{"ً":{"ٌ":1064,"ٍ":"ضوابط التكفير في ضوء السنة النبوية","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"files":["https://archive.org/download/hkmrasna/dwbttkfr.pdf"]},"ّ":"الكتاب: ضوابط التكفير في ضوء السنة النبوية\nالمؤلف: نوال بنت عبد العزيز العيد\nالناشر: دار الحضارة للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٤ هـ - ٢٠١٣ م\nعدد الصفحات: ٧٢\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":195,"ٕ":1,"ٖ":1780758904,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":1},{"title":"أهمية الموضوع","level":2,"page":2},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":4},{"title":"التمهيد","level":1,"page":5},{"title":"المبحث الأول ضوابط عامة في التكفير في ضوء السنة النبوي","level":1,"page":8},{"title":"الضابط الأول التكفير حكم شرعي، وحق لله رب العالمين","level":2,"page":8},{"title":"الضابط الثاني أهلية المكفر","level":2,"page":9},{"title":"أ. تعريف الأهلية","level":3,"page":9},{"title":"ب. شروط المكفر","level":3,"page":9},{"title":"ت. النصوص الواردة في أهلية المكفر","level":3,"page":11},{"title":"ث. أقسام المكفرين","level":3,"page":13},{"title":"القسم الأول: أن يكون المكفر من صلحاء الأمة متأولا مخطئا، وهو ممن يسوغ له التأويل","level":4,"page":13},{"title":"القسم الثاني: المكفر لأحد من هذه الأمة يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان من كتاب الله وسنة رسوله","level":4,"page":13},{"title":"القسم الثالث: من أطلق لسانه بالتكفير لمجرد عداوة","level":4,"page":14},{"title":"القسم الرابع: الذين يكفرون بما دون الشرك من الذنوب، كالسرقة، والزنا، وشرب الخمر","level":4,"page":15},{"title":"الضابط الثالث الحكم بالظاهر","level":2,"page":15},{"title":"أ. تعريف الظاهرة","level":3,"page":17},{"title":"ب. الحكم بالظاهر وأدلة ذلك","level":3,"page":17},{"title":"الضابط الرابع التفريق بين التكفير المطلق والتكفير المعين","level":2,"page":25},{"title":"أ. نصوص تحذر من إطلاق تكفير المعين.","level":3,"page":26},{"title":"ب. أقوال أهل العلم في النهي عن تكفير المعين دون قيام حجة","level":3,"page":31},{"title":"المبحث الثاني ضوابط تكفير المعين في ضوء السنة النبوي (الشروط والموانع)","level":1,"page":35},{"title":"أولا: العلم شرط ومانعه الجهل","level":2,"page":35},{"title":"أ. أدلة العذر بالجهل","level":3,"page":36},{"title":"ب. بعض المسائل المهمة","level":3,"page":40},{"title":"ثانيا: القصد شرط، ومانعه الخطأ","level":2,"page":44},{"title":"ثالثا: الإرادة شرط ومانعها الإكراه","level":2,"page":48},{"title":"أ. أنواع الإكراه","level":3,"page":48},{"title":"ب. الأدلة على شرط الإرادة، والعذر بالإكراه","level":3,"page":50},{"title":"ت. شروط الإكراه","level":3,"page":52},{"title":"رابعا: عدم التأويل شرط ومانعه التأويل","level":2,"page":55},{"title":"أنواع التأويل","level":3,"page":56},{"title":"أقوال العلماء في التأويل الذي يعذر به صاحبه","level":3,"page":59},{"title":"المتأول غير المعذور بخطئه","level":3,"page":62},{"title":"وخلاصة القول في حكم المتأول المخطئ","level":3,"page":64},{"title":"الخاتمة","level":1,"page":66}],"ٛ":{"1,5":1,"1,6":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67},"ٜ":{"1":[5,71]},"ٝ":["1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71"],"ٞ":{"1":[1],"2":[2],"4":[3],"5":[4],"8":[5,6],"9":[7,8,9],"11":[10],"13":[11,12,13],"14":[14],"15":[15,16],"17":[17,18],"25":[19],"26":[20],"31":[21],"35":[22,23],"36":[24],"40":[25],"44":[26],"48":[27,28],"50":[29],"52":[30],"55":[31],"56":[32],"59":[33],"62":[34],"64":[35],"66":[36]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"<span data-type='title' id=toc-1>المقدمة</span>\nالحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد:\nفإن المتأمل لكثير من القضايا التي تشهدها ساحتنا الإسلامية سواء على المستوى العقدي أو التشريعي أو الفكري أو النفسي أو الاجتماعي يقف على حاجة المسلم الماسة إلى تأصيل شرعي لموقف المسلم منها في ضوء القرآن وصحيح السنة، ومن القضايا التي برزت على الساحة الإسلامية قضية (التكفير)، وقد كثر الخوض فيه قديما وحديثا، وهو مضلة أفهام ومزلة أقدام، قد يفضي إلى التناحر والشقاق واستحلال الحرام باسم الدين. وقد انقسم الناس فيه إلى طرفين ووسط؛ طرف يعتقد أن التكفير شرط فيه الاستحلال أو الجحود فمن أتي بأي معصية ما لم يستحلها لا يكفر حتى وإن كانت هذه المعصية كفرا منصوصا عليه، وقد يحكمون على الأعمال الكفرية بأنها غير مكفرة وأنها من المعاصي التي هي دون الكفر، وقابلهم في تطرفهم طائفة أخرى تكفر بالشبهات وتتصيد","vol":"1","page":5},{"text":"الزلات والعثرات، وينصب أحدهم نفسه بلا أهلية معتبرة شرعا قاضيا يحكم على من يشاء بما شاء، فيكفر ويخرج من أراد من حظيرة الإسلام، غير مكترث لخطورة هذا الأمر عليه وعلى المجتمع وعلى وحدة الصف الإسلامي، والحق وسط بين هؤلاء وهؤلاء، كوسطية أهل السنة والجماعة بين الفرق المائلة يمينا أو يسارا عن الصراط، ولهذا لم يترك السلف (تكفير المسلمين) مع خطورته حمى مستباحا لكل أحد، بل درسوه وأصلوه وضبطوه، وقد جاء هذا البحث (ضوابط التكفير في ضوء السنة النبوية) إسهاما في تناول هذه القضية تناولا تأصيليا من خلال حديث رسول الله -ﷺ-، أضف إلى الآتي:\n١. إن فتنة التكفير التي مزقت جسد الأمة الإسلامية هي أول البدع والفتن ظهورا في الإسلام، وهي منبع لكثير من الانحرافات العقائدية والسلوكية والخلقية والنفسية التي عانت منها الأمة المسلمة على مدى أربعة عشر قرنا، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \" أول البدع ظهورا في الإسلام وأظهرها ذما في السنة والآثار: بدعة الحرورية المارقة؛ فإن أولهم قال للنبي -ﷺ- في وجهه: اعدل يا محمد","vol":"1","page":6},{"text":"فإنك لم تعدل (^١)، وأمر النبي -ﷺ- بقتلهم وقتالهم وقاتلهم أصحاب النبي -ﷺ- مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب.\nوالأحاديث عن النبي -ﷺ- مستفيضةٌ بوصفهم وذمهم» (^٢).\n٢. خطورة التكفير سواء على من يلقي هذا الحكم بلا أهلية معتبرة شرعا، أو على المجتمع حين تستباح الحرمات وتسفك الدماء باسم الدين.\n٣. التأصيل الشرعي لقضية التكفير وتنقيتها من غلو الخوارج وتفريط المرجئة.\n٤. ضبط التكفير بالضوابط الشرعية التي جاءت في كتاب الله وصحيح سنة رسول الله -ﷺ-.\n٥. تسلل هذه الفتة إلى مجتمعنا بفئاته وشرائحه المختلفة يحتم علينا أن نسهم في تحصين المجتمع منها من خلال التأصيل الشرعي والفهم الصحيح المسألة التكفير.\n٦. حصر ضوابط التكفير من خلال استقراء نصوص الكتاب\n_________\n(^١) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجة (١/ ٦١) وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (١/ ٢٤٤). وأخرجه البخاري كتاب استتابة المرتدين/ باب من ترك قتال الخوارج للتألف (٦/ ٢٤٥٠) ٦٥٣٤، ومسلم كتاب الزكاة (٣/ ٩٣) ٢٤٩٦.\n(^٢) الفتاوى (١٩/ ٧١).","vol":"1","page":7},{"text":"والسنة يشكل حصانة فكرية للمجتمع من فتنة\nالتكفير\n٧. خدمة موضوعات الاعتقاد حديثيا.\nهذا وقد قسمت البحث إلى تمهيد ومبحثين وخاتمة.\nالتمهيد، ويشتمل على تعريف الكفر لغة واصطلاحا، والإشارة إلى خطورة التكفير\nالمبحث الأول: ضوابط عامة في التكفير في ضوء السنة النبوية:\n١. التكفير حكم شرعي، وحق لرب العالمين.\n٢. أهلية المكفِّر.\n٣. الحكم بالظاهر.\n٤. التفريق بين التكفير المطلق، وتكفير المعين.\nالمبحث الثاني: ضوابط تكفير المعين في ضوء السنة النبوية\n(الشروط والموانع).\n١. العلم شرط ومانعه الجهل.\n٢. القصد شرط ومانعه الخطأ.\n٣. الإرادة شرط ومانعها الإكراه.\n٤. عدم التأويل شرط ومانعه التأويل.","vol":"1","page":8},{"text":"<span data-type='title' id=toc-4>التمهيد</span>\nالكفر في لغة العرب، الستر والتغطية، وسموا الزراع كفارا، لسترهم البذور بالتراب، ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠]، وسمي الكافر كافرا لأن الكفر غطى قلبه كله، أو لأنه ستر نعم الله عليه. ويأتي الكفر بمعنى الجحود، يقال: كافرني فلان حقي، إذا جحده، ورجل كافر: جاحد لنعم الله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾ [القصص: ٤٨] أي: جاحدون.\nوأما الكفر في الاصطلاح، فنقيض الإيمان بالله، وهو نوعان:\nكفر أكبر مخرج من الملة: وهو كل كفر أخرج صاحبه من دائرة الإيمان، وقضت النصوص الشرعية بأن صاحبه خالد مخلد في النار، وهو المقصود من البحث، وله ستة أنواع:\nتكذيب، وجحود، وعناد، وإعراض، ونفاق، وشك.\nوكفر أصغر لا يخرج من الملة، وهو كل ما أطلق عليه الشارع كلمة الكفر، وقامت الأدلة على أنه لم يرد الكفر الأكبر المخرج من الملة، وإنما أراد الشارع التهديد والزجر.\nوالتكفير رمي المسلم الذي شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا","vol":"1","page":9},{"text":"رسول الله بالكفر بالله ورسوله، وإخراجه من نور الإيمان والهدى إلى ظلمة الكفر والجهل، ومن سبيل الله إلى سبل الشيطان، وإخراجه من جماعة المسلمين، وانتفاء ولايته على ذريته، وتحريم زوجته عليه، وسقوط إرثه، وعدم حل ذبيحته، وعدم جواز تغسيله، والصلاة عليه إذا مات، وأنه لا يدفن في مقابر المسلمين، وعدم جواز الاستغفار له، وما إلى ذلك من أحكام امتلأت بها كتب الفقه والعقائد، ولذا وقف الإسلام منه موقفا شديدا محذرا من عاقبة إطلاقه، وخطورة التساهل مع المتولين كبره. يقول شيخ الإسلام: «ولا يجوز تكفير المسلم بذنب فعله ولا بخطأ أخطأ فيه كالمسائل التي تنازع فيها أهل القبلة فإن الله تعالى قال: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] وقد ثبت في الصحيح أن الله تعالى أجاب هذا الدعاء وغفر للمؤمنين خطأهم (^١). والخوارج المارقون الذين أمر النبي -ﷺ- بقتالهم قاتلهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالبٍ أحد الخلفاء الراشدين. واتفق على قتالهم أئمة الدين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. ولم يكفرهم علي ابن\n_________\n(^١) أخرجه مسلم كتاب الإيمان (١/ ٨٠، ٨١) ٣٤٤، ٣٤٥.","vol":"1","page":10},{"text":"أبي طالب وسعد بن أبي وقاصٍ وغيرهما من الصحابة بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم لا لأنهم كفارٌ، ولهذا لم يسب حريمهم ولم غنم أموالهم، وإذا كان هؤلاء الذين ثبت ضلالهم بالنص والإجماع لم يكفروا مع أمر الله ورسوله بقتالهم، فكيف بالطوائف المختلفين الذين اشتبه عليهم الحق في مسائل غلط فيها من هو أعلم منهم؟» (^١). وقد كثر الكلام حول التكفير، ولحظ المسارعة فيه، والجرأة عليه، مع أن الخوض فيه دحض مزلة، خصوصا ونحن نرى بعض صغار السن، زادهم من العلم: قيل وقال: ولا يظهر عليهم أثر علم ولا التزام سنة؛ يخوضون في مثل هذه المسائل التي لو عرضت على عمر لجمع لها أهل بدر!. (^٢) وقد جاء هذا البحث متناولا ضوابط التكفير في ضوء السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم التسليم، مبينا أنه لا ينبغي الخوض في التكفير من قبل أن يقف المؤمن على أصوله، ويتحقق من شروطه وموانعه، وإلا أورد نفسه المهالك، وباء بغضب من الله.