{"ً":{"ٌ":10500,"ٍ":"الحدود والتعزيرات عند ابن القيم","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"بحوث ومسائل/الحدود والتعزيرات عند ابن القيم - أبو زيد - ط العاصمة","files":["13844.pdf"]},"ّ":"الكتاب: الحدود والتعزيرات عند ابن القيم\nالمؤلف: بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبد الله بن بكر بن عثمان بن يحيى بن غيهب بن محمد (المتوفى: ١٤٢٩هـ)\nالناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع\nالطبعة: الثانية ١٤١٥ هـ\nعدد الصفحات: ٥٠٨\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"[الحدود والتعزيرات عند ابن القيم - بكر أبو زيد]\n\nيقول المؤلف - ﵀ - في مقدمة كتابه:\nلابن القيم رحمه الله تعالى مباحث عزيزة المطلب: في الحدود والتعزيرات منتشرة في أربعة عشر كتابًا من مؤلفاته (١) عالجها من ناحيتين:\nأولاهما: من ناحية حكمتها وأسرارها التشريعية.\nوالثانية: من ناحية أحكامها الفقهية.\nوقد أولى ذلك عناية فائقة، وبسط الكلام في الكثير منها أشد البسط فنالت من تحقيقاته وآرائه وتحريراته: النصيب الأوفى والحظ الأوفر. وحسبي في هذه الدراسة أن أتناول ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في هذه الجزئية من مباحثه بالدراسة\nوالتحقيق والموازنة والترجيح بين رأيه وغيره من المذاهب. مبينًا ما التقى فيها مع غيره وما انفرد به عن المذاهب الفقهية المشهورة: الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة.\nوبذلك تبرز مكانته العلمية بجلاء.\n_________\n(١) هي:\n١- أحكام أهل الذمة\n٢- أعلام الموقعين عن رب العالمين\n٣- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان\n٤- إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان\n٥- بدائع الفوائد\n٦- تهذيب سنن أبي داوود\n٧- الداء والدواء\n٨- روضة المحبين ونزهة المشتاقين\n٩- الروح\n١٠- زاد المعاد في هدى خير العباد\n١١- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين\n١٣- مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة\n١٣- المنار المنيف في الصحيح والضعيف\n١٤- الوابل الصيب في الكلم الطيب.","ٓ":"1.0","ٔ":145,"ٕ":19,"ٖ":1770154043,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"موضوع البحث","level":1,"page":4},{"title":"بيان الكتب التي بحث ابن القيم فيها: الحدود والتعازير (ت)","level":2,"page":4},{"title":"دوافع البحث","level":2,"page":5},{"title":"التنبيه على أن لفظ: شخصية، محدث (ت) .","level":2,"page":5},{"title":"تسمية الرسالة. وشرحها.","level":2,"page":7},{"title":"الفرق بين الخلاف والاختلاف (ت) .","level":2,"page":9},{"title":"التنديد بالألفاظ الدخيلة والغريبة.","level":2,"page":10},{"title":"أول من وضع عم خلاف الفقهاء (ت) .","level":2,"page":10},{"title":"مسلك البحث الإجمالي","level":2,"page":12},{"title":"المسلك التفصيلي","level":2,"page":14},{"title":"خطوات العرض والدراسة في هذين المسلكين:","level":2,"page":15},{"title":"كتاب الحدود","level":1,"page":17},{"title":"توطئة","level":2,"page":18},{"title":"توطئة في تعريف الحد على اللسانين اللغة والشرع","level":3,"page":18},{"title":"الحد لغة.","level":3,"page":18},{"title":"لماذا سميت العقوبات المقدرة حدودا.","level":3,"page":19},{"title":"الحد اصطلاحا. وشرحه.","level":3,"page":20},{"title":"موقف ابن القيم من تعريف الحد","level":3,"page":21},{"title":"اصطلاحات","level":3,"page":21},{"title":"المبحث الأول: في آثار المعاصي شرعا وقدرا","level":2,"page":25},{"title":"المبحث الثاني: في حكم إقامة الحد بدار الحرب","level":2,"page":35},{"title":"اختياره رحمه الله تعالى","level":3,"page":35},{"title":"سلفه في تقرير هذا الاختيار","level":3,"page":35},{"title":"أدلته: مع التحرير والمناقشة.","level":3,"page":38},{"title":"استدلاله من السنة","level":3,"page":38},{"title":"المناقشة لحديث النهي عن القطع في الغزو","level":3,"page":41},{"title":"استدلاله بالأثر مع المناقشة","level":3,"page":48},{"title":"استدلاله بالإجماع","level":3,"page":53},{"title":"استدلاله بقياس الأولى","level":3,"page":53},{"title":"استدلاله بقصة أبي محجن ﵁","level":3,"page":55},{"title":"مسلك الموازنة","level":3,"page":57},{"title":"مذهب الحنفية. مع سياق أدلته ومناقشتها.","level":3,"page":57},{"title":"مذهب المالكية. مع التدليل والمناقشة.","level":3,"page":62},{"title":"مذهب الشافعية. وبيان الاختلاف في حكايته","level":3,"page":63},{"title":"الترجيح","level":3,"page":63},{"title":"المبحث الثالث: في تأخير الحد لعارض","level":2,"page":64},{"title":"اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى","level":3,"page":64},{"title":"دليله مع بيان وجهه","level":3,"page":65},{"title":"تقسيم العوارض الموجبة للتأخير","level":3,"page":66},{"title":"المبحث الرابع: إقامة الحد بالقرينة الظاهرة","level":2,"page":66},{"title":"المبحث الخامس: أثر التوبة في الحدود","level":2,"page":67},{"title":"إذا كانت التوبة بعد القدرة فلا تسقط الحد اتفاقا","level":3,"page":68},{"title":"إذا كانت التوبة قبل القدرة فعلى قسمين وبيانهما","level":3,"page":68},{"title":"بيان محل الاتفاق والتدليل عليه","level":3,"page":68},{"title":"بيان محل الخلاف","level":3,"page":69},{"title":"ذكر اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى","level":3,"page":69},{"title":"القول الأول. وأدلته","level":3,"page":69},{"title":"استدلاله بحديث أنس ﵁","level":3,"page":70},{"title":"بيان مسالك العلماء ﵃ في الجواب عنه مع المناقشة والترجيح","level":3,"page":71},{"title":"استدلاله بحديث المغيث. مع بيان وجه دلالته.","level":3,"page":76},{"title":"استدلاله بحديث ابن مسعود مع بيان وجه دلالته.","level":3,"page":77},{"title":"استدلاله بقياس الأولى.","level":3,"page":78},{"title":"القول الثاني، مع بياق أدلته ومناقشتها","level":3,"page":80},{"title":"الترجيح والاختيار","level":3,"page":81},{"title":"باب حد الزنى","level":1,"page":82},{"title":"توطئة","level":2,"page":83},{"title":"تعريف الزنى لغة وشرعا","level":3,"page":83},{"title":"تعريفه لغة. مع بيان معانيه","level":3,"page":83},{"title":"تعريفه اصطلاحا. في المذاهب الأربعة","level":3,"page":85},{"title":"التعريف المختار","level":3,"page":87},{"title":"المبحث الأول: في الاعتراض على عقوبة الزنى ورده","level":2,"page":90},{"title":"المبحث الثاني: حكمة التشريع في تحريم الزنى مع بيان مفاسده","level":2,"page":93},{"title":"المبحث الثالث: في سد الذرائع الموصلة إلى الزنى. بذكر عشرة وجوه منها","level":2,"page":99},{"title":"المبحث الرابع: خصائص حد الزنى. وهي ثلاثة","level":2,"page":107},{"title":"المبحث الخامس: حكمة تحصين الرجل بالحرة دون الأمة","level":2,"page":110},{"title":"المبحث السادس: في اشتراط الإسلام في الإحصان","level":2,"page":111},{"title":"اختيار ابن القيم عدم الاشتراط","level":3,"page":112},{"title":"القول الأول: ينفي الاشتراط. ودليله مع بيان وجه الاستدلال","level":3,"page":112},{"title":"القول الثاني: اشتراط الإسلام. ودليله مع بيان دلالته","level":3,"page":113},{"title":"أجوبة المشترطين عن دليل النفاة. مع التعقب والمناقشة","level":3,"page":114},{"title":"أجوبة النفاة عن دليل المشترطين","level":3,"page":117},{"title":"مناقشة حديث من أشرك بالله فليس بمحصن/ رواية ودراية","level":3,"page":117},{"title":"الترجيح والاختيار","level":3,"page":121},{"title":"المبحث السابع: في عقوبة الزانى المحصن","level":2,"page":122},{"title":"اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى","level":3,"page":122},{"title":"خلاف العلماء في هذا المبحث على أقوال ثلاثة وبيانها","level":3,"page":122},{"title":"أدلة القول الأول وبيانها","level":4,"page":123},{"title":"أدلة القول الثاني وبيانها","level":4,"page":124},{"title":"دليل القول الثالث وبيانه","level":4,"page":125},{"title":"المناقشة والترجيح","level":3,"page":126},{"title":"المبحث الثامن: في عقوبة من زنى بجارية امرأته","level":2,"page":130},{"title":"موقف ابن القيم مما ورد في هذا المبحث","level":3,"page":130},{"title":"ذكر حديث النعمان وما جرى حوله من مناقشات إسنادية ومتنية","level":3,"page":130},{"title":"ذكر حديث سلمة بن المحبق. وما جرى حوله من مناقشات مع بيان مواقف العلماء منه","level":3,"page":134},{"title":"اختلاف العلماء في هذا المبحث على أقوال ثلاثة مع بيان كل قول ودليله ووجهه","level":3,"page":137},{"title":"الترجيح والاختيار","level":3,"page":139},{"title":"المبحث التاسع: في عقوبة من زنى بذات محرمة","level":2,"page":140},{"title":"المبحث العاشر: في إقامة حد الزنى بالحبل","level":2,"page":141},{"title":"اختياره رحمه الله تعالى الحد بالحبل","level":3,"page":141},{"title":"القول الأول: مع التدليل والمناقشة","level":4,"page":141},{"title":"القول الثاني: وهو عدم إقامته بالحبل. مع التدليل وبيانه","level":4,"page":146},{"title":"الترجيح والاختيار. وفيه اختيار القول الثاني. والجواب عن أدلة ابن القيم","level":3,"page":149},{"title":"المبحث الحادي عشر: في ذكر حيل لإبطال حد الزنى وإبطالها","level":2,"page":150},{"title":"المبحث الثاني عشر: في ذكر حيلة جائزة لإبطال الشهادة على الزنى. ومناقشة ابن القيم في ذلك","level":2,"page":152},{"title":"المبحث الثالث عشر: اللواط في القرآن والسنة","level":2,"page":154},{"title":"تعريف اللواط في اللغة والشرع (ت)","level":3,"page":154},{"title":"اللواط في القرآن. وفيه ذكر السور التي ورد فيها","level":3,"page":154},{"title":"اللواط في السنة على وجهين وبيانهما","level":3,"page":155},{"title":"المبحث الرابع عشر: في مفاسد اللوطية الصغرى","level":2,"page":156},{"title":"المبحث الخامس عشر: في مفاسد اللواط","level":2,"page":159},{"title":"المبحث السادس عشر: في عقوبة اللواطة","level":2,"page":166},{"title":"تحرير ابن القيم لبيانها عند الصحابة على وجهين: محل اتفاق. ومحل اختلاف","level":3,"page":166},{"title":"بيان أن محل الاتفاق على قتل اللوطي بكل حال","level":3,"page":166},{"title":"بيان أن محل الخلاف في كيفية قتله، وهل يلحق بالزاني أم يقتل مطلقا","level":3,"page":166},{"title":"بيان اختلاف الصحابة ﵃ في صفة قتله على عدة وجوه وبيانها","level":3,"page":167},{"title":"اختلاف العلماء في عقوبة اللواط","level":3,"page":170},{"title":"القول الأول: أن عقوبته أغلظ من الزنى. وبيان أدلته","level":4,"page":171},{"title":"القول الثاني: أن عقوبته مثل الزنى. وبيان أدلته ومناقشتها","level":4,"page":173},{"title":"القول الثالث: أن عقوبته التعزير. وبيان أدلته وتعقبها","level":4,"page":177},{"title":"اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى للقول الأول","level":3,"page":181},{"title":"الترجيح والاختيار لما اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى","level":3,"page":182},{"title":"المبحث السابع عشر: في عقوبة واطىء البهيمة","level":2,"page":183},{"title":"القول الأول: أنه يعزر. مع ذكر دليله ووجهه","level":3,"page":183},{"title":"القول الثاني: أن عقوبته مثل الزنى مع ذكر دليله ووجهه","level":3,"page":184},{"title":"القول الثالث: أن حكمه حكم اللوطي مع بيان أدلته","level":3,"page":184},{"title":"استظهار رأي ابن القيم وترجيح ما استظهرته وهو القول الثالث","level":3,"page":186},{"title":"باب حد القذف","level":1,"page":188},{"title":"توطئة","level":2,"page":189},{"title":"تعريفه شرعا لدى المذاهب الأربعة","level":3,"page":190},{"title":"التعريف المختار. وشرحه","level":3,"page":190},{"title":"مواطن بحث القذف عند العلماء","level":3,"page":191},{"title":"المبحث الأول: في بيان أول قذف في الإسلام","level":2,"page":194},{"title":"ذكر قصة الإفك","level":3,"page":195},{"title":"بيان ابن القيم للحكم والغايات في هذه القصة","level":3,"page":196},{"title":"تعقب ابن حجر لابن القيم في ابدائه حكمة الترك لحد ابن أبي","level":3,"page":198},{"title":"المبحث الثاني: في حكمة التشريع في حد القاذف بالزنى دون الكفر","level":2,"page":199},{"title":"المبحث الثالث: في حكمة التشريع في حد قاذف الحر دون العبد","level":2,"page":202},{"title":"موازنة بين ما أبداه ابن القيم وما ذكره غيره في ذلك","level":3,"page":202},{"title":"مناقشة الخلاف بالتفريق وبيان الراجح من القولين","level":3,"page":204},{"title":"المبحث الرابع: التعريض بالقذف","level":2,"page":207},{"title":"اختيار ابن القيم الحد بالتعريض","level":3,"page":207},{"title":"أدلة الشافعي على نفي الحد بالتعريض ومناقشة ابن القيم لها","level":3,"page":208},{"title":"أدلة ابن القيم على الحد بالتعريض ومناقشة الشافعية لها","level":3,"page":209},{"title":"الخلاصة والترجيح. وفيه تحرير اختيار ابن القيم","level":3,"page":214},{"title":"المبحث الخامس: عقوبات القاذف","level":2,"page":215},{"title":"العقوبة الأولى: جلد القاذف","level":3,"page":216},{"title":"العقوبة الثانية: الحكم بفسقه","level":3,"page":217},{"title":"العقوبة الثالثة: عدم قبول شهادته","level":3,"page":217},{"title":"تحربر ابن القيم للكلام على شهادة القاذف من ثلاث جهات","level":4,"page":217},{"title":"الأولى: عدم قبول شهادته بعد حده ما لم يتب","level":5,"page":217},{"title":"الثانية: هل عدم قبول شهادة القاذف من تمام عقوبته أم لفسقه","level":5,"page":218},{"title":"الثالثة: في حكم قبول شهادته بعد توبته","level":5,"page":218},{"title":"القول الأول: عدم قبولها ولو تاب. مع ذكر أدلته ومناقشتها","level":6,"page":218},{"title":"القول الثاني: قبولها إذا تاب. مع ذكر أدلته ومناقشتها","level":6,"page":229},{"title":"الخلاصة والترجيح. وبيان أن ابن القيم لم يصرح باختيار واحد من القولين","level":6,"page":235},{"title":"المبحث السادس: كيفية توبته","level":2,"page":236},{"title":"حكاية ابن القيم للخلاف واختياره أن توبته تكون باكذاب نفسه","level":3,"page":237},{"title":"اعتراض على القول المختار وجوابه","level":3,"page":237},{"title":"الترجيح","level":3,"page":239},{"title":"باب حد الخمر","level":1,"page":240},{"title":"توطئة","level":2,"page":241},{"title":"تعريف الخمر في اللغة والشرع","level":3,"page":241},{"title":"لماذا سميت الخمر خمرا","level":3,"page":241},{"title":"حقيقتها لغة","level":3,"page":243},{"title":"حقيقتها شرعا","level":3,"page":244},{"title":"موقف ابن القيم من حقيقتها","level":3,"page":246},{"title":"تعقب ابن القيم للكوفيين","level":3,"page":248},{"title":"المبحث الأول: حقيقة السكر وأسبابه","level":2,"page":253},{"title":"حقيقة السكر بين الفقهاء وابن القيم","level":3,"page":253},{"title":"أسباب السكر","level":3,"page":255},{"title":"المبحث الثاني: حكمة التشريع في الخمر، وبيانها من ناحيتين","level":2,"page":256},{"title":"الأولى: حكمة الشرع في تحريم الخمر","level":3,"page":256},{"title":"تنبيه مهم في أن مركز العقل القلب. ونفى الابهام في كلام ابن القيم","level":4,"page":260},{"title":"الثانية: الحكمة في عقوبة الشارب بالجلد","level":3,"page":261},{"title":"المبحث الثالث، من الذرائع الموصلة إلى الخمر. وهو ستة","level":2,"page":262},{"title":"١- تحريم القطرة من الخمر","level":3,"page":262},{"title":"اعتراض وجوابه على تحريم هذه الذريعة","level":4,"page":262},{"title":"٢- النهي عن امساكها للتخليل","level":3,"page":264},{"title":"خلاف العلماء في ذلك مع التعليل والترجيح","level":4,"page":264},{"title":"٣- النهي عن الانتباذ فوق ثلاث","level":3,"page":266},{"title":"٤- النهي عن شرب العصير بعد ثلاث","level":3,"page":266},{"title":"ذكر الخلاف في هذه الذريعة مع التعليل والترجيح","level":4,"page":266},{"title":"٥- النهي عن الخليطين","level":3,"page":268},{"title":"ذكر الخلاف في هذه الذريعة على ثلاثة أقوال مع التدليل والمناقشة والترجيح","level":4,"page":268},{"title":"٦- النهي عن الانتباذ في بعض الأوعية","level":3,"page":276},{"title":"نفي اضطراب ابن القيم في حكم استمرار النهي عن ذلك","level":4,"page":276},{"title":"ذكر الخلاف وأدلته","level":4,"page":276},{"title":"المبحث الرابع: في عقوبة شارب الخمر. وفيه خمسة فروع","level":2,"page":282},{"title":"الفرع الأول: أن عقوبته حدية لا تعزيرية، مع التدليل والمناقشة","level":3,"page":282},{"title":"الفرع الثاني: بيان مقدار العقوبة","level":3,"page":289},{"title":"اختيار ابن القيم أن الحد بأربعين والزيادة إلى ثمانين تعزير اتفق عليه الصحابة","level":4,"page":290},{"title":"سلفه وأدلته","level":4,"page":290},{"title":"مذهب الجمهور وأدلتهم ومناقشتها","level":4,"page":291},{"title":"الترجيح","level":4,"page":295},{"title":"الفرع الثالث: في قتل الشارب في الرابعة","level":3,"page":296},{"title":"حديث القتل وموقف العلماء منه","level":4,"page":296},{"title":"رأي ابن حزم","level":4,"page":298},{"title":"رأي ابن تيمية وابن القيم","level":4,"page":298},{"title":"بيان ابن القيم للخلاف وأدلته ومناقشتها","level":4,"page":299},{"title":"نهاية المطاف عند ابن القيم: أن قتل الشارب في الرابعة تعزيرا للحديث الوارد فيه","level":4,"page":309},{"title":"الترجيح. وفيه مناقشة اختيار ابن القيم","level":4,"page":309},{"title":"الفرع الرابع: في بيان أنواع من العقوبات التعزيرية للشارب","level":3,"page":310},{"title":"التعزير بالنفي","level":4,"page":311},{"title":"التعزير بالحلق للرأس","level":4,"page":312},{"title":"تعزير الشارب في رمضان","level":4,"page":313},{"title":"الفرع الخامس: العقوبة المالية للخمار","level":3,"page":313},{"title":"المبحث الخامس: إقامة حد الخمر بالقرينة الظاهرة","level":2,"page":315},{"title":"اختيار ابن القيم لوجوب الحد بالرائحة والقيء","level":3,"page":315},{"title":"ذكر الخلاف على أقوال أربعة:","level":3,"page":316},{"title":"القول الأول للجمهور: وهو عدم إقامة الحد بالرائحة مع بيان وجهته","level":4,"page":316},{"title":"القول الثاني: للمالكية وهو إقامة الحد بالرائحة. مع بيان أدلته","level":4,"page":316},{"title":"القول الثالث: عن بعض السلف إقامته بالرائحة إذا كان الشارب مدمنا","level":4,"page":316},{"title":"القول الرابع: لابن قدامة الحنبلي: إقامته بالرائحة إذا انضم إليه قرينه تقويه","level":4,"page":316},{"title":"مناقشة أدلة الخلاف في هذا المبحث","level":3,"page":322},{"title":"بسط مناقشة ابن القيم في الآثار التي استدل بها","level":3,"page":322},{"title":"مناقشة الجمهور فيما أوردوه من شبه على نفي الحد","level":3,"page":329},{"title":"الترجيح. وفيه مناقشة ابن القيم في اختياره","level":3,"page":330},{"title":"باب حد السرقة","level":1,"page":333},{"title":"تعريفها لغة وشرعا","level":2,"page":334},{"title":"المبحث الأول: حكمة التشريع في جعل عقوبة السارق قطع يده","level":2,"page":339},{"title":"المبحث الثاني: كشف الشبه الواردة على عقوبة السارق بالقطع","level":2,"page":339},{"title":"الاعتراض الأول ورده","level":3,"page":339},{"title":"الاعتراض الثاني ورده","level":3,"page":339},{"title":"الاعتراض الثالث ورده","level":3,"page":339},{"title":"المبحث الثالث: في بيان جملة من شروط القطع في السرقة وهي ستة شروط","level":2,"page":348},{"title":"الشرط الأول: الحرز. ذكر الخلاف ومناقشته","level":3,"page":349},{"title":"تعريف الحرز (ت)","level":4,"page":349},{"title":"الشرط الثاني: كون المسروق لا يسرع إليه الفساد. وفيه ذكر الخلاف ومناقشته","level":3,"page":355},{"title":"الشرط الثالث: كون المسروق نصابا. مع ذكر الدليل والاختيار","level":3,"page":357},{"title":"الشرط الرابع: مطالبة المسروق منه بماله وذكر الخلاف وأدلته","level":3,"page":360},{"title":"الشرط الخامس: انتفاء الشبهة","level":3,"page":361},{"title":"الشبهة الأولى: السرقة في المجاعة. مع ذكر الخلاف والترجيح","level":4,"page":361},{"title":"الشبهة الثانية: قول السارق هذا ملكي، وإبطالها","level":4,"page":364},{"title":"الشبهة الثالثة: من سرق من شيء له فيه حق درىء عنه الحد","level":4,"page":366},{"title":"حديث ابن عباس ومناقشته مع سياق الأدلة من وجوه أخر","level":5,"page":367},{"title":"الشرط السادس: ثبوت السرقة بشهادة عدلين أو إقرار مرتين","level":3,"page":369},{"title":"بيان الخلاف في عدد الإقرار ومناقشته. مع الترجيح","level":4,"page":370},{"title":"المبحث الرابع: عقوبات السارق","level":2,"page":374},{"title":"عقوبة السارق الحدية","level":3,"page":374},{"title":"عقوبة السارق بالإتيان على أطرافه. وبيانها في ثلاث نقاط","level":3,"page":375},{"title":"مسالك العلماء في أحاديث المسألة","level":3,"page":383},{"title":"العقوبة بقتل السارق وبيان المخالف ومناقشته","level":3,"page":388},{"title":"العقوبات التعزيرية للسارق","level":3,"page":391},{"title":"صورها الثلاث. وتفصيل القول في تغريم السارق من غير حرز وجلده","level":3,"page":391},{"title":"المبحث الخامس: قطع جاحد العارية","level":2,"page":392},{"title":"وفيه: تحرير الخلاف. وأدلته. ومناقشتها. والترجيح","level":3,"page":393},{"title":"المبحث السادس: الحد بوجود المسروق في حوزة السارق","level":2,"page":405},{"title":"وفيه: ذكر الخلاف. ومناقشته مع الترجيح","level":3,"page":405},{"title":"المبحث السابع: في توبة السارق","level":2,"page":407},{"title":"وفيه: صورها الثلاث. وتفصيل القول فيها","level":3,"page":407},{"title":"باب الردة","level":1,"page":417},{"title":"توطئة","level":2,"page":418},{"title":"المبحث الأول: في ردة من سب النبي ﷺ","level":2,"page":423},{"title":"المبحث الثاني: في ردة قاذف أم المؤمنين عائشة ﵂","level":2,"page":424},{"title":"المبحث الثالث: في الهازل وردته. مع التدليل والإيضاح","level":2,"page":425},{"title":"المبحث الرابع: أثر الإكراه في انتفاء الردة","level":2,"page":429},{"title":"المبحث الخامس: في توبة الزنديق","level":2,"page":430},{"title":"تعريف الزنديق (ت)","level":3,"page":430},{"title":"ذكر الخلاف وأدلته ومناقشتها مع الترجيح","level":3,"page":430},{"title":"وقفة مع ابن القيم في ذكره للخلاف","level":3,"page":430},{"title":"باب التعزير","level":1,"page":441},{"title":"توطئة","level":2,"page":442},{"title":"تعريفه لغة وشرعا","level":3,"page":442},{"title":"تنبيه: على غلط لأهل اللغة في ذلك","level":3,"page":443},{"title":"المبحث الأول: في مقدار التعزير","level":2,"page":449},{"title":"بيان أقل التعزير ومناقشته الخلاف فيه","level":3,"page":449},{"title":"بيان أكثر التعزير مع ذكر الخلاف وأدلته والترجيح","level":3,"page":450},{"title":"بيان مسالك العلماء في حديث أبي بردة ﵁","level":3,"page":458},{"title":"تعقب المسلك الأول","level":4,"page":459},{"title":"المسلك الثاني وتعقبه","level":4,"page":459},{"title":"المسلك الثالث وتعقبات العلماء عليه","level":4,"page":460},{"title":"تأمل وترجيح لهذا المسلك","level":5,"page":461},{"title":"المسلك الرابع","level":4,"page":463},{"title":"اضطراب كلمة الحافظ ابن حجر","level":3,"page":464},{"title":"تحرير اختيار ابن القيم في أكثر التعزير","level":3,"page":465},{"title":"الترجيح","level":3,"page":467},{"title":"المبحث الثاني: في أنواع العقوبات التعزيرية","level":2,"page":467},{"title":"التعزيرات البدنية. وهي نوعان","level":3,"page":467},{"title":"التغزير بالجلد","level":4,"page":467},{"title":"التعزير بالقتل","level":4,"page":467},{"title":"تنديد ابن القيم بالقتل تعزيرا ظلما","level":5,"page":468},{"title":"موقف العلماء من القتل تعزيرا","level":5,"page":469},{"title":"اختيار ابن القيم وأدلته","level":4,"page":470},{"title":"الدليل الأول: قتل الشارب في الرابعة","level":5,"page":471},{"title":"الدليل الثاني: قتل الجاسوس. نوعاه. ومناقشة الخلاف في قتل الجاسوس المسلم","level":5,"page":471},{"title":"الدليل الثالث: قتل من اتهم بأم ولد النبي ﷺ ومناقشته","level":5,"page":474},{"title":"مسالك العلماء في هذا الحديث. والترجيح","level":6,"page":475},{"title":"القسم الثاني: التعزيرات المالية. وفيها ثلاثة فروع","level":3,"page":477},{"title":"الفرع الأول: تنويعها باعتبار الانضباط وعدمه","level":4,"page":477},{"title":"الفرع الثاني: تنويعها باعتبار أثرها في المال","level":4,"page":477},{"title":"الفرع الثالث: الخلاف في التعزير المالي","level":4,"page":477},{"title":"اختلاف العلماء وأدلته ومناقشتها","level":5,"page":480},{"title":"الترجيح لاختيار ابن القيم رحمه الله تعالى","level":5,"page":483},{"title":"الخاتمة في خلاصة البحث ونتائجه","level":1,"page":484}],"ٛ":{"1,4":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,12":10,"1,13":11,"1,14":12,"1,15":13,"1,16":14,"1,17":15,"1,18":16,"1,19":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80,"1,85":81,"1,87":82,"1,89":83,"1,90":84,"1,91":85,"1,92":86,"1,93":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,97":90,"1,98":91,"1,99":92,"1,100":93,"1,101":94,"1,102":95,"1,103":96,"1,104":97,"1,105":98,"1,106":99,"1,107":100,"1,108":101,"1,109":102,"1,110":103,"1,111":104,"1,112":105,"1,113":106,"1,114":107,"1,115":108,"1,116":109,"1,117":110,"1,118":111,"1,119":112,"1,120":113,"1,121":114,"1,122":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,126":119,"1,127":120,"1,128":121,"1,129":122,"1,130":123,"1,131":124,"1,132":125,"1,133":126,"1,134":127,"1,135":128,"1,136":129,"1,137":130,"1,138":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,192":185,"1,193":186,"1,194":187,"1,195":188,"1,197":189,"1,198":190,"1,199":191,"1,200":192,"1,201":193,"1,203":194,"1,204":195,"1,205":196,"1,206":197,"1,207":198,"1,208":199,"1,209":200,"1,210":201,"1,211":202,"1,212":203,"1,213":204,"1,214":205,"1,215":206,"1,216":207,"1,217":208,"1,218":209,"1,219":210,"1,220":211,"1,221":212,"1,222":213,"1,223":214,"1,224":215,"1,225":216,"1,226":217,"1,227":218,"1,228":219,"1,229":220,"1,230":221,"1,231":222,"1,232":223,"1,233":224,"1,234":225,"1,235":226,"1,236":227,"1,237":228,"1,238":229,"1,239":230,"1,240":231,"1,241":232,"1,242":233,"1,243":234,"1,244":235,"1,245":236,"1,246":237,"1,247":238,"1,248":239,"1,249":240,"1,251":241,"1,252":242,"1,253":243,"1,254":244,"1,255":245,"1,256":246,"1,257":247,"1,258":248,"1,259":249,"1,260":250,"1,261":251,"1,262":252,"1,263":253,"1,264":254,"1,265":255,"1,266":256,"1,267":257,"1,268":258,"1,269":259,"1,270":260,"1,271":261,"1,272":262,"1,273":263,"1,274":264,"1,275":265,"1,276":266,"1,277":267,"1,278":268,"1,279":269,"1,280":270,"1,281":271,"1,282":272,"1,283":273,"1,284":274,"1,285":275,"1,286":276,"1,287":277,"1,288":278,"1,289":279,"1,290":280,"1,291":281,"1,292":282,"1,293":283,"1,294":284,"1,295":285,"1,296":286,"1,297":287,"1,298":288,"1,299":289,"1,300":290,"1,301":291,"1,302":292,"1,303":293,"1,304":294,"1,305":295,"1,306":296,"1,307":297,"1,308":298,"1,309":299,"1,310":300,"1,311":301,"1,312":302,"1,313":303,"1,314":304,"1,315":305,"1,316":306,"1,317":307,"1,318":308,"1,319":309,"1,320":310,"1,321":311,"1,322":312,"1,323":313,"1,324":314,"1,325":315,"1,326":316,"1,327":317,"1,328":318,"1,329":319,"1,330":320,"1,331":321,"1,332":322,"1,333":323,"1,334":324,"1,335":325,"1,336":326,"1,337":327,"1,338":328,"1,339":329,"1,340":330,"1,341":331,"1,342":332,"1,343":333,"1,345":334,"1,346":335,"1,347":336,"1,348":337,"1,349":338,"1,351":339,"1,352":340,"1,353":341,"1,354":342,"1,355":343,"1,356":344,"1,357":345,"1,358":346,"1,359":347,"1,360":348,"1,361":349,"1,362":350,"1,363":351,"1,364":352,"1,365":353,"1,366":354,"1,367":355,"1,368":356,"1,369":357,"1,370":358,"1,371":359,"1,372":360,"1,373":361,"1,374":362,"1,375":363,"1,376":364,"1,377":365,"1,378":366,"1,379":367,"1,380":368,"1,381":369,"1,382":370,"1,383":371,"1,384":372,"1,385":373,"1,386":374,"1,387":375,"1,388":376,"1,389":377,"1,390":378,"1,391":379,"1,392":380,"1,393":381,"1,394":382,"1,395":383,"1,396":384,"1,397":385,"1,398":386,"1,399":387,"1,400":388,"1,401":389,"1,402":390,"1,403":391,"1,404":392,"1,405":393,"1,406":394,"1,407":395,"1,408":396,"1,409":397,"1,410":398,"1,411":399,"1,412":400,"1,413":401,"1,414":402,"1,415":403,"1,416":404,"1,417":405,"1,418":406,"1,419":407,"1,420":408,"1,421":409,"1,422":410,"1,423":411,"1,424":412,"1,425":413,"1,426":414,"1,427":415,"1,428":416,"1,429":417,"1,431":418,"1,432":419,"1,433":420,"1,434":421,"1,435":422,"1,437":423,"1,438":424,"1,439":425,"1,440":426,"1,441":427,"1,442":428,"1,443":429,"1,444":430,"1,445":431,"1,446":432,"1,447":433,"1,448":434,"1,449":435,"1,450":436,"1,451":437,"1,452":438,"1,453":439,"1,454":440,"1,455":441,"1,457":442,"1,458":443,"1,459":444,"1,460":445,"1,461":446,"1,462":447,"1,463":448,"1,465":449,"1,466":450,"1,467":451,"1,468":452,"1,469":453,"1,470":454,"1,471":455,"1,472":456,"1,473":457,"1,474":458,"1,475":459,"1,476":460,"1,477":461,"1,478":462,"1,479":463,"1,480":464,"1,481":465,"1,482":466,"1,483":467,"1,484":468,"1,485":469,"1,486":470,"1,487":471,"1,488":472,"1,489":473,"1,490":474,"1,491":475,"1,492":476,"1,493":477,"1,494":478,"1,495":479,"1,496":480,"1,497":481,"1,498":482,"1,499":483,"1,500":484,"1,501":485,"1,502":486,"1,503":487,"1,504":488,"1,505":489,"1,506":490,"1,507":491,"1,508":492},"ٜ":{"1":[4,508]},"ٝ":[null,"1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,87","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508"],"ٞ":{"4":[1,2],"5":[3,4],"7":[5],"9":[6],"10":[7,8],"12":[9],"14":[10],"15":[11],"17":[12],"18":[13,14,15],"19":[16],"20":[17],"21":[18,19],"25":[20],"35":[21,22,23],"38":[24,25],"41":[26],"48":[27],"53":[28,29],"55":[30],"57":[31,32],"62":[33],"63":[34,35],"64":[36,37],"65":[38],"66":[39,40],"67":[41],"68":[42,43,44],"69":[45,46,47],"70":[48],"71":[49],"76":[50],"77":[51],"78":[52],"80":[53],"81":[54],"82":[55],"83":[56,57,58],"85":[59],"87":[60],"90":[61],"93":[62],"99":[63],"107":[64],"110":[65],"111":[66],"112":[67,68],"113":[69],"114":[70],"117":[71,72],"121":[73],"122":[74,75,76],"123":[77],"124":[78],"125":[79],"126":[80],"130":[81,82,83],"134":[84],"137":[85],"139":[86],"140":[87],"141":[88,89,90],"146":[91],"149":[92],"150":[93],"152":[94],"154":[95,96,97],"155":[98],"156":[99],"159":[100],"166":[101,102,103,104],"167":[105],"170":[106],"171":[107],"173":[108],"177":[109],"181":[110],"182":[111],"183":[112,113],"184":[114,115],"186":[116],"188":[117],"189":[118],"190":[119,120],"191":[121],"194":[122],"195":[123],"196":[124],"198":[125],"199":[126],"202":[127,128],"204":[129],"207":[130,131],"208":[132],"209":[133],"214":[134],"215":[135],"216":[136],"217":[137,138,139,140],"218":[141,142,143],"229":[144],"235":[145],"236":[146],"237":[147,148],"239":[149],"240":[150],"241":[151,152,153],"243":[154],"244":[155],"246":[156],"248":[157],"253":[158,159],"255":[160],"256":[161,162],"260":[163],"261":[164],"262":[165,166,167],"264":[168,169],"266":[170,171,172],"268":[173,174],"276":[175,176,177],"282":[178,179],"289":[180],"290":[181,182],"291":[183],"295":[184],"296":[185,186],"298":[187,188],"299":[189],"309":[190,191],"310":[192],"311":[193],"312":[194],"313":[195,196],"315":[197,198],"316":[199,200,201,202,203],"322":[204,205],"329":[206],"330":[207],"333":[208],"334":[209],"339":[210,211,212,213,214],"348":[215],"349":[216,217],"355":[218],"357":[219],"360":[220],"361":[221,222],"364":[223],"366":[224],"367":[225],"369":[226],"370":[227],"374":[228,229],"375":[230],"383":[231],"388":[232],"391":[233,234],"392":[235],"393":[236],"405":[237,238],"407":[239,240],"417":[241],"418":[242],"423":[243],"424":[244],"425":[245],"429":[246],"430":[247,248,249,250],"441":[251],"442":[252,253],"443":[254],"449":[255,256],"450":[257],"458":[258],"459":[259,260],"460":[261],"461":[262],"463":[263],"464":[264],"465":[265],"467":[266,267,268,269,270],"468":[271],"469":[272],"470":[273],"471":[274,275],"474":[276],"475":[277],"477":[278,279,280,281],"480":[282],"483":[283],"484":[284]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[الحدود والتعزيرات عند ابن القيم]ـ\nالمؤلف: بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبد الله بن بكر بن عثمان بن يحيى بن غيهب بن محمد (المتوفى: ١٤٢٩هـ)\nالناشر: دار العاصمة للنشر والتوزيع\nالطبعة: الثانية ١٤١٥ هـ\nعدد الأجزاء: ١\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]","vol":"1","page":null},{"text":"حقوق النشر محفوظة\nالنشرة الثانية ١٤١٥ هـ\nدار العاصمة\nالمملكة العربية السعودية\nالرياض - ص ب ٤٢٥٠٧ - الرمز البريدي ١١٥٥١ هاتف ٤٩١٥١٥٤-٤٩٣٣٣١٨- فاكس ٤٩١٥١٥٤","vol":"1","page":4},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\nالحمد لله على توالي نعمه وعظيم إفضاله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في ربوبيته ولا في ألوهيته، ولا في أسمائه وصفاته. وأشهد أن محمدًا عبده المجتبى ونبيه المصطفى. صلى الله وسم عليه وعلى آله وأصحابه وبعد:\nفإنه في ليلة الخامس والعشرين من شهر الله المحرم من عام أربعمائة وألف من الهجرة النبوية منَّ الله تعالى علي بمناقشة رسالتي باسم (الحدود والتعزيرات عند ابن قيم الجوزية/ دراسة وموازنة) (١) وذلك في قاعة المعهد العالي للقضاء بمدينة الرياض، وكانت هذه الرسالة تقع في ثمان وثمانمائة صفحة بقسميها.\nوقد طبعت القسم الأول منها باسم (ابن قيم الجوزية حياته وآثاره) في كتاب مستقل. ثم أعدته مع زيادات هامة في مقدمة كتابي الموسوعي لفقه ابن قيم الجوزية (٢) .\nوالآن أحتسب عند الله تعالى تقديم كتابي هذا، الحدود والتعزيرات عند ابن\nقيم الجوزية/ دراسة وموازنة. والذي يمثل الموضوع الرئيسي للرسالة. راجيًا من\n_________\n(١) مقدمة لنيل الشهادة العالمية العالية. وبالاصطلاح الغرب الوافد (ماجستير) . وقد حصلت على تقدير (ممتاز) .\n(٢) طبع منه جزآن الأول والثاني، والبقية تحت الطبع.","vol":"1","page":5},{"text":"الله تعالى أن ينفعني به ومن شاء من عباده.\nوإن هذا الموضوع في دراسته التحليلية هو في الواقع واحدة من ثمار تتبعي لفقه ابن قيم الجوزية من كتبه المطبوعةِ والتي تبلغ واحدًا وثلاثين كتابًا في قرابة ستين مجلدًا في نحو عشرين ألف صحيفة.\nوالآن أضع إمام الناظر في هذا الكتاب طلائعه المثلة لمفاتيح التصور للبحث ودوافعه، وتفسير عنوانه. ومسالك البحث فيه. وتبيانها كالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>موضوع البحث:</span>\nلقد تحصّل لي من السير في ذلك المشروع المبارك (التقريب لفقه ابن قيم الجوزية) . أن لابن القيم رحمه الله تعالى مباحث عزيزة المطلب: في الحدود والتعزيرات منتشرة في أربعة عشر كتابًا من مؤلفاته (١) عالجها من ناحيتين: أولاهما: من ناحية حكمتها وأسرارها التشريعية.\nوالثانية: من ناحية أحكامها الفقهية.\nوقد أولى ذلك عناية فائقة، وبسط الكلام في الكثير منها أشد البسط فنالت من تحقيقاته وآرائه وتحريراته: النصيب الأوفى والحظ الأوفر. وحسبي في هذه الدراسة أن أتناول ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في هذه الجزئية من مباحثه بالدراسة\n_________\n(١) هي: ١- أحكام أهل الذمة ٢- أعلام الموقعين عن رب العالمين ٣- إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان ٤- إغاثة اللهفان في حكم طلاق الغضبان ٥- بدائع الفوائد ٦- تهذيب سنن أبي داوود ٧- الداء والدواء ٨- روضة المحبين ونزهة المشتاقين ٩- الروح ١٠- زاد المعاد في هدى خير العباد ١١- مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين ١٣- مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة ١٣- المنار المنيف في الصحيح والضعيف، ١- الوابل الصيب في الكلم الطيب.","vol":"1","page":6},{"text":"والتحقيق والموازنة والترجيح بين رأيه وغيره من المذاهب. مبينًا ما التقى فيها مع غيره وما انفرد به عن المذاهب الفقهية المشهورة: الحنفية (١) والمالكية (٢) والشافعية (٣) والحنابلة (٤) .\nوبذلك تبرز مكانته (٥) العلمية بجلاء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>دوافع البحث:</span>\nوالغاية التي دفعتني الى اختيار مباحث \" الحدود والتعزيرات\" من بين عامة مباحثه، لتكون موضوعًا لهذه الرّسالة، هي في وجوه متعددة منها ما يلي:-\nالأول: أن القاضي أحوج ما يكون الى مباحث ابن القيم في ذلك، إذ أنه رحمه الله تعالى من أولئك العلماء الأفذاذ الذين انطلقوا من ربقة التقليد ونهجوا في\n_________\n(١) نسبة الى إمام المذهب: أبي حنيفة النعمان بن ثابت التيمي مولاهم الكوفي ولد سنة ٨٠ هـ وتوفي سنة ١٥٠ هـ (انظر: تاريخ بغداد/ للخطيب البغدادي ١٣/٣٢٣ وتذكرة الحفاظ للذهبي ١/١٦٨) .\n(٢) نسبة الى إمام المذهب: مالك بن أنس الأصبحي نسبًا. إمام دار الهجرة وعالم المدينة ولد سنة ٩٥ هـ وتوفي سنة ١٧٩ هـ (انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ١/٢٠٧، الأعلام للزركلي ٦/١٢٨) .\n(٣) نسبة الى إمام المذهب: محمد بن إدريس بن العباس القرشي الشافعي. عالم قريش ولد سنة ١٥٠ هـ وتوفي سنة، ٢٠٤ هـ (انظر: تذكرة الحفاظ ١/٣٦٧، الأعلام للزركلي٦/٢٤٩) .\n(٤) نسبة الى إمام المذهب: أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني إمام أهل السنة ولد سنة ١٦٤ هـ وتوفي سنة ٢٤١ هـ انظر (تاريخ بغداد ٤/٤١٣، تذكرة الحفاظ ٢/٤٣١، طبقات الحنابلة ١/٤ الأعلام للزركلي ١/١٩٢) .\n(٥) كثر في لسان الأدباء والمحدثين التعبير بلفظ \"شخصي\" بمعنى عظيم وذو مكانة وقد رغبت عن هذا اللفظ لأنه محدث لا يساعد على معناه المراد منه وضعه اللغوي. (انظر: المعجم الوسيط لأحمد الزيات ورفيقاه ١/٤٧٨، ط مجمع اللغة العربية بمصر وانظر: تقويم اللسانين للهلالي ص ١٠٥/١٠٦ط الأولى الرباط سنة ١٣٩٨ هـ) .","vol":"1","page":7},{"text":"البحث والتحقيق منهج الاستدلال والمناقشة. وهذا ما يتطلبه القاضي المنصف المتطلب للصواب والحكم بين الناس بالحق.\nالثاني: أن أحكام الحدود والتعزيرات هي من أهم أعمال القضاء إذ عليها المدار لحفظ الضروريات:\nففي حد الردة حفظ الدين.\nوفي حد الزنا حفظ الأنساب.\nوفي حد الخمر حفظ العقل.\nوفي حد القذف حفظ الرض.\nوفي حد السرقة حفظ المال.\nوابن القيم رحمه الله تعالى قد أفصح عن جل أحكام هذه الحدود وحكمها وأسرارها وتحقيق ما يلائم سياسة الأمة بالعدل وحالة العمران في كل زمان ففي تقريبها تحقيق لذلك.\nالثالث: أنه رحمه الله تعالى لم يؤلف في ذلك تأليفًا مستقلًا- حسب التتبع بل هي أبحاث متناثرة في كتبه المتكاثرة. والوقوف على الكثير منها قد يكون صعبًا لذلك ولوجود طائفة منها في غير مظنته. إذ أنه رحمه الله تعالى يكثر الاستطراد لأدنى مناسبة، لسيلان ذهنه وفقه نفسه.\nومن هنا يعم الناظر شدة الحاجة ومبلغ الأهمية لجمعها في صعيد واحد وترتيبها على النسق المعروف في المدونات الفقهية تيسيرًا للقارئ وتوفيرًا لجهده\nالرابع: أنه قد كثر الشغب في الأزمان المتأخرة من المستشرقين وتلامذتهم بالتنديد بالعقوبات الإسلامية المقدرة على الجرائم الأخلاقية من أنها: وحشية","vol":"1","page":8},{"text":"وتعسف إلى أمثال هذا الطيش وتلك القلاقل والبداءات بغيًا من أنفسهم للصد عن دين الله وشرعه وتحكيمه في أموال الناس وأعراضهم وسائر أحوال مدنيتهم.\nوإن ابن القيم رحمه الله تعالى قد أبان من حكمة التشريع وأسراره لهذه العقوبات ما أماط اللثام وأزهق الباطل، ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة. وقد نظرت في مباحث حكمة التشريع عند جماعة من أهل العلم فلم أر عالمًا يفري فريه قد ضرب من الحق بعطن أمثال هذا الإمام: في مباحثه العزيزة وتحقيقاته المنيفة.\nفكأنما أعطى رحمه الله تعالى نسخة من إيراداتهم، فكر عليها بالنقض حتى أصبحت في حساب الوساوس والأحلام الرديئة.\nومن المعلوم أن تقرير ذلك من أهل العلم لم يكن الا ردًا للباطل وزيادة في تثبيت الإيمان، وإلا فمقتضى الإيمان وموجب الإسلام: التسليم لأوامر الله ونواهيه سواء علمنا حكمة التشريع أم لا.\nهذه جملة من الأسباب التي دفعتني الى اختيار \"الحدود والتعزيرات عند ابن قيم الجوزية\" موضوعًا للرسالة. وأرجو أن تكون أسبابًا مقنعة للتدليل على سلامة الاختيار وأحقيته عند أنصار ابن القيم وخصومه على السواء\nتسمية الرسالة:\nولما كانت تسمية الكتاب أو الرسالة من المتعين على أهل الإسلام أن يراعوا\nفي ذلك الأصالة في اللسانين: لسان الشريعة المطهرة، واللغة العربية الكرمة كالشأن في سائر محرراتهم وألفاظهم.\nولما كانت تسمية الرسالة ينبغي أن توحي بموضوعها وفلكة مغزلها الذي تدور عليه حتى تكون التسمية كالإطار العام للرسالة.","vol":"1","page":9},{"text":"لما كان الأمر لا بد أن يكون كذلك فقد وسمت هذه الرسالة بما يلي: (الحدود والتعزيرات عند ابن قيم الجوزية/ دراسة وموازنة) .\nإيضاح هذه التسمية:\nفلفظ (الحد والتعزير) لفظان جاريان في اللغة والاصطلاح (١) وجعلهما الفصل الأول في عنوان الرسالة يفيد موضوعها.\nولفظ (عند ابن قيم الجوزية) يقيد الإطلاق في الفصل الأول. فيتقيد الموضوع بحدود ما ذكره ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى.\nولفظ (دراسة) من ألفاظ القرآن الكريم في بضع آيات (٢) كما في قوله تعالى: (٣) (كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون) والدراسة هنا تعني القراءة ومعاهدة المقروء والتفهم (٤) .\nوأما لفظ (موازنة): فهي تأتي في اللغة بمعنى المقارنة بين الشيئين والمحاذاة. قال الرازي (٥):\n(وازن بين الشيئين موازنة ووزانًا، وهذا يوازن هذا إذا كان على زنته أو كان محاذيه) .\n_________\n(١) يأتي بيان معناهما.\n(٢) انظر: المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم/ لمحمد فؤاد عبد الباقي ص/٢٥٦ ط بيروت.\n(٣) الآية رقم ٧٩ سورة آل عمران.\n(٤) انظر: مختار الصحاح للرازي ص/٢٠٣ ط الأولى سنة ١٩٦٧ م بيروت والمعجم الوسيط إخراج أحمد الزيات ورفقاه جلد اص/٢٧٩ ط مجمع اللغة العربية بمصر. ومعجم متن اللغة لأحمد رضا ٢/٤٠٠ ط مكتبة الحياة في بيروت سنة ١٣٧٧ هـ.\n(٥) انظر: مختار الصحاح ص/٧١٩. والرازي هو: محمد بن أبي بكر بن عبد القادر المتوفى سنة ٦٦٦ هـ. (انظر: الأعلام للزركلي ٦/ ٢٧٩) .","vol":"1","page":10},{"text":"قال ابن فارس (١):\n(هذا يوازن ذاك أي هو محاذيه، ووزين الرأي: معتدلة، وهو راجح الوزن\nإذا نسبوه إلى رجاحة الرأي وشدة العقل) .\nوهذا المدلول اللغوي (موازنة) يوافق المعنى المراد من ذكرها في عنوان هذه الرسالة وهو: ذكر خلاف (٢) العلماء بجانب آراء ابن القيم واختياراته حتى تحصل المعرفة لمدى قوة اختيار ابن القيم وانتخابه للرأي الذي رآه في مسألة ما من بين الآراء والمذاهب.\nسبب العدول عن لفظ (مقارنة) إلى لفظ (موازنة):\nتبين من بيان معنى لفظ (موازنة) لغة وإيضاح مدلولها في عنوان الرسالة أن هذا يعني ذكر (خلاف العلماء في المسألة بجانب رأي ابن القيم) .\nوعلم خلاف الفقهاء: فن مستقل بنفسه اشتهر باسم (علم خلاف الفقهاء) واشتهرت كتبه باسم (كتب الخلافيات) (٣) .\n_________\n(١) انظر: معجم مقاييس اللغة ٦/١٠٧ ط الثانية سنة ١٣٩٢ هـ بمطبعة الحلبي بمصر. وابن فارس هو: أبو الحسن أحمد بن فارس بن زكريا القزويني المتوفى سنة ٣٩٥ هـ (انظر: الأعلام للزركلي ١/ ١٨٤) .\n(٢) يقرر الشاطبي في كتابه: الموافقات ٤/١١٠- ١٤٤ التفريق بين الخلاف والاختلاف. فالخلاف ما كان عن هوى وضلال في العقائد والأديان والاختلاف ما صدر عن مجتهدي أمة\nمحمد ﷺ. وهذه التفرقة التي قال بها الشاطبي محض اصطلاح ذكره لم يلتزمه العلماء\nفي مدوناتهم فهم يذكرونها على سواء. (انظر هذا البحث مبسوطا في كتاب: مجموعة بحوث فقهية لعبد الكرم زيدان ص/٢٧٣- ٣٠٣ ط مؤسسة الرسالة بيروت سنة ١٣٩٦) .\n(٣) مثل: كتاب الإفصاح لابن هبيرة. والمغني لابن قدامة. ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة للدمشقي. وأول من وضع علم خلاف الفقهاء: أبو زيد عبيد الله بن عمر الدبوسي الحنفي\nالمتوفى سنة ٤٣٠ في كتابه (تأسيس النظر) كما ذكره ابن خلكان في تاريخه (وفيات الأعيان) =","vol":"1","page":11},{"text":"وقد اشتهر في لسان هذا العصر باسم (الفقه القارن) وكتبه باسم (كتب الفقه\nالمقارن) .\nوهذا إطلاق سليم من حيث مدلوله اللغوي فإن المقارنة في اللغة جمع شيء إلى شيء فتقول قارنت بين الشيئين (١) .\nلكنها في عرف الوقت الحاضر من مصطلحات (علم الحقوق الحديث) (٢)، يقصد بها مقارنة شريعة رب الأرض والسماء بقوانين البشر الموضوعة المختلقة المصنوعة (٣) .\nفانتقل هذا الاصطلاح الحقوقي من المقارنة بين الشريعة والقانون إلى المقارنة بين أقوال فقهاء الإسلام. فأصبح هذا الاصطلاح من المشترك المعنوي وفي ضوء هذا يمكن لنا أن نقوم حكم نقل هذا الاصطلاح بهجر اسم (علم خلاف الفقهاء) واستبداله باسم (علم الفقه المقارن) .\nفنقول: أن هذه بلوى وقع في شراكها كثير من أهل الإسلام حيث استبدلوا الكثير من مصطلحات العلوم الإسلامية. وامتحنوا المسلمين بأسماء جديدة تبعدهم عن تراثهم وتوحي بغرابة كتب أسلافهم على أفهامهم وعلومهم وثقافتهم.\nوقد وقع من هذا الشيء الكثير وعمت البلوى بانتشاره وإدخاله في مؤلفات علماء الإسلام.\n_________\nجلد ١ ص/٣١٧. (انظر المدخل الفقهي العام ٢/٩٥٥ لمصطفى الزرقا ط مطبعة طربين بدمشق سنة ١٣٨٧ هـ) والبداية والنهاية لابن كثير ١٢/ ٥١. ومفتاح السعادة لطاش كبري\nزادة ١/٣٠٦- ٣٠٨) .\n(١) انظر: مختار الصحاح للرازي ص/٥٣٢. ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس ٥/٧٦.\n(٣) انظر: المدخل الفقهي العام لمصطفى الزرقا ٢/٩٥٥ حاشية.\n(٣) انظر: في التنديد بخطورة المقارنة بين الأديان ص/٧٣- ٨٦ من كتاب أخطاء المنهج الغربي الوافد. لأنور الجندي. ط أولى سنة ١٩٧٤ م دار الكتاب اللبناني. بيروت.","vol":"1","page":12},{"text":"كما في تسمية (أحكام النكاح وتوابعه) باسم (الأحوال الشخصية) (١) . وتسمية (وضع الجوائح) باسم (نظرية (٢) الظروف الطارئة) .\nإلى غير ذلك من ألفاظ الاصطلاح الناشئة لدى الفرنجة تنقلها الأقلام المنهزمة\nإلى علوم الإسلام وهي من الغرابة بمكان؟.\nومن المؤسف جدًا أن تأتي هذه المصطلحات في رسائل الشهادات العالية والشهادات العالمية من طالب يتلقى دروسه في معاهد الإسلام وفي ديار الإسلام ومنازله، وتحت إشراف أساتذة في علوم الإسلام.\nولا يعار لهذا انتباهًا بل يرى الكثير أن هذا من المرونة وسعة الأفق والاطلاع المدهش.\nوأقول بكل ثبات إنها تسميات آثمة وخطط مأجورة ساقنا إليها دافع الغفلة والسبات العميق عما يراد بنا.\nوإن من أخشى ما أخشاه أن تورث هذه المشابهة في الظاهر التفاتة في الباطن فتشتبك الروح بالهيكل، وتنفخ فيه روح أصله وحينئذ يقع المسلمون في الاحتكام إلى غير ما أنزل الله.\n_________\n(١) انظر: في كشف هذه التسمية (محاضرة للشيخ عبد الله التركي) ألقيت في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض عام ١٣٩٨ هـ بعنوان توجيهات الإسلام في نطاق الأسرة. وعندي أن الشيخ قد دفع آفة بأخرى فإن معنى الأسرة في اللغة: الجماعة القوية قال ابن مالك في ألفيته واختار عكسًا غيرهم ذا أسرة- وهو بفتح الهمزة أيضًا كما في حاشية الصبان على الأشموني (انظر: كتاب تقويم اللسانين للهلالي ص/٤٦- ٤٨ ط الأولى سنة ١٣٩٨ ط الرباط) .\n(٢) ولفظ (نظرية) أيضًا خطأ صرف بالنسبة لأحكام الإسلام لأن كلمة نظرية تعني الفرض والتصور الدائر بين النفي والإثبات. وأحكام الإسلام حقائق ثابتة لا تقبل النفي فصارت تسمية خاطئة. انظر في بيانها ص/٧ من تعليقات مصطفى حلمي على كتاب: نظريات ابن تيمية في السياسة والاجتماع للمستشرق لاوست ط الأولى سنة ١٣٩٦ بمصر.","vol":"1","page":13},{"text":"ونضرع إلى الله أن لا يقع هذا. فليتق الله أهل الإسلام في إسلامهم وفي أمتهم ولينشروا العلم في قالبه السليم في الشكل والمضمون والظاهر والباطن (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرًا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالًا مبينًا) (١) .\nوليحذر المسلمون الطاعة في بعض الأمر والملاحنة في القول فقد توعد الله الفعلة لذلك بقوله: (٢) (ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزَّل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم فكليف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم. ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم. أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يُخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنّهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>مسلك البحث الإجمالي:</span>\nوفي إطار هذا العنوان للرسالة سلكت في إبراز موضوعها مسلكًا أرجو أن يكون مثمرًا للفائدة المرجوة. مرتبًا على مسلكين اثنين في تضاعيفهما مباحث تفصيلية تساعد على الوضوح والتجلية وإبعاد الغموض والتعمية.\nولما كان الحكم فرع التصور فقد جعلت بين يدي ذلك مقدمة مفصلة في التعريف بابن قيم الجوزية، تكشف عن كثير من الجوانب، للتعريف بشخصيته وبيئته وعلومه وآثاره. حتى يحصل تمام المطابقة بين الذات وآثارها. وفي ذلك أيضًا- أن شاء الله تعالى- تبصير وتنوير للذين في نفوسهم اعتلال وفي قلوبهم مرض صدهم عن الاستفادة من علوم مؤسسي المدرسة السلفية ومحيي السنة\n_________\n(١) الآية رقم ٣٦ سورة الأحزاب.\n(٢) ٠ الآيات رقم ٢٦- ٣٠ سورة محمد.","vol":"1","page":14},{"text":"المحمدية، وباعثي النهضة الإسلامية.\nعسى أن ينتهي بهم المطاف إلى الحكم العادل والقول الحق فيثوبوا لرشدهم ويناصروا الحق وأعوانه، فينهلوا ويرتووا من علوم ابن القيم وإخوانه من علماء المدرسة السلفية في الحاضر والغابر (١) .\nهذا إن نظروا إلى ذلك بعين الإنصاف والتجرد من الهوى والتبعية (٢) .\n_________\n(١) من هؤلاء: شيخ ابن تيمية أحمد بن عبد الحليم النميري المتوفى سنة ٧٢٨ هـ والشيح محمد بن عبد الوهاب المتوفى سنة ١٢٠٦ هـ. والشيخ جمال الدين القاسمي المتوفى سنة ١٣٣٢ هـ. والشيخ نعمان بن محمود الآلوسي المتوفى سنة ١٣١٧ هـ والشيخ صديق خان المتوفى سنة ١٣٠٧ هـ. وغيرهم كثير في عامة الأقطار الإسلامية ولله الحمد.\n(٢) من خصوم ابن القيم في القديم العلامة: على بن عبد الكافي السبكي المتوفى سنة ٧٥٦ هـ. وغيره من آل السبكي ومنهم في العصر الحاضر محمد زاهد الكوثري المتوفى سنة ١٣٧١ هـ وأقرانه الغماريين أحمد بن الصديق المتوفى بعد الثمانين من هذا القرن وعبد الله بن الصديق الغماري وأخوهما عبد العزيز جمال الدين الغماري وغيرهم. والله المستعان به.","vol":"1","page":15},{"text":"ثَانيا: موضوع الرسَالة\nالحدود والتعزيرات\nعَندَ ابن القيم\n\"دراسة وموازنة\"\nوالبحث في هذا في مسلكين اثنين:\nالمسلك الأول:\nعرض كلام ابن القيم على الترتيب الفقهي المشهور على ما يلي:-\nكتاب الحدود. وفيه ذكر الأحكام والمباحث العامة للحدود.\nباب حد الزنا.\nباب حد القذف.\nباب حد السكر.\nباب حد السرقة.\nباب حكم المرتد.\nباب التعزير (١) .\nالمسلك الثاني:\nمسلك الموازنة بين رأي ابن القيم وبين آراء المذاهب الفقهية الأخرى الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. مع بيان ما يلتقي فيها مع غيره وما ينفرد بها دونهم.\n_________\n(١) لم أذكر بابي الحرابة والبغاة لأنني لم أر فيهما مباحث لابن القيم.","vol":"1","page":16},{"text":"ومن ثم ترجيح ما يؤيده الدليل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>خطوات العرض والدراسة في هذين المسلكين:</span>\nحصل بالتتبع لمنهج ابن القيم في الحدود والتعزيرات ما يلي:\nأن ابن القيم قد يذكر التعريف الاصطلاحي للجريمة وقد لا يذكره. وابن القيم\nقد يذكر حكمة التشريع من وجوه متعددة وقد يذكرها من وجه واحد.\nوابن القيم قد يذكر المسألة مفصلة بذكر الخلاف وأدلته مع بيان وجوه الاستدلال ومناقشتها.\nوقد يعرض المسألة بصفة دون ذلك.\nوقد يذكر المسألة بمجرد الإشارة إليها.\nوابن القيم لا يعنى بذكر العناوين التفصيلية للمسألة.\nوابن القيم أيضًا: قد يذكر المسألة في بحث واحد وقد يبحثها في موضعين فأكثر من كتاب فأكثر.\nوعلى أي من هذه الأحوال فإنني سقت الحديث في كل باب من أبواب الحدود في جملة مباحث على هذا الطرد والنسق.\n١- تعريف الجريمة في اللسانين اللغة والشرع.\n٢- مبحث حكمة التشريع في حدود ما ذكره ابن القيم.\n٣- مباحث الأحكام الفقهية. وفي كل مبحث ما يلي:\nأ- ذكر الخلاف والقائل به.\nب- ذكر أدلته.\nج- ذكر وجوه الاستدلال منها.","vol":"1","page":17},{"text":"هـ- الترجيح لما يظهر بدليله.\nوالمنطلق في كل مبحث مما ذكره ابن القيم في ذلك المبحث من عامة كتبه المطبوعة والله الموفق.\nمسارد الرسالة:\nوقد أتبعت هذه الرسالة بمسارد تكشف عن أهم المصادر والمراجع وعن موضوعات الرسالة. وأثبات بالآيات والأحاديث والأعلام.\nهذه تقدمة لعلها تكشف للقارئ موضوع الرسالة وهيكلها العام واستميحه العذر في الإطالة فلعل نقاطًا هامة استدعت ذلك كما يظهر للمطلع الفطن وأرجو من الله أن يكون حائزًا للرضا مقبولًا عند أولي النهي. ولا يجول في خلدي أنني بلغت أدنى درجة الكمال فضلًا عن الكمال إذ هذا أمر لله وحده. والخطأ من لوازم البشر (لانقطاع العصمة بانقطاع عالم النبوة والأنبياء) ومما يفسح ميدان الأمل أن الله ﷾ تجاوز لنا عن الخطأ. والمرء نفسه إذا كتب شيئًا في يومه ثم عاوده بعد أمد قدم فيه وأخر وغير وبدل إذ الأمر كما قيل (ما ألف أحد في يومه إلا قال في غده لو قدمت أو أخرت وهذا مما يدل على ضعف القوى والقدر وكمالها لواهبها سبحانه) .\nوختامًا أدعو بدعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ فأقول:\n\" اللهم أجعل عملنا هذا صالحًا واجعله لوجهك خالصًا ولا تجعل لأحد فيه شيئًا\".\nوصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم\nبكر بن عبد الله أبو زيد","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>كتاب الحدود</span>\nجرت عادة العلماء خاصة علماء الحنابلة أن يجعلوا بين أبواب الحدود المباحث التي تشترك فيها الحدود، كبيان من يجب عليه الحد ونحوه من المسائل، ونحن بصدد دراسة آراء ابن القيم في الحدود والتعزيرات، سوف نقصر الكلام في هذه التقدمة على المباحث التي تناولها ابن القيم منتظمة لأبواب الحدود بالاتفاق أو على الراجح من الخلاف في نظره، مقفيًا ذلك بمسلك الموازنة والترجيح.","vol":"1","page":19},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>توطئة </span>الحدود\nتوطئة في تعريف الحد في اللسانين: اللغة والشرع:\nلغة:\nالحد: جمعه حدود، وهو في أصل الوضع العربي بمعنى المنع (١) ومنه قول نابغة ذبيان (٢) .\nإلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحددها عن الفند (٣)\nولذا قيل للحاجز بين الشيئين حدًا، لأنه يمنع من اختلاط أحدهما بالآخر (٤) .\nومنه: حدود الأرض، وحدود الحرم، ونحوهما، كتسميهَ أهل الاصطلاح المعرف للماهية بالزانيات حدًا (٥)، إذ الحد يمنع أفراد غير المعرف من الدّخول في\n_________\n(١) انظر: الصحاح للجوهري ١/٤٥٩ ط دار الكتاب العربي بمصر تحقيق عبد الغفور عطار. وتاج العروس شرح القاموس للزبيدي ٢/ ٣١. تصوير: دار مكتبة الحياة في بيروت. والمصباح المنير في غريب الشرح الكبير للفيومي ١/٣٣٥ ط الحلبي بمصر.\n(٢) هو، زياد بن معاوية الغطفاني الشهير بالنابغة الذبياني شاعر جاهلي مشهور مات سنة ٦٠٤ م. انظر (الأعلام ٣/ ٩٢) .\n(٣) انظر: الصحاح للجوهري ١/٤٥٩.\n(٤) انظر: المفردات في غريب القرآن ص/١٠٩ ط الحلبي بمصر سنة ١٣٨١ هـ.\n(٥) انظر: شرح فتح القدير للعاجز الفقير لابن الهمام ٥/٤ ط الأولى بمصر سنة ١٣١٥ هـ.","vol":"1","page":21},{"text":"التعريف ويمنع أفراد المعرف من الخروج عن التعريف. ومنه أيضًا للإشارة إلى المنع (١):\n(سمّي الحديد حديدًا لأنه يمنع من وصول السّلاح إلى البدن وسمّي البوّاب والسّجّان: حدادًا، لأنه يمنع من في الدّار من الخروج منها ويمنع الخارج من الدّخول فيها) .\nومنه أيضًا سمّيت الحاد في العدّة، لأنها تمنع من الزينة (٢) . وعليه سمّيت العقوبات المقدرة: حدودًا (٣) .\nفالحد إذا على كثرة إطلاقاته وسعة مدلولاته لا يخرج عن معناه الأصلي الذي وضع له وهو (المنع) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>لماذا سمّيت العقوبات المقدرة (حدودًا):</span>\nلا خلاف في أن العقوبات المقدرة إنما سمّيت حدودًا لعلة المنع وإنما حصل الخلاف في تعليل مورد المنع في ذلك على أقوال ثلاثة هي:\nا- لأن هذه العقوبات تمنعه المعاودة في مثل ذلك الذّنب وتمنع غيره أن يسلك مسلكه (٤) .\n٢- لأنها عقوبات مقدرة من الشارع، تمتنع الزيادة فيها أو النقصان (٥) .\n_________\n(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢/٣٣٧ ط الثالثة سنة ١٣٨٦ هـ. بدار القيم في مصر.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن) ٢/٣٣٧.\n(٣) انظر: لسان العرب لابن منظور ٤/٤١٥ ط بيروت سنة ١٣٧٥ هـ. والمصباح المنير ١/١٣٥\n(٤) انظر: المفردات للراغب ص/١٠٩، وفتح الباري شرح صحيح البخاري لابن حجر ١٢/٥٨ ط السلفية بمصر، والمطلع على أبواب المقنع لأبي الفتح البعلي الحنبلي ص/٣٧٠ ط الأولى المكتب الإسلامي بدمشق سنة ١٣٨٥ هـ.\n(٥) انظر: فتح الباري ١٢/٥٨. والمطلع ص/ ٣٧٠.","vol":"1","page":22},{"text":"٣- لأنها زواجر عن محارم الله (١) .\nوفي الواقع أن هذه التعليلات ليس هناك ما يمنع التعليل بها مجتمعة لاشتمالها على هذه المعاني الثلاثة: فهي عقوبات مقدرة على مرتكبي محارم الله وحقوقه تمنعهم من العود لمثلها، وهي موانع وزواجر عن محارم الله، ويمتنع الزيادة عليها أو النقصان منها.\nالحد في الاصطلاح (٣):\nتكاد تتفق كلمة أهل الاصطلاح على أن تعريف الحد اصطلاحًا:\nعقوبة مقدرة في الشرع لأجل حق الله تعالى.\nشرح التعريف:\nلفظ عقوبة: جنس في التعريف تشمل المقدرة وغير المقدرة.\nولفظ مقدرة: تخرج غير المقدر وهو ما عرف باسم: التعزيرات\nولفظ في الشرع: يفيد أنها توقيفية على لسان الشارع ﷺ. فتخرج العقوبات المقدرة في القوانين الموضوعة المختلقة المصنوعة. فلا تسمى حدودًا.\nلأجل حقّ الله تعالى: يخرج به ما كان حقًا للعبد، وهو: القصاص في نفس أو طرف. والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: المطلع ص/ ٣٧٠.\n(٢) انظر: شرح فتح القدير ٥/٤، والحدود لابن عرفة المالكي ص/٤٨٩ ط الأولى بالمطبعة التونسية في تونس سنة ١٣٥٠ هـ. والتعريفات للجرجاني ص/،٧ ط الحلبي بمصر سنة ١٣٥٧ هـ. المطلع على أبواب المقنع ص/ ٣٧٠. ونيل الأوطار للشوكاني ٩٢/٧ ط الثالثة بمطبعة الحلبي في مصر سنة ١٣٨٠ هـ.","vol":"1","page":23},{"text":"موقف ابن القيم من هذا الاصطلاح:\nرأينا أن الفقهاء يقصرون في اصطلاحهم لفظ \" الحد \" على العقوبة المقدرة في الشرع لحقّ الله تعالى.\nلكنا نرى ابن القيم رحمه الله تعالى لا يرتضى القصر في هذا الاصطلاح الفقهي فيقدر أن هذا اصطلاح حادث وأنه في لسان الشرع أعم وأشمل فيعم العقوبة مقدرة أو غير مقدرة كما يشمل نفس الجناية أيضًا كلّ هذا في نظره يسمى (حدًا) على لسان الشارع.\nوأوضح هذا المعنى في كتابه (الأعلام) في معرض ردّه على من فهم من قوله ﷺ (لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى) (١) - أن الحدود هنا يراد بها ما ترتب عليه عقوبات مقدرة فقال (٢): (الحد في لسان الشارع أعم منه في اصطلاح الفقهاء، فإنهم يريدون بالحدود: عقوبات الجنايات المقدرة بالشرع خاصة. والحد في لسان الشارع أعم من ذلك. فإنه يراد به هذه العقوبة تارة. ويراد به نفس الجناية تارة كقوله تعالى (٣) (تلك حدود الله فلا تقربوها) وقوله تعالى (٤) (تلك حدود الله فلا تعتدوها) . ويراد به تارة جنس العقوبة وإن لم تكن مقدرة.\nفقوله ﷺ (لا يضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود\n_________\n(١) الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي بردة ﵁ بلفظ (لا يجلد فوق ... الحديث) انظر صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٢/١٧٥. وصحيح مسلم ٥/١٢٦. وانظر نيل الأوطار للشوكاني ١٥٨/٧. وسبل السّلام للصنعاني ٤/٣٧ طبع المكتبة التجارية بمصر.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/٢٩.\n(٣) الآية: رقم ١٨٧ سورة البقرة.\n(٤) الآية: رقم ٢٢٩ سورة البقرة.","vol":"1","page":24},{"text":"الله) . يريد به الجناية التي هي حق الله) .\nوإن هذا الموقف من ابن القيم رحمه الله تعالى هو من فقه الكتاب والسنة فهذا العموم للفظ (الحد) في لسان الشارع تؤيده النصوص التي ساقها رحمه الله تعالى. وقصر (الحد) على العقوبة المقدرة للجنايات يحتاج إلى دليل يفيد القصر. وبعد التحري لم أر دليلًا على هذا القصر. وإنما هو محض اصطلاح دعاهم إليه- والله أعم- أن تتميز العقوبات المقدرة عن غيرها لأهميتها وتميزها بأحكام خاصة بها. تقريبًا للأذهان، وتيسيرًا على الطالبين ولا مشاحة في الاصطلاح.\nوهذا ما يقرره ابن القيم في موضع آخر إذ يقول (١): (والاصطلاحات لا مشاحة فيها إذا لم تتضمن مفسدة) .\nفابن القيم لا ينفي هذا الاصطلاح الفقهي في تعريف (الحد) ولكن يعارض بكل شدّة أن يقضي بالاصطلاحات الحادثة على نصوص الشرع، فتفسر بها، وتقصر معانيها عليها ولاشك أن هذا من الغلط البيّن على نصوص الكتاب والسنة. ومن هذا الغلط غلط من فسر لفظ (حدود الله) في الحديث المذكور بمعنى (ذات العقوبة المقدرة) فهذا قضاء على عموم معنى النص باصطلاح حادث. وإنما معناه ما حرم لحق الله فإن (حدود الله) هي (حقوق الله) وهذا يشمل ويعم المقدر وغيره.\nوابن القيم في تقرير هذا المعنى له سلف من أهل العلم منهم شيخه أبو العباس ابن تيمية في طائفة من أهل العم، وفي هذا يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى (٢):\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين ٣/٣٠٦.\n(٢) انظر: مجموع الفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٨/٣٤٧ - ٣٤٨ الطبعة الأولى سنة ٣٨٣ هـ. بمطابع الرياض جمع العلامة عبد الرحمن بن قاسم العاصمي النجدي الحنبلي.","vol":"1","page":25},{"text":"(والحديث الذي في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله) قد فسره طائفة من أهل العلم بأن المراد بحدود الله، ما حرم لحق الله فإن الحدود في لفظ الكتاب والسنة يراد بها الفصل بين الحلال والحرام مثال: آخر الحلال وأول الحرام.\nفيقال في الأول (تلك حدود الله فلا تعتدوها) (١) .\nويقال في الثاني (تلك حدود الله فلا تقربوها) (٢) .\nوأما تسمية العقوبة المقدرة حدًا فهو عرف حادث. ومعنى الحديث: أن من ضرب لحق نفسه كضرب الرجل امرأته في النشوز لا يزيد على عشر جلدات) . وهذه الإفادة عن ابن القيم التي قذف بها موج بحره الزخار تكسبنا إنارة في تقويم المفهوم عن الله وعن رسوله ﷺ ومعرفة لحدود لكلام الله وكلام رسوله ﷺ. ولا يفوتني في هذا المقام أن أشير إلى أن ابن القيم له مبحث نفيس في هذه القاعدة وهي معرفة حدود كلام الله ورسوله ﷺ في أعلام الموقعين (٣) والله أعلم.\n_________\n(١) الآية رقم ٢٢٩ سورة البقرة.\n٢) الآية رقم ١٨٧ سورة البقرة.\n٣) انظر: أعلام الموقعين ١/٢٦٦- ٢٦٨. وأيضًا أعلام الموقعين ٢/١٥٤.","vol":"1","page":26},{"text":"مَبَاحث الحدود العَامة عَندَ ابن القيم رحمه الله تعَالى\nحصل بالتتبع أن مباحثه في ذلك على ما يلي:\nالمبحث الأول: في آثار المعاصي شرعًا وقدرًا.\nالمبحث الثاني: في حكم إقامة الحد بدار الحرب.\nالمبحث الثالث: في تأخير الحد لعارض.\nالمبحث الرابع: في إقامة الحد بالقرينة الظاهرة.\nالمبحث الخامس: في أثر التوبة في الحدود.\nوإلى بيانها على هذا النسق والترتيب.","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>المبحث الأول:\nفي آثار المعاصي شرعًا وقدرًا </span>(١)\nأوضح ابن القيم رحمه الله تعالى أن للوقوع في معاصي الله وانتهاك حرماته آثارًا عقابية شرعًا وقدرًا، تحيط بالعاصي وتلم به، وهي في مجموعها تنقسم إلى عقوبتين:\nالأولى: قدرية.\nوالثانية: شرعية.\nوقد تناول كلا منهما في. بحوث طويلة الذيل، واسعة الأطراف، تشرق بالحيوية، وتفهم روح الشريعة الإسلامية، والوقوف على نصوصها وفقه أحكامها.\nفإلى الوقوف على خلاصة مباحثه في كل منهما على ما يلي:\nالأثر الأول: العقوبات القدرية\nيقصد بالعقوبات القدرية ما ينتج من انتهاك حرمات الله وارتكاب معاصيه من الآثار العقابية القدرية- المذمومة المضرة بالدين والقلب والبدن وغير ذلك مما يحيط بالعاصي ويلم به في مراحل سفره: في الدنيا، والبرزخ والآخرة وهي متفاوتة بحسب تفاوت المعاصي في درجاتها ومفاسدها.\n_________\n(١) انظر: الداء والدواء ص/٧٣- ١٧٨. وطريق الهجرتين ص/٤٨٦ -٤٩٠. والطرق الحكمية ص/١٠٦- ١٠٩، ٣٠٦- ٣٠٧. وزاد المعاد ٣/٣٠٤","vol":"1","page":29},{"text":"أنواعها:\nومن آثار المعاصي العقابية القدرية: ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى ما يزيد عن خمسين نوعًا من آثارها وقد تناولها بالبيان والتفصيل في (الداء والدواء) (١) . وفي معرض كلامه عن أسباب الصبر عن معاصي الله تعالى في (طريق الهجرتين) ساق جملة منها على سبيل الإجمال فقال (٢) (منها: سواد الوجه، وظلمة القلب، وضيقه وغمه، وحزنه وألمه وانحصاره، وشدة قلقه واضطرابه، وتمزق شمله، وضعفه عن مقاومة عدوه، وتعريه من زينته بالثوب الذي جعله الله وزينه به، والعصرة التي تناله والقسوة والحيرة في أمره وتخلى وليه وناصره عنه، وتولي عدوه المبين له، وتوارى العلم الذي كان مستعدًا له عنه، ونسيان ما كان حاصلًا له أو على ضعفه ولا بد ومرضه الذي استحكم به فهو الموت ولا بد، فإن الذنوب تميت القلب، ومنها ذلة بعد عزة. ومنها أنه يصير أسيرًا في يد أعدائه بعد أن كان ملكا متصرفًا يخافه أعداؤه. ومنها أنه يضعف تأثيره فلا يبقى له نفوذ في رعيته ولا في الخارج فلا رعيته تطيعه إذا أمرها، ولا ينفذ في غيرهم.\nومنها زوال أمنه وتبدله به مخافة، فأخوف الناس أشدهم إساءة.\nومنها زوال الأنس والاستبدال به وحشة، وكلما ازداد إساءة ازداد وحشة. ومنها زوال الرضى واستبداله بالسخط.\nومنها زوال الطمأنينة بالله والسكون إليه والإيواء عنده واستبدال الطرد والبعد منه\nومنها وقوعه في بئر الحسرات، فلا يزال في حسرة دائمة كلما نال لذة نازعته\n_________\n(١) انظر: ص/٧٣- ١٥٩.\n(٢) انظر: ص/٤٨٦- ٤٩٠.","vol":"1","page":30},{"text":"نفسه إلى نظيرها إن لم يقض منها وطرًا، أو إلى غيرها إن قضى وطره، منها، وما يعجز عنه من ذلك أضعاف أضعاف ما يقدر عليه، وكلما اشتد نزوعه وعرف عجزه اشتدت حسرته وحزنه. فيا لها نارًا قد عذب بها القلب في هذه الدار قبل نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة.\nومنها فقره بعد غناه فإنه كان غنيًا بما معه من رأس مال الإيمان وهو يتجر به ويربح الأرباح الكثيرة، فإذا سلب رأس ماله أصبح فقيرًا معدمًا فإما أن يسعى بتحصيل رأس مال آخر بالتوبة النصوح والجد والتشمير (أولا) فقد فاته ربح كثير بما أضاعه من رأس ماله.\nومنها نقصان رزقه، فإن العبد يحرم الرزق بالذنب يصيبه.\nومنها ضعف بدنه.\nومنها زوال المهابة والحلاوة التي لبسها بالطاعة فتبدل بها مهانة وحقارة. ومنها حصول البغضة والنفرة منه في قلوب الناس.\nومنها ضياع أعز الأشياء عليه وأنفسها وأغلاها وهو الوقت الذي لا عوض منه، ولا يعود إليه أبدًا.\nومنها طمع عدوه فيه وظفره به، فإنه إذا رآه منقادًا مستجيبًا لما يأمره اشتد طمعه فيه وحدث نفسه بالظفر به وجعله من حزبه حتى يصير هو وليه دون مولاه الحق.\nومنها الطبع والرين على قلبه، فإن العبد إذا أذنب نكت في قلبه نكتة سوداء، فإن تاب منها صقل قلبه، وإن أذنب ذنبًا آخر نكت فيه نكتة أخرى ولا تزال حتى تعلو قلبه، فذلك هو الران قال الله تعالى (١): (كلاّ بل ران على قلوكم ما كانوا يكسبون) .\n_________\n(١) الآية رقم ١٤ سورة المطففين.","vol":"1","page":31},{"text":"ومنها أنه يحرم حلاوة الطاعة، فإذا فعلها لم يجد أثرها في قلبه من الحلاوة والقوة ومزيد الإيمان والعقل والرغبة في الآخرة، فإن الطاعة تثمر هذه الثمرات ولا بد.\nومنها أن تمنع قلبه من ترحله من الدنيا ونزوله بساحة القيامة، فإن القلب لا يزال مشتتًا مضيعًا حتى يرحل من الدنيا وينزل في الآخرة فإذا نزل فيها أقبلت إليه وفود التوفيق والعناية من كل جهة، واجتمع على جمع أطرافه وقضاء جهازه وتعبئة زاده ليوم معاده، ما لم يترحل إلى الآخرة ويحضرها فالتعب والعناء والتشتت والكسل والبطالة لازمة له لا محالة.\nومنها إعراض الله وملائكته وعباده عنه فإن العبد إذا أعرض عن طاعة الله واشتغل بمعاصيه أعرض الله عنه فأعرضت عنه ملائكته وعباده، كما أنه إذا أقبل على الله أقبل الله عليه وأقبل بقلوب خلقه إليه.\nومنها أن الذنب يستدعي ذنبًا آخر ثم يقوى أحدهما بالآخر فيستدعيان ثالثًا،\nثم تجتمع الثلاثة فتستدعي رابعًا وهم جرا حتى تغمره ذنوبه وتحيط به خطيئته، قال بعض السلف: إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها. ومنها علمه بفوات ما هو أحب إليه وخير له منها من جنسها وغير جنسها، فإنه لا يجمع الله لعبده بين لذة المحرمات في الدنيا ولذة ما في الآخرة. كما قال الله تعالى (١): (ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها)، فالمؤمن لا يذهب طيباته في الدنيا، بل لا بد أن يترك بعض طيباته للآخرة. وأمّا الكافر فإنه لا يؤمن بالآخرة فهو حريص على تناول حظوظه كلها وطيباته في الدنيا.\n_________\n(١) الآية رقم ٢٠ الأحقاف.","vol":"1","page":32},{"text":"ومنها علمه بأن أعماله هي زاده ووسيلته إلى دار إقامته فإن تزود من طاعته وصل إلى دار أهل طاعته وولايته.\nومنها علمه بأن عمله هو وليه في قبره وأنيسه فيه وشفيعه عند ربه والمخاصم والمحاج عنه، فإن شاء جعله له، وإن شاء جعله عليه.\nومنها علمه بأن أعمال البر تنهض بالعبد وتقوم به وتصعد إلى الله به، فبحسب قوة تعلقه بها يكون صعوده مع صعودها. وأعمال الفجور تهوي به وتجذبه إلى الهاوية وتجره إلى أسفل سافلين، وبحسب قوة تعلقه بها يكون هبوطه معها ونزوله إلى حيث يستقر به، قال الله تعالى (١): (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) وقال تعالى (٢): (إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء) فلما لم تفتح أبواب السماء لأعمالهم بل أغلقت عنها، لم تفتح لأرواحهم عند المفارقة بل أغلقت عنها. وأهل الإيمان والعمل الصالح لما كانت أبواب السماء مفتوحة لأعمالهم حتى وصلت إليه تعالى وقامت بين يديه، فرحمها وأمر بكتابة اسمها في عليين.\nومنها خروجه من حصن الله الذي لا ضيعة على مدخله، فيخرج بمعصيته منه\nإلى حيث يصير نهمًا للصوص وقطاع الطرق. فما الظن بمن خرج من حصن حصين لا تدركه فيه آفة، إلى خربة وحشة هي مأوى اللصوص وقطاع الطريق فهل يتركون معه شيئًا من متاعه؟ ومنها أنه بالمعصية قد تعرض لمحق بركته. وبالجملة فآثار المعصية القبيحة أكثر من أن يحيط بها العبد علمًا، وآثار الطاعة الحسنة أكثر من أن يحيط بها علمًا، فخير الدنيا والآخرة بحذافيره في طاعة الله، وشر الدنيا والآخرة بحذافيره في معصيته، وفي بعض الآثار يقول الله ﷾: \" من ذا الذي أطاعني فشقي بطاعتي؟ ومن ذا الذي عصاني فسعد بمعصيتي\".\n_________\n(١) الآية رقم ١٠ فاطر.\n(٢) الآية رقم ٤٠ سورة الأعراف.","vol":"1","page":33},{"text":"تقسيم هذه العقوبات القدرية:\nوقد ذكر رحمه الله تعالى تقسيم هذه العقوبات القدرية وتنويعها باعتبارات ثلاثة هي:\n١- تقسيمها باعتبار العموم والخصوص.\n٢- تقسيمها باعتبار المحل الذي تقع فيه.\n٣- تقسيمها باعتبار المكان الذي تقع فيه.\nوبيانها على هذا النسق كما يلي:\n١- تقسيمها باعتبار العموم والخصوص:\nهذه العقوبات القدرية إما أن تقع على المتلبس بالمعصية خاصة ولا تتعداه إلى سواه وإما أن تتعداه إلى غيره فيكون لها بالغ الأثر في مجتمعه وفي ظل هذا التنويع يبين ابن القيم رحمه الله تعالى مجال كل منهما فيقول (١):\nأما العقوبة القدرية فإنها تقع عامة وخاصة، فإن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، وإذا أعلنت ضرت الخاصة والعامة، وإذا رأى الناس المنكر فاشتركوا في ترك إنكاره أوشك أن يعمهم الله بعقابه) .\nفالعقوبات القدرية إذا تنقسم بهذا الاعتبار إلى قسمين:\nالأول: خاصة، بمعنى وقوعها على المتلبس بالمعصية دون غيره فيما إذا كان العمل. بها خفيا لم تقع المجاهرة به.\nالثاني: عامة، بمعنى وقوعها على العاصي وغيره. ومجال عمومها: إذا أعلنت وجاهر. المذنبون بمعاصيهم ولم ينكر المسلمون ذلك، والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: الداء والدواء ص/١٦١.","vol":"1","page":34},{"text":"٢- تقسيمها باعتبار المحل الذي تقع عليه:\nوقد ذكر أيضًا رحمه الله تعالى أن هذه الآثار العقابية القدرية للمعاصي تنقسم باعتبار المحل الذي تقع عليه إلى قسمين أيضًا:\nالأول: على الأبدان والأموال. مثل: ارتفاع النعم وحلول النقم. وحدوث الأمراض والآفات في الأبدان والثمار، وتسلط الرعاة على الرعية ونحو ذلك.\nالثاني: على القلوب والنفوس.\nمثل إضعاف القلب عن إزالة الطاعة. والطبع عليه. وتوريثها الذلّ. وإفساد العقل وإلغاء نور النفس. وسقوط الجاه والكرامة. ونحو ذلك (١) .\nوهذه العقوبة هي أصل عقوبة الأبدان والأموال. وهي أشد العقوبتين أثرًا ونكاية. وهي أيضًا تتنوع إلى نوعين. وفي بيان هذا يقول رحمه الله تعالى (٢): (أمّا العقوبات القدرية فهي نوعان: نوع. على القلوب والنفوس. ونوع على الأبدان والأموال.\nوالتي على القلوب نوعان:\nأحدهما: آلام وجودية يضرب بها القلب.\nوالثاني: قطع المواد التي بها حياته وصلاحه عنه، وإذا قطعت عنه حصل له أضدادها. وعقوبة القلب أشد العقوبتين. وهي أصل عقوبة الأبدان وهذه العقوبة تقوى وتتزايد حتى تسري من القلب إلى البدن كما يسري ألم البدن إلى القلب. فإذا فارقت النفس البدن صار الحكم متعلقًا بها، فظهرت عقوبة القلب\n_________\n(١) انظر: الداء والدواء ص/٧٣- ١٦٧.\n(٢) انظر: الداء والدواء ص/١٦٦- ١٦٧","vol":"1","page":35},{"text":"حينئذ وصارت علانية ظاهرة، وهي المسماة بعذاب القبر، ونسبته إلى البرزخ كنسبة عذاب الأبدان إلى هذه الدار) .\n٣- تقسيمها باعتبار المكان الذي تقع فيه:\nوهذا أيضًا تقسيم ثالث لآثار المعاصي العقابية القدرية بالنسبة لظرف وقوعها المكاني. فذكر رحمه الله تعالى انقسامها بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: عقوبات في دار الدنيا.\nالثاني: عقوبات في دار البرزخ.\nالثالث: عقوبات في الآخرة.\nوينتظم هذه العقوبات الثلاث قول الله تعالى (١) (ومن أعرض عن ذكرى فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى) .\nوفي بيان ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢):\n(قال تعالى (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى) . وفسرت المعيشة الضنك: بعذاب القبر. ولا ريب أنه من المعيشة الضنك. والآية تتناول ما هو أعم منه وإن كانت نكرة في سياق الإثبات فإن عمومها من حيث المعنى، فإنه سبحانه رتب المعيشة الضنك على الإعراض عن ذكره، فالمعرض عنه له من المعيشة الضنك بحسب إعراضه، وإن تنعم في الدنيا بأصناف النّعم، ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه، وإنما يواريه عنه سكرات الشهوات والعشق وحبّ الدنيا والرياسة، وإن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر، فسكر هذه الأمور أعظم من سكر الخمر، فإنه يفيق صاحبه ويصحو وسكر الهوى وحبّ الدنيا لا يصحو\n_________\n(١) الآية رقم ١٢٤ سورة طه.\n(٢) انظر: الداء والدواء ص/١٧٤- ١٧٥","vol":"1","page":36},{"text":"صاحبه إلا إذا كان صاحبه في عسكر الأموات فالعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر الله الذي أنزله على رسوله ﷺ في دنياه. وفي البرزخ، ويوم معاده.\nالأثر الثاني: العقوبات الشرعية:\nترتب العقوبات الشرعية أثر من آثار التلبس بمعاصي الله واقتراف المآثم ويراد بها: ما رتبه الشارع على ذلك من حد أو كفارة (١) أو تعزير.\nوهذا الأثر العقابي الشرعي الحكمي هو ما عرف بعد باسم: الحدود والتعازير إذا ما استثنينا ترتب الكفارة.\nوقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن المعاصي بالنسبة لترتب هذا الأثر عليها تنقسم إلى ثلاثة أقسام (٢):\nالقسم الأول: ما فيه حد مقدر، كالزنى، والسرقة، والقذف، وشرب الخمر. فهذا القسم لا كفارة فيه ولا تعزير.\nالقسم الثاني: ما فيه كفارة، كالجماع في الإحرام، ونهار رمضان، وولاء المظاهر منها قبل التكفير وقتل الخطأ، والحنث في اليمين ونحو ذلك. فهذا القسم لا حد فيه.\nالجمع بين الكفارة والتعزير (٣):\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى الخلاف في الجمع بين التعزير والكفارة في\n_________\n(١) لغة: مأخوذة من الكفر وهو الستر لأنها تغطي الذنب وتستره. انظر (تهذيب الأسماء واللغات ٢/١١٦، ومختار الصحاح ص/٥٧٣) .\n(٢) انظر: زاد المعاد: ٣/٢٠٤، والطرق الحكمية ص/١٠٧، والداء والدواء ص/ ١٦٤. وأعلام الموقعين ٢/٩٩.\n(٣) انظر: المراجع السابقة.","vol":"1","page":37},{"text":"المعصية التي لا حد فيها على قولين للفقهاء هما وجهان لأصحاب أحمد: الأول: يجب التعزير مع الكفارة، وذلك لما انتهك من الحرمة بركوب الجناية.\nالثاني: لا تعزير مع الكفارة اكتفاء بها، لأنها جابرة وماحية.\nهكذا حكى ابن القيم رحمه الله تعالى القولين ولم يرجح أحدهما على الآخر والذي يظهر والله أعلم هو عدم وجوب التعزير مع الكفارة لآن الوجوب لا بد له من دليل يقضي بالإيجاب وهذا ما لا يعلم توفره هنا والله أعلم.\nالقسم الثالث: ما ليس فيه حد ولا كفارة. فهذا فيه التعزير.\nوهذا القسم على نوعين (١):\n(أحدهما: ما كان الوازع عنه طبيعيًا، كأكل العذرة، وشرب البول.، والدم.\nوالثاني: ما كانت مفسدته أدنى من مفسدة ما رتب عليه الحد، كالنظر والقبلة، واللمس والمحادثة وسرقة فلس، ونحو ذلك) .\nومن هذا البحث، نستخلص أن العقوبات الشرعية المترتبة على المعاصي ثلاثة أنواع:\n١- حد مقدر. ٣- كفارة مقدرة. ٣- تعزير.\nوأن المعاصي بالنسبة لترتيب هذه العقوبات الشرعية الحكمية- عليها على أنواع أيضًا وهي:\n١- معصية فيها حد مقدرة فلا كفارة فيها ولا تعزير (٢) .\n٢- معصية فيها كفارة مقدرة فلا حد فيها بالاتفاق ولا تعزير على أصح القولين.\n٣- معصية لا حد فيها ولا كفارة ففيها التعزير.\n_________\n(١) انظر: الداء والدواء ص/١٦٤\n(٢) وقد اختلف العلماء في تعزير شارب الخمر مع الحد ويأتي بيانه إن شاء الله تعالى في باب الخمر.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الثاني:\nفي حكم إقامة الحد بدار الحرب </span>(١):\nإذا أصاب المسلم فيها ما يوجب حدًا في سرقة أو شرب خمر أو نحوها\nمن موجبات الحدود فهل يقام عليه الحد؟\nهذه من مسائل الاختلاف بين أهل العلم، وقد تناولها ابن القيم ﵀\nتعالى بالبيان والتفصيل، فحكى الخلاف، ودلّل، ورجح. وضرب بها المثال لتغير الفتوى بتغير الأزمنة والأحوال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>اختياره رحمه الله تعالى </span>(٢):\nيظهر جليًا من مباحثه رحمه الله تعالى في ذلك: اختياره قاعدة يرد عليها استثناء واحد\nذلك: أن من باشر ما يوجب حدًا في دار الحرب، فإنه لا يسقط عنه الحد بالكلية وإنما يؤخر حتى يقفل من دار الحرب ويعود إلى اْرض الإسلام.\nلكن إن كان لمن وجب عليه الحد من الحسنات والنكاية بالعدو ما يغمر\nسيئته التي وقع فيها، وظهرت منه مخايل التوبة النصوح فإنه يسقط عنه الحد بالكلية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>سلفه في تقرير هذا الاختيار:</span>\nاختياره هذا رحمه الله تعالى يتكون من تقرير قاعدة يرد عليها استثناء وهذا\n(١) أ- انظر في هذا المبحث: أعلام الموقعين ٢/٣٠٧، ٣/١٧- ٢١، ٣/ ١٥٥.\nب- دار الحرب، ويقال: دار الكفر. وأرض الكفر. وأرض الحرب كلها بمعنى: دار التباعد والبغضاء.\nوهي: دار الكفار الذين ليس بيننا وبينهم عهد ولا أمان (انظر المطلع ص/٢٢٦) .\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٧- ٣١","vol":"1","page":39},{"text":"الاستثناء لم أر من سبقه إليه، أما تقريره القاعدة المذكورة فهي مذهب أحمد، وإسحاق (١)، والأوزاعي (٢) وغيرهم.\nوقد أوضحه ابن القيم رحمه الله تعالى فقال (٣):\n(وقد نص أحمد، وإسحاق والأوزاعي وغيرهم من علماء الإسلام على أن الحدود لا تقام في أرض العدو. وذكرها أبو القاسم الخرقي (٤) في مختصره (٥) فقال (٦): لا يقام الحد على مسلم في أرض العدو) .\nوعدم إقامته في أرض العدو يعني تأخيره حتى يعود إلى أرض الإسلام فيقام الحد إذًا على مرتكب موجبه. وهو كذلك مصرحًا به عند من حكى مذهب هؤلاء أو بعضهم كالترمذي وابن قدامة، وابن الهمام. وغيرهم.\nقول الترمذي (٧):\n_________\n(١) هو: إسحاق ابن إبراهيم ابن مخلد ابن راهويه الحنظلي المروزي المتوفى سنة ٢٣٨ هـ. من كبار الحفاظ وأعلام المجتهدين (انظر: تقريب التهذيب ١/٥٤، وتذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٤٣٣) .\n(٢) هو: شيخ الإسلام أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي الحافظ المتوفى سنة ١٥٧ هـ. (انظر: تذكرة الحفاظ ١/١٧٨. وقد ألف بعض البغاددة المعاصرين وهو الأستاذ: عبد الله الجبوري كتابًا في فقه سمّاه (فقه الإمام الأوزاعي) ط سنة ١٣٤٧ هـ. بمطبعة الإرشاد في\nبغداد. ولم يذكر هذه المسألة في فقه الأوزاعي.\n(٣) انظر، أعلام الموقعين ٣/١٧.\n(٤) هو: أبو القاسم عمر ابن الحسين ابن عبد الله الخرقي الحنبلي المتوفى سنة ٣٣٤ هـ. (انظر: طبقات الحنابلة ٢/٧٦ - ١١٩) .\n(٥) اشتهر كتابه باسم (مختصر الخرقي) وهو في فقه الإمام أحمد ط سنة ١٣٨٤ هـ بالمكتب الإسلامي في دمشق. وعلى هذا المختصر جاء شرح ابن قدامة له في كتابه الشهير (المغني) .\n(٦) انظر: نص العبارة في مختصر الخرقي ص/٣٠٥. وانظر: المغني ١٠/٥٣٧.\n(٧) هو: الإمام المحدث الكبير بكتابه الجامع: محمد بن عيسى بن سورة بن موسي السلمي البوغي الترمذي المتوفى سنة ٣٧٩ هـ. (انظر: التقريب ٢/١٩٨ والأعلام للزركلي ٦/ ٣٢٢) .","vol":"1","page":40},{"text":"قال بعد سياق الحديث في النهي عن القطع في الغزو (١):\n(والعمل على هذا عند بعض أهل العلم منهم الأوزاعي، لا يرون أن يقام الحد\nفي الغزو وبحضرة العدو مخافة أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو، فإذا خرج الإمام من أرض الحرب ورجع إلى دار الإسلام أقام الحد على من أصابه) .\nقوِل ابن قدامة (٢):\nقال في بيان مذهب الإمام أحمد (٣):\n(من أتى حدًا من الغزاة أو ما يوجب قصاصًا في أرض الحرب لم يقم عليه حتى يقفل فيقام عليه الحد وبهذا قال الأوزاعي وإسحاق) .\nقول ابن الهمام (٤):\nقال بعد سياق قول الترمذي المتقدم (٥):\n(واعلم أن مع الأوزاعي أحمد وإسحاق فمذهبهم تأخير الحد إلى القفول) .\n_________\n(١) انظر: سنن الترمذي ٤/٥٣.\n(٢) هو: الإمام العلاّمة فقيه الحنابلة موفق الدين أبو محمد عبد الله بن أحمد بن قدامة العمري الحنبلي المتوفى سنة ٦٢٠ هـ.\n(انظر: شذرات الذهب ٥/٨٨، والأعلام ٤/ ١٩١) .\n(٣) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/٥٣٧. ط الأولى سنة ١٣٤٨ هـ بالمنار في مصر.\n(٤) هو: كمال الدين محمد بن عبد الواحد المعروف بابن الهمام الحنفي توفي سنة ٨٦١ هـ. (انظر: الضوء اللامع للسخاوي ٨/١٢٧ وما بعدها، وشذرات الذهب ٧/٢٨٩، والأعلام ٧/١٣٤-١٣٥) .\n(٥) انظر: شرح فتح القدير ٥/٤٧ ط بولاق بمصر سنة ١١٣٤ هـ","vol":"1","page":41},{"text":"أدلة اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى:\nعرفنا أن اختياره رحمه الله تعالى هو: تأخير الحد وأنه لا يسقط إلا عن من كانت له من الحسنات والنكاية بالعدو ما يغمر سيئته وقد ظهرت منه مخايل التوبة النصوح.\nوقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى: الأدلة على تأخير الحد كما ذكر دليل الاستثناء المذكور في اختياره.\nلهذا فإني أسوق أدلة اختياره وما يرد عليها من مناقشات على ما يلي:\n\nأولًا: الأدلة التي استدل بها على تأخير الحد:\nوهي من السنة (١) . وقضاء الصحابة (٢) ﵃ والإجماع (٣) والقياس (٤) وبيانها على ما يلي:\n١-<span data-type=\"title\" id=toc-25> استدلاله من السنة:</span>\nاستدل بحديث النهي عن القطع في الغزو فقال (٥):\n_________\n(١) السنة: لغة، الطريقة. واصطلاحًا: ما ورد عن النبي ﷺ من قول أو فعل أو تقرير (انظر: قواعد التحديث للقاسمي ص/٦١) .\n(٢) الصحابي: ورد في حده تعاريف كثيرة أمثلها: هو من لقى النبي ﷺ مؤمنًا به ولو ساعة سواء روى عنه أم لا (انظر: قواعد التحديث ص/٢٠٠) .\n(٣) الإجماع: لغة، الاتفاق. واصطلاحًا: له عدة تعاريف أقعدها: اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ بعد وفاته في عصر على حكم شرعي اجتهادي. (انظر: روضة الناظر لابن قدامة ص/٦٧) .\n(٤) القياس، لغة: التقرير. واصطلاحًا: قيل فيه عدة تعاريف منها: حمل فرع على أصل في حكم لجامع بينهما. (انظر: روضة الناظر ص/١٤٥) .\n(٥) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٧.","vol":"1","page":42},{"text":"(إن النبي ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو رواه أبوِ داود) .\nعلّة النهي:\nقال في بيانها (١):\n(فهذا حد من حدود الله وقد نهى عن إقامته في الغزو خشية أن يترتب عليه ما هوِ أبغض إلى الله من تعطيله أو تأخيره من لحوق لصاحبه بالمشركين حمية وغضبًا، كما قال عمر (٢)، وأبو الدرداء (٣) وحذيفة (٤) وغيرهم..) .\nوجه الاستدلال:\nدلالة هذا الحديث نصية على النهي عن إقامة حد السرقة على مرتكبها من\nالغزاة في الغزو.\nلكن ابن القيم رحمه الله تعالى فهم منهم العموم في النهي عن إقامة كافة الحدود\nفي أرض العدو، للاشتراك في علّة النهي فطرد هذا الحكم في سائر الحدود فقال (٥):\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٧.\n(٢) هو: الخليفة الراشد عمر بن الخطاب العدوى ﵁ توفي شهيدًا سنة ٢٤ هـ. وقد ألفت في ترجمته وسيرته وأقضيته مؤلفات منها: (تاريخ عمر بن الخطاب) لابن الجوزي ط بمطبعة التوفيق في مصر بلا تاريخ و(الفاروق القائد) لمحمود شيت خطاب وغيرهما.\n(٣) هو: عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري ﵁ مات في آخر خلافة عثمان ﵁ وحديثه في الكتب الستة (انظر: تقريب التهذيب ٢/ ٩١ والإصابة ٣/٤٦) .\n(٤) هو: حذيفة ابن اليمان العبسي من أجلاء الصحابة ﵃ توفي سنة ٣٦ هـ (انظر: الإصابة لابن حجر ١/٣١٦. والتقريب ١/١٥٦) .\n(٥) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٥٥.","vol":"1","page":43},{"text":"(إن النبي ﷺ نهى أن تقطع الأيدي في الغزو لئلا يكون ذريعة إلى إلحاق المحدود بالكفار، ولهذا لا تقام الحدود في الغزو كما تقدم) (١) .\nوهذا من ابن القيم رحمه الله تعالى: أخذ بروح التشريع، ونظر إلى مقاصد الشريعة، ومراعاة لعلل الأحكام، وبعد عن الجمود مع ظاهر النص.\nإيراد وجوابه:\nوهو أنَ يقال: اين الاستدلال من هذا الحديث على تأخير الحد فإن ظاهره\n. سقوط الحد لا تأخيره والحال يقِتضي البيان؟\nوالجواب عن هذا من وجهين:\n١- إن الحديث نهى عن إقامة حد القطع في ظرف خاص وهو (الغزو) فهذا نهي عن إقامة الحد في حالة الغزو وليس إسقاطا له. يوضحه الوجه بعده:\n٢- وهو أن الصحابة ﵃ الذين وقع التشريع في عصرهم وفي مواجهتهم أخروا إقامة الحدود عن مرتكبيها في المغازي في قضايا متعددة\nكما سيأتي ذكر بعضها إن شاء الله تعالى هم أقرب الأمة لفهم كلام نبيها، ومعرفة مراده، وبهذا أخذ ابن القيم وجعل ما وقع من الصحابة ﵃ من تأخير الحد- تفسيرًا للنص وكشفًا عن مراد الشارع صلى\nالله عليه وسلم.\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٧- ٢١","vol":"1","page":44},{"text":"مناقشة هذا الدليل:\nبعد أن رأينا هذا الحديث نصًا ودلالة والتسليم لها، فما هي منزلة هذا الحديث ودرجته من الصحة أو الضعف أو غيرهما من درجات الحديث الصناعية (١) . إذ أن التسليم لدلالة الحديث مترتبة على التسليم لثبوته. وبيان ذلك على ما يلي:\nمنزلته عند ابن القيم:\nلم يتكلم عليه ابن القيم رحمه الله تعالى بتصحيح أو تضعيف لكن ذكره له بصيغة الجزم (٢) كما تقدم واستدلاله به على ما رآه وعدم تعقبه له يعتبر تسليما منه لحجية إسناده.\nهذا ما يتضح للناظر من سياق ابن القيم لهذا الحديث في (أعلام الموقعين) (٣) لكنا نراه في مبحث لاحق من نفس الكتاب، يشير إلى ضعف الحديث في معرض ردّه على من قال الزيادة على ما في القرآن نسخ فيقول (٤): (إنكم أخذتم بخبر ضعيف (لا تقطع الأيدي في الغزو) وهو زائد على القرآن، وعديتموه إلى سقوط الحدود على من فعل أسبابها في دار الحرب..) .\nفمن هنا يبدو تضارب في منزلة هذا الحديث عند ابن القيم بين الحجية والتضعيف. لكن بعد التأمل يجد الناظر لكلامه محملًا ينفي عنه التضارب وهو أن يقال:\n_________\n(١) درجات الحديث الصناعية هي: أقسام الحديث وهي ثلاثة: صحيح وحسن وضعيف (انظر: اختصار علوم الحديث لابن كثير ص/ ٢١، ٣٧، ٤٤، ط الثالثة بمصر بتحقيق أحمد شاكر) .\n(٢) صيغة الجزم: من مباحث الاصطلاح في علوم الحديث مثل (قال) و(روى) يقابلها صيغة التمريض مثل (يقال) و(يروى) . (انظر: قواعد التحديث للقاسمي ص/٢١٠ الحلبي الثانية سنة ٣٨٠ هـ) .\n(٣) انظر:٣/١٧-٢١.\n(،) انظر: ٣/١٥٥","vol":"1","page":45},{"text":"إن الحديث في نظر ابن القيم رحمه الله تعالى ضعيف ضعفًا محتملًا، يتقوى بما يشهد له من أقضية الصحابة ﵃ والقياس الصحيح. بما يفيد النهي عن الحد حال الغزو وتأخيره بعد القفول منه، أما أن يريد به الضعيف ضعفًا غير محتمل، وهو ما كان في سنده من تكلم في عدالته بحيث لا يصح معه اعتبار ولا شاهد فهذا ما لم يظهر من كلامه والله أعلم.\nالدراسة الإسنادية لهذا الحديث:\nوهي تتجلى في الخطوات الآتية:\nأ- صحابي الحديث:\nصحابي هذا الحديث هو: بسر ابن أبي أرطأة ﵁. وهو من مفاريده (١) عن النبي ﷺ.\nب- مخرجيه:\nأخرج هذا الحديث الأئمة: أحمد (٢)، وأبو داود (٣)، والترمذي (٤) والنسائي (٥)، والدارمي (٦)، والضياء (٧) كلهم من حديث بسر ﵁.\n_________\n(١) الحديث الفرد: هو ما انفرد به راو واحد وإن تعددت الطرق إليه (انظر: شرح ألفية السيوطي ص/٤٣ لأحمد شاكر ط الحلبي سنة ١٣٥٣ هـ) .\n(٢) انظر: مسند أحمد ٤/١٨١ بالأوفست سنة ١٣٨٩ ط في بيروت.\n(٣) انظر: سنن أبي داود ٤/٥٦٣.\n(٤) انظر: سنن الترمذي ٤/٥٣.\n(٥) انظر: سنن النسائي ٨/٨٤.\n(٦) انظر: سنن الدارمي ٢/ ٢٣١. ط الاعتدال بدمشق سنة ١٣٤٩ هـ. والدارمي: هو الإمام أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي المتوفى سنة ٢٥٥ هـ. (انظر: تذكرة الحفاظ ٢/١٠٥، وتهذيب التهذيب ٥/٢٩٤) .\n(٧) انظر: الجامع الصغير مع شرحه فيض القدير للمناوي ٦/٤١٦ الأولى سنة ١٣٥٩ ط بمطبعة مصطفى محمد بمصر. حيث عزاه للضياء في كتابه (المختارة) والضياء: هو: ضياء الدين\nمحمد بن عبد الواحد المقدسي الحنبلي المتوفى سنة ٦٤٣ هـ (انظر: الرسالة المستطرفة للكناني ص/٢٤) .","vol":"1","page":46},{"text":"ج- ألفاظه:\nأما ألفاظه عند من خرجه فهي على ما يلي:\nأ- قال ﷺ (لا تقطع الأيدي في السفر) رواه أبو داود. والنسائي، والضياء.