كلِّ خيرٍ سبيلكَ، ومنْ كلِّ شرٍّ مهرَبك، فقدْ توكل\nاللَّهُ ﷿ لأهلِهَا بالنجاةِ مما يحذرُون، والرزق من حيثُ لا يحتسبونَ.\nوقالَ شعبةُ: كنتُ إذا أردتُ الخروجَ، قلتُ للحكم: ألك حاجة؟\nفقال: أوصيكَ بما أوصَى به النبيّ - ﷺ - معاذَ بنَ جبلٍ: \"اتَّق اللهَ حيثُما كنتَ، وأتْبِعِ السيئةَ الحسنةَ تمْحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسنٍ \".\nوقد ثبتَ عن النبيِّ - ﷺ - أنه كان يقولُ في دعائه: \"اللَهُمَّ إني أسألُك الهُدى والتُّقى والعفَّة والغِني \".\n* * *","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-68>قوله تعالى: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)</span>\nقال اللَهُ ﷿: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) .\nوقد قرئ \"الدركُ \" بسكونِ الراءِ وتحريكِها وهىَ لغتانِ، قال الضحاكُ: الدرْكُ إذا كان بعضُها فوقَ بعضٍ، والدرَكُ إذا كان بعضُها أسفلَ من بعضٍ، وقال غيرُه: الجنةُ درجاتٌ والنارُ دركاتٌ.\nوقد تسمَّى النارُ درجاتٍ أيضًا، كما قالَ تعالى بعد أن ذكر أهلَ الجنةِ\nوأهلَ النارِ: (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مَمَّا عَمِلُوا)، وقال: (أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦٢) هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ) .\nقال عبدُ الرحمن بن زيد بنِ أسلمَ: درجاتُ الجنةِ تذهبُ علوًّا\nودرجاتُ النارِ تذهبُ سُفُولًا.\nوروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن عكرمةَ في قولِهِ تعالى:\n(لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ)، قالَ: لها سبعةُ أطباقٍ.\nوعن قتادةَ: (لِّكُلِّ بَاب مِنْهُمْ جُزْءٌ مًقْسُومٌ)، قال: هي واللَّهِ\nمنازلٌ بأعمالهم.\nوعن يزيدَ بنِ أبي مالكٍ الهمدانيِّ، قال: لجهنمَ سبعةُ نيران تأتلق ليس\nمنها نارٌ إلا وهي تنظرُ إلى التي تحتَه مخافةَ أن تأكلَها.\nوعن ابنِ جريجٍ في قولِهِ: (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ) قال: أوَّلها جهنَّمُ.\nثمَّ لظَى، ثم الحطمةُ، ثم السعيرُ، ثم سقر، ثم الجحيمُ، ثم الهاويةُ، وفيها\nأبو جهل.\nوروى سلامُ المدائنيُّ - وهو ضعيفٌ - عن الحسنِ عن أبي سنانَ عن","vol":"1","page":368},{"text":"الضحاكِ، قالَ: للنارِ سبعةُ أبوابٍ هي سبعةُ أدراكٍ بعضُها على بعضٍ.\nفأعلاَها فيه أهلُ التوحيدِ يعذبَون على قدرِ أعمالهم وأعمارهم في الدنيا ثم\nيخرجون منها، وفي الثاني اليهودُ، وفي الثالثِ النَّصَارى، وفي الرابع\nالصابئُون، وفي الخامسِ المجوسُ، والسادسُ فيه مشركُو العربِ، وفي السابع\nالمنافقونَ، وهو قوله: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) .\nوروى العلاءُ بنُ المسيبِ عن أبيهِ وخيثمةُ بنُ عبدِ الرحمن قالا: قالَ ابنُ\nمسعودٍ: أيُّ أهلِ النارِ أشدُّ عذابًا؟ قالُوا: اليهودُ والنصارَى والمجوسُ، قال: لا ولكن المنافقينَ في الدركِ الأسفلِ من النارِ في توابيت من نارٍ مطبقةٍ عليهم\nليسَ لها أبوابٌ.\nورَوى عاصمٌ عن أبي صالح عن أبي هريرةَ في قولِهِ تعالى:\n(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)، قال: الدركُ الأسفلُ بيوتّ لها أبوابٌ تطبقُ عليها فيوقدُ من فوقِهم ومن وتحتِهم، قال تعالى:\n(لَهُم مِّن فوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ) .\nوقال ابنُ المباركِ، عن يحيى بن أيوبَ، عن عبيدِ اللَّهِ بنِ زحرٍ، عن أبي\nيسارٍ قال: الظلةُ من جهنَّمَ فيها سبعونَ زاويةً، في كلّ زاويةٍ صنفٌ من\nالعذابِ ليسَ في الأخرى.\nوروى ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ عن كعب، قال: اقتحامُ العقبةِ في كتابِ\nاللهِ، يعني قوله: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ)، سبعينَ درجةً في النار.\nوعن ضمرةَ قالَ: سمعتُ أبا رجاء قال: بلغَنِي أنَّ العقبةَ التي ذكرَ اللَهُ في\nكتابِهِ مطلعهَا سبعةُ آلافِ سنة ومهبطُهَا سبعةُ آلافِ سنةٍ.","vol":"1","page":369},{"text":"وعن عطيةَ عن ابنِ عمرَ، قال في العقبةِ: جبلٌ في جهنَّم، أفلا أجاوزه\nبعتقِ رقبةٍ؟!!\nوعن مقاتلِ بنِ حئانَ قال: هيَ عقبةٌ في جهنَّم، قيلَ: بأيِّ شيءٍ تُقطعُ.\nقال: رقبةٌ.\nوفي \"الصحيحينِ \" ولفظُه للبخاريِّ عن ابنِ عمرَ، قال: رأيتُ في المنامِ أنه\nجاءني ملكانِ في يدِ كلِّ واحدٍ منهما مقمعةٌ من حديد، ثم لقيني ملكٌ في\nيدِهِ مقمعةٌ من حديدٍ، قالُوا: لنْ تُرع، نِعْمَ الرجلُ أنتَ كنتَ تكثرُ الصلاةَ\nمن الليلِ، فانطلقُوا بي حتَّى وقفُوا بي على شفير جهنَّم، فإذا هي مطويةٌ\nكطي البئر لها قرونٌ كقرونِ البئر، بين كلِّ قرنينِ ملكٌ بيدِهِ مقمعةٌ من حديدٍ، وإذا فيها رجال معلقون بالسلاسِلِ رءوسُهُم أسفلُهم، وعرفت رجالًا من\nقريشٍ فانصرفُوا بي عن ذاتِ اليمين، فقصصتُها على حفصةَ، فقصتها حفصةُ\nعلى رسول اللهِ - ﷺ - فقال:\n\"إنَّ عبدَ اللَّهِ رجلٌ صالحٌ \".\nعن خالدِ بنِ عميرٍ، قال: خطبنا عتبةُ بنُ غزوانَ فقال: إنَّه ذُكِر لنا أنَّ\nالحجرَ يُلقى من شفةِ جهنَم فيهوِي فيها سبعينَ عامًا ما يدركُ لها قعرًا، واللَّهِ\nلنملأنَّه، أفعجبْتُم؟\nخرَّجهُ هكذا مسلمٌ موقوفًا، وخرَّجه الإمامُ أحمدُ موقوفًا\nومرفوعًا والموقوفُ أصح.\nوخرَّج الترمذيُّ من حديثِ الحسنِ، قال: قال عتبةُ بنُ غزوانَ على منبرِنَا\nهذا - يعني منبرَ البصرةِ - عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"إنَّ الصخرة العظيمةَ لتُلقَى من شفيرِ جهنَّم فتهوِي سبعينَ عامًا وما تفضي إلى قعرها\".\nقال: وكان عمرُ يقول:","vol":"1","page":370},{"text":"أكثِرُوا ذكرَ النارِ، فإنَّ حرَّها شديدٌ، وإن قعرَهَا بعيدٌ، وإن مقامِعَها حديد.\nثم قالَ: لا يعُرفُ للحسنِ سماعٌ من عتبةَ بنِ غزوانَ.\nوخرَّج مسلمٌ أيضًا من حديثِ أبي هريرةَ، قالَ: كُنَّا عندَ النبي - ﷺ - يومًا فسمعنا وجبةً، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"أتدرونَ ما هذا؟ \" فقلنا: الله ورسولُه أعلمُ.\nقالَ: \"هذا حجرٌ أرسلَ في جهنَّم منذ سبعينَ خرِيفا، فالآنَ انتهَى إلى قعرِهَا\".\nوخرَّج أيضًا عن أبي هريرةَ قالَ: والذي نفسُ أبي هريرةَ بيدِهِ، إنَّ قعرَ\nجهنَم لسبعين خرِيفًا.\nوخرَّج الحاكمُ منْ حديثِ أبي هريرةَ أيضًا عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"لو أُخذَ سبعُ خلفاتٍ بشحومهنَّ فألقينَ من شفيرِ جهنم ما انتهينَ إلى آخرِهَا سبعينَ عامًا\".\nوخرَّج البزارُ والطبرانيُّ من حديثِ بريدةَ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"إنَ الحجرَ ليزنُ سبعَ خلفاتٍ يُرمى به في جهنَّمَ فيهوِي سبعينَ خرِيفًا، وما يبلغُ قعرَهَا\".\nوخرَّج ابنُ حبانَ في \"صحيحِهِ \" من حديثِ أبي مُوسى الأشعريِّ عن\nالنبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"لو أنَّ حجرًا قُذفَ به في جهنَّم لهوَى سبعينَ خرِيفًا قبل أن يبلغَ قعرَها\".\nوقد سبقَ من حديثِ أنسٍ وأبي سعيدٍ مَعنى حديثِ أبي هريرةَ في سماع\nالهدَّةِ.","vol":"1","page":371},{"text":"وقال ابنُ المباركِ: أنبأنا يونسُ عن الزهريِّ، قالَ: بلغنا أنَّ معاذَ بنَ جبلٍ\nكانَ يحدِّثُ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"والذي نفْسِي بيدِه إنَّ ما بينَ شفةِ النارِ وقعرها كصخرةٍ زنةُ سبع خلفات بشحومهن ولحومِهِنَّ وأولادهِنًّ، تهوي من شفة النارِ قبلَ أن\nتبلغُ قعرَها سبعينَ خريِفًا\".\nقال ابنُ المباركِ: وإنَّ هُشيْمًا قالَ: أخبرني زكريا بنُ أبي مريمَ الخزاعيُّ.\nقال: سمعتُ أبا أمامةَ يقولُ: إنَّ ما بين شفيرِ جهنَّم مسيرةَ سبعينَ خرِيفًا من\nحجرٍ يهوي أو صخرةٍ تهوي عظَمُها لعِظَمُ عشرِ عُشراواتٍ عظامٍ سمان، فقال\nله رجل: هلْ تحتَ ذلك منْ شيءٍ يا أبا أمامةَ؛ قالَ: نعمْ، غيّ وآثام.\nوقد رُوي هذا بإسنادٍ فيه ضعف من طريقِ لقمانَ بنِ عامرٍ عن ابي أمامةَ\nعن النبيِّ - ﷺ -، وزادَ فيه قلتُ: وما غيٌّ وما آثام؟\nقال: \"بئرٌ يسيلُ فيهما صديدُ أهلِ النارِ\".\nوهما اللتانِ ذكرَهُما اللَّهُ تعالى في كتابِهِ (فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا) .\nوفي الفرقان: (يَلْقَ أَثَامًا) .\nوالموقوفُ أصحُّ.\nوقد رُوي من وجهٍ آخرٍ، قالَ حريزُ بنُ عثمانَ: حدَّثَنِي عبدُ الرحمنِ بنُ\nميسرةَ الحضرمي عن أبي أمامةَ أنه كانَ يقولُ: إنَّ جهنَّم ما بينَ شفتيَها إلى\nقعرِها سبعون، أو قالَ: خمسونَ خرِيفًا للحجرِ المتردِّي، والحجر مثلُ سبع خلفاتٍ مملوءةٍ شحمًا ولحمًا.\nخرَّجه الجوزجَانيُ.\nوروى مجالدٌ عن الشعبيِّ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"ما منْ حاكمٍ يحكمُ بينَ الناسِ إلا يُحبسُ يومَ القيامةِ وملكٌ آخذٌ بقفاهُ حتى يقِفَهُ","vol":"1","page":372},{"text":"على جهنَّم، ثم يرفعُ رأسَهُ إلى اللَهِ ﷿، فإنْ قالَ له: ألقِهِ ألقاهُ في مَهوى أربعينَ خرِيفًا\"\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ.\nوروى عبدُ اللَّهِ بنُ الوليدِ الوصافيُّ، حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ عبيدِ بنِ عميرٍ عن\nأبيه، قال: قال رسول اللَّهِ - ﷺ -:\n\"يجاءُ بالوالي يومَ القيامةِ فينبذُ على جسرِ جهنمَ فيرتجّ ذلك الجسرُ به ارتجاجة لا يبقى منه مفصلٌ إلا زالَ عن مكانِهِ، فإن كان مُطيعًا للَّهِ\nفي عملهِ مَضَوا به، وإنْ كانَ عاصيًا للَّهِ في عملهِ انخرقَ به الجسرُ، فيهوِي في جهنَّم مقدارَ خمسينَ عامًا\"\nفقال له عمرُ: من يطلبُ العملَ بعدَ هذا؟\nقال أبو ذرٍّ: من سلتَ الله أنفه وألصق خدَّه بالترابِ، فجاء أبو الدرداءِ فقال له عمرُ: يا أبا الدرداءِ هلْ سمعتَ من النبيِّ - ﷺ - حديثًا حدَّثني به أبو ذرٍّ، قالَ: فأخبره\nأبو ذرٍّ فقال: نعمْ ومع الخمسينَ خمسونَ عامًا يهوِي به إلى النارِ، الوصافيُّ\nلا يحفظُ الحديثَ، كان شيخًا صالحًا ﵀.\nوروى سويدُ بنُ عبدِ العزيزِ وفيه ضعفٌ شديدٌ عن سيار عن أبي وائلٍ أنَّ\nأبا ذرٍّ قال لعمرَ: سمعتُ رسول اللَّهِ - ﷺ - يقول فذكرَ معناه، وفي حديثه:\n\"وإنْ كان مسيئًا انخرقَ به الجسرُ فهوَى في قعرِهَا سبعينَ خرِيفا\".\nوفي موعظة الأوزاعيِّ للمنصورِ، قال: أخبرَني يزيدُ بنُ جابر، عن عبدِ\nالرحمنِ بنِ أبي عمرةَ الأنصاريِّ أن أبا ذرٍّ وسلمانَ قالا لعمر:\nسمعنا سول اللهِ - ﷺ - يقولُ، فذكراه بمعناهُ.\nوقال: (هَوَى به في النارِ سبعينَ خرِيفًا\".\nوفي \"الصحيحين \" عن أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"إنَّ العبدَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ ما يتبينُ فيها، يزلَُّ بها في النارِ أبعدَ ما بين المشرقِ والمغربِ \".","vol":"1","page":373},{"text":"وخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجةَ من حديثِ أبي هريرةَ عن النبيِّ\n- ﷺ - قالَ:\n\"إنَّ الرجلَ ليتكلَّمُ بالكلمة لايَرى بها بأسًا يهوِي بها في النارِ سبعينَ\nخرِيفًا\".\nوخرَّج البزارُ نحوَه من حديثِ ابنِ مسعود عن النبيِّ - ﷺ -.\nوفي \"تفسيرِ ابنِ جريرٍ\" من روايةِ العوفي عن ابنِ عباسٍ، في قولِهِ تعالى:\n(وقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً) .\nقالَ: ذُكِرَ أنَّ اليهودَ وجدُوا في التوراةِ مكتوبًا أن ما بينَ طرفي جهنَم مسيرةُ\nأربعينَ سنةً إلى أن ينتهوا إلى شجرةِ الزقومِ ثابتة في أصل الجحيم.\nوكان ابن عباسٍ يقولُ: إن الجحيمَ سقر وفيها شجرةُ الزقومِ، فزعمَ أعداءُ اللَّه أنه إذا خَلا العددُ الذي وجدُوا في كتابِهِم أيامًا معدودةً، وإنما يعني بذلكَ\nالسيرَ الذي ينتهي إلى أصلِ الجحيم، فقالُوا: إذا خلا العدد انقضى الأجلُ فلا عذابَ، وتذهبُ جهنم وتهلكُ، فذلك قولُهُ: (لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا معْدُودَةً) .\nيعنون بذلكَ الأجلَ، فقالَ ابنُ عباس: لما اقتحمُوا من بابِ جهنَّم\nسارُوا في العذابِ حتى انتهَوا إلى شجرةِ الزقومِ آخرُ يومٍ من الأيامِ المعدودة.\nوهي أربعونَ سنةً، فلمَّا أكلُوا من شجرةِ الزقومِ وملؤوا البطونَ آخرَ يومٍ من\nالأيامِ المعدودةِ، قال لهمْ خزنةُ سقر: زعمتُم أنكم لن تمسَّكُمَ النارُ إلا أيامًا\nمعدودةً وقد خلا العددُ وأنتم في الأبدِ، فأخذَ بهم في الصعودِ في جهنم\nيرهقونَ.\nففي هذه الروايةِ عن ابنِ عباسٍ أنَّ قعرَ جهنَّمَ ومسافةَ عمقِها أربعونَ عامًا.\nوأنَّ ذلك هو معنى ما في التوراةِ، ولكنَّ اليهودَ حرَّفُوه فجعلوهُ مسافةَ ما بين\nطرفيَها، وزعمُوا أنه إذا انقضتْ هذه المدةُ أنَّ جهنَّم تخربُ وتهلك، فإنَّ ذلك","vol":"1","page":374},{"text":"من كذبِهِم على اللَّهِ، وتحرِيفِهِم التوراة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-69>قوله تعالى: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)</span>\nورُوي عنِ ابنِ عباسٍ، في قولِهِ تعالى: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ)، قال: لا يحبُّ اللَّه أن يدعُو أحدٌ على أحدٍ، إلا أن\nيكونَ مظلومًا، فإنَه قد رُخِّصَ لهُ أن يدعُوَ على من ظلَمَهُ، وذلكَ قولُهُ\nتعالى: (إِلاَّ مَن ظُلِم)، ومن صَبَرَ فهوَ خيرٌ.\nوقال الحسنُ: قد أرخصَ له أن يدعوَ على من ظَلَمَهُ، وذلكَ قوله تعالى:\n(إِلاَّ مَن ظُلِم)، ومن صبر فهو خيرٌ.\nوقال الحسنُ: قد أرخصَ له أن يدعوَ على من ظلَمَه، من غيرِ أن يعتَدِي\nعليهِ.\nوروي عنه قالَ: لا تدعُ علِيه، ولكنْ قُل: اللَّهُمَّ أعني عليه.\nواستخرِج حقِّي منه.\n* * *","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>قوله تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِ</span>مَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)\nوقد اختلفَ العلماءُ في معنى قولِهِ - ﷺ -:\n\"ألحقُوا الفرائضَ بأهلِهَا\":\nفقالتْ طائفةٌ: المرادُ بالفرائضِ الفروضُ المقدَّرةُ في كتابِ اللَهِ تعالى.\nوالمرادُ: أعطُوا الفروضَ المقدرةَ لمن سمَّاها اللَهُ لهم، فما بقِيَ بعدَ هذه\nالفروضِ، فيستحقّه أوْلى الرجال، والمرادُ بالأوْلى: الأقربُ، كما يقال: هذا يلي هذا، أي: يَقرُبُ منه، فأقربُ الرجال هو أقربُ العَصَباتِ، يستحقُّ الباقي بالتعصيبِ، وبهذا المعنى فسَّر الحديثَ جماعةٌ من الأئمةِ، منهم: الإمامُ أحمدُ، وإسحاقُ بنُ رَاهويه، نقله عنهما إسحاقُ بنُ منصورٍ.\nوعلى هذا، فإذا اجتمعَ بنتٌ وأختٌ وعمٌّ، أو ابنُ عم، أو ابنُ أخ.\nفينبغِي أن يأخذَ الباقِي بعدَ نصف البنتِ العصبةُ، وهذا قولُ ابنِ عباسٍ، وكان يتمسَّكُ بهذا الحديثِ، ويقر بأنًّ النَّاسَ كلَّهم على خلافِهِ، وذهبتْ الظاهريةُ إلى قولِهِ أيضًا.\nوقال إسحاقُ: إذا كانَ مع البنتِ والأختِ عصبةٌ، فالعصبةُ أوْلَى، وإن لى\nيكن معَهُمَا أحدٌ، فالأختُ لها الباقى، وحُكي عن ابنِ مسعودٍ، أنه قالَ:\nالبنتُ عصبةُ مَنْ لا عصبَةَ له، ورَدَّ بعضُهم هذا، وقال: لا يصحُّ عن ابنِ\nمسعودٍ.\nوكان ابنُ الزبيرِ ومسروقّ يقولانِ بقولِ ابنِ عباسٍ، ثم رجعَا عنه.\nوذهب جمهورُ العلماءِ إلى أن الأختَ مع البنتِ عصبةٌ لها ما فضلَ،","vol":"1","page":376},{"text":"منهم: عمرُ، وعليّ، وعائشةُ، وزيد، وابنُ مسعودٍ، ومعاذُ بنُ جبلٍ.\nوتابعهم سائرُ العلماءِ.\nوروى عبدُ الرزاقِ، أخبرنا ابنُ جريج: سألتُ ابنَ طاووس عن ابنةٍ\nوأختٍ، فقالَ: كانا أبي يذكرُ عن ابنِ عباسٍ، عن رجلٍ، عن النبيِّ - ﷺ - فيها شيئًا، وكان طاووسُ لا يرضَى بذلكَ الرجلِ، قالَ: وكان أبي يشكُّ فيها، ولا يقولُ فيها شيئًا، وقد كانَ يسأل عنْهَا.\nوالظاهرُ - واللَّهُ أعلمُ -: أن مرادَ طاووس هو هذا الحديث، فإنَّ ابنَ عباسٍ لم يكنْ عندَهُ نصّ صريحٌ عن النبيِّ - ﷺ - في ميراثِ الأختِ مع البنتِ، إنما كان يتمسك بمثلِ عمومِ هذا الحديثِ.\nوما ذكره طاووسٌ أن ابنَ عباسٍ رواه عن رجل وأنه لا يرضاه، فابن\nعباسٍ أكثرُ رواياته للحديثِ عن الصحابةِ، والصحابةُ كلُّهم عدولٌ قد رضي\nاللَّه عنهم، وأثنى عليهم، فلا عبرةَ بعد ذلك بعدمِ رضا طاووس.\nوفي \"صحيح البخاريِّ \" عن أبي قَيْسٍ الأوْديِّ، عن هُزيلِ بنِ شرحبيلَ.\nقالَ: جاءَ رجلٌ إلى أبي مُوسى، فسألَهُ عن ابنةٍ وابنةِ ابنٍ وأختٍ لأبٍ وأمٍّ.\nفقالَ: للابنةِ النصفُ، وللأختِ ما بَقِيَ وائتَ ابنَ مسعودٍ فسيُتابعني، فأتى\nابنَ مسعودٍ، فذكر ذلك له، فقال: لقد ضللتُ إذًا وما أنا من المهتدين.\nلأقضينَّ فيها بقضاءِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -:\nللابنةِ النِّصف، ولابنةِ الابنِ السُّدُسُ تكْمِلَةُ الثلثين، وما بَقِيَ، فللأختِ، قال: فأتينا أبا مُوسى، فأخبرناه بقولِ ابنِ مسعودٍ، فقالَ: لا تسألونُي ما دامَ هذا الحَبْرُ فيكُم.\nوفيه - أيضًا - عن الأعْمشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسودِ بنِ يزيدَ، قال:","vol":"1","page":377},{"text":"قَضى فينا معاذُ بنُ جبلٍ على عهدِ رسولِ الله - ﷺ -: النصفُ للابنة، والنصفُ للأختِ، ثم تركَ الأعْمشُ ذِكْرَ عهْدِ رسولِ اللًّهِ - ﷺ -، فلم يذكره.\nوحْرَّجه أبو داود من وجهٍ آخرَ عن الأسودِ، وزادَ فيه: ونبيُّ اللَهِ - ﷺ - يومئذٍ حي.\nواستدلَّ ابنُ عباسٍ لقولِهِ بقولِ اللَّهِ ﷿:\n(قلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ إِنِ امْرؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ)، وكان يقولُ: أأنتم أعلمُ أمِ اللَّهُ؟\nيعني أن اللَّهَ لم يجعلْ لها النصفَ إلا مع عدمِ الولد، وأنتم تجعلونَ لها النصفُ مع الولدِ وهو البنت.\nوالصوابُ: قولُ عمرَ والجمهورِ، ولا دلالةَ في هذه الآيةِ على خلافِ\nذلكَ، لأن المرادَ بقولِهِ: (فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ) بالفرضِ، وهذا\nمشروطٌ بعدمِ الولدِ بالكلية، ولهذا قال بعدَهُ: (فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلثَانِ مِمَّا تَرَكَ)، يعني بالفرضِ، والأخت الواحدةِ إنَّما تأخذُ النصفَ مع\nعدمِ وجودِ الولدِ الذكرِ والأنثى، وكذلك الأختان فصاعدًا إنما يستحقُّون\nالثُّلثين مع عدمِ وجودِ الولدِ الذكرِ والأنثى، فإن كان هناك ولدٌ، فإن كان\nذكرًا، فهو مقدَّمٌ على الإخوةِ مطلقًا ذكورهم وإناثهم، وإن لم يكن هناكَ ولدٌ ذكرٌ، بل أنثى، فالباقِي بعد فرضِها يستحقُّهُ الأخُ مع أختِهِ بالاتفاقِ، فإذا كانت الأختُ لا يُسقِطُها أخوها، فكيفَ يُسقطها من هو أبعدُ منه من\nالعَصَباتِ كالعمِّ وابنِهِ؛ وإذا لم يكن العصبةُ الأبعدُ مسقطَا لها، فيتعيَّنُ تقديمُها\nعليه، لامتناع مشاركتِهِ لها.","vol":"1","page":378},{"text":"فمفهومُ الآيةِ: أن الولدَ يمنعُ أن يكون للأختِ النصفُ بالفرضِ، وهذا\nحقٌّ، ليس مفهومُها أنَّ الأختَ تسقطُ بالبنتِ، ولا تأخذُ ما فضل من\nميراثِهَا، يدلُّ عليه قولُهُ تعالى: (وَهُوَ يَرِثُهَا إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ) .\nوقد أجمعتِ الأُمَّةُ على أنَّ الولدَ الأُنثى لا يمنعُ الأخَ أن يرثَ من مالِ أختِهِ ما\nفضلَ عن البنتِ أو البناتِ، وإنَّما وجودُ الولدِ الأنثى يمنعُ أنْ يجوزَ الأخُ\nميراثَ أختِهِ كُلَّه، فكما أنَّ الولدَ إن كانَ ذكرًا، منعَ الأخَ من الميراثِ، وإن\nكان أنثى، لم يمنعْهُ الفاضلَ عن ميراثِهَا، وإن منعَهُ حيازةَ الميراثِ، فكذلك\nالولدُ إن كانَ ذكرًا منَعَ الأختَ الميراثَ بالكليةِ، وإن كانَ أنثى، منعتِ الأختَ أن يفرضَ لها النصفُ، ولم تمنعْهَا أن تأخذَ ما فَضَلَ عن فرضها، واللَّهُ\nأعلمُ.\nوأمَّا قولُهُ: \"فما أبقتِ الفرائضُ، فلأوْلى رَجُلٍ ذكر\".\nفقد قيل: إنَّ المرادَ به العَصَبةُ البعيدُ خاصَّةً، كبني الإخوةِ والأعمامِ وبنيهم، دون العصبةِ القريبِ، بدليلِ أنَّ الباقي بعدَ الفروضِ يشتركُ فيه الذكرُ والأنثى إذا كانَ العصبةُ قريبًا، كالأولادِ والإخوةِ بالاتفاقِ، فكذلك الأختُ مع البنتِ بالنصِّ الدالِّ عليهِ.\nوأيضًا فإنه يُخَصُّ منه هذه الصورُ بالاتفاقِ، وكذلك يُخصُّ منه المُعْتَقةُ\nمولاة النعمة بالاتفاقِ، فتخصُّ صورةُ الأختِ مع البنتِ بالنصِّ.\nوقالتْ طائفة آخرونَ: المرادُ بقولِهِ: \"ألحقُوا الفرائضَ بأهلِهَا\":\nما يستحقُّه ذوو الفروضِ في الجملةِ، سواء أخذُوه بفرضٍ أو بتعصيبٍ طرأ لهُم، والمرادُ بقولِهِ: \"فما بَقِيَ، فلأوْلى رجلٍ ذكر\" العصبةُ الذي ليس له فَرْضٌ بحالٍ.\nويدلُّ عليه أنه قد رُوي الحديثُ بلفظ آخرَ، وهو: \"اقسِموا المالَ بينَ أهلِ\nالفرائضِ على كتابِ اللَّهِ \"","vol":"1","page":379},{"text":"، فدخلَ في ذلكَ كلُّ من كل مَن مِنْ أهلِ الفروضِ بوجه\nمن الوجوهِ.\nوعلى هذا، فما تأخذُهُ الأختُ مع أخيها، أو ابنِ عمِّها إذا عصبَهَا هو\nداخل في هذه القسمةِ، لأنها منْ أهلِ الفرائضِ في الجملةِ، فكذلكَ ما تأخذُه\nالأختُ مع البنتِ.\nوقالتْ فرقة أخرى: المرادُ بأهلِ الفرائضِ في قولِهِ: \"ألحقُوا الفرائضَ\nبأهلها\"، وقولُهُ: \"اقسموا المالَ بين أهلِ الفرائضِ \"، جملةُ من سمَّاه اللهُ في كتابِهِ من أهلِ المواريثِ من ذوي الفروضِ والعصباتِ كلّهم، فإنَّ كلَّ ما يأخذهُ الورثةُ، فهو فرض فرضَهُ اللَّهُ لهُم، سواء كان مقدَّرًا أو غيرَ مقدر، كما قالَ بعدَ ذكرِ ميراثِ الوالدينِ والأرلادِ:\n(فَرِيضَةً منَ اللَّهِ)، وفيهم ذو فرضٍ وعصبةٍ، وكما قال:\n(لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧) .\nوهذا يشملُ العَصَباتِ وذوي الفروضِ، فكذلكَ قولُهُ:\n\"اقسِمُوا الفرائضَ بين أهلها على كتابِ اللَّهِ \".\nيشملُ قسمتَهُ بينَ ذوي الفروضِ والعصباتِ على ما في كتابِ اللَّهِ، فإنْ قَسَمَ\nعلى ذلكَ ثمَّ فضَلَ منه شيء، فيختصُّ بالفاضلِ أقربُ الذكورِ من الورثةِ.\nوكذلكَ إن لم يُوجدَ في كتابِ اللَّهِ تصريح بقسمته بين من سمَّاه اللَّهُ من\nالورثةِ، فيكونُ حينئذٍ المالُ لأوْلى رجلٍ ذَكَر منهم.\n* * *","vol":"1","page":380},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>سُورَةُ المَائِدَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>قوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)</span>\nإن البرَّ يطلقُ باعتبار معنيينِ:\nأحدُهُما: باعتبارِ معاملةِ الخلقِ بالإحسانِ إليهِم، وربَّما خصَّ بالإحسانِ إلى\nالوالدينِ، فيقالُ: برُّ الوالدينِ، ويطلقُ كثيرًا على الإحسانِ إلى الخلقِ عمومًا، وقد صنفَ ابنُ المباركِ كتابًا سماه: \"كتاب البرِّ والصلةِ\"، وكذلكَ في \"صحيح البخاريِّ \"، و\"جامع الترمذيِّ \": \"كتاب البرِّ والصِّلة\"، ويتضمن هذا الكتاب الإحسانَ إلى الخلقِ عمومًا، ويقدَّم فيه برُّ الوالدينِ على غيرِهِمَا.\nوفي حديثِ بهزِ بنِ حكيم، عن أبيه، عن جدِّهِ، أنه قالَ: يا رسولَ اللَّهِ\nمَنْ أبرُّ؛ قالَ: \"أمُّك \"، قال: ثم مَن؟\nقال: \"ثمَّ أباك \"، قال: ثم مَنْ؟ قالَ: \"ثم الأقربُ فالأقربُ \".\nومن هذا المعنى: قولُ النبيِّ - ﷺ -:\n\"الحجُّ المبرورِ ليسَ له جزاءٌ إلا الجنَّة\".\nوفي \"المسندِ\" أنه - ﷺ - سُئلَ عن برِّ الحجِّ، فقالَ:\n\"إطعامُ الطَّعام، وإفشاءُ السَّلام\".\nوفي روايةٍ أخرى: \"وطيبُ الكلام\".","vol":"1","page":381},{"text":"وكان ابنُ عمرَ ﵄ يقولُ: البرّ شيء هيِّنٌ: وجهٌ طليق وكلامٌ\nوإذا قرنَ البر بالتَّقوى، كما في قولِهِ ﷿: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى)، فقدْ يكونُ المرادُ بالبرِّ: معاملةَ الخلقِ بالإحسانِ، وبالتَقوى:\nمعاملةَ الحقّ بفعلِ طاعتِهِ، واجتنابِ محرماتِه، وقد يكونُ أُريدَ بالبرّ: فعلُ\nالواجباتِ، وبالتقوى: اجتنابُ المحرماتِ، وقولُهُ: (وَلا تَعَاوَنوا عَلَى الإِثْم\nوالْعُدْوَانِ)، قد يُرادُ با لإثم: المعاصِي، وبالعدوان: ظلمُ الخلقِ، وقد\nيُرادُ بالإثم: ما هو مَحرَّمٌ في نفسِهِ كالزِّنى، والسرقةِ، وشربِ الخمرِ.\nوبالعُدوانِ: تجاوزُ ما أذنَ فيه إلى ما نُهِيَ عنهُ ممَّا جنسُهُ مأذونٌ فيه، كقتلِ مَنْ\nأُبيح قتلُهُ لقِصاصٍ، ومن لا يُباحُ، وأخذُ زيادة على الواجبِ من الناسِ في\nالزكاةِ ونحوِها، ومجاوزةِ الجلدِ الذي أمرَ به في الحدودِ ونحوِ ذلك.\nوالمعنى الثاني من معنى البر: أن يُرادَ به فعلُ جميع الطاعاتِ الظاهرةِ والباطنةِ.\nكقولِهِ ﷿: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧) .\nوقد رُويَ أنَّ النبيَّ - ﷺ - سُئلَ عن الإيمانِ، فتلا هذه الآية.\nفالبر بهذا المعنى يدخلُ فيه جميعُ الطاعاتِ الباطنةِ كالإخانِ باللهِ وملائكتِهِ","vol":"1","page":382},{"text":"وكتبِهِ ورسلِهِ، والطاعاتِ الظاهرةِ كإنفاقِ الأموالِ فيما يحبُّه اللَّهُ، وإقامِ\nالصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، والوفاءِ بالعهدِ، والصَّبر على الأقدارِ، كالمرضِ\nوالفقرِ، وعلى الطَّاعاتِ، كالصَّبرِ عند لقاءِ العدو.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-73>قوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)</span>\nفي \"الصحيحينِ \" عن عمرَ بنِ الخطابِ - ﵁ -، أنَّ رجلًا من اليهود قال له: يا أميرَ المؤمنينَ، آيةٌ في كتابِكُم لو علينا مَعْشَرَ اليهودِ نزلت، لاتًّخذنا ذلك اليومَ عيدًا.\nفقالَ: أيُّ آيةٍ؟ قالَ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .\nفقال عمرُ: إنِّي لأعلمُ اليومَ الذي نزلَتْ فيه، والمكانَ الذي نزلتْ فيه، نزَلَتْ ورسولُ الله - ﷺ - قائِمٌ بعَرَفَةَ يوم\nجُمعة.\nوخرَّج الترمذيُّ عن ابنِ عباسٍ نحوَه، وقالَ فيهِ: نزلتْ في يوم عيدٍ\nمن يومِ جمعةٍ ويومِ عرفةَ.\nالعيدُ هو موسمُ الفرح والسرورِ، وأفراحُ المؤمنينَ وسرورُهم في الدنيا إنما\nهوَ: بمولاهُم، إذا فازُوا بإكمالِ طاعتِهِ، وحازوا ثوابَ أعمالِهِم بوثوقِهم بوعدِهِ لهم عليها بفضلِهِ ومغفرتِهِ، كما قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ ممَّا يَجْمَعُونَ) .","vol":"1","page":383},{"text":"***\nوقد يجتمعُ في يوم واحدٍ عيدانِ، كما إذا اجتمعَ يومُ الجمعةِ مع يومِ عرفةَ\nأو يومِ النَّحْر، فيزدادُ ذلك اليومُ حُرْمةً وفضلًا، لاجتماع عيدينِ فيه.\nوقد كانَ ذلك؛ اجتمعَ للنبيِّ - ﷺ - في حجتِهِ يومَ عرفةَ، فكانَ يومَ جمعةٍ، وفيه نزلتْ هذه الآية ُ: (الْيَوْمَ أَكمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا)، وإكمالُ الدِّينِ في ذلك اليومِ حصلَ من وجوهٍ:\nمنها: أنَّ المسلمينَ لم يكونُوا حجُّوا حجَّة الإسلامِ بعدِ فرضِ الحجِّ قبل\nذلكَ، ولا أحد منهم، هذا قولُ أكثرِ العلماءِ أو كثير منهم، فكمُل بذلك\nدينُهم لاستكمالهِم عملَ أركانِ الإسلامِ كلِّها.\nومنها: أنَّ اللَهَ تعالى أعادَ الحجَّ على قواعدِ إبراهيمَ ﵇، ونفَى\nالشرك وأهلَه، فلم يختلطْ بالمسلمينَ في ذلكَ الموقفِ منهم أحد.\nقال الشعبيُّ: نزلتْ هذه الآية ُ على النبيِّ - ﷺ - وهو واقف بعرفةَ حين وقفَ موقِفَ\nإبراهيمَ، واضمحلَّ الشِّرْكُ، وهُدِّمتْ منارُ الجاهليةِ، ولم يَطُف بالبيتِ\nعُريانِ.\nوكذا قالَ قتادةُ وغيرُه. وقد قيل: إنه لم ينزلْ بعدَها تحليل ولا تحريم، قاله\nأبو بكر بنُ عياشٍ.\nوأمَّا إتمامُ النِّعمةِ فإنَّما حصلَ بالمغفرةِ، فلا تَتمُّ النِّعْمةُ بدونها، كما قالَ\nلنبيه - ﷺ -: (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) .","vol":"1","page":384},{"text":"وقالَ تعالى في آيةِ الوضوءِ: (وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ)، ومن هنا استنبط محمدُ بنُ كعبٍ القرظيُّ بأنَّ الوضوءَ يكفر الذنوبَ، كما وردتْ السّنَةُ بذلك صريحًا، ويشهَدُ له أيضًا أن\nالنبيَّ - ﷺ - سمعَ رجلًا يدعُو ويقولُ: اللَّهُمَّ إني أسالُك تمامَ النعْمةِ. فقال له: \"تمامُ النعْمةِ: النَّجاةُ من النَّارِ، ودخولُ الجنَّة \".\nفهذه الآية ُ تشهدُ لما رُوِي في يومِ عرفةَ اْنه يومُ المغفرةِ والعتقِ من النارِ.\n* * *\n[قال البخاريُّ]: \"بابُ: زيادةِ الإيمانِ ونُقْصَانِهِ \":\nوقولِ اللَّهِ تعالى: (وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)، (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا) .\nوقال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكمْ)، فإذا تركَ شيئا من الكمالِ فهوَ\nناقِصٌ.\nاستدل البخاريُّ على زيادةِ الإيمانِ ونقصانهِ بقولِ اللَّه ﷿:\n(وَزِدْنَاهُمْ هُدًى)، وفي زيادةِ الهدَى إيمان آخرُ، كقوله تعالى: (وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) .\nويُفسَّر هذا الهدَى بما في القلوبِ منَ الإيمانِ باللَّهِ وملائكتِهِ وكتبِهِ ورسلِهِ\nواليومِ الآخرِ، وتفاصيلِ ذلك.\nويفسَّر بزيادةِ ما يترتبُ على ذلكَ منَ الأعمالِ الصالحةِ: إمَّا القائمةُ","vol":"1","page":385},{"text":"بالقلوبِ، كالخشيةِ للهِ ومحبتِهِ ورجائه والرضا بقضائِهِ والتوكلِ عليه، ونحوِ\nذلك.\nأو المفعولةِ بالجوارح كالصلاةِ والصيامِ والصدقةِ والحجِّ والجهادِ والذكرِ\nوالأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكرِ ونحوِ ذلك.\nوكلُّ ذلك داخل في مسمَّى الإيمانِ عندَ السلفِ وأهلِ الحديثِ ومَنْ\nوافقَهم، كما سبقَ ذكرُهُ.\nواستدلَّ - أيضًا - بقولِهِ تعالى: (وَيَزْدَادَ الَذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا) .\nوفي معنى هذه الآيةِ: قولُهُ تعالى: (وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادتْهمْ إِيمَانًا)، وقولُهُ: (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا) .\nويفسَّر الإيمانُ في هذهِ الآياتِ بمثلِ ما فُسَر به الهدَى في الآياتِ المتقدمةِ.\nواستدلَّ - أيضًا - بقولِ اللَّهِ ﷿: (اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكمْ دِينَكُمْ)، فدلَّ على أنَّ الدِّينَ ذو أجزاءِ، يكملُ بكمالِها، وينقصُ بفواتِ\nبعضِها.\nوهذه الآيةُ نزلتْ في آخرِ حياةِ النبيِّ - ﷺ - في حجةِ الوداع، وقد قيلَ: إنه لم ينزلْ بعدَها حلالٌ ولا حرام، كما قالَهُ السديُّ وغيرُه.\nوكذا قالَ علي بنُ أبي طلحةَ عنِ ابنِ عباسِ: قال: بعثَ اللَهُ نبيَّه بشهادةِ\nأن لا إله إلا اللَهُ، فلما صدَّق بها الؤمنون زادَهم الصلاةَ، فلما صدَّقوا بها\nزادَهُم الصيامَ، فلما صدَّقوا به زادهم الزكاةَ، فلما صدَّقوا بها زادَهم الحجَّ، فلمَّا صدَّقوا به زادَهم الجهادَ، ثم أكملَ اللَهُ لهم دينَهم، فقال:\n(الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي) .\nومعلوم أنَّ النبىَّ - ﷺ - وأصحابَهُ لم يحجوا حجةَ الفرضِ إلا ذلك العامَ،","vol":"1","page":386},{"text":"فلما حجُّوا حجةَ الإسلامِ كملَ لهمُ الدينُ بتكميلِهِم أركانَ الإسلامِ حينئذٍ.\nولم يكنِ الدّينُ قبلَ ذلكَ ناقصًا، كنقصِ مَنْ تركَ شيئًا من واجباتِ دِينه، بل\nكانَ الدِّينُ في كلّ زمانٍ كاملًا بالنسبةِ إلى ذلكَ الزمانِ بما فيه من الشرائع\nوالأحكام، وإنَّما هو ناقصٌ بالنسبةِ إلى زمانِ الذي بعدَه الذي تجدَّد فيه من\nالشرائع والأحكامِ ما لم يكنْ قبلَ ذلك.\nكما يقالُ: إنَّ شريعةَ الإسلامِ أكملُ من شريعةِ موسى وعيسَى، وإنَّ القرآنَ\nأكملُ من التوراةِ والإنجيلِ.\nوهذا كما سمَّى النبيُّ - ﷺ - النساءَ ناقصاتِ دينٍ، وفَسَّر نقصانَ دينهنَّ بتركِ الصلاةِ والصيامِ في زمنِ حيضِهِنَّ، مع أنها قائمةٌ في تلكِ الحال بما وجبَ عليها من غيرِ الصلاةِ، ولكنَّ نقصانَ دينِها بالنسبةِ إلى مَن هي طاهرةٌ تصلِّي وتصومُ.\nوهذا مبنيٌّ على أنَّ الدِّين هو الإسلامُ بكمالِهِ، كما تقدَّمَ ذكرُهُ، والبخاريُّ\nعنده أنَّ الإسلامَ والإيمانَ واحدٌ، كما تقدَّم ذكرُهُ.\nوقد احتجَّ سفيانُ بنُ عيينةَ وأبو عبيدٍ وغيرُهم بهذه الآيةِ على تفاضلِ\nالإيمانِ.\nقال أبو عبيدٍ: قد أخبرَ اللَّهُ أنَّه أكملَ الدِّينَ في حجةِ الوداع في آخرِ\nالإسلامِ، وزعم هؤلاءِ أنَّه كان كاملًا قبل ذلك بعشرينَ سنةً في أولِ ما نزلَ الوحيُ.\nقال: وقد اضطَّر بعضُهم حين أدخلتُ عليه هذه الحجةَ إلى أن قالَ: الإيمانُ\nليسَ هو مجموعَ الدِّين، ولكنَّ الدِّين ثلاثةُ أجزاءٍ، فالإيمانُ جزءٌ، والفرائضُ","vol":"1","page":387},{"text":"جزء، والنوافلُ جزء.\nقال أبو عبيدٍ: وهذا غيرُ ما نطقَ به الكتابُ، فإنَّ اللَّهَ أخبرَ أن الإسلامَ هو\nالدِّينُ برمَّته، وزعمَ هؤلاءِ أنَّه ثلثُ الدِّينِ. انتهى.\nفالمرجئةُ، عندهم: الإيمانُ التصديقُ، ولا يدخلُ فيه الأعمالُ، وأمَّا الدِّينُ\nفأكثرُهم أدخلَ الأعمالَ في مسمَّاه، وبعضُهم خالفَ في ذلك - أيضًا، والآيةُ\nنصّ في ردِّ ذلكَ. واللَّهُ أعلمُ.\nثمَّ خرَّج البخاريُّ في هذا البابِ حديثينِ:\nأحدُهما: حديثُ ة هشامٍ الدسْتوائيِّ: ثنا قتادةُ عنْ أنسٍ عنِ النبي - ﷺ - قال:\n\"يخرجٌ منَ النارِ من قالَ: لا إله إلا اللَّهُ وفي قلبه وزْنُ شعيرة من خير، ويخرجٌ من النارِ منْ قال: لا إله إلا اللَهُ وفي قلبهِ وزنُ بُرَّةٍ منْ خير، ويخرجٌ من النارِ من قال: لا إله إلا اللهُ وفي قلبِهِ وزْنُ ذَرة من خيْر\".\nخرَّجه عن مسلمٍ بنِ إبراهيمَ، عن هشامٍ، به.\nثمَّ قال: وقال أبانُ: ثنا قتادةُ ثنا أنس، عن النبيِّ - ﷺ -: \"من إيمانٍ \"، مكانَ: \"منْ خَيْر\".\nففي هذه الروايةِ التي ذكرَها تعليقًا: التصريحُ بتفاوتِ الإيمانِ الذي في\nالقلوبِ.\nوأيضًا؛ فيها: التصريحُ بسماع قتادة له من أنسٍ، فزالَ ما كان يتوهَّم من\nتدليسِ قتادةَ.","vol":"1","page":388},{"text":"وقد خرَّج البخاريُّ هذه اللفظةَ في حديثِ أنسٍ في أواخرِ كتابِهِ مسندةً.\nمن روايةِ معبدِ بنِ هلالٍ العنزيِّ، عن أنسٍ.\nوخرَّج حديثَ أبي سعيدٍ الخدريِّ، عن النبيِّ - ﷺ - في هذا المعنى فيما تقدَّم من \"كتابِهِ \" باختلافِ لفظِ الخيرِ والإيمانِ، كاختلافِ حديثِ أنسٍ.\nوالحديثُ نصّ في تفاوتِ الإيمانِ الذي في القلوبِ، وقد سبقَ القولُ في\nتفاوتِ المعرفةِ وتفاضلِها فيما تقدَّم.\nالحديثُ الثاني الذي خرَّجه في هذا البابِ:\nحديثُ: طارقِ بنِ شهابٍ، عنْ عمرَ بنِ الخطابِ، أنَّ رجلًا منَ اليهودِ.\nقالَ لهُ: يا أميرَ المؤمنينَ، آية في كتابِكُم تقرءونها لو علينا معْشرَ اليهودِ نزلتْ\nلاتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أيُّ آيةٍ؟\nقال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ)، فقال عمرُ. قدْ عرفْنا ذلك اليومَ، والمكانَ الذي نزلَتْ فيه على النبي - ﷺ -، نزَلَتْ على النبيِّ - ﷺ -\nوهوَ واقِف بعرفَةَ يومَ الجُمُعةِ.\nوقد خرَّجه ابنُ جريرٍ الطبريُ في \"تفسيره\" من وجهٍ آخرَ عن عمرَ.\nوزاد فيه: أنَّه قال: وكلاهُما بحمدِ اللَّهِ لنا عيدٌ.\nوخرَّج الترمذيُ، عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قرأ هذه الآيةَ، وعندَه يهوديّ.\nفقال: لو أُنزلتْ هذه الآية ُ علينَا لاتخذنا يومَها عيدًا، فقال ابنُ عباسٍ: فإنَّها\n.","vol":"1","page":389},{"text":"نزلتْ في يوم عيدينِ: في يومِ جُمعةٍ، ويومِ عرفةَ.\nفهذا قد يُؤخذُ منه أنَّ الأعيادَ لا تكونُ بالرأي والاختراع كما يفعلُه أهلُ\nالكتابيْنِ من قبلنا، وإنَّما تكونُ بالشرع والاتباع.\nفهذه الآية ُ لما تضمنتْ إكمالَ الدِّين وإتمامَ النِّعمة، أنزلَها اللَّهُ في يومٍ شرعَه\nعيدًا لهذه الأمة من وجهينِ:\nأحدهما: أنه يوم عيدِ الأسبوع، وهو يومُ الجمعةِ.\nوالثاني: أنَّه يومُ عيدِ أهلِ الموسم، وهوَ يومُ مجمَعِهم الأكبرِ وموقفهم\nالأعظم.\nوقد قيل: إنَّه يومُ الحجِّ الاكبرِ.\nوقد جاء تسميتُه عيدًا في حديثٍ مرفوع خرَّجه أهلُ \"السنن\" من\nحديثِ عقبةَ بن عامرٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"يومُ عرفةَ، ويومُ النَّحْرِ، وأيامُ التشريقِ، عيدُنا أهلَ الإسلامِ، وهي أيامُ أكلٍ وشرب \".\nوقد أُشكلَ وجهُهُ على كثيرٍ من العلماءِ، لأنَّه يدلُّ على أنَّ يومَ عرفةَ يومُ\nعيدٍ لا يصامُ، كما رُوي ذلك عن بعضِ المتقدِّمينَ.\nوحملَهُ بعضُهم على أهلِ الموقفِ.\nوهو الأصحُ، لأنَّه اليومُ الذي فيه أعظمُ مجامِعِهم، ومواقفِهم، بخلافِ\nأهلِ الأمصارِ فإنَّ يومَ اجتماعهم يوم النحرِ، وأمَّا أيامُ التشريقِ فيشاركُ أهلُ\nالأمصارِ أهلَ الموسم فيها؛ لأنها أيامُ ضحاياهم وأكلهم من نسكِهِم، هذا قولُ جمهورِ العلماءِ.","vol":"1","page":390},{"text":"وقال عطاءٌ: إنَّما هي أعيادٌ لأهلِ الموسم، فلا يُنْهى أهل الأمصارِ عن\nصيامِها.\nوقولُ الجمهورِ أصحُ.\nولكنَّ الأيامَ التي تحدثُ فيها حوادثُ من نعم اللَّه على عبادِهِ، لوْ صامَها\nبعضُ الناسِ شكرًا، من غيرِ اتخاذِها عيدًا، كان حسنًا، استدلالًا لصيامِ النبيِّ\n- ﷺ - عاشوراءَ، لما أخبرَه اليهودُ بصيامِ موسى له شكرًا، وبقولِ النبي - ﷺ - لمَّا سُئلَ عن صيامِ يومِ الاثنين.\nقال: \"ذلك يومٌ وُلدتُ فيه، وأُنزلَ عليَّ فيه\".\nفأمَّا الأعيادُ التي يجتمعُ عليها الناسُ، فلا يُتجاوزُ بها ما شرعَهَ اللَّهُ\nلرسولِهِ، وشرعَه الرسولُ لأُمَّتِهِ.\nوالأعيادُ هي مواسمُ الفرح والسرورِ، وإنَّما شرعَ اللَّهُ لهذهِ الأمَّة الفرحَ\nوالسرورَ بتمامِ نعمته وكمالِ رحمتِهِ، كما قال تعالى:\n(قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا)، فشرعَ لهم عيدينِ في سنةٍ، وعيدًا في كلِّ أسبوعٍ.\nفأمَّا عيدا السنةِ:\nفأحدُهُما: تمامُ صيامهم الذي افترضه عليهم كلَّ عامٍ، فإذا أتمُّوا صيامَهم\nأعتقهم من النارِ، فشرعَ لهم عيدًا بعدَ إكمالِ صيامِهم، وجعله يومَ الجوائِزِ.\nيرجعونَ فيه من خروجِهِم إلى صلاتِهِم وصدقتِهم بالمغفرةِ، وتكونُ صدقةُ\nالفطرِ وصلاةُ العيدِ شكرًا لذلكَ.","vol":"1","page":391},{"text":"والعيدُ الثاني: أكبرُ العيدينِ، عندَ تمامِ حجِّهم، بإدراكِ حجِّهم بالوقوفِ\nبعرفةَ، وهو يومُ العتقِ منَ النارِ، ولا يحصل العتقُ من النارِ والمغفرةُ للذنوبِ\nوالأوزارِ في يومٍ من أيامِ السنةِ أكثرَ منه، فجعلَ اللَّهُ عقبَ ذلك عيدًا.\nبل هو العيدُ الأكبرُ، فيكملُ أهلُ الموسم فيه مناسكَهم، ويقضُون فيه\nتفثَهم، ويوفونَ نذورَهم، ويطوفونَ بالبيتِ العتيقِ.\nويشاركُهُم أهلُ الأمصارِ في هذا العيدِ؛ فإنَّه يشاركونَهم في يومِ عرفةَ في\nالعتقِ والمغفرة، وإنْ لم يشاركوهم في الوقوفِ بعرفةَ، لأنَّ الحجَّ فريضةُ العمرِ\nلا فريضةَ كلًّ عامٍ، بخلافِ الصيامِ.\nويكون شكرُ عيدِ أهلِ الأمصارِ: الصلاةُ والنحرُ، والنحرُ أفضلُ من\nالصدقةِ التي في يومِ الفطرِ، ولهذا أمرَ اللَّهُ نبيَّه - ﷺ - أن يشكر نعمته عليه بإعطائهِ الكوثَرَ بالصلاةِ له والنَّحْرِ، كما شرع ذلك لإبراهيمَ خليلِهِ - ﵇ - عند أمرِه بذبح ولدِه وافتدائِهِ بذبْح عظيم.\nوأمَّا عيدُ الأسبوع، فهو يومُ الجمعةِ، وهو متعلقٌ بإكمالِ فريضة الصلاةِ.\nفإنَّ اللَّهَ فرضَ على عبادِهِ المسلمينَ الصلاةَ كلَّ يومٍ وليلةٍ خمسَ مرَّاتٍ، فإذا\nكمُلَتْ أيامُ الأسبوع التي تدورُ الدنيا عليهَا، وأكملُوا صلاتَهم عليها، شرعَ لهم يومَ إكمالِهَا - وهوَ اليومُ الذي انتهى فيه الخلقُ، وفيه خُلِقَ آدمُ، وأُدخلَ الجنَّةَ - عيدًا، يجتمعونَ فيه على صلاةِ الجمعةِ.\nوشرع لهم الخطبة تذكيرًا بنعم اللَّهِ عليهم، وحثّا لهم على شكرها، وجعلَ","vol":"1","page":392},{"text":"شهودَ الجمعةِ بأدائها كفارةً لذنوب الجمعة كلِّها وزيادة ثلاثةِ أيامٍ.\nوقد رُوي أن يومَ الجمعةِ أفضلُ من يومِ الفطرِ ويومِ النحر.\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ في \"مسندهِ \".\nوقاله مجاهدٌ وغيرُه.\nورُوي أنه حجُّ المساكين.\nورُوي عن عليٍّ، أنَّه يومُ نسكِ المسلمينَ.\nوقال ابن المسيبِ: الجمعةُ أحبُّ إليَّ من حجِّ التطوع.\nوجعلَ اللَّهُ التبكيرَ إلى الجمعةِ كالهدي، فالمبكِّرُ في أول ساعةٍ كالمهدي\nبدنة، ثم كالمهدي بقرةً، ثم كالمهديِ كبشًا، ثم كالمهدي دجاجةً، ثم كالمهدي بيضه.\nويوم الجمعةِ يومُ المزيدِ في الجنة، الذي يزورُ أهلُ الجنةِ فيه ربَّهم، يتجلَّى\nلهم في قدرِ صلاةِ الجمعة.\nوكذلك رُوي في يومِ العيدينِ أنَّ أهلَ الجنةِ يزورون ربهم فيها، وأنَه\nيتجلَّى بها لأهلِ الجنَةِ عمومًا، يشاركُ الرجالَ فيها النساءُ.\nفهذه الأيامُ أعياد للمؤمنينَ في الدنيا، وفي الآخرةِ عمومًا.\nوأمَّا خواصُ المؤمنينَ، فكل يوم لهم عيدٌ، كما قالَ بعضُ العارفينَ.","vol":"1","page":393},{"text":"ورُوي عن الحرمِ: كلُّ يومٍ لا يُعصَى اللَهُ فيه فهو عيدٌ.\nولهذا رُوي أنَّ خواصَّ أهلِ الجنة يزورون ربَّهم، وينظرونَ إليه كلَّ يومٍ\nمرتينِ بُكرةً وعشيًا.\nوقد خرَّجه الترمذيُّ من حديث ابنِ عمرَ - مرفوعًا، وموقوفًا.\nولهذا المعنى - واللَّهُ أعلمُ - لما ذكر النبي - ﷺ - الرؤيةَ في حديثِ جريرِ بنِ عبدِ اللَّهِ البجلي، أمرَ عقبَ ذلك بالمحافظة على الصلاةِ قبل طلوع الشمسِ وقبلَ غروبِها، فإنَّ هذينِ الوقتينِ وقتٌ لرؤيةِ خواصِّ أهلِ الجنةِ ربَّهم، فمن حافظَ على هاتينِ الصلاتينِ على مواقيتهما، وأدائهما.\nوخشوعهما، وحضورِ القلبِ فيهما، رُجي له أن يكون ممن ينظرُ إلى اللَّهِ في\nالجنةِ في وقتهما.\nفتبين بهذا: أن الأعيادَ تتعلقُ بإكمال أركانِ الإسلامِ، فالأعيادُ الثلاثةُ\nالمجتمَعُ عليها تتعلقُ بإكمال الصلاةِ والصيامِ والحج.\nفأمَّا الزكاة، فليس لها زمانٌ معينٌ تكملُ فيه. وأما الشهادتانِ، فإكمالُهما\nهو الاجتهادُ في الصدق فيهما، وتحقيقِهما والقيامِ بحقوقِهما.\nوخواصُّ المؤمنينَ يجتهدون على ذلكَ كلَّ يومٍ ووقتٍ، فلهذَا كانتْ أيامُهُم\nكلُّها أعيادًا، ولذلكَ كانتْ أعيادُهم في الجنةِ مستمرةً. واللَّهُ أعلم.\n* * *","vol":"1","page":394},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-74>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ </span>وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٦)\n[قالَ البخاريُّ]: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ\nخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فَخِذِي فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ","vol":"1","page":395},{"text":"فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ.\nقيل: إن الرواية هنا: \"فقامَ حتَّى أصبح \" ورواه في \"التفسيرِ\" بلفظ: \"فنام\nحتى أصبح \" وهو لفظُ مسلم، وكذا في \"الموطأ\".\nهذا السياقُ سياقُ عبدِ الرحمنِ بنِ القاسم لهذا الحديثِ عن أبيه، عن\nعائشة. وقد رواه هشامُ بنُ عُرْوةَ عن أبيه، عن عائشةَ فخالَفَ في بعضِ\nألفاظِه ومعانِيه مما لا يَضُرُّ. وقد خرَّجه البخاريّ في موضع آخرَ، وفي بعضِ\nألفاظِهِ اختلافٌ على عروة - أيضًا.\nومما خالفَ فيه: أنه ذكر أن عائشة استعارتْ قلادةً من أسماءَ فسقطتْ.\nوأنَّ النبيَّ - ﷺ - أرسلَ رَجُليْنِ في طلَبِها وليس معهما ماءٌ فنزلتْ آيةُ التيمم.\nوفي روايةٍ: أنَّهُما صلَّيا بغيرِ وضوءِ.\nوهذا يمكنُ الجمعُ بينه وبين حديثِ القاسم، عن عائشة بأن القلادة لمَّا\nسقطتْ ظنُّوا أنها سقطتْ في المنزلِ الماضى، فأرسلُوا في طلبِها وأقامُوا في\nمنزلهِم وباتُوا فيه، وفقد الجميعُ الماءَ حتى تعذَّر عليهم الوضوء.\nوفي حديثِ هشامٍ: أنَّ ذلك كان ليْلَةَ الأبواءِ.\nوفي روايةٍ عنه: أنَّ ذلك المكانَ كان يُقال له: الصلصل.\nوروى ابنُ إسحاقَ: حدثني يحيى بن عبَّادِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبيرِ، عن\nأبيه، عن عائشة، قالتْ: أقبلْنا مع رسولِ اللَّهِ - ﷺ - في بعضِ أسفاره، حتى إذا كنَّا بِتُرْبانَ - بلدٌ بينه وبين المدينةِ بَرِيدٌ وأميالٌ، وهو بلدٌ لا ماءَ به - وذلك من","vol":"1","page":396},{"text":"السَّحَر، انْسَلَّتْ قلادة لي من عُنُقِي فوقَعتْ - وذكر بقيةَ الحديثِ.\nخرَّجه الإمامُ أحمد.\nوقد رُوِي هذا الحديثُ من حديثِ عمَّارِ بن ياسرٍ - أيضًا - أنَّ النبيَّ - ﷺ - عَرَّسَ بأولاتِ الجيشِ ومعه عائشةُ، فانقطعَ عِقْد لها من جزع ظَفَاهـ، فحُبِس الناسُ ابتغاءَ عِقْدها ذلك حتى أضاءَ الفجرُ، وليس مع الناسِ ماء، فتغَيَّظ عليها أبو بكرٍ وقال: حبَسْتِ الناسَ وليس معهم ماء؟ فأنزلَ اللَّهُ على رسوله - ﷺ - رُخصةَ التطهر بالصعيدِ الطيب، فتيمم المسلمون مع رسولِ اللَّهِ - ﷺ -\nوذكر الحديثَ.\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود - وهذا لفظُهُ - والنسائي وابنُ ماجةَ.\nوفي إسنادِهِ اختلافٌ.\nوالآية التي نزلتْ بسببِ هذه القصةِ كانتْ آيةَ المائدة، فإنَّ البخاريَّ خرَّج\nهذا الحديثَ في \"التفسيرِ\" من كتابِهِ هذا من حديثِ ابنِ وهبٍ، عن عمرٍو\nعن عبدِ الرحمنِ بنِ القاسم، وقال في حديثِهِ: فنزلتْ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) هذه الآية ُ.\nوهذا السفرُ الذي سَقَط فيه قلادة عائشة أو عِقْدُها كان لغزوة المرَيْسِيع إلى\nبني المُصْطَلِق من خُزاعةَ سنةَ ستٍّ، وقيلَ: سنة خمسٍ، وهو الذي ذكره ابنُ\nسعدٍ عن جماعةٍ من العلماءِ، قالُوا: وفي هذه الغزوةِ كان حديثُ الإفْكِ.\nوقد ذكر الشافعيُّ: أنَّ قصة التيمم كانتْ في غزوةِ بني المُصْطَلِق، وقال:","vol":"1","page":397},{"text":"أخبرَني بذلك عددٌ من قريشٍ منْ أهلِ العلم بالمغازِي وغيرِهم.\nفإن قيلَ: فقد ذكر غيرُ واحدٍ، منهُم: ابنُ عبدِ البر: أنه يُحتملُ أنْ يكون\nالذي نزلَ بسببِ قصة عائشةَ الآيةُ التي في سورةِ النساءِ، فإنها نزلتْ قبلَ\nسورةِ المائدة بيقين، وسورةُ المائدةِ من أواخِر ما نزل من القرآنِ، حتى قيلَ:\nإنها نزلتْ كلُّها أو غالبُها في حَجَّةِ الوداع، وآيةُ النساءِ نزولها متقدِّم.\nوفي \"صحيح مسلم \" من حديثِ سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ أنها نزلتْ فيه لمَّا\nضَرَبَه رجلٌ قد سكِر بِلَحْي بعير، ففزَرَ أنْفَه.\nوفي \"سن أبي داودَ\" والنسائيِّ وابنِ ماجةَ، عن عليٍّ، أنَّ رجلًا صلَّى\nوقد شربَ الخمرَ، فخَلَّطَ في قراءتِهِ، فنزلتْ آيةُ النساءِ.\nفقد تبيَّن بهذَا: أنَّ الآيةَ التي في سورةِ النساءِ نزلتْ قبلَ تحريمِ الخمرِ.\nوالخمرُ حُرِّمتْ بعد غزوةِ أُحُدٍ، ويقال: إنها حرمتْ في محاصرةِ بني النضيرِ\nبعدَ أُحُدٍ بيسيرٍ، وآيةُ النساءِ فيها ذكر التيمم، فلو كانتْ قد نزلتْ قبل قصةِ عائشةَ لما توقفوا حينئذٍ في التيممِ، ولا انتظرُوا نزولَ آية أخرى فيه.\nقيلَ: هذا لا يصح؛ لوجوهٍ:\nأحدها: أنَّ سببَ نزولِ آيةِ النساءِ قد صحَّ أنه كانَ ما ينشأُ من شربِ الخمرِ\nمن المفاسدِ في الصلاةِ وغيرِها، وهذا غيرُ السببِ الذي اتَّفَقَتِ الرواياتُ عليه\nفي قصةِ عائشةَ، فدل على أنَّ قصةَ عائشةَ نزلَ بسببِها آيةٌ غيرُ آيةِ النساءِ.\nوليسَ سوى آيةِ المائدةِ.","vol":"1","page":398},{"text":"والثاني: أنَّ آيةَ النساءِ لم تُحَرِّم الخمرَ مطلقًا بل عند حضورِ الصلاةِ، وهذا\nكان قبلَ أحد، وقصة عائشةَ كانتْ بعد غزوةِ أُحُدٍ بغيرِ خلافٍ، وليسَ في\nقصَّتِها ما يناسبُ النهي عن قربانِ الصلاةِ مع السُّكْرِ حتى تُصَدَّر به الآيةُ.\nوأمَّا تصديرُ الآيةِ بذكرِ الوضوءِ فلم يكنْ لأصلِ مشروعيتِهِ، فإنَّ الوضوءَ\nكان شُرع قبلَ ذلك بكثيرٍ، كما سبقَ تقريرُه في أولِ \"كتابِ الوضوءِ\"، وإنَّما كان تمهيدًا للانتقالِ عنه إلى التيمم عندَ العجزِ عنه.\nولهذا قالتْ عائشةُ: فنزلتْ آيةُ التيمم، ولم تقل: آيةُ الوضوءِ.\nوالثالث: أنه قد ورد التصريحُ بذلكَ في \"صحيح البخاريِّ \" كما ذكرناه.\nوأمَّا توقُّفهم في التيممِ حتَّى نزلتْ آيةُ المائدةِ مع سبْقِ نزولِ التيممِ في\nسورة النساءِ، فالظاهرُ - واللَّهُ أعلمُ - أنَّهم توقَّفوا في جوازِ التيممِ في مثلِ\nهذه الواقعةِ، لأنَّ فَقْدَهم للماءِ إنما كانَ بسببِ إقامتِهِم لطلبِ عقْدٍ أو قلادة، وإرسالِهم في طلبِها من لا ماءَ معه مع إمكانِ سيرِهم جميعًا إلى مكانٍ فيه\nماءٌ، فاعتقدُوا أنَّ في ذلك تقصيرًا في طلبِ الماءِ، فلا يُباحُ معه التيممُ.\nفنزلتْ آيةُ المائدةِ مُبَيِّنةً جوازَ التيمم في مثلِ هذه الحالِ، وأنَّ هذه الصورةَ\nداخلةٌ في عمومِ آيةِ النساءِ.\nولا يُستبعدُ هذا، فقد كان طائفةٌ من الصحابةِ يعتقدونَ أنَّه لا يجوزُ\nاستباحةُ رُخَصِ السَّفرِ من الفطرِ والقَصْرِ إلا في سفرِ طاعةٍ دونَ الأسفارِ\nالمُباحةِ، ومنهم من خَصَّ ذلك بالسفرِ الواجبِ كالحجِّ والجهادِ، فلذلكَ توقَّفوا في جوازِ التيمم للاحتباسِ عن الماءِ لطلب شيءٍ من الدنيا حتى بيَّن لهم\nجوازَهُ ودخولَهُ في عمومِ قولهِ: (فَلَمْ تَجِدوا مَاءً)، ويدل ذلك على","vol":"1","page":399},{"text":"جوازِ التيمم في سفرِ التجارةِ وما أشبهه من الأسفارِ المباحةِ، وهذا مما يَستأنس به من يقول: إنَّ الرُّخَصَ لا تُستباح في سفرِ المعصية.\nوأمَّا دعوى نزول سورةِ المائدةِ كلِّها في حجِّةِ الوداع فلا تَصحُّ، فإن فيها\nآيات نزلتْ قبلَ ذلكَ بكثيرٍ، وقد صحَّ أن المقْدادَ قال للنبيِّ - ﷺ - يومَ بدرٍ: لا نقول لكَ كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهبْ أنتَ وربُّك فقاتِلا إنَّا هَا هُنا قاعدُون، فدل هذا على أنَّ هذه الآية نزلتْ قبل غزوةِ بدر. واللَّهُ أعلمُ.\nوقد ذكرَ اللَّهُ تعالى التيممَ في الآيتينِ بلفظ واحد، فقال فيهما:\n(وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ) .\nفقولُهُ تعالى: (وَإِن كنتُم مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ)، ذكر شيئين مبيحين\nللتيمم:\nأحدهما: المرضُ، والمرادُ به عندَ جمهورِ العلماءِ: ما كانَ استعمال الماءِ معه\nيُخشى منه الضررُ.\nوالثاني: السفرُ، واختلفُوا: هل هوَ شرطٌ للتيمم مع عدمِ الماءِ، أم وقعَ\nذكرُه لكونِهِ مظنَّة عدمِ الماءِ غالبًا، فإن عدمَ الماء في الحضرِ قليل أو نادرٌ، كما قال الجمهورُ في ذكرِ السفرِ في آيةِ الرَّهْنِ، أنَّهَ إنما ذُكِر السَّفرُ لأنه مظنَّةُ عدمِ الكاتب، وليس بشرط للرَّهنِ.\nوالجمهورُ: على أنَّ السفر ليس بشرط للرهنِ ولا للتيمم مع عدمِ الماءِ.\nوأنَه يجوزُ الرهنُ في الحضرِ، والتيمم مع عدمِ الماءِ في الحضرِ.\nوقالت الظاهريةُ: السفر شرطٌ في الرهنِ والتيمم.","vol":"1","page":400},{"text":"وعن أحمدَ روايةٌ باشتراطِ السفرِ للتيمم خاصةً، وحُكي روايةً عن أبي\nحنيفة وعن طائفة من أصحابِ مالكٍ.\nوعلى هذا: فلا فرق بين السفرِ الطويلِ والقصيرِ على الأصح عندهم.\nوقولُهُ: (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ منكُم منَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتمُ النِّسَاءَ) .\nقد قيل: إنَّ \"أو\" هنا بمعنى الواو، كما يقولُ الكوفيونَ ومنْ وَافَقَهُم، فإنه\nلما ذَكَر السببينِ المبيحينِ للتيمم، وهما التضررُ باستعمالِهِ بالمرضِ ومظنةُ فقْدِهِ\nبالسفرِ ذكر ما يُستباحُ منه الصلاةُ بالتيمم وهو الحدثُ، فإنَّ التيمم يُبيحُ\nالصلاةَ من الحدثِ الموجودِ ولا يرفعُه عند كثيرٍ من العُلماءِ، وهو مذهبُ\nالشافعيِّ، وظاهرُ مذهبِ أحمدَ وأصحابِه، ولهذا قالُوا: يجب عليه أن ينوي\nما يستبيحُه من العباداتِ وما يَستبيح فعلَ العباداتِ منه من الأحداثِ.\nوقالتْ طائفةٌ: بل التيمم يرفع الحدثَ رفْعًا مؤقتًا بعدمِ القدرةِ على\nاستعمالِ الماءِ، ورُبَّما استدل بعضُهم بهذه الآيةِ، وقالُوا: إنَّما أمرَ اللَّهُ بالتيمم مع وجودِ الحدثِ، ولو كانَ التيممُ واجبًا لكلِّ صلاةٍ أو لوقتِ كل صلاةٍ - كما يقولُهُ من يقول: إنَّ التيممَ لا يرفعَ الحدثَ، على اختلافٍ بينهم في ذلك - لما كان لذكرِ الحدثِ معنًى.\nوالأظهرُ - واللهُ أعلمُ -: أنَّ \"أو\" ها هُنا ليست بمعنى الواو، بل هي على\nبابها، وأُرِيدَ بها: التقسيم والتنويع، وأنَّ التيممَ يُباح في هذه الحالاتِ\nالثلاثِ، واثنتان منهما مَظِنَّتان، وهُما: المرضُ والسفرُ، فالمرضُ مظنَّة التضررِ باستعمالِ الماء، والسفر مظنة عدم الماءِ، فإن وُجدتْ الحقيقةُ في هاتينِ المظنتينِ جازَ التيممُ، وإلا فلا.","vol":"1","page":401},{"text":"ثمَّ ذكرَ قسمًا ثالثًا، وهو وجودُ الحقيقةِ نفسِها، فذكر أنَّ من كانَ مُحْدِثًا\nولم يجدْ ماءً فلْيَتَيمَّم، وهذا يشملُ المسافرَ وغيرَه، ففي هذا دليلّ على أنَّ\nالتيممَ يجوز لمن لم يجدِ الماءَ، مسافرًا كان أو غيرَ مسافرٍ، واللَّهُ أعلمُ.\nوقد ذكر سبحانَهُ حدثَين:\nأحدهما: الحدثُ الأصغرُ، وهو المجيء من الغائطِ، وهو كناية عن قضاء\nالحاجةِ والتَّخَلِي، ويلتحقُ به كلُّ ما كانَ في معناهُ، كخروج الريح أو\nالنجاساتِ من البدَنِ عندَ من يرى ذلكَ.\nوالثاني: ملامسةُ النساءِ، واختلفُوا: هل المرادُ بها الجماعُ خاصةً، فيكونُ\nحينئذٍ قد أمَرَ بالتيمم من الحدثِ الأصغرِ والأكبرِ، وفي ذلكَ رد على من\nخالفَ في التيمم للجنابةِ كما سيأتي ذكْرُهُ - إن شاءَ اللَّهُ تعالى - أو المرادُ\nبالملامسةِ مقدِّماتُ الجِماع من القُبْلةِ والمباشرةِ لشهوة، أو مطلقُ التقاء\nالبَشْرَتين، وعلى هذين القولينِ فلم يذكر في الآيةِ غير التيمم من الحدث\nالأصغر.\nوقولُه تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً)، متعلِّق بمن أحدثَ، سواء كان\nعلى سفر أو لم يكنْ، كما سبق تقريرُه، دون المريضِ، لأنَّ المريضَ لا يُشترط لتيممه فقْدُ الماءِ، هذا هو الذي عملَ به الأُمة سلفًا وخلفًا.\nوحُكِيَ عن عطاءٍ والحسنِ: أنَّ فقْدَ الماء شرط للتيمم مع المرض - أيضًا -\nفلا يُباحُ للمريض أن يتيممَ مع وجودِ الماءِ وإن خشي التلفَ.\nوهذا بعيدُ الصحةِ عنهما، فإنه لو لم يَجُزِ التيممُ إلا لفقدِ الماء لكان ذِكْرُ\nالمرضِ لا فائدةَ له.","vol":"1","page":402},{"text":"وقولُهُ: (فَتَيَمَّمُوا)، أصلُ التيمم في اللغةِ القصدُ، ثم صارَ علمًا\nعلى هذه الطهارةِ المخصوصةِ.\nوقولُهُ: (صَعِيدًا)، اختلَفُوا في المرادِ بالصعيدِ، فمنهُم من فَسَّره\nبما تصاعدَ على وجهِ الأرضِ من أجزائها، ومنهم: من فسره بالتراب خاصةً.\nوقولُهُ: (طَيِّبًا)، فسره من قال: الصعيدُ: ما تصاعدَ على وجهِ\nالأرضِ \" بالطاهرِ، ومن فسره بالترابِ، قال: المرادُ بالصعيدِ التراب المُنْبِت، كقوله تعالى: (وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُج نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ)، وهذا مذهبُ\nالشافعيِّ وأحمدَ في المشهورِ عنه.\nوقال ابنُ عباسٍ: الصعيدُ الطيبُ ترابُ الحَرْثِ.\nوقولُهُ: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ)، كقولِهِ في الوضوءِ:\n(وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) .\nوقد ذكرنا فيما سبَقَ في \"أبوابِ الوضوءِ\" أنَّ كثيرًا من العلماءِ أوجبوا\nاستيعاب مسح الرأسِ بالماءِ، وخالفَ فيه آخرونَ، وأكثرُهم وافقُوا هاهُنا.\nوقالُوا: يجبُ استيعابُ الوجهِ والكفينِ بالتيمم، ومنهُم من قال: يُجْزِئُ\nأكثرُهما، ومنهم من قال: يجزئُ مسحُ بعضِهما كالرأسِ - أيضًا.\nوقولِ النبيِّ - ﷺ - لعمَّار: \"إنَّما يكفيك أن تضرب بيديك الأرضَ، ثم تمسحُ بهما وجهك وكفَّيْك \"يردُّ ذلك ويبينُ أنَّ المأمورَ به مسحُ جميعهما.\nوسيأتِي الكلامُ على حدِّ اليدينِ الأمورِ بمسحِهِما في التيممِ - إن شاءَ\nتعالى.\nوقولُهُ تعالى: (مِّنْهُ) يستدل به منْ قال: لا تيمم إلا بترابٍ لَهُ","vol":"1","page":403},{"text":"غبارٌ يعلق باليدِ، فإن قوله: (مِّنْهُ)، يقتضي أن يكونَ الممسوحُ به\nالوجهُ واليدان بعض الصعيدِ، ولا يمكنُ ذلك إلا فيما له غبارٌ يَعْلَق باليد حتى\nيقع المسح به، ومَنْ خالَفَ في ذلك، جعَل \"مِن\" هاهُنا لأبعد الغاية، لا\nللتبعيض، وهو بعيد يأباه سياق الكلامِ، واللَّهُ تعالى أعلم.\n* * *\nوقد أجمع العلماءُ على أنَّ مسح الوجهِ واليدينِ بالترابِ في التيمم فرضٌ\nلا بدَّ منه في الجملةِ، فإنَّ اللهَ تعالى يقولُ: (فَامْسَحوا بِوجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ) .\nولكن اختلفوا في قَدْر الفَرْضِ من ذلك:\nفأمَّا \" الوجهُ \":\nفمذهبُ مالكٍ والشافعيَ وأحمدَ وجمهورِ العلماءِ: أنه يجب استيعابُ\nبشرتِهِ بالمسح بالترابِ، ومسْحُ ظاهرِ الشعرِ الذي عليه، وسواءٌ كان ذلك\nالشعر يجب إيصالُ الماءِ إلى ما تحتَه كالشعرِ الخفيفِ الذي يَصِفُ البشرةَ، أم\nلا، هذا هو الصحيحُ.\nوفي مذهبِنَا ومذهبِ الشافعيِّ وجهٌ آخرُ: أنه يجب إيصالُ الترابِ إلى ما\nتحتَ الشعورِ التي يجبُ إيصالُ الماءِ إلى ما تحتها، ولا يجبُ عند أصحابِنَا\nإيصالُ الماءِ إلى باطنِ الفم والأنفِ، وإن وجبَ عندهم المضمضةُ والاستنشاقُ\nفي الوضوءِ.\nوعن أبي حنيفةَ روايات، إحدَاهَا: كقولِ الشافعيِّ وأحمدَ.","vol":"1","page":404},{"text":"والثانية: إن ترك قدرَ درْهم لم يُجزئْه، وإن تركَ دونَهُ أجْزأه.\nوالثالئةُ: إن تركَ دون ربع الوجهِ أجَزأه، وإلا فلا.\nوالرابعةُ: إن مسح أكثره وترك الأقل منه أو من الذراع أجزأه، وإلا فلا، وحكاهُ الطحاويُّ عن أبي حنيفةَ وأبي يوسفَ وزُفَرَ.\nوحكى ابنُ المنذرِ، عن سُليْمان بن داودَ الهاشميِّ: أن مسحَ التيمم حُكْمُه\nحكْمُ مسح الرأس في الوضوءِ، يجزئُ فيه البعضُ.\nوكلامُ الإمامِ أحمدَ يدلُّ على حكايةِ الإجماع على خلافِ ذلك.\nقال الجوزجانيُّ: ثنا إسماعيلُ بنُ سعيدِ الشالنجيُّ، قال: سألتُ أحمدَ بن\nحنبلٍ عمن ترك مسحَ بعضِ وجههِ في التيمم؟\nقال: يُعيدُ الصلاةَ. فقلتُ له:\nفما بالُ الرأسِ يجزئُ في المسح ولم يَجُز أن يتركَ ذلكَ من الوجهِ في التيمم؟\nفقال: لم يبلغْنا أن أحدًا تركَ ذلك من تيممه.\nقال الشَّالنجي: وقال أبو أيُّوبَ - يعني: سليمانَ بنَ داودَ الهاشميَّ يجزئه\nفي التيمم إن لم يُصب بعضَ وجهه أو بعضَ كفَّيه، لأنه بمنزلةِ المسح على\nالرأس؛ إذا تركَ منه بعضًا أجزأه.\nقال الجوزجانيُّ: فذكرتُ ذلك ليحى بنِ يحيى - يعني: النَّيْسابوريَّ فقال:\nالمسحُ في التيمم كما يَمْسَحُ الرأسَ، لا يتعمَّد لتركِ شيء من ذلكَ، فإنْ بَقِيَ شيء منه لم يُعِدْ، وليسَ هو عندي بمنزلةِ الوضوءِ.\nقال الجوزجانيُّ: لم نسمعْ أحدًا يتَّبِعُ ذلكَ من رأسِهِ في المسح، ولا بينَ\nأصابِعِه في التيممِ كما يتَّبِعُوا في الوضوءِ بالتخليلِ، فأحسن الأقاويل منها ما\nذكَرَه يحيى بن يحيى: أن لا يتعمَّد تركَ شيء من ذلك، فإن بقي شيءٌ لم\nيُعِد. انتهى.","vol":"1","page":405},{"text":"وظاهرُ هذا: يدلُّ على أنَّ مذهبَ سليمانَ بنِ داودَ ويحيى بن يحيى\nوالجوزجانيَّ: أنه إذا ترك شيئًا من وجهه ويديه في التيمم لم يُعِد الصلاةَ.\nونقل حرْب، عن إسحاقَ، أنه قال: تضربُ بكفَّيْك على الأرضِ، ثم\nتمْسح بهما وجهَك، وتَمُرُّ بيديك على جميع الوجه واللِّحْية، أصابَ ما\nأصابَ وأخطأ ما أخطأ، ثم تضرب مرة أخرى بكفَّيْك.\nومُرادُ إسحاقَ: أنه لا يشترط وصولُ الترابِ إلى جميع أجزاءِ الوجهِ كما\nيقولُهُ من يقولُهُ من الشافعيَّةِ وغيرِهم، حتى نص الشافعي: أنه لو بَقَيَ من\nمَحِلِّ الفرض شيء لا يدركه الطَّرْفُ لم يصحَّ التيممُ.\nواستشكل أبو المعالِي الجُوَيْنىُّ تحقُّق وصولِ الترابِ إلى اليدينِ إلى المرفقينِ\nبضربةٍ واحده، وقالَ: الذي يجبُ اعتقادُه أنَّ الواجبَ استيعابُ الَمَحِلِّ بالمسح باليدِ المغبَّرةِ من غير ربطِ الفكر بانبساطِ الغبارِ على جميع المحل.\nقال: وهذا شيء أظهر به، ولم أرَ منه بُدًّا.\nوحكى ابنُ عطية في \"تفسيرِهِ \" عن محمدِ بنِ مسلمةَ من المالكية: أنه لا\nيجبُ أن يُتْبَعَ الوجهُ بالترابِ كما يُتْبعُ بالماءِ، وجعله كالخُفِّ وما بين الأصابع\nفي اليدينِ - يعني: في التيمم.\nوحكى في وجوبِ تخليلِ الأصابع وتحريكِ الخاتَم قولينِ لأصحابِهِم:\nبالوجوبِ، والاستحبابِ.\nوحكَى ابنُ حزمٍ في وجوبِ تخليلِ اللحيةِ بالترابِ اختلافًا.\nوأما \" اليدانِ \":\nفأكثرُ العلماءِ على وجوبِ مسح الكفين: ظاهرهما وباطنهما بالترابِ إلى","vol":"1","page":406},{"text":"الكُوعين، وقد ذكرنا أن بعض العلماء لم يوجب استيعابِ ذلك بالمسح.\nوحكى ابنُ عطية عن الشَّعْبيِّ: أنه يمسح الكفينِ فقطِ، لحديثِ عمَّارٍ، وأنَّه\nلم يُوجبْ إيصال الترابِ إلى الكُوعين، وهذا لا يصحُّ. واللَّهُ أعلم.\nوإنَّما المرادُ بحديثِ عمَّارٍ، وبما قالُه الشعبيُّ وغيرُه من مسح الكفينِ:\nمسحُهما إلى الكُوعين، وقد جاء ذلك مقيَّدًا، رواه أبو داود الطيالسيُّ.\nعن شعبةَ، عن الحكَم: سمعَ ذَرَّ بن عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ عبدِ الرحمنِ بنِ\nأبْزَى، عن أبيه، عن عمَّارٍ، أنَ النبيَّ - ﷺ - قالَ لهُ: \"إنَّما كان يُجزئك \" وضربَ رسول اللَّهِ - ﷺ - بيدهِ الأرضَ إلى الترابِ، ثم قال: \"هكذا\"، فنفخَ فيها.\nومسَحَ وجهه ويديهِ إلى المفْصَلِ، وليسَ فيه الذراعانِ.\nورَوى إبراهيمُ بنُ طهْمان، عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ، عن عمَّارٍ بنِ\nياسرٍ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال له: \"إنَّما كان يكفيك أنْ تضْرِبَ بكفيك في الترابِ، ثم تنْفُخ فيهما، ثم تمسحُ بهما وجهك وكفيك إلى الرُّسْغَيْنِ \".\nخرَّجه الدارقطنيُّ وقال: لم يَروه عن حُصَين مرفوعًا غيرُ إبراهيمَ بنِ\nطهمانَ، ووقفه شعبةُ وزائدةُ وغيرُهما.\nيعني: أنهم رَوَوْه عن حُصينٍ، عن أبي مالكٍ، عن عمَّارٍ موقوفًا.\nوالموقوفُ أصحُّ -: قاله أبو حمادتمٍ الرَّازيُّ.\nوأبو مالكٍ، قال الدارقطنيُّ: في سماعِه من عمَّارٍ نظرٌ، فإن سلمةَ بنَ","vol":"1","page":407},{"text":"كُهَيلٍ رواه عن أبي مالكٍ، عن ابنِ أبْزَى، عن عمَّارٍ.\nوقال أبو حاتمٍ: يُحتمل أنه سمع منه.\nوأبو مالكٍ، هو: الغِفاريُّ، سُئل أبو زرعةَ: ما اسمه؟\nفقال: لا يُسمى.\nوقال السهيليُّ: اسمُهُ حبيبُ بنُ صُهْبانَ.\nوفيما قاله نظرٌ؛ فإن حبيبَ بنَ صهبانَ هو: أبو مالكٍ الكاهليّ الأسديُّ.\nوأما الغفاريُّ فاسمه: غزوانُ -: قالهُ ابنُ معينٍ. وقد فرَّق بينهما ابنُ أبي\nحاتمٍ، ووقع في بعضِ نُسخ البخاريِّ، غير أنَّ البخاريَّ متوقفٌ غيرُ جازمٍ\nبأنَّ حبيبَ بنَ صُهبانَ يكنى: أبا حاتمٍ، ولا أنَّ أبا مالكٍ الغِفاريَ اسمُه:\nغزوانُ.\nورُوِيَ حديثُ عمَّارٍ على وجهٍ آخرَ: فروى الأعْمشُ، عن سلمةَ بنِ\nكُهَيلٍ، عن عبدِ الرحمن بن أبْزَى، عن عمَّار، أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال له: \"إنما كان يكفيك هكذا\" ثم ضرب بيديه الأرض، ثم ضرب إحداهما على الأخرَى، ثم مسح وجهه، والذراعينِ إلى نصفِ الساعدينِ، ولم يبلغ المرفقينِ، ضربةً واحدةً.\nخرَّجه أبو داود.\nوخرَّجه - أيضًا - من طريقِ سفيانَ الثوريِّ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن\nأبي مالك، عن عبدِ الرحمن بن أبزى، قالَ: كنتُ عند عمرَ، فقال عمَّار:\nقال النبيُّ - ﷺ -: \"إنما كان يكفيك أن تقول هكذا\" وضربَ بيديه إلى الأرضِ، ثم نفخهما، ثم مسح بهما وجهه ويديه إلى نصفِ الذراع.","vol":"1","page":408},{"text":"وخرَّجه النسائيُّ من طريقِ سفيانَ، عن سلمةَ، عن أبي مالكٍ - وعن\nعبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبْزى، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبْزى، قال:\nكنَّا عند عمر - فذكر الحديثَ، وفيه: ثم مسح وجهه وبعضَ ذراعيهِ.\nوقد رواه عن سلمةَ بنِ كُهَيْل: شعبةُ، وسفيانُ، والأعْمش، واختُلِفَ\nعنهم في إسنادِهِ.\nوقد تقدَّمَ: أن في رواية شعبةَ أن سلمةَ شكَّ: هل ذكر فيه الذراعين، أو\nالكفين خاصةً، وهذا يدل على أن ذكْرَ الذراعينِ أو بعضهِمَا لم يحفظه\nسلمةُ، إنَّما شكَّ فيه، لكنَّه حفظ الكفينِ وتيقنَهُما، كما حفظه غيره.\nوعلى تقديرِ أن يكون ذكرُ بعضِ الذراعينِ محفوظا فقد يحملُ على\nالاحتياطِ لدخولِ الكوعينِ، أو يكونُ من بابِ المبالغةِ وإطالةِ التَّحجيلِ، كما\nفعلَهُ أبو هريرةَ في الوضوءِ، وقد صرَّح الشافعيةُ باستحبابِهِ في التيمم -\nأيضًا.\nوقد رُويَ عن قتادةَ، قال: حدَّثني محدِّثٌ عن الشعبيِّ، عن عبدِ الرحمنِ\nبن أبْزى، عن عمَّارِ بن ياسرٍ، أنَّ رسولَ اللَهِ - ﷺ - قال: \"إلى المرفقين \".\nخرَّجه أبو داود.\nوهذا الإسنادُ مجهولٌ لا يَثْبُت.\nوالصحيحُ: عن قتادةَ، عن عزرةَ، عن سعيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبيهِ.\nعن عمَّارٍ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - أمرَهُ بالتيمم للوجه والكفينِ.","vol":"1","page":409},{"text":"خرَّجه الترمذيُّ وصححه.\nوخرَّجه أبو داود، ولفظُه: أنَ النبي - ﷺ - أمرَه في التيمم: ضربةً واحدةً للوجه والكفينِ.\nوقد روي عن عمَّارٍ، أنَهم تيمَّموا مع النبيِّ - ﷺ - إلى المناكب والآباطِ: من روايةِ الزهريِّ، عن عُبيد اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ عُتْبةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن عمَّارٍ، قال: نزلتْ رخصةُ التطهر بالصَّعيد الطيب، فقام المسلمون مع النبي - ﷺ -، فضربوا بأيديهم الأرضَ، ثم رفعوا أيديَهم ولم يَقبضوا من الترابِ شيئًا، فمسحوا بها وجوهَهم وأيديَهم إلى المناكبِ، ومن بُطُون أيديهم إلى الآباط.\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ.\nوقد اختُلِفُ في إسنادِهِ على الزهري:\nفقيل: عنه، كما ذكرنا.\nوقيل: عنه، عن عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّه بنِ عُتْبةَ، عن أبيهِ، عن عمَّارٍ.\nكذا رواه عنه: مالكٌ وابنُ عُيْينةَ، وصحَّحَ قولهما أبو زُرعةَ وأبو حازمٍ\nالرَازِيَانِ.\nوقيل: عن الزِّهريِّ، عن عُبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن عمَّارٍ - مرسلًا.\nوهذا حديث منكر جدًّا، لم يزلِ العلماءُ يُنكرونه، وقد أنكَرَهُ الزهريُّ\nراويه، وقال: هو لا يعتبر به الناسُ -: ذكره الإمامُ أحمد وأبو داود","vol":"1","page":410},{"text":"وروي عن الزهريِّ، أنه امتنع أن يُحَدِّث به، وقال: لم أسمعْه إلا من\nعُبَيْدِ اللَّهِ، ورويَ عنه، أنه قالَ: لا أدْري ما هو؟!.\nوروي عن مكحولٍ، أنه كان يغضبُ إذا حدَّث الزهريُّ بهذا الحديثِ.\nوعن ابنِ عُيَيْنة، أنه امتنع أن يُحدِّث به، وقال: ليسَ العملُ عليه.\nوسئل الإمامُ أحمدُ عنه، فقالَ: ليسَ بشيء - وقال - أيضًا -: اختلفُوا\nفي إسنادِهِ، وكانَ الزهريُّ يهابُه، وقال: ما أرى العملَ عليه.\nوعلى تقديرِ صحَّتِه، ففي الجوابِ عنه وجهانِ:\nأحدهما: أن النبيَّ - ﷺ - لم يُعلِّمْ أصحابَهُ التيممَ على هذهِ الصفَةِ، وإنَّما فعلوه عند نزولِ الآيةِ، لظنِّهم أن اليدَ المطلقةَ تشملُ الكفينِ والذراعينِ والمَنْكبَيْن والعضدين، ففعلُوا ذلكَ احتياطا كما تمعَّك عمَّار بالأرض للجنابةِ، وظنًّ أنَّ تيمُّمَ الجُنُبِ يعُمُّ البدنَ كلَّه كالغُسلِ، ثم بيَّن النبي - ﷺ - التيممَ بفعلِهِ.\nوقولِه: \"التيمم للوجه والكفين \" فرجَعَ الصحابةُ كلُّهم إلى بيانِهِ - ﷺ -، ومنهم عمَّار راوِي الحديثِ، فإنه أفتى أن التيممَ ضربة للوجهِ والكفينِ، كما رواه حُصينٌ، عن أبي مالكٍ، عنه، كما سبق.\nوهذا الجوابُ ذكره إسحاقُ بنُ راهويه وغيره من الأئمةِ.\nوالثاني: ما قالهُ الشافعيُّ، وأنّه إن كان ذلكَ بأمْرِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، فهو منسوخ، لأنَّ عمَّارًا أخْبر أن هذا أولُ تيمُّم كان حينَ نزلتْ آيةُ التيمم، فكلُّ تيمَّم كان للنبيِّ - ﷺ - بعدَهُ مخالفٌ له، فهو له ناسح.\nوكذا ذكر أبو بكر الأثرم وغيرُه من العلماءِ.\nوقد حكى غيرُ واحدٍ من العلماءِ عن الزهري، أنَّه كان يذهبُ إلى هذا","vol":"1","page":411},{"text":"الحديثِ الذي رواه.\nورُوي عن عبدِ الوهَّابِ بنِ عطاءٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، أن الزُّهريَّ\nقال: التيمم إلى الآباط، قال سعيد: ولا يُعجبنا هذا..\nقلت: قد سبقَ عن الزهري أنه أنكر هذا القول، وأخبر أن الناس لا\nيعتبرونَ به، فالظاهرُ أنه رجع عنه لما علم إجماع العلماءِ على مخالفتِهِ.\nواللَّهُ أعلمُ.\nوذهبَ كثيرٌ من العلماءِ إلى أنه ينتهي المسحُ لليدين بالترابِ إلى المرفقينِ.\nهذا مروي عن ابنِ عمرَ وجابرٍ - وروي - أيضًا - عن سالم بنِ\nعبدِ اللَّه، والشَّعْبيِّ، والحسنِ، والنخَعِيَّ، وقتادةَ، وسفْيانَ، وابن المباركِ.\nواللَّيْثِ، ومالكٍ، والشافعيِّ، وأبي حنيفةَ وأصحابِهِ.\nواستدلَّ بعضُهم: بالأحاديثِ المرفوعةِ المروية في ذلكَ، ولا يثبت منها\nشيء، كما سبق الإشارةُ إلى ذلك.\nواستدلُّوا - أيضًا -: بأنَّ اللَّه تعالى أمرَ بغسلِ اليدينِ في الوضوءِ إلى\nالمرفقين، ثم ذكر في التيمم مسحَ الوجهِ واليدينِ، فينصرفُ إطلاقهما في\nالتيمم إلى تقييدِهِما في الوضوءِ، لا سيَّما وذلكَ في آيةٍ واحده. فهُوَ أولى\nمنْ حَمْلِ المُطْلَقِ علي المُقَيَّدِ في آيتينِ.\nوأجابَ من خالفَهُم: بأن المطلق إنما يحملَ على المقيدِ في قضيةٍ واحدة.\nوالوضوءُ والتيممُ طهارتانِ مختلفتان، فلا يصحُّ حمْلُ مطلقِ أحدِهما علَّىَ\nمقيدِ الآخرِ.\nويدلُّ على ذلك: أن أصحابَ النبيِّ - ﷺ - عند نزولِ آيةِ التيمم لم يَفهموا","vol":"1","page":412},{"text":"حملَ المطلقِ على المقيدِ فيها، بل تيمَّمُوا إلى المناكبِ والآباطِ، وهم أعلمُ\nالناسِ بلُغةِ العربِ، ثم بيَّن النبيُّ - ﷺ - أن التيممَ للوجهِ والكفينِ، وهو - أيضًا - يُنافي حمْلَ المطلقِ على المقيدِ فيها.\nوذهب آخرونَ: إلى أن التيممَ يمسح فيه الكفان خاصةً.\nوقد حكى ابنُ المنذرِ لأهلِ هذه المقالةِ قولينِ: أحدهما: يمسحُ الكفين إلى\nالرسغينِ، وحكاه عن عليٍّ، والثاني: يمسحُ الكفين مطلقًا، قال: هو قولُ\nعطاءٍ، ومكحولٍ، والشعبي، والأوزا عيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ.\nقال: وبهذا نقولُ للثابتِ عن نبيِّ الله - ﷺ -، أنَّه قال: \"التيممُ ضربة للوجهِ والكفينِ \".\nقلتُ: هذا يُوهم أن من قالَ بمسح الوجهِ والكفين، أنه لا ينتهي مسحُهُما\nإلى الكوعين، وهذا كما حكاهُ ابنُ عطيّة عن الضعبيِّ، كما سبق عنه، وليس\nهذا قولُ الأئمةِ المشهورينَ.\nوقد روى داودُ بنُ الحُصَيْنِ، عن عكرمة، عن ابنِ عباسٍ، أنه سُئل عن\nالتيمم، فقال: إنَّ اللَّهَ قال في كتابِهِ حينَ ذكر الوضوءَ:\n(فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُم وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)، وقال في التيممِ: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكمْ وَأَيدِيكُم منه)، وقال: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا)، فكانتِ السُّنةُ في القطع الكفين، إنما هو: الوجهُ والكفينِ - يعني: التيمم.\nخرَّجه الترمذيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ غريب.\nوروى الحكمُ بنُ أبانِ، عن عكرمةَ هذا المعنى - أيضًا.","vol":"1","page":413},{"text":"وكذلك استدلَّ بهذا الدليلِ مكْحُولٌ وأحمدُ وغيرُهما من الأئمةِ، وقالُوا:\nإنَّ القطعَ يكونُ من الرُّسْغ، فكذلك التيممُ.\nوالرسغُ: هو مَفْصل الكفِّ، وله طرفانِ هما عظمانِ، فالذي يلِي الإبهامَ\nكوعٌ، والذي يلي الخِنْصرَ كُرسُوعٌ.\nومضمون هذا الاستدلال: أن اليدَ إذا أُطلقتْ انصرفتْ إلى الرُّ سغْ، وإن\nقيّدت بموْضِع تقيدتْ به، فلما قيدتْ بالمرفقين في الوضوءِ وجبَ غَسْلُ\nالذراعينِ إلى المرفقين، ولما أُطلقتْ في التيمم وجبَ إيصالُ الترابِ إلى\nالرسغ، كما تُقطع يدُ السارقِ ويدُ المحاربِ منه.\nوكذا قالَ الأوزاعيُّ: التيممُ ضربةٌ للوجهِ والكفينِ إلى الكُوعينِ.\nوكذلك نص إسحاقُ على أنَّ التيممَ يبلغ إلى الرسغ، وخطَّأ من قال: لا\nيُجزئ ذلك. وقال: الصحيحُ عن النبيِّ - ﷺ - المعروفُ المشهورُ الذي يرويه الثقة عن الثقة بالأخبارِ الصحيحةِ: أنَّ النبيَّ - ﷺ - علَّم عمَّارَ بنَ ياسرٍ التيممَ للوجهِ والكفينِ، قال: وعلى ذلكَ كان عليٌّ بنُ أبي طالبٍ، وعبدُ اللَّهِ بن عباسٍ، والشعبيُّ، وعطاءٌ، ومجاهدٌ، ومكحُولٌ وغيرُهم، فلا يجوزُ لأحد أن يدَّعي على هؤلاء أنهم لم يعرِفُوا التيممَ.\nقال: ولو قالُوا: الذراعين أحبُّ إلينا اختيارًا لكان أشْبَهُ.\nوروى حرْبٌ بإسنادِهِ، عن زائدة، عن حُصينِ بنِ عبدِ الرحمنِ، عن أبي\nمالكٍ، عن عمَّارٍ، أنه غَمَس باطنَ كفَّيْه بالترابِ، ثم نفخ يدَه، ثم مسح\nوجهَهُ ويديه إلى المفْصلِ.\nوبإسنادِهِ: عن عبدِ العزيزِ بن أبي رَوَّادٍ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، قالَ:","vol":"1","page":414},{"text":"التيممُ ضَرْبَتَانِ: ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ للكفَّيْنِ.\nقال: وثنا أحمدُ بنُ حنبل: ثنا سليمانُ بنُ حيَّانَ: أبنا حجَّاج، عن عطاءٍ\nوالحَكَم، عن إبراهيمَ، قال: التيممُ ضربتانِ للكفين والوجهِ.\nقال: وثنا محمودُ بنُ خالدٍ: ثنا الوليدُ بنُ مسلمٍ، عن حامدٍ وسعيدِ بنِ\nبشيرٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المسيبِ، قال: التيممُ ضربة واحدةٌ للوجهِ\nوالكفين.\nقال الوليدُ: وأبنا الأوزاعيُّ، عن عطاءٍ، أنه كان يقولُ في التيمم: مسحة\nواحدة للوجهِ، ثم ضربة أخرى لكفَّيْه، وبه يأخذُ الأوزاعيُّ.\nوروى حرْبٌ بإسنادِهِ عن إسماعيلَ بنَ أبي خالدٍ، قال: سألتُ الشَّعْبيَّ عن\nالتيممَ؛ فضربَ بيديه الأرضَ، ثم قرن إحداهما بالأخرى، ثم مسح وجهه\nوكفيه.\nقال حرْبٌ: سمعتُ أبا عبدِ اللَّهِ أحمدَ بنِ حنْبَل، يقول: والتيممُ ضربةٌ\nواحدة للوجهِ والكفينِ، يبدأُ بوجههِ، ثم يمسحُ كفَّيهِ إحداهُما بالأخرَى، قيل\nله: صحَّ حديثُ عمَّارٍ، عن النبيِّ - ﷺ - في ذلك، قال: نعَمْ، قد صح.\nوالقول بأنَّ الواجبَ في التيمم مسحُ الكفينِ فقط: رواية عن مالكٍ، وقول\nقديم للشافعيِّ، قال في القديمِ - فيما حكاه البيهقيُّ في \"كتابِ المعرفةِ\" -:\nقد رُوي عن النبيِّ - ﷺ - في الوجهِ والكفينِ، ولو أعلمُه ثابتًا لم أعدهُ، قال: فإنه ثبت عن عمَّارٍ، عن النبيِّ - ﷺ - الوجه والكفين، ولم يثبت إلى المرفقينِ، فما يثبت عن النبيِّ - ﷺ - أولى، وبهذا كان يُفتي سعيدُ بنُ سالمٍ، انتهى.\nومن العلماءِ من قال: الواجبُ مسحُ اليدينِ إلى الكُوعَيْنِ، ويُستحبُّ","vol":"1","page":415},{"text":"مسحُهما إلى المرفقينِ، ولعله مرادُ كثيرٍ من السَّلَفِ - أيضًا - فإنَّ منهم من\nرُوي عنه: إلى الكُوعين، وروي عنه: إلى المرفقينِ، كالشعبيِّ وغيرِه، فدل\nعلى أن الكُلَّ عندَهُم جائز.\nوهو - أيضًا - رواية عن مالكٍ، وقول وكيع، وإسحاقَ، وطائفةٌ من\nأصحابِنا، وحكَوْه روايةً عن أحمدَ، والمنصوصُ عنه يدلُّ على أن ذلك جائزٌ.\nلا أنه أفضلُ.\nوسيأتي ذكْرُ الضربةِ الواحدةِ، والضربتين فيما بعد - إن شاء اللَّه تعالى.\nفإن البخاريَّ أفْرَدَ لذلك بابًا.\n* * *\nوقد صحَّ عن النبيِّ - ﷺ - أمْرُ الجنبِ إذا لم يجدِ الماءَ بأن يتيمَّمَ ويصلِّي، في حديث عمرانَ بنِ حُصينٍ المتقدمِ، وحديثِ عمَّارٍ، ورويَ - أيضًا - من حديثِ أبي ذرٍّ وغيرِه.\nوشُبهةُ المانعينَ: أن اللهَ تعالى قال: (وَلا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَى تغْتَسِلُوا)\n، وقال: (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَهَّرُوا) - يعني به: الغُسْلَ - ثم\nذكرالتيممَ عند فقْدِ الماءِ بعد ذكره الأحداثَ الناقضةَ للوضُوءِ، فدل على أنَّه\nإنَما رخَّصَ في التيمم عثدَ عدمِ الماءِ لمن وُجدتْ منه هذه الأحداثُ، وبقِيَ\nالجُنُبُ مأمورًا بالغسلِ بكلِّ حالٍ.\nوهذا مردودٌ؛ لوجهينِ:\nأحدهما: أنَّ آيةَ الوضوءِ افتتحتْ بذكر الوضوءِ، ثم بغسلِ الجنابةِ، ثم أمرَ","vol":"1","page":416},{"text":"بعد ذلك بالتيمم عند عدمِ الماءِ، فعادَ إلى الحدثينِ معًا.\nوإن قيلَ: إنه يعود إلى أحدهما، فعودُه إلى غسلِ الجنابةِ أولى، لأنه أقربُهُما، فأما عودُه إلى أبعدِهِم وهو - وضوءُ الصلاةِ - فممتنعٌ.\nوأمَّا آيةُ سورةِ النساءِ، فليسَ بها سوى ذكرِ الجنابةِ، وليسَ للوضوءِ فيها\nذكرٌ، فكيفَ يعودُ التيممُ إلى غيرِ مذكورِ فيها، ولا يعودُ إلى المذكورِ.\nوالثاني: أنَّ كلتا الآيتينِ: أمر اللَّهُ بالتيمم من جاء من الغائط، ولمَسَ النساءَ أو لم يجد الماءَ، ولَمْسُ النِّساءِ إما أن يراد به الجِماعُ خاصةً، كما قاله ابنُ عباسٍ وغيرُه، أو أنه يدخل فيه الجماعُ وما دونه من الملامسةِ لشهوةٍ كما يقولُه غيرُهُ، فأما أن يُخَصَّ به ما دون الجماع ففيه بُعْدٌ.\nولمَّا أوردَ أبو موسى على ابنِ مسعودٍ الآيةَ تحيَّر ولم يْدرِ ما يقول، وهذا\nيدلُّ على أنه رأى أن الآية يدخل فيها الجنب كما قاله أبو موسى.\nوفي أمْرِ النبيِّ - ﷺ - الجنبَ العادِمَ للماءِ أن يتيمَّمَ ويصلِّي دليلٌ على أنه - ﷺ - فهِمَ دخولَ الجنبِ في الآيةِ، وليس بعد هذا شيء.\nورَدُّ ابنِ مسعودٍ تيممَ الجنبِ، لأنه ذريعةٌ إلى التَّيَمُّم عندَ البردِ؛ لم يوافقْ\nعليه، لأنَّ النصوصَ لا تُرَدُّ بسدِّ الذرائع، وأيضًا، فيقالُ: إن كان البردُ\nيخشى معه التلف أو الضرر فإنه يجوز التيمم معه كما سبق.\nوقد روى شُعْبةُ، أنَّ مُخارِقًا حدثهم، عن طارق، أنَّ رجلًا أجنبَ فلم\nيصلِّ، فأتى النبيَّ - ﷺ - فذكر ذلك له، فقالَ لهُ: \"أصَبْتَ \"، وأجنب رجل آخرُ فتيمم وصلَّى، فأتاه - ﷺ -، فقال له نحوًا مما قال للآخرِ - يعني: \"أصَبْتَ \".","vol":"1","page":417},{"text":"خرَّجه النسائيُّ وهو مرسل.\nوقد يُحملُ هذا على أنَ الأولَ سأله قبل نزول آيةِ التيمم، والآخرَ سأله\nبعد نزولها.\nوروى أبو داود الطيالسيُّ، عن شعبةَ، عن الحكم، عن ذَرٍّ، عن ابنِ\nأبْزى، عن أبيه أنَّ عمَّارًا قال لعمرَ: أما تذْكُر يا أمير المؤمنين أني كنتُ أنا\nوأنت في سَرِيَةٍ فأجنبنا ولم نجدِ الماءَ، فأما أنت فلم تصلِّ، وأما أنا فتمعكتُ\nبالترابِ وصليتُ، فلما قدِمنا على رسولِ اللَّهِ - ﷺ - ذكرنا ذلكَ لهُ، فقالَ: \"أما أنت فلم يكن ينبغي لك أن تدع الصلاة، وأما أنت يا عمَّارُ فلم يكنْ لكَ أن تتمعك كما تتمعكُ الدابةُ، إنما كان يُجزيك \" - وضربَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بيدِهِ إلى الأرضِ إلى\nالترابِ، ثم قال: \"هكذا\"، ونفخ فيها ومسح وجهه ويديه إلى المفْصل. وليس فيه الذراعان\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>قوله تعالى: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ </span>فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣)\nليُتدبرْ ما ذمَّ اللَّهُ به أهلَ الكتابِ من قسوةِ القلوبِ بعد إيتائِهم الكتابَ\nومشاهدتِهِم الآياتِ كإحياءِ القتيلِ المضروبِ ببعضِ البقرةِ، ثم نهينا عن\nالتشبيهِ بهم في ذلك، فقيل لنا: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) .","vol":"1","page":418},{"text":"وبيَّنَ في موضع آخرَ سببَ قسوةِ قلوبِهِم، فقال: سبحانه: (فَبِمَا نَقْضِهِم\nمِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قلُوبَهُمْ قَاسِيَةً)، فأخبرَ أنَّ قسوةَ قلوبِهِم كانَ\nعقوبةً لهُم على نقضِهم مواثيقَ اللَّهِ وعهودِهِ أنْ لا تفعلُوا ذلك.\nثمَّ قال تعالى: (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكروا بِهِ) .\nفذكرَ أنَّ قسوةَ قلوبِهم أوجبتْ لهم خصلتينِ مذمومتينِ:\nإحداهما: تحريف الكلم من بعدِ مواضِعِهِ.\nوالثانية: نسيانُهم حظا ممَّا ذكِّرُوا به، والمرادُ تركُهُم وإهمالُهُم نصيبًا ممَّا ذُكَرُوا به من الحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، فنسوا ذلكَ وتركُوا العملَ به وأهملوه.\nوهذانِ الأمرانِ موجودانِ في الذين فسدُوا من علمائِنا لمشابهتِهِم لأهلِ\nالكتاب:\nأحدهما: تحريفُ الكلم، فإنَّ من تفقَّه لغير العملِ يقسُو قلبُه فلا يشتغلُ\nبالعملِ، بل بتحريفِ الكلم، وصرفِ ألفاظِ الكتابِ والسنةِ عن مواضِعِها.\nوالتلطفِ في ذلكَ بأنواع الحيلِ اللطيفةِ، من حمْلِهَا على مجازاتِ اللغةِ\nالمستبعدَةِ ونحوِ ذلك، والطعنُ في ألفاظِ السنن حيثُ لم يمكنْهم الطعنُ في\nألفاظِ الكتابِ، ويذمُّونَ من تمسَّكَ بالنصوصِ وأجْرَاها على ما يُفهمُ منها\nويسمونه جاهلًا أو حسودًا.\nوهذا يوجدُ في المتكلمينَ في أصولِ الدياناتِ، وفي فقهاءِ الرأي، وفي صوفيةِ الفلاسفةِ والمتكلمينَ.\nوالثاني: نسيانُ حظ مما ذُكِّرُوا به من العلم النافع فلا تتعظُ به قلوبُهم، بل","vol":"1","page":419},{"text":"يذمُّون من تعلَّمَ ما يبُكيه ويرِّقُ به قلبُه ويسمونَهُ قاصا.\nونقلَ أهلُ الرأي في كتبِهِم عن بعضِ شيوخِهِم أنَّ ثمراتِ العلومِ تدلُّ على\nشرفِهَا، فمن اشتغلَ بالتفسيرِ فغايتُه أن يقصَّ على الناسِ ويذكرَهم.\nومن اشتغلَ برأيهم وعلمِهِم فإنَّه يفتي ويقضِي ويحكمُ ويدرِّسُ، وهؤلاء لهُم\nنصيبٌ من الذين: (يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مَنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخرَةِ هُم غَافِلُونَ) .\nوالحاملُ لهم على هذا شدَّةُ محبَّتِهم للدنيا وعلوّها ولو أنهم زهِدُوا في\nالدنيا ورغِبُوا في الآخرةِ، ونصحُوا أنفسَهُم وعبادَ اللَّهِ لتمسَّكُوا بما أنزلَ اللَّهُ\nعلى رسولِهِ، وألزمُوا الناسَ بذلك، فكان الناسُ حينئذٍ أكثرُهُم لا يخرجونَ\nعن التقوى.\nفكان يكفِيهم ما في نصوصِ الكتابِ والسنةِ، ومن خرج منهُم\nعنها كانَ قليلًا، فكانَ اللَّهُ يقيضُ من يفهمُ من معاني النصوص ما يردُّ به\nالخارجُ عنْهَا إلى الرجوع إليهَا ويستغنِي بذلكَ عمَّا ولَّدوه من الفروع الباطنةِ\nوالحيلِ المحرّمةِ التي بسببهَا انفتحتْ أبوابُ الرياءِ وغيرِه من المحرَّمات.\nواستُحِلَّتْ محارمُ اللِّهِ بأدنى الحيل، كما فعلَ أهلُ الكتابِ: (فَهَدَى اللَّه\nالَّذِينَ آمَنوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّه يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ\nمُّسْتَقِيمٍ) .\n* * *","vol":"1","page":420},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>قوله تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥)</span>\nأما زِنى الثيبِ فأجمع المسلمونَ على أنَّ حَدَّه الرجمُ حتى يموتَ، وقد\nرجمَ رسول اللَّهِ - ﷺ - ماعزًا والغامديّة، وكان في القرآن الذي نُسخَ لفظُهُ:\n\"والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة نكالًا من الله والله عزيز حكيم \".\nوقد استنبطَ ابنُ عباس الرجمَ من القرآنِ من قولِهِ تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ) .\nقال: فمن كفرَ بالرَّجم، فقد كفرَ بالقرآن من حيثُ لا يحتسب.\nثم تلا هذه الآيةَ وقال: كان الرجمُ مما أخفوا، خرَّجه النسائي، والحاكمُ.\nوقال: صحيحُ الإسنادِ.\nويُستنبط - أيضًا - من قولِهِ تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النبِيونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا) إلى قولهِ تعالى: (وَأَنِ احْكُم بَيْنَهم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ) .\nوقال الزهري: بلغنا أنها نزلتْ في اليهوديَّيْنِ اللَّذيْنِ رجمهما النبيُّ - ﷺ - قال: \"إنِّي أحكمُ بما في النوراةِ\" وأمر بهما فرُجِما.\nوخرَّج مسلمٌ في \"صحيحِهِ \" من حديثِ البراءِ بن عازبٍ قصةَ رجمِ\nاليهوديينِ، وقال في حديثِهِ: فأنزل اللَّهُ: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحزُنك الذِين\nيُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ)","vol":"1","page":421},{"text":"وأنزل: (وَمَن لَّمْ يَحْكم بِمَا أَنزَلَ اللَّه فَأولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)، في الكفارِ كلِّها.\nوخرَّجه الإمامُ أحمد وعندَهُ: فأنزلَ اللَّهُ: (لا يَحْزنكَ الَّذِينَ يسارِعُونَ فِي\nالْكُفْرِ) إلى قولِه: (إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ)، يقولونَ: ائتوا محمدًا.\nفإن أفتاكُم بالتًّحميمِ والجلدِ، فخُذوه، وإن أفتاكُم بالرَّجم، فاحذَرُوا، إلى\nقولِهِ: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرونَ) .\nقال: في اليهودِ.\nورُوي من حديثِ جابرٍ قصةُ رجم اليهوديينِ، وفي حديثِهِ قالَ: فأنزلَ\nاللَّهُ: (فَإِن جَاءوكَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) إلى قوله: (وَإِنْ حَكمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ) .\nوكانَ اللَّهُ تعالى قد أمر أوَّلًا بحبسِ النِّساءِ الزَّواني إلى أن يتوفاهنَّ الموتُ\nأويجعلَ اللَّهُ لهن السبيلَ ثم جعلَ اللُّه لهنَّ سبيلًا.\nففي \"صحيح مسلمٍ \" عن عبادةَ، عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"خُذوا عنِّي خُذوا عنِّي قد جعلَ اللَّهُ لهنَّ سبيلًا:\nالبكرُ بالبكرِ جلدُ مائةٍ وتغريبُ عامٍ، والثيبُ بالثيبِ جلدُ مائة والرَّجْمُ \".\nوقد أخذَ بظاهرِ هذا الحديثِ جماعة من العلماءِ، وأوجبوا جلدَ الثيبِ\nمائة، ثم رجمه كما فعل عليّ بشُراحة الهَمْدَانيِّة، وقال: جلدتُها بكتاب اللَّه.\nورجمتُها بسنّة رسولِ اللَّهِ - ﷺ -.","vol":"1","page":422},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-77>قوله تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)</span>\nكانتْ هذه الآية ُ يشتدُّ منها خوفُ السلفِ على نفوسِهِم فخافُوا أن لا\nيكونُوا من المتَّقينَ الذين يُتقبلُ منهم.\nوسُئلَ الإمامُ أحمدُ عن معنى \"المتقينَ \" فيها، فقالَ: يتقي الأشياءَ، فلا يقعُ\nفيما لا يحِلُّ له.\n* * *\nوكان السلفُ يوصونَ بإتقانِ العملِ وتحسينِهِ دون مجردِ الإكثار منه، فإنّ\nالعملَ القليلَ مع التحسينِ والإتقانِ أفضلُ من الكثيرِ مع عدمِ الإتقانِ.\nقالَ بعضُ السلفِ: \"إن الرجلينِ ليقومانِ في الصفِّ وبينَ صلاتيهِما كما بينَ\nالسماءِ والأرضِ، كم بينَ من تصعدُ صلاتُه لها نور وبرهان كبرهان الشمسِ.\nوتقولُ: حفظك اللَهُ كما حفظتني، وبينَ من تُلَفّ صلاتُهُ كما يلَفّ الثوبُ\nالخَلِق ويضربُ بها وجهُ صاحبِها، وتقولُ: ضيعكَ اللَّهُ كما ضيعتَنِي \".\nولهذا قالَ ابنُ عباسٍ وغيرُهُ: \"صلاةُ ركعتين في تفكر خير من قيامٍ ليلةٍ\nوالقلبُ ساهٍ \".\nقال بعضُ السلفِ: \"لا يقلُّ عمل مع تقوى، وكيف يقِل ما يُتقبلُ؟ \"\nيشيرُ إلى قولِهِ تعالى: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، ولهذا قال من قالَ\nمن الصحابة: لو علمتُ بأنَّ اللَّهَ قبلَ منَي ركعتينِ كانَ أحبَّ إليَّ من كذا\nوكذا، فمن اتًّقى اللَّهَ في العملِ قَبِلهُ منه، ومن لم يتَّقِهِ لم يقبلْهُ منه.\nوالتقوى في العملِ: أنْ يأتي به على وجهِ إكمالِ واجباتِهِ الظاهرةِ والباطنةِ،","vol":"1","page":423},{"text":"وإن ارتقى إلى الإتيانِ بآدابِهِ وفضائِلِهِ كانَ أكملَ، في الملأ الأعْلَى، ومباهاة\nالملائكةِ، وقد يراد بالقبولِ: الثوابُ على العملِ، وإن لم يرضَ به والقبولُ هنا يُراد به: الرضا بالعملِ، والمدحُ لعاملِهِ، والثناءُ عليه، في الملأ الأعلى.\nومباهاة الملائكةِ.\nوقد يُرادُ بالقبول: الثوابُ على العملِ، وإن لم يرضَ به ولم يمدحْ عاملُهُ.\nفيجازى عليه بأنواع من الجزاءِ، فضلًا من اللهِ وإحسانًا، وإن لم يرضَ عن\nعاملِهِ كما رُؤيَ بعضُ المفرطينَ في النومِ فسُئِلَ عن حالِهِ فقالَ: غَفرَ لي\nوأعرض عني، وعن جماعة من العلماءِ لم يعملُوا بعلمِهِم.\nويطلقُ القبولُ على إسقاطِ الفرضِ بالعملِ، وإن لم يُثَبْ عليه بثوابٍ غيرِ\nسقوطِ العقوبةِ والمطالبةِ بأداءِ الفرضِ بهِ، والعارفون كلهم إنَما يطلبون القبولَ بالوجهِ الأولِ، وهو الرضا، ويخافون من فواتِهِ أشدَّ الخوفِ.\nقالَ مالكُ بنُ دينارٍ: \"ودِدتُ أنَّ اللَّهَ إذا جمعَ الخلائقَ يقولُ لي: يا مالكُ، فأقولُ: لبيَّكَ، فيأذنُ لي أن أسجدَ بينَ يديهِ سجدةً فأعرفُ أنه قد رضيَ عني، ثم يقولُ: يا مالكُ، كنْ ترابًا اليومَ، فأكونُ ترابًا\".\nوكان بعضُهم يقولُ في سجودِهِ:\nمتى ألقاكَ وأنتَ عنَي راضِ. . . وعذبتني بكثرةِ الإعراضِ\nوأعتاضُ ولستُ عنه بالمعتاضِ. . . يا من بوصالِهِ شفى أمراضي\nهل أنتَ عليَّ ساخطٌ أم راضِ\nرضاه أكبرُ من الجنةِ ونعيمِهَا فليسَ للعارفينَ همٌّ سواهُ.\nلعلك غضبان وقلبِي غافلٌ. . . سلامٌ على الدارينِ إن كنتَ راضِيًا","vol":"1","page":424},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>قوله تعالى: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)</span>\nقول اللَّه ﷿: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) يدلُّ على أنّه إنما يباحُ\nقتلُ النفسِ بشيئينِ: أحدهما: بالنفسِ، والثانِي: بالفسادِ في الأرض.\nويدخلُ في الفسادِ في الأرضِ: الحرابُ والرِّدَّةُ والزنى، فإنَّ ذلكَ كلَّه فسادٌ\nفي الأرضِ، وكذلكَ تكرر شربِ الخمرِ والإصرارِ عليه هو مظنةُ سفكِ الدماءِ\nالمحرمةِ.\nوقد اجتمعَ الصحابة في عهدِ عمرَ على حدِّه ثمانينَ، وجعلُوا\nالسكرَ مَظِنَّة الافتراءِ والقذفِ الموجبِ لجلد الثمانين.\nولمَّا قدِمَ وفدُ عبدِ القيسِ على النبيِّ - ﷺ -، ونهاهُم عن الأشربةِ والانتباذِ في الظُّروفِ قال:\n\"إن أحدكم ليقومُ إلى ابنِ عمِّه - يعني: إذا شربَ - فيضربه بالسَّيْفِ \".\nوكان فيهم رجلٌ قد أصابته جراحةٌ من ذلك، فكانَ يخبؤها حياءً\nمن النبيِّ - ﷺ -.\nفهذا كلُّه يرجِعُ إلى إباحةِ الدَّمِ بالقتلِ إقامةً لمظان القتلِ مقامَ حقيقته، لكنْ\nهلْ نُسِخَ ذلكَ أم حكْمُهُ باقٍ؟ هذا هو محلُ النزاع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>قوله تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)</span>\nخرَّج البخاريُّ ومسلمٌ: من حديثِ: مالكٍ، عن زيدِ بنِ أسلمَ، عن","vol":"1","page":425},{"text":"عطاءِ بنِ يسارٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ: \"أُرِيتُ النَّارَ، فرأيتُ أكثرَ أهلها النساءَ، بِكُفْرِهِنَّ \"، قيل: أيكفرن؟\nقال: \"يكفرنَ العشيرَ، ويكفُرْنَ الإحسانَ، لو أحسنْتَ إلى إحداهن الدهر، ثم رأتْ منك شيثًا، قالتْ: ما رأيتُ منكَ خيرًا قطّ \".\nوقال البخاريّ: كُفْر دونَ كُفْرٍ.\nوالكفرُ، قد يطلق ويرادُ به الكفرُ الذي لا ينقلُ عن الملةِ، مثلُ كفرانِ\nالعشيرِ ونحوِه.\nوهذا عندَ إطلاقِ الكفر، فأمَّا إن وردَ الكفرُ مقيدًا بشيء، فلا إشكالَ في\nذلكَ، كقولِهِ تعالى: (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ) .\nوإنَّما المرادُ هاهُنا: أنه قد يَرِدُ إطلاقُ الكفرِ، ثم يفسَّر بكفرٍ غير ناقلٍ عن\nالملة.\nوهذا كما قالَ ابنُ عباسٍ، في قولِهِ تعالى: (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ\nفَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافرُونَ)، قال: ليسَ بالكفرِ الذي يذهبونَ إليه، إنه\nليس بكفرٍ ينقلُ عن الملةِ، (وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأولَئِكَ هُمُ الكَافِرُونَ)، كفر دونَ كفرٍ.\nخرَّجه الحاكم.\nوقال: صحيحُ الإسنادِ.\nوعنه في هذه الآيةِ، قال: هو به كُفْرٌ، وليس كَمَنْ كَفَرَ باللَّه وملائكتِهِ\nوكتبِهِ ورسلِهِ واليومِ الآخرِ.","vol":"1","page":426},{"text":"وكذا قال عطاءٌ وغيرُه: كفرٌ دونَ كفر.\nوقال النخعيُّ: الكفر كفرانِ: كفرٌ باللهِ، وكفرٌ بالمُنْعِم.\nواستدلَّ البخاريُّ لذلكَ بحديثِ ابنِ عباسٍ الذي خرَّجه هاهُنا، وهو قطعةٌ\nمن حديثٍ طويلٍ، خرَّجه في \"أبواب الكسوفِ \"، فإنَّ النبيَّ - ﷺ - أطلقَ على النِّساءِ الكفرَ، فسئلَ عنه، ففسَّرَه بكفرِ العشيرِ.\nوحديثُ أبي سعيدٍ في هذا المعنى يشبه حديثَ ابنِ عباسٍ.\nوقد خرَّج هذا المعنى من حديثِ ابنِ عمرَ، وأبي هريرةَ - أيضًا.\nوفي المعنى - أيضًا -: حديثُ ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: \"سبابُ المسلم فسوق وقتالُهُ كفرٌ\".\nوقد خرَّجه البخاريُّ في موضعِ آخرَ.\nوكذلكَ قوله - ﷺ -:\n\"لا ترجعُوا بعدي كفَّارًا يضربُ بعضُكم رقابَ بعضٍ \".\nوقولُهُ: \"من قالَ لأخيهِ: يا كافرُ، فقدْ باءَ بها أحدُهُما\".\nوللعلماء في هذه الأحاديثِ - وما أشبهها - مسالك متعددةٌ:\nمنهم: من حَمَلَها على من فعلَ ذلكَ مستحلًا لذلكَ.\nوقد حملَ مالكٌ حديثَ: \"من قال لأخيه: يا كافرُ\" على الحَرُوريَّةِ، المعتقدينَ\nلكفر المسلمينَ بالذنوبِ - نقلَهُ عنه أشهبُ.","vol":"1","page":427},{"text":"وكذلك حملَ إسحاقُ بنُ راهويه حديثَ: \"من أتى حائضًا - أو امرأةً - في\nدُبُرها فقد كفر\" على المستحل لذلكَ: نقله عنه حربٌ وإسحاقُ الكوسجُ.\nومنهم: من يحملُها على التغليظِ والكفر الذي لا ينقلُ عن الملةِ، كما\nتقدَّمَ عن ابنِ عباس وعطاءٍ.\nونقلَ إسماعيلُ الشالنجي عن أحمدَ، وذُكِرَ له قولُ ابنِ عباسٍ المتقدمُ.\nوسأله: ما هذا الكفرُ؟\nقال أحمدُ: هو كفر لا ينقلُ عن الملةِ، مثلُ الإيمانِ\nبعضُه دونَ بعضٍ، فكذلك الكفرُ، حتى يجيءَ من ذلكَ أمرٌ لا يختلفُ فيه.\nقال محمدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ:\nواختلفَ من قالَ من أهلِ الحديثِ: إن مرتكبَ الكبائرِ مسلم وليسَ بمؤمنٍ: هل يسمَّى كافرًا كفرًا لا ينقلَ عن الملةِ؟\nكما قال عطاءٌ: كفر دون كفرٍ، وقالَ ابنُ عباس وطاووسُ: كفرٌ لا ينقلُ عن الملةِ؛ على قولينِ لهم.\nقالَ: وهما مذهبانِ في الجملةِ محكيانِ عن أحمدَ بنِ حنبلِ، في موافقيه\nمن أهلِ الحديثِ.\nقلتُ: قد أنكرَ أحمدُ - في روايةِ المرُّوذيِّ - ما رُوي عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو\nأنَّ شاربَ الخمرِ يسمَّى كافرًا، ولم يُثْبِتْه عنه، مع أنَّه قد رُوي عنه من وجوهٍ\nكثيرةٍ، وبعضُها إسنادُهُ حسن.\nورُوي عنه مرفوعًا.\nوكذلك أنكر القاضي أبو يعلى جوازَ إطلاقِ كفرِ النعمةِ على أهلِ الكبائرِ.\nونصبَ الخلافَ في ذلك معَ الزيديةِ من الشيعةِ والإباضيةِ من الخوارج.","vol":"1","page":428},{"text":"وروايةُ إسماعيلَ الشالنجيِّ عن أحمدَ قد توافقُ ذلك، فمن هنا حكى\nمحمدُ بنُ نصر عن أحمدَ في ذلك مذهبينِ.\nوالذي ذكرهُ القاضي أبو عبد اللَّهِ بنُ حامدٍ شيخُ القاضي أبي يعلى، عن\nأحمدَ: جوازُ إطلاقِ الكفرِ والشركِ على بعضِ الذنوبِ التي لا تخرجُ عن\nالملةِ، وقد حكاهُ عن أحمدَ.\nوقد رُوي عن جريرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، أنه سئلَ: هل كنتُم تسمونَ شيئًا منَ\nالذنوبِ الكفر أو الشركَ؟\nقال: معاذَ اللَّهِ، ولكنَّا نقولُ: مؤمنينَ مذنبينَ.\nخرَّجه محمدُ بنُ نصر وغيرُهُ.\nوكان عمَّارٌ ينهى أن يقال لأهلِ الشامِ الذين قاتلوهم بصفِّينْ كفروا.\nوقال: قولُوا: فسقُوا، قولُوا: ظلموا.\nوهذا قولُ ابنِ المباركِ، وغيرِه من الأئمةِ.\nوقد ذكرَ بعضُ الناسِ أن الإيمانَ قسمانِ:\nأحدُهما: إيمانٌ باللَّهِ، وهو الإقرارُ والتصديقُ به.\nوالثاني: إيمانٌ للَّه، فنقيضُ الإيمانِ الأولِ الكفرُ، ونقيضُ الإيمانِ الثاني:\nالفسقُ، وقد يسمَّى كفرًا، ولكن لا ينقلُ عن الملةِ.\nوقد وردتْ نصوصٌ، اختلفَ العلماءُ في حملِهَا على الكفرِ الناقلِ عن\nالملةِ، أو على غيره، مثلُ الأحاديثِ الواردةِ في كفرِ تاركِ الصلاةِ.\nوتردَّدَ إسحاقُ بنُ راهويهِ فيما وردَ في إتيانِ المرأةِ في دُبُرها، أنه كفرٌ: هلْ\nهو مُخرِجٌ عن الدِّينِ بالكليَّة ِ، أم لا؟","vol":"1","page":429},{"text":"ومن العلماءِ: من يتوقَّى الكلامَ في هذه النصوصِ تورعًا، ويمرُّها كما\nجاءتْ من غيرِ تفسيرٍ، مع اعتقادِهِم أنَّ المعاصي لا تخرجُ عن الملةِ.\nوحكاه ابنُ حامدٍ روايةً عن أحمدَ.\nذكرَ صالحُ بنُ أحمدَ وأبو الحارثِ: أنَّ أحمدَ سُئل عن حديثِ أبي بكرٍ\nالصديقِ: كفر باللَّه تبرِّي من نسبٍ وإنْ دق، وكفر باللَّهِ ادعاء إلى نسبٍ لا\nيُعلَمُ.\nقالَ أحدُهما: قالَ أحمدُ: قد رُوي هذا عن أبي بكرٍ، واللَّهُ أعلمُ، وقال\nالآخرُ: قالَ: ما أعلمُ، قد كتبنَاها هكذَا.\nقالَ أبو الحارثِ: قيل لأحمدَ: حديثُ أبي هريرةَ: \"من أتى النساءَ في\nأعجازِهِنَّ فقد كفر\" فقال: قد رُوي هذا، ولم يزِدْ على هذا الكلامِ.\nوكذا قالَ الزهريُّ، لمَّا سُئلَ عن قولِ النبيِّ - ﷺ -: \"ليس منَّا من لطمَ الخدودَ\"\nوما أشبهه من الحديثِ - فقالَ: من اللَّه العلمُ، وعلى الرسولِ البلاغُ، وعلينا التسليمُ.\nونقلَ عبدوسُ بنُ مالكٍ العطارُ، عن أحمدَ، أنه ذكر هذه الأحاديثَ التي\nوردَ فيها لفظُ الكفرِ، فقال: نسلِّمُها، وإن لم نعرفْ تفسيرَها، ولا نتكلَّمُ\nفيه، ولا نفسرُها إلا بما جاءتْ.\nومنهم: من فرَّقَ بين إطلاقِ لفظِ الكفرِ، فجوَّزه في جميع أنواع الكفرِ.\nسواء كان ناقلًا عن الملةِ أو لم يكنْ، وبين إطلاقِ اسم الكافرِ، فمنعَهُ، إلا","vol":"1","page":430},{"text":"في الكفرِ الناقلِ عن الملةِ، لأنَّ اسمَ الفاعلِ لا يُشتقُّ إلا من الفعلِ الكاملِ.\nولذلكَ قالَ في اسم المؤمنِ: لا يقالُ إلا للكاملِ الإيمانِ، فلا يستحقُّه من\nكان مرتكبًا للكبائرِ حال ارتكابِهِ، وإن كان يقالُ: قد آمنَ، ومعه إيمان.\nوهذا اختيارُ ابنِ قتيبةَ.\nوقريبٌ منه: قولُ من قالَ: إنَّ أهل الكتابِ، يقالُ: إنهم أشركوا، وفيهم\nشِرْكٌ، كما قال تعالى: (سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ)، ولا يدخلون في\nاسم المشركينَ عند الإطلاقِ، بل يفرَّقُ بينهم وبينَ المشركينِ، كما في قولِهِ\nتعالى: (لَمْ يَكنِ الَّذِينَ كفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكتَابِ وَالْمُشْرِكينَ)، فلا تدخلُ\nالكتابيّةُ في قولِهِ تعالى: (وَلا تَنكِحوا الْمشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) .\nوقد نصَّ على ذلك الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ.\nوكذلك كرِه أكثرُ السلفِ، أن يقولَ الإنسانُ: أنا مؤمنٌ، حتى يقولَ: إن\nشاءَ اللَّهُ، وأباحُوا أن يقولَ: آمنتُ باللَّهِ.\nوهذا القول حسنٌ، لولا ما تأوَّله ابنُ عباسٍ وغير في قولِهِ تعالى:\n(وَمَن لَّمْ يَحْكم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرونَ)، واللَّهُ أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ </span>وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)\nوأما النَفْسُ بالنفسِ، فمعناه: أن المكلَّف إذا قتل نفسًا بغيرِ حقٍّ عمدًا، فإنه","vol":"1","page":431},{"text":"يُقْتَلُ بها، وقد دلَّ القرآنُ على ذلكَ بقولِهِ تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) .\nويُستثنى من عُمومِ قولِهِ تعالى: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ)، صُور:\nمنها: أن يقتلَ الوالدُ ولدَه، فالجمهورُ على أنّه لا يُقْتَلُ به.\nوصحَّ ذلك عن عُمرَ.\nوروي عن النبيِّ - ﷺ - من وجوهٍ متعدِّدةٍ.\nوقد تُكُلِّمَ في أسانيدِها.\nوقال مالكٌ: إنْ تعمَّدَ قتله تعمدًا لا يشكُّ فيه، مثل أن يذبَحَهُ، فإنه يُقتلُ به، وإن حذفَهُ بسيفٍ أو عصا، لم يقتلَ، وقال البتِّي: يقتلُ بقتلِهِ بجميع وجوهِ\nالعمدِ للعموماتِ.\nومنها: أن يقتلَ الحرُّ عبدًا فالأكثرون على أنَّه لا يُقتل به، وقد وردتْ في\nذلك أحاديثُ في أسانيدها مقالٌ.\nوقيل: يقتلُ بعبدِ غيرِهِ دون عبدِهِ، وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصحابِهِ.\nوقيل: يقتلُ بعبده وعبدِ غيره، وهو رواية عن الثوري.\nوقولُ طائفةٍ من أهلِ الحديثِ، لحديث سمرةَ عن النبيِّ - ﷺ -: \"من قَتَلَ عبدَهُ، قتلناهُ، ومن جَدَعَهُ جدَعْناهُ \"\nوقد طعن فيه الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ.\nوقد أجمعُوا على أنَّه لا قصاصَ بين العبيدِ والأحرارِ في الأطرافِ، وهذا\nيدلُّ على أنَّ هذا الحديثَ مطرحٌ لا يُعمل به، وهذا مما يُستدلُّ به على أنَّ\nالمرادَ بقولِهِ تعالى: (النَّفْسَ بِالنفْسِ)، الأحرار، لأنه ذكرَ بعدَهُ\nالقصاصَ في الأطرافِ وهو يختصّ بالأحرارِ.","vol":"1","page":432},{"text":"ومنها: أن يَقتُلَ المسلمُ كافرًا، فإن كان حربيًّا لم يقتلْ به بغير خلافِ، لأنَّ\nقتل الحربيِّ مباحٌ بلا ريب، وإن كان ذميًّا أو معاهدًا، فالجمهورُ على أنَّه لا\nيقتلُ بهِ - أيضًا، وفي \"صحيح البخاريِّ \" عن علي عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"لا يقتلُ مسلمٌ بكافرٍ\".\nوقال أبو حنيفةَ وجماعةٌ من فقهاءِ الكوفيين: يُقتلُ به، وقد روى ربيعةُ عن\nابن البيلماني عن النبيِّ - ﷺ - أنه قتلَ رجلًا من أهلِ القبلةِ برجلٍ من أهلِ الذمَّة، وقال: \"أنا أحقّ من وفَّى بذمَّته \"\nوهذا مرسل ضعيف قد ضعَّفه الإمامُ أحمدُ، وأبو عبيد، وإبراهيمُ الحربيُّ، والجوزجانيُّ، وابنُ المنذرِ والدارقطنيُّ.\nوقال: ابن البيلمانيّ: ضعيف لا تقومُ به حجة إذا وصلَ الحديثَ، فكيف بما\nيرسلُه؛ وقال الجوزجاني: إنَّما أخذه ربيعةُ عن إبراهيمَ بن أبي يحيى عن ابنِ\nالمنكدرِ عن ابن البيلمانيِّ، وابنِ أبي يحيى متروك الحديثِ.\nوفي \"مراسيلِ أبي داودَ\" حديثٌ آخرُ مرسلٌ أن النبيَّ - ﷺ - قتلَ يومَ خيبر مسلمًا بكافرٍ قتله غيلةً، وقال: \"أنا أوْلى وأحقّ من وفَّي بذمَّتِهِ \".\nوهذا مذهبُ مالكٍ وأهلِ المدينةِ أن القتلَ غيلة لا تُشرط له المكافأة، فيُقْتَلُ فيه المسلمُ بالكافرِ، وعلى هذا حملُوا حديثَ ابنِ البيلمانيِّ أيضًا على تقدير صحَّته.\nومنها: أن يقتلَ الرجلُ امرأةً فيُقتل بها بغيرِ خلاف، وفي كتابِ عمرِو بنِ\nحزمٍ عن النبيِّ - ﷺ - أنَّ الرجُلَ يقتلُ بالمرأةِ.\nوصحَّ أنَّه - ﷺ - قتل يهوديًا قتلَ جارية \".","vol":"1","page":433},{"text":"وأكثرُ العلماءِ على أنَّه لا يُدفع إلى أولياءِ الرجلِ شيءٌ.\nوروي عن عليٍّ أنَّه يدفع إليهم نصف الدِّيَة، لأنَّ دية المرأة نصفُ دية الرجل وهو قولُ طائفةٍ من السلفِ وأحمدَ في رواية عنه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>قوله تعالى: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)</span>\n[قالَ البخاريُّ]: وقال ابنُ عباسٍ: (شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)، سبيلًا\nوسُنَّة.\nهذا، من روايةِ أبي إسحاقَ، عن التميمي، عن ابنِ عباسٍ، قال:\n(شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا)، سبيلًا وسُنَّة.\nومعنى قولِ ابنِ عباسٍ: أنَّ المنهاجَ هو السُّنَّة، وهو الطريقُ الواسعةُ\nالمسلوكةُ، المداوَمُ عليها.\nوالشِّرْعةُ، هي السبيلُ والطريقُ المُوصلُ إليها، فهي كالمدخلِ إليها.\nكمشْرَعةِ الماءِ، وهي المكانُ الذي يُورَدُ الماءُ منه.\nويقالُ: شَرعَ فلان في كذا، إذا ابتدأ فيه، وأنْهَجَ البِلى في الثوبِ، إذا\nاتَّسع فيه. وبذلكَ فرَّق طائفة من المفسرينَ وأهلِ اللُّغة بين الشِّرعة والمنهاج، منهم: الزجاجُ وغيرُه.\n* * *","vol":"1","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ </span>أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)\nعلامات المحبة الصادقة: التزامُ طاعةِ اللَّهِ تعالى، والجهادُ في سبيله.\nواستحلاءُ الملامةِ في ذلك، واتباعُ رسولِهِ.\nقال اللَّهُ جل وعلا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤) .\nوقال تعالى: (قُلْ إِن كُنتمْ تًحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعونِي يُحْبِبْكمْ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكمْ ذنُوبَكُمْ وَاللَّه غَفُورٌ رَّحِيمٌ) .\nفوصفَ اللَهُ سبحانه المحبينَ له بخمسةِ أوصافٍ:\nأحدها: الذِّلةُ على المؤمنين، والمرادُ لِينُ الجانبِ وخفضِ الجناح والرأفةِ\nوالرحمةِ للمؤمنينَ، كما قال تعالى لرسولِهِ: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمنِ اتَّبَعَكَ مِنَ\nالْمُؤْمِنِينَ)، ووصفَ أصحابَه بمثلِ ذلك في قولِهِ: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)، وهذا يرجعُ إلى أن\nالمحبينَ للَّهِ يحبونَ أحباءَهُ ويعودونَ عليهم بالعطفِ والرأفةِ والرحمةِ، وقد\nسبقَ في البابِ الأولِ بيانُ ذلكَ.\nالثاني: العزةُ على الكافرينَ، والمرادُ الشّدَةُ والغلظةُ عليهم، كما قالَ تعالى:\n(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ)، وهذا يرجعُ إلى\nأنَّ المحبينَ لهُ يبغضونَ أعداءَه، وذلك من لوازِمِ المحبةِ الصادقةِ، كما سبقَ","vol":"1","page":435},{"text":"تقريرُه أيضًا.\nالثالث: الجهادُ في سبيلِ اللَّه، وهو مجاهدةُ أعدائِهِ باليدِ واللسانِ، وذلك\nأيضًا من تمامِ معاداةِ أعداءِ اللَّه الذي تستلزمُه المحبةُ، وأيضًا فالجهادُ في سبيلِ\nاللَّه فيه دعاءُ الخلقِ إلى اللَّهِ وردُّهم إلى بابِه بالقهرِ لهم والغلبة، كما قال\nتعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) .\nقال مجاهدٌ وغيرُهُ: يعني كنتُم خيرَ الناسِ للناسِ، فخيرُ الناس للناسِ\nأنفعُهُم لهم، ولا نفعَ أعظمُ من الدعاءِ إلى التوحيد والطاعةِ والنهي عن\nالشركِ والمعصيةِ، وسُئلَ الحسنُ البصريُّ عن رجلٍ له أمٌّ فاجرةٌ فقال: \"يقيَدُها فما وصلَها بشيء أعظم من أن يكفَّها عن معاصي اللَّهِ تعالى\".\nقال إبراهيمُ بنُ أدهمَ: سمعتُ رجلينِ من الزُّهادِ يقول أحدُهها للآخرِ:\n\"يا أخي، ما ورثَ أهلَ المحبةِ محبّتهُم؟ \"\nقال: فأجابه الآخرُ: \"ورِثُوا النظرَ بنورِ اللَّهِ والعطفَ على أهلِ معاصِي اللَّهِ \" قال: فقلتُ له: \"كيفَ يعطفُ على قويم قد خالَفوا أمرَ محبوبِهِم؟ \"\nفقال: \"مقتَ أعمالَهم وعطَفَ عليهم ليزيلَهم بالمواعظِ عن فِعالِهِم وأشْفقَ على أبدانِهِم من النارِ، لا يكونُ المؤمنُ مؤمنًا حقًّا حتى يَرضى للناسِ ما يرضاهُ لنفْسِهِ \".\nالرابع: أنهم لا يخافون لومةَ لائم، والمرادُ أنهم يجتهدونَ فيما يرضى به من\nالأعمالِ ولا يبالونَ بلومةِ من لامَهُم في شيءٍ منه إذا كان فيه رِضا ربِّهم.\nوهذا من علاماتِ المحبةِ الصادقةِ، إنَّ المحبَّ يشتغلُ بما يرضى به حبيبُه\nومولاه، ويستوِي عنده مَنْ حَمَدهُ في ذلكَ أو لامَهُ، وفي هذا المعنى يقولُ\nبعضُهم:","vol":"1","page":436},{"text":"وقفَ الهوى بي حيثُ أنتِ. . . فليسَ لي متأخرٌ عنه ولا متقدَّمُ\nأجدُ الملامةَ في هواكِ لذيذةً. . . حبًّا لذكرِكِ فلْيلُمْني اللُّوَمُ\nالخامس: متابعةُ الرسولِ - ﷺ - وهو طاعتُه واتباعُه في أمر ونهيهِ.\nقال مباركُ بنُ فضالةَ عن الحسنِ: كان ناسٌ على عهدِ النبيِّ - ﷺ - يقولونَ: \"يا رسولَ اللَّه، إنَّا نحبُّ ربَّنا حبًا شديدًا\"\nفأحبَّ اللَّه أن يجعلَ لحبِّه عَلَمًا، فأنزلَ اللَّهُ ﵎: (قُلْ إِن كُنتمْ تُحِبُونَ اللَّهَ فَاتَّبِعونِي يحْبِبْكمُ اللَّه وَيَغْفِرْ لكمْ ذنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رحِيمٌ) .\nوقد قرنَ اللَّهُ بين محبَّته ومحبة رسولِهِ في قولِهِ: (أَحَبَّ إِلَيكُم مِنَ اللهِ\nوَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَى يَأتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ)، وكذلك وردَ في\nالسّنَّة في أحاديثَ كثير جدًّا، سبقَ ذكرُ بعضِهَا والمرادُ أنَّ اللَّه تعالى لا توصلُ\nإليه إلا من طريقِ رسولِهِ - ﷺ - باتباعِهِ وطاعتِهِ.\nكما قال الجنيدُ وغيرُه من العارفين: \"الطرقُ إلى اللَّهِ مسدودةٌ إلا من اقتفى\nأثرَ الرسولِ - ﷺ -.\nوكلامُ أئمة العارفين في هذا البابِ كثيرٌ جدًّا.\nقال إبراهيمُ بنُ الجنيدِ: يقالُ: علامةُ المحبِّ على صدقِ الحبِّ ستُّ\nخصال:\nأحدها: دوامُ الذكر بقلبِهِ بالسرورِ بمولاه.\nوالثانيةُ: إيثارُه محبةَ سيدهِ على محبةِ نفسِهِ ومحبةِ الخلائقِ، يبدأُ بمحبةِ\nمولاهُ قبل محبةِ نفسه ومحبةِ الخلائقِ.","vol":"1","page":437},{"text":"والثالثةُ: الأُنسُ به والاستثقالُ لكلِّ قاطع يقطعُ عنه، أو شاغلٍ يشغلُهُ عنه.\nوالرابعةُ: الشوقُ إلى لقائهِ والنظرُ إلى وجهِهِ.\nالخامسةُ. الرِّضا عنه في كلِّ شديده وضر ينزلُ به.\nوالسادسةُ: اتباعُ رسولِهِ - ﷺ -.\nومحبةُ الرسولِ - ﷺ - على درجتينِ:\nإحداهما فرضٌ: وهي المحبةُ التي تقتِضي قبولَ ما جاء به الرسول - ﷺ - من عندِ اللَّهِ وتلقِّيه بالمحبةِ والرِّضا والتعظيم والتسليم وعدمِ طلبِ الهدى من غيرِ طريقِهِ بالكليَّة ِ، ثم حسنُ الاتباع له فيما بلَّغه عن ربِّه من تصديقِهِ في كلِّ ما أخبر به، وطاعتِهِ فيما أمر به من الواجباتِ، والانتهاءِ عمَّا نهى عنه من المحرَّماتِ، ونصرةِ دِينِهِ والجهادِ لمن خالفَهُ بحسبِ القدرةِ، فهذا القدرُ لا بدَّ منه ولا يتمُّ الإيمانُ بدونِهِ.\nوالدرجة الثانية فضل: وهي المحبةُ التي تقتضي حسنَ التَّأسِّي بهِ وتحقيقَ\nالاقتداءِ بسنتِهِ في أخلاقِهِ وآدابِهِ ونوافلِهِ وتطوعاتِهِ وأكلِهِ وشربِهِ ولباسِهِ وحسنِ معاشرتِهِ لأزواجِهِ وغيرِ ذلك من آدابِهِ الكاملةِ وأخلاقِهِ الطاهرةِ، والاعتناءَ بمعرفةِ سيرتِهِ وأيامه، واهتزازَ القلبِ عند ذكره، وكثرةَ الصلاةِ عليه لما سكنَ في القلبِ من محَبَّتَه وتعظيمِهِ وتوقيره، ومحبةَ استماع كلامِهِ، وإيثارَهُ على كلامِ غيرِه من المخلوقينَ.\nومن أعظم ذلكَ الاقتداءُ به في زهدِهِ في الدُّنيا والاجتزاءِ باليسيرِ منها\nورغبتِهِ في الآخرةِ.\nقال سهل التستريُّ: من علاماتِ حبِّ اللَّهِ حبُّ القرآن، وعلامة حبِّ اللَّه","vol":"1","page":438},{"text":"وحبِّ القرآنِ حبُّ النبيِّ - ﷺ -، وعلامةُ حبِّ النبيِّ - ﷺ - حبُّ السنَّةِ، وعلامةُ حبِّ السنةِ حبُّ الآخرةِ، ومن علامةِ حبِّ الآخرة بغضُ الدنيا، وعلامةُ\nبغضِ الدنيا أن لا يأخذَ منها إلا زادًا يبلِّغُه إلى الآخرةَ.\n* * *\nقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)\nففي هذه الآيةِ إشارة إلى أنَّ منْ أعرض عن حبِّنا، وتولَّى عن قربِنا، لم\nنبالِ بهِ، واستبدلْنَا به من هوَ أوْلَى بهذهِ المنحةِ منه وأحقُّ، فمن أعْرَضَ عنِ\nاللَّهِ، فما له منَ اللَّهِ بدَلًا، وللَّهِ منه أبدالٌ.\nما لي شُغل سواه ما لي شُغلُ. . . ما يَصرِفُ عن هواه قلبِي عذلُ\nما أصنعُ إن جَفا وخابَ الأملُ. . . منِّي بدل ومنه ما لي بدَلُ\nوفي بعضِ الآثارِ: \"يقولُ اللَّهُ ﷿: ابنَ آدمَ، اطلبنِي تجدْنِي، فإنْ وجدتَّني، وجدتَ كُلَّ شيء، وإن فُتُّكَ، فاتَكَ كلُّ شيء، وأنا أَحبُّ إليك من كلِّ شيء\".\nكان ذو النونِ يردِّدُ هذه الأبياتِ بالليلِ كثيرًا:\nاطلبوا لأنفسِكُم. . . مثلَ ما وجدتُ أنا\nقد وجدتُ لي سكنًا. . . ليس في هواه عَنَا\nإنْ بَعدْتُ قَربنِي. . . أو قَرُبْتُ مِنْهُ دَنَا","vol":"1","page":439},{"text":"من فاتَهُ اللَّهُ، فلو حصلتْ له الجنَّةُ بحذافِيرِهَا، لكان مغبونًا، فكيفَ إذا لم\nيحصلْ له إلا نزْر يسير حقيرٌ من دارٍ كلِّها لا تَعدِلُ جناحَ بعوضةٍ:\nمَنْ فاتَهُ أنْ يَراكَ يَومًا. . . فكل أوقاتِهِ فواتُ\nوحَيثُما كنتُ من بلادٍ. . . فَلِي إلى وجْهِكَ التِفَاتُ\nثم ذكرَ أوصافَ الذين يُحبُّهم ويحبُّونه، فقال: (أَذِلَّةٍ عَلَى المؤْمِنِينَ)، يعني: أنهم يعامِلونَ المؤمنينَ بالذِّلَّة واللِّينِ، وخَفْضِ الجناح.\n(أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) يعني: أنهم يعامِلُونَ الكافرينِ بالعزَّة والشدَّةِ عليهم.\nوالإغلاظِ لهم، فلما أحبُّوا اللَّهَ، أحبُّوا أولياءَه الذين يُحبونَهُ، فعامَلُوهُم\nبالمحبِّةِ، والرَّأفةِ، والرحمةِ، وأبغضُوا أعداءَه الذين يُعادونه، فعاملُوهُم بالشِّدَّةِ\nوالغلظةِ، كما قال تعالى: (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) .\n(يجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِم) .\nفإنَّ من تمامِ المحبةِ مجاهدةَ أعداءِ المحبوبِ - وأيضًا - فالجهادُ في سبيلِ اللَّهِ\nدعاءٌ للمعرضِينَ عن اللَّهِ إلى الرجوع إليه بالسِّيفِ والسنانِ، بعد دعائِهم إليه\nبالحجَّةِ والبُرْهانِ، فالمحبُّ للَّهِ يحبُّ اجتلابِ الخلقِ كلِّهم إلى بابِهِ، فمنْ لم\nيُجبِ الدعوةَ إليه باللينِ والرِّفقِ، احتاجَ إلى الدعوة بالشدَّةِ والعنفِ: \"عجِبَ ربُّك من قوم يُقادون إلى الجنَّةِ بالسَّلاسلِ \".\n(وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ)، لا هَمَّ للمحبِّ غيرُ ما يُرضِي حبيبَهُ.\nرضِيَ من رَضِيَ وسخطَ من سخِطَ، من خافَ الملامةَ في هوى من يُحبُ.\nفليس بصادقٍ في المحبًّةِ.","vol":"1","page":440},{"text":"وقفَ الهوى بي حيثُ أنتَ. . . فليسَ لي مُتأخَّر عنه ولا مُتقدَّمُ\nأجِدُ الملامةَ في هواكَ لذيذةً. . . حبِّا لِذكْرِكِ فلْيَلُمْنِىِ اللُّوَّمُ\nقوله: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ)، يعني: درجةَ الذين يُحبهم\nويحبونَهُ بأوصافِهِم المذكورةِ (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ): واسعُ العطاء.\nعليم بمن يستحقُّ الفضل، فيمنَحُهُ، ومن لا يستحقُّ، فيمنعُه.\n* * *\nوعن أبي صخرٍ عن محمدِ بنِ كعبٍ القرظيِّ أنَّ عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أرسلَ\nيومًا إليه، وعمرُ أمير المدينة يومئذٍ، فقال: يا أبا حمزةَ، إنَّه أسهرتني البارحةَ\nآية. قال محمد: وما هي أيها الأمير؟\nفقالَ: قولُ اللَّهِ ﷿: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأتِي اللَّه بِقَوْمٍ يحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) إلى قوله: (لَوْمَةَ لائِمٍ) .\nقال محمد: إنَّما عنى اللَّهُ ﷿: (يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) الولاةَ من قريشٍ: (مَن يَرْتَدَّ مِنكمْ عَن دِينِهِ) عن الحق (فَسَوْفَ يَأتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبّونَهُ) .\nوهم أهلُ اليمنِ.\nقال عمرُ: يا ليتَني وإيَّاكَ منهم قال: آمين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>قوله تعالى: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨)</span>\n[قالَ البخاريُّ]؛ وقول اللَّهِ ﷿: (وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (٥٨) .","vol":"1","page":441},{"text":"وقوله تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) .\nيشيرُ إلى أنَّ الأذَانَ مذكورٌ في القرآنِ في هاتينِ الآيتينِ:\nالأُولى منهما: تشْتمل النداءَ إلى جميع الصلوات؛ فإنَّ الأفعال نكراتٌ.\nوالنكرة في سياقِ الشَّرْطِ تعُمُّ كلَّ صلاةٍ.\nوالثانية منهما: تخْتصُ بالنداءِ إلى صلاةِ الجمعة.\nوقد رَوَى عبدُ العزيزِ بنُ عِمرانَ، عن إبراهيمَ بنِ أبي حبيبةَ، عن داودَ بنِ\nالحُصينِ، عن عكْرمةَ، عن ابن عباس، قال: الأذان نزل على رسول اللَّهِ - ﷺ - مع فرضِ الصلاةِ: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكرِ اللهِ) .\nهذا إسنادٌ ساقطٌ لا يصح.\nوهذه الآية ُ مدنيةٌ، والصلاةُ فرضتْ بمكةَ، ولم يصحَّ أنَّ النبيَّ - ﷺ - صلَّى بمكةَ جُمُعة، وقوله: (وَإِذَا نَادَيْتُم إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا) مدنية - أيضًا - ولم يُؤذنْ للصلاةِ بمكةَ.\nوالحديثُ الذي رُوي أنَّ جبريلَ لمَّا أمَّ النبيَّ - ﷺ - أولَ ما فُرضتِ الصلاةُ أمَرَه أن يُؤذَنَ بالصلاةِ، قد جاء مفسرًا في رواية أخرى، أنَّه يؤذن: الصلاةُ جامعة.\nوقد سبقَ ذكرُهُ في أولِ كتابِ الصلاةِ.\nوقد رُوي أنَّ النبيَّ - ﷺ - ليلةَ أُسْرِي خرجَ ملكٌ من وراء الحجابِ فأذَّن، فحدَّثه ربُّه ﷿ والنبيُّ - ﷺ - يسمعُ ذلكَ، ثم أخذَ المَلَكُ بيدِ محمدٍ فقدَّمه","vol":"1","page":442},{"text":"فأمَّ أهلَ السماءِ، منهم آدمُ ونوح.\nقال أبو جعفرِ محمدُ بنُ علي: فيومئذِ أكملَ اللَهُ لمحمدٍ - ﷺ - الشَّرف - على أهلِ السماءِ وأهلِ الأرضِ.\nوقد خرَّجه البزار والهيثمُ بنُ كليبِ في \"مسنديهما\" بسياق مُطوَّلٍ من\nطريقِ زيادِ بنِ المنذرِ أبي الجارود، عن محمدِ بنِ علي بن الحسينِ، عن أبيه.\nعن جدِّه، عن على.\nوهو حديث لا يصحُّ.\nوزيادُ بنُ المنذرِ أبو الجارودِ الكوفي، قال فيه الإمامُ أحمدُ: متروكٌ.\nوقال ابنُ معينٍ: كذَّاب عدو اللَّهِ، لا يساوي فِلْسًا، وقال ابنُ حبانَ: كان رافضيًا يضعُ الحديثَ.\nوروى طلحة بن زيدِ الرقي، عن يونسَ، عن الزُّهريّ، عن سالمِ، عن\nأبيه، أنَّ النبيَّ - ﷺ - لما أُسْرِي به إلى السماءِ أوحى اللَّهُ إليه الأذانَ، فنزلَ بهِ، فعلَّمه جبريلَ.\nخرَّجه الطبراني.\nوهو موضوع بهذا الإسنادِ بغيرِ شكٍّ.\nوطلحةُ هذا، كذَّاب مشهور.\nونبهنا على ذلكَ لئلا يُغْتَّر بشيءٍ منه.\nوإنَّما شُرع الأذانُ بعد هجرةِ النبىِّ - ﷺ - إلى المدينةِ، والأحاديث الصحيحةُ كلُّها تدلُّ على ذلكَ.","vol":"1","page":443},{"text":"والأذانُ له فوائدُ:\nمنها: أنه إعلامٌ بوَقْتِ الصلاةِ أو فعلِها.\nومن هذا الوجهِ هو إخبارٌ بالوقتِ أو الفعلِ، ولهذا كان المؤذِّنُ مؤتمنًا.\nومنها: أنه إعلامٌ للغائبينَ عن المسجدِ، فلهذا شُرِع فيه رفعُ الصوتِ، وسُمِّي نداءً، فإنَّ النِّداءَ هو الصوتُ الرفيعُ.\nولهذا المعنى قالَ النبيُّ - ﷺ - لعبد الله بنِ زيد:\n\"قم فألقه على بلال، فإنه أندى صوتًا منك \". ً\nومنها: أنه دعاءٌ إلى الصلاةِ، فإنه معنى قولِهِ: \"حيَّ على الصلاةِ، حيَّ على\nالفلاح \".\nوقد قيل: إنَّ قولَهُ تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلُ صَالِحًا)، الآية: نزلتْ في المؤذنينَ، رُوي عن طائفة من الصحابةِ.\nوقيلَ في قولهِ تعالى: (وَقَدْ كَانوا يُدْعَوْنَ إِلَى السّجودِ وَهُمْ سَالِمُونَ) .\nإنها الصلواتُ الخمسُ حين يُنادى بها.\nومنها: أنه إعلانٌ بشرائع الإسلامِ من التوحيدِ والتكبيرِ والتهليلِ والشهادةِ\nبالوحدانيةِ والرسالةِ.\n* * *","vol":"1","page":444},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-84>قوله تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) </span>إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)\nوقد ذكرَ اللَّهُ - في كتابِهِ - العلَّةَ المقتضيةَ لتحريمِ المسكراتِ، وكان أوَّل ما\nحُرّمتِ الخمرُ عند حضورِ وقتِ الصلاةِ لمَّا صلَّى بعضُ المهاجرينَ، وقرأ في\nصلاتِهِ، فخَلط في قراءتِهِ، فنزلَ قولُهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا\nالصَّلاةَ وَأَنتمْ سكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)، فكانَ مُنَادي رسولِ اللَّه\n- ﷺينادِي: لا يَقْربِ الصلاةَ سكران.\nثم إنَّ اللَّهَ حرَّمها على الإطلاقِ بقولِهِ تعالى: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) .\nْفذكرَ سبحانَهُ علَّةَ تحريمِ الخمرِ والميسرِ - وهو القِمارُ - وهو أن الشيطانَ\nيُوقِعُ بهما العداوةَ والبغضاءَ، فإنَّ منْ سكرَ، اختلَّ عقلُه، فربما تسلَّط على\nأذى الناس في أنفسِهِم وأموالهم، وربما بلغ إلى القتلِ، وهي أمُّ الخبائثِ.\nفمنْ شربها قتلَ النفسَ وزنى، وربما كفرَ.\nوقد رُوي هذا المعنى عن عثمانَ وغيرِه، ورُوي مرفوعًا أيضًا.","vol":"1","page":445},{"text":"ومن قامَرَ، فربما قُهِرَ وأُخذَ مالُه منه قهرًا، فلم يبقَ له شيء فيشتدُّ حِقدُهُ\nعلى من أخذ مالَهُ.\nوكلُّ ما أدَّى إلى إيقاع العداوةِ والبغضاءِ كان حرامًا.\nوأخبر سبحانه أنَّ الشيطانَ يصدُّ بالخمرِ والميسرِ عن ذكرِ اللَّهِ وعن الصلاةِ.\nفإنَّ السكرانَ يزولُ عقلُهُ، أو يختل، فلا يستطيعُ أن يذكرَ اللَهَ، ولا أن\nيُصلِّي، ولهذا قال طائفة من السلفِ: إن شارب الخمرِ تمر عليه ساعة لا\nيعرفُ فيها ربَّه، واللَّهُ سبحانه إنما خلقَ الخلقَ ليعرِفُوه، ويذكرُوه، ويعبدُوه، ويُطيعوه، فما أدَّى إلى الامتناع من ذلك، وحالَ بين العبدِ وبين معرفةِ ربَه\nوذكرهِ ومناجاتِهِ، كان محرَّمًا، وهو السُّكْرُ، وهذا بخلافِ النَّومِ، فإنَّ اللَّهَ ﷿ جَبَلَ العبادَ عليه، واضطرهُم إليه، ولا قِوامَ لأبدانِهِم إلا به، إذ هو راحة لهم من السعي والنَّصَبِ، فهو من أعظم نعم اللَّهِ على عبادِهِ، فإذا نامَ المؤمنُ بقدرِ الحاجةِ، ثم استيقظَ إلى ذكرِ اللهِ ومناجاتِهِ ودعائِهِ، كان نومُه\nعونًا له على الصلاةِ والذكرِ، ولهذا قالَ من قالَ من الصحابةِ: إني أحتسبُ\nنَوْمَتِي كما أحتسبُ قَوْمَتِي.\nوكذلك الميْسرُ: يصُدُّ عن ذكرِ اللهِ وعنِ الصلاةِ، فإنَّ صاحبَه يعكفُ بقلبِهِ\nعليه، ويشتغلُ به عن جميع مصالحِهِ ومهماتِهِ حتى لا يكادُ يذكرُها لاستغراقِهِ\nفيه، ولهذا قالَ عليّ لما مرَّ على قومٍ يلعبون بالشطرنج: ما هذهِ التماثيلُ التي\nأنتُم لها عاكفونَ؛ فشبَّههم بالعاكفينَ على التماثيلِ.\nوجاءَ في الحديثِ: \"إنَ مُدْمِنَ الخمْرِ كعابدِ وثنٍ \" فإنه يتعلَّقُ قلبُه بها، فلا يكادُ يُمكِّنه أن يدعَها كما","vol":"1","page":446},{"text":"لا يدعُ عابدُ الوثنِ عبادَتَهُ.\nوهذا كلُّه مضادٌّ لما خلَقَ اللَّهُ العبادَ لأجلِهِ مِنْ تفريغ قلوبِهِم لمعرفته.\nومحبَّتِه، وخشيتِه، وذكره ومناجاتِهِ، ودعائِهِ، والابتهالِ إليه، فما حالَ بين\nالعبدِ وبين ذلكَ، ولم يكنْ بالعبدِ إليه ضرورةٌ، بل كان ضررًا محضًا عليه.\nكان محرَّمًا.\nوقد رُوي عن عليٍّ أنه قالَ لمن رآهم يلعبونَ بالشِّطرئج: ما لهذا خُلقتم.\nومن هنا يعلمُ أن الميسرَ محرَّمٌ سواءٌ كان بعوضٍ أو بغيرِ عِوضٍ، وأنَّ\nالشطرنج كالنَّرْدِ أو شرٌّ منه، لأنَّها تشغلُ أصحابَها عن ذكرِ اللهِ، وعن الصلاة أكثر من النَّرْدِ.\nوالمقصودُ: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال:\n\"كل مسكر حرامٌ \"، وكلُّ ما أسكر عن الصلاة فهو حرام.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١)</span>\nعن أبي هريرةَ - ﵁ -، قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ:\n\"ما نهَيْتُكُم عنه فاجْتنبُوه، وما أمرتُكُم به، فأتُوا منه ما استطعتُم، فإنما أهلَكَ الَّذين من قبلِكُم كثْرةُ مسائِلِهِم واختلافُهم على أنبيائهم \".\nرواه البخاريُّ ومسلمٌ.\nهذا الحديثُ بهذا اللفظِ: خرَّجه مسلمٌ وحْدَه من روايةِ الزهريِّ، عن","vol":"1","page":447},{"text":"سعيدِ بنِ المسيَّبِ وأبي سلمةَ - كلاهُما - عن أبي هريرةَ، وخرَّجاهُ من روايةِ\nأبي الزنادِ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: \"دعونِي ما تركتُكُم، إنَّما أهْلَكَ منْ كانَ قبلَكُم سؤالُهم واختلافُهم على أنبيائِهِم، فإذا نهيتُكُم عن شيء، فاجتنبُوه، وإذا أمرتُكُم بأمر فأتُوا منه ما استطعتُم \"\nوخرَّجه مسلمٌ من طريقينِ آخرينِ عن أبي هريرةَ بمعناه.\nوفي رواية له ذكرُ سببِ هذا الحديثِ من روايةِ محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي\nهريرةَ، قالَ: خطبنا رسولُ اللهِ - ﷺ - فقالَ: \"يا أيها الناسُ قد فرضَ اللَهُ عليكم\nالحجَّ فحجوا\" فقال رجلٌ: أكُلَّ عامٍ يا رسولَ اللهِ؟\nفسكتَ حتَّى قالَها ثلاثًا.\nفقال رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"لو قلتُ: نعم، لوجبتْ ولما استطعتُم\"، ثمَّ قال: \"ذَرُوني ما تركْتُكُم، فإنما هلَكَ من كان قبلكم بسؤالِهِم واختلافِهم على أنبيائِهم، فإذا أمرتُكُم بشيء، فأتُوا منه ما استطعتُم، وإذا نهيتُكُم عن شيء، فدعُوه \".\nوخرَّجَه الدارقطنيُّ من وجهٍ آخرَ مختصرا.\nوقال فيه: فنزل قولُهُ تعالى: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْاَلُوا عَنْ أَشيَاءَ إِن تبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكمْ) .\nوقد رُوي من غيرِ وجه أن هذه الآيةَ نزلتْ لمَّا سالوا النبيَّ - ﷺ - عن الحجِّ، وقالُوا: أفي كل عامٍ؟\nوفي \"الصحيحينِ \" عن أنسٍ قالَ: خطبنا رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، فقال رجلٌ: مَن أبي؟\nفقالَ: \"فلانَ \"، فنزلتْ هذه الآيةُ: (لا تَسْاَلُوا عَنْ أَشيَاءَ) .\nوفيهما - أيضًا - عن قتادةَ، عن أنسٍ قالَ: سألُوا رسولَ اللَّهِ - ﷺ - حتى","vol":"1","page":448},{"text":"أحْفَوهُ في المسألةِ، فغضبَ فصَعِدَ المنبرَ، فقالَ: \"لا تسألُوني اليومَ عن شيء إلا بينتُه\" فقامَ رجل - كان إذا لاحى الرجالَ دُعِيَ إلى غيرِ أبيه - فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ من أبي؛ قالَ: \" أبوك حُذافة\"، ثمَّ أنشأ عمرُ، فقال: رضينا باللَّه ربًّا وبالإسلامِ دينًا وبمحمدٍ رسولًا، نعوذُ باللَّه من الفتنِ، وكانَ قتادة يذكرُ عندَ هذا الحديثِ هذه الآيةَ (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنوا لا تَسْاَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ) .\nوفي \"صحيح البخاريِّ \" عن ابنِ عباسٍ، قالَ: كان قومٌ يسألونَ رسولَ\nاللَّهِ - ﷺ - استهزاء، فيقولُ الرجلُ: مَنْ أبي؟ ويقولُ الرجلُ تَضِلُّ ناقته: أين ناقَتِي؟ فأنزلَ اللَّهُ هذه الآيةَ: (يَا أَيهَا الذِينَ آمنُوا لا تَسْاَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ) .\nوخرَّج ابنُ جريرٍ الطبري في \"تفسيرِ\" من حديثِ أبي هريرةَ، قالْ\nخرجَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وهو غضبانُ مُحمارٌّ وجهه، حتى جلسَ على المنبرِ، فقامَ إليه رجلٌ فقالَ: أين أنا؟\nفقال: \"في النارِ\" فقامَ إليه آخرُ، فقالَ: من أبي؟\nقال: \"أبوكَ حُذافةُ\"، فقامَ عمرُ فقالَ: رضينا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا، وبالقرآنِ إمامًا، إنَّا يا رسولَ اللَّه حديثُو عهدٍ بجاهليةٍ وشركٍ، واللَّهُ أعلمُ من آباؤنا، قال: فسكنَ غضبُه، ونزلتْ هذه الآية ُ: (يَا أَيهَا الذِينَ آمنوا لا تَسْألوا عَنْ أَشْيَاءَ) .\nوروى - أيضًا - من طريقِ العَوْفيِّ عن ابنِ عباسٍ في قولهِ: (يا أيهَا\nالَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) .\nقال: إنًّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - أذَّن في الناسِ، فقالَ:\n\"يا قوم كُتِبَ عليكم الحح؟ \"، فقامَ رجل، فقالَ:\nيا رسولَ اللَّهِ، أفي كلِّ عامٍ؛ فأُغْضِبَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - غضبًا شديدًا، فقالَ:","vol":"1","page":449},{"text":"\"والذي نفسي بيدِهِ، لو قلتُ: نعم، لوجَبَتْ ولو وجبتْ ما استطعتُم، وإذن لكفرتُم، فاتركُوني ما تركتُكُم، فإذا أمرتُكُم بشيء فافعلُوا، وإذا نهيتُكم عن شيء فانتهَوا عنه \"\nفأنزل اللَّهُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) .\nنهاهُم أن يسألوا مثلَ الذي سألتِ النَصارى في المائدةِ، فأصبَحُوا\nبها كافرين، فنهى اللَّهُ تعالى عن ذلكَ، وقال: لا تسألوا عن أشياء، إن نزلَ\nالقرآنُ فيها بتغليظٍ ساءَكُم، ولكن انتظرُوا، فإذا نزلَ القرآنُ فإنَّكم لا تسألون عن شيءٍ إلا وجدتُم تبيانَهُ.\nفدلَّت هذه الأحاديثُ على النهي عن السُّؤالِ عمَّا لا يُحتاجُ إليه مما يسوءُ\nالسائلَ جوابُهُ مثلَ سؤالِ السائلِ، هل هو في النارِ أو في الجنةِ، وهل أبوه من\nينتسبُ إليهِ أو غيرِه، وعلى النهي عن السؤالِ على وجهِ التعنتِ والعبثِ\nوالاستهزاءِ، كما كانَ يفعلُه كثيرٌ من المنافقينَ وغيرُهم.\nوقريبٌ من ذلكَ سؤالُ الآياتِ واقتراحُها على وجهِ التعنت، كما كانَ\nيسألُه المشركُون وأهلُ الكتابِ، وقد قالَ عكرمةُ وغيرُه: إنَّ الآيةَ نزلتْ في\nذلك.\nويقربُ من ذلكَ السؤالُ عما أخفاه اللَّهُ عن عبادِهِ، ولم يُطلعهم عليهِ.\nكالسؤالِ عن وقتِ الساعةِ، وعن الروح.\nودلَّت - أيضًا - على نهي المسلمينَ عن السؤالِ عن كثيرٍ من الحلالِ والحرامِ\nمما يُخشى أن يكونَ السؤالُ سببًا لنزولِ التشديدِ فيهِ، كالسّؤالِ عن الحجِّ: هل يجبُ كلَّ عامٍ أم لا؟\nوفي \"الصحيح \" عن سعدٍ، عن النبي - ﷺ - أنه قالَ: \"إنَّ أعظمَ المسلمينَ","vol":"1","page":450},{"text":"في المسلمينَ جُرْمًا منْ سألَ عن شيء لم يحرم، فحُرِّم من أجْلِ مسألتِهِ \".\nولما سُئلَ النبيُّ - ﷺ - عن اللِّعان كره المسائلَ وعابَهَا حتى ابتُلي السائلُ عنه قبلَ وقوعِهِ بذلكَ في أهلِهِ وكان النبيُّ - ﷺ - ينهَي عن قيلَ وقالَ، وكثرةِ السؤالِ، وإضاعةِ المالِ.\nولم يكنِ النبيُّ - ﷺ - يُرخِّصُ في المسائِل إلا للأعرابِ ونحوِهم من الوُفودِ القادمينَ عليه، يتألَّفهم بذلكَ، فأمَّا المهاجرونَ والأنصارُ المقيمونَ بالمدينة الذين رَسَخَ الإيمانُ في قلوبِهِم، فنُهوا عن المسألةِ، كما في \"صحيح مسلمٍ \" عن النَّوَّاسِ بن سِمعانَ، قال: أقمتُ مع رسولِ اللَهِ - ﷺ - بالمدينةِ سنةً ما يمنعُني من الهجرةِ إلا المسألةُ، كانَ أحدُنا إذا هاجرَ لم يسألِ النبي - ﷺ -.\nوفيه أيضًا عن أنسٍ، قال: نُهينا أن نسأل رسولَ اللهِ - ﷺ - عن شيءٍ، فكان يُعجِبُنا أن يجيءَ الرجلُ من أهلِ الباديةِ العاقلُ، فيسألُهُ ونحنَ نسْمعُ.\nوفي \"المسندِ\" عن أبي أُمامةَ، قالَ: كانَ اللَّهُ قد أنزلَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)، قالَ: فكُنَّا قد كرهنا كثيرًا من\nمسألتِهِ، واتَّقيْنَا ذلك حين أنزلَ اللَّهُ على نبيِّهِ - ﷺ -\nقال: فأتينا أعرابيا، فرشوناه بُردًا، ثمَّ قلنا له: سلِ النبيَّ - ﷺ - وذكرَ حديثًا.\nوفي \"مسندِ أبي يعْلى الموصليِّ \" عن البراءِ بن عازبٍ قال: إنْ كان لتأتِي","vol":"1","page":451},{"text":"عليَّ السنةُ أريدُ أن أسألَ رسولَ اللهِ - ﷺ - عن شيء، فأتهيبُ منه، وإن كنَّا لنتمنَّى الأعرابَ.\nوفي \"مسند البزارِ\" عن ابنِ عباسٍ، قال: ما رأيتُ قومًا خيرًا من\nأصحابِ محمَّدٍ - ﷺ - ما سألوه إلا عن اثنتي عشرةَ مسألةً، كلُّها في القرآنِ:\n(يَسْاَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ)، (يَسْاَلُونَكَ عَنِ الشَّهرِ الْحَرَامِ)، (وَيَسْاَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى)، وذكر الحديثَ.\nوقد كانَ أصحابُ النبيّ - ﷺ - أحيانًا يسألونَهُ عن حكم حوادثَ قبلَ وقوعِهَا، لكن للحملِ بِهَا عند وقوعِها، كما قالُوا لهُ: إنَّا لاقُو العدوِّ غدًا، وليسَ معنا مُدًى، أفنذبحُ بالقصَبِ؛ وسألُوه عن الأُمراءِ الذين أخبر عنهم بعدَه، وعن\nطاعتِهِم وقتالِهِم، وسألهُ حذيفةُ عن الفتن، وما يصنعُ فيها.\nفهذا الحديثُ، وهو قولُهُ - ﷺ -:\n\"ذَرُوني ما تركْتُكُم، فإنَّما هلَكَ من كان قبلَكُم بكثرةِ سُؤالِهِم واختلافِهِم على أنبيائِهِم \" يدلُّ على كراهةِ المسائلِ وذمِّها، ولكن\nبعضَ الناسِ يزعمُ أنَّ ذلكَ كان مختصًا بزمنِ النبيِّ - ﷺ - لما يخشى حينئذٍ من تحريمِ ما لم يُحرَّم، أو إيجابِ ما يشقُّ القيامُ به، وهذا قد أُمِنَ بعد وفاتِهِ - ﷺ -.\nولكن ليسَ هذا وحده هو سببَ كراهةِ المسائلِ، بل له سببٌ آخرُ، وهو\nالذي أشارَ إليه ابنُ عباسٍ في كلامِهِ الذي ذكرنا بقوله: ولكن انتظرُوا، فإذا\nنزلَ القرآنُ، فإنكم لا تسألون عن شيءٍ إلا وجدتم تبيانَهُ.\nومعنى هذا: أنَّ جميعَ ما يحتاجُ إليه المسلمونَ في دينهم لا بدَّ أن يُبينه اللَّهُ في كتابِهِ العزيزِ،","vol":"1","page":452},{"text":"ويبلِّغُ ذلكَ رسولُهُ عنه، فلا حاجةَ بعد هذا لأحدٍ في السؤال، فإنَّ اللَّهَ تعالى\nأعلمُ بمصالح عبادِهِ منهم، فما كانَ فيه هدايتُهم ونفعُهُم فإنَّ اللَه لا بدَّ أن\nيُبيَّنه لهُم ابتداءً من غيرِ سؤالٍ، كما قالَ: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا) .\nوحينئذٍ، فلا حاجةَ إلى السُّؤال عن شيءٍ، ولا سيما قبلَ وقوعِهِ\nوالحاجة إليه، وإنَّما الحاجةُ المهمةُ إلى فَهْم ما أخبرَ اللَّهُ به ورسولُه، ثمَّ اتباعُ\nذلكَ والعملُ به، وقد كان النبيُّ - ﷺ - يُسأل عن المسائلِ، فيُحيلُ على القرآنِ، كما سألَهُ عمرُ عنِ الكلالةِ فقال: \"يَكفيك آيةُ الصيف \".\nوأشارَ رسول اللَّهِ - ﷺ - في هذا الحديثِ إلى أنَّ في الاشتغال بامتثال أمرِه، واجتنابِ نهيه شغلًا عن المسائلِ، فقال:\n\"إذا نهيتُكُم عن شيءٍ فاجتنبوه، وإذا أمرتُكُم بأمر، فأتوا منه ما استطعتُم \".\nفالذي يتعيَّنُ على المسلم الاعتناءُ به والاهتمامُ أن يبحثْ عمَّا جاء عن اللَّهِ\nورسولِهِ - ﷺ -، ثم يجتهدُ في فهم ذلك، والوقوفِ على معانيهِ، ثم يشتغلُ بالتصديقِ بذلكَ إنْ كان من الأمورِ العلميَّةِ، وإن كان من الأمور العمليّة، بذل وسْعهُ في الاجتهادِ في فعلِ ما يستطيعُهُ من الأوامرِ، واجتنابِ ما يُنْهى عنهُ، وتكونُ همَّتُهُ مصروفةً بالكليَّة إلى ذلكَ، لا إلى غيرِه.\nوهكذا كانَ حال أصحابِ النبيِّ - ﷺ - والتابعينَ لهم بإحسانٍ في طلبِ العلمِ النافع منَ الكتابِ والسنةِ.\nفأمَّا إنْ كانتْ همةُ السامِع مصروفةً عند سماع الأمرِ والنهي الى فرضِ\nأمورٍ قد تقعُ، وقد لا تقعُ، فإن هذا مما يدخلُ في النَّهي ويثبِّطُ عن الجِدِّ في","vol":"1","page":453},{"text":"متابعةِ الأمرِ. وقد سألَ رجلٌ ابنَ عمرَ عن استلامِ الحجرِ، فقال له: رأيتُ\nالنبيَّ - ﷺ - يستلمه ويقبِّلُهُ، فقال له الرجلُ: أرأيتَ إنْ غُلِبْتُ عليه؟ أرأيت إن زُوحِمْتُ؟\nفقال له ابنُ عمرَ: اجعلْ \"أرأيتَ\" باليمنِ، رأيتُ النبيَّ - ﷺ - يستلمه ويقبِّلُهُ.\nخرَّجه الترمذيُّ.\nومرادُ ابنِ عمرَ: أن لا يكونَ لكَ همٌّ إلا في الاقتداءِ بالنبيِّ - ﷺ -، ولا حاجةَ إلى فرضِ العجزِ عنْ ذلكَ أو تعسرِه قبلَ وقوعِهِ، فإنَّه قد يفتُرُ العزمُ عن التَّصميمِ على المتابعةِ، فإنَّ التَّفْقُّهَ في الدِّين، والسُّؤالَ عن العِلْم إنَّما يُحمَدُ إذا كانَ للعملِ، لا للمراءِ والجدالِ.\nوقد رُوي عن على - ﵁ -، أنه ذكرَ فتنًا تكونُ في آخرِ الزمان، فقال له عمرُ: متى ذلك يا علي؟\nقال: إذا تُفُقِّه لغير الدين، وتَعُلِّم لغيرِ العملِ، والتُمِسَتِ الدنيا بعملِ الآخرةِ.\nوعن ابنِ مسعود أنه قال: كيف بكُم إذا لبِستكم فتنةٌ يربُو فيها الصغيرُ.\nويهْرَمُ فيها الكبيرُّ، وتُتَّخَذُ سُنَّةً، فإن غُيرَتْ يومًا قيل: هذا منكرٌ؟\nقالُوا: ومتى ذلك؟ قالَ: إذا قلَّتْ أمناؤُكُم، وكثرتْ أمراؤكم، وقلَّت فقهاؤُكُم، وكثر قُرَّاؤُكُم، وتُفُقّهَ لغير الدين، والتُمِسَتِ الدنيا بعملِ الآخرةِ.\nخرَّجهما عبدُ الرزاقِ في كتابِهِ.\nولهذا المعنى كان كثيرٌ من الصحابةِ والتابعينَ يكرهونَ السؤالَ عن الحوادثِ\nقبلَ وقوعِها، ولا يُجيبونَ عن ذلكَ، قالَ عمرُو بنُ مُرَّةَ: خرج عمرُ على","vol":"1","page":454},{"text":"الناسِ، فقال: أُحرِّجُ عليكُم أن تسألونا عن ما لم يكنْ، فإنَّ لنا فيما كان\nشغلًا.\nوعن ابنِ عمرَ، قالَ: لا تسألوا عما لم يكنْ، فإنِّي سمعتُ عمرَ لعنَ\nالسَّائلَ عمَّا لم يكنْ.\nوكان زيدُ بنُ ثابت إذا سُئلَ عن الشَّيْء يقولُ: كانَ هذا؛ فإن قالُوا: لا.\nقالَ: دعُوه حتى يكونَ.\nوقال مسروقٌ: سألتُ أُبيَّ بنَ كعبٍ عن شيءٍ، فقالَ: أكانَ بعدُ؟\nفقلتُ: لا، فقال: أجِمَّنا - يعني: أرِحْنا - حتى يكونَ فإذا كان اجتهدْنا لك رأيَنا.\nوقال الشعبيُّ: سئلَ عمَّارٌ عن مسألةٍ فقال: هل كان هذا بعدُ؟\nقالُوا: لا، قال: فدعُونا حتى يكونَ، فإذا كان تجَشَّمْنَاهُ لكم.\nوعن الصَّلتِ بنِ راشدٍ، قال: سألتُ طاووسًا عن شيءٍ، فانتهرني.\nوقالَ: أكان هذا؟ قلتُ: نعم، قال: آللَّه؟ قلتُ: آللَّه. قال: إنَّ أصحابنا أخبرُونا عن معاذِ بنِ جبلٍ أنه قالَ: أيها النَّاسُ، لا تعجلُوا بالبلاء قبْلَ نزولِه فيذهبُ بكُم هَاهُنا وهَاهُنا، فإنَّكم إنْ لم تعجلُوا بالبلاء قبلَ نزولِه لم ينفكًّ المسلمونَ أن يكونَ فيهم مَنْ إذا سُئِلَ سُدِّدَ، أو قال وُفِّق.\nوقد خرَّجه أبو داودَ في كتابِ: \"المراسيلِ \" مرفوعًا من طريقِ","vol":"1","page":455},{"text":"ابنِ عجلانَ عن طاووسٍ عن معاذٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"لا تعجَلُوا بالبليَّةِ قبل نزولِهَا فإنَّكم إن لم تفعلُوا لم ينفكَّ المسلمونَ منهم من إذا قال سُدِّدَ أو وقق، وإنَّكم إن عجِلتُم، تشَّتتْ بكمُ السّبلُ هاهُنا وهَاهُنا\". ومعنى إرساله أن طاووسًا لم يسمعْ من معاذ.\nوخرَّجه - أيضًا - من روايةِ يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمةَ، عن\nالنبيِّ - ﷺ - بمعناه مرسلًا.\nوروى الحجاجُ بنُ منهال حدثنا جريرُ بنُ حازمٍ سمعتُ الزبيرَ بنَ سعيدٍ -\nرجلًا من بني هاشم - قال. سمعتُ أشياخَنا يحدثون: أنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قال:\n\"لا يزالُ في أُمَّتِي مَن إذا سُئلَ سُدِّد وأُرْشِدَ حتى يتساءلوا عن ما لم ينزلْ تبيينُهُ، فإذا فعلوا ذلك، ذُهِبَ بهم هاهُنا وهاهُنا\".\nوقد رُوي عن الصَّنابحيِّ عن معاويةَ عن النبيِّ - ﷺ - إنه نهى عن الأغْلُوطاتِ، خرَّجه الإمامُ أحمد، وفسَّرها الأوزاعيُّ، قال: هي شدادُ المسائِلِ.\nوقالَ عيسى بنُ يونسَ: هي ما لا يُحتاجُ إليه من كيفَ وكيفَ.\nويُروى من حديثِ ثوبانَ عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"سيكونُ أقوامٌ من أمتي يُغَلِّطُون فقهاءَهُم بِعُضَلِ المسائِلِ، أولئك شرارُ أُمَّتِي \".\nوقال الحسنُ: شرارُ عبادِ اللَّهِ الذين يتبعونَ شرارَ المسائلِ يَغُمُّون بها عبادَ\nاللَّه.","vol":"1","page":456},{"text":"وقال الأوزاعيُّ: إنَّ اللَّهَ إذا أراد أن يحرِمَ عبدَه بركةَ العلم، ألقى على\nلسانِهِ المغاليطَ، فلقد رأيتُهم أقلَّ الناسِ علمًا.\nوقال ابنُ وهب عن مالكٍ: أدركتُ هذه البلدةَ، وإنَّهم ليكرهُون هذا\nالإكثارَ الذي فيه الناسُ اليومَ، يريدُ المسائلَ.\nوقال أيضًا: سمعتُ مالكًا وهو يعيبُ كثرةَ الكلامِ وكثرةَ الفتيا، ثم قالَ:\nيتكلَّمُ كأنه جملٌ مُغْتَلِمٌ يقولُ: هو كذا، هو كذا يَهْدِرُ في كلامِهِ.\nوقال: وسمعتُ مالكًا يكرهُ الجوابَ في كثرةِ المسائلِ، وقال: قال اللَّهُ عزَّ\nوجلَّ: (وَيَسْأَئونَكَ عَنِ الروحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)، فلم يأتِهِ في\nذلكَ جوابٌ.\nوكان مالكٌ يكرهُ المجادلةَ عن السُّنن أيضًا. قال الهيثمُ بنُ جميلٍ: قلتُ\nلمالكٍ: يا أبا عبدِ اللَّهِ، الرجلُ يكونُ عالمًا بالسُّن يُجادِلُ عنها؟\nقالَ: لا، ولكن يخبر بالسُّنَّةِ، فإن قُبِلَ منه، وإلا سكتَ.\nوقال إسحاقُ بنُ عيسى: كان مالكٌ يقولُ: المِراءُ والجِدالُ في العلم يذهبُ\nبنورِ العلم من قلبِ الرجلِ.\nوقال ابنُ وهبٍ: سمعتُ مالكًا يقولُ: المراءُ في العلم يُقسَي القلوبَ\nويورِّث الضغنَ.\nوكان أبو شريح الإسكندرانيُّ يومًا في مجلسِهِ، فكثُرَتِ المسائلُ، فقال: قد\nدَرِنَتْ قلوبُكم منذُ اليوم، فقومُوا إلى أبي حُميدٍ خالد بن حميد اصقُلوا\nقلوبكم، وتعلَّموا هذه الرغائبَ، فإنَها تُجَدِّدُ العبادةَ، وتُورثُ الزهادةَ، وتجرُّ الصداقةَ، وأقلُّوا المسائلَ إلا ما نزلَ، فإنها تقسِّي القلوبَ، وتورثُ العداوةَ.","vol":"1","page":457},{"text":"وقال الميمونيُّ: سمعتُ أبا عبدِ اللَهِ - يعني أحمدَ - يُسأل عن مسألةٍ.\nفقال: وقعَتْ هذه المسألةُ؟ بُليتم بها بعدُ.\nوقد انقسمَ الناسُ في هذا البابِ أقسامًا:\nفمن أتباع أهلِ الحديثِ منْ سدَّ بابَ المسائلِ حتَى قل فقهُهُ وعلمه بحدودِ\nما أنزلَ اللَّهُ على رسولِهِ، وصارَ حامِلَ فقهٍ غيرَ فقيه.\nومن فقهاءِ أهلِ الرأي من توسَّع في توليدِ المسائلِ قبلَ وقوعِها، ما يقعُ في\nالعادةِ منها وما لا يقعُ، واشتغلُوا بتكلُّفِ الجوابِ عن ذلكَ، وكثرة\nالخصوماتِ فيه، والجدالِ عليه حتَى يتولدَ منْ ذلكَ افتراقُ القلوبِ، ويستقرًّ\nفيها بسببهِ الأهواءُ والشحناءُ والعداوةُ والبغضاءُ، ويقترنُ ذلكَ كثيرًا بنيّةِ\nالغالبةِ، وطلبِ العلوِّ والمباهاةِ، وصرفِ وجوهِ الناسِ، وهذا ممَّا ذمَّه العلماءُ\nالربانيونَ، ودلَّتِ السّنَةُ على قبحِهِ وتحريمِهِ.\nوأما فقهاءُ أهلِ الحديثِ العاملُون به، فإنَّ معظمَ همِّهمُ البحثُ عن معاني\nكتابِ اللَّهِ ﷿، وما يُفسِّره من السننِ الصحيحةِ، وكلام الصحابةِ\nوالتابعينَ لهم بإحسانٍ، وعن سُنَةِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ -، ومعرفةِ صحيحِهَا وسقيمِهَا، ثم التفقهُ فيها وتفهمُها، والوقوفُ على معانِيها، ثم معرفةُ كلامِ الصحابةِ والتابعينَ لهم بإحسانٍ في أنواع العلومِ من التفسيرِ والحديثِ، ومسائلِ الحلالِ والحرامِ، وأصولِ السنةِ والزهدِ والرقائقِ، وغير ذلك، وهذا هو طريقةُ الإمامِ أحمدَ ومَنْ وافقه من علماءِ الحديث الرّبَانيينَ، وفي معرفةِ هذا شغل شاغلٌ عن التشاغُلِ بما أُحدثَ من الرأي ممَّا لا يُنتفع به ولا يقعُ، وإنما يُورثُ التجادلُ فيه كثرةَ الخصوماتِ والجدالَ وكثرةَ القيلِ والقالَ.","vol":"1","page":458},{"text":"وكان الإمامُ أحمدُ كثيرًا إذا سُئلَ عن شيءٍ من المسائلِ المولداتِ التي لا تقعُ يقولُ: دعونا منْ هذه المسائلِ المحدثةِ.\nوما أحسن ما قالَهُ يونسُ بنُ سليمانَ السَّقَطِيُّ: نظرتُ في الأمر، فإذا هو\nالحديثُ والرأيُ، فوجدتُ في الحديثِ ذكرَ الربِّ ﷿، وربوبيتَه وإجلاله وعظمته، وذكرَ العرشِ وصفةَ الجنةِ والنارِ، وذكرَ النبيينَ والمرسلين، والحلالِ والحرامِ، والحثَّ على صلةِ الأرحامِ، وجماعَ الخيرِ فيه، ونظرتُ في الرأي، فإذا فيه المكرُ والغدرُ، والحيلُ، وقطيعةُ الأرحامِ، وجماعُ الشَّرِّ فيه.\nوقال أحمدُ بن شبويه: من أرادَ علمَ القبرِ فعليه بالآثارِ، ومن أراد علم\nالخُبْزِ فعليه بالرأي.\nومن سلكَ طريقَه لطلبِ العلم على ما ذكرناه، تمكَّن من فهمِ جوابِ\nالحوادثِ الواقعةِ غالبًا، لأن أصولَها تُوجدُ في تلكَ الأصولِ المشارِ إليها.\nولابدَّ أن يكونَ سلوكُ هذا الطريقِ خلفَ أئمةِ أهلِهِ المجمَع على هدايتهِم\nودرايتِهِم كالشافعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي عُبيدٍ ومن سلكَ مسلكَهم، فإنًّ مَنِ\nادَّعى سلوكَ هذا الطريقِ على غيرِ طريقِهِم، وقعَ في مفاوزَ ومهالكَ، وأخذَ\nبما لا يجوزُ الأخذُ به، وتركَ ما يجبُ العملُ به.\nومِلاكُ الأمرِ كلِّه أن يقصِدَ بذلكَ وجهَ اللَّهِ، والتقرُّبَ إليه، بمعرفةِ ما أنزلَهُ\nعلى رسولِهِ، وسلوكِ طريقه، والعملِ بذلكَ، ودعاءِ الخلقِ إليه، ومَنْ كان\nكذلكَ، وفَّقه اللَّهُ وسدَّده، وألهمَهُ رشدَهُ، وعلَّمه ما لم يكنْ يعلمُ، وكان من العلماءِ الممدوحينَ في قولِهِ تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادهِ الْعُلَمَاءُ)، ومن الراسخينَ في العلم.","vol":"1","page":459},{"text":"فقد خرَّج ابنُ أبي حاتم في \"تفسيره\" من حديثِ أبي الدرداءِ أنَ رسولَ اللَّهِ\n- ﷺ - سُئلَ عن الرَّاسخينَ في العلم، فقالَ: \"من برَّت يمينُه، وصدقَ لسانُه، واستقامَ قلبُه، ومَنْ عفَّ بطنُه وفرجُه، فذلكَ منَ الرَّاسخينَ في العلم\".\nقال نافعُ بنُ يزيدَ: يقالُ: الرَّاسخون في العلم: المتواضعونَ للَّهِ، المتذلِّلون\nللَّهِ في مرضاتِهِ، لا يتعاطُون من فوقَهُم، ولا يحقرونَ من دونَهُم.\nويشهدُ لهذا قولُ النبيِّ - ﷺ -:\n\"أتاكُم أهلُ اليمنِ، هُمْ أبرُّ قلوبًا، وأرقُّ أفئدةً.\nالإيمانُ يمانٍ، والفقهُ يمانٍ، والحكمةُ يمانيَّة\".\nوهذا إشارةٌ منه إلى أبي موسى الأشعريِّ، ومن كان على طريقِهِ من\nعُلَماءِ أهلِ اليمنِ، ثمَّ إلى أبي مسلم الخولانيِّ، وأُويسٍ القرَنيِّ، وطاووس.\nووهبِ بنِ منبهٍ، وغيرِهم من علماءِ أهلِ اليمن، وكل هؤلاءِ من العلماء\nالرَّبانيينَ الخائفينَ للَّه، وكلُّهم علماءُ باللَّهِ يخشونَه ويخافونَه، وبعضهم أوسعُ\nعلمًا بأحكامِ اللَّه وشرائع دينِه من بعضٍ، ولم يكنْ تميّزهم عن الناسِ بكثرةِ\nقيل وقال، ولا بحثٍ ولا جدالٍ.\nوكذلك معاذُ بنُ جبلٍ - ﵁ -، أعلمُ الناسِ بالحلالِ والحرامِ، وهو الذي يُحشر يومَ القيامةِ أمامَ العلماءِ برَتْوةٍ، ولم يكنْ علمهُ بتوسعةِ المسائلِ وتكثيرِها، بل قد سبقَ عنه كراهةُ الكلامِ فيما لم يقعْ، وإنما كان عالما باللَّهِ وعالمًا بأصولِ دينِهِ.\nوقد قيلَ للإمامِ أحمدَ: منْ نسألُ بعدَك؟\nقال: عبدُ الوهَّابِ الورَّاق.\nقيلَ له: إنه ليس له اتِّساعٌ في العلم، قال: إنه رجلٌ صالح، مثلُه يوفَّقُ","vol":"1","page":460},{"text":"لإصابةِ الحقِّ.\nوسئل عن معروفٍ الكرخيِّ، فقال: كان معه أصلُ العلم: خشيةُ اللَّهِ.\nوهذا يرجعُ إلى قولِ بعضِ السلفِ: كفى بخشية اللَّه علمًا، وكفى بالاغترارِ\nباللَّه جهلًا.\nوهذا بابٌ واسعٌ يطولُ استقصاؤه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-86>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)</span>\nوقد حكى القاضي أبو يعْلى روايتينِ عن أحمدَ في وجوبِ إنكارِ المنكرِ\nعلى من يعلمُ أنَّه لا يقبلُ منه، وصححَ القولَ بوجوبِهِ، وهو قولُ أكثرِ\nالعلماء.\nوقد قيلَ لبعضِ السلفِ في هذا، فقالَ: يكونُ لكَ معذرة، وهذا كما أخبرَ\nاللَّهُ ﷿ عن الذينَ أنكرُوا على المعتدينَ في السَّبتِ أنَّهم قانَوا لمن قالَ\nلهم: (لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَو معَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ)، وقد وردَ ما يستدلُّ به على سقوطِ الأمرِ والنهي\nعندَ عدمِ القبولِ والانتفاع به، ففي \"سننِ أبي داودَ\" وابنِ ماجةَ والترمذي\nعن أبي ثعلبةَ الخُشنيِّ أنه قيلَ له: كيفَ تقولُ في هدْه الآيةِ: (عَلَيْكُمْ\nأَنفُسَكُمْ)، فقالَ: أما واللَّهِ لقد سألتُ عنها رسولَ اللَّهِ - ﷺ -،","vol":"1","page":461},{"text":"فقالَ: \"بل ائتمِروا بالمعروفِ، وانتهُوا عن المنكرِ حتى إذا رأيتَ شُحًا مُطاعًا، وهوى مُتّبعًا، ودُنيا مُؤئَرَةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برأيه فعليكَ بنفْسِكَ، ودعْ عنكَ أمرَ العوامِّ \".\nوفي \"سننِ أبي داودَ\" عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، قال: بينما نحن حولَ\nرسولِ اللَّهِ - ﷺ -، إذْ ذكر الفتنة، فقالَ: \"إذا رأيتُمَ الناسَ مرجَتْ عهودهم، وخفَّت أماناتهم، وكانُوا هكذا\" وشبَّك بين أصابعِهِ، فقمتُ إليه، فقلتُ: كيف أفعلُ عندَ ذلك، جعلني اللَّهُ فداكَ؟\nقال: \"الزمْ بيتَك، واملِكْ عليكَ لسانَكَ، وخُذْ بما تعْرِفُ، ودع ما تُنكرُ، وعليكَ بأمر خاصَّةِ نفسِكَ، ودع عنك أمرَ العامَّة\".\nوكذلك رُويَ عن طائفةٍ من الصحابةِ فىِ قولِهِ تعالى: (عَلَيْكُم أَنفُسَكُمْ لا\nيَضُرُّكم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ)، قالُوا: لم يأتِ تأويلُها بعدُ، إنَّما\nتأويلُها في آخرِ الزمانِ.\nوعن ابنِ مسعودٍ، قال: إذا اختلفتِ القلوبُ والأهواءُ، وأُلبِستم شِيَعًا.\nوذاق بعضُكم بأسَ بعض، فيأمرُ الإنسانُ حينئذٍ نفسَهُ، حينئذٍ تأويل هذه\nالآية.\nوعن ابنِ عمرَ، قال: هذه الآيةُ لأقوامٍ يجيئونُ من بعدِنا، إن قالُوا لم\nيُقبَلْ منهم.\nوقال جُبيرُ بنُ نفيرٍ عن جماعةٍ من الصحابةِ، قالُوا. إذا رأيتَ\nشحًا مُطاعًا وهوًى متبعًا، وإعجابَ كلِّ ذي رأي برأيه، فعليك بنفسِكَ، لا\nيضرُّكَ من ضلَّ إذا اهتديت.\nوعن مَكْحُولٍ، قال: لم يأتِ تأويلها بعدُ، إذا هابَ الواعظُ، وأنكرَ","vol":"1","page":462},{"text":"الموعوظُ فعليكَ حينئذٍ بنفسِكَ لا يضرُّك من ضل إذا اهتديتَ.\nوعن الحسنِ: أنه كان إذا تلا هذه الآيةَ، قال: يا لها من ثقةٍ ما أوثقها!\nومن سعةٍ ما أوسَعها!.\nوهذا كلُّه قد يُحملُ على أنَّ من عجزَ عن الأمرِ بالمعروفِ، أوخافَ\nالضَّررَ، سقطَ عنه، وكلامُ ابنِ عمر يدلُّ على أنَّ من عَلِمَ أنَّه لا يُقبل منه، لم يجبْ عليه، كما حُكِي روايةً عن أحمدَ، وكذا قالَ الأوزاعيُّ: \" مَنْ ترى\nأن يقبل منك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَ</span>وْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦) فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٧) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)\nوقد دلَّ القرآنُ على استحلافِ الشهودِ عندَ الارتيابِ بشهادتِهِم في الوصيَّةِ\nفي السفرِ في قولِهِ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضرَ أَحَدَكُمُ","vol":"1","page":463},{"text":"الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنكُمْ أَوْآخَرَانِ مِنْ غَيْرِكمْ) إلى قوله: (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلا نَكتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ) .\nوهذه الآية ُ لم يُنسخ العملُ بها عندَ جمهورِ السلفِ، وقد عَمِلَ بها\nأبو موسى، وابن مسعودٍ، وأفتى بها علي، وابنُ عباسٍ، وهو مذهبُ شُريح والنخعيِّ، وابنِ أبي ليلَى، وسفيانَ والأوزاعي وأحمدَ وأبي عُبيدٍ وغيرِهم.\nقالُوا: تُقبل شهادةُ الكفار في وصيَّةِ المسلمينَ في السَّفرِ، ويُستحلفانِ مع\nشهادتِهِما.\nوهل يمينُهُما من بابِ تكميلِ الشهادةِ، فلا يُحكمُ بشهادتِهِما بدونِ\nيمينٍ، أم من بابِ الاستظهارِ عند الريبة؟ وهذا محتملٌ، وأصحابُنا جعلُوها\nشرطَا، وهو ظاهرُ ما رُويَ عن أبي موسى وغيرِه.\nوقد ذهبَ طائفةٌ من السلفِ إلى أنَّ اليمينَ مع الشاهدِ الواحدِ هو من بابِ\nالاستظهارِ، فإنْ رأى الحاكمُ الاكتفاءَ بالشَّاهدِ الواحدِ، لبُروزِ عدالتِهِ، وظُهورِ صِدْقه اكتفَى بشهادتِهِ بدون يمينِ الطالبِ.\nوقولُهُ تعالى: (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا)، يدلُّ على أنَّه إذا ظهر خلَلٌ في شهادةِ الكفارِ، حَلَفَ أولياءُ الميتِ على خيانتِهِمَا وكذبِهِما، واستحقُّوا ما حلَفُوا عليه.\nوهذا قولُ مُجاهد وغيرُه من السلفِ.\nووَجْه ذلكَ: أن اليمينَ في جانبِ أقوى المتداعيينِ، وقد قَوِيَتْ هاهنا\nدَعْوى الورثةِ بظهورِ كذبِ الشُّهودِ الكفارِ، فتُردُّ اليمينُ على المُدَّعينَ.\nويحلفونَ مع اللَّوْثِ ويستحقُون ما ادَّعَوْهُ، كما يحلفُ الأولياءُ في القَسامةِ مع\nاللَّوْثِ، ويستحقّون بذلك الدِّيَةَ والدَّم - أيضًا - عندَ مالكٌ وأحمدَ وغيرِهما.","vol":"1","page":464},{"text":"وقضى ابنُ مسعودٍ في رجلٍ مسلم حضرَهُ الموتُ فأوصَى إلى رجلين\nمسلمين معه، وسلَّمهما ما معه مِنَ المالِ، وأشهدَ على وصيَّته كفَّارًا، ثم قدِمَ\nالوصيَّانِ، فدفعا بعضَ المالِ إلى الورثةِ، وكتما بعضه، ثمَّ قدِمَ الكفَارُ فشهدُوا عليهم بما كتمُوه منَ المالِ، فدعا الوصيَّينِ المسلمينِ، فاستحلفهُما: ما دفعَ إليهما أكثر ممَّا دفعاهُ، ثم دعا الكفارَ، فشهدُوا وحَلَفوا على شهادتِهِم، ثم أمرَ أولياءَ الميتِ أن يحلفُوا أنَّ ما شهدتْ به اليهودُ والنصارى حقٌّ فحلفوا، فقضى على الوصِيَّينِ بما حلفوا عليه، وكانَ ذلكَ في خلافةِ عثمانَ، وتأوَلَ ابنُ مسعودٍ الآيةَ على ذلكَ، فكأنَّه قابلَ بين يمينِ الأوصياءِ والشُّهود الكفارِ فأسقطَهُما، وبقي مع الورثةِ شهادةُ الكفار، فحلفُوا معها، واستحقُّوا، لأنَّ جانبَهم ترجَّحَ بشهادةِ الكفارِ لهم، فجعلَ اليمينَ مع أقوى المتداعيينِ، وقضَى بها.\n* * *","vol":"1","page":465},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>سُورَةُ الأنْعَامِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>قوله تعالى: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِي</span>نٍ (٥٩)\n[قالَ البخاريُّ]: \"باب لا يَدْرِي متَى يجِيءُ المطرُ إلا اللهُ \":\nوقال أبو هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"خمسٌ لا يعْلَمُهُن إلا اللَّهُ \".\nحديثُ أبي هريرةَ هذا، قد خرَّجه في كتابِ الإيمانِ في حديثِ سؤالِ\nجبريلَ النبيَّ - ﷺ - عن الإسلامِ والإيمانِ والإحسانِ، وأنّه تلا عند ذلك هذه الآيةَ: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ) .\nوقد تقدم ذكرُه والكلامُ عليه.\nحدَّثنا محمدُ بنُ يوسفُ: نا سفيانُ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ دينارٍ، عن ابنِ\nعمرَ، قال: قالَ النبيُّ - ﷺ -:\n\"مفتاحُ الغيْبِ خمْسٌ لا يعلَمُهُا إلاَّ اللَّهُ، لا يعلم أحد\nما يكون في غَد إلاَّ اللَّهُ، ولا يعْلَمُ أحدٌ ما يكون في الأرحام إلاَّ اللَّهُ، ولاتَعْلَمُ نفْس ما تكسبُ غَدًا، وما تَدْرِي نفْسٌ بأيِّ أرضٍ تموتُ، وما يدْرِي أحدٌ متَى يجيءُ المطرُ\".\nقد سبقَ في البابِ المشارِ إليه: الإشارةُ إلى اختصاصِ اللَّهِ بعلم هذه","vol":"1","page":466},{"text":"الخمسِ، التي هي مفاتحُ الغيبِ، التي قال فيها: (وَعِندَهُ مَفَاتِح الْغَيبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ) .\nوهذه الخمسُ المذكورةُ في حديثِ ابنِ عمرَ، ليسَ فيها علمُ الساعةِ، بل\nفيها ذكرُ متى يجيءُ المطرُ بدلَ الساعةِ.\nوهذا مما يدلُّ على أن علمَ اللَّهِ الذي استأثر به دونَ خلْقِهِ لم ينحصرْ في\nخمسٍ، بلْ هو أكثرُ من ذلكَ، مثلُ علمِهِ بعددِ خلقِهِ، كما قال:\n(وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ) .\nومثلُ استئثاره بعلمِهِ بذاتِهِ وصفاتِهِ وأسمائِهِ، كما قال: (وَلا يُحِيطُونَ بِهِ\nعِلْمًا) .\nوفي حديثِ ابنِ مسعودٍ - في ذكرِ أسمائِهِ -: \"أو استأثرتَ به في علم الغيْبِ\nعندك \".\nوإنَّما ذُكرَتْ هذه الخمسُ لحاجةِ الناسِ إلى معرفةِ اختصاصِ اللَّهِ بعلمِها.\nوالعلم بمجموعِها مما اختصَّ اللَّهُ بعلمِهِ، وكذلكَ العلمُ القاطعُ بكلِّ فردٍ فردٍ\nمن أفرادِها.\nوأمَّا الاطّلاع على شيءٍ يسيرٍ من أفرادِها بطريقٍ غيرِ قاطع، بل يحتملُ\nالخطأ والإصابةَ هو غيرُ منفيٍّ، لأنه لا يدخلُ في العلم الذي اختصَّ اللَّهُ به.\nونفاهُ عن غير.\nوتقدَّمَ - أيضًا - أن النبيَّ - ﷺ - أوتيَ علمَ كلِّ شيءٍ، إلا هذه الخمسَ.\nفأمَّا إطْلاع اللَّهِ سبحانه له على شيءٍ من أفْرادِها، فإنه غيرُ منفي - أيضًا -","vol":"1","page":467},{"text":"وهو داخلٌ في قولِهِ تعالى: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) الآية.\nولكنَّ علمَ الساعةِ مما اختصَّ اللَّهُ به، ولم يطلعْ عليه غيرَه، كما تقدَّمَ في\nحديثِ سؤالِ جبريلَ للنبيِّ - ﷺ -.\nوكذلك جملةُ العلم بما في غَد.\nوقد قالتْ جاريةٌ بحضرتِهِ - ﷺ -:\nوفينا نبيٌّ يعلمُ في ما غَدِ، فنهاها النبيُّ - ﷺ - عن قولِ ذلك.\nوقد خرَّجه البخاريُّ في \"النكاح \".\nوأما العلمُ بما في الأرحامِ، فينفردُ اللَّهُ تعالى بعلمِهِ، قبلَ أن يأمرَ ملكَ\nالأرحامِ بتخليقِه وكتابتِهِ، ثم بعد ذلك قد يُطلعُ اللَهُ عليه من يشاءُ من خلقِهِ، كما أطلَعَ عليه ملكَ الأرحامِ.\nفإن كان من الرسلِ فإنَه يطلعُ عليه علمًا يقينًا، وإن كان من غيرِهم مِنَ\nالصدِّيقينَ والصالحينَ، فقد يطلعُه اللَّهُ تعالى عليه ظاهرًا.\nكما روى الزهريُّ، عن عروةَ، عن عائشةَ، أنَّ أبا بكرٍ لما حضرتُه الوفاةُ\nقال لها - في كلامٍ ذكرَهُ -: إنما هو أخواكِ وأختاكِ.\nقالتْ: فقلتُ هذا أخواي، فمن أختاي؟\nقال: ذو بطنٍ ابنةُ خارجة، فإني أظنُّها جارية.\nورواه هشامٌ، عن أبيه، عن عائشة، أنها قالتْ له عند ذلك: إنما هي\nأسماءُ؟\nفقالَ: وذاتُ بطنٍ بنتُ خارجةَ، أظنُّها جاريةً.\nورواه هشامٌ، عن أبيه: قد أُلْقِيَ في رُوعِي أنَّها جاريةٌ، فاستوصي بها\nخيرًا، فولدتْ أمَ كُلثومٍ.","vol":"1","page":468},{"text":"وأما علمُ النفس بما تكسبُه غدًا، وبأيِّ أرضِ تموتُ، ومتى يجيءُ المطرُ.\nفهذا على عمومه لا يعلَمُه إلا اللَّهُ.\nوأمَّا الاطلاع على بعضِ أفرادهِ، فإنْ كانَ بإطْلاع مِنَ اللَّهِ لبعضِ رسلِهِ.\nكان مخصوصًا من هذا العمومِ، كما أُطلِعَ النبيُّ - ﷺ - على كثيرٍ من الغيوبِ المستقبلةِ، وكان يخبرُ بها.\nفبعضُها يتعلقُ بكسبِهِ، مثلُ إخبارِه أنه يَقْتلُ أميَّةَ بنَ خلفٍ، وأخبر سعدُ\nابنُ معاذ بذلك أميةَ بمكةَ، وقال أميَّةُ: واللهِ، ما يكذبُ محمدٌ.\nوأكثرُه لا يتعلقُ بكسبِهِ، مثلُ إخباره عن الصورِ المستقبلةِ في أمَّتِهِ وغيرِهِم.\nوهو كثير جدا.\nوقد أخبرَ بتبوكٍ، أنه \"تهبُّ الليلةَ ريح شديدةٌ، فلا يقومَن أحدٌ\"، وكان\nكذلك.\nوالاطلاع على هبوبِ بعضِ الرياح نظيرُ الاطلاع على نزولِ بعضِ الأمطارِ\nفي وقتٍ معينٍ.\nوكذلك إخبارُهُ - ﷺ - ابنته فاطمةَ في مرضِهِ، أنه مقبوضٌ من مرضِهِ.\nوقد رُوي عنه - ﷺ -، أنَّه قال: \"ما بين قبرِي ومنبرى روضة من رياضِ الجنة\".\nخرَّجه الإمامُ أحمد من حديثِ أبي سعيد الخدريِّ، والنسائيُّ\nحديثِ أمَ سلمةَ عن النبيّ - ﷺ -.","vol":"1","page":469},{"text":"وهو دليلٌ على أنَّه علمَ موضعَ موتِهِ ودفنِهِ.\nوقد رُوي عنه، أنه قال: \"لم يقبضْ بنبيٌّ إلا دُفنَ حيثُ يُقبضُ \".\nخرَّجه ابنُ ماجة وغيرُه.\nوأما إطلاع غيرِ الأنبياءِ على بعضِ أفرادِ ذلك فهو - كما تقدَّمَ - لا يحتاجُ\nإلى استثنائه؛ لأنه لا يكونُ علمًا يقينًا، بل ظنًا غالبًا، وبعضُه وهمٌ، وبعضُه\nحدسٌ وتخمينٌ، وكلُّ هذا ليس بعلم، فلا يحتاجُ إلى استثنائه مما انفردَ اللَّهُ\n﷾ بعلمِهِ، كما تقدَّمَ، واللَّهُ ﷾ أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)</span>\nخرَّج البخاريُّ ومسلمٌ: من حديثِ: ابنِ مسعودٍ، قالَ: لمَّا نزلتْ:\n(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ)، قال أصحابُ رسولِ اللَّهِ\n- ﷺ -: أيُّنا لم يظلِمْ نفْسَهُ؟ فأنزلَ اللَّهُ: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) .\nمعنى هذا: أنَّ الظلم يختلفُ:\nفيه ظلمٌ ينقل عن الملةِ، كقوله تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) .\nوقولِهِ تعالى: (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ)، فإن الظلمَ وضعُ الشيءِ\nفي غيرِ موضعه، وأعظمُ ذلك أن يوضعَ المخلوقُ في مقامِ الخالقِ، ويجعلَ","vol":"1","page":470},{"text":"شريكًا له في الربوبيةِ وفي الإلهيّة، سُبْحانه وتعالى عمَّا يشركونَ.\nوأكثرُ ما يردُ في القرآنِ وعيدُ الظالمينَ، يرادُ به الكفارُ، كقوله تعالى:\n(وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) .\nوقوله: (وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ) . ومثلُ هذا كثير.\nويرادُ بالظلم ما لا ينقلُ عن الملةِ، كقولِهِ تعالى: (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُم\nمُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخيْرَاتِ)، وقولِهِ: (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) .\nوحديثُ ابنِ مسعودٍ هذا: صريحٌ في أنَّ المرادَ بقولِهِ تعالى:\n(الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ)، أن الظلمَ هو الشركُ.\nوجاء في بعضِ رواياته: زيادةٌ: قال: \"إنَّما هو الشركُ!.\nوروى حمادُ بن سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن يوسفَ بنِ مهرانَ، عن ابنِ\nعباسٍ، أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ كانَ إذا دخلَ بيتَه نشرَ المصحفَ فقرأَ، فدخل\nذاتِ يومٍ فقرأ، فأتى على هذه الآيةِ: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ)\n، إلى آخر الآيةِ، فانتعلَ وأخذَ رداءَه، ثم أتى أُبيَّ بنَ كعبٍ.\nفقال: يا أبا المنذرِ، أتيتُ قبلُ على هذهِ الآيةِ: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ)، وقد تَرى أنَّا نظلِمُ ونفعلُ؟\nفقال: يا أمير المؤمنينَ، إنَّ هذا ليسَ بذلكَ، يقولُ اللَّه تعالى: (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)، إنَّما ذلك الشركُ.\nوخرَّجه محمدُ بنُ نصرٍ المروذيُّ.","vol":"1","page":471},{"text":"وخرَّجه - أيضًا - من طريقِ حمادِ بنِ زيدٍ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن سعيدِ\nابنِ المسيّبِ، أنَّ عمرَ أتى على هذه الآيةِ - فذكره.\nوحمادُ بنُ سلمةَ، مقدَّم على حمادِ بن زيدٍ في علي بنِ زيدٍ خاصةً.\nوروى - أيضًا - بإسنادِهِ، عن سفيانَ، عن ابن جريج، عن عطاءٍ، قال:\nكفر دونَ كفرٍ، وظلم دونَ ظلم، وفسق دون فسقٍ.\nيعني: أن الفسقَ قد يكونُ ناقلًا عن الملةِ، كما قال في حقِّ إبليسَ:\n(فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ)، وقال: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) .\nوقدْ لا يكونُ الفسقُ ناقِلًا عن الملة، كقولِهِ تعالى: (وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا\nشَهِيدٌ وَإِن تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ)، وقوله في الذين يرمونَ\nالمحصناتِ: (وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) .\nوقوله: (فَلا رَفثَ وَلا فسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) .\nوفسَّرتِ الصحابةُ الفسوقَ في الحجِّ بالمعاصِي كلّها، ومنهُم من خصَّها بما\nيُنهى عنه في الإحرامِ خاصةً.\nوكذلكَ الشركُ، منه ما ينقلُ عن الملةِ، واستعمالُهُ في ذلكَ كثير في\nالكتابِ والسُّنَّةِ، ومنه ما لا ينقلُ، كما جاء في الحديثِ: \"من حلفَ بغيرِ اللهِ\nفقدْ أشرْكَ \".\nوفي الحديثِ: \"الشركُ في هذه الأمَة أخفَى من دبيبِ النملِ \"،","vol":"1","page":472},{"text":"وسمَّى الرِّياءَ شركًا.\nوتأوَّل ابنُ عباسٍ على ذلكَ قولَه تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ)، قال: إنَّ أحدَهُم يشركُ حتَّى يشرك بكلبِهِ: لولا\nالكلبُ لسُرِقْنا الليلةَ.\nقال تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠) .\nوقد رُوي أنها نزلتْ في الرِّياء في العملِ.\nوقيل للحسنِ: يشركُ بالله؟\nقال: لا، ولكن أشركَ بذلكَ العملِ عملًا\nيريدُ به اللَّهَ والناسَ، فذلك يُردُّ عليه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ </span>وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) .","vol":"1","page":473},{"text":"قال ابنُ الجوزيِّ في \"المقتبسِ \": سمعتُ الوزير يقولُ: الآياتُ اللواتي في\nالأنعامِ: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكمْ)، محكمات، وقد اتفقتْ\nعليها الشرائعُ، وإنما قالَ في الآيةِ الأولى: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وفي الثانية:\n(لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرونَ)، وفي الثالثة: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)؛ لأنَّ كلَّ آيةٍ\nيليقُ بها ذلكَ، فإنَّه قالَ في الأولى: (أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) والعقلُ يشهدُ أنَّ\nالخالقَ لا شريكَ له، ويدعُو العقلُ إلى برِّ الوالدينِ، ونهى عن قتل الولدِ.\nوإتيانِ الفواحشِ؛ لأن الإنسانَ يغارُ من الفاحشةِ على ابنتِهِ وأختِهِ، فكذلكَ\nهو، ينبغي أنْ يجتنبَها، وكذلك قتلُ النفسِ، فلما لاقتْ هذه الأمورُ بالعقلِ.\nقالَ: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) ولما قالَ في الآيةِ الثانيةِ: (وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ)\nوالمعنى: اذكُرْ لو هلكتَ فصارَ ولدُك يتيمًا، واذكُرْ عند ورثتِكَ، لو كنتَ\nالموروثَ لهُ، واذكُرْ كيفَ تحبُّ العدلَ لكَ في القولِ؛ فاعدِلْ في حقِّ غيرِكَ.\nوكما لا تؤثرُ أن يخانَ عهدُك فلا تخن، فلاقَ بهذهِ الأشياءٍ التذكرُ فقالَ:\n(لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) وقالَ في الثالثةِ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمَا) .\nفلاقَ بذلكَ اتقاءُ الزللِ، فلذلك قال: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>قوله تعالى: (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦٠)</span>\nوقد دلَّ حديثُ أبي سعيدٍ وحديثُ أبي هريرةَ المذكورانِ على أنَّ\nمضاعفةَ حسناتِ المسلم بحسبِ حسنِ إسلامِهِ.","vol":"1","page":474},{"text":"وخرَّج ابنُ أبي حازم، من روايةِ عطيةَ العوفيِّ، عن ابنِ عمر، قال:\nنزلتْ: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا)، في الأعراب، فقال له\nرجل: يا أبا عبدِ الرحمنِ، فما للمهاجرينَ؟\nقال: ما هو أكثرُ، ثم تلا قولَه:\n(وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا) .\nويشهدُ لهذا المعنى: ما ذكره اللَّهُ ﷿ في حقِّ أزواج نبيَه - ﷺ -، فقال: (يَا نِسَاءَ النَّبِي مَن يَأتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مبَيِّنَةٍ) إلى قوله: (وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا (٣١) يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ) .\nفدلَّ على أنَّ من عظُمَتْ منزلَتُه عندَ اللَّهِ، فإن عملَه يضاعفُ له أجرةُ.\nوقد تأولَ بعضُ السلفِ من بني هاشم دخولَ آلِ النبيِّ - ﷺ - في هذا المعنى، لدخولِ أزواجِهِ، فكذلك من حَسُن إسلامُهُ بتحقيقِ إيمانِهِ وعملِهِ الصالح، فإنه يضاعفُ له أجرُ عملِهِ بحسبِ حسنِ إسلامه، وتحقيقِ إيمانه وتقواه. واللَّه أعلمُ. ً\nويشهدُ لذلك: أنَّ اللهَ ضاعفَ لهذه الأمة، لكونها خيرَ أمة أخرجتْ\nللناسِ أجرَها مرتينِ، قال اللَّهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) .\nوفي الحديثِ الصحيح: \"إنَّ أهلَ التوراةِ عمِلُوا إلى نصفِ النهارِ على قيراط\nقيراط، وعملَ أهلُ الإنجيلِ إلى العصرِ على قيراط قيراط، وعمِلتُم أنتم من العصرِ إلى","vol":"1","page":475},{"text":"غروبِ الشمسِ على قيراطينِ، فغضبتِ اليهودُ والنصارى، وقالوا: ما لنا أكثرُ عملًا وأقلُّ أجرًا؟\nفقال اللَهُ: هل ظلمتُكُمْ من أجورِكُم شيئا؟\nقالوا: لا، قال: فذلك فضْلِي أوتيه من أشاءُ\".\nوأمَّا من أحسنَ عملَه وأتقنَهُ وعمِلَهُ على الحضورِ والمراقبةِ، فلا ريبَ أنه\nيتضاعفُ بذلك أجرُه وثوابُهُ في هذا العملِ بخصوصِه على من عمِل ذلك\nالعملَ بعينِه على وجهِ السهوِ والغفلةِ.\nولهذا؛ رُوي في حديثِ عمَّارٍ المرفوع: \"إن الرجل ينصرفُ من صلاِتهِ، وما\nكُتبَ له إلا نصفُها، إلا ثلثُها، إلا ربُعُها\" حتى بلغَ العُشْر.\nفليس ثوابُ من كتبَ له عشرُ عمله كثواب من كتب له نصفُه، ولا ثوابُ\nمن كُتبَ له نصفُ عمِلِهِ كثوابِ من كتبَ له عملُهُ كلُّه. واللَّهُ أعلم.\n* * *","vol":"1","page":476},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-93>سُورَةُ الأعْرَاف</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>قوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١) </span>قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)\nأما قوله تعالى: (خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كلِّ مَسْجِدٍ)، فإنها نزلتْ\nبسببِ طوافِ المشركينَ بالبيتِ عُراةً، وقد صحَّ هذا عن ابنِ عباسٍ، وأجمعَ\nعليه المفسرونَ من السلفِ بعدَهُ.\nوقد ذكرَ اللَّهُ هذه الآيةَ عقِبَ ذكْر قصةَ آدمَ ﵇، وما جرَى له\nولزوجِهِ مع الشيطانِ حتى أخْرجَهُما من الجنةِ، ونزع عنهما لباسهما حتى\nبدَتْ عوارتُهما، فقالَ تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧) .\nثم قالَ: (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨) .\nوالمرادُ بالفاحشةِ هنا: نزع ثيابِهِم عند الطوافِ بالبيتِ، وطوافُهم عراةً كما","vol":"1","page":477},{"text":"كان عادةَ أهلِ الجاهليةِ.\nثم قالَ بعدَ ذلكَ: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ) .\nوالمرادُ بذلكَ: أن يسترُوا عوراتِهِم عندَ المساجدِ، فدخلَ في ذلك الطوافُ\nوالصلاةُ والاعتكافُ وغيرُ ذلك.\nوقال طائفة من العلماءِ: إنَّ الآيةَ تدلُّ على أخذِ الزينةِ عندَ المساجدِ.\nوذلك قدرٌ زائدٌ على سترِ العورةِ، وإنْ كان سترُ العورةِ داخلًا فيه وهو سببُ نزولِ الآياتِ، فإنَّ كشْفَ العورةِ فاحشة من الفواحشِ، وسترَها من الزينةِ، ولكنه يشملُ مع ذلكَ لبْسَ ما يُتَجَمَّل به ويُتزيَّن به عند مناجاةِ اللَّهِ وذكرِهِ ودعائِهِ والطوافِ ببيته، ولهذا قال تعالى عقِبَ ذلك: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زينةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيبَاتِ مِنَ الرزقِ قلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الذُنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .\nوروى موسى بنُ عُقْبةَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عنِ النبيِّ - ﷺ -، قالَ:\n\"إذا صلى أحدُكُم فليَلبَسْ ثوبَيْه، فإنَّ اللَّهَ أحق من تُزُيِّنَ له \".\nخرَّجه الطبرانيُّ وغيرُه.\nوقد روى جماعةٌ هذا الحديثَ عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ - ﷺ - أو عن عمرَ بالشك في ذلك.\nخرَّجه البزَّارُ وغيرُه.\nوخرَّجه أبو داود كذلك بالشكِّ، ولم يذكر فيه: \"فإنَّ اللَهَ أحقُّ من تُزيِّنَ له\".","vol":"1","page":478},{"text":"وروي ذِكْرُ التزين من قولِ ابنِ عمرَ، فروي عن أيوبَ، عن نافعِ، قال:\nرآني ابنُ عمرَ أُصلي في ثوبٍ واحدٍ، قال: ألم أكْسُكَ ثوبين؟\nقلتُ: نعمْ، قال: فلو أرسلتُك في حاجةِ كنتَ تذهب هكذا؟\nقلتُ: لا، قال: فاللَّهُ أحقُّ أن تَزَيَّن له.\nأخرَّجَه الحاكمُ وغيرُه.\nوالمحفوظُ في هذأ الحديثِ: روايةُ من رواه بالشكِّ في رفْعه - قاله\nالدارقطنيُّ.\nوممن أمر بالصلاةِ في ثوبينِ: عمرُ، وابنُ مسعودٍ، وقال ابنُ مسعودٍ: إذْ\nوسَّع الله فهو أزكى.\nواستدلَّ من قالَ: إنَّ المأمورَ به من الزينةِ أكثرُ من ستْرِ العورةِ التي يجب\nسترُها عن الأبصارِ، بأنَّ النبيَّ - ﷺ - نهى أنْ يصلِّي الرجلُ في ثوبٍ واحد ليس على عاتقهِ منه شيءٍ، وبأنَّ من صلَّى عاريًا خاليًا لا تصحّ صلاتُهُ، وبأنًّ المرأة الحرَّة لا تصحّ صلاتُها بدونِ خمارٍ، مع أنه يُباح لها وضعُ خمارِها عند محارمها، فدلَّ على أنَّ الواجبَ في الصلاة أمر زائد على سترِ العورة التي يجبُ سترُها عن النظرِ.\n* * *","vol":"1","page":479},{"text":"واعلم، أنَّ الصلاةَ في الثوبِ الحسنِ غير مكروه، إلا أن يُخشى منه\nالالتهاءُ عن الصلاةِ أو حدوثُ الكِبْرِ، وقد كان لتميم الداريَ حُلَّةٌ اشتراها\nبألف درهم، يقومُ بها الليلَ، وقد كان النبيُّ - ﷺ - أحيانا يلبس حُللًا من حُللِ اليمنِ، وبُرودًا حسنةً، ولم ينقلْ عنه أنه كانَ يتجنَّب الصلاةَ فيها، وإنَّما ترك هذه الخميصةَ لما وقع له من تلك النظرةِ إلى عَلَمِها، وقد قالَ اللُّهُ ﷿:\n(خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِد)، وسبق قول ابنِ عمرَ: اللَّهُ أحقُ\nأن يُتزيَّن له. وخرَّج أبو داودَ في \"مراسيله \" من حديثِ عبيدِ اللَهِ بنِ عبدِ\nاللَّهِ بنِ عتبةَ، قال: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا قامَ إلى الصلاةِ - مما تعجبُهُ: الثيابُ النقيةُ والريحُ الطيبةُ.\nولم يزلْ علماءُ السلفِ يلبسونَ الثيابَ الحسنةَ، ولا يعدونَ ذلك كِبرًا.\nوقد صحَّ عن النبيِّ - ﷺ - أنه سُئلَ عن الرجلِ يحبُّ أن يكونَ ثوبه حسنًا ونعلُهُ حسنًا؟\nفقال: \"ليس ذلك من الكبرِ، إنَّ اللَّهَ جميل يحب الجمالَ \".\nوقال جريرُْ بنُ حازمٍ: رأيتُ على الحسنِ طَيْلَسَانًا كُرْدِيًّا حسنا، وخَمِيصَةً\nأصبهانيّة جيدة، ذاتَ أعلامٍ خُضر وحُمرٍ، أزرَّتها من إبْرِيسَمُ، وان يرتدي\nببردٍ له يمانٍ أسودٍ مُصَلَّب، وبرد عدني وقباء من برد حَبِرَة، وعمامة سوداء.\nوقال حرب: سألت إسحاقَ عن الصلاة في المنديلِ، وأريتُه مِنديلًا له\nأعلام خُضْر وخُطُوط؟\nفقال: جَائِزٌ.\n* * *","vol":"1","page":480},{"text":"وفي \"صحيح مسلم\" عن ابنِ عباسٍ، قال: كانتِ المرأةُ تطوفُ بالبيتِ\nوهي عُريانةٌ، وتقولُ:\nاليومَ يبْدُو بعضُهُ أو كلُّه. . . فمَا بَدَا منهُ فَلا أحِلُّهُ\nقال: فنزلتِ: (يَا يَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُل مَسْجِدٍ) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>قوله تعالى: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٤١)</span>\nقال اللَّهُ تعالى: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ)\nقال محمدُ بنُ كعبٍ والضحاكُ والسدِّيُّ وغيرُهم:\nالمهادُ: الفراشُ، والغواشُ: اللحفُ.\nوقال الحسنُ في قولهِ تعالى: (وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا)\nقال: فِراشًا ومِهادًا.\nوقال قتادةُ: محبسًا حُصروا فيها.\nوروى مسكين عن حوشبٍ عن الحسنِ أنه كان إذا ذُكِرَ أهلُ النارِ قال في\nوصفِهم: قد حذيت لهم نعالٌ من نارٍ وسرابيلُ من قطرانٍ، وطعامُهُم من\nنارٍ، وشرابُهُم من نارٍ وفرشٌ من نارٍ ولُحُف من نارٍ ومساكنُ من نارٍ، في شرِّ\nدارٍ وأسوأ عذابٍ في الأجسادِ أكلًا أكلًا، وصهْرًا صهْرًا، وحطْمًا حطْمًا.\nوروى داودُ بنُ المحبرِ عن الحسنِ بنِ واصلٍ، وعبدِ الواحدِ بنِ زيدٍ عن","vol":"1","page":481},{"text":"الحسنِ، قال: إنَّ رجلًا من صدرِ هذهِ الأمةِ كانَ إذا دخلَ المقابرَ نادَى:\nيا أهلَ القبورِ بعد الرفاهيةِ والنعيم معالجة الأغلالِ في النارِ، وبعد القطنِ والكتانِ لباسُ القطرانِ، ومقطعات للنيرانِ، وبعدَ تلطفِ الخدمِ والحشم، ومعانقة الأزواج، مقارنةُ الشيطانِ في نارِ جهنَم مقرنين في الأصفادِ.\nوروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن وهبِ بنِ منبهٍ، قال: أما أهلُ النارِ الذينَ\nهم أهلُها فهم في النارِ لا يهدؤون ولا ينامونَ ولا يموتونَ، ويمشونَ على\nالنارِ، ويجلسونَ على النارِ، ويشربونَ من صديدِ أهلِ النارِ، ويأكلونَ من\nزقومِ النارِ، فرشُهم ولحفهم نار، وقمصُهُم نار وقطران، وتغشى وجوهَهُمُ\nالنارُ، وجميعُ أهلِ النارِ في سلاسلَ بأيدي الخزنةِ أطرافُها يجذبونَ مقبلينَ\nومدبرينَ، فيسيلُ صديدُهم إلى حفرٍ في النارِ، فذلكَ شرابُهُم، قالَ: ثم بَكَى\nوهب حتى سقطَ مغشيًا عليهِ.\nوغلبَ بكرُ بنُ خنيسٍ عندَ روايتِهِ هذا الحديثِ البكاءُ حتى قامَ فلم يقدرْ أن يتكلمَ، وبكى محمدُ بنُ جعفرٍ بكاءًا شديدًا.\nوبإسنادِهِ عن هدابٍ، قال: أقبلتْ أمُّ يحيى بن زكريا على يحيى في ثوبٍ\nتعالجه لَهُ ليلبسه، فقال لها: أفعل، فقالتْ: من أيِّ شيءٍ؟ قالَ من شعرٍ.\nقالتْ: يا بنيَّ إذًا يأكلُ لحمَكَ، قال: يا أمَّه، إذا ذكرتُ مقطعاتِ أهلِ النارِ\nلانَ عليَّ جِلْدي.\nوكان عطاء الخراسانيُّ ينادِي أصحابهُ في السفرِ: يا فلانُ ويا فلانُ قيامُ هذا\nالليلِ وصيامُ هذا النهارِ أيسرُ من شراب الصديد ومقطعات الحديد ألواحًا ثم\nألواحًا ثم ألواحًا، ثم يقبلُ على صلاتِهِ.\n* * *","vol":"1","page":482},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-96>قوله تعالى: (وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (٤٤) </span>الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (٤٥) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (٤٦) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤٧) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)\nوقال سفيانُ بنُ عيينةَ عن عثمانَ الثقفيِّ عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ\nفي هذهِ الآيةِ، قالَ: ينادِى الرجلُ أخاه إني قد احترقتُ فأفض عليَّ من\nالماءِ، فيقال: أجبْهُ، فيقول: (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) .\nوقال سنيد في \"تفسيرِهِ \": حدثنا حجاجُ عن أبي بكر بنِ عبدِ اللَّهِ، قال:\nينادُون أهلَ النارِ: يا أهلَ الجنةِ فلا يُجِيبونَهُم ما شاءَ اللَّه ثم يقالُ: أجيبوهم\nوقد قطعَ الرحمُ والرحمةُ، فيقولُ أهلُ الجنةِ: يا أهلَ النارِ عليكم لعنة اللَّهِ، يا أهلَ النارِ عليكُم غضبُ اللَّهِ، يا أهلَ النارِ لا لبَّيكُم ولا سعديكُم، ماذا\nتقولون؟ فيقولونَ: ألم نكنْ في الدنيا آباؤكم وأبناؤكم وإخوانُكم وعشيرتُكم؟\nفيقولونَ: بلى، فيقولون: (أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) .","vol":"1","page":483},{"text":"قال اللَّهُ ﷿: (فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢) الآيات\nقال خليدٌ المصريُّ في قولِهِ تعالى: (فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥\"، قالَ: في وسطِهَا ورأى جماجمَ تغْلِي فقال: فلانٌ؛ واللَّه لولا أنَّ اللَّهَ\n﷿ عرفَهُ إيَّاهُ لما عرفَهُ لقد تغير حبره وسبره فعندَ ذلك يقولُْ (تَاللهِ إِن\nكِدتَّ لَتُرْدِينِ)، وقال تعالى: (كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣)، الآيات.\nروى أبو الزعراء عن ابنِ مسعودٍ أنه لا يتركُ في النارِ غير هؤلاءِ الأربعةِ قال: وليسَ فيهم من خيرٍ.\nوفي حديثِ مسكينِ أبي فاطمة عن اليمان بنِ يزيدَ، عن محمدِ بنِ حميرٍ.\nعن محمدِ بنِ علي، عن أبيه، عن جده عن النبيِّ - ﷺ - في خروج أهلِ التوحيدِ من النارِ، قالَ: \"ثم يقولُ اللَهُ لأهلِ الجنةِ: اطلعوا إلى من بقيَ في النارِ، فيطلعونَ إليهم فيقولون: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) .\nأي: إنَّا لم نكن منهم لو كنا لخرجْنَا معهم \"، خرَّجه الإسماعيليُّ\nوغيرُهُ، وهو منكر كما سبقَ ذكرُهُ.\nقال الإمامُ أحمدُ: حدثنا علي بنُ حفصٍ، حدثنا الثوريُّ، عن أبي خالدٍ.\nعن الشعبيِّ، قال: يشرفُ قوم في الجنة على قومٍ في النارِ فيقولونَ: ما لكم\nفي النارِ، وإنَّما كنا نعملُ بما كنتم تعلًّمون؟ فيقولونَ: إنا كُنَّا نعلِّمُكم ولا\nنعملُ به.","vol":"1","page":484},{"text":"وقال سعيدُ بنُ بشيرٍ، عن قتادةَ: إن في الجنةِ كوى إلى النارِ فيطلعُ أهلُ\nالجنةِ من تلكَ الكُوى إلى النارِ، فيقولونَ: ما بالُ الأشقياءِ، وإنما دخلنا الجنةَ\nبفضلِ تأديبِكُم؛ فقالُوا: إنا كنَّا نأمرُكُم ولا نأتمرُ، وننهاكُم ولا ننتَهِي.\nوقال معمرٌ عن قتادةَ: قالَ كعبٌ: إنَّ بينَ أهلِ النارِ وأهلِ الجنةِ كُوى لا\nيشاءُ رجلٌ من أهلِ الجنةِ أن ينظرَ إلى عدوّه من أهلِ النارِ إلا فَعَلَ.\nوقال أحمدُ بنُ أبي الحواري: حدثنا عبدُ اللَّهِ بن غياث عن الفزاريِّ، قالَ:\nلكلِّ مؤمنٍ في الجنةِ أربعةُ أبوابٍ باب يدخلُ عليه زوَّارر من الملائكةِ، وبابٌ\nيدخلُ عليه أزواجُهُ من الحورِ العين، وباب مقفل فيما بينه وبينَ أهلِ النارِ\nيفتحُهُ إذا شاءَ أن ينظر إليهم لتعظم النِّعمةُ عليه، وباب فيما بينه وبين دارِ\nالسلامِ يدخلُ فيه على ربِّه إذا شاء.\nوخرَّج ابنُ أبي حاتم بإسنادِهِ عن الضحاكِ في قولِهِ تعالى: (فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الأَرَائِكِ) من الدر والياقوتِ (يَنظُرُون)\n، يعني: على السررِ ينظرونَ، كان ابنُ عباسٍ يقولُ: السررُ\nبين الجنةِ والنارِ، فيفتحُ أهلُ الجنةِ الأبوابَ فينظرونَ على السررِ إلى أهلِ النارِ\nكيفَ يعذبونَ ويضحكونَ منهم، ويكون ذلك مما يقر اللَّهُ به أعينَهُم أن ينظروا إلى عدوِّهم كيفَ ينتقمُ اللَهُ منهُ.\nوخرَّج البيهقيُّ وغيرُه من حديثِ عليِّ بنِ أبي سارةَ عن ثابتٍ، عن أنسٍ\nعن النبيِّ - ﷺ -:\n\"أن رجلًا من أهل الجنةِ يشرفُ يومَ القيامةِ على أهلِ النارِ، فيناديه\nرجلٌ من أهلِ النارِ: يا فلانُ هل تعرفُني؛ فيقولُ: لا، واللهِ لا أعرفُك من أنتَ؟ فيقولُ: أنا الذي مررتَ بي في دارِ الدنيا فاستسقيتني شربةَ ماء فأسقيتُك، قال: قد عرفتُ،","vol":"1","page":485},{"text":"فَاشْفَعْ لي بها عندَ ربِّك، قال: فيسأل اللَّهَ - ﷿ -، فيقولُ: يا ربِّ شفَعْني فيه، فيؤمرُ به فيخرجُ من النارِ\".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>قوله تعالى: (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا)</span>\nقالَ شعيبٌ - ﵇ -: (قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا) .\nوقال تعالى: (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) .\nوقال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) .\nوالمرادُ: أنه ينجيهم من الشركِ، ويدخلُهم في الإيمانِ، وكثيرٌ منهم لم يكن\nداخلًا في الشركِ قطُّ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>قوله تعالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)</span>\nقالَ ليثٌ عنْ مُجاهدٍ في قولهِ تعالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً)\n، قال ذو القَعْدَة (وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ) .\nقال: عشْرُ ذي الحجَّةِ.\n* * *","vol":"1","page":486},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-99>سُورَةُ الأنْفَالِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)</span>\nوسمع عُمرُ رجلًا يقولُ: اللَّهُمَّ إنك تحولُ بين المرءِ وقلبِهِ، فحُل بيني وبينَ\nمعاصيك. فأعجبَ عُمرَ ودعا له بخيرٍ.\nوروى ابنُ عباسٍ - ﵄ -، في قوله تعالى: (يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ)، قال: يحول بين المؤمن وبين المعصيةِ التي تجرُّهُ إلى النارِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>قوله تعالى: (وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٥)</span>\nاستماعُ الغناءِ بآلاتِ اللهوِ أو بدونِها على وجهِ التقرُّبِ إلى اللَهِ تعالى.\nوتحريكُ القلوبِ إلى محبتِهِ، والأُنسُ به والشَّوقُ إلى لقائِهِ، وهذا هو الَّذي\nيدَّعِيه كثيرٌ من أهلِ السلوكِ، ومَن يتشبَّهُ بهم، ممن ليسَ منهُم، وإنما يتسترُ\nبهم، ويتوصَّلُ بذلك إلى بُلوغ غرضِ نفسِهِ، من نيلِ لذَّتِهِ.\nفهذا المتشبِّه بهم مخادِعٌ مُلَبِّسٌ. وفسادُ حالِهِ أظهرُ من أنْ يخفى على أحدٍ. وأمَّا الصادقونَ في دعواهُم ذلك وقليلٌ ما هم، فإنَّه ملبوسٌ عليهم؛ حيثُ تقرّبوا إلى اللَّهِ ﷿، بما لم يشرعْهُ اللَّهُ تعالى،","vol":"1","page":487},{"text":"واتخذُوا دِينًا لم يأذن اللَّهُ فيه.\nفلهُم نصيب ممن قالَ اللَّهُ تعالى فيه: (وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِندَ الْبَيتِ إِلاَّ مُكَاءً\nوَتَصْدِيَةً)، والمُكاءُ: الصَّفيرُ، والتَصْديةُ: التصفيق باليدِ.\nكذلك قالهُ عْيرُ واحدٍ من السلفِ.\nوقال تعالى: (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) .\nفإنه إنما يتقرَّبُ إلى اللَّهِ ﷿، بما يُشرعُ التقربُ به إليه على لسانِ\nرسولِهِ - ﷺ -.\nفأمَّا ما نهى عنه، فالتقربُ به إليهِ مُضادَّةٌ للَّهِ ﷿ في أمره.\nقال القاضي أبو الطيِّبِ الطبريُّ ﵀ في كتابِهِ في السماع: اعتقادُ هذه\nالطائفةِ، مخالف لإجماع المسلمينَ، فإنه ليسَ فيهم منْ جعل السماعَ دِينًا\nوطاعةً، ولا رأى إعلانَهُ في المساجدِ والجوامع، وحيثُ كانَ من البقاع\nالشريفةِ، والمشاهدِ الكريمةِ.\nوكان مذهبُ هذه الطائفةِ، مخالفًا لما اجتمعتْ عليه العُلماءُ، ونعوذُ باللَّهِ\nمن سوءِ التوفيقِ. انتهى ما ذكره.\nولا ريب أن التقربَ إلى اللَّهِ تعالى بسماع الغناءِ المُلَحَّنِ، لا سيَّما مع آلاتِ\nاللهوِ، مما يُعْلمُ بالضرورةِ من دِينِ الإسلامِ، بلْ ومنْ سائرِ شرائع المسلمينَ.\nأنه ليسَ مما يُتقرَّبُ به إلى اللَّهِ، ولا مما تُزكَّى به النفوسُ وتُطهَّرُ به.\nفإنَّ اللَّهَ تعالى شرعً على ألْسِنَةِ الرسلِ كل ما تَزْكُو به النفوسُ، وتطهُرُ به من أدناسها، وأوضارِها، ولم يشرعْ على لسانِ أحد من الرسلِ، في ملَّةٍ من\nالمللِ، شيئًا من ذلك. وإنما يأمرُ بتزكيةِ النفوسِ بذلكَ، من لا يتقيدُ بمتابعةِ","vol":"1","page":488},{"text":"الرُّسُلِ: من أتباع الفلاسفةِ. كما يأمرونَ بعشقِ الصورِ، وذلك كلُه ما تحيا به النفوسُ بالسُّوءِ، ولما لها فيه من الحظِّ، ويَقْوى به الهوَى، وتموت به القلوبُ المتصلةُ بعلاَّمِ الغيوبِ، وتَبْعُدُ به عنه. فَغَلِطَ هؤلاءِ واشتبَهَ عليهِم حظوظُ النفوسِ وشهواتُها بأقواتِ القلوبِ الطاهرةِ والأرواح الزكيةِ المعلَّقةِ بالمحلِّ الأعْلَى، واشتبَهَ الأمر في ذلكَ أيْضًا على طوائفَ من المسلمينَ ممَّن ينتسبُ إلى السلوكِ.\n* * *","vol":"1","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>سُورَةُ التَّوْبَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>قوله تعالى: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) </span>إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)\nعمارةُ المساجدِ تكونُ بمعنيين:\nأحدُهما: عمارتُها الحسِّيَّة ببنائِها وإصلاحِها وترميمِها، وما أشْبَه ذلك.\nوالثاني: عمارتُها المعنويّة بالصلاةِ فيها، وذكْرِ اللَّهِ وتلاوةِ كتابِهِ، ونشرِ العلم الذي أنزلَهُ على رسولِهِ، ونحو ذلك.\nوقد فُسِّرت الآيةُ بكلِّ واحدٍ من المعنيين، وفُسِّرتْ بهما جميعًا، والمعنى\nالثاني أخصُّ بها.\nوقد خرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجةَ من حديث درَّاج، عن أبي\nالهيثم، عن أبي سعيدٍ، عنِ النبيِّ - ﷺ -، قال:\n\"إذا رأيتم الرجلَ يعتاد المسجدَ فاشهدُوا له بالإيمان \"، ثم تلا:\n(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الآية.\nولكنْ قال الإمامُ أحمدُ: هو منكرٌ.","vol":"1","page":490},{"text":"وقوله: (مَا كانَ لِلْمُشْرِكينَ أَن يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ)، وقُرِئ: \"مسْجدَ\nاللهِ \".\nفَقيل: إنَّ المرادَ به جميعُ المساجد على كِلا القراءتينِ، فإنَّ المفردَ المضافَ\nيعمُّ، كقوله: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ) .\nوقيلَ: المرادُ بالمسجدِ المسجدُ الحرامُ خاصة، كما قال: (وَمَا كانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلاَّ الْمُتَقُونَ) .\nوقيلَ: إنه المرادُ بالمساجدِ على القراءةِ الأخرى، وأنه جَمَعَه لتعددِ بِقَاع\nالمناسكِ هناك، وكلُّ واحد منها في معنى مسجد.\nرُوي ذلك عن عكرمة. واللَّهُ أعلمُ.\nفمَنْ قالَ: إنَّ المرادَ به المسجدُ الحرامُ خاصَّة، قال: لا يُمكَّن الكفارُ من\nدخولِ الحرمِ كله، بدليل قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) .\nوجمهورُ أهلِ العلم على أنَّ الكفارَ يُمْنَعُون من سُكْنى الحرم، ودخولِهِ\nبالكليّة، وعمارته بالطواف وغيرِه، كما أمرَ النبي - ﷺ - منْ يُنادي: \"لا يحج بعد العام مشركٌ \". ً\nورَخَّصَ أبو حنيفة لهم في دخولِهِ دونَ الإقامةِ به.\nومنْ قال: المرادُ جميعُ المساجدِ، فاختلفُوا:\nفمنهم: مَنْ قال: لا يُمكنُ الكفارُ من قُربان مسجد من المساجد، ودخوله\nبالكليّة.","vol":"1","page":491},{"text":"ومنهم: من رَخَّص لهم في دخولِ مساجدِ الحِلِّ في الجملةِ.\nومنهم: من فرَّق بين أهلِ الكتابِ والمشركينَ، فرَخَّصَ فيه لأهلِ الكتابِ\nدونَ المشركينَ.\nوقد أفردَ البخاريُ بابًا لدخولِ المشركِ المسجدَ، ويأتي الكلام على هذه\nالمسألة هناك مستوفى - إنْ شاء اللَّه تعالى.\nواتفقُوا على مَنْع الكفارِ منْ إظْهَارِ دِينِهِم في مساجدِ المسلمين، لا نعلم في\nذلك خلافًا.\nوهذا مما يدلُّ على اتفاقِ الناسِ على أنَّ العمارةَ المعنوية مرادةٌ من الآيةِ.\nواختلفُوا في تمكينِهم من عمارةِ المساجدِ بالبُنْيانِ والترميم ونحوه على\nقولين:\nأحدهما: المنع منْ ذلك، لدخولِه في العمارةِ المذكورةِ في الآيةِ، ذكرَ ذلك\nكثيرٌ من المفسرينَ كالواحدي وأبي الفرج ابنِ الجوزيِّ، وكلام القاضي\nأبي يعْلى في كتابِ \"أحكام القرآنِ \" يوافقُ ذلك وكذلك كِيَا الهراسي - من\nالشافعيةِ -، وذكره البغويُّ منهم احتمالًا.\nوالثاني: يجوزُ ذلك، ولا يُمنعونَ منه، وصرَّح به طائفةٌ من فقهاءِ أصحابِنا\nوالبغويّ من الشافعية وغيرهم.\nوهؤلاءِ، منهم مَنْ حملَ العمارةَ على العمارةِ المعنويةِ خاصة، ومنهم منْ\nقالَ: الآية ُ إنما أُريد بها المسجد الحرامُ، والكفارُ ممنوعونَ من دخولِ الحرمِ على كل وَجْهٍ، بخلاف بقيةِ المساجدِ، وهذا جوابُ ابنِ عقيل من أصحابِنا.\nوقد رُوي عن عُمَرَ بن عبدِ العزيزِ، أنه استعملَ طائفةً من النصارى في","vol":"1","page":492},{"text":"عمارةِ مسجدِ النبيِّ - ﷺ - لما عمَّره في خلافةِ الوليدِ بنِ عبدِ المَلكِ.\nويتوجه قولٌ ثالثٌ، وهو: أنَّ الكافرَ إن بنى مسجدًا للمسلمينَ من مَالِهِ لم\nيمكَّن من ذلكَ. ولو لم يُبَاشِره بنفسه، وإنْ باشَرَ بناءه بنفسِهِ باستئجارِ\nالمسلمينَ له جازَ، فإن في قبولِ المسلمينَ منَّةَ الكفارِ ذُلًّا للمسلمينَ، بخلافِ\nاستئجارِ الكفار للعملِ للمسلمينَ، فإن فيه ذُلًّا للكفارِ.\nوقد اختلفَ الناسُ في هذا - أيضًا - على قولينِ:\nأحدُهما: أنه لو وصَّى الكافرُ بمالٍ للمسجدِ أو بمالٍ يعمر به مسجد أو يُوقَدُ\nبه، فإنه تُقْبَلُ وصيّتُه، وصرَّح به القاضي أبو يعلى في \"تعليقه \" في مسألةِ\nالوقيد، وكلامُه يدلُّ على أنه محلُ وفاقٍ، وليس كذلك.\nوالثاني: المنعُ من ذلك، وأنه لا تُقبلُ الوصيةُ بذلكَ، وصرَّح به الواحديُّ\nفي \"تفسيره\" وذكره ابنُ مزين في كتابِ \"سيرِ الفقهاءِ\" عن يحيى بن يحيى.\nقال: سمعتُ مالكًا، وسُئلَ عن نصراني أوْصَى بمالٍ تُكْسى به الكعبةُ؛ فأنكر\nذلكَ، وقال: الكعبةُ منزهةٌ عن ذلكَ.\nوكذلك المساجدُ لا تجري عليها وصايَا أهل الكفرِ.\nوكذلك قال محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ الأنصاري قاضي البصرةِ: لا يصحُّ وقفُ\nالنصرانيِّ على المسلمينَ عُمومًا، بخلافِ المسلم المعينِ، والمساجدُ من الوَقْفِ\nعلى عمومِ المسلمين: ذكرَه حرْبٌ، عنه بإسنادِهِ.\nوقال عبدُ اللَّهِ بنُ أحمد: سألتُ أبي عن المرأةِ الفقيرةِ تجيءُ إلى اليهوديِّ\nأو النصرانيِّ فتصدق منه؟\nقال: أخْشى أنَّ ذلك ذِلَّة.","vol":"1","page":493},{"text":"وقال مُهنَّا: قلتُ لأحمدَ: يأخذُ المسلمُ من النصرانيِّ من صدقتِهِ شيئًا.\nقال: نعم، إذا كان مُحتاجًا.\nفقد يكونُ عن أحمدَ روايتان في كراهةِ أخذِ المسلم المعينِ من صدقةِ\nالذِّميِّ، وقد يكونُ كرِهَ السؤالَ، ورَخَّصَ في الأخذِ منه بغيرِ سؤالِ، واللَّهُ\nأعلمُ.\nوأمَّا وقْفُهم على عمومِ المسلمينَ كالمساجدِ، فيتوجهُ كراهتُه بكلِّ حالٍ، كما\nقالهُ الأنصاريّ.\nوقد ذكَرَ أهلُ السيرِ كالواقديِّ ومحمدِ بنِ سعدٍ أنَّ رجلًا من أحبار اليهودِ.\nيقال له: مُخيْريق، خرجَ يومَ أُحدٍ يقاتل مع النبيِّ - ﷺ - وقال: إنْ أصبتُ في وجهي هذا فمالي لمحمدٍ يضعه حيثُ شاء، فقُتل يومئذ، فقبضَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أموالَه، فقيل: إنَّه فرَّقها وتصدَّق به، وقيل: إنَّه حبسها ووقفَها.\nوروى ابنُ سعدٍ ذلك بأسانيد متعددة، وفيها ضعف. واللَّه أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>قال الله تعالى: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٩) </span>الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٢٠)\nوفي \"صحيح مسلم\" عن النُّعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: كنتُ عند مِنبَرِ النبيِّ - ﷺ -","vol":"1","page":494},{"text":"فقال رجلٌ: ما أبالِي أن لا أعملَ عملًا بعد الإسلامِ إلا أنْ أسقِيَ\nالحاجَّ.\nوقال آخرُ: ما أبالِي أنْ لا أعملَ عملًا بعد الإسلامِ، إلا أنَّ أعْمُرَ\nالمسجدَ الحرامَ.\nوقالَ آخرُ: الجهاد في ممبيلِ اللهِ أفضلُ ممَّا قُلتم، فزجرَهُم\nعُمَرُ، وقال: لا ترفعُوا أصواتكم عندَ منبرِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - وهو يوم الجمعةِ -، ولكن إذا صليتُ الجمعة دخلْتُ فاسْتفْتيتُهُ فيما اختلفتُم فيه، فأنزلَ اللَّهُ ﷿: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)، إلى آخرِ الآيةِ. فهذا الحديثُ الذي فيه ذِكْرُ سببِ نُزولِ هذه الآيةِ يبيِّنُ أن المرادَ أفضلُ ما يُتقرَّبُ به إلى اللَّهِ تعالى من أعمالِ النوافلِ والتطوع.\nوأنَّ الآيةَ تدلُّ على أنَّ أفضلَ ذلكَ الجهادُ مع الإيمانِ.\nفدل على أنَّ التطوعُ بالجهادِ أفضلُ من التطوعُّ بعمارةِ المسجد الحرامِ وسقاية الحاجِّ.\nوعلى مثلِ هذا يحملُ حديثُ أبي هريرةَ - ﵁ -.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>قوله تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا </span>أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤)\nخرَّجَ البخاريُّ ومسلم:\nمن حديثِ: أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: \"والذي نفسِي بيدِهِ، لا يُؤمنُ","vol":"1","page":495},{"text":"أحدُكُم حتَّى كُونَ أحبَّ اليه منْ والدِهِ وولدِهِ \".\nوخرَّج البخاريُّ ومسلم - أيضًا:\nمن حديث: أنسٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"لا يؤمنُ أحدُكُم حتَّى أكُونَ أحبَّ إليه من والدِهِ وولدِهِ والناسِ أجمعينَ \".\nمحبةُ النبيِّ - ﷺ - من أصولِ الإيمانِ، وهي مقارِنة لمحبةِ اللَّه ﷿.\nوقد قرنها اللَّهُ بها وتوعَّد من قدَّم عليهما محبةَ شيءٍ من الأمورِ المحبوبةِ\nطبعًا، من الأقاربِ والأموالِ والأوطانِ وغير ذلك.\nفقال تعالى: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) .