\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٨٢).\n(^٢) حتى لا تبوء بها الشيخ السحيم بتصرف.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type='title' id=toc-5>المبحث الأول ضوابط عامة في التكفير في ضوء السنة النبوي</span>\n<span data-type='title' id=toc-6>الضابط الأول التكفير حكم شرعي، وحق لله رب العالمين</span>\n(التكفير حكم شرعي، وحق محض للرب ﷾، لا تملكه هيئة من الهيئات، أو جماعة من الجماعات، ولا اعتبار فيه لذوق أو عقل، ولا دخل فيه لحماسة طاغية، أو عداوة ظاهرة، ولا يحمل عليه ظلم ظالم تمادى في ظلمه وغيه، وإنما لا يكفر إلا من كفره الله ورسوله) (^١).\nيقول شيخ الإسلام: \"وهذا بخلاف ما كان يقوله بعض الناس، كأبي إسحاق الإسفراييني ومن اتبعه، يقولون: لا يكفر إلا من يكفر. فإن التكفير ليس حقا لهم، بل هو حق الله، وليس للإنسان أن يكذب على من يكذب عليه، ولا يفعل الفاحشة بأهل من فعل الفاحشة بأهله، بل لو استكرهه رجل على اللواطة، لم يكن له أن يستكرهه على ذلك،\n_________\n(^١) التكفير في ضوء السنة النبوية لباسم الجوابرة (٥٨).","vol":"1","page":12},{"text":"ولو قتله بتجريع خمر أو تلوط به لم يجز قتله بمثل ذلك، لأن هذا حرام لحق الله تعالى، ولو سب النصارى نبينا، لم يكن لنا أن نسب المسيح، والرافضة إذا كفروا أبا بكر وعمر فليس لنا أن نكفر عليا». (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-7>الضابط الثاني أهلية المكفر</span>\nالتكفير حكم شرعي، ومسألة كبرى لا يتصدى لها إلا الأئمة الكبار وأهل العلم الذين أمر الله بسؤالهم والرد إليهم، حين قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] وهذا الضابط سيتناول المؤهل لإصدار حكم التكفير.\n\n<span data-type='title' id=toc-8>أ. تعريف الأهلية:</span>\nيقال: أهلٌ لكذا: أي مستوجب له؛ الواحد والجمع في ذلك سواء.\nويقال: هو أهل ذاك، وأهل لذاك، ويقال: هو أهلة ذلك، وأهله لذلك الأمر تأهيلا، وأهله: رآه له أهلا، واستأهله: استوجبه (^٢).\n\n<span data-type='title' id=toc-9>ب. شروط المكفر:</span>\nلابد أن يكون المكفر عالما مجتهدا، لأن التكفير يقوم على أدلة شرعية إما قرآنية معلومة الثبوت أو حديثية لا يستطيع القطع بثبوتها\n_________\n(^١) منهاج السنة النبوية (٥/ ٢٤٤)\n(^٢) لسان العرب: مادة (أهل).","vol":"1","page":13},{"text":"ولا يمتلك أدوات فهمها فهما سليما إلا العلماء، وأما العوام فالواجب عليهم الرجوع إليهم في هذه المسائل وغيرها من مسائل العقائد والأحكام، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، ويقول رسول الله ﵌ «… إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، بل يصدق بعضه بعضا فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه» (^١).\nوأهل الأهواء من قديم الزمان يسلكون مسلكا مريبا في طعنهم العلماء، ويسقطون هيبتهم من النفوس حتى لا يرجع إليهم، كما سبق أن أسقطوا هيبة الأمراء، وقد قال ابن المبارك: «من استخف بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخف بالأمراء ذهبت دنياه، ومن استخف بالإخوان ذهبت مروءته» (^٢).\n_________\n(^١) أخرجه أحمد في مسنده (١١/ ٣٠٤) قال شعيب الأرنؤوط: صحيح. والطبراني في الأوسط (١/ ١٦٥).\n(^٢) رواه ابن المبارك في الزهد برقم (٦١) وأبو عمرو الداني في الفتن (٢/ ٦٢) وذكره الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (٦٩٥) وانظر: التكفير في ضوء السنة لباسم الجوابرة (٩٢).","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type='title' id=toc-10>ت. النصوص الواردة في أهلية المكفر:</span>\nأمر الله بسؤال أهل الذكر ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣]، قال الشيخ السعدي: (وهذه الآية وإن كان سببها خاصا بالسؤال عن حالة الرسل المتقدمين لأهل الذكر، وهم: أهل العلم؛ فإنها عامة في كل مسألة من مسائل الدين أصوله وفروعه، إذا لم يكن عند الإنسان علم منها، أن يسأل من يعلمه) (^١)\n٢. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] قال الشيخ السعدي: «أمر بطاعة أولي الأمر وهم: الولاة على الناس، من الأمراء والحكام والمفتين، فإنه لا يستقيم للناس أمر دينهم ودنياهم إلا بطاعتهم والانقياد لهم، طاعة لله ورغبة فيما عنده، ولكن بشرط ألا يأمروا بمعصية الله، فإن أمروا بذلك فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق. ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عند الأمر بطاعتهم وذكره مع طاعة الرسول، فإن الرسول لا يأمر إلا بطاعة الله، ومن يطعه فقد أطاع الله، وأما أولو الأمر فشرط الأمر بطاعتهم أن لا يكون معصية». (^٢)\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ٣٢٢).\n(^٢) تفسير السعدي (ص ١٨٣)","vol":"1","page":15},{"text":"٣. ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] قال الشيخ السعدي:\n«هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق. وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهل الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها». (^١)\n٤. روى الإمام مسلم عن جندب أن رسول الله -ﷺ- حدث أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال: \"من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك». (^٢)\nربما نتعاظم جميعا ما قاله ذلك الرجل ونتساءل: من يستطيع أن يقول كما قال ذلك الرجل؟ ومن يستطيع أن يحجر واسعا؟ أو يحكم على مسلم بالخلود في النار؟\nأقول: من يحمل راية التكفير الواسعة يستطيع أن يقول ذلك، بل\n_________\n(^١) تفسير السعدي (ص ١٩٠).\n(^٢) (ص ١٠٥٣) ٢٦٢١ كتاب البر والصلة والآداب.","vol":"1","page":16},{"text":"لا بد أن يقول ذلك؟ ومن يجرؤ على التكفير أو يتساهل في أمره فهو واقع في ذلك لا محالة: وكيف ذلك؟ وإذا حكم على معين بأنه كافر فقد حكم بأن الله لا يغفر له، وقد قال بلسان حاله إن لم يكن بلسان مقاله: والله لا يغفر الله لفلان. وهذا أمر بالغ الخطورة!! (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-11>ث. أقسام المكفرين:</span>\n<span data-type='title' id=toc-12>القسم الأول: أن يكون المكفر من صلحاء الأمة متأولا مخطئا، وهو ممن يسوغ له التأويل:</span>\nفهذا وأمثاله ممن رفع عنه الحرج والتأثيم لاجتهاده، وبذل وسعه، كما في قصة حاطب بن أبي بلتعة؟، فإن عمر؟ وصفه بالنفاق واستأذن رسول الله -ﷺ- في قتله، فقال له رسول الله -ﷺ-: \"وما يدريك أن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم، فقد غفرت لكم» (^٢)، ومع ذلك فلم يعنف عمر على قوله لحاطب: إنه قد نافق.\n\n<span data-type='title' id=toc-13>القسم الثاني: المكفر لأحد من هذه الأمة يستند في تكفيره له إلى نص وبرهان من كتاب الله وسنة رسوله،</span> وقد رأى كفرا بواحا،\n_________\n(^١) (حتى لا تبوء بها) الشيخ السحيم.\n(^٢) أخرجه البخاري كتاب استتابة المرتدين/ باب ما جاء في المتأولين (٦/ ٢٤٥٢) ٦٥٤٠، ومسلم كتاب فضائل الصحابة (٧/ ١٦٧)، ٢٤٩٤.","vol":"1","page":17},{"text":"كالشرك بالله، وعبادة ما سواه، والاستهزاء به تعالى، أو بآياته، أو رسله، أو تكذيبهم، أو كراهة ما أنزل الله من الهدى ودين الحق، أو جحود الحق، أو جحد صفات الله تعالى ونعوت جلاله ونحو ذلك:\nفالمكفر بهذا وأمثاله مصيب مأجور، مطيع لله ورسوله، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ [النحل: ٣٦] فمن لم يكن من أهل عبادة الله تعالى، وإثبات صفات كماله، ونعوت جلاله، مؤمنا بما جاءت به رسله، مجتنبًا لكل طاغوت يدعو إلى خلاف ما جاءت به الرسل، فهو ممن حقت عليه الضلالة، وليس ممن هدى الله للإيمان به، وبما جاءت به الرسل عنه، والتكفير بترك هذه الأصول، وعدم الإيمان بها من أعظم دعائم.\n\n<span data-type='title' id=toc-14>القسم الثالث: من أطلق لسانه بالتكفير لمجرد عداوة،</span> أو هوى، أو المخالفة في المذهب، كما يقع لكثير من الجهال: فهذا من الخطأ البين، والتجاسر على التكفير، والتفسيق، والتضليل، لا يسوغ إلا لمن رأى كفرا بواحا عنده فيه من الله برهان.\nوالمخالفة في المسائل الاجتهادية، التي قد يخفي الحكم فيها","vol":"1","page":18},{"text":"على كثير من الناس، لا تقتضي كفرا ولا فسقا، وقد يكون الحكم فيها قطعيا جليا عند بعض الناس، وعند آخرين يكون الحكم فيها مشتبها خفيا، والله لا يكلف نفسا إلا وسعها.\nوالواجب على كل أحد، أن يتقي الله ما استطاع، وما يظهر لخواص الناس من الفهوم والعلوم، لا يجب على من خفيت عليه عند العجز عن معرفتها، والتقليد ليس بواجب، بل غايته أن يسوغ عند الحاجة، وقد قرر بعض مشايخ الإسلام أن الشرائع لا تلزم إلا بعد البلوغ، وقيام الحجة، ولا يحل لأحد أن يكفر، أو يفسق بمجرد المخالفة للرأي والمذهب.\n\n<span data-type='title' id=toc-15>القسم الرابع: الذين يكفرون بما دون الشرك من الذنوب، كالسرقة، والزنا، وشرب الخمر:</span>\nوهؤلاء هم الخوارج، وهم عند أهل السنة أهل ضلال وبدعة، قاتلهم أصحاب رسول الله -ﷺ-؛ لأن الحديث قد صح بالأمر بقتالهم، والترغيب فيه، وفيه: «أنهم يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم». (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-16>الضابط الثالث الحكم بالظاهر</span>\nاتفق أئمة أهل السنة والجماعة على قاعدة (من ثبت إسلامه فلا يزول بشك)؛ فكانوا أعظم الناس ورعا؛ لأن تكفير المسلم مسألة\n_________\n(^١) الإتحاف في الرد على الصحاف [ص ٢٧].","vol":"1","page":19},{"text":"خطيرة، يجب عدم الخوض فيها دون دليل وبرهان، وينبغي الاحتراز من التكفير ما وجد إلى ذلك سبيلا، فباب التكفير باب خطير، وقد حذر النبي -ﷺ- أن يكفر أحدٌ أحدا دون برهان.