{"ً":{"ٌ":10814,"ٍ":"إشكال وجوابه في حديث أم حرام بنت ملحان","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"شروح الحديث/إشكال وجوابه في حديث أم حرام بن ملحان - الصياح - ط دار المحدث","files":["65091.pdf"]},"ّ":"الكتاب: إشكال وجوابه في حديث أم حرام بنت ملحان\nالمؤلف: أبو عمر علي بن عبد الله بن شديد الصياح المطيري\nتقديم: فضيلة الشيخ المحدث: عبد الله بن عبد الرحمن السعد\nالناشر: دار المحدث للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ذو القعدة ١٤٢٥ هـ\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]\nعدد الصفحات: ٨٤","ْ":"[إشكال وجوابه في حديث أم حرام - علي الصياح]\n\n- روى البخاري ومسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان فَتُطْعِمُه، ُ وَكَانَتْ أُمّ حَرَام تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت، ِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمًا فَأَطْعَمَتْه، ُ ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ …»\n\n- قال الشيخ علي الصياح - حفظه الله -: «أنّ في الحَدِيث إشكالًا يحتاجُ إلى بيانٍ وتجليةٍ وهو ما يوهمه ظاهر الحَدِيث من خلوة النَّبِيّ - ﷺ - بأُمّ حَرَام، وكذلك فلي أُمّ حَرَام رأس النَّبِيّ - ﷺ -، وهذا الإشكال انحرفت في فهمه عقول …»\n\n- لهذا فقد قام الشيخ بنشر هذا البحث النافع - إن شاء الله - يبين فيه طريقة أهل العلم والإيمان في الجواب عن مثل هذه الإشكالات واختار الشيخ - بعد بحث وتفصيل - ما قاله ابن وهب - فيما نقله عنه ابن عبد البر -: أن أمّ حَرَام إحدى خالات النبي - ﷺ - من الرضاعة فلهذا كان يقيل عندها وتفلي رأسه","ٓ":"1.0","ٔ":1104,"ٕ":7,"ٖ":1770155465,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"تقديم فضيلة الشيخ المحدث عبد الله بن عبد الرحمن السعد","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":3},{"title":"أسباب إفراد الأحاديث بالتصنيف","level":2,"page":3},{"title":"أسباب إفراد حديث أم حرام بالتصنيف","level":2,"page":4},{"title":"ليس من طريقة أهل العلم تتبع المتشابهات","level":2,"page":6},{"title":"خطة البحث","level":2,"page":7},{"title":"المبحث الأول: تخريج موجز للحديث","level":1,"page":9},{"title":"رواة الحديث عن أم حرام","level":2,"page":9},{"title":"رواة الحديث عن أنس","level":2,"page":10},{"title":"تخريج طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس","level":2,"page":12},{"title":"متن الحديث","level":2,"page":13},{"title":"المبحث الثاني: الإشكال وجوابه","level":1,"page":15},{"title":"المطلب الأول مقدمات عامة نافعة في مثل هذه الإشكالات التي ربما تعرض في بعض الأحاديث","level":2,"page":17},{"title":"١- المقدمة الأولى في ذكر أربع قواعد، من قواعد الدين تدور الأحكام عليها.","level":3,"page":17},{"title":"٢- المقدمة الثانية: ضرورة جمع الأحاديث الواردة في المسألة المستنبطة، ومراعاة قواعد وأصول الاستدلال التي وضعها الأئمة.","level":3,"page":19},{"title":"٢- المقدمة الثالثة: عند النظر في هذه الأحاديث الصحيحة المشكلة لا بد من ملاحظة أمرين:","level":3,"page":23},{"title":"التصور السليم للحياة في عهد النبي - ﷺ - كما هي من الطهر والعفاف","level":4,"page":23},{"title":"التنبه لمدلول الألفاظ وما وقع فيها من تغاير بين زمان النبي - ﷺ - والأزمنة المتأخرة","level":4,"page":26},{"title":"المطلب الثاني مقدمات خاصة في الإجابة عن حديث أم حرام","level":2,"page":29},{"title":"١- المقدمة الأولى: اتفق العلماء على أن النبي - ﷺ - قد خص في أحكام الشريعة بمعان لم يشاركه فيها أحد","level":3,"page":29},{"title":"٢-المقدمة الثانية: ذكر الأدلة الدالة على تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية، وبيان اتفاق العلماء على ذلك","level":3,"page":31},{"title":"٣- المقدمة الثالثة: ذكر الأدلة على تحريم مس المرأة الأجنبية","level":3,"page":34},{"title":"٤- المقدمة الرابعة: لم أقف إلى الآن على حديث صحيح صريح في خلوة ...","level":3,"page":40},{"title":"٥- المقدمة الخامسة: لم أقف إلى الآن على حديث صحيح صريح في مس النبي - ﷺ - امرأة أجنبية، أو مس امرأة أجنبية النبي - ﷺ - عدا ما ورد في حديث أم حرام","level":3,"page":46},{"title":"المطلب الثالث أجوبة أهل العلم والإيمان عن هذين الإشكالين.","level":2,"page":52},{"title":"الإشكال الأول: وهو أن ظاهر الحديث يوهم الخلوة","level":3,"page":52},{"title":"الإشكال الثاني وهو فلي أم حرام لرأس النبي - ﷺ -","level":3,"page":53},{"title":"المطلب الرابع وقفات حول هذه الشبهة في الحديث","level":2,"page":72},{"title":"الوقفة الأولى: وفيها نقل كلام جميل للدكتور طه حبيشي","level":3,"page":72},{"title":"الوقفة الثانية: من طعن في البخاري وصحيحه بسبب إخراجه للحديث يلزمه أن يطعن في جميع من أخرج الحديث","level":3,"page":75},{"title":"الوقفة الثالثة: ومما ينبغي أن يذكر هنا أن هذا البحث -وأمثاله- إنما ينتفع به طالب الحق المنصف الذي يطلب الحق بدليله","level":3,"page":76},{"title":"الوقفة الرابعة: جميل أن يقرأ المسلم في \"السنة النبوية\" ويعيش مع أخباره - ﷺ - وسننه وأيامه ويطبقها عمليا، ولكن قبيح أن يتصدر للفتيا والاستنباط والتصنيف من غير مقدمات علمية متخصصة","level":3,"page":77},{"title":"الوقفة الخامسة: سبب إطالة الكلام في هذا المسألة","level":3,"page":77}],"ٛ":{"1,5":2,"1,7":3,"1,8":4,"1,9":5,"1,10":6,"1,11":7,"1,12":8,"1,13":9,"1,14":10,"1,15":11,"1,16":12,"1,17":13,"1,18":14,"1,19":15,"1,20":16,"1,21":17,"1,22":18,"1,23":19,"1,24":20,"1,25":21,"1,26":22,"1,27":23,"1,28":24,"1,29":25,"1,30":26,"1,31":27,"1,32":28,"1,33":29,"1,34":30,"1,35":31,"1,36":32,"1,37":33,"1,38":34,"1,39":35,"1,40":36,"1,41":37,"1,42":38,"1,43":39,"1,44":40,"1,45":41,"1,46":42,"1,47":43,"1,48":44,"1,49":45,"1,50":46,"1,51":47,"1,52":48,"1,53":49,"1,54":50,"1,55":51,"1,56":52,"1,57":53,"1,58":54,"1,59":55,"1,60":56,"1,61":57,"1,62":58,"1,63":59,"1,64":60,"1,65":61,"1,66":62,"1,67":63,"1,68":64,"1,69":65,"1,70":66,"1,71":67,"1,72":68,"1,73":69,"1,74":70,"1,75":71,"1,76":72,"1,77":73,"1,78":74,"1,79":75,"1,80":76,"1,81":77,"1,82":78,"1,83":79,"1,84":80},"ٜ":{"1":[5,84]},"ٝ":[null,"1,5","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2,3],"4":[4],"6":[5],"7":[6],"9":[7,8],"10":[9],"12":[10],"13":[11],"15":[12],"17":[13,14],"19":[15],"23":[16,17],"26":[18],"29":[19,20],"31":[21],"34":[22],"40":[23],"46":[24],"52":[25,26],"53":[27],"72":[28,29],"75":[30],"76":[31],"77":[32,33]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"ـ[إشكال وجوابه في حديث أم حرام بنت ملحان]ـ\n(دراسة تأصيلية تطبيقية تبين المنهج العلمي في الإجابة عن الإشكالات التي ربما تعرض في بعض الأحاديث)\nالمؤلف: أبو عمر علي بن عبد الله بن شديد الصياح المطيري\nتقديم: فضيلة الشيخ المحدث: عبد الله بن عبد الرحمن السعد\nالناشر: دار المحدث للنشر والتوزيع\nالطبعة: الأولى، ذو القعدة ١٤٢٥ هـ\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>تقديم فضيلة الشيخ المحدث\nعبد الله بن عبد الرحمن السعد</span>\n\nالحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.\nوبعد:\nفقد اطلعت على بحث بعنوان \"إشكال وجوابه في حديث أم حرام بنت ملحان\"، للشيخ: علي بن عبد الله الصياح - وفقه الله تعالى - فوجدته بحثا نفيسا كثير الفوائد، وقد أجاب عن ما يستشكله بعض الناس في هذا الحديث، ويفهمه على غير وجهه الصحيح، وقد أبان - وفقه الله تعالى - في بحثه هذا عن الطريقة الصحيحة والمسلك المستقيم في مثل هذه القضايا، فجزاه الله خيرا.\n\nوكتب\nعبد الله بن عبد الرحمن آل سعد\n١٩ / ٩ / ١٤٢٤","vol":"1","page":5},{"text":"مقدمة\nإنَّ الحمدَ لله، نحمدُهُ ونستعينهُ، ونستغفرهُ، ونعوذُ باللهِ من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - ﷺ -.\nأمَّا بعد:\nفإنَّ مِنْ طرائقِ المحدثين في التصنيف إفرادُ بعضِ الأحاديث بجزءٍ ومصنفٍ، والكلام عليه عَقديًا أوحَدِيثيًا أو فقهيًا أو غير ذلك (١) .\nوفي الغالب أنّ الأحاديثَ المفردةَ بالتصنيفِ تكونُ إمّا:\n- مِنْ جَوامعِ كَلِمهِ - ﷺ - كحَدِيثِ \"إنما الأعمالُ بالنيات\"، وَحَدِيث\" بُني الإسلامُ عَلى خمسٍ\".\n_________\n(١) وقد جَمَعَ الباحثُ يوسفُ العتيق الأحاديثَ التي أفردت بالتصنيف في كتابٍ سماه\"التعريف بما أفرد من الأحاديث بالتصنيف\"، الطبعة الأولى، ١٤١٨، دار الصميعي-الرياض-.\nوممن عُني بجمع \"الكتب المؤلفة في شروح أحاديث معينة\" الباحث محمد التليدي في كتابه \"تراث المغاربة في الحديث النبويّ وعلومه\" (ص:١٧٦) . الطبعة الأولى، ١٤١٦، دار البشائر الإسلامية-بيروت-.\nوكذلكَ جَمَعَ مُحَمَّد خير رمضان \"الكتب المؤلفة في شروح أحاديث معينة\" ضمنَ كتابهِ القيّم \"المعجم المصنف لمؤلفات الحديث الشريف\" (٢/١١٢٣-١١٥٩) . الطبعة الأولى، ١٤٢٣، مكتبة الرشد-الرياض-.","vol":"1","page":7},{"text":"- أو مِنْ الأحَادِيثِ المشتملة عَلى \"فوائد خطيرة، وفرائد غزيرة، ومباحث كثيرة\" (١) كحَدِيثِ \"ذي اليدين\"، وَحَدِيثِ \"المسيء صلاته\".\n- أو مِنْ الأحَادِيثِ المُشْكِلة التي تحتاجُ إلى جَلاء وبيان كحَدِيثِ \"أُمِّ زَرْع (٢) \"، وَحَدِيثِ \"لا تردُ يد لامسٍ\".\n- أو مِنْ الأحَادِيثِ المتعارضة التي تحتاجُ إلى جمعٍ أو ترجيحٍ كحَدِيث \"لا عَدوى ولا طِيَرة\"، وَحَدِيث \"بئر بُضَاعة\".\n- أو مِنْ الأحَادِيثِ المُخْتَلفِ فيها صحةً وضعفًا كحَدِيث \"القلتين\".\nولا شك أنّ الحَدِيث إذا أُفْرِدَ بالتصنيفِ كَانَ ذَلكَ أدْعَى للشموليةِ والاستقصاءِ مما يترتبُ عليه عُمْق البحث، ودِقة النتائج.\nومن الأحاديث العظيمة الجديرة بالإفراد والتصنيف حَدِيث \" أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان ورؤيا النَّبِيّ - ﷺ - \" وذلك لأسباب عديدة:\n١- أنّ الحَدِيث تضمن دلائل عظيمة من دلائل النبوة، وهذه الدلائل جديرة بالتأمل والبيان والإظهار.\n٢- أنّ في الحَدِيث إشكالًا يحتاجُ إلى بيانٍ وتجليةٍ وهو ما يوهمه ظاهر الحَدِيث من خلوة النَّبِيّ - ﷺ - بأُمّ حَرَام، وكذلك فلي أُمّ حَرَام رأس النَّبِيّ - ﷺ -، وهذا الإشكال انحرفت في فهمه عقول:\nأفطائفة أنكرت الحَدِيث وحكمت ببطلانه، وطعنت في الصحيحين\n_________\n(١) مقتبس من مقدمة العلائيّ لكتابه \"نظم الفرائد لما تضمنه حَدِيث ذي اليدين من الفوائد\" (ص٣٦) .\n(٢) انظر: كلام القاضي عياض في مقدمة كتابه \"بغية الرائد لما تضمنه حَدِيث أمِّ زَرْع من الفوائد\" (ص١) .","vol":"1","page":8},{"text":"حماية لجناب الرسول - ﷺ - حسب زعمهم!!.\nب وطائفة وسعت دلالة الحَدِيث وجوزت مس المرأة الأجنبية والخلوة بها، بل وجوزت دخول المرأة العسكرية دون قيد ولا شرط، وأغفلت النصوص الأخرى.\nوهاتان الطائفتان على طرفي نقيض!، و: كِلاَ طَرَفَيْ قَصْدِ الأُمورِ ذَمِيمُ، وكلٌ منهما يلوي النّص حسب توجهه!.\nو\"إنّ المرءَ المستقيمَ ليسمع الحديثَ الصحيحَ فيدركه على وجههِ إنْ كان سليم النفس، حَسَن الطوية، وهو ينحرفُ به إذا كان إنسانًا مريض النفس معوجا، وهل ينضح البئر إلاّ بما فيه، وهل يمكن أن نتطلب من الماء جذوة نار؟ أو نغترف من النار ماء؟ وقديما قالوا: إنّ كل إناء بما فيه ينضح، أشهد أنّ الله قد قَالَ في نبيه - ﷺ - ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم:٤) \" (١) .\nووفق اللهُ أهلَ العلم والإيمان للفهم السليم الذي به تأتلف نصوص الكتاب والسنة وتتسق، على منهجٍ علمي منضبط، مبني على التسليمِ لله ولرسوله - ﷺ -، مستفيدين من فهوم العلماء الربانيين من سلفنا الصالح.\n٣- اشتماله على صورةٍ مشرقةٍ من جَهاد المرأة في سبيل الله، وبذلها الغالي والنفيس في خدمة هذا الدين، ففي الحَدِيث ردٌّ على تلك الصرخات المعاصرة الجائرة التي تدعي أنَّ الدينَ الإسلامي هَضَمَ المرأةَ حقوقَها، ولم يقم لها وزنًا!.\n٤- اشتمال الحَدِيث على فوائد كثيرة شرعية، وتربوية.\n_________\n(١) مقتبس من كلام الدكتور: طه الدسوقي في كتابه السنة في مواجهة أعدائها (ص٢٠٥) .","vol":"1","page":9},{"text":"وقد كتبت جزءًا في الكلام على الحَدِيث رواية ودراية، عالجت فيه جميع المسائل المتقدمة حسب القدرة، والله -سبحانه وتعالي- يقول ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ (الطلاق: ٧)، -وإليه ﷾ السؤال أن يجعل ذلك خالصًا لوجهه الكريم، مقتضيا لرضاه، وأن لا يجعل العلم حجة على كاتبه في دنياه وأخراه، وعلى الله قصد السبيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل-.\nولا زال الكتاب في طور الإعداد والتنقيح غير أنّي لمَّا رأيت كثرة الكلام حول الإشكال الوارد في الحَدِيث مِنْ خَلوةِ النَّبِيّ - ﷺ - بأُمّ حَرَام، وكذلك فلي أُمّ حَرَام رأس النَّبِيّ - ﷺ -، رأيتُ أنْ أخرج المبحث المتعلق بهذا الإشكال والإجابة عنه سائلًا المولى أنْ ينفعَ بهِ المسلمين.\nومما ينبغي التنبه له والتنبيه عليه: أنه ليس من طريقة أهل العلم ولإيمان تتبع المتشابهات والإشكالات المخالفة للمحكمات وإثارتها - خاصةً عند العوام -، وهذه الطريقة طريقة أهل البدع والضلال ورثوها عن المنافقين.\nوكذلك ليس من منهج أهل العلم والإيمان السكوت عن الشبهات والإشكالات التي تثار وتنشر على رؤؤس الملاء، فعندهم من الحق والعلم والهدى والضياء ما يقذفون به الباطل فيدحره، قَالَ تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ (الأنبياء:١٨)، وَقَالَ سبحانه: ﴿فأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ﴾ (الرعد:١٧) .\nفما ذكرته في هذا البحث هو من الشبهات التي يتكأ عليها أهل الشهوات، وأهل الشبهات في هذا الزمان، ويثيرونها في وسائل الأعلام المختلفة التي تشاهدُ وتقرأُ وتسمعُ مِنْ قِبلِ ملايين الناس، فنسألُ اللهَ أنْ يحفظنا وجميعَ المسلمين من الفتن ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ.","vol":"1","page":10},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>خطة البحث:</span>\nوسرتُ في هذا الجزء على الخطة التالية:\n- المُقَدّمة -وهي هذه-.\nالمبحث الأوَّل: تخريج موجزٌ للحديث.\nالمبحث الثاني: الإشْكَالُ وَجَوَابُهُ، وفيه مطالب:\nالمطلب الأول: مقدمات عامة نافعة في مثل هذه الإشكالات التي ربما تَعرضُ في بعضِ الأحاديث.\nالمطلب الثاني: مقدمات خاصة في الإجابة عن حَدِيث أُمّ حَرَام.\nالمطلب الثالث: أجوبة أهل العلم والإيمان عن هذين الإشكالين.\nالمطلب الرابع: وقفات حول هذه الشبهة في الحَدِيث.\nومما أنبه عليه أنَّي لم أطبعْ هذا الكتاب حتى عرضته عَلى عَدَدٍ من مشايخي الفضلاء وَعَلَى رأسهم:\n١- شيخنا عبد الرحمن بن ناصر البراك.\n٢- وشيخنا عبد الله بن عبد الرحمن آل سعد.\n٣- وشيخنا سعد بن عبد الله آل حميد.\nوقد استفدتُ من ملحوظاتهم وتوجيهاتهم فجزاهم الله خيرًا، ونفع بهم","vol":"1","page":11},{"text":"الإسلام والمسلمين.\nقال محمد بن عبد الملك الفارقي المتوفي سنة سنة أربع وستين وخمسمائة (١):\nإذَا أَفَادَكَ إنْسانٌ بفائدةٍ مِنْ العلومِ فأكثِرْ شُكرَهُ أبدَا\nوقُلْ فُلانٌ جزاهُ اللهُ صالحةً أفادَنِيها وألقِ الكبر والحَسَدَا\n_________\n(١) طبقات الشافعية الكبرى (٦/١٧٦) .","vol":"1","page":12},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المبحثُ الأوَّلُ: تخريجٌ موجزٌ للحَدِيث </span>(١):\nرَوَى الحديثَ عَنْ أُمّ حَرَام أربعة:\n-الأوَّل: الصحابيّ الجليل أنس بن مالك.\n-الثاني: عمير بن الأسود.\n-الثالث: يعلى بن ثابت -وفي ثبوت هذا الطريق نظر، بينته في الأصل-.\n-الرابع: عطاء بن يسار-على خلافٍ في إسناد هذا الحَدِيث، بينته في الأصل -.\nوأنسُ بنُ مالك أشهر من روى الحَدِيث عَنْ أُمّ حَرَام وأجلهم وأتقنهم، ومما يُمَيّز روايته أيضًا أنّ أُمّ حَرَام إحدى خالاته.\n- وَرَوَى الحديثَ عَنْ أنس أربعةٌ:\nالأوَّل: إسحاقُ بنُ عبد الله بن أبي طلحة.\nالثاني: مُحَمَّد بنُ يحيى بن حَبّان.\nالثالث: أبو طُوَالة عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاريّ.\n_________\n(١) وقد توسعتُ في الكلام على تخريج الحديث في الأصل وبينت جميع طرقه وأسانيده، والمسائل والنكت الحديثية المتعلقة بالحديث، والمقصود هنا الكلام على الإشكال فقط.","vol":"1","page":13},{"text":"الرابع: المختار بن فُلْفُل.\nوجميعُ رواياتهم متقاربة بالجملة غيرَ أنَّ روايةَ إسحاق بنِ عبد الله بن أبي طلحة أجمع الروايات لألفاظ المتن، وهي الرواية الوحيدة التي ورد فيها ذكر \"فلي أُمّ حَرَام رأس النَّبِيّ - ﷺ - \"، لذا سأكتفي بتخريجها.\n* أخرجها:\n-مالك في الموطأ، كتاب الجهاد، باب الترغيب في الجهاد (٢/٤٦٤رقم٣٩)، ومن طريقه:\n- البُخَاريّ في صحيحه في مواضع:\n- كتاب الجهاد والسير، باب الدعاء بالجهاد والشهادة للرجال والنساء، (٣/١٠٢٧ رقم٢٦٣٦) . وكتاب التعبير، باب رؤيا النهار (٦/٢٥٧٠رقم٦٦٠٠) عَنْ عبد الله بن يوسف (١) .\n- كتاب الاستئذان، باب من زار قوما فَقَالَ عندهم (٥/٢٣١٦رقم٥٩٢٦) عَنْ إسماعيل بن أبي أويس (٢) .\n-ومُسلِم في صحيحه، كتاب الإمارة، (٣/١٥١٨رقم١٩١٢) عَنْ يحيى بن يحيى.\n_________\n(١) وقد أخرج البخاريُّ الحديثَ في كتابه \"الأدب المفرد\" (ص٣٢٨) بابٌ هل يفلي أحدٌ رأسَ غيرهِ، عَنْ عبد الله بن يوسف.\n(٢) تكلم جمهورُ النقاد في رواية إسماعيل بن أبي أويس -وليس هذا موضع التوسع في مناقشة ما قيل فيه جرحًا وتعديلًا، خاصةً وأنه قد توبع على هذه الرواية المذكورة هنا كما هو بيّن- غير أنَّه مما ينبغي التفطن له أنّ من منهج الإمامِ البخاريّ في الرواية عن شيوخه المتكلم فيهم أنْ ينتقي من أصولهم ما صحَّ من حديثهم، ومما يدل على ذلك:\n- قول البخاريّ: «كَانَ إسماعيلُ بنُ أبي أُويس إذا انتَخَبتُ مِنْ كِتابهِ، نَسَخَ تلك الأحاديثَ لنفسِهِ، وَقَالَ: هذه الأحاديثُ انتخبها مُحَمَّد بنُ إسماعيل مِنْ حَدِيثي» . انظر:\"تاريخ بغداد\" (٢/١٩)، \"تاريخ مدينة دمشق\" (٥٢/٧٧) .