\nب- قال (نهانا رسول الله ﷺ - أو قال ﷺ - لا تقطع الأيدي في الغزو) رواه أحمد. والترمذي والدارمي.\nج- عند أحمد وأبي داود بإسناديهما عن جنادة بن أبي أمية (١) قال: كنا مع بسر ابن أبي أرطاة (٢) في البحر، فأتى بسارق يقال له (مصدر) قد سرق بختية (٣) فقال: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول (لا تقطع الأيدي في الغزو) .\nالجمع بين روايتي (السفر) و(الغزو):\nرواية النهي عن قطع الأيدي (في السفر) لا تعارض رواية (في الغزو) ذلك أن السفر المذكور يراد به سفر الغزو فهو من باب العام المخصص على ما ذكره جماعة الشراح لهذا الحديث (٤) .\n٤- التعريف بأسانيد هذا الحديث إلى راويه بسر:\nأما رجال إسناده عند أبي داود فكلهم ثقات إلى بسر كما قاله الشوكاني (٥) .\n_________\n(١) هو: جنادة بن أبي أمية الأزدي الشامي من ثقات التابعين كما حرره ابن حجر انظر (تقريب التهذيب ١/١٣٤) .\n(٢) لم أجد له ترجمة.\n(٣) البختية: هي الأنثى من الجمال البخت والذكر بختي وهو لفظة معربة جمعها بخت وبخاتي (انظر: النهاية لابن كثير ١/١٠١) .\n(٤) انظر: نيل الأوطار ٧/١٤٥.\n(٥) انظر: نيل الأوطار ٧/١٤٥. ط الثالثة سنة ١٣٨٠ ط بمطبعة الحلبي بمصر.","vol":"1","page":47},{"text":"ومدار أسانيده عند أحمد والترمذي على ابن لهيعة، وهو عبد الله بن لهيعة المصري المتوفى سنة ١٧٤ هـ. ومنزلته الصدق وقد اختلط بعد احتراق كتبه (١)، وهو مدلس (٢) لكنه قد صرح بالتحديث في هذا الحديث.\nفيعلم من حاله إذا أن حديثه يتابع عليه، وقد تابعه (حيوة ابن شريح) عند أبي داود والنسائي وحيوة بن شريح الحضرمي المتوفى سنة ٢٢٤ هـ من ثقات المحدثين (٣) .\nوحيوة وابن لهيعة يرويانه: عن عياش بن عباس القتباني المصري المتوفى سنة ٢٣٣ هـ. وعياش من الأئمة الثقات (٤) .\nفتحصل أن أسانيد هذا الحديث إلى بسر، ترقى إلى درجة الصحة حسب أصول الصناعة الحديثية والله أعم.\n٤- التعريف ببسر راوي الحديث عن النبي ﷺ (٥):\nهو بسر ابن أبي أرطأة: عمير بن عويمر القرشي العامري. قيل مات أيّام معاوية ﵁. وقيل في أيّام عبد الملك بن مروان (٧) . وقيل في أيّام ابنه الوليد سنة ٨٦ هـ (٨) .\n_________\n(١) انظر: تقريب التهذيب ١/٤٤٤.\n(٢) التدليس: هو أن يروي عمن لقيه ما لم يسمعه منه (انظر: اختصار علوم الحديث لابن كثير ص/٥٣) .\n(٣) انظر: تقريب التهذيب ١/٢٠٨.\n(٤) انظر: تقريب التهذيب ١/٩٥.\n(٥) انظر في ترجمته: الإصابة ١/١٥٢، وتهذيب التهذيب ١/٤٣٥، وتقريب التهذيب ١/٩٦ جميعها للحافظ ابن حجر.\n(٦) هو: أمير المؤمنين معاوية ابن أبي سفيان القرشي الأموي ﵁ توفي سنة ٦٠ هـ. (انظر: الإصابة لابن حجر ٣/٤١٢- ٤١٤) .\n(٧) هو: عبد الملك بن مروان القرشي الأموي من أعاظم خلفاء بني أمية توفي سنة ٨٦ هـ. (انظر: الأعلام ٤/٣١٢، وتاريخ بغداد للخطيب ١٠/٣٨٨) .\n(٨) هو: الوليد بن عبد الملك بن مروان ولي بعد وفاة أبيه ومات سنة ٩٦ هـ (الأعلام ٩/ ١٤١) .","vol":"1","page":48},{"text":"وليس له عن النبي ﷺ سوى ثلاثة أحاديث (١) هذا أحدها، وهو من مفاريده فقد تفرد بروايته له عن النبي ﷺ. ولا يعلم أن أحدًا شاركه في رواية هذا الحديث عن النبي ﷺ\nوقد تكلم الحفاظ في بسر هذا من ثلاث جهات: في صحبته وفي سماعه من النبي ﷺ، وفي عدالته. وبيان هذا فيما يلي:\nأ- الخلاف في صحبته:\nاختلف في صحبة بسر للنبي ﷺ على قولين حكاها المنذري فقال فيه (٢):\n(اختلف في صحبته، فقيل: له صحبة، وقيل: لا صحبة له. وإن مولده قبل وفاة النبي ﷺ بسنتين وله أخبار مشهورة، وكان يحيى بن معين (٣)، لا يحسن الثناء عليه، وهذا يدل على أنه عنده لا صحبة له، والله ﷿ أعلم، وقد غمزه الدارقطني (٤» . والمنذري حكى الخلاف ولم يجزم بواحد من القولين. وهذا صنيع المزي في (تحفة الأشراف) (٥) والذهبي في (الميزان) (٦) وابن حجر في (الإصابة) (٧) وفي (تهذيب التهذيب) (٨) .\n_________\n(١) انظر: الإصابة ١/٤٣٥- ٤٣٦. وقد ذكرها: هذا أحدها، والثاني حديث (اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها ...) والثالث قال: أنه في مسند الشاميين من معجم الطبراني.\n(٢) انظر: مختصر سنن أبي داود ٦/٢٣٥.\n(٣) هو: يحيى بن معين بن عون الغطفاني إمام الجرح والتعديل توفي سنة ٢٣٣ هـ. (انظر: التقريب ٢/٣٥٨) .\n(٤) هو: علي ابن عمر بن أحمد الدارقطني البغدادي إمام مشهور له كتاب السنن توفي سنة ٣٨٥ هـ (انظر: تذكرة الحفاظ ٣/٩٩١) .\n(٥) انظر: تحفة الأشراف في معرفة الأطراف ٢/٩٥ ط الهندية سنة ١٣٨٦.\n(٦) انظر: ميزان الاعتدال في أسماء الرجال ١/٣٠٩ ط الحلبي بمصر سنة ١٣٨٢ هـ.\n(٧) انظر: ١/١٥٢. ط مصطفى محمد بمصر سنة ١٣٥٨ هـ. بهامشه الاستيعاب لابن عبد البر.\n(٨) انظر: ١/٤٣٥ - ٤٣٦. ط دائرة المعارف بالهند سنة ١٣٢٥ هـ.","vol":"1","page":49},{"text":"بينما نجد الذهبي نفسه في كتابه (تجريد أسماء الصحابة) (١) يذكره في عداد الصحابة ولا يتعقبه بشيء ينبئ بخلاف صحبته والحافظ ابن حجر في كتابه (التقريب) (٢) يجزم بصحبته فيقول فيه: (من صغار الصحابة مات سنة ٨٦ هـ. روى له أبو داود، والترمذي والنسائي) .\nفهذان الحافظان الذهبي وابن حجر اختلفت كلمتهما في صحبة بسر هذا بين الجزم بصحبته وبين التوقف فيها. كما توقف فيها أيضًا الشوكاني في (نيل الأوطار) (٣) .\nب- الخلاف في سماعه من النبي ﷺ:\nثم أن المزي، والذهبي، وابن حجر، لما ذكروا الخلاف في صحبة بسر للنبي ﷺ ذكروا الخلاف أيضًا في سماعه من النبي ﷺ ولم يجزموا بواحد من القولين في سماعه أو عدمه.\nوللقائلين بصحبته: (الجزم بسماعه عن النبي) لأنه قد صرح في بعض روايات هذا الحديث بسماعه له من النبي ﷺ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: \" لا تقطع الأيدي- الحديث (٤) . وقال الشوكاني (٥): (ونقل عبد الغني أن حديثه في الدعاء فيه التصريح بسماعه من النبي ﷺ) .\n_________\n(١) انظر: ١/٤٨ ط دار المعرفة في بيروت بلا تاريخ.\n(٢) انظر: ١/٩٦ ط دار الكتاب العربي بمصر سنة ١٣٨٠ هـ نشر النمنكاني بالمدينة المنورة.\n(٣) انظر:٧/١٤٥.\n(٤) انظر: فيما تقدم ص/٢٩٣.\n(٥) انظر: نيل الأوطار ٧/٢٤٥","vol":"1","page":50},{"text":"ج- عدالته:\nقد تكلم في عدالة بسر بكلام خشن ذكره الذهبي (١) وابن حجر (٢) والشوكاني (٣) والمناوي (٤) . وذكروا من أحواله: أن معاوية ﵁ وجهه إلى اليمن والحجاز ففعل الأفاعيل وقتل: عبد الرحمن (٥) وقثم (٦) ابني العباس، وقال ابن معين: أنه رجل سوء.\nوالذهبي لما أدخله في الميزان وهو محط المتكلم فيهم لم ينتصر له فيه بل حكى وسكت وكذا ابن حجر والمناوي.\nلكن من تكلم فيه لم يغمز في صدقه ومدار الرواية على تحري الصدق وعدم الكذب وفي هذا يقول الشوكاني (٧) .\n(لكن إذا كان المناط في قبول الرواية هو تحري الصدق وعدم الكذب فلا ملازمة بين القدح في العدالة وعدم قبول الرواية) .\nالخلاصة والترجيح:\nهذه كلمة الحفاظ في هذا الحديث رواية ودراية، وقد تبين من دراسته الإسنادية: صحة الإسناد إلى بسر. وإن مدار الكلام في هذا الحديث على (بسر)،\n_________\n(١) انظر: الميزان ١/٣٠٩.\n(٢) انظر: الإصابة ١/١٥٢، والتهذيب ١/٤٣٥- ٤٣٦.\n(٣) انظر: نيل الأوطار ٧/١٤٥.\n(٤) انظر: فيض القدير بشرح الجامع الصغير للسيوطي ٢/١٠٣ ط الأولى بمصر بالمكتبة التجارية سنة ١٣٥٦ هـ. والمناوي هو: محمد عبد الرؤوف بن علي القاهري المناوي له نحو ثمانين مؤلفًا\nتوفي سنة ١٠٣٢ هـ. (انظر: الأعلام ٧/٧٥ - ٧٦) .\n(٥) هو: عبد الرحمن بن العباس ولد في عهد النبي ﷺ وهو أخو عبد الله بن عباس ﵃ لأمة قتل بأفريقية (انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/٣٥٠) .\n(٦) هو: قثم بن العباس شقيق عبد الرحمن المذكور مات قتيلًا. (انظر الإصابة ٤/٢١٨) .\n(٧) انظر: نيل الأوطار ٧/١٤٥.","vol":"1","page":51},{"text":"ومما تقدم يعلم أن الكلام في بسر لا ترد بمثله الرواية إذ أن من تكلم فيه لم يغمزه في صدقه ومدار الرواية على الصدق. وهو قد صرح بالسماع في هذا الحديث وفي غيره فدل تصريحه بالسماع على: صحبته وسماعه من رسول الله ﷺ.\nولهذا صحح الأئمة هذا الحديث:\nفقال الذهبي: الحديث جيد لا يرد بمثل هذا. أحد: بمثل الكلام في بسر (١) . وظاهر صنيع ابن القيم تصحيحه لهذا الحديث كما تقدم.\nوقال ابن حجر: إسناده قوي مصري (٣) .\nورمز السيوطي لصحته (٣) .\nوقال الألباني: إسناده صحيح على ما قيل في ابن أبي أرطأة (٤) . فالحديث إذا سليم الدلالة رواية ودراية لصراحة لفظه وصحة إسناده والله أعلم.\n٢- استدلاله بالمأثور عن الصحابة ﵃ في ذلك:\nواستدل على اختياره تأخير الحد بأنه فتيا جماعة من الصحابة ﵃ وعلم منهم:\nعمر ﵁، وأبو الدرداء ﵁، وحذيفة بن (٥) اليمان رضي\n_________\n(١) انظر: فيض القدير للمناوي ٦/٤١٧.\n(٢) انظر: الإصابة ١/١٥٢.\n(٣) انظر: الجامع الصغير مع شرحه فيض القدير ٦/٤١٦.\n(٤) انظر: مشكاة المصابيح للتبريزي. بتعليق الألباني ٢/٢٩٩ ط المكتب الإسلامي بدمشق سنة ١٣٨١ هـ.\n(٥) هو: حذيفة بن اليمان حسيل بن جابر العبسي من أجلة الصحابة ﵃ توفي سنة ٣٦ هـ. (انظر: الإصابة ١/٣١٦، وتجريد أسماء الصحابة ١/١٢٥) .","vol":"1","page":52},{"text":"الله عنه، وبسر ابن أبي أرطاة ﵁. وساق أخبارهم في هذا. وبيانها كما يلي:\nأ- أثر عمر ﵁:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (١):\n(روى سعيد بن منصور (٢) في سننه (٣) بإسناده عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر ﵁ كتب إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حدًا وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلًا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار) .\nدرجة هذا الأثر:\nوهذا الأثر ضعيف بهذا الإسناد لأنه من رواية الأحوص بن حكيم ابن عمر العنسي الحمصي عابد وهو ضعيف من قبل حفظه (٤) .\nوهو أيضًا يرويه عن والده وهو صدوق لكنه يهم (٥) .\nوالراوي له أيضًا عن الأحوص هو: إسماعيل بن عياش الحمصي المتوفى سنة ١٨٢ هـ. وهو مدلس وقد عنعن إلا أن المقرر لدى المحققين كابن القيم (٧)، وابن\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٧.\n(٢) هو: سعيد بن منصور الخراساني ثم المكي توفي سنة ٢٢٧ هـ. (انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٤١٦) .\n(٣) انظر: سنن سعيد بن منصور جلد ٢ قسم ٣ ص/٢١٠ ط المجلس العلمي بالهند سنة ١٣٨٨ هـ.\n(٤) انظر: التقريب لابن حجر ١/٤٩.\n(٥) انظر: التقريب لابن حجر ١/١٩٤.\n(٦) انظر: التقريب ١/٧٣.\n(٧) انظر: الفروسية ص/٤٤.","vol":"1","page":53},{"text":"حجر (١): أن روايته عن الشاميين مقبولة ولو عنعن وهو هنا يرويه عن شامي مثله وهو الأحوص بن حكيم. بل هذا إسناد كله حمصي.\nإذًا فضعف هذا الأثر بهذا الإسناد لضعف الأحوص. والأحوص قد توبع كما في (مصنف ابن أبي شيبة) (٢) و(السنن الكبرى) (٣) للبيهقي.\nكما أن إسماعيل ابن عياش أيضًا قد توبع عند من ذكر. فصار مدار هذا الأثر على: حكيم بن عمير الحمصي. وتفرده لا يضر لأن منزلته الصدق، وقد تعددت مخارجه إليه وعدلت نقلته فظهر إذًا: أن هذا الأثر حسن الإسناد والله أعلم.\nوجه الدلالة:\nودلالة هذا الأثر على تأخير الحد عن الغزاة نصية لنهيه ﵁ عن إقامة الحد على غاز إلا إذا قطع الدرب قافلًا إلى بلاد الإسلام مبينًا ﵁ علة النهي بقوله: لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار والله أعلم.\nب- أثر أبي الدرداء ﵁:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٤):\n(وعن أبي الدرداء مثل ذلك) .\n_________\n(١) انظر: التقريب ١/٧٣.\n(٢) انظر: سياق الأثر بواسطة: الجوهر النقي في الرد على البيهقي مع السنن الكبرى ٩/١٠٥ ط الهند سنة ١٣٥٦ هـ.\nوابن أبي شيبة: هو أبو بكر عبد الله بن محمد الكوفي المتوفى سنة ٢٣٥ هـ. (انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/١٨) .\n(٣) انظر: ٩/١٠٥ ط الأولى بالهند سنة ١٣٥٤ هـ والبيهقي: هو الحافظ أبو بكر أحمد. بن الحسين ابن علي البيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ. (انظر: شذرات الذهب ٣/٣٠٤ والأعظم ١/١١٣) .\n(٤) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٧.","vol":"1","page":54},{"text":"أي رواه سعيد بن منصور في (سننه) بنحو أثر عمر ﵁. والأمر كذلك وهذا لفظه (١):\n(عن أبي الدرداء﵁: أنه كان ينهي أن تقام الحدود على الرجل وهو غاز في سبيل الله حتى يقفل مخافة أن تحمله الحمية فيلحق بالكفار، فإن تابوا تاب الله عليهم، وإن عادوا فإن عقوبة الله من ورائهم) .\nوقد رواه أيضًا ابن أبي شيبة (٢) .\nوهذا الأثر عند سعيد وابن أبي شيبة من رواية إسماعيل بن عياش عن أبي بكر ابن أبي مريم وقد عنعن إسماعيل وهو مدلس لكنه في روايته عن شامي فيقبل حديثه (٣) . فيبقى مدار السند على أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني الشامي المتوفى سنة ١٥٦ هـ. وهو ضعيف كما في (التقريب) (٤) .\nفهذا الأثر إذًا ضعيف الإسناد لضعف الغساني المذكور، لكن هذا الأثر ليس هو العمدة وحده في الاستدلال بل سياقه من باب المتابعات والشواهد فيسلم الاستدلال به إذًا ودلالته نصية على تأخير الحد كأثر عمر سواء والله أعلم.\nج- أثر حذيفة ﵁:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٥):\n_________\n(١) انظر: سنن سعيد بن منصور جزء ٢ ص/٢١٠\n(٢) انظر: بواسطة الجوهر النقي على سنن البيهقي ٩/١٠٥. وابن أبي شيبة: هو الإمام الحافظ صاحب المصنف: أبو بكر عبد الله بن محمد ابن إبراهيم ابن أبي شيبة المتوفى سنة ٢٣٥ هـ. (انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/١٨ وتاريخ بغداد ١٠/٦٦) .\n(٣) انظر: تقريب التهذيب ١/٧٣.\n(٤) انظر ٢/٣٩٨.\n(٥) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٧.","vol":"1","page":55},{"text":"(وقال علقمة (١): كنا في جيش في أرض الرّوم، ومعنا حذيفة بن اليمان ﵁، وعلينا الوليد بن عقبة (٣)، فشرب الخمر، فأردنا أن نحده، فقال حذيفة: أتحدون أميركم، وقد دنوتم من عدوكم فيطمعون فيكم) .\nدرجة هذا الأثر:\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الأثر عريًا من التخريج، وقد خرجه أبو يوسف (٣)، وعبد الرزاق (٤) وسعيد ابن منصور (٥) . وابن أبي شيبة (٦) كلهم بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم (٧) .\nوجه دلالته:\nووجه الاستدلال منه على تأخير الحد عن الغزاة ظاهر، فإن حذيفة لم يسقطه ولكن استنكر عليهم تعجيله وهم عند أرض العدو مخافة أن يطمع فيهم الأعداء، فهذا ينبئ عن أن العلة في استنكاره هي قربهم من العدو خشية طمعه فيهم فدل على أنه بعد العودة يعود الحكم بالحد لزوال علته وعليه فإن قول حذيفة ﵁ دالّ على التأخير لا غير والله أعلم.\n_________\n(١) هو: علقمة بن قيس بن عبد الله الكوفي النخعي المتوفى فيما بعد الستين وقبل السبعين والمائة وهو من ثقاة الأئمة المشاهير (انظر: التهذيب ٧/٤٦٧، والتقريب ٢/٣١) .\n(٢) هو: الوليد بن عقبة ابن أبي معيط القرشي الأموي ﵁ وهو أخو عثمان لأمه ﵄ عاش إلى خلافة معاوية ﵁ (انظر: التقريب ٢/٣٣٤، والإصابة ٣/٦٠١) .\n(٣) انظر: الخراج ص/١٧٨٣ ط السلفية بمصر سنة ٣٨٢ هـ. وأبو يوسف: هو يعقوب ابن إبراهيم الأنصاري الكوفي المتوفى سنة ١٨٢ هـ. صاحب أبي حنيفة رحمهما الله تعالى (انظر: الأعلام ٩/ ٢٥٢) .\n(٤) انظره: بواسطة الجوهر النقي على سنن البيهقي ٩/١٠٥.\n(٥) انظر: سنن سعيد بن منصور جلد ٢ قسم ٣/ ص/٢١١.\n(٦) انظره: بواسطة الجوهر النقي على سنن البيهقي ٩/١٠٥.\n(٧) سنده عند الجميع: من حديث الأعمش عن إبراهيم بن يزيد النخعي عن ابن أخته علقمة بن قيس عن حذيفة ﵁.","vol":"1","page":56},{"text":"د- أثر بسر ابن أبي أرطاة ﵁:\nوقد تقدمت فتواه بذلك في سياق حديثه عن النبي ﷺ في بعض رواياته والله أعلم.\n٣-<span data-type=\"title\" id=toc-28> استدلاله بالإجماع:</span>\nواستدل رحمه الله تعالى على تأخير الحد بالإجماع فقال (١): (وقال أبو محمد المقدسي: وهو إجماع الصحابة ﵃ (٢» .\nوالمراد بالإجماع هنا والله أعلم- الإجماع السكوتي (٣)، فإن القول بهذا قد ورد\nعن جملة من الصحابة ﵃ في مواجهة آخرين منهم فلم يظهر في سياق الأخبار خلاف أحد منهم فصار إذًا إجماعًا على تأخير الحد والله أعلم.\n٥-<span data-type=\"title\" id=toc-29> استدلاله بقياس الأولى </span>(٤):\nوفي خضم هذه الأدلة التي ساقها ابن القيم رحمه الله تعالى: من السنن. وعمل الصحابة ﵃، والإجماع يستدل عليه بقياس الأولى فيبين أن قاعدة الحدود تأخير الحد لعارض لمصلحة المحدود وتأخير الحد هنا لمصلحة الإسلام فيكون تأخيره لمصلحة الإسلام أولى وفي هذا يقول (٥):\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين٣/ ١٧.\n(٢) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/٥٣٧ لأبي محمد المقدسي الشهير بابن قدامة.\n(٣) الإجماع السكوتي: هو أن يقول بعض المجتهدين قولا في حكم حادثة مثلا ويسكت باقي المجتهدين مع اشتهار ذلك القول وانتشاره (انظر: روضة الناظر لابن قدامة ص/٧٩) .\n(٤) قياس الأولى: هو ما كانت العلة في المقيس أقوى منها في المقيس عليه فيكون الحكم بالمقيس أولى من المقيس عليه. (وانظر: الأحكام في أصول الأحكام. للآمدي ٤/٣، ط الرياض بلا تاريخ، وأعلام الموقعين ١/١٣٣) .\n(٥) انظر: أعلام الموقعين٣/ ١٨.","vol":"1","page":57},{"text":"(وأكثر ما فيه تأخير الحد لمصلحة راجحة أما من حاجة المسلمين إليه، أو من خوف ارتداده ولحوقه بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع وعن وقت الحر والبرد والمرض، فهذا تأخير لمصلحة المحدود فتأخره لمصلحة الإسلام أولى) .\nوهذا قياس مسلم يفيد مطابقة صريح المعقول لصحيح النقول، قد استوفى شرائط القياس وأركانه:\nفذكر المقيس: وهو تأخير الحد في الغزو.\nوذكر المقيس عليه: وهو تأخير الحد في غير الغزو.\nوذكر العلة الجامعة: وهي المصلحة.\nوذكر الحكم: وهو الجواز.\nوبين أنه قياس الأولى: لأن المصلحة العارضة في المقيس لمصلحة الإسلام، وفي المقيس لمصلحة المحدود، فإذ كانت المصلحة الخاصة علة للتأخير تكون المصلحة العامة أولى بذلك لأنها أقوى في الاعتبار والله أعلم.\nثانيًا: استدلاله على تقرير الاستثناء:\nسبق في صدر هذا المبحث بيان أن اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى: هو تأخير الحد عن المسلم في أرض العدو وأنه استثنى من هذا، أن من كانت له من الحسنات والنكاية بالعدو ما يغمر سيئته التي وقع فيها وقد ظهرت منه مخايل التوبة النصوح فإنه يسقط عنه الحد بالكلية (١) .\nوقد سبق أيضًا بيان أدلته على تأخير الحد، أما دليله على تقرير هذا الاستثناء فإنه استدل بما يلي:\n_________\n(١) انظر: ص/٢٨٨","vol":"1","page":58},{"text":"قصة أبي محجن ﵁ (١):\nاستدل ابن القيم رحمه الله تعالى على تقرير الاستثناء المذكور بقصة أبي محجن ﵁ مع سعد ابن أبي وقاص (٢) ﵁ فقال (٣):\n(أتي سعد ابن أبي وقاص ﵁ بأبي محجن ﵁- يوم القادسية وقد شرب الخمر، فأمر به إلى القيد، فلما التقى الناس قال أبو محجن:\nكفى حزنًا أن تطرد الخيل بالقنا ... وأترك مشدودًا عليّ وثاقيا.\nفقال لابنة حفصة امرأة سعد (٤): أطلقيني ولك والله على أن سلمني\nالله أن أرجع حتى أضع رجلي في القيد. فإن قتلت استرحتم مني. قال: فخلته حتى التقى الناس. وكانت بسعد جراحة فلم يخرج يومئذ إلى الناس. قال وصعدوا به فوق العذيب (٥) ينظر إلى الناس واستعمل على الخيل خالد بن عرفطة (٦) . فوثب أبو محجن على فرس لسعد. يقال لها البلقاء. ثم أخذ رمحًا ثم خرج فجعل لا يحمل على ناحية من العدو إلا هزمهم. وجعل الناس يقولون: هذا ملك لما يرونه يصنع. وجعل سعد يقول: الضبر. ضبر البلقاء (٧) . والظفر ظفر أبي محجن. وأبو محجن في القيد فلما هزم العدو رجع أبو\n_________\n(١) هو: أبو محجن الثقفي الشاعر الصحابي المشهور اختلف في اسمه. فقيل عمرو بن حبيب وقيل بل اسمه [كنيته] (*) مات بجرجان وقيل بغيرها (انظر: الإصابة ٤/١٧٣-١٧٥) .\n(٢) هو: سعد ابن أبي وقاص مالك بن وهيب الزهري: أحد العشرة وآخرهم موتا ﵃ مات سنة ٥٥ هـ. (انظر: الإصابة ٢ /٣٠ والتقريب ١/٢٩٠) .\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣ / ١٧.\n(٤) قال ابن حجر في الإصابة٤/١٧٤: (اسم امرأة سعد المذكورة سلمى ذكر ذلك سيف في الفتوح وسماها أبو عمر أيضًا) .\n(٥) العذيب: اسم قصر لسعد ﵁.\n(٦) هو: خالد بن عرفطة الليثي ويقال العذري الصحابي ﵁ توفي سنة ٦٠ هـ. (انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/١٥٢ والإصابة ١/٤٠٩) .\n(٧) قال ابن حجر فيِ الإصابة٤/١٧٤ الضبر ضبر البلقاء هو بالضاد المعجمة والباء الموحدة: عدو الفرس ومن قال بالصاد المهملة فقد صحف نبه على ذلك ابن فتحون في أوهام الاستيعاب) =\n\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوع: (كنينة)","vol":"1","page":59},{"text":"محجن حتى وضع رجليه في القيد. فأخبرت ابنة حفصة سعدًا بما كان من أمره. فقال سعد: لا والله لا أضرب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاهم. فخلى سبيله فقال أبو محجن: قف كنت أشربها إذ يقام علي الحد وأطهر منها. أما إذ بهرجتني (١) فوالله لا أشربها أبدًا) .\nدرجة هذه القصة:\nساق ابن القيم رحمه الله تعالى هذه القصة مرسلة من غير تخريج لها وقد ذكرها على سبيل الجزم بصحتها والأمر كذلك فإن هذه القصة المشهورة صحيحة الإسناد كما قرره الحافظ ابن حجر (٢) ولعل ابن القيم ﵀ اكتفى باشتهار صحتها عن تخريجها. وقد رواها سعيد بن منصور في (سننه) (٣) وابن أبي شيبة وعبد الرزاق (٤) في مصنفيهما (٥) .\nوجه الاستدلال:\nودلالة هذا الأثر نصية على سقوط الحد عن الغازي إذا كانت حاله كحال أبي محجن من الإبلاء في الإسلام والنكاية بالعدو وظهور مخايل التوبة النصوح منه فإن سعدًا قد قال: (لا والله لا أضرب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاهم فخلى\n_________\n= والبلقاء اسم فرس لسعد ﵁.\n(١) بهرجتني: أي أهدرتني بإسقاط الحد عني (انظر: النهاية ١/١٦٦) .\n(٢) انظر: الإصابة ٤/١٧٣.\n(٣) انظر: جلد ٢ قسم ٣ ص/٢١١.\n(٤) هو: الحافظ الكبير عبد الرزاق بن همام الصنعاني ولد سنة ١٢٦ هـ. وتوفي سنة ٢١١ هـ. ﵀ تعالي (انظر: تهذيب التهذيب ٦/ ٣١٠، وميزان الاعتدال ٢/ ١٢٦، والأعلام للزركلي ٤/ ١٢٦) .\n(٥) انظر: مصنف عبد الرزاق ٩/٢٤٣. وحاشية الأعظمي على سنن بن منصور ٢/٣/٢١١ فقد عزاه لابن أبي شيبة.","vol":"1","page":60},{"text":"سبيله، فقال أبو محجن: قد كنت أشربها إذ يقام على الحد وأطهر منها أما إذا بهرجتني فوالله لا أشربها أبدًا) .\nوفي إيضاح وجه الاستدلال يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١): (وقوله (إذ بهرجتني) أي أهدرتني بإسقاط الحد عني، ومنه (بهرج دم ابن الحارث) أي أبطله، وليس في هذا ما يخالف نصًا ولا قياسًا ولا إجماعًا بل لو ادعى أنه إجماع الصحابة كان أصوب، قال الشيخ في (المغنى) (٢): وهذا اتفاق لم يظهر خلافه) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>مسلك الموازنة:</span>\nهذا رأي ابن القيم رحمه الله تعالى، وهذه أدلته، ولا ينجلي الترجيح لقوله أو قول مخالفه إلا بعد سياق الخلاف وأدلته، ومعرفة ثبوتها أمام النقد من عدمه. وابن القيم رحمه الله تعالى لم يذكر الخلاف في هذا المبحث وإنما أشار إلى خلاف الحنفية في قولهم بإسقاط الحد مطلقا (٣) . وهو معذور في هذا لأن غرضه سياق المثال (لما تتغير به الفتوى بتغير الزمان والأحوال) . فإلى ذكر الخلاف وأدلته:\nمذهب الحنفية:\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى سقوط الحد عن المسلم في دار الحرب (٤) .\nوهو في هذا قد تابع ابن قدامة في حكايته لمذهب أبي حنيفة إذ قال (٥): (وقال أبو حنيفة: لا حد ولا قصاص في دار الحرب ولا إذا رجع) .\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين٣/ ١٨.\n(٢) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/٥٣٨.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين٣/ ١٨.\n(٤) انظر: أعلام الموقعين٣/ ١٨.\n(٥) المغنى ١٠/٥٣٨","vol":"1","page":61},{"text":"وهذا الإطلاق يخالف ما ذكره علماء الحنفية وغيرهم (١) من تقييد ذلك: بشرط أن لا يكون الخليفة مع المسلمين في دار الحرب فإن كان معهم وجبت إقامة الحدود على من تلبس بها، ولا تؤخر إلى حين القفول من دار الحرب أما إن لم يكن معهم فيسقط الحد. ولم أر من حكى السقوط مطلقًا مذهبًا لأبي حنيفة رحمه الله تعالى سوى ما تقدم عن ابن القيم وابن قدامة والله أعلم.\nأدلة أبي حنيفة:\nاستدل لمذهب أبي حنيفة بأدلة منها ما يلي:\n١- حديث (لا تقام الحدود. في دار الحرب) (٢) .\nوجه الاستدلال:\nبيّن البابرتي، من الحنفية وجه الاستدلال منه فقال (٣):\n(ووجه التمسك به أنه ﷺ لم يرد به حقيقة عدم الإقامة حسًا لأن كل واحد يعرف أنه لا يمكن إقامة الحد في دار الحرب لانقطاع ولاية الإمام عنها فكان المراد بعدم الإقامة عدم وجوب الحد) .\nمناقشة الاستدلال:\nوهذا الاستدلال مناقش بما يلي:\n١- أن الاستدلال به على خلاف الدعوى، فإن مذهب أبي حنيفة سقوط الحد بشرط أن لا يكون الإمام مع المعسكر، والحديث لا إشارة فيه إطلاقًا إلى\n_________\n(١) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/٥٣٧\n(٢) انظر: الهداية مع شرح فتح القدير٥/ ٤٦.\n(٣) انظر: شرح الهداية على العناية بهامش شرح فتح القدير لابن الهمام ٥/ ٤٦. والبابرتي هو محمد ابن محمد بن حمود البابرتي المتوفى سنة ٧٨٦ هـ. (انظر: الأعلام ٧/ ٢٧١)","vol":"1","page":62},{"text":"وجوب إقامة الحد مع وجود الإمام في المعسكر بدار الحرب بل ينافيه.\n٢- أن هذا الحديث لا تثبت به دعوى سقوط الحد من أصلها لأن عدم إقامة الحد في دار الحرب لا تستلزم سقوطه بل تحتمل التأخير إلى القفول من الغزو، ومع الاحتمال يسقط الاستدلال. بل إن معناه في تأخير الحد أظهر ويدل عليه أقضية الصحابة ﵃.\nفيتبين من هذا أن دلالته دراية على مذهب أبي حنيفة غير سليمة والله أعلم.\nدرجة هذا الحديث:\nإن دلالة الحديث دراية فرع لثبوت الحديث رواية. وكما أن هذا الحديث لا يدل لفظه على مذهب أبي حنيفة، فإن الاستدلال به من أصله لا ينهض لعدم ثبوته عن النبي ﷺ ولهذا قال ابن الهمام الحنفي (١): (لا يعلم له وجود) . أي أن هذا حديث لا أصل له رواية، فبطل الاستدلال به إذًا رواية ودراية والله أعلم.\n٢- قصة أبي محجن ﵁ (٢):\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن إسقاط سعد بن أبي وقاص الحد عن أبي محجن قد يتمسك به من يقول: لا حد على مسلم في دار الحرب كأبي حنيفة.\nوجه الاستدلال:\nودلالة هذا الأثر على سقوط الحد عمن كان في دار الحرب من الغزاة دلالة نصية فإن سعدًا ﵁ أسقط الحد حد الخمر عن أبي محجن فخلى سبيله وقال (والله لا أضرب اليوم رجلًا أبلى للمسلمين ما أبلاهم) فأسقط عنه الحد.\n_________\n(١) انظر: شرح فتح القدير ٥/٤٦.\n(٢) تقدمت قريبًا.","vol":"1","page":63},{"text":"مناقشة هذا الاستدلال:\nوقد أوضح ابن القيم رحمه الله تعالى فيما تقدم أن هذا الأثر لا يعني سقوط الحد بالكلية وإنما سقوط مقيد لن كانت حاله وصفته كأبي محجن ﵁. ولهذا تعقب من يستدل به على إسقاط الحد بالكلية فقال رحمه الله تعالى (١): (لا حجة فيه - أي لأبي حنيفة- والظاهر أن سعدًا ﵁ اتبع في ذلك سنة الله تعالى. فإنه لما رأى من تأثير أبي محجن وجهاده وبذل نفسه لله ما رأى، درأ عنه الحد. لأن ما أتى به من الحسنات غمرت هذه السيئة الواحدة. وجعلتها كقطرة نجاسة وقعت في بحر. ولا سيما وقد شام منه مخايل التوبة النصوح وقت القتال. إذ لا يظن مسلم إصراره في ذلك الوقت الذي هو مظنة القدوم على الله وهو يرى الموت. وأيضًا فإنه لتسليمه نفسه ووضع رجله في القيد اختيارًا قد استحق أن يوهب له حده كما قال (٣) النبي ﷺ للرجل الذي قال له (يا رسول الله أصبت حدًا فأقمه علي. فقال هل صليت معنا هذه الصلاة؟ قال: نعم. قال اذهب فإن الله قد غفر لك حدك) - وظهرت بركة هذا العفو والإسقاط في صدق توبته. فقال: والله لا أشربها أبدًا. وفي رواية (أبد الأبد) وفي رواية (قد كنت آنف أن أتركها من أجل جلداتكم، فأما إذا تركتموني فوالله لا أشربها أبدًا) . وقد بريء النبي ﷺ مما صنع خالد ببني جذيمة (٣) لحسن بلائه وقال (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) ولم يؤاخذه به لحسن بلائه ونصره للإسلام.\nومن تأمل المطابقة بين الأمر والنهي والثواب والعقاب وارتباط أحدهما بالآخر علم فقه هذا الباب) .\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٨- ١٩.\n(٢) هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه ١٣/ ١٨١- مع شرحه فتح الباري لابن حجر.\n(٣) هو: خالد ابن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي سيف الله المسلول على أعداء الله المشركين مات ﵁ سنة ٣١ هـ. بحمص وقيل بالمدينة (انظر: الإصابة ١/٤١٣ - ٤١٥) .","vol":"1","page":64},{"text":"٣- تعذر إقامة الحد لانقطاع ولاية الإمام عن دار الحرب:\nقالوا: إن الوجوب مشروط بالقدرة ولا قدرة للإمام على مسلم تلبس بالحد في دار الحرب فلا حد إذًا، أما لو كان الإمام معه في المعسكر فيقام الحد، لأنه تحت يده فالقدرة ثابتة عليه (١) .\nمناقشة هذا الدّليل:\nنسلم أن مناط إقامة الحد هي القدرة، لكن ما الذي أسقطه بالكلية حتى ولو عاد إلى دار الإسلام فإن المسلم إذا عاد إلى دار الإسلام صار تحت يد الإمام، فالقدرة ثابتة عليه، فإذا لم تقم عليه الحدود أهدرنا مقتضيات النصوص الآمرة بإقامة الحدود، أما إذا قلنا بتأخيره فقد راعينا المصلحة ولم نهدر الحد بالكلية. أما قولهم: بإقامة الحد إذا كان الإمام في المعسكر لوجود القدرة فيقال: هذا\nغير مسلم لأنه ليس مناط إقامة الحد وجود القدرة فحسب، بل معها أيضًا عدم وجود المعارض، وهو هنا قد وجد لحاجة المسلمين إلى تكثير الصف أو خوفًا من ارتداده ولحوقه بالكفار كما علله الصحابة ﵃ بذلك.\nومن القواعد المقررة: أنه إذا وجد المانع والمقتضي قدم المانع على المقتضي، فإذا زال المانع بأن رجعوا إلى دار الإسلام أقيم الحد لوجود المقتضي وانتفاء المعارض. وهذا له نظائر في الحدود كما في تأخير الحد لمصلحة المحدود كتأخيره عن الحامل ونحوها (٢) .\nولعله تبين من سياق أدلة الحنفية ومناقشتها أنه ليس لدى الحنفية ما تسلم دلالته على سقوط الحد عن الغزاة. ولهذا نرى الإمام أبا يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة\n_________\n(١) انظر: شرح فتح القدير٥/ ٤٧، وشرح العناية على الهداية٥/ ٤٦. (٢) انظر: فما يأتي: المبحث الثالث.","vol":"1","page":65},{"text":"وخريجه يجنح إلى القول بتأخير الحد فيقول (١):\n(ولا ينبغي أن تقام الحدود في المساجد ولا في أرض العدو- ثم ذكر قولي أبي حذيفة وعمر ﵄ في تأخير الحد حتى القفول إلى دار الإسلام) . والله أعلم.\nمذهب المالكية (٢):\nهو إقامة الحد في كلّ زمان وفي كلّ مكان: دار حرب أو إسلام أو غيرهما. ومعهم على هذا أبو ثور (٣)، وابن المنذر (٤) .\nأدلتهم (٥):\nاستدلوا بأن أوامر الله بإقامة الحدود مطلقة في كلّ مكان وزمان كما في قوله تعالى (٦) (الزانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة) وقوله تعالى (٧) (السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وغيرهما من النصوص الآمرة بإقامة الحدود غير مقيدة بمكان دون آخر أو بزمان دون زمان.\nمناقشته:\nهي أن يقال أن من المناهج والقواعد الأصولية المقررة لدى المالكية وغيرهم\n_________\n(١) انظر: الخراج ص/١٧٨.\n(٢) انظر: الإفصاح ٢/ ٤٣٠. والمغني مع الشرح الكبير١٠/٥٣٧، وشرح فتح القدير٥/ ٤٦.\n(٣) هو: الفقيه إبراهيم بن خالد الكلبي صاحب الشافعي مات سنة ٢٤٠ هـ (انظر: تقريب التهذيب١/ ٣٥) .\n(٤) هو: إبراهيم ابن المنذر بن عبد الله الأسدي الفقيه المشهور توفي سنة ٢٣٦ هـ. انظر: تقريب التهذيب١/ ٤٤) .\n(٥) انظر: المغني ١٠/٥٣٧.\n(٦) من الآية رقم ٢ من سورة النور.\n(٧) من الآية رقم ٣٨ سورة المائدة.","vol":"1","page":66},{"text":"من أهل العلم: أن العام يخص، والمطلق يقيد. ولهذا قال المالكية كغيرهم: أن الحد يؤخر لمصلحة المحدود لعارض كحر أو برد شديدين (١)، وهذا تقييد لإطلاق النص، فما الذي يمنع من تأخيره هنا مع أن المصلحة أظهر وأشمل فهي لمصلحة المحدود خوفًا من لحوقه بالكفار وارتداده عن الإسلام، ولمصلحة المسلمين تكثيرًا لصفهم ومحافظهَ على سلامة وحدتهم وهذا هو محض فقه الصحابة ﵃.\nإذًا: فيكون ورود هذا القيد أولى من تقييد مطلق الأمر بنحو حر أو برد شديدين والله أعلم.\nمذهب الشافعية:\nاختلفت حكاية أهل العلم لمذهب الشافعي على ما يلي:\nالأول: أنه كمذهب مالك سواء: من إقامة الحد في كلّ زمان ومكان: دار حرب أو إسلام. حكاه البيهقي (٢)، وابن هبيرة (٣)، وابن الهمام (٤) .\nالثاني: إقامة الحد بدار الحرب إذا كان أمير الجيش الإمام أو أمير الإقليم، وإلا فيؤخر حتى يأتي إلى الإمام، وكذلك يؤخر أن كان بالمسلمين حاجة إلى المحدود أو قوة به. حكاه ابن قدامة (٥) وهو يوافق مذهب الحنفية في إقامته إذا كان مع الجيش الإمام أو أمير الإقليم كما تقدم (٦) .\n_________\n(١) انظر: جواهر الإكليل شرح مختصر خليل للأزهري ٢/٢٨٦ ط الحلبي سنة ١٣٦٦ هـ.\n(٢) انظر: السن الكبرى ٩/١٠٣.\n(٣) انظر: الإفصاح ٢/٤٣٤ ط الأولى بحلب بلا تاريخ وابن هبيرة: هو يحيى بن هبيرة بن محمد بن هبيرة الشيباني الحنبلي المتوفى سنة ٥٦٠ هـ. (انظر: ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب ١/ ٢٥١ وما بعدها، وشذرات الذهب ٤/ ١٩١) .\n(٤) انظر: شرح فتح القدير٥/ ٤٦-\n(٥) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/٥٣٧.\n(٦) انظر: ص/٣٠٨","vol":"1","page":67},{"text":"الترجيح:\nبعد ذكر الخلاف وأدلته وما ورد عليها من مناقشات فإن الذي يظهر والله أعلم سلامة اختيار ابن القيم لأن به تجتمع الأدلة ويلتئم شملها وهو الذي يساير روح التشريع ومراعاة الحكم والمصالح وتسنده الأدلة شرعًا وعقلا وعليه:\nفإن من قارف موجبًا لحد من الحدود وهو في دار الحرب صار تأخيره إلى حين عودته إلى دار الإسلام فيقام عليه موجبه المقدر شرعًا: من قتل أو قطع أو جلد. وإن من كانت حاله كحال أبي محجن: له من الحسنات والنكاية بالعدو ما يغمر سيئته وقد ظهرت منه مخايل التوبة النصوح: فإنه يخلى سبيله والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>المبحث الثالث:\nفي تأخير الحد لعارض </span>(١)\nيقرر العلماء رحمهم الله تعالى في مسائل منثورة من أبواب الحدود خاصة في بابي (الزنى) و(السرقة) تأخير الحد لعارض من حر أو برد أو حمل أو رضاع أو نحو ذلك (٢) .\nوابن القيم رحمه الله تعالى يشير في معرض كلامه عن تأخير الحد عن الغزاة\nالى أن تأخير الحد لعارض أمر يشكل قاعدة شرعية: وهي تأخير الحد لعارض يترتب عليه مصلحة للإسلام أو للمحدود أو لمصلحة من تعلق به كالحمل والرضيع.\nوفي هذا يقول رحمه الله تعالى (٣):\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٦، وأعلام الموقعين٣/ ١٨، ١٦٦.\n(٢) انظر: المغني مع الشرح الكبير١٠/١٣٨، ٢٦٧، وشرح فتح القدير ٥/ ٢٩، ونهاية المحتاج، وجواهر الإكليل ٢/٢٨٦، ونيل الاوطار٧/ ١١٧- ١١٢.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين٣/ ١٨","vol":"1","page":68},{"text":"(تأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة كما يؤخر عن الحامل والمرضع، وعن وقت الحر والبرد، والمرض لمصلحة المحدود) .\nالدّليل:\nاستدل ابن القيم رحمه الله تعالى على ذلك بما جاء في حديث الغامدية فقال (١):\n(وفي صحيح مسلم (٢)، جاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله، إني قد زنيت فطهرني وأنه ردها فلما كان من الغد، قالت: يا رسول الله، لم تردني، لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فوالله أني لحبلى، قال: أما الآن، فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا قد ولدته، قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي، وفي يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته، وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين ثم أمر بها ﷺ فحفر لها إلى صدرها وأمر الناس فرجموها ...) .\nوجه الاستدلال:\nوقد قرر ابن القيم رحمه الله تعالى أن هذا الحديث يدل على تأخير الحد أي حد من الحدود لأي من المصالح المترتبة على تأخيره فقال (٣):\n(فيه: أن الحد لا يقام على الحامل، وأنها إذا ولدت الصبي أمهلت حتى ترضعه وتفطمه) ولهذا نراه يقرر هذه القاعدة وهي تأخير الحد لعارض فيه مصلحة للمحدود أو لغيره، وعليه طرد تأخيره لكلّ مصلحة تترتب على التأخير، ومنه\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/ ٣٠٦.\n(٢) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٠/١٩٢- ١٩٦ ط الطبعة المصرية بمصر. وانظر نيل الأوطار ٧/١١٧.\n(٣) انظر: زاد المعاد ٣/ ٣٠٦- ٣٠٧","vol":"1","page":69},{"text":"جعل هذه القاعدة من مؤيدات تأخير الحد عن الغزاة بل هو أولى كما تقدم والله أعلم.\nتقسيم العوارض حسب المصلحة الموجبة لتأخير الحد:\nومن هنا نستطيع أن نقسم العوارض الموجبة لتأخير الحد- لدى ابن القيم- على ما يلي:\n١- عارض لمصلحة الإسلام والمسلمين، كما في تأخيره عن الغزاة كما تقدم.\n٢- عارض لمصلحة المحدود ذاته كما في تأخيره لحر أو برد أو مرض. ٣- عارض لمصلحة المحدود وغيره كما في تأخيره عن الحامل.\n٤- عارض لمصلحة الغير كما في تأخيره عن- المرضع حتى يفطم الرضيع وكما في تأخيره عن الحامل إذا كان الحد بالقتل. والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>المبحث الرابع:\nإقامة الحد بالقرينة الظاهرة </span>(١)\nمن القضايا الكلية الشرعية التي عالجها ابن القيم رحمه الله تعالى في مواطن كثيرة\nمن كتبه: (الحكم بالقرائن الظاهرة وشواهد الأحوال في حقوق الله تعالى وحقوق العباد) . وساق لذلك شتى وجوه الأدلة من أقضية الرسول ﷺ والصحابة ﵃ فمن بعدهم. وأوضح أن القاضي إذا أهمل العمل بالقرائن الظاهرة أضاع الحقوق وتعرض للحكم بالظلم والعدوان. كما يقرر أن الحكم بموجبها هو أولى من الحكم بشهادة الشهود لأن هذا خبر يحتمل الصدق والكذب، أما العمل والحكم بالقرينة الظاهرة فهو أبعد من احتمال الكذب فالحكم به إذًا أولى من الحكم بالشهادة.\n_________\n(١) انظر في بيان هذا المبحث: الطرق الحكمية ص/ ١- ٦٣. أعلام الموقعين١/ ٨٨، ٢/٣١٣، ٢/٢٠، ٤/٣٧٠ - ٣٧٧، بدائع الفوائد ٣/١١٧، ٣/١٥٢ وغيرها.","vol":"1","page":70},{"text":"وقد ضرب لهذا كثيرًا من الأمثلة من أقضية النبي ﷺ والصحابة ﵃ فمن بعدهم من الحكم بالقرائن الظاهرة وشواهد الأحوال في شتى القضايا والأحكام.\nومن الأحكام بالقرينة الظاهرة في كتاب الحدود ما يلي:\n١- إقامة حد الزنى: بالحبل.\n٢- إقامة حد السرقة: بوجود المسروق في حوزة السارق.\n٣- إقامة حد السكر: بوجود الرائحة أو القيء.\nويأتي إن شاء الله تعالى- بيان الحكم بكل قرينة من هذه القرائن الثلاث في بابها لانفراد كلّ قرينة بأدلة ومناقشة لها والله أعلم.\n\nالمبحث الخامس:\nأثر التوبة (١) في الحدود (٢)\nلابن القيم رحمه الله تعالى في أحكام التوبة مباحث فائقة تناولت الكثير من جوانبها، منها أبحاثه في توبة أصحاب الحدود: في مسائل والذي يعنينا هنا: هو مبحثه العام في أثر التوبة في درء الحد من عدمه. أما مباحثه الخاصة في بعض الحدود فيأتي بيانها في مواضعها إن شاء الله تعالى.\nوعليه فقد تبين أن أثر التوبة في الحد درءًا أو إيجابا يكون على حالتين:\n_________\n(١) التوبة: لغة الرجوع عن الذنب. واصطلاحا: الرجوع عن الأفعال المذمومة إلى الأفعال الممدوحة. وقيل غير ذلك (التعريفات للجرجاني ص/٦٣. ومختار الصحاح ص/ ٨٠) .\n(٢) انظر: في مباحث ابن القيم في التوبة ما يلي: مدارج السالكين ١/١٧٨- ٤٣٤، ٣/٤٣٥، وطريق الهجرتين ص/٤١٧- ٤٥١، والداء والدواء ص/١٢٥، ١١-٢١٤، والوابل الصيب ص/ ١٤- ١٦. وأعلام الموقعين٢/ ٧٨- ٧٩، ٣/١٩،١٤٣.","vol":"1","page":71},{"text":"الحالة الأولى: أن تكون توبته بعد القدرة عليه، فهذه التوبة لا تسقط- الحد بالاتفاق، كما حكاه رحمه الله تعالى بقوله (١):\nوالحدود لا تسقط بالتوبة بعد القدرة اتفاقًا) .\nالحالة الثانية: أن تكون توبة مرتكب الجريمة الحدية قبل القدرة عليه. وأثر التوبة في سقوط العقوبة الحدية في هذه الحالة ينقسم إلى قسمين:\nمحل اتفاق.\nومحل اختلاف.\nوقد بينهما ابن القيم رحمه الله تعالى على ما يلي:\n١- محل الاتفاق:\nوهو المحارب (٢): إذا تاب قبل القدرة عليه سقط عنه الحد بالاتفاق (٣) .\nالدليل:\nوالأصل في هذا قوله تعالى (٤) (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف،\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٤٢ ط ١٤٣.\n(٢) المحارب: لغة اسم فاعل وهو من الحرب بفتح الراء، يقال حرب ماله: أي سلبه. والمحاربون، وقطاع الطريق اسمان في الاصطلاح الشرعي لمسمى واحد، وهم: الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء أو البنيان فيغصبون المال مجاهرة لا سرقة (المطلع ص/٣٧٦، وكشف القناع ٦/١٤٩) .\n(٣) انظر: أعلام الموقعين٢/ ٧٨. والمغني مع الشرح الكبير ١٠/٢١٤ - ٣١٥، ٣١٦. والإفصاح ٢/ ٤٣٤.\n(٤) الآية رقم ٣٣ سورة المائدة.","vol":"1","page":72},{"text":"أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) .\n٢- محل الاختلاف:\nوهو: في توبة من عدا المحارب من مرتكبي الجرائم الحدية كالزنى والسرقة ونحوهما - إذا تاب قبل القدرة عليه، في هذا خلاف على قولين.\nوقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى: أن نفاة المعاني والقياس قالوا: إن الشريعة جاءت بالتفريق بين المتماثلين، فاعتبرت توبة المحارب قبل القدرة عليه، دون غيره من مرتكبي الجرائم الحدية. فرفض ابن القيم رحمه الله تعالى هذا التفريق، وقرر طرد الحدود كلها على نسق واحد، فتقبل توبة مرتكبي الجرائم الحدية قبل القدرة عليهم. وذكر أن هذا أحد القولين في المسألة، ونصب الأدلة عليه من السنة والقياس. وذكر القول المخالف القائل بالتفريق وما يستدل به وأجاب عنه. وإلى بيان ذلك مفصلًا:\nالقول الأول: قبول التوبة قبل القدرة عليه.\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن قبول توبة من ارتكب جريمة حدية قبل القدرة عليه هو إحدى الروايتين عن أحمد وهو القول الصواب (١) .\nوهذا هو المعتمد أيضًا من مذهب الشافعية (٢) .\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين٢/ ٧٩، والمغني مع الشرح الكبير ١٠/٣١٦. انظر: نيل الأوطار ٧/ ١٢٠، والمغني مع الشرح الكبير ١٠/٣١٦.","vol":"1","page":73},{"text":"استدل ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا القول بالسنة والقياس على ما يلي:\n١- حديث أنس ﵁ (١):\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢):\n(في الصحيحين (٣) من حديث أنس ﵁ قال: كنت عند النبي ﷺ فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقمه علىّ، ولم يسأله، قال: وحضرت الصلاة فصلى مع النبي ﷺ، فلما قضى النبي ﷺ قام إليه رجلُ (٤) فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقمه عليّ، قال: ولم يسأل عنه، قال: أليس قد صليت معنا قال: نعم قال: فإن الله ﷿ قد غفر لك ذنبك) . وذكره أيضًا من حديث أبي إمامة (٥) ﵁ نحوه عند النسائي (٦) وقد رواه أيضًا: مسلم (٧) . وأبو داود (٨) .\n_________\n(١) هو: أنس بن مالك بن النضر الأنصار الخزرجي ﵁ توفي سنة ٩٢ هـ. (انظر: الإصابة ١/٨٤- ٢٨٥ والتقريب ١/٨٤) .\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٢/٧٨- ٧٩.\n(٣) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ١٢/١٢٣. وصحيح مسلم مع شرح النووي ١٧/ ٨١. وانظر: نيل الأوطار ٧/ ١٠٦- ١٠٧.\n(٤) قال الحافظ بن حجر في فتح الباري ١٢/١٣٤: لم أقف على اسمه.\n(٥) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ٢١- ٢٢. وأبو إمامة: هو صدى بن عجلان الباهلي ﵁ توفي سنة ٨٦ هـ. (انظر: الإصابة ٢/ ١٧٥) .\n(٦) انظر: نيل الأوطار ٧/ ١٠٦.\n(٧) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٧/ ٨١- ٨٢.\n(٨) انظر: سنن أبي داود باختصار المنذري ٦/٢١٨","vol":"1","page":74},{"text":"الخلاف في حكم هذا الحديث:\nقبل ذكر بيان ابن القيم رحمه الله تعالى لوجه الاستدلال من هذا الحديث. أذكر بيانه لمسالك العلماء في الحكم الذي تضمنه هذا الحديث لأن ذكر وجه الاستدلال فرع لتصحيح المسالك الذي يدل عليه هذا الحديث. وهذه بيان مسالك العلماء في هذا الحديث:\nأشار ابن القيم رحمه الله تعالى إلى أن للناس في معنى هذا الحديث ثلاثة\nمسالك:\nالمسلك الأول: حمل معنى الحديث على من أقر بحد مبهم فإنه لا يقام عليه الحد.\nوقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن هذا هو أحد المسالك وعليه ترجمة النسائي (١) فقال ابن القيم (٢):\n(ومن تراجم النسائي على هذا الحديث (من اعترف بحد ولم يسمه) .\nوهو أيضًا مسلك أبي داود في (سننه) (٣) فقد ترجم عليه بقوله (باب في الرجل يعترف بحد ولا يسميه) .\nوهوِ أيضا ظاهر صنيع البخاري في (صحيحه) (٤) فإنه ترجم عليه بقوله (باب إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه؟) . قال ابن حجر في كشف مراد البخاري من ترجمته المذكورة (٥): (وظاهر ترجمة البخاري حمله على من أقر\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار ٧/١٠٧.\n(٢) انظر أعلام الموقعين ٣/ ٢٢.\n(٣) انظر: سنن أبي داود باختصار المنذري ٨/٢١٦.\n(٤) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ١٢/١٣٣.\n(٥) انظر: فتح الباري ١٢/ ١٣٤","vol":"1","page":75},{"text":"بحد ولم يفسره فإنه لا يجب على الإمام أن يقيمه عليه إذا تاب) .\nوعليه فإن من أقر بحد منهم فلا يجب عليه الحد إلا إذا عينه وأصر عليه المقر\nبه طالبًا التطهير به من وراء التوبة. أما إذا لم يعينه أو عينه ولم يصر عليه فلا يقام عليه الحد مع التوبة. قال بن حجر عن ابن القيم: في بيان هذا المسلك (١) (أحدها: أن الحد لا يجب إلا بعد تعيينه والإصرار عليه من المقر به) .\nتوجيه هذا المسلك:\nهو أن هذا الرجل: أقر بحد مبهم لم يفسره، والحدود مختلفة المقادير فلا يتمكن الإمام من إقامتها مع الإبهام فستر عليه الشارع ودرأ عنه الحد للإبهام (٢) .\nتعقب هذا التوجيه:\nهو أن يقال: أنه ورد في بعض روايات هذا الحديث تفسير الحد بالزنى وأنه أقر به صريحًا فانتفى الإبهام والله أعلم (٣) .\nالمسلك الثاني: حمله على الخصوصية بذلك الرجل (٤) .\nوجه هذا المسلك:\nوقد بينه ابن حجر فقال (٥):\n(يحتمل أن يختص بالذكور: لأخبار النبي ﷺ أن الله قد كفر عنه حده\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ١٢/ ١٣٥.\n(٢) انظر: نيل الأوطار ٧/١٠٧.\n(٣) انظر: فتح الباري ١٢/ ١٣٤. ويأتي بيان هذه الرواية قريبًا.\n(٤) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ٢٢.\n(٥): فتح الباري ١٢/ ١٣٤","vol":"1","page":76},{"text":"بصلاته، فإن ذلك لا يعرف إلا بطريق الوحي فلا يستمر الحكم في غيره إلا فيمن علم أنه مثله في ذلك وقد انقطع علم ذلك بانقطاع الوحي بعد النبي ﷺ) .\nتعقب هذا المسلك:\nويمكن التعقيب على هذا المسلك من أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، والخصوصية لا تثبت إلا بدليل يقوم عليها. ولهذا فإن في حديث ابن مسعود ﵁، في قصة الرجل الذي أصاب من امرأة دون المسيس، وقد جاء إلى النبي ﷺ تائبًا، أتبعه ﷺ برجل، فدعاه، فتلى عليه (وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل-) إلى آخر الآية (١)، فقال رجل من القوم: يا رسول الله، أله خاصة، أم للناس كافة؟ فقال ﷺ: للناس كافة (٢) .\nالمسلك الثالث: حمله على سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة عليه.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٣): (الثالث: سقوِط الحد بالتوبة قبل القدرة عليه، وهذا أصح المسالك) .\nوجه هذا المسلك:\nالأول: أنه قد جاء في بعض روايات الحديث: التصريح بتعيين الحد وهو (الزنى) وذلك من حديث أنس ﵁ قال (٤): (أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال إني زنيت فأقم عليّ الحد. الحديث) .\n_________\n(١) من الآية رقم ١٤ سورة هود.\n(٢) انظر: سنن أبي داود باختصار المنذري ٧/٢٧٦- ٢٧٨. وقد رواه أيضًا مسلم وغيره. انظر: نيل الأوطار ٧/١٠٦. وفتح الباري ١٢/ ١٣٤.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ٢٢.\n(٤) انظر: فتح الباري ١٢/١٣٤. وقد ساقها بسند على شرط البخاري.","vol":"1","page":77},{"text":"فحديث أنس من هذه الطريق يفسر الرواية المبهمة في حديثه من الطريق الآخر عنه وفي حديث أبي أمامة ﵁. وأن الحد ليس بمبهم وإنما هو معين.\nولذا قال الحافظ بن حجر بعد سياق هذا اللفظ (١): (وقد يتمسك به من قال:\nإنه إذا جاء تائبًا سقط عنه الحد) .\nالثاني: أن التوبة قبل القدرة قاومت السيئة فأسقطت الحد.\nوهذا الوجه حكاه ابن القيم رحمه الله تعالى في وجه الاستدلال من حديث المغيث الآتي بعده (٢) وفي الواقع أن التوجيه به يشمل الحديثين معًا. وهذا ما فهمه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى حيث ذكر أن ابن القيم رحمه الله تعالى صحح هذا المسلك وقواه بذلك فقال ابن حجر بعد سياقه المسلك المذكور عن ابن القيم (٣):\n(وقواه- أي ابن القيم- بأن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعًا بخشية الله تعالى وحده تقاوم السيئة التي عملها، لأن حكمة الحدود الردع عن العود، وصنيعه ذلك دال على ارتداعه فناسب رفع الحد عنه لذلك والله أعلم) .\nالمسلك الرابع:\nهذه هي المسالك الثلاثة التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى. وهناك مسلك رابع للإمام النووي رحمه الله تعالى (٤) وغيره: وهو: أن الذنب الذي فعله هذا\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ١٢/١٣٤.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين٣/ ٢٢.\n(٣) انظر: فتح الباري ١٢/ ١٣٥.\n(٤) انظر: شرح النووي على مسلم ١٧/ ٨١، وفتح الباري ١٢/١٣٤. والنووي هو: محيي الدين ابن شرف بن مري الخزامي المتوفى سنة ٦٧٦ هـ. (انظر: النجوم الزاهرة ٨/٢٧٧) .","vol":"1","page":78},{"text":"المعترف كان من الصغائر لا الكبائر.\nوجه هذا المسلك (١):\nهو ما جاء في بقية الخبر أنه كفرته الصلاة والذي تكفره الصلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر.\nتعقب هذا المسلك:\nوهذا متعقب بأنه جاء في بعض روايات حديث أنس ﵁ تفسير الحد الذي اقترفه بالزنى فثبت كون المعترف به جريمة حدية من الكبائر لا الصغائر والله أعلم.\nالترجيح:\nهذه مسالك العلماء في هذا الحديث وما يمكن توجيه كلّ مسلك به وما تعقب\nبه، والذي يظهر والله أعلم- أن ما اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى من حمل الحديث على سقوط الحد [بالتوبة] (*) قبل القدرة عليه- هو الصواب للأمرين المذكورين في توجيه هذا المسلك وهما أن الحد وقع مفسرًا لا مبهمًا وأن التوبة قبل القدرة قاومت السيئة والله أعلم.\nوجه الاستدلال:\nوبعد تصحيح هذا المسلك من حمل الحديث: على سقوط الحد عن التائب قبل القدرة عليه فإن دلالته على هذا الحكم واضحة ذلك: أن هذا الرجل قد وقع في حد وهو حد الزنى كما صرحت به بعض الروايات وقد جاء إلى النبي ﷺ بنفسه معترفًا به تائبًا إلى الله تعالى فأسقط عنه النبي ﷺ الحد ولم يقمه عليه لأن التوبة\n_________\n(١) انظر: شرح مسلم للنووي ١٧/ ٨١، وفتح الباري ١٢/ ١٣٤.\n\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوع: (بالتوجه)","vol":"1","page":79},{"text":"قبل القدرة قاومت الجريمة مقاومة الدواء للداء (١) . وفي بيان هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢): (فهذا لما جاء تائبًا بنفسه من غير أن يطلب غفر الله له- ولم يقم عليه الحد الذي اعترف به ...) . والله أعلم.\nحديث المغيث (٣):\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٤): (عن وائل (٥) ﵁ أن امرأة وقع عليها في سواد الصبح وهي تعمد إلى المسجد بمكروه على نفسها، فاستغاثت برجل مرّ عليها وفر صاحبها، ثم مرّ عليها ذوو عدد فاستغاثت بهم، فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه، وسبقهم الآخر، فجاؤا به يقودونه إليها: فقال: أنا الذي أغثتك، وقد ذهب الآخر، قال: فأتوا به نبي الله ﷺ، فأخبرته أنه الذي وقع عليها وأخبر القوم أنهم أدركوه يشتد، فقال: إنما كنت أغثتها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني، فقالت: كذب هو الذي وقع علي، فقال النبي ﷺ: انطلقوا به فارجموه. فقام رجل من الناس فقال: لا ترجموه وارجموني، فأنا الذي فعلت بها الفعل، فاعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله ﷺ: الذي وقع عليها، والذي أغاثها، والمرأة فقال: أما أنت فقد غفر لك. وقال للذي أغاثها: قولًا حسنًا فقال عمر: ارجم الذي اعترف بالزنى فأبى رسول الله ﷺ فقال: لأنه قد تاب إلى الله) (٦) .\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ٢١.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين٢/ ٧٩.\n(٣) اشتهر هذا الحديث باسم حديث المغيث: وهو الرجل الذي أغاث المرأة.\n(٤) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٩- ٢٠.\n(٥) هو: وائل بن حجر ابن ربيعة الحضرمي ﵁ مات في ولاية معاوية ﵁ (انظر: الإصابة ٣/ ٥٩٢، والتقريب ٢/ ٣٢٨) .\n(٦) الحديث رواه الترمذي ٤/ ٥٥ وابن ماجة ٢/٨٦٦. وانظر: ذخائر المواريث ٣/١٢٦","vol":"1","page":80},{"text":"وجه الاستدلال:\nهو أن النبي ﷺ أسقط الحد المعترف بالزنى قبل القدرة إذ قد تاب إلى الله تعالى قبل القدرة عليه كما قال ﷺ: (لقد تاب توبة لو تابها أهل المدينة لقبل\nمنهم (١) فالحسنة: وهي اعترافه [طوعا] (*) إلى الله قبل القدرة عليه- دافعت السيئة وهي (الزنى) فدل ذلك على سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة. وفي بيان وجه الاستدلال يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢):\n(سقوط الحد عن المعترف- يعني في هذا الحديث- إذا لم يتسع له نطاق أمير المؤمنين عمر ﵁ فأحرى أن لا يتسع له نطاق كثير من الفقهاء ولكن اتسع له نطاق الرؤوف الرحيم فقال (إنه قد تاب إلى الله) . وأبى أن يحده. ولا ريب أن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعًا واختيارًا خشية من الله وحده وإنقاذًا لرجل مسلم من الهلاك، وتقديم حياة أخيه على حياته واستسلامه للقتل أكبر من السيئة التي فعلها، فقاوم هذا الدواء ذاك الداء، وكانت القوة الصالحة، فزال المرض، وعاد القلب إلى حال الصحة، فقيل: لا حاجة لنا بحدك، وإنما جعلناه طهرة ودواء، فإذا تطهرت بغيره فعفونا يسعك، فأي حكم أحسن من هذا الحكم وأشد مطابقة للمرحلة والحكمة والمصلحة؟ وبالله التوفيق) .\n٣- حديث ابن مسعود ﵁:\nواستدل ابن القيم أيضا بقوله ﷺ: التائب من الذنب كمن لا ذنب له (٣) .\n_________\n(١) طرف من حديث ماعز ﵁ (انظر: نيل الأوطار ٧/١٠٧) .\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ٢١.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٢/٧٨\n\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوع (لوعا)","vol":"1","page":81},{"text":"درجة هذا الحديث:\nهذا الحديث من زوائد ابن ماجة في سننه (١) رواه بسنده إلى ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ. وهو حديث حسن بمجموع طرقه. كما حكم بذلك الحافظان ابن حجر (٢)، والسخاوي (٣) .\nوجه الاستدلال منه:\nووجه الاستدلال منه هو أن يقال: أن الحديث يفيد بمنطوقه، أن التائب من الذنب يساوي الذي لا ذنب له، والذي لا ذنب له لا عقاب عليه، فلا عقاب إذا على التائب مما يوجب حدًا إذا تاب قبل القدرة عليه لتمحض صدقه في توبته والله أعلم.\n٤-<span data-type=\"title\" id=toc-52> استدلاله بقياس الأولى:</span>\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٤) .\n(نص الشارع، على اعتبار توبة المحارب قبل القدرة عليه، من باب التنبيه على اعتبار توبة غيره قبل القدرة عليه، بطريق الأولى، فإنه إذا دفعت عنه توبته حد حرابة مع شدة ضررها وتعديه، فلأن تدفع التوبة عنه ما دون حد الحرابة بطريق الأولى والأحرى وقد قال الله تعالى (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) .\nوقال أيضًا (٥): (وقد نص الله على سقوط الحد عن المحاربين بالتوبة التي\n_________\n(١) انظر: سنن بن ماجة ٢/١٤٢٠.\n(٢) انظر: فيض القدير للمناوي ٣/٢٧٦، والزوائد على سنن بن ماجة ٢/ ١٤٢٠.\n(٣) انظر: المرجعين السابقين ٣/ ٢٧٦.\n(٤) انظر أعلام الموقعين ٢/٧٨.\n(٥) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٩","vol":"1","page":82},{"text":"وقعت قبل القدرة عليهم مع عظيم جرمهم، وذلك للتنبيه على سقوط ما دون حد الحراب بالتوبة الصحيحة بطريق الأولى) .\nوهذا قياس واضح الأولوية جلي الدلالة: فإنه ذكر الفرع المقيس: وهو توبة غير المحارب قبل القدرة عليه. وذكر الأصل المقيس عليه: وهو توبة المحارب قبل القدرة عليه. وذكر العلة الجامعة: وجود التوبة قبل القدرة وإزالتها للجريمة. وذكر الحكم: وهو: سقوط الحد.\nوبين أنه قياس الأولى: لأن الحرابة أشد ضررًا من سائر الحدود وقد قبلت وقد أسقطت توبة المحارب حد الحرابة عنه. والضرر في سائر الحدود عدا الحرابة أقل منها ضررًا والله أعلم.\nالقول الثاني: أن توبة غير المحارب قبل القدرة عليه لا تسقط الحد عنه. وبه قال: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه (١) .\nأدلته:\nاستدل لهذا القول بأدلة أهمها ما يلي:\n١- من القرآن الكريم:\nاستدل بعموم آيات إقامة الحدود في القرآن نحو قوله تعالى (٢) (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) الآية وقوله تعالى (٣) (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وقوله تعالى (٤) (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة\n_________\n(١) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/٣١٦- ٣١٧.\n(٢) من الآية رقم ٢ سورة النور.\n(٣) من الآية رقم ٣٨ سورة المائدة.\n(٤) من الآية رقم ٤ سورة النور.","vol":"1","page":83},{"text":"شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة) . فهذه الآيات عامة في التائبين وغيرهم، إذا فالتوبة قبل القدرة لا تسقط الحد عن التائب والله أعلم (١) .\nمناقشة هذا الدليل:\nوهذا الدليل مناقش بأن هذا من العموم المخصّص، وقد قام الدليل على المخصّص من السنة بسقوط الحد عن التائب قبل القدرة عليه والله أعلم. ٢- من السنة (٢):\nواستدل من السنة بأحاديث الذين جاءوا إلى النبي ﷺ تائبين يطلبون التطهير بإقامة الحد كماعز (٣) ﵁ والغامدية ﵂ [فأقام] (*) ﷺ عليهم الحد وهم تائبون قبل القدرة عليهم فلو كانت التوبة قبل القدرة مسقطة للحد لم يحدهم ﷺ.\n\nمناقشة هذا الاستدلال:\nوقد ناقش ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الاستدلال وبين ضعف هذا المسلك في فهم أحاديث هؤلاء، وأن كلّ واقعة منها لا تدل إلا على أن النبي ﷺ حد صاحبها باختياره حيث اختار التطهير بالحد، ولم يكتف بالتطهير بالتوبة. فالحد غير. متعين والحالة هذه، ولو كان متعينًا لما قال في حق ماعز (هلاّ تركتموه) . وفي بيان هذا يقول رحمه الله تعالى (٤): (فإن قيل: فماعز جاء تائبًا، والغامدية جاءت تائبة، وأقام عليهم الحد.\n_________\n(١) انظر: المغنى مع الشرح الكبير ١٠/٣١٦- ٣١٧.\n(٢) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/٣١٦، وأعلام الموقعين ٢/٧٩. (٣) هو: ماعز بن مالك الأسلمي ﵁ (انظر: الإصابة ٣/٣١٧) . (٤) انظر: أعلام الموقعين ٢/٧٩.\n\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوع (فأثام)","vol":"1","page":84},{"text":"قيل: لا ريب أنهما جاءا تائبين، ولا ريب أن الحد أقيم عليهما، وبما احتج أصحاب القول الآخر، وسألت شيخنا (١) عن ذلك، فأجاب بما مضمونه بأن الحد مطهر، وأن التوبة مطهرة وها اختارا التطهر بالحد على التطهير بالتوبة، وأبيا إلا أن يطهرا بالحد، فأجابهما النبي ﷺ إلى ذلك، وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحد، فقال في حق ماعز (هلاّ تركتموه يتوب فيتوب الله عليه) . ولو تعين الحد بعد التوبة لما جاز تركه بل الإمام مخير بين أن يتركه كما قال لصاحب الحد الذي اعترف به (اذهب فقد غفر الله لك) وبين أن يقيمه كما أقامه على ماعز والغامدية لما اختارا إقامته وأبيا إلا التطهير به، ولذلك ردهما النبي ﷺ مرارًا وهما يأبيان إلا إقامته عليهما.\nوهذا المسلك وسط بين مسلك من يقول: لا تجوز إقامته بعد التوبة البتة وبين مسلك من يقول: لا أثر للتوبة في إسقاطه البتة وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط والله أعلم) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>الترجيح والاختيار:</span>\nيتبين للقارئ أن أدلة التفريق بين المحارب وغيره لا تثبت دلالتها أمام النقد ومنه يتبين أيضًا أنه لا دليل على التفريق، وأن الأدلة من السنة الصحيحة والقياس الأولى تدل بوضوح على سلامة اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى للقول بعدم التفريق: فتقبل توبة مرتكب الجريمة الحدية قبل القدرة عليه وتسقط عنه الحد. وهذا كما تقتضيه أدلة الشريعة فهو الموافق لروح التشريع وتقتضيه رحمة ربّ العالمين واتساعها للعفو عن المذنبين ورفع العقاب عن التائبين والله أعلم.\n_________\n(١) يعنى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى،","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>باب حد الزنى</span>","vol":"1","page":87},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>توطئة</span>\nفي تعريف (الزنى) في اللسانين اللغة والشرع.\nتعريفه لغة: (١)\nفيه لغتان:\nالأولى: أنه اسم ممدود فيقال: الزناء. وهي لغة أهل نجد، وقيل [لبني] (*) تميم منهم خاصة ومنه:\nأما الزناء فإني لست قاربه ... والمال بيني وبين الخمر نصفان\nالثانية: أنه اسم مقصور، فيقال: الزنى. وهي لغة أهل الحجاز. وبها ورد القرآن الكريم.\nوالأصل أن تكتب هكذا (الزنى) بألف مقصورة. وعليه جرى الرسم في القرآن في قوله تعالى (٣) (ولا تقربوا الزنى) الآية.\n_________\n(١) انظر: معجم مقاييس اللغة ٣/١٦- ١٧. واللسان لابن منظور ١٤/٣٦٠. ومقصد النبيه للنووي ص/١٣٩. والمفردات للراغب ص/٢١٥، والمطلع على أبواب المقنع ص/ ٣٧٠.\n(٢) من الآية رقم ٣٢ سورة الإسراء.\n\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوع (لنبي)","vol":"1","page":89},{"text":"ويجوز لغة أن تكتب هكذا (الزنا) بألف.\nوعلى كلا اللغتين: القصر والمد: فهو مصدر، زنى يزنى زناء بالمد أو زنى بالقصر والنسبة إليه: زنوى.\nوجعه: زناة.\nواسم الفاعل منه: زان.\n؟ يقال للرجل (زاني) وللمرأة (زانية) ومنه قوله تعالى (١) (الزانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة) الآية.\nهذه هي المادة من حيث تصريفها اللغوي أما من حيث معناها في لغة العرب فهي تطلق على معان:\nالأول: الزنى بمعنى: الضيق (٣) .\nومنه قيل للحاقن (زناء) بوزن (جبان) لأنه يضيق ببوله.\nومنه أيضًا، يقال زنأ في الجبل يزنأ إذا صعد لأنه يضيق بذلك نفسه.\nالثاني: يطلق (الزنى) على ما دون مباشرة المرأة الأجنبية من غير عقد شرعي. فزنا العين: النظر.\nوزنا اللسان: النطق.\nوزنا اليد: اللمس.\nَهكذا.\nكما في حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (كتب على\n_________\n(١) من الآية رقم ٢ سورة النور.\n(٢) انظر: المفردات ص/٣١٥، ومختار الصحاح ص/٣٧٥.","vol":"1","page":90},{"text":"ابن آدم نصيبه من الزنى لا محالة العينان: زناهما النظر، والأذنان: زناها الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد: زناها البطش، والرجل: زناها الخطى، والقلب يهوى؟ يتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه) رواه مسلم (١) .\nالثالث: الزنى، بمعنى: وطء المرأة من غير عقد شرعي (٢) .\nوهذا هو المعنى المراد منه في القرآن الكريم كما في قوله تعالى (٣) (يا أيها النبي\nإذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئًا ولا يسرقن ولا يزنين) الآية.\nوقوله تعالى (٤) (ولا تقربوا الزنى أنه كان فاحشة) الآية.\nوعلى هذا المعنى عامة نصوص الوعيد على الزنى في السنة المشرفة (٥) وهو المعنى المراد عند أهل العلم من المحدثين والفقهاء في قولهم (باب حد الزنى) أو (باب الزنى) .\nتعريفه في الاصطلاح:\nوهذا التعريف: اللغوي لماهية الزنى من أنه (وطء المرأة من غير عقد شرعي) . هو أصل في تعاريف أهل الاصطلاح.\nوالاختلاف الحاصل في التعاريف إنما هو من حيث القيود الواردة شرعًا فمنها\nما هو مطلوب التحقق في الفاعل ومنها ما هو مطلوب تحققه في الفعل نقسه. ومن\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٦/٢٠٥، ورواه البخاري مختصرًا: انظر: الترغيب والترهيب للمنذري ٣/ ٣٦ ط الثالثة سنة ١٣٨٨ هـ في بيروت.\n(٢) انظر: المفردات ص/٣١٥. والمطلع ص/٣٧٠- ٣٧١\n(٣) الآية رقم ١٢ سورة الممتحنة.\n(٤) من الآية رقم ٣٢ سورة الإسراء.\n(٥) ومنه حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: لا يزنى الزاني حين يزني وهو مؤمن الحديث (انظر: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٢/٥٨ - ٥٩) .","vol":"1","page":91},{"text":"حيث أيضًا شموله للوطء في الدبر من رجل أو امرأة أو عدم شموله. إذا علم ذلك فهذا طرف من التعريفات المذهبية للزنى:\nالحنفية:\nقال ابن الهمام (١):\n(الزنا: إدخال المكلف الطائع قدر حشفة، قبل مشتهاة حالًا أو ماضيًا بلا ملك وشبهته، أو تمكينه من ذلك أو تمكينها) .\nوقال الجرجاني (٣):\n(الزنا: الوطء في قبل خال عن ملك وشبهة)\nالمالكية:\nقال خليل (٣):\n(الزنا: وطء مكلف مسلم فرج آدمي لا ملك له فيه باتفاق تعمدًا) .\nوقال ابن عرفة (٤):\n(الزنا:- الشامل للواط - مغيب حشفة آدمي في فرج آخر دون شبهة حله عمدًا) .\n_________\n(١) انظر: فتح القدير ٩/١٣٤.\n(٢) انظر: التعريفات ص/ ١٠١.\n(٣) انظر مختصر خليل مع شرحه جواهر الإكليل ٣/٣٨٣. وخليل: هو الشيخ خليل بن إسحاق بن موسى الجندي المالكي المتوفى سنة ٧٧٦ هـ. (انظر: الدرر الكامنة ٢/٨٦، والأعلام ٢/٣٦٤) .\n(٤) انظر: الحدود له مع شرحه للرصاع التونسي ص/٤٩٢. وابن عرفة: هو أبو عبد الله محمد بن محمد بن عرفة المالكي التونسي توفي سنة ٨٠٣ هـ. وسنة وفاته توافق بالأبجد شهرته (ابن عرفة) (انظر ترجمته آخر الشرح ص/٥٤٠- ٥٤٣، الأعلام ٧/٢٧٢) .","vol":"1","page":92},{"text":"الشافعية:\nقال النووي (١):\n(إيلاج الذكر بفرج محرم لعينه خال من الشبهة مشتهى طبعًا) .\nالحنابلة\nقال المجد ابن تيمية (٢):\n(الزنا: هو تغييب حشفة في قبل أو دبر حرامًا محصنًا) .\nالترجيح:\nوهذه التعاريف لدى المالكية والشافعية والحنابلة تشمل الوطء في الدبر (اللواط) وسيأتي في أخريات المباحث إن شاء الله تعالى أن الوطء في الدبر لا يسمى زنى، وأن حكمه مغاير لحكم الزنى فهو (القتل بكل حال) .\nوعليه فإن أقرب التعاريف لحد الزنى من حيث المصادر (لحد الزنى شرعًا)\nهو تعريف الحنفية كما ذكره ابن الهمام والجرجاني وأولى التعريفين تعريف الجرجاني لأن الزوائد في تعريف ابن الهمام من باب الشروط والشروط لا دخل لها في التعاريف.\nفتحرر إذًا أن أمثل التعاريف للزنى هو أن يقال:\n(الزنى: هو الوطء في قبل خال عن ملك وشبهة) والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: المنهاج مع شرحه نهاية المحتاج للرملي ٧/٤٠٢ نشر المكتبة الإسلامية بيروت.\n(٢) انظر: المحرر ٢/٥٣ ط سنة ١٣٦٩ بمطبعة أنصار السنة بمصر. والمجد: هو مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن الخضر النمَيري جد شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية رحمهم الله تعالى توفي سنة ٦٥٢ هـ. (انظر: جلاء العينين للألوسي ص/ ١٨، والأعلام ٤/١٣٠) .","vol":"1","page":93},{"text":"مباحِث ابن القيم في الزّنى\nجرت عادة العلماء بحث أحكام اللواط ووطء البهيمة في باب حد الزنى بجامع الوطء المحرم في كلّ منها.\nوبالتتبع حصل أن مباحث ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا على ما يلي:\nالمبحث الأول: في الاعتراض على عقوبة الزنى ورده.\nالمبحث الثاني: حكمة التشريع في تحريم الزنى.\nالمبحث الثالث: سد الذرائع الموصلة إلى الزنى.\nالمبحث الرابع: في خصائص حد الزنى.\nالمبحث الخامس: حكمة تحصين الرجل بالحرة دون الأمة.\nالمبحث السادس: في اشتراط الإسلام في الإحصان.\nالمبحث السابع: في عقوبة الزاني المحصن.\nالمبحث الثامن: في عقوبة من زنى بجارية امرأته.\nالمبحث التاسع: في عقوبة من زنى بذات محرمة.\nالمبحث العاشر: في إقامة حد الزنى بالقرينة الظاهرة.","vol":"1","page":95},{"text":"المبحث الحادي عشر: في ذكر حيل لإبطال حد الزنى وإبطالها.\nالمبحث الثاني عشر: في ذكر حيلة جائزة لإبطال الشهادة على الزنى.\nالمبحث الرابع عشر: في مفاسد اللوطية الصغرى.\nالمبحث الخامس عشر: في مفاسد اللواط وإن مفسدته أعظم من كلّ ذنب بعد الشرك.\nالمبحث السادس عشر: في عقوبة اللواط.\nالمبحث السابع عشر: في عقوبة من وطئ بهيمة.","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-61>المبحث الأول\nفي الاعتراض على عقوبة الزنى ورده </span>(١) .\nتختلف عقوبة الزنى باختلاف حال الزاني، فالجلد والتغريب عقوبة الزاني البكر، والرجم عقوبة الزاني المحصن.\nوعلى أي من الحالين فقد أورد نفاة المعاني والقياس اعتراضًا على عقوبة الزنى، فقالوا: هذا تفريق في الشرع بين المتماثلات، فكيف يعاقب الشارع السارق بقطع يده، ويترك معاقبة الزاني بقطع فرجه والفرج هو العضو الذي باشر فيه معصية الزنى كما أن اليد هي الآلة التي باشر فيها معصية السرقة (٢) .\nوقد ناقش ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الاعتراض، وأتى عليه بالنقض والرد\nله من وجوه متعددة مبينًا أن هذا من أفسد القياس وأبطله، وإن عين الحكمة والكمال: هي فيما رتبه الشارع على كلّ جريمة بما يناسبها من عقاب. ونستطيع أن نستخلص وجوه الرد والتعقب لهذا الاعتراض فيما يلي:\n١- أن الفرج عضو خفي مستور لا تراه العيون فلا يحصل بقطعه مقصود الشارع بالحد من الزجر والردع للغير، وهذا بخلاف السارق بقطع يده.\n٢- أن في قطع العضو التناسلي قطع للنسل وتعريض للهلاك وقضاء على النوع الإنساني وهذا بخلاف قطع يد السارق.\n٣- أن لذة الزنى سرت في جميع البدن كلذة العضو المخصوص فكان الأحسن أن تعم العقوبة جميع البدن الذي نالته اللذة المحرمة.\n٤- أن السارق إذا قطعت يده بقيت له يد أخرى تعوض عنها بخلاف الفرج فإنه\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ١/١٢٦، ٢/٥٢، ١٠٦- ١٠٨. والداء والدواء ص/١٦٠.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٢/٥٢","vol":"1","page":97},{"text":"إذا قطع لم يبق له ما يقوم مقامه لتتميم مصالحه بتنمية النوع الإنساني.\n٥- أن قطع العضو التناسلي مفض إلى الهلاك، وغير المحصن لا تستوجب جريمته الهلاك، والمحصن يناسب جريمته أشنع القتلات، ولا يناسبها قطع\nبعض أعضائه. فافترقا.\nلهذه الوجوه ولغيرها من أسرار التشريع- التي أبدى ابن القيم رحمه الله تعالى الكثير منها - يتبين للمنصف أن عقوبات الشارع جاءت على أتم الوجوه وأقومها بالمصالح وأوفقها للعقل كما في عقوبة الزنى، وإن الشارع لم يفرق بين متماثلين قط، كما أنه لم يجمع بين ضدين أبدًا، بل وضع كلّ حكم موضعه المناسب له ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا.\nوهذه الوجوه قد أبداها ابن القيم رحمه الله تعالى مختصرة ومبسوطة، فيحسن\nبنا بعد هذا السياق ذكر كلامه الشامل في ذلك إذ يقول (١):\n(وأما معاقبة السارق بقطع يده وترك معاقبة الزاني بقطع فرجه ففي غاية الحكمة والمصلحة وليس في حكمة الله ومصلحة خلقه وعنايته ورحمته بهم أن يتلف على كلّ جان كلّ عضو عصاه به فيشرع قلع عين من نظر إلى محرم، وقطع أذن من استمع إليه، ولسان من تكلم به، ويد من لطم غيره عدوانًا، ولا خفاء بما في هذا من الإسراف والتجاوز في العقوبة وقلب مراتبها.\nوأسماء الرب الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الحميدة تأبى ذلك وليس مقصود الشارع مجرد الأمن من المعاودة ليس إلا، ولو أريد هذا لكان قتل صاحب الجريمة فقط، وإنما المقصود الزجر والنكال والعقوبة على الجريمة، وأن يكون إلى كف\nعدوانه أقرب وأن يعتبر به غيره وأن يحدث له ما يذوقه من الألم توبة نصوحًا، وأن يذكره ذلك بعقوبة الآخرة.\nإلى غير ذلك من الحكم والمصالح.\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٢/١٠٦ - ١٠٨","vol":"1","page":98},{"text":"ثم إن في حد السرقة معنى آخر، وهو أن السرقة إنما تقع من فاعلها سرًا كما يقتضيه اسمها، ولهذا يقولون (فلان ينظر إلى فلان مسارقة) إذا كان ينظر إليه نظرًا خفيًا لا يريد أن يفطن له، والعازم على السرقة كاتم مختف خائف أن يشعر بمكانه فيؤخذ به، ثم هو مستعد للهرب والخلاص بنفسه إذا أخذ الشيء ... وأما الزاني: فإنه يزني بجميع بدنه، والتلذذ بقضاء شهوته يعم البدن، والغالب\nمن فعله وقوعه برضاء المزني بها، فهو غير خائف ما يخافه السارق من الطلب، فعوقب بما يعم بدنه من الجلد مرة والقتل بالحجارة مرة.\nولما كان الزنى من أمهات الجرائم وكبائر المعاصي لما فيه من اختلاط الأنساب\nالذي يبطل معه التعارف والتناصر على إحياء الدين، وفي هذا إهلاك الحرث والنسل، فشاكل معانيه أو في أكثرها القتل الذي فيه هلاك ذلك، فزجر عنه بالقصاص ليرتاع عن مثل فعله من يهم به، فيعود ذلك بعمارة الدنيا وصلاح العالم\nالموصل إلى إقامة العبادات الموصلة إلى نعيم الآخرة.\nثم إن للزاني. حالتين:\nإحداهما: أن يكون محصنًا قد تزوج، فعلم ما يقع به من العفاف عن الفروج المحرمة، واستغنى به عنها، وأحرز نفسه عن التعرض لحد الزنى، فزال عذره من\nجميع الوجوه في تخطي ذلك إلى مواقعة الحرام.\nوالثانية: أن يكون بكرًا، لم يعلم ما علمه المحصن ولا عمل ما عمله فحصل له\nمن العذر بعض ما أوجب له التخفيف، فحقن دمه، وزجر بإيلام جميع بدنه بأعلى\nأنواع الجلد ردعًا عن المعاودة للاستمتاع بالحرام وعونًا له إلى القناعة بما رزقه\nالله من الحلال.\nوهذا في غاية الحكمة والمصلحة، جامع للتخفيف في موضعه، والتغليظ في موضعه، وأين هذا من قطع لسان الشاتم والقاذف وما فيه من الإسراف والعدوان؟.","vol":"1","page":99},{"text":"ثم إن قطع فرج الزاني فيه من تعطيل النسل وقطعه عكس مقصود الرّب تعالى، من تكثير الذرية وذريتهم فيما جعل لهم من أزواجهم. وفيه من المفاسد أضعاف ما يتوهم فيه من مصلحة الزجر، وفيه إخلاء جميع البدن من العقوبة، وقد حصلت جريمة الزنى بجميع أجزائه، فكان من العدل أن تعمه العقوبة، ثم أنه غير مقصور في حق المرأة، وكلاها زان، فلا بد أن يستويا في العقوبة فكان شرع الله سبحانه أكمل من اقتراح المقترحين ...) .\nالمبحث الثاني:\nحكمة التشريع في تحريم الزنى (١)\nتناول ابن القيم رحمه الله تعالى هذا المبحث بالبسط والتتبع لأسرار التشريع مجليًا له بإبراز مفاسد الزنى، وإظهار آثاره السيئة. ومضاره على مصالح العباد في معاشهم ومعادهم.\nوقد لهج به في مواطن من كتبه فرأيت أن أستخلصها برقم تسلسلي يضم مفردات هذه الحكم والأسرار واحدة إثر واحدة، مع المحافظة على مقوله فيها وهي على ما يلي:\n١- مناقضة الزنى لصلاح العالم، في أنسابهم وأعراضهم.\nقال رحمه الله تعالى (٢):\n(مفسدة الزنى مناقضة لصلاح العالم، فإن المرأة إذا زنت أدخلت العار على أهلها وزوجها وأقاربها، ونكست رؤوسهم بين الناس.\n_________\n(١) انظر: روضة المحبين ص/٣٥١- ٣٦٢، والداء والدواء ص/٢١٩،٢٢٠، ٢٣٦- ٢٣٨.\nوإغاثة اللهفان ١/٥٩ - ٦٧، ٢/١٤٢- ١٦٨.\n(٢) انظر: الداء والدواء ص/٢٣٦. وانظر حكمة التشريع وفلسفته للجرجاني ٢/٢٨٣ -\n٢٨٩ ط الخامسة سنة ١٣٨١ ط بالمطبعة اليوسفية في مصر.","vol":"1","page":100},{"text":"وإن حملت من الزنى: فإن قتلت ولدها جمعت بين الزنى والقتل وإن حملته على\nالزوج أدخلت على أهله وأهلها أجنبيًا ليس منهم فورثهم وليس منهم، ورآهم\nوخلا بهم وانتسب إليهم وليس منهم، إلى غير ذلك من مفاسد زناها.\nوأما زنى الرجل، فانه يوجب اختلاط الأنساب أيضًا، وإفساد المرأة المصونة، وتعريضها للتلف والمفاسد، وفي هذه الكبيرة خراب الدنيا والدين ... فكم في الزنى\nمن استحلال لحرمات وفوات حقوق. ووقوع مظالم) .\nوقال أيضًا (١):\n(لما كانت مفسدة الزنى من أعظم المفاسد، وهي منافية لمصلحة نظام العالم في\nحفظ الأنساب، وحماية الفروج، وصيانة الحرمات، وتوقي ما يوقع أعظم العدواة، والبغضاء بين الناس، من إفساد كلّ منهم امرأة صاحبه وابنته وأخته\nوأمه، وفي ذلك خراب العالم كانت تلي مفسدة القتل في الكبر، ولهذا قرنها الله\nسبحانه بها في كتابه لرسوله ﷺ في سننه.\nقال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ولا أعلم بعد قتل النفس شيئًا أعظم من الزنى،\nوقد أكّد سبحانه حرمته بقوله (٢) (والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر، ولا يقتلون\nالنفس التي حرّم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا، يضاعف له\nالعذاب يوم القيامة، ويخلد فيه مهانًا إلا من تاب) الآية.\nفقرن الزنى بالشرك وقتل النفس، وجعل جزاء ذلك الخلود في العذاب المضاعف، ما لم يرفع العبد موجب ذلك بالتوبة والإيمان والعمل الصالح وقد قال\nتعالى (٣) (ولا تقربوا الزنى أنه كان فاحشة وساء سبيلًا) فأخبر سبحانه عن فحشه في نفسه، وهو القبيح الذي قد تناهى قبحه حتى استقر فحشه في العقول\n_________\n(١) انظر: الداء والدواء ص/٢١٩.\n(٢) من الآية رقم ٦٨ سورة الفرقان.\n(٣) الآية رقم ٣٢ سورة الإسراء.","vol":"1","page":101},{"text":"حتى عند كثير من الحيوان كما ذكر البخاري في صحيحه (١) عن عمرو بن ميمون\nالأودي (٢) قال (رأيت في الجاهلية قردًا زنى بقردة، فاجتمع القرود عليها\nفرجموها حتى ماتت) .\nثم أخبر عن غايته بأنه ساء سبيلًا، فإنه سبيل هلكة وبوار وافتقار في الدنيا،\nوعذاب وخزي ونكال في الآخرة ...) .\n٢- الزنى يجمع خلال الشر كلها:\nقال رحمه الله تعالى (٣):\n(الزنى يجمع خلال الشر كلها من قلة الدين، وذهاب الورع، وفساد المروءة، وقلة الغيرة، فلا تجد زانيًا معه ورع، ولا وفاء بعهد ولا صدق في حديث، ولا\nمحافظة على صديق، ولا غيرة تامة على أهله فالغدر والكذب والخيانة وقلة الحياء،\nوعدم الأنفة للحرم، وذهاب الغيرة من القلب من شعبه وموجباته) .\n٣- الزنى يفتح على العبد أبوابًا من المعاصي:\nوفي بيان هذا يقول رحمه تعالى (٤):\n(ومنها أن الزنى يجرئه على قطيعة الرحم وعقوق الوالدين، وكسب الحرام، وظلم الخلق وإضاعة أهله وعياله، وربما قاده قسرًا إلى سفك الدم الحرام، وربما\nاستعان عليه بالشرك وبالسحر، وهو يدري ولا يدري فهذه المعصية لا تتم إلا\nبأنواع من المعاصي قبلها وبعدها، ويتولد عنها أنواع أخر من المعاصي بعدها.\nفهي محفوفة بجند من المعاصي قبلها وجند بعدها، وهي أجلب شيء لشر الدنيا\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٧/١٥٦. وانظر: روضة المحبين ص/٣٥٨.\n(٢) هو: عمرو بن ميمون الأودي أبو عبد الله الكوفي توفي سنة ٧٤ هـ. (انظر: التقريب ٢/٨٠) .\n(٣) انظر: روضة المحبين ص/٣٥٨.\n(٤) انظر: روضة المحبين ص/٣٦١","vol":"1","page":102},{"text":"والآخرة، وأمنع شيء لخير الدنيا والآخرة وإذا علقت بالعبد فوقع في حبائلها وأشراكها عز على الناصحين استنقاذه، وأعيى الأطباء دواؤه فأسيرها لا يفدى، وقتيلها لا يودى، وقد وكلها الله تعالى بزوال النعم فإذا ابتلى بها عبد فليودع نعم الله فإنها ضيف سريع الانتقال، وشيك الزوال، وقال الله تعالى (٢) (ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم) . وقال تعالى (٢) وإذا أراد الله بقوم سوءًا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال)\n٤- الزنى يولد الأمراض النفسية والقلبية.\nوفي بيانها يقول رحمه الله تعالى (٣):\n(ومن خاصيته أيضًا - أي الزنى - أنه يشتت القلب ويمرضه إن لم يمته ويجلب الهم والحزن والخوف، ويباعد صاحبه من الملك ويقربه من الشيطان) . وقال أيضًا (٤):\n(ومنها ظلمة القلب وطمس نوره)\nوقال أيضًا (٥):\n(ومنها الوحشة التي يضعها الله ﷾ في قلب الزاني، وهي نظير الوحشة التي تعلو وجهه فالعفيف على وجهه حلاوة وفي قلبه أنس، ومن جالسه استأنس به، والزاني تعلو وجهه الوحشة ومن جالسه استوحش به) .\nوقال أيضًا (٦):\n_________\n(١) الآية رقم ٥٤ سورة الأنفال.\n(٢) الآية رقم ١٢ سورة الرعد.\n(٣) انظر: الداء والدواء ص/٢٣٧.\n(٤) انظر: روضة المحبين ص/٣٥٩.\n(٥) انظر: روضة المحبين ص/٣٦٠.\n(٦) انظر: روضة المحبين ص/٣٦٠ -٣٦١","vol":"1","page":103},{"text":"(ومنها ضيقة الصدر وحرجه فإن الزناة يعاملون بضد قصودهم فإن من طلب لذة العيش وطيبه بما حرمه الله عليه عاقبه الله [بنقيض] (*) قصده، فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته ولم يجعل الله معصيته سببًا إلى خير قط. ولو علم الفاجر ما في العفاف من اللذة والسرور وانشراح الصدر وطيب العيش لرأى أن الذي فاته من اللذة أضعاف ما حصل له) .\n٥- الزنى يورث الفقر والمسكنة.\nوفي هذا يقول رحمه الله تعالى (١):\n(ومنها أنه يورث الفقر اللازم. وفي أثر يقول الله تعالى (٢) (أنا الله مهلك الطغاة ومفقر الزناة) .\n٦- الزنى يورث نفرة العباد من الزناة وسقوطهم من أعينهم.\nوفي هذا يقول رحمه الله تعالى (٣):\n(ومنها، أنه يذهب حرمة فاعله ويسقطه من عين ربّه ومن أعين عباده ... ومنها: قلة الهيبة التي تنزع من صدور أهله وأصحابه وغيرهم له، وهو أحقر شيء\nفي نفوسهم وعيونهم، بخلاف العفيف فإنه يرزق المهابة والحلاوة.\nومنها: أن الناس ينظرونه بعين الخيانة ولا يأمنه أحد على حرمته ولا على ولده) .\n٧- الزنى: يولد سيماء الفساد في وجه فاعله.\nوفي بيان ذلك يقول رحمه الله تعالى (٤):\n_________\n(١) انظر: روضة المحبين ص/٣٥٩. وانظر أيضًا: الداء والدواء ص/٢٣٦.\n(٢) هذا الأثر لم أقف عليه.\n(٣) انظر: روضة المحبين ص/٣٥٩، ٣٦٠.\n(٤) انظر: روضة المحبين ص/٣٥٨، ٣٦٠. والداء والدواء ص/٢٣٧.\n\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: في المطبوع (بتقبض)","vol":"1","page":104},{"text":"(ومنها: سواد الوجه وظلمته وما يعلوه من الكآبة والمقت الذي يبدو للناظرين.... فالعفيف على وجهه حلاوة وفي قلبه أنس ومن جالسه استأنس به والزاني تعلو وجهه الوحشة ومن جالسه استوحش به) .\n٨- الزنى: يولد رائحة كريهة بغيضة.\nقال رحمه الله تعالى (١):\n(ومنها: الرائحة التي تفوح عليه يشمها كل ذي قلب سليم، تفوح من فيه وجسده ولولا اشتراك الناس في هذه الرائحة، لفاحت من صاحبها ونادت عليه ولكن كما قيل:\nكلّ به مثل ما بي غير أنهم ... من غيرة بعضهم للبعض عذال) .\n٩- الزنى: يورث العقاب الأليم في البرزخ وفي يوم القيامة.\nوفي كشف هذا يقول رحمه الله تعالى (٢):\n(سبيل الزنى أسوأ سبيل، ومقيل أهلها في الجحيم شر مقيل ومستقر أرواحهم\nفي البرزخ تنور من نار يأتيهم لهبها من تحتهم فإذا أتاهم اللهب ضجوا وارتفعوا، ثم يعودون إلى موضعهم فهم هكذا إلى يوم القيامة كما رآهم النبي ﷺ في منامه (٣) ورؤيا الأنبياء وحي لا شك فيها) .\nهذا ما أبرزه ابن القيم رحمه الله تعالى من لطائف الحكم ودقائق الأسرار التشريعية في بيان حكمة تحريم الزنى بإظهار أضراره ومفاسده وآثاره السيئة المناقضة لصلاح العالم أفرادًا وجماعات ومنه يقف الناظر على جملة من الحكم\n_________\n(١) انظر روضة المحبين ص/٣٦٠.\n(٢) انظر: روضة المحبين ص/٣٥١.\n(٣) يشير إلى حديث سمرة بن جندب ﵁ وقد ساقه رحمه الله تعالى بطوله من ص/٣٥١ -٣٥٤.","vol":"1","page":105},{"text":"التشريعية الجليلة في سبب حرمة الزنى، لا يجد الكثير منها عند كثير من الكاتبين في هذا المجال (١) . وهذا تدليل على ما لدى ابن القيم رحمه الله تعالى من السعة والشمول وفقه النفس والوقوف العميق على أسرار التشريع ومحاسنه والله المستعان.\nالمبحث الثالث:\nفي سد الذرائع (٢) الموصلة إلى الزنى (٣)\nقاعدة التشريع التي لا تنخرم أن الله ﷾ إذا حرم شيئًا حرم الأسباب والدوافع الموصلة إليه سدًا للذريعة وكفًا عن الوقوع في حمى الله ومحارمه، ليعيش في مجتمع مملوء بالإباء والشمم عن كافة الرذائل والطرائق\nالموصلة إليها حتى يلقى الله تعالى وهو على هدى من الله وصراط مستقيم.\nولهذا فإن علماء الشريعة استنبطوا بطريق التتبع والاستقراء لمواطن التنزيل\nقاعدة شريفة هامة تعتبر من الكليات التشريعية التي تعايش المسلم في كلّ لحظة وآن، تلك هي: قاعدة (سد الذرائع الموصلة إلى المحرمات) .\nوابن القيم رحمه الله تعالى قرر هذه القاعدة، واستدل لها من وجوه الأدلة بما\n_________\n(١) انظر: حكمة التشريع وفلسفته للجرجاني ٢/٣٨٣- ٣٨٩، ومحاسن شرائع الإسلام للفقيه محمد بن عبد الرحمن البخاري الحنفي م سنة ٤٥٦ هـ. - ص/٥٩- ٦١ ط القدسي بمصر سنة ١٣٥٧ هـ\n(٢) الذرائع جمع ذريعة، وهي اللغة الوسيلة كما في لسان العرب ٩/٤٥١) وفي الاصطلاح: عند الأصوليين سد الذريعة هي: منع التوسل بما هو مباح إلى ما هو مفسدة. كما في (الفروق)\nللقرافي ٢/٣٢، وتنقيح الفصول ص/١٤٤.\n(٣) انظر في بيان سد الذرائع الموصلة إلى الزنى: أعلام الموقعين ٣/١٤٩، ١٥١، ١٦١، ١٦٢،١٦٣،١٦٥، ١٦٨، وإغاثة اللهفان ١/٤٨، ٤٩، ٣٦٢،٣٦٤، ومدارج السالكين ١/١١٨، ٣٦٩، وبدائع الفوائد ٢/٢٧١، ٢٧٢، والداء والدواء ص/ ٢٢١-\n٢٢٣،١٤٢، ٢٦٢ والطرق الحكمية ص/٣٢٤- ٣٢٧.","vol":"1","page":106},{"text":"يقارب مائة وجه من الكتاب والسنة (١)، وبيّن أن قاعدة سد الذرائع، أحد أرباع التكليف، فإنه وجه ذلك فقال (٢):\n(وباب سد الذرائع أحد أرباع التكليف، فإنه أمر ونهي، والأمر نوعان، أحدهما: مقصود لنفسه والثاني: وسيلة إلى المقصود والنهي نوعان: أحدهما: ما يكون المنهي عنه مفسدة في نفسه والثاني: ما يكون وسيلة إلى مفسدة، فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين) .\nوفي خضم هذا المبحث ذكر ضروبًا ووجهًا مما ورد في الكتاب والسنة من سد الذرائع الموصلة إلى فاحشة الزنا، وعرضها بأسلوبه العلمي الأخاذ الخالي من التعقيد والجفاف وبيانها على ما يلي:\n١- نهى النساء عن الضرب بالأرجل.\nقال رحمه الله تعالى (٣):\n(قال الله تعالى ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن) . فمنعهن من الضرب بالأرجل، وإن كان جائزًا في نفسه لئلا يكون سببًا إلى سمع الرجال صوت الخلخال فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهن) .\nوهذا المنهي عنه- من وسائل الإغراء والإشارة- هو نهي تحريم كما فهمه ابن القيم وهو محل اتفاق من علماء التفسير.\nوابن القيم في مقام دلالة النص على قاعدة سد الذرائع، وإلا فإن الآية تفيد أيضًا النهي عن كلّ حركة من شأنها أن تثير الغريزة وتلهب داعي الشهوة، وفي ذلك يقول ابن كثير رحمه الله تعالى (٨): (وقوله تعالى (ولا يضربن بأرجلهن)\n_________\n(١) انظر: في بيان هذه القاعدة أعلام الموقعين ٣/١٤٧- ١٧١ وإغاثة اللهفان ١/٣٦١ – ٣٧٦\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٧١.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٤٩، وإغاثة اللهفان ١/٣٦٤\n(٤) انظر: تفسير القرآن العظيم ٣/٢٨٥ ط دار الفكر بمصر.","vol":"1","page":107},{"text":"الآية كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت لا يعلم صوتها ضربت برجلها الأرض فيسمع الرجال طنينه، فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك، وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورًا فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النهي لقوله تعالى ولا يضربن بأرجلهن) إلى آخره) .\n٢- وهذا الأمر بغض البصر (١) .\nوهذا أمر مطلوب من الجنسين الرجال والنساء لقوله تعالى (٢) (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم أن الله خبير بما يصنعون، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن \" الآية.\nوابن القيم رحمه الله تعالى قد أبدى في هذه الذريعة عجبًا فأبدى كلامًا يزع الأبصار الخائنة، والأعين الفاجرة عن غوايتها إن كان لديها بقية من إيمان واستجابة لداعي الرحمن. وقد أكثر اللهج برعاية حرمات الله، وأنا في هذا المقام أسوق للقارئ شذرة من كلامه المنثور والمنظوم إذ يقول (٣):\n(أما اللحظات: فهي رائد الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج، فمن أطلق بصره أورده موارد الهلكات. وقال النبي ﷺ \" لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وليست لك الأخرى \".\nوفي المسند عنه ﷺ (٤) \"النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، فمن غضّ بصره عن محاسن امرأة أورث الله قلبه حلاوة إلى يوم يلقاه \" هذا معنى\n_________\n(١) انظر: إغاثة اللهفان ١/٤٨ - ٤٩، ١/٣٦٤. ومدارج السالكين ١/١١٨، ١/٣٦٩. وبدائع الفوائد ٢/ ٢٧١- ٢٧٢. والداء والدواء ص/ ٢٢١- ٢٢٣، ص/١٤٢، ص/٢٦٠. وروضة المحبين ص/٩٠- ١٣٦ وهو مبحث جدًا.\n(٢) الآيتان رقم ٣٠، ٣١ سورة النور.\n(٣) الداء والدواء ص/ ٢٢١- ٢٢٣.\n(٤) تتبعته في المسند فلم أجده ولم أر من عزاه لمسند أحمد. وقد عزاه المنذري في الترغيب والترهيب ٣/٣٤ للحاكم والطبراني وكذا العجلوني في (كشف الخفاء) ٢/٣٢٨","vol":"1","page":108},{"text":"الحديث. وقال (١) \" غضّوا أبصاركم واحفظوا فروجكم \" وقال (٢) (وإياكم والجلوس على الطرقات قالوا يا رسول الله مجالسنا، ما لنا بدّ منها، قال: إن كنتم لا بد فاعلين، فأعطوا الطريق حقّه، قالوا: وما حقّه؟ قال: غض البصر، وكفّ الأذى، ورد السّلام\".\nوالنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فالنظرة تولد خطرة ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد، ما لم يمنع منه مانع. وفي هذا قيل \" الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده \".\nقال الشاعر\nكلّ الحوادث مبداها من النظر ... ومعظم النار من مستصغر الشرر\nكم نظرة بلغت من قلب صاحبها ... كمبلغ السهم بين القوس والوتر\nوالعبد ما دام ذا طرف يقلبه ... في أعين العين موقوف على الخطر\nيسر مقلته ما ضر مهجته ... لا مرحبًا بسرور عاد بالضرر\nومن آفات النظر: أنه يورث الحسرات والزفرات والحرقات، فيرى العبد ما ليس قادرًا عليه ولا صابرًا عنه، وهذا من أعظم العذاب: أن ترى ما لا صبر لك عن بعضه، ولا قدرة على بعضه (٣) .\nقال الشاعر:\nوكنت متى أرسلت طرفك رائدًا ... لقلبك يومًا، أتعبتك المناظر\nرأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه، ولا عن بعضه أنت صابر\n_________\n(١) انظر:- مسند الإمام أحمد ٥/٣٢٣ حيث رواه من حديث.\n(٢) رواه أحمد في المسند ٦/٣٨٥ والبخاري وغيره (انظر المعجم المفهرس ١/١٨٥) .\n(٣) كذا، وربما كان أصله \" ولا قدرة لك على كله ليوافق ما بعده.","vol":"1","page":109},{"text":"وهذا البيت يحتاج إلى شرح. ومراده: أنك ترى ما لا تصبر عن شيء منه ولا تقدر عليه، فإن قوله \" لا كله أنت قادر عليه\" نفي لقدرته على الكلّ الذي لا ينفى إلا بنفي القدرة عن كلّ واحد واحد.\nوكم من أرسل لحظاته فما أقلعت إلا وهو يتشحط بينهن قتيلًا كما قيل: يا ناظرًا، ما أقلعت لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيلًا\nولي من أبيات:\nملّ السّلامة فاغتدت لحظاته ... وقفًا على طلل يظن جميلًا\nما زال يتبع إثره لحظاته ... حتى تشحط بينهن قتيلًا\nومن العجب: أن لحظة الناظر سهم لا يصل إلى المنظور إليه، حتى يتبوأ مكانًا من \"قلب الناظر، ولي من قصيدة:\nيا راميًا بسهام اللحظ مجتهدًا ... أنت القتيل بما ترمي فلا تصب\nيا باعث الطرف يرتاد الشفاء له ... احبس رسولك، لا يأتيك بالعطب\nوأعجب من ذلك: أن النظرة تجرح القلب جرحًا، فيتبعها جرحًا على جرح، ثم\nلا يمنعه ألم الجراحة من استدعاء تكرارها. ولي أيضًا في هذا المعنى:\nمازلت تتبع نظرة في نظرة ... في إثر كلّ مليحة ومليح\nوتظن ذاك دواء جرحك وهو في الـ ... تحقيق تجريح على تجريح\nفذبحت طرفك باللحاظ وبالبكا ... فالقلب منك ذبيح أي ذبيح\nوقد قيل: إن حبس اللحظات أيسر من دوام الحسرات) .\n٣- النهي عن الخلوة بالأجنبية.\n: وفي ذلك يقول رحمه الله تعالى (١):\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٥١. وانظر أيضًا: إغاثة اللهفان ١/٣٦٢","vol":"1","page":110},{"text":"(أنه ﷺ حرم الخلوة بالأجنبية ولو في إقراء القرآن) .\nوقال أيضًا (١):\n(نهى ﷺ الرجال عن الدخول على النساء لأنه ذريعة ظاهرة) .\nوهذا محل إجماع ولو في باب من أبواب الخير والرشاد كإقراء القرآن وتعليم العلم، وقد حكى الإجماع على ذلك الحافظان ابن حجر والشوكاني (٢) .\n٤- النهي عن سفر المرأة بلا محرم.\nقال رحمه الله تعالى (٣):\nونهى ﷺ عن السفر بلا محرم وما ذاك إلا أن سفرها بغير محرم قد يكون ذريعة إلى الطمع فيها والفجور بها) .\n٥- النهي عن خروج المرأة متطيبة.\nوفي ذلك يقول (٤):\n(ونهى المرأة إذا خرجت إلى المسجد أن تتطيب أو تصيب بخورًا وذلك لأنه ذريعة إلى ميل الرجال وتشوقهم إليها، فإن رائحتها وزينتها وصورتها وإبداء محاسنها تدعو إليها، فأمرها أن تخرج تفلة ولا تتطيب ... كلّ ذلك سدًا للذريعة وحماية عن المفسدة) .\n٦- النهي من أن تصف المرأة المرأة لزوجها.\nوفي هذا يقول (٥):\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٦٣\n٢١) انظر: نيل الأوطار ٣/٣٢٤.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٦٣، ١٥١. وانظر: نيل الأوطار ٣/٣٢٤، ٣/٤٢٥.\n(٤) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٦١. وانظر: تفسير بن كثير ٣/٢٨٥-٢٨٦.\n(٥) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٦١","vol":"1","page":111},{"text":"(نهى ﷺ أن تنعت المرأة المرأة لزوجها حتى كأنه ينظر إليها، ولا يخفى أن ذلك سدًا للذريعة، وحماية عن مفسدة وقوعها في قلبه وميله إليها بحضور صورتها\nفي نفسه، وكم ممن أحب غيره بالوصف قبل الرؤية) .\n٧- الأمر بالتفريق بين الأولاد في المضاجع.