\nولما قال عمرُ للنبيّ - ﷺ -: أنتَ أحبُّ إليَّ من كلِّ شيءٍ إلا من نفْسِي.\nفقال: \"لا يا عُمَرُ حتَّى \"أكُونَ أحبَّ إليك من نفسكَ \"، فقال عمرُ: واللَّه، أنتَ الآنَ أحبُّ إليَّ من نفْسِي.\nقال: \"الآن يا عُمَرُ\" َ.\nفيجبُ تقديم محبةِ الرسولِ - ﷺ - على النفوسِ والأولادِ والأقاربِ والأهلينَ والأموالِ والمساكنِ، وغيرِ ذلكَ مما يحبُّه الناسُ غايةَ المحبةِ.\nوإنما تتمُّ المحبةُ بالطَّاعةِ، كما قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) .\nوسئلَ بعضُهم عن المحبةِ، فقالَ: الموافقةُ في جميع الأحوالِ.","vol":"1","page":496},{"text":"فعلامةُ تقديمِ محبةِ الرسولِ على محبةِ كلِّ مخلوقٍ أنَّه إذا تعارضَ طاعةُ\nالرسولِ - ﷺ - في أوامر، وداع آخر يدعو إلى غيْرِها من هذه الأشياء المحبوبة، فإنْ قدَّم المرءُ طاعةَ الرسول، وامتثالَ أوامر على ذلكَ الداعِي، كان دليلًا على صحَّةِ محبتِهِ للرسولِ، وتقديمِها على كلِّ شيءٍ، وإن قدَّم على طاعتِهِ وامتثالِ أوامر شيئًا من هذه الأشياءِ المحبوبةِ طبعًا، دلَّ ذلك على عدمِ إتيانِهِ بالإيمانِ التامِّ الواجبِ عليه.\nوكذلك القولُ في تعارضِ محبةِ اللَّهِ ومحبةِ داعِي الهوى والنفس، فإن\nمحبةَ الرسولِ تبعٌ لمحبةِ مرسلِهِ ﷿.\nهذا كلُّه في امتثال الواجباتِ، وتركِ المحرَّماتِ، فإن تعارضَ داعِي النفسِ.\nومندوباتِ الشريعةِ، فإنْ بلغتِ المحبةُ إلى تقديمِ المندوباتِ على دواعِي\nالنفسِ، كان ذلكَ علامةُ كمالِ الإيمانِ، وبلوغِهِ إلى درجةِ المقربينَ المحبوبين.\nالمتقربينَ بالنوافلِ بعد الفرائضِ.\nوإنْ لم تبلغْ هذه المحبةُ هذه الدرجةِ، فهي درجةُ المقتصدينَ، أصحابِ\nاليمينِ، الذين كملتْ محبتُهم الواجبةُ، ولم يزيدوا عليها.\n* * *\nوأما محبةُ الرسولِ، فتنشأ عن معرفتِهِ ومعرفةِ كمالِهِ وأوصافِهِ وعظم ما\nجاءَ به، وينشأُ ذلكَ من معرفةِ مرسلِهِ وعظمتِهِ، كما سبقَ، فإنَّ محبةَ اللَّهِ لا\nتتمُّ إلا بطاعتِه، ولا سبيلَ إلى طاعتِهِ إلا بمتابعةِ رسولِهِ، كما قال تعالى:\n(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) .","vol":"1","page":497},{"text":"ومحبةُ الرسولِ على درجتينِ - أيضًا:\nإحداهُما: فرضٌ، وهي ما اقتضى طاعتَه في امتثالِ ما أمرَ به من الواجباتِ.\nوالانتهاءِ عمَّا نهى عنه من المحرَّماتِ، وتصديقِهِ فيما أخبرَ به من المخبراتِ.\nوالرضا بذلك، وأن لا يجدَ في نفسِهِ حرجًا مما جاءَ بهِ، ويسلِّمَ له تسليمًا.\nوأن لا يتلقَّى الهُدى من غيرِ مشكاتِهِ، ولا يطلبُ شيئا من الخيرِ إلا ما جاء\nالدرجة الثانية: فضل مندوب إليه، وهي ما ارتقى بعدَ ذلكَ إلى اتَباع سنتِهِ\nوآدابِهِ وأخْلاقِهِ، والاقتداءِ به في هديه وسمتِهِ، وحسنِ معاشرتِهِ لأهلِهِ\nوإخوانِهِ، وفي التخلقِ بأخلاقِهِ الظاهرةِ في الزهد في الدنيا، والرغبةِ في\nالآخرةِ، وفي جُودِهِ وإيثاره وصفْحِهِ وحِلْمِهِ واحتمالِهِ وتواضعهِ.\nوفي أخلاقِهِ الباطنةِ، من كمالِ خشيتِهِ للَّهِ، ومحبتِهِ له، وشوقِهِ إلى لقائهِ.\nورضاه بقضائِهِ، وتعلقِ قلبه به دائمًا، وصدقِ الالتجاءِ إليه، والتوكلِ\nوالاعتمادِ عليه، وقطع تعلُّقِ القلبِ بالأسبابِ كلِّها، ودوامِ لَهَج القلبِ\nواللسانِ بذكره، والأنس به، والتنعم بالخَلْوةِ بمُناجاتِهِ ودعائِهِ، وتلاوةِ كتابِهِ\nبالتدبرِ والتفكرِ.\nوفي الجملةِ، فكان خلقه - ﷺ - القرآنُ، يرضى لرضاه ويسخط لسخطه، فأكملُ الخلقِ من حقَّقَ متابعتَهُ وتصديقَه قولًا وعملًا وحالًا، وهم الصدِّيقونَ من أُمَّتِهِ، الذين رَأسُهم أبو بكرٍ خليفتُهُ من بعدِهِ.\n* * *","vol":"1","page":498},{"text":"قال الله ﷿: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (٢٤) .\nقال أبو عبدِ اللَّهِ محمدُ بنُ خفيفٍ الصوفيُّ: سألنا أبو العباس أبن سريجِ\nبشيراز فقالَ لنا: \"محبةُ اللَّهِ فرضٌ أمْ غيرُ فرضٍ؟\nقلنا: فرضٌ قال: ما الدلالةُ على فرضِهَا؟\nفما منا من أتى بشيءٍ يُقبلُ فرجَعْنا إليه وسألناه: ما الدليلُ على\nفرضِ محبةِ اللَّهِ ﷿؟\nفقالَ: قولُه تعالى: (قُلْ إِن كانَ آبَاؤُكمْ) إلى قوله: (أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ)، قال: فتوعدَّهم اللَّهُ ﷿ على تفضيلِ محبتهِم لغيرِه على محبَّتِهِ\nومحبةِ رسولِهِ، والوعيدُ لا يقعُ إلا فرضٍ لازم وحتم واجبٍ \".\nوفي \"الصحيحينِ \" عن أنس عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدُكُم حتَى أكُونَ أحبَّ إليهِ من والدِهِ وولدِهِ والناسِ أجمعينَ \".\nوفي \"الصحيحينِ \" أيضًا أنَّ عمرَ بنِ الخطابِ - ﵁ - قال:\nيا رسولَ اللَّه، واللَّهِ لأنتَ أحبُّ إليَّ من كُلِّ شيءٍ إلا من نفسِي، فقال: \"لا يا عمر، حتَّى أكُونَ أحبَّ إليْكَ من نفْسِك \"\nفقال: واللَّهِ لأنتَ أحبُّ إليَّ من نفسِي.\nفقال: \"الآن يا عُمَرُ\".\nومعلوم أنَّ محبةَ الرسولِ إنما هي تابعةٌ لمحبةِ اللَّه جل وعلا، فإنَّ الرسولَ\nإنما يُحَبُّ موافقةً لمحبةِ اللَّه له ولأمرِ اللَّهِ بمحبته وطاعته واتباعِهِ، فإذا كان","vol":"1","page":499},{"text":"لا يحصلُ الإيمانُ إلا بتقديمِ محبتهِ على الأنفسِ والأولادِ والآباء والخلقِ كلِّهم.\nفما الظنُّ بمحبةِ اللَّهِ ﷿، وذكرَ ابنُ إسحاقَ عن المغيرةِ بنِ عثمانَ بنِ\nالأخنسِ عن أبي سلمةَ بنِ عبدِ الرحمنِ أنَّ النبيَّ - ﷺ - خطبَ لما قدمَ المدينةَ، فقالَ في خطبتهِ: \"أحِبُّوا منْ أحَبَّ اللهَ وأحِبُّوا اللَّهَ من كلِّ قلوبِكُم \".\nوقد جعلَ النبيُّ - ﷺ - تقديمَ محبةِ اللَّهِ ورسولِهِ على محبَّةِ غيرِهما من خصالِ الإيمانِ ومن علاماتِ وجودِ حلاوةِ الإيمانِ في القلوبِ:\nففي \"الصحيحينِ \" عن أنسٍ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\" ثلاثٌ منْ كُنَّ فيه وجدَ بهنَّ حلاوةَ الإيمانِ: أن يكونَ اللَّهُ ورسولُهُ أحب إليْه مما سواهُما، وأنْ يحبَّ المرْءَ لا يحبُّهُ إلا للَّهِ، وأنْ يكْرَه أنْ يعودَ في الكفر بعدَ إذ أنقذَهُ اللَهُ منه، كما يكرهُ أن يُلقى في النارِ\".\nوفي روايةِ النسائي: \"ثلاث من كُن فيه وجدَ حلاوةَ الإيمانِ وطعْمَهْ أن يكونَ\nاللهُ ورسولُهُ أحبَّ إليه مما سواهُما، وأنْ يُحِبَّ في اللَّهِ ويبغِضَ في اللهِ، وأن تُوقَدَ نارٌ فيقعَ فيها أحب إليه من أنْ يُشْرِكَ باللَّهِ شيئًا\".\nوفي \"مسند الإمامِ أحمدَ\" عن أبي رزين العقيلي قالَ: قلتُ يا\nرسولَ اللَّهِ، ما الإيمانُ؟\nقال: \"أن تشهدَ أن لا إله إلا اللَّهُ، وحده لا شريكَ له، وأنَّ\nمحمدًا عبده ورسولُهُ، وأنْ يكونَ اللَّهُ ورسولُهُ أحبَّ إليْكَ ممَّا سواهُما، وأن تُحْرَقَ في النَّارِ أحبَّ إليكَ من أنْ تُشْرِكَ باللهِ، وأنْ تحِبَّ غيرَ ذي نَسَب لا تُحبُّهُ إلا للهِ، فإذا كُنتَ كذلك فقدْ دخلَ حبُّ الإيمانِ في قلبِكَ كما دخلَ حُبُّ الماءِ للظَّمآنِ في اليومِ القائِظِ \".\nوروي من حديثِ المقدادِ بنِ الأسودِ عن النبي - ﷺ - قال: \"من أحبَّ اللَهَ ورسولَهَ","vol":"1","page":500},{"text":"صادقًا من قلبِهِ، ولقيَ المؤمنينَ فأحبَّهم، ومن كان أمرُ الجاهليةِ عندَهُ كنارٍ أُجِّجَتْ فأُلقيَ فيها فقد فقدْ طعِمَ طَعْمَ الإيمانِ \"\nأو قال: \"بلغ ذُرْوةَ الإيمانِ \".\nومن هذا المعنى أن اللَّه تعالى قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ)، فأمرَ بامتحانِهنَّ ليعْلمَ إيمانَهنَّ، فكانَ النبيُّ - ﷺ - يحلفهنَّ أنهنُّ ما خرجْنَ إلا حبًّا لله ورسولِهِ، لم يخرجْنَ رغبةً في غيرِ ذلكَ، فيكونُ ذلك عِلمًا بإيمانهنَّ.\nقال ابنُ عباسٍ في هذهِ الآيةِ: \"كانتِ المرأةُ إذا أتْتِ النبيَّ - ﷺ - لِتُسْلِمَ حَلَّفها بالله ما خَرَجْتِي منْ بُغْضِ زوْج إلا حبًّا للَّه ورسولهِ \" وهو موجود في بعضِ نسخ الترمذي كذلك.\nوخرَّجه البزَّارُ في \"مسندِهِ \"، وابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتم، ولفظُه:\n\"حلَّفها باللَّهِ ما خرجْتِي منْ بُغْضِ زوْج، وباللَّهِ ما خرجْتِي إلا حبًّا للَّه\nورسولِهِ \".\nوخرَّج إبراهيم بنُ الجنيدِ الختليُّ في كتابِ \"المحبةِ\" بإسنادٍ ضعيفٍ عن أبي\nهريرةَ مرفوعًا قال: \"الإيمانُ في قلبِ الرَّجُلِ أنْ يُحِبَّ اللَّه ﷿ \"، ومن مراسيل الزهريِّ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال:\n\"رأسُ الإيمانِ المحبةُ لله ﷿، وطابِعُ الإيمانِ البِرُّ والعَدْلُ، وتحقيقُ الإيمانِ بإكرام ذي الدِّين وذي الشيْبَةِ\".","vol":"1","page":501},{"text":"ومحبةُ اللَّهِ ﷾ على درجتينِ:\nإحداهُما: فرضٌ لازِم: وهي أنْ يحبَّ اللَّه سبحانَهُ محبةً توجب لَهُ، محبةَ\nما فرضَهُ اللَّهُ عليه، وبغضَ ما حرَّمه عليه، ومحبةً لرسولِهِ المبلغ عنه أمرَهُ\nونهيَهُ، وتقديمَ محبتِهِ على النفوسِ والأهلينَ أيضًا كما سبقَ، والرِّضا بما بلَّغَهُ\nعن اللَّهِ من الدّينِ وتلقِّي ذلك بالرضا والتسليم، ومحبةَ الأنبياءِ والرسل\nوالمتبعينَ لهم بإحسانٍ جملةً وعمومًا للَّه ﷿، وبغضَ الكفارِ الفجارِ\nجملةً وعمومًا للَّه ﷿، وهذا القدرُ لابُدَّ منه في تمامِ الإيمان الواجبِ.\nومن أخَلَّ بشيءٍ منه فقدْ نقَصَ من إيمانِهِ الواجبِ بحسبِ ذلك.\nقال اللَّهُ ﷿: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)، وكذلك ينقُصُ من محبتِهِ الواجبةِ بحسبِ ما أخَلَّ به من ذلكَ، فإنَّ المحبةَ الواجبةَ تقتضِي فِعلَ الواجباتِ وتركَ المحرَّماتِ.\nوخرَّج أبو نُعيمٍ من حديثِ عمرَ بنِ الخطابِ - ﵁ - قال: سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقولُ: \"إنَّ سالمًا\" - يعني موْلَى أبي حذيفةَ - \"شَدِيدَ الحبِّ للَّه لوْ كان لا يخافُ اللَّهَ ما عصاهُ \"\nيُشيرُ إلى أنَّ محبَّةَ اللَّه تمْنَعُهُ منْ أن يعصِيهُ، وذكرَ أبو عبيدٍ في\n\"غريبِهِ \" أنَّ عمرَ قال: \"نعمَ العبدُ صهيبٍ لو لم يخَفِ اللَّهَ لم يعْصِهِ \".\nقال الحسنُ بنُ آدمَ: \"أحبَّ اللَّهَ يحبَّك اللَّهُ، واعلمْ أنك لن تحبَّ اللَّه حتى\nتحبَّ طاعتَهَ \".\nوقال عبدُ اللَّهِ بنُ حنيفٍ: قال رجلٌ لرابعةَ: إني أحبُّك في الله، قالتْ:","vol":"1","page":502},{"text":"\"فلا تَعْصِي الذي أحببْتَنِي له \".\nوسئلَ ذو النونِ: متى أحبُّ ربي؟\nقال: \"إذا كان ما يبغِضُهُ عندك أمَرَّ من الصَّبر\".\nوقال بشر بن السري: \" ليس من أعلامِ الحبِّ أن تحبَّ ما يبغِضُ\".\nوقال أبو يعقوب النهرجوري: \"كلُّ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ ﷻ ولم\nيوافقِ اللَّهَ في أمره، فدعواهُ باطلةٌ، وكلُّ محبٍّ ليسَ يخافُ اللَّهَ فهو\nمغرورٌ\".\nوقال يحيى بن معاذٍ: \"ليس بصادقٍ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ ولم يحفظْ\nحدودَه\".\nوقال رويمٌ: \"المحبةُ الموافقةُ في جميع الأحوالِ \" وأنشد:\nولو قُلتَ لي مِتْ مِتُّ سمعًا وطاعةً. . . وقلتُ لداعِي الحقِّ أهلًا ومرحبًا\nوقد تقدَّم أنَّ العبدَ لا يجدُ حلاوةَ الإيمانِ حتَّى يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا للَّه.\nوحتى يكره أن يرجعَ إلى الكفرِ، كما يكرَهُ أن يُلقى في النَّارِ، ولهذا المعنى\nكان الحبُّ في اللَّهِ والبغضُ في اللَّهِ من أصولِ الإيمانِ.\nوخرَّج الترمذي من حديثِ معاذِ بنِ أنسٍ الجهنيِّ عنِ النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"منْ أعْطى للَّه ومنَعَ للَّهِ، وأحبَّ للَّهِ، وأبْغَضَ للَّهِ، فقدْ استكْمَلَ إيمانَهُ \"، وخرَّجه الإمامُ أحمد وزادَ فيه: \"وأنكَحَ للَّهِ \".\nوفي لفظٍ له أيضًا أن النبيَّ - ﷺ - سُئِلَ عن","vol":"1","page":503},{"text":"أفضلِ الإيمانِ قال: \"أنْ تحبَّ للَّهِ وتبغِضَ للَّه وتعمَلَ لِسانَك في ذِكرِ اللَّه \" وخرَّج أبو داود من حديثِ أبي أمامةَ عنِ النبيِّ - ﷺ - قال: \"منْ أحبَّ للَّه وأبغضَ للهِ، وأعْطَى للَّه، ومنَعَ للَّهِ، فقدْ استكْمَلَ الإيمانَ \". ومن حديثِ أبي ذَرٍّ عن النبيِّ - ﷺ -\nقال: \"أفضَلُ الإيمانِ الحُبُّ في الله، والبُغْضُ في اللَّهِ \".\nوخرَّج الإمامُ أحمد من حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ عنِ النبيِّ - ﷺ - قال: \"إنَّ أوثقَ عُرى الإيمانِ أنْ تُحِبَّ في اللهِ وتبغضَ في اللَهِ \"، ومن حديثِ عمرِو بنِ الجموح عنِ النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"لا يجِدُ العبْدُ حقَّ صرِيح الإيمانِ حتَّى يُحبَّ للَّهِ ويبْغِضَ للَّه، فإذا أحدث للهِ، وأبْغَضَ للَّهِ فقدْ استحقَّ الولايَةَ منَ اللَّه وإن أوْليائِي منْ عبادي وأحبَّائِي منْ خلقِي يُذْكَرُون بذِكرِي وأُذكرُ بذكرِهِم\".\nوفي هذا المعنى أحاديثُ كثيرة.\nوروى ليثٌ عن مجاهدٍ عن ابنِ عباسٍ قال:\n\"منْ أحبَّ في اللَّهِ وأبغَضَ في اللَّهِ ووالَى في اللَّهِ وعادَى في اللَّه.\nفإنَّما تنال ولايةُ اللَّهِ بذلك، ولن يجدَ عبد طعْمَ الإيمانِ وإنْ كثُرَتْ صلاتُهُ\nوصومُهُ حتى يكون كذلك، وقد صارَتْ عامَّةُ مُؤاخاةِ النَّاسِ على أمْرِ الدنيا\nوذلك لا يُجْدِي على أهلِهِ شيئًا\".\nخرَّجه ابنُ جريرٍ الطبريُّ.\nوخرَّج أيضًا بإسنادِهِ عن ابنِ مسعودٍ، قال:\n\"من أحب للهِ وأبغضَ للَّه وأعْطى للَّه ومنعَ للَّهِ؛ فقدْ توسَّطَ الإيمان \".\nوخرَّج الحاكم من حديثِ عائشةَ - ﵂ - عن النبيِّ\n- ﷺ - قال: \"الشرْكُ أخْفى من دبيبِ النَّملِ على الصَّفَا في الليْلَةِ الظَّلمَاءِ، وأدْناهُ أن","vol":"1","page":504},{"text":"تحِبَّ على شيء من الجُورِ وتبغِضَ على شيء من العدْلِ، وهلِ الدِّينُ إلا الحبُّ في اللهِ والبُغْضُ في اللَّهِ \" قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتمْ تحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّهُ)، وقال: صحيحُ الإسنادِ وفيما قاله نظر.\nففي هذا الحديثِ أنَّ محبةَ ما يبغضهُ اللَّه وبغضَ ما يحبُّه اللَّه من الشرْكِ\nالخفيِّ، وروينا من طريقِ الأصمعيِّ عن سفيانَ عن ليثٍ عن مجاهدٍ أنه قال\nفي قوله تعالى: (يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكونَ بِي شَيْئًا) قال:\n\"لا يحبُّون غيْرِي \" وحينئذٍ فلا يكملُ التوحيدُ الواجبُ إلا بمحبةِ ما يحبُّه اللَّه وبغضِ ما يبغضه اللَّهُ، وكذلك لا يتمُّ الإيمانُ الواجبُ إلا بذلك.\nومن هنا يُعلمُ أنَّ الإخلال ببعضِ الواجباتِ وارتكابِ بعضِ المحرَّماتِ\nينقصُ به الإيمانُ الواجبُ بحسبِ ذلك، كما قال النبيُّ - ﷺ -: \"لا يزنِي الزَّانِي حين يزنِي وهو مؤْمِنٌ \" الحديث.\nوروى الإمامُ أحمدُ مِنْ طريقِ الربيع بنِ أنسٍ عن أبي العاليةَ عن أبيِّ بنِ كعبٍ، قال: \"منْ أصبَحَ وأكْبرُ همَه غيرُ اللَّه فليسَ منَ اللَّهِ \"\nوقد رُوي هذا مرفوعًا من حديثِ أنسٍ بأسانيدَ ضعيفةٍ.\nفهذه الدرجةُ من محبةِ اللَّهِ فرضٌ واجبٌ على كلِّ مسلم وهي درجةُ\nالمقتصدينَ أصحابِ اليمينِ.\nالدرجة الثانية: درجةُ السابقينَ المقربين، وهي أن ترتقي المحبةُ إلى ما يحبُّه\nاللَّهُ من نوافلِ الطاعاتِ، وكراهةُ ما يكرهُه من دقائقِ المكروهاتِ، وإلى","vol":"1","page":505},{"text":"الرِّضا بما يقدِّره ويقضِيه مما يؤلمُ النفوسَ من المصائبِ، وهذا فضلٌ مستحبٌّ\nمندوبٌ إليه.\nوفي \"صحيح البخاريِّ \" عن أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"يقولُ اللَّهُ ﷿: منْ عَادَى لي وليًّا فقدْ آذنْتُهُ بالحربِ، ما تقرَّبَ إليَّ عبْدِي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما افْترضتُ عليه، ولا يزالُ عبدِي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافلِ حتى أحبَّهُ، فإذا أحببْتُه كنْتُ سمْعَهُ الذي يسمعُ به، وبصرَه الذي يبصرُ به، ويدَه التي يبطشُ بها، ورِجْلَهُ التي يمشي بها، ولئن\nسألنِي لأعْطينَّهُ، ولئن استعاذنِي لأعيذته، وما تردَّدْتُ عن شيءٍ أنا فاعلُهُ تردّدِي عن قبْضِ نفْسِ عبدِي المؤمنِ يكْرَهُ الموْتَ وأنا اكرَهُ مُساءَتَهُ \".\nوقد روي هذا المعنى عن النبيِّ - ﷺ - من حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ - ﵁ - وابنِ عباسٍ - ﵄ -، وأبي أمامةَ\nوعائشةَ - ﵂ -، بأسانيدَ فيها نظرٌ.\nوذكر ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن سُهيلٍ أخي حزمٍ قال: بلَغَنِي عن عامرِ بنِ\nعبدِ قيسٍ أنه كانَ يقول: \"أحببتُ اللَّهَ ﷿ حبًا سهَّلَ علي كلَّ مصيبة\nورضَّاني بكلٍ قضية، فما أُبالي مع حُبِّي إيَّاهُ ما أصبحتُ عليه وما أمسيتُ \".\nوقال إبراهيمُ بنُ الجنيدِ: حدثنا محمدُ بنُ الحسنِ حدثني عبيدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ\nالتميمي أن رجلًا قال لعابدٍ: أوصِنِي، أوعظْنِي، فقال:\n\"أىُّ الأعمالِ أغلبُ على قلبِكَ؟\nفقال الرجلُ: واللَّهِ ما أجدُ شيئًا أنفع للمحبِّ عند حبيبِهِ من\nالمبالغةِ في محبَّتِهِ، وهلْ تَدْرِي ما ذلك؟ أن لا يعلمَ شيئًا فيه رضاهُ إلا أتاهُ.\nولا يعلمُ شيئًا فيه سخطُهُ إلا اجتَنَبَهُ، فعند ذلك ينزل المحبونَ من اللَّهِ منازلَ\nالمحبةِ، قال: فصرخَ العابدُ والسائلُ وسقطا\".","vol":"1","page":506},{"text":"وقد تبيَّنَ بما ذكرْنا أنَّ محبةَ اللَّهِ إذأ صدقتْ أوجبتْ محبةَ طاعتِهِ وامتثالَها.\nوبغضَهُ معصيتَهُ واجتنابَها، وقد يقعُ المحمث أحيانًا في تفريطٍ في بعضِ\nالمأموراتِ وارتكابٍ لبعضِ المحظوراتِ، ثمَّ يرجعُ على نفسِهِ بالملامةِ، وينزعُ\nعن ذلكَ ويتداركُه بالتوبةِ.\nوفي \"صحيح البخاريّ \" أنَّ رجلًا كان يُؤتى به إلى النبيِّ - ﷺ - قد شربَ الخمرَ، فقال رجل: اللَّهُتمَ العَنْهُ، ما أكثرَ ما يؤتَى به، فقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"لا تَلعَنْهُ؛ فإنَّه يحبُّ اللَّهَ ورسولَهُ \".\nوقد رُوي عن الشعبيِّ في قولِهِ ﷿: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَوَّابِينَ)\nقال: \"التَّائِبُ من الذنبِ كمنْ لا ذنْبَ له، وإذا أحبَّ اللَّهُ عبدًا لم\nيضرَّه ذنْبُهُ \".\nوعن عبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ أسلمَ قال: إنَّ اللَّه تعالى ليحبُّ\nالعبدَ حتى يبلغَ من حبِّهِ إذا أحبَّهُ أن يقولَ له: \"اذْهَبْ فاعْمَل ما شئْتَ فقدْ\nغفرْتُ لك \".\nوالمرادُ من هذا أنَّ اللَّهَ تعالى إذا أحبَّ عبدًا وقدَّر عليه بعضَ الذنوبِ فإنَّه\nيُقدِّر له الخلاصَ منها بما يمحوها من توبةٍ أو عملٍ صالح أو مصائبَ مكفرةٍ.\nكما في الحديثِ عنِ النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"أذنَبَ عبدٌ ذنبًا فقال: أيْ ربِّي عمِلتُ ذنبًا فاغْفِرْ لي \" فذكر الحديث إلى أن قال: \"فليَعْمَلْ ما شاءَ\". والمرادُ ما دامَ على هذا، كلما عمِلَ ذنبًا اعترفَ به وندمَ عليه واستغفرَ منه، فأمَّا مع الإصرارِ عليه فلا، وكذلك المحبةُ الصادقةُ الصحيحةُ تمنعُ من الإصرارِ على الذنوبِ،","vol":"1","page":507},{"text":"وعدمِ الاستحياءِ من علاَّمِ الغيوبِ.\nوما أحسنَ قولَ بعضِهِم:\nتعصي الإلهَ وأنتَ تزعُمُ حُبَّه. . . هذا لَعمري في القياسِ شنيعُ\nلو كان حُبُّكَ صادقًا لأطعتَهُ. . . إنَّ المحبَّ لمن يُحِبُّ مطيعُ\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢</span>٨)\n[قالَ البخاريُّ]: \"بابُ: دخولِ المشْرِكِ المسْجِدَ\":\nحدثنا كَتيبةُ: ثنا الليثُ، عن سعيدِ بنِ أبي سعيدٍ، أنَّه سمعَ أبا هريرةَ يقولُ: بعثَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بخيْلٍ قِبَلَ نَجْدٍ، فجاءتْ برجُل من بني حنيفةَ، يُقالُ له؛ ثُمامَة بنُ أُثالٍ، فربطوه بسارية من سوارِي المسجدِ.\nقد سبقَ هذا الحديثُ بأتمَّ من هذا السياقِ في \"بابِ: الأسير يُربطُ في\nالمسجدِ\"، وفيه: أنَّ ثمامةَ حين رُبط كان مشركًا، وأنه إنما أسلمَ بعد\nإطلاقهِ.\nوفي هذا دليل على جوازِ إدخالِ المشركِ إلى المسجدِ، لكن بإذنِ المسلمينَ.\nوقد أنزلَ النبيُّ - ﷺ - وفدَ ثقيفٍ في المسجدِ، ليكونَ أرقَّ لقلوبِهم.\nخرَّجه أبو داود من روايةِ الحسنِ، عن عثمانَ بنِ أبي العاصِ.","vol":"1","page":508},{"text":"وروى وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن يونسَ، عن الحسنِ، قالَ: إنَّ وفدًا قدِمُوا\nعلى النبيِّ - ﷺ - منْ ثقيفٍ، فدخلُوا عليه المسجدَ، فقيلَ له: إنَّهم مُشْركون؟\nقالَ: \"الأرضُ لا ينجسها شيءٌ\".\nوخرَّجه أبو داودَ في \"المراسيلِ \" من روايةِ أشْعَث، عن الحسن، أنَّ وفْدَ\nثقيفٍ قدِمُوا على رسولِ اللَّهِ - ﷺ - فضرَبَ لهم قُبَّةً في مُؤخَّرِ المسجدِ، لينظرُوا إلى صلاةِ المسلمينَ، إلى ركُوعِهِم، وسجودِهِم، فقيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أتنزِلُهُمُ المسجدَ وهم مُشرِكُون؟\nقالَ: \"إنَّ الأرضَ لا تنْجُسُ، إنَّما ينجُسُ ابنُ آدمَ \".\nوكذلك سائر وفودِ العربِ ونصارى نجرانِ، كلُّهم كانُوا يدخلونَ المسجدَ\nإلى النبيِّ - ﷺ - ويجلسونَ فيه عندَه.\nولما قدِمَ مشركُو قريشٍ في فداءِ أُسارى بدرٍ كانوا يبيتون في المسجدِ\nوقد روى ذلك الشافعيُّ بإسنادٍ له.\nوقد خرَّج البخاريُّ حديثَ جبيرِ بنِ مُطْعِمٍ - وكان ممن قدِمَ في فداءِ\nالأسارى - أنه سمعَ النبيَّ - ﷺ - يقرأُ في المغربِ بـ: \"الطُّورِ\"؛ قالَ: وكان ذلك أولَ ما وقرَ الإيمانُ في قلبِي.\nوخرَّج البخاريُّ فيما سبقَ في \"كتابِ: العلم \" حديثَ دخول ضِمامِ بنِ\nثعلبةَ المسجدَ، وعقلِهِ بعيرَهُ فيه، وسؤالِهِ النبيَّ - ﷺ - عن الإسلامِ، ثم أسلْمَ عقبَ ذلكَ.","vol":"1","page":509},{"text":"وروى أبو داود في \"المراسيلِ \" بإسنادِهِ عن الزهريِّ، قالَ: أخبرني سعيدُ\nابنُ المسيَّبِ، أنَّ أبا سفيانَ كان يدْخُلُ المسجدَ بالمدينةِ وهو كافر، غيرَ أنَّ ذلك لا يصلُحُ في المسجدِ الحرامِ، لما قال اللَّهُ ﷿: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا) .\nوقد اختلفَ أهلُ العلم في ذلكَ:\nفرَخَّصَ طائفةٌ منهم في دخولِ الكافرِ المسجد، وهو قولُ أبي حنيفةَ\nوالشافعيِّ، وحُكيَ روايةً عن أحمدَ، رجَّحها طائفة من أصحابِنا.\nقال أصحابُ الشافعيِّ: وليسَ له أن يدخلَ المسجدَ إلا بإذنِ المسلمِ ووافقَهُم\nطائفة من أصحابِنا على ذلكَ.\nوقال بعضُهم: لا يجوزُ للمسلم أن يأذنَ فيه إلا لمصلحةٍ من سماع قرآنٍ.\nأو رجاء إسلامٍ، أو إصلاح شيءٍ ونحوِ ذلك، فأمَّا لمجردِ الأكلِ واللُّبْثِ\nوالاستراحةِ فلا.\nومن أصحابِنا: من أطلقَ الجوازَ، ولم يقيدْهُ بإذنِ المسلم.\nوهذا كلُّه في مساجدِ الحلِّ، فأمَّا المسجدُ الحرامُ فلا يجوزُ للمسلمينَ الإذنَ\nفي دخولِهِ للكافرِ، بل لا يمكَّنُ الكافرُ من دخولِ الحرمِ بالكليَّة عند الشافعيِّ\nوأحمدَ وأصحابِهِما.\nواستدلُّوا بقولِ اللَّه تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)، وكانَ النبيُّ - ﷺ - أمرَ منادِيًا يُنادِي: \"لا يحُجُ بعْدَ العام مُشْرِك\".","vol":"1","page":510},{"text":"وأجازَه أبو حنيفةَ وأصحابُهُ.\nفأمَّا مسجدُ المدينةِ، فالمشهورُ عندنا وعند الشافعية أن حُكْمَهُ حكم مساجد\nالحِلِّ.\nولأصحابِنا وَجْه: أنه مُلْحَقٌ بالمسجدِ الحرامِ؛ لأنَّ المدينةَ حَرَم، وحُكي عن\nابنِ حامدٍ، وقاله القاضي أبو يعْلى في بعضِ كتبِهِ.\nوهذا بعيدٌ، فإنَّ الأحاديث الدالةُ على الجوازِ إنما وردت في مسجدِ المدينةِ\nبخصوصِهِ، فكيفَ يمنع منه ويخصُّ الجوازُ بغيره؟\nوقالتْ طائفةٌ: لا يجوزُ تمكينُ الكافرِ من دخولِ المساجدِ بحالٍ، وهذا هو\nالمرويُّ عن الصحابةِ، منهم: عمرُ، وعليٌّ، وأبو موسى الأشعريُّ، وعن عمرَ ابنِ عبدِ العزيزِ، وهو قولُ مالكٍ، والمنصوصُ عن أحمدَ، قال: لا يدخلونَ المسجدَ ولا ينبغي لهم أن يدخلُوهُم.\nواستدلُّوا بقولِ اللَّهِ تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ) .\nوظاهرُهُ: يدلُّ على أنَّ الكفارَ لا يُمكنونَ من دخولِ المساجدِ، فإنْ دخلوا\nأُخيفُوا وعُوقِبوا، فيكونونَ في حالِ دخولِهِم خائفينَ من عقوبةِ المسلمينَ لَهُم.\nوقد رُوي عن عليٍّ، أنَه كان على المنبرِ فبَصُرَ بمجوسي، فنزل وضربَه\nوأخرَّجَه.\nخرَّجه الأثْرَمُ.\nوعلى هذا القولِ، فأحاديثُ الرخصةِ قد تُحمَلُ على أنَّ ذلك قبلَ\nالنهي عنه، أو أنَّ ذلك كانَ جائزًا حيث كان يحتاجُ إلى تألفِ قلوبِهِم،","vol":"1","page":511},{"text":"وقد زالَ ذلكَ.\nوفرَّقتْ طائفةٌ بين أهلِ الذِّمةِ وأهلِ الحربِ، فقالُوا: يجوزُ إدخالُ أهلِ\nالذِّمَّةِ دونَ أهلِ الحربِ، ورُوي عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ وقتادةَ.\nوروى عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ جُريج: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابرَ\nبنَ عبدِ اللَّه يقولُ في قولِه تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْربوا الْمَسْجِدَ\nالْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا)، قال: إلا أن يكون عبْدًا أو أحدًا من أهلِ\nالذَّمَّة.\nوقَد رُويَ مرفوعًا من روايةِ شريكٍ: ثنا أشعثُ بن سوَّار، عن الحسن، عن\nجابرٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"لا يدخلْ مسجدَنا هذا مشركٌ بعدَّ عَامِنَا هذا، غَّيَر أهلِ الكتابِ وخدمِهِم \".\nخرَّجه الإمامُ أحمد.\nوفي روايةٍ له: \"غيرَ أهلِ العهدِ وخدمِهِم \".\nوأشعثُ بنُ سوَّار، ضعيفُ الحديثِ.\nوقد خصَّ بعضُ أصحابِنا حكايةَ الخلافِ المحكي عن أحمدَ فى المسألة\nبأهلِ الذِّمَّةِ.\n* * *","vol":"1","page":512},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-107>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ </span>وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)\nوفي الحديثِ المشهورِ عن ثوبانَ أنَّه قال: لمَّا نزلتْ هذه الآية ُ: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ)، فقال النبيُّ - ﷺ -:\n\"تبًّا للذهبِ والفضةِ\".\nقالُوا: يا رسول اللَّهِ، فما نتخذُ؟\nقال: \"ليتخذْ أحدُكم قلبًا شاكرًا، ولسانِا ذاكرًا.\nوزوجة صالحةً تُعين أحدَكُم على إيمانِهِ \".\nقالَ بعضُهم: إئما سُمِّيَ الذهبُ ذهبًا، لأنه يذهبُ، وسمِّيت الفضةُ فضةً\nلأنها تنفضُّ، يعني تنفضُّ بسرعةٍ، فلا بقاءَ لهُمَا، فمن كنزَهُما فقد أرأدَ بقاءَ\nما لا بقاءَ له، فإن نفعَهُما ما هو إلا بإنفاقهما في وجوهِ البِر وسبلِ الخيرِ.\nوقال الحسنُ: بئسَ الرفيقُ الدرهمُ والدينارُ؛ لا ينفعانِكَ حتَّى يفارقانِكَ.\nفما داما مكنوزينِ فما يضرانِ ولا ينفعانِ، وإنَّما نفعُهُما بإنفاقِهِما في\nالطاعاتِ، قال اللَّهُ تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)، والآيةُ ذمٌّ ووعيدٌ لمنْ يمنعُ حقوقَ مالِهِ\nالواجبةِ من الزكاةِ وصلةِ الرَّحم وقِرى الضيفِ والإنفاقِ في النوائبِ.\nوفي \"صحيح مسلم\" عن أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - قال:","vol":"1","page":513},{"text":"\"ما من صَاحِبِ ذهبٍ ولا فضةٍ لا يؤدِّى مِنْها حقَّها إلا إذا كان يومُ القيامة صُفِّحت له صفائحُ من نارٍ فأحمي عليها في نارِ جهنَّم، فيكوى بها جنبُه وجبينُهُ وظهرُه، كلما برَدَتْ أعيدت له، في يومٍ كان مقدارُهُ خمسين ألف سنةٍ، حتى يقضى بين العبادِ، فيرى سبيلَهُ إمَّا إلى الجنةِ وإمَّا إلى النارِ\".\nوفي \"صحيح البخاريِّ \" عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"من آتاهُ اللهُ مالًا فلم يُؤدِّ زكاتَهُ مُثلَ له يومَ القيامةِ شجاعًا أقرعَ له زبيبتان يُطوَّقه يومَ القيامة ثم يأخذُ بلهزمتيه، يعني شدقيه، ثم يقول: أنا مالُكَ، أنا كنزك \" ثم تلا: (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) .\nوفيه أيضًا عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال:\n\"يكون كنزُ أحدكم يومَ القيامة شجاعًا أقرع يفرُّ منه يومَ القيامةِ، ويطلبُهُ، ويقول: أنا كنزُكَ، فلا يزالُ يطلبُة حتى يبسطَ يدَهُ فيُلقمها فاه \".\nوفي \"صحيح مسلم \" عن جابرٍ عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"ما من صاحبِ كنز لا يفعلُ فيه حقَّهُ إلا جاءَ كنزهُ يومَ القيامةِ شجاعًا أقرعَ يتبعُهُ فاتحًا فاهُ، فإذا أتاهُ فرَّ منهَ، فيناديِه: خُذْ كنزَكَ الذي خبَّأتَهُ فأنا عنه غني، فإذا رأى أن لا بدَّ له منه سلكَ يدَهُ في فيه فيقضمها قضمَ الفحْلِ \".\nوالشجاعُ: الحيَّةُ الذكرُ، والأقرعُ: الذي قد تمعَّطَ شعر\nفروةِ رأسِهِ لكثرةِ سمِّهِ.\nفلهذا وردَ الشرعُ باكتنازِ ما يبقى نفعُهُ بعد الموتِ من الإيمانِ والأعمالِ","vol":"1","page":514},{"text":"الصالحةِ والكلماتِ الطيبةِ، فإنَّ نفعَ ذلك يبقَى وبه يحصلُ الغنى الأكبرُ، قال\nابنُ مسعودٍ: نعمَ كنزُ الصعلوكِ سورةُ آل عمرانَ يقومُ بها من آخرِ الليلِ.\nوآخرُ سورةِ البقرةِ من كنزٍ تحتَ العرشِ أعطيتْه هذه الأمَّةُ مع سورة الفاتحةِ.\nولا حول ولا قوَّة إلا باللَّه كنزٌ من كنوزِ الجنةِ.\nوفي بعضِ الآثارِ الإسرائيليةِ: كنزُ المؤمنِ ربُه، يعني أنه لا يكنزُ سوى\nطاعتِهِ وخشيتِهِ ومحبتِهِ والتقربِ إليهِ، فمن كانَ كنزُهُ ربَّه وجدَهُ وقتَ حاجتِهِ\nإليه، كما في وصيةِ النبيِّ - ﷺ - لابنِ عباسٍ:\n\"احفظ اللَّهَ يحفَظك، احفظِ اللهَ تجدْهُ أمامَك، تعرَّف إلى اللهِ في الرَّخاء يعرفكَ في الشِّدةِ\".\nأنت كنزي، أنت ذخري، أنت عزِّي، كيف أخشى الفقرَ إذا كنتَ أمني\nعند فقرِي، من كانَ اللَّهُ كنزَه فقد ظفرَ بالغنِى الأكبرِ.\nقال بعضُ العارفينَ:\nمن استغْنَى باللَّهِ أمِنَ من العدمِ. . . ومن لَزِمَ البابَ أُثْبِتَ في الخَدَمِ\nومن أكثرَ ذكر الموتِ أكثرَ من الندمِ. . . تنقَضِي الدُّنيا والفتى فيها معنَّا\nليسَ في الدنيا نعيمٌ ولا عيشٌ مهنَّا. . . يا غنيًّا بالدنانيرِ فحبُّ اللَّهِ أغنى\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>قال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)</span>\nقال عليٌّ بنُ أبي طلحة عن ابنِ عباسٍ في هذهِ الآيةِ: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ)","vol":"1","page":515},{"text":"في كلِّهنَّ، ثم اختصَّ مِنْ ذلك أربعةَ أشهُر، فجعلهنَّ\nحرمًا، وعظَّمَ حُرماتهن، وجعل الذنبَ فيهنَّ أعظمَ، والعملَ الصالحَ والأجرَ\nأعظم.\nوقال قتادةُ في هذه الآية: اعلمُوا أن الظلمَ في الأشهرِ الحُرُم أعظمُ خطيئةً\nووزرًا فيما سوى ذلك، وإن كان الظلمُ في كلّ حال غيرَ طائل، ولكنَّ اللَّهَ\nتعالى يُعظِّم من أمرِهِ، ما يشاءُ ربُّنا تعالى.\nوقد رُوي في حديثينِ مرفوعينِ أن السيئات تُضاعفُ في رمضانَ، ولكن\nإسنادهُما لا يصحُّ.\n* * *\nخرَّجا في \"الصحيحينِ \" من حديث أبي بكرةَ أن النبيَّ - ﷺ - خطبَ في حجَّةِ الوداع، فقالَ في خطبته:\n\"إن الزمانَ قد اسْتَدارَ كهيئتِهِ يومَ خلقَ اللَّه السماواتِ والأرضِ، السنةُ اثنا عشرَ شهرًا، منها أربعة حرمٌ: ثلاثةٌ متوالياتٌ: ذو القعْدةِ\nوذو الحجَّةِ، والمحرَّمُ، ورجَبُ مُضَرَ الذي بين جُمادى وشعبانَ \"\nوذكر الحديثَ.\nقال اللَّهُ ﷿: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) .\nفأخبر سبحانه أنَّه مُنذُ خلقَ السماواتِ والأرضَ وخلقَ الليلَ والنَّهارَ\nيدُورانِ في الفلكَ وخلقَ ما في السماءِ من الشَّمسِ والقمرِ والنُّجومِ، وجعلَ","vol":"1","page":516},{"text":"الشَّمسَ والقمر يسبحان في الفلك، فينشأ منهما ظلمةُ اللَّيلِ وبياضُ النهارِ.\nفمن حينئذٍ جعلَ السَّنة اثنى عشر شهرًا بحسبِ الهلالِ.\nفالسنةُ في الشرع مُقدَّرةٌ بسيرِ القمرِ وطلوعِهِ، لا بسيرِ الشمسِ وانتقالها.\nكما يفعلُه أهلُ الكتابِ.\nوجعلَ اللَّهُ تعالى من هذهِ الأشهرِ أربعةَ أشهرٍ حُرُمًا، وقد فسَّرَها النبيُّ\n- ﷺ - في هذا الحديث، وذكرَ أنَّها ثلاثة متوالياتٌ، ذو القعدةِ، وذو الحجَّةِ، والمُحرَّمُ، وواحد فرد، وهو شهرُ رجبٍ.\nوهذا قد يستدلُّ به من يقولُ: إنها من سنتين، وقد رُوي من حديثِ ابنِ\nعمرَ مرفوعًا: \"أولُهُن رجبٌ \"، وفي إسنادِهِ موسى بن عُبيدةَ، وفيه ضعفٌ\nشديد من قِبلِ حفْظِهِ، وقد حكيَ عن أهلِ المدينةِ أنهم جعلوها من سنتين.\nوأن أوَّلها ذو القعدةِ، ثم ذو الحجَّةِ، ثم المحرَّمُ، ثم رجب، فيكونُ رجب\nآخرَها.\nوعن بعضِ المدنيينَ أنَّ أوَّلها رجب، ثم ذو القعدةِ، ثم ذو الحجَّةِ ثم\nالمُحرَّمُ.\nوعن بعضِ أهلِ الكوفةِ أنها من سنةٍ واحدة، أولها المحرَّمُ، ثم\nرجبٌ، ثم ذو القعدة، ثم ذو الحِجَّةِ.\nواختُلِفَ في أيِّ هذه الأشهر الحرُم أفضلُ، فقيل: رجب، قاله بعض الشافعيةِ، وضعَّفَه النوويُّ وغيره.\nوقيل: المُحَرَّمُ، قاله الحسنُ، ورجَّحَه النوويُّ.\nوقيل: ذو الحِجَّة، رُوي عن سعيدِ بنِ جبيرٍ وغيره، وهو أظهرُ، واللَّهُ أعلمُ.\nوقوله - ﷺ -: \"إنَّ الزَّمان استدَارَ كهيئِتِه يوم خلقَ اللَّه السمواتِ والأرضَ، السَّنةُ اثنا عشرَ شهرًا\"\nمُرادُهُ بذلك إبطالُ ما كانتِ الجاهليةُ تفعلُه من النَّسيء، كما قال","vol":"1","page":517},{"text":"تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ) .\nوقد اختُلِفَ في تفسيرِ النَّسيء، فقالت طائفة: كانوا يُبدلُون بعضَ\nالأشهرِ الحُرُم بغيرِها من الأشهرِ، فيحرِّمُونها بدلها، ويحلُّون ما أرادوا تحليلَه\nمن الأشهرِ الحُرُم إذا احْتاجُوا إلى ذلك، ولكن لا يزيدونَ في عددِ الأشهر\nالهلالية شيئًا.\nثم من أهلِ هذه المقالةِ من قال: كانوا يُحلُّون المُحرَّمَ فيستحلون\nالقتالَ فيه؛ لطول مدَّة التَّحريم عليهم بتوالي ثلاثةِ أشهرٍ مُحرَّمةٍ، ثم يحرِّمونَ\nصفَرًا مكانَهُ، فكأنَهم يقترضونَه ثم يوفونَه، ومنهم من قال: كانوا يحلُّون\nالمُحرَّمَ مع صَفَرٍ من عامٍ ويُسمُّونَهما صفَرينِ، ثم يحرِّمُونهما مم عام قابل\nويسمُّونهما محرَّمين قاله ابن زيدِ بنِ أسلمَ.\nوقيل: بل كانوا رُبَّما احْتاجُوا إلى صفَرَ أيضًا فأحلُّوه وجعَلُوا مكانَه ربيعًا.\nثم يدورُ كذلك التَّحريمُ والتَّحليلُ والتأخيرُ، إلى أن جاء الإسلامُ ووافَقَ حجَّةَ\nالوداع، صارَ رجوعُ التَّحريمِ إلى مُحرَّم الحقيقيّ، وهذا هو الذي رجَّحه\nأبو عُبيد، وعلى هذا فالتَّغييرُ إنَّما وقع في عيْنِ الأشهُر الحُرُمِ خاصةً.\nوقالت طائفةٌ أخرى: بلْ كانوا يزيدونَ في عددِ شهورِ السنة، وظاهرُ الآية يُشعر بذلك، حيث قال اللَّه تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا)، فذكرَ هذا توطئةً لهَدْمِ النَّسيءِ وإبطالهِ.\nثم مِنْ هؤلاءِ من قال: كانوا يجعلُون السنة ثلاثةَ عشرَ شهرًا، قاله مجاهدٌ\nوأبو مالكٍ، قال أبو مالكٍ: كانوا يجعلون السنةَ ثلاثةَ عشرَ شهرًا، ويجعلونَ","vol":"1","page":518},{"text":"المُحرَّمَ صَفَرًا.\nوقال مجاهدٌ: كانوا يُسقطون المُحرَّمَ، ثم يقولون: صَفَرينِ.\nلصفرَ وربيع الأوَّلِ وربيع الآخر، ثم يقولونَ: شهرا ربيع، ثم يقولون:\nلرمضان: شعبانُ، ولشوال: رمضانُ، ولذي القعْدةِ: شوالٌ، ولذيَ الحجَّةِ:\nذو القعْدة، على وجهِ ما ابتدأوا وللمحرَّمِ: ذو الحجَّةِ، فيعدونَ ما ناسؤوا\nعلى مستقبلهِ، على وجه ما ابتدأوا.\nوعنه، قال: كانتِ الجاهليةُ يحجُّون في كلِّ شهرٍ من شهورِ السنةِ عامينِ.\nفوافَقَ حِجُّ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - في ذي الحِجَّةِ، فقال: \"هذا يومٌ اسْتدارَ الزَّمانُ كهيئِتِه يومَ خلقَ اللَّهُ السماواتِ والأرص \".\nومن هؤلاء من قالَ: كانتِ الجاهليةُ يجعلونَ الشهورَ اثنى عشر شهرًا\nوخمسةَ أيامٍ، قالهُ إياسُ بنُ معاويةَ، وهذا العددُ قريبٌ من عددِ السنةِ\nالرومية\" ولهذا جاء في مراسيلِ عكرمة بنِ خالدِ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال في خُطبتِهِ يومَ النحر: \"والشهر هكذا، وهكذا، وهكذا، وخنَسَ إبهامَه في الثالثةِ، وهكذا وهكذا، وهكذا\"\nيعني: ثلاثينَ، فأشارَ إلى أن الشَّهرَ هلاليٌّ.\nثم تارةً ينقُصُ وتارةً يتمُّ، ولعلَّ أهلَ النَّسِيء كانُوا يُتِمُّونَ الشهورَ كلَّها.\nويزيدونَ عليْهَا، واللَّه أعلم.\nوقد قيل: إنَّ ربيعةَ ومضَرَ كانوا يُحرِّمون أربعة أشهرٍ من السنةِ مع\nاختلافِهِم في تعيينِ رجبٍ منها، كما سنذكرُهُ إن شاء اللَّهُ تعالى.\nوكانت بنُو عوْفِ بنِ لُؤيٍّ يحرِّمون من السنةِ ثمانيةَ أشهرٍ، وهذا مبالغة في الزيادة على ما حرَّمه اللَّهُ.\nواختلفُوا في أيِّ عامٍ عاد الحجُّ إلى ذي الحجةِ على وجهِهِ، واستدارَ الزَّمانُ","vol":"1","page":519},{"text":"فيه كهيئتِهِ، فقالت طائفة: إنَّما عادَ على وجهه في حجَّةِ الوداع، وأما حجةُ\nأبي بكر الصديقِ - ﵁ -، فكانت قد وقعت في ذي القعدةِ.\nهذا قولُ مجاهدٍ وعكرمةَ بن خالد وغيرهِما.\nوقيل: إنَّه اجْتَمَعَ في ذلك العامِ حجُّ الأممِ كلِّها\nفي وقتٍ واحدٍ، فلذلك سُمِّيَ يومَ الحجِّ الأكبرِ.\nوقالتْ طائفةٌ: بل وقعَتْ حجَّةُ الصِّدِّيقِ في ذي الحجةِ، قالهُ الإمامُ أحمدُ.\nوأنكرَ قولَ مجاهدٍ، واستدلَّ بأنَّ النبيَّ - ﷺ - أمرَ عليًّا فنادى يوم النَّحْرِ: \"لا يحجّ بعد العامِ مشرِك\"\nوفي روايةٍ: \"واليومُ يومُ الحَجِّ الأكبرِ\" وقد قالَ اللَّهُ تعالى:\n(وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ)، فسمَّاهُ يومَ الحجِّ الأكبرِ، وهذا يدُلُّ على أنَّ النِّداءَ وقَعَ في ذي الحجَةِ.\nوخرَّج الطبراني في \"أوسطِه \" من حديثِ عمرِو بنِ شعيبٍ، عن أبيه.\nعن جدِّه قال: كان العربُ يُحِلُّون عامًا شهرًا، وعامًا شهرين، ولا يُصيبون\nالحجَّ إلا في كلِّ ستةٍ وعشرين سنة مرةً واحدةً، وهو النَّسيءُ الذي ذكرَهُ اللَّهُ\nفي كتابه، فلما كان عام حَجَّ أبو بكر الصديقُ بالناس، وافَقَ في ذلك العامِ\nالحجَّ، فسمَّاه اللَّهُ يوم الحج الأكبر.\nثم حجَّ النبيُّ - ﷺ - في العامِ المُقْبلِ، فاستقبَلَ النَّاسُ الأهلَّةَ، فقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"إنَّ الزمانَ قد اسْتدارَ كهيئتِهِ يومَ خلقَ الله السماوات والأرضَ \"\nوقيل: بل اسْتدارَةُ الزَّمانِ كهيئتِهِ كانَ من عام الفتح.\nوخرَّج البزارُ في \"مسندهِ \" من حديث سُمرةَ بن جُنْدَب أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ -","vol":"1","page":520},{"text":"قال: لهم يومَ الفتح: \"إنَّ هذا العامَ الحجُّ الأكبرُ، قد اجتمعَ حجُّ المسلمينَ وحجُّ المشركينَ في ثلاثةِ أيامٍ متتابعاب، واجتمَعَ حجُّ اليهودِ والنَّصارى في ستَّةِ أيام متتابعاتٍ.\nولم يجتمع منذُ خلقَ اللَّه السماواتِ والأرضَ، ولا يجتمعُ بعدَ العامِ حتَّى تقومَ\nالسَّاعة \".\nوفَي إسنادِهِ يوسف السَّمْتِي، وهو ضعيف جدًّا، واختلفُوا لم سُميتْ هذه\nالأشهر الأربعةُ حُرُمًا؟.\nفقيل: لعظم حُرمتِها وحُرمة الذَّنْبِ فيها.\nقال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباس: اختصَّ اللَّهُ أربعةَ أشهر جعلهُنَّ\nحُرمًا، وعظَّمَ حُرماتهنَّ، وجعل الذَّنْبَ فيهن أعظمَ، وجعلَ العملَ الصالحَ\nوالأجر أعظم.\nقال كعبٌ: اختارَ اللَّهُ الزمان، فأحبُّهُ إلى اللَّه الأشهر الحُرُمُ.\nوقد رُوي مرفوعًا، ولا يصحُّ رفعُهُ.\nوقد قيلَ في قولِهِ تعالى: (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفسَكمْ): إنَّ المرادَ\nفي الأشهرِ الحُرمِ، وقيل: بل في جميع شُهورِ السنةِ.\nوقيل: إنَّما سُمِّيتْ حُرُمًا لتحريمِ القتالِ فيها.\nوكان ذلك معروفًا في الجاهليةِ.\nوقيلَ: إنَّه كان في عهدِ إبراهيمَ - ﵇ -، وقيلَ: إنَّ سبب تحريمِ هذه الأشهرِ الأربعةِ بينَ العربِ لأجلِ التمكُّن منَ الحجِّ والعُمْرةِ، فحُرِّمَ شهرُ ذي الحجَّةِ، لوقوع الحجِّ فيه، وحُرِّم معه شهرُ ذي القعدة، للسَّيْرِ فيه إلى الحجِّ. وشهر المحرم، للرجوع فيه من الحجِّ، حتى يأمَنَ الحاجُّ على نفسِهِ من حين يخرجُ من بيتِهِ إلى أن يرجعَ إليه.\nوحُرِّمَ شهرُ رجب، للاعتمارِ فيه في وسطِ السًّنةِ، فيعتمِرُ\nفيه مَنْ كان قريبًا من مكّةَ.\nوقد شرع اللهُ في أولِ الإسلامِ تحريمَ القتالِ في الشهرِ الحرام، قالَ تعالَى:","vol":"1","page":521},{"text":"(لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) .\nوقال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) .\nوخرَّجَ ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ عن جُنْدُبِ بنِ عبدِ اللَّهِ أنَّ النبيَّ - ﷺ - بعثَ رهطَا وبعثَ عليهم عبدَ اللَّهِ بنَ جَحْشٍ، فلقوا ابنَ الحضْرمِيِّ فقتلوه، ولم يدْرُوا أنَّ ذلك من رجبٍ أو من جُمادى، فقال المشركونَ للمسلمينَ.\nقتلتُم في الشهرِ الحرامِ، فأنزلَ اللَّهُ ﷿: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كبِيرٌ) الآية.\nوروى السُّدِّيُّ عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالح، عن ابنِ عباسٍ، وعن\nمُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ في هذه الآيةِ، فذكروا هذه القصةَ مبسوطةً، وقالُوا\nفيها: فقال المشركونَ: يزعمُ محمدٌ يتبعُ طاعةَ اللَّهِ وهو أوَّلُ مَن استحلَّ\nالشهرَ الحرامَ، فقال المسلمونَ: إنَّما قتلناه في جُمَادى.\nوقيلَ: في أولِ رجبٍ وآخِرِ ليلةٍ من جُمَادى، وغَمَدَ المسلمونَ سيوفَهم\nحين دخل شهرُ رجبٍ، وأنزلَ اللَّهُ تعالى تعييرًا لأهلِ مكَّةَ:\n(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ)\nلا يحلُّ، وما صنعتم أنتم يا معشرَ المشركينَ أكبرُ من القتْلِ في الشَّهرِ الحرامِ، حين كفرتم باللَّه، وصددْتُم عن محمَّدٍ وأصحابِهِ، وإخراج أهلِ المسجدِ الحرامِ حينَ أخْرَجُوا منه محمدًا - ﷺ - أكبرُ منَ القتلِ عندَ اللهِ.\nوقد رُوي عن ابنِ عباسٍ هذا المعنى من روايةِ العوفيِّ عنه، ومن روايةِ\nأبي سعد البقالِ، عن عكرمةَ، عنه.","vol":"1","page":522},{"text":"ومن روايةِ الكلبيِّ، عن أبي صالح، عنه.\nوذكر ابنُ إسحاقَ أنَّ ذلك كان في آخر يوم من رجبٍ، وأنَّهم خافوا إنْ\nأخَّرُوا القتالَ أن يسبقَهم المشركونَ فيدخلوا الحرَمَ فيأمَنُوا.\nوأنَّهم لمَّا قدِمُوا على النبيِّ - ﷺ - قال لهم:\n\"ما أمرتُكُم بالقتالِ في الشهرِ الحرامِ، ولم يأخذْ من غنيمتهم شيئًا\"\nوقالتْ قريشٌ: قد استحلَّ محمدٌ وأصحابُهُ الشهرَ\nالحرامَ، فقال مَنْ بمكَّةَ من المسلمينَ: إنَما قتلُوهم في شعبانَ.\nفلمَّا أكثرَ الناسُ في ذلك نزلَ قولُهُ تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) الآية.\nورُوي نحوُ هذا السياقِ عن عروةَ، والزُّهري وغيرِهما.\nوقيلَ: إنَّها كانت أولَ غنيمةٍ غممَها المسلمونَ، وقال عبدُ اللَّهِ بن جحشٍ في ذلك، وقيل: إنَّها لأبي بكرٍ الصِّدِّيقِ - ﵁ -.\nتعُدُّونَ قتلًا في الحرامِ عظيمةً. . . وأعْظمُ منه لو يَرى الرشُدَ راشِدُ\nصدودُكُمُ عمَّا يقولُ محمدٌ. . . وكُفْرٌ به واللَّه راءٍ وشاهدُ\nوإخْراجُكُم من مسجدِ اللَّهِ أهلَهُ. . . لِئلاَّ يُرَى للَّهِ في البيْتِ ساجِدُ\nفي أبياتٍ أخرَ.\nوقد اختلفَ العلماء في حكم القتالِ في الأشهرِ الحُرُمِ، هل تحريمُهُ باقٍ أمْ\nنُسِخَ؟\nفالجمهورُ على أنَّه نُسِخَ تحريمُهُ، ونصَّ على نسخِهِ الإمامُ أحمدُ وغيرُهُ\nمن الأئمةِ.\nوذهب طائفةٌ من السَّلَفِ، منهم عطاءٌ، إلى بقاءِ تحريمِهِ، ورجَّحه\nبعضُ المتأخرين واستدلُّوا بآية المائدةِ.\nوالمائدةُ من آخرِ ما نزلَ من القرآنِ،","vol":"1","page":523},{"text":"وقد رُوِي: \"أحِلُّوا حلاَلَها وحرِّمُوا حرامَهَا \".\nوقيل: ليس فيها منسوخ. وفي \"المسندِ\" أنَّ عائشةَ - ﵂ -، قالتْ: \"هي آخرُ سورةٍ نزلتْ، فما وجدتُم فيها من حلالٍ فاسْتحِلُّوه، وما وجدتم فيها من حرامٍ فحرمُوه \"\nوروى الإمامُ أحمدُ في \"مسندهِ \": حدثنا إسحاقُ بن عيسى.\nحدثنا ليثُ بنُ سعدٍ، عن أبي الزُّبير، عن جابرٍ، قال: لم يكن رسولُ اللَّهِ\n- ﷺ - يَغْزُو في الشَّهرِ الحرامِ إلا أنْ يُغْزَى ويَغزو فإذا حضرَهُ أقامَ حتَّى ينسلخَ.\nوذكر بعضُهم أنَّ النبيَّ - ﷺ - حاصرَ الطائفَ في شوَّالٍ، فلمَّا دخلَ ذو القعدةِ لم يُقاتِلْ، بل صابرَهُم، ثم رجعَ.\nوكذلك في عمرةِ الحديبية لم يُقاتِلْ، حتّى بلغه أنَّ عثمانَ قُتِلَ، فبايَعَ على القتالِ، ثم لمَّا بلغَه أنَّ ذلك لا حقيقةَ له كفَّ.\nواستدلَّ الجمهورُ بأن الصحابةَ اشتغلُوا بعدَ النبي - ﷺ - بفتح البلادِ، ومواصلةِ القتالِ والجهادِ، ولم يُنقل عن أحدٍ منهم أنَّه توقَّف عن\nالقتالِ، وهو طالبٌ له في شيءٍ من الأشهرِ الحُرُم، وهذا يدُلُّ على اجتماعهم\nعلى نسخ ذلك، واللَّهُ أعلمُ.\nومن عجائب الأشهرِ الحُرُمِ ما رُوي عن عبدِ اللَّهِ بن عمرِو بن العاصِ: أنَّه\nذكر عجائبَ الدنيا، فعدَّ منها بأرضِ عادٍ عمودَ نُحاسٍ، عليه شجرةٌ من\nنحاسٍ، فإذا كان في الأشهرِ الحُرُم قطرَ منها الماءُ، فملؤوا منه حياضَهم.\nوسَقَوْا مواشيهم وزروعَهم، فإذا ذهب الأشهرُ الحرمُ انقطَعَ الماءُ.\nوقولُهُ - ﷺ -: \"ورجبُ مُضَر\" سُمِّي رجبٌ رجبًا، لأنه كان يُرجَّبُ، أي يُعظَّمُ، كذا قال الأصمعي، والمفضَّلُ، والفرَّاءُ، وقيلَ: لأنَّ الملائكةَ تترجَّب","vol":"1","page":524},{"text":"للتسبيح والتَّحميدِ فيه، وفي ذلك حديثٌ مرفوعٌ إلا أنه موضوع.\nوأما إضافتُه إلى \"مُضَر\"، فقيل: لأنَّ مُضَرَ كانت تزيدُ في تعظيمِهِ\nواحترامِهِ، فنُسبَ إليهم لذلك. وقيل: بل كانت ربيعةُ تُحرِّمُ رمضانَ، وتُحرِّمُ مُضَرُ رجبًا، فلذلك سمَّاه رجبَ مُضَرَ، وحقَّق ذلك بقوله: \"الذي بين جُمادى وشعبان \".\nوذكر بعضُهم أنَّ لشهر رجبٍ أربعةَ عشرَ اسمًا: شهرُ اللَّهِ، ورجبٌ.\nورجبُ مُضَر، ومُنْصِلُ الأسِنَّةِ، والأصمُّ، والأصبُّ، ومُنَفّسٌ، ومُطَهِّرٌ.\nومُعَلَّى، ومقيمٌ، وهرم، ومُقشقشٌ، ومُبرّئٌ، وفرْدٌ، وذكر غيرُه أنَّ له سبعة عشر اسمًا، فزادَ \"رجم \" بالميم، ومُنْصِل الألَّة، وهي الحربة، ومنزعُ\nالأسنَّة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>قوله تعالى: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)</span>\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:\n(قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا)، قال: إنَّما لمْ يقُل: ما كتِبَ علَيْنا\"\nلأنَّه أمرٌ يتعلقُ بالمؤمنِ، ولا يصيبُ المؤمنُ شيءٌ إلا وهو له، إن كانَ خيرًا\nفهو له في العاجلِ، وإن كانَ شرًا فهو ثواب في الآجل.\n* * *","vol":"1","page":525},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>قوله تعالى: (وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)</span>\nقال اللَّهُ تعالى: (وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) .\nوفي \"الصحيحينِ \" عن أبي هريرةَ عنِ النبيِّ - ﷺ - قال: \"اشتكتِ النارُ إلى ربِّها، فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِي الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنْ الْحَرِّ سمومُها، وأَشَدُّ ما تجدونَ من البردِ زمهريرُهَا \".\nوفي \"الصحيحينِ \" أيضًا عن أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ -، قال: \"نارُكم هذه التي يوقدُ بنوآدمَ جزء واحدٌ من سبعينَ جزءًا من نارِ جهنَّمَ \"، قالوا: والله إن كانتْ لكافيةً، قال: \"إنها فُضِّلتْ عليها، بتسعة وستينَ جزءًا، كلِّهنَّ مثلُ حرِّهَا\"\nوخرَّجه الإمامُ أحمدُ وزادَ فيه: \"ضربت بالبحرِ مرتينِ، ولولا ذاك ما جعل اللَّهُ فيها منفعة لأحدٍ\"، وقد سبقَ من حديثِ أنسٍ نحوُهُ.\nوعن عطيةَ العوفيِّ عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"نارُكم هذه جزء من سبعينَ جزءا من نارِ جهنَّم لكلِّ جزء منها مثل حرِّها\". خرَّجه الترمذيُّ.\nوقال الإمامُ أحمدُ: حدثنا قتيبةُ، حدثنا عبدُ العزيزِ - هو الدراورديُّ - عن\nسهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"إنَّ هذه النارَ جزء من مائةِ جزءٍ من جهنَّمَ \".\nوقال ابنُ مسعود: \"إنَّ نارَكم هذه ضُرِبَ بها البحرُ ففترتْ، ولولا ذلكَ ما","vol":"1","page":526},{"text":"انتفعتم بها، وهي جزء من سبعينَ جزءًا من نارِ جهنَّمَ \"\nوخرَّجه البزَّارُ مرفوعًا والموقوفُ أصحُّ.\nوخرَّج الطبرانيُّ من طريقِ تمامِ بنِ نجيحِ عن الحسنِ، عن أنسٍ، عن النبيِّ\n- ﷺ - قالَ: \"لو أن غربًا من جهنَّم، جعلَ في وسطِ الأرض لآذى نتنُ ريحِهِ وشدةُ حرِّه ما بينَ المشرقِ والمغرب، ولو أنَّ شرارَةً من شرارِ جهنَّم بالمشرقِ لوجدَ حرَّها مَن بالمغربِ \"\nوتمامُ بنُ نجيع تكُلًّمَ فيه.\nوخرَّج أيضًا من طريقِ عديِّ بن عدي الكندي عن عمرَ أن جبريلَ قال\nللنبيِّ - ﷺ -: والذي بعثكَ بالحقِّ لو أنَّ قدرَ ثقبِ إبرة فُتحَ من جهنَّمَ لمات من في الأرضِ كلُّهم جميعًا من حرِّه.\nوقد سبقَ الكلامُ على إسنادِهِ.\nورُوي من وجهٍ ضعيفٍ عن الحسنِ مرسلًا نحوُهُ أيضًا.\nوخرَّج أبو يعلى الموصلي من حديثِ أبي هريرةَ عنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"لوكان في هذا المسجدِ مائةُ ألف أو يزيدونَ، وفيهم رجل من أهلِ النارِ فتنفسَ فأصابَهُم نفسُهُ لأحرقَ من في المسجدِ أو يزيدونَ \".\nلكن قالَ الإمامُ أحمدُ: هو حديث منكر.\nوقال كعبٌ لعمرَ بنِ الخطابِ: لو فُتحَ من جهنَّم قدرُ منخرِ ثورٍ بالمشرقِ\nورجلٌ بِالمغربِ لغلى دماغُهُ حتى يسيلَ من حرِّهِ.\nوقال عبدُ الملكِ بن عميرٍ: لو أنَّ أهل النارِ كانُوا في نارِ الدنيا لقَالُوا فيها.\nوقال عبدُ اللَّهِ بن أحمدَ: أُخبرتُ عن سيَّارٍ عن ابنِ المعزى - وكان\nمن خيارِ الناسِ - قال: بلغني أنَّ رجلًا لو خرجَ منها إلى نارِ الدنيا لنام","vol":"1","page":527},{"text":"فيها ألفي سنة.\nوقال معاويةُ بنُ صالحٍ عن عبدِ الملكِ بن أبي بشيرِ - يرفعُ الحديثَ: \"ما من\nيومٍ إلا والنارُ تقولُ: اشتدَّ حرِّي، وبعدَ قعري، وعظُم جمرِي، عَجِّلْ إلهي إليَّ بأهلي \".\nوقال ابنُ عيينةَ عن بشيرِ بنِ منصور، قلتُ لعطاء السلميِّ: لو أنَّ إنسانًا\nأوقدتْ له نار فقيلَ لهُ: من دخلَ هذه النارَ نجا من النارِ، فقال: عطاءٌ: لو\nقيلَ لي ذلك لخشيتُ أن تخرجَ نفسِي فرحًا قبل أن أقعَ فيها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-112>قوله تعالى: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١)</span>\nوقد ذكر اللَّهُ في كتابِهِ عن الأنبياءِ - ﵈ - أنهم نصحُوا لأممِهِم\nكما أخبرَ اللَّه بذلكَ عن نوح، وعن صالح، وقال: (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) .\nيعني: أنَّ منْ تخلَّفَ عن الجهاد لِعذرٍ، فلا حرجَ عليه بشرطِ أن يكونَ\nناصِحًا للَّهِ ورسولِهِ في تخلُّفِهِ، فإنًّ المنافقينَ كانُوا يُظهرُون الأعذارَ كاذبين.\nويتخلَّفونَ عن الجهادِ من غيرِ نصح للَّه ورسولهِ) .\n* * *","vol":"1","page":528},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>قوله تعالى (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى </span>وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧)\nومنْ أعظم خصالِ النفاقِ العمليِّ: أن يعملَ الإنسانُ عملًا، ويُظهِرُ أنّه\nقصدَ به الخيرَ، وإنَّما عملهُ ليتوصَّل به إلى غرضِ له سيِّئ فيتمَّ له ذلك.\nويتوصَّلُ بهذه الخديعة إلى غرضِهِ، ويفرحُ بمكى وخِداعِهِ وحَمدِ النَّاسِ له\nعلى ما أظهرَهُ، وتوصًّل به إلى غرضِهِ السيِّئ الذي أبطنه، وهذا قد حكاهُ\nاللَّهُ في القرآنِ عن المنافقينَ واليهودِ، فحكى عن المنافقينَ أنَّهُم: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) .\nوأنزلَ في اليهودِ: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨) .\nوهذه الآية نزلتْ في اليهودِ، سألهم النبيُّ - ﷺ - عن شيءٍ فكتمُوه، وأخبرُوه بغيره، فخرجُوا وقد أرَوْه أنهم قد أخبرُوه بما سألَهُم عنه، واستحمدوا بذلكَ، وفرحُوا بما أُوتوا من كتمانِهِم وما سُئِلُوا عنه. قال ذلك ابنُ عباسِ، وحديثُه مخرَّج في \"الصحيحينِ \". وفيهما - أيضًا -: عن أبي سعيدٍ أنها نزلت في رجالٍ من المنافقينَ كانُوا إذا خرجَ النبيُّ - ﷺ - إلى الغزوِ تخلَّفوا عنه وفرِحُوا بمقعدِهِم خِلافَهُ، فإذا قدِمَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - من الغزوِ اعتذرُوا إليه، وحلفُوا، وأحبُّوا أن يُحمدُوا بما لم يفعلُوا.\n* * *","vol":"1","page":529},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>سُورَةُ يُونُسَ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)</span>\nقالَ اللَّهُ ﷿: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ)\nوقال اللَّهُ تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) .\nفأخبر ﷾ أنَّه علق معرفةَ السنينَ والحسابِ على تقديرِ القمرِ\nمنازلَ.\nوقيلَ: بل على جعلِ الشمسِ ضياءً والقمرِ نورًا، لأنَّ حسابَ السنةِ\nوالشهرِ يُعرَفُ بالقمر، واليومُ والأسبوعُ يُعرفُ بالشمس، وبهما يتمُّ الحسابُ.\nوقوله تعالى: (لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ) لمَّا كان الشهرُ الهلاليُّ لا يحتاجُ إلى عَدٍّ لتوفِيَتِهِ بما بين الهلالينِ، لم يقُلْ: لتعلمُوا عددَ الشهورِ.\nفإنَّ الشهر لا يحتاجُ إلى عَدِّه إلا إذا غُمَّ آخرُهُ، فيُكَمَّلُ عددُه بالاتفاقِ، إلا في شهرِ شعبانَ إذا غُمَّ آخِرُهُ بالنسبة إلى صومِ رمضانَ خاصَّة، فإنَّ فيه اختلافًا مشهورًا، وأما السَّنةُ فلا بُدَّ من عددِها، إذْ ليس لها حدٌّ ظاهرٌ في السَّماء فيُحتاجُ إلى عددِها بالشهورِ، ولا سيَّما مع تطاولِ السنينِ وتعدُّدِها.","vol":"1","page":530},{"text":"وجعل اللَّه السنة اثني عشر شهرًا، كما قال تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ\nاللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كتَابِ اللَّهِ)، وذلكَ بعددِ البُروج التي تكمُلُ\nبدورِ الشمسِ فيها السنةُ الشمسيَّةُ، فإذا دارَ القمر فيها كلِّها كمُلَتْ دورتُهُ السنويةُ، وإنما جعلَ اللَّهُ الاعتبارَ بدورِ القمرِ، لأنَّ ظهورَهُ في السماءِ لا\nبحتاجُ إلى حسابٍ ولا كتاب، بل هو أمرٌ ظاهرٌ يُشاهدُ بالبصرِ، بخلافِ سيرِ\nالشمس؛ فإنه تحتاجُ معرفته إلى حساب وكتابٍ، فلم يُحوِجْنا إلى ذلكَ، كما قال النبيُّ - ﷺ -:\n\"إنَّا أمَّةٌ أمِّيَّةٌ لا نكتبُ وَّلَا نحسُبُ، الشهرُ هكذا وهكذا وهكذا\"\nوأشارَ بأصابعِهِ العشْرِ، وخنَسَ إبهامَهُ في الثالثةِ.\n\"صُومُوا لرؤيتِهِ وأفطِرُوا لرؤيته، فإنْ غُمَّ عليكم فأكمِلُوا العدَّة\"\nوإنما علَّق اللَهُ تعالى على الشمس أحكامَ اليومِ من الصَّلاةِ والصِّيام، حيثُ كان ذلك أيضًا مشاهدًا بالبصرِ لا يحتاجُ إلى حسابٍ ولا كتابٍ، فالصلاةُ تتعلَّقُ بطلوع الفجر، وطلوع الشمسِ، وزوالها وغروبِها، ومصيرِ ظلِّ الشيء مثله. وغروبِ الشفقِ، والصيامُ يتوقَّتُ بمدة النهارِ من طلوع الفجرِ إلى غروبِ الشمسِ.\nوقوله تعالى: (وَالْحِسَابَ)، يعني بالحسابِ: حسابَ ما يحتاج إليه النَّاسُ\nمن مصالح دينهم ودنياهم، كصيامِهِم، وفطرِهِم، وحجِّهم، وزكاتِهِم.\nونذورِهِم، وكفَّاراتِهِم، وعِددِ نسائِهم، ومُدَد إيلائِهم، ومُدَدِ إجاراتِهِم.\nوحُلول آجال دُيونهم، وغير ذلك ممَّا يتوقَّتُ بالشهورِ والسنينَ.\nوقد قال اللَّهُ ﷿: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)، فأخبر أنَّ الأهلَّةَ مواقيتُ للناسِ عمومًا، وخصَّ الحجَّ من بينِ ما","vol":"1","page":531},{"text":"يُوقَّتُ به، للاهتمامِ به، وجعلَ اللَّهُ ﷾ في كلِّ يومٍ وليلةٍ لعباده\nالمؤمنينَ وظائفَ مُوظَّفةً عليهم من وظائفِ طاعتِهِ، فمنها ما هو مفترضٌ\nكالصلواتِ الخمسِ. ومنها ما يُنْدَبون إليهِ من غير افتراضٍ، كنوافلِ الصلاةِ\nوالذكر وغير ذلك.\nوجعلَ في شهورِ الأهلَّةِ وظائفَ مُوَظَّفةً أيضًا على عبادِهِ كالصّيامِ.\nوالزَّكاةِ، والحجِّ، ومنه فرْضٌ مفروضٌ عليهم، كصيام رمضان، وحجَّةِ\nالإسلامِ، ومنه ما هوَ مندوبٌ، كصيامِ شعبانَ، وشوالٍ، والأشهرِ الحُرُمِ.\nوجعلَ اللَهُ سبحانه لبعضِ الشهورِ فضلًا على بعض، كما قال تعالى:\n(مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) .\nوقال اللَّهُ تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ معْلومَاتٌ) .\nوقال اللَهُ تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) .\nكما جعلَ بعضَ الأيام والليالي أفضلَ من بعض، وجعلَ ليلةَ القدْرِ خيرًا\nمن ألفِ شهرٍ، وأقسَمَ بالعشْرِ، وهو عشْرُ ذي الحجَّةِ على الصحيح، كما\nسنذكرُهُ في موضعهِ إن شاء اللَّهُ تعالى.\nوما من هذه المواسم الفاضلةُ موسمٌ إلا وللَّهِ تعالى فيه وظيفةٌ من وظائفِ طاعاتِهِ، يتقرَّبُ بها إليه، وللَّهِ فيه لطيفةٌ من لطائفِ نفحاتِهِ، يُصيبُ بها من يعودُ بفضلِهِ ورحمتِهِ عليه، فالسعيدُ من اغتنمَ مواسمَ الشهورِ والأيامِ والسَّاعاتِ، وتقرَّبَ فيها إلى مولاهُ بما فيها من وظائفِ الطَّاعاتِ، فعسى أن تصيبَهُ نفْحةٌ من تلكَ النَّفحاتِ، فيسعدُ بها سعادةً يأمَنُ بعدَها من النَّارِ وما فيه من اللَّفَحَاتِ.\nوقد خرَّج ابنُ أبي الدنيا والطَّبرانيُّ وغيرُهما، من حديثِ أبي هريرةَ - ﵁ -","vol":"1","page":532},{"text":"مرفوعًا: \"اطلبُوا الخيرَ دَهْرَكُم كُلَّهُ، وتعرَّضُوا لنَفَحاتِ رحمةِ ربّكم، فإنَّ للَّه نفحاتٍ من رحمته يصيبُ به من يشاءُ من عبادِهِ، وسلُوا اللَّهَ أنْ يستُرَ عوراتِكُم ويُؤمِّنَ روعاتِكُم \".\nوفي روايةٍ للطبرانيِّ من حديثِ محمدِ بنِ مسلمةَ مرفوعًا:\n\"إنَّ للَّهِ في أيام الدَّهر نفحات فتعرَّضُوا لها، فلعلَّ أحدَكُم أن تصيبَه نفحة فلا يَشْقى بعدها أبدًا\"\nوفي \"مسندِ الإمامِ أحمدَ\" عن عقبةَ بنِ عامرٍ، عن النبيّ - ﷺ -، قال: \"ليس من عملِ يومِ إلا يُختمُ عليه \"\nوروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ، عن مجاهدٍ.\nقال: ما من يومٍ إلا يقولُ: ابنَ آدم، قد دخلْتُ عليك اليومَ ولن أرجِعَ إليك بعد اليوم، فانظر ماذا تعمل فيَّ؛ فإذا انقضى طواهُ، ثم يُختم عليه فلا يفك حتى يكون اللَّه هو الذي يفُضُّ ذلك الخاتمَ يومَ القيامة، ويقول اليومُ حينِ ينقضي: الحمدُ للَّهِ الذي أراحني من الدنيا وأهلِها، ولا ليلةً تدخلُ على\nالناسِ إلا قالتْ كذلكَ.\nوبإسنادِهِ عن مالكِ بنِ دينارٍ، قالَ: كان عيسى - ﵇ -، يقولُ: إنَّ هذا الليلَ والنَّهارَ خِزانتان، فانظرُوا ما تضعونَ فيهما، وكان يقولُ: اعملُوا اللَّيلَ لما خُلِقَ له، واعْملُوا النهَّارَ لما خُلِقَ له.\nوعن الحسنِ، قال: ليس يومٌ يأتي من أيامِ الدنيا إلا يتكلَّم، يقولُ: يا أيها الناسُ، إنِّي يومٌ جديدٌ، وإني على ما يعمل فيَّ شهيدٌ، وإني لو قد غربَتِ الشمسُ، لم أرجع إليكم إلى يوم القيامةِ. وعنه أنه كانَ يقولُ: يا ابنَ آدم، اليومُ ضيفُك، والضيفُ مرتحلٌ، يحمدُك أو يذمُّكَ، وكذلك ليلتُك. وبإسنادِهِ عن بكرٍ المزنيِّ، أنه قالَ: ما من","vol":"1","page":533},{"text":"يومٍ أخرَّجَه اللَّهُ إلى أهلِ الدنيا إلا يُنادِي: ابنَ آدمَ، اغتنمني، لعلَّه لا يومَ\nلك بعدِي، ولا ليلةَ إلا تنادي: ابنَ آدمَ، اغتنمنِي، لعلَّه لا ليلةَ لك بعدِي، وعن عُمر بنِ ذَرٍّ أنه كانَ يقول: اعملوا لأنفسكم رحمكمُ الله في هذا الليلِ\nوسوادِهِ، فإنَّ المغبُونَ منْ غُبِنَ خيرَ اللَّيلِ والنَّهارِ، والمحرومَ منْ حُرمَ خيرَهما.\nإنَّما جُعِلا سبيلًا للمؤمنينَ إلى طاعةِ ربِّهم، ووبالًا على الآخرين للغَفْلة عن\nأنفسِهِم، فأحيُوا للَّهِ أنفسكُم بذكر، فإنَّما تحيا القلوبُ بذكرِ اللَّه ﷿.\nعن أبي موسى - ﵁ -، قال: قالَ رسولُ اللَّه - ﷺ -: \"مثلُ الذي يذكرُ ربَّهُ والذي لا يذكرُ ربَّه، مثلُ الحيِّ والميِّتِ \".\nكم من قائم للَّه في هذا الليل قد اغْتبَطَ بقيامِهِ في ظُلمة حُفرتِهِ، وكم من\nنائم في هذا الليلِ قد ندِم عَلى طُول نومِهِ، عندما يرى من كرامةِ اللَّه عزَّ\nوجلَّ للعابدينَ غدًا. فاغتنمُوا ممرَّ السَّاعاتِ والليالي والأيامِ، رحمكم اللَّهُ.\nوعن داودَ الطائيِّ أنَّه قال: إنَّما اللَّيلُ والنَّهارُ مراحلُ، ينزلُها الناسُ مرْحلةً\nمرْحلةً، حتى ينتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم، فإن استطعتَ أن تُقدِّمَ في\nكلِّ مرْحلةٍ زادًا لما بين يديْها فافْعَلْ، فإنَّ انقطاعَ السفرِ عن قريبٍ ما هو.\nوالأمرُ أعجلُ من ذلكَ.\nفتزوَّدْ لسفرِكَ واقضِ ما أنتَ قاضٍ من أمركَ فكأنَّك بالأمرِ قد بغَتَكَ.\nقال ابنُ أبي الدنيا: وأنشدنا محمودُ بن الحسين:\nمضى أمسُك الماضِي شهيدًا مُعدَّلًا. . . وأعقبَهُ يومٌ عليك جديدُ\nفيومُك إن أغنيتَهُ عادَ نفعُهُ. . . عليكَ وماضي الأمسِ ليس يعودُ","vol":"1","page":534},{"text":"فإنْ كُنت بالأمسِ اقْترفْتَ إساءةً. . . فثن بإحْسان وأنت حميدُ\nفلا تُرْج فعلَ الخيرِ يومًا إلى غد. . . لعل غدًا يأتي وأنتَ فقيدُ\nوفي \"تفسيرِ عبدِ بنِ حُميدٍ\" وغيرِه من التفاسيرِ المسندةِ عن الحسنِ في قولِ\nاللَّهِ ﷿: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢) .\nقال: منْ عجزَ بالليل كان له في أولِ النهارِ مُسْتَعْتبٌ.\nومنْ عجزَ عن النَهارِ، كان له في الليل مستعتبٌ.\nوعن قتادةَ قال: إنَّ المؤمن قد ينسى بالليل ويذكُرُ بالنهارِ، وينسى النهار ويذكرُ بالليلِ.\nقال: وجاء رجلٌ إلى سلْمان الفارسي، قال: إني لا أستطيع قيامَ الليل.\nقال له: فلا تعجِزْ بالنَهارِ.\nقال قتادةُ: فأدُّوا إلى اللَّه من أعمالِكُم خيرًا في هذا الليلِ والنَّهارِ.\nفإنَّهما مطيَّتانِ تُقْحمانِ الناسَ إلى آجالِهِم، يقرِّبان كلَّ بعيد، ويُبْليان كُلَّ\nجديدٍ، ويجيئانِ بكلِّ موعودٍ، إلى يومِ القيامةِ. َ\n* * *\nوأمَّا الصبرُ، فإنه ضياءٌ، والضياءُ: هو النورُ الذي يحصلُ فيه نوعُ حرارةٍ\nوإشراقٍ كضياءِ الشمسِ بخلافِ القمرِ، فإنَه نور محضٌ، فيه إشراقٌ بغيرِ\nإحراقٍ، قال اللَّهُ ﷿: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا) .\nومن هنا وصفَ اللَهُ شريعة موسى بأنها ضياءٌ، كما قال:\n(وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِّلْمُتَقِينَ)، وإن كان قد ذكرَ أن في التوراةِ نورًا، كما قال: (إِنَا أَنزَلْنَا التَوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ) .\nلكن الغالبَ على شريعتِهِم الضياءُ لما فيه منَ الآصارِ والأغلالِ والأثقالِ.","vol":"1","page":535},{"text":"ووصفَ شريعةَ محمَدٍ - ﷺ - بأنها نور لما فيها من الحنيفيَّةِ السمحةِ، قال تعالى: (قَدْ جَاءَكم مِّنَ اللهِ نور وَكتَابٌ مُبِينٌ) .\nوقال: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) .\nولما كان الصبرُ شاقًا على النفوسِ، يحتاجُ إلى مجاهدةِ النفسِ، وحبسِها.\nوكفِّها عمَّا تهواهُ، كان ضِياءً، فإنَّ معنى الصَّبرِ في اللغةِ: الحبسُ، ومنه: قتْلُ الصبرِ؛ وهو أن يُحبَسَ الرَّجلُ حتى يقتل.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-116>قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) </span>أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٩) دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)\nوانقسم بنو آدمَ في الدنيا إلى قسمينِ:\nأحدهما: من أنكرَ أن يكونَ للعبادِ بعدَ الدَّنيا دار للثوابِ والعقابِ، وهؤلاءِ\nهم الذين قال اللَّهُ فيهم: (إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨) .","vol":"1","page":536},{"text":"وهؤلاءِ همُّهمُ التمتُع بالدنيا، واغتنامُ لذاتها قبلَ الموتِ، كما قال\nاللَّهُ تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَروا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأكُلُونَ كَمَا تَاْكلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثوًى لَّهمْ) .\nومن هؤلاءِ منْ كانَ يأمرُ بالزُّهد في الدنيا، لأنَّه يرى أنَّ\nالاستكثارَ منها يُوجِبُ الهمَّ والغمَّ، ويقولُ: كلَّما كثُرَ التعلُّقُ بها تألَّمتِ\nالنَّفسُ بمفارقتِها عندَ الموتِ، فكان هذا غايةَ زُهدهم في الدنيا.\nوالقسم الثاني: من يُقِرُّ بدارٍ بعد الموتِ للثوابِ والعقابِ، وهم المنتسبونَ إلى\nشرائع المرسلينَ، وهم منقسمونَ إلى ثلاثةِ أقسامٍ: ظالمٌ لنفسِهِ، ومقتصدٌ.\nوسابق بالخيراتِ بإذنِ اللهِ.\nفالظالم لنفسهِ: هم الأكثرونَ منهُم، وأكثرُهم وقفَ مع زهرةِ الدنيا\nوزينتِها، فأخذَها من غيرِ وجهِها، واستعمَلَها في غيرِ وجهِهَا، وصارتِ الدنيا أكبرَ همِّه، لها يغضبُ، وبها يرضَى، ولها يُوالي، وعليها يُعادِي، وهؤلاءِ هم أهلُ اللَّهوِ واللَّعبِ والزِّينةِ والتَّفاخرِ والتَّكاثرِ، وكلُّهم لم يعرفِ المقصودَ من الدنيا ولا أنها منزلُ سفرٍ يتزوَّدُ منها لما بعدَها منْ دارِ الإقامةِ، وإن كانَ أحدُهم يؤمن بذلك إيمانًا مجمَلًا فهُوَ لا يعرفُه مفصَّلًا، ولا ذاقَ ما ذاقَهُ أهلُ المعرفة باللَّهِ في الدَّنيا ممَّا هو أنموذجُ ما ادَّخرَ لهم في الآخرة.\nوالمقتصدُ منهم: أخذَ الدنيا منْ وجوهِهَا المباحةِ، وأدَّى واجباتِهَا، وأمسَكَ\nلنفسِهِ الزَّائدَ على الواجبِ يتوسَّعُ به في التمتع بشهواتِ الدنيا، وهؤلاءِ قد\nاختُلفَ في دخولِهِم في اسم الزهادة في الدنيا كما سبق ذكرُهُ، ولا عقابَ\nعليهم في ذلكَ، إلا أنه ينقصُ من درجاتِهِم من الآخرةِ بقدرِ توسُّعهم في\nالدنيا.","vol":"1","page":537},{"text":"قال ابنُ عمرَ: لا يصيبُ عبدٌ من الدنيا شيئًا إلا نقصَ من درجاتِهِ عندَ\nاللهِ، وإن كان عليه كريمًا.\nخرَّجه ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ جيدٍ.\nوروي مرفوعًا من حديثِ عائشةَ بإسنادٍ فيه نظر.\nوروى الإمامُ أحمدُ في كتابِ \"الزهدِ\" بإسنادِهِ: أنَّ رجلًا دخل عَلى معاويةَ\nفكساهُ، فخرجَ فمر على أبي مسعود الأنصاريَ ورجلٍ آخرَ من الصَّحابةِ.\nفقالَ أحدُهُما له: خذها منْ حسناتِك، وقال الآخرُ: من طيِّباتِك.\nوبإسنادِهِ عن عمرَ قال: لولا أن تنقصَ حسناتِي لخالطتكم في لِين\nعَيْشِكُم، ولكنِّي سمعتُ اللَّهَ عيَرَ قومًا فقال: (أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُم\nالدُّنْيَا) .\nوقال الفُضيلُ بنُ عياضٍ: إن شئتَ استقلَّ من الدُّنيا، وإن شئتَ استكثرْ\nمنها، فإنَّما تأخُذُ من كِيسكَ.\nويشهد لهذا أنَّ اللَّهَ ﷿ حرَّم عَلى عبادِهِ أشياءَ من فضولِ شهواتِ\nالدنيا وزينتِهَا وبهجتِهَا، حيثُ لم يكونُوا محتاجينَ إليه، وادَّخره لهم عندَهُ في\nالآخرةِ، وقد وقعتِ الإشارةُ إلى هذا بقولِهِ ﷿: (وَلَوْلا أَن يَكونَ النَّاس\nأُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِن فِضَّةٍ) إلى قولِهِْ\n(وإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ) .\nوصحَّ عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه قال: \"منْ لَبِسَ الحريرَ في الدُّنيا لم يلبسْه في الآخرةِ\".\nومن شرِبَ الخمرَ في الدنيا لم يشربْها في الآخرةِ\"،","vol":"1","page":538},{"text":"وقال: \" لا تلبَسوا الحريرَ ولا الدِّيباجَ، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضَّةِ، ولا تأكلُوا في صحافِها، فإنَّها لهم في الدنيا، ولكم في الآخرةِ\".\nوقال وهبٌ: إنَّ اللَّهَ ﷿ قال لموسى - ﵇ -: إنِّي لأذودُ\nأوليائِي عن نعيم الدُّنيا ورخائِها كما يذودُ الرَّاعِي الشفيقُ إبِلَه عن مباركِ\nالعُرَّةِ، وما ذلكَ لهوانِهِم عليَّ، ولكن ليستكملُوا نصيبَهُم من كرامتِي سالمًا\nموفرًا لم تكْلَمْهُ الدنيا.\nويشهد لهذا ما خرَّجه الترمذيُّ عن قتادةَ بنِ النُّعمانِ، عنِ النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"إن اللَّهَ إذا أحبَّ عبدًا حماهُ الدَّنيا، كما يَظَلُّ أحدُكُم يحمي سقيمَه الماءَ\".\nوخرَّجه الحاكمُ، ولفظُهُ: \"إنَّ الله ليحمي عبدَهُ الدُّنيا وهو يحبُّه، كما تحمُونَ\nمريضَكم الطعامَ والشرابَ، تخافونَ عليه \".\nوفي \"صحيح مسلم \" عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو عنِ النبيِّ - ﷺ -، قال: \"الدنيا سجنُ المؤمنِ وجنَّةُ الكافرِ\".\nوأمَّا السَّابقُ بالخيراتِ بإذنِ اللَّهِ: فهم الذين فهِمُوا المرادَ من الدنيا، وعمِلُوا\nبمقتضى ذلكَ، فعلِمُوا أنَّ اللَّهَ إنَّما أسكَنَ عبادَهُ في هذه الدَّارِ، ليبلُوهم أيُّهم\nأحسنُ عملًا، كما قال: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)،","vol":"1","page":539},{"text":"وقال: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) .\nقال بعضُ السلفِ: أيهم أزهدُ في الدنيا، وأرغبُ في الآخرةِ، وجعل ما\nفي الدنيا من البهجةِ والنُضرةِ محنةً لينظر من يقفُ منهم معه، ويرْكَنُ إليه.\nومن ليسَ كذلك، كما قال تعالى: (إِئا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لنَبْلُوَهُمْ أَيّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)، ثمَّ بيّن انقطاعَهُ ونفادَهُ، فقال: (وَإِنَّا لَجَاعِلونَ مَا عَلَيهَا صَعِيدًا جُرُزًا)، فلمَّا فهِمُوا أنَّ هذا هو المقصودُ من الدنيا، جعلُوا\nهمَّهم التزودَ منها للآخرةِ التي هي دارُ القرارِ، واكتفُوا منَ الدنيا بما يكتفِي به\nالمسافرُ في سفر، كما كان النبي - ﷺ - يقول:\n\"ما لي وللدنيا، إنما مثلي ومثلُ الدُّنيا كرَاكبٍ قالَ في ظِلِّ شجرةٍ، ثم راحَ وترَكها\".\nووصَّى - ﷺ - جماعةً من الصحابةِ أن يكونَ بلاغُ أحدِهم من الدنيا كزادِ الراكبِ، منهم: سلمانُ، وأبو عُبيدةَ بنُ الجراح، وأبو ذرٍّ، وعائشةُ، ووصَّى ابنَ عمرَ أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل، وأن يعُدَ نفسَهُ من أهلِ القبورِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>قوله تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)</span>\nقوله - ﷺ - بعد هذا:\n\"وأسألُك لذة النظرِ إلى وجهِكَ والشوقَ إلى لقاتِكَ من غيرِ\nضراءَ مضرة ولا فتنة مضلة\".","vol":"1","page":540},{"text":"فهذا يشتملُ على أعْلَى نعيم المؤمنِ في الدنيا والآخرةِ، وأطيبِ عيشٍ لهم\nفي الدارين.\nفأمَّا لذَّةُ النظرِ إلى وجهِ اللَّهِ ﷿: فإنَّه أعْلَى نعيم أهلِ الجنةِ، وأعظمُ\nلذَّة لهم، كما في \"صحيح مسلم \" عن صُهيبٍ، عنِ النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ نادى المُنادي: يا أهلَ الجنةِ إنَّ لكم عندَ اللَّهِ موعدًا يُريد أن يُنجزَهُ، فيقولونَ: ما هو؟ ألم يبيِّض وجوهَنا ألمْ يثقلْ موازيننَا ألم يُدخِلنا الجنةَ ألم يُجِرْنَا من النارِ؟\nقال: فيكشفُ الحجابَ فينظرونَ إليه، فوالله ما أعطاهُم شيئا هو أحبُّ إليهِم من النظرِ إليه، وهو الزيادةُ\"، ثم تلا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - هذه الآية: (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ) .\nوفي رواية لابن ماجة وغيرِه، في هذا الحديث: \"فوالله ما أعطاهُم شيئًا هو\nأحبُّ إليهِم ولا أقر لأعينِهِم من النظرِ إليهِ \".\nوخرَّج عثمانُ الدارمي، من حديثِ ابنِ عمرَ، مرفوعًا:\n\"إنَّ أهلَ الجنةِ إذا بلغَ بهم النَّعيمُ كلَّ مبلغٍ فظنوا أنَّه لا نعيمَ أفضلَ منه، تجلَّى الربُّ ﵎ عليهم، فينظرونَ إلى وجهِ الرحمن، فنسُوا كلَّ نعيم عاينُوه حين نظرُوا إلى وجهِ الرحمن \".\nوخرَّجه الدارقطنيُّ بنقصان منه وزيادة، وفيه: \"فيقولُ:\n\"يا أهل الجنةِ هلِّلوني وكبِّرونِي وسبِّحُوني، كما كنتُم تُهلِّلُوني وتكبرونِي وتسبِّحُوني في دارِ الدنيا، فيتجاوبونَ بتهليلِ الرحمنِ، فيقولُ اللَهُ ﵎ لداودَ ﵇: يا داودُ مجّدْني فيقومُ داودُ فيمجدُ ربَّه ﷿ \".","vol":"1","page":541},{"text":"وفي \"سننِ ابنِ ماجةَ \" عن جابرٍ، مرفوعًا: \"بينا أهلُ الجنةِ في نعيمِهِم إذْ سطَعَ\nلهم نور فإذا الربُّ ﷻ قدْ أشرفَ عليهم، فقالَ: السلامُ عليكُم يا أهلَ الجنةِ، وهو قولُهُ تعالى: (سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨) .\nفلا يلتفتونَ إلى شيءٍ مما هُم فيه من النعيم ما دامُوا ينظرونَ إليه \".\nوخرَّج البيهقيُّ من حديثِ جابرٍ، مرفوعًا:\n\"إنَ أهلَ الجنةِ يزورونَ - ربَّهم تعالى على نجائبَ من ياقوت أحمرَ أزمَّتها منْ زُمُردٍ أخضرَ، فيأمرُ اللَّهُ بكُثبانٍ من مسكٍ أذفرَ أبيضَ فتُثيرُ عليها ريحًا يقال لها: المثيرةُ، حتى تنتهِي بهِم إلى جنةِ عدنٍ وهي قصبة الجنةِ، فتقولُ الملائكةُ: ربَّنا جاء القومُ، فيقولُ: مرحبًا بالصادقينَ مرحبًا بالطائعينَ، قال:\nفيكشفُ لهم الحجابُ، فنيظرونَ إليه ويتمتَّعونَ بنورِهِ حتَى لا يُبصرُ بعضُهم بعضًا ثم يقولُ: ارجعُوا إلى القُصورِ بالتحفِ، فيرجعونَ وقد أبصرَ بعضُهم بعضًا، فذلكَ قولُهُ تعالى: (نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رحِيمٍ) \".\nوفي \"مسندِ البزارِ\" من حديثِ حذيفةَ مرفُوعًا في حديثِ يومِ المزيدِ:\n\"أنَّ اللهَ يكشفُ تلكَ الحُجُبَ ويتجلَّى لهُم، فيغشَاهُم من نورِه ما لولا أنَ اللَّه تَعالى قضى أنْ لا يحترقوا لاحترقُوا، ومِمَّا غشيَهُم من نور، فيرجعونَ إلى منازِلِهم وقد خفوا على أزواجِهِم ما غشيَهُم من نورِهِ، فإذا صارُوا إلى منازِلهِم تراد النورُ وأمكن وتراد وأمكن، حتى يرجعوا إلى صُورِهِم التي كانُوا عليْهَا\".\nويُروى من حديثِ أنسٍ، مرفوعًا:\n\"إنَّ اللَّهَ يقولُ لأهلِ الجنةِ إذا استزارهم وتجلَّى لهُم: سلامٌ عليكُم يا عبادِي، انظرُوا إليَّ فقدْ رضيتُ عنكُم، فيقولونَ: سبحانَك","vol":"1","page":542},{"text":"سبحانَك، فتتصدعُ له مدائنُ الجنةِ وقصورُها ويتجاوبُ فصولُ شجرِها، وأنهارِها وجميع ما فيها: سبحانك سبحانك، فاحتقرُوا الجنَّةَ وجميعَ ما فيها، حين نظرُوا إلى وجهِ اللَّهِ تعالى\".\nويُروى من حديثِ عليٍّ، مرفوعًا: \"إنَّ اللَّهَ يتجلَّى لأهلِ الجنةِ عن وجهِهِ.\nفكأنَّهُم لم يروا نعمةً قبلَ ذلك، وهو قولُه: (وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ) \".\nويُروى من حديثِ أبي جعفرٍ مُرسلًا: \"إنَّ أهلَ الجنةِ إذا زارُوا ربَّهم تعالى\nوكشفَ لهم عن وجهِهِ، قالُوا: ربَّنا أنتَ السلامُ ومنكَ السلامُ وبكَ حقُّ الجلالِ والإكرام، فيقولُ تعالى: مرحبًا بعبادِي الذين حفظوا وصيَّثتي ورَاعُوا عهدِي وخافُوني بالغيبِ، وكانُوا منِّي على كلِّ حال مُشفقينَ.\nفقالُوا: وعزَّتِكَ، وعظمتِكَ وجلالِكَ ما قدرْنَاكَ حقَّ قدرِكَ، وما أدَّيْنا إليكَ كلَّ حقِّكَ، فأذنْ لنا بالسجودِ لك، فيقول لهُم ﷿: إنِّي قد وضعتُ عنكُم مؤنةَ العبادةِ، وأرحتُ لكُم أبدانَكُم، فطالمَا أنصبتُم لي\nالأبدانَ، وأعنيتم الوجوهَ، فالآنَ أفضيتُم إلى رَوحِي ورحمتِي وكرامتِي، فسلُونِي ما شئتُم وتمنَّوا عليَّ أُعطِكُم أمانيكُم، فإني لم أجزْكُمُ اليومَ بقدرِ أعمالِكُم، ولكن بقدرِ رحمتِي وكرامتِي، فما يزالونَ في الأمانيِّ والعطايا والمواهبِ، حتى إنَّ المقصّرَ منهم في أُمْنِيَّتِهِ ليتمنَّى مثلَ جميع الدنيا منذ خَلقَهَا اللَّهُ إلى أنْ أفناها، فيقولُ لهم الربُّ ﵎:\nلقد قصَّرتم في أمانيِّكُم ورضيتُم بدونِ ما يحقُّ لكُم، فقد أوجبتُ لكم ما سألتُم وتمنيتُم، وألحقتُ بكم ذريتَكُم وزِدتُكُم ما قصرَتْ عنه أمانيُّكُم \".\nقال عبدُ الرحمنِ بنُ أبي ليلى: إذا تجلَّى لهم ربُّهم لا يكونُ ما أعطوا عند\nذلك بشيءٍ.","vol":"1","page":543},{"text":"قال الحسنُ: إذا تجلَّى لأهلِ الجنةِ نسوا كلَّ نعيم الجنَّةِ.\nوكان يقولُ: لو علمَ العابدونَ أنَّهم لا يرونَ ربَّهم في الآخرةِ لماتَوا.\nوقال: إنَّ أحباءَ اللَّهِ هم الذينَ ورِثُوا طيبَ الحياةِ وذاقُوا نعيمَها بما وصلُوا\nإليه من مُناجاةِ حبيبِهِم، وبما وجدُوا من حلاوةِ حبّه في قلوبِهِم، لا سيما إذا\nخطر على بالِهِم ذكرُ مشافهتِهِ، وكشفُ ستورِ الحُجُبِ عنه في المقامِ الأمينِ\nوالسرورِ، وأراهُم جلالَهُ وأسمعَهُم لذَّةَ كلامِهِ ورد جواب ما ناجوه به أيامَ\nحياتِهِم:\nأملِي أن أراك يومًا من الدهرِ. . . فأشكُو لكَ الهوى والغلِيلا\nوأناجيكَ من قربٍ وأُبْدِي. . . هذا الجَوى وهذا النُّحُولا\nقال وهبٌ: لو خُيِّرتُ بين الرؤيةِ والجنةِ لاخترتُ الرؤيةَ.\nرؤي بِشرٌ في المنامِ، فسُئلَ عن حالِهِ وحالِ إخوانِهِ، فقالَ: تركتُ فلانًا\nوفلانًا ما بين يدي اللَّه يأكلانِ ويشربانِ ويتنعَّمانِ، قيل له: فأنتَ.\nقال: علِمَ قلَّةَ رغبتِي في الطعامِ وأباحَنِي النظرَ إليه.\nيا حبيبَ القلوبِ ما لي سواكَ ارحم اليومَ مذنبًا قد أتاكَا\nأنتَ سُؤْلِي ومنيتِي وسُرورِي. . . طالَ شوقِي متى يكونُ لقاكَا\nليس سُؤْلِي من الجنانِ نعيمٌ. . . غيرَ أني أريدُهَا لأراكَا\nقال ذو النونِ: ما طابتِ الدنيا إلا بذكره، ولا طابتِ الآخرةُ إلا بعفوه.\nولا طابتِ الجنةُ إلا برؤيتِهِ، ولو أنَّ اللَّه احتجبَ عن أهلِ الجنةِ لاستغاث أهلُ\nالجنةِ من الجنةِ كما يستغيثُ أهلُ النارِ من النارِ.","vol":"1","page":544},{"text":"كان بعضُ الصالحينَ، يقولُ: ليت ربِّي جعلَ ثوابي من عمَلِي نظرةً إليه ثم\nيقولُ: كُنْ تُرابًا.\nكان عليٌّ بنُ الموفقِ، يقولُ: اللَّهُمَّ إنْ كُنتَ تعلمُ أنِّي أعبدُكَ خوفًا من نارِكَ\nفعذِّبْني بها، وإنْ كنتَ تعلمُ أنَي أعبدُكَ حبًّا لجنَّتِكَ فاحرمْنِيها، وإنْ كنتَ\nتعلمُ أنَّما عبدتُك حبًّا مِنِّي لكَ وشوقًا إلى وجهِكِ الكريمِ فأبحنيهِ واصنعْ بي\nما شئتَ.\nسمعَ بعضُهم قائلًا يقولُ:\nكبُرت همة عبدٍ طمعتْ في أنْ تراكَا. . . أو ما حسبتَ أنْ ترى من رأكَا\nثم شهق شهقةً فماتَ.\nلما غلبَ الشوقُ على قلوبِ المُحبِّينَ استروحُوا إلى مثل هذه الكلماتِ، وما\nتُخفِي صدُورُهم أكبرُ.\nتجاسرتُ فكاشفْتُكَ لمَّا غلبَ الصبرُ. . . فإنْ عنفني الناسُ ففي وجهِكَ لي عذرُ\nأبصارُ المُحبين قد غضَّت من الدنيا والآخرةِ، فلم تفتح إلا عند مشاهدةِ\nمحبوبِهِم يومَ المزيدِ.\nأروحُ وقد ختمتَ على فؤادي. . . بحبِّك أنْ يحل به سواكَا\nفلو أنِّي استطعتُ غضضتُ طَرْفِي. . . فلم أنظرْ به حتَّى أراكَا\nأحبُّكَ لاببعضِي بلْ بكُلِّي. . . وإنْ لم يُبقِ حبُّكَ لي حِرَاكَا\nوفي الأحبابِ مخصوصٌ بوجدٍ. . . وآخرُ يدَّعِي معي اشترَاكَا\nإذا اشتبكتْ دموعِي في خدودِي. . . تبيَّن من بكَى ممَّن تباكَا\nفأمَّا من بكَى فيذوبَ وجْدًا. . . وينطقُ بالهوى من قد تشَاكَا","vol":"1","page":545},{"text":"كان سُمنونُ المُحبُّ يُنشدُ:\nوكان فؤادِي خاليًا قبل حُبكُمُ. . . وكان بذكرِ الخلقِ يلهُو ويمرحُ\nفلمَّا دعَا قلبِي هواكَ أجابَهُ. . . فلستُ أراهُ عن فِنائِكَ يبرحُ\nرُميت ببعدٍ عنكَ إنْ كنتُ كاذبًا. . . وإن كنتُ في الدنيا بغيرِك أفرحُ\nوإنْ كان شيءٌ بالبلادِ بأسرِهَا. . . إذا غبتَ عن عينِي لعيني يملحُ\nفإنْ شئَتَ واصِلْني وإنْ شئت لا تصِل. . . فلستُ أرى قلبِي لغيرِكَ يصلُح\n* * *","vol":"1","page":546},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>سُورَةُ هُودٍ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>قوله تعالى: (أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)</span>\nوخرَّج البخاريُّ في \"تفسيره\" عن ابنِ عباس: في قولِهِ تعالى.\n(أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ): إنها نزلت فَي قومٍ كانُوا يجامعونَ\nنساءَهم، ويتخلون، فيستحيونَ من اللَّهِ، فنزلتِ الآيةُ.\nوكان الصِّدِّيقُ يقولُ: استحيُوا من اللَّهِ، فإني أذهبُ إلى الغائط فأظلُّ\nمتقنعًا بثوبي حياءً من ربي ﷿.\nوكان أبو موسى إذا اغتسلَ في بيتٍ مظلم، لا يقيمُ صُلْبَه، حياءً من اللَّهِ\n﷿.\nقال بعضُ السلفِ: خَفِ اللهَ على قدرِ قدرتِهِ عليكَ، واسْتَح منه على قدر\nقُربه منك.\nوقد يتولدُ الحياءُ من اللَّهِ من مطالعةِ النِّعَم، فيستحيي العبدُ من اللَّهِ أنْ\nيستعينَ بنعمتِهِ على معاصِيه، فهذا كلُّه من أعْلى خصالِ الإيمانِ.\n* * *","vol":"1","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)</span>\nوقولُهُ - ﷺ - لأبي هريرةَ لمَّا سأله: ممَّ خُلِقَ الخَلْقُ؟\nفقال لهُ: \"من الماءِ\"، يدُل على أن الماءَ أصلُ جميع المخلوقاتِ ومادّتها.\nوجميعُ المخلوقاتِ خُلِقَتْ منه.\nوفي \"المسندِ\" من وجهٍ آخرَ عن أبي هريرةَ ﵁، قالَ: قلْتُ:\nيا رسول اللهِ، إذا رأيتُك طابَتْ نفسِي وقرت عيني، فأنبئني عن كل شيءٍ.\nفقال: \"كُل شيء خُلِقَ من ماء\".\nوقد حكى ابنُ جريرٍ وغيرُه، عن ابنِ مسعودٍ - ﵁ -، وطائفةٍ من السَّلفِ: أنَّ أوَلَ المخلوقاتِ الماءُ.\nوروى الجُوزَجانيُّ بإسنادِهِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو أنَه سئلَ عن بدءِ الخلْقِ.\nفقال: من ترابٍ، وماءٍ، وطينٍ، ومن نارٍ، وظلمةٍ.\nفقيل له: فما بدءُ الخلْقِ الذي ذكرْتَ؟\nقال: مِن ماءٍ يَنْبُوع.\nوقد أخبرَ اللَّهُ تعالى في كتابِهِ أنَّ الماءَ كان موجودًا قبلَ خلْقِ السماواتِ\nوالأرضِ، فقال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) .\nوفي \"صحيح البخاريِّ \" عن عِمْرانَ بنِ حُصين، عنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"كانَ اللهُ ولم يكنْ شيء قبلَهُ - وفي رواية - \"معه \"، (وكان عرشُهُ على الماءِ، وكتبَ في الذكرِ كلَّ شيء ثم خلقَ السماواتِ والأرضَ \".","vol":"1","page":548},{"text":"وفي \"صحيح مسلم \" عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"إنَّ اللَّه قدَّرَ مقاديرَ الخلاِئقِ قبْلَ أن يخلقَ السماوات والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنة، وكان عرشُهُ على الماءِ\". َ\nوروى ابنُ جريرٍ، وغيرُه عن ابنِ عباسٍ: إنَّ اللَّه ﷿ كان عرشُهُ على\nالماءِ ولم يخلقْ شيئًا غيرَ ما خلقَ قبلَ الماءِ، فلمَّا أرادَ أنْ يخلُقَ الخلْقَ أخرجَ\nمن الماءِ دُخانًا فارتفعَ فوقَ الماءِ، فسمَا عليه فسُمِّيَ سماءً، ثمَّ أيبسَ الماءَ\nفجعلَهُ أرضًا واحدةً، ثم فتقَها فجعلهَا سبْعَ أرضينَ، ثم اسْتَوى إلى السَّماءِ\nوهي دُخانٌ، وكان ذلك الدُّخانُ من نفَسِ الماءِ حين تنفَّسَ، ثم جعلَها سماءً\nواحدةً، ثم فتقها فجعلَها سبع سماواتٍ.\nوعن وهْبٍ: إنَّ العرشَ كان قبل أن تُخلقَ السماواتُ والأرضُ على الماءِ.\nفلمَّا أراد اللَّهُ أن يخلُقَ السماواتِ والأرضَ قبضَ من صفاءِ الماء قبضةً، ثم\nفتح القبضةَ فارتفعَتْ دُخانًا، ثم قضاهُنَّ سبْعَ سمواتٍ في يومينِ، ثم أخذَ\nطينةً من الماءِ فوضعها في مكانِ البيت، ثم دحا الأرص منها.\nوقال بعضُهم: خلقَ اللَّهُ الأرضَ أولًا، ثم خلقَ السماءَ، ثم دحا الأرضَ\nبعدَ أن خلقَ السماءَ. وقيل: خلقَ اللَّهُ تعالى زمردةً خضراءَ كغلظِ السماواتِ والأرضِ، ثم نظرَ إليها نظرَ العظمةِ، فانْماعَتْ، يعني ذابتْ فصارتْ ماءً، فمن ثمَّ يُرى الماءُ دائمًا يتحرَّك من تلكَ الهيبةِ.\nثم إنَّ اللَّهَ تعالى رفعَ من البحرِ بخارًا، وهو الدُّخانِ الذي ذكره في قولِهِ:\n(ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ)، فخلقَ السماءَ من الدُّخان،","vol":"1","page":549},{"text":"وخلقَ الأرضَ من الماءِ، والجبالَ من موج الماء، وقال وهْب: أوَّلُ ما خلقَ\nاللهُ تعالى مكانًا مظلِمًا، ثم خلقَ جوهرةً فأضاَءتْ ذلكَ المكانَ، ثم نظر إلى\nالجوهرةِ نظرةَ الهيبةِ فصارتْ ماءً، فارتفعَ بخارُها وزَبَدُها، فخلقَ من البخارِ\nالسماواتِ، ومن الزبدِ الأرضينَ.\nوروى عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو، عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال:\n\"إن اللَّهَ ﷿ خلقَ خلقَهُ من ظُلمَة، ثم ألقى عليهِم من نور، فمن أصابَهُ يومئذ من ذلكَ النُّورِ اهْتَدَى، ومن أخطأهُ ضلَّ \".\nوقال عمرُ بنُ الخطابِ - ﵁ - لكعبِ الأحبارِ: ما أوَّلُ شيءٍ ابتدأَ تعالى من خلقِهِ؟\nقال كعبٌ: كتبَ اللَّهُ كتابًا لم يكتبْه قلمٌ ولا دواة، أي مداد، كتابَهُ\nالزَّبرجدُ واللؤلؤ والياقوتُ: إنني أنا اللَّهُ لا إله إلا أن وحدِي لا شريكَ لِي.\nوأنَّ محمدًا عبدِي ورسولِي، سبقَتْ رحمتِي غضبِي، قال كعبٌ: فإذا كانَ\nيومُ القيامةِ أخرج ذلك الكتابَ، فيخرجُ من النارِ مثلي عددِ أهلِ الجنةِ\nفيدخلهُمُ الجنةَ.\nوقال سلمانُ وعبدُ اللَّهِ بن عمرٍو: إنَّ للَّه تعالى مائةَ رحمةٍ كما بين السماءِ\nوالأرضِ، فأنزلَ منها رحمةً واحدةً إلى أهلِ الدنيا، فبها يتراحمُ الجن\nوالإنسُ، وطيرُ السماء، وحيتانُ الماءِ، وما بين الهواء، ودوابُّ الأرضِ.\nوهوامُّها، وادَّخر عنده تسعًا وتسعينَ رحمةً، فإذا كان يومُ القيامةِ أنزلَ تلكَ\nالرحمةَ إلى ما عنده فيرحمُ عبادَهُ، والآثارُ في هذا البابِ كثيرةٌ، وهذا كلُّه\nيُبيِّنُ أنَّ السماواتِ والأرضَ خُلِقت من الماءِ، والخلافُ في أنَّ الماءَ هل هو أوَّلُ","vol":"1","page":550},{"text":"المخلوقاتِ أم لا مشهورٌ، وحديثُ أبي هريرةَ يدُلُّ على أنَّ الماءَ مادَّةُ جميع\nالمخلوقاتِ، وقد دلَّ القرآنُ على أنَّ الماءَ مادةُ جميع الحيواناتِ، قالَ اللَّهُ\nتعالى: (وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) .\nوقال تعالى: (واللَّه خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ من مَاءٍ) .\nوقولُ مَنْ قالَ: إنَّ المرادَ بالماءِ النُّطْفةُ التي يخلَقُ منها\nالحيواناتُ بعيدٌ لوجهينِ:\nأحدهما: أنَّ النُّطفَةَ لا تُسمّى ماءً مطلقًا بل مقيَّدًا، لقوله تعالى:\n(خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧) .\nوقوله تعالى (أَلَمْ نَخلقكُم مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ) .\nوالثاني: أن من الحيواناتِ ما يتولَّدُ من غيرِ نُطْفَةٍ، كدودِ الخلِّ، والفاكهةِ\nونحوِ ذلك، فليس كل حيوانٍ مخلوقًا من نُطفةٍ، والقرآنُ دلَّ على خَلْقِ\nجميع ما يدِبُ وما فيه حياةٌ من ماءٍ، فعُلِمَ بذلك أن أصلَ جميعِها الماءُ\nالمطلقُ.\nولا ينافي هذا قولَهُ تعالى: (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ)\nوقولَ النبي - ﷺ -:\n\"خُلِقَتِ الملائكةُ من نُور\".\nفإنَّ حديثَ أبي هريرةَ - ﵁ -، دل على أنَّ أصلَ النُّور والنَّارِ الماءُ، كما أن أصلَ التّرابِ الذي خُلِقَ منهُ آدمُ الماءُ، فإنَّ آدمَ خُلِقَ من طينٍ، والطينُ ترابٌ مختلطٌ بماءٍ، والترابُ خُلِقَ من الماءِ كما تقدَّمَ عن ابنِ عباسٍ، وغير، وزعمَ فقاتِلٌ: أنَّ الماءَ خُلِقَ من النُّور، وهو مردودٌ بحديثِ أبي هريرة هذا وغيرهِ، ولا يُستنكَرُ خَلْقُ النَّارِ من الماءِ، فإنَّ اللَّهَ ﷿ جمعَ بقدرته بين الماءِ والنَّارِ في الشَّجرِ","vol":"1","page":551},{"text":"الأخضَرِ، وجعلَ ذلك من أدلةِ القُدرةِ على البَعْثِ، وذكر الطبائعيونَ: أنَّ الماءَ بانحدارِه يصيرُ بُخارًا، والبخارُ ينقلبُ هواءً، والهواءُ ينقلبُ نارًا، والله\nأعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>قوله تعالى: (أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)</span>\nقالَ تعالى: (أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ)، والمرادُ: وقتُ\nمجيءِ العذابِ، وقد يكونُ ليلًا ويكونُ نهارًا، وقد يستمرُ وقد لا يستمرُ.\nويقال: يومُ الجَمَلِ، ويوم صِفِّين، وكل منهما كان عدةَ أيامٍ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>قوله تعالى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) </span>أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)\nوخرَّج مسلمٌ من حديثِ أبي هريرةَ - ﵁ -، سمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقولُ:\n\"إنَّ أوَّلَ الناسِ يُقضى يومَ القيامةِ عليه رجل استُشْهِدَ، فأتِي به، فعرَّفه نِعَمَهُ، فعرفَهَا، قال: فما عمِلتَ فيها؟\nقال: قاتلتُ فيكَ حتَى استُشْهِدتُ، قال: كذبتَ، ولكنَكَ قاتلتَ، لأنْ\nيُقالَ: جرِيء، فقد قيل، ثم أُمِرَ به، فسُحِبَ على وجهِهِ، حتى أُلقِيَ في النَّارِ، ورجل تعلَّمَ العلمَ وعلَمَهُ، وقرأ القُرآنَ، فأتِي به، فعرَّفَهُ نِعمَهُ فعرَفَها، قال: فما عملتَ فيها؟\nقال: تعلَّمتُ العِلمَ وعلَّمتُه، وقرأتُ فيك القرآنَ، قال: كذبتَ، ولكنَك تعلَّمتَ العلمَ،","vol":"1","page":552},{"text":"ليُقالَ: عالمٌ، وقرأتَ القرآنَ ليُقالَ: قارئ، فقدْ قيلَ، ثمَّ أُمِرَ به، فسُحِبَ على وجهِهِ حتى أُلقيَ في النارِ، ورجلٌ وسَّع اللَّهُ عليه، وأعطاهُ من أصنافِ المالِ كلِّه، فأُتِي به، فعرَّفهَ نِعَمَهُ، فعرَفَها، قالَ: فما عمِلتَ فيها؟\nقال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبُّ أن يُنفقَ فيها إلا أنفقتُ فِيهَا لك، قالَ: كذبتَ، ولكنَّكَ فعلتَ، ليُقالَ: هو جَواد، فقدْ قيل، ثمَّ أُمِرَ به.\nفسُحبِ على وجهِهِ حتَّى أُلقيَ في النَّارِ\".\nوفي الحديثِ: أنَّ معاويةَ لما بَلَغَهُ هذا الحديثُ، بكَى حتى غُشي عليه.\nفلمَّا أفاقَ، قال: صدقَ اللَهُ ورسولُهُ، قال اللَّهُ ﷿: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ) .\nوقد وردَ الوعيدُ على تعلُّم العلم لغيرِ وجهِ اللَّهِ، كما خرَّجه الإمامُ أحمدُ\nوأبو داودَ وابنُ ماجةَ، من حديثِ أبي هريرةَ - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"منْ تعلَّمَ عِلمًا ممَّا يُبتَغَى به وجْهُ اللَّهِ، لا يتعلَّمُه إلا ليُصيبَ به عرَضًا من الدنيا، لم يَجِدْ عَرْفَ الجنَّةِ يومَ القيامةِ\"\nيعني: ريحَها َ.\nوخرَّج الترمذيُّ من حديثِ كعبِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ - ﷺ -، قال:\n\"منْ طلَبَ العلمَ ليُمارِي به السُّفهاءَ، أو يُجارِي به العُلمَاءَ، أو يَصرِفَ به وجُوهَ الناسِ إليه، أدخلَهُ اللَّهُ النارَ\".\nوخرَّجه ابنُ ماجهَ بمعناهُ من حديثِ ابنِ عمرَ، وحذيفةَ، وجابرٍ، عنِ النبيِّ - ﷺ -","vol":"1","page":553},{"text":"ولفظُ حديثِ جابرٍ: \"لا تعلَّموا العِلمَ لتُباهُوا به العُلَماءَ، ولا لتُمارُوا به\nالسُّفهاءَ، ولا تخيَّروا به المجالسَ، فمنْ فعلَ ذلك، فالنَّارَ النَّارَ\".\nوقال ابنُ مسعودٍ: لا تعلَّموا العلمَ لثلاثٍ: لتمارُوا به السفهاءَ، أو\nلتُجادِلوا به الفُقهاءَ، أو لتصرفُوا له وجُوهَ الناس إليكم، وابتعوا بقولِكُم\nوفعلِكم ما عندَ اللهِ، فإنَّه يبقى ويذهبُ ما سواهُ.\nوقد وردَ الوعيدُ على العملِ لغيرِ اللَهِ عمومًا، كما خرَّج الإمام أحمدُ من\nحديثِ أُبيّ بنِ كعبٍ، عنِ النبيِّ - ﷺ -، قال:\n\"بَشِّرْ هذه الأمَّةَ بالسَّناءِ والرِّفْعَةِ والدِّينِ والتمكين في الأرض، فمن عمِلَ منهم عملَ الآخرةِ للدّنيا، لم يكنْ له في الآخرةِ من نصيب \".\n* * *\nقوله تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦)\nقال اللَّهُ تعالى: (لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لا يَسْمَعُونَ) .\nوقال تعالى: (فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) .\nقال الربيعُ بنُ أنسٍ: الزفيرُ في الحلقِ، والشهيقُ في الصدرِ، وقال معمر\nعن قتادةَ: صوتُ الكافرِ في النارِ مثل صوتِ الحمارِ، أوَلهُ زفير وآخرُهُ\nشهيقٌ، وقال تعالى: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا) .","vol":"1","page":554},{"text":"وفي حديثِ حارثةَ: \"وكأنِّي أنظر إلى أهلِ النَّارِ، يتعاوونَ فيها\".\nوروى معاويةُ بنُ صالح عن سليم بنِ عامرِ عن أبي أمامةَ عنِ النبيِّ - ﷺ -، قال: \"رأيتُ رُؤْيا\" فذكرَ حديثًا طويلًا وفيه قال:\n\"ثم انطلقْنَا فإذا نحن نَرى دُخانًا ونسمعُ عواء، قلتُ: ما هذا؟\nقال: هذه جهنَّمُ \" خرَّجه الطبرانيُّ وغيرُه.\nوروى الأعمشُ عن يزيدَ الرقاشي، عن أنسٍس، عن النبي - ﷺ -، قال: \"يُلقى البُكاءُ على أهلِ النارِ فيبكونَ حتى تنقطعَ الدموعُ، ثم يبكونَ الدمَ حتى يصيرَ في وجوهِهِم كهيئةِ الأخدودِ، ولو أرسلت فيه السفنُ لجرتْ \" خرَّجه ابنُ ماجةَ.\nورُويَ عن الأعْمش عن عمرِو بنِ مرَّةَ ويزيدَ الرقاشيِّ، عن أنسٍ موقوفًا من قولِهِ.\nورواه سعيدُ بنُ سلمةَ عن يزيدَ الرقاشيِّ، قالَ: بلغَنا هذا الكلامُ ولم يسندْهُ\nولم يرفعْهُ.\nوروى سلامُ بنُ مسكينٍ عن قتادةَ عن أبي بردةَ بنِ أبي مُوسى عن أبيه.\nقالَ: إنَّ أهلَ النَّارِ ليبكونَ الدموعَ في النَارِ حتَّى لو أجريتْ السفنُ في\nدموعِهِم لجرتْ، ثم إنهم ليبكون بالدمِ بعد الدموع ولمثلِ ما هُم فيه فليُبْكَ.\nوقال صالحُ المرِّيُّ: بلغنِي أْنهم يصرخونَ في النَّارِ حتى تنقطعَ أصواتُهم\nفلا يبقى منهم إلا كهيئة الأنينِْ من المدنفِ.\nوقال ابنُ أبي إسحاقَ عن محمد بنِ كعب: زفرُوا في جهنَّم فزفرتِ النارُ.\nوشهقوا فشهقتِ النارُ بما استحلوا من محارِمِ اللهِ.\nقال: والزفير من النفسِ والشهيقُ من البكاءِ.\nوقال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ في قولِهِ تعالى:","vol":"1","page":555},{"text":"(لَهم فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ) قال: صوت شديد وصوت ضعيفٌ.\nوروى مالكٌ عن زيدِ بنِ أسلمَ في قولِهِ ﷿: (سَوَاءٌ عَلَينَا أَجَزِعْنَا أَمْ\nصَبَرْنَا ما لَنَا مِن مَحِيصٍ): قال زيد: صبرُوا مائة عامٍ ثم بكَوا مائة\nعام ثم قالُوا: (سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَحِيصٍ) .\nوروى الوليدُ بنُ مسلم عن أبي سلمةَ الدوسي - واسمه ثابتُ بنُ شريح -\nعن سالم بنِ عبدِ اللَّهِ عن النبيِّ - ﷺ - أنه كان يدعُو: \"اللَّهُمَّ ارزْقني عينينِ هطالتينِ يشفيانِ القلبَ بذروفِ الدموع من خشيتِكَ قبلَ أن يكونَ الدمعُ دمًا والأضراسُ جمرا\".\nسالم بن عبدِ اللهِ هو المحاربي وحديثه مرسل، وظن بعضهم أنه\nسالمُ بنُ عبد اللَّه بنِ عمرَ، وزادَ بعضُهم في الإسناد: عن أبيه، ولا يصحُّ\nذلكَ كلُّه.\nوروى الوليدُ بنُ مسلم أيضًا عن عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ، عن\nإسماعيلَ بنِ عبيدِ اللَّهِ، قال: إن داودَ - ﵇ -، قالَ: ربِّ ارزقني\nعينين هطالتينِ يبكيانِ بذروفِ الدموع ويشفياني من خشيتِكَ قبلَ أن يعودَ\nالدمعُ دمًا والأضراسُ جمرًا، قال: وكان داودُ - ﵇ - يعاتَبُ في\nكثرةِ البكاءِ، فيقولُ: دعُوني أبْكِي قبلَ يوم البكاءِ، قبل تحريقِ العظامِ واشتعالِ اللِّحى، وقبل أن يأمر بي ملائكةً غلاظا شدادًا لا يعصونَ اللَّهَ ما أمرَهُم ويفعلونَ ما يؤمرونَ.\nوروى يونسُ بنُ ميسرةَ عن أبي إدريس الخولانيِّ، قالَ: إنَّ داودَ - عليه\nالسلامُ -،","vol":"1","page":556},{"text":"قال: أبكي نفسي قبل يوم البكاءِ، أبكي نفسِي قبلَ أن لا ينفعَ\nالبكاءُ، ثم دعا بجمرٍ فوضًع عليه حتى إذا حرَّهُ رفعها، وقال: أوه\nلعذابِ اللَّهِ، أوه أوه قبل أن لا ينفع أوه.\nوروى ثابتُ البناني عنْ صفوانَ بنِ محرزٍ قالَ: كان لداودَ - ﵇ -\nيومٌ يتأؤَهُ فيه يقول: أوَّه أوَّه من عذابِ اللَّهِ - ﷿ - قبل أن لا ينفعَ أوَّه، قال: فذكرَها صفوانُ ذاتِ يومٍْ في جلسٍ فبكى حتى غلبَهُ البكاءُ، فقامَ.\nوقال عبدُ اللَّهِ بنُ رياح الأنصاريُّ، سمعتُ كعبًا، يقولُ: (إِنَّ إِبْرَاهيمَ\nلَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ)، قال: كان إذا ذكر النارَ قال: أوَّاه من النارِ أوَّاه من\nالنارِ.\nوعن أبي الجوزاءِ وعبيدِ بن عميرٍ نحوُ ذلك.\nوروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ له عن رياح القيسى: أنه مرَّ بصبيٍّ يبكي\nفوقفَ عليه يسأله: ما يبكيك يا بني، وجعلَ الصبيُّ لا يحسنُ يجيبُهُ ولا يردّ\nعليه شيئًا، فبكى رياحٌ ثم قال ليس لأهلِ النارِ راحةً ولا معول إلا البكاءُ.\nوجعل يبكي.\nوبإسنادٍ له آخرَ: أنَّ رياحًا القيسي زارَ قومًا، فبكى صبيٌّ لهم من الليل.\nفبكى رياحٌ لبكائِهِ حتى أصبح، فسئلَ بعد ذلك عن بكائه، فقال: ذَكر ببكاءِ الصبي بكاءَ أهلِ النارِ في النارِ ليس لهم نصيرٌ، ثم بكى.\n* * *","vol":"1","page":557},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-123>قال تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)</span>\nفإقامةُ الصلواتِ المفروضاتِ على وجهِها يوجبُ مباعدة الذنوبِ.\nويوجبَ - أيضًا - إنقاءَها وتطهيرَها، فإنَّ مثل الصلواتِ الخمسِ كمثل نهرٍ\nجارٍ، يغتسلُ فيه كلَّ يومَ خمسَ مراتٍ، وقد تقدَّم الحديث في ذلكَ.\nويوجبُ - أيضًا - تبريدَ الحريقِ الَّذى تكسبه الذنوبُ وإطفاءَه.\nوخرَّجَ الطبرانيُّ من حديثِ ابنِ مسعود - مرفوعًا:\n\"تحترقون تحترقون حتى إذا صليتُمُ الفجرَ غسلتْهَا، ثم تحترقونَ تحترقون حتى إذا صَلَّيْتُم الظهرَ غسلتَها، ثم تحترقون تحترقونَ حتى إذا صليتُم العصرَ غسلتْها، ثم تحترقون تحترقون فإذا صليتُم المغربَ غسلتْها، ثم تحترقون تحترقون، فإذا صليتُمُ العشاءَ غسلتْها\".\nوقد رُوي موقوفًا، وهو أشبُه.\nوخرَّج - أيضًا - من حديثِ أنسٍ - مرفوعًا:\n\"إن للَّهِ ملكًا ينادي عندَ كلِّ صلاةٍ: يا بني آدمَ، قومُوا إلى نيرانِكُم التي أوقدتمُوها على أنفسِكُم فأطفئُوها\".\nوخرَّجَ الإسماعيليُّ من حديثِ عمرَ بنِ الخطابِ - مرفوعًا: \"يُحْرَقونَ، فإذا\nصلَّوا الصبحَ غَسلتِ الصلاةُ ما كان قبلها\" حتى ذكرَ الصلواتِ الخمسِ.\nولما كانتِ الصلاةُ صلةً بين العبدِ وربِّه، وكان المصلِّي يناجِي ربَّه، وربُّه\nيقرِّبه منه، لم يصلحْ للدخولِ في الصلاةِ إلا منْ كان طاهرًا في ظاهر\nوباطنِهِ، ولذلك شرعَ للمصلِّي أن يتطهر بالماءِ، فيكفرُ ذنوبَه بالوضوءِ، ثم","vol":"1","page":558},{"text":"يمشي إلى المساجدِ فيكفر ذنوبَه بالمشي، فإنْ بقي من ذنوبِهِ شيءٌ كفرتْه\nالصلاة.\nقال سلمانُ الفارسيُّ: الوضوءُ يكفِّر الجراحاتِ الصغارِ، والمشيُ إلى\nالمسجدِ يكفِّر أكثرَ من ذلك، والصلاةُ تكفّر أكثرَ من ذلكَ.\nخرَّجه محمدُ بنُ نصرُ المروزيُّ وغيرُهُ.\nفإذا قامَ المصلى بينَ يدي ربِّه في الصلاةِ وشرعَ في مناجاتِهِ له، شُرِعَ أولَ\nما يناجي ربَّه أن يسأل ربَّه أن يباعدَ بينه وبين ما يوجِبُ له البعدَ من ربِّه.\nوهو الذنوبُ، وأن يطهرهَ منها، ليصلحَ حينئذٍ للتقريبِ والمناجاةِ، فيستكملُ فوائدَ الصلاةِ وثمراتِها من المعرفةِ والأنسِ والمحبة والخشيةِ، فتصيرُ صلاتُهُ ناهيةً له عن الفحشاء والمنكر، وهي الصلاةُ النافعة.\n* * *\nوقوله - ﷺ -:\n\"وأتْبع السيًئةَ الحسنةَ تمْحُها\"\nلما كانَ العبدُ مأمورا بالتقوى في السرِّ والعلانيةِ مع أنَّه لا بدَّ أن يقعَ منه أحيانًا تفريطٌ في التقوى، إما بتركِ بعضِ المأموراتِ، أو بارتكابِ بعضِ المحظوراتِ، فأمرَهُ أن يفعلَ ما يمحُو به هذه السيئةَ وهو أن يتبعَهَا بالحسنةِ، قال اللَّهُ ﷿: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) .\nوفي \"الصحيحينِ \" عن ابنِ مسعودٍ: أنَّ رجلًا أصابَ من امرأةٍ قُبلةً، ثم\nأتَى النبيَّ - ﷺ - فذكرَ ذلكَ لهُ، فسكتَ النبيُّ - ﷺ - حتَّى نزلتْ هذه الآية ُ، فدعاهُ","vol":"1","page":559},{"text":"فقرأها عليهِ، فقالَ رجلٌ: هذا له خاصةً؟\nقال: \"بل للناسِ عامَّة\".\nوقد وصفَ اللَّهُ المتقينَ في كتابِهِ بمثلِ ما وصَّى به النبيُّ - ﷺ - في هذه الوصيةِ في قولِهِ ﷿: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) .\nفوصفَ المتقينَ بمعاملةِ الخلقِ بالإحسانِ إليهم بالإنفاق، وكظم الغيظِ.\nوالعفوِ عنهم، فجمعَ بين وصفِهِم ببذلِ النَّدى واحتمالِ الأذى، وهذا هو غايةُ حسنِ الخلقِ الذي وصَّى به النبيُّ - ﷺ - لمعاذٍ، ثم وصفَهُم بأنهم: (إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم)، ولم يصرُّوا\nعليها. فدلَّ على أن المتقينَ قد يقَعُ منهم أحيانًا كبائرُ وهي الفواحشُ وصغائرُ\nوهي ظلمُ النفس، لكنَّهم لا يصرون عليها، بل يذكرونَ اللَّهَ عقِبَ وقوعِهَا، ويستغفرونه ويتوبونَ إليه منها، والتوبةُ: هي تركُ الإصرارِ.\nومعنى قولِهِ: (ذَكَرُوا اللَّهَ)، أي: ذكرُوا عظمتَهُ وشدَّةَ بطشِهِ\nوانتقامِهِ، وما توعَّد به على المعصيةِ من العقابِ، فيوجبُ ذلك لهم الرجوعَ\nفي الحالِ والاستغفارَ وتركَ الإصرارِ، وقالَ اللَّهُ ﷿:\n(إِنَّ الذِينَ اتَقَوْا إِذَا مَسَهُمْ طَائِفٌ منَ الشَّيْطَانِ تَذَكَرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ) .","vol":"1","page":560},{"text":"وفي \"الصحيحينِ \" عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"أذْنبَ عبدٌ ذنبًا، فقالَ: ربَ إنّى عملتُ ذنبًا فاغفِرْ لي، فقالَ اللَّهُ: علِمَ عبدِي أنَّ له ربًّا يغفر الذنبَ، ويأخذُ بالذنب، قد غفرتُ\nلعبدِي، ثم أذنبَ ذنبا آخرَ - إلى أن قال في الرابعةِ -: فليعملْ ما شاء\".\nيعني: ما دامَ على هذه الحال كلَّما أذنبَ ذنبًا استغفر منه.\nوفي الترمذيِّ من حديث أبي بكرٍ الصدِّيقِ - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"ما أصرَ من استغْفَرَ ولو عادَ في اليوم سبعِينَ مرة\".\nوخرَّج الحاكمُ من حديثِ عُقبةَ بن عامرٍ أنَّ رجلًا أتى النبيَّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أحدُنا يذنبُ، قال: \"يُكتبُ عليه \"، قال: ثم يستغفرُ منه، قال: \"يغفرُ له، ويُتابُ عليه \"، قال: فيعودُ فيذنبُ، قال: \"يكتبُ عليه \" قال: ثم يستغفرُ منه ويتوبُ، قال: \"يغفرُ له، ويتاب عليه، ولا يمَلُّ اللَّهُ حنَّى تملُّوا\".\nوخرَّج الطبرانيُّ بإسنادٍ ضعيف عن عائشةَ - ﵂ -، قالتْ: جاء حبيبُ بنُ الحارثِ إلى النبيِّ - ﷺ - فقال: يا رسول اللَّهِ، إنِّي رجل مِقْرافٌ للذنوبِ، قال: \"فتبْ إلى اللهِ - ﷿ \"، قال: أتوبُ، ثم أعود، قال: \"فكلما أذنبتَ، فتُبْ \"، قال: يا رسول اللَّه إذًا تكثرُ ذنوبي، قال: \"فعفو اللَّه أكثرُ من ذنوبكَ يا حبيبَ بنَ الحارثِ \".\nوخرَّجه بِمعناه من حديثِ أنسٍ مرفوعًا بإسنادٍ ضعيفٍ.","vol":"1","page":561},{"text":"وبإسنادِهِ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، قال: من ذكرَ خطيئةً عمِلَها، فوَجِلَ قلبُه\nمنها، واستغفرَ اللَّهَ، لم يحبِسْها شيءٌ حتى يمحَاها.\nوروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ عن عليٍّ، قالَ: خيارُكم كل مُفتَنٍ توَّابٍ.\nقيلَ: فإن عادَ؟\nقال: يستغفرُ اللَّهَ ويتوبُ، قيل: فإن عادَ؟\nقال: يستغفرُ اللهَ ويتوبُ، قيل: حتى متى؟\nقال: حتى يكونَ الشيطانُ هو المحسورُ.\nوخرَّج ابنُ ماجةَ من حديثِ ابنِ مسعودٍ مرفوعًا:\n\"التائبُ من الذَّنْبِ كمَنْ لا ذَنبَ لهُ \".\nوقيلَ للحسنِ: ألا يستحيي أحدُنا من ربِّهِ يستغفرُ من ذنوبِهِ ثم يعودُ، ثم\nيستغفرُ، ثم يعودُ؟\nفقال: ودَّ الشيطانُ لو ظَفِرَ منكُم بهذهِ، فلا تملُّوا من الاستغفارِ.\nوروي عنه أنه قال: ما أرى هذا إلا من أخلاقِ المؤمنينَ، يعني: أنَّ المؤمن\nكلَّما أذنبَ تابَ، وقد رُويَ \"المؤمنُ مُفَتَّنٌ توَّاب\".\nوروي من حديث جابر بإسناد ضعيف، مرفوعًا:\n\"المؤمنُ واه راقعٌ، فسعيدٌ من هلكَ على رقعِهِ \".\nوقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ في خطبتِهِ: من أحسنَ منكُم، فليَحْمَد اللَّهَ.\nومن أساء، فليستغفرِ اللهَ، فإنَّه لا بد لأقوامٍ من أن يعملُوا أعمالًا وظَّفها اللَّهُ\nفي رقابِهم، وكتبَها عليهم، وفي رواية أخرى عنه أنَه قال: أيها الناس من ألمَّ\nبذنبٍ، فليستغفرِ اللَهَ وليتبْ، فإن عَّاَدَ، فليستغفرِ اللَّهَ وليتبْ، فإن عاد،","vol":"1","page":562},{"text":"فليستغفرِ اللَّه وَليتبْ، فإنَّما هي خطايا مطوَّقة في أعناقِ الرجالِ.\nوإن الهلاكَ كُلَّ الهلاكِ في الإصرارِ عليها.\nومعنى هذا: أن العبدَ لا بُدَّ أن يفعلَ ما قُدِّرَ عليه من الذنوبِ كما قال\nالنبيُّ - ﷺ -: \"كُتِبَ على ابنِ آدمَ حظُّهُ من الزِّنى، فهُوَ مُدْركٌ ذلك لا محالة\" ولكنَّ اللَّهَ جعلَ للعبدِ مخرجًا مما وقعَ فيه من الذنوبِ، بالتوبةِ والاستعفارِ، فإنْ فعلَ، فقدْ تخلَّصَ من شرِّ الذنوبِ، وإن أصرَّ على الذنوبِ، هلكَ.\nوفي \"المسندِ\" من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عنِ النبيِّ - ﷺ - قال: \"ارحَمُوا تُرْحموا واغفِروا يُغْفَرْ لكم، ويل لأقْماع القولِ، ويل للمُصرِّين الذي يُصرون على ما فعلوا وهُم يعلمون \".\nوفُسِّر أقماعُ القولِ: بمن كانتْ أذناهُ كالقُمع لما يسمعُ من الحكمةِ والموعظةِ\nالحسنةِ، فإذا دخلَ شيء من ذلكَ في أذنه خرج من الأخرى ولم ينتفع بشيء\nمما سمعَ.\nوقولُهُ - ﷺ -:\n\"أتْبِع السيّئةَ الحسنةَ تمحُها\"\nقد يُرادُ بالحسنة التوبةُ من تلكَ السيئةِ.\nوقد وردَ ذلك صريحًا في حديثٍ مرسلٍ، خرَّجه ابنُ أبي الدنيا من \"مراسيلِ\nمحمدِ بنِ جُبير\" أنَّ النبيَّ - ﷺ - لما بعثَ معاذًا إلى اليمن قالَ: \"يامعاذُ، اتَقِ اللهَ ما استطعتَ، واعملْ بقوَّتِكَ للَّهِ ﷿ ما أطقْتَ، واذكرِ اللَّهَ ﷿ عندَ كل شجرةٍ وحجرٍ، وإنْ أحدثت ذنبًا، فأحدِثْ عندهُ توبةً، إنْ سرًّا فسر وإن علانيةً فعلانية\"\nوخرَّجه أبو نُعيمٍ بمعناهُ من وجه آخرَ ضعيفٍ عن معاذ.","vol":"1","page":563},{"text":"وقال قتادةُ: قال سلمانُ: إذا أسأتَ سيئةً في سريرةٍ، فأحسِن حسنةً في\nسريرةٍ، وإذا أسأتَ سيئةً في علانيةٍ، فأحسنْ حسنةً في علانية، لكي تكون\nهذه بهذهِ، وهذا يحتملُ أنه أراد بالحسنة التوبةَ أو أعمَّ منها.\nوقد أخبر اللَّهُ تعالى في كتابِهِ أن من تابِ من ذنبهِ، فإنه يغفر له ذنبُه أو\nيتابُ عليه في مواضعَ كثيرةٍ، كقولِهِ تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ)، وقولِهِ: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) .\nوقولِهِ: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠) .\nوقولِهِ: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) .\nوقولِهِ: (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا)، وقولِهِ: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (١٣٦) .\nقال عبدُ الرزاقِ: أخبرنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، قال:\nبلغني أن إبليسَ حينَ نزلتْ هذه الآيةُ: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) الآية، بكَى.\nويُروى عن ابنِ مسعودٍ، قالَ: هذه الآيةُ خيرٌ لأهلِ الذنوبِ من الدنيا وما\nفيها.\nوقال ابنُ سيرينَ: أعطانا اللَّهُ - ﷿ - هذه الآية مكانَ ما جعلَ\nلبني إسرائيل في كفاراتِ ذنوبِهِم.","vol":"1","page":564},{"text":"وقال أبو جعفر الرازيُّ، عن الربيع بنِ أنسِ، عن أبي العاليةِ قال: قال\nرجل: يا رسولَ اللَّهِ، لو كانتْ كفاراتُنا ككفاراتِ بني إسرائيلَ، فقال النبيُّ\n- ﷺ -: \"اللَّهُمَّ لا نبغيها - ثلاثًا - ما أعطاكُمُ اللَهُ خيرٌ مما أعطى بني إسرائيل، كانتْ بنو إسرائيل إذا أصاب أحدُهُم الخطيئةَ، وجدها مكتوبةَ على بابِهِ وكفارتَها، فإنْ كفرها كانتْ له خزيًا في الدنيا، وإن لم يكفرْها كانت له خزيًا في الآخرةِ، فما أعطاكُمُ اللَّهُ\nخيرٌ مما أعطى بني إسرائيل قال تعالى: (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثمَ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفورًا رَّحِيمًا) .\nوقال ابنُ عباس في قولِهِ تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِن حَرَجٍ)\nقال: هو سعةُ الإسلامِ، وما جعلَ اللَّهُ لأمَّةِ محمدٍ من التوبةِ\nوالكفَّارةِ.\nوظاهرُ هذه النصوصِ يدلُّ على أن من تابَ إلى اللَّه توبةً نصوحًا.\nواجتمعتْ شروطُ التوبةِ في حقِّه، فإنه يُقطعُ بقبولِ اللهِ توبته، كما يُقطع\nبقبولِ إسلام الكافرِ إذا أسلمَ إسلامًا صحيحا، وهذا قولُ الجمهورِ، وكلامُ\nابنِ عبدِ البِرِّ يدلُّ على أنّه إجماع.\nومن الناسِ من قال: لا يقطعُ بقبولِ التوبةِ، بل يُرجَى، وصاحبُها تحتَ\nالمشيئةِ، وإن تابَ، واستدلوا بقولِهِ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)، فجعلَ الذنوبَ كلَّها تحتَ مشيئته، وربما استدلَّ بمثلِ\nقولِهِ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ)، وبقولِهِ: (فَاَمَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَعَسَى أن يَكونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ) .","vol":"1","page":565},{"text":"وقوله: (وَتُوبوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) .\nوقوله: (وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) .\nوالظاهرُ: أن هذا في حقِّ التائبِ، لأنَّ الاعترافَ يقتضي الندمَ، وفي\nحديث عائشةَ عن النبيئَ - ﷺ - قال:\n\"إنَّ العبدَ إذا اعترفَ بذنبِهِ، ثم تابَ، تاب اللَّه عليه \"\nوالصحيحُ قول الأكثرينَ.\nوهذه الآياتُ لا تدلُّ على عدمِ القطع، فإنَّ الكريمَ إذا أطمعَ، لم يقطعْ\nمن رجائِهِ المُطمَع، ومنْ هنا قال ابنُ عباسٍ: إنَّ \"عسى\" من اللَّهِ واجبة، نقله\nعنه عليٌّ بنُ أبي طلحة.\nوقد وردَ جزاءُ الإيمانِ والعملِ الصالح بلفظِ: \"عسى\" أيضًا، ولم يدل\nذلك على أنه غير مقطوع به، كما في قولِهِ: (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَاتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللَّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) .\nوأما قولُهُ: (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ)، فإنَّ التائبَ ممن شاء\nأن يغفرَ له، كما أخبرَ بذلك في مواضعَ كثيرة من كتابِهِ.\nوقد يُراد بالحسنةِ في قولِ النبيّ - ﷺ -:\n\"أتبع السيئة الحسنة\" ما هو أعمُّ من التوبة، كما في قولهِ تعالى:\n(وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ\nيُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ) .","vol":"1","page":566},{"text":"وقد رُوي من حديث معاذ أنَّ الرجلَ الذي نزلتْ بسببه هذه الآية ُ أَمَرَهُ\nالنبيُّ - ﷺ - أن يتوضأ ويُصلِّيَ.\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ والترمذيُّ، والنسائيُّ، وابنُ ماجةَ من\nحديثِ أبي بكرٍ الصديقِ - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقومُ فيتطهَّرُ ثم يُصلِّي ثم يستغفرُ اللَّهَ إلا غفرَ اللَّهُ له \" ثم قرأ هذه الآيةَ:\n(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكروا اللَّهَ فَاسْتَغْفَروا لِذنُوبِهِمْ) .\nوفي \"الصحيحينِ \" عن عثمانَ أنه توضأ، ثم قال: رأيتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - توضَّأ نحوَ وضوئِي، هذا ثم قال: \"من توضَّأ نحو وضوئي هذا ثم صلَّى ركعتينِ لا يُحدِّثُ فيهما نفسَهُ، غُفِرَ له ما تقدَّمَ من ذنبه \".\nوفي \"مسند الإمامِ أحمدَ\" عن أبي الدرداء قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ: \"منْ توضَّأ فأحسنَ الوضوءَ، ثم قامَ فصلًّى ركعتينِ أو أربعًا، يُحسنُ فيهِمَا الركوعَ والخشوعَ، ثم استغفرَ اللَّهَ ﷿ غُفِرَ له \".\nوفي \"الصحيحينِ \" عن أنسٍ قال: كُنتُ عندَ النبيِّ - ﷺ -، فجاءه رجل، فقالَ: يا رسولَ اللَهِ إني أصبتُ حدًّا، فأقمْهُ عليَّ، قال: ولم يسألْه عنه، فحضرتِ الصلاةُ فصلَّى مع النبيِّ - ﷺ - فلمَّا قضى النبيُّ - ﷺ - الصلاةَ قامَ إليه\nالرجلُ فقالَ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي أصبتُ حدًّا، فأقم عليَّ كتابَ اللَّهِ.\nقالَ: \"أليس قد صلَّيتَ معنا؟ \" قالْ نعم، قالَ: \"فإنَّ اللَّه قد غفر لك ذنبَك\n- أو قال -: حدَك \".","vol":"1","page":567},{"text":"وخرَّجه مسلمٌ بمعناه من حديثِ أبي أمامةَ.\nوخرَّجه ابنُ جرير الطبريُ من وجهٍ آخر عن أبي أُمامة، وفي حديثِهِ قال:\n\"فإنَّك منْ خطيئتك كما ولدتك أمُّك، فلا تعُدْ\".\nوأنزل اللَّهُ: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْل) .\nوفي \"الصحيحينِ \" عن أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"أرأيتُم لو أنَّ نهرًا ببابِ أحدِكم يغْتسلُ فيه كلَّ يوم خمسَ مرَّاتٍ هل يبقى من درنه شيء \" قالُوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: \"فذلكَ مثلُ الصَّلواتِ الخمسِ يمحُو اللَّه بهن الخطايا\".\nوفي \"صحيح مسلم\" عن عثمانَ، عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"من توضَّأ فأحسنَ الوضوءَ، خرجتْ خطاياه من جسدهِ حتى تخرجَ من تحت أظفاره \".\nوفيه عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال:\n\"ألا أدلكم على ما يمحُو اللَّهُ به الخطايا، ويرفعُ به الدَّرجاتِ؟ \" قالُوا: بلى يا رسول اللَّهِ، قال: \"إسباغُ الوضوءِ على المكاره، وكثرةُ الخُطا إلى المساجد، وانتظارُ الصلاة بعد الصَّلاة، فذلكُم الرباطُ، فذلكُم الرباط \".\nوفي \"الصحيحينِ \" عن أبي هريرةَ عنِ النبيِّ - ﷺ - قال: \"منْ صامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبِهِ، ومنْ قامَ رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِنْ ذنبِهِ، ومن قامَ ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا، غُفرَ له ما تقدَّم من ذنبِهِ \".","vol":"1","page":568},{"text":"وفيهما عن أبي هريرةَ عنِ النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"منْ حجَّ هذا البيتَ، فلم يرْفُثْ، ولم يَفسُقْ، خرج من ذنوبِهِ كيوم ولدتْه أمُّه \".\nوفي \"صحيح مسلم \" عن عمرِو بنِ العاصِ عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"إن الإسلامَ يهدِمُ ما كانَ قبله، وإن الهجرةَ تهدِمُ ما كان قبلها، وإنَّ الحجَّ يهدِمُ ما كان قبلهَ \".\nوفيه من حديثِ أبي قتادةَ، عنِ النبيِّ - ﷺ - قال في صومِ عاشوراء: \"أحتسبُ على اللهِ أن يُكفِّرالسنةَ التي قبلَهُ \".\nوقال في صومِ يوم عرفةَ: \"أحتسبُ على اللَّهِ أن يُكفِّر السنة التي قبله والتي بعده \".\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ من حديثِ عقبةَ بنِ عامرٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"مثلُ الذي يعملُ السيئات، ثم يعملُ الحسناتِ، كمثلِ رجلٍ كانتْ عليه درعٌ ضيقة قد خنَقَتْه، ثم عمِلَ حسنةً فانفكتْ حلقة ثم عمِلَ حسنة أخرى، فانفكتْ أخرى حتى يخرجَ إلى الأرضِ \".\nومما يكفر الخطايا ذكرُ اللَّهِ ﷿، وقد ذكرنا فيما تقدَّم أنَّ النبيَّ - ﷺ - سُئِلَ عن قول: \"لا إله إلا اللَّهُ \" أمِنَ الحسناتِ هي؟\nقال: \"هي أحسنُ الحسنات \".\nوفي \"الصحيحينِ \" عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"من قال. سبحانَ الله وبحمده في يومِهِ مائة مرة، حُطَّتْ خطاياه وإن كانتْ مثل زبدِ البحرِ\".","vol":"1","page":569},{"text":"وفيهما عنه، عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"منْ قال: لا إله إلا اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، يحيي ويميتُ، وهو على كل شيءٍ قدير في يومٍ مائةَ مرَةٍ، كانتْ له\nعِدْلَ عشرِ رقابٍ، وكتبتْ له مائةُ حسنةٍ، ومُحِيتْ عنه مائة سيئةٍ، وكانتْ له حِرزا من الشيطان يومَه ذلك حتى يُمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا أحدٌ عمل أفضلَ من ذلك \".\nوفي \"المسندِ\" وكتابِ ابن ماجةَ عن أمِّ هانئ عن النبى - ﷺ - قال. \"لا إله إلا اللَّهُ لا تتركُ ذنبًا ولا يسبقها عملٌ \".\nوخرَّج الترمذيُّ عن أنس، عن النبيِّ - ﷺ - إنه مرَّ بشجرة يابسةِ الورقِ، فضربَها بعصَاهُ، فتناثرَ الورقُ، فقال: \"إنَّ الحمد للَّه وسبحان الله، ولا إله إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، لتساقط من ذنوبِ العبدِ كما يتساقطُ ورقُ هذه الشجرةِ\".\nوخرَّجه الإمامُ أحمدُ بإسناد صحيح عن أنسٍ أنَّ رسول اللَّهِ - ﷺ - قال: \"إنَّ سبحان اللَّهِ، والحمدُ للَّهِ، ولا إله إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ، تنفُضُ الخطايا كما تنفُضُ الشجرةُ ورقها \".\nوالأحاديثُ في هذا كثيرةٌ جدًّا يطول الكتابُ بذكرِهَا.\nوسئل الحسنُ عن رجلٍ لا يتحاشَى من معصية إلا أن لسانَهُ لا يفتر من\nذكرِ اللَّهِ، فقال: إنَّ ذلك لعَوْنٌ حسنٌ.\nوسئل الإمامُ أحمدُ عن رجل. اكتسبَ مالًا من شبهة: صلاتُه وتسبيحُه","vol":"1","page":570},{"text":"يحُطُّ عنه شيئًا من ذلك؟\nفقال: إنْ صلَّى وسبَّح يريدُ به ذلك، فأرجو، قال اللَّه تعالى:\n(خَلَطوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّه أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ) .\nوقال مالكُ بنُ دينارٍ: البكاءُ على الخطيئةِ يحطُّ الخطايا كما تحطُّ الريحُ\nالورقَ اليابسَ.\nوقال عطاء: من جلس مجلسًا من مجالسِ الذكرِ كفَّر به عشرة مجالسَ\nمن مجالسِ الباطلِ.\nوقال شويسٌ العدويُّ - وكان من قدماءِ التابعينَ -: إنْ صاحبَ اليمينِ\nأمير - أو قالَ: أمين - على صاحبِ الشمالِ، فإذا عَمِلَ ابنُ آدمَ سيئةً، فأرادَ صاحبُ الشمالِ أن يكتبها، قالَ له صاحبُ اليمينِ: لا تعْجَلْ لعلَّه يعملُ حسنةً، فإن عمِلَ حسنةً، ألقى واحدةً بواحدة، وكتبَ له تسعَ حسناتٍ، فيقولُ الشَّيطانُ: يا وَيلَه، من يدركُ تضعيفَ ابنِ آدمَ.\nوخرَّج الطبرانيُّ - بإسنادٍ فيه نظر - عن أبي مالكٍ الأشعريِّ عنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"إذا نامَ ابنُ آدمَ، قال الملكُ للشيطانِ: أعطني صحيفتَك، فيعطيه إيَّاها، فما وجد في صحيفته من حسنةٍ، محى بها عشرَ سيئات من صحيفةِ الشيطانِ، وكتبهنَّ حسنات.\nفإذا أراد أن ينامَ أحدُكم، فليكبر ثلاثًا وثلاثين تكْبيرة، ويحمدُ اللَّهَ أربعًا وثلاثينَ تحميدةً، ويسبح اللَّهُ ثلاثًا وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة\".\nوهذا غريب ومنكر.\nوروى وكيع: حدَّثنا الأعمشُ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحوصِ.\nقالَ: قالَ عبدُ اللَّهِ، يعني ابنَ مسعودٍ: وددتُ أني صُولحت على أن أعملَ كُلَّ","vol":"1","page":571},{"text":"يومٍ تسعَ خطيئاتٍ وحسنةً.\nوهذا إشارةٌ منه إلى أن الحسنة يُمحى بها التسعُ خطيئاتِ، ويفضُلُ له\nضعفٌ واحدٌ من ثوابِ الحسنة، فيكتفي به، واللَّهُ أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>قوله تعالى: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)</span>\nإن في سماع أخبارِ الأخيارِ مقويًّا للعزائم ومُعينًا على اتِّباع تلك الآثارِ.\nوقال بعضُ العارفينَ: الحكاياتُ جندٌ من جنودِ اللَّه، تقوى بها قلوبُ المريد.\nثم تلا قول اللَّهِ ﷿ لرسوله - ﷺ -: (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (١٢٠)\n* * *","vol":"1","page":572},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-125>سُورَةُ يُوسُفَ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>قوله تعالى: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)</span>\nقوله - ﷺ -: \"أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ \"\nدعاءِ يوسفَ ﵇ حينَ قالَ: (فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) .\nواللَّهُ ﷿ وليُّ أوليائه في الدنيا والآخرةِ، يتولَّى حفظَهم وكلاءتهم وهدايتهم وحراستَهم في دِينِهم ودنياهُم ما دامُوا أحياءً، فإذا حضرَهُمُ الموتُ توفَّاهم على الإسلامِ وألحقهم بعدَ الموتِ بالصالحين.\nوهذا أجلُّ النعم وأتمُّها على الإطلاقِ، وقد قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - عند وفاتِهِ:\n\"مع الذين أنعم اللَّهُ عليهم من النبيينَ والصديقينَ والشهداءِ والصالحينَ \".\nوقولُ يوسفَ - ﵇ -: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) .\nقيل: إنَّه دعا لنفسِهِ بالموتِ، وهو قولُ جماعة من السلفِ، منهم\nالإمامُ أحمدُ، فيُستدلُّ به على جوازِ الدعاءِ بالموتِ من غيرِ ضرٍّ نزلَ به.\nوقيل: إنَّه إنَّما دعا لنفسِهِ بالموتِ على الإسلامِ عند نزولِ الموتِ، وليسَ فيه\nدعاء بتعجيلِ الموتِ كما أخبرَ عن المؤمنينَ أنهم قالُوا في دُعائِهِم:\n(رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ) .","vol":"1","page":573},{"text":"ويؤيِّدُ التفسيرَ الأولَ: أنَّه عقَّبه بالدعاءِ بالشوقِ إلى لقاءِ اللَّهِ، وهو يتضمَّن\nالدعاءَ بالموتِ.\nواستدل مَنْ جوَّز الدعاءَ بالموتِ وتمنِّيه: بقولِهِ تعالى:\n(قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) .\nثم ذمَّهم على عدمِ تمنّيه بسببِ سيئاتِهِم، وعلى حرصِهِم على طولِ الحياةِ في\nالدُّنيا، وكذلك قولُهُ تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٧) .\nوفي \"المسندِ\"، عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"لا يتمنينَ أحدٌ الموتَ إلا من وَثِقَ بعملِهِ \".\nفمن كان له عمل صالح فإنَّه يتمنَّى القدومَ عليه، وكذلك من غلبَ عليه\nالشوقُ إلى لقاءِ اللَّهِ ﷿.\nوأمَّا من تمنَّى الموتَ خوفَ فتنتِهِ في الدِّينِ، فإنَّه يجوزُ بغيرِ خلاف، وقد\nبسطْنَا الكلامَ على هذهِ المسائلِ في غيرِ هذا الموضع.\n* * *","vol":"1","page":574},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>سُورَةُ الرَّعْدِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ)</span>\nقولُ اللَّه تعالى: (لَهُ معَقِّبَاتٌ منْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) الآية.\nقال ابنُ عباسِ - ﵄ -: همُ الملائكةُ يحفظونه بأمرِ اللَّهِ فإذا جاء القدرُ خلَّوا عنه.\nوقال عليّ ﵁: إنَّ معَ كل رجلِ ملكينِ يحفظانِه مما لم يقدَّرْ.\nفإذا جاءَ القدرُ خليَّا بينه وبينه، وإن الأجلَ جُنَّة حصينة.\nوقال مجاهدٌ: ما من عبدٍ إلا له ملكٌ يحفظُه في نومِهِ ويقظتِهِ من الجن\nوالإنسِ والهوامِّ، فما منْ شيء يأتيه إلا قالَ: وراءَك، إلا شيئًا قد أذِنَ اللَّهُ\nفيه فيصيبُه.\nومن حفظِ اللَّهِ للعبدِ: أن يحفظَهُ في صحةِ بدنِهِ وقوتِهِ وعقلِهِ ومالِهِ.\nقال بعضُ السلفِ: العالمُ لا يحزن.\nوقال بعضهمُ: من حفظَ القرآن متِّعَ بعقلِهِ.\nوتأوَّلَ ذلك بعضُهم على قولِهِ تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) .\nوكان أبو الطيبِ الطبريُّ قد جاوزَ المائةَ سنة وهو ممتعٌ بعقلِهِ وقوتِهِ، فوثبَ\nيومًا من سفينة كان فيها إلى الأرضِ وثبةً شديدةً، فعوتبَ على ذلكَ، فقال:","vol":"1","page":575},{"text":"هذه جوارحٌ حفظنَاها في الصغرِ، فحفظَها اللَّهُ علينا في الكِبَرِ.\nوعكسُ هذا أن الجنيدَ رأى شيخًا يسألُ الناسَ فقالَ: إنَّ هذا ضيع اللَّهَ في\nصغرِهِ، فضيعه اللَّهُ في كبره.\nوقد يحفظُ اللَّهُ العبدَ بصلاحِهِ في ولدِهِ وولدِ ولدهِ، كما قيلَ في قولهِ\nتعالى: (وَكَانَ أَبوهُمَا صَالِحًا): إنَّهما حفظا بصلاح أبيهما.\nوقال محمدُ بنُ المنكدرِ: إنَّ اللَّهَ ليحفظ بالرجلِ الصالح ولدَه وولدَ ولدِهِ\nوقريتَهُ التي هو فيها، والدويراتِ التي حولها فما يزالونَ في حفظِ اللَّهِ\nوستره.\nوقال ابنُ المسيبِ لابنِهِ: يا بني، إني لأزيدُ في صلاتِي من أجلِكَ، رجاءَ\nأن أحفظَ فيكَ، وتلا هذه الآية: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) .\nوقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ﵀: ما منْ مؤمن يموتُ إلا حفظَهُ اللَّهُ\nتعالى في عقبِهِ وعقبِ عقبِهِ.\nوقال يحيى بن إسماعيلَ بنِ سلمةَ بنِ كُهيْلٍ: كان لي أختٌ أسنُّ منِّي.\nفاختلطتْ وذهب عقلُها وتوحشتْ، وكانت في غرفة في أقصى سطوحِنا\nفمكثتْ بذلك بضْعَ عشرة سنةً، فبينما أنا نائمٌ ذاتَ ليلةٍ إذا بابٌ يدقُّ نصفَ الليلِ، فقلتُ: من هذا؛ قالتْ: كجه، فقلتُ: أختِي؛ قالتْ أختُكَ، ففتحتُ البابَ فدخلتْ ولا عهدَ لها بالبيتِ أكثرَ من عشر سنين.\nفقالتْ: أتيتُ الليلةَ في منامِي فقيلَ لي: إنّ اللَّهَ حفظَ أباك إسماعيلَ لسلمةَ جدِّك، وحفظكِ لأبيكَ إسماعيلَ، فإن شئتِ دعوتُ اللَّهَ فذهبَ ما بِك، وإن شئت صبرتِ ولك الجنةُ، فإن أبا بكرٍ وعمرَ قد شفعا لكِ إلى اللَّهِ ﷿ بحبًّ","vol":"1","page":576},{"text":"أبيك وجدِّكِ إياهُما، فقلتُ: فإذا كان لابدَّ من اختيارِ أحدهما فالصبر على ما أنا فيه والجنةُ، وإن اللَّهَ ﷿ لواسع بخلقِه لا يتعاظَمُهُ شيء، إن شاءَ أن يجمعَهُما لي فعلَ. قالتْ: فقيل: فإنَّ اللهَ قد جمعَهُمَا لكِ ورضِيَ عن أبيكِ\nوجدّكِ بحبهما أبا بكرٍ وعمرَ - ﵄ -، قومِي فأنزلِي، فأذهبَ اللَّهُ تعالى ما كانَ بها.\nومتى كان العبدُ مشتغلًا بطاعةِ اللَّهِ فإنَّ اللَّهَ تعالى يحفظُه في تلكَ الحالِ\nكما في \"مسندِ الإمامِ أحمدَ\" عن حميدِ بنِ هلالٍ عن رجلٍ قالَ: أتيتُ\nالنبيَّ - ﷺ - فإذا هو يريني بيتًا، فقالَ: \"إنَّ امرأةً كانتْ فيه فخرجتْ في سريةٍ من المسلمينَ وتركتْ ثنتي عشرةَ عنزًا وصيصيتها كانت تسبحُ بها، قال: ففقدَتْ عَنْزًا من غنمها وصيصيتها، فقالتْ: يا ربِّ إنَّك قد ضمنتَ لمن خرجَ في سبيلكَ أن تحفظ عليه.\nوإني قد فقدتُ عنزًا من غنمي وصيصيتي، وإني أنشدكُ عنزي وصِيصيتي \" قال: فجعلَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يذكرُ شدةَ مناشدتِهَا ربَّها ﵎.\nقالَ رسولُ - ﷺ -:\n\"فأصبحتْ عنزُها ومثلُها وصيصيتُها ومثلُها. وهاتيكَ، فأتها\" قال: فقلتُ: بل أصدِّقك \".\nوكان شيبان الراعِي يرعى غنمًا، فإذا جاءتِ الجمعةُ خطَّ عليها خطًا\nوذهبَ إلى الجمعةِ ثم يرجعُ وهي كما تركها.\nوكان بعضُ السلفِ بيدهِ الميزانُ يزنُ بها دراهِم فسمعَ الأذانَ فنهضَ ونفضَهَا\nعلى الأرضِ وذهبَ إلى الصلاةِ، فلما عادَ جمعها فلم يذهبْ منها شيء.\nومن أنواع حفظِ اللَّهِ لمن حفظَهُ في دنياهُ: أن يحفظَهُ من شرِّ كل من يريدُه","vol":"1","page":577},{"text":"بأذًى من الجنِّ والإنسِ، كما قالَ تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخرَجًا) .\nقالتْ عائشةُ - ﵂ -: يكفيه غمَّ الدنيا وهمَّها.\nوقال الربيعُ بنُ خثيم: يجعلُ له مخرجًا من كل ما ضاقَ على الناسِ.\nوكتبتْ عائشةُ - ﵂ - إلى معاويةَ: إن اتقيتَ اللَّه كفاكَ الناسَ، وإن اتقيتَ الناسَ لم يغنوا عنكَ من اللهِ شيئًا.\nوكتبَ بعضُ الخلفاءِ إلى الحكمِ بنِ عمرٍو الغفاريِّ كتابًا يأمره فيه بأمرٍ\nيخالفُ كتابَ اللَّهِ، فكتبَ إليه الحكمُ: إني نظرتُ في كتابِ اللَّهِ فوجدتُهُ قبلَ\nكتابِ أميرِ المؤمنينَ، وإن السماواتِ والأرضَ لو كانتا رتقًا على امرئٍ فاتَّقى\nاللَّهَ ﷿، جعلَ لهُ منهما مخْرجًا. والسلامُ.\nوأنشدَ بعضُهُم:\nبتقوى الإلهِ نجا من نجَا. . . وفازَ وصارَ إلى ما رجَا\nومن يتقِّ اللَّهِ يجعلْ له. . . كما قالَ من أمره مخرجَا\nكتبَ بعضُ السلفِ إلى أخيه: أما بعدُ، فإنه من اتَّقى اللَّهَ حفظَ نفسَهُ.\nومن ضيعَ تقواه فقدْ ضيَّع نفسَهُ، واللَّهُ الغنيُّ عنه.\nومن عجيبِ حفظِ اللَّهِ تعالى لمن حفظَهُ: أن يجعلَ الحيواناتِ المؤذيةَ بالطبع\nحافظةً له من الأذى وساعيةً في مصالحِهِ، كما جرى لسفينةَ مولى النبيِّ - ﷺ - حيثُ كسرَ به المركبُ وخرجَ إلى جزيرةِ فرأى السبعَ، فقالَ: يا أبا الحارثِ أنا سفينةُ مولى النبيِّ - ﷺ -، فجعلَ يمشي حوله ويدله على الطريقِ حتى أوقفَهُ عليها، ثم جعلَ يُهَمْهِم كأنَّه يودِّعُه وانصرفَ عنه.","vol":"1","page":578},{"text":"وكان أبو إبراهيمَ السايحُ قد مرضَ في بريَّةٍ بقربِ دير، فقالَ: لو كنتُ\nعندَ بابِ الديرِ لنزلَ الرهبانُ فعالَجُوني، فجاء السبعُ فاحتمله على ظهرهِ حتى\nوضعَهُ على بابِ الديرِ فرآه الرهبانُ فأسلمُوا وكانُوا أربعمائة.\nوكان إبراهيمُ بنُ أدهمَ، نائمًا في بستانٍ وعنده حيَّة في فمِهَا طاقةُ نرجسٍ.\nفما زالتْ تذبُّ عنه حتى استيقظَ.\nفمن حفظَ اللَّهَ حفظَهُ من الحيواناتِ المؤذيةِ بالطبع، وجعلَ تلكَ الحيواناتِ\nحافظة له.\nومن ضيعَ اللهَ ضيَّعَهُ اللَّهُ بين خلْقِهِ، حتى يدخلَ عليه الضررُ ممنْ كانَ\nيرجو أن ينفعَهُ، ويصيرَ أخصُّ أهلِه به وأرفقهُم به يؤذِيهِ.\nكما قال بعضُهم: إني لأعصِي اللَّهَ فأعرفُ ذلك في خلقِ خادِمي\nوحِمارِي، يعني: أن خادمه يسوءُ خلقُهُ عليه ولا يطيعُه، وحماره يستعصي\nعليه فلا يواتيه لركوبِهِ. فالخيرُ كلُّه مجموعٌ في طاعةِ اللَّهِ والإقبالِ عليه.\nوالشر كلُّهُ مجموع في معصيةِ اللَّهِ والإعراضِ عنه.\nقال بعضُ العارفينَ: من فارق سُدَّةَ سيدِهِ لم يجْد لقدميه قرارًا أبدًا.\nواللهِ ما جئتُكم زائرًا. . . إلا وجدتُ الأرضَ تطوى لي\nولا ثنيتُ العزمَ عن بابِكُمُ. . . إلا تعثرتُ بأذيالِي\n* * *","vol":"1","page":579},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-129>قوله تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَ</span>اطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ (١٧)\nولما كانتْ هذه الشريعةُ خاتمةَ الشرائع وعليها تقومُ الساعةُ، ولم يكنْ بعدَها\nشريعةٌ ولا رسالةٌ أخرى، تبيِّنُ ما تبدَّلَ منها وتجدِّدُ ما درسَ من آثارِهَا، كما\nكانتِ الشرائعُ المتقدمةُ تجدِّدُ بعضُها آثارَ بعضٍ، وتبينُ بعضُها ما تبدَّلُ من\nبعضٍ، تكفلَ اللَّهُ بحفظ هذه الشريعةِ ولم يجمعْ أهلَها على ضلالةٍ، وجعلَ\nمنهم طائفةً قائمةً بالحقًّ لا تزالُ ظاهرةً على من خالفَها حتى تقومَ الساعةُ.\nوأقامَ لها من يحملُها ويذبُّ عنها بالسيفِ واللسانِ والحجةِ والبيانِ، فلهذا أقامَ\nاللَّهُ تعالى لهذه الأمَّةِ من خلفاءِ الرسلِ وحملةِ الحجةِ في كلِّ زمانٍ من يعتني\nبحفظِ ألفاظِ الشريعةِ وضبطِهَا وصيانتِهَا عن الزيادةِ والنقصانِ ومن يعتني\nبحفظ معانيها، ومدلولاتِ ألفاظِهَا وصيانتِهَا عن التحريفِ والبهتانِ.\nوالأولونَ أهلُ الروايةِ، وهؤلاءِ أهلُ الدرايةِ والرعايةِ، وقد ضربِ النبيُّ\n- ﷺ - مثل الطائفتينِ. كما ثبتَ في \"الصحيحينِ \" عن أبي موسى، قالَ: قال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"إنَّ مثلَ ما بعثني اللَّهُ به من الهدى والعلم، كمثلِ غيث أصابَ\nالأرضَ فكانتْ منها طائفة قبِلَتِ الماءَ فأنبتتِ الكلأ والعُشبَ الكثيرَ، وكانتْ منها أجادبُ أمسكتِ الماءَ فنفعَ اللَّهُ بها ناسًا فشربُوا ورعَوْا وسقَوْا وزرعُوا، وأصابت طائفة منها أخرى، إنما هي قيعانٌ لا تمسكُ ماءً ولا تُنبِتُ كلأ، فذلك مثل من فقهَ في دِين اللَّهِ ونفعَهُ اللَّه بما بعثَني به ونفعَ به فعَلِمَ وعلَّمَ، ومثلُ من لم يرفعْ بذلكَ رأسًا، ولم يقبلْ هدى اللَّهِ الذي أُرسلتُ به \".","vol":"1","page":580},{"text":"فمثَّلَ النبيُّ - ﷺ - العلمَ والإيمانَ الذي جاء به بالغيثِ الذي يصيبُ الأرضَ، وهذا المثلُ كقوله تعالى: (أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا) .\nفمثَّلَ تعالى ما أنزلَهُ من العلم والإيمانِ إلى القلوبِ بالماءِ الذيَ أنزلَهُ من\nالسماءِ إلى الأرضِ، وهو ﷾ يمثلُ العلمَ والإيمانَ تارةً بالماءِ كما\nفي هذه الآيةِ، وكما في المثل الثاني المذكورِ في أولِ سورةِ البقرةِ، وتارةً يمثله\nبالنورِ كما في المثلِ المذكورِ في سورةِ النورِ، والمثلُ الأولُ المذكورَ في سورةِ\nالبقرةِ وكذلك في هذه الآيةِ التي في سورةِ الرعدِ، وذكر مثلًا ثانيًا يتعلقُ\nبالنارِ وهو قولُهُ: (وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ) فإن الماءَ والنورَ مادةُ حياةِ الأبدانِ، ولا يعيشُ حيوانٌ إلا حيثُ هما\nموجودانِ، كما أنَّ العلمَ والإيمانَ مادةُ حياةِ القلوبِ وهما للقلوبِ كالماءِ\nوالنورِ، فإذا فقدهُما القلبُ فقد ماتَ.\nوقولُهُ تعالى: (فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا)، شبَّه القلوبَ الحاملةَ للعلم\nوالإيمانِ بالأوديةِ الحاملةِ للسيلِ، فقلبٌ كبير يسعُ علمًا عظيمًا، كوادٍ كبيرٍ\nيسع ماءً كثيرًا، وقلبٌ صغيرٍ يسعُ علمًا قليلًا، كوادٍ صغيرٍ يسعُ ماءً قليلًا.\nفحملتِ القلوبِ من هذا العلم بقدرِهَا، كما سالتِ الأوديةُ من الماءِ بقدرِهَا.\nفهذا تقسيم للقلوبِ بحسبِ ما يحملُهُ من العلم والإيمانِ إلى متسعِ\nوضيق.\nوالًذي ذكره النبيُّ - ﷺ - في حديثِ أبي موسى تقسيمٌ لها بحسبِ ما يرِدُ","vol":"1","page":581},{"text":"عليها من العلم والإيمانِ إلى قابل لإنباتٍ الكلأ والعشبِ، وغيرِ قابلٍ لذلكَ\nوجعلها ثلاثةَ أقسامٍ:\nالقسم الأول: قسم قَبِلَ الماءَ، فأنبتَ الكلأ والعشبَ الكثيرَ، وهؤلاءِ همُ\nالذين لهم قوةُ الحفظِ، والفهم والفقهِ في الدّينِ، والبصرِ بالتأويلِ، واستنباطِ\nأنواع المعارفِ والعلومِ من النصوص.\nوهؤلاءِ مثل: الخلفاءِ الأربعةِ، وأبيِّ بنِ كعبٍ، وأبي الدرداءِ، وابنِ\nمسعودٍ، ومعاذِ ابنِ جبلٍ، وابنِ عباس. ثم كـ الحسنِ، وسعيدِ بنِ المسيبِ.\nوعطاءٍ، ومجاهدٍ. ثم كـ مالكٍ، والليثِ، والثوريِّ، والأوزاعيِّ، وابنِ\nالمباركِ، والشافعيِّ، وأحمدَ، وإسحاقَ، وأبي عبيدٍ، وأبي ثورٍ، ومحمدِ بنِ\nنصرٍ المروزيِّ. وأمثالِهِم من أهلِ العلم باللَّهِ وأحكامِهِ، وأوامرِهِ، ونواهيهِ.\nوكذلك مثل: أوسٍ، ومالكِ بنِ دينارٍ، وإبراهيم بنِ أدهمَ، والفضيلِ ابنِ\nعياضٍ، وأبي سليمانَ، وذي النُّونِ، ومعروف، والجنيدِ بنِ محمدٍ، وسهلِ\nابنِ عبدِ اللهِ والحرِّ بن أسدٍ. وأمثالهم من أهل العلم باللَّه وأسمائهِ وصفاتِهِ\nوأيامِهِ وأفعالِهِ.\nالقسم الثاني: وقسم حفظَ الماءَ، وأمسكَهُ حتى وردَ الناسُ فأخذُوه فانتفعُوا به وهؤلاءِ هم الذين لهم قوةُ الحفظِ، والضبطِ، والإتقانِ، دون الاستنباطِ.\nوالاستخراج، وهؤلاءِ كسعيدِ بنِ أبي عروبةَ، والأعمشِ، ومحمدِ بنِ جعفرٍ\nغندر، وعبدِ الرزاقِ، وعمرو الناقدِ، ومحمدِ بنِ بشارٍ بندارٍ، ونحوِهم.\nالقسم الثالث، وقسمٌ ثالث وهم شرُّ الخلقِ، ليس لهم قوةُ الحفظِ، ولا قوةُ\nالفهمِ، لا درايةٌ، ولا روايةٌ، وهؤلاءِ الذين لم يتقبلُوا هُدى اللَّهِ ولم يرفعُوا","vol":"1","page":582},{"text":"به رأسًا.\nوالمقصودُ هاهنا أن اللَّهَ تعالى حفظَ هذه الشريعةَ بما جعلَ لها من الحملةِ.\nأهلِ الدرايةِ، وأهلِ الروايةِ، فكان الطالبُ للعلم والإيمانِ يتلقَّى ذلكَ ممن\nيدركُهُ من شيوخ العلمِ والإيمانِ، فيتعلَّمُ الضابطُ القرآنَ والحديثَ، ممن يعلِّمُ\nذلكَ، ويتعلَّمُ الفقهَ في الدِّينِ من شرائع الإسلامِ الظاهرةِ، وحقائقِ الإيمانِ\nالباطنةِ، ممن يعلِّمُ ذلكَ.\nوكان الأغلبُ على القرونِ الثلاثةِ المفضلةِ جمعُ ذلكَ كلَّه، فإنَّ الصحابةَ\nتلقَّوا عن النبيِّ - ﷺ - جميعَ ذلكَ، وتلقاهُ عنهم التابعونَ، وتلقَّى عن التابعينَ تابعوهُم، فكانَ الدِّينُ حينئذٍ مجتمعًا، ولم يكنْ قد ظهرَ الفرق بين مسمَّى الفقهاءِ، وأهلِ الحديثِ ولا بين علماءِ الأصولِ والفروع، ولا بينَ الصوفيِّ والفقيرِ والزاهدِ، وإنما انتشرتْ هذه الفروقُ بعد القرون الثلاثةِ.\nوإنَّما كانَ السلفُ يسمُّون أهلَ العلم والدِّينِ: القُرَّاءَ، ويقولونَ: يقرأُ\nالرجلُ إذا تنسَّك، وكانَ العالمُ منهُم يتكلمُ في جنسِ المسائلِ المأخوذةِ من\nالكتابِ والسنةِ، سواء كانتْ من المسائِلِ الخبريَّةِ العلميةِ، كمسائلِ التوحيد، والأسماءِ والصفاتِ، والقدرِ، والعرشِ، والكرسيِّ، والملائكةِ، والجنًّ.\nوقصص الأنبياءِ، ومسائلِ الأسماءِ، والأحكامِ، والوعدِ والوعيدِ، وأحوالِ\nالبرزخ، وصفةِ البعثِ والمعادِ، والجنَّةِ، والنَّارِ، ونحوِ ذلكَ.\nأو من أعمالِ الجوارح، كالطهارةِ، والصلاةِ، والصيامِ، والزكاةِ، والحجِّ.\nوالجهادِ، وأحكامِ المعاوضاتِ، والمناكحاتِ، والحدودِ، والأقضيةِ، والشهادةِ، ونحوِ ذلك.","vol":"1","page":583},{"text":"أو من المسائلِ العلميةِ، سواء كانتْ من أعمالِ القلوبِ، كالمحبةِ.\nوالخوفِ، وا لرجاءِ، والتوكلِّ، والزهدِ، والتوبةِ، والشكرِ، والصبرِ، ونحوِ ذلك، وإنْ كان يكون لبعضِهِم في نوع من هذه الأنواع من مزيدِ العلم، والمعرفةِ، والحالِ ما ليسَ له في غيرِه مثلُه.\nكما كانَ يُقالُ في أئمةِ التابعينَ الأربعةِ: سعيدُ بنُ المسيبِ: إمامُ أهل\nالمدينةِ. وعطاءُ بنُ أبي رباح: إمامُ أهلِ مكةَ. وإبراهيمُ النخعيُّ: إمامُ أهلِ\nالكوفةِ. والحسنُ البصريُّ: إمامُ أهلِ البصرةِ.\nكان يقالُ أعلمُهُم بالحلالِ والحرامِ: سعيدُ بنُ المسيبِ، وأعلمُهُم بالمناسك:\nعطاء، وأعلمُهم بالصلاةِ: إبراهيمُ، وأجمعُهُم: الحسنُ.\nوكان أهلُ الدرايةِ والفهم من العلماءِ إذا اجتمعَ عندَ الواحدِ منهم من\nألفاظِ الكتابِ والسنةِ، ومعانيها، وكلامِ الصحابةِ والتابعينَ مابَسَّره اللَّهُ له.\nجعلَ ذلك أصُولًا، وقواعدَ يبني عليها، ويستنبطُ منها، فإنَّ اللَّهَ تعالى أنزلَ\nالكتابَ بالحقِّ والميزانِ، والكتابُ فيه كلمات كبيرة، هي قواعدُ كليُّة وقضايا عامَّة، تشملُ أنواعًا عديدةً، وجزئياتٍ كثيرةٍ، ولا يهتدي كلُّ أحد إلى دخولِها تحتَ تلكَ الكلماتِ، بل ذلك من الفهم الذي يؤتيه اللَّهُ من يشاءُ في كتابِهِ.\nوأمَّا الميزانُ فهوَ الاعتبارُ الصحيحُ، وهو من العدلِ والقسطِ، الذي أمر اللَّهُ\nبالقيامِ بهِ كالجمع بين المتماثلينِ لاشتراكهمَا في الأوصافِ، الموجبةِ للجمع\nوالتفريقِ بين المختلفينِ لاختلافِهِمَا في الأوصافِ الموجبةِ للفرقِ، وكثيرًا ما\nيخفى وجهُ الاجتماع والافتراقِ ويدقُ فهْمُهُ.","vol":"1","page":584},{"text":"وأمَّا أهلُ الروايةِ إذا اجتمعَ عندَهُم من ألفاظِ الرسولِ، وكلامِ الصحابةِ\nوالتابعينَ، وغيرِهم في التفسيرِ، والفقهِ، وأنواع العلومِ، لم يتصرفُوا في ذلكَ\nبل نقلُوه كما سمعُوه، وأدوه كما حفظُوه وربما كانَ لكثيرِ منهُم من التصرفِ\nوالتميزِ في صحةِ الحديثِ وضعفهِ من جهةِ إسنادِهِ، وروايتِهِ ما ليسَ\nلغيرِهِم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>قوله تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)</span>\nوفُسِّر \"أمُّ الكتابِ \" باللَّوح المحفوظِ، وبالذكَر، في قولِهِ تعالى:\n(يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) .\nوعن ابنِ عباسٍ - ﵄ -، أنه سألَ كعبًا، عن \"أمّ الكتابِ \" فقال: علِمَ اللَّه ما هو خالق، وما خلْقُه عامِلون، فقال لعلمِهِ: كُنْ كتابًا، فكان كتابًا.\nولا ريبَ أنَّ علمَ اللَّهِ تعالى قديمٌ أزليٌّ لم يزلْ عالمًا بما يُحدِثُهُ من\nمخلوقاتٍ، ثم إنَّه تعالى كتبَ ذلك في كتابٍ عندهَ قبل خلْقِ السماواتِ\nوالأرضِ، كما قال تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) .\nوفي \"صحيح البخاريِّ \" عن عمْرانَ بنِ حُصينٍ، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"كانَ اللَهُ ولا شيءَ قبله، وكان عرشُهُ على الماءِ، وكتبَ في الذكرِ كل شيءٍ، ثم خلقَ السماواتِ والأرضَ \".","vol":"1","page":585},{"text":"وفي \"صحيح مسلم \" عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ، عن النبي - ﷺ -\nقالَ: \"إنَّ الله كتبَ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يخلقَ السماوات والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ، وكان عرشُهُ على الماءِ\".\n* * *","vol":"1","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>سُورَةُ إبْرَاهِيمَ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>قال الله تعالى: (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)</span>\nوقال إبراهيمُ في قولهِ: (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ)، حتى من\nتحتِ كل شعرةٍ في جسدِهِ. وقال الضحاكُ: حتى من إبهامِ رجليِهِ.\nوالمعنى: أنه يأتيهِ مثلُ شدةِ الموتِ وألمِهِ من كلِّ جزءٍ من أجزاءِ بدنِه حتى شعره وظفرهِ، وهو مع هذا لا تخرجُ نفسُهُ فيستريح.\nقالَ ابنُ جريجٍ: تعلقُ نفسُهُ عند حنجرتِهِ فلا تخرج من فيه فيستريح، ولا\nترجعُ إلى مكانِها من جوفِهِ، وتأوَّلَ جماعةٌ من المفسرينَ على ذلك قولَهُ\nتعالى: (ثُمَّ لا يَمُوت فِيهَا وَلا يَحْيَى) .\nقالَ الأوزاعيُّ عن بلالِ بنِ سعدٍ: تنادي النارُ يومَ القيامةِ: يا نارُ أحرِقي.\nيا نارُ اشتفي، يا نارُ انضجي، كُلِي ولا تَقْتُلي.\n* * *","vol":"1","page":587},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا </span>وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)\nوقد ضربَ الله ورسولُهُ مثلَ الإيمانِ والإسلامِ بالنخلةِ:\nقالَ اللَّهُ تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا) .\nفالكلمةُ الطيبةُ، هي: كلمةُ التوحيدِ، وهي أساسُ الإسلامِ.\nوهي جاريةٌ على لسانِ المؤمنِ.\nوثبوتُ أصلِها، هو: ثبوتُ التصديقِ بها في قلبِ المؤمنِ.\nوارتفاعُ فرعِهَا في السماءِ، هو: عُلوُّ هذه الكلمةِ وبُسُوقُها.\nوأنها تخرقُ الحجبَ، ولا تتناهَى دون العرشِ.\nوإتيانُها أُكُلها كلَّ حينٍ، هو: مما يرفعُ بسببها للمؤمنِ كلَّ حينٍ من القولِ\nالطيبِ والعملِ الصالح، فهو ثمرتُها.\nوجعَلَ النبي - ﷺ - مثلَ المؤمنِ - أو المسلم - كمثلِ النخلةِ.\nوقال طاوسٌ: مثلُ الإيمانِ كشجرةٍ، أصلها الشهادةُ، وساقُها كذا وكذا.\nوورقُها كذا وكذا، وثمرُها الورعُ، ولا خيرَ في شجر لا ثمرَ لهَا.\nولا خيرَ في إنسانٍ لا ورعَ فيه.","vol":"1","page":588},{"text":"ومعلومٌ أنَّ ما دخلَ في مسمَّي الشجرةِ والنخلةِ من فروعِهَا وأغصانِهَا.\nوورقِها وثمرِهَا، إذا ذهبَ شيءٌ منه لم يذهبْ عن الشجرةِ اسمُها، ولكن\nيقالُ: هي شجرةٌ ناقصةٌ، وغيرُها أكملُ منها، فإن قُطعَ أصلُها وسقطتْ لم\nتبقَ شجرةً، وإنما تصيرُ حطبًا.\nفكذلك الإيمانُ والإسلامُ، إذا زالَ منه بعضُ ما يدخلُ في مسماة - مع بقاءِ\nأركانِ بنيانِهِ - لا يزولُ به اسمُ الإسلامِ والإيمانِ بالكليةِ، وإن كان قد سُلِبَ\nالاسمُ عنه، لنقصِه، بخلافِ ما انهدمتْ أركانُهُ وبنيانُهُ، فإنَّه يزول مسماهُ\nبالكليةِ، واللَّهُ أعلم.\n* * *\nضربَ العلماءُ مثلَ الإيمانِ بمثلِ شجرةٍ لها أصلٌ وفروعٌ وشُعَبٌ، فاسمُ\nالشجرةِ يشملُ ذلكَ كلَّه، ولو زالَ شيءٌ من شُعَبها وفروعِها، لم يزُلْ عنها\nاسمُ الشجرةِ، وإنَّما يُقال: هي شجرةٌ ناقصةٌ أو غيرُها أتمُّ منها.\nوقد ضربَ اللَّهُ مثلَ إلإيمانِ بذلكَ في قولِهِ تعالى: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَ) .\nوالمرادُ بالكلمةِ كلمةُ التَّوحيدِ، وبأصلها: التَّوحيدُ، الثَّابتُ في القلوبِ.\nوأُكُلُها: هو الأعمالُ الصالحةُ الناشئةُ منه.\nوضربَ النبيُّ - ﷺ - مثلَ المؤمنِ والمسلم بالنَّخلةِ\nولو زالَ شيءٌ من فروع النخلةِ أو من ثمرِهَا، لم يزلْ بذلكَ عنها اسمُ النخلةِ بالكليةِ، وإن كانت ناقصةَ الفروع أو الثَّمرِ.\n* * *","vol":"1","page":589},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>قال الله ﷿: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)</span>\nخرَّجَا في \"الصحيحينِ \" من حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\" (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ)، نزلتْ في عذابِ القبرِ\".\nزاد مسلمٌ: \"يقالُ له: من ربّك؛ فيقولُ: ربِّي اللَّهُ، ونَبيِّي محمدٌ، فذلكَ قولُهُ ﷾: \" (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) \".\nوفي روايةٍ للبخاريِّ، قالَ: \"إذا أُقْعِد العبدُ المؤمنُ في قبرِهِ أُتيَ.\nثم شهدَ أن لا إله إلا اللَّهُ وأن محمدًا رسولُ اللَّهِ، فذلك قولُهُ: \" (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ\".\nوخرَّج الطبرانيُّ من حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"يقالُ للكافرِ: من ربُّك؛ فيقولُ: لا أدْرِي، فهوَ تلكَ الساعةِ أصمُّ أعْمى أبكمُ، فيُضْرَب بِمرزبةٍ لو ضُرِبَ بها جبلٌ صارَ ترابًا، فيسمعُها كل شيء إلا الثقلين \" قال: وقرأ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) \" الآية.\nوخرَّج أبو داود، من حديثِ المنهالِ بنِ عمرٍو، عن زاذان، عن البراءِ\nابنِ عازبٍ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"إنه ليَسمعُ خفقَ نعالِهِم إذا ولَّوا مدبرينَ حينَ يقالُ\nله: من ربُّك؟ وما دينُك؟ ومن نبيُّك؟ \".\nوفي روايةٍ له: \"قال: ويأتِيه ملكانِ فيجلسانِهِ فيقولانِ له: من ربُّك؟\nفيقولُ: ربي اللَّهُ، فيقولانِ: ما دينُك؛ فيقولُ: ديني الإسلامُ، فيقولانِ له: ما هذا الرجلُ الذي","vol":"1","page":590},{"text":"بُعث فيكُم؟ فيقولُ: هو رسولُ اللَهِ - ﷺ -، فيقولانِ له: وما يُدريكَ؟\nفيقولُ: قرأتُ كتابَ اللَّهِ فآمنتُ به وصدَّقتُ \".\nوفي روايةٍ له: \"فذلك قولُهُ ﷿: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَولِ الثَابِتِ) \" الآية، قال: \"فينادي منادٍ من السماءِ: أن صدقَ عبدي فأفرشُوه من الجنةِ، وافتحُوا له بابًا إلى الجنةِ وألبسُوه من الجنةِ، قال: فيأتِيه من رَوْحِهَا وطيبِها، قال: ويفسحُ له في قبر مدَّ بصرِهِ \"\nقال: وذكر الكافرَ، قال: \"وتعادُ روحُه إلى جسدِهِ ويأتِيه ملكانِ فيجلسانِهِ فيقولانِ له: من ربُّك؟ فيقولُ: هاه هاه لا أدري، فيقولانِ له: ما دينُك؟\nفيقولُ: هاه هاه لا أدْرِي، فينادِي منادٍ من السماءِ: أن كذبَ عبدي فأفرشُوه من النارِ، وألبسُوه من النارِ، وافتحُوا له بابًا إلى النارِ\".\nقال: \"فيأتِيه من حرِّها وسمومِها\"\nقال: \"ويضيَّقُ عليه قبرُهُ حتَّى تختلفَ أضلاعُه \".\nوفي روايةٍ له: \"ثم يقيّضُ له أعمى أبكمُ معه مرزبةٌ من حديدٍ لو ضُرِبَ بها\nجبلٌ لصارَ ترابًا\" قال: \"فيضربُهُ ضربة يسمعُها ما بين المشرقِ والمغربِ إلا الثقلينِ، فيصيرُ ترابًا\"\nقال: \"ثم تُعادُ فيه الرّوح \".\nوخرَّجه النسائيّ وابنُ ماجةَ مختصرًا، وخرَّجه الإمامُ أحمدُ بسياق مطوَّلٍ\nوالحاكم، وقال: على شرط الشيخين.\nوفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ: \"ثم يقيّضُ له أعمى أبكمُ أصمُ في يدهِ مرزبة لو ضُرِبَ\nبها جبلٌ كان ترابًا فيضربُه ضربةً فيصير ترابًا، ثم يعيدُه اللَّهُ ﷿ كما كان، فيضربُه ضربةً أخرى فيصيحُ صيحةً يسمعها كل شيءٍ إلا الثقلينِ \".","vol":"1","page":591},{"text":"قالَ البراءُ بنُ عازب: \"ثم يُفتح له بابٌ إلى النارِ ويمهد له من فرشِ النارِ\".\nكذا خرَّجه من روايةِ يونسَ بنِ خبابٍ عن المنهالِ بنِ عمرٍو.\nوخرَّجه ابنُ منده من هذا الوجهِ أيضًا وزادَ في حديثِه:\n\"لو اجتمعَ عليه الثقلانِ على أن يقلبوها لم يستطِيعوا، فيضربُه بها ضربةً يصيرُ ترابًا، وتعادُ فيه الروحُ فيضربُهُ بين عينيهِ ضربةً فيسمعُها من على الأرضِ ليس الثقلينِ - فينادِي منادٍ: أن افرشُوا له لوحينِ من نارٍ، وافتحُوا له بابًا إلى النارِ\".\nوخرَّجه أيضًا من طريقِ عيسى بنِ المسيبِ، عن عدي بنِ ثابت، عن البراءِ\nابنِ عازبٍ، عن النبيِّ - ﷺ - وقال فيه في حقِّ المؤمنِ: \"فيأتيه منكر ونكير يثيرانِ الأرضَ بأنيابِهِمَا ويفحصانِ الأرضَ بأشعارِهِمَا فيجلسانِهِ \".\nوذكر في الكافرِ مثلَ ذلك: وزاد فيه: \"أصواتُهُما كالرَّعدِ القاصفِ، وأبصارُهُما كالبرقِ الخاطفِ \"، وقال: \"فيضربَانِهِ بمرزبة من حديد، لو اجتمعَ عليه من بين الخافقينِ لم تُقلَّ \".\nوخرَّجَا في \"الصحيحينِ \" من حديثِ قتادةَ، عنِ أنسٍ، أنَّ رسولَ اللَّهِ\n- ﷺ - قالَ:\n\"إن العبدَ إذا وُضِعَ في قبرِهِ وتولَّى أصحابُهُ، إنه ليَسمعُ قرع نعالِهِم إذا\nانصرفُوا أتاهُ الملكان فيقعدانِهِ فيقولانِ: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ محمَّدٍ - ﷺ -؛ فأما المؤمنُ فيقولُ: أشهدُ أنه عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ - ﷺ -، فيقالُ له: انظرْ إلى مقعدِكَ من النارِ، قد\nأبدلكَ اللَهُ به مقعدًا من الجنةِ\"، قالَ: \"فيراهُما جميعًا\".\nقالَ قتادةُ: وذُكر لنا أنه يُفسَّحُ له في قبره مدَّ بصره، ثم رجعَ إلى حديثِ\nأنسٍ - قالَ: \"وأما المنافقُ والكافرُ فيقالُ له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ؟","vol":"1","page":592},{"text":"فيقولُ: لا أدري؛ كنتُ أقولُ ما يقولُ الناسُ، فيقالُ: لا دريتَ، ولا تليتَ، ويُضربُ بمطارقَ من حديدٍ ضربة فيصيحُ صيحة يسمعُها من يليه غيرَ الثقلين\".\nوخرَّجه أبو داود بزياداتٍ أُخر منها: \"إنَّ المؤمنَ يُقال له: ما كنتَ تعبدُ؟ فإن اللَّه هدَاه، قال: كنتُ أعبدُ اللَّهَ، فيقالُ له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ؟ فيقولُ. هو عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ، قال: فما يُسأل عن شيء غيرِها\"، وزاد فيه أيضًا: \"فيقولُ دعُوني حتى أذهبَ فأبشِّر أهلِي، فيقالُ له: اسكُن \"، وذكر في الكافرِ: \"أنه يسألُ عمَّا كانَ يعبدُ ثم عن هذا الرجلِ \".\nوخرَّجا في \"الصحيحينِ \" من حديثِ أسماءَ بنت أبي بكرٍ أن النبيَّ - ﷺ - قال في خطبتهِ يومَ كسفتِ الشمسُ: \"ولقد أوحي إليًّ أنكم تفتنونَ في قبورِكم مثل أو قريبًا من فتنةِ المسيح الدجالِ يُؤتى أحدُكم، فيقالُ له: ما علمُكَ بهذا الرجلِ؟ فأمَّا المؤمنُ أو الموقنُ فيقولُ: محمد رسولُ اللهِ جاءنا بالبيَّناتِ والهُدَى، فأجبْنا وآمنَّا واتَّبعنا.\nفيقالُ له: نَمْ صالحًا، فقدْ علمنا إنْ كنتَ لموقِنَا، وأمَّا المنافقُ أو المرتابُ فيقولُ: لا أدْرِي سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئًا فقلتُهُ \".\nوخرَّجَه الإمامُ أحمد، ولفظُهُ: \"قد رأيتُكُم تفتنونَ في قبورِكُم ويُسألُ\nالرجلُ: ما كنتَ تقولُ؟ وما كنتَ تعبدُ؟ فإن قال: لا أدْرِي، سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئًا فقلتُهُ ويصنعون شيئا فصنعتُه.\nقيل له: أجلْ على شَكٍّ عِشتَ، وعليه مِتَّ، هذا مقعدُكَ\nمن النارِ، وإنْ قال: أشهدُ أنَّ لا إله إلا اللَهُ وأنَّ محمَّدًا رسولُ اللَّهِ.\nقيل لهْ على اليقينِ عشتَ وعليه مِتَّ، هذا مقعدُك من الجنَّةِ\".","vol":"1","page":593},{"text":"وخرَّج الترمذيُّ وابنُ حبانَ في \"صحيحهِ \" من حديثِ أبي هريرةَ عنِ\nالنبيِّ - ﷺ - قالَ: \"إذا قُبِرَ الميتُ \" - أو قال: أحدُكم - أتاه ملكانِ أسودانِ أزرقانِ، يُقالُ لأحدِهِما: المُنكرُ، والآخرُ: النَّكيرُ، فيقولانِ: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ؟\nفيقولُ ما كان يقولُ: هو عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ، أشهدُ أن لا إله إلا اللَّهُ وأنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ.\nفيقولانِ: قد كُنَّا نعلمُ أنك تقولُ هذا، ثم يُفسحُ له في قبر سبعونَ ذراعًا في سبعينَ ذِراعًا، ثم ينوَّرُ له فيه، ثم يقالُ له: نمْ، فيقولُ: أرجعُ إلى أهلي فأخبرُهم، فيقولانِ: نمْ كنومةِ العروسِ الذي لا يوقظُه إلا أحبُّ أهلِهِ إليه، حتى يبعَثَهُ اللَّهُ من مضجِعِه ذلك.\nوإنْ كان منافقًا، قال: سمعتُ الناسَ يقولونَ قولًا فقلتُ مثلَهُ، لا أدري، فيقو لانِ: قد كُنَّا نعلمُ أنَّك تقولُ ذلك، فيقالُ للأرضِ: التئِمي عليهِ، فتلتئمُ عليه حتى تختلفَ أضلاعُه، فلا يزالُ فيها معذبا حتى يبعثَهُ اللَّهُ من مضجِعِه \".\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجةَ من حديثِ أبي هريرةَ أيضًا عنِ النبيِّ\n- ﷺ -، قالَ:\n\"يُجْلَسُ الرجلُ الصالحُ في قبرِهِ غيرُ فزعٍ ولا مشغوفٍ، ثم يُقال له: فيم\nكنتَ؟ فيقولُ: كنتُ في الإسلامِ، فيقالُ له: ما هذا الرجلُ؟ فيقولُ: محمَّدٌ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - جاءَنا بالبيِّناتِ من عندِ اللَّهِ فصدَّقناه، فيقالُ له: هل رأيتَ اللَّهَ؟ فيقولُ: ما ينبغِي لأحدٍ أن يرى اللَّهَ، فيفرجُ له فرجَةٌ قِبَلَ النارِ، فينظرُ إليها يحطمُ بعضُها بعضًا، فيقالُ له:\nانظرْ إلى ما وقاكَ اللَّهُ، ثم يفرجُ له فرجةٌ قِبَلَ الجنةِ فينظرُ إلى زهرتِها وما فيها، فيقالُ له: هذا مقعدُك، ويقالُ له: على اليقينِ كنتَ، وعلى اليقينِ مِتَّ، وعليه تبعثُ إن شاءَ اللَّهُ تعالى، ويُجَلسُ الرجلُ السّوءُ في قبر فزعًا مشغوفًا فيُقال له: فيمَ كنتَ؟ فيقولُ: لا أدري، فيقالُ له: ما هذا الرجلُ؟\nفيقولُ: سمعتُ الناسَ يقولونَ قولًا فقلتُهُ، فيفرجُ له","vol":"1","page":594},{"text":"فُرْجةً قِبَل الجنةِ فينظرُ إلى زهرتِها وما فيها، فيُقال له: انظرْ إلى ما صرفَ اللَّهُ عنكَ، ثم يفرجُ له فرجةً قِبَلَ النارِ فينظرُ إليها يحطِمُ بعضُها بعضًا، فيقالُ له: هذا مقعدُك، على الشكِّ كنتَ، وعليه مِتَّ، وعليه تبعثُ إن شاءَ اللَّهُ تعالى\".\nوخرَّج الطبرانيُ من حديثِ أبي هريرةَ - ﵁ -، قال: شهْدنا مع رسولِ اللَّهِ - ﷺ - جنازةً، ولمَّا فرغَ من دفنها وانصرفَ الناسُ، قال نبيُّ الله - ﷺ -:\n\"إنَّه الآنَ يسمعُ خفقَ نعالِهِم، أتاه منكر ونكير أعينُهُما مثلَ قدورِ النحاسِ، وأنيابُهُما مثلُ صياصي البقرِ، وأصواتُهُمَا مثلُ الرعدِ، فيجلسانِهِ فيسألانِهِ: ما كان يعبدُ؟ ومن كان نبيُّه؟ فإنْ كان ممن يعبدُ اللَّهَ، قال: كنتُ أعبدُ اللَّهَ، والنبيُّ محمَّدٌ - ﷺ - جاءَنا بالبيِّناتِ والهُدَى فآمنَّا\nواتَّبعْنا، فذلك قولُ اللَّه ﷿: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ)\nالآية.\nفيقالُ له: على اليقينِ حييتَ وعليه مِتَّ، وعليه تبعثُ ثم يُفتحُ له بابٌ إلى الجنةِ، ويوسعُ له في حفرتِهِ، وإن كان من أهلِ الشكِّ قال: لا أدْري، سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئًا فقلتُهُ، فيقالُ له: على الشكِّ حييتَ، وعليه مِتَّ، وعليه تبعثُ، ثم يفتحُ له باب إلى النَّارِ ويسلَّطُ عليه عقاربُ وتنانين لو نفخَ أحدُهُم في الدنيا ما أنبتتْ شيئًا، تنهشُهُ، وتؤمرُ الأرضُ فتُضَمُّ حتى تختلفَ أضلاعُهُ \".\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ من حديثِ جابرٍ عنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"إنَّ هذه الأمة تبتلى في قبورِها، فإذا دخلَ المؤمنُ قبرَهُ وتولَّى عنه أصحابُهُ جاءَهُ ملَك شديدُ الانتهارِ فيقولُ له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجل؟\nفيقولُ المؤمنُ: إنَّه عبدُ اللَّهِ ورسولُهُ.\nفيقولُ له الملَكُ: انظرْ إلى مقعدك الذي كان لك في النارِ، قد أنجاكَ اللَّهُ منه، وأبدَلَكَ بمقعدِكَ الذي ترى من النارِ الذي ترى من الجنةِ، فيراهُمَا كليهِمَا فيقولُ المؤمنُ: دعوني أبشرُ أهلِي؟\n\n\"المسند\" (٣٤٦/٣) .","vol":"1","page":595},{"text":"فيقال له: اسكنْ. وأما المنافقُ فيقعدُ إذا تولَّى عنه أصحابُهُ وأهلُهُ، فيقالُ له: ما كنتَ تقولُ في هذا الرجلِ؟ قالَ: لا أدْري، أقولُ ما يقولُ الناسُ، فيقالُ: لا دريتَ، هذا مقعدُك الذي كان لك في الجنةِ، أبدَلَكَ الله به مقعدَك من النارِ\".\nقال جابرٌ: سمعتُ رسولَ اللهِ - ﷺ - يقولُ:\n\"يُبعثُ كل عبد على ما ماتَ عليه، المؤمنُ على إيمانِهِ، والمنافقُ على نفاقِهِ \".\nوأخرج ابنُ ماجةَ من حديثِ جابرٍ عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ: \"إذا دخلَ الميتُ القبرَ مثلتْ الشمسُ عندَ غروبِها فيجلسُ يمسحُ عينيه: ويقولُ: دعونِي أصلِّي \".\nوخرَّجَ الإمامُ أحمد أيضًا من حديثِ عائشةَ عن النبي - ﷺ - قال: \"وأما فتنةُ القبرِ، فبي تُفْتنوْنَ وعنّي تُسْألونَ، فإذا كان الرجلَ الصالحَ أجْلِسَ في قبرِهِ غيرَ فزعٍ ولا مشغوف، ثم يقالُ له: فيم كنتَ؟\nفيقول: في الإسلامِ.\nفيقالُ: ما هذا الرجلُ الذي كان فيكم؟\nفيقولُ: محمارسولُ اللهِ، جاءَنا بالبيِّناتِ والهُدَى من عندِ اللَّهِ فصدَّقنَاه.\nفيفرجُ له فرجةٌ قِبلَ النارِ، فينظرُ إليه يحطمُ بعضُها بعضا.\nفيقالُ له: انظر إلى ما وقاكَ اللَّهُ منه ثم يفرجُ له فرجة قِبلَ الجنةِ، فينظرُ إلى زهرتِها وما فيها، فيقالُ: هذا مقعدُك منها.\nويقالُ له: على اليقينِ كنتَ، وعليه مِتَّ، وعليه تبعثُ إن شاء اللَّه تعالى، وإن كان الرجلَ السوءَ أجْلِسَ في قبرِهِ فزعًا مشغوفًا، فيقالُ له: فيم كنتَ؟ فيقولُ: لا أدرِي، فيقال له: ما هذا الرجلُ الذي كان فيكم؟\nفيقولُ: سمعتُ الناسَ يقولونَ قولًا فقلتُ كما قالُوا.\nفيفرجُ له فرجةٌ إلى الجنةِ فينظرُ إلى زهرتِها وما فيها، فيقالُ له: انظرْ إلى ما صرفَ اللَّهُ عنك، ثم يفرجُ له فرجةٌ قِبلَ النارِ فينظرُ إليها يحطمُ بعضُها بعضا، ويقالُ له: هذا","vol":"1","page":596},{"text":"مقعدُك منها، على الشكِّ كنتَ، وعليه مِتَّ، وعليه تبعثُ إن شاء الله تعالى ثم يعذَّب \".\nوخرَّج الإمامُ أحمد أيضًا من حديث أبي سعيد الخدريِّ، قالَ: شهدَنا\nمع رسولِ اللَّهِ - ﷺ - جنازةً.\nفقال رسولُ الَلَّهِ - ﷺ -:\n\"يا أيها الناسُ إنَّ هذه الأمَّة تبتلَى في قبورِها، فإذا الإنسانُ دفنَ فتفرق عنه أصحابُهُ جاءَهُ ملك في يدِه مطراق فأقعدَهُ، قال: ما تقولُ في هذا الرجلِ؟\nفإن كانَ مؤمنًا، قالَ: أشهدُ أن لا إلهً إلا اللَّهُ وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ.\nفيقولُ له: صدقتَ، ثم يفْتحُ له بابًا إلي النارِ، فيقولُ: هذا كان\nمنزلُك لو كفرتَ بربِّك، فأمَّا إذا آمنتَ بربِّك فهذا منزلُك، فيُفتحُ له باب إلى الجنةِ، فيريدُ أن ينهضَ إليه، فيقولُ له: اسكنْ، ويُفسح له في قبرِهِ، وإنْ كان كافرًا أو منافقًا فيقولُ له:\nما تقولُ في هذا الرجلِ؟\nفيقولُ: لا أدْري، سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئًا، فيقولُ. لا دريتَ\nولا تليتَ ولا اهتديتَ، ثم يفتحُ له باب إلى الجنةِ، فيقولُ له: هذا منزلُك لو آمنتَ بربِّك، فأمَّا إذا كفرتَ به فإن اللَّهَ ﷿ أبدَلَكَ به هذا، ويفتحُ له باب إلى النارِ، ثم يقمعه قمعةً بالمطراقِ، يسمعُها خلقُ اللَّه ﷿ كلُّهم غيرَ الثقلينِ \".\nفقالَ بعضُ القومِ: يا رسولَ اللَّه، ما أحدٌ يقومُ عليه ملك في يده مِطراقٌ إلا هيلَ عند ذلك.\nفقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\" (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) \".\nوخرَّج أبو بكرٍ في كتابِ \"السنةِ\" من حديثِ عمرَ بنِ الخطابِ، عن النبي - ﷺ -، أنَّه قال: \"كيف أنتَ يا عمرُ إذا كنتَ من الأرضِ في أربعةِ أذرعٍ في ذراعينِ، فرأيتَ منكرًا ونكيرًا؟\n\" قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، وما منكرٌ ونكيرٌ؟\nقال: \"فتَانا القبرِ يبحثانِ الأرضَ بأنيابِهما، ويطآنِ في أشعارِهِما، أصواتُهما كالرعدِ القاصفِ، وأبصارُهما كالبرقِ الخاطفِ، ومعهُما مرزبةٌ لو اجتمعَ عليها أهلُ مِنى لم يطيقُوا رفعَها وهي أيسرُ عليهما من عصَاي هذه \"\nقال: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، وأنا على حالِي هذه؟","vol":"1","page":597},{"text":"قال: \"نعم \" فقلتُ: إذًا أكفيكَهما.\nوفي روايةٍ أيضًا: \"فامْتحناكَ فإن التويتَ ضرباكَ ضربةً صرتَ رمادًا\".\nوفي إسنادِهِ ضعفٌ.\nوخرَّجه الإسماعيليُّ من وجهٍ آخرَ فيه ضعفٌ أيضًا عن عمرَ عن النبيِّ - ﷺ - بنحوه وزاد فيه:\n\"ياتيانِ الرجلَ في صورةٍ قبيحةٍ، يطآنِ على شعورِهما، ويحفرانِ\nالأرضَ بأنيابِهما\"\nوزاد فيه: \"يقولانِ له: من ربُّك؟ فإن كان مسلمًا يقولُ. ربِّي اللَّهُ.\nوإن كان فاجرًا فيقولُ: لا أدْري، فيضربانِهِ ضربةً لو كانَ جبلًا صارَ تُرابًا، فيصيحُ صيحةَّ مَا يبقَى شيءٌ إلا سمِعَها إلا الثقلينِ الجنَّ والإنسَ، فذلكَ قولُه ﷾: (وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) \".\nوقد رُوي حديثُ عمرَ هذا من وجوهٍ أُخرَ مرسلةٍ.\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ وابنُ حبانَ في \"صحيحِهِ \" من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ\nعمرِو بنِ العاصِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ -\nذكرَ فتَّانَيْ القبرِ، فقالَ عمرُ: أتُرَدُ إلينا عقولُنا يا رسولَ اللَّهِ؟\nفقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"نعم، كهيئتِكُم اليومَ \".\nفقالَ عمرُ: بفِيْهِ الحجر.\nوخرَّج أبو داود عن عثمانَ بنِ عفانَ - ﵁ -، قالَ: كان النبي - ﷺ - إذا فرغَ من دفنِ الميتِ وقفَ عليه، وقالَ: \"استغفِرُوا لأخيكم، واسألُوا له التثبيتَ، فإنه الآن يُسألُ \".\nوفي حديثِ يونسَ بن خبابٍ، عن المنهالِ بنِ عمرٍو، عن زاذانَ، عن","vol":"1","page":598},{"text":"البراءِ بنِ عازبِ، عن النبى - ﷺ - أنه ذكر سؤالَ المؤمن في قبره، وأنَّ المَلَكَ ينتهرُهُ، قال: \"وهي آخرُ فتنة تعرضُ على المؤمنِ فذلكَ، قولُهُ تعالى: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَابِتِ) .\nأخرَّجَه الإمامُ أحمدُ.\nوكذا رواه جريرٌ، عن الأعمشِ، عن المنهالِ، وفي حديثِه:\n\"إن المؤمنَ يقولُ ذلكَ ثلاثَ مرات، ثم ينتهرانِهِ انتهارة شديدة، وهي آخرُ فتنة تعرضُ على المؤمنِ \".\nورواه أبو عوانة، عن الأعمشِ، وفي حديثِهِ:\n\"ويأتيه ملكانِ شديدا الانتهارِ\"\nوذلك في حقِّ الكافرِ والمؤمنِ.\nوقد روي عن مجاهدِ: أنَّ الموتى كانُوا يفتنون في قبورِهِم سبعًا، فكانُوا\nيستحبُّون أنْ يُطعمَ عنهم تلك الأيامُ.\nوعن عبيدِ بنِ عمير، قال: المؤمنُ يُفتن سبعًا، والمنافقُ أربعينَ صباحًا.\nوقال الإمامُ أحمدُ: أخبرنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن المسعودي، عن العلاءِ بن\nالشخيرِ، حدثنا بعضُ حفدةِ أبي موسى الأشعريِّ، أن أبا موسى الأشعريَّ\nأوصاهُم، قال: إذا حفرتُم فأعمِقُوا قعرَهُ، أما أني واللَّهِ لأقول لكُم ذلك\nوأني لأعلم إن كنتُ من أهلِ طاعةِ اللَهِ ليفسحنَّ لي في قبرِي ولينورُ لي فيه.\nثم ليفتحنَّ لي بابُ مساكني في الجنةِ، فما أنا بمساكني من داري هذه بأعلم\nمن مساكنِي منها، وليأتينَي من روحِها وريحتِها وريحانِها، ولئنْ كنتُ من\nأهلِ المنزلةِ الأُخرى ليضيقُ عليَّ قبرِي، وليهدمنَّ من عليَّ الأرضَ، فليفتحن\nاللَّهُ إليَّ بابَ مساكنِي من النارِ، فما أنا بمساكنِي من دارِي هذه بأعلمَ من\nمساكنِي منها، ثم ليأتينَي من شرِّها، وشرورِها، ودخانِها.","vol":"1","page":599},{"text":"وروى المسعوديُّ، عن عبدِ اللَّهِ بن المخارقِ، عن أبيه قالَ: قال عبدُ اللَّهِ -\nيعني ابنَ مسعودٍ -: إنَّ المسلمَ إذا ماتَ أُجلسَ في قبر.\nفيقال له: من ربُّك؟ ما دينُك؟ من نبيُّك؟\nقال: فيثبِّته اللَّهُ تعالى، فيقول: ربي اللَّهُ، وديني الإسلامُ، ونَبيِّي محمدٌ - ﷺ -، فيوسَّعُ له في قبر ويفرجُ له فيه.\nثم قرأ عبدُ الله: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) الآية.\nوقال ابنُ أبي الدنيا: حدثنا أحمدُ بنُ بحيرٍ، حدثنا بعضُ أصحابِنا، قال:\nمات أخٌ لي فرأيتُه في النَّومِ، فقلتُ له: ما حالُك حينَ وضعْتَ في قبرِكَ؟\nقال: أتانِي آتٍ بشهابٍ من نارٍ فلولا أنَّ داع دعا لي لرأيتُ أنه سيضْرِبُني بهِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>قال الله ﷿: (وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)</span>\nقال عليٌّ بن أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ، في قولِهِ: (قَطِرَانٍ) قال: هو\nالنحاسُ المذابُ.\nوروى حصينُ عن عكرمةَ، في قولِهِ: (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ)\nقال: من صفرٍ يُحمى عليها.\nقال معمرٌ عن قتادةَ في قولِهِ: (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ) قال: من النحاسِ.\nقال معمرٌ، وقال الحسنُ: قطرانُ الإبلِ.","vol":"1","page":600},{"text":"وفي \"صحيح مسلم\" عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ:\n\"النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ \"\nوخرَّجه ابنُ ماجةَ ولفظُهُ:\n\"النائحةُ إذا ماتتْ ولم تتبْ قطعَ اللَّهُ لها ثيابًا من قطرانٍ ودرعًا له النارِ\".\nوخرَّج ابنُ ماجةَ أيضًا من حديثِ ابنِ عباسٍ، عنِ النبيِّ - ﷺ -: \"النائحةُ إذا لم تتبْ قبلَ أن تموتَ فإنها تبعثُ يومَ القيامةِ وعليها سرابيلُ من قطرانٍ يغلي عليها بدروعٍ من لهبِ النارِ\".\n* * *","vol":"1","page":601},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>سُورَةُ الحِجْرِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)</span>\nبلغِني إنكارُ بعضِ الناسِ على إنكارِي على بعضِ من ينتسبُ إلى مذهبِ\nالإمامِ أحمدَ وغيرِه من مذاهبِ الأئمةِ المشهورينَ في هذا الزمانِ، الخروج عن\nمذاهبِهِم، في مسائلَ، وزعمَ أنَّ ذلكَ لا ينكر على مَنْ فعلَهُ، وأنَّ من فعلَهُ\nقد يكون مُجتهدًا مُتبعًا للحقِّ الذي ظهر له، أو مقلدًا لمجتهدٍ آخر، فلا يُنكر\nعليه.\nفأقولُ وباللَّهِ التوفيقِ، وهو المستعانُ وعليه التكلانُ، ولا حول ولا قوةَ إلا\nباللَّهِ:\nلا ريبَ أنَّ اللَّه تعالى حفظ لهذهِ الأُمَّةِ دينَها حفظًا لم يحفظْ مثلَه دِينًا غيرَ\nدينِ هذهِ الأمةِ، وذلك أنَّ هذه الأمةَ ليسَ بعدَها نبيٌّ يجدِّدُ ما دثرَ من دينِه\nكمِا كانَ دينُ مَنْ قبلَنا من الأنبياءِ، كلَّما دثرَ دينُ نبيٍّ جدَّده نبيٌ آخر يأتِي\nبعده.\nفتكفَّلَ اللَّهُ سبحانه بحفظِ هذا الدينِ، وأقامَ له في كل عصرٍ حملةً ينفونَ\nعنه تحريفَ الغالينَ، وانتحال المبطلينَ، وتأويلَ الجاهلينَ.\nوقال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)؛ فتكفَّل\nاللهُ سبحانه بحفظِ كتابِهِ، فلم يتمكَّنْ أحدٌ من الزيادةِ في ألفاظِهِ ولا مِنْ","vol":"1","page":602},{"text":"النقصِ منها.\nوقد كانَ النبيُّ - ﷺ - يُقرئُ أُمَّته القرآنَ في زمانِهِ على أحرفٍ مُتعددةٍ، تيسيرًا على الأمَّةِ لحفظِهِ، وتعلُّمِهِ، حيث كان فيهم العجوزُ والشيخُ الكبير، والغلامُ والجاريةُ، والرجلُ الذي لم يقرأ كتابًا قط.\nفطلب لهم الرخصةَ في حفظِهِم له أنْ يُقرئَهُم على سبعةِ أحرفٍ، كما وردَ\nذلك في حديثِ أُبيّ بنِ كعبٍ وغيره.\nثم لما انتشرتْ كلمةُ الإسلامِ في الأقطارِ، وتفرق المسلمونَ في البُلدانِ\nالمتباعدةِ صارَ كلُّ فريقٍ منهُم يقرأ القرآن على الحرفِ الذي وصلَ إليه.\nفاختلفُوا حينئذٍ في حروفِ القرآنِ، فكانُوا إذا اجتمعُوا في الموسمِ أو غيرِه\nاختلَفُوا في القرآنِ اختلافًا كثيرًا.\nفأجمعَ أصحابُ النبيِّ - ﷺ - في عهدِ عُثمانَ على جمع الأمَّة على حرفٍ واحدٍ، خشيةَ أنْ تختلفَ هذه الأُمَّةُ في كتابِها كما اختلفتْ الأمم قبلَهُم في كُتُبِهِم، ورأوا أنَّ المصلحةَ تقتضي ذلك.\nوحرقوا ما عدا هذا الحرفَ الواحدَ من المصاحفِ وكان هذا من محاسنِ\nأميرِ المؤمنين عثمان - ﵁ - التي حمده عليها عليٌّ وحذيفةُ وأعيانُ الصحابةِ.\nوإذا كان عمرُ قد أنكرَ على هشامِ بنِ حكيم بنِ حزامٍ على عهدِ النبيِّ - ﷺ - في آيةٍ أشدَّ الإنكارِ وأُبيُّ بنُ كعبٍ حصلَ له بسببِ اختلافِ القرآنِ ما أخبرَ به عن نفسِهِ من الشكِّ، وبعضُ مَنْ كان يكتبُ الوحي للنبيِّ - ﷺ -","vol":"1","page":603},{"text":"ممن لم يرسخ الإيمانُ في قلبِهِ ارتدَّ بسببِ ذلك حتى ماتَ مُرتدا.\nهذا كلُّه في عهدِ النبيِّ - ﷺ - فكيفَ الظنُّ بالأُمَّةِ بعده أنْ لو بقيَ الاختلافُ في ألفاظِ القرآنِ بينَهُم.\nفلهذا تركَ جمهورُ علماءِ الأمةِ القراءةَ بما عدا هذا الحرفِ الذي جمعَ عثمانُ\nعليه المسلمينَ، ونهَوا عن ذلك. ورخَّص فيه نفرٌ منهُم، وحُكيَ روايةً عن\nأحمدَ ومالكٍ مع اختلافٍ عنهُما على ذلكَ به في الصلاةِ وغيرِها أم خارج\nالصلاةِ فقط.\nوبكلِّ حالٍ: فلا تختلفُ الأمَّةُ أنَّه لو قرأَ أحد بقراءةِ ابنِ مسعودٍ، ونحوِها\nمما يخالفُ هذا المصحفُ المجتمعُ عليه، وادَّعى أنَّ ذلكَ الحرفَ الذي قرأ به\nهوَ حرفُ زيدِ بنِ ثابتٍ الذي جمعَ عليه عثمانُ الأُمَّةَ، أو أنَّه أولى بالقراءةِ\nمن حرفِ زيدٍ: لكانَ ظالمًا مُتعديًا مُستحقا للعقوبةِ.\nوهذا لا يختلفُ فيه اثنانِ من المسلمينَ.\nإنَّما محلُّ الخلافِ: إذا قرأ بحرفِ ابنِ مسعودٍ ونحوِه مع اعترافِهِ أنَّه حرفُ\nابنِ مسعودٍ المخالفُ لمصحفِ عثمانَ - ﵁ -.\nوأما سنَّةُ النبيِّ - ﷺ -: فإنّها كانتْ في الأمَّةِ تُحفظ في الصدورِ كما يُحفظ القرآنُ، وكان مِن العلماءِ من يكتُبها كالمصحفِ، ومنهُم من ينهى عن كتابتِها.\nولا ريبَ أنَّ الناسَ يتفاوتونَ في الحفظِ والضبطِ تفاوتًا كثيرًا.\nثمَّ حدثَ بعد عصرِ الصحابةِ قوم من أهلِ البدع والضلالِ، أدخلوا في\nالدِّينِ ما ليسَ منه وتعمَّدوا الكذبَ على النبيِّ - ﷺ -.","vol":"1","page":604},{"text":"فأقامَ اللهُ تعالى لحفظِ السُّنَّةِ أقوامًا ميَّزوا ما دخلَ فيها من الكذبِ والوهم\nوالغلطِ، وضبطُوا ذلكَ غايةَ الضبطِ وحفظوه أشدَّ الحفظِ.\nثم صنَّف العلماءُ التصانيفَ في ذلكَ، وانتشرت الكتبُ المؤلفةُ في الحديثِ\nوعلومِهِ، وصارَ اعتمادُ الناسِ في الحديثِ الصحيح على كتابَي الإمامينِ أبي\nعبدِ اللَّهِ البخاريِّ، وأبي الحسينِ مُسلم بنِ الحجَّاج القُشيريِّ - رضي اللَّهُ\nعنهما.\nواعتمادُهم بعدَ كتابيهما على بقيّة الكُتب الستةِ خصوصًا \"سُنن أبي داود\".\nو\"جامعُ أبي عيسى\" و\"كتابُ النسائيًّ \" ثم كْتابُ ابنِ ماجةَ.\nوقد صنّفَ في الصحيح مصنفاتٌ أُخر بعد صحيحي الشيخينِ، لكن لا\nتبلغ كتابَي الشيخينِ.\nولهذا أنكرَ العلماءُ على من استدرك عليهما الكتابَ الذي سمَّاه:\n\" المُسْتدرك \".\nوبالغَ بعضُ الحفَّاظِ فزعمَ أنَّه ليسَ فيه حديثٌ واحدٌ على شرطِهِما.\nوخالفَهُ غيرُه، وقال: يصفو منه حديثٌ كثير صحيحٌ.\nوالتحقيقُ: أنَّه يصفو منه صحيحٌ كثيرٌ على غيرِ شرطِهِما، بل على شرطِ أبي عيسى ونحوِه، وأما على شرطِهِما فلا.\nفقلَّ حديثٌ تركَاه إلا وله علةٌ خفيَّة، لكن لعزَّة من يعرفُ العللَ\nكمعرفتِهِما وينقده، وكونه لا يتهيأ الواحدُ منهم إلا في الأعصارِ المُتباعدةِ.\nصارَ الأمرُ في ذلك إلى الاعتمادِ على كتابيهما، والوثوقُ بهما والرجوعُ\nإليهما، ثم بعدَهُما إلى بقيّةِ الكتبِ المُشارِ إليها.","vol":"1","page":605},{"text":"ولم يُقبلْ من أحدٍ بعد ذلك الصحيحُ والضعيفُ إلى عمَّن اشتُهرَ حذقه\nومعرفتُه بهذا الفنِّ واطلاعُه عليه، وهم قليلٌ.\nوأمَّا سائرُ الناسِ، فإنَهم يعوِّلون على هذهِ الكُتبِ المشارِ إليها، ويكتفونَ\nبالعزوِ إليها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>قال الله ﷿: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)</span>\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ من حديثِ ابنِ عمرَ، عنِ النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"إنَّ لجهنَّم سبعةَ أبواب، بابٍ منها لمنْ سل سَيفَهُ على أُمَّتِي \".\nوخرَّج الإمامُ أحمد من حديثِ عتبةَ بنِ عبدٍ السُّلميِّ عنِ النبيِّ - ﷺ -، قال:\n\"إن للجنةِ ثمانيةُ أبواب ولجهنَّم سبعةُ أبوابٍ وبعضُها أفضلُ من بعضٍ \".\nوفي حديثِ أبي رزينِ العقيليّ عنِ النبيِّ - ﷺ -، قال: \"لَعَمرُ إلهِكَ؛ إنَّ للنارِ سبعةُ أبوابٍ، ما منهنَّ بابانِ إلا ويسيرُ الراكبُ بينهما سبعينَ عامًا\".\nخرَّجه عبدُ اللَّهِ بنُ الإمامِ أحمدَ، وابنُ أبي عاصم، والطبرانيُّ.\nوالحاكم، وغيرُهم.\nوخرَّج البيهقيُّ من حديثِ أبي سعيد وأبي هريرةَ عنِ النبيِّ - ﷺ -، في","vol":"1","page":606},{"text":"حديثِ المرورِ على الصراطِ، وقالَ فيه: \"فناجٍ مسَّلمٍ، ومخدوشِ مرسلٍ، ومطروحٍ فيها، (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ) \".\nوروى أبو إسحاقَ عن هبيرةَ ابنِ مريمَ عن عليٍّ قال: أبوابُ جهنمَ سبعة\nبعضُها فوقَ بعضٍ، وقالَ بإصبعِهِ: وعقدَ خمسينَ وأضجَعَ يدَه، ثم يمتلى\nالأولُ والثاني والثالثُ حتى عقدَهَا كلَّها، خرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ، وغيرُه.\nورواه بعضُهم عن أبي إسحاقَ عن عاصم بنِ ضمرةَ عن عليٍّ بمعناد.\nوخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ من طريقِ حطانَ الرّقاشيِّ، قالَ: سمعتُ عليًّا يقولُ:\nهلْ تدرونَ كيفَ أبوابُ جهنمَ؟ قلنا: هي مثلُ أبوابِنا هذهِ، قال: لا، هي\nهكذا، بعضُها فوقَ بعضٍ.\nوفي روايةٍ له أيضًا: بعضُها أسفلَ من بعضٍ.\nوخرَّجه البيهقيُّ ولفظُه: أبوابُ جهمَ هكذا، ووضعَ يدَه اليُمنى على ظهرِ\nيدِهِ اليسرى.\nوعن ابن جريجِ في قولِهِ: (لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ)، قال: أوَّلها جهنمُ.\nثمَّ لظى، ثمَّ الحطمةُ، ثم السعيرُ، ثم سقرُ، ثم الجحيمُ، وفيها أبو جهل، ثم\nالهاويةُ، خرَّجه ابن أبي الدنيا وغيره.\nوقال جويبر عن الضحاكِ: سمَّى اللَّهُ أبوابَ جهنمَ لكلِّ بابٍ منهم جزء\nمقسوم، باب لليهودِ وباب للنصارى وبابٌ للمجوسِ وباب للصابئينَ وباب\nللمنافقينَ وباب للذين أشركُوا وهم كفارُ العربِ، وباب لأهل التوحيد، وأهلُ التوحيدِ يُرجَى لَهُم ولا يُرجى للآخرين.\nخرَّجه الخلالُ.","vol":"1","page":607},{"text":"وقال آدمُ بنُ أبي إياس: حدثنا حمادُ بنُ سلمةَ عن عطاءِ بنِ السائبِ عن\nأبي ميسرة في قولهِ: (ادْخلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ)، قال: لجهنمَ سبعةُ أبوابٍ\nبعضُها أسفلَ من بعضٍ.\nوقال عطاءُ الخراسانيُّ: إنَّ لجهنمَ سبعةَ أبوابٍ أشدُّها غمًّا وكربًا وحرًّا\nوأنتنها ريحًا، للزناةِ الذين ركبوه بعد العلم.\nخرَّجه أبو نُعيمٍ.\nوعن كعبٍ قالَ: لجهنمَ سبعةُ أبوابٍ بابٌ منها للحروريةِ.\nوهذا كلُّه من حديثِ ابنِ عمرَ المتقدمِ يدلُّ على أنَّ كلَّ بابٍ من الأبوابِ\nالسبعةِ لعملٍ من الأعمالِ السيئةِ، كما أنَّ أبوابَ الجنةِ الثمانيةِ كل بابٍ منها\nلعملٍ من الأعمالِ الصالحةِ.\nوعن وهبِ بنِ منبه: بينَ كلِّ بابينِ مسيرةَ سبعينَ سنةً، كلُّ بابٍ أشدُّ حرًّا\nمنْ الذي فوقَهُ.\nوخرَّج الثعلبيُّ في \"تفسيرِهِ \" بإسنادٍ مجهولٍ إلى منصور بنِ عبدِ الحميدِ بنِ\nأبي رباح، عن أنسٍ، عن بلالٍ أنَّ أعرابيّة صلَّتْ خلفَ النبيِّ - ﷺ - فقرأ النبيُّ - ﷺ - هذهِ الآيةَ:\n(لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مقْسومٌ)، فخرَّتْ مغشيًا عليها.\nفلما أفاقتْ قالتْ: يا رسولَ اللَّهِ كلُّ عضوٍ من أعضَائِي يعذَّبُ على كلِّ بابٍ\nمنها، فقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \" (لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مقْسُومٌ)، يعذب على كلِّ بابٍ على قدرِ أعمالِهِم \"\nفقالتْ: مالِي إلا سبعةُ أعبدٍ أُشهِدُكَ أنَّ كل عبدٍ منهم لكلِ بابٍ من أبوابِ جهنَّم، حُرٌّ لوجهِ اللَّهِ ﷿، فجاء جبريلُ\nفقالَ: بشِّرْها أنَّ اللَّه قد حرَّمَها على أبوابِ جهنَّم، وهذا حديثٌ لا يصح\nمرفوعًا، ومنصورُ بنُ عبدِ الحميدِ، قالَ فيه ابنُ حبانَ: لا تحِلُّ الروايةُ عنه.","vol":"1","page":608},{"text":"والصحيحُ ما رَوى مَخْلدُ بنُ الحسنِ عنِ هشامِ بنِ حسانَ، قالَ: خرجْنا\nحُجَّاجًا فنزلنا منزلًا في بعضِ الطريقِ، فقرأ رجلٌ كانَ معنا هذه الآيةَ:\n(لَهَا سَبعَةُ أَبوَابٍ)، فسمعتْهُ امرأةٌ، فقالتْ: أعدْ رحمكَ اللَّهُ؛ فأعادَها.\nفقالتْ: خلَّفْتُ في البيتِ سبعةَ أعبدٍ أشهدكُم أنًّهم أحرارٌ لكلِّ بابٍ واحدٌ\nمنهم، خرَّجه ابنُ أبي الدنيا.\nوخرَّج البيهقيّ من حديثِ الخليلِ بنِ مرةَ أنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ لا ينامُ حتى يقرأ: (تبارك)، و(حم السجدة) وقال: \"الحواميمُ سبعٌ وأبوابُ جهنمَ سبعٌ:\nجهنمُ والحطمةُ ولظَى والسعيرُ وسقرُ والهاويةُ والجحيمُ \".\nوقالَ: \"تجيءُ كلُّ حم منها يومَ القيامةِ\" أحسبُهُ قال: \"تقفُ على باب من هذهِ الأبوابِ، فتقولُ: اللَّهُمَ لا تدخلْ هذا البابَ كل من يؤمن بي ويقرؤني\"، وقالَ: هذا منقطعٌ، والخليلُ بنُ مرَّةَ فيه نظرٌ.\nوروى ابنُ أبي الدنيا من طريقِ عبدِ العزيزِ بنِ أبي روادٍ، قالَ: كان\nبالباديةِ رجل قد اتخذَ مسجدًا، فجعلَ في قبلتِهِ سبعةَ أحجارٍ، فكانَ إذا قَضى\nصلاتَهُ، قال: يا أحجارُ، أشهدُكُم أن لا إله إلا اللَّهُ، قال: فمرضَ الرجلُ\nفعرجَ بروحِه، قال: فرأيتُ في منامِي أنَّه أُمِرَ بي إلى النَّارِ، فرأيتُ حَجَرًا من\nتلكَ الأحجارِ أعرفه بعينه قد عظم، فسد عنِّي بابًا من أبواب جهنم، قال:\nحتى سدَّ عنِّي بقيةُ الأحجارِ أبوابَ جهنمَ السبعة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>قوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)</span>\nوحكى البخاريُّ، عن عدة من أهلِ العلم، أنهم قالُوا - في قولِهِ تعالى:","vol":"1","page":609},{"text":"(فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)\nعن قولِ: لا إله إلا اللَّهُ.\nففسَّروا العملَ بقولِ كلمةِ التوحيدِ.\nوممْن رُوي عنه هذا التفسيرُ: ابنُ عمرَ ومجاهدٌ.\nورواه ليثُ بنُ أبي سليم، عن بشيرِ بنِ نهيكٍ، عن أنسٍ - موقوفًا -\nورُوي عنه - مرفوعًا - أيضًا.\nخرَّجه الترمذيُّ وغرَّبهُ.\nوقال الدارقطنيُّ: \"ليثٌ \" غيرُ قويًّ، ورفعُه غيرُ صحيح.\nوقد خالفَ في ذلك طوائفُ من العلماءِ، من أصحابِنا وغيرِهم، كأبي\nعبدِ اللَّه بن بطةَ، وحملُوا العملَ في هذه الآياتِ على أعمالِ الجوارح.\nواستدلُّوا بذلكَ على دخولِ الأعمالِ في الإيمانِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>قوله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)</span>\nعملُ المؤمنِ لا ينقضِي حتى يأتيَه أجلُهُ.\nقال الحسنُ: إنَّ اللَّهَ لم يجعلْ لعملِ المؤمنِ أجلًا دونَ الموتِ، ثم قرأ:\n(وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩) .\nهذه المشهورُ والأعوامُ والليالي والأيامُ كلُّها مقاديرُ للآجالِ، ومواقيتُ\nللأعمالِ، ثم تنقضِي سريعًا، وتمضِي جميعًا، والذي أوجدَها وابتدَعها\nوخصَّها بالفضائلِ وأودَعَها باقٍ لا يزولُ، ودائمٌ لا يحولُ، هو في جميع","vol":"1","page":610},{"text":"الأوقاتِ إلهٌ واحدٌ، ولأعمالِ عبادِهِ رقيبٌ مشاهدٌ، فسبحانَ مَنْ قلَّبَ\nعبادَهُ في اختلافِ الأوقاتِ بينَ وظائف الخدمِ، ليسبغَ عليهم فيها فواضلَ\nالنِّعم، ويعامِلَهُم بنهايةِ الجودِ والكرمِ، لمَّا انقضتِ الأشهرُ الثلاثةُ الكرامُ التي\nأولها الشهرُ الحرامُ، وآخرُها شهرُ الصِّيام، أقبلْت بعدها الأشهرُ الثلاثةُ، أشهر الحجِّ إلى البيت الحرامِ، فكما أنَّ مَنْ صامَ رمضانَ وقامَهُ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبِهِ، فمنْ حجًّ البيتَ ولم يرفُثْ ولم يفسُقْ رجع من ذنوبِهِ كيومِ ولدتْهُ أمه، فما يمضِي من عمرِ المؤمنِ ساعةٌ من الساعاتِ إلا وللَّه فيها عليه وظيفةٌ\nمن وظائفِ الطاعات، فالمؤمنُ يتقلَّبُ بين هذه الوظائفِ، ويتقرَّبُ بها إلى\nمولاه وهو راجِ خائفٌ.\n* * *","vol":"1","page":611},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>سُورَةُ النَّحْلِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>قوله تعالى: (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)</span>\nوأمَّا قولُ اللَّه ﷿: (وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) .\nوقولُ عمرَ: تعلَّموا من النجومِ ما تعرفونَ به القبلةَ والطريقَ.\nورُوي عنه، أنَّه قال: تعلَّموا من النجومِ ما تهتدونَ به في بَرِّكم وبَحْرِكُم.\nثم أمسكُوا.\nفمرادُه - واللَّهُ أعلمُ -: أنَّه يُتَعلَّم من النجومِ الشرقيةِ والغربيةِ والمتوسطةِ\nما يُهْتدى به إلى جهةِ القبلةِ بعد غروبِ الشمسِ، وفي حالةِ غيبوبةِ القمرِ.\nفيُسْتدلُّ بذلكَ على الشرقِ والغربِ، كما يُسْتدل بالشمسِ والقمرِ عليهما.\nولم يُرِدْ - واللَّهُ أعلمُ - تَعَلُّمَ ما زادَ على ذلكَ.\nولهذا أمرَ بالإمساكِ \" لمَا يُؤدي التوغلُ في ذلكَ إلى ما وقعَ فيه المتأخرونَ من إساءةِ الظنِّ بالسلفِ الصالح.\nوقد اخْتُلِفَ في تعلُّم منازلِ القمرِ وأسماءِ النجوم المهتدَى بها، فرخَّص فيه\nالنخعيُّ ومجاهدٌ وأحمدُ، وكرِهَ قتادةُ وابنُ عيينةَ تعلمَ منازلِ القمرِ.\nوقال طاوس: رُبَّ ناظرٍ في النجومِ، ومتعلِّم حروفَ \"أبي جاد\" ليس له\nعند اللَّهَ خَلاَقٌ.\nورُوي ذلك عنه، عن ابنِ عباسٍ.\n* * *","vol":"1","page":612},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-143>قال تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ)</span>\nوقال: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ) .\nفاللُّهُ تعالى هو المُبتدئ بالخيرِ، فمنه بدأَ ونشأ.\nوالخيرُ به. يعني: أن دوامَهُ واستمرارَهُ وثبوتَهُ باللَّهِ، ولو شاءَ اللَّهُ لنزَعَهُ وسلبهُ صاحبَهُ، وقد قالَ تعالى لنبيِّه: (وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (٨٦) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧) .\nيعني: أنَّ دوامَ هذه النعمةِ عليكَ من اللَّهِ كما أن ابتداءَها منه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>قوله تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)</span>\nروى الأعمشُ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مرةَ، عن مسروقِ، عنِ ابنِ مسعودٍ، في\nقولهِ تعالى: (زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ)، قال: عقارب لها أنيابٌ\nكالنخلِ الطوالِ، وخرَّجه الحاكم، وقال: صحيح على شرطِ الشيخينِ.\nوفي روايةٍ عنه، قالَ: زيدُوا عقاربَ من نارٍ كالبغالِ الدهم أنيابُها كالنخلِ.\nخرَّجه آدمُ بنُ أبي إياسِ في \"تفسيره\" عن المسعوديِّ عن الأعمشِ عن أبي\nوائلٍ عن ابنِ مسعودٍ، وقولِ من قالَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مرةَ عن مسروقٍ أصحُّ.\nوخرَّجَ ابنُ أبي حاتم من روايةِ سفيانَ عن رجلٍ عن مرةَ عن عبدِ اللَّهِ في\nقولِهِ: (عَذَابًا ضِعْفًا فِي النَّارِ)، قالَ: حياتٌ وأفاعِي. وروى السُّدِّيُّ","vol":"1","page":613},{"text":"عن مرةَ عن عبدِ اللَّهِ في هذه الآيةِ، قالَ: أفاعِي في النارِ.\nوروى ابنُ وهبٍ عن يحيى بنِ عبدِ اللَّهِ عن أبي عبدِ الرحمنِ الحبلى، عن\nعبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، قالَ: إنَّ لجهنَّمَ لسواحلُ فيها حياتٌ وعقاربُ أعناقُها\nكأعناقِ البختِ.\nوخرَّج ابنُ أبي الدنيا وغيرُهُ من طريقِ مجاهدٍ عن يزيدَ بنِ شجرةَ، قالَ:\nإنَّ لجهنَّمَ جبابًا في سواحلَ كسواحلِ البحرِ، فيه هوامٌّ وحيَّاتٌ كالبخاتِيِّ\nوعقاربُ كالبغالِ الذلِّ، فإذا سألَ أهلُ النارِ التخفيف قيلَ لهُم: اخرجُوا إلى\nالسواحلِ فتأخذُهُم تلك الهوامُّ بشفاهِم وجنوبِهِم وما شاءَ اللَهُ من ذلكَ\nفتكشُطُها، فيرجعونَ فيبادرونَ إلى معظم النيرانِ، ويسلطُ عليهم الجربُ حتى\nإنَّ أحدَهُم ليحكُّ جلدَهُ حتى يبدُوا العظمُ، فيقالُ: يا فلانُ هل يؤذيكَ هذا؟\nفيقولُ: نعم، فيقالُ له: ذلك ما كنتَ تؤذي المؤمنينَ.\nوروى عبيدُ اللَّهِ بنُ موسى عن عثمانَ بنِ الأسودِ عن مجاهدٍ، قال: في\nجهنَّمَ عقاربُ كأمثالِ الدلم لها أنيابٌ كالرماح إذا ضربتْ إحداهُنَّ الكافرَ على رأسِهِ ضربةً تساقطَ لحمُهُ على قدميهِ.\nوروى حمادُ بنُ سلمةَ عن الجريري عن أبي عثمانَ، قال: على الصراطِ\nحيات يلسعْنَ أهلَ النارِ فيقولونَ: حسّ حسّ، فذلكَ قولُهُ تعالى\n(لا يَسْمَعُونَ حَسِيسها) .\nوكان إبراهيمُ العجليُّ - ﵀ - يقعُ البعوضُ على كتفيهِ وظهره\nفيتأذَّى به، فيقولُ لنفسِهِ:","vol":"1","page":614},{"text":"وأنت تأذَّى من حسيسِ بعوضةِ. . . فللنارِ أشقَى ساكنينَ وأوجعُ\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>قوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)</span>\nإنَّ اللَّه تعالى أنزلَ على نبيه الكتابَ، وبينَ فيه للأُمَّةِ ما يحتاجُ إليه من\nحلالِ وحرامِ، كما قالَ تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لكُلِّ شَيْء) .\nقالَ مجاهد وغيرُه: لكل شيءِ أمِرُوا به ونُهوا عنه.\nوقال تعالى في آخرِ سورةِ النساءِ التي بيَّن فيها كثيرًا من أحكامِ الأموالِ والأبضاع: (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦) .\nوقال تعالى: (وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) .\nوقال تعالى: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ)، ووكَل بيانَ ما أُشكلَ من التنزيلِ إلى الرسولِ - ﷺ -، كما قالَ تعالى: (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ)، وما قُبِضَ - ﷺ - حتى أكملَ له ولأُمَّتِهِ الدينَ، ولهذا أنزلَ عليه بعرفةَ قبْلَ موتِهِ بمدةِ يسيرةِ: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) .\nوقالَ - ﷺ -:\n\"تركتُكُم على بيضاءَ نقيةِ، ليلُها كنهارِها، لا يزيغُ عنها إلا هالِكٌ \".\nوقال أبو ذَرٍّ: تُوفيَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وما طائرٌ يحرك جناحَيهِ في السَّماءِ إلا وقد ذكَّرنا منه عِلْمًا.","vol":"1","page":615},{"text":"ولما شكَّ الناسُ في موتِهِ - ﷺ -، قال عمُّه العباسُ - ﵁ -: واللَّهِ ما ماتَ رسولُ اللَّه - ﷺ - حتى ترك السبيلَ نهجًا واضحًا، وأحلَّ الحلالَ وحرَّم الحرامَ.\nونكحَ وطلًّقَ، وحاربَ وسَالَمَ، وما كانَ راعِي غنم يتبعُ بها رءوس الجبالِ\nيخْبِطُ عليها العِضاهَ بمخْبطِهِ، ويَمْدُرُ حوضَها بيده بأنصبَ ولا أدأبَ من\nرسولِ اللَّهِ - ﷺ - كان فيكُم.\nوفي الجملةِ فما تركَ اللَّهُ ورسولُهُ حلالًا إلا مُبيَّنًا ولا حرامًا إلا مُبيَّنًا، لكن\nبعضَه كان أظهرُ بيانًا من بعضٍ، فما ظهرَ بيانُه واشتهرَ، وعُلِمَ من الذَينِ\nبالضرورةِ من ذلكَ لم يبقَ فيه شكٌّ، ولا يُعذرُ أحدٌ بجهلهِ في بلدٍ يظهرُ فيها\nالإسلامُ، وما كان بيانُه دونَ ذلك، فمنه ما اشتهرَ بين حملةِ الشريعةِ خاصةً.\nفأجمعَ العلماءُ على حِلِّه أو حرمتِهِ، وقد يخفَى على بعضِ من ليس منهُم.\nومنه ما لم يشتهرْ بين حملةِ الشريعةِ أيضًا، فاختلفُوا في تحليلِهِ وتحريمه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)</span>\nوروى هشامُ بنُ عمَّار في كتاب \"المبعثِ \" بإسنادِهِ عن أبي سلاَّم الحبشيّ.\nقال: حُدِّثْتُ أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يقولُ: \"فُضِّلتُ على مَنْ قَبْلي بستٍّ ولا فخرَ\"،","vol":"1","page":616},{"text":"فذكرَ منها، قال: \"وأُعطيتُ جوامِعَ الكَلِم، وكانَ أهلُ الكتابِ يجعلونها جزءًا باللَّيلِ إلى الصباح، فجمعَهَا لي ربِّي في آيةِ واحدة: (سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ والأَرْضِ وَهًوَ الْعَزِير الحَكِيمُ) \".\nفجوامِعُ الكلِم التي خُصَّ بها النبيُّ - ﷺ - نوعانِ:\nأحدُهُما: ما هو في القرآنِ، كقولِهِ ﷿: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) .\nقال الحسنُ: لم تتركْ هذه الآيةُ خيرًا إلا أمرت به، ولا شرًّا إلا نهتْ عنه.\nوالثاني: ما هو في كلامِهِ - ﷺ -، وهو منتشرٌ موجودٌ في السُّنن المأثورةِ عنه - ﷺ -.\n* * *\nفقولُهُ - ﷺ -: \"إنَّ اللَهَ كتبَ الإحسانَ على كُلِّ شيءِ\"، وفي روايةٍ لأبي إسحاقَ الفزاريِّ في كتابِ: \"السيرِ\" عن خالدٍ، عن أبي قلابة، عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"إنَّ اللَّهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيء\" أو قال: \"على كُل خلقٍ\".\nهكذا خرَّجَها مرسلةً، وبالشكِّ في \"كلِّ شيءٍ\" أو \"كلِّ خلقٍ\".\nوظاهرُهُ يقتضي أنه كتبَ على كلِّ مخلوقٍ الإحسانَ، فيكونُ كلُّ شيءِ أو كلُّ مخلوقٍ هو المكتوبَ عليه، والمكتوبُ هو الإحسانُ.\nوقيلَ: إنَّ المعنى: إنَّ اللَّهَ كتبَ الإحسانَ إلى كلِّ شيءِ، أو في كلِّ شيء،","vol":"1","page":617},{"text":"أو كتبَ الإحسانَ في الولايةِ على كُلِّ شيءٍ، فيكونُ المكتوبُ عليه غيرَ\nمذكورٍ، وإنما المذكورُ المحسنُ إليه.\nولفظُ: \"الكتابةِ\" يقتضِي الوجوبَ عندَ أكثر الفقهاءِ والأصوليين خلافًا\nلبعضِهِم، وإنَّما يعرفُ استعمال لفظةِ الكتابةِ في القرآنِ فيما هو واجبٌ حتمٌ، إمَّا شرعًا، كقولِهِ تعالى: (إِن الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابا مَّوْقُوتًا)، وقولِهِ: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)، (كُتِبَ عَلَيكُمْ الْقِتَالُ)، أو فيما هو واقعٌ قدرًا لا محالةَ، كقولِهِ: (كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي) .\nوقولِهِ: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥) .\nوقولِهِ: (أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهم الإِيمَانَ) .\nوقال النبيُّ - ﷺ - في قيامِ شهرِ رمضانَ:\n\"إني خشيتُ أنْ يُكْتَبَ عليكُمْ \"\nوقال: \"أمرتُ بالسِّواكِ حتَّى خشيتُ أن يُكتبَ عليَّ \".\nوقال: \"كُتِبَ على ابنِ آدمَ حظُّه من الزِّنى، وهو مدركٌ ذلكَ لا محالةَ\".\nوحينئذٍ فهذا الحديثُ نصّ في وجوبِ الإحسانِ، وقد أمرَ اللَّه تعالى به.\nفقالَ: (إِنَّ اللَّهَ يَأمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)، وقال: (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ\nالْمُحْسِنِينَ) .\nوهذا الأمرُ بالإحسانِ تارةً يكونُ للوجوبِ، كالإحسانِ إلى الوالدينِ\nوالأرحامِ بمقدارِ ما يحصلُ به البرُّ والصِّلةُ، والإحسانُ إلى الضيف بقدرِ ما\nيحصلُ به قِراهُ على ما سبقَ ذكرُهُ.","vol":"1","page":618},{"text":"وتارةً يكونُ للندبِ كصدقةِ التطوع ونحوِها.\nوهذا الحديثُ يدلُّ على وجوبِ الإحسانِ في كلِّ شيءٍ من الأعمالِ، لكن\nإحسانُ كُلِّ شيءٍ بحسبِهِ، فالإحسانُ في الإتيانِ بالواجباتِ الظاهرةِ والباطنة:\nالإتيانُ بها على وجهِ كمالِ واجباتِها، فهذا القدر من الإحسانِ فيها واجبٌ.\nوأمَّا الإحسانُ فيها بإكمالِ مستحبَّاتِهَا فليسَ بواجبٍ.\nوالإحسانُ في تركِ المحرَّماتِ: الانتهاءُ عنهَا، وتركُ ظاهرِهَا وباطِنِهَا، كما\nقالَ تعالى: (وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ)، فهذا القدرُ من الإحسانِ\nفيها واجبٌ.\nوأمَّا الإحسانُ في الصبرِ على المقدوراتِ، فأن يأتيَ بالصبرِ عليها على\nوجهِهِ من غيرِ سخَطٍ ولا جزعَ.\nوالإحسانُ الواجبُ في معاملةِ الخلقِ ومعاشرتِهِم: القيامُ بما أوجبَ اللَّهُ من\nحقوقِ ذلك كلِّه، والإحسانُ الواجبُ في ولايةِ الخلقِ وسياستِهِم: القيامُ\nبواجباتِ الولايةِ كُلِّها، والقدرُ الزائدُ على الواجبِ في ذلك كلُّه إحسانٌ ليسَ بواجبٍ.\nوالإحسانُ في قتلِ ما يجوزُ قتلُهُ من النّاسِ والدوابِّ: إزهاقُ نفسِهِ على\nأسرع الوجوهِ وأسهلِها وأوحاها من غيرِ زيادةٍ في التعذيبِ، فإنه إيلامٌ لا\nحاجةَ إليه.\nوهذا النوعُ هو الذي ذكرهُ النبيُّ - ﷺ - في هذا الحديثِ، ولعلَّه ذكرهُ على سبيلِ المثالِ، أو لحاجتِهِ إلى بيانِهِ في تلكَ الحالِ، فقالَ. \"إدْا قتلتُم فأحسِنُوا القِتْلةَ، وإذا ذبحتُم فأحسِنُوا الذِّبحة\"\nوالقِتلةُ والذِّبحة بالكسرِ، أي: الهيئةُ.\nوالمعنى: أحسنُوا هيئةَ الذبح، وهيئةَ القتلِ.\nوهذا يدلُّ على وجوبِ الإسراع","vol":"1","page":619},{"text":"في إزهاقِ النفوسِ التي يُباحُ إزهاقُها على أسهلِ الوجوهِ.\nوقد حكى ابنُ حزمٍ الإجماعَ على وجوبِ الإحسانِ في الذبيحةِ، وأسهلُ وجوهِ قتلِ آدمي ضربُهُ بالسيفِ على العنقِ، قالَ اللَّهُ تعالى في حقِّ الكفارِ: (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) .\nوقال: (سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ)، وقد قيلَ: إنَّه عينَ الموضعَ الذي يكون الضربُ فيه أسهلَ على المقتولِ وهو فوقَ العظامِ دونَ الدماغ، ووصَّى دريدُ ابن الصِّمة قاتلَهُ أن يَقتُلَهُ كذلكَ.\nوكان النبيُّ - ﷺ - إذا بعثَ سريةً تغزو في سبيلِ اللِّهِ قالَ لهُم: \" لا تُمثِّلُوا ولا تقتلُوا وليدًا \".\nوخرَّج أبو داودَ، وابنُ ماجةَ من حديثِ ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"أعَفُّ الناسِ قِتلة أهلُ الإيمانِ \".\nوخرَّج أحمدُ وأبو داود من حديثِ عمرانَ بنِ حصينٍ سمُرةَ بنِ جُندبٍ\nأنَّ النبيَّ - ﷺ - كان ينهى عن المُثْلةِ.\nوخرَّجه البخاريُّ من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ يزيدَ عنِ النبيِّ - ﷺ - أنه نهى عن المُثْلة.\nوخَرَّج الإمامُ أحمد من حديثِ يعلى بنِ مُرَّةَ عنِ النبي - ﷺ -: \"قال اللَّهُ تعالى: لا تمثِّلوا بعبادِي \".","vol":"1","page":620},{"text":"وخرَّج - أيضًا - من حديثِ رجلٍ من الصحابة عنِ النبيِّ - ﷺ - قال: \"من مثل بذي رُوحٍ، ثم لم يَتُبْ مَثَّلَ اللَهُ به يومَ القيامةِ\".