\n- وقول البخاريّ أيضًا: قَالَ لي مُحَمَّد بنُ سَلاَم: انظرُ في كتبي فما وجدتَ فيها من خطأ فاضرب عليه كي لا أرويه، فَفَعلتُ ذلكَ. \"تاريخ مدينة دمشق\" (٥٢/٧٧)، \"مقدمة فتح الباري\" (ص٤٨٣) .\n- قول الحافظ ابن حجر في \"مقدمة الفتح\" (ص٣٩١): «روينا في \"مناقبِ البخاريِّ\" بسندٍ صحيحٍ أنّ إسماعيلَ أخرج له أصوله، وأذن له أن ينتقي منها، وأنْ يعلمَ لهُ على ما يحدث به ليحدث به، ويعرض عما سواه، وهو مشعرٌ بأنَّ ما أخرجه البخاريُّ عنه هُو مِنْ صحيحِ حديثه لأنه كتب من أصوله، وعلى هذا لا يحتج بشيء من حديثه غير ما في الصحيح من أجل ما قدح فيه النسائي وغيره إلا أن شاركه فيه غيره فيعتبر فيه» .\n\n-وقال أيضًا في \"النكت على كتاب ابن الصلاح\" (١/٢٨٨): «الذينَ انفردَ بهم البخاريُّ ممنْ تُكُلمُ فيهِ أكثرهُمْ مِنْ شيوخهِ الذينَ لَقِيهم، وَعَرَفَ أحوالَهُم، وَاطلع عَلَى أحاديثهم فميّز جيدها مِنْ رديها بخلافِ مُسلم، فإنَّ أكثرَ مَنْ تفردّ بتخريجِ حَدِيثه ممن تُكُلمُ فيه مِنْ المتقدمين، وقد أخرج أكثر نسخهم كما قدمنا ذكره. ولا شكَ أنَّ المرءَ أشدّ معرفة بحديثِ شيوخهِ، وبصحيحِ حَدِيثهم مِنْ ضعيفه ممن تقدم عَنْ عصرهم» .\nوقال نحوه في \"مقدمة الفتح\" (ص١٢) . وانظر: \"مقدمة الفتح\" (ص٣٨٧، ٣٨٨، ٤١٣)، \"فتح المغيث\" (١/٢٩) .\nقلتُ: وَمَنهجُ انتقاء ما صحَّ من مرويات المجروحين مما في أصولهم منهجٌ لكبار نقاد الحديث؛ ومما يدل على ذلك: قولُ البرذعيّ رأيتُ أبا زُرْعةَ يسيىءُ القولَ فيه-أي في سُوَيد بنِ سَعِيد- فقلتُ له: فأيش حَاله؟ قَالَ: أمَّا كُتُبهُ فَصِحَاحٌ، وكنتُ أتتبعُ أصولَهُ وَأكتبُ مِنْها، فَأمَّا إذا حدّثَ مِنْ حفظهِ. سؤالات البرذعي (ص٤٠٩) .\nوانظر: \"العلل الكبير\" للترمذي (ص ٣٩٤ تحقيق: السامرائي) \"الجرح والتعديل\" (٥/١٤٧)، \"زاد المعاد\" (١/٣٦٤)، \"شرح علل الترمذي\" (١/٤٢٠)، \"التنكيل\" للمعلمي (١/١٢٣) .\nفينبغي التفطن لمناهج النقاد وأئمة الحديث، وتلمس طرائقهم في كتبهم والاستفادة من أقوال المتخصصين في ذلك، والتجرد في طلب الحق، وسؤال الله - دائمًا - أنْ يرزقك العلمَ والفهمَ، والله الموفق.","vol":"1","page":14},{"text":"-وأبو داود في سننه، كتاب الجهاد، باب فضل الغزو في البحر (٣/","vol":"1","page":15},{"text":"٦رقم٢٤٩١) عَنْ عبد الله بن مسلمة القعنبي.\n-والترمذي في جامعه، كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء في غزو البحر (٤/١٧٨رقم١٦٤٥) عَنْ معن بن عيسى.\n-والنسائيُّ في سننه (المجتبى)، كتاب الجهاد، فضل الجهاد في البحر (٦/٤٠) من طريق عبد الرحمن بن القاسم.\n- وعبد الله بنُ المبارك في الجهاد (ص١٥٧رقم٢٠١) .\n-ومحمد بن سعد في الطبقات الكبرى (٨/٤٣٥) عَنْ معن بن عيسى.\n-وأحمد بن حنبل في مسنده (٣/٢٤٠) عَنْ أبي سلمة منصور بن سلمة (١) .\n-وأبو عَوَانة في مستخرجه، كتاب الجهاد، بيان فضل الغزو في البحر (٤/٤٩٤رقم٧٤٥٩) من طريق عبد الله بن وَهَب.\n-وابن حبان في صحيحه -كما في الإحسان (١٥/٥١ رقم٦٦٦٧) - من طريق أبي مصعب أحمد بن أبي بكر.\n-واللإلكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٨/١٤٣٨) من طريق مصعب الزبيري والوليد بن مُسلِم.\n-وأبو نُعَيم في حلية الأولياء (٢/٦١) ومعرفة الصحابة (٦/٣٤٨١رقم٧٨٩٤)، وفي دلائل النبوة (٢/٥٥٥) من طريق القعنبي ويحيى بن بكير.\n_________\n(١) وقع خلاف بين النسخ هل هو \"أبو سلمة\"، أو \"أبو أسامة\" والصواب الأول، انظر: المسند (٢١/١٦٢رقم١٣٥٢٠) -تحقيق شعيب-، وإتحاف المهرة (١/٤١٤)، وأطراف المسند (١/ ٢٧٣) وكلاهما لابن حَجَر.","vol":"1","page":16},{"text":"-والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب السير، باب فضل من مات في سبيل الله (٩/١٦٥) من طريق يحيى بن يحيى.\n-وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق (٧٠/٢١١) من طريق أبي مصعب أحمد بن أبي بكر، وأحمد بن إسماعيل، ومصعب الزبيري.\nجميعهم عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَس عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ (١)\nعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان فَتُطْعِمُه، ُ وَكَانَتْ أُمّ حَرَام تَحْتَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِت، ِ فَدَخَلَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يَوْمًا فَأَطْعَمَتْه، ُ ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَرْكَبُونَ ثَبَجَ هَذَا الْبَحْرِ مُلُوكًا عَلَى الْأَسِرَّةِ أَوْ مِثْلَ الْمُلُوكِ عَلَى الْأَسِرَّةِ -يَشُكُّ أَيَّهُمَا- قَالَ: َ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ فَدَعَا لَهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَأْسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وَهُوَ يَضْحَكُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: مَا يُضْحِكُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ:\n_________\n(١) هو: إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة زيد الأنصاري النجاري، ابن أخي أنس لأمه، وربما يقال: إسحاق بن أبي طلحة - بنسبته إلى جده -، كان يسكن دار جده بالمدينة، وهو تابعي، سمع أباه وعمه لأمه أنس بن مالك وغيرهما.\nواتفقوا على توثيقه، وهو أشهر أخوته وأكثرهم حديثا وهم: عبد اللَّه ويعقوب وإسماعيل وعمر بنو عبد اللَّه، وكان مالك لا يقدم على إسحاق في الحديث أحدًا، توفي سنة اثنتين وثلاثين ومائة، روى له الجماعة.\nولمالك عنه في الموطأ من حَدِيث النَّبِيّ - ﷺ - خمسة عشر حديثا منها: عَنْ أنس عشرة، وعن رافع بن إسحاق حديثان، وعن زفر بن صعصعة حَدِيث واحد، وعن أبي مرة حَدِيث واحد، وعن حميدة امرأته حَدِيث واحد.\n\nانظر: التاريخ الكبير (١/٣٩٣رقم١٢٥٥)، الجرح والتعديل (٢/٢٢٦رقم٧٨٦)، التمهيد (١/١٩٨) تهذيب الكمال (٢/٤٤٤)، تهذيب التهذيب (١/٢١٠)، تقريب التهذيب (ص١٠١رقم٣٦٧)، عمدة القاري (٢/٣٢) .","vol":"1","page":17},{"text":"نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي عُرِضُوا عَلَيَّ غُزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَا قَالَ فِي الْأُولَى قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ؟ قَالَ: أَنْتِ مِنْ الْأَوَّلِينَ، فَرَكِبَتْ أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان الْبَحْرَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ فَصُرِعَتْ عَنْ دَابَّتِهَا حِينَ خَرَجَتْ مِنْ الْبَحْرِ فَهَلَكَتْ.\nهذا لفظُ مالك في الموطأ -رواية يحيى بن يحيى- ومُسلِم في صحيحه.\nوَقَالَ الترمذي: «حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحيحٌ، وأُمُّ حَرَام بِنْتُ مِلْحَان هي أختُ أُمّ سُلَيْم وهي خَالةُ أنس بنِ مالك» .","vol":"1","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-12>المبحث الثاني: الإشْكَالُ وَجَوَابُهُ:</span>\nاستشكل حَدِيث أُمّ حَرَام هذا مِنْ وجهين:\nالأوَّل: أنّ ظاهر الحَدِيث يوهم خلوة الرسول - ﷺ - بأُمّ حَرَام، ومعلوم أنّ خلوة الرجل بالمرأة الأجنبية لا تجوز باتفاق العلماء كما سيأتي.\nوالثاني: أنّ في الحَدِيث-\" ثُمَّ جَلَسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ فَنَامَ\" فهل يجوز للمرأة مس جسد الرجل الأجنبي؟ (١) .\nوهذا الإشكال فرح به صنفان من أهل الأهواء:\nفالصنف الأوَّل: اتخاذ هذا الحَدِيث حجة للطعن في أصح كتابين بعد كتاب الله \"صحيح البخاري، وصحيح مسلم\"، لفهمه السقيم أنّ في ذلك طعنًا في جناب المصطفى - ﷺ -.\nوالصنف الثاني: وهم أهل الشهوات الذين قَالَ الله فيهم ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (النساء:٢٧)، فأخذوا ما يوافق شهواتهم وأعرضوا عن ما يخالفها من صريح الكتاب والسنة.\n_________\n(١) وأنبه أن لفظة\" النوم في الحجر\" لم أجدها في أي رواية من روايات الحديث، وإنما وقفتُ عليها من قول ابن وهب، قَالَ ابن عبد البر: «وَقَالَ يونس بن عبد الأعلى قَالَ لنا ابن وهب: أمّ حَرَام إحدى خالات النبي - ﷺ - من الرضاعة فلهذا كان يقيل عندها وينام في حجرها وتفلي رأسه» التمهيد (١/٢٢٦) .وانظر: فتح الباري (١١/٧٩) .","vol":"1","page":19},{"text":"وهذان الصنفان ليس نظرهم في الدليل نظر المستبصر حتى يكونَ هواه تحت حكمه، بل نظر مَنْ حَكَمَ بالهوى ثم أتى بالدليلِ كالشاهدٍ له، وهذا شأنُ كلّ مبطل ممن يترك المحكم للمتشابه.\nوعند التحقيق وتطبيق المنهج العلمي السليم في دراسة المسألة جمعًا ودراسةً يتبين أنه لا حجة للصنفين في الحَدِيث-كما سيأتي-.\nوقد اشتمل الجواب عن هذين الإشكالين على مطالب:\n* المطلب الأول: مقدمات عامة نافعة في مثل هذه الإشكالات التي ربما تَعرضُ في بعضِ الأحاديث.\n* المطلب الثاني: مقدمات خاصة في الإجابة عن حَدِيث أُمّ حَرَام.\n* المطلب الثالث: أجوبة أهل العلم والإيمان عن هذين الإشكالين.\n* المطلب الرابع: وقفات حول هذه الشبهة في الحَدِيث.","vol":"1","page":20},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المطلبُ الأوَّل: مقدماتٌ عامةٌ نافعةٌ في مثلِ هذه الإشكالات التي رُبما تَعرضُ في بعضِ الأحاديث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>١- المقدمة الأولى في ذكر أربع قواعد، من قواعد الدين تدور الأحكام عليها</span>.\nقَالَ الشيخُ مُحَمَّدُ بنُ عَبْد الوهاب﵀-: «هذه أربعُ قواعد، من قواعد الدين، التي تدور الأحكام عليها، وهي: من أعظم ما أنعم الله به على مُحَمَّد - ﷺ - وأمته، حيث جعل دينهم دينا كاملا وافيا، أكمل وأكثر علما من جميع الأديان، ومع ذلك جمعه لهم في لفظ قليل، وهذا مما ينبغي التفطن له، قبل معرفة القواعد الأربع، وهو: أن تعلم قول النَّبِيّ - ﷺ - لما ذكر ما خصه الله به على الرسل، يريد منا أن نعرف منة الله علينا، ونشكرها، قَالَ لما ذكر الخصائص: (وأعطيت جوامع الكلم) (١) قَالَ إمامُ الحجاز: مُحَمَّدُ بن شهاب الزهري، معناه: أن يجمع الله له المسائل الكثيرة، في الألفاظ القليلة (٢) .\n_________\n(١) أخرجه: البخاريُّ في صحيحه، كتاب التعبير، بابٌ المفاتيح في اليد (٦/٢٥٧٣رقم٦٦١١)، ومسلم في صحيحه، كتاب المساجد ومواضع الصلاة، (١/٣٧١رقم٥٢٣) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٢) أخرجه البيهقيُّ في شعب الإيمان (١/١٦١) ولفظُهُ قَالَ ابنُ شِهاب: وَبَلَغَني أنَّ جوامعَ الكلم أنَّ الله تعالى جَمَعَ له الأمورَ الكثيرةَ التي كانتْ تكتب في الكتب قبله في الأمر الواحد والأمرين. وإسنادُهُ صحيحٌ.\nوانظر للفائدة: فتح الباري (١٢/٤٠١)، عمدة القاري (٢٤/١٥١) .","vol":"1","page":21},{"text":"القاعدة الأولى:\nتحريم القول على الله بلا علم لقوله تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ إلى قوله: وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (الأعراف:٣٣) .\nالقاعدة الثانية:\nأن كل شيء سكت عنه الشارع، فهو عفو، لا يحل لأحد أن يحرمه، أو يوجبه، أو يستحبه، أو يكرهه، لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا (المائدة:١٠١) . وَقَالَ النَّبِيّ - ﷺ -: «وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها» (١) .\nالقاعدة الثالثة:\nأن ترك الدليل الواضح، والاستدلال بلفظ متشابه، هو طريق أهل الزيغ،\n_________\n(١) أخرجه: الدارقطني في سننه، كتاب الرضاع (٤/١٨٤)، والحاكم في المستدرك، كتاب الأطعمة (٤/١٢٩)، والبيهقي في السنن الكبرى، كتاب الضحايا، باب ما لم يذكر تحريمه ولا كان في معنى ما ذكر تحريمه مما يؤكل أو يشرب (١٠/١٢) من طريق مكحول عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إنَّ اللهَ حدَّ حدودًا فلا تعتدوها، وفَرَضَ لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء من غير نسيان من ربكم ولكن رحمة منه لكم فاقبلوها ولا تبحثوا فيها» .\nقال ابنُ رَجَب: «هذا الحديثُ مِنْ رواية مكحول عن أبي ثعلبة الخشني، وله علتان إحداهما: أنَّ مكحولا لم يصح له السماع عن أبي ثعلبة كذلك قال أبومسهر الدمشقي، وأبو نعيم الحافظ وغيرهما، والثانية: أنه اختلف في رفعه ووقفه على أبي ثعلبة، ورواه بعضهم عن مكحول عن قوله» جامع العلوم والحكم (٢/٢٧٦) .\nوقد توسع في الكلامِ عَلَى الحديثِ وشواهدهِ فلتراجع.","vol":"1","page":22},{"text":"كالرافضة، والخوارج، قَالَ الله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ (آل عمران:٧) . والواجبُ عَلَى المسلم: اتباع المحكم، فإنْ عَرَفَ معنى المتشابه، وجده لا يخالف المحكم بل يوافقه، وإلا فالواجب عليه اتباع الراسخين في العلم في قولهم: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا (آل عمران:٧) .\nالقاعدةُ الرابعة:\nأنَّ النَّبِيّ - ﷺ - ذَكَرَ: «أنّ الحلالَ بَيّنٌ وَالحرامَ بَيّنٌ، وبينهما مشتبهات» (١)، فمن لم يفطنْ لهذه القاعدة، وأراد أنْ يتكلمَ عَلَى كلّ مسألةٍ بكلامٍ فاصلٍ، فَقد ضلّ وأضل.\nفهذه أربعُ قواعد: ثلاثٌ ذَكَرَهَا اللهُ في كتابهِ، والرابعةُ ذكرها رسولُ الله - ﷺ -.\nواعلمْ رَحِمَكَ الله: أنَّ أربعَ هذه الكلمات، مَعَ اختصارها، يدورُ عليها الدين، سواءً كان المتكلم يتكلمُ في علم التفسير، أو في علمِ الأصول، أو في علم أعمالِ القلوب، الذي يسمى علم السلوك، أو في علمِ الحَدِيث، أو في علمِ الحلال والحرام، والأحكام، الذي يسمى: علم الفقه; أو في علمِ الوعد والوعيد; أو في غير ذلك من أنواعِ علوم الدين» (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>٢- المقدمة الثانية: ضرورةُ جمعِ الأحاديث الواردة في المسألة المستنبطة، ومراعاة قواعد وأصول الاستدلال التي وضعها الأئمة</span>.\nوالفقهاءُ المحققون إذا أرادوا بحث مسألة ما، جمعوا كل ما جاء في شأنها من\n_________\n(١) أخرجه: البخاريُّ في صحيحه، كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه (١/٢٨رقم٥٢)، ومسلم في صحيحه، كتاب البيوع (٣/١٢١٩رقم١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير ﵁.\n(٢) مجموعة مؤلفات الشيخ مُحَمَّد بن عبد الوهاب (٣/٦) .","vol":"1","page":23},{"text":"الكتاب والسنة،، وأحسنوا التنسيق بين شتى الأدلة، قَالَ الشاطبي: «من يأخذ الأدلة من أطراف العبارة الشرعية ولا ينظر بعضها ببعض، فيوشك أن يزل، وليس هذا من شأن الراسخين وإنما هو من شأن من استعجل طلبا للمخرج في دعواه» (١) .\nوَقَالَ أيضًا: «ومدار الغلط في هذا الفصل إنما هو على حرف واحد: وهو الجهل بمقاصد الشرع، وعدم ضم أطرافه بعضها لبعض، فإن مأخذ الأدلة عند الأئمة الراسخين إنما هو على أن تؤخذ الشريعة كالصورة الواحدة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها، وعامّها المرتب على خاصّها، ومطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر بِبَيّنها، إلى ما سوى ذلك من مناحيها، -إلى أن قَالَ - فشأن الراسخين: تصور الشريعة صورة واحدة، يخدم بعضها بعضًا كأعضاء الإنسان إذا صورت صورة مثمرة، وشأنُ متبعي المتشابهات أخذ دليلٍ مَا أيّ دليل كان عفوًا وأخذًا أوليًا وإنْ كان ثم ما يعارضه من كلى أو جزئي، فكأن العضو الواحد لا يعطى في مفهوم أحكام الشريعة حكما حقيقيا، فمتبعه متبع متشابه، ولا يتبعه إلا من في قلبه زيغ ما شهد الله به ومن أصدق من الله قيلا» (٢) .\nوقال شيخُ الإسلام ابنُ تيمية: «إذا ميّز العالم بين ما قاله الرسول - ﷺ - وما لم يقله، فإنه يحتاج أن يفهم مراده ويفقه ما قاله، ويجمع بين الأحاديث ويضم كل شكل إلى شكله، فيجمع بين ما جمع الله بينه ورسوله، ويُفرق بين ما فرق الله بينه ورسوله؛ فهذا هو العلم الذي ينتفع به المسلمون، ويجب تلقيه وقبوله، وبه ساد أئمة المسلمين كالأربعة وغيرهم» (٣) .\nأما اختطاف الحكم مِنْ حَدِيثٍ عَابر، وقراءةٍ عَجلى مِنْ غير مراعاة لما وَرَدَ في\n_________\n(١) الأعتصام (١/٢٢٣) .\n(٢) الأعتصام (١/٢٤٥) .\n(٣) مجموع الفتاوى (٢٧/٣١٦) .","vol":"1","page":24},{"text":"الموضوع مِنْ آثار أخرى، ومن دون تصفية وتنقية فليسَ من عمل العلماء الصادقين.\nوهذه المقدمة الثانية ينبغي العناية بها جيدًا؛ فكثيرٌ ممن يتكلم على هذه المسائل لا يراعي هذه المقدمة مما يوقعهُ في أخطاء علمية، وعيوب منهجية، من ذلك:\n١- إهمال الأدلة المضادة:\nوهذه \"من أسوأ العيوب المنهجية، وأشدها خطورة على نتائج أي بحث علمي، هي أن يتجاهل الباحث الأدلة المضادة - يعني المخالفة - لرأيه سواءً أكان ذلك بسبب إهماله أم تحيزه أم لأي سبب آخر، ويصف أحد المفكرين الغربيين العالم أو الباحث الذي يخفي الأدلة التي لا تؤيد نظريته بأنه يعد في عالم العلم «مثل المالي الغشاش، أو المحاسب الذي يزيف في دفاتره في عالم المال» .\nويذكر أحد أساتذة المنهجية أن من أهم العوائق التي تحول بين الباحث، والوصول إلى الحقيقة: تجاهل الأدلة المضادة، وعليه فإن الدليل المضادَّ يجب أن يُعطى وزن الدليل المؤيد نفسه، حتى لو كان في ذلك تغيير لمنطلقات البحث الأساسية؛ لأن هدف الباحث الأول هو الوصول إلى الحقيقة. ويؤكد آخر بأنه ينبغي للعالم أن يكون كالقاضي النزيه الذي يسعى وراء الأدلة التي تنفي آراءه أكثر من تلك التي تؤيدها\" (١) .\nوهذا العيب يلاحظُ في كتابات عدد ممن تطرق لبحث المسائل المتعلقة بالمرأة، فتجد أنَّ هناك حجبًا أو تجاهلًا للنصوص التي تخالف توجه الكاتب كالنصوص التي تحرم الخلوة، أو تحرم مس المرأة الأجنبية، أو تحرم الاختلاط وتأمر المرأة بالمباعدة\n_________\n(١) انظر: \"العيوب المنهجية في كتابات المستشرق شاخت المتعلقة بالسنة النبوية\" (ص:٤٠)، تأليف د. خالد بن منصور الدريس، وهذا البحثُ - على صغره - من أنفس ما كُتب في نقد المستشرق شاخت بأسلوب علمي رصين.","vol":"1","page":25},{"text":"عن الرجال والقرار في البيوت- إلاّ ما لا بدَّ منه-، أو النصوص التي بلزوم الحجاب وغير ذلك.\nومن العيوب كذلك:\n٢- التحيز ومحاولة إثبات النتيجة المسبقة:\nولا يخفى أنَّ التجرد المسبق أكبر معين على الوصول للحق فلا يعتقد ثم يبحث؛ ولكن يبحث أولًا ثم يعتقد-بالضوابط العلمية-، ويتحلى بالنصفة والعدل وما يسمى \"بالموضوعية\"، والباحث المتحيز لا يمكن أن تكون نتائج بحثه علمية بأي حال من الأحوال، وقد قال الإمام الشافعي: «ما كلمتُ أحدًا قط إلا أحببت أن يوفق ويسدد ويعان، وما كلمت أحدًا قط إلا ولم أبال بَيّنَ الله الحق على لساني أولسانه» (١) .