\nوفي هذا يقول رحمه الله تعالى (١):\n(أمر ﷺ أن يفرق بين الأولاد في المضاجع، وإن لا يترك الذكر ينام مع الأنثى في فراش واحد، لأن ذلك قد يكون ذريعة إلى نسج الشيطان بينهما: المواصلة المحرمة بواسطة اتحاد الفراش ولا سيما مع الطول. والرجل قد يعبث في نومه بالمرأة في نومها إلى جانبه وهو لا يشعر، وهذا أيضًا من ألطف سد\nالذرائع) .\n٨- النص من الشياع\nقال رحمه الله تعالى في ذلك (٢):\n(أنه ﷺ حرّم الشياع: وهو المفاخرة بالجماع، لأنه ذريعة إلى تحريك النفوس والتشهي، وقد لا يكون عند الرجل من يغنيه عن الحلال فيتخطى إلى الحرام. ومن هذا كان المجاهرون خارجين من عافية الله وهم المتحدثون بما فعلوه من المعاصي، فإن السامع تتحرك نفسه إلى التشبه، وفي ذلك من الفساد المنتشر ما\nلا يعلمه إلا الله) .\n٩- إبطال أنواع من الأنكحة التي يتراضاها. الزوجان.\nوفي بيانها وبيان وجه الإبطال يقول (٣):\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٦٢.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٦٥.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٦٨","vol":"1","page":112},{"text":"(أنه ﷺ أبطل أنواعًا من النكاح الذي يتراضى به الزوجان سدًا لذريعة الزنى: فمنها: النكاح بلا ولي، فانه أبطله سدًا لذريعة الزنى، فإن الزاني لا يعجز أن يقول للمرأة: انكيني أنكحيني نفسك بعشرة دراهم) ويشهد عليها رجلين من أصحابه أو غيرهم، فمنعها من ذلك سدًا لذريعة الزنى.\nومن هذا تحريم نكاح التحليل الذي لا رغبة للنفس فيه في إمساك المرأة واتخاذها زوجة بل وطر فيما يفضيه بمنزلة الزاني في الحقيقة وإن اختلفت الصورة.\nومن ذلك تحريم نكاح المتعة، الذي يعقد فيه المتمتع على المرأة مدة يقضي وطره منها فيها.\nفحرم هذه الأنواع كلها سدًا لذريعة السفاح، ولم يبح إلا عقدًا مؤبدًا يقصد\nفيه كلّ من الزوجيين المقام مع صاحبه، ويكون بأذن الولي وحضور الشاهدين، أو ما يقوم مقامهما من الإعلان.\nفإذا تدبرت حكمة الشريعة وتأملتها حق التأمل رأيت تحريم هذه الأنواع من باب سد الذرائع، وهي من محاسن الشريعة وكمالها) .\n١٠- النهي عن اختلاط الجنسين.\nوقد ورد بذلك جملة الأحاديث الصحيحة منها قوله ﷺ (باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء)\nوفي بيان الذريعة يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١):\n(لا ريب أن تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال: أصل كل بلية وشر، وهو\nمن أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، كما أنه من أسباب فساد أمور العامة والخاصة واختلاط الرجال بالنساء سبب لكثرة الفواحش والزنى، وهو من أسباب الموت العام والطواعين المتصلة ... فمن أعظم أسباب الموت العام كثرة الزنى\n_________\n(١) انظر الطرق الحكمية ص/٣١٢","vol":"1","page":113},{"text":"بسبب تمكين النساء من اختلاطهن بالرجال، والمشي بينهم متبرجات متجملات\nولو علم أولياء الأمر ما في ذلك من فساد الدنيا والرعية - قبل الدين - لكانوا أشد شيء منعًا لذلك..) .\nهذه جملة من المناهي التي وردت في الشريعة الإسلامية سدًا لإثارة الغرائز وتهييج الشهوات حماية للمجتمع وصيانة له من الوقوع في جريمة الزنا وهذا باب في الشريعة مطرد: إذا حرّم الله شيئًا سد الأبواب الموصلة إليه والله أعلم.\nالمبحث الرابع:\nخصائص حد الزنى (١)\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن الله سبحانه خص حد الزنى من بين الحدود بثلاث خصائص وهي على ما يلي (٣):\nالأولى: تغليظ العقوبة\nقال رحمه الله تعالى في بيانها:\n(أحدهما: أن القتل فيه بأشنع القتلات، وحيث خففه جمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد، وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة) . وهذه الخصيصة قد تضافرت النصوص على بيانها: فالقتل عقاب مشترك بين عدد من الجرائم: كالبغاة، والمحاربين، والقاتل المتعمد، لكن كونه رجمًا بالحجارة حتى تزهق النفس لا يكون هذا عقابًا مرضيًا لأي جريمة سوى جريمة الزناة المحصنين كما دلت عليه النصوص الشرعية. والجلد أيضًا عقوبة مشتركة بين جملة من الحدود: فالقاذف عقوبته الجلد والسكير عقوبته الجلد، لكن الزاني البكر وإن كانت عقوبته الجلد\n_________\n(١) انظر: الداء والدواء ص/٢٣٨- ٢٤٠.\n(٢) انظر: الداء والدواء ص/٢٣٨.","vol":"1","page":114},{"text":"إلا أنها تخالف غيرها من ناحيتين:\nأولاهما، أن الجلد مائة جلدة وليس في الحدود ما يبلغ ذاك حدًا.\nالثانية: أن من تمام الحد التغريب، ولا يكون التغريب عقوبة حدية في غير: حد الزاني البكر والله أعلم.\nالثانية: التنصيص على نهي العباد عن أن تأخذهم رأفة بالزناة.\nقال رحمه الله تعالى في بيانها (١):\n(الثاني أنه نهى عباده أن تأخذهم رأفة في دينه، بحيث تمنعهم من إقامة الحد\nعليهم، فإنه سبحانه من رأفته ورحمته بهم شرع هذه العقوبة فهو أرحم بكم، ولم\nتمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة، فلا يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من\nإقامة أمره) .\nوهذه الخصيصة قد نبه الله تعالى عليها في محكم تنزيله إذ يقول (٢) (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله أن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) .\nحكمة التشريع في هذه الخاصية:\nثّم يبيّن ابن القيم رحمه الله تعالى أن النهي للعباد عن أن تأخذهم رأفة بالجرمين عام في حق كلّ مجرم أو بغيره لكنه ذكر في حد الزنى خاصة لأسرار تشريعية\nنوه عنها بقوله (٣):\nوهذا - وإن كان عامًا في سائر الحدود- لكن ذكر في حد الزنى خاصة لشدة الحاجة إلى ذكره، فإن الناس لا يجدون في قلوبهم من الغلظة والقسوة على الزاني ما\n_________\n(١) الداء والدواء ص/٢٣٨.\n(٢) الآية رقم ٢ سورة النور.\n(٣) انظر: الداء والدواء ص/٢٣٩","vol":"1","page":115},{"text":"يجدونه على السارق والقاذف وشارب الخمر، فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم غيره من أرباب الجرائم والواقع شاهد بذلك: فنهى أن تأخذهم هذه الرأفة وتحملهم على تعطيل حد الله) .\nسبب هذه الرحمة\nثم يستطرد ابن القيم ﵀ في أسباب وجدان هذه الرحمة في نفوس العباد-\nفي حق المحدودين في هذه الفاحشة فيقول (١):\nوسبب هذه الرحمة: أن هذا ذنب يقع من الأشراف والأوساط والأرذال، وفي النفوس أقوى الدواعي إليه، والمشارك فيه كثير، وأكثر أسبابه العشق والقلوب\nمجبولة على رحمة العاشق وكثير من الناس يعد مساعدته، طاعة وقربة، وإن كانت\nالصورة المعشوقة محرمة عليه، ولا يستنكر هذا الأمر فإنه مستقر عند ما شاء الله\nمن أشباه الأنعام، ولقد حكى لنا من ذلك شيئًا كثيرًا- نقاص العقول كالخدم والنساء.\nوأيضًا، فإن هذا ذنب غالب ما يقع مع التراضي من الجانبين ولا يقع فيه من العدوان والظلم والاغتصاب ما تنفر النفوس منه.\nوفي النفوس شهوة غالبة له فيصور ذلك لها فتقوم بها رحمة تمنع إقامة الحد، وهذا كله من ضعف الإيمان.\nوكمال الإيمان أن تقوم به قوّة يقيم بها أمر الله ورحمة يرحم بها المحدود فيكون موافقًا لربه تعالى في أمره ورحمته) .\nالثالثة\nثم ذكر الخصيصة الثالثة. فقال (٢):\n_________\n(١) انظر: الداء والدواء ص/٢٣٩.\n(٢) انظر: الداء والدواء ص/٢٣٩.","vol":"1","page":116},{"text":"(أنه سبحانه أمر أن يكون حدهما بمشهد من المؤمنين فلا يكون في خلو بحيث\nلا يراهما أحد، وذلك أبلغ في مصلحة الحد وحكمة الزجر) .\nوهذا هو ما عرف عند العلماء باسم: التشهير (١) .\nوهذه الخصيصة والتي قبلها قد انتظمهما قوله تعالى (٢) (الزانية والزاني فاجلدوا كلّ واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر. وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين) .\nالمبحث الخامس:\nفي حكمة تحصين الرجل بالحرة دون الأمة (٣)\nمن شروط الإحصان الموجب لحد الرجم في الزنى: أن يطأ الرجل الحر العاقل\nامرأة عاقلة حرة في نكاح صحيح. فلو كان الزوج مثلا غير حر ثم زنى لم يكن\nمحصنًا في قول جهور أهل العلم (٤) وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن نفاة\nالمعاني والقياس ذكروا في اعتراضهم المشهور على نفي القياس أن الشرع قد فرّق\nبين المتماثلين حيث جعل الحرة الشوهاء تحصن الرجل دون الأمة الجميلة.\nوقد تعقب ابن القيم رحمه الله تعالى ذلك مبرزًا حكمة التشريع في هذا التفريق فقال (٥):\n(وأما قولهم: وجعل الحرة القبيحة الشوهاء تحصن الرجل، والأمة البارعة\n_________\n(١) انظر: في بيان التشهير والتعزير به ص/٣٨٧- ١٩٣ من كتاب: التعزير في الشريعة الإسلامية لعبد العزيز عامر ط الأولى سنة ١٣٧٤ هـ. بمطابع دار الكتاب العربي بمصر.\n(٢) الآية رقم ٢ سورة النور.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين٢/ ٥٣، ٨٢.\n(٤) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/١٢٧- ١٢٨- ١٢٩.\n(٥) انظر: أعلام الموقعين٢/ ٨٢","vol":"1","page":117},{"text":"الجمال لا تحصنه، فتعبير سيء عن معنى صحيح، فإن حكمة الشارع اقتضت وجوب حد الزنى على من كملت عليه نعمة الله بالحلال،. فيتخطاه إلى الحرام،\nولهذا لم يوجب كمال الحد على من لم يحصن، واعتبر للإحصان أكمل أحواله: وهو\nأن يتزوج بالحرة التي يرغب الناس في مثلها، دون الأمة التي لم يبح الله نكاحها إلا عند الضرورة، فالنعمة بها ليست كاملة، ودون التسري الذي هو في الرتبة دون النكاح، فإن الأمة وإن كانت ما عسى أن تكون لا تبلغ رتبة الزوجة لا شرعًا ولا عرفًا ولا عادة، بل قد جعل الله لكل منها رتبة؟ والأمة لا تراد لما تراد له\nالزوجة، ولهذا كان له أن يملك من لا يجوز له نكاحها، ولا قسم عليه في ملك يمينه\nفأمته تجرى في الابتذال والامتهان والاستخدام مجرى دابته وغلامه بخلاف الحرائر.\nوكان من محاسن الشريعة أن اعتبرت في كمال النعمة على من يجب عليه الحد أن\nيكون قد عقد على حرّة ودخل بها إذ بذلك يقضي كمال وطره، ويعطي شهوته\nحقها، ويضعها مواضعها، هذا هو الأصل ومنشأ الحكمة، ولا يعتبر ذلك في كل\nفرد من أفراد المحصنين، ولا يضر تخلفه في كثير من المواضع، إذ شأن الشرائع\nالكلية أن تراعي الأمور العامة المنضبطة، ولا ينقصها تخلف الحكمة في أفراد الصور كما هذا شأن الخلق، فهو موجب حكمة الله في خلقه وأمره في قضائه وشرعه، وبالله التوفيق) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>المبحث السادس\nفي اشتراط الإسلام في الإحصان </span>(١)\nانعقد الإجماع على أن الرجم في الزنى لا يجب إلا على محصن، وقد أختلف العلماء هل الإسلام شرط في الإحصان، على قولين، ذكرهما ابن القيم ﵀\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/٣٠٧، وأعلام الموقعين ٢/٣٢٧","vol":"1","page":118},{"text":"تعالى واختار أن الإسلام ليس شرطًا في الإحصان، واستدل على ذلك من السنة وناقش القائلين بشرطيته. وبيان ذلك على ما يلي:\nالقول الأول ليس الإسلام شرطًا في الإحصان، فالذمي يحصن الذمية وإذا تزوج المسلم ذمية فوطئها صارا محصنين. وهذا مذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين عنه (١) .\nالدليل:\nاستدل ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا القول المختار عنده بحديث رجم اليهوديين المشهور فقال (٣):\n(ثبت في الصحيحين (٣) . والمسانيد (٤): أن اليهود جاءوا إلى رسول الله ﷺ\nفذكروا له أن رجلًا منهم وامرأة زنيا فقال رسول الله ﷺ ما تجدون في التوراة\nفي شأن الرجم، فقالوا نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله ابن سلام (٥) كذبتم إن\nفيها الرجم، فأمروا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما\nقبلها وما بعدها فقال له عبد الله ابن سلام ارفع يدك فرفعها فإذا فيها آية الرجم\nفقالوا صدق يا محمد إن فيها الرجم فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما) .\nوجه الاستدلال:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الاستدلال من هذا الحديث (٦): (تضمنت هذه\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٧، والمغني مع الشرح الكبير ١٠/١٢٩. ومعالم السنن للخطابي ٦/ ٢٦٠- وفتح الباري ١٢/ ١٧٠، وسبل السلام ٤/١٢.\n(٢) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٧. وقد رواه جماعة من الصحابة منهم جابر وابن عمر والبراء بن عازب ﵃.\n(٣) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ١٢/١٦٦، ومسلم مع النووي ١١/٢٠٨ - ٢١١.\n(٤) انظر: مسند أحمد ٢/٥. ونيل الأوطار ٧/٩٧ وسبل السلام ٤/١٢.\n(٥) هو: عبد الله بن سلام الإسرائيلي حليف بني الخزرج ﵁ مات سنة ٤٣ هـ بالمدينة (انظر: التقريب ١/٤٢٢) .\n(٦) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٧.","vol":"1","page":119},{"text":"الحكومة أن الإسلام ليس بشرط في الإحصان وأن الذمي يحصن الذمية وإلى هذا ذهب أحمد والشافعي) .\nولم يذكر رحمه الله تعالى وجه الاستدلال، وبيانه أن يقال:\nأن النبي ﷺ مأمور بالحكم بين أهل الكتاب بما أنزل الله تعالى كما في قوله\nتعالى (١) (فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا) .\nوحكم الزاني المحصن في شريعة الإسلام الرجم بالحجارة، وهما محصنان كما وقع التصريح به في بعض روايات الحديث بلفظ (٢)\n(إن اخيار اليهود اجتمعوا في بيت المدراس، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة منهم قد أحصنت) - فحكم ﷺ برجم اليهوديين وهما كافران ليسا من أهل الإسلام فدل ذلك على أن الإسلام ليس شرطًا في الإحصان إذ لو كان شرطًا فيه لما كان حكمهما الرجم (٣) . وعليه: فإن الذمي محصن الذمية وأن المسلم إذا تزوج ذمية ووطئها صار محصنًا والله أعلم.\nالقول الثاني: أن الإسلام شرط في الإحصان فلا يكون الكافر محصنًا ولا تحصن الذميهَ مسلمًا. وهذا مذهب الحنفية والمالكية وأحمد في الرواية الثانية عنه (٤) .\nدليله:\nاستدل لهذا القول بحديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال (من\n_________\n(١) من الآية رقم ٤٨ سورة المائدة.\n(٢) انظر فتح الباري ١٢/١٦٧، ١٧٠ فقد ذكرها من رواية الطبري. وانظر أيضًا: نيل الأوطار ٧/٩٩\n(٣) انظر: المغنى مع الشرح الكبير ١٠/ ١٣٠، وفتح الباري ١٢/ ١٧٠ ونيل الأوطار ٧/٩٩.\n(٤) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/١٢٩، ومعالم السنن ٦/ ٢٦٠، وشرح فتح القدير ٥/٢٤ - ٢٥ وفتح الباري ١٢/ ١٧٠، ونيل الأوطار ٧/٩٩، وسبل السلام ٤/١٢ وبداية المجتهد\n٢/٤٢٧. والإفصاح لابن هبيرة ٢/٤٠٣.","vol":"1","page":120},{"text":"أشرك بالله فليس بمحصن) (١)\nوجه الاستدلال:\nووجه دلالة كل ذا الحديث واضحة فإنه ﷺ أخبر أن المشرك بالله تعالى ليس بمحصن والحد بالرجم لا يكون إلا على محصن فالإسلام إذا شرط للإحصان. فالمشرك إذا زنى لا يقام عليه الحد بالرجم على أي حال لأن إحصانه لا يتم إلا بالإسلام والله أعلم.\nأجوبة المشترطين عن حديث رجم اليهوديين:\nثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن المشترطين للإسلام في الإحصان اختلفت أجوبتهم عن هذا الحديث فذكر ثلاثة من أجوبتهم ثم تعقبها وذلك على ما يلي:\n١- الجواب الأول: للمالكية وهو أن اليهود يومئذ ليسوا بأهل ذمة. قال ابن القيم رحمه الله تعالى في جوابهم عن هذا الحديث (٢):\n(قال مالك رحمه الله تعالى، في غير الموطأ: لم يكن اليهود بأهل ذمة) .\nتعقب هذا الجواب:\nوتعقب ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الجواب بأن اليهود كانوا أهل ذمة فقال (٣):\n(والذي في صحيح البخاري، أنهم أهل ذمة، ولا شك أن هذا كان بعد العهد الذي وقع بين النبي ﷺ وبينهم ولم يكونوا إذ ذاك حربًا كيف ذلك، وقد تحاكموا إليه ورضوا بحكمه، وفي بعض طرق الحديث أنهم قالوا: اذهبوا بنا إلى\n_________\n(١) انظر: المغني ١٠/١٢٩، وشرح فتح القدير ٥/٢٤، ونيل الأوطار ٧/٩٩.\n(٢) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٧.\n(٣) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٧","vol":"1","page":121},{"text":"هذا النبي ﷺ فإنه بعث بالتخفيف، وفي بعض طرقه: أنهم دعوه إلى بيت مدارسهم فأتاهم وحكم بينهم. فهم كانوا أهل عهد وصلح بلا شك) .\nوهذا التعقب قال به طائفة من المحققين منهم النووي (١)، والطحاوي (٢) والقرطبي من المالكية (٣)، ولا شك أن مجيئهم إليه سائلين وهم آمنون يوجب أن يكون لهم عهد وذمة وقد قال الشوكاني (٤) في هذا الجواب (إنه من غرائب التعصبات) .\nالجواب الثاني: للحنفية وهو أنه ﷺ رجم اليهوديين بحكم التوراة (٥) .\nوفي بيانه يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٦):\n(وقالت طائفة أخرى إنما رجمهما بحكم التوراة قالوا وسياق القصة صريح في ذلك) .\nومراده بسياق القصة الصريح هو ما جاء في بعض رواياته (٧) (فإني أحكم بما في التوراة) .\nتعقب هذا الجواب:\nتعقب ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الجواب بأن النبي ﷺ إنما حكم بينهم بالحق\n_________\n(١) انظره بواسطة فتح الباري ١٢/١٧٠.\n(٢) انظر: فتح الباري ١٢/١٧٠ والطحاوي: هو أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الحنفي انتهت إليه رئاسة الحنفية بمصر توفي سنة ٣٢١ هـ. (انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان ١/١٩، ولسان الميزان ١/٢٧٤) .\n(٣) انظر: فتح الباري ١٢/١٧٠. والقرطبي: هو محمد بن أحمد الأنصاري الخزرجي اشتهر بتفسيره (الجامع لأحكام القرآن) توفي سنة ٦٧١ هـ. (انظر: الأعلام ٦/٢١٧- ٢١٨) .\n(٤) انظر: نيل الأوطار ١/٩٩.\n(٥) انظر: شرح فتح القدير لابن الهمام ٥/٢٤- ٢٥. والمغني مع الشرح الكبير ١٠/١٢٩.\n(٦) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٧.\n(٧) انظر: فتح الباري ١٢/ ١٧١","vol":"1","page":122},{"text":"المحض وهو شريعتَه الواجب اتباعه فلا وجه لهذا التأويل فقال (١):\n(وهذا مما لا يجدي عنهم شيئًا البتة فإنه حكم بينهم بالحق المحض فيجب اتباعه بكل حال فماذا بعد الحق إلا الضلال) .\nوهذا معنى ما قاله الخطابي في تعقبه لهذا الجواب حيث يقول (٢):\n(وهذا تأويل غير صحيح: لأن الله سبحانه يقول (٣) (وأن أحكم بينهم بما أنزل الله) وإنما جاءه القوم مستفتين طمعًا في أن يرخص لهم في ترك الرجم ليعطلوا به حكم التوراة، فأشار عليهم رسول الله ﷺ بما كتموه من حكم التوراة، ثم حكم عليهم بحكم الإسلام على شرائطه لواجبة فيه.\nوليس يخلو الأمر فما صنعه ﷺ من ذلك عن أن يكون موافقًا لحكم الإسلام\nأو مخالفًا له.\nفان كان مخالفًا فلا يجوز أن يحكم بالمنسوخ ويترك الناسخ.\nوان كان موافقًا له فهو شريعته، والحكم الموافق لشريعته لا يجوز أن يكون مضافًا إلى غيره ولا يكون فيه تابعًا لمن سواه) .\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر جواب الخطابي وأيده وذكر الجواب عما في رواية\nأبي هريرة (فأني أحكم بما في التوراة) بأن في سند هذه الرواية رجل مبهم ثم قال الحافظ (٤):\n(ومع ذلك فلو ثبت لكان معناه لإقامة الحجة عليهم) .\nولا شك أن قول الله تعالى (٥) (فاحكم بينهم بما أنزل الله) الآية دليل قطعي\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٧.\n(٢) انظر: معالم السنن ٦/ ٢٦٠- ٢٦١.\n(٣) من الآية رقم ٤٩ سورة المائدة.\n(٤) انظر: فتح الباري ١٢/ ١٧١.\n(٥) من الآية رقم ٤٨ سورة المائدة.","vol":"1","page":123},{"text":"الدلالة على أن النبي ﷺ مأمور بالحكم بما في شريعته فكيف يقال أنه حكم بشريعة من سواه؟. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى جوابًا آخر على سبيل التنزيل فقال (١):\n(فإن قيل إنما حكم رسول الله ﷺ بالرجم بما في التوراة إلزامًا لهما بما اعتقدا صحته. قيل: هب أن الأمر كذلك أفحكم بحق يجب اتباعه وموافقته وتحرم مخالفته أم بغير ذلك؟\nفاختاروا. أحد الجوابين ثم اذهبوا إلى ما شئتم) .\nالجواب الثالث: أن رجمهما كان سياسة.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى معقبًا عليه (٢):\n(وقالت طائفة رجمهما سياسة، وهذا من أقبح الأقوال بل رجمهما بحكم الله الذي\nلا حكم سواه) .\nأجوبة النفاة عن هذا الحديث:\nلنفاة اشتراط الإسلام في الإحصان في الجواب عن هذا الحديث مسلكان: الأول: من حيث الرواية.\nوالثاني: من حيث الدراية.\nوبيانهما على ما يلي:\nالمسلك الأول: مناقشة هذا الحديث رواية:\nهذا الحديث ورد عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا إلى النبي ﷺ ﷺ وموقوفًا\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٢/٣٢٧.\n(٢) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٧","vol":"1","page":124},{"text":"من قوله، وهو في كلّ منهما من مفاريده وله لفظان في المرفوع إلى النبي ﷺ وأحد اللفظين ورد موقوفًا.\nألفاظه ومخرجيها:\nوبيان كلّ لفظ مرفوعًا أو موقوفًا مع ذكر من خرجه على ما يلي:\nاللفظ الأول:\nعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال (لا يحصن المشركَ بالله شيء) .\nمخرجيه:\nأخرجه بهذا اللفظ مرفوعًا، الدارقطني (١)، والبيهقي (٢) .\nمنزلة إسناده:\nتكلم نقاد الأثر على إسناد هذا الحديث من ناحيتين:\nالأولى: إعلال رواية الرفع، وأن الصواب وقفه، صرح بذلك الدارقطني فقال (٣):\n(وهم عفيف في رفعه، والصواب موقوف من قول ابن عمر ﵄) .\nوهذا الإعلال متعقب بأن عفيفًا قد صرح برفع الحديث هو: عفيف ابن سالم الموصلي البجلي مولاهم صدوق مات سنة ٢٨٠ هـ (٤) . وقد تقرر في علوم الاصطلاح أن زيادة هذا الضرب مقبولة فيقبل رفعه للحديث إذًا.\n_________\n(١) انظر: سنن الدارقطني ٣/١٤٧.\n(٢) انظر: السنن الكبرى ٨/٢١٦.\n(٣) انظر: سنن الدارقطني ٣/١٤٧.\n(٤) انظر: تقريب التهذيب٢/ ٢٥.","vol":"1","page":125},{"text":"وقد صرح بذلك ابن القطان (١) فيما نقله الزيلعي عنه فقال (٣):\n(قال ابن القطان في كتابه (٣)، وعفيف بن سالم الموصلي ثقة قاله ابن معين، وأبو حاتم وإذا رفعه الثقة لم يضره وقف من وقفه وإنما علته أنه من رواية أحمد بن أبي نافع عن عفيف المذكور وهو أبو سلمة الموصلي، ولم تثبت عدالته ...) .\nوهذا الذي قاله ابن القطان هو القول الحق الذي عليه عامة المحققين من أهل الاصطلاح (٤) أن الإرسال أو الوقف في الرواية لا يكون شيء من ذلك علة في المرفوع، وما هنا زيادة من عفيف بن سالم وحاله الصدق فهي مقبولة، فينتج أن إعلال هذا الحديث برواية الوقف غير واردة فيبقى النظر في حال رجال بقية إسناده والحديث عنه فيما يلي:\nالثانية:\nتحصل بالتتبع أن مدار هذا الحديث سندًا هو كما قال ابن القطان رحمه الله تعالى، على رواية (أحمد ابن أبي نافع الموصلي) .\nوأحمد هذا قد وهّاه النقاد، وعدّوا هذا الحديث من مناكيره، كما حرره ابن عدي (٥) والذهبي (٦)، وابن حجر (٧)، وذلك في ترجمتهم له.\n_________\n(١) هو: علي بن محمد الحميدي الفاسي من حفاظ الحديث ونقاده توفي سنة ٦٢٨ هـ. (انظر: شذرات الذهب ٥/١٢٨، والأعلام ٥/١٥٢) .\n(٢) انظر: نصب الراية ٣/٣٢٧.\n(٣) المراد بكتاب ابن القطان عند الإطلاق هو (بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام للأشبيلي) .\n(٤) انظر: الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث ص/٦٢- ٦٣. ط الثالثة بمطبعة محمد علي صبيح بمصر.\n(٥) انظر: الميزان للذهبي ١/ ١٦١، ونصب الراية للزيلعي ٣/٣٢٧، وابن عدى: هو عبد الله بن عدى بن عبد الله الجرجاني علامة بالحديث توفي سنة ٣٦٥ هـ. وله كتاب (الكامل في الضعفاء والمتروكين من الرواة) (انظر: الأعلام ٤/٢٣٩) .\n(٦) انظر: الميزان ١/١٦١، والمغني في الضعفاء ١/٦١.\n(٧) انظر: لسان الميزان ١/٣١٧","vol":"1","page":126},{"text":"ومن حاله كذلك فلا يصلح حديثه للاعتبار فضلًا عن الاعتماد عليه فالحديث إذا بهذا الإسناد لا يعتبر به والله أعلم.\nاللفظ الثاني:\n(من أشرك بالله فليس بمحصن) .\nمخرجيه:\nالحديث بهذا اللفظ روي موقوفًا من قول ابن عمر ﵄ وروى مرفوعًا إلى النبي ﷺ وأخرجه على كلا الوجهين، إسحاق بن راهويه في (مسنده) (١) ومن طريقه أخرجه، الدارقطني (٢)، والبيهقي (٣) .\nمنزلة إسناده:\nهذا الحديث تكلم الحفاظ فيه من جهة رفعه ووقفه. وقد حكى الحافظان البيهقي (٤) . والزيلعي (٥)، الخلاف في ذلك وسكتا. وجزم الحافظان: الدارقطني (٦)، وابن حجر (٧) بوقفه فقالا: والصواب أنه موقوف.\nوجه الخطأ في رفع هذا الحديث:\nوما قرره الدارقطني وتابعه عليه ابن حجر في الجزم بوقف الحديث هو الذي يقتضيه النظر في إسناد هذا الحديث مرفوعًا، إلا أن الذي يظهر لي والله أعلم أن\n_________\n(١) انظر: بواسطة- نصب الراية ٣/٣٢٧.\n(٢) انظر: سنن الدارقطني ٣/١٤٧.\n(٣) انظر: السنن الكبرى ٨/٢١٦.\n(٤) انظر: السنن الكبرى ٨/٢١٦.\n(٥) انظر: نصب الراية ٣/٣٢٧.\n(٦) انظر: سنن الدارقطني ٣/١٤٧.\n(٧) انظر: الدراية ٢/ ٩٩","vol":"1","page":127},{"text":"الحمل في رفع هذا الحديث: هو على شيخ إسحاق، وهو عبد العزيز بن محمد الدراوردي المتوفى سنة ٢٨٧ (١) لأن هذا الحديث مرفوعًا من رواية الدراوردي هذا عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني المتوفى في بضع وأربعين بعد المائتين من الهجرة (٢) .\nوالدراوردي وإن كان ثقة فإن أحاديثه عن عبد الله العمري منكرة كما قاله النسائي (٣) .\nوقد بيّن الحافظ في (التهذيب (٤) وجه نكارة أحاديث الدراوردي عن عبد الله العمري من أنه يقلب حديث عبد الله العمري المضعف في الحديث (٥) فيرويها عن عبد الله بن عمر العمري الثبت في الحديث.\nفظهر من هذا أن الحديث منكر مرفوعًا بهذا الإسناد.\nوعليه فإن الصواب هو رواية هذا الحديث موقوفًا من قول ابن عمر ﵄ نفسه كما رواه جمع من الثقاة على ما قرره الدارقطني (٦)، وابن حجما ٧)، وغيرهما والله أعلم.\nالترجيح:\nيتبين من ذكر الخلاف وأدلته ومناقشة أدلة الخلاف أن أرجح القولين هو: القول بأن الإسلام ليس شرطًا في الإحصان على ما اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى\n_________\n(١) انظر: التقريب ١/٥١٢.\n(٢) انظر: التقريب ١/٥٣٧.\n(٣) انظر: التقريب ١/٥١٢، والتهذيب ٦/٣٥٤.\n(٤) انظر: التهذيب ٦/ ٣٥٤.\n(٥) انظر: في ترجمته التقريب ١/٤٣٤ وذكر وفاته سنة ٢٧١ هـ.\n(٦) انظر: سنن الدارقطني ٣/١٤٧.\n(٧) انظر: الدراية ٢/٩٩، وتلخيص الحبير ٤/٥٤","vol":"1","page":128},{"text":"لسلامة الاستدلال بحديث رجم اليهوديين. وضعف الاستدلال للقول المخالف بحديث (من أشرك بالله فليس بمحصن) لعدم صحته مرفوعًا إلى النبي ﷺ والحجة في قول المعصوم ﷺ والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>المبحث السابع:\nفي عقوبة الزاني المحصن</span>\nاختار ابن القيم رحمه الله تعالى أن الزاني المحصن لا يجمع له بين الجلد والرجم\nبل حده الرجم لا غير وإن حديث عبادة (١) منسوخ فيقول (٢):\n(حديث عبادة: خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا الثيب بالثيب جلد مائة والرجم منسوخ فإن هذا كان في أول الأمر عند نزول حد الزنى. ثم رجم ﷺ\nماعزًا والغامدية ولم يجلدهما، وهذا كان بعد حديث عبادة بلا شك) .\nوابن القيم رحمه الله تعالى يبين الرأي المختار مشيرًا إلى خلاصة الخلاف ومجامع الأدلة بين الطرفين. ولم أره مبسوطًا عنده في موضع آخر. ولتجلية هذا الاختيار نأتي على ذكر الخلاف وأدلته على ما يلي:\nخلاف العلماء في هذا الحديث:\nاختلف العلماء على ثلاثة أقوال (٣):\nالقول الأول: لا جلد على من وجب عليه الرجم. وهذا مذهب الجمهور منهم\n_________\n(١) هو: الصحاب الجليل عبادة بن الصامت الأنصاري الخزرجي ﵁ توفي سنة ٣٤ هـ. وقيل غيرها (انظر: الإصابة ٢/ ٢٦٠- ٢٦١) .\n(٢) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٧ وانظر أيضًا ٣/٢٠٨.\n(٣) انظر: في بيان هذه الأقوال الثلاثة فتح الباري ١٢/١١٩ - ١٢٠، ١٢/١٥٧. وانظر في بيان القولين الأول والثاني: المغني ١٠/١٢٤- ١٢٦، بداية المجتهد ٢/٤٢٦، نيل الأوطار ٧/٩٥- ٩٧. سبل السلام ٤/٥- ٦. معالم السنن للخطابي ٦/ ٢٤١- ٢٤٢. وشرح فتح القدير ٥/٢٥","vol":"1","page":129},{"text":"الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك الشافعي وهو إحدى الروايتين عن أحمد. القول الثاني: الجمع بين الجلد والرجم للمحصن فيجلد مائة جلدة ثم يرجم. وهو رواية عن الإمام أحمد. وهو مذهب الظاهرية.\nالقول الثالث: أن الجمع بين الجلد والرجم للمحصن: خاص بالشيخ والشيخة دون الشاب. فالشاب إن كان محصنًا رجم فقط وإن لم يحصن جلد. وبه قال أبي بن كعب (١) ﵁ ومسروق (٢) رحمه الله تعالى.\nأدلة القول الأول:\nاستدل الجمهور لمذهبهم بما يلي:\n١- أن الذين رجمهم النبي ﷺ كماعز والغامدية واليهوديين: لم يأت في رواية أنه جلد واحدًا منهم. وإقامة الحد أمر يشتهر بين الناس فلو كان شيء من\nذلك لنقل إلينا كما نقل الرجم ولو في رواية واحد منهم فإن هذا مما توفر\nالهمم والدواعي على نقله. فلما لم يكن شيء من ذلك علمنا أن النبي ﷺ لم\nيجمع لأحد بين الجلد والرجم: فلا يجمع بينهما إذا والله أعلم (٣) .\nب- وهذا الظاهر مؤيد بقضاء عمر ﵁ في قضايا مختلفة: منها ما رواه البيهقي (٤) (أن عمر ابن الخطاب ﵁ أمر أبا واقد الليثي:\nأن يرجم امرأة اعترفت بالزنى وهي ثيب ولم يأمره بجلدها) .\nومنها ما رواه ابن أبي شيبة (٥) (أن عمر ابن الخطاب رجم رجلًا في\nالزنى ولم يجلده) .\n_________\n(١) هو: أبي بن كعب الأنصاري الخزرجي ﵁ سيد القراء اختلف في عام وفاته اختلافًا كثيرًا فقيل سنة ٣٢ هـ وقيل غير ذلك (انظر: الإصابة ١/٣١- ٣٢ والتقريب ا/٤٨.\n(٢) هو: مسروق بن الأجدع الهمداني ثقة عابد مات سنة ٥٦٣. (انظر: التقريب ٢/٢٤٢) .\n(٣) انظر: المغني ١٠/ ١٢٥. بداية المجتهد ٢/٤٢٦. معالم السنن ٦/ ٢٤٢. سبل السلام ٤/٥. نيل الأوطار ٧/٩٦. فتح القدير ٥/٢٥.\n(٤) انظر: سنن البيهقي ٨/٢١٥.\n(٥) انظر: المصنف ٢/١/ ١٣٣","vol":"1","page":130},{"text":"وجه الاستدلال:\nأن عمر ﵁ رجم المحصن ولم يجلده. وهو ﵁ قد شاهد التنزيل وأدرك قضاء النبي ﷺ في الذين رجموا فيبعد أن ينفذ قضاء على خلاف قضاء النبي ﷺ.\n٦- قالوا: وهذا القضاء ثم قضاء عمر ﵁: يوافق المعنى المراد من الحد وهو الزجر والردع. فالضرب مع الإتلاف والقتل بالرجم لا تأثير له فلا يكون لشرعيته إذا معنى. ولهذا فإن قاعدة الشريعة: أن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما عداه. وفي هذا يقول ابن رشد (١):\n(إن الحد الأصغر ينطوي في الحد الأكبر، وذلك إنما وضع للزجر فلا تأثير للزجر بالضرب مع الرجم) .\nويقول ابن قدامة في التعليل لمذهب الجمهور (٢):\n(ولأنه حد فيه قتل يجتمع معه جلد كالردة لأن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما سواه فالحد أولى.\nأدلة القول الثاني:\nاستدل القائلون بالجمع بين الجلد والرجم للمحصن بما يلي:\nأ- حديث عبادة ﵁ قال:\n(قال رسول الله ﷺ: خذوا عني، خذوا عني قد جعل الله لهن\nسبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة والثيب بالثيب جلد مائة والرجم)\n_________\n(١) انظر: بداية المجتهد ٢/٤٢٦. وابن رشد: هو محمد بن أحمد ابن رشد أبو الوليد المالكي الفيلسوف توفي سنة ٥٢٠ هـ. (انظر: الأعلام ٦/٢١٠) .\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة ١٠/١٢٥","vol":"1","page":131},{"text":"رواه مسلم (١) وغيره.\nووجه الدلالة منه نصية صريحة ثابتة كثبوت سنده فلا يعدل عنه إلا\nبمثله (٢) .\nب- قضاء علي ﵁ في شراحة الهمدانية. فانه جلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وقال (جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله\nﷺ) (٣) . فتوارد على هذا الرأي- الجمع بين الجلد والرجم للمحصن-\nقول النبي ﷺ وقضاء علي ﵁: فوجب الجمع بينهما للمحصن\nوالله أعلم\nدليل القول الثالث:\nاستدل القائلون بأن الجمع بين الجلد والرجم للشيخ المحصن والرجم بلا جلد لمن كان شابًا محصنًا بما يلي:\nلفظ (الشيخ والشيخة) من الآية في حديث عمر ﵁ أن فيما أنزل الله من القرآن (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة (٤»\nوجه الاستدلال:\nبينه الحافظ بن حجر بقوله (٥):\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم مع شرح النووي ١١/١٨٨. وانظر: نيل الأوطار ٧/٩٢.\n(٢) انظر: المغني ١٠/ ١٢٥.\n(٣) يأتي تخريجه ص/٤٠٨.\n(٤) انظر: نيل الأوطار ٧/٩٥- ٩٦. وفتح الباري ١٢/ ١٢٠،١٤٣،١٤٤،١٤٨،١٥٧. وأصله عند الجماعة. وبهذه الرواية في صحيح ابن حبان ومسند أحمد كما في نيل الأوطار.\n(٥) انظر فتح الباري ١٢/١٢٠","vol":"1","page":132},{"text":"(أن الآية وردت بلفظ الشيخ ففهم هؤلاء من تخصيص الشيخ بذلك أن الشاب أعذر منه في الجملة) .\nويدل لهذا تفسير عمر ﵁ لهذه الآية بما أخرجه الحاكم (١) قال: (كان زيد بن ثابت (٢) وسعيد بن العاص (٣) يكتبان في المصحف فمرا على هذه الآية، فقال زيد: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الشيخ والشيخة فارجموها البتة. فقال عمر: لما نزلت أتيت النبي ﷺ، فقلت، أكتبها؟ فكأنه كره ذلك، فقال عمر: ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم) .\nوعليه قال أبي بن كعب ومسروق:\n(البكران يجلدان وينفيان والثيبان يرجمان، واللذان بلغا سنًا يجلدان ثم يرجمان) رواه عبد الرزاق (٤) وقال ابن حجر: رجاله رجال الصحيح (٥) .\nوعلى قولهما (البكران وينفيان) نكت البخاري رحمه الله تعالى بترجمته فقال (باب: البكران يجلدان وينفيان) (٦) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>المناقشة والترجيح:</span>\nمن سياق أدلة هذه الأقوال الثلاثة في هذا المبحث يتبين أن موارد النقاش على\n_________\n(١) انظر: مستدرك الحاكم ٤/ ٣٦٠.\nوالحاكم هو: أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ. (انظر: تاريخ بغداد ٥/٤٧٣، والأعلام ٧/١٠١) . وانظر فتح الباري ١٢/١٤٣.\n(٢) هو: زيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري ﵁ مات بعد الخمسين من الهجرة (انظر: التقريب ١/٢٧٢) .\n(٣) هو: سعيد بن العاص بن أمية الأموي كان له عند وفاة النبي ﷺ تسع سنين مات سنة ٥٨ وقيل غيرها (انظر: التقريب ١/٢٩٩) .\n(٤) انظر: المصنف ٧/٣٢٩.\n(٥) انظر: فتح الباري ١٢/١٥٧.\n(٦) انظر: البخاري مع الفتح ١٢/١٥٦","vol":"1","page":133},{"text":"أدلة الخلاف كما يلي:\n١- وجود تعارض في الظاهر بين أدلة الجمهور من السنة من قضاء النبي ﷺ\nبالرجم للمحصن وعدم الجمع بين الجلد والرجم كما في حديث ماعز وغيره، وبين حديث عبادة ﵁ الذي فيه أن حد المحصن: الجمع بين الجلد والرجم. والجواب عن هذا:\nهو أن الواجب عند وجود التعارض بين الروايات الترجيح بين الروايات فإذا تعادلت نظر في الجمع فإن لم يمكن نظر في النسخ.\nوالترجيح هنا من حيث الصناعة غير وارد لأن أدلة كلّ مخرجة في الصحاح والسنن وغيرها.\nوالجمع غير ممكن أيضًا لأن حديث عبادة ﵁ فيه إيجاب الجلد والرجم على المحصن وحديث ماعز وما في معناه من الذين رجموا في عهد النبي ﷺ فيه الاقتصار على الرجم فقط ولا ذكر للجلد.\nفصار المآل إلى النسخ: والقول بالنسخ هنا هو الظاهر فإن حديث عبادة متقدم وأحاديث الرجم كحديث ماعز وغيره متأخرة فصار حديث عبادة ﵁ الذي فيه الجمع بين الجلد والرجم منسوخًا بالأحاديث المتأخرة التي فيها الاقتصار على الرجم.\nوقد أوضح شيخنا محمد الأمين رحمه الله تعالى توجيه القول بالنسخ بقوله (١):\n(وأما الذين قالوا بأن المحصن يرجم فقط ولا يجلد، فقد رجحوا أدلتهم بأنها متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي فيه التصريح بالجمع بين\n_________\n(١) انظر أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٦/٤٦- ٤٧ ط الأولى بمطبعة المدني بمصر سنة١٣٩٢ هـ. ومؤلفه: شيخنا العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي المتوفى سنة ١٣٩٥ هـ في مكة المكرمة رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":134},{"text":"الجلد والرجم والعمل بالمتأخر أولى. والحق أنها متأخرة عن حديث عبادة المذكور كما يدل عليه قوله ﷺ (وقد جعل الله لهن سبيلًا) فهو دليل على أن حديث عبادة هو أول نص ورد في حد الزنى كما هو ظاهر من الغاية في قوله تعالى (حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلًا) .\nومن أصرح الأدلة في أن الجمع بين الجلد والرجم منسوخ أن النبي ﷺ قال في قصة العسيف الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان أجيرًا عنده (والذي نفسي بيده\nلأقضين بينكما بكتاب الله) وهذا قسم منه ﷺ أنه يقضي بينهما بكتاب الله، ثم\nقال في الحديث الذي أقسم أنه قضاء بكتاب الله (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) جزاء هذا الشرط، فدل الربط بين الشرط وجزاءه على أن جزاء اعترافها هو الرجم وحده، وأن ذلك قضاء بكتاب الله تعالى.\nوهذا دليل من لفظ النبي ﷺ صريح على أن جزاء اعترافها بالزنى: هو رجمها فقط\nفربط هذا الجزاء بهذا الشرط وأقسم النبي ﷺ أنه قضاء بكتاب الله وهو متأخر عن حديث عبادة لما قدمنا.\nوهذا الدليل أيضًا قوي جدًا لأن فيه إقسامه ﷺ بأن الاعتراف بالزنى من\nالمحصن يترتب عليه الرجم ...) .\n٢- تعارض أقضية الصحابة ﵃ في حد الزنى المحصن على أوجه ثلاثة:\n١- قضاء عمر ﵁ بالرجم فقط للمحصن.\nب- قضاء علي ﵁ بالجلد والرجم للمحصن.\nج- رأى عمر وأبي كعب ﵄ على أن الجمع بين الجلد والرجم يكون للشيخ المحصن والاقتصار على الرجم للشاب المحصن.\nوالذي يظهر لي والله تعالى أعلم- في دفع هذا التعارض: أن كلّ واحد منهم","vol":"1","page":135},{"text":"﵃ قضى أو رأى حسبما أداه إليه اجتهاده بدلالة أن عمر ﵁ اختلف اجتهاده في هذه المسألة بين الرجم للمحصن فقط وبين الجمع بين الرجم والجلد للمحصن إذا كان شيخًا ورجمه فقط إذا كان شابًا.\nوالعصمة في نص المعصوم ﷺ وقد تكاثرت الوقائع على أنه ﷺ رجم ماعزًا. ورجم الغامدية. ورجم الجهنية. ورجم اليهوديين. وهي جميعها متأخرة عن\nحديث عبادة ﵁ وليس فيها: سوى الرجم ولا ذكر للجلد. فصار الأظهر- والله أعلم- هو مذهب الجمهور المختار لدى ابن القيم رحمه\nالله تعالى: وهو الاقتصار على الرجم فقط في حق كل محصن.\nويتقوى هذا أيضًا بعدة أمور ذكرها شيخنا محمد الأمين رحمه الله تعالى فقال\nفي بيانها (١):\n(منها: أنه قول جهور أهل العلم.\nومنها: أن روايات الاقتصار على الرجم في قصة ماعز، والجهنية والغامدية، واليهوديين كلها متأخرة بلا شك عن حديث عبادة، وقد يبعد أن يكون في كل منها الجلد مع الرجم ولم يذكره أحد من الرواة مع تعدد طرقها.\nومنها: أن قوله الثابت في الصحيح (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها) تصريح منه ﷺ بأن جزاء اعترافها رجمها، والذي يوجد بالشرط هو الجزاء وهو في الحديث الرجم فقط.\nومنها: أن جميع الروايات المذكورة المقتضية لنسخ الجمع بين الجلد والرجم على أدنى الاحتمالات لا تقل عن شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.\nومنها: أن الخطأ في ترك عقوبة لازمة أهون من الخطأ في عقوبة غير لازمة والعلم عند الله تعالى) .\n_________\n(١) انظر: أضواء البيان ٦/٤٧- ٤٨","vol":"1","page":136},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>المبحث الثامن:\nفي عقوبة من زنى بجارية امرأته </span>(١)\nورد في هذا المبحث حديثان من قضاء النبي ﷺ ذكرهما ابن القيم رحمه الله تعالى وهما:\n١- حديث النعمان بن بشير ﵁.\n٢- وحديث سلمة بن المحبق ﵁ (٢) .\nوقد اختلف الكلام في إسنادهما اختلافًا كثيرًا، وكما اختلفت أقاويل أهل العلم في القول بمقتضاهما، فهما من مشكلات الأحاديث سندًا ومتنًا.\nوابن القيم رحمه الله تعالى ساق الحديثين الذكورين وذكر الخلافين الآنفين حولهما، واضطربت كلمته في حديث سلمة بن المحبق ﵁، ففي (الأعلام) (٣) جزم بأن الحديث حسن وقرر الأخذ بما اشتمل عليه من أحكام، بينما في (الزاد) (٤) لم يجزم بذلك بل علق الأخذ بموجبه على القول بصحته. وعلى أي حال فإنه رحمه الله تعالى لا يرى في موجبها إشكالًا بل يقرر رحمه\nالله تعالى أن الحكم بمقتضاها على وفق القياس ولا يخالف شيء من أحكامها أيًا من\nأصول الشريعة وقواعدها. ومبحثه في هذا على ما يلي:\nأ- حديث النعمان بن بشير ﵁:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٥):\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٢/٢٤- ٣٠ وزاد المعاد ٣/٢٠٨- ٢٠٩.\n(٢) هو: سلمة بن المحبق الهذلي ﵁ سكن البصرة وروى له أبو داود والنسائي وابن ماجة (انظر: التقريب ١/٣١٨) .\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٢/٢٤.\n(٤) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٨، ٢٠٩.\n(٥) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٨","vol":"1","page":137},{"text":"(في المسند (١) والسنن الأربعة (٣)، من حديث قتادة (٣) عن حبيب بن سالم (٤)، أن رجلًا يقال له: عبد الرحمن ابن حنين، وقع على جارية امرأته فرفع إلى النعمان بن بشير ﵁ وهو أمير على الكوفة فقال: لأقضين فيك بقضاء رسول الله ﷺ: إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة جلدة، وإن لم تكن أحلتها رجمتك بالحجارة فوجدوه أحلتها له فجلد مائة) .\nمنزلة هذا الحديث:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٥):\n(قال الترمذي في إسناد هذا الحديث اضطراب، سمعت محمدًا يعني البخاري يقول لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث، إنما رواه عن خالد بن عرفطة، وأبو اليسر لم يسمعه أيضًا من حبيب بن سالم، إنما رواه عن خالد بن عرفطة وسألت محمدًا عنه فقال: أنا أنفي هذا الحديث، وقال النسائي: هو مضطرب، وقال أبو حاتم الرازي (٦): خالد بن عرفطة مجهول) .\nفهؤلاء أربعة ينفون صحة هذا الحديث وكذلك الخطابي فإنه قال (٧):\n(هذا الحديث غير متصل وليس عليه العمل) .\n_________\n(١) انظر: مسند الإمام أحمد ٤/٢٧٢.\n(٢) انظر: سنن أبي داود ٤/ ٦٠٤، والترمذي ٤/ ٥٤، والنسائي ٦/ ١٠١، وابن ماجة ٢/٨٥٣. وانظر نيل الأوطار ٧/١٢٦. والمعجم المفهرس ١/٣٥٤.\n(٣) هو: قتادة بن دعامة السدوسي البصري إمام ثقة ثبت مات سنة بضع عشرة ومائتين انظر: التقريب ٢/١٢٣) .\n(٤) هو: مولى النعمان بن بشير وكاتبه: حبيب بن سالم الأنصاري مولاهم لا بأس به (انظر: التقريب ١/١٤٩) .\n(٥) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٨.\n(٦) هو: محمد بن إدريس الحنظلي أحد الحفاظ الكبار مات سنة ٢٧٧ هـ. انظر: التقريب ٢/ ١٤٣، والأعلام ٦/ ٢٥٠) .\n(٧) انظر: معالم السنن ٦/٢٦٩","vol":"1","page":138},{"text":"وكلام هؤلاء جميعهم ذكره المنذري ولم يتعقبه بشيء (١) نقله الشوكاني ولم يتعقبه بشيء أيضًا (٣)\nوخلاصة ما علل به هذا الإسناد علتان:\nالأولى: الاضطراب الحاصل في سنده على ما ذكره البخاري رحمه الله تعالى. الثانية: جهالة خالد بن عرفطة كما قاله أبو حاتم الرازي.\nموقف ابن القيم من هذا الحديث:\nنظر ابن القيم رحمه الله تعالى إلى كلام أهل العلم في هذا الحديث من حيث الإسناد والمتن على ما يلي:\nالنظرة الإسنادية:\nيقول رحمه الله تعالى (٣):\n(الحديث حسن، وخالد بن عرفطة قد روى عنه ثقتان، حبيب بن سالم، وأبو اليسر، ولم يعرف فيه قدح، والجهالة ترتفع عنه برواية ثقتين) .\nفابن القيم رحمه الله تعالى يحكم بأن هذا الحديث حسن الإسناد، فينفي لهذا جهالة خالد بن عرفطة لأنه قد روى عنه ثقتان هما: حبيب وأبو اليسر.\nفنرى من هذا أن ابن القيم رحمه الله تعالى قد أتى على نفي علة الجهالة لخالد بن عرفطة، فحكم بحسن إسناد هذا الحديث، لكن كلامه لم يتضمن الجواب على العلة الأولى: وهي علة الاضطراب في سند هذا الحديث كما ذكرها البخاري وعنه الترمذي رحمهما الله تعالى وأشار إليها النسائي رحمه الله تعالى.\n_________\n(١) انظر: مختصر السنن ٦/ ٢٧٠- ٢٧١.\n(٢) انظر: نيل الأوطار ٧/١٢٦.\n(٣) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٨","vol":"1","page":139},{"text":"فهؤلاء ثلاثة من نقاد الأثر أعلوا هذا الحديث بالاضطراب، والاضطراب علة من علل الإسناد ومن علل المتن أيضًا. وهي توجب ضعفه إن لم يأت للحديث من الطرق والشواهد ما يقيمه ويرقيه إلى درجة القبول، وهذا ما لم يتيسر الوقوف عليه في هذا الحديث والله أعلم.\nموافقة هذا الحديث للقياس:\nابن القيم رحمه الله تعالى لما حكم بأن هذا الحديث حسن الإسناد بين رحمه الله تعالى أن موجبه على وفق القياس وقواعد الشريعة وأنهما يقضيان القول بموجبه فقال (١):\n(القياس وقواعد الشريعة يقتضي القول بموجب هذه الحكومة فإن إحلال الزوجة شبهة توجب سقوط الحد ولا تسقط التعزير، فكانت المائة تعزيرًا، فإذا لم تكن أحلتها له كان زنى لا شبهة فيه ففيه الرجم، فأي شيء في هذه الحكومة مما يخالف القياس) .\nوقال أيضًا (٢):\n(إن قيل كيف تخرجون حديث النعمان على القياس قيل: هو بحمد الله موافق القياس مطابق لأصول الشريعة وقواعدها، فإن إحلالها له شبهة كافية في سقوط الحد عنه ولكن لما لم يملكها بالإحلال كان الفرج محرمًا عليه، وكانت المائة تعزيرًا له وعقوبة على ارتكاب فرج حرام عليه وكان إحلال الزوجة له وطأها شبهة دارئة للحد عنه) .\nوهذا من ابن القيم رحمه الله تعالى تفريع لهذه الواقعة على قاعدة درء الحدود بالشبهات بجامع وجود الشبهة فنتج الحكم بدرء الحد. وإيجاب التعزير.\nوهذا التخريج من ابن القيم رحمه الله تعالى للحكم في هذه الواقعة قد سبقه إليه\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٨.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين٢/ ٢٨","vol":"1","page":140},{"text":"بعض أهل العلم كما ذكره الخطابي (١)\nب- حديث سلمة بن المحبق ﵁:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢):\n(في المسند (٣) والسنن (٤)، عن قبيصة بن حريث (٥) عن سلمة بن المحبق ﵁، أن رسول الله ﷺ قضى في رجل وقع على جارية امرأته إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها) .\nمنزلة هذا الحديث عند ابن القيم:\nقرر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (الأعلام) أن هذا حديث حسن وأن\nتضعيف من ضعفه إنما هو لإشكال وجدوه في متنه فأقدموا على تضعيفه فقال (٦):\n(هذا حديث حسن يحتجون بما هو دونه في القوة ولكن لإشكاله أقدموا على تضعيفه مع لين في سنده) .\nوأما في كتابه (زاد المعاد) فتوقف في قبول هذا الحديث وعلق القول به على القول بصحته فقال (٧):\n(وأما حديث سلمة بن المحبق فإن صح تعين القول به ولم يعدل عنه)\n_________\n(١) انظر: معالم السنن ٦/٢٧٠.\n(٢) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٨، وأعلام الموقعين ٢/٢٤\n(٣) انظر: مسند الإمام أحمد ٣/٤٧٦.\n(٤) انظر: سنن أبي داود ٤/٦٠٥، والنسائي ٦/١٠٢ وابن ماجه ٢/٨٥٣ وانظر أيضا: نيل الأوطار ٧/١٢٦- ١٢٧. وأشار له الترمذي في سننه ٤/٥٤\n(٥) هو: قبيصة بن حريث الأنصاري صدوق من الطبقة الثالثة مات سنة ١٦٧ هـ (انظر التقريب ٢/١٢٢) .\n(٦) انظر: أعلام الموقعين ٢/٢٤.\n(٧) انظر: ٣/ ٢٠٨","vol":"1","page":141},{"text":"موقف العلماء من هذا الحديث:\nذكر رحمه الله تعالى أن الناس حول هذا الحديث، قد انقسموا إلى طائفتين: طائفة ضعفت هذا الحديث ونفت صحته.\nوطائفة قبلت هذا الحديث فبينوا وجهه وتخريجه.\nوبيانه لموقف كل من الطائفتين على ما يلي:\nأولًا: موقف القائلين بتضعيف هذا الحديث:\nبعد أن قرر في (زاد المعاد) (١) تعليق القول بهذا الحديث على القول بصحته، ذكر القائلين بضعفه وهم: أحمد، والبخاري، وأبو داود، والنسائي، والبيهقي وابن المنذر، والخطابي، وذكر أقوالهم فقال:\n(لكن قال النسائي: لا يصح هذا الحديث: قال أبو داود (٢): سمعت أحمد بن حنبل يقول الذي يرويه عن سلمة شيخ لا يعرف ولا يحدث عنه غير الحسن يعني قبيصة بن حريث، وقال البخاري في (التاريخ) (٣) قبيصة بن حريث سمح سلمة بن المحبق في حديثه نظر، وقال ابن المنذر (٤) . لا يثبت خبر سلمة بن المحبق، وقال البيهقي (٥) وقبيصة بن حريث غير معروف، وقال الخطابي (٦): هذا الحديث منكر وقبيصة غير معروف والحجة لا تقوم بمثله، وكان الحسن (٧) لا يبالي أن يروي الحديث ممن سمع) .\n_________\n(١) انظر: ٣/٢٠٨، وانظر أيضًا في بيانها: مختصر المنذري لسنن أبي داود ٦/٢٧١- ٢٧٢.\n(٢) انظر: سنن أبي داود ٤/٦٠٥.\n(٣) انظر: التاريخ الكبير ٤/١٧٦ ط الأولى سنة ١٣٦٠ هـ. بمطبعة دائرة المعارف بحيدر أباد الهند\n(٤) انظر: مختصر المنذري لأبي داود ٦/٢٧٢.\n(٥): السنن الكبرى ٨/ ٢٤٠.\n(٦): معالم السنن ٦/٢٧١.\n(٧): مختصر السنن لأبي داود ٦/٢٧١- ٢٧٢","vol":"1","page":142},{"text":"وقد ذكر أقوال هؤلاء الأئمة كل من المنذري (١) والشوكاني رحمهما الله تعالى\nولم يتعقبوها بشيء.\nثانيًا: موقف القائلين بقبول الحديث اختلف موقفها منه إلى فرقتين:\nالفرقة الأولى: قالت إن هذا الحديث منسوخ بأحكام الحدود.\nوفي بيان هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢):\n(قالت طائفة هو منسوخ وكان هذا قبل نزول الحدود) .\nوقد ذكر الخطابي القول بالنسخ عن الحسن البصري رحمه الله تعالى فيما بلغه فقال (٣):\n(وقد روى عن الأشعث (٤) صاحب الحسن أنه قال: بلغني أن هذا كان قبل الحدود) .\nثم يقول الخطابي (٥):\n(وخليق أن يكون الحديث منسوخًا إن كان له أصل في الرواية) .\nوقفة وتأمل:\nإن الذي دعى القائلين بالنسخ إلى القول به هو كون هذا الحديث فيه مخالفة للأصول منها أن فيه إسقاطًا لحد الزنى، وابن القيم رحمه الله تعالى يورد هذا الاعتراض ويرفضه مبينًا أنه ليس في الحديث تعرض لحد الزنى فيقول (٦):\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار ٧/١٣٦- ١٢٧.\n(٢) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٨.\n(٣) انظر: معالم السنن ٦/ ٢٧١.\n(٤) هو: الأشعث بن سوار الكندي المتوفى سنة ٢٣٦ هـ. (انظر: التهذيب ١/٣٥٢، والتقريب ١/٧٩) .\n(٥) انظر: معالم السنن ٦/ ٢٧١.\n(٦) انظر: أعلام الموقعين ٢/٢٨","vol":"1","page":143},{"text":"(فإن قيل: فهب أنكم خرجتم ذلك على القياس، فما تصنعون بسقوط الحد عنه، وقد وطئ فرجًا لا ملك له فيه ولا شبهة ملك؟.\nقيل: الحديث لم يتعرض بنفي ولا إثبات، وإنما دل على الضمان وكيفيته) . وهذا جواب مسلم به فإن الحديث في كافة رواياته ليس فيه تعرض للحد فكيف يقال أن الحديث فيه إسقاط الحد. وأيضًا فإن القول بالنسخ لا بد فيه من معرفة التاريخ، وهو هنا غير معلوم فيتبين إذا أن القول بالنسخ غير وارد والله أعلم.\nالفرقة الثانية: الذين قالوا بأن هذا الحديث محكم غير منسوخ فخرجوه على وفق القياس.\nوقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى تخريجهم لهذا الحديث على وفق القياس فقال (١):\n(وقالت طائفة: بل وجهه أنه إذا استكرهها فقد أفسدها على سيدتها ولم تبق ممن تصلح لها، ولحق بها العار وهذا مثلة معنوية فهي كالمثلة الحسية أو أبلغ منها، وهو قد تضمن أمرين: إتلافها على سيدتها، والمثلة المعنوية بها، فتلزمه غرامتها لسيدتها وتعتق عليه.\nوأما إن طاوعته فقد أفسدها على سيدتها فتلزمه قيمته لها، ويملكها لأن القيمة\nقد استخفت عليه، وبمطاوعتها وإرادتها خرجت عن شبهة المثلة، قالوا ولا يعد في\nتنزيل الإتلاف المعنوي منزلة الإتلاف الحسي إذ كلاهما يحول بين المالك وبين\nالانتفاع بملكه، ولا ريب أن جارية الزوجة إذا صارت موطؤة لزوجها، فإنها لا\nتبقى لسيدتها كما كانت قبل الوطء، فهذا الحكم من أحسن الأحكام وهو موافق للقياس الأصولي) .\nاختلاف العلماء:\nاختلف العلماء رحمهم الله تعالى في حكم من وطىء جارية امرأته على أقوال\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٨- ٢٠٩. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى هذا أيضًا مبسوطًا من كلام شيخه ابن تيمية رحمه الله تعالى في (أعلام الموقعين) ٢/٢٥- ٢٨.","vol":"1","page":144},{"text":"أشهرها ما يلي:\nالقول الأول:\nأن من وطئ جارية امرأته بإذنها جلد مائة جلدة تعزيرًا وإن لم تكن زوجته أحلتها له فإنه زان حكمه حكم الزنى.\nوهذا مذهب الحنابلة وهو اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى (١) .\nوجه الاستدلال منه:\nهو أن الحديث نص على أنه إذا لم تكن أحلتها له فلا حد لأن إحلال الزوجة شبهة توجب سقوط الحد ولا تسقط التعزير فكانت المائة تعزيرًا والله أعلم (٢) .\nالقول الثاني:\nأن وطء الرجل جارية زوجته لا يوجب الحد إن ظن الحل وإن لم يظن الحل حد. وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه (٣) .\nدليله:\nاستدل بعموم أحاديث درء الحدود بالشبهات، فظن الحلّ هنا شبهة فعل دارءة للحد (٤) .\nالقول الثالث:\nأن من وطيء جارية امرأته وجب عليه حد الزنى بكل حال. وهو مذهب مالك والشافعي وهو قول عمر وعلي ﵄ (٥) .\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٨ والمغني مع الشرح الكبير ١٠/١٥٧.\n(٢) انظر: المرجعين السابقين.\n(٣) انظر: شرح فتح القدير ٥/٣٨، ومعالم السنن ٦/٢٦٩.\n(٤) انظر: شرح فتح القدير ٥/٣٨.\n(٥) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/١٥٧، وبداية المجتهد ٢/٤٢٥، ونيل الأوطار ٧/١٢٧","vol":"1","page":145},{"text":"دليله:\nهو أن هذا وطء ليس في نكاح ولا ملك ولا شركة ملك فأوجب الحد ومجرد الإباحة لا يوجب درء الحد لأنه لا شبهة له فيها أصلًا فلا تكون إذا شبهة دارئة للحد والله أعلم (١) .\nالترجيح:\nلا شك أن حديث قبيصة ﵁ لا تعرض فيه لحد من وطئ جارية امرأته أو عدمه وإن العمدة في المرفوع هو حديث النعمان بن بشير ﵁، وابن القيم رحمه الله تعالى قد حكم بأن هذا حديث حسن وأخذ بما دل عليه من أحكام منها حد من وطئ جارية امرأته إن لم تكن أحلتها له وإن أحلتها فيعزر بمائة جلدة وسلفه في هذا الإمام أحمد رحمه الله تعالى وشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. ومن بعدهم جميعًا العلامة الشوكاني. وبموازنة هذا الاختيار بآراء العلماء في فقه هذه المسألة نجد أن ابن القيم رحمه الله تعالى أسعد بموافقة القياس الصحيح لهذا الاختيار المفصل.\nفانه مع توقفي بصحة حديث النعمان ﵁ فإن الذي يظهر لي والله أعلم هو أرجحية هذا القول المختار لدى ابن القيم على غيره من الأقوال والذي دل عليه حديث النعمان ﵁، وذلك لموافقته القياس والنظر الصحيح في درء الحدود بالشبهة، في حالة إحلالها له من زوجته، وأما إذا لم تحلها له فإن الحد يجب لعدم ورود شبهة دارءة للحد والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: المغني ١٠/١٥٧، وبداية المجتهد ٢/٤٢٥.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المبحث التاسع:\nفي عقوبة من زنى بذات محرمة </span>(١)\nحكى ابن القيم رحمه الله تعالى اتفاق المسلمين على أن من زنى بذات محرمه فإن\nعليه الحد، وأن الخلاف الحاصل إنما هو في صفة حده فقال (٢):\n(اتفق المسلمون على أن من زنى بذات محرمه فعليه الحد، وإنما اختلفوا في صفة الحد: هل هو القتل بكل حال أو حده حد الزاني على قولين: مذهب الشافعي ومالك وأحمد في أحد روايتيه: أن حده حد الزاني. وذهب أحمد وإسحاق وجماعة من أهل الحديث إلى أن حده القتل بكل حال) .\nاختياره رحمه الله تعالى:\nاختار ابن القيم رحمه الله تعالى قتله بكل حال محصنًا أم غير محصن.\nدليله:\nاستدل له ابن القيم بحديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال:\nمن وقع على ذات محرمه فاقتلوه (٣) .\nوجه الاستدلال:\nهو أن دلالة هذا الحديث نصية على قتل من وقع على ذات محرم مطلقًا فهي أخص مما ورد في الزنى والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: الداء والدواء ص/٢٥٥- ٢٥٦، وزاد المعاد ٣/٣٠٢. وانظر المغني ١٠/١٥٤. وفتح القدير ٥/ ٤٠ ومعالم السنن ٦/٢٦٩، ونيل الأوطار ٧/١٢٢- وانظر الأحاديث بمعناه ٣/٢٠٢ زاد المعاد.\n(٢) انظر: الداء والدواء ص/٢٥٦\n(٣) رواه ابن ماجة ٢/٨٠٨","vol":"1","page":147},{"text":"الترجيح:\nويظهر لي رجحان اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى لدلالة النص عليه والمقام يقتضي التفصيل فلو كان حكمه التفريق بين المحصن وغيره لبينه ﷺ فدل بعموم\nحكمه من غير استفصال على قتله مطلقًا والله أعلم.\nالمبحث العاشر:\nإقامة حد الزنى بالحبل (١) .\nفي معرض أبحاث ابن القيم رحمه الله تعالى في الحكم بالقرائن الظاهرة: ضرب المثال بالحكم بإقامة حد الزنى بالحبل. وقرر أن هذا هو أصح القولين في المسألة وذكر دليله وصحته.\nولمعرفة مدى قوة هذا الاختيار لا بد من ذكر القول المقابل له وذكر أدلته، وإجراء المناقشات الواردة على الأدلة في المسألة. وتفصيل القول في ذلك على ما يلي:\nالقول الأول: إقامة حد الزنى بالقرينة الظاهرة: الحبل.\nاختار ابن القيم رحمه الله تعالى هذا القول. وذكر أن هذا هو قول عمر ﵁ وعليه فقهاء المدينة، وهو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه (١):\nتقييد هذا القول (٣):\nهكذا حكى ابن القيم رحمه الله تعالى وينبغي أن يعلم أن هذا القول ليس على\n_________\n(١) انظر: تهذيب السنن ٣/٦٢- ٦٣، أعلام الموقعين ٣/٢٠، ٤/٣٧٤ الطرق الحكمية ص/٤. زاد المعاد ٤/٤٠.\n(٢) انظر: تهذيب السنن ٣/٦٢. وأعلام الموقعين ٣/ ٢٠.\n(٣) انظر: بداية المجتهد لابن رشد ٣/ ٤٣١. وسبل السلام ٤/٨. وجواهر الإكليل على مختصر خليل ٢/٢٨٥، الموطأ ٢/ ١٧٠ ٠ المغني ١٠/١٩٢.","vol":"1","page":148},{"text":"إطلاقه عند من حكاه عنهم بل هو مقيد بأمرين:\nالأول: أن لا يكون من ظهر بها الحمل- ذات زوج ولا سيد.\nالثاني: أن لا تذكر شبهة موجبة لدرء الحد كدعوى أنها مكرهة بأمارة ظاهرة كأن تأتي مثلًا - تدمي مستغيثة عند نزول الأمر بها.\nفإذا تحقق هذان القيدان كان الحبل حينئذ قرينة ظاهرة موجبة لإقامة حد الزنى- على هذا القول.\nوينبغي أن يخرج اختيار ابن القيم على هذا لأنه ذكر اختياره مذهبًا لأولئك ومذهبهم متقيد بذلك والله أعلم.\nأدلة هذا القول:\nوقد استدل ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا القول بالسنة وفتوى الصحابة وقضائهم ﵃ والقياس الأولى. وأنا أسوقها كما ذكرها ثم أذكر ما يرد عليها من مناقشات وبيانها على ما يلي:\nالأول: حديث بصرة ﵁ (١) .\nقال (تزوجت امرأة بكرًا في سترها فدخلت عليها فإذا هي حبلى، فقال النبي ﷺ: لها الصداق بما استحللت من فرجها، والولد عبد لك، فإذا ولدت فاجلدها، أو قال: فحدوها) رواه أبو داود (٢) .\nوجه الاستدلال:\nثم ذكر رحمه الله تعالى وجه الاستدلال منه فقال (٣):\n_________\n(١) انظر: تهذيب السنن ٣/٦٢. وانظر أيضًا: زاد المعاد ٤/٤.\n(٢) انظر: تهذيب السنن مع مختصر المنذري ٣/٦٠- ٦٢.\n(٣) انظر: تهذيب السنن ٣/٦٣. وانظر أيضًا: زاد المعاد ٤/٤","vol":"1","page":149},{"text":"(حديث بصرة هذا فيه أنه أمره بجلدها بمجرد الحمل، من غير اعتبار بينة ولا\nإقرار) .\nفدلالة هذا الحديث نصية على الحد بالقرينة الظاهرة وهي الحبل إذ ليس في الحديث أن شهودًا أربعة شهدوا عند النبي ﷺ بذلك ولا أنها أقرت به، فتخلص\nأن موجب الحد الحبل.\nمناقشة هذا الدليل:\nهذا الحديث انفرد به أبو داود عن بقية الستة (١) . وقد رواه أبو داود موصولًا من حديث سعيد بن المسيب (٢) عن بصرة ﵁، ورواه مرسلًا (٣) عن ابن المسيب عن النبي ﷺ.\nوصحابي الحديث بصرة ﵁ مختلف في صحبته واسمه والذي عليه الحفاظ كابن عبد البر (٤)، والذهبي (٥)، وابن حجر (٦) أنه صحابي اسمه بصرة بن\nأكثم الأنصاري ﵁.\nوقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا الحديث علتين فقال (٧):\n(له- أي لهذا الحديث- علة عجيبة وهي: أنه حديث يرويه ابن جريج (٨) عن\n_________\n(١) الكتب الستة: يراد بها: صحيح البخاري ومسلم، وسنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.\n(٢) هو: سعيد بن المسيب بن حزن القرشي المخزومي أحد الفقهاء السبعة مات سنة ١٩٠ هـ. (انظر: التقريب ١/٣٠٥- ٣٠٦) .\n(٣) المرسل: هو ما رواه التابعي عن النبي ﷺ مباشرة بلا واسطة (انظر: شرح ألفية السيوطي\nص/٢٥- ٢٦) .\n(٤) انظر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب ١/١٧٦ طبع بهامش الإصابة لابن حجر.\n(٥) انظر: تجريد أسماء الصحابة ١/٥٥.\n(٦) انظر: تهذيب التهذيب ١/٤٧٢.\n(٧) انظر: تهذيب سنن أبي داود ٣/٦١.\n(٨) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم ثقة فقيه لكنه يدلس من الثالثة في التدليس مات سنة ٢٥٠ هـ. أو بعدها (انظر: التقريب ١/٥٢٠) .","vol":"1","page":150},{"text":"صفوان ابن سليم (١)، عن سعيد ابن المسيب عن رجل من الأنصار.\nوأن جريجًا لم يسمعه من صفوان، إنما رواه عن، إبراهيم ابن محمد ابن أبي يحيى الأسلمي (٢) عن صفوان. وإبراهيم هذا: متروك الحديث، تركه: أحمد بن حنبل\nويحيى ابن معين (٣) وابن المبارك (٤)، وأبو حاتم، وأبو زرعة (٥) الرازيان وغيرهم. وسئل عنه مالك، أكان ثقة فقال: لا ولا في دينه.\nوله علة أخرى: وهي أن المعروف أنه إنما يرويه مرسلًا عن سعيد ابن المسيب عن النبي ﷺ كذا رواه قتادة، ويزيد ابن نعيم (٦)، وعطاء الخراساني (٧) كلهم عن\nسعيد عن النبي ﷺ.\nوذكر عبد الحق (٨) هاتين العلتين، ثم قال: والإرسال هو الصحيح) .\nوله أيضًا علة ثالثة: وهو أن ابن جريج مدلس وقد عنعن.\nفتخلص أن هذا الحديث بهذا الإسناد فيه ثلاث علل:\n_________\nهو: صفوان بن سليم المدني الزهري مولاهم ثقة إمام عابد مات سنة ٢٣٢ هـ. روى له أصحاب الكتب الستة (انظر: التقريب ١/٣٦٨) .\n(٢) هو: شيخ الشافعي وكان حسن الرأي فيه لكن الذي عليه الحفاظ أنه متروك (انظر: التقريب ١/٤٢) .\n(٣) هو: إمام الجرح والتعديل يحيى بن معين الغطفاني مولاهم مات سنة ٢٣٣ هـ. بالمدينة المنورة\n(انظر: التقريب ٢/٣٥٨) .\n(٤) هو: الإمام الزاهد الفقيه العابد عبد الله بن المبارك الحنظلي مولاهم مات سنة ١٨١ هـ. (انظر:\nالتقريب ١/٤٤٥) .\n(٥) هو: الإمام الكبير عبيد الله بن عبد الكريم الرازي المتوفى سنة ٢٦٤ هـ. (انظر: التقريب ١/٥٣٦) .\n(٦) هو: يزيد بن نعيم الأسلمي مقبول من الخامسة (انظر: التقريب ٢/٣٧٢) .\n(٧) هو: عطاء بن أبي مسلم الخراساني صدوق يهم كثيرًا يرسل ويدلس مات سنة ٢٣٥ هـ. (انظر: التقريب ٢/٢٣) .\n(٨) هو: عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي الأشبيلي المعروف بابن الخراط من أشهر كتبه كتاب\n(الأحكام الشرعية الكبرى) توفي سنة ٥٨١ هـ. (انظر: تهذيب الأسماء واللغات للنووي\n١/ ٢٩٢ والأعلام للزركلي ٥٢/٤) .","vol":"1","page":151},{"text":"الأولى: عنعنة ابن جريج وهو مدلس.\nالثانية: أن ابن جريج يرويه عن ابن أبي يحيى وهو: متروك.\nالثالثة: أنه قد اختلف في وصله وإرساله. والذي عليه الأكثر روايته مرسلًا وهذا هو المعروف.\nوقد حكم بإرساله: عبد الحق. والخطابي.\nوعليه فإن الحديث بهذه العلل لا يكون حجة والله أعلم.\nالثاني: (قول عمر ﵁: الرجم حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف متفق عليه) (١) .\nوجه الاستدلال:\nدلالة هذا الأثر نصية على الحكم بإقامة حد الزنى بالقرينة الظاهرة وهي: الحبل.\nإذ جعل عمر ﵁: مجرد وجود الحبل موجبًا لإقامة حد الزنى كإيجابه\nبالبينة أو الاعتراف\nالثالث: أن هذا كما ثبت من قول عمر ﵁ فقد ثبت أيضًا من حكمه وقضائه ﵁.\nوفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢):\n(وقد حكم أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ﵁ والصحابة ﵃ معه: برجم المرأة التي ظهر بها حمل ولا زوج لها ولا سيد) .\nالرابع: قياس الأولى:\n_________\n(١) انظر: تهذيب السنن ٣/٦٢. وهذا الأثر رواه البخاري ومسلم من خطبة لعمر ﵁ مطولة. وانظر: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٢/١٤٤- ١٤٥. ومسلم مع شرح\nالنووي ١١/١٢٠. والمعجم المفهرس ١/٤١٥.\n(٢) انظر: الطرق الحكمية ص/٤","vol":"1","page":152},{"text":"وفي بيانه يقول رحمه الله تعالى (١):\n(ولأن وجود الحمل أمارة ظاهرة على الزنى أظهر من دلالة البينة، وما يتطرق إلى دلالة الحمل يتطرق مثله إلى دلالة البينة وأكثر) .\nأي فيكون الحكم بالحبل أولى من الحكم بالبينة وهي الشهادة.\nوهذا من باب قياس الأولى وهو قياس مستوف لأركانه وشرائطه:\nفقد ذكر المقيس: وهو القرينة الظاهرة: الحبل.\nوذكر المقيس عليه: وهو البينة: الشهادة.\nوالعلة الجامعة: هي الدلالة على الزنى في كلّ منهما.\nوالحكم: وهو إقامة حد الزنى.\nهذا هو اختيار ابن القيم وهذا أدلته التي استدل بها له. فإلى القول الآخر في المسألة مع بيان وجهته وموقفه من أدلة هذا الرأي.\nالقول الثاني: وهو عدم إقامة الحد بالحبل فلا يثبت الزنى إلا ببينة أو اعتراف فإذا أحبلت امرأة لا زوج لها ولا سيد. وسئلت فادعت إكراهًا أو أنها ذات زوج أو نحو ذلك من وجوه الدفع، لم تحد بمجرد الحبل ولو لم تأت ببينة على ذلك. وهذا مذهب الحنفية والشافعية والمعتمد في مذهب الحنابلة (٢)\nأدلتهم:\nاستدلوا بمقتضى قاعدة الشريعة المطردة وجملة من أقضية الصحابة ﵃ في ذلك وبيانها على ما يلي:\n_________\n(١) انظر: تهذيب سنن أبي داود ٣/٦٣.\n(٢) انظر: المغني ١٠/١٩٢. وبداية المجتهد ٢/٤٣١، سبل السلام ٢/٨","vol":"1","page":153},{"text":"الأول: أن قاعدة الشريعة المطردة درء الحد بالشبهة بالإجماع. والشبهة هنا\nمتحققة من وجوه متعددة (١):\nفيحتمل أنه من وطء إكراه والمستكرهة لا حد عليها.\nويحتمل أنه من وطء رجل واقعها في نومها وهي ثقيلة النوم.\nويحتمل أنه من وطء شبهة.\nويحتمل أنه حصل الحبل بإدخال ماء الرجل في فرجها إما بفعلها أو بفعل غيرها.\nفإذا كان الحد يدرء بالشبهة. والشبهة هنا واردة: صار وجود الحبل قرينة ضعيفة لا تقوى على إيجاب الحد، فلزم الدرء والله أعلم.\nالثاني: أقضية الصحابة ﵃ في درء الحد عمن وجدت حبلى ولا زوج لها ولا سيد وقد ادعت الاستكراه ونحوه. منها ما يلي:\n١- قصة شراحة ﵂:\nروى عبد الرزاق في (مصنفه) (٢) أن عليًا أتى بامرأة من همدان وهي حبلى يقال لها: شراحة. قد زنت، فقال لها علي ﵁:\nلعل الرجل استكرهك، قالت: لا.\nقال: فلعل الرجل قد وقع عليك وأنت راقدة، قالت: لا.\nقال: فلعل لك زوجًا من عدونا هؤلاء وأنت تكتمينه، قالت: لا.\nفحبسها حتى إذا وضعت، جلدها يوم الخميس مائة جلدة، ورجمها يوم الجمعة فأمر فحفر لها حفرة بالسوق، فدار الناس عليها، أو قال بها: فضربهم بالدرة. ثم\n_________\n(١) انظر: المغني ١٠/١٩٣- ١٩٤. وبداية المجتهد ٢/٤٣١، سبل السلام ٢/٨.\n(٢) انظر: ٧/٣٢٦ ط الأولى سنة ٣٩٢ هـ. نشر المكتب الإسلامي ببيروت.","vol":"1","page":154},{"text":"قال: ليس هكذا الرجم. إنكم إن تفعلوا هذا يفتك بعضكم بعضًا، ولكن صفوا كصفوفكم للصلاة، ثم قال: يا أيها الناس، أن أول الناس يرجم الزاني: الإمام إذا كان الاعتراف، وإذا شهد أربعة شهداء على الزنى: أول الناس يرجم: الشهود بشهادتهم عليه، ثم الإمام، ثم الناس.\nثم رماها بحجر وكبر، ثم أمر الصف الأول فقال: ارموا، ثم قال: انصرفوا وكذلك صفًا صفًا حتى قتلوها) .\nورواه البيهقي (١) . وأحمد (٢) . والحاكم (٣)، والنسائي (٤)، وأصله مختصرًا في صحيح البخاري (٥) .\nوالحديث بطوله صحيح الإسناد كما حرره الحافظ بن حجر (٦) .\nوجه الاستدلال:\nهو أن هذا الأثر نص في محل النزاع: فإن شراحة اليمانية اعترفت بالزنى وهي حبلى فسألها علي ﵁ عن موارد الشبه فنفت تلك الواردات وأصرت على اعترافها. فرجمها علي ﵁. فصار موجب الرجم الاعتراف لا الحبل، ولهذا فإن عليًا ﵁- وهو الإمام- صار أول من رجم لأن الحد إذا وجب بالاعتراف صار الإمام أول من يرجم كما ذكره علي ﵁.\nب- قصة المرأة المتعبدة.\nروى عبد الرزاق في (مصنفه) (٧) (أنه بلغ عمر ﵁ أن امرأة\n_________\n(١) انظر: السنن الكبرى ٨/ ٢٢٠.\n(٢) انظره بواسطة تلخيص الحبير ٤/٥٢.\n(٣) انظر: المستدرك ٤/ ٣٦٤.\n(٤) انظره بواسطة تلخيص الحبير ٤/٥٢.\n(٥) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ١٢/١١٧.\n(٦) انظر: فتح الباري ١٢/١١٩. وتلخيص الحبير ٤/٥٢.\n(٧) انظر: ٧/٤٠٩. وانظر أيضًا: كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال للمتقي ٥/٤١٢ ط الأولى سنة ٣٩٠ هـ. بمطبعة البلاغة في حلب.","vol":"1","page":155},{"text":"متعبدة حملت. فقال عمر: أراها قامت من الليل تصلي خشعت فسجدت فأتاها غاو من الغواة فتجشمها فأتته فحدثته بذلك سواء فخلى سبيلها) .\nوجه الاستدلال:\nوهو ظاهر بدلالة نص الأثر عليه فإن الحبل لم يكن موجبًا للحد لاحتمال الشبهة ولهذا خلى سبيلها ﵁.\nج- قصة المرأة اليمانية:\nروى عبد الرزاق في (مصنفه) (١) (أن أبا موسى كتب إلى عمر ﵁\nفي امرأة أتاها رجل وهي نائمة، فقالت: أن رجلًا أتاني وأنا نائمة. فوالله ما علمت حتى قذف فيَّ مثل شهاب النار. فكتب عمر: تهامية تنومت. قد يكون مثل هذا، وأمر أن يدرء عنها الحد) .\nووجه الاستدلال منه كالأثر السابق سواء.\nالاختيار والترجيح:\nهذا هو ما تحصل الوقوف عليه من ذكر الخلاف وأدلته وبيان وجوه الاستدلال منها. والذي يظهر لي والله تعالى أعلم- هو أرجحية القول الثاني على ما اختاره الإمام ابن القيم وهو القول الأول. لأنه أجرى على قاعدة الشريعة المطردة وهي: درء الحدود بالشبهات والشبهة هنا محتملة. وقد أجمع المسلمون على أنه لا يحل إقامة حد مع وجود شبهة.\nوعلى هذا دلت- أيضًا: أقضية الصحابة ﵃.\nوالأدلة التي ساقها ابن القيم رحمه الله تعالى لا تعارض- فيما يظهر والله أعلم-\nأدلة هذا القول لأمور:\n_________\n(١) انظر: ٧/٤١٠. وانظر أيضًا: كنز العمال ٥/٤١٩. وقد رواه أيضًا البيهقي في السنن الكبرى ٨/ ٢٣٦","vol":"1","page":156},{"text":"١- أن حديث بصرة ﵁ ليس إسناده بالقائم، فلا يكون حجة في هذا لا سيما في الحدود على أنه قد قيل بنسخه (١) .\n٢- أن ما روي عن عمر ﵁ من إقامة الحد بالحبل قد روي عنه خلافه كما قاله بن قدامة (٢) على أنه يمكن الجمع في ذلك بين ما روي عنه من الإيجاب للحد والدرء. بتنزيل حكم الإنجاب حيث صار خاليًا من موجبات الدرء وهذا هو الأظهر وبه تجتمع الآثار ويلتئم شملها وتعمل السنن والله أعلم.\n٣- أما قياس الحبل على البينة. فهذا يعتريه: النزاع في تسليم جواز القياس\nفي الحدود من عدمه (٣) . وفي حال التسليم تكون دلالة الحبل أقوى من البينة إذا سلمت من دعوى استكراه ونحوه من وجوه الدفع فيؤول الأمر إلى الحكم\nبالاعتراف لكنه مع وجود الحبل أقوى وأظهر بكل حال من مجرد اعتراف بلا حبل أو بينة والله أعلم.\nالمبحث الحادي عشر:\nفي ذكر حيل لإبطال حد الزنى (٤)\nلابن القيم رحمه الله تعالى مباحث مستفيضة في الحيل وتحريمها وبيان أن تجويزها يناقض قاعدة سد الذرائع مناقضة ظاهرة، فهي مخادعة لله ومخادعة الله حرام.\nوذكر جملة وافرة من الحيل المحرمة التي قال بها بعض أنصار المذاهب المتبوعة\nوقرر أن أكثرها من توليدات المنتسبين إلى الأئمة وتفريعهم والأئمة براء منها (٥) .\n_________\n(١) انظر: معالم السنن للخطابي مع تهذيب السنن لابن القيم ٣/٦٢.\n(٢) انظر: المغني ١٠/١٩٣.\n(٣) انظر: الخلاف في هذا في فتح الباري لابن حجر ١٢/٧٣.\n(٤) انظر: أعلام الموقعين ٣/٣١٧، والداء والدواء ص/٢٥٦، بدائع الفوائد ٣/ ١٣٠.\n(٥) انظر في مباحثه في الحيل: أعلام الموقعين ٣/١٧١- ٤١٥، ٤/١- ١١٧، وإغاثة اللهفان ١/٣٣٨- ٣٩١، ٢/١","vol":"1","page":157},{"text":"وفي هذه الأمثلة ذكر طرفًا من الحيل الباطلة التي قال بها من قال لإسقاط حد الزنى، وإن في إقرارها مناقضة لدين الإسلام وفتح لأبواب الفساد فقال (١): (ومن الحيل الباطلة الحيل التي تتضمن إسقاط حد الزنى بالكلية، وترفع هذه الشريعة من الأرض: بأن يستأجر المرأة لتطوي له ثيابه، أو تحول له متاعه من جانب الدار إلى جانب آخر (٢) . أو يستأجرها لنفس الزنى ثم يزني بها. فلا يجب عليه الحد (٣) .\nوأعظم من هذا كله أنه إذا أراد أن يزني بأمه أو أخته أو ابنته أو خالته أو عمته ولا يجب عليه الحد فليعقد عليها النكاح بشهادة فاسقين يطؤها ولا حد عليه (٤) . وأعظم من ذلك: أن الرجل المحصن إذا أراد أن يزني ولا يحد فليرتد ثمّ يسلم فإنه إذا زنى بعد ذلك فلا حد عليه أبدًا حتى يستأنف نكاحًا أو وطئًا جديدًا.\nوأعظم من هذا كله أنه إذا زنى بأمه وخاف من إقامة الحد عليه فليقتلها فإذا فعل ذلك سقط عنه الحد (٥)، وإذا شهد عليه الشهود بالزنى ولم يمكنه القدح فيهم فليصدقهم فإذا صدقهم سقط عنه الحد.\nولا يخفي أمر هذه الحيل ونسبتها إلى دين الإسلام، وهل هي نسبة موافقة أو\nهي نسبة مناقضة؟) .\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/٣١٧.\n(٢) وانظر: بدائع الفوائد ٣/ ١٣٠. والمغني ١٠/١٩٤ والمقنع بحاشيته ٣/٤٦٢. وهذه الحيلة شبهة دارئة للحد عند الحنفية دون الثلاثة.\n(٣) انظر: المقنع ٣/٤٦١- ٤٦٢ وقد ذكر في الحاشية أن هذا لدى الحنفية دون الثلاثة.\n(٤) انظر: في هذه الحيلة: الهداية مع شرح فتح القدير ٥/٣٥، ٤٠.\n(٥) في المغني ١٠/١٥٠ عزا القول بهذا لأبي يوسف خلافًا لأبي حنيفة رحمهما الله تعالى.","vol":"1","page":158},{"text":"المبحث الثاني عشر:\nفي ذكر حيلة جائزة لإبطال الشهادة على الزنى\nيقسّم ابن القيم رحمه الله تعالى الحيل إلى أقسام أربعة ثلاثة منها محرمة (١) لذاتها\nأو لما تفضي إليه. وقسم رابع يقصد به أخذ حق أو دفع باطل وهو ثلاثة أنواع (٢): منها أن يحتال على التوصل إلى الحق أو إلى دفع الظلم بطريق مباحة وذكر لهذا النوع ما يقرب من مائة وعشرين مثالًا.\nذكر منها في (المثال الخامس والخمسين) حيلة جائزة لإبطال الشهادة على الزنى فقال (٢):\n(المثال الخامس والخمسون: إذا رفع إلى الإمام وادعى عليه أنه زنى، فخاف\nإن أنكر أن تقوم عليه البينة فيحد، فالحيلة في إبطال شهادتهم، أن يقر إذا سئل مرة واحدة ولا يزيد عليها فلا تسمع البينة مع الإقرار، وليس للحاكم ولا للإمام أن يقرره تمام النصاب بل إذا سكت لم يتعرض له، فإن كان الإمام ممن يرى وجوب الحد بالمرة الواحدة، فالحيلة أن يرجع عن إقراره فيسقط عنه الحد، فإذا خاف من إقامة البينة عليه أقر أيضًا ثم رجع، وهكذا أبدا، وهذه الحيلة جائزة، فإنه يجوز له دفع الحد عن نفسه، وأن يخلد إلى التوبة، كما قال النبي ﷺ للصحابة لما فر ماعز عن الحد (هلا تركتموه يتوب فيتوب الله عليه) فإذا فر من الحد إلى\nالتوبة فقد أحسن) .\nهذا ما قرره ابن القيم رحمه الله تعالى من جواز هذه الحيلة لأن البينة لا تسمع\n_________\n(١) هي: ١- حيلة محرمة يقصد بها محرم ٢- حيلة مباحة يقصد بها محرم ٣- حيلة لم توضع\nللإفضاء إلى محرم فيتخذها المتحيل سلما للحرام. انظر: أعلام الموقعين ٣/٣٤٦- ٣٤٧. مع\nبيان أمثلتها.\n(٢) هي: ١- طريق محرم والمقصود به حق ٢- طريق مشروعة تفضي إلى مشروع ٣- طريق\nمباح يفضي إلى حق للسالك. انظر هذه مع أمثلتها في أعلام الموقعين ٣،٧/٣- ٣٤٩.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/٣٩٤","vol":"1","page":159},{"text":"مع الإقرار، فإذا أقر مرة واحدة بطلت البينة وصار العول على الإقرار، وهو إنما\nأقر مرة واحدة والحد لا بد فيه من أربع مرات في الإقرار.\nوقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أيضًا هذه الحيلة في ثلاثة مواضع من نفس\nكتابه (الأعلام) (١) في مقام الرد والتعقب لها وأنها حيلة باطلة لا يعتبر بها لأن تصديقه الشهود يزيد البينة قوة والعمل إنما هو بالبينة لا بالإقرار. وفي هذا يقول (٢):\n(وقلتم: لو شهد عليه أربعة بالزنى فصدق الشهود سقط عنه الحد، وإن كذبهم أقيم عليه الحد وهذا من أفسد قياس في الدنيا فإن تصديقهم إنما زادهم قوة، وزاد الإمام يقينًا وعلمًا أعظم من العلم الحاصل بالشهادة وتكذيبه.\nوتفريقكم- بأن البينة لا يعمل بها إلا مع الإنكار فإذا أقر فلا عمل للبينة، والإقرار مرة لا يكفي فيسقط الحد- تفريق باطل، فإن العمل ههنا بالبينة لا بالإقرار، وهو إنما صدر منه تصديق البينة التي وجب الحكم بها بعد الشهادة، فسواء أقر أم لم يقر فالعمل إنما هو بالبينة) .\nويقول أيضًا (٣):\n(ومن العجب أنه لو شهد عليه أربعة بالزنى فكذب الشهود حد وإن صدقهم سقط عنه الحد) .\nوإن من تأمل التعليل في مقامي المنع والجواز لهذه الحيلة تبين له فضل المنع له\nعلى الجواز لضعف ما بني عليه الجواز من تعليل كما هو ظاهر من تعقب ابن القيم\nرحمه الله تعالى.\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ١/٢٨٢، ٣/٣١٧، ٣٣٩.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ١/٢٨٢.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/٣٣٩ وأيضًا ٣/٣١٧.","vol":"1","page":160},{"text":"المبحث الثالث عشر:\nاللواط (١) في القرآن والسنة (٢)\nجريمة اللواط لم يعملها أحد من العالمين قبل قوم لوط كما قال تعالى (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) .\nوقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى ما في قصة اللوطية من المواعظ والعبر الدالة على عظم إثم هذه الفعلة وغلظها (٣) .\nثم ذكر رحمه الله تعالى السور التي وردت فيها عقوبة اللوطية فقال (٤):\n(وقد ذكر الله سبحانه عقوبة اللوطية وما حل بهم من البلاء في عشر سور من القرآن هي:\nسورة الأعراف (٥)، وهود (٦)، والحجر (٧)، والأنبياء (٨)، والفرقان (٩)،\n_________\n(١) اللواط: لغة، مصدر، والنسبة إليه لوطي، والمراد به من يعمل بعمل قوم لوط والأصل في معنى هذه المادة (الإلصاق) . ويقال لاط، ولاوط، أي عمل قوم لوط، وهو: إتيان الرجل الرجل في (*)\nوأما في الاصطلاح: فإنني لم أر من حده بحد مفردًا لاندراجه عند الأكثر- في حد الزنى. والذي تحصل لي إمكان تعريفه بما يَلي:\nوهو أن يقال: اللواط، إدخال رجل ذكره في دبر رجل أو امرأة. فيشمل اللوطيين الصغرى (وهي إتيان النساء في أدبارهن) والكبرى (وهي إتيان الذكران في أدبارهم) .\nوانظر في تعريفه لغة: المفردات ص/٤٥٦، ومختار الصحاح ص/٦٠٨، والقاموس\n٢/٣٩٨، والمطلع على أبواب المقنع ص/ ٣٧١. وانظر أيضا: كشاف القناع ٦/٩٤ وجواهر الإكليل ٢/٢٨٣.\n(٢) انظر في هذا المبحث عند ابن القيم: زاد المعاد ٣/٢٠٩، وروضة المحبين ص/٣٧١.\n(٣) يأتي بيانها إن شاء الله تعالى في مبحث مفاسد اللواط.\n(٤) انظر: روضة المحبين ص/٣٧١.\n(٥) انظر: الآية رقم ٨٠ وما بعدها- (ولوطًا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) الآيات.\n(٦) انظر: من سورة هود الآية رقم ٧٦ وما بعدها- (ولما جاءت رسلنا لوطًا سيء بهم ...)\nالآيات.\n(٧) انظر: من سورة الحجر الآية رقم ٥٨ وما بعدها - (قال فما خطبكم أيها المرسلون) الآيات.\n(٨) انظر: من سورة الأنبياء الآية رقم ٧٣ وما بعدها - (ولوطًا آتيناه حكمًا وعلمًا ونجيناه من=\n\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: كذا في المطبوع، وكأن بالكلام سقطا تقديره (دبره) هـ","vol":"1","page":161},{"text":"والشعراء (١)، والنمل (٢)، والعنكبوت (٣)، والصافات (٤)، واقتربت الساعة (٥)\nوجمع على القوم بين عمي الأبصار، وخسف الديار، والقذف بالأحجار ودخول النار، وقال محذرًا لمن عمل عملهم ما حل بهم من العذاب الشديد (٦) (وما قوم لوط منكم ببعيد) .\nوأما اللواط في السنة فإنه جاء فيها على وجهين:\n١- وعيد فاعله (٧)\n٢- بيان عقوبته من قوله ﷺ (٨) .\nوأما قضاء فلم يقض فيه النبي ﷺ بشيء لأن العرب لم تكن تعرفه ولم يرفع إليه\nﷺ فيه بشيء.\nوفي هذا يقول رحمه الله تعالى (٩):\n(لم يثبت عنه ﷺ أنه قضى في اللواط بشيء لأن هذا لم تكن تعرفه العرب ولم\n_________\n= القرية التي كانت تعمل الخبائث ...) الآيتين.\n(٩) انظر: من سورة الفرقان الآية رقم ٢٨ (ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء)\nالآية.\n(١) انظر: من سورة الشعراء الآية رقم ١٦٠ وما بعدها- (كذبت قوم لوط المرسلين..)\nالآيات.\n(٢) انظر: من سورة النمل الآية رقم ٥٤ وما بعدها- (ولوطًا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم\nتبصرون) الآيات.\n(٣) انظر: من سورة العنكبوت الآية رقم ٢٨ وما بعدها- (ولوطًا إذ قال لقومه ...) الآيات.\n(٤) انظر: من سورة الصافات الآية رقم ١٣٣ وما بعدها- (وإن لوطًا لمن المرسلين) الآيات.\n(٥) انظر: من سورة اقتربت الساعة (سورة القمر) الآية رقم ٣٣ وما بعدها (كذبت قوم لوط\nبالنذر) الآيات.\n(٦) من الآية رقم ٨٩ سورة هود.\n(٧) يأتي سياق بعض النصوص فيه في المبحث الخامس عشر.\n(٨) يأتي سياق ما ورد فيها في المبحث السادس عشر.\n(٩) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٩.","vol":"1","page":162},{"text":"يرفع إليه ﷺ ولكن ثبت عنه أنه ﷺ قال (اقتلوا الفاعل والمفعول به) رواه\nأهل السنن الأربعة وإسناده صحيح) .\nوهذا النص من ابن القيم رحمه الله تعالى قد سبقه إلى نحوه ابن الطلاع (١) في (أحكامه) .\nكما ذكره الحافظ بن حجر إذ قال (٢):\n(قال ابن الطلاع في (أحكامه) لم يثبت عن رسول الله ﷺ أنه رجم في اللواط، ولا أنه حكم فيه وثبت عنه أنه قال: اقتلوا الفاعل والمفعول به) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>المبحث الرابع عشر:\nفي مفاسد اللوطية الصغرى </span>(٣)\nيقرر ابن القيم رحمه الله تعالى أن وطء النساء (الزوجات) في أدبارهن لم يبح على لسان نبي قط وأن من نسب إلى بعض السلف إباحة وطء الزوجة في دبرها فقد\nغلط عليه أقبح الغلط وأفحشه، وأن وطء النساء (اللوطية الصغرى) إلى الوطء في\nأدبار الصبيان (اللوطية الكبرى) .\nوقد ذكر في هذا المبحث مفاسد هذه الذريعة المحرمة وأضرارها ومن هذه المفاسد والأضرار ما تنفرد به اللوطية الصغرى ومنها ما هو مشترك بين اللوطيتين،\nوفي هذا يقول رحمه الله تعالى (٤):\n_________\n(١) هو: محمد بن الفرج القرطبي المالكي مفتي الأندلس ومحدثها توفي سنة ٤٩٧، له كتاب في\n\"أحكام النبي ﷺ \" (انظر: الأعلام ٧/ ٢١٩.) .\n(٢) انظر: تلخيص الحبير ٤/٥٤.\n(٣) انظر: زاد المعاد ٣/١٤٨- ١٥٠، وأعلام الموقعين ٤/٣٤٥- ٣٤٦.\n(٤) انظر: زاد المعاد ٣/١٤٩- ١٥٠","vol":"1","page":163},{"text":"(إذا كان الله حرم الوطء في الفرج لأجل الأذى العارض فما الظن بالحش (١) الذي هو محل الأذى اللازم مع زيادة المفسدة بالتعرض لانقطاع النسل، والذريعة\nالقريبة جدًا من أدبار النساء إلى أدبار الصبيان.\nوأيضًا: فللمرأة حق على الزوج في الوطء ووطؤها في دبرها يفوت حقها، ولا يقضي وطرها ولا يحصل مقصودها.\nوأيضًا: فإن الدبر لم يتهيأ لهذا العمل ولم يخلق له، وإنما الذي هيىء له الفرج. فالعادلون عنه إلى الدبر خارجون عن حكمة الله وشرعه جميعًا.\nوأيضًا: فإن ذلك مضر بالرجل، ولهذا ينهي عنه عقلاء الأطباء من الفلاسفة وغيرهم، لأن للفرج خاصية في اجتذاب الماء المحتقن وراحة الرجل منه والوطء\nفي الدير لا يعين على اجتذاب جميع الماء، ولا يخرج كل المحتقن لمخالفته للأمر الطبيعي.\nوأيضًا: يضر من وجه آخر، وهو إحواجه إلى حركات متعبة جدًا لمخالفته للطبيعة.\nوأيضًا: فإنه محل القذر والنجو فيستقبله الرجل بوجهه ويلاقيه.\nوأيضًا: فإنه يضر بالمرأة جدًا، لأنه وارد بعيد غريب عن الطباع منافر لها غاية المنافرة.\nوأيضًا: فإنه يحدث الهمّ والغمّ والنفرة عن الفاعل والمفعول به.\nوأيضًا: فإنه يسود الوجه ويظم الصدر ويطمس نور القلب، ويكسي الوجه وحشة تصير عليه كالسيماء يعرفها من له أدنى فراسة.\n_________\n(٢) جمع حشا وهو الدبر (انظر: النهاية لابن الأثر ١/٣٩٢) .","vol":"1","page":164},{"text":"وأيضًا: فإنه يوجب النفرة، والتباغض الشديد والتقاطع بين الفاعل والمفعول به\nولا بد.\nوأيضًا: فإنه يفسد حال الفاعل والمفعول به فسادًا لا يكاد يرجى بعده صلاح\nإلا أن يشاء الله بالتوبة النصوح.\nوأيضًا: فإنه يذهب بالمحاسن منها ويكسوها ضدها كما يذهب بالمودة بينهما ويبدلها به تباغضًا وتلاعنًا.\nوأيضًا: فإنه من أكبر أسباب زوال النعم وحلول النقم، فإنه يوجب اللعنة والمقت من الله وإعراضه عن فاعله وعدم نظره إليه، فأي خير يرجوه بعد هذا وأي شر يأمنه، وكيف حياة قد حلت عليه لعنة الله ومقته وأعرض عنه بوجهه ولم ينظر إليه.\nوأيضًا: فإنه يذهب بالحياء جملة والحياء هو حياة القلوب، فإذا فقدها القلب استحسن القبيح، واستقبح الحسن، وحينئذٍ فقد استحكم فساده.\nوأيضًا: فإنه يحيل الطباع عما ركبها الله، ويخرج الإنسان عن طبعه إلى طبع لم يركب الله عليه شيئًا من الحيوان، بل هو طبع منكوس، وإذا نكس الطبع\nانتكس القلب والعمل والهدى، فيستطيب حينئذ الخبيث من الأعمال والهيئات ويفسد حاله وعمله وكلامه بغير اختياره.\nوأيضًا: فإنه يورث من الوقاحة والجرأة ما لا يورثه سواه.\nوأيضًا: فإنه يورث من المهانة والسفال والحقارة ما لا يورثه غيره.\nوأيضا: فإنه يكسو العبد من حلة المقت والبغضاء وازدراء الناس له واحتقارهم إياه، واستصغارهم له، ما هو مشاهد بالحس.\nفصلاة الله وسلامه على من سعادة الدنيا والآخرة في هديه واتباع ما جاء به، وهلاك الدنيا والآخرة في مخالفة هديه وما جاء به) .","vol":"1","page":165},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-100>المبحث الخامس عشر:\nفي مفاسد اللواط </span>وأن مفسدته أعظم من كل ذنب\nبعد الشرك بالله تعالى (١)\nفيما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى من مفاسد اللوطية الصغرى (٢) مفاسد وأضرار مشتركة بين اللوطيتين: خلقية، وطبية، وطبيعية.\nوقد بيّن أيضًا رحمه الله تعالى جملة مما في سبيل اللوطية الكبرى من المفاسد الدنيوية والأخروية فقال (٣):\n(أما سبيل الأمة اللوطية فتلك سبيل الهالكين المفضية بسالكها إلى منازل المعذبين الذين جمع الله عليهم من أنواع العقوبات ما لم يجمعه على أمة من الأمم لا\nمن تأخر عنهم ولا من تقدم وجعل آثارهم وديارهم عبرة للمعتبرين وموعظة للمتقين (٤) ... وجمع على القوم بين عمي الأبصار وخسف الديار، والقذف بالأحجار، ودخول النار، وقال محذرًا لمن عمل عملهم ما حل بهم من العذاب الشديد (وما قوم لوط منكم ببعيد) .\nوقال بعض العلماء إذا علا الذكر الذكر هربت الملائكة، وعجت الأرض إلى ربها، ونزل سخط الجبار ﷻ عليهم، وغشيتهم اللعنة، وحفت بهم الشياطين، واستأذنت الأرض ربها أن تخسف بهم، وثقل العرش على حملته، وكبرت الملائكة، واستعرت الجحيم فإذا جاءته رسل الله لقبض روحه نقلوها إلى ديار إخوانهم وموضع عذابهم فكانت روحه بين أرواحهم، وذلك أضيق مكانًا\n_________\n(١) انظر: روضة المحبين ص/٣٦٢، ٣٧١- ٣٧٢، والداء والدواء ص/٢٤٧-٢٥٣، وإغاثة اللهفان ١/٥٩- ٦٧.\n(٢) انظر: المبحث الرابع عشر.\n(٣) انظر: روضة المحبين ص/٣٦٢، ٣٧١- ٣٧٢.\n(٤) هنا مبحث عقوبة اللواط وقصة قوم لوط.","vol":"1","page":166},{"text":"وأعظم عذابًا من عذاب الزناة، فلا كانت لذة توجب هذا العذاب الأليم، وتسوق صاحبها إلى مرافقة أصحاب الجحيم، تذهب اللذات وتعقب الحسرات، وتفنى الشهوة، وتبقى الشقوة، وكان الإمام أحمد ابن حنبل رحمه الله تعالى ينشد:\nتفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الخزي والعار\nتبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار\nوفي معرض بحثه رحمه الله تعالى لعقوبة اللواط وأن عقوبته أغلظ من عقوبة الزنى فيقتل على كل حال بين رحمه الله تعالى في مساق التأييد لهذا القول، وجه\nكون مفسدة اللواط تلي مفسدة الكفر بالله تعالى، وأن اللواط أعظم مفسدة من الزنى ومن القتل وبسط ذلك ببيان قصة اللوطية في القرآن الكريم وما فيها من وجوه الشناعة والذم فقال رحمه الله تعالى (٢):\n(ليس في المعاصي أعظم مفسدة من هذه المفسدة، وهي تلي مفسدة الكفر، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل.\nقالوا: ولم يبتل الله سبحانه بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحدًا من العالمين، وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أحدًا غيرهم، وجمع عليهم أنواعًا من العقوبات، بين\nالإهلاك، وقلب ديارهم عليهم والخسف بهم، ورجمهم بالحجارة من السماء، فنكل\nبهم نكالا لم ينكله أمة سواهم، وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التي كادت تميد الأرض من جوانبها إذا عملت عليها، وتهرب الملائكة إلى أقطار السموات والأرض إذا شاهدوها خشية نزول العذاب على أهلها فيصيبهم معهم، وتعج\nالأرض إلى ربها ﵎، وتكاد الجبال تزول عن أماكنها، وقتل المفعول به\nخير له من وطئه، فإنه إذا وطئه قتله قتلا لا ترجى الحياة معه، بخلاف قتله، فإنه مظلوم شهيد أو ربما ينتفع به في آخرته.\n_________\n(١) انظر: حكمة التشريع وفلسفته ٢/٢٨٩- ٢٩٠، ص/٣٠٠.\n(٢) انظر: الداء والدواء ص/٢٤٧- ٢٥٣. وانظر أيضًا: روضة المحبين ص/٣٦٤- ٣٧١","vol":"1","page":167},{"text":"قالوا: والدليل على هذا أن الله سبحانه جعل حد القاتل إلى خبرة الولي، إن\nشاء قتل، وإن شاء عفا، وحتم قتل اللوطي حدًا كما أجمع عليه أصحاب رسول الله\nﷺ ودلت عليه سنة رسول الله ﷺ\nالصحيحة الصريحة التي لا معارض لها، بل\nعليها عمل أصحابه وخلفائه الراشدين ﵃ أجمعين ... (١) .\nقالوا: وثبت عنه ﷺ أنه قال: لعن الله من عمل عمل قوم لوط ثلاثا - ولم\nيجئ عنه ﷺ لعنة الزاني ثلاث مرات في حديث واحد، وقد لعن جماعة من أهل\nالكبائر فلم يتجاوز بهم في اللعن مرة واحدة، وكرر لعن اللوطية وأكده ثلاث\nمرات.\nوأطبق أصحاب رسول الله ﷺ على قتله ... (٢)\nقالوا: ومن تأمل قوله سبحانه (٣) (ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة وساء سبيلا) وقوله في قوم لوط (٤) (أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين) تبين له تفاوت ما بينهما، وأنه سبحانه نكر الفاحشة في الزنى أي هو\nفاحشة من الفواحش، وعرفها في اللواط، وذلك يفيد أنه جامع لمعاني اسم\nالفاحشة، كما تقول زيد الرجل ونعم الرجل زيد، أي أتأتون الخصلة التي استقر\nفحشها عند كل أحد، فهي لظهور فحشها وكماله غنية عن ذكرها بحيث لا\nينصرف الاسم إلى غيرها، وهذا نظير قول فرعون لموسى (٥) (وفعلت فعلتك التي\nفعلت) أي الفعلة الشنعاء الظاهرة المعلومة لكل أحد.\nثم أكد سبحانه شأن فحشها بأنها لم يعملها أحد من العالمين قبلهم فقال (٦): (ما\nسبقكم بها من أحد من العالمين) .\n_________\n(١) ساق رحمه الله تعالى النصوص في قتل اللوطي وتأتي في عقوبة اللواط المبحث السادس عشر.\n(٢) بيانه لاختلاف الصحابة ﵃ في صفة عقوبة اللواط.\n(٣) الآية رقم ٣٢ سورة الإسراء.\n(٤) الآية رقم ٨٠ سورة الأعراف.\n(٥) الآية رقم ١٩ سورة الشعراء.\n(٦) من الآية رقم ٣٢ سورة الإسراء.","vol":"1","page":168},{"text":"ثم زاد في التأكيد بأن صرح بما تشمئز منه القلوب وتنبو عنه الأسماع وتنفر منه الطباع أشد نفرة وهو إتيان الرجل رجلًا مثله ينكحه كما ينكح الأنثى فقال (١)\n(أئنكم لتأتون الرجال) .\nثم نبه عن استغنائهم عن ذلك وأن الحامل لهم عليه ليس إلا مجرد الشهوة لا الحاجة التي لأجلها مال الذكر إلى الأنثى، من قضاء الوطر ولذة الاستمتاع،\nوحصول المودة والرحمة التي تنسى المرأة لها أبويها وتذكر بعلها، وحصول النسل\nالذي هو حفظ هذا النوع الذي هو أشرف المخلوقات وتحصين المرأة وقضاء\nوطرها، وحصول علاقة المصاهرة التي هي أخت النسب، وقيام الرجال على النساء\nوخروج أحب الخلق إلى الله من جماعهن كالأنبياء والأولياء والمؤمنين ومكاثرة\nالنبي ﷺ الأنبياء بأمته.\nالى غير ذلك من مصالح النكاح.\nوالمفسدة التي في اللواط تقاوم ذلك كله، وتربي عليه بما. لا يمكن حصر فساده\nولا يعلم تفصيله إلا الله.\nثم أكد قبح ذلك بأن اللوطية عكسوا فطرة الله التي فطر الله عليها الرجال،\nوقلبوا الطبيعة التي ركبها الله في الذكور، وهي شهوة النساء دون الذكور، فقلبوا\nالأمر وعكسوا الفطرة والطبيعة فأتوا الرجال شهوة من دون النساء، ولهذا قلب الله\nسبحانه ديارهم عليهم، فجعل عاليها سافلها وكذلك قلوبهم ونكسوا في العذاب\nعلى رؤوسهم.\nثم أكد سبحانه بأن حكم عليهم بالإسراف وهو مجاوزة الحد فقال (٢) (بل أنتم\nقوم مسرفون) .\nفتأمل هل جاء مثل ذلك أو قريب منه في الزنى.\n_________\n(١) من الآية رقم ٥٥ سورة النمل.\n(٢) من الآية رقم ٨١ سورة الأعراف.","vol":"1","page":169},{"text":"وأكد سبحانه ذلك عليهم بقوله (١) (ونجيناه من القرية التي كانت تعمل\nالخبائث) .\nثم أكد سبحانه عليهم الذم بوصفين في غاية القبح فقال (٣) (إنهم كانوا قوم\nسوء فاسقين) .\nوسماهم مفسدين في قول نبيهم (٣) (ربّ انصرني على القوم المفسدين) .\nوسماهم ظالمين في قول الملائكة لإبراهيم (٤) (إنا مهلكو أهل هذه القرية، إن\nأهلها كانوا ظالمين) .\nفتأمل من عوقب بمثل هذه العقوبات ومن ذمه الله بمثل هذه المذمات.\nولما جادل خليله إبراهيم الملائكة، وقد أخبروه بإهلاكهم قيل له (٥) (يا إبراهيم\nأعرض عن هذا أنه قد جاء أمر ربك، وإنهم آتيهم عذاب غير مرود) .\nوتأمل خبث اللوطية، وفرط تمردهم على الله حيث جاءوا نبيهم لوطًا لما سمعوا\nبأنه قد طرقه أضيافه، هم من أحسن، البشر صورًا، فأقبل اللوطية عليه يهرولون،\nفلما رآهم قال لهم (٦) (يا قوم هؤلاء بناتي هنّ أطهر لكم) ففدى أضيافه ببناته\nيزوجهم بهن خوفا على نفسه وأضيافه من العار الشديد فقال (٧) (يا قوم هؤلاء\nبناتي هنّ أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد.\nفردوا عليه ولكن رد جبار عنيد (٨) (لقد علمت ما لنا في بناتك من حق،\n_________\n(١) من الآية رقم ٧٤ سورة الأنبياء.\n(٢) من الآية رقم ٧٤ سورة ألأنبياء.\n(٣) من الآية رقم ٣٠ سورة العنكبوت.\n(٤) من الآية رقم ٣١ سورة العنكبوت.\n(٥) من الآية رقم ٧٦ سورة هود.\n(٦) من الآية رقم ٧٨ سورة هود.\n(٧) من الآية رقم ٧٨ سورة هود.\n(٨) من الآية رقم ٧٩ سورة هود.","vol":"1","page":170},{"text":"وإنك لتعلم ما نريد)، فنفث نبي الله نفثة مصدور، خرجت من قلب مكروب\nفقال (١) (لو أن لي بكم قوّة أو آوى إلى ركن شديد) .\nفنفس له رسل الله، وكشفوا له عن حقيقة الحال، وأعلموه أنهم ممن ليس\nيوصل إليهم، ولا إليه بسببهم، فلا تخف منهم ولا تعبأ بهم وهوّن عليك فقال (٢)\n(يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك) . وبشروه بما جاءوا به من الوعد له\nولقومه من الوعيد المصيب فقالوا (٣) (فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم\nأحد، إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم، إن موعدهم الصبح أليس الصبح\nبقريب) .\nفوالله ما كان بين إهلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه إلا ما كان بين السحر\nوطلوع الفجر وإذا بديارهم قد أقتلعت من أصلها ورفعت نحو السماء حتى سمعت\nالملائكة نباح الكلاب ونهيق الحمير فبرز المرسوم- الذي لا يرد- عن الرب\nالجليل، إلى عبده ورسوله جبرائيل، بأن قلبها عليهم كما أخبر به في محكم التنزيل\nفقال عزّ من قائل (٤): (فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة\nمن سجيل) .\nفجعلهم آية للعالمين، وموعظة للمتقين، ونكالًا وسلفًا لمن شاركهم في أعمالهم\nمن الجرمين، وجعل ديارهم بطريق السالكين\n(إن في ذلك لآيات للمتوسمين، وإنها لبسبيل مقيم، إن في ذلك لآية\nللمؤمنين) (٥) .