\nوالأصل في المسلم السلامة من الفسق والكفر، فإذا تقرر هذا الأصل صار هو القدر المتيقن، و… (اليقين لا يزول بالشك) ولا يعدل عن هذا اليقين أو الأصل إلا بدليل صريح صحيح، أما الظن والتخمين فليس هذا مجاله أبدا. وإذا كانت هذه القاعدة تقرر أنه لا يجوز الحكم بنقض وضوء المسلم إلا بدليل، فكيف الحال عند الحكم بنقض إسلامه بالكلية؟!. (^١)\nويتفرع عن هذا الأصل حرمة دم المسلم وعرضه وماله، ودليله حديث رسول الله -ﷺ- في خطبته يوم النحر في حجة الوداع أخرجه البخاري (^٢) ومسلم (^٣) في صحيحيهما: (.. فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، فليبلغ الشاهد الغائب). (^٤)\n_________\n(^١) قواعد الأحكام (٢/ ٢٦)\n(^٢) كتاب الحج، باب الخطبة أيام منى (٤/ ٣٣٥) ١٧٤١.\n(^٣) كتاب القسامة والمحاربين (٣/ ٢٣٠٥) ١٦٧٩.\n(^٤) [وقفات تأصيلية] (التكفير بين العلم والجهل) د. فهد بن سعد الزايدي الجهني.","vol":"1","page":20},{"text":"وقبل الكلام على أدلة الحكم بالظاهر لابد أن نتعرف على معنى الظاهرة:\n\n<span data-type='title' id=toc-17>أ. تعريف الظاهرة</span>\nظهر يظهر ظهورا فهو ظاهر، والظاهر خلاف الباطن. (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-18>ب. الحكم بالظاهر وأدلة ذلك </span>(^٢):\nهذه من المسائل العظيمة في مذهب أهل السنة في الحكم على الناس، فلا تكون أحكامهم مبنية على ظنون وأوهام أو دعاوي لا يملكون عليها بينات، وهذه من رحمة الله وتيسيره على عباده ومن باب تكليفهم بما يطيقون ويستطيعون، وكل ما سبق المقصود به الحكم الدنيوي على الشخص بالإسلام أو الكفر، أما الحكم على الحقيقة فلا سبيل إليه، يقول الإمام الشاطبي الله -﵀- مبينا أهمية هذا الأصل وخطورة إهماله: (إن أصل الحكم بالظاهر مقطوع به في الأحكام خصوصا، وبالنسبة إلى الاعتقاد في الغير عموما، فإن سيد البشر مع إعلامه بالوحي يجري الأمور على ظواهرها في المنافقين\n_________\n(^١) لسان العرب: مادة (ظهر).\n(^٢) مستفاد من نواقض الإيمان الاعتقادية د. محمد الوهيبي (١/ ٢٠١)","vol":"1","page":21},{"text":"وغيرهم، وإن علم بواطن أحوالهم، ولم يكن ذلك بمخرجه عن جريان الظواهر على ما جرت عليه. لا يقال: إنما كان ذلك من قبيل ما قال: (خوفا من أن يقول الناس أن محمدا يقتل أصحابه) (^١) فالعلة أمر آخر لا ما زعمت، فإذا عدم ما علل به فلا حرج. لأنا نقول: هذا أدل الدليل على ما تقرر، لأن فتح هذا الباب يؤدي إلى أن لا يحفظ ترتيب الظواهر فإن من وجب عليه القتل بسبب ظاهر، فالعذر فيه ظاهر واضح، ومن طلب قتله بغير سبب ظاهر بل بمجرد أمر غيبي ريما شوش الخواطر وران على الظواهر، وقد فهم من الشرع سد هذا الباب جملة ألا ترى إلى باب الدعاوي المستند إلى أن «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» (^٢)، ولم يستثن من ذلك أحدا حتى أن رسول الله -ﷺ- احتاج في ذلك إلى البينة، فقال من يشهد لي؟ حتى شهد له خزيمة بن ثابت (^٣) فجعلها\n_________\n(^١) جزء من حديث، رواه البخاري، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ﴿؟؟؟؟ …﴾ الآية .. الفتح (٨/ ٦٤٨) ٤٦٢٢.\n(^٢) أخرجه البخاري ٨/ ٣٩٨ في تفسير سورة الأحزاب.\n(^٣) أما خزيمة فهو: خزيمة بن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة بن ساعده، أبو عمار الأنصاري المدني، ذو الشهادتين شهد أحدا وما بعدها. استشهد مع علي ﵁ يوم صفين، صحابي جليل وله أحاديث، انظر لترجمته: طبقات ابن سعد ٤/ ٣٧٨، أسد الغابة ٢/ ١٣٣. والإصابة ٣/ ٩٣٠.","vol":"1","page":22},{"text":"الله شهادتين (^١) فما ظنك بأحاد الأمة، فلو ادعي أكذب الناس على أصلح الناس لكانت البينة على المدعي، واليمين على من أنكر وهذا من ذلك والنمط واحد، فالاعتبارات الغيبية مهملة بحسب الأوامر والنواهي الشرعية) (^٢)\nواستند أهل السنة في تقريرهم لهذا الأصل العظيم إلى أدلة كثيرة منها:\n١. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤]\n_________\n(^١) والقصة في هذا: أن النبي -ﷺ- ابتاع فرسا من أعرابي فاستتبعه النبي -ﷺ- ليقضيه ثمن فرسه فأسرع رسول الله -ﷺ- المشي وأبطأ الأعرابي فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس ولا يشعرون أن النبي -ﷺ- ابتاعه فنادى الأعرابي رسول -ﷺ- فقال إن كنت مبتاعا هذا الفرس وإلا بعته فقام النبي -ﷺ- حين سمع نداء الأعرابي فقال «أوليس قد ابتعته منك «فقال الأعرابي لا والله ما بعتكه فقال النبي -ﷺ- «بلى قد ابتعته منك «فطفق الأعرابي يقول هلم شهيدا فقال خزيمة بن ثابت أنا أشهد أنك قد بايعته فأقبل النبي -ﷺ- على خزيمة فقال «بم تشهد؟ «فقال بتصديقك يا رسول الله فجعل النبي -ﷺ- شهادة خزيمة بشهادة رجلين. أخرجه أبو داود (٢/ ٣٣١)، والنسائي (٧/ ٣٠١)، وأحمد (٥/ ٢١٥). وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٣٦٠٧.\n(^٢) الموافقات للشاطبي ٢/ ٢٧١، ٢٧٢.","vol":"1","page":23},{"text":"قال الشوكاني قال: (والمراد هنا: لا تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم لست مؤمنا فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام، وقيل هما بمعنى الإسلام: أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم فقال السلام عليكم: لست مؤمنا والمراد نهي المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر مما يستدل به على إسلامه ويقولوا إنه إنما جاء بذلك تعوذا وتقية) (^١).\nوقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -﵀- (فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل، لقوله تعالى: ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ ولو كان لا يقتل إذا قالها لم يكن للتثبت معنى، إلى أن يقول: (وإن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك) (^٢)\n٢. واستدلوا بقوله -ﷺ-: \" أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام،\n_________\n(^١) فتح القدير ١/ ٥٠١.\n(^٢) كشف الشبهات ٤٩.","vol":"1","page":24},{"text":"وحسابهم على الله». (^١)\nوالشاهد من الحديث قوله (وحسابهم على الله) قال ابن رجب: (وأما في الآخرة فحسابه على الله ﷿، فإن كان صادقا أدخله الله بذلك الجنة، وإن كان كاذبا فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار) (^٢). وقال الحافظ في الفتح: (أي أمر سرائرهم .. وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر) (^٣) وقال الإمام البغوي: (وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملة بعضهم بعضا إنما تجري على الظاهر من أحوالهم دون باطنها، وأن من أظهر شعار الدين أجري عليه حكمه، ولم يكشف عن باطن أمره، ولو وجد مختون فيما بين قتلى غلف، عزل عنهم في المدفن، ولو وجد لقيط في بلد المسلمين حكم بإسلامه) (^٤).\n_________\n(^١) رواه البخاري كتاب الإيمان، ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ .. الآية (الفتح) ١/ ٧٥، ومسلم كتاب الإيمان، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا (لا إله إلا الله محمد رسول الله) (شرح النووي) ١/ ٢١٠.\n(^٢) جامع العلوم والحكم ٨٣.\n(^٣) فتح الباري ١/ ٧٧، وانظر شرح النووي ١/ ٢١٢، وجامع العلوم والحكم ٨٣.\n(^٤) شرح السنة ١/ ٧٠.","vol":"1","page":25},{"text":"٣. واستدلوا أيضا بقصة أسامة؟ المشهورة قال: \"بعشنا رسول الله -ﷺ- في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة) (^١)\nفأدركت رجلا فقال لا إله إلا الله فطعنته فوقع في نفسي من ذلك فذكرته للنبي -ﷺ- فقال رسول الله -ﷺ-: أقال لا إله إلا الله وقتلته قال: قلت: يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا، فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ» (^٢)، (^٣)\nوالحديث فيه زجر شديد وتحذير من الإقدام على قتل من تلفظ بالتوحيد وتحذير صريح من تجاوز الظاهر والحكم على ما في القلب دون بينة، قال النووي -﵀-: (وقوله -ﷺ- أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟\nالفاعل في قوله أقالها هو القلب (^٤)، ومعناه\n_________\n(^١) الحرقات من جهينة: هم بطن من جهينة، وانظر في سبب تسميتهم الفتح ١٢/ ١٩٥.\n(^٢) حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ: (أي لم يكن تقدم إسلامي بل ابتدأت الآن الإسلام ليمحو عني ما تقدم) شرح النووي ٢/ ١٠٤.\n(^٣) رواه مسلم، واللفظ له كتاب الإيمان، \" باب تحريم قتل الكافر بعد قوله لا إله إلا الله \" (مسلم بشرح النووي ٢/ ٩٩)، والبخاري، كتاب الديات \"باب قول الله تعالى: ﴿ومن احياها .. الآية) (الفتح ٧/ ٥١٧، ١٢/ ١٩١)، وانظر أحاديث شبيهة، مسلم بشرح النووي ٢/ ٩٨ - ١٠١، \"كتاب المغازي\" باب بعث النبي -ﷺ- أسامة.\n(^٤) أي أقالها خوفا من السلاح أم لا؟","vol":"1","page":26},{"text":"أنك إنما كلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان، وأما القلب فليس لك طريق إلى معرفة ما فيه فأنكر عليه امتناعه من العمل بما ظهر باللسان، وقال أفلا شققت عن قلبه التنظر، هل قالها القلب واعتقدها وكانت فيه أم لم تكن فيه بل جرت على اللسان فحسب، يعني وأنت الست بقادر على هذا فاقتصر على اللسان فحسب ولا تطلب غيره) (^١) وقال أيضا في تعليقه على قوله -ﷺ-: \"أفلا شققت عن قلبه؟» (وفيه دليل على القاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام فيها بالظاهر والله يتولى السرائر) (^٢)\n٤. ومن الأحاديث العظيمة في هذا الباب حديث جارية معاوية بن الحكم السلمي لما سأل رسول الله -ﷺ-: \" أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة» (^٣).\nقال شيخ الإسلام في تعليقه على هذا الحديث: (… فإن الإيمان الذي علقت به أحكام الدنيا، هو الإيمان الظاهر وهو\n_________\n(^١) مسلم بشرح النووي ٢/ ١٠٤.\n(^٢) نفسه ٢/ ١٠٧.