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-147>قوله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)</span>\nوقال بعضُهم في قولِهِ تعالى: (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)، قال: الرِّضا\nوالقناعة \"\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>قوله تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)</span>\nومما يُستحبُّ الإتيانُ به قبلَ القراءةِ في الصلاةِ: التعوذُ، عند جمهورِ\nالعلماء.\nواستَدلُّوا بقولِهِ تعالى: (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ)\nوالمعنى: إذا أردتَ القراءةَ، هكذا فسَّرَ الآيةَ الجمهورُ.\nوحُكي عن بعضِ المتقدمينَ، منهم: أبو هريرة وابنُ سيرينَ وعطاء: التعوذُ بعدَ القراءةِ.\nوالمرويُّ عن ابنِ سيرينَ: قبل قراءة أمِّ القرآنِ وبعدَها، فلعله كان يستعيذ\nلقراءةِ السورةِ، كما يقرأ البسملةَ لها - أيضًا.","vol":"1","page":621},{"text":"وقد جاءتِ الأحاديثُ بأنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يتعوذُ قبل القراءة في الصلاةِ:\nفروى عمرُو بنُ مُرَّةَ، عن عاصمٍ العنزيِّ، عن ابنِ جبيرِ بنِ مطعمٍ، عن\nأبيه، أنَّه رأى النبيَّ - ﷺ - يصلِّي صلاةً، قال: \"اللَّهُ أكبرُ كبيرًا، اللَّهُ أكبر كبيرًا، اللَّهُ أكبرُ كبيرًا، والحمدُ للَّهِ كثيرًا، سبحانَ اللَّهِ بكرةً وأصيلًا\" ثلاثًا. \"أعوذُ باللَّهِ من الشيطانِ الرجيم، من نفْخه ونفْثِهِ وهمْزِهِ \" قال: نفثُه: الشعرُ، ونفخه: الكِبْر، وهمزُهُ: الموتة.\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجةَ وابنُ حبانَ في \"صحيحه \"\nوالحاكمُ وصححه.\nوابنُ جبيرٍ هو: نافعٌ، وقع مسمّى في روايةٍ كذلك. وعاصمٌ العنزيُّ، قال\nأحمد: لا يُعْرف، وقال غيرُهُ: روى عنه غيرُ واحدٍ.\nذكره ابنُ حبانَ في \"ثقاته\".\nوروى عطاءُ بنُ السائبِ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السلميِّ، عن ابنِ مسعودٍ.\nعن النبيِّ - ﷺ -، أنه كان إذا دخل في الصلاةِ، يقول: \"اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك من الشيطان وهمزِهِ ونفْخِهِ ونفْثِهِ \".\nحْرَّجه ابنُ ماجةَ والحاكم وهذا لفظُهُ.\nوقال: صحيحُ الإسنادِ، فقد استشهدَ البخاريُّ بعطاءِ بنِ السائبِ.\nوروى عليٌّ بنُ عليٍّ الرفاعيُّ، عن أبي المتوكِّلِ، عن أبي سعيدٍ الخدريِّ.\nقال: كان رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا قامَ إلى الصلاةِ بالليلِ كبَّر، ثم يقولُ:","vol":"1","page":622},{"text":"\"أعوذُ باللَّهِ السميع من الشيطانِ الرجيم، من همزِهِ ونفخِهِ ونفْثِهِ \".\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والترمذيُّ.\nوقال: كان يحيى بنُ سعيدٍ يتكلمُ في عليِّ بنِ عليِّ، وقال أحمدُ: لا\nيصحُّ هذا الحديثُ.\nكذا قالَ، وإنَّما تكلمَ فيه يحيى بنُ سعيد من جهةِ أنه رماه بالقدرِ، وقد\nوثقه وكيع ويحيى بن مَعين وأبو زرعة.\nوقال أحمدُ: لا بأس له، إلا أنه رفع أحاديثَ.\nوقال أبو حاتمٍ: ليس به بأسٌ، ولا يُحتجُّ بحديثِهِ.\nوإنَّما تكلمَ أحمدُ في هذا الحديثِ؛ لأنه رُوي عن عليِّ بن عليٍّ، عن\nالحسنِ - مرسلًا -، وبذلك أعلَّه أبو داودَ، وخرَّج في \"مراسيلِهِ \" من طريقِ\nعمرانَ بنِ مسلمٍ، عنِ الحسنِ، أنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - كان إذا قامَ منَ الليلِ يريدُ أن يتهجد، يقولُ - قبل أن يكبِّر: \"لا إله إلا اللَهُ، لا إله إلا اللَهُ، واللَّهُ أكبرُ كبيرًا، اللَّهُ أكبر كبيرًا، أعوذ باللهِ من الشيطانِ الرجيم، من همزِهِ ونفخِهِ ونفْثِهِ \" ثم يقول: \"اللَّهُ أكبرُ\".\nوفي البابِ أحاديثُ أخرُ مرفوعةٌ، فيها ضعفٌ.\nواعتمادُ الإمامِ أحمدَ على المرويِّ عن الصحابةِ في ذلك؛ فإنه روى التعوذَ\nقبل القراءة في الصلاةِ عن عمرَ بنِ الخطابِ وابنِ مسعودٍ وابنِ عمرَ وأبي\nهريرةَ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ كما تقدم.","vol":"1","page":623},{"text":"والجمهورُ على أنَّه غيرُ واجبٍ، وحُكيَ وجوبُهُ عن عطاءٍ والثوريِّ وبعضِ\nالظاهريةِ، وهو قولُ ابنِ بطةَ من أصحابِنا.\nوالجمهورُ على أنه يسره في الصلاةِ الجهريةِ، وهو قولُ ابنِ عمرَ وابنِ\nمسعودٍ والأكثرينَ.\nورُوي عن أبي هريرةَ الجهرُ به.\nوللشافعيِّ قولانِ. وعن ابنِ أبي ليلى: الإسرارُ والجهرُ سواء.\nواختلفُوا: هل يختصُّ التعوذُ بالركعةِ الأولَى، أمْ يستحبُّ في كل ركعةٍ؟\nعلى قولينِ:\nأحدُهما: يستحبُّ في كلِّ ركعةٍ، وهو قولُ ابنِ سيرينَ، والحسنِ والشافعيِّ\nوأحمدَ - في رواية.\nوالثاني: أنه يختصُّ بالركعةِ الأولى، وهو قولُ عطاءٍ والحسنِ والنخعيِّ\nوالثوريِّ وأبي حنيفةَ وأحمدَ - في رواية عنه.\nوقال هشامُ بنُ حسانٍ: كان الحسنُ يتعوذُ في كل ركعةٍ، وكان ابنُ سيرينَ\nيتعوذُ في كل ركعتينِ.\nوذهبَ مالكٌ وأصحابُهُ إلى أنَّه لا يتُعوَّذُ في الصلاةِ المكتوبة، بل يفتتحُ بعدَ\nالتكبيرِ بقراءةِ الفاتحة من غيرِ استعاذةٍ ولا بسملة، واستدلُّوَا بظاهرِ حديثِ\nأنسٍ: كان النبي - ﷺ - يفتتحُ الصلاةَ\nبـ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) .\nوهو الحديثُ الذي خرَّجه البخاريُّ في أوَّل هذا البابِ.\nويجاب عنه، بأنه إنَما أراد أنَّه يفتتح قراءةَ الصلاة بالتكبيرِ والقراءةِ\nبـ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وافتتاح القراءة بـ: (الْحَمْدُ لِلَّهِ)\nإمَّا أن يرادُ به","vol":"1","page":624},{"text":"افتتاحها بقراءةِ الفاتحةِ كما يقولُ الشافعيُّ، أو افتتاح قراءةِ الصلاةِ الجهريةِ\nبكلمةِ (الْحَمْدُ) من غير بسملةٍ كما يقولُهُ الآخرون.\nودل عليه: حديثُ أنسٍ الذي خرَّجه مسلمٌ صريحًا.\nوعلى التقديرينِ، فلا ينفي ذلكَ أنْ يكون قبل القراءةِ ذكرًا، أو دعاءً، أو\nاستفتاحًا، أو تعوذًا، أو بسملةً، فإنه لا يخرج بذلك عن أن يكون افتتح\nالقراءةَ بالفاتحةِ، أو افتتح الجهرَ بالقراءةِ بكلمة (الْحَمْدُ) .\nولا يمكنُ حملُ الحديثِ على أنَّه كانَ أولَ ما يفتتحُ به الصلاةَ قرأءةُ كلمةِ\n(الْحَمْدُ)، فإنه لو كانَ كذلك لكانَ لا يفتتحُ الصلاةَ بالتكبيرِ، وهذا باطلٌ\nغيرُ مرادٍ قطعًا. واللَّهُ أعلم.\n* * *","vol":"1","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-149>سُورَةُ الإسْرَاء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>قوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١)</span>\nفرَّقَ بعضُهم بين الإسراء والمعراج، فجعَلَ المعراجَ إلى السماواتِ كما\nذكرَه اللَّهُ في سورةِ النَّجمِ، وجعلَ الإسراءَ إلى بيتِ المقدسِ خاصةً، كما\nذكرَهُ اللَّهُ في سورةِ (سُبْحَانَ) وزعم أنهما كانَا في ليلتينِ مختلفتينِ، وأنَّ\nالصلواتِ فُرضتْ ليلةَ المعراج لا ليلةَ الإسراءِ.\nوهذا هو الذي ذكرَهُ محمدُ بنُ سعدٍ في \"طبقاتهِ\" عن الواقديَ بأسانيدَ\nله متعددةٍ، وذكرَ أنَّ المعراجَ إلى السماءِ كانَ ليلةَ السبتِ لسبعَ عشرةَ خلَتْ\nمن شهرِ رمضانَ قبلَ الهجرةِ بثمانيةِ عشرَ شهرًا من المسجدِ الحرامِ، وتلكَ\nالليلةَ فُرضتِ الصلواتُ الخمسُ، ونزلَ جبريلُ فصلَّى برسولِ اللَّهِ - ﷺ - الصلواتِ في مواقيتِهَا، وأن الإسراءَ إلى بيت المقدس كان ليلةَ سبعَ عشرةَ من شهر ربيع الأولِ قبل الهجرةِ بسنةٍ، من شعب أبي طالب.\nوما بوَّبَ عليه البخاريُّ: أن الصلوات فرضتْ في الإسراءِ يدل على أنَّ\nالإسراءَ عنده والمعراج واحد. واللَّهُ أعلم.\n* * *","vol":"1","page":626},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (٢٩)</span>\nالقصدُ في الفقرِ والغِنَى عزيزٌ، وهو حالُ الرسولِ - ﷺ - كانَ مقتصدًا في حالِ فقر وغناهُ، والقصدُ هو التوسطُ، فإنْ كان فقيرًا لم يُقتر خوفًا من نفادِ الرزقِ، ولم يسرفْ فيحملُ ما لا طاقةَ لهُ به، كما أدَّبَ اللَّهُ تعالى نبيَّه بذلكَ في قولهِ تعالى: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا) .\nوإنْ كان غنيًّا لم يحملْهُ على السرفِ والطغيانِ، بلْ يكون مقتصدًا أيضًا.\nقال اللَهُ تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ دلِكَ قَوَامًا) .\nوإنْ كان المؤمنُ في حالِ غناهُ يزيدُ على نفقتِهِ في حالِ فقره، كما قالَ\nبعضُ السلفِ: إنَّ المؤمنَ يأخذُ عن اللَّهِ أدبًا حسنًا إذا وسع اللَّهُ عليه وسعَ\nعلى نفسِهِ وإذا ضيَّقَ عليه ضيَّقَ على نفسِهِ، ثم تلا قولَهُ تعالى:\n(لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ)، لكن يكون في حالِ غناهُ مقتصدًا غيرَ مسرفٍ، كما يفعلُهُ أكثرُ أهلِ الغِنى الذين يخرجُهم الغنى إلى الطغيانِ، كما قالَ تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) .\nكان عليٌّ - ﵁ - يعاتَبُ على اقتصادِهِ في لباسِهِ في خلافتِهِ فيقول: هو أبعدُ عن الكِبْرِ وأجدرُ أن يقتديَ بي المسلمُ.\nوعوتبَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ في خلافتِهِ على تضييقِهِ على نفسِهٍ فقالَ: إنَّ","vol":"1","page":627},{"text":"أفضلَ القصدِ عند الجدة، وأفضلَ العفوِ عندَ المقدرة.\nيعني أفضلَ ما اقتصدَ الإنسانُ في عيشِهِ وهو واجدٌ قادر، وهذه حالُ النبي - ﷺ - وخلفائهِ الراشدينَ، لم تغيرْهُم سعةُ الدنيا والملكُ ولم يتنعمُوا في الدنيا.\nوقد رُويَ عن سليمانَ ﵇، أنَّه كان ياكلُ خبزَ الشعيرِ ويلبسُ\nالصوفَ.\nوسئلَ الحسنُ - ﵁ -، عن رجل آتاهُ اللَهُ مالًا، فهو يحجُّ منه ويتصدق، ألَهُ أن يتنعمَ فيه منه؟\nقال: لا، لو كانتْ له الدنيا ما كان له إلا الكفافُ.\nويقدِّمُ فضلَ ذلك ليومِ فقرِه وفاقتِهِ، إنَّما كان أصحابُ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - ومنْ أخذَ عنهم من التابعينَ، ما آتاهم اللَّهُ من رزدقٍ أخذُوا منه الكفافَ، وقدموا فضلَ ذلك ليومِ فقرِهم وفاقتِهِم.\nوقال ابنُ عمرَ لبعضِ ولده: لا تكن من الذين يجعلون ما أنعم الَلَّه عليهم في بطونِهِم وعلى ظهورهِم.\nإشارةً إلى أنَّ المالَ لا ينفقُ كلُّه في شهواتِ النفوسِ، وإنْ كانتْ مباحةً.\nبل يجعلُ صاحبُهُ منه نصيبًا لدارِه الباقيةَ، فإنه لا يبقَى له منه غيرُ ذلكَ.\nوفي الجملةِ فالاقتصادُ في كلِّ الأمورِ حسن حتى في العبادةِ، ولهذا نهي\nعن التشديدِ في العبادةِ على النفسِ، وأمر بالاقتصادِ فيها، وقالَ - ﷺ -: \"عليكم هديًا قاصدًا، فإنَّ اللَهَ لا يملُّ حتَّى تملُّوا\".\nوفي \"مسندِ البزَّارِ\" عن حذيفةَ عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"ما أحسنَ القصدَ في الغِنى، وما أحسنَ القصدَ في الفقرِ، وما أحسنَ القصدَ في العبادةِ\".\n* * *","vol":"1","page":628},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-152>قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (٤٤)</span>\nقال إسحاقُ بنُ راهويه: لا يجوزُ التفكُّرُ في الخالقِ، ويجوزُ للعبادِ أن\nيتفكَروا في المخلوقينَ بما سمعُوا فِيهم، ولا يزيدونَ على ذلكَ، لأنَّهم إن\nفعلُوا، تاهُوا، قالَ: وقد قالَ اللَّهُ: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ) .\nفلا يجوزُ أن يقالَ: كيفَ تُسبِّحُ القِصَاعُ، والأخْوِنَةُ، والخبزُ\nالمخبوزُ، والثِّيابُ المنسوجةُ؟ وكلُّ هذا قد صحَّ العلمُ فيه أنَّهم يسبحونَ.\nفذلكَ إلى اللَّهِ أن يجعلَ تسبيحَهم كيفَ شاء وكما يشاءُ، وليسَ للناسِ أن\nيخوضُوا في ذلكَ إلا بما علمُوا، ولا يتكلَّموا في هذا وشِبْههِ إلا بما أخبرَ\nاللَّهُ، ولا يزيدُوا على ذلكَ، فاتَّقوا اللَّهَ، ولا تخوضُوا في هذه الأشياءِ\nالمتشابهةِ، فإنَّه يُرْديكُم الخوْضُ فيه عن سننِ الحق.\nنقلَ ذلك كُلَّه حَرْبٌ عن إسحاقَ رحمهما اللَّهُ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>قوله تعالى: (وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)</span>\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:\n(وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) .\nقال أهل التفسير: يقولون: ساترًا، والصواب: حمله على\nظاهره، وأن يكون الحجاب مستورًا عن العيون فلا يرى، وذلك أبلغ.\n* * *","vol":"1","page":629},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-154>قوله تعالى: (يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٧١) </span>وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)\nخرَّج الترمذيُّ من حديثِ السديِّ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - في قولِهِ تعالى:\n(يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ)، قال:\n\"يدعى أحدُهُم فيعطى كتابَهُ بيمينه، ويمدُّ له في جسمِهِ ستونَ ذراعًا.\nويبيضُّ وجهُهُ، ويجعلُ على رأسِهِ تاجٌ من نورٍ يتلألأَ، فينطلقُ إلى أصحابِهِ فيرونَهُ من بعيدٍ، فيقولونَْ اللَّهُمَّ آتنا بهذا وباركْ لنا في هذا، حتى يأتيهُم فيقولُ لهم: أبشروا، لكلِّ رجل منكم مثل هذا.\nقال: وأمَّا الكافرُ فيسودُّ وجهُهُ يُمَدُّ له في جسمِهِ ستونَ ذِراغا في صورةِ آدمَ، ويلبسُ تاجًا من نارٍ فيراهُ أصحابُهُ، فيقولونَ: نعوذُ باللَّهِ من شرِّ هذا، اللَهُمَّ لا تأتنا بهذا، فيأتيهم فيقولونَ:\nاللَّهُمَ أخره عنا، فيقولُ: أبعدكم اللَّهُ، فإنَّ لكلِّ رجلٍ منكُم مثلَ هذا\"\nوقال: حسنٌ غريبٌ.\nوروى عطاءُ بنُ يسارٍ عن كعبٍ قالَ: يُؤتى بالرئيسِ في الشرِّ فيقالُ له:\nأجبْ ربَّكَ، فيُنطلقُ به إلى ربِّه، فيحتجبُ عنه ويؤمرُ به إلى النارِ، فيرى\nمنزلَهُ ومنزلَ أصحابِهِ، فيقالُ: هذه منزلةُ فلانٍ، هذه منزلةُ فلانٍ، فيرى ما\nأعدَّ اللَّهُ لهم فيها من الهوانِ، ويرى منزلتَه أشرَّ من منازِلِهم، قال: فيسودُّ\nوجهُهُ وتزرقُّ عيناهُ ويوضعُ على رأسهِ قلنسوةٌ من نارٍ، فيخرجُ فلا يراهُ أهلُ\nملإٍ إلا تعوَّذُوا باللَّهِ منه، فيأتي أصحابَهُ الذين كانُوا يجتمعونَ به على الشرِّ\nويعينونَهُ عليه، فما يزالُ يخبرُهُم بما أعدَّ اللَّهُ لهم في النارِ حتى يعلو","vol":"1","page":630},{"text":"وجوهَهُم من السوادِ مثل ما علا وجهَهُ، فيعرفُهُم الناسُ بسوادِ وجوهِهِم.\nفيقولونَ: هؤلاءِ أهلُ النارِ.\nخرَّجه أبو نُعيمٍ وغيرُه.\nوهذا إنَّما هو قبل دخولِهِم إلى النارِ، فإذا دخلوا النارَ عظُمَ خلقهُم على\nما تقدَّمَ في الأحاديثِ السابقةِ.\nوأما سنهم فعلى سنِّ أهلِ الجنةِ لا يزادونَ عليه، وروى دراجٌ عن أبي\nالهيثم، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"من ماتَ وهوَ من أهلِ الجنةِ من صغيرٍ وكبيرٍ يردونَ بني ثلاثينَ في الجنةِ لا يزيدونَ عليها أبدًا، وكذلك أهلُ النارِ\"\nخرَّجه الترمذيُّ، وفي روايةِ غيرِ الترمذيِّ: \"بني ثلاثٍ وثلاثينَ \".\nوخرَّج الطبرانيُّ من طريقِ سليم بنِ عامرٍ عن القدَامِ بنِ معدِيَ كَرِبَ.\nعن النبيِّ - ﷺ - قال: \"ما من أحدٍ يموتُ سقْطًا أو هرِمًا، وإنَّما الناسُ بينَ ذلك إلا بُعثَ ابنُ ثلاثينَ سنةً، فإن كانَ من أهلِ الجنةِ كانَ على مسحةِ آدمَ وصورةِ يوسفَ وقلبِ أيوبَ، ومن كانَ من أهلِ النارِ عظمُوا وفخمُوا كالجبالِ \".\nورواه غير الطبرانيِّ.\nوقالَ: \"أبناءُ ثلاثٍ وثلاثينَ سنةً\".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>قوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (٧٨)</span>\nدلَّ القرآنُ في غيرِ موضع على مواقيتِ الصلواتِ الخمسِ، وجاءتِ السنةُ\nمفسرةً لذلكَ ومبيِّنة له:","vol":"1","page":631},{"text":"فمن ذلك: قولُ اللَّهِ تعالى: (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) .\nوقد ذكرَ غيرُ واحدٍ من الأئمةِ كـ مالكٍ والشافعيِّ: أنَّ هذه الآيةَ تدلُّ على\nالصلواتِ الخمسِ، ورُوي معناه عن طائفةٍ من السلفِ:\nفقال ابنُ عمرَ: دُلوكُ الشمسِ: مَيْلُها - يُشيرُ إلى صلاةِ الظهرِ حينئذٍ.\nوعن ابنِ عباسٍ، قال: دُلوكُ الشمس: إذا جاءَ الليلُ.\nوغسق الليلِ: اجتماعُ الليلِ وظلمتِهِ.\nوقال قتادةُ: دُلوكُ الشمسِ: إذا زالتِ الشمسُ عن بطنِ السماءِ لصلاةِ\nالظهرِ، وغسقُ الليلِ: بدءُ الليلِ صلاةُ المغربِ.\nوقد قِيلَ: إنَّ اللَّهَ تعالى ذكرَ ثلاثةَ أوقاتٍ، لأن أصلَ الأوقاتِ ثلاثةً.\nولهذا تكونُ في حالةِ جوازِ الجمع بين الصلاتينِ ثلاثةً فقط، فدلوك الشمسِ:\nوقتٌ لصلاةِ الظهر والعصر في الجملةِ، وغسقُ الليلِ: وقتٌ لصلاة المغربِ\nوالعشاءِ في الجملةِ، ثم ذكرَ وقتَ الفجرِ بقولِهِ: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) .\nوقد ثبتَ في \"الصحيحينِ \" عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ: \"يجتمعُ ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ في صلاةِ الفجرِ\"\nثم يقولُ أبو هريرةَ: اقرءوا إن شئتُم: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) .\nوكذلكَ قولُهُ تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَي النَّهَارِ وَزلَفًا مِنَ اللَّيْلِ) .\nفقولُهُ: (طَرَفَي النَّهَارِ)، يدخلُ فيه صلاةُ الفجرِ وصلاةُ العصر.","vol":"1","page":632},{"text":"وقد قيلَ: إنَّه يدخلُ فيه صلاةُ الظهرِ والعصرِ، لأنَّهما فى الطَرَفِ الأخيرِ.\nوزُلَفُ الليلِ يدخلُ فيه المغربُ والعشاءُ.\nوكذا قالَ قتادةُ: إنَّ زُلَفَ الليلِ يدخلُ فيه المغربُ والعشاءُ، وإنَّ طرفي\nالنهارِ يدخلُ فيه الفجرُ والعصر.\nورُويَ عن الحسنِ، أنه قال في قولِهِ: (طَرَفَىِ النَّهَارِ)، قال:\nصلاةُ الفجرِ، والطرفُ الآخرِ الظهرُ والعصرُ\n(وَزُلَفًا مّنَ اللَّيْلِ) المغربُ والعشاء.\nوكذلك قولُهُ: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) .\nوفي الحديثِ الصحيح عن جريرٍ البجليّ حديثُ الرؤية:\n\"فإنْ استطعتُم أن لا تُغْلَبُوا على صلاةٍ قبلَ طلوع الشمسِ وقبلِ غروبِها فافعلُوا\"، ثم قرأ: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) .\nوقد أدرجَ أكثرُ الرواةِ القراءةَ في الحديثِ، وبيَّن بعضُهم: أنَ جريرًا هو\nالذي قرأ ذلك، فبَيَّن أن صلاةَ الصبح وصلاةَ العصرِ يدخلُ في التسبيح قبل\nطلوع الشمسِ وقبلَ غروبِها، وأمَّا التسبيحُ من آناءِ الليلِ فيدخلُ فيه صلاةُ\nالمغربِ وصلاةُ العشاءِ. وقولُهُ: (وَأَطْرَافَ النَّهَارِ) يدخلُ فيه صلاةُ\nالفجر وصلاةُ العصرِ، وربما دخلتْ فيه صلاةُ الظهرِ، لأنها في أول طرفِ\nالنهارِ الآخرِ.\nوقال تعالى: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ (٤٠) .","vol":"1","page":633},{"text":"وقد قال ابنُ عباسٍ وأبو صالح: إنَّ التسبيحَ قبل طلوع الشمسِ وقبل\nالغروبِ: الصبحُ وصلاةُ العصرِ.\nوقولُهُ: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحهُ)، قال مجاهد: الليلَ كلَّه.\nوهذا يدخلُ فيه صلاةُ الغربِ والعشاءِ، ويدخلُ فيه التهجدُ التنفلُ به -\nأيضًا.\nوقال خُصَيْف: المرادُ بتسبيحِهِ من الليلِ: صلاةُ الفجرِ المكتوبةُ، وفيه بُعْد.\nوأمَّا (وَأَدْبَارَ السُّجُودِ)، فقالَ أكثرُ الصحابةِ، منهم: عُمر، وعليٌّ.\nوالحسنُ بنُ عليٍّ، وأبو هريرةَ، وأبو أُمامةَ وغيرُهُم: إنَّهما ركعتانِ بعد\nالمغربِ، وهو رواية عن ابنِ عباسٍ، ورويَ عنه مرفوعًا.\nخرَّجهُ الترمذيُّ بإسنادٍ فيه ضعفٌ.\nفاشتلمتِ الآية ُ على الصلواتِ الخمسِ مع ذكرِ بعضِ التطوع.\nوقال تعالى: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ (٤٨) وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ (٤٩) .\nفقولُهُ: (حِينَ تَقُومُ)، قد فُسِّر بإرادةِ القيامِ إلى الصلاةِ، وهو قولُ\nزيدِ بنِ أسْلَم والضحاكِ، وفُسِّر بالقيامِ من النومِ، وهو قولُ أبي الجود.\nوفُسِّر بالقيامِ من المجالسِ.","vol":"1","page":634},{"text":"وقولُهُ: (وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ)، قال مجاهد: من الليلِ كلِّه، يدخلُ\nفي ذلكَ صلاةُ المغربِ والعشاءِ وصلاةُ الليلِ المتطوع بها.\nوفسَّره خُصيف بصلاةِ الفجرِ، وفيه نظر.\n(وَإِدْبَارَ النُّجُومِ): ركعتا الفجرِ كذا قالَهُ عليٌّ وابن عباسٍ في\nروايةٍ، ورويَ عن ابنِ عباسٍ مرفوعًا.\nخرَّجه الترمذيُّ وفيه ضعف.\nوقال تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) .\nقال الإمامُ أحمدُ: نا ابنُ مهدي: نا سفيان، عن عاصم، عن أبي رَزِين.\nقال: جاءَ نافعُ بنُ الأزرقِ إلى ابنِ عباسٍ، فقال: الصلواتُ الخمسُ في\nالقرآنِ؟\nفقال: نعم، فقرأ: (فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ)، قال: صلاةُ\nالمغربِ (وَحِينَ تُصْبِحُونَ)، صلاةُ الفجرِ (وَعَشِيًّا)، صلاةُ\nالعصرِ (وَحِينَ تُظْهِرُونَ)، صلاةُ الظهرِ، وقرأ: (وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ\nثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ) .\nورواه آدمُ بنُ أبي إياسٍ في \"تفسيره\" عن حمَّادِ بنِ سلمةَ، عن عاصم.\nقال: جاءَ نافعٌ - ولم يذكرْ أبا رَزِين.\nوروى آدمُ - أيضًا -: نا شريك، عن ليثِ بنِ أبي سليم، عن الحَكَم بنِ\nعُتَيْبةَ، عن أبي البَخْتري، عن ابنِ عباسٍ، قال: جمعتْ هذه الآية ُالصلواتِ\nكلَّها - فذكره بمعناه، ولم يذكرْ فيه: صلاةَ العشاءِ.","vol":"1","page":635},{"text":"رُوي عن الحسنِ وقتادةَ في قولِهِ تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ) .\nقال: صلاةُ المغربِ والعشاءِ، (وَحِينَ تُصْبِحُونَ): صلاةُ الغداةِ.\n(وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا)، قال: العصرُ.\n(وَحِينَ تُظْهِرُونَ)، قال: الظهرُ.\nخرَّجه البيهقيُّ وغيرُهُ.\n* * *\n[قالَ البخاريُّ]: حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ يوسفَ: أبنا مالكٌ، عن أبي\nالزِّنادِ، عن الأعْرج، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ: \"يتعاقبون فيكُم ملائكةٌ باللَّيلِ وملائكةٌ بالنهارِ، ويجْتمعُون في صلاةِ الفجرِ وصلاةِ العصرِ، ثمَّ يعْرُج الذين كانُوا فيكُمْ، فيسألهم - وهو أعلمُ بهم -: كيف تركتُم عبادِي؛ فيقولونَ: تركناهم وهم يصلُّون، وأتيناهُم وهم يُصلُّون \".\nقولُهُ: \"يتعاقبون فيكم ملائكةٌ\" جمع فيه الفعلَ مع إسناده إلى ظاهرٍ، وهو\nمخرجٌ على اللُّغةِ المعروفةِ بلغةِ \"أكلونِي البراغيثُ \"، وقد عرَّفها بعضُ\nمتأخري النحاةِ بهذا الحديثِ، فقالَ: \"هي لغةُ: يتعاقبونَ فيكُم ملائكة\".\nوالتعاقبُ: التناوبُ والتداولُ، والمعنى: أنَّ كل ملائكةٍ تأتِي تعقبُ\nالأخرى.\nوقد دلَّ الحديثُ على أن ملائكةَ الليلِ غيرُ ملائكةِ النَّهارِ.\nوقد خرَّجا في \"الصحيحينِ \" من حديثِ الزُّهْرِي، عن سعيدٍ","vol":"1","page":636},{"text":"وأبي سَلَمَةَ، عن أبي هريرةَ، عنِ النبى - ﷺ -، قالَ: \"تجتمع ملانكةُ الليلِ، وملانكةُ النهارِ في صلاةِ الفجرِ\".\nثم يقولُ أبو هريرةَ: اقرءُوا إن شئتُم: (إِن قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) .\nففي هذه الروايةِ: ذكرُ اجتماعِهِم في صلاةِ الفجرِ، واستشهدَ أبو هريرةَ\nبقولِ اللهِ ﷿: (إِن قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) .\nوقد رُوي في حديثٍ من روايةِ ابي الدرداءِ - مرفوعًا -: \"أنه يشهدُهُ اللهُ\nوملائكتُهُ \".\nوفي روايةٍ: \"ملائكةُ الليلِ وملائكةُ النهارِ،.\nخرَّجهُ الطبراني وابنُ منده وغيرُهُما.\nفقد يكون تخصيصُ صلاةِ الفجرِ لهذا، وصلاةُ العصرِ يجتمعُ - أيضًا -\nفيها ملائكةُ الليلِ والنَّهارِ، كما دل عليهِ حديثُ الأعْرج، عن أبي هريرةَ.\nوقد رُويَ نحوُه من حديثِ حُميدٍ الطويلِ، عن بكرٍ المزنى، عن النبيِّ - ﷺ - مرسلًا.\nوهؤلاءِ الملائكةُ، يحتملُ أنَهم المعقباتُ، وهم الحَفَظَةُ، ويحتملُ أنَّهم كتبةُ\nالأعمال.\nوروى أبو عُبيدةَ، عن أبيه عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، في قولِهِ: (إِنً قُرْآنَ الْفَجْرِ\nكَانَ مَشْهُودًا)، قال: يعني صلاةَ الصبح، يتداركُ فيه الحرسانِ\nملائكةُ الليلِ وملائكةُ النَّهارِ.","vol":"1","page":637},{"text":"وقال إبراهيمُ، عن الأسودِ بنِ يزيدَ: يلتقِي الحارسانِ من ملائكةِ اللَّيلِ\nوملائكةِ النَّهارِ عندَ صلاةِ الصبح، فيسلِّم بعضُهم على بعضٍ، ويحيى\nبعضُهُم بعضًا، فتصعدُ ملائكةُ الليلِ وتبسطُ ملائكةُ النهارِ.\nقال ابنُ المباركِ: وُكِّل بابنِ آدمَ خمسةُ أملاكٍ: ملكا الليلِ، وملكا النهارِ.\nيجيئانِ ويذهبانِ، والخامسُ لا يفارقُهُ ليلًا ولا نهارًا.\nوممن قالَ: إن ملائكةَ الليلِ وملائكةَ النهارِ تجتمعُ في صلاةِ الفجرِ.\nوفسر بذلك قولَ اللَّه ﷿: (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كان مشْهُودًا) مجاهدٌ ومسروقٌ وغيرُهُما.\nقال ابنُ عبدِ البَرِّ: والأظهرُ أن ذلكَ في الجماعاتِ، قالَ: وقد يحتملُ\nالجماعاتِ وغيرَها.\nقلتُ: يشهدُ للأولِ قولُ النبيِّ - ﷺ -:\n\"إذا أمَّن الإمامُ فأمِّنوا، فمَنْ وافقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكةِ غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبهِ \".\nونَهى النبيُّ - ﷺ - مَنْ أكلَ الثومَ أن يشهدَ المسجد، وتعليلُه: أنَّ الملائكةَ تتأذَّى مما يتأذَّى منه بنو آدمَ.\nوقد بوَّبَ البخاريُّ على اختصاصِهِ بالجماعاتِ في \"أبوابِ صلاةِ الجماعةِ\".\nكما سيأتي في موضعِهِ - إن شاءَ الله تعالى.\nويشهدُ للثاني: أنَّ المصلِّي ينهى عن أن يبصقَ في صلاتِهِ عن يمينِهِ؛ لأنَّ","vol":"1","page":638},{"text":"عن يمينِهِ ملكًا، ولا يفرقُ في هذا بين مصلي جماعةٍ وفُرَادى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>قوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)</span>\nوقولُه - ﷺ -: \"والقرَآن حجةٌ لك أو عليكَ \".\nقال اللَّه ﷿: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)\nقال بعضُ السلفِ: ما جالسَ أحدٌ القرآنَ، فقامَ عنه سالمًا؛ بل إمَّا أن يربحَ أو أن يخسرَ، ثمَّ تلا هذه الآية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>قال الله ﷿: (وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ </span>كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)\nقال ابنُ عباسٍ: كلما طفئتْ أوقدتْ، وقال ابنُ عباسٍ: خبتْ سكنتْ.\nوقالَ ابنُ قتيبةَ: خبتِ النارُ إذا سكنَ لهبُها، فاللهبُ يسكنُ والجمرُ يعملُ.\nوقال غيره من المفسرينَ: تأكلُهُم.\nفإذا صارُوا فحمًا ولم تجدِ النارُ شيئًا تأكلُهُ أعيد خلقُهم خلقًا جديدًا فتعودُ\nلأكِلهِم.","vol":"1","page":639},{"text":"وقولهُ: (زِدْنَاهُم سَعِيرًا) أي: نارًا، تتسعرُ وتتلهبُ.\nوقد رُويَ عن عمرِو بنِ عبسةَ أن في جهنَّمَ بئرٌ يقال له: الفلقُ، منه تسعرُ\nجهنَّمُ إذا سعرتْ، وسنذكرُهُ فيما بعدُ إن شاءَ الله تعالى.\nوالمعنى أنَّه يكشفُ ذلك البئرُ فيخرج منه نارٌ تلهب جهنَّم وتوقدُها.\nوقالَ اللَّه تعالى: (فَأَنذَرْتُكمْ نَارًا تَلَظَّى)، قال مجاهدٌ وعْيرُهُ: توهجُ.\nقرأ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ ليلةً في صلاتِهِ سورةَ: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى)\nفلما بلغَ قولَهُ: (فَأَنذَرْتُكمْ نَارًا تَلَظَّى)، بكى فلم يستطعْ أنْ يجاوزَهَا\nمرتينِ أو ثلاثًا، ثم قرأ سورةً أخرى غيرَها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-158>قوله تعالى: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١١٠)</span>\nوفي \"الصحيحينِ \" عن عائشةَ في قولِهِ تعالى: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا) أنها نزلت في الدعاءِ.\nوكذا رُوي عن ابنِ عباسٍ وأبي هريرةَ، وعن سعيدِ بنِ جبيرٍ وعطاءٍ\nوعكرمةَ وعروةَ ومجاهدٍ وإبراهيمَ وغيرِهم.\nوقال الإمامُ أحمدُ: ينبغي أن يسرَّ دعاءَه؛ لهذه الآيةِ.\nقال: وكان يكرَه أن يرفعُوا أصواتَهم بالدعاءِ.\nوقالَ الحسنُ: رفعُ الصوتِ بالدعاءِ بدعةٌ.","vol":"1","page":640},{"text":"وقال سعيدُ بنُ المسيبِ: أحدثَ الناسُ الصوتَ عندَ الدعاءِ.\nوكرِهَه مجاهدٌ وغيرُهُ.\nوروى وكيعٌ، عن الربيع، عن الحسنِ - والربيع، عن يزيدَ بنِ أبانٍ، عن\nأنسٍ -: أنهما كرِها أن يُسمعَ الرجلُ جليسَهُ شيئًا من دعائِهِ.\n* * *","vol":"1","page":641},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>سُورَةُ الكَهْفِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ </span>بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)\n[قالَ البخاريُّ]: \"بابُ: هل تُنْبَشُ قُبُورُ مُشركي الجاهليّة، ويُتخذُ\nمكانُها مساجدَ لقولِ النبيِّ - ﷺ -:\n\"لعن الله اليهودَ، اتَخذوا قبورَ أنبيائِهِم مساجدَ\"\nوما يكرَهُ من الصلاةِ في القبُورِ\":\nورأى عمرُ أنسَ بنَ مالكٍ يُصلِّي عندَ قبرٍ، فقال: القبرَ القبرَ، ولم يأمرْهُ بالإعادةِ.\nمقصودُ البخاريّ بهذا البابِ: كراهةُ الصلاةِ بين القبورِ وإليها، واستدلَّ\nلذلكَ بأن اتَّخاذَ القبورِ مساجدَ ليسَ هو من شريعةِ الإسلامِ، بل من عملِ\nاليهودِ، وقد لعنَهُمُ النبيُّ - ﷺ - على ذلكَ.\nوقد دلَّ القرآنُ على مثلِ ما دلَّ عليه هذا الحديثُ، وهو قولُ اللَّهِ ﷿\nفي قصةِ أصحابِ الكهفِ: (قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهم مَسْجِدًا)، فجعل اتخاذَ القبورِ على المساجدِ من فعلِ أهلِ الغلبةِ على\nالأمورِ، وذلك يشعرُ بأنَّ مستندَهُ القهرُ والغلبةُ واتباعُ الهوى، وأنَّه ليس من\nفعلِ أهلِ العلم والفضلِ المتبعينَ لما أنزلَ اللهُ على رسلِهِ من الهُدَى.","vol":"1","page":642},{"text":"وإذا كرهتِ الصلاةُ إلى القبورِ وبينَها، فإن كانتِ القبورُ محترمةً اجْتُنِبَتِ\nالصلاةُ فيها، وإن كانتْ غيرَ محترمةٍ كقبورِ مشركي الجاهليةِ ونحوِهِم ممَّن لا\nعهدَ له ولا ذمَّة مع المسلمينَ، فإنه يجوزُ نبشُها ونقلُ ما يوجدُ فيها من\nعظامِهِم، والصلاةُ في موضعِها، فإنها لم تبقَ مقبرةٌ ولا بقيَ فيها قبورٌ، وقد\nنصَّ الإمامُ أحمدُ على ذلكَ في روايةِ المروزيِّ.\nوأمَّا ما ذكرَهُ عن عُمرَ - ﵁ -، فمن روايةِ سفيانَ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، قالَ: رآني عمرُ وأنا أصلِّي إلى قبرٍ، فجعلُ يشيرُ إليَّ: القبرَ القبرَ.\nورواه إسماعيلُ بنُ جعفرٍ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، حدَّثه أنه قامَ يصلِّي إلى\nقبرٍ لا يشعرُ به، فناداه عمرُ: القبرَ القبرَ، قالَ: ففطننتُ أنَّه يقولُ: القمرُ.\nفرفعتُ رأسي، فقال رجلٌ: إنَّه يقول: القبرُ، فتنحيتُ.\nوروي عن أنسٍ، عن عمرَ من وجوهٍ أُخر.\nوروى همامٌ: ثنا قتادةُ، أنَّ أنسًا مرَّ على مقبرةٍ وهم يبنون مسجدًا، فقالَ\nأنسٌ: كان يكرهُ أن يبنى مسجدٌ في وسطِ القبورِ.\nوقال أشعثُ: عن ابنِ سيرينَ: كانُوا يكرهونَ الصلاةَ بين ظهرانيِّ القبورِ.\nخرَّج ذلكَ كلَّه أبو بكرٍ الأثرمُ.\nوقال: سمعتُ أبا عبدِ اللَّهِ - يعني: أحمدَ - يُسألُ عن الصلاةِ في المقبرةِ؟\nفكرَهَ الصلاةَ في المقبرةِ. فقيلَ له: المسجدُ يكونُ بين القبورِ، أيصلَّى فيه؟\nفكره ذلك، قيل له: إنه مسجدٌ وبينه وبينَ القبورِ حاجزٌ؛ فكره أن يصلَّى فيه الفرضُ، ورخصَ أن يصلَّى فيه على الجنائزِ، وذكر حديثَ أبي مَرْثَدٍ الغَنويِّ، عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ:\n\"لا تصلُّوا إلى القبورِ\".\nوقال: إسنادٌ جيد.","vol":"1","page":643},{"text":"وحديثُ أبي مَرْثد هذا:\nخرَّجه مسلمٌ، ولفظُهُ: أنَّ النبيَّ - ﷺ -، قالَ:\n\"لا تجلسُوا على القبورِ، ولا تصلُّوا إليها\".\nورُويَ عن عمرِو بنِ يحيى المازنيِّ، عن أبيه، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ\n- ﷺ - قالَ:\n\"جعلتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهورًا، إلا المقبرةُ والحمامُ \".\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجةَ والترمذيُّ، وابنُ حبانَ والحاكمُ\nوصححَه.\nوقد اختلفَ في إرسالهِ ووصلِهِ بذكرِ \"أبي سعيدٍ\" فيه، ورجَّح كثيرٌ من\nالحفاظِ إرسالَهُ: عن عمرِو بنِ يحيى، عن أبيه، ومنهم: الترمذيّ\nوالدارقطنيُّ.\nوفي البابِ أحاديثُ أُخرُ، قد استوفيناها في \"كتابِ شرح الترمذيَ \".\nوأمَّا ما ذكره البخاريُّ: أن عمرَ لم يأمر أنسًا بالإعادةِ.\nفقد اختلفَ في الصلاةِ في المقبرةِ: هل تجبُ إعادتُها، أم لا؟\nوأكثرُ العلماءِ على أنَّه لا تجبُ الإعادةُ بذلكَ، وهو قولُ مالكٍ.\nوالشافعيِّ، وأحمدَ في روايةٍ عنه.\nوالمشهورُ عن أحمدَ الذي عليه عامةُ أصحابِهِ: أنَّ عليه الإعادةَ \" لارتكابِ\nالنهي في الصلاةِ فيها.\nوهو قولُ أهلِ الظاهرِ - أو بعضِهِم - وجعلُوا النهيَ هاهنا لمعنى يختصُّ","vol":"1","page":644},{"text":"بالصلاةِ من جهة مكانِها، فهو كالنهيِّ عن الصلاةِ المختصِّ بها لزمانِها\nكالصلاةِ في أوقاتِ النهي، وكالصيامِ المنهي عنه لأجلِ زمنِهِ المختصِّ به كصيامِ العيدين.\nحتى إن من أصحابِنا من قال: متى قُلنا: النهيُّ عن الصلاةِ في المقبرةِ\nوالأعطانِ ونحوِها للتحريمِ، فلا ينبغي أن يكونَ في بطلان الصلاةِ فيها\nخلافٌ عن أحمدَ، وإنَّما الخلافُ عنه في عدمِ البطلانِ مبني على القول بأنه\nمكروهٌ كراهةُ تنزيهٍ.\nوأكثرُ العلماءِ على أن الكراهةَ في ذلكَ كراهةُ تنزيهٍ، ومنهُم من رخَّص\nفيه.\nقال ابنُ المنذرِ: اختلفُوا في الصلاةِ في المقبرةِ، فرُوِّينا عن عليٍّ وابنِ عباسٍ\nوعبدِ اللَّهِ بنِ عمرو وعطاء والنخعي أنهم كرهُوا الصلاةَ فيها، واختلفَ عن\nمالكٍ فيه، فحكى ابنُ القاسم عنه أنه قال: لا بأسَ به، وحكَى أبو مصعبٍ\nعنه أنه قال: لا أحبُّ ذلكَ.\nقال ابنُ المنذرِ: ونحنُ نكرهُ من ذلكَ ما كرههُ أهلُ العلم استدلالًا بالثابتِ\nعن النبيِّ - ﷺ -، أنّه قال:\n\"اجعلُوا في بيوتِكُم من صلاتِكُم، ولاتتخذُوها قبورًا\".\nففي هذا دليلٌ على أنَّ المقبرةَ ليستَ بموضع للصلاةِ.\nقلتُ: قد استدل البخاريُّ بذلكَ - أيضًا - وعقدَ له بابًا مفردًا، وسيأتي في\nموضعِهِ - إن شاء اللَّه تعالى.\nقالَ ابنُ المنذرِ: وقد قال نافعٌ مولى ابنِ عمرَ: صلينا على عائشةَ وأمِّ سلمةَ","vol":"1","page":645},{"text":"وسطَ البقيع، والإمامُ يومئذٍ أبو هريرةَ، وحضرَ ذلك ابنُ عمرَ.\nقلتُ: صلاةُ الجنازةِ مستثناةٌ من النهيِّ عندَ الإمامِ أحمدَ وغيره، وقد سبقَ\nقولُ أحمدَ في ذلكَ.\nوقالَ - أيضًا -: لا يصلَّى في مسجدٍ بين المقابرِ إلا الجنائزُ؛ لأنَّ الجنائزَ هذه سنتُها.\nيشيرُ إلى فعلِ الصحابةِ - ﵃ -.\nقال ابنُ المنذرِ: ورُوِّينا أنَّ وَاثِلةَ بن الأسْقَع كان يصلِّي في المقبرةِ، غيرَ أنه\nلايستترُ بقبرٍ.\nقلتُ: لأنه هو روى عن أبي مرثد حديثَ النهىِّ عن الصلاةِ إلى القبورِ.\nفكانَ يخصُّ النهي بحالةِ استقبالِ القبرَّ خَاصةً.\nقال ابنُ المنذرِ: وصلَّى الحسنُ البصريُّ في المقابر.\nقلتُ: لعلَّه صلَّى على جنازةٍ، فإنه روى عنه أنه أمرَ بهدمِ المساجدِ المبنيةِ\nفي المقابرِ.\nقال: وكره عمرُ بنُ الخطابِ وأنسُ بنُ مالك الصلاةَ إلى المقابرِ.\nانتهى ما ذكره.\nواختلفَ القائلونَ بالكراهةِ في علَّةِ النهي:\nفقال الشافعيُّ: علةُ ذلكَ النجاسةُ، فإن ترابَ المقابرِ يختلطُ بصديدِ الموتى\nولحومِهِم، فإن كانتْ طاهرةً صحت الصلاةُ فيها مع الكراهة.\nوقسم أصحابه المقبرة إلى ثلاثةِ أقسام: ما تكرَّر نبشُها، فلا تصحُّ الصلاةُ\nفيها، لاختلاطِ ترابها بالصَّديدِ. وجديدَّةَ لم تُنْبش، فتصحُّ الصلاةُ فيها مع","vol":"1","page":646},{"text":"الكراهة؛ لأنها مدفن للنجاسة.\nوما شُكَّ في نبشِها، ففي صحة الصلاةِ فيها قولانِ.\nواختلفَ أصحابُنا في علةِ النهي عن الصلاةِ، فمنهم من قالَ: هو مظنةُ\nالنجاسةِ، ومنهُم من قالَ: هو تعبُّد لا يُعْقلُ.\nوقالُوا مع هذا: لا فرقَ بين أن تكونَ قديمةً أو حديثةً، نُبِشَتْ أو لم تُنْبشُ.\nإذا تناولها اسمُ مقبرة.\nقالُوا: فإن كان في بقعةٍ قبرٌ أو قبرانِ فلا بأسَ بالصلاةِ فيه، ما لم يُصلِّ\nإلى القبرِ.\nوأنكرَ آخرونَ التعليلَ بالنجاسةِ، بناءً على طهارةِ ترابِ المقابرِ بالاستحالةِ.\nوعللوا: بأنَّ الصلاةَ في المقبرةِ وإلى القبور، إنَّما نَهَى عنه سدًّا لذريعةِ\nالشِّرْكِ، فإن أصلَ الشركِ وعبادة الأوثانِ كانتْ من تعظيمِ القبورِ.\nوقد ذكرَ البخاريُّ في \"صحيحِهِ \" في \"تفسيرِ سورةِ نوح \" عن ابنِ عباسٍ، معنى ذلك.\nوفي \"صحيح مسلمٍ\" عن جندب، سمعَ النبيُّ - ﷺ - قبلَ أن يموتَ بخمسٍ يقولُ:\n\"إنَّ من كانَ قبلَكُم كانُوا يتخذونَ قبورَ أنبيائِهِم وصالحيهم\nمساجدَ، ألا فلا تتخِذُوا القبورَ مساجدَ، فإنِّي أنهاكم عن ذلك \".\nوهذا يعمُّ كلَّ القبورِ.\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ وابنُ حبانَ في \"صحيحِهِ \"\nمن حديثِ ابنِ مسعودٍ،","vol":"1","page":647},{"text":"عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ:\n\"إنَّ من شرارِ الناسِ من تدركُهُم الساعةُ وهم أحياء، ومن يتخذُ\nالقبورَ مساجدَ\".\nوخرَّج الإمام أحمدُ وأبو داودَ والنسائيُّ من حديثِ أبي صالحِ، عن ابنِ\nعباسٍ، عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"لعنَ اللَّهُ زائراتِ القبورِ، والمتخذينَ عليها المساجدَ والسُّرُج.\nوقال الترمذيُّ: حسنٌ - وفي بعضِ النُّسخ: صحيحٌ.\nوخرَّجهُ ابنُ حبانَ في \"صحيحِهِ \" والحاكمُ وصحَّحَه.\nواختلفَ في أبي صالح هذا، منْ هو؟\nفقيلَ: إنه السمانُ - قاله الطبرانيُّ، وفيه بعدٌ، وقيلَ: إنه ميزانٌ البصريُّ.\nوهو ثقةٌ؛ قاله ابنُ حبانَ. وقيلَ: إنه باذَان مولى أمِّ هانئ؛ قاله الإمامُ أحمدُ\nوالجمهورُ.\nوقد اختلفَ في أمره.\nفوثقه العجليُّ. وقالَ ابنُ معينٍ: ليس به بأسٌ، وقال أبو حاتمٍ: يُكْتَبُ\nحديثُهُ ولا يحتجُّ به.\nوقال النسائي: ليس بثقةٍ.\nوضعفه الإمامُ أحمدُ وقالَ: لم يصحَّ عندي حديثُهُ هذا.\nوقال مسلمٌ في \"كتابِ التفصيلِ \": هذا الحديثُ ليسَ بثابتٍ، وأبو صالحٍ\nباذام قد اتقى الناسُ حديثَهُ، ولا يثبتُ له سماعٌ من ابنِ عباسٍ.","vol":"1","page":648},{"text":"وروي عن زيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّه نهى أن يُبْنَى عند قبرِ أبيه مسجدٌ.\nخرَّجه حربٌ الكرْمانيُّ.\nوقال أبو بكرٍ الأثرمُ في كتابِ \"الناسخ والمنسوخ \": إنما كرهتِ الصلاةُ في\nالمقبرةِ للتشبهِ بأهلِ الكتابِ؛ لأنهم يتخذونَ قبورَ أنبيائِهِم وصالحِيهم مساجدَ.\nووجدنا في كتابٍ مصنفٍ على مذهبِ سفيان الثوريِّ: وإذا صلَّى الرجلُ\nوبين يديه ميتٌ تنحَّى عنه.\nإنما كره الصلاةَ إلى القبورِ من أجلِ الميتِ، فإنْ صلَّى إليها فلا بأسَ.\nوفيه - أيضًا -: قال سفيانُ: ويكرهُ أن يصلِّي الرجلُ إلى القبورِ أو ما بينَ\nالقبورِ. ثم قالَ: ومن صلَّى إلى القبورِ فلا إعادةَ عليهِ.\nوفيه: قال: ولا تعجبني الصلاةُ على الجنازةِ في المقبرةِ.\nوهذا قولُ الشافعيِّ وإسحاقَ ورواية عن أحمدَ؛ لعمومِ النهيِّ عن الصلاةِ\nفي المقبرةِ.\nواستدلَّ من رخَّصَ في صلاةِ الجنازةِ في المقبرةِ: بأنَّ الصلاةَ على القبرِ\nجائزةٌ بالسنة الصحيحةِ، فعلم أنَّ الصلاةَ على الميتِ في القبورِ غير منهيٍّ\nعنها.\n[قالَ البخاريُّ]: ثنا محمد بنُ المثنى: ثنا يحيى، عن هشام: أخبرني\nأبي، عن عائشة، أن أمَّ حبيبةَ وأم سلمةَ ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها\nتصاويرُ، فذكرتا ذلك للنبي - ﷺ -، فقال:\n\"إن أولئك إذا كان فيهم الرجلُ الصالحُ فمات بنو على قبْر مسجدًا، وصوَّرُوا فيه تلك الصور، وأولئكِ شرارُ الخلقِ عندَ اللهِ يوم القيامةِ\".","vol":"1","page":649},{"text":"هذا الحديثُ يدلُّ على تحريمِ بناءِ المساجدِ على قبورِ الصالحينَ، وتصويرِ\nصورِهم فيها كما يفعلُهُ النصارَى، ولا ريبَ أنَّ كلَّ واحدٍ منهما محرم على\nانفراده: فتصويرُ صورِ الآدميينَ محرم، وبناءُ القبورِ على المساجدِ بانفرادِهِ\nمحرم، كما دلتْ عليه نصوصٌ أُخرُ يأتِي ذكرُ بعضِها.\nوقد خرَّج البخاريُّ في \"تفسيرِ سورةِ نوح \" من \"كتابِهِ \" هذا من حديثِ\nابنِ جريرٍ، فقالَ: عطاء، عن ابنِ عباسٍ: صارتِ الأوثانُ التي كانت في قومِ\nنوحٍ في العربِ تُعْبد، أما \"ودّ\": كانت لكلبٍ بدومَةِ الجندَلِ، وأمَّا، \"سُواع\": كانت لهذيلٍ، وأما \"يَغُوثُ \": فكانت لمرادٍ، ثم لبني غُطيف بالجرفِ عند سبإٍ، وأمَّا \"يعُوقُ \": فكانتْ لهمدانَ، وأمَّا \"نسْر\": فكانت لحِمْيَر لاآل ذي الكلاع: أسماء رجال صالحينَ من قومِ نوحٍ، فلما هلكُوا أوحى الشيطانُ إلى قومِهِم أن انصبُوا إلى مجالسِهِم التي كانُوا يجلسَون أنصابًا، وسمُّوها بأسمائِهِم، ففعلُوا، فلم تُعبد، حتى إذا هلكَ أولئك ونُسخَ العلمُ عُبِدتْ.\nوقد ذكرَ الإسماعيليُّ: أن عطاءً هذا هو الخراسانيُّ، الخراسانيُ لم يسمعْ\nمن ابنِ عباسٍ. واللَّه أعلمُ.\nفإن اجتمعَ بناءُ المسجدِ على القبورِ ونحوِها من آثارِ الصالحينَ مع تصويرِ\nصورِهِم، فلا شكَّ في تحريمِهِ، سواءٌ كانتْ صورًا مجسدةً كالأصنامِ أو على\nحائطٍ ونحوِه، كما يفعلُه النصارى في كنائسهم، والتصاويرُ التي في الكنيسةِ\nالتي ذكرتها أمُّ حبيبة وأمُّ سلمة أنهما رأتاها بالحبشة كانتْ على الحيطانِ","vol":"1","page":650},{"text":"ونحوِها، ولم يكنْ لها ظل، وكانتْ أمُّ سلمةَ وأمُّ حبيبة قد هاجرتا إلى\nالحبشةِ.\nفتصويرُ الصورِ على مثل صورِ الأنبياءِ والصالحينَ، للتبركِ بها والاستشفاع\nبها محرَّمٌ في دينِ الإسلامِ، وهو من جنسِ عبادةِ الأوثانِ، وهو الذي أخبر\nالنبيُّ - ﷺ - أن أهلَه شرارُ الخلقِ عندَ اللَّهِ يومَ القيامةِ.\nوتصوير الصورِ للتآنسِ برؤيتها أو للتنزهِ بذلك والتَّلهي محرَّم، وهو منَ\nالكبائرِ وفاعلُه من أشدِّ الناسِ عذابًا يومَ القيامةِ، فإنه ظالمٌ ممثِّلٌ بأفعالِ اللَّهِ\nالتي لا يقدرُ على فعِلهَا غيرُه، واللَّهُ تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهوَ السَّمِيعُ\nالْبَصِيرُ)، لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ﷾.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>قوله ﷿: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (٢٤)</span>\nوسببُ نزولِهَا: أنّ قومًا سألُوا النبيَّ - ﷺ - عن قصةٍ، قال: غدًا أخبرُكم، ولمْ يقلُ إنْ شاء اللَّهُ. فاحتبس الوحيُ عنه مدةً، ثم نزلتْ هذه الآيةُ.\nوفي الحديثِ الصحيح: أنَّ سليمانَ - ﵇ - قال: \"لأطوفنَّ الليلةَ\nعلى مائةِ امرأةٍ\" الحديث.","vol":"1","page":651},{"text":"وفي الحديث: أنَّ بني إسرائيلَ، لو لمْ يقولُوا: \"إنْ شاء اللَّه \" ما اهتدُوا\nأبدًا يعني إلى البقرةِ التي أُمروا بذبحِهَا.\nوفي الحديثِ الذي في \"المسندِ\" و\"السنن\": أنَّ يأجوجَ ومأجوجَ يحفرونَ\nكلَّ يومٍ السدَّ حتى يكادُوا يروا منه شُعاعَ الشمسِ، ثم ينصرفونَ ويقولونَ غدًا نفتحُهُ فإذا رجعُوا من الغدِ وجدُوه كما كان أولًا حتى يأذنَ اللَّهُ في فتحِهِ، فيقولونَ: غدًا نفتحُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ، فيرجعونَ فيجدونَهُ كما تركوه فيفتحونه.\nقال إبراهيمُ بنُ أدهمَ: قال بعضُهم: ما سألَ السائلونَ مسألةً هي أنجحُ من\nأن يقولَ العبدُ: ما شاء اللَّهُ قال: يعني بذلك: التفويضَ إلى اللَّهِ.\nوكان مالكُ بنُ أنسٍ كثيرًا يقولُ: ما شاءَ اللَّهُ ما شاءَ اللَّهُ.\nفعاتبه رجلٌ على ذلكَ. فرأى في منامِهِ قائلًا يقولُ: أنت المُعاتبُ لمالكٍ على قولِهِ ما شاء اللَّه، لو شاءَ مالكٌ أنْ يثقبَ الخردلَ بقولِه ما شاءَ اللَّهُ فعلَ.\nقال حمادُ بنُ زيدٍ: جعلَ رجلٌ لرجلٍ جُعلًا على أنْ يعبرَ نهرًا، فعبرَ حتى\nإذا قربَ من الشطِّ، قال: عبرتُ واللَّهِ، فقالَ له الرجلُ: قلْ إن شاء اللَّهُ.\nفقال: شاءَ اللَّهُ أو لم يشأ، قال: فأخذَتْهُ الأرضُ.\nفلا ينبغي لأحدٍ أن يُخبر بفعلٍ يفعله في المستقبلِ إلا أنْ يُلحقَهُ بمشيئةِ اللَّهِ.\nفإنَّه ما شاءَ اللَّهُ كان وما لم يشأ لم يكنْ.\nوالعبدُ لا يشاءُ إلا أنْ يشاءَ اللهُ له.\nفإذا نسِيَ هذه المشيئةَ ثم تذكَّرها فقالَهَا عند ذكرها ولو بعدَ مدةٍ، فقد\nامتثلَ ما أُمِرَ به، وزالَ عنه الإثمُ، وإنْ كان لا يرفعُ ذلك عنه الكفارةَ،","vol":"1","page":652},{"text":"ولا الحِنثَ في يمينِهِ، ولهذا في كلامِ أبي الدرداءِ: اللَّهُمَ اغفرْ لي وتجاوزْ عنِّي.\nفلم يسألْ إلا رفعَ الإثم دونَ رفع الكفارةِ.\nرُوي عن سعيدِ بنِ جبيرِ، في قولِهِ تعالي: (وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ) .\nقال: يقولُ: إذا حلفتَ فنسيتَ الاستثناءَ فاستثنِ إذا ذكرتَ.\nولو بعدَ خمسةِ أشهرٍ أو ستةَ أشهرٍ؛ فإنَّه يجزئك ما لم تحنثْ.\nخرَّجه آدمُ بنُ أبي إياسِ في \"تفسيرِهِ \".\nوعلى هذا حَملَ قولَ ابنِ عباسٍ وأصحابهِ طائفةٌ من العلماءِ، منهُم:\nأبو مسعودٍ الأصبهانيُّ الحافظُ وابنُ جريرِ الطبريُّ.\nوكذا يُقال في هذا الحديثِ من تقدُّم الاستثناء؛ فإنَّ تقديمَه أبعدُ من تأخير\nعن اليمينِ، فإنَّ اليمينَ لم تُوجد بالكليَّة وفي تأخيره وجدتْ.\nوقد قالَ مالكٌ في الاستثناءِ في اليمينِ: إنْ ذكرَ المشيئةَ يريدُ بها الاسثتناءَ\nنفعَهُ ذلك في منع الحنثِ، وإنْ كان إنَما أراد امتثالَ قولِهِ تعالى: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ)، ثم حنثَ، فإنَي\nأرى الكفارةَ نقلَهُ ابنُ المنذرِ وغيرُه وكذلك حكاهُ أبو عُبيد عن بعضِ العلماءِ.\nوترددَ بعضُ العلماء في وجوبِ الكفارةِ في هذا القسم؛ لترددِّ نظر بين\nاللفظِ والمعْنَى. فلفظُهُ معلَّق بالمشيئةِ، ومعناهُ الجزمُ بالفعلِ غير معلقٍ، وإنَّما\nذكرَ الاستثناء تحقيقًا وتأكيدًا للفعلِ.\nوفي الجملةِ: فينبغي حملُ حديثِ زيدِ بنِ ثابتِ هذا على هذا المعنى.\nوأنْ تُقدَّم المشيئةُ على كل قولٍ يقولُه وحلفٍ يحلفُهُ ونذرٍ ينذرُهُ، ليخرجَ بذلكَ","vol":"1","page":653},{"text":"من عُهدةِ استقلالِ العبدِ بفعلهِ، وليحققَ العبدُ أنَّه لا يكونُ مما يعزم عليه العبدُ\nويقولُه من حل ونذرٍ وغيرِهِما إلا ما شاءَ اللَّهُ وأرادَهُ، ولهذا قالَ بعدَهُ: \"ما\nشئتَ كان وما لم تشأ لم يكنْ، ولا حول ولا قوَّةَ إلا بكَ، إنَّك على كلِّ شيءٍ قدير\".\nفتبرَّأ من حولِهِ وقوتِهِ ومشيئتِه بدون مشيئةِ اللَّهِ وحولِهِ وقوتِهِ، وأقرَّ لربِّه\nبقدرتِهِ على كلِّ شيءٍ وأنَّ العبدَ عاجز عن كلِّ شيءٍ إلا ما أقدرَهَ عليه ربّه.\nففي هذا الكلامِ: إفرادُ الربِّ تعالى بالحولِ والقوةِ والقُدرةِ والمشيئةِ، وأنَّ\nالعبدَ غيرُ قادرٍ من ذلكَ كلِّه إلا على ما يقدره مولاهُ، وهذا نهايةُ توحيدِ\nالربوبيةِ.\nوللشافعيِّ من أبياتٍ شعر:\nما شئتَ كانَ وإنْ لم أشأْ. . . وما شئتُ إنْ لم تشأ لم يكنْ\nوقد حملَ طائفة منهُم الإمامُ أحمدُ كلامَ ابنِ عباسٍ في تأويلِ الآيةِ على\nوجهٍ آخرَ، وهو: أنَّ الرجلَ إذا قال: لا أفعلُ كذا وكذا، ثم أرادَ فعلَهُ فإنَّه\nيستثنِي، ويقولُ: إن شاءَ اللَّهُ، ثم يفعلُهُ ويتخلَّصُ بذلكَ من الكذبِ إذا لم\nيكنْ حلف على يمين.\nوكان يحيى بنُ سعيدٍ القطانُ، إذا قالَ: لا أفعلُ كذا. لا يفعلُه أبدًا، فإذا\nقيلَ له: لم تحلفْ؛ يقولُ: هذا أشدُّ - يعني الكذبَ - لو كنتُ حلفتُ كان\nأهونُ، كُنتُ أكفِّرُ يميني وأفعلُهُ.\nوسُئل الإمامُ أحمدُ عمَّن يقولُ: لا آكلُ ثم يأكلُ، قال: هو كذبٌ، لا\nينبغي أنْ يفعلَ ذلك.","vol":"1","page":654},{"text":"ونقل الوليدُ بنُ مسلم - في \"كتابِ الأيمان والنذورِ\" عن الأوزاعيِّ، في\nرجلٍ كُلِّم في شيء فيقولُ: نعمْ، إن شاءَ اللَّهُ، ومن نيتِهِ أن لا يافعلَ.\nقالَ: هذا الكذبُ والخُلف.\nقالَ: إنَّما يجوزُ المُستثنى في اليمينِ، قيلَ لهُ: فإنَّه قالَ:\nنعم إنْ شاءَ اللَّهُ ومن نيتِهِ أنْ يفعلَ، ثم بدا لهُ أن لا يفعلَ.\nقالَ: له ثُنياه.\nوهذا يدلُّ على أنَّ الاستثناءَ بالمشيئةِ في غيرِ اليمينِ إنَّما ينفعُ لمن لم يكن\nمصممًا على مخالفةِ ما قالَهُ من أولِ كلامِهِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>قال الله تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)</span>\nقالَ الزجاجُ: السرادقُ: كلُّ ما أحاطَ بشيءٍ نحو الشقة في المضربِ\nوالحائطِ المشتملِ على الشيءِ.\nوقال ابنُ قتيبةَ: السرادقاتُ: الحرةُ التي تكونُ حولَ الفسطاطِ، قيلَ: هو الدهليزُ، معربٌ، وأصلُهُ بالفارسيةِ: سرادارُ.\nوقالَ ابنُ عباسٍ: هو سرادقُ من نارٍ.\nوروى ابنُ لهيعةَ عن دراج عن أبي الهيثمَ عن أبي سعيد الخدرىِّ عن النبيِّ\n- ﷺ - قالَ: \"سرادقُ أهلِ النارِ أربعةُ جدرٍ، كثفُ كلِّ جدارٍ مسيرةً أربعين سنةً\"\nخرَّجه الترمذيُّ.\nوإحاطةُ السرادقِ بهم قريبٌ من المعنى المذكورِ في غلقِ الأبوابِ، وهو شبهُ","vol":"1","page":655},{"text":"قولِ من قالَ: إنه حائط لا بابَ لهُ.\nولما كانَ إحاطةُ السرادِق بهم موجب لهمّهِم وغمِّهِم وكربِهِم وعطشِهِم\nلشدةِ وهج النارِ عليهم، قال اللَّه تعالى: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) .\nوقال تعالى: (وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢) .\nقال أبو معشرٍ: كنا في جنازة مع أبي جعفرٍ القاري فبكى أبو جعفرٍ، ثم\nقالَ: حدَّثني زيدُ بنُ أسلمَ، أنَّ أَّهَلَ النارِ لا يتنفسونَ، فذلك الذي أبكاني.\nخرَّجه الجوزجانيُ.\nوخرَّج ابنُ أبي حاتمن طريقِ إبراهيمَ بنِ الحكم بنِ أبانَ عن أبيهِ عن\nعكرمةَ، قال: على كلِّ بابٍ من أبوابِ النارِ سبعونَ ألفَ سرادقٍ من نارٍ، في كلِّ سرادقٍ منها سبعونَ ألفَ قبة من نارٍ، في كلِّ قبةٍ منها سبعونَ ألفَ تنورٍ من نارٍ، في كلِّ تنورٍ منها سبَّعَون ألفَ كوةٍ من نارٍ، في كلِّ كوةٍ منها\nمن نار. على كلِّ صخرة سبعونَ ألفَ صخرةٍ منها سبعون ألفَ حجرٍ من\nنارٍ، على كلِّ حجرٍ منها سبعونَ ألفَ عقربٍ من نارٍ، لكلِّ عقربٍ منها\nسبعونَ ألفَ ذنبٍ من نارٍ، لكلِّ ذنبٍ منها سبعونَ ألفَ فقارةٍ من نارٍ، في كل\nفقارة منها سبعونَ ألفَ قلةٍ من سمٍّ وسبعونَ ألفَ موقد من نارٍ يوقدونَ تلك\nالنارَ، وَذكر تمامَ الحديثِ، وسيأتِي فيما بعد إن شاء اللَّهُّ تَعالى؛ وفيه: \"إنهم\nيهوونَ من بابٍ إلى بابٍ خمسمائةَ سنةٍ\" وهو غريب ومنكرٌ، وإبراهيمُ بنُ\nالحكمِ بنِ أبانَ ضعيف تركه الأئمةُ.","vol":"1","page":656},{"text":"وأبوابُ جهنَّم قبلَ دخولِ أهلِها إليها يومَ القيامةِ مغلقةٌ كما دلَّ عليه ظاهرُ\nقولِهِ تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا)\nوفي حديثِ أبي هارونَ العبدي وهو ضعيف جدًّا عن أبي سعيدٍ الخدريِّ\nعن النبيِّ - ﷺ - في قصة الإسراءِ، قال:\n\"ثم عُرضتْ عليَّ النارُ، فإذا فيها غضبُ اللَّهِ وزجره ونقمتِه، لو طرحَ فيها الحجارةُ والحديدُ لأكلتْها، ثم أغلقتْ دونِي \".\nوقد رُويَ أن أبوابَها تفتحُ كل يوم نصفُ النهارِ، وسنذكرُهُ فيما بعدُ - إن\nشاء اللَّه تعالى.\nوروى الإمامُ أحمدُ عن إسحاقَ الأزرقيِّ عن شريكٍ عن الركينِ عن أبيه.\nقالَ: رأى خبابُ بنُ الأرتِّ رجلًا يصلِّي نصفَ النهارِ فنهاه، وقالَ: إنها\nساعةٌ تفتحُ فيها أبوابُ جهنَّمَ فلا تصلّ فيها.\nوقد وردَ ما يستدلُّ به على أنها مفتحةٌ، ففي \"الصحيحينِ \" عن أبي\nهريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"إذا جاءَ رمضانُ فتحتْ أبوابُ الجنةِ وغلِّقَت أبوابُ\nالنارِ وصفدتِ الشياطينُ ومردةُ الجنِّ \".\nوخرَّج الترمذيُّ من حديثِ أبي هريرةَ عنِ النبيِّ - ﷺ - قال: \"إذا كان أولُ ليلة من شهر رمضانَ صفدتِ الشياطينُ ومردةُ الجنِّ وأغلقتْ أبوابُ النارِ، فلم يفتحْ منها بابٌ وفتحتْ أبوابُ الجنةِ فلم يغلقْ منها بابٌ\".\nولكنْ قد قيلَ: إن إغلاقَ أبوابِ النارِ إنَّما هو عن الصائمينَ خاصةً،","vol":"1","page":657},{"text":"وكذلك فتحُ أبوابِ الجنةِ هو لهم خاصةً.\nوفي حديثِ القاسم العرنيِّ عن الضحاكِ عن ابنِ عباسٍ عنِ النبيِّ - ﷺ - في فضلِ رمضانَ، قالَ فيه: \"فيفتحُ فيها\" أي في أولِ ليلةٍ منه: \"أبوابُ الجنةِ للصائمينَ من أمةِ محمد - ﷺ -، فيقولُ اللَّهُ: يا رضوانُ، افتحْ أبوابَ الجنانِ، ويا مالكُ، أغلِقْ أبوابَ الجحيم عن الصائمينَ من أمَّةِ محمد - ﷺ - وهذا منقطعٌ.\nفإن الضحاكَ لم يسمعْ من ابنِ عباسٍ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>قوله تعالى: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (٣٩)</span>\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \": سمعت الوزير يقولُ: في قولِهِ تعالى:\n(وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ)، قال: ما قالَ: ما شاءَ اللَّه\nكانَ ولا يكونُ، بلْ أطلقَ اللفظَ، ليعمَّ الماضي والمستقبلَ والراهنَ.\nوسمعته يقول: وتدبرتُ قولَه تعالى: (لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ)، فرأيتُ\nلها ثلاثةَ أوجهٍ.\nأحدُها: أن قائلَها يتبرأُ من حولِهِ وقوتِهِ، ويسلِّمُ الأمرَ إلى مالِكِهٍ.\nوالثاني: أنه يعلمُ أنْ لا قوةَ للمخلوقينَ إلا باللَّه، فلا يخافُ منهم؛ إذ\nقُواهُم لا تكونُ إلا باللَّهِ، وذلك يوجبُ الخوفَ من اللًّهِ وحدَهُ.\nوالثالثُ: أنَّه ردَّ على الفلاسفةِ والطبائعيين الذين يدَّعونَ القُوى في الأشياءِ","vol":"1","page":658},{"text":"بطبيعتها، فإنَّ هذه الكلمةَ بيَّنتْ أنَّ القَويَّ لا يكُونُ إلا باللَّه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>قوله تعالى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا)</span>\nوقولُهُ - ﷺ -: \"أتبع السَّيِّئةَ الحسنةَ تمحُها\"\nظاهرُه أنَّ الستيئاتِ تُمحَى بالحسناتِ.\nوقد تقدَّم ذكرُ الآثارِ التي فيها أنَّ السيئةَ تمحى من صُحفِ الملائكة بالحسنةِ إذا عُملتْ بعدَهَا، قال عطيّةُ العوفيُّ: بلغنِي أنَّه من بكى على خطيئتهِ مُحيتْ\nعنه، وكُتِبتْ له حسنة، وعن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو، قالَ: من ذكرَ خطيئةً\nعمِلهَا، فوَجِلَ قلبُهُ منها، فاستغفرَ اللَّهَ ﷿ لم يَحبسْها شيءٌ حتى\nيمحوها عنه الرَّحمنُ. وقال بِشْرُ بنُ الحارثِ: بلغني عن الفضيلِ بنِ عياضٍ.\nقالَ: بكاءُ النَّهارِ يمحُو ذنوبَ العلانيةِ: وبكاءُ الليلِ يمحُو ذنوبَ السِّرِّ، وقد\nذكرَنا قولَ النبيَّ - ﷺ -:\n\"ألا أدلكم على ما يمحُو اللَّه به الخطايا ويرفعُ به الدرجاتِ \" الحديث.\nوقال طائفة: لا تُمحَى الذنوبُ من صحائفِ الأعمالِ بتوبةٍ ولا غيرِها، بل\nلابُدَّ من أن يُوقفَ عليها صاحبُها ويقرأُها يومَ القيامةِ، واستدلُّوا بقولِهِ تعالى:\n(وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) .\nوفي الاستدلالِ بهذهِ الآيةِ نظرٌ، لأنَّه إنَّما ذكرَ فيها حالَ المجرمينَ، وهم أهلُ الجرائم، والذنوبِ العظيمةِ، فلا يدخلُ فيهم المؤمنونَ التائبونَ من ذنوبِهِم، أو المغمورةِ ذنوبُهم بحسناتِهِم.\nوأظهرُ من هذا، الاستدلالُ بقولِهِ تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) .","vol":"1","page":659},{"text":"وقد ذكر بعضُ المفسرينَ أنَّ هذا القولَ هو الصحيحُ عند المحققينَ.\nوقد رُوي هذا القولُ عن الحسنِ البصريِّ، وبلالِ بنِ سعدٍ الدمشقيِّ.\nقال: الحسنُ في العبدِ يذنبُ، ثم يتوبُ، ويستغفرُ: يُغفر له، ولكن لا يُمحاه من كتابِهِ دونَ أن يقِفَه عليه، ثم يسأله عنه، ثم بكى الحسنُ بكاءً شديدًا، وقال: لو لم نبكِ إلا للحياءِ من ذلك المقامِ، لكان ينبغي لنا أن نبكي.\nوقال بلالُ بنُ سعدٍ: إن اللَّهَ يغفرَ الذنوبَ، ولكن لا يمحُوها من الصحيفةِ\nحتى يُوقفه عليها يومَ القيامةِ وإن تابَ.\nوقال أبو هريرة: يُدني اللَهُ العبدَ يومَ القيامةِ، فيضعُ عليه كنَفَهُ، فيستُرُهُ من\nالخلائقِ كُلِّها، ويدفعُ إليه كتابَهُ في ذلكَ السترِ، فيقولُ: اقرأ يا ابنَ آدمَ\nكتابَك، فيقرأُ، فيمرُّ بالحسنةِ، فيبيضُّ لها وجهُه، ويُسرُّ بها قلبُه، فيقولُ اللَّهُ: أتعرفُ يا عبدِي؟ فيقولُ: نعم، فيقولُ: إنِّي قبلتُها منكَ، فيسجدُ، فيقولُ: ارفعْ رأسكَ وعُدْ في كتابِك، فيمرُّ بالسيِّئةِ، فيسودُّ لها وجههُ، ويُوْجَلُ منها قلبُه، وترتعدُ منها فرائصُهُ، ويأخذُه من الحياءِ من ربِّه ما لا يعلمُه غيرُهُ، فيقول: أتعرفُ يا عبدِي؟ فيقول: نعم يا ربِّ، فيقولُ: إنِّي قد غفرتُها لكَ، فيسجدُ، فلا يرى منه الخلائقُ إلا السُّجودَ حتى ينادِي بعضُهم بعضًا: طُوبى لهذا العبدِ الذي لم يَعصِ اللَّه قطُّ، ولا يدرونَ ما قد لقِيَ فيما بينه وبينَ ربِّه ممَّا قد وقفَهُ عليه.\nوقال أبو عثمانَ النَّهْديُّ عن سلمانَ: يُعطَى الرجلُ صحيفتَهُ يومَ القيامةِ.\nفيقرأ أعلاها، فإذا سيئاتُهُ، فإذا كادَ يسوءُ ظنُّه، نظرَ في أسفلِهَا، فإذا","vol":"1","page":660},{"text":"حسناتُهُ، ثم نظرَ إلى أعلاها فإذا هي قد بُدلتْ حسناتٍ.\nورُوي عن أبي عثمانَ، عن ابنِ مسعود، وعن أبي عثمانَ من قولِهِ وهو أصحُّ.\nوروى ابنُ أبي حاتم بإسنادِهِ عن بعضِ أصحابِ معاذِ بنِ جبلٍ، قالَ:\nيدخلُ أهلُ الجنةِ الجنةَ على أربعةِ أصنافٍ: المتقينَ، ثم الشاكرينَ، ثم\nالخائفينَ، ثم أصحابُ اليمينِ.\nقيلَ: لِمَ سُمُوا أصحابَ اليمينِ؟\nقال: لأنَّهم عملُوا الحسناتِ والسيئاتِ، فأعطُوا كتبهم بإيمانهم، فقرءُوا سيئاتِهُم حرفًا حرفًا، قالُوا: يا ربَّنا هذه سيئاتُنا فأين حسناتُنا؟\nفعندَ ذلك محا اللَّهُ السيئاتِ، وجعلَها حسناتٍ، فعند ذلك قالُوا:\n(هَاؤُمُ اقْرَءُوا كتَابِيَهْ)، فهم أكثرُ أهلِ الجنةِ.\nوأهلُ هذا القول قد يحملونَ أحاديثَ محوِ السيئات بالحسنات على محوِ\nعقوبتها دون محوِ كتابتِها من الصحفِ، واللَّه أعلم. َ\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>قوله تعالى: (فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)</span>\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:\n(فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا)، قال: \"التاء\" من\nحروف الشدَّة، تقول في الشيءِ القريبِ الأمر: ما اسطعتُه، وفي الشَّديدِ: ما استطعته، فالمعنى: ما أطاقوا ظهوره لضعفهم، وما قدروا على نقبه\nوشدَّتِهِ.\n* * *","vol":"1","page":661},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-166>سُورَة مَرْيَمَ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>قوله تعالى: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)</span>\nولا يزالُ أهلُ جهنَّم في رجاء الفرج إلى أنْ يُذبحَ الموتُ، فحينئذ يقعُ منهم\nالإياسُ وتعظمُ عليهم الحسرة والحزنُ.\nوفي \"الصحيحينِ \" عن أبي سعيدٍ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"يجاء بالموتِ يومَ القيامةِ كأنه كبشٌ أملحُ، فيوقفُ بين الجنةِ والنارِ، فيقالُ: يا أهلَ الجنة هل تعرفونَ هذا؟\nفيشرئبونَ، وينظرونَ، ويقولونَ: نعم، هذا الموتُ، ويقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا فيشرئبونَ وينظرونَ، فيقولون: نعم، هذا الموتُ، قال: فيؤمرُ به فيذبحُ، ثم يقالُ: يا أهل الجنةِ خلود فلا موت ويا أهل النارِ خلود فلا موت\".\nثم قرأ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) .\nوخرَّجه الترمذيُّ بمعناه، وزادَ: \"فلولا أنَّ اللَّهَ قضى لأهل الجنة بالحياةِ والبقاءِ لماتُوا فرحًا، ولولا أن اللَّه قضى لأهلِ النارِ بالحياةِ والبقاءِ لماتُوا\nترَحًا\".\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجةَ معناه من حديثِ أبي هريرةَ","vol":"1","page":662},{"text":"عن النبيِّ - ﷺ - وقال فيه:\n\"إنَّ أهلَ الجنةِ يطلعون خائفينَ وجلينَ أن يخرجُوا من\nمكانِهِم الذي هُم فيه، وإنَّ أهلَ النارِ يطلعُون مستبشرينَ فرحينَ أن يخرجُوا من مكانِهِم الذي هم فيه \"\nوفي روايةِ الترمذيِّ: \"مستبشرينَ يرجونَ الشفاعةَ\".\nوخرَّجاه في \"الصحيحينِ \" من حديثِ ابنِ عمرَ عن النبيِّ - ﷺ - بمعناه.\nوفي حديثِه \"فيزدادُ أهل الجنةِ فرحًا إلى فرحِهِم، ويزدادُ أهلُ النارِ حزنًا إلى حزنهِم \"\nوخرَّجه الترمذيُّ من حديثِ أبي سعيدٍ عن النبيِّ - ﷺ - مختصرًا، وفيه:\n\"فلو أنَّ أحدًا مات فرحًا لماتَ أهلُ الجنةِ، ولو أنَّ أحدًا ماتَ حزنًا لماتَ أهلُ النارِ\".\nوخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ عن ابنِ مسعودٍ من قولِهِ نحوَ هذا المعنى غير\nمرفوع وزادَ: \"أنه ينادَى أهلُ الجنةِ وأهلُ النارِ: هو الخلودُ أبدَ الآبدينَ \".\nقال: فيفرحُ أهلُ الجنةِ فرحةً لو كان أحد ميتًا من فرحه لماتُوا، ويشهقُ أهلُ\nالنارِ شهقةً لو كان أحدٌ ميتًا من شهقِهِ لماتُوا، فذلك قولُه:\n(وأَنذِرْهُمْ يوْمَ الآزِفَةِ إِذِ الْقلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ) .\nوقولُه تعالى: (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ) .\nورَوى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن هشامِ بنِ حسانَ، قالَ: مرَ عمرُ بنُ\nالخطابِ بكثيبٍ من رملٍ فبكى، فقيلَ له: ما يبكيكَ يا أمير المؤمنينَ؟\nقال: ذكرتُ أهلَ النارِ فلو كانُوا مخلدينَ في النارِ بعددِ هذا الرملِ كانَ لهم أمد يمدون إليه أعناقَهُم ولكنَّه الخلودُ أبدًا.\nوقد رُوي عن ابنِ مسعودٍ هذا المعنى أيضًا مرفوعًا، وموقوفًا، وسنذكره فيما بعدُ - إن شاءَ اللَّهُ تعالى.","vol":"1","page":663},{"text":"وأمَّا عصاةُ الموحدينَ: فإنه ربما ينفعهم الدعاءُ في النارِ، خرَّج الإمامُ أحمدُ\nمن حديثِ أبي ظلالٍ عن أنسِ بنِ مالكٍ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"إنَّ عبدًا في جهنَّم لينادِي ألفَ سنةٍ: يا حنانُ يا منانُ، فيقولُ اللَّهُ ﷿ لجبريلَ ﵇: اذهب فأتني بعبدِي هذا، فيذهبُ جبريلُ فيجدُ أهلَ النارِ منكبينَ يبكونَ، فيرجعُ إلى اللَّهِ ﷿ فيخبره، فيقولُ: ائتني به فإنَّه في مكانِ كذا وكذا، فيجيءُ به ويوقفُهُ على ربِّه، فيقولُ له:\nيا عبدي كيفَ وجدتَ مكانَكَ؟\nفيقولُ: يا ربِّ شرُّ مكانٍ وشرُّ مقيلٍ، فيقولُ: ردُّوا عبدي.\nفيقولُ: يا ربِّ ما كنتُ أرجُو إذ أخرجْتَني منها أن تردَّني، فيقولُ: دعُوا عبدِي \".\nأبو ظلالٍ اسمُهُ هلالٌ؛ ضعفوه.\nخرَّج الترمذيُّ من طريق رشدين بنِ سعدٍ، حدثني ابنُ أنعمَ - هو\nالإفريقيُّ -، عن أبي عثمانَ أنه حدثه عن أبى هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"إنَّ رجلينِ ممن دخلَ النارَ اشتدَ صياحُهما، فقالَ الربّ ﷿: أخرجُوهما، فلما خرَجا، قال لهما: لأيِّ شيءٍ اشتدَّ صياحُكما، قالا: فعلنا ذلك لترحَمنا، قال: رحمتي لكُما أن تنطلقَا فتلقيا أنفسَكُما حيث كنتُما من النارِ، قال: فينطلقانِ فيلقي أحدُهُما نفسَه، فيقولُ له الربّ ﷿: ما منعك أن تلقيَ نفسَكَ كما ألقى صاحبُك؟\nقال: إني لأرجُو أن لا تعيدَني فيها بعدَما أخرجتني، فيقولُ له الربُّ ﷿: لك رجاؤك، فيدخلا جميعًا الجنةَ برحمة اللَّه ﷿ \".\nقال الترمذيُّ: إسنادُ هذا الحديثُ ضعيفٌ.\nوفي \"صحيح مسلم \" عن أنسٍ عن النبي - ﷺ - قالَ: \"يخرجُ من النارِ أربعةٌ فيعرضونَ على اللَّهِ ﷿، فيلتفتُ أحدُهُم فيقولُ: أي ربِّ إذْ أخرجتني منها فلا تعدني فيها، قال: فينجيه منْهَا\".","vol":"1","page":664},{"text":"وخرَّجه ابنُ حبانَ في \"صحيحِهِ \" وعندَهُ: \"فيلتفتُ فيقولُ: يا ربَ ما كانَ هذا رجائي فيكَ، فيقولُ: ما كان رجاؤك؟\nقال: كانَ رجائِي إذ أخرجتني منها أن لا تعيدني فيها.\nفيرحمَهُ اللَّهُ فيدخلهُ الجنةَ\".\nوخرَّجَ الإمامُ أحمد من روايةِ عليِّ بنِ زيدِ بنِ جدعانَ عن ابنِ المسيبِ\nعن أبي سعيدٍ وأبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"إن آخرَ رجلينِ يخرجانِ من النارِ فيقولُ اللَّهُ ﷿ لأحدِهِما: يا ابنَ آدمَ ماذا أعددتَ لهذا اليومِ؛ هل عملتَ خيرًا قط؟\nهل رجوتني؟ فيقولُ: لا، أي ربِّ، فيؤمرُ به إلى النارِ.\nفهو أشدُّ أهلِ النار حسرةً، ويقولُ للآخرِ: ماذا أعددتَ لهذا اليوم؟\nهل عملتَ خيرًا قط أو رجوتني؟\nفيقولُ: لا، أي ربَ، إلا أني كنتُ أرجوك، قال: فيرفعُ له شجرةً\"، وذكر الحديثَ في دخولِهِ الجنةِ وما يُعطَى فيها.\nوخرَّج هناد بنُ السري من طريقِ أبي هارونَ العبدي وفيه ضعفٌ شديد عن\nأبي سعيدٍ الخدريِّ عن النبي - ﷺ -:\n\"أن رجالًا يدخلُهُم اللَّهُ النارَ فيحرقُهُم بها حتى يكونُوا فحمًا أسودَ، وهم أعلَى أهلِ النارِ، فيجأرونَ إلى اللَّهِ ﷿ يدعونَهُ، فيقولونَ:\nربنا أخرجْنَا منها، فاجعلنا في أصلِ هذا الجدارِ، فإذا جعلَهُم في أصلِ الجدارِ رأوا أنه لا يُغني عنهم شيئًا، قالُوا: ربَّنا اجعلنا من وراءِ هذا السورِ، لا نسألُك شيئًا بعدَه، فيرفع لهم شجرةً حتى تذهب عنهم سخنةُ النارِ - أو: شحنة النارِ\" وذكر الحديث.\n* * *","vol":"1","page":665},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-168>قوله تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)</span>\nقال اللَّهُ تعالى: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) .\nروى إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ عن قيسِ بنِ أبي حازمٍ قالَ: بكَى عبدُ اللَّهِ بنُ\nرواحةَ فبكتِ امرأتُهُ، فقالَ لها: ما يبكيكِ؟\nقالت: رأيتُك تبكي فبكيتُ.\nقال: إني ذكرتُ هذه الآيةَ: (وِإن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) وقد علمتُ أنِّي\nداخلُها، فلا أدري أناج منها أنا أم لا؟\nوروى ابنُ المباركِ عن عبادِ المقبريِّ، عن بكرٍ المزنيِّ، قالَ: لما نزلتْ هذه\nالآيةُ (وِإن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) ذهبَ ابنُ رواحةَ إلى بيتِهِ فبكَى.\nوجاءتِ المرأةُ فبكتْ، وجاءتِ الخادمُ فبكتْ، ثم جاءَ أهلُ البيتِ فجعلُوا\nيبكونَ كلُّهم، فلما انقطعتْ عبرتُهُ قالَ: يا أهلاه ما يبكيكُم؟\nقالُوا: لا ندري، ولكنَّا رأيناكَ تبكي فبكينَا.\nقالَ: آية نزلتْ على رسولِ اللَّهِ - ﷺ -.\nينبئُني فيها ربِّي أني وارد النارَ ولم ينبئني أني صادِر عنها.\nوقال موسى بنُ عقبةَ في \"مغازيه \": زعمُوا أنَّ ابنَ رواحةَ بكى حينَ أرادَ\nالخروجَ إلى موتِهِ، فبكَى أهلُه حينَ رأوه يبكي، فقالَ: واللَّهِ ما بكيتُ جزعًا\nمن الموتِ ولا صبابةً لكُم، ولكنّي بكيتُ جزعًا من قولِ اللَّه ﷿: (وِإن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) فأيقنتُ أني واردُها، فلا أدري أنجُو منها أم لا؟\nوقال حفصُ بنُ حميدٍ عن شمرِ بنِ عطيةَ: كان عمرُ بنُ الخطابِ - ﵁ - إذا قرأ هذه الآيةَ يبْكِي، ويقولُ: ربِّ أنا ممن تُنجي أم من تذرُ فيها جثيًّا.","vol":"1","page":666},{"text":"ورَوى أبو إسحاقَ عن أبي ميسرةَ: أنه كان إذا أوى إلى فراشِهِ، قالَ: يا\nليتَ أمي لم تلدْني، فقالتْ له امرأتُهُ: يا أبا ميسرةَ إنَّ اللَّهَ قد أحسنَ إليكَ\nهداكَ للإسلامِ، قالَ: أجل، إنَّ اللَّهَ يبيِّنُ لنا أنَّا واردُو النار ولم يبيِّنْ أنَا\nصادرونَ منها.\nوروينا من طريقِ سفيانَ بنِ حسينٍ عن الحسنِ، قال: كان أصحابُ\nرسولِ اللَّهِ - ﷺ - إذا التقوْا يقولُ الرجلُ منهم لصاحبِهِ: هل أتاكَ أنَّكَ واردٌ النارَ؟\nفيقولُ: نعم، فيقولُ: هل أتاكَ أنَّك خارجٌ منها؟\nفيقولُ: لا، فيقولُ: ففيم الضحكُ إذًا؟!\nوقالَ ابنُ عيينةَ عن رجلٍ عن الحسنِ، قالَ رجلٌ لأخِيه: يا أخي هل أتاكَ\nأنَّكَ واردٌ النارَ؟\nقال: نعم، قال: هل أتاكَ أنَّك خارج منها؟\nقالَ: لا، قالَ: ففيم الضحكُ إذًا؟\nقالَ: فما رُئي ضاحكًا حتى ماتَ.\nوقال الإمامُ أحمدُ: حدثنا هاشمُ بنُ القاسم، حدثنا المباركُ بنُ فضالةَ، عن\nالحسنِ في قولِهِ ﷿: (وَإِن مِّنكُم إِلَّا وَارِدُهَا)\nقال: قالَ رجل لأخِيه: فقدْ جاءكَ عن اللَّه أنَّك واردٌ جهنم؟\nقال: نعم، قالَ: فأيقنتَ بالورودِ؟\nقال: نعم، قال: فأيقنتَ وصدَّقتَ بذلكَ؟\nقال: نعم، وكيفَ لا أصدِّقُ وقد قال اللَّهُ ﷿: (وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا كانَ عَلَى رَبِّكَ حَتما مَّقْضِيًّا)\nقال: فأيقنتَ أنك صادرٌ عنها؟\nقالَ: واللَّهِ ما أدري أأصدُر عنها أم لا؟\nقالَ: ففيم التثاقُل؛، وفيم الضحكُ؟، وفيمَ اللعبُ؟\nقال أحمدُ: وحدثنا خلفُ بنُ الوليدِ، حدثنا المباركُ، قال: سمعتُ الحسنَ\nيقولُ: لا - واللَّهِ - إنْ أصبحَ فيها مؤمن إلا حزينًا، وكيف لا يحزن المؤمنُ،","vol":"1","page":667},{"text":"وقد جاءَهُ عن اللَّهِ أنه واردٌ جهنمَ ولم يأتِهِ أنه صادرٌ عنها.\nقال أحمدُ: وأنبأنا حسينُ بنُ محمدٍ، حدثنا ابنُ عياشٍ، عن عبدِ اللَّهِ بنِ\nدينارٍ أنَّ لقمانَ، قال لابنِهِ: يا بنيَّ كيف يأمنُ النارَ من هُو واردُها؟\nوقد اختلفَ الصحابةُ ومن بعدهم في تفسيرِ الورودِ، فقالت طائفةٌ:\nالورودُ هو المرورُ على الصراطِ، وهذا قولُ ابنِ مسعود، وجابر، والحسنِ.\nوقتادةَ، وعبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ أسلمَ، والكلبيِّ، وغيرِهم.\nوروى إسرائيلُ عن السديِّ: قالَ: سألتُ مرةَ الهمداني عن قزلِ اللَّهِ عزَّ\nوجلَّ: (وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا)، فحدَّثني عن ابنِ مسعودٍ أنه حدثهم.\nقال: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"يرِدُ الناسُ النارَ ثم يصدرونَ عنها بأعمالهم، فأولُهم\nكلمحِ البرق، ثم كالريح، ثم كحضرِ الفرسِ، ثم كالراكبِ في رحلِهِ ثم كَسَيرِ الرجلِ ثم كمشيه \"\nخرَّجه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ، وخرَّج الإمامُ أحمدُ أوَّلَهُ.\nوخرَّجه الحاكمُ وقال: صحيحٌ، ورواه شعبةُ عن السديِّ عن مرَّةَ عن عبدِ اللَّهِ موقوفًا ولم يرفعْهُ شعبةُ، مع أنه قرأ بأنَّ السديَّ حدثه به مرفوعًا، قال\nالدارقطنيُّ: يحتملُ أن يكونَ مرفوعًا.\nقلتُ: ورواه أسباطٌ عن السديِّ عن مرَّةَ الهمدانيِّ عن عبدِ اللَهِ موقوفًا\nأيضًا، فقالَ: \"يردُ الناسُ الصراطَ جميعًا، وورودُهُم: قيامُهُم حولَ النارِ، ثم\nيصدرونَ عن الصراطِ بأعمالهم، فمنهُم من يمرُّ كالبرقِ \" فذكرَ الحديثَ بطولِهِ.\nوفي آخر: \"حتى إن آخرَهُم مرًّا: رجلٌ نورُهُ على إبهامي قدميه، يتكفأ به الصراطُ دحضٌ مزلةٌ، عليه حسكٌ كحسكِ القتادِ، حافتاه ملائكةٌ معهم كلاليبُ من نارٍ يختطفونَ بها الناسَ \" وذكر بقية الحديثِ.\nخرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ.","vol":"1","page":668},{"text":"ورواه الحكمُ بنُ ظهيرِ عن السدي عن مرة عن عبدِ اللهِ فرفعَ آخر\nالحديثِ، ولفظُ حديثِهِ: قالَ عبدُ اللَهِ: الورودُ ليسَ بالدخولِ فيها ولكنه\nحضورُها والوقوفُ عليها، مثلُ الدابةِ تردُ الماءَ ولا تدخلُهُ، ثم قالَ عبدُ اللَّهِ: قال رسولُ اللَهِ - ﷺ -:\n\"يضعُ اللَهُ الصراطَ على جهنَّمَ فيجوزُ العبادُ عليه \"\nوذكرَ الحديثَ بطولهِ، وفي آخرِهِ: \"ولو قيلَ لأهلِ النار: إنَّكم ماكثونَ في النارِ عددَ كلِّ حصاةِ في الدنيا سنةً لرجُوا، وقالُوا: إنَّا لابدَّ مخرجونَ، ولو قيلَ لأهلِ الجنةِ: إنَّكم ماكثونَ في الجنةِ عددَ كُلِّ حصاةِ في الدنيا سنةَ حزنُوا، وقالُوا: إنَّا لابدَّ مخرجونَ، ولكن اللهَ جعلَ لهما الأبدَ ولم يجعلْ لهما الأمدَ\"، و\"الحكمُ بنُ ظهيرِ\" ضعيفٌ.\nولعل هذا الكلام فَي آخرِ الحديث موقوف على ابن مسعودِ، فإنه رُوي عنه\nموقوفًا من وجهِ آخرَ بإسنادِ جيدِ، قال أبو الحسنِ بنُ البراءِ العبدي في كتابِ\n\"الروضةِ\" له: حدثنا أحمدُ بنُ خالدِ - هو: الخلالُ -، حدثنا عثمان بنُ عمرَ، حدثنا إسرائيلُ، عن أبي إسحاقَ عن عمرِو بنِ ميمون، عن عبدِ اللَّهِ قالَ: لو أن أهلَ جهنمَ وعدُوا يومًا من أبدِ أو عددِ أيام الدنيا لفرِحُوا بذلكَ اليومِ، لأنَّ كلَّ ما هُو آتِ قريب.\nوقد رُويَ أولُ الحديثِ من طريقِ أبي إسحاقَ موقوفا أيضًا، لكنْ بمخالفةٍ\nفي الإسنادِ، فروى عمرُو بنُ طلحةَ القتادُ عن إسرائيلَ عن أبي إسحاقَ عن\nأبي الأحوصِ عن عبدِ اللهِ (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا) قال: الصراطُ على\nجهنَم مثلُ حدِّ السيفِ، فتمرُّ الطائفةُ الأولى كالبرقِ، والثانية كالريح.\nوالثالثةُ كأجودِ الخيلِ، والرابعةُ كأجودِ الإبلِ والبهائِم، ثم يمرُّونَ والملائكةُ\nيقولونَ: رب سلِّم سلِّم.\nخرَّجه الحاكمُ وقالَ: صحيحٌ على شرط الشيخينِ.\nوكذا خرَّجه آدمُ بنُ أبي إياس في \"تفسيره\" عن إسرائيلَ.","vol":"1","page":669},{"text":"وخرَّج مسلمٌ في \"صحيحهِ \" من حديثِ روح بنِ عبادةَ، أنبأنا ابنُ\nجريجٌ، أخبرني أبو الزبير أنه سمعَ جابرَ بنِ عبدِ اللَّهِ يُسألُ عن الورودِ.\nفقالَ: نحنُ يومَ القيامةِ على كذا وكذا، انظرْ أي ذلك فوقَ الناسِ، قالَ:\nفتُدْعى الأممُ بأوثانِها وما كانتْ تعبدُ: الأولُ فالأولُ، ثم يأتينا ربُّنا بعد ذلك، فيقولُ: من تنتظرونَ؟\nفنقولُ: ننتظرُ ربنا، فيقولُ: أنا ربُّكم، فيقولونَ: حتى\nننظرَ إليكَ، فيتجلَّى لهُم ويضحكُ، فينطلقُ بهم فيتبعونَه، ويُعطى كلُّ إنسانٍ\nمنهم مؤمن أو منافق نورَهُ، ثم يتبعونَهُ وعلى جسرِ جهنَّم كلاليب وحسك\nتأخذُ من شاء اللَّهُ، ثم يطفأ نورُ المنافقينَ ثم ينجُو المؤمنون، فينجُو أول زمرة\nوجوهُهم كالقمرِ\".\nوذكر بقية الحديثِ، كذا أخرَّجَه مسلم عن عبدِ اللَّهِ بنِ سعيدٍ - وهو الأشجُّ - وإسحاقَ بنِ منصورٍ، وكلاهما عن روحٍ به.\nوخرَّجه الإمامُ أحمد عن روحٍ به وزادَ فيه بعدَ قولِهِ:\n\"فيتجلَّى لهم يضحك \" قال: سمعتُ النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"فينطلقُ بهم فيتبعونَهُ \"وساق الحديثَ فجعله من هذا الموضع مرفوعًا، وما قبلَهُ موقوفًا.\nوقد روى محمدُ بنُ شرحبيلَ الصنعانيُ عن ابنِ جريجِ هذا الحديثَ، فرفعَ\nأوله أيضًا وهو ذكرُ التجلِّي والضحكِ، ورواه عبدُ الرزاقِ عن رباح بنِ زيدٍ\nعن ابنِ جريجٍ عن زيادِ بنِ سعدٍ عن أبي الزبير، عن جابر عن النبيِّ - ﷺ -، فذكر التجلِّي، وروى عنه الحديثَ كلَّه أيضًا بهذا الإسنادِ، هذا يدلُّ على أنَّ أولَ الحديثِ لم يكنْ عند ابنِ جريجٍ عن أبي الزبيرٍ مرفوعًا، وإنْ كانَ عنده كلُّه مرفوعًا عن زيادِ بنِ سعدٍ عن أبي الزبير، وكذلكَ رواه أبو قرةَ عن مالكٍ","vol":"1","page":670},{"text":"عن زيادِ بنِ سعد عن أبي الزبيرِ، عن جابرٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"إذا كانَ يومُ القيامةِ جُمعتِ الأممُ \"\nفذكره كلَّه مرفوعًا، وكذلك رواه ابنُ لهيعة عن أبي الزبيرِ، قال: سمعتُ جابرًا يُسألُ عن الورودِ، فقالَ: سمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ: \"نحنُ يومَ القيامة على كومٍ \" وذكرَ الحديثَ كلَّه مرفوعًا، وفي حديثِه زيادةٌ بعدَ قولِهِ: \"ويعطَى كلُّ إنسانٍ منهم - منافق أو مؤمنٌ - نورًا أو يغشَاه ظلمة\".\nوقولُهُ في هذه الروايةِْ \"ونحن يومَ القيامةِ على كومٍ\" هذه الروايةُ الصحيحةُ.\nوأمَّا ما وردَ في روايةِ روحٍ عن ابنِ جريجٍ عن كذا وكذا، فإن أصلَهُ\nتصحيفٌ من الراوي للفظةِ \"كومٍ \"، فكتبَ عليه كذا وكذا لإشكالِ فهمه عليهِ، ثم كتبَ: انظر، أي: ذلكَ يأمرُ الناظرُ فيه بالتروي والفكرِ في صحة لفظِهِ، فأدخلَ ذلكَ كلَّه في الروايةِ قديمًا.\nولم يقعْ ذلكَ في نسخ \"صحيح مسلم \"\nكما يظنُّه بعضُهم، فإن الحديثَ في \"مسندِ الإمامِ أحمدَ\"، و\"كتابِ السنةِ\"\nلابنه عبدِ اللَّهِ كذلكَ، وخرَّجه الطبرانيُّ في \"كتابِ السنةِ\" من طريقِ أبي\nعاصمٍ عن ابنِ جريجٍ، أخبرَنِي أبو الزبير أنه سمعَ جابرًا يُسألُ عن الورودِ\nفقالَ: \"نحنُ يومَ القيامة على كومٍ فوقَ الناسِ، فتدعى الأمم بأوثانِها\"\nوذكرَ الحديثَ إلى قولِهِ: \"فيتجلَّى لهم يضحك \"\nقالَ: فسمعتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ:\n\"حتى يبدوُ كذا وكذا، فينطلقُ بهم فيتبعونَهُ \"\nوذكرَ الحديثَ بتمامِهِ.\nوفي سياقِهِ أيضًا: \"وتغشى المنافقينَ ظلمة\".\nفظهرَ بهذه الروايةِ أن الشكَّ والتصحيف إنما جاء من جهةِ روحٍ بنِ عبادةِ، ولعله وقع في كتابِهِ كذلكَ فحدَّث به كما في كتابِهِ، واللَّهُ أعلمُ، لكنْ قد رواهُ محمدُ بنُ يحيى المازنيُ عن ابنِ جريج، كما رواهُ عنه روحٍ.\nخرَّجه من طريقِهِ الخلالُ.","vol":"1","page":671},{"text":"ومما يستدلُّ به على أنَّ الورودَ ليسَ هو الدخولُ:\nما خرَّجه مسلمٌ من حديثِ أبي الزبير عن جابرٍ، قال: أخبرتْنِي أمُّ بشرٍ أنها سمعتِ النبي - ﷺ - يقولُ عند حفصةَ:\n\"لا يدخلُ النارَ - إن شاءَ اللَهُ - من أصحابِ الشجرةِ أحدٌ من\nالذينَ بايعوا تحتَها\"\nقالتْ: بلى يا رسولَ اللَّهِ، فانتهرها، فقالتْ حفصةُ:\n(وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا)، فقال النبي - ﷺ -:\n\"قد قال اللَهُ عزَّ وجلة (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢) .\nورواه الأعمشُ عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن أمّ بشرٍ بنحوه، وفي\nبعضِ رواياتِ الأعمشِ فقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"يرِدُونَها، ثم يصدرونَ عنها بالأعمالِ \".\nوقالتْ طائفةٌ: الورودُ هو الدخولُ، وهذا هو المعروفُ عن ابنِ عباسٍ.\nورويَ عنه من غيرِ وجهٍ، وكان يستدلُّ لذلك بقولِ اللَّه تعالى في فرعون:\n(يَقْدُم قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النارَ) .\nوبقولِهِ: (وَنَسوق المُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا) .\nوكذلك قوله تعالى: (لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا) .\nوقد سبق عن عبد اللَهِ بنِ رواحةَ نحو هذا إلا أنَّ الرواية عنه منقطعةٌ.\nوروى مسلمٌ الأعورُ عن مجاهدٍ: (وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا)\nقال: داخلُها.\nوسئل كعبٌ عن الورودِ المذكورِ في الآيةِ، فقالَ: تمسكُ النارُ عن الناسِ","vol":"1","page":672},{"text":"كأنها متن إهالةٍ، حتى تسوى عليها أقدام الخلق كلِّهم برِّهم وفاجرِهم، ثم\nيقول لها الربُّ ﷿: خذي أصحابَك ودعي أصحابِي، فتخسفُ بكلِّ\nولي لها، وينجي اللَّهُ المؤمنينَ نديةً ثيابُهم.\nقال كعبٌ: ألم ترَ إلى القدرِ الكثيرةِ الودك إذا بردتْ استوت بيضاء\nكالشحم، فإذا أوقدتِ النارُ تحتها انخسف الودكُ في القدرِ من هاهنا وهاهنا.\nوفي روايةٍ عنه قال: فهي أعرفُ بهم من الوالدِ بولدهِ.\nوقال ثورُ بنُ يزيدَ عن خالدِ بنِ معدانَ: إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ، قالُوا:\nألم يعدْنَا ربُّنا أنا نرد النار؟\nقال: بلى، ولكن مررتُم عليها وهي خامدةٌ.\nوفي روايةٍ عنه، قالَ: إذا جازَ المؤمنونَ الصراطَ نادَى بعضُهم بعضًا: ألم يعدْنا ربُّنا أنا نمرُّ على جسرِ جهنَّم؟\nفيقولونَ: بلى، ولكنْ مررتُم عليها وهي خامدةٌ.\nوقال مسكينٌ: سمعتُ أشعثَ الحداني يقول: بلغني أن أهلَ الإيمانِ إذا\nمرُوا بصراطِ جهنمَ، قال: تقول لهم جهنمُ: جوزُوا عنِّي قد بردتُم وهجِي.\nذرُوني وأهلي.\nولكن هذا والذي قبلَهُ قد يدلانِ على أنَّ الورود هو المرورُ\nعلى الصراطِ كالقولِ الأولِ.\nوروى كثيرُ بنُ زيادٍ البرساني عن أبي سُميةَ، قال: اختلفنا في الورودِ.\nفقالَ بعضُنا: لا يدخلُها مؤمنٌ، وقال بعضُهم: يدخلُونها جميعًا ثم ينجي\nاللَّهُ الذين اتَّقوا، فلقيتُ جابرَ بنَ عبدِ اللَّهِ، فقلتُ: إنا اختلفْنَا في الورودِ.\nفقال: يردونها جميعًا، وقال سليمُ بنُ مرةَ: يدخلونَها، وقال: سمعتُ\nرسول اللَّهِ - ﷺ - يقولُ:\n\"لا يبقَى برّ ولا فاجرٌ إلا دخلَها، فتكونُ على المؤمنينَ بردًا\nوسلامًا كما كانتْ على إبراهيم، حتَّى إنَّ للنارِ ضجيجًا من بردِهِم","vol":"1","page":673},{"text":"(ثُمَّ ننَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا) \".\nحْرَّجه الإمامُ أحمد.\nو\"أبو سميةَ\" لا ندري من هُوَ.\nوفي \"الصحيحينِ عن أبي هريرةَ ضى، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"لا يموتُ لأحدٍ من المسلمينَ ثلاثة من الولدِ\nفتمسهُ النارُ إلا تحلَّةَ القسم \".\nوقد فسر عبد الرزاقِ وغيرُه تحلّةَ القسم بالورودِ لقولِهِ: (وَإِن منكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا)\nوظاهرُ هذا يقتضي أن الورودَ هو مسُّ النارِ.\nوفي روايةٍ: \"فيلجُ النارَ إلا تحلَّةَ القسم \"\nفجعله مستثنى مِنْ وُلُوجِهَا.\nوروى عبدُ الملكِ بنُ عميرٍ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ بشيرٍ الأنصاريِّ، قال:\nقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"من ماتَ له ثلاثةُ أولادٍ لم يبلُغُوا الحنثَ لم يردِ النارَ إلا عابرَ سبيلٍ \".\nوخرَّج الإمامُ أحمد من حديثِ ابن لهيعةَ، ورشدينَ بنِ سعدٍ، كلاهُما\nعن زاذانَ بنِ نائلٍ، عن سهلِ بنِ معاذ بنِ أنسٍ، عن أبيه، عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ:\n\"من حرسَ من وراءِ المسلمينَ في سبيلِ اللَّهَ متطوِّعًا لا يأخذُهُ سلطان لم يرد إلا\nتحلَّةَ القسم، فإنَّ اللَّه تعالى يقولُ: (وَإِن فمنكمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) \".\nإسنادُهُ ضعيفٌ.\nوخرَّج الطبرانيُّ من حديثِ الواقديِّ، حدثنا شعيبُ بنُ طلحةَ بنِ\nعبدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي بكرٍ، حدثنا أبي، عن أبيه، عن جدِّه، عن\nأبي بكرٍ الصديقٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"إنَّما حرُّ جهنمَ على أمَّتي كحرِ الحمام\".\nالواقديُّ متروكٌ.","vol":"1","page":674},{"text":"وروى منصورُ بنُ عمارٍ، عن بشيرِ بنِ طلحةَ، عن خالدِ بنِ دُرَيكٍ، عن\nيعْلَى بنِ مُنْيةَ، عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"تقولُ جهنمُ للمؤمن: جز يا مؤمنُ؛ فقد أطفأ نورُك لهبي \"\nغريبٌ وفيه نكارةٌ.\nوقد فسر بعضُهم الورودَ بالحُمَّى في الدنيا، روى مجاهد وعثمان بنُ\nالأسودِ وفيه حديثٌ مرفوع:\n\"الحُمَّى حظ المؤمن من النار\" وإسنادُهُ ضعيفٌ.\nوقالت طائفةٌ: الورودُ: ليس عامًّا وإنَّما هو خاصّ بالمحضرين حول جهنَّمَ\nالمذكورين في قولِهِ تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا) إلى قولهِ: (وَإِن مِّنكُمْ إِلاَّ وَارِدُهَا) .\nكأنَّه يقالُ لهؤلاءِ الموصوفينَ: (وإن منكم إلا واردُها) .\nرُوِي هذا التأويلُ عن زيدِ بنِ أسلمَ، وهو بعيدٌ جدًّا.\nوقد أخبر النبيُّ - ﷺ -: أنَّ العبدَ إذا وقفَ بينَ يدي ربِّه للحسابِ فإنه تستقبلُه النارُ تلقاءَ وجهِه.\nوأخبرَ أنَّ الصدقةَ تقي صاحبَها من النارِ.\nففي \"الصحيحينِ عن عدي بن حازمٍ، عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ: \"ما منكُم من أحدٍ إلا سيكلمُهُ ربُّه ليسَ بينه وبينه تُرْجمانُ، فينظرُ أيمنَ منْهُ فلا يَرى إلا ما قدَّم، وينظرُ أشأمَ منهُ فلا يَرى إلا ما قدَّم، وينظرُ بين يديهِ فلا يَرى إلا النارَ تلقاءَ وجهِهِ، فاتَّقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ\".\nوفي \"صحيح مسلم \" عنه عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"من استطاعَ منكم أن يستترَ من النارِ ولو بشقِّ تمرة فليفعلْ \".","vol":"1","page":675},{"text":"وفي \"صحيح البخاريِّ \" عنه، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"ليقفنَّ أحدُكم بين يدي اللَّه ﷿ ليسَ بينه وبينه حجابٌ ولا ترجمانُ يترجمُ له، ثم ليقولنَّ لهُ: ألم أوتكَ مالًا؛ فليقولنَّ بلى، ثم يقولُ: ألم أرسلْ إليك رسولًا؛ فليقولنَّ: بلى، فينظرُ عن يمينه فلا يرى إلا النارَ، ثم ينظرُ عن شمالِهِ فلا يَرى إلا النارَ، فليتقين أحدُكُم النارَ ولو بشقِّ تمرة، فإن لم يجدْ فبكلمةٍ طيبة\".\nوفي حديث عبدِ الرحمنِ بن سمرةَ عن النبيِّ - ﷺ - أنه خرج يومًا فقال:\n\"رأيت الليلةَ عجبًا\" فذكرَ حديثًا طويلًا، وفيه: \"رأيتُ رجلًا من أُمَّتي يتقي وهجَ النارَ وشررَهَا بيديه من وجهِه، فجاءتْهُ صدقتُهُ فصارتْ سترًا على رأسه وظلًاّ على وجهِهِ \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-169>قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)</span>\nومن اشتغلَ بتربيةِ منزلتِهِ عند اللَّه تعالى بما ذكرنا من العلم الباطن وصلَ\nإلى اللَهِ فاشتغلَ به عمَّا سواه، وكان له في ذلك شُغُلٌ عن طلبِ المنزلةِ عندَ\nالخلقِ، ومع هذا فإنَّ اللَّه يُعطيه المنزلةَ في قُلوبِ الخلقِ والشرفَ عندَهم، وإن كان لا يريدُ ذلك ولا يقفُ معه؛ بل يهرَبُ منه أشدَّ الهربِ ويفِرُّ أشدَّ الفِرارِ خشية أن يقطعع الخلقُ عن الحقِّ - ﷻ.\nقال اللَّه تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦) .","vol":"1","page":676},{"text":"أي: في قلوب عِبادِهِ.\nوفي حديثٍ: \"إنَّ اللَّه إذا أحب عبدًا نادَى: يا جِبْريلُ: إني أحبُّ فُلانًا فيُحبُّه جبريلُ، ثم يحبه أهل السماءِ، ثم يوضَعُ له القبُولُ في الأرض \".\nوالحديثُ معروفٌ، وهو مُخرَّجٌ في \"الصحيح \".\nوبكلِّ حالٍ، فطلبُ شرفِ الآخرةِ يحصلُ معه شرفُ الدنيا وإن لم يرده\nصاحبه ولم يطلبْهُ، وطلبُ شرفِ الدنيا لا يجامع شرف الآخرةِ ولا يجتمعُ\nمعه، والسعيدُ من آثَرَ الباقي على الفاني، كما في حديثِ أبي موسى - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قالَ:\n\"من أحبَّ دنياه أضر بآخِرَتِهِ، ومن أحبَّ آخرتَهُ أضرَّ بدنياه.\nفآثِرُوا ما يبْقَى على ما يفْنَى\".\nخرَّجه الإمامُ أحمد وغيرُه.\nوما أحسنَ ما قال الشيخ أبو الفتح البُسْتِيُّ:\nأمْرَانِ مُفْتَرقَانِ لسْتَ ترَاهُما. . . يتشوَّقانِ لخُلْطَةٍ وتلاقِي\nطلبُ المعَادِ مع الرِّيَاسةِ والعُلَى. . . فدعِ الذي يفْنَى لما هو باقِي\n* * *","vol":"1","page":677},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-170>سُورَةُ طَهَ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>قوله تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي)</span>\n[قال البخاريّ - ﵀ -]:\nثنا أبو نُعيمٍ وموسى بنُ إسماعيلَ، قالا: ثنا همَّامٌ، عن قتادةَ، عن أنسِ\nابنِ مالكٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"من نسِي صلاةً فليُصلِّ إذا ذكَرَ، لا كفَّارة لها إلا\nذلك، (وَأَقِم الصَّلاةَ لِذِكْرِي) \".\nقال موسى: قال همَّامٌ: سمعتُه يقولُ بعْدُ: \" (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) \".\nوقال حبَّانُ: ثنا همَّامٌ: ثنا قتادةُ: ثنا أنسٌ، عن النبيِّ - ﷺ - نحوه.\nهذا الحديثُ قد رواه جماعةٌ عن همَّامٍ، وجماعةٌ عن قتادة.\nوقد خرَّجه مسلمٌ من طريقِ همَّامٍ وأبي عوانة وسعيدٍ والمثنى، كلِّهم عن\nقتادةَ، عن أنسٍ، وليسَ في روايةِ أحد منهم: التصريحُ بقولِ قتادةَ: \"ثنا\nأنس \"، كما ذكر البخاريُّ أنَّ حبَّانًا رواه عَّنَ همَّامٍ.\nوإنَّما احتاج إلى ذلك، لما عُرِفَ من تدليس قتادة.\nولفظُ روايةِ سعيدٍ، عن قتادةَ التي خرَّجها مسلمٌ: \"من نسي صلاةً أو نامَ عنها فكفَّارتُها أن يُصلِّيها إذا ذكَرَها\".","vol":"1","page":678},{"text":"ولفظُ حديثِ المثنى، عن قتادةَ، عنده:\n\"إذا رقدَ أحدُكُم عن الصلاةِ أو نامَ عنها، فكفَّارتُها: أن يُصلِّيها إذا ذكَرَها\".\nوقد دلَّ الحديثُ على وجوبِ القضاءِ على النائم إذا استيقظَ، والناسي إذا\nذكر، وقد حكى الإجماعَ على ذلك غيرُ واحدٍ.\nوذكَرَ ابنُ عبدِ البرِّ: أنَّ محمدَ بنَ رُسْتُم روى عن محمدِ بنِ الحسن: أنَّ\nالنائمَ إذا فاتَه في نوْمِهِ أكثرُ من خمْسِ صلواتٍ لا قضاء عليه، إلحاقًا للنومِ\nالطويلِ إذا زادَ على يومٍ وليلةٍ بالإغماء، والمُغْمَى عليه لا قضاء عليه عندَه.\nويكونُ الأمرُ عندَهُ بالقضاءِ في النومِ المعتادِ، وهو ما تفوتُ فيه صلاة أو\nصلاتانِ أو دون خمسٍ أو أكثر.\nوأخذَ الجمهورُ بعمومِ الحديث.\nوقولُهُ: \"فليصلِّ إذا ذَكَرَ\":\nاستدلَّ به من يقولُ بوجوبِ قضاءِ الصلواتِ على\nالفورِ، وهو قولُ أبي حنيفة ومالكٍ.\nوأحمدُ يوجبه بكلِّ حالٍ، قلَّتِ الصلواتُ أو كثُرَتْ.\nواستدلوا - أيضًا - بقولِهِ: \" لا كفَّارةَ لها إذا ذلك \".\nوذهبَ الشافعيُّ إلى أنَّ القضاءَ على التراخي، كقضاءِ صيام رمضانَ.\nوليس الصومُ كالصلاةِ عندَهم، فإنَّ الصيامَ لا يجوزُ تأخيرُهُ حتَّى يدخل نظيرُه\nمن العامِ القابل والصلاةُ عندَهُم بخلافِ ذلك.\nواستدلُّوا - أيضًا -: بتأخيرِ النبيِّ - ﷺ - الصلاةَ حتَّى خرج من الوادي.\nوفيه نظرٌ؛ فإنَّ ذاك تأخيرٌ يسيرٌ لمصلحةٍ تتعلَّقُ بالصلاةِ، وهو التباعُدُ عن\nموضع يُكْرَه الصلاةُ فيه.","vol":"1","page":679},{"text":"وقد رُوي عن سمُرة بن جُنْدُب، فيمَنْ عليه صلوات فائتة: أنَه يُصلِّي مع\nكلِّ صلاةٍ صلاةً.\nوقد رُوي عنه - مرفوعًا.\nخرَّجه البزارُ بإسنادٍ ضعيفٍ.\nولأصحابِ الشافعيِّ فيما إذا كان الفواتُ بغيرِ عُذْرٍ في وُجوبِ القضاءِ\nعلى الفورِ وجهانِ.\nوحمَل الخطابيُ قولَه: \"لا كفَّارةَ لها إلا ذلك \" على وجهْينِ:\nأحدُهُما: أنَّ المعنى أنَّه لا يجوزُ له تركُها إلى بدلٍ، ولا يُكفِّرها غيرُ\nقضائِها.\nوالثاني: أنَّ المعنى أنَّه لا يلْزَمُهُ في نسيانها كفَّارةٌ ولا غرامة. قال إنَّما عليه\nأن يُصلِّي ما فاتَهُ.\nوقد رُوي عن أبي هريرة - مرفوعًا:\n\"من نسي صلاةً فوقتُها إذا ذكرَهَا\".\nخرَّجه الطبرانيُّ والدارقطني والبيهقيُّ من روايةِ حفْصِ بنِ أبي العطَّافِ.\nواختلف عليه في إسنادِهِ إلى أبي هريرةَ.\nوحفْصٌ هذا، قال البخاريُ وأبو حاتمٍ: منكرُ الحديث.\nوقال يحيى بن يَحْيى: كذَّاب.\nفلا يُلتفتُ إلى ما تفرَّد به.\nوأمَّا تلاوتُهُ قولُهُ تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي) .","vol":"1","page":680},{"text":"وقد رواه قتادةُ - مرّةً -، فقال: \"للذكرى\"، ومرَّةً، قال: \"لِذِكرِي\"\n، كما هو القراءة المتواترةُ.\nوكان الزهريُّ - أيضًا - يقرؤها: \"للذكرى\".\nوهذه القراءةُ أظهرُ في الدِّلال\" على الفورِ؛ لأنَّ المعنى: أدِّ الصلاةَ حينَ\nالذِّكْرَى، والمعنى: أنَّه يصلِّي الصلاةَ إذا ذكرها.\nوبذلك فسَّرها أبو العالية والشعبيُّ والنخعيُّ.\nوقال مجاهد: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ (ذِ@رِي @ أطه: ٤ ا.،: أي تدْكُرُلْي. قال: فإذا\nصلَّى عبدٌ ذكَرَ رتَه.\nومعنى قوله: أنَّ قولَهُ: (وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكرِي): أي: لأجلِ ذكْرِي\nبها.\nوالصلاةُ إنَّما فُرِضتْ ليُذكر اللَّه بها، كما في حديثِ عائشةَ المرفوع:\n\"إنَّما جُعل الطوافُ بالبيتِ وبيْنَ الصَّفا والمرْوة ورمي الجمارِ لإقامةِ ذكرِ الله\".\nخرَّجه الترمذيُّ وأبو داود.\nفأوجب اللَّهُ على خلْقِهِ كلَّ يومٍ وليلةٍ أنْ يذكُرُوه خمس مرارٍ بالصلاةِ\nالمكتوبةِ، فمن تركَ شيئًا من ذكر اللَّه الواجبِ عليه سهْوًا فلْيعد إليه إذا ذكرَهَ، كما قال تعالى: (وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسيتَ)، فقد أمرَهُ إذا نسيَ ربَّه\nأنْ يذكُره بعد ذلك، فمنْ نسي الصلاة فقد نسي ذكْرَ ربِّه، فإذا ذكر أنَّه نسي فلْيَعُد إلى ذِكْرِ ربِّه بعد نسيانِهِ.","vol":"1","page":681},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-172>قوله تعالى: (إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (١٥)</span>\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:\n(إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا) .\nقال: المعنى: أنِّي قد أظهرتُها حينَ أعلمت بكونها، لكنْ قاربتُ أنْ أخفيها بتكذيب المشركِ بها، وغفلة المؤمنِ عنها، فالمشركُ لا يُصدِّقُ كونَها، والمؤمنُ يهملُ الاستعدادَ لها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>قوله تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى (١٨)</span>\nوذكر صاحب سيرة الوزير قال: سمعته يقول في قوله تعالى: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧) قَالَ هِيَ عَصَايَ) .\nقال: في حمل العصا عظة؛ لأنها من شيء قد كان ناميًا فقطع، فكلما رآها حاملها تذكَّر الموتَ.\nقال: ومن هذا قيل لابن سيرين - ﵀ -: رجل رأى في المنام أنه\nيضرب بطبل؟\nفقال: هذه موعظة، لأن الطبل من خشب قد كان ناميًا فقطع.\nومن أغشية كانت جلود حيوان قد ذبح. وهذا أثر الموعظة.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>قوله تعالى: (قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)</span>\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \": سمعت الوزير يقول: قرأ عندي قارئ،","vol":"1","page":682},{"text":"قال: (هُمْ أولاءِ عَلَى أَثَرِي)، فأفكرتُ في معنى اشتِقاقِها، فنظرتُ فإذا\nوضعها للتنبيه، واللَّه لا يجوزُ أن يخاطبَ بهذا، ولَم أر أحدًا خاطبَ اللَّه عز\nوجل بحرف التنبيه إلا الكفار، كما قال اللَّه ﷿ (قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلاءِ\nشُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كنَّا نَدْعُو مِن دُونِكَ)، (رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلّونَا) .\nوما رأيت أحدًا من الأنبياءِ خاطب، ربَّه بحرف التنبيه، والله أعلم.\nفأما قوله: (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنونَ)، فإنه قد تقدَّم\nالخطاب بقوله: يا ربِّ، فبقيت \"ها\" للتمكين، ولما خاطب اللَّه ﷿\nالمنافقين، قال: (هَا أَنتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلتُم عَنْهُمْ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)، وكرَّم\nالمؤمنين بإسقاط \"ها\" فقال: (هَا أَنتُمْ أُوْلاءِ تُحِبُونَهُمْ) .\nكان التنبيه للمؤمنين أخفَّ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>قوله تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا)</span>\nروى حمَّادُ بنُ سلمةَ، عن محمدِ بنِ عمرِو بنِ علقمةَ، عن أبي سلمةَ عن\nأبي هريرة - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"والَّذي نفسِي بيده؛ إنه ليَسْمَعُ خفقَ نعالِكُم حين تولُّون عنه، فإنْ كانَ مؤمنًا، كانتِ الصلاةُ عندَ رأسِهِ، والزكاةُ عن يمينِهِ، والصومُ عن\nشمالِهِ، وفعلُ الخيراتِ والمعروفِ والإحسانِ إلى الناسِ من قِبَلِ رِجْليْهِ، فيؤتى من قِبل رأسه، فتقولُ الصلاةُ: ليْس من قِبَلي مدخل ثم يؤتى عن يمينهِ فتقول الزكاة: ليس من قِبَلي مدخل، ثم يُؤتى عن شمالِهِ، فتقولُ الصومُ: ليس مِنْ قبلي مدْخل، تم يُؤتى قِبل رِجْليهِ، فيقولُ فعلُ الخيراتِ والمعروف والإحسانِ إلى الناسِ: ليس من قِبَلي مدخل.","vol":"1","page":683},{"text":"فيقالُ له: اجلسْ، فيجلسُ، وقد مثلَت الشمسُ للغروبِ، فيقولُ له: ما تقولُ في هذا الرجلِ الذي كان بعثَ فيكم؟ \" - يعني النبيَّ - ﷺ - - \"فيقولُ: أشهد أنّه رسولُ اللَّهِ، جاءنا\nبالبيِّناتِ من عندِ ربِّنا فصدَّقْناه، واتَبعناه، فيقالُ له: صدقتَ، وعلى هذا حييتَ، وعلى هذا مِتَّ، وعليه تُبعثُ إن شاء اللَّهُ، فيفسحُ له في قبرِهِ مدَّ بصرِهِ، فذلكَ قولُهُ سبحانه:\n(يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ) .\nيقالُ: افتحُوا له بابًا إلى النارِ، فيُفتحُ له بابٌ إلى النارِ، فيقالُ: هذا منزلُكَ لو عصيتَ اللَّهَ، فيزدادُ غبطةً وسرورًا.\nويُقال: افتحُوا له بابًا إلى الجنةِ، فيفْتح له، فيقالُ: هذا منزلُكَ وما أعدَّ اللَّه لك، فيزدادُ غبطة وسرورًا، ويعادُ الجسدُ إلى ما بدئ منه، وتجعلُ روحُه نسَمَ طيرٍ معلقٍ في شجرِ الجنة.\nوأمَّا الكافرُ فيُؤتى في قبر من قِبلِ رأسِهِ، فلا يُوجدُ شيءٌ، فيُؤتى من قِبلِ رجليهِ فلا يُوجد شيء، فيجلسُ خائفًا مرعوبًا، فيقالُ له: ما تقولُ في هذا الرجلِ الذي كان فيكم؟ وما تشهدُ به؟\nفلا يهتدِي لاسمِهِ، فيقالُ: محمدٌ رسولُ اللهِ - ﷺ -، فيقولُ: سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئا، فقلتُ كما قالُوا، فيقالُ له: صدقتَ، على هذا حييتَ، وعليه متَّ، وعليه تبعثُ إن شاء اللَّهُ تعالى، فيُضيَّق عليه قبرُهُ حتى تختلفَ أضلاعُه، فذلك قولُهُ تعالى:\n(وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِن لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) فيقال: افتحُوا له بابًا إلى\nالجنةِ، فيفتحُ له بابٌ إلى الجنةِ، فيُقال: هذا منزلُكَ وما أعدَّ اللَّه لكَ لو كنتَ أطعتَهُ، فيزدادُ حسرةً وثُبورًا، ثم يقالُ: افتحُوا له بابًا إلى النارِ، فيفتحُ له بابٌ إليها، فيُقالُ له: هذا منزلُكَ، وما أعدَّ الله لك، فيزدادُ حسرةً وثُبورًا \".\nقال أبو عمر الضريرُ: قلتُ لحمَّادِ بنِ سلمةَ: كان هذا من أهلِ القبلة؟\nقال: نعم، قال أبو عمر: كأنَّه كان يشهدُ بهذه الشهادة على غيْرِ يقينٍ يرجعُ","vol":"1","page":684},{"text":"إلى قلبه، كأن يسمعَ الناسَ يقولونَ شيئًا، فيقولُه.\nخرَّجه الطبرانيُّ.\nوخرَّجه الخلالُ في كتابِ \"السنة\"، وزادَ فيه بعد قولِهِ: \"وقد مثلتِ الشمسُ\nله قد دنتْ للغروبِ، فيقال له: هذا الرجلُ الذي كانَ فيكُم ما تقولُ فيه؟ فيقولُ: دعونِي حتَّى أصلِّي، فيقولونَ: إنك ستفعلُ، أخبِرْنا عمَّا نسألك عنه \"، وذكر الحديثَ.\nوخرَّجَه ابنُ حبان في \"صحيحِهِ \"، من طريقِ معتمر، عن محمَّدِ بنِ\nعمرو - به.\nورواه جماعةٌ عن محمدِ بنِ عمرٍو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرةَ -\nموقوفًا.\nوقد رُوي من حديثِ أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، نحوه ايضًا مع\nالاختلافِ في رفعِهِ ووقفِهِ.\nوخرَّجه ابنُ منده، من طريقِ محمدِ بنِ جُحادةَ، عن طلحةَ بن مُصَرِّف.\nعن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ قال: \"إذا وضُعَ المؤمنُ في قبره، أتاه شيطانٌ\nمن قِبَلِ رأسِهِ، فيحولُ بيْنَه وبينه سجودُهُ، ثم يأتِيَه من قِبَلِ يديه، فيحول بينه وبينه صدقتُه، ثم يأتيه من قِبَلِ بطنهِ، فيحولُ بينه وبينه صومُه، تم يأتِيه من قِبلِ رِجْليه، فيحولُ بينه وبينه قيامُه عليها في الصلاةِ، ثم يُفتحُ له بابٌ من أبوابِ الجنةِ فيقول: ربي بلِّغْنِي منزلَتِي، فيقولُ: إن لكَ إخوةٌ وأخواتٌ لم\nيلحَقُوا، فنَمْ قريرَ العيْنِ لا تفزعْ بعدَها\".\nوخرَّجه - أيضًا - من طريقِ محمدِ بن الصلْتِ، عن ابنِ عيينةَ، عن طلحةَ","vol":"1","page":685},{"text":"ابنِ مُصرِّفٍ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ - يرفعُهُ قال: \"يؤتَى الرجلُ من\nقِبلِ رأسِهِ في قبر، فإذا أُتِيَ دفعه تلاوةُ القرآنِ، فإذا أُتيَ من قِبلِ يديه دفعتْهُ الصدقةُ، فإذا أُتي من قِبلِ رجليه دفعَه مشيُه إلى المساجد\"، فذكره نحوه، كذا في هذه الرواية السابقة، إنَّ الذي يأتيه في قبر شيطانٌ.\nوفي حديثِ الأعمشِ، عن المنهالِ، عن زاذان، قال: قلتُ للبراءِ: أمَلَكٌ\nهو أم شيطان؟\nقال: فغضب غضبًا شديدًا، ثم قال: نحن كنَّا أشدَّ هيبةً\nلرسول اللَّه - ﷺ - أن نسأله أملكٌ هو أم شيطانٌ؟\nإنما نحدِّثكم ما سمعنَا.\nوخرَّج الإمامُ أحمد، من حديثِ محمدِ بنِ المنكدرِ، قال: كانتْ\nأسماءُ تحدِّثُ عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"إذا أدْخِلَ الإنسانُ في قبرِهِ فإن كانَ مؤمنًا أحفَّ به عملُهُ: الصلاةُ والصيامُ؟\nقال: فيأتِيه الملكُ من نحوِ الصلاةِ فيردَّه ومن نحوِ الصيامِ\nفيردُّه، فيناديه اجلسْ، فيجلسُ، فيقولُ: ما تقولُ في هذا الرجل؟ - يعني النبي - ﷺ -؟\n\"قال: منْ؟\nقال: محمدٌ - ﷺ -.\nقال: أشهدُ أنه رسولُ اللَّهِ - ﷺ - قال: يقول له: وما\nيدريك، أدركتَهُ؟\nقال: يقول: إنَّه رسولُ اللَّه - ﷺ -، قال: يقولُ: على ذلك عشتَ، وعليه مِتَّ، وعليه تبعثُ.\nقال: إنْ كان فاجرًا أو كافِرًا قال: جاءهُ الملَكُ ليسَ بينه وبينه شيء\nيردُّه، فأجلسه قال: يقول: اجلسْ، ما تقولُ في هذا الرجلِ؟\nقال: أي رجل؟\nقال: محمد.\nقال: يقولُ: واللَّهِ ما أدري، سمعتُ الناسَ يقولونَ شيئًا فقلتُه، قال: فيقولُ له الملَكُ: على ذلكَ عشتَ، وعليه مِتَّ، وعليه تبعثُ.\nقال: يسلَّط عليه دابَّة في قبرِهِ، معها سوط ثمرتُهُ جمرة مثل غربِ البعيرِ، تضربُهُ ما شاء اللَّه، صمَّاء لا تسمعُ صوتَهُ فترحمُه \".","vol":"1","page":686},{"text":"قلتُ: قولُه: \"ويسلَّطُ عليه دابَّةٌ.. \" إلى آخره.\nوقد رُوي من وجهٍ آخرَ عن ابن المنكدرِ، أنه بلغه ذلكَ، فلعلَّه مُدْرَجٌ في الحديثِ.\nوفي حديثِ زاذانَ، عن البراءِ بن عازبٍ، عن النبيِّ - ﷺ -، وقد سبق ذكرُ بعضِهُ، قال في المؤمن: \"ويأتيه رجلٌ حسنُ الوجهِ، حسنُ الثيابِ، طيبُ الريحِ، فيقولُ: أبْشِرْ بالذي يسرُكَ، هذا يومُك الذي كنتَ تُوعدُ. فيقولُ له: من أنت؟\nفوجْهُكَ الوجهُ الذي يجيءُ بالخيرِ، فيقولُ: أنا عملُكَ الصالحُ، فيقولُ: ربِّ أقم الساعةَ حتَّى أرجعَ إلى أهلِي ومالِي \".\nوقال في حقِّ الكافرِ: \"ويأتيه رجلٌ قبيحُ الوجهِ، قبيحُ الثيابِ، منتنُ الريحِ، فيقولُ: أبْشِر بالذي يسوءُك، هذا يومُك الدْي كنتَ توعدُ، فيقولُ: ومن أنتَ؟ فوجهُك الوجهُ الذي يجيءُ بالشر، فيقولُ: أنا عملُكَ الخبيثُ، فيقولُ: ربِّ لا تقم الساعةَ\"\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ وغيرُه.\nوروى ابنُ أبي الدنيا، بإسنادِهِ عن أبي بكر بن عياشٍ، عن المقْبُريِّ، عن\nأبيه، عن عائشة - ﵂ -، قالتْ: إذا خرج سريرُ المؤمنِ، نادى: أنشدكُم اللَّهَ لما أسرعتُم بي، فإذا أُدخلَ قبره حفَّه عملُه، فتجيءُ الصلاةُ فتكونَ عن يمينِه، ويجيءُ الصومُ فيكون عن يساره، ويجيء عملُهُ بالمعروفِ فيكونُ عند رجليْه، فتقولُ الصلاةُ: ليس لكم قبلي مدخلٌ، كان يُصلِّي، فيأتونَ من قبل يساره، فيقولُ الصومُ: إنه كان يصومُ ويعطشُ، فلا يجدونَ موضِعًا، فيأتونَهُ من رجلَيْه، فتخاصِمُ عنه أعمالُهُ فلا يجدونَ مسْلكًا.\nوبإسناده عن ثابت البُنانيِّ قالَ: إذا وُضِعَ الميتُ في قبرهِ احتوشَتْهُ أعمالُهُ","vol":"1","page":687},{"text":"الصالحةُ، وجاء ملكُ العذابِ، فيقولُ له بعضُ أعمالِهِ: إليك عنه، فلو لم\nيكنْ إلا أنا لما وصلتَ إليه.\nوعنه أيضًا، قال: إذا وُضِعَ العبدُ الصالحُ في قبره، أُتِي بفراشٍ من\nالجنةِ، وقيلَ له: نَمْ هنيئًا لك قُرَّة العينِ، فرضي اللَّه عنك، قالَ: ويُفْسَحُ له في قبره مدَّ بصرِهِ، ويفتحُ له بابٌ إلى الجنةِ، فينظرُ إلى حسنِها، ويجدُ\nريحَها، وتحتوشُه أعمالُهُ الصالحةُ: الصيامُ، والصلاةُ، والبرُّ، فتقول له: نحنُ\nأنصبْناكَ وأظمأناك وأسهرْناك فنحنُ لك اليومُ بحيث تحبُّ، نحنُ نؤنسُكَ حتى\nتصيرَ إلى منزلِكَ من الجنةِ.\nوبإسنادهِ عن كعبٍ، قالَ: إذا وُضِعَ العبدُ العمالحُ في قبر، احتوشتْه\nأعمالُهُ الصالحةُ: الصلاةُ والصيامُ والحجُّ والجهادُ والصدقةُ.\nقال: وتجيءُ ملائكةُ العذابِ من قبل رجليهِ، فتقولُ الصلاةُ: إليكُم عنه فلا سبيلَ لكُم، فقدْ أطال القيامَ للَّه ﷿ عليهما، قال: فيأتُونَهُ من قبلِ رأسِهِ، فيقولُ الصيامُ: لا سبيلَ لكم عليه، فقد أطال ظمأه للَّه تعالى في الدنيا؟\nقال: فيأتونَهُ من قِبلِ جسدِهِ، فيقولُ الحجُّ والجهادُ: إليكم عنه، فقد أنصبَ نفسَهُ، وأتعبَ بدنَه، وحجَّ وجاهدَ للهِ - ﷿ - لا سبيلَ لكُم عليه، قال: فيأتُونه من قِبلِ يدَيْه، فتقولُ الصدقةُ: كُفّوا عن صاحِبي، فكمْ من صدقَةٍ خرَجَتْ من هاتَيْنِ اليدينِ حتَى وقعتْ في يدِ اللَّهِ ﷿ ابتغاءَ وجهِهِ، فلا سبيلَ لكم عليه \" قال: فيُقالُ له: هنيئًا طبتَ حيًّا وطبت ميتًا.\nقال: ويأتيه ملائكةُ الرحمةِ، فتفرشُه فِراشًا من الجنةِ، ودِثارًا من الجنةِ، ويفسحُ له في قبره مدَّ البصرِ، ويؤتَى بقنديلٍ من الجنةِ، فيستضِيءُ بنورِهِ إلى يومِ يبعثُهُ اللَّهُ من قبره.","vol":"1","page":688},{"text":"وبإسنادِهِ عن يزيدَ الرَّقاشيِّ، قال: بلغني أنَّ الميتَ إذا وُضِعَ في قبره\nاحتشوته أعمالُهُ، ثم أنطقَها اللَّهُ تعالى، فقالتْ: أيها العبدُ المفردُ في حفرتِهِ.\nانقطعَ عنك الأخلاءُ والأهلونَ، فلا أنيسَ لك اليومَ غيرَنا، قالَ: ثمَّ يبْكي\nويقولُ: طوبى لمن كان أنيسُه صالِحًا، والويلُ لمن كان أنيسُه وبالًا.\nوبإسنادِهِ عن يزيدَ الرقاشيِّ - أيضًا - أنه كانَ يقولُ في كلامِهِ: أيها المنفردُ\nفي حفرتِه، المُخَلَّى في القبرِ بوحدتِهِ، المستأنسُ في بطنِ الأرضِ بأعمالِهِ.\nليتَ شِعْرِي بأيِّ أعمالِك استبشرتَ، وبأيِّ إخوانِك اغتبطتَ، قالَ: ثمَّ يَبْكي حتى يبلَ عمامَتَهُ، ويقول: استبشر واللَّهِ بأعمالِهِ الصالحةِ، واغتبطَ واللَّه بإخوانِهِ المتعاونينَ على طاعةِ اللَّهِ.\nوبإسنادِهِ عن الوليد بنِ عمرِو بنِ ساجٍ، قال: بلغني أن أولَ شيءٍ يجدُه\nالميتُ حولَهُ عندَ رجلَيْه، فيقولُ: ما أنتَ؟ فيقولُ: أنا عملُكَ.\nوقد ورد في شفاعةِ القرآن لقارئِه ودفعِهِ عندَ عذابِ القبرِ خصوصًا: سورةُ\nتبارك.\nوخرَّج النسائيُّ في \"عمل اليومِ والليلةِ\" بإسنادِهِ عن ابنِ مسعودٍ في.\nقالَ: من قرأ: \"تباركَ الذي بيده الملكُ \" كلَّ ليلةٍ منعهُ اللَّهُ بها من عذابِ\nالقبرِ، وكنَّا في عهد رسول اللَّه - ﷺ - نسمِّيها المانِعةَ.\nوخرَّجه خلفُ بنُ هشامٍ في كتابِ \"فضائل القرآنِ \" عن ابنِ مسعودٍ، ولفظُهُ\nأنه ذكرَ \"تباركَ \"، فقال: هي المانعةُ، تمنعُ من عذابِ القبرِ، توفِّيَ رجلٌ فأُتِي","vol":"1","page":689},{"text":"من قبل رجليه، فتقولُ رجلاه: لا سبيلَ لكُم على ما قِبَلي، إنه كان يقرأ\nعليَّ سورةَ تبارك، ويُؤتَى من قِبلِ بطنِهِ، فيقولُ بطنُه: لا سبيلَ لكُم على ما\nقِبلي، إنَّه كانَ أوعَى فيه سورةَ الملكِ، ويُؤتى من قِبلِ رأسِهِ فيقولُ رأسُهُ: لا\nسبيلَ لكم على ما قِبلي إنه كان يقرأ سورةَ الملكِ.\nوأخرجَ أبو عبيدٍ في كتابِ \"فضائلِ القرآنِ \" بإسنادِهِ عن ابنِ مسعود\n- ﵁ -، قال: إنَّ الميّتَ إذا ماتَ أوقدتْ له نيران حولَهُ، فتأكلُ كلُّ نارٍ ما يليها إنْ لم يكنْ له عملٌ يحولُ بينه وبينَها، وإنَّ رَجُلًا ماتَ ولم يكن يقرأ من القرآنِ إلا سورةً، ثلاثينَ آيةٍ، فأتته من قِبَلِ رأسِه، فقالتْ: إنه كانَ يقرأ بي، فأتتْه من قِبلِ رجليهِ، فقالتْ: إنه يقومُ بي، فأتتْه من قبل جوفِهِ، فقالتْ: إنه كان وعائِي، قالَ: فأنجتْهُ.\nقال زِرٌّ: فنظرتُ أنا ومسروقٌ في المصحفِ فلم نجِد سورةً ثلاثينَ آيةً إلا\nتباركَ.\nوروى عبدُ بنُ حميدٍ في \"مسندهِ \" عن إبراهيمَ بنِ الحكمِ بنِ أبان، عن\nأبيه، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: اقرأْ (تباركَ الَّذي بيده الملكُ) .\nاحفظْها، وعلمْها أهلَك، وولدَك، وصبيانَ بيتِك، وجيرانَك، فإنها المُنجِّية\nوالمجادلةُ، تجادلُ أو تخاصمُ عن صاحبِهَا عند الله لقارِئِهَا، وتطلبُ أن ينجيه\nمن عذابِ النارِ إذا كانت، في جوفِهِ، وينجِّي اللَّهُ بها صاحبَها من عذابِ\nالنارِ.\nوروى سوارُ بنُ مصعب - وهو ضعيفٌ جدا -، عن أبي إسحاقَ، عن","vol":"1","page":690},{"text":"البراءِ، يرفعُه: \"من قرأَ: الم السجدةَ، وتباركَ، قبلَ النوم، نجَا من عذابِ القبرِ، ووُقِيَ فتَّانا القبرِ\".\nوسنذكرُ حديثَ عبادةَ في نزولِ القرآنِ مع الميتِ في قبره فيما بعدُ - إن شاء\nاللَّه تعالى.\nوروى هشامُ بنُ عمَّار، حدَّثنا عبدُ اللَّه بنُ عبدِ الرحمنِ بنِ يزيدَ بنِ جابرٍ.\nعن أبيه، عن عطاءِ بنِ يسارٍ، قال: إذا وُضِعَ الميتُ في لحدِهِ، فأولُ شيءٍ\nيأتيِه عملُهُ، فيضربُ فخذَه الشمالَ، فيقول: أنا عملُكَ، فيقولُ: أين أهلِي، وولدِي، وعشيرتِي، وما خوَّلني اللَّهُ تعالى؟ فيقولُ: تركتَ أهلَك، وولدَك، وعشيرتَك، وما خوَّلك اللَّه وراءَ ظهرِك، فلم يدخلْ قبرَك معكَ غيرِي، فيقولُ: يا ليْتني آثرتُك على أهلِي، وولدِي وعشيرتي، وما خوَّلني الله تعالى إذ لم يدخل معِي غيرُك.\nقال أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: حدثنا يحيى بنُ سليم، عن ابنِ أبي نجيحٍ.\nعن مجاهدٍ، في قولِه تعالى: (فَلأَنفسِهِمْ يَمْهَدُونَ)، قال: في القبرِ.\nقال أحمد: فحدثتُ به يحيى بن معينٍ، فقال: طوبى لمن كان له عمل\nصالحٌ، يكون وطْأهُ في القبرِ.\nويشهدُ لهذا كلِّه ما في \"الصحيحينِ \" عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"يتْبَعُ الميّتَ ثلاثة فيرجعُ اثنانِ ويبقَى واحدٌ يتبعه: أهلُه ومالُهُ وعملُهُ، فيرجِعُ أهلُهُ ومالُهُ، ويبقَى عملُهُ \".","vol":"1","page":691},{"text":"وخرَّجه البزَّارُ والطبرانيُّ والحاكم بسياقٍ مطوَّلٍ، من حديثِ أنسٍ -\nأيضًا - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"ما من عبد إلا له ثلاثةُ أخِلاء، وأما خليلٌ فيقول له: ما\nأنفقتَ فلكَ، وما أمسكت فليس لك، فذلك مالُهُ، وأما خليلٌ فيقول: أنا معك، فإذا أتيتَ بابَ الملكِ رجعتُ وتركتُكَ، فذلكَ أهلُهُ وحشَمُه، وأمَّا خليلٌ فيقولُْ أنا معكَ حيثُ دخلتَ، وحيثُ خرجتَ، فذلكَ عملُهُ، فيقولُ: إن كنتَ لأهونُ الثلاثةِ عليَّ \".\nوخرَّج البزَّارُ والحاكمُ أيضًا من حديثِ النعمانِ بن بشيرٍ عن النبي - ﷺ - معناه وقد اختلفَ في رفعِهِ ووقفِهِ.\nوقد رُوي هذا من حديثِ عائشةَ - ﵂ - عن النبي - ﷺ - بسياقٍ مبسوطِ، وأنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ كرزٍ قالَ في هذا المعنى شعرًا، وأنشده للنبيِّ - ﷺ - ولكنْ إسنادُهُ\nضعيفٌ جدا.\nوخرَّج البزَّارُ هذا المعنى - أيضًا - من حديثِ أبي هريرةَ، وسمُرَةَ بن\nجندبٍ، عن النبيِّ - ﷺ -.\nوخرَّجه الطبرانيُّ من حديثِ سمُرةَ عن النبيِّ - ﷺ - أيضًا.\nوروَى إبراهيمُ بنُ بشارٍ، عن إبراهيمَ بنِ أدْهَمَ، أنه كان ينشدُ شِعرًا:\nما أحدٌ اكرَمُ من مُفْرَدٍ. . . في قبرِهِ أعمالُهُ تؤْنِسُه\nمُنَعَّمُ الجسْم وفي رَوْضَةٍ. . . زينها اللهُ فهِيَ مجْلِسُه","vol":"1","page":692},{"text":"وأمَّا العارفون باللَّهِ، المحبُّونَ له، المنقطعونَ إليه في الدنيا، والمستأنسونَ به\nدونَ خلقِهِ: فإنَّ اللَّهَ بكرمِهِ وفضلِهِ لا يخذُلُهم في قبورِهِم، بل يتولاَّهم.\nويؤنسُ وحشتَهُم فـ: (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) .\nوقد جاء في بعضِ ألفاظِ حديثِ يومِ المزيدِ: أنهم يقولونَ لربِّهم في ذلك\nاليومِ: أنت الذي أنستَ منا الوحشةَ في القبورِ.\nوكتبَ محمدُ بنُ يوسفَ الأصبهانيُّ العابدُ إلى أخيه: إنّي محذِّرُكَ\nمتحوَّلَك من دارِ مُهلتِكَ إلى دارِ إقامتِك وجزاءَ أعمالِك، فتصيرُ في قرارِ\nباطنِ الأرضِ بعدَ ظاهرِها، فيأتيكَ منكرٌ ونكير، فيقعدانِكَ وينتهرانِكَ، فإن\nيكنِ اللَّهُ معك فلا بأسَ عليكَ، ولا وحشةَ ولا فاقةَ، وإن يكنْ غيرُ ذلكَ\nفأعاذني اللَّهُ وإيَّاك من سوءِ مصرع، وضيقِ مضجع.\nورُئِيَ ابنُ أبي عاصمٍ المنامِ فسُئِل عن حالِه فقالَ: يؤنسني ربِّي عزَّ\nوجلَ.\nوأمَّا من كانَ في الدنيا مشغولٌ عن اللَّهِ - ﷿ - وكان يخافُ غيرَهُ.\nفإنه يُعذبُ في قبرِهِ بذلكَ.\nقالَ أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: حدثنا إبراهيمُ بنُ الفضلِ، عن أبي المليح\nالرقي، قالَ: إذا دخلَ ابنُ آدمَ قبرَهُ لم يبقَ شيء كان يخافُه في الدنيا من دون\nاللَّهِ - ﷿ - إلا تمثَّل له يفزِّعه في قبرِهِ، لأنه في الدنيا كان يخافُه دون\nاللَّهِ تعالى.\nوروى عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ، عن أبيه، عن ابنِ عمر - ﵄ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"ليسَ على أهلِ لا إله إلا اللَهُ وحشةً في قبورِهِم، ولا يومَ نشورِهِم،","vol":"1","page":693},{"text":"وكأنِّي بأهلِ لا إله إلا اللَهُ ينفضونَ الترابَ عن رءوسهِم، يقولون: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ) \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>قوله تعالى: (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى)</span>\nقولُهُ: \"وكان رزقُهُ كفَافًا فصبرَ على ذلك \" هذا خيرُ الرزقِ كما سبقَ في\nحديثِ \"خيرُ الرزقِ ما يكفِي \".\nوفي \"الصحيح أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يقول: \"اللهمَّ اجعلْ رزقَ آلِ محمدٍ قُوتًا\".\nوقد فسَّر طائفةٌ من المفسرينَ قولَهُ تعالى: (وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى) .\nبهذا، وقالُوا: المرادُ: رزقُ يومِ بيومٍ.\nفي \"صحيح مسلم \" عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"قد أفلحَ من هُديَ إلى الإسلامِ، وكان عيشُه كفافًا وقنَّعهُ اللَهُ به \".\nوخرَّج الترمذيُّ والنسائيُّ من حديث فضالةَ بنِ عبيدٍ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"طُوبى لمنْ هُديَ للإسلامِ وكانَ عيشُهُ كفافًا وقنِعَ \".","vol":"1","page":694},{"text":"وفي \"المسندِ\" و\"سننِ ابنِ ماجةَ \" عن أنسٍ مرفوعًا: \"ما منْ غني ولا فقيرٍ إلا\nودَّ يومَ القيامةِ أنَّه أُوتِيَ قُوتًا\".\nوفي الترمذي عن أبي أُمامةَ - مرفوعًا:\n\"عرض علي ربي أن يجعلَ لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلتُ: لا يا ربِّ، ولكن أجوعُ يومًا وأشبعُ يومًا، فإذا جعتُ تضرعتُ إليكَ ودعوتُكَ، وإذا شبعْتُ حمدتُكَ وشكرتُكَ \".\nوفي \"سنن ابن ماجةَ \" أنَّ النبيَّ - ﷺ - بعثَ إلى رجلٍ يستمنحُهُ ناقةً فردَّهُ ثم بعث إلى آخرَ فبعثَ إليه بناقةٍ، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"اللهمَّ أكثرْ مالَ فلانٍ -\nللمانع الأولِ - واجعلْ رزقَ فلانٍ يومًا بيومٍ - للذي بعثَ بالناقةِ\".\nوخرَّج ابنُ أبي الدنيا من حديثِ أبي هريرةَ - مرفوعًا: \"اللَّهُمَّ منْ أحبَّني\nفارزقْهُ العفافَ والكفافَ، ومن أبغَضَنِي فأكثر مالَهُ وولدَهُ \".\nوفي الترمذيِّ وابنِ ماجةَ عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"من أصبح منكُم آمنًا في سِرْبهِ معافًى في بدنِهِ عندَهُ قُوتُ يومِهِ؛ فكأنَّما حِيزتْ له الدنيا\".\nوخرَّجه الطبرانيُّ وزادَ في أوَّلِهِ: \"ابنَ آدمَ، جمعتُ عندَك ما يكفيكَ وأنتَ\nتطلبُ ما يطغيكَ، لا بقليلٍ تقنعُ ولا منْ كثيرٍ تشبعُ \" وزادَ في آخر: \"فعلَى الدُّنيا العفاءُ\".\nوقال عمرُ: كونُوا أوعيةَ الكتابِ، ينابيعَ للعلم، وسلُوا اللَّهَ ش زقَ يومٍ","vol":"1","page":695},{"text":"بيومٍ، وعدُّوا أنفسكُم في الموتى، ولا يضرُّكم أن لا يكثرَ لكُم.\nوالكفافُ من الرزقِ؛ هو ما ليسَ فيه فضلٌ - بأن يكتَفي به صاحبُهُ من غيرِ\nفضْل.\nوجاء من حديثِ ابنِ عباسٍ - مرفوعًا:\n\"إنَّما يكْفِي أحدُكُم ما قنعتْ به نفسُهُ \"\nخرَّجه ابنُ أبي الدنيا.\nوالمرادُ أن من اكتفى من الدنيا باليسيرِ وقنعتْ به نفسُهُ فقدْ كفاهُ ذلكَ\nواستغْنَى له وإنْ كان يسيرًا.\nقال أبو حازمٍ: إنْ كان يغنيكَ ما يكفيكَ فإن أدْنَى ما في الدنيا يكفيكَ -\nوإنْ كان لا يغنيكَ ما يكفيكَ فليسَ في الدنيا شيءٌ يكفيكَ.\nقال بكرٌ المزنيُّ: يكفيكَ من الدُّنيا ما قنعْتَ به ولو كفُّ تمرٍ وشربةُ ماءٍ.\nوقال الإمامُ أحمدُ: قليلُ الدنيا يكفِي وكثيرُ ما يكفِي يُغنِي، إنَّ من اكتفى\nمن الدنيا كفاهُ منها القليلُ، ومن لم يكتفِ لم يكفِهِ الكثيرُ، كما قالَ\nبعضُهُم، شعر:\nحقيقٌ بالتواضع منْ يموتُ. . . ويكفِي المرءَ من دنْيَاه قوتٌ\nوقال آخرُ:\nيكفِي الفتى خلق وقوتُ. . . ما أكثرَ القوتَ لمن يموتُ\nوقد مدحَ في هذا الحديثِ من صبرَ على كفافِ عيشِهِ وقنعَ بهِ، فأما\nالراضِي بذلكَ: فهو أعْلَى منزلةً من الصابرِ القانِع.\nوقد قيلَ: إنَّ الفقيرَ الراضي أفضلُ من الفقيرِ الصابرِ والغنيَّ الشاكرِ\nبالاتفاقِ.","vol":"1","page":696},{"text":"وفي الحديثِ أنه - ﵇ - كان يقولُ في دعائِهِ: \"رضِّنِي بما قسمتَ\nوفي حديب آخرَ.\n\"إذا أرادَ بعبدِهِ خيرًا رضَّاهُ بما قسَمَ له، وبارَكَ لهُ فيه \".\n* * *","vol":"1","page":697},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-177>سُورَةُ الأنْبِيَاءِ</span>\n[قالَ البخاريُّ]:\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>قوله تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً)</span>\nحدثنا مُسدَّدٌ، ثنا يحيى، عن الأعمشِ، حدَّثني شقيقٌ، حدَّثني حذيفةُ.\nقال: كنَّا جُلُوسًا عند عُمرَ، فقال: أيكُم يحفظُ قولَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - في الفتْنَةِ؟\nقلتُ: أنا كما قاله. قال: إنَّك عليهِ - أو عليها - لجريءٌ.\nقلتُ: \"فتنةُ الرَّجل في أهلِه ومالِه وولده وجارِه، تُكفِّرُها الصلاةُ والصومُ والصدقةُ والأمرُ والنهْيُ.\nقال: ليس هذا أُرِيدُ، ولكن الفتْنةَ التي تمُوجُ كما يمُوجُ البحرُ، قال: ليس\nعليك منها بأسٌ يا أمير المؤمنين، إنَّ بينك وبينها بابا مُغْلقًا، قال: يُكْسَرُ أمْ\nيُفْتحُ؟\nقال: يُكْسرُ. قال: إذن لا يُغْلقُ أبدًا.\nقُلنا: أكان عُمرُ يعلَمُ البابَ؟\nقال: نعمْ، كما أنَّ دونَ غدٍ الليلةَ، إنِّي حدَّثتُهُ حديثًا ليس بالأغاليطِ، فَهِبْنَا أن نسْأل حذيفةَ، فأمرْنا مسروقًا فسألَهُ، فقال: البابُ عمرُ.\nأصلُ الفتنةِ: الابتلاءُ والامتحانُ والاختبارُ، ويكون تارةً بما يسوء، وتارةً بما\nيَسرُّ، كما قال تعالى: (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) .\nوقال: (وَبَلَوْنَاهُم بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) .","vol":"1","page":698},{"text":"وغلبَ في العُرفِ استعمالُ الفتنةِ في الوقوع فيما يسوءُ.\nوالفتنةُ نوعانِ: أحدُهما: خاصة، تختص بالرجلِ في نفسِهِ، والثاني: عامَّة.\nتعمُ الناسَ.\nفالفتنة الخاصة: ابتلاءُ الرجلِ في خاصةِ نفسِهِ بأهلِه ومالهِ وولدِهِ وجاره.\nوقد قال تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ)، فإنَّ ذلك غالبًا\nيُلهي عن طلبِ الآخرةِ، والاستعدادِ لها، ويشغل عن ذلك.\nولمَّا كان النبيُّ - ﷺ - يخطبُ على المنبرِ، ورأى الحسنَ والحسينَ يمشيانِ ويعثُرانِ وهما صغيرانِ، نزلَ فحملَهُمَا، ثمَّ قال: \"صدق اللَّه ورسولُهُ: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكمْ فِتْنَةٌ)، إني رأيتُ هذين الغُلامين يمشيان ويعْثران فلم أصبر\". ً\nوقد ذمَّ اللَّهُ تعالى منْ ألهاهُ مالُهُ وولدُهُ عن ذكر، فقال: (لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) .\nفظهرَ بهذا: أنَّ الإنسانَ يُبتلَى بمالِهِ وولدِهِ وأهلِهِ وبجاور المجاورِ له، ويُفتتن\nبذلك، فتارةً يُلهيه الاشتغالُ به عمَّا ينفعه في آخرتِهِ، وتارةً تحملُهُ محبتُه على\nأنْ يفعلَ لأجله بعضَ ما لا يحبُه اللَّه، وتارةً يقصِّر في حقِّه الواجبِ عليه.\nوتارةً يظلمه ويأتي إليه ما يكرهُه اللَهُ من قولٍ أو فعلِ، فيسألُ عنه ويطالب\nفإذا حصل للإنسانِ شيء من هذه الفتن الخاصة، ثم صلَّى أو صامَ أو\nتصدَّقَ أو أمرَ بمعروفٍ أو نهى عن منكرٍ كان ذلك كفَّارة له، وإذا كان الإنسانُ","vol":"1","page":699},{"text":"تسوؤه سيئتُه، ويعمل لأجلها عملًا صالحًا، كان ذلك دليلًا على إيمانِهِ.\nوفي \"مسندِ بَقِيِّ بنِ مَخْلدٍ\" عن رجلٍ سأل النبيَّ - ﷺ -: ما الإيمانُ يا رسولَ اللَّه؟\nقال: \"أن تؤمنَ باللهِ ورسولِهِ \"، فأعادَهَا ثلاثًا، فقالَ له في الثالثةِ:\n\"أتحبُّ أن أخبرَك ما صريحُ الإيمانِ؟ \"\nفقالَ: ذلك الذي أردتُ، فقالَ:\n\"إن صريحَ الإيمانِ إذا أسأت أو ظلمتَ أحدًا، عبْدَك أو أَمَتَكَ، أو واحدًا من الناسِ، صُمْتَ أو تصدَّقتَ وإذا أحسنتَ استبشرتَ \".\nوأمَّا الفتن العامةُ: فهي التي تموجُ موجَ البحر، وتضطربُ، ويتبع بعضُها\nبعضًا كأمواج البحرِ، فكانَ أوَّلُها فتنةَ قتلِ عثمانَ - ﵁ - وما نشأ منها من افتراقِ قلوبِ المسلمينَ، وتشعبِّ أهوائِهم وتكفيرِ بعضِهم بعضًا، وسفكِ بعضِهم دماءَ بعضٍ، وكانَ البابَ المغلقَ الذي بين الناسِ وبين الفتن عُمَرُ - ﵁ - وكان قتلُ عُمَرَ كسْرًا لذلكَ البابِ، فلذلكَ لم يُغْلَق ذلكَ البابُ بعدَه أبدًا.\nوكان حذيفةُ أكثرَ الناسِ سؤالا للنبيِّ - ﷺ - عن الفتنِ، وأكثرَ الناسِ علمًا بها، فكانَ عندَهُ عن النبي - ﷺ - علمٌ بالفتنِ العامةِ والخاصةِ، وهو حدَّث عُمَرَ تفاصيلَ الفتن العامَّة، وبالبابِ الذي بينَ الناسِ وبينَها، وأنه هو عمرُ، ولهذا قالَ: إنِّي حدثتُهُ حديثًا ليس بالأغاليطِ، والأغاليطُ: جمع أغْلُوطة، وهي التي يُغَالطُ بها.\nواحدها: \"أُغْلُوطةٌ\" و\"مَغْلَطَةٌ\"، والمعنى: أنه حدَّثه حديثًا حقًّا.\nليس فيه مرْية، ولا إيْهَام.\nوهذا مما يُستدل به على أنَّ روايةَ مثلِ حذيفةَ يحصلُ بها لِمَنْ سمعَها العلمُ\nاليقينيُّ الذي لا شكَّ فيه، فإنَّ حذيفةَ ذكرَ أن عُمرَ علِمَ ذلك وتيقنه كما تيقنَ","vol":"1","page":700},{"text":"أنَّ دونَ غدٍ الليلةَ لما حذَثه به من الحديثِ الذي لا يحتملُ غيرَ الحقِّ والصدقِ.\nوقد كانتِ الصحابةُ تعرفُ في زمانِ عُمَرَ أنَّ بقاءَ عُمَرَ أمانٌ للناسِ من\nالفتن.\nوفي \"مسندِ الإمامِ أحمدَ\" أنَّ خالدَ بنَ الوليدِ لمَّا عزَلَه عُمَرُ، قالَ لهُ\nرجل: اصبرْ أيها الأميرُ، فإنَّ الفتن قد ظهرتْ، فقال خالدٌ: وابن الخطَّابِ\nحيٌّ، إنَّما يكون بعدَهُ\".\nوقد رُويَ من حديث عثمانَ بن مَظْعونٍ، أن النبيَّ - ﷺ - سمَّى عمر: غلق الفتنة وقال: \"لا يزال بينكم وبينَ الفتنةِ باب شديدُ الغلقِ ما عاشَ هذا بين أظهركم \".\nخرَّجه البزار.\nورُوي نحوه من حديثِ أبي ذرٍّ.\nورَوَى كعبٌ، أنه قال لعمرَ: أجدُكَ مصْراعَ الفتنة، فإذا فُتحَ لم يغلق\nأبدًا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>قوله تعالى: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)</span>\nفأمَّا خشية اللَّهِ مي الغيب والشهادةِ فالمعنيُّ بهما: أن العبدَ يخْشَى اللَّه سرًّا\nوعلانيةً وظاهرًا وباطنًا، فإنًّ أكثر الناسِ يرى أنه يخشَى اللَّهَ في العلانيةِ وفي","vol":"1","page":701},{"text":"الشهادةِ، ولكن الشأنَ في خشية اللَّه في الغيبِ إذا غابَ عن أعينِ الناسِ.\nوقد مدحَ اللَّه من يخافهُ بالغيبِ قالَ تعالى: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ)، وقال: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) .\nوقال تعالى: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) .\nوقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كبِيرٌ) .\nوقد فُسِّر الغيبُ في هذه الآياتِ بالدنيا لأن أهلها في غيبٍ عمَّا وعِدُوا به\nفي الآخرة، وأما في هذا الحديثِ فلا يتأتَّى ذلكَ، كما ترى لمقابلتِهِ بالشهادةِ، كان بعضُ السلفِ يقول لإخوانِهِ: زهَّدنا اللَّه وإياكُم في الحرامِ زهادةَ من قدرَ عليهِ في الخلوةِ فعلِمَ أنَّ اللَّه يراهُ فتركَهُ.\nومن هذا قول بعضِهِم: ليسَ الخائفُ من بكى وعصر عينيه، إنَّما الخائفُ\nمن تركَ ما اشتَهى من الحرامِ إذا قدرَ عليه، ومن هنا عَظُمَ ثواب من أطاعَ\nاللَّهَ، سرًّا بينه وبينه، ومن تركَ المحرماتِ التي يقدرُ عليها سرًّا.\nفأمَّا الأولُ فمثلُ قولِهِ تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) إلى قولهِ:\n(فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) .\nقال بعض السلفِ: أخفوا للَّهِ العملَ فأخفى لهم الأجر.\nوفي حديثِ السبعةِ الذين يظلهم اللَّه في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه، \"رجل\nذكر اللَّهَ خاليًا ففاضتْ عيناه، ورجل تصدَّقَ بصدقة، حتى لا تعلمَ شمالُهُ ما تنفق يمينُه \".\nوفي الحديثِ: \"إذا صلَّى العبدُ في العلانيةِ فأحسنَ وصلَّى في السرِّ فأحسنَ،","vol":"1","page":702},{"text":"قال اللهُ: هذا عبدِي حقا\".\nوفي حديثٍ آخرَ: \"من أحسن صلاتَهُ حيثُ يراهُ الناسُ وأساءها حيث لا يراه أحدٌ فتلك استهانةٌ يستهينُ العبدُ بها ربَّه \".\nوأما الثاني: فمثلُ قولِهِ - ﷺ - في السبعةِ الذينَ يظلُّهم اللَّهُ في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه \"ورجلٌ دعَتْهُ امرأةٌ ذاتُ حسنٍ وجمال فقال: إنِّي أخافُ اللَهَ ربَّ العالمين \".\nومثلُ الحديثِ الذي جاء فيمن أدَّى دَينًا خفيًا أنه يخيَّرُ في أي الحورِ\nالعينِ شاء، والموجب لخشيةِ اللَّه في السر والعلانيةِ أمورٌ.\nمنها: قوةُ الإيمانِ بوعدِهِ ووعيدِهِ على المعاصِي.\nومنها: النظرُ في شدَّةِ بطشِهِ وانتقامِهِ وقوتِهِ وقهره، وذلك يوجبُ للعبدِ\nتركَ التعرضِ لمخالفتِهِ، كما قال الحسنُ: ابنَ آدمَ، هل لكَ طاقةً بمحاربةِ اللَّه، فإنَّ من عصَاهُ فقدْ حاربَهُ.\nوقال بعضُهم: عجِبْتُ من ضعيفٍ يعصِي قويًّا.\nومنها: قوةُ المراقبةِ له، والعلمُ بأنَّه شاهدٌ ورقيبٌ على قلوبِ عبادِهِ\nوأعمالِهِم وأنَّه مع عباده حيثُ كانُوا، كما دل القرآنُ على ذلكَ في مواضعَ\nكقولِهِ تعالى: (إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كانُوا) .\nوقولُهُ تعالى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ) الآية.\nوقولُهُ: (مَا يَكُونُ مِن نَّجوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ) .\nوقولُهُ تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) الآية.\nوكما في الحديثِ الذي خرَّجهُ الطبرانيُّ:","vol":"1","page":703},{"text":"\"أفضلُ الإيمانِ: أن يعلمَ العبدُ أنَّ الله معه حيثُ كان \"\nفيوجبُ ذلكَ الحياءَ منه في السرِّ والعلانيةِ.\nقال بعضُهُم: خفِ اللَّهَ على قدرِ قدرتِهِ عليكَ.\nواستحِ منه على قدرِ قربِهِ منكَ.\nوقال بعضُهم لمن استوصَاهُ: اتَّقِ اللَّهَ أن يكونَ أهونَ الناظرينَ إليكَ.\nوفي هذا المعنى يقولُ بعضُهم:\nيا مدمنَ الذنبِ أما تستَحِي. . . واللَّهُ في الخلوةِ ثانيكَا\nغرَّك من ربِّكَ إمهالُهُ. . . وسترُهُ طولَ مساويكَا\nوفي حديثِ أبي ذرٍّ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ -: \"ثلانةٌ يحبُّهم اللَّهُ: رجل أتى قومًا فسألهم باللَّهِ ولم يسألهُم لقرابةٍ كانتْ بينه وبينَهُم، فتخلفَ رجلٌ فأعطاهُ سرًّا، لا يعلمُ بعطيتِهِ إلا اللَّهُ والذي أعطاهُ، وقومٌ سارُوا ليلَهُم حتى إذا كانَ النومُ أحبَّ إليهم مما يعدلُ\nبه، فوضَعُوا رءوسهم فقامَ رجلٌ يتملقُنِي ويتْلُو كتابي، ورجلٌ كانَ في سرية فخلفُوا العدوَ، فهُزِمُوا، فأقبلَ بصدْرِهِ حتى يقتلَ أو يفتحَ له \".\nفهؤلاء الثلاثةِ قد اجتمعَ لهم معاملةُ اللَّهِ سرًّا بينَهُم وبينَهُ، حيثُ غَفَل\nالناسُ عنهُم، فهُوَ تعالى يحبُّ من يعامُلُهُ سرًّا بينه وبينَهُ، حيث لا يعامله\nحينئذٍ أحد، ولهذا فُضِّلَ قيامُ وسطِ الليلِ على ما سواه من أوقاتِ الليلِ.\nوالمحبونَ يحبونَ ذلك أيضًا علمًا منهم باطلاعه عليهم ومشاهدته لهم، فهم\nيكتفون بذلك لأنهم عرفوه فاكتفوا به من بين خلقه، وعاملُوه فيما بينَهُ وبينَهُم","vol":"1","page":704},{"text":"معاملةَ الشاهدِ غيرَ الغائبِ، وهذا مقامُ الإحسانِ.\nقال بعض العارفين: من عرفَ اللَّهَ اكتفى به من خلقِهِ.\nوكان بعضُ المخلصينَ يقولُ: لا أعتدُّ بما ظهرَ من عملِي.\nاطلعَ على بعضِ أحوالِ بعضِهم، فدَعَى لنفسِهِ بالموتِ وقال: إنما كانتْ\nتطيبُ الحياةُ إذا كانتِ المعاملةُ بيني وبين اللَّه سرًّا.\nوقيلَ لبعضهم: ألا تستوحشُ وحدَكَ؟\nقالَ: وكيفَ أستوحشُ وهو يقولُ: أنا جليسُ من ذكرَني.\nآنستني خلواتِي بكَ عن كلِّ أنيسي. . . وتفردتُ فعاينتُكَ في الغيبِ جليسِي\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>قوله تعالى: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)</span>\nكَمْ بَيْنَ الذين: (لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)، وبينَ الذينَ: (يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا) .\nقال: عليٌّ - ﵁ -: تتلقَّاهُم الملائكةُ على أبوابِ الجنة:\n(سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) .\nويلْقَى كُلُّ غِلمان صاحبَهم يُطيُفون به فِعْلَ الوِلْدان بالحميم جاء من الغيبةِ، ويقولون: أبشِرْ فقدْ أعدَّ اللَّهُ لك من الكرامةِ كذا وكذا، وينطلقُ غُلامٌ من غِلْمانِهِ إلى أزواجه من الحور العين، فيقولُ: هذا فلان - باسمه في الدنيا -، فيقلْنَ: أنتَ رأيتَه؟ فيقولُ: نعم، فيستخفُّهُنَّ الفرحُ حتى يخرُجْنَ إلى أُسْكُفَّةِ البابِ.\n* * *","vol":"1","page":705},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>قوله تعالى: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)</span>\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:\n(إِنَّه يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ) المعنى: أنه إذا اشتدت الأصوات\nوتغالبت فإنها حالة لا يسمع فيها الإنسان.\nواللَّه ﷿ يسمع كلام كل شخص بعينه، ولا يشغله سَمع عن سَمْع.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>قوله تعالى: (قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)</span>\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:\n(رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ): المراد منه: كن أنت أيها القائل على الحق.\nليمكنك أن تقول: احكم بالحق، لأن المبطل لا يمكنه أن يقول: احكم\nبالحق.\n* * *","vol":"1","page":706},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-183>سُورَةُ الحَجِّ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ </span>وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)\nوقولُه: \"ثم يكونُ علقةً مثلَ ذلك \"\nيعني: أربعين يومًا، والعلقةُ: قطعة من \"ثم يكون مضعةً مثلَ ذلك \" يعني: أربعين يومًا، والمضغةُ: قطعة من لحم.\n\"ثمَّ يُرسلُ اللَهُ إليه الملك، فينفخ فيه الرُّوحَ، ويؤمرُ بأربع كلماتٍ: بكتبِ رزقِهِ وعملِهِ وأجلِهِ وشقى أو سعيدٌ\".\nفهذا الحديثُ يدلُّ على أنه يتقلبُ في مائةٍ وعشرينَ يومًا، في ثلاثةِ\nأطوارٍ، في كلِّ أربعينَ منها يكونُ في طَوْرٍ، فيكونُ في الأربعينَ الأولى\nنطفةً، ثم في الأربعينَ الثانية علقةً، ثم في الأربعينَ الثالثةِ مضغةً، ثم بعدَ\nالمائةِ وعشرينَ يومًا ينفخُ المَلَكُ فيه الرُّوحَ ويكتبُ لهُ هذه الأربعَ الكلماتِ.\nوقد ذكرَ اللَهُ في القرآن في مواضعَ كثيرةٍ تقلُّبَ الجنينِ في هذه الأطوارِ.\nكقولِهِ تعالى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) .","vol":"1","page":707},{"text":"وذكرَ هذه الأطوارَ الثلاثةَ: النُّطفةَ والعلقةَ والمضعةَ في مواضعَ متعددةٍ من\nالقرآنِ، وفي موضع آخرَ ذكرَ زيادةً عليها، فقالَ في سورةِ المؤمنين\n(وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) .\nفهذه سبعُ تاراتٍ ذكرَها اللَّهُ في هذه الآيةِ لخلقِ ابنِ آدمَ قبلَ نفخ\nالروح فيه.\nوكان ابنُ عباسٍ يقولُ: خُلِقَ ابنُ آدمَ منْ سبعٍ، ثم يتلُو هذه الآيةَ.\nوسئلَ عن العزلِ، فقرأ هذه الآيةَ ثمَّ قالَ: فهل يخلق أحدٌ حتى\nتجري فيه هذه الصفةُ؟\nوفي روايةٍ عنه قال: فهلْ تموتُ نفسٌ حتى تمرَّ على هذا الخلقِ؟.\nورُوي عن رفاعةَ بنِ رافع قالَ: جلسَ إلى عمرَ عليّ والزبيرُ وسعدٌ في نفرٍ\nمنْ أصحاب رسولِ اللهِ - ﷺ - فتذاكرُوا العزل، فقالُوا: لا بأس به، فقالَ رجلٌ: إنَّهم يزعمونَ أنَّها الموءودةُ الصُّغرى.\nفقالَ عليٌّ: لا تكون موءودةً حتى تمرَ على التَّاراتِ السَّبع: تكونُ سلالةً من طين، ثمَّ تكونُ نطفةً، ثم تكونُ علقةً، ثم تكونُ مضغةً، ثم تكونُ عظامًا، ثم تكونُ لحمًا، ثم تكونُ خلقًا آخرَ، فقال عمرُ: صدقتَ، أطال اللَّهُ بقاءَك.\nرواه الدارقطنيُّ في \"المؤتلف والمختلف \".\n* * *","vol":"1","page":708},{"text":"[قالَ البخاريُّ]: \"بابُ: مُخَلَّقةٍ وغيرِ مُخَلَّقةٍ\":\nحدثنا مسدد: ثنا حماد، عن عبيد الله بنِ أبي بكرٍ، عن أنس بنِ مالكٌ.\nعن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"إنَّ اللهَ ﷿ وكَلَ بالرَّحم ملَكًا، يقولُ: يا ربِّ نُطفة يا ربِّ\nعلَقة، يا ربِّ مُضْغة، فإذا أراد أن يقْضِي اللَّهُ خلقَهُ قال: أذَكَر أم أنثى؟ أشقيٌّ أم سعيا؟ فما الرزقُ؟ فما الأجلُ؟ فيُكْتَبُ في بطنِ أمِّه \".\nاختلف السَّلفُ في تأويلِ قولِ اللَّه ﷿: (ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) .\nفقال مجاهد: هي المضغةُ التي تسقطُها المرأةُ، منها ما هو مُخَلَّقٌ فيه\nتصوير وتخطيطٌ، ومنها ما ليسَ بمخلَّقٍ ولا تصوير فيه، أرَى اللَهُ تعالى ذلك\nعبادَه ليُبَين لهم أصْلَ ما خُلِقُوا منه، والذي يُقِرّه في الأرحامِ هو الذي يتمُّ\nخلْقُهُ ولُولَدُ.\nوقالتْ طائفةٌ: المخلقةُ: هي التي يتمُّ خلْقُها، وغيرُ مخلقة: هي التي\nتَسقُطُ قبلَ أن تكونَ مضغةً.\nروى الشَّعْبيُّ، عن علْقَمَةَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال: النطفةُ إذا استقرتْ في\nالرَّحم حَمَلَها ملَكٌ بكفِّه، وقال: أي ربِّ، مخلقة أم غيرُ مُخلقةٍ؟\nفإنْ قيلَ: غير مخلقةٍ: لم تكنْ نسمة، وقذفَتْها الأرحامُ.\nوإن قيلَ: مخلقةٌ، قالَ: أي ربِّ، أذكرٌ أم أنثى؟ أشقيّ أم سعيدٌ؟\nما الأجلُ؟ ما الأثرُ؟ وبأيِّ أرضٍ تموتُ؟\nقال: فيقالُ للنطفةِ: من ربّكِ؟\nفتقولُ: اللَّهُ، فيقالُ: من رازقُكِ؟ فتقولُ: اللَّهَ.\nفيقولُ اللَّه ﷿: اذهبْ إلى الكتابِ، فإنَّكَ ستجدُ فيه قصةَ هذه","vol":"1","page":709},{"text":"النطفةِ، قالَ: فتُخلقُ، فتعيشُ في أجلِها، وتأكلُ رزقَها، وتطأُ في أثَرِها.\nحتى إذا جاء أجلُها ماتتْ، فدُفنتْ في ذلكَ، ثم تلا الشعبيُّ: (يَا أَيُّهَا الناسُ\nإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ) إلى قولهِ: (مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ)، فإذا\nبلغتْ مضغةً نُكِسَتْ في الخَلْقِ الرابع، فكانتْ نسمةً، فإنْ كانتْ غيرَ مخلقةٍ\nقذفَتْها الأرحامُ دمًا، وإن كانتْ مخلقةً نكِسَتْ نسمةً.\nخرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُه، وآخرُهُ هو من قولِ الشعبيِّ.\nوقد يستأنسُ بهذا من يقولُ: إنَّ الحاملَ لا تحيضُ ولا ترى دمَ الحيضِ في\nحالِ حَمْلِها، وأنَها لا ترَى إلا دمَ النِّفاسِ خاصةً، وفي ذلكَ نظرٌ.\nوقد قيلَ: إن هذا هو مرادُ البخاريِّ بتبويبِهِ هذا.\nوقد رُويَ عن الحسنِ في قولِ اللَّهِ ﷿: (إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسانَ مِن نُّطْفَةٍ\nأَمْشَاجِ)، أنَّ النطفةَ مُشجتْ - أي: خُلِطَتْ بدمِ الحيضِ -، فإذا\nحَمَلتِ المرأةُ ارتفعَ حيضُها.\nوحديثُ أنسٍ الذي خرَّجه البخاريُّ يدلُّ على أنَّه لا يُخلقُ إلا بعدَ أن\nيكونَ مضغةً، وليسَ فيه ذِكْرُ مدةِ ذلكَ.\nوذكرُ المدةِ في حديث ابنِ مسعودٍ -\nوقد خرَّجه البخاريُّ في مواضعَ أُخَرَ - قالَ: حدثنا رسولُ اللًّهِ - ﷺ - وهو الصادقُ المصدوقُ -:\n\"إنَّ خلقَ أحدِكُم يُجْمَع في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا نطفة، ثم يكون علقةً مثلَ ذلك، ثم يكونُ مضغةً مثلَ ذلك، ثم يُبعثُ إليه الملكُ، فيُؤمَرُ بأربع\nكلماتٍ: بكتْبِ رزِقه، وأجَلِهِ، وعمَلِهِ، وشقيٌّ أو سعيدٌ، ثم يُنفخُ فيه الرُّوح \" -\nوذكر الحديثَ.\nوقد رُويَ هذا المعنى عن ابن مسعودٍ موقوفًا عليه، وعن ابنِ عباسٍ،","vol":"1","page":710},{"text":"وغيرِهما من الصحابةِ.\nوقد أخذَ كثيرٌ من العلماءِ بظاهرِ حديثِ ابنِ مسعودٍ، وقالُوا. أقلُّ ما يتبيَنُ\nفيه خلْقُ الولدِ أحدٌ وثمانونَ يومًا؛ لأنه لا يكونُ مضغةً إلا فى الأربعينَ\nالثالثةِ، ولا يتخلَّقُ قبلَ أن يكونَ مضغةً.\nقال الإمامُ أحمدُ: ثنا هُشَيْمٌ: أنْبَأ داودُ، عن الشعبي، قال: إذا نُكِسَ\nالسَّقْطُ الخلْقَ الرابعَ وكان مخلقًا عُتقَت به الأَمَةُ، وانقضتْ به العدَّة.\nقال أحمدُ: إذا تبيَّنَ الخلْقُ فهو نفاسٌ، وتُعْتَقُ به إذا تبيَّن.\nقال: ولا يُصَلَّى على السَّقْطِ إلا بعد أربعة أشهرٍ.\nقيلَ له: فإنْ كان أقلَّ من أربعةٍ؟\nقالَ: لا، هو في الأربعةِ يتبيَّنُ خلقُه.\nوقال: العلقةُ: هي دمٌ لا يتبين فيها الخلقُ.\nوقال أصحابُنا وأصحابُ الشافعيّ - بناءً على أن الخلقَ لا يكونُ إلا في\nالمضغةِ -: أقلّ ما يُتبيَّنُ فيه خلْقُ الولدِ أحدٌ وثمانون يومًا، في أولِ الأربعين\nالثالثةِ التي يكونُ فيها مضغةٌ، فإن أُسقطتْ مضغةً مخلقةً انقضتْ بها العدةُ\nوعُتِقَتْ بها أمُّ الولدِ، ولو كان التخليقُ خفِيًّا لا يَشهدُ به إلا من يعرفُهُ من\nالنساء فكذلكَ.\nفإنْ كانتْ مضغةً لا تَخْليقَ فيها: ففي انقضاءِ العدةِ وعتقِ الأمَةِ به روايتانِ\nعن أحمدَ.\nوهل يعتبرُ للمضغةِ المخلقةِ أن يكونَ وضعُها بعدَ تمامِ أربعةِ أشهر؟\nفيه قولانِ، أشهرُهُما: لا يُعتبرُ ذلكَ، وهو قولُ جمهورِ العلماءِ، وهو المشهورُ عن أحمدَ، حتى قالَ: إذا تبيَّنَ خلقُهُ: ليسَ فيه اختلافٌ، أنها تُعْتقَ بذلكَ.","vol":"1","page":711},{"text":"ورويَ عنه ما يدل على اعتبارِ مُضِيِّ الأربعةِ أشهُرِ، وعنه روايةٌ أُخْرى في\nالعلقةِ إذا تبيَّنَ أنها ولدٌ: أنَّ الأمَةَ تُعْتَقُ بها، ومن أصحابنا من طرد ذلك في\nانقضاءِ العدَّةِ بها - أيضًا - وهذه الروايةُ قول النَّخعِي، وحكيَ قولًا للشافعي.\nوهذا يدلُّ على أنَّه يمكنُ التخليقُ في العلقةِ، وقد رُويَ ما يدلُّ عليه.\nوالأطباءُ تعترفُ بذلكَ.\nفأمَّا الصلاةُ على السقْطِ: فالمشهورُ عن أحمدَ أنه لا يُصلَّى عليهِ حتى يُنفخَ\nفيه الروحُ، ليكون ميْتًا بمفارقةِ الروح لهُ، وذلك بعد مُضِيِّ أربعةِ أشهرٍ، وهو قولُ ابنِ المسيبِ، وأحدُ أقوالِ الشافعيِّ، وإسحاقَ.\nوإذا ألْقَتْ ما يتبيَّن فيه خلْقُ الإنسانِ فهيَ نُفساءُ، ويلزمُها الغُسْلُ، فإنْ لم\nيتبيَّنْ فيه خلقُ الإنسانِ وكانَ مضغةً فلا نفاسَ لها، ولا غُسلَ عليها في\nالمشهورِ عن أحمدَ، وعنه رواية: أنها نفساءُ -. نقلها عنه الحسنُ بنُ ثوابٍ.\nولم يشترطْ شيئًا، لأن المضغة مظنَةُ تبيُّنِ التَخَلُّقِ والتصويرِ غالبًا.\nوإنْ ألقَتْ علقةً: فلا نفاسَ لها فيه، ولأصحابِنا وجهٌ ضعيفٌ: أنها نفساءُ.\nبناءً على القولِ بانقضاءِ العدَّةِ به.\nومذهبُ الشافعيةِ والحنفيّةِ: أنَّ الاعتبارَ في النفاسِ بما تنقضِي به العدَّةُ.\nوتصيرُ به الأمَةُ أمَّ ولدٍ، فحيثُ وُجد ذلكَ فالنفاسُ موجودٌ، وإلا فلا.\nوالاعتبارُ عندهُم في ذلكَ كلِّه بما يتَبيَّنُ فيه خلقُ الإنسانِ.\nوقال إسحاقُ: إذا استتمَّ الخلقُ فهو نفاسٌ -: نقلَهُ عنه حرْبٍ.\n* * *","vol":"1","page":712},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-185>قوله تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) </span>كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)\nقال تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ)، وكان إبراهيمُ\nالتيميُّ إذا تلا هذه الآيةَ يقولُ: سبحانَ من خلَقَ من النارِ ثيابًا.\nوروينا من طريقِ يحيى بن معينٍ، حدثنا أبو عبيدةَ الحدادُ، حدثنا عبدُ اللَّهِ\nابنُ بحيرٍ، عن عباسٍ الجريريَ - أحسبُهُ عن ابنِ عباس - قالَ: يُقطعُ للكافرِ\nثيابٌ من نارٍ، حتى ذكرَ القباءَ والقميصَ والكمةَ.\nوخرَّج أبو داود وغيرُه من حديثِ المستوردِ عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"من أكل برجل مسلمٍ أكلة في الدنيا أطعمَهُ اللَّهُ مثلها في جهنَّمَ، ومن كسَى أو اكتسَى برجل مسلمٍ ثوبًا كساهُ اللَّهُ مثلَهُ في جهنَّم \".\nوفي \"مسندِ الإمامِ أحمدَ\" عن هُبيبُ بن مُغْفِل، عن النبي - ﷺ - قالَ:\n\"من وطِئَ إزارَهُ خيلاءَ وطئَهُ في النارِ\"\nوهو يبينُ معنى ما في \"صحيح البخاريِّ \" عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - أنه قالَ: \"ما تحت الكعبين من الإزار ففي النارِ\".\nأن المراد: ما تحتَ الكعبِ من البدنِ والثوبِ معًا، وأنه يسحبُ ثوبه\nفي النارِ كما يسحبُهُ في الدنيا خيلاءَ.\nوسيأتي حديثُ: \"أهونُ أهلِ النارِ عذابًا: مَن في قدميهِ نعلانِ من نار يغلي فيهما دماغُهُ \"\nفيما بعدُ - إن شاءَ اللَّهُ تعالى.","vol":"1","page":713},{"text":"وفي كتابِ أبي داودَ والنسائيِّ والترمذيِّ عن بريدةَ: أنَّ النبي - ﷺ - رأى على رجلٍ خاتمًا من حديدٍ فقالَ:\n\"ما لي أرَى عليكَ حليةَ أهلِ النارِ\".\nوروى حمادُ بنُ سلمةَ عن عليِّ بنِ زيدٍ عن أنسٍ عن النبيِّ - ﷺ -\n\"أنَّ أولَ من يُكسى حلةً من النارِ. إبليسُ، يضعُها على حاجِبِه ويسحبُها من خلفِهُ ذريتُه وهو يقولُ: يا ثبورهُ، وهم ينادونَ: يا ثبورَهُم، حتى يقفُوا على النارِ، فيقولُ: يا ثبورهُ ويقولونَ: يا ثبورَهُم، فيقالَ:\n(لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤) \".\nخرَّجه الإمامُ أحمد.\nوفي حديثِ عديٍّ الكنديِّ عن عمرَ: \"أنَّ جبريلَ قالَ للنبيِّ - ﷺ -: والذي بعثك بالحقِّ، لو أنَّ ثوبًا من ثيابِ النارِ عُلِّق بين السماء والأرضِ لماتَ من في الأرضِ جميعًا من حرِّهِ \".\nوخرَّجه الطبرانيُّ، وسبقَ ذكرُ إسنادِهِ.\nوفي \"موعظةِ الأوزاعيِّ \" للمنصورِ قالَ: بلغني أنَّ جبريل قالَ للنبيِّ - ﷺ - فذكر بنحوه.\n* * *\nومن أنواع عذابِهم: الصَّهْرُ، قال اللَّهُ تعالى: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) .\nقال مجاهد: (يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ): يذابُ به إذابةً.\nوقال عطاءُ الخراسانيُّ: يذابُ به ما في بطونِهِم كما يذابُ الشحمُ.","vol":"1","page":714},{"text":"وخرَّج الترمذيُّ من حديثِ أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"إن الحميمَ ليصبُّ على رءوسهم، فينفذ الحميمُ حتى يخلصَ إلى جوفِهِ، فيسلتُ ما في جوفِهِ حتى يمرقَ من قدميهِ وهو الصهرُ، ثم يعودُ كما كانَ \" وقال: حسنٌ غريبٌ صحيح.\nوقال اللَّهُ ﷿: (خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) .\nقال كثيرٌ من السلفِ: نزلتْ هذه الآية ُ في أبي جهلٍ.\nقال الأوزاعيُّ: يؤخذ أبو جهل يوم القيامة فيخرق في رأسه خرق، ثم\nيؤتى بسجل من الحميمِ فيصب في ذلك الخرق، ثم يقال له: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) .\nقال مجاهدٌ في قوله: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ (٣٥) .\nقال: النحاس: الصُّفْر، يذاب فيصب على رءوسهم يعذبون به.\nوقال عطاء الخراسانيُّ في قوله تعالى: (وَنُحَاسٌ) قال: الصُّفْر، يذاب فيصب\nعلى رءوسهم فيعذبون به.\n* * *\nقال اللَّهُ تعالى: (وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١) كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا) .\nقال جويبر عن الضحاك: (مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ): أي: مطارقُ.","vol":"1","page":715},{"text":"وروى ابنُ لهيعةَ عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيدٍ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"لو أنَّ مقمعًا من حديدٍ وُضِعَ في الأرضِ فاجتمعَ له الثقلانِ لما أقلوه من الأرضِ \"\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ، وخرَّج أيضًا بهذا الإسنادِ عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"لو ضُرب بمقامع من حديدٍ لتفتت ثمَّ عاد\".\nقال الإمامُ أحمدُ في كتابِ \"الزهدِ\": حدثنا سيارٌ، حدثنا جعفر، سمعت\nمالكَ بنَ دينار، قال: إذا أحسَّ أهلُ النارِ في النارِ بضربِ المقامع انغمسُوا في\nحياضِ الحمَّيَم فيذهبونَ سفالًا، كما يغرقُ الرجلُ في الماءِ في الدنيا.\nويذهبُ سفالًا سفالًا.\nقال سعيدٌ عن قتادةَ: قالَ عمرُ بنُ الخطابِ: ذكِّروهم النارَ؛ لعلَّهم\nيفرقُونَ، فإن حرَّها شديدٌ، وقعرُها بعيدٌ، وشرابُها الصديدُ، ومقامعُها\nالحديدُ.\nوذكر ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن صالح المريِّ أنه قرأ على بعضِ العبادِ:\n(إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) .\nقالَ: فشهقَ الرجلُ شهقةً، فإذا هو قدْ يبسَ مغشيًا عليهِ، قالَ: فخرجْنَا\nمن عندِهِ وتركْنَاهُ.\nوقرأ رجلٌ على يزيدَ الضبيِّ: (وَترَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ)، فجعلَ يزيدُ يبكي حتى غشيَ عليه.\nخرَّجهُ عبدُ اللَّهِ ابنُ الإمامِ أحمدَ.\nوقد سبقَ عن مالكِ بنِ دينارٍ: أنه قامَ ليلةً في وسطِ الدارِ إلى الصباح،","vol":"1","page":716},{"text":"فقالَ: ما زالَ أهلُ النارِ يعرضُونَ عليَّ في سلاسلهم وأغلالِهِم حتى\nالصباحِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>قوله تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ)</span>\nوقال تعالى: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ)\nوالمعنى: أنه تعالى يحبُّ من عبادِهِ أنْ يتَّقُوه ويُطيعُوه، كما أنَّه يكره منهم\nأن يعْصُوه، ولهذا يفرحُ بتوبةِ التائبينَ إليه أشدَّ من فرح منْ ضلَّتْ راحلتُهُ\nالتي عليْهَا طعامُهُ وشرابُهُ بفَلاةٍ من الأرضِ، وطلبَهَا حتَّى أعيا وأيسَ منهَا.\nواستسلَمَ للموتِ، وأيسَ من الحياةِ، ثم غلبتْهُ عينُه فنامَ فاستيقظَ وهي قائمةٌ\nعندَهُ، وهذا أعْلَى ما يتصورُهُ المخلوقُ من الفرح، هذا كلُّه مع غناهُ عن\nطاعاتِ عبادِهِ وتوباتِهِم إليه، وإنَّه إنَّما يعودُ نفعُها إليهِم دونَهُ، ولكن هذا من كمالِ جودِهِ وإحسانِهِ إلى عبادِهِ، ومحبتِهِ لنفعِهِم ودفع الضَّرَرِ عنهُم، فهو\nيُحِبُّ من عبادِهِ أن يعرفُوه ويحبُّوه ويخافُوه ويتَّقوه ويطيعُوه ويتقرَّبوا إليه.\nويُحِبُّ أن يعلمُوا أنَّه لا يغفرُ الذنوبَ غيرُه، وأنَّه قادرٌ على مغفرةِ ذنوبِ\nعبادِهِ، كما في روايةِ عبد الرحمنِ بنِ غنْم عن أبي ذرٍّ لهذا الحديثِ:\n\"من علمَ منكم أنِّي ذو قُدرةٍ على المغفرةِ، ثم استغفرني، غفرتُ له ولا أبالي \".\nوفي \"الصحيح \" عن النبيِّ - ﷺ -: \"إنَّ عبدًا أذنبَ ذنبًا، فقالَ: يا ربِّ، إنَي عملتُ","vol":"1","page":717},{"text":"ذنبًا، فاغفر لي، فقالَ اللَّهُ ﷿: علمَ عبدِي أنَّ له ربًّا يغفرُ الذنب ويأخذُ بالذنبِ، قد غفرتُ لعبدِي \".\nوفي حديثِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ، عن النبيِّ - ﷺ -: أنَّه لما ركبَ دابَّته حمِدَ اللَّهَ ثلاثًا، وكبَّر ثلاثًا، وقالَ: \"سبحانَك إنّي ظلمتُ نفسِي، فاغفرْ لِي، فإنَّه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ \" ثم ضحكَ، وقال: \"إنَّ ربَّك ليعجَبُ من عبدٍ إذا قالَ: ربِّ اغفرْ لي ذنوبي، يعلمُ أنه لا يغفرُ الذُّنوبَ غيرِي \".\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وصححه.\nوفي \"الصحيح \" عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"واللهِ؛ للَّهُ أرحمُ بعباده من الوالدةِ بولدِها \".\nكان بعضُ أصحابِ ذي النونِ يطوفُ وينادي: آه، أين قلبِي؟، مَنْ وجَدَ\nقلبي؟ فدخلَ يومًا بعضَ السككِ، فوجدَ صبيًّا يبكي وأمُّه تضربُه، ثم\nأخرجتُه من الدارِ، وأغلقتِ البابَ دونه، فجعل الصبيُّ يتلفَّتُ يمينًا وشمالًا\nلا يدري أين يذهبُ ولا أين يقصِدُ، فرجعَ إلى بابِ الدارِ، فجعَلَ يبْكي ويقول:\nيا أمَّاه منْ يفْتَحُ لي البابَ إذا أغلقتِ عنِّي بابَك؛ ومن يُدنيني من نفسِهِ إذا\nطردتيني؟ ومن ذا الذي يُدنيني بعد أن غضبتِ عليَّ؛ فرحمتْهُ أمُّه، فقامتْ\nفنظرتْ من خَلَلِ البابِ، فوجدتْ ولدَهَا تجري الدموعُ على خدَّيهِ متمعِّكًا في\nالترابِ، ففتحتِ البابَ، وأخدْتْهُ حتى وصْعتْهُ في حَجْرِها، وجعلتْ تُقبِّله،","vol":"1","page":718},{"text":"وتقولُ: يا قُرَّةَ عيني، ويا عزيزَ نفسِي، أنت الذي حملتني على نفسِكَ.\nوأنت الذي تعرَّضتَ لما حلَّ بك، لو كنتَ أطعتنِي لم تلقَ منِّي مكروهًا.\nفتواجدَ الفتى، ثم قام: فصاحَ، وقال: قد وجدتُ قلبِي، قد وجدتُ قلبِي.\nوتفكَّروا في قولهِ: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم ذَكَرُوا اللَّهَ\nفَاسْتَغْفَرُوا لِذنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنوبَ إِلاَّ اللَّهُ) .\nفإنَّ فيه إشارةً إلى أن المذنبينَ ليسَ لهُم من يلجئونَ إليه ويُعوِّلونَ عليه في مغفرةِ ذنوبِهِم غيرُهُ.\nوكذلك قولُهُ في حقِّ الثلاثةِ الذين خُلِّفوا: (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) .\nفرتَّبَ توبتَه عليهم على ظنِّهم أن لا ملجأ من اللَّهِ إلا إليه، فإنَّ العبدَ إذا خافَ من مخلوقٍ، هربَ منه، وفرَّ إلى غيرِهِ.\nوأمَّا من خافَ من اللَّهِ، فما لهُ منْ ملجأ يلجأُ إليه، ولا مهرَبٍ يهربُ إليه إلا\nهو، فيهربُ منه إليهِ، كما كان النبيُّ - ﷺ - يقولُ في دعائِهِ: \"لا ملجأ، ولا منْجَا منكَ إلا إليكَ \"، وكان يقولُ: \"أعوذُ برضاك من سَخَطك، وبعفوك من عقوبتكَ، وبك منك \".\nقال الفضيلُ بنُ عياضٍ - ﵀ -: ما مِنْ ليلةٍ اختلطَ ظلامُها، وأرْخى\nالليلُ سِرْبالَ ستْرها، إلا نادَى الجليلُ - ﷻ -: منْ أعظمُ منِّي جودًا، والخلائقُ لي عاصونَ، وأنا لهُم مراقبٌ؟، أكلؤهُم في مضاجِعِهم، كأنهم لم\nيعصوني، وأتولَّي حفظَهم، كأنَّهم لم يُذنبوا فيما بيني وبينَهُم، أجود بالفضلِ\nعلى العاصِي، وأتفضَّلُ على المسيء، من ذا الذي دعاني فلم أُلبِّهْ؟ أم منْ ذا","vol":"1","page":719},{"text":"الذي سألني فلم أعطِه؟، أم من ذا الذي أناخَ ببابي فنحَّيتُه؟\nأنا الفضل، ومنِّي الفضلُ، أنا الجوادُ، ومنِّي الجودُ، أنا الكريمُ، ومنِّي الكرمُ، ومِن كرَمِي أن أغفرَ للعاصينَ بعدَ المعاصِي، ومن كرَمِي أن أُعطيَ العبدَ ما سألني، وأُعطيه ما لم يسألْني، ومن كرمِي أن أُعطيَ التَّائبَ كأنَّه لم يعصِني، فأين عنِّي يهربُ الخلائقُ؟ وأين عن بابي يتنحَّى العاصونَ؟.\nخرَّجه أبو نُعيمٍ.\nولبعضِهِم في المعنى:\nأسأتُ ولم أُحْسِن وجئتُكَ تائبًا. . . وأنَّى لِعَبْدٍ عن مواليه مهْرَبُ\nيُؤَمِّلُ غُفْرَانًا فإنْ خابَ ظَنُّه. . . فما أحدٌ منه على الأرضِ أخيبُ\n* * *","vol":"1","page":720},{"text":"الجزء الثاني","vol":"2","page":4},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-187>سُورَةُ المؤمِنُونَ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)</span>\nقد مدح اللَّه الخاشعينَ في صلاتِهِم، فقال: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) .\nوقال: (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) .\nرُوي عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، قال: هو الخشوعُ في القلبِ، وأن تلينَ\nكنفكَ للمسلم، وأن لا تلتفتَ في صلاتِك.\nوعنه قال: الخشوعُ خُشُوعُ القلبِ، وأن لا تلتفتَ يمينًا ولا شمالا.\nوعن ابنِ عباسٍ قال: (خاشعون): خائفونَ ساكنون.\nوعنِ الحسنِ قال: كان الخشوعُ في قلوبِهِم، فغضُّوا له البصرَ، وخفضُوا\nله الجناح.\nوعن مجاهدٍ قال: هو الخشوعُ في القلبِ، والسكونُ في الصلاةِ.\nوعنه قال: هو خفضُ الجناح وغضُّ البصرِ، وكان المسلمون إذا قامَ أحدُهُم\nفي الصلاةِ خافَ ربَّه أن يلتفتَ عن يمينِهِ أو شمالِهِ.","vol":"2","page":5},{"text":"وعنه قالَ: العلماءُ إذا قامَ أحدُهم في الصلاةِ هابَ الرحمنَ ﷿ أن\nيشذ نظرُهُ، أو يلتفتَ، أو يقلِّب الحصى، أو يعبثَ بشيء، أو يحدثَ نفسَهُ\nبشيءٍ من الدنيا، إلا ناسيًا، ما دامَ في صلاتِهِ.\nوعن الزهريِّ قال: هو سكونُ العبدِ في صلاتِهِ.\nوعن سعيدِ بن جبير، قال: يعني: متواضعينَ، لا يعرفُ مَن عن يمينِهِ.\nولا مَن عنْ شمالِهِ ولا يلتفتُ من الخشوعُ للَّه ﷿.\nورُوي عن حذيفةَ أنه رأى رجلًا يعبثُ في صلاتِهِ، فقالَ: لو خشعُ قلبُ\nهذا لخشعتْ جوارحُهُ.\nورُوي عن ابنِ المسيبِ.\nورُوي مرسلا.\nفأصلُ الخشوع: هو خشوعُ القلبِ، وهو انكسارُهُ للَّه، وخضوعة وسكونُهُ\nعن التفاتِهِ إلى غيرِ مَنْ هو بينَ يديهِ، فإذا خشعَ القلبُ خشعتِ الجوارحُ كلُّها\nتبعًا لخشوعِهِ، ولهذا كان النبي - ﷺ - يقولُ في ركوعِهِ: \"خشع لك سمعي، وبصري، ومخّي، وعظامي، وما استقل به قدَمِي \".\nومن جملةِ خشوع الجوارح: خشوعُ البصرِ أن يلتفتَ عن يمينِهِ أو\nيسارِهِ.","vol":"2","page":6},{"text":"وقال ابنُ سيرين: كان رسولُ اللَّه - ﷺ - يلتفتُ في الصلاةِ عن يمينِهِ وعن يساره، فأنزلَ اللَّه تعالى: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ)، فخشعَ رسولُ اللَّه - ﷺ -، ولم يكنْ يلتفتْ يمنةً ولا يسرةً.\nوخرَّجهُ الطبرانيُّ من روايةِ ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرة.\nوالمرسلُ أصحُّ.\n* * *\nإنَّ اللَّه ﷾ مدحَ في كتابِهِ المخبتينَ لَهُ، والمُنْكَسِرِينَ لَعظَمتِهِ.\nوالخاضعينَ.\nفقالَ تعالى: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) .\nوقالَ تعالى: (وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ) إلى قوله: (أَعَدَّ اللَهُ لَهُم مَغْفرَةً وَأَجرًا\nعَظِيمًا) .\nووصفَ المؤمنينَ بالخشوع لهُ في أشرفِ عباداتهِم التَّي هُم علَيْهَا يحافظونَ.\nفقال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) .\nووصفَ الذين أُوتوا العلمَ بالخشوع، حيثُ يكونُ كلامُه لهم مسموعًا.\nفقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) .","vol":"2","page":7},{"text":"وأصلُ الخشوع هو: لينُ القلبِ ورِقَتُه وسكونُه وخشوعُه وانكسارُه\nوحرقتُه، فإذا خشعَ القلبُ تبعهُ خشوعُ جميع الجوارح والأعضاءِ لأنَّها تابعة\nله، كما قال - ﷺ -:\n\"ألا إنَّ في الجسد مُضْغَة، إذا صلحتْ صلحَ الجسدُ كلُّه، وإذا\nفسدتْ فسدَ الجسدُ كلّه، ألا وهي القلبُ \".\nفإذا خشعَ القلبُ، خشعَ السمعُ والبصرُ والرأسُ والوجهُ وسائرُ الأعضاءِ\nوما ينشأُ مِنْها حتى الكلامِ.\nولهذا كانُ النبيُّ - ﷺ - يقولُ في ركوعِه في الصلاة:\n\"خشعَ لك سمعِي وبصرِي ومُخي وعظامِي \".\nوفي روايةٍ: \"وما استقل به قدَمي \".\nورأى بعضُ السَّلَفِ رجلًا يعبثُ بيده في صلاتِه فقالَ: لو خشعَ قلبُ هذا\nلخشعتْ جوارِحُه.\nورُويَ ذلك عن حُذيفة - ﵁ - وسعيدِ بنِ المسيِّبِ.\nويُروى مرفوعًا\nبإسنادٍ لا يصح.\nقال المسعوديُّ عن أبي سناد عمَّن حدَّثه عن علي بنِ أبي طالمب - ﵁ - في قولِهِ تعالى: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) .\nقال: هوَ الخشوعُ في القلبِ وأن تُلينَ كنفكَ للمرءِ المسلم وأن لا تلتفتَ في صلاتكِ.","vol":"2","page":8},{"text":"وقال عطاءُ بنُ السائبِ عن رجلٍ عن عليٍّ - ﵁ -:\n\"الخشوع: خشوعُ القلبِ، وأن لا يلتفتَ يمينًا وشمالًا\".\nوقال: عن علي بنِ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ - ﵄ - في قوله تعالى::\n(الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشعُونَ) .\nقال: خائفونَ ساكِنون.\nوقال ابنُ شَوْذب عن الحسنِ - رحمه اللَّه تعالى -:\n\"كان الخشوعُ في قلوبِهِم فغضوا له البصرَ وخفضوا له الجَناحَ \".\nوقال منصور عن مجاهدٍ: هو الخشوعُ في القلبِ، والسكونُ في\nالصلاة.\nوقال ليث عن مجاهدٍ: من ذلك: خفضُ الجناح، وغضُّ البصرِ، وكانَ\nالمسلمونَ إذا قامَ أحدُهم إلى الصلاةِ خافَ ربه أن يلتفتَ عن يمينهِ أو\nشماله.\nوقال عطاءٌ الخراسانيُّ: الخشوعُ: خشوعُ القلبِ والطَّرْفِ.\nوقال الزهريُّ: هو سكونُ العبدِ في صلاتهِ.\nوعن قتادةَ قال: الخشوعُ في القلبِ هو الخوفُ وغضُّ البصرِ في الصلاةِ.\nوقال ابنُ أبي نَجيح عن مجاهدٍ - رحمه اللَّه تعالى - في قولهِ تعالى:\n(وَكانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) قال: متواضِعينَ.","vol":"2","page":9},{"text":"وقد وصَف اللَّهُ تعالى في كتابِهِ الأرضَ بالخشوع فقالَ: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ)، فاهتزازُهَا\nوربوُّها - وهو ارتفاعُها - مُزيلٌ لخشوعِهَا، فدَلَّ على أنَّ الخشوعَ الذي كانتْ عليه هو سكونُها وانخفاضُها.\nوكذلك القلبُ إذا خَشَعَ فإنَّه يَسْكُنُ خواطرُهُ وإرادتُه الرديئةُ التي تنشأُ عن\nاتِّباع الهَوى، وينكسرُ ويخضعُ للَّه ﷿، فيزول بذلك ما كانَ فيه من\nالبَأْوِ والترفع والتعاظُم والتكبُّرِ، ومتى سكَنَ ذلكَ في القلبِ خشعتِ\nالأعضاءُ والجوارحُ والحركاتُ كلُّها حتى الصَّوتُ.\nوقد وصفَ اللَّهُ تعالَى الأصواتَ بالخشوع في قوله: (وَخَشَعَتِ الأَصْوَاتُ\nلِلرَّحْمَنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْسًا)، فخشوعُ الأصواتِ هو سكونُها\nوانخفاضُها بعد ارتفاعِهَا.\nوكذلكَ وصفَ وجوهَ الكُفارِ وأبصارَهم في يومِ القيامةِ بالخشوع، فدل\nذلك على دخولِ الخشوع في هذه الأعضاءِ كلِّها.\nومتى تكلَّف الإنسانُ تعَاطي الخشوع في جوارحِهِ وأطرافِه مع فراغ قلبهِ من\nالخشوع وخُلوه منه كانَ ذلك خشوعَ نفاقٍ، وهو الذي كانَ السلف يستعيذونَ منه، كما قالَ بعضُهم: استعيذوا باللَّهِ من خشوع النفاقِ.\nقالوا: وما خشوعُ النفاقِ؟\nقال: أن يُرى الجسَدُ خاشعًا والقلبُ ليس بخاشع.\nونظر عمُر - ﵁ - إلى شابٍّ قد نكسَ رأسَه، فقالَ له: يا هذا، ارفعْ","vol":"2","page":10},{"text":"رأسكَ، فإنَّ الخشوعَ لا يزيدُ على ما في القلبِ.\nفمن أظهَر للناسِ خشوعًا فوقَ ما في قلبِهِ فإنَّما هو نفاقٌ على نفاقٍ.\nوأصلُ الخشوع الحاصلُ في القلبِ، إنَّما هوَ من معرفةِ اللَّه، ومعرفةِ\nعظمتِهِ وجلاِلهِ وكمالِهِ، فمن كانَ باللَّه أعرفَ كانَ له أخشعَ.\nوتتفاوتُ القلوبُ في الخشوع بحَسبِ تفاوُتِ معرفَتِهَا لمن خشعت.\nوبحسبِ تفاوتِ مشاهدةِ القلوبِ للصفاتِ المقتضيةِ للخشوع، فمِنْ خاشع\nلقوةِ مُطالعتهِ قُربَ اللَّهِ من عبدِهِ واطَلاعِهِ على سِرِّه وضميرِه المقتضي\nللاستحياءِ من اللَّهِ تعالى ومراقبتهِ في الحركاتِ والسكناتِ، ومن خاشع\nلمطالعتِه لجلالِ اللَّه وعظمتهِ وكبريائهِ المقتضي لهيبتهِ، ومن خاشعِ لمطالعتهِ\nلكمالهِ وجمالهِ المقتضِي للاستغراقِ في محبتهِ والشوقِ إلى لقائهِ ورويتهِ، ومن\nخاشع لمُطالعتهِ شدَّةَ بطشِه وانتقامِه وعقابِه المقتضِي للخوفِ منهُ.\nوهو ﷾ جابِرُ القلوبِ المنكسرةِ لأجلِه فهو ﷾\nيتقرّبُ من القلوبِ الخاشعةِ له كما يتقربُ ممن يناجيهِ في الصلاةِ، وممَّن يعفِّرُ\nله وَجْهَهُ في الترابِ بالسجودِ.\nوكما يتقربُ من وفدِهِ وزوارِ بيتهِ الواقفينَ بين يديه المتضرعينَ إليه في\nالوقوفِ بعرفةَ ويدنُو ويباهِي بهم الملائكةَ.\nوكما يتقربُ من عبادِهِ الدائبينَ له، السائليَن له، المستغفريَن من ذنوبهِم\nبالأسحارِ، ويجيبُ دعاءَهم ويعطِيهم سؤالَهم.\nولا جبَر لانكسارِ العبدِ أعظمُ من القربِ والإجابةِ.","vol":"2","page":11},{"text":"روى الإمامُ أحمدُ - رحمه اللَّه تعالى - في كتابِ \"الزهد\" بإسنادِهِ عن\nعمرانَ القصير قال: \"قال موسى بنُ عمرانَ - ﵇ -:\nأي ربِّ أين أبغيكَ؟\nقال: ابغِني عندَ المنكسرةِ قلوبُهم، إنَّي أدنو منهُم كل يومٍ باعًا، ولولا\nذلكَ لانهدمُوا\".\nوروى إبراهيمُ بن الجُنَيد - رحمه اللَّه تعالى - في كتابِ \"المحبةِ\": عن\nجعفر بنِ سليمانَ قال: سمعتُ مالكَ بنَ دينار يقول: \"قال موسى - عليه\nالسلام -: إلهي أين أبغيكَ؟ فأوحَى اللَّهُ ﷿ إليه: أن يا موسى ابغني\nعند المنكسرةِ قلوبُهم، فإني أدنُو منهم في كلِّ يومٍ وليلةٍ باعًا ولولا ذلك\nلانهدمُوا، قال جعفر: فقلتُ لمالكِ بن دينار: كيف المنكسرةُ قلوبُهم؟\nفقال: سألتُ الذي قرأ في الكتب فقال: سألتُ الذي سألَ عبد الله بن سلام\nفقال: سألت عبدَ اللَّهِ بنَ سلامِ عن المنكسرةِ قلوبُهم ما يعني؟\nقال: المنكسرةُ قلوبُهم بحبِّ اللهِ ﷿ عن حبِّ غيرهِ \".\nوقد جاءَ في السنةِ الصحيحةِ ما يشهدُ لقربِ اللَّهِ من القلبِ المنكسرِ ببلائِهِ\nالصابِرِ على قضائِهِ أو الراضِي بذلكَ، كما في \"صحيح مسلم \" عن أبي\nهريرةَ - ﵁ - عن النبي - ﷺ -:\n\"يقولُ اللَّه ﷿ يومَ القيامةِ: يا ابنَ آدمَ مرضتُ فلم\nتَعُدْني، قال: يا رب كيف أعودُك وأنتَ رب العالمينَ؟\nقال: أمَا علمتَ أن عبدي فُلانًا مرضَ فلم تَعُدْه، أما عِلمْت أنَّكَ لو عُدتَهُ لوجَدْتني عندَهُ \".\nوروى - أبو نُعيمٍ من طريقِ ضمرةَ عن ابن شَوْذب قال: \"أوحى اللَّهُ تعالى","vol":"2","page":12},{"text":"إلى موسَى - ﵇ -: أتدرِي لأيِّ شيءٍ اصطفيتُكَ على الناسِ\nبرسالاتِي وبكلامِي؟\nقال: لا يا ربِّ! قال: لأنه لم يتواضع لي أحد تواضُعَكَ \".\nوهذا الخشوعُ هو العلمُ النافعُ، وهو أولُ ما يُرفعُ من العلم.\nخرَّج النَّسائيُّ من حديثِ جُبَيرِ بن نفيرٍ - ﵁ - عن عَوْفِ بن مالكٍ - ﵁ - عن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - نظرَ إلى السماءِ يومًا وقال: \"هذا أوانُ يرفعُ العلمُ \" فقال رجل\nمن الأنصارِ - يُقالُ له: زيادُ بن لَبيد -: يا رسولَ اللَّه: ويُرْفَعُ العلم وقد أُثبتَ وَوَعَتْهُ القُلوبُ؟\nفقال له رسولُ اللَّه - ﷺ -:\n\"إنْ كنتُ لأحسبكَ من أفقهِ أهلِ المدينةِ\"\nوذكرَ ضلالةَ اليهودِ والنصارَى على ما في أيديهم من كتابِ اللَّهِ ﷿.\nقال: فلقيتُ شدَّاد بنَ أوسٍ فحدثتُه بحديثِ عوفِ بن مالكٍ، فقال: صدقَ\nعوف، ألا أخبرُكَ بأولِ ذلك يُرفع؟\nقلتُ: بلى، قالَ: الخشوعُ، حتَّى لا ترى خاشعًا.\nوخَرَّجه الترمذيُّ من حديثِ جبيرِ بن نفيرٍ عن أبي الدرداءَ عن النبي\n- ﷺ - بنحوِه، وفي آخره: قال جبير: فلقيتُ عبادةَ بنَ الصامتِ، فقلتُ: ألا تسمعُ ما يقولُ أخوك أبو الدرداء - فأخبرتُه بالذي قال؟\nقال: صدقَ أبو الدرداء، لو شئتَ لحدثتك بأول علم يُرفع من الناسِ: الخشوعُ، يوشكُ أن تدخلَ مسجدَ الجامع فلا تَرى فيه رجُلًا خاشِعًا.","vol":"2","page":13},{"text":"وقد قيل: إن روايةَ النسائيَ أرجحُ.\nوقد روى سعيدُ بنُ بشيرٍ عن قتادةَ عن الحسنِ - رحمه اللَّه تعالى - عن\nشدَّادِ بنِ أوسٍ عن النبي - ﷺ - قال:\n\"أولُ ما يرفعُ من الناسِ الخشوعُ \" فذكره.\nورواه أبو بكرِ بنِ أبي مريمَ عن ضمرةَ بنِ حبيبٍ مُرسلًا.\nورُوي نحوه عن حذيفةَ من قولهِ.\nفالعلمُ النافعُ هو ما باشرَ القلوبَ فأوجبَ لها السكينةَ والخشية والإخباتَ\nللَّه والتواضعَ والانكسارَ له، وإذا لم يباشر القلبَ ذلك من العلم؛ وإنما كانَ\nعلى اللسانِ فهو حُجَّةُ اللَّهِ على ابنِ آدمَ يقومُ على صاحبهِ وغيرهِ، كما قال\nابنُ مسعود - ﵁ -: \"إنَّ أقوامًا يقرأونَ القرآنَ لا يُجاوزُ تراقيهِم، ولكن إذا وقعَ في القلبِ فَرَسَخ فيه نَفَع \" خرَّجه مسلم.\nوقالَ الحسنُ - رحمه اللَّه تعالى -: العلمُ عِلمانِ: علمٌ باللسان وعلم\nبالقلبِ، فعلمُ القلبِ: هو العلمُ النافعُ، وعلمُ اللسانِ: هو حجة اللًّهِ على\nابنِ آدمَ.\nورُويَ عن الحسنِ - رحمه اللَّه تعالى - مرسلًا عن النبيِّ - ﷺ - ورويَ عنه عن جابرٍ - ﵁ - مرفوعًا، وعنه عن أنسٍ - ﵁ - مرفوعًا، ولا يصحُّ وصلُه.\nفأخبر النبيُّ - ﷺ - أن العلمَ عندَ أهلِ الكتابَينِ من قَبلنا موجودٌ بأيديهم ولا ينتفعونَ بشيءٍ منُه لمَّا فقدُوا المقصودَ منهُ، وهو وصولُه إلى قلوبهِم، حتى يجدُوا حلاوةَ الإيمانِ به ومنفعتَه بحصول الخشيةِ والإنابةِ لقلوبهِم، وإنما هُوَ علَى ألسنتهِم تقومُ به الحُجَّةُ عليهِم.","vol":"2","page":14},{"text":"ولهَذا المعنى وَصَفَ اللَّهُ تعالَى في كتابِهِ العلماءَ بالخشيةِ كَمَا قالَ اللَّه\nتعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) .\nوقال تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) .\nووصفَ العُلماءَ من أهلِ الكتابِ قبلَنا بالخشوع؛ كَما قالَ اللَّهُ تعالى:\n(إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩) .\nفقولُهُ ﵎ في وصفِ هؤلاءِ الذينَ أوتُوا العلم:\n(وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) .\nمدحٌ لمن أوجبَ له سماعُ كتابِ اللَّهِ\nالخُشُوعَ في قلبهِ، وقالَ تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) .\nولينُ القلوبِ هو زوالُ قسوتِهَا بحدوثِ الخُشوع فيها والرقةِ.\nوقد وبَّخ اللَّهُ من لا يخشعُ قلبُه لسماع كلامِه وتدبُّرِه، قالَ سبحانه:\n(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦) .\nقالَ ابنُ مسْعودٍ - ﵁ -: \"ما كانَ بين إسلامِنا وبينَ أنْ عوتبْنا بهذهِ الآيةِ إلا أربعَ سنينَ \".\nخرَّجه مسلم، وخرَّجه غيُره وزادَ فيه:\n\"فجعلَ المسلمونَ يعاتبُ بعضُهم بعضًا\".","vol":"2","page":15},{"text":"وخرَّجَ ابنُ ماجةَ من حديثِ ابنِ الربيرِ - ﵁ - قال:\n\" لم يكنْ بينَ إسلامِهم وبينَ أن نزلَتْ هذه الآيُةُ يعاتبهُمُ اللَّهُ بها، إلا أربعَ سنينَ \".\nوقد سمعَ كثيرٌ من الصالحينَ هذه الآيةَ تُتلى، فأثَّرتْ فيهم آثارًا متعددةً\nفمنهُم من ماتَ عند ذلكَ لانصداع قلبهِ بها، ومنهُم من تابَ عند ذلكَ وخرجَ عما كانَ فيه.\nوقد ذكرنا أخبارَهم في كتابِ \"الاستغناءِ بالقرآنِ \".\nوقال تعالى: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) .\nقال أبو عمرانَ الجونيّ: واللَّه؛ لقدْ صرفَ إلينا ربُّنا في هذا القرآن ما لو\nصرفَهُ إلى الجبال لحتَّها وجَبَاها َ.\nوكان مالكُ بنُ دينار - ﵀ - يقرأُ هذه الآيةَ ثمَّ يقول: أقسمُ لكم.\nلا يؤمنُ عبدٌ بهذا القرآنِ إلا صُدعِّ قلبُه.\nورُويَ عن الحسنِ - رحمه اللَّه تعالى - قال: يا ابنَ آدمَ، إذا وسوسَ لك\nالشيطانُ بخطيئةٍ أو حدَّثت بها نفسَكَ، فاذكرْ عندَ ذلكَ ما حَملَكَ اللَّهُ من\nكتابِهِ مما لو حملتْهُ الجبال الرواسي لخشعتْ وتصدَّعتْ أمَا سمعتَه يقولُ:\n(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) .","vol":"2","page":16},{"text":"فإنما ضرب لكَ الأمثالَ لتتفكرَ فيها وتعتبرَ بِها وتزدجرَ عن معاصِي اللهِ عز\nوجل، وأنتَ يا ابنَ آدمَ أحقُّ أن تخشعَ لذكرِ اللَّهِ وما حَمَّلكَ من كتابِهِ وآتاكَ من حكمِهِ، لأنَّ عليكَ الحسابَ ولكَ الجنةُ أو النارُ.\nوقد كان النبيُّ - ﷺ - يستعيذُ باللَّهِ من قلبٍ لا يخشعُ، كما في \"صحيح مسلم \" عن زيدِ بنِ أرقمَ: أن النبيَّ - ﷺ - كانَ يقولُ:\n\"اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من علمٍ لا ينفعُ، ومن قلبٍ لا يخشعُ، ومن نفسٍ لا تشبعُ، ومن دعوة لا يُستجابُ لَها\".\nوقد رُويَ نحوُه عن النبيِّ - ﷺ - من وجوهٍ متعددةٍ\nويُروى عن كعبٍ الأحبار قالَ: مكتوبٌ في الإنجيلٍ:\n\"يا عيسى، قلبٌ لا يخشعُ عملُه لا ينفعُ، وصوتُه لا يُسمعُ، ودعاؤُه لا يُرفعُ \".\nقال أسدُ بنُ موسى في كتابِ \"الورع \": حدثنا مُباركُ بنُ فَضالةَ قالَ: كان\nالحسنُ - رحمه اللَّه تعالى - يقولُ: إن المؤمنينَ لَمَّا جاءتْهُم هذه الدعوةُ من\nاللَّه صدَّقوا بها وأفْضَى يقينُها إلى قلوبِهِم خشعتْ لذلكَ قلوبُهم وأبدانُهم\nوأبصارُهم، كنتَ واللَّهِ إذا رأيتَهم رأيتَ قومًا كأنَّهم رَأيُ عينٍ، فواللهِ؛ ما\nكانُوا بأهلِ جدلٍ ولا باطلٍ، ولا اطمأنُّوا إلا إلى كتابِ اللَّه، ولا أظهُروا ما\nليسَ في قلوبِهم، ولكنْ جاءَهُم عن اللَّهِ أمرٌ فصدَّقوا به، فَنَعَتهُم اللَّهُ تعالى\nفي القرآنِ أحسنَ نعتٍ فقال:\n(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) .\nقال الحسنُ: الهونُ في كلامِ العربِ، اللينُ والسكينةُ والوقارُ.\nقال: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) .\nقال: حلماءُ لا يجهلونُ، وإذا جُهلَ عليهِم حَلموا، يُصاحبونَ عبادَ الله","vol":"2","page":17},{"text":"نهارهم بما تسمعونَ، ثم ذكرَ ليلَهم خيرَ ليلٍ فقالَ:\n(وَالَّذِينَ يبيتونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) .\nينتصبون للَّهِ على أقدامِهم، ويفترشونَ وجوهَهُم لربِّهم سُجَّدًا، تجري\nدموعُهم على خُدودِهم فرقًا من ربِّهم لأمرٍ ما، أسْهَرُوا له ليلَهم، ولأمرٍ ما.\nخَشَعُوا له نهارَهُم، ثم قالَ: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جهَنَّمَ إِنَّ\nعَذَابَهَا كانَ غَرَامًا) .\nقال: وكلُّ شيءٍ يُصيبُ ابنَ آدمَ ثمَّ يزولُ عنه فليس بغرامٍ، إنما الغرامُ:\nاللازمُ له ما دامتِ السماواتُ والأرضُ، قالَ: صدقَ القومُ، واللَّهِ الذي لا إله إلا هوَ، فعمِلُوا ولم يتمنَوا، فإياكم - رحمكم اللَّهُ - وهذه الأماني، فإن اللَّهَ لم يُعطِ عبدًا بالأمنيةِ خيرًا قطُّ في الدنيا والآخرةِ، وكانَ يقولُ: يالَهَا موعظة لو وافقت من القُلوبِ حياةً.\nوقد شرعَ اللَّهُ لعبادِهِ من أنواع العباداتِ ما يظهُر فيه خشوع الأبدانِ\nالناشيءُ عن خشوع القلبِ وذلّه وانكسارِه، ومن أعظمِ ما يظهرُ فيه خشوعُ\nالأبدانِ للَّهِ تعالى مِنَ العباداتِ: الصلاةُ، وقد مدحَ اللَّهُ تعالى الخاشعينَ فيها\nبقولهِ ﷿: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) .\nوقد سبقَ بعضُ ما قاله السلفُ في تفسيرِ الخشوع في الصلاةِ.\nوقال ابنُ لَهيعةَ عن عطاءِ بنِ دينارٍ رحمه اللَّه تعالى عن سعيدِ بن جُبيرٍ -\nرحمه اللَّه تعالى -: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ)\nيعني: متواضِعينَ لا يعرفُ مَنْ عنْ يمينِهِ ولا مَنْ عن شمالهِ، ولا يلتفتُ في الخشوع للَّه ﷿.","vol":"2","page":18},{"text":"وقال ابنُ المباركِ عن أبي جعفرٍ عن ليثٍ عن مجاهدٍ: (وَقوموا للَّهِ قَانِتِينَ) .\nقال: القنوتُ: الركونُ والخشوعُ وغضُّ البصرِ وخفض الجناح من رهبةِ اللَّه\n﷿.\nقال: وكانَ العلماءُ إذا قامَ أحدهُم في الصلاةِ هابَ الرحمنَ ﷿ أن\nيشذ نظرُه أو يلتفتَ أو يُقلِّبَ الحصى أو يعبثَ بشيءٍ أو يُحدِّثَ - يعني:\nنفسهُ - بشيءٍ من الدنيا، إلا ناسِيًا، ما دامَ في صلاتهِ.\nوقال منصورٌ عن مجاهدٍ رحمه اللَّهُ تعالى في قولهِ تعالى: (سيمَاهُمْ فِي\nوجُوهِهِم) .\nقال: الخشوعُ في الصلاةِ.\nوخرَّجَ الإمامُ أحمدُ والنسائي والترمذيُّ من حديثِ الفضلِ بن عباسٍ\n- ﵄ - عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"الصلاةُ مثنى مثنى، تشهَّدُ في كلِّ ركعتينِ، وتخشَّعُ وتضَّرعُ، وتمسْكَنُ، وتُقنعُ يديك \" يقول: \"تَرْفعهُما إلى ربِّك ﷿ وتقولُ:\nيا رب يا رب يا رب ثلاثًا فمنْ لم يفعلْ ذلكَ فهي خِدَاجٌ \".\nوفي \"صحيح مسلم \" عن عثمانَ - ﵁ - عن النبيّ - ﷺ - قال:\n\"ما من امرئ مسلمٍ تحضرُه صلاةٌ مكتوبةٌ فيحسنُ وُضوءَها وخشوعَها وركوعَها إلا كانَت كفارةً لما","vol":"2","page":19},{"text":"قبلَها من الذنوبِ، ما لم تُؤْتَ كبيرة وذلكَ الدهرَ كلَّه \".\nفممَّا يظهرُ فيه الخشوعُ والذلُّ والانكسارُ من أفعالِ الصلاةِ:\nوضعُ اليدين إحداهُما على الأخرى في حالِ القيامِ.\nوقد رُوي عن الإمام أحمدَ - ﵀ - أنه سُئلَ عن المرادِ بذلكَ، فقالَ: هو ذلٌّ بين يَدي عزيزٍ.\nقال عليٌّ بنُ محمد المصريُّ الواعظُ - رحمه اللَّه تعالى -: ما سمعتُ في\nالعلم بأحسنَ من هذا.\nورُوي عن بِشر الحافي - رحمه اللَّه تعالى - أنه قال: \"أشتهي منذ أربعينَ\nسنةً أن أضعَ يدًا على يدٍ في الصلاةِ ما يمنعُني من ذلكَ إلا أن أكونَ قد\nأظهرتُ من الخشوع ما ليس في القلبِ مثلُه \"\nوروى محمد بنُ نصرٍ المروزيُّ - رحمه اللَّه تعالى - بإسنادِهِ عن أبي هريرةَ - ﵁ - قال:\nيُحشرُ الناسُ يومَ القيامةِ على قدرِ صنيعهم في الصلاةِ، وفسرهُ بعضُ رواتِهِ فقبضَ شمالَه بيمينهِ وانحنَى هكذا.\nوبإسنادِه عن أبي صالحٍ السمَّانِ - رحمه اللَّه تعالى - قال: يُبعثُ الناسُ\nيومَ القيامةِ هكذا، ووضَع إحْدى يديه على الأخرَى.\nوملاحظةُ هذا المعنى في الصلاةِ يُوجبُ للمصلِّي أن يتذكَّرَ وقوفه بين يدي\nاللَّه ﷿ للحسابِ.","vol":"2","page":20},{"text":"كان ذو النونِ - رحمه اللَّهُ تعالى - يقولُ في وصفِ العُبَّادِ: لو رأيتَ\nأحدَهُم وقد قامَ إلى صلاتهِ فلمَّا وقفَ في محرابِهِ واستفتحَ كلامَ سيِّده، خطرَ\nعلى قلبهِ أنَّ ذلكَ المقامَ هو المقامُ الذي يقومُ الناسُ فيه لربِّ العالمين، فانخلعَ\nقلبه وذهلَ لبُّه.\nخرَّجه أبو نُعيمٍ - رحمه اللَّه تعالى.\nومن ذلكَ: إقبالُه على اللَّهِ ﷿، وعدمُ التفاتهِ إلى غيرهِ، وهو\nنوعانِ:\nأحدهما: عدمُ التفاتِ قلبهِ إلى غيرِ منْ هو مناج لهُ، وتفريغُ القلبِ للربِّ\n﷿.\nوفي \"صحيح مسلم \" عن عمرِو بن عبسةَ - ﵁ - عن النَّبيِّ - ﷺ - أنه ذكر فضلَ الوضوءِ وثوابَه، ثم قالَ:\n\"فإنْ هو قامَ فصلَّى فحمدَ اللَّهَ وأثنى عليهِ ومجدَه\nبالذي هو أهلُه، وفرَّغَ قلبَه للهِ، إلا انصرفَ من خطيئتِهِ كيوم ولدتْه أمُّه \".\nوالثاني: عدمُ الالتفاتِ بالبصرِ يمينًا وشمالًا، وقَصرُ النظرِ على موضع\nالسجودِ، وهو من لوازمِ الخشوع للقلبِ وعدمِ التفاتهِ، ولهذا رأى بعضُ\nالسَّلفِ مصليًا يعبثُ في صلاتهِ فقالَ: لو خشعَ قلبُ هذا لخشعت جوارحُه.\nوقد سبقَ ذكرُه.\nوخرَّج الطبراني من حديثِ ابنِ سيرينَ عن أبي هُريرةَ - ﵁ - قال: \"كان النبيُّ - ﷺ -، يلتفتُ في الصلاةِ عن يمينهِ وعن يسارِه، ثمَّ أنزلَ اللَّهُ تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) .\nفخشعَ رسولُ الله - ﷺ - فلم يكن يلتفت يمنةً ولا يسرةً\".","vol":"2","page":21},{"text":"ورواه غيرُه عن ابِن سيرينَ - رحمه اللَّه تعالى - مرسلًا، وهو أصحّ.\nوخرَّجَ ابنُ ماجةَ من حديثِ أمِّ سلمةَ أمِّ المؤمنين - ﵂ - قالتْ: كان الناسُ في عهدِ النبيِّ - ﷺ - إذا قامَ أحدُهم يصلِّي لم يعدُ بصرُه موضعَ قدميه، فتوفِّي النبيُّ - ﷺ -، فكانَ الناسُ إذا قامَ أحدُهم إلى الصلاةِ لم يعدُ بصرهُ موضعَ\nجبهتِهِ، فتوفي أبو بكرٍ، فكانَ عمرُ - ﵁ -، فكانَ الناسُ إذا قام أحدهم يصلِّي لم يَعْدُ بَصَر أحدِهِم موضع القبْلةِ، وكان عثمانُ بنُ عفانَ - ﵁ -، فكانتِ الفتنةُ، فتلفتَ الناسُ يمينًا وشمالًا\".\nوفي \"صحيح البخاري \" عن عائشةَ - ﵂ -: سألتُ النبيَّ - ﷺ - عنِ الالتفاتِ في الصلاةِ فقال:\n\"هو اختلاسٌ يختلسُه الشيطانُ من صلاةِ العبدِ\".\nوخرَّج الإمام أحمد - رحمه اللَّه تعالى - وأبو داودَ والنسائيُّ من حديث\nأبي ذرٍّ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"لا يزالُ اللَّهُ مقبلًا على العبدِ في صلاتهِ، ما لم يلتفتْ، فإذا التفتَ انصرفَ عنهُ \".\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ من حديثِ الحارثِ الأشعري عن النبي\n- ﷺ -:\n\"إنَّ اللَّهَ أمرَ يحيى بنَ زكريا بخمسِ كلماتٍ أن يعملَ بهنَّ، ويأمرَ بني إسرائيل أن يعملوا بهنَّ \" فذكر منها: \"وآمرُكم بالصلاةِ، فإنَّ اللَّه ينصبُ وجههُ لوجه عبدِهِ ما لم يلتفتْ، فإذا صليتُم فلا تلتفتُوا\".","vol":"2","page":22},{"text":"وفي المعنى أحاديثُ أُخَرُ متعدِّدةٌ.\nوقال عطاءٌ: سمعتُ أبا هُريرة يقول: \"إذا صلَّى أحدكُم فلا يلتفتُ؛ فإنه\nيناجِي ربَّه، إنَّ ربَّه أمامه، وإنه يناجيهِ فلا يلتفتُ \".\nقال عطاءٌ - رحمه اللَّه تعالى -: وبلغنَا أن الربَّ ﷿ يقول: \"يا ابنَ\nاَدمَ، إلى مَنْ تلتفت؟ أنا خير لكَ ممَّن تلتفتَ إليه \".\nوخرَّجه \"البزَّار وغيرُه مرفوعًا، والموقوفُ أصحُّ.\nوقال أبو عمرانَ الجونيُّ - رحمه اللَّه تعالى -:\nأوحى اللَّهُ ﷿ إلى موسى - ﵇ - يا موسى، إذا قمتَ بين يديَّ فقمْ مقامَ العبدِ الحقيرِ الذليلِ، وذُمَّ نفسَكَ، فهي أَوْلَى بالذمِّ، وناجِني بقلب وجلٍ ولسانٍ صادقٍ.\nومن ذلك: الركوعُ، وهو ذل بظاهرِ الجسدِ.\nولهذا كانتِ العربُ تأنَفُ منهُ ولا تفعلهُ حتى بايعَ بعضُهم النبي - ﷺ - على أن لا يخرَّ إلا قائمًا يعني: أن يسجدَ من غيرِ ركوع.\nكذا فسره الإمامُ أحمدُ - رحمه اللَّه تعالى - والمحققونَ من العلماءِ.\nوقال اللَّه تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكعُوا لا يَرْكعُونَ) .\nوتمامُ الخضوع في الركوع: أن يخضعَ القلبُ للَّهِ ويذلَ له، فيتمُّ بذلكَ خضوعُ العبدِ بباطنهِ وظاهرِه للَّه ﷿.","vol":"2","page":23},{"text":"ولهذا كان النبي - ﷺ - يقولُ في ركوعِهِ:\n\"خشع لك سمْعي وبصري ومُخِّي وعظامي وما استقلَّ به قدمِي \".\nإشارةً إلى: أن خشوعَهُ في ركوعِهِ قد حصلَ بجميع جوارحِهِ ومن أعظمها\nالقلبُ الذي هو مَلِكُ الأعضاءِ والجوارح فإذا خشعَ خشعتِ الجوارحُ\nوالأعضاءُ كلُّها تبعًا لخشوعِهِ.\nومن ذلك: السجودُ وهو أعظمُ ما يظهَرُ فيه ذلُّ العبدِ لربِّه ﷿ حيثُ\nجعلَ العبدُ أشرفَ ما له من الأعضاء وأعزَّها عليه وأعلاها حقيقة؛ أوضعَ ما\nيُمكنه، فيضعُه في الترابِ مُتَعَفِّرًا، ويتبعُ ذلك انكسارُ القلب وتواضعُهُ\nوخشوعُه للَّه ﷿.\nولهذا كان جزاءُ المؤمنِ إذا فعلَ ذلك أن يُقَربه اللَّهُ ﷿ إليه فإن:\n\"أقربَ ما يكونُ العبدُ من ربّه وهو ساجدٌ\"\nكما صحَّ عن النبي - ﷺ -.\nوقال اللَّه تعالى: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ) .\n\"والسُّجودُ أيضًا مما كانَ يأنَفُ منه المشركونَ المستكبرونَ\nعَنْ عبادةِ اللَّهِ ﷿.\nوكان بعضُهم يقولُ: أكرهُ أنْ أسجدَ فتعلُوني إسْتي، وكان بعضُهم يأخذُ\nكفًّا من حصى فيرفعُه إلى جبهتِهِ، ويكتفي بذلك عن السجود.\nوإبليسُ إنما طَردَهُ اللَّه لمَّا استكبرَ عن السجودِ لمن أمَرهُ اللَّهُ بالسجودِ له.\nولهذا يبكي إذا سجدَ المؤمنُ ويقولُ: \"أمِرَ ابنُ آدم بالسجود ففعل فله الجنة، وأمرتُ بالسُجود فِعصيتُ فليَ النارُ\".","vol":"2","page":24},{"text":"ومن تمامِ خشوع العبدِ للَّهِ ﷿ وتواضعِه له في ركوعِهِ وسجودِهِ: أنه\nإذا ذلَّ لربه بالركوع والسجودِ وصفَ ربه حينئذٍ بصفاتِ العز والكبرياءِ\nوالعظمةِ والعلوِّ، فكأنه يقولُ: الذل والتواضعُ وصفي، والعلو والعظمةُ\nوالكبرياءُ وصفُكَ، فلهذا شرع للعبدِ في ركوعِهِ أن يقولَ: \" سبحان ربي\nالعظيم \"، وفي سجودِهِ: \" سبحان ربي الأعلي \".\nوكانَ النبيُّ - ﷺ - أحيانًا يقولُ في سجودِهِ:\n\"سُبحان ذي الملكوتِ والجبروتِ والكبرياءِ والعظمةِ\".\nورُوي عنه - ﷺ - أنه قالَ ليلة في سجودِهِ:\n\"أقولُ كما قالَ أخي داودُ - ﵇ -: أعَفِّر وجهِي في الترابِ لسيِّدي، وحُقَ لسيدي أن تُعَفَّر الوجوهُ لوجهِهِ \".\nقال الحسنُ - رحمه اللَّه تعالى -: \"إذا قُمتَ إلى الصلاةِ فقُم قانِتًا كما\nأمركَ الله، وإياكَ والسهرَ والالتفاتَ، أن ينظرَ اللَّهُ إليكَ وتنظرَ إلى غيرهِ.\nوتسأل اللهَ الجنةَ وتعوذَ به مِنَ النارِ وقلبُك ساه لا تدْري ما تقولُ بلسانِكَ \".\nخرَّجه محمدُ بنُ نصرٍ المَرْوزيُ - رحمه الله تعالى.\nوروى بإسنادِه عن عثمانَ بنِ أبي دَهْرَشٍ قالَ: بَلَغَني أنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ -","vol":"2","page":25},{"text":"صلَّى صلاةً جَهَر فيها بالقراءةِ فلما فرغ قال: \"هل أسْقَطتُ من هذه السورة\nشيئا؟ \". قالوا: لا ندري، فقال أبيُّ بن كعبٍ: نعم آيةَ كذا وكذا، فقالَ رسولُ اللَّه - ﷺ -:\n\"ما بالُ أقوامٍ، يُتلَى عليهم كتابُ اللَّهِ ﷿، فلا يدرونَ ما يُتلى منه ممَّا\nتُرِكَ، هكذا خرجتْ عظمةُ اللَّهِ من قلوبِ بني إسرائيلَ، شهدِتْ أبدانُهم وغابتْ قُلوبُهُم، ولا يقبلُ اللَهُ من عبدٍ عملًا حتى يشهدَ بقلبِهِ مع بدَنِهِ \".\nوالآثارُ في هذا المعنى كثيرةٌ جدًّا.\nومر عصامُ بن يوسفَ - رحمه الله تعالى - بحاتمٍ الأصمِّ وهو يتكلمُ في\nمجلسِهِ، فقالَ: يا حاتمُ، تحسنُ تصلِّي؟\nقال: نعم! قال: كيفَ تصلي؟ قال\nحاتم: أقوم بالأمرِ، وأمشي بالخشيةِ، وأدخل بالنِّيَّةِ، وأُكبِّر بالعظمةِ، وأقرأُ\nبالترتيلِ والتفكرِ، وأركعُ بالخشوع، وأسجدُ بالتواضع، وأجلسُ للتشهدِ\nبالتمامِ وأسلِّمُ بالسبيلِ والسُّنةِ، أسلمها بالإخلاصِ إلى اللَّه ﷿، وأرجعُ على نفسِي بالخوفِ، أخاف أن لا يُقبلَ منِّي، وأحفظُهُ بالجهدِ إلى الموت، قال: تكلَّم \" فأنت تحسنُ تصلِّي.\nومن أنواع العباداتِ التَّي يظهرُ فيها الذلُّ والخضوعُ للَّهِ ﷿: الدعاءُ.\nقالَ اللَّهُ ﷿: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) .\nوقالَ: (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ (٩٠) .\nفمما يظهر فيه الذلُّ من الدعاء رفعُ اليدينِ.","vol":"2","page":26},{"text":"وقد صحَّ عن النبيِّ - ﷺ - أنه رفعَ يديهِ في الدعاءِ في مواطنَ كثيرةٍ وأعظمُهَا:\nفي الاستسقاءِ؛ فإنه كانَ يرفعُ فيه يديهِ حتَّى يُرى بياضُ إبطيهِ، وكذلك\nكان يجتهدُ في الرفع عشيةَ عرفةَ بعرفةَ.\nوخرَّج الطبرانيّ رحمه اللَّه تعالى - من حديثِ ابنِ عباسٍ - ﵄ - قالَ: \"رأيتُ رسولَ اللَّه - ﷺ - يدعُو بعرفةَ ويداهُ إلى صدره كاستطعامِ المسكين \".\nوقد كان بعضُ الخائفينَ يجلسُ بالليلِ ساكنًا مُطْرقًا برأسِهِ، ويمدُّ يديه كحالِ\nالسائلِ، وهذا من أبلغ صفاتِ الذلِّ وإظهارِ المسكنةِ والافتقارِ.\nومن ذلك أيضًا افتقارُ القلبِ في الدعاءِ وانكساره للَّه ﷿ واستشعارهِ\nشدةُ الفاقَةِ إليه والحاجةِ.\nوعلى قَدرِ هذه الحرقةِ والفَاقةِ تكونُ إجابة الدعاءِ.\nوفي \"المسندِ\" والترمذي عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"إن اللَّه لا يستجيبُ دُعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ \".\nومن ذلكَ: إظهارُ الذلِّ باللسانِ في نفسِ السؤالِ والدعاءِ والإلحاح فيه.\nقال الأوزاعيُّ - رحمه اللَّه تعالى -: كان يُقال:\n\"أفضلُ الدعاءِ الإلحاحُ على اللَّه والتضرعُ إليه \".\nوفي الطبراني عن ابنِ عباسٍ - ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - دعا يوْمَ عرفةَ فقالَ:\n\"اللهمَّ إنَك ترى مكانِي وتسمعُ كلامِي ولا يخْفَى عليكَ شيءٌ من أمَرِي،","vol":"2","page":27},{"text":"أنا البائسُ الفقيرُ المستغيثُ المستجيرُ الوجِلُ المُشْفقُ المُقِر المعترفُ بذنبهِ، أسألكَ مسألةَ المسكينِ وأبتهلُ إليكَ ابتهالَ المُذنبِ الذليل، وأدعوكَ دعاءَ الخائفِ الضرير، ومن خضعَتْ لك رقبتُه، وذلَّ لك جسدُه، ورغِمَ لك أنفُه، وفاضتْ لك عيناه.\nاللَّهمَّ لا تجعلني بدعائِكَ شقيًّا، وكنْ بي بارًّا رؤوفًا رحيمًا، يا خيرَ المسئولينَ، ويا خيرَ المُعطينَ \".\nوكان بعضُهم يقول في دعائِهِ: بعزِّك وذلِّي وغِناكَ وفَقْري.\nوقال طاوس - رحمه اللَّه تعالى -: دخلَ عليٌّ بنُ الحسينِ - ﵀\nتعالى - ذاتَ ليلة الحجرَ يصلِّي، فسمعتُه يقول في سجودهِ: عُبيدُكَ بفنائكَ.\nمُسيكينُكَ بفنائِك، فقيرُكَ بفنائِك، سائلُك بفنائِك، قال طاوس: فحفظتُهنَّ، فما دعوتُ بهنَّ في كَرْبٍ إلا فُرِّجَ عنَي.\nخرَّجه ابنُ أبي الدُّنيا.\nوروى ابنُ باكَوَيْه الصوفيُّ - رحمه الله تعالى - بإسنادٍ له: أنَّ بعضَ العُبَّادِ\nحجَّ ثمانينَ حَجَّةً على قدَميهِ، فبينما هو في الطوافِ وهو يقول: يا حبيبي.\nوإذا بهاتفٍ يهتفُ به: ليس ترضى أن تكون مسكِينًا حتَّى تكونَ حبيبًا.\nقال: فغُشي عليَّ، ثم كنتُ بعد ذلك أقول: مسكينُكَ مسكينُكَ، وأنا تائبٌ عن قول: حبيبي.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-189>قوله تعالى: (يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)</span>\nكان السلفُ الصَّالح يجتهدون في إتمام العمَل وإكماله وإتقانه، ثم يهتمُّون\nبعد ذلكَ بقبولهِ، ويخافونَ من رَدِّه، وهؤلاء الذينَ\n(يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) .\nرُويَ عن عليٍّ نهى قال: كونُوا لقبول العمل أشدَّ اهتمامًا","vol":"2","page":28},{"text":"منكمُ بالعمل، ألم تسمعُوا اللَّهَ ﷿ يقولُ: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّه من المُتَقِينَ) .\nوعن فضالةَ بنِ عبيدٍ قالَ: لأن أكونَ أعلمُ أنَّ اللَّهَ قد تقبلَ منَي\nمثقالَ حبة من خردلٍ أحبُّ إليَّ من الدنيا وما فيها؛ لأنَّ اللَّهَ يقول:\n(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّه من المُتَقِينَ) .\nوقال ابنُ دينار: الخوفُ على العملِ أن لا يتقبَّلَ أشدّ من العمل.\nوقال عطاءٌ السُّليميُّ: الحذرُ: الاتقاءُ على العملِ أن لا يكونَ للهِ.\nوقالَ عبدُ العزيزِ بنُ أبي روَّاد: أدركتُهم يجتهدونَ في العملِ الصالح، فإذا\nفعلوه وقع عليهم الهمّ، أيقبلُ منهُم أم لا؟\nقال بعضُ السَّلفِ: كانوا يدعُون اللَّهَ ستَّةَ أشهرٍ أن يبلِّغهم شهر رمضانَ.\nثم يدعونَ اللَّهَ ستَّةَ أشهرٍ أن يتقبَّلَهُ منهُم.\nخرجَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ - ﵀ - في يومِ عيدِ فطرٍ، فقالَ في\nخطبته: أيُّها الناسُ؛ إنَّكم صُمتم للَّهِ ثلاثين يومًا، وقُمتُم ثلاثين ليلةً.\nوخرجتُم اليومَ تطلبون من اللَّه أن يتقبَّل منكم.\nكانَ بعضُ السَّلف يظهرُ عليه الحزنُ يومَ عيدِ الفطر، فيقالُ له: إنَه يومُ فرحٍ\nوسرورٍ، فيقولُ: صدقتُم، ولكنِّي عبدٌ أمرنِي مولاي أن أعملَ له عملًا، فلا أدري أيقبلُه منِّي أم لا؟\nرأى وُهيبُ بنُ الورد قومًا يضحكونَ في يومِ عيدٍ، فقالَ: إن كانَ هؤلاءِ\nتُقبِّلَ منهم صيامُهم فما هذا فعلُ الشاكرينَ، وإن كانُوا لم يُتقبَّلْ منهم صيامهُم فما هذا فعلُ الخائفينَ.\nوعن الحسنِ قالَ: إنَّ اللَّه جعلَ شهرَ رمضانَ مضمارًا لخلقه يَسْتَبِقُون فيه\nبطاعتهِ إلى مرضَاتهِ، فسبق قومٌ ففازُوا، وتخلَّف آخرونَ فخابُوا.\nفالعجَب من","vol":"2","page":29},{"text":"اللاعِبِ الضَّاحِكِ في اليومِ الذي يفوزُ فيه المحسنونَ ويخسرُ فيه المبطِلُونَ.\nلعلك غَضْبانُ وقلبي غافِلٌ. . . سلامٌ على الدَّارَينِ إن كنتَ راضيًا\nرُويَ عن عليٍّ - ﵁ - أنَّه كانَ ينادي في آخرِ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ: يا ليتَ شِعْرِي! مَن هذا المقبولُ فنهنِّيه؟ ومَن هذا المحرومُ فنُعَزِّيه؟\nوعن ابنِ مسعودٍ أنَّه كانَ يقولُ: مَن هذا المقبُولُ منَّا فنُهنِّيه؟ ومَن هذا\nالمحرومُ منَّا فنعزِّيه؟\nأيُّها المقبولُ هنيئًا لكَ، أيها المردودُ جبرَ اللَّه مُصيبتك.\nليتَ شِعْرِي مَنْ فيه يُقْبَلُ مِنَا. . . فيُهَنَّأ يا خيبةَ المَرْدُودِ\nمَنْ تولَّى عنة بغيْرِ قَبولٍ. . . أرْغَمَ اللَّه أنفَهُ بِخِزيٍ شَديدِ\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>قوله تعالى: (أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢)</span>\nفي معنى الخراج قال بعضهم: هو المال الذي يجبى ويؤتى به لأوقات\nمحدودة، ذكره ابن عطية قال: وقال الأصمعي: الخراج الجُعْل مرة واحدة.\nوالخراج: ما ردد لأوقاتٍ ما.\nقال ابن عطية: هذا فرقٌ استعماليّ وإلا فَهُمَا في اللغة بمعنىً.\nوقد ورد في كتاب الله (أَمْ تَسْاَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ) .\nهذه قراءة ابن كثير ونافع وأبي عمرو وعاصم، وقرأ حمزة والكسائي\n(أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرَاجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ)\nوقرأ ابن عامر (خرجا) في الموضعين\nوقال تعالى في قصة ذي القرنين (فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا) .\nوقرئ (خراجا) أيضًا.","vol":"2","page":30},{"text":"قال ابن عباس - ﵄ -: (خَرْجًا) يعني: أجرًا.\nوقال أبو. عبيد: الخراج في كلام العرب إنما هو الغلة، ألا تراهم يُسَمُّونَ غَلةَ الأرضِ والدارَ والملوكَ خراجًا؛ ومنه حديث النبي - ﷺ - \"أنه قضي بالخراج بالضمان \"، وحديث:\n\"أن النبي - ﷺ - لما حجمه أبو طيبة كلَّم أهله فوضعوا عنه من خراجه \"\nفسمى الغلة: خراجًا.\nوقال الأزهري: الخراج: اسم لما يخرج من الفرائض\nفي الأموال، ويقع على القرية وعلى مال الفيء، ويقع على الجزية وعلى\nالغلة، والخراج المصدر. انتهى.\nوالجزية تسمى خراجًا.\nوقد كتب النبي - ﷺ - إلى قيصر كتابًا مع دِحْيَةَ يُخَيرَهُ\nبين إحدى ثلاث، منها: \"أن يقرَّ له بخراج يجري عليه \"\nوالحديث في مسند الإمام أحمد وغيره.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>قوله تعالى: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠)</span>\nقال اللَّه تعالى: (وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) .\nقال مجاهدٌ: البرزخُ: الحاجزُ بين الموتِ والرجوع إلى الدنيا.\nوعنه قالَ: هو ما بينَ الموتِ إلى البعثِ.\nقال الحسنُ: هي هذه القبورُ التي بينَكُم وبين الآخرةِ.\nوعنه قالَ: هي هذِهِ القبورُ التي تركضونَ عليها، لا يسمعونَ الصوتَ.\nوقال عطاءٌ الخراسانيّ: البرزخُ: مدةُ ما بينَ الدُّنيا والآخرةِ.","vol":"2","page":31},{"text":"وصلَّى أبو أمامةَ الباهليُّ على جنازةٍ فلمَّا وُضِعتْ في لحدِها، قال\nأبو أمامةَ: هذا برزخٌ إلى يومِ يبعثونَ.\nوقيل للشعبيِّ: ماتَ فلان، قال: ليسَ هو في الدُّنيا ولا في الآخرةِ، هو\nفي البرزخ.\nوسمعَ رجلًا يقولُ: ماتَ فلان أصبحَ من أهلِ الآخرةِ.\nقالَ: لا تقلْ: من أهلِ الآخرةِ، ولكنْ قل: من أهلِ القبورِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-192>قوله تعالى: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)</span>\nقالَ اللَّهُ تعالى: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ) .\nروى دراجُ عن أبي الهيثمِ، عن أبي سعيدٍ عن النبيِّ صلى اللَّه عليه وآله\nوسلم قالَ: (وَهُمْ فِيهَا كَالِحُون)، قالَ: \"تَشْويهِ النارُ، فتقلصُ شفتُهُ\nالعليا حتَّى تبلغَ وسطَ رأسه وتسترخي شفتُه السفلَى حتى تضربَ سرّتهُ \". خرَّجَه الإمام أحمدُ والترمذيُّ والحاكم وقالا: صحيح.\nوعن ابنِ مسعودٍ أنه قالَ في قولِه: (وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ)\nقالَ: ككلُوح الرأسِ النضيج، وعنه: ككلُوح الرأسِ المشيطِ بالنارِ - قد بدتْ أسنانهم وتقلصتْ شفاهُهُم.\nوعنه قالَ: ألم ترَ إلى الرأسِ المشيطِ بالنارِ وقد\nتقلصتْ شفتاهُ وبدتْ أسنانُه.\nوخرَّجَ الخلالُ في كتابِ \"السنةِ\" من حديثِ الحكم بنِ الأعرج عن","vol":"2","page":32},{"text":"أبي هريرةَ قال: يعظمُ الرجلُ في النارِ حتى يكونَ مسيرةَ سبع ليال، ضرسُهُ\nمثلُ أحدٍ، شفاهُهُم على صدورِهِم، مقبوحينَ يتهافتونَ في النارِ.\nقال أبو بكرِ بنِ عياس عن محمدِ بنِ سويد، كانَ لطاوس طريقانِ إذا رجعَ\nمن المسجدِ أحدُهُما فيها روَّاس، وكان يرجعُ إذا صلَّى المغربَ، فإذا أخذَ\nالطريقَ الذي فيه الروَّاس لم يستطعْ أن يتعشى، فقيلَ لهُ: فقالَ: إذا رأيتُ\nالرؤوسَ كالحةً لم أستطعْ آكلُ.\nقال أبو بكر: فذكرتُهُ لسريع المكيِّ، فقالَ: قد رأيتُهُ يقفُ عليهَا.\nوقالَ أبو غندرٍ الدمشقيُّ: كان أويس إذا نظرَ إلى الرؤوسِ المشويةِ يذكرُ\nهذه الآية: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ)، فيقعُ مغشيًا\nعليه حتى يظنَّ الناظرون إليه أنه مجنونٌ.\nخرَّجهُما ابنُ أبي الدنيا وغيرُه.\nوقال الأصمعيُّ: حدثنا الصقرُ بنُ حبيب قالَ: مرَّ ابنُ سيرين بروَّاسٍ قد\nأخرجَ رأسًا فغشي عليهِ.\n* * *","vol":"2","page":33},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>سُورَةُ النُّورِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ)</span>\nمن كانَ مستورًا لا يُعرفُ بشيءٍ مِنَ المعاصِي، فإذَا وقعتْ منه هفوةٌ، أو\nزلَّةٌ، فإنَّه لا يجوزُ كشفُها ولا هتكُها، ولا التَّحدُثُ بها، لأنَّ ذلك غِيبةٌ\nمحرَمةٌ، وهذا هو الذي وردتْ فيه هذه النُصوصُ، وفي ذلكَ قد قالَ اللَّهُ\nتعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) .\nوالمرادُ: إشاعةُ الفاحشةِ على المؤمنِ المستترِ فيمَا وقعَ منه، أو اتهِمَ به وهو\nبريءٌ منهُ، كما في قصَّةِ الإفْكِ.\nقالَ بعضُ الوزراءِ الصالحينَ لبعضِ من يأمرُ بالمعروفِ: اجتهدْ أن تستُرَ\nالعُصَاةَ، فإِنَ ظهورَ معاصِيهم عَيْبٌ في أهلِ الإسلامِ، وأوْلَى الأمورِ سترُ\nالعيوبِ.\nومثلُ هذا لو جاءَ تائبًا نادمًا، وأقرَّ بحَد لم يفسَّرْهُ، ولم يُستفسر، بل يُؤمَر\nبأنْ يرجعَ ويستُرَ نفسَهُ، كمَا أمر النبيُّ - ﷺ - ماعزًا والغامديةَ، وكما لم يستفسرِ الذي قال له: \"أصبْتُ حدًّا فأقمه عليَّ \".\nومثلُ هذا لو أُخذَ بجريمتِهِ، ولم يبلغ الإمامَ، فإنه يُشفع له حتَى لا يبلغَ\nالإمام.\nوفي مثلهِ جاءَ الحديثُ عَنِ النَّبيِّ - ﷺ -:\n\"أَقِيلوا ذوي الهيئاتِ عَثَراتهم \".","vol":"2","page":34},{"text":"خرَّجه أبو داودَ والنسائيُّ\nمن حديثِ عائشةَ - ﵂.