\nأخذهم على غرة وهم نائمون، وجاءهم بأسه وهم في سكرتهم يعمهون، فما\n_________\n(١) من الآية رقم ٨٠ سورة هود.\n(٢) من الآية رقم ٨١ سورة هود.\n(٣) من الآية رقم ٨١ سورة هود.\n(٤) من الآية ٧٤ سورة الحجر.\n(٥) الآية رقم ٧٥ سورة الحجر.","vol":"1","page":171},{"text":"أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، فقلبت تلك اللذات آلامًا، فأصبحوا بها يعذبون.\nمآرب كانت في الحياة لأهلها ... عِذابًا فصارت في الممات عَذابًا.\nذهبت اللذات، وأعقبت الحسرات، وانقضت الشهوات، وأورثت الشقوات\nتمتعوا قليلًا، وعذبوا طويلًا، رتعوا مرتعًا وخيما، فأعقبهم عذابًا أليمًا، أسكرتهم خمرة تلك الشهوات، فا استفاقوا منها إلا في ديار المعذبين، وأرقدتهم تلك الفعلة\nفما استيقظوا منها إلا وهم في منازل الهالكين، فندموا والله أشد الندامة حين لا\nينفع الندم، وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم.\nفلو رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة، والنار تخرج من منافذ وجوههم\nوأبدانهم وهم بين أطباق الجحيم، وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم.\nويقال لهم وهم على وجوههم يسحبون، ذوقوا ما كنتم تكسبون (١) (اصلوها\nفاصبروا أو لا تصبروا سواء عليم إنما تجزون ما كنتم تعملون) .\nولقد قرّب الله مسافة العذاب بين هذه الأمة وبين إخوانهم في العمل فقال\nمخوفًا لهم أن يقع الوعيد (٢) (وما هي من الظالمين ببعيد) .\nفيا ناكحي الذكران يهنيكم البشرى ... فيوم معاد الناس إن لم أجرا\nكلوا واشربوا وازنوا ولوطوا وأبشروا ... فإن لكم زفًا إلى الجنة الحمرا.\nفإخوانكم قد مهدوا الدار قبلكم ... وقالوا، إلينا عجلوا لكم البشرى\nوها نحن أسلاف لكم في انتظاركم ... سيجمعنا الجبار في ناره الكبرى\nفلا تحسبوا أن الذين نكحتموا ... يغيبون عنكم بل ترونهم جهرًا\nويلعن كلًا منكم لخليه ... ويشقى به المحزون في الكرة الأخرى\nيعذب كلًا منهما بشريكه ... كما اشتركا في لذة توجب الوزرا\n_________\n(١) الآية رقم ١٦ سورة الطور.\n(٢) الآية رقم ٨٣ سورة هود.","vol":"1","page":172},{"text":"المبحث السادس عشر:\nفي عقوبة اللواط (١)\nيقرر- ابن القيم رحمه الله تعالى أن الصحابة ﵃ متفقون على قتل اللوطي، وإن الخلاف بينهم إنما هو في كيفية قتله.\nفغلط بعض الناس، فنقل محل الخلاف إلى محل الاتفاق، وظنوا أن الصحابة ﵃ قد اختلفوا في قتله والأمر بخلاف ذلك.\nوفي بيان ذلك يقول رحمه الله تعالى (٢):\n(الصحابة ﵃ متفقون على قتل اللوطي، وإنما اختلفوا في كيفية قتله، فظن بعض الناس أنهم متنازعون في قتله ولا نزاع بينهم فيه إلا في إلحاقة بالزاني أو قتله مطلقًا) .\nوقال أيضًا (٣):\n(قال ابن القصار، وشيخنا: أجمعت الصحابة ﵃ على قتله وإنما اختلفوا في كيفية قتله) . وقال أيضًا (٤):\n(أطبق أصحاب رسول الله ﷺ على قتله لم يختلف فيه منهم رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فظن بعض الناس أن ذلك اختلاف منهم في قتله، فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة ﵃، وهي بينهم مسألة إجماع لا مسألة نزاع) . فنحصل من هذه النقول من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى: أن\n_________\n(١)، انظر: الداء والدواء ص/٢٤٦- ص/٢٥٦. روضة المحبين ص/٣٦٢ ص/٣٧٢. زاد المعاد ٣/٢٠٩ والطرق الحكمية ص/١٧٩/١٨٠.\n(٢) انظر: روضة المحبين ص/٣٦٣.\n(٣) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٩.\n(٤) انظر: الداء والدواء ص/٢٤٩","vol":"1","page":173},{"text":"الصحابة ﵃ متفقون على قتل اللواطي وأن الخلاف الحاصل بينهم في\nموضعين:\nالأول منهما: هي يقتل مطلقًا أم يلحق بالزاني.\nالثاني: في كيفية قتله.\nاختلاف الصحابة ﵃ في صفة عقوبة اللوطي:\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى جملة من أقاويل الصحابة ﵃ في ذلك على ما يلي:\n١- إحراق اللوطي بالنار\nوهو قول أبي بكر وعلي وابن الزبير (١) ﵃ وهشام ابن عبد الملك (٢) رحمه الله تعالى وقد حرق كل واحد منهم اللوطية في خلافته. وقد شاور أبو بكر ﵁ الصحابة ﵃ فاجتمع رأيهم على إحراق اللوطية.\nوفي بيان ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٣):\n(حرق اللوطية بالنار أربعة من الخلفاء: أبو بكر الصديق ﵁، وعلي ابن أبي طالب ﵁، وعبد الله بن الزبير ﵁، وهشام بن عبد الملك رحمه الله تعالى) .\n_________\n(١) هو: عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي ﵁ وكان أول مولود ولد في الإسلام بالمدينة توفي قتيلًا ﵁ سنة ٧٣ هـ. (انظر: الإصابة ٣/٣٠٢- ٣٠٣) .\n(٢) هو: هشام بن عبد الملك بن مروان الأموي من ملوك بني أمية توفي سنة ١٢٥ هـ. (انظر الأعلام ٩/٨٤) .\n(٣) انظر: روضة المحبين ص/٣٦٩- ٣٧٠.\n(٤) انظر: روضة المحبين ص/٣٦٩- ٣٧٠.","vol":"1","page":174},{"text":"(حرقهم أبو بكر ﵁ بالنار بعد مشاورة الصحابة ﵃ وأشار عليه علي ابن أبي طالب ﵁ بذلك وحرقهم علي وابن الزبير كما ذكره (الآجري) (١) وغيره عن محمد ابن المنكدر (٢): أن خالد بن الوليد (٣) كتب إلى أبي بكر ﵁ أنه وجد رجلًا في بعض نواحي العرب ينكح كما تنكح المرأة، فجمع أبو بكر ﵁ لذلك أصحاب رسول الله ﷺ وفيهم علي بن أبي طالب ﵁، فقال علي ﵁: أن هذا ذنب لم يعمل به إلا أمة واحدة ففعل الله بهم ما قد علمتم، أرى أن تحرقوه بالنار، فاجتمع رأي أصحاب رسول الله ﷺ أن يحرق بالنار فأمر به أبو بكر أن يحرق (٤) .\nقال (٥): وقد حرقهم ابن الزبير وهشام بن عبد الملك) .\n٢- الرجم بالحجارة حتى يموت\nوهو قول عمر ﵁ وعلي ﵁ وابن عباس ﵄\nفي جماعة من الصحابة ﵃ (٦) .\n_________\n(١) ابن القيم رحمه الله تعالى ينقل في هذه المسألة عن كتاب (تحريم اللواط) للآجري كما سماه بذلك ص/ ٣٧١ من روضة المحبين. والآجري هو محمد بن الحسين أبو بكر شافعي محدث ينسب إلى آجر من عمل بغداد له كتاب (التشريعة ط) وغيره توفي سنة ٣٦٠ هـ. (انظر: تاريخ بغداد ٢/ ٢٤٣، والأعلام ٦/ ٣٢٨) .\n(٢) هو: محمد بن المنكدر بن عبد الله التيمي من ثقات المحدثين توفي سنة ١٣٠ هـ. أو بعدها (انظر: التقريب ٢/ ٢١٠) .\n(٣) هو: خالد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي من أجلة الصحابة ﵃ وفرسانهم توفي سنة ٢٢ هـ. (انظر: الإصابة ١/٤١٣- ٤١٥، والتقريب ١/٢١٩) .\n(٤) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٨/٢٣٢ وانظر نيل الأوطار ٧/١٢٣، وزاد المعاد ٣/٢٠٩ والداء والدواء ص/٢٤٨، وروضة المحبين أيضًا ص/٣٦٢. والزواجر لابن حجر الهيثمي ٢/١٤٧ ط بولاق سنة ١٢٤٨ هـ وحكم الأئمة بأنه حديث مرسل كما صرح به البيهقي والشوكاني.\n(٥) أي قال الآجري.\n(٦) انظر في رواية هذه الآثار: البيهقي في السنن الكبرى ٨/٢٣٢- ٢٣٣، وسنن أبي داود =","vol":"1","page":175},{"text":"وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١):\n(وقال عمر ابن الخطاب ﵁ وجماعة من الصحابة والتابعين: يرجم بالحجارة حتى يموت أحصن أو لم يحصن) .\nوقال أيضًا (٣):\n(وقال ابن عباس ﵄: يرجم اللوطي بكرًا كان أو ثيبًا) . وذكر أيضًا أن هذا فتوى من ابن عباس ﵄ بما رواه عن النبي ﷺ يرفعه (من عمل عمل قوم لوط فاقتلوه) (٣) . وقال أيضًا (٤):\n(ورجم علي ﵁ لوطيًا وأفتى بتحريقه، وكأنه رأى هذا وهذا) .\n٣- الرمي من أعلى بناء في البلد ثم يتبع بالحجارة:\nوهو مروي عن أبي بكر وابن عباس ﵃ (٥) .\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٦):\n(وسئل ابن عباس ﵄ عن اللوطي ما حده؟ قال:\nينظر أعلى بناء في المدينة فيرمى منه منكسًا ثم يتبع بالحجارة.\nوقال أيضًا (٧):\n_________\n= ٤/٦٠٧، واختصارها للمنذري ٦/٢٧٤ ونيل الأوطار ٧/٢٢٣-١٢٤، وتلخيص الحبير ٤/٦١\n(١) انظر: روضة المحبين ص/٣٦٢.\n(٢) انظر: روضة المحبين ص/٣٧٠، وزاد المعاد ٣/٢٠٩.\n(٣) انظر: المرجعين السابقين.\n(٤) انظر: روضة المحبين ص/٣٦٣.\n(٥) انظر: في الرواية لآثارهما وبيانها: السن الكبرى للبيهقي ٨/٢٣٢- ٢٣٣، ونيل الأوطار ٧/١٢٣\n(٦) انظر: روضة المحبين ص/٣٦٩. والداء والدواء ص/٢٤٩.\n(٧) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٩.","vol":"1","page":176},{"text":"(وقال أبو بكر الصديق ﵁: يرمى من شاهق) .\n٤- أنه يلقى عليه حائط.\nوهذا مروي عن عمر وعثمان وعلي ﵃ (١) .\nوذكره ابن القيم عن علي ﵁ فقال (٢):\n(وقال علي- كرّم الله وجهه- يهدم عليه حائط) .\n٥- أن عقوبة اللوطي كحد الزاني، الرجم للمحصن والجلد لغير المحصن.\nوذكره ابن القيم عن ابن الزبير ﵁ فقال (٣):\n(قال عطاء (٤): شهدت ابن الزبير أتى بسبعة أخذوا في اللواط: أربعة منهم قد أحصنوا، وثلاثة لم يحصنوا، فأمر بالأربعة فأخرجوا من المسجد الحرام فرجموا بالحجارة، وأمر بالثلاثة فضربوا الحد وفي المسجد ابن عمر وابن عباس ﵃) .\nهذه أقاويل الصحابة ﵃ وأحكامهم في عقوبة اللوطي وهي كما يراها الناظر اختلاف في كيفية العقوبة لا في أصل إيقاع العقوبة بالقتل والله أعلم.\nاختلاف العلماء (٥):\nثم إن ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر اختلاف العلماء رحمهم الله تعالى في عقوبة\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار ٧/١٢٤.\n(٢) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٩.\n(٣) انظر: روضة المحبين ص/٣٦٣. وقد رواه البيهقي في السنن الكبرى ٨/٢٣٣.\n(٤) هو: عطاء ابن أبي رباح القرشي مولاهم ثقة فقيه فاضل توفي سنة ١١٤ هـ. (انظر: التقريب ٢/٢٢) .\n(٥) انظر: الداء والدواء ص/٢٥٨، وزاد المعاد ٣/٢٠٩، وروضة المحبين ص/٣٦٣، والطرق =","vol":"1","page":177},{"text":"اللواط هل هي أغلظ من عقوبة الزنى على ما حكم به جلّ الصحابة ﵃ وأفتوا به.\nأم أن عقوبة الزنى أغلظ من عقوبة اللواط.\nأم أنهما سواء.\nعلى ثلاثة أقوال ذكرها رحمه الله تعالى وذكر من قال بها. مع ذكر الاستدلال ومناقشته وبيان ذلك على ما يلي:\nالقول الأول: أن عقوبة اللواط أغلظ من عقوبة الزنى. فعقوبته القتل حدًا\nعلى كلّ حال محصنًا كان أو غير محصن.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (١):\n(ذهب أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وجابر بن زيد ﵃، وعبد الله بن معمر والزهري (٢)، وربيعة بن أبي عبد الرحمن (٣) ومالك، وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد في أصح الروايتين عنه والشافعي-. في أحد قوليه، إلى أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزنى وعقوبته القتل على كلّ حال محصنًا كان أو غير محصن) .\nأدلته:\nاستدل ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا القول بالسنة، والإجماع ومطابقته لحكم\n_________\n= الحكمية ص/١٧٩، وانظر بيانه عند غير ابن القيم: المغني ١٠/١٦٠- ١٦٢ والإفصاح ٢/٤٠٦ ومعالم السنن ٦/٢٧٢- ٢٧٤ ونيل الأوطار ٧/١٢٣- ١٢٤، وشرح فتح القدير\n٥/٤٣- ٤٤، ومراتب الإجماع ص/١٣١، وسبل السلام ٤/١٣.\n(١) انظر: الداء والدواء ص/٢٤٦.\n(٢) هو: محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري القرشي الفقيه الحافظ مات سنة ٢٢٥ هـ. (انظر: التقريب ٢/٢٠٧، وسنن الترمذي ١/ ٣٩٠ أحمد شاكر. والفروسية لابن القيم ص/٤٢- ٤٣) .\n(٣) هو: الفقيه المشهور بربيعة الرأي: ربيعة بن أبي عبد الرحمن التيمي مولاهم مات سنة ٢٣٦ هـ. (انظر: التقريب ١/٢٤٧) .","vol":"1","page":178},{"text":"الشارع في تغليظ العقوبات كلما تغلظت المحرمات. وبيان ذلك على ما يلي:\n١- السنة: قال رحمه الله تعالى في الاستدلال لهذا القول من السنة (١):\nعن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) رواه أهل السنن (٢) وصححه ابن حبان (٣) واحتج الإمام أحمد بهذا الحديث، وإسناده على شرط البخاري) .\nوقال أيضًا (٤):\n(ثبت عن النبي ﷺ أنه قال (اقتلوا الفاعل، والمفعول به) رواه أهل السنن الأربعة وإسناده صحيح، وقال الترمذي حديث حسن) .\nوقال أيضًا (٤):\n(وفي المسند (٦) والسنن من حديث عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال، قال رسول الله ﷺ (اقتلوا الفاعل والمفعول به) وفي لفظ (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) وإسناده على شرط البخاري) .\nوجه الاستدلال:\nووجه الدلالة من هذا الحديث نصية على قتل الفاعل والمفعول به وليس فيه تفصيل لمن أحصن أو لم يحصن فدل بعمومه على قتله مطلقًا.\n_________\n(١) انظر: الداء والدواء ص/٢٤٩.\n(٢) انظر: سنن أبي داود ٤/٦٠٧، والترمذي ٤/٥٧، والنسائي في السنن الكبرى بواسطة تلخيص الحبير ٤/٥٤، وابن ماجه ٢/٨٥٦. وانظر: تلخيص الحبير ٤/٥٤- ٥٥ والحاوي للفتاوى للسيوطي ٢/٢٠٤ ونيل الأوطار ٧/١٢٣.\n(٣) هو الإمام أبو حاتم محمد بن حبان البستي المتوفى سنة ٣٥٤ هـ. (انظر الأعلام ٦/٣٠٦) .\n(٤) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٩.\n(٥) انظر: روضة المحبين ص/٣٦٨- ٣٦٩.\n(٦) انظر: الفتح الرباني بترتيب مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني للساعاتي ١٦/١٠٢-١٠٣ ط الأولى سنة ١٣٧١ هـ. بمصر.\n_________","vol":"1","page":179},{"text":"٢- الإجماع:\nواستدل له أيضًا بإجماع الصحابة ﵃ على قتله مطلقًا، وحكاه في مواضع كما تقدم (١) .\nوحكاه أيضًا ابن قدامة فقال للاستدلال به لهذا القول (٢):\n(ولأنه إجماع الصحابة ﵃ فإنهم أجمعوا على قتله وإنما اختلفوا في صفته) .\n٣- مطابقة هذا القول لقاعدة الشريعة المطردة من تغليظ العقوبات كلما تغلظت المحرمات:\nوفي بيان هذا يقول رحمه الله تعالى (٣):\n(وهذا الحكم على وفق حكم الشارع فإن المحرمات كلما تغلظت تغلظت عقوبتها، ووطء من لا يباح بحال أعظم جرمًا من وطء من يباح في بعض الأحوال فيكون حده أغلظ) .\nوذكر رحمه الله تعالى اعتبار هذا فيمن وطء ذات محرم أو أتى بهيمة.\nالقول الثاني: أن عقوبة اللواط والزنى سواء، فيجلد مرتكبه مائة جلدة ويغرب سنة إن كان بكرًا، ويرجم إن كان محصنًا.\nوقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى من قال بهذا فقال (٤):\n(وذهب عطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم\n_________\n(١) انظر: ص/٤٣٠.\n(٢) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/١٦١.\n(٣) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٩.\n(٤) انظر: الداء والدواء ص/٢٤٦","vol":"1","page":180},{"text":"النخعي (١)، وقتادة والأوزاعي والشافعي في ظاهر مذهبه والإمام أحمد في الرواية الثانية عنه، وأبو يوسف، ومحمد- إلى أن عقوبته وعقوبة الزنى سواء.\nالأدلة:\nاستدل لهذا القول بحديث، وقياس، وقد ذكرهما ابن القيم رحمه الله تعالى في معرض بحثه لجريمة اللواط وبيانها على ما يلي:\n١- الاستدلال بالحديث:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢)\n(قال أبو داود الطيالسي، حدثنا بشر بن المفضل (٣) عن خالد الحذاء (٤)، عن محمد بن سيرين (٥) عن أبي موسى الأشعري (٦) ﵁ قال قال: رسول الله ﷺ (إذا باشر الرجل الرجل فهما زانيان) وفي لفظ (إذا أتى الرجل الرجل) .\nوجه الاستدلال:\nهو أن النبي ﷺ سمى كلًا من اللائط والملوط به زانيًا، وذلك- والله أعلم- بجامع الوطء في محل محرم، فلما أدخله ﷺ في مسمى الزنى صارت عقوبة اللواط إذا مثل عقوبة الزنى سواء.\n_________\n(١) هو: الإمام الفقيه إبراهيم بن يزيد النخعي الكوفي مات سنة ٢٩٦ هـ (انظر: التقريب ١/٤٦) .\n(٢) انظر: روضة المحبين ص/٣٦٨.\n(٣) تأتي ترجمته قريبًا في المناقشة.\n(٤) هو: خالد بن مهران البصري الحذاء، وهو ثقة يرسل كما في التقريب ١/٢١٩.\n(٥) هو: الإمام محمد بن سيرين الأنصاري البصري ثقة فقيه عابد كبير القدر مات سنة ١١٠ هـ. كما في التقريب ٢/١٦٩.\n(٦) هو: الصحابي الجليل عبد الله بن قيس الأشعري ﵁ أمره عمر ثمّ عثمان توفي سنة ٥٠ هـ. كما في التقريب ١/٤٤١.","vol":"1","page":181},{"text":"إذا علم ذلك فليعلم القارئ أنه قد وقع في النسخة المطبوعة من (روضة المحبين) (١) تصحيف عجيب في سند هذا الحديث ترقى به من حال الضعف إلى كون الحديث على شرط البخاري ومسلم.\nذلك أنه جاء فيه ما نصه:\n(وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا بشر بن المفضل ...)\nوبشر بن المفضل هذا: هو الرقاشي وهو من ثقات المحدثين والأثبات، وهو من شيوخ الطيالسي (٢)، بينما قد عين الحفاظ بشرًا هذا فبين الحافظان، الذهبي (٣) وابن حجر (٤)، أنه بشر ابن المفضل البجلي، وهذا مجهول فضعف الحديث من طريقه لجهالته.\nفقال ابن حجر مشيرًا إلى هذا الحديث (٥):\n(ورواه الطبراني (٦) من وجه آخر عن أبي موسى ﵁ وفيه بشر بن المفضل البجلي وهو مجهول، وقد أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عنه) (٧) . فتبين أن هذا الحديث بهذا الإسناد ضعيف على ما صرح به الذهبي وابن حجر لجهالة بشر البجلي.\n_________\n(١) انظر ص/٣٦٨.\n(٢) انظر: التقريب ١/ ١٠١ وأشار إلى أنه من رجال الستة وأنه مات سنة ٢٨٦ هـ. وانظر أيضًا: تهذيب التهذيب ١/٤٥٩.\n(٣) انظر: الميزان ١/٣٢٤.\n(٤) انظر: تلخيص الحبير ٤/٥٥، ولسان ٢/٣١.\n(٥) انظر: تلخيص الحبير ٤/٥٥.\n(٦) هو: سليمان بن أحمد اللخمي الشامي صاحب المعاجم الكبير والصغير والأوسط توفي سنة ٣٦٠ هـ.. (انظر: وفيات الأعيان لابن خلكان ١/٢٢٥، والأعلام ٣/ ١٨١) .\n(٧) هذا الحديث ليس في (مسند الطيالسي المطبوع بالهند سنة ١٣٢١ هـ. فإن مسند أبي موسى الأشعري فيه من ص/٦٦- ٧٢ ولم أره فيه. بها أنني تتبعته في ترتيبه (منحة المعبود) للطيالسي فلم أره في مظانه منه، ولعل هذا لاختلاف النسخ المطبوع عليها والله أعلم.","vol":"1","page":182},{"text":"طريق أخرى للحديث:\nوالحديث قد رواه البيهقي (١) بسند آخر لكن فيه راو موصوف بالكذب وهو: محمد بن عبد الرحمن القشيري، قال فيه الذهبي (٢) (كذاب مشهور) .\nفصار الحديث إذا بطريقيه المذكورين ضعيفًا لا تقوم به حجة والله أعلم.\n٢- القياس:\nاستدل أصحاب هذا القول بقياس اللواط على الزنى بجامع أن كلًا منهما إيلاج فرج محرم في فرج محرم شرعًا، مشتهى طبعًا، فيكون حكمه حكم حد الزنى (٣) .\nتعقب هذا الدليل:\nوهذا الدليل متعقب بما يلي:\n(- أن القياس لا يكون في الحدود لأن الحدود تدرأ بالشبهة.\nلكن هذا متعقب بأن الأكثر على جوازه في الحدود (٤) .\nب- أن هذا الدليل القياسي يقدح فيه بالقادح المسمى (فساد الاعتبار) (٥) . لحديث ابن عباس ﵄: اقتلوا الفاعل والمفعول به، فالقول بالقياس في مقابلة النص اعتبار فاسد وفي بيان هذا يقول الشوكاني (٦):\n(ويجاب عن ذلك بأن الأدلة الواردة بقتل الفاعل والمفعول به مطلقًا مخصصة\n_________\n(١) انظر: السنن الكبرى ٨/٢٣٣، وانظر: الفتح الكبير للنبهاني ١/٦٥ وضعيف الجامع الصغير للألباني ١/١٢٤.\n(٢) انظر: المغني في الضعفاء ٢/٦٠٦، وانظر أيضًا: الميزان ٣/٦٢٣.\n(٣) انظر: نيل الأوطار ٧/١٢٤. وأضواء البيان للشنقيطي ٣/٢٤. وأشار إليه ابن القيم في الطرق الحكمية ص/١٧٨.\n(٤) انظر: نيل الأوطار ٧/١٢٤ وفتح الباري ١٢/٧٣ وأضواء البيان ٣/٤٤.\n(٥) انظر: الأحكام للآمدي ٤/٧٢.\n(٦) انظر: نيل الأوطار ٧/١٢٤. وانظر أيضا: أضواء البيان ٣/٤٤","vol":"1","page":183},{"text":"لعموم أدلة الزنى الفارقة بين البكر والثيب على فرض شمولها للوطي، ومبطلة للقياس المذكور على فرض عدم الشمول لأنه يصير فاسد الاعتبار كما تقرر في الأصول) .\nالقول الثالث: أن عقوبة اللائط التعزير بالضرب والسجن ونحو ذلك.\nوهذا مذهب أبي حنيفة وفي بيانه يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١): (وذهب الحاكم وأبو حنيفة إلى أن عقوبته دون عقوبة الزنى: وهي التعزير) .\nثم يذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن أصحاب أبي حنيفة صرحوا بأن اللوطي\nإذا أكثر منه قتل تعزيرًا فقال (٢):\n(ثم قال هؤلاء: إذا كثر منه اللوطي فللإمام قتله تعزيرًا، صرح بذلك أصحاب أبي حنيفة) .\nأدلته:\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أدلة هذا القول وما أمكن أن يوجه به ثم عاد عليها بالمناقشهَ والنقض.\nوسياق أدلته مع ما يرد على كل دليل على ما يلي:\n١- أنه لم يرد في الشرع للواط عقوبة مقدرة فصار فيه التعزير.\nوفي حكاية هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٣):\n(قالوا لأنه معصية من المعاصي لم يقدر الله ولا رسوله ﷺ فيها حدًا مقدرًا، فكان فيه التعزير كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير) .\n_________\n(١) انظر: الداء والدواء ص/٢٤٦. والطرق الحكمية ص/١٧٩، وزاد المعاد مرجع حنفي ٣/٢٠٩\n(٢) انظر: روضة الحبين ص/٣٦٣.\n(٣) انظر: الداء والدواء ص/٢٤٦- ٢٤٧.","vol":"1","page":184},{"text":"تعقب هذا الدليل:\nوقد عاد ابن القيم رحمه الله تعالى على هذا الحديث بالنقض إذ ورد في السنة أن حد صاحب اللواطة القتل فثبت ورود حد معين فيها وهو القتل بالدليل إذا غير منتف بل هو ثابت.\nوفي هذا يقول رحمه الله تعالى (١):\n(أما قولهم: إنها معصية لم يجعل الله فيها حدًا معينًا فجوابه من وجوه.\nأحدهما: أن المبلغ عن الله جعل حد صاحبها القتل حتما، وما شرعه رسول الله ﷺ فإنما شرعه عن الله.\nفإن أردتم أن حدها غير معلوم بالشرع فهو باطل.\nوان أردتم أنه غير ثابت بنص الكتاب لم يلزم من ذلك انتفاء حكمه لثبوته بالسنة.\nوالثاني: أن هذا ينقض عليكم بالرجم، فإنه إنما ثبت بالسنة.\nفإن قلتم: بل ثبت بقرآن نسخ لفظه وبقي حكمه.\nوقلنا: فينقض عليم بحد شارب الخمر.\nوالثالث: أن نفي دليل معين لا يستلزم نفي مطلق الدليل، ولا نفي المدلول، فكيف وقد قدمنا أن الدليل الذي نفيتموه غير منتف) .\n٢- أن التلوط وطء في محل لا تشتهيه الطباع والمعصيهَ إذا كان الوازع عنها طبيعيًا اكتفى بالوازع عن الحد كما في وطء الأتان والميتة والبهيمة ونحو ذلك. وفي بيان هذا الدليل القياسي يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢):\n_________\n(١) انظر: الداء والدواء ص/٢٥٤.\n(٢) انظر: الداء والدواء ص/٢٤٧","vol":"1","page":185},{"text":"(قالوا ولأنه وطء في محل لا تشتهيه الطباع، بل ركبها الله تعالى على النفرة منه حتى الحيوان البهيم فلم يكن فيه حد كوطء الميتة وغيرها.\nقالوا: وقد رأينا قواعد الشريعة أن المعصية إذا كان الوازع عنها طبيعيًا، اكتفى بذلك الوازع عن الحد، وإذا كان في الطباع ما يقتضيها جعل فيها الحد بحسب اقتضاء الطباع لها، ولهذا جعل الحد في الزنى والسرقة وشرب المسكر دون أكل الميتة والدم ولحم الخنزير.\nقالوا: وطرد هذا: أنه لا حد في وطء البهيمة ولا الميتة، وقد جبل الله ﷾ الطباع على النفرة من وطء الرجل رجلًا مثله أشد نفرة، كما جبلها على النفرة من استدعاء الرجل من وطؤه بخلاف الزنى فإن الداعي فيه من الجانبين) .\nتعقب هذا الدليل:\nثم أن ابن القيم رحمه الله تعالى تعقب هذا القياس بالإبطال له أصلًا وذلك بالقادح المسمى فساد الاعتبار حيث أنه قياس في مقابلة النص. ثم بإبطال القياس نفسه إذ هو قياس مع وجود الفارق إذ أن الزاجر الطبيعي عن إتيان الأتان أقوى من الزاجر الطبيعي عن التلوط.\nوفي بيان هذا يقول رحمه الله تعالى (١):\n(وأما قولكم: أنه وطء في محل لا تشتهيه الطباع، بل ركب الله الطباع على النفرة منه فهو كوطء الميتة والبهيمة، فجوابه من وجوه:\nأحدهما: أنه قياس فاسد الاعتبار مردود بسنة رسول الله ﷺ وإجماع الصحابة ﵃.\nوالثاني: أن قياس وطء الأمرد الجميل الذي فتنته تربوا على كل فتنة، على وطء أتان أو امرأة ميتة من أفسد القياس، وهل يعدل ذلك أحد قط بأتان أو بقرة\n_________\n(١) انظر: الداء والدواء ص/٢٥٤- ٢٥٨","vol":"1","page":186},{"text":"أو ميتة أو سبى ذلك عقل عاشق أو أسر قلبه، أو استولى على فكره وقلبه، فليس في القياس أفسد من هذا.\nالثالث: أن هذا منتقض بوطء الأم والأخت والبنت، فإن النفرة الطبيعية منه حاصلة مع أن الحد فيه من أغلظ الحدود- في أحد القولين، وهو القتل بكل حال\nمحصنًا أو غير محصن.. (١) .\n٣- قياس تلوط الرجل بآخر على مساحقة (٢) النساء. فكلما لا يجب الحد في المساحقة فكذلك في التلوط.\nوفي بيان هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٣):\n(قالوا: ولأن أحد النوعين إذا استمتع بشكله لم يجب عليه الحد، كما لو تساحقت المرأتان، واستمتعت كل واحدة منهما بالأخرى) .\nتعقب هذا الدليل:\nوقد تعقب ابن القيم رحمه الله تعالى هذا القياس بالإبطال لفقدانه ركنًا من أركان القياس وهو: العلة الجامعة بين المقيس والمقيس عليه فقال (٤):\n(وأما قياسكم وطء الرجل لمثله على تدالك المرأتين (٥) فمن أفسد القياس، إذ لا إيلاج هناك، وإنما نظيره مباشرة الرجل الرجل من غير إيلاج، على أنه قد جاء في بعض الآثار المرفوعة (٦) .\n_________\n(١) ثم ساق رحمه الله تعالى: حكم وطء ذات محرمة، ووطء الميتة ووطء البهيمة والله أعلم.\n(٢) المساحقة: هي تدالك المرأتين (انظر: المغني. مع الشرح الكبير ١٠/١٦٢.) .\n(٣) انظر: الداء والدواء ص/٢٤٧.\n(٤) انظر: الداء والدواء ص/ ٢٥٨.\n(٥) التدالك هو بمعنى المساحقة. ولغة، دلكت الشيء بمعنى أنك إذا فعلت ذلك لم تكد يدك تستقر على مكان دون مكان والدلوك ما يتدلك به الإنسان من طيب وغيره (انظر: معجم مقاييس\nاللغة ٢/٢٩٧- ٢٩٨) .\n(٦) رواه البيهقي في السنن الكبرى ٨/٣٣٣ وسنده ضعيف كما تقدم ص/٤٤٠- ٤٤١","vol":"1","page":187},{"text":"(إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان) ولكن لا يجب الحد بذلك لعدم الإيلاج، وإن أطلق عليهما اسم الزنى العام كزني العين واليد والرجل والفم) .\n٤- أن اللواط لا يدخل في مسمى الزنى لا لغة ولا شرعًا فلا يجب على اللوطي حد الزنى.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الاستدلال لهم (١):\n(قالوا: ولأنه لا يسمى زانيًا لا لغة ولا شرعًا ولا عرفًا، فلا يدخل في النصوص الدالة على حد الزانين) .\nتعقب هذا الدليل:\nلم يتعقب ابن القيم رحمه الله تعالى هذه الوجهة بشيء والذي يظهر والله أعلم أنه\nإنما تركه لضعفه، إذ هو تعليل في مقابلة النص- لمن يرى أن حد اللوطي كحد الزاني- والنصوص ثبتت عن النبي ﷺ بقتله مطلقًا.\nعلى أن نفي تسمية اللواط (زنى) يحتاج إلى مدرك تام بالاستقراء والتتبع للغة العرب.\nولو كان القياس في اللغة جائزًا لأمكن القول بأنه قد ثبت في اللغة تسمية ما\nهو دون الزنى زنًا كتسمية النظر المحرم (زنى العين) وهكذا، فيكون تسمية اللواط زنًا من باب قياس الأولى لكن القياس في اللغة ممتنع والله أعلم.\nاختيار ابن القيم رحمه الله تعالى:\nاختار رحمه الله تعالى القول الأول وهو أن عقوبة اللواط أغلظ من عقوبة الزنى فقال رحمه الله تعالى (٢):\n(والصحيح أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزاني لإجماع الصحابة ﵃\n_________\n(١) انظر: الداء والدواء ص/٢٤٧. وانظر: فتح القدير ٥/٤٣-٤٤ وأضواء البيان ٣/٤٥.\n(٢) انظر: روضة المحبين ص/٣٦٤","vol":"1","page":188},{"text":"على ذلك، وغلظ حرمته، وانتشار فساده، ولأن الله سبحانه لم يعاقب أمة ما عاقب اللوطية) .\nلكنه رحمه الله تعالى لما حكى اختلاف الصحابة ﵃ في صفة قتل اللوطي هل هي الرجم أم الإحراق أم الرمي من شاهق أم هدم الحائط عليه لم يصرح باختيار واحدة من هذه الصفات والله أعلم.\nالترجيح والاختيار:\nمما تقدم يتبين أن ابن القيم رحمه الله تعالى استوفى ذكر الخلاف في هذه المسألة وذكر أدلتها وما ورد على بعضها من مناقشات وأنه اختار ما ذهب إليه جهور أهل العلم من أن عقوبة اللوطي القتل بكل حال لدلالة السنة والإجماع وقاعدة الشريعة المطردة. وهذا القول المختار هو الذي يظهر لي- والله أعلم- لقوة أدلته وسلامة دلالتها على ما سيقت من أجله، ولأن أدلة المخالفين لا تنهض على مقاومتها. وأما صفة القتل فإن الذي يظهر لي أيضًا - والله أعلم- هو أن هذا عائد إلى رأي الإمام من القتل بالسيف أو رجمًا بالحجارة ونحو ذلك حسب مصلحة الردع والزجر والله أعلم.\nويطيب لي أن أذكر كلامًا للشوكاني رحمه الله تعالى في تأييد مذهب الجمهور إذ يقول (١):\n(وما أحق مرتكب هذه الجريمة ومقارب هذه الرذيلة الذميمة بأن يعاقب عقوبة يصير بها عبرة للمعتبرين، ويعذب تعذيبًا يكسر شهوة الفسقة المتمردين، فحقيق بمن أتى فاحشة قوم ما سبقهم بها من أحد من العالمين أن يصلي من العقوبة بما يكون في الشدة والشناعة مشابهًا لعقوبتهم، وقد خسف الله تعالى بهم، واستأصل بذلك العذاب بكرهم وثيبهم) .\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار ٧/١٢٤","vol":"1","page":189},{"text":"المبحث السابع عشر:\nفي عقوبة من وطئ بهيمة (١)\nفي معرض كلام ابن القيم رحمه الله تعالى على عقوبة اللواط ذكر الخلاف في عقوبة من أتى بهيمة على ثلاثة أقوال وذكر القائلين بها. وذكر في الاستدلال حديث ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال (من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه) .\nولم أره في موضع جزم ببيان حال هذا الحديث صحة أو ضعفًا والظاهر من سياق كلامه اختياره رحمه الله تعالى القول بموجبه.\nوتفصيل الخلاف في هذا المبحث على ما يلي:\nالقول الأول: أنه يعزر ولا حد عليه.\nوهذا مذهب الجمهور منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي، في قول له وأحمد في إحدى الروايتين عنه وإسحاق، والشعبي، والنخعي كما ذكر ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى عنهم- فقال (٢):\n(وقال الشعبي والنخعي يعزر، وبه أخذ الشافعي ومالك وأبو حنيفة، وأحمد في رواية فإن ابن عباس ﵄ أفتى بذلك وهو راوي الحديث) .\nوقال أيضًا (٣):\n(أحدها - أي أحد أقواله- أنه يؤدب ولا حد عليه، وهذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وهو قول إسحاق) .\n_________\n(١) انظر: الداء والدواء ص/٢٥٧. وزاد المعاد ٣/٢٠٩.\n(٢) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٩.\n(٣) انظر: الداء والدواء ص/٢٥٧. وانظر أيضًا: المغني مع الشرح الكبير ١٠/١٦٣ وشرح فتح القدير ٥/٤٥، ونيل الأوطار ٧/١٢٥، ومختصر المنذري للسنن ٦/٢٧٦.","vol":"1","page":190},{"text":"الأدلة:\nوذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في الاستدلال لهذا القول: أنه لم يصح فيه شيء\nعن النبي ﷺ، والعقوبات المقدرة لا بد فيها من دليل مثبت ولا دليل هنا ثابت فلا حد إذا وفي هذا يقول رحمه الله تعالى (١):\n(ومن لم ير عليه حدًا قالوا: لم يصح فيه الحديث، ولو صح لقلنا به، ولم يحل\nلنا مخالفته) .\nالقول الثاني: أن حده حد الزاني سواء. وهو قول الحسن البصري وأحد أقوال الشافعي (٢) .\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيانه (٣):\n(القول الثاني: حكمه حكم الزاني، يجلد إن كان بكرًا ويرجم إن كان محصنًا، وهذا قول الحسن) .\nدليله:\nيستدل بالقياس على الزنى بجامع أن كلًا منهما وطء في فرج محرم ليس له فيه شبهة فيكون حده كالزنى (٤) .\nالقول الثالث: أن حكمه حكم اللوطي فيقتل بكل حال.\nوهذا مذهب أبي سلمة ابن عبد الرحمن والرواية الثانية عن الإمام أحمد حكى ذلك ابن القيم عنهما (٥) . وقال الشافعي إن صحّ الحديث قلت به (٦) .\n_________\n(١) انظر: الداء والدواء ص/٢٥٧، والمغني مع الشرح الكبير ١٠/١٦٣.\n(٢) انظر: مختصر السنن للمنذي ٦/٢٧٦، والمغني مع الشرح الكبير ١٠/١٦٣. ونيل الأوطار ٧/١٢٥- ١٢٦. والسنن الكبرى للبيهقي ٨/ ٢٣٤.\n(٣) انظر: الداء والدواء ص/٢٥٧ وانظر أيضا: زاد المعاد ٣/٢٠٩.\n(٤) انظر: نيل الأوطار ٧/١٢٥.\n(٥) انظر: الداء والدواء ص/٢٥٧، وزاد المعاد ٣/٢٠٩.\n(٦) انظر: تلخيص الحبير ٤/٥٥","vol":"1","page":191},{"text":"الأدلة:\nاستدل ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا القول بحديث بن عباس ﵄ أن رسول الله قال:\n(من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه) (١) رواه أحمد (٢) وأصحاب السنن (٣) .\nوجه الاستدلال:\nوالاستدلال من هذا الحديث على هذا القول واضح فإنه ﷺ أمر بقتل من أتى بهيمة وقتل البهيمة معه، وليس فيه تفصيل في الفرق بين المحصن وغيره بل يفيد قتله مطلقًا.\nمنزلة هذا الحديث:\nهذا الحديث ورد عن النبي ﷺ من حديث أبي هريرة ﵁ بلفظ: (أن النبي ﷺ قال: من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه) (٤) رواه أحمد وأبو يعلى (٥) .\nوورد من حديث ابن عباس ﵄ بنحوه عن أبي داود (٦) بلفظ: (من وقع على ذات محرم فاقتلوه، ومن وقع على بهيمة فاقتلوه، واقتلوها معه) .\n_________\n(١) انظر: الداء والدواء ص/٢٥٧، وزاد المعاد ٣/٢٠٩.\n(٢) انظر: مسند الإمام أحمد ١/٢١٧، ٢٦٩، ٣٠٠، ٣١٧\n(٣) انظر: سنن أبي داود ٤/٦٠٩، والترمذي ٤/٥٦- ٥٧ وابن ماجه ٢/٨٥٦. والنسائي كما في تلخيص الحبير ٤/٥٥.\n(٤) انظر: المسند بترتيب الساعاتي الفتح الرباني ١٦/١٠٢- ١٠٣.\n(٥) انظره: بواسطة صحيح الجامع الصغير للألباني ٥/٢٢٣ ط المكتب الإسلامي بدمشق سنة ١٣٩٢ هـ.\n(٦) انظر: سنن أبي داود ٤/٦٠٩-٦١٠","vol":"1","page":192},{"text":"رواه ابن ماجه (١)، والحاكم (٢) .\nوفي لفظ عند الترمذي (٣) والبيهقي (٤) (من وجدتموه وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة قال: ما سمعت من رسول الله في ذلك شيئًا ولكن أرى رسول الله ﷺ كره أن يؤكل لحمها أو ينتفع بها، وقد عمل بها ذلك العمل.\nوفي لفظ عن ابن عباس ﵄ أيضًا عند البيهقي (٥) .\n(أن النبي ﷺ قال: ملعون من وقع على بهيمة، وقال: اقتلوه واقتلوها لا يقال هذه التي فعل بها كذا وكذا) (٦) .\nوقد مال البيهقي إلى تصحيح الحديث في ذلك (٧) . وصححه الشوكاني (٨) وسكت عنه ابن حجر في (التلخيص) (٩) وقد علم من اصطلاحه أنه إذا سكت عن حديث في التلخيص فدرجته أنه حسن عنده (١٠) وسبق الجميع إلى تصحيح حديث ابن عباس الذهبي في تلخيصه للمستدرك (١١) والله أعلم.\nالترجيح: تبين من هذا المبحث أن ابن القيم رحمه الله تعالى حكى ثلاثة أقوال في حكم من أتى بهيمة وأن ظاهر كلامه اختياره قتل الفاعل بكل حال وهذا رواية عن أحمد وقد علق الشافعي الأخذ به على صحة الحديث. وأن\n_________\n(١) انظر: سنن بن ماجه ٢/٨٥٦.\n(٢) انظر: مستدرك الحاكم ٤/٣٥٥.\n(٣) انظر: سنن الترمذي ٤/٥٦- ٥٧.\n(٤) انظر: السنن الكبرى ٨/ ٢٣٥.\n(٥) انظر: السنن الكبرى ٨/٢٣٣.\n(٦) انظر: في ألفاظ هذا الحديث: الفتح الكبير ٣/١٤٦،٢٤٤،٢٤٥.\n(٧) انظر: المرجع السابق، وتلخيص الحبير ٤/٥٥، ونيل الأوطار ٧/١٢٥.\n(٨) انظر: نيل الأوطار ٧/١٢٥.\n(٩) انظر: تلخيص الحبير ٤/٥٥.\n(١٠) انظر: في بيان هذه الفائدة: الحاوي للسيوطي ٢/٢٢٥\n(١١) انظره: بهامش المستدرك ٤/٣٥٥","vol":"1","page":193},{"text":"ابن القيم رحمه الله تعالى قد ساق الحديث في ذلك. وقد ظهر أن هذا الحديث صحيح كما قاله الشوكاني وغيره فيلزم المصير إليه. وبناء كل هذا: فإن قول أرباب القول الأول (لم يصح فيه حديث) غير صحيح.\nوقول أرباب القول الثاني أن حده كحد الزاني استدلالًا بالقياس قول ضعيف، وقياسهم قياس في مقابلة النص. والعصمة في النص وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال (من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة) والله أعلم.","vol":"1","page":194},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-117>بَابُ حدِّ القذْف</span>","vol":"1","page":195},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-118>توطئة </span>في تعريف القذف في اللسانين اللغة والشرع:\nفي اللغة:\nمصدر قذف يقذف، من باب ضرب يضرب، وجمعه: قذاف، وقذفه كفساق، وفسقة (١) .\nوأصل معنى القذف، الرمي، يقال قذف بالحجارة يقذف أي رمى بها (٢) .\nوقد قيد القذف بالرمي البعيد، ولاعتبار البعد فيه قيل، منزل قذف وقذيف\nأي بعيد (٣) .\nوقيد أيضًا برمي الشيء بقوة، ومنه اشتهر استعماله في رمي المرأة المحصنة أو الرجل المحصن بالزنى، أو ما في معناه بالألفاظ المكروهة (٤) .\nالقذف في الشرع:\nاختلفت كلمة أهل الاصطلاح في تعريف القذف الموجب للحد على وجوه منها ما يلي:\n_________\n(١) انظر: المطلع ص/ ٣٧١، ومعجم متن اللغة ٤/٥١٧.\n(٢) انظر: اللسان لابن منظور ١١/ ١٨٤، والقاموس ٣/١٨٩.\n(٣) انظر: المفردات للراغب ص/ ٣٩٧.\n(٤) انظر: اللسان ١١/ ١٨٤، والقاموس ٣/١٨٩، والمطلع ص/ ٣٧١ ومعجم متن اللغة ٤/٥١٧- ٥١٨","vol":"1","page":197},{"text":"الحنفية:\nقال ابن الهمام (١):\n(القذف في الشرع رمي بالزنى) .\nالمالكية:\nقال الأزهري (٢):\n(القذف في الشرع: نسبة آدمي غيره حرًا عفيفًا مسلمًا بالغًا أو صغيرة تطيق\nالوطء لزني، أو قطع نسب مسلم) .\nالشافعية:\nقال الرملي (٣):\n(القذف الرمي بالزنى في معرض التعيير لا الشهادة) .\nالحنابلة:\nقال البهوتي (٤):\n(هو الرمي بزنى أو لواط، أو شهادة به عليه ولم تكتمل البينة) .\nمناقشة وترجيح:\nهذه التعاريف ليس في واحد منها ما يفيد الشمول لكلما يوجب حد القذف وأقربها تعريف المالكية، لكنه لا يخلو من طول، وتحديد مذهبي، والتعاريف\n_________\n(١) انظر: شرح فتح القدير ٥/٨٩.\n(٢) انظر: جواهر الإكليل ٢/ ٢٨٦.\n(٣) انظر: نهاية المحتاج ٧/ ٤١٥.\n(٤) انظر: كشاف القناع ٦/ ١٠٤","vol":"1","page":198},{"text":"مبناها على الاختصار، ولا دخل للشروط فيها. وعليه فإن التعريف الشامل هو أن\nيقال:\n(القذف: هو الرمي بوطء، أو نفي نسب، موجب للحد فيهما) .\nشرح التعريف:\nفالرمي بوطء، يشمل الرمي بزنا أو لواط. ويشمل أيضًا الشهادة به عند عدم اكتمال نصابها (أربعة شهود) (١) .\nأو نفي نسب: وهو قذف يوجب الحد عند الجميع.\nموجب للحد فيهما: إشارة إلى ما يجب توفره في القاذف كالعقل وفي المقذوف كالإحصان وهوْ (العفة) وفي لفظ القذف مثل لفظ (زاني) أو (لوطي) والله أعلم.\nتنبيه: في<span data-type=\"title\" id=toc-121> مواطن بحث القذف عند العلماء:</span>\nيعقد علماء الشريعة في مدوناتهم الحديثية والفقهية: بابين لأحكام القذف. أحدهما: في أحكام قذف الزوج لزوجته ويعقدون له بابًا باسم (باب اللعان)\nومحله في أعقاب فرق النكاح (٢) .\nالثاني: في أحكام حد القذفة غير الزوجين أو منهما إذا لم يتلاعنا. ويعقدون له بابًا باسم (باب حد القذف) ويذكرونه في كتاب الحدود (٣) .\n_________\n(١) القاذف المنفرد برؤية الزنى، والأخبار به، كاذب في حكم الله لقوله تعالى (فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون) . انظر: مدارج السالكين ١/ ٣٦٥.\n(٢) انظر المغنى لابن قدامة ٩/٢٠، ونهاية المحتاج للرملي ٧/ ٩٧ وفتح القدير لابن الهمام ٥/٨٩\n(٣) انظر: المغنى لابن قدامة ١٠/ ٢٠١. ونهاية المحتاج للرملي ٧/ ٤١٥. وفتح القدير لابن الهمام ٥/ ٨٩. وحاشية الرهوني على الزرقاني ٨/١٢٢.","vol":"1","page":199},{"text":"إلا أن الشافعية رحمهم الله تعالى يذكرون جلّ أحكام (حد القذف) في أواخر باب اللعان (١) . ولهذا يقتضي الأمر بالتنبيه كما وقع مثل ذلك لابن هبيرة في الإفصاح (٢) .\nوفي (كتاب الشهادات) (٣) يذكر العلماء حكم شهادة القاذف إذا تاب. وكيفية توبته والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: نهاية المحتاج شرح المنهاج للرملي ٧/٩٧- ١٠٥.\n(٢) انظر: الإفصاح عن معاني الصحاح ٢/ ٣٦٠ (باب القذف واللعان) .\n(٣) انظر: المغنى لابن قدامة ١٢/ ٧٦، ونهاية المحتاج للرملي ٨/ ٢٩١. فتح القدير لابن الهمام ٦/ ٤٧٥. وحاشية الرهوني على الزرقاني ٧/ ٣٨٢. وجواهر الإكليل على مختصر خليل للأزهري ٢/ ٢٣٥","vol":"1","page":200},{"text":"مباحِث ابن القيم في حدّ القذف\nوفي كل من هذه المواطن المتقدمة قريبًا بحث ابن القيم رحمه الله تعالى جملة من المسائل ونحن هنا في تبيان آرائه في الحدود سوف نعيش معه إن شاء الله تعالى في مباحثه لأحكام (حد القذف) لا نتجاوزها سوى ذكر مبحثين لمناسبة لطيفة اقتضت ذكرهما وإلا فمحلهما (كتاب الشهادات) وهما:\nأ- حكم شهادة القاذف المحدود إذا تاب.\nب- بم تكون توبة القاذف.\nوالمناسبة المقتضية لهذا (مبحث عقوبة القاذف برد شهادته) واقتضى ذلك الحديث عن شهادته إذا تاب هل تقبل أم لا. ومن هنا اشتدت الحاجة إلى معرفة التوبة التي بها تقبل شهادته. وقد أجريت سياق بحوثه في ذلك على النسق الآتي:\nالمبحث الأول: أول قذف في الإسلام: في قصة الإفك.\nالمبحث الثاني: حكمة التشريع في حد القاذف بالزنا دون الكفر؟.\nالمبحث الثالث: حكمة التشريع في حد قاذف الحر دون العبد.\nالمبحث الرابع: في التعريض بالقذف.\nالمبحث الخامس: في عقوبات القاذف.\nالمبحث السادس: في توبة القاذف.\nوإلى الحديث عنها واحدًا إثر واحد على هذا الترتيب.","vol":"1","page":201},{"text":"المبحث الأول:\nفي أول قذف في الإسلام، في قصة الإفك\nالمراد بأول قذف في الإسلام ما كان بين غير الزوجين مما يوجب الحد. أما إذا كان بين الزوجين فيوجب اللعان وفي حديث أنس ﵁ قال (أول لعان كان في الإسلام أن شريك ابن سحماء (١) قذفه هلال ابن أمية (٢) بامرأته) (٣) .\nوعليه: فقد اشتهر أول قذف في الإسلام بين غير الزوجين بقصة القذف الكاذب على عائشة ﵂. المشتهرة قصتها باسم (قصة الإفك) (٤) . وأنزل الله فيها قرآنًا يتلى من سورة النور تبرئة من الله للصديقة بنت الصديق وحبيبة رسول ربّ العالمين إذ قال تعالى (٥) (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرًا لم بل هو خير لم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) الآيات.\nوابن القيم رحمه الله تعالى في ظل سياقه لغزوات النبي ﷺ من كتابه (زاد المعاد) (٦) يسوق الأحداث المتعلقة بالمغازي فلما عقد فصلًا في (غزوة المريسيع) (٧) الشهيرة (بغزوة بني المصطلق) في شعبان سنة خمس من الهجرة ذكر (قصة الإفك) لأنها وقعت بعد القفول من هذه الغزوة.\n_________\n(١) هو: شريك بن سحماء- ينسب لأمه- واسم أبيه: عبدة بن مغيث البلوي عاش إلى خلافة عمر ﵁ (انظر: الإصابة لابن حجر ٢/ ١٤٧) .\n(٢) هو: هلال ابن أمية بن عامر الأنصاري ﵁ (انظر: الإصابة لابن حجر ٣/ ٥٧٤) . هذا الحديث مشهور بحديث الملاعنة. رواه أصحاب الكتب الستة\nانظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ٩/ ٤٤٥.\n(٤) الإفك: هو الكذب (انظر: تفسير القرطبي ١٢/ ١٩٨) .\n(٥) الآية رقم ١١- إلى ٢٢ سورة النور.\n(٦) انظر: ٢/١١٣- ١١٥.\n(٧) المريسيع اسم بئر أو ماء لخزاعة على يوم من وادي الفرع وإليه تضاف (غزوة بني المصطلق) . (انظر: القاموس للفيروز آبادي ٣/٣٠) . وهو جنوب المدينة والله أعلم.\n_________","vol":"1","page":203},{"text":"قصة الإفك:\nلا يختلف علماء التفسير أن سبب نزول هذه الآيات هو ما رواه الأئمة من حديث الإفك الطويل في قصة عائشة ﵂ وقد ساقها البخاري رحمه الله تعالى في (صحيحه) (١) مطولة. وابن القيم رحمه الله تعالى ساق القصة مختصرًا لمقاصدها فقال (٣):\n(ونحن نشير إلى قصة الإفك: وذلك أن عائشة ﵂ كانت قد خرج\nبها رسول الله ﷺ معه في هذه الغزوة بقرعة أصابتها. وكانت تلك عادته مع نسائه فلما رجعوا من الغزوة نزلوا في بعض المنازل، فخرجت عائشة لحاجتها ففقدت عقدًا لأختها كانت أعارتها إياه فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه في وقتها: فجاء النفر الذي كانوا يرحلون هودجها (٣) . فظنوها فيه فحملوا الهودج ولا ينكرون خفته، لأنها ﵂ كانت فتية السن لم يغشها اللحم الذي كان يثقلها. وأيضا فإن النفر لما تساعدوا على حمل الهودج لم ينكروا خفته، ولو كان الذي حمله واحدًا أو اثنين لم يخف عليهما الحال. فرجعت عائشة ﵂ إلى منازلهم وقد أصابت العقد فإذا ليس بها داع ولا مجيب، فقعدت في المنزل، وظنت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها والله غالب على أمره يدبر الأمر فوق عرشه كما يشاء فغلبتها عيناها فنامت فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المعطل (٤): إنا لله وإنا إليه راجعون. زوجة رسول الله ﷺ. وكان صفوان قد عرس في أخريات الجيش لأنه كان كثير النوم.\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ٨/ ٤٥٢- ٤٥٥. وقد ذكر طرقه ورواياته عند مسلم وغيره وشرحه شرحًا وافيا ابن حجر من ٨/٤٥٥- ٨/٤٨١.\n(٢) انظر: زاد المعاد ٢/ ١١٤.\n(٣) الهودج: مركب للنساء (انظر القاموس ١/٢٢٠) وهو كالمحمل يربط على الإبل.\n(٤) هو: صفوان بن المعطل السلمي ﵁ مات سنة ٥٨ هـ. وقيل غير ذلك انظر الإصابة لابن حجر ٢/ ١٨٤) .","vol":"1","page":204},{"text":"كما جاء عنه في صحيح أبي حاتم (١) وفي السنن فلما رآها عرفها وكان يراها قبل نزول الحجاب فاسترجع وأناخ راحلته فقربها إليها فركبتها، وما كلمها كلمة واحدة، ولم تسمع منه إلا استرجاعه ثم سار بها يقودها حتى قدم بها وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة. فلما رأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته وما يليق به. ووجد الخبيث عبد الله ابن أبي متنفسًا فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه. فجعل يستحكي الإفك ويستوشيه ويشيعه ويذيعه ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون به إليه.\nفلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث ورسول الله ﷺ ساكت لا يتكلم ثم استشار أصحابه في فراقها. فأشار عليه علي ﵁ أن يفارقها ويأخذ غيرها تلويحًا لا تصريحًا وأشار إليه أسامة وغيره بإمساكها وألا يلتفت إلى كلام الأعداء.\nوقد حبس الوحي عن رسول الله ﷺ شهرًا في شأنها ثم جاء الوحي ببراءتها فأمر رسول الله ﷺ بمن صرح بالإفك فحدوا ثمانين ثمانين ولم يحد الخبيث عبد الله ابن أبي مع أنه رأس الإفك) (٣) .\nالحكم والغايات المحمودة في هذه القصة (٤):\nوقد أشار ابن القيم رحمه الله تعالى في تضاعيف سياقه للقصة إلى جملة من الحكم\n_________\n(١) أبو حاتم: هو محمد بن إدريس الرازي. أحد الحفاظ مات سنة ٢٧٧ هـ. (انظر التقريب لابن حجر ٢/١٤٣) .\n(٢) هو: رأس المنافقين عبد الله بن أبي بن سلول هلك سنة تسع من الهجرة (انظر: تفسير ابن كثير ٢/٣٧٨ في تفسير قوله تعالى\n(ولا تصل على أحد منهم ماتَ أبدًا) الآية ٩٤ سورة التوبة.\n(٣) هذا السياق استخلصته من كلام ابن القيم المطول في ذلك فليتنبه.\n(٤) انظر: زاد المعاد ٢/١١٣-١١٤- ١١٥. وانظر: فتح الباري لابن حجر ٨/٤٦٨- ٤٦٩","vol":"1","page":205},{"text":"والأسرار التشريعية في هذه القصة: كاستشارته ﷺ لعلي وأسامة ﵄. وتوقفه ﷺ في شأنها. وتأخر نزول الوحي ... الخ. واقتصر هنا على ما له تعلق بحد القذف وهو إيراده رحمه الله تعالى عددًا من الوجوه في الجواب عن السؤال الآتي:\nلم لم يحد رسول الله ﷺ عبد الله ابن أبي. فقال ابن القيم رحمه الله تعالى (١): (قيل: لأن الحدود تخفيف عن أهلها وكفارة والخبيث ليس أهلًا لذلك وقد وعده الله بالعذاب العظيم في الآخرة فيكفيه ذلك عن الحد. وقيل: بل كان يستوشي الحديث ويجمعه ويحكيه ويخرجه في قوالب من لا ينسب إليه. وقيل: الحد لا يثبت إلا بالإقرار أو البينة. وهو لم يقر بالقذف ولا شهد به عليه أحد فإنه إنما كان يذكره بين أصحابه ولم يشهدوا عليه ولم يكن يذكروه بين المؤمنين.\nوقيل: حد القذف حق لآدمي لا يستوفي إلا بطلبه، وإن قيل إنه حق لله فلا بد من مطالبة المقذوف وعائشة لم تطالب به ابن أبي.\nوقيل: ترك حده لمصلحة هي أعظم من إقامته كما ترك قتله مع ظهور نفاقه وتكلمه بما يوجب قتله مرارًا، وهي: تأليف قومه وعدم تنفيرهم عن الإسلام فإنه كان مطاعًا فيهم رئيسًا عليهم فلم تؤمن إثارة الفتنة في حده. ولعله ترك لهذه الوجوه كلها. فجلد مسطح ابن أثاثة (٢) وحمنة بنت جحش (٣)، وحسان بن ثابت (٤)\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٢/ ١١٥.\n(٢) هو: مسطح ابن أثاثة بن عباد المطلبي مات سنة ٣٤ هـ. (انظر: الإصابة لابن حجر ٣/٣٨٨) .\n(٣) هي: حمنة بنت جحش الأسدية أخت أم المؤمنين زينب ﵂\n(انظر: الإصابة ٤/ ٢٦٦ والتقريب ٢/ ٥٩٥) ولم يذكر الحافظ وفاتها.\n(٤) هو: حسان بن ثابت بن المنذر الخزرجي الأنصاري مات سنة ٤٠ هـ. على خلاف (انظر: الإصابة لابن حجر ١/٣٢٥) .","vol":"1","page":206},{"text":"وهؤلاء من المؤمنين الصادقين تطهيرًا لهم وتكفيرًا. وترك عبد الله ابن أبي إذًا: فليس هو من أهل ذاك) .\nتعقب الحافظ ابن حجر لابن القيم:\nوالحافظ ابن حجر يقف على هذه الوجوه من الحكمة التي أبداها ابن القيم في ترك حد عبد الله ابن أبي فيتعقبه بأن الرواية قد وردت بإقامة الحد على عبد الله ابن أبي فيقول (١):\n(وأبدى صاحب (الهدى) (٢) الحكمة في ترك الحد على عبد الله ابن أبي، وفاته أنه ورد ذكره أيضًا فيمن أقيم عليه الحد. ووقع ذلك في رواية أبي أويس (٣) عن الحسن بن زيد (٤) عن عبد الله ابن أبي بكر (٥) أخرجه الحاكم (٦) في (الإكليل) .\nوليت الحافظ ﵀ ساق الإسناد بتمامه ليتم الكشف عن درجته. وعلى أي حال كان فإنا نستفيد من سياق ابن القيم هذا تلك الجامعية الفذة والقدرة العجيبة على استحضار هذه الوجوه المتعددة وإملائها من حفظه في خضم ذلك الكتاب الضخم الذي ألّفه في سفره والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ٨/٤٧٩.\n(٢) يريد به: ابن القيم في كتابه (زاد المعاد) .\n(٣) أبو أويس: هو عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي المدني صدوق يهم مات سنة ١٦٧ هـ. (انظر: التقريب لابن حجر ١/٤٢٦) .\n(٤) الحسن بن زيد: ابن الحسن بن علي بن أبي طالب مات سنة ١٦٨ هـ. قال ابن حجر في التقريب ١/ ١٦٦ (صدوق يهم) .\n(٥) هو: عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني مات سنة ١٣٥ هـ. (انظر: التهذيب لابن حجر ٥/١٦٤- ١٦٥) .\n(٦) الحاكم: هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥ هـ. (انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/ ٢٢٩) .","vol":"1","page":207},{"text":"المبحث الثاني\nحكمة التشريع في حد القاذف بالزنى دون الكفر (١) .\nلابن القَيم في كتابه (أعلام الموقعين) (٢) بحث مستفيض في الرد على نفاة القياس ونقض إيراداتهم وتقويض شبههم وفيه أورد سؤالهم المشهور: وهو قولهم إن الشريعة قد فرقت بين المتماثلين، وجمعت بين المختلفين وضربوا له عددًا من الأمثلة منها قولهم (٣):\n(وأوجب حد الفرية على من قذف غيره بالزنا دون من قذفه بالكفر وهو شر منه) .\nفأجاب ابن القيم رحمه الله تعالى عن هذا السؤال مبينًا حكمة التشريع في ذلك فقال:\n(وأما إيجاب حد الفرية على من قذف غيره بالزنا دون الكفر ففي غاية المناسبة:\nفإن القاذف بالزنا لا سبيل للناس إلى العلم بكذبه فجعل حد الفرية تكذيبًا له، وتبرئة لعرض المقذوف. وتعظيما لشأن هذه الفاحشة التي يجلد من رمي بها مسلمًا. وأما من رمى غيره بالكفر فإن شاهد حال المسلم واطلاع المسلمين عليها كاف\nفي تكذيبه، ولا يلحقه من العار بكذبه عليه في ذلك ما يلحقه بكذبه عليه في الرمي بالفاحشة. ولا سيما إن كان المقذوف امرأة، فإن العار والمعرة التي تلحقها بقذفه بين أهلها وتشعب ظنون الناس وكونهم بين مصدق ومكذب لا يلحق مثله بالرمي بالكفر) .\n_________\n(١) انظر: ٢/٥٢- ١٥٦.\n(٢) انظر: ٢/ ١٠٦.\n(٣) انظر: ٢/١٠٦","vol":"1","page":208},{"text":"فمن هذا النص نرى ابن القيم رحمه الله تعالى يرد دعوى التفريق بين الحد بالرمي بالزنا دون الرمي بالكفر بإبراز حكمة التشريع في حد القذف ومدارها على: عدم القدرة من المقذوف بنفي ما رمى به من الزنا فجعل حد القذف تكذيبًا للقاذف. وتبرئة للمقذوف. وتعظيما لشأن هذه الفاحشة التي تبهرج المجتمع. وتلطخه بالعار والمعرة. ولا سبيل للمقذوف ظلمًا إلى نفي ما قذف به من الزنا إلا بمجرد التكذيب للقاذف، وهذا غير مقنع لنفوس البشر ولا يكون مذهبًا لتشعب ظنونهم فجعل الله حد الفرية لكف هذه الآثام وحماية لمجتمع الإسلام من أن يزن بريبة أو يرمى بنقيصة. فتبقى أعراض المسلمين محترمة تحت ستر الله ورحمته، الألسنة عنها مقفلة والظنون عنها محجمة وبذلك يكون الإسلام قد حفظ للمسلمين ضرورة من ضروريات معاشهم وقيام مدنيتهم وذلك بحفظ أعراضهم وصيانتها فأوجب حد القذف ثمانين جلدة للقاذف الكاذب الجاني بكذبه الزمن، على حرمة الأعراض تقويضًا لمعنوياتهم وإدخالًا لعنصر الفساد في مصلحة تعايشهم قال الله تعالى (١): (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون) .\nولهذا عظم الله سبحانه معصية القذف بعشر آيات متواليات من سورة النور تكذيبًا لقصة الإفك (٢) على عائشة ﵂ فقال تعالى (٣): (إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم. لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم) الآيات.\nقال الحافظ بن حجر في (فتح الباري) (٣):\n(قال الزمخشري) (٤): لم يقع في القرآن من التغليظ من معصية ما وقع في معصية\n_________\n(١) الآية رقم ٤ سورة النور.\n(٢) الآية رقم ١١ سورة النور إلى الآية رقم ٢٢.\n(٣) انظر: ٨/٤٧٧.\n(٤) الزمخشري هو: محمود بن عمر بن محمد الخوارزمي المتوفى سنة ٥٣٨ هـ. صاحب التفسير المشهور باسم (الكشاف) (انظر: الأعلام للزركلي ٨/ ٥٥) .","vol":"1","page":209},{"text":"الإفك بأوجز عبارة وأشنعها، لاشتماله على الوعيد الشديد والعتاب البليغ، والزجر\nالعنيف واستعظام القول في ذلك واستشناعه بطرق مختلفة، وأساليب متنوعة، كل واحد منها كاف في بابه بل ما وقع منها من وعيد عبدة الأوثان إلا بما هو دون ذلك وما ذاك إلا لإظهار علو منزلة رسول الله ﷺ وتطهير من هو منه بسبيل) .\nهذا طرف من حكمة التشريع الموجبة للتفريق بين الرمي بالزنى والرمي بالكفر بالحد بالأول دون الثاني.\nونحن إذا وازنا بين اللفظين لا نجد تلك المعاني والأسرار التشريعية تتوفر في الرمي بالكفر وذلك للمعاني التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى ومدارها: على وجود القدرة من المرمى بالكفر بتكذيب ما رمى به من الكفر من وجود شاهد الحال بقيامه بشعائر الإسلام الظاهرة كالصلوات الخمس المفروضات ونحوها واطلاع المسلمين على ذلك وظنونهم غير متشعبة ولا مختلفة وهذا كاف في تكذيب قول القاذف وإظهار زيفه فالقاذف غيره بالكفر إذا كاذب والمقذوف بريء بطبيعة الحال، فلا حاجة إذًا إلى تقرير عقوبة مقدرة عليه لتكذيبه وإظهار براءة المقذوف بالكفر وهذا بخلاف المقذوف بالزنا فلا تبرز هذه المعاني إلا تقرير عقوبة مقدرة فكان ذلك بجلد القاذف المعتدي على أعراض المسلمين ثمانين جلدة مقررًا في دين الله وشرعه بنص واضح جلي محكم.\nعلى أن هذا لا يعفي قاذف غيره بالكفر من عقوبة تعزيرية فإن الشريعة أمسكت بلسان السليط ورمت به في مكان بعيد عن الفحش والبذاء والتطاول على\nقيم الناس ومعنوياتهم ومقومات حياتهم فطفحت نصوص الكتاب والسنة بصيانة هذا الثغر وحراسته من أن ينطق بفحش أو يفري في عرض (١) . ولهذا قرر العلماء في مدوناتهم الفقهية تعزير من قذف مسلمًا بغير الزنا في (باب التعزير) (٢) والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: الداء والدواء ١٤٥، ٢٣٠.\n(٢) انظر: على سبيل المثال: المغنى لابن قدامة ١٠/ ٣٤٧. فتح القدير لابن الهمام ٥/ ١١٢","vol":"1","page":210},{"text":"المبحث الثالث\nحكمة التشريع في حد قاذف الحر دون العبد (١):\nوفي معرض رده أيضًا على من قال أن الشريعة قد جمعت بين المختلفين وفرقت بين المتماثلين قال في بيان حكمة التشريع في حد قاذف الحر دون قاذف العبد: (وأما جلد قاذف الحر دون العبد فتفريق لشرعه بين ما فرق الله بينهما بقدره:\nفما جعل الله سبحانه العبد كالحر من كل وجه لا قدرًا ولا شرعًا.\nوقد ضرب الله سبحانه لعباده الأمثال التي أخبر فيها بالفارق بين الحر والعبد، وأنهم لا يرضون أن تساويهم عبيدهم في أرزاقهم.\nفالله ﷾ فضل بعض خلقه على بعض، وفضل الأحرار على العبيد\nفي الملك وأسبابه والقدرة على التصرف.\nوجعل العبد مملوكًا والحر مالكًا، ولا يستوي المالك والمملوك.\nوأما التسوية بينهما في أحكام الثواب والعقاب فذلك موجب العدل والإحسان، فإنه يوم الجزاء لا يبقى هناك عبد ولا حر ولا مالك ولا مملوك) .\nوابن القيم رحمه الله تعالى في إظهار محاسن التشريع في هذا التفريق يشترك مع غيره من المتقدمين في ذلك كالقرطبي ويشاركه غيره من المتأخرين كابن حجر ومن ذلك ما يلي:\nقول القرطبي المالكي:\nقال القرطبي رحمه الله تعالى في كتابه (الجامع لأحكام القرآن) (٢):\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٢/ ١٠٩.\n(٢) انظر: ١٢/١٧٤- ١٧٥.","vol":"1","page":211},{"text":"(أجمع العلماء على أن الحر لا يجلد للعبد إذا افترى عليه لتباين مرتبتهما. ولقوله ﵇ (من قذف مملوكه بالزنى أقيم عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال) خرجه البخاري (١) ومسلم (٢) وفي بعض طرقه: إن قذف عبده بزنى ثم لم يثبت أقيم عليه الحد يوم القيامة ثمانون) ذكره الدارقطني (٣) .\nقال العلماء:\nوإنما كان ذلك في الآخرة لارتفاع الملك واستواء الشريف والوضيع والحر والعبد ولم يكن لأحد فضل إلا بالتقوى. ولما كان ذلك تكافأ الناس في الحدود والحرمة. واقتص من كل واحد لصاحبه إلا أن يعفو المظلوم عن الظالم. وإنما لم يتكافأوا في الدنيا لئلا تدخل الداخلة على المالكين في مكافأتهم لهم. فلا تصح لهم حرمة ولا فضل في منزلة وتبطل فائدة التسخير حكمة من الحكيم العليم لا الله إلا هو) .\nقول الحافظ ابن حجر الشافعي:\nوقال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في (فتح الباري) (٤) معللًا التفريق:\n(لأنه لو وجب على السيد أن يجلد في قذف عبده في الدنيا لذكره كما ذكره\nفي الآخرة، وإنما خص ذلك في الآخرة تمييزًا للأحرار من المملوكين، فأما في الآخرة فإن ملكهم يزول عنهم ويتكافأون في الحدود ويقتص لكل منهم إلا أن يعفوا، ولا مفاضلة حينئذ إلا بالتقوى) .\nونحن لو قارنا بين كلام هؤلاء الأئمة ابن القيم والقرطبي وابن حجر لوجدنا\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ١٢/ ١٨٥. وهو بنحو من هذا اللفظ.\n(٢) انظر: صحيح مسلم مع شرح النووي ١١/١٣١. واللفظ المذكور لمسلم.\nورواه أيضًا أبو داود ٤/ ٣٦٣. والترمذي ٤/ ٣٣٥ ولفظهما نحو لفظ البخاري ومسلم.\n(٣) انظر: سنن الدارقطني ٣/٢١٣-٢١٤ من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) انظر: ١٢/ ١٨٥","vol":"1","page":212},{"text":"كلامهم يدور على التباين بين مرتبتي الحر والعبد. لكن ابن القيم أوسع في البيان والإيضاح والله أعلم.\nمناقشة الحكم بالتفريق:\nجواب ابن القيم هذا يعتبر أنه رحمه الله تعالى يرى التعزير ولكن هل هذا الحكم مسلم به أم هو محل خلاف؟.\nبتتبع كلام أهل العلم في هذه المسألة نجد أن فيها قولين لأهل العلم وهما على ما يلي:\nالقول الأول:\nأنه لا حد على قاذف العبد في الدنيا وإنما عليه التعزير. وهذا ما تناقلته كتب المذاهب لا تكاد تختلف فيه (١) .\nأدلتهم:\nاستدلوا بدليلين:\n١- حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال) رواه البخاري ومسلم واللفظ له. ورواه أبو داود والترمذي (٢) .\nوجه الاستدلال منه:\nأنه لو وجب على السيد حد في الدنيا إذا قذف عبده لذكره كما ذكره في الآخرة فلما لم يذكره دل على أنه لا حد عليه.\n_________\n(١) انظر: فتح القدير لابن الهمام ٥/ ٩١ والمغنى لابن قدامة ١٠/ ٢٠٢ والمحلي لابن حزم ١١/٣٢٨.\n(٢) انظر: فما تقدم ص/ ٤٧٠ حيث ذكرت مواضع التخريج.","vol":"1","page":213},{"text":"٢- الإجماع:\nوقد حكى الإجماع على هذا الحكم بالتفريق غير واحد من أهل العلم منهم النووي (١) . والقرطبي (٢) . وابن قدامة (٣) والحافظ ابن حجر (٤) .\nالقول الثاني:\nأن الحر إذا قذف العبد أقيم عليه الحد. وهو قول الظاهرية وانتصر له ابن حزم\nفي كتابه (المحلى) (٥) .\nأدلتهم:\nيستدل لمذهبهم بما يلي:\n١- عموم آية القذف وهي قوله تعالى (٦) (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة الآية.\nوجه الاستدلال:\nأن الله ﷾ رتب حكم الذين يرمون المحصنات أي العفائف على الإحصان وهو العفة. وهذا يشمل الحر والعبد لأن (المحصنات) جمع معرّف\nبـ (أل) فيفيد العموم، كما أن لفظ (الذين) اسم موصول عام، فيشمل الذين يرمون الأحرار أو العبيد بناء على تفسير المحصنات بالعفائف. فيجب إذا حد قاذف العبد كقاذف الحر.\n_________\n(١) شرح مسلم ١١/١٣١.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ١٧٤.\n(٣) المغني ١٠/٢٠٢.\n(٤) انظر: فتح الباري ١٤/ ١٨٥.\n(٥) انظر: ١١/٣٢٨- ٣٣٠.\n(٦) الآية رقم ٤ سورة النور.","vol":"1","page":214},{"text":"٢- ما روى عن ابن عمر ﵄ أن أميرًا من الأمراء سأل ابن عمر عن رجل قذف أم ولد لرجل، قال: يضرب الحد صاغرًا. رواه عبد الرزاق (١) . وابن حزم (٢) من طريقه وسنده صحيح) .\nففي هذا تصريح من ابن عمر لإقامة الحد على قاذف العبد.\nمناقشتهم لأدلة القول الأول:\nأما حديث أبي هريرة ﵁ المتقدم (٤) فلم أرَ من ناقشه من المخالفين. وقد ساقه ابن حزم في أدلة مخالفيه ولم يتعقبه بشيء.\nوأما الإجماع:\nفقد ناقشه الحافظان ابن حزم (٥) وابن حجر (٦) . بأن رأي ابن عمر والحسن البصري على خلافه فلا إجماع إذا فلا يسم الاستدلال به.\nتعقب هذه المناقشة:\nفي الواقع أن استدلال ابن حزم بقول ابن عمر ومناقشته للإجماع به غير واردة، لأن رأي ابن عمر هو في (أم الولد) لا في مطلق الرقيق. كما أنه في قذف شخص أم ولد لشخص آخر وهنا تنتفي الملكية المانعة من الحد فلا يستلزم الحد هنا - لو سلم - وجوبه فيمن قذف مملوكه. وهذه مسألة مستقلة عن محل النص والإجماع ولهذا فإن العلماء يبحثون هذه المسألة في أعقاب المسألة الأولى (٧) .\n_________\n(١) انظر: المصنف ٧/ ٤٣٩.\n(٢) انظر: المحلي ١١/٣٢٨.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر ١٢/ ١٨٥.\n(٤) انظر: ص/١٥.\n(٥) انظر: المحلي ١١/٣٢٨ - ٣٢٩.\n(٦) انظر: فتح الباري ١٢/ ١٨٥.\n(٧) انظر: تفسير القرطبي ١٢/ ١٧٥. وفتح الباري لابن حجر ١٢/ ١٨٥. وأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٦/ ١٠٤","vol":"1","page":215},{"text":"والخلاف فيها قائم بين مدعي الإجماع أنفسهم في المسألة الأولى: وهي قذف العبد. وأما نقضه بأنه رأى الحسن على خلافه فالحسن البصري رحمه الله تعالى من التابعين فهو بعد انعقاد الإجماع فلا يكون ناقضًا له على أن ابن حجر ذكره رأيًا له عريًا من الإسناد فلا بد من المطالبة به ليعلم ثبوته عنه من عدمه.\nومن هذا يتضح أن الإجماع سالم من النواقض فيتم الاستدلال به والله أعلم. الراجح:\nوالذي يظهر لي والله أعلم أنه لا حد على الحر إذا قذف العبد لوضوح دليله من السنة ونقل الإجماع على مقتضاها والله أعلم.\n\nالمبحث الرابع:\nالتعريض (١) بالقذف (٢)\nيقرر ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (أعلام الموقعين) قاعدة الشريعة المطردة وهي (أن العبرة في الشريعة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني) وفي معرض حديثه هذا ذكر مبحث المعاريض في الحدود والحقوق. وذكر نقلًا مستفيضًا عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقرر فيه أن أحكام النبي ﷺ مضت فيما بين العباد من الحدود وجميع الحقوق: على ما يظهرون والله تعالى يدين بالسرائر وضرب لهذا عددًا من الأمثلة، ذكر منها أن الشارع لم يعلق حكم القذف على التعريض بالقذف وقرر أنه لا يجب بذلك الحد.\n_________\n(١) التعريض: هو كلام له وجهان ظاهر وباطن فيقصد قائله الباطن ويظهر إرادة الظاهر (انظر: المفردات للراغب ص/ ٣٣١. وفتح الباري لابن حجر ١٢/ ١٧٥) .\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٠٧، ١١٤، ١١٥، ١٤١، ١٧٠.","vol":"1","page":216},{"text":"ثم أخذ ابن القيم رحمه الله تعالى في مناقشة الإمام الشافعي رحمه الله تعالى بذلك وبيّن أن محض السنة والقياس هو: الحد بالتعريض بالقذف. وبيان ذلك فما يلي:\nأدلة الإمام الشافعي:\nاستدل الشافعي رحمه الله تعالى على نفي الحد بالتعريض بالقذف بما يلي:\n١- حديث أبي هريرة ﵁ قال (جاء أعرابي (١) إلى النبي ﷺ\nفقال يا رسول الله، أن امرأتي ولدت غلامًا أسود، فقال هل لك من إبل قال نعم،\nقال ما لونها قال: حمر. قال فيها من أورق (٢) . قال: نعم: قال: فأنى كان ذلك.\nقال: أراه عرق نزعه. قال: فلعل ابنك هذا نزعه عرق) رواه البخاري (٣)\nومسلم (٤) .\nوجه الاستدلال:\nقال الشافعي رحمه الله تعالى (الأغلب على من سمع الفزاري بقوله للنبي ﷺ (إن امرأتي ولدت غلامًا أسود) وعرّض بالقذف أنه يريد القذف ثم لم يحده النبي ﷺ إذ لم يكن التعريض ظاهرًا بالقذف. فلم بحكم النبي ﷺ بحكم القذف) . يريد الشافعي رحمه الله تعالى: أنه لما كان قول الأعرابي الفزاري محتملًا لغير القذف لم يحكم النبي ﷺ فيه بحكم القذف فدل على أنه لا حد في التعريض بالقذف.\n_________\n(١) الأعرابي: هو ضمضم بن قتادة الفزاري (انظر: فتح الباري لابن حجر ٩/٤٤٣) .\n(٢) أورق: هو الذي فيه سواد غير حالك بل يميل إلى الغبرة (انظر: فتح الباري لابن حجر ٩ انظر: ٤٤٣) .\n(٣) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ١٢/ ١٧٥، ٩/ ٤٤٢.\n(٤) انظر: صحيح مسلم مع شرح النووي ١٠/١٣٣.\n(٥) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١١٤\n_________","vol":"1","page":217},{"text":"ووجه التعريض: أنه قال: (غلامًا أسود) أي وأنا أبيض فكيف يكون\nمني (١) .\nوهذا الاستدلال من الشافعي هو عمدة نفاة الحد بالتعريض بالقذف عند الحنفية والحنابلة (٢) .\nمناقشة ابن القيم للشافعي:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٣):\n(إن قول الأعرابي (إن امرأتي ولدت غلامًا أسود) فليس فيه ما يدل على القذف لا صريحًا ولا كناية وإنما أخبره بالواقع مستفتيًا عن حكم هذا الولد. أيستلحقه مع مخالفة لونه للونه أم ينفيه؟ فأفتاه النبي ﷺ وقرب له الحكم بالشبه الذي ذكره ليكون أذعن لقبوله وانشراح صدره له. ولا يقبله على إغماض فأين في هذا ما يبطل حد القذف ...) .\nأدلة ابن القيم:\nاستدل ابن القيم بعد ذلك على وجوب الحد بالتعريض بما يلي:\n١- وجود المعرة بالتعريض بالقذف.:\nيذكر ابن القيم (أن من التعريض بالقذف ما هو أوجع وأنكى من التصريح وأبلغ في الأذى وظهوره عند كل سامع بمنزلة ظهور الصريح مثل قول من يشاتم غيره (أما أنا فلست بزان وليست أمي بزانية) (٤) .\nوهذا الاستدلال من ابن القيم مسطر لدى المالكية القائلين بوجوب الحد\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر ٩/ ٤٤٣.\n(٢) انظر: المغنى لابن قدامة ١٠/ ٢١٣، وفتح القدير لابن الهمام ٥/ ١٠٠. (٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٤١.\n(٤) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٤١","vol":"1","page":218},{"text":"بالتعريض بالقذف كما بسطه القرطبي في (تفسيره) (١) .\n٣- حد عمر ﵁ لمن عرض بالقذف وموافقة الصحابة عليه رضي\nالله عنهم.\nقال رحمه الله تعالى (٢):\n(وقد حد عمر بالتعريض في القذف ووافقه الصحابة ﵃. والأثر عن عمر ﵁ بذلك رواه عبد الرزاق في (المصنف) بسنده (٣) (أن رجلا في زمن عمر بن الخطاب قال: ما أمي بزانية ولا أبي بزان قال عمر: ماذا ترون، قالوا: رجل مدح نفسه، قال: بل انظروا فإن كان بالآخر بأس، فقد مدح نفسه، وإن لم يكن به بأس فلم قالها فوالله لأحدنه فحده) .\nرد الشافعي لدعوى الاتفاق:\nقال ابن القيم نقلًا عن الشافعي (٤):\n(فإن قال قائل: فإن عمر حد في التعريض قبل استشارة الصحابة فخالفه بعضهم، ومع من خالفه ما وصفنا من الدلالة) والدلالة يعني بها احتمال القذف وعدمه وهذه شبهة فلا حد.\nتعقب ابن القيم لمناقشة الشافعي:\nلكن ابن القيم رحمه الله تعالى لا يرتضي رد الشافعي هذا وبيّن أن القائل لم يخالف عمر فقال (٥):\n_________\n(١) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ١٧٣.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٤١.\n(٣) انظر: مصنف عبد الرزاق ٧/ ٤٢٥.\n(٤) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٥.\n(٥) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٤١","vol":"1","page":219},{"text":"(وأما قوله له- يعني الشافعي- رحمه الله تعالى (فإنه استشار الصحابة فخالفه بعضهم) فإنه يريد ما رواه مالك عن أبي الرجال (١) . عن أمه: عمرة بنت عبد الرحمن (٢) . أن رجلين استبا في زمن عمر ﵁ فقال أحدهما للآخر: والله ما أنا بزان ولا أمي بزانية فاستشار في ذلك عمر ﵁، فقال قائل: مدح أباه وأمه وقال آخرون: قد كان لأمه وأبيه مدح غير هذا، نرى أن تجلده الحد فجلده عمر الحد ثمانين) .\nوهذا لا يدل على أن القائل الأول خالف عمر، فإنه لما قيل له: إنه قد كان لأبيه وأمه مدح غير هذا فهم أنه أراد القذف فسكت، وهذا إلى الموافقة أقرب منه إلى المخالفة) . ثم ذكر ابن القيم أنه قد صح عن عمر ﵁ من وجوه أخر وعن جماعة من السلف على ما يلي:\nأ- أن هذا الحكم من عمر ﵁ قد صح عنه من وجوه أخر. بين ابن القيم أن هذا الحكم صح عن عمر ﵁ من عدة وجوه وهو يريد بهذا تقوية الاتفاق على استمرار عمر ﵁ على (الحكم بذلك واستشهار ذلك فقال) (٣):\nوقد صح عن عمر ﵁ من وجه أنه حد في التعريض فروى معمر (٤) عن الزهري (٥) عن سالم (٦) عن أبيه (٧) أن عمر كان يحد في التعريض بالفاحشة (٨) .\n_________\n(١) أبو الرجال: هو محمد بن عبد الرحمن الأنصاري من طبقة التابعين\n(انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر ٩/ ٢٩٥ والتقريب لابن حجر ٢/ ١٨٣) .\n(٢) عمرة: هي بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصاري ماتت قبل المائة (انظر: التقريب لابن حجر ٢/ ٦٠٧) .\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٤١.\n(٤) معمر: هو ابن راشد الأزدي مولاهم مات سنة ١٥٤ هـ. (انظر: التقريب ٢/ ٢٦٦) .\n(٥) الزهري: هو محمد بن سالم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المتوفى سنة ١٢٥ هـ. (انظر: التقريب لابن حجر ٢/ ٢٠٧) .\n(٦) سالم هو: بن عبد الله بن عمر بن الخطاب أحد الفقهاء السبعة مات سنة ١٠٦ هـ. (انظر: التقريب لابن حجر ١/ ٢٨٠) .\n(٧) أبيه: يريد عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵁.\n(٨) انظر: مصنف عبد الرزاق ٧/ ٤٢١. والمحلي لابن حزم ١١/ ٣٣٤","vol":"1","page":220},{"text":"وروى ابن جريج (١) عن ابن أبي مليكة (٢) عن صفوان (٣) وأيوب (٤) عن عمر أنه حد في التعريض) (٥)\nب- أنه رأي عثمان ﵁.\nقال رحمه الله تعالى:\n(وذكر أبو عمر (٦) أن عثمان كان يحد في التعريض، وذكره ابن أبي شيبة) (٧) .\nج- وهو رأي عمر ابن عبد العزيز رحمه الله تعالى (٨):\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٩):\n(وكان عمر ابن عبد العزيز يرى الحد في التعريض (١٠) .\nد- قال ابن القيم رحمه الله تعالى (١١):\n(وهو قول أهل المدينة والأوزاعي) (١٢) .\n_________\n(١) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج مات سنة ١٥٠ هـ. ثقة يدلس. (انظر: التقريب لابن حجر ١/٥٢٠) .\n(٢) هو عبد الله بن عبيد الله التيمي المدني مات سنة ١١٧ هـ. (انظر: التقريب لابن حجر ١/٤٣١) .\n(٣) هو: صفوان بن سليم المدني المتوفى سنة ٢٣٢ هـ. ثقة عابد (انظر: التقريب ١/ ٣٦٨) .\n(٤) هو: أيوب بن أبي تميمة السختياني ثقة حجة مات سنة ٢٣١ هـ. (انظر: التقريب ١/ ٨٩) .\n(٥) انظر: مصنف عبد الرزاق ٧/ ٤٢١. والمحلي لابن حزم ١١/ ٣٣٤.\n(٦) أبو عمر: هو عند الإطلاق ابن عبد البر.\n(٧) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٤١.\n(٨) هو: عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم الأموي توفي سنة ١٠١ هـ. (انظر: التقريب لابن حجر ٢/٥٩) .\n(٩) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٤١.\n(١٠) انظر: مصنف عبد الرزاق ٧/ ٤٢٤.\n(١١) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٤١.\n(١٢) الأوزاعي: هو عبد الرحمن بن عمر والمتوفى سنة ١٥٧ هـ. (انظر: التقريب لابن حجر ١/٥٩٣) .","vol":"1","page":221},{"text":"ومن هنا نرى ابن القيم يسند رأيه بأنه مذهب جماعة من السلف منهم الخليفتان الراشدان عمر وعثمان ﵄ والإمام العادل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى. والإمام الأوزاعي وهو قول أهل المدينة والله أعلم.\n٣- القياس:\nثم إن ابن القيم رحمه الله تعالى يبين أن هذا الرأي وهو حد القاذف بالتعريض كما أنه قول جماعة من الصحابة والتابعين. فهو مؤيد بدلالة القياس عليه. فتطابق النقل والعقل وفي ذلك يقول:\n(وهو محض القياس، كما يقع الطلاق والعتق والوقف والظهار بالصريح والكناية) .\nوهذا القياس نجده بعد النظر قياسًا مستوفيًا لأركانه وشرائطه على ما يلي: أولًا: ذكر المقيس وهو التعريض بالقذف.\nثانيًا: ذكر المقيس عليه: وهو الطلاق مثلًا بالكناية.\nثالثًا: العلة: كون الكل ألفاظًا يمكن أن يفيد غير الصريح منها ما يفيده\nالصريح.\nرابعًا: الحكم: وهو ترتب ما رتب الشارع على كل من الحكم الشرعي: من وقوع الطلاق بالكناية مثلًا، ووجوب حد القذف بالتعريض.\n٤- دلالة الوضع اللغوي عليه:\nومن وراء هذه الأدلة من الأثر والقياس يذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن إيقاع حد القذف بالتعريض هو مقتضى لغة العرب فيقول (٢): (واللفظ إنما وضع\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٤١.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٤١.","vol":"1","page":222},{"text":"لدلالته على المعنى، فإذا ظهر المعنى غاية الظهور لم يكن في تغيير اللفظ كثير فائدة) .\nالخلاصة والترجيح:\nمن هذا العرض لما ذكره ابن القيم في مبحث حد المعرض بالقذف ومما لحقه مما يوجبه بيان ذلك المبحث يتبين ما يلي:\nأولًا: أن القول بنفي الحد هو مذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة أبو حنيفة والشافعي وأحمد.\nثانيًا: وأن القول بوجوب الحد في التعريض بالقذف هو مذهب مالك رحمه الله تعالى.\nوأن ابن القيم رحمه الله تعالى يرى وجوب الحد بالتعريض لكن يرد ههنا سؤال مهم؟.\nوهو هل يرى وجوب الحد بالتعريض بالقذف مطلقًا أم بالتعريض الذي يفهم منه معنى القذف معنى واضحًا للقرائن التي تحتف به؟.\nوالذي يظهر بعد تأمل لكلام ابن القيم رحمه الله تعالى هو الثاني:\nأي أنه اختار وجوب الحد بالتعريض في القذف إذا قامت القرائن على تحديد القصد في ذلك وفهم ذلك من التعريض فهمًا واضحًا لا لبس فيه وهذا هو ما يتمشى مع قاعدتي الشريعة التي يقررهما ابن القيم ويطيل في الاستدلال لها من (أن العبرة في الشريعة بالمقاصد والنيات) (١) . وقاعدة (درء الحد بالشبهات) فإذ احتفت القرائن مع أن المراد بالتعريض ذات القذف انتفت الشبهة وتحقق الحد. وإذا ضعفت القرائن قويت الشبهة وانتفى الحد.\n_________\n(١) انظر: كلامه على تأثير القرائن في ذلك: أعلام الموقعين ٣/١٣٣","vol":"1","page":223},{"text":"هذا هو ما ظهر لي أنه هو رأي ابن القيم في خصوص هذه القضية (وجوب الحد بالتعريض بالقذف) .\nوعلى أي كان رأي ابن القيم، فإن الذي يظهر لي في هذه القضية هو هذا. وهو ما قرره شيخنا أبو عبد الله محمد الأمين الجكني رحمه الله تعالى في كتابه (أضواء البيان) (١) فقال:\n(وأظهر القولين عندي أن التعريض إذا كان يفهم منه معنى القذف المسلم تتحقق بكل ما يفهم منه ذلك فهمًا واضحًا. ولئلا يتذرع بعض الناس لقذف بعضهم بألفاظ التعريض التي يفهم منها القذف بالزنا.\nوالظاهر أنه على قول من قال من أهل العلم: أن التعريض بالقذف لا يوجب الحد أنه لا بد من تعزير المعرض بالقذف للأذى الذي صدر منه لصاحبه بالتعريض والعلم عند الله تعالى) .\nوبهذا تجتمع الأدلة ويلتئم شملها وعليه يحمل حديث أبي هريرة المتقدم في الفزاري الذي قال (إن امرأتي ولدت غلامًا أسود) على القول بأنه تعريض محتمل لم يقم بجانبه من القرائن ما يجعله يفهم منه بوضوح أنه قذف والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>المبحث الخامس:\nعقوبات القاذف </span>(٢)\nصان الله الأعراض عن جلب المعرة إليها وإلصاق الفواحش بها فمن تطاول على عرض مسلم يرميه بفاحشة الزنا أو ما يستلزم الزنا كنفي ولد المحصنة عن\n_________\n(١) انظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٦/ ٩٩.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٤١، ١/ ١٢٢، ١٢٨، ٢/ ١٠٦- ١٠٩ وزاد المعاد ٢/١١٣- ١١٥، ٣/ ٢١٠.","vol":"1","page":224},{"text":"أبيه (١) وعجز عن إثبات دعواه هذه.\nفإن الله تعالى أوجب عليه ثلاث عقوبات هي:\nالأولى: جلد القاذف ثمانين جلدة.\nالثانية: عدم قبول شهادته.\nالثالثة: الحكم عليه بأنه فاسق.\nوأنزل الله ﷾ في ذلك نصًا قرآنيًا صريحًا محكمًا يتلى فقال تعالى (٢):\n(والذين يرمون المحصنات، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة\nولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا. وأولئك هم الفاسقون. إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم) .\nوابن القيم رحمه الله تعالى عرج في كتابيه (زاد المعاد) (٣) و(أعلام الموقعين) (٤) . على حكمي الجلد ورد الشهادة. وهما حكمان نصيان لا يفتقران إلى تفصيل. سوى الحكم في استمرار رد شهادة القاذف بعد توبته فقد ناقش هذه القضية بعقد مجلس للمناظرة بين المانعين والقابلين، ولكنه رحمه الله تعالى لم يفصح عن اختياره لأي من القولين؟. وسوف أظهر إن شاء الله تعالى السر في وقفه رحمه الله تعالى عن الاختيار والترجيح.\nوإلى القارئ البيان لذلك على ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>العقوبة الأولى: جلد القاذف</span>.\nمن قواطع الأحكام في الإسلام أن العقوبة المقدرة للقاذف (ثمانون\n_________\n(١) انظر: بداية المجتهد لابن رشد ٣/ ٤٤١. وأضواء البيان للشنقيطي ٦/ ٨٥.\n(٢) الآية رقم ٤ سورة النور.\n(٣) انظر: ٢/١١٣- ١١٥، ٣/٢١٠.\n(٤) انظر: ٣/١٤١","vol":"1","page":225},{"text":"جلدة) (١) . لآية القذف الآنفة الذكر. وابن القيم رحمه الله تعالى في ظل سياقه لموقف النبي ﷺ من قصة الإفك (٢) . وفي سياقه لأحكامه ﷺ في الحدود (٣) . يبين أن النبي ﷺ جلد القذفة لعائشة ﵂: ثمانين ثمانين لكل واحد منهم كما تقدم والله أعلم.\nالعقوبة الثانية: الحكم بفسق القاذف.\nجاء النص في الآية الكريمة على أن القاذف فاسق فهو كبيرة من الكبائر. وذلك لانطباق حد الكبيرة عليه كما حكاه الحافظ ابن حجر في (الفتح) إذ قال (٤): (في الآية بيان كونه من الكبائر بناء على أن كل ما توعد عليه باللعن أو العذاب أو شرع فيه حد فهو كبيرة وهو المعتمد) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>العقوبة الثالثة: عدم قبول شهادته</span>.\nفي (أعلام الموقعين) (٥) عند بيان ابن القيم رحمه الله تعالى لقول عمر ﵁ (أو مجلودًا في حد) حرر الكلام عن شهادة القاذف من ثلاث جهات وهي على ما يلي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>الأولى: عدم قبول شهادته بعد حده ما لم يتب</span>.\nوهذا أمر متفق عليه فيقول (٦):\n(القاذف إذا حد للقذف لم تقبل شهادته بعد ذلك وهذا متفق عليه بين الأمة والقرآن نص فيه) .\n_________\n(١) انظر: المغنى لابن قدامة ١٠ ومراتب الإجماع لابن حزم ص/ ١٣٤.\n(٢) انظر: زاد المعاد ٢/ ١١٤.\n(٣) انظر: زاد المعاد ٣/ ٢١٠.\n(٤) انظر: فتح الباري ١٢/ ١٨١. وانظره مفصلًا في المحلي لابن حزم ١١/ ٣٢٤- ٣٢٥.\n(٥) انظر: ١/١٢٢- ١٢٨.\n(٦) انظر: أعلام الموقعين ١/ ١٢٢","vol":"1","page":226},{"text":"أي لقوله تعالى (١) (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادةً أبدًا الآية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>الثانية: هل عدم قبول شهادة القاذف من تمام عقوبته أم لفسقه</span>؟\nأشار ابن القيم رحمه الله تعالى إلى هذا الحكم في معرض الحجاج بين- الطرفين المانعين والقابلين لشهادته بعد التوبة، ولم يقرر اختيار واحد منهما (٢) .\nوسر الخلاف هو: هل الموجب لرد شهادة القاذف بعد الحد، هو نفس القذف. أم الموجب لرد شهادته: هو الفسق بالقذف؟.\nفمن قال: إن السبب الموجب لرد شهادته هو الفسق بالقذف، لم يجعل رد. شهادته من تمام عقوبة الحد. وهذا مذهب الثلاثة مالك والشافعي وأحمد (٣) . وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد بيان لهذا في أواخر: مبحث قبول شهادة القاذف بعد توبته (٤) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-142>الثالثة: في حكم قبول شهادته بعد توبته</span>.\nذكر ابن القيم في هذه قولين للعلماء وأدلى بحججهما ومناقشة كل منهما للآخر (٥) . وتفصيل ذلك على ما يلى:\nالقول الأول:\nوهو أنه لا تقبل شهادة المحدود في قذف ولو تاب وقد بيّن ابن القيم القائلين به\nفقال (٦):\n_________\n(١) الآية رقم ٤ سورة النور.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ١/١٢٣، ١/١٢٨\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة ١٢/ ٧٦، وفتح القدير لابن الهمام ٥/ ١٠٧، ٦/ ٤٧٥، ٦/٤٧.\n(٤) انظر: أيضًا سابقه.\n(١) انظر: أعلام الموقعين ١/ ١٢٢- ١٢٥.\n(٦) انظر: أعلام الموقعين ١/ ١٢٢. وانظر ما يأتي: فتح القدير لابن الهمام ٦/ ٤٧٥ وبدائع الصنائع للكاساني ٦/ ٢٧١. والمغنى لابن قدامة ١٢/ ٧٦.","vol":"1","page":227},{"text":"(وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وأهل العراق، وهو ثابت عن جماعة من السلف منهم مجاهد (١) . وعكرمة. والحسن (٣) . ومسروق (٣) . والشعبي (د) . في إحدى الروايتين عنهم وهو قول شريح (٥) .\nأدلة هذا القول:\nذكر ابن القيم حجة هذا القول من الكتاب والسنة ومناقشته المخالفين لهم فيها على التفصيل الآتي:\n١- الدليل من الكتاب.\nاستدل المانعون على المنع مطلقًا بموضعين من آية القذف هما (٦):\n١- الاستثناء في الآية:\nقال الله تعالى (٧) (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا) الآية.\n_________\n(١) هو: مجاهد بن جبر المخزومي مولاهم مات سنة ١٣١ هـ. خلاف (انظر: التقريب لابن حجر ٢/٣٠) .\n(٢) هو: الحسن بن أبي الحسن البصري الإمام المشهور مات سنة ١١٠ هـ.\n(انظر: التقريب لابن حجر ١/١٦٥) .\n(٣) هو: مسروق بن الأجدع الهمداني الكوفي مات سنة ٦٢ هـ. (انظر: التقريب لابن حجر ٢/٢٤٢) .\n(٤) هو: عامر بن شراحيل الشعبي مات بعد المائة من الهجرة (انظر: التقريب لابن حجر ١/ ٣٨٧) .\n(٥) هو: شريح بن الحارث النخعي الكوفي القاضي مات سنة ٨٠ هـ. أو بعدها\n(انظر: التقريب لابن حجر ١/٣٤٩) .\n(٦) الآية رقم ٤ سورة النور.\n(٧) الآية رقم ٤ سورة النور.","vol":"1","page":228},{"text":"وجه الاستدلال:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى مبينًا وجه الاستدلال لهم من الآية (١): (احتج أرباب هذا القول بأن الله سبحانه أبد المنع من قبول شهادتهم بقوله (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا) وحكم عليهم بالفسق ثم استثنى التائبين من الفاسقين. وبقي المنع من قبول الشهادة على إطلاقه وتأبيده) .\nوهذا الاستدلال راجع إلى مسألة أصولية مشهورة قررها الحنفية في مذهبهم\n(٢)\nوهي:\n(أن الاستثناء إذا جاء بعد جمل متعاطفات رجع الاستثناء للأخير فقط) . فاستثناء الذين تابوا في هذه الآية إنما يرجع إلى الجملة الأخيرة منها وهي قوله (وأولئك هم الفاسقون) فالتوبة تزيل وصف الفسق فقط ولا يعود الاستثناء إلى ما ذكر قبله من الجمل المتعاطفات وهي في هذه الآية جملتين: الحد- وعدم قبول شهادته. فلو تاب القاذف وصار من أصلح الناس فلا تقبل شهادته.\nب- الاستدلال الثاني من الآية:\nوهو أن رد شهادة القاذف من الأحكام العقابية للقاذف فلا يسقط هذا العقاب بالتوبة كما أن الحد لا يسقط عنه بالتوبة.\nويبسط ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الوجه من الاستدلال لهم فيقول (٣):\n(قالوا: ولأن المنع من قبول شهادته جعل من تمام عقوبته. ولهذا لا يترتب المنع إلا بعد الحد. فلو قذف ولم يحد لم ترد شهادته. ومعلوم أن الحد إنما زاده طهرة وخفف عنه إثم القذف أو رفعه. فهو بعد الحد خير منه قبله. ومع هذا فإنما\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ١/١٢٢.\n(٢) انظر: فتح القدير لابن الهمام ٦/ ٤٧٥. وتفسير القرطبي ١٢/ ١٨١. وأضواء البيان للشنقيطي ٦/٨٩.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ١/ ١٢٢- ١/ ١٢٦. وانظر: فتح القدير لابن الهمام ٦/ ٤٧٥","vol":"1","page":229},{"text":"ترد شهادته بعد الحد. فردها من تمام عقوبته وحده.\nوما كان من الحدود ولوازمها فإنه لا يسقط بالتوبة. ولهذا لو تاب القاذف لم تمنع توبته إقامة الحد عليه فكذلك شهادته.\nوقال سعيد بن جبير: (١) (تقبل توبته فيما بينه وبين الله من العذاب العظيم. ولا تقبل شهادته) .\nوقال شريح (لا تجوز شهادته أبدًا وتوبته فيما بينه وبين ربه) .\nوسر المسألة: أن رد شهادته جعل عقوبة لهذا الذنب، فلا يسقط بالتوبة كالحد) .\nونستطيع أن نفهم من هذا الاستدلال تكونه من فصلين:\nالأول: أن رد شهادة القاذف ولو تاب عقوبة من تمام الحد. فلا تسقط هذه العقوبة بالتوبة.\nالثاني: قياس هذه العقوبة على عقوبة الحد: فكما أن الحد لا يسقط بالتوبة\nفكذلك تمامه وهو: عدم قبول شهادته.\nتعقب هذا الاستدلال في، فصله الأول:\nوقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى تعقب الجمهور لذلك فقال (٢):\n(وأما قولكم (إن رد الشهادة من تمام الحد) فليس كذلك، فإن الحد تم باستيفاء عدد٥ وسببه نفس القذف. وأما رد الشهادة فحكم آخر أوجبه الفسق بالقذف لا الحد. فالقذف أوجب حكمين: ثبوت الفسق وحصول الحد. وها متغايران) .\n_________\n(١) سعيد بن جبير، هو الأسدي مولاهم فقيه الكوفة قتله الحجاج بن يوسف سنة ٩٥ هـ. (انظر: التقريب لابن حجر ١/ ٢٩٢) .\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ١/١٢٨","vol":"1","page":230},{"text":"وعندي أن استدلال الحنفية هذا غير وارد أصلا فما سيق لأجله ذلك:\nلأنه لا نزاع بين الحنفية ومخالفيهم أن المحدود في قذف لا تقبل شهادته قبل\nأن يتوب.\nوالخلاف في قبولها بعد توبته. فرد الشهادة إذا حكم ذو طرفين:\nالطرف الأول: الحكم برد شهادة القاذف قبل توبته وهذا حاصل عند الجميع بالإجماع وسواء قلنا أن موجبه القذف كما يقوله الحنفية. أو قلنا: موجبه الفسق بالقذف كما يقوله الجمهور.\nالطرف الثاني: الحكم برد شهادة القاذف إذا تاب وهو محل النزاع بين الحنفية والجمهور.\nهل يستمر الرد ولو تاب كما يقوله الحنفية. أم تقبل إذا تاب كما يقوله الجمهور.\nوهذه هي صورة النزاع التي من أجلها يورد كل من الطرفين لها الاستدلال.\nفتبين إذا أن الاستدلال المذكور من الحنفية غير وارد أصلًا في صورة النزاع\nإذ الخلاف في الغاية لا في أصل الحكم برد شهادة القاذف؟\nفلمن ينصر مذهب الجمهور أن يتنزل على استدلال الحنفية فيقول: نوافقكم\nأن رد الشهادة من تمام الحد. لكنه رد معلق بالتوبة لا مؤبد والله أعلم.\nتعقب القياس في هذا الاستدلال:\nأما قياس الحنفية، عقوبة رد شهادة القاذف على عقوبته بالجلد فكما لا تسقط عقوبة الجلد بالتوبة فكذلك عقوبته برد الشهادة.\nفهذا القياس يرد عليه القادح بافتراق العلة فإن العلة في (الحد بالجلد) هي (القذف) ذاته فالقذف هو العلة الموجبة للحد. أما العلة في إيجاب (عدم قبول شهادته) فهي مترددة بين القذف أو الفسق بالقذف فلا يتم الاستدلال بهذا القياس إذا والله أعلم.","vol":"1","page":231},{"text":"٢- الدليل من السنة:\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى استدلال الحنفية من السنة بحديث أن النبي ﷺ قال:\n(لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة. ولا محدود في الإسلام. ولا ذي غمر (١) على\nأخيه) .\nوذكر طرقه وألفاظه فقال (٢):\n(قالوا: وقد روى أبو جعفر الرازي (٣) عن آدم ابن فائد (٤) . عن عمرو بن\nشعيب (٥) عن أبيه (٦)، عن جده (٧) عن النبي ﷺ (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة. ولا محدود في الإسلام. ولا ذي غمر على أخيه) .\nوله طرق إلى عمرو. ورواه ابن ماجه (٨) من طريق حجاج بن أرطاة (٩) عن عمرو. ورواه البيهقي (١٠) من طريق المثنى بن الصباح (١١) عن عمرو.\n_________\n(١) الغمر: بكسر الغين المعجمة هو: الحقد والضغن (انظر: النهاية لابن الأثير ٣/ ٣٨٤) .\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ١/ ١٢٢- ١٢٣.\n(٣) أبو جعفر الرازي: مشهور بكنيته واسمه عيسى بن أبي عيسى بن ماهان قال ابن حجر في التقريب ٢/٤٠٦: صدوق سيء الحفظ مات في حدود الستين روى له أصحاب السنن) .\n(٤) آدم بن فائد: قال ابن حجر في (لسان الميزان ١/ ٣٣٦) مجهول قاله الذهبي وابن أبي حاتم.\n(٥) عمرو بن شعيب: بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص مات سنة ١١٨ هـ. قال ابن حجر في التقريب (صدوق) ٢/ ٧٢.\n(٦) أبيه: في هذا خلاف كبير هل يريد أباه شعيبًا أم يريد جده محمدًا لأنه قد توفي والده وصار يسمي جده بأبيه في هذا خلاف كبير انظره. في شرح ألفية السيوطي.\n(٧) جده: يريد به الصحابي عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁. ص/٢٤٦/٤٨\n(٨) انظر: سنن بن ماجه ٢/ ٧٩٢ رقم ٢٣٦٦.\n(٩) الحجاج: هو ابن أرطاة النخعي. قال بن حجر في التقريب ١/ ١٥٢ صدوق كثير الخطأ والتدليس مات سنة ١٤٥ هـ.\n(١٠) انظر: السنن الكبرى للبيهقي ١٠/ ١٥٥.\n(١١) المثنى بن الصباح: هو اليماني أبو عبد الله قال ابن حجر في التقريب ٢/ ٢٢٨ (ضعيف اختلط بآخره وكان عابدًا من كبار السابعة مات سنة ١٤٩ هـ.)","vol":"1","page":232},{"text":"قالوا روى يزيد ابن أبي زياد (١) الدمشقي. عن الزهري. عن عروة (٢) عن عائشة ترفعه (لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا مجلود في حد، ولا ذي غمر على أخيه ولا مجرب عليه شهادة زور. ولا ظنين (٣) في ولاء أو قرابة) وروى عن سعيد ابن المسيب عن النبي ﷺ مرسلًا) (٤) .\nتعقب هذا الدليل:\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى تعقب الجمهور لهذا الدليل من جهتين هما:\nتعقبه من جهة إسناده:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٥):\n(قالوا: وأما تلك الآثار التي رويتموها ففيها ضعف. فإن آدم ابن فائد غير معروف ورواته عن عمرو قسمان: ثقات، وضعفاء. فالثقات لم يذكر أحد منهم (أو مجلودًا في حد) .\nوإنما ذكره الضعفاء كالمثنى ابن الصباح، وآدم، والحجاج.\nوحديث عائشة فيه يزيد وهو ضعيف) .\nوهذا التعقيب مسلم به عند جماعة الحفاظ كابن حجر في (تلخيص الحبير) (٦) والشوكاني في (نيل الأوطار) (٧) ومن قبلهما الترمذي في (سننه) (٨) . فإن أصل\n_________\n(١) يزيد ابن أبي زياد الشافعي: مات سنة ١٣٦ هـ. وهو ضعيف كما قاله الحافظ في التقريب ٢/٣٦٥\n(٢) عروة: هو ابن الزبير بن العوّام من أئمة التابعين مات سنة ٩٤ هـ. (انظر: التقريب لابن حجر ٢/١٩)\n(٣) ظنين: أي متهم. وظنين الولاء الذي ينتمي إلى غير مواليه لا تقبل شهادته للتهمة (انظر: النهاية لابن الأثير ٣/١٦٣) .\n(٤) انظر: سنن الترمذي ٤/ ٥٤٥ رقم ٢٢٩٨.\n(٥) انظر: أعلام الموقعين ١/ ١٢٥.\n(٦) انظر: ٤: ١٩٨\n(٧) انظر: ٨/٣٠١- ٣٠٢.\n(٨) انظر: ٤/٥٤٥- ٥٤٦","vol":"1","page":233},{"text":"الحديث قوي الإسناد كما ذكره بن حجر وغيره. لكن أسانيده بهذه الزيادة (أو مجلودًا في حد) ضعيفة لأن مدارها على من ذكر والله أعلم. ثم ذكر رحمه الله تعالى تعقب الجمهور له من حيث دلالته على فرض صحته فقال (١):\n(ولو صحت الأحاديث لحملت على غير التائب، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له) .\nوهذا أيضًا نقد مسلم والاتفاق عليه ذلك أن لفظ (أو مجلودًا في حد) يشمل أي حد من الحدود كالخمر والزنا والقذف ونحوها. لأنه نكرة في سياق النفي فيفيد العموم. والاتفاق جار على أن المحدود في خمر مثلا تقبل شهادته إذا تاب فكذا يقال في القاذف لاحتمال أن يكون الاستثناء في الآية مخصصًا لعموم الحديث بالنسبة له. وإذًا فلا يتم الاستدلال به على المنع من قبول شهادة القاذف ولو تاب والله أعلم.\n٣- أن هذا هو مقتضى حكمة الشرع في التغليظ بالزجر.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢):\n(قال المانعون: القذف متضمن للجناية على حق الله وحق الآدمي وهو من أوفى الجرائم فناسب تغليظ الزجر. ورد الشهادة من أقوى أسباب الزجر. لما فيه من إيلام القلب والنكاية في النفس إذ هو عزل لولاية لسانه الذي استطال به على عرض أخيه وإبطال لها)\n\nمناقشة الجمهور لهذا الاستدلال:\nثم ذكر ابن القيم - رحمه الله تعالى - مناقشة الجمهور لهذا ونقضه من وجوه فقال (٣):\n_________\n(١) انظر إعلام الموقعين ١ / ١٢٥\n(٢) انظر إعلام الموقعين ١ / ١٢٧\n(٣) انظر إعلام الموقعين ١ / ١٢٧","vol":"1","page":234},{"text":"(قال القابلون: تغليظ الزجر لا ضابط له، وقد حصلت مصلحة الزجر بالحد، وكذلك سائر الجرائم جعل الشارع مصلحة الزجر عليها بالحد (وإلا فلا تطلق نساؤه (١)، ولا يؤخذ ماله، ولا يعزل عن مناصبه ولا تسقط روايته) لأنه أغلظ في الزجر، وقد أجمع المسلمون على قبول رواية أبي بكرة ﵁، وتغليظ الزجر من الأوصاف التي لا تنضبط، وقد حصل إيلام القلب والبدن والنكاية في النفس بالضرب الذي أخذه من ظهره.\nوأيضًا فإن رد الشهادة لا ينزجر به أكثر القاذفين، وإنما يتأثر بذلك وينزجر أعيان الناس وقلّ أن يوجد القذف من أحدهم، وإنما يوجد غالبًا من الرّعاع والسقط ومن لا يبالي برد شهادته وقبولها.\nوأيضًا فكم من قاذف انقضى عمره وما أدى شهادة عند حاكم، ومصلحة الزجر إنما تكون بمنع النفوس ما هي محتاجة إليه وهو كثير الوقوع منها. ثم هذه المناسبة يعارضها ما هو أقوى منها: فإن رد الشهادة أبدًا تلزم منه مفسدة فوات الحق على الغير وتعطيل الشهادة في محل الحاجة إليها، ولا يلزم مثل ذلك في القبول فإنه لا مفسدة فيه في حق الغير من عدل تائب قد أصلح ما بينه وبين الله، ولا ريب أن اعتبار مصلحة يلزم منها مفسدة أولى من اعتبار مصلحة يلزم منها عدة مفاسد في حق الشاهد وحق المشهود له وعليه، والشارع له تطلعٍ إلى حفظ الحقوق على مستحقيها بكل طريق وعدم إضاعتها، فكيف يبطل حقا قد شهد به عدل مرضي مقبول الشهادة على رسول الله ﷺ وعلى دينه رواية وفتوى) .\nونستطيع أن نلخص وجوه التعقب هذه فما يلي:\n١- أن مصلحة الزجر متحصلة بالحد. وتغليظ الزجر وصف لا ينضبط فلا يعلق له حكم.\n_________\n(١) الظاهر أن صحة العبارة هكذا (وإلا فلتطلق نساؤه، وليؤخذ ماله، وليعزل عن مناصبه ولتسقط روايته) وبها ينتظم الكلام والله أعلم.","vol":"1","page":235},{"text":"٢- أن زجر القاذف برد شهادته لا يتحقق في كلّ أحد لتفاوت الناس. فهو غير مطرد في حق كل أحد.\n٣- أن قاعدة الشرع المطردة (رد المفاسد وتغليظها وجلب المصالح وتكثيرها)، وما يترتب على رد شهادته أبدًا من المفاسد، تغمر المصلحة في ذلك والله أعلم.\nهذا ما قرره ابن القيم من الاستدلال للحنفية ومناقشة الجمهور لهم. والذي يظهر بعد التأمل قبول الاستدلال ومناقشته في آن واحد على الوجه الآتي: وهو أن قول الحنفية أن رد شهادة القاذف من باب التغليظ بالزجر.\nيقال نعم هو كذلك لكن إلى غاية وهي: حصول توبته. وإذا كان التغليظ معينًا حصل انضباطه.