\n(^٣) رواه مسلم كتاب المساجد، \"باب تحريم الكلام في الصلاة\" رقم ٥٣٧.","vol":"1","page":27},{"text":"الإسلام، فالمسمى واحد في الأحكام الظاهرة، ولهذا لما ذكر الأثرم لأحمد احتجاج المرجئة بقول النبي -ﷺ-: \" أعتقها فإنها مؤمنة» أجابه بأن المراد حكمها في الدنيا حكم المؤمنة، لم يرد أنها مؤمنة عند الله تستحق دخول الجنة بلا نار إذا لقيته بمجرد هذا الإقرار) (^١)، (لأن الإيمان الظاهر الذي تجري عليه الأحكام في الدنيا لا يستلزم الإيمان في الباطن الذي يكون صاحبه من أهل السعادة في الآخرة) (^٢)\nولذلك كان -ﷺ- يعامل المنافقين على ظواهرهم مع علمه بنفاق كثير منهم ليقرر هذا الأصل العظيم (فهم في الظاهر مؤمنون يصلون مع الناس ويصومون، ويحجون ويغزون والمسلمون يناكحونهم ويوارثونهم .. ولم يحكم النبي -ﷺ- في المنافقين بحكم الكفار المظهرين للكفر، لا في مناكحتهم ولا موارثتهم ولا نحو ذلك، بل لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول وهو من أشهر الناس بالنفاق ورثه ابنه عبد الله وهومن خيار المؤمنين، وكذلك سائر من كان يموت منهم يرثه ورثته المؤمنون، وإذا مات لأحدهم وارث ورثوه مع المسلمين .. لأن الميراث مبناه على الموالاة الظاهرة، لا على المحبة التي في القلوب، فإنه لو\n_________\n(^١) الإيمان ٣٩٨، وانظر ٢٠١، ٢٠٢، ٢٤٣.\n(^٢) نفسه ١٩٧.","vol":"1","page":28},{"text":"علق بذلك لم تمكن معرفته، والحكمة إذا كانت خفية أو منتشرة علق الحكم بمظنتها، وهو ما أظهروه من موالاة المؤمنين .. وكذلك كانوا في الحقوق والحدود كسائر المسلمين) (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-19>الضابط الرابع التفريق بين التكفير المطلق والتكفير المعين</span>\nمن أصول أهل السنة والجماعة، التفريق بين التكفير المطلق وتكفير المعين، لأنه من الممكن أن يقول المسلم قولا أو يفعل فعلا قد دل الكتاب والسنة وإجماع الأمة على أنه كفر وردة عن الإسلام، ولكن لا تلازم عندهم بين القول بأن هذا كفر، وبين تكفير الشخص بعينه. (^٢)\nفالتكفير المطلق: هو الحكم بالكفر على القول أو العمل، أو الاعتقاد الذي ينافي أصل الإسلام ويناقضه، وعلى فاعليها على سبيل الإطلاق، بدون تحديد أحد بعينه.\nأما تكفير المعين: فهو الحكم على المعين بالكفر، الإتيانه بأمر يناقض الإسلام بعد استيفاء شروط التكفير فيه، وانتفاء موانعه. (^٣)\n_________\n(^١) الإيمان لابن تيمية ١٩٨.\n(^٢) الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة (١٠٧/ ١).\n(^٣) منهج ابن تيمية في مسألة التكفير لعبدالله المشعبي (١/ ١٩٣).","vol":"1","page":29},{"text":"والحكم على الفعل الظاهر بأنه كفر متعلق ببيان الحكم الشرعي مطلقا، وأما الفاعل فلابد من النظر إلى قصده لما فعل والتبيين عن حاله في ذلك قبل الجزم، وليس المراد بالقصد هنا مجرد القصد إلى الفعل فإن هذا لا يتخلف عنه عمل أصلا خلا عمل المجنون والنائم وهو في حقيقته الإرادة الجازمة لتحقيق الفعل بحيث يكون الإنسان معها مخيرا أن يفعل الفعل وأن لا يفعله، وهذا القصد هو مناط ذالتكليف، وإنما المراد القصد هنا القصد بالفعل الذي هو غاية الفاعل من فعله والباعث له عليه، والدافع على تحقيقه ومراده به، ولهذا كان القصد بفعل هو حقيقة النية التي عليها الثواب والعقاب والمدح والذم، وهي المرادة في قول الرسول -ﷺ-، \"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى» (^١) (^٢)\n\n<span data-type='title' id=toc-20>أ. نصوص تحذر من إطلاق تكفير المعين.</span>\nلما كان الأصل في المسلم العدالة، جاءت النصوص الشرعية بالتحذير من إطلاق الكفر على شخص بعينه ما لم تجتمع الشروط\n_________\n(^١) أخرجه البخاري في كتاب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله (١/ ١) ١، ومسلم الإمارة (٦/ ٤٨) ٥٠٣٦.\n(^٢) ضوابط التكفير عند أهل السنة والجماعة لعبد الله القرني ص ٢٧٥.","vol":"1","page":30},{"text":"وتنتفي الموانع، ومن الأحاديث المحذرة من تكفير المسلم:\n١. عن عبد الله بن عمر؟ أن رسول الله -ﷺ- قال: «أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما» (^١).\nوفي رواية عند ابن حبان عن أبي سعيد قال: قال رسول الله: «ما أكفر رجل رجلا قط إلا باء أحدهما بها إن كان كافرا وإلا كفر بتكفيره». (^٢)\nوفي تأويل الحديث أوجه: أحدها: أنه محمول على المستحل لذلك وهذا يكفر.\nوالوجه الثاني: معناه رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره.\nوالثالث: أنه محمول على الخوارج المكفرين للمؤمنين وهذا الوجه نقله القاضي عياض خلاله عن الإمام مالك بن أنس.\n_________\n(^١) أخرجه البخاري كتاب الأدب/ باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال (٥/ ٢٢٤٦) ٥٧٥٣ ومسلم كتاب الإيمان (١/ ٦٥) ٢٢٥.\n(^٢) صحيح ابن حبان (١/ ٤٨٣)، وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٢٠٢)، والخرائطي في مساوئ الأخلاق (١/ ٢٠)، والأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٥٢)، قال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: صحيح لغيره (٣/ ٣٥).","vol":"1","page":31},{"text":"والوجه الرابع: معناه أن ذلك يؤول به إلى الكفر، وذلك أن المعاصي كما قالوا بريد الكفر ويخاف على المكثر منها أن يكون عاقبة شؤمها المصير إلى الكفر، ويؤيد هذا الوجه ما جاء في رواية لأبي عوانة الإسفرايني في كتابه المخرج على صحيح مسلم: «فإن كان كما قال وإلا فقد باء بالكفر» وفي رواية «إذا قال لأخيه يا كافر وجب الكفر على أحدهما» (^١).\nالوجه الخامس: ورجح الحافظ ابن حجر معنى آخر، واستحسنه: أن من قال ذلك لمن يعرف منه الإسلام ولم يقم له شبهة في زعمه أنه كافر فإنه يكفر بذلك .. فمعنى الحديث فقد رجع عليه تكفيره، فالراجع التكفير لا الكفر، فكأنه كفر نفسه لكونه كفر من هو مثله، ومن لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الإسلام، ويؤيده أن في بعض طرقه «وجب الكفر على أحدهما \". (^٢)\n٢. وجاء عند البخاري من حديث ثابت بن الضحاك عن النبي -ﷺ- قال: «من حلف بملة غير الإسلام كاذبا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بشيء عذب به في نار جهنم، ولعن المؤمن كقتله، ومن رمى مؤمنا\n_________\n(^١) ينظر شرح النووي على مسلم (١/ ١٥٣).\n(^٢) فتح الباري ١٧/ ١٩٩","vol":"1","page":32},{"text":"بكفر فهو كقتله» (^١)\n٣. وعن جندب؟ أن رسول الله حدث: «أن رجلا قال والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله تعالى قال من ذا الذي يتألي (^٢) علي، أن لا أغفر لفلان، فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك». أو كما قال (^٣)\n٤. وعن أبي ذر؟ أنه سمع النبي -ﷺ-، يقول: \" لا يرمي رجلٌ رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك» (^٤).\nوعن أبي ذر أيضا أنه سمع رسول الله -ﷺ- يقول: «ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعي ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار، ومن دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك\nإلا حار (^٥) عليه» (^٦).\n_________\n(^١) كتاب الأدب/ باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال (٥/ ٢٢٦٤) ٥٧٥٤.\n(^٢) يتألى: يحلف والألية اليمين. شرح النووي على مسلم (١٦/ ١٧٤).\n(^٣) أخرجه مسلم كتاب البر والصلة والآداب (٨/ ٣٦) ٦٨٤٧.\n(^٤) أخرجه البخاري كتاب الأدب/ باب ما ينهى من السباب واللعان (٥/ ٢٢٤٧) ٥٩٦٨.\n(^٥) حار عليه: رجع عليه، والحور الرجوع. إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للقاضي عياض (١/ ٢٢٤).\n(^٦) أخرجه مسلم كتاب الإيمان (١/ ٧٥) ٢٢٦.","vol":"1","page":33},{"text":"٥. وجاء عن معاذ بن جبل (^١)، وحذيفة (^٢)؟ قال: قال\nرسول الله -ﷺ-: \"أخوف ما أخاف عليكم ثلاث: رجل قرأ كتاب الله حتى إذا رئيت عليه بهجته وكان ردءا للإسلام، أعاره الله إياه، اخترط سيفه فضرب به جاره، ورماه بالشرك، قلنا يا رسول الله الرامي أحق بها أم المرمي؛ قال الرامي» (^٣).\nولما سئل علي بن أبي طالب؟ عن أهل النهروان أمشركون هم؟ قال: «من الشرك فروا، فسئل: أمنافقون هم؟ قال:\n_________\n(^١) أخرجه الطبراني المعجم الكبير (١٤/ ٤٩٧)، وفي المسند الشاميين (٢/ ٢٥٤)، والفسوي في المعرفة والتاريخ (٢/ ٣٥٨). وابن أبي عاصم في السنة (١/ ٢٤)، وفي الديات (١/ ٩١)، وعبد الأنصاري في ذم الكلام وأهله (١/ ١٠٢)، والأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٥٢)، وقال الهيتمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٧٦): رواه الطبراني في الكبير والصغير بنحوه وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف يكتب حديثه. وعلق الشيخ حمود التويجري على كلام الهيتمي في إتحاف الجماعة (١/ ٣٢٥) قال: قد وثقه أحمد وابن معين وحسبك بتوثيقها، ووثقه أيضا العجلي ويعقوب بن شيبة ويعقوب بن سفيان، وروى له البخاري تعليقا ومسلم، وصحح الترمذي حديثه. ويكفي هذا في قبول حديثه)\n(^٢) أخرجه ابن حبان (١/ ٢٨١)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (٢/ ٢٠٢)، وعبد الله الأنصاري في ذم الكلام واهله (١/ ١٠٣)، وابن عساكر في تبيين كذب المفتري (١/ ٤٠٣)، والأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (٢/ ٤٥٣)، ورواه البخاري مختصرا في التاريخ (٤/ ٣٠١)، وقال ابن كثير في تفسيره: إسناد جيد (٢/ ٣٢٤).\n(^٣) صحح متن الحديث الألباني في الصحيحة (٨/ ٢٠٨).","vol":"1","page":34},{"text":"المنافقون لا يذكرون الله إلا قليلا، وأولئك يذكرون الله صباح مساء، وإنما هم إخواننا بغوا علينا» (^١).\n\n<span data-type='title' id=toc-21>ب. أقوال أهل العلم في النهي عن تكفير المعين دون قيام حجة</span>\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية الله -﵀-: (وليس لأحد أن يكفر أحدا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط؛ حتى تقام عليه الحجة، وتبين له المحجة، ومن ثبت إسلامه بيقين لم يزل ذلك عنه بشك؛ بل لا يزول إلا بعد إقامة الحجة، وإزالة الشبهة) (^٢).\nوقال أيضا: (إني من أعظم الناس نهيا عن أن ينسب معين إلى تكفير وتفسيق ومعصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة وفاسقا أخرى، وعاصيا أخرى) (^٣)\nوقال ابن أبي العز الحنفي: (وأما الشخص المعين، إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة، فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له\n_________\n(^١) أخرجه البيهقي (٨/ ١٧٣)، وابن أبي شيبة (٧/ ٥٣٥) وإسناده صحيح.\n(^٢) مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٦٦).\n(^٣) مجموع الفتاوى (٣/ ٢٢٩).","vol":"1","page":35},{"text":"ولا يرحمه بل يخلده في النار، فإن هذا حكم الكافر بعد الموت) (^١).