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>قوله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ)</span>\nوقد أمر النبي - ﷺ - ببناءِ المساجدِ في الدُّورِ:\nأن تُنظَّفَ وتُطَيَّبَ، وسنذكرُهُ في موضع آخرَ - إن شاءَ اللَّهُ.\nوقد فُسِّر قولُ اللَّهِ ﷿: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ) .\nببنيانهَا وتطهيرهَا وتنزيههَا عمَّا لا يليقُ بهَا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>قوله تعالى: (قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (٥٣)</span>\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \": سمعتُ الوزير يقول في قوله تعالى:\n(قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ)، قال: وقع لي فيها ثلاثةُ أوجهٍ:\nأحدُها: أن المعنى: لا تقسموا واخرجوا من غير قسم، فيكون المحرك لكم\nإلى الخروج الأمر لا القسم، فإن من خرج لأجل قسمه ليس كمن خرج لأمر ربه.\nوالثاني: أنَّ المعنى: نحن نعلم ما في قلوبكم، وهل أنتم على عزم الموافقة","vol":"2","page":35},{"text":"للرسول في الخروج؛ فالقسم هاهنا: إعلام منكم لنا بما في قلوبكم.\nوهذا يدل منكم على أنكم ما علمتم أن اللَّه يطلع على ما في القلوب.\nوالثالث: أنكم ما أقسمتم إلا وأنتم تظنون أنا نتهمكم، ولولا أنكم في محل\nتهمة ما ظننتم ذلك فيكم.\nوبهذا المعنى وقع المتنبي فقال:\nوفي يمينك ما أنتَ وَاعِدُهُ. . . ما دَلَّ أنكَ في الميعادِ متهمُ.\n* * *","vol":"2","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-197>سُورَةُ الفُرْقَانِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-198>قوله تعالى: (أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)</span>\nقال ابن الجوزيِّ في \"المقتبس \": سمعمتُ الوزير يقولُ في قولِهِ تعالى:\n(أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ)، قال: العجبُ كلُّ العجبِ لجهلهِم\nحين أرادُوا أن يُلقى إليه كنزٌ أَوْ يكونَ لَهُ جنةٌ.\nولو فهموا علموا أن كلَّ الكنوزَ له وجميعَ الدنيا مِلْكُهُ.\nأو ليس قد قهرَ أرباب الكنوز، وحكم في جميع الملوك؛ وكان من تمام معجزته أن الأموال لم تفتح عليه في زمنه؛ لئلا يقول قائلٌ: قد جرت العادة بأن إقامة الدول، وقهرَ الأعداءِ بِكَثرةِ الأَمْوَالِ.\nفتمت المعجزةُ بالغلبة والقهرِ مِنْ غَيْرِ مالٍ، ولا كَثْرةِ أَعوانٍ، ثم فتحت الدنيا\nعلى أصحابِهِ، ففرقُوا ما جمعهُ الملوكُ بالشَّرَهِ، فأخرجوه فيما خلق له، لم\nيمسكوه إمساك الكافرين، ليعلموا الناسَ بإخراج ذلك المالِ: أن لنا دارًا سوى هذه، ومقرًّا غير هذا.\nوكان من تمام المعجزات للنبيِّ - ﷺ -:\nأنه لما جاءهم بالهدى فَلَمْ يقبلْ، سلَّ السيفَ على الجاحدِ، ليعلمهُ أن الذي ابتعثني قاهرٌ بالسيفِ بعد القهر بِالحجج.\nومما يقوي صدقَهُ أنَّ قيصرَ وكِبارَ الملوكِ لَم يوفقوا للإيمانِ به؛ لئلا","vol":"2","page":37},{"text":"يقولَ قائلٌ: إنما ظهرَ لأنَّ فلانًا الملكَ تعصبَ له فتقوَّى به، فبانَ أن أمرَهُ من\nالسماءِ لا بنصرةِ أهلِ الأرضِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>قوله تعالى: (وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)</span>\nقالَ اللَّهُ تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا)، وقالَ تعالى: (وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢) . ١٢\nوقال تعالى: (وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) .\nوالشهيق الصوت الذي يخرج من الجوف بشدة كصوتِ الحمارِ.\nقالَ الربيعُ بنُ أنسٍ: الشهيقُ في الصدرِ.\nوقالَ مجاهدٌ في قولهِ: (وَهِيَ تَفورُ) قال: تغلي بهم كما يغلي القدرُ.\nوقالَ ابنُ عباسٍ: تميزُ: تفرقُ، وعنه قال: يكادُ يفارقُ بعضُها\nبعضًا وتتفطرُ.\nوعن الضحاكِ: تميزُ.\nوقال ابنُ زيد: التميزُ: التفرقُ من شدةِ الغيظِ على\nأهلِ معاصِي اللَهِ ﷿، غضبًا له ﷿ وانتقامًا له.\nوخرج ابنُ أبي حاتمٍ من حديثِ خالدِ بنِ دريك عن رجل من الصحابةِ\nقالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"من تقوَّلُ عَليَّ ما لم أقل فليتبوء بين عيني جهنمَ مقعدًا\"\nقيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، وهل لها عينانِ؟\nقال: \"نعم، أو لم تسمعْ قول اللَّهِ ﷿:","vol":"2","page":38},{"text":"(إِذَا رَأَتْهم مِّن مَّكَان بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) \".\nوروى أبو يحيى القتاتُ عن مجاهد عن ابنِ عباسٍ قالَ: إن العبدَ ليجرُّ إلى\nالنارِ، فتشهقُ إليه شهقةَ البغلةِ إلى الشعير، ثم تزفرُ زفرةً لا يبقى أحدٌ إلا\nخافَ.\nخرَّجهُ ابنُ أبي حاتمٍ.\nوقال كعب: ما خلقَ اللَّهُ من شيءٍ، إلا وهوَ يسمعُ زفيرَ جهنم غدوةً\nوعشيةً، إلا الثقلينِ اللذينِ عليهما الحسابُ والعذابُ.\nخرَّجَه الجوزجانيّ.\nوفي \"كتابِ الزهدِ\" لهنادِ بنِ السريِّ عن مغيثِ بنِ سمي، قالَ:\nإنَّ لجهنمَ كلَّ يومٍ زفرتين يسمعُهما كلُّ شيءٍ، إلا الثقلينِ اللذينِ عليهما الحسابُ والعذابُ.\nوعن الضحاك قالَ: إن لجهنَّمَ زفرة يومَ القيامة لا يبقى ملكٌ مقرَّبٌ ولا\nنبيٌّ مرسلٌ إلا خرَّ ساجدًا يقولُ: رب نفسي نفسِي.\nوعن عبيدِ بنِ عميرٍ قالَ: تزفرُ جهنمُ زفرةً لا يبقى ملكٌ ولا نبيٌ إلا وقعَ\nلركبتيه، ترعدُ فرائسُهُ يقولُ: ربِّ نفسي نفسي.\nوروى ابنُ أبي الدُّنيا وغيرُه عن الضحاكِ قالَ: ينزلُ الملكُ الأعلَى في بهائه\nوملكِهِ، مجنبته اليسرى جهنمُ، فيسمعونَ شهيقها وزفيرهَا فيندُّون.\nوعن وهبِ بنِ مُنَبِّه قالَ: إذا سيرتِ الجبالُ فسمعتْ حسيسَ النارِ وتغيظَها\nوزفيرَها وشهيقَها، صرختِ الجبالُ كما تصرخُ النساءُ، ثم يرجعُ أوائلُها على\nأواخرِهَا، يدقُ بعضُها بعضًا.\nخرَّجهُ الإمامُ أحمد.","vol":"2","page":39},{"text":"وفي \"تفسيرِ آدمَ بنِ أبي إياس\" عن محمدِ بنِ الفضلِ عن عليِّ بنِ زيدِ بن\nجدعان، عن أبي الضُّحى، عن ابنِ عباسٍ قالَ: تزفرُ جهنمُ زفرةً، لا يبْقَى\nملكٌ ولا نبيٌّ مرسلٌ إلا جثا على ركبتيهِ حولَ جهنَّم، فتطيشُ عقولهُم فيقولُ\nاللَّهُ ﷿: ماذا أجبتُمُ المرسلينَ؟\nقالُوا: لا علمَ لنا، ثم تُردُّ عليهم عقولُهم فينطقونَ بحجتِهِم وينطقونَ بعذرِهِم.\nمحمدُ بنُ الفضلِ هو ابنُ عطيةَ متروكٌ.\nقال آدمُ: وحدثنا أبو صفوانَ عن عاصم بنِ سليمانَ الكوزيِّ عن ابنِ جريج\nعن عطاءٍ عن ابنِ عباسٍ (إِذَا رَأَتْهم مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا)\nالمكان البعيدُ، مسيرة مائة عامٍ، وذلكَ أنه إذا أُتيَ بجهنمَ تقادُ\nبسبعينَ ألف زمام يشدُّ بكلِّ زمامٍ سبعونَ ألفَ ملكٍ، ولو تركتْ لأتتْ على\nكُلِّ برٍ وفاجر، ثمَّ تَزفرُ زفرة لا يبقى قطرةٌ من دمع إلا بدرت.\nثم تزفرُ الثانيةُ فَتَتقَطِعُ القلوبُ من أماكنها تبلغُ اللهواتِ والحناجرَ\nوهو قولُه: (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الحَنَاجِرَ) .\nوعاصم الكوزيُّ ضعيف جدًّا.\nوقال الليثُ بنُ سعد عن عبيدِ اللَّهِ بن أبي جعفر: إنَّ جهنَّم لتزفرُ زفرةً\nتنشقُّ منها قلوبُ الظلمةِ، ثم تزفرُ أخرى فيطيرونَ في الأرضِ حتى يقعُوا على\nرؤوسِهِم.\nخرَّجهُ عبدُ اللَّهِ ابنُ الإمامِ أحمدَ.\nورَوى أسدُ بنُ موسى عن إبراهيمَ بنِ محمد عن صفوانَ بنِ سليم عن\nعطاءِ بنِ يسارِ عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بن العاصِ - مثلَه.\nوخرجَ أبو نعيم وغير من روايةِ عبدِ الرحمنِ بنِ حاطبٍ، قالَ: قالَ عمرُ - ﵁ - لكعبِ: خَوِّفْنَا، قالَ: والذي نفسِي بيده؛ إن النارَ لتقربُ يومَ القيامة لها زفيرٌ وشهيقٌ، حتى إذا دنتْ وقربتْ زفرت زفرةً، ما خلقَ اللَّهُ من نبي ولا شهيدٍ إلا وجبَ لركبتيهِ ساقطا،","vol":"2","page":40},{"text":"حتى يقولَ كل نبي وكلُّ صدِّيق وكلُّ شهيدٍ:\nاللهمَّ لا أكلفُكَ اليومَ إلا نفسِي، ولو كانَ لكَ يا ابنَ الخطابِ عملُ سبعينَ نبيًا لظننتَ أن لا تنجُو، قالَ عمرُ: واللَّه، إن الأمرَ لشديد.\nومن روايةِ شريح بنِ عبيدٍ قالَ: قالَ عمرُ لكعب: خَوِّفنا، قالَ: واللهِ\nلتزفرنَّ جهنمُ زفرةً، لا يبقَى ملك مقرَّب ولا غيرُهُ إلا خرَّ جاثيًا على ركبتيهِ، يقولُ: ربِّ نفسِي نفسِي، وحتى نبينا محمدٍ وإبراهيمَ وإسحاقَ - عليهمُ\nالسلامُ -، قال: فأبكَى القومَ حتى نشجُوا.\nوفي رواية مطرفِ بن الشخيرِ عن كعبٍ، قالَ: كنتُ عندَ عمرَ، فقالَ: يا\nكعبُ خوِّفنا، فقلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ، إنَّ جهنمَ لتزفرُ يومَ القيامة زفرةً لا\nيبقَى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خرَ ساجِدًا على ركبتيهِ، حتى إنً إبراهيمَ خليله - ﵇ - ليخرُّ جاثيًا ويقولُ: نفسِي نفسِي، لا أسألكُ اليومَ إلا نفسِي، قالَ: فأطرقَ عمرُ مليًّا، قالَ: قلتُ: يا أميرَ المؤمنينَ، أولستُم تجدونَ هذا في كتابِ اللَّهِ ﷿؟!\nقالَ عمرُ: كيفَ؛ قلتُ: يقولُ اللَه ﷿\nفي هذه الآيةِ: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١١١) .\nوكانَ سعيدُ الجرميُّ يقولُ في موعظتِهِ إذا وصفَ الخائفين: كأنَ زفيرَ النارِ\nفي آذانِهِم.\nوعن الحسنِ أنه قالَ في وصفِهم: إذا مرُّوا بآية فيها ذكرُ الجنة بكوا شَوْقًا.\nوإذا مرُّوا بآيةٍ فيهَا ذكرُ النارِ ضجوا صُراخًا، كأنَّ زفيرَ جهنًّم عندَ أصولِ\nآذانِهِم.","vol":"2","page":41},{"text":"وروى ابنُ أبي الدنيا وغيرُه عن أبي وائلٍ قالَ: خرجْنا معَ ابنِ مسعودٍ\nومعنا الربيعُ بنُ خُثَيم، فأتينَا على تنورٍ على شاطئ الفراتِ، فلمَّا رآهُ عبدُ اللَّهِ والنارُ تلتهبُ في جوفهِ قرأَ هذه الآيةَ (إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) إلى قوله: (ثُبُورًا)، فصعقَ الربيعُ بنُ خثَيمٍ فاحتملناه\nإلى أهلهِ، فرابطَهُ عبدُ اللَّهِ حتى صلَّى الناسُ الظهرَ فلم يُفقْ، ثم رابطَهُ إلى\nالعصرِ فلم يُفِقْ، ثم رابطَهُ إلى المغربِ فأفاقَ، فرجعَ عبدُ اللَّهِ إلى أهلهِ.\nومن روايةِ مسمع بنِ عاصم قالَ: بتُّ أنا وعبدُ العزيزِ بن سليمانَ وكلابُ\nابنُ جريٍّ وسلمانُ الأعرجُ على ساحلٍ من بعضِ السواحلِ، فبكَى كلاب\nحتى خشيتُ أن يموتَ، ثم بكى عبدُ العزيزِ لبكائِهِ ثم بكَى سلمانُ لبكائهِمَا.\nوبكيتُ - واللَّهِ - لبكائِهم لا أدْرِي ما أبكَاهُم، فلما كانَ بعدُ سألتُ عبدَ العزيزِ فقلتُ: يا أبا محمدٍ ما الذي أبكاك ليلتئذٍ؟\nقالَ: إنَي - واللَّهِ - نظرتُ إلى أمواج البحرِ تموجُ وتجيلُ، فذكرتُ أطباقَ النيرانِ وزفراتِها، فذلكَ الذي أبكاني.\nثم سألتُ كلابًا أيضًا نحوًا مما سألتُ عبدَ العزيز، ِ فواللَّهِ؛ لكأنّما\nسمعَ قصتَهُ، فقال لي مثلَ ذلكَ، ثم سألتُ سلمانَ الأعرجَ نحوًا مما سألتُهما.\nفقالَ لي: ما كانَ في القومِ شرّ منّي، ما كانَ بُكائي إلا لبكائِهم رحمةً لهم مما\nكانُوا يصنعونَ بأنفسِهِم - رحمهُمُ اللَّهُ تعالى.\n* * *","vol":"2","page":42},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-200>قوله تعالى (فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩) وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ </span>وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:\n(فَقَذ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ)، قال: المعنى: فقد كذبكم أصنامكم\nبقولكم؛ لأنكم ادعيتم أنها الآلهة وقد أقررتم أنها لا تنفع، فإقراركم يكذب\nدعواكم.\nفي قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ)، قال هو يدل على فضل هداية الخلق بالعلم، ويبين\nشرف العالم على الزاهد المنقطع؛ فإن النبي - ﷺ - كالطبيب، والطبيب يكون عِنْدَ المرضى، فلو انقطع عنهم هلكوا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>قوله تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُ</span>دْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ)\nوخرَّج النسائيّ من حديثِ أبي سعيد، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"إذا أسلمَ العبدُ","vol":"2","page":43},{"text":"فحَسُنَ إسلامُهُ، كتَبَ اللَّهُ له كُل حَسنة كانَ أزلفَها، ومحيت عنه كلُّ سيئة كان أزلفها، ثمَّ كانَ بعدَ ذلكَ القصاصُ، الحسنةُ بعشْر أمثالِها إلى سَبع مائةِ ضعف، والسيئةُ بمثلها إلا أن يتجاوزَ اللَّهُ \".\nوفي روايةٍ أخرى: \"وقيلَ لهُ: ائْتَنِفِ الْعَمَلَ \".\nوالمرادُ بالحسناتِ والسيئاتِ التي كانَ أزلَفَهَا: ما سبقَ منه قبلَ الإسلامِ.\nوهذا يدلُّ على أنه يُثابُ بحسناتهِ في الكفرِ إذا أسلمَ وتُمحى عنه سيئاتُه إذا\nأسلَمَ، لكن بشرطِ أن يحسُنَ إسلامُه، ويتقِي تلكَ السيئاتِ في حالِ إسلامِهِ.\nوقد نصَّ على ذلكَ الإمامُ أحمدُ.\nويدلُّ على ذلكَ ما في \"الصحيحينِ \" عن ابنِ مسعودٍ قال: قلنا:\nيا رسولَ اللَّهِ، أنؤاخذُ بما عملْنا في الجاهليةِ؟\nقالَ: \"أما مَنْ أحسنَ منكُم في الإسلامِ فلا يُؤاخذُ بِهَا، ومن أساءَ أُخِذَ بعملِهِ في الجاهليةِ والإسلام\".\nوفي \"صحيح مسلم \" عن عمرِو بنِ العاصِ قال للنبيِّ - ﷺ - لما أسلمَ: أريدُ أن أشترطَ، قالَ: \"تشترطُ ماذَا؟ \"\nقلتُ: أن يُغفرَ لِي.\nقالَ: \"أما عَلمتَ أنَّ الإسلامَ يهدمُ ما كانَ قبلَهُ؟ \".\nوخرَّجَهُ الإمامُ أحمدُ ولفظُه:\n\"إن الإسلامَ يجبُّ ما كانَ قبلَهُ منَ الذنوبِ \"\nوهذا محمولٌ على الإسلامِ الكاملِ الحسنِ، جمعًا بينَهُ\nوبين حديثِ ابنِ مسعودٍ الذي قبلَهُ.\nوفي \"صحيح مسلم \" أيضًا عن حكيم بنِ حزام قالَ: قلتُ:\nيا رسولَ اللَّهِ أرأيتَ أمورًا كنتُ أصنعُها في الجاهليةِ من صدقةٍ\nأو عتاقةٍ أو صلة رحم، أفيها أجرٌ؟","vol":"2","page":44},{"text":"فقالَ رسولُ اللَّه - ﷺ -:\n\" أسلمتَ على ما أسلفتَ من خيرٍ\"\nوفي روايةٍ لهُ: قالُ: فقلتُ: واللَّهِ؛ لا أدعُ شيئًا صنعتُه في الجاهليةِ إلا صنعتُ في الإسلام مثلَهُ.\nوهذا يدلُّ على أنَّ حسناتِ الكافرِ إذا أسلمَ يُثابُ عليهَا كما دلَّ عليه\nحديثُ أبي سعيدٍ المتقدِّمُ.\nوقد قيلَ: إن سيئاتهِ في الشركِ تبدَّلُ حسناتٍ، ويُثابُ عليها، أخذًا من\nقولهِ تعالى: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ) .\n\"وقد اختلفَ المفسرونَ في هذا التبديلِ على قولِين:\nفمنهُم مَنْ قالَ: هو في الدنيا، بمعنى: أنَّ اللَّه يُبَدِّلُ من أسلمَ وتابَ إليه\nبدلَ ما كان عليهِ من الكفرِ والمعاصِي: الإيمانَ والأعمالَ الصالحةَ.\nوحكَى هذا القولَ إبراهيمُ الحربيُّ في \"غريب الحديثِ \"\nعن أكثرِ المفسرينَ، وسمَّى منهم ابنَ عباسٍ، وعطاءً، وقتادةَ، والسُّديَّ، وعكرمةَ.\nقلتُ: وهو المشهورُ عن الحسنِ.\nقالَ: وقال الحسنُ وأبو مالكٌ وغيرُهما: هي في أهلِ الشركِ خاصةً، ليس\nهي في أهلِ الإسلامِ.\nقلتُ: إنما يصحُّ هذا القولُ على أنْ يكونَ التبديلُ في الآخرةِ كما سيأتِي.\nوأما إن قيلَ: إنه في الدنيا، فالكافرُ إذا أسلمَ والمسلمُ إذا تاب في ذلكَ سواءٌ، بل المسلمُ إذا تابَ فهو أحسنُ حالًا من الكافر إذا أسلمَ.","vol":"2","page":45},{"text":"قالَ: وقال آخرونَ: التبديلُ في الآخرةِ: جعلت لهم مكانَ كلِّ سيئةٍ حسنةً\nمنهم: عمرُو بنُ ميمون، ومكحولٌ، وابنُ المسيبِ، وعليٌّ بنُ الحسينِ، قالَ: وأنكرهُ أبو العاليةَ، ومجاهدٌ، وخالد سبلان، وفيه موضعُ إنكارٍ، ثم ذكرَ ما حاصلهُ: أنه يلزمُ من ذلكَ: أن يكونَ مَن كثرتْ سيئاتُهُ أحسن حالًا ممن قلَّتْ سيئاتُه، حيثُ يُعطى مكانَ كلِّ سيئةٍ حسنةً.\nثم قالَ: ولو قال قائل: إنما ذكرَ اللَّهُ أن يُبدلَ السيئاتِ حسناتٍ ولم يذكرِ العددَ كيفَ تبدَّل فيجوزُ أن معنى تبدَّلُ: أن من عملَ سيئةً واحدةً وتابَ منها تبدَّلُ مائةَ ألفِ حسنةٍ، ومن عملَ ألفَ سيئة أن تبدَّل ألفَ حسنةٍ، فيكونُ حينئذٍ مَنْ قلَّت سيئاتُهُ أحسنُ حالًا.\nقلتُ: هذا القولُ - وهو التبديلُ في الآخرةِ - قد أنكرَهُ أبو العاليةَ، وتلا\nقولَهُ تعالَى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا)، وردّه بعضُهم بقولِه تعالَى:\n(وَمَن يَعْمَلْ مِثقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)، وقولهِ تعالَى: (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩) .\nولكن قد أُجيبَ عن هذا: بأنَّ التائبَ يُوقفُ على سيئاتهِ؛ ثمَّ تبدَّلُ\nحسناتٍ، قالَ أبو عثمانَ النهديُ: إن المؤمنَ يُؤتَى كتابهُ في سَتْرٍ من اللَّه عزّ\nوجلّ، فيقرأُ سيئاتهِ، فإذَا قرأَ تغيَّر لها لونُه حتَّى يمرَّ بحسناتِهِ، فيقرؤُها فيرجعُ\nإليه لونُه، ثم ينظرُ فإذا سيئاتُه قد بُدلمتْ حسناتٍ، فعندَ ذلكَ يقولُ: (هَاؤُمُ\nاقرَءُوا كتَابِيَهْ) .\nورواهُ بعضُهم عن أبي عثمانَ عن ابنِ مسعودٍ، وقالَ بعضُهم: عن أبي\nعثمانَ عن سلمانَ.","vol":"2","page":46},{"text":"وفي \"صحيح مسلم \" من حديثِ أبي ذرٍّ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"إني لأعلمُ آخرَ أهلِ الجنَّةِ دُخولًا الجنة، وآخرَ أهلِ النارِ خروجًا منها، رجلٌ يُؤتَى بهِ يومَ القيامةِ فيقالُ: اعرضُوا عليه صِغارَ ذنوبهِ وارفعُوا عنه كبارها، فيعرضُ اللَّهُ عليه صغارَ ذنوبهِ.\nفيقالُ له: عملتَ يومَ كذا وكذا، كذا وكذا؛ وعملتَ يومَ طذا وطذا، كذا وكذا؛ فيقولُ: نعم، لا يستطيعُ أن يُنكرَ وهو مشفقٌ من كبارِ ذنوبِهِ أن تُعرضَ عليه، فيقالُ لهُ: فإنَّ لكَ مكانَ كلِّ سيئةٍ حسنةً، فيقولُ: يا ربِّ قد عملتُ أشياءَ لا أراها ها هنا\".\nقال: فلقد رأيتُ رسولَ اللَّه - ﷺ -\nضَحِكَ حتَّى بدتْ نواجذُه.\nفإذا بُدلت السيئاتُ بالحسناتِ في حقِّ من عوقِبَ على ذنوبهِ بالنارِ، ففي\nحق من مُحِيَ سيئاتُه بالإسلامِ والتوبةِ النصوح أوْلَى، لأنَّ محوَها بذلكَ أحبُّ\nإلى اللَّهِ من محوِها بالعقابِ.\nوخَرَّج الحاكم من طريقِ الفضلِ بنِ مُوسى، عن أبي العنبسِ عن أبيهِ.\nعن أبي هُريرةَ قالَ: قال رسولُ اللهِ - ﷺ -:\n\"ليتمنَّينَ أقوامٌ أنَّهم أكثرُوا من السيِّئاتِ \".\nقالوا: بِمَا يا رسولَ اللَّه؟\nقال: \"الذين بدَّلَ اللَهُ سيئاتهم حسناتٍ \".\nوخرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ من طريقِ سليمانَ أبي داود الزهريِّ عن أبي العنبسِ\nعن أبيه عن أبي هريرةَ - موقوفًا، وهو أشبهُ مِن المرفوع.\nويُروى مثلُ هذا عن الحسنِ البصريّ أيضًا، وهو يُخالف قولَه المشهور: إن\nالتبديلَ في الدنيا.\nوأما ما ذكره الحربي في التبديلِ، وأنَّ من قلَّت سيئاتُهُ يُزاد في حسناتهِ،","vol":"2","page":47},{"text":"ومن كثرتْ سيئاتُه يُقَلَّلُ من حسناتهِ، فحديثُ أبي ذرٍّ صريحٌ في ردِّ هذا، وأنه يُعطى مكانَ كلِّ سيئةٍ حسنةً.\nوأما قولُه: يلزمُ من ذلكَ أن يكونَ من كثرت سيئاتُه أحسنَ حالًا ممن قلَّت\nسيئاتُهُ، فيقالُ: إنما التبديلُ في حقِّ مَنْ ندمَ على سيئاته، وجعلَهَا نصبَ\nعينيهِ، فكلَّما ذكرَه ازدادَ خوفًا ووجلًا وحياءً من اللًّهِ، ومسارعةً إلى\nالأعمالِ الصالحةِ المكفرةِ كَمَا قالَ تعالى: (إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا)، وما ذكرناهُ كله داخلٌ في العمل الصالح، ومن كانتْ هذه حالُهُ.\nفإنَّه يتجرعُّ من مرارةِ الندمِ والأسفِ على ذنوبِهِ أضعاف ما ذاق من حلاوتها\nعند فعلها، ويصير كل ذنبٍ من ذنوبه سببًا لأعمالٍ صالحةٍ ماحيةٍ له، فلا\nيُستنكرُ بعد هذا تبديلُ هذه الذنوبِ حسناتٍ.\nوقد وردت أحاديثُ صحيحةٌ صريحةٌ في: أن الكافرَ إذا أسلم وحَسُنَ\nإسلامُه تبدَّلت سيئاتُه في الشِّرك حسناتٍ، فخرَّج الطبراني من حديثِ\nعبدِ الرحمنِ بنِ جبيرِ بنِ نفيرٍ عن أبي فروةَ شطبٍ: أنه أتى النبيَّ - ﷺ - فقالَ: أرأيتَ رجلًا عَمِلَ الذنوبَ كُلَّها، ولم يتركْ حاجةً ولا داجةً، فهل له مِنْ توبة؟\nفقالَ: \" أسلمتَ؟ \" قال: نَعم، قال: \"فافعل الخيراتِ، واتركِ السيئاتِ.\nفيجعلُها اللَهُ لك خيراتٍ كلَّها\".\nقالَ: وغَدَرَاتي وفَجَراتي؛ قالَ: \"نعم \".\nقال: فما زال يُكبِّرُ حتَّى توارَى.\nوخرَّجه من وجهٍ آخرَ بإسنادٍ ضعيف عن سلمةَ بنِ نفيل، عن النبيِّ - ﷺ -.\nوخرَّج ابنُ أبي حاتمٍ نحوَهُ من حديثِ مكحولٍ مرسلًا، وخرَّجَ البزار","vol":"2","page":48},{"text":"الحديثَ الأوَّل. وعندهُ: عن أبي طويلٍ شطبٍ الممدودِ: أنه أتى النبيَّ، فذكرَهُ وكذا خرَّجه أبو القاسم البغويُّ في \"معجمِهِ \"، وذكرَ: أن الصوابَ عن عبدِ الرحمنِ بن جُبيرِ بنِ نفيرٍ مرسلًا أنَّ رجلًا أتى النبيَّ - ﷺ -، طويل شَطْب، والشطبُ في اللغةِ: الممدودُ، فصحفه بعضُ الرواةِ، وظنَّه اسمَ رجل.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-202>قوله تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ)</span>\nقالَ اللَّهُ تعالى: (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ) .\n[قالَ البخاريُّ]: ومعنى الدعاء في اللغة: الإيمانُ.\nاعلم؛ أنَّ أصلَ الدعاءِ في اللغة: الطلبُ، فهو استدعاءٌ لما يطلبة الداعِي.\nويُؤْثِرُ حصولَه.\nفتارةً يكونُ الدعاءُ بالسؤالِ من اللَّهِ ﷿ والابتهالِ إليه، كقول\nالداعِي: اللهمَّ اغفرْ لي، اللَّهمَّ ارحمْنِي.\nوتارةً يكونُ بالإِتيانِ بالأسبابِ التي تقتضي حصولَ المطالبِ، وهو الاشتغالُ\nبطاعةِ اللَّهِ وذكرهِ، وما يجب من عبدهِ أن يفعَله، وهذا هو حقيقةُ الإيمانِ.\nوفي \"السنن الأربعةِ\"، عن النعمانِ بنِ بشيرٍ، عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ:\n\"إنَّ الدُّعاءَ هو العبادة، ثم قرأ: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠) \".","vol":"2","page":49},{"text":"فما استجلبَ العبدُ من اللَّهِ ما يحبُ، واستدفعَ منه ما يكره، بأعظمَ من\nاشتغالِهِ بطاعةِ اللَّهِ وعبادتهِ وذكرِه، وهو حقيقةُ الإيمانِ، فإن اللَّهَ يدفع عنِ\nالذين آمنوا.\nوفي \"الترمذيِّ \"، عن أبي سعيدٍ، عن النبيّ - ﷺ -، قال: \"يقُولُ الربُّ ﷿: مَن شغلَهُ القرآنُ وذكرِي عن مسألتِي أعطيتهُ أفضلَ ما أُعطِي السائِلِينَ \".\nوقال بعضُ التابعينَ: لو أطعتمُ اللَّهَ ما عصاكُم.\nيعني: ما منعكُم شيئًا تطلبونَهُ منه.\nوكان سفيانُ يقولُ: الدعاءُ تركُ الذنوبِ.\nيعني: الاشتغالَ بالطَّاعَةِ عن المعصية.\nوأما قولُه تعالى: (مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكمْ)، فيه للمفسرينَ قولان:\nأحدهما: أن المرادَ: لولا دعاؤُكم إيَّاه.\nفيكونُ الدعاءُ بمعنى الطاعةِ، كما ذكرنَا.\nوالثاني: لولا دعاؤُه إياكُم إلى طاعتِهِ، كمَا في قولهِ تعالَى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، أي: لأدعوهُم إلى عِبادَتي.\nوإنما اختلف الفسرون في ذلكَ لأنَّ المصدرَ يضافُ إلى الفاعلِ تارةً، وإلى\nالمفعولِ أُخرى.","vol":"2","page":50},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-203>سُورَةُ الشُّعَراء</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) </span>وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)\nوقد استدلَّ إبراهيمُ الخليلُ - ﵇ - بتفرُّدِ اللَّهِ بهذه الأمورِ على أنَّه\nلا إلهَ غيرُهُ، وأنَّ كُلَّ ما أشركَ معهُ باطل، فقالَ لقومِه:\n(أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢) .\nفإنَّ من تفرَّد بخلقِ العبد وبهدايَته وبرزقِهِ وإحيائِهِ وإماتتِهِ في الدُّنيا، وبمغفرةِ ذنوبِهِ في الآخرةِ مستحقَّ أن يتفرًّ دَ بالإلهيةِ والعبادةِ\nوالسؤالِ والتضرعُّ إليه والاستكانةِ لهُ.\nقالَ اللَّهُ ﷿: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠) .\n* * *","vol":"2","page":51},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-205>قوله تعالى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)</span>\nالقلبُ واللسانُ همَا عبارةٌ عن الإنسانِ؛ كما يُقالُ: الإنسانُ بأصغريهِ.\nقلبهِ، ولسانهِ.\nوخرَّجَ ابنُ سعدٍ من روايةِ عروةَ بنِ الزبرِ مرسلًا أَنَّ النبي - ﷺ - لما رأى أَشجَّ عبدَ القيسِ، وكانَ رجُلًا دميمًا، فقالَ للنبيِّ - ﷺ -: \"إنه لا يُستقى في مُسُوكِ الرجال، إنما يُحتاجُ من الرجلِ إلى أصغريه؛ لسانه، وقلبه.\nوقال المتنبي:\nلسانُ الفتى نصفٌ ونصفٌ فؤادُهُ. . . ولم يبقَ إلا صورةَ اللحم والدمِ\nفمن استقامَ قلبُه ولسانُه استقامَ شأنُهُ كلُّه، فالقلبُ السليمُ هوَ الذي ليسَ\nفيه محبةُ شيءٍ مما يكرهُهُ اللَّهُ، فدخلَ في ذلكَ: سلامتُهُ من الشركِ الجليِّ.\nوالخفي، ومن الأهواءِ والبدع، ومن الفسوقِ والمعاصِي؛ كبائرِهَا وصغائرِهَا\nالظاهرةِ والباطنةِ: كالرياءِ والعجبِ والغلِّ والغشِّ والحقدِ والحسدِ وغيرِ ذلكَ\nوهذا القلبُ السليمُ هو الذي لا ينفعُ يومَ القيامةِ سواهُ؛ قالَ تعالى:\n(يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) .\nإذا سلمَ القلبُ لم يسكنْ فيه إلا الربُّ.\nفي بعضِ الآثارِ، يقولُ اللُّه: \"وما وسعنِي سمائِي ولا أَرضِي، ولكن وسعنِي قلبُ عبدِي المؤمنِ \".\n* * *","vol":"2","page":52},{"text":"وقوله - ﷺ -:\n\"ألا وإنَّ في الجسدِ مضغةً، إذا صَلَحت، صلحَ الجسدُ كلّه، وإذا\nفسدتْ فسدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهي القلبُ \".\nفيه إشارةٌ إلى: أنَّ صلاحَ حركاتِ العبدِ بجوارِحِه، واجتنابِه للمحرَّماتِ واتِّقائِهِ للشُّبهاتِ بحسبِ صلاح حركةِ قلبهِ.\nفإنْ كانَ قلبُه سليمًا، ليسَ فيه إلا محبةُ اللَّهِ ومحبةُ ما يُحبُّه اللَّهِ، وخشيةُ\nاللَّهِ وخشيةُ الوقوع فيما يكرهُهُ، صلحَتْ حركاتُ الجوارح كلها، ونشأ عن ذلكَ اجتنابُ المحرَّماتِ كلِّها، وتوقِّي الشبهاتِ حذرًا مِنَ الوقوع في\nالمحرَّماتِ.\nوإن كانَ القلبُ فاسِدًا، قدِ استولى عليه اتِّباعُ هواه، وطلبُ ما يحبُه، ولو\nكرهَهُ اللَّهُ، فسدتْ حركاتُ الجوارح كلِّها، وانبعثتْ إلى كل المعاصِي\nوالمشتبهاتِ بحسبِ اتِّباع هوى القلبِ.\nولهذا يقالُ: القلبُ ملكُ الأعضاء، وبقيَّةُ الأعضاءِ جنودُه، وهم مع هذا\nجنودٌ طائعونَ لهُ، منبعثونَ في طاعتِهِ، وتنفيذِ أوامر، لا يخالفونَهُ في شيءٍ\nمن ذلكَ، فإنْ كانَ الملكُ صالحًا كانتْ هذه الجنودُ صالحةً، وإن كان فاسدًا\nكانت جنوده بهذه المثابةِ فاسدةً، ولا ينفع عندَ اللَّهِ إلا القلبُ السليمُ، كما\nقالَ تعالَى: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) .\nوكان النبيُّ - ﷺ - يقولُ في دعائِهِ:\n\"أسألكَ قلبًا سليمًا\".\nفالقلبُ السليمُ: هو السالمُ من الآفاتِ والمكروهاتِ كلِّها، وهوَ القلبُ","vol":"2","page":53},{"text":"الذي ليسَ فيه سوى محبةِ اللَّهِ وما يحبُّهُ اللَّهُ وخشية اللَّهِ، وخشية ما يُباعدُ\nمنه.\nوفي \"مسندِ الإمامِ أحمدَ\" عن أنس عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ: \"لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتى يستقيمَ قلبُه \".\nوالمرادُ باستقامةِ إيمانِه: استقامةُ أعمالِ جوارِحِه، فإنَّ أعمالَ الجوارح لا\nتستقيمُ إلا باستقامةِ القلبِ، ومعنى استقامةِ القلبِ: أن يكونَ ممتلئًا مِنْ محبَّةِ\nاللَّهِ، ومحبَّةِ طاعتهِ، وكراهةِ معصيتهِ.\nقال الحسنُ لرجلٍ: داوِ قلبكَ \" فإنَّ حاجةَ اللَّهِ إلى العبادِ صلاحُ قلوبِهم.\nيعني: أنَّ مرادَهُ منهُم ومطلوبَهُ صلاحُ قلوبِهِم، فلا صلاحَ للقلوبِ حتَّى\nتستقرَّ فيها معرفةُ اللَّهِ وعظمتُه ومحبّتهُ وخشيتُهُ ومهابتُه ورجاؤه والتوكلُ\nعليه، وتمتلئ مِنْ ذلك، وهذا هو حقيقةُ التوحيدِ، وهو معنى\n\"لا إله إلا اللَّهُ \"، فلا صلاحَ للقلوبِ حتَّى يكونَ إلهُها الذي تألهُه وتعرفُه وتحبه وتخشاه هو اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، ولو كانَ في السماواتِ والأرضِ إلهٌ يُؤَله سِوى اللَّهِ، لفسدتْ بذلكَ السماواتُ والأرضُ، كما قالَ تعالَى: (لوْ كَان فيهِمَا آلِهَةٌ إِلأَ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) .\nفعلم بذلكَ أنَّه لا صلاحَ للعالَمِ العُلويِّ والسُّفليِّ معًا حتى تكون حركاتُ\nأهلِهَا كلها للَّهِ، وحركاتُ الجسدِ تابعةً لحركةِ القلبِ وإرادته، فإن كانتْ\nحركتُه وإرادتُه للَّهِ وحدَه، فقدْ صَلحَ وصلحتْ حركاتُ الجسدِ كلها، وإنْ\nكانتْ حركةُ القلبِ وإرادتُهُ لغيرِ اللَّهِ تعالَى، فسدَ، وفسدتْ حركاتُ الجسدِ","vol":"2","page":54},{"text":"بحسبِ فسادِ حركةِ القلبِ.\nوروى الليثُ عن مجاهدٍ في قولهِ تعالَى: (وَلا تُشْرِكوا بِهِ شَيْئًا) .\nقال: لا تحبُّوا غيرِي.\nوفي \"صحيح الحاكم \" عن عائشةَ - ﵂ - عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"الشِّركُ أخفَى من دبيبِ الذرِّ على الصفا في الليلةِ الظَّلماءِ، وأدناهُ: أن تُحِبَّ على شيءٍ من الجورِ، وأن\nتُبغضَ على شيء من العدلِ، وهل الدِّينُ إلا الحبُّ والبغضُ؟\nقال اللَهُ ﷿: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) \".\nفهذا يدل على أنَّ محبةَ ما يكرهُهُ اللَّهُ، وبغضَ ما يُحبه اللَّهُ متابعة\nللهوى، والموالاةُ على ذلك والمعاداةُ عليه من الشركِ الخفيِّ، ويدل على ذلكَ قولُه تعالَى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ)، فجعلَ\nعلامةَ الصدقِ في محبته اتباعَ رسولِهِ، فدل على أن المحبةَ لا تتمُّ بدونِ\nالطاعةِ والموافقةِ.\nقال الحسنُ: قال أصحابُ رسول اللَّهِ - ﷺ -: يا رسول اللَّهِ، إنَّا نُحِبُّ ربنا حبًّا شديدًا.\nفأحبَّ اللَّهُ أن يجعل لحبِّه علمًا، فأنزل اللَّهُ هذه الآيةَ:\n(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) .\nومن هنا قال الحسنُ: اعْلم أنكَ لن تُحبَّ اللَّهَ حتى تُحبَّ طاعتَه.\nوسُئلَ ذو النونِ: متى أُحِبُ ربِّي؟\nقال: إذا كانَ ما يُبغضُهُ عندكَ أمرَّ من الصبرِ.\nوقال بشرُ بن السَّري: ليسَ من أعلامِ الحبِّ أن تحبَّ ما يُبغضُه حبيبُك.","vol":"2","page":55},{"text":"وقال أبو يعقوبَ النهرجوريُّ: كلُّ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ ﷿.\nولم يُوافقِ اللَّهَ في أمر، فدعواهُ باطلٌ.\nوقالَ رُويمٌ: المحبةُ: - الموافقةُ في كل الأحوالِ.\nوقالَ يحيى بنُ معاذٍ: ليسَ بصادقٍ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ ولم يحفظْ حدودَهُ.\nوعن بعضِ السلفِ قالَ: قرأتُ في بعضِ الكتبِ السالفةِ من أحبَّ\nاللَّهَ لم يكنْ عندهُ شيءٌ آثرَ من مرضاتِهِ، ومن أحبَّ الدنيا لم يكنْ عندَهُ شيءٌ\nآثرَ من هوى نفسهِ.\nوفي \"السننِ \" عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"مَنْ أعطَى للهِ، ومنعَ للهِ، وأحبَّ للَّهِ، وأبغضَ للهِ، فقد استكملَ الإيمانَ \" ومعنى هذا أن حركاتِ القلبِ والجوارح إذا كانتْ كلُّها للَّهِ فقدْ كمُلَ إيمانُ العبدِ بذلكَ ظاهرًا وباطِنًا، ويلزمُ من صلاح حركاتِ القلبِ صلاحُ حركاتِ الجوارح، فإذا كانَ القلبُ صالحًا ليسَ فيه إلا إرادةُ اللَّهِ وإرادةُ ما يريدُه لم تنبعثِ الجوارحُ إلا فِيما يُريدُه اللَّهُ، فسارعتْ إلى\nما فيه رضاهُ وكَفَّتْ عما يكرَهُهُ، وعمَّا يُخشى أن يكونَ مما يكرههُ وإن لم\nيتيقنْ ذلكَ.\nقال الحسنُ: ما نظرتُ ببصرِي، ولا نطقتُ بلسانِي، ولا بطشتُ بيدي.\nولا نهضتُ على قدمِي، حتى أنظرَ على طاعةٍ أو على معصيةٍ؛ فإن كانتْ\nطاعةٌ تقدمتُ، وإن كانتْ معصيةٌ تأخَّرتُ.\nوقال محمدُ بنُ الفضلِ البَلخيُّ: ما خطوتُ منذ أربعينَ سنةً خطوةً لغيرِ\nاللهِ ﷿.\nوقيلَ لداودَ الطائىِّ: لو تنحيتَ من الظل إلى الشمسِ؟\nفقالَ: هذه خُطًا لا أدرِي كيفَ تكتبُ.","vol":"2","page":56},{"text":"فهؤلاءِ القومُ لما صلحتْ قلوبُهم، فلم يبقَ فيها إرادةٌ لِغير اللَّهِ، صلحتْ\nجوارحُهم، فلم تتحرَكْ إلا للهِ ﷿، وبما فيهِ رضاهُ، واللَّهُ أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>قوله تعالى: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)</span>\nوقولُه: \"إني لأرى منْ خلفي كما أرى منْ بين يدي \".\nهو فضيلة للنبيِّ - ﷺ - خصَّهُ اللَّهُ بها.\nفكانَ ينظرُ ببصيرتِهِ كما ينظرُ ببصر، فيرى من خلفَه كمَا\nيرَى من بينَ يديهِ.\nوقد فسَّرهُ الإمامُ أحمدُ بذلكَ في روايةِ ابنِ هانئ، وتأولَ عليه قولَهُ\nتعالَى: (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) .\nكما روى ابنُ أبي نجيح، عن مجاهدٍ في قوله:\n(الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) .\nأنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ يرى أصحابَهُ في\nصلاتهِ من خلفِهِ، كما يَرى من بين يديهِ.\nوتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ: أن اللَّه تعالى يَرَى نبيَّه\n- ﷺ - حين يقومُ إلى صلاتهِ.\nويَرَى تقلبَ نظره إلى الساجدينَ معه في صلاتهِ.\nوقال الأثرمُ: قلتُ لأحمدَ: قولُ النبيِّ - ﷺ -:\n\"إني لأراكم من وراء ظهرِي \"؟\nقال: كانَ يرى من خلفَهُ كما يَرى من بينَ يديهِ.\nقلتُ: إن إنسانًا قالَ لي: هو","vol":"2","page":57},{"text":"في ذلكَ مثل غيره، وإنما كانَ يراهُم كما ينظرُ الإمامُ عن يمينهِ وشمالهِ؛ فأنكرَ\nذلكَ إنكارًا شديدًا.\n* * *","vol":"2","page":58},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-207>سُورَةُ النَّمْلِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>قوله تعالى: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (١٩)</span>\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \" سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:\n(أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ) .\nقال: هذا من تمام برّ الوالدين.\nكأنَّ هَذا الوَلَدَ خَافَ أَنْ يكون وَالِدَاهُ قَصَّرا فِي شُكْرِ الرَّبِّ\n﷿، فسأل اللَّه أن يُلْهِمَهُ الشُّكْرَ على ما أنعم به عليه وعليهما؛ ليَقُوم\nبما وَجَبَ عَلَيْهِما من الشُّكر إن كانا قَصَّرا.\n***\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>قوله تعالى: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْر مِّنْهَا)</span>\nوقال ابنُ عيينةَ: \"لا إله إلا اللَّهُ لأهلِ الجنةِ كالماءِ الباردِ لأهلِ الدُّنيا\".\nوكذلكَ ترنُّمهم بالقرآنِ وسماعهُم لهُ، وأعلاه: سماعُه من اللَّهِ ﷻ\nوتقدستْ أسماؤُه، فأينَ هذا من تلاوةِ أهلِ الدنيا وذكرِهم؛ وأمَّا سائرُ\nالعباداتِ: فما كانَ منها فيه مشقةٌ على الأبدانِ فإنَّ أهلَ الجنةِ قد أُسقطَ ذلك عنْهم؛ وكذلكَ ما فيه نوعُ ذلٍّ وخضوع كالسجودِ ونحوهِ.","vol":"2","page":59},{"text":"وأما ما في العباداتِ من النعيم الحاصلِ بها لأهلِ المعرفةِ في الدُّنيا، فإنَّه\nيحصلُ في الجنةِ أضعافًا مع راحةِ البدنِ من مشقةِ التكليفِ التي في الدُّنيا\nفتجتمعُ لهم راحةُ القلبِ والبدنِ على أكملِ الوجوهِ.\nوهذا مثلُ الصلاةِ، فإن العارفينَ في الدُّنيا إنما يتنعمونَ بما فِيهَا منَ الناجاةِ\nوآثارِ القربِ، وما يرِدُ عليهم من الوارداتِ في تلاوةِ الكتابِ ونحوِ ذلكَ من\nنعيم القلوبِ، وربما يستغرقونَ به عن الشعورِ بتعبِ الأبدانِ فهذا القدرُ الذي\nحصلَ لهم به التنعمُ في الدنيا يتزايدُ في الجنةِ بلا ريبٍ، لاسيَّما في أوقاتِ\nالصلواتِ، فإنَّ أكملَهُم من ينظرُ إلى وجهِ اللَّهِ ﷿ كلَّ يومٍ مرتينِ، بكرةً وعشيةً، في وقتِ صلاةِ الصبح وصلاةِ العصرِ، لمِا جاءَ في حديثِ ابنِ عمَر مرفوعا وموقوفًا، وإلى ذلك أشارَ النبيُّ - ﷺ - بالمحافظة على هاتينِ الصلاتينِ عقيبَ ذكرِهِ رؤيةَ الربِّ سبحانَهُ في حديثِ جريرٍ البجلي.\nفالنعيمُ الحاصلُ لأهلِ الجنَّةِ بالرؤيةِ والمخاطبةِ في هذينِ الوقتينِ أكملُ مما\nكانَ حاصلًا في الدنيا، وكذلكَ صلاةُ الجمعةِ: فإنهم يجتمعونَ في وقتِها في\nيومِ المزيدِ ويتجلَّى لهم سبحانَهُ ويحاضرُهم محاضرةً، وكذلكَ في العيدينِ.\nفهذا؛ أكملُ مما كانَ يحصلُ لهم في الدنيا في صلاتِهِم من آثارِ القربِ\nوحلاوةِ مع راحةِ البدنِ ونعيمهِ أيضًا.\nفتبينَ بهذا أن نعيمَ الجنةِ أكملُ من نعيم","vol":"2","page":60},{"text":"الدنيا مطلقًا، وسواءٌ في ذلكَ نعيمُ الأبدانِ بالأكلِ والشربِ والجماع، ونعيمُ\nالقلوبِ والأرواح بالمعارفِ والعلومِ والقربِ والاتصالِ والأنسِ والمشاهدةِ.\nفظهرَ بهذا أن قولَهُ تعالى: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منْهَا)، هو على\nظاهره من غيرِ حاجةٍ إلى تأويلٍ ولا تكلُّفٍ فإنَّ كثيرًا من المفسرينَ فسروا\nالحسنةَ بكلمةِ التوحيدِ والجزاءَ عليهم بالجنةِ، ثم استشكلُوا تفضيلَ الجنَّةِ على\nالتوحيدِ، وبما ذكرناه يزولُ الإشكالُ.\nويتبين؛ أن التوحيدَ الذي في الجنةِ أكملُ من التوحيدِ الذي في الدنيا وهو\nجزاءٌ له، وكذلكَ المعرفةُ والمحبةُ والشوقُ أيضًا، فقد جاءَ في بعضِ أحاديثِ\nيومِ المزيدِ: أنَّهم ليسُوا إلى شيءٍ أشوقَ منهم إلى يومِ الجمعةِ، وسبب بهذا\nالغلطِ الذي أشرنَا إليه من قولِ من قالَ:\nإنَّ العارفينَ لا يشتاقونَ إلى اللَّهِ ﷿ في الدُّنيا لأنَّهم يشهدونهُ بقلوبِهِم حاضرًا، وتباشرُ قلوبَهُم أنوارُه ويتجلَّى لها فيستأنسونَ بِهِ ويطمئنونَ إليهِ. وهذا؛ وإنْ كانَ نُقِلً عن بعضِ السلفِ المتقدمينَ فهو أيضًا غلطٌ، ولعلَهُ صدرَ من قائِلهِ في حالِ استغراقهِ في مشاهدة ما شاهدَهُ فظنَّ أنه ليسَ وراءَ ذلك مطلبٌ، وهذا كما قالَ بعضُهم:\n\"إنه تمرُّ بي أوقاتٌ أقولُ: إنْ كانَ أهلُ الجنةِ في مثلِ ما أنا فيه، إنَّهم لِفي\nعيشٍ طيب \".\nومعلومٌ أنَّ أهلَ الجنةِ في أضعافِ أضعافِ ما هو فيه من النعيم واللذةِ.\nولكنَّه لما استعظمَ ما حصلَ له من النعيم ظنَّ أنه ليس وراءَهُ شيءٌ، وعند\nالتحقيقِ يتبينُ أنَّ ما حصلَ في الدنيا للقلوبِ من تجلِّي أنوارِ الإيمان يدلُّ على\nعظمةِ ما يحصلُ في الجنةِ، وليسَ بينهما نسبةٌ فيتزايدُ بذلكَ الشوقُ إلى ما\nوراءَه، ولهذا كان النبيُّ - ﷺ - يسألُ ربه الشوقَ إلى لقائِهِ، مع أنَّه أَكملُ الخلقِ مشاهدةً ومعرفةً، وكانَ يقولُ في الوصالِ:\n\"إني لستُ كهيئتكُمْ، إنِّي أظَل عِندَ ربِّي يُطعمُني ويسقِيني \".","vol":"2","page":61},{"text":"ويشيرُ إلى ما تجلَّى لقلْبه من آثارِ القرب والأنسِ بما\nيقوِّيةِ ويغذِّيهِ ويُغْنِيهِ عنِ الطعامِ والشرابِ. ً\n* * *\nوإنَّما شرعَ اللَهُ إقامَ الصَّلاةِ لذكرِه، وكذلكَ الحجَّ والطَّوافَ.\nوأفضلُ أهلِ العباداتِ: أكثرهم للَّهِ ذكرًا فِيها، فهذا كلُّه ليسَ من الدنيا المذمومةِ، وهو المقصودُ من إيجادِ الدُّنيا، وأهلِها، كمَا قال تعالى:\n(وَمَا خَلَقْتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) .\nوقد ظنَّ طوائفُ مِنَ الفقهاءِ والصُّوفيَّةِ أنَّ ما يُوجدُ في الدنيا من هذه\nالعباداتِ أفضلُ ممَّا يُوجدُ في الجنَّة مِنَ النَّعيم، قالُوا: لأنَّ نعيمَ الجنَّةِ حظُّ\nالعبدِ، والعباداتُ في الدُّنيا حقُّ الربِّ، وحقُّ الربِّ أفضلُ من حظِّ العبد.\nوهذا غلطٌ، ويقوِّي غلطهم قولُ كثيرٍ منَ المفسِّرين في قوله تعالى:\n(مَن جَاءَ بِالحسَنَةِ فَلَهُ خَيْر مِّنْهَا)، قالُوا: الحسنةُ: لا إله إلا اللَّه، وليس\nشيء خيرًا منها. ولكن الكلام على التَّقديم والتَّأخير.\nوالمراد: فله منها خيرٌ، أي: له خيرٌ بسببها ولأجلها.\nوالصَّوابُ: إطلاقُ ما جاءت به نصوصُ الكتابِ والسنةِ، أنَّ الآخرةَ خيرٌ\nمنَ الأُولى مطلقًا.\nوفي \"صحيح الحاكم \" عن المُستوردِ بن شدَّادٍ، قالَ: كنَّا عندَ النبي - ﷺ -، فتذاكرُوا الدُّنيا والآخرةَ، فقالَ بعضُهم: إنَّما الدنيا بلاغٌ للآخرةِ، -","vol":"2","page":62},{"text":"وفيها العملُ، وفيها الصَّلاةُ، وفيها الزكَاةُ.\nوقالتْ طائفةٌ منهم: الآخرةُ فيها الجنَّةُ، وقالوا ما شاءَ اللَّهُ.\nفقالَ رسولُ اللَّه، - ﷺ -:\n\"ما الدُّنيا في الآخرةِ إلا كما يمشي أحدُكم إلى اليمِّ، فأدخلَ أصبعَهُ فيه، فما خرجَ منه فهو الدّنيا\".\nفهذا نصٌّ بتفضيلِ الآخرةِ على الدُّنيا، وما فيها من الأعمالِ.\nووجه ذلك: أنَّ كمالَ الدُّنيا إنما هو في العلم والعملِ، والعلمُ مقصودُ\nالأعمالِ، يتضاعفُ في الآخرةِ بما لا نسبةَ لما في الدّنيا إليه، فإنَّ العلمَ أصلُه\nالعلمُ باللهِ وأسمائهِ وصفاتهِ، وفي الآخرةِ ينكشفُ الغطاءُ، ويصيرُ الخبرُ\nعيانًا، ويصيرُ علمُ اليقينِ عينَ اليقينِ، وتصيرُ المعرفةُ باللَّهِ رؤيةً له ومشاهدةً.\nفأينَ هذا مما في الدنيا؟\nوأما الأعمالُ البدنيةِ، فإن لها في الدنيا مقصدينِ:\nأحدهما: اشتغالُ الجوارح بالطَّاعةِ، وكدُّها بالعبادةِ.\nوالثاني: اتِّصالُ القلوبِ باللَّه وتنويرُها بذكرِه.\nفالأولُ؛ قد رُفعَ عن أهلِ الجنَّة، ولهذا رُوي أنَّهم إذا همّوا بالسجودِ للَّه\nعند تجلِّيه لهُم يقالُ لهم:\nارفعوا رؤوسكُم فإنَّكم لسْتُم في دارِ مجاهدةٍ.\nوأما المقصودُ الثاني؛ فحاصل لأهلِ الجنَّةِ على أكملِ الوُجُوه وأتمِّها، ولا\nنسبةَ لما حصلَ لقلوبِهِم في الدُّنيا من لطائفِ القُرْبِ والأنسِ والاتًّصالِ إلى ما\nيُشاهدونه في الآخرةِ عيانًا، فتتنعَّمُ قلوبُهم وأبصارُهم وأسماعُهم بقرب اللَّهِ.\nورؤيته \" وسماع كلامهِ، لا سيَّما في أوقاتِ الصلوات في الدّنيا، كالجُمع\nوالأعيادِ، والمقرَّبون منهم يحصُلُ ذلك لهم كلَّ يوم مرَّتينِ بكرةً وعشيًا في\nوقتِ صلاةِ الصبح وصلاةِ العصرِ.","vol":"2","page":63},{"text":"ولهذا، لمَّا ذكَر النَّبيُّ - ﷺ - أنَّ أهلَ الجنةِ يرونَ ربَّهم، حضَّ عقيبَ ذلكَ على المحافظةِ على صلاةِ العصرِ وصلاة الفجرِ؛ لأنَّ وقتَ هاتين الصَّلاتينِ وقتٌ لرؤيةِ خواصِّ أهلِ الجنةَ ربَهم وزيارتهم لهُ، وكذلكَ نعيمُ الذِّكرِ وتلاوةُ القرآن لا ينقطعُ عنهُم أبدًا، فيُلهمونَ التَّسبيحَ كَما يُلهمونَ النَّفسَ.\nقال ابنُ عيينة: لا إله إلا اللَّه لأهلِ الجنَّةِ كالماءِ الباردِ لأهلِ الدُّنيا.\nفأينَ لذَّةُ الذكَرِ للعارفينَ في الدُّنيا مِنْ لذَّتهم بهِ في الجنَّةِ؟!.\nفتبيَّن بهذا أن قولَهُ تعالَى:: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ منْهَا) .\nعلى ظاهرِه، فإنَّ ثوابَ كلمةِ التَوحيدِ في الدُّنيا أن يصِلَ صاحبُها إلى قولها\nفي الجنَّةِ على الوجهِ الذي يختصُّ به أهلُ الجنَّةِ.\nوبكلِّ حال، فالذي يحصُلُ لأهلِ الجنة مِن تفاصيلِ العلم باللَّه وأسمائهِ\nوصفاتهِ وأفعالهِ، ومن قُربهِ ومشاهدتِهِ ولذةِ ذكرِه هو أمرٌ لا يمكنُ التَّعبيرُ عن\nكُنْهِهِ في الدُّنيا، لأنَّ أهلَها لم يُدركوه على وجهِهِ، بل هو ممَّا لا عينٌ رأتْ.\nولا أُذنٌ سمعتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ، واللَّهُ تعالى المسئول أن لا يحرمنا\nخير ما عنده بشر ما عندنا، بمنِّه وكرمِه ورحمته، آمين.\n* * *","vol":"2","page":64},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>سُورَةُ القَصَصِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) </span>قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:\n(مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأتِيكُم بِضِيَاء أَفَلا تَسْمَعُونَ)، وفي الآية التي تليها\n(أَفَلا تبْصِرُونَ)، قال: إنما ذكر السماع عند ذكر الليل والإبصار\nعند ذكر النهار؛ لأن الإنسان يدرك سمعه في الليل أكثر من إدراكه بالنهار.\nويرى بالنهار أكثر مما يرى بالليل.\nقال المبرد: سلطان السمع في الليل، وسلطان البصر في النهار.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>قوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ)</span>\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:\n(وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لمَنْ آمَنَ):\nقال: إيثار","vol":"2","page":65},{"text":"ثواب الآجل على العاجل حالة العلماء، فمن كان هكذا فهو عالم.\nومن آثر العاجل على الآجل فليس بعالم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>قوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)</span>\nمدحَ اللَّهُ تعالَى في كتابِه منْ لا يُريدُ العلوَّ في الأرضِ ولا الفسادَ، فقالَ:\n(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا) .\nوروى ابنُ جريرٍ بإسنادٍ فيه نظر عن على - ﵁ -، قالَ: إنَّ الرجلَ ليعجبهُ من شراكِ نعلهِ أن يكونَ أجودَ من شراكِ صاحبهِ، فيدخلَ في قولهِ: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣) .\nوكذا رُويَ عن الفضيلِ بنِ عياضٍ في هذه الآيةِ.\nقالَ: لا يُحِبُّ أن يكونَ نعلُه أجودَ من نعلِ غيرِه، ولا شراكُهُ أجودَ مِنْ\nشراك غيره.\nوقد قيل: إن هذا محمولٌ على أنه أرادَ الفخرَ على غيرِه لا مجرَّدَ\nالتجملِ، قال عكرمةُ وغيرُه من المفسرينَ في هذه الآيةِ: العلوُّ في الأرضِ:\nالتكبُّر، وطلبُ الشرفِ والمنزلةِ عندَ ذي سلطانِها.\nوالفسادُ: العملُ بالمعاصِي.\nوقد وردَ ما يَدُلُّ على أنه لا يأثمُ مَنْ كره أن يفوقَه أحد من الناس في\nالجمالِ، فخرَّج الإمامُ أحمدُ - ﵀ - والحاكم في \"صحيحهِ \" من","vol":"2","page":66},{"text":"حديث ابنِ مسعودٍ - ﵁ - قالَ: أتيتُ النبيَّ - ﷺ - وعندُه مالكُ بنُ مرارةَ الرَّهاويُّ، فأدركتُه وهو يقولُ: يا رسول اللَّه، قد قُسمَ لي من الجمالِ ما ترى، فما أحبُّ أحدًا من النَّاسِ فضلني بشِراكين فما فوقَهُما، أليسَ ذلكَ هو من البغي؟\nفقالَ: \"لا، ليسَ ذلك بالبغْي، ولكنَّ البغيَ مَنْ بطرَ - أو قال: سفه - الحقَّ وغمط الناسَ \".\nوخرَّج أبو داود من حديثِ أبي هريرة - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - معناه، وفي حديثه: \" الكبرُ \" بدل \" البغى \".\nفنفى أن تكونَ كراهتُه لأن يفوقَهُ في الجمالِ بغيًا أو كبرًا، وفسَّر الكبرَ\nوالبغيَ ببطرِ الحقِّ، وهو التكبُّر عليه، والامتناعُ من قبوله كبرًا إذا خالفَ\nهواهُ.\nومن هنا قالَ بعض - السلفِ: التواضعُ: أن تقبلَ الحقَّ من كلِّ من جاءَ به، وإن كانَ صغيرًا، فمن قبلَ الحقَّ ممَّن جاءَ به، سواءٌ كانَ صغيرا أو كبيرًا\nوسواءٌ كان يحبُّه أو لا يحبُّه، فهو متواضعٌ، ومن أبى قبُولَ الحقِّ تعاظُمًا\nعليه، فهو متكبِّرٌ.\nوغمصُ الناسِ: هو احتقارُهم وازدراؤُهم، وذلك يحصُلُ\nمِنَ النَّظرِ إلى النَّفسِ بعينِ الكمالِ، وإلى غيرهِ بعينِ النَّقصِ.\n* * *","vol":"2","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-214>سُورَةُ الرُّومِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>قوله تعالى: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)</span>\nقالت بعضُ العارفاتِ من السلف: مَنْ عملَ للهِ على المُشاهدةِ، فهو\nعارفٌ، ومن عملَ على مشاهدةِ اللَّه إَيَّاه فهو مخلصٌ.\nفأشارتْ إلى المقامينَ اللذين تقدَّم ذكرهُما:\nأحدَهما: مقامُ الإخلاصِ، وهو: أن يعملَ العبدُ على استحضارِ مُشاهدةِ\nاللَّهِ إياهُ، واطّلاعِهِ عليهِ، وقربِهِ منهُ، فإذا استحضرَ العبدُ هذا في عملِهِ.\nوعَملَ عليه، فهو مخلص للَّه، لأنَّ استحضارَهُ ذلكَ في عملهِ يمنعُهُ من\nالالتفاتِ إلى غيرِ اللَّه وإرادتِهِ بالعملِ.\nوالثاني: مقامُ المشاهدةِ، وهو: أن يعملَ العبدُ على مقتضى مشاهدتِهِ للَّهِ\nتعالى بقلبِهِ، وهو أن يتنوَّرَ القلبُ بالإيمانِ، وَتَنْفُذُ البصيرةُ في العرفان، حتَّى\nيصيرَ الغيبُ كالعيانِ.\nوهذا هو حقيقةُ مقامِ الإحسانِ المشارِ إليه في حديثِ جبريلَ ﵇.\nويتفاوت أهلُ هذا المقامِ فيه بحسبِ قوةِ نفوذِ البصائرِ.\nوقد فسَّر طائفةٌ مِنَ العُلماءِ المثلَ الأعْلى المذكورَ في قولهِ ﷿: (وَلَهُ\nالْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)، بهذا المعنى، ومثلُه: قولُه تعالى:\n(اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ)،","vol":"2","page":68},{"text":"والمرادُ: مثلُ نورِه في قلبِ المؤمنِ، كذا قاله أُبيُّ بنُ كعبٍ وغيرُه منَ السَّلف.\nوقد سبقَ حديثُ: \"أفضلُ الإيمانِ أن تعلمَ أنَّ اللَّه معكَ حيثُ كنت \".\nوحديثُ ما تزكيةُ المرءِ نفسه؛، قال:\n\"أن يعلمَ أنَّ اللَّهَ معه حيثُ كانَ \".\nوخرَج الطبرانيُّ من حديثِ أبي أُمامةَ عن النَّبيِّ - ﷺ - قال: \"ثلاثة في ظلِّ اللَّهِ يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه: رجل حيثُ توجَّه عَلِمَ أنَّ اللَّه معه \"، وذكر الحديث.\nوقد دلَّ القرآنُ على هذا المعنى في مواضِعَ متعدده، كقوله تعالى:\n(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) .\nوقولِه تعالى: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كنتُمْ) .\nوقولِه: (مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا) .\nوقولِه: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) .\nوقولِه: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) .\nوقولِه: (وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) .\n* * *\nوبهذا فُسِّر المثلُ الأعلَى المذكورُ في قولهِ تعالى:\n(وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ) .","vol":"2","page":69},{"text":"ومثلُه: قولُه تعالى: (\nاللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥) .\nقال أبيُّ بنُ كعبٍ وغيرُه من السلفِ: مَثَلُ نورِه في قلبِ المؤمنِ.\nفمن وصلَ إلى هذا المقامِ فقد وصلَ إلى نهايةِ الإحسانِ، وصارَ الإيمانُ\nلقلبهِ بمنزلةِ العيانِ، فعرفَ ربَّه، وأنسَ به في خلوتهِ، وتنعَّمَ بذكره ومناجاتهِ\nودعائه، حتَّى ربَّما استوحشَ من خلقهِ.\nكما قالَ بعضُهم: عجبتُ للخليقة، كيفَ أنستْ بسواكَ؟!\nبل عجبتُ للخليقةِ كيف استنارت قلوبُها بذكرِ سواك؟!.\nوقيلَ لآخرَ: أما تستوحشُ؟\nقال: كيفَ أستوحشُ، وهو يقولُ: أنا جليسُ من ذكرني؟!.\nوقيل لآخرَ: أما تستوحشُ وحدَك؟\nقالَ: ويستوحشُ مع اللَّهِ أحدٌ؟!\nوكان حبيب أبو محمدٍ يخلُو في بيتِهِ، ويقولُ: من لم تقرَّ عينُه بكَ فلا\nقرَت عينُه، ومن لمْ يأنسْ بكَ فلا أنسَ.\nوقال الفضيلُ: طوبَى لمن استوحشَ من الناسِ وكان اللَّه جليسَه. \"\nوقال معروفٌ لرجلٍ: توكلْ على اللَّهِ، حتَّى يكونَ جليسَك وأنيسَك\nوموضعَ شكواكَ.","vol":"2","page":70},{"text":"وقال ذو النونِ: علامةُ المحبينَ للَّهِ: أن لا يأنسُوا بسواهُ، ولا يستوحشُوا\nمعهُ، ثم قالَ: إذا سكنَ القلبَ حبُّ اللَّه أنسَ باللَّه؛ لأن اللَّهَ أجلُّ في\nصدورِ العارفينَ أن يحبُّوا غيرَه.\n* * *\nثبتَ في \"الصحيحينِ \" و\"السننِ \" و\"المسانيدِ\" من غيرِ وجه أن جبريلَ -\n﵇ - سألَ النبيَّ - ﷺ - عن الإحسانِ، فقالَ النبيُّ - ﷺ -:\n\"الإحسانُ: أنْ تعبدَ اللَّهَ كأنكَ تراهُ، فإن لم تكنْ تراهُ فإنهُ يراكَ \".\nوقال بعضُ العارفينَ من السلف: \"منْ عملَ للَّهِ على المشاهدةِ فهو عارف.\nومنْ عملَ على مشاهدةِ اللَّهِ إياه فهو مخلِصٌ\".\nفهذان مقامان: أحدهما: الإخلاصُ، وهو أن يعملَ العبدُ على استحضارِ\nمشاهدةِ اللَّهِ إياه، واطلاعِهِ عليه وقربِهِ منه، فإذا استحضَر العبدُ ذلكَ في\nعملِهِ، وعملَ على هذا المقامِ فهو مخلصٌ للَّه، لأنَّ استحضارَهُ ذلكَ يمنعُهُ من\nالالتفاتِ إلى غيرِ اللَّهِ وإرادتهِ بالعملِ.\nوالثاني: المعرفةُ التي تستلزمُ المحبةَ الخاصةَ، وهو: أن يعملَ العبدُ على\nمشاهدةِ اللَّهِ بقلبهِ، وهو أنْ يتنورَ قلبُه بنورِ الإيمانِ وتنفذَ بصيرتُه في العرفانِ.\nحتَّى يصيرَ الغيبُ عنده كالعيانِ، وهذا هو مقامُ الإحسانِ المشارُ إليه في\nحديثِ جبريلَ - ﵇ -، ويتفاوتُ أهلُ هذا المقامِ فيه بحسبِ قوةِ نفوذِ البصائرِ.\nوقدْ فسَّرَ طائفة من العلماءِ المثلَ الأعلى المذكورَ في قولِهِ تعالى:","vol":"2","page":71},{"text":"(وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ)، بهذا\nومثلُه قولُه تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَل نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ) الآية، وقد فسَّرها أبيُّ ابنُ كعبٍ وغيرُه من السلفِ بأنَّ المرادَ:\nمثلُ نورِ اللَّهِ في قلبِ المؤمنِ.\nومِن هذا حديثُ حارثةَ المشهورُ لما قالَ للنبي - ﷺ -: \"وكأنَّي أنظر إلى عرشِ ربِّي بارِزًا؛ وكأنِّي أنظرُ إلى أهلِ الجنةِ يتزاورونَ فيها، وإلى أهلِ النارِ يتعاوونَ فِيها\" فقال النبيُّ - ﷺ -:\n\"عرفتَ فالزمْ، عبدٌ نوَّرَ اللَهُ الإيمانَ في قلبهِ \".\nوهذا الحديثُ مروي مرسلًا، ورُويَ مسندًا متَّصِلًا لكن من وجوهٍ ضعيفةٍ.\nوخطبَ عروةُ إلى ابنِ عمرَ ابنتَهُ وهما في الطوافِ فلم يجبْهُ بشيءٍ، ثم رآهُ\nبعدَ ذلك فاعتذرَ إليه وقال: \"كنَا فى الطوافِ نتخايلُ اللَّه بين أعينِنا\".\nخرَّجَّهُ أبو نُعيمٍ وغيرُه.\nويتولَّدَ من هذينِ المقامينِ للعارفينَ مقامُ الحياءِ من اللَّهِ - ﷿ -، وقد\nأشارَ النبيُّ - ﷺ - إلى ذلكَ في حديث بهزِ بنِ حكيم عن أبيه عن جده أنه سئلُ عن كشفِ العورةِ خاليًا؟\nفقال: \"اللهُ أحَقُّ أنْ يُستحيَا منهُ \"\nوقد ندبَ النبي - ﷺ - إلى دوامِ استحضارِ معيةِ اللَّهِ وقربِهِ وإلى الحياء منه بذلكَ في غيرِ حديثٍ.\nكما دلَّ عليه قولُه تعالى: (وَهُوَ مَعَكمْ أَيْنَ مَا كَنتُمْ) الآية.\nوقوله تعالى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ) .\nوخرَّج البزار من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن معاويةَ الغاضريِّ أنَّ رجلًا قالَ:","vol":"2","page":72},{"text":"يا رسولَ اللَّهِ، ما تزكيةُ المرءِ نفسَهُ؟\nقالَ: \"أن يعلمَ أنَّ اللَّه حيثُ كانَ معهُ \".\nوخرجَ الطبرانيُّ من حديثِ عبادةَ بنِ الصامتِ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قالَ:\n\"أفضلُ الإيمانِ: أنْ تعلمَ أنَّ اللَّه معكَ حيثُ كنتَ\".\nوبإسناد فيه نظرٌ من حديثِ أبي أمامةَ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"ثلاثةٌ فِي ظِلِّ اللَّهِ تعالى يوْم لا ظل إلا ظلُّهُ:\nرجُلٌ حيثُ توجَّهَ علمَ أنَّ اللَّه معهُ \" إلخ.\nومن حديثِ سعيدِ بنِ يزيدَ الأزدي أنه قال للنبيِّ - ﷺ -: أوصِني، قال: \"أُوصِيكَ أنْ تستَحِي منَ اللَّه كمَا تستَحِي رَجُلًا صالحًا مِنْ صالحِي قومِكَ \".\nورويناه بإسناد فيه ضعفٌ من حديثِ أبي أمامةَ أن النبي - ﷺ - قال: \"اسْتَحِ مِنْ اللَّه استحياؤُكَ مِنْ رجُلينِ مِنْ صالحِي عشيرتكَ هُما معكَ لا يُفارقانِكَ \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ </span>وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)\n[قال البخاري]: باب: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) .\nقال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١)","vol":"2","page":73},{"text":"فأمره بإقامةِ وجهِهِ، وهو إخلاصُ قصدِه وعزمِه وهمِّه للدينِ الحنيفِ، وهوَ\nالدينُ القيِّم، وهو فطرةُ اللَّهِ التي فطرَ العبادَ عليها، فإنَّ اللَّهَ ركَب في قلوبِ\nعبادِه كلِّهم قبولَ توحيدِه والإخلاصِ لَه، وإنَّما يغيرهم عن ذلك تعليمُ منْ\nعلمهم الخروج عنه.\nولمَّا كان الخطابُ له - ﷺ - لم تدخل فيه أمتُهُ معه قالَ بعدَ ذلكَ: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ)، فجعلَ ذلكَ حالًا له ولأمتِهِ، وهو إنابتُهُم إليه.\nويعني به: رجوعَهم إليهِ، وأمرهم بتقواه، والتقوى تتضمنُ فعلَ جميع الطاعاتِ وتركَ المعاصِي والمخالفاتِ.\nوخصَّ من ذلكَ إقامَ الصلاةِ، فلم يذكرْ من أعمالِ الجوارح باسمِهِ الخاصِ\nسواها، والمرادُ بإقامتها: الإتيانُ بها قائمةً على وجهِها التامِّ، وفي ذلكَ دليلٌ\nعلى شرَفِ الصلاةِ وفضلها، وأنها أهمُّ أعمالِ الجوارح.\nومن جملة إقامتِهَا المأمورِ به: المحافظةُ على مواقيتِهَا، فمن صَلَّى الصلاةَ\nلغير مواقيتِهَا التي وَقَّتها اللَهُ فلم يُقم الصلاةَ، بل ضيَّعها وفرَّط فيها وسَها\nعنها.\nقال ابنُ عبَّاسٍ في قوله تعالى: (الَّذِينَ يقِيمونَ الصَّلاةَ) .\nقال: يقيمون الصلاةَ بفرضِهَا.\nوقال قتادة: إقامةُ الصلاةِ؛ المحافظةُ على مواقيتها ووضوئِها،","vol":"2","page":74},{"text":"ورُكُوعِها وسجُودِها.\nوقال مُقاتل بنُ حيَّان: إقامتُها: المحافظةُ على مواقيتِهَا، وإسباغُ الطهورِ\nفيها، وتمامُ ركوعِها وسجودِها، وتلاوةُ القرآنِ فيها، والتشهدُ، والصلاةُ على النبيِّ - ﷺ -، فهذا إقامتُها.\nخرَّجه كلَّه ابنُ أبي حاتمٍ.\nولهذا مدَحَ سبحانهُ الذين هُم على صلاتِهم يحافظونَ والذينَ هم على\nصلاتِهم دائمونَ، وقد فسَّره ابنُ مسعودٍ وغيرُه بالمحافظةِ على مواقيتهَا، وفسَّره بذلك مسروق والنخعيُّ وغيرُهما.\nوقيل لابنِ مسعودٍ: إن اللَّهَ يكثر ذكرَ الصلاةِ في القرآنِ: (الَّذينَ هُمْ عَلَى\nصَلاتِهِم دَائِمونَ)، و(وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ)؟\nقال: ذاكَ على مواقيتِها.\nقيل لهُ: ما كنَّا نرَى ذلكَ إلا على تركها؟\nقال: تركُها الكفرُ.\nخرَّجه ابنُ أبي حاتم ومحمدُ بنُ نصرٍ المروزي وغيرُهما.\nوكذلك فسَّرَ سعدُ بنُ أبي وقاص ومسروق وغيرُهما السَّهوَ عن الصلاةِ\nبالسهوِ عن مواقيتها.\nورُويَ عن سعدٍ مرفوعًا، والموقوفُ أصحُّ.","vol":"2","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-217>قوله تعالى: (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)</span>\nقال اللَّهُ تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا) .\nوقالَ تعالى: (مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) .\nقال بعضُ السلفِ: في القبرِ، يعني: أن العملَ الصالحَ يكونُ مِهَادًا\nلصحابِه في القبرِ، حيث لا يكونُ للعبدِ من متاع الدنيا فراشٌ ولا وسادٌ ولا\nمهادٌ، بل كلُّ عاملٍ يفترشُ عملَهَ ويتوسَّده من خير أو شرٍّ.\n* * *","vol":"2","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-218>سُورَةُ لُقْمَانَ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ)</span>\nفأمَّا تحريمُ الغناءِ: فقد استُنبطَ من القرآنِ من آياتِ متعدّدة.\nفمن ذلكَ: قولُ اللَّهِ ﷿:\n(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ) الآية.\nقالَ ابن مسعود - ﵁ -: هوَ - واللَّهِ - الغناء.\nوقال ابنُ عباسِ: هو الغناءُ وأشباهُه، وفسَّره أيضًا بالغناءِ خَلقٌ من التابعينَ منهُم: مجاهد وعكرمةُ والحسنُ وسعيدُ بنُ جبير وقتادةُ والنَّخعيُ وغيرُهم، وقال مجاهد في قولِهِ تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ):\nقالَ: الغناءُ والمزاميرُ.\nوقالَ ابنُ عباس - ﵄ - في قولِهِ تعالى: (وَأَنتُمْ سَامِدُونَ)\nقال: هو الغناءُ - بالحِمْيَريةِ.\nوقال بعضُ التابعينَ في قولِهِ تعالى: (وَإِذَا مَروا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)\nقالَ: إن اللغوَ هنا: الغناءُ.\nوعن أبي أمامَة عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"لا تبيعُوا القَيْناتِ، ولا تشتروهُنَّ، ولا تُعلموهُنَّ، ولا خير في تجارة فيهنَّ، وثمنهُن حَرامٌ.\nفي مثلِ هذا أنزلت هذه الآيةُ: (وَمِنَ الناسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيتِ) الآية\".","vol":"2","page":77},{"text":"خرَّجَه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ من روايةِ عبيْدِ اللَّهِ بن زحر عن عليِّ بن يزيد\nعن القاسم عن أبي أمامةَ، وقال: قد تكلمَ بعضُ أهلِ العلمِ في عليِّ بنِ يزيدَ\nوضعَّفهُ، وهوَ شاميّ.\nوذكرَ في كتابِ \"العللِ \" أنه سَأل البخاريَّ عن هذا الحديثِ فقالَ:\nعليٌّ بنُ يزيدَ ذاهبُ الحديثِ، ووثّقَ عبيدَ اللَّهِ بنَ زحرٍ والقاسمَ\nابنَ عبدِ الرحمنِ، وخرَّجه محمدُ بنُ يحيى الهمذانيُّ الحافظُ الفقيهُ الشافعيّ\nفي \"صحيحِهِ \"، وقالَ: عبيدُ اللَّهِ بن زحر: قال أبو زرعةَ: لا بأسَ به صَدوقٌ.\nقلتُ: عليٌّ بنُ يزيدَ لم يتفقوا علي ضَعْفِهِ.\nبل قالَ فيه أبو مُسْهرٍ - وهوَ من بلدِهِ وهو أعلمُ بأهلِ بلدِهِ من غيرِهِم -\nقالَ فيه: ما أعلمُ فيه إلا خيرًا.\nوقال ابنُ عديً: هو في نفسهِ صالحٌ، إلا أنْ يروي عنه ضعيفٌ فيُؤتَى من قبلِ\nذلكَ الضعيفِ.\nوهذا الحديثُ قد رواه عنه غيرُ واحدٍ من الثقاتِ.\nوقد خرَّجَ الإمامُ أحمدُ من روايةِ فرج بنِ فضالةَ عن علي بنِ يزيدَ عن القاسم عن أبي أمامةَ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"إن اللَّه بعثَني رحمةً وهدًى للعالمينَ، وأمرَني أن أمحقَ المزاميرَ والبرابِطَ والمعازفَ والأوثانَ \":\nوذكرَ بقيةَ الحديثِ، وفي آخرِه: \"ولا يحلُّ بيعُهُنَّ، ولا شراؤهن، ولا تعليمُهن، ولا تجارةٌ فيهنَّ، وثمنُهنَ حرامٌ\".\nيعني: الضاربات.\nوفرجُ بنُ فضالةَ مختلفٌ فيه أيضًا.\nووثقه الإمامُ أحمدُ وغيرُه.\nوخرَّجَ الإسماعيليُّ وغيرهُ، من حديث عمرَ بنِ الخطابِ - ﵁ - عن النَّبي - ﷺ - قالَ:\n\"ثمنُ المغنيةِ حرامٌ، وغناؤُها حرامٌ \" َ.\nوإسنادُه كلُّهم ثقاتٌ متفقٌ عليهِم.\nسوى يزيدَ بنِ عبدِ الملكِ النوفليِّ.\nفإنه مُختلفٌ في أمرِه.\nوخرَّجَ حديثَه هذا محمدُ بنُ يحيى الهمذاني في صحيحهِ وقال: في النفسِ منْ يزيدَ بنِ عبدِ الملكِ.","vol":"2","page":78},{"text":"مع أن ابن معين قالَ: ما كانَ به بأسٌ.\nوبوَبَ الهمذانيُ هذا في \"صحيحِهِ \" على: تحريمِ بيع المغنياتِ وشرائِهنَّ.\nوهو من أصحابِ ابنِ خزيمةَ\nوكانَ عالمًا بأنواع العلومِ. وهو أولُ منْ أظهرَ مذهبَ الشافعيِّ بهمذانَ واجتهدَ في ذلكَ بمالِهِ ونفسِهِ.\nوكانَ وفاتُه سنةَ سبع وأربعينَ وثلاثمائةٍ - رحمه اللَّه تعالى -.\nوخرَّجَ في بابِ تحريمِ ثمنِ المغنيةِ من روايةِ أبي نعيم الحلبيِّ عن ابنِ\nالمباركِ عن مالكٍ عن ابنِ المنكدرِ عن أنسٍ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"من قعدَ إلى قينةٍ يستمعُ منها، صُبَّ في أذنيهِ الآنُكُ يومَ القيامةِ\".\nوقال: أبو نُعيمٍ الحلبيُّ اسمه عبيدُ بنُ هشامٍ.\nقلتُ: قد وثقه أبو داودَ وقالَ: إنه تغيَّر بآخرةٍ.\nوقد أنكرَ عليه أحاديثَ تفردَ بها، منها هذا الحديثُ.\nوفي النهي عن بيع المغنياتِ أحاديثُ أُخرُ عن عليٍّ وعائشةَ - ﵄ - وغيرِهما، وفي أسانيدِهَا مقالٌ.\nوروى عامرُ بنُ سعدٍ البجليُّ قال: دخلتُ على قرظةَ بنِ كعبٍ وأبي مسعودٍ\nالأنصاريِّ في عُرْس، فإذا جواري يتغنينَ، فقلتُ: أنتم أصحابُ محمدٍ وأهلُ\nبدر، ويُفعلُ هذا عندكُم؟!\nقال: اجلسْ إن شئْتَ واسمعْ، وإن شئتَ فاذهبْ؛ فإنَّه قد رُخِّصَ لنا في اللهوِ عندَ العرسِ.\nخرَّجَه النسائيُّ والحاكم وقال: صحيح على شرطِهما.\nوالرخصةُ في اللهوِ عند العرسِ تدلُّ على النهيِّ عنهُ في غيرِ العُرسِ، ويدل\nعليه قولُ النبيِّ - ﷺ - في حديثِ عائشةَ - ﵂ - المتفقِّ عليه في \"الصحيحينِ:\n\" لمَّا دخلَ عليها وعندَها جاريتانِ تغنيانِ وتدفانِ.\nفانتهرهُما أبو بكر الصِّديقُ - ﵁ -،","vol":"2","page":79},{"text":"وقالَ: مَزمورُ الشيطانِ عندَ رسولِ اللَّه - ﷺ -؟!\nفقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"دعهُما، فإنها أيامُ عيدٍ\".\nفلم يُنكرْ قولَ أبي بكرٍ - ﵁ -.\nوإنّما علَّل الرخصةَ بكونهِ في يومِ عيدٍ؛ فدلَّ على أنَّه يُباح في أيامِ\nالسرورِ: كأيامِ العيدِ، وأيامِ الأفراح: كالأعراسِ وقدومِ الغُيَّابِ، ما لا يُباحُ في غيرِها من اللهوِ.\nوإنما كانتْ دفوفُهم نحوَ الغرابيلِ وغناؤُهم بإنشادِ أشعارِ\nالجاهليةِ في أيامِ حروبهِم وما أشبهَ ذلكَ.\nفمن قاسَ على ذلكَ سماعَ أشعارِ الغزلِ مع الدفوفِ المصلصلةِ، فقدْ أخطأ\nغايةَ الخطأ، وقاسَ مع ظهورِ الفرقِ بين الفرع والأصلِ.\nوقال ابنُ مسعودٍ - ﵁ -:\n\" الغناءُ يُنبتُ النفاقَ في القلبِ، كما ينبتُ الماءُ البقل \".\nوقد رُوي عنه مرفوعًا.\nخرَّجَه أبو داود في بعضِ نسخ السنن.\nوخرَّجَه ابنُ أبي الدنيا والبيهقيُّ وغيرُهما.\nوفي إسنادِ المرفوع من لا يُعرفُ، والموقوفُ أشبهُ.\nوأما تحريمُ آلاتِ الملاهِي: فقد تقدَّم عن مجاهدٍ أنَّه أدخلَها في صوتِ\nالشيطانِ المذكورِ في قولِ اللَّهِ تعالى: (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهم بِصَوْتِكَ) .\n* * *","vol":"2","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-220>قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)</span>\nوأما قول جبريلَ: \"أخبرني عن الساعةِ؟\nفقال: ما المسئولُ عنها بأعلمَ منَ السائلِ \".\nفمعناه: أن الناسَ كلَّهم في وقتِ الساعةِ سواءٌ، وكلّهم غيرُ عالمينَ به على\nالحقيقةِ.\nولهذا قال: \"خمسٌ لا يعلمُهنَّ إلا اللَهُ \"، ثم تلا: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ)\nالآية.\nوهذه مفاتيحُ الغيبِ، الذي لا يعلمُها إلا اللَّهُ.\nوقد جاءَ عن ابنِ مسعود:\n\"أن نبيَّنا أوتِيَ علمَ كلِّ شيءٍ سوى هذه الخمسِ\".\nورُوي ذلك مرفوعًا من حديثِ ابنِ عمرَ.\nوكلاهُما في \"مسندِ الإمامِ أحمدَ\".\nوذُكرَ عندَ عَمرِو بنِ العاصِ العلمُ بوقتِ الكسوفِ قبلَ ظهورهِ، فأنكرهُ\nبعضُ مَن حضرَه، فقال عَمرو: إنمَا الغيبُ خمسٌ، ثم تلا هذه الآيةَ.\nقال: وما سوى ذلك يعلمُه قومٌ ويجهلُه قومٌ.\nخرَّجَه حميدُ بنُ زنجويهِ.\nوقد زعمَ بعضُهم كالقرطبيِّ، أن هذه الخمسَ لا سبيلَ لمخلوقٍ إلى علم بها","vol":"2","page":81},{"text":"قاطع، وأما الظنُّ بشيءٍ منها بأمارةٍ قد يخطئ ويصيبُ، فليسَ ذلكَ بممتنع.\nولا نفيه مراد من هذه النصوص.\n* * *","vol":"2","page":82},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>سُورَةُ السَّجْدَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>قوله تعالى: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ)</span>\nوقولُه تعالى: (وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِهِ) .\nوالمرادُ بالإنسانِ: آدمُ - ﵇ -، ومعلوم أنَّ تسويتَهُ، ونفخَ الرُّوح فيهِ، كان قبلَ جعلِ نسلِهِ من سُلالة من ماء مهينٍ، لكنْ لما كانَ المقصودُ ذكرَ قدرةِ اللهِ ﷿ في مبدأ خلقِ آدمَ وخلقِ نسلِهِ، عطفَ ذكرَ أحدِهِما على الآخرِ، وأخَّر ذكرَ تسويةِ آدمَ ونفخ الروح فيه، وإن كانَ ذلك متوسطا بين خلقِ آدمَ من طينٍ وبينَ خلقِ نسلِهِ. واللهُ أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-223>قوله تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)</span>\nعنْ مُعاذ - ﵁ - قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّه، أخبرنِي بعمل يُدخلُنِي الجنَّةَ ويُباعِدُنِي منَ النَّارِ.","vol":"2","page":83},{"text":"قالَ: \"لقدْ سألتَ عنْ عظيمٍ، وإنهُ ليسيرٌ على من يسرهُ اللَّه عليه:\nتعبدُ الله لا تُشركُ بهِ شيئًا، وتقيمُ الصلاةَ، وتؤتِي الزَّكاةَ، وتصومُ رمضانَ، وتحجُّ البيتَ \".\nثُمَّ قالَ: \"ألا أدُلكَ على أبوابِ الخيرِ؛ الصَّومُ جُنَّة والصدقةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما يُطفِئُ الماءُ النَّارَ، وصلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جوفِ الليلِ، ثُمَّ تَلا:\n(تَتَجَافَى جُنُوبهمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) حتى بلغ: (يَعْمَلُونَ) \".\nثم قالَ: \"ألا أخبرُكَ برأسِ الأمرِ وعمودِه وذروةِ سنامِه؟ \".\nقُلتُ: بلى يا رسولَ الله.\nقال: \" رأسُ الأمرِ: الإسلامُ، وعمودُهُ: الصلاةُ، وذروةُ سنامِهِ: الجهادُ \".\nثُمَّ قالَ: \"ألا أُخبركَ بملاكِ ذلكَ كلِّهِ؟ \".\nقُلتُ: بلى يا رسولَ اللَّه.\nفأخذَ بلسانهِ، قالَ: \"كُفَّ عليكَ هذَا\".\nقُلتُ: يا نَبِيَّ الله، وَإِنَّا لمؤُاخذُونَ بما نتكلَّمُ بهِ؟.\nفقال: \"ثكلتْكَ أُمُّكَ، وهل يكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ على وجوهِهِم، - أوْ على\nمناخرهِم - إلا حصائِدُ ألسنتهِم \".\nرواهُ الترمذيُّ وقالَ: حديثٌ حسن صحيحٌ.\nهذا الحديثُ، خرَّجَه: الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ، والنسائيُّ، وابنُ ماجةَ.\nمن روايةِ معمرٍ، عن عاصم بنِ أبي النجودِ، عن أبي وائلٍ، عن مُعاذِ بنِ\nجبلٍ، وقالَ الترمذيُّ: \"حسنٌ صحيح\".","vol":"2","page":84},{"text":"وفيما قالهُ - ﵀ - نظر من وجهينِ:\nأحدهما: أنَه لم يثبتْ سماعُ أبي وائل من معاذ، وإن كان قد أدركهُ بالسِّنِّ.\nوكانَ معاد بالشام، وأبو وائلٍ بالكوفةِ، وما زالَ الأئمةُ - كأحمدَ وغيرِه -\nيستدلُّون على انتفاءِ السّماع بمثلِ هذا، وقد قال أبو حاتمٍ الرازىُّ في سماع أبي وائل من أبي الدرداءِ: قد أدركهُ، وكان بالكُوفةِ، وأبو الدُّردَاءِ بالشامِ - يعني: أنه لم يصحَّ له سماع منهُ.\nوقد حكَى أبو زُرعةَ الدِّمشقيُّ عن قومٍ أنهم توقَّفُوا\nفي سماع أبي وائل من عمرَ، أو نفوه، فسماعُه من معاذ أبعدُ.\nوالثاني: أنَّه قد رواهُ حمَّادُ بنُ سلمةَ عن عاصمٍ بنِ أبي النَّجودِ عن شهرِ\nابن حوشب عن معاذ، خرَّجه الإمامُ أحمدُ مختصرًا، قال الدارقطني:\nوهو أشبهُ بالصَّوابِ؛ لأنَّ الحديثَ معروف من رواية شهر على اختلافٍ عليه\nقلت: ورواية شهر عن معاذ مرسلة يقينا، وشهر مختلف في توثيقهِ\nوتضعيفه.\nوقد خرَّجه الإمامُ أحمدُ من روايةِ شهرٍ عن عبدِ الرحمنِ بن غنمٍ\nعن معاذ.\nوخرَّجه الإمامُ أحمدَ - أيضا - من روايةِ عُروة بن النزال - أو النزالِ\nابنِ عروةَ -، وميمونِ بنِ أبي شبيب، كلاهما: عن معاذ. ولم يسمعْ عروةُ\nولا ميمونُ من معاذٍ.\nوله طرق أخرى عن معاذٍ كلُّها ضعيفة.\nوقولُه: \"ثم تلا: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) .\nيعني: أن النبيَّ - ﷺ - تلا هاتينِ الآيتينِ عندَ ذكرِه فضلَ صلاةِ الليلِ، ليبيِّنَ بذلكَ فضلَ صلاةِ الليلِ.","vol":"2","page":85},{"text":"وقد رُويَ عن أنسٍ أن هذه الآيةَ نزلتْ في انتظارِ صلاةِ العشاءِ.\nخرَّجه الترمذيُّ وصححه.\nورُويَ عنه أنه قالَ في هذه الآيةِ: كانُوا يتنفلونَ بينَ المغربِ والعشاءِ.\nخرَّجه أبو داود.\nورويَ نحوُه عن بلالٍ، خرَّجه البزارُ بإسنادٍ ضعيف.\nوكلُّ هذا يًدخلُ في عمومِ لفظِ الآيةِ، فإنَّ اللَّهَ مدحَ الذين تتجافَى جنوبُهم\nعن المضاجع لدعائه، فيشملُ ذلكَ كل من تركَ النَّومَ بالليلِ لذكرِ اللَهِ ودُعائهِ، فيدخلُ فيه مَن صلًّى بينَ العشاءينِ، ومن انتظرَ صلاةَ العشاءِ فلم ينَمْ حتَّى يُصلِّيَهَا، لاسيَّما مع حاجتِهِ إلى النومِ ومجاهدةِ نفسهِ على تركهِ لأداءِ\nالفريضةِ، وقد قالَ النبيُّ - ﷺ - لمنِ انتظرَ صلاةَ العشاءِ: \"إنَّكم لن تزالوا في صلاةٍ ما انتظرتُمُ الصَّلاةَ\".\nويدخلُ فيه من نامَ ثمَّ قامَ مِن نومه باللَّيلِ للتهجُّد، وهو أفضلُ أنواع\nالتطوع بالصلاةِ مطلقًا.\nوربما دخلَ فيهِ من تركَ النوم عندَ طلوع الفجرِ، وقامَ إلى أداء صلاةِ\nالصُّبح، لاسيما مع غلبةِ النَّوم عليهِ، ولهذا يُشرعُ للمؤذِّن في أذانِ الفجرِ أن\nيقولَ في أذانهِ: الصلاةُ خيرٌ من النومِ.\nوقوله - ﷺ -:\n\"وصلاةُ الرَّجُلِ من جوفِ الليلِ \"\nذكرَ أفضلَ أوقاتِ التهجُّدِ بالليلِ، وهو جوفُ الليلِ.\nوخرَّج النسائيُّ والترمذيُّ من حديثِ أبي أمامةَ،","vol":"2","page":86},{"text":"قالَ: قيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ الدُّعاءِ أسمعُ؟\nقالَ: \" جوفُ اللَّيلِ الآخرِ، ودُبرُ الصلواتِ المكتوباتِ \".\nوخرَّجه ابنُ أبي الدنيا، ولفظُه: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ - ﷺ - قالَ: أيُّ الصلاةِ أفضلُ؟\nقالَ: \"جوفُ اللَّيلِ الأوسطِ \".\nقالَ: أيُّ الدُّعاءِ أسمعُ؟\nقالَ: \"دُبرُ المكتوباتِ \".\nوخرَّج النسائيُّ من حديث أبي ذرٍّ قالَ:\nسألتُ النبيَّ - ﷺ -: أيُّ الليلِ خير؟\nقالَ: \"خيرُ الليلِ: جوفُه \".\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ من حديثِ أبي مسلمٍ قالَ: قلتُ لأبي ذرٍّ:\nأيُّ قيامِ الليلِ أفضلُ؟\nقالَ: سألتُ النبيَّ - ﷺ - كما سألْتنَي، فقالَ:\n\"جوفُ الليلِ الغابرِ أو نصفُ اللَّيلِ، وقليلٌ فاعلُه \".\nوخرَّجهُ البزارُ، والطبرانيُّ من حديثِ ابنِ عمرَ، قالَ:\nسُئلَ النبيُّ - ﷺ -:\nأيُّ الليلِ أجوبُ دعوةً؟\nقالَ: \"جوفُ الليلِ، \"\nزادَ البزارُ في روايتهِ: \"الآخِرِ\".\nوخرَّجَ الترمذيُّ من حديثِ عمرِو بنِ عبسةَ سمعَ النبيَّ - ﷺ - يقولُ:\n\"أقربُ ما يكونُ الرَّبُّ من العبدِ: في جوفِ الليلِ الآخِر.\nفإنْ استطعتَ أن تكونَ ممَّن يذكرُ اللَّهَ في تلكَ الساعةِ فكنْ \".\nوصححهُ.\nوخرَّجه الإمامُ أحمدُ، ولفظُه: قالَ: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أيُّ الساعاتِ\nأفضل؟","vol":"2","page":87},{"text":"قالَ: \"جوفُ الليلِ الآخِرِ\" وفي روايةٍ لهُ - أيضًا -: قالَ:\n\"جوفُ الليلِ الآخِرِ أجوبُه دعوة\".\nوفي روايةٍ له: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، هل مِنْ ساعةٍ أقربُ\nإلى اللَّهِ من أُخرى؟\nقال: \"جوفُ الليلِ الآخِرِ\".\nوخرَّجه ابنُ ماجةَ، وعندَهُ:\n\"جوفُ اللَّيلِ الأوسطِ \".\nوفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ عن عمرِو بنِ عبسةَ، قالَ:\nقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، هل منْ ساعةٍ أفضلُ من ساعةٍ؟\nقالَ: \"إنَّ اللهَ ليتدلَّى في جوفِ الليلِ، فيغفرُ، إلا ما كانَ من الشركِ \".\nوقد قيلَ: إن جوفَ اللَّيلِ إذا أطلقَ فالمرادُ به: وسطُه.\nوإن قيلَ: جوفُ الليلِ الآخرِ، فالمرادُ وسطُ النِّصفِ الثانِي، وهو السُّدسُ الخامسُ من أسداسِ الليلِ، وهو الوقتُ الذي ورد فيه النُّزولُ الإلهي.\n* * *\nوروَى عطيةُ، عن أبي سعيد، قال: إنَّ اللَّهَ خَلق جنَّة عدنٍ من ياقوتةٍ\nحمراءَ، ثم قال لها: تزيَّني فتزينت، ثم قالَ لها: تكلَّمِي، فقالت: طُوبى لمن\nرضيتَ عنه، ثم أطبقها وعلَّقها بالعرشِ، فهي تُفتحُ في كلِّ سحرٍ، فذلك بردُ\nالسحرِ. -\nوعن ابن عبَّاس، قال: كان عرشُ اللَّه على الماءِ، ثم اتخذَ لنفسِه جنَّةً، ثم\nاتخذَ دونها أخرى، وطبَّقهما بلؤلؤةٍ واحدةٍ لا يعلمُ الخلائقُ ما فيهما وهما\nاللتانِ: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) .\nوذكرَ صفوانُ بنُ عمرٍو، عن بعضِ مشايخهِ، قال: الجنةُ مائةُ درجةٍ:\nأولها: درجةُ فِضةٍ، وأرضُها فِضةٌ، ومساكنُها فضةٌ، وترابها المسكُ.","vol":"2","page":88},{"text":"والثانية: ذهبٌ، وأرضُها ذهبٌ، وآنيتها ذهبٌ، وترابُها المسكُ.\nوالثالثة: لؤلؤ، وأرضُها لؤلؤ، وآنيتُها لؤلؤ، وترابُها المسكُ، وسبعٌ\nوتسعونَ بعد ذلك ما لا عينٌ رأتْ، ولا أُذُنٌ سمعت، ولا خطرَ على قلبِ\nبشرٍ، ثم تلا: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) .\nوفي \"الصحيحينِ \" عن أبي هريرةَ - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ:\n\"يقولُ اللهُ عر وجلَّ: أعددتُ لعبادي الصَّالحينَ ما لا عين رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشرٍ\".\nثم يقولُ أبو هريرةَ: اقرءُوا إن شئتم:\n(فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) .\nوفي \"صحيح مسلمٍ\" عن المغيرةِ بنِ شعبة - يرفعه:\n\"سألَ موسى ربَّه، قال: ياربّ، ما أدنى أهلِ الجنةِ منزلةً؟\nقال: هو رجل يجيءُ بعدما أُدخلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ.\nفيقالُ له: ادخُلِ الجنَّةَ، فيقولُ: ياربِّ، كيفَ وقد أخذَ الئاسُ منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟\nفيقالُ له: أترضى أن يكون لكَ مثلُ مُلكِ ملكٍ من مُلُوكِ الدُّنيا؟\nفيقولُ: رضيتُ يا ربِّ.\nفيقولُ: لك ذلك ومثلُهُ ومثلُهُ ومثلُهُ ومثلُهُ، فقال له في الخامسة:\nرضيتُ يا ربِّ، فيقالُ: هذا لكَ وعشرةُ أمثالهِ، ولكَ ما اشتهتْ نفسُك ولذَّت عينُك، فيقولُ: رضيتُ ربِّ.\nقال: فأعلاهُم منزلةً؟\nقال: أولئك الذينَ أردتُ، غرستُ كرامتَهُم بيدِي، وختمتُ عليها، فلم\nترَ عينٌ ولم تسمعْ أذنٌ ولم يخطرْ على قلبِ بشرٍ.\nقال: ومصداقُهُ في كتاب الله:\n(فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) \".\n* * *","vol":"2","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>سُورَةُ الأحْزَاب</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)</span>\nكانت مجالسُ النبيِّ - ﷺ - مع أصحابه عامتُها مجالسَ تذكيرٍ باللَّهِ وترغيبٍ وترهيبٍ، إمَّا بتلاوةِ القرآنِ، أو بما آتاهُ اللَّه من الحكمة والموعظة الحسنة، وتعليم ما ينفعُ في الدِّين، كما أمَرَه اللَّهُ تعالى في كتابه أن يذكِّرَ ويعِظَ ويقُصَّ، وأن يدعوَ إلى سبيل ربِّه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يبشَر ويُنذرَ، وسمَّاه اللَّهُ: (وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ) .\nوالتبشير والإنذارُ هو الترغيبُ والترهيبُ، فلذلك كانتْ تلك المجالسُ\nتوجبُ لأصحابِهِ رقَّةَ القلوبِ والزهُدَ في الدُّنيا والرَّغبةَ في الآخرةِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥٩)</span>\nو\"الجِلْباب \": قال ابن مسعودٍ ومجاهدٌ وغيرُهما: هو الرِّداءُ، ومعنى ذلك:\nأنه للمرأة كالرداءِ للرجلِ، يسترُ أعلاها، إلا أنه يُقَنِّعُها فوقَ رأسِهَا، كما","vol":"2","page":90},{"text":"يضعُ الرجلُ رداءَه على منْكِبَيْه.\nوقد فسَّر عَبِيدةُ السَّلْمانيُّ قولَ اللَّهِ ﷿: (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ)\n: بأنها تُدنيه من فوقِ رأسِهَا، فلا تُظْهِر إلا عَيْنَها، وهذا كانَ بعد\nنزولِ الحجابِ، وقد كُنَّ قبلَ الحجابِ يَظهرن بغيرِ جلبابٍ، ويُرى من المرأةِ\nوجهُها وكَفَّاها، وكان ذلك ما ظهرَ منها من الزينة في قولِهِ ﷿:\n(وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا) .\nثم أُمِرَتْ بستْرِ وجهِها وكفيها، وكان الأمْرُ بذلك مختصًا بالحرائرِ دونَ\nالإماءِ، ولهذا قال تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ) .\nيعني: حتى تُعرفَ الحرةُ فلا يتَعَرَّضُ لها الفُسَّاقُ، فصارتِ المرأةُ الحرةُ لا تخرج\nبين الناسِ إلا بالجلبابِ، فلهذا سُئل النبيُّ - ﷺ - لما أمَرَ النساءَ بالخروج في العيدين، وقيل له: المرأةُ منا ليسَ لها جلبابٌ؟\nفقال: \"لتُلبسْها صاحبتُها من جلبابها\" يعني: تُعِيرُها جلبابًا تخرجُ فيه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩)</span>\nخرَّج البخاريُّ من حديثِ: مَعْمَر، عنْ همَّامِ بنِ مُنَبِّهٍ، عن أبي هريرة عن\nالنبيِّ - ﷺ -، قال:\n\"كان بنو إسرائيل يغْتَسِلُونَ عُرَاةً، ينظرُ بعضُهُم إلى بعضٍ، وكان\nمُوسى - ﵇ - يَغْتسلُ وحْدَهُ، فقالوا: واللَّهِ، ما يمنع مُوسَى أنْ يغْتَسِلَ معنا، إلا أنَّهُ آدَرُ،","vol":"2","page":91},{"text":"فذهبَ مرَّة\" يغتسلُ، فوضعَ ثوبَهُ على حَجَرٍ، ففر الحجَرُ بثَوْبِهِ، فخَرَجَ مُوسَى في إثْرِه، يقولُ: ثَوْبَي يا حَجَرُ، ثَوْبِي يا حجرُ، حتَّى نظرتْ بَنُو إسرائيل إلى مُوسى، فقالوا: واللًّه، ما بمُوسَى بأسٌ، وأخَذَ ثوْبَهُ، فطَفِقَ بالحَجَرِ ضرْبًا\".\nقالَ أبو هريرة: واللَّهِ، إنَّهُ لندَبٌ بالحَجَرِ - ستَّةٌ أوْ سبْعَةٌ - ضربًا بالحَجَرِ.\nوعن أبي هريرة، عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ: \"بيْنَا أيُّوبُ - ﵇ - يغْتَسِلُ عُرْيَانًا فخرَّ عليه جَرَادٌ من ذَهَبٍ، فجعل أيُّوبُ يَحْتَثِي في ثوبهِ، فناداهُ ربُّه: يا أيُّوبُ، ألم أكُنْ أغْنَيتُك عمَّا تَرى؟\nقال: بلى وعِزتكَ، ولكنْ لا غِنَى بي عنْ بَرَكتِكَ\".\nورواه إبراهيمُ، عن موسى بن عُقْبةَ، عن صفْوَانَ بنِ سُلَيْم، عن عطاءِ بنِ\nيسارٍ، عن أبي هريرة، عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"بَيْنَا أيُّوبُ - ﵇ - يغْتَسِلُ عُرْيَانًا \".\nوخرَّجَ البخاريُّ في \"أخبار الأنبياءِ\" من \"صحيحِهِ \" هذا قصةَ موسى -\n﵇ - من وجهٍ آخر، من روايةِ عوف، عن ابنِ سيرينَ والحسنِ\nوخلاسٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"إنَّ موسى - ﵇ - كان رجلًا حيِيًّا ستيرًا، لا يُرى من جلده شيء، استحياءً منه، فآذاه من آذَاه من بني إسرائيل، فقالوا:\nما يستترُ هذا السترَ إلا من عيب بجلدِهِ، إما برصٌ وإما أدرةٌ وإما آفةٌ، وإن اللَّه أرادَ أن يُبرَئه، فخلا يومًا وحدَه، فوضعَ ثيابَه على الحَجَرِ، ثم اغتسلَ، فلما فرغَ أقبلَ إلى ثيابِهِ، ليأخذها، وإن الحجرَ عدا بثوبِهِ، فأخذَ موسى عصاهُ، وطلبَ الحجرَ، فجعلَ يقولُ: ثوبي حجرُ، ثوبي حجرُ، حتى انتهى إلى ملإِ بني إسرائيلَ، فرأوْهُ عُريانًا، أحسنَ ما خلَقَ اللهُ،","vol":"2","page":92},{"text":"وأبرأهُ اللَّه مما يقولونَ، وقامَ الحجرُ، فأخذَ ثوبَهُ فلبسَهُ، وطفقَ بالحجر ضربًا - ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا -، فذلك قولُهُ تعالى:\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا (٦٩) .\n\"الأدرةُ\": انتفاخُ الخصيةِ.\nو\"الندبُ \": الأثرُ الباقي في الحجرِ، من ضربِ موسى - ﵇ - له.\nقال الخطابيُّ: وفيه من الفقهِ: جوازُ الاطلاع على عوراتِ البالغينَ، لإقامة\nحقًّ واجبٍ كالختانِ ونحوه.\nقلتُ: هذا فيه نظرٌ \" فإن موسى - ﵇ - لم يقصدِ التعرِّي عندَ بني\nإسرائيل \" لينظرُوا إليه، وإنَّما قدَّر اللَّهُ له ذلك حتى يبرئَه عندهم مما آذوْه به.\nوقد يقالُ: إنَّ اللَّهَ لا يقدِّرُ لنبيِّه ما ليسَ بجائزٍ في شرعِهِ.\nوأما الاستدلالُ به على جوازِ الاغتسالِ في الخلوةِ عُريانًا، فهو مبنيٌّ على\nالقولِ بأن شرعَ مَنْ قبلَنا شرعٌ لنا، ما لم يأتِ شرْعُنا بخلافِهِ.\nوقد استدلَّ بهذا على جوازِ الغسلِ في الخلوةِ عُريانًا: إسحاقُ بنُ راهويه -\nأيضًا -، وذكر أنه وإنْ كان شرعَ من قبلنا، إلا أنه لم يردْ شرعُنا بخلافِهِ.\nوقد يمنعُ هذا من يقولُ: قد ورد شرعُنا بالتسترِ في الخلوةِ - أيضًا -.\nوسيأتي بيانُ ذلك في البابِ الآتي - إن شاء اللَّه تعالى.\nوقد روى حمادُ بنُ سلمةَ، عن عليِّ بنِ زيدٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ - ﷺ -.\nقال: \"إنَّ موسى بنَ عمران - ﵇ - كان إذا أراد أن يدخلَ الماءَ لم يُلقِ ثوبَهُ، حتى يواريَ عورتَهُ في الماء\".","vol":"2","page":93},{"text":"خرَّجه الإمامُ أحمد.\nوعليٌّ بنُ زيد، هو: ابنُ جُدْعَانٍ، متكلَّمٌ فيه.\nوكذا القولُ في الاحتجاج بحديثِ أيوبَ - ﵇ - عُريانًا.\nوأمَّا الطريق الذي ذكره البخاريُّ تعليقًا لحديثِ اغتسالِ أيوبَ - عليه\nالسلامُ -؛ فخرَّجه الإمام (١) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>سُورَةُ سَبَأٍ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>قوله تعالى: (إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَة أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى)</span>\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \": سمعت الوزير يقول: في قوله تعالى:\n(إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُوموا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى) .\nقال: المعنى: أن يكون قيامكم خالصًا للَّه ﷿، لا لغلبة خصومكم، فحينئذ تفوزون بالهدى.\n* * *\n_________\n(١) \"فتحِ الباري \" (١/ ٠ ٣٣ - ٣٣٣) . وَهَاهُنا انتهى البابُ في الأصلِ، والظَّاهِرُ: أن سقطًا وقع يَطول أو يقصر. واللهُ أعلمُ.\n(١) في الكتاب المطبوع وضعت هذه الآية في آخر سورة فاطر صفحة ١٤٢، واللائق إلحاقها بسورتها، وهذا ما فعلناه. (مصحح النسخة الإلكترونية) .","vol":"2","page":94},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-230>سُورَةُ فَاطِرٍ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>قوله تعالى: (اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ)</span>\nقال ابنُ الجَوزِي فِي \"المُقتَبَسِ \": سَمِعتُ الوَزير يقولُ في قَولِهِ تَعالى\n(اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) .\nقالَ: فَطَلَبتُ الفِكرَ في المُناسَبَةِ بَين ذكْرِ النِّعمَةِ وَبَين قوله تعالى:\n(هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ)، فرأيت أنَّ كُلَّ نعمة ينالها العبدُ فاللًّه خالقُها، فقد أنعمَ بخلقه لتلك النعمة، وَبِسَوقِهَا إلى المُنعَم عليه. ً\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>قوله تعالى: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)</span>\nوقولُهُ: \"والطيباتُ \"، فُسرتْ بالكلماتِ الطيباتِ، كما في قولِهِ تعالى:\n(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ)، فالمعنى: إنَّ ما كان من الكلامِ فإنَّه للَّه.\nيُثنَى به عليه ويُمجَّدُ به.\nوفُسرتِ \"الطيبات \" بالأعمال الصالحة كلِّها، فإنها توصفُ بالطيّب.\nفتكونُ كلُّها للَّه، بمعنى: أنه يُعبدُ بها ويُتقرت بها إليه.\n* * *","vol":"2","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>قوله تعالى: (وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)</span>\nأما سماعُ الموتى لكلامِ الأحياءِ: ففي \"الصحيحينِ \" عن أنسٍ، عن أبي\nطلحةَ، قال: لمَّا كانَ يومُ بدرٍ وظهرَ عليهم رسول اللَّهِ - ﷺ - أمرَ ببضعةٍ وعشرينَ رجلًا، وفي رواية أربعةً وعشرينَ رجلًا من صناديدِ قريشٍ، فألقُوا في طوىً من أطواءِ بدرٍ، وإنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - نادَاهم قالَ: \"يا أبا جهلِ بنَ هشامٍ، يا أميَّة بنَ خلفٍ، يا عتبةَ بنَ ربيعةَ، يا شيبةَ بنَ ربيعةَ، أليسَ قدْ وجدتُم ما وعدَ ربُّكم حقًّا؟\nفإنِّي قد وجدتُ ما وعدنِي ربِّي حقَّا\"\nفقال عمرُ: يا رسولَ اللَّه ما تُكلِّم من أجسادٍ لا أرواحَ فيها، فقال: \"والذي نفسِي بيدِهِ ما أنتُم بأسمعَ لمَا أقولُ منهم \".\nوفي \"صحيح مسلم\" من حديث أنسٍ نحوُهُ من غيرِ ذكرِ أبي طلحةَ.\nوفي حديثِهِ قال:\n\"والذي نفسِي بيدِهِ، ما أنتُم بأسمعَ لمَا أقولُ منهم، ولكنهم لا\nيقدرونَ أن يجيبُوا\".\nوفيه - أيضًا - عن أنسٍ، عن عمرَ بنِ الخطابِ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - هذه القصة بمعناها.\nوفي \"الصحيحينِ \" عن ابنِ عمرَ - ﵄ -، قال: اطَّلع رسولُ اللَّه - ﷺ - على أهلِ القَليبِ، فقالَ:\n\"وجدتُم ما وعدَكُم حقًّا؟ \"\nفقيلَ له: أتدعُو أمواتًا؟\nقال: \"ما أنتُم بأسمعَ منهم، ولكنَّهم لا يجيبون \"\nوفي روايةٍ قالَ: \"إنهم الآنَ يسمعونَ ما أقولُ \".\nوقد أنكرتْ عائشةُ - ﵂ - ذلك، كما في \"الصحيحينِ \"","vol":"2","page":96},{"text":"عن عروةَ، عن عائشة - ﵂ -، أنها قالتْ: ما قال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"إنهم ليسمعونَ الآنَ ما أقولُ \".\nوقد وهِمَ - يعني ابن عمرَ - إنما قال: \"إنهم ليعلمونَ الآنَ ما كنتُ أقولُ لهُم إنه حقٌّ \" ثم قرأت قولَه: (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) .\n(وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِي الْقُبورِ) .\nوقد وافقَ عائشةَ على نفي سماع الموتى كلامَ الأحياءِ طائفة من العلماءِ.\nورجَّحَهُ القاضي أبو يعْلى من أصحابِنا، في كتابِ \"الجامعِ الكبيرِ\" له.\nواحتجّوا بما احتجتْ به عائشةُ - ﵂ -، وأجابُوا عن حديثِ قليبِ بدرٍ بما أجابتْ به عائشة - ﵂ - وبأنه يجوزُ أن يكونَ ذلك معجزةً مختصةً بالنبيِّ - ﷺ -\nدون غيرِهِ، وهو سماعُ الموتى لكلامِهِ.\nوفي \"صحيح البخاريِّ \" عن قتادةَ قالَ: أحياهُم اللَّهُ تعالى يعني أهلَ\nالقليبِ حتى أسمعَهُم قولَه، توبيخًا وتصغيرًا ونقمةً وحسرةً وندمًا.\nوذهب طوائفُ من أهلِ العلم إلى سماع الموتى في الجملةِ.\nقالَ ابنُ عبدِ البرِّ: ذهبَ إلى ذلكَ جماعة من أهلِ العلم - وهم الأكثرونَ - وهو اختيارُ الطبريِّ وغيره، ويعني بالطبريِّ: ابنَ جريرٍ، وكذلكَ ذكرَهُ ابنُ قتيبةَ وغيرُه من العلماءِ، وهؤلاءِ يحتجونَ بحديثِ القليبِ، كما سبق، وليسَ هو بوهم ممن رواه، فإن عمرَ وأبا طلحةَ وغيرَهما ممن شهدَ القصةَ حكاه عن النبيِّ - ﷺ -.\nوعائشةُ لم تشهدْ ذلك، وروايتُها عن النبيّ - ﷺ - أنه قالَ: \"إنهم ليعلمونَ الآنَ أن ما كنتُ أقولُ لهم حق\" يؤيد روايةَ من رَوى: \"إنهم ليسمعون \"، ولا ينافيه، فإن الميتَ إذا جازَ أن يعلمَ جازَ أن يسمعَ، لأنَّ الموتَ ينافي العلمَ، كما ينافي","vol":"2","page":97},{"text":"السمعَ والبصرَ، فلو كان مانِعًا من البعضِ لكانَ مانعًا من الجميع.\nوروى أبو الشيخ الأصبهانيُ بإسناده عن عبيدِ بنِ مرزوق، قالَ: كانتِ\nامرأة بالمدينةِ يقالُ لها: أمُّ محجنٍ، تقمُّ المسجدَ، فماتتْ، فلم يعلمْ بها النبيُّ\n- ﷺ - فمرَّ على قبرِها، فقال: \"ما هذا القبرُ؟ \"\nفقالوا: قبرُ أمِّ محجنٍ، فقال النبيُّ - ﷺ -:\n\"التي كانتْ تقمُّ المسجدَ؟ \"\nقالوا: نعم، فصفَّ الناسَ وصلَّى عليها، ثم قالَ:\n\"أيَّ العملِ وجدتِ أفضل؟ \"\nقالوا: يا رسولَ اللَّهَ أتسمع؟\nقالَ: \"ما أنتم بأسمعَ منها\".\nفذكرَ أنها أجابتْهُ، قَمُّ المسجدِ، وهذا مرسل.\nوأمَّا أنَّ ذلك خاصّ بكلامِ النبيِّ - ﷺ - فليسَ كذلكَ، وقد ثبت في الصحيحينِ عن أنسٍ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"إن العبدَ إذا وُضِعَ في قبر وتولَّى عنه أصحابُهُ، إنه ليسمعُ قَرْعَ نعالِهِم \"، وقد سبقَ ذكرُهُ، وسنذكر الأحاديثَ الواردةَ بسماع الموتى سلامَ من يسلِّمُ عليهم فيما بعدُ إن شاء اللَّه تعالى.\nوأما قولُهُ تعالى: (إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى) .\nوقولُه: (وَمَا أَنتَ بِمسْمِعٍ من فِي الْقُبُورِ) فإنَّ السماعَ يطلقُ ويرادُ به إدراكُ\nالكلامِ وفهمُهُ، ويرادُ به أيضًا الانتفاعُ به، والاستجابة لهُ، والمرادُ بهذه الآية.\nنفيُ الثاني دون الأولِ، فإنَّها في سياقِ خطابِ الكفَّارِ الذينَ لا يستجيبونَ\nللهُدى ولا للإيمانِ إذا دُعوا إليه، كما قالَ اللَّهُ تعالى:\n(وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا)، الآيةُ في نفي السماع والإبصارِ عنهم، لأنَّ الشيءَ\nقد ينفى لانتفاءِ فائدتِهِ وثمرتِهِ، فإذا لم ينتفع المرءُ بما سمعَهُ وأبصرَهُ،","vol":"2","page":98},{"text":"فكأنَّه لم يسمعْ ولم يبصرْ، وسماعُ الموتى هو بهذه المثابةِ، وكذلكَ سماعُ الكفَّارِ لمن دعاهُم إلى الإيمانِ والهُدى.\nوقولُ قتادةَ في أهلِ القليبِ: أحياهُمُ اللَّهُ تعالى حتى أسمعَهُم.\nقولُهُ يدلُّ على أنَّ الميتَ لا يسمعُ القولَ إلا بعد إعادةِ الروح إلى جسده، كذلك قال طوائفُ من السلفِ كثيرةٌ أنه لا يُسأل في قبره إلا بعد إعادةِ الروح إلى جسدهِ، كما جاء ذلك مصرَّحًا به في حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ عن النبيِّ - ﷺ - الطويل، وقد سبقَ ذكرُ بعضِه، وفيه في حقِّ الكافرِ: \"وتُعَاد روحُهُ إلى جسدِه\".\nوفي \"مسند الإمامِ أحمدَ\" من حديث الأعمشِ عن المنهالِ، عن زاذانَ.\nعن البراءِ، فَي حقِّ المؤمنِ والكافرِ في كل منهما، قال:\n\"وتُعاد روحُهُ إلى جسده\".\nوكذلك عند ابنِ منده، إعادتُها إلى جسدِهِ عند ضربِ الملَكِ له، بعد أن\nيضربه فيصيرُ ترابًا، من روايةِ يونسَ بنِ خبابٍ، عن المنهالِ، وقد سبقَ ذلك\nكلُّه.\nوخرَّج ابنُ ماجةَ وغيرُه، من حديثِ أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - في صفةِ قبضِ الروح والمسألةِ، وقال في روح الكافرِ: \"فتصيرُ إلى القبرِ\" وقد سبقَ أيضًا.\nوخرَّج ابنُ منده بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا - عن ابنِ عباسٍ عن النبي - ﷺ - في","vol":"2","page":99},{"text":"صفةِ قبضِ الروح، وفيه قالَ: \"فيهبطونَ بها - يعني الروح - على قدرِ فراغِهم من غسلِهِ وأكفانِهِ، فيدخلونَ ذلك الروحَ بين جسده وأكفانِهِ \" وهذا لا يثبتُ.\nوخرَّج الخلالُ في كتابِ \"شرح السنة\" من طريقِ أبي هاشمٍ، عن أبي\nإسحاقَ، عن أبي الأحوصِ، عن عبدِ اللَّهِ، قال:\nإنَّ المؤمنَ إذا نزلَ به الموتُ أتاهُ ملَكُ الموتِ ينادِيه: يا روح طيبة اخرجِي من الجسدِ الطيبِ، قال: فإذا خرجتْ روحُه لفّتْ في خرقةٍ حمراءَ، فإذا غسِّل وكفِّن، وحملَ على السريرِ وارتفعتِ الروحُ فوقَ السريرِ حيثُ تحولَ السريرُ، تحولتْ حتى يوضعَ في قبره، فإذا وُضِعَ في قبر أُجْلسَ، وجيءَ بالروح، فَجُعِلَتْ فيه، فقيل له: من ربُّك، وما دينُك، ومن نبيُّك؟\nفيقولُ: ربي اللَّهُ، وديني الإسلامُ، ونبيي محمد - ﷺ - فيقالُ له: صدقَتَ، فيوسَعُّ له في قبر مدَّ البصرِ، ثم ترفعُ\nروحُه، فتجعَلُ في أعْلَى عليينَ، ثم تلا عبدُ اللَّهِ هذه الآيةَ: (إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ\nلَفِي عِلِّيِّينَ) .\nوخرَّج ابنُ أبي الدنيا، من طريقِ سالم بنِ أبي الجعدِ، قال: قال حذيفةُ:\nالروحُ بيدِ ملَكٍ، وإن الجسدَ ليغسَّلَ، وإنَّ الملَكَ ليمشِي معه إلى القبرِ، فإذا\nسُوي عليه سلَكَ فيه، فذلكَ حين يخاطبُ.\nومن طريقِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبي الزنادِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى.\nقال: الروحُ بيد ملَكٍ يمشي مع الجنازةِ، يقولُ: اسمعْ ما يقالُ لك، فإذا بلغ\nحفرتَهُ دفنَ معه.\nومن طريقِ داودَ العطارِ، عن أبي نجيحِ، قإل: ما مِنْ ميِّت يموتُ إلا روحُهُ\nفي يد مَلَكٍ ينظرُ إلى جسدِهِ، كيف يغسلُ ويكفَّنُ، وكيف يُمشَى به إلى\nقبر، ثم تُعاد إليه روحُه، فيجلسُ في قبره.","vol":"2","page":100},{"text":"وكذا قال أبو صالح وغيرُه من السلفِ في قوله تعالى: (كَيفَ تَكْفرونَ\nبِاللَّهِ وَكنتُمْ أَمْوَاتًا فَأحْيَاكمْ ثمَّ يمِيتكمْ ثمَّ يحْيِيكمْ ثمَّ إِلَيْهِ ترْجَعونَ)، فدلَّ\nعلى أنَّ الحياةَ الأولى هي القبرُ للسؤالِ، وإنْ كانَ الأكثرونَ خالفُوا في ذلك.\nفهؤلاء السلفُ كلُّهم صرَّحُوا بأن الروح تعادُ إلى البدنِ عند السؤالِ.\nوصرَّح بمثلِ ذلك طوائفُ من الفقهاءِ والمتكلمينَ من أصحابِنا وغيرِهِم.\nكالقاضي أبي يعْلى وأصحابِهِ، وأنكر ذلك طائفة منهم ابنُ حزمٍ وغيرُه.\nوذكرَ أن السؤال للروح خاصةً، وكذلك سماعُ الخطابِ، وأنكر أن تعادَ الروحُ إلى الجسدِ في القبرِ للعذابِ وغيرِه، وقالُوا: لو كان ذلك حقًّا للزمَ أن يموتَ الإنسانُ ثلاثَ مراتٍ ويحيى ثلاثَ مراتٍ، والقرآنُ دلَّ على أنَهما موتتانِ وحياتانِ فقط، وهذا ضعيف جدًّا، فإنَّ حياةَ البرزخ ليستْ حياةً تامةً مستقلة كحياةِ الدنيا وكالحياةِ الآخرةِ بعدَ البعثِ، وإنما فيها نوعُ اتصالِ الروح في البدنِ بحيثُ يحصلُ بذلكَ شعورُ البدنِ وإحساس بالنعيم والعذاب وغيرِهما، وليستْ هي حياةً تامةً حتى يكونَ انفصالُ الروح به موتًا تامًّا، وإنًّما هو شبيهٌ بانفصالِ روح النائم عنه، ورجوعِها إليه، فإنَّ ذلك يسمَّى موتًا وحياةً.\nكما كان النبيُّ - ﷺ - يقولُ إذا استيقظَ من منامِهِ: \"الحمدُ للهِ الذي أحيانَا بعد ما أماتنا، وإليه النشور\"\nوسماه اللَّهُ تعالى وفاةً، لقوله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى)، مع هذا فلا ينافي ذلكَ أن يكونَ النائمُ حيًّا، وكذلك اتصالُ روح الميتِ ببدنه وانفصالها عنه لا يوجبُ أن يصيرَ للميتِ","vol":"2","page":101},{"text":"حياةً مطلقةً.\nوممن رجَّح هذا القولَ - أعني السؤالَ والنعيمَ والعذابَ للروح خاصةً - من\nأصحابِنا ابنُ عقيلٍ وأبو الفرج ابن الجوزيِّ. في بعضِ تصانيفِهما.\nواستدلَّ ابنُ عقيلٍ بأنَّ أرواحَ المؤمنينَ تنعمُ في حواصلِ طيرٍ خضرٍ، وأرواح الكافرينَ تعذَّب في حواصلِ طيرٍ سودٍ، وهذه الأجسادُ تبْلَى فدلَّ ذلك على أنَّ الأرواحَ تعذبُ وتنعمُ في أجسادٍ أخرَ، وهذا لا حجةَ فيه لأنَّه لا ينافي اتصالَ الروح ببدنِها أحيانًا مع بقائِهِ واستحالتِهِ.\nواستدل طائفة ممن ذهبَ إلى هذا القول بما روى منصورُ بنُ عبدِ الرحمنِ.\nعن أبي أُمامة قال: دخلَ ابنُ عمرَ المسجدَ، وابنُ الزبيرِ قد قتلَ وصلبَ.\nفقيلَ له: هذه أسماءُ بنتُ أبي بكرٍ في المسجدِ، فقال لها: اصبري فإنًّ هذه\nالجثث ليستْ بشيءٍ، وإنَّما الأرواحُ عند اللَّهِ، فقالت: وما يمنعنِي من الصبرِ، وقد أُهدِيَ رأسُ يحيى بنِ زكريا إلى بغيٍّ من بَغايا بني إسرائيلَ.\nوروى ابنُ أبي الدنيا، من طريقِ ابنِ عمرَ - صاحبِ السقيا - قال: نزلَ ابنُ\nعمرَ إلى جانبِ قبورٍ قد درستْ، فنظرَ إلى قبر منها، فإذا بجمجمةٍ بادية.\nفأمرَ رجلًا فواراهَا، ثم قال: إنَّ هذه الأبدانَ ليست يضرُّها هذا الثرى شيئًا، وإنَّما الأرواح التي تُعاقَبُ وتثابُ إلى يوم القيامةِ.\nوروى محمدُ بنُ سعدٍ، عن الواقديِّ، حدثني ثورُ بنُ يزيدَ، عن خالدِ بنِ\nمعدانَ قال: لما انهزمتِ الرومُ يومَ أجنادينَ، انتهَوا إلى موضع لا يعبرُه إلا\nإنسان، فجعلت الروم تقاتل عليه، فتقدَّم هشام بن العاصِ فقاتلهم حتى\nقُتِل، ووقع على تلك الثلمة فسدَّها، فلما انتهى المسلمون إليها، هابوا أن","vol":"2","page":102},{"text":"يوطئه الخيل، فقال عمرو بنُ العاص: إنَّ اللَّهَ قد استشهدَهُ ورفعَ روحَهُ وإنما\nهو جثةٌ فأوطِئوهُ الخيلَ، ثم أوطأه وتبِعَهُ الناسُ حتى قَطَّعوهُ.\nوهذه الآثارُ لا تدلُّ على أنَّ الأرواح لا تتصلُ بالأبدانِ بعد الموتِ، وإنَّما\nتدلُّ على أنَّ الأجسادَ لا تتضررُ بما ينالها من عذابِ الناسِ لها ومن أكل\nالترابِ لها، وهذا حقٌّ، فإنَّ عذابَ القبرِ ليسَ من جنسِ عذابِ الدنيا، وإنَّما\nهو نوعٌ آخرُ يصلُ إلى الميتِ بمشيئةِ اللَّهِ وقدرتِهِ.\nوقولهم: إنَّ الأرواحَ عندَ اللَّهِ تعالى تعاقَبُ وتثابُ لا ينافي أنْ تتصلَ\nبالبدنِ أحيانًا، فيحصلُ بذلكَ إلى الجسدِ نعيمٌ أو عذابٌ، وقد تستقلُّ الروحُ\nأحيانًا بالنعيم والعذابِ، إما عند استحالةِ الجسدِ أو قبلَ ذلك.\nوقد أثبتَ طائفة أخرى النعيمَ والعذابَ للجسدِ بمجرَّدِهِ، من غيرِ اتصالِ\nالروح به، وممن ذكرَ ذلك من أصحابِنا: ابنُ عقيلٍ في كتابِ \"الإرشادِ\" له\nوابنُ الزاغوني، وحُكي عن ابنِ جريرٍ الطبريِّ - أيضًا - وذكرَ القاضي\nأبو يعْلى أنه ظاهرُ كلامِ الإمامِ أحمدَ، فإنه قال في روايةِ حنبلٍ: أرواحُ\nالمؤمنينَ في الجنةِ، وأرواحُ الكفارِ في النارِ، والأبدانُ في الدنيا يعذَب اللَّهُ من\nيشاءُ، ويرحمُ من يشاءُ منها بعفوه.\nقال القاضي: ظاهرُ هذا أن الأرواحَ تعذَّبُ وتنعمُ على الانفرادِ وكذلكَ\nالأبدانُ إذا كانتْ باقيةً أدَّى إلى الأجزاءِ التي استحالتْ، قال: فلا يمتنعُ أن\nيُخلقَ في الأبدانِ إدراك تحسُّ به النعيمَ والعذابَ، كما خُلقَ في الجبلِ لما تجلَّى\nله ربُّه ثم جعلَهُ دكًّا.\nوقال ابنُه القاضي أبو الحسين: ولأنه لمَّا لم يستحِلْ نطقُ الذراع المسمومةِ،","vol":"2","page":103},{"text":"لم يستحلْ عذابُ الجسدِ البالي وإيصالُ العذابِ إليه بقدرةِ اللَّهِ ﷿.\nوقد يستدلُّ لهذا أيضًا بأنَّ عمرَ بن الخطابِ قال للنبيِّ - ﷺ - يوم كلَّم أهلَ القليب: كيف تكلِّمُ أجسادًا لا أرواحَ فيها؟\nفلم ينكر النبيُّ - ﷺ - ذلك، وإنَما قالَ:\n\"ما أنتُم بأسمعَ لما أقولُ منهم \"\nفدلَّ على أنَّ سماعَهُم حصل مع أجسامِهِم والأرواح فيها.\nوقد دلَّ القرآنُ على سجودِ الجماداتِ وعلى تسبيحها للَّهِ ﷿.\nوخشوعِها له، فدلَّ على أنَّ فيها حياةً وإدراكًا، فلا يمتنعُ مثلُ ذلك في جسدِ ابنِ آدمَ بعد مفارقة الروح له، واللَّهُ أعلم.\nويدلُّ على ذلكَ: ما أخبرَ اللَّهُ عن شهاداتِ الجلودِ والأعضاءِ يومَ القيامةِ\nوما رُويَ عن ابن عباسٍ في اختصامِ الروح والجسدِ يومَ القيامةِ، فيدلُّ على\nأنَّ الجسدَ يخاصمُ الروحَ ويكلِّمها وتكلِّمُه، وممّا يدلُّ على وقوع العذابِ على الأجسادِ، الأحاديثُ الكثيرةُ في تضييقِ القبرِ على الميتِ، حتى تختلفَ\nأضلاعُهُ، ولا\"نه لو كانَ العذابُ على الروح خاصّةً لم يختصَّ العذابُ بالقبرِ\nولم يُنسبْ إليه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>قوله تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)</span>\nفي قولِه تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) .\nدلَّت هذه الآيةُ على إثباتِ الخشيةِ للعلماءِ بالاتفاقِ وعلى نفْيِها عنْ غيرِهم على أصح القولينِ، وعلى نفْي العِلْم عنْ غيرِ أهلِ الخشيةِ أيضًا.","vol":"2","page":104},{"text":"أما الأول: فلا ريبَ فيه فإنَّ صيغة \"إنما\" تقتضِي تأكد ثبوتِ المذكورِ\nبالاتِّفاق؛ لأنَّ خصوصيةَ \"إن\" إفادةُ التأكيدِ وأمَّا \"ما\": فالجمهور على أنَّها\nكافةٌ، ثُمَّ قالَ جمهورُ النحاةِ: هيَ الزائدةُ التي تدخلُ على إنَّ، وأنَّ، وليتَ، ولعلَّ، وكأن، فتكفها عن العملِ لأنَّ الأصلَ في الحروفِ العاملة أن تكونَ\nمحضةً فإذا اختصتْ بالاسم أو الفعلِ ولم يكنْ كالجزءِ منهُ عملت فيه، وإنَّ\nوأخواتُها مختصةٌ بالاسم فتعملُ فيه فإذا دخلتْ عليها \"ما\" زالتْ اختصاصُها\nفصارَتْ تدخلُ على الجملة الاسميةِ والفعليةِ فبَطلَ عملُها وإنَما عملتْ \"ما\"\nالنافيةُ على اللغةِ التي نَزَلَ بها القرآنُ وهي لغةُ أهل الحجازِ استحْسانًا\nلمشَابَهتِها لـ \"ليس \" وذهبَ بعضُ الكوفيينَ، وابنُ درستويه إلى أنَّ \"ما\" مع\nهذهِ الحروفِ اسمٌ مبهمٌ بمنزلةِ ضميرِ الشأنِ في التفخيم والإبهامِ وفي أنَّ\nالجملةَ بعدَهُ مفسرةٌ له ومخبَرٌ بها عنْهُ، وذهبتْ طائفةٌ من الأصوليينَ وأهلِ\nالبيانِ إلى أن \"ما\" هذه نافيةٌ واستدلُّوا بذلكَ على إفادتِها الحصرَ.\nوأنَّ \"إن\" أفادت الإثباتَ في المذكورِ، و\"ما\" النفيَ فيما عداهُ وهذا باطلٌ\nباتفاقِ أهلِ المعرفةِ باللسانِ فإنَّ \"إن\" إنما تفيدُ توكيدَ الكلامِ إثباتًا كان أو نفيًا\nلا يفيدُ الإثباتَ.\nو\"ما\" زائدةٌ كافة لا نافيةٌ وهي الداخلةُ على سائر أخواتِ إنَّ: لكنَّ وكأنَ\nوليتَ ولعلَّ، وليستْ في دخولها على هذه الحروفِ نافيةً بالاتفاقِ فكذلكَ\nالداخلةُ على إنَّ وأنَّ، وقد نُسِبَ القولُ بأنها نافيةٌ إلى أبي علي الفارسي\nلقولِهِ في كتابِ \"الشيرازيات \": إنَّ العربَ عاملُوا \"إنما\" معاملةَ النفيِّ و\"إلا\"\nفي فصلِ الضميرِ لقولِهِ:\n\"وإنَّما يدافعُ عن أحسابِهِم أنا أوْ مِثْلِي \".","vol":"2","page":105},{"text":"وهذا لا يدل على أنَّ \"ما\" نافيةٌ على ما لا يخفَى وإنَما مرادُه أنَّهم أجرَوا\n\"إنما\" مَجْرى النفي و\"إلاَّ\" في هذا الحكم لما فيها معنى النفى ولم يصرِّحْ بأنَّ\nالنفيَ مستفادٌ منْ \"ما\" وحْدَهَا، وقيلَ: إنه لا يمتنعُ أنْ يكون \"ما\" في هذه\nالآيةِ بمعنى الذي والعلماءُ خبرٌ والعائدُ مستترٌ في يخشى.\nوأُطلقتْ \"ما\" على جماعةِ العقلاءِ كما في قولِهِ تعالى: (أَو ما مَلَكَت\nأَيْمَانُكُم)، و(فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ) .\nوأما دلالةُ إلا على التأكيد وهو نفيُ الخشيةِ عنْ غيرِ العلماءِ فمِنْ صيغةِ\n\"إنَّما\" أمَّا على قولِ الجمهورِ وأنَّ \"ما\" هي الكافةُ فيقولُ إذا دخلتْ \"ما\"\nالكافةُ على \"إنَّ \" أفادت الحصرَ هذا هو الصحيحُ، وقدْ حكاهُ بعضُ العلماءِ\nعن جمهورِ الناسِ وهو قولُ أصحابِنا كالقاضي، وابنِ عقيلٍ، والحلواني.\nوالشيخ موفق الدين، وفخرِ الدِّين إسماعيلَ بنِ علي صاحبِ ابن المِنّي، وهوَ\nقولُ أكثرِ الشافعية كأبي حامدٍ وأبي الطيب، والغزالي والهرَّاسي، وقولُ طائفةٍ\nمن الحنفيةِ كالجرجاني، وكثيرٌ من المتكلمينَ كالقاضي أبي بكرٍ، وغيرِهِ، وكثيرٌ من النحاةِ وغيرِهِم، بلْ قدْ حكاهُ أبو علي فيما ذكرَهُ الرازيُّ عن النحاةِ جملةً، ولكن اختلفُوا في دلالتها على النفي هلْ هُوَ بطريقِ المنطوقِ، أو\nبطريقِ المفهوم؟\nفقال كثيرٌ من أصحابِنا، كالقاضي في أحدِ قوليه وصاحبُ ابنِ المنّي والشيخُ موفَّقُ الدِّين: إنَّ دلالَتَها على النفي بالمنطوقِ كالاستثناءِ سواء\nوهو قولُ أبي حامد، وأبي الطيب منَ الشافعية، والجرجاني من الحنفية.\nوذهبتْ طائفةٌ من أصحابِنا كالقاضِي في قولِهِ الآخرِ وابنِ عقيلٍ والحلواني.\nإلى أنَّ دلالتها على النفي بطريقِ المفهومِ وهُوَ قولُ كثيرٍ من الحنفيةِ،","vol":"2","page":106},{"text":"والمتكلمينَ، واختلفُوا أيْضًا هلْ دلالتُها على النفي بطريقِ النَّصِ، أو الظاهر.\nفقالتْ طائفة: إنَّما تدلُّ على الحصرِ ظاهِرًا، أو يحتملُ التأكيد، وهذا الذي\nحكاهُ الآمديُّ عن القاضي أبي بكرٍ، والغزاليِّ، والهرَّاسيِّ، وغيرِهم من\nالفقهاء وهُوَ يشبهُ قولَ من يقولُ إنَّ دلالتَها بطريقِ المفهومِ فإنَّ أكثرَ دلالاتِ\nالمفهومِ بطريقِ الظاهرِ لا النَّص، وظاهرُ كلامِ كثيرٍ من أصحابنا وغيرِهِم، أنَ\nدلالتَها على النَّفي والإثباتِ كليهما بطريقِ النَّصِ لأنَّهم جعلُوا \"إنَّما\" كالمسْتَثْنى والمستثنى منه سواء وعندهم أنَ الاستثناءَ منَ الإثباتِ نفْيٌ ومنَ النفي إثْباتٌ، نصًّا لا محلًا.\nوأمَّا من قالَ: إنَّ الاستثناءَ ليسَ لإثباتِ النقيضِ بَلْ لرفع الحكْمِ إما مطلقًا\nأوْ في الاستثناءِ منَ الإثباتِ وحده كما يُذكرُ عن الحنفيةِ وجعلُوه من بابِ\nالمفهومِ الذي ينفونَهُ، فهُوَ يقولُ ذلكَ في \"إنَّما\" بطريقِ الأوْلَى فظَهَرَ بهذا أنَّ\nالمخالف في إفادَتِهَا الحصرَ هوَ من القائلينَ بأنَّ دلالتَها على النفيِّ بالمفهومِ وهم\nقسمان:\nأحدهما: مَنْ لا يَرى كونَ المفهومِ حُجَّةً بالكليةِ كالحنفيةِ، ومَنْ وافقَهُم منَ\nالمتكلمينَ.\nوالثاني: مَنْ يراهُ حجةً من الجملةِ، ولكنْ ينفيه هَاهُنا لقيامِ الدليلِ عندَهُ على\nأنَّه لا مفهومَ لها، واختارَهُ بعضُ المتأخرينَ منْ أصحابِنا، وغيرِهم، وبيانُ\nذلكَ أنَّ \"إنَّما\" مركبةٌ منْ \"إنَّ \" المؤكدةِ و\"ما\" الزائدةِ الكافةِ فيُستفادُ التوكيدُ منْ \"إنَّ \" والزائدُ لا معنى له نعم أكثرُ ما يُقالُ \"إنَّ \" تفيدُ تقويةَ التوكيدِ كما في الباءِ الزائدةِ ونحوها، فأمَّا أنْ يُحدِثَ معنًى آخرَ فلا، وقد يعدم بيان بطلانِ","vol":"2","page":107},{"text":"قولِ منْ ادَّعى أنَّ \"ما\" نافية وأنَّ النفيَ فيمَا عدا المذكورِ مُستفادٌ منها.\nوأيضًا فورودُها لغيرِ الحصرِ كثيرٌ جدًّا كقولهِ تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) .\nوقولِ النبي - ﷺ -\n\"إنما الرِّبا في النسيئة\"\nوقولِهِ: \"إنَّما الشهرُ تِسعٌ وعشرونَ \"\nوغيرِ ذلكَ منَ النصوصِ ويُقالُ:\n\"إَنَّما العالِمُ زيد\"\nومثلُ هذا لو أُريدَ به الحصرُ لكانَ هذا.\nوقد يُقالُ: إن أغلبَ مواردِهَا لا تكونُ فيها للحصرِ\nفإنَّ قولَهَ تعالى: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) لا تفيدُ الحصرَ مُطْلقًا فإنَّه\n﷾ لهُ أسماءٌ وصفاتٌ كثيرةٌ غيرَ توحُّدِهِ بالإلهيةِ، وكذلك قولُهُ:\n(قُل إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) .\nفإنَّه لم ينحصر الوحيُ إليه في هذا وحده.\nوكذلكَ قوله: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ) ومثلُ\nهذا كثيرٌ جدًّا وممَّا يبيّنُ عدمَ إفادتِها للحصرِ قولُه - ﷺ -: \"ما مِنْ نبي من الأنبياءِ إلا قد أوتيَ منَ الآياتِ ما آمنَ على مثلِهِ البشرُ، وإنَّما كان الذي أوتيتُهُ وحيًا أوحاهُ اللَهُ إليَّ.\nفأرجُو أنْ أكونَ أكثرُهُم تابِعًا يومَ القيامةِ\"\nفلَوْ كانتْ \"إنَّما\" للحصرِ لبَطَلَتْ أنْ تكونَ سائرُ آياتِ النبيِّ - ﷺ - ومعجزاتِهِ سوى القرآنِ آياتٍ لهُ تدلُّ على صدقِهِ\nلاعْترافِهِ بنَفْي ذلكَ وهذا باطلٌ قطْعًا فدلَّ على أنَّ \"إنَما\" لا تفيدُ الحصرَ في\nمثلِ هذا الكلامِ وشبهِهِ.\nوالصوابُ: أنَّها تدلُّ على الحصرِ، ودلالَتها عليه معلومٌ بالاضطرارِ منْ لغةِ\nالعربِ، كما يُعلمُ منْ لغتِهِم بالاضطرارِ معانِي حروفِ الشرطِ والاسْتفهامِ","vol":"2","page":108},{"text":"والنفىِ والنَّهْي وغيرِ ذلكَ ولهذا يَتواردُ \"إنَّما\" وحروفُ الشرطِ والاستفهامُ\nوالنَّفْيُ الاستثناء كما في قولِهِ تعالى: (إِنَّمَا تجْزَوْنَ مَا كنتُمْ تَعْمَلُونَ) .\nوقوله: (إِنَّمَا إِلهكم إِلَهٌ وَاحِدٌ) .\nوقوله: (إِنَّمَا اللَّه إِلَهٌ وَاحِدٌ)\n(إِنَّمَا إِلَهكمْ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ) .\nفإنه كقولِهِ: (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ) .\nوقولِهِ: (مَا لَكُم مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، ونحوِ ذلكَ.\nولهذا كانتْ كُلُّها واردةً في سياقِ نفْي الشركِ وإبطالِ إلهيةِ سوى اللَّهِ\nسبحانَهُ، وأمَّا أنَّها مركبةٌ من \"إنَّ \" و\"ما\" الكافةِ فمُسلَّم، ولكنَّ قولَهُم إنَّ \"ما\" الكافةَ أكثرُ ما تفيدُهُ قوةُ التوكيدِ لا تُثْبتُ مَعْنى زائدًا، يجابُ عنهُ من وجوه:\nأحدها: أنَّ \"ما\" الكافةَ قدْ تُثبتُ بدخولِهَا على الحروفِ معْنىً زائِدًا، وقدْ\nذكرَ ابنُ مالك أنَها إذا دَخَلتْ على الباءِ أحدَثَتْ معنى التقليلِ، كقولِ\nالشاعرِ:\nفالآن صِرْتَ لا تَحِيدُ جَوَابًا. . . بما قدْ يُرى وأنتَ حَطِيبُ\nقالَ: وكذلك تُحدِثُ في \"الكافِ \" معْنَى التعْليلِ، في نحوِ قولِهِ تعالى:\n(وَاذْكُرُوهُ كمَا هَدَاكمْ)، ولكِنْ قد نُوزِعَ في ذلك وادَّعى أنَّ \"الباءَ\"\nو\"الكافَ \" للسببيةِ، وأنَّ \"الكافَ \" بمجردِهَا تفيدُ التعليلَ.\nوالثاني: أن يُقالَ: لا ريبَ أنَّ \"إنَّ \" تفيدُ توكيدَ الكلامِ، و\"ما\" الزائِدةُ تُقوِّي هذا التوكيدَ وتثبتُ مَعْنى الكلامِ فتفيدُ ثبوتَ ذلكَ المعْنى المذكورِ في اللفظِ خاصةً ثبوتًا لا يشاركه فيه غيرُهُ واختصَاصُهُ به، وهَذا منْ نوع التوكيدِ والثبوتِ ليسَ معنىً آخرَ مغايرًا لهُ وهوَ الحصرُ المدَّعى ثبوتُهُ بدخولِ \"ما\" يخرجُ عنْ إفادةِ قوَّةِ معنى التوكيدِ وليسَ ذلكَ بمُنْكرٍ إذ المستنكرُ ثبوتُ مَعْنى آخرَ بدخولِ الحرفِ الزائدِ منْ غيرِ جنسِ ما يُفيدُهُ الحرفُ الأوَّلُ.","vol":"2","page":109},{"text":"الوجه الثالث: أنَّ \"إن\" المكفوفةُ \"بما\" استُعْملتْ في الحصرِ فصارتْ حقيقةً\nعرفيَّةً فيه، واللفظُ يصيرُ لَهُ بالاسْتعمالِ مَعْنى غيرَ مَا كانَ يقْتضِيهِ أصلُ\nالوضع، وهكذا يُقالُ في الاستثناءِ فإنَه وإنْ كانَ في الأصلِ للإخراج منَ\nالحكْم لكنْ صارَ حقيقة عرفيةً في مناقضةِ المستَثْنى فيه، وهذا شبية بنقلِ اللفظِ\nعنِ المعنى الخاصِ إلى العامِ إذا صارَ حقيقة عرفيةً فيه لِقَوْلِهِم \"لا أشربُ له\nشربةَ ماءٍ\" ونحوِ ذلكَ، ولنقلِ الأمثالِ السائرةِ ونحوِهَا مما ليسَ هذا موضعُ\nبَسْطِهِ، وهذا الجوابُ ذكرَهُ أبو العباسِ ابنِ تيميةَ في بعضِ كلامِهِ القديمِ وهُوَ\nيقْتضِي أنَّ دلالةَ \"إنَّما\" على الحصرِ إنَّما هوَ بطريقِ العُرفِ والاستعمالِ لا\nبأصلِ وضعْ اللغةِ، وهو قولٌ حكاهُ غيرُهُ في المسألةِ.\nوأمَّا قولُه تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) .\nوقولُهُ - ﷺ -: \"إنَّما الربا في النسيئةِ\"، و\"إنَّما الشهرُ تِسع وعشرونَ \" وقولُهُم: \"إنَّما العالِمُ زيد\" ونحوُ ذلك، فيُقالَ: معلومٌ منْ كلامِ العربِ أنَّهم ينفونَ الشيءَ في صِيغ الحصْرِ وغيرِهَا تارةً لانتفاءِ ذاتِهِ وتارةً لانتفاءِ فائدتِهِ ومقصودِهِ، ويحصرونَ الشيءَ في غيرِه تارةً لانحصارِ جميع الجنسِ فيه وتارةً لانحصارِ\nالمفيدِ أو الكاملِ فيه، ثمَّ إنهم تارة يعيدونَ النفيَ إلى المسمَّى وتارةً إلى الاسم\nوإنْ كان ثابِتًا في اللغةِ إذا كان المقصودُ الحقيقيُّ بالاسْم منتَفِئا عنه ثابِتًا لغير\nلقولِهِ تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَوْرَاةَ وَالاٍنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبكمْ)، فنَفَى عنهُم مسمَّى الشيءِ معَ أنَّه في الأصلِ شامل لكلِّ موجودٍ مِنْ حق وباطلٍ كما كانَ ما لا يفيدُ ولا منفعةَ فيه يَؤُولُ إلى الباطلِ الذي هو العدمُ فيصيرُ بمنزلةِ المعدومِ بلْ قدْ يكونُ أولَى بالعدمِ منْ المعدَمِ المستمرِ عدمُهُ لأنَه قدْ يكونُ فيه ضررٌ فجنْ قال الكذبَ فلم يَقُل شيئًا","vol":"2","page":110},{"text":"ولم يعملْ ما ينفعُهُ بلْ ما يضرُّه، ولهذا لمَّا سُئِلَ النبيُّ - ﷺ - عن الكفارِ فقالَ: \"ليسُوا بشيء\".\nويقولُ أهلُ الحديثِ عنْ بعض الرواةِ المجروحينِ والأحاديثِ\nالواهيةِ: \"ليسَ بشيءٍ \" إذا لم يكنْ مما يُنتفعُ بِهِ في الروايةِ لظهورِ كذبِهِ عمْدًا\nأوْ خطأ، ويقال أيضًا لمن خرجَ عنْ موجب الإنسانيةِ في الأخلاقِ ونحوِهَا:\nهذا ليسَ بآدميّ ولا إنسانٍ وما فيه إنسانية، ومنه قولُ النِّسوَةِ في يوسفَ ﵇: (مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) .\nوكَذلكَ قولُ اللَّهِ تعالى: (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) .\nوقولُ النبيِّ - ﷺ -\n\"ليس المسكينُ بهذا الطوَّافُ الذي تردُّه اللقمةُ واللقْمتانِ والتمرةُ\nوالتمرتانِ إنَّما المسكينُ الذي لا يجد ما يُغنيه ولا يُفْطَنُ له فيُتصدَّقُ عليه ولا يسْألُ الناسَ إلحافًا\" وكذلك قال: \"ما تعدُّونَ المفلِسَ فيكُم؟ \" قالُوا: الذي لا دِرهَم له ولا دِينار قالَ: \"ليس ذلكَ بالمفلِسِ، ولكنَّ المفلِسَ من يأتِي يومَ القيامةِ بحسناتٍ أمثالِ الجبالِ ويجيءُ وقد شتمَ هذا وضَرَبَ هذا وأخذَ مالَ هذا فيأخُذُ هذا منْ حسناتِهِ وهذا منْ حسَنَاتِهِ فإذا لم يتبقَّ لَهُ حسنةٌ أُخِذَ منْ سيئاتِهِم فَطُرِحَتْ عليه ثُمَّ ألقي في النارِ\"\nوقالَ: \"ما تعُدُّون الرقوبَ فيكُم؟ \"\nقالُوا: الرقوبُ منْ لا يُولدُ لهُ.\nقال: \"الرقوبُ منْ لم يُقدِّم منْ ولدِهِ شيئا\".\nوكذلك قولُهُ - ﷺ -:\n\"ليسَ الشديد بالصُّرعةِ ولكنَّ الشديدَ الذي يملكُ نفسَهُ عندَ الغضبِ \"\nوقولُهُ - ﷺ -:\n\"ليسَ الغِنَى عن كثْرةِ العَرَضِ وإنَّما الغِنَى غِنَى النفْسِ\".","vol":"2","page":111},{"text":"وأمثال ذلك، فهذا كلُّه نفيٌ لحقيقةِ الاسم منْ جهَةِ المُضِيِّ الذي يجب\nاعتبارُه، فإنَّ اسمَ الرقوبِ والمفلسِ والغني والشديد ونحوِ ذلك إنَّما يتعارفُه\nالناسُ فيمنْ عَدِمَ مالَهُ وولدَهُ أوْ حصلَ له مال أو قوَّةٌ في بدنِهِ، والنفوسُ تجزعُ من الأوَّلَيْن وترغب في الآخرَيْنِ، فيعتقدُ أنَّه هو المستحقُّ لهذا الاسم دونَ غير فبين - ﷺ - أنَّ حقيقةَ ذلك المعْنَى ثابتةٌ لغير هذا المتوهمِ على وجْهٍ ينبغي بعلو الاعتقاد والقصدِ بذلكَ الغيرِ فإن مَنْ عدِمَ المال والولدَ يومَ القيامةِ حيثُ يضرُ عدمُهُ أحقُّ باسم المفلس والرقوبِ ممن يُعدمهُمَا حيثُ قدْ لا يتضرر بذلكَ تضررًا معتبرًا ولذلك وجودُ غِنى النفسِ وقوتِها أحقُّ بالمدح والطلبِ منْ قوَّةِ البدنِ وغِنَى المال وهكذا قولُه - ﷺ -: \" إنَّما الرِّبا في النسيئةِ\" أوْ لا \"رِبَا إلا في النسيئة\".\nفإنَّ الرِّبا العام الشاملُ للجنسينِ، والجنسُ الواحدُ المتفقةُ صفاتُهُ إنَّما\nيكونُ في النسيئةِ وأمَّا رِبَا الفضلِ فلا يكونُ إلا في الجنسِ الواحدِ ولا يفعلُهُ\nأحدٌ إلا إذا اختلفت الصفاتُ، كالمضروب بالتِّبْرِ، والجيدِ بالرديءِ، فأمَّا مع\nاستواءِ الصفاتِ فلا يبيعُ أحد دِرْهمًا بدرهمينِ، وأيضًا فرِبَا الفضلِ إنَّما حُرِّم\nلأنه ذريعةٌ إلى رِبا النسيئة كما في \"المسند\" عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال: \"لاتبيعُوا الدرهمَ بالدرهمينِ، إنِّي أخافُ عليكُمُ الرِّبا\".\nفالربا المقصود بالقصد الأول هُوَ رِبَا النسيئةِ، فإذا بِيعَ مائة بمائةٍ وعشرينَ\nمع اتَفاقِ الصفاتِ ظهرتْ أن الزيادةَ قابلتِ الأجلَ الذي لا منفعة فيه وإنَّما\nدخل فيه للحاجة، ولهذا لا يضمنُ الآجال باليد فلو بقيت العينُ في يَده، أو\nالمال في ذمتِهِ مدةً لم يضمن الأجلَ بخلافِ زيادةِ الصفةِ، فإنَها مضمونةٌ في\nالإتلافِ والغصْبِ وفي المبيع إذا قابلتْ غيرَ الجنسِ، فلهذا قِيلَ: إنَّما الرِّبا في","vol":"2","page":112},{"text":"النَّسيئةِ ولا رِبَا إلا في النسيئةِ، فإنَّ المستحقَّ لاسم الرِّبا في الحقيقةِ هو رِبَا\nالنسيئةِ ولذلكَ نَفى الأسماءَ الشرعيةَ لانتفاءِ بعضِ واجباتِهَا لقولِهِ: (إِنَّمَا\nالْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ..) إلى قوله: (أولَئِكَ هُمُ المؤْمِنُونَ حَقًّا)، وهؤلاءِ همُ المستحقونَ لهذا الاسم على الحقيقةِ الواجبةِ دون\nمنْ أخلَّ بشيءٍ من واجباتِ الإيمانِ والإسلامِ عمن انتفَى عنهُ بعض واجباتِهما\nلقولِهِ: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن \" الحديث.\nوقولِهِ: \"المسلم منْ سلِم المسلمونَ من لسانِهِ ويدِهِ، والمهاجرُ من هَجَرَ ما نهى الله عنه\"\nوقولِه: \"المؤمن من أمنَهُ الناس على دمائهِم وأموالِهِم، والمجاهدُ من جاهدَ نفسَهُ في ذاتِ اللَّهِ \".\nومثلُ هذا كثير، وكذلك قولُهُ - ﷺ -:\n\"إنَّما الشهرُ تِسع وعشرون \"\nفإنَّ هذا هو عددُ الشَّهرِ اللازمِ الدائم، واليومُ الزائدُ على ذلكَ أمر جائز يكون في بعضِ الشهورِ ولا يكونُ في بعضِها، بخلافِ التسعةِ والعشرين، فإنَّه يجبُ عددُها واعتبارُها بكلِّ حال، وهذا كما يُقال: الإسلامُ شهادةُ أن لا إله إلا اللَّهُ وأنَّ محمدًا رسولُ اللَّهِ. َ\nفهذا هو الذي لا بدَّ منه، وما زاد على ذلك فقدْ يجبُ على الإنسانِ، وقد\nيموتُ قبلَ التمكنِ، فلا يكونُ الإسلامُ في حقِّه إلا ما تكلَّمَ به، وحاصلُ الأمرِ أن الكلامَ الخبريَّ هو إمَّا إثباث أو نفيٌ فكما أنهم في الإثباتِ يثبتونَ - للشيءِ اسمَ الشيءِ إذا حصلَ فيه مقصودُ الاسم وإن انتفتْ صورةُ المسمَّى، فكذلكَ","vol":"2","page":113},{"text":"في النَّفي، فإنَّ أدواتِ النَّفي تدل على انتفاءِ الاسمِ بانتفاءِ مسمَّاه فذلك، تارةً لأنه لم يُوجدْ أصلًا، وتارةً لأنه لم توجدِ الحقيقةُ المقصودةُ بالمسمَّى، وتارةً\nلأنه لم تكنْ تلكَ الحقيقةُ، وتارةً لأن ذلك المسمَّى مما لا ينبغي أنْ يكونَ\nمقصودًا بل المقصودُ غيرُه، وتارةً لأسبابٍ أُخرَ وهذا كلُّه إنَّما يظهرُ من سياقِ الكلامِ وما اقترنَ به من القرائنِ اللفظية التي لا تخرجُهُ عن كونِهِ حقيقةً عندَ الجمهورِ ولكونِ المركبِ قد صارَ موضوعًا لذلكَ المعْنى، أوْ مِنَ القرائنِ الحاليةِ التي تجعلُه مجازًا عند الجمهور، وأمَّا إذا أطلقَ الكلامُ مجرَّدًا عن القرينتينِ فمعناهُ السلبُ المطلقُ وهوَ أكثرُ الكلامِ وهذا الجوابُ ملَّخصٌ من كلامِ شيخ الإسلام أبي العباسِ ابن تيمية - ﵀.\nوأما قولُهُ تعالى: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، وقولُهُ: (إِنَّمَا أًنتَ مُنذِرٌ) .\nونحو ذلك، فالجواب عنهُ أن يُقال: الحصر تارةً يكونُ عامًا\nكقولِهِ: (إِنَّمَا إِلَهُكمْ اللَّه الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ)، ونحوِ ذلك.\nوتارةً يكونُ خاصًّا بما يدل عليه سياقُ الكلامِ فليسَ الحصرُ أن ينفيَ عن الأوَّل كل ما سوى الثاني مطلقًا، بلْ قد ينْفِي عنه ما يُتوهَمُ أنه ثابتٌ لهُ مِنْ ذلك النوع الذي أثبتَ له في الكلامِ.\nفقولُه: (إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ)، فيه نفيُ تعددِ الإلهيّةِ في حقِّه\nسبحانَهُ وأنَّه لا إله غيره، ليسَ المرادُ أنه لا صفةَ له سوى وحدانيةِ الإلهيةِ.\nوكذلك قولُهُ: (إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) .\nفإنَّ المراد به أنه لم يُوحَ إليَّ في أمرِ الإلهيةِ إلا التوحيدَ لا الإشراكَ.\nوالعجبُ أن أبا حيَّان الأندلسيّ أنكر على الزمخشريّ ادعاءَه الحصرَ في\nهذه الآيةِ لاستلزامهِ عندَهُ أنَّه لم يوحَ إليه غيرَ التوحيدِ، قال: لأنَّ الحصرَ إنما","vol":"2","page":114},{"text":"يلقى من جهة: \"أنما\" المفتوحةِ الهمزةِ، قالَ: ولا يُعرفُ القولُ بإفادتها الحصرَ\nإلا عندَ الزمخشريِّ وحده.\nوردَّ ذلك عليه شيخُنا أبو محمدٍ بنِ هشامٍ بناءً على أنَّ (أنَّ) المفتوحةَ فرع\nعن \"إن \" المكسورةِ على الصحيح، قال: ولهذا صحَّ للزمخشريِّ أن يدَّعي أنها تفيدُ الحصرَ \"إنَّما\" انتهى.\nوهذا كلُّه لا حاجةَ إليه في هذه الآيةِ فإنَّ الحصرَ مستفاد فيها مِنْ \"إنما\"\nالمكسورةِ التي في أولِ الآيةِ فلو فرض أن \"أنما\" المفتوحةَ لا تفيد الحصرَ لم\nينتفِ بذلكَ الحصرُ في الآيةِ على ما لا يخْفى، وكذلكَ قولُهُ تعالى:\n(إِنَّمَا أَنتَ مُنذِر)، أي لستَ ربًّا لهم ولا مُجازِيًا ولا محاسِبًا، وليسَ عليكَ\nأن تجبرَهُم على الإيمانِ، ولا أن تتكلفَ لهم طلبَ الآياتِ التي يقترحونَها\nعليكَ (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِر)، فليسَ عليكَ إلا الإنذارُ، كما قال:\n(فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ) وقالَ: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) .\nومنْ هَا هُنا يظهرُ الجوابُ عن قولِه:\n\"إنما كان الذي أوتيتُه وحيًا أوحاهُ اللَّهُ إليَّ \"\nفإنَّه قالَ: \"ما مِنْ نبى إلا وقد أوتي من الَآياتِ ما آمنَ على مثلِهِ البشرُ، وإنَّما كانَ الذي أوتيتُه وحيًا أوحاهُ اللَهُ إليَّ، فأرجُو أنْ أكونَ أكثرُهم تابعًا يومَ القيامةِ\"\nفالكلامُ إنما سِيقَ لبيانِ آياتِ الأنبياء العظامِ الذي آمن لهم بسببها الخَلْقُ الكثيرُ، ومعلومٌ أن أعظمَ آياتِ النبيِّ - ﷺ - التي آمن عليها أكثرُ أُمَّتِهِ هي الوحيُ وهوَ الذي كان يدعو به الخلقَ كلَّهم، ومنْ أسلمَ في حياتِهِ خوفًا فأكثرُهم دخلَ الإيمانُ في قلبهِ بعد ذلك بسببِ سماع الوحي لمسلمي الفتح وغيرِهِم، فالنفيُ توجه إلى","vol":"2","page":115},{"text":"أنه لم تكنْ آياتُهُ التي أوجبتْ إسلامَ الخلقِ الكثيرِ من جنسِ ما كانِ لمن قبله\nمثلَ ناقةِ صالح وعصا موسى ويدِهِ وإبراءِ المسيح الأكمه والأبرصَ وإحياءِ\nالموتى ونحو ذلك، فإنَّ هذه أعظمَ آياتِ الأنبياءِ قبلَه وبها آمن البشرُ لهم.\nوأمَّا آيتُه هو - ﷺ - التي آمنَ البشرُ عليها في حياتِهِ وبعدَ وفاتِهِ فهيَ الوحيُ التي أُوحِي إليه وهيَ التي توجبُ إيمانَ البشرِ إلى يومِ القيامةِ كما قال تعالى: (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقرْآن لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ) .\nولهذا قيل: إنَّ آياتِ الأنبياءِ انقطعتْ بموتِهِم وآياتِهِ - ﷺ - باقيةً إلى يومِ القيامةِ، ومما يبيِّن أنَّ الحصرَ لم ينتفِ عنْ \"إنَّما\" في شيء من هذه الأنواع التي توهمُوها، أنَّ الحصرَ قد جاءَ فيها وفي مثلِها بِإلاَّ كما جاء بـ \"إنَّما\" فإنه جاء \"لا ربا إلا في النسيئة\"\nكما جاء \"إنما الربا في النسيئة\"\nوجاءَ في القرآن (وَمَا محَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُل) .\nكما جاء: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ)\nوكذلك قوله: (مَا الْمَسِيحُ ابْن مَرْيَمَ إِلاَّ رَسولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ) .\nومثلُ ذلك كثير فهذا وجهُ إفادتِهَا الحصر في هذهِ الآيةِ على القولِ المشهور\nوهو \"إنما\" في قولِهِ: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)، هي الكافةُ.\nوأما على قولِ منْ جعلَهَا موصولةً فتفيدُ الحصرَ منْ جهةٍ أُخرى وهو أنَّها إذا\nكانتْ موصولةً فتقديرُ الكلامِ \"إن الذين يخشون الله هم العلماء\" وهذا أيضًا\nيفيدُ الحصرَ\" فإنَّ الموصولَ يقتضي العمومَ لتعريفِهِ، وإذا كان عامًّا لزمَ أنْ\nيكونَ خبرُهُ عامًّا أيضًا لئلا يكونَ الخبرُ أخصَّ من المبتدأ، وهذا النوعُ من\nالحصرِ يسمَّى حصرَ المبتدأ في الخبرِ، ومتى كان المبتدأ عامًّا فلا ريبَ إفادتهُ\nالحصرَ، وأمَّا دلالة الآيةِ على الثالثِ، وهو نفي العلم من غيرِ أهلِ الخشيةِ.\nفمن جهةِ الحصرِ أيضا فإنَّ الحصرَ المعروفَ المطردَ فهو حصرُ الأولِ في الثاني،","vol":"2","page":116},{"text":"وهو هَاهُنا حصرُ الخشيةِ في العلماءِ، وأما حصرُ الثاني في الأولِ فقد ذكره\nالشيخُ أبو العباسِ ابنِ تيمية - ﵀ - وأنه قدْ يكونُ مرادًا أيضًا فيصيرُ\nالحصرُ من الطرفينِ ويكونانِ متلازمينِ، ومثلُ ذلك كقولِهِ: (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ\nاتَبَعَ الذكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)، و(إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (١٥) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) .\nقالَ: وكذلك الحصرُ في هذه الآيةِ أعني قولِهِ:\n(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)\nفتقتضي أنَّ كلَّ من خشيَ اللَّهَ فهو عالِم، وتقتضي أيضًا أنَّ العالِمَ منْ يخشى\nاللَّهَ، وبيانُ الحصرِ الذي ذكره الشيخُ - ﵀ - في هذهِ الآياتِ أنَّ قولَه: (إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ) فيه الحصرُ من\nالطرفينِ، فإن اقتضى أن إنذارَهُ مختصٌّ بمن اتبع الذكر وخشيَ الرحمنَ\nبالغيبِ فإن هذا هو المختصُّ بقبولِ الإنذارِ، والانتفاع به فلذلك نفَى الإنذارَ\nعن غيرِهِ، والقرآنُ مملوء بأنَّ الإنذارَ إنما هو للعاقلِ له خاصةً، ويقتضي أنه لا يتبعُ الذكرَ ويخشى الرحمنَ بالغيبِ إلا منْ أنذره أيْ مَنْ قَبِلَ إنذارَهُ وانتفعَ به فإنَّ اتباعَ الذكرِ، وخشيةَ الرحمنِ بالغيبِ مختصة بمن قَبِلَ الإنذارَ كما يختصُ قبولُ الإنذارِ والانتفاعُ بأهلِ الخشيةِ واتباع الذكرِ.\nوكذلك قولُه: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا) .\nوقولُه: (إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا) الآية.\nفإن انحصارَ الإنذارِ في أهلِ الخشيةِ، كانحصارِ أهلِ الخشيةِ في أهلِ الإنذارِ، والذين خرُّوا سجدًا في أهل الإيمانِ ونحوِ ذلك فكذلكَ قولُه:\n(إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ)\nوقد فسَّرها السلفُ بذلك أيضًا كما سنذكرُهُ - إن شاءَ اللَّهُ تعالى -\nونذكرُ شواهدَهُ.","vol":"2","page":117},{"text":"وهَاهُنا نكتةٌ حسنةٌ، وهيَ أنَّ قولَهُ تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ\nالْعُلَمَاءُ) قد عُلِمَ أنه يقتضي ثبوتَ الخشيةِ للعلماءِ للرهطِ (١) يقتضِي ثبوتَها\nلجنسِ العلماءِ، كما يُقال: إنما يحج المسلمونَ، أو: لا يحج إلا مسلم.\nفيقتضي ثبوتَ الحجِّ لجنسِ المسلمينَ لا لكلِّ فرد فردٍْ منهم أو يقتضي ثبوتَ\nالخشيةِ لكلِّ واحدٍ من العلماءِ، هذا الثاني هو الصَّحَيحُ وتقريرُه من جهتين:\nالجهة الأولى: أن الحصرَ هَاهُنا من الطرفينِ، حصرُ الأول في الثاني وحصرُ\nالثاني في الأول، كما تقدَّم بيانُه، فحصْرُ الخشيةِ في العلماءِ يفيدُ أنَّ كلَّ من\nخشيَ اللَّهَ فهو عالِمٌ وإنْ لم يُفِدْ لمجردِهِ أنَّ كلَّ عالِم فهو يخشى اللَّهَ وتفيدُ أنَّ\nمن لا يخشى فليسَ بعالم، وحصْرُ العلماءِ في أهلِ الخشيةِ يفيدُ أنَّ كلَّ عالِم\nفهو خاشٍ، فاجتمعَ من مجموع الحصرينِ ثبوتُ الخشيةِ لكلِّ فردٍ من أفرادِ\nالعلماء.\nوالجهة الثانية: أن المحصورَ هلْ هوَ مقتضٍ للمحصورِ فيه أوْ هوَ شرطٌ له؟\nقال الشيخُ أبو العباس - ﵀ -: وفي هذه الآيةِ وأمثالها هو مقتضٍ فهو\nعامٌّ فإنَّ العلمَ بما أنذرتْ به الرسلُ يوجبُ الخوفَ، ومرادُه بالمقتَضي - العلة\nالمقتضيةَ - وهي التي يتوقفُ تأثيرُها على وجودِ شروط وانتفاءِ موانعَ كأسبابِ الوعدِ والوعيدِ ونحوِهما فإنها مقتضياتٌ وهي عامةٌ، ومرادُهُ بالشرطِ ما يتوقفُ تأثيرُ السببِ عليه بعدَ وجودِ السببِ وهو الذي يلزمُ من عدمِهِ عدمُ\nالمشروطِ ولا يلزمُ من وجودِهِ وجودُ المشروطِ، كالإسلامِ بالنسبةِ إلى الحجِّ.\nوالمانعُ بخلافِ الشرطِ، وهوَ ما يلزمُ من وجودِهِ العدمُ ولا يلزمُ من عدمه\nالوجودُ وهذا الفرقُ بين السببِ والشرطِ وعدمِ المانِع إنَّما يتمُ على قولِ من\n_________\n(١) في الأصل [للرهطِ] ولعل الصواب ما أثبتناه. (مصحح النسخة الألكترونية)\nقال محقق الكتاب:\nولعل الصواب: \"للرب فهل\".","vol":"2","page":118},{"text":"يُجوِّزُ تخصيصَ العلةِ وأما من لا يُسمِّي علةً إلا ما استلزمَ الحكمَ ولزمَ من\nوجودِها وجودُه على كلِّ حال، فهؤلاءِ عندهم الشرطُ وعدمُ المانع من جملةِ\nأجزاءِ العلةِ، والمقصودُ هنا أنَّ العلمَ إذا كان سببًا مقتضيًا للخشيةِ كان ثبوتُ\nالخشيةِ عامًا لجميع أفرادِ العلماءِ لا يتخلفُ إلا لوجودِ مانع ونحوهِ.\nوقد تقدَّم بيانُ دلالةِ الآية على أنَّ منْ خَشِي اللَّهَ وأطاعه وامتثل أوامره\nواجتنب نواهيه فهو عالِم لأنه لا يخشاه إلا عالِمٌ، وعلى نفي الخشيةِ عن غيرِ\nالعلماءِ، ونفي العلْم عن غير أولي الخشيةِ أيضًا، وأنَّ من لم يخشَ اللَّهَ\nفليسَ بعالِم وبذلك فسَّرها السلفُ.\nفعنِ ابنِ عباس قال: \"يريدُ: إنما يخافُني مِنْ خلقِي مَنْ عَلِمَ جبروتِي\nوعزَّتي وجَلالِي وسلْطَاني \".\nوعنْ مجاهدٍ والشعبيِّ: \"العالِمُ من خافَ اللَّهَ \".\nوعن ابنِ مسعودٍ قال: \"كفى بخشيةِ اللَّهِ علمًا وكفَى بالاغترارِ باللَّهِ\nجهلًا\".\nوذكرَ ابنُ أبي الدنيا عن عطاءٍ الخراسانيِّ في هذه الآيةِ: \"العلماءُ باللَّهِ\nالذين يخافونَهُ \".\nوعن الربيع بنِ أنسٍ في هذه الآيةِ قال: منْ لم يخشَ اللَّهَ فليسَ بعالمٍ.\nألا ترى أنَّ داود قال: ذلكَ بأنَّك جعلتَ العلمَ خشيتَكَ، والحكمةَ والإيمانَ\nبك وما عَلِمَ منْ لم يخشَكَ وما حكم من لم يؤمنْ بك.\nوعن الربيع عن أبي العاليةِ في قولِهِ تعالى: (يؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ) .\nقال: \"الحكمةُ الخشيةُ فإنَّ خشيةَ اللَّهِ رأسُ كلِّ حكمةٍ\".","vol":"2","page":119},{"text":"وروى الدارميُّ من طريقِ عكرمة عن ابنِ عباسٍ: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ\nالْعُلَمَاءُ) قال: \"مَنْ خشيَ اللَّهَ فهو عالِمٌ \".\nوعن يحيى بن جعدةَ، عن عليٍّ قالَ: \"يا حملةَ العلم، اعملوا به فإنَّما\nالعالِمُ من عملَ بما علمَ فوافقَ علمُهُ عملَه، وسيكونُ أقوامٌ يحملونَ العلمَ ولا\nيجاوزُ تراقيهم، يخالفُ علمُهم عملَهم، وتخالفُ سريرتُهم علانيتَهم.\nيجلسونَ حِلَقًا فيُباهي بعضُهم بعضًا، حتَى إنَّ الرجلَ ليغضبُ على جليسِهِ أنْ\nيجلسَ إلى غير ويدعَهُ، أولئك لا تصعدُ أعمالُهم في مجالسِهِم تلكَ إلى\nاللَّه ﷿ \".\nوعن مسروقٍ قالَ: \" كفى بالمرءِ علمًا أن يخشى اللَّهَ ﷿ وكفى بالمرءِ\nجهْلًا أنْ يُعجبَ بعلمه \".\nوعن ابنِ عمرَ - ﵄ - قال:\n\"لا يكونُ الرجلُ عالما حتَّى لا يحسدَ من فوقَهُ ولا يحقرَ من دونَهُ، ولا يبتغي بعلمِهِ ثمنًا\".\nوعن أبي حازمٍ نحوه.\nمنه قولُ الحسنِ: \"إنما الفقيهُ الزاهدُ في الدُّنيا، الراغبُ في الآخرةِ، البصيرُ\nبدينِهِ، المداومُ على عبادةِ ربِّه \".\nوعن عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ أنَّ عمرَ بنَ الخطابِ سألَ عبدَ اللَّهِ بنَ سلامٍ: \"مَنْ\nأربابُ ألعلم؟\nقال: الذين يعملونَ بما يعلمُونَ \".\nوقال رجلٌ للشعبي: أفتني أيها العالم فقال: \"إنما العالمُ من يخافُ اللَّهَ \".\nوعن الربيع بنِ أنس عن بعضِ أصحابِهِ قال: \"علامةُ العلم: خشيةُ اللَّهِ\n﷿ \".","vol":"2","page":120},{"text":"وسئلَ سعدُ بنُ إبراهيم -: من أفقهُ أهلِ المدينةِ؟\nقال: \"أتقاهم لربِّه \".\nوسئل الإمامُ أحمدُ عن معروفٍ، وقيلَ له: هلْ كان معه علمٌ؟\nفقال: \"كان معه أصلُ العلم، خشيةُ اللَّهِ ﷿ \".\nويشهد لهذا قولُه تعالى: (أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) . وكذلك قولُهُ تعالى: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) .\nوقولُهُ: (أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) .\nوقولُهُ: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٩) .\nقال أبو العاليةَ: \"سألتُ أصحابَ محمدٍ عن هذه الآيةِ: (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ)\nفقالُوا: كلُّ منْ عَصَى اللَّهَ فهو جاهلٌ، وكلُّ من تاب قبل الموتِ فقدْ تابَ من قريبٍ \".\nوعن قتادةَ قال: \"أجمع أصحابُ رسول اللَّهِ - ﷺ - على أنَّ كلَّ من عصى ربَّه فهو جاهلٌ جهالةً، عمدًا كان أو لم يكنْ، وكلُّ من عَصَى ربَّه فهو جاهلٌ \".\nوقال مجاهدٌ: \"منْ عمِلَ ذنبًا من شيخ أو شابٍ فهو بجهالةٍ\"، وقال\nأيضًا: \"من عصى ربَّه فهو جاهلٌ حتى ينزعَ عن معصيتِهِ \"، وقال أيضًا:\n\"من عملَ سوءًا خطأً أو إثمًا فهو جاهلٌ حتى ينزعَ منه \".\nوقال أيضًا هو وعطاء: \"الجهالةُ: العمدُ\".\nرواهنَّ ابنُ أبي حازمٍ وغيرُه، وقال: ورُوي عن قتادةَ،","vol":"2","page":121},{"text":"وعمرِو بنِ مرةَ، والثوريِّ نحو ذلك.\nورُوي عن مجاهدٍ، والضحاكِ، قالا: \"ليسَ من جهالتِهِ أن لا يعلَمَ حلالًا\nولا حرامًا، ولكن مِنْ جهالتِهِ حينَ دخلَ فيه \".\nوقال عكرمةُ: \"الدنيا كلُّها جهالةٌ\".\nوعن الحسنِ البصريِّ أنَه سُئلَ عنها فقال: \"هم قومٌ لم يعلمُوا ما لهم مما\nعليهم، قيل له: أرأيتَ لو كانوا علموا؟\nقال: فليخرجُوا منها فإنها جهالةٌ\".\nومما يبيِّنُ أنَّ العلمَ يوجبُ الخشيةَ وأنَّ فقدَهُ يستلزمُ فقْدَ الخشيةَ وجوه:\nإحداها: أن العلم باللَّه تعالى وما لَهُ من الأسماءِ والصفات كالكبرياءِ\nوالعظمةِ والجبروتِ، والعزة وغيرِ ذلك يوجبُ خشيتَهُ، وعدمُ ذلك يستلزمُ\nفقْدَ هذه الخشيةِ، وبهذا فسَّر الآيةَ ابنُ عباسٍ، فقال: \"يريدُ إنما يخافني مَنْ\nعلِمَ جبروتِي، وعِزَتي، وجلالِي، وسلْطَاني \"، ويشهدُ لهذا قولُ النبيِّ - ﷺ -:\n\"إني لأعلمكم باللَّهِ وأشدُّكم له خشيةً\" وكذلك قولُهُ - ﷺ -:\n\"لو تعلمونَ ما أعلمُ لضحكتُم قليلًا ولبكيتُم كثيرًا\"\nوفي \"المسند\" وكتابِ الترمذيِّ وابنِ ماجةَ\nمنْ حديثِ أبي ذرٍّ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"إني أرَى ما لا ترونَ وأسمعُ ما لا تسمعونَ.\nإنَّ السماءَ أطَّتْ وحُقَّ لها أن تئِطَّ، ليسَ فيها موضعُ أربع أصابعَ إلا وملكٌ\nواضعٌ جبهتَهَ ساجدٌ للَّهِ - ﷿ - واللَّه لو تعلمونَ ما أعلمُ لضحكتُم قليلًا ولبكيتُم كثيرًا، وما تلذذتُم بالنساءِ على الفُرشِ، ولخرجتُم إلى الصعداتِ تجأرونَ إلى الله ﷿ \".","vol":"2","page":122},{"text":"وقال الترمذيُّ: حسنٌ غريبٌ.\nقال: ويُروى عن أبي ذرٍّ موقوفًا وذكر أبو نُعيمٍ وغيرُه بالإسنادِ عن ابنِ\nعباسٍ، أنه قالَ للنفرِ الذين كانوا يختصمون ويتمارون:\n\"أو ما علمتُم أنَّ للَّه عبادًا أصمتَتْهم خشيةُ اللَّهِ من غير بكمٍ ولا عَيًّ، وإنهم لَهُمُ العلماءُ والفصحاءُ والطلقاءُ والنبلاءُ، العلماءُ بأيامِ اللَّه غيرَ أنهم إذا تذكَّروا عظمةَ اللَّهِ طاشتْ لذلكَ عقولُهم، وانكسرتْ قلوبُهم، وانقطعتْ ألسنتُهم، حتَّى إذا استفاقُوا من ذلك، تسارعُوا إلى اللَّه ﷿ بالأعمالِ الزكيَّةِ، يعدونَ أنفسهم مع المفرطين، وإنهم لأكياسٌ أقوياءُ مع الظالمينَ والخاطئين، وإنهم لأبرارٌ بُرءاءُ، إلا أنهم لا يستكثرونَ إلا الكثيرَ، ولا يرضونَ له بالقليلِ، ولا يدلون عليه بالأعمالِ هم حيثُ ما لقيتموهُم مهتمُّونَ مشفقونَ وجِلُونَ خائفون \".\nوروى ابنُ أبي الدنيا أثرًا عن زنادِ بن أبي حبيبٍ أنه بلغه: \"أن من حملةِ\nالعرشِ من سالَ من عينه أمثالُ الأنهارِ من البكاءِ فإذا رفعَ رأسَهُ قالَ:\nسبحانَك ما تُخشى حقَّ خشيتِكَ، قال تعالى ذكرُه: لكن الذين يحلفونَ\nباسمي كاذبين لا يعلمونَ ذلك \".\nوعن يزيد الرقاشيِّ قالَ: \"إن للَّه ﵎ ملائكةً حولَ العرشِ.\nتجري أعينهم مثلَ الأنهارِ إلى يومِ القيامةِ، يميدونَ كأنَّهم ينفضهم الريحُ من\nخشيةِ اللَّهِ، فيقول الربُّ ﷿: يا ملائكتي، ما الذي يُخيفكُم وأنتم\nعِنْدِي؟\nفيقولون: يا ربِّ، لو أنَّ أهلَ الأرضِ اطَّلعوا من عِزَّتك وعظمتكَ\nعلى ما اطَّلعنا عليها، ما أساغوا طعامًا ولا شرابًا، ولا انبسطُوا في فُرُشِهِم.\nولخرجُوا إلى الصَّحاري يخورونَ كما تخورُ البقرُ\". ومثل هذا كثيرٌ جدًّا،","vol":"2","page":123},{"text":"والمقصود أنَّ العلمَ باللَّهِ وأسمائهِ وصفاتِهِ وأفعالِهِ منْ قدره، وخلقِهِ، والتفكيرَ\nفي عجائبِ آياتِهِ المسموعةِ المتلوةِ، وآياتِهِ المشاهدةِ المرئيةِ من عجائبِ\nمصنوعاتِهِ، وحِكمِ مبتدعاتِهِ ونحو ذلك مما يوجبُ خشيتَهُ وإجلالَهُ، ويمنعُ من\nارتكابِ نهيهِ، والتفريطِ في أوامره؛ هو أصلُ العلم النافع، ولهذا قالَ طائفةٌ\nمن السلفِ لعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ وسفيان بن عيينةَ:\n\"أعجبُ الأشياءِ قلبٌ عَرَفَ ربَه ثمَ عصاهُ \".\nوقال بشرُ بنُ الحارثِ: \"لو يفكرُ الناسُ في عظمةِ اللَّهِ لما عصوا اللَّه \"\nوفي هذا المعنى يقولُ الشاعرُ:\nفواعجبًا كيف يُعصى الإله. . . وكيفَ يجحدُهُ الجاحدُ\nوللَّهِ في كلِّ تحريكةٍ. . . وتسكينةٍ أبدًا شاهِدُ\nوفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ. . . تدل على أنَه واحِدُ\nالوجه الثاني: أنَّ العلمَ بتفاصيلِ أمرِ اللَّهِ ونهيه، والتصديقَ الجازمَ بذلك.\nومما يترتبُ عليه من الوعدِ والوعيدِ والثوابِ والعقابِ، مع تيقنِ مراقبة اللَّهِ\nواطِّلاعهِ، ومشاهدَتِهِ، ومقتِهِ لعاصِيهِ وحضورِ الكرامِ الكاتبينَ، كلُّ هذا\nيوجبُ الخشيةَ، وفعلَ المأمورِ وتركَ المحظورِ، وإنَّما يمنعُ الخشيةَ ويوجبُ\nالوقوعَ في المحظوراتِ الغفلةُ عن استحضارِ هذه الأمورِ، والغفلةُ من أضدادِ\nالعلمِ، والغفلةُ والشهوةُ أصلُ الشرِّ، قالَ تعالى:\n(وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) .\nوالشهوةُ وحدُها، لا يستقلُّ بفعلِ السيئاتِ إلا مع الجهلِ، فإنَّ صاحبَ الهوى لو استحضرَ هذه الأمورَ المذكورةَ وكانتْ موجودةً في ذكره، لأوجبتْ له الخشيةَ القامعةَ لهواهُ، ولكنَّ غفلتَه عنها مما يوجبُ نقصَ إيمانِهِ الذي أصلُه التصديقُ الجازمُ المترتبُ على","vol":"2","page":124},{"text":"التصورِ التامِ، ولهذا كان ذكرُ اللَّهِ وتوحيدُه والثناءُ عليه يزيدُ الإيمانَ، والغفلةُ والإعراضُ عن ذلك يضعفُهُ وينقصُهُ، كما كان يقولُ منْ يقولُ من الصحابةِ:\n\"اجلسُوا بنا نؤمنُ ساعة\".\nوفي الأثرِ المشهورِ عن حماد بنِ سلمةَ عن أبي جعفرٍ الخطميِّ عن جدِّه\nعميرِ بن حبيبٍ وكان من الصحابةِ، قال:\n\"الإيمانُ يزيدُ وينقصُ قيلَ: وما زيادتُهُ ونقصانُهُ؟\nقال: إذا ذكرَنا اللَّه ووحَّدْناه وسبَّحْنَاهُ، فتلك زيادتُهُ.\nوإذا غفلنا ونسينا، فذلك نقصانُهُ \".\nوفي مسندي الإمام أحمدَ والبزارِ من حديث أبي هريرةَ أن النبيَّ - ﷺ - قالَ:\n\"جدِّدُوا إيمانَكُم \" قالُوا: وكيفَ نجددُ إيمانَنا يا رسولَ اللَّهِ؟\nقال: \"قولُوا: لا إله إلا اللَّه \".\nولهذا كان الصحيحُ المشهورُ عن الإمامِ أحمدَ الذي عليه أكثرُ أصحابِهِ\nوأكثرُ علماءِ السنة من جميع الطوائف؛ أنَّ ما في القلبِ من التصديقِ والمعرفةِ\nيقبلُ الزيادةَ والنقصانَ، فالمؤمنُ يحتاجُ دائمًا كلَّ وقتٍ إلى تحديدِ إيمانِهِ وتقويةِ\nيقينِهِ، وطلبِ الزيادةِ في معارفهِ، والحذرِ من أسبابِ الشكِّ والريبِ والشبهةِ، ومنْ هُنا يُعلمُ معنى قولِ النبيًّ - ﷺ -:\n\"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرقُ السارقُ حين يسرقُ وهو مؤمن ولا يشربُ الخمرَ حين يشربُها وهو مؤمن \"\nفإنه لو كان مستحضِرًا في تلك الحال لاطِّلاع اللَّهِ عليه ومقتِهِ له جمع ما توعَّدَهُ اللَّهُ به من العقابِ المجملِ والمفصلِ استحضارًا تامًّا لامتنعَ منه بعدَ ذلكَ وقوعُ هذا المحظورِ وإنما وقعَ فيما وقعَ فيه لضعفِ إيمانِهِ ونقصِهِ.","vol":"2","page":125},{"text":"الوجهُ الثالث: أنَّ تصورَ حقيقةِ المخوفِ يوجبُ الهربَ منه، وتصورَ حقيقة\nالمحبوبِ توجبُ طلبَهُ فإذا لم يهربْ منْ هذا ولم يطلبْ هذا دلَّ على أنًّ\nتصورَهُ لذلك ليسَ تامًّا، وإن كانَ قد يصور الخبر عنه، وتصورُ الخبرِ\nوتصديقِهِ وحفظُ حروفِهِ غيرُ تصوُّرِ المخبَرِ به فإذا أخبر بما هو محبوبٌ أو\nمكروهٌ له، ولم يكذِّبِ الخبرَ بل عرفَ صدقَهُ لكن قلبَهُ مشغولٌ بأمور أخرى\nعن تصورِ ما أخبرَ به، فهذا لا يتحركُ للهربِ ولا للطلبِ، في الأثر المعروف\nعن الحسن وروي مرسلًا عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"العلمُ علمانِ، فعلم في القلب، فذاك العلمُ النافعُ، وعلمٌ على اللسانِ، فذاك حجةُ اللهِ على ابنِ آدم \".\nالوجه الرابع: أنَّ كثيرًا من الذنوبِ قد يكونُ سببُ وقوعِهِ جهلَ فاعلِهِ بحقيقةِ\nقبحه وبُغضِ اللَّهِ له وتفاصيل الوعيدِ عليه وإنْ كانَ عالمًا بأصل تحريمه وقبحِه\nلكنَّه يكونُ جاهِلًا بما وردَ فيه من التغليظ والتشديد ونهايةِ القبح، فجهلُه\nبذلكَ هو الذي جرَّأهُ عليه وأوقعه فيه، ولو كان عالمًا بحقيقةِ قبحِهِ لأوجبَ\nذلك العلمُ تركَهُ خشيةً من عقابِهِ، ولهذا كان القولُ الصحيحُ الذي عليه\nالسلفُ وأئمةُ السنةِ أنه يصحُّ التوبةُ من بعضِ الذنوبِ دون بعضٍ خلافًا\nلبعضِ المعتزلةِ، فإنَّ أحدَ الذنبينِ قد يَعلمُ قبحَه فيتوبُ منه ويستهينُ بالآخرِ\nلجهلِهِ بقبحِهِ وحقيقةِ مرتبتِه فلا يقلعُ عنه، ولذلك قد يقهرُهُ هواهُ ويغلبُه في\nأحدِهما دون الآخر فيقلعُ عما لم يغلبْه هواه دون ما غلبه فيه هواهُ، ولا يقالُ\nلو كانتِ الخشية عندَهُ موجودةً لأقلعَ عن الجميع، لأن أصلَ الخشيةِ عنده\nموجودةٌ، ولكنها غيرُ تامةٍ، وسبب نقصها إما نقصُ علمِهِ، وإما غلبةُ\nهواه، فتبعُّضُ توبتِه نشأ من كونِ المقتضِي للتوبةِ من أحدِ الذنبين أقوى من\nالمقتضي للتوبةِ من الآخرِ، أو كونِ المانع من التوبةِ من أحدِهما أشدَّ من","vol":"2","page":126},{"text":"المانع من الآخرِ.\nالخامس: أنَّ كل ما علمَ عِلمًا تامًّا جازِمًا بانَّ فعلَ شيئًا يضرُّه ضررًا راجحًا\nلم يفعلْه، فإنَّ هذا خاصةُ العاقلِ، فإنَّ نفسه تنصرفُ عمَّا يعلمُ رجحانَ ضررهِ\nبالطبع، فإنَّ اللَّه جعلَ في النفس حبًّا لما ينفعُها وبغْضًا لما يضرُّها، فلا يفعلُ\nما يجزم بأنه يضرُّها ضررًا راجحًا، ولا يقعُ ذلك إلا مَعَ ضعيفِ العقلِ؛ فإنَّ\nالسقوطَ مَنْ موضع عالٍ، أو في نهر مغرقٍ، والمرورَ تحتَ حائطٍ يُخشى\nسقوطُه، ودخولَ نارٍ متأججةٍ، ورميَ المالِ في البحرِ، ونحو ذلك، لا يفعلهُ\nمن هو تامُّ العقل لعلمِهِ بأن هذا ضرر ولا منفعةَ فيه، وإنَّما يفعلُه من لم يعلمْ\nضررُهُ كالصبيِّ، والمجنونِ، والسَّاهي، والغافلِ، وأمَّا العاقلُ فلا يُقدمُ على ما يضرّه مع علمه بما فيه من الضررِ إلا لظنِّه أنَّ منفعتَهُ راجحة إمَّا بأن يجزمَ بأن ضررَهُ مرجوح، أو يظنُّ أن خيرَهُ راجح، كالذي يركبُ البحرَ ويسافرُ الأسفارَ الخطرةَ للربح فإنه لو جزمَ بأنه يغرقُ أو يخسرُ لما فعلَ ذلكَ وإنَّما أقدمَ عليه لترجيح السلامةِ عندَهُ والربح، وإن كانَ قد يكونُ مخطئًا في هذا الظنِّ.\nوكذلك الزاني والسارقُ ونحوُهما، لو حصلَ لهم جزم بإقامةِ الحدودِ\nعليهم من الرجم والقطعْ ونحو ذلك، لم يُقدموا على ذلكَ، فإذا عُلم هذا\nفاصلُ ما يوقعُ الناسَ في السيئاتِ الجهلُ وعدمُ العلم بأنها تضرُهم ضررًا\nراجحًا، أو ظنُّ أنها تنفعُهم نفعًا راجحًا، وذلك كلُّه جهل إما بسيط وإمَّا\nمركب، ولهذا يسمَّى حالُ فعلِ السيئاتِ الجاهليةَ، فإن صاحبَها في حالِ\nجاهليةٍ، ولهذا كانَ الشيطانُ يزيِّنُ السيئاتِ ويأمرُ بها، ويذكرُ ما فيها من\nالمحاسنِ التي يُظنُّ أنها منافعُ لا مضارّ كما أخبرَ اللَّهُ عنه في قصةِ آدمَ أنه\n(يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا) .","vol":"2","page":127},{"text":"قال: (مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠) .\nوقال تعالى (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) .\nوقال تعالى: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا) .\nوقال: (كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨) .\nوتزيينُ أعمالِهم يكونُ بواسطةِ الملائكةِ والأنبياءِ والمؤمنينَ للخيرِ.\nوتزيينُ شياطينِ الإنسِ والجن للشر، وقال تعالى:\n(وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ) .\nومثلُ هذا كثيرٌ فالفاعلُ للذنبِ لو جزمَ بأنه يحصلُ له به الضررُ الراجحُ لم\nيفعلْه، لكنه يزينُ له ما فيه من اللذةِ التي يظنُّ أنها مصلحة، ولا يجزمُ بوقوع\nعقوبتِهِ، بل يرجو العفوَ بحسناتٍ أو توبةٍ أو بعفوِ اللهِ ونحوِ ذلك، وهذا كله\nمن اتباع الظن وما تهوى الأنفسُ، ولو كان له علم كامل لعرفَ به رجحانَ\nضررِ السيئة، فأوجبَ له ذلك الخشيةَ المانعةَ له من مواقعتِها، ونبينُ هذا\nبـ: الوجه السادس: وهو أن لَذَّاتِ الذنوبِ لا نسبةَ لها إلى ما فيها من الآلامِ والمفاسد ألبتةَ فإنَّ لذاتها سريعةُ الانقضاءِ وعقوباتِها وآلامِها أضعافُ ذلك ولهذا قيل: \"إن الصبرَ على المعاصِي أهونُ من الصبرِ على عذابِ اللَّه، وقيل:\n\"رُبَّ شهوةِ ساعو أورثتْ حزنًا طويلًا\"\nوما في الذنوبِ من اللذاتِ كما في الطعامِ الطيبِ المسموم من اللذةِ، فهي مغمورة بما فيه من المفسدةِ ومؤثرُ لذة الذنبِ كمؤثر لذة الطعامِ المسمومِ الذي فيه من السموم ما يمرضُ أو يقتلُ ومن هاهُنا يُعلمُ أنه لا يُؤثِرُ لذاتِ الذنوبِ إلا من هو جاهل بحقيقةِ عواقبَها، كما لا يؤثرُ أكلَ الطعامِ المسمومِ للِذَّتِهِ إلا من هو جاهل بحالهِ أو غير عاقل، ورجاؤه التخلصَ من شرفا بتوبةٍ أو عفو أو غيرِ ذلك كرجاءِ آكلِ الطعامِ","vol":"2","page":128},{"text":"المسمومِ الطيب للخلاصِ من شرِّ سُمِّه بعلاج أو غيره، وهو في غايةِ الحمقِ\nوالجهلِ، فقدْ لا يتمكنُ من التخلصِ منه بالكليةِ، فيقتلُهُ سمّه، وقد لا\nيتخلصُ منه تخلصًا تامًّا فيطولُ مرضُهُ، وكذلكَ المذنبُ قد لا يتمكنُ من\nالتوبةِ، فإنَّ من وقعَ في ذنبٍ تجرَّأ عليه عمرَهُ وهان عليه خوضُ الذنوبِ\nوعَسُرَ عليه الخلاصُ منها ولهذا قيل: \"من عقوبةِ الذنب: الذنبُ بعدَهُ \".\nوقد دلَّ على ذلك القرآنُ في غيرِ موضع، وإذا قُدِّرَ أنه تابَ منه فقدْ لا\nيتمكنُ من التوبةِ النصوح الخالصةِ التي تمحو أثرَه بالكليةِ، وإنْ قدِّر أنه تمكنَ\nمن ذلكَ، فلا يقاومُ اللذةَ الحاصلةَ بالمعصيةِ ما في التوبةِ النصوح المشتملةِ\nعلى النَّدمِ والحزنِ والخوفِ والبكاءِ وتجشم الأعمالِ الصالحةِ؛ من الألم\nوالمشقةِ، ولهذا قال الحسنُ:\n\"تركُ الذنبِ أيسرُ من طلبِ التوبةِ\"\nويكفي المذنبُ ما فاته في حالِ اشتغالِهِ بالذنوبِ من الأعمالِ الصالحةِ الَّتي كانَ يمكنُه تحصيلَ الدرجاتِ بها.\nوقد اختلفَ الناسُ في التائبِ، هل يمكنُ عودُهُ إلى ما كانَ عليه قبل\nالمعصية؟\nعلى قولينِ معروفينِ، والقولُ بأنه لا يمكنُ عودُهُ إلى ما كانَ عليه\nقولُ أبي سليمان الدَّرانيّ وغيرِهِ، وكذلكَ اختلفُوا في التوبةِ إذا استكملتْ\nشروطَها، هل يُجزمُ بقبولها؟\nعلى قولين: فالقاضي أبو بكر وغيرُهُ من المتكلمينِ على أنَّه لا يُجزمُ بذلك، ولكنَّ أكثرَ أهلِ السنةِ والمعتزلةِ وغيرَهم على أنه يُقطعُ بقبولها، وإنْ قُدِّر أنه عفِيَ عنه من غيرِ توبةٍ فإنْ كانَ ذلك بسببِ أمرٍ مكفرٍ عنه كالمصائبِ الدنيويةِ، وفتنةِ القبرِ، وأهوالِ البرزخ، وأهوالِ الموقفِ، ونحوِ ذلكَ، فلا يستريبُ عاقلٌ أن ما في هذه الأمورِ من الآلامِ والشدائدِ أضعاف أضعاف ما حصلَ في المعصيةِ من اللذةِ.\nوإنْ عُفِيَ عنه بغيرِ سببٍ من هذه الأسباب المكفرةِ ونحوِها، فإنه لابَّد أن","vol":"2","page":129},{"text":"يلحقَهُ عقوبات كثيرة منها: ما فاتَهُ من ثوابِ المحسنينِ، فإن اللَّه تعالى وإن عفا عن المذنبِ فلا يجعلْه كالذينَ آمنوا وعمِلوا الصالحاتِ، كما قال تعالى: (أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١) .\nوقال: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) .\nولهذا قالَ بعضُ السلفِ: عُدَّ أن المسيءَ قد عُفِيَ عنه.\nأليسَ قد فاتَهُ ثوابُ المحسنينَ؟\nولولا أنَّ اللَّه تعالى رضَّى أهلَ الجنةِ كلَّهم بما حصلَ لهم من\nالمنازلِ لتقطعتْ أصحابَ اليمينَ حسرات مما فاتَهُم من منازلِ المقربينَ مع\nإمكانَ مشاركتِهِم لهم في أعمالِهِم التي نالُوا بها منازلَهُم العاليةَ، وقد جاء في\nالأحاديثِ والآثارِ أنهم يقولون: ألم نكن مع هؤلاءِ في الدنيا؟\nفيقالُ: كنتُم تفطرونَ، وكانوا يصومونَ، وكنتُم تنامونَ، وكانوا يقومون، وكنتم تبخلون، وكانوا ينفقون، ونحوُ ذلك.\nوكذلكَ جاءَ: \"أنَّ الرجلَ من أهلِ عليين ليخرجُ فيسيرُ في ملكِهِ فما تبقى خيمة من خيمِ الجنةِ إلا دخلَها من ضوءِ وجهه، فيستبشرونَ بريحه فيقولونَ: واهًا لهذه الريح، هذا رجل من أهلِ عليينَ قدْ خرجَ يسيرُ في ملكِه \".\nهذا قد رُوي من حديثِ ابنِ مسعودٍ مرفوعًا، ورُويَ من كلامِ كعبٍ.\nومنها: ما يلحقُهُ من الخجلِ والحياءِ منَ اللَّهِ ﷿ عند عرضِهِ عليه.\nوتقريره بأعمالِهِ، وربما كان ذلك أصعبُ عليه من دخولِ النارِ ابتداءً، وقد\nأخبرَ بذلكَ بعضُ المحتضرينَ في زمانِ السلفِ عند احتضاره وكان أُغميَ عليه\nحتَى ظُنَّ أنه مات، ثم أفاقَ فأخبرَ بذلك.","vol":"2","page":130},{"text":"وجاء تصديقُ ذلكَ في الأحاديثِ والآثارِ كما روى عبدُ اللَهِ بنُ الإمامِ\nأحمدَ في كتابِ \"الزهدِ\" بإسنادِهِ عن أبي هريرةَ - ﵁ - قال: \"يُدْنِي اللَّه ﷿ العبدَ يومَ القيامةِ، فيضعُ عليه كنفَهُ، فيسترُهُ من الخلائقِ كلها، ويدفعُ إليه كتابَهُ في ذلكَ السترِ، فيقول: اقرأْ يا ابنَ آدمَ كتابَكَ، قال: فيمرّ بالحسنةِ، فيبيضُّ لها وجْهُه ويُسَرُّ بها قلبُهُ قال: فيقولُ اللَهُ ﷿: أتعرفُ يا عبدِي؟\nفيقول: نعم، يا ربَ أعرفُ، فيقول: إني قد قبلتُها منك.\nقال: فيخرُّ للَّه ساجدًا، قال: فيقول اللَّهُ ﷿:\nارفع رأسَك يا ابنَ آدمَ وعُدْ في كتابِكَ، قال: فيمرُّ بالسيئةِ فيسودُ لها وجْهُه، ويوجلُ منها قلبُه وترتعدُ منها فرائصُه، ويأخذه من الحياءِ من ربه ما لا يعملُه غيرُهُ، قال: فيقول اللَّه ﷿: أتعرفُ يا عبدِي؟\nقال: فيقول: نعم، يا ربَ أعرفُ، قال: فيقول: إني قد غفرتُها لك؟\nقال: فلا يزال حسنةٌ تُقبلُ فيسجدُ، وسيئةٌ تُغفرُ فيسجدُ، فلا\nترى الخلائقُ منه إلا السجودَ، قال: حتى تنادي الخلائقُ بعضها بعضًا: طوبى\nلهذا العبدِ الذي لم يعصِ اللَّهَ قط، ولا يدرونَ ما قد لقي فيما بينه وبين اللَّهِ\n﷿ \".\nومما قدْ وقفه عليه ورُوي معنى ذلك عن أبي موسى، وعبدِ اللَّهِ بنِ سلامٍ.\nوغيرِهِما، ويشهدُ لهذا حديثُ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ الثابتُ في \"الصحيح \"\n- حديثُ النجوى - أن النبيَّ - ﷺ - قال:\n\"إذا كان يوم القيامةِ دعا اللَّهُ بعبدِهِ فيضعُ عليه كنَفَهَ فيقولُ: ألم تعملْ يومَ كذا وكذا ذنبَ كذا وكذا؟\nفيقولُ: بلى يا ربِّ، فيقول: فإني قد سترتُها عليك في الدنيا وغفرتُ ذلك لك اليومَ \" وهذا كلُّه في حقِّ من يريدُ اللَّهُ أن يعفوَ عنه ويغفرَ له فما الظنُّ بغيره؟\nولهذا في \"مراسيل الحسنِ \" عن النبي - ﷺ -","vol":"2","page":131},{"text":"\"إذا أرادَ اللَّهُ أن يسترَ على عبدِهِ يومَ القيامة أراه ذنوبَهُ فيما بينه وبينه ثمَّ غفرَهَا له \"\nولهذا كانَ أشهرُ القولينِ أنَّ هذا الحكمَ عامٌّ في حقِّ التائبِ وغيره، وقد ذكرَهُ\nأبو سليمانَ الدمشقيُّ عن أكثرِ العلماءِ، واحتجُّوا بعمومِ هذه الأحاديثِ مع\nقولِهِ تعالى: (وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَا لِهَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كبِيرَة إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا) .\nوقد نُقِلَ ذلك صريحًا عن غيرِ واحدٍ من السلفِ كالحسنِ البصريِّ وبلالِ بنِ سعد - حكيم أهلِ الشامِ -\nكما روى ابنُ أبي الدنيا، وابنُ المنادِي وغيرُهُما عن الحسنِ:\n\"أنه سُئل عن الرجلِ يذنبُ ثم يتوبُ هل يُمحى من صحيفتِهِ؟\nقال: لا، دون أن يوقِفَهُ عليه ثم يسألُهُ عنه \"\nثم في رواية ابنِ المنادِي وغير: \"ثم بكى الحسنُ، وقال:\nلو لم تبكِ الأحياءُ من ذلكَ المقامِ لكانَ يحقُّ لنا أن نبْكِي فنطيلَ البكاءَ\".\nوذكرَ ابنُ أبي الدنيا عنْ بعضِ السلفِ أنه قال:\n\"ما يمرُّ عليَّ أشدُ من الحياءِ من اللَّهِ ﷿ \".\nوفي الأثرِ المعروفِ الذي رواه أبو نُعيمٍ وغيرُهُ عن علقمةَ بنِ مرثدٍ:\n\"أنَّ الأسودَ بنَ يزيدَ لما احتُضِرَ بكى، فقيلَ له: ما هذا الجزعُ؟\nقالَ: ما لي لا أجزعُ، ومن أحقُّ بذلكَ منَي.\nواللَّهِ لو أُتيتُ بالمغفرةِ من اللَّهِ ﷿، لهمَّني الحياءُ منه\nمما قدْ صنعتُه، إنَّ الرجلَ ليكونُ بينه وبين الرجلِ الذنبُ الصغيرُ\nفيعفو عنه فلا يزالُ مستَحِيًا منه \".\nومن هذا قولُ الفضيلِ بنِ عياضٍ:\n\"بالموقفِ واسوءتاهُ منكَ وإنْ عفوتَ \".\nالمقصود هنا أن آلام الذنوبِ ومشاقَّها وشداتها التي تزيدُ على لذاتِها\nأضعافًا مضاعفةً، لا يتخلفُ عن صاحِبها، لا مع توبة ولا عفوٍ، فكيفَ إذا\nلم يُوجدْ واحدٌ منهما، ويتضحُ هذا بما نذكرُهُ في الوجهِ السابع.","vol":"2","page":132},{"text":"الوجه السابع: وهو أن المقْدِمَ على مواقعةِ المحظورِ إنما أوجبَ إقدامَهُ عليه ما\nفيه من اللذةِ الحاصلةِ له به، فظنَّ أنَّه يحصلُ له لذتُهُ العاجلةُ، ورجَى أنْ\nيتخلصَ من تبعتِهِ بسببٍ من الأسبابِ ولو بالعفوِ المجردِ فينالُ به لذةً ولا\nيلحقُهُ به مضرةٌ، وهذا من أعظم الجهلِ، والأمر تجلس (١) باطنه، فإن الذنوبَ تتبعُها ولابدَّ من الهمومِ والآلامِ وضيقِ الصدرِ والنكدِ، وظلمةِ القلبِ، وقسوتِهِ أضعافُ أضعافُ ما فيها منَ اللذةِ، ويفوتُ بها من حلاوةِ الطاعاتِ، وأنوارِ الإيمانِ، وسرورِ القلبِ ببهجةِ الحقائقِ والمعارفِ، ما لا يُوازي الذرةَ منه جميعُ لذاتِ الدنيا، فيحصلُ لصاحبِ المعصيةِ العيشةُ الضنكُ، وتفوتُهُ الحياةُ الطيبةُ، فينعكسُ قصدُهُ بارتكابِ المعصيةِ، فإنَّ اللَّهَ ضمِنَ لأهلِ الطاعةِ الحياةَ الطيبةَ، ولأهلِ المعصيةِ العيشةَ الضنكَ، قالَ تعالى:\n(وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكرِي فَإِن لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) .\nوقال: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِن أَكثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) .\nوقال: (وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) .\nوقال في أهلِ الطاعةِ: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) .\nقال الحسنُ وغيرُهُ من السلفِ: \"لنرزقنَّه عبادةً يجدُ حلاوتَها في قلبِهِ \".\nومن فسَّرها بالقناعةِ، فهو صحيح أيضًا، ومن أنواع الحياةِ الطيبةِ الرضى\nبالمعيشةِ فإنَّ الرِّضى، كما قالَ عبدُ الواحدِ بنُ زيدٍ:\n\"جنةُ الدنيا ومستراحُ العابدين \".\nوقال تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ) .\n_________\n(١) هكذا في المطبوع، ولعلها: \" تُحِسُّ \".","vol":"2","page":133},{"text":"وقال: (فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٤٨) .\nكما قالَ عن إبراهيمَ ﵇:\n(وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢) .\nومثلُ هذا كثيرٌ في القرآنِ.\nفما في الطاعةِ من اللذةِ والسرورِ والابتهاج والطمأنينةِ وقرة العينِ.\nأمر ثابتٌ بالنصوصِ المستفيضة وهو مشهودٌ محسوسٌ يدركُهُ بالذوقِ والوجدِ مَنْ حصلَ له ولا يمكنُ التعبيرُ بالكلامِ عن حقيقتِهِ، والآثارُ عن السلفِ والمشايخ العارفينَ في هذا البابِ كثيرةٌ موجودةٌ حتَّى كان بعضُ السلفِ يقولُ: لو يعلمُ الملوكُ وأبناءُ الملوكِ ما نحنُ فيه لجالدُونا عليه بالسيوفِ \".\nوقال آخرُ: \"لو علِموا ما نحن فيه لقتلُونا ودخلوا فيه \".\nوقال أبو سليمانَ: \"أهلُ الليلِ في ليلهم ألذ من أهلِ اللهو في لهوهِم.\nولولا الليلُ ما أحببتُ البقاءَ في الدُّنيا\".\nوقال: \"إنه ليمرُّ على القلبِ أوقاتٌ يضحكُ فيها ضحِكًا\".\nوقال ابنُ المباركِ وغيرُهُ: \"مساكينُ أهلِ الدنيا خرجُوا منها ولم يذوقوا\nأطيبَ ما فيها، قيل: ما أطيب ما فيها؟\nقال: معرفةُ اللَّهِ \".\nوقال آخرُ: \"أوجدني اللَّه قلبًا طيبًا حتى قلتُ: إن كان أهلُ الجنةِ في مثلِ\nهذا فإنَّهم في عيشٍ طيب \".\nوقال مالكُ بنُ دينار: \"ما تنعمَ المتنعمونَ بمثلِ ذكرِ اللَّهِ \".\nوهذا بابٌ واسعٌ جدًّا، والمعاصي تقطعُ هذه الموادَّ، وتغلقُ أبوابَ هذه الجنةِ\nالمعجلةِ، وتفتحُ أبوابَ الجحيم العاجلةِ من الهمِّ والغمِّ، والضيقِ والحزنِ","vol":"2","page":134},{"text":"والتكدرِ وقسوةِ القلبِ وظلمتِهِ وبعدِهِ عن الربِّ - ﷿ - وعن مواهبِهِ\nالسَّنيَّةِ الخاصةِ بأهلِ التقوى.\nكما ذكر ابنُ أبي الدنيا بإسنادِه عن علي - ﵁ - قال:\n\"جزاءُ المعصيةِ الوهنُ في العبادةِ، والضيقُ في المعيشةِ، والتعسُ في اللذةِ.\nقيل: وما التعسُ في اللذةِ؟\nقال: لا ينال شهوةً حلالًا، إلا جاءَه ما يبغِّضُهُ إيَّاها\".\nوعن الحسنِ قال: \"العملُ بالحسنةِ نورٌ في القلبِ وقوةٌ في البدنِ، والعملُ\nبالسيئةِ ظلمةٌ في القلبِ ووهن في البدن \".\nوروى ابن المنادِي وغيرُهُ عن الحسنِ، قال: \"إن للحسنةِ ثوابًا فى الدنيا\nوثوابًا في الآخرةِ، وإنَّ للسيئة ثوابًا في الدنيا، وثوابًا في الآخرةِ، فثوابُ\nالحسنةِ في الدنيا البصرُ في الدِّين، والنورُ في القلبِ، والقوةُ في البدنِ مع\nصحبةٍ حسنةٍ جميلةٍ، وثوابُها في الآخرةِ رضوانُ اللَّه ﷿ وثوابُ السيئةِ\nفي الدنيا العمَى في الدنيا، والظلمةُ في القلبِ، والوهنُ في البدنِ مع\nعقوباتٍ ونقماتٍ، وثوابُها في الآخرةِ سخطُ اللَّهِ ﷿ والنارُ\".\nوروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن مالكِ بن دينارٍ، قال:\n\"إن للَّهِ عقوبات فتعاهدُوهنَّ من أنفسكم في القلوبِ والأبدانِ: ضنكٌ في المعيشةِ، ووهن فى العبادةِ، وسخطٌ في الرزقِ \".\nوعنه أنه قال: \"ما ضُرِبَ عبدٌ بعقوبةٍ أعظمُ من قسوةِ القلبِ \".\nومثلُ هذا كثيرٌ جدًّا، وحاصلُ الأمر ما قاله قتادةُ وغيرُهُ من السلفِ: \"إن\nاللَّهَ لم يأمرْ العبادَ بما أمرَهُم به لحاجتِهِ إليه، ولا نهاهُم عمَّا نهاهُم عنه بخلًا\nبه، بل أمرهُم بما فيه صلاحُهم، ونهاهُم عمَّا فيه فسادُهُم، وهذا هو الذي","vol":"2","page":135},{"text":"عليه المحققون من الفقهاءِ من أصحابِنا وغيرُهُم، كالقاضي أبي يَعْلَى وغيرِهِ.\nوإن كان بينهم في جوازِ وقوع خلافِ ذلكَ عقلًا نزاعٌ مبنيّ على أن العقلَ هل له مدخل في التحسينِ والتقبيح أم لا؟\nوكثير منهم كأبي الحسنِ التميمي وأبي الخطابِ على أنَّ ذلك لا يجوزُ\nعقْلًا أيضًا وأما منْ قال بوقوع مثلِ ذلك شرعًا فقولُهُ شاذٌ مردودٌ.\nوالصوابُ: أنَّ ما أمرَ اللَّهُ به عبادَهُ فهو عينُ صلاحِهِم وفلاحِهِم في دنياهُم\nوآخرتِهم، فإنَّ نفسَ الإيمانِ باللَّهِ ومعرفتِهِ وتوحيدِهِ وعبادتِهِ ومحبتِهِ وإجلالِه\nوخشيتهِ وذكره وشكره؛ هو غذاءُ القلوبِ وقوتُها وصلاحُها وقوامُها، فلا\nصلاحَ للنفوسِ، ولا قرةَ للعيونِ ولا طمأنينةَ، ولا نعيمَ للأرواح ولا لذةَ لها\nفي الدنيا على الحقيقةِ، إلا بذلكَ، فحاجتُها إلى ذلك أعظمُ من حاجةِ\nالأبدانِ إلى الطعامِ والشرابِ والنَّفَسِ، بكثيرٍ، فإنَّ حقيقةَ العبدِ وخاصيتِهِ هي\nقلبُه وروحُهُ ولا صلاحَ له إلا بتألهِهِ لإلهه الحقّ الذي لا إله إلا هو، ومتى\nفقدَ ذلكَ هلكَ وفسدَ، ولم يصلحْهُ بعد ذلك شيء ألبتة، وكذلكَ ما حرَّمه\nاللَّهُ على عبادِهِ وهو عينُ فسادِهِم وضررِهم في دينهِم ودنياهم، ولهذا حرَّم\nعليهم ما يصدُّهم عن ذكره وعبادتِهِ كما حرم الخمرَ والميسرَ، وبيَن أنه يصدّ\nعن ذكرِهِ وعن الصلاة مع مفاسدَ أُخرَ ذكرَها فيهما، وكذلك سائرُ ما حرَّمه\nاللَّه فإنَّ فيه مضرةً لعبادِهِ في دينهم ودنياهم وآخرتِهِم، كما ذكر ذلك\nالسلفُ، وإذا تبيَّن هذا وعُلِمَ أنَّ صلاحَ العبادِ ومنافعِهم ولذاتِهم في امتثالِ ما أمرهُم اللَهُ به، واجتنابِ ما نهاهم اللَّهُ عنه تبيَّن أن من طلبَ حصولَ اللذةِ\nوالراحةِ مِنْ فعلِ المحظورِ أو تَرْكِ المأمورِ، فهو في غايةِ الجهلِ والحمقِ، وتبيَّن\nأنَّ كلَّ من عصى اللَّهَ هو جاهل، كما قاله السلفُ ودلَّ عليه القرآنُ كما","vol":"2","page":136},{"text":"تقدم، ولهذا قال: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦) .\nوقال: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٦٨) .\nوقال تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣) .\nفأخبر أنهم علموا أنَّ من اشتراه أي تعوَضَ به في الدنيا\nفلا خَلاقَ له في الآخرةِ ثم قالَ: (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ)، فيدلُّ هذا على أنَّهم لم يعلموا سوء ما شرَوا به أنفسَهُم.\nوقد اختلفَ المفسرونَ في الجمع بين إثباتِ العلم ونفيه هاهنا.\nفقالت طائفة منهم: الذين علموا لمن اشتراه ما له في الآخرةِ من خلاق، هم الشياطينُ الذين يُعلِّمونَ الناسَ السحرَ، والذين قيلَ فيهم: (لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) هم الناسُ الذين يتعلمون.\nقال ابنُ جرير: وهذا القولُ خطأٌ مخالفٌ لإجماع أهلِ التأويلِ على\nأنَّ قولَهُ: (وَلَقَدْ عَلِمُوا) عائدٌ على اليهودِ الذين اتبعوا ما تتلو الشياطينُ على\nملكِ سليمانَ - ثم أخبرَ ابنُ جرير أنَّ الذين علموا أنه لا خلاقَ لمن اشتراه هم اليهودُ، والذين قيل فيهم: لو كانوا يعلمون، هم الذين يتعلمون من الملكينِ، وكثيرًا ما يكون فيهم الجهالُ بأمرِ اللَّه ووعدِهِ ووعيدِه، وهذا أيضًا ضعيفٌ فإنَّ","vol":"2","page":137},{"text":"الضميرَ فيهما عائدٌ إلى واحدٍ، وأيضًا فإن الملكينِ يقولانِ لمن يعلمانِهِ: إنما\nنحن فتنة فلا تكفر، فقد أعلماه تحريمَه وسوءَ عاقبتِهِ.\nوقالتْ طائفة: إنما نفىَ عنهم العلمَ بعدما أثبته لانتفاءِ ثمرتِهِ وفائدتِهِ، وهو\nالعملُ بموجبِهِ ومقضتاهُ، فلمَّا انتفَى عنهم العملُ بعلمهِم جعلَهم جُهَّالًا\nلا يعلمونَ، كما يقالُ: لا عِلْمَ إلا ما نفعَ، وهذا حكاه ابنُ جريرٍ وغيرُهُ، وحكى الماورديُ قولًا بمعناه، لكنه جعلَ العملَ مضمرا، وتقديرُهُ لو كانوا يعملون بما يعلمون.\nوقيلَ: إنهم علموا أنَّ منْ اشتراه فلا خلاقَ له، أي لا نصيبَ له في\nالآخرةِ من الثوابِ، لكنهم لم يعلموا أنه يستحق عليه العقاب مع حرمانِهِ\nالثوابَ، وهذا حكاه الماورديُّ وغيرُهُ، وهو ضعيف أيضًا، فإنَّ الضميرَ إن عادَ إلى اليهودِ، فاليهودُ لا يخفى عليهم تحريمُ السحرِ واستحقاقِ صاحبِه العقوبةَ، وإن عادَ إلى الذين يتعلمونَ من الملكينِ فالملكانِ يقولانِ لهم: (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) والكفرُ لا يخْفَى على أحدٍ أن صاحبَه يستحقُّ العقوبةَ، وإن عادَ إليهما، وهو الظاهرُ، فواضح، وأيضًا فإذا علموا أنَّ من اشتراهُ ما لهُ في الآخرةِ من خلاقٍ فقدْ علمُوا أنه يستحقُّ العقوبةَ، لأنَّ الخلاقَ: النصيبُ من الخيرِ، فإذا عَلِمَ أنه ليس له نصيب في الخيرِ بالكليةِ فقدْ علم أن له نصيبًا من الشرِّ، لأنَّ أهلَ التكليفِ في الآخرةِ لا يخلو واحد منهم عن أن يحصلَ له خير أو شرّ لا يمكنُ انتكاله عنهما جميعًا ألبتة.\nوقالتْ طائفة: علموا أنَّ من اشتراه فلا خلاقَ له في الآخرةِ، لكنهم ظنُّوا\nأنهم ينتفعونَ به في الدنيا، ولهذا اختاروه وتعوَّضُوا به عن بوارِ الآخرةِ\nوشرَوا به أنفسَهُم، وجهلُوا أنه في الدنيا يضرُّهم أيضًا ولا ينفعُهم،","vol":"2","page":138},{"text":"فبئسَ ما شروا به أنفسَهُم لو كانوا يعلمون ذلك، وأنَّهم إنما باعُوا أنفسَهم وحظَّهم من الآخرةِ بما يضرُّهم في الدنيا أيضًا ولا ينفعهم، وهذا القولُ حكاه الماورديّ وغيرُهُ، وهو الصحيحُ، فإنَّ اللَّه تعالى قال:\n(وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضرّهُمْ ولا يَنفَعُهُمْ)\nأي هو في نفس الأمرِ يضرُّهم ولا ينفعُهم بحالٍ في الدنيا وفي الآخرةِ.\nولكنَّهم لم يعلموا ذلك لأنهم لم يُقدِمُوا عليه إلا لظنَّهم أنه ينفعُهم في\nالدنيا.\nثمَ قال: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)\nأي قد تيقَّنوا أنَّ صاحبَ السحرِ لا حظَّ له في الآخرةِ، وإنما يختارُهُ لما يرجو من نفعِهِ في الدنيا، وقدْ يسمُّون ذلك العقلَ المعيشي أي العقلَ الذي يعيشُ به الإنسانُ في الدنيا عيشةً طيبةً، قال اللَّه تعالى:\n(وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)\nأي: إن هذا الذي يعوضوا به عن ثوابِ الآخرةِ في الدنيا أمرٌ\nمذمومٌ مُضِر لا ينفع لو كانوا يعلمونَ ذلك ثمَ قال:\n(وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنوا وَاتَّقَوْا لَمَثوبَةٌ مِنْ عِندِ اللَّهِ خَيْر لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)\nيعني: أنهم لو اختارُوا الإيمانَ والتقْوى بدلَ السِّحرِ لكانَ اللَّهُ يثيبُهم على ذلكَ ما هو خير لهم مما طلبُوه في الدنيا لو كانوا يعلمون، فيحصُلُ لهم في الدنيا من ثوابِ الإيمانِ والتقْوى من الخير الذي هُو جلبُ المنفعةِ ودفعُ المضرَّةِ ما هو أعظمُ مما يُحَصِّلُونَهُ بالسِّحرِ من خيرِ الدنيا مع ما يُدَّخَرُ لهم من الثوابِ في الآخرةِ.\nوالمقصودُ هنا: أن كل من آثرَ معصيةَ اللَّهِ على طاعتِهِ ظانًّا أنه ينتفعُ بإيثارِ\nالمعصيةِ في الدنيا، فهُوَ من جنسِ من آثرَ السحرَ - الذي ظنَّ أنه ينفعُه في\nالدنيا - على التقوى والإيمان، ولو اتَّقى وآمنَ لكانَ خيرًا له وأرجى لحصولِ\nمقاصدِهِ ومطالبِهِ ودفع مضارِّه ومكروهاتِهِ، ويشهدُ كذلك\nأيضًا ما في \"مسندِ البزارِ\"","vol":"2","page":139},{"text":"عن حذيفةَ قال: \"قامَ النبيُّ - ﷺ - فدعا الناسَ فقال: هلمُّوا إليَّ، فأقبلوا إليه فجلسُوا، فقال: \"هذا رسولُ ربِّ العالمين جبريلُ - ﵇. - نفثَ في رُوعي: أنَّه لا تموتُ نفسٌ حتى تستكملَ رزقَها وإن أبْطأَ عليها، فاتقوا اللَّهَ وأجمِلُوا في الطلبِ ولا يحملنَّكُم استبطاءُ الرّزْقِ أنْ تأخذُوه بمعصيةِ اللَهِ، فإنَّ اللهَ لا يُنالُ ما عندَه إلا بطاعَتِهِ \".\nإذا تبيَن هذا؛ فقدْ عُلِمَ أن العلمَ مستلزِم للخشيةِ منْ هذه الوجوهِ كُلِّها.\nلكن على الوجهِ الأولِ يستلزمُ الخشيةَ العلمُ باللَّهِ وجلالِهِ وعظمتِهِ، وهو الذي فسرَ الآيةَ به جماعةٌ من السلفِ، كما تقدَّم، وعلى الوجوهِ الأُخرِ تكون الخشيةُ ملازمةٌ للعلم بأوامرِ اللهِ ونواهيهِ وأحكامِهِ وشرائعِهِ وأسرارِ دينه\nوشرعِهِ وخلقِهِ وقَدَره، ولا تَنافي بينَ هذا العلم والعلم باللَّهِ؛ فإنَّهما قد\nيجتمعانِ وقد ينفردُ أحدُهما عن الآخرِ، وأكملُ الأحوال اجتماعُهما جميعًا\nوهي حالةُ الأنبياءِ - ﵈ - وخواصُّ الصديقينَ ومتى اجتمعا كانتِ\nالخشيةُ حاصلةٌ من تلكَ الوجوهِ كلها، وإن انفردَ أحدُهما حصلَ من الخشيةِ\nبحسبِ ما حصَّل من ذلك العلم، والعلماءُ الكُمَّلُ أولو العلم في الحقيقةِ\nالذين جمعُوا الأمرين.\nوقد ذكر الحافظُ أبو أحمدَ بنُ عديٍّ: ثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ صالح بنِ\nشيخ بنِ عميرةَ: ثنا إسحاقُ بن بهلول قال: قال لي إسحاقُ بنُ الطباع: قال\nلي سفيانُ بن عيينةَ: \"عالمٌ باللَّه عالِمٌ بالعلم، عالمٌ باللَّه ليس بعالِمٍ بالعلم.\nعالمٌ بالعلم ليس بعالم باللَّه \"، قال: قلتُ لإسحاقَ: فهمنيه واشرحه لي،","vol":"2","page":140},{"text":"قالَ: عالمٌ باللَّهِ عالمٌ بالعلم، حمادُ بن سلمةَ، عالمٌ باللَّه ليس بعالم بالعلم\nمثل أبي الحجاج العابدِ، عالمٌ بالعلم ليسَ بعالم باللَّه فلانٌ وفلانٌ وذكر\nبعضَ الفقهاءِ.\nوروى الثوريُّ عن أبي حيَّان التميمي سعيدِ بنِ حيَّانَ عن رجلٍ قالَ: كانَ\nيُقال: العلماءُ ثلاثةٌ: \"فعالمٌ باللَّه ليس عالمًا بأمرِ اللَّهِ، وعالمٌ بأمرِ اللَّهِ ليس\nعالمًا باللَّهِ، وعالمٌ باللَّه عالمٌ بأمرِ اللَّهِ \".\nفالعالمُ باللَّهِ وبأوامر اللَّه: الذي يخشى اللَّهَ ويعلمُ الحدودَ والفرائضَ.\nوالعالمُ باللَّه ليس بعالم بأمرِ اللَّه: الذي يخشى اللَّهَ ولا يعلمُ الحدودَ\nوالفرائضَ.\nوالعالمُ بأمرِ اللَّه ليس بعالم باللَّهَ: الذي يعلمُ الحدودَ والفرائضَ، ولا\nيخشى اللَّهَ ﷿.\nوأما بيانُ أنَّ انتفاءَ الخشيةِ ينتفي مع العلم، فإنَّ العلمَ له موجب ومقتضى.\nوهو اتباعُهُ والاهتداءُ به وصدُّه الجهل، فإذا انتفتْ فائدتُهُ ومقتضاهُ، صارَ\nحالُهُ كحالِهِ عند عدمِهِ وهو الجهلُ، وقد تقدَّم أن الذنوبَ إنَّما تقعُ عن\nجهالةٍ، وبيَّنا دلالةَ القرآنِ على ذلكَ وتفسيرَ السلفِ له بذلكَ، فيلزمُ حينئذٍ أن ينتفي العلمُ ويثبتُ الجهلُ عند انتفاءِ فائدةِ العلم ومقتضاهُ وهو اتباعُهُ، وم\nهذا البابِ قولُهُ تعالى: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) .\nوقولُ النبيِّ - ﷺ -:\n\"إذا كان أحدُكُم صائمًا فلا يرفثْ ولا يجهلْ فإنِ امرؤٌ شاتَمَه أو قاتَلهُ\nفليقلْ: إني امرؤٌ صائمٌ \"\nوهذا كما يوصفُ من لا ينتفعُ بسمْعِهِ وبصر وعقلِهِ","vol":"2","page":141},{"text":"في معرفة الحقِّ والانقيادِ له بأنه أصمُ أبكمُ أعْمَى قال تعالى:\n(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) .\nويُقال أيضًا: إنه لا يسمعُ ولا يبصرُ ولا يعقلُ\nكما قال اللَّهُ تعالى: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩) .\nفسَلْبُ العلم والعقلِ والسمع والبصرِ وإثباتُ الجهلِ والبكم والصم والعَمَى في حقِّ مَنْ فقدَ حقائقَ هذه الصفاتِ وفوائدَها\nمن الكفَّارِ أو المنافقينَ أو مَنْ يشركُهم في بعضِ ذلك كلِّه؛ من باب واحدٍ\nوهو سلْبُ اسم الشيءِ أو مسمَّاهُ لانتفاءِ مقصوده وفائدتِهِ وإنْ كان موجودًا، وهو بابٌ واسعٌ وأمثلته كثيرةٌ في الكتاب والسُّنَّةِ.\n* * *","vol":"2","page":142},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-235>سُورَةُ يس</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>قوله تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)</span>\n[قال البخاري]: \"باب احتساب الآثار\": حدثنا محمد بن عبد الله بن\nحوشب: ثنا عبد الوهاب، قال: حدثني حميد عن أنس، قال: قال النبي\n- ﷺ -:\n\"يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم؟ \".\nوقال ابن أبي مريم: أنا يحيى بن أيوب: حدثني حميد: حدثني أنس، أن\nبني سلمة أرادوا أن يتحولوا عن منازلهم فينزلوا قريبًا من النبي - ﷺ - قال:\nفكرِهَ النبي - ﷺ - أن يُعْرُوا مَنَازِلَهم، فقال:\n\"ألا تحتسبون آثاركم؟ \".\nقال مجاهد: خطاهم: آثار المشي في الأرض بأرجلهم.\nساقه أولًا من حديث عبد الوهاب الثقفي، عن حميد مختصرًا، ثم ذكر\nمن رواية يحيى بن أيوب المصري - وهو ثقة، عن حميد مختصرا، ثم ذكر\nمن رواية يحيى بن أيوب المصري وهو ثقة، لكنَّه كثير الوهم - مطوَّلًا، وزاد\nفيه تصريح حميد بالسماع له من أنسٍ فإن حميدًا قد قيل: إنه لم يسمع من\nأنس إلا قليلًا وأكثر رواياته عنه مرسلة، وقد سبق ذكر ذلك، وما قاله\nالإسماعيلي في تسامح المصريين والشاميين في لفظة \"حدثنا\"\nوأنهم لا يضبطون ذلك.","vol":"2","page":143},{"text":"وقد خرَّجه في \"كتاب الحج \" من طريق الفزاري، عن حميد، عن أنس.\nقال: أراد بَنُو سلمة أن يتحولوا إلى قرب المسجد، فكره رسول اللَّه - ﷺ - أن تعرى المدينة، فقال:\n\"يا بني سلمة، ألا تحتسبون آثاركم؟ \".\nوبنو سلمة: قوم من الأنصار، كانت دورهم بعيدة من المسجد، فأرادوا أن\nيتحولوا إلى قرب المسجد، فأمرهم النبي - ﷺ - بملازمة دورهم، وأخبرهم أنَّ خطاهم يُكتب لهم أجرها في المشي إلى المسجد.\nوخرَّج مسلم في \"صحيحه \" من حديث أبي الزبير، عن جابر، قال:\nكانت دارنا نائيةً من المسجد، فأردنا أن نبيع بيوتَنَا فنقترب من المسجد، فنهانا رسول اللَّه - ﷺ - فقال:\n\"إن لكم بكل خطوةٍ درجة\".\nومن حديث أبي نضرة، عن جابر، قال: أراد بنو سلمة أن يتحولوا إلى\nقرب المسجد، والبقاع خالية. قال: فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ -، فقال: \"يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم \".\nفقالوا: ما يسرنا أنا كنَّا تحولنا.\nوقوله: \"ديارَكم \" بفتح الراء على الإغراء، أي الزموا دياركم.\nوخرَّجه الترمذيُّ من حديثِ أبي سُفيانَ السعدي، عن أبي نضرةَ عن أبي\nسعيدٍ، قالَ: كانتْ بنو سَلمةَ في ناحيةِ المدينةِ، فأرادوا النُقلةَ إلى قُرْبِ\nالمَسْجِدِ، فنزلتْ هذه الآية ُ: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) فقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"إنَّ آثارَكُمْ تُكْتَبُ \"، فلَمْ ينتقْلُوا.\nوأبو سفيانُ، فيه ضعْفٌ.","vol":"2","page":144},{"text":"والصحيحُ: رواية مسلم، عن أبي نضْرةَ عن جابرٍ، وكذا قالَهُ الدارقطني\nوغيرُهُ.\nوخرَّج ابنُ ماجةَ من روايةِ سِماكٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قالَ:\nكانت الأنصارُ بَعِيدةً منازلُهم مِنَ المسجدِ، فأرادوا أنْ يَقْربوا، فنزلتْ:\n(نَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، قال: فَثَبَتُوا.\nوقد ذكرَ البخاريُّ عن مجاهدٍ، أنه فسَّر الآثار - يعني: في هذه الآية ِ\nبالخُطا، وزاد - أيضًا - بقوله: آثارُ المَشْي في الأرضِ بأرْجُلهم.\nوفي حديثِ أنسٍ: \"فكَرِهَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أنْ يُعرُوا المدينةَ أو منازلَهم \".\nيَعني: يُخلوها فتصيرُ عراةً منَ الأرضِ.\nوالعَرَاءُ: الفضاءُ الخالي مِنَ الأرضِ، ومنه: قوله تعالى: (فَنَبَذْناه بِالْعَرَاءِ) .\nوروى يحيى بن سعيد الأنصاريُّ هذا الحديثَ، عن حميدٍ، عن أنسٍ.\nوقال: \"فَكَرِهَ أن يُعروا المسجدَ\".\nقالَ الإمامُ أحمدُ: وَهِمَ فيه، إنما هو: \"كرِهَ أن يُعرْوا المدينةَ\".\n* * *","vol":"2","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-237>سُورَةُ الصَّافَّاتِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-238>قوله تعالى: (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥)</span>\nواعلمْ أنَّ الصفوفَ في الصلاةِ ممَّا خصَّ اللَّهُ به هذه الأمةَ وشرَّفها به.\nفإنهم أشَبْهوا بذلك صُفوفَ الملائكةِ في السَّماءِ، كما أخبر اللَهُ عنهم أنَّه\nقالوا: (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُونَ)، وأقْسَمَ بالصافّاتِ صفًّا، وهُم الملائكة.\nوفي \"صحيح مسلم\" عنِ حذيفةَ عن النبيِّ - ﷺ -، قال: \"فُضلنا على الناسِ بثلاثٍ: جُعلت صُفوفُنا كصفوفِ الملائكة\" الحديث.\nوفيه - أيضًا - عن جابرِ بنِ سَمُرةَ، قال: خرَجَ علينا رسول اللَّهِ - ﷺ -، فقال:\n\"ألا تصفون كما تصفُّ الملائكةُ عِندَ ربِّها؟\nفقلنا: يا رسول اللَّه، وكيف تصفُّ الملائكةُ عِندَ ربِّها؟\nقال: \"يُتمُّون الصفوفَ الأولَى، ويتراصُّون في الصفِّ\".\nوروى ابنُ أبي حاتم من روايةِ أبي نضرةَ، قال: كان ابنُ عمرَ إذا أُقيمتِ\nالصلاةُ استقبلَ الناسُ بِوَجْههِ، ثم قالَ: أقيموا صُفُوفكم، استَوُوا قِيَامًا، يريدُ اللَّهُ بِكُمْ هدْيَ الملائكةِ.\nثم يقول: (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ)، تأخَّرْ فُلانٌ، تقدَّمْ فلانٌ، ثم يتقدَّمُ فيُكَبِّرُ.","vol":"2","page":146},{"text":"وروى ابنُ جُريجٍ، عن الوليدِ بنِ عبدِ اللَّهِ بن أبي مغيثٍ، قال: كانوا لا\nيَصُفُّون في الصلاةِ، حتَّى نزلتْ: (وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) .\nوقد رُوي أن مِنْ صِفَةِ هذه الأُمَّةِ في الكتبِ السالفةِ: صفَّهم في الصلاةِ.\nكصفِّهم في القتالِ.\n* * *","vol":"2","page":147},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-239>سُورَةُ (ص)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>قوله تعالى: (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩)</span>\nخرَّج الإمامُ أحمد رحمه اللَّه تعالى منْ حديثِ معاذِ بنِ جبلٍ - ﵁ - قال:\n\"احتبسَ عنَّا رسولُ اللَّه - ﷺ - ذاتِ غداةٍ في صلاةِ الصبح، حتى كدنا نتراءى قرن الشمسِ، فخرج رسولُ اللَهِ - ﷺ - سريعًا، فثوَّبَ بالصلاةِ وصلَّى وتجوَّزَ في\nصلاته، فلما سلَّم قال: \"كما أنْتُم على مَصَافِّكم \" ثم أقبلَ إلينا فقال:\n\"إني سأحدَثكُم ما حبسني عنكم الغداة، إني قمتُ مِنَ الليلِ فصليتُ ما قُدِّر لي، فنعستُ في صلاتي حتى استثقلتُ فإذا أنا بربِّي ﷿ في أحسنِ صورةٍ فقال: يا محمدٌ أتدري فيم يختصمُ الملأُ الأعلى؟.\nقلتُ: لا أدري ربِّ، قال: يا محمدُ فيم يختصم الملأُ الأعلى؟.\nقلتُ: لا أدري ربِّ، قال: يا محمدُ فيم يختصمُ الملاُ الأعلى؟.\nقلتُ: لا أدري ربِّ فرأيتُهُ وضعَ كفَّه بينَ كتفي حتى وجدتُ بَرَدَ أنامِلِهِ في صدرِي وتجلَّى لي كل شيءٍ وعرفتُ.\nفقال: يا محمد فيم يختصمُ الملأُ الأعلى؟.\nقلتُ: في الكفَّاراتِ والدرجاتِ، قال: وما الكفَّاراتِ؟.\nقلتُ: نقْلُ الأقدام إلى الجمعاتِ، والجلوسُ في المساجدِ بعدَ الصلواتِ، وإسباغُ الوضوءِ عند الكريهاتِ، قال: وما الدرجاتُ؟.\nقلتُ: إطعامُ الطعام، ولينُ الكلام، والصلاةُ والناسُ نيامٌ.\nقال: سَلْ؟.\nقلتُ: اللَّهُمَ إني أسْألكَ إطعامُ الطعام، ولينُ الكلامِ، والصلاةُ والناسُ نيامٌ، قال: سَلْ؟\nقلت: قلتُْ اللَّهم إنِّي","vol":"2","page":148},{"text":"أسْألكَ فِعْلَ الخيراتِ، وتركَ المنكراتِ، وحبَّ المساكينِ، وأنْ تَغْفِرَ لي وترْحمني، وإذا أردتَ فتنة في قومٍ فتوفَّني غيرَ مفتونٍ، وأسألك حبَكَ وحبَّ مَن يحبُّك، وحبَّ عملٍ يُقَرّبُني إلى حبِّكَ \"\nوقال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"إنها حقٌّ فادْرسوها وتعقَمُوها\"\nوخرَّجَه الترمذيُّ، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، قال: وسألتُ محمدَ بنِ إسماعيلِ البخاريَّ عَنْ هذا؟\nفقال: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.\nقلتُ: وفي إسنادِهِ اختلافٌ، وله طرقٌ متعددةٌ، وفي بعضها زيادةٌ وفي\nبعضها نُقصانٌ، وقد ذكرتُ عامةَ أسانيدِهِ وبعضَ ألفاظه المختلفةِ في كتابي\n\"شرح الترمذي \"، وفي بعض ألفاظه عند الإمامِ أحمدَ، والترمذي أيضًا:\n\"المشيُ على الأقدام إلى الجماعاتِ \" بدل: \"الجُمُعات \" وفيه أيضًا عندهما بعد ذكْر الكفَّاراتِ زيادةُ: \"ومَنْ فعلَ ذلك عاشَ بخير، وماتَ بخير، وكان مِنْ خطيئتِهِ كيوم ولدتْه أُمُّهُ \"، وفيه أيضًا عندهما: \" والدرجاتُ إفشاءُ السلام\" بدل: (الين الكلا أ\"\nوفي بعض رواياتِهِ: \"فعلمتُ ما في السماءِ والأرضِ، ثم تلا: (وَكَذَلِكَ نرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) \"\nوفي رواية أخرى:\n\"فتجلَّى لي ما بيْنَ السماءِ والأرضِ \".\nوفي رواية: \"ما بيْنَ المشرقِ \".\nوفي بعضها زيادة في الدعاء وهي: \"وتتوب عليَّ \".\nوفي بعضِها: \"إسباغُ الوضوءِ في السبراتِ \"\nوفي بعضها: \"وقال: يا محمد إذا صليتَ، فقُلْ: اللَهُمَّ إني أسألك فِعْلَ\nالخيراتِ \" فذكره.\nوالمقصودُ هنا شرحُ الحديثِ وما يُستنبطُ منه مِنَ المعارفِ والأحْكامِ وغيرِ\nذلك.\nففي الحديثِ دلالةٌ على أنَّ النبيَّ - ﷺ - لم يكن من عادتِهِ تأخيرُ صلاةِ","vol":"2","page":149},{"text":"الصبح إلى قريبِ طلوع الشمسِ، وإنَّما كانتْ عادتُهُ التغليسَ بها، وكان\nأحيانًا يُسْفرُ بها عند انتشارِ الضوءِ على وجهِ الأرض، وأما تأخيرُها إلى قريبِ\nطلوع الشمسِ فلم يكنْ مِنْ عادتِهِ، ولهذا اعتذرَ لهم عَنْهُ في هذا الحديث.\nوقد قيل: إن تأخيرَها إلى هذا الإسْفارِ الفاحشِ لا يجوزُ لغيرِ عذرٍ، وأنَّه\nوقتُ ضرورةٍ، كتأخير العصر إلى بعد اصفرار الشمسِ وهو قولُ القاضي من\nأصحابِنا في بعضِ كتبه، وقد أوَمأ إليه الإمامُ أحمدُ وقال: هذهِ صلاةُ مفرط.\nإنَّما الإسْفارُ أن ينتشرَ الضوءُ على الأرضِ.\nوفي الحديثِ دلالةٌ على أنَّ من أخرَ الصلاةَ إلى آخر الوقتِ لعذرٍ أو غيره\nوخافَ خروجَ الوقتِ في الصلاةِ إنْ طَوَّلها أنْ يخففها حتَّى يُدْركها كُلَّها في\nالوقتِ.\nوأمَّا قولُ أبي بكر الصدِّيق - ﵁ - لمَّا طوَّل في صلاةِ الفجرِ وقرأ بالبقرةِ فقيل له: كادت الشمسُ أنْ تطلعَ، فقال: لو طلعتْ لم تجدْنَا غافلين، فإن أبا بكر - ﵁ - لم يتعمَّدِ التأخيرَ إلى طلوع الشمسِ ولا أنْ يمدَّها ويُطيلها حتَّى تطلعَ الشمسُ؛ لأنه دخلَ فيها بغلسٍ، وأطالَ القراءةَ، وربما كان قد استغرقَ في تلاوتِهِ، فلو طلعتِ الشمسُ حينئذٍ لم يضرَّه، لأنه لم يكنْ متعمدًا لذلك.\nوهذا يدلُّ على أنَّه كان يرى صحةَ الصلاةِ لمن طلعتْ عليه الشمس وهو في صلاتِهِ كما أمر النبيُّ - ﷺ - منْ طلعت عليه الشمسُ وقد صلَّى ركعة من الفجرِ أنْ يُضيفَ إليها أُخرى.\nوفي حديثِ معاذ دليل على أنَّ من رأى رُؤيا تَسُرُه فإنه يقَصُهُّا على\nأصحابِهِ وإخوانه المُحبينَ له، ولا سِيَّما إنْ تضمنتْ رُؤياه بشارةً لهم وتعليمًا","vol":"2","page":150},{"text":"لما ينفعهم، وقد كان النبيُّ - ﷺ - إذا صلَّى الفجرَ يقولُ لأصحابِهِ: \"من رأى منكم الليلة رؤيا\"\nوفيه أيضًا: أن من استثقل نومه في تهجده بالليل حتَّى رأى رؤيا\nتَسُرُّه، فإنَّ في ذلك بُشْرى له.\nوفي \"مراسيلِ الحسنِ \":\n\"إذا نام - العبدُ وهو ساجدٌ باهى اللَّهُ الملائكةَ يقول: يا ملائكتي انظرُوا إلى عبدِي، جسَدُهُ في طاعتِي وروحُهُ عندي \"\nوفيه دلالةٌ على شرفِ النبيِّ - ﷺ -\nوتفضيلِهِ بتعليمِهِ ما في السماواتِ والأرضِ، وتجلَّى ذلك له مما تختصمُ فيه الملائكةُ في السماء وغير ذلك كما أُري إبراهيمُ ملكوتَ السماواتِ.\nوقد وردَ في غيرِ حديثٍ مرفوعًا، وموقوفًا أنَّه - ﷺ - أعْطِي عِلْمَ كلِّ شيءٍ خلا مفاتيح الغيبِ الخمسِ التي اختصَّ اللَّهُ عزَّ\nوجلَّ بعلمِها، وهي المذكورةُ في قولِهِ ﷿: (إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤) .\nوأمَّا وصفُ النبيِّ - ﷺ - لربِّه ﷿ بما وصفَهُ به فكُل ما وصف النبيُّ - ﷺ - ربَّه ﷿ به فهو حقٌّ وصدق يجبُ الإيمانُ والتصديقُ به كما وصفَ الله ﷿ به نفْسَهُ، مع نَفْي التمثيل عنه، ومَنْ أشكِلَ عليه فهْمُ شيءٍ مِنْ ذلك واشتبه عليه فليقل كما مدحَ اللَهُ تعالى به الراسخينَ في العلم وأخبرَ عنهم أنهم عند المتشابه (آمَنا بِهِ كلٌّ منْ عِندِ رَبِّنَا)، وكما قال النبي - ﷺ - في القرآن:\n\"وما جهلتُمْ منه فَكِلُوهُ إلى عالِمِه \"\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ وغيرُهُما.\nولا يتكلَّفُ ما لا عِلْمَ له به، فإنه يخشى عليه مِنْ ذلك الهلكة.","vol":"2","page":151},{"text":"سمِعَ ابنُ عباسِ يومًا منْ يروي عن النبيِّ - ﷺ - شيئًا مِنْ هذه الأحاديثِ، فانتفضَ رجلٌ استنكارًا لذلك فقال ابنُ عباسٍ:\nما فرقُ هؤلاءِ يجدونَ رِقَّةً عندَ مُحْكمه ويهلكونَ عندَ مُتَشابِهه \"\nخرَّجه عبدُ الرزاقُ في كتابه عن معمرٍ\nعن ابنِ طاوسِ عن أبيه عن ابنِ عباسٍ - ﵄ -، كلما سمعَ المؤمنون شيئًا منْ هذه الكلامِ قالوا: هذا ما أخبرنا اللَّهُ ورسولُه وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليمًا.\nوفيه دلالةٌ على أنَّ الملأَ الأعْلى وهُم الملائكةُ أو المُقرَّبونَ منهم يختصمونَ\nفيما بينهم ويتراجعونَ القولَ في الأعمالِ التي تُقربُ بني آدمَ إلى اللَّهِ عزَّ\nوجلَّ وتُكَفَّرُ بها عنهم خطاياهُم وقد أخبرَ اللَّهُ عنهم بأنهم يستغفرون للذين\nآمنوا ويدْعون لهُمْ.\nوفي الحديثِ الصحيح: \"إنَّ اللَّهَ إذا أحبَّ عبْدًا نادى إنِّي\nأحبُّ فلانًا فأحبَّه، فيحبُّه جبريلُ ثم ينادِي في السماءِ أنَّ اللَّهَ يحبُّ فلانًا فأحبِّوه فيحبَّه أهلُ السماءِ، ثم يوضعُ له القَبولُ في الأرضِ \".\nوقال أبو هريرة - ﵁ -:\nإذا ماتَ ابنُ آدمَ قال الناسُ: ما خلفَ؟\nوقالتْ الملائكةُ: ما قدَّمَ؛ فالملائكةُ يسألون عن أعمالِ بني آدمَ ولهُمْ اعتناءٌ بذلك واهتمامٌ به، وبقي الكلامُ على المقصودِ من الحديثِ، وهو ذِكْرُ الكفَّاراتِ والدرجاتِ والدعواتِ، ونعقدُ لكلِّ واحدةٍ منها فصْلًا مُفْردًا.\nالفصل الأول: في ذكر الكفَّاراتِ:\nوهو إسباغُ الوضوءِ في الكريهاتِ، ونقْلُ الأقدامِ إلى الجُمعاتِ أو\nالجَماعاتِ، والجلوسُ في المساجدِ بعدَ الصلواتِ، وسُميِّتْ هذه كفَّاراتٌ لأنها\nتُكَفِّرُ الخطايا والسيئاتِ، ولذلك جاء في بعضِ الرواياتِ:\n\"مَنْ فعل ذلك عاشَ","vol":"2","page":152},{"text":"بخيرٍ، وماتَ بخير، وكان مِنْ خطيئتِه كيوم ولدتْهُ أمُّه \"\nوهذه الخصال المذكورةُ الأغلبُ عليها تكفيرُ السيئات، ويحصلُ بها أيضًا رفعُ الدرجاتِ كما في \"صحيح مسلمٍ \" عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"ألا أدلكم على ما يمحُو اللَّهُ به الخطايا ويرفعُ به الدرجاتِ؟ \"\nقالُوا: بلى يا رسول اللَّه، قال:\n\"إسباغُ الوضوءِ على المكارِهِ، وكثرة الخطا إلى المساجدِ، وانتظارُ الصلاةِ بعدَ الصلاةِ، فذلكُم الرباطُ فذلِكُم الرباط \".\nوقد رُوي هذا المعنى عن النبيِّ - ﷺ - من وجوهٍ متعددة، فهذه ثلاثةُ أسبابُ يُكفِّر اللَّهُ بها الذنوبَ:\nأحدها: الوضوء، وقد دلَّ القرآنُ على تكفيره الذنوب في قولهِ ﷿:\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) إلى قوله: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ) .\nفقولُهُ تعالى: (لِيطَهِّرَكمْ) يشمل طهارةَ ظاهرِ البدنِ بالماءِ.\nوطهارةَ الباطنِ من الذنوبِ والخطايا، وإتمامُ النعمةِ إنما يحصلُ بمغفرةِ الذنوبِ وتكفيرها كما قال تعالى لنبيِّه - ﷺ -:\n(لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ) .\nوقد استنبط هذا المعنى محمدُ بنُ كعبٍ القرظيُّ، ويشهدُ له الحديثُ الذي\nخرَّجه الترمذيُّ وغيرُه، عن معاذٍ أن النبي - ﷺ - سمعَ رجلًا يدعو يقول: اللَّهُمَّ إني أسألك تمامَ النعمة، فقال له: \"أتدري ما تمامُ النعمة؟ \" قال: دعوةٌ دعوتُ بها أرْجو بها الخيرَ.\nفقال النبيُّ - ﷺ -:\n\"إنَّ تمامَ النعمة: النجاةُ منَ النارِ ودخولُ الجنةِ\"،","vol":"2","page":153},{"text":"فلا تتم نعمةُ اللَّهِ على عبدِهِ إلا بتكفيرِ سيئاتِهِ.\nوقد تكاثرتِ النصوصُ عن النبيِّ - ﷺ - بتكفيرِ الخطايا بالوضوءِ كما في \"صحيح مسلم \" عن عُثمانَ - ﵁ -: أنه توضَّأ، ثم قال: رأيتُ رسولَ اللَّه - ﷺ - توضَّأ مِثْلَ وضوئي هذا، ثم قال: \"من توضَّأ هكذا غُفر له ما تقدَّمَ من ذنبه.\nوكانتْ صلاتُهُ ومَشْيُهُ إلى المسجدِ نافلةً\"، وفيه أيضًا عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"منْ توضّأ فأحْسنَ الوضوءَ خرجتْ خطاياهُ منْ جَسَدِهِ حتَّى تخرجَ منْ تحتِ أظفارِهِ \"\nوفيه أيضًا عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"إذا توضَّأ العبدُ المسلمُ أو المؤمنُ، فغَسَلَ وجهَهُ خرَجَ من وجههِ كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماءِ أو مع آخِرِ قَطرِ الماءِ، فإذا غَسَلَ يديه خرجَ منْ يديه كلُّ خطيئةٍ بطشتْها يدَاهُ مع الماءِ أو مع آخر قطرِ الماء، فإذا غَسَلَ\nرجْليه خرجتْ كل خطيئةٍ مشتْها رِجْلاه مع الماءِ أو مع آخر قطرِ الماءِ، حتى يخرجَ نقيًّا من الذنوبِ \"\nوفيه أيضًا عن عمرو بنَ عَبْسةَ عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"ما مِنكُم من رجل يقربُ وضوءَه فيمضمضُ ويستنشقُ فينتثرُ إلا خرجتْ خطايا وجهِهِ وفيه وخياشيمِهِ، ثُمَّ إذا غسلَ وجههُ كما أمره اللَّهُ إلا خرجتْ خطايا وجهه من أطرافِ لحيتِهِ مع الماءِ، ثم يغسلُ يديه إلى المرفقينِ إلا خرجتْ خطايا يديه من أنامِلِهِ مع الماءِ، ثم يمسحُ رأسَهُ إلا خرجتْ خطايا رأسِهِ من أطرافِ شعرِهِ مع الماءِ ثم يغسلُ قدميهِ إلى الكعبينِ إلا خرجتْ خطايا رجليه من أنامِلِهِ مع الماءِ، فإنْ هو قامَ فصلَّى فحمدَ اللهَ وأثنى عليه ومجَّدهُ بالذي هو له أهل وفرغًّ قلبَهُ للهِ إلا انصرفَ من خطيئته كهيئتِهِ يومَ ولدتْهُ أُمُّهُ \".","vol":"2","page":154},{"text":"وفي \"الموطأ\"، و\"مسند الإمامِ أحمدَ\" و\"سنن النسائيّ \" وابن ماجةَ عن\nالصنابحيِّ عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"إذا توضأ العبدُ المؤمنُ فمضمضَ خرجتِ الخطايا من\nفِيه، فإذا استنشقَ خرجتِ الخطايا من أنفِهِ، فإذا غسلَ وجهَه خرجتِ الخطايا من وجهِهِ حتَّى تخرجَ من تحتِ أشفارِ عينيه، فإذا غسلَ يديه خرجتِ الخطايا من يديه حتَّى تخرجَ من تحتِ أظفارِ يديه، فإذا مسحَ برأسِهِ خرجت الخطايا من رأسِهِ حتَّى تخرجَ من أذنيه، فإذا غسلَ رجليهِ خرجتِ الخطايا من رجليْهِ حَتَّى تخرجَ من تحتِ أظفارِ رجليِه، ثمَّ كان مشيُهُ إلى المسجدِ وصلاتُهُ نافلةً له \".\nوفي \"المسندِ\" عن أبي أُمامة عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"ما من مسلمٍ يتوضأ فيغسلُ يديه ويمضمضُ فاه ويتوضأ كما أُمِرَ إلا حطَّ اللَهُ عنه يومئذ ما نطقَ به فمُهُ، وما مسَّ بيده، وما مشى إليه، حتَّى إنَّ الخطايا تحادَرُ من أطرافِهِ، ثم هو إذا مشى إلى المسجدِ فَرِجْل تكتبُ حسنةً، وأُخرى تمحُو سيئة\".\nوفيه أيضًا عن النبيّ - ﷺ - قال:\n\"أيُّما رجلٍ قامَ إلى وضوئِهِ يريدُ الصلاةَ ثم غسلَ كفَّيهِ، نزلتْ خطئيتُهُ من كفيه مع أولِ قطرة، فإذا مضمضَ واستنشقَ واستنثرَ نزلتْ\nخطيئتُهُ من لسانِهِ وشفتيهِ مع أولِ قطرةٍ، فإذا غسلَ وجهَهُ نزلتْ خطيئتُهُ من سمعِهِ وبصرِهِ مع أولِ قطرة، فإذا غسلَ يديه إلى المرفقينِ ورجليه إلى الكعبينِ سلم من كلِّ ذنبٍ هو له وكان من كلِّ خطيئةٍ كهيئتِهِ يومَ ولدتْهُ أمُّهُ فإذا قامَ إلى الصلاةِ رفعَ اللَّهُ درجتَهُ وإن قعدَ قعدَ سالما\".\nوفي المعنى أحاديثُ أُخرُ وفيما ذكرناه كفايةً وللَّه الحمدُ والمنة.","vol":"2","page":155},{"text":"وقد وردتِ النصوص أيضًا بحصول الثوابِ على الوضوء وهذا زيادة على\nتكفيرِ السيئاتِ، ففي \"صحيح مسلم \" عن عمرَ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قالَ: \"من توضَّأ فاحسنَ الوضوءَ ثم قالَ: أشهدُ أن لا إله إلا اللَهُ وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، فتحتْ له أبوابُ الجنةِ الثمانيةِ يدخلُ من أيِّها شاءَ\".\nوفيه أيضًا عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - يقولُ:\n\"تبلغُ الحليةُ من المؤمن حيث يبلغُ الوضوءُ\".\nوفيه أيضًا عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\" أنتم الغر المحجلونَ يومَ القيامةِ من إسباغِ الوضوءِ \".\nوخرَّجه البخاريُّ ولفظُهُ:\n\"إن أمَّتي يُدعون يوم القيامةِ غرًّا محجلينَ من آثارِ الوضوءِ \".\nواعلمْ أن حديثَ معاذِ بنِ جبلٍ في المنامِ إنما فيه ذكرُ إسباغ الوضوءِ على\nالكريهاتِ: وكذا في حديثِ أبي هريرةَ المبدوءِ بذكرهِ في هذا الفصلِ فههنا\nأمرانِ:\nأحدهما: إسباغُ الوضوءِ، وهو: إتمامُهُ وإبلاغُهُ مواضِعَهُ الشرعيةَ كالثوبِ\nالسابِغ المغطي للبدنِ كله. وفي \"مسند البزارِ\" عن عثمانَ مرفوعًا:\n\"من توضَّأ فأسبغَ الوضوءَ غفرَ له ما تقدَّم من ذنبهِ وما تأخرَ\"\nوإسنادُهُ لا بأس به وخرَّجه ابنُ أبي عاصم من وجهٍ آخرَ عن عثمانَ، وخرجَ النسائيُّ وابنُ ماجةَ من حديثِ أبي مالكٍ الأشعريِّ عن النبي - ﷺ - قالَ:\n\"إسباغُ الوضوءِ شطرُ الإيمانِ \"","vol":"2","page":156},{"text":"وخرَّجه \"مسلم\" ولفظُهُ: \"الطهورُ شطرُ الإيمانِ \".\nوثانيهما: أن يكونَ إسباغُهُ على الكريهاتِ، والمرادُ أن يكونَ على حالة تكرهُ النفسُ فيها الوضوءَ وقد فُسِّرَ بحال نزول المصائبِ فإن النفسَ حينئذ تطلبُ الجزعَ فالاشتغال عنه بالصبرِ والمبادرةِ إلى الوضوءِ والصلاةِ من علامة الإيمانِ، كما قال ﷿: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخَاشعِينَ)، وقال تعالى: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بْالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللًهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) .\nوالوضوءُ مفتاح الصلاة وقد يُطفأ به حرارةُ القلبِ الناشئةِ عن ألمِ المصائبِ\nكما يُؤمرُ مَنْ غضِبَ بإطفاءِ غضبِهِ بالوضوءِ، وفسرتِ الكريهاتُ بالبردِ الشديدِ ويشهدُ له أنَّ في بعضِ رواياتِ حديثِ معاذ\n\"إسباغُ الوضوءِ على السبرات \"\nوالسبرةُ: شدةُ البردِ، ولا ريبَ أنَّ إسباغَ الوضوءِ في شدة البردِ يشقُّ على\nالنفسِ وتتألمُ به، وكلُّ ما يؤلمُ النفسَ ويشقُّ عليها فإنه كفارةَ للذنوبِ وإنْ لم\nيكنْ للإنسان فيه صنعٌ ولا تسببٌ، كالمرضِ ونحوِه كما دلتِ النصوصُ\nالكثيرةُ على ذلك.