\nوأيضًا فالقذف عادة إنما يحصل من الرّعاع لا من أعيان العباد وهم لا ينزجرون غالبا برد شهاداتهم، وإذا كانوا يمثلون الأكثرية من القاذفين فإن المقصود- والله أعلم- من رد الشهادة لا يحصل بالنسبة للأكثر والعبرة بهم.\nوما لم يتب فهو محكوم بفسقه ورد شهادته وأما إذا تاب فقد تجلت هذه الظلم والتوبة في الإسلام تجب ما قبلها من الذنوب كالإسلام بعد الشرك يجب ما قبله من الضلال والكفر. وحينئذ إذا قلنا باستمرار رد شهادته ولو بعد التوبة تنزلت هذه الوجوه من الرد التي ذكرها الجمهور في تعقبهم على الحنفية والله أعلم. ٤- تنظير هذه العقوبة بقطع يد السارق:\nيقرر ابن القيم دليلهم على أن رد شهادة القاذف أبدًا حتى لو تاب هو عقوبة في محل الجناية وهو لسانه، وهذا مثل عقوبة الشارع في قطع يد السارق فيقول في استدلالهم (١):\n_________\n(١) انظر أعلام الموقعين ١/١٣٦","vol":"1","page":236},{"text":"(ثم هو عقوبة في محل الجناية، فإن حصلت بلسانه، فكان أولى بالعقوبة فيه وقد رأينا الشارع قد اعتبر هذا حيث قطع يد السارق فإنه حد مشروع في محل الجناية) .\nتعقب الجمهور لهذا الاستدلال:\nثم يذكر ابن القيم تعقب الجمهور لذلك فيقول (١):\n(وأما قولكم (إن العقوبة تكون في محل الجناية) فهذا غير لازم- كما في عقوبة الشارب والزاني، وقد جعل الله سبحانه عقوبة هذه الجريمة على جميع البدن دون اللسان، وإنما جعل عقوبة اللسان بسبب الفسق الذي هو محل التهمة، فإذا أزال الفسق بالتوبة فلا وجه للعقوبة بعدها) .\nوالذي أقطع به أن هذا تنظير في مقابلة النص فإن الآية الكريمة نصت على أن عقوبة القاذف الحسية هي جلده ثمانين جلدة. والجلد للقاذف عقوبة في غير محل الجناية، إذ محلها اللسان بينما الجلد في الظهر. وأما رد شهادته فهي عقوبة معنوية أو بما يسمى في الاصطلاح الحادث (فقد اعتبار) فكيف يتم التنظير بقطع يد السارق فافترقا إذًا.\nولابن القيم رحمه الله تعالى بحث مستفيض على اعتراض نفاة المعاني من قولهم أن الشارع جاء بالتفريق بين المتماثلين. ومن بينها إيرادهم هذا التنظير. وقد تعقبه ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه (أعلام الموقعين) (٢) .\nهذا هو القول الأول وما وسع ابن القيم من ذكر الأدلة له ومناقشتها. ولننتقل إلى ما ذكره عن القول الثاني وأدلته ومناقشتها.\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ١/١٢٨.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٢/ ١٠٦- ١٠٩","vol":"1","page":237},{"text":"القول الثاني:\nوهو قبول شهادة القاذف إذا تاب وقد بيّن ابن القيم القائلين به فقال (١): (والثاني: تقبل، وهو قول الشافعي وأحمد ومالك) .\nأدلة هذا القول:\nذكر ابن القيم أدلة هذا القول من الكتاب والسنة ومناقشة المانعين لهم فيها وبيانه على التفصيل الآتي:\n١- الدليل من الكتاب.\nاستدلوا على أن الاستثناء في آية القذف وهو قوله تعالى (... إلا الذين تابوا) (٢) الآية عائد إلى الجملتين المتعاطفتين قبله في قوله تعالى (٣) (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا، وأولئك هم الفاسقون) . ولا يعود على الجملة الأولى وهو قوله تعالى (فاجلدوهم ثمانين جلدة لإجماع المسلمين على أن حد القذف لا يسقط بالتوبة. وفي بيان استدلالهم يقول ابن القيم (٤):\n(قال الآخرون، واللفظ للشافعي: والثنيا في سياق الكلام على أول الكلام وآخره في جميع ما يذهب إليه أهل الفقه إلا أن يفرق بين ذلك خبر) ثم قال ابن القيم:\n(قالوا: والاستثناء عائد على جميع ما تقدمه سوى الحد، فإن المسلمين مجمعون\nعلى أنه لا يسقط عن القاذف بالتوبة. وقد قال أئمة اللغة: إن الاستثناء يرجع إلى ما\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ١/ ١٢٢. وانظر ما يأتي: المغنى لابن قدامة ١٢/ ٧٦ فتح القدير لابن الهمام ٦/ ٤٧٥. بدائع الصنائع للكاساني ٦/ ٢٧١ نهاية المحتاج للرملي ٨/ ٢٩١. جواهر الإكليل على مختصر خليل ٢/٢٣٥.\n(٢) الآية رقم ٥ سورة النور.\n(٣) الآية رقم ٤ سورة النور.\n(٤) انظر: أعلام الموقعين ١/١٢٣","vol":"1","page":238},{"text":"تقدم كله. قال أبو عبيدة في كتاب القضاء (وجماعة أهل الحجاز ومكة على قبول شهادته. وأما أهل العراق فيأخذون بالقول الأول أن لا تقبل أبدًا، وكلا الفريقين إنما تأولوا القرآن فيما نرى والذين لا يقبلونها يذهبون إلى أن المعنى انقطع من عند قوله (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا) ثم استأنف فقال (وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا) فجعلوا الاستثناء من الفسق خاصة دون الشهادة.\nوأما الآخرون فتأولوا أن الكلام تبع بعضه بعضًا على نسق واحد فقال (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا) فانتظم الاستثناء كل ما كان قبله.\nوقال أبو عبيد: وهذا عندي هو القول المعمول به، لأن من قال به أكثر وهو أصح في النظر ولا يكون القول بالشيء أكثر من الفعل، وليس يختلف المسلمون في الزاني المجلود أن شهادته مقبولة إذا تاب) .\nالاستثناء في هذه الآية بين الحنفية والجمهور:\nهذا هو مذهب الجمهور في الاستثناء في هذه الآية من أن الاستثناء عامل في الفسق ورد الشهادة والحنفية كما تقدم مذهبهم: أن الاستثناء في هذه الآية عامل في الفسق فقط.\nومدار الخلاف في هذه الآية يرجع إلى خلاف الفريقين في قاعدة أصولية\nوهي:\nأن الاستثناء إذا جاء بعد جل متعاطفات فإنه يرجع لجميعها إلا لدليل من نقل\nأو عقل يخصصه ببعضها وهذا هو مذهب الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة (١) .\n_________\n(١) انظر: روضة الناظر لابن قدامة ص/ ١٣٤. والأحكام للآمدي ٢/ ٣٠٠ ط مؤسسة النور بالرياض سنة ١٣٨٨ هـ. وتفسير القرطبي ١٢ /١٨٠. وأضواء البيان للشنقيطي ٦/ ٨٩","vol":"1","page":239},{"text":"وعند الحنفية: عندما يقررون هذه القاعدة لا يقولون (إنه يرجع لجميعها) ولكن يقولون: يرجع الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط (١) .\nففي هذه الآية تقدم الاستثناء، ثلاث جمل متعاطفات هي:\nأ- (فاجلدوهم ثمانين جلدة) .\nب- (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا) .\nج- (وأولئك هم الفاسقون) .\nوقد قرر غير واحد الإجماع على أن الاستثناء (إلا الذين تابوا) غير عامل في جلده في الجملة الأولى فالتوبة لا تسقط عن القاذف حد الجلد. كما قرروا أيضًا أنه بالإجماع: فإن الاستثناء عامل في فسقه في الجملة الثالثة. فالتوبة تزيل عن القاذف وصف الفسق.\nومحل الخلاف في عمل الاستثناء في رد الشهادة؟:\nفأبو حنيفة لا يعمله فيه للقاعدة المذكورة عنده.\nوالجمهور يعملونه طردًا للقاعدة المذكورة عندهم إذ لا يوجد دليل من نقل أو عقل يخصص عدم لحوق الاستثناء به.\nهذه هي خلاصة خلاف العلماء في الاستثناء بعد المتعاطفات. وقد استظهر شيخنا محمد الأمين (٢) رحمه الله تعالى ما قرره العلامة القرطبي في (تفسيره) (٣) وتتابع عليه جماعة من المتأخرين منهم: ابن الحاجب (٤) من المالكية. والغزالي من\n_________\n(١) انظر: المراجع السابقة. وأيضًا: فتح القدير لابن الهمام ٦/ ٤٧٦.\n(٢) انظر: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن ٦/ ٩٠- ٩١.\n(٣) انظر: الجامع لأحكام القرآن ١٢/ ١٨٠- ١٨١.\n(٤) ابن الحاجب: هو عثمان بن عمر بن أبي بكر المالكي المتوفى سنة ٦٤٦ هـ. طبع له (مختصر منتهى السول والأول) انظر في ترجمته (طبقات الأصوليين للمراغي ٢/ ٦٧) .","vol":"1","page":240},{"text":"الشافعية (١) . والآمدي من الحنابلة (٢) . من أن الحكم في الاستثناء الآتي بعد متعاطفات هو الوقف ولا يحكم برجوعه إلى الجميع ولا إلى الأخيرة إلا بدليل يدل عليه\nولعل ابن القيم رحمه الله تعالى لم يصرح باختيار له في هذه المسألة لذلك والله أعلم.\nوالذي يظهر لي والله أعلم أنه قد دلّ الدليل على رجوع الاستثناء إلى قوله تعالى (ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا) .\nأ- عمل الصحابة ﵃.\nب- محض القياس على قاعدة الشريعة المطردة في قبول شهادة كل تائب.\nج- عموم قوله ﷺ (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) .\n٢- الاستدلال من الأثر\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى استدلال الجمهور بقبول الصحابة ﵃ شهادة القاذف بعد توبته كما في قصة قذف المغيرة بن شعبة ﵁ (٣) فإن عمر ﵁ قبل شهادة نافع (٤)، وشبل (٥) لما تابا، ورد شهادة أبي بكرة (٦) إذ\n_________\n(١) الغزالي: هو محمد بن محمد بن أحمد أبو حامد الطوسي توفي سنة ٥٠٥ هـ. (انظر: طبقات الأصوليين للمراغي ٢/ ٨) .\n(٢) الآمدي: هو سيف الدين أبو الحسن علي بن أبي على بن محمد الآمدي المتوفى سنة ٦٣١ هـ. (انظر: طبقات الأصوليين للمراغي ٢/ ٥٧) .\n(٣) المغيرة: بن شعبة بن مسعود الثقفي الصحابي المشهور ﵁ توفي سنة ٥٠ هـ. على الصحيح من الخلاف (انظر: التقريب لابن حجر ٢/ ٢٦٩) .\n(٤) نافع: هو ابن الحارث بن كلدة الثقفي أخو أبي بكرة لأمه (انظر: الإصابة لابن حجر ٣/٥١٤) .\n(٥) شبل: هو ابن معيد بن عبيد الجلي وفي صحبته وفي ايم أبيه خلاف ذكره الحافظ بن حجر في (الإصابة ٢/ ١٥٩) .\n(٦) أبو بكرة: هو نفيع بن الحارث الثقفي صحابي مشهور بكنيته مات سنة ٥١ هـ. (انظر: التقريب لابن حجر ٢/ ٣٠٦) .","vol":"1","page":241},{"text":"أبى أن يتوب (١) .\nوقد حكى ابن قدامة في (المغنى) (٢) أن هذا محل إجماع من الصحابة ﵃.\n٣- محض القياس على قاعدة الشريعة المطردة من قبول شهادة كل تائب:\nوفي هذا يوضح ابن القيم استدلالهم فيقول (٣):\n(قالوا وأعظم موانع الشهادة: الكفر، والسحر، وقتل النفس، وعقوق الوالدين، والزنا، ولو تاب من هذه الأشياء قبلت اتفاقًا، فالتائب من القذف أولى بالقبول.\nقالوا وأين جناية قتله من قذفه.\nقالوا: ولا عهد لنا في الشريعة بذنب واحد أصلًا يتاب منه ويبقى أثره المترتب عليه من رد الشهادة، وهل هذا إلا خلاف المعهود منها وخلاف قوله ﷺ (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) (٤) . وعند هذا فيقال: توبته من القذف تنزله منزلة من لم يقذف فيجب قبول شهادته. أو كما قالوا.\nقالوا: ورد الشهادة بالقذف إنما هو مستند إلى العلة التي ذكرها الله عقيب هذا الحكم وهي الفسق، وقد ارتفع الفسق بالتوبة، وهو سبب الرد، فيجب ارتفاع ما ترتب عليه وهو المنع.\nوهذا القياس مستوف لأركانه المعتبرة على ما يلي:\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ١/ ١٢٣ وانظر ما يأتي: مصنف عبد الرزاق ٧/ ٣٨٤ والمغني لابن قدامة ١٢/ ٧٥.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة ١٢/ ٧٥.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ١/ ١٢٥- ١٢٦ وانظر: المغني ١٢/ ٧٥.\n(٤) رواه ابن ماجه ٢/ ١٤١٩ من حديث ابن مسعود ﵁ وهو حديث حسن. انظر: فيض القدير للمناوي ٣/ ٢٧٦. والسنن الكبرى للبيهقي ١٠/١٥٤","vol":"1","page":242},{"text":"فالمقيس عليه: مثلًا التائب من الزنا.\nوالمقيس: التائب من القذف.\nوالحكم: قبول شهادة التائب.\nوالعلة: أي المعنى المشترك بينهما في رد الشهادة قبل التوبة هي: الفسق. تعقب الحنفية لهذا القياس:\nذكر ابن القيم تعقب الحنفية لهذا القياس بأنه قياس مع الفارق ويكمن وجه الفرق في نفي وجود علة الأصل وهي: الفسق في الزنا مثلًا - في الفرع وهو القذف فإن علته تتمة الحد بسبب القذف لا الفسق به. فقال (١):\n(قالوا: وأما التائب، من الزنا، والكفر، والقتل، فإنما قبلنا شهادته لأن ردها كانت نتيجة الفسق، وقد زال، فخلاف مسألتنا، فأنا قد بينا أن ردها من تتمة الحد، فافترقا) .\nرد الجمهور لهذا التعقيب:\nلكن الجمهور لا يرضون هذا القادح ويشير ابن القيم إلى ردهم له فيقول (١): (وأما قولكم: إن رد الشهادة من تتمة الحد. فليس كذلك. فإن الحد تم باستيفاء عدده. وسببه نفس القذف. وأما رد الشهادة فحكم آخر أوجبه الفسق بالقذف، لا الحد. فالقذف أوجب حكمين: ثبوت الفسق، وحصول الحد، وهما متغايران) . والذي يظهر والله أعلم أن القادح الذي أورده الحنفية غير وارد. ولا منافاة بينه وبين ما ذهب إليه الجمهور بيان ذلك:\nأما أنه غير وارد: فإن الحنفية يلزمهم أن لا يرجعوا الاستثناء إلى (الفسق)\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ١/١٢٧.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ١/١٢٨","vol":"1","page":243},{"text":"لأن الحكم بفسقه مسوق مساق الجملتين قبله: الجلد. ورد الشهادة. فهو من تتمة الحد إذًا. وهم لا يقولون بهذا وبالإجماع فإن التوبة تزيل وصف الفسق. ورد الشهادة أثر مترتب على فسقه بالقذف فإذا زال الوصف ارتفع ما ترتب عليه: وهو رد الشهادة. وهذا ألصق بأصول الشريعة وأجرى على قواعدها. من قبول توبة التائبين، ورجوع المذنبين.\nفإنه ما من محدود إلا ويحكم بفسقه لجرمه وما من تائب إلا ويحكم بارتفاع فسقه بتوبته ولا عهد للشريعة بذنب يتأبد عقابه ما عاش صاحبه.\n٤- قال ابن القيم في الاستدلال للجمهور (١)\n(قالوا الحد يدرء عنه عقوبة الآخرة. وهو طهرة له، فإن الحد طهرة لأهلها. فكيف تقبل شهادته إذا لم يتطهر بالحد، وترد أطهر ما يكون. فإنه بالحد والتوبة قد يطهر طهرًا كاملًا) .\nالخلاصة والترجيح:\nهذا ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى من سياق الخلاف وأدلته ومناقشتها ولم يصرح رحمه الله تعالى باختيار أي من القولين. وقد تبين أن مدار الخلاف ومحل التجاذب بين القولين يعود إلى معرفة ما يعود إليه الاستثناء في الآية. وقد ظهرت عائديته إلى الفسق بالإجماع. وعدم عوده على الجلد بالإجماع ودلالة القرائن على عوده إلى (عدم قبول الشهادة) فتقبل إذا شهادة التائب من القاذف المحدود والله أعلم.-\nوبمناسبة تعلق القبول على التوبة من القاذف فإن الحاجة تشتد إلى معرفة كيفية توبة القاذف. وهذا ما يتضح في المبحث الآتي إن شاء الله تعالى.\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ١/١٢٥","vol":"1","page":244},{"text":"المبحث السادس:\nفي توبته (١)\nاختلف العلماء في صورة توبة القاذف على قولين:\nأحدهما: أن توبته لا تكون إلا بأن يكذب نفسه في ذلك القذف الذي حد فيه. وهذا قول جماعة من السلف منهم عمر ﵁ وبه قال الشافعي (٢) . وأحمد (٣) .\nالثاني: أن توبته أن يصلح ويحسن حاله وحسبه الاستغفار وإن لم يكذب نفسه\nفي ذلك. وهذا قول جماعة منهم مالك رحمه الله تعالى (٤) وقد حكى ابن القيم رحمه الله تعالى القولين واختار القول الأول ودلّل عليه وبيّن ضعف القول الثاني. وفي ذلك يقول (٥):\n(الصحيح من القولين: أن توبة القاذف: إكذابه نفسه، لأنه ضد الذنب الذي ارتكبه وهتك به عرض المسلم المحصن، فلا تحصل التوبة منه إلا بإكذابه نفسه، لينتفي عن المقذوف العار الذي ألحقه به بالقذف وهو مقصود التوبة.\nوأما من قال: إن توبته أن يقول (استغفر الله) من القذف، ويعترف بتحريمه، فقول ضعيف لأن هذا لا مصلحة فيه للمقذوف. ولا يحصل له به براءة عرضه مما\n_________\n(١) التوبة: مصدر تاب يتوب توبة وتوبًا ومتابة. والتوبة: الرجوع إلى الله عن معصيته. (انظر: القاموس للفيروز آبادي ١/ ٤١) وانظر في مبحث التوبة عند ابن القيم ١/ ١٧٩- ٤٠٠ من مدارج السالكين.\n(٢) انظر: نهاية المحتاج للرملي ٨/ ٢٩١. وتفسير القرطبي ١٢/ ١٧٩. والمغني لابن قدامة ١٢/٧٧.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة ١٢/٧٧ - ٧٨.\n(٤) انظر: تفسير القرطبي المالكي ١٢/ ١٧٩.\n(٥) انظر: مدارج السالكين ١/ ٣٦٣","vol":"1","page":245},{"text":"قذفه به. فلا يحصل به مقصود التوبة من هذا الذنب، فإن فيه حقان: حق الله: وهو تحريم القذف فتوبته منه باستغفاره، واعترافه بتحريم القذف. وندمه عليه وعزمه على أن لا يعود.\nوحق للعبد: وهو إلحاق العار به بتوبته منه: بتكذيبه نفسه.\nفالتوبة من هذا الذنب بمجموع الأمرين) .\nوهذا القول المختار لدى ابن القيم رحمه الله تعالى واضح الدليل قوى التعليل وقد اشتمل على القول الثاني: فإن القذف فيه حقان: حق لله تعالى. وحق لعبده. ولا يحصل التخلص منها إلا: بالاستغفار والندم والعزم ألا يعود وأن يكذب نفسه فيكون بهذا قد تاب بأداء الحقين حق الله تعالى وحق عبده.\nاعتراض وجوابه:\nأورد ابن القيم رحمه الله تعالى اعتراضًا على القول المختار وهو أن القاذف إذا كان صادقًا في قذفه لمعاينته الزنا فكيف يسوغ له أن يكذب نفسه ويكون ذلك من تمام توبته.\nفقال في الإيراد والجواب (١):\n(فإن قيل إذا كان صادقًا قد عاين الزنا، فاْخبر به فكيف يسوغ له تكذيب نفسه وقذفها بالكذب، ويكون ذلك من تمام توبته؟.\nقيل: هذا هو الإشكال الذي قال صاحب هذا القول لأجله ما قال: أن توبته الاعتراف بتحريم القذف والاستغفار منه. وهو موضع يحتاج فيه إلى بيان الكذب الذي حكم الله به على القاذف وأخبر أنه كاذب عنده، ولو كان خبره مطابقًا للواقع (٢) . فنقول:\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين ١/ ٣٦٤- ٣٦٥.\n(٢) يشير إلى قوله تعالى (فإذ لم يأتوا بالشهداء. فأولئك عند الله هم الكاذبون) من الآية رقم ١٣ سورة النور.","vol":"1","page":246},{"text":"الكذب، يراد به أمران. أحدهما: الخبر غير المطابق لخبره. وهو نوعان: كذب عمد.\nوكذب خطأ.\nوكذب العمد معروف.\nوكذب الخطأ مثل كذب: أبي السنابل بن بعلك (١) في فتواه للمتوفى عنها إذا وضعت حملها أنها لا تحل حتى يتم لها أربعة أشهر وعشرًا.\nفقال النبي ﷺ (كذب أبو السنابل) (٢) .\nومنه قوله ﷺ (كذب من قالها) لمن قال (حبط عمل عامر حيث قتل نفسه خطأ) (٣) .\nومنه: قول عبادة بن الصامت ﵁ (٤) (كذب أبو محمد) حيث قال (الوتر واجب) (٥) .\nفهذا كله من كذب الخطأ. ومعناه (أخطأ) قائل ذلك.\nوالثاني من أقسام الكذب: الخبر الذي لا يجوز الإخبار به، وإن كان خبره مطابقًا لمخبره. كخبر القاذف المنفرد برؤية الزنا، والإخبار به فإنه كاذب في حكم الله وإن كان خبره مطابقًا لمخبره. ولهذا قال تعالى (٦) (فإذ يأتوا بالشهداء.\n_________\n(١) أبو السنابل: هو ابن بعلك- على وزن جعفر- ابن الحارث القرشي صحابي مشهور (انظر: الإصابة لابن حجر ٤/ ٩٦- التقريب له أيضًا ٢/ ٤٣١) .\n(٢) هذا مشهور بحديث سبيعة الأسلمية ﵂، انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ٩/ ٤٦٩. وقد رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.\nانظر: ذخائر المواريث للنابلسي ٤/ ١٩٠.\n(٣) عامر: هو بن سنان الأسلمي المعروف بابن الأكوع. وقصة قتله في خيبر (انظر: الإصابة لابن حجر ٢/٢٤١) .\n(٤) عبادة: هو ابن الصامت الأنصاري الخزرجي ﵁ مات سنة ٣٤ هـ. وقيل غير ذلك (انظر: الإصابة لابن حجر ٢/ ٢٦٠) .\n(٥) انظر: سنن أبي داود ٢/ ١٣٠.\n(٦) الآية رقم ١٣ سورة النور.","vol":"1","page":247},{"text":"فأولئك عند الله هم الكاذبون) فحكم الله في مثل هذا: أن يعاقب عقوبة المفتري الكاذب وإن كان خبره مطابقًا. وعلى هذا فلا تتحقق توبته حتى يعترف بأنه كاذب عند الله كما أخبر الله تعالى به عنه. فإذا لم يعترف بأنه كاذب وجعله الله كاذبًا. فأي توبة له. وهل هذا إلا محض الإصرار والمجاهرة بمخالفة حكم الله الذي حكم به عليه) .\nالخلاصة و<span data-type=\"title\" id=toc-149>الترجيح:</span>\nمن هذا السياق يتجلى أن ابن القيم رحمه الله تعالى قد وفى الحديث عن صورة توبة القاذف إذ ذكر الخلاف والتدليل واختار ما يسنده الدليل وفرض ما يرد عليه به اعتراض ورده بأحسن مسلك وأقوى بيان. وهذا المختار أرعى لحرمة حق الله وحق عباده والله أعلم.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-150>باب حد الخمر</span>","vol":"1","page":249},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-151>توطئة </span>في تعريف (الخمر) في اللسانين، اللغة والشرع:\nلغة (١):\nالخمر: تجمع على خمور. وهي مؤنثة في اللغة الفصيحة المشهورة وتذكر، لكن قيل على ضعف، وقيل: لا، بل هي فصيحة لكن التأنيث أكثر وأشهر. ولهذا قال (الفيروز آبادي) وقد تذكر (٢) .\nوهي: تؤنث بالهاء، فيقال: خمرة، لكن هل هذا من الفصيح؟.\nالذي صححه النووي (٢)، أنها لغة فصيحة، وقيدها في (مقصد النبيه) (٤) بقوله\nله (هي قليلة) .\nفنخلص من هذا أنه يقال: هذه أو هذا خمر. وهذه خمرة. والجمع خمور مثل تمرة وتمور.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>لماذا سمّيت الخمر خمرًا:</span>\nذكر علماء اللغة في ذلك خلافًا على أقوال ثلاثة:\n_________\n(١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات، ق٢ ج١ ص/٩٨. ومقصد النبيه ص/٩، وفتح الباري ١٠/ ٣٢، ومحتار الصحاح ص/١٨٩. والقاموس ٢/ ٣٢.\n(٢) انظر: القاموس ٢/ ٣٢.\n(٣) انظر: تهذيب الأسماء واللغات، ق ٢ ج١ ص/٩٨.\n(٤) انظر: ص/٩ في باب إزالة النجاسة.","vol":"1","page":251},{"text":"الأول: سميت خمرا لأنها تغطى حتى تدرك أي حتى تغلي. حكاه النووي (١)\nوالقرطبي (٢)، والحافظ بن حجر (٣)، والرازي (٤)، وعزاه لابن الأعرابي (٥) .\nالثاني: أنها لما كانت تستر العقل وتغطيه سميت بذلك. حكاه القرطبي (٦)، والحافظ بن حجر (٧)، والفيروز آبادي (٨)، والنووي (٩)، وعزاه للكسائي (١٠)\nالثالث: سميت خمرًا لأنها تخامر العقل أي تخالطه. حكاه الفيروز آبادي (١١)، والقرطبي (١٢)، وابن حجر (١٣)، والنووي (١٤)، وعزاه لابن الأنباري.\nوهذه المعاني الثلاثة يجدها الناظر متقاربة بل هي متشابكة لأن أصلها الستر فلا مانع إذا أن تكون سميت الخمر خمرًا لهذه الأمور الثلاثة ولا منافاة وهذا هو ما جنح إليه جمع منهم العلامة القرطبي إذ قال (١٥):\n(فالمعاني الثلاثة متقاربة، فالخمر تركت، وخمرت حتى أدركت ثم خالطت العقل، ثم خمرته والأصل الستر) .\nومنهم الحافظ بن حجر إذ قال بعد حكايته (١٦):\n_________\n(١) انظر: تهذيب الأسماء واللغات، ق ٢ ج١ ص/٩٨.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي ٣/ ٥١.\n(٣) انظر: فتح الباري ١٠/ ٣٢، ١٠/٤٨.\n(٤) انظر: مختار الصحاح، ص/١٨٩.\n(٥) ابن الأعرابي هو: محمد بن زياد الراوية اللغوي توفي سنة ٢٣١ هـ. (انظر: الأعلام للزركلي، ٦/٣٦٥) .\n(٦) انظر: تفسير القرطبي، ٣/٥١.\n(٧) انظر: فتح الباري ١٠/٣٢، ١٠/٤٨.\n(٨) انظر: القاموس ٢/٢٣.\n(٩) انظر: تهذيب الأسماء واللغات، ق ٢ ج١، ص ٩٨.\n(١٠) الكسائي: هو علي بن حمزة الأسدي مولاهم المتوفى سنة ١٨٩ هـ. (انظر: الأعلام للزركلي ٥/٩٣) .\n(١١) انظر: الغاموس، ٢/٢٣.\n(١٢) انظر: تفسير القرطبي ٣/٥١.\n(١٣) انظر: فتح الباري ١٠/٣٢، ١٠/٤٨.\n(١٤) انظر: تهذيب الأسماء واللغات، ق ٢ ج١ ص ٩٨.\n(١٥) انظر: تفسير القرطبي ٣/ ٥١.\n(١٦) انظر: فتح الباري ١٠/٤٨.","vol":"1","page":252},{"text":"(ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها لثبوتها عن أهل اللغة وأهل المعرفة باللسان) .\nقال ابن عبد البر: الأوجه كلها موجودة في الخمرة، لأنها تركت حتى أدركت وسكنت فإذ شربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه) .\nفهؤلاء ثلاثة من أعيان المحققين من أهل العلم وهم: ابن عبد البر، والقرطبي، وابن حجر، يرون أن الخمر إنما سميت خمرًا لاجتماع هذه المعاني الثلاثة بها لأن الأصل في معناها الستر والتغطية. وقد ثبتت جميعها عن أهل اللسان العربي والله أعلم.\nحقيقتها في اللغة:\nعرفنا فيما سبق، تصريفها في اللغة (١)، وسبب تسميتها بذلك (٢)، فما هي حقيقتها في لسان العرب أي مم تكون الخمر. أو ما هو حدها عند العرب. اختلف أهل المعرفة باللسان في ذلك على أربعة أقوال على ما يلي:\nالأول: العموم في حقيقتها وهو: أن كل ما أسكر فهو خمر. وهذا هو ما صححه جماعة المحققين منهم الراغب (٢)، والنووي (٤)، والفيروز آبادي (٥)، وابن حجر (٦) . وقال: وهو لغير واحد من أهل اللغة.\nالثاني: كل مسكر اتخذ من العنب خاصة، حكاه الراغب (٧)، والفيروز آبادي (٨)، والنووي (٩)، وابن حجر (١٠) .\n_________\n(١) انظر: ص/١.\n(٢) انظر: ص/٢.\n(٣) انظر: المفردات، ص/١٥٩.\n(٤) انظر: تهذيب اللغات، ق ٢ ج١ ص /٩٨ - ٩٩.\n(٥) انظر: القاموس ٢/٢٣.\n(٦) انظر: فتح الباري، ١٠/٤٧.\n(٧) انظر: المفردات ص/١٥٩.\n(٨) انظر: القاموس ٢/ ٢٣.\n(٩) انظر: تهذيب اللغات، ق ٢ ج١ ص ٩٩.\n(١٠) انظر: فتح الباري ١٠/٤٧.","vol":"1","page":253},{"text":"الثالث: الخمر كل مسكر اتخذ من العنب والتمر. حكاه الراغب (١)، وابن\nحجر (٢)\nالرابع: هي كل ما أسكر من غير المطبوخ. حكاه الراغب (٣)، وابن حجر (٤) .\nولهذا الخلاف شواهد وأدلة لا سيما الأقوال الثلاثة الأول. وقد كشف عنها الحافظ بن حجر في الفتح (٥)، وابن الهمام في فتح القدير (٦)، عند بيانهما لحقيقتها الشرعية. ولولا الإطالة والخروج عن موضوع الرسالة لأتيت بذكر ذلك مع ما ذكره غيرهما. ولعل في بيان حقيقتها الشرعية هنا ما يجلى بعض ذلك وهو المبحث الآتي:\nحقيقتها الشرعية:\nاختلف العلماء في حقيقة (الخمر) الشرعية على قولين:\nالأول: للحنفية، فالخمر عندهم، ما اعتصر من ماء العنب إذا اشتد وغلى وقذف بالزبد، بطبعه دون عمل النار (٧) .\nالثاني: للجمهور منهم المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم من أهل الأثر\nقا لوا:\nالخمر كل ما أسكر سواء كان عصيرًا أو نقيعًا من العنب أو غيره مطبوخًا أو غير مطبوخ وهذا هو ما انتصر له جماعة المحققين من أهل العلم منهم: النووي (٨)،\n_________\n(١) انظر: المفردات ص/١٥٩.\n(٢) انظر: فتح الباري ١٠/٤٧.\n(٣) انظر: المفردات ص/١٥٩.\n(٤) انظر: فتح الباري ١٠/٤٧.\n(٥) انظر: فتح الباري ١٠/٣٧، ١٠/٤٧- ٤٨.\n(٦) انظر: فتح القدير ٥/٧٩- ٨٠- ٨١.\n(٧) انظر: في بيان مذهبهم: فتح القدير لابن الهمام ٥/٧٩- ٨١. وفتح الباري لابن حجر ١٠/٤٧- ٤٨. والإفصاح لابن هبيرة ٢/٤٢٥.\n(٨) انظر: تهذيب اللغات، ق ٢ ج١ ص/٩٩","vol":"1","page":254},{"text":"وابن حجر (١)، والقرطبي (٢)، والفيروز آبادي (٣) .\nقال النووي: واللغة تشهد لهذا (٤) .\nوقال القرطبي (٥): (الأحاديث الواردة تبطل مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إلا من العنب وما كان من غيره لا يسمى خمرًا ولا يتناوله اسم الخمر. وهو قول مخالف للغة العرب والسنّة الصحيحة والصحابة ﵃.\n. لأنهم لما نزل تحريم الخمر فهموا من الأمر باجتناب الخمر تحريم كل مسكر. ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وبين ما يتخذ من غيره بل سووا بينهما وحرموا كل ما يسكر نوعه، ولم يتوقفوا ولم يستفصلوا، ولم يشكل عليهم شيء من ذلك بل بادروا إلى إتلاف ما كان من غير عصير العنب. وهم أهل اللسان وبلغتهم نزل القرآن إلى أن قال: فصار القائل بالتفريق سالكا غير سبيلهم) إلخ..\nفتبين من هذا أن الخمر من ماء عصير العنب إذا اشتد، حقيقة لغوية شرعية بالاتفاق فيطلق عليه اسم (الخمر) إطلاقًا حقيقيًا إجماعًا.\nوأما من غيره فيطلق عليه اسم (الخمر) حقيقة لغوية شرعية على الأصح عند الجمهور من علماء اللغة والشريعة.\nومن فوائد الخلاف أن من شرب من أي مسكر من العنب أو غيره أقيم عليه\nالحدّ سواء سكر منه الشارب أم لا وهذا على الأصح وهو مذهب الجمهور. وأما عند الحنفية فمن شرب من ماء عصير العنب المشتد حدّ سواء سكر منه أم\nلا لأنه هو (الخمر) حقيقة. وأما من شرب من خلافه فلا يحد إلا إن أسكر والله أعلم (٦) .\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ١٠/٤٧- ٤٨.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي ٦/٢٩٤- ٢٩٥.\n(٣) انظر: القاموس ٢/٢٣.\n(٤) انظر: تهذيب اللغات، ق ٢ ج١ ص/٩٩.\n(٥) انظر: تفسير القرطبي ٦/٢٩٥.\n(٦) انظر: فتح القدير لابن الهمام ٥/٧٦- ٨٠- ٨١","vol":"1","page":255},{"text":"موقف ابن القيم من حقيقة الخمر (١):\nأما ابن القيم رحمه الله تعالى فيرى أن بيان حقيقة الخمر شرعًا من المسائل التي طال فيها النزاع وكثر السؤال والجواب. وإن الرسول ﷺ قد جعل لها حدًا أغنانا به عن هذا التعب والتطويل فقال ﷺ \"كل مسكر خمر\" (٢) . فهذا الحد يتناول كل فرد من أفراد المسكر. وقد سماه (خمرًا) أفصح الأمة لسانًا ﷺ.\nوبيّن أن من خصّ الخمر بنوع خاص من المسكرات، فقد قصر فهمه، وهضم المعنى العام في الخمر- الشامل معناه لكل مسكر، وبالتالي ففي هذا جهل بحدود كلام الله وكلام رسوله ﷺ وهو من الغلط البيّن على دين الله وشرعه. وإن من نتائج هذا الرأي أنهم لما احتاجوا إلى تحريم كل مسكر سلكوا طريق القياس ونازعهم الآخرون. وكل هذا من نتائج قصور الفهم لحدود الحلال والحرام.\nوأرى من الأمانة لحفظ كلامه وسلامة وحدة الموضوع أن أذكر كلامه بنصه\nفي تقرير هذه القاعدة مع ذكر المثال لها في معرفة حد الخمر من الوضع الشامل من كلامه وهذا نصه من (الأعلام) (٣):\n(من المعلوم أن الله سبحانه حد لعباده حدود الحلال والحرام بكلامه. وذم من\nلم يعلم حدود ما أنزل الله على رسوله. والذي أنزله هو كلامه. فحدود ما أنزله الله هو الوقوف عند حدّ الاسم الذي علق عليه الحل والحرمة. فإنه هو المنزل على رسوله وحده بما وضع له لغة أو شرعًا. بحيث لا يدخل فيه غير موضوعه. ولا يخرج منه شيء من موضوعه. ومن المعلوم أن حد البر لا يتناول الخردل. وحد التمر لا يدخل فيه البلوط. وحد الذهب لا يتناول القطن. ولا يختلف الناس أن حد الشيء ما يمنع دخول غيره فيه. ويمنع خروج بعضه منه. وإن أعلم الخلق بالدين\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ١/٢٢٠، ١/٢٦٧، ١/٣٨٢، وتهذيب السنن ٥/٢٦٢ - ٢٦٤.\n(٢) يأتي تخريجه ص/٥١٦.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ١/٢٦٦-٢٦٧.","vol":"1","page":256},{"text":"أعلمهم بحدود الأسماء التي علق بها الحل والحرمة. والأسماء التي لها حدود في كلام\nالله ورسوله ثلاثة أنواع:\nنوع له حد في اللغة: كالشمس والقمر والبر والبحر والليل والنهار. فمن حمل هذه الأسماء على غير مسماها أو خصها ببعضه أو أخرج منها بعضه فقد تعدى حدودها.\nونوع له حد في الشرع: كالصلاة والصيام والحج والزكاة والإيمان والإسلام والتقوى ونظائرها فحكمها لتناولها في مسمياتها الشرعية كحكم النوع الأول في تناوله لمسماه اللغوي.\nونوع له حد في العرف: لم يحده الله ورسوله بحد غير المتعارف. ولا حد له في اللغة كالسفر والمرض المبيح للترخص والسفه والجنون الموجب للحجر والشقاق\nالموجب لبعث الحكمين والنشوز المسوغ لهجر الزوجة وضربها والتراخي المسوغ لحل التجارة والضرار المحرم بين المسلمين. وأمثال ذلك. وهذا النوع في تناوله\nلسماه العرفي كالنوعين الآخرين في تناولها لمسماها. ومعرفة حدود هذه الأسماء\nومراعاتها مغن عن القياس غير محوج إليه وإنما يحتاج إلى القياس من قصر في هذه\nالحدود، ولم يحط بها علمًا. ولم يعطها حقها من الدلالة. مثاله: تقصير طائفة من الفقهاء في معرفة حد الخمر حيث خصوه بنوع خاص من المسكرات. فلما احتاجوا إلى تقرير تحريم كل مسكر سلكوا طريق القياس. وقاسوا ما عدا ذلك النوع في التحريم عليه. فنازعهم الآخرون في هذا القياس. وقالوا: لا يجري في الأسباب وطال النزاع بينهم. وكثر السؤال والجواب. وكل هذا من تقصيرهم في معرفة حد الخمر. فإن صاحب الشرع قد حده بحد يتناول كل فرد من أفراد السكر فقال (كل مسكر خمر) فأغنانا هذا الحد عن باب طويل عريض كثير التعب من القياس وأثبتنا التحريم بنصه لا بالرأي والقياس) .\nفنرى ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا يقرر مذهب الجمهور ويبيّن أنه هو عين\nما حده رسول الله ﷺ في قوله (كل مسكر خمر) . ويشدد النكير على من","vol":"1","page":257},{"text":"خالفهم من الكوفيين أهل الرأي من الحنفية وغيرهم الذين يخصون اسم الخمر بماء عصير العنب المشتد خاصة.\nوهذا الحديث الذي يدور عليه كلام ابن القيم في شمول اسم الخمر لكل مسكر هو من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ من حديث ابن عمر رضي الله\nعنهما وغيره رواه أحمد (١)، ومسلم (٢)، وأصحاب السنن (٣)، كلهم بلفظ أن النبي ﷺ قال (كل مسكر خمر) مطولًا ومختصرًا.\nولفظه عند مسلم: عن عبد الله بن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال \" كل مسكر خمر وكل مسكر حرام ومن شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها لم يتب لم يشربها في الآخرة\" (٤) والله أعلم.\nرد ابن القيم على الكوفيين:\nثم إن ابن القيم رحمه الله تعالى أنحى بالملام على الكوفيين حيث خصوا الخمر بنوع خاص من العنب وساق من النصوص ما يرد هذا الرأي ويبطله وبسط ذلك في كتابه (تهذيب سنن أبي داود) (٥) على ما يلي:\n١- وعن أنس ﵁ قال (إن الخمر حرمت. والخمر يومئذ: البسر والتمر) رواه البخاري (٦)، ومسلم (٧) .\n_________\n(١) انظر: المسند ١/٢٧٤ وفي مواضع كثيرة منه انظرها في (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي ٢/ ٤٩١) .\n(٢) انظر: صحيح الإمام مسلم بشرح النووي ١٣/١٦٩- ١٧١.\n(٣) وانظر في مواضع تخريجه عندهم (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي لجماعة من المستشرقين ٢/٤٩١) .\n(٤) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٣/١٧٢.\n(٥) انظر: ٥/٢٦٢.\n(٦) انظر: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٠/٣٧.\n(٧) انظر: مسلم بشرح النووي ١٣/١٥١.","vol":"1","page":258},{"text":"٢- وعن أنس أيضًا ﵁ قال: (لقد أنزل الله الآية التي حرم فيها الخمر. وما بالمدينة شراب يشرب إلا من التمر) . رواه مسلم (١) .\n٣- وعنه أيضًا قال: (حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب وعامة خمرنا البسر والتمر) رواه البخاري (٢) .\n٤- وعن ابن عمر ﵄ قال: (نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذٍ لخمسة أشربة ما فيها شراب العنب) رواه البخاري (٣)، ومسلم (٤) .\n٥- وعن أنس ﵁ قال: (كنت أسقي أبا عبيدة (٥) وأبا طلحة (٦)، وأبي بن كعب (٧)، فضيخ (٨) زهو وتمر فجاءهم آتٍ. فقال إن الخمرة حرمت فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها)، رواه البخاري (٩)،\nومسلم (١٠) .\nوجه الدلالة من هذه الأحاديث:\nثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى وجه الدلالة من هذه الأحاديث ردًا على الذين خصوا الخمر بما كان من عصير العنب فقال (١١): (فهذه النصوص الصحيحة\n_________\n(١) انظر: مسلم بشرح النووي ١٣/١٥١- ١٥٢.\n(٢) انظر: البخاري مع شرحه فتح الباري ١٠/٣٥.\n(٣) انظر: البخاري مع شرحه فتح الباري ١٠/٣٥.\n(٤) انظر: مسلم مع شرح النووي ١٣/١٥١.\n(٥) أبو عبيدة: هو عامر بن عبد الله بن الجراح الفهري أحد العشرة ﵃ مات سنة ١٨ هـ. (انظر التقريب لابن حجر ١/٣٨٨) .\n(٦) أبو طلحة: هو زيد بن سهل الأنصاري ﵁ مات سنة ٣٤ هـ. (انظر الإصابة لابن حجر ١/٥٤٩ والتقريب ١/٢٧٥) .\n(٧) أبيّ بن كعب: هو الأنصاري سيد القراء ﵁ مات سنة ٣٢ هـ. وقيل غير ذلك (انظر الإصابة ١/٣١ والتقريب ١/٤٨) .\n(٨) فضيخ زهو: الفضيخ عصير العنب وهو شراب يتخذ من بسر مفضوخ (انظر القاموس ١/٢٧٦) .\n(٩) انظر: البخاري مع فتح الباري لابن حجر ١/٣٦.\n(١٠) انظر: مسلم بشرح النووي ١٣/١٤٨.\n(١١) انظر: تهذيب السنن ٥/٢٦٢","vol":"1","page":259},{"text":"الصريحة في دخول هذه الأشربة المتخذة من غير العنب في اسم الخمر في اللغة التي نزل بها القرآن. وخوطب بها الصحابة عن التكلف في إثبات تسميتها خمرًا بالقياس مع كثرة النزاع فيه. فإذا قد ثبت تسميتها خمرًا أيضًا. فتناول لفظ النصوص لها كتناوله لشراب العنب سواء تناولًا وحدًا. فهذه طريقة منصوصة سهلة تريح من كلفة القياس في الاسم. والقياس في الحكم) .\n٦- دلالة القياس.\nثم إن ابن القيم رحمه الله تعالى لم يكتفِ بسياق هذه النصوص من السنة المشرفة\nبل بين أن محض القياس الجلي يقتضي هذا فقال (١): (ثم إن محض القياس الجلي يقتضي التسوية بينها. لأن تحريم قليل شراب العنب مجمع عليه وإن لم يسكر وهذا لأن النفوس لا تقتصر على الحد الذي لا يسكر منه وقليله يدعو إلى كثيره. وهذا المعنى بعينه في سائر الأشربة المسكرة. فالتفريق بينها في ذلك تفريق بين المتماثلات. وهو باطل. فلو لم يكن في المسألة إلا القياس لكان كافيًا في التحريم. فكيف وفيها ما ذكرناه من النصوص التي لا مطعن فيها ولا اشتباه في معناها. بل هي صحيحة صريحة. وبالله التوفيق) . وهذا قياس جلي يفيد المطابقة التامة لصحيح المنقول وهو مستوفي لأركانه وشرائطه:\nفذكر المقيس وهو: قليل المسكر من غير العنب.\nوذكر المقيس عليه وهو: قليل شراب العنب وإن لم يسكر.\nوذكر العلّة الجامعة وهي: الإسكار.\nوذكر الحكم وهو: التحريم.\nوبيّن أنه من قياس الأولى: لأن المسكر من غير العنب أولى بالتحريم من قليل الخمر من العنب إذا لم يسكر. لأن الأول تحقق فيه الإسكار أما الثاني فهو مدعاة لأن يشرب منه ما يسكر فتكون العلّة إذا في المسكر من غير العنب أقوى في\n_________\n(١) انظر: تهذيب السنن ٥/٢٦٣","vol":"1","page":260},{"text":"الاعتبار من قليل الخمر من العنب الذي لا يسكر والله أعلم.\nولا شك أن ما اختاره ابن القيم وانتصر له هو الذي يؤيده النص الصحيح. والعقل الصريح والنظر الرجيح. وإن قول الكوفيين هذا من غرائب الآراء وأشدها بعدًا عن هدي الشريعة ودلها وهو يفتح باب إفساد العقول. لهذا اشتد النكير من أهل العلم عليهم وقابلوه بالرفض والنقض.\nومن هؤلاء العلماء الذين نقدوا هذه المقالة وكشفوا عنها. القرطبي رحمه الله تعالى في (تفسيره) (١)، وقد أطال فيها المقال وذكر كلامًا حسنًا لأحد شيوخه فقال (٢):\n(قال شيخنا الفقيه الإمام أبو العباس أحمد (٣) ﵁: العجب من المخالفين في هذه المسألة فإنهم قالوا: إن القليل من الخمر المعتصر من العنب حرامٍ ككثيره. وهو مجمع عليه. فإذا قيل لهم: فلم حرم القليل من الخمر وليس مذهبا للعقل؟ فلا بد أن يقال: لأنه داعية إلى الكثير، أو للتعبد، فحينئذٍ يقال لهم: كلّ ما قدرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود في قليل النبيذ فيحرم أيضًا. إذ لا فارق بينهما إلا مجرد الاسم إذا سلم ذلك. وهذا القياس هو أرفع أنواع القياس. لأن الفرع فيه مساوٍ للأصل في جميع أوصافه ... ثم العجب من أبي حنيفة وأصحابه ﵏ فإنهم يتوغلون في القياس ويرجحونه على أخبار الآحاد. ومع ذلك فقد تركوا هذا القياس الجلي المعضود بالكتاب والسنّة والإجماع من صدور الأمة.\n_________\n(١) انظر: تفسير القرطبي ٦/٢٩٣- ٢٩٦.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي ٦/٢٩٥.\n(٣) لم أقف له على ترجمة.","vol":"1","page":261},{"text":"مباحث حد الخمر عند ابن القيم رحمه الله تعالى\nوفي ضوء هذا البيان من ابن القيم رحمه الله تعالى لحقيقة الخمر كشف عن عدة مباحث في الخمر وحد شاربها على النحو الآتي:\nالمبحث اَلأول: السكر، حقيقته وأسبابه.\nالمبحث الثاني: حكمة التشريع في الخمر.\nالمبحث الثالث: في سد الذرائع الموصلة إلى الخمر.\nالمبحث الرابع: في عقوبة شارب الخمر.\nالمبحث الخامس: إقامة حد الخمر بالقرينة الظاهرة.\nوبيان كلّ مبحث منها على ما يلي:","vol":"1","page":262},{"text":"المبحث الأول\nحقيقة السكر (١)، وأسبابه (٢):\nعرفنا اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى في حد الحمر وهو: أنها لكل مسكر (٢) . وعرفنا أيضًا في أثناء ذلك البحث أن عقوبة شارب الخمر تتعلق بمجرد شرب الخمر من كلّ مسكر سواء سكر منه أم لا. هذا في قول الجمهور وهو الصحيح كما تقدم.\nلكن للسكران أحكام أخرى في التصرفات قولية كانت أو فعلية من بيع وطلاق وأيمان وعتاق، وجناية ونحو ذلك على خلاف بين أهل العلم هل يكون السكران زائل التكليف في جميعها أم في بعضها دون الآخر؟.\nفما هي إذا حقيقة السكر التي تترتب عليها أحكام السكران التكليفية كلها سوى إقامة الحد؟.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>حقيقة السكر بين الفقهاء وابن القيم:</span>\nيبيّن الفقهاء رحمهم الله تعالى حقيقة (السكر) في دائرة المترتب من الشرب: فعند الحنفية: السكر من الشرب هو: الذي يجعل صاحبه لا يعلم الأرض من السماء (٤) .\n_________\n(١) السكر لغة: هو بالضم من سكر يسكر سكرًا فهو سكران. والسكران خلاف الصاحي (انظر مختار الصحاح للرازي، ص/٣٠٦) .\n(٢) انظر: هذا المبحث عند ابن القيم في: مدارج السالكين ٣/٣٠٥- ٣١٤.\n(٣) انظر: فيما تقدم ص/٥١٤.\n(٤) انظر: التعريفات للجرجاني، ص/١٠٦","vol":"1","page":263},{"text":"وعند المالكية: هو الذي يغيب العقل دون الحواس مع نشوة وطرب (١) . وعند الشافعية: هو الذي به: يختلط كلامه المنظوم، ويفشى سره المكتوم (٢) . وعند الحنابلة: هو الذي يجعل صاحبه يخلط في كلامه ولا يعرف ثوبه من ثوب غيره (٣) .\nهذه حقيقته عند فقهاء المذاهب المشهورة وهي كما يرى الناظر تعود إلى معنى واحد: فقدان العقل المميز.\nأما ابن القيم رحمه الله تعالى فتراه يبين لنا حقيقة السكر في دائرة أعم وأشمل\nمن سكر الشراب، لأن التخليط في التصرفات وعدم التمييز لا يكون من الشراب فحسب بل يكون من الشراب وغيره من الأسباب التي تجعل حال صاحبها كحال الشارب فيقول في بيان حقيقة السكر مبينًا الدليل (٤):\n(السكر لذة ونشوة يغيب معها العقل الذي يحصل به التمييز فلا يعلم صاحبه ما يقول:\nقال الله تعالى (٥): (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون! فجعل الغاية التي يزول بها حكم السكر أن يعلم ما يقول، فإذا علم ما يقول خرج عن حد السكر) .\nفعرف: السكر، ثم ذكر الدليل. ثم بيّن وجه الاستدلال. وهو بهذا التعريف يكسب السعة والشمول لحقيقة السكر من الشرب وغيره.\nفلم يعتبر حقيقة السكران عن شرب بل هو بعض أفراد المسكر وهذا المعنى\n_________\n(١) انظر: جواهر الإكليل شرح مختصر خليل، ٢/٢٩٥.\n(٣) انظر: التعريفات للجرجاني ص/١٠٦. ومدارج السالكين لابن القيم ٣/٣٠٦.\n(٣) انظر: المطلع على أبواب المقنع، ص/٣٧٣.\n(٤) انظر: مدارج السالكين ٣/٣٠٦.\n(٥) الآية رقم ٤٣، سورة النساء.","vol":"1","page":264},{"text":"العام لحقيقة السكر شرعًا يتواطأ مع معناه اللغوي فإن السكران في اللغة هو: خلاف الصاحي (١)، وخلاف الصاحي من في عقله ضرب من الخلط وعجز عن التمييز وهذا يتولد من عدة أسباب، ومن خص السكر بما تولد من الشراب فقد قصر معناه على بعض أفراده.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>أسباب السكر:</span>\nلهذا نراه يبين أسباب السكر فيقول (٢):\n(وقد يكون سبب السكر غير تناول المسكر: إما ألم شديد يغيب به العقل حتى يكون كالسكران.\nوقد يكون سببه مخوف عظيم هجم عليه وهلة واحدة حتى يغيب عقل من هجم عليه، ومن هذا قوله تعالى (٣): (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد) . فهم سكارى من الدهش والخوف وليسوا بسكارى من الشراب) .\nثم أخذ في بيان جملة من أسباب السكر سوى سكر الشراب مثل: سكر الفرح، وسكر الغضب (٤)، وسكر الحرص، وسكر السماع الشيطاني، وسكر عشق الصور، وغيرها من أسباب السكر باسطًا لها أشد البسط (٥) .\nوبهذا نستفيد ما كان عليه ابن القيم رحمه الله تعالى من سعة الأفق وفقه النفس وربطه بين أجزاء الحياة وشتات المعلومات. ونلمس منه أيضًا روحًا شفافة كسر بها الجمود الاصطلاحي وفتح بها آفاقًا علمية تصقل النفوس وتربى الملكات والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: مختار الصحاح للرازي، ص/٣٠٦.\n(٢) انظر: مدارج السالكين ٣/٣٠٧- ٣١٤.\n(٣) الآية رقم ٢، سورة الحج.\n(٤) ألّف ابن القيم رسالة سماها: إغاثة اللهفان في طلاق الغضبان بيّن فيها أحكام الغضب وآثاره.\n(٥) انظر مدارج السالكين، من ٣/٣٠٥ إلى ٣/٣١٤.","vol":"1","page":265},{"text":"المبحث الثاني\nحكمة التشريع في الخمر\nأبان ابن القيم رحمه الله تعالى عن حكمة التشريع في الخمر من ناحيتين:<span data-type=\"title\" id=toc-162> الأولى: حكمة الشرع في تحريم الخمر</span>.\nالثانية: الحكمة في عقوبة شارب الخمر بالجلد.\nوالكلام عنهما فيما يلي:\n\nالأولى: حكمة الشرع في تحريم الخمر (١)\nلم تحظَ هذه المسألة بكلام مفرد من الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى. وإنما تكلم عليها بمناسبات اقتضت ذكرها. لكن يؤخذ من كلامه في هذه المناسبات مجامع القول من حكمة الشارع في تحريم الخمر على وجه البيان لقول الله تعالى (٢): (يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون. إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر، ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون) . ونستطيع أن نستخلص كلامه في حكمة الشرع في تحريم الخمر في النقاط الآتية:\nأ- آية تحريم (٣) الخمر فيها بيان حكمة التحريم.\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين ٣/٣٠٦، وأعلام الموقعين ٣/ ١٥١، ٢/٩٥، ٣/٩٧، ومفتاح\nدار السعادة ص/٣٣٧، وزاد المعاد ٣/١١٥.\n(٢) الآيتان رقم ٩٠، ٩١، سورة المائدة.\n(٣) تقدم نصها قبل هذا مباشرة.","vol":"1","page":266},{"text":"يقول ابن القيم مشيرًا إلى الآية المذكورة (١):\n(حرم الله سبحانه السكر لشيئين: ذكرهما في كتابه. وهما إيقاع العداوة، والبغضاء بين المسلمين والصدّ عن ذكر الله وعن الصلاة. وذلك يتضمن حصول المفسدة الناشئة من النفوس بواسطة زوال العقل. وانتفاء المصلحة التي لا تتم إلا بالعقل، وإيقاع العداوة من الأول والصدّ عن ذكر الله من الثاني) .\nفهو بيّن أن المفاسد إنما تنشأ من زوال العقل والمصالح لا تتم إلا بالعقل. والسكران قد جنى على عقله بالإفساد. ولهذا صان الله العقول عن الإفساد بتحريم الخمر، وصار هذا من ضروريات دين الإسلام وأحكامه التشريعية. دفعًا لما يترتب على فساد العقل وزواله في المفاسد وانتفاء المصالح.\nوفي هذا يقول ابن القيم أيضًا (٢):\n(إن الله تعالى حرم الحمر لما فيها من المفاسد الكثيرة المترتبة على زوال العقل- وهذا ليس مما نحن فيه) (٣) .\nومن هذه المفاسد التي تترتب على زوال العقل بالسكر أنها تأخذ بالإنسان إلى المواطن التي توقع في الندم والأسف. من روح تزهق أو عرض يهتك. أو مال يضاع إلى غير ذلك من المفاسد ومواطن الهلكة (٤) التي أبان الله عن مفاسدها في الآية المتقدمة.\nب- التحريم لكافة المحرمات على هذه الأمة هو: تحريم حفظ وصيانة لا تحريم عقوبة.\nوتحريم الخمر صيانة للعقول وحفظ لها.\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين ٣/٣٠٦.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٥١.\n(٣) ذكر ابن القيم هذا فيما هو يبحث فيه: وهو أن العبرة في الشريعة بالمقاصد.\n(٤) وانظر: حكمة التشريع للجرجاوي ٢/٢٧١ الطبعة الخامسة سنة ٣٨١ هـ بالمطبعة اليوسفية بمصر.","vol":"1","page":267},{"text":"هذه من طرائف العلم التي شحن بها ابن القيم كتابه (مفتاح دار السعادة) فقال ما ملخصه (١):\n(قال الله تعالى (٢): (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت\nلهم) ... قد أخبر تعالى أنه حرم عليهم طيبات كانت حلالًا عقوبة لهم فهذا تحريم عقوبة بخلاف التحريم على هذه الأمة فإنه تحريم صيانة وحماية) .\nوهذه النقطة مرتبطة بالتي قبلها ومشتبكة معها اشتباك الروح بالهيكل فإن ما جاء في النقطة الأولى هو من آثار فساد العقل وزواله بالخمر ولهذا جاء الشرع بتحريم الخمر صيانة للعقول وحفظًا لها ودفعًا للمفاسد التي تحصل من شرب الخمر لزوال العقل بها والله أعلم.\nوماذا بعد إذا كانت الخمر جناية على العقل. العقل الذي شرّف الله بني الإنسان وميزه به عن سائر الحيوان. ومن أجله صار محط رسالاته. وابتلائه واختياره وإنه لخرق متناهٍ أن يجني المرء على عقله بطوعه واختياره ليغيب عن رشده ويفقد إدراكه ووعيه ويتخلى عن كلّ فضل وفضيلة. منهكًا أشرف قواه وأ جلها: العقل.\nويطيب لي هنا أن أسوق كلامًا نفيسًا لإمامنا ابن القيم في بيان منزلة العقل من الإنسان فقال (٣):\n(العقل الذي به عمارة الدارين، وهو الذي أرشد إلى طاعة الرسل، وسلم القلب والجوارح ونفسه إليه، وانقاد لحكمه، وعزل نفسه وسلم الأمر إلى أهله، لكفي به شرفًا وفضلًا. وقد مدح الله سبحانه العقل وأهله في كتابه في مواضع كثيرة منه. وذم من لا عقل له وأخبر أنهم أهل النار، الذين لا سمع لهم ولا عقل. فهو آلة كل\n_________\n(١) انظر: مفتاح دار السعادة ص/٣٣٧. وانظر أيضًا: زاد المعاد ٤/١١٣.\n(٢) الآية رقم ١٦٠، سورة النساء.\n(٣) انظر: مفتاح دار السعادة، ص/١٢٧","vol":"1","page":268},{"text":"عم وميزانه الذي به يعرف صحيحه من سقيمه وراجحه من مرجوحه، والمرآة التي يعرف بها الحسن والقبيح. وقد قيل: العقل ملك والبدن روحه. وحواسه وحركاته كلها رعية له فإذا ضعف عن القيام عليها وتعهدها وصل الخلل إليها كلها. ولهذا قيل من لم يكن عقله أغلب خصال الخير عليه، كان حتفه في أغلب خصال الشر عليه ...) .\nج- قاعدة الشريعة المطردة تحرم كل خبيث وضار، والخمر أم الخبائث، لقول النبي ﷺ (الخمر أم الخبائث) (١)، وهي ضارة لقوله ﷺ لمن سأله عن\nالخمر يجعلها في الدواء (إنها داء وليست بدواء) (٢) .\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في معرض بحثه التداوي بالمحرمات هذه القاعدة في التحريم ثم ضرب المثال بالخمر فقال (٢):\n(وليفرض الكلام في أم الخبائث التي ما جعل الله لنا فيها شفاء قط: فإنها\nشديدة المضرة بالدماغ الذي هو مركز العقل عند الأطباء وكثير من الفقهاء والمتكلمين، قال أبقراط (٤) في أثناء كلامه في الأمراض الحادة (ضرر الخمرة بالرأس شديد لأنه يسرع الارتفاع إليه ويرتفع بارتفاعه الأخلاط التي تعلو في البدن. وهو كذلك يضر بالذهن» .\nوهذا الذي قرره ابن القيم من أن الخمر مضرة بالدماغ هو محل إجماع رجال الطب. كما ذكره الأستاذ إسماعيل الخطيب في كتابه (المسكرات بين الشرائع والقوانين) فيقول (٥):\n_________\n(١) حديث حسن: رواه مرفوعًا عبد الله بن عمرو بن العاص أخرجه القضاعي في مسنده (انظر كشف الخفاء للعجلوني ١/٣٨٢ الطبعة الثانية سنة ٣٥١ هـ بمصر) .\n(٢) رواه مسلم بإسناده طارق بن سويد الجعفي: انظر مسلم بشرح النووي ١٣/١٥٢.\n(٣) انظر: زاد المعاد ٣/١١٥.\n(٤) هو: بقراط بن إيراقليس- رأس الأطباء. (انظر: الفهرست لابن النديم ص/٤١٤)\nط الاستقامة بمصر سنة ٣٧٧ هـ.\n(٥) انظر: ص/٣٨","vol":"1","page":269},{"text":"(يجمع رجال الطب على أن مضار الخمر متعددة فتعاطى أقل مقدار من المسكرات لا بد أن يؤثر تأثيرًا ضارًا على المخ. ويؤثر بصفة خاصة على مراكزه المهمة كالذاكرة والحافظة) .\nتنبيه مهم:\nقول ابن القيم الآنف الذكر في الخمر (إنها شديدة المضرة بالدماغ الذي هو مركز العقل عند الأطباء وكثير من الفقهاء والمتكلمين) لا ينبغي أن يفهم القارئ من كلام ابن القيم هذا أن مقر العقل هو (الدماغ) فإن هذا خطأ صرف مناقض لنصوص الكتاب والسنة. وقد ذكر ابن القيم الخلاف في هذه القضية في كتابه (مفتاح دار السعادة) على ثلاثة أقوال (١):\nالأول: أن مركز العقل القلب. وهو قول عامة أهل العلم.\nالثاني: أن مركزه الدماغ في الرأس. وهو قول الفلاسفة والطبائعيين.\nالثالث: وهو اختيار ابن القيم: التوسط بين القولين وهو أن مركزه القلب وفروعه في الرأس. وسلامته مربوطة بسلامة الدماغ فإذا اختلت خانة من خانات الدماغ اختل العقل الذي في القلب.\nوعلى أن مقره القلب دل القرآن كما في قوله تعالى (٣) (أفلم- يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها) وإسناد العقل والفهم إلى القلوب يدل على أن القلب هو مركز العقل ومقره. وقال تعالى (٣) (إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب) ولم يرد بالقلب هنا مضغة اللحم المشتركة بين الحيوانات لأن الذكرى التي تتأتى بالفهم لا تحصل بها. بل المراد ما فيه من العقل واللب. وفي حديث النعمان بن بشير (٤) ﵁- الطويل (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد\n_________\n(١) انظر: ص/٢١٢-٢١٣.\n(٢) الآية رقم ٤٦، سورة الحج.\n(٣) الآية رقم ٣٧، سورة ق.\n(٤) هو: ابن بشير بن سعد. الأنصاري ﵁ توفي قتيلًا بحمص سنة ٦٥ هـ. (انظر التقريب لابن حجر ٢/٣٠٣) .","vol":"1","page":270},{"text":"كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب) رواه البخاري وغيره (١) .\nالثانية: الحكمة في عقوبة شارب الخمر بالجلد:\nالمتتبعون لمحاسن الشريعة وأسرار التشريع يبدون الحكمة في عقوبة شارب الخمر. من أنها عملية تطهيرية للمحدود وردع له ولغيره أيضا (٢):\nهذه مجامع الحكمة في عقوبة شارب الخمر. لكن ابن القيم وهو في معرض الرد على نفاة المعاني والقياس والحكم والتعليل الذين يقولون إن الشرع فرق بين المتماثلين وجمع بين المختلفين، أشار إلى حكمة جعل الجلد عقوبة لشارب الخمر وأنه لم يبلغ بالعقوبة في الخمر إلى جعلها حدًا بالقتل أو إبانة الطرف وإنما شرع فيها ما يقابل درجتها في الضرر ورتبتها في الإفساد وهو: الجلد. وهذا، موجب أسمائه وصفاته من حكمته وعدله ورحمته ولطفه وإحسانه (٣) . فقال (٤):\n(وأما الجلد فجعله عقوبة الجناية على الأعراض، وعلى العقول، والأبضاع، ولم تبلغ هذه الجنايات مبلغًا يوجب القتل ولا إبانة الطرف ... إلى أن قال: وأما الجناية على العقول بالسكر فكانت مفسدتها لا تتعدى السكران غالبًا، ولهذا لم يحرم السكر في أول الإسلام كما حرمت الفواحش والظلم والعدوان في كلّ ملة وعلى لسان كلّ نبي ...) .\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١/١٢٦. ورواه مسلم وأصحاب السنن (انظر في تخريجه (فيض القدير للمناوي ٣/٤٢٣) وأوله (الحلال بين ...» .\n(٢) انظر: حكمة التشريع للجرجاوي ٢/ ٢٧٠.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٢/٩٥.\n(٤) انظر: أعلام الموقعين ٢/٩٧.","vol":"1","page":271},{"text":"المبحث الثالث\nفي ليد الذرائع الموصلة إلى الخمر (١) .\nفي مباحث ابن القيم رحمه الله تعالى لسد الذرائع ذكر وجوهًا مما حرم في الشريعة سدًا للذريعة ومنها عدة وجوه مما حرم سدًا لذريعة الوصول إلى الخمر وهي كالآتي:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>١- تحريم القطرة من الخمر</span>.\n٢- النهي عن التخليل.\n٣- النهي عن الانتباذ فوق ثلاث.\n٤- النهي عن العصير بعد ثلاث.\n٥- النهي عن الخليطين.\n٦- النهي عن الانتباذ في بعض الأوعية.\nوابن القيم رحمه الله تعالى إضافة إلى بيانه لدلالة هذه الوجوه على سد الذريعة\nإلى الخمرة، بيّن مواقف العلماء واختلافهم في هذه المناهي.\nوإيضاح هذه الذرائع مع ما لحقه خلاف منها على ما يلي:\nأولًا: تحريم القطرة من الخمر:\nقال (٢): (حرم الشارع القطرة من الخمر، وإن لم تحصل بها مفسدة الكثير، لكونها ذريعة إلى شرب كثيرها) .\n_________\n(١) انظر: في هذا المبحث، أعلام الموقعين ٢/٨٣، ٣/١٤٨،١٥١، ١٧١، ٢/١٦٥،\nوإغاثة اللهفان ١/٣٦١، ١/١٦٢، ٣٦٢، ٣٧٦، وزاد المعاد ٣/١٤١، ٣/٣٠، وبدائع\nالفوائد ٣/ ١٤٠.\n(٢) انظر: إغاثة اللهفان ١/٣٦١","vol":"1","page":272},{"text":"وقال أيضًا (١): (وحرم القطرة الواحدة منها - أي من الخمر- لئلا تتخذ القطرة ذريعة إلى الحسوة) (٢) .\nودليل ابن القيم في هذا واضح وهو عموم الأدلة في تحريم الخمر من الكتاب والسنة كما تقدم (٣) .\nبل جاء في خصوص ذلك أحاديث منها:\nحديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) رواه النسائي وغيره (٤) .\nوفي رواية للترمذي (٥) من حديث عائشة (٦) ﵂ أن رسول الله ﷺ\nقال: (ما أسكر الفرق (٧) منه فالحسوة منه حرام) .\nفالقطرة والحسوة يصدق على كل منهما اسم القليل. فتحريم القطرة إذا ثابت بالنص من الشارع والله أعلم.\nاعتراض ورده:\nولابن القيم في سد الذريعة بتحريم القطرة من الخمر. مواقف مع نفاة المعاني في القياس والحكم والتعليل إذ قالوا: كيف أوجب الشارع الحد في القطرة الواحدة من الخمر دون الأرطال الكثيرة من البول؟.\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٥١.\n(٢) الحسوة: هي الجرعة من الشراب بقدر ما يحس مرة واحدة (انظر: النهاية لابن الأثير) .\n(٣) انظر فيما تقدم ص/٥١٤.\n(٤) انظر سنن النسائي ٨/٢٩٨. وهو حديث صحيح انظر في تخريجه (فيض القدير للمناوي ٥/٤٢٠) .\n(٥) انظر سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي ٣/١٠٥، ط الهندية.\n(٦) هي: عائشة أم المؤمنين زوجة سيد المرسلين الصديقة بنت الصديق أبي بكر ﵁ توفيت ﵂ سنة ٥٧ هـ. (انظر في ترجمتها الإصابة لابن حجر ٤/٣٤٨) .\n(٧) الفرق: مكيال يسع ستة عشر رطلًا (انظر: مختار الصحاح للرازي ص/٥٠٠) .","vol":"1","page":273},{"text":"أورد ابن القيم هذا التساؤل من النفاة في كتابيه (أعلام الموقعين) (١) و(بدائع الفوائد) (٢) وانفصل عنه بالجواب: بأن هذا من كمال الشريعة ومراعاتها لصالح\nالعباد لأن الشارع ينظر إلى المحرم ومفسدته. وينظر إلى وازعه وداعيه. فيركب\nالعقوبة على صاحب المفسدة وإن كان في ذلك المحرم ما يمنع بطبعه بني آدم اكتفى\nبذلك ولم يرتب عليه حدًا كشرب البول والدم والقيء وأكل القذرة لأن ترتيب\nالحد للزجر وطباع الناس تنفر منها فلا تكثر مواقعتها فلا يترتب إذًا الزجر بالحد.\nوفي هذا يقول في أعلام الموقعين جوابًا على ذلك الإيراد (٢):\n(فهذا أيضًا من كمال الشريعة. ومطابقتها للعقول والفطر وقياسها بالصالح. فإن ما جعل الله في طباع الخلق النفرة منه، ومجانبته اكتفى بذلك عن الوازع عنه بالحد، لأن الوازع الطبيعي كافي في المنع منه. وأما ما يشتد تقاضي الطباع له فإنه غلظ العقوبة عليه بحسب شدة تقاضي الطبع له. وسد الذريعة إليه من قرب وبعد. وجعل ما حوله حمى، ومنع من قربانه ...) .\nثانيًا: النهي عن إمساكها للتخليل (٤):\nعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ سئل عن الخمر، تتخذ خلًاّ، فقال\nﷺ: لا. رواه مسلم (٥) .\nعلة النهي:\nوقد بيّن ابن القيم رحمه الله تعالى علة هذا النهي من الشارع فقال (٦): (لئلا\n_________\n(١) انظر: ٢/٨٣ - ٨٤.\n(٢) انظر: ٣/١٤٠.\n(٣) انظر: ٢/٨٣.\n(٤) هو: من الخل وهو ما حمض من عصير العنب وغيره (انظر القاموس ٣/٣٨٠) .\n(٥) انظر: صحيح مسلم مع شرح النووي ١٣/١٥٢.\n(٦) انظر: إغاثة اللهفان ١/٣٦٢، وأعلام الموقعين ٢/١٥١، ١٦٥.","vol":"1","page":274},{"text":"تفضي مقاربتها بوجه من الوجوه إلى إمساكها لشربها) .\nوجه الاستدلال:\nهذا الحديث نص في حرمة إمساك الخمر للتخليل، إذ النفي في هذا الحديث بمعنى النهي فهو خبر بمعنى الإنشاء، والنهي يدل على التحريم.\nخلاف العلماء في التخليل (١):\nالتحريم هو مذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد رحمهم الله تعالى. والخلاف لأبي حنيفة رحمه الله تعالى إذ قال بإباحة التخليل.\nالتعليل لمذهب الحنفية:\nوقد وجه ابن قدامة مذهب الحنفية بقوله (٢):\n(لأن علة تحريمها زالت بتخليلها فطهرت كما لو تخللت بنفسها) .\nالترجيح:\nوهذا تعليل في مقابلة النص، وقد صح النص بالنهي عن إمساك الخمر لتخليلها فيجب التسليم لموجبه. إضافة إلى أن العلة ليست كما ذكره الحنفية، بل هي كما ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى (لئلا تفضي مقاربتها إلى إمساكها لشربها) .\nلهذا فإن الراجح- والله أعلم- هو تحريم تخليل الآدمي للخمر وإن علة التحريم كما ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى (٣) .\n_________\n(١) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١/٣٤٣، وشرح فتح القدير ٩/٣٩. ونيل الأوطار ٨/١٩٠\n(٢) انظر: المغنى مع الشرح الكبير ١/٣٤٣.\n(٣) أما الخمر إذا تخللت بنفسها فهي حلال في قول كافة أهل العلم (انظر: المغنى١/٣٤٣) .","vol":"1","page":275},{"text":"ثالثًا: النهي عن الانتباذ (١) فوق ثلاث:\nعن ابن عباس ﵄ (أن رسول الله ﷺ كان ينبذ له فيشربه يومه\nذلك، والغد، واليوم الثالث، فإن بقي منه شيء أهرقه، أو أمر به فأهرق) رواه مسلم (٢) والنسائي (٣) بنحوه.\nوقد أشار ابن القيم رحمه الله تعالى إلى ذلك مبينًا علة النهي فقال (٤): (وثبت في صحيح مسلم (أنه ﷺ كان ينتبذ له أول الليل، ويشربه إذا أصبح يومه ذلك والليلة التي تجيء، والغد إلى العصر، فإن بقي منه شيء سقاه الخادم أو أمر به فصب) .\nوهذا النبيذ هو ما يطرح فيه تمر يحليه، وهو يدخل في الغذاء والشراب، وله نفع عظيم في زيادة القوة وحفظ الصحة.\nولم يكن ﷺ يشربه بعد ثلاث خوفًا من تغيره إلى الإسكار.\nفإذا كان مظنة الإسكار ففي تركه حسم لمادة قربان المسكر، وسد لذريعة الوصول إليه، وهذه المسألة قد ذكرها ابن قدامة (٥) رحمه الله تعالى ولم يحك في هذا النهي خلافًا والله أعلم.\nرابعًا: النهي عن شرب العصير (٦) بعد ثلاث:\nوفي معرض ذكر الأشربة النهى عنها سدًا لذريعة الوصول إلى المسكر ذكر\n_________\n(١) نبذ التمر او العنب ونحوهما: اتخذ منه النبيذ وأصل النبذ الطرح ومنه قيل للماء يطرح فيه ما يحليه نبيذ (انظر: المعجم الوسيط ٢/٩٠٣، وزاد المعاد ٣/ ١٤١) .\n(٢) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٣/١٧٥.\n(٣) انظر: سنن النسائي ٨/ ٢٧٠، وفي سياق ألفاظه ومخرجيه: نيل الأوطار ٨/١٩٥- ٩٦ ١.\n(٤) انظر زاد المعاد ٣/١٤١. وانظر أيضًا: أعلام الموقعين ٣/ ١٥١، وإغاثة اللهفان\n(٥) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١/٣٤١.\n(٦) العصير، لغة هو: ما تحلب من الشيء عند عصره كعصير البرتقال ونحوه (انظر: المعجم الوسيط ٢/٦١٠-٦١١) .","vol":"1","page":276},{"text":"ابن القيم رحمه الله تعالى أن النبي ﷺ نهى عن شرب العصير بعد ثلاث: حسما لمادة قربان المسكر، وسدًا لذريعة الوصول إليه (١) .\nاختلاف العلماء (٢):\nوقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في النهي عن العصير بعد ثلاث على قولين:\nالقول الأول: وهو قول الجمهور أن العصير مباح ما لم يغل فإذا غلى وأسكر حرم قبل الثلاث وبعدها.\nالتدليل:\nوقد دللوا على هذا القول بأن مدار التحريم على الشدة المطربة، وهي إنما تكون في المسكر خاصة فلا يحرم العصير إذا إلا إذا اشتد وصار مسكرا.\nالقول الثاني: وهو مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إن العصير إذا أتت\nعليه ثلاثة أيام فقد حرم إلا أن يغلي قبل ذلك فيحرم.\nأدلته:\nوقد دل لمذهب أحمد رحمه الله تعالى عدة أدلة منها ما يلي:\n١- عموم أحاديث النهي عن النبيذ بعد ثلاث (٣)\nوجه الاستدلال:\nهو أن العلة مشتركة بين النبيذ والعصير في النهي عن كل منهما بعد ثلاث إذ\nكل منهما مظنة ظنًا غالبًا للإسكار، فيحرم العصير إذا بعد ثلاث.\n_________\n(١) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١/٣٤٠، ونيل الأوطار ٨/١٩٥ - ١٩٨. (٢) انظر: فيما تقدم ص/٥٣٧","vol":"1","page":277},{"text":"ولهذا فإن المجد ابن تيمية ترجم على أحاديث النهي عن النبيذ بذلك فقال (١): (باب شرب العصير ما لم يغل أو يأت عليه ثلاث) .\n٢- ما روي عن النبي ﷺ أنه قال (اشربوا العصير ثلاثًا ما لم يغل) (٢) .\n٣- إن الحكم يثبت بغلبة الظن، والعصير بعد ثلاث يصير مظنة للتغيير ظنًا غالبًا، وأما قبل الثلاث فالظن فيه ضعيف\nالترجيح:\nوالذي يظهر لي والله تعالى أعلم هو النهي عن العصير بعد ثلاث مطلقًا\nلقوة أدلة المذهب الحنبلي. من النص والتعليل. أما إذا غلي واشتد قبل ثلاث فإنه يحرم بالإجماع كما حكاه ابن قدامة رحمه الله تعالى.\nالنتيجة:\nوعليه فقد سلم لابن القيم رحمه الله تعالى الاستدلال بالنهي عن العصير\nبعد ثلاث على سد الذرائع الموصلة للمسكر والله أعلم.\nخامسًا: النهي عن الخليطين (٣):\nثبت عن النبي ﷺ من وجوه كثيرة (النهي عن الخليطين) .\nمنها حديث جابر (٤) ﵁ (أن النبي ﷺ نهي أن يخلط الزبيب والتمر\n_________\n(١) انظر: المنتقى مع شرحه نيل الأوطار ٨/١٩٥.\n(٢) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١/٣٤٠. وقد ذكره عن الشالنجي وقد بحثت عنه فلم أقف عليه.\n(٣) هما: ما ينبذ من البسر والتمر معًا أو من العنب والزبيب، ونحو ذلك مما ينبذ مختلطًا (انظر: النهاية لابن الأثير ٢/٦٣ ونيل الأوطار ٨/١٩٣) .\n(٤) هو: جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري ﵁ توفي بعد السبعين من الهجرة (انظر: التقريب ١/١٢٢) .","vol":"1","page":278},{"text":"والبسر والتمر) متفق عليه (١) . وهذا مما نهى عنه سدا لذريعة الوصول إلى الخمر\nوفي بيان ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢):\n(وبالغ في سد الذريعة فنهى عن الخليطين)\nوكون النهي عن شرب الخليطين: هو سدا لذريعة الوصول إلى المسكر، مما\nاتفقت عليه كلمة العلماء (٣)، لأن الأنواع إذا اختلفت في الانتباذ كانت أسرع إلى\nالمسكر الحرم فنهى ﷺ عن الخلط حتى لا تكون وسيلة إلى المسكر والله أعلم\nاختلاف العلماء:\nوقد اختلفت أقوال العلماء في حكم الخليطين بين النهي والإباحة، فما هي\nأصح الأقوال في هذه المسأله حتى نعرف: هل يتم لابن القيم رحمه الله تعالى التدليل\nبالنهي عنهما على سد الذرائع الموصلة إلى المسكر؟\nفإلى بيان الخلاف وأدلته\nالقول الأول: تحريم الخليطين\nوهو قول جماعة منهم: مالك وأحمد وإسحاق وظاهر مذهب وظاهر مذهب الشافعي\nفقالوا: من شربه قبل حدوث الشدة فيه فهو آثم من جهة واحدة (وهي شربه\nالخليطين)، ومن شربه بعد حدوثها فهو آثم من جهتين (وهما: شرب الخليطين،\nوشرب المسكر (٤) .\nأدلتهم:\nاستدلوا بأحاديث النهي عن الخليطين الواردة في الكتب الستة وغيرها من\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري. ١/٦٧، وصحيح مسلم مع شرح النووي ١٣/١٧٣.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٥١، وانظر أيضًا: إغاثة اللهفان ١/٣٦٢.\n(٣) انظر: المغني مع الشرح الكبير١/٣٤٢، والنهاية ٢/٦٣، وفتح الباري ١/٦٧- ٦٨.\n(٤) انظر: معالم السنن للخطابي ٥/٢٦٧، وفتح الباري، ١/٦٦- ٦٧، والنهاية لابن الأثير\n٢/٦٣، ونيل الأوطار ٧/١٩٢- ١٩٣.","vol":"1","page":279},{"text":"حديث جابر ﵁ وأبي سعيد (١) ﵁ وأبي قتادة (٢) رضي الله\nعنه وغيرهم من الصحابة ﵃. وهي بألفاظ متقاربة وجميعها يتضمن النهي عن الخليطين ومنها ما يلي:\nأ- عن جابر ﵁ (أن رسول الله ﷺ نهى أن ينبذ التمر والزبيب\nجميعًا، ونهى أن ينبذ الرطب، والبسر جميعًا) رواه الجماعة (٣)، واللفظ لمسلم.\nب- عن أبي قتادة ﵁ قال (نهى النبي ﷺ أن يجمع بين التمر والزهو والتمر والزبيب، ولينبذ كل واحد منهما على حدته) . رواه الشيخان (٤) واللفظ للبخاري.\nوجه الاستدلال:\nووجه الاستدلال من هذين الحديثين أنهما نصان في محل النزاع: إذ جاء كل منهما بصيغة النهي، والنهي يدل على التحريم فيحرم الخليطان والله أعلم.\nج- عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (من شرب\nالنبيذ منكم فليشربه زبيبا فردًا، أو تمرًا فردًا، أو بسرًا فردًا) . رواه مسلم (٥)\nوالترمذي (٦) والنسائي (٧) . واللفظ لمسلم.\n_________\n(١) هو: سعد بن مالك بن سنان الأنصاري الخدري ﵁ توفي سنة ٧٤ هـ. (انظر: التقريب ١/٢٨٩، والإصابة ٢/٣٢- ٣٣) .\n(٢) هو: أبو قتادة بن ربعي الأنصاري الخدري ﵁، اختلف في اسمه والمشهور أنه: الحارث. مات بين الخمسين والستين من الهجرة ﵁ (انظر: الإصابة ٤/١٥٧- ١٥٨) .\n(٣) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ١/٦٧، وصحيح مسلم مع شرح النووي ١٣/١٥٤ - ١٥٥، وسنن أبي داود ٤/١٠٠، وسنن الترمذي مع تحفة الأحوذي ٣/١٠٩، ط الهندية وسنن النسائي ٨/٢٥٨، وسنن ابن ماجه ٢/١١٢٥.\n(٤) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ١/٦٧، وصحيح مسلم مع شرح النووي ١٣/١٥٤.\n(٥) انظر: صحيح مسلم ١٣/١٥٤.\n(٦) انظر: سنن الترمذي ٣/١٠٧.\n(٧) انظر: سنن النسائي ٨/ ٢٦٠.","vol":"1","page":280},{"text":"وجه الاستدلال:\nودلالة هذا الحديث ظاهرة بطريق مفهوم المخالفة، فإن تقييد الشرب بالانفراد يدل على عدم جوازه مختلطًا، إذ تقييد الحكم بالوصف يدل على انتفائه عند انتفاء الوصف، والله أعلم.\nالقول الثاني: الكراهة.\nوهو مذهب الشافعي (١) وحكي عن مالك (٢) وذكر النووي الشافعي: أنه قول الجمهور. فقال (٣):\n(مذهبنا، ومذهب الجمهور، أن هذا النهي لكراهة التنزيه، ولا يحرم ذلك ما\nلم يصر مسكرًا، وبهذا قال جماهير العلماء) .\nدليلهم:\nهو حمل أحاديث النهي عن الخليطين على الكراهة لا على التحريم، لأن الخلط\nفي ذاته حلال، ولا يكون مسكرًا بمجرد الخلط،. لكن لما كان الخلط مظنة التغير سريعًا نهى عنه الشارع خشية أن يشربه الشارب ظانًا أنه ليس بمسكر، ويكون مسكرًا.\nوقد ذكر النووي سبب الكراهة فقال (٤):\n(قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: سبب الكراهة فيه أن الإسكار يسرع إليه بسبب الخلط قبل أن يتغير طعمه، فيظن الشارب أنه ليس مسكرًا ويكون مسكرًا) .\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ١٠/٦٨، وشرح مسلم ١٣/١٥٤، والمغني١٠/٣٤٢.\n(٢) انظر: المراجع السابقة.\n(٣) انظر: شرح مسلم ١٣/١٥٤.\n(٤) انظر: المرجع السابق.","vol":"1","page":281},{"text":"القول الثالث: الإباحة:\nوهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله تعالى (١) وحكاه الخطابي: له ولسفيان (٢) رحمه\nالله تعالى\nأدلته:\nاستدل لمذهب أبي حنيفة بالأثر والقياس، وبيانهما على ما يلي:\n١- الأثر: روي عن ابن زياد أنه قال: سقاني ابن عمر ﵄، شربة ما كدت أهتدي إلى منزلي، فغدوت إليه من الغد، فأخبرته بذلك فقال: ما زدناك على عجوة وزبيب (٣) .\nوجه الاستدلال:\nهو أن يقال: إن هذا نوع من الخليطين أجاز شربه الصحابي عبد الله بن عمر ﵄ ولو كان منهيًا عنه لما سقاه ابن زياد.\nمناقشة هذا الدليل\nوهذا الأثر مناقش رواية ودراية على ما يلي:\nمناقشته رواية:\nوهي أن هذا الأثر فيه ابن زياد وقد قال الحافظ ابن حجر في هذا الأثر (٤): (أخرجه محمد بن الحسن ... وابن زياد لا أعرفه ولم أرَ من سماه) . فأثر في سنده مجهول ولم يعلم له شاهد ولا متابع لا يكون حجة بحال.\n_________\n(١) انظر: شرح فتح القدير ٩/٣٣، ومعالم السنن للخطابي ٥/٢٧٦، وشرح النووي لمسلم ١٣/١٥٤، وفتح الباري، ١٠/٦٩.\n(٢) انظر: معالم السنن ٥/٢٧٦.\n(٣) انظر: الهداية مع شرح فتح القدير ٩/٣٣.\n(٤) انظر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢/٢٤٨","vol":"1","page":282},{"text":"مناقشته دراية:\nوهي أن قول ابن زياد (ما كنت لأهتدي لأهلي) يشعر بإسكار الشربة التي سقاه ابن عمر ﵄، والسكر من كل شراب حرام بالاتفاق فكيف يستدل بذلك على الحل للخليطين.\nعلى أنا نجل الفقيه الورع الصحابي الجليل عبد الله بن عمر ﵄ أن يسقي شخصًا شرابًا فيه إسكار والله أعلم.\nب- القياس: وهو قياس الخليطين في الحل على المفرد في الحل أيضًا وفي هذا يقول النووي رحمه الله تعالى في معرض الاستدلال لهذا القول (١): (قالوا:\nلا بأس به لأن ما حل بمفرده حل مخلوطًا) .\nمناقشة هذا القياس:\nوهذا الدليل مناقش من وجهتين:\nالأولى أنه قياس في مقابلة النص والقاعدة أنه لا قياس مع النص (٢) .\nالثانية: أن القياس غير سليم لأنه قياس مع الفارق.\nووجه الفرق: أن العلة في حل المفرد هي عدم إفضائه غالبًا إلى المسكر، أما المخلوِط فيفضي إلى السكر غالبًا، لأن الخلط يقوي أحد النوعين على الآخر فيسرع إليه الإسكار.\nوعليه: فإن هذا القياس لا يتم الاستدلال به والله أعلم.\nموقف الحنفية من أحاديث النهي:\nيرى الحنفية أن أحاديثه النهي كانت في أول الإسلام حين الحاجة والشدة فلما\n_________\n(١) انظر: شرح مسلم للنووي ١٣/١٥٤.\n(٢) انظر: فتح الباري ١٠/٦٩. ونيل الأوطار ٨/١٩٤","vol":"1","page":283},{"text":"فتح الله على عباده النعم أباح الجمع بين الخليطين. وفي هذا يقوِل البابرتي (١):\n(النهي عن الجمع بين التمر والزبيب، كان في الابتداء في وقت كان بين المسلمين ضيق وشدة في أمر الطعام لئلا يجمع بين الطعامين، ويترك جاره جائعًا بل يأكل أحدهما، ويؤثر الآخر على جاره، ثم لما وسع الله على عباده النعم أباح الجمع بين النعمتين) .\nحديث عائشة ﵂:\nوقد تتبعت كثيرًا من المطولات لدى الحنفية فلم أرهم يذكرون حديث عائشة ﵂ للدلالة على النسخ وهو أنها قالت:\n(كنا ننبذ لرسول الله ﷺ في سقاء، فنأخذ قبضة من تمر، وقبضة من زبيب\nفنطرحهما، ثم نصب عليه الماء فننبذه غدوة فيشربه عشية، وننبذه عشية فيشربه غدوة) رواه ابن ماجه (٢) . ولعله لعدم معرفة تأخره عن أحاديث النهي عن الخليطين عدل الحنفية رحمهم الله تعالى عن ذكره ناسخًا والله أعلم.\nمناقشة جواب الحنفية:\nجواب الحنفية هذا يتضمن القول بنسخ أحاديث النهي، وهم لا يذكرون دليلًا عليه ناسخًا، والنسخ لا بد فيه من معرفة الدليل الناسخ، المكتمل لشروطه\nمن ثبوت التأخر للناسخ، وقيام التعارض بين الدليلين مع عدم إمكان الجمع وهذا ما لم يثبت هنا.\nفظهر إذا أن قول الحنفية بإباحة الخليطين مطلقًا، لا تنهض أدلته على مقاومة\nأحاديث. النهي.\n_________\n(١) انظر: العناية شرح الهداية ٩/٣٣ - بحاشية شرح فتح القدير لابن الهمام. (٢) انظر: سنن ابن ماجه ٢/١١٢٦. وانظر: نيل الأوطار ٨/١٩٣.","vol":"1","page":284},{"text":"ولهذا اشتد نكير الأئمة على مذهب الحنفية فقال النووي (١):\n(وأنكر عليه- أي على أبي حنيفة- الجمهور، وقالو منابذة لصاحب الشرع فقد ثبتت الأحاديث الصحيحة في النهي عنه، فإن لم يكن حرامًا كان مكروهًا) . وقال ابن حجر (٢):\n(وشذ من قال: لا بأس به) .\nالترجيح:\nهذه هي أقوال العلماء في هذه المسألة. وهذه عمدتهم في الأدلة لها. والمناظر\nيرى تجاذبًا شديدًا بين النهي والإباحة. ذلك أن أحاديث النهي صحيحة صريحة في النهي عن الخليطين. وحديث عائشة صحيح صريح في شرب النبي ﷺ للخليطين وأنه كان يصنع له في بيته ﷺ. وهما في المنزلة كما ترى وإن كانت أحاديث النهي أكثر وأشهر وقد اتفق على روايتها الشيخان البخاري ومسلم. إلا أن حديث عائشة ﵂ خارج مخرج الصحيح وهو صريح في الإباحة لفعله ﷺ فما بقي إذا من وجوه دفع التعارض في الظاهر إلا اللجوء إلى الجمع أو النسخ. والنسخ هنا غير وارد للجهل بتاريخ المتقدم من المتأخر فيهما. فما هو المسلك السليم إذا في الجمع بين أدلة النهي والإباحة؟.\nوللانفصال بالجواب عن هذا أقول:\nليعم أولًا أن مناط التحريم هو السكر باتفاق الأئمة (٣) . فإذا صار الشراب من الخليطين فيه إسكار فإنه حرام باتفاق الأئمة كما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى (٤) .\n_________\n(١) انظر: شرح مسلم ١٣/١٥٤.\n(٢) انظر: فتح الباري ١٠/٦٩.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى بن تيمية ٣٤/٢٠١.\n(٤) انظر: المرجع السابق.","vol":"1","page":285},{"text":"وعلى هذا فإن نصوص المسألة هذه تتنزل على ما يلي:\nأولًا: ما كانت مدة الانتباذ فيه قريبة وهي يوم وليلة، لا يتوهم الإسكار فيها. فهو مباح إذا وعلى هذا يتنزل حديث عائشة ﵂.\nثانيًا: ما كانت مدة الانتباذ فيه للخليطين محتملة للإفضاء إلى الإسكار وهي\nما كان فوق يوم وليلة وما دون ثلاث ليال. فهذا مكروه ما لم يتغير. لتخلف مناط التحريم عنه.\nثالثًا: ما كانت مدة الانتباذ فيه للخليطين قد مضى عليها ثلاث ليال وتغير بغليان ونحوه. فهذا حكمه التحريم.\nهذا هو ما ظهر لي في هذه المسألة وبه إن شاء الله تعالى تجتمع الأدلة وينتفي التعارض الظاهر. وهذا هو ما جنح إليه الشيخ أبو محمد بن قدامة في كتابه المغني إذ قال بعد سياقه لحديث عائشة ﵂ (١):\n(لما كانت مدة الانتباذ قريبة وهي يوم وليلة لا يتوهم الإسكار فيها لم يكره.\nفلو كان مكروهًا لما فعل هذا في بيت النبي ﷺ له. فعلى هذا: لا يكره ما كان\nفي المدة اليسيرة. ويكره ما كان في مدة يحتمل إفضاؤه إلى المسكر. ولا يثبت التحريم ما لم يغل أو تمضِ عليه ثلاثة أيام) .\nولعله بهذا يظهر لنا جليًا أنه قد تمّ لابن القيم الاستدلال بالنهي عن الخليطين على سد الذرائع الموصلة للخمر ولكن على التنزيل المذكور والله أعلم.\nسادسًا: النهي عن الانتباذ في بعض الأوعية (٢):\nروى مسلم (٣) بسنده عن زاذان (٤) قال: قلت لابن عمر حدثني بما نهى عنه النبي\n_________\n(١) انظر: المغني ١٠/ ٣٤٢.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٥١، وإغاثة اللهفان ١/١٦١ وزاد المعاد٣/٣٠.\n(٣) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٣/١٦٥.\n(٤) هو: زاذان الكندي البزار ويكنى أبا عبد الله وأبا عمر مات سنة ٢٨٢ هـ. روى له مسلم والأربعة (انظر: التقريب ١/٢٥٦) .","vol":"1","page":286},{"text":"ﷺ من الأشربة بلغتك وفسره لي بلغتنا، فإن لكم لغة، سوى لغتنا فقال: (نهى رسول الله ﷺ عن الحنتم (وهي الجرة) وعن الدباء (وهي القرعة) وعن المزفت\n(وهو المقير) وعن النقير (وهي النخلة تنسخ نسخًا، وتنقر نقرًا،) وأمر أن ينبذ\nفي الأسقية) .\nوقد روي بمعناه أحاديث كثيرة في النهي عن الانتباذ في بعض الأوعية كما في حديث وفد عبد القيس (١) وغيره.\nوفي ذكر النهي عن الانتباذ في بعض الأوعية يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢):\n(ونهى عن الانتباذ في الأوعية التي قد يتخمر النبيذ فيها ولا يعلم به) .\nويزيد ابن القيم رحمه الله تعالى هذا المعنى إيضاحًا مبينًا علة النهي فيقول (٣): (وسر المسألة أن النهي عن الأوعية المذكورة من باب سد الذرائع إذ الشراب يسرع إليه الإسكار فيها.\nوقيل: بل النهي عنها لصلابتها، وإن الشراب يسكر فيها ولا يعلم به، بخلاف الظروف غير المزفتة، فإن الشراب متى غلا فيها وأسكر انشقت فيعلم أنه مسكر.\nوعلى كلا العلتين فهو من باب سد الذريعة، كالنهي أولًا عن زيارة القبور سدًا لذريعة الشرك، فلما استقر التوحيد في نفوسهم وقوي عندهم أباح لهم في زيارتها غير أن لا يقولوا هجرًا.\nوهكذا قد يقال في الانتباذ في هذه الأوعية: أنه فطمهم عن المسكر وأوعيته وسد الذريعة إليه، إذ كانوا حديثي عهد بشربه فلما استقر تحريمه عندهم واطمأنت\n_________\n(١) هم: قبيلة عدنانية قدم وفدهم إلى النبي ﷺ بالمدينة وكانوا أربعة عشر راكبًا رئيسهم الأشج\nالعصري (انظر: شرح مسلم ١/١٨١) . وقد ساق مسلم حديثهم وفيه النهي عن الانتباذ في\nبعض الأوعية وشرحها النووي شرحًا وافيًا.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٥١.\n(٣) انظر: زاد المعاد ٣/٣٠.","vol":"1","page":287},{"text":"إليه نفوسهم، أباح لهم الأوعية كلها غير ألا يشربوا مسكرًا، فهذا فقه المسألة وسرها) .\nرأي ابن القيم. في استمرار النهي:\nفي هذه المسألة وأمثالها يحصل الغلط من كثير من أهل العلم في الإفصاح عن اختيارات العلماء وآرائهم في مسائل العلم. فمثلًا ابن القيم في هذه المسألة. ذكر في معرض بحثه لقاعدة سد الذرائع وجوهًا كثيرة مما ورد النهي عنه سدًا للذريعة. كما في كتابيه (الأعلام) (١) و(الإغاثة) (٢) فقال في الكتابين:\n(ونهى- عن الانتباذ في الأوعية التي قد يتخمر النبيذ فيها ولا يعلم به) . فيظن الناظر لكلامه هذا أن اختيار ابن القيم أو رأيه هو النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية. بينما الأمر على خلافه فإنه يرى أن هذا من الأحكام المنسوخة وإن الشارع نهى عن الانتباذ في هذه الأوعية في أول الأمر سدًا لذريعة الوصول إلى الخمر وقربانها (٣) (إذ كانوا حديثي عهد بشربه فلما استقر تحريمه عندهم، واطمأنت إليه نفوسهم أباح لهم الأوعية كلها غير ألا يشربوا مسكرًا) ثم قال: (وهذا فقه المسألة وسرها) (٤) .\nفتبين أن رأي ابن القيم هو عدم بقاء النهي وإن الأمر عاد إلى الإباحة. وإن ما ذكره في كتابيه (الأعلام) و(الإغاثة) في معرض الذرائع لا حرج عليه فيه، ولا يفهم منه أن هذا رأيه، لأن النهي عن الانتباذ في الأوعية المذكورة\nلما كانوا حديثي عهد بشرب الخمر. فسد كل باب موصل إليه فلما استقر في نفوسهم حرمة الخمر أباح الانتباذ في الأوعية كلها غير ألا يشربوا مسكرًا والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: ٣/١٤٧- ١٧١.\n(٢) انظر: ١/٣٦٠- ٣٧٦.\n(٣) انظر: زاد المعاد ٣/ ٣٠.\nانظر: زاد المعاد ٣/ ٣٠","vol":"1","page":288},{"text":"الدليل الناسخ:\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن الدليل الناسخ هو حديث بريدة ﵁ فقال (٢):\n(عن بريدة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (نهيتم عن الظروف، وإن\nظرفا لا يحل شيئًا ولا يحرمه وكل مسكر حرام) رواه مسلم) (٣) .\nوحديث بريدة ﵁ قد ورد بنحوه عن جماعة من الصحابة ﵃ منهم أنس ﵁ (٤) وجابر ﵁ (٥) وغسان التيمي (٦) رضي\nالله عنه وغيرهم كما رواها الإمام أحمد رحمه الله تعالى (٧) .\nوالقول بالنسخ هو مذهب الجماهير من أهل العلم منهم الحنفية (٨) والشافعية (٩) ورواية عن أحمد (١٠) وهو اختيار البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه (١١) وابن قدامة (١٢) والخطابي (١٣) وابن حجر (١٤) وغيرهم من المحققين والله أعلم.\n_________\n(١) هو: بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁ مات سنة ٦٣ هـ. (انظر: التقريب ١/٩٦ والإصابة ١/١٥٠) .\n(٢) انظر: زاد المعاد ٣/٣٠.\n(٣) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٣/١٥٨- ١٦٠.\n(٤) انظر: مسند أحمد بترتيب الساعاتي: الفتح الرباني ١٧/١٢٨.\n(٥) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ١٠/٥٧.\n(٦) انظر: المسند بترتيب الساعاتي ١٧/١٢٧. والتيمي: هو غسان التيمي ﵁ كان في وفد عبد القيس (انظر: تعجيل المنفعة ص/٢١٦) .\n(٧) انظر: الفتح الرباني ١٧/١٢٦ - ١٢٩.\n(٨) انظر: شرح فتح القدير ٩/٣٨.\n(٩) انظر: معالم السنن ٥/٢٧٣.\n(١٠) انظر: زاد المعاد ٣/٣٠.\n(١١) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري. ١٠/٥٨.\n(١٢) انظر: المغني مع الشرح الكبير: ١٠/٣٤١ - ٣٤٣.\n(١٣) انظر: معالم السنن ٥/٢٧٣.\n(١٤) انظر: فتح الباري ١٠/٥٨","vol":"1","page":289},{"text":"القول المخالف:\nوبعد أن قرر ابن القيم رحمه الله تعالى القول بنسخ أحاديث النهي وأنه قول الجمهور، ذكر القول الثاني: وهو أن أحاديث النهي محكمة غير منسوخة وذكره رواية عن الإمام أحمد (١) .\nوهو أيضًا مذهب مالك رحمه الله تعالى (٢) .\nموقفهم من أحاديث النسخ:\nوقد بيّن ابن القيم رحمه الله تعالى وجهة نظر من قال بأن أحاديث النهي محكمة\n- نحو الأحاديث المفيدة لنسخها فقال (٣): (ومن قال بإحكام أحاديث النهي وأنها غير منسوخة قال: هي أحاديث تكاد تبلغ التواتر في تعددها، وكثرة طرقها، وحديث الإجازة فرد فلا يبلغ مقاومتها) .\nمناقشتهم:\nهكذا ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى وجهة المخالف ولم يتعقبها بشيء، والجواب عنها من وجهين:\nالأول: أن حديث بريدة الأسلمي ﵁ قد كثرت مخارجه وعدلت نقلته ويكفي أنه في صحيح الإمام مسلم مسندًا من وجوه عدة إلى بريدة رضي الله\nعنه (٤) . وليس من شرط الحديث الناسخ ألا يكون فردا بل شرطه الصحة والسلامة والثبوت. وحديث بريدة صحيح ثابت وسالم من شذوذ أو علة ولهذا فإن القائلين بعدم النسخ، لم يؤثر عنهم إبداء قوادح في إسناده. ودونها خرط القتاد. فتبيّن إذًا\nأنه يصلح أن يكون بمفرده ناسخًا لأحاديث النهي.\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/٣٠.\n(٢) انظر: معالم السنن ٥/٢٧٣\n(٣) انظر: زاد المعاد ٣/ ٣٠\n(٤) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٣/١٦٧ -١٦٨.","vol":"1","page":290},{"text":"الثاني: أن بريدة ﵁ لم ينفرد بنقل النص الناسخ بل رواه غيره من الصحابة ﵃ كما في حديث جابر ﵁ عند البخاري. وأحاديث أنس، وعلي، وأبي هريرة، وعبد الله المزني (١) وغيرهم كما عند الإمام أحمد في مسنده. فكيف يقال إنه فرد لا يبلغ قوة المقاومة لأحاديث النهي. ويضيف شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عذرًا آخر لن قال باستمرار النهي فيذكر أن (منهم من لم يبلغه النسخ) (٢) وإذ قد بلغ فليكن حجة على من بلغه والله أعلم.\nالخلاصة والترجيح:\nيتضح مما تقدم أن القول بالنسخ هو مذهب الجماهير من العلماء منهم الحنفية والشافعية وإحدى الروايتين عن أحمد واختيار جماعة من محققي العلماء منهم البخاري، والخطابي، وابن قدامة وغيرهم وإن حجتهم في هذا حجة أحاديث النسخ لأحاديث النهي من حديث بريدة ﵁ وغيره من الصحابة ﵃. وهذا هو ما اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى.\nوإن القول ببقاء الحظر هو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه. وإن هذا القول لا يثبت أمام النقد لعدم سلامة الدفع لأحاديث النسخ.\nوعليه فإن ما ذهب إليه الجمهور من عود الحكم إلى الإباحة واختاره ابن القيم رحمه الله تعالى هو أرجح القولين وأولاهما بالقبول والله أعلم.\n_________\n(١) هو: عبد الله بن مغفل المزني ﵁ مات سنة ٥٧ هـ. انظر تقريب التهذيب لابن حجر ١/٤٥٣) .\n(٢) انظر مجموع الفتاوى ٢٨/٣٣٨","vol":"1","page":291},{"text":"المبحث الرابع\nفي عقوبة شارب الخمر (١)\nتناول ابن القيم رحمه الله تعالى الحديث عن عقوبة شارب الخمر في عدة فروع:\nالفرع الأول: أن عقوبة الشارب حدية لا تعزيرية.\nالفرع الثاني: في بيان مقدار العقوبة.\nالفرع الثالث: في بيان أن قتل الشارب في الرابعة تعزيرًا.\nالفرع الرابع: في بيان أنواع من العقوبات التعزيرية لشارب الخمر.\nالفرع الخامس: في العقوبة المالية للخمار.\nوإلى بيانها على هذا الترتيب:\nالفرع الأول: أن عقوبة الشارب حدية مقدرة لا تعزيرية:\nيذكر ابن القيم رحمه الله تعالى اختياره من أن عقوبة الشارب حدية مقدرة لا تعزيرية مبينًا أن هذا هو خلاصة ما تدل عليه الأحاديث فيقول (٢):\n(ومن تأمل الأحاديث رآها تدل على أن الأربعين حد والأربعون الزائدة عليها تعزير، وقد اتفق عليه الصحابة ﵃) .\nولعل ابن القيم رحمه الله تعالى اكتفى بهذه الخلاصة، ولم يورد النقاش على\n_________\n(١) انظر في هذا المبحث وفروعه: أعلام الموقعين ٢/٩٧، ٣/١١٧، ٣/١٥٢ وما بعدها،\nوزاد المعاد ٢/٦٦، ٩٨، ٣/٢١٠،٢١١ وإغاثة اللهفان ١/٣٣١ وما بعدها في مبحث العقوبات المالية والطرق الحكمية ص/١٠- ٢٠، ٣٠٨، ٣١٢، وتهذيب السنن ٦/٢٣٧- ٢٣٨.\n(٢) انظر: زاد المعاد ٣/٢١١","vol":"1","page":292},{"text":"عادته لتكاثر النصوص على دلالته حتى حكى فيه الإجماع.\nولكن قد أثير الخلاف في هذه القضية، فلا بد إذا من تحرير الكلام فيها، لأنها من باب التأصيل في أحكام الخمر.\nفإلى إيراد الإجماع ومناقشته من المخالف ثم مناقشة المخالف فما أورده.\nحكاية الإجماع:\nحكى الإجماع غير واحد من أهل العلم على أن عقوبة شارب الخمر حدية مقدرة والخلاف إنما حصل في التقدير. وممن حكى الإجماع في هذا:\nابن حزم، والقاضي عياض (٢)، وابن هبيرة (٣)، وابن قدامة (٤)، والحافظ ابن حجر (٥)، والمرتضى في (البحر الزخار) (٦) .\nمنزلة هذا الإجماع:\nتعاقب على هذا الإجماع عالمان: الحافظ ابن حجر يدافع عنه ويؤيده (٧) والعلاّمة الشوكاني (٨) يرفض هذا الدفاع وينقض هذا الإجماع. وإليك البيان:\n_________\n(١) انظر: مراتب الإجماع ص/١٣٣.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر ١٢/٧٢.\n(٣) انظر: الإفصاح عن معاني الصحاح ٢/٤٢٦.\n(٤) انظر: المغني ١٠/٣٣٣.\n(٥) انظر: فتح الباري ١٢/ ٧٢.\n(٦) انظر: البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأنصار ٥/١٩٣ ط مطبعة السنة المحمدية بمصر سنة ٣٦٨ هـ. مؤلفه: أحمد بن يحيى بن المرتضى الزبيدي المتوفى سنة ٨٤٠ هـ. (انظر في ترجمته الأعلام ١/٢٥٥) .\n(٧) انظر: فتح الباري ١٢/٧٢.\n(٨) انظر: نيل الأوطار ٧/١٥٠- ١٥١.","vol":"1","page":293},{"text":"تعقب الإجماع:\nحكى الحافظ ابن حجر (١): أن الطبري، وابن المنذر (٢)، وغيرهما حكوا عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حد فيها وإنما فيها التعزير.\nأدلتهم:\nاستدلوا بجملة من الأحاديث الواردة (٣) في الصحيحين وغيرهما التي تفيد عدم تعيين عدد الضرب ومنها:\n١- حديث علي ﵁ قال: (ما كنت لأقيم الحد على أحد فيموت فأجد في نفسي إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديته وذلك أن (رسول\nالله ﷺ لم يسنه) رواه الشيخان) (٤) .\n٢- عن أنس ﵁ قال: (إن النبي ﷺ ضرب في الخمر بالجريد\nوالنعال وجلد أبو بكر أربعين) رواه البخاري (٥) .\n٣- عن ابن عباس ﵄: (أن رسول الله ﷺ لم يوقف في الخمر\nحدًا) رواه أبو داود. (٦) .\nقال الحافظ ابن حجر (إسناده قوي) (٧) .\nوجه الدلالة:\nقالوا فهذه الأحاديث وأمثالها صريحة من أن النبي ﷺ لم يحد في الخمر حدًا\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ١٢/٧٢.\n(٢) محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري مات بمكة سنة ٣٠٩ هـ. وقيل غيرها، (انظر: شذرات الذهب لابن العماد ٢/٢٨٠) .\n(٣) انظر: في جمعها، فتح الباري ١٢/٧٠- ٧٢.\n(٤) انظر: البخاري مع فتح الباري ١٢/٦٦. وصحيح مسلم مع النووي ١١/٢٢٠.\n(٥) انظر: البخاري مع فتح الباري ١٢/٦٣، ٦٦.\n(٦) انظر: سنن أبي داود ٤/٦١٩.\n(٧) انظر: فتح الباري ١٢/ ٧٢.","vol":"1","page":294},{"text":"مقدرًا فما دام لم يقدر فهو ليس بحد فيكون إذًا: تعزيرًا.\nالجواب عن هذه الأدلة: من وجهين:\nالوجه الأول: النصوص الحديثية: وتعقبت هذه الأدلة بأنه قد وردت نصوص تفيد أن النبي ﷺ جلد فيها أربعين جلدة. وقد اعتمدها أبو بكر ﵁\nفي خلافته، وعمر ﵁ في خلافته، وعمر ﵁ في صدر خلافته حتى تتابع الناس فيها فزادها أربعين. ومنها ما يلي:\n١- حديث علي ﵁ قال: (جلد النبي ﷺ أربعين. وأبو بكر أربعين، وعمر ثمانين، وكل سنة) . رواه أبو داود (١) .\n٢- ما أخرجه مسلم في صحيحه (٢): (أن عثمان ﵁ أمر عليًا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر، فقال لعبد الله بن جعفر (٣) اجلده فجلده فلما بلغ الأربعين قال امسك: جلد رسول الله ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي) . ورواه أيضًا أبو\nداود (٤)، وابن ماجه (٥) .\nقال الحافظ ابن حجر (في هذا الحديث: الجزم بأن النبي ﷺ جلد أربعين) (٦) .\n٣- حديث أنس ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يضرب في الخمر\nبالنعال والجريد أربعين) رواه مسلم (٧) .\n_________\n(١) انظر: سنن أبي داود ٤/٦٢٣.\n(٢) انظر: صحيح مسلم مع النووي ١١/٢١٦.\n(٣) هو: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي مات سنة ٨٠ هـ. وله صحبة (انظر تقريب التهذيب لابن حجر ١/٤٠٦) .\n(٤) انظر: سنن أبي داود ٤/٦٢٢- ٦٢٣.\n(٥) انظر: سنن ابن ماجه ٢/٨٥٨.\n(٦) انظر: فتح الباري ١٢/٧٢.\n(٧) انظر: صحيح مسلم مع شرح النووي ١١/٢١٦.","vol":"1","page":295},{"text":"وجه الاستدلال:\nيقال فهذه الأحاديث وما ورد في معناها تفيد أن النبي ﷺ عاقب في الخمر عقوبة مقدرة، فجلد أربعين. فهي إذا عقوبة حدية مقدرة من الشارع ﷺ. ومن\nرواة هذه الأحاديث علي وأنس ﵄ اللذين هما من رواة الأحاديث التي استدل بها على عدم الحدية.\nالجمع بين الأحاديث:\nيبقى أن يقال ما هو الجمع بين أحاديث الفريقين\nوالجواب: إن سنن رسول الله ﷺ لا يمكن تعارضها ولا تضاربها بل يجب أن تنزل السنن منازلها تأليفًا لها ونفيًا لتعارضها في الظاهر فالنصوص بمجموعها تفيد: أن الحد استقر من النبي ﷺ على أربعين جلدة لشارب الخمر، بدلالة أن هذا هو ما استقر في مفهوم الصحابة ﵃. واعتماد أبي بكر ﵁ هو حجة في ذلك كما قاله الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى (١) .\nوقال أيضًا (٢):\n(وقد وقع التصريح بالحد المعلوم فوجب المصير إليه ورجح القول بأن الذي اجتهد فيه زيادة على الحد إنما هو تعزير) .\nوأحاديث المعارض المتقدمة يجاب عنها بما يلي:\nجواب ابن القيم عن حديث علي ﵁:\nتقدم قول علي ﵁ (أن رسول الله لم يسنه) (٢) وقد أجاب عنه ابن القيم فقال (٣):\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ١٢/ ٧٠.\n(٢) انظر: فتح الباري ١٢/ ٧١.\n(٣) انظر: زاد المعاد ٣/ ٢١١","vol":"1","page":296},{"text":"(المراد بذلك أن رسول الله ﷺ لم يقدر فيه بقوله تقديرًا لا يزاد عليه. ولا ينقص كسائر الحدود، وإلا فعلي ﵁ قد شهد أن رسول الله ﷺ وقد ضرب فيها أربعين وقوله (إنما هو شيء قلناه) يعني التقدير بثمانين فإن عمر ﵁ جمع الصحابة ﵃ واستشارهم فأشاروا بثمانين فأمضاها. ثم جلد علي في خلافته أربعين وقال هذا أحب إلي) .\nوهذا الجواب من ابن القيم هو ما أجاب به جمع من الأئمة رحمهم الله تعالى منهم الحافظ ابن حجر وقال (١): (وبه جزم البيهقي وابن حزم) .\nالجواب عن حديث أنس ﵁:\nأما قول أنس ﵁ (إن النبي ﷺ ضرب في الخمر بالجريد والنعال\nوجلد أبو بكر أربعين) (٢) .\nفيقال هذا حق لكن سنة أبي بكر هذه من الجلد بأربعين هي سنة رسول الله\nﷺ في شارب الخمر وأنس ﵁ راوي الحديثين فإنه قال: (كان النبي ﷺ يضرب في الخمر بالجريد والنعال أربعين) (٣) .\nوحديث المعارض أيضًا ليس فيه نفي أن النبي ﷺ لم يجلد أربعين فالتأمت بذلك السنن والحمد لله.\nالجواب عن حديث ابن عباس ﵄:\nأما حديث ابن عباس المتقدم أنه قال: (إن النبي ﷺ لم يوقت في الخمر\nحدًا) (٤) فالجواب عنه أن ابن عباس ﵄ لم يبلغه التعيين المذكور وقد\nوقع التعيين بأربعين، وخفاء بعض السنن على بعض أجلاء الصحابة أمر منتشر في\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ١٢/٧٢.\n(٢) انظر: فيما تقدم ص/٢٩٠.\n(٣) انظر: فيما تقدم ص/٢٩١.\n(٤) انظر: ص/٢٩٠","vol":"1","page":297},{"text":"كتب السنة. وقد ثبت أن النبي ﷺ وقت فيه كما تقدم والله أعلم. الجواب الثاني: من الجواب عن أدلة المعارض: الإجماع، فالإجماع منعقد على\nأن عقوبة شارب الخمر عقوبة حدية مقدرة من الشارع ﷺ كما حكاه غير واحد\nمن أهل العلم منهم: ابن حزم، والقاضي عياض، وابن هبيرة، وابن قدامة، والمرتضى، وابن حجر، كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في صدر هذه المسألة، والله أعلم.\nاعتراض الشوكاني ومناقشته:\nانتصر الشوكاني للقول بأن عقوبة الخمر غير مقدرة. وادعى عدم التسليم بالإجماع، وأنه لم يأتِ رواية بالتقدير فقال (١): (والحاصل أن دعوى إجماع الصحابة ﵃ غير مسلمة. فإن اختلافهم في ذلك قبل إمارة عمر وبعدها وردت به الروايات الصحيحة. ولم يثبت عن النبي ﷺ الاقتصار على\nمقدار معين ... فالأولى الاقتصار على ما ورد عن الشارع من الأفعال وتكون جميعها جائزة) .\nمناقشة:\nيقدح الشوكاني في الإجماع المذكور بوجود الاختلاف المذكور: وهذا قدح غير وارد لأن الاختلاف الحاصل إنما هو فيما زاد على الأربعين، أما الأربعين فلا خلاف فيها بدلالة فعل أبي بكر ﵁ كما تقدم.\nوأما قوله (إنه لم يثبت عن النبي ﷺ الاقتصار على مقدار معيّن) فقد تقدم طرف من الأحاديث التي تنص على أن النبي ﷺ اقتصر على أربعين ومنها حديث أنس عن مسلم في صحيحه.\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار ٧/١٥٠- ١٥١","vol":"1","page":298},{"text":"إذًا فيكون تجويز جميع الأفعال المذكورة في النصوص: نفي للحدية المقدرة وفي ذلك إهدار للنصوص الواردة بالتقدير ونقض للإجماع على مقتضاها والله أعلم.