\nوجاء في بيان هيئة كبار العلماء حول الغلو والتكفير وما ينجم عنهما من الفساد:\n(ولما كان مرد حكم التكفير إلى الله ورسوله لم يجز أن نكفر إلا من دل الكتاب والسنة على كفره دلالة واضحة، فلا يكفي في ذلك مجرد الشبهة والظن؛ لما يترتب على ذلك من الأحكام الخطيرة، وإذا كانت الحدود تدرأ بالشبهات، مع أن ما يترتب عليها أقل مما يترتب على التكفير، فالتكفير أولى أن يدرأ بالشبهات). (^٢)\nفتبين مما سبق أن أهل السنة يطلقون التكفير بالعموم، وكذلك الوعيد ولكن الحكم على المعين بالكفر والوعيد لابد فيه من الدقة والاحتياط للتأكد من توفر الشروط وانتفاء الموانع.\n(فإن التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق، لا يستلزم تكفير الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة التي تكفر تاركها، كما ثبت في\n_________\n(^١) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٣١٦).\n(^٢) مجلة البحوث الإسلامية» العدد (٥٦)، (ص ٣٥٧ - ٣٦٢) وكتاب الفتاوى الشرعية في القضايا العصرية جمع وإعداد محمد بن فهد الحصين ٦٥ - ٧٠، وينظر (حديث حول الأحداث ظاهرة الغلو والتكفير الأصول، والأسباب، والعلاج) للد. ناصر العقل ص ١٦.","vol":"1","page":36},{"text":"الصحاح عن النبي -ﷺ- في الرجل الذي قال: (إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم ذروني في اليم؛ فو الله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، فقال الله له: ما حملك على ما فعلت؟ قال: خشيتك. فغفر له) (^١)، فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك أو شك وأنه لا يبعثه وكل من هذين الاعتقادين كفر يكفر من قامت عليه الحجة لكنه كان يجهل ذلك ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده فخاف من عقابه فغفر الله له بخشيته) (^٢).\nلكن ظن بعض المتوهمين بسبب قراءتهم لهذه النصوص وأمثالها أن أهل السنة لا يكفرون المعين، هكذا بالإطلاق، وظنهم هذا شبيه بظن من اعتقد أن أهل السنة يتساهلون في مسألة التكفير، والحق أن أهل السنة يكفرون المعين وذلك إذا قامت عليه الحجة، وزالت الشبهة وانتفت الموانع، وتيقنوا من إصراره وتكذيبه، فلا يمتعون من تكفير المعين مطلقا، بل من أتي بقول كفري يخرجه من الملة أو فعلٍ كفريٍ يخرجه من الملة أو اعتقاد كفري يخرجه من الملة أو شك وارتياب\n_________\n(^١) أخرجه البخاري كتاب التوحيد/ باب قول الله تعالى: (يريدون أن يبدلوا كلام الله) (٦/ ٢٧٢٥) ٧٠٦٧، ومسلم كتاب التوبة (٨/ ٩٧) ٧١٥٦.\n(^٢) الاستقامة لابن تيمية (١/ ١٦٤)","vol":"1","page":37},{"text":"يخرجه من الملة، فإنه بعد اجتماع الشروط وانتفاء الموانع يحكم عليه العالم أو القاضي بما يجب من الردة ومن القتل بعد الاستتابة في أغلب الأحوال.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type='title' id=toc-22>المبحث الثاني ضوابط تكفير المعين في ضوء السنة النبوي (الشروط والموانع)</span>\nلا بد من قيام شروط وانتفاء موانع لتكفير المعين المكلف، وإليك بيانها\n\n<span data-type='title' id=toc-23>أولا: العلم شرط ومانعه الجهل:</span>\nالمسلم لا يكفر بقول أو فعل أو اعتقاد إلا بعد أن تقام عليه الحجة، وتزال عنه الشبهة.\nوالعلم لغة: نقيض الجهل، وهو: إدراك الشيء على ما هو عليه إدراكا جازما. (^١)\nواصطلاحا: قد قال بعض أهل العلم: هو المعرفة وهو ضد الجهل، وقال آخرون من أهل العلم: إن العلم أوضح من أن يعرف. (^٢)\nوالجهل لغة: هو خلو النفس من العلم. (^٣)\n_________\n(^١) لسان العرب، (١٢/ ٤١٦) مادة (ع ل م).\n(^٢) كتاب العلم، ٢ لابن عثيمين\n(^٣) انظر: لسان العرب (١١/ ١٢٩). مادة (ج هـ ل).","vol":"1","page":39},{"text":"واصطلاحًا: هو: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسدا. (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-24>أ. أدلة العذر بالجهل:</span>\n١. قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٥].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «لكن من الناس من يكون جاهلا ببعض هذه الأحكام جهلا يعذر به فلا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥] وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]، ولهذا لو أسلم رجل ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه؛ أو لم يعلم أن الخمر يحرم لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا وتحريم هذا؛ بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية.» (^٢)\n٢. حديث الرجل من بني إسرائيل الذي أمر أهله بإحراقه، وإليك نصه، عن أبي هريرة؟ عن النبي -ﷺ- قال:\n_________\n(^١) انظر: المفردات، ص ١٠٢\n(^٢) مجموع الفتاوى، (١١/ ٤٠٦).","vol":"1","page":40},{"text":"\"كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال البنيه: إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اطحنوني، ثم ذروني في الريح، فو الله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا، فلما مات فعل به ذلك، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت فإذا هو قائم، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر له». (^١)\nقال الحافظ ابن عبد البر؟: (… وأما جهل هذا الرجل المذكور في هذا الحديث بصفة من صفات الله في علمه وقدرته، فليس ذلك بمخرجه من الإيمان ....) ثم استدل على ذلك بسؤال الصحابة؟ وعن القدر (^٢) ثم قال: (ومعلوم أنهم إنما سألوه عن ذلك وهم جاهلون به، وغير جائز عند أحد من المسلمين أن يكونوا بسؤالهم عن ذلك كافرين، … ولم يضرهم جهلهم به قبل أن يعلموه). (^٣)\nوقال الإمام ابن حزم؟ بعدما ذكر الحديث:\n_________\n(^١) أخرجه البخاري كتاب الأنبياء باب «أم حسبت أن أصحاب الكهف الرقيم» (٨/ ٥٩٢) ٣٤٨١ واللفظ له، ومسلم كتاب التوبة (٤/ ٢١٠٩) ٢٧٥٦.\n(^٢) من ذلك: عن عمران بن حصين قال قيل يا رسول الله أعلم أهل الجنة من أهل النار قال فقال «نعم». قال قيل ففيم يعمل العاملون قال «كل ميسر لما خلق له». صحيح مسلم كتاب القدر (٨/ ٤٨) ٦٩٠٧).\n(^٣) التمهيد، (١٨/ ٤٦).","vol":"1","page":41},{"text":"(… فهذا إنسان جهل إلى أن مات أن الله ﷿ يقدر\nعلى جمع رماده وإحيائه، وقد غفر له لإقراره وخوفه وجهله). (^١)\n٣. ومن الأحاديث أيضا ما رواه عبد الله بن أبي أوفى قال: لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي -ﷺ- قال: «ما هذا يا معاذ؟» قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك، فقال رسول الله -ﷺ-: «فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها». (^٢) قال الإمام الشوكاني في التعليق على الحديث: «وفي هذا الحديث دليل على أن من سجد جاهلا لغير الله لم يكفر».) (^٣)\n_________\n(^١) الفصل، (٣/ ٢٥٢).\n(^٢) أخرجه ابن ماجه (١/ ٥٩٥) واللفظ له، وابن حبان (٩/ ٤٧٩) وأحمد بن حنبل (٤/ ٣٨١)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٢٩٢) والشاشي في مسنده (٣/ ٢٣١)، والبزار (٢/ ١٣٣) قال البوصيري في مصباح الزجاجة (١/ ٢٨٥): \"هذا إسناد ضعيف الضعف علي بن زيد بن جدعان في إسناده علي بن زيد وهو ضعيف ولكن للحديث طرف آخر رواه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده هكذا بزيادة في أوله كما ذكره في زوائد المسانيد العشرة، وله شاهد من حديث طلق بن علي رواه الترمذي والنسائي ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث أم سلمة»، وقال الألباني عن: حسن صحيح كما في صحيح سنن ابن ماجة (٤/ ٣٥٣) وينظر صحيح الترغيب والترهيب (٢/ ١٩٧).\n(^٣) نيل الأوطار (٦/ ٢٣٤).","vol":"1","page":42},{"text":"٤. حديث أبي واقد الليثي؟ قال: خرجنا مع رسول الله -ﷺ- إلى حنين ونحن حديثو عهد بكفر وكانوا أسلموا يوم الفتح قال: فمررنا بشجرة قلنا: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كمالهم ذات أنواط، وكان للكفار سدرة يعكفون حولها، ويعلقون بها أسلحتهم، يدعونها ذات أنواط، فلما قلنا ذلك للنبي ﷺ قال: «الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] لتركبن سنن من كان قبلكم.» (^١)\nقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -﵀-: (… وكذلك لا خلاف في أن الذين نهاهم النبي -ﷺ- لو لم يطيعوه\n_________\n(^١) أخرجه الترمذي (٤/ ٤٧٥)، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في الكبرى (٦/ ٣٤٦)، وأحمد (٥/ ٢١٨)، وابن حبان (١٥/ ٩٤)، والطيالسي (٢/ ٦٨٢) وابن أي شيبة (٨/ ٦٣٤)، وعبد الرزاق في المصنف (٢٠٧٦٣) وفي التفسير (٢/ ٤١٥)، والحميدي (٢/ ٣٥٧)، وأبو يعلى (٣/ ٣٠)، والطبراني في الكبير (٣/ ٣٩٣، ٣٩٤، ٣٩٥، ٣٩٦) والبيهقي في المعرفة (١/ ٧٥)، والأزرقي في أخبار مكة (١/ ٩٨)، والطبري في التفسير (١٣/ ٨١، ٨٢)، وابن أبي حاتم في التفسير (٦/ ١٦٦)، وابن أبي عاصم في السنة (٧٦)، واللالكائي في اعتقاد أهل السنة (١/ ١٢٤)، والمروزي في السنة (١/ ٦١)، وعبد الله الأنصاري في ذم الكلام وأهله (٣/ ١١٠) وصححه الألباني كما في المشكاة (٣/ ١٧٤) وظلال الجنة (١/ ٣١).","vol":"1","page":43},{"text":"واتخذوا ذات أنواط بعد نهيه لكفروا، وهذا هو المطلوب، ولكن القصة تفيد أن المسلم بل العالم قد يقع\nفي أنواع من الشرك وهو لا يدري عنها فتفيد لزوم التعلم والتحرز … وتفيد أيضا أن المسلم المجتهد إذا تكلم بكلام كفر وهو لا يدري، فنبه على ذلك، فتاب من ساعته أنه لا يكفر، كما فعل بنو إسرائيل والذين سألوا النبي -ﷺ-». (^١)\n\n<span data-type='title' id=toc-25>ب. بعض المسائل المهمة</span>\n١. مجرد النطق بالشهادتين كافي في الحكم بإسلام الشخص: قال شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: «وقد علم بالاضطرار من دين الرسول -ﷺ-، واتفقت عليه الأمة، أن أصل الإسلام، وأول ما يؤمر به الخلق: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فبذلك يصير الكافر مسلما والعدو وليا، والمباح دمه وماله معصوم الدم والمال» (^٢). يقول الحافظ ابن حجر: «… وفي حديث ابن عباس: (حديث بعث معاذ إلى اليمن من الفوائد: الاقتصار في الحكم بإسلام الكافر إذا أقر بالشهادتين». (^٣)\n\"بعض الباحثين يخلطون بين الحكم الدنيوي والأخروي، فيظنون\n_________\n(^١) كشف الشبهات، ٤٥ - ٤٦، للشيخ محمد بن عبد الوهاب.\n(^٢) ينظر: درء تعارض العقل (٨/ ٧).\n(^٣) فتح الباري (١٣/ ٣٦٧).","vol":"1","page":44},{"text":"أنه يلزم من الحكم بإسلام الشخص، الحكم له بالنجاة في الآخرة، أو يظنون أن الشروط التي ذكرها العلماء لكلمة التوحيد من العلم والإخلاص واليقين .. إلخ، لا يحكم بإسلام الشخص إلا بعد فهم هذه الشروط، ولكن الحقيقة أن مجرد النطق بكلمة التوحيد لا ينجي العبد عند الله إلا بالإتيان بشروطها.