\n_________\n(١) آداب الشافعي ومناقبه لابن أبي حاتم (ص ٣٢٦) والفقيه والمتفقه (٢/٢٦) .\nقلتُ: وربما يقول قائل: أليس في بحثك هذا تحيزٌ؟\nفالجواب: أنه لم يدر بخلدي عند البدء في هذا البحث جوابٌ محدد مسبق عن حديث أم حرام وتفليتها النبي - ﷺ -، غير أنّ الجواب لا يخرج عن أحد ثلاثة:\n١- الخصوصية للنبي - ﷺ -. ٢- أو الخصوصية لأم حرام وأختها أم سليم. ٣- أو أنّ هناك علاقة محرمية بين الرسول - ﷺ - وأم حرام وأختها أم سليم.\nولم أذكر جوابًا رابعًا -وهو ما يدور حوله أهل الشهوات- وهو أنه يجوز للأجنبي الخلوة بالأجنبية ومسها لأمرين:\n١- أنَّ النصوص من القرآن والسنة دالة دلالة قطعية على تحريم الخلوة بالأجنبية ومسها.\n٢- أنّ أحدًا من أهل العلم ممن تقدم أو تأخر لم يذكر هذا الجواب للسبب المتقدم.\nفلمّا بحثت الحديث بحثًا موسعًا شاملًا للرواية والدراية ظهرت لي أمور مجتمعة-يأتي ذكرها- تُعدّ من قبيل تظافر الدلائل التي لا تخطىء، والدلالات التي تورث اليقين بأنَّ هناك محرمية بين النبي - ﷺ - وأمّ حرام، وبينت أنه بأقل من القرائن المذكورة يستدل على مثل هذه القضايا، فكيف بهذه القرائن مجتمعة والله أعلم. ...","vol":"1","page":26},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>٢- المقدمة الثالثة: عند النظر في هذه الأحاديث الصحيحة المُشْكلة لا بدَّ من ملاحظة أمرين:</span>\nالأوَّل:<span data-type=\"title\" id=toc-17> التصور السليم للحياة في عهد النَّبِيّ - ﷺ - كما هي من الطهر والعفاف </span>والصدق والمحبة والإيثار والتضحية، والمبادرة إلى طاعة الله ورسوله - ﷺ - فما إنْ يرد الأمر والنهي إلاّ ويبادروا إليه دون تلكأ وتأخير رجالًا ونساء، ومن ثمّ يعوّدون صبيانهم على هذه الكمالات والفضائل، فلم تمرّ على الأمة الإسلامية أيام وسنين كتلك التي مرت في عهد النَّبِيّ - ﷺ -، وهذه بعض الأدلة من القرآن والسنة على ما تقدم:\nذو القعدة قَالَ تعالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًاّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ (سورة الحشر) .\nذو القعدة وَقَالَ ﷾ ﴿مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمْ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح:٢٩) .\nإلى غير ذلك من الآيات.","vol":"1","page":27},{"text":"ومن السنة:\n- حَدِيثُ أنس - ﵁ - قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى، فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَقُلْتُ: هَذَا مُنَادٍ يُنَادِي أَلا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقَالَ لِي: اذْهَبْ فَأَهْرِقْهَا، قَالَ: فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ (١) .\n- وفي رواية: «فَإِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةَ وَفُلانًا وَفُلانًا إِذْ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: وَهَلْ بَلَغَكُمْ الْخَبَرُ؟ فَقَالُوا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: حُرِّمَتْ الْخَمْرُ، قَالُوا: أَهْرِقْ هَذِهِ الْقِلالَ يَا أَنَسُ، قَالَ: فَمَا سَأَلُوا عَنْهَا وَلا رَاجَعُوهَا بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ» (٢) .\n- وعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ لَمَّا أَنْزَلَ ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا (٣) .\n-وعَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا فَليَصُمْ، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمْ اللُّعْبَةَ مِنْ الْعِهْنِ،\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في صحيحه كتاب التفسير، بابٌ ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآية، (٤/١٦٨٨رقم٤٣٤٤)، مسلم في صحيحه، كتاب الأشربة (٣/١٥٧١رقم١٩٨٠) .\n(٢) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ (٤/١٦٨٨رقم٤٣٤١) ومسلم في صحيحه-الموضع السابق-.\n(٣) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، بابٌ قَوْلُهُ ولْيَضْرِبْنَ بخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ (٤/١٧٨٢رقم٤٤٨٠) معلقًا، وأبو داود في سننه، كتاب اللباس، باب في قوله ﴿ولْيَضْرِبْنَ بخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (٤/٦١رقم٤١٠٢) .","vol":"1","page":28},{"text":"فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ (١) .\nوالأحاديثُ في هذا المعنى كثيرةٌ.\nوإنما نبهتُ عَلَى هذا الأمر -مَعَ وضوحهِ وَكثرةِ دلائلهِ - لأني رأيتُ بعضَ مَنْ انتقد الأحاديثَ الصحيحةَ صوّرها بأسلوبٍ يُعطي انطباعًا أنّ المجتمعَ في عهد النَّبِيّ - ﷺ - كمجتمعاتنا في هذه الأزمان مِنْ كثرةِ المعاصي، وقلة حياء النساء، وتبرجهنّ وسفورهنّ، وفحش غنائهن، وتنوع الشهوات، وتفنن الملذات.\nوتأملْ قولَ أحدهم -تعليقًا على حَدِيث الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذِ بْنِ عَفْرَاءَ قَالَتْ: جَاءَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَخَلَ حِينَ بُنِيَ عَلَيَّ فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي ... فَجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَيَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِي يَوْمَ بَدْرٍ إِذْ قَالَتْ إِحْدَاهُنَّ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَالَ: دَعِي هَذِهِ وَقُولِي بِالَّذِي كُنْتِ تَقُولِينَ، وسيأتي الكلام عليه (٢) -:\n«ولما شوهد الحَدِيث محفوف بالتفاهة والركاكة وتباينه لمقام النبوة والنبي (صلى الله عليه وآله) ما لا يقبله العقل بدا القوم في تبرير هذه الحكايات التافهة، وذلك لأنه لا يعقل أن يشترك مؤمن ملتزم أو عالم ديني حتى لو كان في، أدنى درجة من العلم والدين في الأعراس، ويجالس النساء اللاتي تزين بوسائل التجميل من الملابس وغيرها - الماكياج - (٣)، وهن يعزفن ويرقصن أمامه وهو يراهن ويستمع إلى ما يغنين ويبدي رأيه في ما عزفن. نعم، إنَّ الإنسانَ العادي الذي لم يملك تلك المعنوية العالية والغيرة الدينية الشديدة يمتنع من هذا المشهد فكيف بنبي ورسول؟\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، بابٌ صوم الصبيان (٢/٦٩٢رقم١٨٥٩)، ومسلم في صحيحه، كتاب الصيام (٢/٧٩٨رقم١١٣٦) .\n(٢) انظر (ص: ٤٣) من هذا البحث.\n(٣) قلتُ: ولم يبق إلاّ أن يقول وقد وضعن العطور الباريسية ... !!.","vol":"1","page":29},{"text":"ولذا ترى ابن حَجَر يخيط أعذارا هي أقبحُ من الذنب نقلها عن الكرمانيّ» (١) .\nكذا قَالَ!! وقد أحسنَ من وَصَفَ هذا الصنفَ بقوله \"إنّ المرءَ ليسمع الحَدِيث المستقيم فيدركه عَلَى وجههِ إنْ كَانَ سَليمَ النفس، حَسَن الطوية، وهو ينحرف به إذا كان إنسانا مريض النفس معوجا، وهل ينضح البئر إلاّ بما فيه، وهل يمكن أن نتطلب من الماء جذوة نار؟ أو نغترف من النار ماء؟ وقديما قالوا: إنّ كل إناء بما فيه ينضح، أشهد أنّ الله قد قَالَ في نبيه - ﷺ - ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾» (٢) .\n٢-<span data-type=\"title\" id=toc-18> التنبه لمدلول الألفاظ وما وقع فيها من تغاير بين زمان النَّبِيّ - ﷺ - والأزمنة المتأخرة </span>فربما يقع اشتراك في لفظ معين بين هذا الزمان وزمان النَّبِيّ - ﷺ - ولكن الكيفية والصفة والطريقة تختلف اختلافًا كبيرًا، يؤدي بالتالي إلى اختلاف الحكم، قَالَ ابنُ القيم: «فإن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، والعوائد والاحوال، وذلك كلُّه مِنْ دينِ الله» (٣)،\nمِنْ ذلكَ مثلًا (الغناء، والدّف) فقد تغيرتْ الكيفية والصفة في هذه الأزمنة وقبلها عن الغناء والدّف الذي كان على عهد رسولِ الله - ﷺ - وقد بين ذلك ابنُ رَجَب بكلامٍ نفيسٍ قَالَ فيه -تعليقًا على حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتْ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثَ قَالَتْ: وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ -، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيدًا وَهَذَا عِيدُنَا-: «ولا ريب أنّ العرب كانَ لهم غناء يتغنون به، وكان لهم دفوف يضربون بها، وكان غناؤهم بأشعار أهل الجاهلية من ذكر الحروب وندب من\n_________\n(١) أضواء على الصحيحين، لمحمد صادق النجمي (ص ٢٨١) .\n(٢) السنة في مواجهة أعدائها (ص٢٠٤) .\n(٣) إعلام الموقعين (٤ / ٢٠٥) .","vol":"1","page":30},{"text":"قتل فيها، وكانت دفوفهم مثل الغرابيل، ليس فيها جلاجل، ...\nفلما فتحت بلاد فارس والروم ظهر للصحابة ما كان أهل فارس والروم قد أعتادوه من الغناء الملحن بالإيقاعات الموزونة، على طريقة الموسيقى بالأشعار التي توصف فيها المحرمات من الخمور والصور الجميلة المثيرة للهوى الكامن في النفوس، المجبول محبته فيها، بآلات اللهو المطربة، المخرج سماعها عن الاعتدال، فحينئذ أنكر الصحابة الغناء واستماعه، ونهوا عنه وغلظوا فيه.\nحتى قَالَ ابنُ مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل. وروي عنه - مرفوعا.\nوهذا يدل على أنهم فهموا أنَّ الغناءَ الذي رَخص فيه النَّبِيّ - ﷺ - لأصحابه لم يكن هذا الغناء، ولا آلاته هي هذه الآلات، وأنه إنما رخص فيما كان في عهده، مما يتعارفه العرب بآلاتهم.\nفأما غناء الأعاجم بآلاتهم فلم تتناوله الرخصة، وإن سمي غناءً، وسميت آلاته دفوفا، لكن بينهما من التباين ما لا يخفى على عاقل، فإن غناء الأعاجم بآلاتها يثير الهوى، ويغير الطباع، ويدعو إلى المعاصي، فهو رقية الزنا. وغناء الأعراب المرخص به، ليس فيه شيء من هذه المفاسد بالكلية البتة، فلا يدخل غناء الأعاجم في الرخصة لفظا ولا معنى، فإنه ليس هنالك نص عن الشارع بإباحة ما يسمى غناء ولا دفا، وإنما هي قضايا أعيان، وقع الإقرار عليها، وليس لها من عموم.\nوليس الغناء والدف المرخص فيهما في معنى ما في غناء الأعاجم ودفوفها المصلصلة، لأنَّ غنائهم ودفوفهم تحرك الطباع وتهيجها إلى المحرمات، بخلاف غناء الأعراب، فمن قاس أحدهما على الآخر فقد أخطأ أقبح الخطأ، وقاس مع ظهور","vol":"1","page":31},{"text":"الفرق بين الفرع والأصل، فقياسه من أفسد القياس وأبعده عن الصواب» (١) .\nوَقَالَ ابن القيم: «وفي الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ - ﵁ - ا - قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ بُعَاثَ فَاضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ، وَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانْتَهَرَنِي وَقَالَ: مِزْمَارَةُ الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﵇ فَقَالَ: دَعْهُمَا فَلَمَّا غَفَلَ غَمَزْتُهُمَا فَخَرَجَتَا، فلم ينكر رسول الله - ﷺ - على أبي بكر تسمية الغناء مزمار الشيطان، وأقرهما لأنهما جاريتان غير مكلفتين تغنيان بغناء الأعراب الذي قيل في يوم حرب بعاث من الشجاعة والحرب، وكان اليوم يوم عيد، فتوسع حزب الشيطان في ذلك إلى صوتِ امرأةٍ جميلة أجنبيةٍ، أو صبي أمرد صوته فتنة، وصورته فتنة، يغني بما يدعو إلى الزنى والفجور وشرب الخمور مع آلات اللهو التي حرمها رسول الله - ﷺ - في عدة أحاديث كما سيأتي، مع التصفيق والرقص وتلك الهيئة المنكرة التي لا يستحلها أحد من أهل الأديان فضلا عن أهل العلم والإيمان (٢)،\nويحتجون بغناء جويريتين غير مكلفتين بنشيد الأعراب ونحوه في الشجاعة ونحوها في يوم عيد بغير شبابة ولا دف ولا رقص ولا تصفيق ويدعون المحكم الصريح لهذا المتشابه، وهذا شأن كل مبطل، نعم نحن لا نحرم ولا نكره مثل ما كان في بيت رسول الله - ﷺ - على ذلك الوجه، وإنما نحرم نحن وسائر أهل العلم والإيمان السماع المخالف لذلك وبالله التوفيق» (٣) .\n_________\n(١) فتح الباري (٨/٤٢٥-٤٣٧) .\n(٢) رَحِمَ الله ابنَ القيّم كيفَ لو رأى ما حَدَثَ في هذه الأزمان المتأخرة من التجارة في أجساد النساء!!، والتفنن في ذلك، بأساليب عجيبة وطرائق مختلفة، عن طريق وسائل الأعلام المتنوعة التي يشاهدها ملايين البشر، والمفاسد العظيمة العامة التي ترتبت عليها، فالمسألة الآن أكبر من حكم الغناء والدف، فليتفطن لذلك من يتكلم على هذه المسائل، والله المستعان..\n(٣) إغاثة اللهفان (١/٢٥٧) .","vol":"1","page":32},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المطلب الثاني: مقدمات خاصة في الإجابة عن حَدِيث أُمّ حَرَام</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>١- المقدمة الأولى: اتفق العلماء على أنَّ النَّبِيّ - ﷺ - قد خُص في أحكام الشريعة بمعان لم يشاركه فيها أحد </span>في باب الفرض والتحريم والتحليل مزيةً على الأمة، وهيبة له، ومرتبة خص بها ففرضت عليه أشياء لم تفرض على غيره، وحرمت عليه أشياء وأفعال لم تحرم عليهم، وحللت له أشياء لم تحلل لهم، منها متفق عليه، ومنها مختلف فيه، وهذه الخصائص منها ما ثبت بالقرآن، ومنها ما ثبت بالسنة، ومنها ما يفهم من منطوق النصوص، ومنها ما يفهم من خلال الجمع والموازنة بين النصوص.\nقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: «خُصَّ النَّبِيّ - ﷺ - بِمُوجَبَاتٍ وَمَحْظُورَاتٍ وَمُبَاحَاتٍ وَكَرَامَات» (١) .\nوَقَدْ أَلَّفَ النَّاسُ فِي الْخَصَائِصِ كُتُبًا مُتَعَدِّدَةً (٢)، وغالب الفقهاء يذكرون الخصائص في كِتَابَ النِّكَاحِ وَذَلِكَ لأَنَّهُ - ﷺ - خُصَّ فِي بَابِ النِّكَاحِ بِخَصَائِصَ مُتَعَدِّدَةٍ لَمْ يُجْمَعْ مِثْلُهَا فِي بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْه، قَالَ ابن كثير: «كتاب النكاح، وفيه عامة أحكام التخصيصات النبوية» (٣)، وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْخَصَائِصِ لِئَلا يُعْتَقَدَ فِيمَا يُخَصُّ بِه\n_________\n(١) الفروع (٥/١٢١)، الإنصاف (٢٠/٨٨) .\n(٢) وممن ألف في الخصائص القاضي عياض، وابن الملقن، والسيوطي وغيرهم، وانظر: الفصول لابن كثير (ص٢٧٨)، أحكام القرآن لابن العربي (٣/١٥٦١)، الإنصاف (٢٠/٨٨) .\n(٣) الفصول لابن كثير (ص٣٢٥) .","vol":"1","page":33},{"text":"ِ - ﷺ - أَنَّهُ مَشْرُوعٌ لَنَا.\nفمن المجمع عليه: جواز نكاحه - ﷺ - أكثر من أربع نسوة.\nوالتَّزَوُّجُ بِلا مَهْرٍ لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيّ أَنْ يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (الأحزاب:٥٠) .\nوتحريم نكاح أزوجه من بعده لقوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (الأحزاب:٥٣) .\nوغير ذلك مما يطول ذكره مما ليس هذا محل بيانه وبسطه.\nتنبيهٌ:\n- الأصل في أفعال الرسول - ﷺ - وأقواله وأحكامه عدم الخصوصية حتى تثبت بدليل لأنّ الله يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب:٢١) فدل على أنه - ﷺ - قدوة الأمة في كل شيء، ولأنّ الصحابة كانوا يرجعون فيما أشكل عليهم إلى أفعاله فيقتدون به فيها.\n- قال ابنُ القيّم: «إذا رأينا أصحابَ رسولِ الله - ﷺ - قد اختلفوا في أمرٍ قد صحَّ عن رسول الله - ﷺ - أنه فعله وأمر به فقال بعضُهم: إنَّه منسوخٌ أو خاصٌ، وقال بعضهم: هو باقٍ إلى الأبد، فقول من ادَّعى نسخه، أو اختصاصَه مخالفٌ للأصلِ فلا يقبل إلا ببرهان» (١) .\n- إنّما ذكرتُ هذه المقدمة ليتبين أنَّ من قال بأنَّ ما وقع للنبي - ﷺ - مع أُمّ حَرَام\n_________\n(١) زاد المعاد (٢/١٩٢) .","vol":"1","page":34},{"text":"كَانَ من خصائصه - ﷺ - له حظٌ من النظر، وإنْ كان الأرجح -كما سيأتي- أنَّ أُمّ حَرَام خالة للنبي - ﷺ - من الرَّضَاعَ.\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>٢-المقدمة الثانية: ذكر الأدلة الدالة على تحريم الخلوة بالمرأة الأجنبية، وبيان اتفاق العلماء على ذلك:</span>\n١- حَدِيثُ أَبِي مَعْبَدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ وَلا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اكْتُتِبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا وَخَرَجَتْ امْرَأَتِي حَاجَّةً قَالَ: «اذْهَبْ فَحُجَّ مَعَ امْرَأَتِكَ» (١) .\n٢- حَدِيثُ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ: «الْحَمْوُ الْمَوْتُ» (٢) .\n٣- حَدِيثُ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «أَلا لا يَبِيتَنَّ رَجُلٌ عِنْدَ امْرَأَةٍ ثَيِّبٍ إِلا أَنْ يَكُونَ نَاكِحًا أَوْ ذَا مَحْرَمٍ» (٣) .\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب من اكتتب في جيش فخرجت امرأته حاجة وكان له عذر هل يؤذن له (٣/١٠٩٤رقم٢٨٤٤)، ومسلم في صحيحه، كتاب الحج (٢/٩٧٨رقم١٣٤١) وغيرهما.\n(٢) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب لا يخلون رجل بامرأة إلا ذو محرم والدخول على المغيبة (٥/٢٠٠٥رقم٤٩٣٤)، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام (٤/١٧١١رقم٢١٧٢) وغيرهما.\n(٣) أخرجه: مسلم في صحيحه، كتاب السلام (٤/١٧١٠رقم٢١٧١) وغيرهُ.\nقال القرطبيُّ في المفهم (٥/٥٠٠): «هذا الحديثُ لا دليلَ خطاب له بوجهٍ، لأنَّ الخلوةَ بالأجنبية-بكرًا كانت أو ثيبًا، ليلًا أو نهارًا- محرمةٌ بدليل قوله - ﷺ - ...» . ثم ذكر عددًا من الأحاديث التي المذكورة في المتن.\nوقال النووي في شرح صحيح مسلم (١٤/١٥٣): «إنما خصَّ الثيبَ لكونها التي يدخل إليها غالبًا، وأمَّا البكر فمصونةٌ متصونةٌ فى العادة، مجانبةٌ للرجالِ أشدّ مجانبة، فلم يحتج إلى ذكرها، ولأنه من باب التنبية لأنه إذا نهى عن الثيب التي يتساهل الناس في الدخول عليها في العادة فالبكر أولى» .","vol":"1","page":35},{"text":"٤- حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ دَخَلُوا عَلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - وَهِيَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ - فَرَآهُمْ فَكَرِهَ ذَلِكَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - وَقَالَ: لَمْ أَرَ إِلا خَيْرًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذَلِكَ» ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «لا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ بَعْدَ يَوْمِي هَذَا عَلَى مُغِيبَةٍ (١) إِلا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ اثْنَانِ» (٢) .