\nالخلاصة:\nإنا نرى ابن القيم رحمه الله تعالى يقرر في كتابه (زاد المعاد) ما دلت عليه النصوص واقتضاه الإجماع من أن عقوبة الخمر حدية مقدرة من الشارع ﷺ\nويستدل على ذلك بمجامع النصوص الحديثية ويجيب عن أقواها في المعارضة وهو\nحديث علي ﵁ والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>الفرع الثاني\nبيان مقدار العقوبة </span>لشارب الخمر\nهذه من مسائل العلم التي اشتد فيها الخلاف وكثرت فيها الأقوال حتى أوصلها الحافظ بن حجر إلى ستة أقوال (١) . وابن القيم في هذه المسألة يتحفنا برأيه من أن مقدار العقوبة: أربعون جلدة، وإن ما زاد عليها من أنواع العقوبات كلها تعزيرية: فزيادة الأربعين في عهد عمر ﵁ زيادة تعزيرية لا حدية وقد اتفق عليها الصحابة ﵃.\nوزيادة الحلق للرأس تعزير. وزيادة النفي تعزير. وذلك بحسب ما رآه الولاة من الانهماك في شربها والجرأة عليها.\nويبيّن على ضوء هذا أن هذه الزيادات من الأحكام المتعلقة بالأئمة، إذ رأي\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ١٢/٧٤ - ٧٥","vol":"1","page":299},{"text":"الوالي الانهماك في، شربها والجرأة عليها؟.\nوهو في هذا العرض يتحفنا بخلاصة رأيه من غير سياق للأقوال ومناقشتها\nفيقول: (ومن تأمل الأحاديث رآها تدل على أن الأربعين حد، والأربعون الزائدة عليها تعزير اتفق عليه الصحابة ﵃ ... وقد حلق فيها عمر ﵁ وغرب وهذا من الأحكام المتعلقة بالأئمة وبالله التوفيق) .\nسلف ابن القيم في هذا الرأي:\nابن القيم في هذا الرأي يوافق مذهب الشافعية والرواية الثانية عن الإمام أحمد.\nفي قولهم إن الحد: أربعون والزيادة إلى الثمانين تعزير. والتعزير موكول إلى رأي الإمام كما بسط مذهبهم الحافظ (٢) وابن قدامة (٣) .\nأدلته:\nاستدل ابن القيم لهذا الاختيار بالأحاديث المرفوعة الثابتة عن النبي ﷺ أنه\nجلد أربعين من رواية علي وأنس وغيرهما من الصحابة ﵃ كما تقدم سياقها (٤) . وإن هذا الفعل في عهد النبي ﷺ تأيد التزامه حدًا بذلك وباستمرار\nالعمل عليه في عهد أبي بكر ﵁. وإنه بذلك تجتمع الأخبار وإليه رجع\nعلي ﵁ (٥) . وما فعله عمر ﵁ إنما كان تعزيرًا لوجود\nالمقتضى حيث انهمك الناس في شربها وكثرة الإقدام عليها. لهذا تنوع التعزير منه\nتبعًا للمصلحة فمرة زاد أربعين، ومرة حلق، ومرة نفي والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/ ٢١١.\n(٢) انظر: فتح الباري ١٢/٧٣.\n(٣) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/٣٣٩.\n(٤) انظر: ص/٥٥٨.\n(٥) انظر: فتح الباري ١٢/٧٤.","vol":"1","page":300},{"text":"مذهب الجمهور:\nاختيار ابن القيم هذا يخالف فيه مذهب الجمهور من أهل العلم منهم الحنفية والمالكية وأحد القولين عند الشافعية والرواية الثابتة عن الإمام أحمد وهو: أن مقدار حد الشارب ثمانون جلدة، كما حكاه النووي (١) وابن قدامة (٢) وابن\nحجر (٣) وابن الهمام (٤) .\n\nأدلتهم:\nاستدلوا بما يلي:\n١- ما روي أن النبي ﷺ جلد في الخمر ثمانين (٥) . فهذا حديث نص لما ذهبوا\nإليه.\nرد هذا الدليل:\nلكن هذا الحديث قد روي بأسانيد لا تثبت عن النبي ﷺ رواها به ابن دحيه (٦) في كتابه (وهج الجمر في تحريم الخمر) (٧) وعبد الرزاق في (مصنفه) (٨)\nبإسنادين كلاهما مرسلًا عن الحسن البصري عن النبي ﷺ\nوقد رواه جماعة الحفاظ وقرروا أنه لا يصح عن رسول الله منهم ابن\n_________\n(١) انظر: شرح مسلم ١١/٢١٦.\n(٢) انظر: المغنى ١٠/٣٢٩.\n(٣) انظر: فتح الباري ١٢/ ٧٠- ٧٢.\n(٤) انظر: شرح فتح القدير ٥/٨٣.\n(٥) انظر: نيل الأوطار للشوكاني ٧/١٥١.\n(٦) هو: عمر بن الحسن بن دحية الكلبي المتوفى سنة ٦٣٣ هـ. (انظر الأعلام للزركلي ٥/٢٠١) .\n(٧) انظر: تلخيص الحبير لابن حجر ٤/٧٢.\n(٨) انظر: ٧/٣٧٩- ٣٨٠","vol":"1","page":301},{"text":"حزم (١)، وابن حجر (٢)، والشوكاني (٣) . إذا فلا تقوم به حجة لعدم ثبوته عن النبي ﷺ.\n٢- ما روي من الآثار عن عمر ﵁ من أنه جلد الشارب ثمانين جلدة، وأنه بذلك استشار الصحابة ﵃ فاتفق رأيهم عليه\nفكان إجماعًا كما حكاه ابن قدامة (٤) .\nومنها ما رواه عبد الرزاق: أن عمر ﵁ شاور الناس في جلد الخمر، وقال إن الناس قد شربوها واجترأوا عليها. فقال له علي: إن السكران إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فاجعله حد الفرية، فجعله عمر حد الفرية ثمانين (٥) . وأصل جعل عمر ﵁ حد الخمر ثمانين في صحيح البخاري (٦) .\nمناقشة هذا الدليل:\nهذا الدليل مناقش من عدة وجوه منها ما يلي:\nأ- إن روايات هذا الأثر على كثرة مخارجها وتعدد ألفاظها لم يأتِ في شيء منها حسب التتبع أن عمر ﵁ نقص الحد عن أربعين بل رواية الأربعين ثابتة في عامة الروايات عن عمر ﵁ من أنه كان في\nصدر خلافته يجلد أربعين كما في رواية البخاري وإنما الذي حصل منه\nهو الزيادة فلو لم تكن (الأربعين) حدًا عنده لنقص عنها تبعًا لمقتضيات\nالأحوال. فهي إذا زيادة تعزيرية لا حدية، يزيده وضوحا الوجه بعده:\n_________\n(١) انظر: تلخيص الحبير لابن حجر ٤/٧٢.\n(٢) انظر: المرجع السابق.\n(٣) انظر: نيل الأوطار ٧/١٥١.\n(٤) انظر: المغني ١٠/٣٢١.\n(٥) انظر: المصنف ٧/٣٧٨.\n(٦) انظر: المرجع السابق.","vol":"1","page":302},{"text":"ب- إنه جاء في عامة الروايات أيضًا تعليل الزيادة وهي أن عمر ﵁ رأى أن الناس قد اجترأوا على شربها وتتابعوا وتهالكوا فيه فاستشار\nالصحابة ﵃ في ذلك. فهذا يدل على أن الحد ثابت عندهم\nوهو (أربعون) جلدة وأن الزيادة إلى ثمانين حصلت لحصول المقتضى لها\nوهو (تهالك الناس في شربها) .\nج- أنه ثبت أن عمر ﵁ تدرج بالجلد للشارب من أربعين إلى ستين ثم إلى ثمانين كما في رواية عبد الرزاق (١) .\n(إن عمر ﵁ جلد أربعين سوطًا. فلما رآهم لا يتناهون جعله ستين. فلما رآهم لا يتناهون جعله ثمانين. ثم قال هذا أدنى الحدود) . وهل هذا التنوع في الزيادة إلا دليل على أن هذه الزيادة من باب التعزير لا الحد.\nد- أنه ثبت عن عمر ﵁ أنه في الوقت الذي يحد فيه الشارب بثمانين\nحده أيضًا بأربعين كما رواه الدارقطني مطولًا وفيه (أن عمر رضي الله\nعنه جلد في الخمر ثمانين) قال: (وكان عمر ﵁ إذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الذلّة ضربه أربعين) (٢) .\nوجه الاستدلال:\nدلّ هذا الأثر على أن عمر ﵁ في الوقت الذي كان يجلد فيه الشارب ثمانين كان يجلد أيضًا أربعين وهذا دليل أن هذه الزيادة تعزير وإلا لما جاز له أن ينقص في الجلد عن الحد المقدر.\nهـ- إن النبي ﷺ جلد أربعين وأبا بكر أربعين واستمر ذلك إلى أواخر خلافة\n_________\n(١) انظر: المصنف ٧/٣٧٧.\n(٢) انظر: سنن الدارقطني ٣/١٥٧. وأصله في سنن أبي داود ٤/٦٢٨وانظر في تخريجه\n(التعليق المغني على الدارقطني للآبادي ٣/١٥٧- ١٥٨) .","vol":"1","page":303},{"text":"عمر ﵁ كما في حديث السائب بن يزيد عند البخاري (١) . فهذا دليل على أنهم فهموا أن ذلك هو الحد المقدر ولم يجاوزوه زيادة في الحد كما لم يجاوزوا غيره من الحدود المنصوصة. ولو قيل إن هذه الزيادة هي من الحد لكان هذا الاستنباط يعود على النص بالإبطال وهذا لا يجوز. فترجح إذا أن تكون هذه الزيادة تعزيرًا لا حدًا.\nوهذا تؤيده الآثار المروية عن عمر ﵁: مثل تدرجه بالضرب ومثل ضربه في وقت واحد أربعين وثمانين تبعًا للمصلحة. ومثل ما رواه أبو عبيد في الغريب عن عمر أنه أتى بشارب، فقال المطيع بن الأسود: إذا أصبحت غدًا فاضربه. فجاء عمر فوجده يضربه ضربًا شديدًا فقال: كم ضربته؟ قال: ستين قال: اقتص منه بعشرين) (٢) . قال أبو عبيد في معنى ذلك (يعني اجعل شدة ضربك له قصاصًا بالعشرين التي بقيت من الثمانين ... ويؤخذ من هذا: أن الزيادة على الأربعين ليست بحد إذ لو كانت حدًا لما جاز النقص منه بشدة الضرب إذ لا قائل به) (٣) .\nوأما دعوى الإجماع في عهد عمر ﵁ حيث وافقه كبار الصحابة على أن الحد ثمانون جلدة (٤) . فهذا متعقب بأن عليًا ﵁ رجع\nمنه. ومن قبله عثمان ﵁.\nقال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في تعقب الإجماع (٥): (وتعقب بأن عليًا ﵁ أشار على عمر بذلك ثم رجع عنه واقتصر على الأربعين\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ١٢/٦٦.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر ١٢/٧٣. وقال إسناده صحيح.\n(٣) انظر: فتح الباري ١٢/٧٣- ٧٤.\n(٤) انظر: المغني ١٠/٣٣٩.\n(٥) انظر: فتح الباري ١٢/٧٣.","vol":"1","page":304},{"text":"لأنها القدر الذي اتفقوا عليه في زمن أبي بكر مستندين إلى تقدير ما فعل\nبحضرة النبي ﷺ.\nوأما عثمان ﵁ ففي سنن الدارقطني (أن عثمان ﵁\nجلد الحدين معًا ثمانين وأربعين) (١) .\nفهذا المأثور عن الخليفتين عثمان وعلي ﵄ يدل على أن الجلد بثمانين غير مستمر وعليه فلا يكون حدًا إذ لو كان حدًا لما جاز لهما النقص منه بل هو منتقض بفعل عمر نفسه إذا كان يجلد أربعين في الوقت الذي كان يجلد الشارب فيه ثمانين فلو كان حدًا مجمعًا عليه لما جاز له ذلك ﵁.\nولعله من هذه الوجوه يتضح أن هذه الزيادة عن الأربعين إنما هي من باب التعزير حسبما يراه الإمام من مصلحة الردع والزجر عند الانهماك والتهاون بشربها والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>الترجيح:</span>\nمن هذه المناقشة يتضح أن ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله تعالى من أن الحد أربعين جلدة وما زاد فهو تعزير هو الذي يساعده الدليل وبه تلتئم الآثار ويجتمع شملها والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: سنن الدارقطني ٣/١٥٧- ١٥٨","vol":"1","page":305},{"text":"الفرع الثالث\nبيان أن قتل الشارب في الرابعة تعزيرًا\nورد في قتل شارب الخمر في الرابعة جملة أحاديث عن جماعة من الصحابة ﵃ عن النبي ﷺ منها: حديث ابن عمر ﵄ ونفر من أصحاب النبي ﷺ قالوا قال رسول الله ﷺ: \" من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه ثم إن شرب فاقتلوه \". رواه النسائي (١) والحاكم (٢) وإسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم كما قاله الحاكم ووافقه الذهبي في تلخيصه (٣) .\nموقف العلماء من هذا الحديث (٤):\nقبل الأخذ ببيان رأي ابن القيم في هذا لا بدّ أن أوضح موقف العلماء السالفين من هذا الحديث وغيره مما ورد في معناه حتى يتبين تدرج الرأي في حكم مقتضاه حسب التسلسل الزمني. وبيان ذلك فيما يلي:\nأولا: لم يكن مقتضى هذا الحديث من قتل شارب الخمر في الرابعة محل بحث\nفي أنظار العلماء السابقين من الأئمة الأربعة وغيرهم لأن الحديث في نظرهم إما منسوخ أو أن الإجماع منعقد على خلافه وعلى هذا تتابعت كلمة أهل العلم. وفي هذا يقول الترمذي في (كتاب العلل) من (جامعه) (٥): (قال أبو عيسى\n_________\n(١) انظر: سنن النسائي ٣/ ٣٣٠.\n(٢) انظر: المستدرك ٤/ ٣٧١.\n(٣) انظر: المستدرك وتلخيصه للذهبي ٤/ ٣٧١\n(٤) انظر في بيان روايات الحديث حاشية الشيخ أحمد شاكر على المسند للإمام أحمد ٩/ ٤٩- ٩٢\n(٥) انظر: جامع الترمذي المشتهر باسم سنن الترمذي ٥/ ٧٣٦","vol":"1","page":306},{"text":"جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به وقد أخذ به بعض أهل العلم ما خلا حديثين ... وذكر منهما الحديث المذكور) .\nدليل النسخ:\nواستدلوا على نسخ هذا الحكم بأحاديث منها:\n١- حديث جابر ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" من شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه\"،\nقال: فثبت الجلد ودرئ القتل) رواه الطحاوي (١) .\nوفي لفظ (فرأى المسلمون أن الحد قد وقع وإن القتل قد رفع) رواه\nالنسائي في (السنن الكبرى) (٢)\nوجه الاستدلال منه:\nوهذا نص يفيد أن القتل قد رفع أي نسخ واستمر الحد بالجلد.\n٢- حديث ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: \" لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك\nلدينه المفارق للجماعة \" رواه الجماعة (٣) .\nوجه الدلالة منه:\nأن الحديث عام لأن لفظ (امرئ) نكرة في سياق النفي فتفيد العموم وهو بعمومه يتناول شارب الخمر لأنه ليس ممن استثنى في الحديث فيفيد عدم حل دمه. وهذا استدلال بالمنطوق.\n_________\n(١) انظر: معاني الآثار ٢/ ٩٢.\n(٢) انظر: المحلى لابن حزم فقد رواه عند بإسناده ١١/٤٤٣.\n(٣) انظر: نيل الأوطار للشوكاني ٧/ ٧. ويراد بالجماعة: أصحاب الكتب الستة: البخاري. ومسلم. وأبو داود. والترمذي. والنسائي. وابن ماجه.","vol":"1","page":307},{"text":"ويمكن أن يستدل بمفهومه عند القائلين بالمفهوم فيقال إن هذا حديث صحيح صريح في حصر القتل في واحد من أمور ثلاثة. وقتل شارب الخمر في الرابعة ليس منها فيكون إذا منسوخًا والله أعلم.\n٣- كما احتجوا أيضًا على النسخ بدعوى الإجماع على خلاف حكمه. كما هو ظاهر من كلام الترمذي المتقدم والنووي (١) .\nثانيًا:<span data-type=\"title\" id=toc-187> رأي ابن حزم </span>الظاهري (٢):\nاستمر القول الأول مسطرًا في كتب المذاهب الأربعة لا يكاد يحكي\nخلافه حتى جاء ابن حزم الظاهري رحمه الله تعالى فأورد هذا البحث وقرر\nفيه أن قتل الشارب في الرابعة حد شرعي محكم غير منسوخ. ورد على القائلين بالنسخ وأبرز سلفًا له في هذا الرأي وهو: عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁.\nثالثًا:<span data-type=\"title\" id=toc-188> رأي ابن تيمية وابن القيم:</span>\nجاء ابن تيمية وإمامه قولان للعلماء فلم يرتض واحدًا منهما وسلك\nمسلكًا وسطًا بين القولين فقرر أن قتل شارب الَخمر في الرابعة يجوز\nتعزيرًا حسب المصلحة إذا رآها الإمام (٣) .\nفصار بذلك إمام مترجمنا ابن القيم ثلاثة أقوال لأهل العلم وناقش\nالجمهور في مذهبهم (٤) وانتهى من البحث بقتله تعزيرًا حسب المصلحة\nلكنه في هذه المسألة أكثر إيضاحًا من شيخه ابن تيمية رحمه الله تعالى.\nوقد أكثر من تقرير هذا الرأي في جملة من المناسبات كما في (زاد\n_________\n(١) انظر: شرح مسلم ٦/٨٨.\n(٢) انظر: المحلى ١١/٤٤٢.\n(٣) انظر: مجموع الفتاوى ٧/٤٨٢ - ٤٨٣، ٢٨/٣٤٧، ٢١/ ٩- ١٠، ٣٤/ ٢١٧- ٢١٩\n(٤) انظر: تهذيب السنن ٦/ ٢٣٧- ٢٣٨.","vol":"1","page":308},{"text":"المعاد) (١) و(الطرق الحكمية) (٢) و(أعلام الموقعين) (٣) .\nبيان ابن القيم للخلاف:\nأشار ابن القيم إلى أن أهل العلم اختلفوا في حكم قتل شارب الخمر في\nالرابعة على ثلاثة أقوال مبينًا مآخذها فقال (٤):\n(صح عن النبي ﷺ أنه أمر بقتله في الرابعة أو الخامسة واختلف\nالناس في ذلك:\n١- فقيل هو منسوخ: وناسخه لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث (٥) . ٢- وقيل هو محكم: ولا تعارض بين الخاص والعام لا سيما إذا لم يعلم تأخر العام (٦) .\n٣- وقيل قتله تعزير حسب المصلحة: فإذا أكثر منه ولم ينهه الحد واستهان به فللإمام قتله تعزيرًا لا حدًا.\nوقد صح عن عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال (ائتوني به في الرابعة فعلي قتله لم) وهو أحد رواة الأمر بالقتل.\nمناقشات ابن القيم للقائلين برفع القتل:\nناقش ابن القيم أدلة القائلين برفع القتل بنقض دعوى الإجماع ونقض القول بالنسخ وذلك على ما يلي:\n_________\n(١) انظر: ٢/٦٦، ٣/٣١٠.\n(٢) انظر: ص/١٢، ٣٠٧.\n(٣) انظر: ٢/٩٧.\n(٤) انظر: زاد المعاد ٣/٢١١.\n(٥) تقدم تخريجه ص/٣٠٧.\nيريد بالخاص حديث قتل الشارب في الرابعة أو الخامسة ويريد بالعام حديث لا يحل دم امرئ مسلم ... الخ.","vol":"1","page":309},{"text":"١- مناقشته لدعوى الإجماع:\nقال رحمه الله تعالى (١):\n(أما دعوى الإجماع على خلافه فلا إجماع، فإن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو قال كل منهما (ائتوني به في الرابعة فعلي أن أقتله) - وهذا مذهب بعض السلف) .\nقال الأستاذ أحمد شاكر (٢):\n(ويكفي هذا في نقض الإجماع أو نفي ادعائه) .\nوابن القيم في نقضه دعوى الإجماع يلتقي مع ابن حزم (٣) رحمه الله تعالى. تعقب هذه المناقشة:\nمن المعلوم أن ثبوت دعوى النقض فرع عن ثبوت الدليل الناقض وابن القيم رحمه الله تعالى نقض دعوى الإجماع هذه بما يلي:\nأ- قول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ (ائتوني به في الرابعة فعلي أن أقتله) .\nب- قول عبد الله بن عمر ﵄ مثله.\nج- أنه مذهب بعض السلف.\nفهل ثبتت هذه الأدلة؟\nإن ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر هذه الأدلة مجردة من تتبع أسانيدها وتفحص\nثبوتها. وبيانها على ما يلي:\n١- قول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁:\n_________\n(١) انظر: تهذيب السنن ٦/ ٢٣٧.\n(٢) انظر: حاشية على المسند ٩/٨٨.\n(٣) انظر: المحلي ١١/٤٤٢ وما بعدها. وكتابه الأحكام ٤/ ١٢٠","vol":"1","page":310},{"text":"أما قول عبد الله بن عمرو ﵁ فقد رواه الإمام أحمد (١) بإسناده عن الحسن قال:\n(والله لقد زعموا أن عبد الله بن عمرو شهد بها على رسول الله ﷺ أنه قال:\nإن شرب الخمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، فإذا كان عند الرابعة ضربوا عنقه. قال فكان ابن عمرو يقول: ائتوني برجل قد جلد في الخمر أربع مرات فإن لكم عليّ أن أضرب عنقه) .\nرواه الطحاوي في (معاني الآثار) (٢) وابن حزم في (المحلي) (٣) وعزاه الهيثمي في (مجمع الزوائد) (٤) للطبراني كلهم من رواية الحسن البصري عن عبد الله ابن عمرو ﵁.\nواللفظ المرفوع من هذا الحديث قد جاء عن عبد الله بن عمرو من غير رواية الحسن منه كما أوضح ذلك الحافظ بن حجر) والعلاّمة أحمد شاكر (٦) .\nأما اللفظ الموقوف من قول ابن عمرو ﵁ وهو قوله (ائتوني به في الرابعة ...) فمدار جميع أسانيده على رواية الحسن البصري عن ابن عمرو وهذه رواية منقطعة لأن الحسن لم يسمع من ابن عمرو على الصحيح وأنه وإن اختلف في سماعه منه فقد صرح في رواية أحمد المذكورة أنه لم يسمعه منه فكفى بهذا حجة على انقطاع هذه الرواية بصرف النظر عن الاختلاف في سماعه منه من عدمه. وهذه الرواية بهذه الزيادة الموقوفة من قول ابن عمرو لم أرَ لها شاهدًا ولا متابعًا في روايته فهي إذا رواية منقطعة والانقطاع ضعف في الرواية لا تقوم معه الحجة. فلا تتم دعوى نقض الإجماع إذا بهذه الرواية المنقطعة (٧) والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: مسند أحمد بتحقيق شاكر ١١/١٨٦، ١١/٥٧.\n(٢) انظر:٢/٩١.\n(٣) انظر: ١١/٣٦٦.\n(٤) انظر: ٦/٣٧٨.\n(٥) انظر: فتح الباري ١٢/٨٠.\n(٦) انظر: المسند بحاشيته ٩/ ٥١- ٥٢.\n(٧) انظر: نيل الأوطار للشوكاني ٧/ ١٥٦","vol":"1","page":311},{"text":"ب- قول عبد الله بن عمر ﵄:\nأما قول ابن عمر ﵄ فإن ابن القيم رحمه الله تعالى تابع ابن حزم في نسبتها إلى ابن عمر ﵄ إذ قال في رد دعوى الإجماع (١):\n(قال أبو محمد- يعني ابن حزم- وهذه دعوى كاذبة لأن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو يقولان بقتله. ويقولان (جيئونا به فإن لم نقتله فنحن كاذبان) .\nوابن حزم لم يشر إلى هذه الرواية عن ابن عمر في كتابه (المحلى) (٢) وقد ذكر رواية ابن عمرو وهي منقطعة كما تقدم.\nوقد تتبعت هذا الأثر في مواطنه من كتب السنة فلم أرَ لذكره من أثر والإسناد\nمن الدين والاحتجاج به متوقف على ثبوته. ولعل ذلك دونه خرط القتاد؟.\nفكيف تتم دعوى نقض الإجماع بأثر لم نعلم سلامة ثبوته؟.\nعلى أنه في حالة ثبوته عنه ﵁ (لكان عذره أنه لم يبلغه النسخ وعد ذلك من ندرة المخالف) (٤) والله أعلم.\nج- قول بعض السلف:\nبعد أن ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن هذا هو قول ابن عمرو وابن عمر وقال (وهو قول بعض السلف) (٥) .\nوقد تتبعت جهدي عمن قاله من السلف فلم أرَ سوى عزو القول به إلى الحسن\n_________\n(١) انظر: الأحكام لابن حزم ٤/ ١٢٠\n(٢) انظر: ١١/ ٣٥٦ وما بعدها.\n(٣) القتاد: شجر صلب له شوك كالإبر. يضرب المثل بذلك للأمر الذي يصعب الحصول أو الوصول إليه (انظر: القاموس ١/ ٣٣٧) .\n(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر ١٢/ ٨٠.\n(٥) انظر: تهذيب السنن ٦/ ٢٣٧","vol":"1","page":312},{"text":"البصري رحمه الله تعالى. والقول في هذا كسابقه: لا بد من العلم بسنده ولم يذكر له الحافظ سندًا (١) .\nعلى أنه في حالة ثبوته يحمل خلافه على أنه حدث بعد الإجماع والله أعلم. والخلاصة: أن دعوى نقض الإجماع غير ثابتة بدليل، وأدلة النقض لا تقوى عليه والله أعلم.\n٢- مناقشته لدعوى النسخ:\nناقش ابن القيم القول بالنسخ من دليليه على ما يلي:\nأ- مناقشته دعوى النسخ بالحديث العام:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢):\n(قال الإمام أحمد وقد قيل له: لم تركته؟ - فقال: لحديث عثمان لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) (٣) .\nثم قال ابن القيم:\n(دعوى نسخه بحديث (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث) لا تصح، لأنه عام وحديث القتل خاص) .\nوهذا دفع صحيح سليم من ابن القيم ودعوى النسخ بهذا الحديث كثر إيرادها\nفي التجاذب المذهبي مع أنه كل مذهب قد خص هذا العموم في عدد من الأحكام (٤) والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: فتح الباري لابن حجر ١٢/٧٣.\n(٢) انظر: تهذيب السنن ٦/ ٢٣٧- ٢٣٨.\n(٣) تمام الحديث (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث (الثيب الزاني. والنفس بالنفس.\nوالتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه الجماعة\n(انظر: نيل الأوطار ٧/ ٧) .\n(٤) انظر: المحلى لابن حزم ١١/٤٤٦","vol":"1","page":313},{"text":"ب- مناقشة دعوى النسخ بالحديث الخاص:\nقال رحمه الله تعالى (١):\n(وقيل: هو منسوخ بحديث عبد الله بن حمار: فإنما يتم بثبوت تأخره، والإتيان به بعد الرابعة. ومنافاته للأمر بقتله) .\nتعقب هذه المناقشة:\nيلتقي ابن القيم مع ابن حزم في هذه المناقشة في رفض دعوى النسخ هذه لكن ابن القيم أسلم منهجا وألطف مسلكًا. إذ لم يقدح في صحة حديث مدعي النسخ. أما ابن حزم فقد أضاف إلى ذلك تعليل الرواية بالضعف والانقطاع. وهذا لا شك مسلك مرفوض لصحة الإسناد بها إلى رسول الله ﷺ من طرق عدّة\nكما بسط الحديث عنها الحافظ ابن حجر (٣)، والعلامة أحمد شاكر (٤) في تحقيق لهما نفيس ومبسوط أشد البسط في بيان ألفاظ الرواة ومخارج الروايات وتحريرها وإبراز النتيجة بصحة أسانيدها وسلامتها.\nفإذ سلمنا صحة أسانيدها فهل تثبت دعوى المناقشة بالنسخ بها دراية على ما قرره ابن القيم أم لا:\nنرى ابن القيم رحمه الله تعالى يطالب فقط بتوفر شرائط النسخ على ما يلي: ١- مطالبته بثبوت التعارض بين الدليلين: دليل الأمر بالقتل، ودليل ترك القتل.\n٢- مطالبته بثبوت تأخره الدليل الناسخ وهو ترك القتل عن المنسوخ وهو الأمر بالقتل.\n_________\n(١) انظر: تهذيب السنن ٦/ ٢٣٦.\n(٢) هذا خطأ صوابه (عبد الله الملقب حمارًا) (انظر: حاشية المسند لأحمد شاكر ٩/ ٧٦) .\n(٣) انظر: فتح الباري ١٢/٧٣، ١٢/ ٧٨- ٨١.\n(٤) انظر: المسند ٩/ ٧٧- ٨١.","vol":"1","page":314},{"text":"٣- مطالبته أن يكون الذي ترك قتله إنما أتى به بعد الرابعة. أي عدم إمكان الجمع بين الدليلين.\nوهذه المطالبات عند تأمل ألفاظ الروايات نجدها متوفرة بيان ذلك كما يأتي: ثبوت التعارض بين الدليلين:\nفالتعارض بين أحاديث الأمر بالقتل وبين أحاديث ترك القتل- ثابت لأن أحاديث الأمر بالقتل جاءت موجبة له بعد الرابعة على سبيل الحدية فيكون القتل بعد الرابعة حدًا للشارب لا يجوز تركه ولا تجاوزه وقد جاء في بعض ألفاظ الرواة ما يفيد تسمية ذلك حدًا كما في رواية النسائي من حديث جابر وفيه (فرأى المسلمون أن الحد قد وقع وإن القتل قد رفع) (١) .\nفكيف لا يثبت التعارض بين أحاديث توجب القتل (ثم إن شرب في الرابعة فاقتلوه) وبين أحاديث ترك القتل)؟\nثبوت أن الشارب الذي ترك قتله إنما أتى به بعد الرابعة:\nوهذا أمر واضح في جلّ الروايات بل في جميعها ومنها رواية ابن حزم (٢) (ثم أتى به في الرابعة فجلد ووضع القتل عن الناس) ورواية البيهقي (٣) (ثم أتى به في الرابعة فجلده، فرفع القتل عن الناس وكانت رخصة فثبتت) . إلى غيرهما من الروايات.\nثبوت تأخر الدليل الناسخ:\nأما الدليل الناسخ فقد ثبت تأخره عن الدليل المنسوخ من حديث جابر ﵁ وغيره من الصحابة ﵃. فإنهم نقلوا حديث الأمر بالقتل ثم\n_________\n(١) انظر: المحلى ١١/٣٦٨.\n(٢) انظر: المحلى ١١/٣٦٨.\n(٣) انظر: سنن البيهقي ٨/ ٣١٤","vol":"1","page":315},{"text":"أعقبوه بترك النبي ﷺ للقتل وفهموا من هذا أن القتل قد رفع ونسخ وثبت الحد بالجلد. وهذا ما رآه المسلمون وتتابع عليه الرواة في مروياتهم لهذا الحديث. وأسوق هنا جملة من ألفاظ الرواة في إعقاب الحديث المنسوخ بالحديث الناسخ لترك النبي ﷺ للقتل. وما فهمه الرواة والمسلمون من هذا (أنه نسخ للقتل\nوإثبات للحد بالجلد) .\nفمنها ما يلي:\n١- حديث جابر ﵁ قال رسول الله ﷺ (من شرب الخمر\nفاضربوه، فإن عاد فاضربوه، فإن عاد فاضربوه، فإن عاد في الرابعة فاضربوا عنقه فضرب رسول الله ﷺ نعيمان أربع مرات (فرأى المسلمون أن الحد قد وقع وإن القتل قد رفع) رواه ابن حزم في (المحلي) (١) من طريق النسائي في (السن الكبرى) .\nففي هذا الحديث ترك القتل في الرابعة من النبي ﷺ. وفهم المسلمون أن هذا\nرفع للقتل أي نسخ له وإثبات للجلد وهذا من باب نسخ الأثقل بالأخف. وقد جاء هذا الحديث بعدة ألفاظ منها:\nرواية ابن حزم في (الحلي) وفيها (.... فإن عاد الرابعة فاقتلوه فأتى رسول\nالله ﷺ برجل منا فلم يقتله) (٢) .\nفهذا من أصرح ما يكون دلالة على ترك النبي ﷺ للقتل في الرابعة بعد أمره\nﷺ بقتله.\nوفي رواية للطحاوي (فثبت الجلد ودرئ القتل) (٣) .\n_________\n(١) انظر: ١١/٣٦٨.\n(٢) انظر: ١١/٣٦٨.\n(٣) انظر: معاني الآثار ٢/٩٢","vol":"1","page":316},{"text":"وفي رواية للبيهقي (فرأى المسلمون أن الحد قد وقع حين ضرب رسول الله\nﷺ أربع مرات) (١) .\nوفي رواية للنسائي (ثم أتى النبي ﷺ برجل قد شرب الخمر في الرابعة فجلده\nولم يقتله) (٢) .\nوزاد في لفظ (فرأى المسلمون أن الحد قد وقع وإن الحد قد رفع) (٣) .\nقال العلاّمة أحمد شاكر أن صواب هذه اللفظة (وأن القتل قد رفع) (٤) .\nوفي رواية البزار (فلما كان في الرابعة أمر به فجلد الحد فكان نسخًا) (٥) . وجه الدلالة من حديث جابر ﵁:\nووجه الدلالة من الحديث بمجموع رواياته ظاهرة في أن النبي ﷺ ترك القتل\nفي الرابعة وقد تركه ﷺ للقتل بعد أمره به فإن لم يكن هذا نسخًا فما هو معنى\nالنسخ؟؟\nوجابر ﵁ الذي روى حديث الأمر بالقتل يقول (فأتى برجل منّا\nفلم يقتله) فشاهد الواقعة وبين أن هذا هو ما فهمه المسلمون فقال (فرأى المسلمون أن الحد قد وقع وإن القتل قد رفع) . ولهذا قال الشافعي (هذا ما لا اختلاف فيه بين أهل العلم علمته) (٦) .\nوقد ذكر ابن عبد البر أنه أتى به أكثر من خمسين مرة كما ذكره الحافظ ابن\nحجر (٧) .\n_________\n(١) انظر: السنن الكبرى ٨/٣١٤.\n(٢) انظر: نصب الراية للزيلعي ٣/٣٧٣. حيث عزاه للنسائي في (السنن الكبرى) .\n(٣) انظر: نصب الراية للزيلعي ٣/٣٧٣. حيث عزاه للنسائي في (السنن الكبرى) .\n(٤) انظر: حاشيته على المسند ٩/٦٨.\n(٥) انظر: نصب الراية ٣/٣٧٣. وانظر أيضًا حاشية أحمد شاكر على المسند ٩/٦٨.\n(٦) انظر: فتح الباري ١٢/ ٨٠.\n(٧) انظر: فتح الباري ١٢/٧٨.","vol":"1","page":317},{"text":"٢- حديث قبيصة ابن ذؤيب ﵁ (١) أن النبي ﷺ قال:\n(إن شرب الخمر فاجلدوه. ثم أن شرب فاجلدوه ثم أن شرب فاجلدوه، ثم\nإن شرب فاقتلوه. لا يدري الزهري أبعد الثالثة أم الرابعة. فأتى برجل قد شرب فجلدوه. ثم أتى به قد شرب فجلدوه، ثم أتى به قد شرب فجلدوه. ووضع القتل. فصارت رخصة) رواه أبو داود (٢) والشافعي (٣) وقد صححه ابن حجر وقيل بل هو مرسل لأن قبيصة من كبار التابعين (٤) .\nوفي لفظ عند البيهقي (فرفع القتل عن الناس، وكانت رخصة فثبتت) (٥) . وفي لفظ للترمذي معلقًا (فرفع القتل وكانت رخصة) (٦) .\nوفي لفظ عند البيهقي أيضًا (فرأى المسلمون أن القتل قد تأخر وإن الضرب قد وجب) (٧) .\nوفي لفظ رواية ابن حزم (... ثم أتى به في الرابعة فجلده ووضع القتل عن الناس (٨) .\nوجه الدلالة من الحديث:\nووجه الاستدلال منه كحديث جابر سواء وفي مجموع هذه الروايات أن النبي\n_________\n(١) هو: قبيصة بن ذؤيب الخزاعي المدني المتوفى سنة بضع وثمانين من الهجرة كان من أولاد الصحابة ﵃ وله رؤية (انظر التقريب لابن حجر ٢/١٢٢) .\n(٢) انظر: سنن أبي داود ٤/٦٢٧.\n(٣) انظر: الأم ٦/١٧٧.\n(٤) انظر: فتح الباري ١٢/ ٨٠\n(٥) انظر: ٨/٣١٤ من السنن الكبرى.\n(٦) انظر: جامع الترمذي ٤/\n(٧) انظر: السنن الكبرى ٨/٣١٤\n(٨) انظر: المحلي ١١/٣٦٨.\n_________","vol":"1","page":318},{"text":"ﷺ حده بالجلد ولم يقتله وفهم النقلة من هذا وضع القتل عن الناس وإيجاب الجلد بدلًا من الأثقل إلى الأخف.\nقال الله تعالى (١) (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) . فلا\nكلام لأحد بعد كلام الله تعالى (٢) (أأنتم أعلم أم الله) . وقد أمر رسول الله ﷺ بقتل الشارب بعد الرابعة وأمره من أمر الله تعالى ثم وضع رسول الله ﷺ القتل عن الناس (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) . فجيء إليه ﷺ بشارب قد شرب مرارًا فلم يحده في المرة التي كان حدها القتل إلا بالجلد\nفكان الأمر كما رآه المسلمون وفهموه (أن الحد بالقتل قد وضع وإن الجلد قد وجب) تخفيفًا من الله ورحمة بعباده (الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفًا) . نهاية المطاف عند ابن القيم:\nثم يقول ابن القيم رحمه الله تعالى مبينًا اختياره (٣):\n(والذي يقتضيه الدليل: أن الأمر بقتله ليس حتما، ولكنه تعزير بحسب\nالمصلحة فإذا أكثر الناس من الخمر، ولم ينزجروا بالحد فرأى الإمام أن يقتل فيه قتل. ولهذا كان عمر ﵁ ينفي فيه مرة. ويحلق فيه الرأس مرة. ويجلد فيه ثمانين. وقد جلد فيه رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ أربعين. فقتله\nفي الرابعة: ليس حدًا. وإنما هو تعزير بحسب المصلحة) .\nالترجيح:\nمما تقدم من سياق الخلاف وأدلته ومناقشتها نرى أن ابن القيم وابن حزم يتفقان في مناقشة الإجماع والنسخ من أدلة القائلين بالنسخ لكن يختلفان في النتيجة\n_________\n(١) الآية رقم ١٠٦ سورة البقرة.\n(٢) الآية رقم ٤٠ سورة البقرة.\n(٣) انظر: تهذيب السنن ٦/٢٣٨","vol":"1","page":319},{"text":"فابن حزم يقرر أن الحد بالقتل بعد الرابعة محكم غير منسوخ. وابن القيم يرى أنه تعزير لا حد.\nوإنني بعد التأمل والنظر أوافق ابن القيم في النتيجة وأخالفه في المأخذ. فالأحاديث بقتله حدًا منسوخة والإجماع على نسخ الحد بالقتل لم ينخرم في عصره والذي وقع فيه الإجماع على ترك الحد بالقتل للشارب بعد الرابعة.\nولكن إذا أدمن الناس شربها وانهمكوا فيها وتهالكوا في شربها ولم يكن الحد بالجلد زاجرًا لهم فإن للإمام أن يعزر الشارب المتهالك بالقتل صيانة للعباد وردعًا للفساد.\nوذلك تطبيقًا لمبدأ سياسة الراعي للرعية سياسة شرعية فيما ظهرت فيه المصلحة\nكما قرر ذلك أهل العلم في مدوناتهم وذكروا له الأمثلة والنظائر كما في قتل الداعية إلى البدعة إذا افتتن به الناس ونحو ذلك (١) والله أعلم.\nالفرع الرابع:\nبيان أنواع من العقوبات التعزيرية لشارب الخمر.\nنجد أن ابن القيم رحمه الله تعالى في معرض الأبحاث المتقدمة يقرر أن للإمام\nأن يزيد في الحد للخمر تعزيرًا بحسب تهالك الناس فيها واستهانتهم بحدها. وقد بيّن أنواعًا من هذه العقوبات التعزيرية على ما يلي:\n١- التعزير بمضاعفة الحد من أربعين إلى ثمانين (٢) .\n٢- التعزير بالقتل للمدمن. وقد تقدم تفصيل القول عن هذين النوعين من التعزير (٣) .\n_________\n(١) هذا البحث مفصلًا في كتاب (التعزير في الشريعة الإسلامية) لعبد العزيز عامر ص/ ٢٥٠- ٢٦٦ ط دار الكتاب العربي بمصر سنة ١٣٧٤ هـ.) .\n(٢) انظر: ص/٥٦٥ وما بعدها.\n(٣) انظر: الفرعين الثاني والثالث.","vol":"1","page":320},{"text":"٣-<span data-type=\"title\" id=toc-193> التعزير: بالنفي</span>.\n٤- التعزير بالحلق للرأس.\n٥- التعزير: بزيادة عشرين جلدة على الحد أربعين للشارب في رمضان. وهذه الأنواع الثلاثة الأخيرة أشار إليها ابن القيم رحمه الله تعالى وذكر التعزير بالنفي والحلق للرأس عن عمر ﵁ والتعزير للشارب في رمضان عن علي ﵁.\nوابن القيم رحمه الله تعالى لا يقصر التعزير على هذه الأنواع بل يضرب بها المثال من فعل السلف ﵃- على أن للإمام أن يزيد عن حد الخمر تعزيرًا إذا تهاون الناس في شربها وتهالكوا فيها بما يراه رادعًا وزاجرًا لهم وهذا أمر يتنوع ويختلف باختلاف الأزمان والأشخاص والله أعلم.\nوإلى بيان مستند هذه الأنواع الثلاثة التعزيرية من النقل.\nوردت آثار متنوعة عن عمر ﵁ في تغريب شارب الخمر بعد إقامة الحد عليه وذلك في قضايا مختلفة هي كما يلي:\n١- ما رواه عبد الرزاق في (مصنفه) (١) بسنده قال:\n(غرّب عمر ربيعة ابن أمية بن خلف (٢) في الشراب إلى خبير فلحق بهرقل فتنصر، قال عمر: لا أغرب بعده مسلمًا أبدًا) . ورواه النسائي من طريق عبد الرزاق وترجمه بقوله (تغريب شارب الخمر) (٣) . وقول عمر ﵁ (لا\n_________\n(١) انظر: ٩/٢٣٠.\n(٢) هو: ربيعة بن أمية بن خلف القرشي الجمحي غلط من ذكره في الصحابة (انظر الإصابة لابن حجر ١/٥١٣) .\n(٣) انظر: ٨/٢٨٥.\n(٤) انظر: المغني ١٠/١٣٥.","vol":"1","page":321},{"text":"أغرب بعده مسلمًا أبدًا) حمله ابن قدامة (٤) على أن عمر أراد تغريبه في الخمر الذي أصابت الفتنة ربيعة فيه.\nولذا فإن التغريب يكون باختلاف الأشخاص والأحوال. وقد غرب عمر ﵁ في وقائع أخر للشاربين.\n٢- ما رواه عبد الرزاق أيضًا في (مصنفه) بسنده قال (١):\n(أتى عمر ﵁ بشيخ شرب الخمر في رمضان فقال للمنخرين (٢): للمنخرين في رمضان وولداننا صيام. فضربه ثمانين. وسيره إلى الشام) .\n٣- ما رواه عبد الرزاق في (مصنفه) أيضًا بسنده قال (٣):\n(كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا وجد شاربًا في رمضان نفاه مع\nالحد) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-194>التعزير بالحلق للرأس:</span>\nوأما الدليل على التعزير بحلق الرأس مع الحد لشارب الخمر فقد رواه عبد الرزاق (٤) في قصة إقامة والي مصر عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁\nللحد على: عبد الرحمن بن عمر ﵁ فإنه حلق رأس: عبد الرحمن بن عمر ﵁. ثم أعقبه عبد الرزاق رحمه الله تعالى بروايته عن ابن عباس ﵄ من إنكاره الحلق مع الحد فقال ﵄ (جعل الله حلق الرأس سنة ونسكًا فجعلتموه نكالًا، وزدتموه في العقوبة) (٥) .\n_________\n(١) انظر: ٩/٢٣١- ٢٣٢، ٧/٣٨٢.\n(٢) للمنخرين: دعاء عليه أي: كبه الله للمنخرين (انظر: النهاية لابن الأثير ٤/٣٢٠) .\n(٣) انظر: ٩/٢٣٢.\n(٤) انظر: المصنف ٩/٢٣٣.\n(٥) انظر: المرجع السابق ٩/٢٣٣","vol":"1","page":322},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-195>تعزير الشارب في رمضان:</span>\nذكر ابن القيم أن الشارب في رمضان يزاد في حده عشرين تعزيرًا، وأن هذا\nهو المنصوص عن أحمد ودلل عليه بفعل علي ﵁ مع النجاشي الشاعر. وذكر خلافًا للخلال من أن الزيادة عشر جلدات فقال (١):\n(إذا شرب في رمضان زيد الحد عشرين تعزيرًا كما فعله علي بالنجاشي نص عليه. وقال أبو بكر يجلد خمسين، أربعين للشرب وعشرة لرمضان) .\nتنوع تعزير الشارب في رمضان عند السلف:\nإن ما ذكره ابن القيم هو بعض من أنواع التعزير للشارب في رمضان عند السلف وإلا فقد تنوعت العقوبات لهم بزيادة الجلد. أو النفي. أو التشهير ونحو ذلك كما رواها عبد الرزاق في (مصنفه) (٢) وهذه التعزيرات راجعة إلى اجتهاد الأئمة وولاة الأمور بحسب المصلحة في كلّ زمان ومكان وبحسب أرباب الجرائم في أنفسهم وهذا ما تقتضيه حكمة التشريع وأسراره والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>الفرع الخامس:\nالعقوبة المالية للخمار</span>.\nلابن القيم رحمه الله تعالى في جواز العمل بالسياسة الشرعية مباحث عظيمة طرقها في مواضع من كتبه (٣) . وفيها تكلم عن العقوبات المالية أو التعزير بالمال، وضرب الكثير من الأمثلة، ومنها التعزير بكسر أواني الخمر، وتحريق أمكنة\n_________\n(١) انظر: بدائع الفوائد ٤/٢١٦.\n(٢) انظر: ٩/ ٢٣١- ٢٣٢. وانظر أيضًا شرح معاني الآثار للطحاوي ٣/١٥٣. وفتح. الباري لابن حجر ١٢/٧٥.\n(٣) انظر: الطرق الحكمية ص/١٠ - ٢٠، ص/٣٠٨- ٣١٢، وأعلام الموقعين ٢/٩٨، ٤/٣٧٢- ٣٧٩، وإغاثة اللهفان ١/ ٣٣١- ٣٣٢، وزاد المعاد ٢/٦٦، ٣/١٧، ٣/٢٨. وبدائع الفوائد ٣/١١٧، ٣/١٥٢- ١٥٦","vol":"1","page":323},{"text":"الخمارين، وذكر ذلك من أمر النبي ﷺ، ومن فعل خليفتيه عمر وعلي ﵄ وبيانها كالآتي:\nأ- عقوبة الخمار المالية في السنة النبوية:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (١):\n(ومن التعزير بالعقوبات المالية أمره ﷺ بكسر دنان الخمر (٢)، وشق\nظروفها، وهذا التعزير قد روي من أمر النبي ﷺ، وروى من فعله أيضًا:\nأما أمره ﷺ بذلك ففيما رواه الترمذي عن أبي طلحة ﵁ أنه قال\n(يا نبي الله اشتريت خمرًا لأيتام في حجري، قال: أهرق الخمر، وكسر الدنان (٣) .\nوأما فعله ﷺ لذلك ففيما رواه الإمام أحمد عن ابن عمر ﵄ قال (٤): (أخذ النبي ﷺ شفرة وخرج إلى السوق، وبها زقاق خمر جلبت من الشام فشق بها ما كان من تلك الزقاق) (٥) .\nوجه الاستدلال:\nووجه الدلالة من الحديثين ظاهرة، على أن هذا الإتلاف من باب العقوبة المالية للخمار، وإلا فالانتفاع بها ممكن بعد التطهير كما قرره الحافظ ابن حجر (٦) . وعليه ترجم البخاري رحمه الله تعالى بقوله (٧) (باب هل تكسر الدنان التي فيها\nخمر أو تخرق الزقاق) .\n_________\n(١) انظر: الطرق الحكمية ص/ ٣٠٨.\n(٢) الدنان: واحدها (دَن) وهي نوع من الأواني (انظر: مختار الصحاح ص/٢١٢) .\n(٣) انظر: سنن الترمذي ٣/٥٨٨.\n(٤) انظر: الفتح الرباني للساعاتي ١٧/١٤٠.\n(٥) الزقاق: جمع (زق) بكسر الزاي وهو الوعاء من الجلد (انظر: القاموس ٣/٢٤٩) .\n(٦) انظر: فتح الباري ٥/ ١٢١.\n(٧) انظر: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ٥/١٢١.","vol":"1","page":324},{"text":"ب- تحريق الخليفتين عمر وعلي ﵄ لأمكنة الخمارين.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (١):\n(ومنها- أي من التعزيرات المالية- تحريق عمر وعلي ﵄ المكان الذي يباع فيه الخمر) .\nوالآثار عن عمر وعلي ﵄ في تحريق أمكنة الخمارين عقوبة لهم مستفيضة خرجها أبو عبيد (٢)، وخرج عبد الرزاق (٣) ٠ الآثار في ذلك عن عمر ﵁ والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>المبحث الخامس:\nإقامة حد الخمر بالقرينة الظاهرة </span>(٤)\nفي معرض بحث ابن القيم رحمه الله تعالى للحكم بالقرائن الظاهرة وشواهد الأحوال في الدماء والأموال والحدود، ضرب لها المثال بحد الشارب بالرائحة تنبعث من فمه أو بالخمر يتقيؤها وإن هذا من الأحكام التي اتفق عليها الصحابة\n﵃.\nوفي بيان هذا يقول رحمه الله تعالى (٥):\n(وحكم عمر وابن مسعود ﵄ ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة\n_________\n(١) انظر: الطرق الحكمية ص/٣٠٩ وانظر أيضًا ص/١٣ منه.\n(٢) انظر: كتاب الأموال لأبي عبيد ص/١٠٠- ١٠٤\n(٣) انظر: مصنف عبد الرزاق ٩/٢٢٩- ٢٣٠\n(٤) انظر: الطرق الحكمية ص/٤، وأعلام الموقعين ٣/٢٠، ٣/١٩٧، وزاد المعاد ٢/٧٨-\n٧٩، ١٤٣، ٣/٢١١.\n(٥) انظر: الطرق الحكمية ص/٤","vol":"1","page":325},{"text":"﵃، بوجوب الحد بالرائحة للخمر أو قيئه خمرًا اعتمادًا على القرينة الظاهرة) .\nوقال أيضًا (١):\n(وكان أهل المدينة في زمن الصحابة ﵃ والتابعين وتابعيهم يحدون\nبالرائحة والقيء) .\nفنجد ابن القيم رحمه الله تعالى استدل لهذه المسألة وهي الحد بالرائحة بأحكام الصحابة ﵃ منهم عمر وابن مسعود ﵄ مع عدم وجود المخالف لهما في ذلك.\nالخلاف وأدلته:\nإن معرفة قوة انتخاب هذا الرأي أو ضعفه من ابن القيم يقتضي ذكر الخلاف\nفي هذه المسألة ومناقشته وتحرير الأدلة رواية ودراية ومناقشة وجوه الاستدلال منها فإلى بيان الخلاف مع ذكر أدلته ومناقشتها.\nالقول الأول:\nأنه لا يجب الحد بوجود الرائحة من الفم أو القيء وهذا قول الجمهور منهم الثوري وأبو حنيفة. والشافعي. وأحمد في إحدى الروايتين كما حكاه ابن قدامة وقال (٢):\n(وهو قول أكثر أهل العلم) .\nوجهة هذا القول:\nهي أن يقال إن مجرد وجود الرائحة مثلًا لا يلزم منه الشرب فقد تتفق\nالروائح.\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٩٧.\n(٢) انظر: المغني ١٠/٣٣٢. وانظر أيضًا فتح الباري لابن حجر ١٠/٦٥","vol":"1","page":326},{"text":"أو ظنها ماء فلما أحس بها في فيه مجها. أو شرب منها لغصة بقدر ما يسيغها فأوجدت رائحة أو تقيئها.\nوهذه ونحوها وجوه محتملة تورث شبهة والحد لا يقام مع وجود شبهة. فالنتيجة إذا أنه لا يجب إقامة الحد بالرائحة أو القيء.\nوقد كشف عن وجهة مذهب الجمهور ابن قدامة فقال (١):\n(لأن الرائحة يحتمل أنه تمضمض بها أو حسبها ماءً فلما صارت في فيه مجها،\nأو ظنها لا تسكر أو كان مكرهًا أو أكل نبقًا (٢) بالغًا أو شرب شراب التفاح فإنه يكون منه كرائحة الخمر. وإذا احتمل ذلك لم يجب الحد الذي يدرء بالشبهة) .\nوقال الحافظ ابن حجر في تعليل مذهب الجمهور (٣):\n(لأن الروائح قد تتفق والحد لا يقام مع الشبهة) .\nوقال النووي في التعليل (٤):\n(أنه لا يجب الحد بمجرد ريحها لاحتمال النسيان والاشتباه والإكراه وغير ذلك هذا مذهبنا ومذهب آخرين) .\nالقول الثاني:\nوجوب إقامة الحد بالرائحة أو القيء وهذا مذهب مالك وأصحابه وجماعة من أهل الحجاز. والرواية الثانية عن الإمام أحمد (٥) .\nوهؤلاء هم سلف بن القيم في اختياره في هذه المسألة.\n_________\n(١) انظر: المغني ١٠/٣٣٢.\n(٢) النبق: هو حمل السدر (انظر القاموس ٣/٢٩٤) .\n(٣) انظر: فتح الباري ١٠/٦٥.\n(٤) انظر: شرح مسلم ٦/٨٨.\n(٥) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/٣٣٢، وفتح الباري ٩/ ٥٠","vol":"1","page":327},{"text":"أدلة هذا القول:\nلا تخرج أدلة هذا القول عما ذكره ابن القيم من أن هذا مقتضى ما حكمت به الصحابة ﵃. وقد ذكرها رحمه الله تعالى على سبيل الإشارة والإجمال وتفصيلها على ما يلي:\n١- حكم عمر ﵁.\nوذلك فيما رواه السائب بن يزيد (أن عمر ﵁ كان يضرب بالريح) رواه ابن أبي شيبة (١) .\nوفي رواية عبد الرزاق (٢) بسنده إلى السائب بن يزيد (أنه حضر عمر بن الخطاب وهو يجلد رجلًا وجد منه ريح شراب، فجلده، الحد تامًا) .\nوجه الاستدلال:\nووجه الدلالة من هذا الأثر ظاهرة من أن عمر ﵁ أقام الحد بالقرينة الظاهرة وهي: وجود رائحة الخمر.\n٢- حكم ابن مسعود ﵁:\nوهذا الحكم من رواية الصحيحين: البخاري (٣) ومسلم (٤) . ولفظه عند البخاري بإسناده إلى علقمة (٥) قال:\n(كنا بحمص فقرأ ابن مسعود ﵁ سورة يوسف: فقال رجل ما هكذا أنزلت فقال: قرأت على رسول الله ﷺ فقال: أحسنت. ووجد منه ريح\n_________\n(١) انظره: بواسطة فتح الباري ١٠/٦٥.\n(٢) انظر: المصنف ٩/٢٢٨.\n(٣) انظر: صحيح البخاري مع شرح فتح الباري ٩/٤٧. كتاب فضائل القرآن.\n(٤) انظر: صحيح مسلم مع شرح النووي ٦/٨٧.\n(٥) هو: علقمة بن وقاص الليثي المدني من ثقات التابعين مات في خلافة عبد الملك (انظر تقريب التهذيب لابن حجر ٢/٣١) .","vol":"1","page":328},{"text":"الخمر. فقال: أتجمع أن تكذب بكتاب الله. وتشرب الخمر. فضربه الحد) .\nوجه الدلالة منه:\nيقال في وجه الدلالة من هذا الأثر أنها ظاهرة أيضًا من إقامة ابن مسعود الحد بالرائحة.\n٣- حكم عثمان رضي الله بالحد بالقيء.\nوهذا الحكم رواه مسلم (١) وأبو داود (٢) . ولفظه عند مسلم بإسناده إلى حضين بن المنذر\nأبو ساسان الرقاشي (٣) قال:\n(شهدت عثمان ﵁ وأتى بالوليد قد صلى الصبح ركعتين ثم قال: أزيدكم. فشهد عليه رجلان. أحدهما: حمران (٤) أنه شرب الخمر. وشهد آخر أنه رآه يتقيأ. فقال عثمان إنه لم يتقيئها حتى شربها. فقال: يا علي قم فاجلده. فقال علي: قم يا حسن (٥) فاجلده. فقال الحسن: ولّ حارّها من تولى قارّها (٦) . فكأنه\nوجد عليه. فقال يا عبد الله بن جعفر قم فاجلده. فجلده. وعلي يعدّ حتى بلغ أربعين فقال: أمسك. ثم قال: جلد النبي ﷺ أربعين. وجلد أبو بكر أربعين. وعمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب إلي) .\n_________\n(١) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١١/٢١٦.\n(٢) انظر: سنن أبي داود ٤/٦٢٢.\n(٣) هو: ابن المنذر الرقاشي مات سنة ١٠٠ هـ. وليس في الصحيحين (حضين) غيره (انظر شرح مسلم للنووي ١١/٢١٩) .\n(٤) هو: ابن أبان مولى عثمان ﵁ مات سنة ٧٥ هـ. (انظر تقريب التهذيب لابن حجر\n١/١٩٨) .\n(٥) هو: ابن علي بن أبي طالب ﵁ توفي سنة ٥٠ هـ. (انظر تقريب التهذيب لابن حجر\n١/١٦٨) .\n(٦) معناها: ول العقوبة والضرب من توليه العمل والنفع. والقار: البار (انظر معالم السنن للخطابي ٦/٢٨٥) .","vol":"1","page":329},{"text":"وجه الدلالة منه:\nهي أن الصحابة ﵃ اتفقوا على أن من تقيأ الخمر يحد حد الشارب كما تفيده هذه القصة وقد أشار إلى ذلك النووي (١) .\n٤- اتفاق الصحابة ﵃ على الحكم بهذه القرينة الظاهرة من وجود الرائحة تنبعث من فمه أو وجوده يتقيؤها. وقد حكى ابن القيم هذا الاتفاق وأنه لا يعرف لعمر وابن مسعود في حكميهما السابقين مخالفة من الصحابة ﵃ (٢) .\nالقول الثالث:\nأن الذي يجب عليه الحد بالرائحة من يكون مشهورًا بشرب الخمر مدمنًا عليها.\nحكاه ابن المنذر عن بعض السلف كما ذكره الحافظ فقال (٣):\n(وحكى ابن المنذر عن بعض السلف أن الذي يجب عليه الحد بمجرد الرائحة من يكون مشهورًا بإدمان شرب الخمر) .\nومنهم عمر ﵁ وابن الزبير (٤) ﵁ كما رواه عنهما عبد الرزاق فقال (٥):\n(عن معمر (٦) . عن إسماعيل بن أمية (٧) قال: كان عمر إذا وجد من رجل ريح\n_________\n(١) انظر: شرح مسلم للنووي ١/٢٧٩.\n(٢) انظر: زاد المعاد ٣/٢١١ والطرق الحكمية ص/٤.\n(٣) انظر: فتح الباري لابن حجر ٩/٥٠.\n(٤) هو: عبد الله بن الزبير بن العوّام الأسدي ﵁ توفي قتيلًا سنة ٧٣ هـ. (انظر تقريب\nالتهذيب لابن حجر ١/٤١٥) . (٥) انظر: المصنف ٩/٢٢٨، ٢٢٩.\n(٦) هو: معمر ابن راشد الأزدي مولاهم مات سنة ٥٤ هـ. (انظر التقريب لابن حجر) .\n(٧) هو: إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص مات سنة ٤٤ هـ. (انظر التقريب لابن حجر ١/٦٧) .","vol":"1","page":330},{"text":"شراب جلده جلدات إن كان ممن يدمن شرب الخمر. وإن كان غير مدمن\nتركه) .\nوعن ابن جريج (١) عن ابن أبي مليكة (٢) . يزعم أنه استشار ابن الزبير- وهو\nأمير الطائف- في الريح أيجلد فيها. فكتب إليه: إذا وجدتها من المدمن وإلا فلا) .\nالقول الرابع:\nأنه لا يحد بمجرد الرائحة بل لا بد أن ينضم معها قرينة أخرى مثل أن يوجد جماعة شهروا بالفسق ويوجد معهم خمر ويوجد من أحدهم رائحة الخمر. وهذا هو اختيار الشيخ ابن قدامة كما حكاه الحافظ عنه في (فتح الباري) فقال (٣): (ولما حكى الموفق في: المغنى الخلاف في وجوب الحد بالرائحة المجردة اختار ألا يحد بالرائحة وحدها بل لا بد معها من قرينة كأن يوجد سكران، أو يتقيأها. ونحوه أن يوجد جماعة شهروا بالفسق ويوجد معهم خمر ويوجد من أحدهم رائحة الخمر) .\nوهذا الاختيار لابن قدامة لا يوجد في مظنته من كتابه (المغني) في نسخه المطبوعة (٤) والله أعلم.\nوهذا الرأي مروي عن عطاء رحمه الله تعالى كما رواه الشافعي في مسنده بسنده\nعن ابن جريج قال:\n(قلت لعطاء أتجلده في ريح الشراب. فقال عطاء أن الريح لتكون من الشراب\n_________\n(١) هو: عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مات سنة ٥٠ هـ. (انظر التقريب لابن حجر ١/٥٢٠) .\n(٢) هو: عبد الله بن عبد الله ابن أبي مليكة التيمي المدني توفي سنة ١١٧ هـ. (انظر التقريب لابن حجر ١/٤٣١) .\n(٣) انظر:٩/٥٠.\n(٤) انظر: كتاب الأشربة من المغني مع الشرح الكبير١٠/٣٢٥ - ٣٤٦.\n(٥) انظر: بدائع المنن في ترتيب مسند الشافعي والسنن- للساعاتي ٢/٣٠٦.","vol":"1","page":331},{"text":"الذي ليس فيه بأس. فإذا اجتمعوا جميعًا على شراب واحد فسكر أحدهم جلدوا جميعًا الحد تمامًا) .\nمعنى هذا الأثر:\nقال الساعاتي في بيان معنى هذا الأثر (١):\n(معناه أن مجرد الريح بدون سكر لا يوجب الحد لأنه قد يشتبه بريح شيء مباح، أما لو فرضنا أن من وجد منه ريح الشراب مع جماعة وسكر أحدهم فإنه يجب عليهم الحد جميعًا) .\nوهكذا يرمي إلى أن الحد لا يقام بمجرد الرائحة بل لا بد من ضميمة قرينة أخرى إليه والله أعلم.\nالمناقشة والترجيح:\nبعد بيان الخلاف وأدلته. يبقى ما هو الراجح من هذه الأقوال والاختيارات\nهل هو ما ذهب إليه ابن القيم من وجوب الحد بالرائحة أو القيء، ودلل عليه،\nوأكثر من ذكره في بعض كتبه أم أن الراجح سواه؟؟\nإن مدار البحث في هذه المسألة يدور على تقرير قاعدتين:\nالأولى: دراسة هذه الأحكام من الصحابة ﵃ بجمع ألفاظها وبيان مخارجها حتى نرى هل يتم لابن القيم وسلفه من أهل العلم رحمهم الله تعالى الاستدلال بها على الحد بمجرد الرائحة أو القيء أم لا.\nالثانية: الكشف عن الشبه التي أوردها نفاة وجوب الحد بالرائحة أو القيء وهل هي محتملة أم غير محتملة.\nوبيان ذلك على ما يلي:\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق.","vol":"1","page":332},{"text":"أولًا: مناقشة أدلة ابن القيم وسلفه من العلماء من الحد بمجرد الرائحة أو القيء وهي كما يأتي:\n١- مناقشة الاستدلال بحكم عمر ﵁:\nإن حكم عمر ﵁ من الآثار التي وقع فيها لبس واشتباه بسبب اختصار بعض الرواة لها فهي وإن تعددت مخارجها وألفاظها قصة واحدة وأصلها في صحيح البخاري معلقة قال (١):\n(وقال عمر وجدت من عبيد الله ريح شراب وأنا سائل عنه فإن كان يسكر جلدته) .\nوهذا المعلق قد وصله الشافعي في (مسنده) (٢) ومالك في (الموطأ) (٣) كلاهما\nمن حديث السائب بن يزيد عن عمر. لكن في روايتهما أبهما اسم الذي وجد منه ريح الشراب.\nوقد وصلها أيضًا سعيد ابن منصور في (سننه) (٤) وعبد الرزاق في (مصنفه) (٥) وصرحا في روايتهما باسم الذي وجد منه ريح الشراب. وهذا لفظه عند عبد الرزاق قال في روايته عن معمر عن الزهري:\n(عن السائب بن يزيد قال شهدت عمر بن الخطاب ﵁ صلى على جنازة ثم أقبل علينا، فقال أني وجدت من عبيد الله ريح الشراب. واني سألته عنها. فزعم أنها الطلاء. وإني سائل عن الشراب الذي شرب فإن كان مسكرًا جلدته. قال فشهدته بعد ذلك يجلده) .\nثم رواها عبد الرزاق أيضًا مختصرة بلفظ (عن السائب أنه حضر عمر يجلد\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري ١٠/٦٢.\n(٢) انظر: بدائع المنن في ترتيب مسند الشافعي والسنن/ للساعاتي ٢/٣٠٦. (٣) انظر: الموطأ ٢/١٧٨.\n(٤) انظر: فتح الباري لابن حجر ١٠/٦٥.\n(٥) انظر: ١٠/٢٢٨","vol":"1","page":333},{"text":"رجلا وجد منه ريح شراب فجلده الحد تامًا) (١) .\nقال الحافظ ابن حجر (٢):\n(ظاهر هذه الرواية أنه جلده بمجرد وجود الريح منه. وليس كذلك لما تبين\nمن رواية معمر) .\nثم أن ابن أبي شيبة أخرج هذه الرواية في (مصنفه) كما ذكرها ابن حجر في (فتح الباري) (٢) بلفظ هو أشد لبسًا واختصارًا فقال (عن السائب أن عمر كان يضرب في الريح) .\nفهذه روايات هذا الأثر مدارها كلها موصولة على السائب بن يزيد عن عمر ﵁ مما يدل على أن الكل رواية لقصة واحدة وإن تعددت مخارجها وإن اللبس إنما حصل من اختصار بعض الرواة لها وقد كشف عن ذلك جازمًا به الحافظ ابن حجر ثم قال (٤):\n(وقد تبين برواية معمر- عند عبد الرزاق- أن لا حجة فيه لمن يجوز إقامة الحد بوجود الريح) .\nوهذا رد من الحافظ على من يستدل برواية ابن أبي شيبة مثلًا على أن عمر ﵁ كان يضرب بوجود الريح.\nوهذا من الوضوح بمكان فإن عمر ﵁ لما وجد من الرجل وهو ابنه عبيد الله- ريح الشراب أقر ابنه عبيد الله أنه شرب (الطلاء) فرجع عمر ﵁ بالحكم إلى علته وهي (الإسكار) فلما علم أن (الطلاء) يسكر. أقام عمر ﵁ الحد على ابنه عبيد الله إذ شرب المسكر.\n_________\n(١) انظر: ١٠/٢٢٨.\n(٢) انظر: فتح الباري ١٠/٦٥.\n(٣) انظر:١٠/٦٥.\n(٤) انظر: فتح الباري ١٠/٦٥.","vol":"1","page":334},{"text":"فلم يكن الحكم بهذا بمجرد وجود الرائحة بل استدل بهذا الأثر وهو (الرائحة) على وجود المؤثر وهو (الشرب) فاعترف ابنه بالشرب وزعم أنه (الطلاء) والطلاء مسكر فحده عمر ﵁ لأنه شرب المسكر.\nفتبين إذا من مناقشة هذا الأثر رواية ودراية أنه لا حجة فيه لابن القيم رحمه الله تعالى لإقامة الحد بوجود الرائحة والله أعلم.\nب- مناقشة الاستدلال بحكم ابن مسعود ﵁.\nأما حكم ابن مسعود ﵁ (وهو أنه وجد من الرجل ريح الخمر. فقال له: أتجمع أن تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر. فضربه الحد) . فما أجله من\nإسناد وأصحه ويكفي أنه من رواية الشيخين البخاري ومسلم. لكن دلالته على وجوب الحكم بمجرد الرائحة غير مسلم بها لأمرين هما:\n١- حمل هذا الحكم على أن الرجل اعترف بشرب الخمر بلا عذر كما قرره النووي فقال (١):\n(هذا محمول على أن الرجل اعترف بشرب الخمر بلا عذر وإلا فلا يجب الحد بمجرد ريحها لاحتمال الاشباه والنسيان والإكراه وغير ذلك هذا مذهبنا ومذهب آخرين) .\nوهذا جواب مسلم به. ومع الاحتمال يسقط الاستدلال.\nوقال الحافظ ابن حجر في معرض مناقشته لدلالة هذا الأثر (٢):\n(وللمانع أن يقول: إذا احتمل أن يكون أقر سقط الاستدلال بذلك) .\nفهذا الأثر ليس نصًا في أن موجب الحد وجود الرائحة مجردة بل يحتمل وجود اعتراف بالشرب فلا يتم الاستدلال به إذا والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: شرح مسلم ٦/٨٨.\n(٢) انظر: فتح الباري ٩/ ٥٠","vol":"1","page":335},{"text":"٢- أن هذا مجرد رأي لابن مسعود ﵁ وقد خولف. والمخالف\nله علي ابن أبي طالب ﵁. وقد ذكرها الحافظ ابن حجر فقال (١): (ووقع عند الإسماعيلي إثر هذا الحديث- يشير إلى حكم ابن مسعود- النقل عن علي أنه أنكر على ابن مسعود جلده الرجل بالرائحة وحدها إذ لم يشهد عليه) . فهذا إذا مجرد رأي من ابن مسعود والرأي قد يخطئ ويصيب وقد خطأه الخليفة الراشد علي ﵁..\nولذا نعلم أن قول ابن القيم رحمه الله تعالى أنه لا يعلم لابن مسعود مخالف من الصحابة ﵃ إنما قرر ذلك لمنتهى علمه هو رحمه الله تعالى وإلا فقد علم وجود المخالف كما ذكره الحافظ بن حجر نقلًا عن الإسماعيلي.\nفكيف يكون هذا الأثر حجة على وجوب الحكم بالرائحة مجردة مع ذلك الاحتمال وهذه المخالفة.\nولذا والله أعلم فإن البخاري ومسلما لم يخرجا هذا الأثر في أحكام الحدود: فمسلم رحمه الله تعالى ذكره في زمرة أحاديث فضائل القرآن أثناء أحكام الصلوات. ولذا ترجم له النووي بقوله (باب فضل استماع القرآن) (٢) . والبخاري\nرحمه الله تعالى ذكره في (كتاب فضائل القرآن) وترجمه بقوله (باب القراءة من أصحاب النبي ﷺ) (٣) . ولم يترجم واقعة الخمر منه في كتاب الحدود، مع دقة فهمه رحمه الله تعالى، وقوة استنباطه حتى أنه ليقطع الأحاديث على أبواب العلم مراعاة لما فيها من تعدد الأحكام والله أعلم.\nولعله واضح بهذا أنه لا يسلم الاستدلال لابن القيم ولا لسلفه من أهل العلم- بهذا الأثر على الحد بمجرد الرائحة والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ٩/ ٥٠.\n(٢) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ٦/٨٧.\n(٣) انظر: صحيح البخاري ٩/٤٦","vol":"1","page":336},{"text":"ب- مناقشة الاستدلال بحكم عثمان ﵁.\nأما الاستدلال على وجوب إقامة الحد بمجرد الرائحة- بحكم عثمان رضي الله\nعنه كما أشار إلى ذلك ابن القيم رحمه الله تعالى، فإنه أبعد ما يكون في الاستدلال\nوجه ذلك:\nأن حمران ابن أبان وهو ممن أدرك النبي ﷺ ولم يره فهو من ثقات التابعين\nوأجلة علمائهم كما ذكره الحافظ ابن حجر (١)، شهد عند عثمان ﵁ بأن الوليد شرب الخمر. وشهد شاهد آخر بأنه رأى الوليد يتقيأها، فانضمت شهادة التقيؤ إلى شهادة الشرب. فقال عثمان ﵁ (لم يتقيأها حتى شربها) . وقد\nشهد حمران بأنه شربها، فهذا ظاهر جدًا من أن عثمان ﵁ لم يحد الوليد بمجرد القيء لها إضافة إلى أن الوليد بن عقبة ﵁ قد شرب وشرب كما ذكره أخباره في ذلك الحافظ ابن حجر (٢) .\nولهذا والله أعلم فإن مخرجي هذا الأثر لم يترجموه بما يفيد الحد بالقيء كما تقدم.\nفهل يبقى بعد هذا التمسك بهذا الأثر لمن قال أن عثمان ﵁ حد بمجرد القيء؟؟.\nد- مناقشة الاستدلال بدعوى اتفاق الصحابة ﵃ على إقامة الحد بالرائحة والقيء.\nوذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أنه لا يعلم مخالف لعمر وابن مسعود وغيرهم بالحكم بإقامة الحد بالرائحة والقيء وأن هذا اتفاق من الصحابة ﵃ في\nعلى ذلك؟.\n_________\n(١) انظر: الإصابة ١/٣٧٩.\n(٢) انظر: الإصابة ٣/ ٦٠١","vol":"1","page":337},{"text":"وفي الواقع أن هذه دعوى اتفاق تخالف المحل المأخوذة منه كما ظهر جليًا من مناقشة الحكم العمري. والحكم العثماني. وحكم ابن مسعود ﵁ بيان ذلك:\nأن حكم عمر ﵁ لم يكن موجبه الرائحة بل إقرار ابنه عبيد الله بالشرب. وحكم عثمان ﵁ لم يكن موجبه الشهادة بالتقيؤ بل بالشهادة على الشرب مع انضمام شهادة التقيؤ إليها مع أن الوليد ﵁ قد شرب\nوشرب. وحكم ابن مسعود ﵁ قد وجد له مخالف وهو علي ﵁. مع احتمال أن يكون المحدود قد أقر فيكون هذا موجب الحكم فيضعف الاستدلال إذا بوجوب الحد بالرائحة.\nثانيًا: الكشف عن الشبه التي أوردها نفاة الحد بالقيء أو الرائحة وهل هي محتملة أم غير محتملة.\nقاعدة الشرع المطردة درء الحدود بالشبهات للأحاديث المتكاثرة المتعاضدة في هذا المعنى (١) كحديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (ادفعوا\nالحدود ما وجدتم لها مدفعًا) رواه ابن ماجه (٢) .\nوحديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال (ادرأوا الحدود عن\nالمسلمين ما استطعتم فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة) رواه الترمذي (٣) .\nوقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد من أهل العلم (٤) .\n_________\n(١) انظر: تلخيص الحبير لابن حجر ٤/٥٦- ٥٧\n(٢) انظر: سنن بن ماجه ٢/٨٥٠ رقم ٢٥٤٥\n(٣) انظر: جامع الترمذي ٤/٣٣\n(٤) انظر: فتح القدير ٥/٣٢","vol":"1","page":338},{"text":"الشبه الواردة:\nإذا كانت قاعدة الشرع درء الحد بالشبهة فما هي الشبه الواردة هنا وبيانها على ما يلي:\n١- شبهة الاشتباه:\nوهي واردة من جهتين. من جهة اشتباه الروائح فإن من الأشربة والمآكل المباحة ما يوافق برائحته رائحة الخمر كشراب التفاح. والنبق البالغ. ومن جهة المشروب نفسه فإنه قد يشتبه على الشارب شراب تفاح مباح بشراب خمر حرام فيشربه يظنه المباح.\nفانبعاث الرائحة إذا أو تقيؤه لا يكون قرينة ظاهرة سالمة يقام بها الحد. لأن هذا الاشتباه ليس مجرد شبهة بل هو شبهة محتملة الورود.\nوقد أشار إلى هذه الشبهة. النووي في (شرح مسلم) (١) وابن قدامة في (المغني) (٢) وابن حجر في (فتح الباري) (٣) . وقد تقدم نقل أقوالهم في هذا. ٢- شبهة النسيان:\nكأن يكون لديه عصير أو نبيذ قد تخمر فنسى تخمره فشربه. وقد أشار إلى هذه النووي في (شرح مسلم) كما تقدم.\nوهذه شبهة واردة أيضًا لأن اتخاذ العصير والنبيذ دون ثلاث ليال مباح أصلًا، والتخمر وارد. والنسيان عذر مسقط للجزاء كما في قوله تعالى (٤) (ربنا لا تؤاخذنا أن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرًا كما حملته على الذين من قبلنا) الآية.\n_________\n(١) انظر: شرح مسلم ٦/٨٨.\n(٢) انظر: المغني ١٠/٣٣٢.\n(٣) انظر: فتح الباري ١٠/٦٥.\n(٤) من الآية ٢٨٦ سورة البقرة.","vol":"1","page":339},{"text":"فتكون هذه شبهة محتملة لا أنها مطلق شبهة.\nالى غير ذلك من الشبه الواردة كشبهة الإكراه. وشبهة جهل كونها خمرًا ونحو ذلك من الشبه التي يحتمل ورودها غالبًا لا أنها مجرد احتمال.\nفهذه وأمثالها شبه يدرء معها الحد بالرائحة أو القيء لأن هذه قرينة لا تقوى على مدافعة هذه الشبه.\nالترجيح:\nيتبين من دراسة الخلاف وأدلته أن مما ذهب إليه ابن القيم من وجوب الحد بالقرينة الظاهرة كالرائحة أو القيء غير مترجح لعدم ظهور دلالة الأدلة المذكورة على مقتضاه ففي هذا القول نوع إفراط لاحتمال الشبهة الدارءة للحد.\nوفي مقابل هذا القول: مذهب نفاة وجوب الحد بالقرينة الظاهرة لوجود احتمال شبهة. والله أعلم.\nوالذي يظهر والله أعلم هو القولان الثالث (١) والرابع (٢) فإنا لو نظرنا لرأينا هذين القولين مآلهما إلى قول واحد، وهو: أن الحد بالرائحة مثلًا لا يجب إلا بضميمة قرينة إليه تنفي الشبهة وتبعد الاحتمال. وبذلك تلتئم الأدلة ويجتمع شملها. وهذا هو ما ذهب إليه جماعة من السلف منهم عمر ﵁، وابن الزبير ﵁. وعطاء رحمه الله تعالى. وابن قدامة رحمه الله تعالى.\nوعليه فإن الحد بالرائحة والقيء يكون في مثل الصور الآتية.\nالأولى: أن يكون من وجدت منه الرائحة مشهورًا بإدمان شرب الخمر. وبها\n_________\n(١) انظر: ص/٥٩٦.\n(٢) انظر: ص/٥٩٧","vol":"1","page":340},{"text":"قال عمر ﵁ (١) .\nالثانية: أن يوجد جماعة الفساق على شراب فيكون في بعضهم سكر. والبعض تنبعث الرائحة من فمه. فيحد الجميع. وبها قال عمر بن عبد العزيز (٢) . وعطاء (٣) .\nالثالثة: أن يوجد مع الرائحة عوارض السكر والتقيؤ، كما ذكره ابن قدامة رحمه الله تعالى (٤) .\nالرابعة: أن يشهد على شخص شاهدان أحدهما بالشرب والثاني بالرائحة أو القيء كما في قصة عثمان ﵁ مع الوليد ﵁ (٥) .\nوهذا القول كما تلتئم به النصوص ويجتمع شملها تدل عليه أيضًا قضايا السلف\nوأقوالهم.\nأما أن يوقع الحد بمجرد الرائحة مثلًا فلا.\nوقد وقع ما يدل على أن ذلك غير موجب للحكم في زمن النبي ﷺ، وذلك فيما رواه أبو داود عن ابن عباس ﵄ قال (٦):\n(شرب رجل فسكر، فلقى يميل في الفج. فانطلق به إلى النبي ﷺ. فلما حاذى بدار العباس انفلت فدخل على العباس فالتزمه. فذكر ذلك للنبي ﷺ فضحك. فقال أفعلها. ولم يأمر فيه بشيء) .\n_________\n(١) انظر: ص/٩٥٦.\n(٢) انظر: مصنف عبد الرزاق ٩/٢٢٧.\n(٣) انظر: مصنف عد الرزاق ٩/٢٢٧.\n(٤) انظر: ص/٥٩٧.\n(٥) انظر: ص/٦٠٢.\n(٦) انظر: سنن أبي داود ٤/٦١٩","vol":"1","page":341},{"text":"وجه الدلالة منه:\nقال الخطابي في وجه الدلالة من هذا الحديث (١):\n(يحتمل أن يكون إنما لم يتعرض له بعد دخوله دار العباس ﵁ من أجل أنه لم يكن ثبت عليه الحد بإقرار منه أو شهادة عدول. وإنما لقي في الفج يميل، فظن به السكر فلم يكشف عنه رسول الله ﷺ وتركه على ذلك والله أعلم) .\nوهذا من أحسن محامل الحديث فإن النبي ﷺ لم يوقع الحد بمجرد وجود قرينة (تمايل الرجل) لاحتمال أن هذا من السكر أو من غيره من المؤثرات. ولم ينضم إلى ذلك ما يوجب انتفاء الشبهة وإقامة الحد والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: معالم السنن: ٩/٢٨٣","vol":"1","page":342},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-208>باب حد السرقة</span>","vol":"1","page":343},{"text":"تعريف السرقة في اللسانين: اللغة والشرع:\nتعريفها لغة:\nهي مصدر سرق، بفتحتين، يسرق على وزن ضرب يضرب: سرقًا بفتحتين وسرقًا بفتح فكسر. وسرقة بفتح فكسر أيضًا. فهو سارق والأنثى سارقة\nوالشيء: مسروق. وصاحبه: مسروق منه (١)\nقال ابن حجر: (ويقال لسارق الإبل: خارب بخاء معجمة. وللسارق في\nالمكيال: مطفف. وللسارق في الميزان مخسر) (٢) .\nوالاسم منه: السّرقة بكسر الراء قاله النووي وغيره (٣) .\nويقال فيه أيضًا: السرق بفتحتين مع تشديد السين المهملة. ذكره ابن الأثير\nوغيره (٤) .\n_________\n(١) انظر: مختار الصحاح للرازي ص/٢٩٦. والقاموس للفيروز آبادي ٣/٢٥٣. وتهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/١٤٨. والمطلع على أبواب المقنع للبعلي ص/٣٧٤. ومعجم متن اللغة لأحمد رضا ٣/١٤٤.\n(٢) انظر: فتح الباري لابن حجر ١٢/٩٨.\n(٣) انظر: تهذيب اللغات للنووي ١/١٤٨. ومعجم متن اللغة لأحمد رضا ٣/١٤٤.\n(٤) انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/٣٦٢. وتهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/١٤٨. والقاموس للفيروز آبادي ٣/٢٥٣","vol":"1","page":345},{"text":"أما السرقة، بفتحتين: فهي الاسم: للحرير. أو للجيد منه. أو للأبيض منه\nخاصة (١)\nهذا تصريف الكلمة في اللغة.\nأما معناها: فتتفق كلمة أرباب اللسان على أن العنصر الأساسي في معنى مادة (سرق) هو (الاختفاء) .\nومنه قوله تعالى (٢) (الا من استرق السمع أي تسمع مختفيًا (٣) .\nومنه قيل للأبح: سرق صوته فهو مسروق لاختفاء حصل فيه (٤) .\nومنه هنا قيل لن يأخذ المال من غيره مختفيًا (سارق) فإن أخذه من غير خفية فهو: مختلس. ومستلب. ومحترس (٥) .\nفمعنى (السرقة) في اللغة إذا هو (الأخذ بخفية) .\nوعلى هذا المعنى دارت تعاريف النقلة لمعنى السرقة لغة:\nفقال الراغب (السرقة أخذ ما ليس له أخذه في خفاء) (٦) .\nوفي القاموس (أخذ الشيء المختفى) (٧) .\nوفي معجم متن اللغة (أخذ ما ليس له من حرز مستترًا) (٨) .\nوقال ابن حجر في (فتح الباري) هي (الأخذ خفية) (٩) .\nتعريفها في لسان الشرع:\nيجد الناظر في بيان أهل العلم لمعنى السرقة في اصطلاح الشرع: التقاء تعريف\n_________\n(١) انظر: النهاية لابن الأثير ٣/٣٦٢. والقاموس للفيروز آبادي ٣/٢٥٣.\n(٢) من الآية رقم ١٨ سورة الحجر.\n(٣) انظر: المفردات للراغب ص/٢٣١.\n(٤) انظر: القاموس للفيروز آبادي ٣/٢٥٣. ومعجم متن اللغة لأحمد رضا ٣/١٤٤.\n(٥) انظر: معجم متن اللغة لأحمد رضا ٣/١٤٤.\n(٦) انظر: المفردات ص/ ٢٣١.\n(٧) انظر: ٣/٢٥٣.\n(٨) انظر: ٣/١٤٥.\n(٩) انظر: ١٢/٩٨.","vol":"1","page":346},{"text":"السرقة اصطلاحًا مع المعنى اللغوي بجامع الاختفاء. فهو عنصر أساسي في التعريف الاصطلاحي شرعًا. لكن يأتي بين بعض التعاريف اختلاف وذلك ناشئ من اختلاف المذاهب في الشروط، فيعرفه صاحب المذهب بما يراه جامعًا مانعًا من حيث الما صدق على ما هو مفرع في مذهبه لاناطة حكم الشرع به (وهو القطع) .\nومن هذه التعاريف ما يلي:\nالحنفية:\nقال البابرتي (١):\n(السرقة أخذ مال الغير على سبيل الخفية نصابًا محرزًا للتمول غير متسارع إليه الفساد من غير تأويل ولا شبهة) .\nالمالكية:\nقال ابن رشد (٢):\n(حد السرقة: أخذ مال الغير مستترًا من غير أن يؤتمن عليه) .\nالشافعية:\nقال الرملي (٣):\n(السرقة شرعًا: أخذ مال خفية من حرز مثله بشرائط) .\nالحنابلة:\nقال ابن قدامة (٤):\n_________\n(١) انظر: شرح العناية مع فتح القدير ٥/١٢٠.\n(٢) انظر: بداية المجتهد ٢/٤٤٥.\n(٣) انظر: نهاية المحتاج ٧/٤١٨.\n(٤) انظر: المغني ١٠/٢٣٩","vol":"1","page":347},{"text":"(السرقة: أخذ المال على وجه الخفية والاستتار) .\nوقال البهوتي (١):\n(وهي: أخذ مال محترم لغيره وإخراجه من حرز مثله بلا شبهة له فيه على وجه الاختفاء) .\n_________\n(١) انظر: كشاف القناع ٦/١٢٩","vol":"1","page":348},{"text":"مباحث ابن القيم في السرقة\nلابن القيم رحمه الله تعالى في ذلك مباحث كريمة المأخذ عزيزة المطلب، عليها أنوار التحقيق ولطافة التدقيق. ومسايرة روح التشريع ونستطيع أن نستخلص مباحثه فيها على النمط الآتي:\nالمبحث الأول: حكمة التشريع في جعل عقوبة السارق قطع يده.\nالمبحث الثاني: كشف الشبه الواردة على هذه العقوبة.\nالمبحث الثالث: في بيان جملة من شروط القطع في السرقة.\nالمبحث الرابع: في عقوبات السارق.\nالمبحث الخامس: في قطع جاحد العارية.\nالمبحث السادس: الحد بالقرينة الظاهرة.\nالمبحث السابع: في توبة السارق.\nوالى الحديث عنها واحدًا إثر واحد على هذا الترتيب:","vol":"1","page":349},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>المبحث الأول:\nحكمة التشريع في جعل عقوبة السارق قطع يده </span>(١)\nمن ضروريات التعايش الآمن وبناء العمران المطمئن صيانة الأموال والمحافظة عليها فكان من حكمة الله ورحمته بعباده أن فرض العقوبة الرادعة لكل سارق يفسد على الناس معاشهم ويخل بأمنهم على أموالهم. ففرض عقوبة قطع اليد من\nالسارق. وجاء في نص صريح محكم وتنزيل يتلى فقال تعالى (٢) (والسارق والسارقة\nفاقطعوا أيديهما جزاءً بما كسبا نكالًا من الله والله عزيز حكيم) .\nوفي هذه الآية، جماع القول بالحكمة (جزاءً بما كسبا نكالًا من الله) . فبيّن سبحانه أن (القطع) هو الحكم المطابق لمجازاة (السارق) لا نقص ولا شطط فلم يجعل عقوبته الجلد، فيكون جزاء، ناقصًا عن مقابلة الجرم. ولم يجعله إعدامًا للنفس فيكون فيه مجاوزة لما يستحقه الجرم. وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٣):\n(إن عقوبة القطع للسارق أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد. ولم تبلغ جنايته حد العقوبة بالقتل، فكان أليق العقوبات به: إبانة العضو الذي جعله وسيلة إلى أذي الناس وأخذ أموالهم) .\nوقال أيضًا (٤):\n(ولم يشرع في السرقة إعدام النفس، وإنما شرع لهم في ذلك ما هو موجب أسمائه وصفاته من حكمته ورحمته ولطفه وإحسانه وعدالته لتزول النوائب وتنقطع\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٢/٩٥، ٩٦، ١٠٦ - ١٠٧.\n(٢) الآية رقم ٣٨ سورة المائدة.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٢/٩٦.\n(٤) انظر: أعلام الموقعين ٢/٩٥.","vol":"1","page":351},{"text":"الأطماع عن التظالم والعدوان. ويقنع كلّ إنسان بما آتاه مالكه وخالقه، فلا يطمع في استلاب غيره حقَّه) .\nوقال أيضًا (١):\n(إن المقصود هو الزجر والنكال والعقوبة على الجريمة، وأن يكون إلى كفّ عدوانه أقرب، وإن يعتبر به غيره، وأن يحدث له ما يذوقه من الألم توبة نصوحًا\nوإن يذكره ذلك بعقوبة الآخرة، إلى غير ذلك من الحكم والمصالح.\nثم أن في حد السرقة معنى آخر، وهو أن السرقة إنما تقع من فاعلها سرًّا كما يقتضيه اسمها، ولهذا يقولون (فلان ينظر إلى فلان مسارقة) إذا كان ينظر إليه نظرًا خفيًا لا يريد أن يفطن له. والعازم على السرقة مختف كاتم خائف أن يشعر بمكانه فيؤخذ به، ثم هو مستعد للهرب والخلاص بنفسه إذا أخذ الشيء.\nواليدان للإنسان كالجناحين للطائر في إعانته على الطيران. ولهذا يقال:\n(وصلت جناح فلان) إذا رأيته يسير منفردًا، فانضممت إليه لتصحبه، فعوقب السارق بقطع اليد قصًا لجناحه. وتسهيلًا لأخذه أن عاود السرقة.\nفإذا فعل به هذا في أول مرة بقي مقصوص أحد الجناحين ضعيفًا في العدو.\nثم تقطع في الثانية رجله فيزداد ضعفًا في عدوه، فلا يكاد يفوت الطالب.\nثم تقطع يده الأخرى في الثالثة. ورجله الأخرى في الرابعة فيبقى لحما على\nوضم فيستريح ويريح) (٢) .\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٢/١٠٦- ١٠٧.\n(٢) انظر: فيما يأتي بيان عقوبة الإتيان على الأطراف.","vol":"1","page":352},{"text":"المبحث الثاني:\nكشف الشبه الواردة على: عقوبة السارق بالقطع (١) .\nأورد ابن القيم رحمه الله تعالى التساؤل المشهور من نفاة القياس والحكم والتعليل\nمن وجود التفريق بين المتماثلين. والجمع بين المختلفين. وفي هذا ذكر إيرادهم في السرقة وكشف عنها بما لا يدع لقائل مقالًا.\nونفاة القياس إنما أوردوا هذا وأمثاله لفك شرعية القياس لا للقدح في حكم السرقة فحاشاهم بل هم مؤمنون بحكم الله ودينه وشرعه ولا يعتريهم في ذلك شك\nولا يساورهم فيه وهم.:\nأما في عصرنا فهذه الإيرادات ونحوها هي النافذة الموهومة التي نفث منها\n- المستشرقون وأذنابهم- بإلقاء الشبه وتكوين الشكوك لا في هذا الحد (قطع السارق) فحسب بل ليتدرجوا بالرعاع من أولاد المسلمين، الغرباء عن إسلامهم- إلى ترك الإسلام جملة وتفصيلًا؟\nولكن نقول بكل ثبات: وأنى لهم أن يتم ذلك؟؟؟.\n(إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) (٢) .\nوابن القيم رحمه الله تعالى في مباحثه هذه كأنما أعطى رحمه الله تعالى نسخة من شبه المستشرقين فكر عليها بالنقض والرفض حتى أصبحت أثرًا بعد عين بل ولا أثر.\nلهذا فإنني أورد هذه الإيرادات على لسان مورد الشبه والاعتراض (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة) (٣) .\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٢/٥٢، ٦١- ٦٢، ٩٣- ٩٤، بدائع الفوائد ٢/٢١١ - ٢١٢.\n(٢) الآية رقم ٩ سورة الحجر.\n(٣) الآية رقم ٤٢ سورة الأنفال.","vol":"1","page":353},{"text":"الاعتراض الأول: أن العقوبة بالقطع محض ضرر السارق.\nنعى ابن القيم على المتباكين على هؤلاء اللصوص، الذين يقولون إن القطع شر محض على المقطوع فقال (١):\n(السارق إذا قطعت يده فقطعها شر بالنسبة إليه، وخير محض بالنسبة إلى عموم الناس لما فيه من حفظ أموالهم ودفع الضرر عنهم. وخير بالنسبة إلى متولي القطع أمرًا وحكمًا. لما في ذلك من الإحسان إلى عبيده عمومًا بإتلاف هذا العضو المؤذي لهم المضر بهم فهو محمود على حكمه بذلك وأمره به مشكور عليه يستحق\nعليه الحمد من عباده والثناء عليه والمحبة ... أفليس في عقوبة هذا الصائل خير\nمحض وحكمة وإحسان إلى العبيد وهي شر بالنسبة إلى الصائل الباغي فالشر ما قام\nبه من تلك العقوبة وأما ما نسب إلى الربّ منها من المشيئة والإرادة والفعل فهو عين الخير والحكمة. فلا يغلظ حجابك عن فهم هذا النبأ العظيم والسر الذي يطلعك على مسألة القدر ويفتح لك الطريق إلى الله ومعرفة حكمته ورحمته وإحسانه إلى خلقه وأنه سبحانه كما أنه البر الرحيم الودود المحسن فهو الحكيم الملك العدل، فلا تناقض حكمته رحمته، بل يضع رحمته وبره وإحسانه موضعه، وكلاهما مقتضى عزته وحكمته وهو العزيز الحكيم. فلا يليق بحكمته أن يضع رضاه موَضع العقوبة والغضب، ولا يضع غضبه وعقوبته موضع رضاه ورحمته. ولا تلتفت إلى قول من غلظ حجابه عن الله: أن الأمرين بالنسبة إليه على حد\nسواء ولا فرق أصلًا وإنما هو محض المشيئة بلا سبب ولا حكمة؟. وتأمل القرآن من أوله إلى آخره كيف تجده كفيلًا بالرد على هذه المقالة وإنكارها أشد الإنكار وتنزيه نفسه عنها كقوله تعالى (٢) (أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف\nتحكمون) وقولة (٣) (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا\n_________\n(١) انظر: بدائع الفوائد ٢/ ٢١١- ٢١٢.\n(٢) الآية رقم ٣٦ سورة القلم.\n(٣) الآية رقم ٢١ سورة الجاثية.","vol":"1","page":354},{"text":"وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) وقوله (١) (أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار) . فأنكر سبحانه على من ظن هذا الظن ونزّه سبحانه نفسه عنه فدل على أنه مستقر في الفطر والعقول السليمة أن هذا لا يكون ولا يليق بحكمته وعزّته\nوإلاهيته لا إله إلا هو تعالى عما يقول الجاهلون علوا كبيرًا. وقد فطر الله عقول عباده على استقباح وضع العقوبة والانتقام في موضع الرحمة والإحسان فإذا وضع العقوبة موضع ذلك استنكرته فطرهم وعقولهم أشد الاستنكار واستهجنته أعظم الاستهجان. وكذلك وضع الإحسان والرحمة والإكرام موضع العقوبة والانتقام\nكما إذا جاء من يسيء إلى العالم بأنواع الإساءة في كل شيء من أموالهم وحريمهم\nودمائهم فأكرمه غاية الإكرام ورفعه وكرمه، فإن الفطر والعقول تأبى استحسان هذا وتشهد على سفه من فعله. هذه فطرة الله التي فطر الناس عليها، فما للعقول والفطر لا تشهد حكمته البالغة وعزته وعدله في وضع عقوبته في أولى المحال بها\nوأحقها بالعقوبة، وأنها لو أوليت النعم لم تحسن بها ولم تلق، ولظهرت مناقضة الحكمة كما قال الشاعر:\nنعمة الله لا تعاب ولكن ... ربما استقبحت على أقوام.\nهذا ما قرره ابن القيم بحماس متدفق ضد هذا الاعتراض المريض المتلخص: أن\nفي هذه العقوبة حماية للمجتمع من ضرر هذه الجريمة، واهتمامًا بتهذيب المجرم\nوتطهيره مع إبداء كمال المناسبة بين الجريمة والعقاب.\nويطيب لي في هذا المقام أن أذكر ما أوضحه الأستاذ عبد الكريم زيدان،\nفي تفنيد هذا الاعتراض ونقضه فقال (٢):\n(أما صيرورة المقطوع عالة على المجتمع فهذا إذا. كان صحيحًا فمن الصحيح\n_________\n(١) الآية رقم ٢٨ سورة ص.\n(٢) انظر: كتابه، مجموعة بحوث فقهية ص/٤١٣ سنة ١٣٩٦ بيروت. مؤسسة الرسالة.","vol":"1","page":355},{"text":"أيضًا أن يقال: إن صيرورة المقطوع عالة على المجتمع، وقد انكف إجرامه، خير له وللمجتمع من أن يبقى مجرمًا سليم اليدين ينال كسبه من السحت الحرام أما الاستعاضة عن القطع بالحبس مع التربية والتوجيه، فالرد على هذا أن الطواف على\nالسجون وعد نزلائها يرينا أنهم بازدياد دائم. فما ردعت السجون عن جريمة السرقة إلا قليلًا. بل إن السجن أصبح مكانًا أمينًا للسراق يتواجدون فيه ويلتقون ويتبادلون خبراتهم في عالم السرقة والإجرام.\nأما قطع اليد فإنها كفيلة بقطع دابر السرقة أو تقليلها إلى حد كبير جدًا، والتاريخ خير شاهد على ما نقول فإن هذه العقوبة آتت أكلها وثمرتها للناس فعاشوا بأمان من السرقة والسراق) .\nالاعتراض الثاني: كيف يكون القطع لمن سرق ثلاثة دراهم دون مختلس ألف دينار أو منتهبها أو غاصبها (١) .\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الجواب عن ذلك (٢):\n(هذا من تمام حكمة الشارع: فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه. فإنه ينقب الدور ويهتك الحرز ويكسر القفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز بأكثر من ذلك فلو لم يشرع قطعه لسرق الناس بعضهم بعضًا. وعظم الضرر. واشتدت المحنة بالسراق بخلاف المنتهب والمختلس فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس. فيمكنهم أن يأخذوا على يديه. ويخلصوا حق المظلوم. أو يشهدوا له عند الحاكم، وأما المختلس فإنه إنما يأخذ المال على حين غفلة من مالكه وغيره، فلا يخلو من نوع تفريط يمكن به المختلس من اختلاسه. وإلا فمع كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس.\nفليس كالسارق. بل هو بالخائن أشبه.\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٢/٥٢.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٢/ ٦١- ٦٢.","vol":"1","page":356},{"text":"وأيضًا فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حرز مثله غالبًا، فإنه الذي يقاتلك ويختلس متاعك في حال تخليك عنه وغفلتك عن حفظه. وهذا يمكن الاحتراز منه غالبًا فهو كالمنتهب.\nوأما الغاصب فالأمر فيه ظاهر وهو أولى بعدم القطع من المنتهب. ولكن يسوغ كفّ عدوان هؤلاء بالضرب والنكال، والسجن الطويل والعقوبة بأخذ المال) .\nومدار الدفع من ابن القيم لهذا الاعتراض: هو توفر الحرز في السرقة وهو غاية\nما يملكه الناس من الاحتراز. مع اختفاء السارق. وهذا المعنى لا يوجد في كل من المنتهب والمختلس. والغاصب على ما أوضحه رحمه الله تعالى (١) . الاعتراض الثالث: التفاوت بين ديّة اليد إذا جنى عليها فإن ديّتها خمسمائة دينار وبين عقوبتها بالقطع إذا سرق فإن نصاب السرقة الموجب للقطع ثلاثة دراهم (٢)؟.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى في الجواب عن ذلك (٣):\n(وأما قطع اليد في ربع دينار وجعل ديتها خمسمائة دينار: فمن أعظم المصالح والحكمة.\nفإنه احتاط في الموضعين للأموال والأطراف:\nفقطعها في ربع دينار حفظًا للأموال. وجعل ديتها خمسمائة دينار حفظًا لها وصيانة.\nوقد أورد بعض الزنادقة هذا السؤال وضمنه بيتين فقال (٤):\n_________\n(١) وانظر: فتح الباري لابن حجر ١٢/٩٨.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٢/٥٢.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٢/٦٣.\n(٤) نسب ابن حجر في (فتح الباري ١٢/٩٨) البيت الأول: لأبي العلاء المعرى، أحمد بن عبد الله هلك سنة ٤٤٩ هـ (انظر: لسان الميزان لابن حجر ١/٢٠٣- ٢٠٨) وقد نسب له البيتين=","vol":"1","page":357},{"text":"يد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار\nتناقض مالنا إلا السكوت له ... ونستجير بمولانا من العار\nفأجابه بعض الفقهاء بأنها كانت ثمينة لما كانت أمينة، فلما خانت هانت. وضمنه الناظم قوله (١):\nيد بخمس مئين عسجد وديت لكنها ... قطعت في ربع دينار\nحماية الدمّ أغلاها، وأرخصها ... خيانة المال، فانظر حكمة الباري\nوروي أن الشافعي (٢) رحمه الله تعالى أجاب بقوله:\nهناك مظلومة غالت بقيمتها ... وههنا ظلمت هانت على الباري\nوأجاب شمس الدّين الكردي (٣) بقوله:\nقل للمعري عار أيما عار ... جهل الفتى وهو عن ثوب التقى عار\nلا تقدحن زناد الشعر عن حكم ... شعائر الشرع لم تقدح بأشعار\nفقيمة اليد نصف الألف من ذهب ... فإن تعدت فلا تسوى بدينار\nومنه يتضح للمنصف أن هذا التفاوت بين ديّة اليد إذا جنى عليها وبين نصاب القطع إذا جنت هو عين الحكمة والعدل والصيانة لأبدان الناس وأموالهم. وهذا الاعتراض الآثم أورده جماعة من العلماء ولكن لا يخرجون في جوابهم عما ذكره ابن\nالقيم رحمه الله تعالى. وهو نقض جلى مبناه على التفاوت العظيم بين الجنايتين.\n_________\n= فيه. وانظر: في الدراسة عن المعري كتاب (أباطيل وأسمار- لمحمود شاكر) ط المدني بمصر سنة\n٩٧٢ م\n(١) ذكر ابن حجر في (فتح الباري ١٢/٩٨) البيت الثاني جوابًا من: القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي المتوفى سنة ٤٢٢ هـ. (وانظر في ترجمته الأعلام للزركلي ٤/٣٣٥) .\n(٢) إن كان المراد أن الشافعي رحمه الله تعالى أجاب شخصًا معترضا فنعم وإن أريد أنه أجاب\nالمعري فلا. للتفاوت الكبير بين زمانيهما فالشافعي ﵀ توفي سنة ٢٠٤ هـ. والمعري توفي\nسنة ٤٤٩ هـ.\n(٣) لم أجد له ترجمة.","vol":"1","page":358},{"text":"وممن أورده الحافظ ابن حجر في (فتح الباري) (١) . وفي (لسان الميزان) (٢)\nوقال (٣):\n(قال السلفي (٤): إن كان المعري قال هذا الشعر معتقدًا معناه فالنار مأواه وليس له في الإسلام نصيب) .\nحكمة التشريع في جعل نصاب السرقة ربع دينار:\nوابن القيم رحمه الله تعالى بعد نقض هذا الاعتراض يتحفنا بحكمة الشرع في تخصيص القطع بهذا القدر (ربع دينار) زيادة منه في نقض مقالة المعري وأضرابه\nفيقول (٥):\n(وأما تخصيص القطع بهذا القدر: فلأنه لا بد من مقدار يجعل ضابطًا\nلوجوب القطع، إذ لا يمكن أن يقال: يقطع بسرقة فلس أو حبة حنطة أو تمرة، ولا تأتي الشريعة بهذا وتنزه حكمة الله ورحمته وإحسانه عن ذلك.\nفلا بد من ضابط: وكانت الثلاثة دراهم أول مراتب الجمع، وهي مقدار ربع دينار.\nوقال إبراهيم النخعي (٦) وغيره من التابعين: كانوا لا يقطعون في الشيء التافه (٧) . فإن عادة الناس التسامح في الشيء الحقير من أموالهم، إذ لا يلحقهم ضرر بفقده\nوفي التقدير بثلاثة دراهم حكمة ظاهرة: فإنها كفاية المقتصد في يومه له ولمن\n_________\n(١) انظر: ١٢/٩٨.\n(٢) انظر: ١/٢٠٣-٢٠٨.\n(٣) انظر: ١/٢٠٥.\n(٤) هو: أبو طاهر أحمد بن محمد بن سلفة (بكسر السين وفتح اللام) الأصبهاني حافظ محدث مات\nسنة ٥٧٦ هـ. (انظر: الأعلام للزركلي ١/٢٠٩) .\n(٥) انظر: أعلام الموقعين ٢/٦٤.\n(٦) هو: إبراهيم بن يزيد بن قيس النخعي المتوفى سنة ١٩٦ هـ. (انظر: التقريب لابن حجر ١/٤٦) .\n(٧) انظر: المغني لابن قدامة ١٠/٢٤٢","vol":"1","page":359},{"text":"يمونه غالبًا. وقوت اليوم للرجل وأهله له خطر عند غالب الناس، وفي الأثر المعروف (١) (من أصبح آمنًا في سربه (٢) معافىً في بدنه عنده قوت يومه فكأنما (٣)\nحيزت له الدنيا بحذافيرها) (٤) .\nالمبحث الثالث:\nفي بيان جملة من شروط القطع في السرقة\nللقطع في السرقة شروط منها ما يعود إلى السارق نفسه ومنها ما يعود إلى المسروق منه ومنها ما يعود إلى المسروق ذاته، ومن هذه الشروط المتفق عليه ومنها المختلف فيه وجميعها مسطرة في كتب المذاهب المشهورة (٥) .\nوحسبنا هنا ذكر ما تناوله قلم التحقيق من ابن القيم رحمه الله تعالى وهي أربعة شروط:\nالشرط الأول: أن تكون السرقة من حرز.\nالشرط الثاني: أن يكون المسروق بما لا يسرع إليه الفساد.\nالشرط الثالث: أن يكون المسروق نصابًا.\nالشرط الرابع: مطالبة المسروق منه بماله.\n_________\n(١) هو حديث حسن الإسناد رواه عن النبي ﷺ عبد الله بن محصن الأنصاري ﵁. خرجه الترمذي ٤/٥٧٤ رقم ٢٣٤٦ وابن ماجه ٢/١٣٨٧ رقم ٤١٤١.\n(٢) سربه: بكسر السين أي في نفسه (انظر: النهاية لابن الأثير ٢/٣٥٦) .\n(٣) حيزت: جمعت (انظر: الترمذي ٤/ ٥٧٤) .\n(٤) حذافيرها: الحذافير الجوانب. وقيل الأعالي. واحدها: حذفار. والمعنى (فكأنما أعطي الدنيا بأسرها) (انظر: النهاية لابن الأثير ١/٣٥٦) .\n(٥) انظر: للحنفية: حاشية بن عابدين ٤/٨٢. وفتح القدير لابن الهمام ٥/١١٩ - ١٢٨.\nوللمالكية: جواهر الإكليل للأزهري ٢/٢٨٩. وللشافعية: نهاية المحتاج للرملي ٧/٤١٨-\n٤٤٥. وللحنابلة: كشاف القناع ٦/١٢٩- ١٤٨.\nوانظر في هذه المذاهب: المغني لابن قدامة١٠/٢٣٩. وبداية المجتهد لابن رشد ٤٤٥ -\n٤٥١. والمحلي لابن حزم١١/٣٨٦ - ٤٣٣. ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة للدمشقي ص/٢٧٨- ٢٨٣. والإفصاح لابن هبيرة ٢/٤١٤- ٤٢٥","vol":"1","page":360},{"text":"الشرط الخامس: انتفاء الشبهة.\nالشرط السادس: ثبوت السرقة بشهادة عدلين أو إقرار مرتين.\nوبيانها على هذا الترتيب كما يلي:\nالشرط الأول: أن تكون السرقهَ من حرز (١) .\nوابن القيم رحمه الله تعالى في حديثه عن الحرز يتكلم عنه من ناحيتين:\nالأولى: شرطية.\nالثانية: بيان أنواع من الحرز مختلفة باختلاف الأموال والأحوال.\nوبيانها كما يلي:\nالأولى: شرطية الحرز:\nاشتراط إخراج السرقة من حرز، هو قول الجماهير من أهل العلم منهم الأئمة\n_________\n(١) الحرز: في أصل وضعه اللغوي (الموضع الحصين) كما في مقصد النبيه للنووي ص/٦٩،\nص/١٤١، والقاموس ٢/١٧٨، ومختار الصحاح للرازي ص/ ١٢٠ وقال:\n(ويقال هذا حرز حريز، ويسمى (التعويذ) حرزًا و(احترز) من كذا و(تحرز منه) أي توقاه.\nوشرعًا: اختلفت فيه كلمة أهل الاصطلاح على ما يلي:\n١- قال ابن الهمام في (شرح فتح القدير ٥/١٤٢): هو في الشرع كاللغة إلا أنه يفيد بالمالية أي المكان الذي يحرز فيه المال) .\n٢- وقال القرطبي في (الجامع لأحكام القرآن ٦/١٦٢): الحرز، هو ما نصب عادة لحفظ أموال الناس، وهو يختلف في كل شيء بحسب حاله.\n٣- وقال الرملي في (نهاية المحتاج ٧/٤٢٦): الشرع أطلق الحرز ولم تضبطه اللغة فيرجع فيه إلى العرف، وهو مختلف باختلاف الأحوال والأوقات والأموال) .\n٤- وقال الحجاوي في (زاد المستنقع ٣/١٢٣ مع حاشيته السلسبيل): حرز المال ما العادة\nحفظه فيه، ويختلف باختلاف الأموال والبلدان وعدل السلطان وجوره وقوته وضعفه.\nومن هذه التعاريف نجد التواطؤ بين معناه اللغوي والشرعي: من أن الحرز المكان المعد لحفظ المال فيه، كما نجد اتفاق النقول على أن حرز كل شيء بحسبه والله أعلم.","vol":"1","page":361},{"text":"الأربعة. بل حكى عليه الإجماع. كما ذكره ابن قدامة (١) وابن هبيرة (٢) وابن حزم (٣) وابن الهمام (٤) .\nوابن القيم رحمه الله تعالى ينص على: اعتبار الحرز في السرقة وإخراجه منه (٥) .\nاستدلال ابن القيم (٦):\nويستدل لذلك الاعتبار بحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: (سئل النبي ﷺ عن التمر المعلق فقال (من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة (٧) فلا شيء عليه. ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثلية والعقوبة. ومن سرق منه\nشيئًا بعد أن يؤويه الجرين (٨) فبلغ ثمن المجن (٩) فعليه القطع) رواه أبو داوود (١٠) والترمذي (١١) وابن ماجه (١٢) واللفظ لأبي داوود..\nوجه الاستدلال:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيانه (١٣):\n(فيه اعتبار الحرز فإنه ﷺ أسقط القطع عن سارق الثمار من الشجرة وأوجبه\n_________\n(١) انظر: المغني ١٠/٢٤٩، ١٠/ ٢٦٢.\n(٢) انظر: الإفصاح ٢/٤١٤.\n(٣) انظر: مراتب الإجماع ص/١٣٥.\n(٤) انظر: شرح فتح القدير ٥/١٤٢.\n(٥) انظر: زاد المعاد ٣/٢١٢\n(٦) انظر: المرجع السابق.\n(٧) خبنة: هي معطف الإزار وطرف الثوب والمعنى: أن لا يأخذ منه في ثوبه (انظر: النهاية لابن الأثير ٢/٩) .\n(٨) الجرين: جمعه: جرن. وهو: موضع تجفيف التمر. (انظر: النهاية لابن الأثير ١/٢٦٣) .\n(٩) المجن: جمعه: مجان. وهو: الترس الذي في الحرب سمي بذلك لأنه جنة أي سترة انظر: النهاية\nأيًا ٤/٣٠١) .\n(١٠) انظر: سنن أبي داوود ٤/٥٥٠\n(١١) انظر: سنن الترمذي ٣/ ٥٨٤. وقال: حديث حسن.\n(١٢) انظر: سنن ابن ماجه ٢/٨٦٥\n(١٣) انظر: زاد المعاد ٣/٢١٢","vol":"1","page":362},{"text":"على سارقه من الجرين) .\nوهذا القدر من الاستدلال وبيان وجهه هو عمدة القائلين بشرطية الحرز من السنة النبوية ولهذا قرروا أنه يخص آية السرقة وهي قوله تعالى (١) (والسارق\nوالسارقة فاقطعوا أيديهما) الآية كما خصصت باعتبار النصاب. وهذا ما قرره ابن قدامة (٢) وابن الهمام (٣) وغيرهما والله أعلم.\nالثانية: بيان أنواع من الحرز مختلفة باختلاف الأموال والأحوال.\nعرفنا من بيان حد الحرز في الاصطلاح أنه يختلف باختلاف الأموال والأحوال والبلدان (٤) وابن القيم رحمه الله تعالى يوضح بعضًا منها في حدود ما دلت عليه الوقائع في عهد النبوة ومنها ما يلي:\nأ- حرز الثمار\nمن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁- المتقدم ذكره (٥): بين ابن القيم رحمه الله تعالى أن الثمار لها ثلاثة أحوال حالتان لا قطع فيهما والثالثة فيها القطع فقال (٦):\n(جعل النبي ﷺ لأخذ الثمرة ثلاثة أحوال حالة لا شيء فيها وهو ما إذا أخذه من\nشجرة وأخرجه. وحالة يقطع فيها وهو ما إذا سرقه من بيدره (٧) سواء قد انتهى\nجفافه أم لم ينتهي) . وهذا حكم متفق عليه لدى الأئمة الأربعة إلا أن الحنفية يشترطون أن تكون الثمار جافة غير رطبة ولهذه المسألة مزيد بحث يأتي إن شاء الله في الشرط الثاني.\n_________\n(١) الآية رقم ٣٨ سورة المائدة.\n(٢) انظر: المغني ١٠/ ٢٥٠.\n(٣) انظر: فتح القدير ٥/١٤٢.\n(٤) انظر: ص/٦٢٢ جتشيو؛\n(٥) انظر: ص/٦٢٣.\n(٦) انظر: زاد المعاد ٣/٢١٢.\n(٧) البيدر: هو بمعنى الجرين تقدم ص/٦٢٣","vol":"1","page":363},{"text":"ب- الإنسان حرز لثيابه وفراشه:\nعن صفوان بن أمية (١) ﵁ قال: كنت نائمًا في المسجد على خيصة (٢)\nلي ثمنها ثلاثين درهًا فجاء رجل فاختلسها مني فأخذ الرجل. فأتى به النبي ﷺ.\nفأمر به ليقطع. فقلت أتقطعه من أجل ثلاثين درهًا. أنا أبيعه وأنسئه (٣) ثمنها. فقال هلا كان قبل أن تأتيني به) . رواه أبو داوود (٤) . والنسائي (٥) . وابن ماجه (٦) واللفظ لأبي داوود.\nذكر ابن القيم حديث صفوان هذا مختصرًا (٧) ثم قال في الاستنباط منه (٨):\n(فيه أن الإنسان حرز لثيابه ولفراشه الذي هو نائم عليه أين كان سواء كان في المسجد أو غيره) .\nوهذا من الأحكام المتفق عليها في المذاهب الأربعة على ما هو مسطر في مدوناتهم من أن الإنسان حرز لثيابه وفراشه ومتاعه فيعتبرون الحرز هنا بالحافظ\nوالملاحظ لا بالمكان (٩) والله أعلم.\nج- المسجد حرز لما يعتاد وضعه فيه.\nعن ابن عمر ﵄ (أن رسول الله ﷺ قطع يد رجل سرق ترسًا (١٠)\n_________\n(١) هو: صفوان بن أمية بن خلف القرشي المكي المتوفى سنة ٤١ هـ. وقيل غيرها (انظر: التقريب\nلابن حجر ١/٢٦٧) .\n(٢) خميصة: هي ثوب معلم أو صوف معلم. وجمعها: خمائص. (انظر: النهاية لابن الأثير ٢/ ٨١) .\n(٣) أنسئه: النسأ التأخير. والمراد هنا: البيع إلى أجل معلوم (انظر: النهاية لابن الأثير ٥/٤٥) .\n(٤) انظر: سنن أبي داوود ٤/٥٥٣- ٥٥٥.\n(٥) انظر: سنن النسائي ٨/ ٦٠.\n(٦) انظر: سنن ابن ماجه ٢/٨٦٥.\n(٧) انظر: زاد المعاد ٣/ ٢١١.\n(٨) انظر: ٣/٢١٢.\n(٩) انظر: ١٠/ ٠٢٥١ المغني لابن قدامة ١٠/ ٢٥١، وشرح فتح القدير ٥/١٤٥، ونهاية\nالمحتاج ٧/٤٢٨، وجواهر الإكليل ٢/٢٩٢.\n(١٠) الترس: هو المجن وتقدم معناه (انظر عون المعبود ٤/٢٣٦) .","vol":"1","page":364},{"text":"من صفة النساء (١) ثمنه ثلاثة دراهم) رواه أبو داوود (٣) . وهو بمعناه في مسلم (٣) . والنسائي (٤) . ساق ابن القيم هذا الحديث بمعناه فقال (٥):\n(وقطع ﷺ سارقًا سرق ترسًا كان في صفة النساء في المسجد) .\nالاستدلال من هذا الحديث:\nثم قال في الاستدلال منه لذلك (٦):\n(وفيه أن المسجد حرز لما يعتاد وضعه فيه فإن النبي ﷺ قطع من سرق منه\nترسًا وعلى هذا: فيقطع من حصيره وقناديله وبسطه وهو أحد القولين في مذهب أحمد ﵀ وغيره.\nومن لم يقطعه قال: له فيها حق فإن لم يكن (فيها حق كالذي قطع) . وهذا الحق هو الجلوس على الفراش والشرب من السقاء ونحو ذلك من آلات المسجد. مناقشة ابن القيم:\nإذا عرفنا أن (الترس) هو (المجن) والمجن آلة من آلات الحرب و(صفة النساء) يراد بها مصلى النساء وهو مكان مظلل لهن في آخر المسجد (٧) فإنه يحصل\nعند التأمل وقفة شديدة في هذا الاستدلال.\nذلك أن الترس ليس من المعتاد وضعه في المسجد بل هو آلة تكون عائديتها للمالك لها ومصلي النساء ليس حرزًا بنفسه (حرز مكان) فإن حرزيته من حرز\n_________\n(١) صفة النساء: مكان مظلل في المسجد لصلاة النساء (انظر عون المعبود ٤/٢٣٦) .\n(٢) سنن أبي داود ٤/٥٤٨.\n(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ١١/١٨٤.\n(٤) انظر: سنن النسائي ٨/٦٩.\n(٥) انظر: زاد المعاد ٣/ ٢١١.\n(٦) انظر: زاد المعاد ٣/ ٢١٢.\n(٧) انظر: عون المعبود ٤/٢٣٦","vol":"1","page":365},{"text":"المسجد، فيبقى أن نفسر هذه الواقعة فيما يظهر والله أعلم على ما فرعه جماعة الفقهاء (١): من أن سرقة المتاع من المسجد فيه القطع إذا كان محرزًا بملاحظ قريب منه وهذا (حرز بالحافظ) لا بالمكان والله أعلم.\nأما ما يعتاد وضعه فيه: من حصيره وقناديله وبسطه فهي مسألة مستقلة عن هذه وهي محل خلاف بين أهل العلم إذا كان السارق مسلما. على قولين كما ذكرهما ابن القيم رحمه الله تعالى:\nالقول الأول:\nأنه لا قطع بذلك وهو مذهب الحنفية (٢)، والشافعية (٣) . والمعتمد من مذهب الحنابلة (٤) بل ذكر ابن قدامة في (المغني) (٥) لا قطع وجهًا واحدًا في المذهب.\nالدليل:\nهو كما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى من التعليل- أن له فيه حق الانتفاع فأورث ذلك شبهة تدرء الحد كالسرقة من بيت المال فلا قطع (٦) .\nالقول الثاني:\nأنه يقطع بسرقة قناديل المسجد وبسطه وحصيره ونحو ذلك وهو وجه في المذهب الحنبلي حكاه المرداوي (٧) وهو مذهب المالكية بشرط عندهم وهو: أن\n_________\n(١) انظر: المغني- لابن قدامة ١٠/٢٥٦ وشرح فتح القدير لابن الهمام ٥/١٤٥، ٥/١٤٧.\n(٢) انظر: فتح القدير لابن الهمام ٥/١٣٢.\n(٣) انظر: نهاية المحتاج للرملي ٧/٤٣٥.\n(٤) انظر: كشاف القناع ٦/١٣٩.\n(٥) انظر: المغني ١٠/٢٥٦.\n(٦) انظر: ما تقدم ص/٦٢٦. والمغني ٢٥٦.\n(٧) انظر: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ١٠/٢٧٥ والمرداوي هو: علاء الدين أبو\nالحسن علي بن سلمان المرداوي المتوفى سنة ٨٨٥ هـ. (انظر، الأعلام للزركلي ٥/١٠٤) .","vol":"1","page":366},{"text":"تجري العادة بترك ذلك ليلًا ونهارًا فإن كانت ترفع منه في غير أوقات اجتماع الناس للصلاة وتركت في غيرها فسرقت فلا قطع لسارقها (١) وهذا هو ما قرره\nابن القيم رحمه الله تعالى مستدلًا بالحديث المذكور آنفًا. والظاهر عدم توجه الاستدلال منه كما تقدم في مناقشته. ولم أر لدى الحنابلة أو المالكية تعليلًا لهذا وهذه مما أستخير الله فيها.\nالشرط الثاني: أن يكون المسروق مما لا يسرع إليه الفساد.\nهذا الشرط من مفردات الحنفية عن الجمهور.