\nوأما إن كان ناشئًا عن فعلٍ هو طاعةٌ للَّه تعالى، فإنه يكتبُ لصاحبِهِ به\nأجرٌ وترفعُ به درجاتُهُ كالألم الحاصلِ للمجاهدِ في سبيلِ اللَّهِ تعالى قال اللَّهَ\n﷿: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) .\nوكذلك ألم الجوع والعطشِ الذي يحصلُ\n.","vol":"2","page":157},{"text":"للصائم، فكذا التألمُ بإسباغ الوضوءِ في البردِ، ويجبُ الصبرُ على الألم\nبذلك، فإن حصلَ به رضى، فذلك مقامُ خواصِّ العارفين المحبينَ، وينشأ\nالرضى بذلكَ عن ملاحظةِ أمورٍ:\nأحدها: تَذَكُّرُ فضلِ الوضوءِ من حطِّه الخطايا ورفعِهِ الدرجاتِ، وحصولِ\nالغرة والتحجيل به وبلوغ الحليةِ في الجنّة إلى حيث يبلغ، وهذا كما انكسرَ\nظفرُ بعضِ الصالحاتِ من السلفِ من عثرة عثرتْها فضحكتْ وقالتْ: أنسانِي\nحلاوةُ ثوابِهِ مرارةَ وجعِهِ.\nوقال بعضُ العارفينَ: من لم يعرفْ ثوابَ الأعمالِ\nثقلتْ عليه في جميع الأحوالِ.\nالثاني: تَذَكُّرُ ما أعدَّه اللَّه ﷿ لمن عصاهُ من العذابِ بالبردِ والزمهريرِ\nفي الآخرةِ، فإنَّ شدةَ بردِ الدنيا يذكرُ زمهريرَ جهنم، وفي الحديث الصحيح: \"إنَّ أشدَّ ما تجدونَ من البردِ من زمهريرِ جهنَّم \"\nفملاحظةُ هذا الألم الموعود يهونُ الإحساسَ بألم بردِ الماءِ كما رُوي عن زبيد الياميِّ أنه قام ليلةً للتهجدِ وكان البردُ شديدًا، فلمَّا أدخلَ يده في الإناءِ وجدَ شدةَ بردِهِ فذكرَ زمهرير جهنم، فلم يشْعُر ببردِ الماءِ بعد ذلك، وبقيتْ يدُه في الماءِ حتى أصبح، فقالتْ له جاريتُهُ: مالَكَ لم تصلِّ الليلةَ\nكما كنتَ تصلِّي؟\nفقال: إني لما وجدتُ شدةَ بردِ الماءِ ذكرتُ زمهريرَ جهنَّم فما شعرتُ به حتىَ أصبحتُ، فلا تخبري بهذا أحدًا ما دمتُ حيًّا.\nالثالث: ملاحظةُ جلالِ مَنْ أمرَ بالوضوءِ، ومطالعةُ عظمتِهِ وكبريائهِ، وتذكرُ\nالتهيئ للقيامِ بين يديه ومناجاتِهِ في الصلاةِ، فذلك يهونُ كلَّ ألمٍ ينالُ العبدَ","vol":"2","page":158},{"text":"في طلبِ مرضاتِهِ من بردِ الماءِ وغير وربَّما لم يشعر بالماءِ بالكليةِ، كما قال\nبعضُ العارفين: بالمعرفة هانتْ على العاملينَ العبادةُ قال سعيدُ بنُ عامرِ:\nبلغَني أنَّ إبراهيمَ الخليلَ - ﷺ - كانَ إذا توضا سُمِعَ لعظامِهِ قعقعةٌ.\nوكان علي بن الحسينُ إذا توضأ اصفرَّ، فيقال له: ما هذا الذي يعتريكَ\nعندَ الوضوء؛ فيقولُ: أتدرونَ بين يدي منْ أريدُ أن أقومَ له؟.\nوكان منصورُ بنُ زاذانَ إذا فرغَ من وضوئِهِ يبكي حتَى يرتفعَ صوتُهُ، فقيلَ\nله: ما شأنُك؟\nفقالَ: وأيُّ شيءِ أعظم من شأني إني أريد أن أقومَ بين يدي\nمن لا تأخذُهُ سنةٌ ولا نومٌ، فلعله يرضى عني.\nوكان عطاءٌ السلميُّ إذا فرغَ من وضوئِه ارتعد وانتفضَ وبكى بكاءً شديدًا.\nفقيلَ له في ذلك، فقال: إني أريدُ أن أتقدًّمَ إلى أمرٍ عظيمٍ، إني أريدُ أن أقومَ\nبين يدي اللَّهِ ﷿.\nالرابع: استحضارُ اطلاع اللَّهِ ﷿ على عبده في حالِ العملِ له.\nوتحملُ المشاقِ لأجلِهِ فمن تيقنَ أن البلاءَ بعينِ من يحبُّه هانَ عليه الألمُ كما\nأشارَ تعالى إلى ذلك بقولِهِ ﷿ لنبيَّه - ﷺ -:\n(وَاصْبِرْ لِحُكْم رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا) .\nوقولُهُ تعالى لموسى وهارونَ ﵉:\n(لا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسمعُ وَأَرَى) .\nوقال - ﷺ -:\n\"اعبد الله كأنك تراهُ فإن لم تكنْ تراهُ فإنه يراك \"\nقال أبو سليمانَ: قرأتُ في بعضِ الكتبِ، يقولُ اللَّهُ ﷿:\nبعيني ما تحمَّلَ المتحملونَ من أجلي، وكابدَ المكابدونَ في طلبِ مرضَاتِي، فكيفَ بهم وقد صارُوا في جوارِي وتبحبَحُوا في رياضِ خلدِي؛ فهنالك فليستبشرِ المصفونَ للَّه أعمالهم بالمنظرِ العجيب من الحبيبِ القريبِ، أترونَ أنَي أضيعُ لهم عملًا؟ فكيف وأنا أجود على الموَلِّين عئي فكيفَ بالمقبلينَ إليَّ.","vol":"2","page":159},{"text":"فإسباغُ الوضوءِ في البردِ لاسيَّما في الليل يطلعُ اللَّهُ عليه ويرضَى به\nويباهي به الملائكةَ، فاستحضارُ ذلك يهونُ ألم بردِ الماءِ.\nوفي \"المسندِ\" و\"صحيح ابن حبانَ \" عن عقبةَ بنِ عامرٍ عن النبي - ﷺ - قال: \"رجلانِ من أُمَّتي، يقومُ أحدُهُما من الليلِ يعالجُ نفسَهُ إلى الطهورِ وعليه عقدٌ فيتوضأ، فإذا وضَّأ يديه انحلتْ عقدة، وإذا وضأ وجهَهُ انحلتْ عقدة، وإذا مسحَ رأسَهُ انحلتْ عقدة، وإذا وضَّأ رجليه انحلتْ عقدة، فيقول الرب ﷿ للذي وراء الحجابِ: انظرُوا إلى عبدِي هذا يعالجُ نفسَهُ يسألني، ما سألني عبدِي هذا فهو لَهُ \"\nوذكرَ بقيةَ الحديثِ.\nوَرُوي عن عطيةَ عن أبي سعيدٍ عن النبي - ﷺ -:\n\"إن الله يضحكُ إلى ثلاثةِ نفرٍ، رجل قامَ من جوفِ الليلِ فأحسنَ الطهورَ فصلَّى\" وذكر الحديث.\nكان بعضُ السلفِ له وِرْدٌ بالليلِ ففترَ عنهُ فهتفَ به هاتفٌ: ينظرُ اللَّه في\nالليلِ لما يصنعُ خدامُهُ إذا قامُوا أوحشتهم على الخدمةِ أحكامُهُ.\nالخامس: الاستغراقُ في محبةِ من أمرَ بهذه الطاعةِ وأنَّه يرضَى بهَا ويحبُّها.\nكما قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ)، فمن امتلأ\nقلبُه من محبةِ اللَّه ﷿ أحبَّ ما يحبُّهُ وإنْ شقَّ على النفسِ وتألَّمتْ به.\nكما يُقال: المحبةُ تهونُ الأثقالَ.\nوقال بعضُ السلفِ في مرضِهِ: أحبُّه إليَّ أحبُّه إليه.\nوكما قيل:\nفَمَا لِجُرْح إِذَا أَرْضَاكُم أَلَمٌ","vol":"2","page":160},{"text":"وكما قيل أيضًا:\nفِي حبكم يهونُ ماقد ألقَى. . . يسعدُ بالنعيم من لايشقَى\nمن خدَمَ من يحبُّ تلذذَ بشقائهِ في خدمتهِ.\nوقال بعضُهم: القلبُ المحبُّ للَّهِ يحبُّ النصبَ له.\nوقالَ عبدُ الصمد: أوجدَ لهم في عذابهِ عذوبةً.\nإسباغُ الوضوءِ على المكاره من علاماتِ المحبينَ، كما في كِتابِ \"الزهدِ\"\nللإمامِ أحمدَ عن عطاء بن يسارٍ قال: قال موسى ﵇:\n\"يا ربِّ من أهلُكَ الذينَ هم أهلُكَ الذينَ تظلهم في ظل عرشِكَ؟\nقالَ: هم البريئةُ أبدانُهم الطاهرةُ قلوبُهم الذينَ يتحابُّون بجلالي، الذين إذا ذُكرتُ ذُكرُوا بي وإذا ذُكِروا ذكرتُ بذكرِهم، الذينَ يسبغونَ الوضوءَ في المكارهِ وينيبونَ إلى ذكْري كما تنيبُ النسورُ إلى أوكارِها، ويكلفُون بحبِّي كما يكلفُ الصبيّ بحبِ الناسِ ويغضبُونَ لمحارِمي إذا استحلَّت، كما يغضبُ النمرُ إذا حربَ \".\nوقد يخرقُ اللَّهُ العادةَ لبعضِ المحبينَ له فلا يجدُ ألمَ بردِ الماءِ، كما كانَ\nبعضُ السلفِ قد دعَا اللَّهَ أن يهوِّن عليه الطهورُ في الشتاءِ فكانَ يؤتى بالماء\nوله بخارٌ، وربما سُلِبَ بعضهُم الإحساسَ في الحرِّ والبردِ مطلقًا، وكانَ عليُّ\nابنُ أبي طالبٍ - ﵁ - قد دعَا له النبي - ﷺ - أن يذهبَ اللَّهُ عنه الحرَّ والبردَ فكانَ يلبسُ في الصيفِ لباسَ الشِتَاءِ وفي الشتاءِ لباسَ الصيفِ وقالَ - ﷺ - فيه:\n\"إنه يحبُّ اللهَ ورسولَهُ ويحبُّه اللَهُ ورسولُهُ \".\nورأى أبو سليمانَ الدارانيُّ في طريقِ الحج في شدّةِ بردِ الشتاءِ شيخًا عليه\nأخلاقٌ رثةٌ وهو يرشحُ عَرقًا فسألهُ عن حالِهِ فقالَ: إنما الحرُّ والبرد خلقانِ للَّهِ","vol":"2","page":161},{"text":"﷿، فإنْ أمرَهما أن يغشياني أصاباني وإن أمرهمَا أن يتركاني تركاني.\nوقالَ: أنا في هذِه البريةِ منذُ ثلاثينَ سنة يلبسُني في البردِ فيحًا من محبتِهِ\nويلبسُني في الصيفِ بردًا من محبَّتهِ، وقيَّل لآخرَ وعليه خرقتان في بردٍ شديدٍ\nلو استترتْ في موضع يكنُّكَ من البردِ فأنشدَ:\nويحسن ظنّي أنني في فنائهِ. . . وهلْ أحدٌ في كنِّهِ يجد البردَا\nالسبب الثانِي: من مكفرات الذنوبِ المشيُ على الأقدامِ إلى الجماعاتِ وإلى\nالجمعاتِ، ولاسيَّما إن توضًّأ الرجلُ في بيتِهِ ثم خرجَ إلى المسجدِ لا يريدُ\nبخروجِه إلا الصلاةَ فيه، كما في \"الصحيحينِ \" عن أبىِ هريرةَ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"صلاةُ الرجلِ في الجماعةِ تضعفُ على صلاتِهِ في بيتِهِ وفي سوقِهِ\nخمسًا وعشرينَ ضعفًا، وذلك أنه إذا توضَّأ فأحسَنَ الوضوءَ، ثم خرجَ إلى المسجدِ لا يخرَّجَهُ إلا الصلاةُ، لم يخط خطوةً إلا رُفِعت له بها درجة وحُطَّ عنه بها خطيئة، فإذا صلَّى لم تزلِ الملائكةُ تصلِّي عليهِ مادام في مصلاَّه، اللَّهم صلِّ عليه اللهم ارحمه، ولا يزالُ أحدُكم في صلاةٍ ما انتظر الصلاةَ\".\nوفي \"صحيح مسلم \" عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"منْ تطهَّرَ في بيته، ثمَّ مشى إلى بيتٍ من بيوتِ اللَّهِ ليقضِي فريضةً من فرائضِ اللَّهِ، كانتْ خطوتاهُ إحداهُما تحطُّ خطيئةً والأخرى ترفَعُ درجةً\"، وفي \"الصحيحين \" عن أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"كل خطوة مشيهَا إلى الصلاة صدقة \".\nوفي \"المسندِ\" و\"صحيح ابنِ حبانَ \" عن عقبةَ بنِ عامرٍ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"إذَا تطهرَ الرجلُ ثمَّ أتَى","vol":"2","page":162},{"text":"المسجدَ يرعى الصلاةَ كتبَ له كاتباهُ بكل خطوةٍ يخطوهَا إلى المسجدِ عشرَ حسناتٍ \".\nوفيهما أيضًا عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \" من راحَ إلى مسجدِ جماعة فخطوتاهُ خطوة تمحو سيئةً وخطوة تكتبُ حسنةً ذاهبًا وراجعًا\"\nوفي \"سنن أبي داودَ\" عن أبي أمامةَ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"من خرجَ من بيتهِ متطهرًا إلى صلاةٍ مكتوبةٍ فأجرُه كأجرِ الحاجِّ المحرم\"\nوفيه أيضًا عن رجلٍ من الأنصار عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"منْ توضأ فأحسنَ الوضوءَ ثم خرجَ إلى الصلاةِ، لم يرفع قدمَهُ\nاليمنى إلا كتبَ اللَّهُ له بها حسنةً، ولم يضعْ قدمَهُ اليُسرى إلا حطَّ اللَّهُ عنه بها خطيئةً، فليقرب أو ليبعد، فإنْ أتَى المسجدَ فصلَّى في جماعةٍ غُفِرَ لهُ \" والأحاديث في هذا المعنى كثيرةٌ جدًّا.\nفالمشي إلى الجمعاتِ له مزيدُ فضلٍ لاسيَّما إن كانَ بعد الاغتسالِ كما في\n\"السنن \" عن أوسِ بنِ أوسٍ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"من غسَّلَ يومَ الجمعةِ واغتسلَ، وبكَّرَ وابتكَرَ، ومشى ولم يركبْ، ودنا من الإمام واستمعَ ولم يلغُ، كان لهُ بكلِّ خطوةٍ أجرُ سنةٍ صيامُها وقيامُها\".\nكلما بعُدَ المكانُ الذي يمشي منه إلى المسجدِ كانَ أفضل لكثرةِ الخُطا، وفي\n\"صحيح مسلم\" عن جابرٍ قال: \"كانتْ دارُنا نائيةً عن المسجدِ، فأردْنا أن\nنبيعَ بيوتنَا فنقرب من المسجدِ، فنهانا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وقال: \"إنَ لكم بكلِّ خطوةٍ حسنةً\"","vol":"2","page":163},{"text":"وفي \"صحيح البخاريِّ \" عن أنس أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: \"يا بني سلمةَ ألا تحتسبونَ آثارَكم\".\nوفي \"الصحيحينِ \" عن أبي موسى أنَ النبيَّ - ﷺ - قال:\n\"إنَّ أعظمَ الناسِ أجرًا في الصلاةِ أبعدُهمُ إليها ممشى فأبعدُهم \".\nومع هذا فنفسُ الدارِ القريبة من المسجدِ أفضلُ من الدارِ البعيدةِ عنه، لكنَّ المشي من الدار البعيدةِ أفضلُ، ففي \"المسندِ\" عن حذيفةَ عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال:\n\"فضلُ الدارِ القريبةِ من المسجدِ على الدارِ البعيدةِ الشاسعةِ، كفضلِ الغازي على القاعدِ\" وإسنادُه منقطعٌ.\nوالمشيُّ إلى المسجدِ أفضلُ من الركوبِ كما تقدَّم في حديثِ أوسٍ في\nالجمع، ولهذا جاءَ في حديثِ معاذٍ ذكرُ المشي على الأقدامِ، وكادَ النبي - ﷺ - لا يخرجُ إلى الصلاة إلا ماشيًا حتَّى العيد يخرجُ إلى المصلَّى ماشيًا، فإنَّ الآتي للمسجدِ زائرُ اللَّهِ، والزيارةُ على الأقدامِ أقربُ إلى الخضوع والتذللِ، كما قِيل:\nلو جئتكم زائرًا أسْعى على بصرِي. . . لم أؤدَ حقا وأيَّ الحق أديتُ\nوفي \"صحيح البخاريِّ \" عن أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"من غدا إلى المسجدِ أو راحَ، أعدَّ اللَّهُ له نزلًا في الجنةِ كلَّما غدا أو راحَ \" والنزلُ هو ما يعدُّ للزائرِ عندَ قدومهِ.\nوفي الطبراني من حديثِ سلمانَ مرفوعًا:\n\"من توضَّأ في بيتهِ فأحسنَ الوضوء ثمَ أتى المسجدَ فهو زائرُ اللَّهِ تعالي وحقّ على المزورِ أن يكرمَ الزائرَ\"","vol":"2","page":164},{"text":"وفي \"صحيح مسلم \" عن أبيِّ بن كعبٍ قال: كانَ رجل لا أعلمُ رجلًا أبعدَ\nمن المسجدِ منهُ وكانَ لا تخطئُهُ صلاةٌ في المسجدِ، قالَ: فقيل له: أو قلت\nلهُ: لو اشتريتَ حمارًا تركبُه في الظلماءِ أو في الرمضاء فقال: ما يسرّني أن\nمنزلي إلى جنبِ المسجدِ، إني أريدُ أنْ يكتبَ لي ممشاي إلى المسجدِ.\nورجوعي إذا رجعتُ إلى أهلي، فقال: رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"قد جمعَ اللَّهُ لكَ ذلك كلَّه \".\nوكلما شقَّ المشيُ إلى المسجدِ كانَ أفضل ولهذا فُضِّلَ المشي إلى صلاةِ\nالعشاءِ وصلاةِ الصبح وعدلَ بقيامِ الليلِ كله كما في \"صحيح مسلمٍ \" عن\nعثمانَ عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"من صلى العشاءَ في جماعة فكأنَّما قامَ نصفَ الليل.\nومن صلي الصبح في جماعةٍ فكأنما قامَ الليلَ \".\nوفي \"الصحيحينِ \" عن أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"أثقلُ صلاةٍ على المنافقينَ صلاةُ العشاءِ وصلاةُ الفجرِ، ولو\nيعلمونَ ما فيهمَا لأتوهُما ولو حبوًا\".\nوإنما ثقلتْ هاتان الصلاتانِ على المنافقينَ لأنَّ المنافقَ لا ينشطُ للصلاةِ إلا إذا\nرآهُ الناسُ، كما قالَ تعالى: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كسَالَى يرَاءُونَ الناسَ وَلا يَذْكرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلًا) .\nوصلاة العشاءِ والصبحِ يقعان في ظلمةٍ فلا ينشطُ للمشي إليهما إلا كلُّ مخلص يكتفي برؤيةِ اللَّهِ ﷿ وحده لعلمِهِ\nوثوابُ المشي إلي الصلاة في الظُّلَمِ النورُ التامُّ في ظُلَم القيامةِ، كما في","vol":"2","page":165},{"text":"\"سنن أبي داودَ\"، والترمذي عن بريدةَ عنَ النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\" بشِّر المشائينَ في الظل إلي المساجدِ بالنورِ التامِّ يومَ القيامةِ \"\nوخرَّجهُ ابنُ ماجة من حديثِ سهلِ بن سعدٍ، وقد رُوي من وجوه كثيره. وفي بعضهَا زيادةٌ \"يفزعُ النَّاس ولا يفزعونَ \"\nقال النخعيُّ: وكانُوا يرونَ أنَّ المشيَ في الليلةِ الظلماء إلى الصلاة\nموجبةٌ - يعني: توجبُ المغفرةَ.\nوروينا عن الحسنِ قالَ: أهلُ التوحيدِ في النار لا يقيدونَ فيقولُ الخزنةُ\nبعضُهم لبعضٍ: ما بالُ هؤلاءِ لا يُقيَّدون، وهؤلاءِ يُقيَّدون؟\nفينادِيهم مُنادٍ: إنَّ هؤلاءِ كانوا يمشونَ في ظُلَم الليل إلى المساجدِ، كما أنَّ مواضعَ السجودِ من عصاةِ الموحدينَ في النارِ لا تأكلهَا النَّارُ، فكذلك الأقدامُ التي تمشي إلى المساجدِ في الظلم لا تقيدُ في النار.\nولا يسوِّي في العذابِ بينَ من خدمَهُ وبين من لم يخدِمه وإن عذَّبه.\nومن كانَ في سخطهِ محسنًا. . . فكيف يكونُ إذا ما رضِي\nلمَّا كانتِ الصلاةُ صلةً بين العبدِ وبينَ ربَه، ومناجاةً تظهرُ فيها آثارُ تحلِّيهِ\nلقلوبِ العارفينَ وقربِهِ شرعَ قبلَ الدخولِ فيها الطهارةُ، فإنَّه لا يصلحُ للوقوفِ بين يدي اللَّه ﷿ والخلوةِ بمناجاتِهِ إلا طاهرٌ، فأمَّا المتلوثُ بالأوساخ الظاهرةِ والباطنةِ فلا يصلحُ للقربِ، فشرعَ اللَّهُ ﷿ للمصلِّي غسلَ أعضائِهِ بالماءِ ورتبَ عليها طهارةً ظاهرةً وباطنةً، ثمَّ شرعَ المشي إلى المساجدِ.\nوفيه أيضًا تكفيرُ الخطايا حتَّى تكملَ طهارةُ الذنوبِ إن بقي منها شيءٌ بعد\nالوضوءِ حتَّى لا يقفَ العبدُ في مقامِ المناجاةِ إلا بعدَ كمالِ طهارةٍ ظاهرةٍ","vol":"2","page":166},{"text":"وباطنة من درنِ الأوساخ والذنوبِ، ولهذا شَرعَ لهُ تجديدَ التوبة والاستغفارَ\nعقب وضوءٍ حتَّى تكملَ طهارةُ ذنوبهِ، كما خرَّج النسائيُّ من حديثِ\nأبي سعيدٍ مرفوعًا وموقوفًا:\n\"من توضَّا فأسبغَ الوضوءَ ثمَّ قالَ عندَ فراغِه من وضوئه: سبحانكَ اللهمَّ وبحمدكَ أستغفرُكَ وأتوبُ إليكُ، ختمَ عليها بخاتمٍ فوضعتْ\nتحتَ العرشِ فلم تُكسرْ إلى يوم القيامةِ\".\nومتى اجتهدَ العبدُ على تكميلِ طهارتهِ ومشيهِ إلى المسجدِ ولم يقوَ ذلكَ\nعلى تكفير ذنوبهِ، فإنَّ الصلاةَ يكملُ بها التكفيرُ، كما في \"الصحيحينِ \"\nعن أبي هريرةَ عن النبيّ - ﷺ - قالَ:\n\"أرأيتُم لو أنَّ نهرًا ببابِ أحدكُم يغتسلُ فيه كلَّ يومٍ خمسَ مراتٍ، هل يبقى من درنهِ شيء؟ \"\nقالوا: لايبقى من درنهِ شيءٌ، قال:\n\"فذلكَ مثلُ الصلواتِ الخمس يمحو اللَّهُ بهنَّ الخطايا\".\nوإنْ قويَ الوضوءُ وحدهُ على تكفيرِ الخطايا، فالمشيُ إلى المسجدِ والصلاةُ\nبعده تكونُ زيادةُ حسناتٍ وهذا هو المرادُ من قولِ النبيِّ - ﷺ - في حديث عثمانَ والصنابحي \"وكان مشيهُ إلى المسجدِ وصلاتُه نافلةً\"، وقد سبقَ ذكرُ الحديثين.\nواعلم أنَّ جمهورَ العلماءِ على أنَّ هذهِ الأسبابَ كلَّها إنما تكفَر الصغائرَ\nدونَ الكبائرِ وقد استدلَّ بذلكَ عطاءٌ وغيرهُ من السلفِ في الوضوءِ، وقال\nسلمانُ الفارسيُّ - ﵁ -: الوضوءُ يكفِّرُ الجراحاتِ الصغارَ، والمشيُ إلى المسجدِ يكفِّرُ أكثرَ من ذلكَ والصلاة تكفر أكثر من ذلك.\nخرَّجهُ محمدُ بن نصر المروزيُّ، ويدل على أنَّ الكبائرَ لا تكفَّرُ بذلكَ ما في \"الصحيحينِ \" عن أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - قال:","vol":"2","page":167},{"text":"\"الصلواتُ الخمسُ والجمعةُ إلى الجمعةِ ورمضانُ إلي\nرمضانَ، مكفراتٌ لما بينهن إذا اجتنبتِ الكبائرُ\".\nوفي \"صحيح مسلم \" عن عثمانَ عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"ما من امرئٍ مسلمٍ تحضُرهُ صلاة مكتوبة فيحسنُ وضوءها وخشوعَها وركوعَها وسجودَها، إلا كانتْ كفارةً لما قبلَها من الذنوبِ ما لم تؤتَ كبيرة وذلكَ الدهرَ كلَّهُ \".\nفانظرْ إلى كم تيسرَ لك أسبابُ تكفيرِ الخطايا لعلكَ تُطهَّرُ منها قبلَ الموتِ\nفتلقاهُ طاهرًا فتصلحُ لمجاورتِهِ في دارِ السلام، وأنتَ تأبى إلا أن تموتَ على\nخبثِ الذنوبِ فتحتاجُ إلى تطهيرها في كيرِ جهنَّم، يا هذا أما علمتَ أنه لا\nيصلحُ لقربنا إلا طاهر، فإذا أردت قربَنا ومناجاتِنا اليومَ فطهِّر ظاهرَكَ وباطنَكَ لتصلُحَ لذلكَ، وإن أردتَ قربَنا ومناجاتِنَا غدًا فطهِّرْ قلبك من سوانَا لتصلحَ لمجاورتنَا (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) .\nوالقلبُ السليمُ الذي ليسَ فيه غيرُ محبةِ اللَّهِ ومحبَّةِ ما يحبّه اللَّهُ\n\"إن اللهَ طيبٌ لا يقبلُ إلا طيبًا\"\nفما كلُّ أحدٍ يصلُح لمجاورةِ اللَّهِ تعالى غدًا، ولا كل عبدٍ يصلحُ لمناجاةِ اللَّهِ اليوم ولا على كلِّ الحالات تحسنُ المناجاةُ.\nالناسُ من الهوَى علَى أصنافِ. . . هذا نَقِضُ العهدِ وهذا وافي\nهيهاتَ من الكدورِ تبغي الصافي. . . ما يصلحُ للحضرةِ قلبٌ جَافي\nالسبب الثالث: من مكفراتِ الذنوبِ الجلوسُ في المساجدِ بعد الصلواتِ.\nوالمراد بهذا الجلوسِ انتظارُ صلاة أخرى كما في حديثِ أبي هريرةَ \"وانتظارُ","vol":"2","page":168},{"text":"الصلاة بعد الصلاةِ فذلكُمُ الرباطُ فذلكُمُ الرباطُ \"\nفجعل هذا من الرباطِ في سبيلِ اللَّه ﷿، وهذا أفضلُ من الجلوسِ قبلَ الصلاةِ لانتظارهَا، فإنَّ الجالسَ لانتظارِ الصلاةِ ليؤدِّيها ثم يذهبُ تقصُرُ مدةُ انتظاره بخلافِ من صلَّى صلاةً ثمَّ جلسَ ينتظرُ أخرى فإنَّ مدَّتَهُ تطولُ فإن كانَ كلما صلَّي صلاةً جلسَ ينتظرُ ما بعَدهَا استغرقَ عمرَهُ بالطاعةِ وكانَ ذلكَْ بمنزلةِ الرباطِ في سبيلِ اللَّه ﷿.\nوفي \"المسندِ\"، و\"سنن ابنِ ماجةَ \" عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو - ﵄ - قالَ: \"صلَّيتُ مع رسول الله - ﷺ - المغربَ فرجعَ منْ رجعَ وعقبَ من عقبَ، فجاءَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - مسرعًا قد حفزهُ النفَسُ وقد حسر عن ركبتيهِ فقالَ:\n\"أبشرُوا هذا ربُّكم قد فتحَ بابا من أبواب السماءِ، يباهِي بكُمُ الملائكةَ، يقولُ: انظُروا إلي عبادِي قد قضَوا فريضة وهم ينتظرونَ أُخري \".\nوفي \"المسندِ\" عن أبي هريرةَ عن النبيَّ - ﷺ - قال:\n\"منتظرُ الصلاةِ بعدَ الصلاةِ كفارسٍ اشتدَّ به فرسُهُ في سبيلِ الله على كشحِهِ تصلِّي عليهِ ملائكةُ الله ما لم يحدثْ أو يقوم، وهو في الرباط الأكبر \".\nويدخلُ في قولهِ: \"والجلوسُ في المساجدِ بعدَ الصلواتِ \"\nالجلوسُ للذكرِ والقراءةِ وسماع العلم وتعليمهِ ونحو ذلكَ لاسيَّما بعدَ صلاة الصبح حتى تطلعَ الشمسُ؛ فإنَّ النصوصَ قد وردتْ بفضلِ ذلكَ، وهو شبيه بمن جلسَ ينتظرُ صلاةً أخرى، لأنهَّ قد قضى ما جاءَ إلى المسجدِ لأجلِهِ من الصلاةِ وجلسَ ينتظر طاعةً أخرى.\nوفي \"الصحيح \" عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"ما اجتمعَ قوم في بيتٍ","vol":"2","page":169},{"text":"من بيوتِ اللَّه تعالى يتلونَ كتاب اللَّه، ويتدارسونَهُ بينَهُم، إلاَّ نزلتْ عليهم السكينةُ، وغشيتهُم الرحمةُ، وحفتهُمُ الملائكةُ، وذكرهُمُ اللَهُ فيمنْ عندَهُ \".\nوأما الجالسُ قبلَ الصلاةِ في المسجدِ لانتظار تلكَ الصلاةِ خاصةً فهو في\nصلاةٍ حتَّى يصلِّي.\nوفي \"الصحيحينِ \" عن أنسٍ عن النبيِّ - ﷺ -\n\"أنه لما أخَّرَ صلاةَ العشاءِ الآخِرةَ، ثمَّ خرج فصلَّى بهم، قالَ لهم:\n\"إنكم لم تزالُوا في صلاةٍ ما انتظرتُمُ الصلاةَ \".\nوفيهما أيضًا عن أبي هريرةَ - ﵁ - عن النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"الملائكةُ تصلِّي على أحدِكم ما دام في مصلاه ما لم يحدثْ، اللهم اغفرْ لهُ اللهم ارحمْهُ، ولا يزال أحدُكم في صلاةٍ ما كانتِ الصلاةُ تحبسُهُ لا يمنعهُ أن ينقلبَ إلى أهله إلا الصلاةُ\"\nوفي روايةٍ لمسلمِ\n\"ما لم يؤذِ فيه ما لم يحدِثْ فيهِ \".\nوهذا يدلُّ على أنَّ المرادَ بالحدثِ حدثُ اللسانِ ونحوِه من الأذَى، وفسرهُ\nأبو هريرةَ بحدثِ الفرج، وقيلَ: إنه يشملُ الحدثينِ.\nوفي \"المسندِ\" عن عقبةَ بن عامرٍ عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"القاعدُ يراعي الصلاةَ كالقانت ويكتُب من المصلينَ من حين يخرجُ من بيتِهِ حتَّى يرجعَ إليه \"\nوفي روايةٍ له:\n\"فإذا صَلَّى في المسجد ثم قعدَ فيه كانَ كالصائم القانتِ حتَى يرجع \".\nوفي هذا المعنى أحاديثُ كثيرةٌ، وبالجملةِ فالجلوسُ في المساجدِ للطاعاتِ له\nفضلٌ عظيمٌ.","vol":"2","page":170},{"text":"وفي حديثِ أبي هريرةَ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"لا يوطِّن رجل المساجدَ للصلاةِ والذكر إلا تبشبش اللَّهُ ﷿ به كما يتبشبشُ أهلُ الغائب إذا قدمَ عليهم غائبُهُم \".\nورَوى دراجٌ عن أبي الهيثم عن أبي سعيدٍ عن النبيًّ - ﷺ - قال:\n\"من ألِفَ المسجدَ ألِفَهُ اللَّه \".\nوقال سعيدُ بنُ المسيبِ: من جلسَ في المسجدِ فإنَّما يجالسُ اللَّه عز\nوجلَ.\nوصحَّ عن النبيّ - ﷺ - أنه عدَّ من السبعةِ الذينَ يظلُّهُمُ اللَّه في ظلَّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه رجلٌ قلبُهُ معلَّق بالمسجدِ إذا خرجَ منه حتى يعودَ إليه.\nوإنَّما كانتْ ملازمةُ المسجدِ للطاعاتِ مكفرةً للذنوبِ؛ لأنَّ فيها مجاهدةَ\nالنفسِ وكفًّا لها عن أهوائِها؛ فإنها لا تميلُ إلا إلى الانتشار في الأرضِ لابتغِاء\nالكسب؛ أو لمجالسةِ الناس، أو لمحادثتهم، أو للتنزه في الدور الأنيقةِ\nوالمساكنِ الحسنةِ ومواطنِ النزهِ، ونحو ذلكَ.\nفمن حبسَ نفسَهُ في المساجدِ على الطاعةِ فهوَ مرابطٌ لها في سبيلِ اللَّه مخالِفٌ لهواهَا، وذلكَ من أفضلِ أنواع الصبرِ والجهادِ.\nوهذا الجنسُ - أعني ما يؤلمُ النفسَ ويخالفُ هواهَا - فيه كفارةٌ للذنوبِ\nوإنْ كانَ لا صنعَ فيه للعبدِ كالمرضِ ونحوِه فكيفَ بما كانَ حاصِلًا عن فعلِ\nالعبدِ واختياره إذا قصدَ به التقربَ إلي اللَّه ﷿، فإنَّ هذا من نوع الجهادِ في سبيلِ اللَّه الذي يقتضِي تكفيرَ الذنوبِ كلها ولهذا المعنى كانَ المشيُ إلى","vol":"2","page":171},{"text":"المساجدِ كفارةً للذنوبِ أيضًا هو نوعٌ منَ الجهادِ في سبيلِ اللَّه أيضًا، كما\nخرَّجَهُ الطبرانيّ من حديثِ أبي أمامةَ عن النبيِّ - ﷺ -\n\" الغدو والرواح إلي المساجد من الجهادِ في سبيلِ اللهِ ﷿ \".\nكان زياد مولَى ابن عباس أحد العبادِ الصالحينَ، وكانَ يلازمُ مسجدَ المدينةِ\nفسمعوهُ يومًا يعاتب نفسَهُ ويقولُ لها: أين تريدينَ أنْ تذهِبي، إلي أحسنَ من\nهذا المسجدِ؛ تريدينَ أن تبصرِي دارَ فلانِ ودار فلانِ.\nلما كانت المساجد في الأرضِ بيوتَ الله أضافَها اللَهُ إلى نفسِه تشريفًا لها\nوتعلقتْ قلوبُ المحبينَ للَّهِ ﷿ بها لنسبتها إلي محبوبِهِم، وارتاحتْ إلى\nملازمِتها لإظهارِ ذكرهِ فيها، قالَ تعالى:\n(فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧) .\nأين يذهبُ المحبونَ عن بيوتِ مولاهُم؛ قلوبُ المحبينَ ببيوتِ محبوبهِم\nمتعلقةٌ، وأقدامُ العابدينَ إلي بيوتِ معبودِهم مترددةٌ.\nيا حبذَا العرعرُ النًجدي والبانُ. . . ودارُ قوم بأكناف الحِمى بانُوا\nوأطيبُ الأرضِ ما للقلبِ فيه هوى. . . سَمُّ الخياطِ مع الأحبابِ ميدانُ\nلا يُذْكرُ الرَّملُ إلا حنَّ مغتربٌ. . . له بذي الرمل أوطارٌ وأوطانُ\nيهفُو إلى البانِ من قلبي نوازعهُ. . . وما بي البانُ بل مَنْ دارُه البانُ","vol":"2","page":172},{"text":"الفصل الثاني في ذكرِ الدرجاتِ المذكورة في حديثِ معاذٍ:\nوهي ثلاثٌ:\nأحدها: إطعامُ الطعامِ وقد جعلَهَ اللَّه في كتابهِ من الأسبابِ الموجبِة للجنةِ\nونعيمِهَا، قالَ اللَّهُ ﷿: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠) فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا (١١) وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (١٤) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨) .\nإلى قولهِ: (وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١) .\nفوصفَ فاكهتَهُم وشرابَهُم جزاء لإطعامِهِمُ الطعامَ.\nوفي الترمذيِّ من حديثِ أبي سعيدٍ الخدريِّ عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"أيما مؤمن أطعمَ مؤمنًا على جوع، أطعمَهُ اللَّهُ منْ ثمارِ الجنة، ومنْ سقى مؤمنًا على ظمإٍ سقاهُ اللَّهُ من الرحيقِ المختوم\"\nوفي \"المسندِ\" و\"الترمذيِّ\" عن علي عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"إنَّ في الجنةِ غرفا يُرى ظاهُرها من باطِنِها وباطنُها من ظاهرِهَا، قالوا: لمن هيَ يا رسولَ اللَّهِ؟\nقالَ: لمن أطعمَ الطعامَ، وأطابَ الكلامَ، وصلَّي بالليلِ والناسُ نيامُ \".\nوفي حديثِ عبدِ اللَّه بنِ سلامٍ الذي خرَّجهُ أهلُ السنن أنه سمعَ النبيَّ\n- ﷺ - أولَ قدومِهِ المدينةَ يقولُ: \"أيها الناسُ، أفشوا السلامَ، وأطعمُوا الطعامَ، وصِلوا الأرحامَ،","vol":"2","page":173},{"text":"وصلُّوا بالليل والناسُ نيام تدخلُوا الجنةَ بسلامٍ \".\nوفي حديث عبادةَ عن النبيِّ - ﷺ -: \"أنه سُئلَ أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟\nقال: \" إيمان باللهِ وجهاد في سبيله وحجّ مبرورٌ، وأهونُ من ذلكَ إطعامُ الطعام ولينُ الكلامِ \"\nخرَّجهُ الإمامُ أحمد.\nوفي حديثِ هانئ بن يزيد أنَ رجلًا قال: يارسولَ اللَّه، دلَّني على عملٍ\nيدخلني الجنةَ ويباعدُني من النارِ، قال:\n\" تطعم الطعامَ وتفشِي السلامَ \".\nوفي حديثِ حُذيفةَ عن النبيَّ - ﷺ - قال:\n\"من خُتم لهُ بإطعام مسكينٍ دخلَ الجنةَ\".\nوفي \"الصحيحين \" من حديثِ عبد اللَّهِ بن عمروٍ أنَّ رجلًا قالَ:\nيا رسولَ الله، أيُّ الإسلامِ خير؟\nقالَ: \"تطعمُ الطعامَ وتقرئُ السلامَ على من عرفتَ ومن لم تعرفْ \".\nوفي حديث صهيبٍ عن النبيَّ - ﷺ - قالَ:\n\"خيرُكم من أطعمَ الطعامَ \"\nخرَّجهُ الإمامُ أحمد.\nفإطعامُ الطعامِ يوجبُ دخولَ الجنةِ، ويباعدُ من النارِ، وينجي منها كما قالَ\nتعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) .","vol":"2","page":174},{"text":"وفي الحديثْ الصحيح عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"اتقوا النار ولو بشقِّ تمرةٍ\"\nوكان أبو موسى الأشعريُّ - ﵁ - يقولُ لولدِهِ: اذكرُوا صاحبَ الرغيفِ، ثم ذكرَ أنَّ رجلًا من بني إسرائيلَ عبدَ اللَّهَ سبعينَ سنةً ثمَّ إنَّ الشيطانَ حسَّنَ في عينيهِ امرأةً فأقامَ معها سبعةَ أيامٍ ثمَّ خرجَ هاربًا فأقامَ مع مساكينَ فتُصُدِّقَ عليهِ برغيفٍ، كان بعضُ أولئكَ المساكين يريدهُ فآثره بهِ ثم ماتَ، فوزِنَ عبادتُهُ بالسبعةِ الأيام التي مع المرأةِ فرجحتِ الأيامُ السبعةُ بعبادَتِهِ، ثم وزنَ الرغيفُ بالسبعةِ الأيامِ فرجحَ بها.\nويتأكدُ إطعامُ الطعامِ للجائع وللجيرانِ خصوصًا، وفي \"الصحيح \" عن\nأبي موسى الأشعريِّ عن النبي - ﷺ - قالَ:\n\"أطعموا الجائعَ وعودُوا المريضَ وفكُّوا العاني \".\nوفي \"صحيح مسلم\" عن أبي ذرٍّ عن النبيِّ - ﷺ - قال لهُ: \"إذا طبختَ مرقةً فأكثرْ ماءها وتعاهدْ جيرانَكَ \".\nوفي المسندِ، وصحيح ابن حِبانَ عن عمرَ عن النبي - ﷺ - قال: \"أيُّما عرصةٍ أصبحَ فيهم امرؤ جائعًا، فقد برئتْ منهم ذمةُ اللَّه ﷿ \".\nوقال - ﷺ -:\n\" لا يشبعُ المؤمنُ دونَ جاره \".\nوفي \"صحيح الحاكم \" عن ابن عباس عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"ليسَ بالمؤمنِ الذي يشبعُ وجارُه جائغ \"\nوفي رواية: \"ما آمن من بات شبعانا وجاره طاويًا \".\nفأفضلُ أنواع إطعامِ الطعامِ الإيثارُ مع الحاجةِ كما وصفَ اللَهُ تعالى","vol":"2","page":175},{"text":"بذلكَ الأنصارَ - ﵃ - فقال:\n(وَيُؤْثِرونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهم خَصَاصَة)\nوقدْ صحَّ أنَّ سبَب نزولها أنَّ رجلًا منهم أخذ ضيفًا من عند النبيِّ - ﷺ - يضيفُه فلم يجدْ عندَهُ إلا قوتَ صبيانِهِ، فاحتالَ هوَ وامرأتُهُ حتَّى نوَّما صبيانَهُمَا وقامَ إلى السراج كأنه يصلحُهُ فأطفأهُ، ثم جلسَ مع الضيفِ يريهِ أنه يأكلُ معهُ ولم يأكلْ فلما غدًا على رسول اللَّه - ﷺ - قال لهُ:\n\"عجبَ اللَّهُ من صنيعِكُما الليلةَ\"\nونزلتْ هذه الآيةُ.\nوكان كثيرٌ من السلفِ يؤثرُ بفطورِه غيرَه وهو صائمٌ ويصبحُ صائمًا.\nمنهم عبدُ اللَّه بنُ عمرَ - ﵄ -، وداودُ الطائيُّ، وعبدُ العزيز بنُ سليمانَ، ومالك بنُ دينارٍ، وأحمدُ بنُ حنبلٍ، وغيرُهم، وكان ابنُ عمرَ لا يفطرُ إلا مع اليتامَى والمساكينِ وربما عَلمَ أن أهلَهُ قد ردُّوهم عنه فلم يفطرْ تلكَ الليلةَ.\nومنهم من كانَ لا يأكلُ إلا مع ضيفٍ له.\nقال أبو السوارِ العدويُّ: كانَ رجالًا من بني عدي يصلُّون في المسجدِ ما أفطرَ أحدٌ منهُم على طعامٍ قط وحدَهُ، إن وجدَ من يأكلُ معه أكلَ، وإلا أخرجَ طعامَهُ إلى المسجدِ فأكلهُ مع الناسِ وأكلَ الناسُ معهُ.\nوكانَ منهُم من يطعمُ إخوانهُ الطعامَ وهو صائم ويجلسُ يخدمهُم.\nويروحهُم، منهمُ الحسنُ، وابنُ المباركِ، وكان ابنُ المباركِ ربما يشتهي الشيءَ فلا يصنعُهُ إلا لضيفٍ ينزلُ به فيأكلُهُ مع ضيفِهِ، وكانَ كثير منهُم يفضلُ إطعامَ الإخوانِ على الصدقةِ على المساكينِ.\nوقد رُويَ هذا المعنى مرفوعًا من حديث أنسٍ بإسنادٍ ضعيفٍ، ولاسيَّما إن كان الإخوانُ لا يجدونَ مثل ذلكَ الطعامِ.\nكانَ بعضُهم يعملُ الأطعمةَ الفاخرةَ ثم يطعمُها إخوانَهُ الفقراءَ ويقولُ: إنهم","vol":"2","page":176},{"text":"لا يجدونَها، وبعضُهم يُصنَعُ له طعامٌ ولا يأكلُ ويقولُ: إني لا أشتهيهِ وإنما\nصنعتُهُ لأجلِكمُ، وبعضُهم اتخذَ حلاوةً فأطعمَهُا المعتوهَ، فقالَ له أهلهُ: إن هذا لا يدري ما يأكلُ، فقال: لكن اللَّهَ يدرِي.\nواشتَهى الربيعُ بنُ خثيم حلواءَ، فلما صنعتْ لهُ دعَا بالفقراءِ فأكلُوا، فقالَ\nله أهلُه: أتعبتَنا ولم تأكل، فقالَ: ومن أكلَهُ غيرِي، وقالَ آخرُ منهُم وجَرَى له نحوٌ من ذلكَ: إذا أكلتُهُ كانَ في الحشِّ وإذا أطعمتُهُ كانَ عندَ اللهِ مدخورًا.\nورُوي عن علي قالَ: لأنْ أجمعَ أناسًا من إخواني على صاع من طعامٍ\nأحب إليَّ من أن أدخلَ سوقكُم هذه فابتاعُ نسمةً فأعتقُها.\nوعن أبي جعفرٍ محمد بن على قالَ: لأن أدْعُو عشرةً من أصحابي\nفأطعمهُمُ طعامًا يشتهونَهُ، أحبَّ إليَّ منْ أن أعتقَ عشرةً من ولد إسماعيل.\nأأصفُ الإيثارَ لمن يبخلُ بأداء الحقوقِ الواجبةِ عليهِ، أأطلبُ الشجاعةَ من\nالجبانِ، وأستشهِدُ على رؤيةِ الهلالِ من هوَ من جملةِ العميانِ، كم بينَ من\nقيلَ فيه: (فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ)، وبين من قيلَ فيهِ: (وَيؤْثِرُونَ\nعَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) .\nبيننا وبين القومِ كما بينَ اليقظةِ والنوم.\nلا تعرضنَّ لذكرِنَا في ذكرِهِم. . . ليسَ الصحيحُ إذا مشىَ كالمقعدِ\nفيا من يطمعُ في علوّ الدرجاتِ من غيرِ عمل صالح هيهاتَ هيهاتَ\n(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) .\nنزلواُ بمكةَ في قبائل نوفلٍ. . . ونزلت بالبيداءِ أبعدَ منزلِ\nالفصل الثالث من الدرجاتِ: لينُ الكلامِ وفي رواية: \"إفشاءُ السلام \" وهو","vol":"2","page":177},{"text":"داخل في لينِ الكلامِ، وقد قالَ اللَهُ ﷿: (وَقُولُوا لِلناسِ حُسْنًا) .\nوقال تعالى: (وَقُل لِعِبَادِي يَقُولوا التِي هِيَ أَحْسَنُ) .\nوقالَ تعالى: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) .\nوقالَ تعالى: (وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) .\nوقالَ تعالى: (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) .\nولما قالَ النبيَّ - ﷺ -:\n\"الحجُّ المبرورُ ليسَ له جزاء إلا الجنةَ، قالوا له: وما الحج المبرورُ يا رسول اللَّه؟\nقال: إطعامُ الطعام ولينُ الكلام \"\nخرَّجهُ الإمامُ أحمد، وقد تقدَّم في ذكر إطعامِ الطعامِ\nأحاديثُ أخرُ في طيبِ الكلامِ.\nوفي الحديث الصحيح عن النبيَّ - ﷺ -\n\"والكلمةُ الطيبةُ صدقة \"\nوفيه أيضًا اتقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةِ فمن لم يجدْ فبكلمةِ طيبةٍ،.\nوأما كونُ إفشاء السلامِ من موجباتِ الجنةِ ففي \"صحيح مسلم\"\nعن أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"والذي نفسي بيدِهِ لا تدخلُوا الجنةَ حتى تؤمنُوا ولا تؤمنُوا\nحتى تحابَّوا ألا أدلُّكُم على شيء إذا فعلتُمُوه تحاببتُم\nأفشوا السلامَ فيما بينَكُم \"\nوخرَّجَ أبو داود من حديثِ أبي أُمامةَ عن النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"إنَّ أوْلَى الناسِ باللَّهِ تعالي منْ بدأهُم بالسلامِ.\nويُروَي من حديثِ ابن مسعود مرفوعًا وموقوفًا\n\"إذا مرَّ الرجلُ بالقوم فسلَّم عليهِم فردُّوا عليهِ كانَ لهُ عليهِم فضلُ درجة، لأنَّه ذكَّرهُم بالسلامِ، وإن لم يردُّوا عليهِ ردَّ عليهِ ملأٌ خيرٌ منهُم وأطيبُ،.","vol":"2","page":178},{"text":"وقد رُويَ من حديثِ عمرانَ بن حصينٍ وغيرِه \"أنَّ رجلًا دخلَ على النبيِّ\n- ﷺ - فقاَلَ: السلامُ عليكم، فقالَ النبيَّ - ﷺ -: \"عشر\"، ثم جاءَ آخرُ فقالَ: السلامُ عليكُم ورحمةُ اللَّهِ، فقالَ رسول اللَّه - ﷺ - \"عشرونَ \".\nثم جاءَ آخرُ فقال: السلامُ عليكُم ورحمةُ اللَّهِ وبركاتهُ، فقالَ رسول اللَّهِ - ﷺ - \"ثلاثون \"\nخرَّجهُ الترمذيُّ وغيرُه، وخرَّجهُ أبو داود وزادَ\n\"ثمَ جاءَ آخرُ فقالَ: السلامُ عليكُم ورحمةُ اللَّهِ وبركاتهُ ومغفرتهُ، فقالَ النبيَّ - ﷺ - \"أربعون \"، ثم قالَ: \"هكذا تكون الفضائل \".\nوقد سبقَ حديثُ\n\"أنْ تقرأ السلامَ على من عرفتَ ومن لم تعرفْ \"\nوفي حديثِ ابن مسعود مرفوعًا\n\"من أشراطِ الساعةِ السلامُ بالمعرفةِ \"\nخرَّجهُ الإمامُ أحمد.\nوإنما جمعَ بينَ إطعامِ الطعامِ ولين الكلامِ ليكملَ بذلكَ الإحسانُ إلى الخلقِ\nبالقولِ والفعلِ فلا يتمُّ الإحسانُ بإطعامِ الطعامِ إلا بلينِ الكلامِْ وإفشاءِ\nالسلامِ، فإنْ أساءَ بالقولِ بطلَ الإحسانُ بالفعلِ من الإطعامِ وغيرِه كما قالَ اللَّهُ تعالي: (يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَى) .\nوربما كانَ معاملةُ الناسِ بالقولِ الحسنِ أحبَّ إليهم من إطعامِ الطعامِ\nوالإحسانِ بإعطاءِ المال، كما قالَ لقمانُ لابنهِ: يا بنيَّ لأن تكنْ كلمتُكَ طيبةً\nووجهُكَ منبسطَا تكنْ أحبَّ إلى الناسِ ممن يعطِيهِم الذهبَ والفضةَ، وقد كانَ\nالنبيُّ - ﷺ - يلينُ القولَ حتى لمن يشهدُ له بالشر فينتفي بذلكَ شرُّهُ، وكانَ - ﷺ - لايواجهُ أحدًا بما يكرهُ في وجهِهِ ولم يكنْ - ﷺ - فحاشًا ولا متفحشًا.\nورُويَ عن ابن عمرَ أنَّه كانَ ينشدُ:","vol":"2","page":179},{"text":"بنيَّ إن البرَّ شيءٌ هينُ. . . وجهٌ طليقٌ وكلامٌ لينُ\nولبعضهِم:\nخذِ العفوَ وأمرْ بعرفٍ كَما. . . أُمرْتَ وأعرضْ عن الجاهلينَ\nولِنْ في الكلامِ لكلَّ الأنامِ. . . فمستحسن من ذوي الجاهِ لينِ\nوقد وصفَ اللَّهُ ﷿ في كتابِهِ أهلَ الجنةِ بمعاملة الخلقِ بالإحسانِ بالمالِ\nواحتمالِ الأَذَي فقالَ تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) .\nفالإنفاقُ في السراءِ والضراءِ يقتضي غاية الإحسان بالمالِ من الكثرةِ والقلَّة، وكظم الغيظ والعفوِ عن الناسِ يقتضِي عدمَ المقابلةِ على السيئةِ من قولٍ وفعلٍ وذلك يتضمنُ إلانةَ القولِ واجتنابَ الفحشِ والإغلاظَ في المقالِ، ولو كانَ مباحًا، وهذا نهايةُ الإحسانِ فلهذا قالَ تعالَى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) .\nومن هذا قولُ بعضهم وقد سُئِلَ عن حُسنِ الخلقِ فقالَ:\nبذلُ النَّدى وكفُّ الأذَى.\nوهذا الوصفُ المذكورُ في القرآنِ أكملُ من هذا، لأنَّه وصفهُم ببذلِ الندى\nواحتمالِ الأذى، وحُسنِ الخلقِ يبلغُ به العبدُ درجاتِ المجتهدينَ في العبادةِ.\nكما قالَ النبيُّ - ﷺ -: \"إن الرجلَ ليدرِكُ بحسنِ خلقِهِ درجةَ الصائم النهارَ القائم الليلَ \".\nورؤيَ بعضُ السلفِ في المنامِ فسئلَ عن بعضِ إخوانِهِ الصالحينَ\nفقالَ: وأينَ ذلكَ رُفعَ في الجنةِ بحسنِ خلقِهِ.","vol":"2","page":180},{"text":"ومما يندبُ إلى إلانةِ القولِ فيه الأمرُ بالمعروفِ والنهيُ عن المنكرِ وأنْ يكونَ\nبرفقٍ، كما قالَ تعالَى: (وَجَادِلْهُم بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ) .\nقال بعضُ السلفِ: ما أغضبتَ أحدًا فَقَبِلَ مِنْكَ، وكانَ أصحابُ ابنِ\nمسعودِ إذا رأوا قومًا على ما يكرهُ يقولونَ لهم: مهلًا مهلًا باركَ اللَهُ فيكم.\nورأى بعضُ التابعينَ رجلًا واقفًا مع امرأة فقالَ لهما: إن اللهَ يراكمُا سترنا اللهُ\nوإيَّاكما، ودُعي الحسنُ إلى دعو فجيء بآنيةِ فضة فيها حلواءُ، قأخذَ الحسنُ\nالحلواءَ فقلبهَا على رغيف وأكلَ منهَا، فقالَ بعضُ من حضرَ: هذا نهى في\nسكون.\nورأى الفضيلُ رجلًا يعبثُ في صلاتِهِ فزبرهُ، فقالَ له الرجلُ: يا\nهذا ينبغي لمنْ يقومُ للهِ أن يكونَ ذليلًا، فبكى الفضيلُ وقالَ له: صدقتَ.\nقال شعيبُ بنُ حرب: ربما مرَّ سفيانُ الثوريُّ بقومٍ يلعبونَ بالشطرنج\nفيقولُ: ما يصنعُ هؤلاءِ؟\nفيقالُ له: يا عبد اللهِ ينظرونَ في كتاب، فيطاطئ\nرأسَهُ ويمضي، وإنما يريدُ بذلكَ ليُعلمَ أنَّه قد أنكَرَ.\nوقالَ سفيانُ: لا يأمرُ بالمعروفِ ولا ينهى عن المنكرِ إلا من كانَ فيهِ خصالٌ\nثلاث: رفيقٌ بما يأمرُ، رفيق بما يَنهى، عدلٌ بما يأمرُ، عدلٌ بما ينهى، عالمٌ بما\nيأمرُ، عالم بما يَنهَى.\nوقالَ الإمامُ أحمدُ: الناسُ يحتاجونَ إلى مداراةٍ ورفقٍ في الأمر بالمعروفِ بلا غلظةٍ إلا رجلًا معلنًا بالفسقِ، فإنَهُ لا صبرَ عليه.\nوكانَ كثير من السلفِ لا يأمرُ بالمعروفِ ولا ينهى عن المنكرِ إلا سرًّا فيما\nبينه وبينَ من يأمُرُه وينهاهُ. وقالَ أبو الدرداءِ: من وعظَ أخاهُ سرًّا فقد زانهُ\nومن وعظه علانية فقد شانهُ.\nوكذلك مقابلةُ الأذى بإلانةِ القولِ كما قالَ تعالَى:\n(ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن السَّيئَةَ)","vol":"2","page":181},{"text":"وقالَ تعالَى: (وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَة السَّيئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ) .\nقال بعضُ السلفِ: هو الرجلُ يسبُّه الرجلُ، فيقولُ له: إن\nكنتَ صادقًا فغفر اللَّهُ لي، وإن كنتَ كاذبًا فغفرَ اللَّهُ لكَ.\nقالَ رجل لسالم بنِ عبد اللَّهِ وقد زحمتْ راحلتُه في سفر: ما أراك إلا\nرجلَ سوءٍ، فقال له سالمٌ: ما أراكَ أبعدتَ.\nوقالت امرأةٌ لمالكِ بن دينارٍ: يا مُرائي، قال: متى عرفتِ اسمي؟\nما عرفَه أحدٌ من أهلِ البصرةِ غيرُكِ.\nومرَّ بعضُهم على صبيانٍ يلعبونَ بجوزٍ فوطئَ على بعضِ الجوز بغير\nاختيارهِ فكسرَهُ، فقالَ له الصبيّ: يا شيخُ، النارَ، فجلسَ الشيخُ يبكي\nويقولُ: ما عرفني غيرُهُ. ومر بعضُهم مع أصحابهِ في طريقٍ فرموا عليهِم\nرمادًا، فقالَ الشيخ لأصحابِهِ: من يستحق النَّارَ فصالحُوه على الرمادِ، يعني\nفهو رابح.\nورأى جنديٌّ إبراهيمَ بنَ أدهمَ خارج البلدِ فسألهُ عن العمرانِ فأشارَ له إلى\nالقبورِ فضربَ رأسهُ ومضَى فقيلَ له: إنَّه إبراهيمُ بنُ أدهمَ فرجعَ يعتذرُ إليهِ.\nفقالَ له إبراهيم: الرأسُ الذي يحتاجُ إلى اعتذاركَ تركتُه ببلخ، ومرَّ به جنديٌّ آخر وهو ينظرُ بستانًا لقومٍ بأجرةٍ فسألهُ أن يناولَهُ شيئا فلم يفعل وقالَ: إنَّ أصحابَهُ لم يأذنوا في ذلك، فضربَ رأسَهُ فجعلَ إبراهيمُ يطأطئ رأسَهُ وهو يقولُ: اضربْ رأسًا طالمَا عَصى اللَّهَ.\nمن أجلكَ قد جعلتُ خدِّي أرضًا. . . للشامتِ والحسودِ حتى ترضَى\nالثالثُ من الدرجات:\nالصلاةُ بالليلِ والناسُ نيام: فالصلاةُ بالليلِ من موجباتِ الجنةِ كما سبقَ ذكرُه","vol":"2","page":182},{"text":"في غيرِ حديثٍ، وقد دلَّ عليه قولُه ﷿:\n(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩) .\nفوصفَهم بالتيقظِ بالليلِ والاستغفارِ بالأسحارِ وبالإنفاقِ من\nأموالهِم.\nكانَ بعضُ السلفِ نائمًا فأتاه آتٍ في منامِه فقالَ له: قمْ فصلِّ أما علمتَ\nأن مفاتيحَ الجنةِ مع أصحابِ الليلِ هم خزانهَا؟!\nوقيام الليلِ يوجب علو الدرجات في الجنةِ قالَ اللَّهُ تعالَى لنبيهِ - ﷺ -.\n(وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَى أَن يَبْعَتَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مُّحْمُودًا) .\nفجعلَ جزاءَهُ على التهجدِ بالقرآنِ بالليلِ أن يبعثَهُ المقامَ المحمودَ وهو أعْلى\nدرجاتِهِ - ﷺ -.\nقال عونُ بنُ عبدِ اللَّهِ: \" إنَّ اللهَ يُدخلُ الجنةَ أقوامًا فيعطِيهم حتى يملُّوا\nوفوقَهم ناسٌ في الدرجات العلى، فلما نظروا إليهم عرفوهُم فقالُوا: ربنا.\nإخواننا كنَّا معهُم فبم فضًّلْتهم علينا؟\nفيقولُ: هيهاتَ هيهاتَ إنَّهم كانُوا يجوعونَ حين تشبعونَ، ويظمؤونَ حين تروونَ، ويقومونَ حينَ تنامون، ويشخصونَ حينَ تخفضونَ \".\nويوجبُ أيضًا نعيمَ الجنةِ ما لم يطلعْ عليه العبادُ في الدنيا قالَ اللَّهُ ﷿: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) .\nوفي \"الصحيح \" عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"يقول اللهُ ﷿: أعددتُ لعبادِي الصالحينَ ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ، ولا خطرَ على قلبِ بشر اقرؤوا إن شئتمُ: (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧) \".","vol":"2","page":183},{"text":"قال بعضُ السلفِ: أخفَوا للَّهِ العملَ فأخفَى اللَّهُ لهم\nالجزاءَ فلو قدموا عليهِ لأقرَّ تلكَ الأعينَ عندَهُ.\nومما يجزي به المتهجدينَ في الليلِ كثرةَ الأزواج من الحورِ العين في الجنةِ\nفإنَّ المتهجدَ قَد تركَ لذةَ النومِ بالليلِ ولذةَ التمتع بأزواجِهِ طلبًا لما عندَ اللَّهِ ﷿ فعوَّضَهُ اللَّهُ تعالَى خيرًا مما تركَهُ وهوَ الحورُ العينِ في الجنةِ، ومن هُنا\nقال بعضُهم: طول التهجدِ مهورُ الحورِ العينِ في الجنةِ.\nوكانَ بعضُ السلفِ يُحيي الليلَ بالصلاة، فَفَتُرَ عن ذلك فأتاه آتٍ، فقال\nله: قد كنتَ يا فلانُ تدأبُ في الخطبةِ، فما الذي قصرَ بكَ عن ذاكَ؟\nكنتَ تقومُ من الليلِ أوَ ما علمتَ أن المتهجدَ إذا قامَ إلى التهجدِ قالتِ الملائكةُ: قد قامَ الخاطبُ إلى خطبتِهِ؟!\nورأى بعضُهم في منامهِ امرأةً لا تشبهُ نساءَ الدُّنيا فقال لها: من أنتِ؟\nقالتْ: حوراءُ أمةُ اللَّهِ، فقال لها: زوِّجِيني نفسَكِ، قالتْ: اخطُبني إلى سيدي وامهُرني، قال: وما مهرُكِ؟\nقالتْ: طول التهجدِ.\nقامَ بعضُ المتهجدينَ ذاتَ ليلةٍ فرأى في منامهِ حوراءَ تنشدُ:\nأتخطبُ مثْلي وعني تنامُ. . . ونومُ المحبينَ عنَّا حرامُ\nلأنا خلقْنَا لكلِّ امرئٍ. . . كثيرِ الصلاةِ براهُ الصيامُ\nوكانَ لبعضِ السلفِ وِرْدٌ من الليلِ فنَامَ عنهُ ليلةً فرأى في منامِه جاريةً كأنَّ\nوجهها القمرُ، ومعَها رقٌّ فيه كتابٌ فقالتْ: أتقرأ؟\nقال: نعم، فأعطتهُ إياهُ ففتحهُ فإذا فيه مكتوبٌْ\nأتلهُو بالكَرَى عن طيبِ عيشٍ. . . مع الخيراتِ في غرفِ الجنانِ","vol":"2","page":184},{"text":"تعيش مخلَّدًا لا موت فيهِ. . . وتنعمُ في الجنانِ مع الحسانِ\nتيقظ من منامِكَ إن خيرًا. . . من النومِ التهجد بالقرانِ\nفاستيقظَ قالَ: فواللهِ ما ذكرتُها إلا ذهبَ عنِّي النومُ.\nكان بعضُ الصالحينَ له وِرْدٌ فنامَ عنه فوقفَ عليه فتى في منامِهِ فقال لهُ\nلصوتٍ محزونٍ:\nتيقظْ لساعاتٍ من الليلِ يا فتى. . . لعلكَ تحظَى في الجنانِ بحورِها\nفتنعمُ في دار يدومُ نعيمُهَا. . . محمدٌ فيها والخليل يزورهَا\nفقم فتيقظْ ساعةً بعد ساعةٍ. . . عساكَ توفَّى ما بقيَ من مهورِها\nكان بعضُ السلفِ الصالحينَ كثيرُ التعبدِ، فبكى شوقًا إلى اللهِ ﷿\nستينَ سنةً فرأى في منامهِ كأنّهُ على ضفةِ نهر يجرِي بالمسكِ حافتاهُ شجرُ لؤلؤ\nونبتٌ من قضبانِ الذهبِ، فإذا بجوارٍ مُزَيَّناتٍ يقلنَ بصوتٍ واحد: سبحانَ\nالمسبَّح بكل لسانٍ سبحانَهُ. سبحان الموحَّدِ بكل مكانٍ سبحانه. سبحان الدائم في كلِّ الأزمانِ سبحانه. فقال لهنَّ: ما تصنعن ههنا؟\nفقلن:\nبرانَا إلهُ الناسِ ربّ محمدٍ. . . لقومٍ على الأقدامِ بالليلِ قوَّمُ\nيناجونَ ربَّ العالمينَ إلههم. . . وتسري همومُ القومِ والناسُ نوَّمُ\nفقال: بَخ بَخ لهؤلاءِ، من هم، لقد أقر اللَّهُ أعينهُم بكنَّ؟\nفقلنَ: أو ما - تعرفَهم؟\nقالَ: لا، فقلنَ: بلى هؤلاءِ المتهجدونَ أصحابُ القرآنِ والسهرِ.\nوكان بعضُ الصالحينَ ربما نامَ في تهجدهِ، فتوقظُه الحوراءُ في منامِهِ\nفيستيقظُ بإيقاظها.\nوُرويَ عن أبي سليمان الداراني أنه قالَ: ذهبَ بي النومُ","vol":"2","page":185},{"text":"ذاتَ ليلةٍ في صلاتي فإذا بها - يعني الحوراء - تنبهني وتقولُ: يا أبا سليمانَ\nأترقدُ وأنا أُربَّى لك في الخدرِ منذ خمسمائة سنة.\nوفي رواية عنهُ: أنه نام ليلةً في سجودهِ قالَ: فإذا بها قدْ ركضتني بِرِجْلِهَا وقالتْ: حبيبي أترقدُ عيناكَ والملكُ يقظانُ ينظرُ إلى المتهجدينَ في تهجدِهم؟ بؤسًا لعينٍ آثرت لذةَ نومٍ على مناجاةِ العزيزِ، قمْ فقدْ دنا الفراغُ ولقيَ المحبونَ بعضهم بعضًا، فما هذا الرقادُ يا حبيبي وقرةَ عيني؟\nأترقدُ عيناكَ وأنا أُربَّى لكَ في الخدورِ منذ خمسمائةِ عامٍ؟\nفوثبَ فزعًا وقد عرقَ من توبيخهَا له، قالَ:\nوإن حلاوةَ منطقها لفي سمعي وقلبي.\nوكان أبو سليمانَ يقولُ: أهلُ الليلِ في ليلهِم ألذ من أهل اللهو في\nلهوهم، ولولا الليلُ ما أحببتُ البقاءَ في الدنيا.\nوقال يزيدُ الرقاشي لحبيبٍ العجميِّ: ما أعلمُ شيئًا أقرّ لعيونِ العابدينَ في\nالدنيا من التهجدِ في ظلمةِ الليلِ، وما أعلم شيئًا من نعيم الجنانِ وسرورها\nألذُّ عند العابدينَ ولا أقرَّ لعيونِهم من النظرِ إلى ذي الكبرياءِ العظيم إذا رُفعتْ\nتلكَ الحجب، وتجلَّى لهم الكريم، فصاحَ حبيبٌ عندَ ذلكَ وخرَّ مغشيا عليه.\nوكانَ السريُّ يقول: رأيتُ الفوائدَ تردُ في ظلامِ الليلِ.\nوقالَ أبو سليمان: إذا جنَّ الليلُ وخلا كلُّ محبٍّ بحبيبهِ افترشَ أهلُ المحبةِ\nأقدامَهُم، وجرتْ دموعُهم على خدودهِم، أشرفَ الجليلُ ﷻ فنادَى يا جبريلُ بعيني من تلذذَ بكلامي واستروحَ إلى مناجاتي، نادِ فيهم يا جبريلُ ما\nهذا البكاءُ هل رأيتُم حبيبًا يعذِّب أحباءَهُ أم كيفَ يجملُ بي أن أعذِّبَ قومًا إذا\nجنَّهُمُ الليلُ تملَّقُوني، فبي حلفتُ، إذا قدِموا عليَّ يوم القيامةِ لأكشفنَّ لهمْ","vol":"2","page":186},{"text":"عن وجهي، ينظرونَ إليَّ وأنظر إليهم.\nوسئلَ الحسنُ البصريُّ لم كانَ المتهجدون أحسنُ الناس وجوهًا؟\nقال:\nلأنَّهُم خلَوا بالرحمنِ فألبسَهُم نورًا من نوره.\nرأتِ امرأةٌ من الصالحاتِ في منامِهَا كأنَّ حللًا قد فرِّقتْ على أهلِ مسجدِ\nمحمدِ بنِ جحادةَ، فلما انتهَى الذي يفرِّقها إليه دعَا بسفطٍ مختومٍ فأخرجَ منه\nحلةً صفراء، قالت: فلم يقُمْ لها بصرِي فكساهُ إياها وقال: هذه لكَ بطول\nالسهرِ، قالتْ: فواللَّهِ لقد كنتُ أراه - تعني محمدَ بن جحادةَ - بعد ذلكَ\nفأتخايلُها عليهِ - تعني: تلكَ الحلةَ -.\nقالَ كرزُ بنُ وبرةَ: بلغَنِي أنَّ كعبا قالَ: إنَّ الملائكةَ ينظرونَ من السماءِ إلى\nالذينَ يتهجدونَ بالليلِ كما تنظرونَ أنتم إلى نجومِ السماء.\nيا نفسُ فازَ الصالحونَ بالتُّقى. . . وأبصرُوا الحقَّ وقلبي قد عمِي\nيا حُسْنَهُم والليلُ قد أجنَّهُم. . . ونورُهُم يفوقُ نورَ الأنجم\nترنَّمُوا بالذكرِ في ليلِهم. . . فعيشُهُم قدْ طابَ بالترنمِ\nقلوبُهُم للذِّكْرِ قد تفرغتْ. . . دموعُهم كلؤلؤٍ منظَّم\nأسحارُهُم بهم لهم قد أشرقتْ. . . وخلَعُ الغفرانِ خيرُ المقسمم\nفي بعضِ الآثارِ يقولُ اللَّهُ ﷿ كلَّ ليلةٍ: ياجبريلُ أقمْ فلانًا وأنمْ\nفلانًا.\nقام بعضُ الصالحينَ في ليلةٍ بارده وكانَ عليه خلقانُ رثةٌ فضربهُ البردُ\nفبكى فسمعَ هاتفًا يقول: أقمناكَ وأنمناهُم ثمَّ تبكي علينا.\nتنبهوا يا أهلَ وادي المنحنى. . . كم ذا الكرى هبَّ نسيم وجدي\nكم بين خالٍ وجوٍ وساهرٍ. . . وراقدٍ وكاتمٍ ومعبدي","vol":"2","page":187},{"text":"قيلَ لابنِ مسعودٍ: ما نستطيع قيامَ الليلِ، قال: أبعدَتْكُم ذنوبُكُم.\nوقيلَ للحسنِ: أعجزنا قيامُ الليل، قال: قيدتْكُم خطاياكُم، إنما يؤهَّلُ الملوكُ للخلوةِ بهم ومخاطبتِهِم منْ يخلصُ في ودادِهِم ومعاملتِهِم، فأمَّا من كانَ من أهلِ مخالفتِهِم فلا يرضونَهُ لذلكَ.\nالليلُ لي ولأحبابي أحادثُهُم. . . قد اصطفيتُهُم كَي يسمعُوا ويعُوا\nلَهم قلوبٌ بأسرارٍ لَها مُلئتْ. . . على ودادِي وإرشَادِي لهُم طُبعُوا\nقد أثمرتْ سْجراتُ الفهم عندهُمُ. . . فما جَنوا إذ جَنوا مما بهِ ارتفعُوا\nسرَوا فما وهَنُوا عجزًا وما ضعُفُوا. . . وواصلُوا حبلَ تقرِيبي فما انقطَعُوا\nالفصل الثالث في ذكرِ الدعواتِ المذكورةِ في هذا الحديثِ:\nوهيَ:\n\" اللَّهمَّ إني أسألكَ فعلَ الخيراتِ، وتركَ المنكراتِ، وحبَّ المساكين، وأن تغفرَ لي وترحمني، وإذا أردتَ بقومٍ فتنة فاقبضْني إليكَ غيرَ مفتون وأسألكَ حُبَّكَ وحبَّ من يحبُّك وحبَّ العملِ الذي يبلغُني حبَّك\"، فقال النبيُّ - ﷺ -: \" تعلموهنَ وادرُسُوهنَّ فإنهن حقًّا \".\nهذا دعاء عظيم من أجمع الأدعيةِ وأكملِهَا، فقولهُ - ﷺ -. \"أسألُكَ فعلَ الخيرات وتركَ المنكراتِ \"\nيتضمنُ طلبَ كلِّ خيرٍ وتركَ كلِّ شر، فإنَّ الخيراتِ تجمعُ كلًّ ما يحبُّه اللَّهُ تعالَى ويقربُ منهُ منَ الأعمال والأقوال من الواجباتِ\nوالمستحباتِ، والمنكراتِ تشملُ كلَّ ما يكرههُ اللَّهُ تعالَى ويباعدُ عنهُ من\nالأقوال والأعمال، فمنْ حصلَ له هذا المطلوبُ حصلَ له خيرُ الدنيا والآخرةِ، وقد كان النبيُّ - ﷺ - يحبُّ مثلَ هذه الأدعيةِ الجامعةِ، قالتْ عائشةُ: \"كانَ النبيُّ - ﷺ -","vol":"2","page":188},{"text":"يعجبهُ الجوامعَ من الدعاءِ ويدعُ ما بينَ ذلكَ \".\nخرَّجه أبو داود.\nوقوله: \"وحب المساكين \" هذا قد يقال إنهُ من جملةِ فعلِ الخيراتِ وإنَّما أفرده\nبالذكرِ لشرفهِ وقوةِ الاهتمامِ به، كما أفردَ أيضًا ذكرَ حبِّ اللَّهِ تعالى وحبِّ\nمن يحبُّه وحبِّ عملٍ يبلِّغهُ إلى حبِّه، وذلكَ أصلُ فعلِ الخيراتِ كلِّها، وقد\nيُقال: إنه طلبَ من اللَّهِ ﷿ أن يرزقهُ أعمال الطاعاتِ بالجوارح، وتركَ\nالمنكراتِ بالجوارح، وأن يرزقَهُ ما يوجبُ له ذلكَ وهو حبُّه وحبُّ من يحبُّه.\nحبُّ عملٍ يبلغهُ حبَّه، فهذه المحبةُ بالقلبِ موجبة لفعل الخيراتِ بالجوارح\nولتركِ المنكراتِ بالجوارح، وسأل اللَّهَ تعالى أن يرزقَهُ المحبةَ فيه، فقد تضمنَ\nهذا الدعاءُ سؤال حبِّ اللهِ ﷿ وحبِّ أحبابِهِ، وحبِّ الأعمال التي\nتقرِّبُ من حبِّه والحبِّ فيه، وذلكَ يقتضي فعلَ الخيراتِ كلِّها ويتضمنُ تركَ\nالمنكراِت، والسلامةَ من الفتنِ، وذلكَ يتضمنُ اجتنابَ الشرّ كلِّه فجمعَ هذا\nالدعاءُ طلبَ خير الدنيا وتضمنَ سؤال المغفرةِ والرحمةِ وذلكَ يجمعُ خيرَ\nالآخرةِ كلَّه فجمعَ هذا الدعاءُ خيري الدنيا والآخرةِ.\nوالمقصودُ أنَّ حبَّ المساكين أصل الحبِّ في اللَّهِ تعالى؛ لأن المساكينَ ليسَ\nعندهم من الدنيا ما يوجبُ محبَّتهم لأجلهِ فلا يحبونَ إلا للَّهِ ﷿ والحبُّ\nفي اللَّهِ من أوثقِ عُرى الإيمان، ومن علاماتِ ذوقِ حلاوةِ الإيمانِ، وهو\nصريحُ الإيمانِ، وهو أفضلُ الإيمانِ، وهذا كلُّه مرويّ عن النبيِّ - ﷺ - أنه وصفَ به الحبَّ في اللَّهِ تعالى.\nورُويَ عن ابن عباسٍ أنه قال:\n\"به تنال ولايةُ اللَّهِ وبه يوجدُ طعم الإيمانِ \".\nوحبُّ المساكين قد أوصَى به النبيُّ - ﷺ - غيرَ واحدٍ من أصحابهِ،","vol":"2","page":189},{"text":"قال أبو ذرٍّ: \"أوصانِي رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أنْ أحبَّ المساكينَ وأنْ أدنوَ منهُم \"\nخرَّجهُ الإمامُ أحمد.\nوخرَّج الترمذي عن عائشةَ أنَّ النبي - ﷺ - قالَ لها:\n\"يا عائشةُ أحبي المساكينَ وقربيهم فإن اللَّهَ يقربكِ يومَ القيامةِ \".\nويروى أن داودَ ﵇ كانَ يجالسُ المساكين ويقولُ: ياربِّ مسكين\nبين مساكين.\nولم يزلِ السلفُ الصالحُ يوصونَ بحب المساكينِ - كتبَ سفيانُ\nالثوريُ إلى بعضِ إخوانِهِ - عليكَ بالفقراءِ والمساكينِ والدنو منهمُ فإنَّ رسولَ\nالله - ﷺ - كانَ يسأل ربه حبَّ المساكين، وحبَّ المساكينِ مستلزم لإخلاصِ العمل للَّهِ تعالَى، والإخلاصُ هو أساسُ الأعمالِ الذي لا تثبتُ الأعمالُ إلا عليهِ، فإن حبَّ المساكين يقتضِي إسداءَ النفع إليهِم بما يمكنُ من منافع الدينِ والدنيا، فإذا حصلَ إسداءُ النفع إليهِم حبًّا لَهُم، والإحسانُ إليهم كان هذا العملُ خالصًا وقد دلَّ القرآنُ على ذلكَ، قالَ اللَهُ تعالَى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) .\nوقالَ ﷿ (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) .\nوقالَ تعالى: (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) .\nقالَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ: نزلتْ هذه الآية ُ في ستةٍ: فيَّ، وفي ابن\nمسعود، وصهيبٍ، وعمار، والمقدادِ، وبلال.\nقالتْ قريشٌ لرسولِ اللَّهِ - ﷺ -:","vol":"2","page":190},{"text":"إنا لا نرضَى أن نكونَ أتباعًا لَهُم فاطردْهُم عنكَ، فأنزلَ اللَّهُ ﷿.، (وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُون رَبَّهم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِي يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) .\nوقالَ خبابُ بنُ الأرتِ في هذه الآيةِ \"جاء الأقرعُ بنُ حابسٍ وعيينةُ بنُ\nحصنٍ، فوجدَا رسول اللَّهِ - ﷺ - مع صهيبٍ وعمارٍ وبلالٍ وخبابٍ قاعدًا في ناسٍ من الضعفاءِ منَ المؤمنينَ، فلما رأوهُم حولَ النبيِّ - ﷺ - حقروهُم، فأتوه فخَلوا بهِ وقالوا: إنا نريدُ أن نجعلَ لنا منكَ مجلسًا تعرفُ لنا به العربُ فضلَنَا، فإن وفودَ العربِ تأتيكَ فنستحي أن ترانا مع هولاءِ الأعبدِ، فإذَا نحنُ جئناكَ فأقمهُم عنكَ، فإذا نحنُ فرغنَا فاقعدْ معهم إن شئت، قالَ \"نعم \".\nقالوا: فاكتبْ لنا عليكَ كتابا، قالَ فدعا بصحيفةٍ، ودعا عليًّا ليكتبَ ونحن\nقعودٌ في ناحيةٍ فنزلَ جبريلُ - ﵇ - فقال:\n(وَلا تَطْرد الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِى يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْء وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْردَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ)، ثم ذكرَ الأقرعَ بنَ حابس، وعيينةَ ابنَ حصنٍ فقالَ:\n(وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) .\nثم قالَ: (وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يؤمِنَونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كتَبَ رَبُكمْ عَلَى نَفْسِةِ الرَّحْمَةَ) .\nقالَ: فدنونا منهُ حتَّى وضعْنَا رُكَبَنَا عَلَى رُكْبَتَيهِ، وكانَ رسولُ الله - ﷺ - يجلسُ معنا فإذا أرادَ أنَّ يقومَ قامَ وتركَنَا، فأنزلَ اللَّهُ ﷿ (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) .\nولا تجالسِ الأشرافَ (وَلا تُطِعْ مَن أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكرِنَا) يعني عيينةَ، والأقرع.\nقالَ خبابٌ: فكنَّا","vol":"2","page":191},{"text":"نقعدُ مع النبيِّ - ﷺ - فإذا بلغنَا الساعةَ التي يقومُ قمنا وتركناهُ حتى يقومَ \"\nخرَّجه ابنُ ماجَة، وغيره.\nوكان النبيُّ - ﷺ - يعودُ المرضَى من مساكينِ أهلِ المدينةِ ويشيعُ جنائزهُم وكان\nلا يأنفُ أن يمشِيَ مع الأرملةِ والمسكينِ حتى يقضيَ حاجتَهُما وعلى هذا الهَدْي\nكانَ أصحابُهُ مِن بعدهِ والتابعون لهم بإحسانٍ.\nوروي عن أبي هريرة قال: \"كان جعفر بن أبي طالبٍ يحبُّ المساكينَ\nويجلسُ إليهم ويحدِّثهم ويحدّثونه، وكان النبيُّ - ﷺ - يكنيه أبا المساكين \".\nوفي رواية \"أنهُ كان يعمهم وربما أخرج لهم عكةً فيها العسل فشقُّوها ولعقوها\".\nوكانتْ زينبُ بنْتُ خزيمةَ أمُّ المؤمنينَ - ﵂ - تسمَّى أمَّ المساكينَ لكثرةِ إحسانهِا إليهم وتوفيتْ في حياةِ النبيِّ - ﷺ -.\nوقالَ ضرارُ بن مُرَّةَ في وصف عليِّ بن أبي طالب - ﵁ - في أيامِ خلافتِهِ:\nكان يعظمُ أهلَ الدينِ ويحبُّ المساكينَ، ومرَّ ابنهُ الحسنُ - ﵁ - على مساكينَ يأكلونَ فدعُوه فأجابهمُ وأكلَ معهُم، وتلا\n(إِنَّه لا يُحِبُّ الْمُسْتَكبِرِينَ)، ثم دعاهم إلى منزِلِهِ فأطعمهم وأكرمهمُ.\nوكان ابنُ عمر لا يأكلُ غالبًا إلا معَ المساكينِ وكانَ يقُولُ لعلَّ بعضَ هؤلاءِ أن يكونَ ملِكًا يومَ القيامةِ.\nوجاءَ مسكين أعمى إلى ابن مسعودٍ وقد ازدحَم الناسُ عندَهُ فنادَاهُ يا أبا\nعبدِ الرحمنِ آويتَ أربابَ الخزِّ واليمنيةِ وأقصيتنِي لأجلِ أنِّي مسكين؟\nفقالَ له: ادْنُهْ فلم يزلْ يُدْنِيهِ حتى أجلسهُ إلى جانبهِ أو بِقُرْبهِ.\nوكانَ مطرفُ بنُ عبدِ اللَّهِ يلبسُ الثيابُ الحسنةَ ثم يأتِي المساكينَ ويجالسهم.","vol":"2","page":192},{"text":"وكان سفيانُ الثوريُّ يعظمُ المساكينَ ويجفو أهلَ الدنيا فكانَ الفقراءُ في مجلسِهِ\nهمُ الأغنياءُ والأغنياءُ همُ الفقراءُ.\nوقال سليمانُ التيمي: كنَّا إذَا طلبنَا عليةَ أصحابنا وجدْناهُم عندَ الفقراءِ والمساكينِ.\nوقالَ الفضيلُ: من أراد عزَّ الآخرةِ فليكن مجلسهُ مع المساكينِ.\nومن فضائلِ المساكينِ أنهُم أكثرُ أهلِ الجنةِ.\nكما قالَ النبيُّ - ﷺ -:\n\"قمتُ على بابِ الجنةِ فإذا عامةُ من دخلَها المساكينُ \"\nوقالَ - ﷺ -:\n\"تحاجتِ الجنةُ والنَّارُ، فقالتِ الجنةُ: لا يدخلني إلا الضعفاءُ والمساكينُ \".\nوسئلَ النبيُّ - ﷺ - عن أهل الجنةِ فقالَ:\n\"كلُّ ضعيفٍ مستضعفٍ \"\nوهم أولُ الناسِ دخولًا الجنةَ كما صحَ عنه - ﷺ -:\n\"إن الفقراءَ يسبقونَ الأغنياءَ إلى الجنةِ بأربعين عامًا\" -\nوفي روايةٍ - \"أنهم يدخلون الجنةَ بنصفِ يومٍ وهو خمسمائةِ سنةً\"\nوهم أولُ الناسِ إجازةً على الصراطِ كما صحَّ عنه - ﷺ - أنهُ سئلَ من أولُ الناسِ إجازةً على الصراط؟\nفقالَ: \"فقراءُ المهاجرينَ \"\nوهم أولُ الناسِ ورودًا على الحوضِ كما قالَ - ﷺ -:\n\"أولُ الناسِ ورودًا عليهِ فقراءُ المهاجرينَ الدَّنسةُ رءوسُهم، الشعثةُ ثيابهُم الذينَ لا ينكحونَ المتنعماتِ ولا تفتحُ لهم السددُ\" وهم","vol":"2","page":193},{"text":"أتباعُ الرسلِ كما أخبرَ اللَّهُ تعالى عن نوح ﵇ أن قومَهُ عيرُوهُ باتباع\nالضعفاءِ له فقالُوا: (أَنؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الأَرْذَلُونَ) .\nوكذلكَ قالَ هرقلُ لأبي سفيانَ لما سألهُ عن النبيِّ - ﷺ - وهل يتَّبعهُ أشرافُ الناسِ أم ضعفاؤهم؟\nفقال: بل ضعفاؤهم، قالَ هرقلُ: هم أتباعُ الرسلِ.\nوهم أفضلُ من الأغنياءِ عندَ كثيرٍ من العلماءِ أو أكثرهم، وقد دلَّ على\nذلكَ أدلة كثيرة منها قولُ النبيِّ - ﷺ - حينَ مرَّ به الغنيُّ والمسكينُ في المسجدِ:\n\"هذا - يعني المسكينَ - خير من ملءِ الأرضِ مثلَ هذا - يعني الغنيَّ \"\nوقد خرَّجه البخاريُّ وغيرُه.\nومنهُم من لو أقسمَ على اللَّهِ لأبرهُ كما في \"الصحيح \" عن النبيِّ - ﷺ - أنه قالَ في أهلِ الجنةِ:\n\"كلُّ ضعيفٍ مستضعفٍ لو أقسمَ على اللَّهِ لأبَرَّهُ \"\nوفي روايةٍ \" أشعثَ ذو طمرينِ \"\nوفي روايةٍ خرَّجَها ابنُ ماجةَ\n\"أنَّهم ملوكُ أهلِ الجنةِ\"\nوفي الحديثِ المشهورِ\n\"رُبَّ أشعثَ أغبرَ ذي طمرينِ مدفوعٌ بالأبوابِ لو أقسمَ على اللَّهِ\nلأبَرَّه \"\nخرَّجهُ الحاكمُ وغيرهُ.\nربَّ ذي طمرينِ نضوٍ. . . يأمنُ العالمُ شرَّهُ\nلا يُرى إلا غنيًّا. . . وهوَ لا يملك ذرَّهُ\nثم لوأقسمَ في شيءٍ. . . على اللَّهِ أبرَّهُ","vol":"2","page":194},{"text":"قال ابنُ مسعودٍ: كونُوا جدَدَ القلوبِ، خلقانَ الثيابِ.\nسرجَ الليلِ مصابيحَ الظلامِ، تعرفونَ في أهلِ السماءِ\nوتخفونَ على أهلِ الأرضِ.\nطُوبى لعبدٍ بحبلِ اللَّهِ معتصمه. . . على صراطٍ سويٍّ ثابتٌ قدمُه\nرث اللباسِ جديد القلبِ مستترٍ. . . في الأرضِ مشتهر فوقَ السماء وسمُه\nما زالَ يستحقرُ الأولى بهمتهِ. . . حتَى يرقى إلى الأخرى به هممُه\nفذاكَ أعظمُ من التاج متكئًا. . . على النمارقِ محتفا به خدمُهُ\nواعلم أنَّ محبةَ المساكينِ لها فوائدٌ كثيرة:\nمنها: أنَّها توجبُ إخلاصَ العملِ للهِ ﷿، لأنَّ الإحسانَ إليهم\nلمحبَّتهم لا يكونُ إلا للَّهِ ﷿، لأنَّ نفعهُم في الدنيا لا يُرجَى غالبًا فأما\nمن أحسنَ إليهم ليمدحَ بذلكَ فما أحسنَ إليهم حبًّا لهم بل حبًّا لأهلِ الدُّنيا\nوطلبًا لمدحهِم له بحبِّ المساكينِ.\nومنها: أنها تزيلُ الكِبْرَ، فإن المتكبرَ لا يرضى مجالسةَ المساكينِ كما سبقَ عن\nرؤساءِ قريشٍ والأعرابِ، ومن حذا حذوهم من هذه الأمة ممن تشبهَ بهم حتى\nأنَّ بعضَ علماءِ السوءِ كان لا يشهدُ الصلاةَ في جماعةٍ خشيةَ أن تزاحمَهُ\nالمساكينُ في الصفِّ، ويمتنعُ بسببِ هذا الكبرِ فيفوتُهُ خيرٌ كثيرٌ جدا، فإنَّ\nمجالسَ الذكرِ والعلم تقعُ فيها كثيرًا مجالسةُ المساكينِ فإنهم أكثرُ هذه المجالسِ\nفيمتنعُ المتكبرُ من هذه المجالسِ بتكبر، وربما كانَ المسموعُ منه الذكرُ والعلمُ\nمن جملة المساكينِ فيأنف أهلُ الكبرِ من التردد إلى مجلسهِ كذلكَ فيفوتهُم\nخيرٌ كثير، وقد أخبرَ اللَهُ تعالى عن المشركينَ أنهم قالوا:\n(لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) .","vol":"2","page":195},{"text":"يشيرونَ إلى عظماءِ مكةَ والطائفِ كعتبةَ بنِ ربيعةَ وأخيهِ شيبةَ ونحوهما من\nصناديد قريشٍ وثقيفٍ ذوي الأموالِ والشرفِ فيهم ممن كانَ أكثرَ مالًا من\nمحمدٍ - ﷺ - وأعظمَ رياسةً عندهُم.\nوردَّ عليهم سبحانهُ بأنهُ يقسِّم رحمتَهُ كما يشاءُ وأنه كما رفَع درجاتِ بعضهم على بعضٍ في الدنيا، فكذلكَ يرفَعُها في الآخرة بالنبوةِ والعلم والإيمانِ خيرٌ مما يجمعونَهُ من الأموالِ التي تَفْنَى، فهو يخصّ بهذه الرحمةِ الدينيةِ من يشاءُ ويرفعُهُ على أهلِ النعم الدنيويةِ وقد خصَّ محمدًا - ﷺ - بما لم يشركهُ فيه غيرهُ من هذه النعم كما قالَ تعالَى له:\n(وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا) .\nوكانَ عليٌّ بنُ الحسينِ يجلسُ في مجلسِ زيدِ بنِ أسلمَ فيعاتَبُ على ذلكَ\nفيقولُ: إنما يجلسُ المرء حيثُ يكونُ له فيه نفعٌ، أو كما قالَ يشيرُ إلى أنَّه\nينتفعُ بسماع ما يسمعُهُ من العلم والحكمةِ، وزيدُ بنُ أسلمَ أبوه مولى لعمرَ.\nوعلي بنُ الحسينِ سيدُ بني هاشم وشريفِهم.\nولما اجتمع الزهريُّ وأبو حازمٍ الزاهدُ بالمدينةِ عند بعضِ بني أميةَ - لما\nحجَّ - وسمعَ الزهريُّ كلامَ أبي حازمٍ وحكمتهُ أعجبهُ ذلكَ، وقالَ: هو جارِي منذُ كذا وكَذا وما جالسْتُهُ ولا عرفتُ أن هذا عندَهُ، فقالَ له أبو حازم: أجلْ إنَي من المساكينِ ولو كنتُ من الأغنياءِ لعرفتني، فوبخهُ بذلكَ، وفي رواية عنه أنه قالَ له: لو أحببتَ اللَّهَ أحببتني ولكنَّكَ نسيتَ اللَّهَ فنسيتني، يشيرُ إلى أنَّ من أحبَّ اللَّهَ تعالى أحبَّ المساكينَ من أهلِ العلم والحكمةِ لأجلِ محبتهِ للهِ تعالى ومن غفلَ عن اللَّهِ تعالَى غفلَ عن أوليائه من المساكينِ فلمْ يرفعْ لهم رأسًا، ولم ينتفعْ بما اختصَّهمُ اللَّهُ ﷿ بهِ من الحكمةِ والعلومِ النَّافعِةِ","vol":"2","page":196},{"text":"التي لا توجدُ عند غيرِهم من أهلِ الدُّنيا.\nوقد كانَ علماءُ السلفِ يأخذونَ العلمَ عن أهلِهِ والغالبِ عليهمُ المسكنةُ\nوعدمُ المال والرفعةِ في الدنيا ويَدَعُونَ أهلَ الرياسات والولاياتِ فلا يأخذونَ\nعنهم ما عندهُم من العلم بالكليةِ.\nومنها: أنَّه يوجبُ صلاحَ القلبِ وخشوعِهِ، وفي \"المسندِ\" عن أبي هريرةَ\nأن رجلًا شكى إلى رسول اللَّهِ - ﷺ - قسوةَ قلبهِ فقال له: \"إن أحببتَ أن يلينَ قلبُكَ فأطعِم المسكينَ وامْسحْ رأس اليتيم \".\nومنها: أن مجالسةَ المساكينِ توجبُ رضى من يجالسُهُم برزقِ اللَّهِ ﷿\nوتعظمُ عنده نعمةُ اللَّهِ ﷿ عليهِ بنظرهِ في الدنيا إلى من دونَه، ومجالسةُ\nالأغنياءِ توجبُ التسخطَ بالرزقِ ومدَّ العينِ إلى زينتهم وما هم فيه، وقد نهى\nاللَّهُ ﷿ نبيَّه - ﷺ - ّ عن ذلكَ فقال تعالَى: (وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) .\nوقال النبيُّ - ﷺ -:\n\"انظرُوا إلى من دونكمُ ولا تنظُروا إلى منْ فوقَكم فإنَّه أجدر أن لا تزدرُوا\nنعمةَ اللَّهِ عليكم \"\nقال أبو ذرٍّ - ﵁ -:\n\"أوصانِي رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أن أنظر إلى من\nدوني ولا أنظرَ إلى من فوقِي وأوصانِي أن أحبَّ المساكينَ وأن أدنوَ منهم \".\nوكان عونُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن عتبةَ بنِ مسعودٍ يجالسُ الأغنياءَ فلا يزال في\nغمٍّ، لأنَه لا يزال يَرى من هو أحسنُ منه لباسًا ومركبًا ومسكنًا وطعامًا.\nفتركَهُم وجالسَ المساكينَ فاستراحَ من ذلك.","vol":"2","page":197},{"text":"وقد رُويَ عن النبيِّ - ﷺ - أنه نهَى عائشةَ عن مخالطةِ الأغنياءِ.\nوقالَ عمر: إيَّاكم والدخولَ على أهلِ السعةِ فإنَه مسخطةٌ للرزقِ.\nواعلمْ أن المسكينَ إذا أُطلقَ يرادُ به غالبًا من لا مال لهُ يكفيه، فإنَّ الحاجةَ\nتوجبُ السكونَ والتواضعَ بخلافِ الغنِي فإنَّه يُوجبُ الطغيانَ، ولهذا ذمَّ الفقيرَ\nالمختالَ وعظَّم وعيدهُ؛ لأنَهُ عصَى بما ينافي فقرهُ وهو الاختيالُ والزهو والكبرُ، ولما كانَ المسكينُ عندَ الإطلاقِ لا ينصرفُ إلا إلى من لا كفايةَ لهُ من المال\nوصى اللَّهُ تعالى بإيثارِ المساكينِ وإطعامهم الطعامَ، ومدحَ من يطعمُهم، وذمًّ\nمن لا يحضُّ على إطعامهِم، وجعلَ لهم حقًّا في أموالِ الصدقاتِ والفيء\nوخمسِ الغنائمِ وحضورِ قمسةِ الأموالِ.\nوهؤلاءِ المساكينُ على قسمينِ:\nأحدُهما: من هو محتاجٌ في الباطنِ وقد أظهرَ حاجَتهُ للنَّاس.\nوالثاني: من يكتُم حاجتَهُ ويظهرُ للناسِ أنه غَني فهذا أشرَفُ القسمينِ، وقد\nمدحَ اللَّهُ ﷿ هذا في قولِه تعالى:\n(لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا) .\nوقالَ النبيُّ - ﷺ -:\n\"ليس المسكينُ بهذا الطواف الذي تردُّه اللقمةُ واللقمتان والتمرةُ والتمرتانِ، ولكن المسكينَ من لا يجدُ ما يغنيهِ، ولا يفطنُ له فيتصدَّقُ عليه \"\nوقالَ بعضُهم: هذا المحرومُ المذكورُ في قولِه ﷿: (لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) .\nفأخبرَ النبيُّ - ﷺ - أن من كتمَ حاجتَهُ\nفلم يفطنْ لهُ أحقُّ باسم المسكين من","vol":"2","page":198},{"text":"الذي أظهرَ حاجتَهُ بالسؤالِ وأنَّه أحقُّ بالبرِّ منه وهذا يدلُّ على أنَّهم كانُوا لا\nيعرفونَ من المساكينِ إلا من أظهرَ حاجتَهُ بالسؤالِ، وبهذا فرَّقَ طائفةٌ من\nالعلماءِ بين الفقيرِ والمسكينِ فقالوا: من أظهرَ حاجتَهُ فهو مسكينٌ ومن كتمَها\nفهو فقيرٌ، وفي كلامِ الإمامِ أحمدَ إيماءٌ إلى ذلك وإن كانَ المشهورُ عنه أن\nالتفريقَ بينهما بكثرةِ الحاجةِ وقلَّتِهَا كقولِ كثير من الفقهاءِ.\nوهذا حيثُ جمعَ بينَ ذِكْرِ الفقيرِ والمسكينِ كما في آيةِ الصدقاتِ، فأمَّا إذا\nأفردَ أحدُ الاسمينِ دخلَ فيهِ الآخر عنَد الأكثرينَ، وقد كانَ كثيرٌ من السلفِ\nيكتمُ حاجتَهُ ويظهرُ الغِنى تعففًا وتكرمًا، منهم إبراهيم النخعيّ كانَ يلبسُ ثيابًا حسناءَ ويخرجُ إلى الناسِ وهم يرونَ أنه تحل له الميتةَ من الحاجةَ.\nكانَ بعضُ الصالحينَ يلبسُ الثيابَ الجميلةَ وفي كمهِ مفتاحُ دارٍ كبيرةٍ ولا\nمأوى لهُ إلا المساجدُ، وكانَ آخرُ لا يلبسُ جبةً في الشتاءِ لفقرهِ ويقولُ: بي\nعلةٌ تمنعني من لبسِ المحشو وإنَّما يعني بها الفقرَ - شعر:\nإن الكريمَ لُيخفي عنك عسرتَهُ. . . حتى تراهُ غنيًّا وهوَ مجهودُ\nوكان بعكس هؤلاءِ من يلبسُ ثيابَ المساكينِ مع الغِنَى تواضعًا للهِ ﷿\nوبُعْدًا من الكبرِ كما كانَ يفعلُهُ الخلفاءُ الراشدونَ الأربعةُ وبعدَهم عمرُ بنُ عبد العزيز، وكذلكَ كانَ جماعةٌ من الصحابةِ منهم عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ وعبدُ اللَّهِ بنُ عمرو بن العاصِ وغيرُهما - ﵁ -.\nورويَ أنَ أبا بكر الصدِّيقِ - ﵁ - كانَ ينشدُ:\nإذا أردتَ شريفَ الناسِ كلهم. . . فانظرْ إلى ملك في زي مسكينِ\nذاكَ الذي حسنت في الناسِ سيرتُهُ. . . وذاكَ يصلحُ للدُّنيا وللدينِ\nوكان عليٌّ - ﵁ - يُعاتَبُ على لباسِهِ فيقولُ: هو أبعدُ عن الكبرِ وأجدرُ أن يقتدي بي المسلمُ.\nوعوتبَ عمرُ بنُ عبد العزيزِ على ذلكَ فقالَ: إن أفضلَ","vol":"2","page":199},{"text":"القصدِ عندَ الجدةِ، يعني أفضلَ ما اقتصدَ الرجلُ في لباسِهِ مع قدرتِهِ\nووجدانهِ.\nوفي \"سنن أبِي داودَ\" وغيرِه عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه قالَ: \"البذاذةُ من الإيمانُ \"\nيعني: التقشفَ. وفي الترمذي عن النبيِّ - ﷺ -\n\"من تركَ اللباسَ تواضعًا للَّهِ ﷿ وهو يقدرُ عليه دعاهُ اللَّهُ يومَ القيامةِ حتَّى يخيرهُ من أيِّ حُللِ الجنةِ شاء يلبسُهَا\"\nوخرَّجهُ أبو داود من وجهٍ آخرَ ولفظه:\n\"من تركَ ثوبَ جمالٍ وهو يقدرُ عليه - أحسبهُ قالَ: تواضعًا - كساهُ اللَهُ حلَّة الكرامةِ\".\nوإنَّما يذمّ من تركَ اللباسَ مع قدرتِهِ عليهِ بخلًا على نفسه أو كتمانًا لنعمةِ\nاللَّهِ ﷿ وفي هذا جاءَ الحديثُ المشهورُ:\n\"إن اللهَ إذا أنعم على عبدٍ أحبَّ أن يرَى أثرَ نعمتِهِ على عبدِهِ \"\nومن لبسَ لباسًا حسنًا إظهارًا لنعمةِ اللَّهِ ولم يفعلْهُ اختيالًا كانَ حسنًا.\nوكان كثيرٌ من الصحابةِ والتابعينَ يلبسونَ لباسًا حسنًا، منهم: ابنُ عباس.\nوالحسنُ البصريّ، وقد صحَّ عن النبيِّ - ﷺ - أنَه سُئِلَ عن الرجلِ يحبُّ أن يكونَ لباسهُ حسنًا ونعلُه حسنًا، قالَ:\n\"ليس ذلك بالكبر، إنما الكبر بطر الحق وغمط الناس \"\nيعني التكبرَ عن قبولِ الحقِّ والانقيادِ لهُ واحتقارَ الناسِ\nوازدراءهمُ فهذا هُوَ الكبرُ وأمَّا مجردُ اللباسِ الحسنِ الخالي عن الخيلاءِ فليسَ","vol":"2","page":200},{"text":"بكبرٍ، واحتقارُ الناسِ مع رثاثةِ اللباسِ كبر.\nوقد رُويَ عن النبي - ﷺ - أنَّه كانَ ماشيًا في طريقٍ وهناكَ أمة سوداءُ، فقال لها رجل: الطريقَ الطريقَ للنبيِّ - ﷺ - فقالتْ: الطريقُ يمنةً ويسرةً، فقال النبي - ﷺ -:\n\"دعُوهَا فإنَّها جبَّارةٌ\"\nخرَّجهُ النسائيُّ وغيرُه، وفي روايةِ الطبرانيِّ قالُوا:\nيا رسولَ اللَّهِ إنها يعني مسكينة، قالَ:\n\"إنَّ ذاكَ في قلبها\"\nيعني أنَّ الكبرَ في قلبهَا وإنْ كانَ لباسهَا لباسَ المساكينِ.\nوقالَ الحسنُ: إن قومًا جعلوا التواضعَ في لباسِهم والكبرَ في صدورهم إن\nأحدَهم أشدُ كبرًا بمدرعتهِ من صاحبِ السريرِ بسريره، وصاحبِ المنبرِ بمنبرِهِ، قالَ أحمدُ بنُ أبي الحواريّ: قالَ لي سليمانُ بنُ أبي سليمانَ\nوكانَ يعدلُ بأبيه: أيَّ شيء أرادوا بثيابِ الصوفِ؟\nقلت: التواضعَ، قالَ: وما يتكبرُ أحدُهم إلا إذا لبسَ الصوفَ؟\nوقالَ أبو سليمانَ: يكونُ ظاهرُكَ قطنيا وباطنكَ صوفيًا.\nوقالَ أبو الحسينِ ابن بشارِ: صوِّف قلبَكَ والبس القوهيَ على القوهي يعني رفيعَ الثيابِ، فمتَى أظهرَ الإنسانُ لباسَ المساكينِ لدعوى الصلاح ليشتهرَ بذلكَ عندَ الناسِ كانَ ذلكَ كبرًا ورياءً، ومن هُنا تركَ كثيرٌ من السلفِ المخلصينَ اللباسَ المختصَّ بالفقراءِ والصالحينَ وقالُوا: إنه شهرة، ولما قدمَ سيارُ أبو الحكم البصرةَ لزيارةِ مالك بنِ دينار، لبسَ ثيابًا حسنةً ثمَ دخلَ المسجدَ فصلَّى صلاةً حسنةً فرآه مالكٌ ولم يعرفْهُ فقالَ له: يا شيخُ إنِّي أرغبُ بك عن هذه الثيابِ مع هذه الصلاةِ، فقالَ له: يا مالك ثيابي هذه تضعُني عندكَ أم ترفعُني؟","vol":"2","page":201},{"text":"قالَ: بل تضعكَ، فقالَ: نِعمَ الثوبُ ثوبٌ يضعُ صاحبهُ عندَ الناسِ، ولكن انظرْ يا مالكُ لعلَّ ثوبيكَ هذين يعني الصوفَ أنزلاكَ عندَ الناسِ ما لم ينزلاكَ من اللَّهِ، فبكى مالكٌ وقام إليه واعتنقهُ وقال له: أنشدكَ اللَّهَ أنت سيارُ أبو\nالحكم؟\nقالَ: نعم.\nفلهذا كرهَ من كرهَ من السلفِ كابنِ سيرينَ وغيره لباسَ الصوفِ حيثُ صارَ\nشعارَ الزاهدينَ فيكونُ لباسُهُ إشهارًا للنفسِ وإظهارًا للزهدِ، وأما النبي - ﷺ - فكانَ يلبسُ لباسَ الأغنياءِ من حللِ اليمنِ وثيابِ الشامِ ونحوهَا، وتارةً يلبسُ لباسَ المساكينِ، فيلبسُ جبةً من صوفٍ أحيانًا وأحيانًا يتزر بعباءه، ويهيئُ إبلَ الصدقةِ بيدهِ يعني أنه يطليَها بيدِهِ ويصلحهَا كما يفعلُ أربابُ الإبلِ بها، ولم يبعثِ اللَّهُ نبيًا من أهلِ الكبرِ، وإنَّما يبعثُ من لا كبرَ عندَهُ ولا يتكبرُ عن معالجةِ الأشياءِ التي يأنفُ منها المتكبرونَ كرعايةِ الإبلِ والغنم، وإجارةِ نفسِهِ عندَ الحاجةِ إلى الاكتسابِ، ومن أعطاهُ اللَّهُ منهم مُلكًا فإنهُ لم يزل دأبهُ التواضعَ للَّهِ ﷿ كداودَ وسليمانَ ومحمدٍ صلَّى اللَّهُ عليهم وسلَّم تسليمًا كثيرًا.\nوقد يطلقُ اسمُ المسكينِ ويرادُ بهِ من استكانَ قلبُه للهِ ﷿ وانكسر لهُ\nوتواضعَ لجلالهِ وكبريائهِ وعظمتهِ وخشيتهِ ومحبتِهِ ومهابتِهِ، وعلى هذا المعنى\nحملَ بعضُهم الحديثَ المرويَّ عن النبيًّ - ﷺ - أنه قال: \"اللَّهم أحيني مسكينا وأمتْني مسكينا واحشرنِي في زمرةِ المساكينِ \"\nخرَّجهُ الترمذيُّ من حديثِ أنسٍ وخرَّجَهُ ابنُ ماجةَ من حديثِ ابنِ عباسٍ، وفي حملهِ على ذلكَ نظرٌ؛ لأن","vol":"2","page":202},{"text":"في تمامِ حديثيهما ما يدل على أن المرادَ به المساكينُ من المال؛ لأنهُ ذكرَ سبقَهم الأغنياء إلى الجنةِ مع أنَّ في إسنادِ الحديثين ضعفًا، وقد خُيِّرَ النبيُّ - ﷺ - بينَ أن يكونَ نبيًّا ملكًا أو عبدًا رسولًا فأشارَ إليهِ جبريلُ أنْ تواضعَ، فقالَ: بل عبدًا رسولًا، وكانَ بعدَ ذلكَ لا يأكلُ متكئًا ويقولُ: \"آكل كما يأكلُ العبدُ وأجلسُ كما يجلسُ العبدُ\".\nقالَ الحسنُ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"فأعطاني اللهُ لذلكَ أن جعلَني سيدَ ولدِ آدمَ وأولَ شافع وأولَ مشفع وأولَ من تنشقُّ عنه الأرضُ \"\nوصحَّ عنه - ﷺ - أنه قالَ:\n\"إنَّما أنا عبدٌ فقولوا عبدُ اللَّهِ ورسولُه \"\nفأشرفُ أسمائهِ عبدُ اللَّهِ ولهذا سُمِّي بهذا الاسم في القرآنِ في أفخرِ مقاماتِه، فلما حققَ - ﷺ - عبوديته لربِّه حصلتْ له\nالسيادةُ على جميع الخلقِ.\nكانَ كثير من العارفينَ يقولُ في مناجاتهِ لربِّه:\nكفى بي فخرًا أنِّي لكَ عبدٌ وكفَى بي شرفًا أنكَ لي ربٌّ.\nوكانَ بعضُهُم يقولُ:\nكلَّما ذكرتُ أنه ربِّي وأنا عبدُه حصلَ لي من السرور ما يصلحُ به بدَني:\nشرفُ النفوسِ دخولُها في رقِّهم. . . والعبدُ يحوِي الفخرَ بالمتملكِ\nوكان أبو يزيدِ البسطاميُّ ينشدُ:\nيا ليتني صرتُ شيئًا. . . من غيرِ شيء أعد\nأصبحتُ للكلِّ مولى. . . لأنَّني لكَ عبدُ","vol":"2","page":203},{"text":"فمنِ انكسَرَ قلبُه للهِ ﷿ واستكانَ وخشع وتواضعَ جبرهُ اللَّهُ ﷿\nرفعهُ بقدرِ ذلكَ، وفي الأثرِ المشهورِ أن اللَّهَ ﷿ قالَ لموسى على نبيِّنا\nوعليهِ أفضلُ الصلاةِ والسلامِ حينَ سألَهُ أينَ أجدكَ؟\nقالَ: عندَ المنكسرةِ قلوبُهُم من أجلي، فإني أدْنو منهُم كلَّ يوم باعًا ولولا ذلكَ انهدَموا.\nوروِي عن عبدِ اللَّهِ بي سلامٍ أنه فسرهُ فقال: هم المنكسرة قلوبُهُم بحبِّ\nاللَّهِ عن حبِّ غيرهِ، وفي الحديثِ المشهورِ المرفوع:\n\"أنَّ اللَهَ تعالى إذا تجلَّى لشيء من خلقِهِ خشعَ له \"\nفإذا تجلَّى لقلوبِ العارفينَ عظمةُ اللَّهِ وجلالهُ وكبرياؤه\nاندكت قلوبهم من هيبتِهِ وخشعتْ وانكسرتْ من محبَّتِهِ ومخافتِهِ:\nمساكينُ أهلِ الحبِّ حتى قبورُهم. . . عليها ترابُ الذلِّ بينَ المقابرِ\nفالمسكينُ في الحقيقةِ من استكانَ قلبُهُ لربه وخشعَ من خشيتِهِ ولا يكونُ\nالمسكينُ ممدوحًا بدونِ هذه الصفةِ، فإنَّ من لم يخشعْ قلبُهُ معَ فقرِه وحاجتِهِ\nفهوَ جبار كتلكَ الأمة السوداء التي قالَ فيها النبيُّ - ﷺ -: \"إنَّها جبَّارةٌ\"\nوهو إما عائلٌ مستكبر أو فقير مختالٌ، وكلاهما لا ينظرُ اللَهُ إليه يومَ القيامةِ، فالمؤمنُ من يستكينُ قلبُهُ لربِّه ويخشعُ له ويتواضعُ ويظهرُ مسكنتهُ وفاقتَه إليهِ في الشدَّةِ والرخاءِ، أما في حالِ الرخاءِ فإظهارُ الذل والعبوديةِ والفاقةِ والحاجةِ إلى كشفِ الضر قالَ تعالى:\n(وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَعُونَ)، فذمَّ من لا يستكينُ لربِّهِ عندَ الشدةِ، وكانَ النبيُّ - ﷺ -\nيخرجُ عندَ الاستسقاءِ متخشعًا متمسكنًا.\nوحُبسَ لمطرفِ بنِ عبد اللَّهِ قريبٌ له لبسَ خلقانَ ثيابهِ، وأخذ بيده قصبةً","vol":"2","page":204},{"text":"وقالَ: أتمسكنُ لربِّي لعلَّهُ يشفعني فيه.\nومما يشرعُ فيه التمسكنُ للَّهِ ﷿ حالَ الصلاةِ كما في حديثِ الفضلِ\nبنِ عباس عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"الصلاةُ مثْنَي مثْنَي تشهدُ في كلِّ ركعتينِ وتخشعُ وتضرع وتمسكنُ وتقنعْ يديكَ - يقولُ ترفعهُما - وتقولُ: ياربِّ ثلاثا، فمن لم يفعلْ ذلكَ\nفهي خداجٌ \"\nخرَّجهُ الترمذيُّ وغيره.\nوكذلكَ يشرعُ إظهارُ المسكنةِ في الدعاءِ، خرَّجَ الطبراني من حديثِ ابنِ\nعباسٍ قالَ: \"رأيتُ النبيَّ - ﷺ - يدعوُ بعرفةَ ويداهُ إلى صدره كاستطعامِ المسكينِ \".\nومن حديثِهِ أيضًا أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ في دعائِهِ عشيةَ عرفةَ:\n\"أنا البائسُ الفقيرُ المسغيثُ المستجيرُ الوجلُ المشفقُ المقرُّ المعترفُ بذنبِهِ، أسألكَ مسألةَ المسكينِ، وأبتهلُ إليكَ ابتهالَ المذنبِ الذليلِ، وأدعوكَ دعاءَ الخائفِ الضرير \".\nوكان بعضُ السلفِ يجلسُ بالليلِ مطرقًا رأسَهُ ويمدُّ يديهِ وهو ساكَتٌ كحالِ\nالمسكينِ المستعطِي.\nوقالَ طاوس: دخلَ عليٌّ بنُ الحسينِ الحِجْرَ ليلةً فصلَّى\nفسمعتُهُ يقولُ في سجودِهِ: عُبيدُكَ بفنائِكَ، مسكينُكَ بفنائِكَ، فقيرُكَ\nبفنائِكَ، سائلُكَ بفنائِكَ، قالَ طاوس: فحفظتُهنَّ فما دعوتُ بهنَّ في كربٍ\nإلاَّ فرجَ عنَّي.\nوكان بعضُ العبادِ قد حجَّ ثمانينَ حجةً على قدميهِ فبينَما هوَ\nفي الطوافِ وهوَ يقولُ: ياحبيبي ياحبيبي، فهتفَ هاتفٌ: ليسَ ترضَى أن\nتكونَ مسكينًا حتى تكون حبيبا فغشيَ عليه، فكانَ بعد ذلكَ يقولُ:\nمسكينُك، مسكينُك.","vol":"2","page":205},{"text":"شعرٌ لابنِ تيميةَ شيخ الإسلامِ ﵀:\nأنا الفقيرُ إلى ربِّ السماواتِ. . . أنا المستكينُ في مجموع حالاتي\nأنا الظلومُ لنفسِي وهي ظالمتي. . . والخيرُ إن جاءَهَا من عندِهِ ياتي\nقولهُ - ﷺ -:\n\"وأن تغفَر لي وترحمني \"\nالمغفرةُ والرحمةُ يجمعانِ خيرَ الآخرةِ كلَّهُ؛ لأن المغفرةَ سترُ الذنبِ مع وقايةِ شرِّه، وقد قيلَ: إنه لا تجتمعُ المغفرةُ مع عقوبةِ الذنبِ حيثُ كانتِ المغفرةُ وقايةً لشرِّ الذنبِ، وهذا لا يكونُ مع عقوبةٍ عليهِ، ولذلكَ سمِّي المغفرُ مغفرًا لأنه يستُرُ الرأسَ ويقيهِ الأذَى، وهذا بخلافِ العفوِ فإنَه يكونُ تارةً قبلَ العقوبةِ وتارةً بعدها.\nوأمَّا الرحمةُ فهيَ دخولُ الجنةِ، وعلو درجاتِها، وجميع ما في الجنةِ من النعيم بالمخلوقاتِ ومنْ رضَى اللَّهِ ﷿ وقربِهِ ومشاهدتِهِ وزيارتِهِ فإنَّه من رحمةِ اللَّهِ تعالَى، وفي الحديثِ الصحيح:\n\"إنَّ اللَّهَ ﷿ يقولُ للجنةِ: أنتِ رحمتِي أرحمُ بكِ من أشاءُ من عبادِي \"\nفكلُّ ما في الجنةِ فهُو من رحمةِ اللهِ ﷿ وإنَّما تُنالُ برحمِتِه\nلا بالعملِ كما قالَ - ﷺ -:\n\"لن يدخلَ أحدٌ منكُمُ الجنةَ بعمله، قالُواْ ولا أنتَ يا رسولَ اللَّهِ؟\nقالَ: ولا أنا إلا أن يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ برحمتِهِ \".\nقولُه - ﷺ -:\n\"وإذا أردتَ بقومٍ فتنةً فاقبضْنِي إليكَ غيرَ مفتونٍ \".\nالمقصودُ من هذا الدعاءِ سلامةُ العبدِ من فتن الدنيا مدةَ حياتِهِ فإنْ قدَّر اللَّهُ ﷿ على عبادِه فتنة قبضَ عبدَهُ إليهِ قبلَ وقوعها وهذا من أهمِّ الأدعيةِ فإنَّ المؤمن إذا عاشَ سليمًا من الفتن ثم قبضَهُ اللَّهُ قبل وقوعِهَا وحصولِ الناسِ فيها كانَ في ذلكَ نجاةٌ له من الشرِّ وقد أمرَ النبيُّ - ﷺ - أصحابَهُ أن يتعوَّذوا من الفتن ما ظهرَ منها","vol":"2","page":206},{"text":"وما بطَنَ، وفي حديثٍ آخرَ \"وجنِّبنا الفواحشَ والفتنَ ما ظهرَ منها وما بطنَ \"، وكانَ يخصُّ بعضَ الفتنِ العظيمة بالذكرِ، وكان يتعوذُ باللَّهِ في صلاتهِ من\nأربع ويأمرُ بالتعوذِ منها\n\"أعوذُ باللًّهِ من عذابِ جهنمَ، ومن عذابِ القبرِ، ومن فتنةِ\nالمحيا والمماتِ، ومن فتنةِ المسيح الدجال \"\nففتنةُ المحيا تدخلُ فيها فتنُ الدِّينِ والدنيا كلُّها كالكفرِ والبدع والفسوقِ والعصيانِ، وفتن المماتِ يدخلُ فيها سوءُ الخاتمةِ، وفتنةُ الملكينِ في القبرِ فإنَّ الناسَ يفتنونَ في قبورهم مثلَ أو قريبًا من فتنة الدجالِ، ثم خصَّ فتنةَ الدجالِ بالذكرِ لعظم موقِعهَا فإنه لم يكن في الدُّنَيا فتنةٌ قبل يومِ القيامةِ أعظمُ منها وكلما قربَ الزمانُ من الساعةِ كثُرتِ الفتن.\nوفي حديث معاويةَ عن النبيِّ - ﷺ - أنّهُ قالَ:\n\"إنه لم يبقَ من الدنيا إلا بلاءٌ وفتنةٌ \"\nوأخبر النبيُّ - ﷺ - عن الفتنِ التي كقطع الليلِ المظلم يصبح الرجل فيها مؤمِنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبحُ كافرًا يبيعُ دينَهُ بعرِضٍ من الدنيا.\nوكان أولُ هذه الفتنِ ما حدثَ بعدَ عمرَ - ﵁ - ونشأ من تلكَ قتلُ عثمانَ - ﵁ - وما ترتبَ عليهِ من إراقةِ الدماءِ وتفرق القلوبِ وظهورِ فتن الدينِ كبدع الخوارج المارقينَ من الدينِ وإظهارهم ما أظهروا، ثم ظهورُ بدع أهلِ القدرِ والرفضِ ونحوِهِم، وهذه هي الفتنُ التي تموجُ كموج البحرِ المذكورةُ في حديثِ حذيفةَ المشهورِ للنبيِّ - ﷺ - حينَ سألَهُ عنها عمرُ وكان حذيفةُ - ﵁ -\n.","vol":"2","page":207},{"text":"من أكثرِ الناسِ سؤالًا للنبيِّ - ﷺ - عن الفتن خوفا من الوقوع فيها، ولما حضرَهُ الموتُ قال: حبيبٌ جاءَ على فاقةٍ لا أفلَحَ من ندِمَ، الحمدُ للَّهِ الذي سبقت بي الفتنة قادتها وعلوجها.\nوكان موتُه قبلَ قتلِ عثمانَ بنحو من أربعين يومًا وقيلَ: بل ماتَ بعدَ قتلِ\nعثمانَ.\nوكانَ في تلكَ الأيامِ رجلٌ من الصحابةِ نائمًا فأتاهُ آتٍ في منامهِ فقال\nله: قمْ، فاسأل اللَّهَ أن يعيذَك من الفتنةِ التي أعاذَ منها صالحَ عبادِهِ، فقام\nفتوضَّأ وصلَّى ثم اشتكَى وماتَ بعد قليلٍ.\nوقد رويَ عن النبيِّ - ﷺ - أنهُ قال لرجل:\n\"إذا مت أنا وأبو بكرٍ وعمرُ وعثمانُ فإن استطعتَ أنْ تموتَ فمُتْ \"\nوهذا إشارةٌ إلى هذه الفتن التي وقدتْ بمقتلِ عثمانَ - ﵁ -.\nوالدعاءُ بالموتِ خشيةَ الفتنةِ في الدينِ جائزٌ وقد دعا به الصحابةُ - ﵃ - والصالحونَ بعدَهم، ولما حجَّ عمرُ - ﵁ - آخرَ حجَّة حجَّها استلقى بالأبطح ثم رفعَ يديهِ وقالَ: اللهمُّ إنه قد كبرَ سنِّي ورقَّ عظمي وانتشرتْ رعيتي فاقبضني إليكَ غيرَ مُضيِّع ولا مفتون، ثم رجع إلى المدينة، فما انسلخَ حتى قتلَ - ﵁ -.\nودعا عليٌّ ربَّهُ أن يريحهُ من رعيتِه حيثُ سَئمَ منهم فقتلَ عن قريبٍ.\nودعتْ زينبُ بنتُ جحشٍ - ﵂ - لما جاءَها عطاءُ عمرَ من المال فاستكثرتهُ وقالتْ: اللهمَّ لا يدركني عطاءٌ لعمرَ بعدَها فماتت قبلَ العطاءِ الثاني.\nولما ضجَرَ عمرُ بنُ عبدُ العزيزِ من رعيتِهِ حيثُ ثقلَ عليهم قيامُهُ فيهِم بالحقِّ","vol":"2","page":208},{"text":"طلبَ من رجلٍ كان معروفًا بإجابةِ الدعوةِ أن يدعوَ له بالموتِ فدعَا له ولنفسِه\nبالموتِ فماتا.\nودُعي طائفةٌ من السلفِ الصالح إلى ولايةِ القضاءِ فاستُمهلوا ثلاثةَ أيامٍ\nفدعَوا اللَّهَ لأنفسِهِم بالموتِ فماتوا.\nواطُّلعَ على حال بعض الصالحينَ ومعاملاتِهِ التي كانتْ سرًّا بينه وبينَ ربِّه.\nفدعا اللَّهَ أن يقبضهُ إليه خوفًا من فتنةِ الاشتهارِ، فماتَ فإنَّ الشهرةَ بالخيرِ\nفتنةٌ، كما جاءَ فى الحديثِ\n\"كفَى بالمرءِ فتنة أن يشارَ إليه بالأصابع فإنَّها فتنةٌ\"\nوكان سفيانُ الثوريّ يتمنَّى الموتَ كثيرًا فسئل عن ذلكَ فقال: ما يدريني لعلِّي أدخلُ في بدعةٍ، لعلِّي أدخلُ فيما لا يحلَّ لي، لعلي أدخلُ في فتنةٍ أكون قدْ متُّ فسبقتُ هذا.\nواعلم أن الإنسانَ لا يخلو من فتنةٍ.\nقال ابن مسعودٍ - ﵁ -:\nلا يقلْ أحدُكم أعوذُ باللَّهِ من الفتنِ ولكن ليقلْ: أعوذُ باللَّهِ من مضلاتِ الفتنِ ثم تلا قوله تعالى: (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ) يشيرُ إلى أنه لا يستعاذُ\nمن المال والولد وهما فتنةٌ.\nوفي \"المسندِ\" أنَّ النبيَّ - ﷺ - أمرَ أمَّ سلمةَ أن تقولَ:\n\"اللهمَّ ربَّ النبيًّ محمدٍ اغفرْ لي ذنبي، وأذهِبْ غيظ قلبِي، وأجرنِي من مضلات الفتنِ ما أبقيتَنِي \"\nوقد جعلَ النبيُّ - ﷺ - النساءَ والأموال فتنةً ففي \"الصحيح \" عنه - ﷺ - قالَ: \"\nمَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ\"\nوفيه أيضًا أنهُ - ﷺ -","vol":"2","page":209},{"text":"قالَ: \"واللَّهِ ما الفقرُ أخشَى عليكم، ولكنْ أخشَى أن تبسطَ عليكُم الدُّنيا كما بسطَتْ على من كانَ قبلَكم، فتنافسوها كما تنافسوهَا فتهلكهمُ كما أهلكتهُم \".\nوفي \"صحيح مسلم \" عنه - ﷺ - قالَ:\n\"اتَّقوا النساءَ فإنَّ أولَ فتنةَ بني إسرائيلَ\nكانتْ في النساء\" وفي الترمذي أنه - ﷺ - قالَ:\n\"لكلِّ أمةٍ فتنةٌ، وفتنةُ أمَّتي المالُ \"\nوقد قالَ اللًّهُ ﷿:\n(وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُون وَكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا) .\nفالرجلُ فتنة للمرأةِ، والمرأةُ فتنة للرجلِ، والغني فتنة للفقير، والفقيرُ فتنة\nللغنيِّ، والفاجرُ فتنة للبرِّ، والبرُّ فتنة للفاجرِ، والكافرُ فتنة للمؤمنِ، والمؤمنُ\nفتنة للكافرِ، كما قالَ اللَّهُ تعاليَ: (وَكذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ ليَقُولُوا أهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشاكِرِينَ) .\nوقالَ ﷿: (وَنَبْلُوكُم بِالشَّر وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) .\nفجعلَ كلَّ ما يصيبُ الإنسانَ من شر أو خيرٍ فتنةً يعني أنهُ محنة يمتحنُ بها\nفإنْ أصيبَ بخير استحقَّ به شكرَه، وإن أصيبَ بسوءٍ استحقَّ به صبره، وفتنةُ\nالسراءِ أشدُّ من فتنةِ الضراءِ.\nقالَ عبدُ الرحمنِ بن عوفٍ - ﵁ -\nبُلينا بفتنةِ الضراءِ فصبرْنَا، وبُلينا بفتنةِ السراءِ فلم نصبرْ.\nقالَ بعضُهُم: فتنةُ الضراءِ يصبرُ عليها البر والفاجرُ ولا يصبرُ على فتنةِ السراءِ إلاَّ صدِّيقٌ.\nولما ابتليَ الإمامُ أحمدُ بفتنةِ الضراءِ صبرَ ولم يجزعْ وقالَ: كانتْ زيادةً في\nإيماني، فلما ابتلي بفتنةِ السراءِ جزعَ وتَمَنَّى الموتَ صباحة ومساءً وخَشيَ أنْ\nيكونَ نقصًا في دينهِ.","vol":"2","page":210},{"text":"ثمَّ إن المؤمنَ لابدَّ أنْ يفتنَ بشي من الفتن - المؤلمةِ الشاقةِ عليه ليمُتحنَ\nإيمانهُ، كما قالَ اللَّهُ تعالى: (الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣) .\nولكنَّ اللَّهَ يلطُفُ بعباده المؤمنينَ في هذهِ الفتن ويصبرُهُم عليها، ويثيبُهُم\nفيها، ولا يلقيهم في فتنةٍ مهلكةٍ مضلةٍ تذهبُ بدينِهم، بل تمرّ عليهِم الفتنُ\nوهم منها في عافية.\nوأخرجَ ابنُ أبي الدنيا من حديثِ ابنِ عمرَ مرفوعا\n\" إنَّ للهِ ضنائنُ منْ عبادِهِ يغذُوهُم في رحمتِهِ ويحييهم في عافيةٍ ويتوفاهُم إلي جنتهِ أولئكَ الذينَ تمرّ عليهِم الفتنُ كقطع الليل المظلم، وهم منهَا في عافية\" والفتن الصغارُ التي يُبْتَلى بها المرءُ في أهلهِ ومالِهِ وولدِهِ وجاره تكفِّرُها الطًاعاتُ من الصلاةِ والصيامِ والصدقةِ، لذا جاءَ في حديثِ حذيفةَ.\nورُويَ عنهُ أنَّه سألَ النبيَّ - ﷺ - قالَ:\nإن في لساني ذربًا وإنَّ عامةَ ذلكَ على أهلي؟\nفقالَ لهُ: \" أينَ أنتَ منَ الاستغفارِ؟ \".\nوأما الفتنُ المضلةُ التي يُخشَى منها فسادُ الدينِ فهيَ التي يُستعاذُ مِنْهَا\nويسألُ الموتُ قبلَهَا، فمنْ ماتَ قبلَ وقوعِهِ في شيء من هذهِ الفتن فقدْ حفظَهُ\nاللَّهُ تعالَى وحماهُ.\nوفي \"المسندِ\" عن محمودِ بن لبيدٍ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"اثنتان يكرَهُهُمَا ابنُ آدمَ: يكرهُ الموتَ، والموتُ خيرٌ للمؤمنِ من الفتنِ، ويكرهُ قلةَ المالِ، وقلة المالِ أقلُّ للحسابِ \".","vol":"2","page":211},{"text":"قولهُ - ﷺ -\n\"وأسألكَ حبَّك وحبَّ من يحبُّك وحبَّ العملِ الذَّي يُبلغُني حبَّك\"\nهذا الدعاءُ يجمعُ كلَّ خيرٍ، فإن الأفعالَ الاختياريةَ من العبادِ إنما تنشأُ عن محبةٍ وإرادةٍ، فإنْ كانتْ محبةُ الله ثابتةً في قلبِ العبدِ نشأتْ عنهَا حركاتُ الجوارح فكانتْ بحسبِ ما يحبُّه اللَّهُ ويرتضِيهِ، فأحبَّ ما يحبُّه اللَّهُ ﷿ من الأعمالِ والأقوالِ كُلِّها، ففعلَ حينئذٍ الخيراتِ كُلَّها وتركَ المنكراتِ كلَّها، وأحبَّ من يحبُّه الله من خلقه، وهذا الدعاءُ كانتِ الأنبياءُ ﵈\nيدعونَ به كما في الترمذي عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"أن داودَ ﵇ كان يقولُ:\nاللهمَّ إنِّي أسألكَ حبَّكَ وحبَّ من يحبُّكَ، وحبَّ عملٍ يبلغني إلى حبِّك، اللهُم اجعلْ حبَّكَ أحبَّ إليَّ من نفسي وأهلِي ومن الماء الباردِ\"\nوفيه أيضًا أن النبي - ﷺ - كان يدعو:\n\"اللهمَّ ارزقني حبَّكَ، وحبَّ من يحبُّكَ، وحبَّ عملٍ يبلغني إلى حبك، اللهمَّ ما رزقتَني مما أحبُّ فاجعلهُ قوةً لي فيما تحبُّ.\nوما زويتَ عني مما أحبُّ فاجعلهُ فراغًا لي فيما تحبُّ \".\nوفي حديثٍ مرسلٍ خرَّجهُ ابنُ أبي الدنيا وغيرُه أن النبيَّ - ﷺ - كَان يقولُ:\n\"اللهمَّ اجعلْ حبَّكَ أحبَّ الأشياءِ إليَّ، وخشيتَكَ أخوفُ الأشياءِ عنْدِي واقطعْ عنِّي حاجاتِ الدُّنيا بالشوقِ إلى لقائكَ وإذا أقررتَ أعينَ أهلِ الدنيا من دنياهم فأقررْ عيني في عبادتكَ \"\nومن كانَ همُّه طلبَ محبةِ اللهِ ﷿ أعطاهُ اللَّهُ فوق ما يريدُهُ\nمن الدُّنيا تبعًا.\nقال بعضُ السلفِ: لما توفِّي داودُ ﵇ أرسلَ اللَّهُ ﷿ إلى\nسليمانَ ﵇ ألكَ حاجةٌ تسألني إيَّاها؟\nفقالَ سليمانُ: أسألُ اللَّهَ أن يجعلَ قلبي يحبُّه كما كانَ قلبُ أبي داودَ يحبُّه، وأن يجعلَ قلبِي يخشاهُ كما","vol":"2","page":212},{"text":"كانَ قلبُ أبي داودَ يخشاهُ، فشكرَ اللَّهُ لهُ ذلكَ وأعطاهُ مُلْكًا لا ينبغي لأحدٍ\nمن بعده.\nومحبةُ اللَّهِ تعالَى على درجتينِ:\nإحداهما: واجبةٌ وهيَ المحبةُ التي توجبُ للعبِد محبةَ ما يحبُّه اللَّهُ من\nالواجباتِ وكراهةِ ما يكرهُهُ من المحرماتِ، فإنَّ المحبةَ التامةَ تقتضِي الموافقةَ\nلمن يحبُّه في محبةِ ما يحبُّه وكراهةِ ما يكرههُ خصوصًا فيما يحبُّه ويكرهُهُ من\nالمحبِّ نفسِهِ، فلا تصحُّ المحبةُ بدونِ فعلِ ما يحبُّه المحبوب من مُحبَهِ وكراهةِ\nما يكرهُهُ المحبوبُ من محبيهِ، وسئلَ بعضُ العارفينَ عن المحبةِ فقالَ: الموافقةُ\nفي جميع الأحوالِ وأنشدَ:\nولو قلتَ لي مُتْ مُتُّ سمعًا وطاعة. . . وقلتُ لداعي الموتِ أهلًا ومرحبًا\nوأنشدَ بعضُهُم:\nتعصِي الإلهَ وأنتَ تزعمُ حبَّهُ. . . هذا لعمري في القِياسِ فظيعُ\nلو كانَ حبُّكَ صادقًا لأطعتهُ. . . إن المحبَّ لمنْ يحبُّ مطيعُ\nومتى أخلَّ العبدُ ببعضِ الواجباتِ أو ارتكبَ بعضَ المحرماتِ فمحبّته لربِّهِ\nغيرُ تامَّةٍ، فالواجبُ عليهِ المبادرةُ بالتوبةِ، والاجتهادُ في تكميلِ المحبةِ المفضيةِ\nلفعلِ الواجباتِ كلِّها، واجتنابِ المحرماتِ كلِّها، وهذا معنى قولِ النبيِّ - ﷺ -\n\" لا يزني الزانِي حينَ يزني وهو مؤمن ولا يسرقُ السارقُ حينَ يسرقُ وهوَ مؤمن ولا يشربُ الخمرَ حينَ يشربُها وهو مؤمنٌ \"\nفإنَّ الإيمانَ الكاملَ يقتضِي محبَّة ما يحبُّه اللَّهُ، وكراهةَ ما يكرهُهُ اللَّهُ ﷿، والعملَ بمقتضَى ذلكَ فلا يرتكب أحدٌ","vol":"2","page":213},{"text":"شيئًا من المحرماتِ أو يخلّ بشيءٍ من الواجباتِ إلا لتقديمِ هوى النفسِ\nالمقتضي لارتكابِ ذلكَ على محبةِ اللَّهِ تعالَى المقتضيةِ لخلافِهِ.\nالدرجةُ الثانيةُ من المحبةِ: درجةٌ المقربينَ وهيَ: أنْ يمتلئَ القلبُ بمحبةِ اللَّهِ\nتعالِى حتى توجبَ له محبةَ النوافلِ والاجتهادَ فيها وكراهةَ المكروهاتِ\nوالانكفافَ عنها، والرِّضا بالأقضيةِ والأقدارِ المؤلمةِ للنفوسِ لصدورها عن\nالمحبوبِ، كما قالَ عامرُ بنُ قيس:\nأحببتُ اللَّهَ حبًا هوَّنَ عليَّ كلَّ مصيبةٍ، ورضَّاني بكلِّ بليةٍ، فلا أبالي معًّ حَبِّي إياهُ على ما أصبحتُ ولا على ما أمسيتُ.\nوقالَ عمرُ بنُ عبدِ العزيز لما ماتَ ولدُهُ الصالحُ: إن اللَّهَ أحبَّ قبضَهُ، وإني\nأعوذُ باللَّهِ أن يكونَ لي محبةٌ في شيءٍ من الأمورِ يخالفُ محبةَ اللَّهِ، وكانَ\nيقولُ:\nإذا أصبحتُ فما لي سرورٌ. . . إلا في مواقع القضاءِ والقدرِ.\nيا من يعَزُّ علينا أن نفارِقَهم. . . وجداننَا كل شيءٍ بعدَكُم عدمُ\nإن كانَ سرَّكم ما قد بليتُ بهِ. . . فما لجُرحٍ إذا أرضَاكمُ ألمُ\nوحسبُ سلطانِ الهوى أن يلذَّ فيه كلُّ ما يؤلمُ.\nكان عمارُ بنُ ياسرٍ يقولُ: اللهمَّ لو أعلمُ أنَّه أرْضَى لك أن أرمي بنفسِي\nمن هذا الجبلِ فأتردَّى فأسقطُ فعلتُ، ولو أعلمُ أنَّه أرضى لكَ أن أوقدَ نارًا\nعظيمَةً فأقعُ فيها فعلتُ، ولو أعلمُ أنَّه أرْضى لكَ عنِّي أن ألقِي نفسي في الماءِ\nفأغرِق نفسي فعلتُ، ولا أقولُ هذا إلا وأريدُ وجهَكَ وأنا أرجو أن لا تخيبني\nوأنا أريدُ وجهَكَ.\nوقُتِلَ لبعضِ الصالحين ولدانِ في الجهادِ فعزاهُ الناسُ فيهما فبكى وقالَ:","vol":"2","page":214},{"text":"إنِّي ما أبْكِي لفقدهمَا إنما أبكانِي كيفَ كانَ رضاهُما عن اللهِ حيثُ أخذْتهُما\nالسيوفُ.\nوكانَ بعضُ العارفينَ يطوفُ بالبيتِ فتجمعتِ القرامطةُ على الناس قتلُوهم\nفي الطوافِ فوصلُوا إليه فلم يقطع الطوافَ حتى سقطَ من ظربِ السيوفِ\nصريعًا وأنشدَ:\nواللَّهِ لو حلفَ العشاقُ أنهُمُ موتى. . . من الحبِّ ما ماتُوا وما حنثُوا\nترى المحبِّين صرْعى في ديارِهمُ. . . كَفِتْيةِ الكهفِ لا يدرونَ كم لبِثوا\nأقلُّ ثمنِ المحبةِ بذل الروح.\nبدمِ المحبِّ يُبَاعُ وصلُهُم. . . فمن الذي يبْتَاعُ بالثمنِ\nقال بعضُ العارفينَ: إن كنت تسمحُ ببذل روحكَ في هذه الطريقِ وإلا فلا\nتشتغلْ بالتُرَّهَات:\nخاطرْ بروحكَ في هَوانَا واسترحْ. . . إنْ شئتَ تحظى بالمحل الأعظمِ\nلا يشغلنَّكَ شاغِلٌ عن وصلِنا. . . وانهضْ على قدمِ الرجاءِ واقدمِ\nولما كانتْ محبةُ اللَّهِ ﷿ لها لوازمٌ وهي محبةُ ما يحبُّه اللَّهُ ﷿\nمن الأشخاصِ والأعمال، وكراهةِ ما يكرههُ من ذلكَ سأل النبيُّ - ﷺ - اللَّهَ تعالَى مع محبته محبةَ شيئينِ آخرينِ:\nأحدُهما: محبةُ من يحبُّ ما يحبُّه اللَّهُ تَعالى فإن من أحبَّ اللَّهَ أحبَّ أحباءهَ\nفيهِ ووالاهم وأبغضَ أعداءَهُ وعاداهم.\nكما قال النبيُّ - ﷺ -:\n\"ثلاثٌ من كنَّ فيه وجدَ بهنَّ حلاوةَ الإيمانِ، أن يكونَ اللَهُ ورسولُه أحبَّ إليه مما سواهُما، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبُّه إلا للَّهِ، وأن يكرَه أنْ يعودَ في الكفرِ بعدَ إذ اْنقذهُ اللَّهُ منه كما يكرهُ أن يلقَى في النارِ\".","vol":"2","page":215},{"text":"وأعظم من تجبُ محبّتهُ في اللَّهِ تعالَى أنبياؤهُ ورسلهُ وأعظمُهم نبيُّه محمدٌ\n- ﷺ - الذي افترضَ اللَّهُ على الخلقِ كلِّهم متابعتَهُ، وجعلَ متابعتَهُ علامةً لصحةِ محبتِهِ، كما قالَ تعالى:\n(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) .\nوتوعدَ من قدَّم محبةَ شيءٍ من المخلوقينَ على محبتهِ ومحبةِ رسولهِ - ﷺ - ومحبة الجهادِ في سبيلِهِ في قوله تعالى:\n(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا) .\nووصفَ المحبينَ لهُ باللينِ للمؤمنينَ والرأفةِ بهم والمحبةِ لهم والشدةِ\nعلى الكافرينَ والبغضِ لهم والجهادِ في سبيله فقال:\n(فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) الآية.\nوالثاني: محبة ما يحبُّه اللَّهُ تعالى من الأعمالِ وبها يبلغُ إلى حبِّه وفي هذا\nإشارةٌ إلى أنَّ درجةَ المحبةِ للَّهِ تعالَى إنَّما تنالُ بطاعتِهِ وبفعلِ ما يحبُّه فإذا\nامتثلَ العبدُ أوامرَ مولاهُ وفعلَ ما يحبُّه أحبَّهُ اللَّهُ تعالَى ورقَّاه إلى درجةِ\nمحبتهِ، كما في الحديثِ الإلهي الذي خرَّجهُ البخاريُّ:\n\"وما تقربَ إليَّ عبدي بمثلِ ما افترضتُ عليهِ ولا يزالُ عبدي يتقربُ إليَّ بالنوافلِ حتى أحبَّه\".\nفأفضلُ ما تُستجلبُ به محبةُ اللَّهِ ﷿ فعلُ الواجباتِ وتركُ\nالمحرماتِ، ولهذا جعلَ النبيُّ - ﷺ - من علاماتِ وجدانِ حلاوةِ الإيمان أن تكرَهَ","vol":"2","page":216},{"text":"أنْ ترجعَ إلى الكفرِ كما تكرهُ أن تُلقَى في النار.\nوسئلَ ذو النونِ متى أحبُّ ربِّي؟\nقالَ: إذا كان ما يكرههُ عندَكَ أمرُّ من الصبرِ، ثمَّ بعدَ ذلكَ الاجتهادُ في\nنوافلِ الطاعاتِ وتركُ دقائقِ المكروهاتِ والمشتبهاتِ، ومن أعظم ما تحصُلُ به\nمحبةُ اللَّهِ من النوافلِ تلاوةُ القرآنِ وخصوصًا مع التدبرِ.\nقال ابنُ مسعودٍ - ﵁ -:\nلا يسألُ أحدُكم عن نفسِهِ إلا القرآنَ، فمنْ أحبَّ القرآنَ فهو يحبُّ اللَّهُ ورسولَه.\nولهذا قالَ النبيُّ - ﷺ - لمنْ قالَ إني أحبُّ سورةَ\n\"قلْ هو اللَّهُ أحدٌ\" لأنَّها صفةُ الرحمنِ فقالَ: \"أخبروه أنَّ اللَّهَ يحبُّه \".\nوقالَ أبو سلمةَ بنُ عبد الرحمنِ: لما قدِم النبيُّ - ﷺ - المدينةَ خطبَ فقالَ في خطبتهِ:\n\"إنَّ أحسنَ الحديثِ كتابُ اللَّهِ، قد أفلحَ من زينَهُ اللَّهُ في قلبهِ وأدخَلَهُ في الإسلامِ بعدَ الكفرِ، واختارَهُ على ما سواهُ من الأحاديث، إنه أحسنُ الحديث وأبلغهُ، أحبُوا من أحبَّ اللَّهَ وأحبُّوا اللَّه من كلِّ قلوبكم \".\nوكان بعضُهم يكثرُ من تلاوةِ القرآنِ ثمَّ فترَ عن ذلك فرأى في المنامِ قائلًا\nيقولُ له:\nإن كنتَ تزعمُ حبِّي. . . فلم جفوتَ كتابي\nأما تدبرتَ ما فيه. . . من لطيف عِتابِي\nفاستيقظ وعادَ إلى تلاوتِه:\nومن الأعمالِ التي توصِّلُ إلى محبةِ اللهِ تعالَى وهيَ من أعظمِ علامات\nالمحبينَ كثرةُ ذِكرِ اللَّهِ ﷿ بالقلبِ واللسان.\nقالَ بعضُهم: ما أدمنَ أحد ذكرَ اللَّهِ إلا أفادتْهُ منهُ محبةَ اللَّهِ تعالَى.\nوقالَ ذو النونِ: من أدمن ذكرَ اللَّهِ","vol":"2","page":217},{"text":"قذفَ اللَّهُ في قلبِهِ نورَ الاشتياقِ إليهِ، وقالَ بعضُ التابعينَ: علامةُ حبِّ اللَّه\nكثرةُ ذكر، فإنكَ لن تحبَّ شيئًا إلا أكثرتَ ذكرَهُ، وقالَ فتحٌ الموصليُّ: المحبُّ للهِ لا يجدُ مع حبِّ اللهِ للدنيا لذةً ولا يغفلُ عن ذكرِ اللَّهِ طرفَة عينٍ.\nالمحبونَ إن نطقوا نطقُوا بالذكرِ، وإن سكتُوا اشتغلوا بالفكرِ:\nفإن نطقتُ فلم ألفظْ بغيركم. . . وإن سكتُّ فأنتم عند إضْمارِي\nومن علامات المحبينَ للهِ وهو مما يحصلُ به المحبةُ أيضًا حبُّ الخلوةِ بمناجاةِ\nاللَّهِ تعالى وخصوصًا في ظلمةِ الليلِ:\nالليلُ لي ولأحبابي أسامرُهم. . . قد اصطفيتُهم كي يسمعوا ويعوا\nقالَ الفضيلُ: يقولُ اللَهُ ﷿:\nكذبَ من ادَعَى محبَّتي فإذا جَنَّهُ الليلُ نام عنِّي.\nأليسَ كل حبيبٍ يحبُّ الخلوةَ بحبيبهِ؟\nها أنا مُطَّلعٌ على أحبابي إذا جنَّهُمُ الليلُ جعلتُ أبصارهُم في قلوبهم، ومثلتُ نفسِي بينَ أعينِهم فخاطبوني على المشاهدةِ، وكلَّموني على حضوري، غدًا أقرُّ عينَ أحبَابي في جنَاتي:\nتنامُ عيناكَ وتشكُو الهوى. . . لو كنتَ صبًّا لم تكنْ نائمًا\nقلوبُ المحبينَ جمرةٌ تحتَ فحمةِ الليلِ كلما هبَّ عليها نسيمُ السحرِ\nالتهبَتْ، وأنشد:\nيذكِّرُني مرُّ النسيم عهودكمُ. . . فأزدادُ شوقًا كلَّما هبتِ الريحُ\nأرَاني إذا ما أظلمَ الليلُ أشرقتْ. . . بقلبِي منْ نارِ الغرامِ مصابيحُ\nكلما جنَ الغاسقُ حن العاشقُ.\nلو أنَّكَ أبصرتَ أهلَ الهوى. . . إذا غابتِ الأنجمُ الطُّلعُ","vol":"2","page":218},{"text":"فهذا ينوحُ على ذنبِهِ. . . وهذا يصلِّي وذا يركعُ\nمن لم يكنْ له مثلُ تقواهُم لم يدرِ ما الذي أبكاهُم، ومن لم يشاهدْ جمالَ\nيوسفَ لم يدرِ ما الذي آلمَ قلبَ يعقوبَ، وسئلَ السّريُّ السقَطيُّ عن حالِهِ\nفأنشدَ:\nمن لم يبتْ والحبُّ حشوَ فؤادِهِ. . . لم يدرِكيفَ تفتتُ الأكبادُ\nأين رجالُ الليلِ؛ أين ابنُ أدهمَ والفضيلُ؛ ذهبَ الأبطالُ وبقيَ كلُّ بطالٍ.\nيا من رضِيَ من الزهدِ بالزي، ومن الفقرِ بالاسم، ومن التصوفِ بالصوف.\nومن التسبيح بالسبح، أينَ فضلُ الفضيل؟ أين جدُّ الجنيدِ؟ أين سرُّ السريًّ؟ أين بشر أين إبراهيم بن أدهمَ؟ ويحَكَ إن لم تقدرْ على معرفةِ معروفٍ فاندُبْ على ربع رابعةَ وأنشد:\nهاتيكَ رُبوعَهم وفيها كانُوا. . . بانُوا عنْهَا فَلْيَتَّهِم ما بانوا\nناديتُ وفي حشَاشتي نيرانُ. . . يا دارُ متى تحوَّلَ السكانُ\nيا من كان له قلبٌ فانقلبَ، يا من كان له وقتٌ مع اللَّهِ فذهبَ، قيامُ\nالأسحارِ يستوحشُ لكَ، صيامُ النهارِ يسألُ عنكَ، ليالي الوصالِ تعاتبكَ على انقطاعكَ:\nتشَاغلتمُ عنَّا بصحبةِ غيرِنا. . . وأظهرتُم الهجْرَانَ ما هكذا كنَّا\nوأقسمتُم أن لا تحولُوا عَنِ الهوى. . . فقد وحياةِ الحبِّ حلتُم وما حُلنا\nليالي كنَّا نجتَني من ثمارِكم. . . فقلبي إلى تلكَ الليالِي لقدْ حنَّا\nإخواني مجَالسُ الذكرِ شرابُ المحبينَ وترياقُ المذنبينَ، قد علمَ كلُّ أناسٍ\nمشرَبهم، مجالسُ الذكرِ مآتم الأحزانِ فهذا يبكي لذنوبِه، وهذا يندبُ","vol":"2","page":219},{"text":"لعيوبِهِ، وهذا يتأسفُ على فواتِ مطلوبهِ، وهذا يتلهفُ لإعراضِ محبوبِهِ.\nوهذا يبوحُ بوجودِهِ وهذا ينوحُ على فقدِهِ وأنشدَ:\nما أذكر عيشَنَا الذي قد سلفا. . . إلا وجفَّ القلبُ وكم قد وَجَفا\nواهًا لزمانِنَا الذي كان صفَا. . . بل وأسفًا لفقدِهِ وأسفا\nغيره:\nيا ليتَنَا بزمزم والحجر. . . يا جيرتَنَا قبيلَ يومِ النفرِ\nفهلْ يعودُ ما مضَى من عمري. . . ما كنتُ أدْرِي يا ليتَنِي لا أدرى\nكأنِّي أرَى الخلعَ قد خُلِعَتْ على المقبولينَ، كأنِّي أرَى الملائكةَ تصافحُ\nالتائبينَ، فتعالوا نجتمعُ نبْكي على المطرودينَ:\nما زلتُ دهْرًا للّقَا متعرضًا. . . ولَطَالما قد كنتَ عنَا معرِضًا\nجانبتَنا دهرًا فلما لم تجدْ. . . عوضًا سوانَا صرتَ تبْكي محرضًا\nواحسرتَاهُ عليكَ من متقلبٍ. . . حق الوبالُ عليهِ من سوءِ القضَا\nلو كنتَ من أحبَابِنَا للزمتَنا. . . فكُسيتَ من إحسَانِنا خلعَ الرضا\nلكنْ غمطتَ حقوقَنَا وتركتنَا. . . فلذاكَ ضاقَ عليكَ متسعُ الفضَا\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>قوله تعالى: (قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠)</span>\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \": سمعت الوزير يقول في قوله تعالى:","vol":"2","page":220},{"text":"قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٨٠) .\nقال: ليس هذا بإجابة سؤاله وإنَّما سألَ الإنظار.\nفقيلَ لهُ: كذا قُدِّرَ، لا أنَّه جواب سؤالك، لكنَّه مما فُهِم.\n* * *","vol":"2","page":221},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>سُورَةُ الزُّمَر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-243>قوله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)</span>\nقالَ تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)\nوالصبرُ ثلاثةُ أنواع: صبرٌ على طاعةِ اللَّهِ، وصبْرٌ عن محارمِ اللَّهِ، وصبرٌ\nعلى أقدارِ اللَّهِ المؤلمةِ. وتجتمعُ الثلاثةُ كلُّها في الصوم،؛ فإنَّ فيه صَبرًا على\nطاعةِ اللَّهِ، وصَبرًا عمَّا حرَّمَ اللَّهُ على الصائم من الشَّهواتِ، وصبرًا على ما\nيحصُلُ للصَّائم فيه من ألم الجوع والعطشِ، وضعْفِ النفسِ والبدنِ.\nثبتَ في \"الصحيحين \"\nعن أبي هريرةَ - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قالَ: \"كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له؛ الحسَنةُ بعشْرِ أمثالها إلي سبعمائةِ ضِعفٍ، قالَ اللَّهُ ﷿: إلا الصَّيامَ فإنَّه لي وأنا أجزِي به، إنَه تَرَكَ شهوتَه وطعامَه وشرابَه من أجلي. للصائم فرحتانِ: فَرْحَةٌ عند فطرِه، وفَرْحَةٌ عند لقاءِ ربَّهِ، ولَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ \".\nوفي روايةٍ \"كلُّ عَمَلِ ابنِ آدمَ له إلا الصيامَ فإنَّه لي \"\nوفي رواية للبخاريِّ\n\"لكلِّ عملٍ كَفَّارةٌ، والصَّوم لي وأنا أجزي به \".\nوخرَّجهُ الإمامُ أحمد من هذا الوجهِ، ولفظهُ:\n\"كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له كفارةٌ إلا الصَّومَ، والصَّومُ لي، وأنا أَجْزِي به \"\nفعلى الروايةِ الأولى: يكونُ استثناءُ الصومِ من الأعمالِ المُضَاعَفَةِ، فتكونُ\nالأعمالُ كلُّها تُضاعَفُ بعَشرِ أمثالهِا إلى سبعمائةِ ضعفٍ إلا الصيامَ","vol":"2","page":222},{"text":"فإنَّه لا ينحصِرُ تضعيفُه في هذا العددِ، بل يُضاعِفُه اللَّهُ ﷿ أضعافًا كثيرةً بغير حَصْرِ عددٍ؛ فإنَّ الصيامَ من الصَّبرِ.\nولهذا وَرَدَ عن النبيِّ - ﷺ - أنَّه سمَّى شهرَ رمضانَ شهرَ الصبر وفي حديثٍ آخرَ عنه - ﷺ -، قالَ:\n\"الصَّومُ نِصْفُ الصَّبْرِ\"\nخرَّجهُ الترمذيُ.\nوهذا الألمُ الناشئُ من أعمالِ الطَّاعَاتِ يُثابُ عليه صاحبُه، كما قالَ اللَّهُ\nتعالى في المجاهدينَ: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (١٢٠) .\nوفي حديثِ سلمانَ المرفوع الذي أخرَجَهُ ابنُ خُزيمةَ في \"صحيحِهِ \" في فضلِ شهرِ رمضانَ\n\"وهو شهرُ الصَّبرِ، والصَّبْرُ ثوابُه الجَنَّةُ \".\nوفي الطبراني عن ابنِ عُمَرَ مرفوعا:\n\" الصيامُ لله لا يَعْلَمُ ثَوابَ عملهِ إلا اللَهُ ﷿ \".\nورُوي مرسلًا وهو أصحُّ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>قوله تعالى: (وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ)</span>\nوأما سعةُ جهَنم طولًا وعرْضًا، فروى مجاهد عن ابنِ عباسٍ، قالَ:\nأتدرونَ ما سعةُ جهنَم؟\nقلنا: لا، قالَ: أجلْ واللَّهِ ما تدرونَ أنَّ ما بينَ شحمةِ","vol":"2","page":223},{"text":"أذنِ أحدِهم وأنفِهِ مسيرةُ سبعينَ خريفًا تجري في أوديةُ القيح والدمِ.\nقلنَا: أنهار؟\nقال: لا، بل أوديةٌ، ثمَّ قالَ: أتدرونَ ما سعةُ جهنَّمَ؟\nقلنا: لا، قالَ: حدثتنِي عائشةُ أنها سألتْ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - عن قوله تعالى:\n(وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ) .\nفأين الناسُ يومئذٍ؟\nقال: \"على جسر جهنَّم\"\nخرَّجهُ الإمامُ أحمدُ، وخرجَ النسائيُّ والترمذيُّ منه المرفوعَ وصححهُ الترمذيُّ وخرَّجهُ الحاكمُ وقالَ صحيحُ الإسنادِ.\n* * *\nوقالَ - أي ابن الجوزي -: كانَ أبو القاسم بنِ السَّمرقندي يقولُ: إنَّ أبا\nبكر بنَ الخاضبةِ كانَ يُسَمِّي ابنَ الفاعوسِ الحجَريَّ؛ لأته كانَ يقولُ: الحجرُ\nالأسودُ يمينُ اللهِ حقيقةً.\nقلت: إنْ صحَّ عن ابنِ الفاعوسِ أنَّه كانَ يقولُ: الحجرُ الأسودُ يمينُ اللَّهِ\nحقيقةً، فأصلُ ذلكَ: أنَّ طائفَةً من أصحابنا وغيرِهم نَفوا وقُوعَ المجاز في\nالقرآنِ، ولكنْ لا يعلمُ منهم مَن نفَى المجاز في اللُّغةِ كقولِ أبي إسحاقَ\nالإسفرائيني. ولكنْ قد يسمعُ بعضُ صالحِيهم إنكارَ المجازِ في القرآنِ، فيعتقدُ\nإنكارَهُ مطلقًا.\nويؤيدُ ذلكَ: أنَّ المُتبادرَ إلى فهم أكثرِ النَّاسِ مِن لفظِ الحقيقةِ والمجازِ:\nالمعَاني والحقائقُ دونَ الألفاظِ.","vol":"2","page":224},{"text":"فإذَا قيلَ: \"إن هذا مجاز\" فهمُوا إنَه ليسَ تحتَه معنى، ولا له حقيقة.\nفينكرونَ ذلك، وينفِّرون منه.\nومن أنكرَ المجازَ من العلماءِ فقدْ ينكرُ إطلاقَ اسم المجاز؛ لئلا يوهم هذا المعنى الفاسد، ويصيرَ ذريعةً لمن يريدُ حقائقَ الكتابِ والسنةِ ومدلولاتِهمَا.\nويقولُ: غالبُ من تكلمَ بالحقيقةِ والمجاز همُ المعتزلةُ ونحوهم من أهلِ\nالبدع وتطرقُوا بذلكَ إلى تحريفِ الكلم عن مواضعِهِ، فيمنعُ من التسميةِ\nبالمجاز، يجعلُ جميع الألفاظِ حقائقَ، ويقولُ: اللَّفظُ إن دل بنفسه فهو\nحقيقة لذلكَ المعنى، وإن دلَّ بقرينةٍ فدلالتُه بالقرينةِ حقيقة للمعنى الآخرِ.\nفهو حقيقة في الحالينِ.\nوإن كانَ المعنى المدلولُ عليه مختلفًا فحينئذٍ يُقَالُ: لفظ اليمينُ في قولِه ﷾: (وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِياتٌ بِيَمِينِهِ) حقيقة.\nوهو دالٌّ على الصفةِ الذاتيةِ.\nولفظُ اليمينِ في الحديثِ المعروفِ:\n\"الحجرُ الأسودُ يمينُ اللهِ في الأرضِ.\nفمنْ صافَحهُ فكأنَّمَا صَافَحَ اللَّهَ ﷿.\nوقيلَ: يمينُه يُرادُ به - مع هذهِ القرائنِ المحتفة بهِ - محلُّ الاستلام والتقبيل.\nوهو حقيقةٌ في هذا المعنى في هذه الصورةِ، وليسَ فيه ما يُوهم الصفَة الذاتية\nأصلًا، بل دلالتُه على معناه الخاصِ قطيعة لا تحتملُ النقيضَ بوجهٍ، ولا\nتحتاج إلى تأويل ولا غيرهِ.\nوإذا قيلَ: فابنُ الفاعوسِ لمْ يكن من أهلِ هذا الشأنِ - أعني: البحثَ عن\nمدلولاتِ الألفاظ؟\nقيلَ: ولا ابنُ الخاضبة كانَ من أهلِه، وإن كانَ محدِّثًا.\nوإنَّما سمعَ من ابنِ الفاعوسِ،","vol":"2","page":225},{"text":"أو بلغَه عنه إنكارُ أن يكونَ هذا مجاز، لِما سمعَه من إنكارِ لفظِ\nالمجازِ، فحملهُ السامعُ لقصورهِ أو لهواه على أنَّه إذا كانَ حقيقةً لزمَ أن يكونَ\nهو يدُ الربِّ ﷿، التي هي صفتُه.\nوهذا باطلٌ. واللَّهُ أعلم.\n* * *","vol":"2","page":226},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-245>سُورَةُ غَافِر</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>قوله تعالى: (فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧)</span>\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \": سمعتُ الوَزِير١٣) يقولُ فِي قَولِهِ تعالَى:\n(فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعوا سَبِيلَكَ) .\nقال: علمتِ المَلائكةُ انَّ اللَّهَ ﷿ يحبُّ عبادَهُ المُؤمِنِينَ، فَتَقَرّبوا إليه\nبالشفاعةِ فِيهِم. وأحْسَنُ القُرَبِ: أن يسأل المُحِبُّ إكرامَ حَبِيبِهِ، فإنكَ لَوْ\nسألتَ شَخصًا أن يزيدَ في إكرامِ وَلَدِهِ لارتَفَعْتَ عِنده، حَيْثُ تَحُثُّهُ عَلَى إِكْرَامِ مَحْبُوبِهِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>قوله تعالى: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩)</span>\nوقالَ اللَهُ تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) .\nوقالَ تعالى: (أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) .","vol":"2","page":227},{"text":"وقالَ اللَّهُ تعالى عن مؤمن آل فرعونَ أنّه قال لقومِه: (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (٣٩) .\nوالمتَاعُ: هو ما يتمتَع به صاحبُه برْهَهً ثم ينقطِعُ ويفنَى.\nفما عِيبَتِ الدُّنيا بأبلغَ من ذكر فنائها وتقلُّبِ أحوالهَا، وهو أدل دليل على انقضائها وزوالِهَا، فتتبدَّل صحتُها بالسُّقم، ووجودُها بالعدمِ، وشبيبتُها بالهرَمِ، ونعيمهَا بالبؤسِ، وحياتُها بالموتِ، فتفارِقُ الأجسامُ النفوسَ، وعمارتُها بالخراب، واجتماعها بفرقةِ الأحبابِ، وكُلُّ ما فوق التُّرابِ تراب.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-248>قوله تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)</span>\nقال اللَّه تعالى: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) .\nقال قتادةُ في هذه الآيةِ: يقال لهم: يا آلَ فرعونَ هذه منازلكم، توبيخًا وصغارًا ونقيصةً.\nوقالَ ابنُ سيرين: كان أبو هريرةَ يأتِينا بعد صلاةِ العصرِ، فيقول:\nعرجت ملائكةٌ، وهبطتْ ملائكةٌ وعُرضَ آل فرعونَ على النارِ، فلا يسمعُه أحد إلا يتعوَذ باللَّهِ من النار.\nوقال شعبةُ، عن يعْلَى بنِ عطاء، سمعتُ ميمونَ بنَ مهرانَ يقول: كانَ\nأبو هريرةَ إذا أصبحَ يُنادي: أصبحْنا والحمدُ للَّهِ، وعُرِضَ آل فرعونَ على\nالنارِ، فلا يسمعُه أحد إلا يتعوَّذ باللَّهِ من النارِ.","vol":"2","page":228},{"text":"ورواهُ هشيمٌ عن يعْلى، عن ميمون، قال: كانَ لأبي هريرةَ صيحتانِ كلَّ\nيومٍ، أوَّل النهارِ يقولُ: ذهبَ الليلُ وجاءَ النهارُ وعرضَ آلُ فرعونَ على النارِ، وإذا كان العشيُّ يقول: ذهبَ النهارُ وجاءَ الليل، وعُرِضَ آل فرعونَ على النار، فلا يسمعُ أحد صوْتَهُ إلا استجارَ باللَّهِ من النارِ.\nويُروى من حديثِ الليث، عن أبي قيسٍ، عن هُذيل، عن ابنِ مسعودٍ\nقالَ: أرواحُ آل فرعونَ في أجواف طير سودٍ، فيعرضونَ على النارِ كلَّ يومٍ\nمرتينِ، فيقال لهم: هذه دارُكم فذلك قوله تعالى:\n(النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) .\nورواهُ غيرُه عن أبي قيسٍ، عن هذيل، من قولِه.\nلكن خرَّجه الإسماعيليُّ من طريقِ ابنِ عيينةَ، عن مسروقٍ عن أبي قيسٍ.\nعن هذيلٍ، عن ابنِ مسعود أيضًا.\nقال ابنُ أبي الدنيا: حدثنا حمادُ بنُ محمدٍ الفزَاريُّ، قال: بلغني عن\nالأوزاعيِّ، أنه سألهُ رجلٌ بعسقلانَ على الساحلِ، فقال له: يا أبا عمرو، إنَّا نرَى طيرًا سودًا تخرجُ من البحرِ، فإذا كانَ العشيُّ عادَ مثلها بيضًا.\nقال: وفطنتم لذلكَ؟\nقالوا: نعم. قال: فتلك طيرٌ في حواصِلها أرواحُ آل فرعونَ.\nفتلفحُها النارُ، فيسودُّ ريشُها، ثم يُلقى ذلك الريشُ، ثم تعودُ إلى\nأوكارِها، يعرضونَ على النارِ فتلفحُها النارُ، فذلك دأبُها حتى تقومَ الساعةُ.\nفيقال: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) .\nوفي \"الصحيحين \" من حديثِ ابنِ عمرَ - ﵄ -.\nعن النبيِّ - ﷺ - قال:","vol":"2","page":229},{"text":"\"إذا ماتَ أحدُكم عُرضَ عليه مقعدُ بالغداةِ والعشيِّ، إن كانَ من أهلِ الجنةِ فمن أهلِ الجنةِ، وإن كان من أهلِ النارِ فمن أهلِ النارِ، حتَّى يبعَثَه ربُّه، يقالُ: هذا مقعدُك حتى يبعثكَ اللَّهُ إلى يوم القيامةِ\".\nورواه الفضيلُ بن غزوان، عن نافع عن ابنِ عمرَ - ﵄ -، عن النبيِّ - ﷺ - ولفظه:\n\"ما من عبدٍ يموتُ إلا عرِضَ عليه مقعدُه، إن كان من أهلِ الجنةِ على الجنة، وإن كان من أهلِ النارِ على النارِ\".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>قوله تعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)</span>\nوقالَ إبراهيمُ بنُ أدْهمَ رحمهُ اللَّهُ تعالى في موعظتِه حينَ سألُه عن قولِه\nتعالى: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) وإنَّا ندعُوه فلم يستجبْ لنا.\nفقالَ: عرفتم اللَّه فلم تطيعُوه، وقرأتُم القرآنَ فلم تعملوا به، وعرفتُمُ الشيطانَ فوافقْتمُوه، وادَّعيتُم حبَّ رسولِ اللَّه - ﷺ - وتركتُم سنَّته وادَّعيتم حبَّ الجنةِ ولم تعملوا لها وادَّعيتم خوفَ النارِ ولم تنتهوا عن الذنوبِ، وقلتُم: إن الموتَ حقٌّ ولم تستعدِّوا له، واشتغلتم بعيوبِ غيركم ولم تنظروا إلى عيوبكم، وتأكلونَ رزقَ اللَّهِ ولا تشكرونَ، وتدفنون أمواتكم ولا تعتبرون\n* * *","vol":"2","page":230},{"text":"الدعاء مأمور به، وموعود عليه بالإجابةِ، كما قالَ تعالى: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) .\nوفي \"السنن الأربعة عنِ النُّعمانِ بنِ بَشيرٍ.\nعن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"إنَّ الدعاءَ هو العبادةُ\" ثم تلا هذه الآيةَ.\nوفي حديث آخرَ خرَّجه الطبرانيُّ مرفوعًا:\n\"منْ أُعْطيَ الدُّعاءَ، أُعْطيَ الإجابة، لأنَّ اللَّه تعالى يقول: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) \".\nوفي حديث آخرَ: \"مَا كان اللَّهُ ليفتَحَ على عبدٍ بابَ الدُّعاءِ، ويُغْلِقَ عنه بابَ الإجابةِ \".\nلكنَّ اْلدعاءَ سببٌ مقتضٍ للإجابةِ مع استكمالِ شرائطِه، وانتفاءِ مَوانعهِ.\nوقد تتخلَّف إصابتُه، لانتفاءِ بعضِ شروطِهِ، أو وجودِ بعضِ موانِعِه.\nومن أعظم شرائطِه: حضورُ القَلبِ، ورجاءُ الإجَابةِ من اللَّه، كما خرَّجه\nالترمذيُّ من حديثِ أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"ادعوا اللَّه وأنتُم موقنونَ بالإجابةِ، فإنَّ الله لا يَقبلُ دُعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ \".\nوفي \"المسندِ\" عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو، عنِ النبيِّ - ﷺ -، قال:\n\"إنَّ هذه القلوبَ أوعية لبعضُها أوعى من بعضٍ، فإذا سألتم اللَّه فاسألوهُ وأنتُم موقنونَ بالإجابةِ،","vol":"2","page":231},{"text":"فإنَّ اللَّه لايستجيبُ لعبدٍ دعاءً من ظهرِ قلبٍ غافلٍ \".\nولهذا نُهيَ العبدُ أنْ يقولَ في دعائه: اللَّهم اغفرْ لي إنْ شئت، ولكنْ\nليَعزِمَ المسألةَ، فإنَّ اللَّه لا مُكْرِهَ له. ً\nونُهِيَ أن يستعجلَ، ويتركَ الدعاءَ لاستبطاءِ الإجابةِ، وجعلَ ذلك من\nموانع الإجابةِ حتَّى لا يقطعَ العبدُ رجاءَه من إجابةِ دُعائهِ ولو طالتِ المدةُ.\nفإنَّه سبحانه يُحبُّ المُلِحِّين في الدعاءِ.\nوجاء في الآثارِ: إنَّ العبدَ إذا دعا ربَّه وهو يحبّه، قال: \"يا جبريل، لا\nتَعجَلْ بقضاءِ حاجة عبدي، فإنَّي أحبُّ أن أسمع صوتَه \".\nوقال تعالى: (وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦) .\nفما دام العبدُ يُلحُّ في الدّعاءِ، ويَطمعُ في الإجابةِ من غيرِ قطع\nالرَّجاءِ، فهو قريبٌ من الإجابةِ، ومنْ أدْمَنَ قرع البابِ، يُوشك أن يُفتح له.\nوفي \"صحيح الحاكم \" عن أنس مرفوعًا:\n\"لا تعْجزُوا عن الدُّعاء، فإنَّه لن يَهلِكَ مع الدُّعاءِ أحَدٌ\".\n* * *","vol":"2","page":232},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-250>سُورَةُ الشُّورَى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ </span>كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)\n[قالَ البخاريُّ]: وقال مجاهدٌ: (شَرَعَ لَكم مِّنَ الدِّينِ) .\nأوصينَاكَ وإيَّاهُ يا مُحَمد دِينًا واحدًا.\nروى ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجي@، عن مجاهدٍ، في قوله: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ\nالدِّينِ مَا وَصئَى بِهِ نوحًا) الشورى: ١٣،، قال: وصَّاك به وأنبياءَهُ كلَّهم دينًا واحدًا.\nومعنى ذلك أنَّ دينَ الأنبياءِ كلِّهم دينٌ واحدٌ، وهو الإسلامُ العامُّ، المشتملُ\nعلى الإيمانِ باللَّهِ وملائكتهِ وكتبِهِ ورسلهِ واليومِ الآخرِ، وعلى توحيدِ اللَّه\nوإخلاصِ الدِّين له، وإقامِ الصلاةِ وإيتاءِ الزكاة.\nكما قال تعالى: (وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥) .\nوالدينُ هو الإسلامُ، كما صرحَ به في مواضعَ أُخرَ، وإذا أُطلقَ الإسلامُ\nدخلَ فيه الإيمانُ، وبالعكس.","vol":"2","page":233},{"text":"وقد استدل على أنَّ الأعمال تدخلُ في الإيمانِ بهذه الآيةِ وهي قولُه:\n(وَذَلِكَ دِينُ الْقَيمَةِ)، طوائفُ من الأئمةِ، منهم: الشافعيُّ وأحمدُ\nوالحميديُّ.\nوقال الشافعيُّ: ليسَ عليهم أحجُّ من هذه الآيةِ.\nواستدل الأوزاعيُّ بقولِهِ تعالى: (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نوحًا)\nإلى قوله: (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفَرَّقُوا) .\nوقال: الدِّينُ: الإيمانُ والعملُ.\nواستدل بقولِهِ تعالى: (فَإن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَإخوَانُكُمْ فِي\nالدِّينِ) .\nوقد ذكرَ الخلاَّل في كتاب \"السُّنة\" أقوال هؤلاء الأئمة بألفاظِهِمْ، بالأسانيد\nإليهم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>قوله تعالى: (وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)</span>\nوقد مدحَ اللَّهُ من يغفرُ عندَ غضبِهِ، فقال:\n(وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ)؛ لأنَّ الغضبَ يحملُ صاحبه على أنْ يقول غيرَ الحقِّ، ويفعلَ غيرَ العدل، فمن كانَ لا يقول إلا الحقَّ في الغضبِ والرِّضا دل ذلك على شدةِ إيمانِهِ وأنَّه يملكُ نفسَهُ.\nوخرَّج الطبرانيُّ من حديثِ أنسٍ مرفوعًا:\n\"ثلاث من أخلاقِ الإيمانِ: مَنْ إذا","vol":"2","page":234},{"text":"غضِبَ لا يُدْخِلُهُ غضبُه في باطل، ومَنْ إذا رَضِي لا يُخْرِجُهُ رضَاه من حق، ومنْ إذا قدِرَ لا يتعاطَى ما ليسَ له \".\nفهذا هو الشديدُ حقًّا كما قال النبيُّ - ﷺ -:\n\"ليسَ الشديدُ بالصُّرَعَةِ إنَّما الشديدُ الذي يملكُ نفسَهُ عندَ الغضبِ \".\nولمسلمٍ: \"ما تعدون الصُّرَعَةَ فيكم؟ \" قلنا: الذي لا تَصْرَعُهُ الرِّجالُ.\nقال: \"ليس كذلك، ولكنَّه الذي يملكُ نفسَهُ عندَ الغضبِ \".\nوقال رجلٌ للنبيِّ - ﷺ -: أوصِني.\nقال: \" لا تغضَبْ \" فرددَ مرارًا، قال: \"لا تغضبْ \"\nأخرَّجَه البخاريُّ.\nوفي \"المسندِ\" أنَّ رجلًا قال: يا رسول اللَّه، ما يباعدني عن غضَبِ اللَّهِ؟\nقال: \"لا تغضَبْ \".\nقال مُورِّقٌ العِجْلِي: ما قلتُ في الغضبِ شيئًا إلا ندمتُ عليه في الرِّضا.\nقال عطاءٌ: ما أبكَى العلماءَ بكاءٌ آخرَ العمرِ إلا من غضبة قدْ أقحمتْ\nصاحبَها مقحمًا ما استقاله.\nكان الشعبيُّ ينشدُ:\nليستِ الأحلامُ في حالِ الرِّضا. . . إنَّما الأحلامُ في حالِ الغضَبْ\nوكان ابنُ عونٍ - رحمه اللَّه تعالى - إذا اشتدَّ غضبُه على أحدٍ قال:\nباركَ اللَّه فيك، ولم يزدْ.","vol":"2","page":235},{"text":"وقال الفضيلُ - رحمه اللَّه تعالى -: أنا منذُ خمسينَ سنةً أطلبُ صديقًا إذا\nغضبَ لا يكذبُ عليَّ ما أجدُه.\nفإنَّ منْ لا يملكُ نفسَهُ عندَ الغضبِ إذا غضبَ قال فيمَنْ غضِبَ عليه ما\nليسَ فيه من العظائم، وهو يعلمُ أنَّه كاذبٌ، وربما علِمَ الناسُ بذلك ويحمِلُهُ\nحقدُهُ وهوى نفسِهِ على الإصرارِ على ذلك.\nوقال جعفرُ بنُ محمدٍ: الغضبُ مِفتاحُ كلِّ شر.\nوقيلَ لابنِ المباركِ: اجمَعْ لنا حسنَ الخلقِ في كلمةٍ قال: تركُ الغضَبِ.\nوقال مالكٌ بن دينارٍ - رحمه اللَّه تعالى -: منذ عرفتُ الناسَ لم أبال\nبمدحهِم وذمهم لأنّي لم أرَ إلا مادحًا غاليًا، أو ذامًّا غاليًا.\nيعني: أنه لم يرَ مَنْ يقتصدُ فيما يقول في رضاه وغضبهِ.\n* * *","vol":"2","page":236},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-253>سُورَةُ الزُّخْرُفِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>قوله تعالى: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)</span>\nومما أنكره السلفُ: الجدالُ والخصامُ والمراءُ في مسائلِ الحلالِ والحرامِ، ولم\nيكنْ ذلكَ طريقةَ أئمةِ الإسلامِ، وإنَّما أحدثَ ذلكَ بعدَهُم كما أحدَثَهُ فقهاءُ\nالعراقيينَ في مسائل الخلافِ بين الشافعية والحنفية، وصنفوا كتبَ الخلافِ\nووسَّعُوا البحثَ والجدالَ فيها، وكلُّ ذلك لا أصلَ له وصارَ ذلكَ علمُهُم.\nحتى شغَلَهم عن العلِم النافع.\nوقد أنكرَ ذلك السلفُ ووردَ في الحديث المرفوع في \"السنن \":\n\" ما ضل قوم بعدَ هدى كانُوا عليه إلا أوتوا الجدلَ \".\nثم قرأ: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) .\nوقال بعضُ السلفِ: إذا أرادَ اللَّهُ بعبدٍ خيرًا فتحَ له بابَ العملِ وأغلقَ عنه\nباب الجدلِ، وإذا أراد اللَّهُ بعبدٍ شرًّا أغلقَ عنه بابَ العملِ، وفتحَ له بابَ\nالجدلِ.\nوقال مالكٌ: أدركتُ أهل هذه البلدةِ وإنَّهم ليكرهونَ هذا الإكثارَ الذي\nعليه الناسُ اليومَ، يريدُ المسائلَ.\nوكان يعيبُ كثرةَ الكلامِ والفُتيا ويقولُ:\nيتكلمُ أحدُهُم كأنَّه جمل مغتلم، يقولُ: هو كذا هو كذا، يهدرُ كلامَهُ، وكان يكرهُ الجوابَ في كثرةِ المسائلِ، ويقولُ: قالَ اللَّه ﷿: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)، فلم يأتِهِ في ذلكَ جوابٌ.","vol":"2","page":237},{"text":"وقيل له: الرجلُ يكونُ عالمَا بالسنةِ يجادل عنها، قال: لا، ولكنْ يخبرُ\nبالسنةِ، فإمَّا قُبِلَ منه وإلا سكتَ.\nوقال: المراءُ والجدال في العلم يذهبُ بنورِ العلم.\nوقالَ: المراءُ في العلم يُقَسِّي القلبَ ويورثُ الضغْنَ.\nوكان يقول في المسائلِ التي يسأل عنها كثيرًا: لا أدْرِي.\nكان الإمام أحمدُ يسلك سبيلَه في ذلك.\nوقد وردَ النهيُ عن كثرة المسائلِ وعن أغلوطاتِ المسائلِ، وعن المسائلِ قبلَ\nوقوع الحوادِثِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-255>قوله تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)</span>\nوعذابُ الكفارِ في النَّارِ لا يُفَتَّرُ عنهم ولا ينقطعُ ولا يُخفَّفُ بل هو\nمتواصلٌ أبدًا، قال اللَّهُ ﷿: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (٧٤) لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥) .\nوقال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا) .\nوقال تعالى: (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُم الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنصَرُونَ) .\nوقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠) .","vol":"2","page":238},{"text":"وقالَ أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: سمعتُ إسحاقَ بنَ إبراهيمَ يقولُ - على\nمنبرِ دمشقَ -: لا يأتي على صاحبِ الجنَّةِ ساعةٌ إلا وهو يزدادُ ضِعفًا من\nالنَّعيم لم يكنْ يعرفُه، ولا يأتي على صاحبِ النَارِ ساعةٌ إلا وهو مستنكرٌ\nلنوع من العذابِ لم يكنْ يعرفُه، قالَ اللَّهُ ﷿:\n(فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكمْ إِلاَّ عَذَابًا) .\nقالَ جِسرُ بنُ فَرْقَدٍ عن الحسنِ: سألتُ أبا بَرْزةَ عن أشدِّ آيةٍ في كتابِ الله\nعلى أهلِ النَارِ، قال: سمعتُ رسولَ اللَّه - ﷺ - قرأ: (فَذُوقُوا فَلَن نَزِيدَكمْ إِلاَّ عَذَابًا)، فقالَ: \"أُهلِكَ القومُ بمعاصيهم للهِ تعالى\" خرَّجَه ابنُ أبي حاتمٍ، وجِسرٌ ضعيفٌ، وخرَّجَه البيهقيُّ ولمْ يرفعْهُ ولفظُهُ: سألت أبا برزةَ عن أشدِّ آيةٍ على أهلِ النارِ، قال: قولُه ﷿:\n(فَذُوقُوا فَلَن نَّزِيدَكمْ إِلاَّ عَذَابًا) .\nوقالَ مجاهدٌ: بلغني أنَّ استراحةَ أهلِ النَّارِ أنْ يضعَ أحدُهم يدَهُ على\nخاصِرَتِهِ، ولأهل النَّارِ أنواعٌ من العذابِ لم يطلع اللَّهُ عليها خلقَهُ في\nالدنيا.\nقال مباركٌ عن الحسنِ: ذكرَ اللَّهُ السلاسلَ والأغلالَ والنَّارَ وما يكونُ في\nالدنيا، ثم قرأ: (وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) .\nقال آخرُ: لا تُرى في الدنيا.\nخرَّجَهُ ابنُ أبي حاتمٍ.\nوقال أبو يَعلى الموصلي: حدثَنا شُريحٌ، حدثنا إبراهيمُ بنُ سليمانَ، عن\nالأعمشِ عن الحسنِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه تعالى:\n(زِدْنَاهُم عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ) .\nقال: هي خمسةُ أنهارٍ تحتَ العرشِ يُعذَّبون ببعضها في الليل وبعضها في النَّهار.\n* * *","vol":"2","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-256>قوله تعالى: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ)</span>\nقال اللَّهُ تعالى: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ) ومَالِكٌ هو خازنُ جهنَّم، وهو\nكبيرُ الخزنةِ ورئيسهم، وقدْ رآه النبيُّ - ﷺ -\nليلةَ الإسراءِ، وبدأَهُ مالكٌ بالسلامِ.\nخرَّجهُ مسلمٌ من حديثِ أنسٍ.\nورآه النبيُّ - ﷺ - في منامِهِ وهو كريهُ المِرآةِ، أي: كريهُ المنظرِ، كأكرهِ ما أنتَ راءٍ من الرَجال.\n* * *\nقال اللَّه ﷿: (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) .\nوقال تعالى: (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكم مَّاكِثُونَ) .\nوقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠) .\nوقال تعالى: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧) .","vol":"2","page":240},{"text":"وفي حديثِ الأعمشِ عن شمرِ بنِ عطية عن شهرِ بنِ حوشب عن أمِّ\nالدَّرداءِ عن أبي الدَّرداءِ عن النبيِّ - ﷺ -: في ذكرِ أهلِ النَّارِ قال:\n\"فيقُولونَ: ادعُوا خزنةَ جهنمَ، فيقُولون: (أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠) .\nقال: \"فيقُولونَ ادعُوا مالكًَّا فيقُولُونَ:\n(وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧) . \"\nقال الأعمشُ: نُبئتُ أنَّ بينَ دُعائِهم وبين إجابةِ مالكٍ لهم ألفَ عامٍ، قال:\nفيقُولُون: ادعُوا ربَّكم فإنَّه ليس أحد خيرًا من ربكم فيقُولُون:\n(رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) .\n، قال فيُجِيبُهم: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) .\nقال: \"فعندَ ذلك يئسُوا من كل خيرٍ وعندَ ذلك يأخذونَ في الحسرةِ والزفيرِ\nوالويلِ \".\nخرَّجهُ الترمذيُّ مرفوعًا وموقوفًا على أبي الدرداء.\nوروى أبو معشرٍ عن محمدِ بن كعبٍ القُرظى قال: لأهلِ النارِ خمسُ\nدعواتٍ يكلَّمونَ في أربع منها ويُسكتُ عنهم في الخامسةِ فلا يكلَّمونَ\nيقولون: (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) .\nفيردُّ عليهم: (ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا) .","vol":"2","page":241},{"text":"ثمَّ يقولون: (رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) .\nفيردُّ عليهم: (وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُل نَفْسٍ هُدَاهَا)، إلى آخر الآيتين.\nثمَّ يقولون: (رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ) .\nفيردُّ عليهم: (أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) .\nثمَّ يقولُون: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ) .\nفيردُّ عليهم: (أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ) .\nثم يقولون: (رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) .\nفيردُّ عليهم: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) .\nإلى قولِهِ: (وكنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ) .\nقال: فلا يتكلَّمونَ بعدَ ذلك.\nخَرَّجَه آدمُ بنُ أبي إياسٍ وابنُ أبي حاتمٍ.\nوخرَّجَ ابنُ أبي حاتٍ من روايةِ قتادةَ عن أبي أيوبَ العتكيّ، عن عبدِ اللهِ\nابنِ عمرٍ قال: نادَى أهلُ النَارِ: (يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّك)\nقال: فخلَّى عنهم أربعين عامًا ثمَّ أجابهم: (قَالَ إِنَّكُم ماكِثُونَ) .\nفقالُوا: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) .\nقال: فخلَّى عنهم مثلَ\nالدُّنيا - ثمَّ أجابَهم: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨) .\nقال: فأطبِقَتْ عليهم فبئسَ القومُ بعدَ تلك الكلمةِ، وإنْ كان إلا الزفيرُ والشهيقُ.\nوعن عطاءِ بنِ السائبِ عن أبي الحسنِ عن ابنِ عباسٍ في قولهِ تعالى:\n(وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا ربُّكَ) قال: فيتركُهم ألفَ سنةٍ ثم يقولُ:\n(إِنَّكُم مَّاكثونَ)، وخرَّجهُ البيهقيُّ وعندَه عن عطاءٍ عن عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ.","vol":"2","page":242},{"text":"وقال سُنَيدٌ في \"تفسير \": حدثنا حجافي، عن ابنِ جريج قال: نادَى أهلُ\nالنَّارِ خزنةَ جهنمَ أنْ (ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ) .\nفلم يجيبُوهم ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أجابُوهم بعدَ حينٍ وقالُوا لهُم:\n(فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ) .\nثمَّ نادَوا: (يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ) فيسكُتُ عنهم مالكٌ خازنُ جهنمَ\nأربعينَ سنةً ثمَّ أجابَهم: (قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثونَ) ثُمَّ نادَى الأشقياء ربَّهم:\n(رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتنَا) الاَيتين، فسكتَ عنهم مثلَ مقدارِ الدنيا ثمَّ\nأجابَهم بعدُ (اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمونِ) .\nورَوى صفوانُ بنُ عمرٍو قال: سمعتُ أيفعَ بنَ عبدٍ الكُلاعي يقولُ: قال\nرسولُ الله - ﷺ -:\n\"إذا دخلَ أهلُ الجنةِ الجنةَ وأهلُ النَّارِ النارَ، قالَ اللَهُ: يا أهلَ الجنةِ:\n(قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) .\nقال: نعم ما اتجرتُم في يوم أو بعضِ يوم رحمتي ورضواني وجنتي امكُثوا فيها\nخالدين مخلدينَ.\nثم يقولُ لأهلِ النَّارِ: (كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) فيقول: بئسَ ما اتَجرتُم به في يوم أو بعضِ يومٍ سخطِي\nومعصيتي ونارِي، امكُثُوا فيها خالدين مخلدينَ فيقولون: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ) فيقولُ: (اخْسَئوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) .\nفيكونُ ذلك آخرُ عهدهِم بكلام ربهم ﷿\".\nخرَّجَه أبو نُعيمٍ. وقال: كذا رواه أيفعُ مرسلًا.\nوقال أبو الرعْراءِ عن ابنِ مسعودِ: إذا أرادَ اللَهُ أن لا يُخرِجَ منها أحدًا غيرَ\nوجوهِهِم وألوانِهم، فيجيءُ الرجلُ من المؤمنين فيشفعُ فيقولُ: يا ربِّ،","vol":"2","page":243},{"text":"فيقالُ: من عرفَ أحدًا فليُخرِجْهُ، قال: فيجيءُ الرجلُ من المؤمنينَ فينظرُ فلا يعرفُ أحدًا فينادَيَهُ الرجلُ فيقولُ: يا فلانُ، أنا فلان، فيقولُ: ما أعرفك قال: فعندَ ذلك يقولون في النَارِ: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ)\nفيقولُ عندَ ذلك: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ)\nفإذا قال ذلك أُطبِقَتْ عليهم فلم يخْرجْ منهم أحدٌ.\nوفي روايةٍ قال ابنُ مسعودٍ: ليسَ بعدَ هذه الآيةِ خروجٌ:\n(اخْسئُوا فِيهَا وَلا تكَلِّمُونِ) .\nوذكَرَ عبدُ الرزاقِ في \"تفسيرِهِ \" عن عبدِ اللهِ بنِ عيسى عن زيادٍ الخُرسانيِّ\nأسندَهُ إلى بعضِ أهلِ العلم: قال: إذا قيلَ لهم:\n(اخْسَئوا فِيهَا وَلا تكَلِّمُونِ)\nسكتُوا فلا يُسمَعُ لهم فيها حسٌّ إلاكطنينِ الطِّستِ.\n* * *","vol":"2","page":244},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-257>سُورَةُ الدُّخَانِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-258>قوله تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)</span>\nوقد رُوي عن عكرمةَ وغير من المفسِّرين في قوله تعالى: (فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) .\nأنَّها ليلةُ النِّصْفِ من شعبانَ.\nوالجمهورُ على أنَّها ليلةُ القدْرِ، وهو الصحيحُ.\nوقال عطاءُ بنُ يسارٍ: إذا كان ليلةُ النِّصْفِ من شعبانَ دُفعَ إلى ملكِ الموتِ\nصحيفةٌ، فيُقالُ: اقبض من في هذه الصحيفةِ، فإنَّ العبدَ ليَغْرِسُ الغِرَاسَ.\nوينكحُ الأزواجَ، ويبني البُنيانَ، وإن اسمَه قد نُسِخَ في الموتى ما ينتظرُ به\nملَكُ الموتِ إلا أن يُؤمَرَ به فيقبضَه..\nيا مغرورًا بطول الأمل، يا مسرورًا بسوءِ العملِ، كُنْ مِن الموتِ على\nوَجَلٍ، فما تدري متى يهجُمُ الأجَلُ.\nكُلُّ امْرئٍ مُصئحٌ في أهْلِهِ. . . والمَوْتُ أدْنَى من شِراكِ نَعْلِهِ\nقال بعضُ السلفِ: كم من مُستقبل يومًا لا يستكملُهُ، ومن مُؤمِّلٍ غدًا لا\nيدرِكُه، إنَّكم لو رأيتمُ الأجَلَ ومسيرَهُ لأبغضتُمُ الأمَلَ وغُرورَهُ.\nأؤمّلُ أنْ أخَلَّدُ والمنايا. . . . تدُورُ عليَّ من كُلّ النَّواحِي\nوما أدرِي وإنْ أمْسَيْتُ يومًا. . . لَعلِّي لا أعيشُ إلى الصباح\nكمْ ممن راحَ في طلبِ الدنيا أو غدَا. . . أصبَحَ مِنْ سكانِ القُبورِ غدَا","vol":"2","page":245},{"text":"كأنكَّ بالمضيِّ إلى سبيلِكْ. . . وقدْ جذَ المُجَهِّزُ في رحِيلِكْ\nوجيءَ بِغاسِل فاسْتَعْجَلُوهُ. . . بقولِهِم لهُ افْرغْ من غَسيلِكْ\nولم تحمِلْ سِوَى كفَنٍ وقُطْنٍ. . . إليهم من كثيركَ أو قليلكْ\nوقد مدَّ الرِّجالُ إليكَ نَعْشًا. . . فأنْتَ عليه مَمْدُودٌ بطولِك\nوصلَّوا ثمَ إنَّهم تدَاعَوا. . . لحمْلِكَ من بُكورِكَ أو أصيلِكْ\nفلمَّا أسْلَمُوك نزَلْتَ قبْرًا. . . ومن لكَ بالسَّلامةِ في نُزولِكْ\nأعانَكَ يومَ تدَخُلُهُ رحيمٌ. . . رءوفٌ بالعبادِ على دُخُولِكْ\nفسَوفَ تُجاوِر المَوْتَى طويلًا. . . فذَرْني مِن قَصيركَ أو طويلِكْ\nأُخَيَّ لقد نَصحتُكَ فاسْتَمِعْ لِي. . . وباللَّهِ اسْتَعَنْتُ على قبولِكْ\nألسْتَ تَرى المنايا كُل حينٍ. . . تُصيبُكَ في أخِيكَ وفي خَلِيلِكْ\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>قوله تعالى: (إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ </span>أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٣٧)\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \": سمعت الوزير يقول في فوله تعالى:\n(إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥) فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٦) أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ) .\nقال: رُبَّما تَوهَّم جاهلٌ أنهم لم يُجَابُوا عما سألوا، وليسَ كذلك؛ فإن الذين سألوُا لا يصلح أن يكون دليلًا على البعثِ؛ لأنهم لو أُجيبوا إلى ما سألوا لم يكُنْ ذلك حجةً على مَنْ تقدَّم، ولا على","vol":"2","page":246},{"text":"من تأخَّر، ولم يَزد على أنْ يكونَ لمن تقدَّم وعدًا، ولمن تأخر خبرًا، اللَّهمَّ إلا\nأن يجيء لكل واحدٍ أبوه، فتصير هذه الدارُ دارَ البعثِ.\nثمَّ لو جازَ وقوع مثل هذه كان إحياءُ ملكٍ يُضْرَب به الأمثالُ أولى.\nكـ: تُبَّع، لا أنتم يا أهلَ مكَّةَ، فإنكم لا تُعرفون في بقاع الأرض.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>قوله تعالى: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦)</span>\nقال اللَّه تعالى: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) .\nوقال: (أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧) ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨) .\nوقال: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧) .\nوقال: (وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (٦٠) .\nوخرَّجَ الترمذيُّ وابنُ ماجهَ وابنُ حبانَ في \"صحيحِهِ \" من حديثِ ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ - ﷺ -","vol":"2","page":247},{"text":"قرأ هذه الآيةَ: (اتَقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَموتنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) .\nفقال رسول اللَّه - ﷺ -:\n\"لو أن قطرةً من الزقومِ قُطِرَتْ في دارِ الدنيا لأفسدتْ على أهلِ الدنيا معايشَهُم، فكيفَ بمن تكونُ طعامَهُ؟! \".\nوقال الترمذيُّ: صحيح، ورُوي موقوفًا على ابنِ عباس.\nوقال ابنُ إسحاقَ: حدثني حكيمُ بنُ حكيم، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ.\nقال: قال أبو جهلٍ لما ذكرَ رسول اللَّه - ﷺ - شجرةَ الزقومِ: يُخوِّفُنا بها محمد، يا معشرَ قريشٍ أتدرُون ما شجرةُ الزقومِ التي يُخوِّفكم بها محمد؟\nقالوا: لا، قال: عجوةُ يثربَ بالزبدِ، واللهِ لئنِ اهتمكنا منها لنتزقمنَّها تزقمًا، فأنزل اللَّه فيه: (إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) الآية، أي ليس كما تقول، وأنزل الله (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا) .\nوقال عبدُ الرزاقِ، عن معمر، عن قتادةَ، في قوله: (فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ)\nقال: زادتُهم تكذيبًا حينَ أخبرَهم أنَّ في النَّارِ شجرةً.\nقال: يخبرُهم أنَّ في النَّارِ شجرةً والنَّارُ تحرقُ الشجرَ.\nفأخبرَهم أنَّ غذاءَها من النارِ.\nوقد تقدمَ عن ابنِ عباسٍ أنَّ شجرةَ الزقومِ نابتة في أصلِ سقرَ.\nورُوي عن الحسنِ أنَّ أصلَها في قعرِ جهنمَ وأغصانَها ترتفعُ إلى دركاتِها.\nوقال سلامُ بنُ مسكينٍ: سمعتُ الحسنَ تلا هذه الآيةَ:\n(إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ (٤٦) .\nقالَ: إنَّها هناك قد حُميت عليها جهنمُ.","vol":"2","page":248},{"text":"وقال مغيرةُ، عن إبراهيمَ وأبي رزينِ: (كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ):\nقال: الشجرُ يغلي.\nقال جعفرُ بنُ سليمانَ: سمعتُ أبا عمرانَ الجوني يقولُ: بلغَنا أنَّه لا\nينهشُ منها نهشةً إلا نهشتْ منه مثلَها.\nوقد دلَّ القرآنُ على أنَّهم يأكلونَ منها حتى تمتلى منها بطونُهم، فتغلي في\nبطونِهم كما يغلي الحميمُ، وهو الماءُ الذي قدْ انتهى حرُّهُ، ثمَّ بعدَ أكلهم منها يشربُونَ عليه من الحميم شربَ الهيم.\nقال ابنُ عباسٍ في روايةِ علي بنِ أبي طلحة: الهيمُ: الإبلُ العطاشُ.\nوقال: السديُّ: هو داء يأخذ الإبلَ فلا تُروى أبدًا حتى تموت، فكذلك\nأهلُ جهنم لا يُروونَ من الحميم أبدًا، وعن مجاهدٍ نحوُه.\nوعن الضحاكِ في قولِهِ: (شُرْبَ الْهِيم)، قال: من العربِ مَن\nيقولُ: هو الرملُ، ومنهم مَنْ يقولُ: الإبلُ العطاش، وقد رُوي عن ابنِ\nعباسٍ كلا القولين، ودلَّ قولُهُ سبحانَهُ: (ثُمَّ إِن لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّن حَمِيم)\nعلى أنَّ الحميمَ يشابُ به ما في بطونِهِم من الزَّقوم فيصيرُ شوبًا\nله، وقال عطاء الخراسانيُّ في هذه الآيةِ: يقالُ: يُخلطُ طعامُهُم ويشابُ\nبالحميم.\nوقال قتادةُ: (لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيم): مِزاجًا من حميم.\nوعن سعيدِ بنِ جبيرِ قال: إذا جاعَ أهلُ النَّارِ استغاثُوا من الجوعُ فأُغيثُوا\nبشجرةِ الزَّقومِ فأكلوا منها فانسلختْ وجوهُهُم حتى لو أنَّ مارًّا مرَّ عليهم\nيعرفُهم لِعُرْفِ جلود وجوهِهِم، فإذا أكلُوا منها أُلقي عليهم العطشُ.\nفاستغاثُوا من العطشِ فأُغيثوا بماءِ كالمهلِ، والمهلُ: الذي قد انتهى حرُّهُ،","vol":"2","page":249},{"text":"فإذا أدنَوه من أفواهِهم أنضجَ حرُّهُ الوجوهَ فيُصهرُ به ما في بطونِهِم، ويُضربُون بمقامعَ من حديدٍ فيسقطُ كلُّ عضو على حيالِهِ يدعُونَ بالثبورِ.\nوقولُهُ تعالى: (ثمَّ إِد مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الْجَحِيمِ) .\nأي: بعدَ أكل الزقومِ وشربِ الحميم عليه، ويدلُّ هذا على أنَّ الحميمَ خارجٌ من الجحيم فهم يردُونَه كما تَرِدُ الإبلُ الماءَ، ثمَّ يَرِدُون إلى الجحيم، ويدلُّ على هذا أيضًا قولُه تعالى: (هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤) .\nوالمعنى أنَّهم يتردَّدُون بينَ جهنمَ والحميم فمرةٌ إلى هذا، ومرةٌ\nإلى هذا قالَهُ قتادةُ وابنُ جريجٍ، وغيرُهما.\nوقال القرظيُّ في قولِهِ: (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ)\nقالَ: إنَّ الحميمَ دونَ النَّارِ، فيُؤخذُ العبدُ بناصيتِه فيُجرُّ في ذلك الحميم حتى يذوبَ اللحمُ ويبقى العظمُ والعينان في الرأسِ، وهذا الذي يقول اللَّهُ ﷿: (فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) .\n* * *","vol":"2","page":250},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-261>سُورَةُ الجَاثِيَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)</span>\nوجاء من مراسيلِ الحسنِ عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"مَنْ قالَ: لا إله إلا اللَّه مخلصًا دخلَ الجنَّة\" قيلَ: وما إخلاصُها؟\nقال: \"أن تحجُزَك عمَّا حرَّم اللَّهُ \"\nورُوي ذلك مسندًا من وجوهٍ أُخرَ ضعيفة.\nولعلَّ الحسنَ أشارَ بكلامِه الذي حكيناه عنه من قبلُ إلى هذا، فإنَّ تحقيقَ\nالقلبِ بمعنى: \"لا إله إلا اللًّه \" وصدقَه فيها وإخلاصَهُ بها يقتضي أن يرسخَ\nفيه تألُّه اللَّه وحدَهُ، إجلالًا، وهيبةً، ومخافةً، ومحبَّةً، ورجاءً، وتعظيمًا.\nوتوكُلًا، ويمتلئَ بذلك، وينتفيَ عنه تألُّه ما سواه من المخلوقينَ، ومتى كانَ\nكذلك لم يبقى فيه محبَّةٌ ولا إرادةٌ، ولا طلبٌ لغيرِ ما يُريدُهُ اللَّهُ ويحبُّه\nويطلبُه، وينتفي بذلك من القلبِ جميعُ أهواءِ النفوسِ وإرادتها ووساوسُ\nالشيطان، فمَنْ أحبَّ شيئًا وأطاعَهُ، وأحبَّ عليه وأبغضَ عليه، فهو إلهُهُ.\nفمن كان لا يحبُّ ولا يُبغضُ إلا للَّه، ولا يُوالي ولا يُعادي إلا له، فاللَّه\nإلهُهُ حقًّا، ومن أحبَّ لهواه، وأبغضَ له ووالَى عليه، وعادَى عليه، فإلهه\nهواه، كما قال تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) .\nوقال الحسنُ: هو الذي لا يَهوى شيئًا إلا ركبَهُ.\nوقال قتادةُ: هو الذي كلما هَوِيَ شيئًا ركبَهُ، وكلَّما اشتهى شيئًا أتاه.\nلا يَحجزُهُ عن ذلك ورعٌ ولا تقوى.\nويُروى من حديث أبي أمامةَ مرفوعًا:\n\"ما تحت ظلّ السماء إلهٌ يُعبد أعظمَ عندَ اللهِ من هوىً متَّبع \".","vol":"2","page":251},{"text":"وكذلك مَنْ أطاعَ الشيطانَ في معصيةِ اللَّه، فقد عبدَهُ كما قال ﷿:\n(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) .\nفتبيَّن بهذا أنَّه لا يصحُّ تحقيقُ معنى قولِ: لا إله إلا اللَّه، إلا لمن لم يكنْ\nفي قلبِهِ إصْرار على محبةِ ما يكرهُهُ اللَّهُ، ولا على إرادةِ ما لا يُريدهُ اللَّهُ.\nومتى كان في القلبِ شيءٌ منْ ذلك، كانَ ذلك نقصًا في التوحيدِ، وهو مِنْ\nنوع الشِّركِ الخفيِّ، ولهذا قال مجاهد في قولِهِ تعالى: (لا تشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا)\nقال: لا تحبُّوا غيرِي.\nوفي \"صحيح الحاكم \" عن عائشةَ - ﵂ -، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"الشِّركُ أخْفى من دبيبِ الذَّر على الصَّفا في الليلةِ الظَّلماءِ، وأدناهُ أنْ تُحِبَّ على شيء منَ الجوْرِ، وتُبغِضَ على شيءٍ من العدلِ، وهل الدِّينُ إلا الحبُّ والبغضُ؟\nقال اللَّهُ ﷿: (قلْ إِن كنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعونِي يُحْبِبْكمُ اللَّهُ) \".\nوهذا نصٌّ في أنَّ محبةَ ما يكرهُه الله، وبغضَ ما يُحبُه متابعة للهوى.\nوالموالاةُ على ذلك والمعاداةُ عليه من الشركِ الخفي \".\n* * *\nوقد ورد إطلاقُ الإله على الهوى المتَّبع، قالَ اللَّه تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ\nإِلَهَهُ هَوَاهُ) .\nقال الحسنُ ﵀: هو الذي لا يَهْوى شيئًا إلا ركبه.\nوقال قتادةُ: هو","vol":"2","page":252},{"text":"الذي كلَّما هَويَ شيئًا ركبه، وكلَّما اشْتهى شيئًا أتاهُ، لا يحجزُهُ عن ذلك ورعٌ ولا تقْوى.\nورُوي من حديث أبي أمامة بإسنادٍ ضعيف: \"ما تحت ظلِّ سماءٍ إلهٌ يعبدُ\nأعظمُ عند اللَّهِ من هوى متَّبع \".\nوفي حديثِ آخرَ:\n\"لا تزالُ لا إله إلا اللَّهُ تدْفَعُ عن أصحابها حتَّى يؤثِرُوا دنياهم\nعلى دينهم، فإذا فعلُوا ذلكَ رُدَّتْ عليهم، ويقالُ لهم: كذبْتُم \".\nويشهدُ لهذا: الحديث الصحيحُ عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"تَعِسَ عبدُ الدينارِ، تعِسَ عبد الدرهم، تعسَ عبدُ القطيفةِ، تعِسَ عبدُ الخميصةِ، تعِسَ وانتكسَ، وإذا شِيكَ فلا انتقشَ \".\nفدلَّ هذا على أنَّ كلَّ من أحبَّ شيئًا وأطاعه وكانَ غايةَ قصدِهِ\nومطلوبِهِ، ووالى لأجله، وعادى لأجلهِ، فهو عبدُهُ، وكان ذلك الشيءُ\nمعبودَهُ وإلهَهُ.\nويدلُّ عليه أيضًا أنَّ اللَّه تعالى سمَّى طاعةَ الشيطانِ في معصيتِهِ عبادةً\nللشيطانِ، كما قال اللَّهُ تعالى: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ)، وقال تعالى حاكِيًا عن خليلِهِ إبراهيمَ ﵇ لأبيه:\n(يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) .\nفمنْ لم يتحققْ بعبوديةِ الرحمنِ وطاعتِهِ فإنَّه يعبدُ الشيطانَ بطاعتِهِ له، ولم يخلُصْ من عبادةِ الشيطانِ إلا من أخلصَ عبوديةَ الرحمنِ، وهم الذين قال فيهم:\n(إِن عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ) .\nفهم الذين حقَّقُوا قول: \" لا إله إلا اللَّه \".","vol":"2","page":253},{"text":"وأخلصُوا في قولِها، وصدَّقُوا قولَهم بفعلِهِم، فلم يلتفتوا إلى غيرِ اللَّهِ محبةً\nورجاءً وخشيةً وطاعةً وتوكُلًا، وهم الذين صدَقُوا في قولِ:\n\"لا إله إلا اللَّه \" وهم عبادُ اللَّه حقًا، فأمَّا من قالَ: \"لا إله إلا اللَّه \"\nبلسانِهِ، ثم أطاعَ الشيطانَ وهواه في معصيةِ اللَّهِ ومخالفتِهِ فقدْ كذَّبَ فعلُه قولَهُ، ونقصَ من كمالِ توحيدِهِ بقدرِ معصيةِ اللهِ في طاعةِ الشيطانِ والهوى\n(وَمَنْ أَضَلّ مِمنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ) .\n(وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ) .\nفيا هذا كنْ عبدًا للَّه لا عبدًا للهوى، فإنَّ الهوى يهوِي بصاحبِهِ في النارِ:\n(أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) .\nتعسَ عبدُ الدرهم! تعسَ عبدُ الدينارِ! واللهِ لا ينجُو غدًا من عذابِ اللَّه\nإلا من حقَّقَ عبوديةَ اللَّه وحدَهُ، ولم يلتفتْ إلى شيءٍ من الأغيار، من عَلِمَ\nأنَّ إلهه فردٌ، فليُفْردْهُ بالعبوديةِ (وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) \".\nكان بعضُ العارفينَ يتكلَّم على أصحابِهِ على رأسِ جبلٍ، فقالَ في كلامِهِ:\nلا ينالُ أحدٌ مرادَه حتى ينفردَ فردًا بفردٍ، فانزعجَ واضطربَ، حتى رأى\nأصحابُهُ أنَّ الصخورَ قد تدكْدكتْ، وبقي على ذلك ساعةً، فلمَّا أفاق فكأنَّه\nنُشِرَ من قبرِهِ.\nقولُ: \"لا إله إلا اللَّهُ \" تقتَضِي أنْ لا يُحبَّ سواهُ، فإنَّ الإلهَ هو الذي\nيُطاعُ، فلا يعصى محبةً وخوفًا ورجاءً، ومن تمام محبته محبَّةُ ما يحبُّه.\nوكراهةِ ما يكرَهُهُ، فمنْ أحبَّ شيئًا مما يكرهُهُ اللَّهُ، أو كرِهَ شيئًا مما يحبُّه اللَّهُ\nلم يكملْ توحيدُه وصدقه في قولِ: \"لا إله إلا اللَّهُ \"، كان فيه من\nالشركِ الخفيِّ بحسبِ ما كرههُ مما يحبُّه الله، وما أحبَّه مما يكرهُهُ اللَّهُ،","vol":"2","page":254},{"text":"قال اللَّهُ تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨) .\nقال الليث عن مجاهدٍ في قوله: (لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) .\nقال: لا يحبون غيري.\nوفي \"صحيح الحاكم \" عن عائشة - ﵂ - عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"الشركُ في هذه الأمَّةِ أخْفَى من دبيبِ النملِ على الصَّفا في الليلةِ الظلماِء، وأدناهُ أن تحبَّ على شيءٍ من الجورِ، أو تُبغضَ على شيءٍ من العدلِ، وهل الدِّينُ إلا الحبُّ والبغضُ؟\nقال اللَّه ﷿: (قُلْ إِن كنتُمْ تُحِبونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) \".\nوهذا نصّ في أنَّ محبةَ ما يكرهُه اللَّه، وبغضَ ما يحبُّه متابعةٌ للهَوى.\nوالموالاةُ على ذلك والمعاداةُ فيه من الشِّركِ الخفِيِّ.\nوقال الحسنُ: اعلمْ اْنَّكَ لن تحبَّ اللَّهَ حتَّى تحبَّ طاعتَهُ.\nوسُئل ذو النونِ: متى أُحبُّ ربِّي؟\nقال: إذا كان ما يبغضه عندَكَ أمرَّ من الصبر.\nوقال بشرُ بنُ السريِّ: ليس من أعلامِ الحب أن تحبَّ ما يبغضُ حبيبُك.\nوقال أبو يعقوب النَّهْرجوْرِي: كلُّ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ ولم يوافقِ اللَّهَ في\nأمرِه فدعواه باطلةٌ.\nوقِال يحيى بن معاذٍ: ليس بصادقٍ من ادَّعى محبةَ اللَّهِ ولم يحفظْ\nحدوده.\nوقال رويمٌ: المحبةُ: المُوافقةُ في جميع الأحوال، وأنشد:","vol":"2","page":255},{"text":"ولو قلتَ لي مُتْ قلتُ سمعًا وطاعةً. . . وقلتُ لداعِي الموتِ أهلًا ومرحبًا\nويشهدُ لهذا المعنى أيضًا قولُهُ تعالى:\n(قُلْ إِن كنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) .\nقال الحسنُ: قالَ أصحابُ رسولِ اللَّه - ﷺ -:\nإنَّا نحبُّ ربَّنا حبًّا شديدًا، فأحبَّ اللَّهُ أن يجعلَ لحبِّه عَلَمًا، فأنزلَ اللَّهُ تعالى هذه الآيةَ.\nومن هاهُنا يُعلم أنه لا تتمُّ شهادةُ أن لا إله إلا اللَّهُ إلا بشهادة أن محمدًا\nرسولُ اللَّه، فإنَّه إذا علمَ أنه لا تتمُّ محبةُ اللَّهِ إلا بمحبَّةِ ما يحبُّه، وكراهةِ ما\nيكرهُه، فلا طريقَ إلى معرفة ما يحبُّه وما يكرَهُهُ إلا من جهةِ محمدٍ المبلِّغ\nعن اللَّهِ ما يحبُّه وما يكرهُهُ باتًّباع ما أمرَ به، واجتنابِ ما نَهى عنه، فصارت\nمحبةُ اللَّه مستلزمة لمحبةِ رسولِهِ - ﷺ - وتصديقِهِ ومتابعته، ولهذا قرنَ اللَّهُ بين محبتِهِ ومحبةِ رسولِهِ في قولِهِ تعالى:\n(قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ)\nإلى قوله: (أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) .\nكما قرنَ طاعتَهُ وطاعةَ رسوله - ﷺ - في مواضع كثيرة.\nوقال - ﷺ -:\n\"ثلاث من كنَّ فيهِ وجد بهنَّ حلاوةَ الإيمانِ: أن يكونَ اللَهُ ورسولُهُ\nأحبَّ إليه مما سوَاهُمَا، وأنْ يحبَّ الرجلَ لا يحبُّه إلا للهِ، وأنْ يكرهَ أن يرجعَ إلى الكفر بعد أن أنقذه اللَّهُ منه كما يكرهُ أن يُلقَى في النارِ\".\nهذه حالُ السحرةِ لمَّا سكنتِ المحبةُ قلوبَهُم سمحُوا ببذلِ النفوسِ وقالُوا\nلفرعون: (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ)، ومتى تمكنتِ المحبةُ في القلبِ","vol":"2","page":256},{"text":"لم تنبعثِ الجوارحُ إلا إلى طاعةِ الربِّ، وهذا هو معنى الحديثِ الإلهيِّ الذي\nخرَّجه البخاريُّ في \"صحيحه \" وفيه:\n\"ولا يزالُ عبدِي يتقرَّبُ إليَّ بالنوافلِ حتَّى أحبَّه، فإذا أحببتُهُ كنتُ سمعَهُ الذي يسمعُ به وبصرَهُ الذي يبصرُ به، ويدَهُ التي يبطشُ بها، ورِجْلَهُ التي يمشِي بها\" وقد قيل: إن في بعض الروايات:\n\"فبي يسمعُ وبي يبصرُ وبي يبطشُ وبي يمشي \".\nوالمعنى: أن محبةَ اللَّه إذا استغرقَ بها القلبُ واستولتْ عليه لم تنبعثِ\nالجوارحُ إلا إلى مراضِي الربِّ، وصارتِ النفسُ حينئذ مطمئنةً بإرادةِ مولاها\nعن مرادِها وهواها.\nيا هذا، اعبدِ اللَّهَ لمرادِهِ منكَ لا لمرادِكَ منه، فمنْ عبدَهُ لمرادِهِ منه فهوَ ممن\nيعبدُ اللَّهَ على حرْفٍ، إن أصابَهُ خيرْ اطمأنَّ به، وإن أصابتْهُ فتنة انقلبَ على\nوجهه خسرَ الدنيا والآخرةَ، ومتى قويتِ المعرفةُ والمحبةُ لم يُرِدْ صاحبها إلا ما\nيريدُ مولاهُ.\nوفي بعضِ الكتب السالفةِ:\nمن أحبَّ اللَهَ لم يكنْ شيء عندَهُ آثرُ من رضاهُ، ومن أحب الدنيا لم يكنْ شيءٌ عندَه آثرُ من هوى نفسِهِ.\nوروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن الحسنِ قال: ما نظرتُ ببصرِي ولا نطقتُ\nبلساني، ولا بطشتُ بيدي، ولا نهضتُ على قدمِي، حتى أنظر على طاعةِ\nاللهِ أو على معصيتِهِ، فإنْ كانتْ طاعةً تقدمتُ، وإن كانتْ معصيةً تأخَّرْتُ.\nهذا حالُ خَواصِّ المحبينَ الصادقينَ، فافهمُوا رحمكُمُ اللَّهُ هذا، فإنَّه من\nدقائق أسرارِ التوحيدِ الغامضةِ.","vol":"2","page":257},{"text":"وإلى هذا المقامِ أشارَ النبي - ﷺ - في خطبتِهِ لما قدِمَ المدينةَ حيثُ قال:\n\"أحبُّوا اللَّهَ من كلِّ قلوبِكُم \".\nوقد ذكرها ابنُ إسحاقَ وغيرُه، فإنَّ من امتلأ قلبُه من محبةِ اللَّه، لم يكنْ\nفيه فراغٌ لشيءٍ من إراداتِ النفسِ والهوى، وإلى ذلكَ أشارَ القائلُ، بقولِهِ:\nأروحُ وقدْ ختصتَ على فؤادِي. . . بحبِّك أن يحلَّ بهِ سواكَا\nفلو أنَي استطعتُ غضضْتُ طرْفِي. . . فلم أنظرْ به حتَى أراكَا\nأحبُّك لا ببعضِي بلْ بكلِّي. . . وإنْ لم يُبقِ حُبُّك لي حِرَاكَا\nوفي الأحبابِ مخصوصٌ بوجدِ. . . وآخر يدَّعي معه اشْتِرَاكَا\nإذا اشتبكتْ دموع في خدودِ. . . تبيَن من بكى ممن تباكى\nفأمَّا منْ بكَى فيذوبُ وجْدًا. . . وينطقُ بالهوى من قدْ تشَاكَا\nمتى بقي للمحبِّ حظٌّ من نفسِهِ فما بيدِهِ من المحبةِ إلا الدَّعْوى، إنما\nالمحبُّ من يفْنى عن هوى نفسِهِ كلِّه، ويبْقى بحبيبِهِ، فبي يسمعُ وبي يبصرُ.\nوفي الإسرائيلياتِ يقولُ اللَّهُ:\n\"ما وسِعَنِي سمائي ولا أرضِي، ووسعنِي قلبُ عبدِي المؤمنِ \"\nفمتى كان القلبُ فيه غيرُ اللَّهِ فاللَّهُ أغنى الأغنياءِ عن\nالشِّركِ، وهو لا يَرضى بمزاحمة أصنامِ الهوى.. الحقُّ غيورٌ يغار على عبدِهِ\nالمؤمنِ أن يسكنَ في قلبِهِ سواهُ، أو يكنَّ فيه شيئًا ما يرضاه.\nأردناكُمُ صِرْفًا فلمَّا مزجتُمُ. . . بَعِدتُم بمقدارِ التفاتِكُم عنَّا\nوقلنا لكُم لا تُسْكِنُوا القلبَ غيرَنا. . . فأسكنْتُم الأغيارَ ما أنتُمُ مِنَّا\nلا ينجو غدًا إلا من لقي اللَّهَ بقلبٍ سليم ليسَ فيه سواه، قال اللَّه تعالى:\n(يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)","vol":"2","page":258},{"text":"القلبُ السليمُ: هو الطاهرُ من أدناسِ المخالفاتِ، فأمَّا المتلطخُ بشيءٍ من\nالمكروهاتِ فلا يصلُحُ لمجاورةِ حضرةِ القدوسِ إلا بعدَ أن يطهرَ في كيرِ\nالعذابِ، فإذا زالَ عنه الخبثُ صلَحَ حينئذ للمجاورةِ.\n\"إن اللَّه طيِّب لا يقبلُ إلاطيبًا\".\nفأما القلوبُ الطيبةُ فتصلحُ للمجاورةِ من أولِ الأمرِ:\n(سَلامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) .\n(سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ) .\n(الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ) .\nمن لم يُحرِق اليومَ قلبَهُ بنارِ الأسف على ما سلفَ أو بنار الشوقِ إلى لقاء\nالحبيبِ فنار جهنَّمَ له أشدُّ حَرًّا. َ\n* * *","vol":"2","page":259},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-263>سُورَةُ الأَحْقَافِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)</span>\nقولُ سفيانَ بنِ عبدِ اللَّهِ للنبي - ﷺ -:\n\"قُلْ لي في الإسلام قولًا لا أسألُ عنه أحدًا بعدَك \"\nطلبَ منه أن يُعلِّمَه كلامًا جامعًا لأمرِ الإسلامِ كافيًا حتَّى لا يحتاجَ\nبعدَه إلى غيرهِ، فقالَ له النبيُّ - ﷺ -:\n\" قلْ: آمنتُ باللهِ، ثمَّ استقمْ \"\nوفي الروايةِ الأخرى: \" قلْ: ربِّيَ اللَهُ، ثمَّ استقمْ \".\nهذا منتزعٌ من قولهِ ﷿: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) .\nوقولهِ ﷿: «إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤) .\nوخرج النسائي في \"تفسيرهِ \" من روايةِ سهيلِ بنِ أبي حزمٍ: حدثنا ثابتٌ.\nعن أنسٍ أن النبيَّ - ﷺ - قرأ:\n(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّه ثُمَّ استَقَامُوا) فقالَ:\n\"قدْ قالَها الناسُ، ثمَّ كفرُوا، فمن ماتَ عليها فهو من أهلِ الاستقامةِ\".","vol":"2","page":260},{"text":"وخرَّجه الترمذيُّ، ولفظهُ: فقال: \"قد قالَها الناسُ، ثُمَّ كفرَ أكثرُهم، فمن ماتَ عليها، فهو مِمنِ استقامَ \"، وقال: حسنٌ غريبٌ، و\"سهيل \" تُكُلِّمَ فيه من قِبَلِ حفظه.\nوقاَل أبو بكرٍ الصديقُ في تفسيرِ (ثُمَّ اسْتَقَامُوا)\nقال: لم يشركُوا باللَّه شيئًا.\nوعنه قال: لم يلتفتوا إلى إله غيرِه.\nوعنه قال: ثم استقامُوا على أنَّ اللَّهَ رَبُّهم.\nوعن ابنِ عباسٍ بإسنادٍ ضعيفٍ قال: هذه أرخصُ آيةٍ في كتابِ اللَّهِ:\n(قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) على شهادةِ أنْ لا إلهَ إلا اللهَ.\nورُويَ نحوهُ عن أنسٍ ومجاهدٍ والأسودِ بنِ هلال، وزيدِ بنِ أسلمَ.\nوالسُّدِّيِّ وعكرمةَ وغيرِهم.\nورُويَ عن عمرَ بن الخطابِ أنَّه قرأَ هذه الآيةَ على المنبرِ\n(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا) .\nفقالَ: لم يَروغوا رَوَغَانَ الثعالبِ.\nوروى عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عنِ ابنِ عباس في قولهِ تعالى: (ثُمَّ اسْتَقَامُوا)\nقال: استقامُوا على أداءِ فرائضهِ.\nوعن أبي العاليةَ، قال: ثمَّ أخلَصُوا له الدين والعملَ.\nوعن قتادةَ قال: استقامُوا على طاعةِ اللَّهِ، وكانَ الحسنُ إذا قرأَ هذه الآيةَ\nقال: اللهمَّ أنت ربُّنا فارزقنا الاستقامةَ.\nولعلَّ من قال: \"إنَّ المرادَ الاستقامةُ على التوحيدِ\"\nإنَّما أرادَ التوحيدَ الكاملَ الذي يُحرِّمُ صاحبَه على النارِ، وهو تحقيقُ معنى لا إلهَ إلا اللَّهَ، فإنَّ الإلهَ هو الذي يُطاعُ، فلا يُعصى خشيةً وإجلالًا ومهابةً ومحبةً ورجاءً وتوكُّلًا\nودعاءً، والمعاصِي كلُّها قادحةٌ في هذا التوحيدِ، لأنَّها إجابةٌ لداعي الهوى","vol":"2","page":261},{"text":"وهو الشيطان، قالَ اللَّهُ ﷿: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ)\nقال الحسنُ وغيرُه: هو الذي لا يهوى شيئًا إلا ركبَه.\nفهذا يُنافي الاستقامةَ على التوحيدِ.\nوأما على روايةِ من روى: \"قُلْ آمنْتُ باللَّه \".\nفالمعنى أظهرُ، لأنَّ الإيمانَ يدخلُ فيه الأعمالُ عندَ السلفِ وَمن تابعَهم من أهلِ الحديثِ.\nوقالَ اللَّهُ ﷿: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٢) .\nفأمرَه أن يستقيمَ هو ومن تابعَه، وأن لا يُجاوزُوا ما أُمِروا به.\nوهو الطغيانُ، وأخبرَ أنَّه بصيرٌ بأعمالِهم، مطَّلعٌ عليها، قال تعالى:\n(فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كمَا أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ) .\nوقالَ قتادةُ: أُمِرَ محمدٌ - ﷺ - أن يستقيمَ على أمرِ اللهُ. وقالَ الثوريُّ: على القرآنِ.\nوعن الحسنِ قال: لمَّا نزلتْ هذه الآية ُ شَمَّرَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، فما رؤي ضاحكًا.\nخرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ. وذكر القُشَيريُّ وغيرُه عن بعضِهم: أنَه رأى\nالنبيَّ - ﷺ - في المنامِ، فقالَ له: يا رسولَ اللَّه قلتَ: \"شَيبتني هُودٌ وأخواتُها\"، فما شيَّبك منها؟\nقال: \" قوله: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ) \".\nوقالَ ﷿: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ) .\nوقد أمرَ اللَّهُ تعالى بإقامةِ الدِّين عمومًا كمَا قالَ:\n(شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) .","vol":"2","page":262},{"text":"وأمرَ بإقامِ الصلاةِ في غيرِ موضع من كتابهِ، كما\nأمرَ بالاستقامةِ على التوحيدِ في تلك الآيتينِ.\nوالاستقامةُ: هي سلوكُ الصِّراطِ المستقيم، وهو الدِّينُ القيّمُ من غيرِ تعريج\nعنه يمنةً ولا يَسرةً، ويشملُ ذلك فعلَ الطَّاعاتِ كلِّها، الظاهرةِ والباطنةِ.\nوتركَ المنهيات كلِّها كذلك، فصارت هذه الوصيةُ جامعةً لخصالِ الدِّينِ كُلِّها.\nوفي قولهِ ﷿: (فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِروهُ)، إشارةٌ إلى أنَّه\nلا بُدَّ من تقصيرٍ في الاستقامةِ المأمورِ بها، فيجْبُرُ ذلك الاستغفارُ المقتضي\nللتَّوبةِ والرُّجوع إلى الاستقامة، فهو كقولِ النبيِّ - ﷺلمعاذ: \"اتَّقِ اللَّهَ حيثُما كنتَ، وأتبع السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها\".\nوقد أخبرَ النبيُّ - ﷺ -\nأنًّ الناسَ لن يُطيقُوا الاستقامةَ حقَّ الاستقامةِ، كما خرَّجه الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجةَ من حديثِ ثوبانَ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"استقيموا ولن تُحْصوا، واعلمُوا أنَّ خيرَ أعمالكُم الصَّلاةُ، ولا يُحافِظُ على الوضوءِ إلا مؤمنٌ \".\nوفي روايةٍ للإمامِ أحمدَ: \"سَدِّدُوا وقاربُوا، ولا يحافِظُ على الوضوءِ إلا مؤمنٌ \".\nوفي \"الصحيحينِ \" عن أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"سدِّدُوا وقاربُوا\".\nفالسَّدادُ: هو حقيقةُ الاستقامةِ، وهو الإصابةُ في جميع الأقوالِ والأعمالِ\nوالمقاصدِ كالذي يرمي إلى غرضٍ فيُصيبُه.\nوقد أمرَ النبيُّ - ﷺ - عليًّا أن يسألَ\nاللَّهَ ﷿ السَّدادَ والهُدى، وقالَ له:\n\"اذكرْ بالسَدادِ تسديدَكَ السَّهمَ، وبالهدى هدايتك الطَّريق \".","vol":"2","page":263},{"text":"والمقاربةُ: أن يُصيبَ ما قَرُبَ مِنَ الغرضِ إذا لم يُصِبِ الغرضَ نفسه.\nولكنْ بشرطِ أن يكونَ مصمِّمًا على قصدِ السَّدادِ وإصابةِ الغرضِ، فتكونُ\nمقاربتُه عن غيرِ عمد.\nويدلُّ عليه قولُ النبيِّ - ﷺ - في حديثِ الحكم بنِ حزنٍ الكُلَفي:\n\"أيُّها النَّاس إنَّكم لنْ تعملُوا - أو لن تُطيقوا - كلَّ ما أمرتُكم، ولكنْ سدِّدُوا وأبشرُوا\".\nوالمعنى: اقصِدُوا التَّسديدَ والإصابةَ والاستقامةَ، فإنَّهم لو سدَّدُوا في\nالعمل كله، لكانوا قد فعلُوا ما أُمِرُوا به كُلّه.\nفأصلُ الاستقامةِ استقامةُ القلب على التوحيدِ، كما فسر أبو بكر الصدِّيق\nوغيرُه قولَه: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَ اسْتَقَاموا)، بأنَّهم لم يلتفتُوا\nإلى غيرِه، فمتى استقامَ القلب على معرفةِ اللهِ، وعلى خشيتهِ، وإجلالهِ.\nومهابتهِ، ومحبتهِ، وإرادتهِ، ورجائهِ، ودعائهِ، والتوكُّلِ عليه، والإعراضِ عما سِواه، استقامت الجوارحُ كلُّها على طاعتهِ، فإن القلبَ هو ملك الأعضاءِ، وهي جنودُه، فإذا استقامَ الملكُ، استقامت جنودُه ورعاياه، وكذلك فسِّر قولُه ﷿: (فَاَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا)، بإخلاصِ القصدِ للَّهِ وإرادتهِ وحدَه لا شريكَ له.\nوأعظمُ ما يُراعى استقامتُه بعدَ القلبِ مِنَ الجوارح: اللسانُ، فإنَّه ترجمانُ\nالقلب والمعبِّرُ عنه، ولهذا لما أمرَ النبي - ﷺ - بالاستقامةِ، وصَّاه بعدَ ذلك بحفظِ لسانهِ، وفي \" مسندِ الإمامِ أحمدَ \" عن أنس، عن النبيّ - ﷺ - قال:\n\"لا يستقيمُ إيمانُ عبدٍ حتَّى يستقيمَ قلبُه.\nولا يستقيمَ قلبُه حتَّى يَّسَتقيمَ لسانُه \".","vol":"2","page":264},{"text":"وفي \"الترمذيِّ \" عن أبي سعيدٍ الخدري مرفوعًا وموقوفًا:\n\"إذا أصبحَ ابنُ آدمَ، فإن الأعضاءَ كلَّها تكفرُ اللسانَ، فتقولُ: اتق اللهَ فينا، فإنما نحنُ بك، فإن استقمتَ استقمنا، وإن اعوجَجْتَ اعوججنا\".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-265>قوله تعالى: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ)</span>\n[قال البخاري] بَابٌ إذَا هَبَّتِ الرِّيحُ: حدثنا سعيدُ بنُ أبي مريم: أنا\nمحمدُ بنُ جعفرٍ: أخبرنِي حُميدٌ، أنَّهُ سمعَ أنس بن مالكٍ يقولُ: كانتِ الرِّيحُ\nالشديدَةُ إذا هَبَّتْ عُرفَ ذلكَ في وَجهِ النَّبيِّ - ﷺ -.\nإنما كان يظهرُ في وجهِ النبيِّ - ﷺ - الخوفُ من اشتدادِ الريح؛ لأنه كان يخشَى أن تكونُ عذابًا أُرسلَ إلى أمَّتِهِ.\nوكان شدةُ خوفِ النبيِّ - ﷺ - على أُمته شفقةً علَيهم، كما وصفَهُ اللَّهُ ﷾ بذلكَ في قولهِ: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨) .\nولما تلًا عليه ابنُ مسعودٍ: (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) بكَى.\nولما تلًا قولَه: (إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ) الآية، بكى، وقالَ:\n\" اللهمَّ، أُمَّتي، أُمَّتي \"، فأرسلَ اللَّهُ جبريلَ يقولُ له:\n\"إن اللَّهَ يقولُ: إنَا سنُرضيكَ في أمتِك ولا نَسُوءُكَ \".","vol":"2","page":265},{"text":"وكان يقولُ: \"شيَّبتني هودٌ وأخواتُها\".\nوجاءَ في روايةٍ مرسلةٍ: \"قَصَّفْنَ عليَّ الأمَم \".\nيشيرُ إلى أنَّ شيبهُ منها ما ذُكر مِن هلاكِ الأممِ قبلَ أمَّته وعذابهم.\nوكانَ عندَ لقاءِ العدوِّ يخافُ على مَن معه من المؤمنينَ، ويستغفرُ لهم، كما\nفعلَ يومَ بدرٍ، وباتَ تلكَ الليلةَ يصلِّي ويبكي ويستغفرُ لهُم، ويقولُ:\n\"اللهمَّ، إن تُهلكْ هذه العِصَابةَ لا تُعبدُ في الأرض \".\nوكلُّ هذا مِن خوفِه وشفقتهِ عليْهم.\nوقد جاءَ في رواياتٍ متعددةٍ: التصريحُ بسببِ خوفهِ من اشتدادِ الريح:\nففي \"الصحيحينِ \" من حديثِ سليمانَ بنِ يسارٍ، عن عائشةَ: أنَّ النبيَّ\n- ﷺ - كانَ إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرِفَ ذلكَ في وجهِهِ، فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ: أرى الناسَ إذا رأوُا الغيمَ فرِحوا؛ رجاءَ أن يكونَ فيه المطرُ، وأراكَ إذا رأيتَه عَرفتُ في وجهِك الكراهيةَ؟\nفقالَ: \"يا عائشة، ما يُؤمِّني أن يكونَ فيه عذابٌ قد عُذبَ قومٌ بالريح، وقدْ رأى قومٌ العذابَ، فقالُوا: (هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا) \".\nوخرَّجَا - أيضًا - من روايةِ ابنِ جريج، عن عطاءٍ، عن عائشةَ، قالتْ كانَ\nرسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذا رأَى مخيلةً في السماءِ أقبلَ وأدبرَ، ودخلَ وخرجَ، وتغيَّر","vol":"2","page":266},{"text":"وجهُه، فإذا أمطرتِ السماءُ سُرِّي عنه، فعرَّفتْه عائشةُ ذلكَ، فقالَ النبي - ﷺ -:\n\"وما أدْرِي لعلَّه كلما قالَ قومٌ: (فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ) \" الآية.\nوزاد مسلمٌ - في أولِهِ -: كانَ النبيُّ - ﷺ - إذا عصفتِ الريحُ قال: \"اللهمَّ، إنِّي أسألُكَ خيرَها وخيرَ ما فيها وخيرَ ما أُرسِلَت به، وأعوذُ بكَ مِن شرها وشرِّ ما فيها وشرِّ ما أُرسلتُ به \".\nوخرَّجَهُ النسائي، ولفظُه: \"كانَ إذا رأَى ريحًا\"، بدل: \"مخيلة\".\nوخرجَ مسلمٌ - أيضًا - من حديثِ جعفرِ بنِ محمدٍ، عن عطاء، عن\nعائشةَ، قالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - إذَا كانَ يومُ الريح والغيمِ عُرفَ ذلكَ في وجههِ، فأقبلَ وأدبرَ، فإذَا مطرَ سُرَّ بهِ، وذهبَ عنه ذلكَ.\nقالتْ عائشةُ: فسألته، فقالَ:\n\"إنِّي خشيتُ أن يكونَ عذابًا سُلِّطَ على أمتي \".\nوخرجَ الإمامُ أحمدُ وابنُ ماجةَ من حديثِ المقدامِ بنِ شريع، عن أبيهِ.\nعنْ عائشةَ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ إذَا رأى سحابًا مقبلًا منْ أفقٍ من الآفاقِ تركَ ما هُوَ فيه وإن كانَ في صلاتِهِ، حتى يستقبلَه، فيقولُ: \"اللهمَّ، إنا نعوذُ بكَ من شرِّ ما أُرْسلَ \"، فإنْ أمطرَ قالَ: \"اللهمَّ سقيًا نافعًا\" - مرتينِ أو ثلاثا -، فإنْ كشفَه اللَّهُ ولم يُمطِرْ حمِدَ اللهَ على ذلكَ.\nولفظهُ لابنِ ماجَةَ.","vol":"2","page":267},{"text":"وخرَّجَهُ أبو داود، ولفظُه: كانَ إذا رأى ناشئًا في أفقِ السماءِ تركَ\nالعملَ، وإن كانَ في صلاه، ثم يقولُ: \"اللهمَّ، إني أعوذُ بكَ من شرِّها\".\nوخرَّجه ابنُ السني، ولفظُه: كان إذا رأَى في السماء ناشئًا، غبارًا أو\nريحًا، استقبلَهُ مِن حيثُ كانَ، وإن كانَ في الصلاةِ تعوذَ باللًّهِ من شرِّه.\nوكذا خرَّجه ابنُ أبي الدنيا.\nوخرجَ الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ والنسائي في \"اليومِ والليلةِ\" وابنُ ماجةَ وابنُ\nحبانَ في \"صحيحه \" من حديثِ أبي هريرةَ، عنِ النبي - ﷺ -، قالَ:\n\"الريحُ من روح اللَّهِ، تأتي بالرحمةِ، وتأتي بالعذابِ، فإذا رأيتمُوها فلا تسبُّوها، واسألُوا اللَّهَ خيرَها، واستعيذُوا باللَّهِ من شرِّها\".\nوخرجَ الترمذيُّ من حديثِ أبى بنِ كعبٍ، عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ: \"لا تسبُّوا الريحَ، فإذا رأيتُمْ ما تكرهونَ فقولُوا: اللَّهُمَّ، إنَّا نسألُكَ من خيرِ هذهِ الريح وخيرِ ما فيها، وخيرِ ما أُمرتْ به، ونعوذُ بكَ من شرِّ هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أُمرتْ\nوقال: حسن صحيح.\nوخرَّجَه النسائيُّ في \" اليومِ والليلةِ \" مرفوعًا وموقوفًا على أبيِّ بنِ كعبٍ\n- ﵁ -.","vol":"2","page":268},{"text":"وفي البابِ: أحاديثُ أخرُ متعددةٌ.\nورُويَ عن ابنِ مسعود، قال: لا تسبُّوا الريحَ؛ فإنها بشرٌ ونَذر ولواقحُ.\nولكنِ استعيذُوا باللَّهِ من شرِّ ما أُرسلَتْ به.\nوعن ابنِ عباسٍ، قال: لا تسبُّوا الريحَ؛ فإنها تجيءُ بالرحمةِ، وتجيء\nبالعذاب، وقولوا: اللهمَّ، اجعلْهَا رحمةً، ولا تجعلْها عذابًا.\nخرَّجهما ابنُ أبي الدنيا.\nوخرَّج - أيضًا - بإسنادهِ، عن علي، أنه كانَ إذَا هبَّتِ الريحُ قالَ: اللهمَّ.\nإن كنتَ أرسَلْتَها رحمةً فارحمْنِي فيمنْ ترحَمُ، وإن كنتَ أرسلْتَها عذابًا\nفعافِني فيمنْ تعافي.\nوبإسنادِهِ، عنِ ابنِ عمرَ، أنه كان يقولُ إذَا عصفتِ الريحُ: شدُّوا التكبيرَ.\nفإنها تذهبُ.\nوعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه لما وُلِيَ هبتْ ريحٌ، فدخلَ عليه رجلٌ وهو\nمُنْتقعُ اللونِ، فقال: ما لكَ يا أميرَ المؤمنينِ؟\nقال: ويحَك، وهل هلكتْ أمةٌ إلا بالرِّيح؟\n* * *","vol":"2","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>سُورَةُ مُحَمَّدٍ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>قوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)</span>\nمنْ حفظَ حدودَ اللَّهِ وراعَى حقوقَهُ، تولَّى اللَّهُ حفظَهُ في أمورِ دينهِ\nودنيا، وفي دنيا وآخرتِهِ.\nوقد أخبرَ اللَّهُ تعالَى في كتابِهِ أنه وليُّ المؤمنينَ وأنه يتولَّى الصالحينَ.\nوذلكَ يتضمنُ أنه يتولَّى مصالحَهُم في الدنيا والآخرةِ، ولا يكلُهُم إلى غيرِهِ\nقالَ تعالَى: (اللَّهُ وَلِى الَّذِينَ آمَنوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) .\nوقالَ تعالَى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١) .\nوقالَ تعالَى: (وَمَن يَتَوَكلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) .\nوقالَ تعالَى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ) .\nفمن قامَ بحقوقِ اللَّهِ عليهِ فإنَّ اللَّهَ يتكفلُ له بالقيامِ بجميع مصالحِهِ في\nالدنيا والآخرةِ، ومن أرادَ أن يتولَّى اللَّهُ حفظَهُ ورعايتَهُ في أموره كلِّها فليراع\nحقوقَ اللَّهِ عليهِ، ومن أرادَ ألا يصيبَهُ مما يكرهُ فلا يأتِ شيئًا مما يكرهُهُ اللَّهُ.\nكان بعضُ السلفِ يدورُ على المجالسِ ويقولُ: من أحبَ أن تدومَ له\nالعافيةُ فليتقِ اللَّهَ.","vol":"2","page":270},{"text":"وقالَ العمريُّ الزاهدُ لمن طلبَ منه الوصيةَ: كما تحبُّ أن يكونَ اللَّهُ لكَ.\nفهكذَا كنْ للَّهِ ﷿.\nوفي بعضِ الآثار: يقولُ اللَهُ:\n\"وعِزتي وجَلالي لا أطلعُ على قلبِ عبدٍ فأعلمُ أن الغالبَ عليه حبُّ التمسكِ بطاعتي، إلا توليتُ سياسَتَهُ وتقويمهُ \".\nوفي بعضِ الكتبِ المتقدمةِ: يقولُ اللَّهُ ﷿\n\"يا ابنَ آدمَ، ألا تعلمُنِي ما يضحككَ، يا ابنَ آدمَ، اتقني. . . (١) ونَمْ حيثُ شئتَ \".\nوالمعنى: أنكَ إذا قمتَ بما عليكَ للَّهِ من حقوقِ التقوى فلا تهتمَّ بعدَ ذلكَ\nبمصالحكَ، فإن اللَّهَ هو أعلمُ بها منكَ، وهو يوصلُّهَا إليكَ على أتمِّ الوجوهِ\nمن غيرِ اهتمامٍ منكَ بِهَا.\nوفي حديث جابرٍ - ﵁ -، أن النبيَّ - ﷺ - قالَ: \"من كانَ يحبُّ أن يعلمَ منزلتَهُ عندَ اللهِ، فلينظرْ كيفَ منزلةُ اللِّهِ عندَهُ، فإنَّ اللهَ ينزلُ العبدَ منه حيث أنزلَهُ من نفسِهِ \".\nفهذا يدل على أنَّه على قدرِ اهتمامِ العبدِ بحقوقِ اللَّهِ ومراعاةِ حدودِهِ.\nواعتنائه بذلكَ وحفظهِ لهُ يكونُ اعتناؤُه به وحفظُهُ لهُ، فمن كانَ غايةُ همَه\nرِضَا اللًّهِ عنهُ وطلبَ قربِهِ ومعرفتِهِ ومحبتهِ وخدمتِهِ، فإنَّ اللَّهَ يكونُ له على\nحسبِ ذلكَ كما قالَ تعالَى: (فَاذْكرُونِي أَذْكُركُمْ) .\n(وَأَوفُوا بِعَهْدِي أوفِ بِعَهْدِكُمْ)، بل هو سبحانَهُ أكرمُ الأكرمينَ.\nفهو يجازِي بالحسنةِ عشرًا ويزيدُ، ومن تقرّبَ منه شبرًا تقرّبَ منه ذراعًا. ومن تقرّبَ منه ذراعًا ثقرّبَ منه باعًا، ومن أتاهُ يمشِي أتاهُ هرولةً.\n_________\n(١) قال محققه: بياضٌ بالأصل.","vol":"2","page":271},{"text":"ما يُؤتَى الإنسانُ إلا من قِبَل نفسِهِ ولا يصيبُهُ المكروهُ إلا من تفريطِهِ في\nحق ربه ﷿.\nقال علي - ﵁ -: لا يَرْجوَن عبد إلاْ رَّبهُ، ولا يخافنَّ إلا ذنبَهُ.\nوقال بعضُهم: من صَفَى صُفّي لهُ، ومن خلطَ خُلِّط عليهِ.\nوقال مسروقٌ: من راقبَ اللهَ في خطراتِ قلبِهِ عصمَهُ اللَّهَ في حركاتِ\nجو ارِحِهِ.\nوبسطُ هذا المعنى يطولُ جدًّا، وفيمَا أشرْنَا إليه كفايةٌ، وللهِ الحمدُ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>قوله تعالى: (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)</span>\nثم قال البخاري - ﵀ -: وَيَزيدُ وينقصُ.\nقال اللَّه ﷿: (لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ)، (وَزِدْناهُمْ هُدًى) .\n(وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى)، (وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ)، (وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنوا إِيمَانًا) .\nوقوله ﷿: (أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا) .\nوقوله: (فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا) .\nوقوله: (وَمَا زَادَهُم إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا) .\nزيادة الإيمان ونقصانه؛ قولُ جمهورِ العلماءِ.\nوقد رُوي هذا الكلامُ عن طائفة من الصحابةِ، كأبي الدرداءٍ، وأبي هريرةَ.\nوابنِ عباسٍ، وغيرِهم من الصحابةِ.","vol":"2","page":272},{"text":"ورويَ معناه عن علي وابنِ مسعودٍ - أيضًا.\nوعن مجاهدٍ وغير من التابعينَ.\nوتوقَّف بعضُهُم في نقصِهِ، فقالَ: يزيدُ، ولا يقالُ: ينقصُ.\nورويَ ذلكَ عن مالكٍ، والمشهورُ عنه كقولِ الجماعةِ.\nوعن ابنِ المباركِ، قالَ: الإيمانُ يتفاضلُ.\nوهو معنى الزيادة والنقصِ.\nوقد تلا البخاريُّ الآياتِ التي فيها ذكرُ زيادةِ الإيمانِ.\nوقد استدلَّ بِهَا علَى زيادةِ الإيمانِ أئمةُ السَّلفِ قديمًا، منهُم:\nعطاءُ بنُ أبي رباح فمن بعدَه.\nوتلا البخاريُّ - أيضًا - الآياتِ التي ذكَرَ فيهَا زيادةَ الهُدَى؛ فإنَّ المرادَ\nبالهُدَى هنا فعلُ الطاعاتِ، كما قالَ تعالى بعد وصفِ المتقينَ بالإيمانِ بالغيبِ.\nوإقامِ الصلاةِ، والإنفاقِ مما رزقَهُم، وبالإيمانِ بما أُنزلَ إلى محمدٍ وإلى مَنْ\nقبلَهُ، وباليقينِ بالآخرةِ، ثم قالَ: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِهِمْ) .\nفسمَّى ذلكَ كلَّه هدًى، فمن زادتْ طاعاتُهُ فقد زادَ هداهُ.\nولما كانَ الإيمانُ يدخلُ فيه المعرفةُ بالقلبِ، والقولُ والعملُ كلُّه، كانتْ\nزيادتُهُ بزيادةِ الأعمالِ، ونقصانُهُ بنقصانِهَا.\nوقد صرح بذلك كثيرٌ من السلف، فقالُوا: يزيد بالطاعة، وينقصُ\nبالمعصية. َ\n* * *","vol":"2","page":273},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-269>قوله تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ)</span>\nفصل: في فضائل لا إله إلا الفَه.\nوكلمةُ التوحيدِ لها فضائلُ عظيمة لا يمكنُ هاهنا استقصاؤُها، فلنذكر\nبعضَ ما وردَ فِيها:\n١ - فهيَ كلمةُ التقوى كما قالَ عمرُ - ﵁ -\nوغيرُه من الصحابة.\n٢ - وهي كلمةُ الإخلاصِ.\n٣ - وشهادةُ الحقِّ.\n٤ - ودعوةُ الحقِّ.\n٥ - وبراءةٌ من الشركِ، ونجاةُ هذا الأمرِ.\n٦ - ولأجلِهَا خُلِقِ الخلقُ. كما قال تعالى:\n(وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ) .\n٧ - ولأجلِهَا أُرسلتِ الرُّسلُ وأنزلتِ الكتبُ، كما قالَ تعالى:\n(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُول إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) .\nوقالَ تعالى: (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) .\nونحو هذه الآياتِ.\nوهذه الآية ُ أولُ ما عدَّدَ اللَّهُ من النعم في سورةِ النحلِ التي تُسَمَّى سورةُ\nالنعم.\nولهذا قال ابنُ عيينةَ: ما أنعمَ اللَّهُ على عبدٍ من العبادِ نعمةً أعظمُ من\nأن عرَّفهم \"لا إلهَ إلا اللَّهُ \".\nوأنَّ \"لا إلهَ إلا اللَّه \" لأهلِ الجنةِ كالماءِ الباردِ لأهلِ الدنيا.","vol":"2","page":274},{"text":"٨ - ولأجلِهَا أُعدَّتْ دارُ الثوابِ ودارُ العقابِ.\n٩ - ولأجلِهَا أُمرتِ الرسلُ بالجهادِ، فمنْ قالَها عصمَ مالَه ودمَه، ومن\nأباها فمالُه ودمُه هدر.\n١٠ - وهي مفتاحُ الجنةِ.\n١١ - ومفتاحُ دعوةِ الرسلِ.\n١٢- وبها كلَّمَ اللَّهُ موسى كِفاحًا.\nوفي \"مسندِ البزار\" وغيرِه عن عياضِ الأنصاريِّ عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"إن لا إلهَ إلا اللَهُ كلمةُ حق على اللهِ كريمة ولها من اللهِ مكان وهي كلمة من قالَها صادِقًا أدخلَهُ اللَهُ بها الجنةَ، ومن قالَها كاذبًا حقنتْ دمَهُ، وأحرزتْ مالَه، ولَقِي اللهَ غدًا فحاسَبَهُ \".\nوهي مِفتاحُ الجنةِ كما تقدم.\n١٣ - وهي: ثمنُ الجنةِ:\nقاله الحسنُ، وجاءَ مرفوعًا من وجوه ضعيفة:\n\"ومن كانتْ آخرَ كَلامه دخلَ الجنةَ\". \"\n١٤ - وهي: نجاة من النارِ:\nوسمعَ النبيُّ - ﷺ - مؤذنًا يقولُ: أشهد أن لا إلهَ إلا اللَّهُ، فقالَ: خرج من النارِ\". خرَّجه مسلم.","vol":"2","page":275},{"text":"١٥ - وهي: توجبُ المغفرةَ:\nفي \"المسندِ\" عن شدَّادِ بن أوس وعبادةَ بنِ الصامتِ: أن النبيَّ - ﷺ - قال لأصحابهِ يومًا:\n\"ارفعُوا أيدِيكم وقولُوا: لا إلهَ إلا اللَّهُ \". فرفعْنا أيدِينا ساعةً، ثم\nوضعَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يدَهُ، ثم قالَ: \"الحمدُ للَّهِ، اللهُمَّ بعَثْتَنِي بهذهِ الكلمةِ، وأمرْتَني بها، ووعدتنِي بها الجنةَ، وإنَّك لا تخلفُ الميعادَ\"، ثم قالَ: \"أبشِرُوا فإن اللهَ قدْ غَفَرَ لكُم \".\n١٦ - وهي: أحسنُ الحسناتِ:\nقال أبو ذرِّ: قلتُ يا رسولَ اللَّه: كلِّمْني بعمل يقربني من الجنةِ، ويباعدُني\nمن النارِ، قالَ: \"إذا عملتَ سيئة فاعملْ حسنةَ، فإنها عشرُ أمثالِها.\nقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، \"لا إله إلا اللَّه \" من الحسناتِ؟\nقالَ: \"هيَ أحسنُ الحسناتِ \".\n١٧ - وهي: تمحو الذنوبَ والخطايا:\nوفي \"سننِ ابنِ ماجةَ \" عن أُمِّ هانئ عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"لا إلهَ إلا اللهُ لا تتركُ ذنبًا، ولا يسبقُها عملٌ \".\nرُئِي بعضُ السلفِ بعدَ موتِهِ في المنامِ فسُئلَ عن حالهِ، فقالَ: ما أبقتْ لا\nإلهَ إلا اللَّهُ شيئًا.\n١٨- وهي: تجدد ما درسَ من الإيمانِ في القلبِ:\nوفي \"المسند\" أن النبيَّ - ﷺ - قالَ لأصحابِهِ:\n\"جدِّدوا إيمانَكم \".\nقالوا: كيفَ نجدِّدُ إيمانَنَا؟","vol":"2","page":276},{"text":"قال: \"قولُوا: لا إله إلا الله، وهي لا يعدِلُها شيءٌ في الوزنِ، فلو وُزِنتْ\nبالسماواتِ والأرضِ رجحْت بهن \".\nكما في \"المسندِ\" عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو عن النبيِّ - ﷺ -: \"أن نوحًا قالَ لابنِهِ عندَ موتِهِ: آمرُكَ بلا إلهَ إلا اللَهُ، فإنَّ السماواتِ السبعَ والأرضينَ السبعَ لو وُضعِتْ في كِفة ووضِعَتْ لا إلهَ إلا اللَهُ في كفةٍ، رجحتْ بهن لا إلهَ إلا اللَهُ، ولو أن السماوات السبعَ والأرضينَ السبعَ كن في حلقةٍ مبهمةٍ قصَمتهُن لا إلهَ إلا الله \".\nوفيه أيضًا عن عبدِ اللهِ بن عمرٍو عن النبى - ﷺ -:\n\"أن موسى - ﵇ - قالَ: يا رب علِّمني شيئًا أذكرُك وأدعوكَ به، قال: يا موسى قلْ: لا إله إلا اللَّه.\nقالَ: يا ربِّ: كلُّ عبادِكَ يقولون هذا.\nقال: قل: لا إله إلا الله، قال: لا إله إلا أنت يا ربِّ.\nإنما أريد شيئا تخصُّنِي به.\nقال: يا مُوسى، لو أنَّ السماوات السبعَ وعامرَهنَّ غيري\nوالأرضينَ السبعَ في كفةٍ، ولا إلهَ إلا اللَهُ في كفةٍ، مالتْ بهن لا إله إلا الله \".\nوكذلك ترجحُ بصحائفِ الذنوب، كما في حديثِ السجلاتِ والبطاقةِ.\nوقد خرَّجهُ أحمدُ والنسائيُّ والترمذيُّ أيضًا من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن عمرٍو عن\nالنبيِّ - ﷺ -.\n١٩ - وهي: التي تخرقُ الحجبَ حتَّى تصلَ إلى اللَّهِ ﷿:\nوفي الترمذي عن عبدِ اللَّهِ بن عمرو عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"لا إله إلا اللَّهُ ليسَ لها دونَ اللَّهِ حجابٌ حتى تصلَ إليهِ \".","vol":"2","page":277},{"text":"وفيه أيضًا عن أبي هريرةَ عن النبي - ﷺ -:\n\"ما قالَ عبدٌ: لا إله إلا اللَّه مخلصًا إلا فُتحتْ له أبوابُ السماءِ حتى تُفضِي إلى العرشِ ما اجتُنِبَتِ الكبائرُ\".\nويروى عن ابنِ عباسٍ مرفوعًا:\n\" ما منْ شيء إلا بينهِ وبينَ اللَّهِ حجابٌ، إلا قولَ:\nلا إلهَ إلا الله كما أنَّ شَفتَيْكَ لا تحجبُهما كذلكَ لا يحجِبُها شيء\nحتى تنتهي إلى اللهِ ﷿ \".\nوقال أبو أمامةَ: ما مِنْ عبدٍ يهلِّلُ تهليلةً فينهنهها شيء دونَ العرشِ.\n٢٠ - وهي الَّتِي ينظرُ اللَهُ إلى قائِلِها، ويجيبُ دعاه:\nخرَّجَ النسائيُّ في كتابِ \"اليومِ والليلةِ\" من حديثِ رجلينِ من الصحابة\nعن النبيِّ - ﷺ -:\n\"منْ قالَ: لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، له الملكُ وله الحمدُ، وهو\nعلى كلِّ شيءٍ قديرٌ مخلِصًا بها روحُه مصدِّقًا بها لسانُه، إلا فَتَقَ له السماءَ فتقًا، حتَى ينظرَ إلى قائِلِها مِنْ أهلِ الأرضِ، وحُقَّ لعبدٍ نظرَ إليهِ أن يعطِيَهُ سؤلَهُ \".\n٢١ - وهي: الكلمةُ الَّتي يصدِّقُ اللَهُ قائِلَهَا:\nكما أخرجَ النسائيُّ والترمذيُّ وابنُ حبان من حديثِ أبي هريرةَ وأبي\nسعيدٍ عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"إذا قالَ العبدُ: لا إلهَ إلا اللَّهُ واللَّهُ أكبرُ، صدَّقهُ ربُه.\nوقالَ: لا إلهَ إلا أنا وأنا أكبرُ. وإذا قالَ: لا إلَه إلا اللَهُ وحدَهُ، لا شريكَ لهُ، يقولُ اللَهُ: لا إلهَ إلا أنا وحدِي لا شريكَ لي. وإذا قالَ: لا إلهَ إلا اللَهُ وحدَه، لا شريكَ له، له الملكُ وله الحمدُ، قال اللَّهُ: لا إلهَ إلا أنا، لي الملكُ، ولي الحمدُ. وإذا قالَ: لا إلهَ إلا اللَّهُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا باللَّهِ،","vol":"2","page":278},{"text":"قالَ اللَّهُ: لا إلهَ إلا أنا، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بِي \".\nوكان يقولُ: \"من قالها - في مرضِهِ ثم ماتَ لم تَطعمهُ النارُ\".\n٢٢ - وهي: أفضلُ ما قاله النبيونَ:\nكما وردَ ذلكَ في دعاءِ يومِ عرفة.\n٢٣ - وهي: أفضلُ الذِّكْرِ:\nكما في حديثِ جابرٍ المرفوع: \"أفضلُ الذكرِ لا إلهَ إلا اللَهُ \".\nوعن ابنِ عباسٍ: أحبُّ كلمةٍ إلى اللَّهِ لا إلهَ إلا اللَّه، لا يقبلُ اللَّهُ عملًا\nإلا بِها.\n٢٤ - وهي: أفضلُ الأعمالِ وأكثرُها تضعيفًا، وتعدلُ عتقَ الرقابِ، وتكونُ حِرزًا من الشيطانِ:\nوكما في \"الصحيحينِ \" عن أبي هريرةَ - ﵁ - عن النبي - ﷺ -:\n\"من قالَ: لا إله إلا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، له الملكُ وله الحمدُ وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ في يومٍ مائةَ مرةٍ كانتْ له عدلَ عشرِ رقابٍ، وكُتبَ له مائةُ حسنةٍ، ومُحيَ عنه مائةُ سيئةٍ، ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاءَ بهِ، إلا أحدٌ عملَ أكثرَ من ذلكَ \".\nوفيهما أيضًا عن أبي أيوبٍ الأنصاريِّ - ﵁ - عن النبي - ﷺ -:\n\"من قالَها عشرَ مراتٍ كانَ كمنْ أعتقَ أربعَ أنفسٍ من وَلَدِ إسماعيلَ \".","vol":"2","page":279},{"text":"وفي الترمذي عن ابنِ عمرَ مرفوعًا: \"منْ قالها إذا دخل السوقَ، وزادَ فيها:\nيُحي ويميتُ وهوَ حيٌ لا يموتُ بيدِهِ الخيرُ وهوَ على كل شيء قديرٌ\nكتبَ اللَهُ له ألفَ ألفَ حسنةٍ، ومحا اللَّهُ عنه ألفَ ألفَ سيئةٍ، ورفعَ اللَهُ له ألفَ ألفَ درجة\".\nوفي روايةٍ: \"ويبنى له بيتٌ في الجنةِ\".\n٢٥ - ومن فضائِلِها: أنها أمانٌ من وحشةِ القبرِ وهولِ الحشرِ:\nكما في \"المسندِ\" وغيرِهِ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"ليسَ على أهلِ لا إلهَ إلا اللَّهُ وحشة في قبورهم ولا في نشورِهم، وكأئي بأهلِ لا إلهَ إلا اللَهُ قد قامُوا ينفضونَ الترابَ عن رؤوسِهم، ويقولونَ: الحَمُد للَّه الَّذي أذهبَ عنَّا الحزنُ \".\nوفي حديثٍ مرسلٍ: \"من قالَ: لا إلهَ إلا اللَهُ الملكُ الحق المبينُ، كل يومٍ مائةَ مرةٍ كانتْ له أمانًا من الفقرِ، وأنسًا من وحشةِ القبرِ، واستجلبتْ له الغِنى، واستقرعتْ له بابَ الجتةِ\".\n٢٦ - وهيَ: شعارُ المؤمنينَ إذا قامُوا من قبورِهم:\nقال النضرُ بنُ عربي: بلغَنِي أن الناسَ إذا قامُوا من قبورِهِم كانَ شعارُهم:\nلا إلَه إلا اللهُ.\nوقد خرج الطبرانيُّ حديثًا مرفوعًا:\n\"إن شعارَ هذه الأمةِ على الصراطِ: لا إلهَ إلا أنتَ \".","vol":"2","page":280},{"text":"٢٧ - ومن فضائلها: أنَّها تفتحُ لقائِلِها أبوابَ الجنةِ الثمانيةَ، يدخلُ من أيِّها\nكما في حديث عمرَ عن النبيِّ - ﷺ - فيمَنْ أتَى بالشهادتينِ بعد الوضوء، وقدْ خرَّجهُ مسلمٌ.\nوفي \"الصحيحينِ \" عن عبادةَ بن الصامتِ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"من قالَ: أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَهُ لا شريكَ له، وأن محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنَّ عيسى عبدُ اللَّهِ ورسولِهِ وكلمتُه ألقَاها إلى مريمَ وروحٌ منه، وأنَّ الجنةَ حق والنارَ حق أدخلَهُ اللَّهُ من أيِّ أبوابِ الجنَّةِ الثمانيةِ شاء\".\nوفي حديثِ عبد الرحمنِ بنِ سمرةَ عن النَّبيِّ - ﷺ -\nفي قصةِ منامِهِ الطويل، وفيه قالَ:\n\"ورأيتُ رجلًا من أُمَّتِي انتهى إلى أبوابِ الجنةِ، فأُغلقت الأَبوابُ دونَهَ.\nفجاءتْه شهادةُ أن لا إلهَ إلا اللَّهُ، فتحتْ له الأبوابَ، وأدخلنْهُ الجنةَ\".\n٢٨ - ومن فضائلها أنَّ أهلَها وإنْ دخلُوا النارَ وبتقصيرِهم في حقوقِها فإنهم\nلابد أن يخرجُوا منها.\nوفي \"الصحيحينِ \" عن أنسٍ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"يقولُ اللَهُ ﷿:\nوعِزَّتي وجلالِي وكبريائِي وعظمتِي لأُخرجنَّ منها منْ قالَ: لا إله إلا اللَّهُ \".\nوأخرجَ الطبراني عن أنس عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"إن ناسًا منْ أهلِ لا إلهَ إلا اللَّهُ","vol":"2","page":281},{"text":"يدخلونَ النارَ بذنوبهم، فيقولُ لهم عبدةُ اللات والعزَّى: ما أغنى عنكُم قولُ: لا إله إلا اللَّه، فيغضبُ اللَّهُ لهم فيخرِجُهُم من النارِ، فيدخلونَ الجنةَ\".\nومن كان في سخطه يُحسنُ. . . فكيفَ يكونُ إذا ما رضي؟\nلا يسوي بين من وحَّده وإن قصَّر في حقوقِ توحيدهِ، وبينَ من أشركَ به.\nقال بعضُ السلفِ: كان إبراهيمُ - ﵇ - يقولُ:\nاللهمَّ لا تشركْ من كان يشركُ بكَ شيئًا بمن كانَ لا يشركُ بكَ.\nكان بعضُ السلفِ يقولُ في دعائِه: اللهمَّ إنَّك قلتَ عن أهلِ النارِ: إنَّهم\nأقسمُوا باللَّهِ جهدَ أيمانِهم لا يبعثُ اللَّه من يموتُ، ونحنُ نقسمُ باللهِ جَهدَ\nأيمانِنا ليبعثنَّ اللَّهُ من يموتُ، اللهمَّ لا تجمع بينَ أهلِ القَسَمَينِ في دارٍ واحدةٍ.\nكان أبو سليمانَ يقولُ: إن طالَبنِي ببخلِي طالبتُه بجودِهِ، وإن طالَبني\nبذنوبي طالبتُه بعفوِه، وإن أدخلَنِي النارَ أخبرتُ أهلَ النارِ أنِّي أُحبُّه.\nما أطيبَ وصلَه وما أعذبَه! . . . وما أثقلَ هجرَه وما أصَعبَه!\nوفي السخطِ والرِّضى ما أهيبَه! . . . القلبُ يحبُّ وإنْ عذبه\nوكان بعضُ العارفينَ يبْكِي طولَ ليلهِ ويقولُ:\nإن تعذِّبْني فإنِّي لك محبٌّ، وإنْ ترحمْني فإنَي لك محبٌّ.