\n_________\n(١) المُغِيبَة -بضم الميم، وكسر الغين المعجمة، وإسكان الياء- هي: التي غاب عنها زوجها، والمراد غاب زوجها عن منزلها سواء غاب عن البلد بأن سافر أو غاب عن المنزل وإن كان في البلد. قاله النوويُّ في شرح صحيح مسلم (١٤/١٥٥) .\n(٢) أخرجه: مسلم في صحيحه، كتاب السلام (٤/١٧١١رقم٢١٧٣) وهذا لفظه، وفي روايةٍ للنسائي في السنن الكبرى (٥/١٠٤)، والطبرني في المعجم الأوسط (٨/٣٣٩)، والبيهقي في شعب الإيمان (٤/٣٧٠) «أنَّ أبا بكر الصديق تزوج أسماء بنت عميس بعدَ جعفر بنِ أبي طالب..» .\n\nقال القرطبيُّ في المفهم (٥/٥٠٢): «كان هذا الدخول في غيبة أبي بكر - ﵁ - لكنه كان في الحضر لا في السفر، وكان على وجه ما يعرف من أهل الخير والصلاح، مع ما كانوا عليه قبل الإسلام مما تقتضيه مكارم الأخلاق من نفي التهمة والرّيب، غير أنَّ أبا بكر - ﵁ - أنكر ذلك بمقتضى الغَيْرة الجِبِلّيّة، والدّينية.. ولمّا ذكر ذلك للنبي - ﷺ - قال ما يعلمه من حال الداخلين والمدخول لها - قال: لم أر إلاّ خيرًا، يعني: على الفريقين، فإنه علم أعيان الجميع؛ لأنهم كانوا من مسلمي بني هاشم، ثمّ خصّ أسماء بالشهادة لها فقال:\" إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَرَّأَهَا مِنْ ذَلِكَ\" أي: مما وقع في نفس أبي بكر، فكان ذلك فضيلةً عظيمةً من أعظم فضائلها..ومع ذلك فلم يكتف بذلك رسول الله - ﷺ - حتى جمع الناسَ، وصعد المنبر، فنهاهم عن ذلك، وعلمهم ما يجوز منه فقال:\"لا يَدْخُلَنَّ رَجُلٌ عَلَى مُغِيبَةٍ إِلا وَمَعَهُ رَجُلٌ أَوْ اثْنَانِ\"، سدًا لذريعة الخلوة، ودفعًا لما يؤدي إلى التهمة، وإنما اقتصر على ذكر الرجل والرجلين لصلاحية أولئك القوم؛ لأنَّ التهمة كانت ترتفع بذلك القدر، فأمّا اليوم فلا يكتفى بذلك القدر، بل بالجماعة الكثيرة لعموم المفاسد، وخبث المقاصد، ورحم الله مالكًا لقد بالغ في هذا الباب ...» . إلى آخر ما قاله من كلام نفيسٍ، وبحقٍ فإنّ شرحه وتعليقه على \"صحيح مسلم\" يفوق شرح النووي في مواضع كثيرة، والله أعلم.\nوقوله: «فأمّا اليوم فلا يكتفى بذلك القدر، بل بالجماعة الكثيرة لعموم المفاسد ...» . أقول: الإمامُ القرطبيُّ-أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم المولود سنة ٥٧٨- مات سنة ٦٥٦ ويقول هذا عن زمانه!، فماذا تُرانا نقول ونحن نعيش في القرن الخامس عشر!، والذي أصبح للعريّ فيه ثقافة!، وأصبحت أجساد النساء سلعا لتجار الشهوات يتفنون في تسويقها عن طريق وسائل الأعلام المتنوعة التي يشاهدها ملايين البشر، رُحماكَ ربِّ.\nقال شيخنا المُحدّث عبد الله السعد-وفقه الله-: «لعل السبب في دخولهم عليها-والعلم عند الله ﷿- أنها كانت زوجًا لجعفر بن أبي طالب حتى استشهد، فلعل هؤلاء النفر من بني هاشم أقارب لجعفر أرادوا صلة أولاد جعفر من أجل قرابتهم لجعفر، وعلاقة أسماء بنت عميس ببني هاشم وثيقة فقد كانت أخت ميمونة بنت الحارث - زوج النبي - ﷺ - لأمها، وأخت لبابة أم الفضل زوج العباس بن عبد المطلب لأمها أيضًا، وقد جاء في خبر مرسل أنَّ النبي - ﷺ - زوّج أبا بكر - ﵁ - أسماء بنت عميس يوم حنين، وقد تزوجها علي - ﵁ - بعد أبي بكر، وهذا كله يدل على علاقة أسماء بنت عميس ببني هاشم، ومع هذه العلاقة الوثيقة أنكر أبو بكر - ﵁ - دخولهم وأخبر الرسول - ﷺ - فخطب الناس» .","vol":"1","page":36},{"text":"٥- حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِينَا فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي ... أَلا لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ» (١) .\nقَالَ النَّوَوِيّ: «وفى هذا الحَدِيث والأحاديث بعده تحريم الخلوة بالأجنبية\n_________\n(١) أخرجه: الترمذيُّ في جامعه، كتاب الفتن، باب ما جاء في لزوم الجماعة (٤/٤٦٥رقم٢١٦٥)، وأحمدُ في مسندهِ (١/١٨)، والنسائيُّ في السنن الكبرى، كتاب عشرة النساء (٥/٣٨٨رقم٩٢٢٥)، وابنُ حبان في صحيحه (١٢/٣٩٩رقم٥٥٨٦)، والحاكم في المستدرك على الصحيحين، كتاب العلم (١/١٦٠) وغيرهم، وَقَالَ الترمذيُّ: حسنٌ صحيحٌ غريبٌ من هذا الوجه.\nوقال الذهبيُّ: «هذا حديثٌ صحيحٌ» . سير أعلام النبلاء (٧/١٠٣) .\nوانظر: الضعفاء للعقيلي (٣/٣٠٢)، العلل للدراقطني (٢/١٢٢) الأحاديث المختارة (١/١٩٣)، نصب الراية (٤/٢٤٩)، الدراية في تخريج أحاديث الهداية (٢/٢٢٩) .","vol":"1","page":37},{"text":"وإباحة الخلوة بمحارمها وهذان الأمران مجمع عليهما» (١)، وحكى الإجماعَ أيضًا ابنُ حَجَر وغيره (٢) .\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>٣- المقدمة الثالثة: ذكر الأدلة على تحريم مس المرأة الأجنبية:</span>\n١- حَدِيثُ عُرْوَة بْن الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: كَانَتْ الْمُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُمْتَحَنَّ بِقَوْلِ اللَّهِ ﷿ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -:انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ، وَلا وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ غَيْرَ أَنَّهُ يُبَايِعُهُنَّ بِالْكَلامِ قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى النِّسَاءِ قَطُّ إِلا بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَمَا مَسَّتْ كَفُّ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - كَفَّ امْرَأَةٍ قَطُّ، وَكَانَ يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: قَدْ بَايَعْتُكُنَّ كَلامًا (٣) .\n٢- حَدِيثُ مُحَمَّد بنِ المُنكدر عنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ قَالَتْ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فِي نِسَاءٍ نُبَايِعُهُ فَأَخَذَ عَلَيْنَا مَا فِي الْقُرْآنِ أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا الْآيَةَ قَالَ: فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَعْتُنَّ قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا مِنْ أَنْفُسِنَا، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلا\n_________\n(١) شرح النَّوَوِيّ على صحيح مسلم (١٤/١٥٣) .\n(٢) فتح الباري (٤/٧٧) .\n(٣) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، بابٌ إذَا جَاءَكُمُ المُؤْمِنَاتُ مُهاجِرَاتٍ (٤/١٨٥٦رقم٤٦٠٩)، كتاب الأحكام، باب بيعة النساء (٦/٢٦٣٧رقم٦٧٨٨)، ومسلم في صحيحه، كتاب المغازيّ (٣/١٤٨٩رقم١٨٦٦)، وهذا لفظ مسلم.\nوللتوسع في تخريج أحاديث عائشة في البيعة يراجع: تخريج الأحاديث والآثار للزيلعيّ (٣/٤٦١) .","vol":"1","page":38},{"text":"تُصَافِحُنَا؟ قَالَ: إِنِّي لا أُصَافِحُ النِّسَاءَ إِنَّمَا قَوْلِي لامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ كَقَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ (١) .\n٣-حَدِيثُ عَمْرُو بْن شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ لا يُصَافِحُ النِّسَاءَ فِي الْبَيْعَةِ (٢) .\n٤- حَدِيثُ الأعرج عن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ ابْنِ آدَمَ أَصَابَ مِنْ الزِّنَا لا مَحَالَةَ، فَالْعَيْنُ زِنَاهَا النَّظَرُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا اللَّمْسُ، وَالنَّفْسُ تَهْوَى وَتُحَدِّثُ، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ الْفَرْجُ» (٣) .\n_________\n(١) أخرجه: مالك في الموطأ، كتاب البيعة، باب ما جاء في البيعة (٢/٩٨٢)، والترمذي في جامعه، كتاب السير، باب ما جاء في بيعة النساء (٤/١٥١)، والنسائي في سننه (المجتبى)، كتاب البيعة، بيعة النساء (٧/١٤٩)، وابن ماجه في سننه، كتاب الجهاد، باب بيعة النساء (٢/٩٥٩رقم٢٨٧٤)، وأحمد في مسنده (٦/٤٠١)، وابن حبان في صحيحه-كما في الإحسان (١٠/٤١٧رقم٤٥٥٣) -، والطبرانيُّ في المعجم الكبير (٢٤/١٨٦) وغيرهم كثير.\nقَالَ الترمذيُّ: «وفي البابِ عن عائشة، وعبد الله بن عمر، وأسماء بنت يزيد قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ، لا نعرفه إلا مِنْ حَدِيثِ محمد بنِ المنكدر، وَرَوَى سفيانُ الثوريُّ ومالكُ بنُ أنس وغيرُ واحدٍ هذا الحديثَ عن محمد بن المنكدر بنحوه، قال وسألت محمدا عن هذا الحديث فقال لا أعرف لأميمة بنت رقيقة غير هذا الحديث وأميمة امرأة أخرى لها حديث عن رسول الله - ﷺ -» .\nوَقَالَ ابنُ كثير في تفسيرهِ (٤/٤٥٠): «هذا إسنادٌ صحيحٌ» .\nوانظر للفائدة: التمهيد (١٢/٢٣٥) .\n(٢) أخرجه: أحمد في مسنده «٢/٢١٣)، وإسناده جيّد، من أجل سلسلة عَمرو بن شعيب عن أبيه.\n(٣) أخرجه: أحمد بن حنبل في مسنده (٢/٣٤٩)، وابن خزيمة في صحيحه، كتاب الوضوء، باب ذكر الدليل على أن اللمس قد يكون باليد ضد قول من زعم أن اللمس لا يكون إلا بجماع بالفرج (١/٢٠رقم٣٠)، وابن حبان في صحيحه - كما في الإحسان (١٠/٢٦٩رقم٤٤٢٢) -.\nقَالَ ابن كثير في تفسيره: «وفي الحديث الصحيح: واليد زناها اللمس» .\nوروي الحديث من طريق آخر عن أبي هريرة بلفظ \" واليد زناها البطش\" أخرجه مسلم في صحيحه (٤/٢٠٤٧ رقم٢٦٥٧) من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النَّبِيّ ﷺ قَالَ: «كتب على بن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطأ، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج ويكذبه» .\n\nوأخرج: البخاري في صحيحه، كتاب الاستئذان، باب زنا الجوارح دون الفرج (٥/٢٣٠٤رقم٥٨٨٩)، ومسلم في- الموضع السابق - من حَدِيث ابن طاوس عن أبيه عن بن عباس قَالَ: ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قَالَ أبو هريرة عن النَّبِيّ ﷺ: «إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه» .","vol":"1","page":39},{"text":"قَالَ النَّوَوِيّ: «معنى الحَدِيث أنَّ ابنَ آدم قدر عليه نصيب من الزنى فمنهم من يكون زناه حقيقيًا بإدخال الفرج في الفرج الحرام، ومنهم من يكون زناه مجازًا بالنظر الحرام والاستماع إلى الزنى وما يتعلق بتحصيله، أو بالمس باليد بأنْ يمس أجنبية بيده، أو يقبلها أو بالمشي بالرجل إلى الزنى أو النظر أو اللمس أو الحَدِيث الحرام مع أجنبية ونحو ذلك» (١) .\nوَقَالَ ابنُ مُفْلح: «وَسُئل أبو عبد الله - أي الإمام أحمد - عن الرجل يصافح المرأة قَالَ: لا وشدّد فيه جدًا، قلت: فيصافحها بثوبه؟ قَالَ: لا، والتحريمُ اختيار الشيخ تقيّ الدين (٢)، وعلل بأنَّ الملامسة أبلغُ من النظر» (٣) .\nوَقَالَ وليُّ الدين العراقيّ: «وفيه: أنّه ﵊ لم تمس يدهُ قطّ يد امرأة غير زوجاته وما ملكت يمينه، لا في مبايعة، ولا في غيرها، وإذا لم يفعل هو ذلكَ مَعَ عصمته وانتفاء الريبة في حقه: فغيره أولى بذلك، والظاهرُ أنه كان يمتنع من ذلك لتحريمهِ عليهِ؛ فإنه لم يُعدَّ جوازه من خصائصه، وقد قَالَ الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إنه يحرم مس الأجنبية ولو في غير عورتها كالوجه، وإن اختلفوا في جواز النظر حيثُ لا شهوة ولا خوف فتنة، فتحريم المس آكد من تحريم النظر،\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم (١٦/٢٠٦) .\n(٢) يقصد ابن تيمية.\n(٣) الآداب الشرعية (٢/٢٥٧) .","vol":"1","page":40},{"text":"ومحل التحريم ما إذا لم تدع لذلك ضرورة فإن كان ضرورة كتطبيب، وفَصْد، وحجامة، وقلع ضرس، وكحل عين ونحوها مما لا يوجد امرأة تفعله جاز للرجل الأجنبي فعله للضرورة» (١) .\nوللشنقيطي كلامٌ نفيسٌ في تقرير عدمِ جواز مسّ الرجلِ المرأة الأجنبية قَالَ فيه: «اعلمْ أنَّه لا يجوزُ للرجلِ الأجنبي أنْ يصافحَ امرأةً أجنبيةً منهُ، ولا يجوزُ له أنْ يمسّ شيءٌ مِنْ بدنهِ شيئًا مِنْ بدنها، والدليلُ على ذلكَ أمورٌ:\nالأوَّلُ: أنّ النَّبِيّ - ﷺ - ثبت عنه أنه قَالَ: إِنِّي لا أُصَافِحُ النِّسَاءَ الحَدِيث، والله يقولُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (الأحزاب:٢١) فيلزمنا ألا نصافح النساء اقتداءً به - ﷺ - ...، وكونه - ﷺ - لا يصافح النساء وقت البيعة دليلٌ واضحٌ عَلى أنَّ الرجلَ لا يصافح المرأة، ولا يمس شيء من بدنه شيئًا من بدنها، لأنَّ أخفَ أنواع اللمس المصافحة فإذا امتنع منها - ﷺ - في الوقت الذي يقتضيها وهو وقت المبايعة دلّ ذلكَ على أنها لا تجوز، وليس لأحد مخالفته - ﷺ - لأنه هو المشرع لأمته بأقواله وأفعاله وتقريره.\nالأمر الثاني: هو ما قدمنا من أنَّ المرأةَ كلها عورةٌ يجب عليها أن تحتجب، وإنما أمر بغض البصر خوف الوقوع في الفتنة، ولا شك أنَّ مسّ البدن للبدن أقوى في إثارة الغريزة، وأقوى داعيا إلى الفتنة من النظر بالعين، وكلُّ منصفٍ يعلمُ صحة ذلك.\nالأمر الثالث: أنَّ ذلكَ ذريعة إلى التلذذ بالأجنبية لقلة تقوى الله في هذا الزمان، وضياع الأمانة، وعدم التورع عن الريبة، وقد أخبرنا مرارًا أنَّ بعضَ الأزواج من العوام يقبل أخت امرأته بوضع الفم على الفم، ويسمون ذلك التقبيل-\n_________\n(١) طرح التثريب (٧ /٤٤- ٤٥)","vol":"1","page":41},{"text":"الحرام بالإجماع -: سلامًا؛ فيقولون: سلم عليها، يعنون قبلها.\nفالحق الذي لا شك فيه التباعد عن جميع الفتن والريب وأسبابها، ومن أكبرها لمس الرجل شيئا من بدن الأجنبية والذريعة إلى الحرام يجب سدها كما أوضحناه في غير هذا الموضع وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود: سدُّ الذرائع إلى المحرم حتم كفتحها إلى المنحتم» (١) .\nتنبيهٌ:\nحَدِيثُ مَعْقل بنِ يسار قَالَ: قَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «لأنْ يُطْعَن في رأسِ أحدكم بمخيط (٢) من حديدٍ خيرٍ لهُ مِنْ أنْ يمسّ امرأةً لا تحل له» .\nأخرجه الرُّوياني في مسنده (٢/٣٢٣رقم١٢٨٣) .\nوالطبرانيّ في المعجم الكبير (٢٠/٢١٢رقم٤٨٧) قال: حدثنا عبدان بن أحمد.\nكلاهما عن نصر بن علي قال: أخبرنا أبي.\nوأخرجه: الطبرانيّ أيضًا في المعجم الكبير (٢٠/٢١١ رقم٤٨٦) قال: حدثنا موسى بن هارون ثنا إسحاق بن راهويه أنا النضر بن شميل.\nكلاهما (النضر بن شميل، وعلي بن نصر) عن شداد بن سعيد، قَالَ: سمعت يزيد بن عبد الله بن الشخير يقول: سمعت معقل بن يسار ... الحَدِيث.\n_________\n(١) أضواء البيان (٦/٦٠٢-٦٠٣) .\n(٢) المخيط -بكسر الميم وفتح الياء- هو ما يخاط به كالإبرة والمسلة ونحوهما، -الترغيب والترهيب (٣/٢٦) -.","vol":"1","page":42},{"text":"قَالَ المنذري: «رواه الطبراني والبيهقي، ورجال الطبراني ثقات رجال الصحيح» (١) .\nوَقَالَ الهيثمي: «رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح» (٢) .\nوشدادُ بنُ سعيد - هو: أبو طلحةَ الراسبي البصريّ - الأظهرُ أنّه صدوقٌ (٣) .\n_________\n(١) الترغيب والترهيب (٣/٢٦)، وقد بحثتُ عن الحديث في مظانه من كتب البيهقي فلم أقف عليه، والله أعلم.\n(٢) مجمع الزوائد (٤/٣٢٦) .\n(٣) شداد وثقه:أحمدُ، والنسائيّ، والبزار، وقال إبراهيمُ بنُ عبد الله بنٍ الجُنيد سألتُ يحيى بن معين عن شداد بن سعيد ويكنى أبا طلحة؟ فقال: ثقةٌ، قلتُ ليحيى: إنَّ ابنَ عرعرة يزعم أنه ضعيفٌ، فَغَضَبَ، وقال: هو ثقة، وتكلم يحيى بكلام - وأبو خيثمة يسمع -، فقال أبو خيثمة: شداد بن سعيد ثقة.\nوذكره ابن حبان في الثقات وقال: «ربما أخطأ»، وله في مسلم حديثٌ واحدٌ في الشواهد حديثُ أبي بردة عن أبيه في \"وضع ذنوب المسلمين على اليهود والنصارى\".\n\nوقال البخاريُّ: «ضعفه عبد الصمد» . يعني: عبد الصمد بن عبد الوارث. وقد نقل العقيليّ في كتابه الضعفاء كلام البخاريّ هكذا: «قال البخاري ضعفه عبد الصمد، ولكنه صدوق في حفظه بعض الشيء» . ويظهر لي أنّ جملة \" ولكنه صدوق في حفظه بعض الشيء\" من كلام البخاريّ ففيها نَفَسُه ودقته في العبارات، وهذه الجملة ليست موجودة في المطبوع من التاريخ الكبير- والمطبوع من رواية محمد بن سهل- فربما تكون من إضافاته على التاريخ التي سمعه بعض تلاميذه دون بعض، ومما يؤيد أنها من كلام البخاريّ قول مُغْلطاي: «ولمَّا ذكره ابنُ خَلَفون في الثقات ذكر عن البخاريّ أنه قال: هو صدوق في الأصل»،-كذا وقع: ولعلها: صدوق في حفظه..كما في العبارة التي نقلها العقيلي - والله أعلم.\nقال ابنُ عديّ: «وشداد ليس له كثير حديث، ولم أر له حديثا منكرًا، وأرجو أنه لا بأس به» . وقال الدارقطني: «يعتبر به» .\nقال الذهبيُّ: «صدوقٌ وغيره أقوى منه» . وقال أيضًا -في الميزان-: «صالح الحديث» . قال ابن حجر: «صدوق يخطىء» .\nولعل في قول الذهبيّ جمعًا بين أقوال النقاد، وتوسطًا في حاله والله أعلم.\nانظر: التاريخ الكبير (٤/٢٢٧رقم٢٦٠٧)، سؤالات ابن الجنيد (ص٤٤١رقم٦٩٥،ص٤٤٣رقم ٧٠٦)، سؤالات أبي داود (ص٣٣٢رقم٤٧٨)، الجرح والتعديل (٤/٣٣٠رقم١٤٤٦)، الثقات (٨/٣١٠)، الكامل في ضعفاء الرجال (٤/٤٤)، سؤالات البرقاني (ص٣٦رقم٢٢٠)، تهذيب الكمال (١٢/٣٩٥)، إكمال تهذيب الكمال (٦/٢٢٣)، الكاشف (١/٤٨١رقم٢٢٤٩)، ميزان الاعتدال (٣/٣٦٦) المغني في الضعفاء (١/٢٩٦رقم٢٧٤٧)، ذكر من تكلم فيه وهو موثق (ص٩٨رقم١٥٧)، تهذيب التهذيب (٤/٢٧٨)، تقريب التهذيب (ص٢٦٤رقم٢٧٥٥) .","vol":"1","page":43},{"text":"ويزيد بن عبد الله بن الشخير متفقٌ على توثيقه (١) .\nولكن خَالفَ شدادَ بنَ سعيد بشيرُ بنُ عقبة -وهو ثقةٌ أخرجَ لهُ الشيخان (٢) -،فرواه عن يزيد عن معقل موقوفًا، أخرجه: ابنُ أبي شيبة في المصنف، كتاب النكاح، ما قالوا في المرأة تقبل رأس الرجل وليست منه بمحرم (٣) قَالَ: حدثنا أبو أسامة حمّاد بنُ أسامة عن بشير بن عقبة، قَالَ: حدثني يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن معقل قَالَ: «لأنْ يعمد أحدكم إلى مخيط فيغرز به في رأسي، أحبّ إلي من أنْ تغسل رأسي امرأة ليست مني ذات محرم» .\nويظهر لي أنّ رواية بشير تعل رواية شداد، ولكن يغني عنه الأحاديث المتقدمة الدالة على المنع، والله أعلم.\nوقد قوّى الشيخ الألبانيُّ﵀- الحَدِيثَ (٤) ولكن لم يذكر رواية بشير بن عقبة، والتي تدل على علة رواية شداد فيبدو أنه لم يقف عليها.\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>٤- المقدّمةُ الرابعةُ: لم أقفْ إلى الآن عَلَى حَدِيثٍ صحيحٍ صريحٍ في خلوة </span>النَّبِيّ - ﷺ - وحدَه بامرأةٍ\n_________\n(١) تهذيب التهذيب (١١/٢٩٨) .\n(٢) يكاد يجمع النقاد على توثيقه، فلا حاجة للتوسع في نقل أقوالهم. انظر: تهذيب الكمال (٤/١٧٠)، تهذيب التهذيب (١/٤٠٨)، تقريب التهذيب (ص١٢٥)\n(٣) ٤/١٥ح ١٧٣١٠) .\n(٤) السلسة الصحيحة (٢/٣٩٥رقم٢٢٦) .","vol":"1","page":44},{"text":"أجنبيةٍ-عدا ما وَرَدَ في حق أُمّ سُلَيْم، وأُمّ حَرَام، وسيأتي الكلام على ما وَرَدَ في شأنهما-.