\nوتحرير مذهب الحنفية هو: أنه لا قطع فيما يتسارع إليه الفساد: كاللبن واللحم ولو قديد أو الثمار والفواكه الرطبة أما إذا كانت الثمار مثلًا يابسة وآواها الجرين ففيها القطع (٢) .\nمذهب الجمهور:\nوهو القطع في الطعام والثمار إذا كان من حرزه كما الجرين لا فرق بين اليابس والرطب عندهم (٣) .\nالدليل في هذا الشرط نفيًا وإثباتًا:\nمدار الخلاف بين الحنفية والجمهور في هذا الشرط هو حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده المتقدم ذكره ولفظه.\n(سئل النبي ﷺ عن الثمر المعلق فقال: من أصاب بفيه من ذي حاجة غير\n_________\n(١) انظر: جواهر الإكليل ٢/٢٩٢.\n(٢) انظر: الهداية بحاشية فتح القدير ٥/١٣٠، وشرح فتح القدير ٥/١٣٠- ١٣١، والمغني ١٠/٢٤٧ - ٢٤٨.\n(٣) انظر: المغني ١٠/٢٤٧ - ٢٤٨، ١٠/٢٦٣ وشرح فتح القدير ٥/١٣٠- ١٣١","vol":"1","page":367},{"text":"متخذ خبنة فلا شيء عليه ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثلية والعقوبة. ومن سرق منه شيئًا بعد أن يؤويه الجرين فبلغ ثمن المجن فعليه القطع) .\nفعند الحنفية: أن النبي ﷺ أسقط القطع عن سارق الثمار من الشجرة لأنه\nيسرع الفساد إليه لرطوبته. وأوجبه على سارقه من الجرين ليبسه بحيث لا يتسارع إليه الفساد.\nوعند الجمهور: مدار التعليل على الحرز المكاني لا على اليبس والرطوبة.\nموقف ابن القيم من هذا الاستدلال وبيان اختياره:\nوابن القيم رحمه الله تعالى يناقش وجهة الحنفية هذه ويصحح مذهب الجمهور ويختاره فيقول (١):\n(إن النبي ﷺ أسقط القطع عن سارق الثمار من الشجرة وأوجبه على سارقه\nمن الجرين.\nفعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أن هذا النقصان ماليته لإسراع الفساد إليه. وجعل هذا أصلًا في كل ما نقصت ماليته بإسراع الفساد إليه. وقول الجمهور: أصح، فإنه ﷺ جعل له ثلاثة أحوال: حالة لا شيء فيها وهو ما إذا أكل منه\nبفيه. وحالة يغرم مثليه ويضرب من غير قطع وهو ما إذا أخذه من شجرة\nوأخرجه.\nوحالة يقطع فيها وهو ما إذا سرقه من بيدره سواء كان قد انتهى جفافه أو لم ينته فالعبرة للمكان والحرز لا ليبسه ورطوبته.\nويدل عليه: أنه ﷺ أسقط القطع عن سارق الشاة من مرعاها، وأوجبه على\nسارقها من عطنها فإنه حرزها) .\nوهذه مناقشة ينشرح لها الصدر وهي مقتضى نص الشارع فإنه علق الحكم\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/٣١٣","vol":"1","page":368},{"text":"بالقطع على (إيوائه الجرين ...) وهذا نص على أن مدار الحكم: الحرز لا الرطوبة\nواليبس.\nويزيد هذا قوة على قوته: ذلك التنظير بسارق الشاة من مرعاها فلا قطع كسارق الثمرة من الشجرة وأما سارق الشاة من مراحها وعطنها ففيه القطع كالسارق للثمرة من الجرين وهذا: لتوفر الحرز فيهما.\nوقد جمع النبي ﷺ أيضًا بين الحكمين في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:\n(سئل رسول الله ﷺ: في كم تقطع اليد. قال: لا تقطع اليد في ثمر معلق، فإذا ضمه الجرين قطعت في ثمن المجن ولا تقطع في حريسة (١) الجبل، فإذا آوى المراح قطعت في ثمن المجن) رواه النسائي (٢) .\nالشرط الثالث: أن يكون المسروق نصابًا (٣) .\nساق ابن القيم رحمه الله تعالى أربعة أحاديث تدل على أن مقدار نصاب السرقة الموجب للقطع: ثلاثة دراهم أو ربع دينار وهي:\n١- قال (٤):\n(قطع النبي ﷺ سارقًا في مجن قيمته ثلاثة دراهم) . وهذا الحديث رواه\nالبخاري (٥) . ومسلم (٦) . وأبو داود (٧) . والنسائي (٨) كلهم من حديث ابن عمر رضي\n_________\n(١) الحريسة: إثارة إلى ما يحرس بالجبال من المواشي من أنه ليس حرزًا لها وإنما حرزها إذا آواها المراح (انظر النهاية لابن الأثير ١/٣٦٧) .\n(٢) انظر: سنن النسائي ٨/٧٨.\n(٣) انظر: زاد المعاد ٣/٢١١.\n(٤) انظر: المرجع السابق.\n(٥) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ١٢/٩٧.\n(٦) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١١/١٨٢.\n(٧) انظر: سنن أبي داوود ٤/٥٤٧.\n(٨) انظر: سنن النسائي ٨/٦٩","vol":"1","page":369},{"text":"الله عنهما.\n٢- قال (١)\n(وقضى ﷺ أنه لا تقطع اليد في أقل من ربع دينار) . وهذا الحديث رواه\nالبخاري (٢) . ومسلم (٣) . وأبو داود (٤) والترمذي (٥) . والنسائي (٦) . وا بن\nماجه (٧) .\n٣- قال (٨):\n(وصح عنه ﷺ أنه قال: اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك ذكره الإمام أحمد رحمه الله تعالى) . وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في (مسنده) (٩) من حديث عائشة ﵂ والبيهقي في (السنن الكبرى) (١٠) .\nوأصل هذا الحديث في الصحيحين (١١) وغيرهما بلفظ (تقطع اليد في ربع دينار فصاعدًا) من حديث عائشة ﵂.\n٤- قال (١٢):\n(وقالت عائشة ﵂ لم يكن تقطع يد السارق في عهد رسول الله\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/٢١١.\n(٢) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ١٢/٩٦.\n(٣) نظر: مسلم بشرح النووي ١١/١٨١.\n(٤) انظر: سنن أبي داوود ٤/٤٤٥.\n(٥) انظر: سنن الترمذي ٤/ ٥٠.\n(٦) انظر: سنن النسائي ٨/ ٧٠.\n(٧) انظر: سنن ابن ماجه ٢/٨٦٢.\n(٨) انظر: زاد المعاد ٣/٢١١.\n(٩) انظر: الفتح الرباني للساعاتي ١٦/ ١١٠.\n(١٠) نظر: ٨/٢٥٥.\n(١١) انظر: البخاري مع فتح الباري ١٢/٩٦، ومسلم بشرح النووي١١/١٨٢.\n(١٢) انظر: زاد المعاد ٣/٢١١","vol":"1","page":370},{"text":"ﷺ في أدنى من ثمن المجن ترس أو حجفة (١) وكان كل منهما ذا ثمن) . هذا الحديث رواه البخاري (٢) . ومسلم (٣) .\nالاستدلال من هذه الأحاديث:\nثم قال (٤) ابن القيم رحمه الله تعالى في الاستدلال من هذه الأحاديث على مقدار نصاب السرقة قال فيها (إنه لا يقطع في أقل من ثلاثة دراهم أو ربع دينار) .\nالترجيح:\nهذا ما ذكره ابن القيم في مقدار النصاب الموجب للقطع وهو مذهب اختاره من نحو عشرين مذهبًا في مقدار نصاب السرقة ساقها الحافظ ابن حجر في كتابه (فتح الباري) (٤) وذكر أدلتها وقرر فيها أن صح ما ورد في أقل مقدار للنصاب في السرقة هو (ربع دينار) أو (ثلاثة دراهم) .\nوقد ورد فيه حديث بصيغة القول وهو حديث عائشة ﵂ المتقدم (اقطعوا في ربع دينار فصاعدًا، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك) . وقال (٦): إن\nسائر الأخبار الصحيحة الواردة حكاية فعل لا عموم لها.\nومن كلام الحافظ هذا نعرف سر اختيار ابن القيم لمقدار النصاب في السرقة (ثلاثة دراهم أو ربع دينار) .\nوهذا مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أحمد.\n_________\n(١) الحجفة: هي الدرقة وقد تكون من خشب أو عظم وتغلف بالجلد أو غيره. وهي والترس نوعان\nمن المجن (انظر فتح الباري ١٢/١٠٤) .\n(٢) انظر: البخاري مع فتح الباري ١٢/٩٧.\n(٣) انظر: مسلم مع شرح النووي ١١/١٨٣.\n(٤) انظر: زاد المعاد ٣/٢١٢\n(٥) انظر: ١٢/١٠٦ -١٠٧.\n(٦) انظر: المغني ١٠/ ٢٤٢. وفتح الباري ١٢/ ١٠٦.","vol":"1","page":371},{"text":"وعليه تدل السنة القولية والفعلية والله أعلم.\nالشرط الرابع: مطالبة المسروق منه بماله.\nفي سياق ابن القيم رحمه الله تعالى لأحكام النبي ﷺ في السرقة ذكر حكمه\nﷺ بقطع سارق رداء صفوان بن أمية كما تقدم. ثم قال (١):\n(فيه أن المطالبة في المسروق شرط في القطع ولو وهبه إياه أو باعه قبل رفعه إلى الإمام سقط عنه القطع كما صرح به النبي ﷺ وقال (هلا كان قبل أن تأتيني\nبه) .\nاختلاف العلماء في هذا الشرط:\nوهذا الشرط محل خلاف بين أهل العلم على قولين:\nالقول الأول:\nاشتراط المطالبة وهو مذهب أبي حنيفة (٢) . والشافعي (٣) . وإحدى الروايتين عن أحمد وهي المذهب (٤) .\nالدليل:\nهو حديث صفوان كما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى.\nالقول الثاني:\nلا تشترط المطالبة. وهذا مذهب مالك (٥) . والرواية الثانية عن أحمد (٦) وذكر\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/٢١٢.\n(٢) انظر: فتح القدير لابن الهمام ٥/١٥٩.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة ٧/٢٧٧، ونهاية المحتاج للرملي ٧/٤٢٢.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة١٠/٢٧٧. والإنصاف للمرداوى ١٠/٢٤٨\n(٥) انظر: المنتقى للباجي ٧/١٦٤. ورحمة الأمة للدمشقي ص/٢٨٢.\n(٦) انظر: الإنصاف للمرداوي ١٠/٢٤٨.","vol":"1","page":372},{"text":"بعض المعاصرين أن هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية (١)\nالدليل:\nاستدلوا بعموم الآية (٢) (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) الآية. فليس فيها اشتراط مطالبة المسروق منه بماله المسروق وتعقب بدلالة حديث صفوان عليه. وهذا\nمن باب التخصيص للآية كما خصصت بشروط أخرى منها النصاب والحرز والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-221>الشرط الخامس: انتفاء الشبهة </span>(٣) .\nهذا شرط متفق عليه عند الأئمة الأربعة، وهو يعود إلى قاعدة شرعية مطردة\nفي كتاب الحدود وهي: درء الحدود بالشبهات. وقد حكى عليها الإجماع ابن قدامة فقال (٤):\n(قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الحدود تدرء بالشبهات) .\nوابن القيم رحمه الله تعالى يبحث بعضًا من الشبه الدارئة لحد السرقة مبينًا القبول\nلبعض الشبه. والرد والتعقيب لبعضها (٥) . وسياق الحديث عنها عند ابن القيم كما\nيلي:\nالشبهة الأولى: السرقة في المجاعة.\n_________\n(١) انظر: السلسبيل في معرفة الدليل ٣/١٢٥ للشيخ صالح البليهي ط بمطابع نجد/ الرياض سنة ١٣٨٦ هـ.\n(٢) الآية رقم ٣٨ سورة المائدة.\n(٣) الشبهة: هي ما يشبه الثابت وليس بثابت أو هي وجود المبيح صورة لا حقيقة (انظر، بدائع\nالصنائع للكاساني ٧/٣٦) .\n(٤) انظر: المغنى ١٠/١٥٥ في باب حد الزنا.\n(٥) انظر: زاد المعاد ٣/ ٢١١- ٢١٢، وأعلام الموقعين ٣/٢٢، ٣/١٩٩، ٣١٦.","vol":"1","page":373},{"text":"يعني أن المحتاج إذا سرق في زمن المجاعة ما يأكله صار هذا من موجبات درء\nحد القطع عنه.\nوابن القيم رحمه الله تعالى يوضح هذه الشبهة ويقرر أنها دارئة للحد ويستدل لها من الأثر. ويؤيده بالقياس. وأن درء الحد بها أولى من كثير من الشبه التي يدرء الحد بها عند بعض أهل العلم. وضرب بهذه المثال لتغير الفتوى بتغير الأزمنة والأحوال وبيانها كالآتي:\nالقائلون بهذه الشبهة:\nيبيّن ابن القيم رحمه الله تعالى أن عمر ﵁ لم يقطع السارق في عام المجاعة وأن هذا هو مذهب أحمد والأوزاعي (١) .\nالأدلة:\nاستدل لها ابن القيم من الأثر والقياس كالآتي:\n١- قول عمر ﵁: لا تقطع اليد في عذق ولا عام ولا سنة (٢) .\nقال السعدي: سألت أحمد عن هذا الحديث فقال: العذق: النخلة والسنة: المجاعة. فقلت لأحمد تقول به: فقال أي لعمري. قلت أن سرق في مجاعة لا تقطعه فقال: لا. إذا حملته الحاجة على ذلك والناس في مجاعة وشدة) .\n٢- قضية عمر ﵁ مع غلمان حاطب ابن أبي بلتعة (٣):\n(ذلك أن غلمة لحاطب ابن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة فأتي بهم عمر فأقروا فأرسل إلى عبد الرحمن بنَ حاطب فجاء فقال له: إن غلمان حاطب سرقوا\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/٢٢- ٢٣. وانظر أيضًا المغني لابن قدامة١٠/٢٨٨ - ٢٨٩.\n(٢) انظر: مصنف عبد الرزاَق ١٠/٢٤٢.\n(٣) هو: حاطب ابن أبي بلتعة بن عمرو بن عمير اللخمي توفي سنة ٣٠ هـ. (انظر: الإصابة لابن حجر ١/٢٩٩) .","vol":"1","page":374},{"text":"ناقة رجل من مزينة وأقروا على أنفسهم، فقال عمر: يا كثير ابن الصلت (١) . اذهب فاقطع أيديهم فلما ولى بهم ردهم عمر ثم قال: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى أن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له لقطعت أيديهم. وأيم الله إذ لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك. ثم قال: يا مزني بكم أريد منك ناقتك قال: بأربع مائة. قال عمر: اذهب فأعطه ثمانمائة) (٢) .\nوجه الاستدلال\nوالاستدلال من هذه القصة واضح فإن عمر ﵁ لم يقطع السارق في المجاعة والله أعلم.\n٣- القياس.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٣):\n(وإسقاط القطع عن السارق في عام المجاعة هو: محض القياس. ومقتضى قواعد الشريعة فإن السنة إذا كانت سنة مجاعة وشدة غلب على الناس الحاجة والضرورة، فلا يكاد يسلم السارق من ضرورة تدعو إلى ما يسد به رمقه. ويجب\nعلى صاحب المال بذل ذلك له، إما بالثمن أو مجانًا. على الخلاف في ذلك،\nوالصحيح وجوب بذله مجانًا. لوجوب المواساة وإحياء النفوس مع القدرة على\nذلك والإيثار بالفضل مع ضرورة المحتاج. وهذه شبهة قوية تدرء القطع عن\nالمحتاج. وهي أقوى من كثير من الشبه التي يذكرها كثير من الفقهاء. بل إذا وازنت بين هذه الشبهة وبين ما يذكرونه ظهر لك التفاوت.\nفأين شبهة كون المسروق مما يسرع إليه الفساد (٤) . وكون أصله على الإباحة\n_________\n(١) هو: كثير بن الصلت بن معد يكرب الكندي المدني قال الحافظ ابن حجر في (التقريب\n٢/١٣٢ وهم من جعله محابيا) .\n(٢) انظر: الموطأ للإمام مالك رحمه الله تعالى ٢/١٢٣- ١٢٤ (كتاب الأقضية) .\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/٢٣.\n(٤) انظر: بيانها فما تقدم ص/٦٢٨","vol":"1","page":375},{"text":"كالماء (١) . وشبهة القطع به مرة. وشبهة دعوى ملكه بلا بينة (٢) . وشبهة إتلافه في الحرز بأكل أو احتلاب من الضرع (٣) . وشبهة نقصان ماليته في الحرز بذبح أو تحريق ثم إخراجه (٤) .\nوغير ذلك من الشبه الضعيفة جدًا إلى هذه الشبهة القوية، لا سيما وهو مأذون له\nفي مغالبة صاحب المال على أخذ ما يسد رمقه. وعام المجاعة يكثر فيه المحاويج\nوالمضطرون. ولا يتميز المستغني منهم والسارق لغير حاجة من غيره.\nفاشتبه من يجب عليه الحد بمن لا يجب عليه: فدرئ.\nنعم إذا بان أن السارق لا حاجة به وهو مستغن عن السرقة قطع) . هذا كلام ابن القيم في إبراز هذين الدليلين: القياس. ومقتضى قاعدة الشريعة.\nالقياس:\nوهو في دليله القياسي يقيس حالة السارق عام المجاعة لحاجته إلى ما يأكله على\nحالة المضطر بجامع الحاجة. إذ الضرورة المبيحة هي: التي يخاف التلف بها أن ترك\nالأكل.\nفصارت الحاجة إذا شبهة قوية أسقطت الحد وهو القطع والله أعلم.\nالشبهة الثانية: قول السارق هذا ملكي.\nهذه من الشبه التي يقررها جماعة من أهل العلم منهم الشافعية (٥) والحنابلة (٦) ويسميه الشافعي: السارق الظريف (٧) .\n_________\n(١) انظر: المغني لابن قدامة ١٠/٢٤٧.\n(٢) انظر: المغني لابن قدامة ١٠/٢٧٨.\n(٣) انظر: المغني لابن قدامة ١٠/٢٦١.\n(٤) انظر: المغني لابن قدامة ١٠/٢٦١.\n(٥) انظر: نهاية المحتاج ٧/٤٢٢ - ٤٢٣.\n(٦) انظر: كشاف القناع ٦/١٤٢.\n(٧) انظر: كشاف القناع ٦/١٤٣.","vol":"1","page":376},{"text":"قالوا: إذا قال السارق الذي أخذته ملكي كان عنده وديعة ونحو ذلك فلا قطع عليه ولو كان معروفًا بالسرقة لأن صدقه محتمل.\nوابن القيم رحمه الله تعالى يندد بذلك ويبطل هذه الشبهة ويرى أنها من الحيل المحرمة لإبطال حد السرقة فيقول (١):\n(الحيلة على إسقاط حد السرقة بقول السارق: هذا ملكي وهذه داري وصاحبها عبدي من الحيل التي هي إلى المضحكة والسخرية والاستهزاء بها أقرب\nمنها إلى الشرع ونحن نقول: معاذ الله أن يجعل في فطر الناس وعقولهم قبول مثل\nهذا الهذيان البارد المناقض للعقول والمصالح فضلًا عن أن يشرع لهم قبوله. وكيف يظن بالله وشرعه ظن السوء: أنه شرع رد الحق بالباطل الذي يقطع كل أحد ببطلانه. وبالبهتان الذي يجزم كل حاضر ببهتانه. ومتى كان البهتان والوقاحة\nوالمجاهرة بالزور والكذب مقبولًا في دين من الأديان أو شريعة من الشرائع أو\nسياسة أحد من الناس؟. ومن له مسكة من عقل وإن بلى بالسرقة فإنه لا يرضى\nلنفسه بدعوى هذا البهت والزور. ويا لله ويا للعقول! أيعجز سارق قط عن التكلم\nبهذا البهتان ويتخلص من قطع اليد. فما معنى شرع قطع يد السارق ثم إسقاطه بهذا\nالزور والبهتان) .\nوقال أيضًا في معرض بيانه لبطلان الحيل (٢):\n(ويا لله العجب كيف يسقط القطع عمن اعتاد سرقة أموال الناس، وكلما\nأمسك معه المال المسروق قال: هذا ملكي. والدار التي دخلتها داري. والرجل الذي دخلت داره عبدي، قال أرباب الحيل: فيسقط عنه الحد بدعوى ذلك.\nفهل تأتي لهذا سياسة قط جائرة أو عادلة. فضلًا عن شريعة نبي الأنبياء فضلًا\nعن الشريعة التي هي أكمل شريعة طرقت العالم) .\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/٢٥٧.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٩٩. وأيضًا ٣/٣١٦.","vol":"1","page":377},{"text":"الشبهة الثالثة: أن من سرق من شيء له فيه حق درئ عنه الحد:\nذكر ابن القيم الحديث في ذلك فقال (١):\n(درء ﷺ القطع عن عبد من رقيق الخمس (٢) سرق من الخمس. وقال: مال الله سرق بعضه بعضًا رواه ابن ماجه) (٣) .\nثم ذكر الاستنباط من هذا الحديث (أن من سرق من شيء له فيه حق لم\nيقطع) (٤)\nوهذه شبهة دارئة على ما هو مدون في المذاهب الأربعة (٥) .\nوقال ابن قدامة (هو قول عامة أهل العلم) (٦) .\nفلا يقطع عندهم الوالد فيما أخذ من مال ولده لأنه أخذ ما يحقق له أخذه، ولا الوالدة فيما أخذت من مال ولدها ولا العبد فيما سرق من مال سيده.\nمناقشة ابن القيم في هذا الدليل:\nنفهم من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى في قوله (من سرق من شيء له فيه حق\nلم يقطع) مسايرته للجمهور في رأيهم المسطر قريبًا. لكن ابن القيم في هذا اكتفى بالاستدلال بحديث ضعيف على خلاف عادته.\nفهل يسلم تضعيف هذا الحديث. وفي حالة ضعفه ما هي الأدلة في هذه القضية.\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/٢١١.\n(٢) الخمس: أي خمس الغنيمة سمى به لأنها تقسم إلى خمسة أقسام (النهاية لابن الأثير ٢/٧٩) .\n(٣) انظر: سنن ابن ماجه ٢/٨٦٤.\n(٤) انظر: زاد المعاد ٣/٢١٢.\n(٥) انظر: ٥/١٤٤ شرح فتح القدير ٥/١٤٤، وجواهر الإكليل ٢/٢٩٣ ونهاية المحتاج ٧/٤٣٥، وكشاف القناع ٦/ ١٤١.\n(٦) انظر: المغني١٠/٢٨٤ - ٢٨٥","vol":"1","page":378},{"text":"سند الحديث:\nهذا الحديث رواه ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ وهو من مفاريد\nابن ماجه. ولذا قال في الزوائد (في إسناده جبارة وهو ضعيف) (١) .\nوجبارة هذا هو: جبارة بن المغلس الكوفي المتوفى سنة ٢٤١ هـ. وهو ضعيف كما في التقريب (٢) وهو شيخ ابن ماجه في هذا الحديث. وقد قال الذهبي (٣) (شيخ واه)\nوقد قال الحافظ بن حجر في هذا الحديث (إسناده ضعيف) (٤) . وقد روى\nعبد الرزاق هذا الحديث في (مصنفه) (٥) من وجه مرسل عن ميمون بن مهران. قال (أتي النبي ﷺ بعبد قد سرق من الخمس. فقال: مال الله سرق بعضه بعضًا. ليس عليه قطع) .\nوميمون بن مهران هو الجزري من ثقاة الأئمة الفقهاء وقال ابن حجر (٦) (كان يرسل مات سنة ١١٧ هـ) .\nولم أجد للموصول بعد البحث شاهدًا أو متابعًا. فهو إذا على ما تقدم حديث ضعيف لا تقوم به حجة والله أعلم.\nما هي الأدلة إذًا:\nاستدل أهل العلم لهذا الحكم بعدة أدلة من المرفوع والموقوف منها ما يلي:\nاستدلوا بعموم حديث جابر ﵁ أن رجلًا قال يا رسول الله أن لي\n_________\n(١) انظر: سنن ابن ماجه ٢/٨٦٤.\n(٢) انظر: ١/١٢٤.\n(٣) انظر: المغني ١/١٢٧.\n(٤) انظر: تلخيص الحبير ٤/٦٩.\n(٥) انظر: ١٠/٢١٢.\n(٦) انظر: تقريب التهذيب ٢/٢٩٣","vol":"1","page":379},{"text":"مالًا وولدًا، وإن أبي يريد أن يجتاح مالي فقال: أنت ومالك لأبيك. رواه ابن ماجه بسند صحيح على شرط البخاري كما في (الزوائد) (١)\nوجه الاستدلال:\nاستدل بهذا الحديث على سقوط القطع بسرقة الأب من مال ابنه لأن الكلام للتمليك في قوله (لأبيك) ففي هذا شبهة الانبساط بين الأب وابنه وعليه: فلا يجوز قطع الإنسان يأخذ ما أمر النبي ﷺ بأخذه ولا أخذ ما جعله النبي ﷺ مالًا\nله مضافًا إليه كما بينه ابن قدامة (٢) وابن الهمام (٣) .\nب- ما رواه في (مصنفه) (٤) بسند صحيح أن عمر ﵁: جاءه عبد الله بن عمرو الحضرمي (٥) بغلام له، فقال له: إن غلامي هذا سرق فاقطع يده،\nفقال عمر: ما سرق قال: مرآة امرأتي، قيمتها ستون درهما. قال أرسله فلا\nقطع عليه. خادمكم أخذ متاعكم، ولكنه لو سرق من غيركم قطع. ورواه\nالبيهقي (٦) .\nوالقضايا بنحو هذا كثيرة عن جماعة من السلف رواها عبد الرزاق (٧) وذكر طرفًا منها ابن قدامة ثم قال (٨):\n(وهذه قضايا تشتهر ولم يخالفها أحد فتكون إجماعًا. وهذا يخص عموم\nالآية (٦) ولأن هذا إجماع من أهل العلم لأنه قول من سمينا من الأئمة ولم يخالفهم في\n_________\n(١) انظر: سنن بن ماجه ٢/٧٦٩.\n(٢) انظر: المغني ١٠/٢٨٥.\n(٣) انظر: شرح فتح القدير ٥/١٤٢.\n(٤) انظر: ١٠/٢١٠.\n(٥) هو: حليف بني أمية ولد على عهد النبي ﷺ. ترجمه الحافظ بن حجر في (الإصابة ٢/٣٤٢)\nولم يذكر سنة وفاته.\n(٦) انظر: السنن الكبرى ٨/٢٨٢.\n(٧) انظر: المصنف ١٠/ ٢١٠- ٢١٢.\n(٨) انظر: المغني ١٠/٢٨٥.\n(٩) هي قوله تعالى: والسارق والسارقة الآية رقم ٣٨ سورة المائدة.","vol":"1","page":380},{"text":"عصرهم أحد فلا يجوز خلافه بقول من بعدهم، كما لا يجوز ترك إجماع الصحابة\nبقول أحد من التابعين) .\nوأهل العلم يطردون لهذه الأدلة ولغيرها: أنه لا قطع بسرقة الولد مال والده ولا\nبسرقة مسلم من بيت المال في فروع كثيرة هي محل اتفاق بين الأئمة الأربعة (١) والله\nأعلم.\nالشرط السادس: ثبوت السرقة بشهادة عدلين أو الإقرار مرتين\nعن أبي أمية المخزومي (٢) ﵁ (أن النبي ﷺ أتى بلص قد اعترف\nاعترافًا، ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله: ما إخالك (٣) سرقت. قال: بلى. فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا. فأمر به فقطع، وجيء به. فقال: استغفر الله وتب إليه. فقال: أستغفر الله وأتوب إليه. فقال: اللهم تب عليه ثلاثًا) . رواه أبو داود (٤) . والنسائي (٥) . وابن ماجه (٦) .\nساق ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الحديث مختصرًا في أحكام النبي ﷺ في السرقة ثم قال (٧):\n(فيه أنه لا يقطع إلا بإقرار مرتين أو بشهادة شاهدين لأن السارق أقر عنده\nمرة فقال: ما إخالك سرقت. فقال: بلى. فقطعه حينئذ ولم يقطعه حتى أعاد عليه مرتين) .\n_________\n(١) انظر: المغني ١٠/٨٥ - ٨٧. وفتح القدير لابن الهمام ٥/١٤٢- ١٤٥ ونهاية المحتاج للرملي\n٧/٤٢٣- ٤٢٤. وجواهر الإكليل للأزهري ٢/ ٢٩١.\n(٢) هو: أبو أمية المخزومي أو الأنصاري صحابي/ اسمه كنيته. له هذا الحديث (انظر الإصابة لابن حجر ٤/١٢) .\n(٣) إخالك: أظنك (انظر: القاموس ٣/٣٨٣ وانظر: زهر الربى على سنن النسائي للسيوطي\n٨/٦٠) .\n(٤) انظر: سنن أبي داوود ٤/٥٤٢.\n(٥) انظر: سنن النسائي ٨/ ٦٠.\n(٦) انظر: سنن ابن ماجه ٢/٨٦٦.\n(٧) انظر: ٣/٢١١ زاد المعاد ٣/٢١١- ٢١٢","vol":"1","page":381},{"text":"وطريق الثبوت للسرقة بشهادة عدلين اثنين هذا من طرق الإثبات المتفق عليها عند أهل العلم. كما حكاه ابن رشد (١) وابن قدامة (٢) وابن الهمام (٣) وقال (هذا بإجماع الأمة) .\nثبوتها بالإقرار:\nأما ثبوتها بالإقرار فقد اختلف أهل العلم في عدده على قولين:\nالقول الأول:\nوهو كما ذكر ابن القيم: من أنه لا بد من الإقرار مرتين (٤) . وهذا من مفردات الحنابلة عن الثلاثة على ما قرره: ابن قدامة (٥) . وابن هبيرة (٦) . والدمشقي (٧) . وابن رشد (٨) . وابن الهمام (٩) .. وغيرهم.\nدليله:\nاستدلوا بالسنة والقياس:\nأما السنة: فحديث أبي أمية المخزومي كما تقدم قريبًا.\nوأما القياس:\n_________\n(١) انظر: ٢/٤٥٤ بداية المجتهد ٢/٤٥٤.\n(٢) انظر: المغني ١٠/٢٨٩ - ٢٩٢.\n(٣) انظر: شرح فتح القدير ٥/١٢٦- ١٢٧.\n(٤) انظر: ص/٦٤٣.\n(٥) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/٢٩١.\n(٦) انظر: الإفصاح ٢/ ٤١٧.\n(٧) انظر: رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ص/٢٨٠.\n(٨) انظر: بداية المجتهد ٢/٤٥٤.\n(٩) انظر: شرح فتح القدير ٥/١٢٦","vol":"1","page":382},{"text":"فذكره ابن قدامة (١):\n(ولأنه يتضمن إتلافًا في حد فكان من شرط التكرار كحد الزنا. ولأنه أحد حجتي القطع فيعتبر فيه التكرار كالشهادة) .\nوهذا الدليل يتضمن قياسين:\nأحدهما: قياس تكرار الإقرار في حد السرقة على التكرار للإقرار في حد\nالزنى.\nالثاني: قياس تكرار الإقرار في حد السرقة على العدد في الشهادة فيه.\nتعقب الحنفية لهذا القياس:\nوابن الهمام رحمه الله تعالى لا يرتضي هذا القياس ويراه قياسًا مع وجود الفارق، ويقرر هذا في قياس تكرار الإقرار على الشهادة فيقول (٢):\n(أما قياسه على الشهادة فمع الفارق لأن اعتبار العدد في الشهادة إنما هو لتقليل التهمة ولا تهمة في الإقرار، إذ لا يتهم الإنسان في حق نفسه بما يضره ضررًا بالغًا، على أن الإقرار الأول: إما صادق والثاني لا يفيد شيئًا إذ لا يزداد صدقًا،\nوإما كاذب فبالتالي لا يصير صدقًا، فظهر أنه لا فائدة في التكرار) .\nوهذا التعقب مناقش بأن التهمة موجودة في كل من البينتين: الإقرار والشهادة ولهذا قال الرسول ﷺ لماعز: \" لعلك قبلت\" ونحو ذلك من ألفاظ الاستيثاق، ودفع عوامل الاحتمال ليبقى الإقرار سليمًا وظاهرًا. فتبين إذا موافقة هذا القياس للنص وهو حديث أبي أمية المخزومي ﵁ (٢) .\nوأيضًا: فلو قيل بهذا التعقب لقلنا بعدم التكرار في الإقرار في الزنى\nوالنصوص فيه متكاثرة لا تدفع والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/٢٩١.\n(٢) انظر: شرح فتح القدير ٥/١٢٦","vol":"1","page":383},{"text":"القول الثاني:\nأنه يثبت بالإقرار مرة واحدة ولا يفتقر إلى مرتين، وهذا مذهب: الحنفية (١)\nوالمالكية (٣) والشافعية (٣) .\nدليلهم:\nاستدلوا بالقياس، فقال ابن قدامة في بيانه له (٤):\n(لأنه حق يثبت بالإقرار فلم يعتبر فيه التكرار كحق الآدمي) .\nوقال ابن الهمام أيضًا (٥):\n(لأن السرقة قد ظهرت بالإقرار مرة فيكتفى به كما في القصاص وحد\nالقذف) .\nنقض هذا القياس:\nوقد بين ابن قدامة رحمه الله تعالى انتقاض هذا القياس لوجود قادح فيه\nبوجود الفارق فقال (٦) (إن الإقرار في السرقة يفارق حق الآدمي لأن حقه مبنى\nعلى الشح والتضييق ولا يقبل رجوعه عنه بخلاف مسألتنا) .\nوبنحو هذا التعقب ذكره صاحب الهداية من الحنفية (٧) . وابن الهمام أيضًا (٨)\n_________\n(١) انظر: شرح فتح القدير ٥/١٢٥.\n(٢) انظر: بداية المجتهد ٢/٤٥٤.\n(٣) انظر: نهاية المحتاج ٧/ ١٤٠\n(٤) انظر: المغني ١٠/٢٩٢.\n(٥) انظر: فتح القدير ٥/١٢٥.\n(٦) انظر: المغني ١٠/٢٩٢.\n(٧) انظر: الهداية مع فتح القدير ٥/١٢٥.\n(٨) انظر: فتح القدير ٥/١٢٥.","vol":"1","page":384},{"text":"الترجيح:\nوالذي يظهر لي والله أعلم هو القول الأول على ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى: فلا بد من الإقرار مرتين لورود السنة به. وعليه أيضًا يدل قضاء السلف ﵃ كما في قضاء علي ﵁ أنه جاء رجل إليه فقال: إني سرقت فرده: فقال: إني سرقت فقال شهدت على نفسك مرتين. فقطعه. قال: فرأيت يده في عنقه معلقة) رواه عبد الرزاق (١) والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: مصنف عبد الرزاق ١٠/١٩١. وسنن البيهقي ٨/٢٧٥","vol":"1","page":385},{"text":"المبحث الرابع:\nفي عقوبات السارق.\nتناول ابن القيم الحديث عن عقوبات السارق الحدية والتعزيرية على النحو الآتي:\n١- العقوبة الحدية بقطع يد السارق.\n٢- العقوبة بالإتيان على أطراف السارق.\n٣- العقوبة بقتل السارق.\n٤- العقوبات التعزيرية للسارق.\nوالكلام عنها على هذا النسق والترتيب.\n١- العقوبة الحدية بقطع يد السارق:\nمما علم من الإسلام بالضرورة أن العقوبة الحدية المقدرة للسارق قطع يده اليمنى أن كانت موجودة لدلالة الكتاب في قوله تعالى (١) (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) وفي قراءة بن مسعود (فاقطعوا أيمانهما) (٢) . ومن السنة الأحاديث\nالمتكاثرة البالغة مبلغ التواتر قوله وقضائه ﷺ وانعقاد الإجماع على ذلك من\nالمسلمين كما حكاه غير واحد من كبار النقلة منهم: ابن حزم (٣) . وابن قدامة (٤) . وابن حجر (٥) . وابن هبيرة (٦) . وابن الهمام (٧) . وغيرهم.\n_________\n(١) الآية رقم ٣٨ سورة المائدة.\n(٢) انظر: فتح الباري ١٢/٩٩. والمغني ١٠/٢٦٤. وتفسير القرطبي ٦/١٧٢.\n(٣) انظر: المحلي ١١/٣٨٦، ١١/٤٣٢. ومراتب الإجماع ص/١٣٥.\n(٤) انظر: المغني١٠/٢٣٩، ١٠/٢٦٤.\n(٥) انظر: فتح الباري ١٢/٩٧.\n(٦) انظر: الإفصاح ٢/٤١٤.\n(٧) انظر: فتح القدير ٥/١٥٣","vol":"1","page":386},{"text":"وابن القيم في هذه العقوبة يسوق أحكام النبي ﷺ فيها قولًا وتنفيذًا كما تقدم\nذكرها والله أعلم (١) .\n٢- عقوبة السارق بالإتيان على أطرافه\nمحل هذه العقوبة فيما إذا سرق ثانيًا وثالثًا ورابعًا. هل يؤتى على أطرافه بمعنى\nأن يقطع في كل سرقة يد أو رجل حتى يؤتى على أطرافه الأربعة اليدين والرجلين أم لا؟.\nفي هذه العقوبة محل وفاق ومحل خلاف. وابن القيم رحمه الله تعالى ساق الحديث عن هذه العقوبة على وجهين (٢):\nالأول: بيان ما يروى فيها عن النبي ﷺ.\nالثاني: بيان اختلاف العلماء فيها وتعليل الخلاف.\nوهو رحمه الله تعالى لم يفصح لنا عن اختياره في هذه المسألة وإن كان ظاهر توهينه للمروي فيها يفيد اختياره عدم الإتيان على أطراف السارق؟.\nوهذه العقوبة طرقتها أقلام العلماء بالبيان والتفصيل ولا بد في تجلية التحقيق فيها من إجراء الكلام على ما يلي:\nأ- بيان ما يروى فيها عن النبي ﷺ وبيان منزلته حسب الصناعة.\nب- بيان ما يروى فيها عن الصحابة ﵃.\nج- بيان محل الاتفاق في هذه العقوبة.\nد- بيان محل الخلاف في هذه العقوبة.\n_________\n(١) انظر: ص/٦٤٧، وللعلماء تفاصيل في كيفية القطع ومن أين يقطع لكن الذي عليه كافة العلماء\nأن القطع لليد اليمنى من مغرز الرسغ من الساعد (انظر: تفسير القرطبي ٦/١٧١) .\n(٢) انظر: زاد المعاد ٣/٢١٣. وتهذيب السنن ٦/٢٣٦","vol":"1","page":387},{"text":"١- بيان ما يروى فيها عن النبي ﷺ.\nيروى فيها جملة أحاديث مرفوعة منها ما هو مختص بالإتيان على الأطراف فقط ومنها ما فيه مع ذلك القتل في الخامسة وهي على ما يلي:\nالحديث الأول: حديث أبي هريرة ﵁:\nعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله قال (إذا سرق السارق\nفاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله، فإن عاد فاقطعوا يده، فإن عاد فاقطعوا رجله) .\nومدار إسناده عنده على الواقدي صاحب المغازي وهو: محمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي. متروك الحديث مات سنة ٢٠٧ هـ (١) . وذكره ابن حجر\nمن رواية الشافعي عن بعض أصحابه (٢) . فيكون من رواية عن مجهول الحال والعين\nفإن أصحاب الشافعي كثيرون وفيهم من تكلم فيه: مثل شيخه إبراهيم بن محمد كما في (زاد المعاد) (٣) لابن القيم رحمه الله تعالى.\nفتبين من هذا أن حديث أبي هريرة ﵁ لا يصح الاحتجاج به لوجود متروك في رواية الدارقطني. ومجهول في رواية الشافعي والله أعلم.\nالحديث الثاني: حديث عصمة بن مالك ﵁ (٤) .\nعن عصمة بن مالك ﵁ قال (سرق مملوك في عهد النبي ﷺ ﷺ فرفع\nإلى النبي ﷺ فعفى عنه ثم رفع إليه، فعفى عنه. فرفع ثالثة إلى النبي ﷺ فعفى\n_________\n(١) انظر: تقريب التهذيب ٣/١٩٤.\n(٢) انظر: تلخيص الحبير ١/٩٧.\n(٣) انظر:١/٦٥.\n(٤) هو: عصمة بن مالك الخطمي ﵁ (انظر: الإصابة ٢/٤٧٥) .","vol":"1","page":388},{"text":"عنه ثم رفع إليه الرابعة وقد سرق، فعفى عنه، ثم رفع إليه الخامسة وقد سرق فقطع يده، ثم رفع إليه السادسة فقطع رجله، ثم رفع إليه السابعة فقطع يده، ثم رفع إليه الثامنة فقطع رجله وقال رسول الله ﷺ: أربع بأربع) .\nرواه الدارقطني (١)، والطبراني (٢)،\nمنزلة هذا الحديث:\nمدار إسناد هذا الحديث عندهما على: الفضل بن المختار أبو سهل البصري. وهو ضعيف جدًا، وقد ترجمه الذهبي (٣) ولم يذكر فيه من وثقه وذكر هذا الحديث\nمن مناكيره ثم قال بعد سياقه (وهذا يشبه أن يكون موضوعًا) .\nوقال ابن حجر في ترجمة عصمة بن مالك ﵁ (٤):\n(له أحاديث ... مدارها على الفضل بن المختار، وهو ضعيف جدًا) .\nوقال الزيلعي (٥):\n(هذا حديث ضعيف، وقال عبد الحق: هذا حديث لا يصح للإرسال والضعف\nفي الإسناد) .\nوقال الهيثمي (٦):\n(فيه الفضل بن مختار وهو ضعيف) .\nفالحديث إذًا: لا تقوم به حجة بهذا الإسناد على ما أفادته كلمة الحفاظ والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: سنن الدارقطني ٣/١٧٣.\n(٢) انظر: بواسطة تلخيص الحبير ٣/٦٨.\n(٣) انظر: الميزان ٣/٣٥٨-٣٥٩.\n(٤) انظر: الإصابة ٤/ ٤٧٥\n(٥) انظر: نصب الراية ٣/٢٧٣.\n(٦) انظر: مجمع الزوائد ٦/٢٧٥","vol":"1","page":389},{"text":"رواية الحارث له مرسلًا:\nوهذا الحديث قد روي من وجه آخر مرسلًا أرسله: الحارث بن عبد الله ابن\nأبي ربيعة المخزومي أمير الكوفة المتوفى قبل السبعين من الهجرة (١) وقد حدث به\nمباشرة عن النبي ﷺ كما رواه عبد الرزاق (٢) وابن حزم (٣) وابن أبي شيبة (٤) .\nمنزلة هذه الرواية:\nوهذه الرواية من هذا الوجه لا تقوم بها حجة أيضًا لأن بين الحارث وبين النبي ﷺ مفازة فأنى له الرواية عنه مباشرة والله أعلم.\nاَلحديث الثالث:\nهذان حديثان وردا بخصوص الإتيان على أطراف السارق. وقد ورد حديث\nآخر من وجوه متعددة يتضمن هذه الحكومة مع الحكم بقتله. من حديث جابر والحارث بن حاطب ﵄. والكلام عنهما كما يلي:\nحديث جابر ﵁:\nعن جابر ﵁ قال (جيء بسارق إلى النبي ﷺ فقال: اقتلوه: فقالوا\nيا رسول الله إنما سرق. فقال: اقطعوه. قال: فقطع. ثم جيء به الثالثة فقال: اقتلوه. فقالوا يا رسول الله إنما سرق فقال: اقطعوه. ثم أتى به الرابعة. فقال: اقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق. قال اقطعوه. فأتى به الخامسة فقال اقتلوه. قال جابر: فانطلقنا به، فقتلناه، ثم اجتررناه فألقيناه في بئر، ورمينا عليه الحجارة) .\n_________\n(١) انظر: التقريب. ١/ ١٤١.\n(٢) انظر: المصنف ١٠/١٨٨.\n(٣) انظر: المحلى ١١/٤٢٣.\n(٤) انظر: نصب الراية ٣/٣٧٣","vol":"1","page":390},{"text":"روا٥ أبو داوود (١) . والنسائي (٢) . والبيهقي (٣) . والدارقطني (٤) . وقال النسائي بعده (هذا حديث منكر. ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث) . وأسانيده عندهم عدا الدارقطني مدارها على: مصعب. بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوّام الأسدي. قال فيه ابن حجر: لين الحديث وكان عابدًا مات سنة ١٥٧ هـ (٥) .\nومعلوم أن اصطلاح الحافظ فيمن قال فيه (لين الحديث) أنه لا يتابع على\nحديثه (٦) .\nوأما الدارقطني فقد رواه بثلاثة أسانيد إلى هشام بن عروة (٧) . عن محمد بن المنكدر (٨) عن جابر ﵁. وقد رواه عن هشام ثلاثة وهم:\nأ- محمد بن يزيد بن سنان الجزري أبو عبد الله ابن أبي فروة المتوفى سنة ٢٢٠ هـ. وقد أدخله الذهبي في (الميزان) (٩) في نقد الضعفاء ولم يذكر\nتوثيقًا له. وقال ابن حجر: ليس بالقوي (١٠) .\nب- ورواه عن هشام: عائذ بن حبيب بن الملاح الكوفي. وقد اختلفت كلمة\n_________\n(١) انظر: سنن أبي داوود ٤/٥٦٥-٥٦٧\n(٢) انظر: سنن النسائي ٨/٧٣.\n(٣) انظر: السنن الكبرى ٨/٢٧٢-٢٧٣.\n(٤) انظر: سنن الدارقطني ٣/ ١٨١.\n(٥) انظر: ميزان الاعتدال للذهبي ٤/ ١٢٠.\n(٦) انظر: التقريب ١/٥.\n(٧) هو: هشام بن عروة بن الزبير بن العوّام الأسدي المتوفى سنة ١٤٥ هـ. (انظر: التقريب لابن حجر ٢/٣١٩)\n(٨) هو: محمد بن المنكدر بن عبد الله التيمي المدني مات سنة ١٣٠ هـ. (انظر: التقريب لابن حجر\n٢/٢١٠) .\n(٩) انظر: ٤/٦٩.\n(١٠) انظر: التقريب ٢/ ٢١٩","vol":"1","page":391},{"text":"النقاد فيه بين التعديل والتجريح كما في (الميزان (١» وقال ابن حجر: صدوق رمي بالتشيع (٢) .\nوقال الذهبي بعد سياق الأقوال فيه (قلت شيعي جلد) (٣) .\nج- ورواه عن هشام: سعيد بن يحيى بن صالح اللخمي الكوفي. وقد أدخله الذهبي في (الميزان) (٤) في نقد الضعفاء وذكر اختلاف كلمة النقاد فيه\nبين التعديل والتجريح. وهو من رجال البخاري في صحيحه لكن ليس له\nفي البخاري سوى حديث واحد ولم ينفرد به بل توبع عليه (٥) وقال ابن حجر: صدوق وسط (٦) .\nروايته من حديث الحارث بن حاطب (٧) ﵁:\nعن الحارث بن حاطب ﵁ قال:\n(أتى رسول الله ﷺ بلص فقال: اقتلوه. فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق، فقال: اقتلوه قالوا: يا رسول الله إنما سرق، قال: اقطعوا يده. قال: ثم سرق فقطعت رجله. ثم سرق على عهد أبي بكر ﵁ حتى قطعت قوائمه كلها. ثم سرق أيضًا الخامسة. فقال أبو بكر ﵁ كان رسول الله ﷺ أعلم بهذا حين قال: اقتلوه. ثم دفعه إلى فتية من قريش ليقتلوه. منهم عبد الله بن\n_________\n(١) انظر: ٢/ ٣٦٣.\n(٢) انظر: التقريب ١/٣٩٠.\n(٣) انظر: الميزان ٢/٣٦٣.\n(٤) انظر: ٢/١٦٢.\n(٥) انظر: هدى الساري مقدمة فتح الباري ص/٤٠٦.\n(٦) انظر: التقريب ١/٣٠٨.\n(٧) هو: الحارث بن حاطب بن الحارث بن معمر الجمحي صحابي صغير مات بعد سنة ٦٦ هـ\n(انظر التقريب لابن حجر ١/١٤٠) .","vol":"1","page":392},{"text":"الزبير. وكان يحب الإمارة. فقال: أمروني عليكم، فأمروه عليهم. فكان إذا ضرب ضربوه حتى قتلوه.\nرواه النسائي (١) . وقال (لا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا) (٢) . ورواه\nالحاكم (٣) وقال (صحيح الإسناد ولم يخرجاه) قال الذهبي معقبًا على الحاكم (قلت بل\nمنكر) .\nوقال الزيلعي ورواه الطبراني في معجمه (٤) .\nوالذي دعا بالحاكم إلى تصحيحه كون رجال إسناده ثقات لكن النقاد لم يرتضوه وإن كانوا ثقات بل حكموا بنكارته كما قرره العالمان: النسائي والذهبي.\nالحديث الرابع: حديث عبد الله بن زيد الجهني ﵁ (٥) .\nقال (قال رسول الله ﷺ: من سرق متاعًا فاقطعوا يده، فإن سرق فاقطعوا\nرجله، فإن سرق فاقطعوا يده، فإن سرق فاقطعوا رجله، فإن سرق فاضربوا\nعنقه) رواه أبو نعيم (٦) في (الحلية) (٧) ثم قال (تفرد به حزام بن عثمان وهو من\nالضعف بالمحل العظيم) .\nمنزلة هذا الحديث:\nوقد وقع في إسناد هذا الحديث تصحيف عجيب في اسم (حرام ابن عثمان)\n_________\n(١) انظر: سنن النسائي ٨/٨٣.\n(٢) هذه العبارة للنسائي ليست في النسخة المطبوعة. ولكن ذكرها ابن القيم بعد سياقه في (تهذيب السنن ٦/٢٣٦) وابن حجر أيضًا في: فتح الباري ١٢/١٠٠. وهذا يدل على أنها في (السنن\nالكبرى) وهي مفقودة والله أعلم.\n(٣) انظر: المستدرك ٤/ ٣٨٢.\n(٤) انظر: نصب الراية ٣/٣٧٢.\n(٥) انظر: في ترجمته: الحلية لأبي نعيم ٢/٦ وقال (توفي في زمن معاوية ﵁) .\n(٦) هو: أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفى سنة ٤٣٠ هـ. (انظر: الأعلام للزركلي ١/١٥٠)\n(٧) انظر:٢/٦","vol":"1","page":393},{"text":"حيث ذكر باسم (حزام بن عثمان) بالحاء المهملة والزاي المعجمة. وصوابه (حرام) بالحاء المهملة والراء المكسورة المهملة أيضًا على وزن (حزام) كما ضبطه الخطيب البغدادي (١) . وقد بحثت كثيرًا فلم أر في الرواة من اسمه (حزام بن عثمان) وتصحيحه إلى (حرام ابن عثمان) لا أشك به فإن (حرام بن عثمان الأنصاري المتوفى سنة ١٥٠ هـ. من طبقة: معاذ بن عبد الله بن خبيب الجهني المتوفى سنة ١١٨ هـ (٢) . وهو شيخه في هذا الحديث وكلاها مدنيان.\nإذا علم ذلك: فإن حرام هذا متروك الحديث كما قاله الذهبي فقال (٣) (حرام ابن عثمان الأنصاري. تابعي. متروك مبتدع) .\nفالحديث إذا لا يصلح في باب المتابعات والشواهد فضلًا عن أن يكون حجة بنفسه والله أعلم.\nخلاصة الصناعة الإسنادية:\nهي أن أحاديث الإتيان على الأطراف المرفوعة إلى النبي ﷺ وهي: حديث\nأبي هريرة ﵁ وحديث عصمة ﵁، ومرسل الحارث بن\nعبد الله رحمه الله تعالى، كلها لا تقوم بها حجة عن المعصوم ﷺ في إتيان هذه\nالعقوبة: وهي الإتيان على الأطراف الأربعة بالقطع لمن تكررت منه السرقة أربعًا.\nوأن أحاديث الإتيان على أطرافه مع قتله في الخامسة منزلتها الإسنادية على ما\nيلي:\nفحديث عبد الله بن زيد الجهني: لا يحتج به لأن في سنده متروك.\nوحديث جابر: في أسانيده عند أبي داوود والنسائي، والبيهقي ضعف.\n_________\n(١) انظر: تاريخ بغداد ٨/٢٧٧-٢٨٠.\n(٢) انظر: تهذيب التهذيب لابن حجر ١٠/١٩٣.\n(٣) انظر: المغنى في الضعفاء١/١٥٢ ط سنة ٣٩١ هـ. نشر دار إحياء التراث العربي في بيروت.","vol":"1","page":394},{"text":"وأن روايته من حديث: الحارث بن حاطب، وإن كان بإسناد رجاله ثقات\nلكن قد حكم الحفاظ بنكارته.\nهذه خلاصة مباحث الصناعة الإسنادية لهذه الأحاديث. ومنها يتضح أن محل النظر فيها: هو قصة الإتيان على الأطراف مع القتل في الخامسة من حديث جابر والحارث ﵄.\nوللعلماء في الجواب عنه عدة مسالك، ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى منها ثلاثة، وقد حصل بالتتبع مسلكان آخران وبيانها كما يلي:\nمسالك العلماء التي ذكرها ابن القيم في الجواب عن هذا الحديث:\nالمسلك الأول: نفى صحة هذا الحديث:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (١):\n(اختلف الناس في هذه الحكومة فالنسائي وغيره لا يصححون هذا الحديث.\nقال النسائي هذا حديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوى) . و(في تهذيب السنن) (٢) ساق الحديث بروايتيه عند النسائي من حديث جابر والحارث ثم قال بعد حديث الحارث (قال النسائي: ولا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا) . وهذه اللفظة من النسائي راوي حديث الحارث بن حاطب ﵁ بإسناد رجاله ثقات: لها قوتها ومنزلتها إذ يقول بعد سياقه (ولا أعلم في هذا الباب حديثًا صحيحًا) (٣) .\nوقد تبين لي- والله أعلم- أن النسائي يرمي إلى تعليله: بنكارته. مع الاضطراب الحاصل وبيان ذلك على ما يلي:\nأولًا: إن في سياقه نكارة لأمرين هما:\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/٢١٣.\n(٢) انظر: ٦/ ٢٣٦.\n(٣) انظر: فيما تقدم ص/٦٥٥","vol":"1","page":395},{"text":"مخالفة هذه القصة للمشهور من هديه ﷺ من التثبت والاستفصال من أرباب الحدود كما في قصة ماعز ﵁ وفي قصة السارق الذي قال له ﷺ - واضحة ذلك أن لفظ الخبر (أنه جيء بلص فقال ﷺ اقتلوه: فقالوا للنبي ﷺ: إنما سرق. وهكذا في كل مرة يقول لهم ﷺ: اقتلوه فأخبروه بجرمه وأنه (السرقة) فيقول ﷺ (اقطعوه) . هذا ما يستبعد حصوله وهو ﷺ في مقام التشريع والبيان للناس. وحد السارق: القطع لليد اليمنى في المرة الأولى لا القتل. والأمر الثاني: المفيد لنكارته: مباينة هذه القصة للمعقول، إذ كيف يتصور أن يأتي شخص مقطوع اليدين والرجلين (فيهتك الحرز) ويسرق ويخرج بالمال المسروق من حرزه. هذا لا يتأتى.\nوليس هذا رد للنص بالعقل واستبعاد التصور: كلا ثم كلا. ولكنه شرح وبيان لحكم الحفاظ والنقاد على هذا الحديث: بالنكارة. وأنه حديث منكر.\nثانيًا: في القصة اضطرابا (١) .\nقد جاء في متن هذا الحديث اضطرابًا لا يمكن معه الجمع بين القصتين ذلك أنه جاء في روايته من حديث جابر ﵁: أن السارق قتل في الخامسة في عهد النبي ﷺ.\nوجاء في روايته من حديث الحارث ﵁: أن السارق قتل في الخامسة\nفي خلافة أبي بكر ﵁: والقصة واحدة. والجمع متعذر؟. فهل هذا إلا وجه من وجوه الاضطراب فهذا الحديث إذا مضطرب في متنه والمضطرب من قسم الضعيف.\nفتخلص إذا أن هذا حديث لا تقوم به حجة: لنكارته واضطرابه والله أعلم. وهذا المسلك: هو عدم تصحيح هذا الحديث ورده رواية ودراية هو مذهب جماعة\n_________\n(١) المضطرب هو اختلاف الرواة على شيخ بعينه. ويكون في المتن أيضًا (انظر اختصار علوم الحديث لابن كثير ص/٧٢ ط أحمد شاكر سنة ٣٧٠ هـ. بمصر)","vol":"1","page":396},{"text":"النقاد منهم النسائي كما تقدم.\nومنهم الخطابي (١) قال (هذا الحديث في بعض إسناده مقال) . ثم بيّن وجوهًا من المعاني يتخرج عليها الحديث وفيها يقول (إن كان له أصل) وفي بعضها يقول (إن صح الحديث) .\nومنهم ابن حجر إذ تعقب أسانيده بالتضعيف (٢) .\nومنهم الزيلعي حيث تعقب أسانيده بالتضعيف أيضًا (٣) .\nومنهم ابن عبد البر إذ قال (حديث القتل منكر لا أصل له) (٤) .\nوهذا المسلك هو الذي تقتضيه قواعد النقد وأصول المنهج في البحث والله أعلم.\nالمسلك الثاني: خصوصية هذه الحكومة بهذا الرجل.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان هذا المسلك (٥):\n(ومنهم من يحسنه ويقول: هذا حكم خاص بذلك الرجل وحده لما علم رسول الله ﷺ من المصلحة في قتله) .\nوقد ذكر هذا الوجه أيضًا الحافظ ابن حجر فقال (٦):\n(وقال بعضهم هو خاص بالرجل المذكور فكأن النبي ﷺ اطلع على أنه واجب القتل ولذلك أمر بقتله من أول مرة) . وذكر نحوه صاحب (عون\n_________\n(١) انظر: معالم السنن ٦/٢٣٦- ٢٣٧- ٢٣٨.\n(٢) انظر: تلخيص الحبير٤/ ٦٨- ٦٩.\n(٣) انظر: نصب الراية ٣/٣٧٢- ٣٧٣.\n(٤) انظر: سبل السلام٤/ ٢٧- ٢٨.\n(٥) انظر: زاد المعاد ٣/٢١٣.\n(٦) انظر: فتح الباري ١٢/ ٩٩","vol":"1","page":397},{"text":"المعبود) (١) . وذكره قبلهم (المنذري) (٢) . والخصوصية لا بد لها من دليل يدل عليها وهذا مجرد احتمال هنا، وما دعاهم إلى ذلك إلا مخالفة هذه القصة لما عهد في أحكام الحدود كما تبين في المسلك قبله والله أعلم.\nالمسلك الثالث: القول بموجبه.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٣):\n(وطائفة ثالثة تقبله وتقول به وأن السارق إذا سرق خمس مرات قتل في الخامسة وممن ذهب إلى هذا المذهب أبو مصعب من المالكية) .\nوحكى هذا القول أيضًا ابن حجر فقال (٤):\n(وقيل يقتل في الخامسة قاله: أبو مصعب الزهري المدني صاحب مالك) (٥) . وهذا المسلك مبني على القول بقبول الحديث وصحته وقد علم من المسلك الأول أن صحته دونها خرط القتاد والله أعلم.\nهذه المسالك التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى وقد تحصل لي غيرها وهي: المسلك الرابع: أن هذا الحديث منسوخ.\nوهذا محكي عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى حكاه ابن حجر (٦) والآبادي (٧) . ومن قبلهما البيهقي (٨) رحمهم الله تعالى.\n_________\n(١) انظر: ٤/٢٤٧.\n(٢) انظر: مختصر السنن ٦/٢٣٨.\n(٣) انظر: زاد المعاد ٣/٢١٣.\n(٤) انظر: فتح الباري ١٢/٩٩.\n(٥) هو: أبو مصعب أحمد بن أبي بكر بن الحارث الزهري المدني الفقيه صدوق، عيب عليه فتواه بالرأي مات سنة ٢٤٢ هـ. كما في التقريب لابن حجر ١/١٢.\n(٦) انظر: فتح الباري ١٢/٩٩.\n(٧) انظر: عون المعبود ٤/٢٤٨.\n(٨) انظر: السنن الكبرى ٨/٢٧٥","vol":"1","page":398},{"text":"وناسخه هو حديث ترك قتل شارب الخمر في الرابعة كما في قصة النعيمان\nالملقب (حمارًا) (١) .\nوهذا نسخ بالتنظير لا بالنص، وهو مسلك غريب والله أعلم.\nالمسلك الخامس: حمل الحكم بقتله على أن كان من المفسدين في الأرض. حكى، الخطابي (٢) وابن حجر (٣) والآبادي (٤) على أن هذا الحديث قد يخرج على مذاهب بعض الفقهاء وهو أن يكون هذا من المفسدين في الأرض فيكون هذا من باب العقوبة التعزيرية للمفسدين في الأرض. وهذا يعزى للإمام مالك رحمه الله تعالى.\nوهذا المسلك وإن كان في ذاته قاعدة مقررة لدى كثير من أهل العلم في أحكام (الاستصلاح) و(السياسة الشرعية) فإن الأمر بقتله من أول مرة ونص القرآن الكريم بقطع السارق يأبى هذا المسلك والله أعلم.\nالخلاصة:\nهذه هي مسالك أهل العلم في الجواب عن هذا الحديث وإن كان بعضها يناقشه\nفي قضية القتل خاصة، وقد ظهر من هذا السياق لها أن المسلك الأول وهو: النقد لها رواية ودراية هو المسلك الذي تقتضيه أصول الصناعة الحديثية. وقواعد الشريعة الكلية. وأن ما سواها كل قال بمجرد اجتهاده، ولا يخلو واحد منها من نظر والله أعلم.\nب- بيان ما يروى فيها عن الصحابة ﵃؟.\n_________\n(١) انظر: فيما تقدم ص/٥٨٣.\n(٢) انظر: معالم السنن ٦/٢٣٧.\n(٣) انظر: فتح الباري ١٢/٩٩.\n(٤) انظر: عون المعبود ٤/٣٤٨","vol":"1","page":399},{"text":"وقد تحصل بالتتبع الوقوف على آثار في ذلك عن علي ﵁ وعن عمر ﵁ ساقها عبد الرزاق (١) والبيهقي (٢) وهي تفيد قطع الرجل اليسرى بعد اليد اليمنى فإن عاد عزر ولا قطع ومنها:\nعن علي ﵁ أنه كان لا يقطع إلا اليد والرجل- وإن سرق بعد ذلك سجن ونكل، وكان يقول: إني لأستحي من الله ألا أدع له يدًا يأكل بها ويستنجى) رواه عبد الرزاق (٣) والبيهقي (٤) . قال ابن حجر وسنده صحيح (٥) . وعن عمر ﵁ أنه أتى برجل قد سرق يقال له: سدوم، فقطعه ثم\nأتى به الثانية فقطعه، ثم أتى به الثالثة، فأراد أن يقطعه، فقال له علي لا تفعل. إنما عليه يد ورجل، ولكن احبسه. رواه عبد الرزاق (٦) . والبيهقي (٧) . وقال ابن حجر وسنده حسن (٨) .\nج- بيان الاتفاق في هذه العقوبة.\nثبت عن الصحابة ﵃ قطع الرجل اليسرى في السرقة بعد اليد اليمنى وهذا محل اتفاق بين أهل العلم منهم الأئمة الأربعة وغيرهم. كما حكاه ابن قدامة (٩) وابن هبيرة (١٠) بل حكى عليه الإجماع ابن الهمام (١١) .\n_________\n(١) انظر: المصنف ١٠/١٨٦- ١٨٨.\n(٢) انظر: السنن الكبرى ٨/٢٧٢- ٢٧٥\n(٣) انظر: المصنف ١٠/١٨٦.\n(٤) انظر: السنن الكبرى ٨/٢٧٤\n(٥) انظر: المصنف فتح الباري ١٢/١٠٠.\n(٦) انظر: المصنف ١٠/١٨٦.\n(٧) انظر: ٨/٢٧٤.\n(٨) انظر: فتح الباري ١٢/ ١٠٠.\n(٩) انظر: المغنى ١٠/٢٧١.\n(١٠) انظر: الإفصاح ٢/٤١٧.\n(١١): شرح فتح القدير ٥/١٥٤.","vol":"1","page":400},{"text":"الدليل في هذا:\nهو أقضية الصحابة ﵃ كما تقدم ذكر بعضها وفيه يقول ابن\nعبد البر (١)\n(ثبت عن الصحابة ﵃ قطع الرجل بعد اليد وهم يقرؤون (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) (٢) .\nد- بيان محل الخلاف في هذه العقوبة.\nثم اختلفوا فيما وراء ذلك إذا سرق ثالثة ورابعة على قولين:\nالقول الأول:\nأنه لا يقطع في الثالثة بعد قطع اليد والرجل بل يحبس وهذا هو مذهب الحنفية والمعتمد لدى الحنابلة (٣) .\nوهم يريدون من سجنه: تخليده في السجن حتى يموت كما صرّح به ابن الهمام (٤) وهو ظاهر المذهب الحنبلي كما في (المغنى) (٥) وغيره. ودليلهم في هذا: أقضية الصحابة ﵃ كما تقدم والله أعلم.\nالقول الثاني:\nأنه يقطع في الثالثة يسري يديه وفي الرابعة يمنى رجليه فإن سرق خامسة عزر\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ١٢/ ١٠٠.\n(٢) الآية رقم ٣٨ سورة المائدة.\n(٣) انظر: المغنى ١٠/ ٢٧١، والإفصاح ٢/٤١٧، وشرح فتح القدير ٥/١٥٤. (٤) انظر: شرح فتح القدير ٥/١٥٤.\n(٥) انظر: المغني ١٠/ ٢٧١.","vol":"1","page":401},{"text":"بضرب أو سجن ونحوهما. وهذا مذهب المالكية. والشافعية. ورواية في المذهب الحنبلي (١) .\nدليلهم:\nاستدلوا بالأحاديث المرفوعة المتقدم سياقها (٢) . والمتضمنة للإتيان على أطراف السارق الأربعة. وقد تبين أن هذه الأحاديث لا تثبت عن النبي ﷺ فلا يتم الاستدلال إذا والله تعالى أعلم.\nالترجيح:\nوالذي يظهر والله أعلم هو القول بقطع الرجل اليسرى بعد قطعٍ اليد اليمنى وإن سرق ثالثًا فلا قطع بل يكون التعزير والنكال بما يراه الحاكم رادعا لعدوانه من حبس أو جلد. أو بهما حسبما يراه رادعًا وهذا مما يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص والله أعلم.\n٣- العقوبة بقتل السارق.\nاشتهر عن أبي مصعب المالكي- القول بقتل السارق في الخامسة بعد الإتيان على أطرافه الأربعة إذا سرق أربع مرات وفي الخامسة يقتل (٢) .\nوقد ذكر ذلك الحافظ ابن حجر (٤) قولًا عن مالك أولا ثم أنه رجع عنه واستقر رأيه على تعزيره دون قتله في الخامسة ولو بلغ التعزير إلى القتل كما تقدم (٥)\n_________\n(١) انظر: الإفصاح ٢/ ٤١٧، والمغنى ١٠/ ٢٧١- ٢٧٢، وفتح الباري ١٢/١٠٠. ونهاية\nالمحتاج ٧/٤٤٤، وجواهر الإكليل ٢/٢٨٩.\n(٢) انظر: ص/٦٥٠ وما بعدها.\n(٣) انظر: مختصر السنن للمنذري ٦/٢٣٧، وفتح الباري ١٢/١٠٠.\n(٤) انظر: فتح الباري ١٢/١٠٠","vol":"1","page":402},{"text":"واستدل أبو مصعب لذلك بحديث القتل في ذلك. وقد تبين أن الاستدلال به لا يتم لعدم ثبوته عن النبي ﷺ والله أعلم.\n٤-<span data-type=\"title\" id=toc-233> العقوبات التعزيرية للسارق</span>.\nنستخلص مما تقدم ومما يأتي من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى أن العقوبات التعزيرية للسارق تكون في صور منها ما يلي:\nالصورة الأولى:\nتعزيره إذا سرق في الثالثة أو الخامسة على الخلاف ويكون تعزيره بالحبس أو بالضرب ونحوه على الخلاف المتقدم.\nالصورة الثانية:\nقتله في الخامسة تعزيرًا إذا استشرى بالفساد عند بعض أهل العلم كما تقدم.\nالصورة الثالثة:\nأن كل من سرق فسقط عنه الحد ترتب عليه عقوبتان تعزيريتان:\nعقوبة مالية بتضعيف الغرم للمسروق.\nوعقوبة بدنية: بالضرب ونحوه نكالًا له.\nوقد أوضح ابن القيم هذه الصورة التعزيرية فقال (١):\n(أسقط ﷺ العقوبة بالقطع عن سارق الثمر (٢) والكثر (٣) . وحكم أن من\n_________\n(١) انظر: ٣/٢١١.\n(٢) الثمر: ما كان معلقًا قبل أن يؤويه الجرين (انظر معالم السنن للخطابي ٦/٢٢١) .\n(٣) الكثر: جمار النخل (انظر: معالم السنن للخطابي ٦/٢٢١) .","vol":"1","page":403},{"text":"أصاب منه شيئًا بفمه وهو محتاج فلا شيء عليه. ومن خرج منه بشيء فعليه غرامة مثليه والعقوبة (١) .\nوقضى ﷺ في الشاة تؤخذ من مراتعها بثمنها مرتين وضرب نكال ...\nالاستدلال:\nم ذكر رحمه الله تعالى الاستدلال من هذين الحديثين على اجتماع هاتين العقوبتين في حق كل من سقط عنه القطع فقال (٢):\n(في ذلك أن من سرق ما لا قطع فيه ضوعف عليه الغرم، وقد نص عليه الإمام أحمد رحمه الله تعالى فقال (كل من سقط عنه القطع ضوعف عليه الغرم) وفي إجماع التعزير مع الغرم الجمع بين العقوبتين: مالية وبدنية.\nوقد بيّن رحمه الله تعالى أيضا (٣) أن هذه العقوبة المالية يرجع فيها إلى اجتهاد الأئمة في كل زمان ومكان حسب المصلحة وهذا يأتي بسطه إن شاء الله تعالى في العقوبة المالية من باب التعزير والله أعلم.\nالمبحث الخامس:\nفي قطع جاحد العارية.\nهذه من مسائل العلم المشتهرة بين الحنابلة والجمهور على ما يلي:\nمذهب الجمهور:\nوهو أنه لا قطع على جاحد العارية.\n_________\n(١) تقدم تخريجه ص/٦٢٣.\n(٢) انظر: زاد المعاد ٣/٢١٢.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين٢/ ٩٧","vol":"1","page":404},{"text":"وهذا مذهب الحنفية (١) . والمالكية (٢) . والشافعية (٣) . وإحدى الروايتين عن الإمام أحمد (٤) . وقيل هي المذهب (٥) .\nالمعتمد من مذهب الحنابلة:\nوهو وجوب قطع جاحد العارية.\nوهذا هو الرواية الثانية عن الإمام أحمد (٦) . وهي المذهب على الصحيح (٧) وهذا هو مذهب الظاهرية وله انتصر ابن حزم (٨) .\nمناقشة أدلة الخلاف (٩):\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى في (أعلام الموقعين) الخلاف في هذه المسألة، وناقش الدّليل محل التجاذب بين الطرفين وهو: حديث المخزومية (١٠) وبين أن القول بالقطع لجاحد العارية، هو مقتضى الدّليل الصحيح والقياس الصريح. وفي (زاد المعاد) (١١) بين أن هذا هو مقتضى لغة العرب.\n_________\n(١) انظر: فتح القدير ٥/١٣٦. والمغني لابن قدامة ١٠/٢٤٠.\n(٢) انظر: الإفصاح لابن هبيرة ٢/٤١٥. والمغني لابن قدامة ١٠/ ٢٤٠. ومختصر سنن أبي داوود للمنذري ٦/ ٢١٢.\n(٣) انظر: نهاية المحتاج للرملي ٧/٤٣٦. والمغني ١٠/٢٤٠. والإفصاح ٢/٤١٥.\n(٤) انظر: المغنى لابن قدامة ١٠/٢٤٠. والإنصاف ١٠/٢٥٣.\n(٥) انظر: زاد المستنقع مع حاشيته السلسبيل في معرفة الدليل ٣/١١٩.\n(٦) انظر: المغني ١٠/٢٤٠. والإنصاف ١٠/ ٢٥٣.\n(٧) انظر: الإنصاف ١٠/٢٥٣. وكشاف القناع عن متن الإقناع ٦/١٢٩. ومختصر المنذري لأبي داوود ٦/٢١٢. وفتح الباري لابن حجر ١٢/ ٩٠.\n(٨) انظر: المحلي ١١/٤٣٣ - ٤٣٩.\n(٩) انظر: أعلام الموقعين ٢/٦٢ - ٦٣، وزاد المعاد ٣/٢١١- ٢١٢ وتهذيب السنن ٦/٢٠٩\n(١٠) هي: فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن مخزوم قال ابن حجر في (فتح الباري ١٢/٨٨ هذا على الأصح في اسمها) .\n(١١) انظر: ٣/٢١١- ٢١٢.","vol":"1","page":405},{"text":"وفي الكتابين نقض قياس المخالف وأشار للنقض أيضًا في كتابه (إغاثة اللهفان) (١) .\nوأتى على جميع هذه الأدلة والمناقشات في كتابه (تهذيب السنن) (٢) . والتفصيل لذلك على ما يلي:\nحديث المخزومية.\nهو من الأحاديث المشهورة في الكتب الستة وقد جاء في بعض ألفاظ الرواة (أنها سرقت) وفي بعضها (أنها كانت تستعير المتاع وتجحد) . وقد جاء اللفظان في روايته من حديث عائشة ﵂. كما يلي:\nروايته بلفظ (سرقت):\nعن عائشة ﵂: أن قريشًا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ﷺ ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد (٣) حبّ رسول الله ﷺ فكلم رسول الله ﷺ فقال: أتشفع في حد من حدود الله. ثم قام فخطب فقال: يا أيها الناس إنما ضلّ من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد. وإني والذي نفسي بيده: لو أن فاطمة بنت محمد (٤) ﷺ سرقت لقطعت يدها، ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها.\n_________\n(١) انظر: ٢/٧٣.\n(٢) انظر: ٦/٢٠٩-٢١٢.\n(٣) هو: أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي من مشاهير الصحابة ﵃ توفي سنة ٥٤ هـ. (انظر التقريب لابن حجر ١/٥٣) .\n(٤) هي: فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ أم الحسنين زوجة علي ﵁ وعنها ماتت سنة ١١ هـ. (انظر التقريب لابن حجر ٢/٦٠٩) .","vol":"1","page":406},{"text":"رواه البخاري (١) . ومسلم (٢) وأبو داوود (٣) . والترمذي (٤) . والنسائي (٥) . وا بن ماجه (٦) . واللفظ لمسلم (٧) .\nروايته بلفظ (كانت تستعير المتاع وتجحده):\nعن عائشة ﵂ قالت: كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي ﷺ بقطع يدها- وذكر فيه نحو ما تقدم بالرواية قبله - وقطع النبي ﷺ يدها.\nرواه مسلم (٨) . وأبو داوود (٩) . والنسائي بروايات متعددة (١٠) وجعل روايته بلفظ (أنها كانت تستعير المتاع وتجحده) هي الأصل. وجعل روايته بلفظ (سرقت) من اختلاف الرواة الناقلين للحديث وأردف ذكرها بعد ذكر اللفظ الأول وهذا من تمام فقهه رحمه الله تعالى. وهذه من لطائف النسائي في (سننه) التي جرى عليها عند اختلاف النقلة في لفظ الحديث.\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ٥/٢٥٥، ١٢/٨٧ (وانظر: ذكر أطرافه عند البخاري في: فهارس البخاري لرضوان ص/١٧٦) .\n(٢) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١١/١٨٧.\n(٣) انظر: سنن أبي داوود ٤/٥٣٨.\n(٤) انظر: سنن الترمذي٤/٣٧\n(٥) انظر: سنن النسائي٨/ ٦٥.\n(٦) انظر: سنن ابن ماجه ٢/٨٥١.\n(٧) انظر: في جمع ألفاظ الحديث، فتح الباري لابن حجر ١٢/٩٠ - ٩٢.\n(٨) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١١/ ١٨٨\n(٩) انظر: سنن أبي داود ٤/ ٥٣٩\n(١٠) انظر: سنن النسائي ٨/ ٦٣-٦٨","vol":"1","page":407},{"text":"وإنما قدمت هنا الرواية بلفظ (سرقت) لرواية البخاري لها تقديمًا له فحسب والله أعلم.\nالحديث بين النفاة والموجبين للقطع:\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن نفاة القطع لجاحد العارية وهم الجمهور، ناقشوا وروده بلفظ (كانت تستعير المتاع وتجحده) من حيث الرواية والدراية، ثم تعقب الإيرادين بالمناقشة والرد. وذلك على ما يلي:\nتعليل الجمهور لرواية (كانت تستعير المتاع وتجحده):\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (١):\n(وأعل بعض الناس الحديث بأن معمر (٢) تفرد من بين سائر الرواة بذكر (العارية) في الحديث. وأن الليث (٣) . ويونس (٤) . وأيوب بن موسى (٥) . رووه عن الزهري، وقالوا (سرقت) . ومعمر لا يقاومهم) .\nتعقب ابن القيم لهذا التعليل:\nقال رحمه الله تعالى (٦):\n_________\n(١) انظر: تهذيب السنن ٦/٢٠٩\n(٢) - هو: معمر بن راشد الأزدي مولاهم ثقة ثبت فاضل مات سنة ١٥٤ هـ. كما ذكر في التقريب لابن حجر ٢/ ٢٦٦)\n(٣) هو: الإمام الليث بن سعد الفهمي مات سنة ١٧٥ هـ. (انظر التقريب لابن حجر ٢/ ١٣٨)\n(٤) هو: يونس بن يزيد ابن أبي النجاد الأيلي مات سنة ١٥٩ هـ. ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهما قليلا (انظر: التهذيب لابن حجر ٦/٧٠. والتقريب له ٢/٣٨٦)\n(٥) هو: أيوب بن موسى بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي المتوفى سنة ١٣٢ هـ. من ثقاة المحدثين (انظر: التقريب لابن حجر ٢/ ٩١) .\n(٦) انظر: تهذيب السنن ٦/٢١٠ وانظر أيضًا: فتح الباري لابن حجر ١٢/٨٩-٩٠","vol":"1","page":408},{"text":"(أما تعليله بما ذكر فباطل: فقد رواه: أبو مالك عمرو بن هشام الكوفي (١)، عن عبيد الله بن عمر (٢) . عن نافع. عن ابن عمر (أن امرأة كانت تستعير الحلي للناس ثم تمسكه. فقال رسول الله ﷺ لتتب هذه المرأة إلى الله ورسوله. وترد ما تأخذ من القوم ثم قال رسول الله ﷺ: قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها. ذكره النسائي (٣) .\nورواه: شعيب بن إسحاق (٤) . عن عبيد الله عن نافع بنحوه سواء، ذكره النسائي أيضًا (٥) .\nوقال فيه: لتتب هذه المرأة، ولتؤدي ما عندها مرارًا. فلم تفعل فأمر فقطعت. ورواه سفيان عن أيوب بن موسى، عن الزهري. عن عروة. عن عائشة ﵂ قالت: كانت مخزومية تستعير متاعًا وتجحده. فرفعت إلى رسول الله ﷺ وكلم فيها: فقال: لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها. ذكره النسائي (٦) .\nورواه بشر بن شعيب (٧) . أخبرني أبي (٨) . عن الزهري، عن عروة، عن عائشة\n_________\n(١) قال ابن حجر في التقريب ٢/٨٠ (لين الحديث أفرط فيه ابن حبان من التاسعة) .\n(٢) هو: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب ﵁ توفي سنة بضع وأربعين بعد المائة ثقة ثبت كما في: التقريب لابن حجر ١/٥٣٧.\n(٣) انظر: سنن النسائي٨/ ٦٣\n(٤) هو: الأموي مولاهم ثقة مات سنة ٢٨٩ هـ. كما في التقريب لابن حجر ١/٣٥١.\n(٥) انظر: سنن النسائي٨/ ٦٤.\n(٦) انظر: سنن النسائي٨/ ٦٤\n(٧) - هو: الأموي مولاهم ثقة مات سنة ٢١٣ هـ. وليس في رواة الكتب الستة من اسمه بشر بن شعيب سواه. انظر التقريب لابن حجر١/ ٩٩.\n(٨) هو: شعيب بن إسحاق الأموي مولاهم ثقة مات سنة ٢٨٩ هـ. (انظر: التقريب لابن حجر انظر: ١/٣٥١) .","vol":"1","page":409},{"text":"﵂ قالت: استعارت امرأة على ألسنة أناس يعرفون وهي لا تعرف- حليًا فباعته وأخذت ثمنه. فأتى بها رسول الله ﷺ - فذكر الحديث- وقال في آخره: ثم قطع تلك المرأة. وذكره النسائي أيضًا (١):\nورواه هشام (٢) . عن قتادة (٣) عن سعيد بن يزيد (٤)، عن سعيد بن المسيب: أن امرأة من بني مخزوم استعارت حليًا على لسان أناس فجحدته. فأمر بها النبي ﷺ فقطعت ذكره النسائي أيضًا (٥) .\nفقد صح الحديث ولله الحمد (٦» .\nوقد تبين من تعقب ابن القيم أن تعليل الحديث بتفرد معمر به غير صحيح بل قد رواه) . جمع من الرواة ومن بينهم أيوب بن موسى أحد رواته عن الزهري بلفظ (سرقت) .\nوعليه فإن هذه الرواية بلفظ (العارية) قد كثرت مخارجها وعدلت نقلتها وتعدد رواتها فبطلت إذا علية الانفراد من معمر به وهذا ما حققه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى والله أعلم (٧) .\n_________\n(١) انظر:: سنن النسائي ٨/٦٤.\n(٢) هو: بن عروة تقدم ص/٦٥٤.\n(٣) هو: بن دعامة السدوسي ثقة ثبت مات سنة بضع عشرة ومائتين (انظر: التقريب لان حجر ٢/١٢٣) .\n(٤) هو: سعيد بن يزيد البصري. قال أبو حاتم: شيخ لم يرو عنه غير قتادة (انظر التقريب لابن حجر ١/٣٠٩)\n(٥) انظر: سنن النسائي ٨/٦٤.\n(٦) انظر: هذا مبسوطًا في فتح الباري لابن حجر ١٢/٩٠.\n(٧) انظر: فتح الباري ١٢/ ٩١","vol":"1","page":410},{"text":"مناقشة الجمهور للحديث دراية:\nثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى تعقب الجمهور لرواية (العارية) على فرض ثبوتها عندهم من أن السبب الموجب للقطع هو (السرقة) كما في بعض روايات الحديث وأن ذكر (العارية) إنما هو للتعريف المجرد بالمرأة لا أنه سبب القطع. وفي ذلك يقول عنهم ابن القيم (١):\n(قالوا: ولو ثبت، فذكر وصف العارية إنما هو للتعريف المجرد لا لأنه سبب القطع) .\nتعقب ابن القيم لهذه المناقشة:\nلم يرتض ابن القيم هذا التأويل والحمل من الجمهور لهذا اللفظ (العارية) على فرض ثبوتها عندهم فتعقبها بقوله (٣):\n(وأما قولهم: أن ذكر جحد العارية للتعريف، لا أنه المؤثر: فكلام في غاية الفساد لو صح مثله- وحاشا- وكلا- لذهب من أيدينا عامة الأحكام المترتبة على الأوصاف. وهذه طريقة لا يرتضيها أئمة العلم، ولا يردون بمثلها السنن، وإنما يسلكها بعض المقلدين من الأتباع) . وبين أن لفظ رواية النسائي (لتتب هذه المرأة، ولتؤدي ما عندها مرارًا فلم تفعل. فأمر بها فقطعت) . يبطل قولهم: أن ذكر هذا الوصف للتعريف المجرد (٢) .\nوهذا تعقب وارد ذلك أن جعل ذكر جحد العارية للتعريف ينافي القاعدة\n_________\n(١) انظر: تهذيب السنن ٦/٢٠٩، وانظر أيضًا: أعلام الموقعين٢/ ٦٢\n(٢) انظر: تهذيب السنن ٦/ ٢١١\n(٣) انظر: تهذيب السنن ٦/٢١١. وانظر أيضًا: فتح الباري لابن حجر ١٢/ ٩١-٩٢","vol":"1","page":411},{"text":"الشرعية الأصولية وهي: أن ترتيب الحكم على الوصف يؤذن بعلية ذلك الوصف) . ومن شأن العلة أنها إذا وجدت يوجد الحكم فمعنى ذلك أن الوصف كلما وجد يوجد الحكم وبهذا لا يضيع شيء من الحكم المترتب على الوصف. بخلاف ما إذا جعل ذكر الوصف لتعريف من اتصف به فإنه حينئذ لا يكون علة وبالتالي لا يستلزم وجوده وجود الحكم وبذلك تذهب عامة الأحكام المترتبة على الوصف وتضيع.\nفثبت إذا أن ذكر لفظ (العارية) للتعليل لا لمجرد الوصف والله أعلم.\nجمع ابن القيم بين ألفاظ الرواة للحديث:\nبعد أن بيّن ابن القيم أن رواية (العارَية) صحيحة الإسناد كرواية (السرقة) وأن تأويل الجمهور لرواية (العارية) لا يصح. بين أن الصحيح في سبب القطع هو: جحد العارية. وأنه لا تنافي بين الروايتين فقال (١): (ولا تنافي بين ذكر جحد العارية وبين السرقة فإن ذلك داخل في اسم السرقة فإن هؤلاء الذين قالوا (إنها جحدت العارية) وذكروا أن قطعها لهذا السبب قالوا (إنها سرقت فأطلقوا على ذلك اسم السرقة.\nفثبت لغة أن فاعل ذلك سارق، وثبت شرعًا أن حده قطع اليد. وهذه الطريقة أولى من سلوك طريقة القياس في اللغة. فيثبت كون الخائن سارقًا لغة، قياسًا على السارق. ثم يثبت الحكم فيه.\nوعلى ما ذكرناه يكون تناول اسم السارق للجاحد لغة. بدليل تسمية الصحابة\nله سارقًا ونظير هذا سواء: ما تقدم من تسمية نبيذ التمر وغيره خمرا: لغة لا\n_________\n(١) انظر: تهذيب السنن ٦/ ٢١١، وانظر أيضا: زاد المعاد ٣/ ٢١١","vol":"1","page":412},{"text":"قياسًا. وكذلك تسمية النباش سارقًا) .\nفابن القيم رحمه الله تعالى يبين بكل ثبات أنه لا تنافي بين الروايتين فإن المخزومية سرقت وسرقتها بجحدها العارية. إذ جحد العارية داخل في اسم السرقة لغة كما جرى على لسان الصحابة ﵃ في روايات الحديث وهذا أولى من قياس جاحد العارية ليتم إطلاق اسم السارق عليه إذ القياس في اللغة لا يجوز. وقد ذكر ابن حجر في (فتح الباري) (١) كلام ابن القيم هذا واستبعده فقال: (كذلك قال ولا يخفى بعده) . وليت ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر لنا شواهد اللغة على تسمية (جاحد العارية) سارقًا والله أعلم.\nرفض قياس جاحد العارية على الخائن في الوديعة (٢):\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن قياس جاحد العارية على جاحد الوديعة، بجامع الخيانة في كل منهما، فينتج الحكم أنه لا قطع على جاحد العارية كما أنه لا قطع على جاحد الوديعة- ذكر أنه قياس مع الفارق.\nووجهه: أن جاحد العارية لا يمكن الاحتراز منه، بخلاف جاحد الوديعة فإن صاحب المتاع فرط حيث ائتمنه فهو إنما يفعل ذلك عند عدم احتراز المالك (٣) . لكن الحافظ ابن حجر (٤) تعقب ابن القيم في رفضه هذا القياس فقال: وهي مناسبة لا تقوم بمجردها حجة إذا ثبت حديث جابر ﵁ (ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع) .\n_________\n(١) انظر: ١٢/٩٢\n(٢) الوديعة: هي أمانة تركت عند الغير للحفظ قصدًا (انظر: التعريفات للجرجاني ص/٢٢٤)\n(٣) - انظر: ٦/٢١١ تهذيب السنن ٦/٢١١، وأعلام الموقعين ٢/٦٣، وإغاثة اللهفان ٢/٧٣.\n(٤) انظر: فتح الباري ١٢/ ٩٠","vol":"1","page":413},{"text":"والحديث قد ثبت بإسناد صحيح عند أبي داوود (١) . والترمذي (٢) . والنسائي (٣) وابن ماجه/١٧. واللفظ للنسائي دونهم (٥) .\nقطع جاحد العارية هو مقتضى القياس، وحكمة التشريع:\nبعد أن بين ابن القيم رحمه الله تعالى ثبوت الحديث برواية (العارية) وأن جاحد العارية يسمى (سارقًا) لغة، وأن قطع يد المخزومية إنما كان بسبب (جحد العارية) وأن من قاس جاحد العارية على جاحد الوديعة فقد غلط.\nبعد أن بين ذلك رحمه الله تعالى أوضح أن القول بالقطع هو مقتضى القياس الصريح وحكمة التشريع الكريم فقال:\n(ولو ثبت أن جاحد العارية لا يسمى سارقًا لكان قطعه بهذا الحديث جاريًا على وفق القياس:\nفإن ضرره مثل ضرر السارق أو أكثر، إذ يمكن الاحتراز من السارق بالأحراز والحفظ وأما العارية: فالحاجة الشديدة لكي تبلغ الضرورة ماسة إليها، وحاجة الناس فيما بينهم من أشد الحاجات. ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى (٦) وجوبها. وهو مذهب كثير من الصحابة والتابعين، وأحد القولين في مذهب أحمد.\n_________\n(١) انظر: سنن أبي داوود ٤/٥٥٢.\n(٢) انظر: سنن الترمذي٤/ ٥٢.\n(٣) انظر: سنن النسائي٨/ ٨٢.\n(٤) انظر: سنن ابن ماجه ٢/٨٦٤.\n(٥) انظر: تخريج هذا الحديث وألفاظه والكلام على أسانيده في: نصب الراية للزيلعي ٣/٣٦٣- ٣٦٥.\n(٦) انظر: المغني لابن قدامة ٥/ ٣٥٤.","vol":"1","page":414},{"text":"فترتيب القطع على جاحدها طريق إلى حفظ أموال الناس، وترك لباب هذا المعروف مفتوحًا وأما إذا علم أن الجاحد لا يقطع فإنه يفضي إلى سد باب العارية في الغالب) .\nوفي معرض رده على نفاة القياس قال (١):\n(إذا كان الصحيح هو القول الآخر- قطع جاحد العارية- فموافقته للقياس والحكمة والمصلحة ظاهرة جدًا، فإن العارية من مصالح بني آدم التي لا بد لهم منها، ولا غنى لهم عنها، وهي واجبة عند حاجة المستعير وضرورته إليها إما بأجرة أو مجانًا، ولا يمكن المعير كل وقت أن يشهد على العارية، ولا يمكن الاحتراز بمنع العارية شرعًا وعادة وعرفًا، ولا فرق في المعنى بين من توصل إلى أخذ متاع غيره بالسرقة، وبين من توصل إليه بالعارية وجحدها) .\nوابن القيم في هذا القياس يذكر أركانه:\nفيذكر المقيس، وهو جاحد العارية.\nويذكر المقيس عليه: وهو السارق.\nويذكر العلة الجامعة: وهي الضرر.\nويذكر الحكم: وهو القطع.\nويقرر أنه قياس جلي ذلك: أن العلة وهي (الضرر) في المقيس وهو (جاحد العارية) أقوى منها في المقيس عليه، لعدم إمكان الاحتراز عن جاحد العارية بينما الاحتراز عن السارق يمكن بالحفظ والأحراز، فيكون المقيس بناء على هذا القياس أولى بالحكم.\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين٢/ ٦٢-٦٣","vol":"1","page":415},{"text":"تعقب هذا القياس:\nوعندي أن هذا القياس متعقب بأمور منها ما يلي:\nالوجه الأول: أن هذا قياس مع الفارق، ذلك أن الحرز غير متوفر في العارية\nإذ المعير قد سلط المستعير على ماله وجعله تحت يده، وهذا بخلاف السرقة من حرز فافترقا.\nالوجه الثاني: أن العلة ليست الضرر وإنما هي (السرقة) والحكم الشرعي وهو (القطع) مرتب على الوصف وهو (السارق والسارقة) . وهو اسم فاعل مشتق من المصدر الذي هو (السرقة)، وترتيب الحكم على المشتق يؤذن بعلية ما منه الاشتقاق، وهذا المعنى غير متوفر في (جاحد العارية) .\nالوجه الثالث: اتفاق أهل اللسان على أن السرقة: هي من المسارقة وهي الاختفاء وهذا العنصر غير موجود في جاحد العارية.\nومجرد الإطلاق للفظ (السرقة) على (جاحد العارية) لا يفيد الاجتماع معه في الحكم، فإن النبي ﷺ قال: العين تزني الحديث. ولم يكن زناها موجبًا للحد.\nالوجه الرابع: أن في هذا إثباتًا للحد بالقياس، والحدود لا تثبت بالقياس (١) .\nالوجه الخامس: إمكان نقض هذا القياس بمقابله وهو أن يقال: يقاس جاحد العارية على: المنتهب، بعلة الضرر، فينتج الحكم بعدم القطع، وحينئذ يتعارض الدليلان، وعند التعارض يسقطان والله أعلم.\nهذا ما ظهر لي في تعقب هذا الدليل القياسي والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ١/١٨٥","vol":"1","page":416},{"text":"الخلاصة والترجيح:\nوالخلاصة أن مذهب الجمهور منهم الأئمة الثلاثة وإحدى الروايتين عن أحمد\nأنه لا قطع. وإن الرواية المعتمدة من مذهب الحنابلة وهو مذهب الظاهرية وجوب القطع على جاحد العارية وهو اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى، وعليه يدل حديث المخزومية والله أعلم.\nالمبحث السادس\nالحد بالقرينة الظاهرة، وهي وجود المسروق في حوزة المتهم (١) .\nفي معرض بحث ابن القيم: عن اعتبار القرائن وشواهد الأحوال الظاهرة والحكم بموجبها. ضرب لها المثال بإقامة الحد على المتهم بالسرقة إذا وجد المسروق عنده. وهو يقرر رحمه الله تعالى: اختياره على أن الأصح من قولي أهل العلم، أن وجود المسروق في حوزة المتهم يوجب القطع وإن الحكم بهذه القرينة أقوى من البينة والإقرار: لأنها خبران يتطرق إليهما الصدق والكذب فالمستفاد منهما الظن الغالب. أما وجود المسروق في حوزة المتهم فيستفاد منه اليقين.\nوفي ذلك يقول (١):\n(ولم يزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المال المسروق مع المتهم. وهذه القرينة أقوى من البينة والإقرار، فإنهما خبران يتطرق إليهما الصدق والكذب. ووجود المال معه نص صريح لا يتطرق إليه شبهة) .\nويقول أيضًا (٣):\n_________\n(١) الإعلام ٣/ ٢٠، ٣/ ٢٣٢، وبدائع الفوائد٤/١٣، والطرق الحكمية ص/٤، ص/٦.\n(٢) انظر: الطرق الحكمية ص/٤. وانظر أيضًا ص/٦.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/٢٠.","vol":"1","page":417},{"text":"(والصحيح أنه يقام الحد على المتهم بالسرقة إذا وجد المسروق عنده) . وقال أيضًا (١): (إنه أصح القولين) .\nأدلة ابن القيم:\nاستدل ابن القيم على ذلك بقصة إخوة يوسف ﵇ إلى قوله تعالى: (قالوا تا الله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين. قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين. قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين. فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه. ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف) الآيات (٢) .\nوجه الاستدلال:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيانه منها (٣) .\n(فيها دليل على أن وجود المسروق بيد السارق كاف في إقامة الحد عليه. بل\nهو بمنزلة إقراره. وهو أقوى من البينة. وغاية البينة أن يستفاد منها الظن وأما وجود المسروق بيد السارق فيستفاد منه اليقين) .\nخلاف العلماء في هذه المسألة:\nالحديث عن الخلاف في خصوص هذه القضية فرع عن الحديث في الحكم بالقرينة الظاهرة هل يقضى فيها بكل شيء من حقوق الله أو حقوق العبد. أو تقبل فيما عدا الحدود. أو تقبل في حقوق العباد وفي بعض الحدود دون بعض وقد تقدم سياق الخلاف في هذه المسألة في (باب الزنا) .\n_________\n(١) - انظر: بدائع الفوائد ٤/١٣.\n(٢) الآيات من رقم ٧٣- ٧٦. سورة يوسف.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/٢٣٢","vol":"1","page":418},{"text":"وأما المالكية فينبغي أن يكون هذا هو مقتضى مذهبهم لأنهم يصرحون بالحد بالقرينة الظاهرة بالحبل في الزنا والرائحة في الخمر. لكن لم أر لهم تصريحًا في حد السارق بوجود المسروق في حوزته والله أعلم.\nموقفي في هذا المبحث:\nلم أزل متطلعًا إلى الوقوف على أقضية الصحابة ﵃ في ذلك كما أشار إليه ابن القيم، ولكن لم يتيسر الوقوف عليها ولم أر في هذه المسألة بحثا فسبيلي بها الوقف حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين بالوقوف على قضايا السلف في هذا وكلام أهل العلم والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>المبحث السابع:\nفي توبة السارق</span>\nقال الله تعالى (١) (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من\nالله والله عزيز حكيم. فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه أن الله غفور رحيم.\nتكلم ابن القيم رحمه الله تعالى عن توبة السارق في صور ثلاث:\nالصورة الأولى: توبته قبل القدرة عليه.\nالصورة الثانية: توبته بعد القدرة عليه.\nالصورة الثالثة: توبته بعد إقامة الحد عليه.\nالصورة الأولى: توبته قبل القدرة عليه:\nتقدم الحديث مستوفى عن هذه الصورة في: مبحث توبة أصحاب الحدود قبل القدرة عليهم. وأن اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى: سقوط الحد بالتوبة قبل القدرة عليه. والله أعلم.\n_________\n(١) الآيتان رقم ٣٨، ٣٩ سورة المائدة.","vol":"1","page":419},{"text":"الصورة الثانية: توبته بعد القدرة عليه:\nوكذا تقدم الحديث عن هذه الصورة (١) . من أن الحد لا يسقط بالتوبة بعد رفعه إلى الإمام. والله أعلم.\nالصورة الثالثة: توبته بعد إقامة حد القطع عليه.\nمحل الخلاف في هذه الصورة هل من شرطها ضمان المسروق ورده لصاحبه أم لا؟\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أن في هذا: إجماعًا. واختلافًا.\nمحل الإجماع:\nإذا كانت العين المسروقة موجودة بعينها فالإجماع على أن ردها لصاحبها شرط لصحة توبته وفي ذلك يقول (٢):\n(وأجمعوا على أن من شرط صحة توبته: أداؤها إليه إذا كانت موجودة بعينها) .\nمحل الاختلاف: اختلف أهل العلم إذا كانت العين المسروقة تالفة فهل من تمام التوبة ضمانها لمالكها أم لا. حكى ابن القيم رحمه الله تعالى ثلاثة أقوال على ما يلي:\nالقول الأول:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٣):\n(قال الشافعي وأحمد: من تمام توبته: ضمانها لمالكها. ويلزمه ذلك موسرًا كان\nأو معسرًا) .\nأدلتهم:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٤):\n_________\n(١) انظر: ص/ ٦٧.\n(٢) انظر: مدارج السالكين ١/٣٦٥.\n(٣) انظر: مدارج السالكين ١/٣٦٥.\n(٤) انظر: مدارج السالكين ١/٣٦٦.","vol":"1","page":420},{"text":"(وأصحاب القول الأول يقولون: هذه العين تعلق بها حقان: حق لله. وحق لمالكها وهما حقان متغايران لمستحقين متباينين. فلا يبطل أحدهما الآخر بل يستوفيان معًا. لأن القطع حق لله. والضمان حق للمالك. ولهذا لا يسقط القطع بإسقاطه بعد الرفع إلى الإمام. ولو أسقط الضمان سقط.\nوهذا كما إذا أكره أمة غيره على الزنا لزمه الحد لحق الله. والمهر لحق السيد. وكذلك إذا أكره الحرة على الزنا أيضًا. بل لو زنا بأمة ثم قتلها: لزمه حد الزنا وقيمتها لمالكها. وهو نظير ما إذا سرقها، ثم قتلها: قطعت يده لسرقتها، وضمنها لمالكها. قالوا وكذلك: إذا قتل في الإحرام صيدًا مملوكًا لمالكه. فعليه الجزاء لحق الله وقيمة الصيد لمالكه) .\nوهذه الاستدلال: هو من حيث المعنى الموجود في السرقة بترتب الحقين حق\nالله وحق العبد فلا يبطل أحدهما الآخر. وذلك مطرد في جملة من أحكام الشريعة كما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى للتنظير.\nالقول الثاني:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (١):\n(وقال أبو حنيفة: إذا قطعت يده- وقد استهلكت العين- لم يلزمه ضمانها.\nولا تتوقف صحة توبته على الضمان) .\nأدلته:\nذ! ابن القيم رحمه الله تعالى عدة أدلة هي كما يلي:\n١- (إن قطع اليد هو مجموع الجزاء، والتضمين عقوبة زائدة عليه لا تشرع.\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين ١/ ٣٦٥","vol":"1","page":421},{"text":"وهذا بخلاف ما إذا كانت العين قائمة: فإن صاحبها قد وجد عين ماله. فلم يكن أخذها عقوبة ثانية. بخلاف التضمين. فإنه غرامة. وقد قطع طرفه فلا تجمع عليه غرامة الطرف وغرامة المال) (١) .\nمناقشة الجمهور لهذا الدليل:\nثم ذكر رحمه الله تعالى مناقشة هذا الدليل فقال (٢):\n(وأما قولكم إن قطع اليد مجموع الجزاء. إن أردتم. أنه مجموع العقوبة فصحيح. فإنه لم يبق عليه عقوبة ثانية. ولكن الضمان ليس بعقوبة للسرقة. ولهذا يجب في حق غير الجاني: كمن أتلف مال غيره خطأ أو إكراهًا. أو في حالة نومه. أو أتلفه إتلافًا مأذونًا له فيه كالمضطر إلى أكله. أو المضطر إلى إلقائه في البحر لإنجاء السفينة. ونحو ذلك. فليس الضمان من العقوبة في شيء) .\nوهذا تعقب وارد فإن: مجموع الجزاء العقابي للسارق هو القطع. والقول بتضمينه لا دخل له في العقوبة لهذا فإن سقوط الحد لا يسقط الضمان لتفاوت الحقين بتفاوت جهتهما الأول حق الله والثاني حق العبد والله أعلم.\n٢- استدلالهم من الكتاب:\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى دليل الحنفية من القرآن الكريم فقال (٣): (قالوا: ولهذا لم يذكر الله سبحانه في عقوبة السارق والمحارب غير إقامة الحد عليهما ولو كان الضمان لما أتلفوه واجبًا لذكره مع الحد. ولما جعل مجموع جزاء المحاربين ما ذكره من العقوبة بأداة (إنما) التي هي عندكم للحصر، فقال تعالى (٤) (إنما جزاء\n_________\n(١) - انظر: مدارج السالكين ١/٣٦٦.\n(٢) انظر: مدارج السالكين ١/ ٣٦٦.\n(٣) انظر: مدارج السالكين ١/٣٦٥\n(٤) - الآية رقم ٣٣ سورة المائدة.","vol":"1","page":422},{"text":"الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا) الآية.\nومدلول هذا الكلام، عند من يجعل أداة (إنما) للحصر. أنه لا جزاء لهم غير ذلك) .\nأي وهذا استدلال من القرآن على أنه لا ضمان.\nمناقشة الجمهور لهذا الاستدلال:.\nثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى مناقشة الجمهور لهذا فقال (١): (وأما قولكم (إن\nالله لم يذكر في القرآن تضمين السارق والمحارب) فهو لم ينفه أيضًا. وإنما سكت عنه فحكمه مأخوذ من قواعد الشرع ونصوصه كقوله تعالى (٢) (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) . وهذا قد اعتدى بالإتلاف فيعتدى عليه بالتضمين ولهذا: أوجبنا رد العين إذا كانت قائمة. ولم يذكر في القرآن. وليس هذا من باب الزيادة على النص. بل من باب إعمال النصوص كلها. لا يعطل بعضها ويعمل بعضها.\nوكذلك الجواب عن قوله تعالى في المحاربين (٣) «إنما جزاء الذين يحاربون\nالله ورسوله) أي عقوبتهم.\nوخلاصة هذه المناقشة: أن الذي ذكره الله في آيتي السرقة والحرابة هو: الجزاء العقابي أي بمعنى العقوبة المقدرة للجريمة. أما قضية التضمين فشيء آخر لا دخل له في العقوبة. وليس في النص ما ينفيه: إذا فيجب التضمين لدلالة الدليل عليه (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) . والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: مدارج السالكين ١/٣٦٧.\n(٢) الآية رقم ١٩٤ سورة البقرة.\n(٣) الآية رقم ٣٣ سورة المائدة.","vol":"1","page":423},{"text":"٣- استدلال الحنفية من السنة:\n(قالوا: وقد روى النسائي في سننه (١) عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ عن النبي ﷺ: أنه قضى في السارق إذا أقيم عليه الحد. أنه لا غرم عليه) (٢) .\nمناقشة الجمهور لهذا الدليل:\n(قالوا: وأما حديث عبد الرحمن بن عوف: فمنقطع لا يثبت. يرويه سعد ابن إبراهيم. عن منصور. وقد طعن في الحديث ابن المنذر، فقال: سعد ابن إبراهيم مجهول. وقال ابن عبد البر: الحديث ليس بالقوي) (٣) .\nهذا ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في تعقب هذا الحديث ومناقشته. ولي موقف في هذه المناقشة يتجلى في نقطتين هما:\nتعقب هذه المناقشة. وبيان منزلة هذا الحديث.\nتعقب هذه المناقشة:\nوهو من وجهين:\nأولًا: في قوله (يرويه سعد ابن إبراهيم عن منصور) . هذا تحريف صوابه (سعد بن إبراهيم عن (المسور) . كما في سياق سنده عند مخرجيه (النسائي) (٤) و(الدارقطني) (٥) ونص على ذلك ابن حجر (٦) .\n_________\n(١) انظر: سنن النسائي٨/ ٥٨.\n(٢) انظر: مدارج السالكين ١/٣٦٦.\n(٣) انظر: مدارج السالكين ١/٣٦٧.\n(٤) انظر: سنن النسائي٨/ ٨٥.\n(٥) انظر: سنن الدارقطني ٣/\n(٦) انظر: تهذيب التهذيب ١٠/ ١٥٠.","vol":"1","page":424},{"text":"الثاني: قوله (وقد طعن في الحديث ابن المنذر فقال: سعد ابن إبراهيم: مجهول) .\nهذا غير صحيح من ابن المنذر فإن سعدًا هذا هو: سعد ابن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عوف المتوفى سنة ١٢٥ هـ. وكان ثقة فاضلًا عابدًا كما في (التقريب) لابن حجر (١) .\nوأن سعدًا هذا يرويه عن أخيه (المسور بن إبراهيم ابن عبد الرحمن ابن عوف المتوفى سنة ١٠٧ هـ. وقد وقع منسوبًا في روايتي (الدارقطني) و(الجوزجاني) (٢) بإسنادهما (عن سعد ابن إبراهيم عن أخيه المسور) كما نبه عليه الحافظ بن حجر في (التهذيب) (٣) .\nإذًا: فرد الحديث بجهالة سعد لا يصح والله أعلم.\nبيان منزلة هذا الحديث:\nوإذ قد علمنا عدم سلامة هذه المناقشة فما هي منزلة هذا الحديث؟ لقد تبين لي\nأن هذا حديث لا تقوم به حجة كما ذكره ابن القيم ذلك لما يلي:\nأ- أن راويه النسائي قال بعد سياقه (٤):\n. (قال أبو عبد الرحمن- يعني نفسه -: وهذا مرسل، وليس بثابت) . ويريد بالإرسال الانقطاع الحاصل بين المسور ابن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف وجده عبد الرحمن بن عوف ﵁ فإن المسور لم يدرك جده عبد الرحمن بن\n_________\n(١) انظر: ١/٢٨٦.\n(٢) هو: محدث الشام إبراهيم بن يعقوب المتوفى سنة ٢٥٩ هـ (انظر: تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/١١٧) .\n(٣) انظر: ١٠/١٥٠.\n(٤) انظر: سنن النسائي٨/ ٨٥","vol":"1","page":425},{"text":"عوف ﵁ فإن عبد الرحمن بن عوف ﵁ مات سنة ٣٢ هـ. وحفيده المسور مات سنة ١٠٧ هـ. كما ذكره الحافظ ابن حجر (١) . فتحقق إذا انقطاع الحديث بهذا السند.\nب- كما أن المسور هذا انفرد برواية هذا الحديث عن جده عبد الرحمن ابن عوف وبينهما مفازة فهو أيضًا كما قال الحافظ بن حجر مقبول الحديث (٢) . ومن كان كذلك فيقبل حديثه حيث توبع وإلا فلا. وهو في الحديث لم يتابع عليه. وقد وهم من ظن متابعة المسور بن مخرمة الصحابي المتوفى سنة ٦٤ (٣) . وقد نبه على ذلك الوهم الحافظ بن حجر إذ قال (٤) (إن الحديث جاء منسوبا في رواية الدارقطني. والجوزجاني فإنهما أخرجاه من طريق عن مفضل بن صالح عن يونس عن سعد ابن إبراهيم عن أخيه المسور به وقال: المسور لم يدرك عبد الرحمن) (٥) .\n٤- استدلال الحنفية: بجريان العمل بهذا:\n(قالوا: وهذا هو المستقر في فطر الناس وعليه عملهم: أنهم يقطعون السراق، ولا يغرمونهم ما أتلفوه من أموال الناس، وما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن) .\nمناقشة الجمهور لهذا الدليل:\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان هذه المناقشة (٦): (وأما استقرار ذلك في فطر الناس: فمن قال؟ إنه مستقر في فطرهم، أن الغني الواجد إذا سرق مال فقير\n_________\n(١) - انظر: ١٠/ ١٥٠. تهذيب التهذيب ١٠/ ١٥٠، وتقريب التهذيب ٢/٢٤٩. (٢) انظر: ٢/٢٤٩.\n(٣) انظر: ٢/٢٤٩ تقريب التهذيب ٢/٢٤٩.\n(٤) انظر: ١٠/١٥٠ تهذيب التهذيب ١٠/١٥٠.\n(٥) انظر: في نقد هذا الحديث وتضعيفه، نصب الراية للزيلعي ٣/٣٧٥.\n(٦) مدارج السالكين ١/٣٦٧","vol":"1","page":426},{"text":"محتاج، أو يتيم فأتلفه، وقطعت يده: أنه لا يضمن مال هذا الفقير واليتيم، مع تمكنه من الضمان، وقدرته عليه، وضرورة صعبه وضعفه.\nفهل المستقر في فطر الناس إلا عكس هذا؟)\nالقول الثالث: المتوسط بين القولين.\nوهو أنه إن كان له مال ضمنها وإلا فلا وهذا مذهب فقهاء المدينة مالك وغيره. وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:\nوتوسط فقهاء المدينة- مالك وغيره- بين القولين. فقالوا: إن كان له مال ضمنها بعد القطع. وإن لم يكن له مال فلا ضمان عليه.\nوهذا استحسان حسن جدًا. وما أقربه من محاسن الشرع. وأولاه بالقبول والله ﷾ أعلم) .\nهذا هو نهاية المطاف في هذه المسألة عند ابن القيم رحمه الله تعالى ومنه يظهر ترجيحه لرأي مالك رحمه الله تعالى واختياره له والله أعلم.\nالخلاصة والترجيح:\nبعد الوقوف على هذه الأقوال وبيان مناهج الأدلة التي استدل بها الحنفية ومناقشة الجمهور لهم وبيان استدلال الجمهور. والإلماع إلى رأي المالكية ووجهته: فإن الذي ظهر لي والله أعلم هو:\nأن رأي الحنفية لم تثبت أدلته المذكورة أمام النقد والتعقب. وأن رأي المالكية المختار لدى ابن القيم هو مجرد استحسان فأين الدليل؟.\nإذ الاستحسان هو (الحكم على مسألة بحكم يخالف نظائرها لدليل شرعي) (١) . ولم\n_________\n(١) انظر: روضة الناظر لابن قدامة ص/٨٥","vol":"1","page":427},{"text":"يذكروا لنا دليلًا شرعيًا يقضي بهذا الاستحسان. وعليه فإن الذي يظهر لي والله أعلم هو رأي الجمهور: لقوة أدلته وسلامتها. وهو أن من تمام توبة السارق ضمان المسروق لربه إذا كان تالفًا. فإن كان قادرًا تعين دفعه وإن كان غير قادر فقد قال الله تعالى في حق غير القادرين (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة) (١) .\nولم يسقط عنهم ما ترتب في ذممهم من حقوق فكذلك ههنا وقد قال ﷺ (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) رواه أبو داوود (٢) . والترمذي (٣) . وابن ماجه. والله أعلم.\n_________\n(١) الآية رقم ٢٨٠ سورة البقرة.\n(٢) انظر: سنن أبي داوود ٣/٨٢٢.\n(٣) انظر: سنن الترمذي ٣/٥٦٤.\n(٤) انظر: سنن ابن ماجه ٢/٨٠٢","vol":"1","page":428},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-241>باب الردة</span>","vol":"1","page":429},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-242>توطئة</span>\nتعريف (الردّة) و(المرتد) في اللسانين اللغة والشرع.\nالتعريف اللغوي:\n(الردّة) و(المرتد) من مادة، رده، يرده. والمصدر منه: ردًا، وتردادًا وارتدادًا وردة، فهو مرتد (١) .\nإذًا (الردة) مصدر. والاسم منه (مرتد) .\nأصل معنى هذه المادة:\nوأصل معنى المادة: الرّاء والدّال: يعود إلى أصل واحد مطرد منقاس وهو: (رجع الشيء) كما في (معجم مقاييس اللغة) لابن فارس (٢) .\nفمعنى (الردّة) لغة إذًا هو: الرجوع.\nومعنى (المرتد) لغة هو: الراجع.\n_________\n(١) انظر: مختار الصحاح للجوهري ص/٢٣٩. ومعجم مقاييس اللغة لابن فارس ٢/٣٨٦. والمعجم الوسيط ١/٣٣٨. والمطلع على أبواب القنع ص/٣٧٨.\n(٢) انظر: معجم مقاييس اللغة ٢/٣٨٦","vol":"1","page":431},{"text":"وقرر غير واحد من أهل اللغة على: أن الردّة لغة الرجوع عن الإسلام إلى الكفر وأن المرتد لغة: الراجع من الإسلام إلى الكفر (١) .\nبل ذكر الراغب اختصاص معنى (الردّة) بذلك. دون معنى (الارتداد) فقال (٢): (الارتداد والردّة: الرجوع في الطريق الذي جاء منه. لكن الردّة تخص بالكفر والارتداد يستعمل فيه وفي غيره) .\nوالخلاصة: أن (الردّة) مصدر وهي لغة: الرجوع عن دين الإسلام إلى الكفر. وأن الاسم منه (المرتد) وهو لغة: الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر. والله أعلم.\nالمرتد شرعًا:\nالناظر لكلمة أهل الاصطلاح في معنى (المرتد) شرعًا: يجد التواطؤ التام بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي.\nفالمرتد شرعًا: الراجع عن دين الإسلام إلى الكفر (٣)\nالردّة شرعًا:\nأما تعريف الردّة شرعًا، فهو وإن اختلفت كلمة أهل الاصطلاح فيه، فهو اختلاف مذهبي يعود إلى موجبات الردّة عند صاحب المذهب لكنها تؤول إلى معنى واحد هو:\n_________\n(١) انظر: معجم مقاييس اللغة ٢/٣٨٦. ولسان العرب لابن منظور٤/١٥٣- ١٥٥. والمعجم الوسيط ١/٣٣٨.\n(٢) انظر: المفردات ص/١٩٣.\n(٣) انظر: المغني ١٠/٧٤، والمطلع ص /٣٧٨، وشرح فتح القدير ٥/٣٠٧.","vol":"1","page":432},{"text":"(الإتيان بما يوجب الرجوع عن دين الإسلام إلى الكفر) . ومن تعريفات المذاهب المشهورة للردّة ما يلي:\nالحنفية:\nقال السمرقندي (١):\n(الردّة عبارة عن الرّجوع عن الإيمان) .\nالمالكية:\nقال خليل (٣):\n(الردّة: كفر المسلم بصريح أو لفظ يقتضيه أو فعل يتضمنه) .\nالشافعية:\nقال النووي (٣):\n(الردّة: قطع الإسلام بنية أو قول أو فعل) .\nالحنابلة:\nقال ابن قدامة (٤):\n(الردّة: هي الإتيان بما يخرج به عن الإسلام إما نطقًا أو اعتقادًا أو شكًا ينقل عن الإسلام) .\nهذه تعريفات فقهاء المذاهب المشهور لمعنى (الردّة) شرعًا وهي تتفق في الغاية\n_________\n(١) انظر: تحفة الفقهاء ٧/١٣٤.\n(٢) انظر: جواهر الإكليل ٢/٢٧٧\n(٣) انظر: مقصد النبيه ص/١٣٣.\n(٤) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١/١٧١","vol":"1","page":433},{"text":"وهي: كفر من أتى ما يوجب رجوعه وردته عن دين الإسلام وتختلف من حيث الشمول لما يتصور وقوعه من المكلف، من قول أو فعل أو اعتقاد أو شك. فتعريف المالكية: أتى على القول والفعل دون الاعتقاد والشك.\nوتعريف الشافعية: اشتمل على القول. والفعل. والاعتقاد. دون الشك. وتعريف الحنابلة: اشتمل على القول. والاعتقاد. والشك. دون الفعل.\nوأما تعريف الحنفية: بقولهم (الردّة الرجوع عن الإيمان) .\nفينقصه الوضوح والبيان لموجبات الردّة الجامعة من قول أو فعل ونحو ذلك. والتعاريف مبناها على الوضوح والبيان لا على الغموض والإبهام. وإن كان التعريف بعمومه الذي يتضمنه لفظ (الرجوع) يشمل كل موجبات الردَّة، ويكون التعريف بذلك جامعًا لجميع أفراد الردّة. لكن ينبني أن يكون التعريف جامعًا واضحًا. لهذا فإن التعريف الذي أراه مانعًا جامعًا واضحًا هو أن يقال:\n(الردّة: هي الإتيان بما يوجب الرجوع عن دين الإسلام من قول أو فعل أو اعتقاد أو شك) .","vol":"1","page":434},{"text":"مباحِث ابن القيم ﵀ في الردَّة\nحصل بالتتبع أن مباحثه فيها كالآتي:\nالمبحث الأول: في ردّة من سبّ النبي ﷺ.\nالمبحث الثاني: في ردّة قاذف أم المؤمنين عائشة ﵂.\nالمبحث الثالث: يا الهازل وردّته.\nالمبحث الرابع: أثر الإكراه في انتفاء الردّة.\nالمبحث الخامس: في توبة الزنديق.\nوالى بيانها على هذا الترتيب.","vol":"1","page":435},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>المبحث الأول:\nفي ردة من سبّ النبي ﷺ </span>(١)\nمن قواطع الأحكام في الإسلام أن من سبّ النبي ﷺ فهو كافر مرتد، وعقوبته القتل.\nوقد حكى ابن القيم (٢) رحمه الله تعالى إجماع المسلمين من الصحابة ﵃ فمن بعدهم.\nوهذا إجماع محكي لدى عامة أهل العلم وممن حكاه: الخطابي (٣) وابن تيمية (٤)\nبل قرر ابن سحنون من علماء المالكية: أن من شك في كفر ساب النبي ﷺ وعذابه فهو كافر (٦) .\nوالحكم بردّة ساب النبي ﷺ أمر فطري لأنه لا يسبه إلا وهو جاحد له، وقد ذكر الله تعالى كفر المستهزئ وهو دون الساب فقال سبحانه (٧) (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) . الآية والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٢/١٧٦، ٢/٢١٤، وأحكام أهل الذمة ٢/٨١٠، ٨٢٢.\n(٢) انظر: زاد المعاد ٣/٢١٤.\n(٣) انظر: معالم السنن ٦/١٩٩.\n(٤) انظر: الصارم المسلول ص/٣- ٤ ط السعادة بمصر سنة ١٣٧٩ هـ. تحقيق محيي الدين عبد الحميد.\n(٥) انظر: فتاوى السبكي ٢/٥٧٣.\n(٦) انظر: الصارم المسلول لابن تيمية ص/٤. وانظر: كشاف القناع ٦/١٦٨.