\nالعارفونَ يخافونَ من الحجابِ أكثرَ مما يخافونَ من العذابِ.\nقال ذو النونِ: خوفُ النارِ عند خوفِ الفراقِ كقطرةٍ في بحرٍ لُجي.\nكان بعضُهم يقولُ: إلهِي وسيدِي ومولاي! لو أنَّك عذبْتنِي بعذابِكَ كلِّه.\nكانَ ما فاتَني من قربِكَ أعظمُ عنْدِي من العذابِ.","vol":"2","page":282},{"text":"قيلَ لبعضِهم: لو طردكَ ما كنتَ تفعلُ.\nقالَ:\nإِذَا أنا لم أجْد من الحبِّ وصْلًا. . . رمتُ في النارِ مُنْزلا ومقِيلا\nثم أزعجتُ أهلَهَا بندَائِي. . . بكرةً في عرصَاتِها وأصِيلا\nمعشرَ المشركينَ ناحُوا على منْ. . . يدِّعِي أنَّه يحبُّ الجليلا\nلم يكنْ في الذي ادعاه محقًّا. . . فجزاهُ به العذابَ الطَّوِيلا!\nإخوانِي!\nاجتهدُوا اليومَ في تحقيقِ التوحيدِ، فإنَّه لا يُنجي من عذابِ اللَّهِ إلا إيَّاه.\nوما نطقَ الناطقونَ إذْ نطقُوا. . . أحسنَ من: لا إلهَ إلا الله.\nتباركَ اللَّهُ ذو الجلالِ ومنْ. . . أشهدُ أن لا إِلهَ إلا هُو\nمَن لذنوبِي ومنْ يمحِّصُها. . . غيرُك يَا منْ لا إِلهَ إلا هُو\nجنان خلدٍ لمنْ يوحدُه. . . أشهدُ أن لا إلهَ إلا هُو\nنيرانُه لا تحرقُ منْ. . . يشهدُ أن لا إلهَ إلا هُو\nأقولُها مخلِصًا بِلا بُخلٍ. . . أشهدُ أن لا إلهَ إلا هُو\nوالحمد للَّه رب العالمين\n* * *","vol":"2","page":283},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-270>سُورَةُ الفَتْحِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-271>قوله تعالِ: (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ)</span>\nإن الزرعَ وإنْ كانَ له طاقةً منه ضعيفةٌ ضئيلةٌ إلا أنه يتقوَّى بما يخرجُ معه\nوحولَهُ ويعتضدُ به، بخلافِ الشجرةِ العظامِ فإنَّ بعضَها لا يشدُّ بعضًا.\nوقد ضربَ اللَّهُ تعالى مثلَ النبي - ﷺ - وأصحابِهِ بالزرع لهِذا المعنى قال:\n(وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ) .\nقوله: (أَخْرَجَ شَطْأَهُ) أي: فِرَاخَهُ.\n(فَآزَرَهُ) أي: ساواه وصارَ مثلَ الأمِّ وقوي به.\n(فَاسْتَغْلَظَ) أي: غَلُظَ.\nفالزرعُ مثلُ النبيِّ - ﷺ - إذ خرجَ وحدهُ فأمدَّه بأصحابِهِ وهُم شطأ الزرع كما قَوَّى الطاقةَ من الزرع بما نَبَتَ منها حتَى غلظتْ واستحكمتْ.\n(فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ): جمعُ ساق.\nوفي الإنجيلِ: \" سيَخرُجُ قوْم يَنْبُتُونَ نَباتَ الزَّرع \".\nوقد قالَ ﷿: الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) .\nوقال: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِّنْ بَعْضٍ) .","vol":"2","page":284},{"text":"فالمؤمنونَ بينَهُم ولاية وهي مودةٌ ومحبة باطنةٌ.\nثم قالَ: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) .\nلأن المؤمنينَ قلوبُهم على قلبِ رجلٍ واحدٍ فيما يعتقدونَهُ من الإيمانِ وأما\nالمنافقونَ فقلوبُهم مختلفة.\nكما قالَ: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شتَّى) .\nفأهواؤُهُم مختلفةٌ.. إلخ. ولا ولايةَ بينَهُم في الباطنِ وإنَّما بعضُهم من\nجنس بعض في الكفر والنفاقِ.\nوفي \"الصحيحينِ \" عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"المؤمِنُ للمُؤْمِنِ كالبُنيان يَشُدُّ بعضُهُ بعضا\"\nوشبَّكَ بينَ أصابعِهِ.\nوفيهما أيضًا عن النبي - ﷺ -:\n\"مثل المُؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهِم كمثَلِ الجسَدِ الوَاحدِ، إذَا اشتَكَى منهُ عضوٌ تداعَى سائِرهُ بالحُمَّى والسهَرِ\".\n* * *","vol":"2","page":285},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-272>سُورَةُ الحُجُرَاتِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)</span>\nوقال الحسنُ في قولهِ تعالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) .\nقال: لا تذبَحُوا قبلَ الإمامِ.\nخرَّجَه ابنُ أبي حاتمٍ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>قوله تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧)</span>\nفإن علامةَ محبَّةِ اللَّهِ ورسولِهِ محبةُ ما يحبّهُ اللَّهُ ورسولُه، وكراهةُ ما\nيكرهُه اللَّهُ ورسولُه - كما سبقَ -، فإذا رسخَ الإيمانُ في القلبِ وتحققَ بِهِ.\nووجدَ حلاوتَهُ وطعمَه، أحبَّه وأحبَّ ثباتَهُ ودوامَهُ، والزيادَة منه، وكرهَ\nمفارقتَه، وكانَ كراهتُه لمفارقتِه أعظمَ عندَه من كراهِة الإلقاءِ في النارِ.\nقال اللَّه تعالى: (وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) .\nوالمؤمنُ يحبُّ الإيمانَ أشدَّ من حبِّ الماءِ الباردِ في شدَّةِ الحرِّ للظمآنِ،","vol":"2","page":286},{"text":"ويكره الخروجَ منه أشدَّ من كراهةِ التحريقِ بالنيرانِ.\nكما في \"المسندِ\" عن أبي رزينٍ العقيلي، أنه سألَ النبيَّ - ﷺ - عن الإيمانِ، فقالَ:\n\"أنْ تشهَدَ أنْ لا إِله إلا اللَهُ، وحدَه لا شريكَ لَهُ، وأنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، وأنْ يكونَ اللَهُ ورسولُه أحبَّ إليكَ مما سواهُما، وأن تحرق في النَّارِ أحبُّ إليكَ من أنْ تشركَ باللهِ، وأن تحبَّ غير ذي نسبٍ لا تحبه إلا للَّه، فإذَا كنتَ كذلكَ فقد دخلَ حبُّ الإيمانِ في قلبك، كما دخلَ حبُّ الماءِ للظمآنِ في اليوم القائظ \".\nوفي \"المسند\" - أيضًا -: أن النبيَّ - ﷺ - وصَّى معاذَ بن جبل، فقال له - فيما وصاه به -:\n\"لا تشركْ باللَّهِ شيئًا، وإن قُطِّعْتَ وحُرِّقت \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-275>قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)</span>\nوقوله - ﷺ -:\n\"المسلمُ أخو المسلم، لا يظلِمُه ولا يَخذُلُه، ولا يَكذِبُه، ولا يَحقِرُه \".\nهذا مأخوذٌ من قولِهِ ﷿: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ)\n، فإذا كانَ المؤمنونَ إخوةً أُمروا فيمَا بينَهُم بما يُوجبُ تآلُفَ\nالقلوبِ واجتماعَها، ونُهوا عمَّا يوجبُ تنافرَ القلوبِ واختلافَها، وهذا من\nذاكَ.\nوأيضا: فإنَّ الأخَ مِنْ شأنِهِ أن يوصِلَ إلى أخيه النَّفعَ، ويكفَّ عنه الضررَ.\nومن أعظم الضرِّ الذي يجبُ كَفُّه عَنِ الأخ المسلم الظُّلم، وهذا لا يختصُّ","vol":"2","page":287},{"text":"بالمسلم، بل هو محرَّمٌ في حق كلِّ أحدٍ، وقد سبق الكلامُ على الظلْمِ\nمستوفيًا عند ذكرِ حديث أبي ذر الإلهي:\n\"يا عبادي، إنِّي حرَّمتُ الظلم على نفسِي، وجعلتُه بينَكُم مُحرَّمًا فلا تَظَالَمُوا\".\nومِنْ ذلكَ: خِذْلانُ المسلم لأخيهِ، فإنَّ المؤمنَ مأمورٌ أن يَنْصُرَ أخاه، كما قالَ النبيُّ - ﷺ -:\n\"انصُرْ أخاكَ ظالِمًا أو مظلومًا\".\nقيلَ: يا رسولَ اللَّهِ، أنصُرُهُ مظلومًا، فكيفَ أنصرُهُ ظالمًا؟\nقالَ: \"تمنعُه عَنِ الظلم، فذلكَ نَصْرُك إيَّاهُ \".\nخرَّجهُ البخاريُّ بمعناهُ من حديثِ أنسٍ.\nوخرَّجهُ مسلمٌ بمعناه من حديثِ جابرٍ.\nوخرَّج أبو داود من حديثِ أبي طلحةَ الأنصاريِّ وجابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ.\nعن النبيِّ - ﷺ -، قالَ:\n\"ما مِنْ امرئٍ مسلمٍ يَخذُلُ امْرءًا مُسلمًا في موضعٍ تُنتهكُ فيه\nحُرمتُه، ويُنتقصُ فيه من عِرضهِ إلا خذلهُ اللَهُ في موطنٍ يُحبُّ فيه نُصرتهُ، وما من امرئٍ ينصُرُ مُسلمًا في موضع يُنتقصُ فيه من عِرضِهِ، ويُنتهكُ فيه من حُرمتهِ إلا نصرَه اللَّه في موطن يُحبُّ فيه نُصرتَهُ \".\nوخرَّج الإمامُ أحمد من حديثِ أبي أمامةَ بنِ سهلٍ، عن أبيهِ عنِ النَّبيِّ\n- ﷺ - قالَ:\n\"مَنْ أُذِلَّ عندهُ مؤمنٌ فلم ينصُرْه وهو يَقْدِرُ على أنْ ينصُره أذلَّهُ اللَّهُ على\nرءوسِ الخلائقِ يومَ القيامةِ\".\nوخرَّج البزارُ من حديثِ عمرانَ بنِ حُصينٍ، عن النَّبيَ - ﷺ - قال:","vol":"2","page":288},{"text":"\"مَنْ نصرَ أخاهُ بالغَيبِ وهو يستطيعُ نصرَه نصرهُ اللَّهُ في الدنيا والآخرةِ\".\nومن ذلكَ: كذبُ المسلم لأخيه، فلا يُحِل له أن يُحدِّثه فيكذبهُ، بل لاْ يُحدِّثه إلا صدقًا.\nوفي \"مسندِ الإمام أحمدَ\" عن النَّوَّاس بنِ سَمعانَ، عن النبيِّ\n- ﷺ - قالَ:\n\"كَبُرَت خيانة أنْ تُحدِّثَ أخاكَ حديثًا هو لك مُصدِّق وأنتَ به كاذبٌ \".\nومن ذلكَ: احتقارُ المسلم لأخيهِ المسلم، وهو ناشئ عن الكِبْر، كما قالَ النبيُّ - ﷺ -:\n\"الكِبْرُ بَطَرُ الحقِّ وغمْطُ النَّاسِ \".\nخرَّجه مسلمٌ من حديثِ ابنِ مسعودٍ - ﵁ -.\nوخرَّجهُ الإمامُ أحمدُ، وفي روايةٍ لهُ: \"الكِبْرُ سَفَهُ الحَقِّ، وازدراءُ الناسِ \"، وفي روايةٍ: \"وغمصُ الناسِ \"، وفي روايةٍ زيادةٌ: \"فلا يَراهم شيئًا\".\nوغمصُ النَّاسِ: الطَّعْنُ عليهم وازدراؤهُم.\nوقالَ اللَّهُ ﷿: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ) .\nفالمتكبرُ ينظرُ إلى نفسِهِ بعينِ الكمالِ، وإلى غيره بعينِ النَّقصِ، فيحتقرُهُم ويزدريهِم، ولا يراهمُ أهلًا لأنْ يقومَ بحقُوقِهِم، ولا أن يقبلَ مِنْ أحدٍ منهمُ الحقَّ إذا أوردَهُ عليهِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-276>قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا)</span>\n[قَال البخاريُّ]: بَاب إذا لم يكُنِ الإسلامُ علَى الحقيقةِ وكان على","vol":"2","page":289},{"text":"الاستسلامِ أوِ الخوْفِ مِنَ القَتْلِ:\nلقولِهِ ﷿: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) .\nفَإِذَا كانَ على الحقيقةِ فهُوَ علَى قولِهِ: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ) .\nوَقولِهِ: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) .\nمعنى هذا الكلامِ: أن الإسلامَ يُطلقُ باعتبارينِ.\nأحدُهما: باعتبارِ الإسلامِ الحقيقيِّ، وهو دينُ الإسلامِ الذي قالَ اللَّهُ فيهِ:\n(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلامُ) .\nوقال: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) .\nوالثاني: باعتبارِ الاستسلامِ ظاهرًا، مع عدمِ إسلامِ الباطنِ إذا وقَع خوفًا.\nكإسلامِ المنافقينَ.\nواستدلَّ بقوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) .\nوحملَهُ على الاستسلامِ خوفًا وتقيةً.\nوهذا مرويٌّ عن طائفةٍ من السلفِ، منهم: مجاهدٌ وابنُ زيدٍ ومقاتلُ بنُ\nحيانَ وغيرُهم.\nوكذلك رجَّحه محمدُ بنُ نصرٍ المروزيُّ، كما رجَّحه البخاريُّ؛ لأنهما لا\nيفرقانِ بينَ الإسلامِ والإيمانِ، فإذا انتفى أحدُهما انتفَى الآخرُ.\nوهو اختيارُ ابنِ عبدِ البرِّ، وحكاهُ عن أكثرِ أهلِ السنةِ من أصحابِ مالكٍ","vol":"2","page":290},{"text":"والشافعيِّ وداودَ.\nوأما من يفرقُ بين الإسلامِ والإيمانِ، فإنه يستدلُّ بهذه الآيةِ على الفرقِ\nبينهُما، ويقول: نفيُ الإيمانِ عنهم لا يلزمُ منه نفيُ الإسلامِ، كما نَفَى الإيمانَ\nعن الزاني والسارقِ والشاربِ، وإن كان الإسلامُ عنهم غيرَ منفيً.\nوقد وردَ هذا المعنى في الآيةِ عن ابنِ عباسٍ وقتادَة والنخَعيِّ.\nورُوي عن ابنِ زيدٍ - معناه - أيضًا.\nوهو قولُ الزهريِّ وحمادِ بنِ زيدٍ وأحمدَ.\nورجَّحه ابنُ جريرٍ وغيرُه.\nواستدلُّوا به على التفريقِ بينَ الإسلامِ والإيمانِ.\nوكذا قال قتادةُ في هذه الآيةِ، قال: (قُولُوا أَسْلَمْنَا): شهادةَ أن لا إله إلا\nاللَّهُ، وهو دينُ اللَّهِ، والإسلامُ درجةٌ، والإيمانُ تحقيقٌ في القلب.\nوالهجرةُ في الإيمانِ درجةٌ، والجهادُ في الهجرةِ درجةٌ، والقتلُ في سبيل الله درجةٌ.\nخرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ.\nفجعل قتادة الإسلام الكلمة، وهي أصلُ الدينِ، والإيمان ما قام بالقلوبِ\nمن تحقيقِ التصديقِ بالغيب، فهؤلاء القومُ لم يحقَقُوا الإيمانَ في قلوبِهم.\nوإنما دخلَ في قلوبِهم تصديق ضعيفٌ، بحيثُ صحَّ به إسلامُهم.\nويدلُّ عليه: قولُه تعالى: (وَإِن تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا) .\nواختلفَ مَنْ فرَّق بين الإسلامِ والإيمانِ، في حقيقة الفرقِ بينهما:","vol":"2","page":291},{"text":"فقالت طائفةٌ: الإسلامُ كلمةُ الشهادتينِ، والإيمانُ العملُ.\nوهذا مرويٌّ عن الزهري وابنِ أبي ذئبٍ، وهوَ روايةٌ عن أحمدَ، وهي\nالمذهبُ عند القاضي أبي يعلَى وغيرِه من أصحابهِ.\nويشبه هذا: قولَ ابنِ زيدٍ في تفسير هذه الآية، قال: لم يصدِّقُوا إيمانَهم\nبأعمالهم، دردَّ اللَّه عليهم، وقال: (لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قولُوا أَسْلَمْنَا) .\nفقال: الإسلامُ إقرارٌ والإيمانُ تصديقٌ.\nوهو قولُ أبي خيثمةَ وغيرِه من أهلِ الحديثِ.\nوقد ضعَّفَ ابنُ حامدٍ من أصحابِنا هذا القولَ عن أحمدَ، وقال: الصحيحُ\nأن مذهَبَه أن الإسلامَ قولٌ وعملٌ، روايةً واحدةً، ولكن لا تدخلُ كلّ\nالأعمالِ في الإسلامِ كما تدخلُ في الإيمانِ.\nوذكر: أنَّ المنصوصَ عن أحمدَ، أنه لا يكفرُ تاركُ الصلاةِ، فالصلاةُ من\nخصالِ الإيمانِ دونَ الإسلامِ، وكذلك اجتنابُ الكبائرِ من شرائطِ الإيمانِ دونَ الإسلام.\nكذا قالَ، وأكثرُ أصحابنا: أن ظاهرَ مذهبِ أحمدَ تكفيرُ تاركِ الصلاةِ، فلو\nلم تكنِ الصلاةُ من الإسلامِ، لم يكنْ تاركُها عندَه كافرًا.\nوالنصوصُ الدالةُ على أن الأعمالَ داخلةٌ في الإسلامِ كثيرة جدًّا.\nوقد ذهَب طائفةٌ إلى أن الإسلامَ عامٌّ، والإيمانَ خاصٌّ، فمنِ ارتكبَ\nالكبائرَ خرجَ من دائرةِ الإيمان الخاصةِ إلى دائرةِ الإسلامِ العامَّةِ.\nهذا مرويٌّ عن أبي جعفرٍ محمدِ بنِ عليٍّ.\nوضعفه ابنُ نصرِ المروزيُّ، من جهة راويه عنه، وهو فضيل بنُ يسار،","vol":"2","page":292},{"text":"وطعنَ فيه.\nورُوي عن حمادِ بنِ زيدٍ نحو هذا - أيضًا.\nوحُكي روايةً عن أحمدَ - أيضًا -؛ فإنه قال - في رواية الشالنجيِّ - في\nمرتكبِ الكبائرِ: يخرجُ من الإيمانِ، ويقعُ في الإسلامِ.\nونقل حنبلٌ، عن أحمدَ - معناه.\nوقد تأوَّلَ هذه الروايةَ القاضي أبو يعلَى، وأقرَّها غيرَه، وهي اختيارُ أبي\nعبدِ اللَّهِ ابن بطةَ وابنِ حامدٍ، وغيرِهما من الأصحابِ.\nوقالت طائفةٌ: الفرقُ بينَ الإسلامِ والإيمانِ: أن الإيمانَ هو التصديقُ.\nتصديقُ القلبِ، فهو علمُ القلبِ وعملُه، والإسلامُ الخضوعُ والاستسلامُ\nوالانقيادُ، فهو عملُ القلبِ والجوارح.\nوهذا قولُ كثيرٍ من العلماءِ، وقد حكاهُ أبو الفضلِ التميميُّ عن أصحابِ\nأحمدَ، وهو قولُ طوائفَ منَ المتكلمينَ.\nلكن المتكلمونَ عندَهُم أن الأعمالَ لا تدخلُ في الإيمانِ، وتدخلُ في\nالإسلامِ، وأما أصحابُنا وغيرُهم من أهلِ الحديثِ، فعندهم أن الأعمالَ تدخل في الإيمانِ، مع اختلافِهم في دخولِها في الإسلامِ، كما سبق.\nفلهذا قالَ كثير من العلماءِ: إن الإسلامَ والإيمانَ تختلفُ دلالتُهما بالإفراد\nوالاقترانِ، فإن أُفردَ أحدُهما دخلَ الآخرُ فيه، وإن قُرنَ بينهما كانا شيئينِ\nحينئذ.\nوبًهذا يجمعُ بينَ حديثِ سؤالِ جبريلَ عن الإسلامِ والإيمانِ، ففرَّق النبي\n- ﷺ - بينهما، وبينَ حديثِ وفدِ عبدِ القيسِ حيث فسَّر فيه النبيُّ - ﷺ - الإيمانَ","vol":"2","page":293},{"text":"المنفرد بما فسَّر به الإيمانَ المقرونَ في حديثِ جبريلَ.\nوقد حكى هذا القولَ أبو بكرٍ الإسماعيليّ عن كثيرٍ من أهلِ السنةِ\nوالجماعة.\nورُويَ عن أبي بكرِ بنِ أبي شيبة ما يدلُّ عليهِ.\nوهو أقربُ الأقوالِ في هذه المسألةِ وأشبهُها بالنصوصِ. واللَّهُ أعلمُ.\nوالقولُ بالفرقِ بين الإسلام والإيمانِ مرويٌّ عن الحسنِ وابنِ سيرينَ وشريكٍ\nوعبدِ الرحمنِ بنِ مهديً ويحيى بنِ معينٍ، ومؤمَّلِ بنِ إهابٍ، وحُكي عن\nمالك - أيضًا.\nوقد سبقَ حكايتُه عن قتادةَ، وداودَ بنِ أبي هندٍ، والزهرىِّ، وابنِ أبي\nذئبٍ، وحمادِ بنِ زيدٍ، وأحمدَ، وأبي خيثمةَ.\nوكذلك حكاهُ أبو بكرِ بنُ السمعانيِّ عن أهلِ السنةِ والجماعةِ جملةً.\nفحكايةُ ابنِ نصرٍ وابنِ عبدِ البرِّ عن الأكثرينَ التسويةَ بينهما غيرُ جيِّدٍ.\nبل قد قيلَ: إن السلفَ لم يُروَ عنهم غيرُ التفريقِ. واللَّهُ أعلمُ.\nوخرَّج البخاريُّ في هذا البابِ:\nحديثَ: الزُّهريّ، عن عامِر بن سعدٍ، عَن أبيهِ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - أعطَى رهطا، وسعد جَالسٌ، فتركَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - رجُلًا، هُو أعجبُهُم إليَّ، فقلتُ: يَا رسُولَ اللَّهِ، مَا لكَ عن فُلانٍ، فواللَّهِ، إنِّي لأراهُ مُؤمنًا؟\nفقالَ: \"أَو مسلمًا\"، فسكتُّ قليلًا، ثمَّ غلبني ما أعلمُ منهُ، فقلتُ: يارسولَ اللَّهِ، ما لك عن فلانٍ؛ فواللَّهِ إنّي لأراهُ مُؤمنًا؛ قالَ: \"أو مُسلمًا\"، فسكتُّ قليلًا، ثمَّ غلبني ما أعلمُ منهُ، فعدتُ لمقالتِي، وعادَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، ثمَّ قالَ: \"يا سعدُ، إنِّي","vol":"2","page":294},{"text":"لأعطي الرجل، وغيرهُ أعجبُ إلي منهُ، خشيةَ أن يكبَّهُ اللَهُ في النارِ\".\nخرَّجَه من طريقِ: شعيب، عن الزهري.\nثم قال: رواهُ يُونسُ وصالح ومعمرٌ وابنُ أخي الزُّهري، عن الزُّهري.\nوقد رواهُ ابنُ أبي ذئبٍ - أيضًا -، عن الزهريِّ - كذلك.\nورواه العباسُ الخلالُ، عن الوليدِ بنِ مسلم، عن ابنِ وهب ورشدينَ بنِ\nسعد، عن يونُسَ، عن الزهريِّ، عن إبراهيمَ بنِ عبد الرحمنِ بنِ عوف، عن\nأبيه، عن النبيِّ - ﷺ -. \"\nوأخطأ في ذلكَ -: نقلَه ابنُ أبي حاتمٍ الرازيُّ، عن أبيهِ.\nفهذا الحديثُ محمولًا عند البخاريِّ على أن هذا الرجلَ كانَ منافقًا، وأن\nالرسولَ - ﷺ - نفى عنه الإيمانَ، وأثبتَ له الاستسلامَ دونَ الإسلامِ الحقيقيِّ.\nوهو - أيضًا - قولُ محمدِ بنِ نصر المروزيّ.\nوهذا في غايةِ البعدِ، وآخرُ الحديثِ يردُّ على ذلك، وهو قولُ النبيّ - ﷺ -\n\"إني لأعطي الرجلَ وغيرُه أحبُّ إليَّ منه \".\nفإن هذا يدل على أن النبي - ﷺ - وكَلَه\nإلى إيمانه، كما كان يعطي المؤلفةَ قلوبُهم، ويمنعُ المهاجرينَ والأنصار.\nوزعمَ عليٌّ بن المدينيَ في كتابِ \" العللِ \" له: أن هذا من بابِ المزاح منَ\nالنبي - ﷺ - فإنه كانَ يمزحُ ولا يقولُ إلا حقًّا، فأوهم سعدًا أنه ليس بمؤمنٍ بل مسلم، وهما بمعنًى واحد، كما يقول لرجل يمازحُه - وهو يدعي أنه أخ لرجل -، فيقول: إنما أنتَ ابنُ أبيه، أو ابنُ أمِّه، وما أشبَه ذلكَ، مما يوهمُ","vol":"2","page":295},{"text":"الفرقَ، والمعنَى واحد.\nوهذا تعسفٌ شديد.\nوالظاهرُ - واللَّهُ أعلمُ -: أن النبيَّ - ﷺ - زجرَ سعدًا عن الشهادةِ بالإيمانِ؛ لأن الإيمانَ باطن في القلبِ لا اطلاعَ للعبدِ عليه، فالشهادةُ به شهادة على ظنٍّ، فلا ينبغي الجزمُ بذلك، كما قال:\n\"إن كنتَ مادحًا لا محالةَ، فقل: أحسِبُ فلانًا كذا، ولا أزكِّي على اللَّهِ أحدًا\".\nوأمرَه أن يشهدَ بالإسلامِ؛ لأنه أمرٌ مطَّلع عليه.\nكما في \"المسندِ\" عن أنسٍ - مرفوعًا -: \"الإسلامُ علانيةٌ والإيمانُ في\nالقلبِ \".\nولهذا كرِه أكثرُ السلفِ أن يطلقَ الإنسانُ على نفسه أنه مؤمن، وقالوا: هو\nصِفةُ مدح، وتزكية للنفسِ بما غابَ من أعمالِها، وإنما يشهدُ لنفسِه بالإسلامِ؛ لظهورِه.\nفأما حديثُ: \"إذا رأيتمُ الرجلَ يعتادُ المسجدَ، فاشهدُوا له بالإيمانِ \".\nفقد خرَّجهُ أحمدُ والترمذيُّ وابنُ ماجةَ من حديثِ درَّاج، عن أبي الهيثم\nعن أبي سعيدٍ - مرفوعًا.\nوقال أحمد: هو حديثا منكرٌ.\nودراجٌ له مناكيرُ. واللهُ أعلمُ.","vol":"2","page":296},{"text":"وهذا الذي ذكرَه البخاريُّ في هذا البابِ، من الآية والحديثِ إنما يطابق\nالتبويبَ، على اعتقادِه: أنه لا فرقَ بين الإسلامِ والإيمانِ.\nوأما على قولِ الأكثرينَ بالتفريقِ بينهما، فإنما ينبغي أن يُذكرَ في هذا البابِ\nقولُه ﷿: (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) .\nفإنَّ الجمهورَ على أنه أرادَ استسلامَ الخلقِ كلهم له وخضوعَهم، فأما المؤمنُ\nفيستسلمُ ويخضعُ طوعًا، وأما الكافرُ فإنه يضطرُ إلى الاستسلام عند الشدائدِ\nونزولِ البلاءِ به كرهًا، ثم يعودُ إلى شركِه عندَ زوالِ ذلك كلِّه، كما أخبرَ اللَّهُ عنهم بذلكَ في مواضعَ كثيرةٍ من القرآنِ.\nوالحديثُ الذي يطابقُ البابَ - على اختيارِ المفرقينَ بينَ الإسلام والإيمان -\nقولُ النبيِّ - ﷺ - - في ذكر قرينهِ من الجنِّ -:\n\"ولكنَّ اللَّهَ أعاننِي عليه، فأسلَمُ \".\nوقد رُوي بضمِّ الميم وفتحِها:\nفمن رواهُ بضمِّها، قال: المرادُ: أي: أنا أسلمُ من شرِّه.\nومن رواه بفتحها، فمنهم من فسَّره بأنه أسلمَ من كفرِه، فصار مسلمًا.\nوقد وردَ التصريحُ بذلكَ في روايةِ خرَّجها البزارُ في \"مسندِه \"، بإسنادٍ\nفيه ضعفٌ.\nومنهم من فسَّره بأنه استسلمَ وخضعَ وانقادَ كرهًا. وهو تفسير ابنِ عيينة\nوغيرهِ.\nفيطابقُ على هذا ترجمةَ البابِ. واللَّهُ أعلم.\n* * *","vol":"2","page":297},{"text":"قال المحقِّقون مِنَ العُلماءِ: كلُّ مؤمِنِ مُسلم، فإنَّ من حقَّق الإيمانَ، ورسخَ\nفي قلبِهِ، قام بأعمالِ الإسلامِ، كما قالَ - ﷺ -:\n\"ألا وإن في الجسدِ مُضغة، إذا صلحتْ، صلَّحَ الجسدُ كلُّه، وإذا فسدتْ، فسدَ الجسدُ كلُّه، ألا وهيَ القلبُ \".\nفلا يتحقَّقُ القلبُ بالإيمانِ إلا وتنبعِثُ الجوارحُ في أعمالِ الإسلامِ، وليسَ كلُّ\nمسلم مؤمنًا، فإنَّه قد يكونُ الإيمانُ ضعيفًا، فلا يتحقَّقُ القلبُ به تحقُّقًا تامًّا.\nمعَ عملِ جوارحِهِ بأعمالِ الإسلامِ، فيكونُ مسلمًا وليس بمؤمنِ الإيمانَ التامَّ\nكما قالَ تعالَى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)، ولم يكونُوا مُنافقينَ بالكُلَيَّةِ على أصحِّ\nالتفسيرينِ، وهو قولُ ابنِ عباسٍ وغيرِه، بل كانَ إيمانُهم ضعيفًا، ويدلُّ عليه\nقولُه تعالى: (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا) .\nيعني: لا ينقُصعكم من أجورِها، فدلَّ على أنَّ معهم من الإيمانِ ما تُقبلُ به\nأعمالُهم.\nوكذلك قولُ النبيِّ - ﷺ - لسعد بن أبي وقَّاص لمَّا قال له: لمْ تعطِ فلانًا وهو مؤمنٌ، فقالَ النبيُّ - ﷺ -:\n\"أو مسلمٌ \" يُشيرُ إلى أنَّه لم يُحقق مقامَ الإيمانِ.\nوإنما هو في مقامِ الإسلامِ الظَّاهرِ، ولا ريبَ أنَّه متى ضعفَ الإيمانُ الباطنُ.\nلزمَ منه ضعفُ أعمالِ الجوارح الظاهرةِ أيضًا، لكن اسمَ الإيمانِ يُنفى عمَّن\nتركَ شيئًا مِن واجباتهِ، كَمَا في قوله: \"لا يزني الزاني حينَ يزني وهو مؤمن \".\nوقد اختلفَ أهلُ السُّنةِ: هل يُسمَّى مؤمنًا ناقصَ الإيمانِ، أو يقالُ: ليسَ","vol":"2","page":298},{"text":"بمؤمنٍ، لكنَّهُ مسلمٌ، على قولينِ، وهمَا روايتانِ عن أحمدَ.\nوأمَّا اسمُ الإسلامِ، فلا ينتفِي بانتفاءِ بعضِ واجباتِهِ، أو انتهاكِ بعضِ\nمحرَّماتِهِ، وإنما يُنفَى بالإتيانِ بما يُنافيهِ بالكُلِّيَّةِ، ولا يُعرَفُ في شيءٍ من السُّنَّةِ\nالصَّحيحةِ نفيُ الإسلامِ عمَّن تركَ شيئًا من واجباتِهِ، كما يُنفَى الإيمانُ عمَّن\nتركَ شيئًا من واجباتِهِ، وإنْ كانَ قد وردَ إطلاقُ الكُفرِ على فعلِ بعضِ\nالمحرَّماتِ، وإطلاقُ النِّفاقِ أيضًا.\nواختلفَ العلماءُ: هل يُسمَّى مرتكبُ الكبائرِ كافرًا كفرًا أصغر أو منافقًا\nالنِّفاق الأصغرَ، ولا أعلمُ أنَّ أحدًا منهم أجازَ إطلاقَ نفي اسم الإسلامِ عنهُ.\nإلا أنه رُوي عن ابنِ مسعودٍ أنَّه قالَ: ما تاركُ الزكَاةِ بمسلم.\nويُحتملُ أنَّه كان يراه كافرًا بذلكَ، خارجًا عنِ الإسلام.\nوكذلكَ رُوي عن عمرَ فيمن تمكَّن مِنَ الحجِّ، ولم يحجَّ أنهم ليسُوا\nبمسلمينَ، والظَّاهرُ أنَّه كانَ يعتقدُ كفرَهم، ولهذا أرادَ أن يضربَ عليهمُ\nالجزيةَ، يقولُ: لم يدخُلُوا في الإسلامِ بعدُ، فهُم مستمرُّونَ على كتابيتِهِم.\nوإذا تبيَّن أنَّ اسمَ الإسلامِ لا ينتفي إلا بوجودِ ما ينافيهِ، ويُخرجُ عن الملَّةِ\nبالكلِّيَّةِ، فاسمُ الإسلامِ إذا أُطلِقَ أو اقترنَ به المدحُ، دخلَ فيهِ الإيمانُ كلُّه منَ\nالتَّصديقِ وغيرِه.\nوخرَّج النَّسائيُّ مِن حديثِ عقبةَ بنِ مالكٍ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - بعثَ سريَّةً،","vol":"2","page":299},{"text":"فغارت على قوم، فقال رجل منهم: إنِّي مُسلم، فقتلُه رجل منَ السَّريَّة.\nفنُمي الحديثُ إلىَّ رَسول اللَّه - ﷺ -، فقال فيه قولًا شديدًا، فقال الرجلُ: إنَّما قالها تعوُّذًا مِنَ القتلِ، فقال النبيُّ - ﷺ -: \"إن اللَّه أبَى عليَّ أن أقتلَ مؤمنًا\" ثلاثَ مرَاتٍ.\nفلولا أنَّ الإسلامَ المطلقَ يدخُلُ فيه الإيمانُ والتَّصديقُ بالأصول الخمسةِ، لم\nيصِر من قال: \"أنا مسلم\" مؤمنًا بمجرَّدِ هذا القول، وقد أخبرَ اللَّه تعالى عن\nملكةِ سبإٍ أنها دخلتْ في الإسلامِ بهذهِ الكلمةِ وقالت: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٤) .\nوأخبرَ عن يوسفَ ﵇ أنه دعَا بالموتِ على الإسلامِ.\nوهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ الإسلامَ المطلقَ يدخُلُ\nفيهِ ما يدخلُ في الإيمان مِنَ التَّصديق.\nوفي \"سننِ ابنِ ماجةَ \" عن عدي بنِ حاتمٍ، قال: قال لي رسول اللَّهِ\n- ﷺ -:\n\"يا عديُّ، أسلمْ تسلمُ!، قلتُ: وما الإسلامُ؟\nقال: \"تشهدُ أنْ لا إله إلا الله، وتشهدُ أني رسولُ اللَّه، وتؤمنُ بالأقدارِ كلِّها، خيرِها وشرِّها حلوِها ومرِّها\".\nفهذا نصّ في أنَّ الإيمانَ بالقدرِ مِنَ الإسلامِ.\n* * *","vol":"2","page":300},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-277>سُورَةُ (ق)</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>قوله تعالى: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)</span>\nوقد قال كثير من السلف في قول اللَّه ﷿: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧):\nإن الذي عن اليمينِ كاتبُ الحسناتِ، والذي عن الشمالِ كاتبُ السيئاتِ، منهم: الحسنُ، والأحنفُ بنُ قيسٍ، ومجاهد، وابنُ جريج، والإمامُ أحمدُ.\nوزادَ ابنُ جريج، قالَ: إن قعدَ فأحدُهُما عن يمنيِهِ، والآخرُ عن شمالِهِ.\nوإن مَشَى فأحدُهُما أمامَهُ والآخرُ خلفَهُ، وإن رقدَ فأحدُهُما عندَ رأسِهِ والآخرُ عند رجليهِ.\nوعلى هذا، فقد يخلو اليمينُ عن الملكِ إذا مَشى أو رقدَ.\nوحديثُ أبي أمامةَ فيه أن الذي على الشمالِ هو القرينُ.\nيريد به: الشيطانَ الموكل بالعبدِ، كما في \"صحيح مسلم \" عن ابن\nمسعودٍ، عن النبيّ - ﷺ -، قالَ:\n\"ما منكُم من أحد إلا وقد وُكَل به قرينُهُ من الجن\nوقرينُه من الملائكة\". قالوا: وإياك يا رسولَ اللَّهِ؟\nقالَ: \"وإياي، ولكنَّ الله أعانني عليه، فلا يأمُرُني إلا بخير \".","vol":"2","page":301},{"text":"وقد وردَ في حديثٍ خرَّجهُ الطبرانيُّ من حديثِ أبي مالكٍ الأشعريِّ -\nمرفوعًا -: \"إنَّ القرينَ هو كاتبُ السيئاتِ \".\nوإسنادُه شاميٌّ ضعيف.\n* * *\nقالَ اللَّهُ ﷿: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) .\nوقد أجمعَ السَّلفُ الصَّالحُ على أنَّ الذي عن يمينه يكتُبُ الحسناتِ، والذي\nعن شماله يكتبُ السيئات، وقد رُويَ ذلكَ مرفوعًا من حديث أبي أمامةَ\nبإسنادٍ ضعيف.\nوفي \"الصحًيح \" عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"إذا كانَ أحدُكُم يُصلِّي، فإنه يُناجي ربَّه والملكُ عن يمينهِ \".\nورُويَ من حديثِ حُذيفةَ مرفوعًا: \"إنَّ عن يمينِهِ كاتبُ الحسناتِ \".\nواختلفُوا: هل يكتبُ كلَّ ما تكلَّم به، أو لا يكتبُ إلا ما فيه ثواب أو\nعِقاب؟ على قولينِ مشهورينِ.\nوقال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباس: يُكتبُ كلُّ ما تكلمَ به من خيرٍ أو","vol":"2","page":302},{"text":"شرٍّ حتى إنه ليكتبُ قولَهُ: أكلتُ وشربتُ، وذهبتُ وجئتُ، حتى إذا كانَ يومُ الخميسِ عُرضَ قولُه وعملُه، فأقرَّ منه ما كانَ فيه من خيرٍ أوشرٍّ، وألقى\nسائرَهُ، فذلكَ قولُه تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩) .\nوعن يحيى بنِ أبي كثيرٍ، قالَ: ركبَ رجل الحمارَ، فعثرَ بهِ، فقال: تعسَ\nالحمارُ، فقالَ صاحبُ اليمينِ: ما هيَ حسنة أكتُبُها، وقال صاحبُ الشمالِ: ما هي سيئة فأكتبها، فأوحَى اللَّه إلى صاحبِ الشمالِ: ما تركَ صاحبُ اليمينِ من شيء، فاكتبهُ، فأثبتَ في السيئاتِ \"تَعِسَ الحمارُ\".\nوظاهرُ هذا أنَّ ما ليسَ بحسنةٍ، فهو سيئة، وإن كانَ لا يُعاقبُ عليها، فإنَّ\nبعضَ السيئاتِ قد لا يُعاقبُ عليهَا، وقد تقعُ مكفَّرةً باجتنابِ الكبائرِ، ولكنَّ\nزمانَها قد خسرهُ صاحبُها حيثُ ذهبتْ باطلًا فيحصلُ له بذلكَ حسرةٌ في\nالقيامةِ وأسفٌ عليه وهو نوعُ عقوبةٍ.\n* * *\nوروى عليٌّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولهِ ﷿ (مَا يَلْفِط\nمِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، قال: يُكتبُ كلُّ ما تكلَّم به من خيرٍ\nوشرٍّ، حتَّى إنَّه ليُكتبُ قولُه: أكلتُ، وشربتُ، وذهبتُ، وجئتُ، ورأيتُ، حتَّى إذا كانَ يومُ الخميسِ عُرضَ قولُه وعملُه فأقِرُّ منه ما كانَ فيهِ من خيرٍ أو شرٍّ","vol":"2","page":303},{"text":"وأُلقيَ سائرُه، فذلكَ قولُه تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ (٣٩)\nخرَّجه ابنُ أبي حاتم وغيرُه.\nفهذا يدُلُّ على اختصاصِ يومِ الخميسِ بعرضِ الأعمال لا يوجدُ في غيرهِ.\nوكانَ إبراهيمُ النَّخعِيُّ يبكي إلى امرأتِهِ يومَ الخميسِ وتبكي إليه، ويقول:\nاليومَ تُعرضُ أعمالُنا على اللهِ ﷿.\nفهذا عرضٌ خاصٌّ في هذينِ اليومينِ غيرُ العرضِ العامِّ كل يوم، فإنَّ ذلكَ\nعرضٌ دائمٌ كلَّ يوم بكرةً وعشيَّا.\nويدل على ذلك ما في \"الصحيحين \" عن أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ -، قال:\n\"يتعاقبُونَ فيكُم ملائكة بالليلِ، وملائكةٌ بالنَّهارِ.\nفيجتمعونَ في صلاةِ الصّبح، وصلاةِ العصرِ، فيسألُ الذينَ باتوُا فيكُم، وهو أعلمُ: كيفَ تركتُم عِبادي؟\nفيقولونَ: أتيناهُم وهم يُصلُّون، وتركنَاهُم وهم يُصلُّون \".\nوفي \"صحيح مسلم \" عن أبي موسى الأشعريِّ، قال: قامَ فينا\nرسول اللَّهِ - ﷺ - بخمسِ كلماتٍ، فقال:\n\"إنَّ اللَّه لا ينامُ، ولا ينبغِي له أن ينامَ، يخفضُ القسطَ ويرفعه، يُرفعُ إليه عملُ الليلِ قبلَ النهارِ وعملُ النَّهار قبلَ الليلِ، حجابُه\nالنورُ، لو كشفه لأحرقتْ سُبحاتُ وجههِ ما انتهَى إليه بصرُه من خلقِهِ \".\nويُروى عن ابنِ مسعود، قال: إنَّ مقدارَ كُلِّ يوم من أيامكم عند ربكم\nثنتا عشرةَ ساعةً، فتُعرضُ عليه أعمالُكُم بالأمسِ أوَّل النَّهارِ اليومَ، فينظرُ فيها ثلاثَ ساعات، وذكر باقيهُ.\nكان الضحَّاكُ يبكِي آخرَ النَّهارِ، ويقول: لا أدري ما رُفعَ من عملِي.\nيا مَن عملُه معروضٌ على مَن يعلمُ السِّر وأخفى، لا تُبهرجْ فإنَّ","vol":"2","page":304},{"text":"النَّاقِدَ بصيرٌ.\nالسُّقمُ على الجِسم لهُ تردادُ. . . والعُمرُ مضَى وزلَّتي تزدادُ\nما أبعدَ شُقَّتِي وما لي زَادُ. . . ما أكثرَ بهرجي ولي نقَّاد\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>قوله تعالى: (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)</span>\nفقوله - ﷺ - فيما يرويهِ عن ربِّه:\n\"يا عبادِي إنِّي حرمتُ الظُّلمَ على نفسِي \".\nيعني: أنَّه منعَ نفسَهُ من الظلم لعباده، كمَا قالَ ﷿: (وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)، وقالَ: (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ) .\nوقال: (وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ) .\nوقال: (وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) .\nوقال: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا) .\nوقال: (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة) .\nوقال: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢) .\nوالهضمُ: أن يُنقَصَ من جزاءِ حسناتِهِ، والظُّلمُ: أن يُعاقب\nبذنوبِ غيرِه، ومثلُ هذا كثيرٌ في القرآنِ.\nوهو مما يدلُّ على أنَّ اللَّهَ قادرٌ على الظلم، ولكنَّهُ لا يفعلُه فضلًا منه\nوجُودًا، وكرمًا وإحسانا إلى عبادِهِ.\nوقد فسرَ كثيرٌ من العلماءِ الظلمَ: بأنه وضعُ الأشياءِ في غيرِ موضِعِهَا.\nوأمَّا من فسَّره بالتَّصرُّفِ فِي ملك الغيرِ بغيرِ إذنِهِ - وقد نقلَ نحوه عن إياسِ\nابنِ معاويةَ وغيرِه - فإنهم يقولون: إنَّ الظُّلْمَ مستحيلٌ عليه، وغيرُ متصوَرٍ في حقِّه، لأن كلَّ ما يفعلُه فهو تصرُّف في ملكه، وبنحو ذلكَ أجابَ أبو الأسودِ","vol":"2","page":305},{"text":"الدؤليُّ لعمران بنِ حصينٍ حين سألهُ عن القدرِ.\nوخرَّج أبو داودَ، وابنُ ماجةَ من حديث أبي سنانٍ سعيدِ بنِ سنانٍ، عن\nوهب بنِ خالدٍ الحمصيِّ، عن ابنِ الدَّيلميًّ أنَّه سمعَ أُبيَّ بنَ كعبٍ يقولُ: لو\nأنَّ اللًّهَ عذَّب أهلَ سماواتِهِ وأهلَ أرضهِ؛ لعذَّبهُم وهو غيرُ ظالمٍ لهُم، ولو\nرحمهُم، لكانتْ رحمتُه خيرًا لهم من أعمالِهِم.\nوأنه أتى ابنَ مسعودٍ، فقالَ لهُ مثلَ ذلكَ، ثم أتى زيدَ بن ثابت، فحدَّثه عن النبيِّ - ﷺ - بمثلِ ذلك.\nوفي هذا الحديثِ نظرٌ، ووهبُ بنُ خالدٍ ليسَ بذاكَ المشهورِ بالعلم، وقد\nيُحملُ على أنَّه لو أرادَ تعذيبَهُم لقدَّرَ لهم ما يعذبهم عليهِ، فيكونُ غيرَ ظالم\nلهُم حينئذٍ.\nوكونه خلقَ أفعالَ العبادِ وفيها الظلمُ لا يقتضِي وصفَه بالظُّلم سبحانه\nوتعالى، كما أنَّه لا يُوصَفُ بسائرِ القبائح التي يفعلُها العبادُ، وهي خلقُه\nوتقريرُه، فإنَّه لا يُوصفُ إلا بأفعاله لا يُوصفُ بأفعال عبادِه، فإنَّ أفعالَ عبادِهِ\nمخلوقاتُه ومفعولاتُه، وهو لا يُوصفُ بشيءٍ منها، إنًّما يوصَفُ بما قامَ بهِ من\nصفاتِهِ وأفعالِهِ، واللَّهُ أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>قوله تعالى: (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣)</span>\nقوله: (وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ)، وقال تعالى: (هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) .","vol":"2","page":306},{"text":"وُفسِّرَ \"الحفيظُ \" ههُنا بالحافظ لأوامرِ اللَّهِ، وفُسِّرَ بالحافظِ لذنوبهِ حتَّى يرجعَ\nعنهَا، وكلاهُما يدخلُ في الآية.\nومن حفظَ وصيَة اللَّهِ لعبادِهِ وامتثَلهَا فهوَ داخل أيضًا، والكلُّ يرجعُ إلى\nمعنى واحدٍ.\nوقد وردَ في بعضِ ألفاظِ حديثِ يومِ المزيدِ في الجنةِ، \"أن اللَّهَ تعالَى يقولُ\nْلأهلِ الجنةِ، إذا استدعاهُم إلى زيارتِهِ وكشفَ لهم الحجَب: \"مرحبًا بعبادي\nالذين حفظُوا وصيَّتي، ورعَوا عهدِي، وخافوني بالغيبِ، وكانُوا منِّي على كلِّ حالٍ مشفقينَ \".\nفأمرُه - ﷺ - لابنِ عباسٍ أن يحفظَ اللَّهَ، يدخلُ فيهِ هذا كلُّه.\nومن أعظم ما يجبُ حفظُه من المأموراتِ الصلواتُ الخمسُ. قالَ اللَّه\nتعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَئ) .\nوقال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) .\nوقال النبيُّ - ﷺ -:\n\"من حافظَ عليها كانَ له عندَ اللَّهِ عهدًا أن يدخلَهُ الجنةَ\". الحديث.\nوفي حديثٍ آخرَ: \"من حافظَ عليهنَّ كنَّ له نورًا وبرهانًا ونجاةً يومَ القيامةِ\".\nالحديث.","vol":"2","page":307},{"text":"وكذلكَ الطهارةُ، فإنها مفتاحُ الصلاةِ، وقالَ النبي - ﷺ -: \"لا يحافظُ على الوضوءِ إلا مؤمنٌ \".\nومما أمرَ اللَّهُ بحفظه الأيمانُ، لما ذكرَ كفارةَ اليمينِ قالَ: (ذَلِكَ كفارَة أَيْمَانِكُمْ\nإِذَا حلَفْتمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ)، فإن الأيمانَ كثيرًا ما تقع من الناسِ\nوموجباتها مختلفةٌ.\nفتارة يجبُ فيها كفارةُ يمين، وتارةً يجبُ بها كفارة\nمغلظة، وتارةً يلزمُ بها المحلوفُ عليهِ من طلاق ونحوِه.\nفمن حفظَ أيمانَهُ دلَّ على دخولِ الإيمانِ في قلبِهِ.\nوكانَ السلفُ كثيرًا يحافظونَ على الأيمانِ.\nفمنهم من كانَ لا يحلفُ باللَّهِ ألبتَّة، ومنهم من كانَ يتورعُ حتى يكفرَ فيما شكَّ فيه من الحنثِ.\nووصى الإمامُ أحمدُ ﵀ عند موتِهِ أن يخرجَ عنه كفارةُ يمينٍ.\nوقال: أظنُّ أنِّي حنثتُ في يمينٍ حلفتُها.\nوقد رُويَ عن أيوبَ ﵇ أنه كان إذا مرَّ باثنينِ يحلفانِ باللَّهِ ذهب\nفكفرَ عنهُما، لئلا يأثمانِ وهما لا يشعرانِ.\nولهذا لما حلفَ على ضربِ امرأتِهِ مائةَ جلدةٍ، أفتاهُ اللَّهُ بالرخصةِ لحفظِهِ\nلأيمانِهِ وأيمانِ غيرِه.\nوقد اختلفَ العلماءُ: هل تتعدَّى الرخصةُ إلى غيرِه أم لا؟\nوقال يزيدُ بنُ أبي حبيبٍ: بلغَنِي أنَّ من حملةِ العرشِ من يسيلُ من\nعينيهِ أمثالُ الأنهارِ من البكاءِ، فإذا رفعَ رأسَهُ قالَ: سبحانكَ ما تُخشَى\nحقَّ خشيتكَ، فيقولُ اللَهُ تعالى: لكن الذينَ يحلفونَ باسمي كاذبينَ","vol":"2","page":308},{"text":"لا يعلمونَ ذلكَ.\nوقد وردَ التشديدُ العظيمُ في الحلفِ الكاذبِ باللَّهِ، ولا تصدرُ كثرةُ الحلفِ\nباللَّهِ إلامن الجهلِ باللَّهِ تعالَى، وقلةِ هيبتهِ في الصدورِ.\nومما يلزمُ المؤمن حفظَهُ رأسهُ وبطنَهُ، كما في حديثِ ابنِ مسعودٍ - ﵁ - المرفوع:\n\"الاستحياءُ من اللَّهِ حقَّ الحياءِ أن يحفظَ الرأسَ وما وعَى، ويحفظَ البطنَ وما\nحوَى\".\nخرَّجهُ الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ.\nوحفظُ البطنِ وما حَوى: يتضمُن حفظَ القلبِ عن الإصرارِ على محرمٍ.\nوقد جمَع اللَّهُ ذلكَ كلَّه في قولِه تعالى: (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) .\nويدخلُ في حفظِ البطنِ وما حَوى: حفظُه من إدخالِ الحرامِ إليهِ من\nالمأكولاتِ والمشروباتِ.\nومما يجبُ حفظُه من المنهياتِ: حفظُ اللسانِ والفرج.\nوفي حديثِ أبي هريرةَ - ﵁ -:\n\"من حفظ ما بين لحييهِ وما بينَ رجليهِ دخلَ الجنةَ\".\nخرَّجه الحاكم.\nوخرَّجه البخاريُّ من حديثِ سهلِ بنِ سعدٍ - ﵁ -\nعن النبيِّ - ﷺ - ولفظه:\n\"من يضمنُ لي ما بينَ لحييهِ ورجليهِ، أضمنُ له الجنةَ\".\nوفي \"مسند الإمام أحمد\"\nعن أبي موسى عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"من حفظَ ما بين فقميه وفرجيهِ دخلَ الجنةَ\".","vol":"2","page":309},{"text":"وقد أمرَ اللَّهُ بحفظِ الفرج خاصةً ومدحَ الحافظين له قالَ اللَّهُ تعالى:\n(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فروجَهُمْ) .\nوقال تعالى: (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهًمْ وَالْحَافِظَاتِ) .\nوقال تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) .\nوقد روى عن أبي إدريس الخولاني أن أول ما وصَّى اللَّهُ آدمَ عندَ إهباطه\nإلى الأرضِ بحفظِ فرجِهِ، وأن لا يضعَهُ إلا في حلالٍ.\n* * *\nوقوله - ﷺ -: \"يحفظكَ \" يعني: أنَّ من حفظَ حدودَ اللَّهِ، وراعَى حقوقَه، حفظَهُ اللَّهُ، فإنَّ الجزاءَ من جنسِ العملِ، كمَا قالَ تعالى: (أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكمْ)، وقال: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) .\nوقال: (إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصرْكُمْ) .\nوحفظُ اللَّهِ لعبدِهِ يدخلُ فيه نوعانِ:\nأحدُهما: حفظُه له في مصالح دنياهُ، كحفظِهِ في بدنِهِ وولدِهِ وأهلِهِ ومالِهِ.\nقالَ اللَّهُ ﷿: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ منْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ) .\nقال ابنُ عباسٍ: هم الملائكةُ يحفظونَهُ بأمرِ اللَّهِ فإذَا جاءَ القدرُ\nخلَّوا عنهُ.\nوقال عليٌّ - ﵁ -: إنَّ مع كلِّ رجل ملكينِ يحفظانِهِ مما لم يقدَّر فإذا جاءَ القدرُ خلَّيا بينهُ وبينهُ، وإنَّ الأجل جُنَّة حصينة.","vol":"2","page":310},{"text":"وقال مجاهدٌ: ما مِن عبدٍ إلا له ملكٌ يحفظُه في نومِهِ ويقظتِهِ من الجن\nوالإنسِ والهوامِّ، فما من شيءٍ يأتيهِ إلا قالَ: وراءَك، إلا شيئًا أذنَ اللَّهُ فيه\nفيصيبُهُ.\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ من حديثِ ابنِ عمرَ، قالَ:\nلم يكنْ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - يدعُ هؤلاءِ الدَّعواتِ حين يُمسي وحين يُصبحُ: \"اللهمَّ إني أسألُكَ العافية في الدنيا والآخرةِ، اللهمَّ إني أسألك العفوَ والعافيةَ في ديني ودنيايَ وأهلِي ومالِي، اللهمَّ استُر عورتي، وآمن روعاتي، واحفظنِي من بين يديَ ومن خلِفي.\nوعن يميني وعن شالِي ومن فوقِي، وأعوذُ بعظمتِكَ أن أُغتَالَ من تحتِي \".\nومَن حفظَ اللَّهَ في صباهُ وقوتِه، حفظَهُ اللَهُ في حالِ كبرهِ وضعفِ قوّته.\nومتَّعهُ بسمعِهِ وبصر وحولهِ وقوَّته وعقلِهِ.\nكان بعضُ العلماءِ قد جاوزَ المائةَ سنة وهو ممتَّعٌ بقوَّته وعقلِهِ، فوثب يومًا\nوثبةً شديدةً، فعُوتبَ في ذلكَ، فقالَ: هذه جوارحُ حفظناهَا عن المعاصِي في\nالصِّغر، فحفظَهَا اللَّهُ علينا في الكبرِ.\nوعكسُ هذا: أن بعضَ السلف رأى شيخًا يسألُ الناسَ، فقالَ: إن هذا\nضيَّع اللَّهَ في صغرِه، فضيَّعهُ اللَّهُ في كبره.\nوقد يحفظُ اللَّهُ العبدَ بصلاحِهِ بعدَ موتِهِ في ذريَته، كَما قِيل في قولِه\nتعالى: (وَكَانَ أَبوهُمَا صَالِحًا): إنَّهما حُفظا بصلاح أبيهما.\nقال سعيدُ بن المسيب لابنِهِ: لأزيدن في صلاتِي مِن أجلكَ، رجاءَ أن","vol":"2","page":311},{"text":"أُحفظَ فيكَ، ثم تلا هذه الآية: (وَكَانَ أَبوهُمَا صَالِحًا) .\nوقالَ عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ: ما منْ مؤمنٍ يموتُ إلا حفظَهُ اللَّهُ في عقبِهِ وعقبِ عقبهِ.\nوقال ابنُ المنكدرِ: إن اللَّهَ ليحفظُ بالرجلِ الصالح ولدَه وولدَ ولده\nوالدويراتِ التي حولَهُ، فما يزالونَ في حفظٍ من اللَّهِ وسترٍ.\nومتى كانَ العبدُ مشتغلًا بطاعةِ اللَّهِ، فإن اللَّهَ يحفظُهُ في تلكَ الحالِ، وفي\n\"مسندِ الإمامِ أحمدَ\" عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ:\n\"كانتِ امرأةٌ في بيتٍ، فخرجتْ في سريَّة من المسلمينَ، وتركتْ ثنتي عشرة عنزا وصيصيتها كانتْ تنسجُ بِهَا، قالَ: ففقدتْ\nعنزًا لها وصيصيتها، فقالتْ: يا ربِّ، إنَّكَ قد ضَمنتَ لمنْ خرجَ في سبيلِكَ أن تحفظَ عليهِ، وإنِّي قد فَقدتُ عنزًا من غنمِي وصيصيتِي، وإنِّي أنشُدُكَ عنزِي وصيصيتي \".\nقالَ: وجعلَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يذكر شدَّة مناشدتِهَا ربَّها ﵎، قال رسول اللَّهِ - ﷺ -:\n\"فأصبحت عنزُها ومثلُها، وصيصيتُها ومثلُها \".\nوالصيصيةُ: هي الصِّنارةُ التي يُغزلُ بها ويُنسجُ.\nفمن حفظَ اللَّهَ حفظهُ اللَّهُ من كلِّ أذى.\nقال بعضُ السلفِ: من اتقى اللَّهَ، فقد حفظَ نفسَهُ، ومن ضيَع تقواهُ، فقد ضيَّع نفسَهُ، واللهُ الغنيّ عنهُ.\nومن عجيبِ حفظِ اللَّه لمن حفظَهُ أن يجعلَ الحيواناتِ المؤذيةِ بالطبع حافظةً\nله من الأذَى، كما جرى لسفينةَ مولَى النبيِّ - ﷺ - حيث كُسرَ به المركبُ، وخرج إلى جزيرة، فرأى الأسدَ، فجعلَ يمشِي معهُ حتَّى دلَّه على الطريقِ، فلمَّا أوقفَهُ عليها، جعلَ يُهمهِمُ كأنَّه يُودِّعُهُ، ثم رجعَ عنه.","vol":"2","page":312},{"text":"ورُوي أنَّ إبراهيمَ بنَ أدهم كانَ نائمًا في بستانٍ وعنده حيةٌ في فمها طاقةُ\nنرجسٍ، فما زالت تذبُّ عنه حتَّى استيقظ.\nوعكسُ هذا، أن من ضيعَ اللَّه، ضيَّعهُ اللَّهُ، فضاع بين خلقِهِ حتى يدخلَ\nعليه الضررُ والأذى ممنَ كانَ يرجُو نفعَهُ من أهلهِ وغيرِهم، كما قالَ بعضُ\nالسلفِ: إني لأعصِي اللَّهَ، فأعرِفُ ذلكَ في خُلُقِ خادمِي ودابتي.\nالنوعُ الثانِي من الحفظِ: وهو أشرفُ النوعينِ: حفظُ اللَّهِ للعبدِ في دينهِ\nوإيمانهِ، فيحفظُه في حياتِه من الشبهاتِ المُضِلَّةِ، ومن الشهواتِ المحرَّمةِ.\nويحفظُ عليه دينه عند موتِهِ، فيتوفاه على الإيمانِ.\nقال بعضُ السلفِ: إذا حضرَ الرجلُ الموتَ يقالُ للملكِ: شمَّ رأسَهُ، قالَ:\nأجدُ في رأسِهِ القرآنَ، قالَ: شمَّ قلبه، قال: أجد في قلبهِ الصيامَ، قال: شمَّ قدميهِ، قالَ: أجد في قدميه القيامَ، قالَ: حفظَ نفسَه، فحفظهُ اللَّهُ.\nوفي \"الصحيحينِ \" عن البراءِ بن عازبٍ عن النبيِّ - ﷺ - أنه أمرَهُ أن يقولَ عندَ منامِهِ: \"إن قبضتَ نفسِي، فارحمْهَا، وإنْ أرسلتَها، فاحفظهَا بما تحفظُ به عبادَك الصالحينَ \".\nوفي حديثِ عمرَ أن النبيَّ - ﷺ - علَّمَهُ أن يقولَ:\n\"اللَّهمَّ احفظِني بالإسلام قائمًا، واحفظِني بالإسلامِ قاعِدًا، واحفظنِي بالإسلامِ راقِدًا، ولا تُطعْ فيَّ عدوًّا ولا حاسِدًا\".\nخرَّجَه ابنُ حبانَ في \"صحيحه \".\nوكان النبيُّ - ﷺ - يودع من أرادَ سفرًا، فيقولُ: \"أستودع الله دينكَ وأمانتَكَ وخواتِيمَ عملك \"،","vol":"2","page":313},{"text":"وكان يقولُ: \"إن اللهَ إذَا استُودِعَ شيئا حفظهُ \".\nخرَّجَهُ النسائيُّ وعيره\nوفي الجملةِ، فإنَّ اللَّهَ ﷿ يحفظُ على المؤمنِ الحافظِ لحدودِ دينهِ.\nويحُولُ بينه وبين ما يُفسدُ عليه دينَه بأنواع منَ الحفظ، وقد لا يشعرُ العبدُ\nببعضِهَا، وقد يكونُ كارِهًا له، كما قالَ في حقِّ يوسُف ﵇:\n(كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) .\nقال ابنُ عباسٍ في قوله تعالَى: (أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) .\nقال: يحولُ بين المؤمنِ وبين المعصيةِ التي تجرهُ إلى النارِ.\nوقال الحسنُ - وذكرَ أهلَ المعاصِي -: هانُوا عليهِ، فعَصوْه، ولو عزُّوا عليه لعصمَهُم.\nوقال ابنُ مسعودٍ: إنَّ العبدَ ليهمُّ بالأمرِ من التجارةِ والإمارةِ حتى يُيسر لهُ.\nفينظرُ اللَهُ إليه فيقولُ للملائكةِ: اصرفوه عنهُ، فإنهُ إن يسرتُهُ له أدخلتُه النارَ، فيصرفه اللَّهُ عنهُ، فيظلُّ يتطيَّرُ يقولُ: سبقنِي فلانٌ دهانِي فلان، وما هو إلا فضلُ اللَّهِ ﷿.\nوخرَّج الطبرانيُّ من حديثِ أنسٍ عن النبيِّ - ﷺ -:\n\" يقولُ اللَهُ ﷿: إن من عبادِي من لا يُصلحُ إيمانَهُ إلا الفقرُ، وإن بسطتُ عليه أفسدَهُ ذلكَ، وإن من عبادِي من لا يصلحُ إيمانَه إلا الغِنى، ولو أفقرتُه، لأفسدَهُ ذلكَ، وإنَّ من عبادِي من لا يصلحُ إيمانَهُ إلا\nالصّحَّةُ، ولو أسقمتُهُ لأفسدَهُ ذلكَ، وإنَّ من عبادِي مَن لا يصلحُ إيمانُه إلا السقمُ،","vol":"2","page":314},{"text":"ولو أصححتُهُ لأفسدَهُ ذلكَ، وإن من عبادِي من يطلبُ بابَا من العبادةٍ فأكفُّه عنهُ، لكيلا يدخلهُ العُجبُ، إني أدبرُ عبادِي بعلمِي بما في قلوبِهِم، إنِّي عليمٌ خبيرٌ.\n* * *\nقوله تعالى: (مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)\nقال الفضيلُ في قولِهِ تعالى: (مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ)\nقال: \"هو الرجلُ يذكرُ ذنوبَهُ في الخلاءِ فيستغفرُ اللهَ منهَا\".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>قوله تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)</span>\nوقال الحكمُ: سُئِل أبو مجلز عن الرجلِ يضعُ إحْدَى رجليهِ على الأُخْرَى؟\nفقالَ: لا بأسَ بِهِ، إنَما هذا شيء قالهُ اليهودُ: إن اللَّهَ لَمَّا خَلقَ السماواتِ\nوالأرضَ استراحَ، فجلسَ هذه الجلسةَ، فأنزلَ اللَّهُ ﷿:\n(وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) .\nخرَّجه أبو جعفر ابنُ أبي شيبةَ في \"تاريخِهِ \".\nوقد ذكرَ غيرُ واحدِ من التابعينَ: أنَّ هذهْ الآيةَ نزلت بسببِ قولِ اليهود:\nإنَّ اللَّهَ خلقَ السماواتِ والأرضَ في ستةِ أيامِ ثم استراحَ في اليومِ السابع.\nمنهُم: عِكرمةُ وقتادةُ.","vol":"2","page":315},{"text":"فهذا كلامُ أئمةِ السلفِ في إنكارِ ذلكَ ونسبتهِ إلى اليهودِ، وهذا يدلُّ على\nأن الحديثَ المرفوعَ المرويّ في ذلكَ لا أصلَ لرفعِهِ، وإنَّما هو متلقى عن\nاليهودِ، ومَن قالَ: إنَّه على شرطِ الشيخينِ فقدْ أخطأ.\nوهو من روايةِ محمدِ بنِ فُليح بنِ سليمانَ، عن أبيهِ، عن سعيدِ بنِ\nالحارثِ، عن عُبيدِ بنِ حُنين: سمعَ قتادةَ بنَ النعمانِ يحدثُهُ، عن النبيِّ - ﷺ - بمعنى قولِ أبي مُجلز.\nوفي آخرِه: وقالَ ﷿: \" إنها لا تصلحُ لبشر\".\nوعُبيد بنُ حُنين، قيلَ: إنه لمْ يسمعْ من قتادةَ بنِ النعمانِ -:\nقالَهُ البيهقيُّ.\nوفُليحٌ، وإن خرَّج له البخاريُّ فقد سبقَ كلامُ أئمةِ الحفاظِ في تضعيفِهِ.\nوكان يحيى بنُ سعيدٍ يقشعِرُّ من أحاديثِهِ، وقال أبو زُرعةَ - فيما رواه عنه\nسعيد البرذعيّ -: فُليحٌ واهي الحديثِ، وابنُهُ محمدٌ واهي الحديثِ.\nولو كان النبي - ﷺ - يروِي عن ربِّه أنه قالَ:\n\"إنها لا تصلحُ لبشرٍ\"\nلم يفعله رسول اللَّه - ﷺ -، ولو كان قد انتسخ فِعله الأول بهذا النهي لم يستمر على فعله خلفاؤه الراشدون الذين هم أعلمُ أصحابهِ به، وأتبعهم لهديه وسنته.\nوقد رُوي عن قتادَة بنِ النعمانِ من وجهٍ آخر منقطع، من روايةِ سالمٍ أبي\nالنضر، عن قتادةَ بنِ النعمانِ - ولم يدركْهُ -، أنه رَوَى عن النبي - ﷺ -، أنه نهى عن ذلكَ.\nخرَّجه الإمامُ أحمد.\nوهذا محتملٌ، كما رواه عنه جابرٌ وغيرُه. فأما هذه الطَّامةُ، فلا تحتملُ\nأصلًا.","vol":"2","page":316},{"text":"وقد قيلَ: إن هذا مما اشتبهَ على بعضِ الرواةِ فيه ما قالَهُ بعضُ اليهود.\nفظنه مرفوعًا فرفَعَهُ، وقد وَقَعَ مثلُ هذا لغيرِ واحدٍ من متقدمِي الرواةِ، وأُنكرَ ذلك عليهِم، وأنكرَ الزبيرُ على من سَمِعَهُ يحدثُ عن النبيِّ - ﷺ -، وقالَ: إنَّما حكاه النبي - ﷺ - عن بعضِ أهلِ الكتابِ.\nفرَوَى مسلمُ بنُ الحجاج في \"كتابِ التفصيلِ\" والبيهقيُّ في \"المدخلِ \" من\nروايةِ ابنِ أبي الزِّناد، عن هشامِ بن عُروةَ، عن عبدِ اللهِ عُروةَ، عن عُروةَ.\nأن الزبيرَ سمع رجلًا يحدثُ حديثًا عن النبيّ - ﷺ -، فاستمعَ الزبيرُ له، حتَى إذا قَضَى الرجلُ حديثَه قال لهُ الزبيرُ: أنتَ سمعتَ هذا من رسولِ اللهِ - ﷺ -؟\nقال الرجلُ: نعم.\nفقالَ الزبيرُ: هذا وأشباهه مما يمنعَنا أن نحدثَ عن رسولِ\nاللَّه - ﷺ -، قد - لعمرِي - سمعتُ هذا من رسولِ اللَّهِ - ﷺ - وأنا يومئذٍ حاضر، ولكنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - ابتدأ هذا الحديثَ، فحدثناهُ عن رجلٍ من أهلِ الكتابِ\nحدَّثه إياه، فجئتَ أنتَ بعد أن تقضَّى صدرُ الحديثِ وذكرُ الرجلِ الذي من\nأهلِ الكتابِ، فظننتَ أنه من حديث رسولِ اللَّه - ﷺ -.\nوروى مسلمٌ - أيضًا - في \"كتابِ التفصيلِ \" بإسنادٍ صحيح، عن بُكيرِ\nابنِ الأشَج، قالَ: قال لنا بُسر بنُ سعيدٍ: أيها الناسُ، اتقوا الله، وتحفظُوا في الحديثِ، فواللَّهِ لقد رأيتُنَا نجالسُ أبا هريرةَ، فيحدثنا عن رسول اللَّهِ - ﷺ -.\nويحدثُنا عن كعبٍ، ثم يقومُ، فأسمعُ بعضَ من كانَ معنا يجعلُ حديثَ\nرسول اللَّهِ - ﷺ - عن كعب، ويجعل حديثَ كعبٍ عن رسولِ اللَّهِ - ﷺ -.","vol":"2","page":317},{"text":"ولو ذكرنا الأحاديثَ المرفوعةَ التي أُعِلَّت بأنها موقوفة: إمَّا على عبدِ\nاللَّهِ بن سلام، أو على كعبٍ، واشتبهتْ على بعضِ الرواةِ فرفَعَها، لطالَ\nالأمرُ.\n* * *","vol":"2","page":318},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-282>سُورَةُ الذَّارِيَاتِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>قوله تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)</span>\nوقال سفيانُ الثوريُّ: قرأ واصِلٌ الأحدبُ هذه الآية: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ)، فقالَ: ألا إنَّ رزقي في السماءِ وأنا أطلبُه في\nالأرضِ؟ فدخل خَربةً، فمكث ثلاثا لا يُصيب شيئًا، فلمَّا كان اليومُ الرابعُ، إذ هو بدوخَلَّةٍ من رُطَبٍ، وكانَ له أخ أحسن نيةً منه، فدخلَ معه فصارتَا\nدوخَلَتينِ، فلم يزلْ ذلك دأبُهما حتَّى فرَّق الموتُ بينهما.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>قوله تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)</span>\nإن اللَّهَ تعالى خلقَ الخلقَ وأوجدَهُم لعبادَتِهِ الجامعةِ لخشيتهِ ورجائه ومحبتهِ\nكما قال تعالى: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) .\nوإَنَّما يُعبدُ اللَّهُ سبحانه بعد العلم به ومعرفتهِ، فبذلكَ خلقَ السمواتِ والأرضَ وما فيهما للاستدلالِ بهمَا على توحيدِهِ وعظمتِهِ كما قالَ تعالَى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢) .\nوقد عُلِمَ أنَّ العبادةَ إنما تُبنى على ثلاثةِ أصول: الخوفِ، والرجاءِ، والمحبةِ.","vol":"2","page":319},{"text":"وكلٌّ منهما فرضٌ لازِم، والجمعُ بين الثلاثةِ حتم واجبا، فلهذا كانَ\nالسلفُ يذمونَ من تعبَّدَ بواحدٍ منها وأهملَ الآخَرَينِ، فإن بدعَ الخوارج ومن\nأشبهَهُم إنما حدثتْ من التشديدِ في الخوفِ والإعراضِ عن المحبةِ والرجاءِ.\nوبدعُ المرجئةِ نشأتْ من التعلقِ بالرجاءِ وحدَهُ والإعراض عن الخوفِ، وبدعُ\nكثيرٍ من أهلِ الإباحةِ والحلول ممن يُنسبُ إلى التعبدِ نشأتْ من إفرادِ المحبةِ\nوالإعراضِ عن الخوفِ والرجاءِ.\nوقد كثُرَ في المتأخرينَ المنتسبينَ إلى السلوكِ تجريدُ الكلامِ في المحبةِ وتوسيعُ\nالقول فيها بما لا يُساوي على الحقيقةِ مثقال حبةٍ، إذ هو عار عن الاستدلال\nبالكتابِ والسنةِ، وخال من ذكرِ كلامِ مَنْ سلفَ من سلفَّ الأمةِ وأعيانِ\nالأئمةِ، وإنَّما هو مجردُ دعاوى، قد تُشرِفُ بأصحابِهَا على مَهَاوِي، وربما\nاستشهدُوا بأشعارِ عشاقِ الصورِ، وفي ذلكَ ما فيه من عظيم الخطرِ، وقد\nيحكونَ حكاياتِ العشاقِ، ويشيرونَ إلى التأدبِ بما سلكُوه من الآدابِ\nوالأخلاق، وكل هذا ضررُه عظيمٌ، وخطرُه جسيم، وقد يكثِر ذكرَ المحبةِ.\nويعيدُها ويبديها مَنْ هو بعيدٌ عن التلبسِ بمقدماتِها ومبادِيها، وما أحسنَ قول\nذي النونِ رحمه اللَهُ تعالى وقد ذُكِرَ عنده الكلامُ في المحبةِ فقال:\n\"اسكُتُوا عن هذه المسألةِ لا تسمعُهَا النفوسُ فتدَّعِيها\"، فإن النفوسَ ممتلثة من الكبرِ والفخرِ والغرورِ، \"والمتشبعُ بمما لم يُعطَ كلابسِ ثوبي زور\".\nوكثير ما تقترنُ دعوى المحبةِ بالشطح والإدلال وما ينافي العبوديةَ من الأقوال والأفعال.\n* * *","vol":"2","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>سُورَةُ النَّجْم</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>قوله تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١)</span>\nوقدْ أفْتَى قاضي القضاةِ أبو بكرٍ محمدُ بنُ المظفرِ الشاميُّ الشافعيُّ - وكانَ\nأحدَ العُلماءِ الصَّالحينَ الزُّهادِ، الحاكمينَ بالعدلِ وكانَ يُقالُ عنْهُ: لو رُفِعَ\nمذهبُ الشافعيِّ من الأرضِ لأمْلاهُ من صدرِه - بتحريمِ الغناءِ، وهذه صورةُ\nفُتياهُ بحروفِهَا، قال: لا يجُوزُ الضربُ بالقضيبِ ولا الغناءُ ولا سماعُه، ومن\nأضافَ هذا إلى الشافعيِّ فقدْ كذبَ عليهِ.\nوقد نصَّ الشافعيّ في كتابِ \"أدبِ القضاءِ\": أنَّ الرجلَ إذا داوَم على سماع الغناءِ، رُدّتْ شهادته، وبطلتْ عدالتُه.\nوقال اللَّه تعالى: (أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) .\nقاِل ابنُ عباسٍ: معناه تُغَنُّون بلغةِ حِمير.\nوقال اللَّهُ عزَّ جلَّ: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) جاءَ في التفسير: أنه الغناءُ والاستماعُ إليهِ.\nورُوي عن رسُول اللَّهِ - ﷺ - أنَّه قالَ:\n\"إن اللهَ كَرِهَ صوتينِ أحمقَينِ فاجِرَينِ: صوتٌ عند نعمة، وصوتٌ عندَ مصيبة\".\nيُريد بذلكَ الغناءَ والنوحَ.\nوقال ابنُ مسعود: الغنًاءُ خِطبةُ الزِّنا.\nوقالً مكحول: الغناءُ ينبتُ النفاقَ في القلبِ، كما ينبتُ السَّيلُ البقْلَ. واللَّه أعلم.","vol":"2","page":321},{"text":"هذا جوابُ محمدِ بنِ المظفرِ الشاميّ الشافعيِّ. ثم كتبَ بعدَهُ موافقةً له\nعلى فُتياه، جماعةٌ من أعيانِ فقهاءِ بغدادَ: من الشافعيةِ والحنفيّةِ والحنبليَّةِ في\nذلكَ الزَّمانِ، وهو عصرُ الأربع مائةَ.\nوهذا يخالفُ قولَ كثيرٍ من الشافعيَّةِ، في حمل كلامِ الشافعي على كراهةِ التنزيهِ.\nوالمعنى المقتضِي لتحريمِ الغناءِ: أنَّ النفوسَ مجبولة على حُبِّ الشهواتِ.\nكما قالَ تعالى: (زُيِنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النسَاءِ) الآية، فجعلَ\nالنساءَ أوّلَ الشهواتِ المزينةِ.\nوالغناءُ المشتملُ على وصفِ ما جُبلتِ النفوسُ على حبِّه، والشَّغفِ به - من الصُّوَر الجميلةِ - يُثيرُ ما كمنَ في النفوسِ من\nتلك المحبّةِ ويُشوِّقُ إليها، ويُحرِّكُ الطبعَ ويزعجُه، ويخرجُه عن الاعتدالِ.\nويؤُزُّه إلى المعاصِي أزًّا.\nولهذا قِيل: إنه رقيةُ الزنا.\nوقد افتُتن بسماع الغناء، خلقٌ كثيرٌ فأخرَّجَهُم استماعُه إلى العشقِ، وفُتنوا\nفي دينهِم، فلو لم يرِد نصٌّ صريح في تحريمِ الغناءِ بالشعرِ الذي تُوصفُ فيه\nالصُّورُ الجميلة لكانَ محرَّمًا بالقياسِ على النظرِ إلى الصُّورِ الجميلةِ التي يحرمُ\nالنظرُ إليها بالشهوةِ، بالكتابِ والسنةِ وإجماع من يُعتدُّ به من علماءِ الأمةِ.\nفإنَّ الفتنةَ كَما تحصُلُ بالنظرِ والمشاهدةِ، فكذلك تحصُلُ بسماع الأوصافِ.\nواجتلائِها من الشعرِ الموزونِ المحرك للشهواتِ.\nولهذا نهى النبيُّ - ﷺ - أن تصفَ المرأةُ المرأةَ لزوجها، كأنّه ينظرُ إليها.\nلِمَا يُخشى من ذلكَ من الفتنةِ.\nوقد جعلَ النبيُّ - ﷺ - زِنا العينينِ النظرَ.\nوزنا الأذنينِ الاستماع.\nوقالَ أبو هريرةَ - ﵁ -: ثلاث فاتناتٌ مُفتناتٌ يُكببنَ في","vol":"2","page":322},{"text":"النارِ: رجلٌ ذُو صور حسنة، فاتنٌ مفتونٌ به يُكبُّ في النار، ورجلٌ ذو شعر\nحسن، فاتن مفتون به يُكَمث في النارِ، ورجل ذو صوت حسن، فاتن مفتون به يُكبُّ في النارِ.\nخرَّجَه حميد بن زنجويه في \"كتابِ الأدَّبَ \".\n* * *","vol":"2","page":323},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-287>سُورَةُ القَمَرِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>قوله تعالى: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)</span>\nومن أنواع عذابِهم سحبُهم في النَّارِ على وجوهِهم، قالَ اللَّهُ تعالى:\n(إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٤٧) يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) .\nوقالَ تعالى: (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) .\nقالَ قتادةُ: يسحبُونَ في النارِ مرةً وفي الحميم مرةً، وقالَ تعالى:\n(يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦) .\nوقالَ قتادةُ: قالَ ابنُ عباس (صَعُودًا): صخرة في جهنمَ يُسحَبُ\nعليها الكافرُ على وجهِه.\nوقالَ كعب: يقولُ اللَّهُ ﷿ للإمامِ الجائرِ: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) .\nفيُسحَبُ على وجهِه في النَّارِ، فينتثرُ لحمهُ وعظامُه ومخهُ.\nوقالَ ثابتٌ أبو زيد القيسيُّ، عن عاصم الأحول، عن أبي منصورٍ مَولى\nسليم أن ابنَ عباس قالَ: (يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ) .\nقالَ أبو زيدٍ: أُراه قالَ: ينسلخُ كل شيءٍ عليه من جلدٍ ولحم وعروق وأعصابٍ حتَى","vol":"2","page":324},{"text":"يصيرَ في عقبيهِ جسدٌ من لحمِهِ مثلُ طولِه، وطولُهُ ستونَ ذراعًا، ثمَّ يُكسَى\nجلدًا آخرَ، ثمَّ يسجرُ في الحميم.\nخرَّجُه كلَّه ابنُ أبي حاتمٍ.\n* * *","vol":"2","page":325},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-289>سُورَةُ الرَّحْمَنِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>قوله تعالى: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)</span>\nإنَّ الشتاء له مشرقٌ ومغربٌ، والصيفَ كذلك، ولهذا ثَنَّاهما اللَّه تعالى في\nقولِهِ: (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧) .\nوجمعَهما في قولهِ: (بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ)، باعتبار مشارق الشتاءِ والصيفِ والخريفِ والربيع؛ فإن لكلِ يومٍ من السنةِ مطلعًا مشرقًا خاصا ومغربًا خاصا.\nوأفردَهما في قوله: (رَبُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ)، باعتبار الجنسِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>قوله تعالى: (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)</span>\nوقد ضمِنَ اللَّهُ سبحانَهُ الجنةَ لمن خافَهُ من أهلِ الإيمانِ، فقالَ تعالَى:\n(وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)\nقال مجاهد: في هذه ِ الآية: اللَّهُ قائمٌ على كلِّ نفسٍ بما كسبتْ، فمن أرادَ أن يعملَ شيئًا فخافَ مقامَ ربِّه عليه، فله جنتان.\nوعنه أنه قال: هو الرجلُ يذنبُ فيذكرُ مقامَ اللَّهِ فيدعهُ.\nوعنه قال: هو الرجلُ يهمُّ بالمعصيةِ فيذكرُ اللَّهَ فيترُكُها.","vol":"2","page":326},{"text":"وقال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ: وعد اللَّهُ المؤمنينَ الذين خافُوا\nمقامَهُ وأدَّوا فرائِضَهُ الجنةَ.\nوعن الحسنِ، قالَ: قالتِ الجنةُ: يا ربِّ لمنْ خلقْتني، قالَ: لمن يعبدُني\nوهو يخافُني.\nوقال يزيدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الشخيرِ: كنَّا نحدَّثُ أنَّ صاحبَ النارِ الذي لا\nتمنعُهُ مخافةُ اللَّهِ من شيءٍ خفي له.\nوعن وهبِ بنِ منبهٍ، قال: ما عُبدَ اللَّهُ بمثلِ الخوفِ.\nوقال أبو سليمانَ الدارانيُّ: أصلُ كل خيرٍ في الدنيا والآخرةِ الخوفُ من\nاللَّهِ ﷿، وكلُّ قلب ليسَ فيه خوفُ اللَّهِ فهو قلب خربٌ.\nوقال وهيبُ بنُ الوردِ: بلغنا أنَّه ضُرب لخوفِ اللَّهِ مثل في الجسدِ، قيلَ:\nإنما مثلُ خوفِ اللَهِ، كمثلِ الرجلِ يكونُ في منزلِهِ فلا يزالُ عامِرًا ما دامَ فيه\nرتُه، فإذا فارقَ المنزلَ ربُّه وسكنَهُ غيرُه خربَ المنزلُ، وكذلكَ خوفُ اللَّهِ\nتعالَى، إذا كانَ في جسدٍ لم يزلْ عامِرًا ما دامَ فيه خوفُ اللَهِ، فإذا فارقَ\nخوفُ الله الجسدَ خربَ، حتى إنَّ المار يمرُّ بالمجلسِ من الناسِ فيقولونَ: بِئسَ\nالعبدُ فلان، فيقولُ بعضُهم لبعضٍ: ما رأيتم منه؟\nفيقولونَ: ما رأينا منه شيئًا غيرَ أنَا نبغضه، وذلك أن خوفَ اللَّهِ فارقَ جسدَه، وإذا مر بهم الرجلُ فيه خوفُ اللَّهِ، قالُوا: نِعْمَ واللهِ الرجلُ، فيقولونَ: أيَّ شيءٍ رأيتم منه؟\nفيقولونَ: ما رأينا منه شيئًا غيرَ أنَّا نحته.\nوقال الفضيلُ بنُ عياضٍ: الخوفُ أفضلُ من الرجاءِ ما كَانَ الرجلُ\nصحيحًا، فإِذا نزلَ الموتُ فالرجاءُ أفضلُ.","vol":"2","page":327},{"text":"وسُئلَ ابنُ المبارك عن رجلينِ، أحدُهما خائفٌ والآخرُ قتيلٌ في سبيلِ اللَّهِ\n﷿، قال: أحبُّهما إلىَّ أخوفُهُما.\n* * *","vol":"2","page":328},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-292>سُورَةُ الوَاقِعَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>قوله تعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)</span>\nوقال محمدُ بن كعبٍ القُرظِيُّ في قولهِ تَعالى: (إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢) خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣) .\nقال: تخفض رجالًا كانُوا في الدّنيا مرتفعينَ، وترفعُ رجالًا كانوا في الدُّنيا مخفوضين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>قوله تعالى: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)</span>\nقالَ اللَّهُ تعالى: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) .\nقالَ ابنُ عباسٍ؛ ظلٌّ من دخانٍ، وكذا قالَ مجاهدٌ وعكرمةُ وغيرُ واحدٍ.\nوعن مجاهدٍ قالَ: ظل من دخانِ جهنمَ، وهو السَّمُومُ؛ وقالَ أبو مالكٌ:\nاليحمومُ: ظلٌّ من دخانِ جهنمَ.\nقالَ الحسنُ وقتادةُ في قولهِ: (لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ) لا باردُ المدخلِ، ولا كريمُ المنظرِ؛ والسَّمُومُ: هو الريحُ","vol":"2","page":329},{"text":"الحارةُ، قالَه قتادةُ وغيرُه.\nوهذه الآية ُ تضمنتْ ذكرَ ما يُتبردُ به في الدُّنيا من الكربِ والحرِّ وهو ثلاثة:\nالماءُ والهواءُ والظلُّ، فهواءُ جهنمَ: السمومُ وهو الريحُ الحارَةُ الشديدةُ الحرِّ، وماؤُها الحميمُ الذي قدْ اشتدَّ حرُّهُ، وظلُّها اليحمومُ وهو قطعُ دخانِها، أجارَنا اللهُ من ذلك كلِّه بكرمِه ومنِّه.\nوقالَ تعالى: (انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ) .\nقالَ مجاهد:\nهو دخانُ جهنمَ: اللهبُ الأخضرُ والأسودُ والأصفرُ الذي يعلو النَّارُ إذا\nأُوقِدتْ.\nقالَ السديُّ في قولهِ: (إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ)، قال: زعمُوا أن\nشررَها ترمي به، كأصولِ الشجرِ ثمَّ يرتفعُ فيمتدُّ.\nوقالَ القرظيُّ: على جهنمَ سور فما خرج من وراءِ سورِها يخرجُ منها في عظم القصورِ ولونِ القارِ.\nوقال الحسنُ والضحاكُ في قوله: (كالْقَصْرِ) هو كأصولِ الشجرِ العظامِ.\nوقالَ مجاهد: قطعُ الشجرِ والجبلِ.\nوصحَّ عن ابنِ مسعودٍ قالَ: شرر كالقصورِ والمدائنِ.\nورَوى عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ قالَ: (بِشَرَرٍ كالْقَصْرِ)\nيقولُ: كالقصرِ العظيم.\nوفي \"صحيح البخاريّ \" عن ابنِ عباس، قالَ: كنا نرفعُ من الخشبِ\nبقصرِ ثلاثةَ أذرع أو أقلَّ نرفعُه للشتاءِ، نُسميه القصرَ.\nوقولُه: (كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ)، قالَ ابنُ عباسٍ: حبالُ السفنِ\nيُجمَعُ بعضُها إلى بعضٍ تكونُ كأوساطِ الرجالِ.\nوقالَ مجاهد: هي حبالُ الجسورِ،","vol":"2","page":330},{"text":"وقالتْ طائفة: هي الإبلُ، منهم الحسنُ وقتادةُ والضحاكُ، وقالوا:\nالصفرُ هي السودُ.\nورُوي عن مجاهدٍ أيضا.\nوقالَ عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ في قولهِ: (جِمَالَتٌ صُفْرٌ)\nيقولُ: قِطَعُ النحاسِ.\nقال اللَّهُ ﷿: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ) .\nقال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ (شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ) يقولُ: لهبُ النَّارِ (وَنُحَاسٌ) يقولُ: دخانُ النارِ. ْ\nوكذا قالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ وأبو صالح وغيرُهما إنَّ النحاسَ: دخانُ النَارِ.\nوقالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ عن ابنِ عباس (شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ) قالَ: دخانٌ.\nوقال أبو صالح: الشواظُ: اللهبُ الذي فوقَ النَّارِ ودونَ الدخانِ.\nقالَ منصور عن مجاهدٍ: الشواظُ: هو اللهب الأخضرُ المتقطعُ.\nوعنه قالَ: الشواظُ: قطعة من النَّارِ فيها خُضرة.\nقالَ الحسينُ بنُ منصورٍ: أخرج الفضيلُ بنُ عياضٍ رأسه من خوخةٍ فقالَ\nمنصورٌ عن مجاهدٍ: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلا تَنتَصِرَانِ)\n، ثمَّ أدخلَ رأسَه فانتحَب ثم أخرجَ رأسَه، فقالَ: هو اللهبُ المنقطعُ\nولم يستطعْ أنْ يجيزَ الحديثَ.\nوخرَّجَ النسائيُّ والترمذيُّ من حديثِ أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"لا يجتمعُ غباز في سبيلِ اللَّهِ ودخانُ جهنمَ في جوفِ امرئ أبدًا \"،","vol":"2","page":331},{"text":"وخرَّج الإمامُ أحمد من حديثِ أبي الدرداءَ عن النبيِّ - ﷺ - نحوَه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>قوله تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) </span>هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)\nقالَ اللَّهُ ﷿: (ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦) .\nوالنُّزلُ هو ما يعُدُّ للضيفِ عندَ قدومهِ، فدلتْ هذه الآياتُ على أنَّ أهلَ\nالنَّارِ يتحفُونَ عند دخولهِا بالأكلِ من شجرةِ الزقومِ والشربِ من الحميم، وهم إنَّما يُساقُونَ إلى جهنمَ عِطاشًا، كما قالَ تعالى:\n(وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا) .\nقال أبو عمرانَ الجوني: بلغنا أنَّ أهلَ النَّارِ يبعثُون عِطاشًا ثمَّ\nيقفُونَ مشاهدَ القيامةِ عِطَاشًا، ثمَّ قَرا: (وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا) قال مجاهد في تفسيرِ هذه الآيةِ: متقطعةٌ أعناقُهم عَطَشًا.\nوقالَ مطرٌ الوراق: عطَاشًا: ظمَاءً.\nوفي \"الصحيحينِ \" عن النبي - ﷺ - في حديثِ الشفاعة الطويل: \"إنَّه يقالُ","vol":"2","page":332},{"text":"لليهودِ والنصارى: ماذا تبغُون؟\nفيقولُون: عَطِشْنا ربَّنا فاسقِنا، فيُشارُ إليهم ألا تردِونَ\nفيُحشرونَ إلى جهنمَ كأنَهما سرابٌ يحطمُ بعضُها بعضا، فيتساقطُونَ في النَّارِ\".\nوقالَ أيوبُ عن الحسنِ: ما ظنُكَ بقومِ قاموا على أقدامِهم خمسينَ ألفَ\nسنةِ لم يأكُلوا فيها أكلةً ولم يشربُوا فيها شربةً حتَّى انقطعتْ أعناقُهم عطشًا\nواحترقتْ أجوافُهم جُوعًا، ثُمَّ انصرفَ بهم إلى النَّارِ فيُسقَونَ من عينٍ آنيةٍ قدْ\nآنَ حرُّها واشتدَّ نضجُها.\nورَوى ابنُ المبارك بإسناده عن كعبٍ، قالَ: إنَّ اللَّهَ ينظرُ إلى عبدهِ يومَ\nالقيامةِ وهو غضبانٌ، فيقولُ: خذُوه، فيأخذه مائة ألفِ ملكٍ أو يزيدُون.\nفيجمعون بينَ ناصيتهِ وقدميه غضبًا لغضبِ اللَهِ، فيسحبونه على وجههِ إلى\nالنَّارِ، قالَ: فالنَّارُ أشدّ عليه غضبًا من غضبهم سبعينَ ضعفًا.\nقال: فيستغيثُ بشرْبَةٍ، فيُسقى شربةً يسقطُ منها لحمُه وعصبُه، ثمَّ يركسُ - أو يدكسُ - في النَّارِ، فويلٌ لها من النَّارِ.\nقال ابنُ المباركِ: حُدثتُ عن بعضِ أهلِ المدينةِ أنَّه يتفتتُ في أيديهم إذا\nأخذُوه فيقولُ: ألا ترحمُوني، فيقولُون: كيفَ نرحمُك ولمَ يرحمك أرحمُ\nالراحمِينَ.\nوروى الأعمشُ عن مالكِ بن الحارثِ، قال: إذا طُرحَ الرجلُ في النارِ\nهوى فيها، فإذا انتهى إلى بعضِ أبوابها قيلَ: مكانَك حتَّى تُتْحَفَ، قال:\nفيسُقى كأسًا من سُمِّ الأساودِ والعقاربِ، فيتميزُ الجلدُ على حدةٍ، والشعرُ\nعلى حدةٍ، والعصبُ على حدةٍ، والعروقُ على حدةِ.\nخرَّجَه ابنُ أبي حاتمٍ.\nوروى محمدُ بنُ سليمانَ بنِ الأصبهانيّ، عن أبي سنانَ ضرار بنِ مرة،","vol":"2","page":333},{"text":"عن عبدِ اللَّه بنِ أبي الهذيلِ، عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ:\n\"إنَّ جهنمَ لما سِيقَ إليها أهلُها تلقتهُم فلفحتهُم لفحةً، فلم تدع لحمًا على عظم إلا ألقته على العرقوبِ \"\nخرَّجَه الطبرانيُّ ورفْعُه منكرٌ، فقد رواه ابنُ عيينة عن أبي سنانَ\nعن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي الهذيلِ أو غيرهِ من قولهِ لم يرفعْه.\nورواه محمدُ بنُ فضيل عن أبي سنانَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ أبي الهذيلِ عن أبي هريرةَ من قولهِ في قولهِ تعالى: (لَوَّاحَةٌ للْبَشَرِ)، قالَ: تلقاهُم جهنمُ يومَ القيامةِ فتلفحُهم لفحةً، فلا تتركُ لحما على عظمٍ إلا وضعتْهُ على العراقيبِ.\n* * *\nوأما شرابُهم فقالَ اللَّهُ تعالى: (فَشَارِبونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيم)\nوقالَ تعالى: (وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥) .\nوقالَ تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) .\nوقالَ تعالى: (هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨) .\nوقالَ تعالى: (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ) .\nوقالَ تعالى: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) .\nفهذه أربعةُ أنواع ذكرناها من شرابِهم، وقد ذكرَها اللَّهُ في كتابهِ:\nالنوعُ الأولُ: الحميمُ - قال عبدُ اللَّهِ بنُ عيسى الخراز، عن داودَ، عن\nعكرمةَ، عن ابنِ عباس: الحميمُ الحارُّ الذي يحرق.","vol":"2","page":334},{"text":"وقال الحسنُ والسديُّ: الحميمُ الذي قد انتهى حرُّهُ.\nوقال جويبر عن الضحاكِ: يُسقى من حميم يُغلى من يومِ خلقَ اللَّهُ\nالسماواتِ والأرضَ إلى يومِ يُسقَونَه ويُصبُّ على رؤوسِهم.\nوقالَ ابنُ وهب عن ابن زيد: الحميمُ دموعُ أعينهم في النارِ يجتمعُ في\nحياض النارِ فيُسْقَونَه.\nوقال تعالى: (يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ) .\nقال محمدُ بنُ كعبٍ: حميم أن: حاضرٌ، وخالفَه الجمهورُ، فقالوا: بل\nالمرادُ بالآن: ما انتهى حرُّه.\nوقال شبيبٌ، عن عكرمَة، عن ابنِ عباسٍ: حميم آنٍ: الذي قد انتهى\nغليُه.\nوقال سعيدُ بنُ بشيرٍ عن قتادةَ: قد آنَ طبخُه، منذُ خلقَ اللَّه السماواتِ\nوالأرضَ، وقالَ تعالى: (تسْقَى مِنْ عَيْن آنِيَة)، قال مجاهدٌ: قد بلغَ\nحرُّها، وحانَ شربُها.\nوعن الحسنِ، قالَ: كانت العربُ تقولُ للشيءِ إذا انتهى حرُّهُ حتى لا\nيكون شيء أحرَّ منه: قد آنَ حرُّهُ، فقالَ اللَّهُ ﷿: (مِنْ عَينٍ آنِيَة)\nيقول: قد أوقدَ اللَّهُ عليها جهنمَ منذُ خُلقتْ، وآنَ حرُّها.\nوعنه قال: آنَ طبخُها منذُ خلقَ اللَّهُ السمواتِ والأرضَ.\nوقال السديُّ: انتهى حرُّها، فليس بعدَه حرٌّ.\nوقد سبقَ حديثُ أبي الدرداء، في دفع الحميم إليهم بكلاليبِ الحديدِ.\nالنوع الثاني: الغسَّاقُ - قال ابنُ عباسٍ: الغسَّاقُ: ما يسيلُ من بينِ جلدِ","vol":"2","page":335},{"text":"الكافرِ ولحمهِ.\nوعنه قال: الغسَّاقُ: الزمهريرُ الباردُ، الذي يحرقُ من بردهِ.\nوعن عبدِ اللَّه بنِ عمرٍو قال: الغسَّاقُ: القيحُ الغليظُ، لو أنَّ قطرةً منه\nتُهرقُ في المغربِ، لأنتنتْ أهلَ المشرقِ، ولو أُهرِقَتْ في المشرقِ، لأنتنتْ أهلَ المغربِ.\nوقال مجاهدٌ: غسَّاق: الذي لا يستطيعُون أنْ يذوقُوه من بردِه.\nوقال عطيةُ: هو ما يغسِقُ من جلودِهم - يعني يسيلُ من جلودِهم.\nوقال كعب: غسَّاق: عينٌ في جهنم يسيلُ إليها حمة كلُّ ذاتِ حمةٍ، من\nحيةٍ وعقربٍ وغيرِ ذلك، فيستنقعُ؛ فيؤتَى بالآدَمي، فيُغمسُ فيها غمسةً\nواحدةً، فيخرجُ وقد سقطَ جلدُه ولحمُه عن العظامِ؛ ويتعلقُ جلدُه ولحمُه في\nعقبيهِ وكعبيهِ، ويجر لحمَه، كما يجر الرجلُ ثوبَه.\nوقال السديُّ: الغسَّاق: الذي يسيلُ من أعينهِم من دموعِهم، يُسقونَه معَ\nالحميمِ.\nوروى دراجٌ، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ - ﷺ -، قال:\n\" لو أن دلوًا من غسَّاقٍ، يُهرَقُ في الدنيا، لأنتنَ أهلَ الدُّنيا\"\nخرَّجَه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ والحاكمُ وصححَه.\nوقال بلال بنُ سعدٍ: لو أنَّ دلوًا من الغسَّاقِ، وُضعَ على الأرضِ، لماتَ\nمَنْ عليها.\nوعنه قال: لو أنَّ قطرةً منه، وَقَعتْ على الأرضِ، لأنتن مَن فيها.\nخرَّجَه أبو نُعيمٍ.","vol":"2","page":336},{"text":"وقدْ صرحَ ابنُ عباسٍ في رواية عنه، ومجاهد، بأنَّ الغسَّاق ههنا هو الباردُ\nالشديدُ البردِ.\nويدلُّ عليه قولُه تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) .\nفاستثنى من البردِ الغسَّاقَ ومن الشرابِ الحميمَ.\nوقد قيل: إن الغسَّاقَ هو الباردُ المنتن، وليس بعربيّ.\nوقيل: إنَّه عربيّ، وإنه فَعّال من غسَقَ يَغسِقُ، والغاسقُ: الليلُ، وسُميَ غاسقًا لبردِه.\nالنوع الثالث: الصَّدِيدُ: - قال مجاهد في قولِه تعالى:\n(وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ) .\nقال: يعني القيحَ والدَّمَ، وقالَ قتادةُ: (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ)\nقال: ما يسيلُ من بينِ لحمِه وجلدهِ؛ قالَ: (يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ) .\nقالَ قتادةُ: هلْ لكُم بهذا يدانِ، أم لكُم على هذا صبر؟\nطاعةُ اللَّهِ أهونُ عليكُم -\nيا قوم - فأطيعُوا اللَّهَ ورسولَه.\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ، من حديثِ أبي أمامةَ، عن النبيِّ - ﷺ -، في قوله: (وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ) .\nقال: يقربُ إلى فيه فيكرعُهُ، فإذا أُدني منه، شَوى وجهَه، ووقعت فروةُ\nرأسِه؛ فإذا شَرِبه قطَّعَ أمعاءَه، حتَّى يخرجَ من دبرِه، يقولُ اللَّهُ تعالى:\n(وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَعَ أَمْعَاءَهُمْ) .\nوقال: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩) .","vol":"2","page":337},{"text":"وروى أبو يحيى القتات، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ قالَ: في جهنَم\nأوديةٌ من قيع تكتازُّ ثمَّ تُصَبُّ في فِيهِ.\nوفي \"صحيح مسلم \" عن جابر عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"إن على اللهِ عهدًا لمن شَرِبَ المسكراتِ ليسقِيَه من طينةِ الخبالِ \".\nقالوا: يا رسولَ اللَّهِ: وما طينةُ الخبَالِ؟\nقال: \"عَرَقُ أهلِ النارِ أو عُصَارَةُ أهلِ النارِ.\nوخرَّج الإمامُ أحمدَ والنسائيُ وابنُ ماجةَ وابنُ حبانَ في \"صحيحه \" من\nحديثِ عبدِ اللَهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ عن النبي - ﷺ - نحوَه، إلا أنَّه ذكرَ ذلك في المرةِ الرابعةِ، وفي بعضِ الرواياتِ\n\"مِنْ عينِ الخبالِ \".\nوخرَّج الترمذيُّ من حديثِ عبدِ اللَّه بنِ عمرَ نحوَه عن النبيِّ - ﷺ - إلا أنَّه قال: \"من نهرِ الخبالِ \".\nقِيلَ: يا أبا عبدِ الرحمنِ ما نهرُ الخبال؟\nقالَ: نهرٌ من صديدِ أهلِ النَّارِ.\nوقالَ: حديثٌ حسنٌ.\nوخرَّج أبو داود من حديثِ ابنِ عباس عن النبي - ﷺ - نحوَه، وقالَ:\n\"من طينةِ الخبالِ \" قِيلَ: يا رسولَ اللَّهِ ما طينةُ الخبالِ؟\nقالَ: \"صديدُ أهلِ النَّارِ\".\nوفي روايةٍ أُخرى قالَ:\n\"ما يخرجُ من زهومة أهلِ النارِ وصديدهم \".\nوخرَّجَ الإمامُ أحمدَ بمعناه أيضًا من حديثِ أبي ذرٍّ وأسماءَ بنتِ يزيد عن النبيِّ - ﷺ -.\nوخرَّج الإمامُ أحمدَ وابنُ حبانَ في \"صحيحهِ \" من حديثِ أبي موسى","vol":"2","page":338},{"text":"عن النبي - ﷺ - قالَ: \"مَنْ ماتَ وهو مدمنُ خمرٍ سقَاه اللَّهُ من نهرِ الغوطةِ\"، قِيلَ: * وما نهرُ الغوطةِ؟\nقال: \"نهرٌ يخرجُ من فروج المومساتِ يؤذي أهلَ النَّارِ نتن فروجِهم \".\nوقد سبقَ حديثُ عمرِو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبيِّ - ﷺ - في المتكبرين وفيه:\n\"يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال \".\nالنوعُ الرَّابعُ: الماءُ الذي كالمهلِ، خرَّج الإمامُ أحمد والترمذيُّ من حديثِ\nدراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيدٍ عن النبيِّ - ﷺ - في قولهِ: (كَالْمُهْلِ) قال: \"كعكرِ الزيتِ، فإذا قربَ إلى وجههِ سقطتْ\nفروة وجههِ فيه \".\nقالَ عطيةُ: سُئِلَ ابنُ عباسٍ عن قولهِ: (كَالْمُهْلِ) قال: غليظٌ كدردي\nالزيتِ، قال عليٌّ بنُ أبي طالب عن ابنِ عباسٍ: أسود كمهلِ الزيتِ؛ وكذا\nقالَ سعيدُ بنُ جبيرٍ وغيرُه.\nقالَ الضحاكُ: أذابَ ابنُ مسعودٍ فضةً من بيتِ المال ثُمَّ أرسلَ إلى أهلِ\nالمسجدِ، فقالَ: من أحب أن ينظرَ إلى المهلِ فلينظرْ إلى هذا.\nوقالَ مجاهد: بماء كالمهلِ: مثلُ القيح والدمِ أسود كعكرِ الزيتِ.\nوخرَّج الطبرانيُّ من طريقِ تمام بنِ نجيح عن الحسنِ عن أنسٍ عن النبيِّ\n- ﷺ -:\n\"لو أنَّ غَربًا جُعِلَ من حميم جهنمَ وجُعِلَ وسطُ الأرضِ لآذى نتن ريحهِ وشدَّةُ\nحرِّه ما بينَ المشرقِ والمغربِ \".\nوفي موعظةِ الأوزاعي للمنصورِ قال: بلغَني أنَّ جبريلَ قالَ للنبيِّ - ﷺ -:","vol":"2","page":339},{"text":"\" لوأنَّ ذَنُوبًا من شرابِ جهنمَ صُبَّ في ماءِ الأرضِ جميعًا لقتل من ذاقه \".\nخرجَ بعضُ المتقدمينَ فمر بكرومٍ بقرية يقال لها: طيزناباد، وكأنَّه كانَ\nيُعصرُ فيها الخمرُ، فأنشدَ يقول:\nبطيزناباد كَرْم ما مررتُ به. . . إلا تعجبتُ ممن يشربُ الماءَ\nفهتف به هاتف يقول:\nوفي جهنمَ ماءٌ ما تجرعهُ. . . حلقٌ فأبقى له في البطنِ أمعاء\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) </span>أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \": سمعت الوزير يقول في قولِهِ تعالى:\n(لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا)، (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا) .\nقال: تأملتُ دخول اللامِ وخروجَها فرأيتُ المعنى: أنَّ اللامَ تقعُ للاستقبالِ، تقول: لأضربنَّك، أي: فيما بعدُ، لا في الحال، والمعنى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا) أي: في مستقبلِ الزَّمان إذا تَمَّ فاستحصدَ، وذلك أشدُّ العذابِ، لأنَّها حالةُ انتهاء","vol":"2","page":340},{"text":"تعبِ الزراع، واجتماع الدَّيْنِ عليهِ، لرجاء القضاءِ بعدَ الحصاد مع فراغ\nالبيوتِ من الأقواتِ.\nوأمَّا في الماء، فقال: (لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا) أي: الآنَ، لأنَّا لو\nأخَّرْنا ذلك لشربَ العطشانُ، وادَّخَرَ منه الإنسان.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>قوله تعالى: (نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣)</span>\nوكان من السلفِ من إذا رأَى النارَ اضطربَ وتغيرتْ حالُه، وقد قال تعالىَ\n(نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوِينَ (٧٣) .\nقال مجاهد وغيرُه: يعني أن نارَ الدنيا تذكرُ بنارِ الآخرةِ.\nوقال أبو حيانَ التيمي:. سمعتُ منذُ ثلاثينَ سنة أو أكثرَ من ثلاثينَ سنة أنَّ\nعبدَ الله بنَ مسعودٍ مَرَّ على الذينَ ينفخُونَ على الكيرِ فسقَطَ.\nخرَّجَه الإمامُ أحمدُ.\nوخرج ابنُ أبي الدنيا من روايةِ سعدِ بنِ الأخرمِ، قال: كنتُ أمشِيَ معَ ابنِ\nمسعودٍ. فمرَّ بالحدادينَ وقد أخرجُوا حديدًا من النارِ، فقامَ ينظرُ إليه ويبْكِي.\nوعن عطاءٍ الخراسانيِّ قال: كانَ أويس القرنيُّ يقفُ على موضِع الحدادينَ\nفينظرُ إليه كيفَ ينفخونَ الكيرَ، ويسمعُ صوتَ النارِ فيصرخُ ثم يسقطُ.\nوعن ابن أبي الذبابِ: أن طلحةَ وزيدًا مرَّا بكيرِ حدادٍ فوقَفَا ينظرانِ إليه\nويبكيانِ.","vol":"2","page":341},{"text":"قال الأعمشُ: أخبرني من رأى الربيعَ بن خثيم مرَّ بالحدادينَ فنظر إلى\nالكيرِ وما فيه فخرَّ.\nوقال مطر الوراقُ: كان حممةُ وهرمُ بنُ حيانَ إذا أصبحَا غدَيا فمرَّا بأكْوِرَةِ\nالحدادينَ، فنظرَا إلى الحديدِ كيفَ ينفخُ، فيقفانِ ويبكيانِ، ويستجيرانِ من\nالنارِ.\nوقال حمادُ بنُ سلمةَ عن ثابت: كانَ بشيرُ بنُ كعبٍ وقراءُ البصرةِ يأتونَ\nالحدادينَ فينظرونَ إلى شهيقِ النارِ فيتعوذونَ باللَّهِ من النارِ.\nوعن العلاءِ بنِ محمدٍ قالَ: دخلتُ على عطاءٍ السلميِّ فرأيتُه مغشيًّا عليه.\nفقلتُ لامرأتِهِ: ما شأنُه؟\nقالتْ: سجرتْ جارةٌ لنا التنورَ فلمَّا نظرَ إليه غُشِيَ عليهِ.\nوعن معاويةَ الكنديِّ قالَ: مرَّ عطاءٌ السلميّ على صبيٍّ معهُ شعلةُ نارٍ\nفأصابت النارَ الريحُ، فسمعَ ذلك منها، فغشِيَ عليهِ.\nوقال الحسنُ: كان عمرُ - ﵁ - ربَّما توقدُ له النارُ ثم يدْني يديه منهَا، ثم يقولُ: يا ابنَ الخطابِ هلْ لكَ على هذا صبرٌ.\nوكان الأحنفُ بنُ قيسٍ يجيءُ إلى المصباح بالليلِ فيضعُ أصبعهُ فيه، ثم\nيقولُ: حِس حِس، ثم يقولُ: يا حنيفُ ما حملكَ على ما صنعتَ يومَ كذا.\nما حملكَ على ما صنعتَ يومَ كذا؟.\nوقال البختريُّ بنُ حارثةَ: دخلتُ على عابدٍ، فإذَا بين يديهِ نارٌ قد أجَّجَهَا.\nوهوَ يعاتبُ نفسهُ ولم يزلْ يعاتِبُها حتى ماتَ.\nوكانَ كثير من الصالحينَ يذكرُ النارَ وأنواعَ عذابِها برؤيةِ ما يشبُههُ بها في","vol":"2","page":342},{"text":"الدُّنيا، أو يذكرُهُ بِهَا كرؤيةِ البحرِ وأمواجِهِ والرؤوسِ المشويةِ، وبكاءِ الأطفالِ، وفي الحرِّ والبردِ، وعند الطعامِ والشرابِ وغيرِ ذلكَ، وسنذكرُ ما تيسرَ من ذلكَ مفرَّقًا في مواضِعهِ إن شاءَ اللَّهُ تعالى.\nوأنَّ منهم من كانَ يذكرُ النارَ بدخولِ الحمامِ، وروى ليثٌ عن طلحة قال:\nانطلقَ رجلٌ ذاتَ يومٍ فنزعَ ثيابَهُ وتمرغَ في الرمضاءِ وهو يقولُ لنفسِهِ: ذوقي\nنارَ جهنمَ ذوقي (نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا)، جيفةٌ بالليلِ بطالةٌ بالنهارِ، فبينا\nهو كذلك إذا أبصرَ النبيَّ - ﷺ - في ظلِّ شجرةٍ فأتاهُ، فقالَ: غلبتنِي نفسِي، فقالَ له النبيُّ - ﷺ -:\n\"ألم يكنْ لك بدٌّ من الذي صنعتَ؟\nلقد فُتحتْ لك أبوابُ السماءِ، ولقد باهَى اللَهُ بكَ الملائكةَ\"\nخرَّجهُ ابنُ أبي الدنيا وهو مرسلٌ، وخرَّجَ الطبرانيُّ نحوَهُ من حديث بريدةَ موصولًا، وفي إسناده من لا يعْرفُ حالُه.\nواللَّهُ أعلم.\n* * *.\nومِن أعظم ما يُذكِّرُ بنارِ جهنمَ: النَّارُ التي في الدنيا، قال الله تعالى:\n(نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا للْمُقْوِينَ)، يعني أنَّ نارَ الدُّنيا جعلها اللَّه\nتذكرةً تذكِّرُ بنارِ الآخرةِ.\nمرَّ ابنُ مسعودٍ بالحدَّادين وقد أخرجُوا حديدًا من\nالنارِ، فوقفَ ينظرُ إليه ويبكي.\nورُوي عنه: أنَّه مرَّ على الذين ينفُخُون الكيرَ فسقطَ.\nوكان أويس يقفُ على الحدَّادين فينظرُ إليهم كيف ينفخونَ الكيرَ، ويسمعُ\nصوتَ النَّار، فيصرخُ، ثم يسقُطُ.\nوكذلك الربيع بنُ خُثيم. وكان كثيرٌ من\n\"التخويف من النار! (٢٤ - ٢٥) .","vol":"2","page":343},{"text":"السَّلف يخرجونَ إلى الحدَّادينَ ينظرونَ إلى ما يصنعونَ بالحديدِ، فيبكونَ\nويتعوَّذون باللَّهِ من النَّارِ.\nورأى عطاءٌ السَّليمي امرأةً قد سجرت تنورَها، فغُشي عليه.\nقال الحسنُ: كانَ عمرُ رُبَّما تُوقدُ له النَّارُ، ثم يُدني يدَه منها، ثم يقول: يا ابنَ الخطاب! هل لك على هذا صبرٌ؟\nكانَ الأحنفُ بنُ قيسٍ يجيءُ إلى المصباح فيضعُ أُصبعَه فيه، ويقول:\nحسِّ، ثمَّ يُعاتبُ نفسه على ذنوبهِ.\nأجَّجَ بعضُ العبَّادِ نارًا بين يديه وعاتبَ نفسه، فلم يزلْ يعاتبُها حتى مات.\nنارُ الدنيا جُزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنَّم، وغُسلَت بالبحر مرتين حتى\nأشرقت وخفَّ حرُّها، ولولا ذلك ما انتفعَ بها أهلُ الدُّنيا، وهي تدعو اللَّهَ\nألا يعيدَها إليها.\nقال بعضُ السَّلف: لو أُخرجَ أهلُ النار منها إلى نار الدنيا\nلقالُوا فيها ألفَي عام.\nيعني أنهم كانُوا ينامُون فيها ويرونها بردًا.\nكان عمرُ يقول: أكثروا ذِكرَ النَّارِ؛ فإنَّ حرَّها شديدٌ، وإنَّ قعرها بعيدٌ.\nوإنَّ مقامعها حديدٌ.\nكان ابنُ عمر وغيرُه من السَّلف إذا شربوا ماءً باردًا بكوا وذكروا أمنيَّةَ أهل\nالنار وأنَّهم يشتهون الماء الباردَ، وقد حيلَ بينهم وبينَ ما يشتهون، ويقولون\nلأهل الجنة: (أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ)، فيقولُونَ\nلهم: إنَّ اللهَ قد حرَّمَهما على الكافرينَ.\nوالمصيبةُ العُظْمى حينَ تطبُقُ النَّارُ على أهلِها، وييأسونَ من الفرج، وهو الفزعُ الأكبرُ الذي يأمنُه أهل الجنةِ (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) .","vol":"2","page":344},{"text":"لو أبصرتْ عيْنَاكَ أهلَ الشَّقَا. . . سِيقوا إلى النَّار وقَدْ أُحْرِقُوا\nشرابُهُمُ المُهْلُ في قَعْرِها. . . إذ خالَفُوا الرُّسْلَ وما صَدَّقُوا\nتقولُ أُخراهُمْ لأولاهُمُ. . . في لُجج المُهْلِ وقد اغْرِقوا\nقد كُنْتُمُ خُوِّفْتُمُ حَرَّها. . . لكن مِن النَيران لم تَفْرُقُوا\nوَجِيء بالنَيران مَذْمُومَةً. . . شَرَارُها مِنْ حَوْلِها مُحْدِقُ\nوقيلَ للنِّيران أنْ احْرِقي. . . وقيلَ للخُزَّان أن اطْبقُوا\n* * *\n(وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)\n[قال البخاري]: قَوْل اللَّهِ ﷿: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)\nقَالَ ابن عبَّاسٍ: شكركُمْ.\nقالَ آدمُ بنُ أبي إياسٍ في \"تفسيره \": نا هشيمٌ، عن جعفرِ بنِ إياس، عن\nسعيدِ بنِ جبيرٍ، عنِ ابنِ عباسٍ، في قولِه: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ) أي: شكرَكم\n(أَنَّكُمْ تُكَذِّبونَ) قال: هو قولُهم: مُطرنَا بنوءِ كذَا وكذَا.\nقال ابنُ عباسٍ: وما مُطرَ قومٌ إلا أصبحَ بعضُهَم به كافرًا، يقولونَ: مُطرنا\nبنوءِ كذا وكذا.\nثمَّ خرَّج في سببِ نزولِها من روايةِ الكلبيِّ، عن أبي صالح، عن ابنِ\nعباسٍ.\nوقد خرَّجه مسلمٌ في \"صحيحه \" من روايةِ عكرمةَ بنِ عمارٍ: حدثني","vol":"2","page":345},{"text":"أبو زميلٍ: حدثني ابنُ عباس، قال: مُطرَ الناسُ علَى عهدِ رسول اللَّهِ - ﷺ -.\nفقالَ رسول اللَّهِ - ﷺ -:\n\"أصبحَ مِنَ الناسِ شاكرٌ ومنهم كافر قالوا: هذا رحمة\nوضعَها اللَّهُ، وقال بعضهم: لقد صدقَ نوءُ كذا وكذا\"، فنزلتْ هذه الآية ُ: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ) حتَّى بلغَ (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ) .\nوروى عبدُ الأعلَى الثعلبيُّ، عن أبي عبدِ الرحمنِ السلميِّ، عن عليٍّ، عن\nالنبيِّ - ﷺ -: (وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ)\nقال: \"شكُرَكم، تقولُون. مُطرْنا بنوءِ كذَا وكذَا، ونجمِ كذَا وكلذَا\".\nخرَّجَه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ.\nوقال: حسن غريبٌ، لا نعرفه - مرفوعًا - إلا من حديث إسرائيلَ، عن\nعبد الأعلى.\nورواه سفيانُ عن عبدِ الأعلَى - نحوَه -، ولم يرفَعْه.\nثم خرَّجه من طريقِ سفيانَ - موقوفًا على عليٍّ.\nوكان سفيانُ ينكرُ علَى مَن رفعَه.\nوعبدُ الأعلَى هذا، ضعَّفَه الأكثرونَ. ووثقه ابنُ معين.\nوخرجَ القاضِي إسماعيلُ في كتابه \"أحكامُ القرآن \" كلامَ ابنِ عباسٍ بالإسنادِ\nالمتقدمِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أن ابنَ عباسٍ كان يقرؤها: (وتجعلون\nشكركم)، تقولونَ: على ما أنزلْتُ من الغيثِ والرحمةِ، تقولونَ: مُطرْنا بنوْءِ\nكذا وكذا.\nقال: فكان ذلك كفرًا منهم لِمَا أنعمَ اللَّهُ عليهم.","vol":"2","page":346},{"text":"نا إسماعيلُ: حدَّثني مالكٌ، عن صالح بنِ كيسانَ، عنْ عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ\nاللَّه بنِ عُتبَةَ بنِ مسعُوب، عن زيدِ بنِ خالدٍ الجُهنيِّ، أنَّهُ قالَ: صلَّى لنا\nرسولُ اللَّهِ - ﷺ - صلاةَ الصُّبح بالحديبيةِ علَى إِثْرِ سماء كانتْ من اللَّيلِ، فلمَّا انصرفَ النَبيُّ - ﷺ - أقبلَ علَى النَّاسِ، فقالَ: \"هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبّكُمُ؟ \"\nقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.\nقَالَ: \" أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافر فأمَّا من قالَ: مُطرْنَا\nبفضلِ اللَّهِ ورحمتِهِ، فذلكَ مُؤْمنٌ بِي كافرٌ بالكوكَب، وأمَّا منْ قالَ: بنَوء كذَا وكذَا، فذلك كافرٌ بي مُؤْمنٌ بالكَوْكبِ\".\nقولُه: \"على إثرِ سماءٍ\"، أي: مطرٍ كانَ منَ الليلِ.\nوالعربُ تسمِّي المطرَ سماءً؛ لنزولهِ منَ السماءِ، كما قالَ بعضُهم:\nإِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بِأرْضِ قَوْمٍ. . . رَعَيْنَاهُ وَإنْ كَانُوا غِضَابًا\nوقولُهُ - ﷺ -: \"هَلْ تدرونَ ماذَا قالَ ربكمْ؟ \" -\nوفي بعضِ الرواياتِ: \"الليلةَ\" -\nوهي تدلُّ على أن اللَّه تعالى يتكلَّمُ بمشيئَتِه واختيارِه.\nكما قالَ الإمامُ أحمدُ: لم يزلِ اللَّهُ متكلِّمًا إذا شاءَ.\nوقولُه: \" أصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وكافر، فأمَّا من قالَ: مُطرْنَا بفضلِ اللَّهِ ورحمتِهِ، فذلكَ مُؤْمنٌ بِي كافرٌ بالكوكَبِ، وأمَّا منْ قالَ: بِنَوءِ كذَا وكذَا، فذلك كافرٌ بي مُؤْمنٌ بالكَوْكبِ\".\nيعني: أنَّ مَن أضافَ نعمةَ الغيثِ وإنزالهِ إلى الأرضِ إلى اللهِ ﷿\nوفضلِه ورحمتهِ، فهو مؤمنٌ باللَّهِ حقًّا، ومَن أضافَه إلى الأنْواءِ، كما كانتِ\nالجاهليةُ تعتادُه، فهو كافر باللَّهِ، مؤمنٌ بالكوكبِ.","vol":"2","page":347},{"text":"قال ابنُ عبدِ البرِّ: النوءُ في كلامِ العربِ: واحدُ أنْواءِ النجومِ، وبعضُهم\nيجعلُه الطالعَ، وأكثرهُم يجعلُه الساقطَ، وقد تسمَّى منازلُ القمرِ كلُّها أنواءً، وهي ثمانية وعشرونَ.\nوقال الخطابيُّ، النوْءُ واحدُ الأنواءِ، وهي الكواكبُ الثمانيةُ والعشرونَ التي\nهي منازلُ القمرِ، كانوا يزعمونَ أنَّ القمرَ إذا نزل ببعضِ تلكَ الكواكبِ\nمُطِروا، فجعل النبيُّ - ﷺ - سقوطَ المطرِ من فعلِ اللَّهِ دونَ غيرِه، وأبطل قولَهم. انتهى.\nوقال غيرُه: هذه الثمانيةُ وعشرونَ منزلًا تطلعُ كلَّ ثلاثةَ عشرَ يومًا منزلَ\nصلاةِ الغداةِ بالمشرقِ، فإذا طلعَ رقيبُه منَ المغربِ؛ فسمِّيت أنواءً لهذا المعنى.\nوهو من الأضدادِ، يقال: ناءَ إذا طلعَ، وناء إذا غربَ، وناءَ فلان إذا\nقربَ، وناء إذا بعدَ.\nوقد أجرى اللَّهُ العادة بِمَجيء المطر عند طلوع كلِّ منزلٍ منها، كما أجرى\nالعادة بِمجيءِ الحرِّ في الصيف، والبردِ في الشتاءِ.\nفإضافةُ نزولِ الغيثِ إلى الأنْواءِ، إنِ اعتقدَ أنَّ الأنواءَ هي الفاعلةُ لذلك.\nالمدبرةُ له دونَ اللَّهِ ﷿، فقد كفرَ باللَّهِ، وأشركَ به كفرًا ينقله عن ملةِ\nالإسلامِ، ويصيرُ بذلك مرتدا، حكمُه حكمُ المرتدينَ عن الإسلامِ، إن كان\nقبل ذلك مسلمًا.\nوإن لم يعتقدْ ذلكَ، فظاهرُ الحديثِ يدلُّ على أنه كفرُ نعمةِ اللَّهِ.\nوقد سبقَ عنِ ابنِ عباس، أنه جعلَه كفرًا بنعمة اللَّهِ ﷿.\nوقد ذكرنا في \"كتابِ الإيمان \" أن الكفرَ كفرانِ: كفر ينقلُ عن الملةِ، وكفر","vol":"2","page":348},{"text":"دون ذلكَ، لا ينقلُ عن الملة، وقد بوَّب البخاريُّ عليه هنالك.\nفإضافةُ النِّعَم إلى غيرِ المنعم بها بالقول كفرٌ للمنعم في نعمهِ، وإن كان\nالاعتقادُ يخالفُ ذلك.\nوالأحاديثُ والآثار متظاهرةٌ بذلك.\nوفي \"صحيح مسلمٍ\"، عن أبي هريرةَ، عن النبيّ - ﷺ -، قال: \"ألم تروا إلى ما قالَ ربُّكم؟\nقال: ما أنعمتُ علَى عبادِي من نعمةٍ إلا أصبحَ فريقٌ منهم بها\nكافرينَ، يقولون: الكوكب وبالكوكب \".\nوروي من وجه آخر، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -، قال: \"إن اللَهَ ﷿ ليُبَيِّتُ القومَ بالنعمةِ، ثم يُصبحُونَ وأكثرُهم بها كافر لقولون: مُطِرْنا بنوْءِ كذا وكذا\".\nوروى أبو سعيدِ الخدريُّ، عن النبي - ﷺ -، قال:\n\"لو أمسكَ اللَهُ القَطرَ عن الناسِ سبعَ سنينَ، ثم أرسلَه، كفرتْ طائفةٌ منهم، فقالوا: هذا من نوْءِ المِجْدَحِ \".\nوروى أبو الدرداء، قال: مُطرنا على عهدِ رسول اللَّهِ - ﷺ - ذات ليلة، فأصبحَ رسول اللَّه - ﷺ - ورجلٌ يقول: مُطرنا بنوءِ كذا وكذا، فقال رسولُ اللَّه - ﷺ -: \"قَلَّمَا أنعمَ اللًّهُ علَى قومٍ نعمةَ، إلا أصبحَ كثير منهم بِها كافرينَ \".\nوفي \"صحيح مسلمٍ\"، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، عن النبيِّ - ﷺ -، قال:","vol":"2","page":349},{"text":"\"أربعٌ في أمتِي مِن أمرِ الجاهليةِ، لا يتركونَهنُّ: الفَخْر في الأحساب، والطعنُ في الأنسابِ، والاستسقاءُ بالنجوم، والنياحةُ\".\nوخرج البخاريُّ في \"صحيحه،، من روايةِ ابنِ عيينةَ، عن عبيدِ اللَّهِ:\nسمعَ ابنَ عباس يقول: \"خلالٌ من خلالِ الجاهليةِ: الطعنُ في الأنسابِ.\nوالنياحةُ\"، ونَسِيَ الثالثةَ: قال سفيان: ويَقُولون: إنها \"الاستسقاءُ بالأنواءِ\".\nوروي عن ابنِ عباسٍ - مرفوعًا - من وجهٍ آخر ضعيفٍ.\nوخرج ابنُ حبانَ في \"صحيحه \" - معناه - من حديثِ أبي هريرةَ -\nمرفوعًا.\nوروى ابنُ عيينَةَ، عن إسماعيلَ بنِ أمية، أن النبي - ﷺ - سمع رجلًا في بعضِ أسفارِه يقول: مُطِرْنا ببعضِ عَثانين الأسدِ، فقال رسول اللَّهِ - ﷺ -:\n\"كذبتَ، بل هو سقي اللَّه ﷿، ورزقُه \".\nوذكر مالكٌ، أنه بلغَه عن أبي هريرةَ، أنه كانَ يقولُ: مُطِرْنا بنوْءِ\nالفتح، ثم يتلو هذه الآية: (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا) .\nوذكر الشافعيُّ أنه بلغه، أن عمرَ سمع شيخًا يقول - وقد مطرَ الناسُ -:\nأجَادَ مَا أَقْرَى المِجْدَح الليلةَ، فأنكر ذلك عمرُ عليه.","vol":"2","page":350},{"text":"وروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِه، عن سلم العلويِّ، قال: كنا عند أنسٍ.\nفقال رجل: إنها لمخيلة للمطرِ، فقال أنس: إنها لربِّها لمطيعةٌ.\nيشير أنسٌ إلى أنه لا يضافُ المطرُ إلى السحابِ، بلْ إلى أمرِ اللهِ ومشيئته.\nوذكر ابنُ عبدِ البرِّ، عن الحسنِ، أنه سمعَ رجلًا يقول: طلع سهيلٌ، وبردَ\nالليلُ، فكره ذلكَ، وقال: إن سهيلًا لم يأت قطُّ بِحَرٍّ ولا بردٍ.\nقال: وكره مالكٌ أن يقول الرجلُ للغيم والسحابة: ما أخلقَها للمطرِ.\nقال: وهذا يدل على أن القومَ احتاطُوا، فمنعوا الناسَ منَ الكلامِ بما فيه\nأدنى متعلَّق مِن كلامِ الجاهليةِ في قولِهم: مُطرنا بنوءِ كذا وكذا. انتهى.\nواختلف الناسُ في قول القائل: \"مُطِرنْا بنوْءِ كذا وكذا\" مِن غيرِ اعتقادِ\nأهلِ الجاهليةِ: هو هو مكرُوه، أو محرَّمٌ؟\nفقالت طائفةٌ: هو محرمٌ، وهو قول أكثرِ أصحابِنا، والنصوصُ تدل عليه.\nكما تقدم.\nوقال طائفة: هل مكرُوه، وهو قول الشافعيِّ وأصحابِه، وبعضِ أصحابِنا.\nفأما إن قال: \"مُطِرْنا في نوْء كذا وكذا\"، ففيه لأصحابنا وجهان:\nأحدهما: أنه يجوزُ، كقوله: \"في وقت كذا وكذا\"، وهو قولُ القاضِي أبي\nيعلَى وغيرِه.\nورُوي عن عمرَ - ﵁ -، أنه قالَ للعباسِ - ﵁ -، وهو يستسقِي: يا عباسُ، كم بقيَ مِن نوْءِ الثرَيَّا؟\nفقال: يا أميرَ المؤمنين، إن أهلَ العلم بها يزعمونَ أنها\nتعترض بالأفقِ بعدَ وُقُوعِهَا سبعًا، فما مضتْ تلك السبعُ حتى أغيثَ الناسُ.","vol":"2","page":351},{"text":"رواه ابنُ إسحاقَ، عن محمدِ بنِ إبراهيمَ بنِ الحارثِ، عن ابنِ المسيبِ.\nقال: حدثني من لا أتهمُ، عن عمرَ - فذكره.\nوالوجهُ الثاني: أنه يُكْرَه، إلا أن يقولَ مع ذلك: \"برحمةِ اللهِ ﷿ \".\nوهو قولُ أبي الحسن الآمديِّ مِن أصحابِنا.\nواستدلَّ للأول بما ذكرَ مالكٌ في \"الموطإِ\"، أنه بلغَه، أن النبي - ﷺ - كانَ يقولُ: \"إذا نشأتْ بحريتها فَشَاءَمَتْ، فتلك عين غَدِيقة\".\nوهذا من البلاغاتِ لمالكٍ التي قيل: إنه لا يعرَفُ إسنادُها.\nوقد ذكرَه الشافعى، عن إبراهيمَ بنِ محمدِ بنِ أبي يحيى، عنْ إسحاقَ\nبنِ عبدِ اللَّهِ، عنِ النبيّ - ﷺ - - مرسلًا -، قال: \"إذا نشأتْ بَحْرِيَّة، ثم استحالتْ شاميةً، فهو أمطرُ لها\".\nقال ابنُ عبدِ البر: ابنُ أبي يحيى، مطعون عليه متروكٌ.\nوإسحاقُ، هو: ابن أبي فروةَ، ضعيفٌ - أيضًا - متروكٌ.\nوهذا لا يَحتَجُ به أحدٌ من أهل العلم.\nقلت: وقد خرَّجَه ابنُ أبي الدنيا من طريقِ الواقديِّ: نَا عبدُ الحكيم بنُ\nعبدِ اللَّهِ بن أبي فروةَ: سمعتُ عوفَ بنَ الحارثِ: سمعتُ عائشةَ تقولُ:\nسمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقولُ:\n\" إذا أنشاتِ السحابةُ بحرية، ثم تشاءَمت، فتلك عين \"\nأو قالَ: \"عام غديقة \".\nيعني: مطرًا كثيرًا.","vol":"2","page":352},{"text":"والواقديُّ: متروك - أيضًا.\nوالمعنى: أنَّ السحابةَ إذا طلعتْ بالمدينةِ من جهةِ البحرِ، ثمَّ أخذتْ إلى\nناحيةِ الشامِ، جاءتْ بمطرٍ كثير، وهو الغدَقُ.\nقال تعالى: (لأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا) .\nوقيَّده ابنُ عبدِ البرِّ: \"غُدَيقةٌ\" بضمِّ الغينِ بالتصغيرِ.\nومن هذا المعنى: قولُ اللَّهِ ﷿: (فَالْحَامِلاتِ وِقْرًا) .\nوفسَّره علي بنُ أبي طالبٍ وابنُ عباسٍ ومَن بعدَهُما بالسحابِ.\nقال مجاهدٌ: تحملُ المطر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>قال الله تعالى: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لَا تُبْصِرُونَ (٨٥) فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (٨٦) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ </span>(٨٧) فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥)\nقال آدمُ بنُ أبي أياسٍ: حدثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن\nعبدِ الرحمنِ بنِ أبي ليلى، قالَ: تلا رسولُ اللًهِ - ﷺ - هذه الآيات: (فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ (٨٣) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ (٨٤) .\nإلى قولِه: (فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) .","vol":"2","page":353},{"text":"إلى قولِه: (فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) .\nقال: \"إذا كانَ عندَ الموتِ قيلَ له هذا، فإن كانَ من أصحابِ اليمينِ أحبَّ لقاءَ اللَّهِ وأحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ، وإن كانَ من أصحابِ الشمالِ كَرهَ لقاءَ اللَّهِ وكرهَ اللَّهُ لقاءَه \".\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ، من طريقِ همّامٍ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، سمعتُ\nعبدَ الرحمنِ بنِ أبي ليلَى - وهو يتبعُ جنازةً يقولُ: حدثني فلانُ بن فلانِ.\nسمعَ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - يقولُ:\n\"مَن أحبَّ لقاءَ اللَّهِ أحبَّ اللَّهُ لقاءَهُ، ومن كرهَ لقاءَ اللهِ كرهَ اللَّهُ لقاءَهُ \". فأكبُّ القوم يبكونَ.\nقال: \"ما يبكيكُم؟ \" قالوا: إنا نكرهُ الموتَ.\nقال: \"ليسَ ذاك، ولكنَّه إذا حُضِرَ: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) .\nفإذا بشرَ بذلكَ أحبَّ لقاءَ الله، واللَّهُ للقائه أحبُّ.\n(وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤) .\nوفي قراءة ابن مسعود: (ثُمَّ تَصْلِيةُ جَحيم) .\nفإذا بشرَ بذلكَ كرهَ لقاءَ اللَّهِ واللَّهُ للقائهِ أكْرَهُ \".\nخرَّج ابنُ البراءِ في كتابِ \"الروضةِ\" من حديثِ عمرِو بن شَمِر - وهو\nضعيف جدًّا - عن جابر الجعفي، عن تميم بن حَذْلم، عن ابنِ عباس، عن\nالنبي - ﷺ -:\n\"ما من ميِّتٍ يموتُ إلا وهو يعرفُ غاسلَه، ويناشدُ حاملَه، إن كان بُشِّر\nبَروح وريحانٍ وجنةِ نعيمٍ أن يعجِّلَه، وإن بُشِّرَ بنزلٍ من حميمٍ وتَصْليةِ جحيمٍ أن يحبسَهُ \".\nوفي \"صحيح البخاريّ \"، عن عبادةَ بنِ الصامتِ، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"من أحبَّ لقاءَ اللَّهِ أحبَّ اللَهُ لقاءَهُ، ومن كرهَ لقاءَ اللَّهِ كرهَ اللَّهُ لقاءَهُ \"، فقالتْ عائشةُ، أو بعضُ أزواجهِ: إنا نكرهُ الموتَ.\nقالَ: \"ليس ذلكَ، ولكن المؤمنَ إذا حضرَه","vol":"2","page":354},{"text":"الموتُ بُشِّر برضوانِ اللهِ وكرامتهِ، فليسَ شيءٌ أحبَّ إليه مما أمامَهُ، فأحب لقاءَ اللهِ وأحبَّ اللَهُ لقاءَه، وإنَّ الكافرَ إذا حُضِر، بُشِّر بعذابِ اللهِ وعقوبتهِ، فليسَ شيءٌ كرهَ إليه ممَّا أمامَهُ، فكرهَ لقاءَ اللَّهِ وكرهَ اللَهُ لقاءَهُ \".\nوقد رُوِيَ هذا المعنى عن النبيِّ - ﷺ - من وجوه متعددهِ.\nوفي حديث زاذن، عن البراءِ بن عازبٍ، عن النبيّ - ﷺ -: \"إنَّ نفسَ المؤمنِ يقالُ لها: اخْرجي أيتها النفسُ المطمئنةُ إلى مغفرة من اللَّهِ ورضوان، فتخرجُ وتسيلُ كما\nتسيلُ القطرةُ من فيِّ السقاءِ، وإنَّ نفسَ الكافرِ يُقال لها: اخرجي أيتها النفسُ الخبيثةُ إلى غضبِ اللهِ وسخطه، فتتفرقُ في جسدِهِ، وتأبى أن تخرجَ، فيجذبونَها، فتنقطعُ معها العروقُ والعصبُ \".\nوفي روايةِ عيسى بنِ المسيبِ عن عديِّ بن ثابت، عن البراءِ، عن النبيِّ\n- ﷺ - قال:\n\"فتتفرق روحُهُ في جسدِهِ، كراهةَ أن تخرجَ لما ترى وتعاين، فيستخرِجُها.\nكما يستخرجُ السفودَ من الصوفِ المبلولِ \".\nوقد دلَّ القرآنُ على عذابِ القبرِ في مواضعَ أُخرَ كقولهِ تعالى:\n(وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) .\nوخرَّجَ الترمذي بإسناده، عن عليٍّ قالَ: مازِلْنا في شكٍّ من عذابِ\nالقبرِ حتى نزلتْ: (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢) .","vol":"2","page":355},{"text":"وخرّج ابن حبانَ في \"صحيحهِ \"، من حديثِ حمَّادِ بنِ سلمَة، عن\nمحمدِ بنِ عمرو، عن أبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيّ - ﷺ -، في قوله ﷾: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) .\nقال: \"عذابُ القبرِ\".\nوقد روي موقوفًا، وروي من وجهٍ آخر عن أبي هريرةَ مرفوعًا.\nوروي من وجه آخرَ من حديثِ أبي سعيدٍ الخدريّ، مرفوعًا وموقوفًا.\nوسيأتي ذلك كلُّه إن شاءَ الله تعالى.\nوقال آدمُ بنُ أبي إياسٍ، حدثنا المسعوديُّ، عن عبدِ اللَّهِ بن المخارق، عن\nأبيه، عن ابنِ مسعود - ﵁ -، قالَ: إذا ماتَ الكافرُ أجلس في قبرِه، فيقالُ له: من ربك؟ وما دينُك؟\nفيقولُ: لا أدري، فيضيَّقُ عليه قبُره، ثم قرأ ابنُ مسعود: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا)، قال: المعيشة الضنكُ: عذابُ القبرِ.\nوروى شريك، عن ابنِ إسحاقَ، عن البراءِ، في قولهِ ﷿: (عَذَابًا\nدُونَ ذَلِكَ) . قال: عذابُ القبرِ.\nوكذا رُوي عن ابنِ عباسٍ، في قولِه ﷾: (لَنُذِيقَنَّهم مِّنَ الْعَذَابِ\nالأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكبَرِ)، أنه عذابُ القبرِ.\nوكذا قال قتادةُ، والربيعُ بنُ أنسٍ، في قولِه ﷿: (سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ)\nإحداهما في الدنيا، والأُخرى هي عذابُ القبرِ.\nوقد تواترتِ الأحاديثُ عن النبيِّ - ﷺ - في عذابِ القبرِ والتعوّذِ منه.","vol":"2","page":356},{"text":"وفي \"الصحيحينِ \" عن مسروق عن عائشةَ - ﵂ -، أنها سألتِ النبيَّ - ﷺ - عن عذابِ القبرِ، قال: \"نَعمْ، عذابُ القبرِ حق\" قالتْ عائشةُ - ﵂ -: فما رأيتُ\nرسولَ اللَّهِ - ﷺ - بعدَ ذلكَ صلَّى صلاةً إلا تعوَّذ من عذابِ القبرِ.\nوفيهما عن عَمْر، عن عائشةَ - ﵂ -، أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال:\n\"إنّي رأيتكم تفتنونَ في القبورِ كفتنةِ الدَّجَّالِ \"، قالتْ عائشةُ - ﵂ -: فكنتُ أسمعُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - بعدَ ذلكَ يتعوّذُ من عذابِ القبرِ.\nوفي \"صحيح مسلم \" عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - ﷺ - أنه كان يعلِّمُهم هذا الدعاءَ كما يعلِّمُهُم السورةَ من القرآنِ:\n\"اللهُمّ إنِّي أعوذُ بكَ من عذابِ جهنَّمَ، وأعوذُ بكَ من عذابِ القبرِ، وأعوذُ بكَ من فتنةِ المسيح الدجالِ، وأعوذُ بكَ من فتنةِ المحيا والممات \".\nوفيه - أيضًا -، عن أبي هريرةَ، أنَّ النبي - ﷺ - قال: \"إذا فرغَ أحدُكم من التشهدِ الآخرِ، فليتعوَّذ باللَّهِ من أربع: من عذاب جهنَّم، ومن عذابِ القبرِ، ومن فتنةِ المحيا والمماتِ، ومن فتنةِ المسيح الدَّجالِ \".\nوفي \"صحيح مسلم \" عن زيدِ بن ثابت، قال: بينما النبيُّ - ﷺ - في حائطِ بني النجارِ على بغلة له، ونحن معهُ، إذ حادتْ بهِ، فكادتْ أن تلقيَهُ، وإذا أَقْبُرٌ ستةٌ أو خمسةٌ أو أربعةٌ، فقال: \"من يعرفُ أصحاب هذه الأقبُرِ؟ \"\nفقال رجلٌ: أنا، فقالَ: \"متى ماتَ هؤلاءِ؟ \"\nفقال: ماتُوا في الإْشراكِ، فقالَ النبيُّ","vol":"2","page":357},{"text":"- ﷺ -: \"إن هذه الأمةَ تُبتلى في قبورِها، فلولا أن لا تَدافَنُوا لدعوتُ اللَّهَ أن يسمعَكُم من عذابِ القبرِ الذي أسمعُ منه \".\nثم أقبلَ علينا بوجهِهِ فقال: \"تعوَّذوا باللَهِ من عذابِ النارِ\"، فقالوا: نعوذُ باللَّهِ من عذابِ النارِ، فقالَ: \"تعوَّذوا باللهِ من عذاب القبرِ\".\nقالوا: نعوذُ باللَّهِ من عذابِ القبرِ، فقال: \"تعوَّذُوا باللهِ من الفتنِ ما ظهرَ منها وما بطَنَ \"، قالوا: نعوذ باللَّهِ من الفتنِ ما ظهرَ منها وما بطنَ، قال: \"تعوَّذوا باللهِ من فتنة الدجال \"، قالوا: نعوذ باللَّه من فتنة الدجال.\nوفي \"صحيح مسلم \" عن أنسٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"لولا أن لا تدافنوا لدعوتُ اللَّهَ أن يسمعَكمُ من عذابِ القبرِ\".\nوفي \"الصحيحينِ \"، من حديثِ أبي أيوب الأنصاريِّ، قالَ: خرجَ علينا\nالنبي - ﷺ - وقد وجبتِ الشمسُ، فسمعَ صوتًا، فقالَ: \"يهودُ تعذبُ في قبورِهَا\".\nوخرّج الإمامُ أحمدُ، وأبو داود، من حديثِ البراءِ بنِ عازبٍ، قال:\nخرجْنَا معَ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - في جنازةِ رجلٍ من الأنصارِ فانتهيْنَا إلى القبرِ ولمْ يُلحَد، ْ فجلسَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وجلسْنَا حولَهُ، كأنَّ على رؤوسِنَا الطيرُ، وفي\nيده عود ينكتُ به الأرضَ، فرفعَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - رأسَهُ، فقالَ: \"استعيذُوا باللهِ من عذابِ القبرِ\"، مرتينِ أو ثلاثًا، وذكرَ الحديثَ بطولهِ.\nوخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، من حديثِ أبي الزبيرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قالَ:\nدخلَ النبيُّ - ﷺ - نَخْلًا لبني النجارِ، فسمعَ أصوات رجالٍ من بني النجارِ، ماتُوا في الجاهليةِ، يعذَّبونَ في قبورِهم، فخرجَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - فزعًا فأمَرَ","vol":"2","page":358},{"text":"أصحابَهُ أن يتعوَّذوا باللهِ من عذابِ القبرِ.\nوخرَّجَه - أيضًا - من حديثِ أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن أمِّ مبشرٍ، قالتْ:\nدخلَ عليَّ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وأنا في حائطٍ من حوائطِ بني النجارِ، فيه قبور منهم، قد ماتُوا في الجاهليةِ، فسمعهم يعذبونَ، فخرجَ وهو يقولُ: \"استعيذُوا باللَّهِ من عذابِ القبرِ\"، قلتُ: يا رسولَ اللَّه ليعذَّبونَ في قبورِهم؟\nقال: \"نعم عذابًا تسمعُهُ البهائمُ \".\nوفي \"الصحيحينِ \" عن ابنِ عباسٍ، أن النبيَّ - ﷺ -\nمرَّ بقبرينِ، فقالَ: \"إنهما ليَعذّبانِ، وما يعذبانِ في كبيرٍ، أما أحدُهما فكانَ لا يستترُ من البولِ، وأما الآخرُ فكانَ يمشِي بالنميمةِ\"، ثم أخذ جريدةً رطبةً، فشقَّها باثنتينِ، ثم غَرَز على كلِّ قبرٍ منهُما واحدةً، قالوا: لِمَ فعلتَ هذا يا رسولَ اللهِ؟\nقال: \"لعلَّه يخففُ عنهُما ما لم يَيْبسا\".\nوقد رُوي هذا الحديثُ عن النبيِّ - ﷺ - بهذا المعنى مِنْ وجوه متعددةٍ، خرَّجَه ابنُ ماجةَ من حديثِ أبي بكرةَ، وفي حديثهِ:\n\"وأمَّا الآخرُ يعذَّبُ في الغِيبةِ\".\nوخرَّجه الخلالُ وغيرُه، من حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ -، وفي بعضِ رواياتهِ:\n\"وأمَّا الآخرُ فكان يهْمِزُ الناسَ بلسَانِه، ويمشِي بينَهُم بالنميمةِ\".\nوخرّجَّه الطبرانيُّ من حديثِ عائشة - ﵂ -، وأنسِ بنِ مالكٌ، وابنِ عمرَ - ﵃ -.","vol":"2","page":359},{"text":"وخرَّجَه أبو يعلى الموصِلي وغيرُه، من حديثِ جابر، وفي حديثهِ:\n\"أمَّا أحدُهما فكانَ يغتابُ الناسَ \".\nوخرَّجَه الإمامُ أحمد، من حديثِ أبي أمامةَ، وفي حديثهِ قالوا: يا نبيَّ\nاللَّهِ، وحتى متى يعذبانِ؟\nقال: \" غَيْبٌ لا يعلَمُه إلا اللَّهُ، ولولا تمريجٌ في قلوبِكم\nوتزيدُكُم في الحديثِ لسمعتُم ما أسمعُ \".\nورويَ من وجوهٍ أُخرَ.\nوخرَّجَ النسائيُ، من حديثِ عائشةَ - ﵂ -، قالتْ:\nدخلَتْ عليَّ امرأةٌ من اليهودِ فقالَتْ: إنْ عذابَ القبرِ من البولِ، قلتُ: كذبتِ، قالتْ: بلَى، إنه ليقرظُ من الجلدِ والثوبِ، قالتْ: فخرجَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إلى الصلاةِ، وقد ارتفعتْ أصواتُنا، فقالَ - ﷺ -: \"ما هذا؟ \"\nفأخبرتُه بما قالتْ، فقالَ: \"صَدَقَتْ \".\nوخرَّجَ الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنسائيُّ، وابن ماجةَ، من حديثِ\nعبدِ الرحمنِ بنِ حسنة، سمعَ النبي - ﷺ - يقولُ:\n\"أَلَم تعلمُوا ما لقيَ صاحبُ بني إسرائيلَ؛ كانُوا إذا أصابَهُم البولُ قطعُوا ما أصابَهُ البولُ، فنهاهُم فعذِّبَ في قبرهِ \".\nوخرّج الإمامُ أحمدُ، وابنُ ماجةَ، من حديثِ أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"أكثر عذاب القبر من البول \".\nوروي موقوفًا على أبي هريرة - ﵁ -.\nوخرّج البزارُ، والحاكم، من حديثِ ابنِ عباس - ﵄ -، عن النبيِّ - ﷺ -","vol":"2","page":360},{"text":"قالَ: \"إنّ عامَّة عذابِ القبرِ من البولِ، فتنزَّهُوا منه \".\nوخرَّجَ الطبراني، والدارقطني، منِ حديثِ أنسٍ، عنِ النبى - ﷺ - قال:\n\"اتّقوا البولَ، فإنَّه أوَّلُ ما يحاسَبُ به العبدُ في القبرِ\".\nوخرّج ابنُ عدي، من حديث أنسٍ - ﵁ - أنَّ رسولَ اللهِ - ﷺ - مرَّ برجلٍ يعذبُ في قبرهِ من النميمةِ، ورجل يعذَّبُ في قبرهِ من الغيبةِ، ورجلٌ يعذَّب في قبرهِ من البولِ.\nوخرَّجَ أيضًا، بإسنادٍ ضعيف، عن قتادةَ، عن أنسٍ - ﵁ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"فتنةُ القبرِ من ثلاثٍ: من الغيبةِ، والنميمةِ، والبولِ \".\nولكن روى عبدُ الوهابِ الخفَّاف، عن سعيدٍ، عن قتادةَ، قالَ: كان يُقال:\nعذابُ القبرِ من ثلاثةِ أثلاثٍ: ثلثٌ من الغِيبةِ، وثلث من النميمةِ، وثلث من\nالبولِ.\nخَرَّجه الخلالُ وهذا أصحُّ.\nوخرَّجَ الأثرمُ والخلالُ من حديث ميمونة - مولاة رسول اللَّه - ﷺ - أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ لها؟\n\"يا ميمونةُ! إنَّ منْ أشدِّ عذابِ القبرِ من الغيبةِ والبولِ \".\nوقد ذكرَ بعضُهم السر في تخصيص البولِ والغيبةِ والنميمةِ بعذابِ القبرِ.\nوهوَ أنّ القبرَ أولُ منازلِ الآخرةِ، وفيه أنموذجُ ما يقعُ في يومِ القيامةِ من\nالعقابِ والثوابِ.\nوالمعاصِي التي يعاقبُ عليها العبدُ يومَ القيامةِ نوعانِ: حقُّ اللَّهِ، وحقُّ\nالعبادِ، وأولُ ما يُقضَى فيه يومَ القيامةِ من حقوقِ اللَّهِ الصلاةُ، ومن حقوقِ\nالعبادِ الدماءُ.","vol":"2","page":361},{"text":"وأمَّا البرزخُ فقضى فيه في مقدماتِ هذَينِ الحقَّينِ ووسائِلِهما، فمقدمةُ\nالصلاةِ: الطهارةُ من الحَدَثِ والخَبثِ، ومقدمةُ الدماءِ النميمةُ والوقيعةُ في\nالأعراضِ، وهما أيسرُ أنواع الأذى، فيبدأ في البرزخ بالمحاسبةِ والعقابِ\nعليهِما.\nوروى عبدُ الرزَّاقِ، عن معمر، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، عمرِو\nبنِ شرحبيلَ، قالَ: ماتَ رجلٌ، فلمَّا دخلَ في قبرهِ أتتْه الملائكةُ، فقالُوا: إنا\nجالدوكَ مائةَ جلده من عذابِ اللَّهِ، قال: فذكرَ صلاتَهُ وصيامَه واجتهادَهُ\nقال: فخفَّفُوا عنه حتى انتهى إلى عشرة، ثم سألَهُم، فخَّففوا عنه حتَّى انتهى\nإلى واحدة، فجلدوه جلدةً اضطرمَ قبرُه نارًا، وغُشِيَ عليه، فلما أفاق قالَ:\nفيم جلدتمُونِي هذه الجلدة؟\nقالوا: إنَّك بُلْتَ يومًا، ثم صليتَ ولم تتوضأْ.\nوسمعتَ رجلًا يستغيثُ مظلومًا، فلم تغثْهُ.\nورواهُ أبو سنان، عن أبي إسحاقَ، عن أبي ميسرةَ، بنحوِه.\nورويناه من طريقِ حفصِ بن سليمانَ القارئِ وهو ضعيفٌ جدًّا، عن\nعاصمٍ، عن أبي وائلٍ، عن ابنِ مسعودٍ، عن النبيِّ - ﷺ - به.\nفعذابُ القبرِ حصلَ ها هنا بشيئينِ: أحدُهما: تركُ طهارةِ الحَدثِ.\nوالثاني: تركُ نصرةِ المظلومِ مع القدرةِ عليه، كما أنه في الأحاديثِ المتقدمةِ\nحصلَ بتركِ طهارةِ الخبثِ، والظلم بالقولِ، وهي متقاربةٌ في المْعنَى.\nوفي حديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ سمرةَ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"إنّي رأيتُ الليلَة عجبًا\" فذكرَ الحديثَ بطوله، وفيه: \"رأيتُ رجُلًا من أمَّتي بُسِطَ عليه عذابُ القبرِ، فجاءَهُ وضوءُه فاستنقذَهُ منه \".\nأخرَّجَه الطبراني وغيره.","vol":"2","page":362},{"text":"ففي هذا الحديثِ أنّ الطهارةَ من الحدثِ تُنجي من عذابِ القبرِ.\nوكذلك الأمرُ بالمعروفِ والنهيّ عن المنكرِ يُنجِي من عذابِ القبرِ، كما تقدَّم\nذكْرُه في البابِ الثانِي، لأن فيه غايةَ النفع للناسِ في دينهِم.\nوكذلكَ الجهادُ والرباطُ، لأنَّ المجاهدَ والمرابِطَ في سبيلِ اللَّهِ كلّ منهُما بذَل\nنفسَهُ، وسمحَ بنفسِهِ لتكونَ كلمةُ اللَّهَ هي العُليا، ودينُه هو الظاهرُ، وليذبَّ\nعن إخوانِهِ المؤمنينَ عدوَّهم.\nففي الترمذي، عن المقدامِ بن معدي كرب، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"للشهيدِ عندَ اللَّهِ ستُّ خصالٍ: يُغفر لهُ في أولِ دفعةٍ، ويرَى مقعدَهُ من الجنةِ، ويُجارُ من عذابِ القبرِ، ويأمنُ من الفزع الأكبرِ \"\nوذكر بقيةَ الحديثِ.\nوخرَّج الحاكم وغيرُه، من حديثِ أبي أيوبَ، عن النبي - ﷺ - قالَ:\n\"من لَقِي العدو في سبيل اللهِ فصبرَ حتَى يُقتلَ أو يُغلبَ لم يُفتنْ في قبرهِ أبدًا \".\nوفي \"صحيح مسلم \" عن سلمانَ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"رباطُ يومٍ وليلةٍ خيرٌ من صيام شهرٍ وقيامِه، وإن ماتَ أجرِي عليه عملُه الذي كانَ يعملُه، وأُجْرِي عليه رزقُه، وأمِنَ الفتَّان\".\nوخرَّجَه غيره وقال فيه: \"ووُقِيَ عذابَ القبرِ\".\nوخرّج الترمذيّ وأبو داود، من حديث فَضَالةَ بنِ عُبَيد، عن النبي - ﷺ - معناه أيضًا، ورُوي من وجوهٍ أُخر.","vol":"2","page":363},{"text":"وخرّج النسائيُّ من حديثِ راشدِ بنِ سعدٍ، عن رجلٍ من أصحابِ النبي\n- ﷺ - أن رجلًا قال: يا رسولَ اللَّهِ، ما بالُ المؤمنينَ يفتنونَ في قبورِهم إلا الشهيدُ؟\nقال: \"كفَى ببارقةِ السيوفِ على رأسهِ فتنةً\".\nوروى مجالدٌ، عن محمدِ بن المنتشرِ، عن ربعي، عن حذيفةَ، قالَ: إن في\nالقبرِ حِسَابًا، وفي القيامةِ حِسابًا، فمن حوسبَ يومَ القيامةِ عُذِّبَ.\nوروى ابنُ عجلانَ، عن عونِ بنِ عبدِ اللَّهِ، قالَ: يقالُ: إنَّ العبدَ إذا أُدخِلَ\nقبرَه، سئِلَ عن صلاتهِ أولَ شيءٍ يُسالُ عنهُ، فإنْ جازَتْ له صلاتُه، نُظِرَ\nفيما سِوى ذلكَ من عملهِ، وإن لم تجزْ لهُ، لم ينظرْ له في شيءٍ من عملهِ\nبعد.\nوقد وردَ فِي عذابِ القبرِ أنواعٌ:\nمِنْها: الضربُ إمَّا بمطراقٍ منْ حديدٍ أو غيرِه، وقدْ سبقَ ذلكَ في أحاديثَ\nمتعددة.\nوروي من طريقِ عثمانَ بنِ أبي العاتكة، عن عليِّ بن زيدٍ، عن القاسم.\nعن أبي أمامةَ الباهليِّ، قالَ: أتَى رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بقيعَ الغرقدِ، فوقفَ على قبرينِ، فقالَ: \"أدفنتُم ها هنا فُلانًا وفلانة؟ \" أو قالَ: فُلانًا وفُلانًا؟ \" قالوا: نعمْ @\nفقالَ: \"قدْ أقعِدَ فلان الآن يُضربُ \"، ثمَّ قالَ: \"والَّذي نفسِي بيدِهِ لقدْ ضُرِبَ ضربة ما بقيَ منهُ عضوٌ إلا انقطعَ، ولقدْ تطايرَ قبرهُ نارًا، ولقد صرخ به صرخةً يسمعُها الخلائقُ إلا الثقلينِ من الجنِّ والإنسِ، ولولا تمريجٌ في صدورِكم وتزييدُكُم في الحديثِ لسمعتُم ما أسمعُ \"،","vol":"2","page":364},{"text":"قالوا: يا رسولَ اللَّهِ ما ذنبُهما؟\nقال: \"أما فلان فإئه كانَ لا يستبرئُ من البولِ، وأما فلانٌ أو فلانة فكانَ يأكلُ لحومَ الناسِ \". وفي هذا الإسنادِ ضعفٌ.\nوخرجَ ابنُ جرير في \"تفسيره\"، من طريقِ أسباط، عن السُّدِّي قالَ: قالَ\nالبراءُ بنُ عازبٍ: إن الكافرَ إذَا وُضعَ في قبرِه أتتْه دابَّةٌ كأنَّ عينيهَا قِدْرانِ من\nنحاس، معها عمودٌ من حديدٍ، فتضربُه ضربةً بين كتفيهِ، فيصيحُ، فلا يَسمعُ\nصوتَه أحدٌ إلا لعنهُ، ولا يَبْقى شيءٌ إلا سمعَ صوته إلا الثقلينِ الجنَّ\nوالإنسَ.\nومن طريقِ جويبر، عن الضحاكِ، قالَ: الكافر إِذا وُضِعَ في قبرهِ ضُرِبَ\nضربةً بمطراقٍ، فيصيحُ صيحةً، فيسمعُ صوتَه كلُّ شيء إلا الثقلينِ الجنَّ\nوالإنسَ، فلا يسمعُ صيحَته شيءٌ إلا لعنَهُ.\nوروى اللالكائيّ بإسنادِه، عن محمدِ بنِ المنكدرِ، قالَ: بلغَنِي أن اللَّهَ عزَّ\nوجلَّ يسلِّطُ على الكافرِ في قبرِه دابّةً عمياءً في يدِها سوطٌ من حديد، رأسُها\nمثلُ غربِ البعيرِ فتضربُه بها إلى يومِ القيامةِ، لا تراهُ ولا تسمعُ صوتَه\nفترحمُهُ.\nومنها: تسليطُ الحياتِ والعقاربِ عليه؛ وقد سبقَ ذلكَ من حديثِ أبي\nهريرةَ.\nوروى ابنُ وهب، حدثني عمرُو بن الحارثِ، أن أبا السمح، حدَّثه عن\nابنِ حجيرةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ - أنه قالَ: \"أتدرونَ فِيما أُنزلتْ هذه الآيةُ: (فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)؟\nتدرونَ ما المعيشةُ الضنكُ؟ \"\nقالوا: اللَّهُ ورسولُه أعلمُ، قال: \"عذابُ الكافرِ في قبرِه، والذي نفسِي بيده إنه ليسلَّطُ عليه تسعة وتسعونَ تِنِّينًا، أتدرونَ ما التنينُ؟\nقال: تسعة وتسعونَ حيةً، لكلًّ حيةٍ سبعةُ رؤوسٍ،","vol":"2","page":365},{"text":"وفي روايةٍ: \"تسعةُ رؤوسٍ، ينفخونَ في جسمِهِ، وبلسعونَهُ ويخدِشوَنهُ إلي يومِ\nيبعثونَ \"\nخرَّجه بقيُّ بنُ مخلدٍ في \"مسندهِ \".\nوخرَّجَه البزارُ، من وجهٍ آخرَ عن ابنِ حجيرةَ عن أبي هريرةَ، مرفوعًا\nأيضًا مختصرًا.\nوخرج ابنُ منده من طريقِ أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ، وذكرَ قبضَ روح\nالمؤمنِ والكافرِ، وقالَ في الكافرِ: \"ويسلَّطُ عليه الهوامُّ، وهي الحياتُ، فينامُ\nكالمنهوسِ فينامُ ويفزعُ \".\nوخرَّجَه مرفوعًا أيضًا.\nوقد رُوي عن درّاج أبي السمح، عن أبي الهيثهم، عن أبي سعيد الخدريِّ.\nعن النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"يسلَّطُ على الكافرِ في قبرهِ تسعةٌ وتسعونَ تنينًا، يلدغونَهُ حتَّى تقومَ الساعةُ، ولو أنَّ تِنينا منها نفخَ على الأرضِ ما أنبتتْ خضراءَ\".\nخرَّجَه الإمامُ أحمدُ، وابنُ حبانَ في \"صحيحهِ \"، من طريقِ سعيدِ بن أبي أيوبَ، عن دراج بهِ.\nورواه ابنُ لهيعةَ، عن درَّاج، مرفوعًا - أيضًَّا - إلا أنه قالَ: \"ضمّةُ القبرِ\".\nوخرَّجه الخلالُ، مِن طريقِ سعيدِ أبي خلادِ بنِ سليم، عن دراج أبي\nالسمح، عمَّن حدَّثَهُ، عن أبي سعيدٍ: أنَّهم سألُوه عن المعيشةِ الضنكِ.\nقال: هي معيشةُ الكافرِ في قبرهِ، يبعثُ اللَّهُ إليه قبلَ يومَ القيامةِ اثنينِ وسبعينَ تنينًا وعقاربَ كالبغالِ يلسعْنهُ في قبرهِ، ويضيّقُ عليه قبرُه حتَّى تدخلَ الأضلاعُ","vol":"2","page":366},{"text":"بعضُها في بعضٍ، يتمنَّى أنه لو خرجَ منها إلى النارِ.\nوهذا موقوفٌ، قد سبقَ في البابِ الثاني من وجه آخر مرفوعًا.\nوقد رُوي بعضُه من وجهٍ آخرَ مرفوعًا وموقوفًا أيضًا.\nوروى منصورُ بنُ صقير، عن حمادِ بنِ سلمةَ، عن أبي حازمٍ، عن\nالنعمانِ بن أبي عياشٍ، عن أبي سعيدٍ، أنّ النبيَّ - ﷺ - قالَ في هذه الآيةِ:\n(فَإِن لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) قال: \"المعيشةُ الضنكُ عذابُ القبرِ، يضيَّقُ عليه قبرُه\nحتَى تختلفَ أضلاعُهُ، ولا يزالُ يعذبُ حتى يُبعثُ \"\nخرَّجه الخلالُ، ومنصورُ بن صُقير فيه ضعفٌ.\nوخالفَهُ آدمُ بنُ أبي إياسٍ، فرواه عن أبي حازمٍ، عن حمَّادِ بن سلمةَ.\nووقفه.\nوكذا رواه الثوريُّ، وسليمانُ بنُ بلالي، والدراورديُّ، وغيرُهم، عن أبي\nحازمٍ، عن النعمانِ، عن أبي سعيدٍ مرفوعًا، وخالفَهُم ابنُ عيينة، فرواه عن\nأبي حازمٍ عن أبي سلمة عن أبي سعيدٍ موقوفًا أيضًا، فمنهم من قال: أخطأ\nفيه ابنُ عيينةَ، كذا قاله أبو زرعةَ والعلائيّ، وقيل: بل أبو سلمةَ هذا هو\nالنعمانُ بنُ أبي عياشٍ، قاله أبو حاتم الرازيُّ، وأبو أحمدَ الحاكمُ، وأبو بكرٍ\nالخطيبُ وغيرُه.\nوخرَّجه الإمامُ أحمدُ، من حديثِ علي بنِ زيدِ بن جدعانَ، عن أمِّ\nمحمدٍ، عن عائشةَ - ﵂ -، أن رسول اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"يرسَلُ على الكافرِ حيتانِ، واحدة من قبَل رأسه، والأخرى من قبلِ رجليه، يقرصانه قرصًا، كلَّما فرغَتا عادَتا إلى يوم القيامةِ\".","vol":"2","page":367},{"text":"وخرَّجَ ابنُ أبي الدنيا - بإسنادٍ ضعيفٍ - عن الحسنِ، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"لا يُرى أحدٌ خارجًا من الدنيا شاتمًا لأحد منهم - يعني من أول هذه الأمة - إلا سلَّطَ اللَّهُ عليه دابةً في قبرِه، تقرصُ لحمَهُ، يجدُ ألمَهُ إلى يوم القيامةِ\".\nوخرَّج الخلالُ، من طريقِ عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن ابنِ مسعود، قالَ: يقالُ\nللكافرِ - يعني في قبرِه: ما أنتَ؟\nفيقولُ: لا أدْري، فيقالُ: لا دريتَ - ثلاثًا، ويضيَّقُ عليه قبرُه حتَّى تختلفَ أضلاعُه، ويُرسلُ عليه حيَّات من جوانبِ قبرهِ، ينهشْنهُ ويأكلْنهُ، فإذا خرجَ صاحَ، قُمِعَ بمقامع من نار أو حديد.\nوخرَّجَه أبو بكر الآجريُ، وزاد فيه: \"وبُضربُ ضربةً يلتهبُ قبرُه نارًا\"\nوعنده: \"وتنبعثُ عليه حياتٌ من النارِ كأعناقِ الإبلِ \".\nوخرَّج ابنُ أبي الدنيا في كتابِ \"الموتِ \" بإسنادِه عن عبيدِ بن عميرٍ، قالَ:\nيسلَّطُ عليه شجاعٌ أقرعُ، فيأكله حتى يأكلَ أمَّ هامتِهِ، فهذا أوَّلُ ما يصيبُه من عذابِ اللَّهِ.\nوبإسناده عن مسروق، قال: ما من ميِّت يموتُ وهو يزنِي، أو يسرقُ، أو\nيشربُ، أو يأتي شيئًا من هذه، إلا جُعِلَ معهَّ شَجاعانِ ينهشَانهِ في قبرِه.\nومنها: رضُّ رأسِ الميتِ بحجر، أو شق شدْقهِ أو نحوُ ذلك.\nوفي حديث سمرةَ بنِ جندبٍ، عن النبيّ - ﷺ - قال: \"رأيتُ الليلةَ رجلينِ أتيانِي فأخَذَا بيدِي، فأخرجَانِي إلى أرضٍ مقدسة، فإذا رجلٌ جالسٌ ورجلٌ قائمٌ بيده كَلُّوبٌ من حديدٍ يدخلُه في شدقِهِ حتَّى يبلغَ قفاةُ، ثم يفعلُ بشدقِهِ الآخر مثلَ ذلك، ويلتئمُ شدقُه هذا، فيعودُ فيصنعُ مثلَه، قلتُ: ما هذَا؟\nقالا: انطلقْ فانطلقْنا، حتَّى أتينَا على رجل مضطجعٍ على قفَاه، ورجلٌ قائمٌ على رأسِه بصخرة أو فهر، فيشدَخُ بها","vol":"2","page":368},{"text":"رأسَه، فإذا ضربَه تدهْدَهَ الحجرُ، فانطلقَ إليه ليأخذَه فلا يرجعُ إلى هذا حتى يلتئمَ رأسُه، وعادَ رأسُه كما هُو، فعادَ إليه فضربَهُ، قلتُ: ما هذا؟\nقالا لِي: انطلقْ، فانطلقْنا، إلي نقب مثلِ التنورِ أعلاه ضيق وأسفله واسع، توقدُ تحتَهُ نار وإذا فيه رجالًا ونساء عراة فيأتِيهم\nاللهبُ من تحتِهِم فإذَا اقتربَ ارتفعوا حتَّى كادُوا أن يخرجُوا، فإذا خمدتَ رجعُوا فِيها، وفيها رجالٌ ونساء، فقلتُ: ما هذا؟\nقالا: انطلقْ، فانطلقْنا، حتَّى أتيْنَا على نهر من دمِ.\nفيه رجل قائم وعلى شاطئ النهرِ رجل بين يديه حجارة، فأقبلَ الرجلُ الذي في النهرِ، فإذا أرادَ أن يخرجَ، رَمَى الرجلُ بحجر في فِيه فردَّه حيثُ كان، فجعلَ كلما جاءَ ليخرجَ رَمَى في فِيه بحجر رجعَ كما كانَ، فقلتُ: ما هذا؟ قالا لي: انطلقْ، فانطلقْنا\".\nفذكرَ الحديثَ.\nوفيه: \"قلتُ: طوفتُماني الليلةَ، فأخبرانِي عما رأيتُ؟\nقالا: نعم، أما الرجلُ الذي رأيتَه يشقّ شدقُه فكذَّابٌ يحدِّثُ بالكذبِ، فتُحملُ عنه حتى تبلغَ الآفاقَ، فيصنعُ به ذلك إلى يوم القيامةِ؛ والذي رأيتَه يُشدخُ رأسُه فرجل علَّمه اللَهُ القرآنَ، فنامَ عنه بالليلِ، ولم يعملْ فيه بالنهارِ؛ يُفعلُ به إلى يوم القيامةِ؛ وأما الذي رأيتَ في النقبِ فهم\nالزناةُ والزوانِي، وأما الذي رأيتَ في النهرِ فآكلُ الرِّبا\".\nوذكرَ الحديثَ بطوله.\nخرَّجَه البخاريُّ.\nوروى هذا الحديثَ أبو خلدةَ، عن أبي حازمٍ، عن سمرةَ، وفي حديثهِ:\n\"قلتُ: فالذي يسبحُ في الدم؟\nقال: ذاك صاحبُ الرِّبا، ذاكَ طعامُه في القبرِ إلى يومِ القيامةِ.\nقلت: فالذي يشدخُ رأسُه؟\nقال: ذاك رجل علَّمه اللَهُ القرآنَ، فنامَ عنه حتى\nنسيَه، لا يقرأُ منه شيئا، كلَّما رقدَ دقُوا رأسَه في القبرِ إلى يوم القيامةِ، ولا يدعونَهُ ينامُ \".\nومنها: تضييقُ القبرِ على الميتِ حتَّى تختلفَ فيه أضلاعُه، وقد سبقَ ذلك\nفي أحاديثَ متعددة.","vol":"2","page":369},{"text":"وخرّج الخلال - بإسنادٍ ضعيفٍ - عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ - ﷺ - أنه قال في الكافرِ: \"فيضيقُ عليه قبرُه حتى يخرجَ دماغُه من بَينِ أظفارهِ ولحمهِ \".\nوقد وردَ ما يدل على أن التَّضييقَ عامٌّ للمؤمنِ والكافرِ، وصرّحَ بذلكَ\nطائفةٌ من العلماءِ، منهم ابنُ بطةَ وغيرُه، فروى شعبةُ، عن سعدِ بنِ إبراهيمَ، عن نافع، عن عائشةَ - ﵂ -، عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"إن للقبرِ ضغطة، لو كان أحدٌ ناجيًا منها لنَجا مها سعدُ بنُ معاذٍ\"\nخرَّجه الإمام أحمد.\nوقد اخُتلِفَ على شعبةَ في إسنادهِ، فقيلَ: عنه كما ذكرنا:\nوقيل: عنه، عن نافع، عن إنسانٍ، عن عائشة - ﵂ -.\nوقيل: عنه، عن سعدٍ، عن نافع، عن امرأةِ ابنِ عمرَ، عن عائشةَ - ﵂ -.\nوروى: الثوريُّ، عن سعد، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عن النبيِّ - ﷺ - وليس بالمحفوظِ.\nورواه ابنُ لهيعةَ، عن عقيلٍ، سمعَ سعدَ بنَ إبراهيمَ، يخبرُ عن عائشةَ\nبنتَ سعدٍ، عن عائشةَ أمَ المؤمنينَ، عن النبيِّ - ﷺ - بأنه قال لها: \"تعوَّذِي باللهِ من عذابِ القبرِ، فإنه لو نجا منه أحدٌ لنجا سعدُ بنُ معاذٍ، لكنّه لم يزدْ على ضمِّه \".\nخرَّجه الطبراني، ورواية شعبة أصح.\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ، من حديثِ محمدِ بنِ جابر، عن عمرِو بن مرةَ، عن\nأبي البختري، عن حذيفةَ، قال: كنَّا مع النبيِّ - ﷺ - في جناز، فلمَّا انتهينَا إلي القبرِ قعدَ على شفتهِ فجعلَ يرددُ بصرَه فيه، ثم قال: \"يُضغطُ المؤمنُ فيه ضغطةً تزولُ منها حمائِلُه، وتُملأ على الكافرِ نارًا \".\nومحمد بن جابر هو اليمامي:","vol":"2","page":370},{"text":"ضعيف: وأبو البختري لم يدركْ حذيفةَ.\nوخرج النسائيُّ، من حديثِ عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ عن نافع، عن عبدِ اللَّهِ بنِ\nعمرَ - ﵄ - أن النبيَّ - ﷺ - قالَ:\n\"هذا الذي تحرك له العرشُ وفتحتْ له أبوابُ السماءِ.\nوشهدَهُ سبعونَ ألفًا من الملائكةِ، لقد ضُمّ ضمةً ثمَّ فُرِّج عنه \".\nوخرَّجه البزارُ وقالَ: وروي عن عبيدِ اللَّهِ، عن نافع مرسلًا.\nقلتُ: وقد سبقَ ذكرُ الاختلافِ فيه عن سعدِ بنِ إبراهيمَ عن نافعِ.\nورواه زيدُ بنُ أبي أنيسةَ، عن جابرٍ، عن نافع، عن صفيةَ بنتِ أبي عبيدٍ.\nعن بعضِ أزواج النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"إن كنتُ لأرى لو أنَّ أحدَا أُعفي من عذابِ القبرِ.\nلعُفِي منه سعدُ بنُ معاذٍ، لقد ضُم فيه ضمةً\".\nوخرَّجه البزارُ من وجهٍ آخرَ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، ومن طريقِ عطاءِ\nبنِ السائبِ عن مجاهدٍ عن ابنِ عمرَ.\nوخرَّج الطبراني صْ طريقِ زكريا بنِ سلامٍ، عن سعيدِ بن مسروقٍ، عن\nأنسٍ، قال: لما ماتتْ زينبُ بنتُ رسولِ اللَّه - ﷺ - حزنَ، ثم سُرِّيَ عنه، فقلنا: يا رسولَ اللَّه، رأينا منك ما لم نرَ، قالَ: \"ذكرتُ زينبَ وضعفَها وضغطةَ القبرِ، لقد هُوِّن عليها، ومع ذلكَ لقد ضُغِطتْ ضغطةً بلغتِ الخافقينِ \".\nوزكريا قيل: إنه مجهولٌ، وسعيدُ بنُ مسروق، لم يدركْ أنسًا، فهو منقطِعٌ.\nوقد رُوي من وجهٍ آخرَ عن أنسٍ، من روايةِ الأعمشِ، عن أنسٍ، عن\nالنبيِّ - ﷺ - بمعناهُ.","vol":"2","page":371},{"text":"وكذا رواه أبو حمزة السكري، عن الأعمشِ، والأعمشُ لم يسمعْ من\nأنسِ عند الأكثرينَ.\nوقيلَ: عن أبي حمزةَ، عن الأعمشِ، عن سليمانَ، عن أنسٍ.\nورواه سعدُ بنُ الصلتِ، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن أنسٍ.\nورواهُ حبيبُ بنُ خالد الأسدي عن الأعمشِ، عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ المغيرة، عن\nأنسِ.\nورواه حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثمامةَ، عن أنسِ، أن النبيَّ - ﷺ - دَفَن صبيا أو صبيةً، فقالَ: \"لو نجا أحدٌ من ضمّةِ القبرِ لنجا منها هذا الصبي\".\nخرَّجَه الخلالُ، والطبرانيُّ.\nوقد اختُلفَ فيه على حمادِ، فرواه جماعةٌ عن ثمامةَ مرسلًا.\nوالمرسلُ هو الصحيحُ، عند أبي حاتمٍ الرازي، والدارقطنيِّ.\nوروى ابنُ وهبِ، عن عمرِو بنِ الحارثِ، عن أبي النضرِ، عن زيادِ مولى\nابن عباس عن ابنِ عباسِ، أن النبي - ﷺ - صعدَ على قبرِ سعدِ بن معاذ فقال:\n\"لو نجا من ضغطة القبرِ أحدٌ منه لنجَا سعدُ بنُ معاذٍ، ولقد ضُمَّ ضمَّة ثم فرجِّ عنه \".\nخرَّجَه الطبرانيُّ.\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ والنسائي، من حديثِ يزيدَ بنِ عبدِ اللَّهِ بن الهادِ.\nعن معاذِ بن رفاعةَ، عن جابرٍ، أن النبيَّ - ﷺ - قال لسعدٍ وهو يدفنُ: \" سبحانَ اللَّهِ، لهذا العبدِ الصالح الذي تحركَ له عرشُ الرحمنِ وفتحتْ له أبوابُ السماءِ شدِّد عليه ثمَّ فرجَ عنه \".","vol":"2","page":372},{"text":"وخرَّجَه الإمامُ أحمد، من طريقِ ابن إسحاقَ، حدثني معاذُ بنُ رفاعةَ.\nعن محمودِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ عمرِو بن الجموح، عن جابر، عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"لقد تضايقَ على هذا العبدِ الصالح قبرُه حتى فرجَّ اللَّهُ عنه \".\nوذكر ابنُ إسحاقَ: اهتزازَ العرشِ، وفتحَ أبوابِ السماء؛ عن معاذِ بنِ\nرفاعةَ، قال: حدثني من شئتُ من رجال قومِي، عن النبيًّ - ﷺ - ولم يذكره في حديثِ جابر.\nوزادَ في إسنادِ حديثِ جابرٍ رجلًا، وقوله أصحُّ من قولِ\nيزيدِ بن الهادِ في هذا كلِّه عند كثير من أئمةِ الحفاظِ واللَّه أعلم.\nوخرَّج البيهقيُّ، من حديثِ ابنِ إسحاقَ، قال: حدثني أميةُ بنُ عبدِ اللَّهِ.\nأنه سألَ بعضَ أهلِ سعدٍ، ما بلغكَم من\nقولِ النبيِّ - ﷺ - في هذا؟\nقالوا: ذُكر لنا أنَّ رسول اللَّهِ - ﷺ - سُئِل عن ذلكَ، فقال: \"كانَ يُقصِّر في بعض الطهورِ من البولِ \".\nوذكر ابنُ أبي الدنيا عن عبيد اللَّه بنِ محمدٍ التميميِّ، قالَ: سمعتُ أبا\nبكرٍ التيمي - شيخًا من قريشٍ - قال: كان يقالُ: إن ضمَّةَ القبرِ إنَّما أصلُها أُمُّهم، ومنها خلقُوا، فغابُوا عنها الغيبةَ الطويلةَ، فلما رَدُّوا إليها أولادَها، ضمَّتهم ضمَّ الوالدةِ التي غابَ عنها ولدُها، ثم قدِمَ عليها، فمنْ كانَ للَّهِ ﷿ مطيعًا ضمتْهُ برأفة ورفقٍ، ومن كانَ للَّه عاصيًا ضمَّتْه بعنفِ، سخَطا منها عليه لربِّها.\nوروى في كتابِ \"المحتضرينَ \" بإسنادِه عن عبدِ العزيزِ بن أبي روادٍ، عن","vol":"2","page":373},{"text":"نافع، أنه لمّا حضرتهُ الوفاةُ جعلَ يبْكي، فقيل له: ما يبكيكَ؟\nفقال: ذكرتُ سعدًا وضغطةَ القبرِ.\nوروى هنّادُ بن السريِّ، عن سعيدِ بن دينارٍ، عن إبراهيمَ الغنويِّ، عن\nرجلٍ عن عائشةَ - ﵂ -، أنها مرَّتْ بها جنازةٌ صغيرةٌ فبكتْ، فقالتْ: بكيتُ لهذا الصبيِّ، شفقةً عليه من ضمَّةِ القبرِ.\nقال هناد: وحدثنا محمدُ بنُ فضيل، عن أبيه، عن ابنِ أبي مليكةَ، قالَ:\nما أجِيرَ أحدٌ من ضغطةِ القبرِ، ولا سعدُ بنُ معاذٍ، الذي منديلٌ من مناديلهِ\nخيرٌ من الدنيا وما فِيها.\nوقال أبو الحسن بن البراءِ: حدثنا محمدُ بنُ الصباح، حدثنا عمّارُ بن\nمحمدٍ، عن ليثٍ، عن المنهالِ، عن زاذانَ، عن البراءِ، عن النبي - ﷺ - في قوله تعالى: (لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) .\nقال: \" يُكْسَى الكافرُ في قبرِه ثوبانِ من نار، فذلك قولُه ﷾:\n(مِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ) \"\nهذا غريبٌ منكرٌ.\nوقد قيلَ: إن عذابَ القبرِ يفتر عن أهلِ القبورِ فيما بين النفختينِ، كذا\nذكرَهُ سعيدُ بنُ بشيرٍ عن قتادةَ، وتأوَّل ذلك قوله تعالى:\n(يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) . أي، يعني تلكَ الفترةَ التي لا عذابَ فيها.\nوورد ذلك مرفوعًا، خرَّجَه الخلالُ في كتابِ \"السنة\" حدثنا إسحاقُ بنُ\nخالد البالسي، حدثنا محمد بن صعب، حدثنا روح بن مسافرٍ، عن\nالأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"إنَّ هذه الأمة تبتلى في قبورِها\"،","vol":"2","page":374},{"text":"فذكرَ الحديثَ بطوله، وفي آخرهِ قال: \"فإنهم يعذبونَ في قبورِهم إلى\nقريب من قيام الساعةِ، ثم ينامونَ قبيلَ الساعةِ، وهي النومةُ التي ندمُوا عليها، حين قالوا: (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا) .\nوهذا إسنادٌ ضعيفٌ، وروحُ بن مسافر، وإسحاقُ بنِ خالدٍ، ضعيفانِ جدًّا.\nوقد يُرفعُ عذابُ القبرِ أو بعضُه في بعضِ الأوقاتِ الشريفةِ.\nفقد روي بإسنادٍ ضعيفٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ: أن عذابَ القبرِ يرفعُ عن\nالموتى في شهرِ رمضانَ، وكذلكَ فتنةُ القبرِ ترفعُ عمَّن مات يومَ الجمعةِ أو ليلة\nالجمعةِ.\nكما خرَّجَ الإمامُ أحمدُ، والترمذيُّ، من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ\nالعاصِ، عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"ما منْ مسلمٍ يموتُ يومَ الجمعةِ أو ليلةَ الجمعةِ إلا وقاهُ اللهُ فتنةَ القبرِ\".\nوأما نعيمُ القبرِ، فقد دلّ عليه قولُه تعالَى: (فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ)، كما سبق.\nوقد تقدّمَ في حديثِ البراءِ وغيرِه ذكرُ بعضِ نعيم القبرِ.\nوروى ابنُ وهبٍ، حدَّثني عمرُو بنُ الحارثِ، أنَّ أبا المسيح درَّاجًا حدَّثَهُ.\nعن ابنِ حجيرةَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ - أنه قالَ: \"إن المؤمنَ في قبرِه لفي روضة خضراءَ، ويرحبُ له قبرُه سبعونَ ذراعًا، وينوّرُ له فيه كالقمرِ ليلةَ البدرِ\".\nوروى أبو عبد الرحمنِ المقرئُ، حدثنا داودُ أبو بحر، عن صهرٍ له - يقالُ","vol":"2","page":375},{"text":"له: مسلمُ بنُ مسلم - عن مُورِّقٍ العجليِّ، عن عبيدِ بنِ عميرٍ، قال: قال\nعبادةُ بنُ الصامتِ: إذا حضرتْه - يعني المؤمنَ المتهجدَ بالقرآنِ - الوفاةُ جاءَ\nالقرآنُ فوقفَ عند رأسهِ، وهم يغسِّلونَهُ، فإذا فرغَ منه دخلَ حتى صارَ بين\nصدرِه وكفنِهِ، فإذَا وُضِعَ في حفرتِهِ جاءَه منكرٌ ونكير، خرجَ حتى صارَ بينه\nوبينهُمَا، فيقولانِ له: إليكَ عنَا، فإنا نريدُ أن نسألَهُ، فيقولُ: واللَّه ما أنا\nبمفارقه، فإن كنتُما أمرتُما فيه بشيء فشأنكما.\nثم ينظرُ إليه، فيقولُ: هل تعرِفني؟\nفيقول: لا. فيقولُ: أنا القرآنُ الذي كنتُ أسهرُ ليلكَ، وأظمأ\nنهارَك، وأمنعكَ شهوتَكَ، وسمعَكَ، وبصرَكَ، فستجدُني من الأخلاءِ خليلَ\nصدقٍ، فأبشرْ، فما عليكَ بعد مسألةِ منكرٍ ونكيرٍ من هم، ولا حزنٍ، ثم\nيخرجانِ عنه، فيصعدُ القرآنُ إلى ربِّه، فيسأله فراشًا ودِثارًا، قال: فيؤمرُ له\nبفراشٍ ودثارٍ وقنديلٍ من الجنةِ، وياسمين من الجنةِ، فيحمله ألفُ ملك من\nمقرَبي سماءِ الدنيا. قال: فيسبقُهُم إليه القرآنُ، فيقولُ: هل استوحشتَ\nبعدي؟ فإنِّي لم أزلْ بربي حتى أمرَ لكَ بفراشٍ ودثارٍ ونورٍ من الجنةِ.\nقال: فتدخلُ عليه الملائكة، فيحملونَهُ ويفرشونَ له ذلك الفراشَ، ويضعونَ الدِّثارَ تحتَ رجليهِ، والياسمينَ عند صدرهِ، ثم يحملونَهُ حتى يضجعُوه على شقِّه الأيمن، ثم يصعدونَ عنه، فيستلقِي عليه، فلا يزالُ ينظر إلى الملائكة حتى يلجُوا في السماءِ، ثم يدفعُ القرآنَ في قبلةِ القبرِ، فيوسعُ عليه ما شاءَ الَلَّهُ من ذلكَ.\nقال أبو عبد الرحمنِ: وكان في كتابِ معاويةَ إليَّ: فيوسَّع له مسيرةَ\nأربعمائةِ عامٍ، ثم يحملُ الياسمينَ من عندِ صدرِه، فيجعلُه عند أنفهِ، فيشقه\nغضا إلي يوم ينفخُ في الصورِ، ثم يأتي أهلَه كلَّ يومٍ مرةً أو مرتينِ، فيأتيه","vol":"2","page":376},{"text":"بخبرِهم، ويدعُو لهم بالخيرِ والإقبالِ، فإن تعلَّم أحدٌ من ولدهِ القرآنَ بشّره\nبذلكَ، وإن كانَ عقبَ سوءٍ، أتى الدارَ بكرةً وعشيًا، فبكى عليه إلى أن يُنفخَ في الصورِ. أو كما قال.\nقال الحافظُ أبو موسى المديني: هذا خبرٌ حسنٌ رواه الإمام أحمد بن\nحنبل، وأبو خيثمة، وطبقتُهما من المتقدمينَ، عن أبي عبد الرحمنِ المقرئِ.\nوقد تقدّمَ في البابِ الثاني:\n\"القبرُ روضةٌ من رياضِ الجنةِ، أو حفرةٌ من حفرِ النارِ\".\nمن حديثِ أبي هريرةَ، وأبي سعيدٍ، بإسنادينِ ضعيفينِ.\nوروي أيضًا من حديثِ ابنِ عمرَ، خرَّجَهُ ابنُ أبي الدنيا، حدثنا هارونُ بن\nسفيانَ، حدثنا محمدُ بنُ عمرَ، أخبرنا أخي شملةُ بنُ عمرَ، عن عمرَ بن\nشيبةَ عن أبي كثيرِ الأشجعيِّ، عن نافع، عن ابنِ عمرَ، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"القبرُ روضةٌ من رياضِ الجنةِ، أو حفرةٌ من حفرِ النارِ\". إسنادُه ضعيف.\n* * *","vol":"2","page":377},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>سُورَةُ الحَدِيدِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ)</span>\nإنَّ اللَّهَ تعالى أمرَ عبادَهُ في كتابهِ، وعلى لسانِ رسُولهِ، بجميع ما يُصلحُ\nقلوبَ عبادِهِ، ويُقرِّبها منه، ونهاهُم عمَّا ينافِي ذلكَ ويضادُّه ولمَّا كانتِ الرّوح\nتقوَى بما تسمعُه من الحكمةِ والموعظةِ الحسنةِ، وتَحْيَا بذلكَ، شرعَ اللَّهُ لعبادِهِ سماعَ ما تقوَى به قلوبُهم، وتتغذّى وتزدادُ إيمانًا.\nفتارةً يكونُ ذلك فرضًا عليهم، كسماع القرآنِ، والذكرِ والموْعظةِ يومَ\nالجمعةِ في الخطبةِ والصَّلاةِ، وكسماع القرآنِ في الصّلواتِ الجهريّةِ من\nالمكتوباتِ.\nوتارةً يكونُ ذلك مندُوبًا إليه غيرَ مفترضٍ، كمجالسِ الذكرِ المندُوبِ إليها.\nفهذا السّماعُ حَادٍ يحدُو قلبَ المؤمنِ إلى الوصولِ إلى ربِّه، يسُوقُه ويشُوقُه إلى\nقربه، وقد مدحَ اللَّهُ المؤمنينَ بوجودِ مزيدِ أحوالهِم، بهذا السماع.\nوذمَّ من لا يجدُ منهُ ما يجدونَهُ، فقالَ تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا) .\nوقال: (فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) .\nوقال: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ) .","vol":"2","page":378},{"text":"قال ابنُ مسعودٍ: ما كانَ بين إسلامنَا، وبينَ أنْ عوتبْنَا بهذهِ الآية ِ\nإلا أربعَ سنينَ. خرَّجَه مسلم.\nوفي روايةٍ أُخرى قال: فجعلَ المؤمنون يعاتِبُ بعضُهم بعضًا.\nوعن ابنِ عباسٍ قال: إن اللَّهَ استبْطأ قلوبَ المهاجرينَ فعاتَبهُم، على رأسِ ثلاثَ عشرةَ سنةٍ من نزُولِ القرآنِ، بهذه الآيةِ.\nفهذه الآية ُ تتضمّنُ توبيخًا وعتابًا لمن سمعَ هذا السماعَ، ولم يُحدِثْ له في\nقلبهِ صَلاحًا ورقَّةً وخشوعًا، فإنَّ هذا الكتابَ المسمُوعَ يشتملُ على نهاية\nالمطلوبِ، وغايةِ ما تصلُحُ به القلوبُ، وتنجذبُ به الأرواحُ، المعلّقةُ بالمحلًّ\nالأعْلَى إلى حضرةِ المحبوبِ، فيحْيى بذلك القلبُ بعد مماتِهِ، ويجتمعُ بعدَ\nشتاتهِ، وتزولُ قسوتُهُ بتدبُّر خطابِهِ وسماع آياتهِ، فإنَّ القلوبَ إذا أيقنتْ بعظمةِ ما سمعتْ، واستشْعَرتْ شَرَفَ نسبةِ هذا القولِ إلى قائلِهِ، أذعنتْ وخضعتْ.\nفإذا تدبَّرَتْ ما احتَوى عليه من المرادِ ووعتْ، اندكَّتْ من مهابةِ اللَّهِ وإجلالِهِ، وخشعت.\nفإذا هطلَ عليها وَابلُ الإيمانِ من سُحُب القرآنِ، أخذتْ ما وسعتْ، فإذَا\nبذَر فيها القرآنُ مِنْ حقائقِ العرفانِ، وسقاهُ ماءُ الإيمانِ، أنبتتْ ما زرعتْ\n(وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِن كُلِّ زَؤجِ بَهِيجٍ)، (فانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كيْفَ يحْي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا)، ومتى فقدت القلوبُ غذاءَها، وكانتْ جاهلةً بهِ، طلبت العِوضَ من غيرهِ، فتغذتْ بِهِ، فازداد سقمُها بفقْدِهَا ما ينفعُها والتعوّضِ بما يضرّها.\nفإذا سقمتْ مالتْ إلى ما فيه ضررُها، ولم تجدْ طعمَ غذائِها، الذي فيه نفعُها، فتعوضتْ عن","vol":"2","page":379},{"text":"سماع الآياتِ، بسماع الأبياتِ. وعن تدبُّرِ معاني التنزيلِ، بسماع الأصواتِ.\nقال عثمانُ بنُ عفانَ - ﵁ -: لو طهُرتْ قلوبكم ما شبعتُم من كلامِ ربكم.\nوفي حديث مرسل: \"إنَّ هذه القلوبَ تصدَأُ كما يصدا الحديد\"، قيل: فما\nجلاؤُه؛، قالَ: \"تلاوةُ كتابِ اللهِ \". وفي حديث آخرَ مرسلٍ، أن النبي - ﷺ -، خطبَ بعدما قدِمَ المدينةَ، فقال:\n\"إن أحسنَ الحديثِ كتابُ اللهِ، قد أفلحَ منْ زينه اللهُ في قلبِهِ، وأدخلَهُ في الإسلامِ بعد الكفرِ؛ واختارَهُ على ما سواهُ من أحاديث الناسِ.\nإنه أحسنُ الحديثِ وأبلغُه، أحِبُّوا ما أحبَّ الله، أحِبُّوا الله من كلّ قلوبكِم \".\nوقالَ ميمونُ بن مِهرانَ: إنّ هذا القرآنَ قدْ خلق في صدُورِ كثيرٍ من الناسِ.\nوالتمسوا حديثًا غيره، وهو ربيعُ قلوبِ المؤمنينَ، وهو غضٌّ جديدٌ في\nقلوبِهِم.\nوقال محمدُ بنُ واسع: القرآنُ بستانُ العارفينَ حيثما حلُّوا منه، حلُّوا\nفي نزه!.\nوقال مالكُ بنُ دينار: يا حملةَ القرآنِ ماذَا زرعَ القرآنُ في\nقلوبِكم؟!\nفإنَّ القرآنَ ربيعُ المؤمنينَ، كما أنَّ الغيثَ ربيعُ الأرضِ، فقد ينزلُ\nالغيثُ من السَّماءِ إلى الأرضِ، فيُصيبُ الحشَّ فتكونُ فيه الحبَّةُ، فلا يمنعُها\nنتن موضعِهَا أن تهتزَّ وتخضرَّ وتحسُن.\nفيا حملَة القرآنِ، ماذا زرعَ القرآنُ في قلوبِكُم؟\nأين أصحابُ سورة؛ أينَ أصحابُ سورتين؟! ماذا عملتم فيهما.\nوقال الحسن: تففدُوا الحلاوةَ في الصّلاةِ، وفي القرآنِ، وفي الذكرِ.\nفإنْ وجدتمُوها فامضُوا وأبشِرُوا، وإنْ لم تجدُوها فاعْلمُوا أنَّ البابَ مغلق.\nاسمعْ يا منْ لا يجدُ الحلاوةَ في سماع الآياتِ، ويجدها في سماع الأبياتِ.\nفي حديث مرفوع:\n\"منِ اشْتاقَ إلى الجنة فليسْمَعْ كلامَ اللهِ \".\nكان داودُ الطّائيُّ يترنمُ بالآيةِ في الليلِ، فيرى من سمعهُ أن جميعَ نعيم الدنيا جُمِعَ في ترنُّمه.","vol":"2","page":380},{"text":"قال أحمدُ بنُ أبي الحواري: إنيِّ لأقرأُ القرآنَ، فأنظرُ في آية آيةٍ، فيحارُ\nفيها عَقْلي، وأعجبُ من حُفَّاظِ القرآنِ، كيف يهنيهمُ النّومُ، ويسعُهُم أن\nيشْتَغِلُوا بشيءٍ من الدُّنيا، وهم يتلونَ كلامَ اللَّهِ!!\nأمَا لو فهِمُوا ما يتلونَ، وعَرفُوا حقَّه، وتلذَّذُوا بِهِ، واستحلوا المناجاةَ بِهِ، لذهبَ عنهم النومُ، فَرحًا بما قدْ رُزِقوا.\nقال ابنُ مسعودٍ. لا يسألُ أحدٌ عن نفسِهِ غيرَ القرآنِ، فمن كانَ يحبُّ\nالقراَنَ فهُوَ يحبُّ اللهَ ورسولَهُ.\nقال سهل التستريُّ: علامةُ حُبِّ اللَّهِ، حُبُّ القرآنِ.\nوقال أبو سعيدٍ الخراز: مَن أحبَّ اللَّهَ أحبَّ كلامَ اللهِ، ولم يشبَع من\nتلاوتهِ.\nويُروى عن معاذ قالَ: سيبلى القرآنُ في صدُورِ أقوامٍ، كما يبْلى الثوبُ.\nفيتهافتُ، فيقرءونه لا يجدون له شهوةً.\nوعن حذيفةَ قالَ: يوشِكُ أن يدرُسَ الإسلامُ، كما يدرسُ وشيُ الثوبِ.\nويقرأُ الناسُ القرآنَ لا يجدونَ له حلاوةً.\nوعن أبي العَاليةَ قالَ: سيأْتي على الناسِ زمان، تخربُ فيه صدورُهم من\nالقرآنِ، وتبلَى كما تبْلى ثيابُهم، وتهافَت فلا يجدُون له حلاوةً، ولا لذاذةً.\nقال أبو محمد الجريري - وهو من أكابرِ مشايخ الصوفيّةِ -: من استولْت\nعليهِ النفسُ، صارَ أسيرًا في حكم الشَّهواتِ، محصُورًا في سجنِ الهوَى.\nفحرَّم اللَّهُ على قلبِهِ الفوائدَ، فلا يستلذُّ بكلامِهِ، ولا يستحلِيهِ، وإنْ كثُرَ\nتردادُه على لسانِه.\nوذُكِرَ عند بعضِ العارفينَ أصحابُ القصائدِ، فقالَ: هؤلاءِ\nالفرارُونَ من اللهِ ﷿، لو ناصحُوا اللَّهَ، وصدَّقُوه، لأفادَهُم في","vol":"2","page":381},{"text":"سَرائرِهِم، ما يشغلُهم عن كثرةِ التلاقِي.\nواعلمْ أن سماعَ الأغانِي يضادُ سماعَ القرآنِ، مِنْ كلِّ وجهٍ.\nفإنّ القرآنَ كلامُ اللَّهِ، ووحيُهُ ونوُرهُ، الذي أحيا اللَّهُ به القُلوبَ الميتةَ، وأخرجَ العبادَ به من الظلماتِ إلى النّورِ.\nوالأغاني وآلاتُها مزاميرُ الشيطانِ.\nفإنَّ الشيطانَ قرآنهُ الشعرُ، ومؤذِّنُه المزمارُ، ومصائِدُه النّساءُ.\nكذا قالَ قتادةُ وغيرُه من السَّلفِ.\nوقد رُوي ذلك مرفوعًا، من روايةِ عبيدِ اللَّه بن زحْر، عن عليِّ بنِ يزيدَ عن القاسم، عن أبي أمامةَ، عن النبيِّ - ﷺ - وقدْ سبقَ ذكرُ هذا الإسنادِ.\nوالقرآنُ تُذكر فيه أسماءُ اللَهِ، وصفاتُهُ وأفعالُهُ، وقدرتُهُ وعظمتُة، وكبرياؤه\nوجلالُه، ووعدُه ووعيدُه.\nوالأغاني إنما يُذكرُ فيها: صفاتُ الخمرِ والصورُ المحرّمُة، الجميلةُ ظاهرُها\nالمستقذرُ باطنُها التي كانتْ تُرابًا، وتعُود ترابًا.\nفمن نزّل صفاتِها على صفاتِ من ليس كمثلِهِ شيءٌ وهوَ السَّميعُ البصيرُ، فقد شبَّه، ومرقَ من الإسلامِ، كما - يمرُقُ السهمُ من الرميةِ.\nوقد رُئيَ بعضُ مشايخ القومِ في النَّومِ بعدَ موتِهِ.\nفسُئِلَ عن حالِهِ فقالَ: أوقفني بينَ يديه، ووبَّخني، وقالَ: كنتَ تسمعُ\nوتقِيسُني بسُعْدى ولُبنَى.\nوقد ذكرَ هذا المنامَ أبو طالبٍ المكيُّ، في كتابِ \"قوتِ القلوبِ \".\nوإن ذُكر في شيءٍ من الأغانِي التوحيدُ، فغالِبُه من يسوقُ ظاهرُه إلى\nالإلحادِ: من الحلولِ والاتحادِ، وإن ذُكِرَ شيءٌ من الإيمانِ والمحبةِ، أو توابع","vol":"2","page":382},{"text":"ذلكَ، فإنَّما يُعبَّرُ عنه بأسماء قبيحةٍ، كالخمرِ وأوعيتِهِ ومواطنِهِ وآثارهِ، ويُذكر فيه الوصلُ والهجرُ، والصدودُ والتجنِّي.\nفيطربُ بذلكَ السامعونَ، وكأنَّهم يشيرون، إلى أن اللَّه تعالى، يفعل مع عبادهِ المحبينَ له المتقربينَ إليه، كما يذكرونَهُ.\nفيبعدُ ممن يتقربُ إليه، ويصدُّ عمن يحبُّه ويُطيعُه، ويُعرِضُ عمن\nيُقبلُ عليه.\nوهذا جهل عظيمٌ فإنَّ اللَّهَ تعالى يقولُ، على لسانِ رسُوله الصادقِ\nالمصدوقِ - ﷺ -:\n\"من تقرَّبَ منِّي شِبْرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرَّبَ مني ذراعًا تقرَّبتُ\nمنه باعًا، ومن أتَاني يمشِي أتيته هرولةً\".\nوغايةُ ما تحرِّكُه هذه الأغاني: ما سكنَ في النفوسِ من المحبَّةِ، فتتحركُ\nالقلوبُ إلى محبوباتِها، كائنة ما كانتْ، من مباح ومحرّمٍ وحقٍّ وباطلٍ.\nوالصّادقُ من السامعينَ، قد يكونُ في قلبهِ محبّةُ اللهِ، مع ما ركزَ في الطباع\nمن الهَوى، فيكونُ الهَوى كامِنًا، لظهورِ سُلطانِ الإيمانِ. فتحركُّه الأغاني.\nمع المحبّةِ الصحيحةِ. فيقْوى الوجدُ، ويظن السامعُ، أنْ ذلكَ كلَّه محبّةُ اللَّهِ.\nوليسَ كذلك. بل هي محبّة ممزوجةٌ ممتزجة، حقُّها بباطِلها.\nوليسَ كلُّ ما حرك الكامنَ في النفوسِ، يكونُ مُباحًا في حكم اللَّهِ ورسولهِ.\nفإنّ الخمرَ تحركُ الكامنَ في النُفوسِ، وهي محرمة في حكم اللَّهِ ورسولهِ\nكما قِيلَ:\nالرَّاحُ كالريح إِن هبَّتْ على عِطْرٍ. . . طابتْ وتخبثُ إنْ مرَّتْ على الجِيَفِ\nوهذا السماعُ المحظورُ، يُسكرُ النفوسَ، كما يسكرُ الخمرُ أو أشدُّ، ويصدُّ","vol":"2","page":383},{"text":"عن ذكرِ اللَّهِ، وعن الصَّلاةِ، كالخمرِ والميسرِ فإن فُرضَ وجُودُ رجلٍ يسْمعُه، وهو ممتَلئٌ قلبُه بمحبةِ اللَّهِ، لا يؤثرُ فيه شيءٌ من دَواعِي الهوى بالكليةِ، لم\nيُوجبْ ذلك له خصوصًا، ولا للنّاسِ عمومًا. لأنّ أحكامَ الشريعةِ، تناطُ\nبالأعمِّ الأغلبِ.\nوالنَّادرُ ينسحبُ عليه حكمُ الغالبِ، كما لو فُرض رجل تامُّ\nالعقلِ، بحيثُ لو شرِبَ الخمرَ، لم يُؤثرْ فيه ولم يقعْ فيه فساد، فإنَّ ذلك لا\nيوجبُ إباحةَ الخمر له، ولا لغيرهِ. على أنَّ وجودَ هذا المفروضِ في الخارج.\nفي الصُّورتين: إما نادرٌ جدًّا أو ممتنعٌ متعذرٌ.\nوإنما يظهرُ هذا السماعُ، على هذا الوجهِ، حيث جرّد كثير من أهلِ\nالسلوكِ الكلامَ في المحبةِ ولهجِوا بها، وأعرضُوا عن الخشيةِ.\nوقد كانَ السلفُ الصالحُ يُحذِّرون منهمُ، ويفسِّقون من جرَّدَ، وأعرضَ عن الخشيةِ إلى الزندقةِ.\nفإنَّ أكثرَ ما جَاءتْ به الرّسُلُ، وذكرَ في الكتابِ والسنةِ: هو خشيةُ\nاللَّهِ وإجلالِهِ وتعظيمِهِ، وتعظيم حرماتِهِ وشعائِرهِ، وطاعتِهِ.\nوالأغاني لا تحرّكُ شيئا من ذلكَ، بلْ تُحدِثُ ضدَّهُ من الرعُونَةِ والانبساطِ\nوالشطح، ودعوى الوصُولِ والقُربِ، أو دعوى الاختصاصِ بولايةِ اللَّهِ التي\nنسب اللَّهُ في كتابه دعواها إلى اليهودِ.\nفأمَّا أهلُ الإيمانِ، فقد وصفهُم بأنَّهم\n(يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وًّ قلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)، وفسَّر ذلكَ النبي - ﷺ - بأنَّهم: \"يصومونَ ويتصدقونَ، ويصلُّون ويخشونَ أن لا يُتقبلَ منْهُم \".\nوقد كانَ الصحابةُ - ﵃ - يخافونَ النفاقَ على نفوسِهم، حتَى قالَ الحسنُ: ما أمِنَ النفاقَ إلا منافقٌ، ولا خشِيَهُ إلا مؤمنٌ.","vol":"2","page":384},{"text":"ويوجبُ أيضًا سماعُ الملاهي: النفرةَ عن سماع القرآنِ، كما أشارَ إليه\nالشافعيُّ ﵀.\nوعدمَ حضورِ القلبِ عند سماعِهِ، وقلّةَ الانتفاع بسماعِهِ.\nويوجبُ أيضًا قلّةَ التعظيم لحرماتِ اللَّهِ، فلا يكادُ المدمِنُ لسماع\nالملاهِي، يشتدُّ غضبُهُ لمحارمِ اللَّهِ تعالَى إذا انتُهكَتْ، كما وصفَ اللَّهُ تعالى\nالمحبّينَ لهُ بأنَّهم (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) .\nومفاسدُ الغناءِ كثيرةٌ جدًّا.\nوفي الجملةِ فسماعُ القرآنِ ينبتُ الإيمانَ في القلبِ، كما ينبِتُ الماءُ البقلَ.\nوسماعُ الغناءِ ينبتُ النفاقَ، كما ينبتُ الماءُ البقلَ.\nولا يستويانِ حتى يستوي الحقُّ والبُطلانُ (وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) .\nواللَّهُ تعالى المسئولُ أن يهدِيَنا وسائرَ إخوانِنَا المؤمنينَ إلى صراطٍ مستقيم، صراطِ الذين أنعمَ عليهم غير المغضوبِ عليهِم، ولا الضالين آمين والحمدُ للَّه ربِّ العالمينَ، وصلَّى اللَّه على سيدنا محمدٍ، وآلهِ وصحبهِ أجمعين.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>قوله تعالى: (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا)</span>\nوقد قال طائفة من السَّلف في قولِ اللَّهِ ﷿: (وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا\nحَسَنًا): إنَّ القرضَ الحسنَ قولُ: سبحانَ اللَّهِ، والحمد اللَّهِ، ولا\nإلهَ إلا اللَّهُ، واللَّهُ أكبرُ.\nوفي \"مراسيلِ الحسنِ \"، عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ:","vol":"2","page":385},{"text":"\"ما أتفقَ عبدٌ نفقة أفضلَ عندَ الله ﷿ من قول ليس من القرآن وهو من القرآن: سبحان اللَّه، والحمد للَّه، ولا إله إلا اللَّهِ واللَّه اكبر\" ً.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>قوله تعالى: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ)</span>\nوقال بعضُ السلفِ في قول اللَّه تعالى: (السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ):\nإِنَّهم أوَّل الناسِ خروجًا إلى المسجدِ وإلى الجهادِ.\nوفي قوله: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَة مِّن رَّبكمْ) .\nقال مكحول: التكبيرةُ الأولى مع الإمامِ.\nوقال غيرُه: التكبيرة الأولى والصفُّ الأول.\n* * *","vol":"2","page":386},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-303>سُورَةُ المُجَادلَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>قوله تعالى: (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)</span>\nوخرَّج محمد بنُ نصر المروزيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ جدًّا عن أنسٍ قالَ: لم يكنِ\nالنبيُّ - ﷺ - يقبل مَنْ أجابه إلى الإسلامِ إلا بإقام الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، وكانتا فريضتين على مَنْ أقرَّ بمحمَّدٍ - ﷺ - وبالإسلامِ، وذلك قولُ اللَّه ﷿:\n(فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) .\nوهذا لا يثبتُ، وعلى تقديرِ ثبوتِهِ، فالمرادُ منه: أنه لم يكن يُقرُّ أحدًا دخلَ\nفي الإسلامِ على تركِ الصَّلاةِ والزكاةِ، وهذا حقّ فإنه - ﷺ - أمر معاذًا لما بعثَهُ إلى اليمنِ أن يدعُوَهُم أوَّلًا إلى الشهادتينِ.\nوقالَ: \"إنْ هُمْ أطاعوك لذلكَ، فأعلمهُم بالصلاةِ ثم بالزكاةِ\"\nومُرادُه أن من صارَ مسلمًا بدخولِهِ في الإسلامِ أُمِرَ\nبعدَ ذلكَ بإقامِ الصلاةِ، ثم بإيتاءِ الزكاةِ، وكانَ من سألهُ عن الإسلامِ يذكرُ له مع الشهادتين بقيةَ أركانِ الإسلامِ، كما قالَ لجبريلٍ ﵇ لما سألهُ عن الإسلامِ، وكمَا قال للأعرابيِّ الذي جاءَهُ ثائرَ الرأسِ يسألُ عن الإسلامِ.\n* * *","vol":"2","page":387},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-305>سُورَةُ الحَشْرِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ)</span>\nالأرضُ المعنوةُ هل هي داخلةٌ في آيةِ الغنائم المذكورةِ في سورةِ الأنفالِ\nوهي قوله تعالى: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) الآية.\nأمْ هي داخلةٌ في آيةِ الفيءِ المذكورةِ في سورةِ الحشرِ وهي قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)، الآية ثم ذكر ثلاثة أصناف المهاجرين والأنصارَ ومن جاء بعدَهم؛ فقالتْ طائفةٌ: الأرضُ داخلةٌ في آية الغنيمة، فإنه تعالى قال: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ)، وشيءٌ نكرةٌ في سياقِ النَّفيً فيعمهُ كلَّ ما يُسمى شيئًا، قالوا: وآيةُ الفيءُ لم يدخل فيها حكمُ الغنيمة كما أنَّ آيةَ الغَنِيْمةِ لم يَدْخلْ فيها الفيءُ بلْ الغنيمةُ والفيءُ لكل واحدٍ منهما حمٌ يختصُّ له، وهذا قولُ مَنْ قالَ من الفقهاءِ: إنَّ الأرضَ تتعينُ قسمتُها بينَ الغانمينَ.\nوقالت طائفةٌ: بل الأرضُ داخلةٌ في آيةِ الفيءِ، وهذا قولُ أكثرِ العلماءِ\nصرحُوا بذلك، وممن روي عنه عمر بن عبد العزيز، وقد سبق ذكر من قال\nمن السلف: إن السَّوادَ فيءٌ ونصَّ عليه الإمامُ أحمد.","vol":"2","page":388},{"text":"ووجه دخول الأرض في الفيءِ أنَّ اللَّه تعالى قال: (مَا أَفَاءَ اللَّه عَلَى رَسُولِهِ\nمِنْ أَهْلِ الْقرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ) إلى قوله: (وَالَّذِينَ جَاءوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا) الآية، فجعل الفيءَ لثلاثةِ أصنافٍ؛ المهاجرينَ والأنصارَ\nوالذين جاءوا من بعدهم ولذلك لما تلا عمرُ - ﵁ - هذه الآية قال: \"استوعبتُ هذه الآيةُ الناسَ فلم يبقَ أحدٌ من المسلمين إلا له فيها حق إلا بعضَ من تملكون من أرقائِكم \"\nخرَّجَه أبو داود من طريق الزُّهْري عن - ﵁ - منقطعًا.\nوروي من وجه آخرَ عن الزهري موصولًا، ورواه هشامُ بنُ سعدٍ عن زيدِ بنِ\nأسلمَ عن أبيه عن عمر - ﵁ - أيضًا.\nثمَّ إنَّ عمرَ - ﵁ - جعل أرضَ العنوة فيئًا وأرصدَها للمسلمين إلى يومِ القيامةِ، فدل على أنَه فهِمَ دخولَها في آياتِ الفيءِ ولذلك قرَّره أميرُ المؤمنين عمرُ بنُ عبد العزيز في رسالتِهِ المشهورةِ التي بَين فيها أحكام الفيءِ وقد اعتمدَ عليها مالكٌ وأخذَ بها، كما ذكر ذلك القاضي إسماعيل في كتاب \"أحكام القرآن \" وساقها بتمامها بإسناده، وذكرَ البخاريّ في \"صحيحه \" بعضها تعليقًا وبَيَّنَ دخول الأرضِ في الفيءِ وأنَّ هذه الآياتِ ليستْ بسببِ بني النضيرِ.\nوبنو النَّضيرِ أجَلاَهم النبيُّ - ﷺ - من المدينة بعدَ أن حاصرَهم قال الزهريُّ:\nحاصر رسول اللَّه - ﷺ - بني النضير وهم سبط من اليهودِ بناحيةِ من المدينة حتى نَزَلُوا على الجلاءِ وعلى أنهَ لهم ما أقلَّت الإبل من الأمتعةِ إلا الحلقةَ فأنزل اللَّه فيهم يعني أول سورة الحشرِ.\nخرَّجه أبو عبيدٍ وخرَّجه أبو داود مطولًا من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن رجلٍ من أصحابِ","vol":"2","page":389},{"text":"النبي - ﷺ - فذكر حديثًا طويلًا وفيه أنَّ النبي - ﷺ - غزا على بني النضير بالكتابِ\nفقاتَلَهَم حتى نزلوا على الجلاءِ فجلَتْ بنو النضير واحتملوا ما أقلَّتِ الإبلُ من\nأمتعتِهم وأبوابِ بيوتهم وخشبِها، فدلَّ أنَّ نخلَ بني النضير لرسول الله - ﷺ - خاصةً أعطاه الله إياها وخصَّه بها فقال تعالى: (وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلا رِكَابٍ)، يقول: فأعطى النبي - ﷺ - أكثرَها للمهاجرين وقسَّمها بينهم وقسَّم منها لرجلين من الأنصار كانا ذوي حاجةٍ.\nوبقي منها صدقة رسول اللَّه - ﷺ - التي في أيدي بني فاطمةَ - ﵂ -، وهذا الكلام أكثره مدرجٌ من قولِ الزهري واللَّه أعلم.\nوخرَّج أبو داود من قولِه: \"كانتْ بنو النَّضيرِ للنبيِّ - ﷺ - \" إلى آخرِهِ من قول الزهريَ.\nوثبت في \"الصحيحين \" عن ابنِ عمرَ - ﵄ -: أن النبيَّ - ﷺ - حرَّق نخل بني النضير وقطَّع وهي البوُيْرَة فنزلتْ فيهم هذه الآيةُ: (مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكتمُوهَا) الآية.\nوفي \"الصحيحين \" أيضًا عن عمر - ﵁ - أنه قال:\n\"كانت أموالُ بني النضير مما أفاء اللَّه على رسولِهِ مما لم يوجفْ\nالمسلمون عليه بخيلٍ ولا ركابٍ وكانتْ لرسول اللَّه - ﷺ - خاصةً فكان ينفقُ منها على أهلِهِ نفقةَ سنة ثمَّ ما بقي جعلَه في الكُرَاع والسلاح عدةً في سبيل اللَّه ﷿.\nوإذا عُلِمَ أنَّ الآيةَ نزلتْ بسببِ بني النضير فبنو النضير بما تركُوا أرضَهم\nونخْلَهم وسلاحَهم وقد جعلَه اللَّه فيئًا وخصَّه برسولِهِ إمَّا لأنَه كانَ يملكُ الفيء\nفي حياتِهِ، أو لأنه كان يُقسِّمه باجتهادِهِ ونظرِه بخلافِ الغنيمة ولا ريبَ أنَّ","vol":"2","page":390},{"text":"بني النضير لم يتركُوا أرضَهم إلا بعد حصار ومحاربةٍ ولم ينزلوا من\nحصونِهم إلا خشيةَ القتلِ ومع هذا فقد جعلَ اللَّه أرضَ بني النضير فيئًا.\nوقوله تعالى: (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْل وَلا رِكابٍ) تذكيرٌ بنعمةِ اللَّهِ\nعليهم في أنَّهم لم يحتاجوا في أخذِ ذلك إلى كثير عملٍ ولا مشقةٍ، وقال\nمجاهدٌ في قوله: (فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ) قال: يذكرُهم\nربُّهم أنَّه نصرَهم بغيرِ كراع ولا عدةٍ في بني قريظةَ وخيبرَ.\nخرَّجه آدم بن أبي إياسٍ عن ورقاءَ عن أبي نجيح عنه، ومعلوم أنَّ خيبرَ وقعَ فيها قتال لكن يسير فتكون الآية ُ كقوله: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ) وحينئذ فإمَّا أن تكونَ الأرضُ تُستثنى من عمومِ قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) الآية، فيكونُ ذلك تخصيصًا من العامِّ، وإمَّا أن يكونَ هذا ناسخًا لحكم الأرضِ من آيةِ الغنيمةِ فإنَّ قصةَ بني النضير بعدَ قصةِ بدرٍ بالاتفاق والأشبهُ التخصيصُ إلا أنْ يقالَ: إنَّ قصةَ بدرٍ لم يدخُلْ فيها إلا المنقولات إذ لم يكنْ في غنيمةٍ بدرٍ أرضٌ، وهذا على قول من يَرى التخصيصَ بالسببِ ظاهرٌ، ومما يدل على تخصيصِ آيةِ الغنيمةِ بالمنقولاتِ، أنَ الله تعالى خصَّ هذه الأمة بإباحةِ الغنيمة كما ثبتَ ذلك عن النبي - ﷺ - من وجوه كثيرةٍ.\nوالذي خصتْ بإباحته هو المنقولاتُ دونَ الأرضِ، فإنَّ اللَّه تعالى أورثَ بني\nإسرائيل أرضَ الكفارِ وديارَهُم ولم يكن ذلك ممتنعًا عليها، لأنَّ الأرضَ ليستْ\nبداخلة في مطلقِ الغنيمةِ وإنَّما كان ممتنعًا عليهم المنقولاتِ، ولهذا كانُوا\nيحرِّقونها بالنار وإنَّما خصَّ الغانمون من هذه الأمة بالمنقولاتِ دون الأرضِ.\nلأنَّ قتالَهم وجهادَهُم للَّه ﷿ لا للغنيمةِ، وإنَّما الغنيمةُ رخصةٌ من اللَّهِ\nتعالَى ورحمةٌ بهم فخصُّوَا بما ليسَ له أصل يبقى، وأما ما له أصلٌ يبقَى فإنه","vol":"2","page":391},{"text":"يكونُ مشتركًا بين المسلمينَ كلِّهم، من وُجِدَ منهم ومن لم يوجدْ بعد ذلك.\nويبينُ هذا أنَّ الله تعالى نسبَ الغنيمةَ للغانمين، فقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ)، فأمَّا الأرضُ فأضافها إلى الرسول لقولِهِ: (مَا أفَاءَ اللَّهُ عَلَى\nرَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) إشارةً إلى أن كلَّ قريية يفيئُها اللَّهُ على أمتِهِ إلى\nيومِ القيامةِ، فهي مضافةٌ إلى الرسول غيرُ مختصةٍ بالغانمين، والإمامُ يقومُ\nمقامَ الرسول في قسمتِها بالاجتهاد.\nوقولُهُ: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى) من الأرض خاصة\nوقد صحَّ عن عطاءِ بن السائب والحسنِ البصري وغيرِهما من السلفِ أنهم\nقالُوا: الأرضُ فيءٌ وإن أخذتْ بقتالٍ وتقدَّم ذكرُ ذلك عن جماعة من العلماءِ\nيدلُّ على ذلك أنَّه جعلها لثلاثةِ أصنافٍ المهاجرينَ والأنصارِ ومن جاء بعدَهم\nمن المسلمين، وهذا لا يمكنُ في المنقولاتِ قطعًا، لأنَّ المنقولاتِ تستهلكُ\nويختصُّ به من يأخذُهُ فلا يمكنُ اشتراكُ جميع المسلمينَ فيه، وقد قيلَ: إنَّ\nهذه الآية نزلتْ في قرى عرينةَ التي فتحتْ على النبي - ﷺ -، أو فيها وفي قرى بني قريظة والنضير وحنين، وقيلَ: بل الآية ُ تعمُّ كلَّ ما فتحَ إلى آخر الدهر، وهو أصحُ، وإن كانَ سببُ نزولها في قرى عرينة، فإنَّ سبب الثزولِ لا يختص الحكمَ العامَّ.\nقال معمرٌ: بلغنَا أن هذه الآيةَ نزلتْ في الجزيرةِ والخراج، وخراج القُرى.\nيعني القُرى تؤدِّي الخراجُ ذكرُهُ ابنُ أبي حاتمٍ، وكذا قال الحسنُ بنُ صالح: أن الفيءَ ما أُخذَ من الكفارِ بصلح من جزيةٍ أو خراج، وكذا فسر أحمدُ الفيءَ بأنه ما صولح عليه من الأرضين وجزيةِ الرؤوس وخراج الأرضِ.\nوقال: فيه حق لجميع المسلمين، ولم يذكرْ في هذه الآيةِ بغيرِ إيجافٍ، كما ذكرهُ في","vol":"2","page":392},{"text":"الآية الأولى، وقد تقدَّم عن مجاهدٍ أنه حمل الآية الأولى على خيبر وقريظةَ\nمع ما فيها من نفي الإيجافِ، فما لم يذكرْ فيه نفيُ الإيجافِ أوْلى أن يحملَ\nعلى حالةِ القتالِ، فمن هنا قالتْ طائفة من السلف: المرادُ به ما أخذَهُ\nالمسلمونَ بقتالٍ من الأرضِ.\nذكرَ إسماعيلُ بن إسحاقَ عن أبيه عن المغيرة بنِ عبد الرحمن، قالَ ابنُ\nإسحاقَ: وحدَّثني عبد الله بن أبي بكرٍ دخلَ حديثُ أحدُهما في الآخر.\nقال: أنزلَ اللَّهُ تعالى في بني النضير سورة الحشرِ، فكانتْ أموالُ بني النضير\nمما لم يوجفِ المسلمونَ عليه خيلًا ولا ركابًا، فجعل اللَّهُ أموالَهم لنبيِّه - ﷺ - يضَعُها حيثُ شاءَ، ثم قالَ:\n(مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى)\nما أوجفَ المسلمون عليه بالخيل والركابِ، وفُتحَ بالحربِ فللَّه وللرسول ولذي القربى، فهذا قسم آخرُ بينَ المسلمين على ما وضَعهُ اللَّهُ ﷿ فقسم الفيءَ لمن سمَّى من المهاجرينَ والأنصارِ، لمن جاء بعدهم.\nخرَّجه القاضي إسماعيلُ.\nونحو هذا قالَ قتادةُ ويزيد بن رومانَ: وأن هذه القرى مما أخذ بالقتال\nلكنَهم قالوا: نُسخ ذلك بآيةِ الأنفالِ، فإن أرادوا النسخَ الاصطلاحي، وهو\nرفعُ الحكم، فلا يصحُّ؛ لأنَّ آيةَ الأنفالِ نزلت عقبَ بدرٍ قبلَ بني النضير.\nوإن أرادُوا أنها بينت أمرَهَا وأنَّ المرادَ بآيةِ الحشرِ خُمسُ الغنيمةِ خاصةً، وهذا قولُ عطاءٍ الخراسانيِّ ذكرهُ آدمُ بنُ أبي إياسٍ في \"تفسيرِهِ \" عن أبي شيبةَ عنه على تقديرِ أن يكونَ المرادُ الخمسَ خاصة بآيةِ الحشر أنها بينت أنَّ خُمسَ\nالغنيمةِ لا يختصُّ بالأصنافِ الخمسِ، بل يشتركُ فيها جميعُ المسلمين كان\nمتوجّها، ويستدلُّ بذلك على أن مصرف الخمسِ كلَّه مصرفُ الفيء، وهو","vol":"2","page":393},{"text":"أقوى الأقوالَ، وهو قولُ مالكٌ وقرره عمرُ بنُ عبد العزيزِ في رسالتِهِ في\nالفيءِ تقريرًا بليغًا شافيًا - ﵁ -.\nفهذه ثلاثة أقوال في الآية إذا قلنا: إنَّ الفيءَ هنا ما أخذَ بقتالٍ، هل هي\nمنسوخة أو أن المرادَ بها خمسُ الغنيمةِ أو أنَّ المرادَ بها الأرضُ خاصةً، وهذا\nالثالثُ أصحُّ ويقررُ هذا أنَّ الفيءَ يستعملُ كثيرًا فيما أخذ بقتالٍ.\nوروى إبراهيمُ بنُ طهمانَ عن أبي الزبير عن جابر - ﵁ - قال: \"أفاءَ اللَّه على رسولِهِ خيبرَ فأقرَّهم رسولُ اللَّه - ﷺ - كما كانُوا\"، وذكرَ الحديث.\nوروى يحيى بنُ سعيد عن بشير بنِ يسار أنَّ رسول اللَّه - ﷺ - لما أفاء اللهُ عليه خيبرَ قسمَها ستةً وثلاثينَ سهمًا، وذكرَ الحديث.\nخرَّجه أبو داود.\nوإذا تقرَّرَ هذا فمن رأى دخولَ الأرضِ في آية الغنيمةِ خاصةً أوجبَ\nقسمتَها بين الغانمينَ، ومن رأى دخولَها في آية الفيءِ خاصةً فمنهم من أوجب\nإرصادَهَا للمسلمينَ عمومًا، كقول مالكٍ وأصحابِهِ، ومنهم من خير بين ذلك وبين قسمتِها، وهو قولُ الأكثرين، ثمَّ إنَّ أبا عبيد زعمَ أنَّ الصحابةَ - ﵃ - رأوا دخولَها في كلتا الآيتَيْنِ، فلذلكَ منهم من أشارَ بقسمتِها ومنهُم من أشارَ بحبسِها، وردَّ ذلك أصحابُ مالكٌ، وقالُوا: لو دخلتْ في آيةِ الغنيمةِ لكانتْ حقًّا للغانمينَ كالمنقولاتِ، فكيف يخيرُ الإمامُ بين إعطائها لأهلِها المستحقين لها وبين منعِهم حقّهم.\nوقد يقالُ: إنَّ من رأى قسمتَها كالزبير وبلالٍ - ﵄ -، وهو أولُ اختيارَيِّ عمرَ - ﵁ - لم يكنْ مأخذُهُ في ذلك دخولَها في آيةِ الغنيمة، وإنما يكونُ","vol":"2","page":394},{"text":"مأخذُهُم في ذلكَ أنها لما كانت فيئًا لجميع المسلمين، وحقًّا مشتركا بينهم جاز\nتخصيصُ الغانمينَ بها لأنهم من جملةِ المسلمين، ولهم خصوصيةٌ على غيرِهم\nبحصولِ هذه الأرضِ بقتالِهم عليها، فإذا كانتِ المصلحةُ في تخصيصِهم بها\nجازَ، وهذا كما أقطع عثمانُ - ﵁ - جماعةً من الصحابة بعض أرضِ السوادِ إقطاعَ تمليكٍ، ونظيرهُ وقفُ الإمامِ بعضَ أراضي بيتِ المالِ على بعضِ المسلمين، وقد أفتى بجوازِ ذلك ابنُ عقيل من أصحابنا وطوائفُ من أصحاب الشافعي وأبي حنيفةَ، ومن الشافعية من منع ذلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>قوله تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)</span>\nمن ملك نفسَهُ وقهرَهَا ودانَها: عزَّ بذلكَ \" لأنه انتصرَ على أشدِّ أعدائهِ\nوقهرهُ وأسرهُ واكتفَى شرَّه قال اللَهُ تعالى: (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، فحصرَ الفلاحَ في وقايةِ شحِّ نفسِهِ، وتطلُّعِها إلى ما\nمُنعتْ منهُ، وحرصِها على ما يُضيرُها مما تشتهيهِ: من علوٍّ وترفع، ومالٍ\nوجاهٍ وأهلٍ ومسكنٍ، ومأكلٍ ومشربٍ وملبسٍ وغيرِ ذلكَ.\nفإنَّها تتطلعُ إلى ذلكَ كلِّه وتشتهِيهِ، وهو عينُ هلاكِهَا ومنه ينشأ البغيُ\nوالحسد والحقدُ.\nفمن وقِيَ شح نفسه فقد قهرهَا وقصرَهَا على ما أُبيحَ لها\nوأُذنَ لها فيه، وذلكَ عين الفلاح.\n* * *","vol":"2","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-308>قوله تعالى: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)</span>\nفأفضلُ الأعمالِ: سلامةُ الصدرِ من أنواع الشَّحناءِ كلّها، وأفضلها السَّلامةُ\nمن شحناءِ أهلِ الأهواءِ والبدع التي تقتضِي الطعنَ على سلفِ الأمةِ.\nوبغضَهم والحِقدَ عليهم، واعتقادَ تكفيرِهم أو تبديعِهم وتضليلِهم، ثم يلي\nذلكَ سلامةُ القلبِ من الشَّحناءِ لعمومِ المسلمينَ، وإرادةُ الخيرِ لهُم.\nونصيحتُهم، وأن يُحبَّ لهم ما يُحبُّ لنفسهِ.\nوقد وصفَ اللَهُ تعالى المؤمنين عمومًا بأنَّهم يقولون: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠) .\nوفي \"المسندِ\" عن أنسٍ أن النبيَّ - ﷺ - قال لأصحابِهِ ثلاثةَ أيامٍ: \"يطلُعُ عليكم الآنَ رَجُل مِن أهلِ الجنةِ\" فيطلُعُ رجل واحدٌ، فاستضافهُ عبدُ اللَّهِ بن عمرو، فنامَ عنده ثلاثًا لينظرَ عملَه، فلم ير له في بيته كبيرَ عملٍ، فأخبرَه بالحال، فقال له: هو ما ترى، إلا أني أبيتُ وليسَ في قلبي شيءٌ على أحدٍ من المسلمين.\nفقالَ عبدُ اللهِ: بهذا بلغَ ما بلغَ.\nوفي \"سُننِ ابنِ ماجةَ \": عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو، قالَ: قِيل: يا رسول اللَّهِ، أيُّ الناسِ أفضلُ؟\nقال: \"كُلُّ مُخْمُوم القلبِ، صدوقِ اللِّسانِ \".\nقالوا: صَدوقُ اللسانِ نعرفُه، فما مَخمُومُ القلبِ؟\nقال: \"هو التَّقِيُ النَّقِيُ الذي لا إثْمَ فيه، ولا بَغْيَ، ولا غِلَّ، ولا حسدَ\".","vol":"2","page":396},{"text":"قال بعضُ السَّلفِ: أفضلُ الأعمالِ سلامةُ الصُّدُورِ، وسخاوةُ النُّفوسِ.\nوالنصيحةُ للأمَّةِ، وبهذه الخصالِ بلغَ منْ بلغَ، لا بكثرةِ الاجتهادِ في الصَّومِ\nوالصَّلاةِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ </span>الْفَاسِقُونَ (١٩)\nوأعظمُ الشدائدِ التي تنزلُ بالعبدِ في الدنيا الموتُ، وما بعده أشدّ منه إن لم\nيكنْ مصيرُ العبدِ إلى خيرٍ، فالواجبُ على المؤمنِ الاستعدادُ للموتِ وما بعدَهُ\nفي حال الصحةِ بالتقوى والأعمالِ الصالحةِ، قالَ اللَّهُ ﷿:\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩) .\nفمن ذكرَ اللَّهَ في حالِ صحتِهِ ورخائِهِ، واستعدَّ حينئذٍ للقاءِ اللَّهِ ﷿\nبالموتِ وما بعدَهُ، ذكرَهُ اللَهُ عندَ هذه الشدائدِ، فكانَ معهُ فيها، ولطفَ به، وأعانَهُ، وتولاهُ، وثبّتَه على التوحيدِ، فلقيهُ وهو عنه راضٍ، ومن نسِيَ اللَّهَ في حالِ صحته ورخائِهِ، ولم يستعد حينئذ للقائِهِ، نسيهُ اللَّهُ في هذه\nالشدائدِ، بمعنى أنًّه أعرضَ عنهُ، وأهملَهُ، فإذا نزلَ الموتُ بالمؤمنِ المستعدِّ لهُ، أحسنَ الظن بربِّهِ، وجاءتْهُ البُشْرَى مِنَ اللَهِ فأحبَّ لقاءَ اللهِ، وأحبَّ اللَّهُ\nلقاءَه، والفاجرُ بعكسِ ذلكَ، وحينئذٍ يفرحُ المؤمنُ، ويستبشرُ بما قدَّمَهُ مما","vol":"2","page":397},{"text":"هو قادم عليهِ، ويندمُ المفرطُ، ويقولُ: (يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ) .\nقال أبو عبدِ الرحمنِ السُّلَّمي قبلَ موتِهِ: كيفَ لا أرجُو ربِّي وقد صُمْتُ له\nثمانينَ رمضانَ؟\nوقال أبو بكر بنُ عياشٍ لابنه عندَ موتِهِ: أترى اللَّه يضيعُ لأبيكَ أربعينَ\nسنةً يختمُ القرآن كُلَّ ليلة؟\nوختمَ آدمُ بنُ أبي إياس القرآنَ وهو مسجًّى للموتِ، ثم قالَ: بحُبِّي لكَ.\nإلا رفقتَ بي في هذا المصرع؛ كنتُ أُؤمِّلُك لهذا اليوم، كنتُ أرجوكَ، لا إله إلا اللَّه، ثم قُضِي.\nولما احتُضِرَ زكريا بنُ عدي، رفعَ يديهِ، وقالَ: اللهمّ إنِّي إليكَ لمشتاق.\nوقال عبدُ الصمدِ الزاهدُ عند موتِهِ: سيِّدي لهذهِ الساعةِ خبَّأتُكَ، ولهذا\nاليومِ اقتنيتُكَ، حقِّق حُسْنَ ظنِّي بكَ.\nوقال قتادةُ في قولِ اللَّهِ ﷿: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّه مَخْرَجًا)\nقال: من الكربِ عندَ الموتِ.\nوقال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباس في هذه الآيةِ: يُنجيهِ من كلِّ\nكرب في الدنيا والآخرةِ.\nوقال زيدُ بنُ أسلمَ في قولهِ ﷿: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ) .\nقال: يُبشر بذلكَ عند موتِهِ، وفي قبرِهِ.\nويومَ يُبعثُ، فإنَّه لفي الجنةِ، وما ذهبتْ فرحةُ البشارةِ من قلبهِ.","vol":"2","page":398},{"text":"وقال ثابت البنانيُّ في هذه الآيةِ: بلغنا أن المؤمنَ حيثُ يبعثه اللَّه من قبره.\nيتلقاهُ ملكاهُ اللذانِ كانَا معه في الدنيا، فيقولانِ لهُ: لا تخفْ ولا تحزنْ.\nفيؤمِّنُ اللَّهُ خوفَه، ويُقرُّ اللَّهُ عينَه، فما مِنْ عظيمة تغشى الناسَ يومَ القيامة\nإلا هي للمؤمنِ قرَّةُ عينٍ لما هداهُ اللَّهُ، ولما كانَ يعملُ في الدُّنيا.\n* * *","vol":"2","page":399},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-310>سُورَةُ المُمْتَحَنَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>قوله تعالى: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٥)</span>\nقال ابن الجوزي في \"المقتبس \": سمعتُ الوزير يقول في قوله تعالى:\n(رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كفَروا)، قال: المعنى: لا تَبْتلِيْنا بأمر يوجبُ\nافتتانَ الكفارِ بِنَا، فإنَّه إذا خُذِلَ المتُقي ونُصِر العاصي فُتِنَ الكافرُ.\nوقال: لو كان مذهبُ هذا صحيحًا ما غُلِب.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-312>قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ)</span>\nوقد رُويَ عن ابنِ عباس - ﵄ - في قولهِ تعالى:\n(إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ)، قالَ: كانتِ المرأةُ إذا أتتِ النَّبيَّ - ﷺ -، حلَّفها باللَّهِ: ما خرجتِ من بُغضِ زوج، وباللَّهِ: ما خرجتِ رغبةً بأرضٍ عن أرضٍ، وباللَّهِ: ما خرجتِ التماسَ دُنيا، وباللَّه: ما خرجت إلا حُبًّا للَّهِ ورسولهِ.\nخرَّجهُ ابنُ أبي حاتمٍ، وابنُ جرير، والبزَّاَرُ في \"مسنده \"، وخرَّجه\nالترمذي في بعضِ نسخ كتابهِ مختصرًا.\n* * *","vol":"2","page":400},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-313>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ </span>وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢)\n[قالَ البخاريُّ]: حدَّثنا أبُو اليمانِ: أنا شُعيبٌ، عن الزُّهريِّ: أخبرنِي\nأبُو إدريسَ عائذُ اللَّه بنُ عبدِ اللَّهِ، أنَّ عبادةَ بنَ الصامتِ - وكانَ شهدَ بدرًا، وهوَ أحدُ النُّقباءِ ليلةَ العقبةِ -، أنَّ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: - وحولَهُ عصابةٌ منْ أصحابِهِ -:\n\"بايعُونِي على أنْ لا تُشركوا باللهِ شيئًا، ولا تَسرقُوا، ولا تزنُوا، ولا تقتُلُوا\nأولادكمْ، ولا تأتُوا بُبهتانٍ تفترُونَهُ بينَ أيديكُمْ وأرجُلكُمْ، ولا تعصوا فِي معرُوفٍ، فمنْ وفَّى منكُمْ فأجرُهُ على اللهِ، ومن أصابَ مِنْ ذلك شيئًا فعُوقِبَ بهِ في الدُّنيا فهُوَ كفَّارةٌ ومن أصابَ مِنْ ذلك شيئا ثُمَّ ستَرَهُ اللَهُ فهوَ إلى اللَّهِ، إن شاءَ عفَا عنهُ، وِإنْ شَاءَ عاقبهُ \".\nفبايعْنَاهُ علَى ذلكَ.\nهذا الحديث؛ سمعه أبو إِدْريس [. . .]، عن عقبة بن عامر، عن عبادة.\nوزيادة \"عقبة\" في إسناده وَهْم.\nوقد خرجَ البخاريُّ الحديثَ في \"ذكرِ بيعة العقبة\" وفي \"تفسير سورة\nالممتحنة\" من كتابه هذا، وفيه: التصريحُ بانَّ أبا إدريس أخبره به عبادة،","vol":"2","page":401},{"text":"وسمعه منه.\nوكان عبادةُ قد شهدَ بدرًا، وهو أحدُ النقباءِ ليلةَ العقبةِ، حيثُ بايعتِ\nالأنصارُ النبي - ﷺ - قبلَ الهجرةِ.\nلكنْ؛ هلْ هذه البيعةُ المذكورةُ في هذا الحديثِ كانت ليلةَ العقبةِ، أم لا؟\nهذا وقعَ فيه تردُّد.\nفرواهُ ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ، وذكرَ في روايتِهِ، أنَّ هذه البيعةَ كانتْ\nليلةَ العقبةِ..\nوروى ابنُ إسحاقَ - أيضًا -، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن أبي الخيرِ مرثد\nابنِ عبدِ اللَّهِ، عن الصُّنابحي، عن عبادةَ بنِ الصامتِ، قالَ: كنتُ فيمن\nحضرَ العقبةَ الأُولى، وكنَّا اثني عشرَ رجلًا، فبايعنا رسولَ اللَّه - ﷺ - على بيعةِ النسَاءِ، وذلكَ قبلَ أن تفرضَ الحربُ على أنْ لا نشركَ باللًّهِ شيئًا، ولا نسرقَ، ولا نزني - الحديث.\nخرَّجَهُ الإمامُ أحمد، من روايةِ ابنِ إسحاقَ - هكذا.\nوكذا رواه الواقديُّ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيب.\nوخرَّجاهُ في \"الصحيحين \"، من حديثِ الليثِ بنِ سعدٍ، عن يزيدَ بنِ\nأبي حبيبٍ، عن أبي الخيرِ، عن الصنابحيِّ، عن عبادةَ، قالَ: إني من النقباءِ\nالذينَ بايعُوا رسولَ اللَّهِ - ﷺ -، بايَعَنا على أنْ لا نشركَ باللَّهِ شيئًا - فذكرَ الحديثَ.","vol":"2","page":402},{"text":"وليس هذا بالصريح في أنَّ هذه البيعةَ كانتْ ليلةَ العقبةِ.\nولفظُ مسلم بهذه الروايةِ: عن عبادةَ بنِ الصامتِ، قالَ: إنِّي من النقباءِ\nالذينَ بايعُوا رسولَ اللَّه - ﷺ -. وقالَ: بايعناهُ على أن لا نشركَ - الحديث.\nوهذا اللفظُ؛ قد يُشعرُ بأنَّ هذهِ البيعةَ غيرُ بيعةِ النقباءِ.\nوخرَّجَهُ مسلمٌ، من وجهٍ آخرَ، من روايةِ أبي قلابَة، عن أبي الأشعثِ.\nعن عبادةَ، قالَ: أخذَ علينا رسولُ اللَّهِ - ﷺ -، كما أخذَ على النساءِ: أنْ لا نشركَ باللَّه شيئًا.\nوهذا قد يُشعرُ بتقدمِ أخذهِ على النساءِ على أخذِهِ عليهِم.\nوخرجَ مسلمٌ حديثَ عبادةَ، من رواية أبي إدريس عنه، وقال في حديثه:\n\"فتلا علينا آية النساء: (أَن لاَّ يشْرِكنَ بِاللَّهِ شَيْئًا) الآية \".\nوخرَّجَه البخاريُّ في \"تفسيرِ سورة الممتحنة\" من رواية ابنِ عيينةَ، عن\nالزهريِّ، وقالَ فيه: وقرا آيةَ النساءِ، وأكثرُ لفظِ سفيانَ: وقرا الآيةَ.\nثم قالَ: تابعهُ عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ - في الآيةِ.\nوكذا خرَّجهُ الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ، وعندَهُما: فقرأ عليهم الآيةَ.\nزاد الإمامُ أحمدُ: التي أخذت على النساءِ: (إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ) .\nوهذا تصريحٌ بأنَّ هذه البيعةَ كانتْ بالمدينةِ؛ لأن آيةَ بيعةِ النساءِ مَدنية.","vol":"2","page":403},{"text":"وروى هذا الحديثَ سفيانُ بن حسينٍ، عن الزهريِّ، وقال في حديثه: إنَّ\nالنبيَّ - ﷺ - قال لهم:\n\"أيكمْ يبايعني على هؤلاء الآياتِ الثلاثِ؟ \" ثُمَّ تلا هذه الآيةَ:\n(قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكوا بِهِ شَيْئًا)، حتى فرغ من\nالثلاثِ آيات.\nخرَّجَه الهيثم بن كليبٍ في \"مسندهِ \".\nوسفيانُ بنُ حسينِ، ليسَ بقويِّ، خصوصًا في حديثِ الزهريِّ، وقد\nخالفَ سائرَ الثقاتِ من أصحابهِ في هذا.\nوقد روى عبادةُ بنُ الصامتِ، أنهم بايعُوا النبيَّ - ﷺ - على السمع والطاعة، في المنشطِ والمكرَهِ، وأن لا ينازعُوا الأمرَ أهلَه، وأن يقولوا بالحق.\nفهذه صفةٌ أخرى، غيرَ صفةِ البيعةِ المذكورةِ في الأحاديثِ المتقدمةِ.\nوهذه البيعةُ الثانيةُ مخرجةٌ في \"الصحيحينِ \" من غيرِ وجهِ عن عبادةَ.\nوقد خرَّجها الإمامُ أحمد، من روايةِ ابنِ إسحاقَ: حدثني عبادةُ بنُ\nالوليدِ بنِ عبادةَ بن الصامت، عن جدِّهِ عبادةَ - وكانَ أحدَ النقباءِ -.\nقالَ: بايعنا رسولَ اللَّه - ﷺ - بيعةَ الحربِ، وكانَ عبادةُ من الاثني عشرَ الذينَ بايعُوا في العقبةِ الأولى على بيعةِ النساءِ على السمع والطاعةِ، في عُسرِنا ويُسرِنا - وذكرَ الحديث.\nوهذه الروايةُ، تدلُّ على أنَّ هذه البيعةَ هي بيعةُ الحربِ، وأن بيعةَ النساءِ\nكانتْ في العقبةِ الأُولى، قبلَ أن تفرضَ الحربُ.","vol":"2","page":404},{"text":"فهذا قد يُشعرُ بأنَّ هذه البيعةَ كانتْ بالمدينةِ، بعد فرضِ الحربِ، وفي هذا\nوقد خرَّجهُ الهيثمُ بنُ كليبٍ في \"مسندِهِ \"، من روايةِ ابنِ إدريس، عن ابنِ\nإسحاقَ ويحيى بنِ سعيد وعبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، عن عبادةَ بنِ الوليدِ، أنَّ أباهُ\nحدَّثه، عن جدِّهِ قالَ: بايعنَا رسولَ اللَّهِ - ﷺ - في العقبةِ الآخرةِ على السمع والطاعةِ - فذكره.\nوخرَّجَهُ ابنُ سعدِ من وجهٍ آخرَ، عن عبادةَ بنِ الوليدِ - مرسلًا.\nوخرجَ الإمامُ أحمدُ من وجهٍ آخر، عن عبادةَ، أنَّهم بايعُوا النبيَّ - ﷺ - هذه البيعةَ على السمع والطاعةِ - الحديث، وقال فيه -: وعلى أن ننصرَ النبيَّ - ﷺ - إذا قدِمَ علينا يثربَ، فنمنعهُ مما نمنعُ منه أنفسَنَا.\nوهذا يدلُّ على أن هذه البيعة كانتْ قبلَ الهجرةِ، وذلكَ ليلةَ العقبة.\nوخرَّج - أيضًا - هذا المعنى من حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ، أنَّ هذه البيعة\nكانتْ للسبعينَ، بشعبِ العقبةِ.\nوهي البيعةُ الثانيةُ، وتكونُ سميتْ هذه البيعةُ الثانيةُ: \"بيعةَ الحربِ \"؛ لأن\nفيها البيعةَ على منع النبيِّ - ﷺ -، وذلكَ يقتضِي القتالَ دونَهُ، فهذا هو المرادُ بالحربِ، وقد شهدَ عبادةُ البيعتينِ معًا.\nويحتملُ أن النبيَّ - ﷺ - كانَ يبايعُ أصحابَه على بيعةِ النساءِ قبلَ نزولِ آيةِ مبايعتهنَّ، ثم نزلتْ الآيةُ بموافقةِ ذلكَ.","vol":"2","page":405},{"text":"وفي \"المسندِ\"، عن أمّ عطيةَ، أن النبيَّ - ﷺ - لما قدمَ المدينةَ جمع النساءَ،.\nفبايعهنَّ على هذهِ الآيةِ، إلى قولهِ: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْروفٍ) .\nوهذا قبلَ نزولِ سورةِ الممتحنةِ؛ فإنها إنَّما نزلتْ قبلَ الفتح بيسيرٍ.\nواللَّهُ أعلمُ بحقيقةِ ذلكَ كلِّه.\nوأمَّا ما بايعهم عليه، فقد اتفقت رواياتُ حديثِ عبادةَ، من طرقه الثلاثةِ\nعنهُ، أنهم بايعُوه على أن لا يشركُوا باللهِ، ولا يسرقُوا، ولا يزنُوا، ولا\nيقتلُوا.\nوفي بعضِ الروايات: لا يقتلُوا أولادَهُم، كما في لفظِ الآيةِ.\nوفي بعضِهَا: لا يقتلُوا النفسَ التي حرَّم اللَّهُ.\nوهذه روايةُ الصُّنابحي، عن عبادةَ.\nثم إنَّ منَ الرواةِ من اقتصرَ على هذه الأربع، ولمْ يزد عليهَا.\nومنهمْ من ذكرَ في روايةِ المبايعةِ على بقيةِ ما ذكرَ في الآيةِ، كما في روايةِ\nالبخاريِّ المذكورةِ هاهنا.\nومنهم من ذكرَ خصلةً خامسةً بعد الأربع، ولكنْ لمْ يذكرْهَا باللفظِ الذي\nفي الآيةِ.\nثم اختلفُوا في لفظِها:\nفمنهم من قالَ: \"ولا ننتهبُ \".\nوهيَ روايةُ الصنابحى عن عبادةَ المخرَّجةُ في \"الصحيحينِ \".","vol":"2","page":406},{"text":"ومنهمْ مَنْ قالَ: \"ولا يَعْضَهُ بعضُنا بعضًا\".\nوهي روايةُ أبي الأشعثِ، عن عبادةَ.\nخرَّجَها مسلم.\nومنهم من قالَ: \"ولا يغتبْ بعضُنا بعضًا\".\n- وهي روايةُ الإمام أحمد.\nوأما الخصلةُ السادسةُ، فمنهمُ من لم يذكرْهَا بالكليةِ، وهي روايةُ أبي\nالأشعثِ التي خرَّجَها مسلم.\nومنهُم من ذكرَها، وسمَّاها: \"المعصية\"، فقالَ: \"ولا نعصِي \"، كما في\nروايةِ الصنابحي.\nوفي روايةِ أبي إدريسَ: \"ولا تعصُوا في معروفٍ \".\nفأمَّا الشركُ والسرقةُ والزنا والقتلُ، فواضحٌ.\nوتخصيصُ قتلِ الأولادِ بالذكرِ في بعضِ الرواياتِ، موافقٌ لِمَا وردَ في\nالقرآنِ في مواضِعَ، وليسَ له مفهومٌ، وإنَّما خصص بالذكرِ للحاجةِ إليهِ، فإنَّ ذلكَ كان معتادًا بين أهلِ الجاهليةِ.\nوأما الإتيانُ ببهتانٍ يفترونَهُ بين أيدِيهم وأرجلِهم، على ما جاءَ في روايةِ\nالبخاريِّ، فهذا يدل على أن هذا البهتانَ ليسَ مما تختصُ به النساءُ.\nوقد اختلفَ المفسرونَ في البهتانِ المذكورِ في آيةِ بيعةِ النساءِ:","vol":"2","page":407},{"text":"فأكثرهُم فسرُوه، بإلحاقِ المرأةِ بزوجِهَا ولدًا من غيرِهِ.\nرواه عليٌّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسِ.\nوقاله مقاتلُ بنُ حيانَ وغيرُه.\nواختلفُوا في معنى قولهِ: (بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ):\nفقيل: لأنَّ الولدَ إذا ولدتهُ أمه سقطَ بين يديها ورجليها.\nوقيلَ: بل أرادَ بما تفتريه بين يديها، أن تأخذَ لقيط فتلحقه بزوجها، وبما\nتفتريه بين رجليها، أن تلده من زنا، ثم تلحقه بزوجِها.\nومن المفسرينَ من فسرَ البهتانَ المُفترى بالسحرِ.\nومنهم من فسَّره بالمشي بالنميمةِ، والسعي في الفسادِ.\nومنهم من فسَّرهُ بالقذفِ والرمي بالباطلِ.\nوقيل: البهتانُ المفترى يشملُ ذلك كلَّه، وما كانَ في معناهُ.\nورجحه ابنُ عطيةَ وغيرُه.\nوهو الأظهرُ؛ فيدخلُ فيه كذبُ المرأةِ فيما ائتُمنتْ عليه من حملٍ وحيضٍ.\nوغيرِ ذلكَ.\nومن هؤلاءِ من قالَ: أرادَ بما بين يدَيها حفظَ لسانِها وفمها ووجهِها عمَّا لا\nيحلُّ لها، وبما بينَ رجليهَا حفظَ فرجِهَا، فيحرمُ عليها الافتراء ببهتانٍ في ذلك\nكلّه.\nولو قيلَ: إنَّ من الافتراءِ ببهتانِ بين يديها: خيانةُ الزوج في مالهِ الذي في\nبيتها، لم يبعدْ ذلكَ.","vol":"2","page":408},{"text":"وقد دلَّ مبايعةُ النبيِّ - ﷺ - الرجالَ علَى أنْ لا يأتوا ببهتانٍ يفترونَه بينَ أيْديهم وأرجُلِهمْ أنَّ ذلكَ لا يختصُّ بالنساءِ.\nوجميعُ ما فُسئَر به البهتانُ في حقِّ النساءِ يدخلُ فيه الرجال - أيضًا -.\nفيدخلُ فيه استلحاقُ الرجلِ ولدَ غيره، سواء كان لاحقًا غيره أو غيرَ لاحق.\nكولدِ الزنا، ويدخلُ فيه الكذبُ والغيبةُ.\nوقد قالَ النبيُّ - ﷺ -:\n\"إِنْ كانَ في أخيكَ ما تقولُ فقد اغْتبتَه، وإنْ لم يكنْ فيه ما تقولُ فقد بهتَهُ \".\nخرَّجَهُ مسلمٌ.\nوكذلكَ القذفُ، وقد سمَّى اللَّهُ قذفَ عائشةَ بهتانًا عظيمًا.\nوكذلكَ النميمةُ من البهتانِ.\nوفي روايةِ أبي الأشعثِ، عن عبادةَ: \"ولا يَعْضَه بعضُكُم بعضًا\".\nوالعضِيهَة: النميمة.\nوفي \"صحيح مسلم \"، عن ابنِ مسعود - مرفوعًا -:\n\"ألا أُنبئُكُم ما العضْهُ؛ هي النميمةُ القَالَةُ بين الناس \".\nوروى إبراهيمُ الهَجَري، عن أبي الأحوصِ، عن ابنِ مسعود، قالَ: كنا\nنسمِّي العضيهة السحرَ، وهو اليوم: قيلَ وقالَ.\nوفسر إسحاقُ بن راهويه العضيهةَ في حديثِ عبادةَ بن الصامتِ، قال: لا\nيبهتْ بعضُكم بعضًا.","vol":"2","page":409},{"text":"نقله عنه محمدُ بنُ نصر.\nوذكر أهلُ اللغةِ: أن العضيهةَ: الشتيمة، والعضيهة: البهتانُ، والعاضهة.\nوالمستعضهة: الساحرةُ والمستسحرةُ.\nوفي روايةِ الصنابحيِّ: \"ولا ننتهبُ \"، والنُّهبَةُ من البهتانِ؛ فإنَّ المنتهبَ\nيبهتُ الناسَ بانتهابه منه ما يرفعونَ إليه أبصارَهُم فيه.\nوكل ما بهتَ صاحبَه وحيَّره وأدْهشه من قولٍ أو فعل لم يكنْ في حسابِهِ\nفهو بهتانٌ، فأخذُ المالِ بالنُّهْبى أو بالدعاوَى الكاذبةِ بهتانٌ.\nوقد قالَ تعالى: (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) .\nوفي \"المسندِ\" والترمذي والنسائي، عن صفوانَ بنِ عسَّالٍ، أن اليهودَ\nسألوا النبيَّ - ﷺ - عن التسع آياتٍ البيناتِ التي أوتيها موسَى، فقالَ: \"لا تشركوا باللَّهِ شيئًا، ولا تزنوا، ولا تقتلُوا النفسَ التي حرمَ اللَهُ إلا بالحق، ولا تسرقوا، ولا تسحرُوا، ولا تمشوا ببريء إلى سلطانٍ فيقتلُه، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفُوا محصنةً، ولا تفروا من الزحفِ، وعليكم اليهودَ خاصةً أن لا تعدُوا في السبتِ \".\nفلم يذكرْ في هذا الحديث البهتانَ المفترى بلفظهِ، ولكن ذكرَ ممَّا فسر به\nالبهتانَ المذكورَ في القرآنِ عدةَ خصال: السحرَ، والمشيَ ببريء إلى السلطانِ، وقذفَ المحصناتِ.\nوهذا يشعرُ بدخولِ ذلك كلِّه في اسم البهتانِ.","vol":"2","page":410},{"text":"وكذلك الأحاديثُ التي ذكرَ فيها عدَّ الكبائرِ، ذكرَ في بعضِها: القذفَ.\nوفي بعضِها: قولَ الزورِ، أو شهادةَ الزورِ، وفي بعضها: اليمينَ الغموسِ.\nوالسحرَ، وهذا كلُّه من البهتانِ المفترى.\nوأما الخصلةُ السادسةُ، فهي المعصيةُ، وتشملُ جميعَ أنواع المعاصِي، فهو\nمن بابِ ذكرِ العامِّ بعد الخاصّ.\nوهو قريبٌ من معنى قولهِ تعالى: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا\nالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، وقولهِ تعالى: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْروفٍ) .\nوفي بعضِ ألفاظِ حديثِ عبادةَ: \"ولا تعصُوا في معروف \".\nوفي بعضها: \"ولا تعصوني في معروف \".\nوقد خرَّجَها البخاريُّ في موضع آخرَ.\nوكلُّ هذا إشارةٌ إلى أن الطاعةَ لا تكونُ إلا في معروفٍ، فلا يطاعُ مخلوقٌ\nإلا في معروفٍ، ولا يطاعُ في معصيةِ الخالقِ.\nوقد استنبَط هذا المعنى من هذه الآيةِ طائفةٌ من السلفِ.\nفلو كان لأحدٍ من البشرِ أن يطاعَ بكلِّ حالٍ، لكانَ ذلك للرسولِ - ﷺ -، فلمَّا خُصَّتْ طاعتُه بالمعروفِ، مع أنه لا يأمرُ إلا بما هو معروفٌ، دلَّ على أن الطاعةَ في الأصلِ للَّهِ وحدَه، والرسولُ مبلغ عنه، وواسطةٌ بينه وبينَ عبادِه.\nولهذا قالَ تعالى: (مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) .\nفدخلَ في هذه الخصلةِ السادسةِ: الانتهاءُ عن جميع المعاصِي، ويدخلُ\nفيها - أيضًا -: القيامُ بجميع الطاعاتِ على رأي من يرى أن النهيَ عن شيءٍ","vol":"2","page":411},{"text":"أمر بضدَه.\nفلما تمتْ هذه البيعةُ على هذه الخصالِ؛ ذكرَ لهم النبيُّ - ﷺ - حكمَ من وفَّى بها، وحكمَ من لم يَفِ بها عندَ اللَّهِ ﷿.\nفأما مَن وفَّى بها، فأخبرَ أن أجرَه على اللَّهِ، كذا في روايةِ أبي إدريسَ\nوأبي الأشعث عن عبادةَ.\nوفي روايةِ الصنابحيِّ، عنه: \"فالجنةُ إِن فعلنَا ذلك \".\nوقد قالَ اللَّهُ تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠) .\nوفُسرَ الأجرُ العظيمُ بالجنةِ -: كذا قالَه قتادةُ وغيرُه من السلفِ.\nولا ريبَ أن منِ اجتنبَ الشركَ والكبائرَ والمعاصِي كلَّها فله الجنةُ، وعلى\nذلك وقعتْ هذه البيعةُ وإن اختصرَ ذلكَ بعضُ الرواةِ، فأسقطَ بعضَ هذهِ\nالخصال.\nوأمًا من لم يوفِّ بها، بل نكثَ بعضَ ما التزم بالبيعةِ تركَه للَّهِ ﷿ -\nوالمرادُ: ما عدا الشركِ منَ الكبائرِ - فقسمَه إلى قسمينِ:\nأحدُهما: أن يعاقَب به في الدنيا، فأخبرَ أن ذلك كفارةٌ له.\nوفي رواية: \"فهو طهورٌ له \".\nوفي روايةٍ: \"طهور له، أو كفارةٌ\" - بالشك.\nورواه بعضُهُم: \"طهور وكفارةٌ\" - بالجمع.\nوقد خرَّجَها البخاريُّ في موضع آخرَ من \"صحيحهِ \".\nوروى ابنُ إسحاقَ، عن الزهريِّ حديثَ أبي إدريسَ، عن عبادَةَ، وقال","vol":"2","page":412},{"text":"فيه: \"فأُقيم عليه الحدُّ، فهو كفارةٌ له \".\nوفي رواية أبي الأشعثِ عن عبادةَ: \"ومن أتى منكُم حدًّا، فأقيم عليه فهُوَ\nكفارة\".\nخرَّجَه مسلمٌ.\nوهذا صريحٌ في أن إقامةَ الحدودِ كفاراتٌ لأهلِها.\nوقد صرحَ بذلك سفيانُ الثوريّ.\nونصَّ على ذلك أحمدُ - في روايةِ عبدوس بنِ مالكٍ العطارِ، عنه.\nوقال الشافعيُّ: لم أسمعْ في هذا البابِ أن الحدَّ كفارةٌ أحسنَ من حديثِ\nعبادةَ.\nوإنما قال هذا؛ لأنه قد رُوي هذا المعنى عن النبيّ - ﷺ - من وجوهٍ متعددةٍ، عن عليٍّ، وجريرٍ، وخزيمةَ بنِ ثابتٍ، وعبد اللَّه بن عمرو وغيرهم.\nوفي أسانيدِها كلِّها مقال، وحديثُ عبادةَ صحيح ثابتٌ.\nوقد روى عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن ابنِ أبي ذئبٍ، عن المقبريِّ، عن\nأبي هريرةَ، عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"ما أدرِي الحدودُ طهارةٌ لأهلها، أم لا؟ \"\nوذكر كلامًا آخرَ.\nخرَّجَه الحاكم، وخرج أبو داود بعضُ الحديثِ.