\nأما بالنسبة للحكم الدنيوي فمجرد النطق كاف في الحكم بإسلام المرء حتى يتبين لنا ما يناقض ذلك بعد قيام الحجة وبذلك ندرك الخطأ الذي وقع فيه من يرى أن من يقعون في شيء من الشرك من نذر وذبح لغير الله وطواف على القبور ممن شهد بشهادة التوحيد كفار أصليون باعتبارهم لم يفهموا التوحيد.» (^١)\n٢. قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص: قال ابن تيمية -﵀-: «وكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرا مما بعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر، ولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر هذه الأحكام الظاهرة المتواترة؛\n_________\n(^١) نواقض الإيمان الاعتقادية للوهيبي (١/ ٢٣٧).","vol":"1","page":45},{"text":"فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول». (^١)\nويمكن أن يقاس على حديثي العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة، من ينشأ في بلاد يكثر فيها الشرك والانحراف وتضعف بينهم دعوة التوحيد، قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: «وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر عبد القادر، والصنم الذي على قبر أحمد البدوي، وأمثالهما، لأجل جهلهم، وعدم من وينبههم» (^٢)\nيقول الدكتور الوهيبي بعد نقله نصوصا لأهل العلم حول المسألة: «يمكن أن نستخلص من أقوال الأئمة السابقة ما يلي:\nاتفاق الأئمة على أن حديث العهد بالإسلام أو من نشأ ببادية بعيدة يعذر بجهل الأحكام الظاهرة المتواترة\nكوجوب الصلاة والزكاة وتحريم شرب الخمر .. الخ.\nأن من أنكر هذه الأمور في دار إسلام وعلم ولم يكن حديث عهد بإسلام أنه يكفر بمجرد ذلك، وبذلك ندرك خطأ من يظن أن الجاهل لا يكفر مطلقا.\n\" أن هناك أحكاما ظاهرة متواترة مجمع عليها، ومسائل خفية\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٠٧).\n(^٢) مجموعة الشيخ فتاوى ومسائل (٩/ ١١).","vol":"1","page":46},{"text":"غير ظاهرة ولكنها لا تعرف إلا من طريق الخاصة من أهل العلم؛ فهذه من أنكرها من العامة لا يكفر، ولكن من أنكرها من الخاصة يكفر إذا كان مثله لا يجهلها.\n* أيضا يمكن أن يقاس على حديث العهد بالإسلام ومن نشأ ببادية بعيدة، من ينشأ في بلاد يكثر فيها الشرك والانحراف وتضعف بينهم دعوة التوحيد» (^١).\n٣. كيفية قيام الحجة على المعين: لا بد من قيام حجة تنفي عن من تقام عليه أي شبهة أو تأويل، يقول ابن تيمية: وهكذا الأقوال التي يكفر قائلها قد يكون الرجل لم تبلغه النصوص الموجبة لمعرفة الحق، وقد تكون عنده ولم تثبت عنده، أو لم يتمكن من فهمها، وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها، فمن كان من المؤمنين مجتهدا في طلب الحق وأخطأ، فإن الله يغفر له خطأه كائنا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية. هذا الذي عليه أصحاب النبي -ﷺ- وجماهير أئمة الإسلام، وما قسموا المسائل إلى مسائل أصول يكفر بإنكارها، ومسائل فروع لا يكفر بإنكارها». (^٢)\n_________\n(^١) نواقض الإيمان الاعتقادية (١/ ٢٤٢).\n(^٢) مجموع الفتاوى (٢٣/ ٣٤٦).","vol":"1","page":47},{"text":"ويقول الإمام بن حزم -﵀-: «وكل ما قلناه فيه أنه يفسق فاعله أو يكفر بعد قيام الحجة، فهو ما لم تقم الحجة عليه، معذور مأجور وإن كان مخطئا، وصفة قيام الحجة عليه أن تبلغه فلا يكون عنده شيء يقاومها وبالله التوفيق» (^١) ومن هنا يتبين دور العلماء في إقامة الحجة على الجاهل بحيث تنتفي عنه الشبه ويزول الجهل.\n\n<span data-type='title' id=toc-26>ثانيا: القصد شرط، ومانعه الخطأ:</span>\nمن ضوابط تكفير المعين عند أهل السنة أن يكون من تلبس بالكفر مريدا له وقاصدا غير مخطئ.\nالقصد لغة: استقامة الطريق، قصد يقصد قصدا، فهو قاصد، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٩] أي على الله تبيين الطريق المستقيم، والقصد العدل (^٢).\nواصطلاحا. الإرادة. (^٣)\n_________\n(^١) الإحكام، (١/ ٦٧)، لابن حزم.\n(^٢) لسان العرب، (٣/ ٣٠٣) مادة (ق ص د).\n(^٣) حاشية العطار، (٢/ ٥٩).","vol":"1","page":48},{"text":"والخطأ لغة: ضد الصواب. (^١)\nواصطلاحا: كل ما يصدر عن المكلف من قولٍ أو فعلٍ خال عن إرادته وغير مقترن بقصد منه. (^٢)\nأ. الأدلة على شرط القصد، والعذر بالخطأ:\n١. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وثبت في الحديث الصحيح أن الله سبحانه استجاب لهذا الدعاء فقال: فقد فعلت. (^٣)\n٢. قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]\n٣. حديث النعمان بن بشير عن رسول الله -ﷺ-: \"الله أشد فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاةٍ، فانفلتت منه، وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة، فاضطجع في ظلها، قد أيس من راحلته، فبينا هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي\n_________\n(^١) لسان العرب، (١/ ٦٥ - ٦٨) مادة (خ ط أ).\n(^٢) ينظر: المفردات، ١٠٢.\n(^٣) أخرجه مسلم كتاب الإيمان (١/ ٨٠، ٨١) ٣٤٤، ٣٤٥.","vol":"1","page":49},{"text":"وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح» (^١).\n٤. قوله -ﷺ- كما رواه ابن عباس: \"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه» (^٢)، قال الحافظ\nابن رجب في شرحه لهذا الحديث: \"الخطأ: هو أن يقصد بفعله شيئا فيصادف فعله غير ما قصده، مثل أن يقصد قتل كافر فصادف قتله مسلما، والنسيان أن يكون ذاكرا الشيء فينساه عند الفعل، وكلاهما معفو عنه: يعني لا إثم فيه، ولكن رفع الإثم لا ينافي أن يترتب على نسيانه حكم، ولو قتل مؤمنا خطأ فإن عليه الكفارة والدية بنص الكتاب، وكذا لو أتلف مال غيره خطأ بظنه أنه مال نفسه .. \" (^٣)\n٥. قوله -ﷺ-: \" إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر» (^٤)، قال الحافظ الخطيب\n_________\n(^١) رواه مسلم في كتاب التوبة (٨/ ٩١) ٧١٣٦.\n(^٢) أخرجه بهذا اللفظ ابن ماجة (١/ ٦٥٩)، والطبراني في الأوسط (٨/ ١٦١) وقال البوصيري عن هذا الإسناد: هذا إسناد صحيح إن سلم من الانقطاع، والظاهر أنه منقطع. مصباح الزجاجة (١/ ٣١٤)، وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة (٥/ ٤٥). والحديث مروي من طرق عن ابن عمر وأبي هريرة وأبي بكرة وعقبة بن عامر وأبي ذر وأبي الدرداء وثوبان؟.\n(^٣) جامع العلوم والحكم، ٣٥٢.\n(^٤) رواه البخاري كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة/ باب أجر الحاكم إذا اجتهد (١٨/ ٣٤٤) ٧٣٥٢، ومسلم في الأقضية (٣/ ١٣٤٢) ١٧١٦.","vol":"1","page":50},{"text":"البغدادي -﵀-: «فإن قيل: كيف يجوز أن يكون للمخطئ فيما أخطأ فيه أجر، وهو إلى أن يكون عليه في ذلك إثم أقرب لتوانيه وتفريطه في الاجتهاد حتى أخطأ؟ فالجواب، أن هذا غلط لأن النبي -ﷺ- لم يجعل للمخطئ أجرا على خطئه، وإنما جعل له أجرا على اجتهاده، وعفا عن خطئه لأنه لم يقصده، وأما المصيب فله أجر على اجتهاده، وأجر على إصابته». (^١)\nيقول شيخ الإسلام: \"وأما \"التكفير\"؛ فالصواب أنه من اجتهد من أمة محمد -ﷺ- وقصد الحق، فأخطأ لم يكفر، بل يغفر له خطؤه، ومن تبين له ما جاء به الرسول، فشاق الرسول من بعد ما تبين له الهدي، واتبع غير سبيل المؤمنين: فهو كافر، ومن اتبع هواه، وقصر في طلب الحق، وتكلم بلا علم فهو عاص مذنب، ثم قد يكون فاسقا، وقد تكون له حسنات ترجح على سيئاته. (^٢)\nوبعد إيراد الأدلة يتبين لنا إعذار المخطئ وأن حكمه حكم الجاهل والمتأول، فلا يكفر إلا بعد قيام الحجة عليه، وأنه إن كان مجتهدا فيما يسوغ فيه الاجتهاد فله أجر اجتهاده ولو أخطأ، أما إن لم يكن مجتهدا وأخطأ فيأثم لتفريطه.\n_________\n(^١) الفقيه والمتفقه، (١/ ١٩١).\n(^٢) مجموع الفتاوى، (١٢/ ١٨٠).","vol":"1","page":51},{"text":"<span data-type='title' id=toc-27>ثالثا: الإرادة شرط ومانعها الإكراه:</span>\nمن شروط تكفير المعين عند أهل السنة أن يكون مريدًا لفعله غير مكره عليه.\nوالإرادة لغة: المشيئة.\nواصطلاحا: وفي استعمال الفقهاء هي \" القصد»، أي اعتزام الفعل والاتجاه إليه (^١).\nأما الإكراه لغة هو: القهر والإجبار بدون محبة ورضا واختيار.» (^٢)\nوفي الاصطلاح هو: \"إلزام الغير بما لا يريده. أو \" الإلجاء إلى فعل الشيء قهرا (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-28>أ. أنواع الإكراه:</span>\nقسم جمهور الأصوليين والفقهاء الإكراه إلى نوعين إكراه ملجئ وهو الإكراه التام، وإكراه غير ملجئ وهو الإكراه الناقص\nالإكراه الملجيء (التام): وهو الذي يقع على نفس المكره: ولا يبقى للشخص معه قدرة ولا اختيار، كأن يهدد الإنسان بقتله أو بقطع عضو\n_________\n(^١) الموسوعة الفقهية الكويتية - (٢/ ٣١٥).\n(^٢) انظر: لسان العرب ١٣/ ٥٣٤.\n(^٣) انظر: فتح الباري ١٢/ ٣١١، حاشية الشرقاوي على تحفة الطلاب ٢/ ٣٩٠.","vol":"1","page":52},{"text":"من أعضائه كيده أو رجله، أو بضرب شديد يفضي إلى هلاكه أو بإتلاف جميع ماله، فمتى غلب على ظنه أن ما هدد به سيقع عليه، جاز له القيام بما دفع إليه بالتهديد، باعتباره في حالة ضرورة شرعية (^١).\nبالإكراه غير الملجيء (الناقص): وهو التهديد أو الوعيد بما دون تلف النفس أو العضو، كالتخويف بالضرب أو القيد أو الحبس أو إتلاف بعض المال، وهذا النوع يفسد الرضا، ولكنه لا يفسد الاختيار لعدم الاضطرار إلى مباشرة ما أكره عليه لتمكنه من الصبر على ما هدد به (^٢).\nوقد يلحق بهذا النوع، التهديد بحبس الأب أو الابن أو الزوجة والأخت والأم والأخ، وهناك نزاع في اعتبار هذا القسم من أقسام الإكراه، (^٣) والاستحسان يعده من الإكراه، لأن المكره يلحقه الغم\n_________\n(^١) ينظر الإكراه وأثره في عقود المفاوضات المالية د. إبراهيم العروان، البدائع للكاساني ٧/ ١٧٥ حاشية ابن عابدين ٥/ ١٠٩، وينظر في الفرق بين الإكراه والضرورة، التشريع الجنائي ١/ ٥٧٦، ٥٧٧، والإكراه وأثره في التصرفات، د. محمد المعيني ٣٧ - ٤٤.\n(^٢) ينظر كشف الأسرار للبزودي ٤/ ٣٨٣، تبيين الحقائق المزيلعي ٥/ ١٨١، حاشية ابن عابدين ٥/ ١٠٩.\n(^٣) ذهب بعض الأحناف إلى اعتبار هذا القسم نوعا ثالثا، أما بقية الفقهاء فقد أدخلوه في النوعين السابقين، ينظر كشف الأسرار ٤/ ٣٨٣، الإكراه وأثره في التصرفات د. عيسى شقرة ٦١.","vol":"1","page":53},{"text":"والاهتمام والحزن والحرج إذا أصاب أحدا من محارمه مكروه، فيندفع إلى الإتيان بما أمر به كما لو وقع الضرر به أو أشد (^١).