\n(٧) الآيتان ٦٥- ٦٦ من سورة التوبة.","vol":"1","page":437},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-244>المبحث الثاني:\nفي ردّة قاذف أم المؤمنين عائشة ﵂</span>؟\nمن مواطن الإجماع أن من قذف عائشة ﵂ فهو كافر عقوبته القتل، وفي حكاية الإجماع على كفره يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١): (اتفقت الأمة على كفر قاذف أم المؤمنين عائشة ﵂) .\nوقد حكى هذا الإجماع ابن حزم (٢)، وابن تيمية (٣) والبهوتي (٤) وغيرهم. الحجة في هذا:\nوالحجة في هذا أن براءتها قد نزلت في كتاب الله تعالى فيكون قادفها مكذبًا لنص كتاب الله تعالى كما في آيات براءتها في قصة الإفك إذ قال سبحانه (٥) (يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدًا إن كنتم مؤمنين) .\nعقوبته:\nوأما عقوبته فهو القتل، لأن من رماها بالقذف فقد خالف صريح القرآن الكريم ومخالفته والحالة هذه كفر، فعقوبته القتل كما قرره مالك وغيره (٦) والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد١/ ٢٦.\n(٢) انظر: المحلي ١١/٥٠٢.\n(٣) انظر: الصارم المسلول ص/٥٦٦.\n(٤) انظر: كشاف القناع ٦/١٧٢.\n(٥) من الآية رقم ١٧ سورة النور.\n(٦) انظر: المحلى ١١/٥٠٦، والصارم المسلول ص/٥٦٦.","vol":"1","page":438},{"text":"المبحث الثالث:\nفي الهازل وردته،\nتعريف ابن القيم للهازل:\nقال رحمه الله تعالى في تعريفه (للهازل) (١) .\n(الهازل: هو الذي يتكلم بالكلام من غير قصد لموجبه وحقيقته بل على وجه اللعب) .\nونقيضه الجاد: فاعل من الجدّ بكسر الجيم وهو نقيض الهزل، وهو مأخوذ من (جد فلان) .\nإذا عظم واستغنى وصار ذا حظ.\nوالهزل: من هزل إذا ضعف وضؤل.\nنزل الكلام الذي يراد معناه حقيقته بمنزلة صاحب الحظ والبخت والغني. والذي لم يرد معناه وحقيقته: بمنزلة الخالي منِ ذلك.\nإذ قوام الكلام بمعناه، وقوام الرجل بحظه وماله.\nوابن القيم في هذا التعريف يأتي على معناه الاصطلاحي بقوله:\n(الهازل: هو الذي يتكلم بالكلام من غير قصد لموجبه وحقيقته بل على وجه اللعب) .\nولم يذكر رحمه الله تعالى (مخالفة الهازل للمعنى المجازى) لأنه رحمه الله تعالى\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٣٥","vol":"1","page":439},{"text":"لا يرى المجاز في اللغة ولا في الشرع وقد أوسع الكلام في ذلك في كتاب (الصواعق المرسلة) (١) .\nوأما مثبتو المجاز فيقولون في حد الهازل:\n(هو الذي لا يريد باللفظ معناه لا الحقيقي ولا المجازي) (٢) والله أعلم. كما أتى ابن القيم رحمه الله تعالى على المأخذ اللغوي للفظ (هازل) وهو قوله: (من هزل: إذا ضعف وضؤل) وهذا ما قرره علماء اللغة (٣) والله أعلم. موقف ابن القيم من الهزل في حقوق الله تعالى:\nبحث ابن القيم رحمه الله تعالى تصرفات الهازل وعقوده من بيع وشراء ونحوه من حقوق العباد. والهزل فيما هو متضمن لحق الله وحق العبد كالنكاح والطلاق والعتق. والهزل فيما هو محض حق لله تعالى. وقرر رحمه الله تعالى حرمة الاستهزاء والهزل فيما هو محض حق الله تعالى فقال (٤):\n(ليس للعبد أن يهزل مع ربه ولا يستهزئ بآياته، ولا يتلاعب بحدوده وفي حديث أبي موسى (٥) (ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياته) . وذلك في الهازلين، يعني- والله أعلم- يقولونها لعبًا غير ملتزمين لأحكامها وحكمها لازم لهم ...\n_________\n(١) انظر: الجزء الثاني منه.\n(٢) انظر: التعريفات للجرجاني ص/٢٢٩.\n(٣) انظر: معجم مقاييس اللغة٦/ ٥١ والقاموس٤/ ٧٠.\n(٤) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٣٥ - ١٣٨.\n(٥) هو: عبد الله بن قيس الأشعري الصحابي الجليل ﵁ توفي سنة ٤٢ هـ. (انظر: الإصابة ٢/ ٣٥١- ٣٥٢) .","vol":"1","page":440},{"text":"وحاصل الأمر: أن اللعب والهزل والمزاح في حقوق الله تعالى غير جائز، فيكون جد القول وهزله سواء- بخلاف جانب العباد. ألا ترى أن النبي ﷺ كان يمزح مع الصحابة ويباسطهم. وأما مع ربّه تعالى فيجد كل الجد.\nولهذا قال للأعرابي يمازحه (من يشتري مني العبد؟ فقال: تجدني رخيصًا يا رسول الله فقال: بل أنت عند الله غال) (١) . وقصد ﷺ أنه عبد الله. والصيغة صيغة استفهام) .\nردة الهازل:\nهو ما قرره ابن القيم رحمه الله تعالى في تعريف الهازل. وبيان عدم جواز الهزل\nفي حقوق الله تعالى.\nوهو رحمه الله تعالى لم يبين حكم الهازل وعقوبته وهو معذور في ذلك لأن هذا المبحث استطرادي دعاه إليه الحديث عن (الهازل في العقود) . فما هو إذا حكم الهازل في حقوق الله تعالى. وما هي عقوبته:\nمن أتى هازلًا ما يوجب ردّته: فهو مرتد وعقوبته القتل. كما قرره غير واحد من أهل العلم (٢) .\nالأدلة:\nاستدلوا بأدلة منها ما يلي:\n_________\n(١) الحديث رواه أحمد في مسنده ٣/١٦١ من حديث أنس ﵁ وفيه أن اسم ذلك الأعرابي: زاهرًا.\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن ٨/١٠٧، ونهاية المحتاج ٧/٣٩٤ وكشاف القناع ٦/١٦٨.","vol":"1","page":441},{"text":"١- الأصل في هذا قوله تعالى (١) (ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب، قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم) الآية.\nوجه الاستدلال من الآية:\nبينه القاضي أبو بكر العربي بقوله (٢):\n(لا يخلو أن يكون ما قالوه من ذلك جدًا أو هزلًا. وهو كيفما كان\nكفر فإن الهزل بالكفر: كفر لا خلاف فيه بين الأمة. فإن التحقيق أخو العلم والحق. والهزل أخو الباطل والجهل) .\n٢- عموم قوله ﷺ (من بدل دينه فاقتلوه) رواه البخاري (٣) وأبو داوود (٤) والترمذي (٥) والنسائي (٦) وابن ماجه (٧) من حديث ابن عباس ﵃.\nوجه الاستدلال:\nهو أن الهازل بما يوجب ردّته مبدل لدينه. والهازل في حقوق الله غير معذور فيكون بهزله بذلك مبدلًا لدينه فيكون مرتدًا يجب قتله والحديث بعمومه يتناول المبدل جادًا والمبدل هازلًا والله أعلم.\n_________\n(١) الآية رقم ٦٥، ٦٦ سورة التوبة.\n(٢) انظر: تفسير القرطبي: الجامع لأحكام القرآن ٨/١٩٧.\n(٣) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ٦/١٤٩.\n(٤) انظر: سنن أبي داوود ٤/٥٢٠.\n(٥) انظر: سنن الترمذي٤/ ٥٩.\n(٦) انظر: سنن النسائي٧/ ٩٦.\n(٧) انظر: سنن بن ماجه ٢/٨٤٨","vol":"1","page":442},{"text":"المبحث الرابع:\nأثر الإكراه (١) في انتفاء الردّة.\nالتلفظ بكلمة الكفر يوجب الحكم بالردّة، لكن في حال الإكراه ينفي وجوب الحكم بردّة المكره، كما قال تعالى (٢) (من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ولكن من شرحَ بالكفر صدرًا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم) .\nوفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٣):\n(لا خلاف بين الأمة أنه لا يجوز الإذن في التكلم بكلمة الكفر لغرض من الأغراض إلا المكره إذا اطمأن قلبه بالإيمان) .\nويقول أيضًا في بيان علة انتفاء الحكم عنه (٤):\n(المكره قد أتى باللفظ المقتضي للحكم، ولم يثبت عليه حكمه، لكونه غير قاصد له وإنما قصد رفع الأذى عن نفسه، فانتفى الحكم لانتفاء قصده وإرادته لموجب اللفظ) .\nوهذا الحكم متفق عليه عند الأئمة الأربعة وغيرهم (٥) .\n_________\n(١) الإكراه: هو حمل الغير على ما لا يرضاه (انظر: نظرية الضرورة الشرعية لوهبة الزحيلي ص/٨٢- ١٠٢) وفيه بيان أحكامه وأنواعه.\n(٢) الآية رقم ١٠٦ سورة النحل.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/ ١٩١.\n(٤) انظر: المرجع السابق ص/١٣٤.\n(٥) انظر: المغني ١٠/١٠٥، ونهاية المحتاج ٧/٣٩٨","vol":"1","page":443},{"text":"لكن حصل النزاع في الأفضل للمكره، هل هو التكلم بكلمة الكفر أم الصبر ولو أتى ذلك على نفسه، والذي عليه الأكثر: هو أن الأفضل للمكره على كلمة الكفر أن يصبر ولا يقوله ولو أتى ذلك على نفسه (١) . بل حكى ابن حجر رحمه الله تعالى عليه الإجماع (٢)، واختار رحمه الله تعالى أن المفاضلة بين الصبر للمكره، والتلفظ تختلف باختلاف النفع الظاهر المتعدى فمن كان في مصابرته نفع ظاهر متعد للمسلمين كان الأفضل له الصبر، ومن لم يكن كذلك فالأفضل له التلفظ للإبقاء على نفسه والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>المبحث الخامس:\nفي توبة الزنديق </span>(٣) .\nالزنديق أخص من المرتد، فكل زنديق مرتدًا، وليس كل مرتد زنديقًا. هذه من مسائل العلم التي اشتهر فيها الخلاف بين الأئمة وقد حكى ابن القيم فيها الخلاف وساق الأدلة، وبيّن الرأي المختار (بأعلام الموقعين) (٤) .\nبيان محل الخلاف:\nوليعلم قبل الدخول في مناقشة هذه المسألة أن محل الخلاف هو قبول توبتهم في\n_________\n(١) انظر: المغني ١٠/١٠٧.\n(٢) انظر: فتح الباري ١٢/٣١٦.\n(٣) الزنديق: لغة: فارسي معرب، يجمع على زنادقة، وزناديق، والاسم منه: الزندقة واصطلاحا: الذي يستتر الكفر ويظهر الإسلام. كما دلت على ذلك كلمة الفقهاء، وانظر: فتح الباري\n١٢/ ٢٧٠- ٢٧١ والمطلع ص/٣٧٨، ونهاية المحتاج ٧/٣٩٩، والمعجم الوسيط ١/٤٠٤\nوقدَ جرت عادة العلماء رحمهم الله تعالى ببحث أحكام الزنديق في باب حكم المرتد والله أعلم.\n(٤) انظر: ٣/١٤٢-١٤٥.","vol":"1","page":444},{"text":"الدنيا التي يخص بها دينهم تترتب عليها أحكام الإسلام في حقهم أما في الباطن وهو قبول الله تعالى لتوبته فليس هذا محل خلاف.\nقال ابن قدامة (١):\n(وفي الجملة فالخلاف بين الأئمة في قبول توبتهم في الظاهر من أحكام الدنيا\nمن ترك قتلهم وثبوت أحكام الإسلام في حقهم. وأما قبول الله تعالى لها في الباطن وغفران الله تعالى لمن تاب وأقلع ظاهرًا وباطنا فلا خلاف فيه فإن الله تعالى قال في المنافقين (٢) (إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله، وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرًا عظما) . وإذا تبين محل الخلاف فإلى بيان هذا المبحث على ضوء ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى.\nالقول الأول: عدم قبول توبة الزنديق.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى مبينًا القائلين به (٣):\n(وهذا مذهب أهل المدينة، ومالك وأصحابه، والليث بن سعد، وهو المنصور\nمن الروايتين عن أبي حنيفة، وهو إحدى الروايات عن أحمد نصرها كثير من أصحابه، بل هي أنص الروايات عنه) .\nالأدلة:\nاستدل ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا القول بعدد من وجوه الأدلة على ما يلي:\n_________\n(١) انظر: المغني ١٠/ ٨٠ وانظر أيضا: فتح الباري ١٢/٢٧٣، ونيل الأوطار ٧/٢٠٥، وحاشية عابدين ٤/٢٤٢.\n(٢) من الآية رقم ١٤٦ سورة النساء.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٤٤، وانظر أيضًا: المغني ١٠/٧٨","vol":"1","page":445},{"text":"١- أنه لا سبيل إلى العلم بتوبة الزنديق والحال أنه يظهر الإسلام ويستسر الكفر. فكيف تقبل؟.\nوفىِ هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١):\n(إنه لا سبيل إلى العلم بها، فإن الزنديق قد علم أنه لم يزل مظهرًا للإسلام فلم يتجدد له بإسلامه الثاني حال مخالفة لما كان عليه. بخلاف الكافر الأصلي: فإنه إذا أسلم فقد تجدد له بالإسلام حال لم يكن عليها. والزنديق إنما رجع إلى إظهار الإسلام.\nوأيضًا فالكافر كان لكفره غير مستتر به ولا مخف له. فإذا أسلم تيقنا أنه أتى بالإسلام رغبة فيه لا خوفًا من القتل، والزنديق بالعكس فإنه كان مخفيًا لكفره مستترًا به، فلم نؤاخذه بما في قلبه إذا لم يظهر عليه فإذا ظهر على لسانه وآخذناه به فإذا رجع عنه لم يرجع عن أمر كان مظهرًا له غير خائف من إظهاره وإنما رجع خوفًا من القتل) .\n٢- قياس الزنديق على المحارب.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى (٢):\n(وأيضًا فإن الله تعالى سن في المحاربين أنهم أن تابوا قبل القدرة عليهم قبلت توبتهم، ولا تنفعهم التوبة بعد القدرة عليهم.\nومحاربة الزنديق للإسلام بلسانه أعظم من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه فإن فتنة هذا في الأموال والأبدان، وفتنة الزنديق في القلوب والإيمان، فهو أولى ألا تقبل توبته بعد القدرة عليه.\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٤٢.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٤٢","vol":"1","page":446},{"text":"وهذا بخلاف الكافر الأصلي فإن أمره كان معلومًا، وكان مظهرًا لكفره غير كاتم له، والمسلمون قد أخذوا حذرهم منه وجاهروه بالعداوة والمحاربة) وهذا القياس هو من قياس الأولى وهو مستوف لأركانه وشرائطه:\nفقد ذكر المقيس: وهو الزنديق.\nوذكر المقيس عليه: وهو المحارب.\nوذكر العلة الجامعة: وهي الإفساد في كل منهما.\nوذكر الحكم: وهو عدم قبول التوبة.\n٣- أن الزنديق محارب لله ورسوله.\nقال رحمه الله تعالى (١):\n(وأيضًا فإن من سبّ الله ورسوله فقد حارب الله ورسوله وسعى في الأرض فسادًا: فجزاؤه القتل حدًا.\nوالحدود لا تسقط بالتوبة بعد القدرة اتفاقًا.\nولا ريب أن محاربة هذا الزنديق لله ولرسوله وإفساده في الأرض أعظم محاربة وإفسادًا فكيف تأتي الشريعة بقتل من صال على عشرة دراهم لذمي أو على بدنه، ولا تقبل توبته، ولا تأتي بقتل من دأبه الصول على كتاب الله وسنة رسوله والطعن في دينه وتقبل توبته بعد القدرة عليه) . فابن القيم رحمه الله تعالى في هذا الاستدلال يجعل (الزنديق) واحدًا من أفراد (المحاربين) الذين قال الله فيهم (٢) (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادًا أن يقتلوا أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٤٥- ١٤٣.\n(٢) الآية رقم ٣٣ ورقم ٣٤ سورة المائدة.","vol":"1","page":447},{"text":"ولهم في الآخرة عذاب عظيم. إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم) .\nفالزنديق: محارب لله ورسوله ساع في الأرض فسادًا على الناس في أديانهم فلا تقبل توبته بعد القدرة عليه والله أعلم.\n٤- أن في قبول توبة الزنديق تسليطًا له على دين الله وشرعه والشريعة لا تأتي بهذا فتعين عدم قبولها.\nقال رحمه الله تعالى (١):\n(وأيضًا فإن الزنديق هذا دأبه دائمًا فلو قبلت توبته لكان تسليطًا له على بقاء نفسه بالزندقة والإلحاد، وكلما قدر عليه أظهر الإسلام وعاد إلى ما كان عليه ولا سيما وقد علم أنه أمن بإظهار الإسلام من القتل، فلا يزعه خوفه من المجاهرة بالزندقة والطعن في الدين ومسبة الله ورسوله، فلا ينكف عدوانه عن الإسلام إلا بقتله) .\n٥- أن قاعدة الشريعة المطردة: العمل بالظاهر حتى يعارضه ما هو أقوى منه، فإذا عارضه ما هو أقوى منه وجب المصير إليه وترك الظاهر. فالزنديق قد أظهر ما يبيح دمه. وما أظهره دليل قوي على إباحة دمه. فإظهاره التوبة بعد القدرة عليه، دليل ضعيف على صدقه لا يقوى على دفع ذلك الظاهر القوى المبيح لدمه.\nوقد بيّن ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الدليل ووجه ضعف المعارضة فقال (٢):\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٤٢.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٤٣-١٤٤","vol":"1","page":448},{"text":"(وههنا قاعدة يجب التنبيه عليها لعموم الحاجة إليها، وهي أن الشارع إنما قبل توبة الكافر الأصلي من كفره بالإسلام، لأنه ظاهر لم يعارضه ما هو أقوى منه، فيجب العمل به، لأنه مقتضى لحقن الدم، والمعارض منتف. فأما الزنديق، فإنه قد أظهر ما يبيح دمه، فإظهاره بعد القدرة عليه للتوبة والإسلام لا يدل على زوال ذلك الكفر المبيح لدمه، دلالة قطعية ولا ظنية أما انتفاء القطع فظاهر، وأما انتفاء الظن، فلأن الظاهر إنما يكون دليلًا صحيحًا إذا لم يثبت أن الباطن بخلافه، فإذا قام دليل على الباطن، لم يلتفت إلى ظاهر قد علم أن الباطن بخلافه) .\nالقول الثاني:\nوهو قبول توبته فيستتاب فإن تاب قبلت توبته ولم يقتل.\nقال ابن القيم رحمه الله تعالى في بيان أصحاب هذا القول (١):\n(وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يستتاب. وهو قول الشافعي. وعن أبي يوسف روايتان: أحداهما أنه يستتاب وهي الرواية الأولى عنه) (٢) .\nالأدلة:\nلم يذكر ابن القيم رحمه الله تعالى أدلة هذا القول. والظاهر أنه رغب عن ذلك لأنه لم يورد دليلًا مقنعًا في الدلالة لما ذهبوا إليه.\nوقد تتبعت ذكر أدلة هذا القول، فرأيت أن جماعة من أهل العلم منهم ابن\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٤٤.\n(٢) انظر: انظر في بيان هذا القول والقائلين به: المغنى لابن قدامة ١٠/٧٨ - ٧٩. وفتح الباري لابن حجر ١٢/٢٧٢ - ٢٧٣. نيل الأوطار للشوكاني ٧/٢٠٤ - ٢٠٥. ونهاية المحتاج للرملي ٧/٣٩٩.","vol":"1","page":449},{"text":"قدامة (١) وابن حجر (٢) يجمعون بين الأدلة في خصوص الزنديق وبين الأدلة في عموم المرتد.\nلهذا فإني لا أذكر هنا إلا ما يمكن الاستدلال به في خصوص الزنديق أو دخوله\nفي دلالته. ومنها ما يلي:\n١- ما حكاه الحافظ ابن حجر (٣) من (الإجماع على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر) .\nأي فإن الزنديق إذا استتيب فتاب تقبل توبته ويحقن دمه بها إجراء للحكم على الظاهر منه وهو: الرجوع إلى الإسلام.\nمناقشة هذا الاستدلال:\nللمانع أن يقول: نسلم أن أحكام الدنيا تجري على الظواهر: لكن هذا إذا لم يعارض الظاهر ما هو أقوى منه. وإظهاره التوبة بعد القدرة عليه لا يقاوم إظهاره ما أباح دمه من الكفر والفساد والتكذيب بالدين واستهانته به بما أظهره من الزندقة. بل هذا هو الظاهر وهو دليل قوى فلا يمكن إلغاءه بإعمال إظهاره التوبة وهو دليل ضعيف.\nفاستدلال المانع إذا بظاهر زندقته أقوى كما تقدم نقله في أدلتهم من كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.\n_________\n(١) انظر: المغني ١٠/٧٨.\n(٢) انظر: فتح الباري ١٢/٢٧٣.\n(٣) انظر: فتح الباري ١٢/٢٧٣.","vol":"1","page":450},{"text":"٢- قوله تعالى عن المنافقين (١) (اتخذوا أيمانهم جنة) الآية.\nوجه الاستدلال:\nقال ابن حجر (٢):\n(من حجة من استتابهم هذه الآية، على قول أن إظهار الإيمان يحصن من القتل) .\nوالزنديق يجتمع مع المنافق في استسرار الكفر وإظهار الإسلام وقد صارت الأيمان جنة أي سترة لهم عن القتل مع كفر قلوبهم. فتكون التوبة نافعة إذا لحقن دم الزنديق.\nمناقشة هذا الاستدلال:\nمن إفادات شيخ الإسلام ابن تيمية التي قذف بها موج بحره الزخار في كتابه (الصارم المسلول) (٣) أنه قرر أن آية المجادلة ونظائرها (٤) تدل على النقيض من ذلك فهي تدل على قتل المنافق إذا ثبت نفاقه بلا استتابة فقال (٥):\n(دلت هذه الآيات على أن المنافقين كانوا يرضون المؤمنين بالأيمان الكاذبة وينكرون أنهم كفروا، ويحلفون أنهم لم يتكلموا بكلمة الكفر) .\nوذلك دليل على أنهم يقتلون إذا ثبت ذلك عليهم بالبينة لوجوه:\n_________\n(١) الآية ١٦ من سورة المجادلة.\n(٢) انظر: فتح الباري ١٢/٢٧٣.\n(٣) انظر: ص/٣٤٦- ٣٤٩.\n(٤) انظر: الآيتين ١، ٢ من سورة المنافقين. والآيات من سورة التوبة رقم ٧٤، ٩٥.\n(٥) انظر: ص/٣٤٦- ٣٤٧","vol":"1","page":451},{"text":"أحدها: أنهم لو كانوا إذا أظهروا التوبة قبل ذلك منهم لم يحتاجوا الى الحلف والإنكار ولكانوا يقولون: قلنا، وقد تبنا. فعلم أنهم كانوا يخافون إذا ظهر ذلك عليهم أنهم يعاقبون من غير استتابة.\nالثاني: أنه قال تعالى (اتخذوا أيمانهم جنة) واليمين إنما تكون جنة إذا لم تأت بينة عادلة تكذبها، فإذا كذبتها بينة عادلة انخرقت الجنة، فجاز قتلهم ولا يمكنه أن يجتن بعد ذلك إلا بجنة من جنس الأولى وتلك جنة مخروقة.\nالثالث: أن الآيات دليل على أن المنافقين إنما عصم دمائهم الكذب والإنكار، ومعلوم أن ذلك إنما يعصم إذا لم تقم بينة بخلافه ولذلك لم يقتلهم النبي ﷺ) .\nالقول الثالث:\nالتفصيل هو: أنه أن تاب قبل القدرة عليه فتقبل توبته ويحقن دمه. وأما بعد القدرة عليه فلا يستتاب بل يقتل من غير استتابة وإن تاب بعد القدرة عليه فلا تحقن دمه.\nوقد بيّن ابن القيم رحمه الله تعالى أن هذا هو الرواية الثانية عن أبي يوسف والرواية الثالثة عن الإمام أحمد (١) . وحكاه الحافظ عن مالك وبعض الشافعية (٢) .\nالاستدلال (٣):\nاستدل ابن القيم رحمه الله تعالى على أن توبة الزنديق لا تحقن دمه بقوله تعالى (٤)\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٤٤.\n(٢) انظر: جواهر الإكليل على مختصر خليل ٢/٢٨١.\n(٣) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٤٤.\n(٤) الآية رقم ٥٢ سورة التوبة.","vol":"1","page":452},{"text":"(قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا) .\nوجه الاستدلال:\nثم بيّن وجه الاستدلال من الآية فقال (١):\n(قال السلف في هذه الآية: (أو بأيدينا) بالقتل أن أظهرتم ما في قلوبكم. وهو كما قالوا: لأن العذاب على ما يبطنوه من الكفر بأيدي المؤمنين لا يكون إلا بالقتل. فلو قبلت توبتهم بعد ما ظهرت زندقتهم، لم يكن للمؤمنين أن يتربصوا بالزنادقة: أن يصيبهم الله بأيديهم، لأنهم كلما أرادوا أن يعذبوهم على ذلك أظهروا الإسلام فلم يصابوا بأيديهم قط.\nوالأدلة على ذلك كثيرة جدًا (٢) . وعند هذا فأصحاب هذا القول يقولون نحن أسعد بالتنزيل والسنة من مخالفينا في هذه المسألة المشنعين علينا بخلافها، وبالله التوفيق) (٣) .\nاختيار ابن القيم رحمه الله تعالى:\nاختار ابن القيم رحمه الله تعالى القول الثالث: وهو القول بالتفصيل فقال (٤): (نعم لو أنه قبل رفعه إلى السلطان ظهر منه من الأقوال والأعمال ما يدل على حسن الإسلام وعلى التوبة النصوح، وتكرر ذلك منه، لم يقتل، كما قاله أبو يوسف وأحمد في إحدى الروايات عنه. وهذا التفصيل أحسن الأقوال في المسألة) .\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٤٤.\n(٢) انظر: الأدلة مبسوطة في (الصارم المسلول ص/٣٤٠ وما بعدها) .\n(٣) انظر: الصارم المسلول ص/٣٤٥.\n(٤) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٤٣","vol":"1","page":453},{"text":"وقفة وتأمل:\nظاهر ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى للخلاف على هذه الأقوال الثلاثة أن أرباب القول الأول لا يقولون: بقبول توبة الزنديق إذا جاء تائبًا من تلقاء نفسه قبل القدرة عليه.\nوظاهر سياق ابن القيم لأدلة القول الأول: أنهم يقولون بهذا التفصيل فإنه في معرض سياقه لأدلتهم يذكر تعليق عدم قبول التوبة في حال: بعد القدرة عليه بل يقول في معرض الاستدلال لهم (١):\n(ولهذا لو جاء- يعني الزنديق- من تلقاء نفسه وأقر بأنه قال كذا وكذا وهو تائب منه قبلنا توبته ولم نقتله) .\nوإضافة إلى هذا فإن كتب الخلافيات لم يذكر أربابها أن أصحاب القول الأول: لا يقبلون توبة الزنديق إذا تاب قبل القدرة عليه. وإنما يحكون الخلاف في (استتابته بعد القدرة عليه) . وقد استقصى الحافظ بن حجر الخلاف في المسألة ولم يذكر ذلك عن أي من المخالفين (٢) .\nلهذا فإن القول الأول والثالث كما يلتقيان في عدم قبول توبة الزنديق بعد القدرة عليه فالظاهر أيضًا التقائهما في قبول توبته قبل القدرة عليه والأدلة المسوقة للرأي الأول تؤيد هذا وتنصره.\nهذا ما ظهر لي بعد التأمل، وأستغفر الله من تحميل آراء الأئمة ما لا تحتمله وعذري إن أخطأت أني بذلت الوسع وهذا منتهى ما توصلت إليه في التحري والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٤٣.\n(٢) انظر: فتح الباري ١٢/٢٧٢ - ٢٧٣.","vol":"1","page":454},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-251>باب التعزير</span>","vol":"1","page":455},{"text":"تعريف التعزير في اللسانين اللغة والشرع:\nلغة: مصدر، عزره، بفتحات ثلاث، مخففًا، يعزره عزرًا أو تعزيرًا (١) وأصله مأخوذ من العزر، وهو الرد والمنع هذا أصل معناه في اللغة كما قرره غير واحد منهم (٣) .\nوقالوا أيضًا: أنه من أسماء الأضداد (٣):\nفالتعزير: النصرة والتعظيم ومنه قوله تعالى (٤) (وآمنتم برسلي وعزرتموهم)\nالآية. وقوله (وتعزروه) (٥) .\nوالتعزير: التأديب.\n_________\n(١) انظر: القاموس ٢/ ٩١، وفتح الباري ١٢/١٧٦، ومعجم متن اللغة ٤/٩٢.\n(٢) انظر: المراجع السابقة، مع ما يأتي: مختار الصحاح ص/٤٢٩، والنهاية لابن الأثير ٣/٢٢٨، والمفردات للراغب ص/٣٣٣، والمطلع ص/٣٧٤.\n(٣) انظر: النهاية ٣/٢٢٨، والقاموس ٢/ ٩١، ومعجم متن اللغة٤/ ٩٢، وانظر أيضًا التعزير في الشريعة الإسلامية ص/٣٧.\n(٤) من الآية رقم ١٢ سرة المائدة.\n(٥) من الآية رقم ٩ سورة الفتح.","vol":"1","page":457},{"text":"لكن الراغب الأصفهاني بين أن المعنى الثاني وهو (التأديب) يؤول للمعنى الأول وهو (النصرة والتعظيم) (١) .\nتنبيه:\nقد ذكر غير واحد من أهل اللغة أن من معاني التعزير بمعنى التأديب لغة. إطلاقه لغة على (الضرب بما دون الحد المقدر) (٢) .\nلكن الرملي من علماء الشافعية تعقب ذلك مبينًا أن هذا وضع شرعي لا لغوي تجمعهما حقيقة التأديب لغة، ويفترقان في القيد الشرعي وهو قولهم (بما دون الحد المقدر)، لأنه قبل ورود الشرع ليس ثمت حدود مقدرة فقال رحمه الله تعالى مشيرًا إلى رد هذا الإطلاق لغة (٣):\n(والظاهر أن هذا الأخير غلط، إذ هو وضع شرعي لا لغوي لأنه لم يعرف إلا\nمن جهة الشرع فكيف ينسب لأهل اللغة الجاهلين بذلك من أصله والذي في (الصحاح) بعد تفسيره بالضرب: ومنه سمى ضرب ما دون الحد تعزيرًا، فأشار إلى أن هذه الحقيقة الشرعية منقولة عن الحقيقة اللغوية بزيادة قيد: هو كون ذلك الضرب دون الحد الشرعي، فهو كلفظ الصلاة، والزكاة ونحوهما، المنقولة لوجود المعنى اللغوي فيها. بزيادة) .\nولقوة هذا التوجيه والتعقب من الرملي رأيت سياقه حتى لا يغتر الناظر بما قاله أهل اللغة في ذلك والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: المفردات ص/٣٣٣.\n(٢) انظر: القاموس ٢/ ٩١، والمفردات ص/٣٣٣، ومعجم متن اللغة ٤/٩٢.\n(٣) انظر: نهاية المحتاج ٨/١٦","vol":"1","page":458},{"text":"التعزير شرعًا:\nتختلف كلمة أهل الاصطلاح في تعريفه على وجوه منها ما يلي:\nالحنفية:\nقال الجرجاني (١)، وابن الهمام (٢):\n(التعزير: هو تأديب دون الحد) .\nالمالكية:\nأما المالكية فلم أر لهم تعريفًا للتعزير، لأنهم لا يعقدون للتعزير بابًا ولا فصلا مستقلا بل يدرجون أحكامه في أخريات (باب الشرب) مع أحكام الصيال، والضمان ونحو ذلك.\nلكن نستطيع أن نأخذ تعريفهم له من بيانهم لمواضع التعزير على ما ذكره خليل (٣)، وابن عرفة (٤)، فيقال:\n(التعزير: هو التأديب لحق الله أو لآدمي غير موجب للحد) .\nالشافعية:\nقال الماوردي (٥)، وعنه نقل النووي (٦):\n_________\n(١) انظر: التعريفات ص/٥٥.\n(٢) انظر: شرح فتح القدير ٥/١١٢.\n(٣) انظر: مختصر خليل مع شرحه جواهر الإكليل ٢/٢٩٦.\n(٤) انظر: الحدود مع شرحه للرصاع التونسي ص/٥١٢.\n(٥) انظر: الأحكام السلطانية ص/٢٣٦.\n(٦) انظر: مقصد النبيه ص/١٤٣","vol":"1","page":459},{"text":"(التعزير: هو التأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود) .\nوقال الرملي (١):\n(التعزير: هو التأديب في كل معصية لله أو لآدمي لا حد لها ولا كفارة) . الحنابلة:\nاختلفت كلمة الحنابلة في حد التعزير على وجوه منها ما يلي:\nالأول: مثل تعريفه لدى الحنفية سواء (٢) .\nالثاني: تعريفه بمطلق التأديب. قال البهوتي (٣):\n(التعزير اصطلاحًا: هو التأديب) .\nالثالث: نحو تعريف الماوردي لدى الشافعية، وفيه يقول ابن قدامة (٤): (التعزير: هو العقوبة المشروعة على جناية لا حد فيها) .\nالرابع: تعريف المجد ابن تيمية إذ يقول (٥):\n(التعزير: هو التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة) .\nمناقشة هذه التعريفات:\nهذه جملة من التعريفات للتعزير لدى نقلة المذاهب المشهورة والمتأمل فيها يرى ما يلي:\nاتفاق هذه التعاريف في الفصل الأول من التعريف وهو (التأديب) . وهذا\n_________\n(١) انظر: نهاية المحتاج ٨/١٦- ١٧.\n(٢) انظر: المطلع للبعلي ص/٣٧٤.\n(٣) انظر: كشف القناع ٦/ ١٢١.\n(٤) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/٣٤٧.\n(٥) انظر: المحرر ٢/١٦٣","vol":"1","page":460},{"text":"الفصل هو حقيقة لغوية للتعزير، فصارت هذه الحقيقة الشرعية منقولة عن الحقيقة اللغوية.\nلكن هذه الحقيقة في الشرع لا تتم إلا بزيادة قيد، وهذا القيد هو محل الخلاف\nفي تعاريف أهل الاصطلاح:\nفنجد الحنفية والبعلي من الحنابلة يوردون القيد على (ذات التأديب) فيقولون (التعزير تأديب دون الحد) أي أن التأديب لا يبلغ به مقدار العقوبة الحدية، المقدرة.\nونجد بقية التعاريف تورد القيد على موضع التعزير ومحله وموجبه ولا يعتبرون ذات التأديب في تعاريفهم. وهم في هذا القيد مختلفون على ما يلي: فالمالكية وبعض الشافعية كالماوردى وبعض الحنابلة كابن قدامة يقيدون محل التأديب وموضوعه بأن يكون في (معصية لا حد فيها) .\nويزيد الرملي من الشافعية والمجد من الحنابلة تقييد محل التأديب من أن يكون\nفي (معصية لا حد فيها ولا كفارة) بزيادة (ولا كفارة) .\nوهذا التقييد وإن لم يكن مصرحًا به في التعريف لدى الحنفية وبعض الحنابلة فهو معتبر عندهم إذ أن تعاريفهم في أحكام التعزير تقتضيه..\nالتعريف الجامع المانع:\nفنخلص من هذه التعاريف والمناقشة لها أن نقول أن: الفصل الأول من التعريف وهو (التأديب) محل اتفاق لدى الجميع في التعريف.\nوالفصل الثاني وهو قولهم (في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة) ينبغي أن يكون محل اتفاق أيضًا.","vol":"1","page":461},{"text":"فيكون التعريف المتفق عليه أن يقال:\n(التعزير هو: التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة) .\nيبقى قولهم (فيما دون الحد) هل يضاف إلى التعريف فيقال:\n(التعزير هو: التأديب فيما دون الحد في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة) . وكون التعزير يبلغ به الحد المقدر أو لا يكون إلا دونه محل خلاف بين العلماء. وقد ناقشه ابن القيم رحمه الله تعالى فيما يأتي من بحوثه في التعزير إن شاء الله تعالى. والذي يظهر لي والله أعلم أن هذا من باب الشروط في التعزير لا من باب التعاريف والشروط لا دخل لها في التعاريف فيكون التعريف المختار كالآتي: (التعزير هو: التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة) . والله أعلم.\nتعريف ابن القيم للتعزير:\nإن هذه النتيجة التي حصل التوصل إليها في تعريف التعزير نستطيع أن نقول هي التعريف المختار لدى إمامنا ابن القيم رحمه الله تعالى. وذلك من بيانه لموضع التعزير ومحله إذ يقول (١):\n(التعزير في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة) .\nوقد عرفنا أن كون التعزير تأديبًا هو محل اتفاق فيكون تعريفه لدى ابن القيم إذًا:\n(وهو: التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة) والله أعلم.\nوقد تقدم في مقدمة (كتاب الحدود) ما يزيد هذا إيضاحًا من كلام ابن القيم\nفي بيانه لأنواع المعاصي وعقوباتها والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين ٢/٩٩، والطرق الحكمية ص/١٠٦.","vol":"1","page":462},{"text":"مباحث ابن القيم في التعزير\nتحصل بالتتبع أن ابن القيم رحمه الله تعالى أتى على جلّ مباحث التعزير الرئيسية، وناقش الكثير من قضاياه، ونستطيع تصنيف مباحثه فيها على ما يلي:\nالمبحث الأول: في مقدار التعزير.\nالمبحث الثاني: في أنواع العقوبات التعزيرية.","vol":"1","page":463},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>المبحث الأول\nفي مقدار التعزير </span>(١)\nيتكون البحث عن مقدار التعزير في فرعين:\nالفرع الأول: في أقل التعزير.\nالفرع الثاني: في أكثر التعزير.\nوقد تكلم ابن القيم عن مقدار التعزير في فرعيه المذكورين وبيان ذلك على ما يلي:\nالفرع الأول: في أقل التعزير.\nيقرر ابن القيم رحمه الله تعالى أنه ليس لأقل التعزير حدًا مقدرًا ولم يحك في ذلك خلافًا وفي هذا يقول (٢):\n(ليس لأقله- أي التعزير- حد مقدر) .\nوابن القيم رحمه الله تعالى قد تابع الإمام ابن قدامة في هذا إذ ذكر ذلك ولم يحك خلافًا وعلله بقوله (٣):\n(لأنه لو تقدر لكان حدًا) .\n_________\nانظر: الطرق الحكمية ص/١٠٦- ١٠٩، ٣٠٦- ٣٠٨، وأعلام الموقعين ٢/٢٩ - ١٠٩. وإغاثة اللهفان ١/٣٣١.\n(٢) انظر: الطرق الحكمية ص/٣٠٦.\n(٣) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٢/٣٤٨","vol":"1","page":465},{"text":"خلاف القدوري (١) من الحنفية:\nلكن قد وجد خلاف في ذلك للقدوري من الحنفية إذ قدر أدنى التعزير بثلاث جلدات. كما ذكر ذلك صاحب (الهداية) معللًا له فيقول (٢):\n(ثم قدر الأدنى- في الكتاب (٣) - بثلاث جلدات، لأن ما دونها لا يقع به الزجر) .\nالترجيح:\nوالذي يظهر والله أعلم- هو عدم التقدير لأقل التعزير كما حكاه الحافظ ابن القيم من غير خلاف لأن التقدير لا يكون إلا بنص من الشارع يجب المصير إليه، ولا نص على التعزير لأقله، فيبقى على التفويض بحسب ما يراه الحاكم زاجرًا ورادعًا والله أعلم.\nالفرع الثاني: في أكثر التعزير.\nحكى ابن القيم رحمه الله تعالى الخلاف في أكثر التعزير على أربعة أقوال ودلل على قولين منها، واختلف اختياره رحمه الله تعالى. وبيان ذلك على ما يلي: القول الأول: أنه لا حد لأكثر التعزير بل هو مفوض إلى رأي الحاكم حسب المصلحة.\n_________\n(١) هو: أحمد بن محمد أبو الحسن فقيه حنفي صنف المختصر المعروف باسمه في فقه الحنفية توفي سنة ٤٢٨ هـ. (انظر: وفيات الأعيان ١/٢١ والأعلام ١/٢٠٦) .\n(٢) انظر: الهداية مع فتح القدير ٥/١١٦.\n(٣) يريد بالكتاب: كتاب القدوري، وهو المراد عند الإطلاق. وانظر: شرح فتح القدير ٥/١١٦، والتعزير في الشريعة الإسلامية ص/٢٨٢- ٢٨٣.","vol":"1","page":466},{"text":"وفي هذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١):\n(أحدهما - أي أحد الأقوال- أنه بحسب المصلحة وعلى قدر الجريمة فيجتهد فيه ولي الأمر) .\nوابن القيم رحمه الله تعالى لم يذكر القائلين لهذا: وهو المعتمد من مذهب مالك (٢) والوجه المقدم من مذهب الشافعي (٣) . واختاره أبو يوسف من الحنفية (٤) . وشيخ الإسلام ابن تيمية من الحنابلة (٥) .\nأدلته:\nاستدل ابن القيم رحمه الله تعالى لهذا القول بما وسعه من ذكر جملة وافرة من أقضية النبي ﷺ في التعزير، ثم أقضية الصحابة ﵃ حيث تنوعوا في التعازير حسب المصلحة فقال رحمه الله تعالى (٦):\n(إن الشارع ينوع فيها - أي في التعزيرات- بحسب المصلحة):\nفشرع التعزير بالقتل لمدمن الخمر في المرة الرابعة (٧) .\nوعزم ﷺ على التعزير بتحريق البيوت على المتخلف عن حضور الجماعة لولا\n_________\n(١) انظر: الطرق الحكمية ص/١٠٧. وانظر أيضًا: أعلام الموقعين ٢/٢٩، ٣/١٠٩ وإغاثة ١/٣٣١.\n(٢) انظر: جواهر الإكليل ٢٩٦/٢.\n(٣) انظر: نهاية المحتاج ٨/٢٢.\n(٤) انظر: شرح فتح القدير ٥/١١٥، ونيل الأوطار ٧/١٥٩.\n(٥) انظر: السياسة الشرعية ص/١٠٧ ط الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة.\n(٦) انظر: إغاثة اللهفان ١/٣٣١- ٣٣٣، وانظر أيضًا أعلام الموقعين ٢/٢٩.\n(٧) انظر: تخريج الحديث وبيان الخلاف في هذه المسألة فيما تقدم ص/٥٧٣ - ٥٨٦.","vol":"1","page":467},{"text":"ما منعه من تعدي العقوبة إلى غير من يستحقها من النساء والذرية (١) .\nوعزر ﷺ بحرمان النصيب المستحق من السلب (٢) .\nوأخبر ﷺ عن تعزير مانع الزكاة بأخذ شطر ماله (٣) .\nوعزر ﷺ بالعقوبات المالية في عدة مواضع (٤):\nوعزر ﷺ من مثل بعبده، بإخراجه عنه وعتقه عليه (٥) .\nوعزر ﷺ بتضعيف الغرم على السارق لما لا قطع فيه (٦) .\nوكاتم الضالة (٧) .\nوعزر ﷺ بالهجر ومنع قربان النساء (٨) .\nوكذلك أصحابه تنوعوا في التعزيرات بعده:\nفكان عمر ﵁ يحلق الرأس (٩)، وينفي (١٠)، ويضرب (١١)، ويحرق حوانيت الخمارين (١٢)، والقرية التي يباع فيها الخمر.\nوحرق قصر سعد بالكوفة لما احتجب فيه عن الرعية) .\nوجه الاستدلال من هذه الأدلة:\nودلالة هذه الأدلة واضحة على ما استدل بها عليه من أن التعزير لا يتحدد أكثره بقدر معين بل حسبما يراه الإمام أدعى لتحقيق المصلحة، ونفي المفسدة فإن\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار ٤/١٣٩.\n(٢) انظر: المرجع السابق.\n(٣) انظر: المرجع السابق ٤/١٣٨.\n(٤) انظر: فيما يأتي ص/٤٨٩\n(٥) انظر: نيل الأوطار ٤/١٣٩.\n(٦) انظر: فيما تقدم ص/٤١٨.\n(٧) انظر: نيل الأوطار ٤/١٣٩.\n(٨) كما في سورة التحرم (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) الآيات\n(٩) انظر: تخريجه فيما تقدم ص/٣١٨.\n(١٠) انظر: تخريجه فيما تقدم ص/٣١٧.\n(١١) انظر: تخريجه فيما تقدم ص/٣٠٠.\n(١٢) انظر: تخريجه فيما تقدم ص/٣٢١.","vol":"1","page":468},{"text":"فيها ما جاوز الحد كالقتل للشارب في الرابعة، وفيها ما ليس من جنس الحد كالنفي للشارب، وحلق رأسه، وفي هذا التنوع دلالة ظاهرة على هذا القول والله أعلم.\nالقول الثاني: أنه لا يبلغ بالتعزير في معصية قدر الحد المقدر فيها.\nوابن القيم رحمه الله تعالى يحكي هذا القول مبينًا القائل به مقررًا اختياره فيقول (١):\n(الثاني- وهو أحسنها- أنه لا يبلغ في التعزير في معصية قدر الحد فيها فلا يبلغ بالتعزير على النظر والمباشرة: حد الزنى، ولا على السرقة من غير حرز: حد القطع، ولا على الشتم بدون القذف: حد القذف.\nوهذا قول طائفة من أصحاب الشافعي (٢) وأحمد) .\nوابن القيم يعزو هذا القول لطائفة من أصحابه أحمد، وهو في الواقع: رواية عن الإمام أحمد رحمه- الله تعالى كما حكاها: ابن هبيرة (٣) وابن قدامة (٤) وابن الهمام (٥) والله أعلم.\nدليله:\nساق ابن القيم رحمه الله تعالى هذا القول واستحسنه ولكنه لم يذكر أدلته وعمدة استدلال أرباب هذا القول ما يلي:\n_________\n(١) انظر: الطرق الحكمية ص/١٠٧.\n(٢) انظر: نهاية المحتاج ٨/٢٢.\n(٣) أنظر: الإفصاح ٢/ ٤١٢.\n(٤) انظر: المغنى مع الشرح الكبير ١٠/٣٤٧.\n(٥) انظر: شرح فتح القدير ٥/١١٦","vol":"1","page":469},{"text":"هو: حديث النعمان بن بشير ﵁ في الرجل الذي رفع إليه وقد وقع على جارية امرأته فقال: لأقضين فيك بقضاء رسول الله ﷺ، إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة جلدة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة، فوجدوه أحلتها له فجلدوه مائة (١) .\nوجه الاستدلال:\nاستدل ابن قدامة رحمه الله تعالى بهذا الحديث لهذا القول ثم قال في وجه\nالاستدلال (٢):\n(وهذا تعزير، لأنه في حق المحصن وحده إنما هو الرجم) .\nفهذا المواقع للجارية كان محصنًا وحد المحصن الرجم فلما وجدت الشبهة الدارئة للحد جلده النعمان ﵁ مائة جلدة تعزيرًا، فلم يبلغ بالتعزير قدر الحد في المحصن وقد ذكر أن هذا هو قضاء رسول الله ﷺ. فكان في هذا دلالة على أن التعزير في عقوبة في جنسها حد مقدر لا يبلغ بها الحد المقدر والله أعلم.\nمناقشة هذا الدليل:\nوقد تقدمت (٣) مناقشة هذا الحديث من ناحية إسناده، وأن الحفاظ قد حكموا باضطرابه فما لم يصح سنده لا يسلم الاستدلال به.\nوعلى فرض ثبوته: فإن هذه واقعة عين يختص حكمها بمن وقع على جارية امرأته فلا تفيد العموم كما قرره القاضي أبو يعلى من الحنابلة واستحسنه العلامة ابن قدامة رحمه الله تعالى (٤) .\n_________\n(١) تقدم سياق هذا الحديث وذكر مخرجيه وبيان منزلته ص/٣٨٠- ٣٩٣. (٢) انظر: المغني مع الشرح الكبير ١٠/٣٤٧.\n(٣) انظر: ص/ ٣٨٠- ٣٩٣.\n(٤) انظر: المغني ١٠/٣٤٧","vol":"1","page":470},{"text":"القول الثالث: أنه لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود.\nوفي بيانه يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١):\n(والقول الثالث: أنه لا يبلغ بالتعزير أدنى الحدود، إما أربعين وإما ثمانين وهذا قول كثير من أصحاب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة) .\nالتفصيل في هذا القول:\nيختلف القائلون به لاختلاف أدنى الحدود بين الأحرار والعبيد، وهل الاعتبار بأدنى الحدود في الأحرار أم العبيد، وتفصيل مذاهبهم في هذا على ما يلي:\nأ- فعند أبي حنيفة ومحمد، أن أكثره تسعة وثلاثون سوطًا، لأن أدنى الحدود حد الرقيق، وحده أربعون جلدة في القذف وأربعون في الخمر على النصف من الحر فيهما (٢) .\nب- وعند أبي يوسف من الحنفية: أن أكثره خمسة وسبعون سوطًا، لأن أقل الحد في الأحرار ثمانون، والحرية هي الأصل فصار الاعتبار به (٣) .\nج- وعند زفر من الحنفية وهو رواية عن أبي يوسف أيضًا وحكى مذهبًا لمالك: أن أكثره تسعة وسبعون سوطًا، لأن أقل الحد في الأحرار ثمانون والحرية هي الأصل (٤) .\nد- وعند بعض الشافعية يجب النقص في أكثره عن عشرين جلدة، لأن حد\n_________\n(١) انظر: الطرق الحكمية ص/١٠٧- ١٠٨.\n(٢) انظر: شرح فتح القدير ٥/١١٥، والإفصاح ٢/٤١٢، والتعزير في الشريعة الإسلامية ص/٢٧٤.\n(٣) انظر: شرح فتح القدير ٥/١١٥، والتعزير في الشريعة الإسلامية ص/٢٧٤- ٢٧٥.\n(٤) انظر: شرح فتح القدير ٥/١١٥، والمغنى١٠/٣٤٧ ونيل الأوطار ٧/١٥٩","vol":"1","page":471},{"text":"الحر في الخمر، أربعون، والعبد على النصف، وما فيه التعزير لا يبلغ به\nالحد، والعشرون حد فلا يبلغ بالتعزير عشرين جلدة (١) .\nهـ- وعند بعض الشافعية أيضًا: يجب النقص في أكثره عن عشرين في حق عبد وعن أربعين جلدة في حق حر (٢) والله أعلم.\nدليله (٣):\nاستدل أصحاب هذا القول على اختلاف وجهات نظرهم في أدنى الحدود بحديث النعمان بن بشير ﵁ أن النبي ﷺ قال (من بلغ حدًا في غير حد فهو من المعتدين) . رواه البيهقي (٤) .\nوجه الاستدلال:\nهو أن الوعيد في هذا الحديث يفيد المنع من الزيادة على الحد المقدر، فلا يبلغ بالتعزير حدًا مقدرًا. وقد جاء لفظ (حد) منكرًا فيتناول أي حد من الحدود ولهذا صار اختلاف القائلين بهذا على الوجوه المتقدمة والله أعلم.\nمناقشة هذا الدليل:\nوهذا الدليل مناقش بالمطالبة بثبوته إذ الاستدلال فرع الثبوت وقد حصل بالتتبع أن المحفوظ من هذا الحديث إرساله وأما رفعه فلا يثبت كما نص على ذلك الحافظ البيهقي فانه قال بعد روايته (٥):\n_________\n(١) انظر: نهاية المحتاج٨/ ٢٢.\n(٢) انظر: المرجع السابق أيضًا.\n(٣) انظر: فتح القدير ٥/١١٥، ونهاية المحتاج٨/ ٢٢، والمغنى١٠/٣٤٨.\n(٤) انظر: السنن الكبرى ٨/٣٢٧. وعزاه المناوي لأبي نعيم كما في فيض القدير٦/ ٩٥.\n(٥) انظر: السنن الكبرى ٨/٣٢٧.","vol":"1","page":472},{"text":"(والمحفوظ في هذا الحديث أنه مرسل) .\nثم ذكر إرساله من الضحاك (١) إلى النبي ﷺ.\nولهذا قرر المحدثون ضعفه: منهم السيوطي (٢)، والمناوي (٣)، والألباني (٤) وعليه فلا يتم الاستدلال به لضعفه والله أعلم.\nالقول الرابع: أنه لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط.\nوفي بيانه يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٥):\n(والقول الرابع: أنه لا يزاد في التعزير على عشرة أسواط، وهو أحد الأقوال\nفي مذهب أحمد وغيره) .\nوهو المختار لدى جماعة من الشافعية (٦)، واختاره الشوكاني (٧)، والصنعاني (٨) .\nدليله\nعمدة الاستدلال لهذا القول: حديث أبي بردة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (لا يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله) رواه\n_________\n(١) هو: الضحاك بن مزاحم الهلالي مات بعد المائة قال ابن حجر (صدوق كثير الإرسال) انظر (التقريب ١/٣٧٣) .\n(٢) انظر: الجامع الصغير مع شرحه فيض القدير٦/ ٩٥.\n(٣) انظر: فيض القدير٦/ ٩٥.\n(٤) انظر: ضعيف الجامع الصغير ٥/١٨١.\n(٥) انظر: الطرق الحكمية ص/١٠٨.\n(٦) انظر: السنن الكبرى ٨/٣٢٧- ٣٢٨، وفتح الباري١٢/١٧٨، والمغني١٠/٣٤٧. وشرح فتح القدير ٥/١١٦، وشرح مسلم للنووي ١١/٢٢١.\n(٧) انظر: نيل الأوطار ٧/١٦٠.\n(٨) انظر: سبل السلام ٤/٣٧","vol":"1","page":473},{"text":"البخاري (١)، ومسلم (٢)، وغيرهما (٣) .\nوجه الاستدلال:\nأن هذا الحديث ورد بصيغة الحصر التي يمثلها النفي والاستثناء وهذه من أبلغ صيغ الحصر، فهو نص في محل النزاع: على أنه لا عقوبة فوق عشر جلدات إلا فيما ورد فيه من الشارع عقوبة مقدرة كالخمر والقذف ونحوهما لقوله ﷺ في هذا الحديث (إلا في حد من حدود الله)، أما ما لم يرد فيه من الشارع عقوبة مقدرة فإن العقوبة تكون فيه تعزيرًا وهذا التعزير لا يتجاوز عشر جلدات والله أعلم.\nمسالك العلماء في الجواب عن هذا الحديث:\nإن شدة الخلاف في هذا المبحث تدور على دلالة هذا الحديث على هذا القول سلبًا أو إيجابًا، وقد تنوعت مواقف العلماء المخالفين لهذا القول- للجواب عن هذا الحديث على عدة وجوه، وقد سلك ابن القيم رحمه الله تعالى في الجواب عن هذا الحديث مسلكًا جديدًا تابع فيه شيخه ابن تيمية رحمه الله تعالى وجرت حوله أبحاث ومناقشات. وإلى بيان أبرز هذه المسالك في الجواب عن هذا الحديث على ما يلي:\nالمسلك الأول: دعوى النسخ (٤) .\nذهب جماعة من الحنفية والشافعية إلى أن هذا الحديث منسوخ.\n_________\n(١) انظر: البخاري مع فتح الباري ١٢/١٧٦.\n(٢) انظر: صحيح مسلم ٣/١٣٣٢ بتحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.\n(٣) انظر: نيل الأوطار ٧/١٥٨- ١٥٩.\n(٤) انظر: شرح فتح القدير ٥/١١٦، وفتح الباري ١٢/١٧٨، وتلخيص الحبير٤/ ٧٩، ونيل الأوطار ٧/١٥٩، وشرح مسلم١١/٢٢٢.","vol":"1","page":474},{"text":"دليل النسخ:\nودليل النسخ عندهم: هو إجماع الصحابة ﵃ على العمل على خلافه من غير نكير.\nتعقب هذا المسلك:\nوهو نقضه من حيث دعوى النسخ بالإجماع فإن الإجماع لا ينسخ السنة، لكن الإجماع إذا ثبت صار دليلًا على نص ناسخ قال ابن القيم رحمه الله تعالى (١): (ومحال أن ينسخ الإجماع السنة، ولكن لو ثبت الإجماع لكان دليلًا على نص ناسخ) .\nوقال الحافظ ابن حجر معقبًا لدعوى نسخه بالإجماع (٢):\n(نعم لو ثبت الإجماع لدل على أن هناك ناسخًا) .\nالمسلك الثاني: قصر الحديث على التعزير بالجلد، وأما الضرب بالعصا مثلًا فتجوز الزيادة لكن لا يجاوز أدنى الحدود، وهذا مسلك الإصطخري من الشافعية (٣) كما حكاه الحافظ ابن حجر (٤) .\nتعقب هذا المسلك:\nوتعقب الحافظ ابن حجر بالرواية الواردة في الضرب بلفظ (لا يضرب.... الحديث) (٥) فقال (وكأنه لم يقف على الرواية الواردة بلفظ الضرب) .\n_________\n(١) انظر الطرق الحكمية ص/٣٠٩.\n(٢) انظر: تلخيص الحبير٤/ ٧٩.\n(٣) هو: الحسن بن أحمد أبو سعيد فقيه شافعي مشهور توفي سنة ٣٢٨ هـ. (انظر: وفيات الأعيان ١/١٢٩) .\n(٤) انظر: فتح الباري ١٢/١٧٨.\n(٥) انظر: نفس المرجع السابق.","vol":"1","page":475},{"text":"وهذه الرواية في صحيح البخاري عن جابر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ قال (لا عقوبة فوق عشر ضربات إلا في حد من حدود الله) (١) .\nالمسلك الثالث: مسلك ابن القيم رحمه الله تعالى.\nوهو حمل الحديث على التأديب الصادر من غير الولاة في غير معصية كتأديب\nالأب ولده ونحو ذلك، إذ المراد بحدود الله في الحديث (حقوق الله) كما تقدم هذا مبسوطًا (٢) .\nوابن القيم في هذا قد تابع شيخه ابن تيمية رحمه الله تعالى.\nتعقب ابن دقيق العيد (٣) لهذا المسلك:\nوالإمام ابن دقيق العيد رحمه الله تعالى قد تعقب عصريه شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا التأويل للحديث، بأن هذا التأويل فيه خروج عن الظاهر ويحتاج إلى نقل، والأصل عدمه وأورد عليه بقوله (٤): (ويرد عليه أنا إذا أجزنا في كل حق من حقوق الله أن يزاد على العشر لم يبق لنا شيء يختص المنع به، لأن ما عدا الحرمات التي لا يجوز فيها الزيادة هو ما ليس بمحرم، وأصل التعزير أنه لا يشرع فيما ليس بمحرم فلا يبقى لخصوص الزيادة معنى) .\nموقف الحافظ ابن حجر:\nوالحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بعد ذكره لإيراد ابن دقيق العيد على رأى\n_________\n(١) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري ١٢/١٧٦.\n(٢) انظر: ص/٢٧٢- ٢٧٣. وانظر أيضًا: فتح الباري١٢/١٧٨، ونيل الأوطار ٧/١٥٩ - ١٦٠، وتلخيص الحبير٤/٧٩.\n(٣) هو: محمد بن علي بن وهب القشير المشهور بابن دقيق العيد شافعي كبير توفي سنة ٧٠٢ هـ. (انظر: شذرات الذهب ٦/ ٥، والأعلام ٧/١٧٣ -١٧٤) .\n(٤) انظر: فتح الباري ١٢/١٧٨","vol":"1","page":476},{"text":"ابن تيمية ذكر أن هذا هو مسلك تلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى. ثم دفع إيراد ابن دقيق العيد بأن المعاصي على ثلاث مراتب هي:\n١- معصية فيها عقوبة مقدرة فهذه لا يزاد على المقدر فيها.\n٢- معصية من الكبائر ليس فيها عقوبة مقدرة، فتجوز الزيادة فيها على عشر جلدات لدخولها في حقوق الله.\n٣- معصية صغيرة ليس فيها عقوبة مقدرة فهذه لا تجوز الزيادة فيها على عشر جلدات وهي المقصودة في الحديث.\nفقال رحمه الله تعالى في بيانه (١) .\n(قلت: ويحتمل أن يفرق بين مراتب المعاصي مما ورد فيه تقدير لا يزاد عليه وهو المستثنى في الأصل، وما لم يرد فيه تقدير فإن كان كبيرة جازت الزيادة فيه وأطلق عليه اسم الحد كما في الآيات المشار إليها (٢)، والتحق بالمستثنى، وإن كان صغيرة فهو المقصود بمنع الزيادة، فهذا يدفع إيراد الشيخ تقي الدين على العصري المذكور إن كان ذلك مراده) .\nتأمل:\nإن الذي ينظر إلى كلام هؤلاء الأجلة من العلماء يجد أن الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى ذكر الأدلة القرآنية على أن المراد بحدود الله في لسان الشارع (حقوق الله) وما فيه حق لله تعالى، وأنه يطالب بنص يفيد القصر للفظ حدود الله على معنى (ما فيه عقوبة مقدرة)، وهذا في نظري ما لم يتحصل الجواب عليه من كلام الحافظ ابن دقيق العيد.\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ١٢/١٧٨.\n(٢) يشير إلى الآيات التي ساقها ابن القيم في كلامه وانظره فيما تقدم ص/٢٧٢- ٢٧٣.","vol":"1","page":477},{"text":"تعقب الشوكاني لهذا المسلك:\nلهذا فإن العلامة الشوكاني اعترض على هذا المسلك بالجواب على مساءلة ابن القيم هذه فقرر أنه قد ظهر في لسان الشارع إطلاق لفظ الحدود على العقوبات المقدرة فقال (١):\n(واعترض على ذلك بأنه قد ظهر أن الشارع يطلق الحدود على العقوبات المخصوصة ويؤيد ذلك قول عبد الرحمن بن عوف ﵁: إن أخف الحدود ثمانون) (٢) .\nوهذا الاعتراض من الشوكاني أيده بقول عبد الرحمن بن عوف ﵁ وأقوى منه للتأييد اللفظ المرفوع إلى النبي ﷺ في قوله إلا تقام الحدود في المساجد) (٣) .\nفإن الحدود هنا يراد بها العقوبات المقدرة لا مطلق حقوق الله تعالى.\nالترجيح:\nوالذي يظهر لي والله تعالى أعلم- أن حدود الله يراد بها عند الإطلاق (حقوق الله تعالى) وعليه تحمل الآيات التي أوردها ابن القيم رحمه الله تعالى. وأنها لا تنصرف إلى جنس (الجنايات التي قدر عليها عقوبات مخصوصة) إلا بقرينة صارفة كما في حديث عبد الرحمن بن عوف ﵁، وفي حديث (لا تقام الحدود في المساجد) .\nوعليه: فإن لفظ (حدود الله) في هذا الحديث (لا يجلد فوق عشرة أسواط\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار ٧/ ١٦٠.\n(٢) انظر: تخريجه في نيل الأوطار ٧/١٤٦ في كتاب حد شارب الخمر.\n(٣) انظر: في تخريجه المعجم المفهرس ٢/٤٣٢، عزاه لأبي داوود والترمذي وغيرهما.","vol":"1","page":478},{"text":"إلا في حد من حدود الله) . قد قامت القرينة على أن المراد بها (الجنايات ذات العقوبات المقدرة) لأن السياق في مقام العقاب، والعقاب من الشارع.\nإما مقدر فهو: على جريمة حدية، أو غير مقدر فهو على ما سواها وهو المراد بهذا الحديث والله أعلم.\nولذا فإن<span data-type=\"title\" id=toc-263> المسلك الرابع </span>في الجواب عن هذا الحديث وهو أن عمل الصحابة على خلافه فصار الإجماع على ترك العمل به له وجه في النظر وبيانه كالآتي:\n\nالمسلك الرابع: أن إجماع الصحابة على خلاف العمل به فعزروا ﵃ بأكثر من عشر جلدات وتنوعت تعازيرهم في ذلك من غير نكير. وممن حكى إجماع الصحابة ﵃ بالعمل على خلافه من غير إنكار جماعة من المحققين. منهم الأصيلي (١)، والنووي (٢)، وحكاه عنه الحافظ ابن حجر فقال (٣): (وهو المعتمد فإنه لا يعرف القول به عن أحد من الصحابة ﵃) . وحكى الإجماع أيضًا الرافعي (٤) وهو مسبوق بمن ذكر وبغيرهم وكذا قال الحافظ ابن حجر بعد ذكر كلام الرافعي (٥):\n(وسبق إلى دعوى عمل الصحابة بخلافه الأصيلي وجماعة) .\n_________\n(١) انظر: تلخيص الحبير ٤/٧٩ والأصيلي: هو عبد الله ابن إبراهيم الأموي توفي سنة ٣٩٢ هـ. (انظر: الأعلام ٤/ ١٨٧)\n(٢) انظر: فتح الباري ١٢/١٧٩.\n(٣) انظر: نفس المرجع.\n(٤) انظر: تلخيص الحبير ٤/٧٩ والرافعي: هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم القزويني من كبار الشافعية توفي سنة ٦٢٣ هـ. (انظر: الأعلام ٤/١٧٩) .\n(٥) انظر: تلخيص الحبير ٤/٧٩","vol":"1","page":479},{"text":"اضطراب موقف الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى:\nمن كلمات الحافظ ابن حجر المتقدمة هذه نرى أنه أقر الإجماع كما حكاه النووي رحمه الله تعالى لكنه في نفس كتابه (فتح الباري) تعقب دعوى الإجماع في معرض رده على القائلين بنسخ الحديث بالإجماع من الصحابة على خلافه (١)\nبقوله:\n(ورد- أي الإجماع- بأنه قال به بعض التابعين وهو قول الليث بن سعد أحد فقهاء الأمصار) .\nومعلوم أن الإجماع المذكور محكي عن الصحابة ﵃ فمخالفة الليث رحمه الله تعالى بعد عصر الصحابة ﵃ فكيف ينقض الإجماع بعد انقراض عصره بمخالفة الليث رحمه الله تعالى والحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى من أهل التتبع والاستقراء التام والإحاطة بالأثر فلو كان عنده أثر مخالف عن صحابي لذكره والله أعلم.\nوللحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى مناقشة أخرى للإجماع ذكرها في كتابه (تلخيص الحبير) إذ نقل عن البيهقي أنه روى في مقدار التعزير آثار مختلفة ثم قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى (٣): (فتبين بما نقله البيهقي من اختلاف الصحابة ﵃: أن لا اتفاق على عمل في ذلك ...) . وتعقب الحافظ ابن حجر بأن هذا غير وارد لأن الاختلاف المروي عن الصحابة ﵃ هو في المقدار لا في حكم الحديث واختلاف العمل به. ولهذا فإن العلامة المناوي رحمه الله تعالى لما ذكر أن عمل الصحابة رضي الله\n_________\n(١) انظر: فتح الباري ١٢/١٧٨.\n(٢) انظر: تلخيص الحبير ٤/٧٩.","vol":"1","page":480},{"text":"عنهم على خلاف هذا الحديث قال (١):\n(ونوزع بما لا يجدي) .\nفثبت من هذا المسلك أن عمل الصحابة ﵃ على خلاف هذا الحديث وأن الاختلاف الحاصل في الرواية عنهم هو اختلاف تنوع في مقدار التعزير في أحوال مختلفة وليس اختلافًا في مقتضى الحديث. والجواب عن هذا الحديث بهذا المسلك ليس غريبًا بل هو محكي في طائفة من الأحاديث تبلغ نحو ثلاثين حديثًا جمعتها في جزء مستقل (٣) والله أعلم.\nاختيار ابن القيم في مقدار أكثر التعزير:\nظاهر كلام ابن القيم رحمه الله تعالى اختياره القول الثاني من هذه الأقوال لقوله في كتابه (الطرق الحكمية) (٣):\n(الثاني- هو أحسنها- أنه لا يبلغ بالتعزير في معصية قدر الحد فيها) . وهذا الظاهر يخالف ما قرره في موضع آخر من نفس كتابه (الطرق الحكمية) وقرر في مواضع من كتبه، من اختياره القول الأول: وهو أنه لا حد لأكثره بل بحسب المصلحة، فإنه قال في (الطرق الحكمية) (٤):\n(والمنقول عن النبي ﷺ وخلفائه ﵃ يوافق القول الأول..) .\nوقال في (أعلام الموقعين) (٥):\n_________\n(١) انظر: فيض القدير ٦/٤٤٦.\n(٢) وانظر: كتاب العلل من جامع الترمذي. وشرحه لابن رجب ص/٤٣- ٥٢، ط بغداد سنة ١٣٩٦ هـ.\n(٣) انظر: ص/١٠٧.\n(٤) انظر: ص/١٠٨.\n(٥) انظر: ٢/٢٩","vol":"1","page":481},{"text":"(إن التعزير لا يتقدر بقدر معلوم بل هو بحسب الجريمة في جنسها وصفتها وكبرها وصغرها) .\nوفيه أيضًا بعد كلامه على حكمة الحدود قال (١):\n(ثم لما كانت مفاسد الجرائم بعد متفاوتة غير منضبطة في الشدة والضعف والقلة والكثرة- وهي ما بين النظرة والخلوة والمعانقة- جعلت عقوباتها راجعة إلى اجتهاد الأئمة وولاة الأمور، بحسب المصلحة في كل زمان ومكان، وبحسب أرباب الجرائم في أنفسهم، فمن سوى بين الناس في ذلك وبين الأزمنة والأمكنة والأحوال لم يفقه حكمة الشرع، واختلفت عليه أقوال الصحابة، وسير الخلفاء الراشدين وكثير من النصوص، ورأى عمر قد زاد في حد الخمر على أربعين والنبي ﷺ إنما جلد أربعين، وعزر بأمور لم يعزر بها النبي ﷺ، وأنفذ على الناس أشياء عفا عنها النبي ﷺ، فيظن ذلك تعارضًا وتناقضًا وإنما أتى من قصور علمه وفهمه وبالله التوفيق) .\nوفي (إغاثة اللهفان) ذكر أن الأحكام على نوعين: نوع لا يتغير بحال الحدود المقدرة على الجرائم. ونوع يتغير حسب المصلحة كمقادير التعزيرات فقال فيها (٢):\n(النوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له، زمانًا ومكانًا وحالًا كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها، فإن الشارع ينوع فيها بحسب المصلحة ...) .\nفهذه النقول المتعددة تؤيد اختياره القول الأول: وهو أن التعزير بحسب المصلحة وهو أظهر في الترجيح والاختيار من القول الثاني والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: ٢/١٠٩.\n(٢) انظر: إغاثة اللهفان ١/ ٣٣١","vol":"1","page":482},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-266>الترجيح:</span>\nبعد هذا التطواف والوقوف على أقوال العلماء في أكثر التعزير وما استدل به لكل قول وما جرى حوله من مناقشات يظهر ترجيح القول الأول المختار لدى الإمام ابن القيم وهو مذهب مالك رحمه الله تعالى واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وذلك لسلامة أدلته ومراعاته لحكم الشريعة ومقاصدها والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>المبحث الثاني:\nفي أنواع العقوبات التعزيرية </span>(١) .\nالعقوبات التعزيرية كثيرة ومتنوعة لكن نستطيع أن نصنفها حسب متعلقاتها على ما يلي:\n١- ما يتعلق بالأبدان كالجلد والقتل.\n٢- ما يتعلق بالأموال كالإتلاف والغرم.\n٣- ما هو مركب منهما، كجلد السارق من غير حرز مع اضعاف الغرم عليه. ٤- ما يتعلق بتقييد الإرادة كالحبس والنفي.\n٥- ما يتعلق بالمعنويات كإيلام النفوس بالتوبيخ والزجر.\nوهذه الأنواع ونحوها متفق عليها كأصول للتعزير، وإنما وقع الخلاف فيبعض مفرداتها.\n_________\n(١) انظر: الطرق الحكمية ص/١٢، ٥٧ وما بعدها، ١٠٦- ١٠٩، ٣٠٦- ٣٢٤ وزاد المعاد ٢/ ٦٦، ٧٢، ١٤٣، ٣/ ١٦، ٢٨، وأعلام الموقعين ٢/ ٩٨- ٩٩، ٣/ ١٢٨، وإغاثة اللهفان ١/٣٣١- ٣٣٣","vol":"1","page":483},{"text":"وقد تناول ابن القيم رحمه الله تعالى أهمها وأكثرها شيوعًا مما تشتد الحاجة إليه\nمنها في أقسامها الآتية:\nالقسم الأول: التعزيرات البدنية. وفيها نوعان:\nأ- التعزير بالجلد.\nيتخرج على اختيار ابن القيم رحمه الله تعالى المتقدم: من أنه لا حد لأكثر التعزير، أن التعزير بالجلد عنده لا حد لأكثره والله أعلم.\nب- التعزير بالقتل:\nامتدادًا لاختيار ابن القيم رحمه الله تعالى: القول بأن التعزير يكون حسب المصلحة وعلى قدر الجريمة، اختار أيضًا جواز أن يبلغ بالتعزير القتل إذا لم تندفع المفسدة إلا به فقال (١):\n(يسوغ التعزير بالقتل إذا لم تندفع المفسدة إلا به مثل قتل المفرق لجماعة المسلمين والداعي الى غير كتاب الله وسنة رسوله ﷺ) .\nتنديد ابن القيم بالتعزير بالقتل ظلمًا:\nوهو رحمه الله تعالى بجانب هذا الاختيار يندد باستحلال ولاة الجور: القتل باسم السياسة والرهبة، وأن هذا من باب تسمية الباطل باسم الحق والأسماء لا تغير المسميات عن حقائقها إذ العبرة في الشريعة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، فيقول رحمه الله تعالى في ذلك: (قال شيخنا (٢) ﵁: وقد جاء حديث\n_________\n(١) انظر: الطرق الحكمية ص/٣٠٦- ٣٠٧.\n(٢) انظر: أعلام الموقعين ٣/١٢٨ - ١٢٩.\n(٣) يريد: شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.","vol":"1","page":484},{"text":"مرفوعًا وموقوفًا من حديث ابن عباس ﵄ (يأتي على الناس زمان يستحل فيه خمسة أشياء بخمسة أشياء، يستحلون الخمر باسم يسمونها إياه، والسحت بالهدية والقتل بالرهبة، والزنى بالنكاح، والربا بالبيع) .....\nوأما استحلال القتل باسم الإرهاب الذي تسميه ولاة الجور سياسة وهيبة وناموسًا وحرمة للملك فهو أظهر من أن يذكر) .\nموقف العلماء من التعزير بالقتل:\nوقد أوضح ابن القيم رحمه الله تعالى موقف العلماء من جواز البلوغ بالقتل تعزيرًا، فبين أن أوسع المذاهب في ذلك مذهب المالكية، وأبعدها عن التعزير بالقتل مذهب الحنفية وأنهم مع ذلك جوزوا التعزير به للمصلحة وأن طائفة من الشافعية وأخرى من الحنابلة أجازوا القتل تعزيرًا في بعض الجرائم.\nوفي ذلك يقول رحمه الله تعالى (١):\n(وأبعد الأئمة عن التعزير بالقتل: أبو حنيفة، ومع ذلك فيجوز التعزير به للمصلحة، كقتل المكثر من اللواط (٢) وقتل القاتل بالمثقل (٣) .\nومالك: يرى تعزير الجاسوس المسلم بالقتل، ووافقه بعض أصحاب أحمد، ويرى أيضًا هو وجماعة من أصحاب أحمد والشافعي: قتل الداعية إلى البدعة) . وقال أيضًا (٤):\n_________\n(١) انظر: الطرق الحكمية ص/٣٠٧.\n(٢) انظر: فيما تقدم ص/٤٤٤\n(٣) الصحيح في هذا أن القتل بالمثقل (وهو: ما لا حد له كالحجر الكبير ونحوه) يوجب القصاص وهو مذهب الثلاثة والصاحبان من الحنفية (وانظر: التعزير في الشريعة الإسلامية ص/٢٥٧-\n٢٦٠) . والهداية٤/ ١٦٢.\n(٤) انظر: الطرق الحكمية ص/١٠٦","vol":"1","page":485},{"text":"(وعلى القول الأول- (وهو أن التعزير حسب المصلحة) - هل يجوز أن يبلغ بالتعزير القتل؟ قيه قولان:\nأحدهما: يجوز، كقتل الجاسوس المسلم إذا اقتضت المصلحة قتله، وهذا قول مالك وبعض أصحاب أحمد، واختاره ابن عقيل، وقد ذكر بعض أصحاب الشافعي وأحمد نحو ذلك في قتل الداعية إلى البدعة، كالتجهم، والرفض، وإنكار القدر، وقد قتل عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى غيلان القدري (١) لأنه كان داعية إلى بدعة، وهذا مذهب مالك رحمه الله تعالى وكذلك قتل من لا يزول فساده إلا بالقتل، وصرح به أصحاب أبي حنيفة في قتل من لا يزول فساده إلا بالقتل، وصرح به أصحاب أبي حنيفة في قتل اللوطي إذا أكثر من ذلك تعزيرًا وكذلك إذا قتل بالمثقل قالوا للإمام أن يقتله، وإن كان أبو حنيفة لا يوجب الحد في هذا ولا القصاص في هذا، وصاحباه يخالفانه في المسألتين وهما مع جهور الأئمة) . فترى من هذه النقول أن القتل تعزيرًا موجود في عامة المذاهب إما في قضايا معينة أو في قضايا متعددة وأن ابن القيم رحمه الله تعالى يختار جواز أن يبلغ بالتعزير القتل إذا لم تندفع المفسدة إلا به.\nالأدلة (٢):\nوقد أيد ابن القيم رحمه الله تعالى هذا الاختيار بعدة قضايا ورد في السنة قتل مرتكب الجريمة فيها تعزيرًا في نظره وهي:\n١- قتل شارب الخمر في الرابعة.\n٢- قتل الجاسوس.\n_________\n(١) هو: غيلان بن أبي غيلان. قتل لقوله في القدر وقد فعل وفعل ناظره الأوزاعي وأفتى بقتله (انظر: لسان الميزان لابن حجر ٤/٤٢٤) .\n(٢) انظر: الطرق الحكمية ص/٣٠٧","vol":"1","page":486},{"text":"٣- قتل من اتهم بأم ولده ﷺ\nوقد ناقش ابن القيم رحمه الله تعالى كل قضية من هذه القضايا على انفرادها محتجًا بها على سبيل الإجمال للتعزير بالقتل!\nوهذه القضايا هي مورد النزاع بين أهل العلم في مشروعية القتل تعزيرًا فإلى بيانها حتى يتضح مدى قوة اختيار ابن القيم في ذلك.\n١- قتل شارب الخمر في الرابعة تعزيرًا:\nتقدم بيان حكم هذه العقوبة وأن ابن القيم رحمه الله تعالى يرى أن أمر النبي ﷺ بقتل الشارب في الرابعة حكم تعزيري وليس حدًا له وأنه محكم غير منسوخ، ولهذا فإنه من أدلة مشروعية التعزير بالقتل لدى ابن القيم رحمه الله تعالى (١) . وقد استظهرت فيما تقدم أن الحديث منسوخ، وأن قتل المدمن في الخمر تعزيرًا للمصلحة ودفع المفسدة. وعليه فلا يتم الاستدلال به لابن القيم والله أعلم.\n٢- قتل الجاسوس (٢):\nالجاسوس له حالتان:\nالأولى: الجاسوس غير المسلم.\nفهذا يقتل تعزيرًا عند عامة الفقهاء (٣) .\n_________\n(١) انظر: الطرق الحكمية ص/٣٠٧.\n(٢) الجاسوس: صاحب سر الشر، عكس الناموس: وهو صاحب سر الخير (انظر: المطلع ص/ ٢٢١) . والتجسس: التبحث كما في صحيح البخاري عن أبي عبيدة (انظر: فتح الباري\n٦/١٤٣) .\n(٣) انظر: زاد المعاد: ٢/٦٨","vol":"1","page":487},{"text":"دليله:\nهو ما ثبت عنه ﷺ من أنه قتل جاسوسًا من المشركين وفي ذلك يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١):\nوهو يشير إلى حديث سلمة ابن الأكوع (٢) ﵁ قال (أتى النبي ﷺ عين من المشركين- وهو في سفر- فجلس عند أصحابه يتحدث، ثم انفتل، فقال النبي ﷺ: اطلبوه واقتلوه فقتله، فنفله سلبه) رواه البخاري (٣) وأبو داوود (٤) . ودلالة هذا الحديث واضحة فإن هذا المشرك كان عينًا أي جاسوسًا للمشركين على المسلمين للمشركين فأمر ﷺ بقتله لهذا ترجمه أبو داوود بقوله (باب الجاسوس المستأمن) والله أعلم.\nالثانية: الجاسوس المسلم.\nأما الجاسوس المسلم فقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى الخلاف فيه على قولين: القول الأول (٥):\nجواز قتل الجاسوس المسلم إذا كان يتجسس للكفار على المسلمين. وهو مذهب مالك،- وأحد الوجهين في مذهب أحمد، واختاره ابن عقيل من الحنابلة.\nالقول الثاني: أنه لا يقتل.\nوهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، وظاهر مذهب أحمد (٦) .\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق.\n(٢) هو سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي، شهد بيعة الرضوان مات سنة ٧٤. (تقريب التهذيب ٢/٣١٨) .\n(٣) انظر: فتح الباري ٦/١٦٨، وسنن أبي داوود ٣/١١٢.\n(٤) انظر: زاد المعاد ٢/٦٨، ١٧٠، ٣/٢١٥، والطرق الحكمية ص/١٠٨ والتعزير لعبد العزيز عامر ص/٢٥٦.\n(٥) انظر: المراجع السابقة. وأيضًا الخراج لأبي يوسف ص/١١٧.","vol":"1","page":488},{"text":"دليل الخلاف:\nيبين ابن القيم رحمه الله تعالى أن دليل الخلاف هو: قصة حاطب ابن أبي بلتعة\nلما جس على النبي ﷺ لقريش بكتاب أرسله مع امرأة، يخبرهم بمسير رسول الله ﷺ إليهم وفيه: فاستأذن عمر ﵁ النبي ﷺ في قتل حاطب فقال ﷺ: وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم (١) .\nوجه الاستدلال:\nثم يوضح ابن القيم رحمه الله تعالى وجه الاستدلال فيه لكل من- القولين فيقول (٢):\n(استدل به من لا يرى قتل الجاسوس المسلم، لأن النبي ﷺ لم يقتل حاطبًا.....) .\nواستدل به من يرى قتله فقالوا:\nلأنه ﷺ علله بعلة مانعة من القتل منتفية في غيره ولو كان الإسلام مانعًا من قتله لم يعلل ﷺ بأخص منه لأن الحكم إذا علل كان الأخص عديم التأثير وهذا أقوى والله أعلم) .\nاختيار ابن القيم رحمه الله تعالى:\nوقد اختار رحمه الله تعالى القول بجواز قتل الجاسوس المسلم تعزيرًا إذا جس للأعداء على المسلمين متى رأى الإمام المصلحة في قتله فقال (٣): (والصحيح أن قتله راجع إلى رأي الإمام، فإن رأى في قتله مصلحة للمسلمين قتله، وإن كان بقاؤه أصلح استبقاه والله أعلم) .\n_________\n(١) انظر: القصة بطولها في زاد المعاد ٢/١٦٢.\n(٢) انظر: زاد المعاد ٢/٦٨ والنقل هنا بتصرف.\n(٣) انظر: زاد المعاد ٢/ ١٧٠","vol":"1","page":489},{"text":"الترجيح:\nوالذي يظهر لي والله أعلم هو سلامة اختيار ابن القيم، وأن قصة حاطب لا تدل على المنع لأنها واقعة فعل أحاط بها مانع خاص، وخطر التجسس على المسلمين عظيم قد لا يندفع إلا بقتله فللإمام قتل الجاسوس تعزيرًا إذا لم تتحقق المصلحة إلا بقتله والله أعلم.\nالنتيجة:\nوعليه فقد سلم لابن القيم استدلاله على جواز القتل تعزيرًا، بقتل الجاسوس المسلم تعزيرًا والله أعلم.\n٣- قتل من اتهم بأم ولده ﷺ:\nاستدل ابن القيم رحمه الله تعالى على مشروعية القتل تعزيرًا بأمر النبي ﷺ الذي اتهم بأم ولده مارية القبطية (١) أم إبراهيم (٢) ﵇ حيث اتهم بها ابن عمها فلما ظهرت براءته أمسك عنه. وذكر الحديث (٣) فقال:\n(روى ابن أبي خيثمة (٤)، وابن السكن وغيرهما من حديث ثابت عن أنس ﵁ أن ابن عم مارية كان يتهم بها. فقال النبي ﷺ لعلي ابن أبي طالب ﵁: اذهب فإن وجدته عند مارية فاضرب عنقه، فأتاه علي فإذا هو في\n_________\n(١) هي: أم ولد النبي ﷺ إبراهيم ﵇ أهداها له المقوقس وأسلمت على يد حاطب ابن أبي بلتعة توفيت ﵂ سنة ١٦ هـ. بالمدينة (انظر الإصابة ٤/٣٩١) .\n(٢) هو: ابن سيد البشر ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ولد في ذي الحجة سنة ٨ هـ. وعاش ثمانية عشر شهرًا ثم توفي (انظر: الإصابة ١/١٠٤) .\n(٣) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٢ والطرق الحكمية ص/٣٠٧.\n(٤) هو: أحمد بن زهير بن حرب من حفاظ الحديث توفي سنة ٢٧٩ هـ. (انظر: تذكرة الحفاظ ٢/١٥٦) .\n(٥) الحديث رواه مسلم مختصرًا وهو من مفرداته دون الستة، انظر: مسلم بشرح النووي ١٧/١١٨","vol":"1","page":490},{"text":"بركة يبترد فيها، فقال له علي: اخرج، فناوله يده، فأخرجه، فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكف عنه علي كرم الله وجهه ثم أتى ﷺ فقال: يا رسول الله أنه مجبوب ما له ذكر. وفي لفظ آخر: أنه وجده في نخلة يجمع تمرًا وهو بخرقة، فلما رأى السيف ارتعد وسقطت الخرقة فإذا هو مجبوب لا ذكر له) (١)\nموقف الناس من هذا الحديث:\nبين ابن القيم رحمه الله تعالى أن هذا الحديث مما أشكل على كثير من الناس فذكر في الجواب عنه ثلاثة مسالك على ما يلي:\nالمسلك الأول: تضعيف الحديث.\nوابن القيم رحمه الله تعالى يذكر هذا ويرفضه فيقول (٢):\n(طعن بعض الناس في الحديث ولكن ليس في إسناده من يتعلق عليه) . والحديث أصله في صحيح مسلم في آخر كتاب التوبة من تراجم النووي وعليه ترجم بقوله (باب براءة حرم النبي ﷺ) (٣) .\nالمسلك الثاني: أنه ﷺ لم يرد حقيقة القتل وإنما أراد التخويف والزجر. وفي هذا يقول أبن القيم رحمه ألله تعالى (٤):\n(وتأوله بعضهم على أنه ﷺ لم يرد حقيقة القتل إنما أراد تخويفه ليزدجر عن مجيئه إليها.... فأحب ﷺ أن يعرف الصحابة براءته وبراءة مارية ﵂، وعلم أنه إذا عاين السيف كشف عن حقيقة حاله فجاء الأمر كما قدره ﷺ) .\n_________\n(١) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٢.\n(٢) انظر: مسلم بشرح النووي ١٧/١١٨ - ١١٩.\n(٣) انظر: زاد المعاد ٣/٢٠٢","vol":"1","page":491},{"text":"المسلك الثالث: أن النبي ﷺ أمر بقتله تعزيرًا.\nواستحسن ابن القيم هذا المسلك وفضله على سابقه فقال (١):\n(وأحسن من هذا أن يقال: إن النبي ﷺ أمر عليًا ﵁ بقتله تعزيرًا لإقدامه وجرأته على خلوته بأم ولده فلما تبين لعلي حقيقة الحال وأنه برىء من الريبة كف عن قتله، واستغنى عن القتل بتبين الحال، والتعزير بالقتل ليس بلازم كالحد بل هو تابع للمصلحة دائر معها وجودًا وعدمًا) .\nهذه المسالك التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى وقد ذكر النووي رحمه الله تعالى مسلكًا واحدًا في الجواب عن هذا الحديث وهو الآتي:\nالمسلك الرابع: أن النبي ﷺ أمر بقتله لنفاقه.\nقال النووي رحمه الله تعالى (٢):\n(قيل لعله كان منافقًا ومستحقًا للقتل بطريق آخر وجعل هذا محركًا لقتله بنفاقه وغيره لا بالزنى، وكف عنه علي ﵁ اعتمادًا على أن القتل بالزنى وقد علم انتفاء الزنى والله أعلم) .\nوعندي في هذا الوجه بعد لأن القصة في الحديث من أوله إلى آخره تتركز على اتهام هذا الرجل بحرم النبي ﷺ، وهذا هو الباعث في القصة لبعث علي ﵁ فكيف يعدل عن الظاهر من غير دليل.\nالترجيح:\nوالذي يظهر لي والله أعلم هو المسلك الثالث الذي ذكره ابن القيم واستحسنه من أن الأمر بقتله كان تعزيرًا لأن الأمر مجرد تهمة لكنها في جانب حرم النبي ﷺ\n_________\n(١) انظر: المرجع السابق.\n(٢) انظر: شرح مسلم ١٧/١١٨ - ١١٩","vol":"1","page":492},{"text":"أما لو كان ثمة بينة أو اعتراف لكان الأمر بقتله حدًا لازمًا والله أعلم- والحمد لله على براءة حرم نبيه ورسوله محمد ﷺ من الشك والريبة.\nنهاية المطاف في هذا القسم: التعزير بالقتل:\nيظهر من مباحث القتل تعزيرًا على سبيل الإجمال والتفصيل: أن القتل تعزيرًا مشروع عند عامة الفقهاء على التوسع عند البعض والتضييق عند آخرين في قضايا معينة\nوأن القول الصحيح الذي يتمشى مع مقاصد الشرع وحماية مصالح الأمة وحفظ الضروريات من أمر دينها ودنياها: هو القول بجواز القتل تعزيرًا حسب المصلحة وعلى قدر الجريمة إذا لم يندفع الفساد إلا به على ما اختاره ابن القيم رحمه الله تعالى.\nوأن الأدلة التي ذكرها ابن القيم رحمه الله تعالى للتدليل على جواز أن يبلغ القتل تعزيرًا لا يسلم له منها إلا قتل الجاسوس المسلم تعزيرًا وقتل من اتهم بأم ولده ﷺ وأن قتل الشارب في الرابعة هو من باب التعزير بناءً على هذا القول والله أعلم.\nالقسم الثاني: التعزيرات المالية (١) .\nانتصر ابن القيم رحمه الله تعالى للقول بمشروعية التعزيرات المالية واستدل عليها بأقضية النبي ﷺ وأقضية الصحابة ﵃ من بعده في ذلك. وذكر قول المخالف المانع وناقش أدلته، وفي خضم هذا المبحث قسم العقوبات المالية باعتبارين، فصارت مباحثة في ثلاثة فروع:\nالفرع الأول: تنويع العقوبات المالية باعتبار الانضباط وعدمه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-280>الفرع الثاني: تنويعها باعتبار أثرها في المال</span>.\n_________\n(١) انظر: الطرق الحكمية ص/١٢، ٣٠٧- ٣٢٤، أعلام الموقعين٢/ ٩٨، وإغاثة اللهفان ١/٣٣٢","vol":"1","page":493},{"text":"الفرع الثالث: الخلاف في مشروعية التعزير بالمال مع التدليل والمناقشة. وبيانها\nعلى هذا الترتيب كما يلي:\nالفرع الأول: في تنويعها باعتبار الانضباط وعدمه.\nيوضح ابن القيم رحمه الله تعالى أن العقوبات المالية تنقسم من حيث الانضباط وعدمه إلى قسمين:\nالأول: نوع منضبط، وهو ما قابل المتلف لحق الخالق: كإتلاف الصيد في الإحرام، أو لحق المخلوق كإتلاف ماله.\nالثاني: نوع غير منضبط: وهو ما يدخله اجتهاد الأئمة بحسب المصالح فهو لا يتقدر بمقدار لا يقبل الزيادة أو النقص، مثل اجتهاد عمر ﵁ في تحريق قصر سعد لما احتجب عن الرعية.\nوفي بيان هذا التنوع يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (١):\n(وهذا الجنس من العقوبات- أي المالية- نوعان: نوع مضبوط، ونوع غير مضبوط: فالمضبوط: ما قابل المتلف إما لحق الله سبحانه كإتلاف الصيد في الإحرام أو لحق آدمي كإتلاف ماله، وقد نبه الله سبحانه على أن تضمين الصيد متضمن للعقوبهَ بقوله (ليذوق وبال أمره)، ومنه مقابلة الجاني بنقيض قصده من الحرمان كعقوبة القاتل لمورثه بحرمان ميراثه.\nوعقوبة المدبر إذا قتل سيده ببطلان تدبيره.\nوعقوبة الموصي له ببطلان وصيته.\nومن هذا الباب: عقوبة الزوجة الناشزة بسقوط نفقتها وكسوتها.\nوأما النوع الثاني، غير المقدر: فهو الذي يدخله اجتهاد الأئمة بحسب المصالح ولذلك لم تأت به الشريعة بأمر عام، وقد لا يزاد فيه ولا ينقص كالحدود) .\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين٢/ ٩٨","vol":"1","page":494},{"text":"الفرع الثاني: تنويعها باعتبار أثرها في المال.\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى كلام شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية في التعزيرات المالية وذكر تقسيمه لها إلى ثلاثة أقسام هي:\n١- التعزير بإتلاف المال. مثل شق أوعية الخمر، وتحريق أمكنة الخمارين (٢) .\n٢- التعزير بتغيير المال. مثل تقطيع الستر الذي فيه صورة إلى وسادتين (٣) . ٣- التعزير بتمليك المال. مثل أضعاف الغرم على السارق من غير حرز (٤) . وهذه الأقسام الثلاثة نستطيع تصنيفها على سبيل الاختصار إلى قسمين:\n١- عقوبة في المال: وتشمل، الإتلاف والتغيير.\n٢- عقوبة بالمال: وتشمل، التمليك للمال فقط. والله. أعلم.\nوقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى العديد من الأمثلة من السنة النبوية وذكرها\nفي معرض الاستدلال لمشروعية التعزير بالمال وهذا ما تراه إن شاء الله في الفرع الآتي والله أعلم.\nالفرع الثالث: الخلاف في مشروعية التعزير بالمال (٥) .\nذكر ابن القيم رحمه الله تعالى الخلاف في جواز التعزيرات المالية على قولين حكاها واختار رحمه الله تعالى استمرار مشروعيتها ودلل على ذلك بأدلة من السنة المشرفة وعمل الخلفاء الراشدين ﵃ ومن بعدهم من الأئمة ثم ناقش\n_________\n(١) انظر: الطرق الحكمية ص/٣١٣. ومجموع فتاوى ابن تيمية ٣٨/١١٣. في رسالته (الحسبة)، وتبصرة الحكام لابن فرحون بهامش فتاوى عليش ٢/٢٩٦- ١٩٧. والتعزير في الشريعة الإسلامية ص/٣٣٥- ٣٣٨.\n(٢) انظر: فيما تقدم ص/٥٩٠.\n(٣) انظر: مجموع فتاوى بن تيمية ٢٨/١١٥.\n(٤) انظر: فيما تقدم ص/٦٦٦.\n(٥) انظر: الطرق الحكمية ص/٣٠٨- ٣١٢، وزاد المعاد٢/ ٦٦، ٣/٢١٢، ١٧، ٢٨، أعلام الموقعين٢/ ٩٨","vol":"1","page":495},{"text":"دليل الممانع وجمع خلاصة مبحثه هذا بقوله (١):\n(اختلف الفقهاء فيه: هل حكمه منسوخ أو ثابت، والصواب أنه يختلف باختلاف المصالح ويرجع فيه إلى اجتهاد الأئمة، في كل زمان ومكان حسب المصلحة إذ لا دليل على النسخ، وقد فعله الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من الأئمة) . وبيان الخلاف وأدلته ومناقشته مفصلًا على ما يلي:\nاختلاف العلماء:\nاختلف العلماء في مشروعية التعزيرات المالية على قولين بيانهما كالآتي:\nالقول الأول: مشروعية التعزيرات المالية فيجوز التعزير بها.\nوفي بيان القائلين به يقول ابن القيم رحمه الله تعالى (٢):\n(وأما التعزير بالعقوبات المالية: فمشروع أيضًا في مواضع مخصوصة في مذهب مالك وأحمد، وأحد قولي الشافعي) .\nوحكاه الشوكاني مذهبًا لآل البيت بلا خلاف بينهم (٣)، وهو مروي أيضًا عن\nأبي يوسف صاحب أبي حنيفة (٤) .\nأدلته:\nاستدل له ابن القيم رحمه الله تعالى بأقضية متنوعة من النبي ﷺ ومن أصحابه\nفي ذلك فقال (٥):\n_________\n(١) انظر: أعلام الموقعين٢/ ٩٨.\n(٢) انظر: الطرق الحكمية ص/٣٠٨. وتبصرة الحكام بهاش فتاوى عليش ٢/٢٩٨، والتعزير في الشريعة الإسلامية. ونيل الأوطار ٤/١٣٩.\n(٣) انظر: نيل الأوطار ٤/١٣٩.\n(٤) انظر: حاشية بن عابدين ٣/١٨٤، والتعزير في الشريعة الإسلامية ص/٣٣١.\n(٥) انظر: الطرق الحكمية ص/٣٠٨- ٣٠٩","vol":"1","page":496},{"text":"(وقد جاءت السنة بذلك عن النبي ﷺ وعن أصحابه بذلك في مواضع:\nمنها: إباحته ﷺ سلب الذي يصطاد في حرم المدينة لمن وجده (١) .\nومثل: أمره بكسر دنان الخمر وشق ظروفها (٢) .\nومثل، أمره لعبد الله بن عمر بأن يحرق الثوبين المعصفرين (٣) .\nومثل: أمره ﷺ - يوم خيبر- بكسر القدور التي طبخ فيها لحم الحمر الأنسية\nثم استأذنوه في غسلها، فأذن لهم، فدل على جواز الأمرين لأن العقوبة لم تكن واجبة بالكسر (٤) .\nومثل: هدمه مسجد الضرار (٥) .\nومثل: تحريق متا الغال (٦) .\nومثل: حرمان السالب الذي أساء على نائبه (٧) .\nومثل: إضعاف الغرم على سارق ما لا قطع فيه من الثمر والكثر (٨) .\nومثل: إضعافه الغرم على كاتم الضالة (٩) .\nومثل: أخذه شطر مال مانع الزكاة عزمة من عزمات الرب تعالى (١٠) .\nومثل: أمره ﷺ لابس خاتم الذهب بطرحه، فطرحه، فلم يعرض له أحد.\n_________\n(١) انظر: نيل الأوطار ٤/١٣٩ والحديث رواه مسلم.\n(٢) انظر: فيما تقدم ص/٣٢٠.\n(٣) انظر: رواه مسلم من حديث ابن عمر انظر صحيح مسلم ٣/١٦٤٧ تحقيق فؤاد عبد الباقي.\n(٤) انظر: زاد المعاد ٢/١٤٢.\n(٥) انظر: زاد المعاد ٣/ ١٧.\n(٦) انظر: زاد المعاد ٢/ ٦٦ وقال فيه (وأمر بتحريق متاع الغال، وضربه وحرقه الخليفتان بعده) وانظر: تلخيص الحبير ٤/ ٨١، ونيل الأوطار ٤/١٣٩.\n(٧) انظر: الحديث فيه مطولًا في سنن أبي داوود ٣/١٦٣- ١٦٥.\n(٨) انظر: فيما تقدم ص/٣٦٤.\n(٩) انظر: نيل الأوطار ٤/١٣٩.\n(١٠) انظر: نيل الأوطار ٤/١٣٨.\n(٦) انظر: سنن أبي داوود ٤/٤٢٨ رواه من حديث بريدة ﵁.","vol":"1","page":497},{"text":"ومثل: قطع نخل اليهود، إغاظة لهم (١) .\nومثل: تحريق عمر وعلي ﵄ المكان الذي يباع فيه الخمر (٢) . ومثل: تحريق عمر ﵁ قصر سعد بن أبي وقاص لما احتجب فيه عن الرعية (٣) ..\nوهذه قضايا صحيحة معروفة، وليس يسهل دعوى نسخها.\nوجه الاستدلال:\nأنه ثبت عن النبي ﷺ التنوع في العقوبات المالية على وجه الإتلاف: كما في كسر دنان الخمر وشق ظروفها، والتحريق لمتاع الغال والثوبين المعصفرين، وتغييرًا كما في قصة الستار، ومضاعفة للغرم على السارق من غير حرز، وعلى كاتم الضالة ونحو ذلك في أقضية الصحابة ﵃ على حسب اختلاف الأحوال ومراعاة المصالح ودفع المفاسد والله أعلم.\nالقول الثاني: عدم جواز التعزير بالمال.\nوهو مذهب أبي حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن والشافعي في قوله الأخير (٤) .\nأدلته:\nادعى أرباب هذا القول أن التعزيرات المالية منسوخة وأن الإجماع قد قام على نسخها فلا تشرع العقوبة بها (٥) .\n_________\n(١) سورة الحشر قوله تعالى (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليجزي الفاسقين) الآية رقم (٥) .\n(٢) انظر: فيما تقدم ص/٣٢١.\n(٣) انظر: زاد المعاد ٣/ ١٧.\n(٤) انظر: حاشية ابن عابدين ٣/١٨٤، ونيل الأوطار ٤/١٣٨، والتعزير في الشريعة الإسلامية ص/٣٣١.\n(٥) انظر: نيل الأوطار٤ /١٣٨- ١٣٩، والتعزير في الشريعة الإسلامية ص/٣٣٣","vol":"1","page":498},{"text":"مناقشة ابن القيم لهذا الدليل:\nأبطل ابن القيم رحمه الله تعالى دعوى النسخ هذه بأنه لا دليل عليها من كتاب ولا سنة ولا إجماع يدل على صحة دعوى النسخ فأين الدليل الناسخ؟ وفي هذا يقول رحمه الله تعالى (١):\n(ومن قال: إن العقوبات المالية منسوخة، وأطلق ذلك، فقد غلط على مذاهب الأئمة نقلًا واستدلالا، فأكثر هذه المسائل: سائغ في مذهب أحمد وغيره وكثير منها سائغ عند مالك. وفعل الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة لها بعد موته ﷺ مبطل أيضًا لدعوى نسخها، والمدعون للنسخ ليس معهم كتاب ولا سنة ولا إجماع يصحح دعواهم، إلا أن يقول أحدهم: مذهب أصحابنا عدم جوازها فمذهب أصحابه عيار للقبول والرد؟ وإذا ارتفع عن هذه الطبقة: ادعى أنها منسوخة بالإجماع. وهذا خطأ أيضًا، فإن الأمة لم تجمع على نسخها ومحال أن ينسخ الإجماع السنة، ولكن لو ثبت الإجماع لكان دليلا على نص ناسخ) .\nوالنووي رحمه الله تعالى وهو من كبار الشافعية قد نفى الإجماع على النسخ ورفض النسخ فقال (الذي ادعوه من كون العقوبة كانت بالأموال في أول الإسلام ليس بثابت ولا معروف، ودعوى النسخ غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ) (٢) .\nالترجيح:\nهذه هي آراء العلماء وأدلتهم وأرجح القولين فيما يظهر لي والله أعلم- هو جواز التعزير بالمال إذا تحققت المصلحة التعزيرية كما اختاره الإمام ابن القيم والله أعلم.\n_________\n(١) انظر: الطرق الحكمية ص/٣٠٩.\n(٢) انظر: نيل الأوطار ٤/١٣٨","vol":"1","page":499},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-284>الخاتمة\nفي خلاصَة البحث ونتائجه</span>\nالحمد لله أولا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا وبعد:\nفهذه خاتمة تضم خلاصة معتصرة للبحث ونتائجه المنثورة بين دفتي هذه الرسالة لنضع الرسالة أمام القارئ على طرف الثمام.\nفي هذا المضمار جمعت ما تناثر في كتب ابن القيم من مباحثه في ذلك التي بلغت\nما يقرب من خمسين مبحثًا، يدخل في تضاعيفها مباحث أخرى تقارب عشرين مبحثًا فيها تجليته لحكمة التشريع ودفع إيرادات المعترضين على الكثير من هذه العقوبات، وفيها معرفة مدى وقوفه على مذاهب الناس واختلافهم، وما يستدل لهم به ومناقشتها، وفيها كيفية تخليصه الاختيار في المبحث عن قناعة ودراية ودربة في منهجه اللطيف المنبئ عن شفوف النظر ودقة الفهم.\nومن وراء هذه الاختيارات فقد تحصل لي نتيجة هامة وهي أنه ليس في اختياراته رحمه الله تعالى مسألة خرق فيها الإجماع، وأن هذه دعوى عريضة طالما شغب عليه بها خصومه- ويتكشف زيفها في أمثال هذه الدراسات. وعليه فإن اختياراته رحمه الله تعالى في ذلك يمكن تصنيفها على ما يلي:\n١- اختيارات وافق فيها الجماهير بما فيهم الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى. ب- اختيارات خالف فيها الأئمة الأربعة لكن الخلف فيها محكي عن بعض الصحابة أو التابعين.","vol":"1","page":500},{"text":"ج- اختيارات وافق فيها الجمهور لكن خالف فيها مذهب الإمام أحمد.\nد- اختيارات وافق فيها المذهب أو المشهور منه وخالف الجمهور.\nهـ- مباحث حكى الخلاف فيها ولم يجزم برأي له فيها.\nومواقع مباحثه من هذه الفقرات على ما يلي:\nأ- الاختيارات التي وافق فيها الجمهور بما فيهم الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى وهي على ما يلي:\nاختياره أن الزاني المحصن لا يجمع له بين الجلد والرجم بل حده الرجم فقط. وهذا مذهب الجمهور منهم الأئمة الأربعة والرواية الثانية عن الإمام أحمد: الجمع.\nاختياره: أن عقوبة الخمر حدية لا تعزيرية.\nاختياره: اشتراط الحرز في السرقة. اختياره: شرط انتفاء الشبهة في حد السرقة.\nاختياره: أن من سرق من شيء له فيه حق درئ عنه الحد.\nتقريره: ردة ساب النبي ﷺ وقتله كفرًا.\nتقريره: كفر من قذف عائشة ﵂ وردته.\nتقريره: أن التوبة بعد القدرة لا تسقط الحد اتفاقا.\nتقريره: أن توبة المحارب قبل القدرة تسقط عنه الحد اتفاقًا.\nب- اختيارات خالف فيها الأئمة الأربعة لكن الخلف فيها محكي وهذه على ما يلي:\n١- إنكاره قصر معنى لفظ \" الحد \" على العقوبات المقدرة كما هو مدون لدى أرباب المذاهب الأربعة وغيرهم. وبيانه أن لفظ \" الحد\" في لسان الشارع","vol":"1","page":501},{"text":"أعم: فيفيد ذا تارة ويفيد لفظ \"حدود الله\" بمعنى حقوق الله، والله أعلم.\n٢- اختياره: قتل الشارب في الرابعة بالنص تعزيرًا. وأن هذا قول جماعة من السلف وهو اختيار ابن تيمية، بل قال ابن حزم: يقتل حدًا. وروى قتله\nعن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو، والأئمة الأربعة على خلافه فلا يقتل، والله أعلم.\nوهذا منشأ الغلط على ابن القيم وغيره من أهل العلم إذا خالف المحقق في مسألة\nما هو مدون في المذاهب الأربعة قالوا: خرق الإجماع: بينما المسألة قد تجاذبتها النصوص والخلاف.\nج- اختيارات خالف فيها مذهب الإمام أحمد أو المشهور من مذهبه ووافق فيها الجمهور، وهي على ما يلي:\n١- اختياره: وجوب حد القذف بالتعريض، وهذا مذهب مالك والثلاثة على خلافه.\n٢- اختياره: إقامة حد الزنى بالحبل، وهذا مذهب مالك وأحمد في الرواية الثانية عنه، والجمهور على خلافه.\n٣- اختياره: أن الإسلام ليس شرطًا في الإحصان: وهذا مذهب الشافعي وهو الرواية الثانية عن أحمد، والجمهور على خلافه.\n٤- اختياره: أن عقوبة الشارب أربعون حدًا والأربعون الزائدة عليها تعزيرًا وهذا مذهب الشافعي والرواية الثانية عن أحمد.\n٥- اختياره: إقامة حد الخمر بالقرينة الظاهرة: وهذا مذهب مالك والرواية الثانية عن الإمام أحمد، والجمهور على خلافه.","vol":"1","page":502},{"text":"٦- اختياره: أن من تمام توبة السارق ضمان قيمة المسروق إن كان قادرًا، وهذا مذهب المالكية، والخلاف للجمهور.\n٧- اختياره: مشروعية التعزيرات المالية. وهذا مذهب المالكية، وعن الشافعية والحنابلة في مواضع، والخلاف للحنفية.\nد- اختيارات وافق فيها المذهب أو المشهور منه وخالف الجمهور، وهي على ما يلي:\nاختياره: قبول توبة مرتكب الجريمة الحدية قبل القدرة عليه. وهذا مذهب الشافعي وأحمد، والخلاف للجمهور.\nاختياره: أن من وطئ جارية امرأته فيعزر بمائة جلدة إن كانت أحلتها له. وهذا مذهب أحمد، والجمهور على خلافه.\nاختياره: أن نكح ذات محرمه فحده القتل. وهو الرواية عن أحمد والجمهور على خلافه.\nاختياره: أن عقوبة اللواط القتل بكل حال محصنًا أو غير محصن. وهذا مشهور المذهب وأحد القولين عند الشافعي.\nاختياره: قتل من وطئ بهيمة فحكمه حكم اللوطي، على ما يظهر من سياق كلامه. وهذا هو الرواية عن أحمد، والجمهور على خلافه.\nاختياره: أن الإقرار في السرقة لا بد من تكراره مرتين. وهذا مذهب الحنابلة خلافًا للثلاثة.\nاختياره: قطع جاحد العارية. وهو الرواية المقدمة في المذهب، والثلاثة على خلافه.","vol":"1","page":503},{"text":"هـ- مباحث حكى الخلاف فيها ولم يجزم باختيار له فيها، وهي:\n١- القاذف المحدود إذا تاب هل تقبل شهادته: حكى الخلاف ولم يجزم فيه بشيء.\n٢- الإتيان على أطراف السارق: تكلم على هذا المبحث ولم يفصح عن اختيار له فيه، والله أعلم.\nهذه إلماعة موجزة عن اختيارات ابن القيم في الحدود والتعازير يقف القارئ من خلالها على نتيجتين:\nالأولى: أنه ليس له فيها اختيار خرق فيه الإجماع.\nالثانية: أنه لم يكن متعصبًا لمذهب الإمام أحمد، بل قبلة مقصده وجهة جهده: نحو الدليل وما دل عليه، والله أعلم.\n(٢)\nهذا وإن محبتي للشيخ شمس الدين ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى وإعجابي بشخصه وعلومه وملازمتي الدائبة لكتبه لم يمنعني ذلك من إبداء التنبيه على ما ينبغي التنبيه عليه من تقييد رأي أطلقه، أو أثر سكت عن درجته. كما لم يمنعني ذلك من إبداء ما يخالف اختياره أو التوقف حيث لم يظهر لي الوقف بجلاء وهذه المواقف أبينها على ما يلي:\n١- تقييد ما أطلقه:\nفي معرض بحثه لإقامة حد الزنى بالحبل: ذكر أن هذا هو قول عمر ﵁ وهو مذهب مالك وأحمد في إحدى الروايتين عنه.. وبينت أن هذا ليس على إطلاقه عند من ذكر بل هو مقيد عندهم بأمرين على ما أوضحتهما.","vol":"1","page":504},{"text":"وفي معرض بحثه للحد بالتعريض: رأى رحمه الله تعالى وجوب الحد بالتعريض،\nولم يقيده فيما إذا احتف بقرائن تدخل التعريض بالقذف أو لا. وقد استظهرت أن رأيه وإن لم يقيده صراحة لكن يستفاد من عموم بحثه تقييده بذلك.\nوفي مبحث النهي عن الانتباذ في بعض الأوعية: قررت أن رأيه هو نسخ النهي، وأن ما ذكره في بعض المواضع من النهي عن ذلك إنما ذكره للتدليل على قاعدة سد الذرائع، وهذا سائغ حين كان وقت النهي- فلا عتب على ابن القيم في هذا والله أعلم..\nوفي مبحث تأخير الحدود في الغزو: ضعف الحديث في ذلك في موضع، واستدل به على التأخير للحد في موضع آخر وساقه بصيغة الجزم. وبينت أنه لا تضارب في هذا لأن الحديث ضعيف ضعفًا محتملا وعليه يحمل قوله بالتضعيف.\nب- وفي مجال التعقب والمناقشة:\nفي معرض بحثه رحمه الله تعالى لتأخير الحد في الغزو: استدل له من الأثر بأثر عمر ﵁ من رواية سعيد بن منصور في سننه فقط. وهو ضعيف بهذا الإسناد. فبينت أن الأثر ضعيف بهذا الإسناد، وأنه أثر حسن الإسناد لكن من طريق آخر لم يسقها ابن القيم رحمه الله تعالى فذكرتها. وفي مبحث ذكره لحيلة جائزة لإبطال الشهادة على الزنى: ذكر الحيلة في مواضع مقررًا جوازها، وفي أخرى مقررًا لمنعها وإبطالها. فنبهت على ذلك، ورجحت جانب المنع على الجواز.\nوفي معرض بحثه لحكم قبول شهادة القاذف بعد توبته: بين استدلال الحنفية على منع قبولها من أن هذا هو مقتضى حكمة الشرع في التغليظ والزجر. ثم ذكر رد هذا ومناقشة الحنفية فيه من الجمهور.","vol":"1","page":505},{"text":"وأوضحت أنه لا منافاة بين الاستدلال وما نوقش به وخرجت ذلك على وجه يحسن الوقوف عليه.\nوفي هذا المبحث أيضًا: أورد ابن القيم دليلا قياسيًا للجمهور على شهادة القاذف بعد توبته وتعقب الحنفية له. وأوضحت أنه لا منافاة بين التعقب وما استدل به الجمهور في ذلك.\nوفي مبحث حكمة الشرع في تحريم الخمر: ذكر أن مقر العقل الدماغ، فبينت\nأن هذا على خلاف اختياره للقول الذي يدل عليه الكتاب والسنة من أن مقر العقل القلب، وقد ذكره ابن القيم ودلل عليه.\nوكلام ابن القيم العارض في أن مقر العقل الدماغ سياق له في غير مساقه، وقد تقرر من القاعدة لدى أهل العلم: أن السياق للشيء في غير مساق له لا يعتبر رأيًا لصاحبه.\nوفي مبحث أن المسجد حرز لما يعتاد وضعه فيه: استدل ابن القيم عليه بحديث الترس، وناقشت ابن القيم في هذا لأن الترس ليس من آلات المسجد المعتاد وضعها فيه، وبينت وجه الحديث في ذلك.\nوفي مبحث أنه لا قطع على من سرق شيئًا له فيه حق: استدل بحديث ابن عباس عند ابن ماجه ولم يبين درجته. فبينت أن الحديث ضعيف لا تقوم به حجة وأقمت الأدلة من وجوه أخر.\nوفي مبحث اختياره لقطع جاحد العارية: استدل عليه بقياس جاحد العارية على السارق فهو أولى بالقطع منه. فأوضحت أن هذا القياس متعقب بعدة أمور فصلت القول فيها.\nوفي مبحث توبة السارق: هل من لازم توبته ضمان المسروق: ذكر استدلال","vol":"1","page":506},{"text":"الحنفية على نفي ذلك بحديث \" أنه قضى في السارق إذا أقيم عليه الحد: أنه لا غرم عليه \". وذكر تعقب الجمهور لهذا الاستدلال. فتعقب هذه المناقشة من وجهين يتضح منهما عدم تسليم التعقب عنه والله أعلم.\nج- وفي مجال الترجيح والاختيار:\nبعد الوقوف على الخلاف وأدلته واختيارات ابن القيم في ذلك فإن الأمانة تقضي ألا أرجح إلا ما أعتقده، وأن أقف حيث يقف علمي وإدراكي. وإن موقفي من اختيارات ابن القيم رحمه الله تعالى يتمثل في ثلاث نقاط:\nالأولى: موافقتي له في الكثير الغالب من اختياراته.\nالثانية: مخالفتي له في بعضها.\nالثالثة: التوقف في البعض الآخر.\nوأن خلاصة البحث تقتضي بيان النقطتين الأخيرتين ومنهما يتضح بيان ما حصلت موافقته فيه، وذلك على ما يلي:\n١- ابن القيم رحمه الله تعالى يرى إقامة حد الزنى بالحبل. وقد ظهر لي عدم إقامة الحد بالحبل وفصلت وجهة نظري في ذلك.\n٢- ابن القيم رحمه الله تعالى اختار قتل الشارب في الرابعة تعزيرًا بالنص من السنة. وقد ظهر لي ثبوت نسخ دليل القتل في الرابعة، وأن الصحيح قتله تعزيرًا بالرجوع إلى قاعدة: القتل سياسة لمن لا يندفع فساده إلا بقتله لا بموجب النص.\n٣- ابن القيم رحمه الله تعالى يختار إقامة الحد على الشارب بالرائحة. وقد ظهر لي عدم إقامته في تحليل مسهب.","vol":"1","page":507},{"text":"٤- ابن القيم رحمه الله تعالى اختار في توبة السارق ضمان المسروق إن كان له مال وقد ظهر لي ضمانه بكل حال وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة.\n٥- ابن القيم رحمه الله تعالى اختار القطع بسرقة ما اعتيد وضعه في المسجد فهو حرز لذلك واستدل بحديث الترس. وقد ظهر لي عدم دلالة الحديث ولم أر\nفي المسألة ما يفيد الجزم بأحد القولين، وهذا مما أستخير الله فيه.\n٦- ابن القيم رحمه الله تعالى اختار القطع بوجود المسروق في حوزة السارق ودلل عليه بقوله:\" لم يزل الأئمة والخلفاء يحكمون بالقطع إذا وجد المسروق مع المتهم.. \". ولم أزل متطلعًا إلى الوقوف على هذه الأقضية ولم يحصل الوقوف على شيء منها فسبيلي الوقف حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين..\nوأختتم هذه الخلاصة المختصرة لمباحث الرسالة بما بدأت به رسالتي هذه من دعاء أمير المؤمنين عمر ﵁، فأقول داعيًا:\n(اللهم أجعل عملنا كله صالحًا، واجعله لوجهك خالصًا. ولا تجعل لأحد فيه شيئًا) .\nواللهم ارحم ابن القيم رحمة واسعة تبل بها ثراه وترحم بها وحدته وتؤنس بها وحشته، وتدخله بها جنتك، وتجمعنا به فيها: آمين. والله الموفق.","vol":"1","page":508}]}