\nوقد رواه هشامُ بنُ يوسفَ، عن معمرٍ، عن ابن أبي ذئب، عن الزهريِّ -\nمرسلًا.","vol":"2","page":413},{"text":"قال البخاريُّ في \"تاريخه \": المرسلُ أصحُّ.\nقال: ولا يثبتُ هذا عن النبيِّ - ﷺ -، وقد ثبت عنه أن الحدودَ كفارةٌ. انتهى.\nوقد خرَّجَه البيهقيّ من روايةِ آدمَ بنِ أبي إياسِ، عن ابنِ أبي ذئبٍ، عن\nالمقبريِّ، عن أبي هريرةَ - مرفوعًا - أيضًا.\nوخرَّجَه البزارُ من وجه آخرَ، فيه ضعفٌ، عن المقبريِّ، عن أبي هريرةَ -\nمرفوعًا - أيضًا.\nوعلى تقديرِ صحتهِ، فيحتملُ أن يكونَ النبي - ﷺ - قال ذلك قبل أن يعلَمه ثم علِمه، فأخبرَ به جزمًا.\nفإن كانَ الأمرُ كذلكَ فحديثُ عبادةَ إذنْ لم يكن ليلةَ العقبةِ بلا تردد؛ لأن\nحديثَ أبي هريرةَ متأخرٌ عن الهجرةِ، ولم يكنِ النبيُّ - ﷺ - علم حينئذ أن الحدود كفارة، فلا يجوز أن يكون قد أخبرَ قبلَ الهجرةِ بخلافِ ذلك.\nوقد اختلفَ العلماءُ: هل إقامةُ الحدِّ بمجردِه كفارة للذنب من غيرِ توبةٍ أم\nلا؟ على قولين:\nأحدُهما: أن إقامةَ الحدِّ كفارة للذنبِ بمجردِه، وهو مرويٌّ عن عليِّ بنِ أبي\nطالبِ وابنهِ الحسنِ، وعن مجاهدٍ وزيدِ بنِ أسلمَ، وهو قولُ الثوريِّ\nوالشافعيِّ وأحمدَ، واختيارُ ابنِ جريرٍ وغيرِه من المفسرينَ.\nوالثاني: أنه ليس بكفاره بمجردهِ، فلا بدَّ من توبةٍ، هو مرويٌّ عن صفوانَ\nابنِ سليمٍ وغيرِه.","vol":"2","page":414},{"text":"ورجَّحهُ ابنُ حزمٍ وطائفةٌ من متأخرين المفسرينَ، كالبغويِّ وأبي عبدِ اللَّهِ\nابنِ تيميةَ وغيرِهما.\nواستدلُّوا بقولهِ تعالَى - في المحاربينَ -: (ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣٣) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا) .\nوقد يجابُ عن هذا، بأن ذكرَ عقوبةِ الدنيا والآخرةِ لا يلزمُ اجتماعهُما.\nفقد دل الدليلُ على أن عقوبةَ الدنيا تسقطُ عقوبةَ الآخرةِ.\nوأما استثناءُ الذينَ تابوا، فإنما استثناهُم من عقوبةِ الدنيَا خاصةً، ولهذا\nخصَّهم بما قبلَ القدرةِ، وعقوبةُ الآخرةِ تندفعُ بالتوبةِ، قبلَ القدرةِ وبعدَها.\nويدل على أن الحدَّ يطهرُ الذنبَ: قولُ ماعزٍ للنبيِّ - ﷺ -: إني أصبت حدًّا، فطهرني.\nوكذلك قالتْ له الغامديةُ، ولم ينكرْ عليهما النبيُّ - ﷺ - ذلكَ، فدلَّ على أن الحدَّ طهارةٌ لصاحبهِ.\nويدخلُ في قولِ النبيِّ - ﷺ -:\n\"من أصابَ شيئًا من ذلك، فعوقبَ به فى الدنيا فهو كفارتُه \"\nالعقوباتُ القدريةُ، من الأمراضِ والأسقامِ.\nوالأحاديثُ في تكفيرِ الذنوبِ بالمصائبِ كثيرةٌ جدًّا.\nوهذه المصائبُ يحصلُ بها للنفوسِ من الألم نظيرُ الألم الحاصلِ بإقامةِ\nالحدِّ وربما زادَ على ذلكَ كثيرًا.\nوقد يقالُ في دخولِ هذه العقوباتِ القدريةِ في لفظِ حديثِ عبادةَ نظرٌ.\nلأنهُ قابلَ من عوقبَ في الدنيا سترُ اللهِ عليه، وهذه المصائبُ لا تنافي السترَ.\nواللَّهُ أعلمُ.","vol":"2","page":415},{"text":"والقسمُ الثاني:\nأن لا يعاقبَ في الدنيا بذنبهِ، بل سترَ عليه ذنبه، ويعافَى من عقوبتهِ.\nفهذا أمرُه إلى اللَّهِ في الآخرةِ، إن شاءَ عذَّبه، وإن شاءَ عفَا عنهُ.\nوهذا موافقٌ لقولِ اللهِ ﷿: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) .\nوفي ذلك ردٌّ على الخوارج والمعتزلةِ في قولِهم: إن اللَّه يخلِّدُه في النارِ إذا\nلم يَتُبْ..\nوهذا المستورُ في الدنيا له حالتان:\nإحدَاهُما: أن يموتَ غيرَ تائبٍ، فهذا في مشيئة اللَّهِ، كما ذكرنا.\nوالثانيةُ: أن يتوبَ من ذنبهِ.\nفقال طائفة: إنه تحت المشيئةِ - أيضًا.\nواستدلُّوا بالآيةِ المذكورةِ، وحديثِ عبادةَ.\nوالأكثرونَ على أن التائبَ من الذنبِ مغفورٌ له، وأنه كمن لا ذنبَ له.\nكما قال تعالى: (إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّل اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ)، وقال: (أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ من رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) .\nفيكونُ التائبُ حينئذ ممن شاءَ اللَّهُ أن يغفرَ له.\nواستدلَّ بعضُهم - وهو: ابنُ حزمٍ - بحديثِ عبادةَ هذا على أن من أذنبَ\nذنبًا، فإنَّ الأفضلَ له أن يأتيَ الإمامَ، فيعترفَ عنده؛ ليقيمَ عليه الحدَّ، حتى","vol":"2","page":416},{"text":"يكفَّر عنه، ولا يبقى تحتَ المشيئةِ في الخطرِ.\nوهذا مبنِي على قوله: إن التائبَ في المشيئةِ.\nوالصحيحُ: أن التائبَ توبةً نصوحًا مغفورٌ له جزمًا، لكن المؤمنَ يتَّهِم\nتوبتَه، ولا يجزمُ بصحَّتها، ولا بقبولها، فلا يزالُ خائفًا من ذنبهِ وَجِلًا.\nثم إنَّ هذا القائلَ لا يرى أن الحدَّ بمجردِه كفارةٌ، وإنما الكفارةُ التوبةُ.\nفكيف لا يقتصرُ على الكفارةِ، بل يكشفُ سترَ اللَّهِ علمِه؛ ليقامَ عليه ما لا\nيكفِّرُ عنه.\nوجمهورُ العلماءِ على أنَّ من تابَ من ذنبٍ، فالأفضلُ أن يسترَ على\nنفسهِ، ولا يقرَّ به عند أحدٍ، بل يتوبُ منه فيما بينَه وبين اللَّه ﷿.\nروي ذلك عن أبي بكرٍ وعمَر وابنِ مسعودٍ وغيرِهم.\nونصَّ عليه الشافعِيُّ.\nومن أصحابهِ وأصحابِنا مَن قال: إن كان غيرَ معروفٍ بينَ الناسِ بالفجورِ\nفكذلكَ، وإن كان معلنًا بالفجورِ مشتهرًا به؛ فالأولى أن يقرَّ بذنبه عند\nالإمامِ؛ ليطهرَه منه.\nوقد رُويَ، عن النبيّ - ﷺ -، أنه قال لمعاذٍ:\n\"إذَا أحدثتَ ذنبًا فأحدِثْ عنده توبة، إن سرًّا فسرًّا، وإن علانية فعلانية\".\nوفي إسنادِه مقالٌ.\nوهو إنما يدلُّ على إظهارِ التوبةِ، وذلك لا يلزمُ منه طلبُ إقامةِ الحدّ.\nوقد وردت أحاديثُ تدل على أنَّ من سترَ اللَّهُ عليه في الدنيا، فإنَّ اللَّه","vol":"2","page":417},{"text":"يسترُ عليه في الآخرةِ، كحديثِ ابنِ عمرَ في النجوى.\nوقد خرَّجه البخاريُّ في \"التفسيرِ\".\nوخرَّج الترمذيُّ وابنُ ماجةَ عن على - مرفوعًا:\n\"من أذنبَ ذنبًا في الدنيا، فستره اللَّهُ عليه، فاللهُ أكرمُ أن يعودَ في شيءٍ قد عفَا عنه \".\nوفي \"المسندِ\" عن عائشةَ - مرفوعًا -:\n\"لا يسترُ اللَهُ على عبدٍ ذنبًا في الدنيا إلا ستر عليه في الآخرةِ\".\nورُوي مثلُه عن على وابنِ مسعودٍ، من قولِهما.\nوقد يحملُ ذلك كلُّه على التائبِ من ذنبهِ، جمعًا بين هذه النصوصِ وبينَ\nحديثِ عُبادةَ هذا.\nوأصحُّ الأحاديثِ المذكورةِ هاهنا حديثُ ابنِ عمَر في النجوى، وليس فيه\nتصريحٌ بأنَّ ذلك عامّ لكل من سترَ عليه ذنبَه.\nواللَّهُ تعالى أعلمُ.\nوقد قيل: إن البيعةَ سُمّيت بيعةً؛ لأن صاحبَها باعَ نفسَه للَّه.\nوالتحقيقُ: أن البيعَ والمبايعةَ مأخوذانِ من مدِّ الباع؛ لأنَّ المتبايعَينِ للسلعةِ\nكلٌّ منهما يمدُّ باعَه للآخرِ ويعاقدُه عليها، وكذلك مَن بايعَ الإمامَ ونحوَه.\nفإنه يمدُّ باعَه إليه ويعاهدُه ويعاقدُه على ما يبايعُه عليه.\nوكان النبيُّ - ﷺ - يبايعُ أصحابَه عند\nدخولِهم في الإسلامِ على التزام أحكامهِ، وكانَ أحيانًا\nيبايعُهم على ذلك بعد إسلامِهم؛ تجديدًا للعهدِ؛","vol":"2","page":418},{"text":"وتذكيرًا بالمقامِ عليه.\nوفي \"الصحيحينِ \" عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - أَتى النساءَ في يومِ عيد، وتلا عليهنَّ هذهِ الآيةَ:\n(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا) الآية.\nوقال: \"أنتُن على ذلكَ؟ \" فقالتِ امرأةٌ منهن: نعم.\nوفي \"صحيح مسلم\" عن عوفِ بنِ مالكٌ، قال: كنَّا عندَ النبيِّ - ﷺ - تسعةً أو ثمانيةً أو سبعةً، فقال:\n\"ألا تبايعونَ رسولَ اللَّهِ - ﷺ -؟ \"\nوكنَّا حديثَ عهدٍ ببيعةٍ، فقلنا: قد بايعناكَ يا رسولَ اللَّهِ، فقال:\n\"ألا تبايعون رسول الله - ﷺ -؟\nقلنا: بايعناك يا رسول اللَّه، ثم قال:\n\"ألا تبايعونَ رسولَ اللَّهِ - ﷺ -؟ \".\nفبسطْنا أيديَنا، وقلنا: قد بايعناكَ يا رسولَ اللَّهِ، فعلامَ نبايعُكَ؟\nفقال: \"أن تعبدُوا اللَّهَ لا تشركوا به شيئًا، والصلواتِ الخمسِ، وتطيعُوا\"، وأسرَّ كلمةً خفيةً: \"ولا تسألُوا الناس شيئًا\".\nوحديثُ عبادةَ المذكورُ هاهنا في البيعة قد سبقَ أنه يحتملُ أنه كان ليلةَ\nالعقبةِ الأولَى، فيكونُ بيعةً لهم على الإسلامِ والتزامِ أحكامِه وشرائعِه.\nوقد ذكرَ طائفة من العلماءِ، منهم: القاضِي أيو يعلَى في كتابِ \"أحكامِ\nالقرآنِ \" من أصحابِنا - أن البيعةَ على الإسلامِ كانتْ من خصائصِ النبيِّ - ﷺ -.\nواستدلُّوا، بأن الأمرَ بالبيعةِ في القرآنِ يخصُّ الرسولَ بالخطابِ بها وحده.\nكما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا) .","vol":"2","page":419},{"text":"ولما كانَ الامتحانُ وجه الخطابَ إلى المؤمنينَ عمومًا، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ) .\nفدلَّ على أنه يعمُّ المؤمنينَ.\nوكذلكَ قولُه تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) .\nوهذا أمر يختصُّ به الرسولُ - ﷺ - لا يشركُه فيه غيرُه.\nولكن قد رُوي عن عثمانَ، أنه كان يبايعُ على الإسلامِ.\nقال الإمامُ أحمدُ: حدثنا مسكينُ بنُ بكير، قال: ثنا ثابتُ بنُ عجلانَ.\nعن سليمٍ أبي عامر، أن وفدَ الحمراءِ أتوا عثمان بنَ عفانَ، يبايعونَه على\nالإسلامِ، وعلى مَنْ وراءهم، فبايَعهم على أن لا يشركوا باللَّهِ شيئًا، وأن\nيقيمُوا الصلاةَ، ويؤتُوا الزكاةَ، ويصومُوا رمضانَ، ويدَعُوا عيدَ المجوسِ، فلما قالُوا، بايعَهم.\nوقد بايعَ عبدُ اللهِ بنُ حنظلةَ الناسَ يومَ الحَرَّةِ على الموتِ، فذُكرَ ذلك\nلعبدِ اللَّه بنِ زيد الأنصاريِّ، فقالَ: لا أبايعُ على هذا أحدًا بعدَ رسول اللَّه\n- ﷺ -. ً\nخرَّجَهُ البخاريُّ في \"الجهاد\".\nوإنما أنكرَ البيعةَ على الموتِ، لا أصلَ المبايعةِ.\nوقالَ أبو إسحاقَ الفزاريُّ: قلتُ للأوزاعيِّ: لو أن إمامًا أتاه عدوٌّ كثيرٌ،","vol":"2","page":420},{"text":"فخافَ على من معه، فقال لأصحابِهِ: تعالَوْا، نتبايعُ على أن لا نفرَّ، فبايعُوا\nعلى ذلكَ؟\nقال: ما أحسنَ هذا.\nقلتُ: فلو أن قومًا فعلُوا ذلك بينهُم دونَ الإمامِ؟\nقال: لو فعلُوا ذلك بينهم شبه العقدَ في غيرِ بيعةٍ.\n* * *","vol":"2","page":421},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-314>سُورَةُ الصَّفِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-315>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)</span>\nلمَّا حاسَبَ المتَّقُون أنفسَهم خافوا من عاقبةِ الوعظِ والتَّذكيرِ.\nقال رجلٌ لابن عبَّاسٍ: أريدُ أن آمرَ بالمعروفِ وأنهى عن المنكرِ.\nفقال لهُ: إنْ لم تخشَ أن تفضحكَ هذه الآياتُ الثلاثُ فافعلْ، وإلا فابدأْ بنفسكَ، ثم تلاْ (أَتَاْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفسَكُمْ) .\nوقوله تعالى: (لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣) .\nوقوله حكايةً عن شُعيبٍ ﵇: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ) .\nقال النَّخعيُّ: كانُوا يكرهُونَ القصص؛ لهذه الآياتِ الثلاثِ.\nقيل لمورِّق العجلي: ألا تعظُ أصحابَكَ؟\nقال: أكرهُ أن أقول ما لا أفعل.\nتقدَّمَ بعضُ التابعينَ ليصلِّي بالنَّاسِ إمامًا، فالتفتَ إلى المأمُومين يُعدِّل\nالصُّفوفَ، وقال: اسْتَوُوا، فُغشِيَ عليه، فسُئلَ عن سَببِ ذلكَ، فقال: لمَّا\nقلتُ لهُم: استقيمُوا، فكَرتُ في نفسِي، فقلتُ لهَا: فأنتِ، هل استقمتِ مع\nاللَّهِ طرفةَ عينٍ؟\nمَا كُلُّ مَنْ وَصَفَ الدَّواء يستعمِلُه. . . ولا كُلُّ مَنْ وَصَفَ التُّقَى ذو تُقَى\nوَصَفْتُ التُقَى حتَّى كأنِّي ذو تُقًى. . . ورِيحُ الخَطَايا مِن ثِيابي تَعْبَقُ\nومع هذا كلِّه فلا بُدَّ للناسِ من الأمرِ بالمعروفِ والنَّهْي عن المنكرِ، والوعظِ","vol":"2","page":422},{"text":"والتذكيرِ، ولو لم يِعِظِ النَّاسَ إلا مَعْصُوم مِن الزَّللِ، لم يعِظْ بعدَ رسولِ اللَّهِ\n- ﷺ - أحدٌ لأنه لا عِصْمَةَ لأحدٍ بعدَهُ.\nلئن لم يَعظِ العاصِينَ مَنْ هُوَ مُذْنِب. . . فَمَنْ يَعِظِ العَاصِينَ بَعْدَ مُحمَّدٍ\nورَوى ابنُ أبي الدُّنيا بإسنادٍ فيه ضعف، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ - ِ، قال: \"مُروا بالمعروفِ وإن لم تعملُوا به كُلِّه، وانَهْوا عن المنكَرِ وإن لم تنتهوا عنه كُلِّهِ \".\nوقيل للحسنِ: إنَّ فلانا لا يَعِظُ، ويقولُ: أخافُ أنْ أقولَ ما لا أفعلُ.\nفقال الحسن: وأَيُّنا يفعلُ ما يقولُ؟!\nودَّ الشيطانُ أنَّه قد ظفِرَ بهذا، فلم يأمُرْ أحدٌ بمعروفٍ ولم ينهَ عن مُنْكَرٍ.\nوقال مالكٌ، عن ربيعة: قال سعيدُ بن جُبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهَى عن المنكرِ حتى لا يكونَ فيه شيء، ما أَمَرَ أحدٌ بمعروفٍ ولا نَهَى عن مُنْكرٍ.\nقال مالكٌ: وصدَقَ، ومَن ذا الذي ليس فيه شيءُ؟!\nمَنْ ذا الَّذي ماساءَ قَطْ. . . ومَنْ لَهُ الحُسْنَى فَقَطْ\nخطب عُمَرُ بنُ عبد العزيز - ﵀ - يومًا، فقال في موعظته: إنِّي\nلأقُولُ هذه المقالَةَ وما أعلمُ عند أحدٍ من الذُّنوبِ أكثرَ ممَّا أعلمُ عنْدِي.\nفأستغفِرُ اللَّهَ وأتوبُ إليه.\nوكتبَ إلى بعض نوَّابِهِ على بعضِ الأمصار كتابًا يعِظُهُ فيه، فقال في آخره: وإنِّي لأعِظُكَ بهذا، وإنِّي لكثيرُ الإسْرافِ على نَفْسِي، غيرُ مُحكم لكثيرٍ من أمْرِي، ولو أن المرءَ لا يعظُ أخاهُ حتى يُحكمَ\nنفسهُ إذًا لتواكلَ الناسُ الخيرَ، وإذًا لرُفِعَ الأمر بالمعروفِ والنَهْيُ عن المُنْكَرِ.\nوإذًا لاستُحِلَّتِ المَحارِمُ، وقَلَّ الواعِظُونَ والسَّاعون للَّه بالنصِيحةِ في","vol":"2","page":423},{"text":"الأرض، فإنَّ الشيطان وأعوانَه يَودُّون أن لا يأمُرَ أَحدٌ بمعروف ولا يَنْهَى عن\nمُنْكَرٍ، وإذا أمَرَهُم أحدٌ أو نَهاهُم، عَابُوه بما فيهِ وبما ليس فيه.\nكما قيل:\nوأُعْلِنَتِ الفواحِشُ في البوادِي. . . وصارَ النَّاسُ أعْوَانَ المريبِ\nإذا ما عِبْتُهُم عَابُوا مَقَالِي. . . لِما في القَوْمِ مِن تلكَ العُيوبِ\nوَوَدُّوا لو كَفَفنا فاسْتَوَيْنا. . . فصَارَ النَّاسُ كالشيءِ المشوبِ\nوكنَّا نَسْتَطِبُّ إذا مَرِضْنَا. . . فصارَ هلاكُنا بيدِ الطَّبِيبِ\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-316>قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ)</span>\nعيسى آخِرُ أنبياءِ بني إسرائيلَ، وقد قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ) .\nوقد كان المسيحُ - ﵇ - يحُضُّ على اتَباعِهِ، ويقولُْ إنَّه يُبعَثُ\nبالسَّيفِ، فلا يمنعنَّكُم ذلك منه.\nورُوي عنه أنَّه قالَ: سوف أذهبُ أنا ويأتِي الذي بعدِي لا يَتَحمَّدُكم بدعْواهُ، ولكنْ يَسُلُّ السَّيفَ فتدخلُونَه طَوعًا وكُرْهًا.\nوفي \"المسند\" عن أبي الدَّرْدَاء - ﵁ -، عن النَّبيِّ - ﷺ -، أنَّ اللَّهَ ﷿ أوْحَى إلى عِيسى ﵇: \"إنِّي باعث بعدَكَ أمَّةً، إن أصابهُمْ ما يُحبُّونَ حَمِدُوا","vol":"2","page":424},{"text":"وشكرُوا، وإنْ أصابهُم ما يكرهُونَ، احتسبُوا وصبرُوا، ولا حِلمَ ولا عِلمَ. قال: يا ربِّ!\nكيفَ هذا ولا حِلمَ ولا عِلم؟\nقال: أعْطِيهم مِن حِلمِي وعِلمِي \".\nقال ابنُ إسحاق: حدَّثني بعضُ اهْلِ العلْم أنَّ عيسَى ابنَ مريمَ - عليه\nالسَّلام - قال: إنَّ أحبَّ الأُممِ إلى اللَّهِ ﷿ لأُمَّةُ أحمدَ.\nقيلَ له: وما فضلُهم الذي تذكرُ؟\nقال: لم تُذلَّل \"لا إلهَ إلا اللَّه \" على ألسُنِ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَم\nتذليلَها على ألسنتِهِم.\n* * *","vol":"2","page":425},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-317>سُورَةُ الجُمُعَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-318>قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) </span>وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) .\nقال تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١٦٤) .\nوقال سبحانه: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٤) .\nومعلومٌ أنَّه لم يُبعث في مكَّةَ رسولٌ منهم بهذه الصفةِ غيرُ محمَّدٍ - ﷺ -، وهو مِن ولدِ إسماعيلَ، كما أنَّ أنبياءَ بني إسرائيلَ مِن ولدِ إسحاق.\nوذكر اللَّهُ تعالى أنَّه مَنَّ على المؤمنينَ بهذه الرِّسالةِ، فليسَ للَّهِ نعمة أعظم من\nإرسال محمدٍ - ﷺ - يهدِي إلى الحقِّ وإلى صراط مستقيم.\nوقوله: (فِي الأمِّيِّينَ) - والمرادُ بهم العَرَبُ - تنبيهٌ لهم على قدرِ هذه النِّعمةِ\nوعظمِها، حيثُ كانوا أميينَ لا كِتابَ لهم، وليسَ عندَهم شيء من آثارِ","vol":"2","page":426},{"text":"النُّبوَّاتِ، كما كان عندَ أهلِ الكتابِ، فمنَّ اللَّه عليهم بهذا الرسول وبهذا\nالكتاب، حتى صاروا أفضلَ الأمم وأعلمَهم، وعرفُوا ضلالةَ منْ ضلَّ من\nالأمم قبلَهم.\nوفي كونِهِ منهم فائدتان:\nإحداهما: أنَّ هذا الرَّسول كان أيضًا أميًّا كأمَّتهِ المبعوثِ إليهم، لم يقرأْ كِتابًا\nقطُّ، ولم يخُطهُ بيمينهِ، كما قال اللَّه تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ) الآيات، ولا خرجَ عن ديارِ قومهِ فأقامَ عندَ\nغيرِهم حتَّى تعلَّم منهم شيئًا، بلْ لم يزل أُميًّا بين أمَّةٍ أمّيَّةٍ، لا يكتُبُ ولا يقرأُ\nحتى كمَّلَ الأربعينَ من عُمره، ثمَّ جاءَ بعد ذلكَ بهذا الكتابِ المبين، وهذه\nالشريعةِ الباهرةِ، وهذا الدِّينِ القيِّم، الذي اعترفَ حُذَّاقُ أهل الأرضِ\nونُظَّارُهُم أنَّه لم يقرع العالمَ ناموسٌ أعظمُ منه.\nوفي هذا بُرهان ظاهر على صدقه.\nوالفائدة الثانية: التنبيهُ على أنَّ المبعوثَ فيهم - وهم الأمِّيُّون خُصوصًا أهل\nمكَّةَ - يعرفُونَ نسبهُ، وشرفهُ، وصدقهُ، وأمانتهُ، وعفتهُ، وأنَّه نشأ بينهُم\nمعروفًا بذلك كلِّه، وأنَّه لم يكذبْ قطُّ؛ فكيفَ كان يدعُ الكذبَ على النَّاسِ\nثم يفترِي الكذبَ على اللَّه ﷿، وهذا هو الباطِلُ، ولذلك سأل هِرقلُ\nعن هذه الأوصافِ، واستدل بها على صدقِهِ فيما ادَّعاهُ من النّبَوةِ والرِّسالةِ.\nوقوله: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ)، يعني: يتلُو عليهم ما أنزل اللَّهُ عليه\nمن آياتهِ المتلُوةِ، وهو القرآنُ، وهو أعظمُ الكُتبِ السَّماويَّةِ.\nوقد تضمَّنَ من العلومِ والحكم، والمواعظِ، والقصصِ، والترغيبِ والترهيبِ، وذكرِ أخبارِ منْ سبقَ، وأخبارِ ما يأتي مِن البعثِ والنُّشور والجنَّةِ والنَّارِ، ما لم يشتمِلْ عليه كتابٌ غيرُهُ، حتَّى قالَ بعضُ العلماءِ: لو أنَّ هذا الكتابَ وُجِدَ مكتوبًا في","vol":"2","page":427},{"text":"مُصحَفٍ في فلاةٍ من الأرضِ، ولم يُعلمْ منْ وضعهُ هناك، لشهدتِ العُقولُ\nالسَّليمةُ أنَّه منزلٌ مِن عندِ اللَهِ، وأنَّ البشرَ لا قدرةَ لهم على تأليفِ ذلك.\nفكيف إذا جاءَ على يديْ أصدقِ الخلقِ وأبرِّهم وأتقاهُم، وقال إنَّه كلامُ\nاللَّهِ، وتحدَّى الخلقَ كلَّهم أن يأتوا بسُورةِ من مثلِهِ، فعجزُوا.\nفكيف يبقى مع هذا شكٌّ فيه؛ ولهذا قال تعالى: (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ) .\nوقال تعالى: (أَوَ لَمْ يَكْفِهِمْ أَئا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ) .\nفلو لم يكنْ لمحمدٍ - ﷺ - منَ المعجزاتِ الدالةِ على صدقهِ غيرُ هذا الكتابِ لكفاهُ، فكيفَ ولهُ من المعجزاتِ الأرضيةِ والسماويةِ ما لا يُحصَى.\nوقوله: (يُزَكيهِمْ): يعني أنَّه يُزكِّي قلوبَهم ويطهرُها من أدناسِ الشركِ\nوالفُجورِ والضلالِ؛ فإنَّ النفوسَ تزكو إذا طهرتْ من ذلك كلِّه، ومن زكتْ\nنفسُه فقد أفلحَ، كما قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَاهَا) .\nوقال: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكى) .\nوقوله: (وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) .\nيعني بالكتابِ القرآنَ، والمرادُ: ويعلّمُهم تلاوةَ ألفاظِهِ.\nويعني بالحكمةِ فهمَ معاني القرآنِ والعملَ بما فيه.\nفالحكمةُ هي فهمُ القرآنِ والعملُ به، فلا يُكْتَفى بتلاوةِ ألفاظِ الكتابِ حتَّى\nيُعلمَ معناهُ ويُعملَ بمقتضاهُ، فمن جُمعَ له ذلك كلُّه فقد أُوتِيَ الحكمةَ.\nقال تعالى: (يُؤْتِي الْحِكمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يؤْتَ الْحِكمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كثِيرًا) .\nقالَ الفضيلُ: العلماءُ كثيرٌ، والحكماءُ قليلٌ.\nوقال: الحكماءُ ورثةُ الأنبياءِ.\nفالحكمةُ هي العلمُ النافعُ الذي يتبعُه العملُ الصالحُ. وهي نورٌ يقذفُ في","vol":"2","page":428},{"text":"القلبِ يُفهمُ بها معنى العلم المنزل من السَّماء، ويحُضُّ على اتِّباعِه والعملِ\nبه.\nومَن قال: الحكمةُ السنةُ، فقولُه حقٌّ؛ لأنًّ السنةَ تفسِّرُ القرآنَ وتبينُ معانيه\nوتحُضُّ على اتباعِهِ والعملِ به؛ فالحكيمُ هو العالم المستنبطُ لدقائقِ العلم\nالمنتفع بعلمهِ بالعمل بهِ. ولأبي العتاهية:\nوكَيْفَ تُحِبُّ أنْ تُدْعَى حكيمًا. . . وأنْتَ لِكُلِّ ما تَهْوَى رَكُوبَ\nوتَضْحَكُ دَائِبًا ظَهْرًا لِبَطْنِ. . . وَتَذْكُرُ مَا عَمِلْتَ فَلا تَتُوبُ\nوقوله: (وَإَن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)، إشارة إلى ما كان النَّاسُ عليه\nقبلَ إنزالِ هذا الكتابِ من الضلالِ، فإنَّ اللَّهَ تعالى نظرَ حينئذٍ إلى أهلِ\nالأرضِ، فمقتهُم، عربهُم وعجمهُم، إلا بقايا مِن أهلِ الكتابِ تمسَّكُوا بدينهِم الذي لم يُبدَّلْ ولم يُغيرْ، وكانوا قليلًا جدًّا.\nفأمَّا عامَّةُ أهل الكتابِ فكانوا قد بدَّلُوا كُتُبَهُم وغيّرُوها وحرفُوها، وأدخلُوا\nفي دينهم ما ليسَ منه فضلّوا وأضلُّوا.\nوأمَّا غيرُ أهلِ الكتابِ فكانُوا على ضلالٍ مُبينٍ؛ فالأميّون أهلُ شركِ يعبدَونَ الأوثانَ، والمجوسُ يعبدُونَ النيرانَ ويقولون بإلهينِ اثنينِ، وكذلك غيرهُم مِن أهلِ الأرضِ؛ منهم مَن كان يعبدُ النّجومَ، ومنهم مَن كان يعبدُ الشَّمسَ أو القمر، فهدَى اللَّه المؤمنينَ بإرسالِ محمَّدٍ - ﷺ - إلى ما جاءَ بهِ منَ الهُدى ودينِ الحقّ؛ وأظهرَ اللَّهُ دينهُ حتى بلغَ\nمشارقَ الأرضِ ومغاربَها، فظهرتْ فيها كلمةُ التَّوحيدِ والعَمَل بالعدْلِ بعد أن\nكانتْ الأرضُ كلُّها ممتلئةَ من ظُلمةِ الشِّركِ والظُّلم.\nفالأميُّون هم العربُ، والآخرون الذين لم يلحقُوا بهم هم أهلُ فارسَ والرُّوم، فكانتْ أهلُ فارسَ مجوسًا، والرُّومُ نصارَى، فهدَى اللَّهُ تعالى جميعَ هؤلاءِ برسالةِ محمَّدٍ - ﷺ - إلى التوحيدِ.","vol":"2","page":429},{"text":"وقد رُئي الإمامُ أحمدُ بعد موتهِ في المنامِ، فسُئلَ عن حالهِ، فقال: لولا\nهذا النبيُّ لكنَّا مجوسًا، وهو كما قال، فإنَّ أهل العراقِ لولا رسالة محمدٍ\n- ﷺ - لكانوا مجوسًا، وأهلُ الشامِ ومصرَ والرومُ لولا رسالة محمدٍ - ﷺ - لكانوا نصارَى، وأهلُ جزيرة العرب لولا رسالةُ محمدٍ لكانوا مشركينَ عبادَ أوثانٍ.\nولكن رحمَ اللَّهُ عبادهُ بإرسالِ محمدٍ - ﷺ - فأنقذَهُم مِن الضَّلالِ، كما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، ولهذا قال اللَّه تعالى: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ)، فمن حصلَ له نصيبٌ من دين الإسلامِ فقد حصلَ له الفضلُ العظيمُ، قد عظمت عليه نعمةُ اللَّهِ، فما أحوجهُ إلى القيامِ بشكرِ هذه النعمةِ وسؤالهِ دوامَها والثَّباتَ عليها إلى المماتِ، والموتَ عليها، فبذلكَ تتمُّ النِّعمةُ.\nفإبراهيمُ - ﵇ - هو إمامُ الحنفاء، المأمورُ محمَّدٌ - ﷺ - ومَن قبلُه منَ الأنبياءِ - ﵈ - بالاقتداء به، وهو الذي جعلهُ اللَّهُ للنَّاسِ إمامًا، وقدْ دعا هو وابنُه إسماعيلُ - ﵇ - بأن يبعثَ اللَّهُ في أهلِ مكَّةَ رسولًا منهُم موصوفًا بهذهِ الأوصافِ، فاستجابَ اللَّهُ لهما وجعلَ هذا النَبيَّ المبعُوثَ فيهم من ولدِ إسماعيلَ بن إبراهيمَ كما دعيا بذلك، وهو النَّبيُّ الذي أظهرَ دينَ إبراهيمَ الحنيفَ بعدَ اضمحلالهِ وخفائهِ على أهلِ الأرضِ فلهذا كان أولَى النَّاسِ بإبراهيمَ، كما قال تعالى:\n(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) .\nوقال - ﷺ -: \"إنَّ لكلِّ نبيٍّ وليًّا مِن النَّبيينَ وإن وليي إبراهيم \"، ثم تلا هذه الآية.","vol":"2","page":430},{"text":"وكان - ﷺ - أشبهَ ولدِ إبراهيمَ بهِ صُورةً ومعنًى، حتى أنَّه أشبههُ في خُلَّةِ اللَّهِ تعالى، فقال: \"إن الله اتَّخذنِي خليلًا كما اتَخذَ إبراهيمَ خليلًا\".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-319>قوله تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)</span>\n[قال البخاري]: قَوْل اللَّهِ ﷿: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) .\nصلاةُ الجمعةِ فريضةٌ من فرائِض الأعيانِ على الرجالِ دونَ النساءِ، بشرائطَ\nأُخَرَ، هذا قولُ جمهورِ العلماءِ، ومنهم من حكاه إجماعًا كابنِ المنذرِ.\nوشذ من زعمَ أنها فرضُ كفاية من الشافعيةِ، وحكاهُ بعضُهم قولًا\nللشافعيِّ، وأنكر ذلك عامةُ أصحابه حتى قال طائفةٌ منهم: لا تحلُّ حكايتُه\nوحكاية الخطابي لذلك عن أكثرِ العلماءِ وهْمٌ منه، ولعله اشتبهَ عليه\nالجمعةُ بالعيدِ.\nوحكي عن بعضِ المتقدمينَ: أن الجمعةَ سنة.\nوقد روى ابنُ وهبٍ، عن مالكٌ، أن الجمعةَ سنةٌ.\nوحملَها ابنُ عبدِ البرّ على أهل القرى المختلَفِ في وجوب الجمعةِ عليهمْ","vol":"2","page":431},{"text":"خاصةً، دون أهلِ الأمصارِ.\nونقلَ حنبل، عن أحمدَ، أنه قال: الصلاةُ - يعني: صلاةَ الجمعةِ -\nفريضة، والسعيُ إليها تطوعٌ، سنةٌ مؤكدةٌ.\nوهذا إنما هو توقفٌ عن إطلاقِ الفرض على إتيانِ الجمعةِ، وأما الصلاةُ\nنفسُها، فقد صرَّح بأنها فريضةٌ، وهذا يدلَّ على أن ما هو وسيلة إلى الفريضةِ ولا تتمُّ إلا به لا يطلقُ عليه اسمُ الفريضةِ، لأنه وإنْ كان مأمورًا به فليس مقصودًا لنفسهِ، بل لغيرهِ.\nوتأوَّل القاضِي أبو يعلَى كلامَ أحمدَ بما لا يصحُّ.\nوقد دلَّ على فرضيتها: قولُ اللَّهِ ﷿: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩) .\nوالمرادُ بالسعي: شدةُ الاهتمامِ بإتيانِها والمبادرةُ إليها،. فهو من سَعْي\nالقلوبِ، لا من سعي الأبدان، كذا قالَ الحسنُ وغيرُه، وسيأتي بسطُ ذلك\nفيما بعدُ - إن شاء اللَّهُ ﷾.\nوفي \"صحيح مسلم \" عن عبد اللَّهِ بنِ عمرَ وأبي هريرةَ، أنهما سمعا\nرسول اللَّه - ﷺ - يقولُ على أعواد منبرهِ:\n\"لينتهينَّ أقوام عنْ ودعهمُ الجمعات، أو ليختمنَّ اللَهُ على قلوبهم، ثم ليكونُن منَ الغافِلين \".\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ وأبو داود والترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجةَ من حديثِ","vol":"2","page":432},{"text":"أبي الجعدِ الضَّمريِّ - وكانتْ له صحبةٌ -، عن النبىِّ - ﷺ - قال:\n\"مَن تركَ الجمعةَ تهاونًا ثلاثَ مراتٍ طُبعَ على قلبهِ \".\nوقالَ الترمذيُّ: حديثٌ حسن. وخرَّجَهُ ابنُ حبانَ في \"صحيحهِ \".\nورُوي معناهُ من وجوهٍ كثيرةٍ.\nوفي \"صحيح مسلم \" عن ابنِ مسعودٍ، أن النَّبي - ﷺ - همَّ أن يحرقَ على مَن يتخلفُ عن الجمعةِ بيوتَهم.\nوقد سبقَ ذكرُه.\nوخرَّج أبو داود بإسنادٍ صحيح، عن طارقِ بنِ شهابٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"الجمعةُ حق واجبٌ في جماعة، إلا أربعة: عبدٌ مملوك أو امرأةٌ، أو صبي أو\nمريض\".\nقال أبو داودَ: طارقُ بنُ شهاب رأَى النبي - ﷺ -\nولمْ يسمَعْ منه شيئًا.\nقال البيهقيُّ: وقد وصلَه بعضُهم عن طارقٍ، عن أبي موسى الأشعرِي.\nعن النبيِّ - ﷺ -، وليس وصلُه بمحفوظٍ.\nوخرجَ النسائيُّ من حديثِ حفصةَ، عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ: \"رواحُ الجمعةِ واجبٌ على كلِّ محتلمٍ \".\nوخرَّج ابنُ ماجةَ من حديثِ جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أن النبيَّ - ﷺ - خطبَهم، فقالَ في خُطبته:\n\"إن اللهَ فرضَ عليكمُ الجمعةَ في مقامي هذا، في يومِي هذا، في","vol":"2","page":433},{"text":"شهرِي هذا، من عامِي هذا إلى يوم القيامةِ، فمن ترَكها في حياتي أو بعدِي، وله إمامٌ عادلٌ أو جائرٌ، استخفافًا بها أو جحودًا لها فلا جمعَ اللَهُ شملَه، ولا باركَ له في أمره، ألا ولا صلاةَ له، ولا زكاةَ له، ولا حجَّ له، ولا صومَ له، ولا بركةَ حتَّى يتوب، فمن تابَ تابَ اللَّهُ عليه \".\nوفي إسنادِه ضعفٌ واضطرابٌ واختلافٌ، قد أشرْنا إلى بعضِه فيما تقدَم\nفي \"أبواب الإمامةِ\".\nوفيه: دليلٌ على أن الجمعةَ إنما فُرضتْ بالمدينةِ؛ لأن جابرًا إنما صحبَ\nالنبي - ﷺ - وشهدَ خطبتَه بالمدينةِ، وهذا قولُ جمهورِ العلماءِ.\nويدلُّ عليه - أيضًا -: أن سورةَ الجمعةِ مدنية، وأنه لم يثبتْ أنَّ النبيَّ - ﷺ - كان يصلِّي الجمعةَ بمكةَ قبلَ هجرتهِ.\nونصَّ الإمامُ أحمدُ على أنَّ أولَ جمعة جُمِّعَتْ في الإسلامِ هي التي\nجمعتْ بالمدينةِ مع مصعبِ بنِ عميرٍ.\nوكذا قالَ عطاءٌ والأوزاعيُّ وغيرُهما.\nوزعم طائفةٌ من الفقهاء: أن الجمعةَ فرضتْ بمكةَ قبلَ الهجرةِ؛ وأن النبىَّ\n- ﷺ - كان يصلِّيها بمكةَ قبل أن يهاجرَ.\nواستدلَّ لذلكَ: بما خرَّجه النسائيُّ في \"كتاب الجمعةِ\" من حديث المُعَافَى\nابنِ عمرانَ، عن إبراهيمَ بنِ طهمانَ، عن محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرةَ.\nقال: إن أولَ جمعةٍ جُمَعَتْ - بعدَ جمعةٍ جُمِّعَت معَ رسولِ اللَّه - ﷺ - بمكةَ -\nبِجُواثاءَ بالبحرينِ - قريةٍ لعبدِ القيسِ.\nوقد خرَّجه البخاريُّ - كما سيأتي في موضعه - من طريق أبي عامر","vol":"2","page":434},{"text":"العَقديِّ، عن إبراهيمَ بن طهمان، عن أبي جمرةَ، عن ابنِ عباسٍ، أن أولَ\nجمعةٍ جمعت - بعدَجمعةٍ في مسجدِ رسولِ اللهِ - ﷺ - - في مسجدِ عبدِ القيسِ بجُواثى من البحرينِ.\nوكذَا رواه وكيعٌ، عن إبراهيمَ بن طهمان، ولفظُه: إن أولَ جمعةٍ جمعتْ\nفي الإسلامِ - بعد جمعة جمعتْ في مسجدِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - بالمدينةِ - لَجُمُعَةٌ جمعتْ بجواثاءَ - قرية من قرى البحرينِ.\nخرَّجَه أبو داود.\nوكذا رواه ابنُ المباركِ وغيرُه، عن إبراهيمَ بنِ طهمان.\nفتبيَّن بذلكَ: أنَّ المعافى وهمَ في إسنادِ الحديثِ ومتنهِ، والصوابُ: رواية\nالجماعةِ، عن إبراهيمَ بنِ طهمان.\nومعنى الحديثِ: أن أولَ مسجدٍ جمع فيه - بعدَ مسجدِ المدينةِ -: مسجد\nجواثاءَ، وليس معناه: أنَّ الجمعةَ التي جمعت بجواثاء كانت في الجمعةِ الثانيةِ\nمن الجمعةِ التي جمعت بالمدينةِ، كما قد يُفْهَمِ من بعضِ ألفاظِ الرواياتِ؛ فإن\nعبدَ القيسِ إنما وفَد على رسولِ اللَّه - ﷺ - عامَ الفتح، كما ذكرهَ ابنُ سعد، عن عروةَ بنِ الزبيرِ وغيرِه.\nوليس المرادُ به - أيضًا - أن أولَ جمعةٍ جمعتْ في الإسلام في مسجدِ\nالمدينةِ، فإن أول جمعةٍ جمعتْ بالمدينةِ في نقيع الخَضَماتِ، قبل أن يقدمَ\nالنبيُّ - ﷺ - المدينةَ، وقبل أن يبنيَ مسجدَه.","vol":"2","page":435},{"text":"يدل على ذلك: حديثُ كعبِ بنِ مالكٌ، أنه كان كلَّما سمع آذانَ الجمعةِ\nاستغفرَ لأسعدَ بنِ زرارةَ، فسأله ابنُه عن ذلكَ، فقال: كانَ أولَ مَن صلَّى بنا صلاةَ الجمعةِ قبل مقدمِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - من مكةَ في نقيع الخضماتِ، في هَزْم النَّبيتِ، من حرَّةِ بني بياضةَ.\nقيل له: كم كنتم يومئذٍ؟\nقال: أربعين رجلًا.\nخرَّجَه الإمامُ أحمدُ وأبو داودَ وابنُ ماجةَ - مطوَّلًا.\nوروى أبو إسحاقَ الفزاريُّ في \"كتاب السمر\" له، عن الأوزاعيِّ، عمَّن\nحدَّثَه، قال: بعثَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - مصعَب بنَ عمير القرشيَّ إلى المدينةِ، قبل أن يهاجرَ النبيُّ - ﷺ -، فقالَ: \"اجمعْ مَنْ بها من المسلمين، ثم انظرِ اليومَ الذي تجمرُ فيه\nاليهودُ لسبتِها، فإذا مالَ النهارُ عن شطرهِ فقم فيهمْ، ثم تزلَّفوا إلى اللَّهِ بركعتينِ \".\nقال: وقالَ الزهرِيُّ: فجمع بهم مصعبُ بنُ عمير في دارٍ من دُورِ\nالأنصارِ، فجمع بهم وهُم بضعةَ عشرَ.\nقال الأوزاعيُّ: وهو أولُ من جمعَ بالناسِ.\nوقد خرج الدارقطنيّ - أظنه في \"أفرادِه \" - من روايةِ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ\nغالبٍ الباهليِّ: نا محمدُ بن عبدِ اللَّهِ أبو زيد المدنيّ: ثنا المغيرةُ بنُ\nعبدِ الرحمنِ: ثنا مالكٌ، عن الزهريِّ، عن عبيدِ اللهِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن ابنِ\nعباسٍ، قالَ: أذِنَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - بالجمُعةِ قبلَ أن يهاجرَ، ولم يستطعْ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أن يجمّعَ بمكةَ ولا يبيِّن لهم، وكتبَ إلى مصعبِ بنِ عمير:\n\"أما بعدُ، فانظرِ اليومَ الذي تجمرُ فيه اليهودُ لسبتِهم، فاجمعُوا نساءَكُم وأبناءَكم، فإذا مال النهار عن شطرهِ عند الزوالِ من يوم الجمعةِ فتقربوا إلى اللهِ بركعتينِ \".","vol":"2","page":436},{"text":"قال: فهوَ أولُ من جمَّع مصعبُ بنُ عميرٍ، حتى قدمَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - المدينةَ، فجمَّع عند الزوالِ من الظهرِ، وأظهرَ ذلكَ.\nوهذا إسناد موضوع، والباهليُّ هو: غلامُ خليلٍ، كذابٌ مشهور بالكذبِ.\nوإنما هذا أصله من مراسيلِ الزهري، وفي هذا السياق ألفاط منكرة.\nوخرج البيهقيُّ من روايةِ يونسَ، عن الزهريِّ، قال: بلغَنا أنَّ أولَ ما\nجُمِّعتِ الجمعةُ بالمدينةِ قبلَ أن يقدمَها رسولُ اللهِ - ﷺ -، فجمَع بالمسلمينَ مصعب بن عمير.\nوروى عبد الرزاق في \"كتابه \" عن معمر، عن الزهريِّ، قال: بعث\nرسول اللَّه - ﷺ - مصعبَ بنَ عميرٍ إلى أهلِ المدينة ليقرئَهمُ القرآنَ، فاستأذن رسولَ اللَّهَ - ﷺ - أنْ يجمِّع بهم، فأذِنَ له رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وليس يومئذٍ بأميرٍ.\nولكنه انطلقَ يعلِّمُ أهلَ المدينةِ.\nوذكر عبدُ الرزاقِ، عن ابنِ جريج، قال: قلتُ لعطاء: مَن أولُ من جمَّعَ\nقال: رجل من بني عبدِ الدارِ - زعموا -، قلتُ: أفبأمر النبيِّ - ﷺ -؟\nقال: فَمَهْ؟!\nوخرَّجه الأثرمُ من روايةِ ابنِ عيينَةَ، عن ابنِ جريج، وعندَه. قال: نعمْ.\nفمَه؟! قال ابن عيينةَ: سمعتُ مَن يقولُ: هو مصعبُ بنُ عميرٍ.","vol":"2","page":437},{"text":"وكذلك نصَّ الإمامُ أحمدُ في - رواية أبي طالبٍ - على أنَّ النبي - ﷺ - أمر مصعبَ بنَ عميرٍ أن يجمَعِّ بهمْ بالمدينةِ.\nونص أحمدُ - أيضًا - على أنَّ أولَ جمعةِ جمِّعتْ في الإسلامِ هي الجمعة\nالتي جمعتْ بالمدينةِ مع مصعبِ بنِ عميرٍ.\nوقد تقدَّم مثلُه عن عطاءِ والأوزاعيِّ.\nفتبينَ بهذا: أنَّ النبيَّ - ﷺ - أمرَ بإقامةِ الجمُعةِ بالمدينةِ.\nولم يُقمْها بمكةَ، وهذا يدلُّ على أنه كان قد فُرِضَت عليه الجمعةُ بمكةَ.\nوممَّن قالَ: إن الجمعةَ فُرضَت بمكةَ قبلَ الهجرةِ: أبو حامدٍ الإسفرايينيُ من\nالشافعيةِ، والقاضِي أبو يعلَى في \"خلافه الكبير\" من أصحابِنا، وابنُ عقيل\nفي \"عمد الأدلةِ\"، وكذلك ذكرهَ طائفةٌ من المالكيةِ، منهم: السهيليُّ وغيرُه.\nوأما كونُه لم يفعلْه بمكةَ، فيُحمَل أنه إنما أُمرَ بها أنْ يقيمَها في دارِ\nالهجرةِ، لا في دارِ الحربِ، وكانت مكةُ إذ ذاكَ دارَ حربِ، ولم يكنِ\nالمسلمونَ يتمكَّنونَ فيها من إظهارِ دينهم، وكانُوا خائفينَ على أنفسهم.\nولذلك هاجرُوا منها إلى المدينةِ، والجمعةُ تسقطُ بأعذار كثيرة منها الخوفُ\nعلى النفسِ والمالِ، َ وقد أشار بعضُ المتأخرينَ من الشافعيةِ إلى معنًى آخرَ في الامتناع من إقامتِها بمكةَ، وهو: أن الجمعةَ إنما يُقصدُ بإقامتِها إظهارُ شعارِ الإسلامِ، وهذا إنما يُتمكنُ منه في دارِ الإسلامِ.\nولهذا لا تقامُ الجمعةُ في السجنِ، وإن كان فيه أربعونَ، ولا يعلمُ في ذلك\nخلافٌ بينَ العلماءِ، وممَّن قالَه: الحسنُ، وابنُ سيرينَ، والنخَعيُّ، والثوريُّ،","vol":"2","page":438},{"text":"ومالكٌ، وأحمدُ، وإسحاقُ وغيرُهم.\nوعلى قياسِ هذا: لو كانَ الأسارى في بلدِ المشركينَ مجتمعينَ في مكانٍ\nواحد؛ فإنهم لا يصلُّون فيه جمعةً، كالمسجونينَ في دارِ الإسلامِ وأولَى، لا\nسيما وأبو حنيفةَ وأصحابُه يرونَ أن الإقامةَ في دارِ الحربِ - وإن طالتْ -\nحكمُها حكمُ السفرِ، فتقصر فيها الصلاةُ أبدًا، ولو أقامَ المسلمُ باختيارهِ.\nفكيف إذا كانَ أسيرًا مقهورًا؟\nوهذا على قولِ مَن يرى اشتراطَ إذنِ الإمامِ لإقامةِ الجمعةِ أظهرُ، فأمَّا على\nقولِ مَن لا يشترطُ إذنَ الإمامِ، فقد قال الإمامُ أحمدُ في الأمراءِ إذا أخَّروا\nالصلاةَ يومَ الجمُعةِ: فيصلِّيها لوقتِها ويصليها مع الإمامِ، فحملَه القاضي أبو\nيعلى في \"خلافه \" على أنهم يصلونها جمعةً لوقتِها.\nوهذا بعيدٌ جدًّا، وإنَّما مرادهُ: أنهم يصلون الظهرَ لوقتِها، ثم يشهدونَ\nالجمعةَ مع الأمراءِ.\nوكذلك كانَ السلفُ الصالحُ يفعلونَ عند تأخيرِ بني أميةَ للجمعةِ عن\nوقتِها، ومنهم مَن كانَ يومئُ بالصلاةِ وهو جالسٌ في المسجدِ قبلَ خروج\nالوقتِ، ولم يكنْ أحدٌ منهم يصلِّي الجمُعةَ لوقتِها، وفي ذلك مفاسدُ كثيرةٌ\nتسقطُ الجمعةُ بخشيةِ بعضِها.\nوفي \"تهذيبِ المدونةِ\" للمالكيةِ: وإذا أتى من تأخيرِ الأئمةِ ما يُسْتنكَرُ\nجمَّعَ الناسُ لأنفسِهم إن قدرُوا، وإلا صلَّوا ظهرًا، وتنفلُوا بصلاتِهم معَهم.\nقال: ومَن لا تجبُ عليه الجمعةُ مثلُ المرضَى والمسافرينَ وأهلِ السجنِ","vol":"2","page":439},{"text":"فجائزٌ أن يجمِّعُوا.\nوأراد بالتجميع هنا: صلاةَِ الظهرِ جماعةً، لا صلاةَ الجمعةِ؛ فإنه قالى\nقبلَه: وإذا فاتتِ الجمعةُ من تجبُ عليهم فلا يجمِّعوا.\nوالفرقُ بين صلاةِ الظهرِ جماعةً يومَ الجمعةِ، ممَّن تجبُ عليه وممَّن لا تجبُ\nعليه: أن من تجبُ عليه يُتَّهمُ في تركِها، بخلاف من لا تجبُ عليه فإن عذرَهُ\nظاهرٌ.\nوقد رُويَ عن ابنِ سيرينَ، أن تجميعَ الأنصارِ بالمدينةِ إنما كان عنْ رأيهم.\nمن غيرِ أمرِ النبيِّ - ﷺ - بالكليَّةِ، وأن ذلكَ كان قبلَ فرضِ الجمعةِ.\nقال عبدُ اللَّهِ ابنُ الإمامِ أحمدَ في \"مسائله \": ثنا أبي: ثنا إسماعيلُ - هو:\nابنُ عليَّة -: ثَنا أيوبُ، عنْ محمدِ بنِ سيرينَ، قال: نبِّئتُ أنَّ الأنصارَ قبلَ\nقدومِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - عليهم المدينةَ قالوا: لو نظرنَا يومًا فاجتمعنا فيه، فذكرنَا هذا الأمرَ الذي أنعمَ اللَّهُ علينا بهِ، فقالُوا: يوم السبتِ، ثُمَّ قالوا: لا نجامعُ اليهودَ في يومِهم.\nقالوا: يوم الأحدِ، قالوا: لا نجامعُ النصارَى في يومِهم.\nقالُوا: فيوم العروبةِ. قالَ: وكانُوا يسمُّون يومَ الجمعةِ: يوم العروبةِ.\nفاجتمعوا في بيتِ أبي أمامةَ أسعد بن زرارة، فذبحت لهم شاةٌ، فكفتْهُمْ.\nوروى عبدُ الرزاق في \"كتابِه \" عن معمرٍ، عن أيوبَ، عن ابن سيرين.\nقال: جمَّعَ أهلُ المدينةِ قبلَ أن يقدمَ رسولُ اللهِ - ﷺ -، وقبلَ أن تنزلَ الجمعةُ، وهم الذين سمَّوُها الجمعةَ، فقالتِ الأنصارُ: لليهودِ يومٌ يجتمعونَ فيه كلَّ ستةِ أيامٍ، وللنصارَى - أيضًا - مثلُ ذلك، فهلُمَّ فلنجعلْ يومًا نجتمعُ فيه،","vol":"2","page":440},{"text":"ونذكرُ اللَّهَ ﷿، ونصلّي ونشكرهُ - أو كما قالوا -، فقالوا: يومُ السبتِ لليهودِ، ويومُ الأحدِ للنصارَى، فاجعلُوا يومَ العروبةِ، وكانوا يسمُّون يوم الجمعة: يومَ العروبةِ، فاجتمعُوا إلى أسعدَ بنِ زرارةَ، فصلَّى بهم وذكَّرَهم، فسمَّوه: يومَ الجمُعةِ حينَ اجتمعُوا إليه، فذبحَ أسعدُ بنُ زرارةَ لهم شاةً، فتغدَّوْا وتعشَّوْا من شاهِ واحده ليلتَهم، فأنزلَ اللَّهُ بعدَ ذلك:\n(إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكرِ اللَّهِ) .\nفوقعَ في كلام الإمامِ أحمدَ: أن هذه هي الجمُعةُ التي جمعَها مصعبُ بنُ\nعميرٍ، وهي التي ذكرَها كعبُ بنُ مالكٍ في حديثه، أنهم كانُوا أربعينَ رجلًا.\nوفي هذا نظرٌ.\nويحتملُ أن يكونَ هذا الاجتماعُ منَ الأنصارِ كانَ باجتهادِهم قبلَ قدومِ\nمصعب إليهم، ثم لمَّا قدمَ مصعب عليهم جمَّع بهم بأمرِ النبيِّ - ﷺ -، وكانَ الإسلامُ حينئذ قد ظهرَ وفَشَا، وكان يمكنُ إقامةُ شعارِ الإسلامِ في المدينةِ، وأما اجتماعُ الأنصارِ قبلَ ذلكَ، فكانَ في بيت أسعدَ بنِ زرارةَ قبل ظهورِ الإسلامِ بالمدينةِ وفشوِّهِ، وكانَ باجتهادٍ منهم، لا بأمرِ النبيِّ - ﷺ -.\nواللَّهُ ﷾ أعلم.\n* * *\n[قال البخاري]: باب مِنْ أيْنَ تُؤتَى الجُمُعةُ، وعلَى مَنْ تجِبُ؟\nلقوْلِ اللَّهِ ﷿: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) .","vol":"2","page":441},{"text":"وقالَ عطاءٌ: إذَا كُنتَ فِي قَريةٍ جامعةٍ، فنُودِيَ بالصَّلاةِ مِن يومِ الجمُعةِ.\nفحقّ عليكَ أن تشهدَهَا، سمعتَ النِّداءِ أو لمْ تسمعهُ.\nوكانَ أنسُ بنُ مالكٍ فِي قصرهِ، أحيانًا يُجمِّعُ، وأحيانًا لا يُجمِّعُ، وهُو\nبالزَّاويةِ على فرسخينِ.\nتضمنَ هذا الذي ذكرَه مسألتين:\nإحداهُما: أنَّ مَن هو في قريةٍ تقامُ فيها الجمعةُ، فإنه إذا نوديَ فيها بالصلاةِ\nللجمعةِ وجبَ عليه السعيُ إلى الجمعةِ، وشهودُها، سواءٌ سمعَ النداءَ أو لم\nيسمعْهُ وقد حكاه عن عطاءٍ.\nوهذا الذي في القريةِ، إن كانَ من أهلِها المستوطنينَ بها، فلا خلافَ في\nلزومِ السعي إلى الجمعةِ لهُ، وسواء سمع النداءَ أو لم يسمعْ، وقد نصَّ على\nذلك الشافعي وأحمدُ، ونقلَ بعضُهم الاتفاقَ عليهِ.\nوإن كانَ من غيرِ أهلِها، فإن كانَ مسافرًا يباحُ له القصرُ، فأكثرُ العلماءِ\nعلى أنه لا يلزمه الجمعةُ مع أهلِ القريةِ، وقد ذكرنَا فيما تقذم أن المسافرَ لا\nجمعةَ عليه.\nوحُكيَ عن الزهريِّ والنخعيِّ، أنه يلزمه تبعًا لأهلِ القريةِ.\nورُوي عن عطاءٍ - أيضًا -، أنه يلزمُه.\nوكذا قال الأوزاعيُّ: إنْ أدرَكه الأذانُ قبلَ أن يرتحلَ فليجبْ.\nوإن كانَ المسافرُ قد نوى إقامةً بالقريةِ تمنعُه من قصرِ الصلاةِ، فهلْ يلزمُه\nالجمعة؛ فيه وجهانِ لأصحابِنا.\nوأوجبَ عليه الجمعةَ في هذه الحالِ: مالكٌ وأبو حنيفةَ، ولم يوجبْها عليه","vol":"2","page":442},{"text":"الشافعيُّ وأصحابُه.\nالمسألةُ الثانيةُ: إنَّ مَن كان خارجَ القريةِ أو المصرِ الذي تقامُ فيه الجمعةُ، هل\nتلزمُه الجمعةُ مع أهلِ القريةِ أو المصرِ، أم لا؟\nهذا مما اختلَف فيه العلماءُ:\nفقالتْ طائفةٌ: لا تلزمُ مَن كانَ خارجَ المصرِ أو القرية الجمعةُ مع أهلِه\nبحالٍ، إذا كان بينَهم وبينَ المصرِ فرجة، ولو كانُوا من رِبْضِ المصرِ.\nوهذا قولُ الثوري وأبي حنيفةَ وأصحابهِ، إلحاقًا لهم باهلِ القرَى؛ فإنَّ\nالجمعةَ لا تقامُ عندَهم في القرَى.\nوقال أكثرُ أهلِ العلم: تلزمُهم الجمعةُ مع أهلِ المصرِ أو القريةِ، مع القربِ\nدونَ البعدِ.\nثم اختلفُوا في حذَ ذلك:\nفقالتْ طائفة: المعتبرُ: إمكانُ سماع النداءِ، فمن كان من موضع الجمعةِ\nبحيثُ يمكنُه سماعُ النداءِ لزمَه، وإلا فَلا. هذا قولُ الشافعيِّ وأحمدَ\nوإسحاقَ.\nواستدلُّوا: بظاهرِ قولِ اللهِ تعالى: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) .\nورُوي عن عبدِ اللَهِ بنِ عَمرو بنِ العاصِ وسعيدِ بنِ المسيبِ وعَمرِو بن\nشعيب.\nورُويَ عن أبي أمامةَ الباهليِّ - معناه.","vol":"2","page":443},{"text":"وخرجَ أبو داود من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ، عنِ النبيِّ\n- ﷺ -:\n\"الجمعةُ علَى مَن سمِعَ النداء\"\nورُويَ موقوفًا، وهو أشبهُ.\nوروَى إسماعيلُ، عن عبدِ العزيزِ بنِ عبدِ اللَّهِ، عن محمدِ بنِ عمرو بنِ\nعطاءٍ، عن عُبيدِ اللهِ بنِ كعبِ بنِ مالكٍ، عن أبيه - يرفعُه -، قال: \"لينتهينَّ أقوام يسمعونَ النداءَ يومَ الجمعةِ، ثم لا يَشهدُونَها، أو ليطبعن اللَهُ على قلوبِهم، وليكونُنَّ من الغافلين، أو ليكونُنَّ من أهلِ النارِ \".\nعبدُ العزيزِ هذا، شاميّ تكلَّموا فيه.\nوقالت طائفةٌ: تجبُ الجمُعةُ على مَن بينَه وبينَ الجمعةِ فرسخٌ، وهو ثلاثةُ\nأميالٍ، وهو قولُ ابنِ المسيبِ والليثِ ومالك ومحمدِ بنِ الحسنِ، وهو روايةٌ\nعن أحمدَ.\nومِن أصحابِنا مَن قالَ: لا فرقَ بينَ هذا القولِ والذي قبلَه؛ لأن الفرسخَ\nهو منتهَى ما يسمعُ فيه النداء - غالبًا -؛ فإن أحمدَ قالَ: الجمعة على من\nسمع النداءَ، والنداءُ يسمعُ من فرسخ، وكذلكَ رواه جماعةٌ عن مالكٍ.\nفيكونُ هذا القولُ والذي قبلَهُ واحدًا.\nوخرج الخلالُ من روايةِ مندل، عن ابنِ جريج، عن عبدِ اللَّهِ بنِ محمدِ\nابنِ عقيل، عن جابر، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"عسَى أحدُكم أن يتخذ الصُّبَّة على رأسِ ميلين أو ثلاثةٍ، تأتي عليه الجمعةُ لا يشهدُها، ثم تأتي الجمعةُ لا يشهدُها - ثلاثًا - فيطبعُ على قلبهِ \".\nمندلٌ فيه ضعفٌ.\nوخرجَ الطبراني نحوَه من حديثِ ابنِ عمرَ - مرفوعًا.","vol":"2","page":444},{"text":"وفي إسنادِه: إبراهيمُ بنُ يزيدَ الخوزيّ، وهو ضعيف.\nوروى معدي بن سليمان، عن ابنِ عجلانَ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ.\nعن النبي - ﷺ - قال:\n\"ألا هل عسَى أحدُكم أن يتخذَ الصُّبة من الغنم على رأسِ ميلٍ أو\nميلين، فيتعذَّر عليه الكلأُ، فيرتفعُ، ثم تجيءُ الجمعةُ، فلا يجيءُ ولا يشهدُها، وتجيءُ الجمعة، فلا يشهدُها، وتجيءُ الجمعةُ، فلا يشهدها حتى يُطبعَ على قلبهِ \".\nخرَّجَه ابنُ ماجةَ.\nوخرَّجَه أبو بكر النجاد وابنُ عبدِ البرِ، وفي روايتهما: \"ميلين أو ثلائة\".\nومَعْدي هذا، تكلم فيه أبو زرعةَ وغيرُه.\nوقال أبو حاتم: شيخ.\nوقالت طائفة: تجبُ الجمعةُ على من بينَهُ وبينَهَا أربعةُ أميال.\nورُويَ عن ابن المنكدرِ والزهريِّ وعكرمةَ وربيعةَ.\nورويَ عن الزهريِّ - أيضًا - تحديدُه بستةِ أميال، وهي فرسخانِ.\nوروي عن أبي هريرةَ، قال: تؤتَى الجمعةُ من فرسخينِ.\nخرَّجَه ابن أبي شيبة بإسناد ضعيف.\nوروى عبد الرزاق بإسنادٍ منقطع، عن معاذٍ، أنه كانَ يقومُ على منبر.\nفيقول لقومٍ بينهُم وبينَ دمشقَ أربعُ فراسخٍ وخمسُ فراسخٍ: إن الجمعةَ\nلزمتْكُم، وأن لا جمعة إلا معنا.\nوبإسنادٍ منقطع، عن معاويةَ، أنه كانَ يأمرُ بشهودِ الجمعةِ مَن بينه وبينَ","vol":"2","page":445},{"text":"دمشقَ أربعة عشرَ ميلًا.\nوقالَ بقيةُ، عن محمدِ بنِ زياد: أدركتُ الناسَ بحِمْص تبعثُ الخيلَ نهارَ\nالخميسِ إلى جُوسيةَ وحماة والرَّستن يجلبون الناسَ إلى الجمعةِ، ولم يكن\nيجمعُ إلا بحِمْص.\nوعن عطاءٍ. إنه سئلَ: من كم يُؤتى الجمعةُ؟\nقال: من سبعةِ أميالٍ.\nوعنه، قالَ: يقال: من عشرةِ أميالٍ إلى بريدٍ.\nوعن النخعيِّ، قالَ: تؤتى الجمعةُ من فرسخينِ.\nوعن أبي بكر بنِ محمدِ بنِ عمرِو بنِ حزمٍ، أنه أمرَ أهلَ قباء، وأهلَ ذي\nالحليفةِ، وأهلَ القرى الصغار حولهُ: لا يجمِّعُوا، وأن يشهدوا الجمعةَ\nبالمدينةِ.\nوعن ربيعة - أيضًا -، أنه قالَ: تجبُ الجمعةُ على من إذا نودِيَ بصلاةِ\nالجمعةِ خرجَ من بيتهِ ماشيًا أدركَ الجمعةَ.\nوقالتْ طائفة: تجبُ الجمعةُ على من آواه الليلُ إلى منزلِهِ.\nقال ابنُ المنذرِ: رويَ ذلكَ عن ابنِ عمرَ وأبي هريرةَ وأنسٍ والحسنِ ونافع\nمولى ابنِ عمرَ، وكذلكَ قالَ عكرمةُ والحكمُ وعطاءٌ والأوزاعيُ وأبو ثور.\nانتهى.\nوهو قولُ أبي خيثمةَ زهيرِ بنِ حربٍ وسليمان بن داود الهاشمي.\nوحكى إسماعيلُ بنُ سعيدٍ الشالنجيُّ، عن أحمدَ نحوَهُ، واختاره\nالجوزجانيُ.","vol":"2","page":446},{"text":"وفيه حديث مرفوعٌ، من حديثِ أبي هريرةَ.\nوقد ذكره الترمذي، وبيَّن ضعفَ إسنادِه، وأن أحمدَ أنكرهُ أشدَّ\nالإنكارِ.\nوفيه - أيضًا -، عن عائشةَ، وإسنادُه ضعيف.\nوفيه - أيضًا - من مراسيلِ أبي قِلابَة، وفي إسنادِهِ ضعف.\nوقالتْ طائفةٌ: تُؤتَى الجمعةُ من فرسخينِ، قالهُ النخعيُّ وإسحاقُ، نقله\nعنه حرب.\nلكنهما لم يصرِّحا بوجوبِ ذلكَ، وقد تقدَّم نحوُه عن غيرِ واحدٍ.\nوخرجَ حرب من طريقِ ابنِ أبي عروبةَ، عن قتادةَ، عن أنسٍ، أنه كانَ\nيجمعُ من الزاويةِ، وهي فرسخانِ.\nوروى عبدُ الرزاقِ، عن معمرٍ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، أنه كانَ يكونُ\nبينَهُ وبين البصرةِ ثلاثةُ أميالٍ، فيشهدُ الجمعةَ بالبصرةِ.\nوقد ذكرَ البخاريُّ عنهُ أنه كانَ أحيانًا لا يجمعُ.\nوكذلكَ رُويَ عن أبي هريرةَ، أنه كانَ بالشجرةِ - وهي ذو الحليفةِ -، فكانَ أحيانًا يجمعُ، - وأحيانا لا يجمعُ.\nوقد رويَ عنه الأمرانِ جميعًا.\nوكذلكَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ، كانَ في قصر بالعقيقِ، فكانَ أحيانًا يجمعُ.\nوأحيانًا لا يجمعُ، وكان بينهُ وبينَ المدينةِ سبعةُ أميالي أو ثمانية.","vol":"2","page":447},{"text":"وكذلك رويَ عن عائشةَ بنتِ سعد، أنَّ أباها كانَ يفعل.\n* * *\n[قال البخاري]: بَابُ: المشي إلى الجُمُعةِ:\nوقولِ اللَّهِ ﷿: (فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ) .\nومَنْ قالَ: السعيُ العملُ والذَّهابُ؛ لقولِهِ: (وسَعَى لَهَا سَعْيَهَا) .\nوقالَ ابنُ عباسٍ: يحرمُ البيعُ حينئذٍ.\nوقالَ عطاءٌ: تحرُمُ الصناعاتُ كلُّها.\nوقالَ إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عنِ الزهري: إذا أذن الموذن يومَ الجمعةِ وهوَ\nمسافر، فعليهِ أن يشهدَ.\nاشتملَ كلامُه - هاهنا - على مسائلَ:\nإحدَاها: المشيُ إلى الجمعة، وله فضل.\nوفي حديثِ أوسِ بنِ أوسٍ، عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"من بكَر وابتكرَ، وغسَّل واغتسلَ، ومشَى ولم يركبْ \". وقد سبقَ.\nوفي حديثِ اختصامِ الملأ الأعْلَى: \"إنهم يختصمونَ في الكفاراتِ والدرجاتِ.\nوالكفاراتُ إسباغُ الوضوءِ في الكريهاتِ، والمشيُ على الأقدام إلى الجمُعاتِ \".\nوقد خرَّجَه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ من حديث معاذٍ.","vol":"2","page":448},{"text":"وله طرقٌ كثيرةٌ، ذكرتُها مستوفاةً في \"شرح الترمذيّ \".\nوروى ابنُ أبي شيبة بإسنادِ فيه انقطاعٌ، أن عبدَ اللَّهِ بنَ رواحةَ كان يأتي\nالجمعةَ ماشيًا، فإذا رجعَ رجعَ كيف شاءَ ماشيًا، وإن شاء راكبًا.\nوفي روايةِ: وكان بين منزِله وبين الجمعةِ ميلانِ.\nوعن أبي هريرةَ، أنه كان يأتي الجمعةَ من ذي الحليفة ماشيًا.\nوذكر ابنُ سعد في \"طبقاته \" بإسناده، عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه كتب\nينهَى أن يركبَ أحد إلى الجمعةِ والعيدينِ.\nوقال النخعيّ: لا يُركبُ إلى الجمعةِ.\nالمسألةُ الثانيةُ: أنه يستحمبّ المشيُ بالسكينةِ مع مقاربةِ الخُطَا، كما في سائرِ\nالصلواتِ، على ما سبق ذكرُه في موضعه.\nفأما قولُ اللَّهِ ﷿: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)، فقد حملَه قومٌ من المتقدمين على ظاهره، وأنكرَ ذلك عليهم\nالصحابةُ.\nفروى البيهقيُّ من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ الصامتِ، قال: خرجتُ إلى\nالمسجدِ يومَ الجمعةِ، فلقيتُ أبا ذرٍّ، فبينا أنا أمشي إذ سمعتُ النداءَ، فرفعتُ\nفي المشي؛ لقولِ اللَّهِ ﷿: (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ)، فجذبني جذبةً كدت أن ألاقيَه، ثم قال: أو لسْنَا في سعي؟","vol":"2","page":449},{"text":"فقد أنكرَ أبو ذرٍّ مَن فسر السعي بشدةِ الجري والعدْوِ، وبينَ أنَّ المشيَ إليها\nسعيٌ؛ لأنه عمل، والعملُ يُسمَّى سعيًا، كما قالَ تعالى: (إِنَّ سَعْيكُمْ لَشَتَّى)\nوقال: (وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا)، ومثلُ هذا كثيرٌ\nفي القرآن.\nوبهذا فسَّرَ السعيَ في هذه الآية التابعونَ فمن بعدَهم، منهم: عطاءٌ.\nومجاهدٌ، وعكرمةُ، وقتادةُ، ومحمدُ بنُ كعبٍ، وزيدُ بنُ أسلمَ، ومالكٌ.\nوالثوريُّ، والشافعي وغيرُهم.\nوروي عن ابنِ عباسٍ - أيضًا - من وجهٍ منقطع.\nومنهم مَن فسَّر السعيَ بالجري والمسابقةِ، لكنه حملَه على سعي القلوبِ\nوالمقاصدِ والنياتِ دون الأقدامِ، هذا قولُ الحسنِ.\nوجمع قتادةُ بين القولينِ - في رواية -، فقال: السعيُ بالقلبِ والعملِ.\nوكان عثمانُ وابنُ مسعود وجماعةٌ من الصحابة يقرءونَها: \"فامضُوا إلى\nذكرِ اللَّهِ \".\nوقال النخعيُّ: لو قرأتُها (فَاسْعَوْا) لسعيتُ حتى يسقط ردائي.\nورُويَ هذا الكلامُ عن ابنِ مسعودٍ من وجهٍ منقطع.\nالمسألةُ الثالثةُ: في تحريمِ البيع وغيرِه مما يشتغلُ به عن السعي بعدَ النداءِ.\nوقد حُكي عن ابنِ عباسٍ تحريم البيع وغيرِه.\nوروى القاضِي إسماعيلُ في كتابه \"أحكام القرآنِ \" من رواية سليمانَ بنِ\nمعاذٍ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قالَ: لا يصلحُ البيعُ يومَ\nالجمعةِ حين ينادَى بالصلاةِ، فإذا قُضِيتِ الصلاةُ فاشترِ وبِعْ.","vol":"2","page":450},{"text":"وبإسنادِهِ: عن ميمونِ بنِ مِهرانَ، قالَ: كانَ بالمدينةِ إذا نوديَ بالصلاةِ من\nيومِ الجمعةِ نادَوْا: حرُمَ البيعُ، حرُمَ البيعُ.\nوعن أيوبَ، قالَ: لأهلِ المدينةِ ساعة، وذلك عندَ خروج الإمامِ.\nيقولون: حرُم البيعُ، حرُم البيعُ.\nوعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه كانَ يمنعُ الناسَ منَ البيع يومَ الجمعةِ إذا\nنودِي بالصلاةِ.\nوعن الحسنِ وعطاء والضحاكِ: تحريمُ البيع إذا زالتِ الشمسُ من يومِ\nالجمعةِ.\nوعن الشعبيِّ، أنه محرَّمٌ، وكذا قالَ مكحولٌ.\nوحكى إسحاقُ بنُ راهويه الإجماعَ على تحريمِ البيع بعدَ النداءِ.\nوحكى القاضي إسماعيلُ، عمَن لم يسمِّه، أن البيعَ مكرُوهٌ، وأنه استدل\nبقوله: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لكُمْ) .\nوردَّ عليه: بأن مَنْ فعل ما وجَب عليه وتركَ ما نُهِي عنه فهو خيرٌ له، كما\nقال تعالى: (وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ) .\nوحُكي القولُ بأن البيعَ مردودٌ عن القاسم بنِ محمدٍ وربيعةَ ومالكٍ.\nورواه ابنُ عيينةَ، عن عبدِ الكريمِ، عن مجاهدٍ أو غيرِه.\nوهو مذهبُ الليثِ والثوريِّ وإسحاقَ وأحمدَ وغيرِهم من فقهاءِ أهلِ\nالحديثِ.\nوخالف فيه أبو حنيفةَ والشافعيُّ وأصحابُهما وعبيدُ اللَّه العنبريُّ، وقالوا:","vol":"2","page":451},{"text":"البيعُ غيرُ مردودٍ؛ لأن النهي عن البيع هنا ليس نهيًا عنه لذاتهِ بل لوقتهِ.\nوالأولون يقولون: النهي يقتضي فسادَ المنهيِّ عنه، سواءٌ كان لذاتِ المنهيِّ\nعنه أو لوقتهِ، كالصومِ يوم العيدِ، والصلاةِ وقتَ النهِي، فكذلك العقودُ.\nوقال الثوريُّ - فيما إذا تصارفا ذهبًا بفضة وقبضا البعضَ، ثم دخل وقتُ\nالنداءِ يوم الجمعةِ -: فإنهما يترادَّان البيعَ.\nوهذا يدلُّ على أن القبضَ عنده شرطٌ لانعقادِ الصرفِ، فلا يتمّ العقدُ إلا\nبه، وهو الصحيحُ عند المحققينَ من أصحابنا - أيضًا.\nوأما ما ذكره عن عطاء، أنه تحرُم الصناعاتُ حينئذ، فإنه يرجع إلى أنه إنَّما\nحرمَ البيعُ لأنه شاغلٌ عن السعي إلى ذكر اللَّه والصلاة، فكل ما قطع عن\nذلك فهو محرمٌ من صناعة أو غيرِها، حتى الأكلُ \"والشربُ والنوم والتحدثُ\nوغيرُ ذلك، وهذا قولُ الشافعيةِ وغيرهم - أيضًا.\nلكن لأصحابنا في بطلانِ غيرِ البيع منَ العقودِ وجهانِ، فإن وقوعها بعد\nالنداءِ نادر، بخلافِ البيع، فإنَّه غالب، فلو لم يبطلْ لأدَى إلى الاشتغالِ عنِ\nالجمعةَ بهِ، فتفوتُ الجمعةُ غالبًا.\nوأكثرُ أصحابِنا حكَوُا الخلافَ في جوازِ ذلك، وفيه نظر؛ فإنه إذا وجبَ\nالسعيُ إلى الجمعة حرُمَ كل ما قطعَ عنه.\nوقد رُويَ عن زيدِ بنِ أسلمَ، قالَ: لم يأمرُهُمُ اللَّهُ أن يذرُوا شيئًا غيرَه.\nحرم البيع، ثم أذنَ لهم فيه إذا فرغُوا.\nوهذا ضعيفٌ جدًّا، فإن البيعَ إنما خُصَّ بالذكرِ لأنَّه أكثرُ ما يقغ حينئذ مما\nيُلهي عن السعي، فيشارِكُه في المعنى كلُّ شاغل.","vol":"2","page":452},{"text":"واستدل بعضُ أصحابنا على جوازِ غيرِ البيع منَ العقود بالصدقةِ، وقال:\nقد أمرَ بها النبي - ﷺ - وهو يخطبُ.\nوهذا لا يصحُّ؛ فإن الصدقةَ قربةٌ وطاعةٌ، وإذا وقعتْ في المسجدِ حيثُ لا\nيكره السؤالُ فيه فلا وجْهَ لمنعها.\nفإن ألحق بذلكَ عقدُ النكاح في المسجدِ قبلَ خروج الإمامِ كان متوجهًا.\nمع أن بعضَ أصحابِنا قد خصَّ الخلافَ بالنكاح، وهو ابنُ عقيلٍ.\nوعن أحمدَ روايةٌ: إنه يحرم البيعُ بدخول وقتِ الوجوبِ، وهو زوالُ\nالشمسِ.\nوقد سبقَ مثلُه عن الحسنِ، وعطاءٍ، والضحاكِ، وهو - أيضًا - قولُ\nمسروقٍ، ومسلم بنِ يسارٍ، والثوريِّ، وإسحاقَ.\nوقياسُ قولهم: إنه يجبُ السعيُ بالزوال، ويحرمُ حينئذٍ كلُّ شاغلٍ يشغلُ\nوالجمهورُ: على أنه لا يحرُم بدونِ النداءِ.\nثم الأكثرونَ منهم على أنه النداءُ الثاني الذي بَين يدي الإمامِ؛ لأنه النداءُ\nالذي كان في عهد النبيِّ - ﷺ -، فلا ينصرفُ النداءُ عند إطلاقهِ إلا إليه.\nوفي \"صحيح الإسماعيليِّ \" من حديثِ الزهريِّ، عن السائبِ بنِ يزيدَ.\nقال: كان النداءُ الذي ذكرَ اللَّهُ في القرآن يومَ الجمعةَ إذا خرجَ الإمامُ، وإذَا\nقامتِ الصلاةُ في زمنِ النبيِّ - ﷺ - وأبي بكر وعمرَ.\nوعن أحمدَ روايةٌ: أنه يحرمُ البيعُ ويجبُ السعيُ بالنداء الأولِ.\nوهو قولُ مقاتلِ بنِ حيَّانَ، قالَ: وقد كانَ النداءُ الأولُ قبلَ زوالِ الشمسِ.","vol":"2","page":453},{"text":"ونقله ابنُ منصورٍ، عن إسحاقَ بنِ راهويه صريحًا.\nوعن أحمدَ، أنه قال: أخافُ أن يحرمَ البيعُ، وإن أذن قبل الوقت.\nومجردُ الشروع في الأذانِ يحرمُ به البيعُ عند أصحابِنَا والشافعيةِ؛ لأنه\nصارَ نداءً مشروعًا مسمْونًا من سنةِ الخلفاءِ الراشدين.\nقال أصحابُنا: ولو اقتصر عليه أجزأ، وسقطَ فرضُ الأذانِ.\nوعند أصحابِ الشافعيِّ: يحرمُ البيعُ بمجردِ الشروع في النداءِ الثانِي بين\nيديِ الإمامِ، إذا كانَ قاطعًا عن السعي، فاما إن فعلَه وهو ماشٍ في الطريقِ\nولم يقفْ، أو هو قاعدٌ في المسجد كُره ولم يَحرمْ.\nوهذا بعيدٌ، والتبايعُ في المسجدِ بعدَ الأذانِ يجتمعُ فيه نهيانِ؛ لزمانِهِ\nومكانهِ، فهو أولى بالتحريمِ.\nالمسألةُ الرابعةُ: حكِىَ عن الزهريِّ: أن المسافرَ إذا سمعَ النداءَ للجمعةِ، فعليه أن يشهدَها، وقد سبقَ ذكرُ ذلكَ عنه، وعن النخعيِّ والأوزاعيَ وعن عطاءٍ: أن عليه شهودَها، سمعَ الأذَان أو لم يسمعْه، وأن الجمهورَ على خلافِ ذلكَ.\nوهل للمسافرِ أن يبيعَ ويشتريَ في المصِر بعدَ سماع النداءِ؛ فيه اختلافٌ\nبينَ أصحابِنا، يرجعُ إلى أنَّ من سقطتْ عنه الجمعةُ لعذرٍ، كالمريضِ: هل له\nأن يبيع بعد النداءِ، أم لا؛ فيه روايتانِ عن أحمدَ.\nوأما من ليس مِن أهلِ الجمعةِ بالكلِّية، كالمرأة، فلها البيعُ والشراءُ بغيرِ\nخلافٍ، وكذا العبدُ، إذا قلنا: لا يجبُ عليه الجمعةَ.\n* * *","vol":"2","page":454},{"text":"[قال البخاري]: حدثنا آدمُ: ثنا ابنُ أبي ذئبٍ، عن الزهريِّ، عن\nالسَّائبِ بنِ يزيدَ، قالَ: كانَ النِّداءُ يومَ الجمعةِ أوَّلهُ إذَا جلسَ الإمامُ على\nالمنبرِ، علَى عهدِ رسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وأبي بكرِ وعُمرَ، فلمَّا كانَ عُثمانُ، وكثرُ النَّاسُ، زاد النِّداءَ الثَّالثَ على الزوراءِ.\nقالَ أبو عبدِ اللَّهِ: الزَّورَاءُ: موضع بالسُّوقِ بالمدينةِ.\nالأذانُ يومَ الجمعةِ قد ذكرَه اللَّهُ تعالَى في كتابه، في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ\nآمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكرِ اللَّهِ) .\nوقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبهِ، وإنْ قيل: إن الأذان سنة، وهو الذي ذكره ابنُ أبي موسى من أصحابِنا، وقاله طائفة من الشافعيةِ - أيضًا.\nوقد دلَّ الحديثُ على أن الأذانَ الذي كان على عهدِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - وأبي بكرٍ وعمرَ هو النداءُ الذي بين يديِ الإمامِ عند جلوسهِ على المنبرِ، وهذا لا اختلافَ فيه بين العلماءِ.\nولهذا قال أكثرُهم: إنه هو الأذانُ الذي يَمنع البيعَ، ويوجبُ السعيَ إلى\nالجمعة، حيث لم يكن على عهدِ النبىِّ - ﷺ - سِواه.\nوما ذكره ابنُ عبد البرِّ عن طائفةٍ من أصحابِهم، أن هذا الأذانَ الذي يمنع\nالبيعَ لم يكن على عهدِ النبي - ﷺ - وإنما أحدثه هشامُ بنُ عبدِ الملكِ، فقد بيَّن ابنُ عبدِ البرِّ أن هذا جهل من قائلهِ؛ لعدم معرفته بالسنةِ والآثارِ.\nفإن قال هذا الجاهلُ: إنه لم يكنْ أذانٌ بالكلِّية في الجمعةِ، فقد باهتَ.\nويكذِّبهُ قولُ اللَّه ﷿ (إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا)","vol":"2","page":455},{"text":"وإنْ زعمَ أن الأذانَ الذي كان في عهد النبيِّ - ﷺ - وأبي بكرٍ وعمرَ هو الأذانُ الأولُ الذي قبلَ خروج الإمامِ، فقد أبطلَ، ويكذبه هذا الحديثُ واجتماعُ العلماءِ على ذلكَ.\nوقولُه في هذه الرواية: \"أولُه إذا جلسَ الإمامُ على المنبرِ\"، معناه: أن هذا\nالأذانَ كانَ هو الأولَ، ثم تليه الإقامةُ، وتسُمَّى: أذانًا، كما في الحديثِ\nالمشهورِ: \"بين كلّ أذانينِ صلاة.\nوخرَّجَه النسائي من روايةِ المعتمرِ، عن أبيه، عن الزهريِّ، ولفظُه: كان\nبلالًا يؤذن إذا جلسَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - على المنبرِ يومَ الجمعةِ، فإذا نزلَ أقامَ، ثم كان كذلك في زمنِ أبي بكرٍ وعمرَ، فلما زاد عثمانُ النداءَ الثالثَ صار هذا الثالثُ هو الأولَ، وصار الذي بين يدي الإمامِ هو الثاني.\nوقد خرج أبو داود هذا الحديثَ من طريق ابن إسحاقَ، عنِ الزهريِّ.\nعن السائبِ، قال: كان يؤذَّن بين يديْ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - إذا جلسَ على المنبرِ يومَ الجمعةِ على بابِ المسجدِ، وأبي بكرٍ وعمرَ.\nففي هذه الروايةِ: زيادةٌ: أنَّ هذا الأذانَ لم يكنْ في نفسِ المسجدِ، بل\nعلى بابهِ، بحيث يسمعه مَنْ كان في المسجدِ ومَن كان خارجَ المسجدِ، ليترك\nأهلُ الأسواقِ البيعَ ويسرعُوا إلى السعي إلى المسجدِ.\nوقولُه: \"فلما كان عثمانُ \" - يريد: لما وليَ عثمان - \"وكثر الناسُ في زمنه\nزادَ النداءَ الثالثَ على الزوراءِ\"، وسمَّاه: ثالثًا؛ لأن به صارتِ النداءات","vol":"2","page":456},{"text":"للجمعةِ ثلاثةً، وإنْ كان هو أوَّلها وقوعًا.\nوخرَّجَه ابن ماجةَ، وعنده - بعد قوله: \"على دار في السوقِ، يقال لها:\nالزورَاءُ\" -: \"فإذا خرج أذَنَ، وإذا نَزلَ أقامَ \".\nوهو من روايةِ ابنِ إسحاقَ، عن الزهريِّ.\nوروى الزهريُّ، عن ابنِ المسيبِ: معنَى حديثهِ عن السائبِ بن يزيدَ، غيرَ\nأنه قال: \"فلمَّا كان عثمانُ كثرَ الناسُ، فزاد الأذانَ الأولَ، وأرادَ أن يتهيأ\nالناسُ للجمعةِ\".\nخرَّجَه عبدُ الرزَّاقِ في \"كتابه \" عن معمرٍ، عنه.\nوقد رواه إسماعيلُ بنُ يحيى التميميُّ - وهو ضعيفٌ جدًّا -، عن مِسعَر.\nعن القاسم، عن ابن المسيبِ، عن أبي أيوبَ الأنصاريِّ، قال: ما كان الأذانُ على عهدِ النبيِّ - ﷺ - يوم الجمعة إلا قُدَّامَ النبيّ - ﷺ - وهو على المنبرِ، فإذا نزلَ\nأقامُوا الصلاةَ، فلما ولي عثمانُ أُمرَ أن يؤذَّن على المنارَة ليُسمعَ الناسَ.\nخرَّجَه الإسماعيليُّ في مسند مسعرٍ، وقال في القاسم: هو مجهولٌ.\nقلت: والصحيحُ المرسلُ.\nوقد أنكر عطاءٌ الأذانَ الأولَ، وقال: إنما زادَه الحجاجُ.\nقال: وإنما كانَ عثمانُ يدعو الناسَ دعاءً.\nخرَّجَه عبد الرزاقِ.","vol":"2","page":457},{"text":"وقال عمرُو بنُ دينارٍ: إنما زادَ عثمانُ الأذانَ بالمدينةِ، وأما مكةُ فأوَّل من\nزادَه الحجاجُ.\nقال: ورأيت ابنَ الزبيرِ لا يؤذَّن له حتى يجلسَ على المنبرِ، ولا\nيؤذَّن له إلا أذانٌ واحد يوم الجمعة.\nخرَّجَه عبد الرزَّاقِ - أيضًا.\nوروى مصعبُ بن سلامٍ، عن هشامِ بنِ الغازِ، عن نافع، عن ابن عمرَ.\nقال: إنما كانَ رسول اللَّهِ - ﷺ - إذا قعدَ على المنبرِ أذنَ بلال، فإذا فرغَ النبيُّ - ﷺ - ّ من خطبتهِ أقام الصلاةَ، والأذانُ الأولُ بدعةٌ.\nوروى وكيعٌ في \"كتابه \" عن هشامِ بنِ الغازِ، قال: سألتُ نافعًا عن\nالأذانِ يومِ الجمعةِ؟\nفقال: قال ابنُ عمرَ: بدعة، وكلُّ بدعةٍ ضلالةٌ، وإن رآه الناسُ حسنًا.\nوقال عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ: لم يكن في زمانِ النبيِّ - ﷺ - إلا أذانَانِ: أذانٌ حين يجلسُ على المنبرِ، وأذانٌ حين تُقامُ الصلاةُ. قال: وهذا الأخيرُ شيءٌ أحدثه الناسُ بعدُ.\nخرَّجَهُ ابنُ أبي حاتم.\nوقال سفيانُ الثوريُّ: لا يُؤَذَّن للجمعةِ حتى تزول الشمسُ، وإذا أذنَ المؤذِّن\nقام الإمامُ على المنبرِ فخطبَ، وإذا نزل أقامَ الصلاةَ. قال: والأذان الذي كان على عهدِ رسول اللَّهِ - ﷺ - وأبي بكرٍ وعمرَ أذانٌ وإقامةٌ، وهذا الأذانُ الذي","vol":"2","page":458},{"text":"زادوه محدَثٌ.\nوقال الشافعيُّ - فيما حكاه ابنُ عبدِ البرِّ -: أحبُّ إليَّ أن يكون الأذانُ يومَ\nالجمعةِ حين يجلسُ الإمامُ على المنبرِ بينَ يديهِ، فإذا قعد أخذَ المؤذنُ في\nالأذانِ، فإذا فرغَ قام فخطبَ.\nقال: وكان عطاءٌ ينكرُ أن يكونَ عثمانُ أحدثَ\nالأذانَ الثاني، وقال: إنما أحدثَه معاويةُ.\nقال الشافعيُّ: وأيُّهما كانَ، فالأذانُ الذي كان على عهد النبيِّ - ﷺ -، وهو الذي يُنَهى الناسُ عنده عن البيع.\nولأصحابِهِ في أذانِ الجمعةِ - على قولِهم: الأذانُ سنةٌ - وجهانِ:\nأحدُهما: أنه سنةٌ - أيضًا.\nوالثاني: أنه للجمعةِ خاصةً فرضُ كفاية.\nفعلى هذا: هل تسقطُ الكفايةُ بالأذانِ الأول، أوْ لا تسقطُ إلا بالأذان بين\nيديِ الإمامِ؟ على وجهينِ - أيضًا.\nومنْ أصحابِنا من قال: يسقط الفرضُ بالأذانِ الأول، وفيه نظرٌ واللَّه\nأعلم.\nوقال القاضِي أبو يعلَى: المستحبُّ أن لا يؤذَّن إلا أذانٌ واحدٌ، وهو بعد\nجلوسِ الإمام على المنبرِ، فإن أذِّنَ لها بعدَ الزَّوال وقبلَ جلوسِ الإمامِ جازَ.\nولم يُكْرَه.\nثم ذكرَ حديثَ السائبِ بنِ يزيدَ هذا.\nونقلَ حربٌ، عن إسحاقَ بنِ راهَويه: أن الأذانَ الأول للجمعةِ محدثٌ.\nأحدثه عثمانُ، رأى أنه لا يسمعُه إلا أن يزيدَ في المؤذنين، ليُعلم الأبعدِين","vol":"2","page":459},{"text":"ذلك، فصار سنةً: لأن على الخلفاء النظرَ في مثل ذلك للناسِ.\nوهذا يفهم منه أن ذلك راجغ إلى رأي الإمام، فإن احتاج إليه لكثرةِ الناس\nفعلَه، وإلا فلا حاجةَ إليه.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-320>قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا)</span>\n[قال البخاري]: بابُ الخُطبةِ قائمًا:\nوقالَ أنسٌ: بينَا النَّبيُّ - ﷺ - يخطبُ قائما.\nحديثُ أنسٍ، هو الذي فيه ذكرُ الاستسقاءِ في الجمعةِ، وسيأتي - إن شاء\nاللَّهُ ﷾ - فيما بعد.\nحدثثا عُبيدُ اللَّهِ بنُ عمرَ القواريريُّ: نَا خالدُ بنُ الحارثِ: نَا عُبيدُ اللَّهِ بنُ\nعمرَ، عنْ نافع، عن ابنِ عمرَ، قالَ: كانَ النَبِيُّ - ﷺ - يخطبُ قائمًا، ثم يقعدُ، ثُمَّ يقومُ كمَا يفعلُونَ الآن.\nوفي الخطبةِ قائمًا أحاديثُ أُخَر.\nوخرَّج مسلمٌ من حديثِ سماكِ، عن جابرِ بنِ سمُرةَ، قال: كانَ رسولُ\nاللَّهِ - ﷺ - يخطبُ قائصًا، ثم يجلسُ، ثم يقومُ فيخطبُ قائمًا، فمن نبَّأكَ أنه","vol":"2","page":460},{"text":"كان يخطبُ جالسًا فقد كذبَ، فقد - واللهِ - صليتُ معهُ أكثرَ من ألفَي\nصلاة.\nوخرَّج مسلم بإسنادِه من حديثِ كعبِ بنِ عجرةَ، أنه دخلَ المسجدَ\nوعبدُ الرحمنِ بنُ أمِّ الحكم يخطبُ قاعدًا، فقالَ: انظرُوا الخبيثَ، يخطبُ\nقاعدًا، وقد قالَ اللَّهُ تعالى: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا) .\nوخرجَ ابنُ ماجةَ من حديثِ إبراهيمَ، عن علقمةَ، عن ابنِ مسعودٍ، أنه\nسُئلَ: أكانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يخطبُ قائمًا أو قاعدًا؟\nقال: أمَا تقرأُ: (وَتَرَكُوكَ قَائِمًا)؟\nوهذا إسناد جيدٌ.\nلكن رُوي، عن إبراهيمَ، عن علقمةَ من قولهِ. وعن إبراهيمَ، عن\nعبدِ الله منقطعًا.\nواستدل بهذه الآيةِ على القيامِ في الخطبة جماعة، منهم: ابنُ سيرينَ، وأبو\nعبيدةَ بن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودِ.\nوإنما احتاجوا إلى السؤالِ عن ذلك، لأنه كان في زمن بني أميةَ من يخطبُ\nجالسًا، وقد قيلَ: إن أولَ منَ جلسَ معاويةُ -: قاله الشعبيُّ والحسنُ\nوطاوُس.\nوقال طاوسٌ: الجلوسُ على المنبرِ يومَ الجمعةِ بدعةٌ.","vol":"2","page":461},{"text":"وقال الحسنُ: كان النبي - ﷺ - وأبو بكرِ وعمرُ وعثمانُ يخطبون قيامًا، ثم إن عثمانَ لما رقَّ وكبرَ كان يخطبُ، فيدركُه ما يدركُ الكبيرَ فيستريحُ ولا يتكلَّمُ، ثم يقومُ فيتمُّ خطبتَه.\nخرَّجَه القاضي إسماعيلُ.\nوخرج - أيضًا - من رواية ابنِ جريج، عن عطاءِ، أنه قال؛ أولُ من جعلَ\nفي الخُطْبةِ جلوسًا عثمانُ، حين كبرَ وأخذته الرعدةُ جلس هنيَّةً.\nقيل له: هل كان يخطبُ عمرُ إذا جلسَ؟\nقال: لا أدري.\nوقد روي عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، أنه كان يخطبُ الخطبةَ الأولَى جالسًا.\nويقوم في الثانيةِ.\nخرَّجَه ابنُ سعد.\nوالظنُّ به أنه لم تبلغهُ السنةُ في ذلك، ولو بلغتْه كان أتبع الناسِ لها.\nوقد قيل: إن ذلكَ لم يصح عنه؛ فإن الأثرمَ حكَى: أن الهيثمَ بنَ خارجةَ\nقال لأحمدَ: كان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يجلسُ في خطبته؟\nقال: فظهر منه إنكارٌ لذلك.\nوروايةُ ابنِ سعدٍ له عن الواقدفيَ، وهو لا يعتمدُ.\nوقد رُوي عن ابنِ الزبيرِ - أيضًا - الجلوسُ في الخطبةِ الأولى - أيضًا.\nخرَّجهُ القاضي إسماعيلُ.\nواختلف العلماءُ في الخُطبةِ جالسًا: فمنهم مَن قالَ: لا يصح، وهو قولُ","vol":"2","page":462},{"text":"الشافعيِّ، وحكى روايته عن مالكٍ وأحمدَ.\nوقال ابنُ عبدِ البرِّ: أجمعُوا على أن الخطبةَ لا تكونُ إلا قائمًا لمن قدرَ على\nالقيامِ.\nولعلَّه أراد إجماعهم على استحبابِ ذلك؛ فإن الأكثرينَ على أنها تصحُّ\nمن الجالسِ، مع القدرةِ على القيامِ، مع الكراهةِ.\nوهو قولُ أبي حنيفةَ ومالكٍ، والمشهورُ عن أحمدَ، وعليه أصحابُه، وقولُ إسحاقَ - أيضا.\n* * *\n[قال البخاري]: حدثنا معاويةُ بنُ عمرو: ثنَا زائدةُ، عن حصينٍ، عن\nسالم بنِ أبي الجعدٍ: ثنا جابرُ بنُ عبدِ اللَّهِ، قالَ: بينمَا نحنُ نُصلِّي معَ النبيِّ\n- ﷺ - إذْ أقبلتْ عيرٌ تحملُ طعامًا، فالتفتُوا إليهَا حتَّى ما بقِي مع النبي - ﷺ - إلا اثنا عشرَ رجلًا، فنزلتْ هذه الآية ُ: (وِإذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِليْهًا وَتَرَكُوك قَائِمًا) .\nوخرَّجَه في \"التفسير\"، عن حفصِ بنِ عمرَ، قال: ثنا خالدُ بنُ\nعبدِ اللَّهِ: أبْنَا حصينٌ، عن سالم بنِ أبي الجعدِ - وعن أبي سفيانَ، عن جابرِ\nابنِ عبدِ اللهِ - فذكرَه بمعناه.\nوفي هذه الروايةِ: متابعةُ أبي سفيانَ لسالم بنِ أبي الجعدِ على روايته عن\nجابر، وإنما خرَّج لأبي سفيان متابعةً.\nوقد خرَّجه مسلم بالوجهين - أيضًا.","vol":"2","page":463},{"text":"وفي أكثرِ رواياتهِ: أن النبيَّ - ﷺكانَ يخطبُ يومَ الجمُعَة.\nوفي رواية له: أنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ يخطبُ قائمًا يومَ الجمُعَة - فذكرَه بمعناه.\nوفي روايةٍ له: فلم يبقَ إلا اثنا عشرَ رجلًا، أنا فيهم.\nوفي روايةٍ له - أيضا -: فيهم أبو بكرٍ وعمرُ - - ﵄ -.\nوقولُه في الرواية التي خرجها البخاريُّ: بيْنَا نحنُ نصلِّي معَ النبيِّ - ﷺ - \"\nلم يرِدْ به أنهمُ انفضُّوا عنه في نفسِ الصلاةِ، إنما أرادَ - واللَّهُ أعلمُ - أنهم\nكانوا مجتمعينَ للصلاةِ، فانفضُّوا وتركُوه.\nويدلُّ عليه: حديثُ كعبِ بنِ عجرة، لما قال: انظُروا إلى هذا الخبيثِ\nيخطبُ قاعِدًا، وقد قالَ اللَهُ تعالى: (انفَضوا إِلَيْهَا وَتَرَكوكَ قَائِمًا) .\nوكذلك استدلالُ ابنِ مسعودٍ وخلقٌ من التابعينَ بالآيةِ على القيامِ في\nوروى علي بنُ عاصم هذا الحديثَ عن حصينٍ، فقال فيه: فلم يبقَ معه\nإلا أربعونَ رجلًا، أنا فِيهِمْ.\nخرَّجه الدارقطنيُّ والبيهقي.\nوعليٌّ بنُ عاصم، ليس بالحافظِ، فلا يُقبلُ تفردُه بما يخالفُ الثقاتِ.\nوقد استدلَّ البخاريُّ وخلق من العلماءِ على أن الناسَ إذا نَفروا عن الإمامِ\nوهو يخطبُ للجمعَةِ، وصلَّى الجمُعةَ بمن بَقي، جازَ ذلك، وصحَّت\nجمعتهم.","vol":"2","page":464},{"text":"وهذا يرجع إلى أصل مختلَفٍ فيه، وهو: العددُ الذي تنعقدُ به الجمعةُ؟\nوقد اختُلِفَ في ذلك:\nفقالت طائفةٌ: لا تنعقدُ الجمعةُ بدون أربعينَ رجلًا، رُويَ ذلك عن\nعُبيدِ اللَّهِ بنِ عبد اللَّهِ بنِ عتبةَ وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وهو قول الشافعيِّ\nوأحمدَ - في المشهورِ عنه - وإسحاقَ، ورواية عن مالكٍ.\nوقالت طائفة: تنعقد بخمسينَ، رُويَ عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ - أيضًا -\nوهو روايةٌ عن أحمدَ.\nوقالت طائفة تنعقد بثلاثةٍ، منهم: ابنُ المباركِ والأوزاعيُّ والثوريُّ، وأبو\nثور، ورُوي عن أبي يوسفَ، وحُكيَ روايةً عن أحمدَ.\nوقالت طائفةٌ: تنعقد بأربعةٍ، وهو قول أبي حنيفة وصاحبَيه - في المشهور\nعنهما - والأوزاعيِّ ومالكٍ والثوريّ - في رواية عنهما - والليثِ بنِ سعدٍ.\nوحكي قولًا قديمًا للشافعيِّ، ومنهم مَن حكاه أنها تنعقدُ بثلاثةٍ.\nوقالت طائفةٌ: يعتبر أربعونَ في الأمصارِ وثلاثةٌ في القرى، وحُكيَ روايةً\nعن أحمدَ، صحَّحَها بعضُ المتأخرينَ مِن أصحابهِ.\nوقالت طائفةٌ: تنعقدُ بسبعةٍ، وحُكيَ عن عكرمةَ، وروايةً عن أحمدَ.\nوقالت طائفة: تنعقدُ باثني عشرَ رجلًا، حكيَ عن ربيعةَ.\nوقد قال الزهريُّ: إن مصعبَ بنَ عمير أول ما جمَّعَ بهم بالمدينةِ كانوا اثني\nعشرَ رجلًا.","vol":"2","page":465},{"text":"وتعلَّق بعضُهَم لهذا الحديثِ بحديثِ جابرٍ المخرج في هذا البابِ.\nوقال طائفة: تنعقدُ الجمُعةُ بما تنعقدُ به الجماعةُ، وهو رجلانِ، وهو قولُ\nالحسنِ بنِ صالح وأبي ثورٍ - في روايةٍ - وداودَ، وحُكيَ عن مكحولٍ.\nوتعلَّق القائلونَ بالأربعينَ بحديثِ كعبِ بنِ مالكٍ، أنَّ أولَ جمُعةٍ جمَّع\nبهم أسعدُ بنُ زرارةَ، كانوا أربعينَ، وقد سبقَ ذكرُه في أولِ \"كتابِ الجمُعةِ\".\nوقد ذكرَ القاضي أبو يعلَى وغيرُه وجهَ الاستدلالِ به: أنَّ الجمُعةَ فُرضت\nبمكةَ، وكان بالمدينةِ من المسلمينَ أربعة وأكثرُ ممَّن هاجر إليها وممَّن أسلم بها.\nثم لم يصلُّوا كذلك حتى كملَ العددُ أربعينَ، فدلَّ على أنها لا تجبُ على أقل\nمنهم، ولم يُثبتْ أبو بكرٍ الخلالُ خلافَه عن أحمد في اشتراطِ الأربعينَ.\nقال: وإنما يُحْكَى عن غيرِه، أنه قال بثلاثة، وبأربعةٍ، وبسبعةٍ، ولم يذهبْ\nإلى شيء من ذلك، وهذا الذي قاله الخلالُ هوَ الأظهرُ. واللَّهُ أعلمُ.\nوفي عددِ الجمُعةِ أحاديثُ مرفوعةٌ، لا يصحُّ فيها شيء، فلا معنى\nلذكرِها.\nوإذا تقرَّر هذا الأصلُ، فمَن قالَ: إن الجمُعةَ تنعقدُ باثني عشرَ رجلًا أو\nبدونِهم، فلا إشكالَ عنده في معنى حديثِ جابرٍ؛ فإنه يحملُه على أن النبيَّ\n- ﷺ - صلَّى الجمُعَة بمَن بقي معَه، وصحتْ جمعتُهم.\nومَن قال: لا تصحُّ الجمعةُ بدون أربعينَ، فإنه يشكلُ عليه حديثُ جابرٍ.\nوقد أجاب بعضُهم: بأن الصحيحَ أنهم انفضُّوا وهو في الخطبة.\nقال: فيحتملُ أنهم رجعُوا قبلَ الصلاةِ، أو رجعَ مَن تمَّ به الأربعونَ، فجمًّع بهم.\nقال: والظاهرُ أنهم انفضُّوا ابتداءً سوى اثني عشرَ رجلًا، ثم رجعَ منهم تمامُ","vol":"2","page":466},{"text":"أربعينَ، فجمَّع بهم، وبذلك يُجمعُ بين روايةِ عليِّ بنِ عاصمٍ وسائرِ\nالروايات.\nوهذا الذي قاله بعيدٌ، وروايةُ علي بنِ عاصمٍ غلطٌ محضٌ، لا يُلتفتُ\nإليها.\nوسلكَ طائفة مسلكًا آخرَ، وظاهرُ كلامِ البخاريِّ هاهنا وتبويبه يدل عليه.\nوهو: أن انفضاضهم عن النبيِّ - ﷺ - كان في نفسِ الصلاة، وكان قد افتتحَ بهم الجمُعةَ بالعددِ المعتبرِ، ثم تفرَّقوا في أثناءِ الصلاةِ، فأتمَّ بهم صلاةَ الجمُعةِ\"\nفإنَّ الاستدامَةَ يغتفرُ فيها ما لا يُغتفرُ في الابتداءِ.\nوهذا قولُ جماعةٍ منَ العلماءِ، منهم: أبو حنيفةَ وأصحابهُ والثوريُّ ومالكٌ\nوالشافعيُّ - في القديم - وإسحاقُ، وهو وجهٌ لأصحابِنا.\nوعلى هذا، فمنهم مَن اعتبرَ أن يبقى معه واحدٌ فأكثرُ؛ لأن أصلَ الجماعةِ\nتنعقدُ بذلك، ومنهم مَن شرطَ أن يبقى معه اثنانِ، وهو قولُ الثوريِّ وابن\nالمباركِ، وحكيَ قولًا للشافعيِّ.\nوقال إسحاقُ: إن بَقيَ معه اثنا عشرَ رجلًا جَمَّع بهم وإلا فلا؛ لظاهر\nحديثِ جابرٍ.\nوهو وجه لأصحابِنا.\nولأصحابِنا وجهٌ أخرُ: يتمُّها الإمامُ جمُعةً، ولو بقيَ وحدَه.\nوهذا بعيدٌ جدًّا.\nوفرَّق مالكٌ بينَ أن يكون انفضاضُهم قبلَ تمامِ ركعةٍ فلا تصحُ جمُعتُهم\nويصلُّون ظهرًا، وبينَ أن يكونَ بعد تمامِ ركعةٍ فيتمّونَها جمعةً.","vol":"2","page":467},{"text":"ووافقَه المُزَني، وهو وجهٌ لأصحابِنا.\nوقالَ أبو حنيفةَ: إنِ انفَضوا قبلَ أن يسجدَ في الأولى فلا جمُعةَ لهم، وإنْ\nكان قد سجَدَ فيها سجدةَّ أَتمُّوها جمعةً.\nوقال صاحباه: بل يتمونَها جمعةً بكلّ حالٍ، ولو انفضُّوا عقبَ تكبيرةِ\nالإحرامَ.\nومذهبُ الشافعيّ - في الجديد - وأحمدَ والحسنِ بنِ زيادٍ: أنه لا جمعة\nلهم، حتى يكملَ العددُ في مجموع الصلاةِ.\nقال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ: لم يختلفْ قولُ أحمدَ في ذلك.\nوقد وجدتُ جوابًا آخرَ عن حديثِ جابرِ، وهو: أن النبيَّ - ﷺ - كانَ قد صلَّى بأصحابه الجمُعةَ، ثم خطبَهم فانفضُّوا عنه في خطبِته بعدَ صلاةِ الجمُعةِ، ثم إنَّ النبي - ﷺ - بعدَ ذلكَ قدَّم خطبَة الجمُعَة على صلاتِها.\nفخرج أبو داودَ في \"مراسيلِه \" بإسنادِه، عن مقاتلِ بنِ حيانَ، قال: كان\nرسولُ اللَّهِ - ﷺ - يصلِّي الجمُعَةَ قبل الخطبةِ مثلَ العيدِ، حتَّى إذا كان يومُ جمُعةٍ والنبيُّ - ﷺ - يخطبُ، وقد صلَّى الجمعةَ، فدخلَ رجلٌ، فقالَ: إن دِحيةَ بنَ خليفةَ قد قدمَ بتجارتهِ - وكان دحيةُ إذا قدمَ تلقَّاه أهلُه بالدفافِ -، فخرجَ الناسُ، لم يظنُّوا إلا أنه ليس في تركِ الخطبةِ شيءٌ، فأنزل اللَّهُ ﷿:\n(إَذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا)، فقدَّمَ النبيُّ - ﷺ - الخطبةَ يومَ الجمعةِ، وأخرَ الصلاة.\nوهذا الجوابُ أحسنُ مما قبلَه.","vol":"2","page":468},{"text":"ومن ظنَّ بالصحابةِ أنهم تركوا صلاةَ الجمُعَةِ خلفَ النبيِّ - ﷺ - بعد دخولِهم معه فيها، ثم خرجُوا مِنَ المسجدِ حتى لم يبقَ معه إلا اثنا عشرَ رجلًا، فقد أساءَ بهم الظنَّ، ولم يقعْ ذلك بحمدِ اللَّهِ تعالى.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-321>قوله تعالى: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ)</span>\n[قال البخاري]: بابُ قولِ اللَّهِ ﷿: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ):\nحدثنَا سعيدُ بنُ أبي مريمَ: ثنَا أبُو غسَّانَ: حدَّثنِي أبُو حازمٍ، عنْ سهلِ بنِ\nسعدٍ، قالَ: كانتْ فينَا امرأةٌ تجعلُ على أربعاءَ فِي مزرعَةٍ لهَا سلقًا، فكانتْ\nإذَا كانَ يومُ الجمُعةِ تنزعُ أصولَ السِّلقِ، فتجعلُهُ فِي قدرٍ، ثمَّ تجعلُ عليهِ قبضةً مِن شعير تطحنُها، فتكونُ أصولُ السِّلقِ عرقهُ، وكنَّا ننصرفُ مِن صلاةِ الجمعةِ فنسلِّمُ عليهَا، فتُقرِّبُ ذلكَ الطعامَ إلينَا، فنلعقُهُ، فكنَّا نتمنَّى يومَ الجمُعةِ لطعامِهَا ذلكَ.\nحدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ مسلمةَ: نَا ابنُ أبي حازمٍ، عن أبيهِ، عن سهلِ بنِ\nسعد - بهذَا، وقالَ: مَا كُنَّا نقيلُ ولا نتغدَّى إلا بعدَ الجمعَةِ.\nالمقصودُ من هذا الحديثِ هاهنا: أن الصحابة لم يكونوا يجلسونَ بعدَ صلاةِ\nالجمعةِ في المسجد إلى العصرِ لانتظارِ الصلاةِ - كما ورد في الحديث المرفوع\nأنه يعدلُ عمرةً، وقد خرَّجه البيهقيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ، وقد سبقَ ذكرُه -\n-","vol":"2","page":469},{"text":"وإنما كانوا يخرُجون من المسجدِ ينتشرُون في الأرضِ، فمنهم مَن كان ينصرفُ\nلتجارةٍ، ومنهم مَن كان يزورُ أصحابَه وإخوانَه، وكانوا يجتمعُون على ضيافةِ\nهذه المرأةِ.\nوقد ذهبَ بعضُهم إلى أنَّ الأمرَ بالانتشارِ بعدَ الصلاةِ للاستحبابِ.\nكان عراكُ بنُ مالكٍ إذا خرجَ من المسجدِ يومَ الجمعةِ قالَ: اللهمُّ، أجبتُ\nدعوتَكَ، وقضيتُ فريضتَك، وانتشرتُ كما أمرتني، فارزقني من فضلكِ.\nوأنتَ خيرُ الرازقينَ.\nخرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُه.\nوهذا يدلُّ على أنه رأى قولَه تعالى: (فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ)، أمرًا\nعلى ظاهرهِ.\nوخرجَ - أيضًا - بإسنادهِ، عن عمرانَ بنِ قيسٍ، قال: من باعَ واشترَى يومَ الجمعةِ باركَ اللَّهُ له سبعينَ مرةً.\nقال بعضُ روافيِ: وذلك بعدَ صلاةِ الجمُعَةِ؛ لهذه الآيةِ.\nوذهبَ الأكثرونَ إلى أنه ليس بأمرٍ حقيقةً، وإنما هو إذنٌ وإباحة، حيث\nكان بعدَ النهي عن البيع، فهوَ إطلاق من محظورٍ، فيفيدُ الإباحةَ خاصةً.\nوكذا قالَ عطاءٌ ومجاهدٌ والضحاكُ ومقاتلُ بنُ حيان وابنُ زيدٍ وغيرُهم.\nوروى أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ بنُ جعفرٍ في كتاب \"الشافي \" بإسنادٍ لا يصحُّ.\nعن أنسٍ - مرفوعًا - في قوله تعالى: (فَانتَشِروا فِي الأَرْضِ)، قال: \"ليسَ","vol":"2","page":470},{"text":"بطلبِ دنيا، ولكن عيادةُ مريضٍ، وتشييعُ جنازةٍ، وزيارةُ أخٍ في اللَّه \".\nوفي حديث سهلٍ: دليلٌ على زيارةِ الرجالِ للمرأةِ، وإجابتِهم لدعوتِها.\nوعلى استحبابِ الضيافَةِ يومَ الجمُعَةِ خصوصًا لفقراءِ المسلمينَ، فإطعامُ الفقراءِ فيه حسنٌ مُرغَّبٌ فيه.\nوفيه: أن فرحَ الفقيرِ بوجودِ ما يأكلُ وتمنِّيه لذلك غيرُ قادحٍ في فقرهِ.\nمنافٍ لصَبْرِه، بل ولا لرضاه.\nوفي الحديث ألفاظٌ تُستغرب:\nفـ \"الأربعَاء\": جداولُ الماءِ في الأرض، واحدُها: \"ربيعٌ \".\nوقولُه: \"فيكون أصولُ السِّلقِ عرقَهُ \" - وفي رواية: \"عراقَهُ \" -، وهو بالعين المهملةِ والقافِ، والعِرقُ والعِرَاقُ: اللحمُ.\nوالمعنَى: أن أصولَ السِّلقِ تصيرُ في هذا الطعامِ كاللحم لمَّا يطبخُ باللحم\nالأطعمة.\nورواه بعضُهم: \"غرفه \" - بالغين المعجمة والفاء -، وفسر بـ \"المرقةِ\" فإنها\nتُغرَفُ باليد.\nوهذا بعيدٌ، فإن أصولَ السِّلقِ لا تصير بغرفٍ.\nوقولُه: \"فنلعقُه \" أي: نلحسُه، وهذا يدلُّ على أنه كان قد ثَخنَ.\nوقيل: الفرقُ بين اللحسِ واللعْقِ: أن اللحسَ يختص بالأصبَع، واللعقَ\nيكون بالأصبع وبآلة يلعقُ بها كالملْعَقة.","vol":"2","page":471},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-322>سُورَةُ المُنَافِقُونَ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-323>قوله تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)</span>\nوقد رُوي عن محمدِ بنِ كعبِ القُرظيِّ أنَّه استنبطَ ما في هذا الحديثِ -\nأعني: حديثَ: \"آيةُ المنافقِ ثلاثم - من القرآنِ، فقالَ: مصداقُ ذلك في كتابِ اللَّهِ تعالى: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ) إلى قولِه: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِين لَكَاذِبُونَ) .\nوقالَ تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ)\nإلى قولِه: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧) .\nوقالَ تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ)\nإلى قولِه: (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ) .\nورُوي عن ابن مسعودٍ نحوُ هذا الكلامِ، ثُمَّ تلا قولَه تعالىْ (فَأَعْقَبَهُمْ\nنِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ) الآية.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-324>قوله تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ)</span>\nوقد وردَ في القرآنِ تشبيهُ المنافقينَ بالخُشُبِ المسندةِ فنظرهم فقالَ:","vol":"2","page":472},{"text":"(وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ) .\nفوصفَهُم بحسنِ الأجسامِ وتمامِهَا، وحسنِ المقامِ والفصاحةِ حتَّى وإعجاب\nبه، ومع هذا فبواطِنُهم خرابٌ ومعائنُهم فارغةٌ. فلهذا مثلَهم بالخشبِ المسندةِ\nالتي لا روحَ لها ولا إحساسَ وقلوبُهم مع هذا ضعيفةٌ في غايةِ الضعفِ.\n(يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ) .\nوهكذَا كلُّ مريب يُظْهِرُ خلافَ ما يضمرُ يخافُ من أدْنى شيءٍ ويتحسَّرُ\nعليهِ.\nوأما المؤمنونَ فبعكسِ هذه الصفاتِ حالُهم مستضعفونَ في ظاهرِ أجسامِهم\nوكلامِهم لأنَّهم اشتغلُوا بعمارةِ قلوبهِم وأرواحِهم عن عمارةِ أجسادهم.\nوبواطنُهم قويةٌ ثابتةٌ عامرةٌ فيكابدونَ بها الأعمال الشاقة في طاعةِ اللًّهِ من\nالجهادِ والعباداتِ والعلومِ وغيرِها ممَّا لا يستطيعُ المنافقُ مكابدتَه لضعفِ قلبِهِ.\nلا يخافونَ من ظهورِ ما في قلوبهِم إلا خشيةَ الفتنةِ على نفوسهم وإنَّ\nبواطِنَهُم خيرٌ من ظواهرِهِم وسرهم أصلحُ من علانيتِهِم.\nقال سليمان التيمي: أتَانِي آتٍ فِي مَنَامِي فقالَ: يا سليمانُ إنَّ قُوتَ المؤمنِ\nفي قَلبْهِ \".\nفالمؤمنُ لمَّا اشتغلَ بعمارةِ قلبِهِ عن عمارةِ قالبِهِ استُضْعِفَ ظاهرُهُ\nوربما أُوذي، ولو علمَ الناسُ ما في قلبهِ لما فعلُوا ذلكَ.\nقال عليٌّ - لأصحابه: \"كونوا في النَّاسِ كَالنَحْلِ في الطَّيْرِ يستضعفُهَا ولوْ\nعلمُوا مَا في جَوفهَا مَا فعلُوا\".\nمن قوةِ قلبِ المؤمنِ وثباتهِ على الإيمانِ.\nفالإيمانُ الذي في قلبِهِ مَثَلُه كمثَلِ شجرة طيبةٍ أصلُها ثابتٌ وفرعُها في\nالسماءِ فيعيشُ على الإيمانِ ويموتُ ويُبعثُ عليهِ، وإنَّما الرياحُ وهي بلايا","vol":"2","page":473},{"text":"الدُّنيا تقلِّبُ جسْمَهُ يمنةً ويسرةً، وكذلك قلبُهُ لا تصِلُ إليه الرياحُ لأنَّه\nمحروسٌ بزبرِ الإيمانِ.\nوالكافرُ والمنافقُ والفاجرُ بعكسِ ذلكَ: جسمُه قويٌّ لا تقلبُّه رياحُ الدنيا.\nوأما قلبُه فإنَه ضعيفٌ تلاعبُ به الأهواءُ المضِلَّةُ فتقلبُه يمنةً ويسرةً، فكذلكَ\nكانَ مَثَلُ قلبهِ كشجرةٍ خبيثةٍ اجتثتْ من فوقِ الأرضِ ما لها من قرارٍ، كَما\nشجرةُ الحنضلِ ونحوهِ مما ليسَ له أصلٌ ثابتٌ في الأرضِ.\nوقال عليٌّ - ﵁ - في صفةِ الهمج الرعاع: \"أتباعُ كلِّ ناعقٍ يميلونَ مَعَ كل ريح لمْ يستضيئُوا بنورِ العلْم ولم يلجأوا إلى رُكن وثيقٍ \".\nبهذا يظهرُ الجمعُ بين حديثِ تمثيل المؤُمِنِ بالنَّخَّلَةِ.\nفإن التمثيلَ بالزرع لجسدِهِ لتوالى البلاءِ عليه.\nوالتمثيلُ بالنخلةِ لإيمانهِ وعملِهِ وقولِهِ.\nيدلُّ عليه قولُه ﷿: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ) .\nفجعلها مثلًا لكلمةِ الشهادتينِ التي هي أصلُ الإسلامِ في قلبِ المؤمنِ.\nكثبوتِ أصلِ النخلةِ في الأرضِ، وارتفاع عملِ المؤمنِ إلى السماءِ كارتفاع\nالنخلةِ، وتجددِ عملِ المؤمنِ كإتيانِ النخلةِ أكلَها كلَّ حينٍ.\nوقد رُوي عن أبي هريرة - ﵁ -: \"إن المؤمنَ الضَّعيفَ قلبُهُ كزرع والقويَّ مثلُهُ كمثلِ النَّخلةِ\".\nوخرَّجَه البزار وغيره. ولأن ثمرةَ الزرع - وهو السنبلُ -","vol":"2","page":474},{"text":"يستضعفُ ويطمعُْ فيه كل أحدِ لقربِ تناولهِ فيطمعُ الآدمي في الأكلِ منهُ.\nوفي قَطْعِه وسرقتهِ، والبهائمُ في رعيهِ، والطيرُ في الأكلِ منهُ.\nوكذلك المؤمنُ يُستضعفُ فيعادِيه عمومُ النَّاسِ لأنَّ الإسلامَ بدأَ غريبًا ويعودُ\nغريبًا كما بدأ فطوبَى للغرباءِ.\nفعمومُ الخلقِ يستضعفُه ويستغربُه ويؤذيه لغربتهِ بينَهم وأمَّا الكافرُ والمنافقُ\nأو الفاجر الذين كالصنوبرِ فإنَّه لا يُطمعُ فيه فلا الرياحُ تزعزعُ بدنَه ولا يُطمعُ\nفي تناوله ثمرتهِ لامتناعِها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-325>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)</span>\nفكثرةُ العيالِ مما يوجبُ تعلقَ القلبِ بهم، فيُشغِلُ ذلك عن محبَّتهِ وخدمتهِ\nللَّهِ، وقد قالَ اللَّهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩) .\nقالَ أبو حازمٍ: كلُّ ما شغلَكَ عنِ اللهِ من مالٍ أو ولدٍ فهو عليك شؤم.\n* * *","vol":"2","page":475},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-326>سُورَةُ التَّغَابُنِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-327>قوله تعالى: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ)</span>\nقال اللَهُ ﷿: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) .\nقال علقمةُ: هي المصيبةُ تصيبُ الرَّجلَ، فيعلمُ أنَّها من عندِ اللَّهِ.\nفيسلِّمُ لها ويَرضَى.\nوخرَّج الترمذيُّ من حديثِ أنسٍ عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"إن اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم، فمن رَضِي، فله الرِّضَا، ومن سَخط فله السَّخَطُ \"، وكانَ النبيّ - ﷺ - يقول في دعائهِ:\n\"أسالكَ الرضَا بعدَ القضاء\".\nوممَّا يدعو المؤمنَ إلى الرِّضا بالقضاء تحقيقُ إيمانهِ بمعنى قول النبي - ﷺ -:\n\"لا يقضي اللَهُ للمؤمنِ قضاءً إلا كانَ خيرًا له: إن أصابتْهُ سرَّاءُ شكر، فكان خيرًا له، وإنْ أصابتْهُ ضراءُ صبرَ، فكان خير، له، وليسَ ذلك إلا للمؤمنِ \".\nوجاءَ رجل إلى النبي - ﷺ -، فسألَه أن يُوصيه وصيةً جامعةً موجَزةً، فقال:","vol":"2","page":476},{"text":"\"لا تتَّهِم اللَّهَ في قضائهِ \"\nقالَ أبو الدرداءِ: إنَّ اللَّه إذا قضى قضاءً أحبَّ أن يُرضى به.\nوقال ابنُ مسعودٍ: إنَّ اللَّهَ بقسطه وعدلهِ جعلَ الرَّوحَ والفرحَ في اليقينِ والرِّضَا، وجعلَ الهمَّ والحزنَ في الشكًّ والسَّخَطِ؛ فالرَّاضي لا يتمنَّى غيرَ ما هو عليه من شدَّة ورخاءٍ.\nكذا رُوِيَ عَنْ عمر وابنِ مسعود وغيرِهما.\nوقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ:\nأصبحتُ ومالي سرورٌ إلا في مواضع القضاءِ والقدرِ.\nفمن وصلَ إلى هذه الدرجةِ، كان عيشُه كلُّه في نعيم وسرورٍ، قالَ\nتعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) .\nقال بعضُ السَّلَفِ: الحياةُ الطيبةُ: هي الرِّضا والقناعةُ.\nوقال عبدُ الواحدِ بنُ زيد: الرِّضا بابُ اللَّهِ الأعظم وجنةُ الدُّنيا ومستراحُ العابدين.\nوأهلُ الرِّضا تارةً يلاحظون حكمةَ المبتلي وخيرتَه لعبدهِ في البلاءِ، وأنَّه\nغيرُ متّهم في قضائهِ، وتارةً يُلاحظون ثوابَ الرِّضا بالقضاءِ، فيُنسيهم ألمَ\nالمقضي به، وتارةً يُلاحظون عظمةَ المبتلي وجلالَه وكمالَه، فيستغرقُونَ في\nمشاهدةِ ذلك، حتَّى لا يشعرُونَ بالألم، وهذا يصلُ إليه خواص أهل المعرفة\nوالمحبَّةِ، حتَّى ربَّما تلذَّذوا بما أصابَهم لملاحظتهم صدُوره عن حبيبهم، كما\nقالَ بعضُهم: أوجدَهم في عذابهِ عذوبةً.\nوسُئلَ بعضُ التابعينَ عن حاله في مرضهِ، فقالَ: أحبُّه إليَّ.\nوسُئلَ السريُّ: هل يجدُ المحبُّ ألمَ البلاءِ؟\nفقالَ: لا. وقال بعضُهم:","vol":"2","page":477},{"text":"عذابُه فيكَ عَذْبُ. . . وبُعدُهُ فيكَ قُرْبُ\nوأنْتَ عِندي كرُوحي. . . بل أنْتَ مِنها أَحَبُّ\nحسْبي مِنَ الحُبِّ. . . أنِّي لِمَا تُحِبُّ أُحِبُّ\n* * *","vol":"2","page":478},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-328>سُورَةُ الطَّلاقِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-329>قوله تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)</span>\nوأمَّا حدودُ اللَّهِ التي نَهى عَن اعتدائِها، فالمرادُ بها جُملةُ ما أَذِنَ في فعلهِ.\nسواء كانَ على طريقِ الوجوبِ، أو الندْبِ، أو الإباحةِ، واعتداؤُها: هو\nتجاوزُ ذلك إلى ارتكابِ ما نَهى عنه، كما قالَ تعالى: (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)، والمرادُ: مَنْ طلَّقَ على غيرِ ما أمرَ اللَّه\nبه وأذنَ فيه، وقال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) .\nوالمراد: مَنْ أمسَكَ بَعدَ أَنْ طَلَّق بغيرِ معروفٍ، أو سرَّح بغيرِ إحسانٍ، أو أخَذَ ممَّا أعْطَى المرأةَ شيئًا على غيرِ وجهِ الفديةِ التي أذِنَ اللَّهُ فيها.\nوقالَ تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِع اللَّهَ وَرَسُولَهُ يدْخِلْهُ جَنَّاتٍ)\nإلى قوله: (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤) .\nوالمرادُ: مَنْ تجاوزَ مَا فرضَه اللَّهُ للورثةِ، ففضَّلَ وارثًا، وزاد على حقهِ، أو\nنقصَه منه، ولهذا قال النبي - ﷺ - في خُطبته في حجَّة الوَداع: \"إنَّ اللَّه قد أعْطَى كل ذي حَق حَقَّه فلا وصيةَ لوارث \".","vol":"2","page":479},{"text":"وروى النَّوَّاسُ بنُ سمعانَ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"ضرب اللَّه مثلًا صراطًا مستقيمًا، وعلى جنبتيِّ الصّراطِ سُورَانِ فيهما أبوابٌ مُفتحةٌ وعلى الأبوابِ ستورٌ\nمرخاق وعلى بابِ الصّراطِ داع يقول: يا أيُّها الناسُ، ادخُلوا الصّراطَ جميعًا، ولا تُعرِّجوا.\nوداعٍ يدعو من جوفِ الصّراط، فإذا أراد أن يفتحَ شيئا من تلك الأبوابِ، قال: وَيحكَ لا تفتحه، فإنَّك إنْ تفتحْه تلجْه، والصِّراطُ: الإسلامُ، والسُّورانِ: حدودُ اللَّه، والأبوابُ المفتَّحةُ: محارمُ الله، وذلك الداعي على رأس الصِّراطِ: كتابُ اللَّهِ، والدَّاعي من فوقُ: واعظُ اللَّهِ في قلبِ كلِّ مسلمٍ \" خرَّجه الإمامُ أحمدَ، وهذا لفظُه.\nوالنسائيُّ في \"تفسيرِه \"، والترمذيُّ وحسَّنه.\nفضربَ النبي - ﷺ - مثلَ الإسلامِ في هذا الحديثِ بصراطٍ مستقيم، وهو الطريقُ السَّهلُ، الواسعُ، الموصلُ سالكَه إلى مطلوبهِ، وهو - مع هذا - مستقيمٌ، لا عوجَ فيه، فيقتضي ذلك قربَه وسهولَته، وعلى جنبتي الصِّراطِ يَمْنةً ويسرَةً سُورَانِ، وهما حدودُ اللَّه، فكما أنَّ السَّورَ يمنع مَنْ كان داخله مِنْ تعدِّيه ومجاوزتهِ، فكذلك الإسلامُ يمنع من دخلَه من الخُروج عن حدودهِ\nومجاوزتِها، وليس وراءَ ما حدَّ اللَهُ من المأذونِ فيه إلا ما نَهى عنه، ولهذا\nمدحَ سبحانَه الحافظينَ لحدودِه، وذمَّ من لا يعرفُ حَدَّ الحلالِ من الحرامِ، كمَا قالَ تعالى: (الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ) .\nوقد تقدَّم حديثُ القرآنِ وأنَه يقولُ لمن عَمِل به: حَفِظَ\nحدودِي، ولمن لمْ يعملْ به: تعدَّى حدودِي.\nوالمرادُ: أنَّ مَنْ لم يُجاوز ما أُذِنَ له فيه إلى ما نُهِي عنه فقد حفِظَ حدودَ","vol":"2","page":480},{"text":"اللَّه، ومن تعدَّى ذلك فقد تعدَّى حدودَ اللَّهِ.\nوقد تُطلقُ الحدودُ، ويُرادُ بها نفسُ المحارمِ، وحينئذٍ فيقال: لا تقربُوا\nحدودَ اللهِ، كما قال تعالى: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا) .\nوالمرادُ: النَّهيّ عن ارتكابِ ما نهى عنه في الآيةِ من محظوراتِ الصِّيامِ\nوالاعتكافِ في المساجدِ، ومن هذا المعنى - وهو تسميةُ المحارمِ حدودًا - قولُ النبي - ﷺ -:\n\"مَثَلُ القائم على حدودِ اللَّهِ والمُدْهِنِ فيها، كمثلِ قوم اقتسموا سفينةً\"\nالحديثُ المشهور، وأراد بالقائم على حدود اللَّه: المنكرُ للمحرَّمات والناهي\nعنها.\nوفي حديثِ ابنِ عباسٍ عن النبيِّ - ﷺ -، قال:\n\"إنِّي آخِذٌ بحُجزِكُم، أقولُ: اتَّقوا النارَ، اتَقوا الحدودَ\" قالها ثلاثًا.\nخرَّجه الطبراني والبزار.\nوأراد بالحدودِ، محارمَ اللَّهِ ومعاصيهِ، ومنه قولُ الرجلِ الذي قالَ للنبيِّ - ﷺ -: إنِّي أصبتُ حدًّا فأقِمْه عليَّ.\nوقد تُسمى العقوباتُ المقدرةُ الرادعةُ عن المحارمِ المغلظةُ حدودًا، كما يقالُ:\nحدُّ الزني وحدُّ السرقةِ وحدُّ شُربِ الخَمرِ، ومنه قولُ النبيِّ - ﷺ - لأسامةَ:\n\"أتشفعُ في حَدٍّ من حدودِ اللَّهِ؟ \"\nيعني: في القَطع في السَّرقةِ.\nوهذا هو المعروفُ من اسم الحدودِ في اصطلاح الفقهاءِ.","vol":"2","page":481},{"text":"وأمَّا قولُ النبيِّ - ﷺ -:\n\"لا يُجلدُ فوقَ عشرِ جلدات إلا في حَدٍّ مِن حُدودِ اللَّه \"\nفهذا قد اختلف الناسُ في معناه، فمنهم من فسَّر الحدودَ هاهنا بهذه الحدودِ\nالمقدّرةِ، وقال: إنَّ التَّعزيرَ لا يُزادُ على عشرِ جلداتٍ، ولا يُزادُ عليها إلا في هذه الحدودِ المقدَّرةِ، ومنهم من فسَّر الحدودَ هاهنا بجنس محارمِ اللَهِ، وقالَ:\nالمرادُ أن مجاوزةَ العشرِ جلداتٍ لا يجوزُ إلا في ارتكابِ محرمٍ مِنْ محارمِ\nاللَّه، فأمَّا ضربُ التَّأديبِ على غيرِ محرَّمٍ، فلا يتجاوزُ به عشر جَلْدات.\nوقد حملَ بعضُهم قولَه - ﷺ -:\n\"وحدَّ حُدُودًا فلا تعتدوها\"\nعلى هذه العقوباتِ الزَّاجرةِ عَنِ المحرَّماتِ، وقال: المرادُ النَّهيُ عن تجاوُزِ هذه الحدود وتعديها عندَ إقامتِها على أهلِ الجرائم.\nورجَّح ذلك بأنَّه لو كانَ المرادُ بالحدودِ الوقوف عند\nالأوامرِ والنَّواهي، لكانَ تكريرًا لقولهِ:\n\"فرضَ فرائضَ فلا تُضيِّعُوها، وحرَّم أشياءَ، فلاتننهكُوها\"\nوليس الأمرُ على ما قالَه، فإنَّ الوقوفَ عند الحُدودِ يقتضي أنَّه لا\nيخرجُ عمَّا أذِنَ فيه إلى ما نَهى عنه، وذلك أعمُّ من كونِ المأذونِ فيه فرضًا أو\nندبًا أو مباحًا كما تقدَّم، وحينئذٍ فلا تكريرَ في الحديثِ، واللَّهُ أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-330>قوله تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا)</span>\nقال قتادةُ في قوله تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا) . ٢\nقالَ: مِن الكربِ عندَ الموتِ، ومن أفزاع يوم القيامةِ.\nوقال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ - ﵄ - في هذه الآيةِ: ننجيه من كلِ","vol":"2","page":482},{"text":"كربٍ في الدُّنيا والآخرةِ.\nوقال زيدُ بنُ أسلمَ في قولهِ تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَ اسْتَقَامُوا)\nقال: يُبشرُ في ذلك عند موتهِ، وفي قبرهِ ويومَ البعثِ، فإنه لفي\nالجنةِ، وما ذهبت فرحةُ البشارةِ من قلبه.\nوقال ثابتٌ البناني في هذه الآية: بلغنا أنَّ المؤمنَ حينَ يبعثُه اللَّهُ من قبرهِ\nيتلَقاه ملكَاه اللذانِ كانا معه في الدُّنيا فيقولان له: لا تخف ولا تحزنْ، فيؤمِّنُ\nاللَّهُ خوفَه ويقر عينَه، فما من عظمةٍ تغشى الناسَ يومَ القيامةِ إلا وهي\nللمؤمنِ قرةُ عينٍ، لما هداه الله ولما كانَ يعملُ في الدنيا.\nخرَّج ذلك كلَّه ابنُ أبي حاتم وغيرهِ.\nوأمَّا من لم يتعرف إلى اللَّهِ في الرخاءِ، فليسَ له أنْ يعرفَه في الشدةِ لا\nفي الدَّنيا ولا في الآخِرة.\nوشواهدُ هذا مشاهدةُ حالِهم في الدُّنيا، وحالهُم في الآخرة أشدُّ، وما لهم\nمن وليٍّ ولا نصير.\n* * *\nقال اللَّهُ ﷿: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ.\nوقد قرأ النبي - ﷺ - هذه - الآيةَ على أبي ذَرٍّ، وقالَ له: \"لو أن الناسَ كُلَّهم أَخَذوا بها لكفَتهم \".\nيعني: لو أنَّهم لو حقَّقوا التَّقوى والتوكلَ لاكتَفَوا بذلك في مصالح دينهِم\nودنياهُم.","vol":"2","page":483},{"text":"قال بعضُ السلف: بِحَسبِكَ من التوسلِ إليه أن يعلَمَ من قلبكِ حُسنَ\nتوكُّلك عليه، فكَمْ من عبدٍ من عبادِه قد فَوَّضَ إليه أمرَه فكفاه منه ما أهمَّه.\nثمَّ قرأ: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) .\nوحقيقةُ التوكُّلِ: هو صدقُ اعتمادِ القلبِ على اللَّهِ ﷿ في استجلابِ\nالمصالح، ودفع المضارِّ من أمور الدنيا والآخرةِ كُلِّها، وكلَةُ الأمورِ كُلِّها إليه، وتحقيقُ الإيمانِ بأنه لا يُعطي ولا يمنعُ ولا يضرُّ ولا ينفعُ سِواه.\nقال سعيدُ بنُ جُبير: التوكُّلُ جماعُ الإيمانِ.\nوقال وهبُ بنُ مُنبه: الغايةُ القُصوى التوكلُ.\nقالَ الحسنُ: إن توكُّلَ العبدِ على ربِّه: أنْ يعلمَ أنَّ اللَّه هو ثقتُه.\nوفي حديث ابن عباس عن النبيِّ - ﷺ -، قال:\n\"مَنْ سرةَ أن يكونَ أقوى النَّاسِ فليتوكل على اللَّهَ \".\nورُوي عنه - ﷺ - أنَّه كانَ يقولُ في دعائهِ:\n\"اللهمَّ إنِّي أسالُك صدْقَ التوكُّل عليك \"، وأنّه كان يقولُ:\n\"اللهمَّ اجعلني مِمَّنْ توكَلَ عليك فكفيْتَه \" َ.\nواعلمْ أنَّ تحقيقَ التوكلِ لا يُنافي السَّعي في الأسباب التي قَدَّر اللَّهُ سبحانَه\nالمقدوراتِ بها، وجرت سُنَّته في خَلْقهِ بذلك، فإن اللهَ تعالى أمرَ بتعاطي\nالأسباب مع أمرهِ بالتوكُلِ، فالسَّعيُ في الأسبابِ بالجوارح طاعة له، والتوكل بالقلبِ عليه إيمان به، قال الله تعالى: (يَا أَيهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكمْ)","vol":"2","page":484},{"text":"وقال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ) .\nوقال: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)\nقالَ سهل التُّستري: مَنْ طعنَ في الحركةِ - يَعْني: في السعيِّ والكَسْبِ -\nفقد طعنَ في السّنَة، ومن طَعَنَ في التوكُّلِ فقد طَعَنَ في الإيمانِ.\nفالتوكُلُ حالُ النبي - ﷺ -، والكَسْبُ سنّته، فمن عَمِلَ على حالهِ، فلا يَتْرُكَنَّ سنتَه.\n* * *","vol":"2","page":485},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-331>سُورَةُ التَّحْرِيمِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-332>قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)</span>\nروى شريكٌ، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ -، قال:\n\"أوتِدَ على النَّارِ ألفُ سنة حتَّى ابيضتْ، ثم أوقِدَ عليها ألفُ سنة حتَّى احمرَّتْ، ثمَّ أوقِد عليها ألفُ سنة حتَّى اسودتْ، فهي سوداءُ كالليلِ المُظلم \"\nخرَّجَه ابنُ ماجه والترمذيُّ وقال: حديثُ أبي هريرةَ في هذا موقوف أصح، ولا أعلمُ أحدًا رفَعه غيرُ يحيى بنِ أبي كثيرٍ عن شريكٍ.\nوروى معنٌ، عن مالك، عن أبي سهيل، عن أبي هريرةَ، عن النبي - ﷺ - قالَ:\n\"أترونَها حمراءَ كنارِكم هذه لهى أشدُّ سوادًا من القارِ\"\nخرَّجه البيهقيّ، وخرَّجه البزارُ ولفظُه:\n\"لهي أشدُّ من دخانِ نارِكُم هذه سبعينَ ضعفا\"\nورُوي موقوفًا على أبي هريرة وهو أصحُّ، قالَه الدارقطنيُّ.\nوقالَ الجوزجَانيُّ: حدثنا عبيدُ اللَّه الحنفي، حدثنا فَرْقَدُ بنُ الحجاج.\nسمعتُ عقبةَ اليماني يقول: سمعتُ أبا هريرةَ يقول: قال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"إنَّ نَارَ جهنمَ أشدُّ حرًا من نارِكم هذه بتسعة وتسعينَ جزءًا، وهي سوداءُ مظلمةٌ لا ضوءَ لها، لهي أشد سوادًا من القطرانِ \" غريبٌ جدًّا.","vol":"2","page":486},{"text":"وروى الكُديمي عن سهلِ بنِ حمادٍ، عن مباركِ بنِ فضالةَ، عن ثابتٍ، عن\nأنسٍ قال: تلا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - (نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) قال:\n\" أوقِدَ عليها ألفُ عامٍ حتَى ابيضتْ، ثمَّ أوقِدَ عليها ألفُ عامٍ حتَى احمرت، ثم أوقدَ عليها ألفُ عامٍ حتَى اسودَّت، فهي سوداءُ لا يضيءُ لهبُها\"\nخرَّجه البيهقيُّ َ، والكُديميّ ليس بحجةٍ.\nوخرَّج البزار من حديثِ زائدةَ بنِ أبي الرقادِ عن زيادٍ النميريِّ، عن\nأنسٍ، عن النبيّ - ﷺ - أنَّه ذكر نارَكم هذه فقالَ:\n\"إنها لجزءٌ من سبعينَ جزءًا من نارِ جهنم، وما وصلتْ إليكُم - حتَّى أحسبه قال -: حتَى نُضحتْ بالماءِ مرتينِ لتضيءَ لكُم، ونارُ جهنمَ سوداءُ مظلمةٌ\".\nوفي حديثِ عديِّ بن عدي عن عُمَرَ مرفوعًا ذكرَ الإيقادَ عليها ثلاثةَ آلافِ\nعامٍ أيضًا، وقال: \"فهي سوداءُ مظلمةٌ لا يضئُ جمرُها ولا لهبُها\"\nخرَّجه ابنُ أبي الدنيا والطبرانيُّ، وقد سبقَ إسنادُه والكلامُ عليه.\nورَوى ابنُ أبي الدُّنيا من طريقِ الحكم بنِ ظهيرٍ - وهو ضعيف -، عن\nعاصم، عن زرٍ، عن عبدِ اللَّهِ (وإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ) قال:\nسُعّرَت ألفَ سنةٍ حتِّى ابيضت، ثُمَّ ألفَ سنةٍ حتى احمرت، ثمَّ ألفَ سنةٍ\nحتى اسودت، فهي سوداءُ مظلمةٌ.\nالحكمُ بنُ ظهيرٍ ضعيفٌ، والصحيحُ روايةُ عاصم عن أبي هريرةَ كما سبق.\nوروى الأعمشُ، عن أبي ظبيانَ، عن سلمانَ، قال: النَّارُ سوداءَ مظلمةٌ لا\nيُطفأُ جمرُها ولا يضيءُ لهبُها، ثمَّ قرأَ: (وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) .","vol":"2","page":487},{"text":"خرَّجه البيهقي من طريقِ أحمد بنِ عبدِ الجبارِ، عن أبي معاويةَ، عن الأعمشِ\nمرفوعًا وقال: رفْعُه ضعيفٌ.\nوقالَ أبو جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيع بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةَ، عن أُبيِّ بنِ\nكعبٍ: ضَرَبَ اللَّهُ مثلًا للكافرينَ قال: (أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ) .\nفهو يتقلبُ في خمسٍ من الظلم: كلامُه ظلمةٌ، وعملُه ظلمةٌ، ومدخلُه\nظلمة، ومخرجُه ظلمةٌ، ومسيرُه إلى الظلماتِ إلى النَارِ.\nوقال أيضًا أبو جعفرٍ، عن الربيع بنِ أنسٍ: إنَّ اللهَ جعلَ هذه النَّار - يعني\nنارَ الدُّنيا - نُورًا وضياءً ومتاعًا لأهلِ الأرضِ، وإنَّ النَارَ الكُبْرى سوداءُ مظلمة مثلُ القيرِ - نعوذُ باللَّهِ منها.\nوعن الضحاكِ قالَ: جهنمُ سوداءُ وماؤُها أسودُ وشجرُها أسودُ وأهلُها\nسود.\nوقد دلَّ على سوادِ أهلِها قولُه تعالى: (كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧) .\nوقولُه تعالى: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) الآية.\nوقد ثبتَ في الأحاديثِ الصحيحةِ أنَّ مِن عصاةِ الموحدينَ مَنْ يحترقُ في\nالنارِ حتَّى يصيرَ فحمًا.\n* * *\nوقدْ وصفَ اللَّهُ الملائكةَ الذينَ على النَّارِ بالغلظِ والشدةِ قالَ اللَّهُ تعالى:\n(عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) .","vol":"2","page":488},{"text":"وروى أبو نُعيمٍ بإسناده عن كعبٍ، قالَ: إنَّ الخازنَ من خُزَّانِ جهنمَ مسيرةُ\nما بينَ مَنْكِبيه سنةٌ؛ وإنًّ معَ كل واحدٍ منهم لعمودٌ له شعبتانِ من حديدٍ.\nيدفعُ به الدفعة فيكبُّ به في النارِ سبعمائةَ ألفٍ.\nوروى عبدُ اللَّهِ بنُ الإمامِ أحمدَ بإسنادهِ عن أبي عمرانَ الجونيِّ قالَ: بلغنا\nأنَّ الملَكَ مِن خزنةِ جهنمَ ما بين مَنكِبَيه مسيرةُ خريفٍ، فيضربُ الرجلَ من\nأهلِ النارِ الضربةَ فيتركُه طحينًا من لدن قرنهِ إلى قدمهِ.\nوفي روايةٍ أخرى له قالَ: بلغنا أنَّ خزنةَ النارِ تسعةَ عشرَ ما بينَ مَنكِبي\nأحدِهم مسجرة خريفٍ؛ وليسَ في قلوبهِم رحمةٌ إنَّما خُلقُوا للعذابِ.\nورَوى الجُوَزَجانِيُّ بإسناده عن صالح أبي الخليل قالَ: ليلةَ أُسري بالنبيِّ\n- ﷺ - بَعثَ اللَّهُ إليه نَفرًا مِن الرُّسلِ فتلقَّوه بالفرح والبشرِ. وفي ناحيةِ المسجدِ مصلٍ يصلي لا يلتفتُ إليه؛ فقام إليه، فقال النبي - ﷺ -:\n\"ما منكُم من أحدٍ إلا قد رأيتُ منه البشرَ والفرحَ غيرَ صاحبِ هذه الزاويةِ\" فقالوا: أمَا إنَّه قد فرحَ بك كما فرحْنا. ولكنَّه خازن من خزَّانِ جهنمَ.\nورَوى بكرُ بنُ خنيسٍ، عن عبدِ الملكِ الجسري، عن الحسنِ أنَّ جبريلَ قال\nللنبيِّ - ﷺ -:\n\"لو أن خازنا من خزَّانِ جهنمَ أشرفَ على أهلِ الأرضِ لماتَ أهلُ الأرضِ\nمما يرونَ من تشويه خلقهِ \" مرسل ضعيف.\n* * *","vol":"2","page":489},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-333>سُورَةُ المُلْكِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-334>قوله تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)</span>\nوقال الفضيلُ في قولهِ تعالى: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا)\nقال: أخلصُه وأصوبُه.\nوقالَ: إنَّ العملَ إذا كانَ خالصًا، ولم يكنْ صوابًا، لم يقبلْ.\nوإذا كانَ صوابًا، ولم يكنْ خالصًا، لم يقبلْ حتَّى يكونَ خالصًا\nصوابًا، قالَ: والخالصُ إذا كانَ للَّهِ ﷿، والصَّوابُ إذا كانَ على السُّنَّةِ.\nوقد دلَّ على هذا الذي قاله الفضيلُ قولُ اللَّهِ ﷿: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠) .\nوقالَ بعضُ العارفينَ: إنَّما تفاضَلُوا بالإراداتِ، ولم يتفاضَلُوا بالصَّومِ\nوالصَّلاةِ.\n* * *","vol":"2","page":490},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-335>سُورَةُ القَلَمِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-336>قوله تعالى: (عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)</span>\nوفي \"الصحيحينِ \" عن حارثةَ بنِ وهب، عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"ألا أخبركم بأهلِ الجنةِ: كلّ ضعيفٍ متضعفٍ لو أقسمَ على اللَّهِ لأبرَّة، ألا أخبرُكم بأهلِ النَّارِ كلُّ عتلٍّ جواظٍ مستكبرٍ\".\nو\"العتلُّ \" قال مجاهد وعكرمةُ: هو القوىُّ؛ وقالَ أبو رزينٍ: هو الصحيحُ.\nوقال عطاءُ بن يسارٍ عن وهبٍ الذماريِّ قالَ: تبكى السماءُ والأرضُ من رجلٍ أتمَّ اللَّهُ خلقَه وأرحبَ جوفَه وأعطاه معظمًا من الدُّنيا، ثم يكونُ ظلومًا\nغشُومًا للناسِ، فذلك العتل الزنيمُ.\nوقال إبراهيمُ النخعيُّ: العتلُّ: الفاجرُ، والزنيمُ: اللئيمُ في أخلاقِ الناسِ.\nورَوى شهرُ بنُ حوشب، عن عبدِ الرحمنِ بنِ غنمٍ، أن رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ:\n\"لا يدخلُ الجنةَ جواظٌ ولا جعظريٌّ ولا العتلُّ الزنيمُ \"\nفقال رجل من المسلمين: ما الجواظُ الجعظريُّ، والعتلُ الزنيمُ؟\nفقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"الجواظُ: الذي جمعَ ومنعَ، وأما الجعظريُّ: فالفظُّ الغليظُ، قالَ اللَّهُ تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) .","vol":"2","page":491},{"text":"وأما العتلُ الزنيمُ: فشديدُ الخلقِ رحيبُ الجوفِ مصحح أكولٌ شروبٌ.\nواجدٌ للطعامِ، ظلوم للأنامِ.\nورَوى معاويةُ بنُ صالح، عن كثيرٍ بن الحارثِ عن القاسم مولى معاويةَ.\nقال: سُئلَ رسولُ اللَّه - ﷺ - عن العتل الزنيم قال:\n\"هو الفاحشُ اللئيمُ \".\nوقال معاويةُ: وحدثني عياضُ بنُ عبدِ اللَّه الفهريّ عن موسى بنِ عقبةَ.\nعن النبيِّ - ﷺ - بذلك خرَّجه كلَّه ابنُ أبي حاتم.\nوأمَّا المستكبرُ فهو الذي يتعاطَى الكبرَ على الناسِ والتعاظمَ عليهم، وقد\nقال الله تعالى: (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ) .\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-337>قوله تعالى: (وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)</span>\nورُوي عن أبي سنانَ، عن سعيدِ بنِ جبير، عن ابنِ عباسٍ في قولهِ\nتعالى: (وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)\nقال: نزلتْ في صلاةِ الرجل يسمعُ الأذانَ فلا يجيبُ.\nورُوي عن سعيدِ بنِ جبير من قولِهِ.\n* * *","vol":"2","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-338>سُورَةُ الحَاقَّةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-339>قوله تعالى: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)</span>\nفالأشقياءُ في البرزخ في عيشٍ ضنكٍ، قال اللَّه تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن\nذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا) .\nوقد رُوي عن أبي سعيدٍ الخدري، مرفوعًا وموقوفًا: أن المعيشةَ الضنكَ\nعذابُ القبرِ. يضيقُ عليه قبرُهُ حتى تختلفَ أضلاعُه، ويسلَّط عليه تسعةٌ\nوتسعونَ تنينًا.\nوأمَّا عيشُهم في الآخرة فأضيقُ وأضيقُ فأمَّا من طاب عيشُه بعدَ الموتِ فإنَّ\nطيبَ عيشِهِ لا ينقطع بلْ كلَّما جاء تزايدَ طيبُه.\nولهذا سُئِلَ بعضُهم: منْ أنعمُ الناس؟\nفقال: أجسام في الترابِ قد أَمِنَت العذابَ فانتظرت الثوابَ فهذا في\nالبرزخ في عيشٍ طيبٍ.\nورُئي معروف في المنام بعد موتِهِ وهو ينُشد:\nموتُ التقي حياة لا نفادَ لها. . . قد ماتَ قوم وهم في الناسِ أحياءُ\nوكان إبراهيم بنُ أدهم ينشدُ:\nما أحدٌ أنعم منْ مُفرد. . . في قبرِهِ أعمالُه تؤنسُه\nمنعَّم الجسم وفي روضةٍ. . . زيَّنها اللَهُ فهي مجلسُه","vol":"2","page":493},{"text":"رئي بعضُ الصالحين في المنامِ بعدَ موتِهِ، فقال: نحنُ بحمدِ الله في برزخ\nمحمودٍ، نفترشُ فيه الريحانَ ونوسدُ فيه السندسَ والإستبرقَ إلى يوم النشور.\nرئي بعضُ الموتى في المنامِ فسُئلَ عن حالِ الفُضيل بن عياضٍ، فقال: كُسي\nحلَّةً لا تقومُ لها الدنيا بحواشِيها.\nفأمَّا عيشُ المتقين في الجنَّة فلا يحتاج أنْ يسألَ عن طيبِهِ ولذتِهِ، ويَكْفِي في\nذلك قولُهُ تعالى: (فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) .\nومعنى راضية: أي: عيشة يحصلُ بها الرِّضى.\nوفسَّر ابنُ عباسٍ: هنيئًا: بأنه لا موتَ فيها يُشيرُ إلى أنَّه لم يهنهم العيشُ\nإلا بعد الموتِ والخلودِ فيها.\nقال يزيدُ الرقاشيُ: أمِنَ أهلُ الجنةِ الموتَ فطابَ لهم العيشُ، وأمنُوا من\nالأسقامِ فهنيئًا لهم في جوارِ اللَّه طولُ المقام.\nوقال اللَّه تعالى: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّات وَعُيُونٍ) .\n(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ) إلى آخرها.\nأدنى أهلِ الجنةِ\nمنزلةً من ينظرُ في ملكِهِ وسُررِه وقصورِه مسيرةَ ألفي عام، يرى أقصَاه كما\nيرى أدناه، وأعلاهُم من ينظرُ إلى وجهِ ربِّه بكرةً وعشيا.\nوقال طائفة من السلفِ: إن المؤمن له بابٌ في الجنة من داره إلى دارِ\nالسلامِ، يدخلُ على ربِّه إذا شاء بلا إذنٍ.\nقال أبو سليمان الدارانيُّ: وإذا أتاه رسول من ربِّ العزَّةِ بالتحيةِ والقُطفِ\nفلا يصل إليه حتى يستأذنَ عليه يقول للحاجبِ: استاذنْ لي على وليِّ اللَّه.\nفإني لستُ أصلُ إليه. فيُعلم ذلك الحاجبُ حاجبًا آخر حتى يصلَ إليه فذلك","vol":"2","page":494},{"text":"له تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠) .\nفللهِ ذاك العيشُ بينَ خيامِها. . . وروضاتِها والثغرُ في الروضِ يبسمُ\nولله كَمْ من خِيرةٍ إنْ تبَسَّمتْ. . . أضاءَ لها نور من الفجرِ أعظمُ\nولله واديها الذي هو موعدُ الـ. . . مزيدِ لوفدِ الحبِّ لو كنتَ منهم\nبذيالكَ الوادي يهيمُ صبابةً. . . محبٌّ يرى أنَّ الصبابةَ مغنمُ\nوللَّهِ أفراح المحبين عندَما. . . يخاطبُهم مولاهُم ويُسلِّمُ\nوللَّه أبصار ترى اللَّهَ جهرةً. . . فلا الغيمُ يغشاها ولا هي تسأمُ\nفيا نظرة أهدت إلى القلب نظرةَّ. . . أمِنْ بعدِها يسلو المحب المتيمُ\nفَروحَك قرِّب إن أردتَ وصالَهم. . . فما غلبتْ نظرة تشري بروحِكَ منهمُ\nوأقدِم ولا تقنعْ بعيشٍ منغَّصٍ. . . فما فاز باللَّذاتِ منْ ليس يُقدِمُ\nفصُمْ يومَك الأدْنى لعلَّك في غدٍ. . . تفوزُ بعيدِ الفِطْرِ والنَّاسُ صوًمُ\nفيا بائعًا هذا ببخسٍ معجَّلٍ. . . كأنكَ لا تدري بلى سوف تعلمُ\nفإن كنتَ لا تدري فتلكَ مصيبة. . . وإن كنتَ تدري فالمصيبة أعظم\n* * *\nالصائمون على طبقتين:\nإحداهُما: من ترك طعامَه وشرابَهُ وشهوتَه للَّه تعالى، يرجو عنده عوض\nذلك في الجنةِ، فهذا قد تاجَرَ مع اللَّه وعامَلَهُ، واللَّهُ تعالى لا يُضيع أجْرَ من\nأحسن عملًا، ولا يخيبُ معه من عامَلَهُ، بل يربحُ عليه أعظمَ الرِّبح، وقال\nرسولُ اللَّه - ﷺ - لرجلٍ:\n\"إنَّك لن تدعَ شيئا اتَّقاءَ اللَّه إلا آتاك اللَّهُ خيزا منه \"\nخرَّجه الإمامُ أحمد، فهذا الصَّائمُ يُعطى في الجنة ما شاء اللَّه من طعامٍ وشرابٍ","vol":"2","page":495},{"text":"ونساءٍ، قال اللَّه تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ) . قال مجاهدٌ وغيرُه: نزلَتْ في الصائمين.\nقال يعقوبُ بن يوسُف الحنفيّ: بلغنا أن الله تعالى يقولُ لأوليائهِ يوم\nالقيامة: يا أوليائي طالما نظرْتُ إليكم في الدنيا وقد قلَصَتْ شفاهُكم عن\nالأشربة، وغارت أعينُكم وخفقتْ بطونُكم؛ كونوا اليوم في نعيمكم.\nوتعاطَوا الكأس فيما بينكم، و(كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤) .\nوقال الحسنُ: تقولُ الحوراءُ لولي اللَّه وهو متكئ معها على نهر العَسَلِ\nتُعاطيه الكأسَ: إنَّ الله نظرَ إليك في يومٍ صائفٍ بعيدِ ما بين الطرفين، وأنت\nفي ظمأِ هاجرةٍ من جهدِ العطشِ، فباهَى بك الملائكةَ، وقال: انظروا إلى\nعبدِي ترَكَ زوجتَه وشهوتَه ولذَّته وطعامَه وشرابَه من أجلي، رغبةً فيما\nعندي، اشْهَدُوا أنَى قد غفرتُ لَهُ؛ فغفر لك يومئذٍ وزوجنيكَ.\nوفي \"الصحيحينِ \" عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\" إن في الجنة بابا يقال له: الريَّان، يدخل منه الصائمون، لا يدخلُ منه غيرُهُم \"\nوفي روايةٍ: (فإذا دخلوا أغْلِق \".\nوفي رواية: \"من دخلَ منه شرِبَ، ومن شرِبَ لم يظمأ أبدًا \".\nوفي حديثِ عبد الرحمنَّ ابن سَمُرَةَ، عن النبيِّ - ﷺ - في منامِهِ الطويل، قال:\n\"ورأيتُ رجلًا من أٌمَّتي يَلهَثُ عطشًا، كلَّما ورد حوْضا مُنِعَ منه، فجاءَه صيامُ رمضان، فسقاه وأرواه \"\nخرَّجه الطبراني وغيرُهُ.\nوروى ابن أبي الدنيا بإسنادٍ فيه ضعف، عن أنسٍ مرفوعًا:","vol":"2","page":496},{"text":"\"الصَّائمون يُنفَحُ من أفواهِهم ريحُ المسْكِ، ويوضَعُ لهم مائدة تحتَ العرشِ، يأكلونَ منها والناسُ في الحسابِ \".\nوعن أنسٍ موقوفًا: \"إنَّ للَّه مائدةً لم ترَ مثلَها عينٌ، ولم تسمعْ أذُنٌ، ولا\nخطرَ على قلبِ بشرٍ، لا يقعدُ عليها إلا الصَّائمون \".\nوعن بعضِ السلفِ، قال: بلغنا أنه يوضَعُ للصُّوَّامِ مائدةٌ يأكلون عليها\nوالناسُ في الحسابِ، فيقولونَ: يا ربِّ، نحن نحاسبُ وهُم يأكُلون؟\nفيقال: إنهم طالما صامُوا وأفطرْتُم، وقامُوا ونمتم.\nرأى بعضُهم بشرَ بنِ الحارثِ في المنامِ وبين يديه مائدةٌ وهو يأكل، ويقال\nله: كُلْ يا من لم يأكُلْ، واشرَبْ يا من لم يشرَبْ.\nكان بعضُ الصالحين قد صام حتى انحنى وانقطعَ صوتُه، فماتَ فَرُئي\nبعضُ أصحابه الصالحين في المنام فُسئِلَ عن حالِهِ، فضحِكَ وأنشد.\nقد كُسي حُلَّةَ البهاءِ وطافَتْ. . . بأباريقَ حولَهُ الخُدَّامُ\nثم حُلِّي وقِيلَ يا قارئ ارْقى. . . فلَعَمْري لقد براك الصِّيام\n* * *","vol":"2","page":497},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-340>سُورَةُ الجِنِّ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-341>قوله تعالى: (قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١)</span>\n[قالَ البخاريُّ]: حدثنا مُسدَّدٌ: ثنا أبو عوانةَ، عنْ أيي بِشْرٍ - هو: جعفرُ ابنُ أبي وحْشِيَّةَ - عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: انطلقَ النبيُّ - ﷺ - في طائفةٍ من أصْحَابِه، عامدينَ إلى سُوقِ عُكاظٍ، وقدْ حِيلَ بيْنَ الشياطينِ وبيْنَ خبرِ السماءِ، وأُرْسلتْ عليهم الشُّهُبُ، فرجعَتِ الشياطينُ إلى قومِهِم، فقالوا: ما لكُمْ؟\nفقالُوا: حِيلَ بيْنَنا وبيْنَ خبرِ السماء، وأُرْسلتْ عليْنا\nالشُّهُبُ، قالُوا: ما حالَ بيْنكُم وبينَ خبرِ السماءِ إلا شيءٌ حدَثَ، فاضربُوا\nمشارقَ الأرضِ ومغارِبَهَا، فانظروا ما هذا الذي حالَ بينكُمْ وبيْنَ خبرِ السماءِ، فانصرفَ الذين توجَّهُوا نحوَ تِهامَةَ إلى النبيِّ - ﷺ - وهُوَ بنخْلَةَ - عامدينَ إلى سُوقِ عُكَاظٍ، وهو يُصلِّي بأصْحَابِهِ صلاةَ الفجرِ، فلمَّا سمِعُوا القرَان استمعُوا له، فقالوا: هذا - واللَّهِ - الذي حالَ بينكم وبينَ خبرِ السماءِ، فهنالكَ حينَ رَجَعُوا إلى قومِهِمْ، فقالُوا: يا قوْمَنا إنا سمعْنا قرآنا عجبًا، يهْدِي إلى الرُّشدِ فآمنّا به، ولن نُشْرِكَ بربّنا أحدًا، فأنزل اللَّهُ على نبيِّه: (قُلْ أوحِيَ إِلَيَّ)\nوإنَّما أوحي إليه قولُ الجنِّ.\nهذه القصةُ كانت في أول البعثةِ.","vol":"2","page":498},{"text":"وهدا الحديثُ ممَّا أرسله ابنُ عباسٍ، ولم يسمِّ من حدَّثه به من الصحابة.\nويحتملُ أنه سمعه من النبيِّ - ﷺ - يحكي عن نفسِهِ.\nواللَّهُ أعلم.\nوسوقُ عكَاظ نحو نخلة، كان يجتمعُ فيه العربُ، ولهم فيه سوقٌ، فكان\nالنبيُّ - ﷺ - يخرجُ إليهم، فيدعُوهم إلى اللَّه ﷿، وقد كانتِ الشهبُ يُرمَى بها في الجاهلية، وإنَّما كثرتْ عندما بعث النبيُّ - ﷺ -.\nوقد قالَ السُّديُّ وغيرُه: إنَّ السماءَ لم تحرسْ إلا حيث كان في الأرضِ نبيٌّ\nأو دينٌ للَّه ظاهر.\nوالمقصودُ من هذا الحديثِ هاهنا: أن الشياطينَ لما مروا بالنبيِّ - ﷺ - وهو يصلِّي بأصحابه صلاةَ الصبح، وقفُوا واستمعُوا القرآنَ. وهذا يدلُّ على أنَّه - ﷺ - كان يجهرُ بالقراءةِ في صلاةِ الصبح، فلمَّا سمعُوا عرفوا أنَه هو الذي حال بينهم وبين خبرِ السماءِ.\nوظاهرُ هذا السياقِ: يقتضي أن الشياطينَ آمنُوا بالقرآنِ، وكذا قالَ السُّديُّ\nوغيرُه.\nوقد اختُلِفُ في الجنِّ والشياطينِ: هل هم جنسٌ واحدٌ، أو لا؟\nفقالت طائفةٌ: الجن كلُّهم ولدُ إبليسَ، كما أن الإنسَ كلَّهم ولدُ آدمَ.\nرُوي هذا عن ابن عباس من وجهٍ فيه نظرٌ. وأنّهم لا يدخلون الجنةَ.\nورُوي - أيضًا - عن الحسنِ، وأنَّه قالَ: مؤمنُهم وفيٌ للَّه وله الثوابُ\nومشركُهُم شيطانٌ له العقابُ.\nوقالت طائفة: بلِ الشياطينُ ولدُ إبليسَ، وهم كفار ولا يموتون إلا معَ","vol":"2","page":499},{"text":"إبليسَ، والجنُّ ولد الجانِّ، وليسوا شياطينَ، وهم يموتون، وفيهم المؤمنُ\nوالكافرُ.\nرُوي هذا عن ابن عباسٍ بإسنادٍ فيه نظرٌ - أيضًا.\nوقولُه: \"وإنَّما أوحي إليه قولُ الجنّ \" يشيرُ ابنُ عباس إلى أن النبيَّ - ﷺ - لم يرَ الجنَّ، ولا قرأ عليهم وإنما أُوحي إليه استماعُهم القرآنَ منه وإيمانهم به.\nوقد رُويَ ذلك صريحًا عنه، أنه قال في أولِ هذا الحديثِ: ما قرأ\nرسولُ الله - ﷺ - على الجنِّ ولا رآهم - ثم ذكر هذا الحديث.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-342>قوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨)</span>\n[قال البخاريّ]: \"باب هل يُقَالُ: مَسْجِدُ بني فُلانٍ \":\nابتدأ البخاريُّ - ﵀ - من هنا في ذكرِ المساجدِ وأحكامِها، فأولُ ما\nذكرهُ من ذلك: أنه يجوزُ نسبةُ المساجدِ إلى القبائلِ، لعمارِتِهم إيَّاها، أو\nمجاورتِهِم لها.\nوقد كرهَ ذلك بعضُ المتقدمين، وتعلق بقوله تعالى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) .\nوالصحيحُ: أن الآيةَ لم يُرَدْ بها ذلك، وأنَّها نزلتْ في النهي عن أنْ يُشرك\nباللَّه في المساجدِ في عبادتِهِ غيره، كما يفعلُ أهلُ الكتابِ في كنائسِهِم\nوبيعِهم.","vol":"2","page":500},{"text":"وقيلَ: إن المرادَ بالمساجدِ الأرضَ كلَّها، فإنها لهذه الأمة مساجدُ، وهي\nكلُّها للَّه، فنهى اللَّهُ أن يُسجدَ عليها لغير.\nوقيلَ: إن المرادَ بالمساجدِ أعضاء السجودِ نفسُهَا، وهي للَّه، فإنه هوَ خلقها\nوجمعَها وألَّفها، فَمِن شُكْر على هذه النعمةِ أن لا يسجدَ بها لغير.\nوقد قيلَ: إد قوله تعالى (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (١٨) .\nيدلُّ - أيضًا - على أنَّه لا يجوزُ إضافةُ المساجدِ إلى مخلوق إضافةَ ملكٍ\nواختصاصٍ.\nوأخذ بعضُ أصحابنا من ذلك كالوزير ابنِ هبيرةَ: أنه لا يجوزُ نسبةُ شيءٍ\nمن المساجدِ إلى بعضِ طوائفِ المسلمينَ للاختصاصِ بها، فيقالُ: هذه المساجدُ\nللطائفةِ الفلانيةِ، وهذه للطائفةِ الأخرى، فإنَّها مشتركةٌ بينَ المسلمينَ عمومًا.\nوذكرَ بعضُ المتأخرينَ من أصحابِنا في صحةِ اشتراطِ ذلك في وقفِهَا\nوجهين.\nوأما إضافةُ المسجدِ إلى ما يُعرِّفه به فليسَ بداخلٍ في ذلك، وقد كانَ النبيُّ\n- ﷺ - يضيف مسجدَهُ إلى نفسِهِ، فيقولُ: \"مسجدي هذا\" ويضيفُ مسجدَ قُباء إليه، ويضيفُ مسجدَ بيتِ المقدسِ إلى إيلياءَ، وكلُّ هذه إضافاتٌ للمساجدِ إلى غيرِ اللَّه لتعريفِ أسمائها، وهذا غيرُ داخلٍ في النهي. واللَّه أعلم.\n* * *","vol":"2","page":501},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-343>سُورَةُ المُزَّمِّلِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-344>قوله تعالى: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)</span>\nقال اللَّه تعالى: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) .\nوقال: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) .\nروى الإمامُ أحمدُ بإسنادِهِ عن عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ في قوله: (وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ) قال: شوكٌ يأخذُ بالحلقِ لا يدخلُ ولا يخرج.\nورَوى عليٌّ بنُ أبي طلحة عن ابنِ عباسٍ في قوله: (مِن ضَرِيعٍ)\nقال: شجرٌ في جهنمَ.\nوقال مجاهدٌ: الضريعُ: الشبرقُ اليابسُ.\nورَوى أيضًا عن عكرمة وقتادةَ، ورواهُ العوفيُّ عن ابنِ عباس: الشبرقُ: نبتٌ ذو شوك لاطئٍ بالأرضِ، فإذا هاجَ سمِّيَ ضريعًا.\nوقال قتادة: من أضرع الطعامِ وأبشعِه.\nوعن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: (مِن ضَرِيع) قال: من حجارةٍ، وعنه قال:\nالزقومُ.\nوعن أبي الحواريِّ قال: الضريع: السَّلى شوكُ النخلِ، وكيف يسمنُ\nشوكُ النخلِ.\nوخرَّج الترمذيُّ من حديث أبي الدرداءِ عن النبيِّ - ﷺ -: \"يُلقَى على أهل","vol":"2","page":502},{"text":"النار الجوعُ، فيعدلُ ما هم فيه من العذابِ فيستغيثونَ، فيُغاثونَ بطعامٍ من ضريع لا يسمنُ ولا يُغني من جوع، فيستغيثونَ بالطعام فيغاثونَ بطعامٍ ذي غصه، فيذكرون أنهم كانُوا يجيزون الغصص في الدنيا بالشرابِ، فيستغيثون بالشرابِ، فيدفعُ إليهم الحميمُ كلاليبِ الحديدِ، فإذا دنتْ من وجوهِهِم شوتْ وجوهَهُم، فإذا وصلتْ بطونَهُم قطعتْ ما في بطونِهِم.. \"\nوذكر بقية الحديثِ.\nوقد رُوي الحديثُ موقوفًا على أبي الدرداءِ.\nوقيلَ: وقفهُ أشبهُ.\nوقال ﷾: (فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (٣٧) .\nرَوى عليٌّ بنُ أبي طلحة، عن ابن عباسٍ من غسلين، قال: هو صديدُ أهل النارِ، وقال شبيبُ بنُ بشرٍ عن عكرمةَ عن ابنِ عباس: الغسلينُ: الدمُ والماءُ يسيلُ من لحومِهِم وهو طعامُهُم.\nوعن مقاتلٍ، قال: إذا سالَ القيحُ والدمُ بادرُوا إلى أكلِهِ قبلَ أن تأكله\nالنارُ.\nوقال أبو جعفرٍ عن الربيع بنِ أنسٍ: الغسلينُ: شجرةٌ في جهنَّم، وعن\nالضحاك مثلُه.\nورَوى خصيف عن مجاهدٍ عن ابنِ عباسٍ، قال: ما أدري ما الغسلينُ.\nولكنِّي أظنُّه الزقومُ.\nوقال أبو هلال عن قتادةَ: هو طعامٌ من طعامِ جهنَّم من شرِّ طعامِهِم.\nوقال يحيى بنُ سلامٍ: هو غسالةُ أجوافهِم.\nقال ابنُ قتيبةَ: هو فِعلين من غسلتُ، كأنَّه الغسالةُ.\nقال شريحُ بنُ عبيدٍ، قال كعب: يقولُ لو دلِّي من غسلين دلو واحدٌ في","vol":"2","page":503},{"text":"مطلع الشمسِ لغلت منه جماجمُ قومٍ في مغربِها.\nخرَّجه أبو نُعيمٍ.\nوقد رُوي أن بعضَ أهلِ النارِ يأكلُ لحمه، وسنذكرُ الحديثَ في ذلك فيما\nبعد إن شاء اللَّه.\nوقال اللَّهُ تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠) .\nوقد روي في حديث: \"إن أكلةَ الربا يبعثونَ تتأججُ أفواهُهُم نارًا\"\nثم تلا هذه الآية.\nخرَّجه ابنُ حبانَ في \"صحيحه \" من\nحديثِ أبي برزةَ عن النبيِّ - ﷺ -.\n* * *","vol":"2","page":504},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-345>سُورَةُ المُدَّثِّرِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-346>قوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)</span>\nقال مجاهد والشَّعْبيُّ وقتادةُ والضحاكُ والنخعيُّ والزُّهريُّ وغيرُهم - في\nقوله تعالى: (وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤):\nإن المعنى: طهِّرْ نفسَك من الذنوب.\nوقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: وقلبَك ونيَّتَك فطهِّرْ.\nوقريبا منه: قولُ مَنْ قال: وعملَك فأصلِحْ.\nرُوي عن مجاهدٍ وأبي رَوْقٍ والضحاكِ.\nوعن الحسنِ والقرظيِّ، قالا: خُلُقَك حسِّنْه.\nفكنَّى بالثيابِ عن الأعمالِ، وهي الدِّينُ والتقوى والإيمانُ والإسلامُ\nوتطهيرُه: إصلاحُه وتخليصُه من المفسداتِ له، وبذلك تحصلُ طهارةُ النفسِ\nوالقلبِ والنيةِ.\nوبه يحصلُ حسنُ الخُلُقِ، لأنَّ الدِّينَ هو الطاعاتُ التي تصيرُ عادةً ودَيْدنًا\nوخُلقًا، قالَ تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) .\nوفسَّرهُ ابنُ عباسٍ بالدِّينِ.\n* * *","vol":"2","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-347>قوله تعالى: (وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦)</span>\nوقوله - ﷺ -:\n\"إنَّ أمنَّ الناس عليَّ في صحبته ومالِهِ أبو بكرٍ\".\nقال الخطابيُّ: معنى قوله: \"أمَن\"، أي: أبْذَل لنفسه وأعْطَى لماله.\nوالمنُّ: العطاءُ من غير استثابة، ومنه قوله تعالى: (هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أوْ أَمْسِكْ) .\nوقوله: (وَلا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ) أي: لا تُعْطِ لتأخذ أكثر مما\nأعْطَيتَ، ولم يرد به المِنَّة؛ فإنها تُفسدُ الصنيعة، ولا مِنَّةَ لأحدٍ على رسولِ اللَّه - ﷺ - بل له المِنَّةُ على جميع الأُمَّةِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-348>قوله تعالى: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)</span>\nوروى دراجٌ عن أبي الهيثم عن أبي سعيدٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قال في قوله تعالى: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا) قال:\n\"جبلٌ من نارٍ يكلفُ أن يصعدَهُ، فإذا وضَعَ يدَهُ عليه ذابتْ، وإذا رفَعَها عادتْ، وإذا وَضعَ رِجلَه عليه ذابتْ، فإذا رَفَعها عادتْ، يصعدُ سبعينَ خرِيفًا، ثم هَوى مثلَها كذلك \"\nوهذا الحديثُ خرَّجه الإمامُ أحمدُ وغيرُه بمعناه، وخرَّجه الترمذيُّ مختصرًا ولفظُهُ: \"الصَّعود جبلٌ من نارٍ\nيصعدُ فيه الكافرُ سبعينَ خرِيفًا وبهوِي فيه كذلك أبَدًا\".\nوقال: حديثٌ غريبٌ لا نعرفُهُ مرفوعًا إلا من حديثِ ابن لهيعةَ عن درَّاج، ولكنْ رواه أيضًا عمرُو بنُ الحارثِ عن درَّاج به، خرَّجه من طريقه الحاكمُ، وقال: صحيحُ الإسنادِ.","vol":"2","page":506},{"text":"ورَوى هذا الحديثَ أيضًا شريكٌ عن عمارٍ الدهنى عن عطيةَ عن أبي سعيدٍ\nالخدريِّ عن النبيّ - ﷺ -.\nخرَّجه من طريقِهِ البزارُ، وقال: تفردَ برفعه شريكٌ.\nووقفه سفيانُ على عمار - يعني أنه وقفَهُ على أبي سعيد - ولم يرفعْهُ، ورواه\nأيضًا عمرُو بنُ قيسٍ الملائي عن عطيةَ عن أبي سعيد الخدريِّ عن النبيِّ - ﷺ -.\nورَوى سماك عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِهِ: (سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) .\nقالَ: جبل في النارِ.\nورويناهُ من طريقٍ فيه ضعفٌ عن الضحاكِ عن ابنِ عباسٍ، قال: هو جبل من النارِ زلق كلما صعدَهُ الفاجرُ زلقَ فهوى في النارِ.\nوعن ابن السائبِ قال: هو جبل من صخرةٍ ملساءَ في النارِ يكلفُ أن\nيصعدها، حتى إذا بلغ أعلاها رُدَّ إلى أسفلِها، ثم يكلفُ أيضًا أن يصعدَها\nفذلك دأبُهُ أبدًا، ويجذبُ من أمامِهِ بسلاسلِ الحديدِ ويضربُ من خلفِه بمقامع\nالحديدِ فيصعدُهَا في أربعين سنةٍ.\nوقال أيوبُ بنُ بشير عن شفي بن ماتع قال: في جهنَّم جبل يُدْعَى صعودًا\nيطلعُ فيه الكافرُ أربعينَ خريفًا قبل أن يرقاهُ.\nخرَّجه ابنُ أبي الدنيا.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-349>قوله تعالى: (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)</span>\nوذكر صاحب سيرة الوزير قال: وسمعته يقول في قوله تعالى؛ (إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ)، قال: العرب لا تعرفُ \"ذا\" ولا \"هذا\" إلا في الإشارةِ\nإلى الحاضرِ. وإنما أشارَ هذا القائلُ إلى هذا المسموع.\nفمن قال: إنَّ المسموعَ","vol":"2","page":507},{"text":"عبارةٌ عن القديم، فقد قال: هذا قول البشر.\nقال مصنفُ سيرته: كثيرًا ما سمعتُه يقول: ليس مذهبُ أحمد إلا الاتباع\nفقط.\nفما قال السلفُ قاله: وما سكتُوا عنه سكتَ عنه؛ فإنَّه كان يكثُر أن\nيقالَ: لفظي بالقرآن مخلوق، أو غير مخلوق لأنه لم يقل.\nوكان يقولُ في آيات الصفات: تمرّ كما جاءت.\nقال: وسمعته يقول: تفكرتُ في أخبار الصفاتِ، فرأيتُ الصحابةَ\nوالتابعين سكتُوا عن تفسيرها، مع قوةِ علمهم، فنظرتُ السببَ في سكوتِهم، فإذا هو قوةُ الهيبة للموصوف، ولأنَّ تفسيرَها لا يتأتَّى إلا بضربِ الأمثالِ\nللَّه، وقد قال ﷿: (فَلا تَضربُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ) قال: وكان يقول:\nلا يفسرُ على الحقيقة ولا على المجازِ؛ لأن حملها على الحقيقة تشبيهٌ.\nوعلى المجاز بدعةٌ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-350>قوله تعالى: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا)</span>\nقال اللَّه تعالى: (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) .\nقال آدمُ بنُ أبي إياسٍ: حدثنا حمادُ بنُ سلمةَ، حدثنا الأزرقُ بنُ قيسٍ عن\nرجل من بني تميم: قال: كنَّا عندَ أبي العوام فقرأ هذه الآية:","vol":"2","page":508},{"text":"(عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) فقال: ما تقولون، تسعةَ عشرَ ملكًا؟\nقلنا: بل تسعةَ عشرَ ألفًا، فقال: ومن أينَ علمتَ ذلك؟\nقال: قلتُ لأنَّ اللَّه تعالى يقولُ: (وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ\nفِتْنَةً لِّلَّذينَ كَفَروا) قال أبو العوام: صدقتَ وبيدِ كلِّ واحدٍ منهم مرزبةٌ من\nحديدٍ لها شعبتانِ، فيضربُ بها الضربةَ يهوي بها سبعينَ ألفًا، بين منكبي كلِّ\nملكٍ منهم مسيرةَ كذا وكذا، فعلى قولِ أبي العوامِ ومن وافقه، الفتنةُ\nللكفارِ، إنما جاء من ذكرِ العددِ الموهم للقلةِ حيثُ لم يذكرِ المميزَ له.\nويشبه هذا ما رَوى سعيدُ بن بشيرٍ عن قتادةَ في قوله: (وَمَا يَعْلَمُ جنُودَ رَبِّكَ\nإِلاَّ هُوَ) أي: من كثرتِهِم.\nوكذلك ما رَوى إبراهيمُ بنُ الحكم بنِ أبانٍ وفيه ضعفٌ عن أبيه، عن\nعكرمةَ قالَ: إنَّ أولَ من وصلَ من أهلِ النارِ إلى النارِ وجدُوا على البابِ أربع مائة ألفٍ من خزنةِ جهنَّم مسودةٌ وجوهُهُم كالحةٌ أنيابُهم، قد نزعَ اللَّه الرحمة من قلوبِهِم، ليسَ في قلبِ واحدٍ منهم مثقالُ ذرة من الرحمة لو طارَ الطائرُ من منكبِ أحدِهِم لطارَ شهرينِ قبلَ أن يبلغَ المنكبَ الآخرَ، ثم يجدونَ على البابِ التسعةَ عشرَ، عرضُ صدرِ أحدِهِم سبعونَ خرِيفًا، ثم يهوونَ من بابٍ إلى بابٍ خمسمائةَ سنةٍ حتى يأتُوا البابَ؛ ثم يجدونَ على كلِّ بابٍ منها من\nالخزنةِ مثلَ ما وجدُوا على البابِ الأولِ، حتى ينتهُوا إلى آخرِها.\nخرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ.\nوهذا يدلُّ على أنَّ على كلِّ بابٍ من أبوابِ جهنَّم تسعةَ عشرَ خزانًا هُمْ\nرؤساءُ الخزنةِ، تحتَ يدِ كلِّ واحدٍ منهم أربعمائة ألفٍ.","vol":"2","page":509},{"text":"والمشهورُ بين السلفِ والخلفِ أنَّ الفتنةَ إنما جاءتْ من حيثُ ذكرِ عددِ\nالملائكةِ الذين اغترَّ الكفارُ بقلَّتِهِم، وظنُوا أنهم يمكنُهُم مدافعتهُم وممانعتُهُم.\nولم يعلمُوا أن كلَّ واحدٍ من الملائكةَ لا يمكنُ البشرُ كلُّهم مقاومتُهُ، ولهذا قال\nاللَّه تعالى: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) إلى قوله: (وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ) .\nقال السُّديُّ: إن رجلًا من قريشٍ يقالُ له أبو الأشدينِ قال: يا معشرَ قريشٍ\nلا يهولنَّكم التسعةَ عشرَ أنا أدفعُ عنكُم بمنكبي الأيمنِ عشرةً من الملائكة.\nوبمنكبي الأيسر التسعة الباقية ثم تمرونَ إلى الجنةِ - يقولُه مستهزئًا - فقال الَلَّه\n﷿: (وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا) .\nوقال قتادة: ذُكرَ لنا أنَّ أبا جهلٍ حينَ نزلتْ هذه الآيةُ قال: يا معشرَ قريش\nأما يستطيعُ كلُّ عشرةٍ منكم أن يأخذوا واحدًا من خزنة النارِ وأنتم الدُّهم.\nوصاحبُكم هذا يزعُمُ أنهم تسعة عشر.\nوقال قتادةُ: في التوراةِ والإنجيلِ: إنَّ خزنةَ النارِ تسعة عشر.\nورَوى حريثٌ عن الشعبيِّ عن البراءِ في قولِ الله ﷿: (عَلَيهَا تِسْعَةَ\nعَشَرَ) قال: إن رهطَا من يهود سألُوا رجلًا من أصحابِ النبيِّ - ﷺ - عن خزنةِ جهنم، فقال: اللَّهُ ورسولُهُ أعلمُ.\nفجاء رجل فأخبرَ النبيَّ - ﷺ - فأنزلَ اللَّه عليه\nساعةَ إذن (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) فأخبر أصحابَهُ، وقال: ادعُهُم، فجاءوا فسألوه عن خزنة جهنم، فأهْوَى بأصابع كفيه مرتين وأمسكَ الإبهامَ في الثانيةِ،","vol":"2","page":510},{"text":"خرَّجه ابن أبي حاتمٍ، وحريث هو ابنُ أبي مطر ضعيف.\nوخرَّجه الترمذيُّ من طريقِ مجالدٍ عن الشعبيِّ، عن جابر قال: قال\nناس من اليهودِ لناسٍ من أصحابِ النبيِّ - ﷺ -:\nهل يعلمُ نبيكم عددَ خزنة جهنَّم؟\nقالُوا: لا ندري حتى نسأله، فجاء رجل إلى النبيِّ - ﷺ - فقالَ: يا محمدُ غُلِبَ أصحابُك اليومَ، قال: \"وما غُلِبُوا؟ \"\nقال: سألتْهُم يهودُ: هل يعلم نبيُّكم عددَ خزنةِ جهنَّم؟\nقال: \"فما قالوا؟ \"\nقالوا: لا ندري حتى نسأل نبيَّنا - ﷺ -.\nفقال: \"يغلبُ قومٌ سئِلوا عمَّا لا يعلمون، فقالُوا: لا نعلمُ حتى نسأل نبيَّنا.\nلكنَّهم قد سألُوا نبيَّهم، فقالُوا: أرِنَا اللَّهَ جهرة، علي بأعداءِ الله \"\nفلما جاءوا قالُوا: يا أبا القاسم كم عددُ خزنةِ جهنم؟\nقال: \"هكذا أو هكذا\" في مرةٍ عشرة وفي مرةٍ\nتسعة، قالُوا: ثعم، وهذا أصحُّ من حديثِ حريثٍ المتقدمِ، قاله البيهقي\nوغيرُهُ.\nوخرَّج الإمامُ أحمد من حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو بنِ العاصِ قال:\nخرجَ علينا رسولُ اللَّه - ﷺ - يومًا كالمودعَ، فقالَ:\n\"أنا محمدٌ النبيُّ الأمّيُ \" ثلاثًا، ولا نبيَّ بعدي، أوتيتُ فواتحَ الكَلم وخواتمه وجوامعَهُ، وعلمتُ كم خزنةُ النار وحملةُ العرشِ \" وذكر بقيةَ الحديث.\n* * *\nقال اللَّه تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦) .","vol":"2","page":511},{"text":"وقال تعالى: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤) .\nوقال تعالى: (وَاتَقُوا النَّارَ الَّتِي أعِدَّتْ لِلْكَافرِينَ) .\nوقال تعالى: (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) .\nوقال تعالى: (لَهُم مِن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَقُونِ) .\nوقال تعالى: (وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ (٣١) كَلَّا وَالْقَمَرِ (٣٢) وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤) إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ (٣٥) نَذِيرًا لِلْبَشَرِ (٣٦) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ (٣٧) .\nقال الحسنُ في قوله تعالى: (نَذِيرًا لِّلْبَشَرِ) قال: \"واللَّهِ ما أنذرَ العبادَ\nبشيءٍ قط أدْهَى منها\"\nخرَّجَه ابنُ أبي حاتم.\nوقال قتادةُ في قولِهِ تعالى: (إِنها لإِحْدَى الْكُبَرِ) يعْني النار.\nوروى سماكُ بنُ حربٍ، قال: سمعتُ النعمانَ بنَ بشيرِ يخطبُ، يقولُ:\nسمعتُ رسولَ اللَّه - ﷺ - يقولُ:\n\"أنذرتُكم النارَ أنذرتُكُمُ النارَ\"\nحتى لو أنَّ رجلًا كان بالسوقِ لسمعَهُ من مقامِي هذا.\nحتَّى وقعتْ خميصةٌ كانتْ على عاتقِهِ عند رجليه.\nخرَّجَه الإمامُ أحمد، وفي روايةِ له أيضًا عن النعمان بن بشيرٍ، قالَ:\nقال رسول اللَّه - ﷺ -:\n\" أنذرتُكُمُ النارَ، أنذرتُكُمُ النارَ\" حتَى لو كانَ\nرجلٌ في أقْصى السوقِ لسمعَهُ وسمعَ أهلُ السوقِ صوتَهُ، وهو على المنبرِ.\nوفي رواية له عن سِماكٍ، قال: سمعتُ النعمانَ يخطبُ وعليه خميصةٌ.\nفقال: لقد سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ:\n\"أنذرتُكُمُ النارَ،أنذرتُكُمُ النارَ\" فلو أنَّ","vol":"2","page":512},{"text":"رجلًا بموضع كذا وكذا، سمعَ صوتَهُ.\nوعن عديِّ بنِ حاتمٍ قال: قالَ رسولُ اللَّه - ﷺ -:\n\"اتَّقوا النارَ\" قال: وأشاحَ، ثم قال: \"اتَقوا النارَ\"، ثم أعرَض وأشاحَ ثلاثًا حتَّى ظننَّا أنه ينظرُ إليها، ثم قالَ: \"اتَّقوا النارَ ولو بشقِّ تمرةٍ، فمن لم يجدْ فبكلمةٍ طيبةٍ\"\nخرَّجاه في \"الصحيحينِ \".\nوخرَّج البيهقيُّ بإسنادٍ فيه جهالةٌ عن أنسٍ عن النبيِّ - ﷺ -: \"يا معشر المسلمينَ ارغبُوا فيما رغبكم اللَّه فيه، واحذرُوا، وخافُوا ما خوَّفَكُمُ اللَّهُ به من عذابِهِ وعقابِهِ، ومن جهنَّم، فإنَّها لو كانتْ قطرةٌ من الجنةِ معكُم في دنياكم التي أنتم فيها حلَّتها لكُم، ولو كانتْ قطرةٌ من النارِ معكُم في دنياكم التي أنتُم فيها خبثتْها عليكُم \".\nوفي \"الصحيحين \" عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"إنَما مثلي ومثلُ أُمَّتي كمثلِ رجلٍ استوقدَ نارًا، فجعلتِ الدوابُّ والفراشُ يقعْنَ فيها، فأنا آخذُ بِحَجُزِكُم عن النارِ وأنتُم تقتحمون فيها\"\nوفي روايةٍ لمسلم: \"مثلي كمثلِ رجل استوقدَ نارًا، فلمَّا أضاءتْ ما حولَها جعلَ الفراشُ وهذه الدوابُّ التي في النارِ يقعنَ فيها.\nوجعلَ يحجزُهُن ويغلبْنَهُ فيقتحمنَ فيها\"\nقال: \"فذلكم مَثَلي ومثلُكُم أنا آخذ بِحجُزِكُم عن النارِ، هلمَّ عن النارِ، هلمَّ عن النارِ، فتغلبُوني وتقتحمون فيها\".\nوفي رواية للإمامِ أحمد:\n\"مَثَلي ومثلُكُم أيتها الأمَّةُ كمثلِ رجلٍ أوقدَ نارًا بليلٍ.\nفأقبلتْ إليها هذه الفراشُ والذبابُ التي تغشى النارَ، فجعل يذبُّها ويغلبْنَهُ إلا تقحُّمًا في","vol":"2","page":513},{"text":"النارِ، وأنا آخذ بحجُزِكُم أدعوكُم إلى الجنةِ وتغلبونِي إلا تقحُّمًا في النارِ\".\nوخرَّج الإمامُ أحمد أيضًا من حديثِ ابنِ مسعودٍ عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"إنَّ اللَّه لم يحرمْ حرمةً إلا وقدْ علمَ أنَّه سيطلعها منكم مطلعٌ، ألا وإنّي آخذُ بحجُزِكُم أن تهافَتُوا في النارِ، كتهافُتِ الفراشِ والذبابِ \".\nوخرَّج البزارُ والطبراني من حديثِ ابنِ عباسٍ عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"أنا آخذ بحجُزِكُم فاتقوا النارَ، اتقوا النارَ، اتقوا الحدودَ، فإذا مِت تركْتُكُم، وأنا فرطُكُم على الحوضِ، فمن ورَدَ فقد أفْلَحَ، فيؤْتَى بأقوامٍ ويؤخذُ بهم ذاتَ الشمالِ، فأقولُ: ربِّ أمتي، فيقولُ: إنَّهم لم يزالوا بعدَكَ يرتدونَ على أعقابِهِم \"\nوفي روايةٍ للبزارِ، قالَ:\n\"وأنا آخذ بحجُزِكُم أقولُ: إيَّاكُم وجهنم، إيَّاكُم والحدودَ، إيَّاكُم وجهنم، إيَّاكُم والحدودَ، إيَّاكُم وجهنمَ، إيَّاكم والحدودَ\"\nوذكر بقية الحديثِ.\nوفي \"صحيح مسلم \" عن أبي هريرة قالَ: لما نزلتْ هذه الآية: (وَأَنذِرْ\nعَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ)، دعا رسولُ اللَّه - ﷺ - قريشًا فاجتمَعُوا، فعمَّ وخصَّ، فقال: \"يا بني كعبِ بنِ لؤيٍّ، أنقذوا أنفسكم من النارِ، يا بني مُرَةَ بنِ كعبٍ، أنقذُوا أنفسَكُم من النارِ، يا بني عبدَ شمسٍ، أنقذُوا أنفسَكم من النارِ، يا بني عبدِ مناف، أنقذُوا أنفسكم من النارِ، يا بني هاشم، أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد المطلب، أنقذوا أنفسكم من النارِ، يا فاطمةُ بنتُ محمد، أنقدي نفسك من النارِ، فإنِّي لا أملك\nلكم من اللَّه شيئا\".\nوخرَّج الطبرانيُّ وغيرُه من طريقِ يعلى بن الأشدقِ عن كليبِ بنِ حزنٍ،","vol":"2","page":514},{"text":"قالَ: سمعتُ رسولَ اللَّه - ﷺ - يقولُ:\n\"اطلبُوا الجنةَ جهدَكُم واهربُوا من النارِ جهدكم، فإن الجنة لا ينامُ طالبها، وإنَّ النارَ لا ينامُ هاربها، وإن الآخرةَ اليوم محفوفة بالمكارِهِ، وإن الدنيا محفوفة باللذاتِ والشهواتِ، فلا تلهينَّكُم عن الآخرةِ\"\nويُروى هذا الحديثُ أيضًا عن يعلى بن الأشدقِ عن عبدِ اللَّهِ بن جرادٍ عن النبيِّ - ﷺ -، وأحاديثُ يعلى بنِ الأشدقِ باطلة منكرةٌ.\nوخرَّج الترمذيُّ من حديثِ يحيى بن عبدِ اللَّه عن أبيه، عن أبي\nهريرة، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"ما رأيتُ مثلَ النارِ نامَ هاربُها، ولا مثلَ الجنةِ نامَ طالبُها\"\nويحيى هذا ضعفُوه، وخرَّجه ابنُ مردويه من وجهٍ آخرَ أجودَ من هذا\nإلى أبي هريرة، وخرَّج الطبرانيُّ نحوَه بإسنادٍ فيه نظر عن أنس عن النبيِّ\n- ﷺ - وخرَّجه ابنُ عديٍّ بإسنادٍ ضعيفٍ عن عمرَ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ -.\nوقالَ يوسفُ بنُ عطيةَ عن المعلى بنِ زيادٍ: كانَ هرمُ بنُ حيانَ يخرجُ في\nبعضِ الليالي وينادِي بأعلَى صوتِهِ: عجبتُ من الجنةِ كيفَ نامَ طالبُها.\nوعجبتُ منَ النارِ كيف نامَ هاربُها، ثم يقول:\n(أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ) .\nوقال أبو الجوزاءِ: لو وليتُ من أمرِ الناس شيئًا اتخذتُ منارًا على الطريقِ\nوأقمتُ عليها رجالًا ينادون في الناس: النارَ النارَ.\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ في كتابِ \" الزهدِ \".\nوخرَّج ابنُه عبدُ اللَّه في هذا الكتابِ أيضًا بإسنادِهِ عن مالكِ بنِ دينارٍ.\nقالَ: لو وجدتُ أعوانًا لناديتُ في منارِ البصرةِ بالديلِ: النارَ النارَ، ثم قالَ:","vol":"2","page":515},{"text":"لو وجدتُ أعوانًا لناديتُ في منارِ البصرةِ بالليلِ: النارَ النارَ، ثم قال: لو\nوجدتُ أعوانًا لفرقتهم في منارِ الدنيا: يا أيها الناس النارَ النارَ.\n* * *","vol":"2","page":516},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-351>سُورَةُ القِيَامَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-352>قوله تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)</span>\n[قال البخاريُّ]: حدثنا الحُميديُّ: ثنا مروانُ بن مُعاويةَ: ثنا إسماعيلُ عن\nقيْسٍ، عن جريرِ بنِ عبدِ اللَّه، قال: كُنَّا عندَ النبى - ﷺ - فنظرَ إلى القمرِ ليْلَةَ البدْرِ، فقالَ: \"إنَّكم سترونَ ربَّكُم كما تروْنَ هذا القمَرَ، لا تُضامُون في رُؤيَتِه، فإن استطعْتُم أن لا تُغْلبُوا على صلاة قبْلَ طُلُوع الشمسِ وقبلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا\"\nثمَّ قرأ: (وَسَبِحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُروبِ) \".\nقال إسْماعيلُ: افْعلُوا لا تفُوتنَّكُمْ.\nهذا الحديثُ نصٌّ في ثبوتِ رؤيةِ المؤمنينَ لربهم في الآخرةِ، كما دلَّ على\nذلك قولهُ تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) .\nومفهومُ قولِهِ في حق الكفارِ: (كَلاَّ إِنَّهمْ عَن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذ لَّمَحْجوبُونَ) .\nقال الشافعيُّ وغيرُهُ: لما حَجَب أعداءَهُ في السخطِ دلَّ على أنَّ أولياءَه\nيرونَهُ في الرضا.\nوالأحاديثُ في ذلكَ كثيرة جدًّا، وقد ذَكَرَ البخاريُّ بعضَها في أواخرِ\n\"الصحيح \" في \"كتاب التوحيد\" وقد أجمعَ على ذلكَ السَّلفُ الصالحُ مِنَ\nالصَّحابةِ والتَّابعينَ لهُم بإحسانٍ من الأئمةِ وأتباعِهِم.","vol":"2","page":517},{"text":"وإنَّما خالفَ فيه طوائفُ أهلِ البدع، من الجهميةِ والمعتزلةِ ونحوِهِم ممَّن\nيرد النصوصَ الصحيحةَ لخيالاتٍ فاسدةٍ وشبهاتٍ باطلةٍ، يخيلُهَا لهمُ\nالشيطانُ، فيُسرعونَ إلى قَبولِهَا منه، ويوهمُهُم أنَّ هذه النصوصَ الصحيحةَ\nتستلزمُ باطلًا، ويسميه تشْبيهًا أو تجْسيمًا، فينفرونَ منه، كمَا خيَّل إلى\nالمشركينَ قبلَهُم أنَّ عبادة الأوثانِ ونحوِها تعظيمٌ لجناب الربِّ، وأنَّه لا يُتوصلُ\nإليه من غيرِ وسائط تعبدُ فتقربُ إليه زُلفًا، وأنًّ ذلك أبلغُ في التعظيم\nوالاحترام، وقاسَهُ لهم على ملوكِ بني آدم، فاستجابُوا لذلكَ، وقبلوه منه.\nهانَّما بعثَ اللَّهُ الرسلَ وأنزلَ الكتبَ لإبطالِ ذلكَ كلِّه، فمن اتَّبع ما جاءوا\nبه فقد اهتدى، ومنْ أعْرَضَ عنه أو عن شيءٍ منه واعترضَ فقد ضلَّ.\nوقولهُ: \"كما تروْن هذا القمَرَ\"\nشبَّه الرؤية بالرؤيةِ، لا المرئي بالمرئي ﷾.\nوإنَّما شبَّه الرؤية برؤية البدر، لمعنيين:\nأحدهما: أنَّ رؤية القمرِ ليلةَ البدرِ لا يُشك فيه ولا يُمترى.\nوالثاني. يتسوى فيه جميعُ الناسُ من غير مشقة.\nوقد ظنَّ المريسيُّ ونحوُه ممن ضلَّ وافترى على اللَّهِ، أنَّ هذا الحديثَ يُرد.\nلما يتضمن من التشبيهِ، فضلَّ وأضلَّ.\nواتفقَ السلفُ الصالحُ على تلَقِّي هذا الحديث بالقبولِ والتصديقِ.\nقال يزيدُ بنُ هارونَ: من كذَّب بهذا الحديثِ فهو بريءٌ من اللَّهِ ورسولِهِ.\nوقال وكيعٌ: مَنْ ردَّ هذا الحديثَ فاحسبوه من الجهميَّةِ.\nوكان حسينٌ الجعُفيُّ إذا حدَّث بهذا الحديثِ، قال: زَعَمَ المريسي.","vol":"2","page":518},{"text":"وقوله: \"لا تضامُون في رؤيتِهِ \".\nقال الخطابيُّ: \"لا تضامون \" رُوي على وجهين:\nمفتوحةُ التاءِ، مضددةُ الميم، وأصلُهُ تتضامّون، أي لا يضامُّ بعضُكم\nبعضًا، أي: لا يُزَاحم، من الضمِّ، كما يفعلُ الناسُ في طلبِ الشيء\nالخفي، يريدُ أنكم ترونَ ربَّكم وكلُّ واحدٍ منكم وادِعٌ في مكانِهِ، لا ينزاعه\nفيه أحدٌ.\nوالآخرُ: مخفف: تُضامُون - بضمِّ التاءِ - من الضَّيم، أي: لا يضيم\nبعضُكم بعضًا فيه. انتهي.\nوذكرَ ابنُ السمعاني فيه روايةً ثالثةً: \"تُضامُّون \" - بضم التاء، وتشديدِ الميم -\nقال: ومعناها: لا تزاحِمُون، قال: ورواية - فتح التاء مع تشديدِ الميم -\nمعناها: لا تزاحَمُون.\nوقولُه: \"كما تروْن القمرَ ليلةَ البدر\" يقوِّي المعنى الأول.\nوجاء التصريحُ به في روايةِ أبي رَزينِ العُقيليِّ، أنّه قال: يا رسول اللَّه.\nأكلُّنا يَرَى ربَّه يومَ القيامة؟ وما آيةُ ذلك في خَلْقِه؟\nقال رسولُ اللَّه - ﷺ -:\n\"أليس كُلُّكُمْ ينظرُ إلى القمرِ مُخْلِيًا به؟ \"\nقال: بلى، قال: \"فاللَّه أعظمُ \".\nخرَّجه الإمامُ أحمد.\nوخرَّجه ابنُه عبدُ الله في \"المسندِ\" بسياق مطول جدا، وفيه ذكرُ البعثِ\nوالنشورِ، وفيه: \"فتخرُجُون من الأصواء - أو: من مصَارِعِكُم - فتنظرُون إليْهِ وينظُرُ إليكُمْ \"","vol":"2","page":519},{"text":"قال: قلتُ: يا رسول اللَّه، وكيفَ ونحْنُ مِلْء الأرضِ وهُو شخْص\nواحدٌ، ينظُرُ إلينا وننْظُرُ إليه؟\nقال: \"أُنبئك بمثلِ ذلك، الشَّمسُ والقَمَرُ، آيةٌ منْهُ\nصغيرةٌ تَروْنَهُما ويريانكُمْ ساعة واحدة، لا تضارون في رُؤيَتِهما، ولعَمْرُ إلهِكَ لَهُوَ أقْدرُ على أنْ يرَاكُمْ وتَرَوْنَهُ من أنْ تَرَوْنَهُما ويرَيانِكُم، لا تُضارون في رؤيتهِما \"\nوذكر بقيةَ الحديثِ.\nوخرَّجه الحاكم وقال: صحيحُ الإسناد.\nوقد ذكَرَ أبو عبد اللَّه بنُ منده إجماعَ أهلِ العلم على قبولِ هذا الحديثِ\nونَقَلَ عبَّاسٌ الدُّوري، عن ابن معينٍ أنَّه استحسنه.\nوقولُهُ: \"فإنِ اسْتَطَعْتُمْ أن لا تُغْلبُوا على صلاة قبْلَ طلُوع الشَّمْسِ وقبْلَ غُرُوبِها فافْعَلُوا\"\nأمر بالمحافظةِ على هاتينِ الصلاتين، وهما صلاةُ الفجرِ وصلاةُ\nالعصرِ، وفيه إشارة إلى عظمِ قدْرِ هاتينِ الصلاتينِ، وأنَّهُما أشرفُ الصلواتِ\nالخمسِ، ولهذا قِيل في كل منهُما: إنّها الصلاةُ الوسطى، والقولُ بأنَّ\nالوسْطَى غيرُهما لا تعويلَ عليه.\nوقد قيل في مناسبةِ الأمرِ بالمحافظةِ على هاتينِ الصلاتينِ عقيبَ ذكرِ\nالرؤية.: أنَّ أعلى ما في الجنَّةِ رؤيةُ اللَّهِ ﷿، وأشرفُ ما في الدنيا من\nالأعمالِ هاتان الصلاتانِ، فالمحافظةُ عليهما يُرجى بها دخولُ الجنةِ ورؤيةُ اللَّهِ\nعر وجل فيها.\nكما في الحديثِ الآخر:\n\"منْ صلَّى البردين دخل الجنَّة\" وسيأتي - إن شاء اللَّه في موضعه.","vol":"2","page":520},{"text":"وقيل: هو إشارةٌ إلى أنَّ دخولَ الجنةِ إنَّما يحصلُ بالصلاةِ مع الإيمانِ، فمنْ\nلا يصلِّي فليس بمسلمٍ، ولا يدخلُ الجنةَ بلْ هو من أهل النارِ، ولهذا قال\nأهلُ النارِ لما قيل لهم: (مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) .\nويظهرُ وجْهٌ آخرُ في ذلك، وهو: أنّ أعْلى أهلِ الجنَّة منزلةً من ينظر في\nوجْهِ اللَّه ﷿ مرتين بُكْرة وعشيا، وعُمومُ أهلِ الجنَّة يرونه في كلِّ جمعةٍ\nفي يومِ المزيدِ، والمحافظةُ على هاتينِ الصلاتينِ على ميقاتِهِمَا ووضوئِهِمَا\nوخشوعِهِما وآدابهما يُرجى به أن يوجبَ النظرَ إلى اللَّه ﷿ في الجنَة في\nهذين الوقتين.\nويدل على هذا ما رَوى ثُوَيْرُ بنُ أبي فاختَة، قال: سمعتُ ابنَ عمرَ.\nيقول: قالَ رسولُ اللَّه - ﷺ -:\n\"إنَّ أدْنى أهلِ الجنَّة منزلة لمنْ ينظرُ إلى جنانِهِ وأزْواجه\nونعيمه وخدَمِهِ وسرُرِهِ مسيرةَ ألفَ سنة، وأكْرَمُهُمْ على اللَّه منْ ينظرُ إلى وجههِ غدْوَةً وعشيا\" ثم قرأ رسولُ اللَّه - ﷺ -: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) .\nخرَّجهُ الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ وهذا لفظُهُ. وخرَّجه - أيضًا - موقوفًا\nعلى ابنِ عمرَ. وثُوَيْرٌ فيه ضعفٌ.\nوقد رُوي هذا المعنى من حديث أبي بَرْزة الأسلميِّ مرفوعًا - آيضًا - وفي\nإسنادِهِ ضعفٌ.","vol":"2","page":521},{"text":"وقاله غيرُ واحدٍ من السَّلفِ منهم: عبْدُ اللَّه بنُ بُريدةَ وغيرُه.\nفالمحافظةُ على هاتين الصلاتينِ تكون سببًا لرؤية اللَّه في الجنَّةِ في مثلِ\nهذين الوقتين، كما أنَّ المحافظةَ على الجمعةِ سببٌ لرؤية اللَّه في يومِ المزيدِ\nفي الجنَّة، كما قال ابن مسعود: سارعُوا إلى الجُمُعات؛ فإنَّ اللَّه يبرز لأهل\nالجنَّة في كلِّ جمعةٍ على كثيبٍ من كافورٍ أبيضَ، فيكونونَ منه في الدنو على\nقدْرِ تبكيرهم إلى الجُمُعاتِ.\nورُوي عنه مرْفُوعًا. خرَّجَه ابنُ ماجةَ.\nورُوي عن ابن عباسٍ، قال: مَنْ دخلَ الجنةَ من أهلِ القُرى لم ينظر إلى\nوجْه اللَّه؛ لأنَهم لا يشهدون الجمعة.\nخرَّجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب \"الشافي \" بإسنادٍ ضعيفٍ.\nوقد رُوي من حديثِ أنس مرفوعًا: \"إنَّ النساءَ يريْنَ ربّهنَّ في الجنَّة في يومي\nالعيدين \".\nوالمعنى في ذلك: أنّهنَّ كُنَّ يشاركن الرجال في شهود العيدين دون\nالجُمع.\nوقولُه: ثم قرأ: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) .\nالظاهر أن القارئ لذلكَ هو النبيُّ - ﷺ -.\nوقد رُوي من روايةِ زيدِ بن أبي أُنَيْسة، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن\nجريرٍ البَجَلي في هذا الحديثِ: ثم قرأ رسولُ اللَّه - ﷺ -: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) الآية.","vol":"2","page":522},{"text":"خرَّجه أبو إسماعيلَ الأنصاريُّ في كتابِ \"الفاروقِ \".\nوقد قيل: إنَّ هذه الكلمةَ مدرجة، وإنَّما القارئُ هو جرير بن عبد اللَّه\nالبَجَلي.\nوقد خرَّجه مسلمٌ في \"صحيحهِ \" عن أبي خيثمة، عن مروان بن معاوية\nفذكر الحديثَ، وقال في آخره: ثم قرأ جريرٌ: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩) .\nوكذا رواه عَمْرُو بنُ زُرارة وغيرُه، عن مروان بن معاويةَ، وأدرجه عنه\nآخرون.\n* * *","vol":"2","page":523},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-353>سُورَةُ الإنْسَانِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-354>قوله تعالى: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)</span>\nقال اللَّه ﷿: (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ) .\nوفسَّر طائفةٌ من السَّلَفِ أمشاجَ النُّطفةِ بالعُروقِ التي فيها.\nقال ابنُ مسعودٍ: أمشاجُها: عزَّ وقُها.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-355>قوله تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤)</span>\nقال اللَّه تعالى: (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ وَأَغْلَالًا وَسَعِيرًا (٤) .\nوقال اللَّهُ تعالى: (وَجَعَلْنَا الأغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا) .\nوقال اللَّهُ تعالى: (إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢) .\nوقال: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢) .\nوقال تعالى: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣) .\nوقرأ ابنُ عباسٍ: \"وَالسلاسِلَ يُسْحَبُونَ \" بنصب السلاسل وفتح ياءِ\nيسحبونَ، قال: هو أشدُّ عليهم هم يسحبون السلاسلَ.\nخرَّجَه ابنُ أبي حاتمٍ.","vol":"2","page":524},{"text":"فهذه ثلاثةُ أنواع:\nأحدها: الأغلالُ: وهي في الأعناقِ، كما ذكر سبحانه.\nقال الحسنُ بنُ صالح: الغلُّ تغلُّ اليدُ الواحدةُ إلى العنق، والصفدُ: اليدانِ\nجميعًا إلى العنقِ.\nخرَّجه ابنُ أبي الدنيا.\nوقال أسباط عن السُّديِّ: الأصفادُ تجمعُ اليدينِ إلى العنق.\nوقال معمر عن قتادةَ في قوله: (مُّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ) .\nقالَ: مقرنين في القيودِ والأغلالِ.\nقالَ عيينةُ بنُ الغصنِ عن الحسنِ: إنَّ الأغلالِ لم تُجعلْ في أعناقِ أهلِ\nالنارِ لأنَّهم أعجزُوا الربَّ ﷿، ولكنها إذا طُفِئَ بهم اللهبُ أرستْهُم.\nقالَ: ثم خرَّ الحسنُ مغشيًّا عليه.\nوقال سيَّارُ بنُ حاتم: حدثنا مسكينُ عن حوشحب عن الحسنِ أنه ذكرَ النارَ\nفقالَ: لو أنَّ غلًا منها وُضِعَ على الجبالِ لقصمَهَا إلى الماءِ الأسودِ، ولو أنَّ\nذراعًا من السلسلة وُضِعَ على جبلٍ لرضَّه.\nورَوى ابنُ أبي حاتم بإسناد عن موسى بنِ أبي عائشةَ أنَّه قرأ قولَهُ تعالى:\n(أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) .\nقال: تشدُّ أيديهم بالأغلال في النارِ، فيستقبلونَ العذابَ بوجوهِهِم قد شدتْ أيدِيهم، فلا يقدرون على أن يتَّقوا بها، كلما جاء نوع من العذابِ يستقبلونَ بوجوهِهِم.\nوبإسنادِهِ عن فيضِ بنِ إسحاقَ عن فضيلِ بنِ عياضِ: إذا قالَ الربُّ تباركَ\nوتعالى: (خُذوهُ فَغُلُّوهُ) تبدَّرهُ سبعونَ ألفَ ملك كلُّهم يتبدرُ أيهم\nيجعلُ الغلَّ في عنقِهِ.","vol":"2","page":525},{"text":"النوع الثاني: الأنكالُ: وهي القيودُ، قال مجاهدٌ والحسنُ وعكرمةُ وغيرُهم.\nقال: الحسنُ: قيودٌ من نارٍ، قال أبو عمرانَ الجونيُّ: قيودٌ لا تحلُّ واللَّهِ أبدًا، وواحدُ الأنكالِ: نكلٌ، وسميمت القيودُ أنكالًا لأنه ينكلُ بها، أي يمنعُ.\nوروى أبو سنانَ عن الحسنِ: أما وعزَّتِهِ ما قيدَهُم مخافةَ أن يعجزُوه.\nولكن قيدَهُم لترسَى في النارِ.\nوقال الأعمشُ: الصفدُ: القيودُ، وقولُهُ تعالى: (مّقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ)\nالقيودُ، وقد سبقَ عن أبي صالح قولُهُ: (فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ)\nقال: القيودُ الطوالُ.\nالنوع الثالثُ: السلاسلُ: خرجَ الإمامُ أحمدُ وغيرُه من طريقِ أبي السمح\nعن عيسى بنِ هلالٍ الصدفيِّ عن عبد اللهِ بن عمرٍو، قال: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: \"لو أنَّ رصاصةً مثلَ هذه - وأشار إلى مثل الجمجمةِ - أُرْسِلت من السماءِ إلى الأرضِ وهي مسيرةُ خمسمائة عامٍ لبلغتِ الأرض قبل الليلِ، ولو أنَّها أُرْسلتْ من رأسِ السلسلةِ لسارتْ أربعينَ خرِيفا الليلَ والنهارَ قبل أن تبلغَ أصولَها\"\nغريبٌ، وفي رفعِهِ نظر، واللَّه أعلم.\nوفي حديثِ عدي الكندي عن عمرَ أن جبريلَ قال للنبيِّ - ﷺ -: \"لو أن حلقةً من سلسلة أهلِ النارِ التي نعتَ اللَّهُ في كتابِهِ وُضِعَتْ على جبالِ الدنيا لانقضتْ ولم يردَّها شيء حتى تنتهي إلى الأرضِ السابعةِ السفلى\"\nخرَّجه الطبرانيُّ، وسبق الكلامُ على إسنادِهِ.\nوروى سفيانُ عن بشيرٍ عن نوف الشامي في قولِهِ تعالى: (ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ\nذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فاسْلُكُوهُ)\nقال: إن الذراعَ سبعونَ باغا، والباعُ","vol":"2","page":526},{"text":"من هاهُنا إلى مكة! - وهو يومئذ بالكوفةِ.\nوقال ابنُ المباركِ: أنبأنا بكَارُ عن عبدِ اللَّه سمعَ ابنَ أبي مليكةَ يحدِّثُ أنَّ\nكعبًا قال: إنَّ حلقة من السلسلة التي قال اللَّهُ: (ذَرْغهَا سَبْعونَ ذِرَاعًا)\nإن حلقةً منها أكثرُ من حديدِ الدُّنيا.\nوقال ابنُ جريج في قولِهِ: (ذَرْعُهَا سبْعُونَ ذِرَاعًا) قال: بذراع الملكِ.\nوقال ابنُ المنكدرِ: لو جُمعَ حديدُ الدنيا كلُّه ما خلا منها وما بقي ما عدلَ\nحلقةً من الحلقِ التي ذكرَ اللَّهُ في كتابِهِ تعالى فقال: (فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ\nذِرَاعًا) .\nخرَّجَه أبو نُعيمٍ.\nقال ابنُ المباركِ عن سفيانَ في قوله: (فَاسْلُكُوهُ) قال: بلَغنا أنها تدخلُ\nفي دبر حتى تخرج منه.\nوقال ابنُ جريج: قال ابنُ عباس: السلسلةُ تدخلُ في إستِهِ ثمَ تخرجُ من\nفِيه، ثم يُنظمونَ فيها كما ينظمُ الجرَّاَدُ في العودِ حتَّى يُشْوَى.\nخرَّجه ابنُ أبي حاتم. وخرَّجَه أيضًا من روايةِ العوفيِّ عن ابن عباسٍ.\nقال: تسلكُ في دُبُر حتَى تخرج من منخريهِ حتى لا يقوم على رجليه.\nوخرَّج ابنُ أبي الدنيا من طريقِ خلفِ بنِ خليفةَ عن أبي هاشم قال:\nيجعلُ لهم أوتادٌ في جهنَّم فيها سلاسل فتلقَى في أعناقِهِم، فتزفرُ جهنَّمُ زفرةً\nفتذهبُ بهم مسيرة خَمسمائة سنة، ثم تجيءُ بهم في يوم، فذلك قوله:\n(وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧) .\nومن طريقِ أشعثَ عن جعفر عن سعيدِ بنِ جبير، قال: لو انفلتَ رجلٌ\nمن أهلِ النارِ بسلسلةٍ لزالت الجبالُ.","vol":"2","page":527},{"text":"وقال جويبرٌ عن الضحاكِ في قوله: (فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ)\nقال: يجمعُ بين ناصيتِهِ وقدميهِ في سلسلةٍ من وراء ظهرهِ.\nوقال السديُّ في هذه الآيةِ: يجمعُ بين ناصيةِ الكافرِ وقدميهِ، فتربطُ\nناصيتُهُ بقدمِهِ وظهره ويفتلُ.\nوذكر الأعمشُ عن مجاهدٍ عن ابنِ عباسٍ، قال: يؤخذَ بناصيتِه وقدميه\nويكسر ظهرُهُ، كما يكسرُ الحطبُ في التنورِ.\nوقال سيارُ بنُ حاتمٍ: حدثنا مسكينُ عن حوشبٍ عن الحن، قال: إنَّ\nجهنمَ ليَغلي عليها من الدهرِ إلى يومِ القيامةِ يُحمى طعامُها وشرابُها\nوأغلالُها، ولو أن غلًاّ منها وُضِعَ على الجبالِ لقصَمَهَا إلى الماء الأسودِ، ولو\nأنَّ ذراعًا من السلسلةِ وضعَ على جبل لرضَّه، ولو أنَّ جبلًا كان بينه وبين\nعذابِ اللَّه ﷿ مسيرةَ خمسمائة عامٍ لذابَ ذلك الجبلُ، وإنَّهم ليُجمعونَ\nفي السلسلةِ من آخرِهِم فتأكلُهُم النارُ وتبقى الأرواحُ.\nورواه ابنُ أبي الدنيا عن عبدِ اللَّه بن عمرَ الجشميّ، عن المنهال بن عيسى\nالعبديِّ، عن حوشبٍ، عن الحسنِ، عن النبيّ - ﷺ - فذكرَهُ بمعناه، وزادَ في آخره: \"تبقى الأرواحُ في الحناجِرِ تصرخُ \"\nوالموقوفُ أشبهُ.\nوقال عبدُ اللَّه بنُ الإمامِ أحمدَ: أخبرت عن سيَّارِ عن ابنِ المعزِّي - وكان\nمن خيارِ الناسِ. قال: بلغني أنَّ الأبدانَ تذهبُ وتبقى الأرواحُ في السلاسلِ.\nوخرَّج الطبرانيُّ وابنُ أبي حاتم من طريقِ منصورِ بنِ عمار، حدثنا بشيرُ\nابنُ طلحةَ، عن خالدِ بن الدريكِ، عن يعْلَى بنِ منيةَ رفعَ الحديثَ إلى النبيِّ - ﷺ -","vol":"2","page":528},{"text":"قال: \"ينشئُ اللَّهُ سبحانه لأهلِ النارِ سحابةً سوداءَ مظلمة، فيقالُ: يا أهلَ النارِ، أيَّ شيءٍ تطلبون؟\nفيذكرون بها سحابة الدنيا، فيقولون: يا ربَّنا الشرابُ، فتمطرُهم\nأغلالًا تزيدُ في أغلالهم، وسلاسلَ تزيدُ في سلاسلهم، وجمرًا يلتهبُ عليهم\".\nوخرَّجه ابنُ أبي الدنيا موقوفًا لم يرفعْهُ.\nورَوى أبو جعفر الرازيُّ عن الربيع بنِ أنسٍ عن أبي العاليةَ وغيرُه عن أبي\nهريرة، فذكرَ قصةَ الإسرإء بطولها وفيها قال: \"ثم أتى على وادٍ - يعني النبي\n- ﷺ - - فسمعَ صوتا منكرًا ووجدَ ريحًا منتنةً، فقال: ما هذا يا جبريلُ؟ \" فقال: هذا صوتُ جهنَّم تقولُ: ربِّ آتني ما وعدتني، فقدْ كثُرَتْ سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وعذابي، وقد برد قعري واشتدَّ حرِّي فآتني ما وعدتني، قال: لكِ كلُّ مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم\nالحسابِ \".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-356>قوله تعالى: (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣)</span>\nقال بعضُ السلفِ: إنَّ اللَّه تعالى وصفَ الجنَّة بصفةِ الصَّيفِ لا بصفةِ\nالشتاءِ، فقال تعالى: (فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) .\nوقد قال اللَهُ تعالى\nفي صفةِ أهل الجنة: (مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (١٣) .\nفنفَى عنهم شدة الحرِّ والبرْدِ.\nقال قتادةُ: علِمَ اللَّهُ أنَّ شدَّةَ الحرِّ","vol":"2","page":529},{"text":"تؤذي، وشدة البردِ تؤذي، فوقاهم أذاهما جميعًا.\n* * *\nجاء في حديث مرفوعٍ:\n\"إنَّ زمهريرَ جهنَّمَ بيت يتميزُ فيه الكافرُ من بردِهِ \"\nيعني: يتقطع ويتمزعُ.\nورَوى ابنُ أبي الدنيا من طريقِ الأعمشِ عن مجاهدٍ، قال: إنَّ في النارِ\nلزمهريرًا يغلونَ فيه فيهربون منها إلى ذلك الزمهريرِ، فإذا وقعوا فيه حطمَ\nعظامَهم حتى يُسمعَ لها نقيضٌ.\nوعن ليثٍ عن مجاهدٍ، قالَ: الزمهريرُ الذي لا يستطيعون أن يذوقُوه من\nبردِهِ.\nوعن قابوسِ بنِ أبي ظبيانَ عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: يستغيثُ أهلُ\nالنارِ من الحرِّ فيغوثونَ بريح بارده يصدعُ العظامَ بردُها فيسألون الحر.\nوعن عبدِ اللهِ بنِ عميرٍ، قالَ: بلغني أنَّ أهلَ النارِ يسألون خازنَها أن\nيخرجَهُم إلى جانبِهَا، فيخرجُهم فيقتلَهُم البردُ والزمهريرُ حتى يرجعُوا إليها\nفيدخلوها مما وجدوا من البردِ.\nوروى أبو نُعيمٍ بإسنادِهِ عن ابنِ عباسٍ أنَّ كعبًا قال: إنَّ في جهنَم بردًا هو\nالزمهريرُ يسقطُ اللحمَ حتى يستغيثُوا بحرِّ جهنَّمَ.\nورُويَ عن ابنِ مسعودٍ قال: الزمهريرُ: لونٌ من العذابِ.\nوعن عكرمةَ، قال: هو البردُ الشديدُ.","vol":"2","page":530},{"text":"ورُويَ عن زبيدٍ الياميِّ أنه قامَ ليلةً للتهجدِ فعمدَ إلى مطهرةٍ له قد كان\nيتوضأ فيها، فغسلَ يده ثم أدخلها في المطهرةِ، فوجدَ الماءَ الذي فيها باردًا\nبردًا شديدًا، قد كاد أن يجمد، فذكرَ الزمهريرَ ويدَه في المطهرةِ، فلم يخرجْ\nيدَهُ من المطهرةِ حتى أصبحَ فجاءتْهُ الجاريةُ وهو على تلكِ الحالِ، فقالتْ: ما\nشأنُكَ يا سيِّدِي لم تصلِّ الليلةَ كما كنتَ تصلِّي، قال: ويحكِ إني أدخلتُ\nيدي في هذه المطهرةِ فاشتدَّ عليَّ بردُ الماءِ فذكرتُ به الزمهريرَ، فواللَّهِ ما\nشعرتُ بشدةِ بردِهِ حتَى وقفتِ عليَّ، انظري لا تخبري بهذا أحدًا ما دمتُ\nحيًّا، فما علمَ بذلك أحدٌ حتى مات ﵀.\n* * *","vol":"2","page":531},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-357>سُورَةُ المُرْسَلاتِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-358>قولِهٍ تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)</span>\nأي: نكفتُهم ونضمُّهم ونجمعُهم وهمْ أحياءٌ على ظهرِها، وإذا ماتُوا ففي\nبطنِها.\n* * *","vol":"2","page":532},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-359>سُورَةُ النَّبَأ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-360>قوله تعالى: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)</span>\nوروي عن ابنِ عباسٍ، قالَ: يستغيثُ أهلُ النارِ من الحَرّ فيُغاثون بريح\nباردةٍ يُصَدعُّ العِظامَ بَرْدُها، فيسألون الحَرَّ.\nوعن مجاهدٍ، قال: يهربون إلى الزمهريرِ، فإذا وقعُوا فيه حطَّمَ عِظامهم حتى يُسمع لها نَقيضٌ.\nوعن كعْبٍ، قال: إنَّ في جهنَّم بردًا هو الزمهريرُ، يُسقِطُ اللحمَ حتى يستغيثوا بِحَرِّ جهنم.\nوعن عبدِ الملكِ بنِ عُميرٍ، قال: بلغني أنَّ أهلَ النارِ سألوا خازنَها أن\nيخرجَهُم إلى جانبها فأُخرِجوا فقتلَهُم البَرْدُ والزمهريرُ، حتى رجعُوا إليها\nفدخلُوها ممَّا وجدُوا من البَرْدِ، وقد قال الله ﷿: (لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦) .\nوقال اللَّه تعالى: (هَذَا فَلْيَذوقوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ) .\nقال ابنُ عباسٍ: الغسَّاقُ: الزَّمْهريرُ البارِدُ الذي يُحرِقُ من بَرْدهِ.\nوقال مجاهدٌ: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من بردِهِ.\nوقيلَ: إن الغسَّاَقَ الباردُ المنتن؛ أجارنا اللَهُ تعالى من جهنَّم بفضلِهِ وكرمِهِ.","vol":"2","page":533},{"text":"اعلم أن تفاوتَ أهلِ النارِ في العذاب هو بحسبِ تفاوتِ أعمالِهِم التي\nدخلُوا بها النارَ، كما قال تعالى: (وَلِكَلٍّ دَرَجَاتٌ ممَا عَمِلُوا) .\nوقال تعالى: (جَزَاءً وِفَاقًا)، قال ابنُ عباسٍ: وافقَ أعمالَهُم، - فليسَ\nعقابُ من تغلظ كفرُهُ وأفسدَ في الأرضِ ودعا إلى الكفرِ كمن ليس كذلك.\nقال تعالى: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨) .\nوقال تعالى: (وَيَوْمَ تَفوم السَّاعَة أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشدَّ الْعَذَابِ) ..\nوكذلك تفاوتُ عذابِ عصاةِ الموحدينَ في النارِ بحسبِ أعمالِهِم، فليس\nعقوبةُ أهلِ الكبائرِ كعقوبةِ أصحابِ الصغائرِ، وقد يخفف عن بعضِهِم\nالعذابُ بحسناتٍ أُخرَ له أو بما شاءَ اللَّهُ من الأسبابِ، ولهذا يموتُ بعضُهم\nفي النارِ، كما سيأتي ذكرُهُ فيما بعدُ، إن شاء الله تعالى.\nوأما الكفار إذا كانَ لهم حسنات في الدنيا من العدلِ والإحسانِ إلى الخلقِ\nفهل يخففُ عنهم بذلكَ من العذابِ في النارِ أم لا؟\nهذا فيه قولان للسلفِ وغيرِهم:\nأحدُهُما: أنه يخففُ عنهم بذلك أيضًا، ورَوى ابنُ لهيعةَ عن عطاءِ بنِ دينار عن سعيدِ بن جبيرٍ معنى محذا القولِ، واختارَهُ ابنُ جرير الطبريُّ وغيرُهُ.\nوروى الأسودُ بنُ شيبانَ عن أبي نوفل قال: قالتْ عائشةُ: يا رسول الله\nأينَ عبدُ اللَّهِ بنُ جدعان؟\nقال: \"في النارِ\" فجزعتْ عائشةُ واشتدَّ عليها، فلمَّا\nرأى رسولُ اللَّه - ﷺ - ذلك قال:\n\"يا عائشةُ ما يشتدُّ عليك من هذا؟ \"\nقالت: بأبي أنتَ وأمِّي يا رسولَ اللَّه، إنه كان يطعمُ الطعامَ ويصلُ الرَّحمَ، قال: \"إنه يهونُ","vol":"2","page":534},{"text":"عليه بما قلتِ \" خرَّجه الخرائطيُّ في كتابِ \"مكارمِ الأخلاقِ \" وهو مرسلٌ.\nوروى عامرُ بنُ مدركٍ الحارثيُّ عن عتبةَ بنِ اليقظانَ عن قيسِ بنِ مسلم.\nعن طارقِ بنِ شهابٍ، عن عبد اللَّه بنِ مسعودٍ قال: قالَ رسولُ اللَّه - ﷺ -:\n\"ما أحسنَ من محسنٍ كافرٍ أو مسلمٍ، إلا أثابَهُ اللَّه ﷿ في عاجلِ الدنيا أو ادخرَ له في الآخرةِ\"\nقلنا: يا رسول اللَّه، ما إثابَةُ الكافرِ في الدنيا؟\nقال: \"إن كان قد وصلَ رحمًا أو تصدَّقَ بصدقة أو عملَ حسنةً أثابَهُ اللَّه المالَ والولدَ والصِّحة وأشباهَ ذلك \"\nقلنا: فما إثابةُ الكافرِ في الآخرةِ، قال: \"عذابًا دونَ العذابِ \"\nثم تلا: (أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) .\nخرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ، والخرائطيُّ والبزارُ في \"مسندِهِ\" والحاكمُ في \"المستدرك\" وقالَ: صحيح الإسنادِ، وخرَّجهُ البيهقيُّ في كتابِ \"البعث والنشور\"\nوقال: في إسناده نظر انتهى، وعتبةُ بنُ يقظانَ تكلَّم فيه بعضُهُم.\nوقد سبقتِ الأحاديثُ في تخفيف العذابِ عن أبي طالب بإحسانِهِ إلى\nالنبيِّ - ﷺ -.\nوخرَّج الطبرانيُّ بإسنادٍ ضعيفٍ عن أمِّ سلمة أنَّ الحارثَ بن\nهشامٍ أتى النبيَّ - ﷺ - يومَ حجةِ الوداع: فقال: إنَّكَ تحثُّ على صل الرحم، والإحسانِ وإيواءِ اليتيم وإطعامِ الضعيفِ والمسكينِ، وكل هذا كان يفعلُه هشامُ ابنُ المغيرة، فما ظنُّك به يا رسول اللَّه؟\nقال: \"كلُّ قبرٍ لايشهدُ صاحبُه أن لا إله إلا اللَّه فهو حفرة من حفر النارِ، وقد وجدتُ عمِّي أبا طالبٍ في طمطامٍ من النارِ.\nفأخرَّجَه الله بمكانِهِ منِّي وإحسانِهِ إليَّ فجعله في ضحضاحٍ من النارِ\".\nوالقولُ الثاني: أن الكافرَ لا ينتفعُ في الآخرةِ بشيء من الحسناتِ بحالٍ،","vol":"2","page":535},{"text":"ومن حجةِ أهلِ هذا القولِ قولُهُ تعالى: (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً منثورًا) .\nوقولُهُ تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ) .\nونحوُ هذه الآياتِ.\nوفي \"صحيح مسلم \" عن أنس عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"إنَّ اللَّه لا يظلم مؤمنًا حسنةً يعطَى بها في الدنيا وبجزى بها في الآخرةِ، وأمَّا الكافرُ فيطعَمُ بحسنات ما عملَ بها للهِ في الدُّنيا حتى إذا أفضَى إلى الآخرةِ لم تكنْ له حسنةٌ يُجزى بِهَا\".\nوفي روايةٍ له أيضًا: \"إنَّ الكافرَ إذا عملَ حسنةً أطعمَ بها طعمةً في الدنيا، وأما المؤمن فإنَّ اللَّه يدخرُ له حسناتِه في الآخرةِ، وبعقبُ له رزقًا في الدنيا على طاعتِهِ \".\n* * *","vol":"2","page":536},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-361>سُورَةُ التَّكْويرِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-362>قوله تعالى: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)</span>\nروى الإمامُ أحمد بإسنادٍ فيه نظرٌ عن يَعْلى بن أميّةَ، عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"البحرُ هو جهنَّمُ \" فقالُوا ليَعْلى، قال: ألا ترون أنَّ اللَّهَ ﷿ يقول:\n(نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سرَادِقُهَا)، والذي نفسُ يعْلى بيده لا أدخلُها أبدًا\nحتى أُعرَضَ على اللَّهِ ﷿، ولا يصيبُني منها قطرةٌ حتَّى ألقى اللَّهَ عزَّ\nوجلَّ.\nوهذا إن ثبتَ فالمرادُ به أن البحارَ تفجرُ يومَ القيامةِ فتصيرُ بحرًا\nواحدًا، ثم تسجرُ ويوقدُ عليها فتصيرُ نارًا وتزاد في نارِ جهنَّم.\nوقد فسَّر غيرُ واحد من السلفِ قولَه تعالى: (وَإِذَا الْبِحَارُ سجِّرَتْ)\nبنحوِ هذا.\nوروى المباركُ بنُ فضالةَ عن كثيرٍ أبي محمدٍ عن ابنِ عباسٍ، قال: تسجرُ\nحتى تصير نارًا.\nوروى مجاهدٌ عن شيخ من بجيلةَ عن ابنِ عباسٍ (وِإذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ)\nقال: تكورُ الشمسُ والقمرُ والنجومُ في البحرِ فيبعثُ اللَّهُ عليها ريحًا دبورًا\nفتنفخه حتى يرجعَ نارًا.\nخرَّجه ابنُ أبي الدنيا وابنُ أبي حاتمٍ.\nوخرَّج ابنُ أبي الدنيا وابنُ أبي حاتم أيضًا من طريقِ مجالدٍ، عن الشعبيِّ،","vol":"2","page":537},{"text":"عن ابنِ عباس في قولِهِ تعالى: (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ)\nقال: هو هذا البحرُ تنتثرُ الكواكبُ فيه وتكوَّرُ الشمسُ والقمرُ فيكونُ هو جهنَّمُ.\nورَوى ابنُ جريرٍ بإسنادِهِ عن سعيدِ بن المسيبِ عن عليئّ أنه قال رجلٌ من\nاليهودِ: أينَ جهنم؟\nقال: البحرُ، قال عليٌّ: ما أراه إلا صادقًا، قال تعالى:\n(وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ)، وقال: (وِإذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) .\nورواه آدمُ بنُ أبي إياسٍ في \"تفسيره\" عن حمادِ بن سلمةَ عن داودَ بنِ أبي\nهندٍ عن سعيدِ بنِ المسيبِ، قال: قال عليٌّ ليهودي\": أين جهنم؟\nقال: تحتَ البحر، قالَ عليٌّ: صدق ثم قرأ: (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) .\nوخرَّجه في مواضعَ أُخرَ منه، وفيه ثُمَّ قرأ (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ) .\nوخرَّج ابنُ أبي حاتم بإسنادِهِ عن أبي العاليةَ عن أبيِّ بنِ كعب - ﵁ - (وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ) قال: قالتِ الجنُّ للإنسِ: نأتيكُم بالخبرِ، فانطلقُوا إلى البحرِ فإذا هو نارٌ تأججُ.\nوعن ابنِ لهيعةَ عن أبي قبيلٍ قال: إنَّ البحرَ الأخضرَ هو جهنَّمُ.\nوروى أبو نُعيمٍ بإسنادِهِ عن كعبٍ في قوله تعالى: (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ)، قال: تبدلُ السماواتُ فتصيرُ جنانًا، وتبدلُ\nالأرضُ فيصير مكانَ البحرِ النارُ.\nوقد سبق عن ابنِ عباسٍ أنه قال: النارُ سبعةُ أبحرٍ مطبقةٌ.\nوروى عن عبد اللَّه بن عمرٍو - ﵄ - أنه قال:\nلا يتوضأ بماءِ البحر لأنه طبقُ جهنَّمَ.\nوكذا قال سعيدُ بنُ أبي الحسنِ أخو البصريّ: البحرُ طبقُ جهنَمَ.","vol":"2","page":538},{"text":"وفي \"سننِ أبي داود\" عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو - ﵄ - عن النبي - ﷺ - قال:\n\"لا يركبُ البحرَ إلا حاجٌّ أو معتمرٌ أو غازٍ في سبيلِ الله، فإنَّ تحت البحرِ نارًا وتحتَ النارِ بحرًا \".\nوخرَّج ابنُ أبي حاتم بإسنادِهِ عن معاويةَ بن سعيدٍ، قال: إنَّ هذا البحرَ -\nيعني بحر الروم - وسطَ الأرضِ، والأنهارُ كلّها تصبُّ فيه، والبحرُ الكبيرُ\nيصبُّ فيه، وأسفلُهُ آبارٌ كلها مطبقةٌ بالنحاسِ، فإذا كان يوم القيامةِ أسجرَ.\nوذكر ابنُ أبي الدنيا عن العباسِ بنِ يزيد البحراني، قال: سمعتُ الوليدَ\nابنِ هشامٍ وقلتُ له\": عمن أخذتَ هذا؟\nقال: عن رجل من أهلِ الكتابِ أسلمَ فحسنَ إسلامُهُ، قال: لمَّا التقم الحوتُ يونسَ ﵇ جالَ به الأبحرَ السبعة، فلمَّا كان آخر ذلك انْتهى به الحوتُ إلى قعرِ البحر، موضعٌ يلَي قعرَ جهنَّمَ، فسبحَ يونسُ في بطنِ الحوتِ، فسمعَ قارونُ تسبيحَهُ وهو في النارِ.\nوذكرَ بقية الخبر.\nوروى قيسُ بنُ الربيع عن عبيدِ المكتبِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عمرَ - ﵄ - عن النبيِّ - ﷺ -\n\"إنَّ جهنَّم محيطة بالدنيا، وإن الجنةَ مِنَ ورائه، فلذلك كان الصراطُ\nعلى جهنّم طريقًا إلى الجنة\"\nغريبٌ منكرٌ.\nوقد رُوي عن بعضِهم ما يدلُّ على أن النارَ في السماءِ.\nوروى مجاهدٌ قال في قولهِ تعالى: (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا توعَدُونَ)\nقال: الجنةُ والنارُ، وكذا قال جويبرٌ عن الضحاكِ.\nوروى عاصمٌ عن زرٍّ عن حذيفةَ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال: \"أوتيتُ بالبراقِ فلم نزايلْ","vol":"2","page":539},{"text":"طرفَه أنا وجبريلُ حتَّى أتينا بيتَ المقدس.\nوفُتحتْ لنا أبوابُ السماءِ، ورأيتُ الجنةَ والنارَ\"\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ وغيرُه \" قال في روايةِ المروزيِّ وفي حديثِ\nحذيفةَ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال:\n\"رأيتُ ليلةَ أسري بي الجنةَ والنارَ في السماءِ فقرأتُ هذه الآية:\n(وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ) فكأنَي لم أقرأها قط \"\nوهو تصديقٌ لما قاله حذيفةُ، نقله عنه الخلالُ في كتابِ \"السنة\".\nوهذا اللفظُ الذي احتجَّ به الإمامُ أحمدُ لم نقفْ عليه بعدُ في حديثه\nوإنَّما رُوىَ عنه ما تقدَّم.\nورُوي عن حذيفةَ أنه قال: واللَّهِ ما زال البراقُ حتَّى فُتحتْ لهما أبوابُ\nالسماء ورأيا الجنةَ والنارَ، ووعدَ اللَّهُ الآخرةَ أجمعَ ولم يرفعْهُ، وهذا كلُّه\nليسَ بصريح في أنَّه رأى النارَ في السماءِ كما لا يَخْفى.\nوأيضًا فعلى تقدير صحةِ ذلك اللفظ لا يدلُّ على أنَّ النارَ في السماءِ.\nوإنما يدلُّ على أنه رآها وهو في السماءِ والميتُ يرى في قبره الجنةَ والنارَ\nوليستِ الجنةُ في الأرضِ.\nوقد رأى النبي - ﷺ - في صلاةِ الكسوفِ الجنةَ والنارَ وهو في الأرض، وكذلك في بعضِ طرقِ حديثِ الإسراءِ - حديث أبي هريرة - أنَّه مرَّ على أرضِ الجنةِ والنارِ في مسيره إلى بيتِ المقدسِ، ولم يدلَّ شيءٌ من ذلك على أنَّ الجنةَ في الأرض، فحديثُ حذيفةَ إن ثبتَ أنه رأى الجنةَ والنارَ في السماءِ، فالسماءُ ظرفٌ للرؤيةِ لا للمرئيِّ، واللَّه أعلمُ.\nوفي حديثِ أبي هارون العبديِّ، وهو ضعيفٌ جدًّا عن أبي سعيد،","vol":"2","page":540},{"text":"الخدريِّ في صفةِ الإسراءِ أنه - ﷺ - رأى الجنةَ والنارَ فوق السماواتِ، ولو صحَّ لحُمل على ما ذكرناه أيضًا.\nوقد روى القاضي أبو يعْلى بإسناد جيدٍ عن أبي بكر المروذيِّ أن الإمامَ\nأحمدَ فسَّر له من القرآن آياب متعددة، فكانَ مما فسَّرهُ له قولهُ تعالى: (وَإِذَا\nالْبِحَارُ سُجِّرَتْ) قال: أطباقُ النيران (وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ)، قال: جهنَّم.\nوهذا يدلُّ على أن النارَ في الأرضِ، بخلافِ ما رواه الخلاَّلُ عن المروذيِّ.\nواللَّه أعلم.\nوأما المرويُّ عن مجاهدٍ، فقد تأوَّلَهُ بعضُهم على أنَّ المرادَ أن أعمالَ الجنةِ\nوالنارِ مقدرة في السماءِ من الخيرِ والشرِّ، وقد صرَحَ بذلك مجاهدٌ في روايةِ\nأخرى عنه.\nوقد وردَ في بعضِ طرقِ حديثِ الإسراءِ أنه - ﷺ - رأى جهنم في طريقِهِ إلى بيتِ المقدسِ، ورُوي عن عبادةَ بنِ الصامتِ أنه وقفَ على سورِ بيت المقدسِ الشرقيِّ يبْكي، وقال: ها هُنا أخبرنا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - أنه رأى جهنَّمَ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-363>قوله تعالى: (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤)</span>\nقال تعالى: (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ (١٤) .\nوقُرئ (سُعِّرت و(سُعِرَت) بالتشديدِ والتخفيفِ.\nقال الزجاجُ: المعنى واحدٌ، إلا أنَّ معنى المشددِ أوقدتْ مرةً بعد مرةٍ.","vol":"2","page":541},{"text":"قال قتادةُ: (وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ) .\nأوقدتْ، وقال السُّديُّ: أحميتْ، وقال سعيدُ بنُ بشيرٍ عن قتادةَ: يسعرُهَا غضبُ اللَّهِ وخطايا بني آدمَ.\nخرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ.\nوهذا يقتضى أنَّ تسعيرَ جهنَّم حيثُ سعرتْ إنما سعرتْ بخطايا بني آدمَ\nالتي تقتضي غضبَ اللَّه عليهم، فتزدادُ جهنَم حينئذٍ تلهبًا وتسعُّرًا، وهذا كما أن بناءَ دورِ الجنةِ غرس الأشجارِ يحصلُ بأعمالِ بني آدمَ الصالحةِ من الذىِ وغيرِهِ، وكذلك حُسنُ ما فيها من الزوجاتِ وغيرهنَّ يتزايدُ بتحسبنِ الأعمالِ الصالحةِ، فكذلك جهنَّم تسعرُ وتزدادُ آلاتُ العذابِ فيها بكثرةِ ذنوبِ بني آدم وخطاياهم وغضبِ الربِّ تعالى عليهم.\nنعوذُ باللَّه من غضبِ اللَّه ومن النارِ وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ بِمنِّهِ\nوكرمِهِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-364>قوله تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥)</span>\nانخنستُ: أي: توارَيْتُ، واختفيتُ منه، وتأخَّرتُ عنه، ومنه: الوَسْواسُ\nالخنَّاسُ، وهو الشيطانُ، إذا غَفَلَ العبدُ عن ذِكْرِ اللَّهِ وَسْوَسَ له، فإذا ذَكَر اللَّه خنَسَ وتأخر.\nومنه سُميِّتِ النجومُ خُنَّسًا، قال تعالى: (فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) .","vol":"2","page":542},{"text":"وانخِناسُها: رُجُوعُها وتوارِيها تحت ضوء الشَّمسِ.\nوقيل: اختفاؤها بالنهار.\n* * *","vol":"2","page":543},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-365>سُورَةُ الانْفِطَارِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-366>قوله تعالى: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)</span>\nوقولُهُ @ك@ي@ا: \"إن خلقَ أحدِكُم يُجمعُ في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا نطفةً\" قد رُوي تفسيرُهُ عن ابنِ مسعودٍ.\nروى الأعمشُ عن خيثَمةَ، عن ابنِ مسعودٍ، قال:\nإن النطفةَ إذا وقعتْ في الرَّحِمِ، طارتْ في كلِّ شعرٍ وظُفر، فتمكثُ أربعينَ\nيومًا، ثم تنحدِرُ في الرَّحِمِ فتكونُ علقةً، قال: فذلكَ جمعُها.\nخرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ وغيرُه.\nورويَ تفسيرُ الجمع مرفوعًا بمعنى آخرَ، فخرَّج الطبرانيُّ، وابنُ منده في\nكتابِ \"التوحيد\" من حديثِ مالكِ بنِ الحويرثِ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال:\n\"إنَّ اللَّه تعالى إذا أرادَ خلقَ عبد، فجامعَ الرجلُ المرأةَ، طارَ ماؤهُ في كل عِرْقٍ وعضو منها، فإذا كان يومُ السابع جمعه اللَّهُ، ثم أحضرَهُ كلَّ عرق له دونَ آدم: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) .\nوقال ابنُ منده: إسنادهُ متصل مشهور على رسم أبي عيسى والنسائي\nوغيرِهما.\nوخرَّجَ ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتم، والطبراني من روايةِ مُطَهَّرِ بنِ الهيثم،","vol":"2","page":544},{"text":"عن موسى بن عليّ بنِ رباح، عن أبيه، عن جدِّه أنَّ النبى - ﷺ - قال لجدِّه:\n\"يا فلانُ، ما وُلِدَ لك؟ \" قال: يا رسولَ اللَّه، وما عَسَى أن يولَدَ لي؟\nإمَّا غلامٌ وإمَّا جارية، قال: \"فمَنْ يشبُه؟ \"\nقال: من عسى أن يشبه؟ يشبه أمَّه أو أباه، قال:\nفقال النبيُّ - ﷺ -:\n\"لا تقولن كذا، إن النطفةَ إذا استقرتْ في الرحِمِ، أحضرها الله كل\nنسبٍ بينها وبين آدمَ، أما قرأت هذه الآيةَ: (فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) .\nقال: \"سلكك \" وهذا إسناد ضعيفٌ.\nومطهرُ بنُ الهيثم ضعيص جدا، وقال البخاريُّ: هو حديثٌ لم يصح.\nوذكر بإسنادِهِ عن موسى بن علي عن أبيه أن أباهُ لم يُسلِم إلا في عهدِ أبي\nبكرٍ الصدِّيقِ يعني: أنه لا صحبةَ له.\nويشهدُ لهذا المعنى قول النبى - ﷺ - للذي قال له: ولَدتِ امرأتي غُلامًا أسودَ: \"لعله نزعه عرقٌ \".\n* * *","vol":"2","page":545},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-367>سُورَةُ المُطَفِّفينَ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-368>قوله تعالى (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧)</span>\nروى عطيةُ عن ابنِ عباسٍ، قال: الجنةُ في السماء السابعةِ، ويجعلُها اللهُ\nحيثُ يشاءُ يومَ القيامةِ، وجهنَّم في الأرضِ السابعةِ.\nخرَّجه أبو نُعيمٍ.\nوخرَّج ابنُ منده من حديثِ أبي يحيى القتاتِ عن مجاهد، قال: قلتُ\nلابنِ عباسٍ: أين الجنَّةُ؟\nقال: فوقَ سبع سماوات، قلتُ: فأين النارُ؟\nقال: تحتَ سبع أبحرٍ مطبقةٍ.\nوروى البيهقيُّ بإسنادِ فيه ضعف عن أبي الزعراءَ عن ابنِ مسعودٍ، قال:\nالجنَّة في السماءِ السابعةِ العُليا، والنارُ في الأرضِ السابعةِ السفلَى، ثمَّ قرأ:\n(إِن كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ) و(إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ) .\nوخرَّجه ابنُ منده وعنده: \"فإذا كان يومُ القيامةِ جعلَها اللَهُ حيثُ شاءَ\".\nوقال محمدُ بنُ عبد الله بن أبي يعقوبَ، عن بشرِ بنِ شغافٍ، عن عبدِ\nاللَّهِ بنِ سلامٍ، قال: إن الجنًّةَ في السماءِ، وإن النارَ في الأرضِ.\nخرَّجه ابنُ خزيمةَ وابنُ أبي الدنيا.\nورَوى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ، عن قتادة، قال: كانُوا يقولونَ: إنَّ الجنَّةَ في\nالسمواتِ السبع، وإنَّ جهنَّم لفي الأرضينَ السبع.\nوروى ورقاءُ عن ابنِ أبي نجيح عن مجاهد:","vol":"2","page":546},{"text":"(وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا توعَدُونَ) .\nقال: الجنةُ في السماءِ، وقد استدلَّ بعضُهم لهذا بأنَّ\nاللَّهَ تعالى أخبرَ أنَّ الكفارَ يُعرضونَ على النارِ غدوًّا وعشيًّا - يعني في مدةِ\nالبرزخ - وأخبر أنه لا تُفتَّح لهم أبوابُ السماءِ، فدلَّ على أنَّ النارَ في\nالأرضِ، وقال تعالى: (كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (٧) .\nوفي حديثِ البراء بنِ عازبٍ عن النبيِّ - ﷺ - في صفةِ قبضِ الروح، قال في روح الكافرِ:\n\"حتَّى ينتهُوا بها إلى السماءِ الدنيا فيستفتحونَ فلا يُفتحُ له \" ثم قرأ\nرسولُ اللَّه - ﷺ - ّ: (لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ) .\nقال: \"يقولُ الله تعالى: اكتُبُوا كتابَه في سجين في الأرضِ السُّفلى\"\nقال: \"فتُطرحُ روحُه طرحًا\".\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ وغيرُه.\nوعن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ - في صفةِ قبضِ الروح وقال في روح الكافرِ:\n\"فتخرجُ كأنتنِ ريح جيفةٍ، فينطلقونَ به إلى بابِ الأرضِ فيقولونَ. ما أنتنُ هذه الريحَ، كلما أتَوا على أرضٍ قالُوا ذلكَ، حتى يأتُوا به إلى أرواح الكفار\".\nخرَّجه ابنُ حبانَ والحاكمُ وغيرُهما.\nوقال عبدُ اللَّهِ بنُ عمرِو بنِ العاصِ في: أرواحُ الكفارِ\nفي الأرضِ السابعةِ.\n* * *","vol":"2","page":547},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-369>قوله تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) </span>ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧)\nوأعظمُ عذابِ أهلِ النارِ حجابُهم عن اللَّه ﷿، وإبعادُهم عنه.\nوإعراضُه عنهم، وسخطُه عليهم، كما أنَّ رضوانَ اللَّه على أهلِ الجنةِ أفضلُ\nمن كلِّ نعيم الجنة، وتجليه لهم ورؤيتهم إيَّاهُ أعظمُ من جميع أنواع نعيم\nالجنةِ، قال اللَّه تعالى: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) .\nفدْكر اللَّهُ تعالى ثلاثةَ أنواعٍ من العذابِ:\nحجابُهم عنه، ثم صليهم الجحيمَ، ثم توبيخُهم بتكذيبِهِم به في الدنيا.\nووصفَهُم بالرانِ على قلوبِهِم، وهو صدأُ الذنوب الذي سوَّد قلوبَهُم، فلم\nيصلْ إليها بعدَ ذلك في الدنيا شيءٌ من معرفةِ اللًّهِ ولا منْ إجلالِهِ ومهابتِهِ\nوخشيتِهِ ومحبتِهِ، فكما حجبتْ قلوبُهم في الدنيا عن اللَّهِ حجبوا في الآخرةِ\nعن رؤيتِهِ، وهذا بخلافِ حالِ أهلِ الجنةِ.\nقال اللَّه تعالى: (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ)، والذي أحسنوا هم أهلُ الإحسانِ، والإحسانُ أن يعبدَ العبدُ ربَّهُ\nكانّه يراهُ، كما فسَّره النبيُّ - ﷺ - لما سأله عنه جبريلُ ﵇، فجعلَ جزاء الإحسانِ الحسنى: وهو الجنَّةُ، والزيادةُ: وهي النظرُ إلى وجهِ اللَّه ﷿، كما فسَّرهُ بذلك رسولُ اللَّه - ﷺ - في حديثِ صهيبٍ وغيرِهِ.","vol":"2","page":548},{"text":"قال جعفرُ بنُ سليمانَ: سمعتُ أبا عمرانَ الجونيَّ قال: إنَّ اللَّه لم ينظرْ\nإلى إنسانٍ قطُّ إلا رحِمَهُ، ولو نظرَ إلى أهلِ النارِ لرحمَهُم، ولكن قضَى أن\nلا ينظرَ إليهم.\nوقال أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: حدثنا أحمدُ بنُ موسى عن أبي مريم، قال:\nيقول أهلُ النارِ: إلهَنا ارضَ عنَّا وعذبْنا بأيِّ نوعٍ شئتَ من عذابِكَ، فإن\nغضبَك أشدُّ علينا من العذابِ الذي نحنُ فيه، قال أحمدُ: فحدثتُ سليمانَ\nابنَ أبي سليمانَ، فقال: ليس هذا كلامُ أهلِ النارِ، هذا كلامُ المطيعينَ للَّه.\nقال: فحدثتُ به أبا سليمانَ، فقالَ: صدق سليمانُ بنُ أبي سليمانَ -\nوسليمانُ وهو ولدُ أبي سليمانَ الدرانى، وكان عارفًا كبيرَ القدرِ ﵀ -\nوما قاله حقّ، فإنَّ أهلَ النارِ جهالٌ لا يتفطنونَ لهذا، وإن كان في نفسِهِ حقًّا، وإنَّما يعرفُ هذا مَنْ عرفَ اللَّهَ وأطاعَهُ، ولعل هذا يصدرُ من بعضِ من\nيدخلُ النارَ من عصاةِ الموحدينَ، كما أن بعضَهُم يستغيثُ باللَّهِ لا يستغيثُ\nبغيره، فيخرجُ منها، وبعضُهم يخرجُ منها برجائِهِ للَّه وحدَهُ، وبعضُ من\nيؤمرُ به إلى النارِ يتشفع إلى اللَّه بمعرفتِهِ فينجيهِ منها.\nقال أبو العباس بنِ مسروقٍ: سمعتُ سويدَ بنَ سعيد يقولُ: سمعتُ\nالفضيلَ بنَ عياضٍ، يقول: يوقفُ رجل بين يدي اللَّهِ ﷿، لا يكونُ\nمعه حسنة، فيقول اللَّهُ ﷿: اذهبْ هل تعرفُ أحدًا من الصالحينَ أغفرُ\nلكَ بمعرفتهِ، فيذهبُ فيدورُ مقدارَ ثلاثين سنة فلا يرى أحدًا يعرفُهُ، فيرجعُ\nإلى اللَّه ﷿، فيقولُ: يا ربِّ لا أرى أحدًا، فيقولُ اللَّه ﷿:\nاذهبُوا به إلى النارِ، فتتعلقُ به الزبانيةُ يجرُّونه، فيقول: يا ربِّ إن كنتَ تغفر\nلي بمعرفة المخلوقينَ فإني بوحدانيتِكَ أنت أحقُّ أن تغفرَ لي، فيقولُ اللَّه - ﷿ -","vol":"2","page":549},{"text":"للزبانية: ردُّوا عارفي لأنه يعرفني واخلعُوا عليه خلعَ كرامتي، ودعَوه يتبحبح\nفي رياضِ الجنَّةِ، فإنه عارفٌ بي وأنا له معروف.\n* * *\nقالَ الله تعالى لمحي حقِّ الفجارِ: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (١٧) .\nفوصفَهُم بأنَّ كسبَهُم رانَ على قلوبِهِم، والرانُ هو ما يعلُو على القلبِ من الذنوبِ من ظلمةِ المعاصي وقسوتِها، ثمَّ ذكرَ جزاءَهُم على ذلكَ وهو ثلاثةُ أنواع: الحجابُ عن ربِّهم، ثم صَلْيُ الجحيمِ، ثم التوبيخُ.\nفأعظم عذاب أهلِ النارِ حجابُهم عن ربِّهم ﷿، ولمَّا كانتْ قلوبُهم\nفي الدنيا مظلمة قاسيةٌ لا يصلُ إليها شيءٌ من نورِ الإيمانِ وحقائقُ العرفانِ\nكان جزاؤهم على ذلكَ في الآخرةِ حجابَهم عن رؤية الرحمنِ.\nقالَ بعضُ العارفين: \" من عرفَ اللَّهَ في الدنيا، عرِفَهُ بقدرِ تعرُّفِهِ إليه.\nوتجلَّى له في الآخرةِ بقدرِ معرفتِهِ إياه في الدُّنيا فرأوه في الدنيا رؤيةَ الأسرارِ.\nورأَوه في الآخرةِ رؤيةَ الأبصارِ، فمنْ لا يراهُ في الدنيا بسرهِ لسرهِ، لا يراهُ\nفي الآخرةِ بعينه \" انتهى.