\nوالأحاديثُ التي ذَكَرَ بعضُ العلماء أنّ فيها خلوةً، أو استدل بها عَلَى أنّ مِنْ خصائص الرسول - ﷺ - الخلوة بالمرأة الأجنبية والنظر إليها ليست صريحة، ولعلي أذكرها وأذكر الجواب عنها فأولها:\n١- حَدِيثُ خَالِد بْنِ ذَكْوَانَ (١)\nعَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ - غَدَاةَ بُنِيَ عَلَيَّ فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، وَجُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ، يَنْدُبْنَ مَنْ قُتِلَ مِنْ آبَائِهِنَّ يَوْمَ بَدْرٍ، حَتَّى قَالَتْ جَارِيَةٌ: وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: لا تَقُولِي هَكَذَا وَقُولِي مَا كُنْتِ تَقُولِينَ (٢) .\nقَالَ ابن حَجَر: «قَوْله (كَمَجْلِسِك) - بِكَسْرِ اللام - أَيْ مَكَانك، قَالَ الْكَرْمَانِيُّ: هُوَ مَحْمُول عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ وَرَاء حِجَاب، أَوْ كَانَ قَبْل نُزُول آيَة الْحِجَاب، أَوْ جَازَ النَّظَر لِلْحَاجَةِ أَوْ عِنْد الْأَمْن مِنْ الْفِتْنَة اهـ. وَالْأَخِير هُوَ الْمُعْتَمَد، وَالَّذِي وَضَحَ لَنَا بِالأَدِلَّةِ الْقَوِيَّة أَنَّ مِنْ خَصَائِص النَّبِيّ ﷺ جَوَاز الْخَلْوَة بِالأَجْنَبِيَّةِ وَالنَّظَر إِلَيْهَا، وَهُوَ الْجَوَاب الصَّحِيح عَنْ قِصَّة أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان فِي دُخُوله عَلَيْهَا وَنَوْمه عِنْدهَا وَتَفْلِيَتهَا رَأْسه وَلَمْ يَكُنْ بَيْنهمَا مَحْرَمِيّة وَلا زَوْجِيَّة» (٣) .\n_________\n(١) خالد بن ذكوان أبو الحسين المديني، مولده بالمدينة وسكن البصرة وعمر إلى أن مات بها، وهو ثقة، وثقه ابنُ معين وغيره.\n\nانظر: التاريخ الكبير (٣/١٤٧رقم٥٠٤)، الجرح والتعديل (٣/٣٢٩رقم١٤٧٥)، مشاهير علماء الأمصار (ص٩٨)، الكامل في ضعفاء الرجال (٣/٧)، تهذيب الكمال (٨/٦٠)، الكاشف (١/٣٦٤رقم١٣١٧)، تقريب التهذيب (ص١٨٧رقم١٦٢٩) .\n(٢) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب المغازي، باب شهود الملائكة بدرا (٤/١٤٦٩رقم٣٧٧٩)،كتاب النكاح، باب ضرب الدف في النكاح والوليمة (٥/١٩٧٦رقم٤٨٥٢) .\n(٣) فتح الباري (٩/٢٠٣) .","vol":"1","page":45},{"text":"واعترض القارىء في المرقاة على كلام الحافظ هذا فَقَالَ: «هذا غريبٌ فإنَّ الحَدِيثَ لا دلالة فيه على كشف وجهها، ولا على الخلوة بها، بل ينافيها مقام الزفاف، وكذا قولها: فجعلت جُوَيْرِيَاتٌ لَنَا يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ» (١) .\nقلتُ: وَما قاله القاريء بينٌ واضحٌ، فأين التنصيص على الخلوة؟ وكذلك أين كشف الوجه؟.\nوقولها (فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي) لا يلزم منه أنّه جلس على فراشها معها، وليس فيه بيان لمجلسها من حيث القرب والبعد، بل قولها لخالد (كَمَجْلِسِكَ مِنِّي) يُشعر بالبعد لأنَّ خَالِد بْن ذَكْوَانَ ليس محرمًا لها، فلا بدَّ أنْ يكون مجلسه منها بعيدًا، والله أعلم.\nنعم الحَدِيثُ يدل على جواز إعلان النكاح بالدف وبالغناء المباح، وفيه إقبال الإمام إلى العرس وإنْ كانَ فيه لهو ما لم يخرج عن حد المباح (٢)، قَالَ العيني عند ذكره فوائد الحَدِيث: «وفي الحَدِيث فوائد..ومنها الضرب بالدف في العرس بحضرة شارع الملة ومبين الحل من الحرمة، وإعلان النكاح بالدف والغناء المباح فرقا بينه وبين ما يستتر به من السفاح» (٣) .\n٢- حَدِيثُ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: جَاءَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الأَنْصَارِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - قَالَ: فَخَلا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - وَقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّكُمْ لأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ» ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وفي لفظ للبخاري: «مَعَهَا أَوْلادٌ لَهَا»، وفي\n_________\n(١) مرقاة المفاتيح (٣/٤١٩) .\n(٢) فتح الباري (٩/٢٠٣) .\n(٣) عمدة القاري (٢٠/١٣٦) .","vol":"1","page":46},{"text":"لفظ للبخاري أيضًا: «وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا فَكَلَّمَهَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -» (١) .\nوالجواب عن الحَدِيث في تبويب البخاريّ على الحَدِيث فقد ترجم له بقوله: «باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس» .\nقَالَ المهلبُ: «لم يرد أنسٌ أنه خَلا بها بحيثُ غَابَ عَنْ أبصار من كان معه، وإنما خلا بها بحيث لا يسمع من حضر شكواها، ولا ما دار بينهما من الكلام، ولهذا سمع أنس آخر الكلام فنقله ولم ينقل ما دار بينهما لأنه لم يسمعه» (٢) .\nقَالَ النَّوَوِيّ: «جاءتْ امرأةٌ إلى رسول الله - ﷺ - فخلا بها هذه المرأةُ إمَّا محرمٌ له كأُمّ سُلَيْم وأختها، وإما المراد بالخلوة أنها سألته سؤالا خفيا بحضرة ناس ولم تكن خلوة مطلقة وهي الخلوة المنهي عنها» (٣)، والجوابُ الثاني هو المتعينُ كما يدلُ على ذلكَ سياق الحديث.\nونحو هذا الحَدِيث حَدِيث ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ فِي عَقْلِهَا شَيْءٌ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، فَقَالَ: يَا أُمَّ فُلانٍ انْظُرِي أَيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حَتَّى أَقْضِيَ لَكِ حَاجَتَكِ فَخَلا مَعَهَا فِي بَعْضِ الطُّرُقِ حَتَّى فَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا (٤) .\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في صحيحه في:\n-كتاب فضائل الصحابة، باب قول النبي ﷺ للأنصار أنتم أحب الناس إلي (٣/١٣٧٩رقم ٣٥٧٥)\n-كتاب النكاح، باب ما يجوز أن يخلو الرجل بالمرأة عند الناس (٥/٢٠٠٦رقم ٤٩٣٦)\n-كتاب الأيمان والنذور، باب كيف كانت يمين النبي ﷺ (٦/٢٤٤٩رقم٦٢٦٩)،\nومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة ﵃ (٤/١٩٤٨رقم٢٥٠٩) .\n(٢) فتح الباري (٩/٣٣٣) .\n(٣) شرح النَّوَوِيّ على صحيح مسلم (١٦/٦٨) .\n(٤) أخرجه: مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل (٤/١٨١٢رقم٢٣٢٦) .","vol":"1","page":47},{"text":"قَالَ النَّوَوِيّ: «خَلا معها في بعضِ الطرق: أي وَقَفَ مَعَها في طريق مسلوك ليقضي حاجتها ويفتيها في الخلوة ولم يكن ذلك من الخلوة بالأجنبية فإنَّ هذا كان في ممر الناس ومشاهدتهم إياه وإياها، لكن لا يسمعون كلامها لأنَّ مسألتها مما لا يظهره، والله أعلم» (١) .\n٣- حَدِيثُ (٢) سَالِمِ بْنِ سَرْجٍ أبي النُّعْمَانِ قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ صُبَيَّةَ الْجُهَنِيَّةِ تَقُولُ: رُبَّمَا اخْتَلَفَتْ يَدِي وَيَدُ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فِي الْوُضُوءِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ (٣) .\nقَالَ ابنُ مَاجَةَ بعد روايته الحَدِيث: «سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَقُولُ: أُمُّ صُبَيَّةَ هِيَ خَوْلَةُ بِنْتُ قَيْسٍ، فَذَكَرْتُ لأَبِي زُرْعَةَ فَقَالَ: صَدَقَ» .\n_________\n(١) شرح النَّوَوِيّ على صحيح مسلم (١٦/٦٨) .\n(٢) ذكره الصالحي في سبل الهدي والرشاد (١٠/٤٤٤) ضمن أدلة من يقول بالخصوصية، وسترى أنه لا حجة فيه.\n(٣) أخرجه: أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب الوضوء بفضل وضوء المرأة (١/٢٠رقم٧٨)، وابن ماجه في سننه، كتاب الطهارة، باب الرجل والمرأة يتوضأن من إناء واحد (١/١٣٥رقم٣٨٢)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (٨/٢٩٥)، وإسحاق بن راهويه في المسند (٥/٢٣٦رقم٢٣٨٣)، وابن أبي شيبة في المصنف (١/٤٠)، وأحمد بن حنبل في المسند (٦/٣٦٦)، والبخاري في الأدب المفرد (ص٣٦٣)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (٦/١٨٢رقم٣٤٠٩)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٤/٢٣٥رقم٥٩٥، ٢٥/١٦٨رقم٤٠٩) وغيرهم، وإسناده جيّد.\nمداره على سالم بن سَرْج -بفتح المهملة وسكون الراء بعدها جيم- أبو النعمان المدنيّ يقال له:ابن خربوذ بفتح المعجمة ثم راء ثقيلة ثم موحدة مضمومة- وثقه ابنُ معين وابنُ حبان، ولم يتكلم فيه أحدٌ، وهو مقل جدًا فلم يذكر له إلاّ هذا الحديث الواحد-وذكر ابن سعد حديثا آخر لكن في إسناده الواقدي-، لذا اكتفيت بتجويد الإسناد دون تصحيحه.\nوقد تابع سالمًا أخوه نافع بن سرج عند ابن سعد ولكن في الإسناد إليه ضعفٌ.\nوانظر: علل الترمذي (ص٣٩)، الجرح والتعديل (٤/١٨٧رقم٨١٢)، تهذيب الكمال (١٠/١٤٣)، الكاشف (١/٤٢٢رقم١٧٧١)، تهذيب التهذيب (٣/٣٧٧)، تقريب التهذيب (ص٢٢٦رقم٢١٧٤)، تعليقة على علل ابن أبي حاتم لابن عبد الهادي (ص٢٣٤) .","vol":"1","page":48},{"text":"قلتُ: ليسَ في الحَدِيثِ دلالة على الخلوة أو النظر أو المس، فربما يوضع إناء خاص للوضوء في مكان عام فتتوضأ منه المرأة والرجل من دون خلوة أو مسيس، وهذا بين لمن عرف طبيعة حياتهم، وحال عيشهم في ذلك الزمان، وتأمل المقدمة الثالثة من المقدمات العامة المذكورة سابقًا.\nقَالَ مُغْلطاي: «وأعترض بعضهم على صحة هذا الحَدِيث بكونه ﵇ لم يمس امرأة لا تحل له، قَالَ: وخولة هذه لم يأت في خبر صحيح ولا غيره أنها كانت بهذه الصفة. وفي الذي قاله نظرٌ؛ وذلك من قولها \"تختلف\" لأنّ الاختلاف لا يوجب مسًا، الثاني: لا يرفع صحة الحَدِيث لتخيل معارضة إذا عُدلتْ رواته، وسَلِمَ من شائبة الانقطاع» (١) .\nوَقَالَ ابن حَجَر: «ومعنى تختلف أنه كان يغترف تارة قبلها، وتغترف هي تارة قبله» (٢) .\nعلى أنّ هناك جوابا آخر ذكره ابنُ حَجَر عند كلامه على حَدِيث ابن عمر قَالَ: كَانَ الرِّجَال وَالنِّسَاء يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَان رَسُول اللَّه - ﷺ - جميعا (٣) قَالَ: «قَوْله: (جَمِيعًا) ظَاهِره أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الْمَاء فِي حَالَة وَاحِدَة، وَحَكَى اِبْن التِّين عَنْ قَوْم أَنَّ مَعْنَاهُ\n_________\n(١) شرح سنن ابن ماجه (١/٢١٧) لمغلطاي تحقيق: كامل عويضة، الناشر: مكتبة نزار الباز.\nوهذا الكتاب \"شرح سنن ابن ماجه\" من أنفس كتب شروح الأحاديث -التي أطلعتُ عليها- غير أنَّ هذه الطبعة من أسوأ الطبعات التي مرّتْ علىّ!، فلا تكاد تخلو صفحة من تصحيف، وتحريف، وسقط، مما جعل الاستفادة من الكتاب قليلة أو متعذرة، وزاد الطين بلة عدم وجود الفهارس التي هي مفاتيح الكتب، وعندي أنّ هذا الكتاب بهذه الصورة في حكم العدم فلا بدَّ من إعادة تحقيقه تحقيقًا علميًا، والله المستعان.\n(٢) فتح الباري (١/٣٧٣) .\n(٣) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب الوضوء، باب وضوء الرجل مع امرأته وفضل وضوء المرأة (١/٨٢رقم١٩٠) وغيره.","vol":"1","page":49},{"text":"أَنَّ الرِّجَال وَالنِّسَاء كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ جَمِيعًا فِي مَوْضِع وَاحِد، هَؤُلاءِ عَلَى حِدَة وَهَؤُلاءِ عَلَى حِدَة، وَالزِّيَادَة الْمُتَقَدِّمَة فِي قَوْله \" مِنْ إِنَاء وَاحِد \" تَرِد عَلَيْهِ، وَكَأَنَّ هَذَا الْقَائِل اِسْتَبْعَدَ اِجْتِمَاع الرِّجَال وَالنِّسَاء الأَجَانِب، وَقَدْ أَجَابَ اِبْن التِّين عَنْهُ بِمَا حَكَاهُ عَنْ سَحْنُون أَنَّ مَعْنَاهُ كَانَ الرِّجَال يَتَوَضَّئُونَ وَيَذْهَبُونَ ثُمَّ تَأْتِي النِّسَاء فَيَتَوَضَّأْنَ، وَهُوَ خِلَاف الظَّاهِر مِنْ قَوْله \" جَمِيعًا \"، قَالَ أَهْل اللُّغَة: الْجَمِيع ضِدّ الْمُفْتَرِق، وَقَدْ وَقَعَ مُصَرَّحًا بِوَحْدَةِ الْإِنَاء فِي صَحِيح اِبْن خُزَيْمَة فِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ طَرِيق مُعْتَمِر عَنْ عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ أَبْصَرَ النَّبِيّ ﷺ وَأَصْحَابه يَتَطَهَّرُونَ وَالنِّسَاء مَعَهُمْ مِنْ إِنَاء وَاحِد كُلّهمْ يَتَطَهَّر مِنْهُ، وَالْأَوْلَى فِي الْجَوَاب أَنْ يُقَال: لَا مَانِع مِنْ الِاجْتِمَاع قَبْل نُزُول الْحِجَاب، وَأَمَّا بَعْده فَيَخْتَصّ بِالزَّوْجَاتِ وَالْمَحَارِم» (١) .\n\n٥- المقدمة الخامسة: لم أقف إلى الآن على حَدِيث صحيحٍ صريحٍ في مس النَّبِيّ - ﷺ - امرأةً أجنبية (٢)، أو مس امرأة أجنبية النَّبِيّ - ﷺ - عدا ما ورد في حَدِيث أُمّ حَرَام وسيأتي الكلام على ذلك- بل قالت عائشة: «وما مست كف رسول الله - ﷺ - كف امرأة قط» (٣) .\nوقد يشكل على هذا حَدِيث هُشَيْم بن بَشير قَالَ: أخبرنا حُمَيْدٌ الطوِيل قَالَ: حدثنا أنسُ بنُ مَالِك قَالَ: كانَتِ الأمَةُ مِنْ إماءِ أهْلِ المَدِينَةِ لِتَأْخُذُ بِيَدِ رسول الله - ﷺ -\n_________\n(١) فتح الباري (١/٢٩٩) .\n(٢) وردت أحاديث ضعيفة ومنكرة فيها الأخذ بيد الرسول من لدن النساء الأجنبيات وقد أضربتُ عن ذكرها لنكارتها وشدة ضعفها وليس المقام مقام استيعاب وحصر، وإنما ذكرتُ ما صح مما قد يفهم منه المس.\n(٣) تقدم تخريجه.","vol":"1","page":50},{"text":"فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيْثُ شاءَتْ (١) .\nوالجوابُ: مِنْ وجهين:\nالأوّل: أن دلالة \" لتأخذ بيد رسول الله\" على المس غير بينة إذ ربما يراد بذلك الإشارة إلى غاية التصرف واللين، قَالَ ابن حَجَر: «والمقصود من الأخذ باليد لازمه وهو الرفق والانقياد، وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع لذكره المرأة دون الرجل والأمة دون الحرة وحيث عمم بلفظ الإماء أي أمة كانت وبقوله حيث شاءت أي من الأمكنة والتعبير بالأخذ باليد إشارة إلى غاية التصرف حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة» (٢)، وعلى كل حال هذه الدلالة معارضة بما هو أقوى وأصرح مما تقدم ذكره في المقدمة الثالثة.\nالثاني: أنّ الحَدِيث نصّ على الإماء، ولا يخفى أنّ الإماء يفارقن الحرائر بأحكام كثيرة -فلا يخلو باب من أبواب الفقه - في الغالب - من ذكر الفروق بين الحرائر والإماء-، فملامسة الأمة أخف من ملامسة الحرائر، وكذلك النظر إليها وغير ذلك من الأحكام، وتبقى الحرائر على الأصل في تحريم المس.\nقَالَ ابن أبي شيبة في مصنفه، كتاب الصلوات، في الأمة تصلي بغير خمار (٢/٤١) حدثنا وكيعُ بنُ الجراح، قَالَ: حدثنا شعبةُ، عن قتادةَ، عن أنس قَالَ: رأى عُمرُ أمةً لنا متقنعة فضربها وَقَالَ: لا تشبهي بالحرائر، وهذا إسنادٌ صحيح (٣) .\n_________\n(١) أخرجه: البخاريُّ في صحيحهِ، كتاب الأدب، باب الكبر (٥/٢٢٥٥رقم٥٧٢٤) معلقًا، قَالَ: وَقَالَ مُحَمَّد بن عيسى حدثنا هشيم-به-.\nوأحمد بن حنبل في مسند (٣/٩٨) قَالَ: حدثنا هشيم-به-.\n(٢) فتح الباري (١٠/٤٩٠) .\n(٣) وانظر للفائدة: نصب الراية (١/٣٠٠) .","vol":"1","page":51},{"text":"قَالَ شيخُ الإسلامِ: «غناءُ الإماءِ الذي يسمعه الرجلُ قد كَانَ الصحابة يسمعونه في العرسات كما كانوا ينظرونَ إلى الإماء لعدم الفتنة في رؤيتهن وسماع أصواتهن» (١) .\nتنبيه:\nأخرج:\n-ابن ماجه في سننه، كتاب الزهد، باب البراءة من الكبر والتواضع (٢/١٣٩٨رقم٤١٧٧) .\n-وأحمد بن حنبل في مسنده (٣/١٧٤) .\n-وابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (ص١٥٨ رقم ١٢٢) .\n-وأبو يعلى في مسنده (٧/٦١رقم٣٩٨٢) .\n-وأبو الشيخ في أخلاق النَّبِيّ - ﷺ -، ما ذُكِرَ مِنْ حُسن خُلُق رسولِ الله - ﷺ - (١/١٣٨، ١٤٠رقم٢٦،٢٧) .\n-وأبو نُعَيم في الحلية (٧/٢٠٢) .\nجميعهم من طرق عن شعبة بن الحجاج عن علي بن زيد عن أنس بنِ مَالِك قَالَ: إنْ كانت الأمة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله - ﷺ - فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت من المدينة في حاجتها.\nقَالَ البوصيريُّ: «هذا إسناد ضعيف لضعف علي بن زيد بن جدعان» (٢)،\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٢٩/٥٥٢) .\n(٢) مصباح الزجاجة (٤/٢٣٠) .","vol":"1","page":52},{"text":"قلتُ: لو قيل إنّ لفظة \" فما ينزع يده من يدها\" ضعيفة جدًا، لضعف علي، ومخالفته حميدًا الطويل لكان أدق في الحكم.\nومما قد يفهم منه المسيس حَدِيث أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالَتْ: تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ ومالُه في الأرْضِ مِنْ مالٍ ولاَ مَمْلُوكٍ ولا شيْءٍ غَيْرَ ناضِجٍ وغيْرَ فَرَسِهِ فَكنْت أعْلِفُ فَرَسَهُ وأسْتَقِي المَاءَ وأخْرِزُ غَرْبَهُ وأعْجِنُ ولَمْ أكُنْ أُحْسِنُ أخْبِزُ وكانَ يخْبِزُ جارَاتٌ لِي مِنَ الأنْصَارِ وكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ وكُنْتُ أنْقُلُ النَّوى مِنْ أرْضِ الزُّبَيْرِ الّتي أقْطَعَهُ رسولُ الله - ﷺ - على رأسِي وهْيَ مِنِّي علَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ فَجِئْتُ يَوْما والنَّوَى علَى رَأسِي فَلَقِيتُ رسولَ الله - ﷺ - ومَعَهُ نَفَرٌ مِنَ الأنْصَارِ فَدَعانِي ثُمَّ قَالَ: إخْ إخْ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ، فاسْتَحْيَيْتُ أنْ أسِيرَ مَعَ الرِّجالِ، وذَكَرْتُ الزُّبَيْر وغَيْرَتَهُ - وكانَ أغْيَرَ النَّاسِ - فَعَرَفَ رسولُ الله - ﷺ - أنِّي قَدِ اسْتَحْيَيْتُ فَمَضَى فَجِئْتُ الزبَيْرَ فَقْلُتُ: لَقِيَنِي رسول الله - ﷺ - وعلَى رأسِي النَّوَى ومَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أصْحابِهِ فأناحَ لأرْكَبَ فاسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ وعَرَفْتُ غَيْرَتَكَ، فَقَالَ: والله لَحَمْلُكِ النَّوَى كانَ أشَدَّ عَليَّ مِنْ ركُوبِكِ مَعَهُ قالَتْ: حتَّى أرسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ بَعْدَ ذالِكَ بِخادِمٍ يَكْفِيني سِياسَةَ الفَرَسِ فكأنما أعْتَقَنِي (١) .\nوالشاهد من الحَدِيث قوله: «فَدَعانِي ثُمَّ قَالَ: إخْ إخْ لِيَحْمِلَنِي خَلْفَهُ» ربما يقول قائل: كيف يحملها خلفه، هي ليست محرمًا له، وربما يحصل نوع مسيس؟.\nوالجواب:\n١- أنّ في دلالة مفهوم الحَدِيث احتمالا؛ قَالَ ابن حَجَر: «قوله:\" ليحملني خلفه\" كأنها فهمت ذلك من قرينة الحال، وإلا فيحتمل أنْ يكونَ - ﷺ - أراد أنْ يركبها\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الغيرة (٥/٢٠٠٢رقم ٤٩٢٦)، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام (٤/١٧١٦رقم٢١٨٢) .","vol":"1","page":53},{"text":"وما معها، ويركب هو شيئا آخر غير ذلك» (١)، قلتُ: وإذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال.\n٢-على أنّ الإرداف أحيانًا لا يستلزم المماسة قَالَ العظيم آبادي - تعليقًا على حَدِيثِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ قَالَتْ: جئتُ رسولَ الله - ﷺ - في نسوةْ من بني غفار وفيه \" وكنت جارية حديثا سني فأردفني رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عَلَى حَقِيبَةِ رَحْلِهِ فنزل إِلَى الصُّبْحِ فَأَنَاخَ، وإذا أنا بالحقيبة عليها أثر دَمٌ مِنِّي فَكَانَتْ أَوَّلُ حَيْضَةٍ حِضْتُهَا \" (٢) -: «قَالَ ابن الأثير: الحقيبةُ هي الزيادة التي تجعل في مؤخر القتب انتهى، فالإرداف على حقيبة الرّحل لا يستلزم المماسة فلا إشكال في إردافه - ﷺ - إياها» (٣) .\nقالَ النَّوَوِيّ: «وَفِيهِ جَوَاز إِرْدَاف الْمَرْأَة الَّتِي لَيْسَتْ مَحْرَمًا إِذَا وُجِدَتْ فِي طَرِيق قَدْ أَعْيَتْ، لا سِيَّمَا مَعَ جَمَاعَة رِجَال صَالِحِينَ، وَلا شَكّ فِي جَوَاز مِثْل هَذَا.\nوَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض: هَذَا خَاصّ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِخِلافِ غَيْره، فَقَدْ أَمَرَنَا بِالْمُبَاعَدَةِ مِنْ أَنْفَاس الرِّجَال وَالنِّسَاء، وَكَانَتْ عَادَته ﷺ مُبَاعَدَتهنَّ لِتَقْتَدِي بِهِ أُمَّته، قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ خُصُوصِيَّة لَه لِكَوْنِهَا بِنْت أَبِي بَكْر، وَأُخْت عَائِشَة، وَامْرَأَة\n_________\n(١) فتح الباري (٩/٣٢٣) .\n(٢) أخرجه: أبو داود في سننه، كتاب الطهارة، باب الاغتسال من الحيض (١/٨٤رقم٣١٣)، وأحمد بن حنبل في مسنده (٦/٣٨٠)،وابن منده في معرفة أسامي أرداف النَّبِيّ (ص٨١)، والبيهقي الكبرى، جماع أبواب الصلاة بالنجاسة وموضع الصلاة من مسجد وغيره، باب ما يستحب من استعمال ما يزيل الأثر مع الماء في غسل الدم (٢/٤٠٧) جميعهم من طريق مُحَمَّد بن إسحاق عن سليمان بن سحيم عن أمية بنت أبي الصلت عن امرأة من بني غفار-به- وفيه قصة.\nوإسناده ضعيف فأمية لا تعرف، ووقع في إسناده اختلاف ليس هذا موضع بيانه، وإنما ذكرته لأبين أنّ الإردافَ -عمومًا- لا يستلزم المماسة أحيانًا.\nقلتُ: وتوجيه العظيم آبادي لهذا الحديث بناءً على ثبوته ولكن تقدم أنه ضعيف.\n(٣) عون المعبود (١/٣٤٧) .","vol":"1","page":54},{"text":"الزُّبَيْر، فَكَانَتْ كَإِحْدَى أَهْله وَنِسَائِهِ، مَعَ مَا خُصَّ بِهِ ﷺ أَنَّهُ أَمْلَك لِإِرْبِهِ. وَأَمَّا إِرْدَاف الْمَحَارِم فَجَائِز بِلا خِلَاف بِكُلِّ حَال» (١) .\nقلتُ: دعوى الخُصُوصِيَّة فيها نظرٌ فالحَدِيثُ ليس فيه خلوة، ولا نظر، ودلالة المماسة محتملة كما تقدم، فلا يصح الاستدلال به على الخُصُوصِيَّة، واللهُ أعلم.\n_________\n(١) شرح صحيح مسلم (١٤/١٦٦) .","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المطلب الثالث: أجوبةُ أهلِ العلم والإيمان عن هذين الإشكالين</span>.\nأمَّا<span data-type=\"title\" id=toc-26> الإشكالُ الأوَّل: وهو أنّ ظاهر الحَدِيث يوهم الخلوة</span>، فالإجابة عنه أنّ الحَدِيثَ ليسَ فيه التصريح بالخلوة أو عدم الخلوة فإذا كان كذلك رجع إلى الأصل وهو تحريمه - ﷺ - القطعيّ للخلوة بالمرأة الأجنبية، وقد أشار إلى هذا المعنى اِبْن عَبْد الْبَرِّ فَقَالَ بعد أن ذكر المحرمية: «والدليل على ذلك - ثم ساق حَدِيث جابر، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وعقبة بن عامر في النهي عن الخلوة- وهذه آثار ثابتة بالنهي عن ذلك، ومحال أنْ يأتي رسولُ الله - ﷺ - ما ينهى عنه» (١) .\nوَقَالَ الدِّمْيَاطِيّ: «لَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى الْخَلْوَة بها فلعل ذاك كَانَ مَعَ وَلَد أَوْ خَادِم أَوْ زَوْج أَوْ تَابِع، والعادةُ تقتضي المخالطة بين الْمَخْدُوم وَأَهْل خَادِم، سيّما إذا كنَّ مسنَّات مع ما ثبت له عليه - ﷺ - من العصمة» (٢)، قَالَ ابنُ حَجَر: «قُلْتُ: وَهُوَ اِحْتِمَال قَوِيّ» (٣) .\nقُلتُ: وكثيرًا ما يقع في الكتابِ والسنةِ ترك بيان بعض الأمور في موضع لائق به اعتمادا على وضوحها وظهورها، أو اعتمادا على بيانها في موضع آخر، وليس هذا\n_________\n(١) \" التمهيد\" (١/٢٢٦) .\n(٢) عمدة القاري (١٤/٨٦) .\n(٣) فتح الباري (١١/٧٨) .\nتنبيهٌ: جميع النقول عن ابنِ حَجَر - التي لم أوثقها في هذا المطلب - من هذا الموضع في الفتح فلا حاجة للتكرار.","vol":"1","page":56},{"text":"بأكثر من مجيء عموم أو إطلاق في القرآن ومجيء تخصيصه أو تقييده في السنة.\nولو ثبتت الخلوة صراحة في الحَدِيث لم تضر لأنّ أُمّ حَرَام خالة للنبي - ﷺ - من الرَّضَاعَ أو أنَّ ذلك من خصائصه كما سيأتي قريبًا.\nأمَّا<span data-type=\"title\" id=toc-27> الإشكال الثاني وهو فلي أُمّ حَرَام لرأس النَّبِيّ - ﷺ </span>-، فقد تعددت آراء العلماء في ذلك على أقوال:\nالقولُ الأَّولُ:\nأنّ من خصائص النَّبِيّ - ﷺ - إباحة النَّظَرِ لِلأَجْنَبِيَّاتِ وَالْخَلْوَةِ بِهِنَّ وَإِرْدَافِهِنّ، ويدخل في ذلك تفلية الرأس وغيره.\nوقد أشار إلى هذا اِبْن عَبْد الْبَرِّ فَقَالَ: «على أنه - ﷺ - معصوم ليس كغيره ولا يقاس به سواه» (١) .\nوَقَالَ أبو العباس القرطبيُّ: «يمكن أن يقالَ إنه - ﷺ - كان لا يستتر منه النساء لأنه كان معصوما بخلاف غيره» (٢) .\nقَالَ ابن حَجَر: «وَحَكَى اِبْن الْعَرَبِيّ مَا قَالَ اِبْن وَهَب ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ غَيْره بَلْ كَانَ النَّبِيّ ﷺ مَعْصُومًا يَمْلِك أَرَبَهُ عَنْ زَوْجَته فَكَيْف عَنْ غَيْرهَا مِمَّا هُوَ الْمُنَزَّهُ عَنْهُ، وَهُوَ الْمُبَرَّأ عَنْ كُلّ فِعْلٍ قَبِيحٍ وَقَوْلٍ رَفَثٍ، فَيَكُون ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصه» .\nوَقَالَ ابن حَجَر أيضًا: «وَأَحْسَن الأَجْوِبَة دَعْوَى الْخُصُوصِيَّة وَلا يَرُدّهَا كَوْنُهَا لا تَثْبُت إِلا بِدَلِيل; لأَنَّ الدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ وَاضِح، وَاَللَّه أَعْلَم» (٣) .\n_________\n(١) الاستذكار (٥/١٢٥)\n(٢) المفهم (٣/٧٥٣) .\n(٣) فتح الباري (١١/٧٩)","vol":"1","page":57},{"text":"وَقَالَ: «وَالَّذِي وَضَحَ لَنَا بِالأَدِلَّةِ الْقَوِيَّة أَنَّ مِنْ خَصَائِص النَّبِيّ ﷺ جَوَاز الْخَلْوَة بِالأَجْنَبِيَّةِ وَالنَّظَر إِلَيْهَا، وَهُوَ الْجَوَاب الصَّحِيح عَنْ قِصَّة أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان فِي دُخُوله عَلَيْهَا وَنَوْمه عِنْدهَا وَتَفْلِيَتهَا رَأْسه وَلَمْ يَكُنْ بَيْنهمَا مَحْرَمِيّة وَلا زَوْجِيَّة» (١) .\nقَالَ العينيُّ: «والجوابُ الصحيحُ أنّ من خصائص النَّبِيّ - ﷺ - جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها كما ذكرنا في قصة أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان في دخوله عليها ونومه عندها وتفليها رأسه ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية» (٢) .\nوَقَالَ السيوطي: «باب اختصاصه - ﷺ - بإباحة النظر إلى الأجنبيات والخلوة بهن، أخرج البخاريُّ عَنْ خَالِد بْنِ ذَكْوَانَ قَالَ: قَالَتْ الرُّبَيِّع بِنْتُ مُعَوِّذٍ بن عَفْراء جَاءَ النَّبِيّ - ﷺ - فدخل عَلَيَّ حين بُنِيَ عَلَيَّ فَجَلَسَ عَلَى فِرَاشِي كَمَجْلِسِكَ مِنِّي، قَالَ الكرمانيّ- في هذا الحَدِيث -: هو محمول على أنّ ذلك كان قبل نزول آية الحجاب أو جاز النظر للحاجة أو للأمن من الفتنة، وَقَالَ ابن حَجَر: والذي وضح ...» (٣)، وذكر كلام ابن حَجَر المتقدم.\nوتقدم في المقدمة الأولى من المطلب الثاني أنَّ النبي - ﷺ - خُصَّ بخصائص لم يشركه فيها أحد فلا يبعد أنَّ هذه منها.\n* المناقشة:\nقَالَ ابن حَجَر: «وَرَدَّ عِيَاضٌ الأَوَّل بِأَنَّ الْخَصَائِص لا تَثْبُت بِالِاحْتِمَالِ، وَثُبُوتُ الْعِصْمَةِ مُسَلَّمٌ لَكِنَّ الْأَصْل عَدَم الْخُصُوصِيَّة، وَجَوَاز الاقْتِدَاء بِهِ فِي أَفْعَاله\n_________\n(١) فتح الباري (٩/٢٠٣) .\n(٢) عمدة القاري (٢٠/١٣٦) .\n(٣) الخصائص الكبرى (٢/٢٤٧) .","vol":"1","page":58},{"text":"حَتَّى يَقُوم عَلَى الْخُصُوصِيَّة دَلِيل» .\nقَالَ المباركفوريّ: «قُلْت: لَوْ ثَبَتَ بِالأَدِلَّةِ الْقَوِيَّةِ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ ﷺ جَوَازُ الْخَلْوَةِ بِالأَجْنَبِيَّةِ وَالنَّظَرِ إِلَيْهَا لَحَصَلَ الْجَوَابُ بِلا تَكَلُّفٍ، وَلَكَانَ شَافِيًا وَكَافِيًا. وَلَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْحَافِظُ تِلْكَ الأَدِلَّةَ هَاهُنَا» (١) .\nومما يضعف هذا الوجه امتناع النَّبِيّ - ﷺ - عن مصافحة النساء في البيعة والاكتفاء بالكلام- كما تقدم -، فهذا الامتناع في هذا الوقت الذي يقتضيه -وهو وقتُ المبايعة- دليلٌ على عدم الخصوصية، وإلاَّ فبماذا يُفسر هذا الامتناع في هذا المقام الذي يقتضي عدم الامتناع؟!.\nوكذلك حَدِيث عَلِيّ بْن الْحُسَيْنِ ﵄ أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ الْمَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلانِ مِنْ الأَنْصَارِ فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ» فَقَالا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنْ الْإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا» (٢) .\nفلو كان مستقرًا عند الصحابة هذا المعنى لما احتاج النَّبِيّ - ﷺ - أن يقول للصحابيين ما قَالَ (٣) .\n_________\n(١) تحفة الأحوذي (٥/٢٢٩) .\n(٢) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب الاعتكاف، باب هل يخرج المعتكف لحوائجه إلى باب المسجد (٢/٧١٥رقم١٩٣٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب السلام (٤/١٧١٢رقم٢١٧٥) .\n(٣) وللشافعيّ -﵀- توجيهٌ لطيف لهذا الحديث فعن إبراهيم بن محمد الشافعي قال:\nكنّا في مجلسِ ابنِ عيينة - والشافعيّ حاضر - فحدّث ابنُ عيينة عن الزهري عن علي بن الحسين أن النبي ﷺ مرّ بهِ رجلٌ في بعض الليل وهو مع امرأته صفيه فقال: تعال فهذه امرأتي صفيه، فقال: سبحان الله يا رسول الله!، قال: إنّ الشيطانَ يجري من الإنسان مجرى الدم\n\nفَقَالَ ابنُ عيينة للشافعي: ما فقه هذا الحديث يا أبا عبد الله؟ قال: إن كان القوم اتهموا النبي الله ﷺ كانوا بتهمتهم إياه كفارًا، لكن النبي - ﷺ - أدّب من بعده، فقال: إذا كنتم هكذا، فافعلوا هكذا حتى لا يظن بكم أحدٌ ظن السوء، لا أن النبي ﷺ يتهم، وهو أمين الله في أرضه.\nفقال ابن عيينة: جزاك الله خيرًا يا أبا عبد الله، ما يجيئنا منك إلا كل ما نحبه.\n\"مناقب الإمام الشافعي\" لابن أبي حاتم (ص ١٤٣)، \"تاريخ مدينة دمشق\" (٥١/٣٠٥) .","vol":"1","page":59},{"text":"القولُ الثاني:\nأنّ هذا خاصٌ بأُمّ حَرَام وأختها أُمّ سُلَيْم.\nقَالَ ابن الملقن: «ومن أحاط علمًا بنسب النَّبِيّ - ﷺ - ونسب أُمّ حَرَام علم أن لا محرمية بينهما، وقد بين ذلك الحافظ شرفُ الدين الدِّمْيَاطِيّ في جزء مفرد (١)، وَقَالَ: وهذا خاص بأُمّ حَرَام وأختها أُمّ سُلَيْم، وقد ذكرتُ ذلكَ عنه في كتابي المسمى \"العُدّة في معرفة رجالِ العمدة\"» (٢) .\nويرد على هذا القول الاعتراضات السابقة نفسها، ويزاد: لماذا خُصت أُمّ سُلَيْم وأختها بهذه الخصوصية.\nفإن قيل: لقوله - ﷺ - \" إني أَرْحَمهَا قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي \" (٣)، قَالَ الدِّمْيَاطِيّ:\n_________\n(١) لم أقف على هذا الجزء المفرد.\n(٢) \"خصائص النَّبِيّ - ﷺ - \" لابن الملقن (ص١٣٧)، ولم أقف على كتاب ابن الملقن \" العُدّة في معرفة رجالِ العمدة\" هذا، وفي كتاب \"الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط-الحديث النبوي الشريف وعلومه ورجاله-\" ما نصهُ: «العُدّة على العمدة-مجهول لعله: العُدّة في معرفة رجالِ العمدة لابن الملقن: دار الكتب اليمنية/صنعاء (م. م.خ٢٥/١/ (١٩٧٩م) ١٤) (٥) -٢ج (٤٧٦ص) -١١٧٦هـ» انتهى.\n(٣) يأتي تخريجه ص من هذا المطلب.\nقَالَ العينيُّ في عمدة القاري (١٤/١٣٨): «قوله\"قتل أخوها معي\" أخوها هو حرام بن ملحان قتل يوم بئر معونة، والمراد بقوله معي أي مع عسكري أو معي نصرة للدين لأن رسول الله ﷺ لم يكن في غزوة بئر معونة» .","vol":"1","page":60},{"text":"«وفي الصحيح أنه - ﷺ - كان لا يدخل على أحد من النساء إلاَّ على أزواجه إلاَّ على أُمّ سُلَيْم فقيل له في ذلك قَالَ: أرحمها قُتِلَ أخوها حرام معي، فبين تخصيصها بذلك فلو كان ثمة علة أخرى لذكرها، لأنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وهذه العلة مشتركة بينها وبين أختها أُمّ حَرَام» (١) .\nقيل: إنّ الذين قتلوا مع حرام بن ملحان في تلك الغزوة سبعون صحابيا من قراء الصحابة، غير من قتل في غزوت أخرى، فلم ينقل أنه - ﷺ - كان يزور أهليهم كما كان يزو أُمّ سُلَيْم وأختها.\nالقولُ الثالث:\nأنّ النَّبِيّ - ﷺ - مَحْرَم لأُمّ حَرَام فبينهما إمَّا قرابة نسب أورضاع -.\nأقوال العلماء في ذلك:\n-قَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ: «لا يشك مسلم أنّ أُمّ حَرَام كانت من رسول الله - ﷺ - لمحرم، فلذلك كان منها ما ذكر في هذا الحَدِيث، والله أعلم.\nوقد أخبرنا غيرُ واحدٍ مِنْ شيوخنا عن أبي مُحَمَّد الباجيّ عبد الله بن مُحَمَّد بن علي أنَّ مُحَمَّد بن فُطَيس أخبره عن يَحْيَى بْن إِبْرَاهِيم بْن مُزَيِّن قَالَ: إِنَّمَا اِسْتَجَازَ رَسُول اللَّه ﷺ أَنْ تَفْلِي أُمّ حَرَام رَأْسه لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْهُ ذَات مَحْرَم مِنْ قِبَل خَالَاته ; لِأَنَّ أُمّ عَبْد الْمُطَّلِب بن هاشم كَانَتْ مِنْ بَنِي النَّجَّار، وَقَالَ: وَقَالَ يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى قَالَ: قَالَ لَنَا اِبْن وَهْب (٢):أُمّ حَرَام إِحْدَى خَالات النَّبِيّ - ﷺ - مِنْ\n_________\n(١) \"عمدة القاري\" (١١/٩٨-٩٩) .\n(٢) هو: عبد الله بن وَهَب بن مسلم القرشي، الفِهْريّ، أبو مُحَمَّد المصري، مولى يزيد بن زمانة الفهري، متفقٌ على توثيقه وفقهه وفضله، قَالَ ابن حبان: «جمع ابنُ وَهَب وصَنّفَ، وهو حَفِظَ على أهل الحجاز ومصر حديثَهم، وعُني بجميع ما رَوَوا من المسانيد والمقاطيع وكان من العُبّاد»، روى له الجماعة، مات سنة سبع وتسعين ومائة. انظر: \"الثقات\" ٨/٣٤٦)، \"تهذيب الكمال\" (١٦/٢٧٧-٢٨٧) .","vol":"1","page":61},{"text":"الرَّضَاعَة فَلِذَلِكَ كَانَ يُقِيل عِنْدهَا وَيَنَام فِي حِجْرِهَا وَتَفْلِي رَأْسه» (١) .\nوقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ أيضًا: «أيّ ذلك كانَ فأُمّ حَرَام مَحْرَم من رسول الله - ﷺ -، والدليل على ذلك - ثم ساق حَدِيث جابر، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وعقبة بن عامر في النهي عن الخلوة- وهذه آثار ثابتة بالنهي عن ذلك، ومحال أن يأتي رسول الله - ﷺ - ما ينهى عنه» .\nقَالَ النَّوَوِيّ: «اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ ﷺ، وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّة ذَلِكَ فَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرّ وَغَيْره: كَانَتْ إِحْدَى خَالَاته مِنْ الرَّضَاعَة، وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَتْ خَالَة لِأَبِيهِ أَوْ لِجَدِّهِ ; لِأَنَّ عَبْد الْمُطَّلِب كَانَتْ أُمّه مِنْ بَنِي النَّجَّار» (٢) .\nوَقَالَ أيضًا: «وكانت أُمّ سُلَيْم هذه هي وأختها خالتين لرسولِ الله - ﷺ - مِنْ جِهةِ الرَّضَاعَ» (٣) .\nقَالَ ابنُ حَجَر: «وَجَزَمَ أَبُو الْقَاسِم بْن الْجَوْهَرِيّ والدَاوُدِيُّ وَالْمُهَلَّب فِيمَا حَكَاهُ اِبْن بَطَّال عَنْهُ بِمَا قَالَ اِبْن وَهْب قَالَ: وَقَالَ غَيْره إِنَّمَا كَانَتْ خَالَة لأَبِيهِ أَوْ جَدّه عَبْد الْمُطَّلِبِ، وَقَالَ اِبْن الْجَوْزِيّ سَمِعْت بَعْض الْحُفَّاظ يَقُول: كَانَتْ أُمّ سُلَيْمٍ أُخْت آمِنَة بِنْت وَهْب أُمّ رَسُول اللَّه ﷺ مِنْ الرَّضَاعَة» (٤) .\n_________\n(١) \"التمهيد\" (١/٢٢٦)، \"الاستذكار\" (٥/١٢٥) .\n(٢) \"شرح النَّوَوِيّ على صحيح مسلم\" (١٣/٥٧)\n(٣) \"تهذيب الأسماء\" (٢/٦٢٦) .\n(٤) \"فتح الباري\" (١١/٧٨) .","vol":"1","page":62},{"text":"* المناقشة:\nقَالَ ابن الملقن-متعقبا النَّوَوِيّ-: «وما ذكره من الاتفاق على أنها كانت محرمًا له فيه نظر، ومن أحاط علمًا بنسب النَّبِيّ - ﷺ - ونسب أُمّ حَرَام علم أن لا محرمية بينهما، وقد بين ذلك الحافظ شرفُ الدين الدِّمْيَاطِيّ في جزء مفرد» (١) .\nقلت: القول بالمحرمية بالنسب فيه نظر، لأنّ خفاء قرابة النسب يبعد بخلاف الرَّضَاعَ فإنّ الرَّضَاعَة من الأجنبية كانت منتشرة في ذلك الوقت، وربما خفي أمرها على أقرب الناس لذا ذهبَ جمعٌ من العلماء إلى أنَّ شهادة المرأة الواحدة مقبولة في الرضاع إذا كانت مرضية وإليه ذهب ابنُ عباس وطاوس والزهريّ والأوزاعيّ وغيرُهُم (٢) .\nقال المرداويُّ: «مَا لا يطلعُ عليه الرجالُ كعيوبِ النساءِ تحتَ الثياب، والرضاع، والاستهلال، والبكارة والثيوبة، والحيض، ونحوه فيقبل فيه شهادة امرأةٍ واحدةٍ، وهذا المذهبُ مطلقًا بلا ريب» (٣) .\nومما وَرَدَ في خفاء الرضاع من الحَدِيث:\n- عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ، قَالَتْ: فَقَالَ: «انْظُرْنَ إِخْوَتَكُنَّ مِنْ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ\n_________\n(١) \"خصائص النبي - ﷺ - \" لابن الملقن (ص١٣٧) .\n(٢) المغني (٨/١٥٢) .\nوانظر: مصنف عبد الرزاق (٧/٤٨١)، سنن سعيد بن منصور (١/٢٨٢)، مختصر اختلاف العلماء للطحاوي (٣/٣٤٨)، المبسوط للسرخسي (٣٠/٣٠٢)، الطرق الحكمية لابن القيم (ص١١٥) .\n(٣) الإنصاف (١٢/٨٥) .","vol":"1","page":63},{"text":"الْمَجَاعَةِ» (١) .\nقلتُ: فانظرْ كيفَ خفي أمر رضاعة من هي من أقرب الناس إليه - ﷺ - وهي زوجته.\n-وعن عَبْدُ اللَّهِ بنُ أبي مُلَيْكَة عنْ عُقْبَةَ بنِ الحارِث ِ أنَّهُ تَزَوَّجَ ابنَةً لأبي إِهابِ بنِ عَزِيزِ فَأتَتْهُ امْرَأةٌ فَقالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرضَعْتُ عُقْبَةَ والَّتِي تَزَوَّجَ فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: ما أعْلَمُ أنَّكِ أرْضَعْتِنِي وَلا أخْبَرْتِنِي فَرَكِبَ إِلى رسول الله - ﷺ - بالمَدِينَة فَسَأَلَهُ فَقَالَ رسولُ الله - ﷺ -: «كَيْفَ وقَدْ قِيلَ!» فَفارَقَها عُقْبَةُ ونَكَحَتْ زَوْجًا غَيَرَهُ (٢) .