\nقال الإمام ابن قدامة -﵀-: (وإن توعد بتعذيب ولده، فقد قيل ليس بإكراه لأن الضرر لاحق بغيره، والأولى أن يكون إكراها لأن ذلك عنده أعظم من أخذ ماله، والوعيد بذلك إكراه فكذلك هذا) (^٢) (^٣)\n\n<span data-type='title' id=toc-29>ب. الأدلة على شرط الإرادة، والعذر بالإكراه:</span>\nاتفق أئمة أهل السنة والجماعة على أن الإكراه على الكفر بضوابطه الشرعية وشروطه يعتبر من موانع التكفير في حق المعين، والأدلة على ذلك:\n١. قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النحل: ١٠٦]\n_________\n(^١) ينظر الإكراه وأثره في التصرفات، د. عيسي شقرة، ٦٠، ٦١ وينظر في ترجيح ذلك المبسوط للسرخسي ٢٤/ ١٤٣، ١٤٤.\n(^٢) المغني ٧/ ١٢٠، ينظر في ذلك مغني المحتاج للشربيني ٣/ ٢٩٠، أسني المطالب ٣/ ٢٨٣ فتح الباري ١٢/ ٣٢٤.\n(^٣) نواقض الإيمان الاعتقادية للوهيبي ج ٢ ص ١٥ - ١٦.","vol":"1","page":54},{"text":"والمشهور في سبب نزولها ما رواه أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه قال: (أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي -ﷺ- وذكر آلهتهم بخير، ثم تركوه، فلما أتى رسول الله -ﷺ-، قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله، ما تركت حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير قال: (كيف تجد قلبك)، قال: مطمئنا بالإيمان، قال: (إن عادوا فعد) (^١).\nقال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾: (فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظة مكرها، لما ناله من ضرب وأذى، وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله» (^٢). وقال الإمام الشوكاني: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي اعتقد وطابت به نفسه، واطمأن إليه (^٣) إذا لابد من طمأنينة القلب بالإيمان، وبغض وكراهية الكفر،\n_________\n(^١) رواه الطبري في تفسيره (١٧/ ٣٠٤)، وابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٤٩) والبيهقي في الكبرى (٨/ ٢٠٨) والحاكم في المستدرك (٢/ ٣٨٩)، وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وذكر ابن حجر له طرقا أخرى مرسلة ثم قال: وهذه المراسيل تقوي بعضها ببعض (الفتح ١٢/ ٣١٢).\n(^٢) تفسير ابن كثير ٢/ ٥٨٧.\n(^٣) فتح القدير ٣/ ١٩٦.","vol":"1","page":55},{"text":"وهذا شرط مجمع عليه) (^١) (^٢).\n٢. وقول النبي ﷺ: (إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه) (^٣).\n\n<span data-type='title' id=toc-30>ت. شروط الإكراه</span>\nليس كل من ادعى الإكراه يقبل منه، بل لابد من شروط يجب توافرها ليكون الإكراه معتبرا ومؤثرا فيما يقدم عليه المكلف من أقوال أو أفعال أوترك، وهذه الشروط هي:\n_________\n(^١) اشترط بعض الفقهاء للنطق بكلمة الكفر، أن يكون الإكراه تاما (ملجئا)، واشترط آخرون التعريض والتورية بالكفر حال الإكراه، ولم يسندوا كلامهم بأدلة معتبرة، ينظر بعض هذه الأقوال في بدائع الصنائع ٧/ ١٧٧ حاشية ابن عابدين ٦/ ١٣٤، أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١١٧٨ وأحكام الجصاص ٣/ ١٩٢، ١٩٤، والإكراه وأثره في التصرفات، د. عيسي شقرة ١١٥ - ١١٨، والإكراه وأثره في الأحكام د. عبد الفتاح الشيخ ٦٣ - ٦٦.\n(^٢) نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير للدكتور محمد الوهيبي ج ٢ ص ١٧ - ١٨.\n(^٣) من حديث ابن عباس، أخرجه ابن حبان (١٦/ ٢٠٢)، والبيهقي في الكبرى (٧/ ٣٥٦) (١٠/ ٦٠) وفي المعرفة (١٢/ ٢٢٩٩ (١٥/ ٣٢٧) والطبراني في الكبير (٩/ ٣٤٠)، والصغير (٢/ ٥٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٩٥)، وابن حزم في الأحكام (٥/ ٧١٣)، وحسن إسناده النووي في الأربعين ح ٣٩، وصححه الألباني في المشكاة لطرقه (٣/ ٣٧٢). والحديث مروي من طرق عن ابن عمر وأبي هريرة وأبي بكرة وعقبة بن عامر وأبي ذر وأبي الدرداء وثوبان -﵃-.","vol":"1","page":56},{"text":"١. أن يكون المكره قادرا على تحقيق ما أوعد به، لأن الإكراه لا يتحقق إلا بالقدرة، فإن لم يكن قادرا لم\nيكن للإكراه معنى ولا اعتبار.\n٢. أن يكون المكره عاجزا عن الدفع عن نفسه بالهرب أو الاستغاثة أو المقاومة ونحو ذلك.\n٣. أن يغلب على ظنه وقوع الوعيد، إن لم يفعل ما طلب منه (^١).\nلكن ينبغي أن نعلم، أنه وإن جاز قول الكفر أو فعله بسبب الإكراه إلا أن الصبر أفضل وأعظم أجرا، قال ابن بطال -﵀-: (أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل، أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة) (^٢).\nويقول الإمام ابن العربي -﵀-: (إن الكفر وإن كان بالإكراه جائزا عند العلماء فإن من صبر على البلاء ولم يفتتن حتى قتل فإنه شهيد، ولا خلاف في ذلك، وعليه تدل آثار الشريعة التي يطول سردها …) (^٣).\nوقال الحافظ ابن كثير -﵀-: (والأفضل والأولى أن يثبت\n_________\n(^١) نواقض الإيمان الاعتقادية للوهيبي (٢/ ١٥).\n(^٢) فتح الباري ١٢/ ٣١٧، وانظر تفسير القرطبي ١٠/ ١٨٨.\n(^٣) أحكام القرآن ٣/ ١١٧٩.","vol":"1","page":57},{"text":"المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله) (^١).\nواستدلوا لذلك بأحاديث كثيرة:\nمن أشهرها حديث خباب بن الأرت؟ وفيه قوله -ﷺ-: (قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه) (^٢)\nقال الإمام القرطبي -﵀-: (فوصفه -ﷺ- هذا عن الأمم السالفة على جهة المدح لهم، والصبر على المكروه في ذات الله، وأنهم لم يكفروا في الظاهر، وتبطنوا الإيمان ليدفعوا العذاب عن أنفسهم، وهذه حجة من آثر الضرب والقتل والهوان على الرخصة …) (^٣).\nويتأكد الصبر حق من يقتدي به العوام ويتبعونه في تصرفاته وأقواله، وفي هذا المعنى قول إمام أهل السنة أحمد بن حنبل -﵀- حين سئل عن العالم وهل يأخذ بالتقية قال: (إذا أجاب العالم تقية، والجاهل يجهل فمتى يتبين الحق؟) (^٤)\n_________\n(^١) تفسير ابن كثير ٢/ ٥٨٨، وانظر المغني ٨/ ١٤٦، وأحكام القرآن للجصاص ٣/ ١٩٢.\n(^٢) رواه البخاري، كتاب الإكراه/ باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر (١٧/ ٣٦٤) ٦٩٤٣.\n(^٣) تفسير القرطبي ١٠/ ١٨٨.\n(^٤) ينظر: نواقض الايمان للوهيبي ج ٢ ص ١٨","vol":"1","page":58},{"text":"<span data-type='title' id=toc-31>رابعا: عدم التأويل شرط ومانعه التأويل:</span>\nالتأويل في اللغة: مادة (أول) في كل استعمالاتها اللغوية تفيد معنى الرجوع، والعود. (^١)\nوالتأويل اصطلاحا: للتأويل في اصطلاح العلماء ثلاثة معان:\nالأول: أن يراد بالتأويل حقيقة ما يؤول إليه الكلام، وهذا هو المعنى الذي يراد بلفظ التأويل في الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٣]، ومنه قول عائشة؟: (كان رسول الله -ﷺ- يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا ولك الحمد: اللهم اغفر لي، يتأول القرآن) (^٢).\nالثاني: يراد بلفظ التأويل: (التفسير) وهو اصطلاح كثير من المفسرين.\nالثالث: أن يراد بلفظ (التأويل): صرف اللفظ من المعنى الراجح إلى المعنى المرجوح لدليل يقترن به (^٣)، وهذا التأويل الذي\n_________\n(^١) لسان العرب ١١/ ٣٢ - ٣٤ مادة (أ ول)\n(^٢) رواه البخاري الأذان، باب التسبيح والدعاء في السجود (٢/ ٢٢٨) ٨١٧، ومسلم، الصلاة (٢/ ٥٠) ١١١٣.\n(^٣) مجموع الفتاوي ٤/ ٦٨ - ٧٠، وينظر ٣/ ٥٤ - ٦٨، ٥/ ٢٨ - ٣٦، ١٣/ ٢٧٧ - ٣١٣، الصواعق المرسلة ١/ ١٧٥ - ٢٣٣، شرح الطحاوية ٢٣١ - ٢٣٦.","vol":"1","page":59},{"text":"عناه أكثر من تكلم من المتأخرين في مسألة الصفات والقدر ونحوها.\nوهو من أعظم أصول الضلال والانحراف حيث صار ذريعة لغلاة الجهمية والباطنية والمتصوفة في تأويل التكاليف الشرعية على غير مقصودها أو إسقاطها أو تأويل جميع الأسماء والصفات.\nومعنى التأويل المقصود هنا هو: التلبس والوقوع في الكفر متأولا من غير قصد لذلك. (^١)\n\nأ.<span data-type='title' id=toc-32> أنواع التأويل</span>\n• المتأول المعذور بخطئه: المجتهد إذا أصاب فله أجران. وإن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد، والمتأول مجتهد. فهل هو مأجور معذور في خطئه دائما وأبدا؟\nبين أيدينا عدد من النصوص يفهم منها:\nأن المتأول المخطئ يعذر إذا كان الحامل له على تأويله دليل مسوغ في الظاهر. وإن كان خاطئا في حقيقة الأمر. وقد عقد البخاري بابا فيما جاء في المتأولين في كتاب «استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم» في صحيحه، وذكر فيه أربعة أحاديث تدل على الحالة التي يعذر فيها المتأول ولا يؤاخذ فيها بخطئه. فذكر:\n_________\n(^١) الإيمان حقيقته، خوارمه، نواقضه عند أهل السنة والجماعة لعبد الرحمن المحمود ص ١٢٧.","vol":"1","page":60},{"text":"١. حديث إنكار عمر بن الخطاب على هشام بن حكيم قراءته سورة الفرقان على غير ما أقرأه إياها رسول الله\n-ﷺ- وتكذيبه له في أنه سمعها من الرسول -ﷺ- (^١).\nووجه الشاهد في الحديث: أن الرسول -ﷺ- لم ينكر على عمر تكذيبه لهشام بن حكيم وقسوته عليه بجره من تلابيبه، لأن عمر كان معذورا، لظنه أن القرآن لا تتعدد وجوه قراءته.\nفعمر أخذ بظاهر الحال فكان تأويله سائغا قال ابن حجر: \"ومناسبته للترجمة من جهة أن النبي -ﷺ- لم يؤاخذ عمر بتكذيب هشام، ولا بكونه لببه بردائه، وأراد الإيقاع به، بل صدق هشاما فيما نقله، وعذر عمر إنكاره، ولم يزد على بيان الحجة في جواز القراءتين» (^٢).\n٢. وحديث تأويل الصحابة للظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، على عمومه وأن ذلك شق عليهم حتى فسره لهم الرسول -ﷺ- بأنه الشرك كما في آية لقمان ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].\n_________\n(^١) صحيح البخاري بشرح العسقلاني ١٢/ ٢١٦.\n(^٢) المرجع السابق ١٢/ ٣٢٣.","vol":"1","page":61},{"text":"والشاهد في الحديث: هو أن الصحابة كانوا معذورين في فهمهم حين حملوا الظلم على إطلاقه وعمومه وهو كل المعاصي لأنه هو المعنى الظاهر المألوف في لسان العرب. فكان تأويلا سائغا وإن كان خاطئا في حقيقة الأمر. ولذلك لم ينكر -ﷺ- عليهم فهمهم ذلك.\nقال ابن حجر: «ووجه دخوله في الترجمة من جهة أنه -ﷺ- لم يؤاخذ الصحابة بحملهم الظلم في الآية على عمومه حتى يتناول كل معصية، بل عذرهم لأنه ظاهر في التأويل، ثم بين لهم المراد بما رفع الأشكال» (^١).\n٣. وحديث عتبان بن مالي يقول: \" غدا علي رسول الله -ﷺ- فقال رجل: أين مالك بن الدخشن؟ فقال رجلٌ منا: ذلك منافقٌ لا يحب الله ورسوله. فقال النبي -ﷺ-: «ألا تقولوه يقول لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» قال: بلى. قال: \" فإنه لا يوافي عبد يوم القيامة به إلا حرم الله عليه النار».