\nفخوفُ العارفينَ في الدنيا من احتجابِهِ عن بصائرِهِم، وفي الآخرةِ من\nاحتجابهم عن أبصارِهِم ونواظرِهِم.\nوكتبَ الأوزاعيُّ إلى أخ له: \"أما بعد: فإنَّه قدْ أحيطَ بك من كل جانبٍ،","vol":"2","page":550},{"text":"واعلمْ أنّه يسَارُ بك في كلِّ يومٍ وليلةٍ، فاحذرِ اللَّهَ والمقامَ بين يديه، وأن\nيكونَ آخرَ عهدكَ به السلامُ \".\nوكان عتبةُ الغلامُ يبكي بالليلِ ويقولُ: \"قطعَ ذكرُ العرضِ على اللَّهِ أوصالَ\nالمحبينَ \" ثم يحشرجُ البكاء حشرجةَ الموتِ ويقولُ: \"تراك مولاي تعذِّبُ\nمحبَّك وأنتَ الحيُّ الكريمُ \"\nوباتَ ليلةً بالساحل قائِمًا يردِّدُ هذه الكلماتِ لا يزيدُ عليها ويبْكي حتى أصبح: \"إن تعذِّبْني فإنِّى محبٌّ لك، وإن ترحمْني فإني محبٌّ لك \".\nوكان كهمسُ يقولُ فى الليلِ: \"أتراكَ تعذِّبنى وأنت قرةُ عينى يا حبيبَ\nقلبَاه \".\nوكان أبو سليمانَ يبْكي ويقولُ: \"لئنْ طالبني بذنوبى لأطالبنَّهُ بعفوه، ولئنْ\nطالبَني ببخلي لأطالبنَّه بجودِهِ، ولئنْ أدخلني النارَ، لأخبرنَّ أهلَ النارِ أنَّى\nكنت أحبُّه \".\nومما يخافُه العارفونَ فواتَ الرِّضا عنهم، وإن وجَدُوا العفوَ أو تركَ\nالعقوبةِ، فإنَّ الرّضا أحبُّ إليهم من نعيم الجنةِ كلِّه مع الإعراضِ وعدمِ\nالتقريبِ والزُّلفى، وقد قال ﷾: (وَمَسَاكنَ طَيبَةً فِى جَنَّاتِ عَدْنٍ\nوَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكبَرُ) يعني: أكبرَ من نعيم الجنةِ.\nوفي \"الصحيح \" عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"إنَّ اللهَ يقولُ لأهلِ الجنةِ: ألا أُعْطِيكُمْ أفْضَلَ من ذلكَ؟\nقالوا: وما أفْضَلُ من ذلك؟\nقال: أُحل عليكمْ رضْواني فلا أسْخطُ عليكم بعدَه أبدًا \".\n* * *","vol":"2","page":551},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-370>قوله تعالى: (خِتَامُهُ مِسْكٌ)</span>\nوقد قيل في تاويل قولِهِ تعالى: (خِتَامُهُ مِسْكٌ) .\nإنَّ المُرادَ بالختامِ ما يَبْقى، في سُفْلِ الشرابِ منَ الثُّفْلِ، وهذا يدلُّ على أنَّ أنهارَها تجْرِي على المسْكِ، ولذلك يرسُبُ منه في الإناءِ في آخرِ الشَّرابِ، كما يرسُبُ الطيْنُ في آنيةِ الماءِ في الدُنيا.\n* * *","vol":"2","page":552},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-371>سُورَةُ البُرُوجِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-372>قوله تعالى: (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣)</span>\nيوم عرفة له فضائل متعددة:\nمنها: أنه قد قيلَ: إنَّه الشَّفع الذي أقسَمَ اللَّه به في كتابِهِ، وأنَّ الوتْرَ يومُ\nالنَّحْرِ، وقد رُوي هذا عن النبي - ﷺ - من حديثِ جابرِ، خرَّجَهُ الإمامُ أحمد والنسائيُّ في \"تفسيره\"\nوقيل: إنَّه الشاهدُ الذي أقسمَ اللَّهُ به، في كتابِهِ، فقال تعالى: (وَشَاهِد وَمَشْهُود)\nوفي \"المسندِ\" عن أبي هريرة مرفوعًا وموقوفًا:\n\"الشاهدُ يومُ عَرَفةَ، والمشهودُ: يومُ الجُمُعة \"\nوخرَّجه الترمذيُّ مرفوعًا.\nورُوي ذلك عن على من قولِهِ.\nوخرَّجه الطبرانيُّ من حديثِ أبي مالكٍ الأشعريِّ مرفوعًا:\n\"الشاهد: يومُ الجُمُعةِ، والمشهودُ: يومُ عرفَة\"\nوعلى هذا فإذا وقعَ يومُ عرفة في يومِ جُمُعة فقد\nاجتمع في ذلك اليوم شاهدٌ ومشهودٌ.\n* * *","vol":"2","page":553},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-373>قوله تعالى: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤)</span>\nقال عليٌّ بنُ أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ في قولِهِ تعالى: (الْوَدُودُ)\nقال: يقولُ: \"الحبيبُ \".\nخرَّجه ابنُ أبي حاتمٍ في \"تفسير\".\nوفي حديثِ أبي جعفر الرازيِّ عن الربيع بنِ أثسٍ عن أبي العاليةَ أو غيره عن أبي هريرةَ في قصةِ الإسراءِ الطويلةِ في ذكرِ سدرةِ المنتهى، قال:\n\"فغشاها نورُ الخالقِ وغشيتْها الملائكةُ مثلُ الغربانِ حينَ يقعْنَ على الشجرةِ من حبِّ اللَّهِ جلَ ثناؤهُ \".\nقال الجوزجانيُّ: حدثنا أبو صالح أنَّ معاويةَ حدَّثه عن يزيد بن ميسرةَ أنه\nسمعَ أبا الدرداءِ يقولُ: لما أهبطَ اللَّهُ آدمَ إلى الأرضِ قال له: \"يا آدمُ أحِبَّني\nوحبِّبني إلى خلقِي ولا تَسْتَطِيعُ ذلك إلا بي ولكنِّي إذا رأيتُك حريصًا على\nذلك أعنتُك عليه، فإذا فعلتَ ذلك فخُذْ به اللذةَ والنضرة وقرةَ العينِ\nوالطمأنينة.\nقال خليد العصريُّ: \"يا إخوتَاهُ، هلْ منكُم من أحدٍ لا يحبُّ أن يلَقى\nحبيبَه؛ ألا فأحبُّوا ربَّكم ﷿ وسيرُوا إليه سيْرًا جميلًا لا مصعدًا ولا\nمميلًا\".\nوخرَّج ابنُ أبي الدنيا من طريقِ ابن لهيعةَ حدَّثني عبدُ الحميدِ بنُ عبدِ اللَّهِ\nابنِ إبراهيمَ القرشيُّ عن أبيه قالَ: لما نزلَ بالعباسِ بنِ عبدِ المطلبِ الموتُ قال\nلابنِهِ عبدِ اللَّه: \"إنِّي موصيكَ بحبِّ اللَّهِ وحبِّ طاعتِهِ، وخوفِ اللَّهِ وخوفِ\nمعصيتِه، وإنَّك إذا كنتَ كذلك لم تكره الموتَ متى أتاك \".\nقال أحمدُ بنُ أبي الحواريِّ: حدثنا أبو صالح الخراساني، قال: حدثنا","vol":"2","page":554},{"text":"إسحاقُ بنُ نجيح عن إسماعيلَ الكنديّ قال: جاءَ رجلٌ من البصرةِ إلى\nطاووسَ ليسمعَ منه فوافاهُ مريضًا فجلسَ عند رأسِهِ يبْكي.\nفقال: ما يبكيك؟\nقال: \"واللَّهِ ما أبْكي على قرابة بيني وبينك ولا على دُنيا جئتُ أطلبُها منكَ، ولكنْ على العلم الذي جئتُ أطلبُه منكَ يفوتُني \".\nقال له طاووسُ: \"إنِّي موصيكَ بثلاثِ كلماتٍ إنْ حفظتَهُن علمتَ علمَ\nالأولينَ، وعلمَ الآخرينَ، وعلمَ ما كانَ، وعلمَ ما يكونُ: خَفِ اللَّهَ حتى لا\nيكونَ عندكَ شيءٌ أخوفَ منه، وارْجُ اللَّهَ حتى لا يكونَ عندكَ شيءٌ أرجا\nمنه، وأحبَّ اللَّهَ حتى لا يكونَ شيءٌ أحبَّ إليك منه \".\nفإذا فعلتَ ذلك علمتَ علمَ الأولين والآخرِينَ، وعلمَ ما كانَ وعلمَ ما يكون \" فقال: \"لا جرم لا سألتُ أحدًا بعدك عن شيءٍ بقيتُ \".\nوعن إبراهيم بن الأشعثِ قال: \"سمعتُ الفضيلَ بنَ عياضٍ يقولُ:\nمرَّ عيسى ﵇ بثلاثةٍ من الناسِ نحلتْ أجسامُهم وتغيرتْ ألوانُهم، فقال: ما الذي بلغَ بكُم ما أرى؟\nقالوا: الخوفُ من النيرانِ.\nقال: مخلوقًا خِفتُم وحق على اللَّهِ أن يؤمنَ الخائفَ، ثم جاوزَهُم إلى ثلاثةٍ أُخر، فإذا هُم أشدُّ تغيرًا وأنحلُ أجسامًا، فقال: ما الذي بلغَ بكُم ما أري؟\nقالوا: الشوقُ إلى الجنَّةِ، قال: مخلوقًا اشتقْتُم وحقٌّ على اللَّهِ أن يعطيكم ما رجوتُم، ثم جاوزَهُم إلى ثلاثةٍ أُخر فإذا هم أشدُّ تغيرًا وأنحل أجسامًا، كأنَّ على وجوهِهِم المرَايا من النور، فقالَ: ما الذي بلغَ بكُم ما أرى؟\nقالوا: حبُّ اللَّهِ ﷿، قال: أنتم المقربونَ، أنتم المقرَّبونَ، أنتُم المقربون \".\nوروى إبراهيمُ بنُ الجنيدِ بإسنادِهِ عن كعبِ قال: أوحى اللَّهُ إلى موسى","vol":"2","page":555},{"text":"﵇: \"إن إبراهيم ﵇ لم يحبَّني أحدٌ من خلقي كحبِّه إياي \".\nوعن أبي حازمِ القيساريِّ قال: مكتوبٌ في الإنجيلِ: \"يا عيسى، الحقُّ\nوالحقَّ أقول: إنَي أحَبُّ إلى عبدِي من نفسِهِ التي بين جنبيه \".\nوعن ابنِ عيينةَ عن رجلٍ: عن يحيى بن أبي كثير اليمانيّ، قال: نظرْنَا\nفلم نجدْ شيئًا يتلذذُ به المتلذذون أفضلَ من حبِّ اللَّهِ ﷿ وطلبِ\nمرضاتِهِ.\nوعن سعيد بن عامر عن محمدِ بنِ ليث عن بعضِ أصحابهِ قال: كان\nحكيمُ بنُ حزامِ يطوفُ بالبيتِ ويقول: لا إله إلا الله، نعم الربُّ ونِعْمَ الإلهُ.\nأحبه وأخشاه.\nوعن بكرِ المزنيِّ قال: ما فاقَ أبو بكرٍ أصحابَ محمد - ﷺ - بصومٍ ولا صلاة، ولكنْ بشيءِ وقرَ في قلبِهِ.\nقال إبراهيمُ: بلغني عن ابنِ عُليَّة أنه قال: في عقيبِ هذا الحديثِ: الذي\nكان في قلبِهِ الحبُّ للهِ ﷿، والنصيحةُ في خلقِهِ.\nقال ابنُ أبي الدنيا حدَّثنا هارونُ بن سفيانَ حدَّثنا عبدُ اللَّهِ بن صالح\nأخبرني بعضُ أهلِ البصرةِ، قال: لمَّا استَقضى سوَّارٌ بالبصرة، كتبَ إليه أخٌ له كان يطلبُ العلمَ معه وكان ببعضِ الثغورِ:\n\"أمَّا بعدُ، أوصيك بتقوى اللهِ الذي جعلَ التقوى عِوَضًا من كلِّ فائتِ منَ الدنيا، ولم يجعلْ شيئًا من الدنيا يكونُ عِوَضًا من التَّقوى، فإنَّ التقوى عقدةُ كل عاقلِ مستبصرٍ، إليها يستروِحُ، وبها يستن، ولم يظفرْ أحد في عاجلِ هذه الدنيا وآجلِ الآخرةِ بمثلِ ما ظفرَ به أولياءُ الله الذين شربُوا بكأس حبِّه، فكانتْ قرةَ أعينهم فيه،","vol":"2","page":556},{"text":"ولكنهم أعملُوا أنفسهم في جسيم الأدبِ وأراضوها رياضةَ الأصحابِ\nالصادقينَ، فطلَّقُوها عن فضولِ الشهواتِ وألزمُوها القوتَ المقلق، وجعلُوا\nالجوعَ والعطشَ شِعارًا لها برهةً من الزمان، حتى انقادتْ وأذعنِت وعزفتْ\nلهم عن فضولِ الحطامِ، فلمَّا ظعنَ حبُّ فضولِ الدنيا من قلوبِهم، وزايلتْها\nأهواءُهم وانقعطتْ أمانِيهم وصارتِ الآخرةُ نصبَ أعينهم ومنتهى أملِهم.\nورَّثَ اللُّه قلوبَهم نورَ الحكمة، وقلَّدها قلائدَ العصمةِ، وجعلَهم دعاةً لمعالم\nالدين يلمُّون منه الشعثَ، ويشعبون منه الصدعَ.\nلم يلبثُوا إلا يسيرًا حتَّى جاءهم من اللهِ موعدٌ صادقٌ اختصَّ به العاملينَ له، والعاملينَ به دونَ من سواهم، فإذا سرك أن تسمعَ صفةَ الأبرارِ الأتقياءِ، فصفةُ هؤلاءِ فاستمِعْ، وشمائلَهُم الطيبةَ فاتبعْ، وإياكَ يا سوارُ وبنياتِ الطريقِ والسلامُ \".\nوخرَّج أبو نُعيمٍ بإسناده عن الربيع بنِ برةَ عن الحسنِ في قولهِ تعالى: (يَا\nأَيَّتهَا النَّفْسُ الْمطْمَئِنَّة) قال: \"النفسُ المؤمنة اطمأنَّتْ إلى اللَّه واطمأنَّ\nإليها، وأحبَّتْ لقاءَ الله، وأحبَّ لقاءهَا، ورضيتْ عن اللَّهِ ورضي عنها، فأمرَ بقبضِ رُوحِهَا، فغفرَ لها وأدخلها الجنةَ، وجعلها من عباده الصالحين \".\nوروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن مسمع بنِ عاصم عن نعيم بنِ صبيح\nالسعديِّ قال:\n\"هممُ الأبرارِ متصلةٌ بمحبةِ الرحمنِ، وقلوبُهم تنظرُ إلى مواضع\nالعزِّ من الآخرةِ بنورِ أبصارِهم \".\nوقال مسمعٌ: سمعتُ عابدًا من أهلِ البحرينِ يقول في جوفِ الليل:\n\"قرةَ عيني وسرورَ قلبي، ما الذي أسقطنِي من عينِكَ يا مانحَ العصم، ثم صرخَ وبكى، ثمَّ نادَى: طوبى لقلوبٍ ملأتْهَا خشيتُكَ، واستولتْ عليها محبّتكَ، فمحبتُكَ مانعةٌ لها من كُلِّ لذَّه غيرَ مناجاتِكَ، والاجتهادِ في خدمتكَ،","vol":"2","page":557},{"text":"وخشيتُك قاطعةٌ لها عن سبيل كُلِّ معصية خوفا لحلول سخطكَ، ثم بكى\nوقال: يا إخوتاهُ، ابكوا على فوت خير الآخرةِ، حيث لا رجعةَ ولا حيلة.\nوبإسناده عن أيوبَ بن حوطٍ عن قتادةَ قال: كان في حضر عتتْ، شيخٌ\nيقال له: سوادُ بنُ محمدٍ كان لا يقدر أن يسمعَ القرآنَ من شدةِ خوفه وكان\nيقولُ: سيدُ الأعمالِ التقوى. ثم البذلُ، ثم بعدَ البذلِ الشكرُ، ثم بعدَ\nالشكرِ الرِّضا، ثم بعدَ الرِّضا التعظيمُ، ثم بعد التعظيم الحبُّ للَّه والإجلالُ\nله \".\nومعنى هذا أن درجة الحبِّ المستحبةَ التي ذكرناها في أوَّلِ الكتابِ متأخرةٌ\nعن درجةِ الشكرِ والرِّضا والتعظيم والبذلِ.\nأما الواجبةُ فإنها تدخلُ في التقوى كما سبقَ بيانُه.\n* * *","vol":"2","page":558},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-374>سُورَةُ الفَجْرِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-375>قوله تعالى: (وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢)</span>\nفي حديثِ ابنِ عُمَرَ المرفوع: \"ما مِنْ أيامٍ أعظمُ عندَ اللهِ ولا أحب إليه العمَلُ\nفيهنَّ من هذه الأيام العَشْرِ\"\nوفي \"صحيح ابنِ حبانَ \" عن جابرٍ عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"ما مِنْ أيامٍ أفضلُ عندَ اللَهِ من أيام عشْرِ ذي الحجةِ\".\nورويناه من وَجهٍ آخرَ بزيادةٍ، وهي: \"ولا لياليَ أفْضَلُ من لياليهن) .\nقيل: يا رسول اللَّه، هُنَّ أفضْلُ منْ عِدتهنَّ جهادًا في سبيل اللَّه؟\nقال: \"هُنَّ أفضلُ من عِدتهنَّ جهادًا فى سبيلِ اللهِ، إلا من عُفِّرَ وجهُه تعْفيرًا، وما منْ يَومٍ أفضلُ من يومِ عرفة\"\nخرَّجه الحافظ أبو موسى المدينيُّ منْ جهةِ أبي نُعيمٍ الحافظِ بالإسنادِ الذي خرَّجه به ابنُ حبَّانَ.\nوخرَّجَه البزار وغيرُه من حديثِ جابرٍ أيضًا عن النبيِّ - ﷺ -، قال:\n\"أفضَلُ أيام الدنيا أيامُ العشْرِ\".\nقالُوا: يا رسول اللَّه، ولا مثلُهُنَّ في سبيلِ اللَّه؟\nقال: \"ولا مثْلُهُنَّ في سبيلِ اللَّهِ، إلا مَنْ عُفرَ وجهُه بالترابِ \".\nورُوي مرْسَلًا وقيل: إنَّه أصحُّ، وقد سبق ما رُوي عن ابنِ عُمرَ: قال:\nليس يوم أعْظمُ عندَ اللَّهِ من يومِ الجمعة، ليْسَ العشْرَ.\nوهو يدلُّ على أنَّ أيامَ العشْرِ أفضَلُ من يومِ الجُمُعة الذي هو أفضَلُ الأيامِ.","vol":"2","page":559},{"text":"وقال سهيلُ بنُ أبي صالح، عن أبيه، عن كعبٍ، قال: اختارَ اللَّهُ الزمانَ.\nفأحبُّ الزَّمانِ إلى اللَّهِ الشهرُ الحرامُ، وأحبُّ الأشهرِ الحُرُمِ إلى اللهِ ذو\nالحجَّةِ، وأحبُّ ذي الحجَّة إلى اللَّه العشرُ الأُوَلِ.\nورواه بعضُهم عن سُهيلٍ عن أبيه، عنْ أبي هريرة، ورفعه، ولا يصحُّ ذلك، وقال مسروقٌ في قولهِ تعالى: (وَلَيَالٍ عَشْرٍ): هي أفضلُ أيَّامِ السنَةِ.\nخرَّجه عبدُ الرزاقِ وغيرُهُ، وأيضًا فأيَّامُ هذا العشْرِ يشْتملُ على يوم عرفة. وقد رُوي أنه أفضَلُ أيَّامِ الدنيا، كما جاء في حديثِ جابر الذي ذكرناه وفيه: \"يومُ النَّحْرِ\".\nوفي حديثِ عبدِ اللَّه بنِ قُرْطٍ، عن النبيِّ - ﷺ -، أنه قال: \" أعظمُ الأيامِ عندَ اللَّه يومُ النَحْرِ، ثمَّ يومُ القَر \".\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ وأبو داود وغيرُهما، وهذا كلُّه\nيدلُّ على أن عشْرَ ذي الحجَّةِ أفْضلُ من غير من الأيَّامِ منْ غيرِ استثناءٍ، هذا\nفي أيامِهِ.\nفأمَّا لياليه فمنَ المتأخِّرينَ منْ زعمَ أنَّ ليالي عشْرِ رمضانَ أفضلُ منْ لياليه.\nلاشْتمالِهَا على ليلةِ القدرِ، وهذا بعيد جدًّا.\nولو صحَّ حديثُ أبي هريرة: \"قيامُ كلِّ ليلةٍ منها بقيام ليلة القدر\"\nلكان صريحًا في تفضيلِ لياليه على ليالي عشْرِ رمضانَ، فإنَّ عشْرَ رمضانَ فُضِّلَ بليلةٍ واحدةٍ فيه، وهذا جميعُ لياليه متَساوية لها في القيام على هذا الحديثِ.\nولكنَّ حديثَ جابر الذي خرَّجه أبو موسى صريح في تفضيلِ لياليه كتفضيلِ أيَّامِهِ أيضًا، والأيَّامُ إذا أُطلِقَتْ دخلتْ فيها الليالي تبعًا، وكذلك الليالي تدْخُلُ","vol":"2","page":560},{"text":"أيَّامُها تبعًا.\nوقد أقسَمَ اللَّه تعالى بلياليه، فقال: (وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) .\nوهذا يدلُّ على فضيلةِ لياليه أيضًا، لكنْ لم يثبُتْ أنَّ لياليه ولا شيئًا منها\nيعدلُ ليلةَ القدْرِ.\nوقد زعمَ طوائفُ منْ أصحابِنا أنَّ ليلةَ الجمعة أفضلُ من ليلةِ القدْرِ، ولكنْ\nلا يصحُّ ذلك عن أحمد، فعلى قولِ هؤلاءِ لا يُسْتبْعَدُ تفضْيلُ ليالي هذا\nالعشْرِ على ليلةِ القدرِ.\nوالتحقيقُ ما قالَهُ بعضُ أعيان المتأخِّرينَ منَ العلماءِ، أنْ يقُال: مجموعُ هذا\nالعشْرِ أفضْلُ من مجموع عشْرِ رمضانَ، وإنْ كان في عشْرِ رمضان ليلةٌ لا\nيَفْضل عليها غيرُها، واللَّه أعلم.\nوما تقدَّم عنْ كعبٍ يدلُّ على أنَّ شهرَ ذي الحجَّةِ أفضْلُ الأشهرِ الحُرُمِ\nالأربعة، وكذا قال سعيدُ بنُ جبير، راوي هذا الحديثِ عن ابنِ عباسٍ: \"ما من الشهورِ شهرٌ أعْظمُ حُرْمة منْ ذي الحجَّةِ\".\nوفي \"مسندِ البزَّارِ\" عن أبي سعيد الخدريِّ، عن النبيّ - ﷺ - قال:\n\" سيِّدُ الشهورِ رمضانُ، وأعْظمها حُرْمةً ذو الحجَّةِ\".\nوفي إسنادِهِ ضعْفٌ.\nوفي \"مسندِ الإمامِ أحمدَ\"، عن أبي سعيدٍ الخدريّ أيضا: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال في حجة الوداع في خطبتِه يومَ النَّحْرِ:\n\"ألا إنَّ أحْرَمَ الأيام يومُكُم هذا، ألا وإنَّ أحْرَمَ الشُّهورِ شهرُكُم هذا، ألا وإنَّ أحرَمَ البلادِ بلدُكُم هذا\".","vol":"2","page":561},{"text":"ورُوي ذلك أيضًا عن جابرٍ، ووابصةَ بنِ معبدٍ، ونُبيطِ بنِ شَريطٍ.\nوغيرِهم، عن النبي - ﷺ -، وهذا كلُّه يدلُّ على أنَّ شهرَ ذي الحجَّة أفضلُ الأشهرِ الحُرُمِ، حيثُ كان أشدَّهَا حُرْمةً.\nوقد رُوي عن الحسنِ: أنًّ أفضلها المحرَّم، وسنذكرُهُ عند ذِكْرِ شهرِ المُحَرَّم، إن شاء اللَّه تعالى.\nوأمَّا من قال: إنَّ أفضلَها رجبٌ فقولُهُ مرْدُود.\nولِعَشْرِ ذي الحجة فضائلُ أُخرُ غيرَ ما تقدَّم.\nفمنْ فضائلِه: أنَّ اللَّه تعالى أقسَمَ به جُملةً، وببعضِه خُصوصًا، قال تعالى:\n(وَالْفَجْرِ (١) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (٢) .\nفأمَّا الفجرُ فقيل: إنه أراد جنسَ الفجر، وقيل: المرادُ طلوعُ الفجر، أو صلاةُ الفجر، أو النَّهارُ كلُّه.\nفيه اختلافٌ بين المفُسّرين، وقيلَ: إنه أريد به فَجْرٌ مُعَيَّنٌ.\nثُمَّ قيل: إنه أُرِيدَ به فجرُ أوَّلِ يومٍ من عَشر ذي الحجَّة.\nوقيل: بل أرِيدَ به فجرُ آخرِ يومٍ منه، وهو يومُ النَّحْرِ، وعلى جميع هذه الأقوالِ، فالعَشْرُ يشتملُ على الفجرِ الذي أقْسَمَ اللَّهُ به.\nوأمَّا \"الليالي العشر\" فهي عشر ذي الحجة، هذا الصحيحُ الذي عليه\nجُمهور المُفسِّرين منَ السلفِ وغيرِهم، وهو الصحيحُ عن ابنِ عباس.\nروي عنه مِنْ غيرِ وجه والروايةُ عنه: \"أنه عشرُ رمضان \" إسنادُها ضعيف.\nوفيه حديثٌ مرفوعٌ خرَّجه الإمامُ أحمدُ، والنسائيُّ في \"التفسيرِ\" منْ\nروايةِ زيدِ بنِ الحُبابِ حدَّثنا عيَّاشُ بنُ عُقبة، حدَّثنا خيرُ بنُ نُعيم، عن أبي\nالزُّبير، عن جابر، عن النبي - ﷺ - قال:\n\"العَشْرُ عشْرُ الأضْحَى، والوَتْرُ يومُ عرفة، والشَّفع يومُ النَّحْرِ\"\nوهو إسناد حسنٌ.","vol":"2","page":562},{"text":"وكذا فسَّر \"الشَّفع \" و\"الوتْرَ\" ابنُ عباسٍ في روايةِ عكرمةَ وغيرِهِ.\nوفسَّرهما أيضًا بذلك عكرمةُ والضحاكُ وغيرُ واحدٍ، وقد قيل في \"الشَّفْع \" و\"الوتْرِ\" أقوالٌ كثيرةٌ، وأكثرها لا يخرجُ عن أنْ يكونَ العشرُ أو بعضُه مُشتملًا على \"الشفْع \" و\"الوترِ\" أو أحدِهِما، كقولِ من قال: \"هي الصلاةُ منها شفع ومنها وترٌ\".\nوقد خرَّجَه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ من حديث عمرانِ بن حُصينٍ.\nعن النبيِّ - ﷺ - وقولُ منْ قال: هي المخلوقات منها شفغْ ومنها وَتْر، يدخلُ فيها أيامُ العَشْرِ.\nوقولُ مَنْ قال: الشفعُ الخلْقُ كلُّه، والوِتْرُ الله، فإنَّ أيامَ العشْرِ منْ جُمْلةِ المخلوقاتِ.\nومنْ فضائِلِه أيضًا: أنه من جملة الأربعين التي واعدها اللَّه ﷿ لمُوسى\n﵇ قال الله تعالى: (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً)، ولكن\nهل عَشْرُ ذي الحجَّة خاتمةُ الأربعينَ، فيكونُ هو العشْرُ الذي أُتِمَّ به الثَّلاثون، أمْ هو أوَّلُ الأربعين، فيكونُ مِنْ جُملةِ الثلاثينَ التي أُتِمَّتْ بعشر؟\nفيه اختلاف بينَ المفسرين.\nروى عبدُ الرزاقِ، عن معمر، عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عنْ مُجاهدٍ.\nقال: ما منْ عملٍ في أيَّامِ السنة أفضلُ منه في العَشْرِ من ذي الحجَّة، وهي\nالعشْرُ التي أَتمَّهَا اللَهُ لموسى ﵇ \".\nومنْ فضائِلِهِ: أنَّه خاتمةُ الأشهرِ المعلوماتِ، أشهرُ الحجِّ التي قال اللَّه فيها:\n(الْحَجُّ أَشْهُرٌ معْلُومَاتٌ)، وهي شوَّال، وذو القعْدة، وعَشْرٌ من\nذي الحجَةِ.","vol":"2","page":563},{"text":"وروي ذلك عن عُمرَ، وابنِه عبدِ اللَّه، وعلي، وابنِ مسعود، وابنِ عباسٍ.\nوابنِ الزُّبيرِ وغيرِهِم، وهو قولُ أكثر التابعينَ، ومذهبُ الشافعيَ، وأحمدَ\nوأبي حنيفةَ وأبي يوسُف وأبي ثور وغيرِهم، لكنَّ الشافعي وطائفةً أخْرجوا\nمنه يومَ النَّحْرِ، وأدخله فيه الأكثرون، لأنَّه يومُ الحجِّ الأكبرِ، وفيه يقعُ أكثرُ\nأفعال مناسكِ الحجِّ.\nوقالتْ طائفة: ذو الحِجَّةِ كلُّه منْ أشهرِ الحجِّ.\nوهو قولُ مالكٍ، والشافعيّ في القديمِ، ورواه عن ابنِ عمرَ أيضًا.\nوروي عن طائفة من السلفِ، وفيه حديث مرفوعٌ خرَّجه الطبرانيُّ.\nلكنه لا يصحُّ.\nوالكلامُ في هذه المسألةِ يطولُ، وليس هذا موضعه.\nومن فضائِلِهِ: أنَّه الأيَّامُ المعلوماتُ التي شرع اللَّه ذِكْرَه فيها على ما رزَقَ من\nبهيمةِ الأنعامِ، قال اللَّهُ تعالى: (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) .\nوجمهورُ العلماءِ على أنَّ هذه الأيامَ المعلوماتِ هي عشْرُ ذي الحجَّةِ، منهم ابنُ عمرَ، وابنُ عباسٍ والحسنُ وعطاء ومجاهد وعكرمةُ وقتادةُ والنَخعي، وهو قولُ أبي حنيفةَ والشافعيِّ وأحمدَ في المشهورِ عنه.\nورُوي عن أبي موسى الأشعريِّ: أنَّ الأيامَ المعلوماتِ هي تسعْ ذي الحجَّة\nغير يومِ النحرِ، وأنَّه قال: لا يُرَدُّ فيهنَّ الدعاءُ.\nخرَّجه جعفر الفرْيابيُّ وغيرُه.\nوقالتْ طائفة: هي أيامُ الذبْح.\nورُوي عن طائفةٍ من السلفِ.\nوهو قولُ مالكٍ، وأبي يوسفَ، وجعلوا ذِكْرَ اللَّهِ فيها ذِكْرَه على الذبح، وهو قولُ ابنِ عُمرَ - ﵄ -، ونقل المرُّوْذيُّ عن أحمدَ أنه استحسنه، والقولُ الأولُ أظْهرُ.","vol":"2","page":564},{"text":"وذكْرُ الله على بهيمةِ الأنعام لا يختصُّ بحالِ ذبْحِها، كما قال تعالى:\n(كذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكبِّرُوا اللهَ عَلَى مَا هَدَاكمْ) .\nوقالَ تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ)، وأيضًا فقد قال اللَهُ تعالى بعد هذا: (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨) ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩) .\nفجعل هذا كلَّه بعْدَ ذِكْرِه في الأيام المعلوماتِ وقضاءِ التَفَثِ، وهو شعثُ\nالحج، وغبارُهُ ونصَبُهُ.\nوالطًوافُ بالبيتِ إنَّما يكونُ في يوم النحر وما بعدَه.\nولا يكونُ قبْله وقد جعلَ الله سبحانه هذا مُرَتبًا على ذِكرهِ في الأيامِ\nالمعلوماتِ بلفظةِ \"ثُم\" فدل على أن المرادَ بالأيام المعلوماتِ ما قبْل يومِ النَحْرِ.\nوهو عشْرُ ذي الحجة.\nوأما قوله تعالى: (وَيَذْكرُوا اسْمَ اللًهِ فِي أَيام مَّعْلُومَات عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) فقيل: إن المرادَ ذكْرُهُ عند ذَبْحها، وهو حاصل بذكْر في\nيوم النحر، فإنه أفضلُ أيامِ النَحْرِ، والأصح أنه إنما أريد ذِكْرُه شُكْرًا على\nنعمة تسخيرِ بهيمة الأنعام لعباده، فإن للَّه تعالى على عباده في بهيمة الأنعامِ\nنعمًا كثيرةً قد عدَّد بعْضها في مواضعَ منَ القرآنِ.\nوالحاج لهم خصوصية في ذلك عن غيرِهم؛ فإنهم يسيرونَ عليها إلى الحرم، لقضاءِ نُسكهم، كما قال تعالى: (وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ) وقال تعالى: (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ) ويأكلون من لحومِهَا، ويَشْربون من ألبانِها، وينتفعون بأصْوافِهَا وأوبارِها وأشعارِها.","vol":"2","page":565},{"text":"ويختصُّ عشْرُ ذي الحجَّة في حقِّ الحاجِّ بأنَّه زمنُ سَوْقهِم للهَدْي الذي به\nيكمُلُ فضلُ الحجِّ، ويأكلون منْ لُحُومه في آخر العشْرِ، وهو يومُ النحْر.\nوأفضلُ سوْقِ الهَدْي من الميقاتِ، ويُشعرُ ويُقلَّدُ عندَ الإحرامِ، وتقارنُهُ\nالتلبيةُ، وهي مِنْ الذِّكر للَّه في الأيَّام المعلومات.\nوفي الحديث: \"أفضل الحجِّ العَجُّ والثَّجُّ \"\nوفي حديثٍ آخر: \"عجُّوا التَّكْبيرَ عجًّا، وثُجُّوا الإبل ثجًّا \".\nفيكون كثرةُ ذِكْر اللَّه في أيَّامِ العشْرِ شكْرًا على هذه النّعمة المختصَّةِ ببهيمة\nالأنعام، التي بعضُها يتعلَّق بدين الحاجِّ، وبعضُها بِدُنياهم.\nوأفضلُ الأعْمالِ ما كثُرَ ذِكْرُ اللَّه تعالى فيها، منها خُصُوصًا الحج، وقد أمر اللَّه تعالى بِذكْرِه كثيرًا في أيام الحجّ، قال تعالى: (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩)، فهذا الذِّكْرُ يكونُ في عشْرِ ذي الحجَّةِ. ثمَّ قال تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)، وهذا يقعُ في يومِ النَّحْرِ، وهو خاتمةُ العشْرِ أيضا.\nثم أمرَ بذكْى بعد العشْرِ في الأيام المعدوداتِ، وهي أيامُ التشريق.\nوفي \"السنن \" عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"إنَّما جُعِلَ الطَّوافُ بالبيتِ، والسعْيُ بيْنَ الصفا والمروةِ، ورميُ الجمار، لإقامة ذكْرِ اللَّه ﷿ \".","vol":"2","page":566},{"text":"وفي \"مسند الإمامِ أحمدَ\" عن معاذِ بنِ أنس: أن رجلًا قال:\nيا رسول اللَّه، أيُّ الجهادِ أعظمُ أجْرًا؟\nقال: \"أكثرُهُم للَّه ذِكرًا\" قال: فأيُّ الصائمين أعْظمُ أجْرًا؟\nقال: \"كثرُهُم للهِ ذِكْرًا\".\nقال: ثم ذكر الصلاة، والزكاة، والحج، والصدقة كلُّ ذلك ورسولُ اللَّه - ﷺ - يقول: \" أكثرُهُم للَّه ذِكرًا\".\nفقال أبو بكر؛ يا أبا حفص، ذهب الذَّاكرون بكُلِّ خيرٍ، فقال رسولُ اللَّه - ﷺ -: \"أجَل \".\nوقد خرَّجه ابنُ المباركِ، وابنُ أبي الدنيا من وجوهٍ أُخَر مُرْسلةٍ، وفي\nبعْضِها: أي الحاجّ خير؟\nقال: \"أكثرهم ذكرًا للَّه \" وفي بعْضِها: أيُّ الحاجِّ أعظمُ\nأجْرًا؟\nقال: \"أكثرهُم للهِ ذِكرًا\" وذكر بقيةَ الأعمالِ بمعْنى ما تقدم، فهذا كُلُّه\nبالنسبةِ إلى الحاج.\nفأمَّا أهلُ الأمصارِ فإنَّهم يشاركون الحاجَّ في عشْرِ ذي الحجَّة، في الذكر.\nوإعدادِ الهَدْي، فأمَّا إعدادُ الهَدْي فإنَّ العشْر تُعَدُّ فيه الأضاحي، كما يسُوقُ\nأهلُ الموسم الهَدْي، ويُشاركونهم في بعضِ إحرامِهِمْ، فإنَّ منْ دخلَ عليه\nالعَشْرُ وأرادَ أنْ يُضحي، فلا يأخُذْ منْ شعرِهِ ولا منْ أظفارِهِ شيئًا، كما روتْ ذلك أمُّ سلمة عن النبي - ﷺ -.\nخرَّج حديثَها مسلمٌ، وأخذَ بذلك الشافعي، وأحمدُ، وعامَّةُ فقهاءِ الحديثِ.\nومنهم منْ شرَطَ أنْ يكونَ قد اشترى هدْيَه قبْلَ العشْرِ.\nوأكْثرُهُم لم يَشْرُطوا ذلك.\nوخالف فيه مالكٌ، وأبو حنيفة، وكثير من الفقهاءِ، وقالوا: لا يُكره شيءٌ","vol":"2","page":567},{"text":"من ذلك، واستدلُّوا بحديث عائشةَ: \"كُنْتُ أفتِلُ قلائدَ الهدْي لرسولِ اللَّه\n- ﷺ - فلا يُحَرَّم عليه شيء أحلَّهَ اللَّهُ له \".\nوأجابَ كئيرٌ منْ أهلِ القولِ الأولِ: بأنه يُجْمع بين الحديثينِ، فيؤخَذُ\nبحديثِ أمّ سلمةَ فيمن يُريد أن يُضحّي في مصره، وبحديثِ عائشةَ فيمن\nأرْسلَ بهَدْيه مع غيرِهِ، وأقام في بلدِهِ.\nوكان ابنُ عمرَ إذا ضَحَّى يومَ النَّحْرِ حَلَقَ رأسه، ونصَّ أحمدُ على\nذلك.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-376>قوله تعالى: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (٣)</span>\nقال تعالى: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ) والشَّفع ضدُّ الوتْرِ: فالوترُ: الفردُ\nوالشَّفع الزَّوْج.\nولهذا فُسِّرَ \"الشَّفع \" في الآية بالخَلْقِ، لأنَّ الخلقَ كُلَّهُ زوج، قال تعالى:\n(وَمِن كلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)، وقال: (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦) .\nوفُسِّر \"الوِتْرُ\" باللَّه - ﷿ - لأنَّه وِتْر يُحبُّ الوِتْر.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-377>قوله تعالى (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) </span>يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) .","vol":"2","page":568},{"text":"قال اللَّه ﷿: (كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤) .\nوقال تعالى: (فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) .\nقال الربيعُ بنُ أنسٍ في قولِهِ: (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَن يَرَى) قال:\nكُشِفَ عنْها غِطَاؤها.\nوقال تعالى: (كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) .\nوروى العلاءُ بنُ خالد الكاهليُّ، عن أبي وائل، عن ابنِ مسعودٍ، عن\nالنبيِّ - ﷺ - قال:\n\"يُؤتى يومئذ بجهنَّم لها سبْعون ألفَ زِمامٍ، مع كلِّ زمامٍ سبْعون ألفَ\nملَك يجرُّونها\" خرَّجه مسلمٌ من طريقِ حفصِ بنِ غياث، عن العلاءِ به.\nوخرَّجه الترمذيُّ من طريقِ سفيانَ عن العلاءِ موقوفًا على ابنِ مسعودٍ، ورجَّح وقْفه العقيليُّ والدارقطنيُّ.\nوخرَّج ابنُ أبي حاتم منْ طريقِ عُبيدِ اللَّهِ بنِ الوليدِ الوصافيُّ، عن عطيةَ.\nعن أبي سعيدٍ الخدريّ، قال: لما نزلتْ هذه الآية: (وَجِيءَ يَوْمَئذٍ بِجَهَنَّمَ)\nتغيَّر لونُ النبى - ﷺ - وعُرِفَ ذلك في وجْههِ حتَّى اشتدَّ ذلك على أصحابِهِ، فسألوه فقال:\n\"إنه جاءني جبريلُ فأقْرأني هذه الآيةَ \"\nقال: \"كيف يُجاءُ بها؟","vol":"2","page":569},{"text":"قال: يَجيءُ بها سبْعونَ ألفَ ملَكٍ يقودونها بسبعينَ ألف زمامٍ تشرد مرة، لو تُركتْ لأحرقتْ أهلَ الجمع ومَنْ عليه، ثم تُعْرضُ جهنَّم فتقول: ما لي وما لكَ يا محمد، لقد حرَّمَ اللَّه لحْمَك عليَّ، فلا يبقى أحدٌ إلا قال: نفْسِي نفْسِي، ومحمدٌ - ﷺ - يقول: أُمَّتي\nأُمَّتي \" الوصافيُّ شيح صالحٌ لا يحفظ فكثرتِ المناكيرُ في حديثِهِ.\nوخرَّج أبو يعلى الموصليُّ من حديثِ أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ الخدريَ\nعن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"إذا جَمَع اللَّهُ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ، يومَ القيامةِ أقبلتِ النارُ.\nيركبُ بعضُها بعضًا، وخزنتها يكفونها، وهي تقول: وعزةِ ربي لتخلُنَّ بيني وبين أزواجي أو لأغشينَّ الناسَ عنقًا واحدًا، فيقولون: مَنْ أزواجُكِ؟\nفتقولُ: كل متكبِّرٍ جبَارٍ\".\nوخرَّج الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ من حديثِ الأعمشِ عن أبي صالح، عن\nأبي هُريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - قال:\n\"يخرجُ يومَ القيامةِ عنقٌ من النارِ لها عينانِ تُبْصرانِ.\nوأذنانِ تَسمعانِ، ولسان ينطقُ، تقولُ: إني وُكِّلتُ بثلاثةٍ: بكُل جبارٍ عنيدٍ، وبكلِّ مَنْ دعا مع اللَّه إلهًا آخرَ، وبالمصوِّرين \"\nوصحَّحه الترمذيُّ وقد قِيل: إنه ليسَ بمحفوظ\nبهذا الإسنادِ، وإنَّما يرويه الأعمشُ عن عطيةَ عن أبي سعيدٍ، فقد روى\nالأعمشُ وغيرُ واحد عن أبي سعيدٍ، عن النبي - ﷺ - قال: \"يخرجُ عنقٌ من النارِ يتكلمُ، يقولُ: وُكَلتُ اليومَ بثلاثةٍ: بكلّ جبارٍ عنيدٍ، ومن جَعَلَ مع اللهِ إلهًا آخرَ، ومنْ قتَلَ نفْسًا بغير نفسٍ، فتنطوي عليهم فتقذفهم في غمراتِ جهنَّم \"\nخرَّجه الإمامُ أحمد، وخرَّجه البزار، ولفظُه:\n\"يخرجُ عنق من النارِ يتكلَّمُ بلسانٍ طلقٍ ذلقٍ،","vol":"2","page":570},{"text":"لها عينانِ تُبصرُ بهما، ولها لسان تتكلَّم به، فتقولُ: إني أمرتُ بِمَنْ جعلَ مع اللَّه إلهًا آخر، وبكُلِّ جبار عنيد، وبِكُلِّ من قتل نفْسًا بغير نفسٍ، فتنطلقُ بهم قبْلَ سائرِ الناسِ بخمسمائة عامٍ \"\nوقد رُوي عن عطية عن أبي سعيدٍ موقوفًا.\nوروى ابنُ لهيعةَ، عن خالدِ بنِ أبي عمرانَ، عن القاسم، عن عائشة عن\nالنبيِّ - ﷺ - قال:\n\"يخرجُ عنقٌ من النارِ، فتنطوي عليهم وتتغيَّظُ عليهم، ويقول ذلك\nالعنقُ: وُكلتُ بثلاثةٍ، وُكِّلتُ بثلاثةٍ، وُكِّلتُ بثلاثةٍ، وُكِّلتُ بمن دعا مع الله إلهًا آخر، ووكِّلتُ بمن لا يؤمن بيوم الحسابِ، ووكِّلتُ بكلِّ جبار عنيدٍ، فتنطوي عليهم، فتطرحُهُم في غمراتِ جهنَّم \"\nخرَّجه الإمامُ أحمدُ.\nورُوي عن شهرِ بنِ حوشب عن أسماءَ بنتِ يزيدَ عن النبي - ﷺ - قال:\n\"يخرجُ عنقٌ من النارِ فيظلّ الخلاتق كلَّهم، فيقولُ: أمرتُ بكلِّ جبارٍ عنيدٍ، ومن زعم أنَه عزيزٌ كريم ومن دعا مع اللَّه إلهًا آخر\".\nورواهُ أبو المنهالِ سيارُ بنُ سلامةَ عن شهرِ بنِ حوشبٍ عن ابنِ عباسٍ\nموقوفًا، قالَ: إذا كان يومُ القيامة خرجَ عنق من النارِ فأشرفتْ على الخلائقِ\nلها عينانِ تبصرانِ ولسان فصيحٌ تقولُ: إني وُكِّلتُ بكلِّ جبارٍ عنيد.\nفتلقُطُهم من الصفوفِ فتحبسهم في نارِ جهنَّم، ثم تخرجُ ثانيًا فتقولُ: إنِّي\nوكلتُ بمن آذَى اللَّه ورسولَه فلتقطُهم من الصفوف فتحبسُهُم في نارِ جهنَّم.\nثم تخرجُ ثالثةً، قال أبو المنهالِ: أحسبُ أنها قالتْ: إني وُكِّلتُ اليومَ\nبأصحابِ التصاويرِ فتلقطُهُم من الصفوفِ فتحبسهم في نارِ جهنَّم.\nوفي حديثِ الصورِ الطويلِ الذي خرَّجه إسحاقُ بنُ راهويه وأبو يعْلَى\nالموصليُّ وغيرُهما بإسنادٍ فيه ضعف عن أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ -: \"ثم يأمرُ","vol":"2","page":571},{"text":"اللَّهُ تعالى جهنَّم فيخرجُ منها عنق ساطعة مظلمة فيقولُ: (وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا\nالْمُجْرِمُونَ) إلى قوله: (أَفَلَمْ تَكونُوا تَعْقِلُونَ) \".\nوخرَّج ابنُ أبي الدنيا من طريقِ الشعبيِّ، عن أبي هريرة، قال:\n\"يُؤتَى بجهنَّم تقاد بسبعينَ ألف زمامٍ آخذٌ بكلِّ زمامِ سبعونَ ألفَ ملك، وهي تمايلُ عليهم حتَّى توقف عن يمينِ العرشِ، ويلقي اللَهُ عليها الذل يومئذٍ، فيوحِي اللَّهُ إليها ما هذا الذلُّ؟\nفتقول: يا ربِّ أخافُ أن يكونَ لك فيَّ نقمةٌ، فيوحي\nاللَّهُ إليها: إنما خلقتُكِ نقمة وليس لي فيك نقمةٌ، ويوحي اللَّهُ إليها فتزفرُ\nزفرةً لا تبقي دمعةً في عين إلا جرتْ، ثم تزفرُ أخرى فلا يَبْقَى ملَكٌ مقربٌ\nولا نبي مرسلٌ إلا صعقَ، إلا نبيكم نبي الرحمة - ﷺ - يقولُ: \"ياربِّ أُمَّتي أُمَّتي\".\nوروى عبدُ اللَّه بنُ الإمامِ أحمدَ بإسنادِهِ عن أبي عبدِ اللَّه الجدليِّ، عن\nعبادة بن الصامتِ وكدب قالا: يخرجُ عنقٌ من النارِ فيقولُ: أمرتُ بثلاثة:\nبمن جعلَ مع اللَّه إلهًا آخر، وبكلِّ جبارٍ عنيدٍ، وبكُل معتد، ألا إني أعرفُ\nبالرجلِ من الوالد بولدِهِ والمولودِ بوالدِهِ.\n* * *\n[قالَ البخاريُّ]: حدثنا أبو اليمانِ: نا شُعَيْبٌ، عن الزُّهريِّ: أخبرني\nسعيدُ بنُ المسيب وعطاءُ بنُ يزيد الليثي، أن أبا هريرة أخبرهما أنَّ الناس\nقالوا: يا رسول اللَّه: هل نَرَى ربَّنا يومَ القيامة؟\nقال: \"هل تُمَارُون في القمر ليْلةَ البدْرِ ليس دُونَه سحابٌ \"\nقالوا: لا يا رسول اللَّه، قال: \"هل تُمارُون في رؤيةِ","vol":"2","page":572},{"text":"الشمس ليس دونها سحابٌ؟ \"\nقالوا: لا.\nقال: \"فإنكم ترونه كذلك، يُحْشرُ الناسُ يومَ القيامةِ، فيقولُ: مَنْ كان يعبدُ شيئا فليتَبعْهُ، فمنهم من يتبعُ الشمس، ومنهم من يتبع القمر، ومنهم من يتبع الطواغيت، وتبقى هذه الأمَّةُ فيها منافقوها، فيأتيهم اللهُ، فيقولُ: أنا ربُّكم، فيقولون: هذا مكانُنا حتى يأتينا ربُّنا، فإذا جاء ربُّنا عرفْنَاه، فيأتيهم الله ﷿ فيقول: أنا ربُّكم فيقولون: أنت ربُّنا، فيدعوهم، ويُضْربُ الصراطُ بيْنَ ظهراني جهتم، فأكونُ أول من يجُوزُ من الرسلِ\nبأمَّته، ولا يتكلَّمُ يومئذ أحدٌ إلا الرسل، وكلامُ الرسلِ يومئذ: اللَّهمَّ سلِّم سلِّم، وفي جهنم كلاليبُ مثلُ شوْكِ السَّعدانِ، هل رأيتُم شوْك السَّعْدان؟! قالوا: نعم.\nقال: \"فإنها مثلُ شوْكِ السَّعْدان، كير أنه لا يعلمُ قدرَ عِظَمها إلا اللَّهُ، تخطفُ الناسَ بأعمالهم، فمنهم من يُوبقُ بعملِهِ، ومنهم من يُخَرْدَلُ، ثمَ ينْجُوا، حتى إذا أراد اللَّه رحمةَ من أرادَ منْ أهل النار، اْمرَ اللَهُ ﷿ الملائكةَ أنْ يُخْرِجوا من النَّارِ منْ كان يعبُدُ اللَّه، فيُخْرِجُوهم ويعرفُونَهُم بآثارِ السجود.\nوحرَّم اللَّهُ ﷿ على النارِ أن تأكل أثر السجودِ، فيخْرُجون من النَارِ، فكُل ابنِ آدمَ تأكله النارُ إلا أثرَ السجودِ، فيخْرُجُون من النَّارِ قد امتحشوا، فيُصبُّ عليهم ماءُ الحياةِ فينبتونَ كما تنبُتُ الحبَّةُ في حميلِ السيل \".\nوفي الحديث: دليلٌ على أنَّ المشركينَ الذين كانوا يعبدونَ في الدنيا من\nدون اللَّه آلهة يتبعون المهتَهم التي كانوا يعبدون يوم القيامة، فيردنهم النار.\nكما قال تعالى في حقِّ فرعون: (يَقْدُمُ قوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ) .\nويبقى من كان يعبدُ اللَّهَ وحدَه ظاهرًا، مؤمنًا كان أو منافقًا، فهؤلاءِ","vol":"2","page":573},{"text":"ينظرونَ من كانُوا يعبدونه في الدنيا، وهو اللَّهُ وحدَه لا شريكَ له.\nففي هذا الحديث: أنَّ اللَّه يأتيهم أولَ مرة فلا يعرفونه، ثم يأتيهم في المرة\nالثانية فيعرفونه.\nوقد دلَّ القرآن على ما دلَّ عليه هذا الحديث في مواضعَ، كقوله\n(هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ)\nوقال: (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ)\nوقال: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) .\nولم يتأولِ الصحابة ولا التابعونَ شيئًا من ذلك، ولا أخرجُوه عن مدلوله.\nبل رُوي عنهم ما يدلُّ على تقريرِه والإيمانِ به وإمرارِه كما جاء.\nوقد رُوي عن الإمامِ أحمدَ، أنه قال في مجيئِهِ: هو مجيءُ أمرِهِ.\nوهذا مما تفرَّدَ به حنبلٌ عنه.\nفمن أصحَابنا من قال: وهِمَ حنبلٌ فيما رَوى، وهو خلافُ مذهبه المعروفِ\nالمتواتر عنه.\nوكان أبو بكر الخلاَّلُ وصاحبُه لا يثبتان بما تفرد به حنبلٌ، عن أحمدَ\nروايةً.\nومن متأخرِيهم من قال: هو روايةٌ عنه، بتأويلِ كلِّ ما كان من جنسِ\nالمجيءِ والإتيانِ ونحوهِما.\nومنهم من قال: إنَّما قال ذلك إلزامًا لمن ناظرَهُ في القرآن، فإنهم استدلُّوا","vol":"2","page":574},{"text":"على خلقِهِ بمجيءِ القرآنِ، فقال: إنَّما يجيءُ ثوابُهُ، كقولِهِ: (وَجَاءَ رَبُّكَ) .\nأي: كما تقولون أنتم في مجيءِ اللَّه أنه مجيءُ أمر.\nوهذا أصحُّ المسالكِ في هذا المرويِّ.\nوأصحابُنا في هذا على ثلاثِ فرقٍ:\nفمنهم من يثبتُ المجيءَ والإتيانَ، ويصرحُ بلوازمِ ذلك في المخلوقاتِ.\nوربما ذكروه عن أحمدَ من وجوهٍ لا تصحُّ أسانيدُها عنه.\nومنهم من يتأول ذلك على مجيء أمره.\nومنهم من يقرُّ ذلك، ويُمِرُّه كما جاء، ولا يفسِّره، ويقولُ: هو مجيءٌ\nوإتيانٌ يليقُ بجلالِ اللَّه وعظمتِهِ سبحانه.\nوهذا هو الصحيحُ عن أحمدَ، ومن قبلَه منَ السلفِ، وهو قولُ إسحاقَ\nوغيرِه من الأئمةِ.\nوكان السلفُ ينسبونَ تأويلَ هذه الآياتِ والأحاديثِ\nالصحيحةِ إلى الجهميةِ.\nلأن جهمًا وأصحابَهُ أولُ منِ اشتُهِرَ عنهم أنَّ اللَّه تعالى منزهٌ عما دلتْ\nعليه هذه النصوصُ بأدلةِ العقولِ التي سمَّوْها أدلةً قطعيةً هي المحكماتُ.\nوجعلُوا ألفاظ الكتاب والسنة هي المتشابهاتُ، فعرضُوا ما فِيهَا على تلكَ\nالخيالاتِ، فقبِلُوا ما دلَّتْ على ثبوتِهِ بزعمهم، وردُّوا ما دلتْ على نفيه\nبزعمهم، ووافقَهم على ذلك سائرُ طوائفِ أهلِ الكلامِ من المعتزلةِ وغيرِهم.\nوزعمُوا أنَّ ظاهرَ ما يدلُّ عليه الكتابُ والسنةُ تشبيهٌ وتجسيمٌ وضلالٌ.\nواشتقُّوا من ذلك لمن آمنَ بما أنزل اللَّهُ على رسولِهِ أسماءً ما أنزلَ اللَّه بها من","vol":"2","page":575},{"text":"سلطان، بل هي افتراءٌ على اللَّه، ينفِّرون بها عن الإيمانِ باللَّه ورسولِهِ.\nوزعمُوا أنَّ ما وردَ في الكتابِ والسنة من ذلك - مع كثرتِهِ وانتشارِهِ - من\nبابِ التوسع والتجوزِ، وأنه يحملُ على مجازاتِ اللغةِ المستبعدةَ، وهذا من\nأعظم أبوابِ القدح في الشريعةِ المحكمة المطهرةِ، وهو من جنسِ حملِ\nالباطنيةِ نصوصَ الإخبارِ عن الغيوبِ كالمعادِ والجنَّة والنارِ على التوسع والمجازِ\nدونَ الحقيقةِ، وحملِهم نصوصَ الأمرِ والنهي على مثلِ ذلك، وهذا كلُّه\nمروق عن دينِ الإسلام.\nولم ينهَ علماءُ السلفِ الصالح وأئمةُ الإسلامِ كالشافعيِّ وأحمدَ وغيرِهما\nعن الكلامِ وحذَّرُوا عنه، إلا خوفًا من الوقوع في مثلِ ذلك، ولو علمَ هؤلاءِ الأئمةُ أنَّ حملَ النصوصِ على ظاهرِها كفر لوجبَ عليهم تبيينُ ذلك وتحذير الأُمَّة منه \" فإنَّ ذلك من تمامِ نصيحة المسلمين، فكيفَ كان ينصحونَ الأُمَّةَ فيما يتعلقُ بالأحكامِ العملية ويدَعُون نصيحتَهم فيما يتعلقُ بأصولِ\nالاعتقاداتِ، هذا من أبطلِ الباطلِ.\nقال أبو عبد الرحمنِ السلميّ الصوفيُّ: سمعتُ عبد الرحمن بن محمد بن\nجابر السلميَّ يقول: سمعتُ محمدَ بنَ عقيلِ بنِ الأزهرِ الفقيهَ يقولُ: جاء\nرجلٌ إلى المزني يسأله عن شيءِ من الكلامِ، فقال: إنِّي أكرهُ هذا، بل أنْهى\nعنه، كما نهَى عنه الشافعي؛ فإني سمعتُ الشافعيَّ يقولُ: سئلَ الليث عن\nالكلامِ والتوحيد، فقال مالكٌ: محالٌ أن يُظنَّ بالنبى - ﷺ - أنه علَّم أُمته الاستنجاءَ ولم يعَلمْهُمُ التوحيدَ، فالتوحيدُ ما قاله النبيُّ - ﷺ -:\n\"أمرتُ أن أقاتلَ الناسَ حتى يقولُوا: لا إله إلا اللَّه، فإذا قالُوها عصموا مني دماءَهم وأموالَهم \"","vol":"2","page":576},{"text":"فما عصَم الدمَ والمالَ فهو حقيقةُ التوحيدِ. انتهى.\nوقد صحَّ عن ابنِ عباسٍ أنه أنكر على من استنكرَ شيئًا من هذه\nالنصوصِ، وزعمَ أنَّ اللَّه منزهٌ عما تدلُّ عليه.\nفروى عبدُ الرزاقِ في \"كتابِهِ \" عن معمر، عن ابنِ طاووسَ، عن أبيه.\nقال: سمعتُ رجلًا يحدِّثُ ابنَ عباسٍ بحديثِ أبي هريرة: \"تحاجَّتِ الجنةُ\nوالنارُ\"، وفيه: \"فلا تمتلئُ حتَى يضع رِجْله \" - أو قال: \"قدمَهَ فيها\"\nقال: فقامَ رجلٌ فانتفضَ، فقال ابنُ عباسٍ: ما فرقُ هؤلاءِ، يجدونَ رقةً عند محكمِهِ، ويهلكُون عند متشابهه.\nوخرَّجه إسحاقُ بنُ راهويه في \"مسندِهِ \" عن عبدِ الرزاق.\nولو كانَ لذلكَ عندَهُ تأويل لذكرهُ للناسِ ولم يسعْه كتمانُه.\nوقد قابَل هؤلاءِ المتكلمينَ طوائف آخرون، فتكلَّموا في تقريرِ هذه\nالنصوصِ بأدلة عقلية، وردُّوا على النفاةِ، ووسَّعوا القولَ في ذلك، وبيَّنوا أن لازَم النَّفْي التعطيلُ المحضُ.\nوأما طريقةُ أئمة أهلِ الحديثِ وسلفِ الأمَّة: فهي الكفُّ عن الكلامِ في\nذلك من الطرفينِ، وإقرارُ النصوصِ، وإمرارِها كما جاءتْ، ونفي الكيفيةِ\nعنها والتمثيلِ.\nوقد قال الخطابيُّ في \"الأعلامِ\": مذهبُ السلفِ في أحاديثِ الصفاتِ:\nالإيمانُ، وإجراؤها على ظاهرِها، ونفيُ الكيفيةِ عنها.","vol":"2","page":577},{"text":"ومن قال: الظاهرُ منها غيرُ مرادٍ، قيلَ له: الظاهرُ ظاهرانِ: ظاهرٌ يليقُ\nبالمخلوقينِ ويختصُّ بهم، فهو غيرُ مراد، وظاهرٌ يليقُ بذي الجلالِ والإكرامِ.\nفهو مرادٌ، ونفيهُ تعطيلٌ.\nولقد قال بعضُ أئمةِ الكلامِ والفلسفةِ من شيوخ الصوفيةِ الذي يحسنُ به\nالظنَّ المتكلمونَ: إن المتكلمينَ بالغُوا في تنزيهِ اللَّهِ عن مشابهةِ الأجسامِ.\nفوقعُوا في تشبيهه بالمعاني، والمعانِي محدَثةٌ كالأجسامِ، فلم يخرجُوا عن\nتشبيهه بالمخلوقاتِ.\nوهذا كلُّه إنَّما أتى من ظنِّ أن تفاصيلَ معرفةِ الجائزِ على اللَّه والمستحيلِ\nعليه يُؤخذُ من أدلةِ العقولِ، ولا يُؤخذُ مما جاءَ به الرسولُ.\nوأمَّا أهلُ العلم والإيمانِ، فيعلَمون أنَّ ذلك كلَّه متلقًى مما جاء به الرسولُ - ﷺ - وأنَّ ما جاءَ به من ذلك عن ربِّه فهو الحقُّ الذي لا مزيدَ عليه، ولا عدولَ عنه، وأنه لا سبيل لتلقي الهُدى إلا منه، وأنه ليس في كتاب اللَّه ولا سنة رسولِهِ الصحيحة ما ظاهرُه كفرٌ أو تشبيهٌ أو مستحيلٌ، بل كلُّ ما أثبته اللَّهُ لنفسِهِ، أو أثبته له رسولُهُ - ﷺ -، فإنه حق وصدقٌ، يجبُ اعتقادُ ثبوتِهِ مع نفْي التمثيلِ عنه، فكما أنَّ اللَّهَ ليس كمثلِهِ شيء في ذاتِهِ، فكذلك في صفاتِهِ.\nوما أُشكلَ فهمُهُ من ذلك، فإنه يقالُ فيه ما مدَح اللَّه الراسخينَ من أهل\nالمحلم، أنهم يقولون عند المتشابهاتِ: (آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) .\nوما أمر به رسولُ الله - ﷺ - في متشابِهِ الكتابِ، أنه يُردُّ إلى عالمِهِ، واللَّهُ يقول الحقَّ ويهدي السبيلَ.","vol":"2","page":578},{"text":"وكلمةُ السلفِ وأئمةِ أهلِ الحديثِ متفقة على أنَّ آياتِ الصفاتِ وأحاديثَها\nالصحيحةَ كلَّها تُمَر كما جاءتْ، من غير تشبيهٍ ولا تمثيلٍ، ولا تحريفٍ ولا\nتعطيلٍ.\nقال أبو هلالٍ: سأل رجل الحسنَ عن شيءٍ من صفة الربِّ ﷿.\nفقال: أمِرُّوها بلا مثال.\nوقال وكيع: أدركتُ إسماعيلَ بنَ أبي خالد وسفيانَ ومِسْعرًا، يحدِّثون\nبهذه الأحاديثِ، ولا يفسِّرون شيئًا.\nوقال الأوزاعيُّ: سُئلَ مكحولٌ والزهريُّ عن تفسيرِ هذه الأحاديثِ، فقالا:\nأمِرَّها على ما جاءتْ.\nوقال الوليدُ بنُ مسلم: سألتُ الأوزاعيَّ ومالكًا وسفيانَ وليثًا عن هذه\nالأحاديثِ التي فيها الصفةُ والقرآنُ، فقالوا: أمِرُّوها بلا كيفٍ.\nوقال ابنُ عيينةَ: ما وصفَ اللَّهُ به نفسَهُ فقراءتُهُ تفسيرُه، ليسَ لأحدٍ أن\nيفسرَهُ إلا اللَّهُ ﷿.\nوكلامُ السلفِ في مثلِ هذا كثير جدًّا.\nوقال أشهبُ: سمعتُ مالكًا يقولُ: إيَّاكم وأهلَ البدع.\nفقيلَ: يا أبا عبد اللَّه، وما البدعُ؟\nقال: أهلُ البدع الذين يتكلمونَ في أسماءِ اللَّه وصفاتِهِ\nوعلمِهِ وقدرتِهِ ولا يسكتونَ عما سكتَ عنه الصحابةُ والتابعونَ لهم بإحسانٍ.\nخرَّجه أبو عبد الرحمن السلميُّ الصوفيُّ في كتابِ \"ذمِّ الكلامِ \".","vol":"2","page":579},{"text":"وروى - أيضًا - باسانيدِهِ ذمَّ الكلامِ وأهلِهِ عن مالكٍ، وأبي حنيفةَ، وأبي\nيوسُفَ، ومحمدٍ وابن مهدي، وأبي عبيدِ، والشافعيِّ، والمزنيِّ، وابن خزيمة.\nوذكر ابنُ خزيمةَ النهيَ عنه عن مالكٌ والثوريِّ والأوزاعي والشافعي وأبي\nحنيفةَ وصاحبيه وأحمدَ وإسحاقَ وابنِ المبارك ويحعى بنِ يحيى ومحمد بنِ\nيحى الذُّهليِّ.\nوروى السلميّ - أيضًا - النهيَ عن الكلامِ وذمَّه عن الجنيدِ وإبراهيم\nالخواصِ.\nفتبيَّنَ بذلك أن النهي عن الكلامِ إجماعٌ من جميع أئمةِ الدين من المتقدمينَ\nمن الفقهاءِ وأهلِ الحديثِ والصوفيةِ، وأنه قولُ أبي حنيفةَ ومالكٍ والشافعيَ\nوأحمد وإسحاقَ وأبي عبيدٍ وغيرِهم من أئمة المسلمينَ.\nومن جملة صفاتِ اللَّه التي نؤمن بها، وتُمَرُّ كما جاءتْ عندهم:\nقولُه تعالى: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) ونحو ذلك مما دلَّ على إتيانه\nومجيئهِ يومَ القيامة.\nوقد نصَّ على ذلكَ أحمدُ وإسحاقُ وغيرُهما.\nوعندهما: أن ذلك من أفعالِ اللَّه الاختياريةِ التي يفعلُها بمشيئَتِهِ واختيار.\nوكذلك قالَه الفضيلُ بنُ عياضٍ وغيرُه من مشايخ الصوفيةِ أهلِ المعرفةِ.\nوقد ذكرَ حربٌ الكرْمانيُّ أنه أدركَ على هذا القولِ كلَّ مَن أخذَ عنه العلمَ\nفي البلدانِ، وسمى منهُم: أحمدَ وإسحاقَ والحميدي وسعيدَ بنَ منصورٍ.\nوكذلكَ ذكرَه أبو الحسنِ الأشعريِّ في كتابِهِ المسمَّى بـ \"الإبانة\"، وهو من\nأجلِّ كتبِهِ، وعليه يعتمدُ العلماءُ وينقلُون منه، كالبيهقي وأبي عثمان الصابونيِّ","vol":"2","page":580},{"text":"وأبي القاسم ابنِ عساكرٍ وغيرِهم.\nوقد شرحَهُ القاضي أبو بكرِ ابنُ الباقلانيِّ.\nوقد ذكرَ الأشعريُّ في بعص كتبِهِ أن طريقةَ المتكلمينَ في الاستدلالِ على\nقدَمِ الصانع وحدوثِ العالَم بالجواهرِ والأجسامِ والأعراضِ محرمةٌ عندَ علماء\nالمسلمين.\nوقد رُوي ذمُّ ذلك وإنكارُه ونسبتُه إلى الفلاسفة عن أبي حنيفةَ.\nوقال ابن سريج: توحيدُ أهلِ العلم وجماعةِ المسلمين: الشهادتان.\nوتوحيدُ أهلِ الباطنِ من المسلمينَ: الخوضُ في الأعراضِ والأجسامِ، وإنَّما\nبُعِث النبيُّ - ﷺ - بإنكارِ ذلك.\nخرَّجه أبو عبد الرحمن السلمي.\nوكذلك ذكره الخطابيُّ في رسالتهِ في \"الغنية عن الكلامِ وأهلِهِ \".\nوهذا يدلُّ على أن ما يؤخذُ من كلامِهِ في كثيرٍ من كتبِهِ مما يخالفُ ذلك\nويوافقُ طريقةَ المتكلمينَ فقد رجعَ عنه، فإن نفيَ كثيرٍ من الصفاتِ إنما هو\nمبنيٌ على ثبوتِ هذه الطريقةِ.\nقال الخطابيُّ في هذه الرسالةِ في هذه الطريقةِ في إثباتِ الصانع: إنما هو\nشيءٌ أخذهُ المتكلمونَ عن الفلاسفةِ، وإنما سلكتِ الفلاسفةُ هذه الطريقةَ لأنهم لا يُثبتون النبوَّاتِ ولا يرون لها حقيقةً، فكان أقوى شيءٍ عندَهم في الدلالةِ على إثباتِ هذه الأمورِ ما تعلَّقوا به من الاستدلالِ بهذه الأشياءِ، فأمَّا مثبتو النبوَّاتِ، فقد أغناهم اللَّهُ عن ذلك، وكفاهم كلفةَ المؤنةِ في ركوبِ هذه الطريقةِ المتعرِّجةِ التي لا يُؤمَنُ العنتُ على مَن ركبَها، والإبداع والانقطاعُ","vol":"2","page":581},{"text":"على سالِكها.\nثم ذكرَ أن الطريقَ الصحيحةَ في ذلك: الاستدلالُ بالصنعةِ على صانعها.\nكما تضمَّنه القرآنُ، وندب إلى الاستدلالِ به في مواضعَ، وبه تشهدُ الفطرُ\nالسليمةُ المستقيمةُ.\nثم ذكر طريقتَهم التي استدلُّوا بها، وما فيها من الاضطراب والفسادِ\nوالتناقضِ والاختلافِ.\nثم قال: فلا تشتغلْ - رحمكَ اللَّهُ - بكلامهِم، ولا تغترَّ بكثرةِ مقالاتهم.\nفإنَّها سريعةُ التهافتِ، كثيرةُ التناقضِ، وما من كلامٍ تسمعُه لفرقة منهم إلا\nولخصومِهِم عليه كلامٌ يوازيه ويفارقُه، فكل بكلٍّ معارضٌ، وبعضهم ببعضٍ\nمقابلٌ.\nقال: وإنَّما يكونُ تقدُّمُ الواحدِ منهم وفلجه على خصمِهِ بقدرِ حظّه من\nالثبات والحذقِ في صنعةِ الجدالِ والكلامِ، وأكثرُ ما يظهرُ به بعضُهم على\nبعضٍ إَنّما هو إلزامٌ من طريقِ الجدلِ على أصولِ مؤصلة لهم، ومناقضات\nعلى مقالاتٍ حفظُوها عليْهم [. . .] (١) تقودها وطردها، فمَّنَ تقاعدَ عن شيءَّ\nمَنها سمَّوْه من طريقِ [. . .] (١) جعلوه مبطلًا، وحكموا بالفلج لخصمِه عليه.\nوالجدلُ لا يقومُ به حقٌّ [. . .] (١) به حجة.\nوقد يكون الخصمانِ على مقالتينِ مختلفتينِ، كلاهما باطل، ويكونُ\nالحقُّ في ثالث غيرهما، فمناقضةُ أحدِهما صاحبَه غيرُ مصحِّح\nمذهبَه، وإن كانَّ مَفسدًا به قولَ خصمِهِ، لأنهما مجتمعان معًا في الخطأ.\n_________\n(١) بياض بالأصل.","vol":"2","page":582},{"text":"مشتركان فيه، كقول الشاعر:\nحُجَج تهَافَتُ كالزَّجاج (١) تخَالُها. . . حقًّا وكُلٌّ واهِن مكسُورُ\nومتى كان الأمرُ كذلك، فإنَّ أحدًا من الفريقينِ لا يعتمدُ في مقالتِه التي\nنصرَها أصلًا صحيحًا، وإنَّما هو أوضاع وآراءُ تتكافأ وتتقابلُ، فيكثر المقالُ، ويدومُ الاختلافُ، ويقلُّ الصوابُ، كما قال تعالى:\n(وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا)، فأخبرَ تعالى أنَّ ما كثرَ فيه الاختلافُ فليسَ من عندِهِ، وهو من أدلِّ الدليلِ على أنَّ مذاهبَ المتكلمين مذاهبُ فاسدة، لكثرة ما يوجدُ فيها من الاختلافِ المفضي بهم إلى التكفيرِ والتضليلِ.\nوذكرَ بقيةَ الرسالةَ، وهي حسنة متضمِّنة لفوائدَ جليلةٍ، وإنما ذكرْنا هذا\nالقدرَ منها ليتبيَّن به أنَ القواعدَ العقليةَ التي يدَّعي أهلُها أنه قطعيات لا تقبلُ\nالاحتمالَ، فتردُّ لأجلِها - بزعمِهم - نصوصُ الكتابِ والسنةِ وتصرفُ عن\nمدلولاتها، إنما هي عندَ الراسخينَ شبهاتٌ جهلياتٌ، لا تساوِي سماعَها، ولا\nقراءتَها، فضلًا عن أنْ يُردَّ لأجلها ما جاءَ عن اللَّه ورسولِهِ، أو يحرفَ شيء\nمن ذلك عن مواضعِهِ.\nوإنَّما القطعياتُ ما جاءَ عن اللَّهِ ورسولِهِ من الآياتِ المحكماتِ البينات.\nوالنصوصِ الواضحاتِ، فتردُّ إليها المتشابهاتُ، وجميعُ كتبِ اللَّه المنزلةِ متفقة\nعلى معنًى واحدٍ، وإن ما فيها محكماتٌ ومتشابهاتٌ، فالراسخونَ في العلم\nيؤمنونَ بذلك كلِّه، ويردونَ المتشابهَ إلى المحكم، ويكلُون ما أُشْكِلَ عليهم\n_________\n(١) الزجاج: رعاع الناس.","vol":"2","page":583},{"text":"فهمُه إلى عالمِهِ، والذين في قلوبِهِم زيغٌ يتبعونَ ما تشابَهُ منه ابتغاءَ الفتنة\nوابتغاءَ تأويلِهِ، فيضربونَ كتابَ اللَّه بعضَه ببعض، ويردُّون المحكمَ.\nويتمسكونَ بالمتشابهِ ابتغاءَ الفتنةِ، ويحرّفون المحكمَ عن مواضعِه، ويعتمدونَ\nعلى شبهاتٍ وخيالاتٍ لا حقيقةَ لها، بلْ هي من وساوسِ الشيطانِ\nوخيالاتِهِ، يقذفُها في القلوبِ.\nفأهلُ العلم والإيمانِ يمتثلون في هذه الشبهاتِ ما أمرُوا به من الاستعاذةِ\nباللَّه، والانتهاء عما ألقاه الشيطانُ، وقد جعلَ النبيُّ - ﷺ - ذلك من علاماتِ الإيمانِ، وغيرُهم فيصغونَ إلى تلك الشبهاتِ، ويعبرون عنها بألفاظ مشتبهات، لا حرمةَ لها في نفسها وليس لها معنىً يصحُّ، فيجعلون تلك الألفاظ - محكمةً لا تقبلُ التأويلَ، فيردُّون كلامَ الله ورسولِهِ إليها، ويعرضونه عليها، ويحرّفونه عن مواضعِه لأجلها.\nهذه طريقةُ طوائف أهلِ البدع المحضةِ من الجهميةِ والخوارج والروافضِ\nوالمعتزلةِ ومن أشبَههُم، وقد وقعَ في شيء من ذلك كثيرٌ من المتأخرينَ\nالمنتسبين إلى السنة من أهلِ الحديثِ والفقهِ والتصوفِ من أصحابِنا وغيرِهم في\nبعضِ الأشياءِ دونَ بعضٍ.\nوأمَّا السلفُ وأئمةُ أهلِ الحديثِ، فعلى الطريقةِ الأولى، وهي الإيمانُ\nبجميع ما أثبتَهُ اللَهُ لنفسه في كتابِهِ، أو صحَّ عن رسولِ اللَّه - ﷺ - أنه أثبتَه له، مع نفي التمثيلِ والكيفيةِ عنه، كما قالَه ربيعةُ ومالكٌ وغيرُهما من أئمةِ الهدى في الاستواء، ورُوي عن أمِّ سلمةَ أمِّ المؤمنين، وقال مثلَ ذلك غيرُهم من العلماء في النزولِ، وكذلك القولُ في سائر الصفاتِ، واللهُ ﷾ الموفقُ.","vol":"2","page":584},{"text":"وقولُه - ﷺ -:، فأكون أولَ من يجوزُ بأمَّتِه حتى يقطع الجسرَ بأمَّتِه.\nوروي: \"يجيزُ\"، وهما لغتان، يقال: جُزتُ الوادِي وأجزتُه، وهما\nبمعنىً.\nوعن الأصمعى، قال: أجزته: قطعتُه، وجزته: مشيتُ عليه.\nوقولُه: \"منهم الموبَقُ بعملِه\" أي: الهالك.\nوقولُه: \"ومنهم المخردلُ\"، هو بالدالِ المهملةِ والمعجمةِ -: لغتانِ مشهورتانِ، والمعنى: المقطَّعُ، والمراد - واللَّه أعلم -: أن منهم من يهلكُ فيقعُ في النارِ، ومنهم من تقطعه الكلاليب التي على جسرِ جهنَّم، ثم لا ينجوُ ولا يقع في النارِ.\nوقيل: معناه أنه ينقطعُ عن النجاةِ واللحاقِ بالناجينِ.\nوالمقصودُ من تخريج الحديثِ بطولهِ في هذا البابِ: أنَّ أهلَ\nالتوحيدِ لا تأكل النار منهم مواضعَ سجودِهِم، وذلك دليلٌ على فضلِ\nالسجودِ عندَ اللهِ وعظمتِهِ، حيث حرَم على النارِ أن تأكل مواضعَ سجودِ أهلِ التوحيدِ.\nواستدل بذلك بعضُ من يقول: إنَّ تارك الصلاةِ كافرٌ، فإنَه تأكلُه النارُ\nكلَّه، فلا يبقى حالُه حالَ عصاةِ الموحدينَ.\nوهذا فيمَنْ لم يصل للهِ صلاةً قطُّ ظاهرٌ.\nوقولُه: \"امتُحِشوا\" أي: احترقوا، وضُبطت هذه الكلمة بفتح التاءِ والحاءِ.\nوفي بعضِ النسخ بضم التاء وكسرِ الحاءِ.","vol":"2","page":585},{"text":"و\"الحِبَّةُ\" بكسر الحاء، قال الأصمعي: كُلُّ نبتٍ له حبٌّ فاسْمُ جميع ذلك\nالحبِّ الحِبَّةُ، وقال الفراء: الحِبةُ: بذور البقلِ، وقال أبو عمروٍ: الحِبَّةُ نبت\nينبت في الحشيش صغارٌ.\nوقال الكسائيُّ: الحِبَّةُ بذرُ الرياحين، واحدتها حبَّةٌ، وأما الحِنطة فهو الحبُّ\nلا غير، يعني الفتح.\nو\"الحميل \": ما حمله السيل من كل شيءٍ، فهو حميلٌ بمعنى محمول.\nكقتيل بمعنى مقتول.\n* * *","vol":"2","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-378>سُورَةُ البَلَدِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-379>قوله تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١)</span>\nرَوى عطيةُ عن ابنِ عمرَ في قولِهِ تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) .\nقال: جبلُ زلزالٍ في جهنَّمَ.\nوروى ابن أبي حاتمم بإسناده عن كعب، قال: اقتحام العقبة في كتاب اللَّه\n- يعني: قوله: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) - سبعين درجة في النار.\nوعن ضمرة قال: سمعت أبا رجاء قال: بلغني أن العقبة التي ذكر اللَّه في\nكتابه: مطلعها سبعة آلاف سنة، ومهبطها سبعة آلاف سنة.\nوعن عطية، عن ابن عمر، قال في العقبة: \"جبل في جهنم، أفلا أجاوزه\nبعتق رقبة؟! \".\nوعن مقاتل بن حيان، قال: هي عقبة في جهنم، قيل: بأي شيء تقطع؟\nقال: رقبة.\nوفي \"الصحيحين \"، ولفظه للبخاري عن ابن عمر قال: رأيت في المنام\nأنه جاءني ملكان في يد كل واحد منهما مقمعة من حديد، ثم لقيني ملك\nفي يده مقمعة من حديد، قالوا: لن تُرعَ، نِعْمَ الرجلُ أنت لو كنت","vol":"2","page":587},{"text":"تكثر الصلاة من الليل، فانطلقوا بي، حتى وقفوا بي على شفير جهنم، فإذا\nهي مطوية كطي البئر، لها قرون كقرون البئر، بين كل قرنين ملك بيده\nمقمعة من حديد، وإذا فيها رجال معلقون بالسلاسل رءوسهم أسفلهم.\nوعرفت رجالًا من قريش، فانصرفوا بي عن ذات اليمين، فقصصتها على\nحفصة، فقصتها حفصة على رسول اللَّه - ﷺ -، فقال: \"إن عبد الله رجل صالح\".\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-380>قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩)</span>\nقال اللَّه ﷿: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨) .\nوقال ﷿: (قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣) .\nوقال: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨) .\nوقال: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ (٩) .\nقال مجاهدٌ: هذه نعَمٌ من اللَّه متظاهرة يقرِّرُكَ بها كيما تشكر.\nوقرأ الفُضيلُ ليلةً هذه الآية، فبكى، فسُئلَ عن بكائِهِ، فقال: هل بِتَّ ليلةً\nشاكرًا للَّه أن جعلَ لك عينينِ تُبصر بهما؟ هل بِتَّ ليلةً شاكرًا للَّه أنْ جعلَ\nلك لسانًا تنطقُ به؟ وجعلَ يعدِّدُ من هذا الضَّرْبِ.\nوروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن سلمانَ الفارسيِّ، قال: إنَّ رجلًا بُسِطَ له","vol":"2","page":588},{"text":"منَ الدنيا، فانتُزِعَ ما في يديه، فجعل يحمَدُ اللَّه ﷿، ويُثني عليه.\nحتَّى لم يكنْ له فراشٌ إلا بوري فجعلَ يحمدُ اللَّهَ، ويُثني عليه، وبُسِطَ\nلآخرَ من الدنيا، فقال لصاحبِ البُوري (١): أرأيتك أنتَ على ما تحمدُ اللَّهَ ﷿؟\nقال: أحْمَدُهُ على ما لو أُعْطِيتُ به ما أعْطيَ الخلْقُ، لم أُغطِهِمْ إيَّاه.\nقال: وما ذاك؟\nقال: أرأيت بصرَك؟ أرأيتَ لسانَك؟ أرأيتَ يديك؟ أرأيتَ\nرجلَيْك؟\nوبإسنادِهِ عن أبي الدرداءِ أنه كان يقولُ: الصحَّةُ غِنى الجسدِ.\nوعن يونسَ بنِ عبيدٍ: أنَّ رجلًا شكا إليه ضيقَ حالِهِ، فقال له يونسُ:\nأيسُرُّك أنَّ لك ببصرِك هذا الذي تُبْصِرُ به مائةَ ألف درهم؟\nقال الرجل: لا.\nقال: فبرجليك؟\nقال: لا، قال: فذكَّره نِعَمَ اللَّه عليه، فقال يونسُ: أرى\nعندك مِئين ألوفٍ وأنت تشكو الحاجةَ.\nوعن وهبِ بنِ مُنبِّهٍ، قال: مكتوبٌ في حكمةِ آلِ داودَ: العافيةُ المُلك\nالخفيُ.\nوعن بكرٍ المزنيِّ، قال: يا ابنَ آدمَ، إنْ أردتَ أنْ تعلم قدرَ ما أنعم اللَّه\nعليك، فغمِّض عينيك.\nوفي بعض الآثارِ: كم منْ نِعمَةٍ للَّه في عرقٍ ساكنٍ.\nوفي \"صحيح البخاري\" عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - ﷺ - قال: \"نعْمتانِ مغْبُون فيهما كثيرٌ من الناسِ: الصحَّةُ والفراغُ \".\n_________\n(١) البوري: هو الحصير المنسوج.","vol":"2","page":589},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-381>سُورَةُ الشَّمْسِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-382>قال الله ﷿: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)</span>\nوالمعنى قد أفلحَ من زكَّى نفسَهُ بطاعةِ اللَّه، وخابَ من دسَّاها بالمعاصي.\nفالطاعةُ تُزكِّي النفسَ وتُطهرُها، فترتفعُ، والمعاصي تُدسِّي النَّفْسَ، وتقمعُها، فتنخفضُ، وتصيرُ كالذي يُدسُّ في التراب.\n* * *","vol":"2","page":590},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-383>سُورَةُ الضُّحَى</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-384>قوله تعالى: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) </span>أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨) فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (١٠) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ (١١)\nوقال في سورةِ الضُّحى: لما توالى فيها قسَمانِ، وجوابَانِ مثبتان، وجوابان\nنافيانِ، فالقسمانِ: (وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) .\nوالجوابان النافيان: (مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى) .\nوالجوابان المثبتان: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥) .\nثم قررَ بنعمٍ ثلاث، وأتبعهنَّ بوصايا ثلاث: كل واحدة من الوصايا شكرُ\nالنعمةِ التي قوبِلَتْ بها.\nفإحداهنَّ: (أَلَمْ يَجِدْكَ يَثِيمًا فَآوَى) وجوابها: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ) .\nوالثانية: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) فقابلها بقولِهِ: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) .\nوهذا لأنَّ السائلَ ضالٌّ يبغي الهُدى.\nوالثالثةُ: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى) فقابَلها بقوله: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) .\nوإنَّما قال: (وَمَا قَلَى) ولم يقلْ: وما قلاكَ، لأن القِلَى بغضٌ بعدَ حبٍّ.","vol":"2","page":591},{"text":"وذلك لا يجوز على اللَّهِ تعالى.\nوالمعنى: وما قلى أحدًا قط، ثم قال:\n(وَلَلآخِرَةُ خَيْرٌ لكَ مِنَ الأُولَى) ولم يقلْ: خير على الإطلاقِ، وإنَّما المعنى خير\nلك ولمن آمن بك.\nوقوله: (فَآوَى) ولم يقلْ: فآواك، لأنه أرادَ: آوى بك إلى يومِ القيامةِ.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-385>قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى)</span>\nوقال لنبيه - ﷺ -: (وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى) .\nوالمرادُ وجدَك غيرَ عالم بما علَّمَك من الكتابِ والحكمةِ، كما قالَ تعالى: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ) فالإنسانُ يُولدُ مفطورًا على قبولِ الحقّ، فإنْ هداه اللَّهُ سبَّبَ له منْ يعلمُهُ الهُدى، فصارَ مهتديًا بالفعلِ بعدَ أن كان مهتديًا بالقوَّةِ، وإنْ خذَلَهُ قيَّضَ له من يعلِمُهُ ما يُغيرُ فطرتَه، كما قال - ﷺ -:\n\"كلُّ مولود يولد على الفطرةِ، فأبواه يُهَوِّدَانِهِ ويُنصرانِهِ ويمجِّسانِهِ \".\n* * *","vol":"2","page":592},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-386>سُورَةُ الشَّرْح</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-387>قوله تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)</span>\nوقولُهُ - ﷺ -: \"فإنَّ مع العسرِ يُسرًا\" هو مُنتزعٌ من قولِهِ تعالى: (سَيَجْعَل اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يسْرًا) .\nوقولُه ﷿: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) .\nوخرَّج البزارُ في \"مسندِهِ \" وابنُ أبي حاتمٍ - واللفظُ له - من حديثِ أنسٍ\nعن النبيّ - ﷺ - قال:\n\"لو جاءَ العُسْرُ، فدخلَ هذا الجُحْر، لجاءَ اليسرُ حتَى يدخلَ\nعليه فيُخْرِجَه \"، فأنزل اللَّهُ ﷿: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) .\nوروى ابنُ جريرٍ وغيرُه من حديثِ الحسنِ مرسلًا نحوَه، وفي حديثِه:\nفقال النبيُّ - ﷺ -:\n\"لن يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسرينِ \".\nوروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادِهِ عن ابنِ مسعود، قال:\n\" لو أنَّ العسرَ دخلَ في جحرٍ لجاءَ اليسرُ حتَّى يدخل معه، ثم قال: قال اللَّهُ تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) .\nوبإسنادِهِ أنَّ أبا عبيدةَ حُصِرَ فكتبَ إليه عمرُ يقول: مهما ينزل بامرئٍ شدَّة","vol":"2","page":593},{"text":"يجعلُ اللَّه له بعدَها فرجًا، وإنَه لن يَغْلِبَ عسرٌ يسرينِ، وإنه يقول:\n(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠) .\nومن لطائف أسرارِ اقترانِ الفرج بالكربِ واليُسرِ بالعسرِ: أن الكربَ إذا\nاشتدَّ وعَظُمَ وتناهى، حصلَ للعبدِ الإياسُ من كَشْفِهِ من جهةِ المخلوقين.\nوتعلَّقَ قلبُه بالله وحدَهُ، وهذا هو حقيقةُ التوكُلِ على اللَّه، وهو من أعظم\nالأسبابِ التي تُطلَبُ بها الحوائجُ، فإنَّ اللَّهَ يكفي من توكَّل عليه\"، كما قال:\n(وَمَن يَتَوَكلْ عَلَى اللهِ فَهوَ حَسْبُهُ) .\nوروى آدمُ بنُ أبي إياسٍ في \"تفسيره\" بإسنادِهِ عن محمدِ بنِ إسحاقَ قال:\nجاء مالكٌ الأشجعي إلى النبي - ﷺ - فقال: أُسِرَ ابْنِي عوفٌ، فقالَ له: \"أرسل إليه: إن رسول الله - ﷺ - يأمرُكَ أن تُكثِرَ من قولِ: لا حول ولا قوة إلا باللَّهِ \"، فأتاه\nالرسولُ فأخبرَه، فأكبَّ عوفٌ يقول: لا حول ولا قوة إلا باللَّه، وكانوا قد\nشدُّوه بالقدِّ فسقطَ القدُّ عنه، فخرجَ فإذا هو بناقةٍ لهم فركبَها، فأقبلَ فإذا هو بسَرح القومِ الذي كانوا شدُّوه، فصاح بهم، فاتبعَ آخرُها أوَّلَها،، فلم يفجأ أبويه إلا وهو ينادي بالبابِ، فقال أبوه: عوف وربِّ الكعبةِ، فقالتْ أُمُّه: واسوأتاه، عوفٌ كئيبٌ يالمُ لما فيه منَ القدِّ، فاستبقَ الأبُ والخادمُ إليه، فإذا عوفٌ قدْ ملأ الفناءَ إبلًا، فقصَّ على أبيه أمرَه وأمرَ الإبلِ فأتى أبوه\nرسولَ اللَّهِ - ﷺ - فأخبره بخبرِ عوف وخبرِ الإبل، فقال له رسولُ اللَّه - ﷺ -:\n\"اصنع بها ما أحببتَ، وما كنتَ صانعًا لإبلك \".\nونزل: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) .","vol":"2","page":594},{"text":"قال الفُضيلُ: واللَّه لو يئستَ من الخلقِ حتَّى لا تريدَ منهم شيئًا، لأعطاكَ\nمولاكَ كُلَّ ما تُريد.\nوذكر إبراهيمُ بنُ أدهم عن بعضِهم، قال: ما سألَ السائلون مسألةً هي\nألحفُ منْ أن يقولَ العبدُ: ما شاء اللَّهُ، قال: يعني بذلك التَّفويضَ إلى اللَّه\n﷿.\nوقال سعيدُ بنُ سالمٍ القداح: بلغني أنَّ موسى ﵇ كانتْ له إلى\nاللَّهِ حاجةٌ، فطلبَها، فأبطاتْ عليه، فقال: ما شاء اللَّه، فإذا حاجتُه بيْنَ\nيديه، فعجبَ، فأوحى اللَّهُ إليه: أما علمتَ أنَّ قولَك: \"ما شاءَ اللَهُ \" أنجحُ ما طُلِبتْ به الحوائج.\nوأيضًا فإنَّ المؤمنَ إذا استبطأ الفرَجَ، وأيسَ منه بعدَ كثرةِ دعائِهِ، وتضرُّعِه.\nولم يظهرْ عليه أثرُ الإجابةِ يرجعُ إلى نفسِهِ باللائمةِ، وقال لها: إنَّما أُتيتُ من\nقِبَلكِ، ولو كان فيكِ خير لأُجِبتُ، وهذا اللومُ أحبُّ إلى اللَّه من كثيرٍ من\nالطًّاعاتِ، فإنَّه يُوجبُ انكسارَ العبدِ لمولاهُ واعترافَهُ له بأنَّه أهل لما نزلَ به من\nالبلاءِ، وأنه ليسَ بأهل لإجابةِ الدعاءِ، فلذلك تُسرعُ إليه حينئذ إجابةُ الدعاء وتفريجُ الكربِ، فإنه تعالى عندَ المنكسرةِ قلوبُهم من أجلِه.\nقال وهبٌ: تعبَّدَ رجل زمانًا، ثمَّ بدت له إلى اللَّهِ حاجةٌ، فصامَ سبعينَ\nسبتًا، يأكلُ في كُلِّ سبتٍ إحدى عشرةَ تمرةً، ثم سألَ اللَّهَ حاجتَهُ فلم يُعطَها، فرجعَ إلى نفسِهِ فقال: منكِ أُتيتُ، لو كان فيكِ خير أعطيتِ حاجتَك، فنزلَ إليه عندَ ذلك ملَكٌ، فقال: يا ابنَ آدمَ ساعتُك هذه خير من عبادتِك التي مضت، وقد قضى اللَّه حاجتَك.\nخرَّجه ابنُ أبي الدنيا.","vol":"2","page":595},{"text":"ولبعضِ المتقدمين في هذا المعنى:\nعسى ما ترى أن لا يدوم وأن ترى. . . له فرجًَّا ممَّا ألحَّ به الدَّهرُ\nعسى فرَج يأتي به اللَّهُ إنَه. . . لهُ كُل يومٍ في خَليقتِهِ أَمْرُ\nإذا لاح عسر فارج يسرًا فإنَّه. . . قضى اللَّهُ أنَّ العُسرَ يتبعُهُ اليُسر\n* * *","vol":"2","page":596},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-388>سُورَةُ التِّينِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-389>قوله تعالى (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)</span>\nوفي \"الصحيح \": \"أن إبراهيمَ ﵇ إذا شفَعَ في أبيه، قيل له: يا\nإبراهيمُ انظرْ ما وراءَك، فإذا هو بذيخ ملطَّخ فيُؤخَذُ بقوائِمِهِ ويُلقى في\nالنَارِ\"، والذيخُ: الضبعُ الذكرُ.\nوقال أبو العالية في قولهِ تعالى: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ)\nقال: في النَّارِ في صورةِ خنزيرٍ.\nخرَّجَه ابنُ أبي حاتمٍ.\nقال ابنُ مسعود: إذا أرادَ اللَّه تعالى أنْ لا يُخْرِجَ منها أحدًا غيَرَ صورَهم\nوألوانَهم فلا يُعرفُ منهم أحدٌ.\n* * *","vol":"2","page":597},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-390>سُورَةُ العَلَقِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-391>قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)</span>\n[قالَ البخاريُّ]: قال ابنُ عباسٍ: حدثني أبو سفيانَ في حديثِ هرقلَ.\nفقال: يأمرنا - يعني: النبيَّ - ﷺ - بالصَّلاةِ والصِّدْقِ والعفافِ.\nحديث أبي سفيانَ هذا قد خرَّجَه البخاريُّ بتمامِهِ في أولِ كتابِهِ، وهو يدلُّ\nعلى أنَّ النبي - ﷺ - كان أهمُّ ما يأمرُ به أُمته الصلاةَ، كما يأمرُهم بالصدق والعفافِ، واشتهر ذلك حتى شاعَ بين الملَلِ المخالفينَ له في دِينه، فإنَّ أبا سفيان كان حينَ قال ذلك مُشْرِكًا، وكان هِرقْلُ نَصْرانيًا، ولم يزل - ﷺ - منذ بُعث يأمر بالصدقِ والعفافِ، ولم يزلْ يصلي - أيضًا - قبل أن تُفْرَض الصلاة.\nوأولُ ما أُنزل عليه سورةُ: (اقْرَأْ بِاسْم رَبِّكَ)، وفي آخرها:\n(أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) .\nإلى قوله: (كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩) .\nوقد نَزَلَتْ هذه الآياتُ بسببِ قولِ أبي جَهْلٍ: لئن رأيتُ محمدًا ساجدًا\nعندَ البيتِ لأطأنَّ على عنُقِهِ.\nوقد خرَّج هذا الحديثَ مسلم في \"صحيحهِ \"، وقد ذَكَرنا في أولِ كتابِ:","vol":"2","page":598},{"text":"\"الوضوءِ\" حديثَ أسامةَ، أن جبريلَ نزَل على النبي - ﷺ - في أولِ الأمرِ، فعلَّمه الوضوءَ والصلاة.\nوذكر ابنُ إسحاقَ: أنَّ الصلاةَ افتُرضتْ عليه حينئذِ، وكانَ هو - ﷺ - وخديجةُ يُصلِّيان.\nوالمرادُ: جنسُ الصلاةِ، لا الصلواتِ الخمسِ.\nوالأحاديثُ الدالةُ على أنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ يصلي بمكةَ قبلَ الإسراءِ كثيرة.\nلكن قد قيلَ: إنَّه كان قد فُرض عليه ركعتانِ في أولِ النَّهارِ وركعتان في\nآخرِه فقط، ثم افتُرِضَتْ عليه الصلواتُ الخمس ليلةَ الإسراءِ، قاله مُقاتل\nوغيرُه.\nوقالَ قتادةُ: كان بدءُ الصلاةِ ركعتينِ بالغَداةِ، وركعتينِ بالعَشيِّ.\nوإنَّما أرادَ هؤلاء: أنَّ ذلك كان فرضًا قبل افتراضِ الصلواتِ الخمسِ ليلةَ\nالإسراءِ.\nوقد زعم بعضُهم: أن هذا هو مُرادُ عائشةَ بقولِها: فُرضَت الصلاةُ ركعتين\nركعتين، وقالوا: إنَّ الصلواتِ الخمس فُرضَتْ أوَّلَ ما فُرضَتْ أربعًا\nوثلاثًا وركعتين على وجهِها.\nوضعَّف الأكثرون ذلك، وقالُوا: إنما أرادتْ عائشةُ فرضَ الصلواتِ الخمس\nركعتينِ ركعتينِ سِوى المغربِ.","vol":"2","page":599},{"text":"وقد ورد من حديثِ عَفيفٍ الكنْدي، أنَّه رأى النبيَّ - ﷺ - يُصلي بمكةَ حين زالت الشمسُ ومعه علي وخديجةُ، وأن العباسَ قال له: ليس على هذا الدِّينِ أحدٌ غيرُهم.\nوقد خرَّجه الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ في \"خصائص عليٍّ\".\nوقد طعن في إسناده البخاريُّ في \"تاريخه \" والعُقيلي وغيرُ واحدٍ.\nوقد خرَّج الترمذي من حديث أنسٍ، قال: بُعثَ النبي - ﷺ - يومَ الاثنينِ، وصلى عليٌّ يومَ الثُّلاثاء. \"\nوإسناد ضعيف.\nوقد خرَّجه الحاكم من حديث بُريدةَ، وصحَّحَه.\nوفيه فى ليلٌ على أنَّ الصلاةَ شُرعت من ابتداء النبوة، لكنَّ الصلواتِ الخمسِ\nلم تُفرض قبلَ الإسراء بغيرِ خلافٍ.\nوروى الرَّبيعُ، عن الشافعي، قال: سمعتُ ممن أثق بخبره وعلمه يذكر\nأنَّ اللَّهَ تعالى أنزل فرضًا في الصلاة، ثم نسخه بفرض غيره، ثم نسخ الثاني\nبالفرضِ في الصلواتِ الخمسِ.\nقال الشافعي: كأنَّه يعني قولَ الله ﷿: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ)\nثم نسخه في","vol":"2","page":600},{"text":"السورةِ معهُ بقوله: (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِن ثُلُتَي اللَّيْلِ) الآية.\nإلى قوله: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرآنِ)، فنُسِخَ قيامُ الليل، أو نصفه، أو أقل، أو أكثر بما تيسَّر.\nقالَ الشافعيُّ: ويقال نُسخ ما وُصف في المزمل بقولهِ اللَّهِ ﷿: (أَقِمِ\nالصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) ودلوكُ الشمس: زَوالُها (إِلَى غَسَقِ اللَّيْل) العَتمَة\n(وَقُرانَ الْفَجْرِ) الصبح (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ)\nفأعلمه أنَّ صلاةَ الليل نافلةٌ لا فريضة، وأن الفرائض فيما ذكرَ من ليلٍ أو\nنهار.\nقال: ويُقال في قولِ اللَّه ﷿: (فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُون) المغربُ\nوالعشاءُ (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) الصبحُ (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيا) العصرُ (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) الظهرُ. انتهى.\nوقد رُوي عن طائفةٍ من السَّلفِ تفسيرُ هاتينِ الآيتينِ بنحوِ ما قالَه\nالشافعي، فكلُّ آيةٍ منهما متضمِّنةٌ لذكر الصلواتِ الخمسِ، ولكنَّهما نزلتا بمكةَ بعدَ الإسراءِ. واللَّهُ أعلم.\nوقد أجمعَ العلماءُ على أنَّ الصلواتِ الخمسِ إنَما فُرضَتْ ليلةَ الإسراءِ.\nواختلفوا في وقتِ الإسراء:\nفقيل: كانَ بعدَ البعثةِ بخمسةَ عشرَ شهرًا، وهذا القولُ بعيدٌ جدًّا.\nوقيل: إنَّه كان قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنين، وهو أشهرُ.\nوقيل: قبلَ الهجرةِ بسنةٍ واحدةٍ.\nوقيل: قبلَها بستةِ أشهرٍ.","vol":"2","page":601},{"text":"وقيل: كانَ بعدَ البعثةِ بخمسِ سنين، ورجحه بعضُهم، قال: لأنَّه لا\nخلاف أن خديجة صلَّت معه بعد فرض الصلاة، ولا خلاف أنها توفيَتْ قبل\nالهجرة بمدةٍ، قيل: بثلاث سنين، وقيل: بخمس، وقد أجمع العلماءُ على\nأن فرض الصلاة كان ليلةَ الإسراء.\nقلت: حكايته الإجماعَ على صلاة خديجةَ معه بعد فَرض الصلاةِ غَلَط\nمَحْضْ، ولم يَقُل هذا أحَدٌ ممن يُعْتَدُّ بقوله.\nوقد خرج أبو يَعلَى الموصلي والطبرانيُّ من حديث إسماعيلَ بن\nمُجالدٍ، عن أبيه عن الشَّعبي، عن جابر، أن رسولَ اللَّه - ﷺ - سُئل عن خديجةَ؛ فإنها ماتت قبل أنْ تَنزل الفرائض والأحكام؟\nفقال: \"أبصرتها على نهر من أنهار الجنة، وفي بيت من قَصَب، لا لغو فيه ولا نَصَبٌ \".\nوروى الزُّبيرُ بنُ بكَّارِ، بإسنادِ ضعيفٍ، عن يُونُسَ عن ابنِ شهابٍ، عن\nعُروَةَ، عن عائشةُ، قالت: تُوفِّيتْ خديجةُ قبل أن تُفرض الصلاةُ.\nوقد فرَّق بعضهم بين الإسراء والمعراج، فجعل المعراج إلى السماوات كما\nذكره اللَّه في سورة النَّجم، وجعل الإسراء إلى بيت المقدسِ خاصةً، كما\nذَكَره اللَّه في سورة (سبحان) وزَعَم أنهما كانا في ليلتين مختلفتين، وأن\nالصلوات قُرضت ليلةَ المعراج لا ليلةَ الإسراء.\nوهذا هو الذي ذكره محمدُ بن سَعْدٍ في \"طبقاته \" عن الواقديِّ بأسانيدَ\nله متعددة، وذَكَر أن المعراج إلى السماء كان ليلةَ السبت لسبعَ عشرةَ خَلَتْ\nمن شهر رمضانَ قبل الهجرة بثمانيةَ عشرَ شهرًا من المسجد الحرام، وتلك\nالليلةَ فرُضت الصلواتُ الخمس، ونزل جبريل فصلى برسول اللَّه - ﷺ -","vol":"2","page":602},{"text":"الصلوات في مواقيتها، وأن الإسراء إلى بيت المقدس كان ليلةَ سبعَ عشرةَ من\nشهر ربيع الأولِ قبل الهجرة بسنةٍ، من شِعْبِ أبي طالب.\nوما بوَّب عليه البخاري أن الصلوات فرضت في الإسراء يدل على أن\nالإسراء عنده والمعراج واحد. واللَّه أعلم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-392>قوله تعالى: (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)</span>\nقال اللَّهُ تعالَى: (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) .\nقال أبو هريرةَ: الزبانيةُ: الملائكةُ.\nوقال عطاء: هم الملائكةُ الغلاظُ الشدادُ.\nوقال مقاتل: هم خزنةُ جهنَّمَ.\nوقال قتادةُ: الزبانيةُ في كلامِ العربِ: الشرطُ.\nوقالَ عبدُ اللَّهِ بنُ الحارثِ: الزبانيةُ رؤوسُهُم في الأرضِ وأرجلُهُم في السماءِ، خرَّجَهُ ابنُ أبي حاتم وخرجَ أيضًا بإسناده عن المنهالِ بنِ عمرو قالَ:\nإذا قالَ اللَّهُ تعالَى: (خُذُوهُ فَغلُّوهُ) ابتدرهُ سبعونَ ألفَ ملك، وإن الملكَ\nمنهم ليقولُ هكذا، يعني: يفتحُ يديهِ، فيلقي سبعينَ ألفًا في النارِ.\n* * *","vol":"2","page":603},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-393>سُورَةُ القَدْرِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-394>قوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) </span>سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥)\nفي \"الصحيحينِ \" عن أبي سعيد الخُدريّ - ﵁ -، قال: كانَ رسول اللَّهِ - ﷺ - يعتكِفُ في العشرِ الأوسطِ من رمضانَ، فاعتكفَ عامًا، حتَّى إذا كانتْ ليلةُ إحدى وعشرينَ، وهي الليلةُ التي يخرُجُ في صبيحتها من اعتكافِهِ.\nقال: \"من كانَ اعتكفَ معي فليعتَكِفِ العشرَ الأواخِر، وقد أريتُ هذه الليلةَ ثم أنسيتُها، وقد رأيتُني أسجدُ في ماء وطين من صبيحتِها، فالتمسُوهَا في العشرِ الأواخرِ، والتمسوها في كلِّ وتر\".\nفمطرتِ السَّماءُ تلكَ الليلةَ، وكان المسجدُ على عريشٍ، فوكفَ المسجدُ.\nفبصُرتْ عيناي رسول اللَّه - ﷺ - على جبهتهِ أثرُ الماءِ والطِّينِ من صُبح إحدى وعشرين، هذا الحديثُ يدل على أنَّ النبىَّ - ﷺ - كان يعتكفُ العشرَ الأوسطَ من شهرِ رمضانَ؛ لابتغاءِ ليلةِ القدرِ فيه، وهذا السِّياقُ يقتضِي أنَّ ذلك تكرَّر منه - ﷺ.\nوفي روايةٍ في \"الصحيحينِ \" في هذا الحديثِ: أنه اعتكفَ العشرَ الأوَل،","vol":"2","page":604},{"text":"ثم اعتكفَ العشرَ الأوسطَ، ثم قالَ: \"إني أُتيتُ، قيلَ لي: إنها في العشر الأواخر - فمن أحبَّ منكُم أن يعتكفَ فليعتِكفْ \"، فاعتكفَ الناسُ معه.\nوهذا يدلُّ على أنَّ ذلكَ منه قبلَ أن يتبين لهُ أنَّها في العشر الأواخر، ثم\nلمَّا تبين له ذلك اعتكفَ العشرَ الأواخرَ حتَّى قبضَه اللَّه ﷿، كما رواه\nعنه عائشة وأبو هريرة وغيرُهما.\nورُوي أنَّ عمرَ - ﵁ - جمعَ جماعةً من الصحابةِ، فسألهم عن ليلةِ القدرِ، فقالَ بعضُهم: كنَّا نراها في العشرِ الأوسطِ، ثم بلغنا أنها في العشرِ الأواخر.\nوخرَّج ابنُ أبي عاصم في كتاب \"الصيام \" وغيرُه من حديث خالدِ بن\nمحدُوج، عن أنيى: أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ:\n\"التمسُوها في أوَل ليْلَةٍ، أو في تسعٍ، أو في أربع عشرةَ\".\nوخالدٌ هذا فيه ضعفٌ، وهذا يدلُّ على أنَّها تُطلبُ في ليلتين\nمن العشرِ الأوَل، وفي ليلة من العشر الأوسطِ، وهي أربع عشرةَ، وقد\nسبق من حديث واثلة بن الأسقع مرفوعًا:\n\"إن الإنجيلَ أنزِل لثلاث عشرة من رمضانَ \".\nوقد ورد الأمر بطلب ليلةِ القدْر في النصفِ الأواخرِ من رمضانَ.\nوفي أفراد ما بقي من العشرِ الأوسطِ من هذا النصف، وهما ليلتانِ: ليلةُ\nسبعَ عشرةَ، وليلةُ تسعَ عشرةَ.\nأمَّا الأولُ: فخرَّجه الطبراني، من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن أُنيسٍ، أنه سألَ\nالنبيَّ - ﷺ - عن ليلةِ القدر، فقالَ:\n\"رأيتُها ونسيتُها، فتحرَّها في النّصفِ الأواخرِ\".\nثم عادَ فسالهُ، فقال: \"التمسْها في ليلةِ ثلاثٍ وعشرين تَمضِي من الشهرِ\".\n.","vol":"2","page":605},{"text":"ولهذا المعنى - واللَّهُ أعلمُ - كان أبيّ بن كَعب يقنُتُ في الوتر في ليالي\nالنصف الأواخرِ؛ لأنَّه يُرجى فيه ليلةُ القدرِ.\nوأيضًا فكُلُّ زمانٍ فاضلٍ من ليلٍ أو نهار، فإنّ آخرَه أفضلُ من أوَّلِه، كيومِ\nعرفَةَ، ويومِ الجُمعة، وكذلك الليلُ والنَّهار عمومًا؛ آخِرُهُ أفضل من أوَّلهِ.\nولذلك كانتِ الصلاةُ الوسطَى صلاةَ العصْر، كما دلَّتِ الأحاديثُ الصحيحةُ\nعليه، وآثار السَّلفِ الكثيرةُ تدُلُّ عليهِ، وكذلكَ عشرُ ذي الحجةِ والمحرمِ \"\nآخرُهما أفضلُ من أوَّلهِمَا.\nوأمَّا الثاني: ففي \"سننِ أبي داود\" عن ابنِ مسعودٍ مرفوعًا:\n\"اطلُبُوها ليلةَ سبع عشرةَ مِن رَمضانَ، وليلةَ إحدَى وعشرين، وليلةَ ثلاثٍ وعشرين \"، ثم سكتْ.\nوفي روايةٍ: \"ليلةَ تسعَ عشرةَ\"، وقيلَ: إنَّ الصحيحَ وقْفُه على ابنِ مسعودٍ، فقد صحَّ عنه أنَّه قال: تحرُّوا ليلةَ القدْرِ ليلةَ سبعَ عشرةَ، صباحيَّةَ بدرٍ، أو إحدى وعشرين، وفي روايةٍ عنه، قالَ:\n\"ليلةَ سبعَ عشرةَ، فإنْ لم يكن ففي تسعَ عشرةَ\".\nوخرَّج الطبرانيُّ من روايةِ أبي المُهزِّم، وهو ضعيف، عن أبي هريرةَ\nمرفوعًا، قال:\n\"التمسُوا ليلةَ القدْرِ في سبعَ عشرةَ أو تسعَ عشرةَ، أو إحدى وعشرين.\nأو ثلاثٍ وعشرين، أو خمسٍ وعشرين، أو سبع وعشرين، أو تسعٍ وعشرين \".\nففي هذا الحديثِ: التماسُها في أفرادِ النصفِ الثاني كلها، ويروى من حديثِ\nعائشةَ - ﵂ -: أنَّ النَّبيَ - ﷺ - كانَ إذا كان ليلةَ تسعَ عشرةَ من رمضانَ شدَّ المئزرَ وهجرَ الفراشَ حتى يُفطرَ.\nقال البخاريُّ: تفرَّد به عُمرُ بن مسكينٍ، ولا يتابع عليهِ، وقد رُويَ عن","vol":"2","page":606},{"text":"طائفة من الصحابةِ. إنَّها تُطلبُ ليلةَ سبعَ عشرةَ، وقالُوا: إن صبيحتَها كانَ يومَ بدرٍ، رويَ عن علي، وابنِ مسعودٍ، وزيدِ بنِ أرقمَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، وعمرِو ابنِ حريثٍ، ومنهم من رُويَ عنه، أنَّها ليلةُ تسعَ عشرةَ.\nرُوي عن علي، وابنِ مسعودٍ، وزيدِ بن أرقمَ.\nوالمشهورُ عندَ أهلِ السِّيرِ والمغازي: أنَّ ليلةَ بدْرٍ كانتْ ليلةَ سبعَ عشرةَ.\nوكانت ليلةَ جُمعةٍ، وروي ذلك عن علي، وابنِ عباسٍ وغيرهما، وعن ابنِ\nعباسٍ، رواية ضعيفة أنَّها كانت ليلةَ الاثنين.\nوكان زيد بن ثابتٍ لا يُحيي ليلةً من رمضان، كما يُحيى ليلةَ سبعَ عشرةَ.\nويقول: إنَّ اللَّه فرَّق في صبيحتها بين الحقِّ والباطلِ، وأذلَّ في صبيحتها أئمةَ\nالكفرِ.\nوحكى الإمامُ أحمدُ هذا القولَ عن أهل المدينة: أنَّ ليلةَ القدْر تُطلبُ\nليلةَ سبعَ عشرةَ، قال في رواية أبي داود فيمن قال لامرأته: أنت طالقٌ ليلة\nالقدر، قال: يعتزلُها إذا دخلَ العشرُ، وقبل العشر، أهلُ المدينة يرونها في\nالسبع عشرةَ، إلا أنَّ المثبتَ عن النبي - ﷺ - في العشْرِ الأواخر.\nوحكي عن عامر بن عبدِ اللَّهِ بن الزُّبيرِ: أنَّه كانَ يُواصِلُ ليلةَ سبعَ عشرةَ.\nوعن أهلِ مكةَ أنَّهمُ كانُوا لا ينامونَ فيها، ويعتمرونَ.\nوحُكِيَ عن أبي يوسُفَ ومحمد، صاحِبي أبي حنيفةَ: أنَّ ليلةَ القدْرِ في النصفِ الأواخرِ من رمضانَ من غيرِ تعيينٍ لها بليلةٍ، وإن كانتْ في نفسِ الأمرِ عندَ اللَّهِ مُعينةً.\nورويَ عن عبدِ الرحمنِ بنِ الحارثِ بنِ هشامٍ، قالَ: ليلةُ القدْرِ ليلةُ سبعَ\nعشرةَ، ليلةُ جمعة.\nخرَّجه ابنُ أبي شيبة.\nوظاهرُه أنَّها إنما تكونُ ليلةَ القدرِ إذا كانتْ ليلةَ جمعةٍ، لتُوافق ليلةَ بدرٍ، وروَى أبو الشيخ الأصبهاني بإسنادٍ","vol":"2","page":607},{"text":"جَيِّدٍ، عن الحسنِ، قالَ: إنَّ غلامًا لعثمانَ بنَ أبي العاص، قالَ لهُ:\nيا سيِّدي، إن البحرَ يعذُبُ في هذا الشهر في ليلةٍ، قال: فإذا كانتْ تلك الليلةُ فأعلِمني، قال: فلما كانتْ تلكَ الليلةُ أذنَه، فنظرُوا فوجدوه عذبًا، فإذا هي ليلةُ سبعَ عشرةَ.\nورُويَ من حديثِ جابرٍ، قالَ: كان رسولُ اللَّه - ﷺ - يأتي قُباءً صبيحةَ سبعَ عشرةَ من رمضانَ، أيَّ يومٍ كان.\nخرَّجَه أبو موسى المدينيّ.\nوقد قيلَ: إنَّ المعراجَ كانَ فيها أيضًا، ذكرَ ابنُ سعدٍ، عن الواقديّ، عن\nأشياخِهِ: أنَّ المعراجَ كانَ ليلةَ السبتِ لسبعَ عشرةَ خلتْ من رمضانَ قبلَ\nالهجرة إلى السماءِ، وأن الإسراءَ كان ليلةَ سبعَ عشرةَ من ربيع الأوَّل قبلَ\nالهجرةِ بسنةٍ إلى بيتِ المقدسِ، وهذا على قولِ مَن فرَّق بين المعراج\nوالإسراءِ؛ فجعلَ المعراجَ إلى السَّماء، كما ذُكر في سورةِ النجم؛ والإسراءَ\nإلى بيتِ المقدسِ خاصَّةً، كما ذُكرَ في سورةِ سبحانَ.\nوقد قيلَ: إنَّ ابتداءَ نبوَّةِ النبيِّ - ﷺ - كان في سابعَ عشرَ رمضان، قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر: نزلَ جبريلُ على رسولِ اللَّهِ - ﷺ - ليلةَ السبتِ وليلةَ الأحدِ، ثم ظهر له بحراءَ برسالةِ اللَّهِ ﷿ يومَ الاثنين لسبعَ عشرةَ خلتْ من رمضانَ.\nوأصحُّ ما روي في الحوادث في هذه الليلة أنَّها ليلةُ بدْرٍ.\nكما سبقَ أنَّها كانتْ ليلةَ سبعَ عشرَة.\nوقيلَ: تسعَ عشرةَ، والمشهورُ أنَّها كانتْ ليلةَ سبعَ عشرةَ، كما تقدَّمَ.\nوصبيحتُها هو يومُ الفرقانِ، يوم التقى الجمعانِ، وسُمِّي يومُ الفرقانِ؛ لأنَّ\nاللَّهَ تعالى فرَّق فيه بينَ الحقِّ والباطلِ، وأظهرَ الحقَّ وأهلَهُ على الباطلِ وحزْبهِ،","vol":"2","page":608},{"text":"وعلَتْ كلمةُ اللَّهِ وتوحيدُه، وَذُلَّ أعداؤهُ من المشركينَ وأهلِ الكتاب، وكان ذلكَ في السنةِ الثانيةِ من الهجرةِ؛ فإن النبيَّ - ﷺ - قدمَ المدينةَ في ربيع الأولِ في أول سنةٍ من سني الهجرةِ، ولم يُفرضْ رمضان في ذلكَ العامِ، ثم صامَ عاشوراءَ، وفُرضَ عليه رمضانُ في ثاني سنةٍ، فهو أوَّل رمضان صامهُ وصامَه المسلمون معه.\nثم خرَجَ النبي - ﷺ - لطلبِ عيرٍ من قريش قدمتْ من الشامِ إلى المدينةِ في يوم السبتِ لاثنتي عشرةَ ليلةً خلتْ من رمضانَ، وأفطرَ - ﷺ - في خروجهِ إليها.\nقال ابنُ المُسيّب: قال عُمر: غزونَا مع رسولِ اللَّه - ﷺ - غزوتينِ في رمضانَ يومَ بدْرٍ، ويومَ الفتح، وأفطرنَا فيهما، وكان سببُ خروجِه حاجةَ أصحابِه، خصوصًا المهاجرين (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) .\nوكانتْ هذه العِيرُ فيها أموالٌ كثيرةٌ لأعدائِهِم الكفار الذينَ أخرجُوهم من ديارِهم وأموالِهم ظُلمًا وعُدوانًا، كما قالَ اللَّهُ تعالى:\n(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ) .\nفقصدَ النَبيُّ - ﷺ - أن يأخذ أموالَ هؤلاء الكفار الظالمين المعتدين على أولياءِ اللَّهِ وحزبه وجندهِ، فيردَّها على أولياءِ اللَّه وحزبهِ المظلومينَ المخرجينَ من ديارِهِم وأموالِهِم ليتقوُّوا بها على عبادةِ اللَّهِ وطاعتِهِ وجهادِ أعدائِهِ، وهذا مما أحلَّه اللَّهُ لهذه الأمَّة؛ فإنَّه أحلَّ لهم الغنائمَ، ولم تحل لأحدٍ قبلَهم، وكان عدَّةُ من معهُ ثلثمائة وبضعةَ عشرَ، وكانوا على عدَّةِ أصحابِ طالُوتَ الذين جازُوا معه النهرَ، وما جازَه معه إلا مؤمنٌ.","vol":"2","page":609},{"text":"وفي \"سنن أبي داودَ\" من حديثِ عبدِ اللَّهِ بن عمرو، قالَ: خرجَ\nرسولُ اللَّهِ - ﷺ - يومَ بدر في ثلاثمائةِ وخمسةَ عشرَ من المقاتلةِ، كما خرجَ طالُوت، فدعا لهم رسولُ اللَّه - ﷺ - حينَ خرجُوا، فقالَ: \"اللهمَّ، إنَّهم حُفَاةٌ فاحْملهُم، وإنَّهم عُراةٌ فاكسُهُم، وإنهم جياعٌ فأشبعْهُم \".\nففتحَ اللَّهُ يومَ بدرٍ، فانقلبُوا حينَ انقلبوا وما فيهم رجلٌ إلا وقد رجع بجملِ أو جملين، واكتسوا وشبعُوا، وكان أصحابُ النبي - ﷺ - حين خرجُوا على غايةٍ من قلَّة الظهرِ والزاد؛ فإنَّهم لم يخرجوا مستعدين لحربٍ، ولا لقتالٍ، إنَّما خرجُوا لطلبِ العير، فكانَ معهُم نحو سبعينَ بعيرًا يعتقبونها بينهم، كُل ثلاثة على بعير.\nوكان للنبيِّ - ﷺ - زميلان، فكانوا يعتقبونَ على بعير واحدِ، فكان زميلاه يقولان لَهُ: يا رسولَ اللَّه، اركبْ حتَّى نمشيَ عنك، فيقولُ: ما أنتما بأقوَى على المشي منِّي، ولا أنا بأغنى عن الأجرِ منكُما، ولم يكنْ معهُمَا إلا فرسانِ، وقِيلَ: ثلاثة، وقيل: فر سٌ واحدٌ للمقدادِ.\nوبلغَ المشركينَ خروجُ النبيِّ - ﷺ - لطلبِ العيرِ، فأخذَ أبو سُفيان بالعِير نحو الساحلِ، وبعثَ إلى أهلِ مكَّة يخبرُهُم الخيرُ، ويطلبُ منهم أن ينفروا لحمايةِ عِيرهم، فخرجُوا مستصرخين، وخرجَ أشرافُهم ورؤساؤُهم، وسارُوا نحوَ بدْرٍ، واستشارَ النبيُّ - ﷺ - المسلمينَ في القتالِ فتكلَّم المهاجرونَ فسكتَ عنهُم.\nوإنما كانَ قصدُه الأنصارَ لأنَه ظنَّ أنَهم لم يبايعوه إلا على نُصْرته على من\nقصدهُ في ديارِهِم، فقام سعد بنُ عُبادةَ، فقالَ: إيَّانا تريدُ، يعني الأنصارَ.\nوالذي نفسِي بيدِه، لو أَمرتَنا أن نَخِيضَها البحرَ لأخضناها، ولو أمرْتنا أن","vol":"2","page":610},{"text":"نضربَ أكبادَها إلى برك الغمادِ لفعلنا، وقال له المقدادُ: لا نقُول لكَ كمَا\nقالَ بنو إسرائيل لموسى: (فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)\nولكن نقاتلُ عن يمينِكَ وشمالك، وبينَ يديكَ، ومِن خلفكَ.\nفَسُرَّ النبيُّ - ﷺ - بذلك وأجمعَ على القتالِ.\nوبات تلكَ الليلةَ، ليلةَ الجمعةِ سابعَ عشرَ رمضانَ قائمًا يُصلّى ويبكِي\nويدعُو اللَّه ويستنصرُهُ على أعدائِهِ.\nوفي \"المسندِ\" عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ، قالَ: \"لَقَدْ رأيتُنا وما فينا إلا\nنائمٌ، إلا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - تحتَ شجرة يُصلِّي ويبكي حتَى أصبحَ \".\nوفيه عنه أيضًا، قال: أصابنا طَشٌّ من مطرٍ، يعني ليلَةَ بدْرٍ، فانطلقنا\nتحتَ الشَّجرِ والحَجَفِ نستظلُّ بها من المطرِ، وبات رسولُ الله - ﷺ - يدعو ربَّهُ، ويقول:\n\"إن تُهْلكْ هذه الفئةَ لا تُعْبَدْ\".\nفلمَّا أن طلعَ الفجر نادى: الصلاةَ عبادَ اللَّهِ، فجاءَ الناسُ من تحت الشَّجر والحجفِ، فصلَّى بنا رسولُ اللَّه - ﷺ -.\nوحثَّ على القتال.\nوأمدَّ اللَّهُ تعالى نبيَّهُ والمؤمنينَ بنصرٍ من عندِه وبجند من جندِه، كما\nقالَ تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) .","vol":"2","page":611},{"text":"وفي \"صحيح البخاريِّ \" أنَّ جبريلَ قالَ للنبي - ﷺ -:\n\"ما تَعُدُّون أهلَ بدرٍ فيكم؟\nقال: \" مِن أفْضَل المسلمين \" أو كلمة نحْوَهَا، قال: وكذلك مَن شهِدَ بدْرًا من الملائكة\".\nوقال اللَّهُ تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ) .\nوقال: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) .\nورُوي أنَّ النبيَّ - ﷺ - لما رآهمُ قالَ:\n\"اللهمَّ، إن هؤلاءِ قُريشٌ قد جاءتْ بخُيلائها يُكَذبون رسولَك، فانجِزْ لي ما وَعدْتَنِي \".\nفأتاه جبريلُ، فقال: \"خُذْ قبضةً من تُراب فارمهم بها\"، فأخذَ قبضةً من حصْباءِ الوادي فرمَى بها نحوَهم، وقال: \"شاهتِ الوُجُوه \" فلم يبقَ مُشركٌ إلا دخلَ في عينيهِ ومنْخرِه وفمه شيءٌ، ثم كانتِ الهزيمةُ.\nوقال حكيمُ بنُ حزامٍ: سمعنا يومَ بدرٍ صوتًا وقع من السَّماء كأنَّه صوتُ حصاةٍ على طَسْتٍ، فرمى رسول اللَّه - ﷺ - تلكَ\nالرَّميةَ، فانهزمنا، ولما قدمَ الخبرُ على أهلِ مكةَ قالُوا لمن أتاهُم بالخبرِ: كيفَ\nحالُ الناسِ؟\nقال: لا شيءَ، واللَّهِ إن كانَ إلا أن لقيناهُم فمنحناهم أكتافنا.\nيقتلُونا ويأسرُونا كيفَ شاؤُوا، وأيْمُ اللَّهِ، مع ذلكَ ما لمتُ النَّاسَ، لقينا رجالًا على خيلٍ بُلق بين السَّماءِ والأرضِ ما يقومُ لها شيءٌ.\nوقتلَ الله صَّنَاديدَ كفارِ قريشٍ يومئذٍ، منهم عُتبةُ بنُ ربيعةَ، وشيبةُ.\nوالوليدُ بنُ عتبةَ، وأبو جهلٍ، وغيرُهم، وأسرُوا منهم سبعينَ، وقصَّة بدرٍ\nيطولُ استقصاؤها، وهي مشهورةٌ في التفسيرِ وكتبِ الصحاح والسنن\nوالمسانيدِ والمغازي والتواريخ وغيرها، وإنما المقصودُ هاهنا التنبيةُ على بعضِ\nمقاصدها.","vol":"2","page":612},{"text":"وكان عدوُّ اللَّه إبليسُ قد جاء إلى المشركينَ في صورةِ سُراقةَ بن مالكٍ.\nوكانت يدُهُ في يدِ الحارث بن هشامٍ، وجعل يُشجعهم ويعدُهم ويمنَيهم، فلمَّا\nرأى الملائكةَ هربَ وألقى نفسه في البحر.\nوقد أخبرَ اللَّهُ عن ذلك بقوله تعالى: (وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤٨) .\nوفي \"الموطأ\" حديثٌ مرسلٌ عن النَّبيِّ - ﷺ - قال:\n\"ما رُؤِي الشَّيطانُ أحقرَ ولا أدحَر ولا أصغرَ من يوم عرفَةَ، إلا ما أُرِي يوْمَ بدر\".\nقيل: وما رأى يومَ بدرٍ؟\nقال: \"رأى جبريلَ يزعُ الملائكة\"، فإبليس عدوُّ اللَّهِ يسعَى جهدَه في إطفاءِ نورِ اللَّه وتوحيدهِ، ويُغرِي بذلك أولياءَه من الكفَّار والمنافقين، فلمَّا عجزَ عن ذلكَ بنصرِ اللَّهِ نبيَّه وإظهارِ دينه على الدِّينِ كُلِّه، رضِيَ بإلقاءِ الفتن بين المسلمينَ.\nواجْتَزَى منهُم بمحقرَاتِ الذنوبِ حيثُ عجزَ عن ردِّهم عن دينهِم؛ كما قالَ\nالنبيُّ - ﷺ -:\n\"إنَّ الشيطانَ قد أيسَ أن يعبدهُ المصلُّونَ في جزيرةِ العربِ، ولكن في\nالتحريشِ بينَهمُ \".\nخرَّجهُ مسلمٌ من حديثِ جابرٍ، وخرَّج الإمامُ أحمدُ والنسائيُّ والترمذيُّ وابنُ ماجةَ من حديثِ عمروِ بنِ الأحوصِ، قالَ:\nسمعتُ النبيَّ - ﷺ - يقولُ في حجةِ الوداع:\n\"ألا أنَّ الشَّيطانَ قد أيسَ أن يُعبدَ في بلدكُم هذا أبدًا، ولكنْ سيكونُ له طاعةٌ في بعضِ ما تحتقرُون من أعمالُكم، فيرضَى بها\".","vol":"2","page":613},{"text":"وفي \"صحيح الحاكم \" عن ابنِ عبَّاس أنَّ النبيَّ - ﷺ - خطبَ في حجةِ الوداع، فقال:\n\"إنَّ الشيطان قد يئس أن يُعبدَ بأَّرَضكم، ولكنَّه يرضَى أن يُطاعَ فيما\nسِوى ذلكَ؛ فيما تحاقرونَ من أعمالِكم؛ فيرضَى بها فاحذَروا.\nيا أيُّها الناسُ، إنِّي قد تركتُ فيكم ما إنْ اعتصمتُم به فلن تضِلُّوا أبدًا: كتابَ اللَّه، وسُنَّةَ نبيِّه - ﷺ - \".\nولم يعظم على إبليسَ شيء أكبرُ مِن بعثةِ محمدٍ - ﷺ -، وانشارِ دعوته في مشارق الأرض ومغاربها، فإنَّه أيسَ أن تعودَ أمّته كلُّهم إلى الشرك الاكبر.\nقال سعيدُ بنُ جُبَير: لمَّا رأى إبليسُ النبيَّ - ﷺ - قائمًا بمكَةَ يصلِّي رَنَّ، ولمَّا افتتح النبيُّ - ﷺ - مكَّةَ رَنَّ رنَّةً أخرى؛ اجتمعتْ إليه ذريته، فقال: ايئسوا أن تردوا أمَّة محمد - ﷺ - إلى الشرك بعدَ يومكم هذا، ولكن افتنُوهم في دينهم.\nوأفشُوا فيهم النوحَ والشِّعرَ.\nخرَّجَه ابنُ أبي الدنيا.\nوخرَّج الطبرانيّ بإسنادِه، عن مجاهدٍ، عن أبي هريرة، قال:\n\"إنَّ إبليسَ رَنَّ لمَّا أُنزلتْ فاتحةُ الكتابِ، وأُنزِلَتْ بالمدينةِ\".\nوالمعروفُ هذا عن مجاهدٍ من قوله، قال: رنَّ إبليسُ أربعَ رنَّاتٍ: حينَ لُعنَ، وحينَ أُهبطَ من الجنَّة، وحينَ بُعثَ محمدٌ - ﷺ -، وحين أُنزلت فاتحةُ الكتاب، وأُنزلتْ بالمدينة.\nخرَّجه وكيعٌ وغيرُه.\nوقال بعضُ التابعين: لمَّا أُنزلتْ هذه الآية ُ:\n(وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ) الآية.\nبكى إبليسُ، يشيرُ إلى شدَّةِ حزنهِ بنزولِها، لما فيها من الفرح لأهلِ الذنوبِ، فهو لا يزالُ في همٍّ وغمٍّ وحُزنٍ منذُ بُعثَ النبيُّ - ﷺ - لما رأى منه ومن أمَّتهِ ما يُهمُّه ويُغِيظُه.","vol":"2","page":614},{"text":"قال ثابت: لمَّا بُعثَ النبيُّ - ﷺ -، قال إبليسُ لشياطينه: لقد حدثَ أمر فانظرُوا ما هُو، فانطلقُوا، ثم جاؤُوه، فقالُوا: ما ندري، قال إبليسُ: أنا آتيكم بالخبر، فذهبَ وجاءَ، قالَ: قد بُعثَ محمد - ﷺ -، فجعل يُرسِلُ شياطينَه إلى أصحابِ النبيِّ - ﷺ - فيجيؤون بصُحفهم ليسَ فيها شيء، فقال:\nما لكُم لا تُصيبون منهم شيئًا؛ قالوا: ما صحِبْنا قوما قطُّ مثلَ هؤلاءِ؛ نُصيبُ منهم ثم يقومونَ إلى الصلاةِ، فيُمْحَى ذلك، قالَ: رُويدًا! إنَّهُم عسَى أنْ يفتحَ اللَّهُ لهُمُ الدنيا، هنالكَ تُصِيبُون حاجَتكم منُهم.\nوعن الحسنِ، قالَ: قالَ إبليسُ: سَوَّلتُ لأمَّةِ محمدٍ المعاصِي، فقطعُوا\nظهرِي بالاستغفارِ، فسوَّلتُ لهم ذنوبًا لا يستغفرونَ منها، يعني الأهواءَ.\nولا يزالُ إبليسُ يرى في مواسم المغفرة والعتقِ من النار ما يسُوءُه؛ فيومُ\nعرفةَ لا يُرى أصغرَ ولا أحقرَ ولا أدحَر فيه منه؛ لما يرى من تنزُلِ الرَّحمةِ\nوتجاوُزِ اللَّهِ عن الذُّنوبِ العظامِ، إلا ما رُؤي يومَ بدْرٍ.\nوَرُويَ أنَّه لمَّا رأى نزولَ المغفرةِ للأمَّةِ في حجَّةِ الوداع يومَ النَّحرِ بالمزدلفةِ.\nأهوَى يحثِي على رأسِهِ الترابَ، ويدعوُ بالويل والثبور، فتبسَّم النبيُّ - ﷺ - ممَّا رأى من جزع الخبيثِ، وفي شهرِ رمضانَ يلطفُ اللَهُ بأمَّةِ محمدٍ - ﷺ - فيغلُّ فيه الشياطينَ ومردةَ الجنّ حتَّى لا يقدروا على ما كانُوا يقدرونَ عليه في غيره من تسويل الذنوب، ولهذا تقل المعاصي في شهر رمضان في الأمَّة لذلك.\nففي \"الصحيحين \" عن أبي هريرة - ﵁ -، عن النبي - ﷺ -، قال:\n\"إذا دَخلَ رمضانُ فُتحتْ أبوابُ السَّماءِ، وغُلِّقتْ أبوابُ جهنَّم، وسُلسلت الشَّياطينُ \"،","vol":"2","page":615},{"text":"ولمسلم:\n\"فُتحتْ أبوابُ الرَّحمةِ\"، وله أيضًا عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ -، قال:\n\"إذا جاء رمضان فتِّحت أبوابُ الجنَّةِ، وغُلِّقتْ أبوابُ النّار، وصُفِّدتِ الشياطينُ \".\nوخرَّج منه البخاري ذِكرَ فتح أبوابِ الجنَةِ.\nوللترمذي وابن ماجةَ عنه عن النبيِّ - ﷺ - ِ، قال:\n\"إذا كان أوَّلُ ليلةٍ من شهر رمضانَ صُفِّدتِ الشَّياطينُ ومردةُ الجنِّ، وغُلِّقتْ أبوابُ النَّارِ، فلم يُفتح منها باب؛ وفُتحت أبوابُ الجنَّة، فلم يُغلَقْ منها بابٌ؛ ويُنادِي منادٍ: يا باغيَ الخير أقبلْ، ويا باغيَ الشر أقصِرْ، وللَّهِ عُتقاءُ من النّارِ، وذلك في كُلِّ ليلة\".\nوفي رواية للنسائي: \"وتُغَلُّ فيه مردةُ الشياطينِ \".\nوللإمامِ أحمد عن أبي هريرةَ - ﵁ - عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"أُعطِيتْ أمَّتي في رمضانَ خمسَ خصالٍ، لم تُعْطَه أمةٌ قبلَهم: خُلُوفُ فم الصَّائم أطيبُ عندَ اللَّه مِن ريح المِسْكِ، وتستغفرُ لهم الملاِئكةُ حتَى يُفطِروا، ويُزيِّنُ اللَهُ ﷿ كُل يوم جنَّته، ثم يقولُ:\nيُوشِكُ عِبادِي الصالحون أن يُلقُوا عنهم المؤونَةَ والأذَى ويصيرُوا إليك، وتُصفَّدُ فيه مردةُ الشّياطينِ، فلا يخلُصُون فيه إلى ما كانوا يخلُصُون إليه في غيره، ويُغفرُ لهم في آخرِ ليلة\".\nقيل: يا رسولَ اللَّه، أهِي ليلةُ القَدْرِ؟\nقال: \"لا، ولكنَّ العاملَ إنَّما يُوفَّى أجرَه إذا قضَى عملَه \".\nوفي ليلة القدر تنتشرُ الملائكةُ في الأرض، فيبطُلُ سُلطانُ الشَّياطِين، كما\nقال اللَّه تعالى: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (٥) .\nوفي \"المسند\" عن أبي هريرة - ﵁ - النبي - ﷺ -","vol":"2","page":616},{"text":"أنه قال: \"الملائكةُ تلك الليلة في الأرض أكثرُ من عدَدِ الحَصى\".\nوفي \"صحيح ابن حبَّان \"، عن جابرٍ - ﵁ -، عن النبي - ﷺ - قال في ليلةِ القدْرِ:\n\"لا يخرجٌ شيطانُها حتَّى يخرُجَ فجرُها\".\nوفي \"المسند\" من حديث عُبادةَ بن الصَّامت، عن النبيِّ - ﷺ - أنَه قال في ليلة القدر:\n\"لا يَحِلّ لكَوكبِ أن يُرْمَى به فيها حتَّى يُصبحَ، وأن أمَارَتَها أنَّ الشَّمسَ تخرُجُ صبيحتَها مُستويةً ليسَ لهَا شُعاعٌ مثلَ القمرِ ليلةَ البدْرِ، لا يحلُّ للشَّيطانِ أن يخرجُ معها يومئذ\".\nورُوِي عن ابن عبَّاسٍ ضى، قال: إنَّ الشيطان يطلُعُ مع الشَّمسِ كُلَّ يومٍ\nإلا ليلةَ القدرِ، وذلك أنَّها تطلُع لا شعاعَ لها.\nوقال مجاهدٌ في قوله تعالى: (سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ)، قال: سلام أن\nيحدُثَ فيها داءٌ أو يستطيعَ شيطانٌ العملَ فيها، وعنه قال: ليلةُ القدْرِ ليلة\nسالمة لا يحدثُ فيها داءٌ، ولا يُرسلُ فيها شيطان، وعنه قال: هي سالمةٌ لا\nيستطيعُ الشيطانُ أن يعملَ فيها سُوءًا، ولا يُحدثُ فيها أذىً.\nوعن الضحَّاك عن ابن عباس، قال: في تلك الليلة تصفدُ مردةُ الجنِّ، وتُغَلُّ عفاريتُ الجنِّ، وتُفتحُ فيها أبوابُ السماءِ كلُّها، ويقبلُ اللَّهُ فيها التوبةَ لكُلِّ تائبٍ؛ فلذلك قال: (سَلامٌ هِيَ حَتَى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) .\nويُروى عن أبي بن كعبٍ - ﵁ -، قال:\nلا يستطيعُ الشَّيطانُ أن يُصيبَ فيها أحدًا بخبلٍ أو داءٍ أو ضربٍ من ضُرُوبِ\nالفسادِ، ولا ينفُذُ فيها سِحْرُ ساحِرٍ.\nويُروى بإسنادٍ ضعيفٍ عن أنسً مرفوعًا:\n\"أنَّه لا تَسْرِي نجومُها، ولا تنبحُ كلابُها\".\nوكل هذا يدُل على كفِّ الشياطين فيها عن انتشارِهم في الأرض،","vol":"2","page":617},{"text":"ومنعِهم من استراقِ السَّمع فيها من السَّماء.\nابنَ آدَم، لو عرفتَ قدْرَ نفسكَ ما أهنتَها بالمعاصِي، أنتَ المختارُ من\nالمخلوقات، ولك أُعدَّتِ الجنَّة، إن اتقيتَ فهي أقطاعُ المتقين، والدنيا أقطاعُ إبليس، فهو فيها من المنظرينَ، فكيفَ رضِيتَ لنفسِكَ بالإعراض عن أقطاعِكَ ومزاحمةِ إبليسَ على أقطاعِه، وأن تكونَ غدًا مَعَهُ في النَّار من جملة أتباعِهِ؛ إنَّما طردناهُ عن السَّماء لأجلك حيثُ تكبَّر عن السّجود لأبيك، وطلبْنا قربكَ \" لتكونَ من خاصتنا وحزبنا، فعاديْتَنا وواليْتَ عَدُوَّنا.\n(أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠) .\n* * *","vol":"2","page":618},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-395>سُورَة الزَّلزَلَة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-396>قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)</span>\nوخرجَ ابنُ أبي حاتمٍ من حديثِ ابنِ لَهيعةَ، قالَ: حدثني عطاءُ ابنُ دينارٍ.\nعن سعيدِ بنِ جُبير في قولِ اللَّه ﷿: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ)\nقالَ: كان المسلمونَ يرونَ أنَّهُم لا يُؤجرونَ على الشَّيءِ القليلِ إذا\nأَعطؤه، فيجيءُ المسكينُ، فيستقلُّون أن يُعطوه تمرةً وكِسرةً وجُوزةً ونحوَ ذلك، فيردُّونه، ويقولونَ: ما هذا بشيء، إنما نُؤجر على ما نُعطِي ونحنُ نحبُّه.\nوكانَ آخرونَ يرونَ أنَّهم لا يُلامونَ على الذَّنبِ اليسيرِ مثل الكذبةِ والنظرةِ\nوالغيبةِ وأشباه ذلكَ، يقولونَ: إنَّما وعدَ اللَّهُ النارَ على الكبائرِ، فرغَّبهم اللَّهُ في القليلِ من الخيرِ أن يعملُوه، فإنَّه يُوشِكُ أن يكُثر، وحذرهُمُ اليسيرَ من الشرِّ، فإنَّه يُوشِكُ أن يكثُرَ فنزلتْ: (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَةٍ)\nيعني: وزنَ أصغرِ النمل (خَيْرًا يَرَهُ) يعني في كتابِهِ، ويسُرُّهُ ذلكَ قال:\nيُكتب لكلِّ برً وفاجرٍ بكلِّ سيئةٍ سيئةٌ واحدةٌ، وبكلِّ حسنةٍ عشرُ حسناتٍ، فإذَا كانَ يومُ القيامةِ، ضاعفَ اللَّهُ حسناتِ المؤمنِ أيضًا بكلِّ واحده عشرًا، فيمحُو عنه بكلِّ حسنةٍ عشرَ سيئاتٍ، فمن زادتْ حسناتُه على سيئاتهِ مثقالَ ذرَّ، دخل الجنة.\nوظاهرُ هذا أنه تقعُ المقاصةُ بين الحسناتِ والسيئاتِ، ثم تسقطُ الحسناتُ","vol":"2","page":619},{"text":"المقابلةُ للسيئاتِ، ويُنظرُ إلى ما يفضُلُ منها بعدَ المقاصةِ، وهذا يُوافقُ قولَ منْ\nقال: بأنَّ من رجحتْ حسناتُه على سيئاته بحسنة واحد أُثيبَ بتلكَ الحسنةِ\nخاصة، وسقطَ باقِي حسناتِهِ في مقابلةِ سيئاتِهِ، خلافًا لمن قالَ: يُثابُ\nبالجميع، وتسقُط سيئاته كأنَّها لم تكنْ.\nوهذا في الكبائرِ، أمَّا الصغائرُ، فإنَه قد تُمحى بالأعمالِ الصالحةِ مع بقاءِ\nثوابهِا، كما قالَ - ﷺ -: \"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفعُ به الدرجاتِ:\nإسباغُ الوضوء على المكارِهِ، وكثرةُ الخطا إلى المساجدِ، وانتظارُ الصلاةِ بعدَ الصلاةِ\".\nفأثبتَ لهذهِ الأعمالِ تكفيرَ الخطَايا ورفعَ الدرجات.\nوكذلكَ قولُه - ﷺ -:\n\"مَنْ قالَ: لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له مائة مرة، كتبَ له\nمانةُ حسنةٍ، ومُحيتْ عنه مِائة سينةٍ، وكانتْ لة عدلَ عشرَ رقابٍ \".\nفهذَا يدل على أن الذكرَ يمحُو السيئاتِ، ويبقَى ثوابه لِعاملِهِ مضاعَفًا.\nوكذلك سيئاتُ التائبِ توبةً نصُوحًا تُكفرُ عنهُ، وتبقى له حسناتُه، كما قالَ\nاللَّهُ تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (١٦) .\nوقالَ ﷿: (وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) .","vol":"2","page":620},{"text":"فلمَّا وصفَ هؤلاءِ بالتَّقوى والإحسانِ، دلَّ على أنَّهم ليسُوا بمصرِّين على الذُّنوبِ، بلَ هم تائبونَ مِنْهَا.\nوقوله: (لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا) يدخلُ فيه الكبائرُ.\nلأنها أسوأُ الأعمالِ، وقالَ: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا)\nفرتَّبَ على التقوى المتضمنةِ لفعلِ الواجباتِ وتركِ المحرَّمات.\nتكفيرَ السيئاتِ وتعظيمَ الأجرِ، وأخبرَ اللَّهُ عَن المؤمنين المتفكِّرين في خلق\nالسماواتِ والأرض أنَّهم قالُوا: (رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) .\nوأخبرَ أنَّه استجابَ لهم ذلكَ، وأنَّه كفَّر عنهم سيئاتِهم، وأدخلهم الجناتِ.\nوقولُه: (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا) فخصَّ الذنوبَ بالمغفرةِ.\nوالسيئات بالتَّكفيرِ، فقد يقالُ: السيئاتُ تخصُّ الصغائرَ، والذنوبُ يرادُ بها\nالكبائر، فالسيئاتُ تكفر، لأن اللَّه جعل لها كفاراتٍ في الدنيا شرعيةً\nوقدريةً، والذنوبُ تحتاجُ إلى مغفرة تقي صاحبَها مِنْ شرِّها، والمغفرةُ والتكفيرُ متقاربانِ، فإنَّ المغفرةَ قد قيل: إنها سَتْرُ الذُّنوبِ، وقيلَ: وقايةُ شر الذنبِ مع سترِهِ، ولهذا يسمَّى ما سترَ الرأسَ ووقاهُ في الحربِ: مِغْفَرًا، ولا يسمَّى كلُّ ساترٍ للرأس مغفرًا، وقد أخبرَ اللَّهُ عن الملائكةِ أنَّهم يدعونَ للمؤمنينَ التائبينَ بالمغفرةِ ووقايةِ السيئاتِ والتكفيرِ مِنْ هذا الجنس، لأنَّ أصلَ الكفرِ السترُ والتغطيةُ أيضًا.\nوقد فرَّق بعضُ المتأخرينَ بينهما بأنَّ التكفيرَ محوُ أثرِ الذَّنب، حتَى كأنَّه لم","vol":"2","page":621},{"text":"يكنْ، والمغفرة تتضمن - مع ذلكَ - إفضالَ اللهِ على العبد وإكرامه، وفي هذا نظر.\n* * *\nدخلتِ امرأةٌ على عائشةَ، قد شُلَّت يدُها فقالتْ: يا أمَّ المؤمنينَ، بتُّ\nالبارحةَ صحيحةَ اليدِ وأصبحتُ شلاء!! قالتْ عائشةُ: وما ذاك؟\nقالتْ: كان لي أبوانِ موسرانِ، كانَ أبي يعطي الزكاةَ، ويُقْرِي الضيفَ، ويعطِي السائلَ، ولا يحقرُ من الخيرِ شيئًا إلا فعلَهُ، وكانتْ أمِّي امرأةً بخيلةً ممسكةً، لا تصنعُ في مالِهَا خَيرًا، فمات أبي ثم ماتتْ أمِّي بعدَ شهرين، فرأيتُ البارحةَ في منامِي أبي، وعندَهُ ثوبانِ أصفرانِ، بينَ يديه نهرٌ جار، قلتُ: يا أبته ما هذا؟\nقال يا بنية: من يعملُ في هذه الدنيا خيرًا يره، هذا أعطانيه اللَهُ تعالى.\nقلتُ: فما فعلتْ أمِّي؟\nقالَ: وقد ماتتْ أمُّكِ؟\nقلتُ: نَعم، قالَ: هيهات عُدلت عنا، فاذهبي فالتمسيها ذاتَ الشمالِ، فالتفتُّ عن شمالِي فإذا أنا بأمِّي قائمةٌ عريانةٌ مؤتزرةٌ بخرقةٍ، بيدِها شُحيمةٌ تنادي: وا لهفاه وا حزناه وا عطشاه!! فإذا بلغَهَا الجهدُ دلكتْ تلك الشحيمةَ براحتِهَا ثم لحسَتها، وإذا بينَ يديها نهر جارٍ، قلتُ: أيا أُمَّاه! ما لكِ تنادينَ العطشَ وبين يديكِ نهرٌ جارٍ؟\nقالت: لا أتركُ أن أشربَ منه، قلتُ: أفلا أسقيكِ؟\nقالتْ: وددتُ أنكِ فعلتِ، فغرفتُ لها غرفةً فسقيتُها، فلمَّا شربتْ نادَى مناد من ذاتِ اليمينِ: ألا من سَقَى هذه المرأةَ شُلَّت يمينُهُ، مرتينِ، فأصبحتُ شلاء اليمينِ، لا أستطيعُ أن أعملَ بيمِيني.\nقالتْ لها عائشةُ: وعرَفْتِ الخرقةَ؟\nقالتْ: نعم يا أمَّ المؤمنينَ، وهي التي","vol":"2","page":622},{"text":"رأيتُها عليْهَا، ما رأيتُ أمي تصدَّقت بشيءٍ قط، إلا أنَّ أبي نحر ذاتَ يومٍ\nثورًا، فجاءَهُ سائلٌ فعمدتْ أمِّي إلى عظم عليه شُحيمةٌ فناولتها إياهُ، وما\nرأيتُها تصدقتْ بشيءٍ إلا أنَّ سائلًا جاء يسألُ، فعمدت أمِّي إلى خرقةٍ فناولتْها إياهُ.\nفكبَّرتْ عائشةُ - ﵂ - وقالتْ: صدقَ اللَّهُ، وبلَّغَ رسولُهُ - ﷺ -\n(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) .\nأخرَّجَه الحافظ أبو موسى المديني في كتابه \"الترغيب والترهيب \" من طريق\nأبي الشيخ الأصبهاني الحافظ، بإسناد حسن.\n* * *","vol":"2","page":623},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-397>سُورَةُ التَّكَاثُرِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-398>قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)</span>\nهذه النعم مما يُسئلُ الإنسانُ عن شكرها يومَ القيامة، ويُطالب به، كما قالَ\n﷿: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) .\nوخرَج الترمذيُّ وابنُ حبَّانَ من حديث أبي هريرة عن النبيِّ - ﷺ -، قالَ:\n\"إنَ أوَّلَ ما يُسألُ عنه العبد يومَ القيامة مِن النعيم، فيقولُ له: ألم نصحَّ لك جِسمَكِ ونُرْويكَ من الماءِ الباردِ؟ \".\nوقال ابنُ مسعودٍ - ﵁ -: النعيمُ: الأمنُ والصحةُ.\nورويَ عنه مرفوعًا.\nوقال علي بن أبي طلحةَ عن ابنِ عباسٍ في قولهِ: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)، قال: النعيمُ: صحَّةُ الأبدانِ والأسماع والأبصارِ، يسألُ\nاللَّهُ العبادَ: فيما استعملُوها؟\nوهو أعلمُ بذلك منهم، وهو قولُه تعالى:\n(إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦) .\nوخرَّجَ الطبرانيُّ من روايةِ أيوبَ بنِ عُتبةَ - وفيه ضعفٌ - عن عطاءٍ، عن\nابنِ عمرَ، عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"من قالَ: لا إلهَ إلا اللَهُ، كانَ لهُ بها عهدٌ عندَ اللَّهِ، ومن\nقالَ: سبحانَ اللَهِ وبحمدِهِ، كتِبَ له بها مائةُ ألفِ حسنةٍ، وأربعةٌ وعشرونَ ألف حسنةٍ\"\nفقالَ رجلٌ: كيفَ نَهلِكُ بعدَ هذا يا رسولَ اللَّهِ؟\nقال: \"إنَّ الرجلَ ليأتي يومَ","vol":"2","page":624},{"text":"القيامة بالعملِ، لو وُضِعَ على جبلٍ لأثقله، فتقومُ النِّعمَةُ مِن نِعم اللَّهِ، فتكاد أن تستنفدَ ذلك كلَّه، إلا أن يتطاول اللَّه برحمته \".\nوروى ابنُ أبي الدنيا بإسنادٍ فيه ضعف - أيضًا - عن أنسٍ، عن النبيِّ - ﷺ -\nقالَ: \"يُؤتى بالنعمِ يومَ القيامةِ، وبالحسناتِ والسيئاتِ، فيقولُ الله لنعمةِ مِنْ نعمهِ: خذي حقكِ من حسناتِهِ فما تتركُ له حسنةً إلا ذهبتْ بِهَا\".\nوبإسناده عن وهبِ بنِ منبهٍ، قالَ: عبدَ اللَّهَ عابدٌ خمسينَ عامًا، فأوحى\nاللَّهُ ﷿ إليه: إنِّي قد غفرتُ لكَ، قال: يا ربِّ، وما تغفرُ لي ولم\nأذنبْ؟ فأذِنَ اللَّهُ ﷿ لعرْقٍ في عنقه فضرب عليه، فلم ينم، ولم يُصلِّ، ثم سكنَ وقامَ، فأتاه مَلَكٌ، فشكا إليه ما لقيَ من ضربان العرقِ، فقالَ\nالملكُ: إنَّ ربَّك ﷿ يقول: \"عبادتُك خمسين سنة تعدلُ سكون ذا العرقِ \".\nوخرَّج الحاكمُ هذا المعنى مرفوعًا من روايةِ سليمانَ بنِ هرمٍ القرشيِّ عن\nمحمدِ بنِ المنكدرِ عن جابر عن النبيِّ - ﷺ -: أن جبريل أخبرهُ أن عابدًا عبدَ اللَّهَ على رأسِ جبلٍ في البحرِ خمسَ مائةِ سنةَ، ثم سأل ربَّه أن يقبضهُ وهو ساجد، قال: فنحنُ نمُرُّ عليهِ إذا هبطْنَا وإذا عرَجنا، ونجدُ في العلمِ أنه يُبعث يومَ القيامةِ، فيوقف بينَ يدي الله ﷿، فيقول الربُّ ﷿: أدخلوا عبدي الجنةَ برحمتِي، فيقولُ العبدُ: يا ربِّ، بعملِي، ثلاثَ مرَّاتٍ، ثم يقولُ اللَّهُ للملائكةِ: قايسُوا عبدِي بنعمَتي عليه وبعملِهِ، فيجدونَ نعمةَ البصرِ قد أحاطتْ بعبادَة خمسِ مائةِ سنةٍ، وبقيتْ نِعَمُ الجسدِ لهُ، فيقولُ: أدخلوا عَبْديَ النارَ، فيُجرُّ إلى النارِ، فينادِي رَبَّه: برحمتكَ أدخلني الجنةَ، برحمتكَ،","vol":"2","page":625},{"text":"فيدخلُه الجنةَ، قالَ جبريلُ: إنما الأشياء برحمةِ اللَّهِ يا محمد.\nوسُليمانُ بن هرمٍ، قال العقيليُّ: هو مجهولٌ وحديثُه غيرُ محفوظ.\nوروى الخرائطيُّ بإسناد فيه نظرٌ، عن عبدِ اللَهِ بن عمرٍو مرفرعًا:\n\"يُؤتَى بالعبدِ يومَ القيامةِ، فيُوقَفُ بين يدي اللَّهِ، فيقولُ لملائكتهِ: انظرُوا في عملِ عبدِي ونعمتِي عليهِ، فينظرونَ فيقولونَ: ولا بقدْرِ نعمةٍ واحدةٍ من نِعَمكَ عليهِ، فيقولُ: انظروا في عملِهِ سيِّئه وصالحِهِ، فينظرونَ فيجدونَ كَفَافًا، فيقولُ: عبدِي، قد قبلتُ حسناتِك، وغفرتُ لك\nسيِّئاتِكَ، وقد وهبتُ لكَ نِعَمِي فيمَا بينَ ذلكَ \".\n* * *","vol":"2","page":626},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-399>سُورَةُ الهُمَزَةِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-400>قالّ اللَّهٍ تعالّى: (كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧)</span>\nقال محمدُ بنُ كعبٍ القرظيّ في قولهِ: (تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ) قال: تأكُلهُ\nالنارُ إلى فؤادِهِ، فإذا بلغتْ فؤادَهُ أنشئ خلقُهُ.\nعن ثابتٍ البنانيِّ أنه قرأ هذه الآيةَ ثم قال: تحرقُهُم إلى الأفئدةِ وهم أحياءٌ\nلقد بلغَ منهم العذابُ ثم يبكي.\nوقال اللَّه ﷿: (وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩) .\nقال صالحُ بن حيانَ عن ابنِ بريدةَ في قولهْ (لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ)\nقالَ: تأكلُ العظمَ واللحمَ والمخَّ ولا تذرُهُ على ذلك.\nوقال السديُّ: لا تُبقي من جلودِهم شيئًا ولا تذرُهُم من العذابِ.\nوقالَ أبو سنانَ: لا تذرُهُم إذا بُدِّلُوا خلقًا جديدًا.\nوقالَ أبو رزينٍ في قولهِ: (لَوَّاحَةٌ للْبَشَرِ) قال: تلفحُ وجههُ لفحةً تدعه\nأشدَّ سوادًا من الليلِ، قال قتادةُ (لَوَّاحَةٌ للْبَشَرِ): حراقةٌ للجلدِ.\nخرَّجَه كلَّهُ ابنُ أبي حاتمٍ وغيره.\nوقال اللَّهُ تعالَى: (كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦) .\nقال: تحرقُ كلَّ شيءٍ منهُ ويبقى فؤادُهُ يصيحُ.\nوعن ابنِ زيدٍ قالَ: تقطَّعُ عظامُهُم ثم","vol":"2","page":627},{"text":"يجددُ خلقُهم وتبدلُ جلودُهم.\nوروى ابنُ مهاجرٍ عن مجاهدٍ في قوله: (نَزاعَةً لِّلشَوَى) تنزعُ الجلدَ، وعنه\nقالَ: تنزعُ اللحمَ ما دونَ العظم.\n* * *\n<span data-type=\"title\" id=toc-401>قوله تعالى: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨)</span>\nوقد وصفَ اللَهُ أبوابَها أنها مغلقة على أهلِهَا فقالَ: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨)\nوقال تعالَى: (عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ) .\nقال مجاهدٌ: هي بلغةِ قريشٍ: أصدَ البابَ أغلقَهُ يعني قولَهُ: (مُّؤْصَدَةٌ)\nوقالَ مقاتل: يعني أبوابها مطبقةً عليهم، فلا يفتحُ لها باب، ولا يخرجُ منها\nغمٌ، ولا يدخلُ فيها روحٌ آخرَ الأبدِ.\nوقد وردَ في ذلك حديثٌ مرفوعٌ خرَّجهُ ابنُ مردويه من طريقِ شجاع بنِ\nأشرسَ حدثنا شريكٌ، عن عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عن\nالنبيِّ - ﷺ - (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ)\nقال: \"مطبقة\"، ولكن رفعَهُ لا يصح.\nوقد خرَّجَهُ آدمُ بنُ أبي إياسٍ في \"تفسيره\" عن شريكٍ بهذا الإسنادِ موقوفًا عن أبي هريرةَ، ورواهُ إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ عن أبي صالح من قولهِ ولم يذكرْ فيهِ\nأبا هريرةَ، وكذا قالَ عطاء الخراساني وغيرُه في \"المؤصدةِ\" أنها المطبقةُ.\nوعن الضحاكِ قالَ: حائطٌ لا بابَ لهُ، ومرادُه - واللهُ أعلمُ - أن الأبوابَ\nأطبقتْ فصار الجدارُ كانه لا بابَ لهُ، وقولُه تعالى: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ (٩) .\nمعناه: أطبقت عليهم بعمدٍ، قال قتادة: وكذلك","vol":"2","page":628},{"text":"هو في قراءةِ عبدِ اللَّهِ بعمد بالباءِ، قال عطيةُ: هي عمدٌ من حديدٍ في النارِ.\nوقالَ مقاتلٌ: أطبقتِ الأبوابُ عليهم ثم شدتْ بأوتادٍ من حديد حتى يرجعَ\nعليهم غمُّها وحرهُا.\nوعلى هذا فقوله: (مُمَدَّدَةٍ) صفة للعمدِ يعني أن العمدَ التي أوثقتْ بها\nالأبوابُ ممددة مطولة، والممدودُ الطويلُ أرسخُ وأثبتُ من القصيرِ.\nوفي \"تفسيرِ العوفيِّ \" عن ابنِ عباس في قولهِ: (فِي عَمَد مُّمَدَّدَةٍ) قالَ: هيَ\nعليهم مغلقةٌ أدخلهُم في عمد فمدتْ عليهِم بعمادٍ وفي أعناقِهم السلاسلُ\nفسدتْ به الأبوابَ وقيلَ: إن الممددةَ صفةٌ للأبوابِ.\nرواه شبيبُ بنُ بشير عن عكرمةَ عن ابنِ عباسِ وقيلَ: المرادُ بالعمدِ الممددةِ: القيودُ الطوالِ.\nرواهُ إسماعيلُ بنُ أبي خالدِ عن أبي صالح، ورواهُ أبو خبابُ الكلبيُّ عن زبيدٍ عن إبراهيمَ، قالَ: قالَ عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودِ في قولهِ تعالى:\n(فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَة)\nقالَ: هيَ الأدهمُ، وقد تقدَّم أن عبدَ اللَّهِ كانَ يقرؤُهَا بعمد والأدْهَمُ: القيدُ.\nوكذا قالَ ابنُ زيد في قولِه: (فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) قالَ: في عمدٍ من حديدٍ\nمغلولينَ فيه، وتلك العمدُ من نارِ قد احترقتْ من النارِ فهي ممددة لهم.\nوقيلَ: إن المرادَ بالعمدِ الممددةِ: الزمانُ الذي لا انقطاعَ له.\nقاله أبو فاطمةَ.\nوقال السدي: من قراهَا (فِي عَمَد) يعني بالفتح فهيَ عمد من نار، ومن\nقرأهَا في (عُمُد) يعني بالضَمِّ فهو أجل ممدود.\nوقال سعيدُ بنُ بشير عن قتادةَ: (مُّؤْصَدَة) أي: مطبقةٌ أطبقَهَا اللَّهُ عليهم\nفلا ضوءَ فيها ولا فرجَ ولا خروجَ منها آخرَ الأبدِ.","vol":"2","page":629},{"text":"وهذا الإطباقُ نوعانِ:\nأحدُهما: خاصٌّ لمن يدخلُ في النارِ أو مَن يريدُ التضييقَ عليهِ، أجارنا اللَّهُ\nمن ذلكَ، قال أبو توبة اليزنيّ: إنَّ في النارِ أقوامًا مؤصدةٌ عليهم كما يطبقُ\nالحقُّ على طبقِهِ، خرَّجَه ابنُ أبي حاتمٍ.\nوالثاني: الإطباقُ العامُّ وهو إطباقُ النارِ على أهلِها المخلدينَ فِيهَا.\nوقد قالَ سفيانُ وغيرُه في قولِهِ تعالى: (لا يَحْزنهُمُ الْفَزَعُ الأَكبَرُ)\nقالوا: هو طبقُ النارِ على أهلِها.\nوفي حديثِ مسكينَ أبي فاطمةَ عن اليمانِ بنِ يزيدِ، عن محمدِ بن حميرِ.\nعن محمدِ بنِ عليِّ، عن أبيهِ، عن جدّهِ عن النبيّ - ﷺ - في خروج الموحدينَ من النارِ، قالَ:\n\"ثم يبعثُ اللَهُ ملائكةً معهمُ مساميرُ من نارِ وأطباقُ من نار، فيطبقونَهَا\nعلى من بقي فيها ويسمرونَها بتلكَ المساميرِ، يتناساهمُ الجبارُ على عرشِهِ من رحمته، ويشتغلُ عنهم أهلُ الجنةِ بنعيمِهم ولذاتِهم \"\nخرَّجهُ الإسماعيليُّ وغيره، وهو حديثٌ منكر؛ قاله الدارقطنيُّ.\nوروى ابنُ أبي حاتمٍ بإسنادِهِ عن سعيدِ بنِ جبيرِ، قالَ: ينادِيَ رجلٌ في\nشعبِ من شعابِ النارِ مقدارَ ألف عامِ، يا حَنَّان يا مَنَّان، فيقولُ اللَّهُ تعالى:\nيا جبريلُ أخرجْ عبدِي، فيجدُها مطبقةٌ، فيقولُ: يا رب إنَّها عليهم مطبقة\nمؤصدةٌ.\nوقال قتادةُ عن أبي أيوبَ العتكيُّ عن عبدِ اللَّهِ بنِ عمرِو: إذَا أجابَ اللَّهُ\nأهلَ النارِ بقوله: (اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تكَتِمُونِ) أطبقتْ عليهم.\nفيئسَ القومُ بعدَ تلكَ الكلمةِ، وإن كانَ إلا الزفيرُ والشهيقُ.","vol":"2","page":630},{"text":"وقال أبو الزعراء عن ابنِ مسعودٍ: وإذا قيلَ لهمُ: (اخْسَئوا فِيهَا وَلا\nتُكَلِّمُونِ) أطبقتْ عليهم فلم يخرجْ منهم أحد.\nوقال أبو عمرانَ الجوني: إذا كانَ يومَ القيامةِْ أمرَ اللَّهُ بكلِّ جبارٍ عنيدٍ.\nوكلِّ شيطانٍ مريدٍ، وبكلِّ من يخافُ في الدنيا شره العبيدِ، فأوثقُوا بالحديدِ.\nثم أمرَ بهم إلى جهنَم التي لا تبيدُ، ثم أوصدَهَا عليهم ملائكةُ ربِّ العبيدِ.\nقالَ: فلا واللَّه لا تستقرّ أقدامُهم على قرارِ أبدًا، ولا واللَّهِ لا ينظرونَ فيها\nإلى أديمِ سماءٍ أبدًا، ولا واللَّهِ لا تلتقي جفونُ أعينهِم على غمضِ نومٍ أبدًا.\nولا واللَّهِ لا يذوقونَ فيها باردُ شرابِ أبدًا.\nوفي معنى إطباقِ النارِ على أهلِهَا يقولُ بعضُ السلفِ - ﵃ -:\nألبسُوا النضيجَ من النحاسِ، ومنعوا خروجَ الأنفاسِ، فالأنفاسُ في\nأجوافِهِم تترددُ، والنيرانُ على أبدانِهم توقدُ، قد أطبقتْ عليهم الأبوابُ\nوغضبَ عليهم ربُّ الأربابِ، وأنشدَ بعضُهم في هذا المعنى:\nلو أبصرتْ عيناكَ أهلَ الشَّقَا. . . سِيقُوا إلى النارِ وقدْ أُحرِقُوا\nيَصْلَونَها حينَ عَصَوا ربهم. . . وخالفُوا الرسلَ وما صدَّقُوا\nتقولُ أخرَاهُم لأولاهُمُ. . . في لجج المهلِ وقد أغْرِقُوا\nقد كنتمُ حذرتمُ حرهَا. . . لكنْ من النيرانِ لم تَفْرَقُوا\nوجيءَ بالنيرانِ مزمُومةً. . . شَرَارُهَا مِنْ حولِهَا محرقُ\nوقيلَ للنيرانِ أنْ أحرِقي. . . وقيلَ للخزانِ أنْ أطبقُوا -\nوقد وردَْ في بعضِ أحاديثِ الشفاعةِ فتحُ بابِ النارِ، فخرجَ الطبرانيُّ من","vol":"2","page":631},{"text":"روايةِ الغباسِ بنِ عوسجةَ، حدثني مطر أبو مُوسى مولَى آل طلحةَ، عن\nأبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ -:\n\"إنَّى آتي جهنَّم فأضربُ بابَها، فيفتحُ لي فأدخُلها، فأحمدُ\nاللَّهَ بمحامد ما حمَدهُ بها أحدٌ قبلي مثلَهَا ولا يحمدُه أحدٌ بعدي، ثم أخرجُ منها من قالَ: لا إلهَ إلا اللَهُ مخلصًا، فيقومُ إليَّ ناسٌ من قريشٍ فينتسبونَ إليَّ، فأعرف نسبَهُم ولا أعرفُ وجوهَهُم فاتركهم في النارِ\" إسنادُه ضعيفٌ.\n* * *","vol":"2","page":632},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-402>سُورَةُ الفِيلِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-403>قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)</span>\nكانت قصَّةُ الفيلِ توطِئةً لنبوَّتِهِ وتقدمَةً لظُهوره وبعثتِهِ - ﷺ -، وقد قصَّ اللَّه تعالى ذلك في كتابه فقال: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥) .\nفقوله: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ)\nاستفهامُ تقريرٍ لِمن سمع هذا الخطابَ، وهذا يدُلُّ على اشتهارِ ذلكَ بينهم ومعرفتِهم به، وأنَّه ممًّا لا يخفَى علمُه على العربِ، خصوصًا قريش وأهل مكَّةَ، وهذا أمر اشتهرَ بينهُم وتعارفُوه، وقالوا فيه الأشعارَ السَّائرةَ.\nوقد قالتْ عائشة - ﵂ -: رأيتُ قائدَ الفيلِ وسَائِسَهُ بمكَّةَ أعميينِ يستطعمانِ.\nوفي هذه القصَّة ما يدلُّ على تعظيم مكَّةَ، واحترامِها واحترامِ بيتِ اللَّه الذي\nفيها، وولادةُ النًّبيِّ - ﷺ - عقيبَ ذلك تدُلُّ على نبوَّته ورسالتهِ، فإنَّه - ﷺ - بعثَ بتعظيمِ هذا البيتِ وحجِّه والصلاة إليهِ، وكانَ هذا البلدُ هو موطِنه ومولده.\nفاضطرَّه قومُهُ عندَ دعوتِهِم إلى اللًّهِ تعالى إلى الخُروج منه كُرهًا بما نالوه منه","vol":"2","page":633},{"text":"مِنَ الأذَى، ثم إن اللَّه تعالى ظفَّرهُ بهم، وأدخلهُ عليهم قهرًا، فملكَ البلدَ\nعنوةً، وملكَ رقابَ أهلهِ، ثمَّ منَّ عليهِم وأطلقهم وعفا عنهم، فكانَ في\nتسليطِ نبيِّه - ﷺ - على هذا البلدِ وتمليكهِ إياه ولأمَّتهِ منْ بعدِهِ ما دلَّ على صحَّةِ نبوَّتهِ، فإنَّ اللَّهَ حبسَ عنه من يُريدُه بالأذى وأهلكهُ، ثم سلَّطَ عليه رسولهُ وأمَّتهُ كما قال - ﷺ -:\n\"إنَّ اللَّه حبسَ عن مكَّةَ الفيلَ وسلَّطَ عليها رسولهُ والمؤمنينَ \".\nفإنَّ الرسولَ - ﷺ - وأُمته إنَّما كان قصدُهم تعظيمَ البيتِ وتكريمهُ واحترامَهُ.\nولهذا أنكرَ النبيُّ - ﷺ - يومَ الفتح على منْ قال: اليومَ تُستحلُّ الكعبةُ، وقال: \"اليومَ تُعظَّمُ الكعبةُ\".\nوقد كان أهلُ الجاهليةِ غيَّروا دينَ إبراهيمَ وإسماعيلَ بما\nابتدَعوه من الشِّركِ وتغييرِ بعضِ مناسكِ الحجِّ، فسلَّطَ اللَّهُ رسولهُ وأُمته على\nمكَّةَ فطهرُوها مِن ذلك كله، وردُّوا الأمرَ إلى دينِ إبراهيمَ الحنيفِ، وهو\nالذي دعا لهم مع ابنه إسماعيلَ عند بناءِ البيت أن يبعثَ اللَّه فيهم رسولاَ\nمنهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمةَ، فبعثَ اللَّهُ فيهم\nمحمَّدًا - ﷺ - من ولدِ إسماعيلَ بهذه الصِّفةِ، فطهَّرَ البيتَ وما حولَه من الشِّركِ، وردَّ الأمرَ إلى دينِ إبراهيمَ الحنيفِ، والتوحيد الذي لأجلهِ بُنيَ البيتُ، كما قال تعالى: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) .\nوأمَّا تسليطُ القرامطةِ على البيتِ بعد ذلك، فإنَّما كانَ عقوبةً بسببِ ذنوبِ\nالنَّاسِ، ولم يصلُوا إلى هدمِهِ ونقضِهِ ومنع النَّاسِ من حجّهِ وزيارتِهِ، كما كان\nيفعلُ أصحابُ الفيلِ لو قدرُوا على هدمِهِ وصرفِ النَّاسِ عن حجِّهِ،","vol":"2","page":634},{"text":"والقرامطةُ أخذُوا الحجرَ والبابَ، وقتلوا الحاجَّ وسلبُوهم أموالَهم، ولم\nيتمكّنوا من منع النَّاسِ من حجِّهِ بالكُليَّةِ، ولا قدرُوا على هدمِهِ بالكليةِ، كما كانَ أصحابُ الفيلِ يقصدُونهُ، ثم أذَلَّهم اللَّهُ بعدَ ذلكَ وخذلَهم وهتكَ\nأستارَهُم، وكشفَ أسرارَهُم.\nوالبيتُ المُعظَّمُ باقٍ على حالِهِ من التَّعظيم، والزّيارة، والحجِّ والاعتمارِ.\nوالصلاةِ إليه، لم يبطُلْ شيء من ذلك عنه بحمدِ اللَّهَ ومنِّهِ، وغايةُ أمرِهم\nأنَّهم أخافُوا حاجَّ العراقِ حتَّى انقطعُوا بعضَ السِّنين، ثم عادُوا، ولم يزلِ الَلَّهُ\nيمتحنُ عبادَهُ المؤمنينَ بما يشاءُ من المحن، ولكن دينه قائم محفوظٌ لا يزالُ\nتقومُ به أُمَّة من أُمَّةِ محمدٍ - ﷺ - لا يضرُّهُم منْ خذلَهم حتَّى يأتِيَ أمر اللَّهِ وهُمْ على ذلك، كما قال تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) .\nوقد أخبرَ النَّبيُّ - ﷺ - أنَّ هذا البيتَ يُحجّ ويُعتمرُ بعدَ خروج يأجوج ومأجوجَ، ولا يزالُ كذلك حتَّى تُخرّبهُ الحبشة، ويلقونَ حجارتهُ في البحر، وذلك بعدَ أنْ يبعثَ اللَّهُ ريحًا طيِّبةً تقبضُ أرواحَ المؤمنينَ كلِّهم، فلا يبقى في الأرضِ مؤمنٌ، ويسرَى بالقرآنِ من الصدُورِ والمصاحِفِ، فلا يبقَى في الأرضِ قراَنٌ، ولا إيمانٌ، ولا شيء مِن الخيرِ، فبعدَ ذلك تقومُ السَّاعةُ، ولا تقومُ إلا على شرارِ النَّاسِ.\n* * *","vol":"2","page":635},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-404>سُورَةُ المَاعُون</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-405>قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)</span>\nوقد وردتْ آثار كثيرة عن السلفِ في تاركِ الصلاةِ عمدًا، أنَّه لا تُقبلُ منه\nصلاةٌ، كما رُوي عن الصدِّيقِ - ﵁ -، أنَّه قالَ لعُمرَ في وصيتهِ له: إنَّ للَّهِ حقًّا باللَّيلِ لا يقبلُهُ بالنهارِ، وحقًّا بالنهارِ لا يقبلُهُ باللَّيلِ.\nيشيرُ إلى صلواتِ اللَّيلِ والنهارِ.\nوفي حديب مرفوع: \"ثلاثةٌ لا يُقبلُ لهُمْ صلاة\"، ذكرَ منهم:\n\"الذي لا يأتي الصلاةَ إلا دبارًا\" - يعني: بعدَ فواتِ الوقتِ.\nخرَّجه أبو داود وابنُ ماجةَ من حديثِ عبدِ اللَّه بن عمرو - مرفوعًا.\nوفي إسنادهِ ضعفٌ.\nولكن مجرد نفي القبولِ لا يستلزمُ عدمَ وجوبِ الفعلِ، كصلاةِ السَّكرانِ\nفي مدةِ الأربعينِ، وصلاةِ الآبقِ والمرأةِ التي زوجُها عليها ساخطٌ.\nفإنْ قِيلَ: فقد قالَ تعالى: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) .\nوفسَّره الصحابةُ بإضاعةِ مواقيتها.\nوكذَا قالَ ابنُ مسعودٍ في المحافظةِ على الصلاةِ: أي المحافظة على\nمواقيتها، وأنَّ تركَها كفر.","vol":"2","page":636},{"text":"ففرقُوا بين تركِها وبينَ صلاتِها بعدَ وقتِها.\nوقدْ أمرَ النبيُّ - ﷺ - بالصلاةِ خلفَ منْ أخبرَ أنه يضيعُ الصلاةَ ويُصلِّيها لغيرِ وقتِها، وهذا يدلُّ على أنَّ صلاتَهم صحيحةٌ.\nوقد سُئِلَ عنِ الأمراءِ وقتَالِهم؟\nقالَ: \"لا، مَا صَلَّوا، وكانتْ علَى هذا الوجهِ \".\nفدلَّ على إجزائِها.\nقيل: السهوُ عن مواقيتِ الصَّلاةِ لا يستلزمُ تعمد التأخيرِ عنِ الوقتِ\nالحاضرِ، فإنَّه قدْ يقعُ على وجهِ التهاونِ بتأخيرِ الصلاةِ حتَّى يفوتَ الوقتُ -\nأحيانًا - عن غيرِ تعمدٍ لذلك، وقد يكونُ تأخيرُها إلى وقتِ الكراهةِ، أو إلى\nالوقتِ المشتركِ الذي يجمعُ فيه أهلُ الأعذارِ عندَ جمهورِ العلماءِ، وغيرُهم\nعلى رأي طائفة من المدنيين.\nوهذه الصلاةُ كلُّها مجزِئةٌ، ولا يكونُ المصلِّي لها كالتاركِ بالاتفاقِ -\nوقد سُئَلَ سعيدُ بنُ جُبير، عن قوله: (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ) .\nفدخلَ المسجدَ، فرأَى قومًَّا قد أخَّروا الصلاةَ، لا يُتمُّونَ\nرُكُوعًا ولا سجُودًا، فقالَ: الذي سألْتَني عنهُم هُم هؤلاء.\nوهذه الصلاةُ مثلُ الصلاةِ التي سمَّاها النبيُّ - ﷺ -: \"صلاة المنافقين \".\nوهكذا كانتْ صلاةُ الأمراءِ الذين أمرَ النبيُّ - ﷺ - بالصلاةِ خلفهم نافلةً، فإنَّهم كانوا يُؤخِّرُون العصرَ إلى اصفرارِ الشَّمسِ، ورُبَّما أخَّرُوا الصلاتينِ إلى ذلك الوقتِ، وهو تأخير إلى الوقتِ المشتركِ لأهلِ الأعذارِ، وكغيرِهم عندَ طائفةٍ من العلماءِ.\nفليسَ حُكمهُم حكمَ منْ تركَ الصلاةَ؛ فإنَّ التاركَ هو المُؤخِّرُ عمدًا إلى","vol":"2","page":637},{"text":"وقتِ مُجمع على أنَّه غيرُ جائز، كتأخيرِ صلاةِ اللَّيلِ إلى النهارِ، وصلاةِ\nالنهارِ إلى اللَّيلِ عمدًا، وتأخيرِ الصبح إلى بعدِ طلوع الشمسِ عمدًا.\n* * *","vol":"2","page":638},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-406>سُورَةُ النَّصْرِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-407>قوله تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)</span>\nجاءَ في حديثٍ أنَّها: \"تَعْدِل ربعَ القرآنِ \".\nوهيَ مدنية بالاتفاقِ؛ بمعْنَى: أنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ إلى المدينةِ، وهِيَ مِنْ\nأواخرِ ما نَزَلَ.\nوفي \"صحيح مسلم \" عَن ابنِ عبَّاسٍ قالَ: آخرُ سورةٍ نَزَلَت من القرآنِ\nجميعًا: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) .\nواختُلفَ في وقتِ نزولِهَا، فقيلَ: نزلتْ في السَّنَة الَّتي تُوفِّيَ فيهَا\nرسولُ اللَّهِ - ﷺ -.\nوفي \"مسندِ الإمامِ أحمدَ\" عَنْ محمدِ بنِ فُضيلٍ عَنْ عطاء عَنْ سعيدِ بنِ\nجبيرٍ عَنْ ابنِ عباسٍ قالَ: لما نزلَتْ: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ)\nقالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"نُعِيَتْ إليَّ نفسي \" بأنَّه مقبوضٌ في تلكَ السنة.\nعطاءٌ هو ابنُ السائب اختلطَ بآخِرَةٍ.","vol":"2","page":639},{"text":"ويشهدُ لهُ مَا أخرجَهُ البزارُ في \"مسندِهِ \" والبيهقي مِنْ حديثِ موسى بنِ\nعبيدةَ عَنْ عبدِ اللَّهِ بنِ دينار وصدقةَ بنِ يسار عَنْ ابنِ عُمَرَ قال: نزلتْ هذه\nالسورةُ علَى رسول اللَّهِ - ﷺ - بمنًى، وهوَ في أوسطِ أيامِ التشريقِ في حَجَّةِ الوداع (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) فَعَرِفَ أنَّه الوداعُ، فأمرَ براحلتِهِ القصواءَ، فرُحلتْ لَهُ، ثمَّ ركبَ، فوقفَ للناسِ بالعقبةِ، فحمدَ اللَّهَ وأثنَى عليهِ - وذكرَ خطبةً طويلة\".\nهذا إسنادٌ ضعيفٌ جدًّا، ومُوسى بنُ عبيدةَ قال أحمدُ: لا تحلُّ عِنْدِي\nالروايةُ عنْهُ.\nوعنْ قتادةَ قال: عاشَ رسول اللَّهِ - ﷺ - بَعْدَهَا سنتينِ.\nوهذا يَقْتَضِي أَنَّها نزلتْ قَبْلَ الفتح، وهذا هو الظاهرُ لأنَّ قولَهُ: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) يَدُلُّ دلالةً ظاهرة على أنَّ الفتحَ لم يكنْ قَدْ جاءَ بعدُ، لأنَّ\n\"إذَا\" ظرفٌ لِمَا يُستقبلُ مِنَ الزَّمانِ، هذا هو المعروفُ في استعمَالِهَا، وإنْ كانَ قَدْ قِيلَ: إنَّها تَجيءُ للماضِي كقولِهِ: (وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا) .\nوقوله: (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ\nعَلَيْهِ) .\nوقدْ أُجيبَ عَنْ ذلكَ بأنَّه أُريدَ أَنَّ هذا شأنُهم ودأبهُم، لم يُرِدْ بِهِ الماضي\nبِخُصُوصِهِ، وسنذكرُ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قال بعد نزول هذهِ السورةِ: \"جاءَ نصرُ اللَّهِ والفتح، وجاءَ أهلُ اليمنِ \".\nومجيءُ أهْلِ اليَمَنِ كانَ قبلَ حَجَّةِ الوداع.","vol":"2","page":640},{"text":"قولُه تعالى: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) .\nأمَّا نصرُ اللَّهِ فهُوَ معونتُه علَى الأعداءِ حتَّى غَلَبَ النبيُّ - ﷺ - العربَ كلَّهم، واستولَى عليهِم مِنْ قريشٍ وهوازنَ وغيرِهم، وذكرَ النقَاشُ عنْ ابنِ عبَّاسٍ أنَّ النصرَ: هو صُلْحُ الحديبيةِ.\nوأمَّا الفتحُ فقيلَ: هُوَ فتحُ مكةَ بخصوصِهَا، قالَ ابنُ عبَّاسٍ وغيرُه: لأنَّ\nالعربَ كانتْ تنتظرُ بإسلامِهَا ظهورَ النبي - ﷺ - على مكةَ.\nوفي \"صحيح البخاريِّ \" عَنْ عمرِو بنِ سلمةَ قالَ: لمَّا كانَ الفتحُ بادَرَ كُلُّ\nقومٍ بإسلامِهِم إلى رسولِ اللَّه - ﷺ - وكانتِ الأحياءُ تلوَّمُ بإسلامِهَا فتحَ مكةَ فيقولونَ: دعُوهُ وقومَه، فإنْ ظهرَ عليهِم فهوَ نبي - ﷺ -.\nوعن الحسنِ قالَ: لمَّا فتحَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - مكةَ، قالتِ العربُ: أمَّا إذا ظَفَر محمدٌ بأهلِ مكةَ، وقدْ أجارَهُمُ اللَّهُ مِنْ أصحابِ الفيلِ فليسَ لكم به يدانِ، فدخلُوا في دينِ اللَّهِ أفواجًا.\nوقيلَ: إنَّ الفتحَ يَعُمُّ مكةَ وغيرَها مما فُتِحَ بَعْدَهَا من الحصونِ والمدائنِ.\nكالطائفِ وغيرِها مِنْ مُدنِ الحجازِ واليمنِ وغيرِ ذلكَ، وهُوَ الذي ذكرهُ ابنُ\nعطيةَ.\nوقولُهُ: (وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا) .\nالمرادُ بالنَّاسِ العمومُ على قولِ الجمهورِ، وعَنْ مقاتل: أنَّهم أهل اليمنِ.\nوفي \"مسندِ الإمامِ أحمدَ\" مِنْ طريقِ شعبةَ عَنْ عمرِو بن مرةَ عَنْ أبي\nالبَخْتريِّ عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ - ﷺ - قالَ: لمّا نزلتْ هذه السورةُ:","vol":"2","page":641},{"text":"(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ)، قالَ: قرأَهَا رسولُ اللَّهِ - ﷺ - حتَّى خَتَمَها فقالَ: \"الناسُ حَيِّزٌ وأنا وأصحابي حَيِّزٌ\"، وقال: \"لا هِجْرَةَ بعد الفتح، ولكنْ جِهَاد ونيَّة\".\nوأنَّ مروانَ كذَّبه فصدَّق رافعُ بنُ خديج وزيدُ بنُ ثابتٍ أبا سعيدٍ على ما قالَ.\nوهذا يُستدلُ بِهِ علَى أَن المرادَ بالفتح فتحُ مكةَ، فقدْ ثبتَ في \"الصحيحينِ \"\nمنْ حديثِ ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ - ﷺ - قالَ يومَ الفتح:\n\"لا هجرةَ، ولكنْ جهاد ونيَّة\".\nوأيضًا فالفتحُ المطلقُ هوَ فتحُ مكةَ كَمَا في قولِهِ: (لا يَسْتَوِي مِنكم مَّنْ أَنفَقَ\nمِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ)، ولهذا قالَ: \"الناسُ حَيِّزٌ وأنا وأصحابي حَيِّزٌ\".\nوروى النسائيُّ مِنْ طريقِ هلالِ بنِ خَبَّابٍ عنْ عكرمةَ عنْ ابنِ عباس قالَ:\nلمَّا نزلتْ: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) إلَى آخرِ السورةِ قال: نُعِيَتْ اسولِ اللَّهِ - ﷺ - نفسُهُ حينَ أُنزلتْ فأخَذَ في أشدِّ مَا كانَ اجتهادًا في أمرِ الآخرةِ، وقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ - بعدَ ذلكَ: \"جاءَ الفتحُ، وجاءَ نصرُ اللهِ، وجاءَ أهلُ اليمنِ \".\nفقالَ رجلٌ: يا رسول اللَّهِ، ومَا أهلُ اليمنِ؟\nقالَ: \"قوم رقيقة قلوبُهم، لينةٌ قلوبهم.\nالإيمانُ يمانٍ، والحكمةُ يمانية والفقهُ يمانٍ \".\nوروى ابنُ جريرٍ منْ طريقِ الحسينِ بنِ عيسى الحنفيِّ عنْ معمرٍ عن الزهريِّ\nعنْ أبي حازمٍ عن ابنِ عباسٍ قالَ: بينما رسولُ اللَّهِ - ﷺ - في المدينةِ إذْ قالَ: \"اللَّهُ أكبرُ اللَّهُ أكبرُ، جاءَ نصرُ اللهِ والفتح، جاءَ أهلُ اليمنِ \"، قيل: يا رسولَ الله،","vol":"2","page":642},{"text":"وما أهلُ اليمنِ؟ قالَ: \"قومٌ رقيقةٌ قلوبُهم، لينةٌ طباعُهُم، الإيمانُ يمانٍ، والفقهُ يمانٍ، والحكمةُ يمانيةٌ \".\nورواه أيضًا مِنْ طريقِ عبدِ الأعْلَى عَنْ معمرٍ عَنْ عكرمةَ مرسَلًا، وكذا\nهُوَ في \"تفسيرِ عبدِ الرزاقِ \": عَنْ معمرٍ أخبرَنِي مَنْ سَمِعَ عكرمةَ فأرسَلَهُ.\nوهذَا لا يدلُّ على اختصاصِ أهلِ اليمنِ بالنَّاسِ المذكورينَ في الآيةِ وإنَّما\nيدلُّ علَى أنَّهُم داخلونَ في ذلكَ فإنَّ الناسَ أعمُّ مِنْ أهلِ اليمنِ.\nقال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: لم يَمُتْ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - وفي العَرَبِ رجُلٌ كافرٌ بَلْ دَخَلَ الكُلُّ في الإسْلامِ بعد حُنين والطائفِ، منهم مَنْ قَدِمَ، ومنهم مَنْ قدِمَ وافدُهُ، ثُمَّ كانَ بعدُ من الردةِ ما كانَ، ورجَعُوا كُلُّهم إلى الدينِ.\nقالَ ابنُ عطيةَ: المرادُ - واللَّهُ أعلمُ -: العربُ عبدةُ الأوثانِ، وأمَّا نصارَى\nبني تغلبٍ فمَا أرَاهُم أسلَمُوا قط في حياةِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - لكنْ أَعْطوا الجزيةَ.\nوالأفواجُ: الجماعةُ إثْرَ الجماعَةِ كَمَا قالَ اللَّهُ تعالَى: (كُلَّمَا أُلْقِي فِيهَا فَوجٌ)\nوفي \"المسندِ\" مِنْ طريقِ الأوزاعيِّ حدَّثَني أبو عمَّارٍ حدَّثني جارٌ\nلجابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ قال: قَدِمْتُ مِنْ سَفَرٍ فَجَاءَنِي جابرُ بنُ عبدِ اللهِ يُسَلِّمُ\nعليّ، فجعلتُ أحدِّثُه عَنْ افتراقِ النَاسِ ومَا أحْدَثُوا، فجَعَلَ جابِرُ يَبكِي، ثُمَّ\nقَالَ: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقولُ:\n\"إنَّ النَّاسَ دخَلوا في دينِ الله أفْوَاجًا، وسيخرجونَ منهُ أفْواجًا \".","vol":"2","page":643},{"text":"وقوله: (فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ) .\nفيه قولانِ حكاهُمَا ابنُ الجَوزِي.\nأحدُهُما: أنَّ المرادَ به الصلاةُ، نَقَلَهُ عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ.\nوالثاني: التسبيحُ المعروفُ.\nوفي الباءِ في \"بحمدِ\" قولانِ:\nأحدُهُما: أَنَّها للمُصَاحبةِ فالحمدُ مُضافٌ إلى المفعولِ، أَيْ فسبِّحْهُ حامدًا\nلَهُ، والمعْنَى: أجْمعُ بينَ. تسْبيحِهِ وهُوَ تنزيهُهُ عَمَّا لا يليقُ بِهِ مِنَ النَّقَائِصِ.\nوبين تحمِيدِهِ وهوَ إثباتُ ما يليقُ بِهِ مِنَ المَحَامِدِ.\nوالثاني: أَنَّها للاستعانَةِ، والحمدُ مُضَافٌ إلى الفَاعِلِ، أي سبِّحْهُ بما حَمِد\nبه نفسَهُ إذْ ليسَ كُل تسبيح بمحمود كَمَا أنّ تسبيحَ المعتزلةِ يقْتَضِي تعطيلَ كثيرٍ من الصفاتِ، كَمَا كانَ بشرُ المَرِيسيُّ يقولُ: سبحانَ ربي الأسْفَل.\nوقولُه: (وَاسْتَغْفِرْهُ) .\nأي اطلبْ مغفرَتَهُ، والمغفرةُ هِيَ وقايةُ شَرِّ الذنبِ لا مجردُ سَتْر.\nوالفرقُ بَيْنَ العفوِ والمغفرةِ أنَّ العفْوَ محوُ أثرِ الذنبِ، وقدْ يكونُ بَعْدَ عقوبةٍ\nبخلافِ المغفرةِ فإنَّها لا تكونُ مَعَ العقوبةِ.\nوقولُه: (إِنَّهُ كانَ تَوَابًا) .\nإشارةٌ إلى أنَّه سُبْحَانَهُ يَقْبَلُ توبةَ المستغفرينَ المنيبينَ إليهِ، فَهُوَ ترغيبٌ في\nالاستغفارِ، وحَثٌّ على التوبةِ، وقَدْ فَهِمَ طائفةٌ مِنَ الصحَابَةِ - ﵃ - أن النبيَّ - ﷺ - أُمِرَ بالتسبيح والتحميدِ والاستغفارِ عندَ مجيءِ نصرِ اللَّهِ والفتح، شُكرًا للَّهِ","vol":"2","page":644},{"text":"على هذهِ النعمةِ، كَمَا صَلَّى النبيُّ - ﷺ - يومَ فتح مكةَ ثماني ركعاتٍ، وكذلكَ صَلَّى سعد يومَ فتح المدائنِ، وكانتْ تُسَمَّى: صلاةُ الفتح.\nوأمَّا عُمَرُ وابنُ عباسٍ فَقَالا: بلْ كانَ مجيءُ النَّصرِ والفتح علامةَ اقترابِ\nأجلهِ، وانقضاءِ عُمرِه، فأُمِرَ أنْ يختمَ عملَه بذلكَ، ويتهيأ للقاءِ اللَّهِ، والقدومِ عليهِ على أكْمَلِ أحوالِهِ وأتمِّها، فإنَّه لمَّا جاءَ نصرُ اللَّهِ والفتحُ بحيثُ صارت مكة دارَ إسلام، وكذلكَ جزيرةُ العربِ كُلُّها، ولمْ يبْقَ بِهَا كافر، ودخلَ الناسُ في دينِ اللَّهِ أفواجًا.\nوقد بلَّغ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - رسالاتِ ربِّه، وعلَّمَ أمتَهُ مناسكَهُم وعباداتِهم، وتركَهُم على البيضاءِ، ليلُها كنهارِهَا، ولم يبقَ لهُ من الدُّنيا حاجةً، فحينئذ تهيّأ للنَّقلةِ إلى الآخرةِ فإنَّها خير لَهُ مِنَ الأُولى، ولهذَا نزلتْ: (الْيَومَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكمْ) بِعَرَفةَ.\nوعلَّمَ الأمةَ مناسِكَهُم، وقالَ لَهُم: \"لَعَلِّي لا أراكم بَعْدَ عامِي هَذا\".\nوقالَ لَهُم: \"هَلْ بَلَّغتُ؟ \"، قالُوا: نَعَمْ، وأشهدَ اللَّهَ عليهم بذلكَ، وودعًّ\nالنَاسَ فقالُوا: هذه حَجَّةُ الوداع.\nوقدْ خُيِّرَ - ﷺ - بينَ الدنيا وبين لقاء ربِّه، فكانَ آخرَ ما سُمِعَ منه: \"اللهمَّ الرفيقَ الأعْلَى\".\nونظيرُ هذا الفهم الذي فهمَهُ عمرُ مِنْ هذهِ السورةِ ما فهمَهُ أبو بكر مِنْ","vol":"2","page":645},{"text":"قولِ النبى - ﷺ - في خطْبَتِهِ: \"إن عبْدًا خير بينَ الدنيا وبين لقاءِ ربهِ، فاختارَ لقاءَ رِّبهِ \".\nوقدْ سَبَقَ مِنْ حديثِ ابنِ عباسٍ ما يدل على ذلكَ.\nوفي \"صحيح البخاريِّ \" مِنْ حديثِ سعيدِ بنِ جبيرٍ عنْ ابنِ عبَّاسٍ قالَ:\nكانَ عمرُ يُدخِلُني مَعَ أشياخ بدرٍ فكان بعضَهُم وجَدَ في نفسهِ فقالَ: لِمَ\nتُدْخلُ هذا مَعَنَا ولنا أبناءٌ مثلُه؟\nفقالَ عمرُ: إنَه ممِّن قَدْ عَلِمتم، فدعاهُم ذاتَ\nيومٍ فأدْخَلَهُ معهُم، فما رأيتُ أنَّه دَعَاني فيهِم يومئذٍ إلا لِيُريَهم، فقالَ: ما\nتقولونَ في قولِ اللهِ ﷿: (إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّهِ وَالْفَتْحُ)؟\nفقالَ بعضُهُم: أمِرنا أنْ نحْمِدَ اللَّهَ ونستَغْفره إذا جاءَ نصرُنا وفتِحَ عليْنَا، وسكتَ بعضُهُم فلمْ يَقل شيئًا!\nفقال لي: أكذاكَ تقولُ يا ابنَ عباسٍ؟\nفقلت: لا، قال: ما تقولُ؟\nقلتُ: هو أجلُ رسولِ اللهِ - ﷺ - أعْلَمَهُ لهُ قالَ:\n(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفتحُ) فذاكَ علامَةُ اجَلِكَ، (فَسَبِّحْ بِحَمْد رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا) فقالَ عمرُ بنُ الخطاب: ما أعلمُ منها إلا ما تقول وقد رُويتْ هذه القصةُ عن ابن عباسٍ منْ غيرِ وجهٍ.\nوفي \"المسندِ\" عنْ أبي رزينٍ عن ابنِ عباسٍ قالَ: لمَّا نزلتْ:\n(إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) عَلِمَ النبيُّ - ﷺ - أنَه قد نُعيتْ إليه نفسُه.\nوقد سَبقَ منْ حديثِ ابنِ عباسٍ أنَّ النبيَّ - ﷺ - لمَّا نَزَلتْ هذه السورةُ أخذَ في أشدِّ ما كانَ اجتهادًا في أمرِ الآخرةِ.","vol":"2","page":646},{"text":"وروى الخرائِطي في \"كتابِ الشُّكْرِ\" مِنْ طريقِ شاذِ بنِ فياضٍ عَن الحارثِ\nبنِ شبلٍ عنْ أمِّ النُّعمانِ الكِنديةِ عنْ عائشةَ قالتْ: لمَّا نزلتْ هذهِ الآيةُ:\n(إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا) اجتهدَ النبيُّ - ﷺ - في العبادةِ فقيلَ لهُ: يا رسول اللَّهِ، ما هذا الاجتهادُ؟\nأليسَ قدْ غَفَر اللَّهُ لكَ ما تقدَّم من ذنبكَ وما تأخَّر؟!\nقال: \"أفَلا اكونُ عَبْدًا شكُورًا \"، إسنادُه ضعيفٌ.\nوروى البيهقيُّ مِنْ طريقِ سعيدِ بنِ سليمانَ عَنْ عبَّادِ بنِ العوامِ عَن هلالٍ\nبن خَبَّابٍ عنْ عكرمةَ عْن ابنِ عباسٍ قال: لمَّا نزلتْ: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ\nوَالْفَتْحُ) دعَا رسول اللَّهِ - ﷺ - فاطمةَ، وقال: \"إنَّهُ قد نُعِيَتْ إليَّ نفسِي \"، فَبكتْ، ثُمَّ ضَحِكَتْ، وقالتْ: أخبرني أنه قد نُعيَ إليه نفسه فبكيتُ، ثمَّ أخبرَنِي بأنَكِ أوَّل أهلي لِحَاقًا بي فَضحِكْتُ.\nوكان النبيُّ - ﷺ - يكثرُ من التسبيح والتحميدِ والاستغفارِ بعدَ نزولِ هذهِ السورةِ، ففي \"الصحيحينِ \" عَنْ مسروقٍ عَنْ عائشةَ قالتْ: كانَ رسول اللَّهِ - ﷺ - يكثرُ أنْ يقول في ركوعِهِ وسجودِهِ: \"سبحانكَ اللهُمَّ رَبَّنا وبحمدِكَ اللهمَّ اغفرِ لِي \" يتأول القرآنَ.\nوفي \"المسنَدِ\" و\"صحيح مسلم \" عنها قالتْ: كانَ رسول اللَّهِ - ﷺ - يكثرُ في آخرِ أمر مِنْ قول: \"سبحانَ اللَّهِ وبِحَمْدهِ، استغفرُ اللَّهَ وأَتُوبُ إليهِ \".\nوقالَ: \"إنَّ ربي كانَ أخبَرَني أنِّي سَأرَى علامةً في أمتي، وأمَرَنِي إذا رأَيتُها أنْ أُسبِّحَ بحمدِهِ","vol":"2","page":647},{"text":"وأستغفرَهُ إنَه كانَ توَّابًا، فَقَدْ رأيتُها: (إِذَا جَاءَ نَصْر اللَّهِ وَالْفَتْح) \" السورةَ كلَّها.\nورَوى ابنُ جريرٍ مِنْ طريقِ حفصٍ ثنا عاصم عَنِ الشعبيِّ عَن أمِّ سلمةَ\nقالتْ: كانَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - في آخرِ أمرِهِ لا يقومُ ولا يقعدُ ولا يذهبُ ولا يجيءُ إلا قالَ: \"سبحان اللهِ وبحمدِهِ \"، فقُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّكَ تُكثرُ مِنْ: \"سبحان اللَّهِ وبحمدِهِ \"، لا تذهبُ ولا تجيءُ ولا تقومُ ولا تقعدُ إلا قلتَ: \"سبحان اللهِ وبحمدِهِ \" قالَ: \"إني أُمرْتُ بهَا\".\nفقالَ: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ) إلى آخرِ السورةِ. غريبٌ.\nوفي \"المسندِ\" عن أبي عبيدةَ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ قالَ: لمَّا نزلتْ علَى\nرسولِ اللَّهِ - ﷺ -: (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْح) كانَ يُكثرُ إذَا قرأَهَا وركعَ أنْ يقولَ: \"سبحانك اللهُمَّ ربنا وبِحَمْدِكَ، اللهُمَّ اغفرْ لي، إنَكَ أنتَ التوابُ الرحيمُ \" ثَلاثًا.\nواعلمْ؛ أنْ التسبيحَ والتحميدَ فيهِ إثباتُ صِفَاتِ الكمالِ، ونفيُ النقائصِ\nوالعيوبِ.\nوالاستغفارُ يتضمنُ وقايةَ شرِّ الذنوبِ.\nفذاكَ حَق اللَّهِ، وهذَا حق عبدِهِ، ولَهِذا في خطبةِ الحَاجَةِ: \"الحمدُ للَّهِ نحمدُهُ\nونسْتعينُهُ ونسْتغفرُهُ \".\nوكانَ رجل في زمنِ الحسنِ البصريِّ مُعَتزِلٌ النَّاس فسالهُ الحسنُ عَنْ حالِهِ؟","vol":"2","page":648},{"text":"فقالَ: إني أُصِبحُ بين نعمةٍ وذنْبٍ فأحدِثُ للنعمةِ حَمْدًا، وللذنبِ استغفارًا.\nفأنا مشغولٌ بذلكَ، فقالَ الحسنُ: الزمْ مَا أنتَ عليهِ، فأنتَ عنْدِي أفقهُ مِنَ\nالحسَنِ.\nوالاستغفارُ: هوَ خاتمةُ الأعمالِ الصالحةِ، فلِهَذَا أُمرَ النبيُّ - ﷺ - أنْ يجعلَهُ خاتمةَ عُمْره.\nكما يُشرعُ لمصلِّي المكتوبةِ أنْ يستغفرَ عَقِبَها ثلاثًا، وكَمَا يُشرعُ للمتهجِّدِ\nمِنَ الليلِ أنْ يستَغْفِرَ بالأسْحَارِ قالَ تعالَى: (وَبِالأَسحَارِ هُمْ يسنتَغْفِرُونَ)\nوقالَ: (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ)، وكَمَا يُشرعُ الاستغفارُ عُقَيْبَ الحجِّ قالَ تعالَى: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٩٩) .\nوكما يُشْرعُ ختمُ المجَالِسِ بالتسبيح والتحميد والاستغْفَارِ وهُوَ كفارةُ\nالمجلسِ، وروي أنه يَخْتِمُ بِهِ الوضوءَ أيضًا. َ\nوسببُ هَذَا أنَّ العبادَ مُقصِّرُونَ عن القيام بحقوقِ اللَّهِ كَمَا يَنبْغِي، وأدائِهَا\nعلى الوجهِ اللائقِ بجلالهِ وعظمتِهِ، وإنَّما يؤدُّونَها علَى قَدْرِ مَا يطيقُونَهُ.\nفالعارفُ يَعْرِفُ أنَّ قَدْرَ الحقِّ أعْلَى وأجلُّ مِنْ ذلكَ، فهُوَ يَسْتَحِي مِنْ عملِهِ\nويستغفرُ مِنْ تقصير فيهِ كَمَا يستغفرُ غيرُهُ مِنْ ذنوبِهِ وَغَفَلاتِهِ، وكُلَّما كانَ\nالشخصُ باللَّهِ أعرفَ كانَ له أخوف، وبرؤيةِ تقصيرهِ أبصرُ، ولهذا كانَ خاتمُ المرسلينَ وأعرفُهم بربَ العالمينَ - ﷺ - يجتهدُ في الثناءِ على ربِّه، ثُمَّ يقولُ في","vol":"2","page":649},{"text":"آخِرِ ثنائه: \"لا أُحْصِى ثناءً عليكَ أنتَ كَمَا أَثنيتَ على نفسِكَ \".\nومِنْ هذَا قولُ مالكِ بنِ دِيْنارٍ: لقدْ هَممْتُ أنْ أُوصِيَ إذَا متُّ أن أُقيد، ثُمَّ\nيُنْطلقُ بي كما يُنطلقُ بالعبدِ الآبقِ إلى سيِّدِهِ، فإذا سَألنَي؟\nقلتُ: يا ربِّ، لم أرضَ لكَ نفسِي طَرفةَ عينٍ.\nوكان كَهْمَسُ يُصَلِّي كُلَّ يومٍ ألفَ ركْعَةٍ، فإذَا صَلَّى أخَذَ بلحيتِهِ، ثُمَّ يقولُ\nلنفسِهِ: قُومِي يا مَأْوى كُلَّ سوءٍ، فواللَّهِ مَا رضيتُك للَّهِ طَرْفَةَ عينٍ.\nفائدة:\nالاستغفارُ: يَرِدُ مجردًا، ويردُ مَقْرونًا بالتوبةِ، فإنْ وَردَ مجرَّدًا دَخلَ فيه\nطلبُ وقايةِ شرِّ الذنبِ الماضِي بالدعاءِ، والنَّدمِ عليهِ، وشرُّ وقايةِ الذنبِ\nالمتوقع بالعزمِ علَى الإقلاع عنهُ.\nوهذَا الاستغفارُ الذي يمنعُ الإصْرارَ بقولِهِ: \"ما أصَرَّ مَن اسْتغفر ولَو عادَ في\nاليوم سبعينَ مرَة\".\nوبقولِهِ: \" لا صَغيرةَ مع الإصرارِ، ولا كبيرةَ مع الاستغفارِ\"\nخرَّجَهما ابنُ أبي الدنيا.\nوكذا في قولِهِ تعالَى: (الَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُم ذَكَرُوا اللَّهَ\nفَاسْتَغْفَرُوا لِذنُوبِهِمْ) .\nوفي \"الصحيح \": \"أذنبَ عبدٌ ذنبًا. . . \" الحديثَ.\nوهوَ المانعُ من العقوبةِ في قولهِ: (وَمَا كانَ اللَّه مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرونَ)","vol":"2","page":650},{"text":"وإنْ وردَ مقرونًا بالتوبةِ اختصَّ بالنوع الأولِ، فإنْ لم يصحبْهُ\nالندمُ على الذنبِ الماضِي، بلْ كانَ سُؤالًا مُجرَّدًا فهو دعاءٌ محضٌ، وإن\nصَحِبَه ندمٌ فهو توبةٌ.\nوالعزمُ على الإقلاع من تمامِ التوبةِ، والتوبةُ إذا قُبلتْ فهلْ تُقبلُ جَزْمًا أم\nظاهرًا؟ فيه خلافٌ معروفٌ.\nفيقالُ: الاستغفارُ المجردُ هو التوبةُ مَعَ طلبِ المغفرةِ بالدعاء، والمقرونُ\nبالتوبةِ: هوَ طلبُ المغفرةِ بالدعاءِ فَقَط.\nوكذلك التوبةُ إنْ أُطلقتْ دخلَ فيها الانتهاء عن المحظورِ، وفِعْلُ المأمورِ\nولهذا عَلَّقَ الفلاحَ عليها، وجعلَ مَنْ لم يَتُبْ ظالمًا، فالتوبةُ حينئذٍ تشملُ فعلَ\nكُلِّ مأمورٍ، وترك كُلِّ محظورٍ ولهذا كانتْ بدايةُ العبدِ ونهايتُهُ هي حقيقةُ دينِ\nالإسلامَ.\nوتارةً يُقرنُ بالتَّقْوَى، أو بالعملِ فتختصّ حينئذٍ بتركِ المحظورِ واللَّهُ أعلمُ.\nوفي فضائلِ الاستغفارِ أحاديثُ كثيرةٌ مِنْها:\nحديثُ: \"جِلاءِ القلوبِ تلاوةُ القرآنِ والاستغفارُ\".\nوحديثُ: \"فإن تابَ واستغفرَ ونَزعَ صُقِلَ قَلبُهُ \".\nوحديثُ: \"ابنَ آدمَ إنَّك لو بَلَغَتْ ذنوبُك عَنَانَ السماء، ثُمَّ استغفرتَنِي على ما كانَ","vol":"2","page":651},{"text":"منْكَ، غفرتُ لكَ ولا أبَالِي \".\nوحديثُ ابنِ عمرَ: كنَّا نَعُدُّ لرسولِ اللَّه - ﷺ - فى المجلسِ الواحد: \"ربِّ اغفرْ لي، وتُبْ علي، إَّكَ التوابُ الغفورُ\" مائةَ مرةٍ.\nوحديثُ أبي هريرةَ مرفوعًا:\n\"إنِّي لأمشغفرُ اللَّهَ في اليوم كثرَ من سبعينَ مرةً، وأتوبُ إليهِ \"\nخرَّجه البخاريُّ.\nومنْ حديثِهِ مرْفُوعًا:\n\"لَو لَم تُذنبُوا لَذَهبَ اللَهُ بكُم، ولجاء بقومٍ يُذنِبونَ ثم يستغفرون فيغفرُ لَهُمْ \" خرَّجه مسلمٌ.\nوفي \"المسندِ\" من حديث عطيةَ عَنْ أبي سعيدِ عن النبيِّ - ﷺ -: \"مَنْ قالَ حِين يَأوي إلى فَراشِهِ، أستغفرُ اللَّهَ الذي لا إله إلا هُو الحيَّ القَيومَ وأتُوبُ إِليهِ، غَفَر الله له ذُنُوبهُ، وإنْ كانتْ مِثَلَ زَبدِ البَحْرَ، وإن كانت مثل رَملِ عَالج، وإن كانت عدد ورق الشَّجَر\".\nوحديثُ: \"منْ كثرَ منَ الاستغفارِ جعلَ اللَهُ لهُ مِنْ كل هَمٍّ فرجا\"\nخرَّجه - أحمدُ منْ حديثِ ابن عباس، ويعضدُهُ قولُه تعالَى:\n(اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفارًا)، وقولُه: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا) .","vol":"2","page":652},{"text":"قالَ رياح القيسيُّ: لي نيف وأربعونَ ذنبًا، قدِ استغفرتُ لكل ذنب مائةَ\nألفِ مرَّةٍ.\nوقال الحسنُ: لا تملُّوا من الاستغفارِ.\nوقال بكر المُزَنيُّ: إنَّ أعمال بني آدمَ ترفعُ فإذا رفعت صحيفة فيها استغفار\nرُفعت بيضاءُ، وإذا رُفعتْ ليس فيها استغفارٌ رفعت سوداء.\nوعن الحسنِ قالَ: اكثِرُوا مِن الاستغفارِ في بُيُوتِكم، وعَلَى موائِدِكم، وفي\nطُرُقِكم، وفي أسواقِكُم، فإنَّكم ما تدرُون متى تَنْزِلُ المغفرةُ.\nوقال لقمان لابنه: أيْ بُنيَّ؛ عوِّد لسانَكَ: اللهَمَّ اغفرْ لِي، فإنَّ للَّهِ ساعاتٍ\nلا يردُّ فيهنَّ سائلًا.\nورُئِيَ عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ في النَّومِ فقيلَ لهُ: ما وجدَّتَ أفضلُ؟\nقالَ: الاستغفار.\n* * *","vol":"2","page":653},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-408>سُورَةُ الإخْلاصِ</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-409>قوله تعالى: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)</span>\nقال ابنُ رجبٍ - رحمه اللَّه تعالى -: \"الكلامُ على سُورةِ الإخْلاصِ \".\nوفي موضع نزولِهَا قولانِ: أحدهما: أنها مكيةٌ.\nوالثاني: مدنية، وذلك في فصولٍ في فضائِلِهَا وسببِ نزولِهَا وتفسيرهَا.\nأمَّا فضائِلُهَا فكثيرةٌ جِدًّا.\nمِنْهَا: أنَها نِسْبَةُ اللَّهِ ﷿.\nخرَّج الطبرانيُّ منْ طريقِ عثمانَ بنِ عبدِ الرحمنِ الطرائفيِّ عَنْ الوازع\nابن نافع عن أبي سلمةَ عنْ أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"لكُلِّ شيءٍ نسبةٌ، ونسبةُ اللَّهِ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) .\nليسَ بأجوفَ \".\nالوازعُ ضعيفٌ جدًّا، وعثمانُ يروي المناكيرَ، وسيأتي في سببِ نزولِهَا ما يشهدُ لَهُ.\nومنها: أنَّها صفةُ الرحمنِ، وفي صحيح البخاريِ ومسلم من حديثِ\nعائشةَ، أنَّ النبيَّ - ﷺ - بعثَ رجُلًا على سرية فكان يقرأُ لأصحابهِ في صَلاتِهِم فيَختمُ بـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، فلمَّا رجَعوا ذكَّرَوا ذلك للنبيِّ - ﷺ - فقال: \"سلُوهُ: لأيِّ شيء يصنعُ ذلك؟ \"، فسألُوهُ، فقال: لأنَّها صِفَةُ الرَّحمنِ، وأنا أُحبُّ أن","vol":"2","page":654},{"text":"أَقرأَ بِهَا، فقالَ النبيُّ - ﷺ -: \"أخبروهُ أن اللَّه يُحبُّهُ \".\nومنهَا: أَنَّ حُبَّها يُوجبُ محبةَ اللَّهِ، لهذا الحديث المذكورِ آنفًا، ومنهُ قولُ ابنِ\nمسعودٍ: \"مَنْ كانَ يحبُّ القرآنَ فهُوَ يحبُ اللَّهَ \" َ.\nومنها: أن حُبَّها يُوجبُ دُخولَ الجنَّةِ.\nذكرَ البخاريُّ في \"صحيحه \" تَعْليقًا\nوقالَ: عبيدُ اللهِ عنْ ثابتٍ عن أنسٍ قالَ: كانَ رجُلٌ مِنَ الأنصارِ يؤُمُّهم في\nمسجدِ قُباءَ، وكانَ كلَّما افتتحَ سورةً يقرأُ بِهَا لهمْ في الصلاةِ ممَّا يقرأُ به، افتتح بـ (قلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) حتى يفرغُ مِنْها، ثُمَّ يقرأُ سُورةً أُخرَى مَعَهَا، وكانَ يصنعُ ذلكَ في كلِّ ركعةٍ، وذكرَ الحديثَ، وفيه: فقالَ النبي - ﷺ -: \"يا فلانُ، ما حملكَ على لزوم\nهذهِ السورةِ في كلِّ ركعةٍ؟ \"\nفقال: إني أُحِبُّها، فقالَ: \"حُبُّكَ إياهَا أدخلكَ الجنَّةَ\".\nوخرَّجه الترمذيُّ في \"جامعهِ \" عن البخاريِّ عَنْ إسماعيلَ ابنِ أبي أويسٍ عنَ الدَّارَورْدِيِّ عَنْ عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الرحمنِ عنْ عبيدِ اللَّهِ بنِ عمرَ وغرَّبه.\nوقال: روى مباركُ بنُ فضالةَ عنْ ثابتٍ عنْ أنسٍ أن رجلًا قالَ: يا رسولَ اللَّهِ إنِّي أحبُّ هذه السورةَ: (قُلْ هٌوَ اللَّهُ أَحَدٌ)\nفقالَ: \"إن حُبَّك إياها أدخلكَ الجنَّة\"\nوقدْ خرَّجه أحمدُ في \"المسندِ\" عن أبي النضرِ عن مباركِ بنِ فضالَة بهِ.\nوروى مالكٌ عنْ عبيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ الرحمنِ عنْ عبيدِ بنِ حُنينٍ قالَ:\nسمعتُ أبا هريرةَ يقولُ: أقْبلتُ مع النبي - ﷺ -، فسمعَ رجُلًا يقرأُ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)","vol":"2","page":655},{"text":"فقالَ رسولُ الله - ﷺ -: \"وجَبَتْ \" قلت: وَمَا وجبَت؟ قالَ: \"الجنةُ\".\nوأخرجَهُ النسائيُّ والترمذيُّ وقالَ: حسنٌ صحيحٌ لا نعرفُه إلا مِنْ حديثِ\nمالك.\nوروَى أبو نُعيمٍ منْ طريقِ عمرِو بنِ مرزوقٍ عنْ شعبةَ عن مهاجرٍ سمعتُ\nرجلًا يقولُ: صحبتُ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - في سفرٍ، فسمِعَ رَجُلًا يقرأُ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ)، فقالَ: \"قد بَرِئَ من الشِّرْك \".\nوسمعَ آخرَ يقرأُ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فقالَ: \"غُفِرَ لهُ \".\nومنْهَا: أنَّها تعْدِلُ ثلثَ القرآنِ ففي \"صحيح البخاريِّ\" منْ حديثِ أبي\nسعيدٍ أنَّ رجلًا سعَ رجُلًا يقرأُ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) يُردِّدُها، فلمَّا أصبحَ جاءَ\nإلى النبيِّ - ﷺ - فذكرَ ذلكَ لهُ - وكانّ الرجلَ يتقالُّها - فقال رسول اللَّه - ﷺ -:\n\"والذي نفسِي بيده إنَّها لتعدلُ ثُلُثَ القرآنِ \".\nوقدْ رُوِيَ عنْ أبي سعيدٍ عن أخي قتادةَ بنِ النعمانِ به.\nوفي \"صحيح البخاريِّ \" أيضًا مِنْ طريقِ الأعمشِ عنْ إبراهيمَ النخعيِّ\nوالضَّحَّاكِ المشرقيِّ عنْ أبي سعيدٍ قال: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ - لأصحابِهِ:\n\"أيعجزُ أحدُكُم أنْ يَقْرَأ ثلثَ القرآنِ فِي ليلةٍ؟ \"\nفشقَّ ذلكَ عليهِم وقالُوا: أيُّنا يطيقُ ذلك يا رسول اللَّه، فقالَ:\n\"اللَّهُ الواحِدُ الصَّمدُ ثلثُ القرآنِ \".\nوفي \"المسندِ\" منْ طريقِ ابنِ لهيعةَ عن الحارثِ بنِ يزيدَ عنْ أبي الهيثم","vol":"2","page":656},{"text":"عنْ أبي سعيدٍ قال: باتَ قتادةُ بنُ النعمان يقرأُ الليلَ كُلَّهُ بـ\n(قلْ هُوَ اللَهُ أَحَدٌ)\nفذُكِرَ ذلك للنبي - ﷺ - فقالَ: \"والذي نفسِي بيدهِ لَتعْدِلُ نصفَ القرآنِ أو ثُلُثَهُ \".\nوفي \"المسندِ\" أيضًا مِنْ طريقِ ابنِ لهيعةَ، حدَّثَنَا حُييُّ بنُ عبد اللَّهِ عن\nأبي عبدِ الرحمنِ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرٍو: أنَّ أبا أيوبَ الأنصاريًّ كانَ في\nمجلسٍ وهوَ يقولُ: ألا يسْتَطيعُ أحدُكُم أنْ يقومَ بثُلُثِ القرآنِ كلَّ ليلةٍ؟\nفقالُوا: وهل يستطيعُ ذلكَ أحدٌ؟\nقال: فإنَّ: (قلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)، ثُلُثُ القرآنِ، قالَ:\nفجاءَ النبي - ﷺ - وهو يسمعُ أبا أبوبَ.\nفقالَ: \"صَدَق أبو أيوبَ \".\nورَوَى يحيى بنُ سعيدٍ عنْ يزيدَ بنِ كيسانَ عنْ أبي حازمٍ - قالَ الترمذيُ:\nاسمُهُ سلمانَ - عنْ أبي هريرةَ قالَ: قالَ رسولُ اللَّه - ﷺ -: \"احشُدُوا، فإنَي سأقْرَأُ عليكُم ثُلُثَ القُرآنِ \"، فحشدَ من حشدَ، ثُمَّ خرجَ نبي اللَّه - ﷺ - فَقَرَا: (قُل هُوَ اللَّه أَحَدٌ)، ثُمَّ دخلَ فقالَ بعضُنَا لِبعضٍ: قال رسول اللَّه - ﷺ -: \"فإني ساقْرأُ\nعليكُم ثُلُثَ القرآنِ \"، إنِّي لأرى هذا خبرًا جاءَهُ من السماء، ثُمَّ خرجَ نبي اللَّه - ﷺ - فقال: \"إني قُلتُ: سأقَرا عليكُم ثُلُثَ القُراَنِ، ألا إنها تعدلُ ثُلُث القُراَنِ \".\nأخرجَهُ مسلم.\nوروى الإمامُ أحمدُ عنْ عبدِ الرحمنِ بنِ مهديّ عنْ زائدةَ بنِ قدامةَ عنْ\nمنصورِ عن هلالِ بنِ يسافٍ عن الربيع بنِ خثيمٍ عنْ عمرِو بنِ ميمونٍ عنْ\nعبدِ الرحمنِ بن أبي ليلَى عنْ امرأةٍ مِنَ الأنْصَارِ عنْ أبي أيوبَ عنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"أيَعْجزُ أحدُكُم أنْ يقرأ ثلثَ القرآنِ في ليلةٍ؟ فإنه مَنْ قرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ) في ليلةٍ فقدْ قرأَ ليلتئذٍ ثلثَ القرآنِ \".\nورواهُ النسائي والترمذيُّ عنْ بندار.","vol":"2","page":657},{"text":"وروى الترمذيُ عنْ قتيبةَ أيضًا عَنْ ابنِ مهدي، فَهُوَ لَهُمَا عُشَاري ولأحمد\nتُسَاعي، وفي روايةِ الترمذيِّ عَنْ امرأةِ أبي أيوبَ عَنْ أبي أيوبَ بِهِ، وذكرَ\nاختلافًا في إسنادِهِ.\nوروى أحمدُ عن هُشَيم عنْ حصينٍ عن هلال بنِ يسافٍ عنْ\nعبدِ الرحمنِ بن أبي ليلَى عنْ أبيِّ بنِ كعبٍ أو رجلٍ منَ الأنصارِ قال:\nقال رسول اللَّهِ - ﷺ -: \"منْ قرأ: (قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) فكأنَّما قَرَأَ بثلثِ القرآنِ \".\nورواهُ النسائيُّ في \"اليومِ والليلة\" منْ طريقِ هُشيمٍ عنْ حصينٍ عن ابن أبي ليلَى بهِ منْ غيرِ ذكرِ هلال بنِ يسافٍ.\nوروى الإمامُ أحمدُ أيضًا عنْ وكيع عن سفيانَ عن أبي قيسٍ عن عمرِو بن ميمونٍ عنْ أبي مسعودٍ قال: قال رسول اللَّهِ - ﷺ -: \" (قلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) تعدِلُ ثلثَ القرآنِ \"\nورواهُ ابن ماجةَ والنسائيُّ في \"اليومِ والليلةِ\" من طُرُق.\nوفي بعضِ طرقِهِ وقفُه.\nورواه أبُو نعيم منْ طريقِ مسعرٍ عنْ أبي قيسٍ عَنْ عمرِو بنِ ميمونٍ عنْ\nأبي مسعودٍ الأنصاريّ، كَذا قال.\nومنْ طريقِ شعبةَ عنْ أبي إسحاقَ عنْ عمرِو بنِ ميمونٍ عنْ ابنِ مسعودٍ.\nوروَى أبو نُعيمٍ منْ طريقِ عليّ بنِ عاصم عنْ حصينٍ عنْ هلالِ بنِ يساف","vol":"2","page":658},{"text":"عنْ ربيع بنِ خُثَيم عنْ ابنِ أبي ليلَى عنْ كعبِ بنِ عجرةَ عنْ النبي - ﷺ - قالَ:\n\"منْ قرأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في يوم وليلة ثلاثَ مرات كانتْ تعدِلُ ثلثَ القرآنِ \".\nورواهُ شعبةُ عنْ عليِّ بنِ مدركٍ عنْ إبراهيمَ النخعيِّ عنْ الربيع بنِ خثيمِ\nعن ابنِ مسعودٍ عن النبيّ - ﷺ -.\nوروى أبو نُعيمٍ حدَّثنَا إبراهيمُ بنُ محمدِ بنِ يحيى، ثنَا أحمدُ بنُ حمدونَ\nابنِ رستم، ثَنا عليٌّ بنُ إشْكَاب، ثنَا شجاعُ بنُ الوليدِ، ثنَا زيادُ بنُ خيثمةَ.\nعنْ محمدِ بنِ جحادةَ، عنْ الحسنِ عنْ أبي هريرةَ عن النبيِّ - ﷺ - \" (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ثلثُ القرآنِ \"، قالَ إبراهيمُ: هكذا حدَّثَني بهِ وكتبهُ لِي بخطِهِ وإنَّما يحفظُ الإسناد قراءةُ يس.\nوروى يوسفُ بنُ عطيةَ الصفارُّ: ثنَا هارونُ بنُ كثيرٍ، عنْ زيدِ بنِ أسلمَ\nعنْ أبيهِ عْن أبي أمامةَ عنْ أبيِّ بنِ كعبٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"منْ قرَأ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) فكأنَّما قرأَ ثلثَ القرآنِ، وكتبَ لهُ مِنَ الحسناتِ بعددِ من أشْرَكَ باللَّهِ وآمنَ بِهِ \".\nوفي \"صحيح مسلم \" منْ طريقِ قتادةَ عنْ سالم بنِ أبي الجعدِ عنْ\nمعدان بنِ أبي طلحةَ عنْ أبي الدَّرْداءَ أنَّ رسولَ اللَّهِ - ﷺ - قالَ: \"أيعجزُ أحدُكُم أنْ يقرأَ كلَّ يومٍ ثلثَ القرآنِ؟ \"\nقالُوا: نعم، قالَ: \"إنَ الله جزأَّ القُرآنَ ثلاثةَ أجزاء، فـ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ثلثُ القرآنِ \".\nورَوَى أميةُ بنُ خالدٍ عَنْ ابنِ أخِي ابنِ شهابٍ عنْ عَمِّه عَنْ حميدِ بنِ","vol":"2","page":659},{"text":"عبدِ الرحمنِ بن عوفٍ عَنْ أمهِ أمِّ كُلْثوم بنتِ عقبةَ بنِ أبي مُعَيْط قالَتْ: قالَ\nرسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \" (قُلْ هُوَ اللَهُ أَحَدٌ) ثلثُ القرآنِ \"، رواه أحمدُ والنسائيُّ في \"اليومِ والليلةِ\".\nورواهُ أيْضا منْ طريقِ مالكٍ عَنِ الزُّهريّ عَنْ حميدٍ منْ قولهِ، ورواهُ أيضًا\nمِنْ طريقِ ابنِ إسحاقَ عَنِ الحارثِ بنِ فُضَيلٍ عَنِ الزهريِّ عَنْ حميدٍ أنَّ نَفرًا\nمِنْ أصحابِ محمدٍ - ﷺ - حدَّثوه عَنِ النبي - ﷺ - أنَّهُ قالَ: \" (قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) تعدِلُ ثلثَ القرآنِ لمن صلَّى بِهَا\".\nوروى الحافظُ أبو يَعْلَى عَنْ قطنِ بنِ نُسيرٍ عنْ عبيسِ بنِ ميمون عنْ\nيزيدَ الرقاشيِّ عَنْ أنسٍ عنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"أمَا يستطيعُ أحدُكُم أنْ يقْرأَ: (قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) ثلاثَ مرات في ليلةٍ فإنَّها تعدِلُ ثلثَ القرآنِ \" إسنادُه ضعيفٌ.\nويُستدلُّ بِهِ على أنَّ المرادَ بكونِهَا تعدِلُ ثلثَ القرآنِ، أجرَهُ وثوابَهُ، كما\nيُستدلُّ بحديثِ أبي الدرداءَ المتقدمِ علَى أنَّها جزءُ التوحيدِ مِنَ القرآنِ، وأنَّه\n- ثلاثةُ أجزاءٍ: تَوحيدٌ، وتَشْريعٌ، وقَصَصٌ.\nومِنْها: أنَّ قراءَتَها تكفِي مِنَ الشرِّ، وتمنعهُ، وقدْ ثبتَ في \"صحيح\nالبخاريِّ \" عنْ عائشةَ: \"أنَّ النبيَّ - ﷺ - كانَ إذَا أوَى إلى فِراشِهِ قرأَها مع المعوذتينِ ومَسَحَ ما استطاعَ مِنَ جسدِهِ \".\nوروى أبو داودَ والترمذيُّ والنسائيُّ مِنْ طريقِ معاذِ بنِ عبدِ اللَّهِ بنِ خُبيبٍ عنْ أبيهِ","vol":"2","page":660},{"text":"عَنِ النبيّ - ﷺ - قالَ لهُ: \"قُلْ (قلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) والمعوذتينِ حِينَ تُمِسي وحينَ تُصْبِحُ ثلاثًا تكفيكَ كُلَّ يوم \"\nوصحَّحهُ الترمذيُّ.\nورواهُ النسائيُّ مِنْ طريقٍ أُخرَى عنْ معاذ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ - خُبيبٍ عنْ\nأبيهِ عَنْ عقبةَ بنِ عامر فذكرهُ ولفظُه: \"تَكْفِكَ كلَّ شيء\".\nوقالَ البزارُ في \"مسندهِ \": حدَّثنا إبراهيمُ الجوهريُّ: ثَنا غسانُ بنُ عبيدٍ\nعنْ أبي عمرانَ الجونيّ، عنْ أنسِ بنِ مالكٍ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ - ﷺ -:\n\"إذَا وضعْتَ جنبكَ على الفراشِ، وقرأتَ فاتحةَ الكتابِ، و(قلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) فقدْ أمنتَ مِنْ كلَ شيء إلا الموتَ \".\nومنْهَا: أنَّها أفضلُ سورِ القرآنِ، فروى الدارميُّ في \"مسندِه \" عنْ أبي\nالمغيرةَ عَنْ صفوانَ عنْ أيفعَ بنِ عبيد الكلاعيِّ قالَ: قالَ رجلٌ: يا رسولَ\nاللَّهِ، أيُّ سورِ القرآنِ أعظمُ؟\nقال: \" (قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) \".\nوفي \"المسندِ\" منْ طريقِ معاذِ بنِ رفاعةَ عنْ عليِّ بنِ يزيدَ، عنْ القاسم.\nعنْ أبي أمامةَ، عنْ عقبةَ بنِ عامر قالَ: قالَ لي رسولُ اللَّهِ - ﷺ -: \"ألا أَعلمُكَ خيرَ ثلاثِ سورٍ أنزِلَتْ في التوراةِ والإنجيلِ والزَّبور والقُراَنِ العَظيم؟ \"\nقلتُ: بَلَى.\nقالَ: \"فَأَقرَأَنِي: (قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) و(قلْ أَعُوذ بِرَبِّ الْفَلَقِ)\nو(قل أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ) \"\nثُمَّ قالَ لِي: \"يا عقْبةُ، لا تنْسَهُن ولا تَبِتْ ليلة حَتَى تَقْرَأهُن\".\nوروى الترمذيُّ بعضَ هذا الحديثِ وحسَّنهُ، ورواه أحمد أيضًا بطولِهِ منْ طريقِ","vol":"2","page":661},{"text":"أُسيدِ بنِ عبدِ الرحمنِ الخثعميِّ عنْ فروةَ بنِ مجاهدٍ عنْ عقبةَ بنِ عامرٍ بِهِ.\nومنْهَا: أنَّ الدعاءَ بها مستجابٌ، ففي السنن الأربعةِ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ\nبريدةَ عنْ أبيهِ أنَّ النبيَّ - ﷺ - سَمِعَ رجلًا يصلِّي يَدْعُو يقولُ: اللهُمَّ إني أسألُك بأني أشهَدُ أن لا إله إلا أنتَ الأحَدُ الصّمدُ الذي لمْ يلدْ ولم يُولد، ولم يكن له كفوًا أحدٌ، قالَ:\n\"والذي نفْسي بيدِهِ لقدْ سألَهُ باسمِهِ الأعظمَ، الَّذِي إذا سُئِلَ به\nأعطى، وإذا دُعِيَ بهِ أجابَ \".\nوقال الترمذي: حسن غريب.\nوفي \"المسندِ\" عن محجنِ بنِ الأدرع أنَّ النبيَّ - ﷺ - دخلَ المسجدَ، فإذَا هو برجلٍ قدْ قَضَى صلاتَه وهوَ يتشهدُ وهُو يقولُ: اللهمَّ إنِّي أسألُكَ بأنّكَ الواحدُ الأحدُ الصّمدُ الَّذي لمْ يلدْ، ولمْ يولدْ، ولم يكنْ لهُ كُفُوًا أحدٌ، أن تغفرَ لي ذنوبِي إنَّكَ أنتَ الغفورُ الرحيمُ.\nفقالَ نبيُّ اللَّهِ - ﷺ - ثلاثَ مراتٍ: \"قدْ غُفِر لَهُ، قدْ غُفِر لَهُ، قَدْ غُفِر لَهُ \".\nوقدْ وردَ في تكرير قراءَتِها خمسينَ مرةً أو أكثرَ منْ ذلكَ، وعشرَ مراتٍ\nعقيبَ كُلِّ صلاةٍ أحاديثُ كثيرةٌ فيهَا ضعفٌ، وكذلكَ حديثُ معاويةَ بنِ\nمعاويةَ الليثيِّ خرَّجَهُ الطبرانيُّ، وأبو يَعْلى من طرقٍ كُلِّها ضعيفةٌ فلم\nنذكُرْهَا.\nوأمَّا سببُ نزولِهَا: ففي \"المسندِ\" والترمذي عنْ أبي سعيدٍ الصَّاغَاني","vol":"2","page":662},{"text":"محمدِ بنِ مبشرٍ عن أبي جعفرٍ الرازيّ عَنْ الربيع بنِ أنسٍ عنْ أبي العاليةَ عَنْ\nأبيِّ بنِ كعبٍ أنَّ المشركينَ قالُوا للنبيِّ - ﷺ -: انسبْ لنَا ربَّكَ يا محمدُ؛ فأنزل اللَّهُ: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ)\nورواه الترمذيُّ من طريق عبيد النله بن موسى، عن أبي جعفر عن الرَّبيع عن أبي العاليةِ مرسلًا. وقال: هذا أصحُّ من حديث أبي سعيد.\nورواه أبو يعْلَي الموصليُّ والطبرانيُّ وابن جرير من طريق شريح بن\nيونسَ عن إسماعيل بن مجالدٍ عن مجالدٍ عن الشعبيِّ عن جابر: أنَّ أعرابيا\nجاءَ إلى رسول اللَّهِ - ﷺ - فقال: انسبْ لنا ربَّكَ؟\nفأنزل (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) إلى آخرِهَا، ورُوِيَ مُرْسًلًا.\nوروى عبيدُ بنُ إسحاقَ العطَّارُ عنْ قيسِ بنِ الربيع عنْ عاصمٍ عنْ أبي\nوائلٍ عَن ابنِ مسعودٍ قال: قالتْ قُريشٌ لرسول اللَّهِ - ﷺ -: انسُبْ لنَا ربكَ فنزلتْ: (قُلْ هُوَ اللَهُ أَحَدٌ) قال الطبراني: ورواه الفريابيُّ وغيرُه عَنْ قيسٍ عنْ عاصم عنْ أبي وائلٍ مُرْسَلًا.\nوروى ابنُ أبي حاتم في \"تفسيرِه\": حدَّثنا أبو زرعةَ: ثنا العباس بنُ\nالوليدِة ثنا يزيدُ بنُ زريع: ثنا عليٌّ بنُ الحسينِ: ثنا أبو عبدِ اللَّهِ الحرشيّ: ثنا\nأبو خلفٍ عبدُ اللَّهِ بنِ عيسى: ثنا داودُ بنُ أبي هند، عنْ عكرمةَ، عنْ ابنِ\nعبَّاسٍ أنَّ اليهودَ جاءتْ إلى النبي - ﷺ - منهم حُييُّ بنُ أخطبَ وكعبُ بنُ الأشرفِ فقالُوا: يا محمدُ، صِفْ لنا الذي بَعَثَك؟\nفأنزل اللَّه: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ) فيخرجُ منه الولدُ، (وَلَمْ يُولَدْ) فيخرجُ مِنْ شيءٍ.","vol":"2","page":663},{"text":"وأما التفسيرُ:\nفقولُه: (قُلْ) هذا افتتاحٌ للسورةِ بالأمرِ بالقول، كما في المعوذتينِ وسورةِ\nالجنَ.\nوقدْ سُئلَ النبيُّ - ﷺ - عنِ المعوذتينِ فقال:\n\"قِيلَ لي فقلتُ \"\nوذلكَ إشارةٌ منهُ إلى أنَّه - ﷺ - مبلغٌ مَحْضٌ لِمَا يُوحَى إليه، ليسَ فيه تصرفٌ لِمَا أوحاهُ اللَهُ إليه بزيادة ولا نقصٍ، وإنَّما هُوَ مُبَلِّغٌ لكلامِ ربِّه كَمَا أوحاهُ إليهِ فإذا قالَ: (قلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) كانَ امتثالًا للقول الذي قيلَ لهُ بلفظِهِ لا بمعناهُ، و(هُوَ): اسمٌ مضمرٌ قيل إنَّه: ضميرُ الشأنِ، وقيل: لا.\nو(اللَّهُ أَحَدٌ) ن قيلَ: هو ضميرُ الشأنِ، فالجملةُ مبتدأ وخبرٌ.\nوإنْ قيلَ: لا، ففيه وجهانِ، أحدهما: أنَّ (هُوَ) مبتدأٌ، و(اللَّهُ أَحَدٌ) مبتدأ وخبرٌ، وهما خبرٌ للمبتدأ الأولِ، ولا حاجةَ فيه إلى رابطٍ لأنَّ الخبرَ هو المبتدأُ بعينِهِ.\nوالثاني: أنَّ (هُوَ) مبتدا و(اللَّهُ) خبرُه و(أَحَدٌ) بدل منه.\nو(أَحَدٌ): اسمٌ مِنْ أسماءِ اللَّه يُسمَّى اللَّهُ به، ولا يُسمَّى غيرُه من الأعيانِ\nفلا يسمَّى شيءٌ من الأشياءِ أحدًا في الإثباتِ إلا في الأعدادِ المطلقةِ.\nوإنما يُسمَّى به في النفْي وما أشبهَهُ من الاستفهامِ والنهيِّ، والشرطِ كقوله:\n(وَلَمْ يَكُن لَّه كفُوًا أَحَدٌ)، وقولِهِ: (هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ) .","vol":"2","page":664},{"text":"وقولِهِ: (فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)، وقوِلهِ: (وَإِنْ أَحَدٌ منَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ) ونحوه.\nوالأحدُ: هو الواحدُ في إلاهيته ورُبُوبيته، وفسَّرهُ أهلُ الكلامِ، بما لا\nيتجزأُ ولا ينقَسِمُ، فإنْ أُريدَ بذلكَ أنًّه ليسَ مؤلفًا مركَّبًا منْ أجزاءٍ متفرقة\nفصحيحٌ، أو أنَّه غيرُ قابلٍ للقسمةِ فصحيحٌ، وإنْ أُريدَ أنَّه لا يتميَزُ منه شيءٌ\nعن شيءٍ، وهو المرادُ بالمجسمِ عندهم فباطلٌ.\nقال ابنُ عقيلٍ: الذي يَصِحُّ من قولِنا معَ إثباتِ الصفاتِ أنه واحد في\nإلاهيتِهِ لا غيرُ.\nوالأحدُ هو الواحدُ. قالَ ابنُ الجوزيّ: قالَهُ ابنُ عباسٍ وأبو عبيدةَ، وفرَّقَ\nقومٌ بينهما.\nقال الخطابيُّ: الفرق بين الأحدِ والواحدِ: أنَّ \"الواحد\": هو المتفرد بذاته\nفلا يضاهيه أحد.\nو\"الأحدُ\": المنفردُ بصفاتِهِ ونعوتِهِ فلا يشاركُهُ فيها أحد.\nوقيلَ: بينهما فرق آخرُ، وهو أن الأحدَ في النفي نصٌ في العمومِ.\nبخلافِ الواحدِ فإنه محتملٌ للعمومِ وغيره، فتقولُ: ما في الدارِ أحدٌ، ولا\nيقالُ: بل اثنانِ، ويجوزُ أنْ يقالَ: ما في الدارِ واحدٌ، بل اثنانِ.\nوفرَّقَ بعضُ فقهاءِ الحنفيةِ بينهُما وقالَ: الأحديَةُ لا تحتملُ الجزئيةَ والعدديةَ\nبحالٍ.\nوالواحدُ يحتملُها لأنَّه يقالُ: مائةٌ واحدةٌ وألفٌ واحدة، ولا يُقالُ: مائةٌ\nأحدٌ ولا ألفٌ أحدٌ.","vol":"2","page":665},{"text":"وبُنيَ على ذلك مسألةُ محمدِ بنِ الحسنِ التي ذكرَهَا في \"الجامع الكبيرِ\":\nإذا كان لِرجلٍ أربعُ نسو فقالَ: واللَّهِ لا أقربُ واحدةً منْكُنَّ صارَ مُوليًا منهنَّ\nجميعًا، ولم يَجُزْ أن يقربَ واحدةً منهن إلا بكفارة، ولوْ قالَ: واللَّهِ لا أقربُ\nإحداكُن لم يصِر مُوليًا إلا منْ إحداهُنَّ والبيانُ إليهِ.\nوقال العسكريُّ: أصلُ أحدٍ أوحَدُ مثلُ أكبرِ، وإحْدى مثل كُبْرى، فلمَّا\nوقَعَا اسمينِ وكانا كثيرَي الاستعمالِ هرَبُوا إلى الكسرةِ ليخفَّ، وحذفُوا الواوَ\nليفرقُوا بين الاسم والصفةِ، وذلك أنَّ أوحدَ اسمٌ وأكبر منه.\nوالواحدُ فاعلٌ منْ وحَدَ يَحِدُ وهو واحدٌ مثل: وَعَدَ يَعِدُ فهو واعدٌ.\nسؤالٌ: قوله: (اللَّهُ أَحَدٌ) ولم يقل الأحد كما قال: (الصَّمَدُ)؟\nجوابه: أنَّ الصمدَ يُسمَّى به غيرُ اللَّهِ كما يأتِي ذكرُهُ، فأتى فيه بالألفِ\nواللامِ ليدلَّ على أنَّه - سبحانه - هو المستحقُ لكمالِ الصَّمَديّةِ، فإنَّ الألفَ\nواللام تأتي لاستغراقِ الجنسِ تارةَّ، ولاستغراقِ خصائصَ أخرى، كقولِهِ: زيدٌ هو الرجلُ أي: الكاملُ في صفاتِ الرجولةِ فكذلكَ قولُهُ: (اللَّهُ الصَّمَدُ) أى: الكاملُ في صفاتِ الصمديَّةِ.\nوأما الأحدُ فلم يَتَّسِمْ به غيرُ اللَّهِ فلمْ يحتجْ فيه إلى الألفِ واللامِ.\nقولُهُ: (اللَّهُ الصَّمَدُ) أعادَ الاسمَ المبتدأ تأكيدًا للجملةِ وخبرُة الصمدُ.\nوقيلَ: هو نعتٌ والخبرُ ما بعدَهُ.\nوالصمدُ: اختلفتْ عِباراتُ السَّلفِ في معناه، وهي متقاربة أو متفقةٌ\nوالمشهور منها قولان:\nأحدُهما: أنَّ الصمدَ هو السَّيدُ الذي تصْمُدُ إليه الخلقُ في حوائجِهِم","vol":"2","page":666},{"text":"ومطالبِهِم وهو مرويٌ عَنْ ابنِ عباسٍ وغيرِه من السلفِ.\nقالَ ابنُ الأنباريِّ: لا خلافَ بينَ أهلِ اللغةِ أنَّ الصمدَ: السيدُ الذي ليس\nفوقَه أحد، الذي يصمُدُ إليه الناسُ في حوائجِهِم وأمورِهِم.\nوقالَ الزَّجَّاجُ: هو الذي ينتهِي إليه السُّؤددُ، فقدْ صَمَدَ له كلُّ شيءٍ.\nأي: قصدَ قصْدَهُ.\nوأنشدُوا:\nلقدْ بكَّرَ النَّاعي بِخَيْرِ بني أسَدْ. . . بعمرِو بنِ مَسْعودٍ وبالسَّيدِ الصَّمَدْ\nوأنشدوا أيضًا:\nعَلَوْتُهُ بُحسامٍ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ. . . خُذْها حُذَيْفُ فأنتَ السيًدُ الصَمَدُ\nوفي \"تفسيرِ ابنِ أبي حاتمٍ \" بإسنادِهِ عن عكرمةَ عنِ ابنِ عباسٍ قال:\nالصمدُ: الذي تصمدُ إليه الأشياءُ إذا نزَلَ بهم كربةٌ، أو بلاء.\nوعن إبراهيمَ قال: الذي يَصْمُدُ إليه العبادُ في حوائجِهِم.\nوعنْ عليِّ بنِ أبي طلحةَ عنْ ابنِ عباسٍ، قالَ: الصمدُ: السيدُ الذي قدْ\nكَمُل في سؤدَدِهِ، والشَّرِيفُ الذي قدْ كَمُلَ في شرَفِهِ، والعظيمُ الذي قدْ كَمُلَ في عظمتِهِ، والحليمُ الذي قدْ كَمُلَ في حِلْمِهِ، والعليمُ الذي قد كَمُلَ في عِلْمِهِ، والحكيمُ الذي قدْ كَمُلَ في حكمتِهِ، وهو الذي قدْ كَمُلَ في أنواع\nالشرفِ والسُّؤددِ.\nوهو اللَّهُ - سبحانه - هذه صفتُهُ لا تنبغِي إلا له، ليس له كفوٌ وليسَ كمثلِهِ شيءٌ، سبحان اللَّهِ الواحدِ القهارِ.\nوالقولُ الثاني: أنَّ الصمدَ الذي لا جوفَ له، وأنَّه الذي لا يأكلُ ولا يشربُ","vol":"2","page":667},{"text":"والذي لا حشوَ له، وأنَّه الذي لا يدْخلُ فيه شيءٌ، ولا يخرجُ منه شيءٌ.\nونحوُ هذه العباراتِ المتقاربةِ في المعنى.\nورُوي ذلك عنْ ابنِ مسعودٍ، وقدْ سبقَ في حديثِ أبي هريرةَ المذكورِ في أوَّلِ تفسيرِ السورةِ:\nوالصمدُ الذي ليسَ بأجوفَ.\nوروى ابنُ جريرٍ وابنُ أبي حاتمٍ منْ طريقِ عبيدِ اللَّهِ بنِ سعيدٍ - قائد\nالأعمشِ -: حدَّثني صالحُ بنُ حيانَ عنْ عبدِ اللَّهِ بنِ بريدةَ عنْ أبيه، قال: لا\nأعلمُ إلا أنَّه قدْ رفعَهُ: قال: \"الصمد: الذي لا جوفَ له \".\nوعنْ أبي عبدِ الرحمنِ السُّلَمِيِّ عنْ ابنِ مسعودِ قال: الصمدُ ليسَ له\nحشاء.\nورُوي عن ابن عباسِ أيضًا وعكرمةَ: الصمدُ الذي لا يَطْعَمُ.\nوعنه: الصمدُ: الذي لم يخرجْ منه شيءٌ.\nوعنِ الشعبيِّ: الصمدُ: الذي لا يأكلُ ولا يشربُ.\nوعنْ مجاهد: هو المصْمَتُ الذي لا جوفَ له.\nوقال طائفةٌ: الصمدُ: الذي لم يلدْ ولم يُولدْ، كأنَّهم جَعَلُوا ما بعدَهُ\nتفسيرًا له، وهو مما تقدَّم أنَّه الذي لم يَنْفَصِلْ منه شيء.\nورويَ ذلك عن أبيّ بنِ كعبٍ والربيع بنِ أنسٍ.\nوتوجيهُ ذلك: الولادةُ والتوليدُ إنما يكونُ من أصلينِ، وما كانَ عينًا قائمًا\nبنفسه منَ المتولداتِ فلا بدَّ له من مادهِ يخرجُ منها، وما كانَ عرَضًا قائِمًا\nبغير فلا بذَ له منْ محل يقومُ به، فالأولُ: نفاهُ بقولِهِ: \"أحدٌ\" فإنَّ الأحدَ هو","vol":"2","page":668},{"text":"الذي لا كفوَ له ولا نظيرَ فيمتنعُ أنْ يكونَ له صاحبة.\nوالتولُّدُ إنَّما يكونُ بين شيئينِ، وكونُه تعالى أحَدًا، ليسَ أحدٌ كفوًا له\nيستلزمُ أنَّه لم يلدْ ولم يولدْ، لأنَّ الوالدَ والولدَ متماثلانِ متكافئانِ، وهو\nتعالى أحد لا كفوَ له.\nوأيضًا فالتولُّد يحتاجُ إلى زوجة وهي مكافئةٌ لزوجِهَا مِنْ وجهٍ، وذلك\nأيضًا ممتنعٌ.\nولهذا قال تعالى: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ) .\nوقد فَسَّر مجاهدٌ \"الكفوَ\" هَاهُنا بالصَّاحبةِ.\nوأما الثاني؛ وهو: انفصالُ المادة فنفاهُ - سبحانه - بأنَّه الصمدُ، وهُوَ المتولدُ مِنْ أصلينِ، ربما يتكونُ منْ جزئينِ يَنْفصلانِ منْ الأصلينِ، كتولُّدِ الحيوانِ منْ أبيه وأمِّه بالمنيِّ الذي ينفصلُ منهُما، وكالنَّارِ المتولدةِ منْ بينِ الزِّندينِ سواءٌ كانا خشبينِ أو حجَرَينِ أو حَجَرًا وحديدًا.\nوهو - سبحانه - صمد لا يخرجُ منهُ شيءٌ منفصل عنه.\nوالحيوانُ نوعانِ: متوالدٌ: وهوَ ما ولَدُهُ منْ جنسِهِ، وهو الإنسانُ وما يُخلقُ\nمنْ أبوينِ منَ البهائم والطيرِ وغيرِهِما.\nومتولِّدٌ: وهوَ ما يُخْلَقُ منْ غيرِ جنسِهِ كدودِ الفاكِهَةِ والخلِّ، وكالقَمْلِ\nالمتولدِ من الوَسَخ، والفارِ والبراغيثِ وغيرِ ذلكَ ممَّا يُخلَق منَ التَّرابِ والماء.\nوإنَّما يتولدُ منْ أصلينِ أيْضًا كما خُلِقَ آدمُ من ترابٍ وماء.\nوإلا فالترابُ المحضُ الذي لم يَخْتَلِطْ به ما لا يُخلقُّ مَنه شيءٌ لا حيوانَ\nولا نباتَ، والنباتُ جميعُه إنَّما يتولدُ منْ أصلينِ أيْضًا.","vol":"2","page":669},{"text":"والمسيحُ - ﵇ - خُلِقَ من مريمَ ونفخة جبريلَ، وهيَ حملتْ به\nكمَا تحملُ النساءُ وولدتْه، فلِهَذا يقالُ لهُ: ابنُ مريمَ، بخلافِ حواءَ فإنَّها\nخُلِقَتْ من ضِلْع آدمَ، فلا يُقالُ: إنَّه أبوهَا ولا هيَ ولدُهُ.\nوكذلك سائرُ المتولداتِ من غيرِهِما.\nكما أنَّ آدمَ لا يُقالُ: إنَّه ولدُ الترابِ ولا الطينِ، والمتولِّدُ منْ جنسِهِ أكملُ\nمن المتولدِ من غيرِ جنْسِهِ، ولهذا كان خلقُ آدمَ أعجبَ منْ خَلْقِ أولادِهِ.\nفإذا نُزِّهَ الربُّ عنِ المادةِ العَلَقِ وهيَ التولدُ منْ النظيرِ، فتنزُّهُهُ عن تولدِهِ\nمن غيرِ نظيرٍ أولى، كما أنَّ تنزيهَهُ عنِ الكفوِ تنزيهٌ له عنْ أنْ يكونَ غيرُهُ\nأفضلَ منه بطريقِ الأولى.\nفتبيَّنَ أنَّ ما يُقالُ: إنَّه متولدٌ من غيره منَ الأعْيانِ القائمة بنفسِهَا لا يكونُ\nإلا منْ مادةٍ تخرجُ منْ ذلكَ الوالدِ، ولا تكونُ إلا منْ أصلينِ، والربُّ تعالى\nصمَدٌ، فيمتنعُ أنْ يخرجَ منه شيءٌ وهو - سبحانه - لمْ يكنْ له صاحبةٌ فيمتنعْ\nأن يكونَ له ولدٌ.\nوأمَّا تولدُ الأعْراضِ كتولدِ الشعاع، وتولدِ العِلْم عنِ الفكرةِ والشبع عنِ\nالأكْلِ، والحرارةِ عن الحركةِ ونحوِ ذلك.\nفهذا ليسَ من تولدِ الأعْيانِ معَ أنَّ هذا لا بدَّ لهُ منْ محل، ولا بدَّ له من\nأصلينِ كالشعاع فإنَّه يحتاجُ إلى محاذَاةِ جسم نُوريٍّ لجسمٍ آخرَ يقابلُهُ فينعكِسُ\nعليه شعاعُهُ.\nفقد تَضَمَّنتْ هذه السورةُ العظيمةُ نفْيَ نوعينِ عنِ اللَّهِ تعالى:\nأحدُهُما: المماثلةُ، ودلَّ على نفيهَا قولُهُ تعالى: (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)","vol":"2","page":670},{"text":"مع دلالةِ قولِهِ: (قلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) على ذلكَ، لأنَّ أحَدِيتهُ تقتضِي أنَّه متفردٌ\nبذاتِه، وصفاتِهِ، فلا يشاركُهُ في ذلكَ أحدٌ.\nوالثاني: نفْيُ النقائصِ والعيوبِ،، وقد نفَى منها التولُّدَ منَ الطرفينِ.\nوتضَمَّنتْ إثباتَ جميعَ صفاتِ الكمالِ بإثباتِ الأحديّةِ، فالصمديّةُ تُثبتُ\nالكمالَ المنافيَ للنقائصِ، والأحديّةُ تُثْبِتُ الانفرادَ بذلك. فإنَّ الأحديةَ تَقْتضِي\nانفرادَهُ بصفاتِهِ وامتيازَهُ عَنْ خَلْقِهِ بذاتِهِ وصفاتِهِ، والصمديةُ إثباتُ جميع\nصفاتِ الكمالِ ودوامِهَا وقِدَمِهَا، فإنَّ السيدَ الذي يُصْمَدُ إليه لا يكونُ إلا\nمُتَّصِفًا بجميع صفاتِ الكمالِ الَّتي استحقَّ لأجْلِهَا أنْ يكونَ صَمَدًا، وأنَّه لمْ\nيزلْ كذلك ولا يزالُ، فإنَّ صمديتَهُ مِنْ لوازمِ ذاتهِ لا تنفكُّ عنهُ بحالٍ.\nومنْ هُنا فُسِّر الصمدُ بالسيدِ الذي قَدْ انتهى سؤُددُه، وفَسَّرَهُ عكرمةُ: بالذي لَيْسَ فوقَهُ أحدٌ.\nورُويَ عَنْ عليٍّ وعنْ كَعْبٍ أَنَّه: الَّذي لا يكافِئُه أحدٌ في خَلْقِهِ.\nوعنْ أبي هريرةَ قالَ: هو المُسْتَغِني عَنْ كُلِّ أَحَدٍ، المحتاجُ إليه كُلُّ أحدٍ.\nوعنْ سعيدِ بن جبيرٍ قالَ: هو الكاملُ في جميع صفاتِهِ وأفعالِهِ.\nوعَنِ الربيع قالَ: هوَ الذي لا تعْتريهِ الآفاتُ.\nوعنْ مقاتلِ بنِ حيانَ قالَ: هوَ الذي لا عَيْبَ فِيهِ.\nوعنْ ابنِ كيسانَ: هوَ الذي لا يُوصفُ بصفَتِهِ أحدٌ.\nوعنْ قتادةَ: الصمدُ: البَاقِي بَعْدَ خَلقِه، وعَنْ مجاهدٍ ومَعْمَرٍ: هُوَ الدائمُ.\nوعَنْ مُرَّةَ الهمدانيِّ: هوَ الَّذي لا يَبْلى ولا يَفْنى.","vol":"2","page":671},{"text":"وعنه أيضًا: هو الذي يحكمُ ما يريدُ، ويفعلُ ما يشاءُ؛ لا مُعَقِّبَ لحكمِهِ\nولا رادَّ لقضائِهِ.\nفقد تَضَمَّنَتْ هذه السورةُْ العظيمةُ إثباتَ صفاتِ الكمالِ، ونفيَ النقائصِ\nوالعيوب مِنْ خصائصِ المخلوقينَ مِنْ التولدِ والمماثلةِ.\nوإذا كانَ منزَّهًا عنْ أنْ يخرجَ منهُ مادةُ الولدِ الَّتي هي أشرفُ الموادِ فَلأنْ نُزِّهَ\nعَنْ خروج مادةِ غَيرِ الولدِ أوْلَى.\nوكذلكَ تنزيهُهُ نفسَهُ عَنْ أنْ يُولَدَ فلا يكونُ مِنْ مثلِهِ تنزيهٌ لهُ عنْ أنْ يكونَ\nمِنْ سائرِ الموادِ بطريقِ الأوْلَى.\nفمنْ أثبتَ للَّهِ ولدًا فقدْ شَتَمهُ وقدْ ثبتَ في \"صحيح البخاريّ \" عنْ أبي\nهريرةَ عنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"يقولُ اللَهُ - ﷿ - كذبني ابنُ آدمَ ولم يكنْ له ذلكَ، وشَتَمني ولم يكنْ لهُ ذلكَ، فأمَّا تكذيبُهُ إيايَ فقولُه: لن يُعيدَني كما بدأني وليسَ أولُ الخلق بأهَونَ علي من إعادته، وأمَّا شَتمُهُ إيايَ فقوله: اتَخذ الله ولدًا، وأنا الأحدُ الصمدُ.\nلم أَلِدْ ولم أُولَدْ ولم يكن لي كُفوًا أحد\".\nوفي \"صحيح البخاري \" أيضًا عن ابنِ عبَّاسٍ عَنِ النبيِّ - ﷺ - قالَ: \"قالَ اللَّهُ ﷿: كذبني ابنُ آدمَ وَلَم يكنْ له ذلكَ، وشتمني ولم يكنْ لَه ذلك، فأمَّا تكذيبُهُ إيايَ فزعَم أتي لا أقدِرُ أن أعيدَهُ كما كان، وأمَّا شتمهُ إيايَ فقوله: لي ولد، فسُبحاني أن أتَّخذَ صاحبة أو وَلدًا!.\nوقد ردَّ اللَّهُ علَى منْ زعمَ أنَّه لا يعيدُ الخلقَ، وعلَى منْ زعمَ أنَّ لهُ ولدًا","vol":"2","page":672},{"text":"كما تَضَمَّنهُ هذا الحديثُ في قولهِ: (وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوفَ أُخْرَجُ حَيًّا)، إلى قوله: (لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) .\nوفي \"صحيح البخاريَ \" أيضًا عن النبيِّ - ﷺ - قالَ:\n\"لا أحَدَ أصبرُ على أذىً سمعهُ مِنَ اللَّه، إنَهُم يجعلونَ لهُ ولَدًا وهو يرزقُهُم ويُعافِيهم \".\nفهذه السورةُ الكريمةُ تَضَمَّنتْ نَفْيَ مَا هوَ من خصائصِ آلهةِ المشركين عنْ\nرب العالمينَ؛ حيثُ جاءَ في سببِ النزول أنَّهُم سالُوا النبيَّ - ﷺ - عنْ ربِّه منْ أيّ شيءٍ هوَ؟ أمِنْ كذا، أم من كَذَا؟ أو ممَن وَرِثَ الدنيا؛ ولمن يُوَرَثُها؛ حيثُ كانوا قد اعتادُوا آلهةً يلدونَ، ويولدونَ، ويرِثُون ويُوَرّثونَ، وآلهةً من مواد مصنوعةٍ منها، فأنزل اللَهُ هذه السورةَ.\nوفي \"المسندِ\" من حديثِ أبيِّ بنِ كعبٍ بعدَ ذكرِ نزولهِا: لأنَّه ليسَ أحدٌ\nيولدُ لا يموتُ ولا أحدٌ يرِثُ إلا يُورَث، يقولُ: كل مَنْ عُبِدَ منْ دونِ اللَّهِ وقدْ وُلد مثلُ المسيح والعزيرِ وغيرِهما من الصالحينَ، ومثلُ الفراعنةِ المدعين\nالإلهية، فهذا مولودٌ يموت وهو وإنْ كانَ قد ورثَ من غيرِه ما هو فيه فإذا\nماتَ وَرِثَهُ غيرُه واللَّه سبحانه حيٌّ لا يموتُ ولا يُورَثُ ﷾، واللَّهُ\nأعلمُ.\nسؤالٌ: نفى سبحانهُ الولادةَ قبلَ نفي التولدِ، والتولد أسبقُ وقوعًا من\nالولادِ في حقِّ مَنْ هو متولدٌ؟\nوجوابه: أنَّ الولادةَ لم يَدَّعها أحد في حقِّه سبحانه وإنَّما ادّعَوا أنَّه وَلَدَ.\nفلذلكَ قَدَّم نفيَه لأنَّه المهمُّ المحتاجُ إلى نَفْيِهِ.","vol":"2","page":673},{"text":"سؤالٌ آخرُ: كيفَ نَفَى أنْ يكونَ مولودًا ولم يعتقدْه أحَد؟\nجوابُهُ: مِنْ وجهينِ، أحدُهُما: أَنَّهم سألوا عَمن وَرِثَ الدنيا ولِمنَ يورِّثُها.\nوهذا يُشعرُ بأن منهُم منْ اعتقدَ ذلكَ.\nوالثاني: أنه نفى عَنْ نفسِهِ سبحانه خصائصَ آلهةِ المشركينَ فإنَّ منْهمُ مَنْ\nعبدَ المسيحَ، ومنْهُم منْ عبَدَ العزيرَ وهُمَا مولودانِ، ومنْهُم مَنْ عبدَ الملائكةَ\nوالعجلَ وهيَ متولدات، وقد تقدَّم أن نفيَ الولادةِ تدلُّ علَى نفي المتولدِ بطريقِ الأَوْلى.\nفائدةٌ: قالَ ابنُ عطيةَ: (كفُوًا) خبرُ كانَ، واسمُهَا (أَحَدٌ)، والظرفُ\nمَلغي، وسيبويه يستحسن أنْ يكونَ الظرفُ إذا تقدَّم خبرًا.\nولكنْ قَدْ يجيءُ مُلْغى فى أماكنَ يقتَضِيَها المعنى كهذِهِ الآيةِ، وكقولِ\nالشاعرِ أنشدَهُ سيبويه:\nما دامَ فيهنَّ فَصِيلٌ حيًّا\nويُحتملُ أن يكونَ: (كفوًا) حالًا لما قُدِّمَ مِنْ كونِهِ وصفًا للنكرةِ كَمَا قالَ\nكثير لعزَّةَ:\nلميةَ موحِشًا طَلَلُ\nقالَ سيبويه: وهذا نَقْل في الكلامِ وبابُهُ الشِّعرُ.\nفهذه السورةُ تتضمنُ انفرادَهُ ووحدانيتَهُ، وائه منقطعُ النظيرِ، وأنَّهُ إنما نُزِّهَ\nعن أنْ يكونَ من أجناسِ المخلوقاتِ، لأنَّ أفرادَ كُل جنسٍ مِنْ هذهِ الأجناسِ\nمتكافئة مماثلة، فالذهبُ يكافئُ الذهبَ، والإنسانُ يكافئُ الإنسانَ ويزاوجُهُ.\nولهذا قالَ تعالَى: (وَمِن كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ)، فمَا مِنْ مخلوقٍ","vol":"2","page":674},{"text":"إلا وله كفؤ، هو زوجُهُ، ونظيرُهُ، وعدلُهُ، ومثيلُهُ، فلوْ كانَ الحقُّ مِنْ جنسِ\nشيءٍ منْ هذهِ الأجناسِ لكانَ له كفوٌ وعدلٌ، وقدْ عُلِمَ انتفاؤُهُ بالشرع\nوالعقلِ.\nفهذه السورةُ هِيَ نسبُ الرحمنِ وصفتُه، وهيَ التي أنزلَهَا اللَهُ في نفي مَا\nأضافَ إليه المبطلونَ من تمثيل، وتجسيم، وإثباتِ أصل وفرع، فدخَلَ فيها ما\nيقولُه مَنْ يقولُ من المشركينَ، والصابئةِ، وأهلِ الكتابِ، ومن دخلَ فيهم من منافِقِي هذهِ الأمةِ من تولدِ الملائكةِ أوِ العقولِ، أوِ النفوسِ، أوِ بعضِ الأنبياءِ، أو غيرِ الأنبياءِ.\nودخلَ فيها ما يقولُه مَنْ يقولُ من المشركينَ وأهلِ الكتابِ من تولدِهِ عن\nغيرِه كالذينَ قالُوا في المسيح: إنَّه اللَهُ، والذينَ يقولونَ في الدجالِ: إنَهُ اللَّهُ، والذين يقولون ذلك في عليٍّ وغيرِه.\nودخلَ ما يقولُه من يقولُ من المشركينَ وأهلِ الكتابِ من إثباتِ كفوٍ له في\nشيءٍ من الأشياءِ، مثل من يجعلُ له بتشبيهِهِ، أو بِتَجْسيمِهِ، كفوًا له أو يجعلُ\nلَهُ بعبادةِ غيرِه كُفؤا، أو يجعلُ لَهُ بإضافةِ بعضِ خلقِهِ إلى غيرِه كُفوًا فلا كفوَ\nلهُ في شيءٍ من صفاتِهِ، ولا في ربوبيتِهِ ولا في إلاهيته.\nفتضمنتْ هذه السورةُ تنزيهُهُ، وتقديسُهُ، عَنِ الأصولِ والفروع، والنظراءِ.\nوالأمثالِ.\nوليسَ في المخلوقاتِ شيءٌ ألا ولا بدَّ أنْ يُنسبَ إلى بعضِ هذه الأعيانِ\nوالمعانِي، فالحيوانُ من الآدمي وغيرِه لا بدَّ أنْ يكونَ له إما والد، وإمًّا مولودٌ، وإمَّا نظيرٌ هو كفؤُه، وكذلك الجنُّ، والملائكةُ، كما قالَ تعالى:","vol":"2","page":675},{"text":"(وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكرُونَ) .\nقالَ بعضُ السلفِ: (لَعَلَّكُمْ تَذَكرُونَ) فتعلمونَ أنَّ خالقَ الأزواج واحدٌ.\nقالَ تعالَى: (وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ)، قالَ مجاهد: كلّ شيءٍ خلَقهُ اللَّهُ فهو\nشفع قالَ تعالَى: (وَمِن كُلِّ شَيْء خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكرُونَ) .\nالكفرُ والإيمانُ، والهدى والضلالة، والشقاوةُ والسعادةُ، والليلُ والنهارُ.\nوالسماءُ والأرْضُ، والبر والبحر، والشمسُ والقمرُ، والجنّ والإنسُ، والوترُ اللَّهُ ﵎.\nوهو الذي ذكرهُ البخاريُّ في \"صحيحِهِ \" فإته يعتمدُ قولَ مجاهدٍ لأنَّه أصَح\nالتفسيرِ، قالَ الثوريُّ: إذا جاءَكَ التفسيرُ عَنْ مُجاهدٍ فحسبُكَ به، واختارَهُ\nالشيخُ مجدُ الدينِ ابنِ تيميةَ.\nوحقيقةُ الكفؤ: هُوَ المُسَاوِي والمُقَاومُ، فلا كفوَ لَهُ تعالَى في ذاتِهِ، ولا في\nصِفَاتِهِ، ولا في أسمائِهِ، ولا في أفعالِهِ، ولا في ربوبيتِه، ولا فِي إلاهيتهِ.\nولهذا كانَ الإيمانُ بالقدرِ نظامَ التوحيدِ، كَمَا قالَ ابنُ عبًّاسٍ، لأنَّ القدريةَ\nجعلُوا له كُفُوًا في الخلقِ.\nوأمَّا توحيدُ الإلَهيةِ فالشركُ فيهِ تارة يوجبُ الكفرَ والخروجَ مِنَ الملةِ.\nوالخلودَ في النارِ، ومنهُ مَا هُو أصغرُ كالحلفِ بغيرِ اللَّهِ والنذرِ لهُ، وخشيةِ غيرِ اللَّهِ ورجائِهِ والتوكلِ عليهِ والذلِّ لَهُ وقولِ القائلِ: ما شاءَ اللَّهُ وشئْتَ.\nومنهُ ابتغاءُ الرزق مِنْ عندِ غيرِ اللَّه، وحَمْدُ غيره علَى ما أعْطَى، والغنيةُ\nبذلكَ عَنْ حمدِهِ، ومنهُ العملُ لغيرِ اللَهِ وهو الرياءُ، وهوَ أقسام.\nولهذا حرَّم التَّشَبهَ بأفْعَالِهِ بالتصويرِ، وحرَّم التسمي بأسمَائِهِ المختصةِ به","vol":"2","page":676},{"text":"كاللَّهِ والرحمنِ والرَّبِّ.\nوإنما يجوزُ التسميةُ بِهِ مُضَافًا إلى غَيرِ مَنْ يعقلُ، وكذلك الجبَّارُ والمتكبرُ\nوالقهارُ ونحوُ ذلكَ كالخلاقِ والرزَّاقِ والدائم، ومنه ملكُ الملوكِ، وقدْ جَعلَ\nابنُ عقيلٍ التسميةَ بهذا مكروهَةً.\nقال ابنُ عقيلِ: كُل ما انفردَ بِهِ اللَهُ - ﷿ -: \"اللَّه \" و\"رحمنِ \" و\"خالقٍ \" لا يجوزُ التَّسمي بِهِ، وكلَّما وُجِدَ معنَاهُ في الآدَمِي فإنْ كانَ يوجدُ تكبرًا، كالملكِ العظيم والأعظم، وملكِ الملوكِ والجبارِ فمكروهٌ، والصوابُ الجزمُ بتحريمِهِ.\nفأمَّا مَا يتسمَّى بِهِ المخلوقونَ مِنْ أسمائِهِ كالسميع والبصيرِ والقديرِ والعليم\nوالرحيم، فإن الإضافةَ قاطعةُ الشركةَ، وكذلكَ الوصفيةُ، فقولنا: زيدٌ سميع\nبصيرٌ لا يُفيدُ إلا صفةَ المخلوقِ وقولُنا: اللَّهُ سميع بصير يفيدُ صفتَهُ اللائقةَ\nبِهِ، فانقطعتْ المشابهة بوجْهٍ من الوجوهِ، ولهذا قالَ تعالى: (هَلْ تَعْلَمُ لَهُ\nسمِيًّا) .\nوفيه قولان: أحدُهُما: نَفْيُ التسميةِ.\nوالثاني: نَفْىُ المساواةِ وقدْ نَفَى سبحانه عن نفسهِ المثلية بقولِهِ:\n(لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)، ونفى عنه العدلَ والتسويةَ بقولِهِ:\n(ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ)، وقولِهِ: (قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) . ونَفَى عنه النِّدَ بقولِهِ: (فَلا تَجْعَلُوا لِلًهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) .\nوقولِهِ: (أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا) .","vol":"2","page":677},{"text":"وفي الحديثِ: أيُّ الذّنبِ أعظمُ؟\nقالَ: \"أن تَجعل للهِ ندًّا وَهُوَ خلقكَ \".\nوقالَ للذي قالَ لهُ: ما شاءَ اللَّه وشئتَ: \"أجعلتني للَّه ندًّا؟ \".\nوفي رواية: \"أَجعلتني للَّه عدلًا\".\nوقالَ كعب: السماواتُ السبعُ، والأرضونَ السبعُ، أُسسَت عَلَى هذه\nالسورةِ (قُلْ هُوَ اللَّه أَحَدٌ) .\nومعنى هذا - واللَّهُ أعلمُ - أن السماواتِ، والأرضَ، إنما خلقتْ بالحقِ.\nوالعدلِ، والتوحيدِ؛ كمَا قالَ: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) .\nومِنْ شعرِ أميةَ بنِ أبي الصلتِ:\nوسبحانَ ربيِّ خالقِ النورِ لم يَلد. . . ولم يكُ مُولُودًا بذلكَ أشهَد\nوسبحانَهُ مِنْ كُلِّ إفكٍ وباطلٍ. . . وكيفَ يلدْ ذو العرشِ أمْ كيفَ يُولَد\nهو اللَّهُ بارِئُ الخلقِ والخلقُ كُلُّهم. . . إِمَاءٌ لَهُ طَوْعًا جميعًا وأَعْبَد\nهو الصمدُ اللَهُ الذي لَمْ يكنْ لَهُ. . . مِنَ الخلقِ كفوٌ قَدْ يُضَاهِيه مخلد\nوأنَّى يكونُ الخلقُ كالخالقِ الَّذي. . . يدومُ ويَبْقَى والخليقة تَنْفَد\nوليسَ بمخلوق على الدَّهْرِ جده. . . ومَنْ ذا عَلَى مَرِّ الحوادثِ يَخْلُد\nوَتفْنَى ولا يبْقَى سِوى القاهرِ الَّذي. . . يُميتُ ويُحيي دائِبًا ليس يَمْهَد.\n* * *\nآخرُه والحمدُ للَّهِ ربِّ العالمينَ.","vol":"2","page":678}]}