\n-وَعَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُرِيدَ عَلَى ابْنَةِ حَمْزَةَ فَقَالَ: «إِنَّهَا لا تَحِلُّ لِي إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ وَيَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّحِمِ» (٣) .\n-وعَنْ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إِنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّكَ نَاكِحٌ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَعَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لَوْ لَمْ أَنْكِحْ أُمَّ\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في صحيحه:\n\nكتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم وقال النبي - ﷺ -: «أرضعتني وأبا سلمة ثويبة» والتثبيت فيه (٢/٩٣٦رقم٢٥٠٤) .\nكتاب النكاح، باب من قال: لا رضاع بعد حولين لقوله تعالى ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ وما يحرم من قليل الرضاع وكثيرة (٥/١٩٦١رقم٤٨١٤) .\nومسلم في صحيحه، كتاب الرضاع (٢/ ١٠٧٨رقم١٤٥٥)، وهذا لفظ مسلم.\n(٢) أخرجه: البخاريُّ في صحيحه، كتاب العلم، باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله (١/٤٥رقم٨٨) وغيرهُ.\n(٣) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب الشهادات، باب الشهادة على الأنساب والرضاع المستفيض والموت القديم وقال النبي - ﷺ -: «أرضعتني وأبا سلمة ثويبة» والتثبيت فيه (٢/٩٣٥رقم٢٥٠٢)، ومسلم في صحيح، كتاب الرضاع (٢/١٠٧١رقم١٤٤٧)، وهذا لفظ مسلم.","vol":"1","page":64},{"text":"سَلَمَةَ مَا حَلَّتْ لِي إِنَّ أَبَاهَا أَخِي مِنْ الرَّضَاعَةِ» (١) .\nوممن بَالَغَ في ردّ المحرمية الدِّمْيَاطِيّ، وقد ألّفَ في ذلك جزءًا كما تقدم في كلام ابنِ الملقن.\nقَالَ ابنُ حَجَر: «وَبَالَغَ الدِّمْيَاطِيّ فِي الرَّدّ عَلَى مَنْ اِدَّعَى الْمَحْرَمِيَّةَ فَقَالَ: ذَهِلَ كُلّ مَنْ زَعَمَ أَنَّ أُمّ حَرَام إِحْدَى خَالات النَّبِيّ ﷺ مِنْ الرَّضَاعَة أَوْ مِنْ النَّسَب وَكُلّ مَنْ أَثْبَتَ لَهَا خُؤُولَةً تَقْتَضِي مَحْرَمِيَّةً ; لأنَّ أُمَّهَاته مِنْ النَّسَب وَاَللاتِي أَرْضَعْنَهُ مَعْلُومَات لَيْسَ فِيهِنَّ أَحَد مِنْ الأَنْصَار الْبَتَّة سِوَى أُمّ عَبْد الْمُطَّلِب وَهِيَ سَلْمَى بِنْت عَمْرو بْن زَيْد بْن لَبِيدِ بْن خِرَاش بْن عَامِر بْن غَنْم بْن عَدِيِّ بْن النَّجَّار، وَأُمّ حَرَام هِيَ بِنْت مِلْحَان بْن خَالِد بْن زَيْد بْن حَرَام بْن جُنْدُب بْن عَامِر الْمَذْكُور فَلا تَجْتَمِع أُمّ حَرَام وَسَلْمَى إِلا فِي عَامِر بْن غَنْمٍ جَدّهمَا الأَعْلَى، وَهَذِهِ خُؤُولَةٌ لا تَثْبُت بِهَا مَحْرَمِيَّةٌ لأَنَّهَا خُؤُولُةٌ مَجَازِيَّة، وَهِيَ كَقَوْلِهِ ﷺ لِسَعْدِ بْن أَبِي وَقَّاص \" هَذَا خَالِي\" لِكَوْنِهِ مِنْ بَنِي زُهْرَة وَهُمْ أَقَارِب أُمّه آمِنَة، وَلَيْسَ سَعْد أَخًا لآمِنَةَ لا مِنْ النَّسَب وَلا مِنْ الرَّضَاعَة» .\nقَالَ العينيُّ: «وَقَالَ ابن التين: كان - ﷺ - يزور أُمّ سُلَيْم لأنها خالته من الرَّضَاعَة وَقَالَ أبو عمر: إحدى خالاته من النسب لأن أم عبد المطلب سَلْمَى بِنْت عَمْرو بْن زَيْد بْن لَبِيدِ بْن خِرَاش بْن عَامِر بْن غَنْم بْن عَدِيِّ بْن النَّجَّار وأخت أُمّ سُلَيْم أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان بْن خَالِد بْن زَيْد بْن حَرَام بْن جُنْدُب بْن عَامِر بْن غَنْمٍ، وأنكر الحافظ الدِّمْيَاطِيّ هذا القول، وذكر أن هذه خؤلة بعيدة لا تثبت حرمة ولا تمنع\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير (٥/١٩٦٨رقم٤٨٣١) -وفي عدة مواضع أخرى-، ومسلم في صحيحه، كتاب الرضاع (٢/١٠٧٢رقم١٤٤٩) .","vol":"1","page":65},{"text":"نكاحا قَالَ: وفي الصحيح أنه - ﷺ - كان لا يدخل على أحد من النساء إلاَّ على أزواجه إلاَّ على أُمّ سُلَيْم فقيل له في ذلك قَالَ:\" أرحمها قُتِلَ أخوها حرام معي\"، فبين تخصيصها بذلك فلو كان ثمة علة أخرى لذكرها لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وهذه العلة مشتركة بينها وبين أختها أُمّ حَرَام» (١) .\nقلتُ: سيأتي من الدلائل ما يبين أنّ بين النَّبِيّ - ﷺ - وأُمّ حَرَام خؤولة من الرَّضَاعَ.\n* الراجح في الإجابة عن مس أُمّ حَرَام للنبي - ﷺ -:\nإنّ مَنْ استقرأ النصوص الواردة في تعامل النبي - ﷺ - مع أُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام رأى أنّ لأُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام دون بقية النساء -غير أزوجه- خصوصية لا يمكن أن تقع إلا للمحرم مع محرمه، فمن ذلك:\n١- عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا، وَلَيْسَتْ فِيهِ، قَالَ: فَجَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَنَامَ عَلَى فِرَاشِهَا فَأُتِيَتْ فَقِيلَ لَهَا هَذَا النَّبِيُّ ﷺ نَامَ فِي بَيْتِكِ عَلَى فِرَاشِكِ قَالَ: فَجَاءَتْ وَقَدْ عَرِقَ وَاسْتَنْقَعَ عَرَقُهُ عَلَى قِطْعَةِ أَدِيمٍ عَلَى الْفِرَاشِ فَفَتَحَتْ عَتِيدَتَهَا فَجَعَلَتْ تُنَشِّفُ ذَلِكَ الْعَرَقَ فَتَعْصِرُهُ فِي قَوَارِيرِهَا فَفَزِعَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: مَا تَصْنَعِينَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ؟ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَرْجُو بَرَكَتَهُ لِصِبْيَانِنَا، قَالَ: أَصَبْتِ (٢) .\n_________\n(١) عمدة القاري (١١/٩٨-٩٩) .\n(٢) أخرجه: البخاري في صحيحه كتاب الاستئذان، باب من زار قوما فقال عندهم (٥/٢٣١٦رقم٥٩٢٥)، ومسلم في صحيحه، كتاب الفضائل (٤/١٨١٥رقم٢٣٣١) وهذا لفظ مسلم.","vol":"1","page":66},{"text":"قَالَ الْمُهَلَّب: «فِي هَذَا الْحَدِيث مَشْرُوعِيَّة الْقَائِلَة لِلْكَبِيرِ فِي بُيُوت مَعَارِفه لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ ثُبُوت الْمَوَدَّة وَتَأَكُّد الْمَحَبَّة» (١) .\nقلتُ: وتأمل قولَ أَنَسِ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْخُلُ بَيْتَ أُمِّ سُلَيْمٍ فَيَنَامُ عَلَى فِرَاشِهَا، وَلَيْسَتْ فِيهِ.\n\"فهل يعقل أن يترك أهل الكفر والنفاق-زمن النبوة-مثل هذا الموقف دون استغلاله في الطعن في النَّبِيّ - ﷺ - وفي نبوته؟ \" (٢)، وهم الذين طعنوا في أم المؤمنين عائشة - ﵁ - ابمجرد شبهة باطلة!!، وما فتأووا يحيكون الدسائس والمؤامرات والشائعات!!.\nوكذلك لِمَ لمْ يتكلموا في أُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام كما تكلموا في عائشة - ﵁ - ا!!.\n٢- حَدِيثُ أَنَسٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بَيْتًا بِالْمَدِينَةِ غَيْرَ بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ: «إِنِّي أَرْحَمُهَا قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي» (٣) .\nقَالَ ابن حَجَر: «قَوْله: (لَمْ يَكُنْ يَدْخُلُ بِالْمَدِينَةِ بَيْتًا غَيْر بَيْتٍ أَمْ سَلِيم) قَالَ اَلْحُمَيْدِيّ: لَعَلَّهُ أَرَادَ عَلَى اَلدَّوَامِ وَإِلَّا فَقَدَ تَقَدَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أُمّ حَرَام. وَقَالَ اِبْن اَلتِّينِ: يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ اَلدُّخُولُ عَلَى أُمِّ سَلِيم وَإِلَّا فَقَدَ دَخَلَ عَلَى أُخْتِهَا أُمِّ حَرَام وَلَعَلَّهَا أَيْ أَمُّ سَلِيم كَانْت شَقِيقَة اَلْمَقْتُولِ أَوْ وَجَدَتْ عَلَيْهِ أَكْثَر مِنْ أُمّ حَرَام.\n_________\n(١) فتح الباري (١١/٧٢) .\n(٢) هذا مقتبس من كلام جميل لدكتور. طه الحبيشي من كتابه\" السنة في مواجهة أعدائها\"، وسأنقل كلامه كاملًا في نهاية المبحث.\n(٣) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب فضل من جهز غازيا أو خلفه بخير (٣/١٠٤٦رقم٢٦٨٩)، ومسلم في صحيحه، كتاب فضائل الصحابة ﵃ (٤/١٩٠٨رقم٢٤٥٥) .","vol":"1","page":67},{"text":"قُلْت: لَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا اَلتَّأْوِيلِ فَإِنَّ بَيْت أُمّ حَرَام وَأُمّ سَلِيم وَاحِد وَلَا مَانِع أَنْ تَكُونَ اَلْأُخْتَانِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ كَبِيرٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِيهِ مَعْزِل فَنُسِبَ تَارَةً إِلَى هَذِهِ وَتَارَةً إِلَى هَذِهِ» (١) .\nقلتُ: ما أجاب به اَلْحُمَيْدِيّ واِبْن اَلتِّينِ يتضمن تفسيرًا لقوله (فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ) فإنَّه سؤالٌ عن سبب دخوله عليها، ولا يجوز أنْ يكون سؤالًا عن سبب دخوله عليها لكونها أجنبيةً منه، فإنَّ ذلك لا يناسبه ما أجاب به - ﷺ - من قوله (إِنِّي أَرْحَمُهَا قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي) فتعين أن يكون السؤال عن غير هذا.\nومن أحسن ما قيل في ذلك ما استظهره اَلْحُمَيْدِيّ واِبْن اَلتِّينِ من أنَّ السؤال عن كثرة الدخول عليها.\nقَالَ النَّوَوِيّ: «قَوْله: (كَانَ رَسُول اللَّه ﷺ لَا يَدْخُلُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ النِّسَاء إِلَّا عَلَى أَزْوَاجه إِلَّا أُمّ سُلَيْمٍ، فَإِنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنِّي أَرْحَمُهَا قُتِلَ أَخُوهَا مَعِي) قَدْ قَدَّمْنَا فِي كِتَاب الْجِهَاد عِنْد ذِكْر أُمّ حَرَام أُخْت أُمّ سُلَيْمٍ أَنَّهُمَا كَانَتَا خَالَتَيْنِ لِرَسُولِ اللَّه ﷺ مَحْرَمَيْنِ إِمَّا مِنْ الرَّضَاع، وَإِمَّا مِنْ النَّسَب، فَتَحِلُّ لَهُ الْخَلْوَة بِهِمَا، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِمَا خَاصَّةً، لَا يَدْخُلُ عَلَى غَيْرهمَا مِنْ النِّسَاء إِلَّا أَزْوَاجه. قَالَ الْعُلَمَاء: فَفِيهِ جَوَاز دُخُول الْمَحْرَم عَلَى مَحْرَمه، وَفِيهِ إِشَارَة إِلَى مَنْع دُخُول الرَّجُل إِلَى الْأَجْنَبِيَّة. وَإِنْ كَانَ صَالِحًا، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْأَحَادِيث الصَّحِيحَة الْمَشْهُورَة فِي تَحْرِيم الْخَلْوَة بِالْأَجْنَبِيَّةِ. قَالَ الْعُلَمَاء: أَرَادَ اِمْتِنَاع الْأُمَّة مِنْ الدُّخُول عَلَى الْأَجْنَبِيَّات» (٢) .\nقَالَ العينيُّ: «قَالَ الكرمانيّ: كيف صار قتل الأخ سببًا للدخول على\n_________\n(١) فتح الباري (٦/٥١) .\n(٢) شرح النووي على صحيح مسلم (١٦/١٠) .","vol":"1","page":68},{"text":"الأجنبية؟ قلتُ: لم تكن أجنبية كانت خالة لرسول الله - ﷺ - من الرَّضَاعَ، وقيل: من النسب فالمحرمية كانت سببًا لجواز الدخول» (١) .\n٣- وعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْنَا وَمَا هُوَ إِلا أَنَا وَأُمِّي وَأُمُّ حَرَامٍ خَالَتِي فَقَالَ: قُومُوا فَلِأُصَلِّيَ بِكُمْ فِي غَيْرِ وَقْتِ صَلَاةٍ فَصَلَّى بِنَا فَقَالَ رَجُلٌ لِثَابِتٍ: أَيْنَ جَعَلَ أَنَسًا مِنْهُ؟ قَالَ: جَعَلَهُ عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ دَعَا لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ بِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَقَالَتْ أُمِّي: يَا رَسُولَ اللَّهِ خُوَيْدِمُكَ ادْعُ اللَّهَ لَهُ، قَالَ: فَدَعَا لِي بِكُلِّ خَيْرٍ، وَكَانَ فِي آخِرِ مَا دَعَا لِي بِهِ أَنْ قَالَ: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ (٢) .\n٤- وعَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَى أُمِّ حَرَامٍ فَأَتَوْهُ بِسَمْنٍ وَتَمْرٍ فَقَالَ: رُدُّوا هَذَا فِي وِعَائِهِ وَهَذَا فِي سِقَائِهِ فَإِنِّي صَائِمٌ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ تَطَوُّعًا فَقَامَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ وَأُمُّ حَرَامٍ خَلْفَنَا قَالَ ثَابِتٌ وَلا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَالَ: أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ عَلَى بِسَاطٍ (٣) .\n٥- وعَنْ حُمَيْد عَنْ أَنَسٍ ﵁ دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى أُمِّ سُلَيْمٍ فَأَتَتْهُ بِتَمْرٍ وَسَمْنٍ قَالَ: أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ فِي سِقَائِهِ وَتَمْرَكُمْ فِي وِعَائِهِ فَإِنِّي صَائِمٌ ثُمَّ قَامَ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْ الْبَيْتِ فَصَلَّى غَيْرَ الْمَكْتُوبَةِ فَدَعَا لِأُمِّ سُلَيْمٍ وَأَهْلِ بَيْتِهَا فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي خُوَيْصَّةً قَالَ مَا هِيَ؟ قَالَتْ: خَادِمُكَ أَنَسٌ فَمَا تَرَكَ خَيْرَ آخِرَةٍ وَلَا دُنْيَا إِلَّا دَعَا لِي بِهِ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مَالًا وَوَلَدًا وَبَارِكْ لَهُ فِيهِ فَإِنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ الْأَنْصَارِ مَالًا، وَحَدَّثَتْنِي ابْنَتِي أُمَيْنَةُ أَنَّهُ دُفِنَ\n_________\n(١) عمدة القاري (١٤/١٣٨) .\n(٢) أخرجه: مسلم في صحيحه، كتاب الصلاة (١/٤٥٧رقم٦٦٠) .\n(٣) أخرجه: أبو داود في سننه، كتاب الصوم، باب الرجلين يؤم أحدهما صاحبه كيف يقومان (١/١٦٥رقم٦٠٨)، وإسنادهُ صحيحٌ.","vol":"1","page":69},{"text":"لِصُلْبِي مَقْدَمَ حَجَّاجٍ الْبَصْرَةَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ وَمِائَةٌ (١) .\n٦- وفي روايةٍ عن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَزُورُ أُمَّ سُلَيْمٍ فَتُدْرِكُهُ الصَّلَاةُ أَحْيَانًا فَيُصَلِّي عَلَى بِسَاطٍ لَنَا وَهُوَ حَصِيرٌ نَنْضَحُهُ بِالْمَاءِ (٢) .\n٧- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا (٣) .\n٨- وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا مَرَّ بِجَنَبَاتِ (٤) أُمِّ سُلَيْمٍ دَخَلَ عَلَيْهَا فَسَلَّمَ عَلَيْهَا (٥) .\n٩- وعن أنس قَالَ: «كان رسول الله - ﷺ - إذا ذهب إلى قُباء يَدْخُلُ عَلَى أُمّ حَرَام بِنْت مِلْحَان» (٦) .\n١٠- وأُمّ سُلَيْم هي التي جهزت صفية بنت حيي للنبي - ﷺ - ففي حَدِيث عبد العزيز\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب الصوم، باب من زار قوما فلم يفطر عندهم (٢/٦٩٩ رقم١٨٨١) .\n(٢) أخرجه: أبو داود في سننه، كتاب الصلاة، باب الصلاة على الحصير (١/١٧٧رقم٦٥٨)، وإسنادهُ صحيحٌ.\n(٣) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب الجماعة والإمامة، باب المرأة وحدها تكون صفا (١/٢٥٥رقم ٦٩٤)، كتاب صفة الصلاة، باب صلاة النساء خلف الرجال (١/٢٩٦رقم٨٣٣) .\n(٤) الجَنَبَات - بفتح الجيم والنون ثم موحدة - جمع جَنَبة وهي الناحية قاله ابنُ حَجَر في فتح الباري (٩/٢٢٧)، وقال العينيُّ: «ويقال: يحتمل أن يكون مأخوذا من الجناب وهو الفناء، فكأنه يقول: إذا مر بفنائها» . عمدة القاري (٢٠/١٥١) . وانظر: مشارق الأنوار (ص١٥٥) .\n(٥) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب النكاح، باب الهدية للعروس (٥/١٩٨١رقم٤٨٦٨) معلقًا، والنسائيُّ في سننه الكبرى، كتاب المناقب، الغميصاء بنت ملحان أم سليم ومن قال الرميصاء ﵂ (٥/١٠٣رقم٨٣٨٦) .\n(٦) هذا جزء من حديث أُمّ حَرَام المراد الكلام عليه، وتقدم تخريجه.","vol":"1","page":70},{"text":"بن صهيب، عن أنس \" حتى إذا كان بالطريق جهزتها له أُمّ سُلَيْم فأهدتها له من الليل فأصبح النَّبِيّ - ﷺ - عروسا\" (١)، وفي روايةٍ \" ثم دفعها إلى أُمّ سُلَيْم تصنعها له وتهيئها قَالَ: وأحسبه قَالَ: وتعتد في بيتها وهي صفية بنت حيي\" (٢) .\n١١- وعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا فَيَسْقِينَ الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى (٣) .\n١٢- عَنْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ أَبُو طَلْحَةَ لأُمِّ سُلَيْمٍ: قَدْ سَمِعْتُ صَوْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ضَعِيفًا أَعْرِفُ فِيهِ الْجُوعَ فَهَلْ عِنْدَكِ مِنْ شَيْء؟ ٍ فَقَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْرَجَتْ أَقْرَاصًا مِنْ شَعِيرٍ ثُمَّ أَخَذَتْ خِمَارًا لَهَا فَلَفَّتْ الْخُبْزَ بِبَعْضِهِ ثُمَّ دَسَّتْهُ تَحْتَ ثَوْبِي وَرَدَّتْنِي بِبَعْضِهِ ثُمَّ أَرْسَلَتْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: فَذَهَبْتُ بِهِ فَوَجَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ، وَمَعَهُ النَّاسُ فَقُمْتُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَرْسَلَكَ أَبُو طَلْحَةَ؟ قَالَ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ: أَلِطَعَامٍ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: قُومُوا، قَالَ: فَانْطَلَقَ، وَانْطَلَقْتُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ حَتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَدْ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاسِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نُطْعِمُهُمْ، فَقَالَتْ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَانْطَلَقَ أَبُو طَلْحَةَ حَتَّى لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ حَتَّى دَخَلا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَلُمِّي مَا عِنْدَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ، فَأَتَتْ بِذَلِكَ الْخُبْزِ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفُتَّ، وَعَصَرَتْ عَلَيْهِ أُمُّ سُلَيْمٍ\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب الصلاة، باب ما يذكر في الفخذ (١/١٤٥رقم٣٦٤) -وفي عدة مواضع أخرى-، ومسلم في صحيحه، كتاب النكاح (٢/١٠٤٣رقم١٣٦٥) .\n(٢) أخرجها: مسلم في صحيحه، كتاب النكاح (٢/١٠٤٥) .\n(٣) أخرجه: مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير (٣/١٤٤٣رقم ١٨١٠) .","vol":"1","page":71},{"text":"عُكَّةً لَهَا فَأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ رَسُولُ\nاللَّهِ ﷺ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا ثُمَّ خَرَجُوا ثُمَّ قَالَ: ائْذَنْ لِعَشَرَةٍ حَتَّى أَكَلَ الْقَوْمُ كُلُّهُمْ وَشَبِعُوا وَالْقَوْمُ سَبْعُونَ رَجُلا أَوْ ثَمَانُونَ (١) .\nوفي رواية: «ثُمَّ أَخَذَ مَا بَقِيَ فَجَمَعَهُ ثُمَّ دَعَا فِيهِ بِالْبَرَكَةِ قَالَ: فَعَادَ كَمَا كَانَ فَقَالَ: دُونَكُمْ هَذَا» .