\nوالشاهد في الحديث: أن الرسول -ﷺ- لم يؤاخذ القائلين في حق مالك بن الدخشن بما قالوا حيث وصفوه بالنفاق بل بين أن إجراء أحكام الإسلام على الظاهر دون ما في الباطن (^٢).\n٤. الحديث الذي طلب فيه عمر بن الخطاب من رسول -ﷺ- أن\n_________\n(^١) فتح الباري ١٢/ ٣١٨.\n(^٢) المصدر السابق.","vol":"1","page":62},{"text":"يضرب عنق حاطب بن أبي بلتعة بعد أن أرسل إلى قريش يخبرهم بمسير الرسول -ﷺ- إليهم لفتح مكة، فطلب عمر ضرب عنقه قائلا: «أنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين» وفي بعض الروايات وصفه بالنفاق وفي بعضها الآخر بالكفر (^١).\nوالشاهد في الحديث: أن الرسول -ﷺ- لم ينكر ولم يؤاخذ عمر بإغلاظه القول لحاطب بسبب مكاتبته قريشا، ووصفه له بالخيانة، بل عذره لأن ظاهر الحال كان يدل على ذلك (^٢)\nفإن التجسس على الجيش المسلم بما يؤدي إلى إفشال خطته بالكامل والإيقاع به لا يفعله عادة إلا منافق أو كافر خائن، فلذلك لم يوبخ الرسول -ﷺ- عمر على قوله وهمه بقتله.\n\n<span data-type='title' id=toc-33>أقوال العلماء في التأويل الذي يعذر به صاحبه:</span>\n١. قال ابن حجر في بيان ضابط التأويل المردود الذي يعذر صاحبه ولا يذم: «قال العلماء. كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم إذا كان تأويله سائغا في لسان العرب، وكان له وجه في العلم». (^٣)\nوهو ما نصت عليه اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية بقولها: «إن المخطئ المعذور من أخطأ في المسائل النظرية الاجتهادية، لا من أخطأ فيما ثبت بنص صريح، ولا\n_________\n(^١) المصدر السابق.\n(^٢) المصدر السابق.\n(^٣) المصدر السابق.","vol":"1","page":63},{"text":"فيما هو معلوم من الدين بالضرورة». (^١)\n٢. يقول الإمام ابن حزم -﵀-: (ومن بلغه الأمر عن رسول الله -ﷺ- من طريق ثابتة، وهو مسلم، فتأول في خلافه إياه، أو رد ما بلغه بنص آخر، فلما لم تقم عليه الحجة في خطئه في ترك ما ترك، وفي الأخذ بما أخذ، فهو مأجور معذور، لقصده إلى الحق، وجهله به، وإن قامت عليه الحجة في ذلك، فعاند، فلا تأويل بعد قيام الحجة). (^٢)\n٣. وقرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- في مواضع، واستدل بقصة الرجل من بني إسرائيل، وقدامة بن مظعون وغيرها، قال -﵀-: (والتكفير هو من الوعيد، فإنه وإن كان القول تكذيبا لما قاله الرسول -ﷺ- فقد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، ومثل هذا لا يكفر بجحد ما يجحده حتى تقوم عليه الحجة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر أوجب تأويلها، وإن كان مخطئا، وكنت دائما أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال: (إذا أنا مت فأحرقوني، ثم أسحقوني، ثم ذروني في اليم، فو الله لأن قدر الله على ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين، ففعلوا به\n_________\n(^١) فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء لأحمد الدويش ٢/ ٣٩.\n(^٢) الدرة فيما يجب اعتقاده لابن حزم ٤١٤.","vol":"1","page":64},{"text":"ذلك، فقال الله له ما حملك على ما فعلت، قال: خشيتك، فغفر اله) (^١) فهذا الرجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد، وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك، والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول -ﷺ- أولى بالمغفرة من مثل هذا) (^٢)، وقال أيضا: (إن القول قد يكون كفرا كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم ولا يرى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: من قال القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم، كمن جحد وجوب الصلاة، والزكاة، واستحل الخمر والزنا وتأول، فإن ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإن كان المتأول المخطئ في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر) (^٣)، ففي غير ذلك\n_________\n(^١) مضى تخريجه.\n(^٢) مجموع الفتاوى ٣/ ٢٣١.\n(^٣) كقدامة ابن مظعون وأصحابه ﵃، أخرجه النسائي في الكبرى (٣/ ٢٥٣)، والبيهقي في الكبرى (٨/ ٣١٥)، وعبد الرزاق في مصنفه (٩/ ٢٤٠) وأبو نعيم الأصبهاني في تثبيت الإمامة وترتيب الخلافة (١/ ١٢٧)، وابن شبة النميري في تاريخ المدينة النبوية (٢/ ٦٥)،","vol":"1","page":65},{"text":"أولى وأحرى …) (^١) (^٢)\n\n•<span data-type='title' id=toc-34> المتأول غير المعذور بخطئه</span>\nوأما إن لم يكن للمتأول حجة ظاهرة على تأويله بأن أول القطعيات التي لا يعذر بجهلها أمثاله، فإنه يأثم وقد يكفر بتأويله حسب حاله، لأنه لا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة، والمحرمات الظاهرة، ونحو ذلك فإنه يستتاب وإلا قتل كافرا مرتدا. خلافا للمرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة (^٣).\nقال شارح الطحاوية: «إن الرجل يكون مؤمنا باطنا وظاهرا لكن تأول تأويلا أخطأ فيه، إما مجتهدا وإما مفرطا مذنبا، فلا يقال: إن إيمانه حبط لمجرد ذلك، إلا أن يدل على ذلك دليل شرعي، بل هذا من جنس قول الخوارج والمعتزلة (أي تكفيره مطلقا) ولا نقول لا يكفر (كالمرجئة).\nبل العدل هو الوسط: وهو: أن الأقوال الباطلة المبتدعة المحرمة المتضمنة نفي ما أثبته الرسول أو إثبات ما نفاه أو الأمر بما نهى عنه أو النهي عما أمر به: يقال فيها الحق، ويثبت لها الوعيد الذي دلت عليه النصوص، ويبين أنها كفر ويقال: من قالها فهو كافر …\n_________\n(^١) مجموع الفتاوى ٧/ ٦١٩.\n(^٢) نواقض الإيمان للدكتور محمد الوهيبي ج ٢ ص ٢٣ - ٣٣.\n(^٣) شرح العقيدة الطحاوية-بتحقيق الألباني - ص ٣١٦.","vol":"1","page":66},{"text":"وأما الشخص المعين إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة، فإنه من أعظم البغي أن يشهد على معين أن الله لا يغفر له، ولا يرحمه بل يخلده في النار فإن هذا حكم الكافر بعد الموت، لكن هذا التوقف في أمر الآخرة لا يمنعنا أن نعاقبه في الدنيا لمنع بدعته وأن نستتيبه فإن تاب وإلا قتلناه ..\nإذا كان القول في نفسه كفرا: قيل أنه كفر والقائل له يكفر بشروط وانتفاء موانع، ولا يكون ذلك إلا إذا كان منافقا زنديقا. فلا يتصور إن يكفر أحد من أهل القبلة المظهرين للإسلام إلا من يكون منافقا زنديقا» (^١).\nفالمتأول قد يكفر ولا يعذر بجهله أو خطأه في اجتهاده، ويحكم على قوله بالكفر ويقال: من قال به فهو كافر، إلا أنه لا يكفر ولا يحكم عليه بالخلود في النار ولكنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل وأمره إلى الله.\nوقد أورد شارح الطحاوية أدلة على ذلك منها:\n١. استتابة الصحابة لقدامة بن مظعون لما شرب الخمر بعد تحريمها هو وطائفة، متأولين قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩٣].\n_________\n(^١) المصدر السابق.","vol":"1","page":67},{"text":"فاتفق عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا حد الخمر وإن أصروا على استحلالها قتلوا أي ردة.\nوهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام (^١).\nفعمر والصحابة لم يعذروا هؤلاء في جهلهم بتحريم الخمر ولا في تأويلهم. لأن ذلك كان قد عرف واشتهر واستقر. ولم يكونوا حديثي عهد بالإسلام، فلا عبرة بما يطرأ لهم من شبهة إن أصروا على استحلالها.\nفمن حمل النصوص على معان بعيدة غير مرادة للشارع وأصر عليها بعد بيان الحجة فإنه يكفر إن أدى ذلك إلى استحلال المحرمات المتواترة أو إنكار الواجبات المتواترة.\n\n<span data-type='title' id=toc-35>وخلاصة القول في حكم المتأول المخطئ:</span>\n١. أن تأويله إذا كان له وجه في اللغة سائغ أو دلت عليه القرائن وظاهر الحال، فإن صاحبه معذور غير آثم، وإن كان تأويله خطأ في نفس الأمر.\n٢. أنه آثم موزور إن تكلف التأويل بدون مسوغ من اللغة أو قرائن الحال.\n_________\n(^١) المرجع السابق.","vol":"1","page":68},{"text":"٣. أنه قد يكفر إذا تأول النصوص بما يؤدي إلى استحلال المحرمات المتواترة أو إنكار الواجبات المتواترة والتي لا يعذر بجهلها أمثاله.\n٤. أن الأقوال المبتدعة المحرمة المتضمنة إثبات ما نفاه النص أو نفي ما أثبته، أو الأمر بما نهى عنه أو النهي عما أمر به؛ يثبت لها الوعيد الثابت بالنصوص ويقال فيها: من قال بها فهو كافر مطلقا من غير تعيين.\nهـ. وأن هذا التوقف في حكم المعين بالنسبة إلى أمر الآخرة لا يمنعنا من إجراء أحكام الدنيا عليه من استتابته، فإن تاب وإلا قتل.\n٦. أنه لا يشترط في المتأول المخطئ في القطعيات قصد\nالخروج من الإسلام بل قد يكفر ويخرج من الملة دون قصد منه، مع اعتقاده في الإسلام إجمالا.","vol":"1","page":69},{"text":"<span data-type='title' id=toc-36>الخاتمة</span>\nالحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وبعد أن من الله علي بإتمام هذا البحث، فإن من أهم النتائج والتوصيات:\n١. بيان وسطية أهل السنة والجماعة بين غلو الخوارج\nوتفريط المرجئة في مسألة التكفير.\n٢. التكفير حكم شرعي، وحق لرب العالمين، لا يجوز لعوام المسلمين الخوض فيه، لأنه مدحضة مزلة، وإنما يقوم به أهل العلم الراسخين\n٣. التفريق بين التكفير بالوصف، والتكفير بالشخص.\n٤. الاحتياط في تكفير المعين، وخطورة تكفيره دون بينة.\nهـ. الأصل في المسلم العدالة، ولا يكفر إلا بعد اجتماع شروط التكفير من العلم والقصد والإرادة وعدم التأويل، وانتفاء الموانع من الجهل والخطأ والإكراه والتأويل.\n٦. إدراج مباحث التكفير، ومنهج أهل السنة والجماعة فيه، وتطبيقاته في مناهج التعليم العام، والتعليم العالي ولغير المختصين","vol":"1","page":70},{"text":"كأن يفرد في أحد وحدات مقرر الثقافة الإسلامية.\n٧. طباعة أبحاث التكفير بعد تيسيرها وتقريبها للعوام، وتوزيعها في أماكن التجمعات كالمستشفيات والمطارات، وتنزيلها على الشبكة العنكبوتية لتثقيف المجتمع بكافة شرائحه بمسائل التكفير، وتحصين المجتمع من فكر الجماعات المكفرة.\n٠٨ تبني الحملات التثقيفية في أساط الشباب داخل الجامعات وخارجها لمناقشة قضايا التكفير والإجابة على الشبهات حول هذه القضية، على أن يكون الطرح جاذبا حواريا.\n٩. إقامة المسابقات حول كتب التكفير عند أهل السنة والجماعة ورصد جوائز قيمة للفائزين.\n١٠. عقد البرامج الإعلامية من قبل المختصين الشرعيين المناقشة مسائل التكفير والتسويق الجيد لهذه البرامج\nهذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد.","vol":"1","page":71}]}