\nوفي رواية: «ثُمَّ أَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَكَلَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَأَفْضَلُوا مَا أَبْلَغُوا جِيرَانَهُمْ» .\n١٣- وعَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ أُمَّ سُلَيْمٍ اتَّخَذَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ خِنْجَرًا فَكَانَ مَعَهَا فَرَآهَا أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ أُمُّ سُلَيْمٍ مَعَهَا خِنْجَرٌ! فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَا هَذَا الْخِنْجَرُ؟ قَالَتْ: اتَّخَذْتُهُ إِنْ دَنَا مِنِّي أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ بَقَرْتُ بِهِ بَطْنَهُ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضْحَكُ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنَا مِنْ الطُّلَقَاءِ انْهَزَمُوا بِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا أُمَّ سُلَيْمٍ إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَفَى وَأَحْسَنَ (٢) .\nومما يضاف إلى ذلك أنّ أنس بن مالك -وهو ابن أُمّ سُلَيْم- خدم النَّبِيّ - ﷺ - إلى وفاته ففي الحَدِيث:\n- عَنْ إِسْحَاق بن أبي طلحة قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ: جَاءَتْ بِي أُمِّي أُمُّ أَنَسٍ إِلَى\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام (٣/١٣١١رقم٣٣٨٥) -وفي عدة مواضع أخرى-، ومسلم في صحيحه، كتاب الأشربة (٣/١٦١٢رقم٢٠٤٠) وهذا لفظ مسلم، وكذلك الروايات بعده في صحيح مسلم.\n(٢) أخرجه: مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير (٣/١٤٤٢رقم١٨٠٩) .","vol":"1","page":72},{"text":"رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ أَزَّرَتْنِي بِنِصْفِ خِمَارِهَا وَرَدَّتْنِي بِنِصْفِهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا أُنَيْسٌ ابْنِي أَتَيْتُكَ بِهِ يَخْدُمُكَ فَادْعُ اللَّهَ لَهُ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ، قَالَ أَنَسٌ: فَوَاللَّهِ إِنَّ مَالِي لَكَثِيرٌ وَإِنَّ وَلَدِي وَوَلَدَ وَلَدِي لَيَتَعَادُّونَ عَلَى نَحْوِ الْمِائَةِ الْيَوْمَ (١) .\n- وعن ثَابِت البناني قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ ﵁ قَالَ: «خَدَمْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي: أُفٍّ وَلا لِمَ صَنَعْتَ وَلا أَلا صَنَعْتَ» (٢) .\nوتقدم قول الدِّمْيَاطِيّ: «والعادةُ تقتضي المخالطة بين الْمَخْدُوم وَأَهْل خَادِم، سيّما إذا كنَّ مسنَّات» .\nفإذا تأمل الباحث المُنصف هذه الأحاديث رأى أنّ تعامل النَّبِيّ - ﷺ - مع أُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام تعامل المحارم بعضهم مع بعض، فإذا انضم إلى ذلك:\n* عدم وجود نص واحد-قولي أو فعلي- يدل على خصوصية النَّبِيّ - ﷺ - بالخلوة أو النظر أو المس كما تقدم.\n* امتناع النَّبِيّ - ﷺ - عن مصافحة النساء في البيعة والاكتفاء بالكلام كما تقدم، قَالَ الشنقيطيُّ: «ووكونه - ﷺ - لا يصافح النساء وقت البيعة دليلٌ واضحٌ عَلى أنَّ الرجلَ لا يصافح المرأة، ولا يمس شيء من بدنه شيئًا من بدنها، لأنَّ أخفَ أنواع اللمس المصافحة فإذا امتنع منها - ﷺ - في الوقت الذي يقتضيها وهو وقت المبايعة دلّ ذلكَ على أنها لا تجوز، وليس لأحد مخالفته - ﷺ - لأنه هو المشرع لأمته بأقواله وأفعاله\n_________\n(١) أخرجه: مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل (٤/١٩٢٩رقم ٢٤٨١) .\n(٢) أخرجه: البخاري في صحيحه كتاب الأدب، باب حسن الخلق والسخاء وما يكره من البخل (٥/٢٢٤٥رقم٥٦٩١)، مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل (٤/١٨٠٤رقم٢٣٠٩) .","vol":"1","page":73},{"text":"وتقريره» .\n* وكذلك قوله للصحابيين: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ» .\nعلم أنّ هناك خصوصية ما لأُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام، وأقدم من بين هذه الخصوصية من السلف -حسب علمي- هو عبد الله بن وَهَب حيث يقول: «أُمّ حَرَام إِحْدَى خَالَات النَّبِيّ ﷺ مِنْ الرَّضَاعَة فَلِذَلِكَ كَانَ يُقِيل عِنْدهَا وَيَنَام فِي حِجْرِهَا وَتَفْلِي رَأْسه» .\nوقد أحسن الشاطبيُّ حيث قَالَ: «فلهذا كله يجب على كل ناظر في الدليل الشرعي مراعاة ما فهم منه الأولون، وما كانوا عليه في العمل به فهو أحرى بالصواب وأقوم في العلم والعمل» .\nوَقَالَ اِبْن عَبْد الْبَرِّ -كما تقدم-: «ولا يشك مسلم أن أُمّ حَرَام كانت من رسول الله لمحرم فلذلك كان منها ما ذكر في هذا الحَدِيث، والدليل على ذلك - ثم ساق حَدِيث جابر، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وعقبة بن عامر في النهي عن الخلوة- وهذه آثار ثابتة بالنهي عن ذلك ومحال أن يأتي رسول الله - ﷺ - ما ينهى عنه» .\nفالقول بالمحرمية له مستند من أقوال سلفنا الصالح؛ بخلاف القول بأنّ من خصائص النَّبِيّ - ﷺ - جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها ونحو ذلك فلم أقف على نص عن السلف-من أهل القرون المفضلة- يفيد ذلك، والله أعلم.\nفإن قَالَ قائل إنّ دعوى محرمية الرَّضَاعَ هذه تحتاج إلى نصٍ صريح، ولا يوجد؟.\nقلت: الأمور المتقدمة:","vol":"1","page":74},{"text":"- -تعامل النَّبِيّ - ﷺ - مع أُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام تعامل المحارم بعضهم مع بعض.\n- عدم وجود نص واحد-قولي أو فعلي- يدل على خصوصية النَّبِيّ - ﷺ - بالخلوة أو النظر أو المس كما تقدم.\n- -امتناع النَّبِيّ - ﷺ - عن مصافحة النساء في البيعة والاكتفاء بالكلام كما تقدم.\n- -وكذلك قوله للصحابيين: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ» .\n- -مع تنصيص السلف على ذلك.\n- -ثم إنّ الرَّضَاعَ من النساء الأجنبيات من الأمور المنتشرة في ذلك الوقت، وربما خفي أمره على أقرب الناس وتقدم ذكر عدد من الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك.\nفهذه الأمور مجتمعة تُعدّ من قبيل تظافر الدلائل التي لا تخطىء، والدلالات التي تورث اليقين بأنَّ هناك محرمية بين النبي - ﷺ - وأمّ حرام، وبأقل من هذه القرائن يستدل على مثل هذه القضايا، فكيف بهذه القرائن مجتمعة والله أعلم.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>المطلب الرابع: وقفاتٌ حول هذه الشبهة في الحَدِيث</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>الوقفة الأولى: وفيها نقل كلام جميل للدكتور طه حبيشي </span>ردّ فيه على تهويشات أحمد صبحي منصور -ومن قَالَ بقوله- حول حَدِيث أُمّ حَرَام هذا، قَالَ فيه: «أمّا قصة أُمّ حَرَام فقد وردت في صحيح البخاريّ نفسه ثلاث عشرة مرة، تأتي مختصرة، ومطولة أخرى، والذي يذكره الكاتب ولا يعرف معناه أنّ هناك بيت آخر هو بيت أم سليم، كان النبي - ﷺ - يدخل فيه ويأكل ويشرب وينام أحيانا إلى وقت الظهيرة، ويسيل عرقه على قطعة من جلد فتجمعه أم سليم من فوق الجلد وتجعله في طيبها، والنبي - ﷺ - يعلم ذلك ولا ينكره.\nإلى هنا والكاتب قد يعلم بعض ما ذكرناه ولا يتورع أن يتخذ منه تكأة للتشويش على شخصية النَّبِيّ - ﷺ -، وهو يوهم البسطاء أنه من المحبين له المدافعين عنه، وهو لا يعلم أن التفصيل في نفي النقص عن الكاملين نقص، خصوصًا إذا دخل في شئ من التفصيل الممل، أو لعل صاحبنا يعلم هذه الجزئية، ويستغلها في تشويه صورة النَّبِيّ - ﷺ -، والتقليل من هيبته في نفوس أتباعه، وهذا مطمع قد طمع فيه من هم أكثر من صاحبنا بصرًا بالمناهج، ومن هم أكثر منه حيطة بأساليب البحث والدرس، ومن هم أشد منه قوة وأعز نفرا، فما استطاعوا أن يظهروا به وما استطاعوا أن ينالوا من جدار العز للنبي - ﷺ - نقبًا.\nوالشئ الذي لم يعرفه هؤلاء، أن الروايات مجمعة تقريبًا على أن النَّبِيّ كان","vol":"1","page":76},{"text":"يكثر من التردد، والأكل والشرب، عند أُمّ سُلَيْم، وأُمّ حَرَام.\nوالباحث الحصيف يسأل هل هناك شئ من العلاقة بين هاتين المرأتين الجليلتين؟\nوالروايات تجيب أن أُمّ سُلَيْم، وأُمّ حَرَام أختان، يقال لأحدهما الرميصاء، وللأخرى الغميصاء، لابعينها، فمنهم من يقول: إن الرميصاء بالراء هي أُمّ حَرَام، والغميصاء بالغين هي أُمّ سُلَيْم، ومنهم من يعكس.\nوالرميصاء والغميصاء: لفظان يدلان على حالتين في العين متشابهتين، وهما حالتان خلقيتان ليس بالعين معهما من بأس.\nوأُمّ سُلَيْم هي أم أنس بن مالك ﵁، وأُمّ حَرَام خالته، وأنس بن مالك كان في صباه يخدم النَّبِيّ عشر سنين وكان النَّبِيّ يعامله معاملة تناسب أخلاق النبوة يقول أنس: خدمت النَّبِيّ عشر سنين، فما قَالَ لي لشيء فعلته لم فعلته، ولا لشيء تركته لما تركته.\nهؤلاء ثلاثة ليسوا من المجاهيل في الصحابة والصحابيات، وما الذي جعل علاقة النَّبِيّ بهم على هذا المستوى من الاهتمام، وكثرة السؤال عنهم.\nإن هذا لا يكون إلا في حالة واحدة، وهي أن تكون هناك درجة من القرابة تجعل المرأتين من محارم النَّبِيّ - ﷺ -، سواء أكان ذلك من جهة النسب كما قَالَ بعض المؤرخين، أو كان من جهة الرَّضَاعَة كما قَالَ البعض الآخر.\nوإلا فهل يمكن عقلًا للنبي - ﷺ -، أن يخالف الناس إلى ما ينهاهم عنه؟\nوهل يمكن عقلًا أو اتفاقا أن تقوم علاقة غير مشروعة وحاشاه بينه وبين أختين في وقت واحد؟","vol":"1","page":77},{"text":"وهل يجيز المنطق أو العادة أن يسمح النَّبِيّ - ﷺ - لغير قريبه من الصبيان إن يخدمه في بيته عشر سنوات كاملات؟.\nوهل يعقل أن يترك أهل الكفر والنفاق-زمن النبوة-مثل هذا الموقف دون استغلاله في الطعن في النَّبِيّ - ﷺ - وفي نبوته؟\nأمور كلها تعد من قبيل الشواهد التي لا تخطيء والدلالات التي تورث اليقين بأن النَّبِيّ - ﷺ - كان قريبا قرابة محرمة لأُمّ سُلَيْم وأختها أُمّ حَرَام.\nوخصوصًا وأنّ بعض الروايات تقول كان النَّبِيّ - ﷺ - يدخل بيت أُمّ سُلَيْم فينام على فراشها وليست فيه، وراية تقول\"نام النَّبِيّ - ﷺ - فاستيقظ وكانت تغسل رأسها، فاستيقظ وهو يضحك فقالت: يا رسول الله - ﷺ - أتضحك من رأسي قَالَ: لا\".\nقد يقول قائل قريبات النَّبِيّ - ﷺ - معروفات، وليس منهن أُمّ سُلَيْم ولا أُمّ حَرَام.\nوالجواب: أننا نتحدث عن مجتمع لم يكن يمسك سجلات للقرابات وخاصة إذا كانت القرابة في النساء، فهناك قريبات كثيرات أغفلهن التاريخ في هذا المجتمع وأهملهن الرواة.\nوَقَالَ: «إنّ المرء ليسمع الحَدِيث المستقيم فيدركه على وجهه إن كان سليم النفس، حسن الطوية، وهو ينحرف به إذا كان إنسانا مريض النفس معوجا، وهل ينضح البئر إلاّ بما فيه، وهل يمكن أن نتطلب من الماء جذوة نار؟ أو نغترف من النار ماء؟ وقديما قالوا: إنّ كل إناء بما فيه ينضح، أشهد أنّ الله قد قَالَ في نبيه - ﷺ - ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾» (١) .\n_________\n(١) \"السنة في مواجهة أعدائها\" (ص٢٠٢٠٢-٢٠٦) .","vol":"1","page":78},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>الوقفة الثانية: من طعن في البخاري وصحيحه بسبب إخراجه للحديث يلزمه أنْ يطعن في جميع من أخرج الحَدِيث </span>من كان منهم قبل البخاري أو بعده، لأنَّ في الحَدِيث -حسب كلامهم-طعنًا في النَّبِيّ - ﷺ - ومنافاة لعصمته ونبوته فمجرد ذكر حَدِيث في كتابٍ ما فيه طعن في النَّبِيّ - ﷺ - حتى ولو لم يشترط مؤلفه الصحة- يعد جناية وزللًا يسقط به صاحبه.\nبل يلزمهم على هذا الطعن في جميع رواة الحَدِيث سواء كانوا من الصحابة أومن التابعين أو تابعيهم، إذ الحمل على راوٍ معين دون حجة تحكم ينافيه المنهج العلمي السليم.\nولعلي أذكر جميع من أخرج الحَدِيث من المصنفين -حسب ما وقفت عليه- ليتبين شدة غفلة أو هوى من جعل البخاريّ محلًا للجرح والطعن:\n* من أخرج الحَدِيث في كتابه ممن مات قبل البخاري:\nمالك بن أنس (مات سنة ١٧٩) في الموطأ.\nوعبد الله بنُ المبارك (مات سنة ١٨١) في الجهاد.\nوأبو إسحاق الفزاري (مات سنة ١٨٤) في السير.\nوعبد الرزاق بن همام (مات سنة ٢١١) في المصنف.\nوالحميدي (مات سنة ٢١٩) في مسنده.\nومحمد بن سعد (مات سنة ٢٣٠) في الطبقات الكبرى.\nوابن معين (مات سنة ٢٣٥) في تاريخه -رواية الدوريّ-.","vol":"1","page":79},{"text":"وابن أبي شيبة (مات سنة ٢٣٥) في المصنف.\nوإسحاق بن راهويه (مات سنة ٢٣٩) في مسنده.\nوأحمد بن حنبل (مات سنة ٢٤١) في مسنده.\nوالدارمي (مات سنة ٢٥٥) في مسنده (١) .\n* من أخرج الحَدِيث في كتابه ممن مات بعد البخاري:\nمسلم في صحيحه. وأبو عوانة في صحيحه. وابن حبان في صحيحه. والحاكم في المستدرك على الصحيحين. وأبو داود في سننه. والترمذي في جامعه. وابن ماجه في سننه. والنسائيُّ في سننه (المجتبى) .وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني وفي الجهاد.\nأبو يعلى في مسنده. والدولابي في الكنى. والطبراني في المعجم الكبير، وفي في الأوسط، وفي مسند الشاميين. والدارقطني في العلل. وأبو نعيم في حلية الأولياء، ومعرفة الصحابة، والبيهقي في السنن الكبرى، وفي دلائل النبوة، واِبْن عَبْد الْبَرِّ في التمهيد. وإسماعيل الأصبهاني في دلائل النبوة. واللإلكائي في اعتقاد أهل السنة، وابن عساكر في تاريخ مدينة دمشق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الوقفة الثالثة: ومما ينبغي أن يذكر هنا أنّ هذا البحث -وأمثاله- إنّما ينتفع به طالب الحق المنصف الذي يطلب الحق بدليله</span>، وأمّا غيره فكما قَالَ تعالى ﴿ولَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ .\n_________\n(١) ومسند الدارميّ مرتبٌ على الأبواب، ولكن كذا سماه مؤلفه باعتبار أنَّ الأحاديث والآثار فيه مسندة، وهذه التسمية مألوفة عند المحدثين كما لا يخفى، وانظر مقدمة حسين سليم أسد لكتاب \"مسند الدارمي\" (١/٤٩) ط١، ١٤٢١، دار المغني -السعودية، الرياض-.","vol":"1","page":80},{"text":"وَقَالَ سبحانه ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ .\nوَقَالَ سبحانه ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ (٩٧)﴾ .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>الوقفة الرابعة: جميلٌ أنْ يقرأ المسلمُ في \"السنة النبوية\" ويعيش مع أخباره - ﷺ - وسننه وأيامه ويطبقها عمليًا، ولكن قبيحٌ أن يتصدر للفتيا والاستنباط والتصنيف من غير مقدمات علمية متخصصة</span>، إذْ لا بدَّ من احترام التخصص، وإتيان البيوت من أبوابها، وكل من تكلم بغير فنه أتى بالعجائب، قال الشيخ عبد الرحمن السعدي ﵀: «فائدةٌ: قوله تعالى ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ يؤخذ من عمومها اللفظي والمعنوي أن كل مطلوب من المطالب المهمة ينبغي أن يؤتى من بابه وهو أقرب طريق ووسيلة يتوصل بها إليه، وذلك يقتضي معرفة الأسباب والوسائل معرفة تامة ليسلك الأحسن منها، والأقرب والأسهل، والأقرب نجاحا، لا فرق بين الأمور العلمية والعملية، ولا بين الأمور الدينية والدنيوية، ولا بين الأمور المتعدية والقاصرة وهذا من الحكمة» (١) .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>الوقفة الخامسة: سبب إطالة الكلام في هذا المسألة </span>أمور:\n_________\n(١) تيسير اللطيف المنان (٤٤٩) .","vol":"1","page":81},{"text":"الأول: أني رأيتُ تجارة إتباع المتشابه رائجة في هذا الزمان من لدن أصحاب الشبهات والشهوات.\nالثاني: ولأنّ كثيرًا ممن تكلم في هذه المسائل التي عمت بها البلوى في هذه الأزمنة تكلم بمقررات سابقة، أو تأثر بالمجتمع حوله، ولم يدرس هذه المسائل بنَصفة وتجرد، وجمع شامل للنصوص، مع الموازنة بينها، والاستفادة من فهوم العلماء المحققين.\nالثالث: ولبيان أنّ كثيرًا من هذه الإشكالات التي تورد على الأحاديث الصحيحة إنّما هي إشكالات تعرض نتيجةً لضعفِ التسليم لله ولرسوله - ﷺ -، أولقلة العلم، أولضعف الديانة، أو لنصرة مذهب وقول، وكلما بعد الزمان أثيرت شبهات وإشكالات متوهمة لم تكن عند السلف الصالح وهذا مصداق لقوله - ﷺ -: «لا يَأْتِي زَمَانٌ إِلا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ» (١)، ولقوله - ﷺ -: «إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (٢)، وقد كان العلماء السابقون يقرأون هذه الأحاديث الصحيحة ولا يقفون عندها لقوة التسليم لله ولرسوله - ﷺ -، ومتانة العلم والبصيرة، وقوة الديانة وصلابتها، وسلامة الفطر، قَالَ تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ نسأل الله أن يرزقنا نورا يملأ قلوبنا يقينا وتسليمًا.\n_________\n(١) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب الفتن، باب لا يأتي زمان إلا الذي بعده شر منه (٦/٢٥٩١رقم٦٦٥٧) من حَدِيث أنس بن مالك - ﵁ -.\n(٢) أخرجه: البخاري في صحيحه، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم (١/٥٠رقم١٠٠)، ومسلم في صحيحه، كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم (٤/٢٠٥٨رقم٢٦٧٣) من حَدِيث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ -.","vol":"1","page":82},{"text":"ولله در الشاطبيُّ حيث قَالَ: «ولذلك لا تجد فرقةً من الفرقِ الضالة ولا أحد من المختلفين في الأحكام لا الفروعية ولا الأصولية يعجز عن الاستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة، وقد مرّ من ذلك أمثلة، بل قد شاهدنا ورأينا من الفساق من يستدل على مسائل الفسق بأدلة ينسبها إلى الشريعة المنزهة، وفى كتب التواريخ والأخبار من ذلك أطراف ما أشنعها في الافتئات على الشريعة، وانظر في مسألة التداوي من الخمار في درة الغواص للحريري وأشباهها بل قد استدل بعض النصارى على صحة ما هم عليه الآن بالقرآن ثم تحيل فاستدل على أنهم مع ذلك كالمسلمين في التوحيد سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا» .","vol":"1","page":83},{"text":"فهرس الموضوعات\n\nالمقدمة:\nالمبحث الأوَّل: تخريج موجزٌ للحديث ... ٧\nالمبحث الثاني: الإشْكَالُ وَجَوَابُهُ، وفيه مطالب: ... ١٣\nالمطلب الأول: مقدمات عامة نافعة في مثل هذه الإشكالات التي ربما تَعرضُ في بعضِ الأحاديث..... ... ٢٣\nالمطلب الثاني: مقدمات خاصة في الإجابة عن حَدِيث أُمّ حَرَام.......\nالمطلب الثالث: أجوبة أهل العلم والإيمان عن هذين الإشكالين....... ... ٣٩\nالمطلب الرابع: وقفات حول هذه الشبهة في الحَدِيث........ ... ٥٥","vol":"1","page":84}]}